الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
ليلة الخميس المبارك بعد صلاة العشاء 15/ 3/ 1427 هـ أول الجزء الخامس عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
6 - (كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِها)
مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في بيان ضبط السَّفَر، ومعناه:
قال الفيّوميّ رحمه الله: سَفَرَ الرجلُ سَفْرًا، من باب ضَرَبَ، فهو سافر، والجمع سَفْرٌ، مثلُ راكِبٍ ورَكْبٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وهو مصدر في الأصل، والاسم السَّفَرُ -بفتحتين- وهو قطع المسافة، يقال ذلك إذا خرج للارتحال، أو لقصد موضع فوق مسافة الْعَدْوَى؛ لأن العرب لا يُسَمّون مسافة الْعَدْوَى سَفَرًا، وقال بعض المصنفين: أقلُّ السفر يوم، كأنه أخذ من قوله تعالى:{رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: 19]، فإن في التفسير: كان أصل أسفارهم يومًا يقيلون في موضع، ويبيتون في موضع، ولا يتزودون لهذا، لكن استعمال الفعل، واسم الفاعل منه مَهْجُورٌ، وجمع الاسم أَسْفَارٌ، وقومٌ سافِرَةٌ، وسُفّارٌ، وسَافَرَ مُسَافرَةً كذلك، وكانت سَفْرَتُهُ قَرِيبةً، وقياس جمعها سَفَرَاتٌ، مثلُ سَجْدَةٍ وسَجَدَاتٍ، وسَفَرَتِ الشمسُ سَفْرًا، من باب ضَرَبَ: طَلَعَتْ، وسَفَرْتُ بين القوم أَسْفِرُ أيضًا سِفَارَةً -بالكسر-: أصلحتُ، فأنا سافِرٌ، وسَفِيرٌ، وقيل للوكيل ونحوه: سَفِيرٌ، والجمع سُفَرَاء، مثلُ شَرِيف وشُرَفاء، وكأنه مأخوذ من قولهم: سَفَرتُ الشيءَ سَفْرًا، من باب ضَرَبَ: إذا كشفته، وأوضحته؛ لأنه
يُوَضِّح ما ينوب فيه، وَيكشفه، وسَفَرت المرأةُ سُفُورًا: كَشَفَت وجهها، فهي سافرٌ بغير هاء، وأسفر الصبحُ إسفارًا: أضاء، وأسفر الوجه من ذلك: إذا علاه جمالٌ، وأسفر الرجل بالصلاة: صلّاها في الإسفار، والسُّفْرَة: طعامٌ يُصْنَع للمسافر، والجمع سُفَرٌ، مثلْ غُرْفة وغُرَف، وسميت الجلدة التي يُوعَى فيها الطعامُ: سُفْرَةً مجازًا. انتهى كلام الفيّوميّ رحمه الله
(1)
، وهو بحثٌ مفيدٌ.
وقال في "المرعاة": السّفر لغةً: قطع المسافة، وليس كلُّ قطع تتغيّر به الأحكام، من جواز الإفطار، وقصر الرباعيّة، وغيرهما، فاختلف العلماء فيه شرعًا كما ستعرفه، قال ابن رُشد في "البداية": السفر له تأثيرٌ في القصر باتّفاق، فقد اتّفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر، إلا قول شاذّ أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى:{إِنْ خِفْتُمْ} الآية [النساء: 101]. انتهى
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان حِكْمَة القصر في السفر:
قال العلّامة ابن القيّم رحمه الله: لا ريب أن الفطر والقصر يَختص بالمسافر، ولا يفطر المقيم إلا لمرض، وهذا من كمال حكمة الشارع، فإن السفر في نفسه قطعةٌ من العذاب، وهو في نفسه مشقة وجَهْدٌ، ولو كان المسافر من أرفه الناس، فإنه في مشقة وجهد بحسبه، فكان من رحمة اللَّه بعباده وبرّه بهم، أن خَفَّف عنهم شطر الصلاة، واكتفى منهم بالشطر، وخَفّف عنهم أداء فرض الصوم في السفر، واكتفى منهم بأدائه في الحضر، كما شَرَع مثل ذلك في حق المريض والحائض، فلم يفوت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملةً، ولم يُلزمهم بها في السفر كإلزامهم في الحضر، وأما الإقامة فلا موجب لإسقاط بعض الواجب فيها، ولا تأخيره، وما يَعْرِض فيها من المشقة والشغل، فأمر لا يَنْضَبِط ولا ينحصر، فلو جاز لكل مشغول، وكل مشقوق عليه الترخص ضاع الواجب، واضمَحَلّ بالكلية، وإن جوّز للبعض دون البعض لم يَنضبط، فإنه لا وصف يضبط ما تجوز معه الرخصة وما لا تجوز، بخلاف السفر، على أن المشقة قد عُلِّق بها من التخفيف ما يناسبها، فإن كانت مشقة مرض وألم
(1)
"المصباح المنير" 1/ 278 - 279.
(2)
"المرعاة" 4/ 379.
يضر به جاز معها الفطر، والصلاة قاعدًا، أو على جنب، وذلك نظير قصر العدد، وإن كانت مشقةَ تَعَب، فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة، فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها -بحمد اللَّه، ومَنِّهِ-. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله
(1)
، وهو بحثٌ قيّمٌ جدًّا.
وقال الشيخ وليّ اللَّه الدهلويّ رحمه الله: لَمّا كان من تمام التشريع أن يبين لهم الرُّخَص عند الأعذار؛ ليأتي المكلفون من الطاعة بما يستطيعون، ويكون قدر ذلك مُفَوَّضًا إلى الشارع؛ ليراعي فيه التوسط، لا إليهم، فيُفْرِطُوا أو يُفَرِّطوا، اعتنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بضبط الرُّخَص والأعذار، ومن أصول الرُّخَص أن ينظر إلى أصل الطاعة، حسبما تأمر به حكمة الْبِرّ، فيُعَضّ عليها بالنواجذ على كل حال، ويُنظَر إلى حدود وضوابط شرعها الشارع؛ ليتيسر لهم الأخذ بالبرّ، فيصرف فيها إسقاطًا وإبدالًا حسبما تؤدي إليه الضرورة.
فمن الأعذار السفر، وفيه من الحرج ما لا يحتاج إلى بيان، فشَرَع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم له رُخَصًا منها القصر، فأبقى أصل أعداد الركعات، وهي إحدى عشرة ركعة، وأسقط ما زيد بشرط الطمأنينة والحضر، ولما كان هذا العدد فيه شائبة العزيمة، لم يكن من حقه أن يُقَدَّر بقدر الضرورة، ويضيّق في ترخيصه كل التضييق، فلذلك بَيَّن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن شرط الخوف في الآية لبيان الفائدة، ولا مفهوم له، فقال:"صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته"، والصدقة لا يُضَيِّق فيها أهل المروءات، ولذلك أيضًا واظب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على القصر، وإن جوّز الإتمام في الجملة، فهو سنة مؤكدة.
ولا اختلاف بين ما رُوي من جواز الإتمام، وأن الركعتين في السفر تمامٌ غيرُ قصر؛ لأنه يمكن أن يكون الواجب الأصليّ هو ركعتين، ومع ذلك يكون الإتمام مجزئًا بالأولى -كالمريض والعبد- يصليان الجمعة، فيسقط عنهم الظهر، أو كالذي وجب عليه بنت مخاض، فتصدق بالكلّ، ولذلك كان من حقه أنه إذا صحّ على المكلف إطلاق اسم المسافر، جاز له القصر إلى أن
(1)
"إعلام الموقعين" 2/ 130 - 131.
يزول عنه هذا الاسم بالكلية، لا يُنظر في ذلك إلى وجود الحرج، ولا إلى عدم القدرة على الإتمام؛ لأنه وظيفة مَنْ هذا شأنه ابتداءً، وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما:"سنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة السفر ركعتين، وهما تمامٌ غير قصرٍ".
(واعلم): أن السفر، والإقامة، والزنا، والسرقة، وسائر ما أدار الشارع عليه الحكمَ، أمورٌ يستعملها أهل العرف في مظانّها، ويعرفون معانيها، ولا يُنال حَدّه الجامع المانع إلا بضرب من الاجتهاد والتأمل، ومن المهمّ معرفة طريق الاجتهاد، فنحن نعلم نموذجًا منها في السفر، فنقول: هو معلوم بالقسمة والمثال، يَعلَم جميع أهل اللسان أن الخروج من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى خيبر سفر لا محالة، وقد ظهر من فعل الصحابة رضي الله عنهم وكلامهم أن الخروج من مكة إلى جُدّة وإلى الطائف وإلى عسفان وسائر ما يكون المقصد فيه على أربعة بُرُدٍ سفرٌ، ويعلمون أيضًا أن الخروج من الوطن على أقسام: تردّدٌ إلى المزارع والبساتين، وهَيَمَان بدون تعيين مقصد سفر، ويعلمون أن اسم أحد هذه لا يطلق على الآخر.
وسبيل الاجتهاد أن يستقرئ الأمثلة التي يُطلق عليها الاسم عرفًا وشرعًا، وأن يُسْبَر الأوصاف التي بها يفارق أحدها قَسِيمهُ، فيجعل أعمّها في موضع الجنس، وأخصها في موضع الفصل.
فعلمنا أن الانتقال من الوطن جزء نفسيّ؛ إذ من كان ثاويًا في محل إقامته، لا يقال له مسافرٌ، وأن الانتقال إلى موضع معيّن جزء نفسيّ، وإلا كان هَيَمَانًا لا سفرًا، وأن كون ذلك الموضع بحيث لا يمكن له الرجوع منه إلى محل إقامته في يومه وأوائل ليلته جزء نفسيّ، وإلا كان مثل التردد إلى البساتين والمزارع، ومن لازمه
(1)
أن يكون مسيرة يوم تام -وبه قال سالم- لكن مسير أربعة بُرُد متيقنٌ، وما دونه مشكوكٌ، وصحة هذا الاسم يكون بالخروج من سُور البلد، أو حلة القرية أو بيوتها بقصد موضع، هو على أربعة بُرُدٍ، وزوال هذا الاسم إنما يكون بنيّة الإقامة مُدّة صالحة، يُعْتَدّ بها في بلدةٍ أو قريةٍ.
ومنها
(2)
الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والأصل فيه ما
(1)
أي السفر.
(2)
أي من الرُّخَص التي شرعها النبيّ صلى الله عليه وسلم في السفر.
أشرنا أن الأوقات الأصلية ثلاثة: الفجر والظهر والمغرب، وإنما اشتُقّ العصر من الظهر، والعشاء من المغرب؛ لئلا تكون المدة الطويلة صلة
(1)
بين الذكرين، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة فشَرَعَ
(2)
لهم جمعَ التقديم والتأخير، لكنه لم يواظب عليه، ولم يَعْزِم عليه مثل ما فَعَل في القصر.
ومنها
(3)
تركُ السنن، فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم لا يسبِّحون إلا سنة الفجر والوتر.
ومنها الصلاة على الراحلة، حيث توجهت به يومئ إيماءً، وذلك في النوافل، وسنة الفجر، والوتر، لا الفرائض. انتهى كلام وليّ اللَّه الدهلويّ رحمه الله
(4)
، وهو بحثٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1) - (بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: معنى قصر الصلاة ردُّها من أربع إلى ركعتين، مأخوذ من قَصَرَ الشيءَ: إذا نقّصهُ، ويجوز أن يكون قصرُها حبسها عن إتمامها، مأخوذٌ من قَصَرَ الشيءَ: إذا حبسه.
قال القاضي عياض رحمه الله: يقال: قصرت من الشيء: إذا نقصت منه، وقال أيضًا: وكلُّ شيء حبسته، فقد قصرته، وحَكَى هذا المعنى غيره أيضًا، قال الجوهريّ: وأقصرت من الصلاة لغةٌ في قَصَرت. انتهى.
وقال الفيّوميّ: قَصَرتُ الصلاة، ومنها قَصْرًا، من باب قَتَلَ، هذه هي اللغة العالية التي جاء بها القرآن، قال تعالى:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} الآية [النساء: 101]، وقُصِرَت الصلاةُ بالبناء للمفعول، فهي مقصورة، وفي الحديث:"أَقُصِرَت الصلاةُ؟ "، وفي لغة يتعدى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أقصرتها، وقَصَّرتها. انتهى
(5)
.
(1)
هكذا النسخة، والظاهر أن صوابه:"فاصلةً"، فليُحرّر.
(2)
أي النبيّ صلى الله عليه وسلم.
(3)
أي من الرُّخص.
(4)
"حجة اللَّه البالغة" 2/ 670 - 673.
(5)
"المصباح المنير" 2/ 505.
وقال العلّامة ابن قُدامة رحمه الله: الأصل في قصر الصلاة: الكتابُ والسنةُ، والإجماع:
أما الكتاب فقول اللَّه تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101].
قال يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، وقد أَمِنَ الناس؟، فقال: عَجِبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقال:"صدقةٌ تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته"، أخرجه مسلم.
وأما السنة: فقد تواترت الأخبار أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يَقْصُر في أسفاره حاجًّا، ومعتمرًا، وغازيًا.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: صحبت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى قُبِضَ -يعني في السفر- وكان لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر حتى قُبض، وكان لا يزيد على ركعتين، وعمر وعثمان كذلك.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: صليت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، ووَدِدت أن لي من أربعٍ ركعتين متقبلتين.
وقال أنس رضي الله عنه: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقمنا بمكة عشرًا نقصر الصلاة، حتى رجع. متّفق عليهنّ.
وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تُقْصَر في مثله الصلاة، في حجّ، أو عمرة، أو جهاد، أن له أن يقصر الرباعية، فيصليها ركعتين. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله
(1)
، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[1570]
(685) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ:
(1)
"المغني" 2/ 85 - 91.
"فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [10](ت 226) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المُتَثَبِّتين الفقيه المشهور [7](ت 179)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 378.
3 -
(صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [4] مات بعد سنة (130 أو 140)(ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 141.
4 -
(عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [3](ت 94) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 407.
5 -
(عَائِشَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ماتت سنة (57) أو بعدها (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 315.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
4 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء من أوله إلى آخره.
5 -
(ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة.
6 -
(ومنها): أن عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) بجرّ "زوج" على البدليّة، أو عطف البيان (أَنَّهَا قَالَتْ:"فُرِضَتِ الصَّلَاةُ) ببناء الفعل على المفعول؛ أي: فرض اللَّه الصلاة أولًا بمكة ليلة الإسراء ركعتين، والمراد بها الصلاة التي تختلف حَضرًا وَسَفرًا، فلا يُسْتَشكَل بالمغرب والفجر، وقد وردت زيادة تُوَضِّح المراد عند الإمام أحمد في "مسنده"، ولفظه: "إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا".
(رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) بالنصب على الحاليّة، حال كونها ركعتين، وإنما كرّرت لفظ "ركعتين"؛ لتفيد عموم التثنية لكلِّ صلاة، قاله في "الفتح"
(1)
.
(فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) فِعلٌ ونائبُ فاعله؛ أي: رَجَعَت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر في السفر بحيث كأنها مقررة على الحالة الأصلية، وما ظهرت الزيادة فيها أصلًا، فلا يُشكل بأن ظاهر قوله تعالى:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} الآية [النساء: 101]، يفيد أن صلاة السفر قُصِرت بعد أن كانت تامّة، فكيف يصح القول بأنها أُقِرّت؟ وأيضًا اندفع أن يقال: مُقْتَضَى هذا الحديث أن الزيادة على الركعتين لا يصح، ولا يجوز كما في صلاة الفجر، فكيف كانت عائشة رضي الله عنها تتمها في السفر؟ فليتأمل، قاله السنديّ رحمه الله
(2)
.
(وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ) وفي رواية أخرى عند مسلم: (وأُتمّت صلاة الحضر) أي: بعد الهجرة إلى المدينة؛ لِمَا عند البخاريّ في "صحيحه"، في "كتاب الهجرة" من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَفُرِضَتْ أربعًا".
وقد أخذ بهذا الحديث الحنفية، وقالوا: إن القصر عزيمة، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله في "شرح صحيح البخاريّ": تريد عائشة رضي الله عنها أن اللَّه تعالى لما فرض على رسوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس ليلة الإسراء، ثم نزل إلى الأرض، وصلى به جبريل عليه السلام عند البيت، لم تكن صلاته حينئذ إلا ركعتين
(1)
"الفتح" 1/ 553.
(2)
"شرح السندي على سنن النسائيّ" 1/ 225.
ركعتين في الحضر والسفر، ثم أُقِرّت صلاة السفر على تلك الحال، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ركعتين، ومرادها: الصلاة الرباعية خاصة.
ويدل عليه: ما خرّجه البخاري في "الهجرة" من حديث معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأول. كذا خرّجه من رواية يزيد بن زُريع، عن معمر، وقال: تابعه عبد الرزاق، عن معمر، وخرّجه البيهقي من رواية عبد الرزاق عن معمر، ولفظه:"فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعًا، وأقرت صلاة السفر ركعتين".
وقال: هذا التقييد تفرّد به معمر عن الزهري، وسائر الثقات أطلقوه - يعني: لم يذكروا الأربع. انتهى.
وفي تقييدها الزيادة بالأربع دليل على أنه إنما زيد في الحضر الرباعية خاصة.
وقد ورد ذلك صريحًا عنها في رواية أخرى خرّجها الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق، قال: حدّثني صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان أول ما افتُرِض على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الصلاة ركعتان ركعتان، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا، ثم أتم اللَّه الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا في الحضر، فأَقَرّ الصلاة على فرضها الأول في السفر.
وخرّج الإمام أحمد أيضًا عن عبد الوهاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين، إلا المغرب فُرِضت ثلاثًا؛ لأنها وتر، قَالَتْ: وكان رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا المغرب، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب؛ فإنها وتر، والصبح؛ لأنه يطول فيها القراءة.
وفي رواية أخرى له بهذا الإسناد: كان أول ما افتُرِض على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ركعتان ركعتان، إلا المغرب؛ فإنها كانت ثلاثًا، ثم أتم اللَّه الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا في الحضر، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر.
وخرّجه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق محبوب بن الحسن، عن
داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها، ولفظه: فرض صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما أقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة زيد في صلاة الحضر، وتُركت صلاة الفجر؛ لطول القراءة، وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار.
وخرّجه البيهقي من وجه آخر عن داود كذلك.
وهذه الرواية إسنادها متصلٌ، وهي تدل على أن إتمام الظهر والعصر والعشاء أربعًا تأخر إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة.
وكذلك روى أبو داود الطيالسيّ: ثنا حبيب بن يزيد الأنماطيّ، ثنا عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، قال: قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة ركعتين -تعني: الفرائض-، فلما قدم إلى المدينة وفُرضت عليه الصلاة أربعًا وثلاثًا صلى، وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تمامًا للسفر.
وخرّج الطبراني هذا المعنى أيضًا بإسناد ضعيف عن سلمان الفارسي رضي الله عنه.
وخرّج الإسماعيلي في "مسند عمر" من رواية إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم وأرطاة بن المنذر، عن حكيم بن عمير، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد: أما بعد، فإنما كانت الصلاة أول الإسلام ركعتين، فقال الناس: إنا قد أُمرنا أن نسبح أدبار السجود ونصلي بعد كل صلاة ركعتين، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تطوّعهم صلاها أربعًا، وأمرهُ اللَّه بذلك، فكان يسلم بين كل ركعتين، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتم الصلاة، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ويُعْلن بالثانية، فافعلوا ذلك.
هذا إسناد ضَعِيف منقطع، ومتن منكر.
وقد عارض هذا كله: ما رُوي أن جبريل أَمَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عند البيت أول ما فُرضت الصلاة، وصلى به أربعًا.
فخرّج الدارقطني من طريق جرير بن حازم، عن قتادة عن أنس، أن جبريل أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمكة حين زالت الشمس، فأمره أن يؤذن للناس
بالصلاة حين فُرضت عليهم، فقام جبريل أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وقام الناس خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة، يأتم الناس برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ويأتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بجبريل عليه السلام، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيها بالقراءة، يأتم المسلمون برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ويأتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بجبريل، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات، يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة، ثم أمهله حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات، يجهر في الأوليين ولا يجهر الأُخريين بالقراءة، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة.
ثم خرّجه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه مرسلًا.
وهذا المرسل أصح، وروايات جرير بن حازم، عن قتادة خاصّة فيها منكرات كثيرة، لا يتابَعُ عليها، ذكر ذلك أئمة الحفاظ: منهم أحمد، وابن معين، وغيرهما، ومراسيل الحسن فيها ضعف عند الأكثرين، وفيه نكارة في متنه في ذكر التأذين للصلاة؛ والأذان لَمْ يكن بمكة، إنما شرع بالمدينة.
وخرّجه البيهقي من طريق شيبان، عَن قتادة، قَالَ: حدّث الْحَسَن - فذكره مرسلًا، وذكر أنه نودي لهم:"الصلاة جامعة".
وخرّجه أبو داود في "مراسيله" من رواية سعيد، عن قتادة، عن الحسن.
ورَوَى البيهقي بإسناده من حديث يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد، عن أبي مسعود، قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قم فصل؛ وذلك دلوكُ الشمس، فقام فصلى الظهر أربعًا - وذكر عدد الصلوات كلها تامة في اليومين، ثم قال: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري، إنما هو بلاغ بلغه.
وقد نقل إسحاق بن منصور، عن إسحاق ابن راهويه، قال: كل صلاة صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة كانت ركعتين ركعتين، إلا المغرب ثلاثًا، ثم هاجر إلى المدينة، ثم ضم إلى كل ركعتين ركعتين، إلا الفجر والمغرب، تركهما على حالهما، قال: وصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم بمكة عند المقام مرتين.
وممن قال: إن الصلوات الخمس فرضت ركعتين ركعتين: الشعبي، والحسن في رواية، وابن إسحاق.
وقالت طائفة: فُرضت الصلاة أول ما فُرضت أربعًا، إلا المغرب والصبح، كذلك قال نافع بن جبير بن مطعم، والحسن في رواية، وابن جريج، وهو اختيار إبراهيم الحربي، ورجحه ابن عبد البرّ، وتمسكوا بما لا حجة لهم فيه، ولا يعارض حديث عائشة رضي الله عنها. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله، وهو تحقيقٌ نفيسٌ
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 1570](685)، و (البخاريّ) في "الصلاة"(350)، وفي "تقصير الصلاة"(1090)، وفي "المناقب"(3935)، و (أبو داود) فيها (1198)، و (النسائيّ) فيها (435)، و"الكبرى"(317)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 146)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 234 و 272)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 355)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2736 و 2737 و 2738)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 415)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1324 و 1325 و 1326 و 1327 و 1328 و 1329 و 1330 و 1331)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1540 و 1541 و 1542)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 143)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان كيفيّة فرض الصلاة، وأنها كانت ركعتين، ثم تغيّرت في الحضر، فزيد فيها.
(1)
"فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 2/ 327 - 333.
2 -
(ومنها): أن السفر يخالف حكمه حكم الحضر، حيث شُرع فيه قصر الصلاة، وجمعها، قال العلامة ابن رُشد رحمه الله: السفر له تأثير في القصر باتفاقٍ، وفي الجمع باختلاف، أما القصر فإنه اتفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر، إلا قول شاذّ، وهو قول عائشة
(1)
، وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى:{إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، وقالوا: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما قصر؛ لأنه كان خائفًا، واختلفوا من ذلك في خمسة مواضع: أحدها في حكم القصر، والثاني في المسافة التي يجب فيها القصر، والثالث في السفر الذي يجب فيه القصر، والرابع في الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالتقصير، والخامس في مقدار الزمان الذي يجوز للمسافر فيه إذا أقام في موضع أن يقصر الصلاة. انتهى كلامه رحمه الله
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سنأتي بهذه المسائل مفصّلة بما لها، وما عليها -إن شاء اللَّه تعالى-.
3 -
(ومنها): بيان أن فرض المسافر ركعتان، وإن صلى أربعًا، فقد اختُلِف فيه، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
4 -
(ومنها): أن صلاة المقيم أربع ركعات، وهذا مجمع عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم القصر في السفر:
قال ابن رشد رحمه الله: اختلفوا فيه على أربعة أقوال: فمنهم من رأى أن القصر هو فرض المسافر المتعين عليه، ومنهم من رأى أن القصر والإتمام كلاهما فرضٌ، مُخَيَّر له كالخيار في واجب الكفارة، ومنهم من رأى أن القصر سنة، ومنهم من رأى أنه رُخْصة، وأن الإتمام أفضل.
وبالقول الأول قال أبو حنيفة وأصحابه، والكوفيون بأسرهم، أعني أنه فرض متعين، وبالثاني قال بعض أصحاب الشافعيّ، وبالثالث أعني أنه سنة،
(1)
هكذا عزاه إليها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
(2)
"بداية المجتهد، ونهاية المقتصد" 1/ 166.
قال مالك في أشهر الروايات عنه، وبالرابع أعني أنه رخصة، قال الشافعي في أشهر الروايات عنه، وهو المنصور عند أصحابه.
والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول لصيغة اللفظ المنقول، ومعارضة دليل الفعل أيضًا للمعنى المعقول، ولصيغة اللفظ المنقول، وذلك أن المفهوم من قصر الصلاة للمسافر، إنما هو الرخصة لموضع المشقة، كما رُخِّص له في الفطر، وفي أشياء كثيرة، ويؤيد هذا حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه، قال: قلت لعمر: "إنما قال اللَّه: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، يريد في قصر الصلاة في السفر، فقال عمر رضي الله عنه: عَجِبت مما عجبت منه، فسألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عما سألتني عنه؟ فقال: صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته"، رواه مسلم، فمفهوم هذا الرخصة، وحديث أبي قلابة، عن أنس بن مالك الكعبيّ رضي الله عنه، أنه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة"، رواه النسائيّ، وهو حديث صحيح.
وهذا كلّه يدلّ على التخفيف والرخصة ورفع الحرج، لا أن القصر هو الواجب، ولا أنه سنة.
وأما الأثر الذي يعارض بصيغته المعنى المعقول، ومفهوم هذه الآثار، فحديث عائشة رضي الله عنها الثابت باتفاق، قالت:"فُرِضت الصلاةُ ركعتين ركعتين، فأُقِرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر".
وأما دليل الفعل الذي يعارض المعنى المعقول، ومفهوم الأثر المنقول، فإنه ما نُقِل عنه صلى الله عليه وسلم من قصر الصلاة في كل أسفاره، وأنه لم يصحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتمّ الصلاة قطّ.
فمن ذهب إلى أنه سنة، أو واجب مخيَّرٌ، فإنما حمله على ذلك أنه لم يصحّ عنده أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتم الصلاة، وما هذا شأنه فقد يجب أن يكون أحد الوجهين، أعني إما واجبًا مخيرًا، وإما أن يكون سنة، وإما أن يكون فرضًا معينًا، لكن كونه فرضًا معينًا يعارضه المعنى المعقول، وكونه رخصةً يعارضه اللفظ المنقول، فوجب أن يكون واجبًا مخيرًا، أو سنةً، وكان هذا نوعًا من طريق الجمع.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الأولى كونه واجبًا معيّنًا؛ لوضوح الأدلّة فيه، كما سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-.
قال: وقد اعتلُّوا لحديث عائشة رضي الله عنها بالمشهور عنها، من أنها كانت تتمّ، وروى عطاء عنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتم الصلاة في السفر ويقصر، ويصوم ويفطر، ويؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث "كان يُتمّ في السفر، ويقصر" ليس بصحيح، كما سيأتي، وإنما الصحيح، فطره، وصومه، وجمعه بين الصلاتين، فتفطّن.
قال: ومما يعارضه أيضًا حديث أنس، وأبي نَجِيح المكيّ، قال: اصطحبت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكان بعضهم يتمّ، وبعضهم يقصر، وبعضهم يصوم، وبعضهم يفطر، فلا يَعِيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء
(1)
.
ولم يُختَلَف في إتمام الصلاة عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما، فهذا هو اختلافهم في الموضع الأول. انتهى كلام ابن رُشد رحمه الله
(2)
.
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: اختلفوا في إتمام الصلاة في السفر، فرَوَينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، ورَوَينا عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما أنه قال: الركعتان في السفر ليستا بقصر، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وسئل ابن عمر عن صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين، من خالف السنة، فقد كفر
(3)
.
(1)
أخرجه البيهقيّ في "الكبرى" 3/ 145، من حديث أنس رضي الله عنه، وفي إسناده عمران ابن زيد التغلبيّ ليّن الحديث، وزيد العمّيّ متروك الحديث، فتفطّن.
(2)
"بداية المجتهد" 1/ 166 - 167.
(3)
أراد به -واللَّه أعلم- من خالف حكم اللَّه تعالى في هذا متعمّدًا وعنادًا، لا متأوّلًا.
ورَوينا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: من صلى بالسفر أربعًا كان كمن صلى في الحضر ركعتين
(1)
.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إن الصلاة أول ما فُرضت ركعتين، ثم أتمّ اللَّه الصلاة في الحضر، وأُقرّت الركعتان على هيئتها في السفر.
وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتمان، لا يصلح غيرهما، وكان حماد بن أبي سليمان يرى أن يُعيد من صلى في السفر أربعًا، وقال قتادة: يصلي المسافر ركعتين حتى يَرْجِع، إلا أن يدخل مِصْرًا من الأمصار، فيتمّ، وقال الحسن: لا أبا لك أتُرى أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تركوها؛ لأنها ثقلت عليهم؟.
وسئل مالك عن مسافر أَمَّ مقيمًا، فأتمّ لهم الصلاة جاهلًا، ويتم المسافر والمقيم؟ قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعًا، رواه ابن وهب عنه، وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: يعيد ما كان في الوقت، فأما ما مضى وقته، فلا إعادة عليه.
واختُلِف فيها عن أحمد، فقال مرّةً في المسافر يصلي أربعًا: لا يُعجبني، السنةُ ركعتان، وقال مرة: أنا أحبّ العافية من هذه المسألة، وقال مرة: إذا أتمّ المسافر فلا شيء عليه.
وقال أصحاب الرأي في مسافر صلى في السفر أربعًا أربعًا حتى يرجع، فقالوا: إن كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد، فصلاته تامّة، وإن كان لم يقعد في الركعتين الأوليين قدر التشهد، فصلاته فاسدة، وعليه أن يعيد؛ لأن صلاة المسافر ركعتان، فما زاد عليهما فهو تطوع، فإذا خلط المكتوبة بالتطوع فسدت صلاته، إلا أن يقعد في الركعتين قدر التشهد، فيكون التشهد فصلًا لما بينهما.
وقالت طائفة: المسافر بالخيار إن شاء أتمّ، وإن شاء قصر، هذا قول الشافعي، وأبي ثور، ورويناه عن أبي قلابة أنه قال: إن صليت في السفر
(1)
هذا أيضًا مؤوّل بمن صلّى مخالفًا لحكم اللَّه تعالى، ومُعْرضًا عن قبول رخصته، فإنه يكون معاندًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
أربعًا، فقد صلى من لا بأس به، وإن صليت ركعتين، فقد صلى من لا بأس به. وقد روينا عن عائشة أنها كانت تتم في السفر. انتهى كلام ابن المنذر باختصار
(1)
.
وقال العلامة الشوكانيّ رحمه الله بعد ذكر نحو ما تقدّم من الاختلاف ما حاصله: واحتجّ القائلون بوجوب القصر بحجج:
الأولى: ملازمة النبيّ صلى الله عليه وسلم للقصر في جميع أسفاره، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور في الباب، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتمّ الرباعية في السفر البتة، كما قال ابن القيِّم.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها: "كان يقصر في السفر، ويُتمّ"، فلا يصحّ مرفوعًا
(2)
.
ويُجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدلّ على الوجوب، كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم.
والحجة الثانية: حديث عائشة رضي الله عنها المتفق عليه بألفاظ:
(منها): "فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر"، وهو دليل ناهض على الوجوب؛ لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنه لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة:
(منها): أن الحديث من قول عائشة رضي الله عنها غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وأنه لو كان ثابتًا لنُقل تواترًا، قال: وهذا فيه نظرٌ لا يخفى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تُعُقّب هذا بأنه مما لا مَجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وعلى تقدير تسليم أنها لم تُدرك القصة يكون مرسلَ صحابي،
(1)
"الأوسط" 4/ 332 - 335.
(2)
راجع: "إرواء الغليل" للشيخ الألبانيّ رحمه الله 3/ 6 - 9 فقد أشبع الكلام على هذا الحديث.
وهو حجة؛ لأنه يَحْتَمل أن تكون أخذته عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابي آخر أدرك ذلك.
ونقل التواتر في مثل هذا غير لازم، فليس من شرط صحّة الحديث أن يُنْقَلَ نقل تواتر، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن المراد بقولها: "فرضت" أي: قدّرت، قال: وهو خلاف الظاهر.
(ومنها): ما قاله النوويّ: إن المراد بـ "فرضت" أي: لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار عليهما، وهو تأويل متعسّف لا يُعوّل على مثله.
(ومنها): المعارضة لحديث عائشة رضي الله عنها بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر، وستأتي، ويأتي الجواب عنها.
والحجة الثالثة: ما في "صحيح مسلم" عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال:"إن اللَّه عز وجل فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا، والخوف ركعة"، فهذا الصحابي الجليل قد حَكَى عن اللَّه عز وجل أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى للَّه، وأخشى من أن يحكي أن اللَّه فرض ذلك بلا برهان.
والحجة الرابعة: حديث عمر رضي الله عنه عند النسائيّ وغيره: "صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم"، وهو حديث صحيح.
وهو يدلّ على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعًا، ثم قُصِرت، وقوله:"على لسان محمد صلى الله عليه وسلم" تصريح بثبوت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم.
والحجة الخامسة: حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند النسائيّ: "إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أتانا، ونحن ضُلّال، فعلّمنا، فكان فيما علّمنا أن اللَّه عز وجل أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر"، وهو حديث صحيح.
واحتجّ القائلون بأن القصر رخصة، والتمام أفضل بحُجَج:
الأولى: منها قول اللَّه تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} الآية [النساء: 101]، ونفي الجناح لا يدلّ على العزيمة، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه.
وأجيب: بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما عُلم من تقدّم شرعية قصر العدد.
قال في "الهدي" -وما أحسن ما قال-: وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيّد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجد الأمران أبيح القصران، فيصلّون صلاة خوف مقصورًا عددها، وأركانها، وإن انتفى الأمران، وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وُجد الخوف، والإقامة، قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وُجد السفر، والأمن قُصر العدد، واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن، وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامّةً باعتبار تمام أركانها، وإنها لم تدخل في قصر الآية. انتهى.
الحجة الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب: "صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم"، فإن الظاهر من قوله:"صدقة" أن القصر رخصة فقط.
وأجيب: بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا مَحيص عنها، وهو المطلوب.
الحجة الثالثة: ما في "صحيح مسلم" وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض.
وتُعُقّب بأنه لا يوجد في "صحيح مسلم" قوله: "فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ"، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار.
وعلى تقدير ثبوت ذلك، فليس فيه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم اطّلَع على ذلك، وقرّرهم
عليه، وقد نادت أقواله، وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرّر أن إجماع الصحابة في عصره صلى الله عليه وسلم ليس بحجة، والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لمّا أتمّ بمنى، وتأولوا له تأويلات.
قال ابن القيّم رحمه الله: أحسنها
(1)
أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة أتمّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما قدمت منى تأهلت بها، وإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا تأهل رجل ببلد، فليصلّ به صلاة مقيم"، ورواه أيضًا عبد اللَّه بن الزبير الحميديّ في "مسنده"، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، وسيأتي الكلام عليه.
الحجة الرابعة: حديث عائشة رضي الله عنها: "كان يقصر في السفر، ويتمّ".
وتُعُقّب بأنه حديث لا يصحّ
(2)
.
هذا هو حاصل النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما تقدّم رجحان القول بوجوب القصر.
وأما دعوى أن الإتمام أفضل، فمما لا وجه له، ويردّه ملازمة النبيّ صلى الله عليه وسلم للقصر في جميع أسفاره، وعدم صدور الإتمام عنه، ويبعد أن يلازم صلى الله عليه وسلم طول عمره المفضول، ويَدَعَ الفاضل
(3)
.
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله بعدما ذكر اختلاف العلماء في المسألة ما نصّه: ومن حجة من رأى أن صلاة المسافر ركعتان حديث عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، ثم أخرج بسنده من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال عمر: "صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان،
(1)
سيأتي تضعيف هذا التأويل -إن شاء اللَّه تعالى-.
(2)
هذا الحديث، وإن قال الدارقطنيّ: إسناده صحيح، إلا أن الإمام أحمد رحمه الله استنكره، وقال ابن تيميّة: هو كذبٌ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، انظر:"نيل الأوطار" 4/ 119، وقد أشبع الكلام على هذا الحديث الشيخ الألبانيّ رحمه الله في "إروائه" 3/ 6 - 9 فراجعه تستفد.
(3)
راجع "نيل الأوطار" 3/ 239 - 241 وهو منقول بتصرّف، فتنبّه.
وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيّكم، وقد خاب من افترى"، حديث صحيح.
قالوا: فهذا الخبر يُصرّح بأن الركعتين في السفر تمامٌ غير قصر، وهو خبر ثابتٌ، وغير جائز أن يُقابل هذا الخبر خبر مغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو، ولو كان الحديث الذي أتى به المغيرة بن زياد في حديث من هو أجلّ منه أسقط حديثه من أجله، وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد سافر أسفارًا كثيرة، ومعه أصحابه، أو من كان معه منهم، وقد حَفِظُوا عنه صلاته ومواقيتها، وجمعه بين الصلاتين حيث جمع بينهما، وتطوّعه الذي تطوّع به في أسفاره في ليله ونهاره، وصلاته على راحلته، والوتر عليها، ونزوله عنها للمكتوبة، وغير ذلك من أحكام صلاته، وحفِظوا عنه صومه وإفطاره في سفره، ولو كان المسافر مخيّرًا بين الإتمام والقصر لبيّن ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه؛ لأنه المبيّن عن اللَّه تعالى ما أنزل عليه من الكتاب.
قالوا: ففيما ذكرناه دليلٌ وبيان على أن أصل فرض صلاته ركعتان، وأنه غير مخيّر في القصر والإتمام.
ومن الدليل على صحّة هذا القول خبر ابن عبّاس رضي الله عنهما: "فَرَضَ اللَّه عز وجل الصلاة على لسان نبيّكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين"، مع قول جابر رضي الله عنه: إن الركعتين في السفر ليستا بقصر، وقول ابن عمر رضي الله عنهما: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما لرجل قال له:"ما تطيب نفسي أن أصلّي بمكة ركعتين"، قال: فتطيب نفسك أن تصلي الصبح أربعًا؟ فإنه كذلك.
وأجمع أهل العلم على أن من صلّى في السفر الذي للمسافر أن يقصر في مثله الصلاة ركعتين أنه مؤدٍّ ما فُرِض عليه، وقد اختُلف فيمن صلّى أربعًا، هل أدّى فرضًا أم لا؟ فالفرض ساقط عمن صلى ركعتين؛ لإجماعهم، ولا يسقط الفرض عمن صلى أربعًا؛ لاختلافهم. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال العلماء، وبيان
(1)
"الأوسط" 4/ 335 - 336.
أدلّتهم أن أرجح الأقوال قول من قال بوجوب القصر؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو للوجوب، مع ما ثبت عنه من ملازمته القصر في جميع أسفاره؛ إذ لم يصحّ عنه أنه أتمّ صلاته في السفر قطّ، وأما ما ثبت من إتمام عثمان، وعائشة، وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم فمن باب الاجتهاد، وقد خالفهم غيرهم من الصحابة، وإذا وقع الاختلاف بينهم، فليس قول أحد منهم حجة، بل يجب الرجوع إلى النصوص؛ لقوله عز وجل:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} الآية [النساء: 59]، فإذا رجعنا إليها، فقد توافقت النصوص القوليّة والفعليّة على القصر لا على الإتمام، فوجب القول به، وقد كنت رجّحت في "شرح النسائيّ" القول بالجواز، ثم مِلت إلى هذا؛ لما ذكرته، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: ثم إن قولنا بوجوب القصر لا يستلزم بطلان صلاة من أتمّ، وإن كان تركَ الواجب، بدليل اتفاق الصحابة الذين حجّوا مع عثمان رضي الله عنهم على صحة صلاة عثمان رضي الله عنه، ومن صلى معه، حتى إن الذين أنكروا عليه الإتمام لمخالفته السنة صلَّوا معه، واعتدُّوا بتلك الصلاة، كابن مسعود، وابن عمر رضي الله عنهم، فلو كانت صلاة عثمان ومن معه باطلة لم يُصلُّوا معه، فتنبّه لهذا الدقيق، فإنه مهمٌّ.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قرّر نحو هذا الذي قلته، فقال رحمه الله ما حاصله: وأما صلاة عثمان رضي الله عنه فقد عُرِف إنكار أئمة الصحابة رضي الله عنهم عليه، ومع هذا فكانوا يصلون خلفه، بل كان ابن مسعود يصلي أربعًا، وإن انفرد، ويقول: الخلاف شَرّ، وكان ابن عمر إذا انفرد صلى ركعتين، وهذا دليلٌ على أن صلاة السفر أربعًا مكروهة عندهم، ومخالِفَةٌ للسنة، ومع ذلك فلا إعادة على من فعلها، وإذا فعلها الإمام اتُّبعَ فيها، وهذا لأن صلاة المسافر ليست كصلاة الفجر، بل هي من جنس الجمعة والعيدين، ولهذا قرن عمر بن الخطاب في السنة التي نقلها بين الأربع، فقال:"صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر، على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقد خاب من افترى"، رواه أحمد، والنسائي. انتهى كلامه رحمه الله
(1)
.
(1)
راجع: "مجموع الفتاوى" 24/ 100.
والحاصل أن قصر الصلاة للمسافر واجبٌ، وإن أتمّ جاز مع الكراهة؛ لمخالفة السنة، وإنما جاز؛ لفعل عثمان رضي الله عنه، وصلاة الصحابة رضي الله عنهم خلفه، مع إنكارهم لإتمامه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المسافة التي يجوز فيها القصر:
قال ابن رُشد رحمه الله: اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة بُرُد، وذلك مسيرة يوم بالسير الوسط.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه والكوفيون: أقل ما تُقْصَر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أُفُق إلى أُفُق، وقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريبًا كان أو بعيدًا.
والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظَ، وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه، مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الأمر على ذلك، فيجب القصر حيث المشقة، وأما من لا يراعي في ذلك إلا اللفظ فقط، فقال: قد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة"، فكل مَن انطلق عليه اسم مسافر جاز له القصر والفطر، وأيدوا ذلك بما رواه مسلم
(1)
، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقصر في نحو السبعة عشر ميلًا.
وذهب قوم إلى خامس كما قلنا وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، وقد قيل: إنه مذهب عائشة رضي الله عنها، وقالوا: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما قصر؛ لأنه كان خائفًا.
وأما اختلاف أولئك الذين اعتبروا المشقة، فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة بُرُد مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، ورواه
(1)
هذا وهمٌ فليس هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه في "صحيح مسلم"، راجع: تخريج الغماري للبداية 3/ 322.
مالك، ومذهب الثلاثة أيام مَرويّ أيضًا عن ابن مسعود، وعثمان، وغيرهما. انتهى كلام ابن رشد رحمه الله
(1)
.
وقال الإمام ابن المنذر رحمه الله: أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفرًا تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة أن يقصر الصلاة.
واختلفوا فيمن سافر أقلّ من هذه المسافة، فقالت طائفة: من سافر أربعة بُرُد، فله أن يقصر الصلاة، كذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بالأخبار التي رويت عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم.
من ذلك أن ابن عمر رضي الله عنهما ركب إلى رِيم
(2)
فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة بُرُد، وأن ابن عباس رضي الله عنهما سئل أيقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى عُسفان، وإلى جُدّة، وإلى الطائف، ورُوي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما كانا يصليان ركعتين، ويُفطران في أربع بُرُد، فما فوق ذلك.
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحَكَى أبو ثور ذلك عن مالك، والشافعي، وبه قال الليث بن سعد في بعض الصلاة، وكذا قال عبد الملك الماجشون.
وقالت طائفة: يقصر الصلاة في مسير يومين، ولم يذكر مقدار ذلك بالبرد والأميال، هذا قول الحسن البصريّ، والزهريّ، وقد كان الشافعي يقول إذ هو بالعراق: يقصر في مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك إذا جاوز السير أربعين ميلًا بالهاشميّ، ثم قال بمصر: للمرء عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك ستة وأربعون ميلًا بالهاشمي، ولا يقصر فيما دونهما، وأُحِبّ أنا أن لا أقصر في أقل من ثلاث؛ احتياطًا على نفسي، وإن ترك القصر مباح لي.
وقالت طائفة: يقصر في مسيرة اليوم التامّ، ثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما كان
(1)
"بداية المجتهد" 1/ 167 - 168.
(2)
أصله رِئْمٌ، بكسر الراء، وسكون الهمزة، واحد الآرام، وهي الظباء الخالصة البياض، ثم سُمّي به وادٍ لمزينة قُربَ المدينة، قاله في "معجم البلدان" 3/ 114.
يقصر في اليوم التامّ، وخرج إلى أرض اشتراها من ابن بجينة
(1)
، فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلًا، وقال الزهريّ: يقصر في مسيرة يوم تامّ، ثلاثون ميلًا، وثابت عن ابن عباس أنه قال: يقصر في اليوم، ولا يقصر فيما دون اليوم.
وقالت طائفة: من سافر ثلاثًا قصر، رَوَينا هذا القول عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير، والنخعي، وسُويد بن غَفَلَة، وبه قال الثوريّ، والنعمان، ومحمد بن الحسن، قال النعمان: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام.
وفيه قول خامس: رَوَينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خرج إلى النُّمَيلة
(2)
، فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم.
ورَوَينا عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار، فأَقصُر، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: اقصُرْ بعرفة.
قال ابن المنذر رحمه الله: أما قول جابر هذا، فأحسبه مثل قول مَن قال لأهل مكة: اقصروا الصلاة بمنى وعرفة.
وعن الأوزاعي، قال: كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا.
قال الأوزاعي: وعامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تامّ، وبهذا نأخذ. انتهى كلام ابن المنذر باختصار
(3)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لَمّا لم يوجد نصٌّ قاطع في تحديد مسافة القصر، حتى يُرجَع إليها، وكانت أقوال الصحابة رضي الله عنهم، فمن بعدهم مضطربة في هذا الباب، حتى تكون المسألة إجماعية، لزم الرجوع إلى مَعْنَى السفر
(1)
هكذا نسخة "الأوسط" بالجيم، وليُنظر.
(2)
"النُّمَيلة": قرية لبني قيس بن ثعلبة، رهط الأعشى باليمامة، قاله في "معجم البلدان" 5/ 306.
(3)
"الأوسط" 4/ 346 - 351.
شرعًا، فوجدنا النبيّ سَمّى ثلاثة أيام سفرًا، وسمى اليومين سفرًا، وسمى اليوم سفرًا، وسمى البريد أيضًا سفرًا، فأقلّ ما ثبت عنه من تسمية بعض المسافات سفرًا هو البريد، فثبت كون البريد سفرًا بالنصّ، لكن لمّا صح حديث أنس رضي الله عنه في "صحيح مسلم" وغيره، من طريق شعبة، عن يحيى بن يزيد الْهُنَائي، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين -شعبة الشاكّ- ورواه أيضًا أحمد، وأبو داود.
عَلِمنا من هذا النصّ أن ثلاثة فراسخ هي أقلّ ما صحّ من تحديد المسافة مرفوعًا، وإنما لم نعتبر الثلاثة أميال، مع كونها أقل منها؛ لوقوع الشك فيها، فاعتبرنا الفراسخ احتياطًا، فتبيّن من هذا أن أقل المسافات التي صحّ التحديد به هي ثلاثة فراسخ.
قال في "الفتح": وهو أصحّ حديث ورد في بيان ذلك، وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يُبتدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل، مع أن البيهقيّ ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلي ركعتين حتى أرجع؟ فقال أنس. . . فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه. انتهى
(1)
.
فتبيّن بما قاله في "الفتح" أن هذا الحديث ذكره أنس رضي الله عنه تحديدًا للمسافة التي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا خرج إليها قصر الصلاة.
والحاصل أن الفراسخ الثلاثة هي أقل المسافة التي يثبت بها حكم السفر من القصر وغيره، هذا ما عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهان]: (الأول): ذكر الفرّاء أن الفرسخ فارسي معرّب، وهو ثلاثة
(1)
"الفتح" 3/ 276.
أميال، والميل من الأرض منتهى مَدّ البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يَفْنَى إدراكه، وبذلك جزم الجوهريّ، وقيل: حده أن ينظر إلى شخص في أرض مسطحة، فلا يدري أهو رجل، أو امرأة، أو ذاهب، أو آت.
وقال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع ست شَعيرات معترضة معتدلة. انتهى.
وهذا الذي قاله هو الأشهر، ومنهم من عبّر عن ذلك باثني عشر ألف قَدَم بقدم الإنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب "البيان"، وقيل: خمسمائة، صححه ابن عبد البرّ، وقيل: ألفا ذراع، ومنهم من عبّر عن ذلك بألف خطوة للجَمَل.
قال الحافظ رحمه الله: ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحديده قد حرّره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثُّمُن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعًا، وهذه فائدة نفيسة قلّ من نبّه عليها. انتهى
(1)
.
وقد نظم بعضهم معنى الميل، والفرسخ، والبريد، بقوله [من الكامل]:
إِنَّ الْبَرِيدَ مِنَ الْفَرَاسِخِ أَرْبَعٌ
…
وَلفَرْسَخٍ فَثَلَاثَ أَمْيَالٍ ضَعُوا
وَالْمِيلُ أَلْفٌ أَيْ مِنَ الْبَاعَاتِ قُلْ
…
وَالْبَاعُ أَرْبَعُ أَذْرُعٍ فَتَتَبَّعُوا
ثُمَّ الذِّرَاعُ مِنَ الأَصَابِعِ أَرْبَعٌ
…
مِنْ بَعْدِهَا الْعِشْرُونَ ثُمَّ الإِصْبَعُ
سِتٌّ شَعِيرَاتٌ فَظَهْرُ شَعِيرَةٍ
…
مِنْهَا إِلَى بَطْنِ لأُخْرَى تُوضَعُ
ثُمَّ الشَّعِيرَةُ سِتُّ شَعْرَاتٍ فَقَطْ
…
مِنْ ذَيْلِ بَغْلٍ لَيْسَ عَنْ ذَا مَرْجَعُ
(2)
واختُلِف في معنى الفَرْسخ، فقيل: هو السكون، ذكره ابن سِيدَهْ، وقيل: السَّعَةُ، وقيل: المكانُ الذي لا فُرْجة فيه، وقيل: الشيء الطويل، ذكره في "الفتح"
(3)
.
(1)
"الفتح" 3/ 276.
(2)
"حاشية الطحطاويّ على مراقي الفلاح"(ص 114).
(3)
"الفتح" 3/ 176 - 177.
(التنبيه الثاني): مقدار الميل بالتحديد المعاصر (كيلو متر ونصف كيلو متر) فيكون الفرسخ ثمانية عشر كيلو مترًا، وعليه فتكون مسافة القصر أربعًا وخمسين كيلو مترًا تقريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف العلماء في السفر الذي يبيح القصر:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفرًا يُقصَر في مثله الصلاة، وكان سفره في حج، أو عمرة، أو غزو أن له أن يقصر الصلاة ما دام مسافرًا.
واختلفوا فيمن خرج لمباح التجارة، أو مطالعة مال له، أو أبيح له الخروج إليه، فقال أكثر مَن نَحْفَظ عنه من علماء الأمصار: له إذا خرج إلى ما أبيح له أن يقصر الصلاة، هذا قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو مذهب أهل المدينة، وأهل الكوفة، وعوامّ أهل العلم من علماء الأمصار.
وفيه قول ثان، قال عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه: لا يقصر إلا في حج، أو جهاد، وروينا عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: إنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا
(1)
، أو يحضره العدو.
ثم أخرج ابن المنذر بسنده عن أبي المهلَّب، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب: إنه بلغني أن رجالًا يخرجون إما لجباية، وإما لتجارة، وإما لحشر
(2)
، ثم لا يُتمون الصلاة، فلا تفعلوا ذلك، فإنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا، أو يحضره عدوّ.
وقال عطاء: أرى أن لا تقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، من أجل أن إمام المتقين لم يقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، حج، أو عمرة، أو غزو، والأئمة بعده أيهم كان يضرب في الأرض يبتغي الدنيا؟ وقد كان قبلُ لا يقول بهذا القول، يقول: يقصر في كل ذلك.
(1)
كتب في هامش البيهقيّ: يعني رسولًا في حاجة.
(2)
الحشر هم القوم الذين يخرجون بدوابّهم إلى المرعى، قاله البيهقيّ. "السنن الكبرى" 3/ 137.
واختلفوا فيمن سافر في معصية اللَّه، ففي قول للشافعي، وأحمد: عليه أن يُتمّ، وليس له أن يقصر ما دام في سفره، قال الشافعي: وذلك في مثل أن يخرج باغيًا على مسلم، أو معاهد، أو يقطع طريقًا، أو بما في هذا المعنى، قال: ولا يمسح على الخفين، ولا يجمع الصلاة، ولا يصلي نافلة إلى غير القبلة، مسافرًا في معصية.
وكان الأوزاعي يقول في الرجل يخرج في بعثة إلى بعض المسلمين: يقصر الصلاة، ويفطر في شهر رمضان في مسيره، وافق ذلك طاعة، أو معصية.
وحكي عن النعمان أنه قال: المسافر يقصر في حلال خرج، أو في حرام. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله
(1)
.
وقال العلامة صديق حسن القنّوجيّ رحمه الله: والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار عدم الفرق بين من سفره في طاعة، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر؛ لأن صلاة المسافر شرعها اللَّه كذلك، فكما شرع للمقيم صلاة التمام من غير فرق بين من كان مطيعًا، ومن كان عاصيًا بلا خلاف، كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق، وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولًا زائدًا على تناول أدلة الإفطار له؛ لأن القصر عزيمة، وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعًا بخلاف الإفطار، فإنه رخصة للمسافر، والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت هنا عامّةً، وإنما المراد بطلان القياس. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح عندي قول من قال بمشروعية القصر لكل مسافر، مطيعًا كان، أو عاصيًا؛ لعموم الأدلة، كما استظهره القنوجيّ رحمه الله.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد أجاد في تحقيق هذه المسألة، وأفاد، ودونك نصّه:
قال رحمه الله بعد ذكر الاختلافات: والحجة مع من جعل القصر والفطر
(1)
"الأوسط" 4/ 343 - 346.
(2)
"الروضة النديّة" 1/ 150.
مشروعًا في جنس السفر، ولم يخص سفرًا من سفر، وهذا القول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، قال تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} [البقرة: 184]، كما قال في آية التيمم:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} الآية [النساء: 43]، وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ركعتين، ولم يَنْقُل قط أحد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه خَصّ سفرًا من سفر، مع علمه بأن السفر يكون حرامًا ومباحًا، ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر، لكان بيان هذا من الواجبات، ولو بَيَّن ذلك لنقلته الأمة، وما علمتُ عن الصحابة في ذلك شيئًا.
وقد عَلّق اللَّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أحكامًا بالسفر، كقوله تعالى في التيمم:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ، وقوله في الصوم:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ، وقوله:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"يَمْسَح المسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ"، وقوله:"لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن تسافر إلا مع زوج، أو ذي محرم"، وقوله:"إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة"، ولم يُذْكَر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع دون نوع، فكيف يجوز أن يكون الحكم معلقًا بأحد نوعي السفر، ولا يبيّن اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم ذلك؟ بل يكون بيان اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم متناولًا للنوعين.
وهكذا في تقسيم السفر إلى طويل وقصير، وتقسيم الطلاق بعد الدخول إلى بائن ورجعيّ، وتقسيم الأيمان إلى يمين مكفَّرة، وغير مكفَّرة، وأمثال ذلك مما علَّق اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم الحكم فيه بالجنس المشترك العامّ، فجعله بعض الناس نوعين: نوعًا يتعلق به ذلك الحكم، ونوعًا لا يتعلق من غير دلالةٍ على ذلك من كتاب، ولا سنة، لا نصًّا، ولا استنباطًا.
والذين قالوا: لا يثبت ذلك في السفر المحرَّم عمدتهم قوله تعالى في الميتة: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن الباغي هو الباغي على الإمام الذي يجوز قتاله، والعادي هو العادي على المسلمين، وهم المحاربون قُطّاع الطريق.
قالوا: فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم، فسائر الرُّخَص أولى، وقالوا:
إذا اضطَرّ العاصي بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل، ولا نبيح له إتلاف نفسه، وهذا القول معروف عن أصحاب الشافعيّ وأحمد، وأما أحمد ومالك فجوَّزا له أكل الميتة دون القصر والفطر.
قالوا: ولأن السفر المحرَّم معصية، والرخص للمسافر إعانة على ذلك، فلا تجوز الإعانة على المعصية.
وهذه حُجَجٌ ضعيفةٌ، أما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرَّم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن اللَّه أنزل هذا في السور المكية: الأنعام، والنحل، وفي المدنية؛ ليبيّن ما يَحِلّ وما يَحرُم من الأكل، والضرورةُ لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر، فليس السفر المحرَّم مختصًّا بقطع الطريق، والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم إمام يُخْرَج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرًا، والبغاة الذين أمر اللَّه بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أوّلًا مسافرين، بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنعال والجريد، فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختصّ بالسفر، وليس فيها كلُّ سفر محرَّم، فالمذكور في الآية لو كان كما قيل، لم يكن مطابقًا للسفر المحرَّم فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرَّم بدونه.
وأيضًا فقوله: {غَيْرَ بَاغٍ} حال من {اضْطُرَّ} ، فيجب أن يكون حال اضطراره، وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال:{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} ، ومعلوم أن الإثم إنما يُنْفَى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه، فمعنى الآية: فمن اضطُرّ، فأكل غير باغ ولا عاد، وهذا يبين أن المقصود أنه لا يبغي في أكله، ولا يَتَعَدَّى.
واللَّه تعالى يَقْرُن بين البغي والعدوان، فالبغي ما جنسه ظلم، والعدوان مجاوزة القدر المباح، كما قَرَن بين الإثم والعدوان، في قوله:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، فالإثم جنس الشرّ، والعدوان مجاوزة القدر المباح، فالبغي من جنس الإثم، قال تعالى:{وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 19]، وقال تعالى:
{فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 182]، فالإثم جنس لظلم الورثة إذا كان مع العمد، وأما الْجَنَف فهو الجنف عليهم بعمد وبغير عمد، لكن قال كثير من المفسرين: الجنف الخطأ، والإثم العمد؛ لأنه لَمّا خَصّ الإثم بالذكر، وهو العمد، بقي الداخل في الجنف الخطأ، ولفظ العدوان من باب تعدي الحدود، كما قال تعالى:{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]، ونحو ذلك.
ومما يشبه هذا قوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: 147]، والإسراف مجاوزة الحدّ المباح، وأما الذنوب فما كان جنسه شرّ وإثم
(1)
.
وأما قولهم: إن هذا إعانة على المعصية فغلط؛ لأن المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، كما هو مأمور أن يصلى بالتيمم، وإذا عَدِمَ الماء في السفر المحرَّم كان عليه أن يتيمم ويصلي، وما زاد على الركعتين ليست طاعةً، ولا مأمورًا بها أحدٌ من المسافرين، وإذا فعلها المسافر كان قد فعل منهيًّا عنه، فصار صلاة الركعتين مثل أن يصلي المسافر الجمعة خلف مستوطنٍ، فهل يصليها إلا ركعتين، وإن كان عاصيًا بسفره، وإن كان إذا صلى وحده صلى أربعًا، وكذلك صومه في السفر ليس برًّا، ولا مأمورًا به، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال:"ليس من البر الصيام في السفر"، وصومه إذا كان مقيمًا أحب إلى اللَّه من صيامه في سفر محرَّم، ولو أراد أن يتطوع على الراحلة في السفر المحرَّم لم يمنع من ذلك، وإذا اشتبهت عليه القبلة أَمَا كان يتحرى ويصلي، ولو أُخِذت ثيابه أَمَا كان يصلي عريانًا.
فإن قيل: هذا لا يمكنه إلا هذا، قيل: والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين، والمشروع في حقه أن لا يصوم، وقد اختَلَف الناس لو صام هل يَسقُط الفرض عنه، واتفقوا على أنه إذا صام بعد رمضان أجزأه، وهذه المسألة ليس فيها احتياطٌ، فإن طائفة يقولون: من صلى أربعًا، أو صام رمضان في السفر المحرَّم لم يجزئه ذلك، كما لو فعل ذلك في السفر المباح عندهم، وطائفة يقولون: لا
(1)
هكذا النسخة، ولعله "شرّا وإثما" أو على لغة ربيعة.
يجزيه إلا صلاة أربع، وصوم رمضان، وكذلك أكل الميتة واجب على المضطرّ، سواءٌ كان في السفر أو الحضر، وسواء كانت ضرورته بسبب مباح أو محرَّم، فلو ألقى ماله في البحر، واضطَرَّ إلى أكل الميتة كان عليه أن يأكلها، ولو سافر سفرًا محرَّمًا، فأتعبه حتى عجز عن القيام صلى قاعدًا، ولو قاتل قتالًا محرَّمًا حتى أعجزته الجراح عن القيام صلى قاعدًا.
فإن قيل: فلو قاتل قتالًا محرمًا، هل يصلي صلاة الخوف؟.
قيل: يجب عليه أن يصلي، ولا يقاتل، فإن كان لا يدع القتال المحرَّم فلا نبيح له ترك الصلاة، بل إذا صلى صلاة خائف كان خيرًا من ترك الصلاة بالكلية، ثم هل يعيد؟ هذا فيه نزاع، ثم إن أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة في الوقت، وجب ذلك عليه؛ لأنه مأمور بها، وأما إن خرج الوقت ولم يفعل ذلك، ففي صحتها وقبولها بعد ذلك نزاعٌ. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله
(1)
، وهو تحقيقٌ مفيدٌ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة، والنظر في أدلّتهم أن الراجح قول من قال: إن المسافر له القصر في السفر مطلقًا، سواء كان سفره سفر طاعة، أم سفر معصية؛ لقوّة أدلّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الموضع الذي يبدأ المسافر بقصر الصلاة فيه:
قال ابن رُشد رحمه الله: قال مالك رحمه الله في "الموطأ": لا يقصر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل أول بيوتها، وقد رُوي عنه أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعةً حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال، وذلك عنده أقصى ما تجب فيه الجمعة على من كان خارج المصر في إحدى الروايتين عنه، وبالقول الأول قال الجمهور.
والسبب في هذا الاختلاف معارضة مفهوم الاسم لدليل الفعل، وذلك أنه إذا شَرَع في السفر، فقد انطلق عليه اسم مسافر، فمن راعى مفهوم الاسم،
(1)
"مجموع الفتاوى" 24/ 109 - 114.
قال: إذا خرج من بيوت القرية قَصَرَ، ومَن راعى دليل الفعل أعني فعله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقصر إلا إذا خرج من بيوت القرية بثلاثة أميال؛ لِمَا صَحَّ من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاكُّ- صلى ركعتين، رواه مسلم. انتهى
(1)
.
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: قد أجمع كلُّ من نَحْفظ عنه من أهل العلم على أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي منها يخرج، واختلفوا في تقصير الصلاة قبل الخروج عن البيوت، فقال كثير من أهل العلم: لا يقصر الصلاة حتى يخرُج من بيوت القرية، رَوَينا حديثًا فيه أنهم خرجوا مع عليّ بن أبي طالب، قال الراوي: فقصرنا الصلاة، ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا، فقصرنا، ونحن نرى البيوت، وروينا عنه أنه خرج من البصرة، فرأى خُصًّا، فقال: لولا هذا الخصّ
(2)
لقصرنا، وكان ابن عمر يقصُرُ الصلاة، وهو ينظر إلى المدينة.
قال: وروينا عن علقمة، وعمرو بن ميمون، وأبي فاختة
(3)
أنهم قصروا حين خرجوا من البيوت، وبه قال النخعيّ، وقال قتادة: إذا جاوز الجِسر، أو الخندق يصلي ركعتين، وممن قال: إنه يقصر إذا خرج من بيوت القرية: مالكٌ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وفيه قولٌ ثالثٌ، روينا عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا، فصلّى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب عبد اللَّه، وقال عطاء بن أبي رباح: إذا خرج الرجل حاجًّا، فلم يخرج من بيوت القرية حتى حضرت الصلاة، فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى، وقال سليمان بن موسى: إذا خرج الرجل من بيته ذاهبًا لوجهه، فلم يخرج من القرية
(1)
"بداية المجتهد" 1/ 168 - 169.
(2)
"الْخُصّ" بالضمّ: بيتٌ يُعمل من الخشب والقصب، وجمعه خُصاص، وأخصاص، وسُمّي به؛ لما فيه من الخُصاص، وهي الْفُرَجُ والأنقاب. انتهى. "النهاية" 2/ 37.
(3)
هو سعيد بن علاقة الهاشميّ الكوفيّ، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وثقه جماعة، وتوفّي في ولاية عبد الملك، أو الوليد بن عبد الملك.
حتى حانت الصلاة، فليقصُر، وكذلك إذا دخل القرية راجعًا من سفره، ثم حانت الصلاة، فليقصُرها حتى يدخل بيته.
قال: وقد روينا عن مجاهد قولًا ثالثًا، لا أعلم أحدًا قال به، روينا عنه أنه قال: إذا خرجت مسافرًا، فلا تقصُر الصلاة يومك حتى الليل، وإن رجعت، أو خرجت ليلًا طويلًا، فلا تقصر الصلاة حتى تُصبح.
قال ابن المنذر رحمه الله: يلزم المقيم ما دام مقيمًا إتمام الصلاة، فإذا عزم على السفر، وخرج من منزله، ولم يبرُز عن قريته، واختلفوا في أمره، فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يبرُز عن بيوت القرية، فإذا برز عنها قصر إذا كان سفره يقصر في مثله الصلاة؛ إذ لا أعلم أحدًا يمنعه من ذلك، ولا نعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة، فأما ما رُوي عن مجاهد، فقد تُكُلّم في إسناده، والسنّة تدلّ على خلافه، صلّى النبيّ صلى الله عليه وسلم بذي الْحُليفة ركعتين، وليس بينها وبين المدينة يوم، ولا نصف يوم. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
والحاصل أن من أراد سفرًا، فخرج من بيوت القرية قصر، سواء كان قريبًا أم بعيدًا، وإلا فلا يقصر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ما قصر إلا بعد خروجه من المدينة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الإقامة التي يجب على المسافر إتمام الصلاة بها:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختلفوا في القدر الذي يجب على المسافر إذا أقام ذلك المقدار إتمام الصلاة:
فقالت طائفة: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتمّ الصلاةَ، وروينا هذا القول عن ابن عمر، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: إذا أزمع إقامة اثنتي عشرة أتمّ الصلاة، هذا قول عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، آخر أقواله، كما ذكره نافع، وبنحوه قال الأوزاعي.
(1)
"الأوسط" 4/ 351 - 354.
وقالت طائفة: إذا عزم على مقام عشر ليال أتم الصلاة، وهذا قول الحسن بن صالح، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وليس ذلك بثابت عنهما، وبه قال محمد بن عليّ.
وقالت طائفة: إذا أقمت أكثر من خمس عشرة، فأتم الصلاة، روي هذا عن سعيد بن جُبير، وعبد اللَّه بن عُتبة، وبه قال الليث بن سعد.
الخامس: أن من أقام أربعًا صلى أربعًا، هكذا قال مالك، وأبو ثور، واحتجّ أبو ثور بأنهم لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر كان ذلك له، فلما اختلفوا في الأربع كان عليه أن يُتمّ، وذلك أن الفروض لا تزال باختلاف.
السادس: قول ابن عباس رضي الله عنهما: إذا سافرنا تسع عشرة نقصر الصلاة.
السابع: قول أحمد بن حنبل: إذا أجمع لعشرين صلاةً مكتوبة قصر، فإذا عزم على أن يُقيم أكثر من ذلك أتمّ
(1)
.
واحتجّ بحديث جابر، وابن عباس رضي الله عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ لصبح رابعة، قال: فأقام النبيّ صلى الله عليه وسلم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع أن يُقيم كما أقام النبيّ صلى الله عليه وسلم قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ.
الثامن: قول سعيد بن المسيب: إذا وطنت نفسك بأرض أكثر من ثلاث، فأتمّ الصلاة.
التاسع: قوله أيضًا: إن المسافر إذا أقام ثلاثًا أتمّ. قال ابن المنذر: هذان قولان لا نعلم أحدًا قال بهما.
وله قول آخر، كقول الثوريّ، وآخر كقول مالك.
العاشر: ذكره إسحاق ابن راهويه، قال: وقد قال آخرون، وهم الأقلون من أهل العلم: صلاة المسافر ما لم ترجع إلى أهلك إلا أن تُقيم ببلدة لك بها
(1)
لكن المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله كما يأتي قريبًا أنه إذا عزم على إحدى وعشرين صلاةً قَصَر، وإن كان أكثر أتمّ.
أهل، ومال، فإنها تكون كوطنك، ولا ينظرون في ذلك إلى إقامة أربع، ولا خمس عشرة، قال: ومما احتجّوا به لأنفسهم في ذلك ما سُئل ابن عباس عن تقصير الصلاة؟ فقال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا خرج من المدينة صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع.
وعن ابن عباس بأن رجلًا قال له: إنا نُطيل المقام في الغزو بخُرَاسان، فكيف ترى؟ فقال: يصلي ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، وقال الحسن البصريّ: أقام أنس بن مالك بنيسابور سنة، أو سنتين يصلي ركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين، وأقام عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس، فكان لا يجمع، ولا يزيد على ركعتين، وقال أبو إسحاق: أقمنا مع وَالٍ أحسبه قال: بسجستان سنين، وكان معنا رجال من أصحاب ابن مسعود، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف، ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل، وقال أبو مِجْلز: كنت جالسًا عند ابن عمر، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن آتي المدينة طالب حاجة، فأقيم بها السبعة الأشهر، والثمانية كيف أصلي؟ قال: ركعتين ركعتين، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين، وكان الثلج حال بينهم وبين القُفُول، وأقام مسروق بالسلسلة سنين، وهو عامل عليها، فصلى ركعتين ركعتين حتى انصرف يلتمس بذلك السنّة.
الحادي عشر: إن المسافر يصلي ركعتين ركعتين إلا أن يقدم مصرًا من الأمصار، هذا قول الحسن البصري.
الثاني عشر: قول من فرّق بين المقام للخوف، والمقام لغير الخوف، قال الشافعي: فأشبه ما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مقام المهاجر، فلا يأخذ مقام المسافر، وما جاوزه كان مقام الإقامة، وليس يحسب اليوم الذي كان فيه سائرًا، ثم قدم، ولا اليوم الذي كان فيه مقيمًا، ثم سار، كان غير مقام حرب، ولا خوف حرب قصر، فإذا جاوز مقامه أربعًا أحببت أن يتمّ، وإن لم يتمّ أعاد ما صلى بالقصر بعد الأربع، وإن كان مقامه لحرب، أو خوف حرب، فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أقام الفتح يُحارب هوازن سبع عشرة، أو ثمان عشرة يقصر، فإذا أقام الرجل ببلد ليس مقامه لحرب، أو خوف حرب، أو تأهب حرب قصر ما
بينه وبين ثمان عشرة ليلة، فإذا جاوزها أتمّ الصلاة حتى يُفارق البلد تاركًا للمقام به آخذًا في سفره.
الثالث عشر: ما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: يفصل بين الحضر والسفر اليوم والليلة، فمن أجمع مسير يوم وليلة روحته، وغدوته، وولجته فقد أجمع سفرًا، فله صلاة السفر، ورخصة فطر الصوم، ومن أجمع إقامة يوم وليلة صلى صلاة الحضر، وعليه الصوم.
القول الرابع عشر: ما حكاه إسحاق ابن راهوَيْه عن بعضهم قالوا: قد مضت السنة من النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في التقصير للمسافر إذا كان طاعنًا، فإذا وضع الزاد والمزاد، وترك الرحيل، وأقام أيامًا لحاجة، أو تجارة، أو نزهة، فهو بالمقيم أشبه منه بالمسافر، فعليه الإتمام. انتهى ملخصًا من كلام ابن المنذر رحمه الله في كتابه "الأوسط"
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن قول الإمام أحمد رحمه الله هو الأرجح، حيث اعتبر عدد صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمن أجمع على إحدى وعشرين صلاةً، قَصَرَ، ومن زاد على ذلك أتمّ.
قال ابن المنذر رحمه الله: وأسعد الناس بحديث جابر أحمد، ومن وافقه؛ لأنه نظر إلى عدد الصلوات التي صلاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أيام مقامه بمكة في حجته، فأجاز أن يقصر من أقام مقدارًا يصلي ذلك العدد من الصلوات، وأمر من زاد مُقامُه على ذلك المقدار بالإتمام. انتهى.
ونَصُّ مختصر الْخِرَقيّ: "وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاةً أتمّ". قال ابن قدامة في "المغني": المشهور عن أحمد: أن المدة التي تُلزم المسافر الإتمام بنيّة الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاةً. ثم قال بعد ذكر الخلافات ما نصه:
ولنا ما روى أنس، قال: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشرًا يقصر الصلاة، متفق عليه.
وذكر أحمد حديث جابر، وابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ لصبح رابعة،
(1)
"الأوسط" 4/ 355 - 356.
فأقام النبيّ صلى الله عليه وسلم اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبيّ صلى الله عليه وسلم قَصَرَ، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. انتهى
(1)
.
والحاصل أن من نوى أن يقيم أكثر من إحدى وعشرين صلاةً عدد صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في مكة أتمّ، ومن نوى إحدى وعشرين، أو أقل من ذلك قَصَرَ، كما قصر النبيّ صلى الله عليه وسلم في إحدى وعشرين صلاةً، مع أنه عَزَم على أنه سيقيم بمكة هذه المدة.
وهذا هو القول الموافق لفعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأما ما عداه من الأقوال فليس عليه دليل صريح مرفوع يؤيده، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1571]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(2)
أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ:"فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الْحَضَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [10](ت 250)(م د س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
2 -
(حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [11](ت 3 أو 144)(م س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
3 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [9](ت 197)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
(1)
"المغني" 3/ 149 - 150.
(2)
وفي نسخة: "حدّثني".
4 -
(يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 159)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
5 -
(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور، من رؤوس [4](ت 125)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 348.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (رَكْعَتَيْنِ) منصوب على الحال.
وقوله: (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى) أي: رجعت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر، فكأنها مقرَّرةٌ على الحالة الأولى.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1572]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ"، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) -بوزن جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [10](ت 257) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 25.
2 -
(ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام الحجة الثبت الفقيه [9](ت 198) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 383.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (أَنَّ الصَّلَاةَ) وللبخاريّ في رواية الكشميهني: "الصلوات" بصيغة الجمع.
وقوله: (أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ) بنصب "أوّلَ" على الظرفية، وهو متعلّق بالفعل
المقدر، و"ما" مصدرية، والتقدير: في أول فرض الصلاة فُرِضت حال كونها ركعتين، أو "ما" موصولة عبارة عن وقت، وجملة "فُرِضت الصلاة" صلتها، والعائد محذوف، والتقدير: في أول الوقت الذي فرضت فيه الصلاة، فُرِضت حال كونها ركعتين.
وقوله: (رَكْعَتَيْنِ) وعند البخاريّ في رواية كريمة: "ركعتين ركعتين" مكرّرًا.
قال في "الفتح": واستُدِلَّ بقولها: "فُرِضت ركعتين" على أن صلاة المسافر لا تجوز إلا مقصورةً، ورُدَّ بأنه مُعارَضٌ بقوله تعالى:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101]؛ لأنه دالّ على أن الأصل الإتمام، ومنهم من حَمَل قول عائشة رضي الله عنها:"فُرِضَت"؛ أي: قُدِّرت، وقال الطبريّ: معناه: أن المسافر إذا اختار القصر فهو فرضه، ومن أدلّ دليل على تعيُّن تأويل حديث عائشة رضي الله عنها هذا كونها كانت تُتِمّ في السفر، ولذلك أورده الزهريّ، عن عروة.
وقوله: (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) فعلٌ ونائب فاعله؛ أي: رجعت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر في السفر.
وقوله: (مَا بَالُ عَائِشَةَ) أي: ما حالها، وما شأنها.
وقوله: (تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من عائشة، و"تُتِمّ" بضم أوله، من الإتمام؛ أي: تصلي في السفر الرباعيّة أربع ركعات، مع أنها قالت:"فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين".
وقوله: (إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) وفي رواية البخاريّ: "تأوّلت ما تأوّل عثمان"، قال في "الفتح"
(1)
ما حاصله: مراد عروة بقوله: "كما تأوّل عثمان" التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن الأسباب اختَلَفَت في تأويل عثمان، فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة، وقد أخرج ابن جرير في تفسير "سورة النساء" أن عائشة رضي الله عنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فإذا احتجّوا عليها تقول: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في حرب، وكان يخاف،
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 664 - 665.
فهل تخافون أنتم؟ وقد قيل في تأويل عائشة: إنما أتمت في سفرها إلى البصرة إلى قتال عليّ رضي الله عنه، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة، وهذان القولان باطلان، لا سيما الثاني، ولعل قول عائشة رضي الله عنها هذا هو السبب في حديث حارثة بن وهب رضي الله عنه قال:"صلّى بنا النبيّ صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين"، متّفقٌ عليه، ولفظ مسلم:"قال: صليت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمنى، آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين".
وقال القرطبيّ رحمه الله: اختُلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان رضي الله عنهم في السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأوّلا أن القصر رُخصةٌ غير واجبة، وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسدٌ، وإما بعيدٌ، ولنذكُر ما قيل في ذلك:
(فمنها): أن عائشة تأوّلت أنها أمّ المؤمنين، فحيثُ حلّت نزلت في أهلها وولدها، وهذا يَبطُلُ بما بين المنزلتين من المسافات البعيدة، فإنها كانت تُتمّ فيها، وهي على ظهر سفر.
(ومنها): أنها كانت لا ترى القصر إلا في الحجّ والعمرة والغزو، وذلك باطلٌ؛ لأن ذلك لم يُنقل عنها، ولا عُرف من مذهبها، ثم قد أتمّت في سفرها إلى عليّ رضي الله عنهما.
(ومنها): أنها حيث أتمّت لم تكن في سفر جائز، وهذا باطلٌ قطعًا، فإنها كانت أتقى للَّه، وأخوف، وأطوع من أن تخرُج في سفر لا يرضاه اللَّه تعالى، وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة، وتشنيعاتهم عليها:{سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16]، وإنما خرجت رضي الله عنها مجتهدةً محتسبةً في خروجها، تريد أن تُطفئ نار الفتنة، ثم خرجت الأمور عن الضبط، وأقلّ درجاتها أن تكون ممن قال فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر".
قال: وأما عثمان رضي الله عنه فقد تُؤُوّل له أنه كان إمام الناس، فحيث حلّ فهو بمنزلتهم، وهذا يردّه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان أولى بذلك، ومع ذلك فلم يفعله.
(ومنها): أنه كان معه أهله بمكة، وهذا يردّه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سافر بزوجاته، وكنّ معه بمكة، ومع ذلك قصر.
(ومنها): أنه إنما فعل ذلك من أجل الأعراب؛ لئلا يظنّوا أن فرض الصلاة أبدًا ركعتان، وهذا يردّه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان أولى بذلك، ولم يفعله، وثمّ قد عَلِمَ الأعراب، والكلُّ من المسلمين أن الصلاة في الحضر أربع، ومن جَهِلَ ذلك من قُرْب عهدٍ بالإسلام نادرٌ قليلٌ، لا تُغيَّر القواعد لأجله.
(ومنها): أن عثمان أزمع على الْمُقام بمكة بعد الحجّ، ويرُدّه أن المُقام بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث ممنوع.
(ومنها): أنه كان لعثمان بمنى أرضٌ ومالٌ، فرأى أنه كالمقيم، وهذا فيه بُعْدٌ؛ إذ لم يقل أحدٌ: إن المسافر إذا مرّ بما يملكه من الأرض، ولم يكن له فيها أهلٌ حكمه حكم المقيم، والوجه ما ذكرناه أوّلًا
(1)
. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله، وهو بحثٌ مفيدٌ.
وقال في "الفتح": قوله: (تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) هذا فيه رَدٌّ على من زعم أن عثمان إنما أتمّ؛ لكونه تأهل بمكة، أو لأنه أمير المؤمنين، وكلُّ موضع له دارٌ، أو لأنه عَزَمَ على الإقامة بمكة، أو لأنه استَجَدّ له أرضًا بمنى، أو لأنه كان يَسْبِق الناس إلى مكة؛ لأن جميع ذلك مُنْتَفٍ في حق عائشة رضي الله عنها، وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنون ممن قالها.
ويرُدُّ الأول أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسافر بزوجاته وقَصَرَ، والثانيَ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان أولى بذلك، والثالثَ أن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام، كما سيأتي تقريره في محلّه من "كتاب المغازي"، والرابعُ، والخامسُ لم ينقلا، فلا يكفي التخرُّص في ذلك، والأول وإن كان نُقِلَ، وأخرجه أحمد، والبيهقيّ، من حديث عثمان رضي الله عنه، وأنه لَمّا صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه، فقال: إني تأهلت بمكة لَمّا قَدِمت، وإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"من تأهّل ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم"، فهذا الحديث لا يصح؛ لأنه منقطع، وفي رُواته مَن لا يُحتجّ به، ويردُّه قول عروة: إن عائشة تأوّلت ما تأول عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدلّ على وَهْنِ ذلك الخبر.
قال: والمنقول أن سبب إتمام عثمان رضي الله عنه أنه كان يرى القصر مُختصًّا
(1)
هو أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما تأوّلا أن القصر رخصة غير واجبة، وأخذا بالأكمل.
بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره، فله حكم المقيم فيتمّ، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن، عن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، قال: لما قَدِم علينا معاوية حاجًّا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار النَّدْوَة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عِبْتَ أمر ابن عمك؛ لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قَدِم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قَصَرَ الصلاة، فإذا فرغ من الحجّ، وأقام بمنى أقم الصلاة.
وقال ابن بطّال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة رضي الله عنها كانا يريان أن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأَخَذَا لأنفسهما بالشدّة. انتهى.
وهذا رجحه جماعةٌ، من آخرهم القرطبيّ، لكن الوجه الذي قبله أولى؛ لتصريح الراوي بالسبب.
وأما ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أن عثمان إنما أتم الصلاة؛ لأنه نوى الإقامة بعد الحجّ، فهو مرسل، وفيه نظرٌ؛ لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرامٌ، وصحّ عن عثمان أنه كان لا يُوَدِّع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج؛ خشيةَ أن يرجع في هجرته.
وثبت عن عثمان أنه قال لَمّا حاصروه، وقال له المغيرة: اركب رواحلك إلى مكة، قال: لن أفارق دار هجرتي.
ومع هذا النظر في رواية معمر، عن الزهريّ، فقد رَوَى أيوب، عن الزهريّ ما يخالفه، فرَوَى الطحاويّ وغيره من هذا الوجه، عن الزهريّ قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعًا؛ لأن الأعراب كانوا كَثُرُوا في ذلك العام، فأحب أن يُعلمهم أن الصلاة أربع.
ورَوَى البيهقيّ من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عثمان أنه أتم بمنى، ثم خطب، فقال: إن القصر سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ولكنه حَدَثَ طَغَام -يعني بفتح الطاء والمعجمة- فَخِفتُ أن يَسْتَنُّوا.
وعن ابن جريج أن أعرابيًّا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين، ما زِلْتُ
أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين، وهذه طُرُق يُقَوِّي بعضها بعضًا، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل يقوِّيه من حيث إن حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها، بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان رضي الله عنه.
وأما عائشة رضي الله عنها فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما أخرجه البيهقيّ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشُقّ عليّ. إسناده صحيح، وهو دالّ على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشُقّ عليه أفضل.
ويدلُّ على اختيار الجمهور ما رواه أبو يعلى، والطبرانيّ بإسناد جيّد، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سافر مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر وعمر، فكلهم كان يصلي ركعتين، من حين يخرج من المدينة إلى مكة حتى يرجع إلى المدينة في السير، وفي المقام بمكة.
قال الكرمانيّ رحمه الله ما ملخَّصه: تمسّك الحنفية بحديث عائشة رضي الله عنها في أن الفرض في السفر أن يصلي الرباعية ركعتين.
وتُعُقِّب بأنه لو كان على ظاهره لما أتمت عائشة، وعندهم العبرة بما رأى الراوي إذا عارض ما روى، ثم ظاهر الحديث مخالف لظاهر القرآن؛ لأنه يدلّ على أنها فُرِضت في الأصل ركعتين، واستمَرَّت في السفر، وظاهر القرآن أنها كانت أربعًا فنقصت، ثم إن قولها:"الصلاة" تعمّ الخمس، وهو مخصوص بخروج المغرب مطلقًا والصبح بعدم الزيادة فيها في الحضر، قال: والعام إذا خُصّ ضَعُفَت دلالته حتى اختُلِف في بقاء الاحتجاج به. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن أرجح التأويلات في إتمام عثمان وعائشة رضي الله عنهما قول من قال: إنهما كانا يريان القصر رخصةً غير واجبة، فأخذا بالأكمل؛ اجتهادًا منهما، وهذا هو الذي تقدّم ترجيحه عن القرطبيّ رحمه الله، فهذا
(1)
"الفتح" 2/ 664 - 666 "كتاب تقصير الصلاة" رقم (1090).
الوجه هو الأقرب، والأظهر فيما يظهر لي دون تكلّف، وتعسّف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1573]
(686) - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "صَدَقَةٌ
(1)
تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [10](ت 235)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
2 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 247)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
3 -
(زهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 243)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 2.
4 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنْظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظ مجتهدٌ [10](ت 238)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
5 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [8](ت 192)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.
6 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ
(1)
وفي نسخة: "فسألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقة. . . ".
مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس، ويرسل [6](ت 150) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
7 -
(ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ) هو: عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار القرشيّ المكيّ، حَلِيف بني الْجُمَح، الملقب بـ "القَسّ" -بفتح القاف، وتشديد السين المهملة- لعبادته، ثقة عابد [3].
روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، وجابر، وشدّاد بن الهاد، وعبد اللَّه بن بابيه.
ورَوَى عنه عبد الملك بن عبيد بن عُمير، وابن جريج، وعمرو بن دينار، ويوسف بن ماهك، وعكرمة بن خالد.
قال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المديني.
رَوَى له الجماعة سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
8 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَابَيْهِ) ويقال: باباه، ويقال بحذف الهاء، مولى آل حُجير بن أبي إهاب، ويقال: مولى يعلى بن أمية، المكيّ، ثقة [4].
رَوَى عن جبير بن مُطعِم، وابن مسعود، وابن عُمر، وابن عَمْرو، ويعلى بن أمية، وأبي هريرة.
وروى عنه أبو الزبير، وإبراهيم بن مهاجر البجليّ، وحبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن دينار، وقتادة، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار، وأبو حَصِين الأسديّ، وغيرهم.
قال علي ابن المدينيّ: عبد اللَّه بن بابيه من أهل مكة معروف، ويقال له أيضًا: ابن باباه، وقال البخاريّ: عبد اللَّه بن باباه، ويقال: ابن بابي، وقال ابن معين: هؤلاء ثلاثة مختلفون، وقال أبو القاسم الطبرانيّ: عبد اللَّه بن بابي بصريّ، وعبد اللَّه بن باباه مكيّ، وعبد اللَّه بن بابيه كوفيّ، قال أبو الحسين بن البراء: القول عندي ما قال ابن المدينيّ، والبخاريّ.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: عبد اللَّه بن باباه ثقة، وثَّقه العجليّ، وابن المدينيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
9 -
(يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ) بن أبي عبيدة، واسمه عبيد، ويقال: زيد بن هَمّام بن الحارث بن بكر بن زبد بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، أبو خلف، ويقال: أبو خالد، ويقال: أبو صفوان المكيّ، حَلِيف قريش، وهو يعلى ابن مُنْية -بضمّ الميم، وسكون النون، ثم تحتانيّة- وهي أُمّه، ويقال: جَدّته.
روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن عمر، وعنبسة بن أبي سفيان، وروى عنه أولاده: صفوان، ومحمد، وعثمان، وعبد الرحمن، وبقال: إن عبد الرحمن أخوه، لا ابنه، وعبد اللَّه بن الديلميّ، وعبد اللَّه بن بابيه، وموسى بن باذان، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم.
قال ابن سعد: شَهِد الطائف، وحُنينًا، وتبوك مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال أبو أحمد الحاكم: كان عامل عمر بن الخطاب على نَجْران، وقال الدارقطنيّ: مُنية بنت الحارث بن جابر أمّ العوّام بن خُويلد، والد الزبير، وهي جدة يعلى بن أمية التميميّ، حليف بني نوفل، أمّ أبيه دُنيا
(1)
، وبها يُعْرَف، قال ذلك الزبير بن بكار، وأصحاب الحديث يقولون في يعلى بن أمية: إن مُنية أمه، وقال زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار: كان أول من أَرَّخ الكتب يعلى بن أمية، وهو باليمن، وقال ابن عساكر: ذكره أبو حسان الزياديّ فيمن قُتِل بصفّين، قال الحافظ: وهذا لا أراه محفوظًا.
ورَوَى النسائيّ من حديث عطاء، عن يعلى بن أمية، قال: دخلت على عنبسة بن أبي سفيان، وهو في الموت. . . الحديث، وقد ذكر الليث، وخليفة أن عنبسة حَجّ بالناس سنة سبع وأربعين، فهذا يدلّ على أن يعلى تأخرت وفاته بعد صِفِّين.
وقال ابن عبد البرّ عن ابن المدينيّ: استعمله أبو بكر على حُلْوان، واستعمله عمر على بعض اليمن، فبلغ عمر أنه حَمَى لنفسه، فأمره أن يمشي على رجليه إلى المدينة، فمَشَى خمسة أيام أو ستة، فبلغه موت عمر، فركب،
(1)
أي الأدنى.
واستعمله عثمان على الْجَنَد، فلما بلغه قتل عثمان أقبل لينصره، فصحب الزبير، وعائشة، ويقال: هو حَمَل عائشة على الجمل الذي كان تحته في وقعة الجمل.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم (686) و (871) و (1180) وكرّره خمس مرّات، و (1673) و (1674) وأعاده بعده.
10 -
(عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) أمير المؤمنين الخليفة الراشد، استُشهد رضي الله عنه في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيّين من ابن جُريج.
3 -
(ومنها): أن شيخه أبا كُريب من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، وأن عمر رضي الله عنه جَمّ المناقب، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء الأربعة الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، رضي الله عنهم.
شرح الحديث:
(عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، ولفظ أبي داود:"قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناس الصلاة، وإنما قال اللَّه عز وجل: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فقد ذهب اليوم. . . "({فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}) أي: وِزْر وحَرَجٌ ({أَنْ تَقْصُرُوا}) -بضم الصاد- أي: في القصر، وهو خلاف المدّ، يقال: قَصَرتُ الشيء؛ أي: جعلته قصيرًا بحذف بعض أجزائه، فمتعلق القصر جملة الشيء، لا بعضه، فإن البعض متعلَّق الحذف دون القصر، فحينئذ قوله:({مِنَ الصَّلَاةِ}) ينبغي أن يكون مفعولًا لـ "تقصُرُوا" على زيادة "من" حسب ما رآه الأخفش، وأما على رأي غيره من عدم زيادتها في الإثبات، فتُجعل تبعيضيةً، ويراد بالصلاة الجنس، ليكون المقصور بعضًا منها، وهم الرباعيات، قاله أبو السعود في "تفسيره". ({إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}) أي: ينالوكم بمكروه (فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟) بكسر الميم، من باب عَلِمَ،
قال في "المصباح": أَمِنَ زيدٌ الأسدَ أَمْنًا، وأَمِنَ منه، مثلُ: سَلِمَ منه وزنًا ومعنًى، والأصل أن يُستَعْمَلَ في سكون القلب، يتعدّى بنفسه، وبالحرف، ويُعدّى إلى ثان بالهمزة، فيقال: آمنتُهُ منه. انتهى.
والمعنى هنا: أنه ذهب خوفهم الذي كان سببًا لمشروعية قصر الصلاة، فما بالهم يقصرون؟، أو فما وجه القصر مع زوال السبب؟ (فَقَالَ) عمر رضي الله عنه (عَجِبْتُ) بضمّ التاء، للمتكلّم، والفعل من باب تَعِبَ (مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ) بفتح التاء للمخاطب؛ أي: تعجّبتُ أنا مما تعجّبتَ منه أنت.
وقال النوويّ رحمه الله: وقع في بعض الأصول بلفظ: "عَجِبتُ ما عَجبتَ منه"، وفي بعضها:"عجِبتُ مما عَجِبتَ"، وهو المشهور المعروف. انتهى
(1)
.
(فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ؟) أي: عن قصر الصلاة مع زوال السبب، وهو الخوف من العدوّ، وحصول الأمن (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم ("صَدَقَةٌ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هذه صدقة، وجملة قوله:(تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ) في محلّ رفع صفة لـ "صدقةٌ".
والمعنى: أن قصر الصلاة صدقةٌ؛ أي: فضل تفضل اللَّه تعالى بِهَا عَلَيْكُمْ، وأكرمكم بها (فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ") أي: سواء حصل الخوف أم لا، فقوله في الآية:{إِنْ خِفْتُمْ} قد خَرَج مخرج الأغلب، لكون أغلب أسفار النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم تَخْلُ من خوف؛ لكثرة أهل الحرب إذ ذاك، فحينئذ لا تدلّ الآية على عدم القصر إن لم يكن خوف؛ لأنه بيان للواقع إذ ذاك، فلا مفهوم له.
وقال السنديّ رحمه الله: أي: شَرَع لكم ذلك رحمةً بكم، وإزالةً للمشقّة عنكم، نظرًا إلى ضعفكم، وفقركم، وهذا المعنى يقتضي أن ما ذُكر فيه من القيد، فهو اتفاقيّ ذكرُهُ على مقتضى ذلك الوقت، وإلا فالحكم عامّ، والقيد لا مفهوم له، ولا يخفى ما في الحديث من الدلالة على اعتبار المفهوم في الأدلة الشرعية، وأنهم كانوا يفهمون ذلك، ويرون أنه الأصل، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرّرهم على ذلك، ولكن بَيَّنَ أنه قد لا يكون معتبرًا أيضًا بسبب من الأسباب.
[فإن قلت]: يمكن التعجّب مع عدم اعتبار المفهوم أيضًا، بناءً على أن
(1)
"شرح مسلم" 5/ 196.
الأصل هو الإتمام، والقصر رخصة، جاءت مقيَّدةً لضرورة، فعند انتفاء القيد مُقتَضَى الأدلّة هو الأخذ بالأصل.
[قلت]: هذا الأصل إنما يُعمَل به عند انتفاء الأدلّة، وأما مع وجود فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم بخلافه، فلا عبرة به، ولا يُتعجّب من خلافه، فليُتأمّل. انتهى كلام السنديّ رحمه الله.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: قد أشكلت الآية على عمر وغيره، فسأل عنها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من اللَّه، وشَرْعٌ شرعه للأمة، وكان هذا بيانَ أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الْجُنَاح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له. انتهى.
وقال السنديّ رحمه الله: الأمر يقتضي وجوب القبول، وأيضًا العبد فقير، فإعراضه عن صدقة ربه يكون منه قبيحًا، ويكون من قبيل {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)} [العلق: 7]، وفي ردّ صدقة أحد عليه من التأذِّي عادةً ما لا يخفى، فهذه من أمارات الوجوب، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن القول بوجوب القصر على المسافر هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، ولكن لا يلزم منه بطلان صلاة من أتمّ للتأويل، أو نحوه؛ لما أسلفناه من الأدلّة على ذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله في "تفسيره": يقول تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} [النساء: 101] أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى:{عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} الآية [المزمل: 20]، وقوله:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101]؛ أي: تخففوا فيها إما من كميتها بأن تُجْعَل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك.
فمن قائل: لا بدّ أن يكون سفر طاعة، من جهاد، أو حجّ، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، أو غير ذلك، كما هو مرويّ عن ابن عمر، وعطاء، ويحيى، عن مالك، في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله:{إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101].
ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بدّ أن يكون مباحًا، لقوله:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} الآية [المائدة: 3]، كما أباح له تناول الميتة مع الاضطرار، بشرط أن لا يكون عاصيًا بسفره، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما من الأئمة.
وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا وكيع عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول اللَّه إني رجل تاجرٌ، أختَلِف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين، فهذا مرسل.
ومن قائل: يكفي مطلق السفر، سواءٌ كان مباحًا أو محظورًا حتى لو خرج لقطع الطريق، وإخافة السبيل تَرَخَّص؛ لوجود مطلق السفر، وهذا قول أبي حنيفة، والثوريّ، وداود، لعموم الآية، وخالفهم الجمهور.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن ما ذهب إليه أبو حنيفة، والثوريّ، وداود هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وأما قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مَخُوفةٌ، بل ما كانوا يَنهَضون إلا إلى غزو عامّ، أو في سريّة خاصة، وسائر الأحيان حَرْبٌ للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب، أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33]، وكقوله تعالى:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ} الآية [النساء: 23].
ثم ساق أحاديث القصر المذكورة في هذا الباب، ثم قال: فهذه الأحاديث دالةٌ صريحًا على أن القصر ليس من شرطه وجودُ الخوف، ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر ها هنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية، وهو قول مجاهد، والضحاك، والسُّدّيّ كما سيأتي بيانه، واعتَضَدُوا أيضًا بحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأُقِرَت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر"، متّفقٌ عليه.
قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد
بالقصر ها هنا قصر الكمية؛ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101].
وأصرح من ذلك دلالةً على هذا ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" من طريق زُبيد الياميّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر رضي الله عنه قال:"صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم"، وهكذا رواه النسائيّ، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، من طُرُق عن زُبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم، وقد حَكَم مسلم في "مقدمة كتابه" بسماع ابن أبي ليلى عن عمر رضي الله عنه، وقد جاء مُصَرَّحًا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب -إن شاء اللَّه- وإن كان يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ قد قالوا: إنه لم يسمع منه.
وقد روى مسلم في "صحيحه"، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:"فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة"، فهذا ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها؛ لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقرّ ذلك صحّ أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس، واللَّه أعلم.
لكن اتَّفَقَ حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرَّحٌ به في حديث عمر رضي الله عنه.
وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 11]، قصر الكيفية كما في صلاة الخوف ولهذا قال:{إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية [النساء: 101]، ولهذا قال بعدها:{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} الآية [النساء: 102]، فبيّن المقصود من القصر ها هنا وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لَمّا عقد البخاري كتاب صلاة الخوف صدّره بقوله تعالى:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 102].
وهكذا قال جويبر، عن الضحاك في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا
مِنَ الصَّلَاةِ}، قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه، وقال أسباط عن السديّ في قوله:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ} الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير، لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة، فالتقصير ركعة، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} يوم كان النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان، والمشركون بضَجْنان، فتوافقوا، فصلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغِيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير عن مجاهد والسّدّيّ، وعن جابر، وابن عمر، واختار ذلك أيضًا، فإنه قال بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب.
وقال ابن جرير: حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، حدّثنا ابن أبي فُديك، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أُمية بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد اللَّه بن عمر: إنا نَجِد في كتاب اللَّه قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر؟، فقال عبد اللَّه: إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملًا عملنا به. فقد سَمَّى صلاة الخوف مقصورةً، وحَمَل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتَجّ على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنصّ القرآن.
وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضًا: حدّثنا أحمد بن الوليد القرشيّ، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك الحنفيّ، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعةً، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله
(1)
.
(1)
"تفسير ابن كثير" 1/ 546.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر تصرّف ابن كثير رحمه الله يدلّ على أنه يرى ترجيح القول بأن المراد بالقصر في الآية المذكورة قصر كيفية الصلاة، وهو صفة صلاة الخوف، لا قصر كميّتها، وهو صفة صلاة السفر، وقد نقل تصحيح ابن جرير له، وأقرّه عليه، والذي يظهر لي أن الأرجح كون الآية شاملة للاثنتين؛ فأما قصر المسافر فحديث عمر رضي الله عنه عنه المذكور في الباب نصّ فيه، حيث سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عما أشكل عليه من معنى الآية، فقال له:"صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم. . . " الحديث، فإن هذا هو قصر المسافر، وأما صلاة الخوف فسياق الآية اللاحقة ظاهر في ذلك.
وهذا هو الذي مال إليه أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله حيث قال: قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا} الآية: يعني به القصر من عدد الركعات، والقصر بتغيير الهيئات، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"صدقةٌ تصدّق اللَّه بها عليكم" عندما سُئل عن قصرها مع الأمن، فكان قوله ذلك تيسيرًا وتوقيفًا على أن الآية متضمّنة لقصر الصلاة مع الخوف، ومع غير الخوف، فالقصر مع الخوف هو في الهيئات على ما يأتي، ومع الأمن في الركعات، والمتصدَّق به إنما إلغاء شرط الخوف في قصر عدد الركعات مع الأمن، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات على ما يأتي.
وقد أكثر الناس في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمع بين الآية والحديث. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
والحاصل أن الآية شاملة لقصر الكميّة، والكيفيّة، والصدقة التي تصدّق اللَّه بها علينا هي إلغاء شرط الخوف في قصر الكميّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 1573 و 1574](686)، و (أبو داود) في
"الصلاة"(1199 و 1200)، و (الترمذيّ) في "التفسير"(3034)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة"(1433)، و"الكبرى"(1891)، وفي "التفسير"(11120)، و (ابن ماجه) في "الصلاة"(1065)، و (الشافعيّ) في "السنن المأثورة"(15)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 25 و 36)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 354)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(945)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2739 و 2740 و 2741)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1543 و 1544)، و (الطبريّ) في "تفسيره"(10312)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 415)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 134 و 140 و 141)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1024)، و (أبو جعفر النحّاس) في "الناسخ والمنسوخ"(ص 116)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعية تقصير الصلاة في السفر.
2 -
(ومنها): بيان رحمة اللَّه تعالى، وكمال فضله على عباده حيث شَرَعَ لهم قصر الصلاة في حال السفر للمشقة اللاحقة بهم، قال تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الآية [الحج: 78].
3 -
(ومنها): جواز القصر في السفر من غير الخوف.
4 -
(ومنها): جواز قول: "تصدّق اللَّه علينا"، و"اللهم تصدّق علينا"، وقد كرهه بعض السلف، قال النووي رحمه الله: وهو غلط ظاهر؛ أي: لمخالفته لما صحّ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث.
5 -
(ومنها): أن المفضول إذا رأى الفاضل يَعْمَل شيئًا يشكل عليه يسأله عنه.
6 -
(ومنها): أن المفاهيم معتبرة في الشرع، حيث إن عمر رضي الله عنه فَهِمَ من قوله تعالى:{إِنْ خِفْتُمْ} أن مفهومه عدم جواز القصر عند عدم الخوف، وقرره النبيّ صلى الله عليه وسلم على هذا الفهم، ولكن ذكر له مانعًا من اعتباره، وهو كونه صدقة من اللَّه تعالى مطلقةً غيرَ مقيدة بالخوف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1574]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد اللَّه الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [10](234)(خ م س) تقدم في "الإيمان" 10/ 145.
2 -
(يَحْيَى) بن سعيد القطّان الإمام الحافظ المتقن الحجة الثبت الناقد البصير [9](ت 198)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 385.
والباقون ذُكروا في السند السابق.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد تصريح ابن جريج بالتحديث عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمّار، فإنه مدلّس، فزالت عنه تهمة التدليس، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ) يعني أن يحيى بن سعيد حدّث عن ابن جُريج، بمثل ما حدّث به عبد اللَّه بن إدريس، عنه.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده" فقال:
(246)
حدّثنا يحيى، عن ابن جريج، حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عَمّار، عن عبد اللَّه بن بابيه، عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال اللَّه عز وجل:{إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، فقد ذهب ذاك اليومُ، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فذكرتُ ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1575]
(687) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور أول الباب.
2 -
(سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شُعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [10](ت 227) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 61/ 338.
3 -
(أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الزهرانيّ الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [10](ت 234)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 23/ 190.
4 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد) المقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 240) عن (90) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
5 -
(أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [7](ت 5 أو 176)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
6 -
(بُكَيْرُ بْنُ الْأَخْنَسِ) السَّدُوسيّ، ويقال: الليثيّ الكوفيّ، ثقةٌ [4].
رَوَى عن أبيه، وأنس، وابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأعمش، ومِسْعَر، وزيد بن أبي أنيسة، وأيوب بن عائذ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وأبو عوانة، وجماعة.
قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ثم أعاده في أتباع التابعين من الثقات، قال: وقد قيل: إنه سمع من أنس بن مالك، وقال ابن سعد: رَوَى عن الصحابة، وهو قليل الحديث، وقال الآجريّ: سألت أبا داود، عن بكير بن الأخنس؟، فقال: شيخٌ جائز الحديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال البخاريّ في "التاريخ": بكير بن
الأخنس، ويقال: ابن فيروز، رَوَى عنه أبو عوانة، وأما ابن أبي حاتم، ففرّق بينهما، وقال أبو حاتم: هو قديمٌ، ما روى عنه شعبة، ولا الثوريّ، فلا أدري كيف رَوَى عنه أبو عوانة، ولا أين لقيه؟ حكاه عن أبيه في "العلل".
روى له البخاريّ في "جزء القراءة"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (687) وأعاده بعده، و (1323) و (1536).
7 -
(مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام في التفسير والفقه [3](ت 1 أو 2 أو 3 أو 104) عن (83) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 21.
8 -
(ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه الحبر البحر رضي الله عنهما، مات سنة (68)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم.
2 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
3 -
(ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله عنهما أحد المكثرين السبعة، روى (1696) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالطائف.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ) وفي رواية النسائيّ: "فُرِضت الصلاةُ"(عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم) أي: بوحيٍ من اللَّه تعالى (فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا) منصوب على الحال، أي: كونها أربع ركعات بعد أن كانت ركعتين، ثمَّ قُصرت في السفر، فكانت صلاة السفر كأنها ما زيد فيها شيء، وهذا معنى قوله:(وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) فلا تعارض بين هذا الحديث وحديث عائشة رضي الله عنها المتقدّم: "فُرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر. . . " الحديث، وقد تقدّم تمام البحث في هذا عند شرح حديث عائشة رضي الله عنها المذكور. (وَفِي الْخَوْفِ
رَكْعَةً") أي: وفرض ركعة واحدةً في حالة الخوف، وفيه أن اللازم في الخوف ركعةٌ واحدةٌ، وبه قال طائفة من السلف، ومنهم: الثوريّ، وإسحاق، وهو مرويّ عن أبي هريرة، وأبي موسى الأشعريّ، وغير واحد من التابعين، وهو المذهب الراجح، ومنهم من قَيَّده بشدّة الخوف، وخالف في ذلك الجمهور، فقالوا: قصرُ الخوف قصرُ هيئة، لا قصر عدد، وتأوّلوا هذا الحديث بأن المراد بها ركعة مع الإمام، وليس فيه نفي الثانية، وسيأتي تحقيق القول ذلك مستوفًى في "باب صلاة الخوف" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 1575 و 1576](687)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1247)، و (النسائيّ) في "الصلاة"(456 و 1532)، وفي "تقصير الصلاة"(1441 و 1442)، وفي "الكبرى"(1899 و 1900 و 1920)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 464)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 237 و 254)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1346)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2868)، و (الطبريّ) في "تفسيره"(11/ 11041)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 309)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(11/ 11042)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2410)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1545 و 1546)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 135)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث عائشة رضي الله عنها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1576]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ
عَائِذٍ الطَّائِيُّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ، وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعًا، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً")
(1)
.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبل حديثين.
2 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ [10](ت 232)(خ م د س) تقدم في "المقدمة" 4/ 23.
3 -
(قَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ) أبو جعفر الكوفيّ، صدوقٌ، فيه لينٌ، من صغار [8].
رَوَى عن المختار بن فُلْفُل، وأبي مالك الأشجعيّ، وابن عون، وخالد الحذّاء، وعاصم بن كُليب، والْجُعيد بن عبد الرحمن، والأجلح الكِنْديّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وابن المدينيّ، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، ويحيى بن معين، ومحمد بن عبد اللَّه بن نُمير، وزُهير بن حرب، وعمرو الناقد، وفَرْوة بن أبي الْمَغْراء، ويعقوب بن ماهان، وغيرهم.
قال أبو داود، عن أحمد: كان صدوقًا، قال: وذَكَر أنه كان يلي بعض العمل في السواد، وقال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن الجنيد عن ابن معين: ما كان به بأسٌ صدوقٌ، وقال الآجريّ عن أبي داود: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وليس بالمتين، وقال إبراهيم بن عبد اللَّه الهرويّ، ومحمد بن عبد اللَّه بن عمار، وأبو الحسن العجليّ: ثقةٌ، وقال الساجيّ: ضعيفٌ، وقد رَوَى عنه علي ابن المديني في الناس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن سعد في أهل الكوفة، وقال: كان ثقةً صالح الحديث، بقي إلى ما بعد التسعين ومائة.
روى له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (687) و (2992).
(1)
وفي نسخة: "والخَوْفِ ركعة".
4 -
(أَيُّوبُ بْنُ عَائِذٍ الطَّائيُ) هو: أيوب بن عايذ -بتحتانيّة
(1)
، ومعجمة- ابن مُدْلِج الطائيّ الْبُحْتُرُيّ -بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة، وضمّ المثنّاة- الكوفيّ، ثقة رُمي بالإرجاء [6].
رَوَى عن قيس بن مسلم، وبُكير بن الأخنس، والشعبيّ.
ورَوَى عنه القاسم بن مالك الْمُزَنيّ، وعبد الواحد بن زياد، والسفيانان، وغيرهم.
قال البخاريّ، عن علي: له نحو عشرة أحاديث، وقال الدُّوريّ، عن يحيى: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صالحُ الحديث صدوقٌ، وقال البخاريّ: كان يرى الإرجاء، وهو صدوقٌ، وليس له عنده سوى حديث واحد، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المبارك: كان صاحب عبادة، ولكنه كان مرجئًا، وقال ابن حبان في "الثقات": كان مرجئًا يخطئ، وقال أبو داود: لا بأس به، وفي رواية: ثقةٌ، إلا أنه مرجئٌ، وقال ابن المدينيّ: ثنا أيوب بن عائذ، وكان ثقةً، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة.
روى البخاريّ حديثًا واحدًا، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون ذُكروا في الحديث الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1577]
(688) - (حَدَّثَنَا
(2)
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كنْتُ بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم).
(1)
هكذا في "التقريب" بتحتانيّة، والذي في نسخ "صحيح مسلم""عائذ" بالهمزة بدل التحتانيّة، فليُنظر.
(2)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2 كان هو وبُندارٌ فَرَسي رِهَان، وماتا في سنة واحدة.
2 -
(ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [9](ت 3 أو 194)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
4 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج أبو بسطام البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير [7](ت 160)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 381.
5 -
(قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [4](ت 117)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 70.
6 -
(مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ) هو: موسى بن سَلَمَة بن الْمُحَبّق -بمهملة، وموحّدة، بوزن محمد- الْهُذَليّ البصريّ، ثقةٌ [4].
رَوَى عن ابن عباس، وعنه ابنه مُثَنّى، وقتادة، وأبو التيَّاح.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.
روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (688) و (1325).
و"ابن عبّاس" رضي الله عنهما ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سداسيات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
3 -
(ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
4 -
(ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
5 -
(ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وآخر من مات بالطائف من الصحابة رضي الله عنهم، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ) -بضمّ الهاء، وفتح اللام-: نسبة إلى قبيلة هُذَيل، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (كَيْفَ أُصَلَي إِذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "سألَت ابن عبّاس، قال: فقلت له: إني مقيم ههنا -يعني بمكة- فكيف أصلي؟ "، والمراد -واللَّه أعلم- أنه أراد بإقامته إقامة لأداء الحج.
(إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ؟) وفي رواية النسائيّ: "إِذَا لَمْ أُصَلِّ فِي جَمَاعَةٍ؟ "، وفي رواية له:"قلت: تفوتني الصلاة في جماعة، وأنا بالبطحاء، ما ترى أن أصلي؟ "، والبَطحَاء: مَسِيلٌ فيه دُقاق الحصى، وقيل: بطحاء الوادي تُراب لَيِّنٌ مما جَرّته السيول، والجمع بطحاوات، وبِطَاح بالكسر.
وفي رواية أبي نعيم من طريق هشام، عن قتادة، عن موسى بن سلمة:"قال: قلت لابن عبّاس: إذا فاتني الصلاة في المسجد الحرام".
(فَقَالَ) ابن عبّاس رضي الله عنهما (رَكْعَتَيْنِ) أي: صَلِّ ركعتين قصرًا (سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم) يعني: أن القصر للحاجّ المسافر أيامَ إقامته بمكة سنةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فالأيام التي يقيمها خلال أداء النسك تُعتبر من جملة السفر.
والحاصل أن الحاج أيام أداء المناسك في مكة، وفيما حولها من منى، ومزدلفة، وعرفة، ونحوها يُعتبر مسافرًا، فيقصر صلاته، سواء صلاها جماعة، أو منفردًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 1577 و 1578](688)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة"(1443 و 1444)، وفي "الكبرى"(1901 و 1902)، و (ابن
حبّان) في "صحيحه"(2755)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2345 و 2346)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1547 و 1548)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[1578]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) أبو عبد اللَّه، أو أبو جعفر التميميّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 231)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 60/ 336.
2 -
(يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 182)(ع) تقدم في "الإيمان" 7/ 132.
3 -
(سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [6](ت 6 أو 156)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 127.
4 -
(مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربما وَهِمَ [9](ت 200)(ع) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
5 -
(أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [7](ت 154)(ع) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن موسى بن سلمة الْهُذَليّ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما.
وقوله: (نَحْوَهُ) أي: نحو حديث شعبة، عن قتادة الماضي.
[تنبيه]: أما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فقد ساقها الإمام النسائيّ في "سننه"، فقال:
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
(1444)
أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: حدّثنا قتادة، أن موسى بن سلمة حدّثهم، أنه سأل ابن عباس، قلت: تفوتني الصلاة في جماعة، وأنا بالبطحاء، ما ترى أن أصلي؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وأما رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة، فقد ساقها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (2/ 283) فقال:
(1548)
أخبرنا عبد اللَّه بن جعفر، ثنا يونس، ثنا أبو داود، ثنا هشام، عن قتادة، عن موسى بن سلمة (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيّان، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن عليّ، ثنا أبو داود، ثنا هشام، عن قتادة، عن موسى بن سلمة الْهُذَليّ، قال: قلت لابن عباس: إذا فاتني الصلاة في المسجد الحرام، وقال يونس: إذا لم أدرك الصلاة أصلي بالبطحاء؟، قال: ركعتين تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، ولفظهما واحد. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1579]
(689) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى ابْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ، حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ، وَجَلَسَ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي
(1)
، يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]).
(1)
وفي نسخة: "أتممتُ صلاتي".
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مُدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [9](ت 221) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" 17/ 617.
2 -
(عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) الْعَدَويّ، أبو أيّوب المدنيّ، لقبه رَبَاح -بموحّدة- وهو عم عبيد اللَّه بن عمر، ثقةٌ [6].
رَوَى عن أبيه، وسعيد بن المسيِّب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، والقاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي مروان.
ورَوَى عنه سليمان بن بلال، ويحيى القطان، ووكيع، والدَّرَاورديّ، وجعفر بن عون، وأبو عامر الْعَقَديّ، والواقديّ، وعثمان بن عمر بن فارس، والقاسم بن عبد اللَّه العمريّ، والقعنبيّ.
قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الحاكم: قال فيه القعنبيّ: عيسى بن حفص الأنصاريّ، وكانت أمه ميمونة بنت داود الخزرجية، فربما عُرِف بقبيلة أخواله.
قال ابن حبان، وابن قانع: مات سنة سبع وخمسين ومائة، وذكر ابن سعد عن الواقديّ أنه مات سنة سبع وخمسين ومائة في خلافة أبي جعفر، وهو ابن ثمانينِ سنةً، قال ابن سعد: وكان قليل الحديث، ونقل ابن خلفون أن العجليّ وَثَّقه.
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (689) و (1377)، وقال في "التهذيب": له عندهم حديثان: أحدهما عن أبيه، عن ابن عمر في قصر الصلاة، والآخر عن نافع، عن ابن عمر في فضل المدينة
(1)
. انتهى.
(1)
هو الحديث الآتي للمصنّف برقم (1377): حدّثني زهير بن حرب، حدّثنا عثمان بن عمر، أخبرنا عيسى بن حفص بن عاصم، حدّثنا نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن صبر على لأوائها، كنت له شفيعًا، أو شهيدًا يوم القيامة". انتهى.
3 -
(أَبُوهُ) حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، ثقةٌ [3](ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
4 -
(ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه رحمه الله، المتوفّى سنة (73)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 102.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (101) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، والقعنبيّ، وإن كان بصريًّا، إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّة، كما أسلفناه آنفًا.
3 -
(ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (2630) حديثًا، وفيه رواية الابن عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أنه (قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ) وفي رواية النسائيّ: "فَصلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ركعتين"(ثُمَّ أَقْبَلَ) أي: إلى رحله، وفي رواية النسائيّ:"ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ"(وَأقبَلْنَا مَعَهُ، حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ) أي: منزله، وهو -بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة- قال الفيّوميّ: هو كلُّ شيء يُعَدّ للرَّحِيل، من وِعَاء للمتاع، ومَرْكَب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أَرْحُل، ورِحَالٌ، مثلُ أَفْلُس، وسِهَامٍ. انتهى
(1)
. (وَجَلَسَ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ) أي: حضرت، وحصلت (مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ) واحدة الالتفات، وهو التوجّه والانصراف، يقال: التَفَتَ بوجهه يَمْنةً ويسرةً، ولَفَتهُ لَفْتًا، من باب ضرب: إذا صرفه إلى ذات اليمين أو الشمال
(2)
. (نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى) أي: إلى جهة المكان الذي صلّى فيه الظهر (فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا) أي: قائمين (فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟)"ما" استفهامية، والاستفهام هنا للإنكار (قُلْتُ) القائل هو حفص بن عاصم (يُسَبِّحُونَ) أي: يصلون النافلة، فالسبحة معناها النافلة (قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي)
(1)
"المصباح المنير" 1/ 222.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 555.
وفي نسخة: "أتممتُ صلاتي"، يعني أنه لو كان مخيّرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فَهِمَ من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ، قاله في "الفتح"
(1)
.
وقال السنديّ رحمه الله: لعلّ المعنى: لو كنت صليت النافلة على خلاف السنة لأتممت الفرض على خلافها؛ أي: لو تركت العمل بالسنة لكان تركها لإتمام الفرض أحبّ، وأولى من تركها لإتيان النفل، وليس المعنى: لو كانت النافلة مشروعة لكان الإتمام مشروعًا، حتى يَرِدَ عليه ما قيل: إن شرع الفرض تامّةً يُفضي إلى الحرج؛ إذ يلزم حينئذ الإتمام، وأما شرع النفل، فلا يُفضي إلى حرج؛ لكونها إلى خِيرة المصلي
(2)
. انتهى.
وقال النوويّ رحمه الله: معناه: لو اخترت التنفل لكان إتمام فريضتي أربعًا أحبّ إليّ، ولكني لا أرى واحدًا منهما، بل السنة القصر، وترك التنفل.
ومراده النافلة الراتبة مع الفرائض، كسنة الظهر والعصر وغيرها من المكتوبات، وأما النوافل المطلقة، فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعلها في السفر، ورَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعلها، كما ثبت في مواضع من "الصحيح" عنه. انتهى
(3)
.
(يَا ابْنَ أَخِي) نداء لحفص بن عاصم؛ فإنه ولد أخيه عاصم بن عمر بن الخطّاب (إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ) أي: في هذه الصلاة التي صلاها لهم في ذلك الوقت، فلا يُعتَرَض على كلامه بالمغرب، حيث لا تُصلَّى ركعتين إجماعًا.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: يَحْتَمِل هذا اللفظ -يعني: "كان لا يزيد في السفر على ركعتين"- أن يريد أن لا يزيد في عدد ركعات الفرض، فيكون كنايةً عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر، ويَحْتَمِل أن
(1)
"الفتح" 2/ 673.
(2)
"الْخِيرة" بالكسر: اسم من الاختيار، كالفِدْية من الافتداء، قاله في "المصباح" 1/ 185.
(3)
"شرح النوويّ" 5/ 198.
يريد لا يزيد نفلًا، ويمكن أن يريد ما هو أعمّ من ذلك. انتهى.
قال الحافظ رحمه الله: ويدلّ على هذا الثاني رواية مسلم، ولفظه:"صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل، وأقبلنا معه، حتى جاء رحله، وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؛ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت"، فذكر المرفوع. انتهى.
قال النوويّ رحمه الله: أجابوا عن قول ابن عمر رضي الله عنهما هذا بأن الفريضة محتّمة، فلو شُرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خِيرة المصلي، فطريق الرفق به أن تكون مشروعة، ويُخيّر فيها. انتهى.
قال الحافظ: وتُعُقّب بأن مراد ابن عمر بقوله: "لو كنت مسبحًا لأتممت" يعني أنه لو كان مخيّرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فَهِم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ. انتهى.
(حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ) غاية لقصره في السفر (وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق رضي الله عنه (فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ) بن الخَطّاب (فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ) بن عفّان رضي الله عنه (فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ) وإنما ذكر ابن عمر رضي الله عنهما الموقوف بعد المرفوع مع أن الحجة قائمة بالمرفوع؛ ليُبيّن أن العمل استمرّ على ذلك، ولم يطرُق إليه نسخٌ، ولا مُعارِضٌ، ولا راجحٌ.
واستُشْكِل قوله: "ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه"؛ لأنه ثبت فيما سيأتي في الباب التالي من حديث ابن عمر أن عثمان أتمها بعد ثماني سنين، أو ست.
وأجيب: بأن المراد في هذه الرواية أن عثمان لم يَزِد على ركعتين حتى قبضه اللَّه في غير منى، والروايات المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنى خاصّةً، وقد فَسَّر عمران بن الحصين في روايته أن إتمام عثمان إنما كان بمنى، أفاده النوويّ رحمه الله
(1)
.
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 198 - 199.
ثم ذكر ابن عمر رضي الله عنهما دليلًا على أن الأولى بالمسلم الحريص على دينه أن يقتدي بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، فيفعل ما فعله، ويترك ما تركه، ومن جملته ترك السنن الرواتب، فقال:
(وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}) زاد في رواية لأبي عوانة: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
ومعنى: {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ؛ أي: قُدْوة صالحة، يقال: لي في فلاة أُسوة: أي: لي به أسوة، والأسوة من الائتساء، كالقُدوة من الاقتداء: اسم يوضع موضع المصدر.
وقال القرطبيّ في "تفسيره": و"الأسوة": القُدوة، وقرأ عاصم {أُسْوَةٌ} بضم الهمزة، والباقون بالكسر، وهما لغتان، والجمع فيهما واحدٌ عند الفراء، والعلَّة عنده في الضم على لغة من كسر في الواحدة الفرق بين ذوات الواو وذوات الياء، فيقولون: كِسْوة وكُسًا، ولحية ولُحى، قال الجوهري: والأُسوة والإِسوة بالضم والكسر لغتان، والجمع أُسًى وإسًى.
والأسوة: القدوة: والأسوة: ما يُتَأَسَّى به؛ أي: يُتَعَزَّى به، فَيُقْتَدى به في جميع أفعاله، ويتعزى به في جميع أحواله، فلقد شُجّ وجهه صلى الله عليه وسلم، وكُسِرت رباعيته، وقُتِل عمه حمزة، وجاع بطنه، ولم يُلْفَ إلا صابرًا محتسبًا، وشاكرًا راضيًا
(1)
.
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أقواله، وأفعاله، وأحواله، ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره، ومصابرته، ومرابطته، ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه عز وجل صلوات اللَّه وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ولهذا قال تعالى للذين تَضَجَّروا، وتزبزلوا، واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي: هلا اقتديتم به، وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال تعالى:{لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} . انتهى
(2)
.
(1)
"الجامع لأحكام القرآن" 14/ 155 - 156.
(2)
"تفسير ابن كثير" 4/ 271.
وقال الشوكاني رحمه الله: وفي هذه الآية عِتَاب للمتخلفين عن القتال مع رسول صلى الله عليه وسلم؛ أي: لقد كان لكم في رسول اللَّه حيث بَذَل نفسه للقتال، وخرج إلى الخندق لنُصرة دين اللَّه أسوة، وهذه الآية وإن كان سببها خاصًّا، فهي عامّة في كل شيء، ومثلها:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وقوله:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
واللام في: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} متعلّق بـ {حَسَنَةٌ} ، أو بمحذوف هو صفة لـ {حَسَنَةٌ}؛ أي: كائنة لمن يرجو اللَّه.
وقيل: إن الجملة بدل من الكاف في {لَكُمْ} ، وردّه أبو حيان، وقال: إنه لا يُبْدَل من ضمير المخاطب بإعادة الجارّ.
ويجاب عنه بأنه قد أجاز ذلك الكوفيون والأخفش، وإن منعه البصريون.
والمراد بمن كان يرجو اللَّه: المؤمنون، فإنهم الذين يرجون اللَّه ويخافون عذابه، ومعنى يرجون اللَّه: يرجون ثوابه، أو لقاءه، ومعنى يرجون اليوم الآخر: أنهم يرجون رحمة اللَّه فيه، أو يُصَدِّقون بحصوله، وأنه كائن لا محالة، وهذه الجملة تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى.
وقوله تعالى: {وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} معطوف على {كَانَ} أي: ولمن ذكر اللَّه في جميع أحواله ذكرًا كثيرًا، وجَمَع بين الرجاء للَّه والذكر له؛ لأن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قاله الشوكانيّ رحمه الله
(1)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: واختُلِف في هذه الأسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم هل هى على الإيجاب، أو على الاستحباب؟ على قولين:
أحدهما: على الإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب.
الثاني: على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب، ويَحْتَمِل أن يُحْمَل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح أن الاقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم مستحبّ ما لم يقم دليل الوجوب، فيجب، وقد حقّقت المسألة في "التحفة المرضيّة"،
(1)
فتح القدير 4/ 270 - 271.
(2)
"الجامع لأحكام القرآن" 14/ 156.
و"شرحها" في الأصول، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 579 و 1580](689)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة"(1101 و 1102)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1223)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة"(1458)، و"الكبرى"(1916)، و (ابن ماجه) في "الصلاة"(1071)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 24 و 2/ 56)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(827)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1257)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2335 و 2336 و 2337 و 2338 و 2339 و 2340)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1549)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): ترك السنن الرواتب في السفر.
2 -
(ومنها): بيان ملازمة النبيّ صلى الله عليه وسلم للقصر في السفر، فلم يثبت عنه أنه أتمّ في السفر حتى توفاه اللَّه تعالى، وكذا الخلفاء رضي الله عنهم بعده، ففيه الردّ على من قال: بأن الإتمام أفضل من القصر.
3 -
(ومنها): الإنكار على من خالف السنة، وإن لم تكن واجبة.
4 -
(ومنها): فضل ابن عمر رضي الله عنهما، حيث كان شديد الاتباع للنبيّ صلى الله عليه وسلم، في جميع أفعاله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التطوع في السفر:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختلفوا في التطوع في السفر، فثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما لم يكن يصلي في السفر مع الفريضة شيئًا قبلها، ولا بعدها، إلا من جوف الليل.
ورأت طائفة التطوع في السفر، فممن روينا عنه أنه كان يتطوع في السفر عمر، وعليّ، وعبد اللَّه بن مسعود، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وابن
عباس، وأبو ذرّ رضي الله عنهم، وقال الحسن البصريّ: كان أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُسافرون، فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها.
وممن رُوي عنه أنه كان يتطوع في السفر: القاسم بن محمد، والأسود بن يزيد، والحارث بن سُويد، وعطاء بن أبي رَبَاح، وطاوس، والشعبيّ، ومكحول، والحسن البصريّ، والنخعيّ، وعروة بن الزبير، وعمرو بن ميمون، وجابر بن زيد، وأبو وائل، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي -رحمهم اللَّه تعالى-. انتهى
(1)
.
وقال الإمام الترمذيّ رحمه الله: ثم اختلف أهل العلم بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، فرأى بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد، وإسحاق، ولم ير طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها، ولا بعدها، ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة، ومن تطوّع فله في ذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم، يختارون التطوع في السفر. انتهى
(2)
.
وقال النوويّ رحمه الله: قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر، وآخرون، واستحبها الشافعيّ، وأصحابه، والجمهور، ودليلهم الأحاديث العامّة الواردة في ندب مطلق الرواتب، وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم الضحى في يوم الفتح، وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخر صحيحة، ذكرها أصحاب السنن، والقياس على النوافل المطلقة. انتهى.
وقال الإمام ابن القيّم رحمه الله: كان من هديه صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الفرض، ولم يُحفَظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى سنة الصلاة قبلها، ولا بعدها، إلا ما كان من الوتر، وسنة الفجر، فإنه لم يكن لِيَدَعَهما حضرًا، ولا سفرًا. قال: وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة، ولا بعدها، إلا من جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة، ولا بعدها شيئًا، ولم يكن يمنع من التطوع قبلها، ولا بعدها، فهو كالتطوع
(1)
"الأوسط" 5/ 241 - 244.
(2)
"جامع الترمذيّ" بنسخة "تحفة الأحوذيّ" 3/ 118 - 119.
المطلق، لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة، ويؤيِّد هذا أن الرباعية قد خُفّفت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر، فكيف يُجعل لها سنة راتبة يُحافظ عليها، وقد خُفّف الفرض ركعتين؟ فلولا قصد التخفيف على المسافر، وإلا كان التمام أولى به.
وقال أيضًا رحمه الله: كان -أي النبيّ صلى الله عليه وسلم يواظب على سنة الفجر، والوتر أشدّ من جميع النوافل، دون سائر السنن، ولم يُنْقَل أنه صلى الله عليه وسلم صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين، وسئل عن سنة الظهر في السفر؟ فقال: لو كنت مسبِّحًا لأتممت، وهذا من فقهه رضي الله عنه، فإن اللَّه سبحانه وتعالى خَفَّف عن المسافر في الرباعية شطرها، فلو شُرع لها الركعتان قبلها، أو بعدها لكان الإتمام أولى به. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تَبَيَّن بما ذُكر أن النفل المطلق ثابت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في السفر، وكذا الوتر، ومن السنن الراتبة سنة الصبح، وما عدا ذلك، فأحاديثه متكلَّم فيها، وإن ثبتت فتُحْمَل على أنه صلى الله عليه وسلم فعلها لبيان الجواز، فالأولى للمسافر أن يلازم ما لازمه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
والحاصل أن الأولى للمسافر أن يتطوّع بمطلق النافلة، كصلاة الليل، وصلاة الوتر، وصلاته صلى الله عليه وسلم على راحلته في الطريق حيثما توجّهت به، وأما السنن الرواتب فالأولى له تركها، غير سنّة الصبح؛ اقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1580]
(. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُريعٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ يَعُودُنِي، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ السُّبْحَةِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّفَرِ، فَمَا رَأَيْتُهُ يُسَبِّحُ، وَلَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}).
(1)
"زاد المعاد" 1/ 473 - 475.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ [6] مات قبل (150)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 31/ 233.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ يَعُودُنِي) أي: يزورني، وفي رواية أبي عوانة من طريق الهيثم بن جميل، عن عاصم بن محمد، عن أخيه عمر بن محمد قال: دخلنا على حفص بن عاصم نعوده في شَكْوَى، قال: فحدّثنا، قال: دخل عليّ عمي عبد اللَّه بن عمر، قال: فوجدني قد كَسَرْتُ لي نُمْرُقةً -يعني الوسادة- قال: وبسطت عليها خُمرةً، قال: فأنا أسجد عليها، قال: فقال لي: يا ابن أخي لا تصنع هذا تناول الأرض بوجهك، فإن لم تقدر على ذلك، فأومئ برأسك إيماءً، قال: فقلت: يا عمّ رأيتك في السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها، قال: يا ابن أخي صحبت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . . الحديث
(1)
.
وقوله: (قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ السُّبْحَةِ فِي السَّفَرِ؟) وفي رواية أبي عوانة من طريق هاشم بن القاسم، عن عاصم بن محمد، عن عمر بن محمد، عن حفص بن عاصم بن عمر:"قلت لعبد اللَّه بن عمر: يا عمّ إني رأيتك في السفر لا تصلّي قبل الصلاة ولا بعدها"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(2) - (بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1581]
(690) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ ابْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
(1)
"مسند أبي عوانة" 2/ 66 - 67.
وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ [10](229)(م د) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.
2 -
(حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [8](ت 179)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
3 -
(يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظ [10](ت 252)(ع) تقدم في "الإيمان" 25/ 209.
4 -
(إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم ابن عُليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبتٌ [8](ت 193)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
5 -
(أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ فقيهٌ [5](ت 131)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 305.
6 -
(أَبُو قِلَابَةَ) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الْجَرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [3](ت 104) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 17/ 173.
7 -
(أَنَسُ) بن مالك رضي الله عنه المتوفّى سنة (2 أو 93)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه: خلف، وأبي الربيع، وزُهير، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثالث ما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيوخه، فخلف، وأبو الربيع، وزُهير بغداديون، وقُتيبة بغلانيّ، ويعقوب كوفيّ.
4 -
(ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة.
5 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن أبي قلابة.
6 -
(ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة.
7 -
(ومنها): أن أنسًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله عنهم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظُّهْرَ) أي: صلاة الظهر (بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا) أي: أربع ركعات، وكان ذلك في اليوم الذي خرج فيه إلى مكة للحج، وهو يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القَعْدة، وقيل: يوم السبت لخمس ليال بقين منه، والأصحّ أنه "لخمس بقين من ذي القعدة"، كما سيأتي للمصنّف في "كتاب الحجّ" -إن شاء اللَّه تعالى- وذلك لسَنَةَ عشرٍ من الهجرة (وَصَلَّى الْعَصْرَ) أي: صلاة العصر (بذِي الْحُلَيْفَةِ) هو: ماءٌ من مياه بني جُشَم، ثم سُمِّيَ به الموضع، تصغير حَلَفَة
(1)
، وهو ميقات أهل المدينة، نحو مَرْحَلَةٍ عنها، ويقال: ستة أميال. وقيل: سبعة
(2)
.
(رَكْعَتَيْنِ) أي: لكونه مسافرًا، وفيه أن من أراد السفر لا يَقْصُرُ حتى يَبْرُزَ من البلد، خلافًا لمن قال من السلف: يقصر ولو في بيته، وفيه أيضًا حجة على مجاهد في قوله: لا يقصر حتى يدخل الليل، واستدل به من قال بجواز القصر في السفر القصير؛ لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال.
وتُعُقّب بأن ذا الحليفة لم يكن منتهى السفر، وإنما خرج إليها حيث كان قاصدًا إلى مكة، فاتفق نزوله بها، وكانت أول صلاة حَضَرتْ بهما العصرُ، فقصرها، واستَمَرَّ يقصر إلى أن رجع إلى المدينة، أفاده في "الفتح"
(3)
.
(1)
الْحَلْفاء وزان حمراء: نبات معروف، الواحدة حَلَفَة كقَصَبة، وقيل: بكسر اللام.
(2)
راجع "المصباح المنير" 1/ 146.
(3)
"الفتح" 2/ 664.
وقال القرطبيّ رحمه الله: هذا كان وقد أزمع النبيّ صلى الله عليه وسلم على سفره إلى مكة، والظاهر أنه كان في حجته، وبين ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال، وقيل: سبعة، واختُلف في الموضع الذي يبدأ منه بالقصر المسافر، فذهب جمهور السلف والعلماء إلى أنه إذا خرج من بيوت المدينة قَصَرَ، وإذا دخلها راجعًا من سفره أتمّ، ومحصول مشهور مذهب مالك هذا، ورُوي عنه أنه لا يقصُرُ حتى يُجاوز ثلاثة أميال إن كانت القرية مما تُجمَّع فيها الجمعةُ، فإذا رجع أتمّ من هناك، ورُوي عن عطاء وغيره وجماعة من أصحاب عبد اللَّه أنه إذا أراد السفر قَصَرَ قبل خروجه، ورُوي عن مجاهد: لا تَقْصُر إذا خرجت يومك إلى الليل، ولم يوافقه أحد على هذا، والصحيح مذهب الجمهور، وفي حديث أنس رضي الله عنه هذا ما يرُدّ قولَ عطاء، ومن قال بقوله، وقولَ مجاهد، فإنه صلى الله عليه وسلم قصر بعدما فارق المدينة، وقبل الليل، فكان ذلك ردًّا لقولهما. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
(1)
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [2/ 1581 و 1582](690)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة"(1089)، و"الحجّ"(1546 و 1547 و 1548 و 1551 و 1712 و 1714 و 1715 و 2951 و 2986)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1202)، و (الترمذيّ) فيها (546)، و (النسائيّ) فيها (469)، وفي "الكبرى"(353)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(14)، و (الشافعيّ) في "السنن"(14)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 443)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 11)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 354 و 355)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2743 و 2744 و 2747 و 2748)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (2374 و 2375 و 2376 و 2377
(1)
"المفهم" 2/ 331 - 332.
و 2378)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1020)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة قصر الصلاة الرباعية في السفر.
2 -
(ومنها): بيان عدد ركعات صلاة الحضر والسفر.
3 -
(ومنها): أن من أراد سفرًا لا يُشْرَع له القصر قبل خروجه من بيته، خلافًا لمن قال: يَقْصُر ولو في بيته.
4 -
(ومنها): أن من خرج من بيته يقصر ولو لم يدخل الليل، خلافًا لمجاهد.
5 -
(ومنها): أن الخروج إلى المحل القريب لا يُشْرَع فيه القصر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء، وأحُدًا، وَبقِيعًا، وغيرَ ذلك فما قصر فيها، وإنما قصر في السفر الطويل، كمكة ونحوها، وقد تحقق ذلك كلّه، وبيان مذاهب العلماء بأدلتها، وترجيح الراجح منها بدليله في الباب الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1582]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(1)
سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(سُفْيَانُ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد اللَّه بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [31](ت 130) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" 11/ 584.
4 -
(إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ [5].
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
رَوَى عن أنس، ووهب بن عبد اللَّه بن قارب، وله صحبة، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعمرو بن الشَّرِيد، وغيرهم.
وروى عنه أيوب، وشعبة، والسفيانان، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وابن جريج، وغيرهم.
قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو ستين حديثًا وأكثر، وقال الحميديّ، عن سفيان: أخبرني إبراهيم بن ميسرة، مَن لم تَرَ عيناك واللَّه مثله، وقال حامد البلخيّ، عن سفيان: كان من أوثق الناس، وأصدقهم، وقال أحمد، ويحيى، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: قلت لسفيان: أين كان حفظ إبراهيم عن طاوس، من حفظ ابن طاوس؟ قال: لو شئت أن أقول لك إني أُقَدِّم إبراهيم عليه في الحفظ لقلت، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن سعد: مات في خلافة مروان بن محمد، وكان ثقة كثير الحديث، وقال البخاريّ: مات قريبًا من سنة (132).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (695) و (848) و (1472) و (1997) و (2255).
و"أنس بن مالك" رضي الله عنه ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (102) من رباعيّات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1583]
(691) - (وَحَدَّثَنَاه
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ
(2)
، عَنْ
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا محمد بن جعفر، عن شعبة".
يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، شُعْبَةُ الشَّاكُّ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، سوى:
1 -
(يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ) أبو نصر، ويقال: أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ
(1)
[5].
رَوَى عن أنس بن مالك، والفرزدق، وعنه شعبة، ومحمد بن دينار الطاحيّ، وخَلَف بن خَلِيفة، وعُتبة بن حميد الضبيّ، وابن عُلَيّة.
قال أبو حاتم: شيخ وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ومن قال: يزيد بن يحيى، أو يزيد بن أبي يحيى، فقد وهم
(2)
.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وليس له عندهما إلا هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: "الْهُنائيّ" -بضمّ الهاء، وبعدها نون مخفّفة، وبالمدّ-: نسبة إلى هُناء بن مالك بن فَهْم بن غَنْم بن دوس، بطنٌ من الأزد، يُنسب إليهم نفرٌ، منهم أبو يزيد يحيى بن يزيد بن مُرّة الْهُنائيّ، من التابعين، يروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قاله السمعانيّ رحمه الله
(3)
.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما.
2 -
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه أبي بكر، فكوفيّ.
(1)
وأما قول صاحب "التقريب" عنه: مقبول، فليس بمقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وهو من شيوخ شعبة، وابن عُليّة، ووثقه ابن حبّان، وقال أبو حاتم: شيخ، وأخرج له مسلم في "صحيحه"، وقال الذهبيّ في "الميزان": ما به بأس، وقال في "الكاشف": صالحٌ، ولم يتكلّم فيه أحد بجرح، فهذا هو معنى الثقة، فتنبّه.
(2)
"كتاب الثقات" لابن حبّان 5/ 530 - 531.
(3)
"الأنساب" 5/ 565.
3 -
(ومنها): أن شيخه محمد بن بشّار أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة.
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ) -بضم الهاء، وتخفيف النون- أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ؟) يقال: قَصَرتُ الصلاةَ قصرًا، من باب نصر، وقصّرتها تقصيرًا، وأقصرتها إقصارًا، والأول أشهر في الاستعمال، وأفصح، وهو لغة القرآن، وقد تقدّم تمام البحث فيه.
والمعنى: أنه سأله عن مقدار المسافة التي تُقصر فيها الصلاة (فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ) للشكّ (ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، شُعْبَةُ الشَّاكُّ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) قال النوويّ رحمه الله: هذا ليس على سبيل الاشتراط، وإنما وقع بحسب الحاجة؛ لأن الظاهر من أسفاره صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يسافر سفرًا طويلًا، فيخرج عند حضور فريضة مقصورة، ويترك قصرها بقرب المدينة ويتمها، وإنما كان يسافر بعيدًا من وقت المقصورة، فتدركه على ثلاثة أميال، أو أكثر، أو نحو ذلك، فيصليها حينئذ، والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدات على جواز القصر من حين يخرج من البلد، فإنه حينئذ يسمى مسافرًا. انتهى
(1)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: ربّما تمسّك بهذا الحديث بعض الظاهريّة، وبحديث ذي الحليفة على أن من نوى سفرًا قصيرًا، ولو لم يبلغ يومًا تامًّا أنه يقصر، ولا حُجّة له فيه؛ لأنه مشكوك فيه، فلا يوثق لا بثلاثة أميال، ولا بثلاثة فراسخ؛ إذ كلّ واحد منهما مشكوك فيه، وعلى تقدير أحدهما، فلعلّه حدّد المسافة التي بدأ منها القصر، وسفره بعد ذلك كان أزيد بالمقدار الذي حكيناه عن الجمهور. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لأنه مشكوك فيه. . . إلخ" فيه نظر لا يخفى، إذ مثل هذا الشكّ لا يضرّ؛ لأن الأميال الثلاثة داخلة في الفراسخ،
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 200.
(2)
"المفهم" 2/ 332.
فيؤخذ بالأكثر؛ احتياطًا، كما قاله في "الفتح"، فلا يضرّ الشكّ في مثل هذا.
وأما حَمْلُ من حمله -كالنوويّ- على أن المراد به المسافة التي يُبتدَأُ منها القصر، لا غاية السفر، فمما لا يخفى بعده، ومما يُبطله أن البيهقيّ ذكر في روايته أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس رضي الله عنه، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع، فقال أنس. . . فذكر الحديث، فقد تبيّن أنه إنما سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه، فتبصّر.
وأيضًا الصحيح عند القائلين بتحديد مسافة القصر بيومين، أو ثلاث أنه لا يتقيّد ابتداء القصر بمسافة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه.
والحاصل أن حديث أنس رضي الله عنه كما قال في "الفتح"-
(1)
هذا أصحّ ما ورد في بيان أقلّ مسافة القصر، وأصرحه، فالاعتماد عليه أولى من غيره، وقد تقدّم تحقيق ذلك في المسألة الخامسة من شرح حديث عائشة رضي الله عنها المتقدّم في الباب الماضي، فارجع إليه تزدد علمًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [2/ 1583](691)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1201)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 443)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 129)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2745)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2368)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 661.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1584]
(692) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إِلَى قَرْيَةٍ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ
(1)
كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام [9](ت 198)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 388.
2 -
(يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرِ) بن يزيد الرَّحَبيّ الْهَمْدانيّ، أبو عمر الْحِمْصيّ الزَّبَاديّ، صدوقٌ [5].
رَوَى عن عبد اللَّه بن بُسْر المازنيّ، وأبي إمامة الباهليّ، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، وحبيب بن عبيد، وسُليم بن عامر، وبسر بن عبيد اللَّه الحضرميّ، وغيرهم.
وروى عنه صفوان بن عمرو، وشعبة، وجُمَيع بن أيوب، والضحاك بن حمزة الأُمْلُوكيّ، ومحمد بن جُحَادة، وأبو عوانة، وآخرون.
قال سليمان بن حرب، عن شعبة: كان ثقةً، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: صالح الحديث، وقال حرب، عن أحمد: كان كَيِّسًا، وحديثه حسنٌ، وقال الخضر بن داود، عن أحمد: ما أحسن حديثه، وأصحه، ورفع أمره، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال مرّةً: ليس به بأس، وقال الهيثم بن عديّ: قلت لشعبة: رَوَيت عن يزيد بن خُمير، وكان شُرْطيًّا لهشام؟ قال: ويحك، كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(1)
وفي نسخة: "إنما فعلت".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (692) و (1441) و (2042).
3 -
(حَبِيبُ بْنِ عُبَيْدٍ) الرَّحَبيّ -بفتح الراء، والحاء المهملة، ثم موحّدة- أبو حفص الحمصيّ، ثقة [3].
رَوَى عن الْعِرْباض بن سارية، والْمِقْدام بن مَعْدِي كَرِب، وأبي أمامة، وعُتبة بن عبد السُّلَميّ، وحبيب بن مسلمة الْفِهْريّ، وجُبير بن نُفير، وبلال بن أبي الدرداء، وأوسط البجليّ، وغيرهم، وأرسل عن عائشة رضي الله عنها.
وروى عنه حَرِيز بن عثمان، وثور بن يزيد، ومعاوية بن صالح، ويزيد بن خُمَير، وجماعة.
قال صاحب "تاريخ الحمصيين": قديمٌ أدرك ولاية عُمير بن سعد الأنصاريّ على حمص، وقال النسائيّ: ثقة، قال: وقال حبيب بن عُبيد: أدركت سبعين رجلًا من الصحابة رضي الله عنهم، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (692) و (963).
4 -
(جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرِ) بن مالك بن عامر الْحَضْرميّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرمٌ، ولأبيه صحبة، فكأنه ما وفد هو إلا في عهد عمر رضي الله عنه[2](ت 80) أو بعدها (بخ م 4) تقدم في "الطهارة" 6/ 559.
5 -
(شرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ) -بكسر السين المهملة، وسكون الميم- ابن الأسود بن جَبَلَة بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الكِنْديّ، أبو يزيد، ويقال: أبو السِّمْط الشاميّ، مُختلَف في صحبته، رَوى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن عمر، وسلمان، وعمرو بن عَبَسة، وعبادة بن الصامت، وكعب بن مُرّة الْبَهْزيّ، وغيرهم.
وروى عنه جُبير بن نُفير، وسالم بن أبي الجعد، وخالد بن يزيد الشاميّ، وسُليم بن عامر الخبائريّ، وأبو عُبيدة مُرّة بن عقبة بن نافع الْفِهْريّ، ومكحول، وغيرهم.
قال ابن سعد: جاهليّ إسلاميّ، وَفَد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وشَهِدَ القادسية،
وافتَتَحَ حِمْصَ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو عامر الْهَوْزنيّ: حضرت مع حبيب بن مسلمة جنازة شُرَحْبيل، وجزم البخاريّ في "تاريخه" بأن له صحبةً، وذكره ابن حبان في "الصحابة"، فقال: كان عاملًا على حمص، ومات بها، ثم أعاده في ثقات التابعين، وقال الحاكم أبو أحمد: له صحبةٌ، وذكره ابن السكن، وابن زَبْر في الصحابة، وذكر خليفة أنه كان عاملًا لمعاوية على حمص نحوًا من عشرين سنةً، وقال ابن عبد البرّ: شَهِدَ صِفِّين مع معاوية رضي الله عنه.
وقال صاحب "تاريخ حِمْصَ": تُوُفِّي بِسَلَمْيَةَ
(1)
سنة (36) بلغني أنه هاجر إلى المدينة زمن عمر، وقال أبو داود: مات شُرحبيل بصِفِّين، وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة (40).
أخرج المصنّف، والأربعة
(2)
، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (692) و (1913).
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من ثمانيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، سوى زُهير، فبغداديّ، والباقون حمصيّون، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
3 -
(ومنها): أن فيه أربعةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: يزيد بن خُمير، فمن بعده، وتقدمت لهذا نظائر كثيرة، وسيأتي بيان باقيها في مواضعها -إن شاء اللَّه تعالى- هذا على القول بكون شُرَحبيل تابعيًّا، وأما على قول من أثبت له الصحبة، كالبخاريّ وغيره، رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
قال في "القاموس"(4/ 130): وسَلَمْيَةُ مسكّنة الميم، مخفّفة الياء: بلدٌ. انتهى.
(2)
وقال في "تهذيب التهذيب"(2/ 158): له في البخاريّ ذِكْرٌ في "صلاة الخوف" في أَثَرٍ مُعَلَّق، ينبغي أن يُعَلَّم له علامته، وقد نبهت على الأثر المذكور في ترجمة الأشتر النخعيّ في مالك بن الحارث من حرف الميم. انتهى.
شرح الحديث:
(عَنْ خبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) بتصغير الاسمين، أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ) -بضمّ الشين المعجمة، وفتح الراء، وسكون الحاء المهملة- (ابْنِ السِّمْطِ) -بكسر السين، وإسكان الميم- ويقال: السَّمِط -بفتح السين، وكسر الميم-
(1)
(إِلَى قَرْيَةٍ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا) وفي الرواية التالية: "إنه أتى أرضًا يقال لها: دُومين، من حمص على رأس ثمانية عشر ميلًا"(فَصَلَّى) شُرَحبيل (رَكْعَتَيْنِ) أي: صلى الصلاة الرباعيّة ركعتين قصرًا (فَقُلْتُ لَهُ) مقول القول محذوف؛ أي: لماذا فعلت هذا؟، أو لماذا قصرت؟، وفي رواية النسائيّ:"فسألته عن ذلك؟ "؛ أي: سألته عن كونه قصر الصلاة في هذه المسافة (فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله عنه.
[تنبيه]: قوله: "رأيت عمر" رضي الله عنه هكذا النسخ التي بين أيدينا، وهو الصواب، ووقع عند بعضهم:"رأيت ابن عمر"، وهو وَهَمٌ.
قال الحافظ أبو عليّ الحيّانيّ بعد أن أورد الحديث بلفظ: "رأيت ابن عمر صلّى. . . إلخ" ما نصّه: هكذا في نسخة ابن الحذّاء: "رأيت ابن عمر"، والصواب:"رأيت عمر"، وكذلك رواه أبو أحمد الْجُلُوديّ:"رأيت عمر"، والحديث محفوظ لعمر، قال: وكذلك خرّجه ابن أبي شيبة، وأبو بكر البزّار، وغيرهما عن عمر رضي الله عنه. انتهى
(2)
.
(صَلَّى بذِي الْحُلَيْفَةِ) تقدّم ذكرها قبل حديث (رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ) أي: سألت عمر رضي الله عنه عن قصره في تلك المسافة (فَقَالَ: إِنَّمَا أَفَعَلُ) وفي نسخة: "إنما فعلتُ"(كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ) أي: فإنه صلى الله عليه وسلم كان يقصر في مثل هذا، أو أراد فعله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حيث صلّى هناك العصر ركعتين، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ: هذا الحديث مما قد يتوهم أنه دليلٌ لأهل الظاهر، ولا دلالة فيه بحال؛ لأن الذي فيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعمر رضي الله عنه إنما هو القصر بذي
(1)
"شرح النووي" 5/ 201.
(2)
راجع: "تقييد المهمل" 3/ 818 - 819.
الحليفة، وليس فيه أنها غاية السفر، وأما قوله: قَصَرَ شُرَحبيل على رأس سبعة عشر ميلًا، أو ثمانية عشر ميلًا، فلا حجة فيه؛ لأنه تابعيّ فَعَلَ شيئًا يخالف الجمهور، أو يُتأوَّل على أنها كانت في أثناء سفره، لا أنها غايته، وهذا التأويل ظاهر، وبه يصح احتجاجه بفعل عمر رضي الله عنه، ونقله ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "أو يُتأوّل على أنها. . . إلخ" فيه نظرٌ، إذ يُبعده قوله في الرواية التالية:"أتى أرضًا يقال لها: دومين"، فإنه ظاهرٌ في كون تلك الأرض كانت غاية سفره، فتأمّل، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفًى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [2/ 1584 و 1585](692)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة"(1437)، وفي "الكبرى"(1895)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 29 و 30)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2369)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1550 و 1551)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1585]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: عَنِ ابْنِ السِّمْطِ، وَلَمْ يُسَمِّ شُرَحْبِيلَ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَتَى أَرْضًا، يُقَالُ لَهَا: دُومِينَ، مِنْ حِمْصَ، عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي، والباقيان ذُكرا في السند السابق.
وقوله: (يُقَالُ لَهَا: دُومِينَ) قال النوويّ رحمه الله: هي: بضم الدال وفتحها، وجهان مشهوران، والواو ساكنة، والميم مكسورة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبارة "القاموس": وَدَوْمِين، وقد تُفتح ميمه: قرية قُرْبَ حِمْصَ. انتهى
(1)
. فظاهره أنّه بفتح، وأما الميم، فيجوز فتحها، وكسرها.
وقوله: (مِنْ حِمْصَ) قال النوويّ رحمه الله: "حِمْص" لا ينصرف، وإن كانت اسمًا ثلاثيًّا ساكن الأوسط؛ لأنها أعجمية، اجتَمَع فيها العجمة والعلمية والتأنيث، كماه، وجُور، ونظائرهما، قاله النوويّ رحمه الله
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال النوويّ: إن حمص لا ينصرف، وهو مخالف لما قاله أهل اللغة، فقد جوّزوا صرفه، وعدمه، قال في "المصباح": وحِمْصُ: البلد المعروفةُ بالصرف وعدمه. انتهى
(3)
.
وقال في "القاموس"، و"شرحه": وحِمْصُ بالكَسْرِ: كُورَةٌ بالشّامِ مَشْهُورَةٌ، أَهْلُهَا يَمَانُونَ؛ أي: مِنْ قَبَائِلِ اليَمَنِ، قَالَ سِيبَوَيْه: هِيَ أَعْجَمِيَّةٌ، ولذلِكَ لَمْ تَنْصَرِف، وقد تُذَكَّرُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: حِمْصُ بَلَدٌ يُذَكّرُ ويُؤَنّث، قالَ السّنْدُوبِيُّ: مِنْ أَوْسَعِ مُدُنِ الشّامِ، بِهَا نَهْرٌ عَظِيمٌ، ولَهَا رَسَاتِيقُ، سُمِّيَت بحِمْصَ بنِ صهْر بنِ حُمَيْص بنِ صاب بنِ مُكْنِفٍ، مِنْ بَنِي عِمْلِيق، افْتَتَحَها أَبُو عُبَيْدَةَ صلْحًا سنة (16) ثُمّ نَافَقَتْ، ثم صُولِحَتْ، وقد نُسِبَ إِلَيْهَا خَلْقٌ كثيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، وبِهَا قَبْرُ الصحابيّ الجليل خالِدِ بنِ الوَلِيدِ رضي الله عنه
(4)
.
فقد تبيّن بما ذُكر أن حمص يجوز صرفها، وإن كان عدمه هو الأشهر استعمالًا.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"القاموس المحيط" 4/ 233.
(2)
"شرح النوويّ" 5/ 201 - 202.
(3)
"المصباح المنير" 1/ 151.
(4)
"تاج العروس من جواهر القاموس" 4/ 383.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1586]
(693) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعَ، قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(هُشَيْمُ) بنُ بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [7](ت 183)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
3 -
(يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الْحَضْرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [5].
رَوَى عن أنس بن مالك، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، وسعيد بن أبي الحسن، وسلمان الأغرّ، وسليمان بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه محمد بن سيرين، وهو أكبر منه، ويحيى بن أبي كثير، ومات قبله، والثوريّ، وشعبة، ووهيب، وهشيم، وعبد الوارث بن سعيد، وعبد الأعلى، وعباد بن العوّام، ويزيد بن زُريع، وابن عُليّة، وبشر بن المفضَّل، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت ابن معين، عن عبد العزيز بن صُهيب، ويحيى بن أبي إسحاق: أيهما أوثق؟ فقال: كلاهما ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وكان صاحب قرآن وعلم بالعربية والنحو، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: لا بأس به، وقال العقيليّ:
قال أحمد بن حنبل: في حديثه نَكارةٌ، وقال يحيى بن معين: في حديثه بعضُ الضعف، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال عمرو بن عليّ: مات سنة ست وثلاثين ومائة، وهو مولى الحضارمة، وقال ابن حبان: مات سنة ست، ويقال: سنة اثنتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (693) و (1251) وأعاده بعده، و (1345) و (1374) و (1590) و (2068) و (2110).
4 -
(أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه ذُكر قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (103) من رباعيّات الكتاب، وبقيّة اللطائف تقدّمت قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وذلك في حجة الوداع، ففي رواية شعبة الآتية:"خرجنا من المدينة إلى الحجّ"(مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) زاد في رواية البيهقيّ من طريق عليّ بن عاصم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس:"إلا المغرب"(حَتَّى رَجَعَ) وللبخاري: "حتى رجعنا إلى المدينة"، قال يحيى بن أبي إسحاق (قُلْتُ) لأنس رضي الله عنه (كَمْ أقَامَ) النبيّ رضي الله عنه (بِمَكَّةَ؟) المراد إقامته بها، وبحواليها، من منى وعرفة (قَالَ) أنس رضي الله عنه (عَشْرًا) أي: أقام عشرة أيام بلياليها، وإنما حذفت التاء مع أن المعدود مذكَّر، وهو اليوم؛ لأن التمييز إذا لم يُذْكَر جاز الوجهان في العدد، التذكير والتأنيث.
ولا يُعارض هذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "أقام النبيّ صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يومًا يقصر"؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع، قال الإمام أحمد رحمه الله: إنما وجه حديث أنس رضي الله عنه أنه حسب مقام النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له غير هذا، واحتجّ بحديث جابر رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة -يوم الأحد- فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلّى الصبح في اليوم الثامن -يوم الخميس-
ثم خرج إلى منى، وخرج من مكة متوجّهًا إلى المدينة بعد أيام التشريق، ومثله حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما عند البخاريّ بلفظ:"قَدِم النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة يُلبّون بالحجّ. . . " الحديث.
قال الحافظ رحمه الله: ولا شكّ أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدّة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنسّ رضي الله عنه، وتكون مدّة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلّى الظهر بمنى.
وقال المحبّ الطبريّ رحمه الله: أطلق على ذلك إقامة بمكة؛ لأن هذه المواضع مواضع النسك، وهي في حكم التابع لمكة؛ لأنها المقصود بالأصالة، لا يتّجه سوى ذلك، كما قال الإمام أحمد. انتهى.
وقد استُشكل الحديث على الشافعيّة؛ لأنه قد تقرّر عندهم أنه لو نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع عيّنه انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع، بخلاف ما لو نوى دونها، وإن زاد عليه، ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان عازمًا بالإقامة بمكة المدة المذكورة.
وأجاب البيهقيّ فقال: إنما أراد أنس بقوله: "أقمنا بها عشرًا" أي: بمكة ومنى وعرفات، وذلك لأن الأخبار الثابتة تدلّ على أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قدم مكة في حجته لأربع خلون من ذي الحجة، فأقام بها ثلاثًا يقصُر، ولم يحسب اليوم الذي قَدِم فيه مكة؛ لأنه كان فيه سائرًا، ولا يوم التروية؛ لأنه خارج فيه إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، فلما طلعت الشمس سار منها إلى عرفات، ثم دفع منها حين غربت الشمس حتى أتى المزدلفة، فبات بها ليلتئذ حتى أصبح، ثم دفع منها حتى أتى منى، فقضى بها نسكه، ثم أفاض إلى مكة، فقضى بها طوافه، ثم رجع إلى منى، فأقام بها، ثم خرج إلى المدينة، فلم يُقم صلى الله عليه وسلم في موضع واحد أربعًا يقصر. انتهى كلام البيهقيّ
(1)
.
وتعقّبه ابن التركمانيّ رحمه الله، فأجاد في تعقّبه، قال: أقام بمكة أربعة أيام يقصر، فإنه صلى الله عليه وسلم قَدِم صبح رابعة من ذي الحجة، فأقام الرابع والخامس
(1)
راجع: "السنن الكبرى" للبيهقيّ 3/ 149.
والسادس والسابع وبعض الثامن ناويًا للإقامة بها بلا شكّ، ثم خرج إلى منى يوم التروية، وهو الثامن قبل الزوال، وهذا يُبطل تقديرهم بأربعة أيام، ولهذا حكى ابن رُشد عن أحمد وداود أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتمّ، قال: واحتجّوا بمقامه صلى الله عليه وسلم في حجته بمكة مقصرًا أربعة أيام.
وذكر صاحب "التمهيد" عن الأثرم: قال أحمد: أقام صلى الله عليه وسلم اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح بالأبطح في الثامن، فهذه إحدى وعشرون صلاةً قصر فيها، وقد أجمع على إقامتها، وظهر بهذا بطلان قول البيهقيّ: فلم يُقم في موضع واحد أربعًا يقصر، وكيف يقول؛ كان سائرًا في اليوم الرابع مع أنه قَدِمَ في صبيحته، فأقام بمكة؟ وكيف لا يحسب يوم الدخول مع أن الأحكام المتعلّقة بالسفر ينقطع حكمها يوم الدخول إذا نوى الإقامة، ويلحق بها بعده؟. أصله رخصة المسح والإفطار، فلا معنى لإخراجه بعد نيّة الإقامة بغير دليل شرعيّ، وكذا يوم الخروج قبل خروجه.
وفي اختلاف العلماء للطحاويّ: روي عن ابن عبّاس وجابر أنه صلى الله عليه وسلم قَدِمَ مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فكان مقامه إلى وقت خروجه أكثر من أربع، وقد كان يقصر الصلاة، فدلّ على سقوط الاعتبار بالأربع. انتهى كلام ابن التركمانيّ رحمه الله
(1)
.
وأجاب بعضهم عن هذا التعقّب بأنه إنما يخالفنا إذا أقام أربع ليالٍ مع أيامها التامّة، فما تمّت له الأيام الأربع.
ويمكن أنه صلى الله عليه وسلم خرج في اليوم الثامن من قبل الوقت الذي دخل فيه في اليوم الرابع، فما تمّت له الأيام الأربع، كذا أجاب، ولا يخفى ما فيه
(2)
.
وقال العلامة ابن قُدامة رحمه الله: وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس رضي الله عنهم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَدِم لصبح رابعة، فأقام النبيّ صلى الله عليه وسلم اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصُر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبيّ صلى الله عليه وسلم قَصَر، وإذا
(1)
"الجوهر النقيّ" 3/ 147 - 149 بهامش "السنن الكبرى" للبيهقيّ.
(2)
راجع: "المرعاة شرح المشكاة" 4/ 388 - 390.
أجمع على أكثر من ذلك أتمّ، قال الأثرم: وسمعت أبا عبد اللَّه يَذْكُر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر، فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد، وقوله: أقام النبيّ صلى الله عليه وسلم عشرًا يقصر الصلاة، فقال: قَدِمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة، ثم قال: وثامنة يوم التروية، وتاسعة وعاشرة، فإنما وجه حديث أنس رضي الله عنه أنه حسب مقام النبيّ بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاةً يقصر، فهذا يدلّ على أن من أقام إحدى وعشرين صلاةً يقصر، وهي تزيد على أربعة أيام، وهذا صريح في خلاف مَن حدّه أربعة أيام.
قال: وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في إقامة تسع عشرة وجهه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُجْمِع الإقامة، قال أحمد: أقام النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة ثماني عشرة زمن الفتح؛ لأنه أراد حُنَيْنًا، ولم يكن تم
(1)
إجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس رضي الله عنهما. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم يرد حديث صريح مرفوع يدلّ على ما ذهب إليه الشافعيّة والمالكيّة في تقديرهم مدةّ الإتمام بأربعة أيام، وكذا الحنفية في تقديرهم بخمسة عشر يومًا، وإنما هي آثار عن الصحابة رضي الله عنهم.
قال الشوكانيّ رحمه الله: هذه من مسائل الاجتهاد، ولا حجة في أقوال الصحابة في المسائل التي للاجتهاد فيها مسرحٌ، والحقُّ أن مَن حَطّ رَحْله ببلد، ونوى الإقامة بها أيامًا من دون تردّد، لا يقال له: مسافر، فيُتِمّ الصلاة، ولا يقصر إلا لدليل، ولا دليل ها هنا إلا ما جاء من إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة أربعة أيام يقصُر الصلاة، والاستدلال به متوقِّف على ثبوت أنه صلى الله عليه وسلم عزم على إقامة أربعة أيام، إلا أن يقال: إن تمام أعمال الحجّ في مكة لا يكون في دون الأربع، فكان كلُّ من يحج عازمًا على ذلك، فيقتصر على هذا المقدار، ويكون الظاهر والأصلُ في حقّ من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام هو التمام، وإلا لزم أن يَقْصُر الصلاة من نوى إقامة سنين متعددة، ولا قائل به.
(1)
هكذا النسخة "تمّ" بالتاء، ولعلها "ثَمّ" بالثاء المثلثة، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
(2)
"المغني" لابن قُدامة 2/ 133 - 134.
ولا يَرِدُ على هذا قوله صلى الله عليه وسلم في إقامته بمكة في الفتح: "إنا قَوْمٌ سَفْرٌ"؛ لأنه كان إذ ذاك مترددًا، ولم يعزم على إقامة مدة معينة. انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله
(1)
.
قال صاحب "المرعاة": لا شكّ أنه صلى الله عليه وسلم كان جازمًا بالإقامة أربعة أيّام بمكة في حجته؛ لأنه دخلها صبيحة رابعة من ذي الحجة، وخرج منها إلى منى في بعض الثامن؛ أي: بعد صلاة الصبح، فكان ناويًا لإقامة تلك المدّة بلا شكّ، وقد قصر بها الصلاة، فهذا يدلّ لمذهب الإمام أحمد رحمه الله، ولم يثبت حديث مرفوع قوليّ، ولا فعليّ أنه صلى الله عليه وسلم أزمع على أكثر من أربعة أيّام، وقصر الصلاة، فالقول الراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد، واللَّه أعلم. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أقوى المذاهب وأرجحها في هذه المسألة هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو أن من نوى الإقامة في بلد إحدى وعشرين صلاةً مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة قَصَر، ومن نوى أكثر من ذلك أتمّ، فهذا هو الذي أيّده الدليل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [2/ 1586 و 1587 و 1588 و 1589](693)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة"(1081)، و"المغازي"(4297)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1233)، و (الترمذيّ) فيها (548)، و"النسائيّ" في "تقصير الصلاة"(1438 و 1452)، و"الكبرى"(1896 و 1910)، و (ابن ماجه) في "الصلاة"(1077)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 187 و 190 و 282)، و (الدارميّ) في "سننه"(1518)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(956 و 2996)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2751)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (2370
(1)
"نيل الأوطار" 3/ 256.
(2)
"المرعاة" 4/ 390.
و 2371 و 2372 و 2373)، و (ابن الجارود) في "المنتقى"(224)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 136)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة القصر للمسافر خلال إقامته في محلّ مدّة إقامة النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة.
2 -
(ومنها): بيان أن الإقامة في أثناء السفر تُسَمَّى إقامة.
3 -
(ومنها): إطلاق اسم البلد على ما جاورها، وقَرُب منها؛ لأن منى وعرفة ليسا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم، فليست من مكة قطعًا، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست من مكة، إلا إن قلنا: إن اسم مكة يَشْمَل الحرم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1587]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا، فالثلاثة الأولون في الباب الماضي، والباقون في هذا الباب.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ) يعني أن أبا عوانة، وابن عُليّة حدّثا عن يحيى بن أبي إسحاق بمثل حديث هشيم عنه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الذي قبله.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن يحيى هذه، ساقها الإمام النسائيّ رحمه الله في "سننه"، فقال:
(1438)
أخبرنا قتيبة، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس، قال: خرجت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فلم يزل يَقْصُر حتى رجع، فأقام بها عشرًا. انتهى.
وأما رواية ابن عليّة، فقد ساقها الإمام ابن حبّان رحمه الله، في "صحيحه" (6/ 458) فقال:
(2751)
أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا إسماعيل ابن عُلَيّة، عن يحيى بن أبي إسحاق، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؛ فقال: سافرنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فصلى بنا ركعتين حتى رجعنا، فسألته هل أقام؟ قال: نعم، أقمنا بمكة عشرًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1588]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحَجِّ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10](237)(خ م د س) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
2 -
(أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [9](ت 196)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ) الفاعل ضمير شعبة؛ أي: ذكر شعبة الحديث بمثل الحديث الذي قبل.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها الحافظ أبو عوانة رحمه الله في "مسنده"(2/ 75) فقال:
(2370)
حدّثنا أبو قلابة، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس، قال:"سافرنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما بين مكة والمدينة، فكان يصلى ركعتين ركعتين، حتى رجعنا، قلت لأنس: كم أقمتم؟ قال: أقمنا عشرًا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1589]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [10](ت 234)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 5.
2 -
(أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [9](ت 199)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 5.
3 -
(أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 201) وهو ابن (80) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 51.
4 -
(الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الثبت الحجة الفقيه العابد، من رؤوس [7](ت 161)(ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل الحديث السابق.
[تنبيه]: رواية الثوريّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(3) - (بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1590]
(694) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِمِنًى وَغَيْرِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
1 -
(حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [11](ت 143)(م س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
2 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابد [9](ت 197)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
3 -
(عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [7] مات قبل (150)(ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 169.
4 -
(ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الثبت، من رؤوس [4](ت 1250)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 348.
5 -
(سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [3](106)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 162.
6 -
(أَبُوهُ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما المتوفّى سنة (73)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 102.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ.
5 -
(ومنها): أن سالِمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
6 -
(ومنها): أن ابن عمر رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، والتشدّد في اتّباع السنّة رضي الله عنه.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ) هي قصر الرباعيّة، وأما المغرب فلا قصر فيها، وأما الصبح فلا يختلف الحكم فيها في منى ولا في غيره (بِمِنًى)
يعني في أيّام الرمي، و"منًى" -بكسر الميم، وتخفيف النون، مقصورًا-: اسم موضع بمكة، والغالب فيه التذكير، فيصرف، وقال ابن السرّاج: ومِنًى ذَكَرٌ، والشام ذَكَرٌ، وهَجَرٌ ذكر، والعراق ذكر، وإذا أنّث مُنع؛ أي: من الصرف، وأمنى الرجلُ بالألف: أتى مِنًى، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسُمي منى لما يُمنى فيه من الدماء؛ أي: يُراق، قاله الفيوميّ
(1)
.
قال الحريريّ رحمه الله في "ملحة الإعراب" مبينًا بعض ما يُصْرَف من البقاع:
وَلَيْسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ
…
إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ حُنَيْنٍ وَمِنًى وَبَدْرِ
…
وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحِجْرِ
وقوله: (وَغَيْرِهِ) أي: غير منى من عرفة، والمزدلفة.
وقال النوويّ رحمه الله: قوله: (وَغَيْرِهِ) هكذا هو في الأصول "وغيره"، وهو صحيحٌ؛ لأن "منى" تُذكّر وتؤنّث بحسب القصد، إن قُصد الموضع فمذكّرٌ، أو البُقعة، فمؤنّثة، وإذا ذُكِّر صُرِف، وكتب بالألف، وإن أُنّث لم يُصرف، وكتب بالياء، والمختار تذكيره، وتنوينه، وسُمّي مِنًى؛ لما يُمنَى به من الدماء؛ أي: يُراق. انتهى
(2)
.
وقوله: (رَكْعَتيْنِ) منصوب على البدليّة من "صلاةَ المسافر"(وَأَبُو بَكْرٍ) الصدّيق رضي الله عنه، وهو معطوف على الضمير المستتر في "صلّى"، وكذا قوله:(وَعُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله عنه، وقوله:(وَعُثْمَانُ) أي: وصلّى عثمان بن عفّان رضي الله عنه (رَكْعَتَيْنِ) مفعول لـ "صلّى" المقدّر (صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ) أي: أوّل خلافته، قال الفيّوميّ رحمه الله: صَدْرُ النهار: أوّله، وصَدْرُ المجلس: مُرتَفِعُهُ، وصدرُ الطريق: متَّسَعُهُ، وصدرُ السَّهْم: ما جاوز من وسطه إلى مُستدقّه، سُمّي بذلك؛ لأنه المتقدّم إذا رُمي به. انتهى.
ثم المراد بصدر الخلافة ثمان سنين، أو ستّ، كما سيأتي.
(ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا) أي: صلّى عثمان رضي الله عنه بعد ذلك أربع ركعات؛ لأنه يرى القصر والإتمام جائزين، ورأى ترجيح طرف الإتمام؛ لأن فيه زيادة مشقّة، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في سبب إتمام عثمان رضي الله عنه، وكذا عائشة رضي الله عنها، مستوفًى
(1)
"المصباح المنير" 2/ 582.
(2)
"شرح النووي" 5/ 203.
في الباب الماضي، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [3/ 1590 و 1591 و 1592 و 1593 و 1594 و 1595](694)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة"(10582)، و"الحجّ"(1655)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة"(1450 و 1451)، و"الكبرى"(1908 و 1909)، و (أحمد) في "مسنده"(16/ 2 و 55 و 57)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 354 و 451 و 542)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(2963)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2758)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2341 و 2342 و 2343 و 2344)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1552 و 1553 و 1554 و 1555 و 1556)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في قصر الصلاة بمنى:
(اعلم): أنه اختَلَف السلف في المقيم بمنى، هل يقصُر، أو يتمّ، بناءً على أن القصر بها للسفر، أو للنسك؟ واختار الثاني مالك.
وتعقبه الطحاوي بأنه لو كان كذلك لكان أهل منى يُتِمُّون، ولا قائل بذلك، وقال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: أتموا، وليس بين مكة، ومنى مسافة القصر، فدلّ على أنهم قصروا للنسك.
وأجيب بأن الترمذيّ رَوَى من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة ركعتين، ويقول:"يا أهل مكة أتموا، فإنا قوم سفر"، وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناء بما تقدم بمكة.
قال الحافظ رحمه الله: وهذا ضعيف؛ لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف، ولو صحّ فالقصة كانت في الفتح، وقصة منى في حجة الوداع، وكان لا بدّ من بيان ذلك؛ لبعد العهد، ولا يخفى أن أصل البحث
مبنيّ على تسليم أن المسافة التي بين مكة ومنى لا يُقْصَر فيها، وهو من محالّ الخلاف. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله، من أن القصر للنسك؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة فيه، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في محله من "كتاب الحج"، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1591]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا
(1)
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ
(2)
: بِمِنًى، وَلَمْ يَقُلْ: وَغَيْرِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(الْوَلِيدُ بْنُ مُسلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [8](ت 4 أو 195)(ع) تقدم في "الإيمان" 10/ 148.
3 -
(الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة ثبت فاضل [7](ت 157)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
4 -
(إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
5 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، أبو نصر، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [11](ت 249)(خت م ت) تقدم في "الإيمان" 7/ 131.
6 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ، عَمِيَ في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [9](ت 211) وله (85) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "وقال".
7 -
(مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [7](ت 154)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
8 -
(الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) ضمير التثنية لإسحاق ابن راهويه، وعبد بن حُميد.
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني الأوزاعيّ، ومعمرًا كلاهما حدّثا عن الزهريّ بإسناده الماضي، وهو: عن سالم، عن أبيه.
[تنبيه]: أما رواية الأوزاعيّ هذه فقد ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(6219)
حدّثنا مُبَشِّر بن إسماعيل، حدّثنا الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، قال: صليت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء بمنى ركعتين، ومع أبي بكر رضي الله عنه ركعتين، ومع عمر رضي الله عنه ركعتين، ومع عثمان رضي الله عنه ركعتين صدرًا من خلافته، ثم أتمها بعدُ عثمان رضي اللَّه عليهم أجمعين.
وأما رواية معمر، فقد ساقها الإمام أحمد رحمه الله أيضًا، فقال:
(6316)
حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، قال: صليت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ركعتين بمنى، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من خلافته، ثم صلاها أربعًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1592]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ
(1)
صَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
(1)
وفي نسخة: "وإذا صلى وحده".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [5] مات سنة بضع (140)(ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
2 -
(نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [3](ت 117)(ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
وأبو بكر، وشيخه تقدّما في الباب الماضي، وابن عمر رضي الله عنهما في السند الماضي.
وقوله: (بَعْدُ) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناه؛ أي: بعد صدر خلافته، وهو بعد ستّ سنين.
وقوله: (إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ) الظاهر أن الإمام هو عثمان رضي الله عنه، ويَحْتَمل أن يكون المراد أيّ إمام يُتمّ الصلاة.
وقال القرطبيّ رحمه الله: يعني بالإمام عثمان رضي الله عنه لَمّا أتمّ، فإن ابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم كانا يُصلّيان معه، ويُتمّان مع اعتقادهما أن القصر أولى وأفضل، لكنّهما اتّبعاه؛ لأن الإتمام جائز، ومخالفته فيما رآه مما يسوغ ممنوعة.
ويَحْتَمِلُ أن يريد بالإمام هنا أيَّ إمام اتَّفَقَ من أئمة المسلمين، ويعني به أن ابن عمر كان إذا صلّى خلف مقيم أتمّ؛ تغليبًا لفضيلة الجماعة، وبحكم الموافقة فيما يجوز أصله. انتهى.
(مسألة): قال القرطبيّ رحمه الله: قد اختُلف في مسافر صلّى خلف مقيم، وهذا الخلاف يتنزّل على الخلاف المتقدّم في حكم القصر، فقياس من قال: إن القصر فرض أن لا تُجزئه صلاته، وحكاه أبو محمد عن بعض المتأخّرين من أصحابنا، وقال غير هؤلاء: يقتدي به في الركعتين خاصّة، ثمّ يُسلّم ويتركه، أو ينتظره، ويُسلّم معه؟ قولان، ومن قال: إن القصر سنّة من أصحابنا اختلفوا، فروى ابن الماجشون وأشهب أنه يُتمّ، ثم يُعيد في الوقت، إلا أن يكون في أحد مسجدي الحرمين، أو مساجد الأمصار الكبار، وروى مطرّف أن لا إعادة، ورواه ابن القاسم.
قال القرطبيّ: وقياس من قال بالتخيير أن لا إعادة أصلًا، بل القصر
والإتمام في حقّه سيّان، يَفعَل أيّهما شاء، إلا أن الأولى به أن لا يُخالف الإمام، فإذا صلّى خلف مقيم اتّبعه من جهة منع المخالفة، لا من جهة التخيير، واللَّه أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
(1)
.
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتمّ بالمسافر، وسلّم الإمام من ثنتين أن عليه إتمام الصلاة. ثم أخرج بسنده عن عمران بن حصين، قال: غزوت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وشَهِدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلةً، لا يصلي إلا ركعتين، ويقول:"يا أهل البلد صَلُّوا أربعًا، فإنا قوم سَفْرٌ"، وهذا ضعيف؛ لأن في سنده عليّ بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف، وإنما الصحيح أنه من قول عمر رضي الله عنه، فقد أخرجه الإمام مالك رحمه الله في "الموطّأ"، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى للناس بمكة ركعتين، فلما انصرف قال:"يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفرٌ"، ثم صلى عمر ركعتين بمنى، ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئًا، وهذا إسناد صحيح، وأخرجه ابن المنذر أيضًا، من رواية الأسود، عن عمر رضي الله عنه، وهو أيضًا سند صحيح.
قال ابن المنذر رحمه الله: واختلفوا في مسافر أمّ قومًا مقيمين، وأتمّ الصلاة، فقالت طائفةٌ: لا يُجزيهم، هكذا قال سفيان الثوريّ، قال: وقال أصحاب الرأي: إذا صلّى مسافر بمسافر ومقيم أربعًا، فإن صلاة المسافر جائزة، وصلاة المقيم فاسدة؛ لأن صلاة المسافر عندهم تطوّع بالركعتين الأخريين، ومن مذهبهم أن من صلى فرضًا خلف متطوّع، فصلاته فاسدة.
وقال طائفة: إن صلاتهم كلِّهم تامّة، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله بتصرّف
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق -رحمهم اللَّه تعالى- من صحّة صلاة الجميع هو الحقّ؛ لأنه سبق لنا أن الحقّ جواز الإتمام، وأن اقتداء المفترض بالمتنفّل جائز، كما سبق تحقيقه في شرح حديث معاذ رضي الله عنه حيث كان يصلي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم يصلي
(1)
"المفهم" 2/ 335 - 336.
(2)
"الأوسط" 4/ 365 - 366.
بقومه إمامًا، وهو حديث متّفق عليه، فهو دليلٌ واضح لصحّة صلاة المفترض خلف المتنفّل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (صَلَّى أَرْبَعًا) أي: لكونه مؤتمًّا بإمام يُتمّ، فتابعه في الإتمام؛ لأن من اقتدى بمن يُتم أتمّ معه وجوبًا عند الجمهور.
وقوله: (وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ) وفي نسخة: "وإذا صلّى وحده".
وقوله: (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أي: لكونه مسافرًا، وحقّ المسافر القصر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1593]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه
(1)
ابْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثَنَاه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، كلُّهُم عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد المذكور في الباب الماضي.
2 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمون سنّيّ [10](ت 241)(خ م س) تقدم في "المقدمة" 6/ 39.
3 -
(يَحْيَى الْقَطَّانُ) تقدّم قبل باب.
4 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي.
5 -
(ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ، من كبار [9](ت 3 أو 184) وله (93) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 121.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
6 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير المذكور في الباب الماضي.
7 -
(عُقْبَةُ بْنُ خَالِدِ) بن عقبة بن خالد السَّكونيّ، أبو مسعود الكوفيّ الْمُجَدَّرُ -بالجيم- صدوقٌ، صاحب حديث [8].
رَوَى عن الأعمش، وعبيد اللَّه بن عمر، وهشام بن عروة، وأبي سعيد البقّال، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومالك بن أنس، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه خالد، وعيسى بن يونس، وهو من أقرانه، ومحمد بن عُبيد الطَّنافسيّ، وأبو نعيم، وأحمد، وإسحاق، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن سلام البيكنديّ، ومحمد بن عبد اللَّه بن نمير، وأبو سعيد الأشجّ، وآخرون.
قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي عنه، قلت: هو ثقة؟ قال: أرجو إن شاء اللَّه، وقال أبو حاتم: من الثقات، صالح الحديث، لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الجاروديّ: شيخٌ كوفيّ، صاحب حديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو سعيد الأشجّ: حدّثنا عقبة بن خالد، وما تعلمتُ ألفاظ الحديث إلا منه، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو عندي ثقة.
قال ابن نُمير، والترمذيّ: مات سنة ثمان وثمانين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (694) و (1172) و (1463) و (1746) و (2091) و (2894) وأعاده بعده.
8 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمريّ المذكور في السند الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني: أن كلًّا من يحيى القطّان، ويحيى بن أبي زائدة، وعقبة بن خالد رووا عن عبيد اللَّه العمريّ بإسناده الماضي، وهو: عن نافع، عن ابن عمر بنحو الحديث المتقدّم.
[تنبيه]: روايات هؤلاء الثلاثة لم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1594]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ ثَمَانِيَ سِنِينَ، أَوْ قَالَ: سِتَّ سِنِينَ، قَالَ حَفْصٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بمِنًى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ، فَقُلْتُ: أَيْ عَمِّ
(1)
لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، قَالَ
(2)
: لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ [4](ت 132)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
2 -
(حَفْصُ بْنُ عَاصِم) بن عمر بن الخطّاب العُمريّ، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وابن عمر رضي الله عنهما ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (ثَمَانِيَ سِنِينَ) هكذا بإثبات الياء في "ثماني"، لإضافتها إلى مؤنّث، قال الفيّوميّ رحمه الله:"الثمانية": بالهاء للمعدود المذكر، وبحذفها للمؤنث، ومنه:{سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} [الحاقة: 7]، والثوب سبعٌ في ثمانية؛ أي: طوله سبعُ أذرعٍ، وعرضه ثمانية أشبار؛ لأن الذراع أنثى في الأكثر، ولهذا حذفت العلامة معهاَ، والشِّبْر مذكَّرٌ، وإذا أضفت "الثمانية" إلى مؤنث تَثْبُتُ الياء ثبوتها في القاضي، وأُعرب إعراب المنقوص، تقول: جاء ثماني نسوةٍ، ورأيت ثمانيَ نسوةٍ، تُظهر الفتحةَ، وإذا لم تُضَف قلت: عندي من النساء ثمانٍ، ومررت منهن بثمانٍ، ورأيت ثمانيَ، وإذا وقعت في المركّب تَخَيَّرت بين سكون الياء وفتحها، والفتح أفصح، يقال: عندي من النساء ثَمَانِيَ عَشْرَةَ امرأةً، وتحذف الياء في لغة بشرط فتح النون، فإن كان المعدود مذكّرًا قلت: عندي ثمانيةَ عَشَرَ رجلًا بإثبات الهاء. انتهى
(3)
. وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا.
(1)
وفي نسخة: "فقلت له: أي عمّ".
(2)
وفي نسخة: "فقال".
(3)
"المصباح المنير" 1/ 84 - 85.
وقوله: (أَوْ قَالَ: سِتَّ سِنِينَ) شكّ من الراوي، قال النوويّ رحمه الله: وهذا هو المشهور أن عثمان رضي الله عنه أتمّ بعد ستّ سنين من خلافته. انتهى
(1)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: الصحيح سبع سنين، قال عمران بن حصين رضي الله عنهما: حججت مع عثمان سبعًا من إمارته، لا يُصلي إلا ركعتين، ثم صلّى بمنًى أربعًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "الصحيح سبع سنين" فيه نظرٌ؛ لأن حديث عمران رضي الله عنه المذكور ضعيف
(2)
؛ لأن في سنده عليّ بن زيد بن جُدعان ضعيف، فالصحيح أنه ستّ سنين، كما أشار إليه النوويّ؛ فقد أخرج حديث الباب الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده" بإسناد صحيح بلفظ:"ستّ سنين من إمرته" من غير شكّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ) أي: دون أن يصلي راتبة بعدها، وفي رواية النسائيّ:"ثم انصرف إلى طِنْفِسة له".
وقوله: (فَقُلْتُ: أَيْ عَمّ) وفي نسخة: "فقلت له: أي عمّ"، "وأي" حرف نداء، "عمّ" منادى مضاف إلى ياء المتكلّم، ويجوز فيه ستّ لغات، وقد أشار ابن مالك رحمه الله، في "الخلاصة" إلى خمس منها، فقال:
وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا
…
كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا
فيجوز هنا: أي عَمِّ؛ أي عَمِّي؛ أي عَمِّيَ، أَي عَمَّا، أَيْ عَمَّ، هذا ما أشار إليه في النظم، والسادس: أي عَمُّ بالضمّ؛ تشبيهًا له بالمفرد، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في "كتاب الإيمان" في شرح قوله:"يا عمّ قل: لا إله إلا اللَّه. . . " الحديث.
وقوله: (لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ)"لو" حرف تَمَنٍّ، فلا تحتاج إلى جواب؛ أي: أتمنّى لك أن تصلي ركعتين، ويَحْتَمِل أن تكون شرطيّة، والجواب محذوف: أي: لكان حسنًا، وأراد بالركعتين المطلوبتين نافلة الراتبة.
وقوله: (قَالَ) وفي نسخة: "فقال"(لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ) أي: لو
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 198 - 199.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" 2/ 207.
كانت الراتبة مطلوبةً، لكان إتمام الفريضة أولى بالطلب، والمراد أنه ليس هذا ولا ذاك مطلوبًا؛ إذ المقصود التخفيف عن المسافر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، قبل باب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1595]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه
(1)
يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اَلصَّمَدِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُولَا فِي الْحَدِيثِ: بِمِنًى، وَلَكِنْ قَالَا: صَلَّى في السَّفَرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ حَبِيب) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [10](248) أو بعدها (م 4) تقدم في "الإيمان" 14/ 165.
2 -
(خَالِدُ بْنَ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 186)(ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 243.
3 -
(عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبَريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقة، ثبتٌ في شعبة [9](ت 207)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 82.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: قال كلّ من خالد بن الحارث، وعبد الصمد: حدّثنا شعبة بهذا الإسناد الذي تقدّم، وهو: عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث وعبد الصمد هذه، لم أجد من ساقها تامّة، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1596]
(695) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [8](ت 176)(ع) تقدم في "الطهارة" 11/ 584.
3 -
(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ قارئ، ورعٌ، لكنه يدلّس [5](ت 147) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 297.
4 -
(إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه [5](ت 96)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 52.
5 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس بن عبد اللَّه بن مالك النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [3](ت 83)(ع) تقدم في "الإيمان" 46/ 295.
6 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) الصحابيّ الشهير المتوفّى سنة (32)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 11.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من الأعمش، وعبد الواحد بصريّ، وقُتيبة بغلانيّ.
4 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع إلا في موضع.
5 -
(ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، وهو أخو الأسود بن يزيد، وكلاهما خالان لإبراهيم؛ لأن أمه مليكة بن يزيد بن قيس أختهما.
6 -
(ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة رضي الله عنهم، جمّ المناقب، وقد تقدّم طرف من فضائله غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنِ الْأَعْمَشِ) سليمان بن مِهْران أنه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنٍ بنَ يَزِيدَ) خاله، كما أسلفته آنفًا (يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ) بن عفّان رضي الله عنه (بِمِنًى) تقدّم البحث فيه قريبًا (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ)، وكان ذلك بعد رجوعه من أعمال الحجّ في حال إقامته بمنًى للرمي، قاله في "الفتح"
(1)
. (فَقِيلَ ذَلِكَ) أي: ذُكر ما فعله عثمان رضي الله عنه من الإتمام (لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (فَاسْتَرْجَعَ) أي: فقال: إنا للَّه، وإنا إليه راجعون؛ لأنه يراه مصيبةً، حيث خالف السنّة، وقد قال اللَّه تعالى:{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)} [البقرة: 156]، لكن يُعتذر عن عثمان رضي الله عنه في مخالفتها أنه اجتهد، وتأوّل، فلا لوم عليه ولا حرج، بل له أجرٌ في اجتهاده، فقد أخرج الشيخان عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر"، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ رحمه الله: هذا الاسترجاع لِمَا رأى من تفويت عثمان رضي الله عنه لفضيلة القصر، ولوجود صورة خلافه لمن تقدّمه، ولا يُفْهَم منه أن ذلك الإتمام لا يُجزئ؛ لأنه قال:"ولَيت حظّي من أربع ركعات ركعتان متقبّلتان"، فلو كانت تلك الصلاة لا تُجزئ لما كان له فيها حظّ لا من ركعتين، ولا من غيرهما، فإنها تكون فاسدةً كلّها، واللَّه تعالى أعلم. انتهى
(2)
.
(ثُمَّ قَالَ) ابن مسعود رضي الله عنه (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ،
(1)
"الفتح" 2/ 657.
(2)
"المفهم" 2/ 336.
وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) رضي الله عنه (بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ) زاد الثوري، عن الأعمش:"ثمّ تفرّقت بكم الطرق"، رواه البخاريّ في "كتاب الحجّ" من طريق (فَلَيْتَ حَظِّي) أي: نصيبي، قال في "القاموس": الحظّ: النصيب، والْجَدُّ، أو خاصّ بالنصيب من الخير والفَضْلِ، والجمع حُظُوظ، مثلُ: فلس وفُلُوس، والحظّ أيضًا الْجَدُّ، والفعل كسَمِعَ يَسْمَعُ. انتهى باختصار
(1)
. (مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ)"مِنْ" بمعنى البدل، كما في قوله تعالى:{أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} الآية [التوبة: 38]؛ أي: بدل أربع ركعات، وقوله:(رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ) خبر "ليت".
قال النوويّ رحمه الله: معناه ليت عثمان صلى ركعتين، بدل الأربع، كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمرُ، وعثمان رضوان اللَّه عليهم أجمعين في صدر خلافته يفعلون، ومقصوده كراهة مخالفة ما كان عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وصاحباه، ومع هذا فابن مسعود رضي الله عنه موافق على جواز الإتمام، ولهذا كان يُصلي وراء عثمان رضي الله عنه مُتمًّا، ولو كان القصر عنده واجبًا
(2)
لما استجاز تركه وراء أحد. انتهى.
وقال في "الفتح": وهذا يدلّ على أنه كان يرى الإتمام جائزًا، وإلا لما كان له حظّ من الأربع، ولا من غيرها، فإنها كانت تكون فاسدة كلها، وإنما استرجع ابن مسعود رضي الله عنه لِمَا وقع عنده من مخالفة الأَوْلى، ويؤيده ما روى أبو داود:"أن ابن مسعود رضي الله عنه صلّى أربعًا، فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت أربعًا، فقال: الخلاف شرّ"، وفي رواية البيهقيّ:"إني لأكره الخلاف"، ولأحمد من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه مثل الأول، وهذا يدلّ على أنه لم يكن يعتقد أن القصر واجب، كما قال الحنفية، ووافقهم القاضي إسماعيل من المالكية، وهي رواية عن مالك، وعن أحمد، قال ابن قُدامة: المشهور عن أحمد أنه الاختيار، والقصر عنده الأفضل، وهو قول جمهور الصحابة، والتابعين.
(1)
منقول من "القاموس" 2/ 394 باختصار وزيادة من "المصباح" 1/ 141.
(2)
سيأتي أنه لا تنافي بين وجوب القصر وجواز الإتمام، فالحقّ أن القصر واجب، وأن الإتمام جائز مع الكراهة، فتنبّه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم أن الأرجح وجوب القصر؛ لوضوح أدلّته، ولكن الإتمام جائز، ولا تنافي بين وجوب القصر، وجواز الإتمام، وقد تقدم بيان ذلك مستوفًى، وللَّه الحمد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [3/ 1596 و 1597](695)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة"(1084 و 1657)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1960)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة"(1448 و 1449)، و"الكبرى"(1906 و 1907)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(2962)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 378 و 422 و 425)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2347)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1557)، واللَّه تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تُعلم مما سبق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1597]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَابْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 239) عن (83) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" 35/ 246.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
2 -
(أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [9](195) وله (82) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
3 -
(جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [8](ت 188)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
4 -
(إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
5 -
(ابْنُ خَشْرَمٍ) هو: عليّ بن خشرم، تقدّم قبل باب.
6 -
(عِيسَى) بن يونس بن أبي، إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [8](ت 197)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) أي: كل هؤلاء الثلاثة: أبو معاوية، وجريرٌ، وعيسى بن يونس رووا عن الأعمش بإلإسناد السابق، وهو عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، نحو حديثه المتقدّم.
[تنبيه]: رواية هؤلاء الثلاثة لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1598]
(696) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ
(1)
، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور في الباب الماضي.
2 -
(قُتَيْبَةُ) بن سعيد المذكور قبل حديث.
3 -
(أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [7](ت 179)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 115.
(1)
وفي نسخة: "وقتيبة بن سعيد".
4 -
(أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابد، اختلط بآخره، ويدلس [3](ت 129)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 11.
5 -
(حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ) الْخُزَاعيّ، أخو عُبيد اللَّه بن عمر لأمه، واسم أمه كلثوم بنت جَرْوَل بن المسيَّب الخزاعية، صحابيّ نزل الكوفة، رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن جُنْدُب الخير الأزديّ، قاتل الساحر، وحفصة بنت عمر، ورَوَى عنه معبد بن خالد، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، والمسيَّب بن رافع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (696) وأعاده بعده، و (1011) و (2298) و (2853) وأعاده بعده.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، كلاحقه، وهو (104) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغلانيّ.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو خمسة أحاديث فقط
(1)
.
شرح الحديث:
(عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ) الْخُزَاعيّ رضي الله عنه، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى) وفي رواية الطبرانيّ: "صليتُ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمكة، وبمنًى ركعتين"، في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الترمذيّ، وصححه، والنسائيّ بلفظ:"خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا اللَّه يصلي ركعتين"(آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ) قال أبو البقاء رحمه الله: "آمن"، و"أكثر" منصوبان نصبَ الظرف،
(1)
راجع: "تحفة الأشراف" 2/ 612 - 615.
والتقدير: زمنَ آمن ما كان الناس، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، قال: وضمير "أكثره" عائد إلى جنس الناس، وهو مفرد.
قال السندي: وهذا غلط، وإنما هو عائد إلى ما كان الناس، بناء على أن "ما" مصدرية، و"كان" تامّة، و"الناس" بالرفع فاعله، ألا ترى أنه كان في الأصل آمن ما كان الناس، وأكثر ما كان الناس، وحاصل المعنى: في زمن كان الناس فيه أكثر أمنًا، وعددًا، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
ووقع في رواية للبخاريّ في "الحجّ" بلفظ: "صلى بنا النبيّ صلى الله عليه وسلم، ونحن أكثر ما كنا قطّ، وآمنه بمنى ركعتين".
قال الطيبيّ: "ما" مصدريّة، ومعناه الجمع؛ لأن ما أضيف إليه "أَفْعَلُ" يكون جمعًا، والمعنى: صلى بنا والحال أنّا أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا، وكلمة "قط" متعلقة بمحذوف، تقديره: ونحن ما كنا أكثر منّا في ذلك الوقت، ولا أكثر أَمْنًا، وهذا يُستَدرَك به على ابن مالك حيث قال: استعمال "قط" غير مسبوقة بالنفي مما يخفى على كثير من النحويين، وقد جاء في هذا الحديث بدون النفي، وقال الكرمانيّ: قوله: "وآمنه" بالرفع، ويجوز النصب بأن يكون فعلًا ماضيًا، وفاعله: اللَّه، وضمير المفعول للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والتقدير: وآمن اللَّه نبيّه صلى الله عليه وسلم حينئذ، ولا يخفى بُعد هذا الإعراب.
وفي هذا الحديث ردّ على من زعم أن القصر مختصّ بالخوف، والذي قال ذلك تمسّك بقوله تعالى:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية [النساء: 101]، ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم، فقيل: لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، وقيل: هو من الأشياء التي شُرع الحكم فيها بسبب، ثم زال السبب، وبقي الحكم، كالرَّمَل، وقيل: المراد بالقصر في الآية قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، وفيه نظرٌ؛ لحديث يعلى بن أمية في سؤاله عمر رضي الله عنهما، وقد تقدم قبل باب، فإنه ظاهر في أن الصحابة فَهِمُوا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقًا، لا قصرها في الخوف خاصّةً، وفي جواب عمر رضي الله عنه إشارة إلى القول الثاني،
أفاده في "الفتح"
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حارثة بن وهب الخزاعيّ رضي الله عنه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [3/ 1598 و 1599](696)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة"(1083)، و"الحجّ"(1656)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1965)، و (الترمذيّ) فيها (882)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة"(1445 و 1446)، و"الكبرى"(1903 و 1904)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 306)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1702)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2756 و 2757)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2348 و 2349)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1558 و 1559)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(3/ 3241 و 3242 و 3243 و 3244 و 3245 و 3246 و 3247 و 3248 و 3249 و 3250 و 3252 و 3253 و 3254)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1599]
(. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسحَاقَ، حَدَّثَنِي
(2)
حَارِثَةُ بْنُ وَهْبِ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى، وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
قَالَ مُسْلِم: حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ، هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [10](ت 227) وهو ابن (94) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 53.
(1)
"الفتح" 2/ 656 - 657.
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
2 -
(زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الْجَزيرة، إلا أن سماعة من أبي إسحاق بآخره [7](ت 2 أو 3 أو 174)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 62.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، كسابقه، وهو (105) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، وبالتحديث.
[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم رواية زهير، عن أبي إسحاق، وإنما سمع منه بعد اختلاطه، كما أسلفته آنفًا؟.
[قلت]: لم ينفرد زهير بالرواية عنه، بل تابعه أبو الأحوص، كما في السند الماضي، وشعبة، فقد أخرجه البخاريّ من رواية شعبة، عن أبي إسحاق، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا)"الناس": مبتدأ، و"أكثر" خبره، و"ما" مصدريّة؛ أي: أكثر أكوانهم.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) هو ابن الحجّاج، صاحب الكتاب رحمه الله.
وقوله: (حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ، هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا ضبطناه "أخو عبيد اللَّه" بضم العين مُصَغّرًا، ووقع في بعض الأصول "أخو عبد اللَّه" بفتح العين، مكبرًا، وهو خطأ، والصواب الأول، وكذا نقله القاضي رحمه الله عن أكثر رواة "صحيح مسلم"، وكذا ذكره البخاري في "تاريخه"، وابن أبي حاتم، وابن عبد البرّ، وخلائق لا يُحْصَون كلهم يقولون بأنه أخو عُبيد اللَّه مصغرًا، وأمه مُليكة بنت جَرْوَل الْخُزاعيّ، تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأولدها ابنه عبيد اللَّه، وأما عبد اللَّه بن عمر، وأخته حفصة، فأمهما زينب بنت مظعون. انتهى
(1)
. وهو بحثٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 205.
(4) - (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1600]
(697) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيح، فَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
3 -
(نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي.
4 -
(ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (106) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فإنه نيسابوريّ.
4 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء، وشيخه كان إمام أهل نيسابور في الحديث والفقه.
5 -
(ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ الأسانيد مطلقًا، كما نُقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله، فقد روى الخطيب في "الكفاية" عن يحيى بن بُكير أنه قال لأبي زرعة الرازي: يا أبا زرعة، ليس ذا زَعْزَعَة، عن زَوْبَعَةٍ إنما ترفع الستر، فتنظر
إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم: حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر. انتهى
(1)
.
6 -
(ومنها): أن ابن عمر رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة من الصحابة رضي الله عنهم، رَوَى (2630) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، فَقَال: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) قال السنديّ رحمه الله في "شرح النسائيّ": الظاهر أنه أتم الأذان، وقال بعد الفراغ منه:"ألا صلوا"، ويَحْتَمِلُ أنه قال ذلك بعد "حيّ على الفلاح"، وعلى الأول، يقال: كان هذا القول أحيانًا في الوسط، وأحيانًا بعد الفراغ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الثاني تردّه رواية البخاريّ، ونصّها:"أَذَّنَ ابن عمر في ليلة باردة بضَجْنَان، ثم قال: "صلوا في رحالكم"، فأخبرنا أن رسول صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذنًا ثم يقول على إِثْرِهِ: ألا صلوا في الرحال. . . " الحديث.
قال في "الفتح": قوله: ثم يقول على إثره، صريح في أن القول المذكور كان بعد الفراغ، وقال القرطبيّ رحمه الله لَمّا ذَكَر رواية مسلم بلفظ:"يقول في آخر ندائه": يَحْتَمِلُ أن يكون المراد في آخره قُبيل الفراغ منه؛ جمعًا بينه وبين حديث ابن عباس الآتي في هذا الباب. انتهى.
وقد بَوَّب ابنُ خزيمة، وتبعه ابنُ حِبّان، ثم المحبّ الطبريّ:"حَذْفُ حيّ على الصلاة في يوم المطر"، نظرًا إلى المعنى؛ لأن معنى "حَيّ على الصلاة": هَلُمُّوا إلى الصلاة، ومعنى "الصلاةُ في الرِّحال": تأخَّروا عن المجيء إليها، فلا يتناسب سبب إيراد اللفظين معًا؛ لأن أحدهما نقيض الآخر.
قال الحافظ رحمه الله: ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى "الصلاة في الرِّحال" رخصةً لمن أراد أن يترخص، ومعنى: هَلُمُّوا إلى الصلاة نَدْبٌ لمن أراد أن يستكمل الفضيلة، ولو تحمّل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر رضي الله عنه الآتي بعد هذا بلفظ:"ليصلِّ من شاء منكم في رحله". انتهى.
(1)
انظر: "تدريب الراوي" 1/ 78.
(ثُمَّ قَالَ) ابن عمر رضي الله عنهما (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ) بالرفع فاعل "كان"، وهي تامّةٌ لا تحتاج إلى خبر، كما ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . .
…
وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وقال الحريريّ رحمه الله في "ملحة الإعراب":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمُ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ
…
فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
ويَحْتَمِلُ أن تكون ناقصةً، حُذِفَ اسمها، و"ليلةً" بالنصب خبرها؛ أي: إن كانت الليلةُ ليلةً.
(ذَاتُ مَطَرٍ) أي: صاحبة مطر، وفي الرواية التالية:"إذا كانت ليلةٌ باردةٌ، أو ذات مطر"، وفي رواية البخاريّ:"في الليلة الباردة أو المطيرة"، قال في "الفتح": وقوله: "أو" للتنويع، لا للشك، وفي "صحيح أبي عوانة":"ليلةٌ باردةٌ، أو ذات مطر، أو ذات ريح"، ودلَّ ذلك على أن كلًّا من الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة.
ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في السنن من طريق ابن إسحاق، عن نافع في هذا الحديث:"في الليلة المطيرة، والغداة القُرَّة"، وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي الْمَلِيح، عن أبيه:"أنهم مُطِرُوا يومًا، فرَخَّص لهم".
قال الحافظ رحمه الله: ولم أَرَ في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح في النهار صريحًا، لكن القياس يقتضي إلحاقه، وقد نقله ابن الرفعة وجهًا. انتهى
(1)
.
(يَقُولُ) فعل مضارع مرفوع، صلة و"أن" مقدَّرةً، وحذف "أن" ورفع الفعل قياسيّ على الراجح، ومنه قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} [الروم: 24]، وقوله:{أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64]، برفع "يُرِي"، و"أَعْبُدُ"، وأنْ وصلتها مجرور بحرف جرّ مقدَّر قياسًا؛ أي: بالقول، وهو متعلق بـ "يأمر".
(أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ") مقول القول؛ أي: كان يأمر المؤذِّن أن يقول في
(1)
"الفتح" 2/ 134.
الأذان: "ألا صلوا في الرحال"، و"الرِّحَال" -بالكسر- جمع رَحْلٍ، وهو مسكن الرجل، وما فيه من أثاثه، وقال ابن الأثير رحمه الله: يعني الدُّورَ، والمساكن، والمنازل، يقال لمنزل الإنسان، ومسكنه: رحله، وانتهينا إلى رحالنا: أي: منازلنا. انتهى
(1)
.
قال النوويّ رحمه الله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما الآتي: فيه أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنها تقال بعده، قال: والأمران جائزان، كما نصّ عليه الشافعيّ رحمه الله، لكن بعده أحسن؛ ليتم نظم الأذان، قال: ومن أصحابنا من يقول: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس رضي الله عنهما. انتهى.
قال الحافظ رحمه الله: وكلامه يدلّ على أنها تزاد مطلقًا إما في أثنائه، وإما بعده، لا أنها بدل من "حَيَّ على الصلاة"، وقد تقدم عن ابن خزيمة ما يخالفه، وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق، وغيره بإسناد صحيح، عن نُعَيم بن النّحّام، قال:"أَذَّن مؤذن النبيّ صلى الله عليه وسلم للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قَعَدَ فلا حرج، فلما قال: "الصلاة خير من النوم"، قالها". انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيَّن بما ذُكِر من حديثي ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم أن المؤذن مُخَيَّر في قوله:"ألا صلوا في الرحال" بين قولها أثناء الأذان، وقولها بعد الأذان، وإن شاء قالها بدل حيّ على الصلاة، كما دلّ عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما ففيه:"إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صَلُّوا في بيوتكم"، فهذا صريح في أنه يقولها بدل "حيّ على الصلاة".
والحاصل أنه مخيَّر بين ثلاثة أمور: قولها في أثناء الأذان، وقولها بعده، وقولها بدل "حيّ على الصلاة"، فالأمر في ذلك واسعٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
"النهاية" 2/ 209.
(2)
"الفتح" 2/ 117.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [4/ 1600 و 1601 و 1602](697)، و (البخاريّ) في "الأذان"(632 و 666)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1063)، و (النسائيّ) في "الأذان"(654)، و"الكبرى"(1618)، و (مالك) في "الموطأ"(1/ 83)، و (الشافعيّ) في "الأمّ"(1/ 155)، و"المسند"(1/ 125 - 126)، و (ابن أبي شيبة) في "مسنده"(2/ 233)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 4 و 10 و 53 و 103)، و (الحميديّ) في "مسنده"(700)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2379 و 2380 و 2381)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1560 و 1561)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 292)، وابن خزيمة في "صحيحه"(1655)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2078)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 70 و 71)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(797 و 798 و 799)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وقد تقدّم بيان الأعذار التي تُسقط فرض الجماعة، في بابه.
2 -
(ومنها): بيان أن صلاة الجماعة متأكدة إذا لم يحصل للإنسان عذر.
3 -
(ومنها): مشروعية حضور الجماعة لمن تكلَّف الإتيان إليها، وتحمل المشقة؛ لقوله في الرواية الثانية:"ليصلِّ من شاء في رحله".
4 -
(ومنها): بيان مشروعية الجماعة في السفر.
5 -
(ومنها): أن الأذان مشروع في السفر، وأنه إذا حصل برد شديد، أو مطر استُحبّ أن يقول:"صلُّوا في رحالكم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1601]
(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ
وَمَطَرٍ، فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، ألَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ، إِذَا كَانَتْ لَيْلَة بَارِدَةٌ، أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ، أَنْ يَقُولَ:"أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نمير، تقدّم أيضًا قبل باب.
3 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1602]
(. . .) - (وَحَدَّثنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: "أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ"، وَلَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً: "أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ" مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِضَجْنَانَ) -بفتح الضاد المعجمة، وبالجيم بعدها نون-: جبل على بريد من مكة، وقال الزمخشريّ: بينه وبين مكة خمسة عشر ميلًا، وبينه وبين وادي مريسعة أميال، وهو على وزن فعلان غير منصرف، قاله في "العمدة"
(1)
.
(1)
"عمدة القاري" 5/ 213.
وقال في "القاموس": "ضَجْنَانُ" كسَكْرَانَ: جبلٌ قُربَ مكة، وجبلٌ آخر بالبادية. انتهى
(1)
.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ) فاعل "ذَكَر" ضمير لأبي أُسامة.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث عبد اللَّه بن نمير، عن عبيد اللَّه.
وقوله: (وَلَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً) من الإعادة، أي: لم يذكر الجملة الثانية، وهي قوله:"أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ".
وقوله: (مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ) متعلّق بـ "يُعِد".
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن عبيد اللَّه هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (2/ 287) فقال:
(1561)
حدّثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يونس بن محمد المؤدِّب، ثنا حماد، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر (ح) وحدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد اللَّه بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، ثنا عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، أنه نادى بالصلاة بضجنان في ليلة ذات برد وريح، فقال في آخر أذانه:"ألا صلوا في الرحال"، ثم قال: ألا إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في سفر، يقول:"ألا صلوا في رحالكم"، لفظ أبي أسامة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[1603]
(698) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا
(2)
أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا، فَقَالَ:"لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قبل حديثين.
(1)
"القاموس المحيط" 4/ 243.
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
2 -
(أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس المذكور في الباب الماضي.
3 -
(أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية المذكور في الباب الماضي أيضًا.
4 -
(أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [4](ت 126)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 119.
5 -
(جَابِرُ) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (94) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (107) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد اللَّه رضي الله عنهما أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ) لم أجد من عيّن هذا السفر، ويَحْتَمل أن يكون في الغزوةَ التي وقع فيها بيع جمل جابر رضي الله عنه للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي غزوة ذات الرِّقَاع، وقيل: غزوة تبوك، والأول أصحّ، واللَّه تعالى أعلم. (فَمُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، يقال: مَطَرَت السماة تَمْطُرُ مَطَرًا، من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضًا لغةٌ، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ الْبَقْلُ، وأنبتَ، كما يقال: مَطَرت السماءُ، وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غير في العذاب، ثم سُمّي القَطْرُ بالمصدر، وجمعه أمطار، مثلُ سبب وأسباب
(1)
. (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم ("لِيُصَلِّ) بكسر اللام، وهي لام الأمر، والفعل مجزوم بها (مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ) مفعوله محذوف؛
(1)
"المصباح المنير" 2/ 575.
أي: الصلاةَ (فِي رَحْلِهِ") -بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة-: قال أهل اللغة: هو المنزل، سواء كان من حجر، أو مدر، أو خشب، أو شَعْرٍ، أو صوف، أو وَبَرٍ، أو غيرها، جمعه رِحَالٌ.
وهذا فيه دلالة على أن الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم: "صلّوا في رحالكم" في الروايات السابقة للإباحة، والمعنى: أن من شاء منكم أن يصلّي في رحله، فليفعل، ومن تحمّل المشقّة، وأتى الجماعة، فقد استكمل الفضيلة
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان،
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
[تنبيه]: هذا الحديث مما رواه أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه معنعنًا، وهو مدلّسٌ، وليس الراوي عنه ليث بن سعد، فإنه لم يرو عنه إلا ما سمعه من جابر، فكيف أخرجه مسلم هنا؟.
[قلت]: يُجاب عن هذا بأن هذا مما صحّ لدى مسلم سماع أبي الزبير له من جابر رضي الله عنه، فإنه يَعلَم تدليس أبي الزبير، فلولا صحّة سماعه لديه لَما أخرجه، ومما يؤيّد هذا أن ابن حبّان أخرج الحديث في "صحيحه" بنفس الطريق (5/ 437) وهو قد بيّن في "خطبة "صحيحه" أنه لا يُخرج عن المدلّسين إلا ما ثبت سماعهم له، ودونك نصّه:
قال رحمه الله: وأما المدلسون الذين هم ثقاتٌ وعدول، فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بيّنوا السماع فيما رووا، مثل الثوريّ، والأعمش، وأبي إسحاق، وأضرابهم من الأئمة المتقين، وأهل الورع في الدين.
إلى أن قال: فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس، أنه بَيَّن السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر. انتهى
(2)
.
(1)
راجع: "المنهل العذب المورود" 6/ 206 - 207.
(2)
"صحيح ابن حبان" 1/ 161 - 162.
وهذا هو منهج كل من التزم الصحّة، فإنه لا يُخرج عن المدلس إلا ما ثبت سماعه له من شيخه، من طريق آخر، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [4/ 1603](698)، (وأبو داود) في "الصلاة"(1065)، و (الترمذيّ) فيها (409)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1736)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 312 و 327 و 397)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1659)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2082)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 71)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1604]
(699) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ، فِي يَوْم مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، فَلَا تَقُلْ:"حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ"، قُلْ:"صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ"، قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ
(1)
، فَقَالَ: أتعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟ قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ
(2)
، فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [9](ت 244)(خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 2/ 6.
2 -
(إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم المعروف بابن عُليّة، تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(عَبْدُ الْحَمِيدِ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ) هو: عبد الحميد بن دينار، هو ابنُ
(1)
وفي نسخة: "ذلك".
(2)
وفي نسخة: "أن أخرجكم" بالخاء المعجمة.
كُرْديد، وقيل: ابن واصل البصريّ، صاحب الزياديّ، ومنهم من جعلهما اثنين، ثقةٌ [4].
رَوَى عن أنس، وأبي رجاء الْعُطَارديّ، وثابت البنانيّ، والحسن البصريّ، وأبي الوليد، عبد اللَّه بن الحارث البصريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، ومهدي بن ميمون، وحماد بن زيد، وإسماعيل ابن عُلَيَّة، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ رحمه الله: ذكره ابن حبّان في أتباع التابعين، كانه لم يصحّ عنده لُقِيُّهُ لأنس، وفَرَّق بين ابن دينار، وابن كُرْديد؛ تبعًا للبخاريّ، وكذا فعل ابن أبي حاتم. انتهى.
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (699) وحديث (2796):"قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحقّ. . . ".
[تنبيه]: لم أجد سبب تلقيب عبد الحميد هذا بصاحب الزياديّ، واللَّه تعالى أعلم.
4 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ) الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، ابن عمّ ابن سيرين، وزوج ابنته، ثقة [3](ع) تقدم في "المساجد" 26/ 1338.
5 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما المتوفّى سنة (68)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من صغار التابعين، كما قاله في "الفتح"
(1)
.
(1)
"الفتح" 2/ 116.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ) رضي الله عنهما (أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه
(1)
. (فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ) أَي: كثير المطر، وفي الرواية التالية:"خطبنا عبد اللَّه بن عبّاس في يوم ذي رَدْغٍ"، و"الردغ": الْوَحْلُ (إِذَا قُلْتَ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، فَلَا تَقُلْ: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ") أي: لأن فيه تكليف السامعين بالحضور إلى الصلاة، ولكن (قُلْ:"صَلُّوا فِي بُيُوتكُمْ") وفي رواية البخاريّ: "فأمره أن ينادي: الصلاة في الرحال"(قَالَ) عبد اللَّه بن الحارث (فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا) أي: أنكروا عليه، السين والتاء زائدتان للتأكيد، وفي رواية للبخاريّ:"كأنهم أنكروا ذلك"(ذَاكَ) وفي نسخة: "ذلك" أي: أمره المؤذّن بما ذُكر (فَقَالَ) ابن عبّاس رضي الله عنهما (أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟) أي: من قولي المذكور (قَدْ فَعَلَ ذَا) أي: الذي استنكرتموه (مَنْ) موصولة؛ أي: الذي (هُوَ خَيْرٌ مِنِّي) يعني: النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي رواية البخاريّ:"فَعَلَ هذا من هو خير منه"، وللكشميهنيّ:"منهم"، وللحجبيّ:"مني يعني: النبيّ صلى الله عليه وسلم"، قال في "الفتح": كذا في أصل الرواية، ومعنى رواية الباب: من هو خير من المؤذن، يعني فَعَلَه مؤذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو خير من هذا المؤذن، وأما رواية الكشميهنيّ ففيها نظرٌ، ولعلّ من أَذَّن كانوا جماعة، إن كانت محفوظةً، أو أراد جنس المؤذنين، أو أراد: خيرٌ من المنكرين. انتهى
(2)
.
وتعقّب العينيّ على الحافظ، فقال: في نظره نظرٌ، وتأويله بالوجهين غير صحيح، أما الأول فلم يثبت أن مَن أَذَّن كانوا جماعةً، وهذا احتمال بعيدٌ؛ لأن الأذان بالجماعة مُحْدَثٌ، وأما الثاني فلأن الألف واللام في "المؤذن" للعهد، فكيف يجوز أن يراد الجنس؟. انتهى
(3)
.
(1)
راجع: "تنبيه المعلم بمهمات صحيح مسلم"(ص 151).
(2)
"الفتح" 2/ 117.
(3)
"عمدة القاري" 5/ 187.
(إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ) -بسكون الزاي- ضدُّ الرخصة؛ أي: واجبة متحتّمةٌ، فلو قال المؤذّن:"حيّ على الصلاة"، لكُلِّفتم المجيءَ إليها، ولَحِقتكم المشقّة (وَإِنِّي كَرِهْتُ) بكسر الراء، يقال: كَرِهتُ الشيءَ أَكْرَهُهُ من باب تَعِبَ، كَرْهًا، بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته، فهو مكروهٌ
(1)
. (أَنْ أُحْرِجَكُمْ) أي: أشُقّ، وأضيّق عليكم، وقال النوويّ رحمه الله: هو بالحاء المهملة، من الْحَرَج، وهو المشقّة، هكذا ضبطناه، وكذا نقله القاضي عياض عن رواياتهم. انتهى
(2)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: الرواية فيه بالحاء المهملة، وهو من الحرج والمشقّة، ومنه:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. انتهى
(3)
.
وقال في "الفتح": وفي رواية الحجبيّ، من طريق عاصم:"إني أُؤَثِّمُكُم"، وهي تُرَجِّح رواية من روى "أُحْرِجكم" بالحاء المهملة، وفي رواية جرير، عن عاصم، عند ابن خزيمة:"أن أخرج الناس، وأُكَلِّفهم أن يَحْمِلوا الخبث من طُرُقهم إلى مسجدكم". انتهى.
وقال في "العمدة": قوله: "أن أُحرجكم"؛ أي: كرهت أن أشُقّ عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر، ويُرْوَى:"أن أخرجكم" بالخاء المعجمة، من الإخراج، ويُرْوَى:"كَرِهْتُ أن أُؤَثّمَكُم" أي: أكون سببًا لاكتسابكم الإثم عند ضِيقِ صدوركم. انتهى بتصرّف
(4)
.
(فَتَمْشُوا) معطوف على "أُخرج" منصوب بحذف النون (فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ) -بفتح الدال المهملة، وسكون الحاء المهملة، وتُفْتح، آخره ضادٌ معجمة- قال في "القاموس": مكانٌ دَحْضٌ، ويُحرَّكُ، ودَحُوضٌ: زَلِقٌ، جمعه دِحَاضٌ -بالكسر- والْمَدْحَضَةُ: الْمَزَلّةُ. انتهى
(5)
.
وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "في الطين والدَّحْض" بإسكان الحاء المهملة، وبعدها ضاد معجمة، وفي الرواية الأخيرة: الدَّحْض والزلل، هكذا هو باللامين، والدَّحْض والزلل والزَّلَق والرَّدْغ -بفتح الراء، وإسكان الدال
(1)
راجع: "المصباح المنير" 2/ 531 - 532.
(2)
"شرح مسلم" 5/ 207.
(3)
"المفهم" 2/ 339.
(4)
"عمدة القاري" 5/ 187.
(5)
"القاموس المحيط" 2/ 330.
المهملة، وبالغين المعجمة- كله بمعنى واحد، ورواه بعض رواة مسلم "رَزْغ" بالزاي بدل الدال -بفتحها، وإسكانها- وهو الصحيح، وهو بمعنى الرَّدْغ، وقيل: هو المطر الذي يَبُلُّ وجه الأرض. انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عبّاس رضي الله عنهما متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [4/ 1604 و 1605 و 1606 و 1607 و 1608 و 1609](699)، و (البخاريّ) في "الأذان"(616 و 668)، و"الجمعة"(901)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1066)، و (ابن ماجه) فيها (939)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1563 و 1564 و 1565 و 1566 و 1567 و 1568)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار.
2 -
(ومنها): بيان أنها متأكدة إذا لم يكن للشخص هناك عذر.
3 -
(ومنها): بيان أنها مشروعة لمن تكلف الإتيان إليها، وتحمّل المشقة؛ لقوله في الرواية الثانية:"ليصلّ من شاء في رحله".
4 -
(ومنها): بيان أن الجماعة مشروعة في السفر، وكذلك الأذان مشروع في السفر.
5 -
(ومنها): أن حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا يدلّ على أن المؤذّن يقول: "ألا صلوا في رحالكم" في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما الماضي أنه يقول في آخر ندائه، قال النوويّ رحمه الله: والأمران جائزان، نَصَّ عليهما الشافعيّ رحمه الله في "الأُمّ" في "كتاب الأذان"، وتابعه جمهور أصحابنا في ذلك، فيجوز بعد الأذان، وفي أثنائه؛ لثبوت السنة فيهما، لكن كونه بعده أحسن؛
(1)
"شرح النووي" 5/ 207.
ليبقى نظم الأذان على وضعه، ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهذا ضعيف، مخالف لصريح حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر رضي الله عنهما الماضي؛ لأن هذا جَرَى في وقت، وذلك في وقت، وكلاهما صحيح. انتهى
(1)
.
6 -
(ومنها): أنه استدلّ بهذا الحديث من رخّص الكلام في الأذان، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، وحَكَى ابن المنذر الجواز مطلقًا عن عروة، وعطاء، والحسن، وقتادة، وعن النخعيّ، وابن سيرين، والأوزاعيّ: الكراهةُ، وعن الثوريّ: المنعُ، وعن أبي حنيفة وصاحبيه: خلافُ الأولى، وعليه يدلّ كلام الشافعيّ، ومالك، وعن إسحاق ابن راهويه: يُكره إلا إن كان يتعلق بالصلاة، واختاره ابن المنذر، قاله في "العمدة"
(2)
.
7 -
(ومنها): أن فيه دلالةً على فرضية الجمعة، وأبعد بعض المالكية، حيث قال: إن الجمعة ليست بفرض، وإنما الفرض الظهر، أو ما ينوب منابه
(3)
، وهذا إن صحّ عن قائله، فبطلانه واضح؛ لمصادمته للنصوص الكثيرة الدالّة على فرضيّة الجمعة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1605]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ
(4)
أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ
(5)
، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمُعَةَ، وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، بِنَحْوِهِ).
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 2077.
(2)
"عمدة القاري" 5/ 187.
(3)
راجع: "عمدة القاري" 5/ 187.
(4)
وفي نسخة: "وحدّثني".
(5)
وفي نسخة: "ذي رزغ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 237)(خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" 6/ 57.
2 -
(حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ) -بفتح الراء، وسكون الدال المهملة، وبالغين المعجمة- ووقع في بعض النسخ:"رزغ" بالزاي موضع الدال.
قال القرطبيّ رحمه الله: الرواية المشهورة فيه بدال مهملة ساكنة، وغين معجمة، ووقع في رواية أبي الفتح السمرقنديّ:"رَزغ" بالزاي، وكلاهما: الذي يُزْلَقُ فيه، وقال أيضًا: والصواب الفتح، يعني فتح الدال، فإنه اسم، وبالسكون مصدر.
وقال صاحب "التلويح": "الردغ" بدال مهملة ساكنة، وغين معجمة، رواه العذريّ، وبعض رواة مسلم، وكذا لابن السكن والقابسيّ، إلا أنهما فتحا الدال، وهي روايتنا من طريق أبي الوقت، ورواية الأصيليّ، والسمرقنديّ:"رَزَغ" بزاي مفتوحة، بعدها غين معجمة.
وقال السفاقسيّ: رويناه بفتح الزاي، وهو في اللغة بسكونها، قال الداوديّ:"الرزغ": الغيم البارد.
وفي "المحكم": الرزغ: الماء القليل في الثِّمَاد، و"الرزغة": أقل من "الردغة"، و"الرزغة" بالفتح: الطين الرقيق.
وفي "الصحاح": "الرَّزَغَة" بالتحريك الْوَحْل، وكذلك "الرَّدَغَة" بالتحريك.
وفي كتاب أبي موسى: "الرَّدْغَة" بسكون الدال وفتحها: طينٌ، ووَحْلٌ كثير، والجمع رِدَاغٌ، وقد يقال: ارتاع بالعين المهملة: تلطخ، والصحيح الأول.
ووقع عند البخاريّ بلفظ: "في يومِ رَدْغٍ" بالإضافة، أو بالتنوين على
الوصف، كما يدلّ رواية مسلم هذه بلفظ:"في يومٍ ذي ردغ".
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) فاعل "ساق" ضمير شيخه أبي كامل، ويَحْتمل أنه لحماد بن زيد.
وقوله: (وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمٍ)"حمّاد" هو ابن زيد، و"عاصم" هو ابن سليمان الأحول.
وقوله: (بِنَحْوِهِ) أي: بنحو حديث حمّاد، عن عبد الحميد، ولفظ البخاريّ في "صحيحه":"وعن حمّاد، عن عاصم، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن ابن عبّاس نحوه، غير أنه قال: كرهتُ أن أُؤَثِّمَكم، فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم".
قال في "الفتح": قوله: "نحوه" أي: بمعظم لفظه، وجميع معناه، ولهذا استثنى منه لفظ:"أحرجكم"، وأن في هذا بدلها "أؤثّمكم. . . " إلخ، ويَحْتَمِلُ أن يكون المراد بالاستثناء أنهما متّفقان في المعنى، وفي الرواية الثانية هذه الزيادة. انتهى
(1)
.
[تنبيه]: رواية حماد بن زيد، عن عبد الحميد هذه، ساقها الإمام البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:
(668)
حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الوهاب، قال: حدّثنا حماد بن زيد، قال: حدّثنا عبد الحميد، صاحب الزياديّ، قال: سمعت عبد اللَّه بن الحارث، قال: خطبنا ابن عباس، في يومٍ ذي رَدْغٍ، فأمر المؤذن لَمّا بلغ "حيّ على الصلاة"، قال: قل: "الصلاة في الرحال"، فنظر بعضهم إلى بعض، فكأنهم أنكروا، فقال:"كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله مَن هو خيرٌ مني، يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم، إنها عَزْمَةٌ، وإني كَرِهتُ أن أحرجكم". انتهى.
وأما رواية حماد، عن عاصم الأحول، فستأتي في الرواية التالية، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"الفتح" 2/ 185.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1606]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ
(1)
أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، هُوَ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَعَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ، يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [10](ت 234)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 23/ 190.
[تنبيه]: قوله: (وحدثنيه أبو الربيع الْعَتَكيّ، هو الزهرانيّ) قال القاضي عياض رحمه الله: كذا وقع هنا الجمع بين العتكيّ والزهرانيّ، وتارة يقول: العتكيّ فقط، وتارة الزهرانيّ، قال: ولا يجتمع العَتِيك وزهران إلا في جدّهما؛ لأنهما ابنا عمّ، وليس أحدهما من بطن الآخر؛ لأن زهران بن الْحُجْر بن عمران بن عَمرو، والعتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو، فكأنه صليبة في أحدهما، وحليف، أو جارٌ للآخر، وقد سبق التنبيه على هذا في أوائل الكتاب
(2)
، وباللَّه تعالى التوفيق.
2 -
(أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّم قبل باب.
3 -
(عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) هو: ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [4] مات بعد (140)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 27.
و"حماد" هو المذكور قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد حماد الماضي، وهو: عن عاصم، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عبد اللَّه بن عبّاس رضي الله عنهما.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ، يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) فاعل "يَذكُر" ضمير شيخه
(1)
وفي نسخة: "وحدّثني".
(2)
راجع: "إكمال المعلم" 3/ 24 - 25 و"شرح النوويّ" 5/ 208 بإصلاح سقط أخذًا من "اللباب" 2/ 103.
أبي الربيع، ويَحْتَمِل أن يكون لحمّاد بن زيد؛ أي: لم يذكر حماد في روايته عن أيوب، وعاصم، كلاهما عن عبد اللَّه بن الحارث جملةَ "يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم".
[تنبيه]: رواية حماد بن زيد، عن أيوب، وعاصم الأحول هذه، ساقها الإمام البخاريّ مع روايته عن عبد الحميد صاحب الزياديّ، فقال:
(616)
حدّثنا مسدّد، قال: حدّثنا حماد، عن أيوب، وعبد الحميد، صاحب الزياديّ، وعاصم الأحول، عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: خطبنا ابن عباس، في يومِ رَدْغٍ، فلما بلغ المؤذن "حيّ على الصلاة"، فأمره أن ينادي "الصلاة في الرحال"، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقال: فَعَلَ هذا من هو خير منه، وإنها عَزْمَةٌ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1607]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شُمَيْلِ
(1)
، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ
(2)
، فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَقَالَ: وَكَرِهْتُ أَنْ تَمْشُوا فِي الدَّحْضِ وَالزَّلَلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكوسَج المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [11](ت 251)(خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
2 -
(ابْنُ شُمَيْلٍ) هو: النضر بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت من كبار [9](ت 204)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 39.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجاج، الإمام الحجة المشهور، [7](ت 160)(ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ 1 ص 381.
والباقون ذُكروا قبله.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا النضر بن شُميل".
(2)
وفي نسخة: "في يوم جمعة".
وقوله: (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وفي نسخة: "في يوم جمعة".
وقوله: (فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ) بدل من الجارّ والمجرور قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير شيخه إسحاق بن منصور، ويَحْتَمل أن يكون لشعبة.
وقوله: (وَالزَّلَلِ) -بفتحتين- عطف تفسير للدَّحَضِ.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن عبد الحميد هذه ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 289) فقال:
(1566)
حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، ثنا الحسن بن محمد الداركيّ، ثنا صالح بن مسمار، ثنا النضر بن شُميل، ثنا شعبة، ثنا عبد الحميد، صاحب الزياديّ، سمعت عبد اللَّه بن الحارث، قال: أَذَّن مؤذِّن ابن عباس يوم جمعة، في يوم مطير، وقال:"اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه"، قال:"صلوا في رحالكم"، قد فعله من هو خير مني، كَرِهت أن تمشوا في الدحض والزلل. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1608]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ
(1)
، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ مُؤَذِّنَهُ، فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ:"فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ"، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرِ:"فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي"، يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) الضبعيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [9].
رَوَى عن خاله جويرية بن أسماء، وشعبة، وهمام بن يحيى، وسعيد بن
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا عبد بن حُميد".
أبي عروبة، وأبي عامر الخزاز، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وأبان بن أبي عياش، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وعليّ ابن المدينيّ، وإسحاق ابن راهويه، وابن معين، وبُندار، وعقبة بن مُكْرَم، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعباس الدُّوريّ، وعبد اللَّه الدارميّ، وعبد بن حميد، وغيرهم.
قال محمد بن الوليد التستريّ، عن يحيى بن سعيد: هو شيخ المصر منذ أربعين سنة، وقال يحيى أيضًا: إني لأغبط جيرانه، وقال ابن مهديّ لابنه يحيى: الزمه، فلو حدّثنا كلَّ يوم حديثًا لأَتيناه، وقال أبو مسعود، وزياد بن أيوب: ما رأيت بالبصرة مثله، وقال ابن معين: حدّثنا سعيد بن عامر الثقة المأمون، وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا، وكان في حديثه بعض الغلط، وهو صدوقٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً صالِحًا، وقال العجليّ: ثقةٌ، رجلٌ صالحٌ، من خيار الناس، وقال ابن قانع: ثقةٌ.
قال أبو بكر الخطيب: حدَّث عنه ابن المبارك، ومحمد بن يحيى بن المنذر القزاز، وبين وفاتيهما مائة وتسع سنين.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة (122) ومات لأربع بقين من شوال سنة (208).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (699) و (1652) و (2107) و (2399).
3 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
4 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
5 -
(مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ) الضمير لشعبة، ومعمر.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) الضمير لشيوخه السابقين، وهم: عليّ بن حُجر، وأبو كامل، وأبو الربيع، وإسحاق بن منصور، ويَحْتَمِل أن يكون لإسماعيل ابن عليّة، وحماد بن زيد، وشعبة في رواياتهم السابقة، يعني أن شعبة، ومعمرًا
حدّثا عن عاصم بنحو ما حدّث به ابن عليّة، وحماد بن زيد، وشعبة ثلاثتهم عن عبد الحميد صاحب الزياديّ.
[تنبيه]: أما رواية شعبة، عن عاصم هذه، فقد ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 289) فقال:
(1568)
حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا أحمد بن محمد بن يعقوب، ثنا عباس الدُّوريّ، ثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عاصم، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن ابن عباس، أمر مؤذِّنه في يوم مطير، إذا بلغ "قد قامت الصلاة"، قال:"صلوا في رحالكم"، قد فعله مَن هو خير مني. انتهى.
وأما رواية معمر، عن عاصم، فقد ساقها عبد الرزاق رحمه الله في "مصنّفه" (1/ 500) فقال:
(1923)
أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن عبد اللَّه بن الحارث، أن ابن عباس أمر مناديه يوم الجمعة، في يوم مطير، فقال: إذا بلغت "حي على الفلاح"، ففل:"ألا صلوا في الرحال"، فقيل له: ما هذا؟ فقال: فعله مَن هو خير مني. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1609]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ وُهَيْبٌ: لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، قَالَ: أَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُؤَذِّنَهُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ) هو: أحمد بن إسحاق بن زيد بن عبد اللَّه بن أبي إسحاق الحضرميّ، أبو إسحاق البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [9].
رَوَى عن حماد بن سلمة، وعبد العزيز، وأبي عوانة بن المختار، وهمام، ووُهَيب، والقطان.
ورَوى عنه إبراهيم الجوهريّ، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، ويعقوب بن شيبة، وأحمد بن الحسن بن خِرَاش، والحارث بن أبي أسامة، وغيرهم.
قال أحمد: كان عندي -إن شاء اللَّه- صدوقًا، ولكني تركته من أجل ابن أكثم، دخل له في شيء، وقال يعقوب بن شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ، ومحمد بن سعد: ثقةٌ، وقال النسائيّ أيضًا: ليس به بأس، وقال المروزيّ، عن أحمد: لم يكن بأحمد بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يحفظ حديثه.
وقال ابن سعد: مات بالبصرة سنة (211).
أخرج المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، برقم (699) و (1021) و (1244) و (2523) و (2861) و (2881) و (2946).
2 -
(وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [7](ت 165)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 413.
والباقون ذُكروا قبله، و"أيوب": هو السختيانيّ.
وقوله: (قَالَ وُهَيْبٌ: لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ) يعني أن أيوب لم يسمع هذا الحديث من عبد اللَّه بن الحارث، هكذا قال، وفيه نظر؛ لأنه ثبت أنه سمعه منه، فقد أخرج الإسماعيليّ وغيره هذا الحديث من رواية سليمان بن حرب، عن حماد، عن أيوب، وعبد الحميد، قالا: سمعنا عبد اللَّه بن الحارث، أفاده في "الفتح"
(1)
.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن شيخه عبد بن حميد حدّثه بنحو حديث شيوخه السابقين، وهم: علي بن حجر، وأبو كامل، وأبو الربيع، وإسحاق بن منصور.
[تنبيه]: رواية وُهيب هذه لم أجد من ساقها تامّةً، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
"الفتح" 2/ 116.
(5) - (بَابُ جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1610]
(700) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ)
(1)
.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وقد تقدّموا مع بيان اللطائف في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ) -بضمّ السين المهملة، وسكون الموحّدة-؛ أي: نافلته (حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ) وفي نسخة: "راحلته"، قال النوويّ رحمه الله: يعني في جهة مقصده، قال أصحابنا: فلو توجّه إلى غير المقصد، فإن كان إلى القبلة جاز، وإلا فلا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "وإلا فلا" فيه نظرٌ؛ إذ هو مخالف لظاهر إطلاق قوله: "حيثما توجّهت به راحلته"، ولظاهر الآية التي نزلت في هذا الشأن، {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية سالم الآتية: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسبّح على الراحلة قِبَل أيّ وجه توجّه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة".
قال في "الفتح": وقد تكرر -يعني ذكر التسبيح- في الحديث كثيرًا، والتسبيح حقيقة في قول: سبحان اللَّه، فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكلّ، أو لأن المصلي منزِّه للَّه -بإخلاص العبادة-، والتسبيح: التنزيه، فيكون من باب الملازمة، وأما اختصاص ذلك بالنافلة فهو عرف شرعي. انتهى
(2)
.
(1)
وفي نسخة: "راحلته".
(2)
"الفتح" 2/ 670.
[تنبيه]: قال القاضي عياضٌ رحمه الله: ولم يذكر في كتاب مسلم صفة صلاته على الدابّة، وقد وقع مفسّرًا في "الموطأ" من فعل أنس رضي الله عنه، قال: إيماءً، وقال مالك: وتلك سنة الصلاة على الدابّة، قال:"ولا يسجد على الْقَرَبُوس"
(1)
. انتهى
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [5/ 1610 و 1611 و 1612 و 1613 و 1614 و 1615 و 1616 و 1617 و 1618](700)، و (البخاريّ) في "الوتر"(999 و 1000)، وفي "تقصير الصلاة"(1095)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1226)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(472)، و (النسائيّ) في "الصلاة"(490)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1200)، و"الكبرى"(947)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 124 و 150 - 151)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4519)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 303)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 4 و 13 و 38 و 49 و 57 و 75 و 83 و 124 و 128 و 3/ 73)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1267 و 1268 و 1269)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2413 و 2515)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 429)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2/ 342 - 343)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1569 و 1570 و 1571 و 1572 و 1573 و 1574 و 1575)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 5)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده
(3)
:
(1)
"الْقَرَبُوس": حِنْوُ السرج، أي قسمه المقوّس المرتفع من قُدّام المقعد، ومن مؤخّره، والجمع: قَرَابيس.
(2)
"إكمال المعلم" 3/ 28.
(3)
المراد فوائد الحديث بطرقه وسياقاته المختلفة الواردة في أحاديث الباب، وليس المراد هذه الرواية فقط، فتنبّه.
1 -
(منها): بيان جواز التنفل على الراحلة في السفر، حيث توجهت، وهذا جائز بإجماع المسلمين، قال النوويّ رحمه الله: وشرطه أن لا يكون سفر معصية، ولا يجوز الترخص بشيء من رُخَص السفر لعاص بسفره. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن الراجح عموم الترخيص لكلّ مسافر، مطيعًا كان أو عاصيًا؛ لإطلاق النصوص، فتبصّر.
2 -
(ومنها): بيان جواز التنفل في السفر لغير القبلة، وهو يُخَصِّص قوله تعالى:{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، ويبيّن أن المراد بقوله تعالى:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، في صلاة النافلة، كما سيأتي بيانه بعد حديث.
3 -
(ومنها): بيان كون الوتر غير فرض؛ لكونه صلى الله عليه وسلم كان يُصَلِّيه على الراحلة؛ إذ لو كان فرضًا لَمَا جاز راكبًا بدليل نزوله صلى الله عليه وسلم لأداء المكتوبة.
4 -
(ومنها): بيان جواز التنفّل على الراحلة، سواء كان السفر قصيرًا أو طويلًا عند الجمهور، ولا يجوز في البلد، وعن مالك أنه لا يجوز إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، قال النوويّ: وهو قول غريبٌ محكيّ عن الشافعيّ رحمه الله.
5 -
(ومنها): أن فيه دليلًا على أن المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة، ولا على الدابة، وهذا مجمع عليه، إلا في شدة الخوف، قال النوويّ: فلو أمكنه استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود على الدابة واقفة عليها هَوْدَجٌ أو نحوه، جازت الفريضة على الصحيح من مذهبنا، فإن كانت سائرة لم تصحّ على الصحيح المنصوص للشافعيّ، وقيل: تصحّ كالسفينة، فإنها يصح فيها الفريضة بالإجماع، ولو كان في رَكْب، وخاف لو نزل للفريضة انقطع عنهم، ولَحِقه الضرر، قال أصحابنا: يصلي الفريضة على الدابة بحسب الإمكان، وتلزمه إعادتها؛ لأنه عذر نادر. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في لزوم الإعادة محلّ نظر؛ لأنه فعل ما في وُسعه، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فتبصّر.
6 -
(ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من إكثار الطاعة مع كونه قد
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 210.
(2)
"شرح النوويّ" 5/ 211.
غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ شكرًا للَّه تعالى، كما قال في حديث عائشه رضي الله عنها:"أفلا أكون عبدًا شكورًا".
7 -
(ومنها): في قول ابن عمر رضي الله عنهما: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ} بيان أن القرآن نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم شيئًا بعد شيء على حسب الحاجة إليه، حتى أكمل اللَّه دينه، كما قال:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية [المائدة: 3]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه أخذ بمضمون حديث ابن عمر رضي الله عنهما فقهاء الأمصار، فقالوا: يجوز التنفل في السفر لغير القبلة، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، والحجة لهم في ذلك حديث الجارود بن أبي سَبْرَة، عن أنس رضي الله عنه "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صَلَّى حيث وَجَّهَت رِكَابُهُ". أخرجه أبو داود، وأحمد، والدارقطني، وصححه ابن السكن
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنّ ما قاله الإمام أحمد، وأبو ثور هو الأولى؛ لهذا الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أجمع أهل العلم على جواز النافلة على الراحلة في السفر قِبَلَ مقصده كما قاله النوويّ، والعراقيّ، والحافظ، وغيرهم.
واختلفوا في جوازه في الحضر، فَجَوَّزه أبو يوسف، وأبو سعيد الإصطخريّ من الشافعية، والظاهرية، وقال ابن حَزْم: وقد رَوَينا عن إبراهيم النخعيّ، قال: كانوا يصلون على رحالهم ودَوَابِّهم حيثما توجهت، قال: وهذه حكاية عن الصحابة، والتابعون عمومًا في الحضر والسفر.
قال النووي: وهو محكيّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
وقال العراقيّ: استدَلَّ من ذهب إلى ذلك بعموم الأحاديث التي لم تُصَرِّح بذكر السفر، وهو ماشٍ على قاعدتهم أنه لا يُحْمَل المطلق على المقيد، بل يُعْمَل بكل منهما، فأما من يحمل المطلق على المقيد، وهم الجمهور، فحملوا الروايات المطلقة على المقيدة.
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 670، و"التلخيص الحبير" 1/ 214.
ثم إن الجمهور الذين يشترطون السفر قالوا بجواز التنفل على الراحلة سواء كان السفر طويلًا أو قصيرًا، وخالفهم في ذلك مالك، فخصّه بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة، قال الطبريّ: لا أعلم أحدًا وافقه على ذلك، وقال الحافظ: ولم يُتَّفَق على ذلك عنه، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عنه أنه سافر سفرًا قصيرًا، فصنع ذلك.
وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك، وكأن السر في جواز التطوع على الراحلة تيسير تحصيل النوافل على العباد، وتكثيرها تعظيمًا لأجورهم رحمة من اللَّه بهم
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي القول بعدم جواز التنفل في الحضر؛ لأن التوجه إلى القبلة فرض في الصلاة مطلقًا بنص الكتاب، فلا يُسْتَثْنَى منه إلا ما استثناه النصّ، وهو حالة السفر، كما يأتي نصًّا من حديث ابن عمر بأن آية {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] نزلت في ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في جواز الوتر على الراحلة: ذهب أكثرهم إلى جوازه، ومنهم: ابن عمر، ورُوي عن عليّ وابن عباس رضي الله عنهم، وهو قول سالم وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
وقال الثوري: لا بأس به، وبالأرض أحب إليّ، وكذا مذهب مالك في "تهذيب المدونة": أن المسافر إذا كان له حزب، فليوتر على الأرض، ثم يتنفل في الْمَحْمِل بعد الوتر.
وهذا يدل على أن تقديم الوتر على الأرض على قيام الليل أفضل من تأخيره على الراحلة.
ومنع من الوتر على الراحلة من يرى أن الوتر واجب، وهو قول أبي حنيفة، وقال النخعي: كانوا يصلون الفريضة والوتر بالأرض.
قال ابن رجب: وحَكَى ابن أبي موسى عن أحمد في جواز صلاة ركعتي الفجر على الراحلة روايتين، دون الوتر.
(1)
"الفتح" 2/ 670.
وحُكِي عن بعض الحنفية، أنه لا يفعل الوتر ولا ركعتا الفجر على الراحلة.
وروى الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلي على راحلته تطوّعًا، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض.
قال ابن رجب: ولعله فعله استحبابًا، وإنما أنكر على من لا يراه جائزًا.
ورَوَى محمد بن مصعب: ثنا الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر رضي الله عنه، قالَ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به تطوّعًا، فإذا أراد أن يصلي الفريضة أو يوتر أناخ فصلى بالأرض.
قال ابن جوصا في "مسند الأوزاعي من جمعه": لم يقل أحد من أصحاب الأوزاعي: "أو يوتر" غير محمد بن مصعب وحده، وخرّجه من طرق كثيرة عن الأوزاعيّ، ليس في شيء منها: ذكر الوتر.
ومحمد بن مصعب، قال يحيى: ليس حديثه بشيء، وقال ابن حبان: ساء حفظه فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر في الباب من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وغيره أن الصحيح قول الجمهور، وهو كون الوتر غير واجب، وجواز أدائه على الراحلة، وسيأتي البحث في هذا مُستوفًى في "باب صلاة الليل والوتر" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} الآية [البقرة: 115] على أقوال:
[أحدها]: هذا الذي ذكره ابن عمر رضي الله عنهما في حديث الباب أنها نزلت في صلاة النافلة على الراحلة، وهو الأرجح كما يأتي.
(1)
"فتح الباري" لابن رجب رحمه الله-9/ 183 - 184.
[الثاني]: أنها نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة، أخرج الترمذيّ رحمه الله بسنده عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة؟ فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ، لكن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده الأشعث السمّان، وهو ضعيف، قال الترمذي: يضعف في الحديث، وشيخه عاصم بن عبيد اللَّه أيضًا ضعيف، قال البخاريّ: منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به، وقال ابن حبان: منكر الحديث.
[الثالث]: أنها نزلت في النجاشيّ لما صلى عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم حين مات، أخرج ابن جرير بسنده عن قتادة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخًا لكم قد مات فصلوا عليه"، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟ قال: فنزلت {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ} الآية [آل عمران: 199]، قال قتادة: فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل اللَّه {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} الآية [البقرة: 115]. قال الحافظ ابن كثير: وهذا غريب واللَّه تعالى أعلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وهو أيضًا مرسل، فهو ضعيف، واللَّه تعالى أعلم.
[الرابع]: أنها نزلت لما أنكرت اليهود تحويل القبلة إلى الكعبة بعدما كانت إلى بيت المقدس، فقالوا:{مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142] فردّ اللَّه عليهم بقوله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ} يعني: أن له أن يتعبد عباده بما شاء، فإن شاء وجّههم إلى بيت المقدس، وإن شاء إلى الكعبة، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)} [الأنبياء: 23].
[الخامس]: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، ذكره ابن عباس رضي الله عنهما.
[السادس]: أنها محكمة، والمعنى: أينما كنتم من شرق وغرب، فثمّ
(1)
"تفسير ابن كثير" 1/ 162.
وجه اللَّه الذي أمركم باستقباله، وهو الكعبة، روي هذا عن مجاهد، والضحاك.
[السابع]: ما رُوي عن مجاهد، وابن جبير: لما نزلت {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] قالوا: إلى أين؟ فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115].
[الثامن]: ما رُوي عن ابن عمرو النخعي: أينما تولوا في أسفاركم، ومنصرفاتكم فثمّ وجه اللَّه.
[التاسع]: قيل: هي متصلة بقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} الآية [البقرة: 114]، فالمعنى أن بلاد اللَّه أيها المؤمنون تَسَعُكم، فلا يمنعكم تخريب مَن خَرَّب مساجد اللَّه أن تولوا وجوهكم نحو قبلة اللَّه أينما كنتم من أرضه.
[العاشر]: أنها نزلت حين صدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن البيت الحرام عام الحديبية، فاغتمّ المسلمون لذلك.
فهذه عشرة أقوال في هذه الآية ملخصة من "تفسير القرطبيّ رحمه الله"، وزيادة من "تفسير ابن كثير"
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قولُ من قال: إنها نزلت في الصلاة النافلة في السفر؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور في هذا الباب، فإنه نصّ صحيح قاطع للنزاع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1611]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه
(2)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ).
(1)
راجع: "تفسير القرطبيّ" 2/ 79 - 83، و"تفسير ابن كثير" 1/ 228 - 231.
(2)
وفي نسخة: "حدّثناه".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [8](ت 190) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 120.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ) هي الْمَرْكب من الإبل، ذكرًا كان، أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرَحَّلَ، وجمعها رَوَاحِل، قاله في "المصباح".
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1612]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 235) على الأصحّ، وله (85) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" 6/ 75.
2 -
(يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب.
3 -
(عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ
(1)
[5](ت 145)(خت م 4) تقدم في "الإيمان" 83/ 442.
4 -
(سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو
(1)
قال عنه في "التقريب": صدوقٌ له أوهام، والظاهر أن ما قلته أولى، كما يظهر من "تهذيب التهذيب".
عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [3](ت 95) ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في "الإيمان" 57/ 329.
5 -
و"ابن عمر" ذُكر قبله.
وقوله: (وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ) هذا كناية عن استدباره القبلة؛ لأن المقبل من مكة إلى المدينة لا يكون وجهه مستقبل القبلة.
وقوله: (حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ) أي: إلى الجهة التي فيها قصده، سواء كانت في جهة القبلة، أم لا.
وقوله: (قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ})"أين" ظرف متعلِّق بـ "تُوَلُّوا"، و"ما" زائدة، وهو مضمّن معنى الشرط، ولذا جُزِمَ به الشرط، والجواب، و"ثَمَّ" ظرف مكان للبعيد في محل النصب متعلق بمحذوف خبر لقوله:"وَجْهُ"، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وقد ذكر الإمام ابن جرير الطبريّ رحمه الله في "تفسيره" اختلاف أهل العلم في معنى قوله: {وَجْهُ اللَّهِ} ، فأخرج بسنده عن النضر بن عربيّ، عن مجاهد، قال: قبلةُ اللَّه، وأخرج عن إبراهيم، عن مجاهد، قال: حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها.
وقال آخرون: معناه: فثمّ اللَّه تبارك وتعالى، وقال آخرون: معناه: فثمّ تُدركون بالتوجه إليه رضا اللَّه الذي له الوجه الكريم.
وقال آخرون: عَنَى بالوجه: ذا الوجه، وقال قائلو هذه المقالة: وجه اللَّه صفة له. انتهى
(1)
.
وقال قبل ذلك: وقال آخرون: بل أنزل اللَّه هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن لهم التوجه بوجههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحية إلا كان جَلَّ ثناؤه في ذلك الوجه، وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى:{وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] قالوا: ثم نسخ ذلك
(1)
"تفسير ابن جرير" 1/ 50.
بالفرض الذي فرض عليهم في التوجه إلى المسجد الحرام. انتهى
(1)
.
وتعقبه الحافظ ابن كثير رحمه الله، وأجاد في ذلك، فقال: وفي قوله: "وأنه تعالى لا يخلو منه مكان"، إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى اللَّه عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. انتهى
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1613]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُبَارَكٍ
(3)
، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ: ثُمَّ تَلَا ابْنُ عُمَرَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ، وَقَالَ: فِي هَذَا نَزَلَتْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور قبل باب.
2 -
(ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد اللَّه الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة ثبت فقيهٌ جوادٌ، جُمعت فيه خصال الخير [8](ت 181) وله (63) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 32.
3 -
(ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [9](ت 3 أو 184) وله (93) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 121.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ) الضمير لابن المبارك، ويحيى بن أبي زائدة، وعبد اللَّه بن نُمير.
(1)
"تفسير ابن جرير" 1/ 502.
(2)
"تفسير ابن كثير" 1/ 163.
(3)
وفي نسخة: "ابن المبارك".
وقوله: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هو ابن أبي سليمان المذكور في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد عبد الملك الماضى، وهو: عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر رضي الله عنهما نحو الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية ابن المبارك، عن عبد الملك، ساقها النسائيّ رحمه الله في "السنن الكبرى" (6/ 289) فقال:
(10997)
أخبرني محمد بن آدم بن سليمان، عن ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته، حيث توجهت به، ثم تلا هذه الآية:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} . انتهى.
وأما رواية ابن أبي زائدة، وابن نمير، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1614]
(. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
3 -
(عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنيُّ) هو: عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المدنيّ، ثقةٌ [6] مات بعد (130)(ع) تقدم في "الإيمان" 88/ 464.
4 -
(سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) أبو الْحُبَاب المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: مولى شُقْران، أو مولى الحسن بن عليّ، وقيل: مولى بني النجّار، والصحيح أنه غير سعيد بن مُرْجَانة، ثقةٌ متقنٌ [3].
رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن خالد الجهنيّ.
وروى عنه سعيد المقبريّ، وسُهيل بن أبي صالح، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعثمان بن حكيم، وعمرو بن يحيى بن عُمارة، وغيرهم.
قال عباس الدُّوريّ: قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ ثقة، وقال ابن عبد البرّ: لا يَختلفون في توثيقه.
قال الواقديّ: مات سنة (116) وقيل: سبع عشرة ومائة، وهو ابن ثمانين سنةً، وقال ابن حبان في "الثقات": مات بالمدينة سنة سبع عشرة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (11) حديثًا.
و"ابن عمر" ذُكر قبله.
وقوله: (يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ) قال الدارقطنيّ وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازنيّ، قالوا: وإنما المعروف في صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم على راحلته، أو على البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس رضي الله عنه، كما ذكره مسلم بعد هذا، ولهذا لم يذكر البخاريّ حديث عمرو. انتهى.
قال النوويّ رحمه الله بعد ذكر كلام الدارقطنيّ ومتابعيه؛ ما نصّه: وفي الحكم بتغليط رواية عمرو نظرٌ؛ لأنه ثقةٌ نَقَل شيئًا مُحتَمِلًا، فلعله كان الحمار مرةً، والبعير مرةً، أو مرات، لكن قد يقال: إنه شاذٌّ فإنه مخالفٌ لرواية الجمهور في البعير والراحلة، والشاذّ مردود، وهو المخالف للجماعة. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الحديث صحيحٌ، كما صحّحه المصنّف رحمه الله حيث أخرجه هنا، ولم يُعلّه، فزيادة عمرو بن يحيى مقبولة؛ لعدم منافاتها لما رواه الجماعة؛ إذ أمكن الجمع بحمل روايته على وقت، ورواياتهم على أوقات أخرى.
ويشهد لذلك ما أخرجه النسائيّ بإسناد حسن، عن يحيى بن سعيد، عن
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 211 - 212.
أنس رضي الله عنه أنه رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي على حمار، وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ) بكسر الجيم: أي: متوجّهٌ، يقال: وَجّه ههنا: أي: توجّه، وقد يقال: إن معناه: قاصدٌ، يقال: هذا وجهي إليه؛ أي: قصدي، وقد يقال: معناه: مقابلٌ بوجهه إليها، قاله في "الإكمال"
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1615]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(3)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: خَشِيتُ الْفَجْرَ، فَنَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسْوَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) القُرشيّ الْعَدويّ المدنيّ، ثقةٌ، من كبار [7].
أرسل عن جد أبيه، ورَوَى عن عمّ أبيه سالم، وأبي الحُباب سعيد بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وإسحاق بن عبد اللَّه بن جعفر، وعباد بن تميم، وجماعة.
ورَوَى عنه مالك، وإبراهيم بن طَهْمان، وعبيد اللَّه بن عمر الْعُمَريّ، وسعيد بن سلمة بن أبي الْحُسَام، وإبراهيم بن أبي يحيى، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا بأس به، لا يُسَمَّى، وقاله القاسم اللالكائيّ: ثقةٌ،
(1)
صححه الشيخ الألبانيّ رحمه الله، راجع:"صحيح النسائي".
(2)
"إكمال المعلم" 3/ 28.
(3)
وفي نسخة: "حدّثنا".
وقال الخليليّ: لا يوقف له على اسمه، وهو مدنيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم حديث واحد في الوتر على الدابة. قلت: روى له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ)"خَشِي" بكسر الشين المعجمة، من باب رَضِي: خاف؛ أي: خِفْتُ طلوع الصبح، وفوات وقت صلاة الوتر.
وقوله: (أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسْوَةٌ؟) بضمّ الهمزة، وكسرها: أي: اقتداء، واتّباع لسنّته صلى الله عليه وسلم، وفيه تعليم العالم لرفيقه ما قد يخفى عليه من السنن.
وقوله: (فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ) فيه الحلف على الأمر الذي يراد تأكيده.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1616]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ
(1)
بِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ [4](ت 127)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (108) من رباعيّات الكتاب.
(1)
وفي نسخة: "حيث توجّهت".
وقوله: (حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) وفي نسخة: "حيث توجّهت به"، والباء للتعدية، أو المصاحبة؛ أي: إلى أيّ جِهَةٍ وَجَّهته، أو توجهت معه، والعائد إلى "حيث" محذوف؛ أي: إليه، و"حيث" متعلق بـ "يُصَلِّي".
وقال ابن التين رحمه الله: مفهومه: أنه يَجلس عليها على هيئته التي يركب عليها، ويَستقبل بوجهه ما استقبلته، فتقديره: يصلي على راحلته التي له حيث توجهت به، فعلى هذا يتعلق قوله:"توجهت به" بقوله: "يصلي".
ويَحْتَمِل أن يتعلق بقوله: "على راحلته"، لكن يؤيد الأول الرواية بلفظ:"وهو على الراحلة، يُسَبِّح قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ توجهت"
(1)
.
قال في "الفتح": واستُدِلّ به على أن جهة الطريق تكون بدلًا عن القبلة، حتى لا يجوز الانحراف عنها عامدًا قاصدًا لغير حاجة المسير، إلا إذا كان في غير جهة القبلة، فانحرف إليها، فإنه لا يضرّه على الصحيح.
واستُنبِط من دليل التنفل للراكب جواز التنفل للماشي، ومنعه مالك، مع أنه أجازه لراكب السفينة. انتهى
(2)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1617]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(3)
عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ
(4)
، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ) أبو موسى، لقبه زُغْبَةُ، وهو أيضًا لقب أبيه، ثقةٌ [10](ت 248)(م د س ق) تقدم في "الإيمان" 87/ 462.
(1)
"الفتح" 1/ 668.
(2)
"الفتح" 2/ 670.
(3)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(4)
وفي نسخة: "ابن الهادي".
2 -
(اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ فقيهٌ مشهورٌ [7](ت 175)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 412.
3 -
(ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [5](ت 139)(ع) تقدم في "الإيمان" 13/ 159.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1618]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، ويُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في أول الباب الماضي، غير:
1 -
(يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [7](ت 159)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
وقوله: (يُسَبِّحُ) أي: يصلي النافلة.
وقوله: (قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ) -بكسر ففتح- وزان عِنَبٍ: أي: جِهَةَ، وهو منصوب على الظرفيّة، متعلق بـ "يُسَبِّح".
وقوله: (تَوَجَّهَ) بتاء واحدة بصيغة الماضي، والفعل ضمير النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي رواية النسائيّ:"تتوجّه" بتاءين، والضمير على هذا للراحلة.
وقوله: (ويُوتِرُ عَلَيهَا) أي: يصلّي صلاة الوتر على الراحلة.
(1)
وفي نسخة: "حدّثني".
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ) الضمير في "أنه"، و"يصلّي" للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه دليلٌ على أن الوتر غير واجب؛ إذ لو كان واجبًا لما جاز راكبًا، وبه قال الجمهور: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وهو مرويّ عن عليّ، وابن عمر، وعطاء بن أبي ربَاح، والحسن البصريّ رضي الله عنهم.
وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: لا يجوز الوتر إلا على الأرض، كما في الفرائض، وأحاديث الباب ترد عليهم، وسيأتي تمام البحث في هذا في "باب صلاة الليل، والوتر" -إن شاء اللَّه تعالى-.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1619]
(701) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ
(1)
، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ، فِي السَّفَرِ، عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [11](ت 245)(م د س ق) تقدم في "الإيمان" 34/ 239.
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الْعَنَزيّ، أبو محمد المدنيّ، حليف بني عديّ، ولد في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثقةٌ [2].
رَوَى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وحارثة بن النعمان، وعائشة، وجابر رضي الله عنهم.
وروى عنه الزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعاصم بن عبيد اللَّه، وأمية بن هند، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ، وعبد اللَّه بن أبي بكر بن
(1)
وفي نسخة: "قالا: حدّثنا ابن وهب".
حَزْم، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبو بكر بن حفص الزهريّ، وغيرهم، وكان له أخ أكبر منه اسمه أيضًا عبد اللَّه، استُشْهِد يوم الطائف، وأمهما أم عبد اللَّه، ليلى بنت أبي خيثمة.
قال الهيثم ابن عديّ: تُوُفّي سنة بضع وثمانين، وقال غيره: سنة خمس.
وقال ابن معين: لم يسمع من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال الترمذيّ في "الصحابة": رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وروى عنه حرفًا، وإنما روايته عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال الواقديّ: وكان عبد اللَّه ثقةً، قليل الحديث، وقال أبو زرعة: مدنيّ أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو ثقةٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وقال أبو حاتم: رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا دخل على أمه، وهو صغير، وقال ابن حبّان في "الصحابة": أتاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم في بيتهم، وهو غلام، وروايته عن الصحابة، وأخرجه ابن سعد بسند حسن.
رَوَى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (701) و (2219) و (2410) وأعاده بعده.
3 -
(أَبُوهُ) عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن رَبيعة بن عامر بن مالك، أبو عبد اللَّه الْعَنَزي العَدَويّ، حَلِيف آل الخطاب، كان من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشَهِد بدرًا، والمشاهد كلها، رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وروى عنه ابنه عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن الزبير، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وكان صاحب لواء عمر بن الخطاب لَمّا قَدِمَ الجابية، واستخلفه عثمان على المدينة لما حجّ، وقال محمد بن إسحاق: كان أول من قَدِم المدينة مهاجرًا بعد أبي سلمة بن عبد الأسد، وقال ابن سعد: كان قد حالف الخطاب، فتبنّاه، فكان يقال: عامر بن الخطاب، حتى نزلت {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} ، فرجع عامر إلى نسبه، وهو صحيح النسب، وقال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين شَغَّب الناس في الطعن على عثمان، فصل في الليل، ثم نام، فأُتي في منامه، فقيل له: قُمْ فسل اللَّه أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام، فصلى، ثم اشتكى، فما خرج بعدُ إلا جنازةً.
قال يعقوب بن سفيان: مات في خلافة عثمان، وقال مصعب الزبيريّ وغيره: مات سنة (32)، وذكره أبو عبيد فيمن مات سنة (32) ثم في سنة (37) قال: وأظنّ هذا أثبت، وحكى ابن زَبْر عن المدائنيّ أنه مات سنة ثلاث وثلاثين، ثم ذكره فيمن مات سنة (36) في المحرم، قال الحافظ: كأنه تلقّاه من قول الواقديّ: كان موته بعد قتل عثمان بأيام، وأرخه ابن قانع سنة (34).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (701)، و (958) في القيام للجنازة.
والباقون تقدّم الكلام عنهم في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس أيليّ، ثم مصريّ، ونصفه الثاني بالمدنيين.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه.
5 -
(ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو أحد عشر حديثًا، راجع:"تحفة الأشراف"(4/ 90 - 93)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) أنه (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر ابن شهاب (أَنَّ أَبَاهُ) عامر بن ربيعة الْعَنَزيّ -بفتح العين المهملة، والنون، بعدها زاي- قال في "الفتح": ليس في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر في "الجنائز"، وآخر علّقه في "الصيام" (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي السُّبْحَةَ) أي: النافلة (بِاللَّيْلِ، فِي السَّفَرِ، عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ) وفي رواية البخاريّ: "حيث توجّهت به"، قال في "الفتح": هو أعمّ من قول جابر: "في غير القبلة"،
قال ابن التين: قوله: "حيث توجّهت به" مفهومه أنه يجلس عليها على هيئته التي يركبها عليها، ويستقبل ما استقبلته الراحلة، فتقديره: يصلّي على راحلته التي له حيث توجّهت به، فعلى هذا يتعلّق قوله:"توجّهت به" بقوله: "يصلّي".
ويَحْتَمل أن يتعلّق بقوله: "على راحلته"، لكن يؤيّد الأول رواية عُقيل، عن ابن شهاب، بلفظ:"وهو على الراحلة يُسبّح قِبَلَ أيِّ وجهٍ توجّهت". انتهى.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: الحديث يدل على الإيماء مطلقًا في الركوع والسجود معًا، والفقهاء قالوا: يكون الإيماء في السجود أخفض من الركوع؛ ليكون البدل على وفق الأصل، وليس في لفظ الحديث ما يثبته ولا ينفيه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: يؤيّد ما قاله الفقهاء ما أخرجه الترمذيّ عن جابر رضي الله عنه قال: "بعثني النبيّ صلى الله عليه وسلم في حاجة، فجئت، وهو يصلي على راحلته، نحو المشرق، والسجودُ أخفض من الركوع"، وهو حديث صحيح، إلا أن في سنده أبا الزير، وهو مدلّس، وقد عنعنه.
لكن يشهد له ما أخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير"(12/ 269) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجلًا من أصحابه مريضًا، وأنا معه، فدخل عليه، وهو يصلي على عُود، فوضع جبهته على العود، فأومأ إليه، فطرح العُود، وأخذ وسادةً، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"دعها عنك، إن استطعت أن تسجد على الأرض، وإلا فأومئ إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك"
(1)
.
(1)
قال الهيثميّ في "مجمع الزوائد" 2/ 148: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه حفص بن سليمان المنقريّ، وهو متروك، واختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه، والصحيح أنه ضعّفه، واللَّه أعلم، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "حفص بن سليمان المنقريّ" هذا فيه نظر، فإن المنقريّ ثقة، وإنما ضعّف أحمد وغيره حفص بن سليمان البزّاز المقرئ المعروف، فتنبّه.
وأخرج البزّار وأبو يعلى عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما، قال: دعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مريضًا، وأنا معه، فرآه يصلي ويسجد على وسادة، فنهاه، وقال: إن استطعت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأومي إيماءً، واجعل السجود أخفض من الركوع"
(1)
، رواه البزار، وأبو يعلى، قال الهيثميّ رحمه الله: ورجال البزار رجال الصحيح. انتهى.
والحاصل أن هذه الأحاديث وإن كان في طرقها مقالٌ إلا أنها صحيحة بمجموعها، فتدلّ على ما تقدّم عن الفقهاء من أن الإيماء بالسجود يكون أخفض من الركوع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [5/ 1619](701)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة"(1093 و 1097)، وعلّقه برقم (1104)، (وأحمد) في "مسنده"(3/ 444 و 445 و 446)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1265)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(319)، و (أبو نعيم) في "مسنده"(2363 و 2364)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1576)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1620]
(702) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا
(2)
عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: تَلَقَّيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ
(3)
، فَتَلَقَّيْنَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ ذَلِكَ الْجَانِبَ،
(1)
صححه الشيخ الألبانيّ رحمه الله في "السلسلة الصحيحة" 1/ 64.
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(3)
وفي نسخة: "حين قَدِمَ من الشام".
وَأَوْمَأَ هَمَّامٌ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، قَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ لَمْ أَفْعَلْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [10](ت 5 أو 236)(م د) تقدم في "الإيمان" 1/ 104.
2 -
(عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمِ) بن عبد اللَّه الصفّار الباهليّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [10](ت 220)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 44.
3 -
(هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقة [7](ت 4 أو 165)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 70.
4 -
(أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، أو أبو حمزة، أو أبو عبد اللَّه البصريّ، أخو محمد، ثقةٌ [3](ت 118)(ع) تقدم في "المساجد" 48/ 1494.
5 -
(أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابي الجليل رضي الله عنه، مات سنة (2 أو 93)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه أيضًا، فبغداديّ.
4 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
5 -
(ومنها): أن أنسًا رضي الله عنه ممن أكرمه اللَّه تعالى بخدمة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وملازمته، ونال بركة دعائه، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة، ومن المعمّرين، قد جاوز عمره المائة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ رحمه الله، أنه (قَالَ: تَلَقَّيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) وفي رواية البخاريّ: "استقبلنا أنس بن مالك"(حِينَ قَدِمَ الشَّامَ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا
هو في جميع نسخ مسلم، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الروايات لـ "صحيح مسلم"، قال: وقيل: إنه وَهَمٌ، وصوابه:"قَدِمَ من الشام"، كما جاء في "صحيح البخاري"؛ لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قَدِم من الشام.
قال النوويّ: ورواية مسلم صحيحة، ومعناها: تلقيناه في رجوعه حين قَدِمَ الشام، وإنما حَذَفَ ذِكْرَ رجوعه للعلم به. انتهى
(1)
.
قال في "الفتح": قوله: "حين قَدِمَ من الشام" كان أنسٌ رضي الله عنه قد توجه إلى الشام يشكو من الحجاج، ووقع في رواية مسلم:"حين قَدِم الشامَ"، وغَلَّطوه؛ لأن أنس بن سيرين إنما تلقاه لَمّا رجع من الشام، فخرج ابن سيرين من البصرة ليتلقاه.
ويمكن توجيهه بأن يكون المراد بقوله: "حين قَدِمَ الشام" مجرد ذكر الوقت الذي وقع له فيه ذلك، كما تقول: فعلتُ كذا لَمَّا حججتُ، قال النوويّ: رواية مسلم صحيحة، ومعناها: تلقيناه في رجوعه حين قَدِمَ الشامَ. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار في هامش النسخة التي علّق عليها محمد ذهني إلى أنه يوجد في بعض نسخ "صحيح مسلم": "حين قَدِمَ من الشام" بزيادة لفظة "من"، ومما يؤكّد ذلك ما ذكره العينيّ رحمه الله في "عمدته"، حيث قال: وجدت في نسخ صحيحة لمسلم: "من الشام". انتهى
(3)
.
(فَتَلَقَّيْنَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ) هو موضع بطريق العراق، مما يلي الشام، وكانت به وقعة شهيرة في آخر خلافة أبي بكر رضي الله عنه بين خالد بن الوليد والأعاجم، ووَجَدَ بها غلمانًا من العرب، كانوا رَهْنًا تحت يد كسرى، منهم جَدُّ الكلبيّ المفسر، وحُمران مولى عثمان، وسيرين مولى أنس، قاله في "الفتح"
(4)
.
(فَرَأَيْتُهُ) أي: أنسًا رضي الله عنه (يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ ذَلِكَ الْجَانِبَ، وَأَوْمَأَ هَمَّامٌ) هو ابن يحيى الراوي عن أنس بن سيرين (عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ) فيه إشعار بأنه لم ينكر الصلاة على الحمار، ولا غير
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 212.
(2)
"الفتح" 2/ 671.
(3)
"عمدة القاري" 7/ 206.
(4)
"الفتح" 2/ 671.
ذلك من هيئة أنس في ذلك، وإنما أنكر عدم استقبال القبلة فقط (قَالَ): أنس رضي الله عنه (لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (لَمْ أَفْعَلْهُ) يعني ترك استقبال القبلة للمتنفّل على الدابة، وهل يؤخذ منه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى على حمار؟ فيه احتمال، وقد نازع في ذلك الإسماعيليّ، فقال: خبر أنس إنما هو في صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم راكبًا تطوُّعًا لغير القبلة، فإفراد الترجمة في الحمار من جهة السنة -أي: كما فعل البخاريّ في "صحيحه"، حيث قال:"باب صلاة التطوّع على الحمار"- لا وجه له عندي. انتهى.
قال الحافظ رحمه الله: وقد رَوَى السرّاج من طريق يحيى بن سعيد، عن أنس رضي الله عنه أنه رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار، وهو ذاهب إلى خيبر، وإسناده حسن.
وله شاهد عند مسلم من طريق عمرو بن يحيى المازنيّ، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر رضي الله عنهما:"رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر"، فهذا يرجح الاحتمال الذي أشار إليه البخاريّ رحمه الله
(1)
.
[فائدة]: لم يُبَيَّن في هذه الرواية كيفية صلاة أنس رضي الله عنه، وذكره في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد، قال:"رأيت أنسًا، وهو يصلي على حمار، وهو متوجه إلى غير القبلة، يركع ويسجد إيماءً من غير أن يضع جبهته على شيء"
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [5/ 1620](702)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة"(1100)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1225)، و (النسائيّ) في
(1)
"الفتح" 2/ 671 - 672.
(2)
راجع: "الفتح" 2/ 671 - 672.
"المساجد"(741)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 126)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2365)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1576)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): ما قيل: إن من صلى على موضع فيه نجاسة، لا يباشرها بشيء منه، أن صلاته صحيحة؛ لأن الدابة لا تخلو من نجاسة، ولو على منفذها.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر في "الفتح" هذه الفائدة، وهو مبنيّ على نجاسة البول ونحوه من جميع الحيوانات مأكول اللحم وغيره، وقد سبق تحقيق الخلاف في ذلك، وأن الراجح طهارة البول ونحوه مطلقًا، فارجع إلى ما حقّقته في "كتاب الطهارة"، وباللَّه تعالى التوفيق.
2 -
(ومنها): أنه يؤخذ منه طهارة عَرَق الحمار؛ لأن ملابسته مع التحرّز منه متعذَّرٌ، لا سيّما إذا طال الزمان في ركوبه، واحتَمَل العرَق، قاله ابن دقيق العيد رحمه الله
(1)
.
3 -
(ومنها): أن فيه الرجوعَ إلى أفعاله صلى الله عليه وسلم كالرجوع إلى أقواله.
4 -
(ومنها): أن فيه تلقّي المسافر حيث قُدومه من السفر.
5 -
(ومنها): أن فيه سؤال التلميذ شيخه عن مستند فعله، والجواب بالدليل.
6 -
(ومنها): أن فيه التلطف في السؤال، والعمل بالإشارة؛ لقوله:"من ذا الجانب"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(6) - (بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1621]
(703) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 671.
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغرِبِ وَالْعِشَاءِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [10](ت 226)(خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [7](ت 179)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 378.
3 -
(نَافِعٌ) العدويّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [3](ت 117) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
4 -
(ابْنُ عُمَرَ) هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما، المتوفّى سنة (73)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 102.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (109) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل المدينة.
4 -
(ومنها): أنه أصح الأسانيد على ما نقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله.
5 -
(ومنها): أن ابن عمر رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة رضي الله عنهم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في الأصول: "عَجِلَ عليه"، هو بمعنى عَجِلَ به، في الروايات الباقية. انتهى. ومعنى "عجِلَ عليه السير"، أو "به": دعاه السير، أو السفر إلى العجلة والإسراع، ومثله "عَجِلَ به السير"، و"أعجله السير".
قال في "المصباح": عَجِلَ عَجَلًا -من باب تَعِبَ- وعَجَلَة: أسرع وحَضَرَ، فهو عاجلٌ، وتعجل، واستعجل في أمره كذلك، وأعجلته بالألف: حملته على أن يعجل. انتهى باختصار.
واستَدَلّ به من قال: يَجْمَع من جدَّ به السير، وهو قول الليث، والمشهور عن مالك، وسيأتي الجواب عنه.
(جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) وفي رواية سالم الآتية: "يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ"، قال الحافظ رحمه الله: لم يُعَيِّن غاية التأخير، وبيّنه مسلم من طريق عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بأنه بعد أن يغيب الشفق، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، وموسى بن عقبة، عن نافع:"فأخَّر المغرب بعد ذهاب الشفق، حتى ذهب هوي من الليل"، وللبخاريّ في "الجهاد" من طريق أسلم مولى عمر، عن ابن عمر في هذه القصة:"حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلى المغرب والعشاء جمعًا بينهما"، ولأبي داود من طريق ربيعة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر في هذه القصة:"فصار حتى غاب الشفق، وتصوّبت النجوم نزل، فصلى الصلاتين جمعًا".
وجاءت عن ابن عمر روايات أخرى: "أنه صلى المغرب في آخر الشفق، ثم أقام الصلاة، وقد توارى الشفقُ، فصلى العشاء"، أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن نافع، ولا تعارض بينه وبين ما سبق؛ لأنه كان في واقعة أخرى. انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [6/ 1621 و 1622 و 1623 و 1624](703)،
(1)
"الفتح" 2/ 677.
و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة"(1091 و 1106 و 1109)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1207 و 1213)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(555)، و (النسائيّ) في "المواقيت"(592 و 597 و 598 و 599 و 600)، و"الكبرى"(1567)، و (الحميديّ) في "مسنده"(616)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(748)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 4 و 7 و 51 و 54 و 63 و 77 و 80 و 102 و 106 و 150)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2385 و 2386 و 2388 و 2389 و 2390)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1577 و 1578 و 1579 و 1580)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان كون الشريعة سَمْحَةً سَهْلَةً، تُوسِّعُ على المكلفين في محل الحرج، فلذا شُرع الجمع في السفر ونحوه.
2 -
(ومنها): مشروعية الجمع بين المغرب والعشاء، كما في هذا الحديث، وبين الظهر والعصر كما في حديث أنس رضي الله عنه الآتي، في وقت إحداهما تأخيرًا، أو تقديمًا؛ أما تأخيرًا، فللأحاديث المذكورة في هذا الباب، وأما تقديمًا فللأدلة الأخرى، كما يأتي تحقيقه قريبًا.
3 -
(ومنها): ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من مراعاة ما يَسْهُل على الناس، فإذا كان المحلّ مناسبًا لهم تأخّر، فجمع بين الصلاتين، وإذا كان غير ذلك عجل المسير، وواصل حتى يجمع في وقت الثانية، تخفيفًا على الصحابة رضي الله عنهم.
فقد ورد: "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلًا في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر"، أخرجه البيهقيّ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في السفر:
(اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على سبعة أقوال:
[أحدها]: أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في
السفر في وقت أحدهما جمعًا حقيقيًّا تقديمًا وتأخيرًا مطلقًا؛ أي: سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيرًا مُجِدًّا، أم لا.
وبه قال كثير من الصحابة رضي الله عنهم، وكثير من التابعين، ومن الفقهاء: الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأشهب، وحكاه ابن قُدامة عن مالك أيضًا.
وقال الزرقانيّ: وإليه ذهب مالك في رواية مشهورة، قال صاحب "المرعاة": وهو مختار المالكية كما في فروعهم.
واختاره الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ، حيث قال في "حجة اللَّه البالغة": مِنْ رخص السفر الجمعُ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والأصل فيه ما أشرنا أن الأوقات الأصلية ثلاثة: الفجر، والظهر، والمغرب، وإنما اشتُقّ العصر من الظهر، والمغرب من العشاء، ولئلا تكون المدة الطويلة فاصلة بين الذكرين، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة، فشُرع لهم جمع التقديم والتأخير، لكنه لم يواظب عليه، ولم يَعِزم عليه، مثل ما فعل في القصر. انتهى
(1)
.
[الثاني]: أنه يَختص الجمع بمن يَجِدّ في السير؛ أي: يُسْرع، قاله الليث، وهو قول مالك في "مدونة مالك"، واستُدِلَّ لهما بما رُوي في "الصحيحين" عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير، وسيأتي الجواب عنه.
[والثالث]: أنه يختص بما إذا كان سائرًا، لا نازلًا، قاله ابن حبيب من المالكية، واستُدِلّ لذلك بقوله:"إذا كان على ظهر سير".
وأجيب عن ذلك بما وقع من التصريح في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه بلفظ: "فأخّر الصلاة يومًا، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء".
قال الشافعيّ رحمه الله في "الأم": قوله: "ثم دخل، ثم خرج" لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا ومسافرًا.
(1)
"حجة اللَّه البالغة" 2/ 18.
وقال ابن عبد البرّ رحمه الله: هذا أوضح دليل في الردّ على من قال: لا يَجمع إلا من جَدّ به السير، وهو قاطع للالتباس.
وقال الباجيّ رحمه الله: مقتضى قوله: "ثم دخل، ثم خرج" أنه مقيم غير سائر؛ لأنه إنما يُسْتَعْمَل في الدخول في المنزل والخِبَاء، والخروج منهما، وهو غالب الاستعمال، إلا أن يريد أنه خرج من الطريق إلى الصلاة، ثم دخله للسير، وفيه بُعْدٌ، وكذا حَكَى عياض هذا التأويل عن بعضهم، ثم استبعده، ولا شك في بعده، وكأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان سائرًا، أو نازلًا، ومن ثم قالت الشافعية: ترك الجمع أفضل.
[والرابع]: أن الجمع مكروه، قال ابن العربيّ: إنها رواية المصريين عن مالك.
[والخامس]: أنه مختص بمن له عذر، حُكي ذلك عن الأوزاعيّ.
[والسادس]: أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم، وهو اختيار ابن حزم، وسيأتي الكلام فيه.
[والسابع]: أنه لا يجوز الجمع مطلقًا، إلا بعرفة والمزدلفة، وهو قول الحسن، والنخعيّ، وأبي حنيفة، وصاحبيه.
ووقع عند النوويّ أن الصاحبين خالفا شيخهما، وَرَدَّ عليه السَّرُوجيّ في "شرح الهداية"، وهو أعرف بمذهبه.
وأجاب هؤلاء عما ورد من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جَمْعٌ صوري، وهو أنه أخّر المغرب مثلًا إلى آخر وقتها، وعجّل العشاء في أول وقتها.
وتعقبه الخطابيّ رحمه الله
(1)
بما حاصله: أن الجمع من الرخص العامة لجميع الناس عامهم وخاصهم، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلًا عن العامة.
(1)
راجع: "معالم السنن" 1/ 264.
وأما أمره صلى الله عليه وسلم للمستحاضة بالجمع الصوري، فهو وارد في شيء يندُر وجوده، على أنه صلى الله عليه وسلم قَيَّدَ ذلك بقوله:"إن قويت" كما تقدم في محلّه، فإن قَدَرت المستحاضة على معرفة أوائل الأوقات وأواخرها، وعلى الاغتسال ثلاث مرات جمعت بين الصلاتين فعلًا صورةً.
ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، أخرجه مسلم، وهذا يقدح في حمله على الجمع الصوريّ؛ لأن النزول للصلاتين، والخروج إليهما مرة واحدة -وإن كان أسهل من النزول مرتين- لكن لا يخلو ذلك عن حرج ومشقة بسبب عدم معرفة أكثر الناس أوائل أوقات الصلاة وأواخرها، بخلاف الجمع الوقتيّ فهو أيسر وأخفّ من الجمع الفعليّ، وهذا ظاهر.
وأيضًا فإن الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وهي نصوص صريحة، لا تحتمل تأويلًا.
قال الشيخ عبد الحيّ اللكنويّ رحمه الله
(1)
: حَمَل أصحابنا -يعني الحنفية- الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوريّ، وقد بسط الطحاويّ الكلام فيه في "شرح معاني الآثار"، لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت صريحًا بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت، وهي مروية في "الصحيحين"، و"سنن أبي داود"، وغيرها من الكتب المعتمدة على ما لا يخفى على من نظر فيها؟، فإن حُمل على أن الرواة لم يحصل لهم التمييز، فظنوا قرب خروج الوقت خروج الوقت، فهذا بعيد عن الصحابة الناصِّين على ذلك، وإن اختير ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد فهو أبعد، وأبعد، مع إخراج الأئمة لها، وشهادتهم بتصحيحها، وإن عورض بالأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت، والتقديم في أول الوقت فهو أعجب، فإن الجمع بينها بحملها على اختلاف الأحوال ممكن، بل هو الظاهر.
وبالجملة فالأمر مشكل، فتأمل لعل اللَّه يحدث بعد ذلك أمرًا. انتهى كلام اللكنويّ.
(1)
"التعليق الممجد" 1/ 570.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أقول إنه لا إشكال -بحمد اللَّه تعالى- إلا على من يتعصب لبعض الآراء، فإن الأمر سهل لمن يتبع الدليل؛ فأدلة الجمع الحقيقي واضحة صريحة؛ كما اعترف بها اللكنوي نفسه سابقًا، فلا يسع إلا القول بها، وترك التعصب للمذهب؛ كما فعل الطحاويّ والعينىّ، وأمثالهما واللَّه المستعان على دفع ما خالف ظواهر النصوص بالتأويل الْمُهَان.
وأيضًا المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع هو الجمع الوقتيّ، لا الفعلي.
قال الخطابي في "معالم السنن": ظاهر اسم الجمع عرفًا لا يقع على من أخَّر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها، وعجّل العصر، فصلّاها في أول وقتها؛ لأن هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها، وإنما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معًا في وقت أحدهما، ألا ترى أن الجمع بينهما بعرفة والمزدلفة كذلك؟!. انتهى.
ولو سلم أن لفظ الجمع عامّ يشمل الوقتيّ والفعليّ كليهما، فالروايات الصريحة في جمع التقديم والتأخير معيِّنة للمراد من لفظ الجمع في الروايات المطلقة، وأن المقصود هو الجمع الوقتىّ؛ أي: الحقيقيّ، لا الصوريّ؛ أي: الفعليّ، قاله في "المرعاة"
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وبالجملة فأدلة الجمع الحقيقيّ أوضح، وأقوى، فوجب القول بجواز جمع التقديم والتأخير جمعًا حقيقيًّا في وقت الأولى أو الثانية".
وقد أشبعت البحث بأكثر مما هنا في "شرح النسائيّ"
(2)
، فراجعه تستفد، واللَّه -تعالى- أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآبُ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"المرعاة" 4/ 396 - 398.
(2)
راجع: "ذخيرة العقبى" 7/ 443 - 448 رقم الحديث (86).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1622]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
(1)
نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
2 -
(يَحْيَى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام الجرح والتعديل، من كبار [9](ت 198)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 385.
3 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [5] مات سنة بضع (140)(ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أي: اشتدّ، قاله صاحب "المحكم"، وقال عياض: جدّ به السير: أسرع، كذا قال، وكأنه نسب الإسراع إلى السير توسعًا
(2)
.
وقوله: (جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) قال النوويّ رحمه الله: هذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصلاتين، وفيه إبطال تأويل الحنفية في قولهم: إن المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية إلى أول وقتها.
ومثله في حديث أنس رضي الله عنه: "إذا ارتحل قبل أن تَزِيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما"، وهو صريح في الجمع في وقت
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
"الفتح" 2/ 676.
الثانية، والرواية الأخرى أوضح دلالةً، وهي قوله:"إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر، أَخَّر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما"، وفي الرواية الأخرى:"ويؤخِّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، حين يغيب الشفق".
وإنما اقتصر ابن عمر على ذكر الجمع بين المغرب والعشاء؛ لأنه ذَكَره جوابًا لقضيّة جَرَت له، فإنه استُصْرِخ على زوجته، فذَهَب مسرعًا، وجَمَع بين المغرب والعشاء، فذَكَر ذلك بيانًا لأنه فعله على وفق السنة، فلا دلالة فيه لعدم الجمع بين الظهر والعصر، فقد رواه أنس، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم. انتهى
(1)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1623]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ، إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
2 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل بابين أيضًا.
3 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقة حافظٌ [10](ت 232)(خ م د س) تقدم في "المقدمة" 4/ 23.
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 213 - 214.
4 -
(سُفْيَانُ) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام، من رؤوس [8](ت 198)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 383.
5 -
(الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
6 -
(سَالِمُ) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1624]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَاهُ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ، يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وسالِمٌ، وأبوه ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (فِي السَّفَرِ) متعلق بالفعل قبله، وأخرج به ما إذا أعجله السير في الحضر، كأن يكون خارج البلد في بستان مثلًا، قاله في "الفتح"
(1)
.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله، قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1625]
(704) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(1)
"الفتح" 2/ 666.
إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(الْمُفَضَّلُ بْنَ فَضَالَةَ) بن عُبيد بن ثُمامة بن مَزْيَد بن نَوْف الرُّعَينيّ
(1)
، ثم الْقِتْبانيّ
(2)
، أبو معاوية المصريّ، قاضيها، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [8].
رَوَى عن يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن عجلان، وعبد اللَّه بن عياش القِتْبانيّ، وعياش القتبانيّ، وعُقيل بن خالد الأيليّ، وربيعة بن سيف، وهشام بن سعد، وابن جريج، ويونس بن يزيد، وغيرهم.
وروى عنه ابنه فَضالة، والوليد بن مسلم، وحسان بن عبد اللَّه الواسطيّ، ويزيد بن خالد بن مَوْهَب الرمليّ، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن رُمْح، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: رجل صدوق، وكان إذا جاء رجل قد انكسرت يده أو رجله جبرها، وكان يصنع الأَرْحِية، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم، وابن خِرَاش: صدوق في الحديث، وقال ابن يونس: ولي القضاء بمصر مرتين، وكان من أهل الفضل والدين، ثقةً في الحديث، من أهل الورع، ذكره أحمد بن شعيب يومًا وأنا حاضرٌ، فأحسن الثناء عليه، ووَثَّقه، وقال: سمعت قتيبة بن سعيد يَذْكُر عنه فضلًا، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان مجاب الدعوة، ولم يُحَدِّث عنه ابن وهب، وذلك أنه قضى عليه بقضية، وقال عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الحكم: أخبرني بعض مشايخنا أن رجلًا لقي المفضَّل بن فَضَالة بعد أن عُزِل عن القضاء، فقال له: حَسِيبك اللَّه، قضيت عليّ بالباطل، فقال له المفضَّل: لكن الذي قضينا له يُطِيب الثناء، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عيسى بن حماد، زُغْبة: كان مجاب الدعوة طويل القيام، مع ضعف بدنه.
(1)
بضمّ الراء، وفتح العين المهملة، مصغّرًا: نسبة إلى ذي رُعين، وهو من أقيال اليمن، نزل جماعة منهم مصر، قاله في "اللباب" 1/ 380.
(2)
بكسر القاف، وسكون المثنّاة، بعدها موحّدة: نسبة إلى قِتبان، بطن من رُعين، نزلوا مصر، قاله في "اللباب" 2/ 198.
وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل مصر، وقال: كان منكر الحديث.
قال الحافظ في "التقريب": أخطأ ابن سعد في هذا؛ أي: لأنه متّفقٌ على توثيقه، فتنبّه.
قال يحيى بن أبي بكير: وُلد سنة سبع ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة، وكذا قال ابن يونس، لكن لم يقل: أو اثنتين، وقال البخاريّ: مات في شوال سنة إحدى وثمانين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (704) و (1644) و (1886).
2 -
(عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، ثقة ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [6](ت 144)(ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 133.
3 -
(أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عُقيل
(1)
، والباقيان مدنيّان.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ارْتَحَلَ) أي: ذهب (قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ) بزاي، ومعجمة: أي: تميل عن كَبِد السماء، وزاغت: مالت، وذلك إذا قام الفيء (أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا) أي: في وقت العصر، وفي رواية جابر بن إسماعيل، عن عُقَيل الآتية: "يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى
(1)
فقتيبة سكن مصر، كما ذكرته في "مقدمة""المجتبى" 1/ 16 وكذا عُقيل ممن سكنها.
يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق"، وفي رواية شَبَابَةَ عن عُقَيل التالية: "حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما".
(فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ) قال في "الفتح": كذا فيه -أي: في حديث أنس- "الظهر" فقط، وهو المحفوظ عن عُقَيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه لا يَجْمَع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما، وبه احتجّ من أَبَى جمع التقديم، ولكن رَوَى إسحاق ابن راهويه هذا الحديث عن شَبَابة، فقال:"كان إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل"، أخرجه الإسماعيليّ.
وَأعِلَّ بتفرُّد إسحاق بذلك عن شَبَابة، ثم تفرُّد جعفر الفِرْيابيّ به عن إسحاق.
قال الحافظ: وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان.
وقد وقع نظيره في "الأربعين"، للحاكم، قال: حدثنا محمد بن يعقوب، هو الأصم، حدّثنا محمد بن إسحاق الصغاني، هو أحد شيوخ مسلم، قال: حدّثنا محمد بن عبد اللَّه الواسطيّ، فذكر الحديث، وفيه:"فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر، ثم ركب".
قال الحافظ صلاح الدين العلائيّ: هكذا وجدته بعد التتبع في نسخ كثيرة من "الأربعين" للحاكم بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جيِّدٌ. انتهى.
قال الحافظ: وهي متابعة قويّة لرواية إسحاق ابن راهويه، إن كانت ثابتة، لكن في ثبوتها نظر؛ لأن البيهقيّ أخرج هذا الحديث عن الحاكم بهذا الإسناد مقرونًا برواية أبي داود، عن قتيبة، وقال: إن لفظهما سواء، إلا أن في رواية قتيبة:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم" وفي رواية حسان: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم".
والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وأحمد، وابن حبّان، من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُّفَيل، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
وقد أعلّه جماعة من أئمة الحديث بتفرّد قتيبة، عن الليث، وأشار البخاريّ إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم في "علوم الحديث"، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أخرجها أبو داود من
رواية هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وهشامٌ مختلَف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك، والثوريّ، وقُرّة بن خالد، وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم.
وقد وَرَد في جمع التقديم حديث آخر، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجه أحمد، وذكره أبو داود تعليقًا، والترمذيّ في بعض الروايات عنه، وفي إسناده حسين بن عبد اللَّه الهاشميّ، وهو ضعيف، لكن له شواهد من طريق حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، لا أعلمه إلا مرفوعًا:"أنه كان إذا نزل منزلًا في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر"، أخرجه البيهقيّ، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف.
وقد أخرجه البيهقيّ من وجه آخر مجزومًا بوقفه على ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه:"إذا كنتم سائرين. . . " فذكر نحوه.
وفي حديث أنس رضي الله عنه هذا استحباب التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان سائرًا، أو نازلًا.
وقد استُدِلّ به على اختصاص الجمع بمن جَدَّ به السير، لكن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في "الموطأ"، ولفظه:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أخَّر الصلاة في غزوة تبوك، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا".
قال الشافعيّ رحمه الله في "الأم": قوله: "دخل، ثم خرج" لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا، ومسافرًا.
وقال ابن عبد البرّ رحمه الله: في هذا أوضح دليل على الرد على من قال: لا يجمع إلا من جد به السير، وهو قاطع للالتباس.
وحَكَى بعضهم أن بعضهم أوَّل قوله: "ثم دخل" أي: في الطريق مسافرًا، "ثم خرج" أي: عن الطريق للصلاة، ثم استبعده، ولا شك في بُعده.
وكأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دلّ عليه حديث أنس، واللَّه أعلم.
ومن ثم قال الشافعية: ترك الجمع أفضل، وعن مالك أنه مكروه. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في كون ترك الجمع أفضل نظرٌ، وليس في حديث أنس ما يدلّ عليه، وأما القول بالكراهة فلا وجه له أصلًا، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
وفي هذا الحديث ونحوه من أحاديث الجمع تخصيصٌ لحديث الأوقات التي بَيَّنَهَا جبريل عليه السلام للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وبيّنها النبيّ صلى الله عليه وسلم للأعرابي، حيث قال في آخرها:"الوقت ما بين هذين"، قاله في "الفتح"
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [6/ 1625 و 1626 و 1627](704)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة"(1111 و 1112)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1218 و 1319)، و (النسائيّ) في "المواقيت"(586 و 594)، و"الكبرى"(1562)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 456 و 457)، و (البزّار) في "مسنده"(667)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 247)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(969)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1456 و 1592)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2391 و 2392 و 2393)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1581 و 1582 و 1583)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 164)، و (الدارقطنيّ) في "سننه"(1/ 389 - 390)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 161 و 162)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1040)، واللَّه تعالى أعلم.
وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن عمر رضي الله عنهما أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"الفتح" 2/ 679 - 680.
(2)
"الفتح" 2/ 679 - 680.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1626]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْمَدَايِنِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ في السَّفَرِ، أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْمَدَايِنِيُّ) خراسانيّ الأصل، يقال: كان اسمه مروان الفَزَاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [9](ت 4 أو 5 أو 206)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 40.
2 -
(لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المصريّ المشهور، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ) فيه بيان صريح في كون الجمع حقيقيًّا في وقت الصلاة الثانية، وبهذا يظهر بطلان من أوّل أحاديث الجمع على الجمع الصوريّ، فتبصّر.
والحديث قد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1627]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ
(2)
، يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ
(3)
، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ).
(1)
وفي نسخة: "حدّثني".
(2)
وفي نسخة: "إذا عَجِلَ عليه السير".
(3)
وفي نسخة: "إلى وقت العصر".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، سوى:
1 -
(جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْحَضْرميّ، أبي عبّاد المصريّ، مقبول [8].
رَوَى عن عُقَيل بن خالد، وحُيَيّ بن عبد اللَّه الْمَعَافريّ، ورَوى عنه ابن وهب.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج ابن خزيمة حديثه في "صحيحه" مقرونًا بابن لهَيِعة، وقال: ابن لَهيعة لا أحتجُّ به وإنما أخرجت هذا الحديث؛ لأن فيه جابر بن إسماعيل.
رَوَى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عُقَيْلٍ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا ضبطناه، ووقع في رواياتنا، وروايات أهل بلادنا:"جابر بن إسماعيل" بالجيم والباء الموحدة، ووقع في بعض نسخ بلادنا:"حاتم بن إسماعيل"، وكذا وقع لبعض رواة المغاربة، وهو غلظ، والصواب باتفاقهم "جابر" بالجيم، وهو جابر بن إسماعيل الحضرميّ المصريّ. انتهى
(1)
.
وعبارة الحافظ الجيّانيّ رحمه الله في "التقييد" بعد أن ساقه بلفظ: "حدّثني جابر بن إسماعيل، عن عُقيل": هكذا روي هذا الإسناد مُجوّدًا، وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان:"أخبرنا ابن وهب، حدّثني إسماعيل، عن عُقيل"، وهذا وهمٌ، إنما هو جابر بن إسماعيل، شيخٌ لابن وهب مصريّ، ووقع في بعض النسخ أيضًا:"ابن وهب، عن حاتم بن إسماعيل"، وليس بشيء. انتهى كلام الجيّانيّ رحمه الله
(2)
.
وقال القاضي عياض رحمه الله في "الإكمال": وروايتنا من طريق الجلوديّ: حاتم بن إسماعيل، ومن طريق ابن ماهان: إسماعيل، كذا عند جميع شيوخنا عن العذريّ، والسمرقنديّ، وابن الحذّاء، وسائر رواة الجلوديّ، وابن ماهان، إلا أنه كان في كتاب شيخنا القاضي التميميّ رواية ابن الحذّاء بخطّ ابن
(1)
"شرح النووي" 5/ 215.
(2)
"تقييد المهمل" 3/ 820.
العسال: عن جابر بن إسماعيل بغير خلاف على الصواب، وفي كتاب شيخنا أبي محمد الخشنيّ: حدّثنا ابن إسماعيل، دون اسم، فطرح الاسم لأجل الوهم، وأبقى النسب الصحيح؛ ليَسْلَم من الوهم في اسم ابن إسماعيل، والصواب جابر، كما حكى الشيخ، وكذا صوّبه الجيّانيّ، وأبو عليّ الحافظ، وكذا ذكره الدمشقيّ، وأبو داود، والنسائيّ في حديث ابن شهاب، وقال البخاريّ: جابر بن إسماعيل يُعدّ في المصريين عن عُقيل، رَوَى عنه ابن وهب. انتهى
(1)
.
وقوله: (إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ) هكذا هو الأصول: "عَجِلَ عليه"، وهو بمعنى عَجِل به في الروايات الباقية
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(7) - (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1628]
(705) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(3)
الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
3 -
(أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل بابين.
4 -
(سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
(1)
"إكمال المعلم" 3/ 38 - 39.
(2)
"شرح النووي" 5/ 215.
(3)
وفي نسخة: "صلى لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم".
5 -
(ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، تقدّم قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزبير، عن سعيد.
4 -
(ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله عنهما البحر الحبر، أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(1)
الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) أي: صلاتهما (جَمِيعًا) أي: حال كونهما مجموعتين (وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أي: صلاتهما (جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ) أي: من غير أن يخاف عدوًّا (وَلَا سَفَرٍ) أي: من غير أن يكون مسافرًا، وفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما الآتية:"جمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [7/ 1628 و 1629 و 1630 و 1633 و 1634 و 1635 و 1636 و 1637](705)، و (البخاريّ) في "المواقيت"(543 و 562) و"التهجّد"(1174)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1211)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(187)، و (النسائيّ) في "المواقيت"(589 و 590 و 601 و 602 و 603) و"الكبرى"(1565 و 1573 و 1574)، و (مالك) في "الموطّأ" (1/
(1)
وفي نسخة: "صلى لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم".
144)، و (الشافعيّ) في "المسند"(1/ 118)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4435)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1/ 137)، و (الحميديّ) في "مسنده"(471)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 456)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 223 و 346 و 351)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 160)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2397 و 2398 و 2399 و 2400 و 2401 و 2402 و 2403)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1584 و 1585 و 1586 و 1587)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(972)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1596)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 166 و 167)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1043 و 1044)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في الحضر:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: اخْتَلَفوا في الجمع بين الصلاتين في الحضر، وفي الحالة التي يجوز أن يجمع بينهما:
فقالت طائفة: يجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، ولا يجمع بين الظهر والعصر في حال المطر، هذا قول مالك، قال مالك: ويجمع بينهما وإن لم يكن مطر، إذا كان طينًا وظلمة.
وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه يريان الجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، وممن رأى أن يجمع بين المغرب والعشاء في حال المطر عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما، ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: إذا كانت ليلة مطيرة كانت أمراؤهم يصلّون المغرب، ويصلّون العشاء قبل أن يغيب الشفق، ويصلي معهم ابن عمر، لا يَعِيبُ ذلك.
وفعل ذلك أبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز.
وقالت طائفة: يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في حال المطر، إذا جمع بينهما، والمطر قائم، ولا يجمع بين الصلاتين إلا في حال المطر، هكذا قال الشافعي، وأبو ثور.
وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عمن جمع بين الصلاتين: المغربِ والعشاءِ في الليلة المطيرة؟ فقال: أهل المدينة يَجْمَعُون بينهما، ولم يزل مَنْ قَبْلَنَا يصلّون كل صلاة في وقتها، قال: وسألت الليث بن سعد، وسعيد بن عبد العزيز فقالا مثل ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز يرى الجمع بين الصلاتين في حال الريح والظلمة، وكان مالك يرى أن يجمع بينهما في حال الطين والظلمة.
وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين مباح، وإن لم تكن عِلّة، قال: لأن الأخبار قد ثبتت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأُدِّي إلينا ذلك، كما أُدّي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما الراوي لحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر، لَمَّا سئل لِمَ فَعَلَ ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِج أحدًا من أمته.
ثم قد رَوَينا مع ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما في العلة التي توهمها بعض الناس، ثم أخرج بسنده عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:"جمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف، ولا مطر، قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: لكي لا يحرج أمته".
وأخرج بسنده أيضًا عن أبي الزبير، عن سعيد، عن ابن عباس، قال:"جمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر، ولا خوف، قال: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته".
قال أبو بكر: فإن تَكَلَّم متكلِّم في حديث حبيب، وقال: لا يصح، يعني المطر، قيل: قد ثبت من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قولُهُ لَمَّا قيل له: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته، ولو كان ثَمَّ مطر من أجله جمع بينهما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لذكره ابن عباس عن السبب الذي جمع بينهما، فلما لم يذكره، وأخبر بأنه أراد أن لا يحرج أمته،
دلّ على أن جمعه كان في غير حال المطر، وغيرُ جائز دفع يقين ابن عباس -مع حضوره- بشكّ مالك.
فإن قال قائل: فإن ابن عمر وغيره ممن ذكرنا قد جمعوا في حال المطر، قيل: إذا ثبتت الرخصة في الجمع بين الصلاتين، جمع بينهما للمطر، والريح، والظلمة، ولغير ذلك من الأمراض، وسائر العلل، وأحقّ الناس بأن يَقْبَلَ ما قاله ابن عباس بغير شك مَنْ جَعَلَ قولَ ابن عباس لَمَّا ذَكَرَ "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن بيع الطعام حتى يُقْبَضَ"، فقال ابن عباس: وأحْسِبُ كلَّ شيء مثلَهُ، حجةً بَنَى عليها المسائل، فمن استعمل شكّ ابن عباس، وبنى عليه المسائل، وامتنع أن يقبل يقينه لَمَّا أخبر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أراد أن لا يحرج أمته، بعيد من الإنصاف. انتهى كلام ابن المنذر بتغيير يسير
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر رحمه الله تحقيق نفيسٌ جدًّا لمن أنصف واعتدل، واستعمل الأدلة على وجهها، ولم يتجمّد على التقليد المحض، فإن الأحاديث المذكورة في الباب واضحة في ذلك، وتأويلها بما يُخرجها عن ظواهرها إجحاف بها، وتعسّف، فتبصّر.
وقال النوويّ رحمه الله في "شرحه": هذه الروايات الثابتة في مسلم كما تراها، وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب، وقد قال الترمذيّ في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وهذا الذي قاله الترمذيّ في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو حديث منسوخٌ، دلَّ الإجماع على نسخه.
وأما حديث ابن عباس فلم يُجمِعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال:
منهم من تأوّله على أنه جَمَع بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين، وهو ضعيف بالرواية الأخرى:"من غير خوف ولا مطر".
ومنهم من تأوّله على أنه كان في غيم، فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم، وبان أن وقت العصر دخل فصلّاها، وهذا أيضًا باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى
(1)
"الأوسط" لابن المنذر 2/ 430 - 434.
احتمال في الظهر والعصر، لا احتمال فيه في المغرب والعشاء.
ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صلاته صورة جمع، وهذا أيضًا ضعيف أو باطل؛ لأنه مخالف للظاهر مخالفةً لا تُحْتَمَلُ، وفِعْلُ ابن عباس الذي ذكرناه حين خَطَب، واستدلاله بالحديث لتصويب فعله، وتصديق أبي هريرة له، وعدم إنكاره صريح في ردّ هذا التأويل.
ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض، أو نحوه، مما هو في معناه من الأعذار، وهذا قول أحمد بن حنبل، والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابيّ، والمتوليّ، والرويانيّ من أصحابنا، وهو المختار في تأويله؛ لظاهر الحديث، ولفعل ابن عباس، وموافقة أبي هريرة رضي الله عنهم، ولأن المشقة فيه أشدّ من المطر.
وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر؛ للحاجة لمن لا يتخذه عادةً، وهو قول ابن سيرين، وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابيّ عن القفال، والشاشيّ الكبير من أصحاب الشافعيّ عن أبي إسحاق المروزيّ، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس رضي الله عنهما: أراد أن لا يحرج أمته، فلم يعللَّه بمرض ولا غيره. انتهى كلام النووى رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أنصف النوويّ رحمه الله وأجاد في هذا التحقيق، مع مخالفته لمذهبه، وهكذا ينبغي لكلّ مسلم أن يحرص على العمل بما اقتضاه الدليل، وإن خالف مذهبه، أو خالفه جلّ الناس؛ لأن الأدلة هي المرجع والمفزع عند الاختلاف، قال اللَّه عز وجل:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} الآية [النساء: 59]، ولأن اللَّه تعالى قد ضمن الهداية والفلاح في اتّباع النصوص، فقال تعالى:{وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، وقال:{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} الآية [النور: 54]، وقال:{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 218 - 219.
والحاصل أن الأرجح هو القول بجواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادةً، كما هو حال النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يتخذ ذلك عادةً؛ لوضوح حجتّه، وقد أشبعت البحث بأكثر مما هنا في "شرح النسائيّ"
(1)
، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله قد حقّق هذا الموضوع تحقيقًا حسنًا جدًّا، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طولٌ، إلا أن فوائده نافعةٌ جدًّا، وهذا الشرح ما وُضع إلا لاستيفاء المسائل المهمّة، ولو كان فيها طولٌ، قال رحمه الله:
وأما الجمع بالمدينة لأجل المطر أو غيره، فقد رَوَى مسلم وغيره من حديث أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، من غير خوف ولا سفر.
وممن رواه عن أبي الزبير مالك في "موطئِه"، وقال: أظنّ ذلك كان في مطر.
قال البيهقيّ: وكذلك رواه زهير بن معاوية، وحماد بن سلمة، عن أبي الزبير:"في غير خوف، ولا سفر"، إلا أنهما لم يذكرا المغرب والعشاء، وقالا:"بالمدينة".
ورواه أيضًا ابن عيينة، وهشام بن سعد، عن أبي الزبير، بمعنى رواية مالك، وساق البيهقيّ طرقها. وحديث زهير رواه مسلم في "صحيحه": ثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:"صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، في غير خوف ولا سفر"، قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا لِمَ فَعَل ذلك؟ قال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يُحرِج أحدًا من أمته، قال: وقد خالفهم قُرّة في الحديث، فقال:"في سفرة سافرها إلى تبوك"، وقد رواه مسلم من حديث قُرّة، عن أبي الزبير، عن
(1)
راجع: "ذخيرة العقبى" 7/ 470 - 478.
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
قال البيهقيّ: وكان قرة أراد حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، فهذا لفظ حديثه، ورَوَى سعيد بن جبير الحديثين جميعًا، فسمع قرة أحدهما، ومن تقدم ذكره الآخرَ، قال: وهذا أشبه، فقد روى قرة حديث أبي الطفيل أيضًا.
قلت: وكذا رواه مسلم، فروى هذا المتن من حديث معاذ، ومن حديث ابن عباس، فإن قرة ثقة حافظ، وقد رَوَى الطحاويّ حديث قرة، عن أبي الزبير، فجعله مثل حديث مالك عن أبي الزبير، حديث أبي الطفيل، وحديثه هذا عن سعيد، فدلَّ ذلك على أن أبا الزبير حدّث بهذا وبهذا.
قال البيهقيّ: ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، فخالف أبا الزبير في متنه، وذكره من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، قيل له: فما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أمته، وفى رواية وكيع: قال سعيد: قلت لابن عباس: لِمَ فعل ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال: كيلا يحرج أمته، ورواه مسلم في "صحيحه".
قال البيهقيّ: ولم يخرجه البخاريّ، مع كون حبيب بن أبي ثابت من شرطه، ولعله إنما أعرض عنه -واللَّه أعلم- لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير، قال: ورواية الجماعة عن أبي الزبير أولى أن تكون محفوظةً، فقد رواه عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس بقريب من معنى رواية مالك، عن أبي الزبير.
قلت
(1)
: تقديم رواية أبي الزبير على رواية حبيب بن أبي ثابت لا وجه له، فإن حبيب بن أبي ثابت من رجال "الصحيحين"، فهو أحقّ بالتقديم من أبي
(1)
القائل هو شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله.
الزبير، وأبو الزبير من أفراد مسلم، وأيضًا فأبو الزبير اختُلِف عنه عن سعيد بن جبير في المتن، تارةً يَجعل ذلك في السفر، كما رواه عنه قرة موافقةً لحديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وتارة يجعل ذلك في المدينة، كما رواه الأكثرون عنه، عن سعيد.
فهذا أبو الزبير قد رُوي عنه ثلاثة أحاديث: حديث أبي الطفيل، عن معاذ في جمع السفر، وحديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله، وحديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس الذي فيه جمع المدينة، ثم قد جعلوا هذا كله صحيحًا؛ لأن أبا الزبير حافظ، فلم لا يكون حديث حبيب بن أبي ثابت أيضًا ثابتًا عن سعيد بن جبير؟ وحبيبٌ أوثق من أبي الزبير، وسائر أحاديث ابن عباس الصحيحة تدلُّ على ما رواه حبيب، فإن الجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن لأجل المطر، وأيضًا فقوله:"بالمدينة" يدل على أنه لم يكن في السفر، فقوله:"جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر"، أولى بأن يقال:"من غير خوف ولا سفر"، ومن قال: أظنه في المطر، فظَنٌّ ظَنَّهُ، ليس هو في الحديث، بل مع حفظ الرواة، فالجمع صحيح، قال:"من غير خوف ولا مطر"، وقال:"ولا سفر"، والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا بهذا.
وبهذا استَدَلَّ أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع لِيَرْفَع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يُرْفَعَ، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها.
ومما يبيّن أن ابن عباس لم يُرِد الجمع للمطر، وإن كان الجمع للمطر أولى بالجواز، بما
(1)
رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، عن الزُّبير بن الْخِرِّيت، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر، حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاء رجل من بني تيم، لا يفتُر: الصلاة الصلاة، فقال: أتعلّمني بالسنة؟ لا أُمّ لك، ثم قال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب
(1)
هكذا نسخة "مجموع الفتاوى"، ولعلّ الصواب إسقاط الباء، فتأمل.
والعشاء، قال عبد اللَّه بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدَّق مقالته.
ورواه مسلم أيضًا من حديث عمران بن حُدَير، عن ابن شقيق، قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أم لك، أتعلمنا بالصلاة؟ وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فهذا ابن عباس لم يكن في سفر، ولا في مطر، وقد استَدَلّ بما رواه على ما فعله، فعُلِم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن كان ابن عباس في أمر مُهِمّ من أمور المسلمين، يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى أنه إن قطعه ونزل، فاتت مصلحته، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تَعْرِض له، كما قال: أراد أن لا يحرج أمته.
ومعلوم أن جمع النبيّ صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة، لم يكن لخوف، ولا مطر، ولا لسفر أيضًا، فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة، كما كان يقصر بها، ولجمع لَمّا خرج من مكة إلى منى، وصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف، ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى، بل صلى كل صلاة ركعتين، غير المغرب، ويصليها في وقتها، ولا جمعه أيضًا كان للنسك، فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم، فإنه من حينئذ صار محرمًا، فعُلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة، لم يكن لمطر، ولا خوف، ولا لخصوص النسك، ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا.
قال البيهقيّ: ليس في رواية ابن شقيق، عن ابن عباس من هذين الوجهين الثابتين عنه نفي المطر، ولا نفي السفر، فهو محمول على أحدهما، أو على ما أوّله عمرو بن دينار، وليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل.
فيقال: يا سبحان اللَّه، ابن عباس كان يخطب بهم بالبصرة، فلم يكن مسافرًا، ولم يكن هناك مطر، وهو ذكر جمعًا يَحتَجّ به على مثل ما فعله، فلو
كان ذلك لسفر أو مطر، كان ابن عباس أجلّ قدرًا من أن يَحتَجّ على جمعه بجمع المطر أو السفر.
وأيضًا فقد ثبت في "الصحيحين" عنه أن هذا الجمع كان بالمدينة، فكيف يقال: لم ينف السفر، وحبيب بن أبي ثابت من أوثق الناس، وقد روى عن سعيد، أنه قال: من غير خوف ولا مطر.
وأما قوله: إن البخاريّ لم يخرجه، فيقال: هذا من أضعف الحجج، فهو لم يخرج أحاديث أبي الزبير، وليس كل من كان من شرطه يخرجه.
وأما قوله: ورواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء قريب من رواية أبي الزبير، فإنه ذكر ما أخرجاه في "الصحيحين"، من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وفي رواية البخاريّ، عن حماد بن زيد، فقال لأيوب: لعله في ليلة مطيرة، فقال: عسى.
فيقال: هذا الظن من أيوب وعمرو، فالظنّ ليس من مالك، وسبب ذلك أن اللفظ الذي سمعوه لا ينفي المطر، فجوّزوا أن يكون هو المراد، ولو سمعوا رواية حبيب بن أبي ثابت الثقة الثبت، لم يظنوا هذا الظن.
ثم رواية ابن عباس هذه حكاية فعل مطلق، لم يذكر فيها نفي خوف ولا مطر، فهذا يدلّك على أن ابن عباس كان قصده بيان جواز الجمع بالمدينة في الجملة، ليس مقصوده تعيين سبب واحد، فمن قال: إنما أراد جمع المطر وحده، فقد غَلِطَ عليه.
ثم عمرو بن دينار تارةً يُجَوِّز أن يكون للمطر موافقةً لأيوب، وتارةً يقول هو وأبو الشعثاء: إنه كان جمعًا في الوقتين، كما في "الصحيحين" عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: سمعت جابر بن زيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: صليت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، قال: قلت: يا أبا الشعثاء أُراه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك.
فيقال: ليس الأمر كذلك؛ لأن ابن عباس كان أفقه وأعلم، من أن يحتاج إذا كان قد صلى كل صلاة في وقتها الذي تعرف العامة والخاصة
جوازه، أن يذكر هذا الفعل المطلق دليلًا على ذلك، وأن يقول: أراد بذلك أن لا يحرج أمته، وقد عُلم أن الصلاة في الوقتين، قد شرعت بأحاديث المواقيت، وابن عباس هو ممن روى أحاديث المواقيت، وإمامة جبريل له عند البيت، وقد صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، فإن كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما جمع على هذا الوجه، فأيّ غرابة في هذا المعنى؟ ومعلوم أنه كان قد صلى في اليوم الثاني كلا الصلاتين في آخر الوقت، وقال:"الوقت ما بين هذين"، فصلاته للأولى وحدها في آخر الوقت أولى بالجواز.
وكيف يليق بابن عباس أن يقول: فَعَل ذلك كيلا يحرج أمته، والوقت المشهور هو أوسع، وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه، وكيف يَحتجّ على من أنكر عليه التأخير، لو كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما صلى في الوقت المختص بهذا الفعل، وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق وحدها، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يُغنيه عن هذا.
وإنما قصد ابن عباس بيان جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء؛ ليبيّن أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره، وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة.
ثم ابن عباس قد ثبت عنه في "الصحيح" أنه ذكر الجمع في السفر، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في السفر، إذا كان على ظهر سيره، وقد تقدم ذلك مفصلًا، فعُلِم أن لفظ الجمع في عرفة وعادته إنما هو الجمع في وقت إحداهما، وأما الجمع في الوقتين، فلم يُعْرَف أنه تكلم به، فكيف يَعدل عن عادته التي يتكلم بها إلى ما ليس كذلك؟.
وأيضًا فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدق مقالته، أَتُراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علمًا حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره، حتى يسأله عنه؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين، وعَلِموا جوازه، وإنما وقعت شبهة لبعضهم في المغرب خاصّةً، وهؤلاء يجوّزون تأخيرها إلى آخر وقتها، فالحديث حجة عليهم كيفما كان،
وجواز تأخيرها ليس معلقًا بالجمع، بل يجوز تأخيرها مطلقًا إلى آخر الوقت، حين يؤخر العشاء أيضًا، وهكذا فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم حين بَيَّن أحاديث المواقيت، وهكذا في الحديث الصحيح:"وقتُ المغرب ما لم يغب نور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل"، كما قال:"وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس"، فهذا الوقت المختص الذي بيّنه بقوله وفعله، وقال:"الوقت ما بين هذين"، ليس له اختصاص بالجمع، ولا تعلّق به.
ولو قال قائل: قوله: جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر، المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من الكوفيين، لم يكن بينه وبينهم فرقٌ، فلماذا يكون الإنسان من المطفِّفين، لا يحتج لغيره كما يحتج لنفسه، ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره؟.
وأيضًا فقد ثبت هذا من غير حديث ابن عباس، ورواه الطحاويّ: حدّثنا ابن خزيمة، وإبراهيم بن أبي داود، وعمران بن موسى، قال: أنا الربيع بن يحيى الأشنانيّ، حدّثنا سفيان الثوريّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: جمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، للرخصة من غير خوف ولا علة، لكن يُنظَر حال هذا الأشنانيّ
(1)
.
وجمعُ المطر عن الصحابة، فما ذكره مالك، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر، جمع معهم في ليلة
(1)
قال في "التقريب": الربيع بن يحيى بن مِقسم الأشنانيّ، أبو الفضل البصريّ، صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة (224) روى عنه البخاريّ، وأبو داود.
وقال في "تهذيب التهذيب" رحمه الله 3/ 218: قال أبو حاتم: ثقةٌ ثبتٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن قانع: إنه ضعيف، وقال الدارقطنيّ: ضعيفٌ ليس بالقويّ، يخطئ كثيرًا، حدّث عن الثوريّ، عن ابن المنكدر، عن جابر:"جمع النبيّ صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين"، وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة، ولا جمل، وهذا يُسقط مائة ألف حديث، وقال أبو حاتم في "العلل": هذا باطل عن الثوريّ. انتهى.
المطر، قال البيهقيّ: ورواه العمريّ، عن نافع، فقال: قبل الشفق، وروى الشافعيّ في القديم: أنبأنا بعض أصحابنا، عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد اللَّه بن حبيب، أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق، وذكر ما رواه أبو الشيخ الأصبهانىّ بالإسناد الثابت، عن هشام بن عروة، وسعيد بن المسيّب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، إذا جمعوا بين الصلاتين، ولا ينكر ذلك، وبإسناده عن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز، كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة، إذا كان المطر، وأن سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، ومَشْيَخَة ذلك الزمان، كانوا يصلّون معهم، ولا ينكرون ذلك.
فهذه الآثار تدلّ على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة، زمنَ الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة والتابعين، أنكر ذلك، فعُلِم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، لكن لا يدلّ على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جَمَعَ لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضًا للمطر، كان قد جَمَع من غير خوف ولا مطر، كما أنه إذا جَمع في السفر، وجمع في المدينة، كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، فقول ابن عباس: جمع من غير كذا ولا كذا، ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه؛ لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جَمَع بها أيضًا، ولو لم يُنقَل أنه جمع بها، فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى، فيدلّ ذلك على الجمع للخوف والمطر، وقد جمع بعرفة ومزدلفة، من غير خوف ولا مطر.
فالأحاديث كلها تدلّ على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج، قد رفعه اللَّه عن الأمة، وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يُحْرِج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويَجْمَع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج، كالمستحاضة، وأمثال ذلك من الصور.
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الجمع بين الصلاتين من
غير عذر من الكبائر، ورَوَى الثوريّ في "جامعه" عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية، عن عمر، ورواه يحيى بن سعيد، عن يحيى بن صبح: حدّثني حميد بن هلال، عن أبي قتادة، يعني العدويّ، أن عمر بن الخطاب كَتَب إلى عامل له:"ثلاثٌ من الكبائر: الجمع بين صلاتين إلا من عذر، والفرار من الزَّحْف، والنَّهْبُ"، قال البيهقيّ: أبو قتادة أدرك عمر، فإن كان شَهِدَه كَتَب فهو موصول، وإلا فهو إذا انضم إلى الأَوَّل صار قويًّا، وهذا اللفظ يدلّ على إباحة الجمع للعذر، ولم يَخُصّ عمر عذرًا من عذر.
قال البيهقيّ: وقد رُوي فيه حديثٌ موصولٌ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، في إسناده مَن لا يُحتجّ به، وهو من رواية سلمان التيميّ، عن حَنَش الصنعائيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد شيخ الإسلام رحمه الله في هذا التحقيق، وأفاد، وحاصله ترجيح قول من قال بمشروعية الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في الحضر بسبب عذر من الأعذار، مطرًا كان، أو مرضًا، أو ظلمةً، أو ريحًا شديدًا، أو غير ذلك من الأعذار يحتاج معها الإنسان إلى التيسير عليه بالجمع بين الصلاتين؛ لقوّة حجته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1629]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، جَمِيعًا عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا
(2)
أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ"، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُ سَعِيدًا: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ).
(1)
"مجموع الفتاوى" 24/ 72 - 84.
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) تقدّم قبل بابين.
2 -
(عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ) أبو جعفر الكوفيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ [10](ت 230) تقدم في "الإيمان" 30/ 228.
3 -
(زُهَيْرُ) بن معاوية، تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ) أي: لا يوقعه في حَرَج، وهو بفتحتين: الضِّيق، والإثم، يقال: حَرِجَ صدرُه، من باب تَعِبَ: ضاق، وحَرِجَ الرجُلُ: أَثِمَ، وصدرٌ حَرِجٌ: ضَيِّقٌ، ورجُلٌ حَرِجٌ: آثم، قاله في "المصباح"
(1)
، والمناسب هنا معنى الضيق.
والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك؛ لئلا يَشُقّ على أحد من أمته، ويُثقل عليه بإفراد كل صلاة في وقتها الأصليّ، فشرع لهم الجمع؛ تخفيفًا عنهم، وتيسيرًا عليهم.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى تمام شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1630]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(2)
يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ
(3)
فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا، فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
(4)
، قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
(1)
"المصباح المنير" 1/ 127.
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(3)
وفي نسخة: "بين الصلاتين".
(4)
وفي نسخة: "وبين المغرب والعشاء".
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقة، [10](ت 248)(م 4) تقدم في "الإيمان" 14/ 165.
2 -
(خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 186)(ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 243.
3 -
(قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [6](ت 155)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 126.
والباقون ذُكروا قبله.
قال القرطبيّ رحمه الله: قوله: (أن لا يُحرج) رُوي بضمّ الياء التحتانيّة، و"أُمته" بالنصب على أنه مفعول به، ورُوي أيضًا "تَحْرَج": بفتح التاء الفوقانيّة، و"أمتُهُ" بالرفع على الفاعليّة. انتهى بتصرّف
(1)
.
والحديث متّفق عليه، ومضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1631]
(706) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَامِرٍ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ) بن واثلة بن عبد اللَّه بن عمرو بن جَحْش، ويقال: خميس بن جريّ بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة، أبو الطُّفيل الليثيّ، ويقال: اسمه عمرو، والأول أصحّ، وُلد عام أُحُد.
رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، ومعاذ بن جبل، وحذيفة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي سَرِيحة، ونافع بن عبد الحارث، وزيد بن أرقم، وغيرهم.
(1)
"المفهم" 2/ 347.
ورَوَى عنه الزهريّ، وأبو الزبير، وقتادة، وعبد العزيز بن رُفيع، وسعيد بن إياس الْجُريريّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وعكرمة بن خالد المخزوميّ، وعُمارة بن ثوبان، وعمرو بن دينار، وفرات القزّاز، وغيرهم.
قال مسلم: مات أبو الطُّفيل سنة مائة، وهو آخر من مات من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقال خليفة: مات بعد سنة مائة، ويقال: مات سنة سبع، وقال وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازة، فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطُّفيل، وقال ابن الْبَرْقيّ: مات سنة (102)، وقال موسى بن إسماعيل: ثنا مبارك بن فَضَالة، ثنا كثير بن أعين، سمعت أبا الطفيل بمكة سنة سبع ومائة يقول: ضحك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فذكر قصةً.
وقال ابن السكن: رُوي عنه رؤيته لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة، ولم يُرْوَ عنه من وجه ثابت سماعه من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن سعد: حدّثنا عمرو بن عاصم، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الطفيل قال: كنت أطلب النبيّ صلى الله عليه وسلم فيمن يطلبه ليلة الغار، قال: فقمت على باب الغار، ولا أرى فيه أحدًا، ثم قال ابن سعد: وهذا الحديث غلط، أبو الطفيل لم يولد تلك الليلة، وينبغي أن يكون حَدَّث بهذا الحديث عن غيره، فأوهم الذي حَمَل عنه.
وكان أبو الطفيل ثقةً في الحديث، وكان متشيِّعًا، وذكر البخاري في "التاريخ الصغير" هذا الحديث عن عمرو بن عاصم، وقال: الأول أصحّ، يعني قوله: أدركت ثمان سنين من حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": حدثنا عقبة بن مُكْرَم، ثنا يعقوب بن إسحاق، ثنا مهديّ بن عمران الحنفيّ قال: سمعت أبا الطفيل يقول: كنت يوم بدر غلامًا قد شددت علي الإزار، وأنقل اللحم من السهل إلى الجبل.
قال الحافظ رحمه الله: لي فيه وَهَمٌ
(1)
في لفظة واحدة، وهي قوله: "يوم
(1)
هكذا عبارة "التهذيب"، ولعل الصواب:"ظهر لي فيه وهم" أو نحو ذلك من العبارات، فليُحرّر.
بدر"، والصواب يوم حنين -واللَّه أعلم- فقد رويناه هكذا من طريق أخرى، عن أبي الطفيل.
وقال ابن عديّ: له صحبة، قد رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قريبًا من عشرين حديئًا، وكانت الخوارج يذُمّونه باتصاله بعليّ رضي الله عنه، وقولِهِ بفضله، وفضل أهل بيته، وليس في رواياته بأسٌ.
وقال ابن المدينيّ: قلت لجرير: أكان مغيرة يَكْرَه الرواية عن أبي الطفيل؟ قال: نعم.
وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: أبو الطفيل مكيّ ثقةٌ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن أبا الطّفيل رضي الله عنه صحابيّ، فقد صحّح البخاريّ قوله: أدركت ثمان سنين من حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهذا صحابيّ بلا شكّ، فقول من قال: إنه ثقة محمول على أنه لم يثبت عنده كونه صحابيًّا؛ لأن هذه العبارة لا تُطلق على صحابيّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (21) بالمكرّرات.
2 -
(مُعَاذُ) بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو عبد الرحمن، مات بالشام سنة (18) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" 7/ 130.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ رضي الله عنهما.
4 -
(ومنها): أن أبا الطُّفيل رضي الله عنه آخر من مات من الصحابة رضي الله عنهم على الإطلاق، مات سنة (110) من الهجرة على الصحيح.
5 -
(ومنها): أن معاذًا رضي الله عنه من أعيان الصحابة رضي الله عنهم، شَهِدَ بدرًا، وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن رضي الله عنه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَامِرِ) بن واثلة رضي الله عنه (عَنْ مُعَاذِ) بن جبل رضي الله عنه أنه (قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) أي: سنة تسع من الهجرة في رجب، وهي آخر غزوة غزاها النبيّ صلى الله عليه وسلم بنفسه، وتسمى غزوة العُسْرَة، وتبوك بوزن رَسُول بلد بالشام، قريب من مَدْيَن، بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلةً، وهي غير منصرفة للعلمية والتأنيث، أو وزن الفعل، صَالَحَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أهلها على الجزية من غير قتال
(1)
.
(فَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) أي: جمع تأخير بأن يؤخر الظهرَ إلى وقت العصر، والمغربَ إلى وقت العشاء.
ويَحْتَمِل أن يكون جمع تقديم إن ارتحل عند الزوال بأن يصلي العصر مع الظهر في أول وقتها، وجمع تأخير إن ارتحل قبل الزوال، وكذا يقال في المغرب والعشاء.
ويدل على هذا حديث معاذ رضي الله عنه الذي رواه أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وصححه ابن حبان، وابن القيّم، ولفظه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء، فصلّاها مع المغرب".
زاد في رواية قرّة بن خالد الآتية: "قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يُحرِج أمته".
ولفظ أبي داود، والنسائيّ: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبرهم، أنهم خرجوا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخّر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا.
قال في "المنهل": مقتضاه أنه صلى الله عليه وسلم كان غير سائر؛ لأن الغالب استعمال الدخول إلى الخباء، أو المنزل، وكذا الخروج حال الإقامة، فمعنى قوله:
(1)
"المنهل العذب المورود" 7/ 59 - 60.
"فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء" أنه يجمع بينهما سائرًا، ومعنى قوله:"فأخر الصلاة يومًا" إلخ: أنه جمع بينهما يومًا في حالة النزول، يدل على هذا لفظ:"ثم دخل، ثم خرج"، قال ابن عبد البر: هذا أوضح دليل على ردّ قول من قال: لا يجمع إلا من جَدَّ به السير. انتهى
(1)
.
وقد استَدَلَّ بهذا الحديث من قال بجواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء مطلقًا، في عرفة، والمزدلفة وغيرهما، جَدَّ به السير، أو لا، وهو رأي الجمهور، وهو الحقّ، كما تقدم تحقيقه قريبًا.
[تنبيه]: أخرج المصنّف رحمه الله هذا الحديث في "الفضائل" مطوّلًا، وفيه قصّة، ولفظه:
(706)
- حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، حدّثنا أبو عليّ الحنفيّ، حدّثنا مالك، وهو ابن أنس، عن أبي الزبير المكيّ، أن أبا الطفيل عامر بن واثلة أخبره، أن معاذ بن جبل أخبره، قال: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، حتى إذا كان يومًا أخّر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج بعد ذلك، فصلى المغرب والعشاء جميعًا، ثم قال:"إنكم ستأتون غدًا إن شاء اللَّه عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يُضْحِي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي"، فجئناها، وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشِّرَاك تَبِضّ بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "هل مسستما من مائها شيئًا؟ "، قالا: نعم، فسبّهما النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال لهما ما شاء اللَّه أن يقول، قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا، حتى اجتمع في شيء، قال: وغسل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء مُنْهَمِر، أو قال: غزير، شكَّ أبو عليّ أيهما قال، حتى استقى الناس، ثم قال:"يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد مُلِئ جِنَانًا"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
(1)
"المنهل العذب" 7/ 60.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [7/ 1631 و 1632](706)، وفي "كتاب الفضائل"(706)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1206)، و (النسائيّ) في "المواقيت"(587)، و"الكبرى"(1563)، و (ابن ماجه) في "الصلاة"(1070)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 143)، و (الشافعيّ) في "مسنده"(1/ 117)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4398)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 456)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 229 و 2330 و 233 و 236)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 356)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 160)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(966)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1591 و 1595)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(20/ 102)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1588 و 1589)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 162)، وفي "دلائل النبوّة"(5/ 236)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1041)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): حديث معاذ رضي الله عنه فيه جمع التأخير، وليس فيه جمع التقديم، وقد أخرج أبو داود في "سننه"، وفيه جمع التقديم أيضًا، فقال:
(1220)
حدّثنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب، حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عَجَّل العشاء، فصلاها مع المغرب. قال أبو داود: ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده. انتهى.
وقد تكلّم العلماء في هذا الحديث، قال العلامة ابن القيّم رحمه الله في "الهدي": اختُلِف في هذا الحديث، فمن مصحِّح له، ومن محسِّن، ومن قادح فيه، وجعله موضوعًا، كالحاكم، وإسناده على شرط الصحيح، لكن رُمِي بعلة عجيبة.
قال الحاكم: حدّثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه، حدّثنا موسى بن هارون، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، ويصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب، عجّل العشاء، فصلاها مع المغرب".
قال الحاكم: هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذّ الإسناد والمتن، ثم لا نعرف علة نُعِلُّه بها، فلو كان الحديث عن الليث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، لعللنا به الحديث، ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين، خرج عن أن يكون معلولًا، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل روايةً، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل، غير أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذّ، وقد حدّثوا عن أبي العباس الثقفيّ، قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعليّ ابن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عَدَّ قتيبة سبعة من أئمة الحديث، كتبوا عنه هذا الحديث، وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبًا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علةً، ثم قال: فنظرنا فإذا الحديث موضوعٌ، وقتيبة ثقة مأمونٌ، ثم ذكر بإسناده إلى البخاريّ، قال: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ قال: كتبته مع خالد بن القاسم، أبي الهيثم المدائنيّ، قال البخاريّ: وكان خالد المدائنيّ يُدخِل الأحاديث على الشيوخ.
قال ابن القيّم: وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلَّم، فإن أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبد اللَّه بن موهب الرمليّ، حدّثنا الْمُفَضَّل بن فَضَالة، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي
الطفيل، عن معاذ، فذكره
(1)
.
فهذا المفضَّل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجلّ من المفضل، وأحفظ، لكن زال تفرد قتيبة به، ثم إن قتيبة صَرَّح بالسماع، فقال: حدّثنا، ولم يُعنعن، فكيف يقدح في سماعه، مع أنه بالمكان الذي جعله اللَّه به من الأمانة والحفظ والثقة والعدالة.
وقد رَوَى إسحاق ابن راهويه، حدّثنا شبابة، حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أنس:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى الظهر والعصر، ثم ارتحل"
(2)
.
وهذا إسناد كما ترى، وشبابة هو شبابة بن سَوّار الثقة المتَّفَق على الإحتجاج بحديثه، وقد روى له مسلم في "صحيحه"، عن الليث بن سعد بهذا الإسناد، على شرط الشيخين، وأقل درجاته أن يكون مُقَوِّيًا لحديث معاذ، وأصله في "الصحيحين" لكن ليس فيه جمع التقديم.
ثم قال أبو داود: وروى هشام، عن عروة، عن حسين بن عبد اللَّه، عن كُريب، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحو حديث المفضَّل، يعني حديث معاذ في جمع التقديم، ولفظه: عن حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس، عن كريب، عن ابن عباس، أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في السفر، كان إذا زالت الشمس، وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا
(1)
رواه أبو داود برقم (1208) في "الصلاة" وهشام بن سعد مختلف فيه، وقد خالفه الحفّاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك، والثوريّ، وقرّة بن خالد، وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم، وفي الباب عن ابن عبّاس رضي الله عنهما عند الشافعيّ 1/ 116 - 117، وأحمد 1/ 367، وفيه حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه، وهو ضعيفٌ، لكن له شاهد من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، أخرجه أحمد (2191)، والبيهقيّ 3/ 164، ورجاله ثقات، لكن كما قال الحافظ: مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف، وقد أخرجه البيهقيّ من وجه آخر مجزومًا بوقفه، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)
رواه البيهقيّ في "الكبرى" 3/ 162، وإسناده صحيح.
سافر قبل أن تزول الشمس أخَّر الظهر، حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر"، قال: وأحسبه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك.
ورواه الشافعيّ من حديث ابن أبي يحيى، عن حسين، ومن حديث ابن عجلان بلاغًا، عن حسين، قال البيهقيّ: هكذا رواه الأكابر: هشام بن عروة، وغيره، عن حسين بن عبد اللَّه، ورواه عبد الرزاق، عن ابن جُريج، عن حسين، عن عكرمة، وعن كريب، كلاهما عن ابن عباس، ورواه أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال: ولا أعلمه إلا مرفوعًا.
وقال إسماعيل بن إسحاق: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدّثني أخي عن سليمان بن مالك، عن هشام بن عروة، عن كُريب، عن ابن عباس، قال:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا جَدَّ به السير، فراح قبل أن تزيغ الشمس، ركب فسار، ثم نزل، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا لم يَرُح حتى تزيغ الشمس، جمع بين الظهر والعصر، ثم ركب، وإذا أراد أن يركب ودخلت صلاة المغرب جمع بين المغرب وبين صلاة العشاء".
قال أبو العباس ابن سُرَيج: رَوَى يحيى بن عبد الحميد، عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، قال:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا لم يرتحل حتى تزيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا، فإذا لم تزغ أخَّرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ويدلّ على جمع التقديم، جمعه بعرفة بين الظهر والعصر؛ لمصلحة الوقوف؛ ليتصل وقت الدعاء، ولا يقطعه بالنزول لصلاة العصر، مع إمكان ذلك بلا مشقة، فالجمع كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله
(1)
، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"زاد المعاد" 1/ 477 - 481.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1632]
(. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، أَبُو الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمّتَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
وقوله: (حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا ضبطناه عامر بن واثلة، وكذا هو في بعض نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن جمهور رواة "صحيح مسلم"، ووقع لبعضهم: عمرو بن واثلة، وكذا وقع في كثير من أصول بلادنا في هذه الرواية الثانية، وأما الرواية الأولى لمسلم، عن أحمد بن عبد اللَّه، عن زهير، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر، فهو عامر باتفاق الرواة هنا، وإنما الاختلاف في الرواية الثانية، والمشهور في أبي الطفيل عامر، وقيل: عمرو، وممن حَكَى الخلاف فيه البخاريّ في "تاريخه" وغيره من الأئمة، والمعتمد المعروف عامر، واللَّه أعلم. انتهى
(1)
.
وعبارة الجيّانيّ رحمه الله في "التقييد" -بعد أن أورده بلفظ: "قال: نا عمرو بن واثلة أبو الطفيل"-: هكذا أتى في الإسناد: "أبو الطفيل عمرو بن واثلة"، والمشهور في اسم أبي الطفيل عامر، لا عمرو، وإنما أتى هذا من قبل الراوي عن أبي الزبير.
قال أبو عليّ: وقد حَكَى مسلم بن الحجّاج في كتاب "التمييز" من تأليفه أن معمر بن راشد أيضًا حدّث به عن الزهريّ، فقال: عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة، قال مسلم: ومعلوم عند عوامّ أهل العلم أن اسم أبي الطفيل عامر، لا عمرو.
(1)
"شرح النووي على صحيح مسلم" 5/ 219.
وذكر البخاريّ هذا الذي ذكره مسلم في "التاريخ الأوسط"، وقد نبّه على هذا في "تاريخه الكبير"، فقال: أبو الطفيل اسمه عامر بن واثلة، وقال بعضهم: عمرو.
وفي إسناد آخر في حديث لأبي الطفيل في "كتاب الحجّ"
(1)
من طريق قتادة، عن أبي الطفيل البكريّ، وأكثر ما يأتي في نسبه "الليثيّ" من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، ومن قال:"البكريّ" نسبه إلى بكر بن عبد مناة بن كنانة، وليس من بكر بن وائل. انتهى كلام الجيّانيّ رحمه الله
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصحيح في اسم أبي الطفيل أنه عامر، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: فَقُلْتُ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟) يَحْتمل أن يكون فاعل "قال" ضمير أبي الزبير، كما سبق في سؤاله لسعيد بن جبير، ويَحْتَمل أن يكون لغيره، واللَّه تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1633]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(3)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ"، فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ
(4)
: قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمّتَهُ، وَفي حَدِيثِ أَبِي
(1)
سيأتي -إن شاء اللَّه تعالى- برقم (1269).
(2)
"تقييد المهمل" 3/ 820 - 821.
(3)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(4)
وفي نسخة: "وفي حديث وكيع".
مُعَاوِيَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف رحمه الله أن يقدّم أحاديث ابن عبّاس رضي الله عنهما الآتية على حديثي معاذ رضي الله عنه؛، لتكون أحاديثه في محلّ واحد، كما لا يخفى.
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
3 -
(أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
4 -
(أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد اللَّه بن سعيد بن حُصين الكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [10](ت 257)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 17.
5 -
(وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [9](ت 6 أو 197)(ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
6 -
(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
7 -
(حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، كثير الإرسال والتدليس [3](ت 119)(ع) تقدّم في "المقدّمة" 1/ 1.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بين اثنين منهم.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أن شيخيه: أبي كُريب، وأبي سعيد ممن اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة.
4 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ رضي الله عنه، فمدنيّ، ثم بصريّ، ثم مكيّ، ثم طائفيّ.
5 -
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن حبيب، عن سعيد، وقد سبق الكلام عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بِالْمَدِينَةِ) الباء بمعنى "في"(فِي غَيْرِ خَوْفٍ) أي: من غير خوف عدوّ يهاجمهم (وَلَا مَطَرٍ) أي: ومن غير نزول مطر يؤذيهم (فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ) متعلّق بـ "قال" بعده، وفي نسخة:"وفي حديث وكيع" بالواو (قَالَ) أي: سعيد بن جبير (قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟) أي: الجمع في الحضر (قَالَ) ابن عبّاس رضي الله عنهما (كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ)"كي" تعليليّة؛ أي: فعل ذلك لئلا يوقع أمته في الحرج؛ أي: المشقّة والضِّيق (وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (مَا) استفهاميّة (أَرَادَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَى ذَلِكَ؟) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونه مائلًا إلى الجمع (قَالَ) ابن عبّاس رضي الله عنهما (أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
في تعليل ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا دليلٌ على أن هذا الجمع جمعٌ حقيقيّ، لا صُوريّ، وذلك لأنه أجاب بمثل هذا الجواب لَمّا سُئل عن سبب الجمع في السفر، وقد ثبت أن الجمع هناك حقيقيّ بالإجماع في عرفة والمزدلفة، وفي جميع الأسفار عند الجمهور، فيكون جوابه هنا مثله، كما لا يخفى، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في شرح حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما أوّل الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1634]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا، قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ
(1)
الْعَصْرَ،
(1)
وفي نسخة: "وأعجل".
وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ)
(1)
.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [4](ت 126)(ع) تقدم في "الإيمان" 21/ 184.
3 -
(جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديّ، ثم الْجَوْفيّ، أبو الشَّعْثاء البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [3](ت 93) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الحيض" 9/ 739.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
وقوله: (ثَمَانِيًا جَمِيعًا) أي: ثماني ركعات: أربعًا للظهر، وأربعًا للعصر.
وقوله: (وَسَبْعًا جَمِيعًا) أي: سبع ركعات: ثلاثًا للمغرب، وأربعًا للعشاء.
وقوله: (قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ) القائل هو عمرو بن دينار، و"أبو الشعثاء" كنية جابر بن زيد.
وقوله: (قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ) فاعل "قال" ضمير أبي الشعثاء.
وأخرج البخاريّ من طريق حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار بعد الحديث أن أيوب قال لجابر: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى.
وهذا ظنّ من أبي الشعثاء، فلا يكون حجة لمن زعم أن الجمع صوريّ، وليس حقيقيًّا؛ لأنه يُقدّم عليه جزم ابن عبّاس رضي الله عنهما لَمّا سُئل عن سبب الجمع- بقوله:"أراد أن لا يُحرج أمته"، فإنه دليل واضح على الجمع الحقيقيّ، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
وفي نسخة: "ذلك".
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1635]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا، وَثَمَانِيًا: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل بابين.
2 -
(حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قبل بابين أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1636]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الزُّبَيرِ بْنِ الْخِرِّيتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمًا، بَعْدَ الْعَصْرِ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَبَدَتِ النُّجُومُ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، لَا يَفْتُرُ، وَلَا يَنْثَنِي: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ؟
(2)
، لَا أُمَّ لَكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: فَحَاكَ فِي صَدْرِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَسَأَلْتُهُ، فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ) -بكسر الخاء المعجمة، وتشديد الراء المكسورة، بعدها مثنّاةٌ تحتانيّة ساكنة، ثمّ مثنّاةٌ فوقانيّة- البصريّ، ثقةٌ [5].
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "أتعلّمني السنّة".
رَوَى عن نُعيم بن أبي هند، والسائب بن يزيد، وعكرمة مولى ابن عباس، وعبد اللَّه بن شقيق، ومحمد بن سيرين، والفرزدق، وغيرهم.
وروى عنه جرير بن حازم، وحماد بن زيد، وأخوه سعيد بن زيد، وهارون بن موسى النحويّ، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: لم يرو عنه شعبة، وتركه، وهو صالح، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، ذكره ابن حبان في "الثقات".
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان
(1)
فقط، هذا برقم (705) وحديث (749).
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [3](ت 108)(بخ م 4) تقدم في "الإيمان" 82/ 450.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَبَدَتِ النُّجُومُ) أي: ظهرت.
وقوله: (الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ) مفعول مطلق لفعل محذوف أي: صلّوا الصلاة، وكُرّر للتأكيد، أو هو منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا الصلاة.
وقوله: (لَا يَفْتُرُ) بضمّ التاء؛ أي: لا يهدأ، ولا يسكت، قال الفيّوميّ: فَتَرَ عن العمل فُتُورًا، من باب قعد: انكسرت حِدّته، ولانَ بعد شدّته، ومنه فَتَرَ الحرّ: إذا انكسر فَتْرةً وفُتُورًا، وطَرْفٌ فاترٌ ليس بحديد، وقوله تعالى:{عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} [المائدة: 19] أي: على انقطاع بعثهم، ودُرُوس أعلام دينهم. انتهى
(2)
.
وقوله: (وَلَا يَنْثَنِي) أي: لا يرجع عن ترديد قوله: "الصلاةَ الصلاة"، يقال: ثنيتُ الشيءَ أثنيه، من باب رَمَى: إذا عطفته، ورددته، وثنيتُهُ عن مراده:
(1)
وما ذكره في "التهذيب" من أن له في مسلم حديثًا واحدًا في الجمع بين الصلاتين، فيه قصور، بل له أيضًا حديث آخر، برقم (749) وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا سأل النبىّ صلى الله عليه وسلم، كيف صلاة الليل، فقال:"مثنى مثنى. . . " الحديث.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 461.
إذا صرفته عنه، قاله الفيّوميّ
(1)
.
وقوله: (أتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ؟) وفي نسخة: "أتعلّمني السنّة"، وهو بتشديد اللام، من التعليم، أو بتخفيفها، من الإعلام، قال الفيّوميّ رحمه الله: إذا كان "عَلِمَ" بمعنى اليقين تعدَّى إلى مفعولين، وإذا كان بمعنى عَرَفَ تعدَّى إلى مفعول واحد، وقد يُضَمَّن معنى شَعَرَ، فتدخُلُ الباء، فيقال: علمته، وعَلِمتُ به، وأعلمته الخيرَ، وأعلمته به، وعلّمته الفاتحةَ، والصَّنْعَةَ، وغيرَ ذلك تعليمًا، فتعَلَّمَ ذلك تعلُّمًا. انتهى
(2)
.
وقوله: (لَا أُمَّ لَكَ) قال ابن الأثير: هو ذمّ وسبٌّ؛ أي: أنت لقيط، لا تُعرف لك أمّ، وقيل: قد يقع مدحًا بمعنى التعجّب منه، وفيه بُعْد. انتهى
(3)
.
وقال في "اللسان" ما خلاصته: معنى لا أمّ لك: ليست لك أمّ حرّةٌ، وهو سبّ صريحٌ، وذلك أن بني الإماء عند العرب مذمومون، لا يُلحقون ببني الحرائر، ولا يقول الرجل لصاحبه: لا أمّ لك إلا في غضبه عليه مقصّرًا به، شاتمًا له، وأما إذا قال: لا أبا لك، فلم يترُك له من الشتيمة شيئًا. انتهى
(4)
.
وقد سبق تمام البحث في هذا في "كتاب الإيمان" عند شرح حديث حذيفة رضي الله عنه في الفتنة التي تموج كموج البحر، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (فَحَاكَ فِي صَدْرِي. . . إلخ) هو بالحاء والكاف؛ أي: وقع في نفسي نوعُ شكّ وتعجُّب، واستبعاد، يقال: حاك يَحِيك، وحَكّ يَحُكّ، واحتكّ، وحَكَى الخليل أيضًا: أحاك، وأنكرها ابن دُرَيد
(5)
.
وقوله: (فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ) أي: قول ابن عبّاس رضي الله عنهما، فـ "المقالة" مصدر "قال"، يقال: قال يقول قَوْلًا ومَقَالًا ومقالةً، قاله في "المصباح"
(6)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"المصباح المنير" 1/ 85.
(2)
"المصباح" 2/ 427.
(3)
"النهاية" 1/ 68.
(4)
راجع: "لسان العرب" 12/ 30.
(5)
"شرح النووي" 5/ 219.
(6)
"المصباح المنير" 2/ 519.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1637]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُمَّ لَكَ، أَتُعَلِّمُنَا بِالصَّلَاةِ؟ وَكُنَّا نَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةُ [10](ت 243)(م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 5/ 31.
2 -
(وَكيعُ) بن الجرّاح، ذُكر في الباب.
3 -
(عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ) -بمهملات مصغّرًا- السَّدوسيّ، أبو عُبيدة البصريّ، ثقةٌ [6]، صلى على جنازة خلف أنس، وروى عن أبي مجلز وأبي قلابة وأبي عثمان النهدي وعبد اللَّه بن شقيق العقيلي ودعامة والد قتادة وقسامة بن زهير ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم. وعنه شعبة والحمادان وعبد الملك بن الصباح ويزيد بن زريع ووكيع ومعاذ بن معاذ ومعتمر بن سليمان وعثمان بن الهيثم المؤذن وآخرون. قال أبو حاتم: حدثني عبد اللَّه بن دينار البصري قال: ذكر شعبة عمران به حدير فقال: كان شيئًا عجبًا، كأنه يثبته. وقال يزيد بن هارون: كان أصدق الناس، وقال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: بخ بخ ثقة، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن المديني: ثقة، من أوثق شيخ بالبصرة، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاري: وقال أبو قطن: مات سنة تسع وأربعين ومائة، قلت: وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: هو صدوق صدوق، وقال ابن خلفون: وثقه ابن نمير وأحمد بن صالح وغيرهما، ووصفه عثمان بن الهيثم أنه أصدق الناس.
أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (705) وحديث (749).
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَكُنَّا نَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) أي: بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(8) - (بَابُ جَوَازِ الانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1638]
(707) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ
(1)
، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا، لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ، أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عُمَارَةُ) بن عُمَير التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [4] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدم في "الصلاة" 29/ 977.
2 -
(الْأَسْوَدُ). بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم جليلٌ [2](ت 4 أو 75)(ع) تقدم في "الصلاة" 32/ 674.
3 -
(عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير رضي الله عنه، مات سنة (32)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 11.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
(1)
وفي نسخة: "عن عمارة -يعني ابن عمير-".
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
4 -
(ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، وعُمارة، والأسود، وتقدّم الكلام في مناقب ابن مسعود رضي الله عنه غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رضي الله عنه أنه (قَالَ: لَا يَجْعَلَنَّ) بنون التوكيد المشددة (أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا) الظاهر أنه على حذف مضاف؛ أي: من عبادة نفسه حظًّا للشيطان، أو المعنى: من عند نفسه، لا من تسلط الشيطان وغلبته، يعني: أنه لا ينبغي له أن يفتح بابًا للشيطان بنفسه باعتقاد ما ليس بواجب واجبًا، واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ: "من صلاته"(لَا يَرَى) -بفتح أوله-، أي: يعتقد، ويجوز الضم؛ أي: يَظُنّ.
ووجه ارتباط هذه الجملة بما قبلها، هو إما أن يكون بيانًا للجعل، أو يكون استئنافًا، تقديره: كيف يجعل جزءًا للشيطان من نفسه؟، فقال:"يرى أن حتمًا عليه أن لا ينصرف إلخ"، في "العمدة".
(إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ)"حقّا" اسم "أنّ"، وفي رواية النسائيّ:"إلا أن حتمًا عليه"؛ أي: وجوبًا، وقوله:(أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ) في تأويل المصدر خبر "أنّ".
والمعنى: يرى أن حقًّا عليه عدم الانصراف إلا عن يمينه.
وقال السنديّ رحمه الله: وأورد عليه أن "حتمًا"، أو "حقًّا" نكرة، وقوله:"أن لا ينصرف" بمنزلة المعرفة، وتنكير الاسم مع تعريف الخبر لا يجوز.
وأجيب بأنه من باب القلب.
قلت: وهذا الجواب يَهْدِم أساس القاعدة، إذ يَتَأَتَّى مثله في كل مبتدأ نكرة، مع تعريف الخبر، فما بقي لقولهم بعدم الجواز فائدةٌ، ثم القلب لا يُقْبَل بلا نُكتة، فلا بُدّ لمن يُجَوّز ذلك من بيان نكتة في القلب ههنا.
وقيل: بل النكرة الْمُخَصَّصَة كالمعرفة.
قلت: ذلك في صحّة الابتداء بها، ولا يلزم منه أن يكون الابتداء بها صحيحًا مع تعريف الخبر، وقد صرّحوا بامتناعه.
ويمكن أن يجعل اسم "أنّ" قوله: "أن لا ينصرف"، وخبره الجارّ والمجرور، وهو "عليه"، ويُجعَل "حقًّا"، أو "حتمًا" حالًا من ضمير "عليه"؛ أي: يرى أن عليه الانصراف عن يمينه فقط، حال كونه حقًّا لازمًا، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
(أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ) وفي رواية النسائيّ: "قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ انْصِرَافِهِ عَنْ يَسَارِهِ".
و"رأى" هنا بصرية، ولذا لا تتعدّى إلا إلى واحد، وهو "رسول اللَّه"، و"أكثر انصرافه" بالنصب بدل اشتمال من "رسول اللَّه"، و"عن يساره" متعلق به.
ويحتمل أن يكون "أكثر" بالرفع على الابتداء، وخبره الجارّ والمجرور، والجملة في محل نصب على الحال من "رسول اللَّه".
وجملة القسم مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وقعت جوابًا لسؤال مقدر، تقديره: لماذا كان اعتقاد وجوب الانصراف عن اليمين نصيبًا للشيطان؟ قال: لأني قد رأيت أكثر انصراف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن يساره.
والحاصل أن هذا الاعتقاد حظّ من حظوظ الشيطان من صلاة العبد؛ لأنه مخالف لهدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ينصرف عن الجهتين، وأكثر انصرافه عن اليسار، فمن اعتقد وجوب الانصراف من جهة معيّنة، فقد خالف السنة، واتبع خُطُوات الشيطان، واللَّه تعالى أعلم.
[فإن قيل]: وقع التعارض بين حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا وبين حديث أنس رضي الله عنه الآتي بعده، حيث عبّر كل منهما بأفعل التفضيل، فقال أنس رضي الله عنه:"أما أنا فأكثر ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه:"أكثر ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينصرف عن شماله"، فكيف الجمع بينهما؟.
[قلت]: جمع العلماء بينهما بأوجه، فقال النوويّ رحمه الله: وجه الجمع بينهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يفعل تارةً هذا، وتارةً هذا، فأَخبَر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدلّ على جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما، وأما الكراهة التي اقتضاها كلام ابن مسعود رضي الله عنه، فليست بسبب أصل الانصراف عن اليمين أو الشمال، وإنما هي في حقّ مَن يَرَى أن ذلك لا بدّ منه، فإن من اعتقد وجوب واحد من الأمرين مخطئ، ولهذا قال:"يَرَى أنّ حقًّا عليه"، فإنما ذَمَّ من رآه حقًّا عليه.
قال: ومذهبنا أنه لا كراهة في واحد من الأمرين، لكن يُستحبُّ أن ينصرف في جهة حاجته، سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإن استوى الجهتان في الحاجة وعدمها، فاليمين أفضل؛ لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين في باب المكارم ونحوها، هذا صواب الكلام في هذين الحديثين، وقد يقال فيهما خلاف الصواب، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(1)
.
وقال الحافظ رحمه الله: ويمكن أن يُجمع بينهما بوجه آخر، وهو أن يُحمَل حديث ابن مسعود رضي الله عنه على حالة الصلاة في المسجد؛ لأن حُجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم كانت من جهة يساره، ويُحْمَل حديث أنس على ما سوى ذلك، كحال السفر.
ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رضي الله عنهما رُجّح ابن مسعود؛ لأنه أعلم، وأسنّ، وأكثر ملازمةً للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأقرب إلى موقفه في الصلاة من أنس، وبأن في إسناد حديث أنس من تُكلّم فيه، وهو السُّدّيّ، وبأنه متّفقٌ عليه، بخلاف حديث أنس في الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود تُوافق ظاهر الحال؛ لأن حُجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم كانت على جهة يساره.
قال: ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بين الحديثين بوجه آخر، وهو أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومن قال: أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حال استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة، فعلى هذا لا يختصّ الانصراف بجهة معيّنة، ومن ثَمَّ قال العلماء:
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 220.
يستحبّ الانصراف إلى جهة حاجته، لكن قالوا: إذا استوت الجهتان في حقّه فاليمين أفضل؛ لعموم الأحاديث المصرّحة بفضل التيامن، كحديث عائشة رضي الله عنها:"كان يُحبّ التيامن ما استطاع، في طهوره، وتنعّله، وترجّله، وفي شأنه كله"، متفق عليه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأولى في الجمع هو ما تقدّم عن النوويّ رحمه الله، وحاصله أن كلّا منهما قال: إنه أكثرُ حَسَبَ اعتقاده، وإلا فالواقع يؤيّد ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه، حيث إن أكثر صلاته صلى الله عليه وسلم كان في مسجده، وكانت حُجره إلى جهة اليسار، فيكون أكثر انصرافه إليها.
وقد وقع التصريح بذلك عند أحمد من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن ابن مسعود رضي الله عنه حدّثه:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان عامّة ما ينصرف من الصلاة على يساره إلى الْحُجُرات".
فتبيّن بهذا أن الانصراف إلى جهة الحاجة هو السنة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذ الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [8/ 1638 و 1639](707)، و (البخاريّ) في "الأذان"(852)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1042)، و (النسائيّ) في "السهو"(1360)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(930)، وفي "الكبرى"(1283)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(3208)، و (الشافعيّ) في "المسند"(1/ 93)، و (الحميديّ) في "مسنده"(127)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(1/ 304 - 305)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 383 و 1/ 408 و 429 و 459 و 464)، و (الدارميّ) في "سننه"(1357)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1714)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1997)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2087)، و (أبو نعيم)
في "مستخرجه"(1595)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 295)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(702)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين وعن اليسار.
2 -
(ومنها): بيان أن اعتقاد مشروعية ما ليس مشروعًا حظٌّ من حظوظ الشيطان.
3 -
(ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيّر رحمه الله: فيه أن المندوبات قد تنقلب مكروهات، إذا رُفعت عن رُتبتها؛ لأن التيمن مستحبّ في كل شيء؛ أي: من أمور العبادة، لكن لمّا خَشِي ابن مسعود رضي الله عنه أن يعتقدوا وجوبه أشار إلى كراهته، واللَّه أعلم. انتهى
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الانصراف من الصلاة:
قال الإمام البخاريّ رحمه الله في "صحيحه": "باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال"، "وكان أنس ينفتل عن يمينه، وعن يساره، ويَعِيب على من يتوخّى، أو يتعمّد الانفتال عن يمينه". انتهى
(2)
.
قوله: "وكان أنس بن مالك إلخ" وصله مسدَّد في "مسنده الكبير" من طريق سعيد، عن قتادة، قال:"كان أنس. . . "، فذكره، وقال فيه:"ويعيب على من يتوخى ذلك أن لا ينفتل إلا عن يمينه، ويقول: يدور كما يدور الحمار".
قال: وظاهر هذا الأثر عن أنس يخالف ما رواه مسلم، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدّيّ، قال: سألت أنسًا كيف أنصرف إذا صليت، عن يميني، أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه. ويُجمع بينهما بأن أنسًا عاب من يعتقد تحتُّم ذلك ووجوبه، وأما إذا استوى الأمران فجهة اليمين أولى. انتهى
(3)
.
(1)
"الفتح" 2/ 394.
(2)
"صحيح البخاريّ" بنسخة "الفتح" 2/ 393 رقم (852).
(3)
"الفتح" 2/ 338.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: الانفتال: هو الانحراف عن جهة القبلة إلى الجهة التي يجلس اليها الإمام بعد انحرافه، كما سبق ذكره، وحكمه: حكم الانصراف بالقيام من محل الصلاة، وقد نصّ عليه إسحاق وغيره.
وقد ذكر البخاريّ، عن أنسٍ، أنه كان ينفتل عن يمينه ويساره، ويَعِيب على من يتوخى الانفتال عن يمينه - يعني: يتحراه ويقصده.
وفي "مسند الإمام أحمد" من رواية أبي الأوبر الحارثيّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفتل عن يمينه وشماله.
وخرّج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة، وفي رواية للإمام أحمد:"ينصرف" بدل: "ينفتل".
وخرّج مسلمٌ في هذا الباب حديث البراء بن عازب، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه، وخرّجه من روايةٍ أخرى ليس فيها:"ثم يقبل علينا بوجهه"، ولكن رُوي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام، خرّجه الإسماعيلي في "حديث مسعرٍ" من جمعه، ولفظه: كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يبدأ بالسلام عن يمينه، وفي رواية أخرى له: أنه كان يبدأ بمن على يمينه، فيسلم عليه.
قال أبو داود: كان أبو عبد اللَّه -يعني: أحمد- ينحرف عن يمينه، وقال ابن منصورٍ: كان أحمد يقعد ناحية اليسرى، ويتساند، قال القاضي أبو يعلى: وهما متفقان؛ لأنه إذا انحرف عن يمينه حصل جلوسه ناحية يساره.
قال: وقال ابن أبي حاتمٍ: سمعت يقول
(1)
: تدبرت الأحاديث التي رُويت في استقبال النبي صلى الله عليه وسلم الناس بوجهه، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت.
وقال ابن بطة من أصحابنا -يعني الحنبليّة-: يجلس عن يسرة القبلة، ونَقَل حربٌ، عن إسحاق، أنه كان يُخَيِّر في ذلك كالانصراف.
(1)
هكذا النسخة، ولعله:"سمعت أبي يقول"، فليُحرّر.
وللشافعية وجهان: أحدهما: التخيير كقول إسحاق، والثاني: أن الانفتال عن يمينه أفضل، ثم لهم في كيفيته وجهان:
أحدهما: -وحكوه عن أبي حنيفة-: أنه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس، ويجلس على يمين المحراب.
والثاني: -وهو أصح عند البغوي وغيره-: بالعكس.
واستدلوا له بحديث البراء بن عازب الذي خرَّجه مسلمٌ.
وأما الانصراف: فهو قيام المصلي وذهابه من موضع صلاته إلى حاجته، فيذهب حيث كانت حاجته، سواءٌ كانت من جهة اليمين أو اليسار، ولا يستحب له أن يقصد جهة اليمين مع حاجته إلى غيرها، هذا قول جمهور العلماء، ورُوي عن عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، والنخعيّ، وعطاء، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وإنما كان أكثر انصراف النبي صلى الله عليه وسلم عن يساره؛ لأن بيوته كانت من جهة اليسار، وقد خرَّجه الإمام أحمد مصرِّحًا بذلك من رواية ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن ابن مسعودٍ حدثه، أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ عامةً ما ينصرف من الصَّلاة على يساره إلى الحجرات.
فإن لم يكن له حاجةٌ في جهةٍ من الجهات، فقال الشافعي وكثيرٌ من الحنابلة: انصرافه إلى اليمين أفضل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في شأنه كله.
وحَمَل بعضهم على ذلك حديث السُّدّيّ، قال: سألت أنسًا: كيف أنصرف إذا صليت عن يميني، أو عن يساري؟ فقال: أما أنا فأكثر ما رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه، خرّجه مسلمٌ.
والسُّدّيّ، هو: إسماعيل بن عبد الرحمن، وقد تكلم فيه غير واحدٍ، ووثقه أحمد وغيره، وعن يحيى فيه روايتان، ولم يخرج له البخاريّ.
قال ابن رجب: وأظنه ذكر ها هنا الأثر الذي علّقه عن أنسٍ ليعلل به هذا الذي رواه عنه السديّ، واللَّه أعلم.
وحَكَى ابن عبد البر، عن الحسن وطائفة من العلماء: أن الانصراف عن اليمين أفضل.
وقد حكاه ابن عمر عن فلانٍ، وأنكره عليه، ولعله يريد به ابن عباسٍ رضي الله عنهما.
وسئل عطاءٌ: أيهما يستحب؟ قال: سواءٌ، ولم يفرق بين أن يكون له حاجة، أو لا.
وخرّج الإمام أحمد والنسائي من حديث عائشة رضي الله عنها: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينصرف عن يمينه وشماله"، وهو من رواية بقية، عن الزُّبَيديّ، أنّ مكحولًا حدثه، أن مسروق بن الأجدع حدثه، عن عائشة رضي الله عنها، وهذا إسنادٌ جيدٌ، لكن رواه عبد اللَّه بن سالمٍ الحمصيّ -وهو ثقةٌ ثبتٌ-، عن الزبيديّ، عن سليمان بن موسى، عن مكحولٍ بهذا الإسناد، قالَ الدارقطني: وقوله أشبه بالصواب، وسليمان بن موسى، مختلفٌ في أمره.
ورَوَى قَبِيصة بن الْهُلْب، عن أبيه، قالَ:"كانَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يؤمّنا، فينصرف على جانبيه جميعًا، عن يمينه وشماله"، خرَّجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حديثٌ حسنٌ، وعليه العمل عندَ أهل العلم، قالَ: وصح الأمران عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن من الأحاديث السابقة أن الانصراف لمن كانت له حاجة يكون من جهتها، وإلا فالانصراف من اليمين هو الأفضل لأنه صلى الله عليه وسلم كان يُعجبه التيامن، وبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في هذا الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1639]
(. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَاه عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
(1)
"فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 7/ 444 - 449.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه، أبو يعقوب، أو أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور [10](ت 238)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
2 -
(جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [8](ت 188)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
3 -
(عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ [8](ت 187)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
4 -
(عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [10](ت 257)(م ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 25.
و"الأعمش" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي: بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو: عن عمارة بن عُمير، عن الأسود بن قيس، عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي: مثل حديث وكيع، عن الأعمش الماضي.
[تنبيه]: رواية جرير وعيسى، عن الأعمش لم أجد من ساقهما تامّين بالانفراد، وإنما ساقهما أبو نعيم في "مستخرجه"(2/ 298) ضمن روايات الآخرين، حيث قال:
(1595)
حدّثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، ثنا جرير، عن الأعمش (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، ثنا جرير، ثنا الأعمش (ح) وثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا جرير وعيسى بن يونس، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الأسود، عن عبد اللَّه، قال:"لا يجعلنّ أحدكم للشيطان جزءًا، لا يَرَى إلا أن حقًّا عليه حَتْمًا ألا ينصرف إلا عن يمينه، أكثر ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينصرف عن شماله"، لفظ أبي بكر. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1640]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا، كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ؟ عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ الْبَزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [7](ت 175)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
3 -
(السُّدِّيُّ) -بضمّ السين المهملة، وتشديد الدال- إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كَرِيمة، أبو محمد القرشيّ مولاهم الكوفيّ الأعور، وهو السدّيّ الكبير، كان يقعد في سُدَّة باب الجامع، فسمّي السّدّيّ، صدوق يَهَم ورُمي بالتشيّع [4].
رَوَى عن أنس، وابن عباس، ورأى ابن عمر، والحسن بن علي، وأبا هريرة، وأبا سعيد، ورَوَى عن أبيه، ويحيى بن عَبّاد، وعكرمة، وغيرهم. وعنه شعبة، والثوريّ، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال سَلْم بن عبد الرحمن: مَرّ إبراهيم النخعي بالسدّيّ، وهو يفسر القرآن، فقال: أما إنه يفسّر تفسير القوم، وقال عبد اللَّه بن حبيب بن أبي ثابت: سمعت الشعبيّ، وقيل له: إن السدّيّ قد أعطي حظًّا من علم القرآن، فقال: قد أعطي حظًّا من الجهل بالقرآن، وقال عليّ، عن القطّان: لا بأس به، ما سمعتُ أحدًا يذكره إلا بخير، وما تركه أحد، وقال أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وقال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي قال: قال يحيى بن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهديّ، وذُكر إبراهيم بن مُهاجر والسدّيّ، فقال يحيى: ضعيفان، فغضب عبد الرحمن، وكره ما قال، قال عبد اللَّه: سألت يحيى
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
عنهما، فقال: متقاربان في الضعف، وقال الدوريّ، عن يحيى: في حديثه ضعف. وقال الْجُوزجَانيّ: هو كذّاب شَتّام، وقال أبو زرعة: ليّن. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائي في "الكنى": صالح، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: له أحاديث يَرويها عن عدّة شيوخ، وهو عندي مستقيم الحديث، صدوق لا بأس به، وقال أبو جعفر بن الأخرم: لا يُنكر له ابن عباس، قد رأى سعد بن أبي وقّاص. وقال حسين بن واقد: سمعت من السدّيّ، فما قمت حتى سمعته يتناول أبا بكر وعمر، فلم أَعُد إليه. وقال الجوزجاني: حُدّثتُ عن معتمر، عن ليث -يعني ابن أبي سُليم- قال: كان بالكوفة كذّابان، فمات أحدهما، السدّيّ، والكلبي، كذا قال، وليث أشدّ ضعفًا من السديّ. وقال العجليّ: ثقة عالم بالتفسير، راوية له. وقال العقيلي: ضعيف، وكان يتناول الشيخين. وقال الساجيّ: صدوق فيه نظر. وحُكي عن أحمد: إنه ليُحسن الحديث إلّا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادًا، واستكلفه. وقال الحاكم في "المدخل" في باب الرواة الذين عيب على مسلم إخراج حديثهم: تعديل عبد الرحمن بن مهدي أقوى عند مسلم ممن جرحه بجرح غير مفسّر، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الطبريّ: لا يُحتجّ بحديثه.
وقال خليفة: مات سنة (127).
روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (708) وأعاده بعده، و (1480) و (1705) و (1983) و (2536).
4 -
(أَنَسُ) بن مالك رضي الله عنه، تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيات المصنّف رحمه الله، وهو (110) من رباعيات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى السديّ، فما أخرج له البخاريّ.
3 -
(ومنها): أن أنسًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، رَوَى (2286) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة، مات سنة (2) أو (93) سنة، وقد جاوز عمرة المائة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ السُّدِّيِّ) -بضمّ المهملة، وتشديد الدال-: نسبة إلى سُدّة الجامع؛ لكونه يقعد فيها، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا) رضي الله عنهم (كَيْفَ أَنْصَرِفُ) أي: أرجع إلى جهة حاجتي، وليس المراد السؤال عن الانصراف بمعنى السلام؛ لأنه لا تخيير فيه بين اليمين واليسار، وإنما هو عن اليمين، ثم اليسار، وقد تقدّم ذلك في بابه (إِذَا صَلَّيْتُ؟) أي: فرغت من الصلاة (عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟) أي: أأنصرف عن جهة يميني، أو عن جهة يساري؟ (قَالَ) أنس رضي الله عنه (أمّا أنَا) -بفتح الهمزة، وتشديد الميم- وقد تخفف بقلّة، وقد تُبدل ياء، فيقال:"أيما"، وهي حرف شرط، وتفصيل غالبًا، وتوكيد، وقد تأتي بلا تفصيل، والظاهر أنها هنا كذلك؛ لأنه ما ذُكر لها مُعادل، فهي لمجرّد التوكيد، وقد تقدّم البحث عنها مستوفًى في "شرح المقدّمة" عند قول المصنّف رحمه الله:"أما بعد"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ) أي: فالسنة أن تنصرف إلى جهة يمينك، فيكون كلامه متضمنًا الجوابَ مع الدليل، فكأنه قال له: انصرف عن يمينك؛ لأن أكثر ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينصرف عن جهة يمينه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال السنديّ رحمه الله: قوله: "فأكثر ما رأيت إلخ" إخبار عما رأى، وكذا حديث ابن مسعود رضي الله عنه الماضي، فلا تناقض، ولازِمُ الحديثين أنه كان يفعل أحيانًا هذا، وأحيانًا هذا، فدلّ على جواز الأمرين، وأما تخطئة ابن مسعود رضي الله عنه، فإنما هي لاعتقاد أحدهما واجبًا بعينه، وهذا خطأ بلا ريب، واللائق أن ينصرف إلى جهة حاجته، وإلا فاليمين أفضل بلا وجوب، والظاهر أن حاجته صلى الله عليه وسلم غالبًا الذهاب إلى البيت، وبيته إلى اليسار، فلذا أكثر ذهابه إلى اليسار. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم في المسألة الرابعة في الحديث الماضي الجمع بين هذا الحديث، والأثر الذي علّقه البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، ووصله مسدّد في "مسنده الكبير" من طريق سعيد، عن قتادة، قال: كان أنس ينفتل عن يمينه، وعن يساره، ويَعِيب على من يتوخّى ذلك، أن لا ينفتل إلّا عن يمينه، ويقول: يدور كما يدور الحمار، بأن أنسًا إنما عاب مَن يعتقد تحتّم ذلك ووجوبه، وأما إذا استوى الأمران فجهة اليمين أولى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [8/ 1640 و 1641]، و (النسائيّ) في "السهو"(1359)، وفي "الكبرى"(1282)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(1/ 305)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 82 و 133 و 179 و 217)، و (الدارميّ) في "سننه"(1358 و 1359)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2089)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1596)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1996)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 295)، واللَّه تعالى أعلم.
وأما بقيّة المسائل، فقد سبق بيانها في شرح حديث ابن مسعود رضي الله عنه الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1641]
(. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 234)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
2 -
(سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة فقيهٌ إمام عابد، من رؤوس [7](ت 161)(ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
والباقون ذُكروا في الباب، والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، كما سبق قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(9) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ يَمِينِ الإِمَامِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1642]
(709) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الْبَرَاءِ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "رَبِّ قِني عَذَابَكَ، يَوْمَ تَبْعَثُ"، أَوْ "تَجْمَعُ عِبَادَكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
3 -
(مِسْعَرُ) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [7](ت 3 أو 155)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 31.
4 -
(ثَابِتُ بْنُ عُبَيْدٍ) الأنصاريّ، مولى زيد بن ثابت الكوفيّ، ثقةٌ [3](بخ م 4) تقدم في "الحيض" 3/ 695.
5 -
(ابْنُ الْبَرَاءِ) هو: عبيد بن البراء بن عازب الأنصاريّ الحارثيّ الكوفيّ، ثقةٌ [4].
رَوَى عن أبيه، في قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك"،
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
وعنه ثابت بن عُبيد، ومحارب بن دِثَار، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، له عندهم هذا الحديث الواحد.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
6 -
(الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ، الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، نزل الكوفة، ومات سنة (72)(ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 244، واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أوله إلى آخره.
3 -
(ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: ثابت، عن ابن البراء، ورواية الراوي عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ الْبَرَاءِ) هو: عُبيد، وقيل: يزيد بن البراء
(1)
.
[تنبيه]: وقع اختلاف بين الرواة في إثبات "ابن البراء" في إسناد هذا الحديث، وإسقاطه، وفي اسمه، هل هو عبيد، أم يزيد؟.
فممن أثبته: وكيع عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، وأبو نعيم عند أحمد، ويحيى بن أبي زائدة عند مسلم هنا، وأبو أحمد الزبيريّ عند أبي داود، وابن خزيمة، وعبد اللَّه بن المبارك عند النسائيّ، وسفيان عند ابن خزيمة، ستتهم عن مِسْعَر، عن ثابت بن عُبيد، عن ابن البراء عن أبيه، فأثبتوه.
فأما أبو نعيم، عند أحمد، ووكيع عند المصنّف هنا، وابن ماجه،
(1)
هو يزيد بن البراء بن عازب الكوفي، صدوق، من الطبقة الثالثة، رَوَى عن أبيه، وعنه عديّ بن ثابت، وأبو جَنَاب الكلبي، وسيف أبو عائذ السعدي، وقال: كان أميرًا علينا بعمان، وكان كخير الأمراء، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان أمير عمان، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ، ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
ويحيى بن أبي زائدة عند المصنّف هنا أيضًا، وابن خزيمة، وابن المبارك عند النسائيّ، وأبو أحمد الزبيري عند ابن خزيمة، فقالوا: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، فأبهموه.
وأما أبو أحمد الزبيريّ من رواية محمد بن رافع عنه عند أبي داود، فقال: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن عُبيد بن البراء، عن أبيه، فسماه عبيدًا.
وأما وكيع عند أحمد، وسفيانُ عند ابن خزيمة، فقالا: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن يزيد بن البراء، عن أبيه، فسمياه "يزيد".
وممن أسقطه: أبو أحمد الزبيريّ في رواية محمد بن بشار عنه عند ابن خزيمة، ووكيع في رواية سلم بن جنادة عنه، عند ابن خزيمة أيضًا، كلاهما عن مِسْعَر، عن ثابت بن عبيد، عن البراء بن عازب، فأسقطوه.
والحاصل أن الأكثرين على إثبات الواسطة، ثم الأكثرون منهم على إبهامه، لكن هذا الاختلاف لا يضرّ؛ لإمكان حمله على أن ثابتًا سمعه عن البراء نفسه، وعن ابنه عنه، وكذا لا يضرّ إبهام ابنه؛ لأنه سمي في الروايات الأخرى، وكذا الاختلاف في تسميته عُبيدًا، ويزيد لا يضرّ أيضًا؛ لأن كلًّا منهما ثقة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب رضي الله عنهما أنه (قَالَ: كُنَّا) يعني: معاشر الصحابة رضي الله عنهم (إِذَا صَلَّيْنَا) أي: إذا أردنا الصلاة (خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ) وفي رواية النسائيّ: "أحببت أن أكون" بضمير المتكلم الواحد (عَنْ يَمِينِهِ) أي: جهة يمين النبيّ، وقوله (يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) جملة تعليليّة؛ أي: وإنما أحببنا أن نكون عن يمينه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يُقبل علينا بوجهه الشريف.
وفي رواية ابن خزيمة في "صحيحه" من رواية يزيد بن البراء، عن أبيه، قال:"كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يبدأ بالسلام على يمينه".
قال القاضي عياض رحمه الله: يَحْتَمِل أن يكون التيامن عند التسليم، وهو الأظهر؛ لأن عادته صلى الله عليه وسلم إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه، قال: وإقباله صلى الله عليه وسلم يَحْتَمِل أن يكون بعد قيامه من الصلاة، أو يكون حين ينفتل. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله: يَحتَمِل أن يكون هذا الإقبال منه صلى الله عليه وسلم في حال سلامه من الصلاة، فإنه كان يبدأ السلام بيمينه، والأظهر أنه كان حين انصرافه من الصلاة، ويكون هذا حين كان يُكثر أن ينصرف عن يمينه، كما قاله أنس رضي الله عنه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون هذا الإقبال في حال سلامه هو الأظهر؛ لرواية ابن خزيمة المذكورة آنفًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) البراء رضي الله عنه (فَسَمِعْتُهُ) صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ: "رَبِّ) بحذف حرف النداء، كما قال في "ملحة الإعراب":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ
…
كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
(قِنِي) أمر من وَقَى يَقِي، يقال: وقاه اللَّه السُّوءَ يَقِيه وِقَايةً بالكسر: حَفِظه، والْوِقَاءُ، مثلُ كتاب: كلُّ ما وقَيتَ به شيئًا، ورَوَى أبو عُبيد عن الكسائيّ الفتح في الْوَقَاية، والْوَقَاء أيضًا، قاله الفيّوميّ
(1)
. (عَذَابَكَ، يَوْمَ تَبْعَثُ") ظرف لـ "قِنِي"، و"تبعث" بفتح أوله، وثالثه، من باب فتح (أَوْ) للشكّ من الراوي ("تَجْمَعُ عِبَادَكَ") أي: يوم القيامة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [9/ 1642 و 1643](709)، و (أبو داود) في "الصلاة"(615)، و (النسائيّ) في "الإمامة"(822) وفي "الكبرى"(896)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1006)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 290 و 304)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1563 و 1564 و 1565)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2090)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1597)، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
"المصباح المنير" 2/ 669.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان استحباب الوقوف عن يمين الإمام، ووجه دلالة الحديث عليه أن محبة الصحابة رضي الله عنهم لذلك، ومسابقتهم إليه كان بعلم من النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلو كان الفضل في غير اليمين لبيّنه لهم، ولا سيّما وقد ثبت قوله صلى الله عليه وسلم:"إن اللَّه وملائكته يصلون على ميامن الصفوف"، رواه أبو داود بإسناد حسن، كما قاله الحافظ في "الفتح"
(1)
.
وأما قول بعضهم باستحباب وسط الصفّ مستدلًّا بحديث: "وَسِّطُوا الإمام" رواه أبو داود، فغير صحيح؛ إذ الحديث ضعيف، لجهالة بعض رواته، وكذا ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن ميسرة المسجد تعطلت، فقال:"من عَمَّر ميسرة المسجد كُتب له كفلان من الأجر"، فضعيف أيضًا؛ لأن في إسناده عمرو بن عثمان الكلابيّ، وهو ضعيف، وليث بن أبي سُليم، وهو متروك، ويُحْمَل على تقدير صحته على ما إذا أدَّى إلى تعطيل الميسرة، واللَّه تعالى أعلم.
2 -
(ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من شدّة محبّتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فكانوا يتسابقون في القيام عن يمينه صلى الله عليه وسلم في الصلاة؛ حتى يشاهدوا طلعته، ويقع بصره عليهم قبل غيرهم ممن وقف في غير اليمين.
3 -
(ومنها): بيان مشروعيّة تقديم اليمين في التسليم من الصلاة، وقد تمَّ البحث فيه في موضعه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1643]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ").
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 450.
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا، فشيخه، ومسعر، ذُكرا في السند الماضي، والباقيان تقدّموا في السند الذي قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي: بإسناد مِسْعر الماضي، وهو: عن ثابت بن عُبيد، عن ابن البراء، عن البراء رضي الله عنه.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(18236)
حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مما أُحِبّ، أو نُحِبّ أن نقوم عن يمينه، وسمعته يقول:"ربّ قني عذابك يوم تجمع عبادك"، أو "تبعث عبادك".
وقال أيضًا:
(18082)
حدّثنا وكيع، حدّثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن يزيد بن البراء بن عازب، عن البراء بن عازب، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مما أُحِبّ، أو مما يُحِبُّ أن يقوم عن يمينه، قال: وسمعته يقول: "رب قني عذابك يوم تبعث عبادك"، أو "تجمع عبادك".
حدّثناه أبو نعيم، بإسناده ومعناه، إلا أنه قال ثابت: عن ابن البراء، عن البراء. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
(10) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ بَعْدَ شُرُوعِ المُؤَذِّنَ فِي الإِقَامَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1644]
(710) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ
(1)
: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، الثقة الحافظ الفقيه الحجة، رأس [10](241)(ع) تقدم في "الإيمان" 80/ 427.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [9](ت 3 أو 194)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد العَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الثقة الثبت الحجة الناقد [7](ت 160)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 381.
4 -
(وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في غير منصور بن المعتمر [7](ع) تقدم في "الصلاة" 31/ 999.
5 -
(عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم قبل بابين.
6 -
(عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [3](ت 94) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" 26/ 213.
7 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه مات سنة (59)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلّهم من رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عطاء بن يسار.
4 -
(ومنها): أن أبا هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
وفي نسخة: "أنه قال".
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: إذا شَرَع المؤذّن في الإقامة، كما صرّح بذلك محمد بن جُحادة، عن عمرو بن دينار، فيما أخرجه ابن حبّان بلفظ:"إذا أخذ المؤذِّن في الإقامة"(فَلَا صَلَاةَ) قال القرطبيّ رحمه الله: ظاهره أنه لا تنعقد صلاة التطوّع في وقت إقامة الفريضة، وبه قال أبو هريرة رضي الله عنه، وأهل الظاهر، ورأوا أنه يقطع إذا أُقيمت عليه المكتوبة، ورُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الإقامة. انتهى
(1)
.
وقال في "الفتح": قوله: "فلا صلاة": أي: صحيحة، أو كاملة، قال: والتقدير الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار دلّ على أن المراد نفي الكمال.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لكن. . . إلخ" فيه نظرٌ لا يخفى، ومن أين له القطع بأنه لم يقطع عليه، وأنه أتمّ تلك الصلاة، بعد هذا الإنكار الشديد؟ ولا سيّما وقد ورد بصيغة النهي، ومعلوم أن النهي للفساد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون النفي بمعنى النهي؛ أي: فلا تصلُّوا حينئذ، ويؤيده ما رواه البخاري في "التاريخ"، والبزار، وغيرهما من رواية محمد بن عمار، عن شريك بن أبي نَمِر، عن أنس رضي الله عنه، مرفوعًا، وفيه:"ونهى أن يُصَلَّيَا إذا أقيمت الصلاة".
وورد بصيغة النهي أيضًا فيما رواه أحمد من وجه آخر، عن ابن بُحَينة في قصته الآتية، فقال:"لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر، واجعلوا بينهما فصلًا"، والنهي المذكور للتنزيه؛ لما تقدم من كونه لم يقطع صلاته. انتهى كلام الحافظ رحمه الله.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في حمله النهي على التنزيه نظر؛ إذ عدم النقل بقطع الصلاة ليس نصًّا في عدم قطعها، كما أسلفته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
"المفهم" 2/ 349 - 350.
وقال العلامة الشوكانيّ رحمه الله: قوله: "فلا صلاة" يَحْتَمِل أن يتوجه النفي إلى الصحة، أو إلى الكمال، والظاهر توجهه إلى الصحة؛ لأنها أقرب المجازَين إلى الحقيقة، فلا تنعقد صلاة التطوع بعد إقامة الصلاة المكتوبة، كما نقل عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأهل الظاهر.
قال العراقيّ رحمه الله: إن قوله: "فلا صلاة" يَحْتَمِل أن يراد: فلا يَشرَع حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويَحْتَمِل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة، وإن كان قد شَرَع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي لإدراك فضيلة التحريم، أو أنها تبطل بنفسها، وإن لم يقطعها المصلي، يَحْتَمِل كُلًّا من الأمرين.
وقد بالغ أهل الظاهرية، فقالوا: إذا دخل في ركعتي الفجر، أو غيرهما من النوافل، فأقيمت الفريضة، بطلت الركعتان، ولا فائدة له في أن يسلِّم منهما، ولو لم يبق عليه منهما غير التسليم، بل يدخل كما هو بابتداء التكبير في صلاة الفريضة، فإذا أتمّ الفريضة، فإن شاء ركعهما، وإن شاء لم يركعهما، قال: وهذا غلوّ منهم في صورة ما إذا لم يبق عليه غير السلام، فليت شعري أيهما أطول زمنًا: مدّة السلام، أو مدة إقامة الصلاة؟ بل يمكنه أن يتهيأ بعد السلام لتحصيل أكمل الأحوال في الاقتداء قبل تمام الإقامة.
نعم، قال الشيخ أبو حامد من الشافعية: إن الأفضل، خروجه من النافلة إذا أدّاه إتمامها إلى فوات فضيلة التحريم، وهذا واضح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما نُقِلَ عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأهل الظاهر، هو الذي يكون موافقًا لظاهر النص، ففيما قاله العراقيّ في الردّ عليهم نظر لا يخفى، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ") الألف واللام ليست لعموم المكتوبات، وإنما هي راجعة إلى الصلاة التي أقيمت، فقد ورد التصريح بذلك في رواية لأحمد بلفظ:"فلا صلاة إلا التي أقيمت"، وكذلك في رواية لأبي هريرة رضي الله عنه، ذكرها ابن عبد البر في "التمهيد".
وقال في "الفتح": فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة، سواء كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، وزاد مسلم بن خالد، عن عمرو بن دينار في هذا الحديث: قيل: يا رسول اللَّه، ولا ركعتي الفجر؟ قال:
"ولا ركعتي الفجر"، أخرجه ابن عديّ في ترجمة يحيى بن نصر بن الحاجب، وإسناده حسن.
والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة، لكن المراد الحاضرة، وصرّح بذلك أحمد، والطحاويّ، من طريق أخرى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ:"إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا التي أقيمت". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث الباب يدلّ على أنه لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة، من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما، وأن من أقيمت الصلاة، وهو في النافلة يقطعها، وبه قال أبو حامد وغيره من الشافعيّة، كما قاله في "الفتح"، وخصّ آخرون النهي بمن أنشأ النافلة؛ عملًا بعموم قوله تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، والقول الأول هو الصواب، وأما الثاني فليس بشيء، والاستدلال بالآية غير صحيح؛ إذ هي نهت عن إبطال الأعمال، وهذه الصلاة بطلت بنفسها، حيث نفى الشارع صحّتها عند الإقامة بقوله:"فلا صلاة إلا المكتوبة"، فلا دَخْلَ للمصلي في إبطالها حتى تشمله الآية، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [10/ 1644 و 1645 و 1646 و 1647 و 1648](710)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1266)، و (الترمذيّ) فيها (421)، و (النسائيّ) في "الإمامة"(856 و 865)، وفي "الكبرى"(937 و 938)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1151)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 331 و 455 و 517)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 338)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1123)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2190 و 2193)، و (الطبرانيّ) في "الصغير"(21 و 529)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 371)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1356 و 1357 و 1358 و 1359)، و (أبو نُعيم) في
"مستخرجه"(1598 و 1599 و 1600 و 1601)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 482)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(804)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث مما اختُلف في رفعه، ووقفه، وقد رجّح المصنّف رحمه الله رفعه، ولذا أخرجه هنا في الأصول، وكذا رجّح الترمذيّ رحمه الله رفعه أيضًا، حيث قال في "الجامع" بعد إخراجه الحديث مرفوعًا ما نصّه: وهكذا رَوَى أيوب، ووَرْقاء بن عمر، وزياد بن سعد، وإسماعيل بن مسلم، ومحمد بن جُحادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ورَوَى حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، فلم يرفعاه، والحديث المرفوع أصحّ عندنا. انتهى كلام الترمذيّ رحمه الله.
وقال في "الفتح" في شرح قول البخاريّ رحمه الله: "بابٌ إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة": هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم، وأصحاب السنن، وابنُ خزيمة، وابن حبان، من رواية عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، واختُلِف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، وقيل: إن ذلك هو السبب في كون البخاريّ لم يُخرجه، ولما كان الحكم صحيحًا ذكره في الترجمة، وأخرج في الباب ما يغني عنه. انتهى
(1)
.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله في "شرح البخاريّ" عند قوله: "بابٌ إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" ما نصّه: بَوَّب عَلَى هذه الترجمة، ولم يُخَرِّج الحَدِيْث الَّذِي بلفظها، وقد خرّجه مُسْلِم من حَدِيث عَمْرِو بن دينار، عَن عَطَاء بْن يسار، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، وخرَّجه أبو داود موقوفًا.
وقد اختُلِف فِي رفعه ووقفه، واختَلَف الأئمة فِي الترجيح، فرجّح الترمذيّ رفعه، وكذلك خرّجه مُسْلِم فِي "صحيحه"، وإليه ميل الإمام أحمد، ورجّح أبو زُرْعَة وقفه، وتوقف فِيهِ يَحْيَى بْن معين، وإنما لم يُخَرِّجه البخاريّ؛ لتوقفه، أو لترجيحه وقفه، واللَّه أعلم.
(1)
"الفتح" 2/ 174.
وقد خرّجه الطبراني من رِوَايَة زياد بْن عَبْد اللَّه، عَن مُحَمَّد بْن جُحادة، عَن عَمْرٍو، عَن عَطَاء، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إذا أخذ المؤذن فِي الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة"، وهذا لفظ غريبٌ.
وقد روي من وجوه أُخَر عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
وخرّجه الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة: ثنا عياش بْن عباسٍ، عَن أَبِي تميم الزُّهْرِيّ، عن أبي هريرة، عَن النَّبِيّ رضي الله عنه، قَالَ:"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا الَّتِى أُقيمت".
وخرّجه الطبراني بهذا اللفظ -أيضًا- من رِوَايَة أَبِي صالح: ثنا الليث، عن عَبْد اللَّه بْن عياش بْن عَبَّاس القتباني، عَن أبيه، عَن أَبِي تميم، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن ما ذهب إليه المصنّف رحمه الله من ترجيح رفع هذا الحديث هو الحقّ، وهو أيضًا رأي الترمذيّ، وإليه ميل الإمام أحمد؛ لأن الذين رفعوا جماعة، ومعهم زيادة علم، فتُقبل زيادتهم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة النافلة عند إقامة الصلاة:
(اعلم): أنه قد اختلف الصحابة، والتابعون، ومن بعدهم في ذلك على تسعة أقوال:
[أحدها]: الكراهة، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه بن عمر، على خلاف في ذلك، وأبو هريرة رضي الله عنه.
ومن التابعين: عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومسلم بن عقيل، وسعيد بن جبير.
ومن الأئمة: سفيان الثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن جرير، هكذا أطلق الترمذيّ الرواية عن الثوريّ، وروى عنه ابن عبد البر، والنوويّ تفصيلًا، وهو أنه إذا خَشِي فوت
(1)
"فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 6/ 55 - 56.
ركعة من صلاة الفجر، دخل معهم، وترك سنة الفجر، وإلا صلاها، وسيأتي.
[القول الثاني]: أنه لا يجوز صلاة شيء من النوافل إذا كانت المكتوبة قد قامت، من غير فرق بين ركعتي الفجر، وغيرهما، قاله ابن عبد البر في "التمهيد"، وهذا القول هو الحقّ، كما سيأتي.
[القول الثالث]: أنه لا بأس بصلاة سنة الصبح، والإمام في الفريضة، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، ومسروق، والحسن البصريّ، ومجاهد، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، وهو قول الحسن بن حيّ، ففرّق هؤلاء بين سنة الفجر وغيرها.
واستدلوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة، إلا ركعتي الصبح".
وأجيب عن ذلك بأن البيهقيّ قال: هذه الزيادة لا أصل لها، وفي إسنادها حجّاج بن نُصَير، وعباد بن كثير، وهما ضعيفان، على أنه قد روى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، قيل: يا سول اللَّه، ولا ركعتي الفجر؟، قال:"ولا ركعتي الفجر"، وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وهو متكلم فيه، وقد وثقه ابن حبان، واحتج به في "صحيحه".
[القول الرابع]: التفرقة بين أن يكون في المسجد، أو خارجه، وبين أن يخاف فوت الركعة الأولى مع الإمام، أو لا، وهو قول مالك، فقال: إذا كان قد دخل المسجد، فليدخل مع الإمام، ولا يركعهما -يعني ركعتي الفجر- وإن لم يدخل المسجد، فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة، فليركع خارج المسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى مع الإمام، فليدخل وليصلّ معه.
[القول الخامس]: أنه إن خَشِيَ فوت الركعتين معًا، وأنه لا يُدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإلا فليركعهما -يعني ركعتي الفجر- خارج المسجد، ثم يدخل مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، كما حكاه ابن عبد البرّ، وحُكي عنه أيضًا نحو قول مالك، وهو الذي حكاه الخطابي، وهو موافق لما حكاه عنه أصحابه، وحكى النوويّ عنه مثل قول الأوزاعيّ الآتي ذكره.
[القول السادس]: أنه يركعهما في المسجد، إلا أن يخاف فوت الركعة الأخيرة، فأما الركعة الأولى فليركع، وإن فاتته، وهو قول الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وحكاه النوويّ عن أبي حنيفة، وأصحابه.
[القول السابع]: يركعهما في المسجد وغيره، إلا أن يخاف فوت الركعة الأولى، وهو قول سفيان الثوريّ، حَكَى ذلك عنه ابن عبد البرّ، وهو مخالف لما رواه الترمذيّ عنه.
[القول الثامن]: أن يصليهما، وإن فاتته صلاة الإمام، إذا كان الوقت واسعًا، قاله ابن الجلاب من المالكية.
[القول التاسع]: أنه إذا سمع الإقامة لم يَحِلّ له الدخول في ركعتي الفجر، ولا في غيرهما من النوافل، سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن فعل فقد عَصَى، وهو قول أهل الظاهر، ونقله ابن حزم عن الشافعيّ، وعن جمهور السلف، وكذا قال الخطابيّ. وحُكِي الكراهة عن الشافعيّ، وأحمد.
وحَكَى القرطبيّ في "المفهم" عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة.
قال العلامة الشوكانيّ رحمه الله: وهذا القول هو الظاهر، إن كان المراد بإقامة الصلاة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة، وهو المعنى المتعارف.
قال العراقيّ: وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث، والأحاديثُ المذكورةُ في شرح الحديث الذي بعد هذا -يعني حديث عبد اللَّه ابن بحينة الآتي- تدلّ على ذلك، إلا إذا كان المراد بإقامة الصلاة فعلها كما هو المعنى الحقيقيّ، ومنه قوله تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3]، فإنه لا كراهة في فعل النافلة عند إقامة المؤذّن قبل الشروع في الصلاة، وإذا كان المراد المعنى الأول، فهل المراد به الفراغ من الإقامة؛ لأنه حينئذ يشرع في فعل الصلاة، أو المراد شروع المؤذن في الإقامة؟ قال العراقيّ: يحتمل أن يراد كل من الأمرين، والظاهر أن المراد شروعه في الإقامة، ليتهيأ المأمومون لإدراك التحريم مع الإمام.
ومما يدلّ على ذلك، قوله في حديث أبي موسى رضي الله عنه عند الطبرانيّ: إن النبىّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا صلى ركعتي الفجر حين أخذ المؤذن يقيم، قال العراقيّ:
وإسناده جيد، ومثله حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي داود الطيالسيّ، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقال:"أتصلي الصبح أربعًا؟ "، ورواه أيضًا البيهقي، والبزار، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: إنه على شرط الشيخين، والطبرانيّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن القول بتحريم التنفل وقت إقامة الصلاة هو الأرجح؛ لظهور أدلته، فمن ابتدأ بالنافلة، ثم أقيمت الصلاة وهو فيها يقطعها، ويقتدي بالإمام، ولا حجة لمن يقول: إن فيه إبطال الصلاة، وقد قال اللَّه تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} الآية؛ لأنه ما أبطل عمله بنفسه، وإنما أبطلها الشارع، حيث قال:"إذا أُقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1645]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ)
(1)
.
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون البغداديّ، صدوقٌ فاضل، ربما وَهِمَ [10](ت 235)(م د) تقدم في "الإيمان" 1/ 104.
2 -
(ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [11](ت 245)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
3 -
(شَبَابَةُ) بن سوّار، تقدّم قبل بابين، و"ورقاء" ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) وفي نسخة: "بهذا الإسناد مثله"؛ أي: بإسناد
(1)
وفي نسخة: "بهذا الإسناد مثله".
ورقاء الماضي، وهو: عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[تنبيه]: رواية شبابة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1646]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، يَقُولُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيِّ) تقدّم قبل بابين.
2 -
(رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حسّان القَيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [9](ت 5 أو 207)(ع) تقدم في "الإيمان" 90/ 476.
3 -
(زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ، رُمي بالقدر [6](ع) تقدم في "الإيمان" 7/ 130.
والباقون ذُكروا قبله، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1647]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
1 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، ثقةٌ حافظٌ [11](ت 249)(خت م ت) تقدم في "الإيمان" 7/ 131.
2 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِيَ، فتغيّر، وكان يتشيّع [9](ت 211)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
و"زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد زكريّا الماضي، وهو: عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار، يقول عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[تنبيه]: رواية عبد الرزّاق، عن زكريّا هذه ساقها أبو داود رحمه الله في "سننه"، فقال:
(1266)
حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا حماد بن سلمة (ح) وحدّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن ورقاء (ح) وحدّثنا الحسن بن عليّ، حدّثنا أبو عاصم، عن ابن جريج (ح) وحدّثنا الحسن بن عليّ، حدّثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، عن أيوب (ح) وحدّثنا محمد بن المتوكل، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا زكريا بن إسحاق، كلهم عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1648]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ، قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ لَقِيتُ عَمْرًا، فَحَدَّثَنِي بِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ).
1 -
(حَسَن الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيفُ [11](ت 242)(خ م د ن ق) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.
2 -
(يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [9](ت 206) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 45.
3 -
(حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [8](ت 179)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
4 -
(أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [5](ت 131)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 305.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَرْفَعْهُ) قال النوويّ رحمه الله: هذا الكلام لا يقدح في صحة الحديث ورفعه؛ لأن أكثر الرواة رفعوه، قال الترمذيّ: ورواية الرفع أصحّ، وقد قدمنا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب، أن الرفع مقدَّم على الوقف على المذهب الصحيح، وإن كان عدد الرفع أقلّ، فكيف إذا كان أكثر؟. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون الرفع هنا أرجح هو الحقّ كما قال، وقد أسلفنا تحقيقه، وأما مسألة تقديم الرفع على الوقف مطلقًا، فقد تقدّم مناقشة النوويّ فيها، وأن الصواب أنه ليس على إطلاقه، بل لا بدّ من الترجيح حسب القرائن، فإذا وُجدت رُجّح الرفع على الوقف، وكذا العكس، فتنبّه بهذه المسألة الدقيقة، وارجع إلى "شرح المقدّمة"، تجد ما يشفي غليلك، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن عمرو هذه ساقها ابن حبّان رحمه الله في "صحيحه" (6/ 222) فقال:
(2470)
أخبرنا محمد بن سفيان الصفار بالْمِصِّيصة، قال: حدّثنا ابن عليه، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1649]
(711) - (حَدَّثَنَا
(2)
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي، وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ، لَا
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 223.
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
نَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا
(1)
، نَقُولُ: مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟، قَالَ: قَالَ لِي: "يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعًا".
قال الَقَعْنَبِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ.
قال أبُو الحُسَيْنِ مُسْلِمٌ: وَقَوْلُهُ: "عَنْ أَبِيهِ" في هَذَا الحَدِيث خَطَأٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [9](ت 221) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" 17/ 617.
2 -
(إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [8](ت 185)(ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 141.
3 -
(أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابدُ، [5](ت 125) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 31.
4 -
(حَفْصُ بْنُ عَاصِمِ) بن عمر بن الخطّاب العمريّ، ثقةٌ [3](ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
5 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: عبد اللَّه بن مالك بن الْقِشْب الأزديّ، أبو محمد المعروف بابن بُحينة بموحّدة، مصغّرًا، وهي أمه، صحابيّ مشهور، مات رضي الله عنه بعد الخمسين (ع) تقدم في "الصلاة" 46/ 1110.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه وإن كان بصريًّا، إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، كما أسلفناه آنفًا.
4 -
(ومنها): أن فيه روايةَ الابن، عن أبيه: إبراهيم، عن سعد بن إبراهيم، وتابعيّ، عن تابعيّ؛ سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
وفي نسخة: "أحطنا به".
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) ووقع عند البخاريّ من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت حفص بن عاصم، قال: سمعت رجلًا من الأزد، يقال له: مالك ابن بحينة. قال في "الفتح": هكذا يقول شعبة في الصحابيّ، وتابعه على ذلك أبو عوانة، وحماد بن سلمة، وحكم الحفاظ: يحيى بن معين، وأحمد، والبخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، والإسماعيلي، وابن الشرقي، والدارقطني، وأبو مسعود، وآخرون عليهم بالوهم فيه في موضعين:
[أحدهما]: أن بُحينة والدة عبد اللَّه، لا مالك.
[وثانيهما]: أن الصحبة، والرواية لعبد اللَّه، لا لمالك، وهو: عبد اللَّه بن مالك بن القِشْب -بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحدة- وهو لقب جندب بن نَضْلة بن عبد اللَّه.
قال ابن سعد: قَدِمَ مالك بن القشب مكة -يعني في الجاهلية- فحالف بني المطلب بن عبد مناف، وتزوج بُحَينة بنت الحارث بن المطلب، واسمها عبدة، وبُحينة لقب، وأدركت بحينة الإسلام، فأسلمت، وصحبت، وأسلم ابنها عبد اللَّه قديمًا، ولم يذكر أحد مالكًا في الصحابة، إلا بعض من تلقاه من هذا الإسناد ممن لا تمييز له، وكذا أغرب الداوديّ الشارح، فقال: هذا الاختلاف لا يضرّ، فأي الرجلين كان فهو صحابيّ.
وحَكَى ابن عبد البر اختلافًا في بُحينة، هل هي أمُّ عبد اللَّه، أو أمُّ مالك؟ والصواب أنها أم عبد اللَّه، كما تقدم، فينبغي أن يكتب ابن بحينة بزيادة ألف
(1)
، ويُعْرَب إعراب عبد اللَّه، كما في عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ،
(1)
وكذا يثبت تنوين مالك؛ إذ ليس "ابن" صفة له؛ لأن القاعدة أنه إذا وقع "ابن" صفةً بين علمين، وكان الثاني أبًا للأول، حُذف من العَلم الأول التنوين، وحُذفت همزة الوصل من "ابن" خطًّا، وإن لم يكن كذلك بأن لم يقع صفة بين عَلمين، أو كان غير أب للأول، بأن كان جدًّا، أو أمًّا، كعيسى ابن مريم، فلا يُحذف التنوين من الأول، ولا همزة الوصل من "ابن"، راجع المسألة في: شروح "ألفية ابن مالك" في "باب النداء"، واللَّه تعالى أعلم.
ومحمد بن عليّ ابن الحنفية. انتهى
(1)
.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِرَجُلٍ) هو عبد اللَّه الراوي، كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ به، وهو يصلي، وفي رواية أخرى له:"خَرَجَ، وابن القشب يصلي"، ووقع لبعض الرواة هنا "ابن أبي القشب"، وهو خطأ كما بيّنه في "الإصابة".
ووقع نحو هذه القصة أيضًا لابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذّن في الإقامة، فجذبني النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال:"أتصلي الصبح أربعًا؟! "، أخرجه ابن خزيمة، وابن حبّان، والبزار، والحاكم، وغيرهم، فَيُحْمَل على تعدد القصة.
(يُصَلِّي) وقوله: (وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وفي رواية أبي عوانة التالية:"أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجلًا يصلّي، والمؤذن يقيم"(فَكَلَّمَهُ) أي: كلّم النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل (بِشَيْءٍ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ) أي: لم نعلم أيُّ في ذلك الشيء الذي كلّمه به (فَلَمَّا انْصَرَفْنَا) أي: سلّمنا من الصلاة (أَحَطْنَا) قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في الأصول: "أحطنا نقول"، وهو صحيح، وفيه محذوفٌ، تقديره:"أحطنا به". انتهى. وأشار في هامش بعض النسخ أنه وقع في بعض النسخ بلفظ: "أحطنا به".
وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا، وقد أقيمت الصلاة، يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لاث به الناس
(2)
، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"آلصبح أربعًا؟ آلصبح أربعًا؟ ".
وظاهر رواية شعبة هذه تقتضي أنه صلى الله عليه وسلم كلم الرجل بعد الفراغ من الصلاة، بخلاف رواية إبراهيم بن سعد، فإنها تقتضي أنه كلمه، وهو يصلي.
ويمكن الجمع بينهما بأنه كلّمه أوّلًا سرًّا، فلهذا احتاجوا أن يسألوه، ثم كلمه ثانيًا جهرًا، فسمعوه، قاله في "الفتح".
(1)
"الفتح" 2/ 369.
(2)
أي أحاطوا به.
وقوله: (نَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "أحطنا"(مَاذَا) أي: أيَّ شيء (قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟، قَالَ) الرجل (قَالَ لِي) صلى الله عليه وسلم: ("يُوشِكُ) أي: يقرُب (أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعًا") وفي رواية أبي عوانة، عن سعد بن إبراهيم التالية:"فقال: أتصلّي الصبح أربعًا"، بهمزة الاستفهام، وهو للإنكار والتوبيخ.
وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة المذكورة: "آلصبحَ أربعًا؟، آلصبحَ أربعًا؟ "، قال في "الفتح": بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام إنكاريّ، وأعاده تأكيدًا للإنكار، و"الصبحَ" بالنصب بإضمار فعل تقديره: أتصلي الصبح؟، و"أربعًا" منصوب على الحال، قاله ابن مالك، وقال الكرمانيّ: على البدلية، قال: ويجوز رفع "الصبح"؛ أي: الصبحُ تُصَلَّى أربعًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مالك ابن بُحَينة هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [10/ 1649 و 1650](711)، و (البخاريّ) في "الأذان"(663)، و (النسائيّ) في "الإمامة"(867)، وفى "الكبري"(939)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1153)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 345)، و (الدارميّ) في "سننه"(145)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في "الفتح": واختُلف في حكمة هذا الإنكار -يعني إنكار النبيّ صلى الله عليه وسلم على من يصلي النافلة عند الإقامة للصلاة-، فقال القاضي عياض وغيره: لئلا يتطاول الزمان، فيُظَنّ وجوبها، ويؤيده قوله في رواية إبراهيم بن سعد:"يوشك أحدكم"، وعلى هذا، إذا حصل الأمن، لا يُكره ذلك.
وتُعُقِّب بعموم قوله: "فلا صلاة إلا المكتوبة".
وقيل: لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي هذا القول أقرب إلى الصواب، وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم:"أتصلي الصبح أربعًا؟ " ظاهر في كون الإنكار لكون المتنفل جعل صلاة الصبح أربع ركعات، ويُفْهَم منه أيضًا أن النهي عامّ لمن يصلي عند الإقامة، سواء ابتدأ بالنافلة قبل الإقامة، أو عندها، أو بعدها، وسواء كان في المسجد، أو خارجها، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القاضي عياض رحمه الله: والحكمة في النهي عن صلاة النافلة بعد الإقامة أن لا يتطاول عليها الزمان، فيُظَنّ وجوبها، قال النوويّ رحمه الله: وهذا ضعيف، بل الصحيح أن الحكمة فيه أن يَتفرغ للفريضة من أولها، فيَشرَع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. انتهى
(1)
.
وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار، عدم الفصل بين الفرض والنفل؛ لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح الطحاويّ، واحتجّ له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية من المسجد لم يكره، وهو متعقَّب بما ذُكِر؛ إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل، لم يحصل إنكار أصلًا؛ لأن ابن بحينة سَلَّم من صلاته قطعًا
(2)
، ثم دخل في الفرض.
ويدلّ على ذلك أيضًا حديث قيس بن عمرو الذي أخرجه أبو داود وغيره: أنه صلى ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح، فلما أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم حين سأله، لم ينكر عليه قضاءهما بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلًا بها، فدلّ على أن الإنكار على ابن بحينة إنما كان للتنفل حال صلاة الفرض، وهو موافق لعموم حديث:"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
وقد فهم ابن عمر رضي الله عنهما اختصاص المنع بمن يكون في المسجد، لا خارجًا عنه، فصح عنه أنه كان يحصب مَن يتنفل في المسجد بعد الشروع في
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 223.
(2)
قوله: "سلّم قطعًا" فيه نظر لا يخفى؛ لأنه يَحْتَمل أنه دخل بدون تسليم؛ إذ لم يُنقل إلينا ذلك، فلو قال: لأن ابن بُحينة سيُسلّم من صلاته قطعًا، ثم يدخل في الفرض لما أنكر عليه، لكان أولى، فتأمّله، واللَّه تعالى أعلم.
الإقامة، وصحّ عنه أنه قصد المسجد، فسمع الإقامة، فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة رضي الله عنها، ثم دخل المسجد، فصلى مع الإمام.
قال ابن عبد البر وغيره: الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد أفلح، وتركُ التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيثُ المعنى بأن قوله في الإقامة:"حي على الصلاة" معناه هَلُمُّوا إلى الصلاة؛ أي: التي تقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره، واللَّه أعلم
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البر وغيره من أن الحجة عند التنازع هي السنة هو التحقيق الصواب نقلًا وعقلًا، فإن اللَّه تعالى قال في محكم كتابه:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]:
إِذا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا
…
تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى
…
تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والحاصل أن المذهب الصحيح الذي تؤيِّده النصوص الصحيحة الصريحة هو القول بالمنع عن التنفل عند الإقامة للصلاة مطلقًا، سواء كان بركعتي الفجر، أم بغيرهما، وسواءٌ شرع فيه حال الإقامة، أم لا، كان في الصف، أم بعيدًا عنه، في المسجد، أم لا، وأن السنة أن يتدارك ما فاته من النافلة بعد أداء المكتوبة جماعة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قوله: (قَالَ الْقَعْنَبِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أي: بزيادة "عن أبيه".
وقوله: (قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ) صاحب الصحيح بيانًا للخطأ الواقع في السند: (وَقَوْلُهُ: "عَنْ أَبِيهِ" فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ) أي: لأن الحديث لمالك بن عبد اللَّه، لا لأبيه مالك.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله المصنّف رحمه الله من توهيم القعنبيّ
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 370 - 371.
في زيادة: "عن أبيه"، قاله أيضًا الإمام أحمد، وابن معين، وسليمان بن داود الهاشميّ، وغيرهم
(1)
.
وقال النوويّ رحمه الله: وهذا الذي قاله مسلم هو الصواب عند الجمهور، وإنما هذا الحديث من رواية عبد اللَّه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو عبد اللَّه بن مالك بن القِشْب -بكسر القاف، وبالشين المعجمة الساكنة- و"بُحينة": أمُّ عبد اللَّه، والصواب في كتابته، وقراءته عبد اللَّه بن مالكٍ ابنُ بحينة، بتنوين "مالكٍ"، وكتابة "ابن" بالألف؛ لأنه صفة لعبد اللَّه، وقد سبق بيانه في "سجود السهو". انتهى
(2)
.
وأشار الحافظ المزي في "تحفة الأشراف": إلى أن النسائيّ أخرجه عن محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير، عن شعبة بإسناده نحوه، وقال: هذا خطأ، والصواب عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
وقال أبو مسعود الدمشقيّ رحمه الله: وهذا يخطئ فيه القعنبيّ بقوله: "عن أبيه"، وأسقط مسلم من أوله:"عن أبيه"، ثم قال في عقبه: وقال القعنبي: "عن أبيه". وأهل العراق، منهم شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو عوانة يقولون: عن سعد، عن حفص، عن مالك ابن بحينة. وأهل الحجاز قالوا في نسبه: عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة، وهو الأصحّ
(3)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن زيادة "عن أبيه" غلطٌ من القعنبيّ، والصواب: عن عبد اللَّه بن مالك نفسه، وليس عن أبيه، وأما بُحينة فاسم أم عبد اللَّه، ومن قال: إنها أم مالك والد عبد اللَّه، كما ظنّه ابن عبد البرّ
(4)
فغلط، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
راجع: "فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 6/ 59.
(2)
"شرح النووي" 5/ 23.
(3)
راجع: "تحفة الأشراف" 6/ 476 - 477.
(4)
راجع: "المفهم"، فإنه عزا ذلك لابن عبد البرّ.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1650]
(. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يُصَلِّي، وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ، فَقَالَ: "أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه، تقدّم أيضًا قبل باب.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
شرح الحديث:
وقوله: (فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يُصَلِّي) تقدّم أن الرجل هو عبد اللَّه ابن بُحينة الراوي نفسه.
وقوله: (وَالْمُؤَذَنُ يُقِيمُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل.
وقوله: (أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟) هو استفهام إنكار، ومعناه أنه لا يُشرَع بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى معهم الفريضة، صار في معنى من صلى الصبح أربعًا؛ لأنه صلى بعد الإقامة أربعًا، قاله النوويّ رحمه الله.
وقال القرطبيّ رحمه الله: هذا إنكار على الرجل الذي فَعَل ذلك، وهذا الإنكارُ حجةٌ على من ذَهَب إلى جواز صلاة ركعتي الفجر في المسجد، والإمام يُصلي، كما ذكرنا آنفًا، وعلى سدّ الذريعة التي يُخاف منها توهُّم الزيادة في الفرائض، وقال في رواية أخرى ما ينُصّ على ذلك:"يوشك أن يصلّي أحدكم الصبح أربعًا"، وكذلك يُفهَم من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر:"يا فلان بأي الصلاتين اعتددَتَ؟ بصلاتك وحدك، أو بصلاتك معنا؟ "، ويزيد معنى آخر، وهو أن فيه منعَ ما يؤدّي إلى الاختلاف على الإمام.
قال: ويُمكن أن يُستنبط من هذين الحديثين أن ركعتي الفجر إن وقعت
في تلك الحال صحّت؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقطع عليهما مع تمكّنه من ذلك.
قال الجامع: بُعْدُ هذا الاستنباط مما لا يخفى على الفطن.
قال: وفي إنكاره صلى الله عليه وسلم على المصلّي مع كونه صلَّى في جانب المسجد ما يدلّ على شدّة المنع من صلاتهما، والإمام في الصلاة، وإن كان في زاوية. انتهى
(1)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1651]
(712) - (حَدَّثَنَا
(2)
أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، يَعْنِي ابْنَ زِيادٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ
(3)
(ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يَا فُلَانُ، بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟، أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ، أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟ ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10]، (ت 237)(خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" 6/ 57.
2 -
(حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) ذُكر في الباب.
3 -
(حَامِدُ بْن عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [10](233)(خ م) تقدم في "الطهارة" 26/ 649.
(1)
"المفهم" 2/ 351.
(2)
وفي نسخة: "حدّثني".
(3)
وفي نسخة: "عن عاصم الأحول".
4 -
(عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [8](ت 176)(ع) تقدم في "الطهارة" 11/ 584.
5 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [10](ت 234)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 5.
6 -
(أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب.
7 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
8 -
(مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [8](ت 193)(ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 138.
9 -
(عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [4] مات بعد (140)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 27.
10 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ) -بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة- المزنيّ، وقيل: المخزوميّ حَلِيفٌ لهم، صحابيٌّ سكن البصرة.
رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن عمر، وأبي هريرة، وروى عنه عاصم الأحول، وقتادة، وعثمان بن حكيم بن عباد بن حُنيف، ومسلم بن أبي مريم، وعبد اللَّه بن عمران الطلحيّ، وقيل: بينهما عاصم الأحول.
وذكر البخاريّ في "تاريخه"، وابن حبّان في التابعين من "كتاب الثقات": عبد اللَّه بن سَرْجِس يروي عن أبي هريرة، روى عنه عثمان بن حكيم.
قال الحافظ: ومفهوم هذا أن البخاريّ وابن حبان لم يذكرا عبد اللَّه بن سرجس في الصحابة، وليس كذلك، فقد ذكراه فيهم، لكنهما أفردا الذي روى عن أبي هريرة بترجمة، فكأنهما عندهما اثنان، واللَّه أعلم. انتهى.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (712)، و (1270) و (1343) و (2346).
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله وهو (111) من رباعيات
الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما تقدم غير مرة.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره، واللَّه تعالى أعلم.
3 -
(ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الخمسة إلا نحو سبعة أحاديث، راجع:"تحفة الأشراف"
(1)
، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) رضي الله عنه، زاد ابن حبّان:"وكان قد أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم"، أنه (قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ) لم أجد من سمّاه، وليس هو عبد اللَّه ابن بُحينة؛ لأن هذا جاء من خارج المسجد، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يُصلي الصبح بالناس؛ لأنه قال:"دخل رجلٌ المسجد، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة"، وفي رواية ابن حبّان:"أن رجلًا دخل المسجد بعدما أقيمت الصلاة، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي، فصلى ركعتين. . . " الحديث، فتبيّن أنه جاء من خارج المسجد، والنبيّ صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وأما ابن بُحينة، فإنما مرّ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يُصلّي، والمؤذّن يقيم، فظهر بهذا أنه غيره، فتنبّه. (الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ "أل" فيه للعهد، وقوله:(وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الصبح، وفيه دليلٌ على إباحة تسمية الصبح غداةً، وقد سبقت نظائره (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أي: سنة الفجر (فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: اقتدى به في صلاة الصبح (فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: من صلاة الصبح (قَالَ: "يَا فُلَانُ) كنايةٌ عن اسم ذلك الرجل الذي بدأ بأداء الركعتين قبل الاقتداء به، قال الفيوميّ رحمه الله: فُلانٌ، وفلانةٌ بغير ألف ولام: كنايةٌ عن الأنَاسيّ، وبهما كناية عن البهائم، فيقال: ركبت الفلان، والفلانة. انتهى
(2)
.
(بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ) متعلّقٌ بـ (اعْتَدَدْتَ) أي: احتسبت، يقال: اعتددتُ بالشيء، على افْتَعَلتُ: أي: أدخلته في العدّ والحِسَاب، فهو مُعتدّ به،
(1)
"تحفة الأشراف" 4/ 239 - 242.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 481.
محسوب، غيرُ ساقط، قاله الفيّوميّ
(1)
. (أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ) الجارّ والمجرور بدل من الجارّ والمجرور قبله (أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟ ") وفي رواية أبي داود: "أيتُهُما صلاتك"، وللنسائيّ:"أيُّهما صلاتك"، وهو مبتدأ وخبر، و"أي" استفهامية، أيْ: أيُّ الصلاتين صلاتُك التي قصدتَ، واعتمدت عليها، وجئت لأجلها؟ التي صليتها معنا، أو التي صليت لنفسك؟، فهو استفهام إنكاريّ، والغرض منه توبيخه على صلاته النافلة، والإمام في الفريضة، وفيه دليلٌ على أنه لا يصلي بعد الإقامة نافلةً، وإن كان يدرك الصلاة مع الإمام، ورَدّ على من قال: إن عَلِم أنه يدرك الركعة الأولى أو الثانية، يصلي النافلة؛ لأن هذا الرجل قد أدرك مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الصلاة، ومع ذلك أنكر عليه أشدّ الإنكار، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
وقال السنديّ رحمه الله: قوله: "أيهما صلاتك"، أي: التي جئت لأجلها إلى المسجد، وقصدِ أدائها فيه، فإن كانت تلك الصلاة هي الفرض، فهل العاقل يؤخِّر مقصوده إذا وُجِدَ، ويُقَدِّم عليه غيره، وإن كانت هي السنة؟ فذاك عكس المعقول، إذ البيت أولى من المسجد في حقّ السنة، وأيضًا السنة للفرض، فكيف تُقصَدُ هي دونه؟ والمقصود الزجر، واللوم على ما فعل. انتهى
(2)
.
وقال الخطابيّ رحمه الله: في هذا دليل على أنه إذا صادف الإمام في الفريضة لم يشتغل بركعتي الفجر، وتَرَكَهُما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة.
وقوله: "أيتهما صلاتك" مسألة إنكار، يريد بذلك تبكيته على فعله، وفيه دلالة على أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك، وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما قبل خروج الإمام من صلاته؛ لأن قوله:"أو التي صليت معنا" يدل على أنه أدرك الصلاة مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من الركعتين. انتهى
(3)
.
وفيه ردٌّ على من قال: إن عَلِمَ أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى، أو الثانية يبدأ بسنة الصبح، وقالوا: إن إنكاره صلى الله عليه وسلم على الرجل لوصله النافلة
(1)
"المصباح المنير" 2/ 396.
(2)
"شرح السنديّ على النسائيّ" 2/ 117.
(3)
"معالم السنن" 2/ 77.
بالفريضة، وصلاتِهما في مكان واحد بلا فاصل بينهما غير السلام، وهذا كنهيه من صلى الجمعة عن التطوع بعدها في مكانها حتى يتكلم، أو يتقدم.
واستدلُّوا على ما ذهبوا إليه بما رواه الطحاويّ من طريق يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مرَّ بعبد اللَّه بن مالك ابن بحينة، وهو منتصب يصلي بين يدي نداء الصبح، فقال:"لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها، واجعلوا بينهما فصلًا". انتهى.
فظهر بهذا الحديث أن الذي كرهه صلى الله عليه وسلم لابن بحينة إنما هو وصله الفريضة بالنافلة في مكان واحد من غير فصل بينهما.
وقالوا أيضًا: إن حديث الباب محمول على أن الرجل صلى ركعتي الفجر مخالطًا للصفّ، فقد رَوَى ابن ماجه من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن عبد اللَّه بن سرجس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وهو في الصلاة. انتهى.
فإن رؤيته صلى الله عليه وسلم إياه لا تتأتى إلا وهو في جانب المسجد في الصف الأول.
وقالوا أيضًا: فيما ذهبنا إليه جمع بين الفضيلتين، فضيلة إدراك السنة وفضيلة إدراك الجماعة.
وقد ثبت عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء أنهم أَدَّوا سنة الصبح، والإمام في الفريضة، ويبعد أن يكون حديث الباب على إطلاقه، ويفعل على خلافه هؤلاء الصحابة الأجلاء.
وفي هذا كله نظر لا يخفى؛ لأن ظاهر الحديث الإنكار على من دخل في النافلة، والإمام في الفريضة، وحمل الإنكار على عدم الفصل بين النافلة والفريضة بعيد، بل باطلٌ، يُبطله رواية المصنّف هنا بلفظ:"دخل رجل المسجد، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . . " الحديث، وكذا في رواية البيهقيّ بلفظ:"دخل رجل المسجد، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فصلى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف. . . " الحديث، فإنهما ظاهران في أنه صلى النافلة في غير مكان الفريضة، فبطل ما زعموه من أنه صلى الله عليه وسلم إنما أنكر عليه لكونه صلى مخالطًا للصفّ.
وما ذكروه من أن ما ذهبوا إليه فيه الجمعُ بين الفضيلتين متعقب بأنه يمكن الحصول على الجمع بين الفضيلتين بصلاة الركعتين بعد الفراغ من الفريضة، كما ثبت إقراره صلى الله عليه وسلم مَن صلاهما بعد الفريضة، ولم ينكر عليه.
وما ذكروه من الآثار معارَضٌ بالمثل، فقد ثبت عن عمر، وأبي هريرة، وغيرهما أنهم كانوا يمنعون الشروع في النافلة بعد إقامة الصلاة، فقد رَوَى البيهقيّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان إذا رأى رجلًا يصلي، وهو يسمع الإقامة، ضربه، وروى ابن حزم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
وعلى تقدير عدم المعارض فهي لا تَقْوَى على معارضة الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم هو الحجة وحده، لا فلان وفلان، كما تقدم عن الحافظ أبي عمر بن عبد البر وغيره، أن الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد أفلح.
جعلنا اللَّه تعالى من المتمسكين بالسنة، والمُحَكِّمينَ لها فيما شجر بيننا، والمُستسلمين لها، وجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا بمنّه وكرمه، آمين، إنه وليّ ذلك، والقادر عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن سَرْجِس رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [10/ 1651](712)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1265)، و (النسائيّ) في "الإمامة"(868)، وفي "الكبرى"(940)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1152)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 82)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1125)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2191)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1362)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1605)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 482)، واللَّه تعالى أعلم.
وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث عبد اللَّه بن مالك ابن بُحينة رضي الله عنه الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(11) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف أن يقدّم أحاديث هذه الأبواب الثلاثة إلى "كتاب المساجد"؛ لما لا يخفى من المناسبة، واللَّه تعالى أعلم.
[1652]
(713) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا
(1)
سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلكَ مِنْ فَضْلِكَ".
قَالَ مُسْلِم: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: كَتَبْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ كِتَابِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ
(2)
: بَلَغَيي أَنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ يَقُولُ: وَأَبِي أُسَيْدٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [10](ت 226) على الأصحّ (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
2 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [8](ت 177)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
3 -
(رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فَرُّوخ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [5].
رَوَى عن أنس، والسائب بن يزيد، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وابن المسيّب، والقاسم بن محمد، وابن أبي ليلى، والأعرج، ومكحول، وحنظلة بن قيس الزُّرَقيّ، وعبد اللَّه بن يزيد مولى الْمُنْبَعِث، وغيرهم.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "وقال".
وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأخوه عبد ربه بن سعيد، وسليمان التيميّ، وهم من أقرانه، ومالك، وشعبة، والسفيانان، وحماد بن سلمة، والليث، وفُليح، والدَّرَاوَرْديّ، وسليمان بن بلال، وأبو ضمرة، وغيرهم.
قال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أحمد: ثقةٌ، وأبو الزناد أعلم منه، وقال العجليّ، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثبتٌ، أحد مفتي المدينة، وقال مصعب الزُّبيريّ: أدرك بعض الصحابة، والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس بالمدينة، وكان يُحصَى في مجلسه أربعون مُعْتمًّا، وعنه أخذ مالك، وقال الليث، عن يحيى بن سعيد: ما رأيت أحدًا أفطن منه، وقال الليث، عن عبيد اللَّه بن عُمَر: هو صاحب مُعْضِلاتنا، وأعلمنا، وأفضلنا، وقال معاذ بن معاذ العنبريّ، عن سَوّار العنبريّ: ما رأيت أحدًا أعلم منه، قلت: ولا الحسن وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يا أهل العراق تقولون: ربيعة الرأي، واللَّه ما رأيت أحدًا أحفظ للسنة منه، وقال مُطَرِّف: سمعت مالكًا يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة، وقال الحميديّ أبو بكر: كان حافظًا، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء، لم نسمع فيه شيئًا، فنرى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه، فنفتيه، قال: فقال: اقْعدوا، ثم قال: ويحك يا عبد العزيز؛ لأن تموت جاهلًا خير من أن تقول في شيء بغير علم، لا لا، ثلاث مرات، وقال أبو داود: قال أحمد: وأَيشٍ عند ربيعة من العلم؟.
وقال ابن سعد: تُوُفّي سنة (136) بالمدينة فيما أخبرني الواقديّ، وكان ثقةً، كثير الحديث، وكانوا يتَّقونه لموضع الرأي، وقال يحيى بن معين، وأبو داود: تُوُفّي بالأنبار، واتفقوا كلهم على سنة وفاته، وقال ابن حبان في "الثقات": تُوُفِّي سنة (133)، وقال الباجيّ في "رجال البخاريّ "عنه: تُوفي سنة (142) وجَرَت له محنةٌ، قال أبو داود: كان الذي بين أبي الزناد وربيعة
متباعدًا، وكان أبو الزناد وجيهًا عند السلطان، فأعان على ربيعة، فضُرِب، وحُلِقت نصف لحيته، فحَلَقَ هو النصف الآخر.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (713) و (744) و (1075) و (1438) و (1504) و (1547) وأعاده بعده، و (1722) وكرّره ثلاث مرات، و (2347).
4 -
(عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدِ) بن سُوَيد الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [3].
رَوَى عن أبي أُسيد، أو أبي حُميد، وقيل: عن أبي أُسيد وأبي حميد، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد.
وروى عنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وبكير بن عبد اللَّه بن الأشج.
قال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وله رواية عن أبيه مذكورةٌ في الطبرانيّ وغيره، واستُشْهِد أبوه بأُحُد، فكانت روايته عنه مرسلة، ولا يبعد أن يكون لعبد الملك رؤيةٌ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عند المصنّف والنسائيّ إلا هذا الحديث فقط، وله عند أبي داود حديثان: أحدهما هذا، والآخر في قبلة الصائم، وعند ابن ماجه حديثان أيضًا: أحدهما هذا، والآخر:"أجملوا في طلب الدنيا، فإن كلًّا ميسَّرٌ لما خُلق له".
5 -
(أَبُو حُمَيْدٍ) الساعديّ اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عمرو، الصحابيّ المشهور، شَهِد أُحُدًا وما بعدها، وعاش إلى خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين (ع) تقدم في "الصلاة" 17/ 916.
6 -
(أَبُو أُسَيْدٍ) -بضمّ الهمزة- الساعديّ، اسمه مالك بن ربيعة بن الْبَدَن -بفتح الموحّدة، والدال المهملة، بعدها نون- ابن عمرو بن عوف بن حارثة ابن عمرو بن الخزرج بن ما عدة بن كعب، الصحابيّ المشهور، شَهِد بدرًا، والمشاهد كلها.
رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنه أولاده: حمزة، والزبير، والمنذر، ومولاه: عليّ بن عبيد، وأنس بن مالك، وعباس بن سهل بن سعد، وعبد الملك بن سعيد بن سُويد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم بن سلمة بن طلحة، وقُرّةُ بن أبي قُرّة، ويزيد بن زياد المدنيّ، مولى بني ساعدة، مات رضي الله عنه سنة
ستين، وهو آخر من مات من البدريين، فيما ذكر المدائنيّ، وقال الواقديّ، وخليفة: مات سنة ثلاثين، قال ابن عبد البرّ: هذا اختلاف متباين، وقال غيره: مات سنة أربعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (713) وحديث (2511) وكرّره ثلاث مرّات.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعبد الملك بن سعيد، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، إلا شيخه، فنيسابوريّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي: ربيعة، عن عبد الملك.
5 -
(ومنها): أن عبد الملك ليس له عند المصنّف إلا هذا الحديث فقط، وأبو أُسيد له حديثان فقط، وأما أبو حميد، فله نحو ستة أحاديث، وقد تقدّم في ترجمته في "الصلاة" 17/ 916، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) الساعديّ المنذر بن سعد بن المنذر رضي الله عنه، وقيل: غيره (أَوْ) للشكّ من الراوي، وهكذا هو عند أبي داود، ووقع عند النسائيّ:"سمعت أبا حميد، وأبا أُسيد" بالواو، وكذا هو عند ابن ماجه في رواية، وفي رواية له:"عن أبي حُميد"، ولم يذكر أبا أُسيد، وسيأتي كلام المصنّف قريبًا.
(عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) بالضم مصغّرًا، مالك بن ربيعة رضي الله عنه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ) الظاهر أنه يقول هذا الذكر مع دخوله، فيكون المعنى: إذا شَرَع في الدخول، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: أي أراد الدخول (فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) وعند أبي داود من رواية عبد العزيز الدَّرَاوَرْديّ، عن ربيعة، زيادة السلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولفظه: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليُسَلِّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج، فليقل: اللَّهم إني أسألك من فضلك".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر من الأمر في قوله: "فليقل" الوجوب؛ إذ لا صارف له إلى الاستحباب، ولم أر من نَبَّه عليه، واللَّه تعالى أعلم.
(وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ") أي: من رزقك الحلال، وخُصَّت الرحمة بالدخول، والفضل بالخروج؛ لأن المسجد محل رحمة اللَّه ومغفرته، وخارج المسجد محل طلب الرزق، فشُرع لكلٍّ أن يدعو ربه بما يناسب حاله، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ولِيُّ اللَّه الدهلويّ رحمه الله في "حجة اللَّه البالغة": الحكمة في تخصيص الداخل بالرحمة، والخارج بالفضل أن الرحمة في كتاب اللَّه أريد بها النِّعَم النفسانية، والأخروية، كالولاية والنبوة، قال تعالى:{وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32] والفضل على النعم الدنيوية، قال تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] وقال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] ومن دخل المسجد إنما يطلب القرب من اللَّه تعالى، والخروج وقت ابتغاء الرزق. انتهى.
وقال ابن رسلان رحمه الله: سؤال الفضل عند الخروج موافق لقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} يعني الرزق الحلال، وقيل:{وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} هو طلب العلم، والوجهان متقاربان؛ فإن العلم من رزق اللَّه تعالى؛ لأن الرزق لا يختص بقوت البدن، بل يدخل فيه قوت الأرواح، والأسماع، وغيرها، وقيل: فضل اللَّه عيادة المريض، وزيارة أخ صالح
(1)
.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) هو: ابن الحجّاج، صاحب الكتاب (سَمِعْتُ يَحْيَى ابْنَ يَحْيَى) شيخه المذكور في السند (يَقُولُ: كَتَبْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ كِتَاب سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، أي: بلفظ: "عن أبي حميد، أو أبي أُسيد" بالشكّ (قَالَ)
(1)
"المنهل العذب" 3/ 74 - 75.
يحيى بن يحيى: (بَلَغَنِي أَنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ) -بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم- هو: يحيى بن عبد الحميد بن عبد اللَّه بن ميمون بن عبد الرحمن، أبو زكريا الكوفيّ، لقبُ جدّه بَشْمِين -بفتح الموحّدة، وسكون الشين المعجمة- حافظٌ، إلا أنه اتُّهِم بسرقة الحديث، من صغار [9].
رَوَى عن أبيه، وسليمان بن بلال، وقيس بن الربيع، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد الواحد بن زياد، وعبد اللَّه بن المبارك، وحماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وغيرهم.
وروى عنه أبو حاتم، ومُطَيَّن، وموسى بن هارون، ومحمد بن أيوب بن الضريس، وموسى بن إسحاق الأنصاريّ، وأبو قلابة الرَّقَاشيّ، وابن أبي الدنيا، وغيرهم.
قال الساجيّ، عن أحمد بن محمد، هو ابن محرز، عن القعنبيّ: رأيت شابًّا طويلًا في مجلس ابن عيينة، فقال: من يسأل لأهل الكوفة؟، ثم قال: أين ابن الحمانيّ؟، فقام، وعن إبراهيم بن بشار، قال: رأيت عند ابن عيينة جماعة من البصريين، يذاكرون الحديث، قال: فتحرك سفيان للكوفية، فقال: أين ابن الحمانيّ؟ وقال محمد بن عبد الرحمن الشاميّ: سئل أحمد عنه؟ فلم يقل شيئًا، وقال الميمونيّ: ذُكر يحيى الحمانيّ عند أحمد، فقال: ليس بأبي غسان بأس، وقال مرةً: ثنا عبد الحميد الحمانيّ، وكان صدوقًا، قلت: فابنه؟ قال: لا أدري، ونفض يده، وقال مطين: سألت أحمد عنه؟ فقلت: لك به علم؟ قال: كنت لا أعرفه، قلت: كان ثقة؟ قال: أنتم أعرف بمشايخكم، وقال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجيّ: ثنا يحيى الحمانيّ، ثنا أحمد بن حنبل، قال البُوشنجيّ: وحدثناه أحمد بن حنبل، ثنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة حديث:"أبردوا بالصلاة"، وقال حنبل: قلت لأحمد: إن ابن الحمانيّ حدثنا عنك بهذا الحديث، قال: ما أعلم أني حدثته به، ولا أدري، لعله على المذاكرة حفظه، وأنكر أن يكون حدّثه به، وقال المرُّوذيّ: قلت لأحمد: إن ابن الحمانيّ روى عنك حديث الأوزاعي، وزعم أنه سمعه منك على باب ابن عُلَيّة، فأنكر أن يكون سمعه، وقال: ليس من
رأسي، قلت: ادَّعَى أن هذا على المذاكرة، قال: وأنا علمت في أيام إسماعيل أن هذا الحديث عندي، يعني إنما أخرجه بآخره، وقال: قولوا لهارون الحمال: يضرب على حديث الحمانيّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: حدَّث يحيى بن عبد الحميد، عن أحمد بحديث إسحاق الأزرق، فأنكره أحمد، وقال يحمى: ثنا به على باب إسماعيل ابن عُلَيّة، فقال أحمد: ما سمعناه من إسحاق إلا بعد موت إسماعيل، قال أبو داود: كان يحيى حافظًا، وسألت أحمد عنه؟ فقال: ألم تره؟ قلت: بلى، قال: إنك إذا رأيته عرفته، وقال الآجريّ أيضًا: قلت لأبي داود: أكان يتشيع؟ قال: سألته عن حديث لعثمان، فقال: أَوَتحب عثمان؟، وقال البخاريّ: كان أحمد وعليّ يتكلمان في يحيى الحمانيّ، وقال في موضع آخر: رماه أحمد وابن نمير، وقال يعقوب ين سفيان: وأما ابن الحمانيّ، فإن أحمد سيّئ الرأي فيه، فأحمد مُتَحَرٍّ في مذهبه، مذهبُهُ أحمدُ من مذهب غيره، وقال أحمد بن يوسف السلميّ عن ابن المدينيّ: أدركت ثلاثة يحدثون بما لا يحفظون، فذكره فيهم، وقال ابن عديّ: قال لنا عبدان: قال ابن نمير: الحماني كذّاب، قيل لعبدان: سمعته من ابن نمير؟ قال: لم أسمعه منه، وقال ابن عمار: قد سقط حديثه، قيل له: فما علّته؟ قال: لم يكن لأهل الكوفة حديث جيد غريب، ولا لأهل المدينة، ولا لأهل بلد حديث جيد غريب إلا رواه، فهذا يكون هكذا، وقال إبراهيم الْجُوزجانيّ: يحيى الحمانيّ ساقطٌ، مُتَلَوِّنٌ، ترِك حديثه، فلا ينبعث، وقال ابن خزيمة: سمعت محمد بن يحيى، وذكر يحيى بن عبد الحميد، فقال: ذَهَب كأمس المذاهب، قال الذهليّ: ما أستحل الرواية عنه، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، وقال عثمان الدارميّ: سمعت ابن معين يقول: ابن الحماني صدوقٌ، مشهور بالكوفة، مثل ابن الحماني ما يقال فيه من حسد، قال عثمان: وكان ابن الحماني شيخًا فيه غفلة، لم يكن يقدر أن يصون نفسه، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ابن الحماني ثقةٌ، وبالكوفة رجل يحفظ معه؟، وهؤلاء يحسدونه، وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت ابن معين عنه؟ فأجمل القول فيه، وقال: كان أحد المحدثين، وقال عبد الخالق بن منصور: سئل يحيى بن معين عن الحمانيّ؟ فقال: صدوق ثقةٌ، وهكذا قال الدُّوريّ، ومحمد بن عثمان بن
أبي شيبة، والبغويّ، وابن الدَّوْرَقيّ، ومُطَيَّنٌ، وجماعة عن ابن معين، زاد الدُّوريّ: لم يزل ابن معين على هذا حتى مات، وقال العقيليّ عن علي بن عبد العزيز: سمعت يحيى الحماني يقول لقوم غُرَباء عنده: لا تسمعوا كلام أهل الكوفة فِيَّ، فإنهم يحسدونني؛ لأني أول من جمع "المسند"، وقد تقدمتهم في غير شيء، وقال علي بن حكيم: ما رأيت أحفظ لحديث شريك منه، وقال أبو حاتم: لم أر من المحدثين من يحفظ، ويأتي بالحديث على لفظ واحد، لا يغيّره سوى يحيى الحماني في حديث شريك، وذكر جماعة، وقال ابن عديّ: وليحيى مسند صالح، ويقال: إنه أول من صنف "المسند" بالكوفة، ثم ذَكَر قصة الدارميّ إلى أن قال: ولم أر في "مسنده" وأحاديثه منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به، وقال الخليليّ: يحيى بن عبد الحميد حافظ رَضِيَهُ يحيى بن معين، وضعّفه غيره، قال مطين: مات في رمضان سنة ثمان وعشرين ومائتين.
انفرد به المصنّف، له ذكرٌ في هذا الموضع بلا رواية.
(يَقُولُ: وَأَبِي أُسَيْدٍ) أي: بالواو العطفة، لا بـ "أو" التي للشكّ.
[تنبيه]: ظاهر قول المصنّف رحمه الله عن شيخه يحيى أن الحمّانيّ انفرد بروايته بواو العطف، وليس كذلك، قال الحافظ رحمه الله في "نتائج الأفكار": ولم ينفرد الْحِمّاني بذلك، فقد أخرجه أحمد، عن أبي عامر الْعَقَديّ، عن سليمان بواو العطف أيضًا، وكذا أخرجه النسائيّ، وأبو يعلى، وابن حبّان من رواية سليمان، ولم ينفرد به سليمان أيضًا، بل جاء من رواية عُمارة بن غَزِيّة أيضًا، أخرجه الطبراني في "الدعاء"، عن زكريا الساجيّ، عن أحمد بن سعيد، عن عبد اللَّه بن وهب، عن يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن عُمارة بن غَزِيّة، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الملك بن سعيد، يقول: سمعت أبا حميد، وأبا أسيد رضي الله عنهما يقولان: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . . الحديث.
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد اللَّه بن وهب. انتهى.
وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن عثمان الدمشقيّ، عن الدَّرَاوَرْديّ، عن ربيعة بإسناده، وتقدم لفظه.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن عمرو بن عثمان الحمصيّ، وعبد الوهاب بن الضحاك، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن عُمارة بن غَزِيّة، لكن قال: عن أبي حميد، ولم يذكر أبا أسيد، بلفظ أبي داود المتقدم
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي حميد، أو أبي أسيد رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [11/ 1652 و 1653](713)، و (أبو داود) في "الصلاة"(465)، و (النسائيّ) في "المساجد"(729)، و"الكبرى" في "الصلاة"(808)، وفي "عمل اليوم والليلة"(177)، و (ابن ماجه) في "المساجد"(772)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(1665)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 497 و 5/ 425)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 324 و 2/ 293)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1234 و 1235 و 1236)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1606 و 1607)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2048 و 2049)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 441 و 442)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
يستفاد من حديث الباب مشروعية طلب الرحمة من اللَّه تعالى عند دخول المسجد، وطلب الفضل منه عند الخروج منه، وقد وردت أحاديث فيما يقال في دخول المسجد والخروج منه.
[فمنها]: حديث الباب، وزاد في رواية أبي داود -كما تقدّم- في أوله:"فليسلم، ثم ليقل. . . "، ولفظ الطبراني:"إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج من المسجد، فليسلّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب فضلك".
(1)
"نتائج الأفكار" للحافظ 1/ 276 - 277.
وأخرجه أيضًا أبو عوانة في "صحيحه" عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد اللَّه بن وهب، عن يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن عُمارة بن غَزِيّة، بإسناد الطبراني، كما تقدم، وأخرجه أيضًا أبو عوانة من رواية عبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي، عن الدَّرَاوَرْديّ، فقال في روايته، عن أبي حميد: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول، إذا دخل المسجد:"اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وسهِّل لي أبواب رزقك".
[ومنها]: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج من المسجد، فليسلم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم"، أخرجه النسائيّ في "اليوم والليلة"، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبيّ.
ووقع في رواية النسائي: "باعدني"، وفي نسخة:"أعذني"، وفي رواية ابن خزيمة، وابن حبان:"أجرني"، ورجال هذا الحديث من رجال الصحيح، لكن أعله النسائي، فأخرجه من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، أنه قال له: أوصيك باثنين. . .، فذكر هذا الحديث بنحوه.
ومن طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب كذلك، قال النسائي: ابن أبي ذئب أثبت عندنا من الضحاك بن عثمان، ومن محمد بن عجلان، وحديثه أولى بالصواب.
قال الحافظ: ورواية ابن عجلان أخرجها عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في "مصنّفيهما" كذلك، وأخرجه عبد الرزاق، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري أن كعبًا قال لأبي هريرة، فذكره، فهؤلاء ثلاثة خالفوا الضحاك في رفعه، وزاد ابن أبي ذئب في السند راويًا، وخفيت هذه العلة على مَن صَحَّح الحديث من طريق الضحاك.
وفي الجملة هو حسنٌ لشواهده، واللَّه تعالى أعلم. انتهى
(1)
.
(1)
"نتائج الأفكار" 1/ 279 - 280.
[ومنها]: حديث عبد اللَّه بن عمرو رضي الله عنهما: أخرجه أبو داود، عن إسماعيل بن بشر بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد اللَّه بن المبارك عن حيوة بن شريح، قال: لقيت عقبة بن مسلم، فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا دخل المسجد: "أعوذ باللَّه العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. . . "، قال: أقط؟ قلت: نعم، قال:"فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ مني سائر اليوم"، قال الحافظ: هذا حديث حسن غريب، ورجاله موثقون، وهم من رجال الصحيح، إلا إسماعيل وعقبة.
ومعنى قوله: "أقط؟ ": أما بلغك إلا هذا خاصّةً، والهمزة للاستفهام، والمشهور في طاء "قط" التخفيف، واللَّه تعالى أعلم.
[ومنها]: حديث عبد اللَّه بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلَّى على محمد وسلّم، ثم قال:"اللَّهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال:"اللَّهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك"، أخرجه الإمام أحمد عن إسماعيل ابن علية، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد اللَّه بن الحسن، قال إسماعيل: فلقيت عبد اللَّه بن الحسن، فسألته عن هذا الحديث؟ فقال: كان وإذا دخل قال: "رب افتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج قال:"رب افتح لي أبواب فضلك".
وهكذا أخرجه الترمذيّ عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل ابن علية. قال الترمذيّ: حديث فاطمة حسن، وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك جدتها فاطمة الكبرى؛ لأنها عاشت بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم أشهرًا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تحسين الترمذيّ رحمه الله مع كونه منقطعًا؛ لشواهده، وصححه الشيخ الألبانيّ رحمه الله
(1)
، واللَّه تعالى أعلم.
وأخرجه الطبرانيّ بلفظ: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد حمد اللَّه وسمَّى، وقال: "اللَّهم اغفر لي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج قال
(1)
انظر: "صحيح الترمذي" 1/ 102.
مثل ذلك، وقال:"اللَّهم افتح لي أبواب فضلك"، ورجال السند -كما قال الحافظ- ثقات، لكن فيه الانقطاع الذي ذكره الترمذيّ.
قال الحافظ رحمه الله: ووقع لنا ذكر الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من وجه آخر، ثم ساقه بإسناده إلى عبد الرزاق، عن قيس بن الربيع، عن عبد اللَّه بن الحسن بإسناده:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: اللهم صلِّ على محمد، وسلِّم، واغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج قال مثلها، لكنه يقول:"أبواب فضلك".
وقال أيضًا: ووقع لنا من وجه آخر فيه الحمد، والتسمية، والصلاة، والتسليم، ثم ساقه بإسناده إلى أبي بشر الدُّولابيّ، عن محمد بن عوف، عن موسى بن داود، عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْديّ، عن عبد اللَّه بن الحسن، بإسناده:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إذا دخل المسجد، قال: بسم اللَّه، والحمد للَّه، وصلى اللَّه على النبيّ وسلم، اللهم اغفر لي" فذكر مثل الذي قبله، لكن قال:"سَهِّل" بدل "افتح" في الموضعين، ورواة هذا الإسناد ثقات، إلا أن فيه الانقطاع الذي تقدم ذكره.
[ومنها]: ما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" من مرسل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: "السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، اللهم أجرني من الشيطان، ومن الشر كله"، قال الحافظ: ورجاله ثقات، ليس فيه سِوَى الإرْسَال، واللَّه تعالى أعلم
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ينبغي للمسلم أن يلازم هذه الأذكار في دخول المسجد والخروج منه؛ فإن تيسر له أن يقول كلها، فحسنٌ، وإلا فليقل منها ما تيسرله.
ومن الغريب أن كثيرًا من طلاب العلم، فضلًا عن عامة الناس، لا يهتمون بمثل هذه الأذكار، وهو حرمان عظيم، فقد سبق في بعضها أنه حرز من الشيطان؛ حيث يقول الشيطان إذا سمع الإنسان يقوله: حُفِظَ مني سائر اليوم، وهذا فضل عظيم.
(1)
"نتائج الأفكار" 1/ 288 - 289.
ألهمنا اللَّه تعالى الاقتداء بحبيبه صلى الله عليه وسلم في أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا، إنه وليّ ذلك {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)} [آل عمران: 74]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1653]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ سَعِيدِ بْنِ سُويدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبت عابدٌ [8](ت 6 أو 187)(ع) تقدم في "الإيمان" 10/ 145.
3 -
(عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) ابن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [6](ت 140)(خت م 4) تقدم في "الطهارة" 12/ 585.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عمارة بن غَزِيّة، عن ربيعة هذه ساقها ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(772)
حدّثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصيّ، وعبد الوهاب بن الضحاك، قالا: حدّثنا إسماعيل بن عياش
(1)
، عن عُمارة بن غَزِيّة، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاريّ، عن أبي حميد الساعديّ، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب
(1)
لا يقال إن رواية إسماعيل بن عيّاش عن الحجازيين ضعيفة، وهنا كذلك؛ لأنه يجاب بأنه لم ينفرد به، بل تابعه بشر بن المفضّل عند مسلم هنا، فتنبّه.
رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(12) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ، وَالنَّهْي عَنِ الْجُلُوسِ قَبْلَ صَلَاتِهِمَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1654]
(714) - (حَدَّثَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
3 -
(مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا.
4 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي.
5 -
(عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [4](ت 121) تقدم في "المساجد"(ع) 9/ 1217.
6 -
(عَمْرُوا بْنُ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ) -بضمّ الزاي، وفتح الراء، بعدها قاف- ثقةٌ، كان كبار التابعين [2](ت 140)، ويقال: له رؤية (ع) تقدم في "الصلاة" 17/ 916.
7 -
(أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ الحارث بن رِبْعيّ، وقيل: غيره، الصحابي المشهور، تُوُفّي رضي الله عنه سنة (54) على الأصحّ (ع) تقدم في "الطهارة" 18/ 619.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: القعنبيّ، فما أخرج له ابن ماجه، ويحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخيه: قتيبة، فبغلانيّ، ويحيى، فنيسابوريّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعىّ، عن تابعىّ: عامر بن عبد اللَّه، عن عمرو بن سُليم.
5 -
(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه من مشاهير الصحابة رضي الله عنهم، وكان فارس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) قال في "الفتح": هكذا اتُّفِق عليه عن مالك، ورواه سُهيل بن أبي صالح، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، فقال:"عن جابر" بدل أبي قتادة، وخطَّأه الترمذيّ، والدارقطنيّ، وغيرهما. انتهى.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ) أي: فليُصَلِّ، من إطلاق الجزء وإرادة الكل (رَكْعَتَيْنِ) هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتّفاق، واختُلِف في أقله، والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السنة بأقل من ركعتين، قاله في "الفتح".
ويتأدى ذلك بصلاة الفرض، فإذا دخل والناس في الصلاة فدخل معهم فيها، سقط عنه الطلب، فلا حاجة -كما قال السنديّ- إلى تخصيص الحديث بما إذا لم تُقَمِ المكتوبة، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": اتَّفَقَ أئمة الفتوى على أن الأمر بصلاة تحية المسجد للندب، ونَقَل ابن بطّال عن أهل الظاهر الوجوب، والذي صرَّح به ابن حزم عدمه.
ومن أدلة عدم الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم للذي رآه يتخطى: "اجلس، فقد آذيت"، ولم يأمره بصلاتها، كذا استدل به الطحاويّ، وغيره، قال الحافظ: وفيه نظر.
ومن أدلته أيضًا ما استدلّ به النسائيّ رحمه الله فقال: "الرخصة في الجلوس فيه، والخروج منه بغير صلاة"، ثم أورد حديث قصّة كعب بن مالك في تخلّفه عن غزة تبوك، وفيه:"فجئت، فجلست بين يديه" يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم في المسجد، حيث لم يأمره بالصلاة.
وقال الطحاويّ أيضًا: الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها.
قال الحافظ رحمه الله: هما عمومان تعارضا؛ الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلا بد من تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص النهي، وتعميم الأمر، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمع إلى عكسه، وهو قول الحنفية، والمالكية. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الشافعية -رحمهم اللَّه تعالى-؛ لما سنحققه، في المسائل -إن شاء اللَّه تعالى-.
وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي قتادة رضي الله عنه: "أعطوا المساجد حقها"، قيل له: وما حقها؟ قال: "ركعتين قبل أن تجلس"
(2)
.
(قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ") صرَّح جماعة بأنه إذا خالف، وجلس لا يُشْرَع له التدارك، وفيه نظر؛ لما رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه: أنه دخل المسجد، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال:"قم فاركعهما"، ترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس، ولحديث جابر رضي الله عنه: جاء سُلَيْك الغَطَفَانيّ يوم الجمعة، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فقعد سُليك قبل أن يصلي، فقال له:"أصليت ركعتين؟ "، فقال: لا، فقال:"قُم، فاركعهما".
وقال المحب الطبري: يَحْتَمِل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال: وقتهما قبله أداء، وبعده قضاء، ويَحْتَمِل أن تُحْمَل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل.
(1)
"الفتح" 2/ 106.
(2)
"الفتح" 2/ 106 - 107.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذكره المحبّ الطبري فيه نظرٌ لا يخفى، إذ الحقّ أنه يُشْرَع لمن لم يصلّ قبل الجلوس نسيانًا، أو جهلًا أن يصلي بعده مطلقًا، سواء طال الوقت، أم قصُر، على ظاهر النصوص المذكورة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة قبل الجلوس، وأمر من لم يصلِّ قبله أن يقوم فيصلي، ولم ينبّه على التفصيل الذي ذكره المحب؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا له سببٌ يأتي بيانه في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [12/ 1654 و 1655](714)، و (البخاريّ) في "المساجد"(444 و 1163)، و (أبو داود) في "الصلاة"(467 و 468)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(316)، و (النسائيّ) في "المساجد"(730)، وفي "الكبرى"(809)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1013)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 162)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(1673)، و (الحميديّ) في "مسنده"(421)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(1/ 339)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 295 و 296 و 303 و 305 و 311)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 323 - 324)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1825 و 1826 و 1827)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2495)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1238 و 1240)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1608 و 1609)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 53)، و (البغوي) في "شرح السنّة"(480)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة الصلاة لمن دخل المسجد.
2 -
(ومنها): بيان أنها ركعتان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فليركع ركعتين"، قال في "الفتح": هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتّفاق، واختُلف في أقلّه، والصحيح
اعتباره، فلا تتأدّى هذه السنّة بأقلّ من ركعتين. انتهى
(1)
.
3 -
(ومنها): أن ظاهر هذا الأمر لمن أراد الجلوس، فمن دخل المسجد، وخرج قبل أن يجلس لا يتناوله الأمر، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
4 -
(ومنها): أن بعضهم استدلّ بقوله: "فلا يجلس" على أنه إذا خالف، فجلس لا يُشرع له التدارك، والصحيح أنه لا تسقط عنه، بل يقوم فيُصليها؛ لما رواه ابن حبّان في "صحيحه" عن أبي ذرّ رضي الله عنه أنه دخل المسجد، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أركعت ركعتين؟ "، قال: لا، قال:"قم، فاركعهما".
5 -
(ومنها): أن هذه الصلاة التي تصلّى عند دخول المسجد تسمّى تحيّة المسجد، قد جاء ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما أخرج ابن حبّان في "صحيحه" من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه قال: دخلت المسجد، فإذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جالس وحده، قال:"يا أبا ذرّ إن للمسجد تحيّة، وإن تحيته ركعتان، فقم، فاركعهما"، قال: فقمت فركعتهما، ثم عُدت فجلست إليه، وذكر الحديث بطوله
(2)
.
وفي إسناده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسّانيّ، تكلّم فيه أبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهما.
قال ابن رجب رحمه الله: وقد روي من وجوه متعدّدة عن أبي ذرّ رضي الله عنه، وكلُّها لا تخلو من مقال.
قال: وتُسمَّى أيضًا حقّ المسجد، روى ابن إسحاق عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرو بن سُليم الزرقيّ، عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أعطوا المساجد حقّها"، قالوا: وما حقّها؟ قال: "تُصلُّوا ركعتين قبل أن تجلسوا"
(3)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ركعتي تحية المسجد:
(1)
"الفتح" 1/ 640.
(2)
راجع: "صحيح ابن حبان " 2/ 76.
(3)
"المصنّف" لابن أبي شيبة 1/ 340، و"فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 3/ 273 - 274.
ذهب الجمهور إلى استحباب ركعتي تحية المسجد، وأن الأمر في ذلك للندب، قال الإمام الترمذيّ رحمه الله في "جامعه" -بعد إخراج حديث أبي قتادة المذكور في الباب-: والعمل على هذا الحديث عند أصحابنا، استحبوا إذا دخل الرجل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي الركعتين، إلا أن يكون له عذر. انتهى
(1)
.
وذهب بعضهم إلى وجوب ركعتي تحية المسجد، وأن الأمر في ذلك للوجوب، ونسب إلى الظاهرية ما عدا ابن حزم، واستدلوا بحديث أبي قتادة المذكور في الباب، فإنه بصيغة الأمر، والأمر للوجوب، وسيأتي الجواب عنه -إن شاء اللَّه تعالى-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: نسبة الوجوب إلى الظاهرية، وإن حكاه القاضي عياض، وابن بطال، محل نظر؛ فإن ابن حزم قال في "المحلى" في الردّ على القائلين بوجوب شيء من الصلوات غير الخمس ما نصُّهُ: وأما كون ما عدا ذلك تطوعًا فإجماع من الحاضرين من المخالفين، إلا في الوتر، فإن أبا حنيفة قال: واجب، وقد رُوي عن بعض المتقدمين: أنها فرض. انتهى.
فقد بَيَّنَ ابنُ حزم -وهو أعلم الناس بمذهب الظاهرية- أن القول بعدم وجوب ما عدا الخمس إجماع، إلا ما ذكر في الوتر. فتنبه، واللَّه تعالى أعلم.
واستدلّ الأولون بحديث ضمام بن ثعلبة عند الشيخين، وغيرهما، وفيه: فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوع. . . " الحديث.
قال الحافظ أبو بكر ابن خزيمة رحمه الله في "صحيحه": "باب الدليل على أن الأمر بركعتين عند دخول المسجد أمر ندب، وإرشاد، وفضيلة، والدليل على أن الزجر عن الجلوس قبل صلاة ركعتين عند دخول المسجد نهي تأديب، لا نهي تحريم، بل حَضٌّ على الخير، والفضيلة".
قال أبو بكر: خبر طلحة بن عبيد اللَّه: جاء أعرابي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ماذا فرض اللَّه علي من الصلاة؟، قال:"الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا"،
(1)
"جامع الترمذيّ" 1/ 198 - 199.
فأعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم أن لا فرض من الصلاة إلا خمس صلوات، وأن ما سوى الخمس فتطوّع، لا فرض في شيء من ذلك. انتهى
(1)
.
واستدلّوا أيضًا بحديث قصّة كعب بن مالك رضي الله عنه حيث جلس عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلم يأمره بالصلاة، وهو حديث متّفق عليه، وقد استدلّ به النسائيّ: على عدم الوجوب، فقال:"الرخصة في الجلوس فيه -أي: المسجد- والخروج منه بغير صلاة"، ثم أورد الحديث
(2)
.
واستدلُّوا أيضًا بما تقدم من أن سبب حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا ما سيأتي بعده أنه دخل المسجد فوجد النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه جالسين، فجلس من غير أن يصلي ركعتين، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"ما منعك أن تركع؟ " قال: رأيتك جالسًا، والناس جلوس، قال: "فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع
(1)
"صحيح ابن خزيمة" 3/ 164.
(2)
نصّه في "المجتبى"(731): أخبرنا سليمان بن داود، قال: حدّثنا ابن وهب، عن يونس، قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن عبد اللَّه بن كعب، قال: سمعت كعب بن مالك، يحدث حديثه حين تخلف عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: وصبَّح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قادمًا، وكان إذا قَدِمَ من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المخلَّفون، فطَفِقُوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعًا وثمانين رجلًا، فقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووَكَلَ سرائرهم إلى اللَّه عز وجل حتى جئت، فلما سلمت تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المغضب، ثم قال: تعال، فجئت حتى جلست بين يديه، فقال لي:"ما خلَّفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ "، فقلت: يا رسول اللَّه، إني واللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه، ولقد أعطيتُ جدلًا، ولكن واللَّه لقد علمتُ، لئن حدثتك اليوم حديث كذب، لترضى به عني، ليوشك أن اللَّه عز وجل يُسخِطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تَجِد عليّ فيه، إني لأرجو فيه عفو اللَّه، واللَّه ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي اللَّه فيك"، فقمت، فمضيت. مختصرٌ. انتهى.
وسيأتي الحديث مطوّلًا عند المصنّف في "كتاب التوبة" برقم (2769) -إن شاء اللَّه تعالى-.
ركعتين"، ففيه أنه لم يأمره بالقيام لأداء الركعتين، فيدلُّ على عدم وجوبهما أيضًا.
واستدلُّوا أيضًا بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة عن عبد اللَّه بن بسر رضي الله عنه، قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، يوم الجمعة، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"اجلس فقد آذيت"، وزاد أحمد:"اجلس فقد آذيت وآنيت" -يعني تأخرت- فقد أمره بالجلوس، ولم يأمره بالصلاة.
لكن فيه أنه يَحْتَمِل أنه صلى في جانب المسجد قبل التخطي، واللَّه تعالى أعلم.
وقال العلامة العينيّ رحمه الله: لو قلنا بوجوبهما لحرم على المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أنه لا يجب عليه سجودهما عند دخوله. انتهى.
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: وجمهور العلماء على عدم الوجوب لهما، ثم اختلفوا، فظاهر مذهب مالك أنهما من النوافل، وقيل: إنهما من السنن، وهذا على اصطلاح المالكية في الفرق بين النوافل والسنن والفضائل، ونقل عن بعض الناس أنهما واجبتان، تمسكًا بالنهي عن الجلوس قبل الركوع، وعلى الرواية الأخرى -التي وردت بصيغة الأمر- يكون التمسك بصيغة الأمر.
ولا شك أن ظاهر الأمر الوجوب، وظاهر النهي التحريم، ومن أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى دليل. ولعلهم يفعلون في هذا ما فعلوا في مسألة الوتر، حيث استدلّوا على عدم الوجوب فيه بقوله صلى الله عليه وسلم:"خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد"، وقول السائل: هل علي غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع"، فحملوا لذلك صيغة الأمر على الندب، لدلالة هذا الحديث على عدم وجوب غير الخمس، إلا أن هذا يشكل عليهم بإيجابهم الصلاة على الميت، تمسكًا بصيغة الأمر. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: فهو محتاج إلى الدليل، أقوى
(1)
"إحكام الأحكام" 2/ 467 - 468.
الدليل للجمهور هو الحديث الذي ذكره هو، فدلالته على عدم وجوب ما سوى الخمس واضحة.
وأما جواب من أجاب بأن ذلك قبل أن يجب غيرها من الصلوات -كما ذكره الصنعاني، والشوكانيّ- فَيُرَدُّ عليه بحديث معاذ رضي الله عنه حين بعثه النبيّ إلى اليمن، فقال له: إنك ستأتي قومًا أهل كتاب. . . " الحديث، وفيه: "فأعْلِمْهُم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة"، وبَعْثُ معاذ رضي الله عنه كان سنة عشر قبل حجة النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما ذكره البخاريّ رحمه الله في أواخر "كتاب المغازي"، ويقال: إنه ما قَدِمَ إلا بعد موته صلى الله عليه وسلم".
فهذا واضح في عدم افتراض شيء من الصلوات غير الخمس؛ لأن هذا الحديث متأخر بيقين.
وأما قوله: يشكل عليهم إيجابهم الصلاة على الميت.
فجوابه أن الصلاة على الميت ليست فرض عين؛ لأن السائل سأله عما يجب عليه، ولا يسقط بفعل غيره عنه، بدليل اقتصاره صلى الله عليه وسلم في جوابه على فرائض الأعيان.
وقد أطال العلامة الشوكانيّ في انتصار القول بالوجوب
(1)
، وكذلك الصنعانيّ
(2)
، وأقوى مُستَنَدِهما في ذلك دعوى أن حديث:"هل عليّ غيرُهَن؟ قال: لا. . . "، كان أوّلًا، ثم تزايدت التشريعات بعد ذلك، وهذا مردود عليهما بحديث معاذ رضي الله عنه المذكور المتأخر يقينًا. فتبصر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب ركعتي تحيّة المسجد، هو الحق؛ لظهور حجته، كما أسلفناه آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في أداء ركعتي تحيّة المسجد في أوقات النهي، ووقت الخطبة:
(1)
"نيل الأوطار" 3/ 347 - 349.
(2)
راجع: "العدة حاشية العمدة" 2/ 468.
ذهب الشافعية، وجماعة إلى جواز أدائها فيها، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لظاهر أحاديث الباب.
وذهب أبو حنيفة، والأوزاعيّ، والليث إلى كراهة أدائها فيها، محتجين بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة.
وأجاب الأولون بأن النهي إنما هو عما لا سبب له؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتين قضاء سنة الظهر، متّفقٌ عليه.
وبحديث: "أن رجلًا صلى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلّم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قام يركع ركعتي الفجر، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه"، رواه ابن حبان في "صحيحه".
وبحديث: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما انصرف إذا هو برجلين، لم يصليا معه، فقال: "عليّ بهما"، فجيء بهما تَرْعَدُ فَرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ "، قالا: صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، فإذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلّيا معهم، فإنها لكما نافلة"، رواه أبو داود والنسائي، وصححه الترمذيّ.
وبحديث: "أنه صلى الله عليه وسلم أمر بركعتي تحية المسجد لمن جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب"، مع أن الوقت وقت سماع الخطبة، ففي رواية الشيخين، من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا:"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليصلّ ركعتين"، وفي رواية لمسلم:"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن من هذه الأدلّة الصحيحة ترجيح قول من قال بمشروعية ركعتي تحية المسجد مطلقًا في أوقات الكراهة، ووقت الخطبة، وغيرها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الإمام ابن دقيق العيد بعد ذكر الخلاف المتقدم ما نصه: وهذا الخلاف في هذه المسألة ينبني على مسألة أصولية مُشْكِلَة، وهو ما إذا تعارض نصّان كل واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه، خاص من وجه، ولست أعني بالنصين ها هنا ما لا يحتمل التأويل.
وتحقيق ذلك أوَّلًا يتوقف على تصوير المسألة، فنقول: مدلول أحد
النصين إن لم يتناول مدلول الآخر، ولا شيئًا منه، فهما متباينان، كلفظة "المشركين" و"المؤمنين" مثلًا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر، فهما متساويان، كلفظة "الإنسان" و"البشر" مثلًا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر، ويتناول غيره، فالمتناول له ولغيره عام من كل وجه بالنسبة إلى الآخر، والآخر خاص من كل وجه، وإن كان مدلولهما يجتمع في صورة، وينفرد كل واحد منهما بصورة، أو صُور، فكل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه.
فإذا تقرر هذا، فقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا دخل أحدكم المسجد. . . " إلخ مع قوله: "لا صلاة بعد الصبح" من هذا القبيل، فإنهما يجتمعان في صورة، وهو ما إذا دخل المسجد بعد الصبح، أو العصر، وينفردان أيضًا، بأن توجد الصلاة في هذا الوقت من غير دخول المسجد، ودخول المسجد في غير ذلك الوقت، فإذا وقع مثل هذا فالإشكال قائم؛ لأن أحد الخصمين لو قال: لا تكره الصلاة عند دخول المسجد في هذه الأوقات؛ لأن هذا الحديث دلّ على جوازها عند دخول المسجد، وهو خاصّ بالنسبة إلى الحديث الأول المانع من الصلاة بعد الصبح، فأخصّ قوله:"لا صلاة بعد الصبح" بقوله: "إذا دخل أحدكم المسجد"؛ فلخصمه أن يقول: قوله: "إذا دخل أحدكم المسجد" عام بالنسبة إلى الأوقات، فأخصه بقوله:"لا صلاة بعد الصبح" فإن هذا الوقت أخص من عموم الأوقات.
فالحاصل أن قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد" خاص بالنسبة إلى هذه الصلاة -أعني الصلاة عند دخول المسجد- عام بالنسبة إلى هذه الأوقات، وقوله:"لا صلاة بعد الصبح" خاص بالنسبة إلى هذا الوقت، عام بالنسبة إلى الصلوات. فوقع الإشكال من ها هنا.
وذهب بعض المحققين إلى التوقف حتى يأتي ترجيح خارج بقرينة، أو غيرها، فمن ادعى أحد هذين الحكمين -أعني الجواز، أو المنع- فعليه إبداء أمر زائد على مجرد الحديث. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله
(1)
.
(1)
"إحكام الأحكام" 2/ 470 - 472 بنسخة "العدّة".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأمر الزائد المرجِّح موجود -وللَّه الحمد- وهو ما تقدّم من النصوص الدالة على جواز الصلوات التي لها أسْبَاب.
والمراد بذوات الأسباب هي التي لها سبب متقدم عليها، فاندفع بهذا ما قاله الصنعانيّ من أن الحكم على بعض الصلوات بأنها من ذوات الأسباب دون بعض تفريق بين المتماثلات؛ إذ ما من صلاة إلا ولها سبب باعث عليها أقله الندب إليها، فإن أرادوا ما نُصَّ عليه بخصوصه من النوافل، فهو من التنصيص على بعض أفراد العام الشامل له ولغيره، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"الصلاة خير موضوع، فمن أراد أن يستكثر منها، فليستكثر"، حديث حسن أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط للطبرانيّ" بلفظ:"فمن استطاع أن يستكثر"، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، وأنه مع ذلك يلزم أن لا يبقى لأحاديث النهي محل يتوجه إليه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الصنعانيّ رحمه الله بعيد كل البعد عما تقدّم، فإن المراد بالأسباب هنا هي الأسباب التي قدَّمها الشخص على فعل الصلاة، فاقتضت فعلَها، وذلك كأن تفوته صلاة، فيتذكرها في ذلك الوقت، فيصليها، أو يدخل المسجد فيصلي ركعتين، أو يتوضأ فيصلي ركعتي الوضوء، أو يأتي المسجد، وقد صلى العصر، أو الصبح في رحله، فأدرك الجماعة، فصلى معهم، أو فاتته ركعتا الفجر، فصلاهما بعد أداء الفرض جماعة، أو نحو ذلك، فمثل هذه الأشياء هي التي لها أسباب تقدمت على فعلها، وأما البواعث المقتضية للفعل من جهة الشرع، كالحديث الذي ذكره، فليست مرادة ها هنا، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وأما ما قاله الشوكانيّ رحمه الله بعد ذكره التعارض المتقدِّم، وأنه لا يمكن الترجيح-: والمقام عندي من المضائق، والأوْلى للمتورع ترك دخول المساجد في أوقات الكراهة، فعجيب من مثله، فكيف يُمْنَع المسلم، من دخول المساجد؟ وأيُّ نص في ذلك حتى نعتمد عليه؟ بل الصواب أن المساجد مأذون في دخولها في جميع الأوقات، إلا فيمن ورد النصّ بتحريم الدخول في حقه كمن أكل ثُومًا، أو نحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
والحاصل أن أدلة تخصيص عموم النهي بذوات الأسباب واضحة، لا لبس فيها، فيُشْرَع أداء ركعتي تحية المسجد في جميع الأوقات، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: إذا دخل المسجد بعد أن صلى ركعتي الفجر في بيته فهل يركعهما في المسجد؟، اختَلَف قول مالك فيه، وظاهر الحديث يقتضي الركوع، وقيل: إن الخلاف في هذا من جهة معارضة هذا الحديث للحديث الذي رووه من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد الفجر، إلا ركعتي الفجر"، وهذا أضعف من المسألة السابقة؛ لأنه يحتاج في هذا إلى إثبات صحة هذا الحديث حتى يقع التعارض، فإن الحديثين الأولين في المسألة الأولى صحيحان، وبعد التجاوز عن هذه المطالبة، وتقدير تسليم صحته يعود الأمر إلى ما ذكرناه من تعارض أمرين، يصير كل واحد منهما عامًّا من وجه، خاصّا من وجه، وقد ذكرناه. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أما الحديث المذكور فضعيفٌ بجميع طرقه، وإن صححه بعضهم بمجموعها، فلا يعارض الحديث الصحيح، حديثَ عمرو بن عَبَسة رضي الله عنه: أصَلِّ ما بدا لك حتى تصلي الصبح" الحديث.
والحاصل أن من دخل المسجد بعد أداء ركعتي الفجر، يصلي ركعتي تحية المسجد؛ لكونهما من ذوات الأسباب، كما سبق تحقيقه قريبًا، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا دخل المسجد مجتازًا، فهل يؤمر بالركعتين؟ أم لا؟:
خَفَّف في ذلك مالك رحمه الله، قال ابن دقيق العيد رحمه الله: وعندي أن دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه المسألة؛ فإنا إن نظرنا إلى صيغة النهي، فالنهي يتناول جلوسًا قبل الركعتين، فإذا لم يحصل الجلوس أصلًا لم يفعل المنهي،
(1)
"إحكام الأحكام" 2/ 472 - 473.
وإن نظرنا إلى صيغة الأمر، فالأمر توجه بركوع قبل الجلوس، فإذا انتفيا معًا لم يخالف الأمر. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد رحمه الله هو الظاهر، فمن دخل المسجد مجتازًا ليس عليه أن يركع الركعتين؛ لعدم تناول النصّ له، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (واعلم) أن حديث أبي قتادة رضي الله عنه قد روي بلفظين:
[أحدهما]: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس"، كذا رواه مالك، وقد أخرجه البخاريّ ها هنا من طريقه كذلك، وهذا اللفظ يقتضي الأمر لهم بالصلاة قبل الجلوس، فمن جلس في المسجد كان مأمورًا بالصلاة قبل جلوسه، ومن لم يجلس فيه، فهل يكون مأمورًا بالصلاة؟ ينبغي على أن القبلية المطلقة هل تصدُق بدون وجود ما أضيفت إليه أم لا؟ وفيه خلاف، فإن قيل: إنها لا تصدق بدونه، فالأمر لا يتناول من لا يجلس، وإن قيل: إنها تصدق بدونه تناوله الأمر.
[واللفظ الثاني]: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين"، وقد أخرجه البخاريّ في:"أبواب صلاة التطوع" من رواية عبد اللَّه بن سعيد -هو: ابن أبي هند- عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، بإسناده.
وهذه الرواية إنما فيها النهي عن الجلوس حتى يصلي، فمن دخل ولم يجلس، بل مرّ في المسجد مجتازًا فيه، أو دخل لحاجة ثم خرج ولم يجلس لم يتناوله هذا النهي.
ولكن أخرجه أبو داود من رواية أبي عُميس، عن عامر بن عبد اللَّه، عن رجل من بني زريق، عن أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه، زاد فيه:"ثم ليقعد بعد إن شاء، أو ليذهب إلى حاجته".
وهذه الزيادة تدلّ على تناول الأمر لمن قعد ومن لم يقعد، ولعلها مدرجة في الحديث.
(1)
"إحكام الأحكام" 2/ 474.
وقد خرّج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في "كتاب الشافي" هذا الحديث من هذا الوجه، ووقفه كله على أبي قتادة رضي الله عنه.
وقد فرّق أحمد وإسحاق بين أن يجلس الداخل في المسجد، فقالا: لا يجلس فيه حتى يصلي، قالا: وأما إذا مرّ فلا بأس، ولا يتخذه طريقًا، نقله إسحاق بن منصور عنهما.
وكان ابن عمر يمرّ في المسجد ولا يصلي فيه.
وفي "تهذيب المدونة": قال مالك: ومن دخل المسجد فلا يقعد حتى يركع ركعتين، إلا أن يكون مجتازًا لحاجة، فجائز أن يمرّ فيه ولا يركع، وقاله زيد بن ثابت ثم كره زيد أن يمر فيه ولا يركع، ولم يأخذ به مالك، وقال زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلّون. قال: ورأيت ابن عمر يفعله، وكان سالم بن عبد اللَّه يمر فيه مقبلًا ومدبرًا ولا يصلي فيه، ورَخّص فيه الشعبي، وقال الحسن: لا بأس أن يستطرق المسجد، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر في المسجد فصلى فيه ركعة، وقال: إنما هو تطوع، وقال: كَرِهْتُ أن أتخذه طريقًا، ومرَّ طلحة في المسجد، فسجد سجدة، ومر فيه الزبير فركع ركعة أو سجد سجدة، خرّجه وكيع في "كتابه"، وفي أسانيد المروي عن عمر وطلحة والزبير مقال.
وفي جواز التطوع بركعة قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد، وقد بوَّب البخاريّ على أن التطوع لا يكون إلا ركعتين يسلم فيهما، وخرّج فيه حديث أبي قتادة هذا مع غيره.
وللشافعية خلاف فيما إذا صلى ركعة: هل يقضي بذلك حقّ المسجد، أم لا؟ والصحيح عندهم أنه لا يقضيه بذلك.
وأما الاقتصار على سجدة فقول غريب.
وفي النهي عن اتخاذ المسجد طريقًا أحاديث مرفوعة متعددة، في أسانيدها ضعف.
وروينا من طريق الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن سالم، عن أبيه، قال: لقي عبد اللَّه رجل فقال: السلام عليك يا ابن مسعود. فقال عبد اللَّه: صدق اللَّه ورسوله؛ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من أشراط الساعة أن يمر الرجل في
المسجد لا يصلي فيه ركعتين، ولا يسلم الرجل إلا على من يعرفه، وأن يُبْرِد الصبيُّ الشيخَ".
الحكم بن عبد الملك، ضعيف.
ورواه -أيضًا- ميمون أبو حمزة -وهو ضعيف جدًّا-، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود مرفوعًا، وخرّجه البزار من رواية بشير بن سليمان أبي إسماعيل، عن سيار، عن طارق، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، وخرَّجه الإمام أحمد بغير هذا اللفظ، ولم يذكر فيه المرور في المسجد، وذكر خِصَالًا أخر.
وأما من مر على المسجد، فهل يستحب له الدخول إليه لقصد الصلاة فيه؟ لا نعلم في ذلك إلا ما رواه سعيد بن أبي هلال: أخبرني مروان بن عثمان، أن عبيد بن حنين أخبره، عن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنا نغدو إلى السوق على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فنمرّ على المسجد، فنصلي فيه، خرّجه النسائيّ، وبوّب عليه:"صلاة الذي يمر على المسجد".
ومروان بن عثمان، قال فيه الإمام أحمد: لا يعرف. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح أن من دخل مسجدًا، ثم خرج قبل أن يجلس ليس عليه تحيّة المسجد؛ لظاهر النصّ، حيث قُيّد بالجلوس.
وأما استطراق المسجد عند الحاجة فجائز؛ إذ الأحاديث الواردة في النهي عنه ضعيفة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): لفظ "المسجد" يتناول كل مسجد، وقد أخرجوا عنه المسجد الحرام، وجعلوا تحيته الطواف.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: فإن كان في ذلك خلاف، فلمخالفهم أن يستدِلَّ بهذا الحديث، وإن لم يكن فالسبب في ذلك النظر إلى المعنى، وهو أن المقصود افتتاح الدخول في محل العبادة بعبادة، وعبادة الطواف تُحَصِّل هذا
(1)
"فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 3/ 274 - 278.
المقصود، مع أن غير هذا المسجد لا يشاركه فيها، فاجتمع في ذلك تحصيل المقصود مع الاختصاص.
وأيضًا فقد يؤخذ ذلك من فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم في حجته حين دخل المسجد، فابتدأ بالطواف على ما يقتضيه ظاهر الحديث، واستمرّ عليه العمل، وذلك أخص من هذا العموم.
وأيضًا فإذا اتفق أن طاف، ومَشَى على السُّنَّة في تعقيب الطواف بركعتيه، وجرينا على ظاهر اللفظ في الحديث، فقد وفينا بمقتضاه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنه لا معنى لإخراج المسجد الحرام من هذا الحديث -كما يشير إليه آخر كلام ابن دقيق العيد رحمه الله، فإن من دخله، إما أن يكون محرمًا بأحد النسكين، أوْ لا، فإن كان محرمًا بأحدهما؛ فالسنة في حقه أن يبدأ بالطواف، ثم يصلي ركعتين -كما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فمن فعل بالسنة فقد عَمِلَ بحديث الباب؛ لأن المطلوب منه أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، وقد وُجِد، وإن لم يكن محرمًا، فإن أراد الطواف فكذلك، وإلا فليركع ركعتين قبل أن يجلس.
والحاصل أن المسجد الحرام كسائر المساجد في طلب الركعتين قبل الجلوس، تقدَّمهما طواف، أم لا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): إذا صلى العيد في المسجد، فهل يصلي التحية عند الدخول فيه؟:
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: والظاهر من لفظ الحديث أنه يصلي، ولكن جاء في الحديث:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُصَلِّ قبلها ولا بعدها"، أعني صلاة العيد، والنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ العيد في المسجد، ولا نُقِل عنه ذلك، فلا معارضة بين الحديثين، إلا أن يقول قائل، ويَفهَم فاهم أن ترك الصلاة قبل العيد، وبعدها من سنة صلاة العيد، من حيث هي هي، وليس لكونها واقعة في الصحراء أثر في ذلك الحكم، فحينئذ يقع التعارض، غير أن ذلك يتوقف على أمر زائد، وقرائن تشعر بذلك، فإن لم يوجد فالاتباع أولى استحبابًا، أعني في ترك الركوع في الصحراء، وفعله في المسجد للمسجد، لا للعيد. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: لم يُصَلِّ العيد في المسجد، ولا نُقِل عنه ذلك، هو كما قال، وأما ما رواه أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه أصابهم مطر يومًا، فصلى بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم العيد في المسجد، فضعيف؛ لأن في سنده عيسى بن عبد الأعلى بن عبد اللَّه بن أبي فَرْوة مجهول.
وقوله: فإن لم يوجد ذلك فالاتباع أولى؛ أي: إن لم توجد القرائن الدالة على ما ذكره، فالاتباع بترك الركعتين في الصحراء، وفعلهما في المسجد له، لا للعيد، هو الأولى.
قال العلامة الصنعانيّ رحمه الله: وهذا هو المنهج الواضح، وصلاته في المسجد لأجله، لا للعيد، وتركها في الصحراء، أعني ترك صلاة التحية في مصلى الصحراء، لا للمنع عن الصلاة، فإن الترك لا ظاهر له يقتضي المنع عن الصلاة مطلقًا، ولا يوجد منه ما يعارض حديث:"الصلاة خير موضوع".
والعجب من ذكر هذا الخلاف في تحية المسجد، والصحراءُ ليست من المساجد، وهذا بناءٌ على أن الصحراء غير مُسَبَّلَة، وإلا فهي مسجد.
نعم يؤخذ من ترك الصلاة قبل صلاة العيد استحباب تعجيلها، وعدم الاشتغال بغيرها من النوافل، ولمثل هذا أُخّرت الخطبة. انتهى
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): قال الإمام النوويّ رحمه الله: لو تكرر دخوله في المسجد في الساعة الواحدة مرارًا، قال صاحب "التَّتِمّة": تستحب التحية لكل مرة، وقال المحاملي في "اللباب": أرجو أن تجزئه التحية مرة واحدة، والأول أقوى، وأقرب إلى ظاهر الحديث. انتهى
(2)
.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: من أكثر تردده إلى المسجد، وتكرر، هل يؤمر بتكرار الركعتين؟ قال بعضهم: لا، وقاسه على الحَطَّابين، والفَكَّاهين المترددين إلى مكة في سقوط الإحرام عنهم، إذا تكرر ترددهم. والحديث يقتضي التكرر بتكرر الدخول.
(1)
"الفتح" 2/ 475.
(2)
"المجموع" 4/ 52.
وقول هذا القائل يتعلق بمسألة أصولية، وهو تخصيص العموم بالقياس، وللأصوليين في ذلك أقوال متعددة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في هذا الكلام نظرٌ لا يخفى؛ إذ هذا القياس غير صحيح؛ لأن دخول مكة لمن لم يرد الحج والعمرة بغير إحرام جائز على القول الراجح، سواء تكرر أم لا؛ فقد دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم عام الفتح بلا إحرام، فالقول بوجوب الإحرام مما لا دليل عليه، فقياس دخول المسجد عليه مع وجود النصّ قياس فاسد، فالراجح ما رجّحه النوويّ رحمه الله.
والحاصل أن تكرّر الصلاة بتكرّر الدخول هو الظاهر؛ لظاهر النصّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1655]
(. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الأَنْصَارِيُّ
(1)
، حَدَّثَنِي
(2)
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ بْنِ خَلْدَةَ
(3)
الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ، قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ؟ "، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ جَالِسًا، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ، قَالَ:"فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [10](ت 235)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
(1)
وفي نسخة: "عن زائدة، أخبرني عمرو".
(2)
وفي نسخة: "أخبرني".
(3)
بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام، و"الزُّرَقيّ" بضمّ الزاي، وفتح الراء، بعدها قاف.
2 -
(حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [9](ت 3 أو 204)(ع) تقدم في "الإيمان" 11/ 154.
3 -
(زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ [7](ت 160) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 53.
4 -
(عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الأَنْصَارِيُّ) هو: عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [6](ت 130)(ع) تقدم في "الإيمان" 88/ 464.
5 -
(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن منقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [4](ت 121) وهو ابن (74) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 10/ 150.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عمرو بن يحيى، والباقون كوفيّون.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: محمد بن يحيى، عن عمرو بن سُليم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ بْنِ خَلْدَةَ) -بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام- الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن رِبْعيّ بن بَلْدَمَة، وقد اختُلف في اسمه (صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) بجرّ "صاحبِ" صفة لأبي قتادة، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ "أل" فيه للعهد (وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ) أي: بينهم، يقال: هو نازلٌ بين ظَهرانيهم -بفتح النون- قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعةٌ: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْريهم، وبين
أَظْهُرهم، كلُّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كثُر حتى استُعْمِل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، قاله في "المصباح"
(1)
.
(قَالَ) أبو قتادة رضي الله عنه (فَجَلَسْتُ) أي: دون أن يصلي ركعتين (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا) استفهاميّةٌ، والاستفهام للإنكار (مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ؟ ") هذا يدلّ على أن أبا قتادة رضي الله عنه كان يعلم قبل ذلك مشروعيّة ركعتين لمن دخل المسجد قبل أن يجلس، وإلا لما أنكر عليه في ذلك، بل كلّمه في مشروعيّتهما (قَالَ) أبو قتادة معتذرًا من عدم صلاته (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ جَالِسًا، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ) أي: فجلست موافقةً لكم، أو فاستحييت مخالفتكم، فجلست دون أن أركعهما (قَالَ) صلى الله عليه وسلم ("فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ") فيه التصريح بكراهة الجلوس بلا صلاة ركعتين، واستحبابهما في أيّ وقت دخل، وهو مذهب الشافعيّ، وجماعة، وهو الأرجح، كما أسلفنا تحقيقه في شرح الحديث الماضي.
[تنبيه]: عموم هذا الحديث يشمل المسجد الحرام، وأما ما اشتهر بين الناس من أن تحيّة المسجد الحرام هو الطواف، لا الصلاة، فمخالف لهذا الحديث وغيره، فتحيّة المساجد مطلقًا هي صلاة ركعتين، ولا ينافي ذلك كون السنّة أن يبدأ من أحرم بالحجّ، أو العمرة أن يبدأ بالطواف؛ لأن الذي يبدأ بالطواف يصلي عقبه ركعتي الطواف قبل أن يجلس، فقد حصل المطلوب من امتثال الأمر بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين"، وكذلك لا يتناوله النهي بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين".
والحاصل أن من دخل المسجد الحرام إن كان لا يريد الطواف، فليركع ركعتين قبل أن يجلس، وإن كان يريد الطواف لحج أو عمرة، أو تطوّعًا،
(1)
"المصباح المنير" 2/ 387.
فليركع بعد الطواف ركعتي الطواف، وقد حصل امتثال الأمر بأداء ركعتين، فتفطّن لهذا المهمّ، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(1829)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1240)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1609)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1656]
(715) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دَيْنٌ، فَقَضَانِي، وَزَادَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ لِي: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ
(1)
الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ) الكوفيّ، ثقةٌ [10](138)(م د) تقدم في "الإيمان" 64/ 365.
2 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: ابن عُبيد الرحمن -بتصغير الاسمين- أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كُتُبًا في الثوريّ، من كبار [9](ت 182)(خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" 10/ 146.
3 -
(سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الحافظ الفقيه العابد، من رؤوس [7](ت 161)(ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
4 -
(مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [4](ت 116)(ع) تقدم في "الصلاة" 40/ 1069.
5 -
(جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنه، مات بعد (70) وهو ابن (94) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
(1)
بفتح الجيم، وتشديد الواو، آخره سين مهملة.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، وعبيد اللَّه الأشجعيّ، فما أخرج له أبو داود.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، والصحابيّ مدنيّ.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا، وهو من المعمّرين، كما أسلفناه آنفًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دَيْنٌ) هذا الدين هو ثمن جمل جابر رضي الله عنه، وسيأتي في الباب التالي من طريق شعبة، عن محارب، سمع جابر بن عبد اللَّه يقول:"اشترى مني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعيرًا، فلما قدِم المدينة، أمرني أن آتي المسجد، فأُصلّي ركعتين".
وقصّة جمله ستأتي للمصنّف في "كتاب المساقاة": من طريق الشعبيّ، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: غزوت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي قد أعيا، ولا يكاد يسير، قال: فقال لي: "ما لبعيرك؟ "، قال: قلت: عَلِيلٌ، قال: فتخلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فزجره، ودعا له، فما زال بين يدي الإبل قُدّامها يسير، قال: فقال لي: "كيف ترى بعيرك؟ " قال: قلت: بخير، قد أصابته بركتك، قال:"أفتبيعنيه؟ "، فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره، قال: فقلت، نعم، فبعته إياه على أن لي فَقَار ظهره حتى أبلغ المدينة، قال: فقلت له: يا رسول اللَّه، إني عَرُوس، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت الناس إلى المدينة حتى انتهيت، فلقيني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرته بما صنعت فيه، فلامني فيه، قال: وقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لي حين استأذنته: "ما تزوجت، أبكرًا أم ثيبًا؟ "، فقلت له: تزوجت ثيبًا، قال:"أفلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها؟ "، فقلت له: يا رسول اللَّه، تُوُفِّي والدي، أو استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج إليهنّ مثلهنّ، فلا تؤدبهنّ، ولا تقوم عليهنّ، فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهنّ، وتؤدبهنّ، قال: فلما قدم
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة غدوت إليه بالبعير، فأعطاني ثمنه، وردّه عليّ.
وفي رواية: قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فاعتَلَّ جملي، وساق الحديث بقصته، وفيه: ثم قال لي: "بعني جملك هذا"، قال: قلت: لا، بل هو لك، قال:"لا، بل بعنيه"، قال: قلت: لا، بل هو لك يا رسول اللَّه، قال:"لا، بل بعنيه"، قال: قلت: فإن لرجل عليّ أوقيةَ ذهب، فهو لك بها، قال قد أخذته، فتبلَّغ عليه إلى المدينة، قال: فلما قَدِمت المدينة قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لبلال: "أعطه أوقيةً من ذهب، وزده"، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطًا، قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرَّة.
وفي رواية قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفر، فتخلّف ناضحي، وساق الحديث، وقال فيه: فنخسه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم قال لي:"اركب باسم اللَّه"، وزاد أيضًا: قال: فما زال يزيدني، ويقول: واللَّه يغفر لك". انتهى.
وسيأتي شرح الحديث مستوفى في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَقَضَانِي) أي: أدّى إليّ ذلك الدين، وكان أُوقيّة من ذهب، كما بُيّن في الرواية المذكورة آنفًا (وَزَادَنِي) أي: قيرَاطًا، كما بيّن في الرواية أيضًا (وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي: على النبيّ صلى الله عليه وسلم (الْمَسْجِدَ) النبويّ (فَقَالَ لِي: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ").
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر أن هذه الصلاة غير الصلاة التي تأتي في حديث جابر رضي الله عنه الآتي في الباب التالي؛ لأنه في تلك وجد النبيّ صلى الله عليه وسلم على باب المسجد، فقال له:"ادخل، فصلّ ركعتين"، وأما هذه فظاهرها أنه صلى الله عليه وسلم كان داخل المسجد، فدخل عليه جابر، فأمره بصلاة ركعتين، ونحوها رواية البخاريّ من طريق مسعر، عن محارب بلفظ:"أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو في المسجد"، فظاهره أنه وجده داخل المسجد، فعلى هذا يتم الاستدلال بهذا الحديث على الأمر بصلاة تحيّة المسجد.
والحاصل أن الذي يظهر من هذه الرواية، حيث إن فيها:"أتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد"، أنه دخل عليه صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فأمره بصلاة ركعتين تحيّة للمسجد، والظاهر أن هذا في وقت آخر، غير ما في الرواية الآتية في الباب التالي، من طريق وهب بن كيسان، عن جابر رضي الله عنه بلفظ: "فجئتُ المسجد،
فوجدته على باب المسجد، قال:"الآن حين قدِمتَ؟ "، قلت: نعم، قال:"دَعْ جملك، وادخل، فصلّ ركعتين"، قال: فدخلت، فصلّيت، ثم رجعت"، فهذه الرواية ظاهرة في أن ذلك كان أول ما قدِم من سفره، فوجده على باب المسجد، فأمره بأن يدخل، فيُصلي ركعتين، وهما سنّة القدوم من السفر، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [12/ 1656 و 13/ 1657 و 1658](715)، و (البخاريّ) في "الصلاة"(443) و"البيوع"(2097) و"الاستقراض"(2394) و"الهبة"(2604) و"الجهاد"(3087 و 3089)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 302 - 308)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2496)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1241 و 1242 و 1243)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1610 و 1611 و 1612)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان استحباب تحيّة المسجد بصلاة ركعتين فيه.
2 -
(ومنها): بيان جواز الاستدانة من الناس.
3 -
(ومنها): وجوب قضاء الدين.
4 -
(ومنها): جواز البيع إلى أجل؛ لأن جابرًا رضي الله عنه باع جمله بثمن مؤجّل.
5 -
(ومنها): استحباب الزيادة في قضاء الدين، ولا يكون ذلك من باب الربا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قضى جابرًا دينه، وكان أوقيّةً، وزاده قيراطًا، وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان لرجل على النبيّ صلى الله عليه وسلم سِنٌّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال:"أعطوه"، فطلبوا سِنَّهُ، فلم يجدوا له إلا سنًّا فوقها، فقال:"أعطوه"، فقال: أوفيتني أوفى اللَّه بك، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إن خيارَكم أحسنُكم قضاءً"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(13) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ قُدُومِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1657]
(. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اشْتَرَى مِنَي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعِيرًا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ، فَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 237)(خ م د س) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
2 -
(أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [9](ت 196)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، وهو دليل واضح على استحباب الابتداء بالمسجد لمن قدِمَ من السفر، فيصلي فيه ركعتين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1658]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي الثَّقَفِيَّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي، وَأَعْيَا، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، قَالَ
(1)
: "الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعْ جَمَلَكَ، وَادْخُلْ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَدَخَلْتُ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
2 -
(عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقة [8](ت 194)(ع) تقدم في "الإيمان" 17/ 173.
3 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [5] مات سنة بضع و (140)(ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
4 -
(وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ) القُرَشيّ مولاهم، أبو نُعيم المدنيّ المعلّم، ثقةٌ، من كبار [4](ت 127)(ع) تقدم في "الحيض" 23/ 797.
والصحابيّ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد اللَّه، عن وهب، وتقدّم الكلام في جابر رضي الله عنه.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَاةٍ)
(1)
وفي نسخة: "فقال".
-بفتح الغين المعجمة، اسم من الغَزْو، قال ابن الأثير رحمه الله:"الْغَزْوة": المرّة من الغزو، والاسم: الْغَزَاةُ. انتهى
(1)
. وقال في "المختار": غَزَوت العدوَّ، من باب عَدَا، والاسم: الْغَزَاةُ، ورجلٌ غازٍ، وجمعه: غُزَاةٌ، كقاضٍ وقُضاة، وغُزًّى، كسابق وسُبَّق، وغَزِيّ، كحاجّ وحَجِيج، وقاطنٍ وقَطِينٍ، وغُزّاءٌ، كفاسق وفُسّاق. انتهى
(2)
.
وقال في "القاموس": غزاه غَزْوًا: أراده، وطلبه، وقصده، كاغتزاه، وغزا العدوَّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم. انتهى
(3)
.
ويقال: إن الغزوة التي فيها هي غزوة ذات الرقاع، وقيل: هي غزوة تبوك، ورجّح الحافظ الأول؛ لأنه قول أهل المغازي، وهم أضبط لذلك من غيرهم، وأيضًا فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له:"هل تزوّجت؟ "، قال: نعم إلى آخر القصّة، وفيه اعتذاره بتزوجه الثيّب بأن أباه استُشهد بأُحُد، وترك أخواته، فتزوّج ثيّبًا؛ لتمشّطهنّ، وتقوم عليهنّ، فأشعر بأن ذلك كان بالقرب من وفاة أبيه، فيكون وقوع القصّة في ذات الرقاع أظهر من وقوعها في تبوك؛ لأن ذات الرقاع كانت بعد أُحُد بسنة واحدة على الصحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع سنين، أفاده في "الفتح"
(4)
.
(فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي) أي: تأخّر سيره، يقال: أبطأ الرجلُ: تأخّر مجيئه، وبَطُؤَ مجيئه بُطْئًا، من باب قَرُب، وبَطاءَةً بالفتح والمدّ، فهو بطيء، على فعيل
(5)
.
(وَأَعْيَا) أي: تَعِبَ، وعجز عن السير، يقال: عَيِيَ بالأمر، وعن حُجّته يَعْيَا، من باب تَعِبَ عِيًّا: عَجَزَ عنه، وقد يُدْغَم الماضي، فيقال: عَيَّ، فالرجل عَيٌّ، وعَيِيٌّ، على فَعْلٍ، وفَعِيلٍ، وعَيِيَ بالأمر: لم يَهتَد لوجهه، وأعياني كذا بالألف: أتعبني، فأعييتُ يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، وأعيا في مشيه، فهو مُعْيٍ، منقوصٌ
(6)
.
(1)
"النهاية" 3/ 366.
(2)
"مختار الصحاح"(ص 222).
(3)
"القاموس المحيط" 4/ 369.
(4)
"الفتح" 4/ 378 "كتاب الشروط" رقم (2718).
(5)
"المصباح المنير" 1/ 52.
(6)
"المصباح" 2/ 441.
(ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ) الظاهر أنه أراد غداة اليوم الذي يلي يوم قدومه صلى الله عليه وسلم، وهذا يخالف ما تقدّم في الرواية الأخرى من أنه قال:"فقلت له: يا رسول اللَّه، إني عَرُوس، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت الناس إلى المدينة"، فإنه يدلّ على أنه سبق الناس.
ويُمكن الجمع بأن يقال: إنه لا يلزم من قوله: فتقدّمت الناس أن يستمرّ سبقه لهم؛ لاحتمال أن يكونوا لَحِقوه بعد أن تقدّمهم، إما لنزوله لراحة، أو نوم، أو غير ذلك، واستمرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على سيره حتى دخل المدينة قبله، ثم قدم بعده بالغداة، واللَّه تعالى أعلم.
(فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، قَالَ) وفي نسخة: "فقال"("الْآنَ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بخبر لـ "حين قدمت"، وهو على تقدير أداة الاستفهام؛ أي: آلآنَ، وهو ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولَزِمَ دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف تمييز المشتركات، وليس لهذا ما يَشْرَكه في معناه
(1)
. (حِينَ قَدِمْتَ؟ ") ببناء "حين" على الفتح؛ لإضافتها إلى الفعل الماضي، ويجوز إعرابها، فيُرفع على أنه مبتدأ، خبره الظرف قبله، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ "إِذْ" قَدْ أُجْرِيَا
…
وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا
…
أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
ومنه قول الشاعر:
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا
…
فَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ
رُوي بفتحِ "حين" على البناء، وكسرها على الإعراب.
(قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم ("فَدَعْ) أي: اترك (جَمَلَكَ، وَادْخُلْ) المسجد (فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ"، قَالَ) جابر رضي الله عنه (فدَخَلْتُ) المسجد (فَصَلَّيْتُ) الركعتين، ففيه استحباب صلاة ركعتين عند القدوم من السفر، واستحباب البداءة بالمسجد قبل البيت (ثُمَّ رَجَعْتُ) أي: إلى جهة حاجته.
والحديث تقدّم تخريجه، وبيان مسائله، وسيأتي أيضًا مطوّلًا في
(1)
"المصباح المنير" 1/ 31.
"الرضاع" و"المساقاة"، ويأتي هناك شرحه مستوفًى -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1659]
(716) - (حَدَّثَنَا
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ، يَعْنِي أَبَا عَاصِمٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَعَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا، فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المذكور قبله.
2 -
(الضَّحَّاكُ، أَبُو عَاصِمٍ) ابن مَخْلد بن الضحّاك النبيل الشيبانيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [9](ت 212) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
3 -
(مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [10](ت 239) أو بعد ذلك (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 6/ 81.
4 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام، تقدّم قبل بابين.
5 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ، كان يدلّس ويُرسل [6](ت 150) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
6 -
(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قريبًا.
7 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَميّ، أبو الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [3].
رَوَى عن أبيه، وجدّه، وعمّه، عبيد اللَّه، وأبي هريرة، وجابر، وسلمة بن الأكوع على خلاف فيه.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا"، وفي أخرى:"وحدّثني".
وروى عنه الزهريّ، ومحمد بن أبي أُمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
قيل: إنه كان أعلم قومه، وأوعاهم، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال خليفة بن خياط: مات في خلافة هشام بن عبد الملك.
ووقع في "صحيح البخاريّ" في "الجهاد" تصريحه بالسماع من جدّه، وقال الذهليّ في "العلل": ما أظنه سمع من جدّه شيئًا، وقال الدارقطنيّ: روايته عن جدّه مرسل، وقال أبو العباس الطَّرْقيّ: إنما رَوَى عن جدّه أحرفًا في الحديث، ولم يمكنه الحديث بطوله، فاستثبته من أبيه. انتهى.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (716) و (1802) و (2769).
8 -
(أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ) بن مالك الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [2]، يقال: له رؤيةٌ (ت 7 أو 98)(خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" 64/ 360.
9 -
(عَمُّهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَميّ، أبو فَضَالة المدنيّ، ثقةٌ [3].
رَوَى عن أبيه، وعنه أخوه مَعْبد، وابن أخيه عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، والزهريّ.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو أحمد الحاكم: كان أعلم قومه، وأوعاهم لأحاديث الصحابة، وذكر ابن حبان أنه سمع من عثمان، وأخرج له أبو يعلى في "مسنده" حديثًا أرسله، لذلك ذكره الذهبيّ في "تجريد الصحابة"، وهو وَهَمٌ، قاله الحافظ رحمه الله.
أخرج له البخاري والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عند المصنّف، وأبي داود إلا هذا الحديث، وله عند البخاريّ حديثان، وعند النسائيّ حديثان أيضًا.
10 -
(كَعْبُ بْنُ مَالِكِ) بن أبي كعب، واسمه عمرو بن الْقَيْن بن كعب بن سَوّاد بن غَنْم بن كعب بن سلمة الأنصاريّ السَّلَميّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد: ويقال: أبو بشير المدنيّ الشاعر.
رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن أُسَيد بن حُضير، وعنه أولاده: عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، ومحمد، ومَعْبَد، وعبد الرحمن، وابن ابنه عبد الرحمن بن عبد اللَّه، وابن عباس، وجابر، وأبو أُمامة الباهليّ، وعُمَر بن الحكم بن ثوبان، وعُمر بن الحكم بن رافع، وعُمر بن كثير بن أفلح، وعليّ بن أبي طلحة، وأبو جعفر الباقر، ولم يدركاه.
قال ابن الكلبيّ: شَهِد بدرًا، كذا قال، وقد صَحّ عن كعب أنه قال: تخلَّفت عن بدر، وقال الهيثم بن عديّ: تُوُفّي سنة إحدى وخمسين، وقال ابن الْبَرْقيّ: مات قبل الأربعين، وقال الواقديّ: سنة (50)، وقال ابن عون، عن ابن سيرين: كان ثلاثة من الأنصار يُهَاجُون عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: حسان، وابن رواحة، وكعب، وهو أحد الثلاثة الذين تاب اللَّه عليهم، وأنزل فيهم:{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} ، وهو أحد السبعين الذين شَهِدوا العقبة، وذكر ابن حبّان أنه مات أيام قَتْل عليّ رضي الله عنه، وقال ابن سعد: آخى النبيّ صلى الله عليه وسلم بينه وبين الزبير، وقيل: طلحة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، هذا برقم (716) وحديث (1142) و (1558) و (2032) وكرّره ثلاث مرّات، و (2769) و (2810) وأعاده بعده.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة تحمله عنهما، حيث أخذ عن ابن المثنّى مع جماعة، ولذا قال:"حدّثنا"، وعن ابن غيلان وحده، ولذا قال:"وحدّثني"، فتنبّه لهذه الدقائق.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار إلى عبد اللَّه بن مالك.
4 -
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: ابن شهاب، عن عبد الرحمن، عن أبيه، وعمّه.
5 -
(ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة رضي الله عنهم، أنزل اللَّه تعالى في
شأن توبته وصاحبيه: هلال بن أميّة الواقفيّ، ومُرارة بن ربيعة العامريّ رضي الله عنهم قوله:{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} الآية [التوبة: 118].
شرح الحديث:
(عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَقْدَمُ) بفتح أوله، وثالثه، مضارع قَدِم بكسر الدال، قال في "القاموس": وقَدِمَ من سفره، كعَلِمَ قُدُومًا، وقِدْمَانًا بالكسر: آبَ، فهو قادمٌ، وجمعه كعُنُقٍ، وزُنَّارٍ. انتهى
(1)
. (مِنْ سَفَرٍ إلَّا نَهَارًا) فيه استحباب القدُوم في النهار، وإنما كان يفعل ذلك؛ لأنه قد نَهَى أن يطرُق الرجل أهله ليلًا، وقد نَبَّهَ على تعليله في حديث جابر رضي الله عنه، قال:"نَهَى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يَطْرُق الرجل أهله ليلًا، يتخَوَّنهم، أو يلتمس عَثَرَاتهم"، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم.
وعن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما أيضًا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخلت ليلًا، فلا تدخل على أهلك، حتى تَستَحِدّ الْمُغِيبةُ، وتَمْتَشِط الشَّعِثَةُ"، متّفقٌ عليه، واللفظ للبخاريّ.
واقتصر هنا كعب رضي الله عنه على ذكر وقت الضحى، وقد رواه أنس رضي الله عنه، فقال:"كان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يطرُقُ أهله، كان لا يدخل إلا غُدْوةً، أو عشيَّةً"، متّفقٌ عليه، ولفظ مسلم:"لا يطرُقُ أهله ليلًا، وكان يأتيهم غُدْوةً، أو عشيَّةً".
قال القرطبيّ-رحمه الله: وكأنه كان أكثر قدومه في أول النهار؛ ليبدأ بالصلاة في المسجد، فكان يتأخّر حتى يخرج وقت النهي. انتهى
(2)
.
وقوله: (فِي الضُّحَى) بدل من الجارّ والمجرور قبله، قال في "القاموس": الضَّحْوة، والضَّحِيّةُ، كعشيّة: ارتفاع النهار، والضُّحَى فُويقه، ويُذكّر، ويُصغَّر ضُحَيًّا بلا هاء، والضَّحَاءُ بالمدّ: إذا قَرُبَ انتصاف النهار، وبالضمّ والقصر: الشمسُ. انتهى
(3)
.
وقال في "المصباح": الضَّحاءُ بالفتح والمدّ: امتداد النهار، وهو مذكّرٌ،
(1)
"القاموس المحيط" 4/ 162.
(2)
"المفهم" 2/ 354 - 355.
(3)
"القاموس المحيط" 4/ 354.
كأنه اسم للوقت، والضَّحْوةُ مثله، والجمع ضُحًى، مثلُ قَرْية وقُرَى، وارتفعت الضُّحَى: أي: ارتفعت الشمس، ثم استُعمل الضُّحَى استعمال المفرد، وسُمّي بها حتى صُغِّر على ضُحَيّ بغير هاء، وقال الفرّاء: كرِهُوا إدخال الهاء؛ لئلا يلتبس بتصغير ضَحْوَة. انتهى
(1)
.
(فَإِذَا قَدِمَ) أي: رجع من سفره (بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ) وفي رواية البخاريّ: "ثم جلس للناس"؛ أي: لأجل أن يسلّم عليه الناس، وفي رواية لأحمد:"لا يقدم من سفر إلا في الضحى، فيبدأ بالمسجد، فيُصلي فيه ركعتين، ويقعُد"، وفي رواية ابن أبي شيبة:"ثم يدخل على أهله"، وفي حديث أبي ثعلبة:"كان إذا قَدِمَ من سفره بدأ بالمسجد، فصلّى فيه ركعتين، ثم يُثني بفاطمة، ثم يأتي أزواجه"، وفي لفظ:"ثم بدأ ببيت فاطمة، ثم أتى بيوت نسائه"، ذكره في "الفتح"
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 1659](716) وفي "كتاب التوبة"(2769)، و (البخاريّ) في "المغازي"(3088)، و (أبو داود) في "الصلاة"(2781)، و (النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى"(6/ 359) رقم (11232)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1243)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1613 و 1614 و 1615)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان استحباب صلاة ركعتين لمن قدِم من السفر، قال النووىّ رحمه الله: وهذه الصلاة مقصودة للقدوم من السفر، لا أنها تحيّة المسجد،
(1)
"المصباح المنير" 2/ 358 - 359.
(2)
"الفتح" 7/ 723 "كتاب المغازي" رقم (4418).
والأحاديث المذكورة صريحةٌ في ذلك. انتهى
(1)
.
وقال في "الفتح": يستحبّ للقادم أن يكون على وضوء، وأن يبدأ بالمسجد قبل بيته، فيصلي فيه، ثم يجلس لمن يُسلّم عليه. انتهى
(2)
.
2 -
(ومنها): بيان استحباب القدوم من السفر نهارًا، ولا يطرُق أهله ليلًا؛ لما سبق من النهي.
3 -
(ومنها): استحباب كون القدوم وقت الضحى، قال النوويّ رحمه الله: فيه استحباب القدوم أوائل النهار. انتهى
(3)
.
4 -
(ومنها): استحباب البداء بالمسجد قبل البيت.
5 -
(ومنها): استحباب الجلوس في المسجد؛ لكونه أسهل على من يريد استقباله، والسلام عليه، بخلاف البيت، فإنه ربّما يشقّ على الناس، أو على أهل بيته كثرة دخول الناس فيه.
وقال النوويّ رحمه الله: وفيه أنه يستحب للرجل الكبير في المرتبة، ومَن يقصده الناس إذا قَدِم من سفر للسلام عليه أن يقعد أَوَّلَ قدومه قريبًا من داره، في موضع بارز، سَهْلٍ على زائريه، إما المسجد، وإما غيره. انتهى
(4)
.
6 -
(ومنها): استحباب السلام على القادم، وتلقّيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(14) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أقَلَّهَا رَكْعَتَانِ، وَبَيَانِ فَضْلِهَا، وَالْحَثِّ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1660]
(717) - (وَحَدَّثَنَا
(5)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ،
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 228.
(2)
"الفتح" 7/ 730 "كتاب المغازي" رقم (4418).
(3)
"شرح النوويّ" 5/ 228.
(4)
"شرح مسلم" 5/ 228.
(5)
وفي نسخة: "حدّثنا".
عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
2 -
(يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 182)(ع) تقدم في "الإيمان" 7/ 132.
3 -
(سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) هو: ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [5](ت 144)(ع) تقدم في "الإيمان" 40/ 266.
4 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقةٌ، فيه نَصْبٌ [3](ت 108)(بخ م 4) تقدم في "الإيمان" 84/ 450.
5 -
(عَائِشَةُ) بنت الصدّيق رضي الله عنهما، أم المؤمنين، تُوفيت رضي الله عنها سنة (57) أو بعدها (ع)، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 315.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فإنه فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعبد اللَّه بن شقيق، فأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد".
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وعائشة رضي الله عنها فمدنيّة.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سعيد، عن ابن شقيق.
5 -
(ومنها): أن فيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، روت من الحديث (2210)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ: أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) رضي الله عنها (هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى؟) أي: صلاة الضحى؟ (قَالَتْ: لَا) أي: كان لا يصليها (إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ) -بفتح الميم، وكسر المعجمة- يكون مصدرًا
لغاب يَغِيب غَيْبَةً، وغِيَابًا -بالكسر- وغُيُوبًا، ويكون مَحَلَّ الغَيْبَة، وهو المراد هنا؛ أي: إلا أن يقدَم من سفره.
وهذا الذي قالته عائشة رضي الله عنها يفيد أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ صلاة الضحى إلا عند القدوم من السفر، وقد جاء عنها في ذلك أشياء مختلفة، فقد أخرج الشيخان من طريق عروة، عنها، أنها قالت:"ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سبّح الضحى، وإني لأسبّحها"، وفي لفظ:"ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُصلي سُبحة الضحى قطّ، وإني لأسبّحها، وإن كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليَدَع العمل، وهو يُحبّ أن يعمل به، خشيةَ أن يعمل به الناس، فيُفرَضَ عليهم"
(1)
.
ويأتي للمصنّف من طريق معاذة العدوية، أنها سألت عائشة رضي الله عنها: كم كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟، قالت:"أربعًا، ويزيد ما شاء"، وفي رواية:"ويزيد ما شاء اللَّه".
ففي الأول نفي صلاته صلى الله عليه وسلم صلاةَ الضحى مُقيّدًا بغير المجيء من مغيبه، وفي الثاني نفي رؤيتها لذلك مطلقًا، وفي الثالث إثباتها مطلقًا.
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: خَفِي على عائشة رضي الله عنها صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى في غير اليوم الذي كان يَقْدَم فيه من مغيبه، كما خَفِي على أُسامة رضي الله عنه صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الكعبة. انتهى
(2)
.
وقال النوويّ رحمه الله في "شرحه" ما حاصله: الجمع بين حديثي عائشة رضي الله عنها في نفي صلاته صلى الله عليه وسلم الضحى، وإثباتها، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصليها في بعض الأوقات؛ لفضلها، ويتركها في بعضها خشيةَ أن تُفْرَض، كما ذكرته عائشة رضي الله عنها، ويُتَأَوَّل قولها:"ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه"، على أن معناه: ما رأيته؛ كما قالت في روايتها الأخرى: "ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى".
وسببه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما كان يكون عند عائشة رضي الله عنها في وقت الضحى إلا في وقت نادر من الأوقات، فإنه قد يكون في ذلك مسافرًا، وقد يكون حاضرًا،
(1)
متّفقٌ عليه، واللفظ الأول للبخاريّ، والثاني لمسلم.
(2)
"الأوسط" 5/ 238.
ولكنه في المسجد، أو في موضع آخر، وإذا كان عند نسائه، فإنما كان لها يوم من تسعة، فيصحّ قولها:"ما رأيته يصليها"، وتكون قد علمت بخبره، أو خبر غيره أنه صلاها، أو يقال: قولها: "ما كان يصليها"؛ أي: يداوم عليها، فيكون نفيًا للمداومة، لا لأصلها، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(1)
.
وقال في "الفتح": وقد اختَلَفَ العلماء في ذلك:
فذهب ابن عبد البرّ وجماعة إلى ترجيح ما اتفق الشيخان عليه، دون ما انفرد به مسلم، وقالوا: إن عدم رؤيتها لذلك لا يستلزم عدم الوقوع، فيقدّم من رُوِي عنه من الصحابة الإثباتُ.
وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، قال البيهقيّ: عندي أن المراد بقولها: "ما رأيته يسبّحها"؛ أي: يُداوم عليها، وقولها:"وإني لأسبّحها"؛ أي: أداوم عليها، وكذا قولها:"وما أحدث الناس شيئًا" تعني المداومة عليها، قال: وفي بقية الحديث إشارة إلى ذلك، حيث قالت:"وإن كان لَيَدَعُ العملَ، وهو يحبّ أن يعمله خشية أن يَعْمَل به الناس، فيفرضَ عليهم". انتهى.
وحكى المحبّ الطبريّ أنه جمع بين قولها: "ما كان يصلي إلا أن يجيء من مغيبه"، وقولها:"كان يصليّ أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه": بأن الأول محمول على صلاته إياها في المسجد، والثاني على البيت، قال: ويعكُرُ
(2)
عليه قولها: "ما رأيته يسبحها قطّ"، ويجاب عنه بأن المنفيّ صفة مخصوصة، وأَخَذَ الجمعَ المذكورَ من كلام ابن حبّان.
وقال عياض وغيره: قولها: "ما صلاها" معناه ما رأيته يصلّيها، والجمع بينه وبين قولها:"كان يصليها" أنها أَخبَرت في الإنكار عن عدم مشاهدتها، وفي الإثبات عن غيرها.
وقيل في الجمع أيضًا: يَحْتَمِلُ أن تكون نفت صلاة الضحى المعهودة حينئذ، من هيئة مخصوصة، بعدد مخصوص، في وقت مخصوص، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يصليها إذا قَدِمَ من سفر، لا بعدد مخصوص، ولا بغيره، كما قالت:
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 237.
(2)
عَكَرَ الشيءُ يعكِر، من بابي ضرب، وقتل: عَطَفَ، ورجع.
"يصلي أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه". انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أقرب الأجوبة، وأحسنها قول من قال: إن نفي عائشة رضي الله عنها لصلاته صلى الله عليه وسلم الضحى مبنيّ على علمها، حيث لم تره يصليها إلا في حال قدومه من مغيبه، قال القرطبيّ رحمه الله: قيل: إنما نفت أن تكون رأته يصلّيها بحضرتها، وغير حال قدومه من سفر، وحيث صلى أربعًا كان إذا قَدِمَ من سفر. انتهى
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيهات]:
(الأول): حديث عائشة رضي الله عنها هذا يدلّ على ضعف ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه، وعدّها لذلك جماعة من العلماء من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت ذلك في خبر صحيح، وقول الماورديّ في "الحاوي": إنه صلى الله عليه وسلم واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات، يَعكُر عليه ما رواه مسلم من حديث أم هانئ رضي الله عنها أنه لم يصلّها قبلُ، ولا بعدُ.
ولا يقال: إن نفي أم هانئ لذلك لا يلزم منه العدم؛ لأنا نقول: يحتاج من أثبته إلى دليل، ولو وجد لم يكن حجة؛ لأن عائشة رضي الله عنها ذكرت أنه كان إذا عَمِل عملًا أثبته، فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوبَ عليه، قاله في "الفتح"
(3)
.
(الثاني): ذَكَرَ النوويّ رحمه الله ما حاصله: صحّ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال في الضحى: هي بدعة، فيُحْمَل على أنه أراد أن صلاتها في المسجد، والتظاهر بها، كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أن أصلها في البيوت، ونحوها مذمومٌ، أو يقال: قوله: بدعة؛ أي: المواظبة عليها؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يواظب عليها؛ خشيةَ أن تُفرض، وهذا في حقّه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت استحباب المحافظة في حقّنا بحديث أبي الدرداء، وأبي ذرّ رضي الله عنه الآتي؛ أو يقال: إن ابن عمر رضي الله عنهما لم يبلغه فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم الضحى، وأمْره بها، وكيف كان، فجمهور العلماء على استحباب الضحى، وإنما نُقل التوقّف فيها عن ابن مسعود، وابن عمر رضي الله عنهم،
(1)
"الفتح" 3/ 373 - 374.
(2)
"المفهم" 2/ 356.
(3)
"الفتح" 3/ 373.
واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أحسن الأجوبة عندي الجواب الأخير، فإنكار ابن عمر وغيره محمول على عدم العلم بثبوتها، وأضعفها، بل هو غير صحيح، ثانيها؛ لأن قوله: إن المواظبة عليها بدعة، يبطله ما ثبت في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء رضي الله عنهم مما يدلّ على أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمحافظة على صلاة الضحى، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(الثالث): زاد في رواية النسائيّ في حديث الباب: "قلت: هل كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصوم شهرًا كله؟، قالت: لا، ما علمت صام شهرًا كله إلا رمضان، ولا أفطر حتى يصوم منه، حتى مضى لسبيله".
وفي رواية: "قلت: هل كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم له صوم معلومٌ، سوى رمضان؟ قالت: واللَّه إن صام شهرًا معلومًا سوى رمضان، حتى مضى لوجهه، ولا أفطر حتى يصوم منه". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بجزء الصلاة فقط [14/ 1660 و 1661](717) وأخرجه بجزء الصوم فقط في "الصوم"(1156)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1292)، و (النسائيّ) في "الصيام"(2183 و 2184 و 2185 و 2349) وفي "الكبرى"(2493 و 2494 و 2495 و 2658)، و (الترمذيّ) في "الصوم"(768) وفي "الشمائل"(285)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 407)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1554)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 218)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1230)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2526 و 2527)،
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 230.
و (أبو عوانة) في "مسنده"(2127)، و (أبو عوانة) في "مستخرجه"(1616 و 1617)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 49 - 50)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1003)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1661]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ
(1)
، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ
(2)
الْقَيْسِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُوهُ) معاذ بن معاذ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
3 -
(كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَيْسِيُّ) التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [5](ت 149)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 102.
[تنبيه]: قوله: "القيسيّ": نسبة إلى بني قيس، وهم أخواله، قال في "تهذيب الكمال": كَهْمَس بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، وأخواله قيس، وهو من النَّمِر بن قاسط، وكان نازلًا في بني قيس، وقيل: التيميّ، من تيم اللَّه بن النَّمِر بن قاسط، وليس فيهما تميم. انتهى
(3)
.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
زاد في نسخة: "العنبريّ".
(2)
وفي نسخة: "كهمس، هو ابن الحسن".
(3)
"تهذيب الكمال" 24/ 232.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1662]
(718) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا
(1)
، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيَدَعُ الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
3 -
(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي.
4 -
(عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ [3](ت 94) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 407.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فنيسابوريّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة.
5 -
(ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وتقدّم الكلام على عائشة رضي الله عنها في السند الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّهَا قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى) بضمّ السين المهملة، وسكون الموحّدة: النافلة، وأصلها من
(1)
وفي نسخة: "وإني لأستحبّها".
التسبيح، وخُصّت النافلة بذلك؛ لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلة، فقيل لصلاة النافلة: سُبْحةٌ؛ لأنها كالتسبيح في الفريضة، قاله في "الفتح"
(1)
.
وقال ابن عبد البرّ رحمه الله: معناه: ما صلى صلاة الضحى، قال اللَّه عز وجل:{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)} [الصافات: 143]، قال المفسرون: من المصلين، إلا أن أهل العلم لا يوقعون اسم سُبْحَة إلا على النافلة دون الفريضة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"واجعلوا صلاتكم معهم سبحةً"؛ أي: نافلة. انتهى
(2)
.
(قَطُّ) أي: في الزمان الماضي، قال في "القاموس": وما رأيته قطّ، ويُضمّ، ويُخفّفان، وقطٍّ مشدّدةً مجرورة بمعنى الدهر مخصوص بالماضي؛ أي: فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عُمُري. انتهى
(3)
، وقد نظم شيخنا المناسيّ رحمه الله ما ذُكر بقوله:
وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ
…
قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قُطُ قَطْ
قال الخطّابيّ رحمه الله: وهذا من عائشة رضي الله عنها إخبارٌ عما علمته، دون ما لم تعلم، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الضحى يوم الفتح، وأوصى أبا ذرّ وأبا هريرة رضي الله عنه، وقال ابن عبد البرّ رحمه الله: أما قولها: ما سبّح سُبحة الضحى قطّ، فهو أن مِن عِلْمِ السنن علمًا خاصًّا يوجد عند بعض أهل العلم دون بعض، فليس أحد من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، والإحاطة ممتنعة، وهذا ما لا يجهله إلا من لا عناية له بالعلم، وإنما حَصَلَ المتأخرون على علم ذلك مذ صار العلم في الكتب، لكنهم بذلك دخلت حفظهم داخلة، فليسوا في الحفظ كالمتقدمين، وإن كان قد حصل في كتب المقل منهم علم جماعة من العلماء، واللَّه ينوّر بالعلم قلب من يشاء. انتهى
(4)
.
(وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا) من التسبيح؛ أي: أصلّيها، وفي بعض النسخ:"لأستحبّها"، من الاستحباب، وهو رواية "صحيح البخاريّ" في "باب تحريض النبيّ صلى الله عليه وسلم على قيام الليل"، قال في "الفتح": ولكلّ منهما وجهة، لكن الأول -
(1)
"الفتح" 3/ 67 "كتاب التهجّد" رقم (1177).
(2)
"التمهيد" لابن عبد البر 8/ 134 - 135.
(3)
"القاموس المحيط" 2/ 380.
(4)
"التمهيد" لابن عبد البر 8/ 136.
يعني لأسبّحها- يقتضي الفعل، والثاني -يعني لأستحبّها- لا يستلزمه (وَإِنْ) بكسر الهمزة، مخفّفة من "إنّ" المشدّدة، واسمها ضمير شأن محذوف؛ أي: إنه، واللام في خبرها، وهو "ليدع العمل" هي الفارقة بينها، وبين "إن" النافية، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة" بقوله:
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ
…
وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا
…
مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا
…
تُلْفِهِ غَالِبًا بِـ "إِنْ" ذِي مُوصَلَا
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيَدَعُ) بفتح اللام، وهي الفارقة، كما أسلفته آنفًا؛ أي: ليترك (الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال (خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ) بنصب "خشية" على أنه مفعول من أجله؛ أي: لأجل خشيته عمل الناس بما عَمِل؛ اقتداءً به (فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ) بالبناء للمفعول، ونصبه عطفًا على "يَعْمَلَ".
قال ابن عبد البرّ رحمه الله: في هذا الحديث من الفقه معرفة رأفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأمته، ورحمته بهم -صلوات اللَّه عليه وسلامه- كما قال اللَّه عز وجل:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128]. انتهى
(1)
.
وقال ابن الجوزيّ رحمه الله: "فيُفرَضَ عليهم" يَحْتَمِل وجهين: أحدهما: فيَفْرِضه اللَّه تعالى، والثاني: فيعملوا به اعتقادًا أنه مفروض. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الثاني فيه نظرٌ، فتأمّله.
وقال ابن بطال رحمه الله: يَحْتَمِل حديث عائشة رضي الله عنها معنيين:
[أحدهما]: أنه يُمكن أن يكون هذا القول منه في وقتٍ فُرِض عليه قيام الليل دون أمته؛ لقوله في الحديث الآخر: "لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفْرَض عليكم"، فدل على أنه كان فرضًا عليه وحده، فيكون معنى قول عائشة:"إن كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لَيَدُع العمل"، أنه كان يدع عمله
(1)
"التمهيد" لابن عبد البر 8/ 134.
(2)
راجع: "عمدة القاري" 7/ 257.
لأمته، ودعاءهم إلى فعلهم معه، لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلًا، وقد فرضه اللَّه عليه، أو ندبه إليه؛ لأنه كان أتقى أمته، وأشدهم اجتهادًا، ألا ترى أنه لما اجتمع الناس من الليلة الثالثة، أو الرابعة، لم يَخْرُج إليهم، ولا شك أنه صلى حِزْبه تلك الليلة في بيته، فخشي إن خرج إليهم، والتزموا معه صلاة الليل، أن يسوى اللَّه عز وجل بينه وبينهم في حكمها، فيفرضها عليهم من أجل أنها فَرْضٌ عليه؛ إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم في الصلاة، فما كان منها فريضة، فالإمام والمأموم فيه سواء، وكذلك ما كان منها سنةً، أو نافلةً.
[الثاني]: أن يكون خَشِي من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعُفُوا عنها، فيكون من تركها عاصيًا للَّه في مخالفته لنبيه صلى الله عليه وسلم، وترك اتباعه، مُتَوَعَّدًا بالعقاب على ذلك؛ لأن اللَّه تعالى فرض اتباعه، فقال:{وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، وقال في من ترك اتّباعه:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، فخشي على تاركها أن يكون كتارك ما فرض اللَّه عليه؛ لأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم كطاعته سبحانه وتعالى، وكان صلى الله عليه وسلم رفيقًا بالمؤمنين رحيمًا بهم.
[فإن قيل]: كيف يجوز أن تُكْتَب عليهم صلاة الليل، وقد أُكملت الفرائض؟.
[قيل له]: صلاة الليل كانت مكتوبةً على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأفعاله التي تتصل بالشريعة واجب على أمته الاقتداء به فيها، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعل في وقت معلوم، يقتدون به، ويرونه واجبًا، فالزيادة إنما يتصل وجوبها عليهم من جهة وجوب الاقتداء بفعله، لا من جهة ابتداء فرض زائد على الخمس.
أو يكون أن اللَّه تعالى لَمّا فَرَض الخمسين، وحَطّها بشفاعته صلى الله عليه وسلم، فإذا عادت الأمة فيما استَوْهَبَت، والتَزَمت متبرعةً ما كانت استَعْفَت منه، لم يُستَنكَر ثبوته فرضًا عليهم، وقد ذكر اللَّه تعالى فريقًا من النصارى، وأنهم ابتدعوا رهبانيةً ما كتبها عليهم، ثم لامهم لَمّا قَصَّروا فيها، بقوله تعالى:{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} الآية [الحديد: 72]، فخشي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثلهم، فقَطَع العمل؛
شفقة على أمته. انتهى
(1)
، وهو بحث نفيس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [14/ 1662](718)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1128 و 1177)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1293)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(480)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2124)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1617)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 152 - 153)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4867)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 169 و 170 و 178 و 209 و 210 و 223)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(312 و 313 و 2532)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 50)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1663]
(719) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي الرِّشْكَ، حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [9](ت 6 أو 235) وله بضع و (90) سنة (م د س) تقدم في الإيمان 12/ 157.
2 -
(عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، ورُمي بالقدر، ولم يثبُت عنه [8](ت 180)(ع) تقدم في "الإيمان" 18/ 176.
(1)
راجع: "عمدة القاري" 7/ 176.
3 -
(يَزِيدُ الرِّشْكُ) هو: يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعيّ مولاهم، أبو الأزهر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، ووَهِمَ من ليّنه [6](ت 130) وهو ابن مائة سنة (ع) تقدم في "الحيض" 14/ 767.
[تنبيه]: "الرِّشك" -بكسر الراء، وسكون الشين المعجمة- قال في "القاموس": الرِّشك بالكسر: الكبير اللحية، والذي يَعُدُّ على الرُّمَاة في السَّبَقِ، وأصله القاف، ولقب يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعيّ، أَحْسَب أهل زمانه. انتهى
(1)
.
وقال السيّد مرتضى رحمه الله في "شرحه": "الرِّشْكُ" بالكَسرِ أَهمَلَه الجوهريّ، وقالَ الصّاغانيّ: هو الكَبِير اللِّحْيَةِ، وقال أَبو عَمْرو: الرِّشْكُ الذي يَعُدّ على الرُّماةِ في السَبَقِ، قال ثَعْلَبٌ: وأَصْلُه القافُ، يُقال: رَمَينا رِشْقًا، أَو رِشقَيْنِ، فسُمِّيَ العَدَدُ بالفِعْلِ، وقال الأزهريّ: الرِّشْكُ لقَبُ رَجُلٍ كانَ عالِمًا بالحِسابِ، يُقال له يَزِيدُ الرِّشْكُ، وقال الصاغانيّ: هو أَبُو الأَزْهَرِ يزِيدُ بن أبي يَزيدَ سَلَمَةَ الضُّبَعِيّ البَصْرِيّ القَسّام، أَحْسَبُ أَهْلِ زَمانِه، وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيّ إِذا سُئلَ عن حِسابِ فَرِيضَةٍ، قال: عَلَينا بيانُ السِّهام، وعَلَى يَزِيدَ الرِّشكِ الحِسابُ، قال الأزهريّ: وما أُرَى الرِّشكَ عَرَبيًّا، وأُراهُ لَقبًا، لا أَصْلَ له في العَرَبيَّةِ، وقال إبراهيمُ الحَربيّ: ويُقالُ بالفارِسِيَّةِ: رَشْكِنْ إِذا كانَ حَسُودًا، أَظُنُّه أُخِذَ من هذا، ووَقَعَ في "الشَّمائِل" أَنَّه القَسّامُ بِلُغَةِ أَهلِ البَصْرَةِ.
قلت
(2)
: وهذه أَقْوال مضطربةٌ، لا تَكاد تَتَلَاءَمُ مع بعضِها، والصّحِيحُ قولُ من قالَ: إِنَّه الكَبِيرُ اللِّحْيَةِ بالفارِسِيَّة، وبذلك لُقِّبَ؛ لكِبَرِ لِحْيَتِه، حتىّ إِنَّ عَقْرَبًا مَكَثَ فِيها كَذَا وكَذَا أَيّامًا، على ما ذَكَرَه شُرّاحُ "الشَّمائِلِ"، وحَقِيقَةُ هذه اللَّفْظَةِ رِيشْكْ بزِيادةِ الياءِ، ورِيش هو اللِّحْيَة، والكاف للتَّصْغِيرِ، أُرِيدَ بهِ التَّهْوِيلُ والتَّعْظِيمُ، ثم عُرِّبَتْ بحذفِ الياءِ، فقيلَ: الرِّشْكُ، هذا هو الصَّوابُ في هذا اللَّقَبِ، وما عَدا ذلك كُلَّه فحَدْسِيّاتٌ؛ إِذ لم يَقِفُوا على حَقِيقَةِ اللَّفْظَةِ، وأَبعَدُ الأَقْوَالِ قولُ أبي عمرو، ثم قولُ الحَربيّ، ثم مَن قالَ: إِنّه القَسّامُ، والعَجَب من الصاغانيّ كيفَ سَكَتَ مع مَعْرِفَتِه باللِّسانِ، فتأَمَّلْ ذلك، واللَّه أَعلم. انتهى
(3)
.
(1)
"القاموس المحيط" 3/ 304.
(2)
القائل صاحب "التاج".
(3)
"تاج العروس من جواهر القاموس" 27/ 172 - 173.
4 -
(مُعَاذَةُ) بنت عبد اللَّه الْعَدويّة، أم الصهباء البصريّة، ثقة [3](ع) تقدمت في "الحيض" 9/ 738.
و"عائشة" رضي الله عنها ذُكرت قبله، وكذا شرح الحديث واضحٌ.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [14/ 1663 و 1664 و 1665 و 1666](719)، و (الترمذيّ) في "الشمائل"(282)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(479)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1381)، و (عبد الرزّاق) في "مصنفه"(4853)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1571)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 74 و 95 و 120 و 123 و 145 و 156 و 168 و 172)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2125 و 2126)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1619 و 1620 و 1621 و 1622)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2529)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 47)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1005)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1664]
(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: يَزِيدُ
(1)
مَا شَاءَ اللَّهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد، المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
(1)
وفي نسخة: "ويزيد".
4 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب، والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد يزيد السابق، وهو: عن معاذة، عن عائشة رضي الله عنها.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن يزيد الرِّشك هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (2/ 313) فقال:
وحدّثناه محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن يزيد الرِّشك، عن معاذة، أن أمرأة سألت عائشة: هل كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: نعم أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1665]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةً حَدَّثَتْهُمْ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا.
2 -
(خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
3 -
(سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختَلَطَ، أثبت الناس في قتادة [6](ت 6 أو 157)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 127.
4 -
(قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [4](ت 117)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 70.
والباقيان ذُكرا قبله، وكذا الكلام على الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1666]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(2)
أَبِيِ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم قريبًا.
2 -
(مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ، ربما وَهِمَ [9](ت 200)(ع) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
3 -
(أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [7](ت 154) عن (78) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن معاذة العدويّة، عن عائشة رضي الله عنها.
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة هذه، ساقها إسحاق ابن راهويه رحمه الله في "مسنده" (3/ 769) فقال:
(1389)
أخبرنا معاذ بن هشام، صاحب الدستوائيّ، حدّثني أبي، عن قتادة، عن معاذة العدويّة، قالت: قلت لعائشة: كم كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ فقالت: أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه، قال قتادة: فذكرته لمحمد بن سيرين، فقال: ركعتين، ويزيد ما شاء اللَّه، قال قتادة: وكان سعيد بن المسيِّب يصلي الضحى أربع ركعات، قال قتادة: وكان محمد بن سيرين يصلي الضحى ثمان ركعات، قال: وكان الحسن يصلي ركعتين. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرني".
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1667]
(336) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى، إِلَّا أُمُّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ بَيْتَهَا، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَصَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ قَوْلَهُ: قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [5](ت 118)(ع) تقدم في "الإيمان" 85/ 452.
2 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة فاضلٌ [2](ت 86)(ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
3 -
(أُمُّ هَانِئٍ) بنت أبي طالب الهاشميّة، أخت عليّ رضي الله عنه، شقيقته، واسمها فاختة، أو هند، الصحابيّة المشهورة، ماتت رضي الله عنها في خلافة معاوية رضي الله عنه (ع) تقدمت في "الحيض" 15/ 770.
والباقون ذُكروا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين روى عنهما أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عبد الرحمن.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثني".
5 -
(ومنها): أن أمّ هانئ رضي الله عنها ممن اشتهرت باسمها، وليس لها في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، كرّره المصنّف ستّ مرّات.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) اختُلف في اسم أبيه، فقيل: بلال، وقيل: بُليل مصغّرًا، وقيل: داود، وقيل: يسار، وقيل: أوس، صحابيّ شَهِد أُحدًا، وما بعدها، وعاش إبى خلافة عليّ رضي الله عنه، أنه (قَالَ: مَا) نافية (أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى) وفي الرواية الآتية من طريق عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، قال:"سألت، وحَرَصتُ على أن أجد أحدًا من الناس، يخبرني أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سَبَّحَ سُبْحَة الضحى، فلم أجد غير أم هانئ بنت أبي طالب، أخبرتني. . . ".
وفي رواية ابن أبي شيبة في "مصنّفه" من وجه آخر عن ابن أبي ليلى: "أدركت الناس، وهم متوافرون، فلم يخبرني أحد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى الضحى، إلا أم هانئ".
(إِلَّا أُمُّ هَانِئٍ) برفع "أمُّ"؛ لأنه بدل من "أحدٌ"، ولفظ البخاريّ:"غيرُ أم هانئ".
قال في "الفتح": هذا لا يدلّ على نفي الوقوع؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى إنما نفى ذلك عن نفسه، وأما قول ابن بطّال: لا حجة في قول ابن أبي ليلى، وترُدّ عليه الأحاديث الواردة في أنه صلى الله عليه وسلم صلى الضحى، وأمر بها، ثم ذكر منها جملةً، فلا يَرِدُ على ابن أبي ليلى شيء منها. انتهى
(1)
.
(فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ بَيْتَهَا، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) أي: في رمضان سنة ثمان من الهجرة (فَصَلَّى) وفي رواية البخاريّ: "فاغتسل، وصلّى"، ظاهره يدلّ على أن الاغتسال وقع في بيتها، وسيأتي بعد حديث من طريق أبي مُرّة، عن أم هانئ، أنها ذهبت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل.
ويُجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة، من
(1)
"الفتح" 2/ 674.
طريق مجاهد، عن أم هانئ، وفيه:"أن أبا ذَرّ ستره لَمّا اغتسل"، وفي رواية أبي مُرّة عنها أن فاطمة بنته هي التي سترته.
ويَحْتَمِل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر بمكة، فجاءت إليه، فوجدته يغتسل، فيصحّ القولان، وأما الستر فيَحْتَمِل أن يكون أحدهما ستره في ابتداء الغسل، والآخر في أثنائه، ذكره في "الفتح"
(1)
، وهو توجيه حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(ثَمَانِي رَكَعَاتٍ) زاد كريب، عن أم هانئ رضي الله عنها:"فسلَّمَ من كل ركعتين"، أخرجه ابن خزيمة، وفيه رَدٌّ على من تمسك به في صلاتها موصولة، سواء صَلَّى ثماني ركعات، أو أقلَّ، وعند الطبراني من حديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه أنه صلى الضحى ركعتين، فسألته امرأته، فقال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح ركعتين، وهو محمول على أنه رأى من صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم ركعتين، ورأت أم هانئ بقية الثمان، وهذا يُقَوِّي أنه صلاها مفصولةَ، واللَّه تعالى أعلم
(2)
.
(مَا) نافية (رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا) أي: من تلك الصلاة، وفي رواية البخاريّ:"فلم أر صلاةً قط أخفّ منها"(غَيْرَ أَنَّهُ) صلى الله عليه وسلم (كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) وفي رواية عبد اللَّه بن الحارث الآتية: "لا أدري أقيامه فيها أطول، أم ركوعه، أم سجوده؟ كلُّ ذلك منه متقارب".
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ بَشَّارٍ) يعني محمدًا شيخه الثاني في هذا الحديث (فِي حَدِيثِهِ قَوْلَهُ: قَطُّ) أي: لفظة "قطّ"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أمّ هانئ رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [14/ 1667 و 1668 و 1669 و 1670](336)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1186)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1291)،
(1)
"الفتح" 3/ 64.
(2)
"الفتح" 3/ 64.
و (الترمذيّ) في "الصلاة"(474) وفي "الشمائل"(290)، و (النسائى) في "الكبرى"(486)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 342 و 343)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1233)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2129)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1223)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان استحباب سنيّة صلاة الضحى، وهو واضحٌ، وحَكَى عياض عن قوم، أنه ليس في حديث أم هانئ رضي الله عنها دلالةٌ على ذلك، قالوا: وإنما هي سنة الفتح، وقد صلاها خالد بن الوليد في بعض فتوحه كذلك.
وقال عياض أيضًا: ليس حديث أم هانئ بظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم قصد بها سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته فقط، وقد قيل: إنها كانت قضاء عما شُغِل عنه تلك الليلة من حزبه فيه.
وتعقبه النوويُّ رحمه الله بأن الصواب صحة الاستدلال به؛ لما رواه أبو داود وغيره من طريق كريب، عن أم هانئ رضي الله عنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى سُبْحة الضحى، ولمسلم في "كتاب الطهارة" من طريق أبي مُرّة، عن أم هانئ رضي الله عنه في قصة اغتساله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح:"ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى"، ورَوَى ابن عبد البرّ في "التمهيد" من طريق عكرمة بن خالد، عن أم هانئ، قالت: قَدِمَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مكة، فصلى ثمان ركعات، فقلت ما هذه؟ قال:"هذه صلاة الضحى"، قاله في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن الاستدلال بحديث أم هانئ رضي الله عنها هذا على سُنيّة صلاة الضحى واضح، وأن الذين أوّلوا بأنها صلاة الفتح لم يُصيبوا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
2 -
(ومنها): بيان عدد ركعات صلاة الضحى، قال النوويّ رحمه الله في "شرحه": في رواية عائشة رضي الله عنها: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء"، وفي رواية:"ما شاء اللَّه"، وفي حديث أم هانئ رضي الله عنها:"أنه صلى ثماني ركعات"، وفي حديث أبي ذرّ، وأبي هريرة، وأبي الدرداء رضي الله عنهم:
(1)
"الفتح" 3/ 64 - 65.
ركعتان، هذه الأحاديث كلُّها متَّفِقةٌ، لا اختلاف بينها عند أهل التحقيق.
وحاصلها أن الضحى سنةٌ مؤكَّدةٌ، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثماني ركعات، وبينهما أربعٌ، أو ستٌّ كلاهما أكمل من ركعتين، ودون ثمان. انتهى
(1)
.
3 -
(ومنها): ما كان عليه السلف من شدّة الحرص على تتبّع أفعال النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى يقتدوا به فيها.
4 -
(ومنها): أن بعض السنن قد يخفى على كثير من الناس، بل على كثير من خواصّ العلماء، فقد أنكر كثير من الصحابة رضي الله عنهم صلاة الضحى، مع أن كثيرًا منهم حفظها، وأثبتها، كعائشة، وأمّ هانئ، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، وأبي هريرة رضي الله عنهم، وغيرهم.
والحاصل أن السنّة حيثما ثبتت أُخذ بها، ولا التفات إلى من أنكرها؛ لجهله بسنيّتها، وإن كان من أكابر أهل العلم.
5 -
(ومنها): أنه استُدِلّ به على استحباب تخفيف صلاة الضحى، قال في "الفتح": وفيه نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغَ لمهمات الفتح؛ لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم أنه صلى الضحى، فطَوَّل فيها، أخرجه ابن أبي شيبة، من حديث حذيفة رضي الله عنه
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سنيّة صلاة الضحى:
قد جمع الإمام ابن القيّم رحمه الله في كتابه النافع "زاد المعاد" الأقوال في صلاة الضحى، فبلغت ستةً:
[الأول]: مستحبةٌ، واختُلِف في عددها، فقيل: أقلها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة، وقيل: أكثرها ثمان، وقيل: كالأول، لكن لا تُشْرَع ستًّا، ولا عشرةً، وقيل: كالثاني، لكن لا تُشْرَع ستًّا، وقيل: ركعتان فقط، وقيل: أربعًا فقط، وقيل: لا حدّ لأكثرها.
[القول الثاني]: لا تُشْرَع إلا لسبب، واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 229 - 230.
(2)
"الفتح" 3/ 64 - 65.
بسبب، واتَّفَق وقوعها وقت الضحى، وتعددت الأسباب، فحديث أم هانئ في صلاته يوم الفتح، كان بسبب الفتح، وأن سنة الفتح أن يصلي ثمان ركعات، ونقله الطبريّ من فعل خالد بن الوليد لما فتح الْحِيرة، وفي حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى أنه صلى الله عليه وسلم صلى الضحى حين بُشِّر برأس أبي جهل، وهذه صلاة شكر، كصلاته يومِ الفتح، وصلاته في بيت عتبان إجابةً لسؤاله أن يصلي في بيته مكانًا يتخذه مُصَلَّى، فاتَّفَق أنه جاءه وقت الضحى، فاختصره الراوي، فقال: صلى في بيته الضحى، وكذلك حديثٌ بنحو قصة عتبان مختصرًا، قال أنس: ما رأيته صلى الضحى إلا يومئذ، وحديث عائشة: لم يكن يصلي الضحى إلا أن يجيء من مغيبه؛ لأنه كان ينهى عن الطُّرُوق ليلًا، فيَقْدَم في أول النهار، فيبدأ بالمسجد، فيصلي وقت الضحى.
[القول الثالث]: لا تُستحب أصلًا، وصحّ عن عبد الرحمن بن عوف، أنه لم يصلّها، وكذلك ابن مسعود.
[القول الرابع]: يستحب فعلها تارةً، وتركها تارةً، بحيث لا يواظب عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، والحجةُ فيه حديث أبي سعيد: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها، أخرجه الحاكم.
وعن عكرمة: كان ابن عباس يصليها عشرًا، ويدعها عشرًا، وقال الثوريّ عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، وعن سعيد بن جبير: إني لأدعها وأنا أحبها مخافة أن أراها حتمًا عليّ.
[الخامس]: تستحب صلاتها، والمواظبة عليها في البيوت؛ أي: للأمن من الخشية المذكورة.
[السادس]: أنها بدعةٌ، صحّ ذلك من رواية عروة، عن ابن عمر، وسئل أنس عن صلاة الضحى؟ فقال: الصلوات خمسٌ، وعن أبي بكرة: أنه رأى ناسًا يصلون الضحى، فقال: ما صلاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا عامة أصحابه.
وقد جَمَع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى، في جزء مفرد، وذكر لغالب هذه الأقوال مستندًا، وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو
العشرين نفسًا، من الصحابة رضي الله عنهم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن القول الراجح هو القول بأن صلاة الضحى مستحبّة، وتُستحبّ المداومة عليها؛ لصحّة الأحاديث بذلك:
(فمنها): ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي بثلاث، لا أَدَعُهُنّ حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر.
ولفظ ابن خزيمة: "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث، لستُ بتاركهنّ: أن لا أنام إلا على وتر، وأن لا أدع ركعتي الضحى، فإنها صلاة الأوابين، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر".
(ومنها): ما أخرجه مسلم عن أبي ذَرّ رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقةٌ، وكل تكبيرة صدقةٌ، وأمر بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى".
وأخرج أحمد، واللفظ له، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، عن بُريدة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "في الإنسان ستون وثلاثمائة مَفْصِل، فعليه أن يتصدق عن كل مَفْصِل منها صدقةً"، قالوا: فمن الذي يطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "النخاعة في المسجد تَدْفِنها، أو الشيء تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى، تجزئ عنك".
(ومنها): ما أخرجه مسلم والنسائيّ عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاثٍ، لن أدعهن ما عِشْتُ: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر".
(ومنها): حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سَرِيّةً، فغَنِمُوا، وأسرعوا الرَّجْعة، فتحدث الناس بقرب مغزاهم، وكثرة غنيمتهم، وسرعة رَجعتهم، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على أقرب منه مَغْزًى، وأكثر غنيمةً، وأوشك رَجْعةً، مَن توضأ، ثم غدا إلى المسجد
(1)
راجع: "زاد المعاد" 1/ 341 - 360، و"الفتح" 3/ 66.
لسبحة الضحى، فهو أقرب مَغْزًى، وأكثر غنيمةً، وأوشك رجعةً". قال المنذريّ: رواه أحمد، من رواية ابن لَهِيعة، والطبرانيّ بإسناد جيّد. انتهى. وابن لَهِيعة متكلّم فيه، لكن تابعه ابن وهب عند الطبرانيّ، راجع: ما كتبه الشيخ الألبانيّ رحمه الله في "صحيح الترغيب"
(1)
.
(ومنها): حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بَعَث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بَعْثًا، فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة، فقال رجل: يا رسول اللَّه، ما رأينا بعثًا قط أسرع كرةً، ولا أعظم منه غنيمةً من هذا البعث، فقال:"ألا أخبركم بأسرع كَرّةً منه، وأعظم غنيمةً، رجلٌ توضأ في بيته، فأحسن وضوءه، ثم تَحَمَّل إلى المسجد، فصلى فيه الغداة، ثم عَقَّب بصلاة الضحوة، فقد أسرع الكرّة، وأعظم الغنيمة"، رواه أبو يعلى، ورجال إسناده رجال الصحيح، والبزّار، وابن حبّان في "صحيحه"، وبيَّن البزّار في روايته أن الرجل أبو بكر رضي الله عنه.
(ومنها): حديث عقبة بن عامر الجهنيّ رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه عز وجل يقول: يا ابن آدم اكفني أول النهار بأربع ركعات، أكفك بهنّ آخر يومك"، رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجال أحدهما رجال الصحيح.
(ومنها): حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه تعالى يقول: يا ابن آدم، لا تُعجزن من الأربع ركعات، من أول نهارك، أكفك آخره"، رواه أحمد بإسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود من حديث نعيم بن هَمّار رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "يقول اللَّه عز وجل: يا ابن آدم، لا تُعجِزني من أربع ركعات في أول نهارك، أكفك آخره"، ورجاله رجال الصحيح.
(ومنها): حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاجّ المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى، لا يَنصِبه إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إِثْرِ صلاة، لا لغوَ بينهما كتاب في عِلِّيِّين"، حديث حسنٌ، رواه أبو داود.
(ومنها): حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا يُحافظ
(1)
انظر: ما كتبه الشيخ الألبانيّ رحمه الله في "صحيح الترغيب والترهيب" 1/ 421.
على صلاة الضُّحى إلا أوّاب، قال: وهي صلاة الأوّابين"، رواه الطبرانيّ، وابن خزيمة في "صحيحه"
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من هذه الأحاديث الصحيحة، واتّضح تمام الاتّضاح سنيّة صلاة الضحى، واستحباب المداومة عليها، ومن الغريب بعد هذا كلّه ميل بعض المحقّقين كابن القيّم رحمه الله إلى القول بأنها إنما تُفعل بسبب من الأسباب، كالقدوم من السفر، ونحو ذلك، مؤوّلًا الأحاديث المذكورة تأويلًا بعيدًا
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: حَكَى الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه الله في "شرح الترمذيّ" أنه اشتهر بين العوامّ أن من صلّى الضحى، ثم قطعها يَعْمَى، فصار كثير من الناس يتركونها أصلًا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوامّ، ليَحْرِمهم الخيرَ الكثيرَ، لا سيّما ما وقع في حديث أبي ذرّ رضي الله عنه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد بحديث أبي ذرّ رضي الله عنه الآتي في الباب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يُصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأَمْرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونَهْيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى"، واللَّه تعالى أعلم.
[لطيفة]: روى الحاكم من طريق أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن نصلي الضحى بسوَر منها: والشمس وضحاها والضحى. انتهى. ومناسبة ذلك ظاهرة جدًا، قاله في "الفتح"، ويحتاج إلى النظر في سنده، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد ركعات صلاة الضحى:
(1)
حديث صحيح، راجع: ما كتبه الشيخ الألبانيّ رحمه الله على "صحيح الترغيب والترهيب" 1/ 423.
(2)
راجع: "زاد المعاد" 1/ 357.
قال في "الفتح": واستدلّ بهذا الحديث على أن أكثر صلاة الضحى ثمان ركعات، واستبعده السبكيّ، ووجّه بأن الأصل في العبادة التوقُّف، وهذا أكثر ما ورد في ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم، وقد ورد من فعله دون ذلك، كحديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ركعتين، أخرجه ابن عدي، وسيأتي من حديث عتبان قريبًا مثله، وحديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم:"كان يصلي الضحى أربعًا"، وحديث جابر رضي الله عنه عند الطبراني في "الأوسط":"أنه صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ستّ ركعات".
وأما ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم، ففيه زيادة على ذلك، كحديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا:"من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة، بَنَى اللَّه له قصرًا في الجنة"، أخرجه الترمذيّ، واستغربه، وليس في إسناده مَن أُطلق عليه الضعف.
وعند الطبرانيّ من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعًا: "من صلى الضحى ركعتين، لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كتب من التائبين، ومن صلى ستًّا كُفي ذلك اليوم، ومن صلى ثمانيًا كتب من العابدين، ومن صلى ثنتي عشرة، بَنَى اللَّه له بيتًا في الجنة"، وفي إسناده ضعف أيضًا، وله شاهد من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه، رواه البزار، وفي إسناده ضعف أيضًا، ومن ثَمَّ قال الرُّويانيّ، ومن تبعه: أكثرها ثنتا عشرة.
وقال النوويّ في "شرح المهذَّب": فيه حديث ضعيفٌ، كأنه يشير إلى حديث أنس رضي الله عنه، قال الحافظ رحمه الله: لكن إذا ضُمّ إليه حديث أبي ذرّ، وأبي الدرداء رضي الله عنهما قَوِي، وصَلُح للاحتجاج به.
ونَقَل الترمذيّ، عن أحمد أن أصحّ شيء ورد في الباب حديث أم هانئ رضي الله عنها، وهو كما قال، ولهذا قال النوويّ في "الروضة": أفضلها ثمان، وأكثرها ثنتا عشرة، ففرَّق بين الأكثر والأفضل، ولا يُتَصَوَّر ذلك إلا فيمن صلى الاثنتي عشرة بتسليمة واحدة، فإنها تقع نفلًا مطلقًا عند من يقول: إن أكثر سنة الضحى ثمان ركعات، فأما مَن فَصَلَ فإنه يكون صلى الضحى، وما زاد على الثمان يكون له نفلًا مطلقًا، فتكون صلاته اثنتي عشرة في حقه أفضل من ثمان؛ لكونه أتى بالأفضل وزاد.
وقد ذهب قوم منهم: أبو جعفر الطبريّ، وبه جزم الْحَلِيميّ، والرُّويانيّ،
من الشافعية إلى أنه لا حدّ لأكثرها، ورُوي من طريق إبراهيم النخعيّ، قال: سأل رجل الأسود بن يزيد: كم أصلي الضحى؟ قال: كم شئت.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم: "كان يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه".
وهذا الإطلاق قد يُحْمَل على التقييد، فيؤكِّد أن أكثرها اثنتا عشرة ركعةً، واللَّه أعلم.
وذهب آخرون إلى أن أفضلها أربع ركعات، فحَكَى الحاكم في كتابه المفرد في صلاة الضحى، عن جماعة من أئمة الحديث أنهم كانوا يختارون أن تُصَلَّى الضحى أربعًا؛ لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك، كحديث أبي الدرداء، وأبي ذرّ، عند الترمذيّ مرفوعًا، عن اللَّه تعالى:"يا ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره"، وحديث نعيم بن همّار، عند النسائيّ، وحديث أبي أمامة، وعبد اللَّه بن عمرو، والنّوّاس بن سَمْعان، كلهم بنحوه، عند الطبرانيّ، وحديث عقبة بن عامر، وأبي مُرّة الطائفيّ، كلاهما عند أحمد بنحوه، وحديث عائشة عند مسلم، وحديث أبي موسى، رفعه:"من صلى الضحى أربعًا بَنَى اللَّه له بيتًا في الجنة"، أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط"، وحديث أبي أمامة مرفوعًا:"أتدرون قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)} [النجم: 37]؟ قال: وفّى عَمَلَ يومه بأربع ركعات الضحى"، أخرجه الحاكم، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن قول من قال: إن أقلّ صلاة الضحى ركعتان، وأكثرها ثمان، أرجح؛ لصحّة الأحاديث الواردة في ذلك، وأما قول من قال: إن أكثرها اثنتا عشرة ركعة، فلا يخلو الحديث الوارد في ذلك من مقال، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1668]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا
(1)
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
حَدَّثَنِي
(1)
ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ، وَحَرَصْتُ عَلَى أَنْ أَجِدَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، يُخْبِرُنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُحَدِّثُنِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأُتِيَ بِثَوْبٍ، فَسُتِرَ عَلَيْهِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ ثَمَانِيَ
(2)
رَكعَاتٍ، لَا أَدْرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا أَطْوَلُ
(3)
، أَمْ رُكُوعُهُ، أَمْ سُجُودُهُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ مُتَقَارِبٌ، قَالَتْ: فَلَمْ أَرَهُ سَبَّحَهَا قَبْلُ، وَلَا بَعْدُ، قَالَ الْمُرَادِيُّ، عَنْ يُونُسَ: وَلَمْ يَقُلْ: أَخْبَرَنِي).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [11](ت 248)(م د س ق) تقدم في "الإيمان" 34/ 239.
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) الحافظ المصريّ، تقدّم قريبًا.
3 -
(يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
4 -
(ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ) هو: عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو يحيى المدنيّ، وقال أبو حاتم: يقال: عُبيد اللَّه، وعبد اللَّه أصحّ، ثقةٌ [3].
رَوَى عن أبيه، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وعبد اللَّه بن خباب بن الأرتّ، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث على خلاف فيه، وأم هانئ بنت أبي طالب، على خلاف فيه.
وروى عنه أخوه عون، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعاصم بن عبيد اللَّه، والزهريّ.
قال النسائي: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ، تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الحافظ: وعندي في صحة سماعه من عبد الرحمن بن عوف نظر، والصواب أن بينهما ابن عباس. انتهى.
(1)
وفي نسخة: "أخبرني".
(2)
وفي نسخة: "ثمان".
(3)
وفي نسخة: "أقيامه أطول فيها".
وقال ابن سعد، وعمرو بن عليّ: قتلته السَّمُوم بالأبواء، وهو مع سليمان بن عبد الملك، سنة تسع وتسعين، وقال الزبير بن بكار: نحو ذلك، وكذا أرَّخه ابن المدينيّ.
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (336) وحديث (1072) و (2219)، وله عند البخاريّ، وأبي داود في رجوع عمر رضي الله عنه لَمّا وقع الوباء بالشام.
5 -
(أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، أمير البصرة، له رؤيةٌ، ولأبيه وجدّه صحبةٌ، قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على توثيقه [2](ت 99) وقيل: (84)(ع) تقدم في "الإيمان" 96/ 516.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرَن بينهما؛ لاتّفاقهما في كفيّة التحمّل والأداء، حيث أخذا عن ابن وهب سماعًا بقراءة قارئ عليه، ولذا قالا: أخبرنا عبد اللَّه بن وهب.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون.
3 -
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم، عن بعض: ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث، عن أبيه، ورواية الابن، عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي نسخة: "أخبرني"(ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ) واسمه عبد اللَّه، كما سبق آنفًا (أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ) بن الحارث بن عبد المطلب مذكورٌ في الصحابة؛ لكونه وُلد في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبَيَّن ابن ماجه في روايته وقت سؤال عبد اللَّه بن الحارث عن ذلك، ولفظه:"سألت في زمن عثمان، والناس متوافرون"، قاله في "الفتح"
(1)
.
(1)
"الفتح" 3/ 64.
(قَالَ: سَأَلْتُ، وَحَرَصْتُ) بفتح الراء على المشهور، وبه جاء القرآن، وفي لغة بكسرها، قاله النوويّ
(1)
.
وقال في "المصباح": حَرَصَ عليه حَرْصًا، من باب ضَرَبَ: إذا اجتهد، والاسم الْحِرْص بالكسر، وحَرَصَ على الدنيا، من باب ضَرَبَ أيضًا، ومن باب تَعِبَ لغةٌ: إذا رَغِبَ رَغبةً مذمومةً، فهو حَرِيصٌ، وجمعه حِرَاصٌ، مثلُ ظَرِيف وظِرَاف، وغَلِيظ وغِلَاظٍ، وكَرِيمٍ وكِرَامٍ. انتهى
(2)
.
والمناسب هنا المعنى الأول، وهو الاجتهاد، والجملة في محلّ نصب على الحال بتقدير "قد" عند البصريين، وجوّزه الكوفيّون بلا تقدير.
وقوله: (عَلَى أَنْ أَجِدَ) متعلّق بـ "حرَصتُ"(أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، يُخْبِرُنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى) -بضم السين-: أي: نافلة الضحى (فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُحَدِّثُنِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ) بالهمزة بعد النون، وتقدّم أن اسمها فاختة، وقيل: غيره (بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، أَّخْبَرَتْنِي أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى) بالبناء للفاعل؛ أي: جاء إلى بيتها، وفي رواية ابن أبي ليلى السابقة:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل بيتها"(بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ) هو وقت صلاة الضحى (يَوْمَ الْفَتْحِ) أي: يوم فتح مكة (فَأُتِيَ بِثَوْبٍ) بالبناء للمفعول (فَسُتِرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول أيضًا، وقد اختلفت الروايات فيمن ستره، قيل: فاطمة بنته رضي الله عنها، وقيل: أبو ذرّ رضي الله عنه، وتقدّم وجه الجمع (فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ ثَمَانِيَ
(3)
رَكَعَاتٍ) وفي بعض النسخ: "ثمان ركعات"، والأول هو الجاري على القاعدة؛ لأن ثماني إذا أُضيف إلى مؤنّث تثبُت الياء ثبوتها في القاضي، وتعرب إعراب المنقوص، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في غير هذا الموضع (لَا) نافية (أَدْرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا) أي: في تلك الركعات (أَطْوَلُ
(4)
، أَمْ رُكُوعُهُ، أَمْ سُجُودُهُ، كُلُّ ذَلِكَ) من القيام، والركوع، والسجود (مِنْهُ) صلى الله عليه وسلم (مُتَقَارِبٌ)، (قَالَتْ) أم هانئ رضي الله عنها (فَلَمْ أَرَهُ سَبَّحَهَا قَبْلُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، ومثله "بعدُ"؛ أي: قبل ذلك اليوم (وَلَا بَعْدُ) أي: بعد ذلك اليوم، ولا ينافي هذا ما ثبت من رؤية
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 231.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 130.
(3)
وفي نسخة: "ثمان".
(4)
وفي نسخة: "أقيامه أطول فيها".
غيرها من الصحابة رضي الله عنهم، فهي إنما نفت علمها، وكما سبق ذلك عن عائشة رضي الله عنها، فصلاة الضحى ثابتة من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله من أحاديث عدّة من الصحابة رضي الله عنهم، كما أسلفنا تحقيقه في الحديث الماضي، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ الْمُرَادِيُّ) هو شيخه الأول محمد بن سلمة (عَنْ يُونُسَ: وَلَمْ يَقُلْ: أَخْبَرَنِي) يعني أن محمد بن سلمة رواه بقوله: "عن يونس" بالعنعنة، ولم يُصرّح بالإخبار، كما صرّح به حرملة بن يحيى، وهذا لا يضرّ، وإنما هو من احتياطات المصنّف رحمه الله، وشدّة ورعه في أداء ما سمعه كما سمعه، وإن كان لا يختلف به الحكم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1669]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ
(2)
، فَقَالَ:"مَنْ هَذِهِ؟ " قُلْتُ
(3)
: أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ:"مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ"، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ
(4)
رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ، فُلَانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلِكَ ضُحًى).
(1)
وفي نسخة: "حدّثني".
(2)
وفي نسخة: "فسلّمت عليه".
(3)
وفي نسخة: "قلت: أنا أم هانئ إلخ".
(4)
وفي نسخة: "ثمان".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عُبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يُرسل [5](ت 129)(ع) تقدم في "الطهارة" 4/ 551.
2 -
(أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ) ويقال: مولى عَقِيل بن أبي طالب، واسمه: يزيد المدنيّ، ثقة مشهورٌ بكنيته [3](ع) تقدم في "الحيض" 15/ 770.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم مولى أبي أُميّة رحمه الله (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِيِ طَالِبٍ) وفي رواية: "مولى عَقِيل بن أبي طالب"، قال العلماء: هو مولى أم هانئ حقيقةً، ويضاف إلى عَقِيل مجازًا؛ للزومه إياه، وانتمائه إليه؛ لكونه مولى أخته، قاله النوويُّ رحمه الله
(1)
.
(أَخْبَرَهُ) أي: أخبر أبا النضر (أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ) فاختة (بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله عنها (تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) تقدّم في الرواية السابقة: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل بيتها"، وتقدّم الجمع بأن يُحمَل على تعدّد الواقعة، فتنبّه.
(عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ) رضي الله عنها (تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ) وقيل: الذي ستره هو أبو ذرّ رضي الله عنه، ولا تنافي بينهما؛ لاحتمال أن يكون أحدهما بدأ، وساعده الآخر، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ) زاد في نسخة "عليه"، قال النوويّ رحمه الله: فيه سلام المرأة التي ليست بمحرم على الرجل بحضرة محارمه. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقييده بحضرة المحارم فيه نظرٌ، بل الحقّ جواز تسليم المرأة على الرجل الأجنبيّ، وكذا العكس دون قيد؛ لإطلاق النصوص الدالّة على الجواز، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله في "كتاب الاستئذان" من "صحيحه":"باب تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال"، وقد حقّقت ذلك في "شرح النسائيّ"، وسيأتي هنا أيضًا في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 231.
(2)
"شرح النوويّ" 5/ 231.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم ("مَنْ هَذِهِ؟ ") هذا يدلّ على أن الستر كان كثيفًا، وعَرَف أنها امرأة؛ لكون ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرجال
(1)
.
(قُلْتُ: أُمُّ هَانِئٍ) وفي نسخة: "أنا أمّ هانئ (بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ) فيه أنه لا بأس أن يَكْنِيَ الإنسان نفسه على سبيل التعريف، إذا اشتهر بالكنية، وأنه إذا استأذن لا بأس أن يقول المستأذَنُ عليه: من هذا؟، فيقول المستأذِنُ: فلان باسمه الذي يعرفه به المخاطب.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم ("مَرْحَبًا بأُمِّ هَانِئٍ") فيه استحباب قول الإنسان لزائره، والوارد عليه: مَرْحَبًا ونحوه من ألفاظ الإكرام والملاطفة، ومعنى:"مَرْحَبًا": صادفت رُحْبًا: أي: سَعَةً، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في شرح حديث وفد عبد القيس، من "كتاب الإيمان".
وفيه أيضًا جواز الاغتسال بحضرة امرأة من محارمه، إذا كان مستور العورة عنها، وجواز تستيرها إياه بثوب ونحوه.
وفيه أيضًا أنه لا بأس بالكلام في حال الاغتسال والوضوء، ولا بالسلام على المغتسل، والمتوضّئ، بخلاف البائل، والمتغوّط، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا فَرَغَ) صلى الله عليه وسلم أي: انتهى (مِنْ غُسْلِهِ) بضمّ الغين: اسم من الاغتسال، ويجوز فتحها مصدرَ غَسَلَ؛ أي: من غسله أعضاءه (قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ) وفي نسخة: "ثمان"(رَكَعَاتٍ) حال كونه (مُلْتَحِفًا) اسم فاعل من الْتحف: إذا لبس اللِّحاف، وهو بكسر اللام: كلُّ ثوب يُتغطَّى به، والجمع لُحُفٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، والْمِلْحَفة بالكسر: هي الْمُلاءَةُ التي تلتحف بها المرأة، قاله الفيّوميّ
(2)
.
(فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) فيه جواز الصلاة في الثوب الواحد، والالتحاف به، مخالفًا بين طًرفيه، كما ذكره في الرواية الثانية (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي: سلّم النبيّ صلى الله عليه وسلم من صلاته (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ) أي: ادّعى (ابْنُ أُمِّي) قال النوويُّ رحمه الله معنى "زعم" هنا: ذَكَرَ أمرًا لا أعتقد موافقته فيه، وإنما قالت ابن أمي، مع أنه ابن أمها وأبيها؛ لتأكيد الحرمة والقرابة، والمشاركة في بطن
(1)
"الفتح" 1/ 461 "كتاب الغسل" رقم (280).
(2)
"المصباح المنير" 2/ 550.
واحد، وكثرة ملازمة الأمّ، وهو موافق لقول هارون عليه السلام:{قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي} [طه: 94]
(1)
.
وقولها: (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) بدل من "ابن أمي"(أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا) فيه إطلاق اسم الفاعل على من عزم على التلبّس بالفعل (أَجَرْتُهُ) أي: أمّنته (فُلَانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هو فلانُ، أو بالنصب بدل من "رجلًا"، وعند أحمد والطبرانيّ من طريق أخرى عن أبي مُرّة، عن أم هانئ:"إني أجرت حَمَوين لي".
قال النوويُّ رحمه الله: وقولها: "فلان ابن هُبيرة"، وجاء في غير مسلم:"فَرَّ إليّ رجلان من أحمائي"، ورَوَينا في كتاب الزبير بن بكار أن فلان بن هبيرة هو الحارث بن هشام المخزوميّ، وقال آخرون: هو عبد اللَّه بن أبي ربيعة، وفي "تاريخ مكة" للأزرقيّ أنها أجارت رجلين: أحدهما عبد اللَّه بن أبي ربيعة بن المغيرة، والثاني الحارث بن هشام بن المغيرة، وهما من بني مخزوم، وهذا الذي ذكره الأزرقيّ يوضح الاسمين، وَيجْمَع بين الأقوال في ذلك. انتهى كلام النوويُّ رحمه الله
(2)
.
وقال في "الفتح": قال أبو العباس بن سُريج وغيره هما: جَعْدة بن هُبيرة، ورجل آخر من بني مخزوم، كانا فيمن قاتل خالد بن الوليد، ولم يقبلا الأمان، فأجارتهما أم هانئ، وكانا من أحمائها.
وقال ابن الجوزيّ: إن كان ابن هبيرة منهما فهو جَعْدة.
قال الحافظ: كذا قال، وجعدة معدود فيمن له رؤية، ولم تصح له صحبة، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين البخاريّ، وابن حبان، وغيرهما، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السنّ أن يكون عام الفتح مقاتلًا، حتى يحتاج إلى الأمان؟ ثم لو كان ولد أم هانئ لم يَهْتَمّ عليّ بقتله؛ لأنها كانت قد أسلمت، وهرب زوجها، وترك ولدها عندها.
وجَوَّز ابن عبد البر أن يكون ابنًا لهبيرة من غيرها، مع نقله عن أهل النسب أنهم لم يذكروا لهبيرة ولدًا من غير أم هانئ.
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 232.
(2)
"شرح النوويّ" 5/ 232.
وجزم ابن هشام في "تهذيب السيرة" بأن اللَّذَيْنِ أجارتهما أم هانئ هما: الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية المخزوميان.
ورَوَى الأزرقي بسند فيه الواقديّ في حديث أم هانئ هذا، أنهما الحارث بن هشام، وعبد اللَّه بن أبي ربيعة.
وحَكَى بعضهم أنهما الحارث بن هشام، وهبيرة بن أبي وهب، وليس بشيء؛ لأن هبيرة هرب عند فتح مكة إلى نجران، فلم يزل بها مشركًا حتى مات، كذا جزم به ابن إسحاق وغيره، فلا يصح ذكره فيمن أجارته أم هانئ.
وقال الكرمانيّ: قال الزبير بن بكار: فلان ابن هبيرة هو الحارث بن هشام. انتهى.
وقد تصرف في كلام الزبير، وإنما وقع عند الزبير في هذه القصة موضع فلان ابن هبيرة: الحارث بن هشام.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفًا، كأنه كان فيه فلان ابن عَمّ هبيرة، فسقط لفظ عَمّ، أو كان فيه فلان قريب هبيرة، فتغير لفظ "قريب" بلفظ "ابن"، وكلٌّ من الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية، وعبد اللَّه بن أبي ربيعة يصحّ وصفه بأنه ابن عمّ هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من بني مخزوم. انتهى
(1)
.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ) فيه جواز أمان المرأة، فلا يجوز لأحد نقضه، قال ابن المنذر رحمه الله: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئًا ذكره عبد الملك -يعني الماجشون، صاحب مالك- لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأوّل ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصّةً، قال ابن المنذر رحمه الله: وفي قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "يسعى بذمّتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل. انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فقال: هو إلى الإمام، إن أجازه جاز، وإن ردّه رُدّ، ذكره في "الفتح"
(2)
.
(1)
"الفتح" 1/ 560 - 561 "كتاب الصلاة"(357).
(2)
"الفتح" 6/ 315 "كتاب الجزية والموادعة" رقم (3171).
وقال النوويُّ رحمه الله: قولها: فلما انصرف قلت: يا رسول اللَّه، زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلًا أجرته فلان ابن هُبيرة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
في هذه القطعة فوائد، منها: أن من قصد إنسانًا لحاجة ومطلوب، فوجده مشتغلًا بطهارة ونحوها، لم يقطعها عليه حتى يفرغ، ثم يسأل حاجته، إلا أن يخاف فوتها.
واستدَلَّ بعض أصحابنا، وجمهور العلماء بهذا الحديث على صحة أمان المرأة، قالوا: وتقدير الحديث: حكمَ الشرع صحة جواز مَن أَجَرْتِ، وقال بعضهم: لا حجة فيه؛ لأنه مُحْتَمِلٌ لهذا، ومُحْتَمِلٌ لابتداء الأمان، ومثل هذا الخلاف اختلافهم في قوله صلى الله عليه وسلم:"مَن قَتَلَ قتيلًا، فله سلبه"، هل معناه أن هذا حكم الشرع في جميع الحروب إلى يوم القيامة، أم هو إباحةٌ، رآها الإمام في تلك المرة بعينها، فإذا رآها الإمام اليوم عَمِلَ بها، وإلا فلا؟ وبالأول قال الشافعيّ وآخرون، وبالثاني أبو حنيفة ومالك، ويُحْتَجّ للأكثرين بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليها الأمان، ولا بَيَّن فساده، ولو كان فاسدًا لبيّنه؛ لئلا يُغْتَرَّ به. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه الشافعيّ وآخرون هو الأرجح؛ لظاهر هذا الحديث، ولحديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا:"وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم"، متّفق عليه، واللَّه تعالى أعلم.
وقولها: (وَذَلِكَ ضُحًى) أي: وهذه الواقعة من الغسل، والصلاة، والكلام في قضية قتل عليّ من أجارته جرى بين أم هانئ وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم وقت الضحى.
قال النوويّ رحمه الله: قولها: "وذلك ضحى" استَدَلَّ به أصحابنا، وجماهير العلماء على استحباب جعل الضحى ثمان ركعات، وتوقَّف فيه القاضي عياض وغيره، ومنعوا دلالته، قالوا: لأنها إنما أخبرت عن وقت صلاته، لا عن نيّتها، فلعلّها كانت صلاة شكر للَّه تعالى على الفتح، وهذا الذي قالوه فاسدٌ، بل الصواب صحة الاستدلال به،
(1)
"شرح النوويّ" 5/ 232.
فقد ثبت عن أم هانئ رضي الله عنها: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الفتح صلى سُبْحة الضحى، ثمان ركعات، يسلِّم من كل ركعتين"، رواه أبو داود في "سننه" بهذا اللفظ، بإسناد صحيح، على شرط البخاريّ. انتهى كلام النوويُّ رحمه الله، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في "كتاب الحيض" برقم [15/ 771](336)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1670]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلٍ، عَنْ أمِّ هَانِئٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي بَيْتِهَا عَامَ الْفَتْحِ، ثَمَانِيَ
(1)
رَكَعَاتٍ، فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [11](ت 259)(م د) تقدم في "المقدمة" 6/ 40.
2 -
(مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الْهَيثم البصريّ، أخو بَهْز، ثقةٌ ثبت، من كبار [10](ت 218) على الصحيح (خ م قد ت س ق) تقدم في "الطهارة" 34/ 684.
3 -
(وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ) الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [7](ت 165)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 413.
4 -
(جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّد) بن عليّ الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المعروف بالصادق المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [6](ت 148)(بخ م 4) تقدم في "الحيض" 10/ 749.
5 -
(أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو جعفر المدنيّ، ثقةُ فاضلٌ [4] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 61.
(1)
وفي نسخة: "ثمان".
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) هذا تفسير لقولها السابق: "مُلتحفًا في ثوب".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1671]
(720) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ
(1)
، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:"يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَة، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [10](ت 231)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 47/ 297.
2 -
(مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [6](ت 172)(ع) تقدم في "الإيمان" 47/ 297.
3 -
(وَاصِلٌ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ) البصريّ، صدوقٌ عابدٌ [6](بخ م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 13/ 1237.
4 -
(يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ) -بالتصغير- البصريّ، نزيل مرو، صدوقٌ [3](بخ م د س ق) تقدّم في "المساجد" 13/ 1237.
5 -
(يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ فصيحٌ، يرسل [3] مات قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 102.
(1)
وفي نسخة: "الدِّيليّ".
6 -
(أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ) ويقال: الدُّؤَليّ البصريّ، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، وقيل غير ذلك، ثقةٌ مخضرم فاضلٌ [2](ت 69)(ع) تقدم في "الإيمان" 29/ 224.
7 -
(أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ جندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات رضي الله عنه سنة (32) في خلافة عثمان رضي الله عنه (ع) تقدم في "الإيمان" 29/ 224.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
3 -
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم، عن بعض: يحيى بن عُقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى) بضمّ السين المهملة، وتخفيف اللام مقصورًا، وأصله عظام الأصابع، والأكفّ، والأرجل، ثم استُعمل في جميع عظام البدن، ومفاصله.
وقال في "المصباح": "السُّلامَى" أُنثى، قال الخليل: هي عِظام الأصابع، وزاد الزجّاج على ذلك، فقال: وتُسمَّى الْقَصَبَ أيضًا، وقال قُطْرُب: السُّلَامِيَاتُ: عُرُوق ظاهر الكفّ والقدم. انتهى
(1)
.
وقال ابن الأثير رحمه الله: السُّلامَى: جمع سُلاميَةٍ، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل: واحده وجمعه سواء، ويُجمَع على سُلامياتٍ، وهي التي بين كل مَفْصِلين، من أصابع الإنسان، وقيل: السُّلامى: كل عظم مُجَوَّف، من صغار العظام.
والمعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة، وقيل: إن آخر ما يبقى
(1)
"المصباح المنير" 1/ 287.
فيه المخّ من البعير إذا عَجِفَ السُّلامى والعين، قال أبو عبيد: هو عظم يكون في فِرْسِنِ البعير. انتهى
(1)
.
وسيأتي للمصنّف في "كتاب الزكاة" حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: "إنه خُلق كل إنسان من بني آدم على ستّين وثلاثمائة مَفْصِل، فمن كبّر اللَّه، وحمد اللَّه، وهلل اللَّه، وسبح اللَّه، واستغفر اللَّه، وعَزَل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكةً، أو عظمًا عن طريق الناس، وأَمَرَ بمعروف، أو نَهَى عن منكر، عَدَدَ تلك الستين والثلاث مائة السُّلامَى، فإنه يمشي يومئذ، وقد زَحْزَحَ نفسه عن النار".
(مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ) بالرفع على الفاعليّة (فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ) قال النوويّ رحمه الله: ضبطناه: "ويجزي" بفتح أوله، وضمّه، فالضمّ من الإجزاء، والفتح من جَزَى يَجزي: أي: كفى، ومنه قوله تعالى:{لَا تَجْزِي نَفْسٌ} الآية [البقرة: 48]، وفي الحديث:"لا تجزي عن أحد بعدك". انتهى
(2)
.
وقال في "المصباح": جَزَى الأمرُ يَجْزِي جزاءً، مثلُ قَضَى يَقْضِي قَضَاءً وزنًا ومعنى، وفي التنزيل:{يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 123]، وفي الدعاء:"جزاه اللَّه خيرًا": أي: قضاه له، وأثابه عليه، وقد يُسْتَعمل أجزأ بالألف والهمز بمعنى جَزَى، ونَقَلهما الأخفش بمعنى واحد، فقال: الثلاثي من غير همز لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم، وجازيته بذنبه: عاقبته عليه، وجَزَيتُ الدينَ: قضيته، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بُرْدة بن نِيَارٍ رضي الله عنه لَمّا أمره أن يُضَحِّي بجَذَعة من المعز:"تَجزِي عنك، ولن تَجْزيَ عن أحد بعدك"، قال الأصمعيّ: أي: ولن تَقْضِيَ، وأجزأت الشاة بالهمز: بمعنى قَضَت لغةٌ، حكاها ابن القَطّاع، وأما أجزأ بالألف والهمز، فبمعنى أغنى.
قال الأزهريّ: والفقهاء يقولون فيه: أجزى من غير همز، ولم أجده لأحد من أئمة اللغة، ولكن إن همز أجزأ، فهو بمعنى كَفَى، هذا لفظه، وفيه نظرٌ؛ لأنه إن أراد امتناع التسهيل، فقد توقَّف في موضع التوقُّف، فإن تسهيل
(1)
"النهاية في غريب الأثر" 2/ 396.
(2)
"شرح مسلم" 5/ 234.
همزة الطَّرَف في الفعل المزيد، وتسهيل الهمزة الساكنة قياسىّ، فيقال: أرجأت الأمرَ، وأرجيته، وأنسأت، وأنسيت، وأخطأت، وأخطيت، وأشطأ الزرعُ: إذا أخرج شطأه، وهو أولاده، وأشطى، وتوضأت، وتوضيت، وأجزأت السكين: إذا جعلت له نِصَابًا، وأجزيته، وهو كثير، فالفقهاء جَرَى على ألسنتهم التخفيف.
وإن أراد الامتناع من وقوع أجزأ موقع جزى، فقد نقلهما الأخفش لغتين، كيف، وقد نَصَّ النُّحاة على أن الفعلين إذا تقارب معناهما، جاز وضع أحدهما موضع الآخر، وفي هذا مَقْنَعٌ لو لم يوجد نقلٌ.
وأجزأ الشيءُ مَجْزَأَ غيرِهِ: كَفَى وأغنى عنه، واجتزأت بالشيء: اكتفيت. انتهى
(1)
.
وقوله: (مِنْ ذَلِكَ) متعلّق بـ "يجزي"(رَكْعَتَانِ) بالرفع على الفاعليّة و"يجزئ"(يَرْكعُهُمَا مِنَ الضُّحَى") قال القرطبيُّ: أي: يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان، فإن الصلاة عَمَلٌ لجميع أعضاء الجسد، فإذا صلّى، فقد قام كلُّ عضو بوظيفته التي عليه في الأصل الذي ذُكر فيه الحديث المتقدّم، يعني:"خُلق كل إنسان على ستين وثلاثمائة مفصل. . . "، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [14/ 1671](720) وسيأتي مطوّلًا في "كتاب الزكاة" رقم (1006)، و (أبو داود) في "الأدب"(5243 و 5244)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 167 و 168)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(838)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2121)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1627)، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
"المصباح المنير" 1/ 100 - 101.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان فضل ركعتي الضحى، حيث إنها قامت مقام ثلاثمائة وستين صدقةً يصّدّق بها العبد شكرًا لما أولاه اللَّه تعالى من نعم السُّلامى.
2 -
(ومنها): بيان أن أدنى عدد صلاة الضحى ركعتان، وقد تمَّ البحث فيه مستوفى قريبًا.
3 -
(ومنها): بيان عظيم فضل اللَّه تعالى على الإنسان، حيث خفّف عنه شكر ما أولاه من نعمه، بإجزاء ركعتي الضحى عن جميع ما عليه من أنواع الصدقات والبرّ، سبحانك ما أجزل فضلك، واللَّه ذو الفضل العظيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1672]
(721) - (حَدَّثَنَا
(1)
شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثٍ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [5](ت 128)(ع) 2 تقدم في "الطهارة" 27/ 659.
4 -
(أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن مَلّ -مثلّث الميم، ومشدّد اللام- الكوفيّ، ثم البصريّ، مخضرمُ ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [2](ت 95) أو بعدها، عن (130) سنة، وقيل: أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
3 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا في الباب، و"عبد الوارث": هو ابن سعيد.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه، فالأول بلخيّ، والثاني مروزيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم.
5 -
(ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه أكثر من روى الحديث في دهره، روى (5374) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: أَوْصَانِي) أي: عَهِد إليّ، وأمرني أمرًا مؤكّدًا (خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم) الخليلُ: الصَّدِيق الخالص الذي تخلّلت محبّته القلبَ، فصارت في خِلاله؛ أي: في باطنه، واختُلف هل الخُلّة أرفع من المحبّة، أو بالعكس؟.
وقول أبي هريرة رضي الله عنه هذا لا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر. . . "؛ لأن الممتنع هو أن يتخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم غيره تعالى خليلًا، ولا يمتنع اتخاذ الصحابي وغيره النبيّ صلى الله عليه وسلم خليلًا.
ولا يقال: إن المخاللة لا تتمّ حتى تكون من الجانبين؛ لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين، فأطلق ذلك، أو لعلّه أراد مجرّد الصحبة، أو المحبّة، قاله في "الفتح"
(1)
.
وعبارة القرطبيّ رحمه الله: وقد عاب بعض الطاعنين على أبي هريرة رضي الله عنه قوله: "خليلي" في النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ بناءً على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يتّخذه ولا أحدًا من الخلق خليلًا، وهذا إنما وقع فيه قائله ظنّا أن خليلًا بمعنى مُخالل، من المخاللة التي لا تكون إلا من اثنين، وليس الأمر كذلك، فإن خليلًا مثلُ حبيب، لا يلزم فيه من المفاعلة شيءٌ؛ إذ قد يُحَبُّ الكاره. انتهى
(2)
.
(1)
"الفتح" 3/ 67.
(2)
"المفهم" 3/ 360.
(بِثَلَاثٍ) أي: ثلاث خصال، زاد في رواية البخاري:"لا أدعهنّ حتى أموت"، قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون قوله: "لا أدعهنّ إلخ" من جملة الوصية؛ أي: أوصاني أن لا أدعهنّ، ويَحْتَمِل أن يكون من إخبار الصحابيّ بذلك عن نفسه، ولفظ أبي داود:"لا أدعهنّ في سفر، ولا حضر"(بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) الجارّ والمجرور بدل من الجارّ والمجرور قبله بدل تفصيل من مجمل، وقوله:(مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) متعلّق بـ "صيام".
والمراد: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر الأيام البيض، هذا هو الظاهر، كما قاله في "الفتح"
(1)
، وقيل: يومًا من أوله، ويومًا من وسطه، ويومًا من آخره، وقيل: يومًا من أول كل عشر.
(وَرَكعَتَي الضُّحَى) بالجرّ عطفًا على "صيام"، قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: لعَله ذكر الأقلّ الذي يوجد التأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النبيّ صلى الله عليه وسلم على فعلها لا ينافي استحبابها؛ لأنه حاصل بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلّة القول والفعل، لكن ما واظب النبيّ صلى الله عليه وسلم على فعله مرجَّحٌ على ما لم يواظب عليه.
(وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ) بضمّ القاف، مضارع رَقَد، من باب قعد؛ أي: أنام، ولفظ البخاريّ:"ونوم على وتر"، ومعنى "النوم على وتر" أن يصلي الوتر قبل أن ينام، لا أنه لا بُدّ من نوم بعده، ولعل النبيّ صلى الله عليه وسلم أوصاه بذلك؛ لأنه خاف عليه الفوت بالنوم، ففيه أن من خاف فوات الوتر، فالأفضل له التقديم، وأما من لا يخاف منه، فالتأخير في حقّه أفضل.
قال الحافظ رحمه الله: لا معارضة بين وصيّة أبي هريرة رضي الله عنه بالوتر قبل النوم، وبين قول عائشة رضي الله عنها:"وانتهى وتره إلى السحر"؛ لأن الأول لإرادة الاحتياط، والآخر لمن عَلِم من نفسه قوّة، كما ورد في حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم. انتهى
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
3/ 69.
(2)
"الفتح" 3/ 69.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا مُتّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [14/ 1672 و 1673 و 1674](721)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1178) و"الصوم"(1981)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1677 و 1678) وفي "الكبرى"(1396 و 1397)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(2392)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 459)، و (الدارمي) في "سننه"(1462 و 1753)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1222 و 2123)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2536)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2122 و 2123)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1628 و 1629 و 1630 و 1631)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 47)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): الحثّ على صلاة الضحى، وأن أقلّها ركعتان.
2 -
(ومنها): الحثّ على صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فيكون كأنه صام الدهر كلّه.
3 -
(ومنها): الحثّ على صلاة الوتر قبل النوم، وهذا في حقّ من يغلبه النوم آخر الليل، وإلا فالآخر أفضل؛ لحديث جابر رضي الله عنه الآتي للمصنّف برقم (755) قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَن خاف أن لا يقوم من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طَمِعَ أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودةٍ، وذلك أفضل".
4 -
(ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله: إن في إفراده بهذه الوصية إشارة إلى أن القدر الموصَى به هو اللائق بحاله.
5 -
(ومنها): أن في قوله: "خليلي" إشارة إلى موافقته في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدنيا؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه صَبَر على الجوع في ملازمته للنبيّ صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في "صحيح البخاري" عنه، أنه قال: "وإن إخواني من المهاجرين، فكان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بملء
بطني. . . " الحديث، فشابه حالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في إيثاره الفقر على الغنى، والعبوديّة على الملك.
6 -
(ومنها): أنه يؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التحدّث بالنعمة، والشكر للَّه تعالى، لا على وجه المباهاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: هذه الوصيّة لأبي هريرة رضي الله عنه ورد مثلها لأبي الدرداء رضي الله عنه، كما سيأتي عن المصنّف آخر الباب، ولأبي ذرّ رضي الله عنه فيما رواه النسائي في "كتاب الصيام" بسنده عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: أوصاني حَبِيبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة، لا أدعُهُنّ إن شاء اللَّه تعالى أبدًا، أوصاني بصلاة الضحى، وبالوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر.
قال الحافظ رحمه الله: والحكمة في الوصيّة على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة، والصيام؛ ليدخل في الواجب منهما بانشراح، ولينجبر ما لعلّه يقع فيه من نقص، قال: واقتصر في الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة؛ لأن الصلاة، والصيام أشرف العبادات البدنيّة، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال، وخُصّت الصلاة بشيئين؛ لأنها تقع ليلًا ونهارًا، بخلاف الصيام. انتهى
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1673]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ، وَأَبِي شِمْرٍ الضُّبَعِيِّ، قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيِ هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ) -بضمّ الجيم، مصغّرًا- هو: عبّاس بن فَرُّوخ -بفتح الفاء، وتشديد الراء، آخره معجمة- أبو محمد البصريّ، ثقة [6].
(1)
"الفتح" 3/ 69.
رَوَى عن أبي عثمان النَّهْديّ، والحسن البصريّ، وعمرو بن شعيب إن كان محفوظًا.
ورَوَى عنه شعبة، وهَمّام، وكَهْمَس بن الحسن، والحمّادان، وعبد اللَّه بن بُجَير بن حُمران، ويحيى بن راشد المازنيّ، وسلّام بن مسكين.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوقٌ صالحُ الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو إسحاق الصَّرِيفِينيّ: مات كَهْلًا بعد العشرين ومائة.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
2 -
(أَبُو شِمْرٍ الضُّبَعِيُّ) -بفتح الشين المعجمة، وكسر الميم، ويقال: بكسر الشين، وسكون الميم- البصريّ، معدودٌ فيمن لا يُعرف اسمه، وإنما يُعرف بكنيته، مقبول [4].
رَوَى عن عائذ بن عمرو، وأبي عثمان النَّهْديّ، وابن أبي مُليكة، وأرسل عن عبادة بن الصامت.
وروى عنه شعبة، والصَّلْت بن طَرِيف البصريّ.
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن المدينيّ: أبو شِمْر لم يرو عنه غير شُعبة، وفرَّق الحاكم أبو أحمد بين أبي شِمْر عن أبي عثمان النّهديّ، وعنه شعبة، وبين أبي شِمْر رَوَى عن ابن أبي مليكة، وعنه الصَّلْت بن طَرِيف، وقال الطبرانيّ: هما واحدٌ، كذا قال.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث، مقرونًا بعبّاس الجريريّ.
والباقون ذُكروا في الباب، وكذا تقدّم شرح الحديث، ومسائله في الحديث الماضي.
وقوله: (بمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث أبي التّيّاح، عن أبي عثمان النهديّ.
[تنبيه]: أَما رواية عبّاس الْجُريريّ، فساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:
(1178)
حدّثنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا شعبة، حدّثنا عباس الْجُريريّ،
هو ابن فَرُّوخ، عن أبي عثمالن النَّهْديّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"أوصاني خليلي بثلاث، لا أَدَعُهُنّ حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر". انتهى.
وأما رواية أبي شمر، فساقها النسائيّ رحمه الله في "سننه"، فقال:
(1677)
أخبرنا سليمان بن سَلْم، ومحمد بن عليّ بن الحسن بن شَقِيق، عن النضر بن شُمَيل، قال: أنبأنا شعبة، عن أبي شَمِر، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: النوم على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى. انتهى.
ثم وجدت أبا نعيم رحمه الله ساق روايتيهما معًا، كما أحال المصنّف رحمه الله، فقال في "مستخرجه" (2/ 316):
(1630)
وحدّثنا أبو محمد بن حيّان، ثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عباس الجريريّ، وعن أبي شمر قالا: سمعت
(1)
أبا عثمان، يحدث عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: الوتر قبل النوم، وركعتي الضحى، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1674]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(2)
أَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي، أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثٍ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
(1)
هكذا النسخة بالإفراد، والظاهر أنه تصحيف، والصواب:"سمعنا"، فليُحرّر.
(2)
وفي نسخة: "أخبرني".
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدِ) بن كوسجان -بمهملة، ثم جيم- المروزيّ، أبو داود السِّنْجِيّ النَّحْويّ، وسِنْج -بكسر السين المهملة، وسكون النون، بعدها جيم- من نواحي مَرْوَ، ثقةٌ، صاحب حديث، رَحّالٌ، أَدِيبٌ [11].
رَوَى عن عبد الرزاق، والنضر بن شُميل، والأصمعيّ والحسين بن حفص الأصبهانيّ، وجعفر بن عون، وعثمان بن عُمر بن فارس، وسليمان بن حرب، ومعلى بن أسد، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو حاتم، ومحمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، وابن أبي داود، وابن خِرَاش، وجماعة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الخطيب: رَحَلَ في طلب العلم إلى العراق والحجاز واليمن ومصر، وقَدِمَ بغداد، وذاكر الحفاظ بها، وقال الحازميّ: كان أَدِيبًا شاعرًا، وله تاريخ، وقال مسلمة: مروزيّ ثقةٌ، ونَقَل الصَّرِيفينيّ، عن ابن خِرَاش توثيقه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة سبع وخمسين ومائتين، زاد غيره: في ذي الحجة.
أخرج له مسلم والترمذي والنسائي، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط
(1)
، هذا برقم (721) و (1435) و (1954) و (2465) و (2601) و (2662) و (2663) و (2877).
2 -
(عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) الأنصاريّ، أبو إسحاق، ويقال: أبو إسماعيل الدّبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقة [7].
رَوَى عن ثابت البنانيّ، وعاصم الأحول، ويحيى بن عَتيق، وهشام بن عروة، وأيوب، وخالد الحذاء، وعبد اللَّه بن فَيْرُوز الداناج، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن إسحاق الحضرميّ، ويحيى بن حماد الشيبانيّ،
(1)
وفي "تهذيب التهذيب": قال صاحب "الزهرة": رَوَى عنه مسلم تسعة أحاديث. انتهى، فليُنظر.
ومُعَلَّى بن أسد، ومسدد، ومحمد بن عبد اللَّه الخزاعي، وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدريّ، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مُستوي الحديث، ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، ووثَّقه العجليّ، وابن الْبَرْقيّ، والدارقطنيّ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أحد عشر حديثًا.
3 -
(عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ) هو: عبد اللَّه بن فَيْرُوز الداناج -بالدال المهملة، والنون المخففة، آخره جيم- البصريّ، وهو العالم بالفارسية، ثقةٌ [5].
رَوَى عن أنس، وأبي برزة الأسلميّ، وأبي ساسان، حُصين بن المنذر، وأبي رافع الصائغ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعكرمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه قتادة، وهو من أقرانه، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وعبد العزيز بن المختار، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر ابن أبي حاتم أنه رأى أبا برزة الأسلميّ، وروى عن أبي سلمة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (721)، وحديث (1707):"جلد النبيّ صلى الله عليه وسلم أربعين".
4 -
(أَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ) نُفَيع المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، مشهورٌ بكنيته [2](ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 462.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (فَذَكَرَ) الفاعل ضمير أبي رافع.
[تنبيه]: رواية أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه هذه، ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 316) فقال:
(1631)
حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا أبو خليفة، ثنا مسدّد، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا عبد اللَّه الداناج، ثنا أبو رافع الصائغ، قال: شهدت أبا هريرة قال: "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا أنام إلا على وتر، وركعتي الضحى". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1675]
(722) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَن أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: أَوْصَانِي حَبِيبِي صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثٍ، لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الْحَمّال الْبَزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [10](ت 243) وقد ناهز الثمانين (م 4) تقدم في "الإيمان" 64/ 361.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [11](ت 245)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
3 -
(ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [8](ت 200) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" 16/ 775.
4 -
(الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [7](م 4) تقدم في "الحيض" 16/ 774.
5 -
(إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ) الهاشميّ مولاهم، أبو إسحاق المدنيّ، ثقةٌ [3] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الصلاة" 42/ 1081.
6 -
(أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ) ذُكر في الباب.
7 -
(أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ، اختُلف في اسم
أبيه، مشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعُويمر لقب، الصحابيّ الجليل، أول مشاهده أُحُدٌ، وكان عابدًا، مات رضي الله عنه في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه، وقيل: عاش بعد ذلك (ع) تقدم في "الصلاة" 44/ 1098.
[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو عليّ الغسّاني الْجَيّانيُّ بعد إيراده رواية المصنّف هذه ما نصّه: هكذا "عن أبي الدرداء"، وفي نسخة أبي العلاء:"عن أم الدرداء" مكان "أبي الدرداء"، والصواب "أبو الدرداء"، وكذلك هو في نسخة أبي أحمد على الصواب. انتهى
(1)
.
وشرح الحديث وفوائده تُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 1675](722)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1433)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 440 و 451)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1632)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(15) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ، وَالتَّخْفِيفِ فِيهِمَا، وَبَيَانِ فَضْلِهِمَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1676]
(723) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ، رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ).
(1)
"تقييد المهمل" 3/ 822.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدم في الباب الماضي أيضًا.
3 -
(نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [3](ت 117)(ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
4 -
(ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابي ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، مات سنة (73)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 102.
5 -
(حَفْصَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ) بنت عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما، تزوّجها النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد خنيس بن حُذافة سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: سنة اثنتين، قيل: إنها وُلدت قبل المبعث بخمسة أعوام.
روت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبيها، وروى عنها ابن عمر، وابنه حمزة، وزوجته صفية، وغيرهم.
توفيت سنة (41) وقيل: (45)، وصلّى عليها مروان بن الحكم.
أخرج لها الجماعة.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رواته من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك.
4 -
(ومنها): أنه نُقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله أن أصحّ الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
5 -
(ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي أخته.
6 -
(ومنها): أن ابن عمر رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، رَوَى (2630) حديثًا، واللَّه -تعالى- أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله عنهما (أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) وهي أخته كما
أسلفناه آنفًا (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ) بغير همز؛ أي: ظهر، وفي رواية زيد بن محمد، عن نافع الآتية:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين"، وفي رواية سالم، عن أبيه الآتية:"كان إذا أضاء له الفجر صلّى ركعتين"(رَكَعَ) أي: صلّى (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) هما سنّتا الصبح، وفيه استحباب تخفيف ركعتي الفجر (قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ) متعلّق بـ "رَكَعَ"، قال النوويّ رحمه الله: قد يَستَدِلُّ به من يقول: تكره الصلاة من طلوع الفجر إلا سنة الصبح، وما له سبب، ولأصحابنا الشافعية في المسألة ثلاثة أوجه:
[أحدها]: هذا، ونقله القاضي عن مالك، والجمهور.
[والثاني]: لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الصبح.
[والثالث]: لا تدخل الكراهة حتى يصلي فريضة الصبح، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، فإنما فيه الإخبار بأنه كان صلى الله عليه وسلم لا يصلي غير ركعتي السنة، ولم يَنْهَ عن غيرهما. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ولم يَنْهَ عن غيرهما" هو كما قال، وأما ما أخرجه الترمذيّ عن ابن عمر بأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين"، فضعيف؛ لأن في سنده محمد بن الحصين، مجهول، كما قال الدارقطنيّ، وكذا رُوي بطرق كلّها ضعيفة، لا تصلح لمعارضة ما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم بإباحة الصلاة بعد الفجر بأكثر من ركعتين، وذلك حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه الطويل، وفيه:"فصلّ ما بدا لك حتى تصلي الصبح"، فأباح له الصلاة إلى أن يصليّ صلاة الصبح، وسيأتي تمام البحث قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حفصة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 1676 و 1677 و 1678 و 1679 و 1680]
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 2 - 3.
(723)
، و (البخاريّ) في "الأذان"(618) و"التهجّد"(1173 و 1181)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(433) وفي "الشمائل"(278)، و (النسائيّ) في "المواقيت"(583) و"قيام الليل"(1760 و 1761 و 1779)، وفي "الكبرى"(1559)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1143 و 1145)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 127)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4771)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 244)، و (الحميديّ) في "مسنده"(288)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 284)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 336 و 337)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1197)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1587 و 2462)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 319)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2144 و 2145 و 2146 و 2147 و 2148)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1633 و 1634 و 1635 و 1636 و 1637 و 1638)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 481)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في كراهة التنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من سنة الصبح:
ذهب بعضهم إلى الكراهة، وبه قال سعيد بن المسيب، والعلاء بن زياد، وحميد بن عبد الرحمن، والحنفية، ورُوي ذلك عن ابن عمر، وابن عمرو، وهو المشهور عن أحمد.
وذهب بعضهم إلى الجواز، وهو قول الحسن البصريّ، والشافعيّ، وحملا النهي عن الصلاة بعد الصبح على أن المراد منه بعد صلاة الفريضة، واستدلا بحديث عمرو بن عَبَسَة رضي الله عنه حيث قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"فصلِّ ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح"، وبه قال ابن حزم، وهو مذهب النسائيّ، حيث بوّب في "سننه" بقوله:"إباحة الصلاة إلى أن يُصلّي الصبح"، ثم أورد حديث عمرو المذكور، وهو المذهب الراجح كما سيأتي، واللَّه تعالى أعلم.
وقال مالك: يجوز ذلك لمن فاتته صلاة الليل، لما رواه في "الموطأ" عن سعيد بن جبير "أن عبد اللَّه بن عباس رقد، ثم استيقظ، ثم قال لخادمه: انظر ما صنع الناس؟ وهو يومئذ قد ذهب بصره، فذهب الخادم، ثم رجع، فقال: قد انصرف الناس من الصبح، فقام عبد اللَّه بن عباس، فأوتر، ثم صلى
الصبح"، ولما رواه أنه بلغه أن عبد اللَّه بن عباس، وعبادة بن الصامت، والقاسم بن محمد، وعبد اللَّه بن عمر بن ربيعة قد أوتروا بعد الفجر، وما رواه عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد اللَّه بن مسعود قال: ما أبالي لو أقيمت صلاة الصبح، وأنا أوتر، وما رواه عن يحيى بن سعيد، أنه قال: كان عبادة بن الصامت يؤم قومًا، فخرج يومًا إلى الصبح، فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته عبادة حتى أوتر، ثم صلى بهم الصبح، وما رواه عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: سمعت عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة يقول: إني لأوتر، وأنا أسمع الإقامة، أو بعد الفجر، يشك عبد الرحمن أيّ ذلك، وما رواه عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع أباه القاسم بن محمد يقول: إني لأوتر بعد الفجر.
ففي هذا كله دلالة على أن الوتر يجوز أن تُصَلَّى بعد الفجر، وقبل صلاة الصبح.
وقال الشوكاني: والحديث -يعني حديث: "لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين"- يدُلّ على كراهة التطوع بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، قال الترمذيّ: وهو مما أجمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.
قال الحافظ في "التلخيص": دعوى الترمذيّ الإجماع على الكراهة لذلك عجيب، فإن الخلاف في ذلك مشهور، حكاه ابن المنذر، وغيره، وقال الحسن البصريّ: لا بأس به، وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة بالليل، وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في "قيام الليل". انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي القول بعدم الكراهة، وأحاديث النهي كلها ضعيفة، وبعضها مرسل، فلا تُعارِض حديث عمرو بن عَبَسَةَ الصحيح الذي مرّ ذكره آنفًا، فتبصّر، واللَّه -تعالى- أعلم.
[تنبيه]:
حديث: "ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين"،
(1)
"نيل الأوطار" 3/ 380، و"المنهل العذب المورود" 7/ 178 - 179 بتصرف.
رواه أحمد وأبو داود والترمذيّ، والدارقطنيّ من حديث أبى علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر، ولفظ أبي داود:
(1278)
حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا وُهيب، حدثنا قُدامة بن موسى، عن أيوب بن حصين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، قال: رآني ابن عمر، وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج علينا، ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال:"ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين".
قال الترمذيّ: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قُدَامة بن موسى.
قال الحافظ: وقد اختُلف في اسم شيخه، فقيل: أيوب بن حصين، وقيل: محمد بن حصين، وهو مجهول. وروى أبو يعلى، والطبراني من وجهين آخرين عن ابن عمر نحوه.
ورواه ابن عديّ في ترجمة محمد بن الحارث من روايته عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، والمحمدان ضعيفان، ورواه الطبراني أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن أبي بكر بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر بالحديث دون القصة، وينظر في سنده.
ورواه الدارقطنيّ من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وفي سنده الإفريقي، ورواه الطبراني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وفي سنده رَوَّاد بن الجَرَّاح.
ورواه البيهقي من حديث سعيد بن المسيب مرسلًا، وقال: رُوي موصولًا عن أبي هريرة، ولا يصح. ورواه موصولًا الطبراني، وابن عديّ، وسنده ضعيف، والمرسل أصح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحاصل أن أحاديث النهي كلها ضعيفة، وإن صحَّحها بعض العلماء بمجموع طرقها، فلا تصلح لمعارضة حديث عمرو بن عَبَسَةَ الصحيح:"فصلِّ ما بدا لك حتى تصلي الصبح"، فإنه نصّ صريح في إباحة الصلاة بعد طلوع الفجر قبل أداء الفرض، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1677]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، كلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
1 -
(ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [11](ت 242)(م ق) تقدم في "الإيمان" 16/ 168.
2 -
(اللَّيْثُ بْنُ سَعْد) بن عبد الرحمن الْفَهميّ، أبو الحارث الإمام الثقة الثبت الحجة المشهور [7](ت 175)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 412.
3 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.
4 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليشكريّ أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [10](ت 241)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 39.
5 -
(يَحْيَى) يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ التميميّ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الثقة الثبت الحجة، من كبار [9](ت 198)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 385.
6 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم قريبًا.
7 -
(إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم بن مِقْسَم المعروف بابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [8](ت 193) وهو ابن (83) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
8 -
(أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان، تقدّم قريبًا.
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ) الضمير للّيث بن سعد، وعبيد اللَّه بن عمر، وأيوب السختيانيّ.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد نافع المذكور، وهو عن ابن عمر، عن حفصة رضي الله عنهم.
[تنبيه]: أما رواية الليث، عن نافع هذه، فقد ساقها النسائيّ رحمه الله، فقال:
(1760)
أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "أنه كان إذا نودي لصلاة الصبح، ركع ركعتين خفيفتين، قبل أن يقوم إلى الصلاة". انتهى.
وأما رواية عبيد اللَّه، عن نافع، فقد ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (2/ 318) فقال:
(1635)
حدّثنا محمد بن إبراهيم، وعبد اللَّه بن محمد، قالا: ثنا أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا الفريابيّ، ثنا أبو قُدامة، قالا: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه، أخبرني نافع، عن ابن عمر، أخبرتني حفصة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي سجدتين خفيفتين، إذا طلع الفجر. انتهى.
وأما رواية أيوب، عن نافع، فقد ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" أيضًا (2/ 318) فقال:
(1636)
حدّثنا فاروق، ثنا أبو مسلم (ح) وثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي (ح) وثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، قالوا: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب (ح) وثنا أبو عليّ بن الصوّاف، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل ابن عُلَيَّة، قالا
(1)
: ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، حدّثتني حفصة، أنه كان، تعني النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين حين يطلع الفجر، وينادي المنادي بالصلاة. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
هكذا النسخة بضمير التثنية، وهو يعود على حماد، وإسماعيل، ولكن الصواب في مثل هذا أن يحذف قوله:"عن أيوب" بعد حماد، أو يفرد ضمير "قالا" هنا، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1678]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ) بن أبي فَرْوَة الهاشميّ المعروف بابن الْكُرْديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقة [10].
رَوَى عن مروان بن معاوية، ومحمد بن جعفر غُنْدَر، وغيرهما.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وقال: ثقةٌ، والبزار، والقاسم المطرِّز، وقال ابن حبان في "الثقات": مستقيم الحديث، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة سبع وأربعين ومائتين.
روى عنه المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (723) و (1977) و (2209) و (2225) و (2261).
2 -
(مُحَمَّدُ بْن جَعْفَرٍ) غُنْدر، تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
4 -
(زيدُ بْنُ مُحَمَّد) بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [7].
رَوَى عن أبيه، ونافع، وعنه أخواه: عاصم، وعُمر، وشعبة.
قال أبو داود، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقةٌ لا بأس به، وقال الدارقطنيّ: مُقِلّ فاضل، وهم خمسة إخوة، كلهم ثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم
(1)
وفي نسخة: "حدّثني".
(723)
، وحديث (1851)، وله عند النسائيّ حديثان أيضًا، أحدهما حديث الباب، والآخر حديثٌ في الحجّ.
والباقون ذُكروا قبله، والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1679]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه
(1)
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَ اهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
1 -
(إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(النَّضْرُ) بن شُمَيل المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مَرْوَ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 204) عن (82) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 39.
و"شعبة" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد شعبة المتقدّم، وهو: عن زيد بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة رضي الله عنهم.
[تنبيه]: رواية النضر، عن شعبة هذه لم أر من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1680]
(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَضَاءَ لَهُ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكّيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [10](ت 234)(خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 4/ 19.
2 -
(سُفْيَانُ) بن عُيينة بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ الإمام الحجة الحافظ الفقيه، من رؤوس [8](198) عن (91) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 383.
3 -
(عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [4](ت 126)(ع) تقدم في "الإيمان" 21/ 184.
4 -
(الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
5 -
(سَالِمُ) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عُمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، من كبار [3](ت 106) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 162.
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه واضحٌ يُعلم مما سبق، وكذا بيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1681]
(724) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا
(1)
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي رَكْعَتَي الْفَجْرِ، إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ، وَيُخَفِّفُهُمَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيلُ أَذَنَةَ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 232)(خ م د س) تقدم في "المقدمة" 4/ 23.
2 -
(عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [8](ت 187) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 61/ 339.
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
3 -
(هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [5](ت 5 أو 146) وله (87) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 350.
4 -
(أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهورٌ [3](94) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 407.
5 -
(عَائِشَةُ) بنت الصدّيق رضي الله عنهما أم المؤمنين، ماتت سنة (57) أو بعدها (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 315.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، وشيخه بغداديّ، ثم أَذَنيّ، وعبدة كوفيّ.
4 -
(ومنها): فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: هشام، عن أبيه، وهو روى عن خالته.
5 -
(ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة.
6 -
(ومنها): أن عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، روت (2210) من الحديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي رَكعَتَي الْفَجْرِ) أي: سنة الصبح (إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ) أي: بعد نهاية الأذان؛ لما سبق من حديث حفصة رضي الله عنها: "كان إذا سكت المؤذّن من الأذان لصلاة الصبح، وبدا الصبح صلّى ركعتين خفيفتين"، وفي حديث عائشة رضي الله عنها الآتي بعد حديث:"كان يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح"(وَيُخَفِّفُهُمَا) أي: يخفّف القراءة
فيهما، وفي حديثها الآتي بعد حديثين:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الفجر، فيُخفّف حتى إني أقول: هل قرأ فيهما بأمّ القرآن؟ ".
ولفظ البخاريّ: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب؟ "، وفي رواية الحموي:"بأم القرآن"، وزاد مالك في روايته:"أم لا؟ ".
ولفظ أحمد عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن:"إذا طلع الفجر صلى ركعتين، أو لم يصل إلا ركعتين، أقول: لم يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب"، ورواه أحمد أيضًا عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة بلفظ:"كان إذا طلع الفجر لم يصل إلا ركعتين، فأقول: هل قرأ فيهما بفاتحة الكتاب؟ ".
قال السنديّ رحمه الله: قوله: "أقرأ بأم الكتاب؟ " مبالغة في التخفيف، ومثله لا يفيد الشك في القراءة، ولا يقصد به ذلك، ولا دليل فيه لمن يقول بالاقتصار على الفاتحة، ضرورةَ أن حقيقة اللفظ الشكُّ في الفاتحة أيضًا، وهو متروك بالاتفاق، وعند الحمل على ما قلنا لا يلزم الاقتصار، فالحمل عَلَى الاقتصار مشكلٌ، وقد ثبت خلافه، كما تقدم، واللَّه أعلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد بقوله: "وقد ثبت خلافه" ما سيأتي للمصنّف من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ، وكذا الآيتين من "البقرة"، و"آل عمران"، فإن ذلك ظاهر في كونه قرأ مع الفاتحة غيرها، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ رحمه الله: هذا الحديث دليل على المبالغة في التخفيف، والمراد: المبالغة بالنسبة إلى عادته صلى الله عليه وسلم من إطالة صلاة الليل وغيرها من نوافله، وليس فيه دلالة لمن قال: لا يقرأ فيهما أصلًا، لما قدمناه من الدلائل الصحيحة الصريحة. انتهى.
وقال النوويّ أيضًا: فيه أن سنة الصبح لا يدخل وقتها إلا بطلوع الفجر، واستحباب تقديمها في أول طلوع الفجر وتخفيفها وهو مذهب مالك،
(1)
"شرح السنديّ على النسائيّ" 2/ 156.
والشافعيّ، والجمهور، وقال بعض السلف: لا بأس بإطالتهما، ولعله أراد أنها ليست محرَّمة، ولم يخالف في استحباب التخفيف، وقد بالغ قوم، فقالوا: لا قراءة فيهما أصلًا، حكاه الطحاويّ والقاضي عياض، وهو غلطٌ بَيِّنٌ، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم بعد هذا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيهما بعد الفاتحة بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ، وفي رواية:{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136]، و {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا} [آل عمران: 64]، وثبت في الأحاديث الصحيحة:"لا صلاة إلا بقراءة"، و"لا صلاة إلا بأم القرآن"، و"لا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بأمّ القرآن".
واستَدَلَّ بعض الحنفية بهذا الحديث على أنه لا يُؤَذَّن للصبح قبل طلوع الفجر؛ للأحاديث الصحيحة: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، وهذا الحديث الذي في الباب المراد به الأذان الثاني. انتهى كلام النوويّ رحمه الله، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": وقد تمسك به من زعم أنه لا قراءة في ركعتي الفجر أصلًا.
وتُعُقِّب بما ثبت في الأحاديث الآتية.
قال: وفي تخصيصها أمّ القرآن بالذكر إشارةٌ إلى مواظبته لقراءتها في غيرها من صلاته. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله: ليس معنى هذا أنها شكّت في قراءته صلى الله عليه وسلم بأمّ القرآن؛ لأنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"، متّفقٌ عليه، وإنما معنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان في غيرها من النوافل يقرأ بالسورة، ويُرتّلها حتى تكون أطول من أطول منها، بخلاف فعله في هذه، فإنه كان يُخفّف أفعالها وقراءتها، حتى إذا نُسِبت إلى قراءته في غيرها كانت كأنها لم يقرأ فيها.
وقد دلّ على صحّة هذا ما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيهما بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ، وهذا بعد قراءة الفاتحة في الركعتين قبل السورتين، على ما قد تبيّن اشتراطه في الصلاة، كما
تقدّم، وعلى هذا يُحْمَل حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها بقوله تعالى:{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} الآية [البقرة: 136]، وبقوله تعالى:{تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} الآية [آل عمران: 64] أنه كان يقرأ ذلك بعد الفاتحة، وما ذكرناه هو الظاهر من مجموع الأحاديث، وهو اختيار جمهور أصحاب مالك استحبّوا أن يقرأ فيهما بأمّ القرآن في كل ركعة منهما، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} في الأولى، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} في الآخرة، وهو قول الشافعيّ وأحمد، واستَحَبّ مالك الاقتصار على أم القرآن، على ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها.
وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ فيهما أصلًا، وذهب النخعيّ إلى جواز إطالة القراءة فيهما، واختاره الطحاويّ، وذهب الثوريّ والحسن وأبو حنيفة إلى أنه يجوز لمن فاته حزبه من الليل أن يقرأه فيهما. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ضعف هذه الأقوال سوى الأول، وأما قول من قال بعدم القراءة فباطلٌ قطعًا، وأما قول مالك بقراءة الفاتحة فقط، فيردّه حديث أبي هريرة، وابن عبّاس رضي الله عنهم، وأما من قال بإطالة القراءة، فيردّه حديث عائشة رضي الله عنها هذا، وكذا من قال: بقضاء الحزب الفائت، ويردّه أيضًا ما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أن قضاءه يكون بعد صلاة الفجر، لا قبلها، فقد أخرج المصنّف رحمه الله عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتِب له كأنما قرأه من الليل"
(2)
.
والحاصل أن المذهب الصحيح هو ما ذهب إليه أكثر العلماء من أن ركعتي الفجر يُسنّ تخفيفهما، وأنه لا بدّ من قراءة الفاتحة، ويُستحبّ قراءة السورتين، أو الآيتين المذكورتين، فتبصّر، وسيأتي مزيد تحقيق لهذا في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
"المفهم" 2/ 362 - 363.
(2)
سيأتي للمصنّف قريبًا في أبواب صلاة الليل برقم (747).
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 1681 و 1682 و 1683 و 1684 و 1685](724)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1170 و 1171)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1255 و 1339)، و (النسائيّ) في "الافتتاح"(946)، و"الكبرى"(1018)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 121)، و (الحميديّ) في "مسنده"(181)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1581)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 164 و 165 و 186 و 204)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1113)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2464)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2149 و 2150 و 2151 و 2152 و 2153 و 2154)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1639 و 1640 و 1641 و 1642)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 283 و 297)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 43 و 44)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(882)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم القراءة في ركعتي الفجر:
يستفاد من حديث الباب استحباب تخفيف ركعتي الفجر، ولذا بالغ بعض السلف، فقال: لا يقرأ فيهما شيئًا أصلًا.
وقال مالك وجمهور أصحابه: لا يقرأ غير الفاتحة، وحكاه ابن عبد البر عن أكثر العلماء.
وقال الشافعي وأحمد والجمهور -كما حكاه عنهم النوويّ-: يستحب أن يقرأ فيهما بعد لفاتحة سورة. ذكر هذا الحافظ ولي الدين العراقيّ رحمه الله
(1)
.
وقال في "الفتح" ما حاصله: استَدَلّ بحديث الباب من قال لا يزيد فيهما على أم القرآن، وهو قول مالك.
وفي البويطيّ عن الشافعيّ: استحباب قراءة السورتين المذكورتين فيهما
(1)
"طرح التثريب" 3/ 46.
مع الفاتحة؛ عملًا بالحديث المذكور، وبذلك قال الجمهور، وقالوا: معنى قول عائشة رضي الله عنها: "هل قرأ فيهما بأم القرآن؟ " أي: مقتصرًا عليها، أو ضم إليها غيرها، وذلك لإسراعه بقراءتها، وكان من عادته أن يُرَتِّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها.
وذهب بعضهم إلى إطالة القراءة فيهما، وهو قول أكثر الحنفية، ونُقِل عن النخعي، وأورد البيهقيّ فيه حديثًا مرفوعًا، من مرسل سعيد بن جبير، وفي سنده راو لم يسمّ.
وخَصَّ بعضهم ذلك بمن فاته شيء من قراءته في صلاة الليل، فيستدركها في ركعتي الفجر، ونُقِل ذلك عن أبي حنيفة، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن البصريّ.
واستُدِلّ به على الجهر بالقراءة في ركعتي الفجر، ولا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكون ذلك عُرف بقراءته بعض السورة، كما ثبت في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم من حديث أبي قتادة في صلاة الظهر:"ويسمعنا الآية أحيانًا"، ويدلّ على ذلك أن في رواية ابن سيرين المذكورة:"يسرّ فيهما القراءة"، وقد صححه ابن عبد البرّ.
واستدلّ بالأحاديث المذكورة من قال: لا يتعيّن قراءة الفاتحة في الصلاة؛ لأنه لم يذكرها مع سورتي الإخلاص.
وتُعُقِّب بأنه ترك ذكر الفاتحة لوضوح الأمر فيها، ويؤيده قول عائشة رضي الله عنها:"لا أدري أقرأ الفاتحة، أم لا"، فإنه يدلّ على أن الفاتحة كان مقرَّرًا عندهم أنه لا بد من قراءتها. انتهى ما في "الفتح" بتصرف
(1)
، وهو بحثٌ مفيدٌ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن تخفيف ركعتي الفجر هو المستحب، وأن قراءة الفاتحة لا بدّ منها، ويقرأ معها أحيانًا السورتين المذكورتين في حديث الباب، أو الآيتين المذكورتين فيه أيضًا، وأما القول بالاقتصار على الفاتحة، فمردودٌ بالأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا وغيره، وكذا القول بعدم القراءة أصلًا باطلٌ؛ لمنابذته الأحاديث الصحيحة الموجبة لقراءة فاتحة الكتاب، ولاستحباب السورتين، أو الآيتين اللتين ذُكرتا في هذا
(1)
"الفتح" 3/ 362 - 363.
الباب، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1682]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ، يَعْنِي ابْنَ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَاه عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [9](ت 244)(خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 2/ 6.
2 -
(عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقة [8](189)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 6.
3 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 247)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
4 -
(أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 201)(ع) وهو ابن (80) سنةً تقدم في "المقدمة" 6/ 51.
5 -
(أَبُو بَكْرِ) بن أبي شيبة، تقدّم قبل بابين.
6 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قريبًا.
7 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 199)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 5.
8 -
(وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبتٌ عابدٌ، من كبار [9](ت 6 أو 197)(ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ) الضمير لعلي بن مُسهِر، وأبي أسامة، وعبد اللَّه بن نُمير، ووكيع.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد هشام السابق، وهو: عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها.
[تنبيه]: أما رواية عليّ بن مسهر، عن هشام، فقد ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 319) فقال:
(1639)
حدّثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ح) وأنبا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، قالا: ثنا وكيع (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا حامد بن شعيب، ثنا شريح بن يونس، ثنا عبدة (ح) وثنا الحسن بن علان، وعبد اللَّه بن محمد بن جعفر، قالا: ثنا الفريابيّ، ثنا مِنْجاب، ثنا عليّ بن مُسْهِر، كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقضي صلاة الليل، فإذا سمع المؤذن، صلى ركعتين خفيفتين.
قال: لفظ مِنجاب، عن عليّ بن مُسْهِر. انتهى.
وأما رواية وكيع، عن هشام فساقها أبو عوانة في "مسنده" (2/ 18) فقال:
(2151)
حدّثنا أحمد بن محمد بن أبي رجاء قال: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُخفّف ركعتي الفجر". انتهى.
وأما روايتا أبي أسامة، وعبد اللَّه بن نمير فلم أر من ساقهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1683]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ، مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [9](ت 194) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 128.
3 -
(هِشَامُ) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [7](ت 154) عن (78) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
4 -
(يَحْيَى) بن أبي كثير، صالح بن المتوكّل البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [5](ت 132) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 424.
5 -
(أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر فقيه [3](ت 94)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 423.
و"عائشة" رضي الله عنها ذُكرت في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1684]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَةَ تُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَيُخَفِّفُ، حَتَّى إِنِّي أَقُولُ
(1)
: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [8](ت 194) عن نحو (8) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" 17/ 173.
2 -
(يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد قاضي المدينة، ثقة ثبت من [5](ت 144) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 36.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرَارة الأنصاريّ المدني، ابن أخي عمرة بنت عبد الرحمن، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن
(1)
وفي نسخة: "لأقول".
عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، ويقال: ابن محمد بدل عبد اللَّه، ومنهم من ينسبه إلى جده لأمه، فيقول: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، ثقة [6].
رَوَى عن عمته عمرة بنت عبد الرحمن، وأختها لأمها أم هشام بنت حارثة بن النعمان، ويحيى بن أسعد بن زرارة، وابن كعب بن مالك، وعمرو، ويقال: محمد بن شرحبيل، والأعرج، ومحمد بن عمرو بن الحسن، وغيرهم.
ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، وسهيل بن أبي صالح، وعمارة بن غزية، وأبو أويس، وغيرهم.
ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقال: توفي سنة (124) وهو ثقة، وله أحاديث، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وصرح ابن سعد بأن عمرة عمة أبيه.
وكان عامل عمر بن عبد العزيز على المدينة فيما قال يحيى بن أبي كثير وغيره.
وقال ابن أبي خيثمة: مصعب بن عبد اللَّه يقول: كان محمد بن عبد الرحمن واليًا على اليمامة لعمر بن عبد العزيز، وكان رجلًا صالحًا.
أخرج له الجماعة.
[تنبيه]: وقع في برنامج الحديث للكتب التسعة هنا غلط، حيث تُرجم فيه لمحمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان المعروف بأبي الرجال، وهو ولد عمرة بنت عبد الرحمن المذكورة في السند وهو غلط، كما سيأتي بيانه في كلام الحافظ المزّيُّ رحمه الله، والصواب أنه محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، وهو ابن أخي عمرة، وقيل غير ذلك، كما أسلفناه في ترجمته، راجع:"تحفة الأشراف"(11/ 857).
[تنبيه آخر]: في بيان الاختلاف الواقع في هذا السند:
قال الحافظ أبو الحجاج الْمِزيّ رحمه الله تعالى في "تحفة الأشراف" من زياداته بعد بيان رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ عند البخاريّ، ومسلم، وأبي داود، والنسائيّ ما نصُّهُ: رواه سعد بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة، كما تقدم من رواية أخيه يحيى بن سعيد عنه.
وقد اختُلِف فيه على يحيى بن سعيد:
فمنهم: من رواه عنه، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة -كما تقدم-.
ومنهم: من رواه عنه، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمته عمرة -كما قال شعبة- وهم الأكثرون، وكلا القولين صواب.
ومنهم: من رواه عنه، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة، وهو وَهَمٌ.
ورواه مروان بن معاوية الفَزَاريّ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عمرة، وهو وَهَمٌ أيضًا، لم يتابعه عليه أحد.
ورواه هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، وهو وَهَمٌ أيضًا، لم يُتَابَعْ عليه.
ورواه جماعة جَمَّة، عن شعبة -كما تقدم- منهم يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهديّ، وخالد بن الحارث، وعثمان بن عُمر بن فارس، وعمرو بن مرزوق.
ورواه أبو داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، ولم يتابع على ذلك، وهو معدود من أوهامه.
وذكره أبو مسعود في ترجمة أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، عن أمّه عمرة، ووَهِمَ في ذلك أيضًا، وتبعه الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين" على وهمه، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ المزّيُّ رحمه الله
(1)
.
وقال الحافظ في "نكته": قلت: أخرجه الطحاويّ من طريق معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة، فهذا سلف أبي مسعود الذي تبعه الحميديّ. انتهى
(2)
.
وقال في "الفتح" عند قول البخاري: "عن محمد بن عبد الرحمن" في رواية يحيى بن سعيد ما حاصله: كذا في الأصل غير منسوب، والظاهر أنه ابن
(1)
"تحفة الأشراف" 12/ 414 - 415.
(2)
"النكت الظراف" 12/ 414 في هامش "تحفة الأشراف".
أخي عمرة، وبذلك جزم أبو الأحوص، عن يحيى بن سعيد، عند الإسماعيليّ، وتابعه آخرون عن يحيى.
وذكر الدارقطنيّ في "العلل" أن سليمان بن بلال رواه عن يحيى بن سعيد، قال: حدّثني أبو الرجال، وكذا رواه عبد العزيز بن مسلم، ومعاوية بن صالح، عن يحيى، عن محمد، عن عمرة
(1)
، وهو أبو الرجال، وقد تقدّم أنه محمد بن عبد الرحمن، فيَحْتَمِل أن يكون ليحيى فيه شيخان، لكن رجّح الدارقطني الأول، وحَكَى فيه اختلافات أخرى موهومة.
وقد رواه مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عائشة، فأسقط من الإسناد اثنين. انتهى.
وقال أيضًا عند قول شعبة: "عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمته عمرة" ما نصه: أي: ابن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، ويقال: اسم جده "عبد اللَّه".
وقوله: "عن عمته عمرة"، هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وعلى هذا فهي عمة أبيه.
وزعم أبو مسعود، وتبعه الحميديّ أنه محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان الأنصاري أبو الرجال، ووهّمه الخطيب في ذلك، وقال: إن شعبة لم يرو عن أبي الرجال شيئًا، ويؤيد ذلك أن عمرة أم أبي الرجال، لا عمته.
وقد رواه الطيالسيّ، عن شعبة، فقال: عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، ووَهَّموه أيضًا، ويحتمل إن كان حفظه أن يكون لشعبة فيه شيخان. انتهى حاصل ما في "الفتح" ببعض تصرف
(2)
.
وقال في "العمدة": وذكر أبو مسعود أن محمد بن عبد الرحمن المذكور في إسناد هذا الحديث هو أبو الرجال، محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن
(1)
ونصّ عبارة "الفتح": عن يحيى بن محمد بن عمرة، وهو أبو الرجال، وهذا خطأٌ بلا شكّ، والذي أثبتّه هنا هو الذي تفيده عبارة "النكت الظراف" 12/ 414، فليُحرّر ما في "الفتح"، واللَّه تعالى أعلم.
(2)
"الفتح" 3/ 362.
النعمان، ويقال: ابن عبد اللَّه بن حارثة الأنصاريّ النجّاريّ، لُقِّب بأبي الرجال؛ لأن له عشرةَ أولاد رجال، وجدُّه حارثة بدريٌّ.
وسبب اشتباه ذلك على أبي مسعود، أنه رَوَى عن عمرة، وعمرةُ أمه، لكنه لم يرو عنها هذا الحديث، ولأنه رَوَى عنه يحيى بن سعيد وشعبة.
وقد نَبَّهَ على ذلك الخطيب، فقال في حديث محمد بن عبد الرحمن، عن عمته عمرة، عن عائشة في الركعتين بعد الفجر: ومن قال في هذا الحديث: عن شعبة، عن أبي الرجال، محمد بن عبد الرحمن، فقد وَهِمَ؛ لأن شعبة لم يرو عن أبي الرجال شيئًا، وكذلك من قال: عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة.
وذَكَر الجيّاني أن محمد بن عبد الرحمن أربعةٌ، من تابعي أهل المدينة، أسماؤهم متقاربة، وطبقتهم واحدة، وحديثهم مُخَرَّج في الكتابين:
[الأول]: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، وأبي سلمة، رَوَى عنه يحيى بن أبي كثير.
[والثاني]: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، أبو الأسود، يتيم عروة.
[والثالث]: محمد بن عبد الرحمن، يعني ابن زُرَارة.
[والرابع]: محمد بن عبد الرحمن، أبو الرجال. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب هنا أن محمد بن عبد الرحمن هو ابن سعد بن زُوارة، ابن أخي عمرة، لا ابن حارثة ولدُها الملقّب بأبي الرجال، كما ظنه أصحاب برامج الحديث، فترجموا له هنا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
4 -
(عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، ثقة من [3]، ماتت قبل (100) ويقال: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ 2 ص 417.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (حَتَّى إِنِّي أَقُولُ) وفي نسخة: لأقول.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم
(1)
"عمدة القاري" 7/ 230.
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1685]
(. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ، سَمِعَ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، أَقُولُ: هَلْ يَقْرَأُ
(1)
فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُوهُ) معاذ بن معاذ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (هَلْ يَقْرَأُ فِيهِمَا) وفي نسخة: "لم يقرأ فيهما".
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1686]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(2)
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(3)
عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ، أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب.
4 -
(عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القُرشيّ مولاهم، أبو محمد الفقيه المكيّ،
(1)
وفي نسخة: "لم يقرأ".
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(3)
وفي نسخة: "أخبرني".
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [3](ت 114) على المشهور (ع) تقدم في "الإيمان" 83/ 442.
5 -
(عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ) بن قَتَادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، قاصّ أهل مكة، مجمع على توثيقه، من كبار التابعين [2]، وقال مسلم: وُلد في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم (ت 68)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 473.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، سوى عائشة رضي الله عنها فمدنيّة، وشيخه بغداديّ، ويحيى بصريّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وعائشة تقدّم الكلام عليها قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) في رواية ابن خُزيمة، عن يحيى بن حكيم، عن يحيى بن سعيد بسنده، أخبرني عُبيد بن عُمير
(1)
. (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ، أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ) ولفظ البخاريّ: "أشدّ تعاهدًا منه"، وفي رواية حفص، عن ابن جريج التالية هنا:"ما رأيته إلى شيء من الخير إلى الركعتين قبل الفجر"، زاد ابن حبّان من هذا الوجه:"ولا إلى غنيمة يغتنمها"
(2)
.
ومعنى المعاهدة: المحافظةُ، قال في "القاموس": وتعَهَّده، وتَعَاهَدَهُ، واعتَهَده: تفقّده، وأحدَثَ العَهْدَ به. انتهى
(3)
.
(1)
"الفتح" 3/ 55.
(2)
"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" 6/ 210.
(3)
"القاموس المحيط" 1/ 320.
وقال في "المصباح": وتَعَهَّدتُ الشيءَ: تردّدت إليه، وأصلحته، وحقيقته تجديد العهد به، وتعهّدته: حَفِظتُهُ، قال ابن فارس: ولا يُقال: تعاهدته؛ لأن التفاعل لا يكون إلا من اثنين، وقال الفارابيّ: تَعَهّدته أفصح من تعاهدته. انتهى
(1)
.
(عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ) قال النوويّ رحمه الله: فيه دليل على عِظَمِ فضلهما، وأنهما سنة ليستا واجبتين، وبه قال جمهور العلماء، وحَكَى القاضي عياض عن الحسن البصريّ -رحمهما اللَّه تعالى- وجوبهما، والصواب عدم الوجوب، لقولها:"على شيء من النوافل"، مع قوله صلى الله عليه وسلم:"خمسُ صلوات"، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تَطّوّع"، وقد يستدل به لأحد القولين عندنا في ترجيح سنة الصبح على الوتر، لكن لا دلالة فيه؛ لأن الوتر كان واجبًا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
(2)
، فلا يتناوله هذا الحديث. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(3)
، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
وقال القرطبيّ رحمه الله: استدَلّ بهذا من قال: إنهما سنّة، وهو قول كافّة العلماء، وأكثر أصحاب مالك، ورُوي عنهم أنها من الرغائب، وهو القول الآخر عن مالك، وذهب الحسن إلى وجوبهما، وهو شاذّ، لا أصل له. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
(4)
، وهو تحقيقٌ حسنٌ أيضًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 1686 و 1687](724)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1169)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1254)، و (النسائيّ) في
(1)
"المصباح المنير" 2/ 435.
(2)
الصحيح أن الوتر ليس واجبًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما حقّقته في أوائل "كتاب النكاح" من "شرح النسائيّ".
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 4 - 5.
(4)
"المفهم" 2/ 363 - 364.
"الكبرى"(456)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1108 و 1109)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2456 و 2457)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2115)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1642)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 470)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(880)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1687]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ، أَسْرَعَ مِنْهُ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [8](ت 4 أو 195) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 136.
والباقون ذُكروا في الباب، و"ابن نمير" هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1688]
(725) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "رَكعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [10](ت 238)(م د س) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
2 -
(أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [7](ت 5 أو 176)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
3 -
(قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [4](ت 117) تقدم في "المقدمة" 6/ 70.
4 -
(زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى) العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ، قاضيها، ثقةٌ عابدٌ [3](93)(ع) تقدم في "الإيمان" 61/ 338.
5 -
(سَعْدُ بْنُ هِشَامِ) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ابن عم أنس، ثقةٌ [3].
رَوَى عن أبيه، وعائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، وسَمُرة بن جندب، وأنس رضي الله عنهم.
ورَوَى عنه حميد بن هلال، وزُرارة بن أوفى، وحُميد بن عبد الرحمن الْحِمْيَريّ، والحسن البصريّ.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكر البخاريّ أنه قُتِل بأرض مُكْران على أحسن أحواله.
قال أبو بكر الحازميّ: مُكْران بضم الميم: بلدة بالهند، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء اللَّه تعالى، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: قُتل بأرض مُكران غازيًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا برقم (725) وأعاده بعده، و (746) وكرّره ثلاث مرّات، و (767) و (798) و (2107) و (2684).
و"عائشة" رضي الله عنها ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سباعيات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود، والنسائيّ.
3 -
(ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن زُرارة، عن سعد.
4 -
(ومنها): أن فيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "رَكْعَتَا الْفَجْرِ) أي: سنّة الفجر، وهي المشهورة بهذا الاسم، ويَحْتَمِل الفرض، قاله السنديُّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني غير صحيح، بل الصواب الأول، لما في الرواية التالية من طريق سليمان التيميّ، عن قتادة أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر:"لهما أحبّ إليّ من الدنيا، وما فيها جميعًا"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا") أي: أثاثها ومتاعها، يعني: أن أجرهما خير من أن يُعطِي تمام الدنيا في سبيل اللَّه تعالى، أو هو على اعتقادهم أن في الدنيا خيرًا، وإلا فذَرّة من الآخرة لا تساويها الدنيا وما فيها.
قال الطيبيّ رحمه الله: إن حُمل "الدنيا" على أعراضها، وزَهْرتها، فالخير إما مُجْرًى على زعم من يرى فيها خيرًا، أو يكون من باب:{أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} الآية [مريم: 73]. وإن حُمل على الإنفاق في سبيل اللَّه، فتكون هاتان الركعتان أكثر ثوابًا منها. انتهى.
وقال في "حجة اللَّه البالغة": إنما كانتا خيرًا منها؛ لأن الدنيا فانية، ونعيمها لا يخلو عن كَدَر النَّصَب والتعَب، وثوابهما باق من غير كَدَرٍ. انتهى.
وقد استُدِلّ به على أن ركعتي الفجر أفضل من الوتر، وهو أحد قولي الشافعيُّ، ووجه الدلالة أنه جَعَل ركعتي الفجر خيرًا من الدنيا، وما فيها، وجعل الوتر خيرًا من حُمْرِ النَّعَم، وحُمْرُ النعَم جزءٌ مما في الدنيا، وأصحّ القولين عن الشافعيّ أن الوتر أفضل، وقد استُدلّ لذلك بما في "صحيح مسلم" من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه مرفوعًا:"أفضل الصلاة بعد الفريضة الصلاة في جوف الليل"، وبالاختلاف في وجوبه، كما تقدّم
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
راجع: "المرعاة شرح المشكاة" 4/ 137.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 1688، 1689](725)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(416)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1759) و"الكبرى"(1452 و 458)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1498)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 241)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 50 و 51 و 149 و 265)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1107)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2458)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2142)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1644)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 470)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(881)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1689]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: قَالَ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ فِي شَأْنِ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ: "لَهُمَا أحَبُّ إِلَيَّ
(2)
مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مُعْتَمِرُ) بن سلَيمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ، من كبار [9](ت 187)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 105.
3 -
(أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [4](ت 143) عن (97) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى شرحه وبيان مسائله في
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "هما أحبّ إليّ".
الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1690]
(726) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَزِيدَ، هُوَ
(1)
ابْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ:{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} ، وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) ذُكِر في الباب.
2 -
(ابْنُ أبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [10](ت 243)(م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 5/ 31.
3 -
(مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن الحارث بن أسماء الفَزَاريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثم المكيّ، ثم الدمشقيّ، ثقةٌ حافظ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [8](ت 193)(ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 138.
4 -
(يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [6](بخ م 4) تقدم في "الإيمان" 9/ 142.
5 -
(أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [3] مات على رأس المائة (ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 142.
6 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدّم في "المقدمة" 2/ 4.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، ويزيد بن كيسان، كما أسلفته آنفًا.
(1)
وفي نسخة: "وهو" بالواو.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، إلا شيخيه، فمكيّان، وأبا هريرة، فمدنيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: بعد قراءة أم القرآن، وإنما لم يذكرها لوضوح أمرها ({قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)}، وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ) أي قرأ السورتين بتمامهما، فقرأ في الأولى بعد الفاتحة السورة الأولى، وفي الثانية بعد الفاتحة السورة الثانية.
وقد روى ابن ماجه بإسناد قويّ عن عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين قبل الفجر، وكان يقول:"نعم السورتان يقرأ بهما في ركعتي الفجر: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} [الكافرون: 1]، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} [الإخلاص: 1] ".
وأخرج ابن حبّان في "صحيحه"(6/ 212) بإسناد صحيح، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رَمَقْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم شهرًا، فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} .
وأخرج أيضًا بإسناد قويّ (6/ 213)، من طريق طلحة بن خِرَاش، عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما أن رجلًا قام، فركع ركعتي الفجر، فقرأ في الركعة الأولى:{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} حتى انقضت السورة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"هذا عبد عَرَفَ ربه"، وقرأ في الآخرة:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} حتى انقضت السورة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"هذا عبد آمن بربه"، فقال طلحة: فأنا أستحب أن أقرأ بهاتين السورتين في هاتين الركعتين.
وفي هذه الأحاديث دلالة لما ذهب إليه الجمهور من استحباب قراءة سورة في كل ركعة من هاتين الركعتين بعد الفاتحة، وكون المقروء في الأولى سورة "الكافرون"، وفي الثانية سورة "الإخلاص".
ولا دليل فيها لمن قال: لا تتعين قراءة الفاتحة في هاتين الركعتين؛ لعدم ذكرها مع السورتين، لما علمت من أن عدم ذكرها لاشتهار أمرها.
وفيها الردّ على مالك في قوله بالاقتصار فيهما على الفاتحة، وعلى من
قال: لا قراءة فيهما أصلًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 1690](726)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1256)، و (النسائي) في "الافتتاح"(945)، و"الكبرى"(1017)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1148)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2163)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1645)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1691]
(727) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ، يَعْنِي مَرْوَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فِي الْأُولَى مِنْهُمَا:{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الْآيَةَ الَّتِي فِي "الْبَقَرَةِ"، وَفِي الْآخِرَةِ مِنْهُمَا:{آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عثمان بن حكيم) بن عَبَّاد بن حُنَيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدني، ثم الكوفي، ثقة من [5] ما قبل (140)(خت م 4) تقدم في "الطهارة" 11/ 584.
2 -
(سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) أبو الحُبَاب المدني، ثقة مُتْقِنٌ من [3](ت 117)(ع) تقدم في "صلاة المسافرين" 5/ 1614.
3 -
(ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر رضي الله عنهما، مات سنة (68)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.
والباقيان ذُكرا في الباب.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة ثقات، إلا عثمان، فعلّق له البخاريّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى قتيبة، فبغلانيّ، ومروان، فكوفيّ، ثم مكيّ، ثم دمشقي.
4 -
(ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار، إلا في موضع:"عن عثمان بن حكيم"، وقد صرّح بالتحديث عند النسائيّ، فقال:"حدّثنا عثمان بن حكيم".
5 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عثمان، عن سعيد.
6 -
(ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله عنهما أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين بالفتوى، من الصحابة رضي الله عنهم، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيِّ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ) أي: سعيدًا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: في بعض الأحيان بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي قبله أنه قرأ بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} .
ولفظ أبي داود: "إن كثيرًا مما كان يقرأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ركعتي الفجر. . . ".
والمراد أنه كان يقرأ ما ذُكِر بعد قراءة الفاتحة؛ لما تقرر من الأدلة أن الصلاة لا تصح بدونها، كما أسلفته في الحديث الماضي.
وقوله (فِي الْأُولَى مِنْهُمَا) بدل من الجار والمجرور قبله، بدل تفصيل من مجمل ({قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الْآيَةَ الَّتِي فِي "الْبَقَرَةِ") بنصب "الآيةَ" بدل من {قُولُوا آمَنَّا} ، أو مفعول لفعل مقدّر، أعني الآية.
أي يقرأ الآية بتمامها، وتمام الآية: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ
النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)} [البقرة: 136].
(وَفِي الْآخِرَةِ مِنْهُمَا) أي: يقرأ في الركعة الأخرى من الركعتين، وهي الثانية ({آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}) أي: يقرأ الآية المشتملة على هذا الكلام، وهي قوله تعالى:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)} [آل عمران: 52].
ووقع في الرواية التالية من طريق أبي خالد الأحمر، عن عثمان بن حكيم:"كان رسول اللَّه، يقرأ في ركعتي الفجرة {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136]، والتي في آل عمران: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] ".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن الرواية الأولى أرجح؛ لأن مروان بن معاوية أحفظ من أبي خالد الأحمر، وقد تابعه عيسى بن يونس، كما سيأتي عند المصنّف رحمه الله.
ويَحْتَمِل أن يكون في بعض الأوقات يقرأ هذه، وفي بعضها يقرأ هذه، وهو ظاهر صنيع المصنّف، حيث أخرج الحديثين معًا، ولم يتكلّم في أحدهما.
[تنبيه]: قال الإمام أبو داود في "سننه"(2/ 20):
(1260)
حدّثنا محمد بن الصباح بن سفيان، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عثمان بن عمر، يعني ابن موسى، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر:{قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} [آل عمران: 84] في الركعة الأولى، وفي الركعة الأخرى بهذه الآية:{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)} [آل عمران: 53]، أو {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)} [البقرة: 119]، شك الدّرَاوَرْديّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه: هذا الحديث حسّنه الشيخ الألبانيّ رحمه الله في "صحيح أبي داود"، وعندي في تحسينه نظر؛ لأنه مخالف لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما فإن الآية الأولى هي التي في "آل عمران"، لا في "البقرة".
ثم وجدت الطحاويّ رحمه الله أخرج الحديث في "شرح معاني الآثار"(1/ 298) بما يوافق حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما، ونصّه:
حدّثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عمر بن موسى، قال: سمعت أبا الغيث يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقرأ في السجدتين قبل الفجر، في السجدة الأولى:{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} ، الآية، وفي السجدة الثانية:{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)} . انتهى.
فهذه الرواية هي الصحيحة؛ لموافقتها حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما، وغايته أن الآية الثانية بعد الآية التي في حديث ابن عبّاس، فالظاهر أنه كان يقرأ الآيتين، فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 1691 و 1692 و 1693](727)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1259)، و (النسائيّ) في "الافتتاح"(944) و"الكبرى"(1016)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 230 و 231)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(706)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1115)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2162)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1646)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1692]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} وَالَّتِي فِي "آلِ عِمْرَانَ": {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} )
(1)
.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [8](ت 190) أو قبلها وله بضع وسبعون سنة (ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 120.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1639]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
1 -
(عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [10](ت 257) وقد قارب المائة تقدم في "المقدمة" 4/ 25.
2 -
(عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مُرابطًا، ثقةٌ مأمون [8](ت 187) أو (191)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
و"عثمان" سبق.
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن عثمان بن حكيم هذه لم أر من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
زاد في نسخة: "الآية".
(16) - (بَابُ فَضْلِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ، وَبَعْدَهَا، وَبَيَانِ عَدَدِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1694]
(728) - (حَدَّثَنَا
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ
(2)
، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ"، قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ
(3)
مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ عَنْبَسَةُ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ، وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ) تقدّم قبل حديث.
3 -
(دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ مُتقنٌ [5](ت 140) أو قبلها (خت م 4) تقدم في "الإيمان" 27/ 221.
4 -
(النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ) الطائفيّ، ثقةٌ [4].
رَوَى عن جدّته، وَعثمان بن أبي العاص، وأوس بن أبي أوس، وعمرو بن أوس، وابن الزبير، وابن عمرو، ويعقوب بن عاصم.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
(2)
زاد في نسخة: "الأحمر".
(3)
وفي نسخة: "ما تركتهنّ" بدون الفاء في المواضع الأربعة.
ورَوَى عنه داود بن أبي هند، وحاتم بن أبي صَغِيرة، وسِمَاك بن حرب، وشعبة، وعامر الأحول، والحكم بن عبد الملك.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال وكيع، عن شعبة: ثنا النعمان بن سالم، وكان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات".
[تنبيه]: قال اللالكائيّ: جَعَل البخاريّ الذي رَوَى عن ابن عمر غير الذي رَوَى عن عمرو بن أوس، قال الحافظ: والأمر كذلك، في "تاريخ البخاريّ الكبير"، فكأنّ المزّيّ ما راجع "التاريخ"، وكذا يصنع ابن حبان في "الثقات"، فذكر صاحب الترجمة في أتباع التابعين، وذكر الذي رَوَى عن ابن عمر، وعنه شعبة، في طبقة التابعين. انتهى.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (728) وأعاده بعده، وحديث (2940):"يخرج الدجال في أمتي. . . " الحديث.
5 -
(عَمْرُو بْنُ أَوْسِ) بن أبي أوس، واسمه حُذيفة الثقفيّ الطائفيّ، ثقةٌ [2].
رَوَى عن أبيه، والمغيرة، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي رَزِين الْعُقَيليّ، والحارث بن عبد اللَّه الثقفيّ، وعنبسة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وهو من أقرانه.
ورَوَى عنه ابن أخيه عثمان بن عبد اللَّه الثقفيّ، والنعمان بن سالم، وغُضَيف بن أبي سفيان الثقفيّ، وأبو إسحاق السبيعيّ، وعمرو بن دينار المكيّ، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.
قال عبد الرحمن بن نافع بن لَبِيبة الطائفيّ: قال أبو هريرة: تسألوني، وفيكم عمرو بن أوس؟، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ رحمه الله: ذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن منده وغيره في "معرفة الصحابة"، وأوردوا من حديثه حديثًا وقع في إسناده وَهْنٌ أوجب أن يكون لعمرو بن أوس صحبة، وهو من رواية الوليد بن مسلم، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفيّ، عن عثمان بن عمرو بن أوس، عن أبيه،
قال: قَدِمْتُ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في وفد ثَقِيف، كذا رواه الوليد، ورواه جماعة من الثقات، عن الطائفيّ، عن عثمان، وهو ابن عبد اللَّه بن أوس، عن أبيه به، ورواه وكيع، وغير واحد عن الطائفيّ، عن عثمان بن عبد اللَّه بن أوس، عن جدِّه أوس بن أبي أوس به، وهو الصواب. انتهى
(1)
.
قال البخاريّ مات قبل سعيد بن جبير، وقال أبو نعيم: قبل سعيد بن جبير سنة (95).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (728) وأعاده بعده، وحديث (1159) وأعاده بعده، و (1212) و (1827).
6 -
(عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بن حرب بن أميّة القرشيّ الأمويّ، أخو معاوية رضي الله عنه، يُكنى أبا الوليد، وقيل غير ذلك، ويقال: له رؤيةٌ، وقال أبو نُعيم: اتّفق الأئمة على أنه تابعيّ، وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، ومات قبل أخيه معاوية رضي الله عنه (م 4) 65/ 373.
7 -
(أُمُّ حَبِيبَةَ) رَمْلة بنت أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها، ماتت رضي الله عنها سنة (2 أو 4 أو 49)، وقيل:(50)(ع) تقدم في "الإيمان" 65/ 368.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن فيه أربعة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: داود، عن النعمان، عن عمرو، عن عنبسة.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أخته.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ) الثقفيّ الطائفيّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب (فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ) هو بمثناة تحتُ مفتوحةٍ، ثم مثناة فوقُ، وتشديد الراء المرفوعة؛ أي: يُسَرُّ به، من السرور؛ لما فيه
(1)
"تهذيب التهذيب" 3/ 257 - 258.
من البِشارة مع سهولته، وكان عنبسة محافظًا عليه، كما ذكره في آخر الحديث.
ورواه بعضهم بضمّ أوله، على ما لم يُسَمّ فاعله، وهو صحيحٌ أيضًا، قاله النوويّ رحمه الله
(1)
.
(قَالَ) عنبسة (سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ) رضي الله عنها (تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أجملها في رواية المصنّف رحمه الله، وقد فسّرها في رواية غيره، فقد أخرج الحديث الترمذيّ من طريق سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن المسيَّب بن رافع، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعةً، بُنِي له بيتٌ في الجنة: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر"، قال أبو عيسى: وحديث عنبسة، عن أم حبيبة في هذا الباب حديث حسن صحيح، وقد رُوي عن عنبة من غير وجه. انتهى.
وكذا رواه النسائيّ إلا أنه قال: "ركعتين قبل العصر"، بدل "ركعتين بعد العشاء"، وقد أشار النسائيّ إلى ضعف هذه الرواية، والظاهر أن رواية الترمذيّ هي المحفوظة، واللَّه تعالى أعلم.
(فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) المراد في كل يوم وليلة، فهو عامّ، وإن كان نكرة مثبتةً؛ لما في رواية النسائيّ، وابن ماجه، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "من ثابر على ثنتي عشرة ركعةً من السنّة، بُنِي له بيتٌ في الجنّة"
(2)
، قاله في "المنهل"
(3)
.
(بُنِيَ) بالبناء للمفعول (لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ") يعني: جعل اللَّه تعالى له بسبب هذه الركعات بيتًا في الجنّة، والظاهر أن محلّ هذا فيما إذا كانت فرائضه تامّة، أما إذا كانت ناقصةً، فتكمل من تطوّعه، فقد قال الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن أول ما يُحاسب به
(1)
"شرح النووي" 6/ 9.
(2)
صححه الشيخ الألباني، وعندي أنه لا يصحّ من حديث عائشة رضي الله عنها، وإنما الصحيح حديث أم حبيبة رضي الله عنها المذكور في الباب، راجع:"شرح النسائيّ" 18/ 181 - 182.
(3)
"المنهل العذب المورود" 7/ 134.
العبد يوم القيامة صلاته، فإن وُجِدت تامّة، كُتبت تامّة، وإن كان انتقص منها شيءٌ، قال: انظروا هل تجدون له من تطوُّع، يكمل له ما ضيع من فريضة من تطوعه؟ ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك"، حديث صحيحٌ.
(قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ) رضي الله عنها (فَمَا تَرَكْتُهُنَّ) ووقع في بعض النسخ: "ما تركتهنّ" بحذف الفاء في المواضع الأربعة، و"ما" نافيةٌ؛ أي: لم أترك صلاة اثنتي عشرة ركعة في كل يوم وليلة (مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ عَنْبَسَةُ) رحمه الله (فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ، وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ) هذا من النوع المسمّى في مصطلح أهل الحديث بالمسلسل؛ لأن كل واحد من الأربعة قال: "ما تركتهنّ منذ سمعت فلانًا"، وفائدته تقوية الحديث، قال السيوطيُّ في "ألفيّة الحديث":
هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ
…
قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ
فِعْلِيَّةٍ قَوْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا
…
لَهُمْ أَوْ لِلْحَدِيثِ فِيمَا قُسِّمَا
وَخَيْرُهُ الدَّالُّ عَلَى الْوَصْفِ وَمِنْ
…
مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم حبيبة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [16/ 1694 و 1695 و 1696 و 1697](728)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1250)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1796 و 1797 و 1798)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1141)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1591)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 226 - 227 و 327 و 426)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 335)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1185 و 1186 و 1187 و 1188)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2451 و 2452)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2105 و 2106)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"
(1648 و 1649 و 1650)، و (الحاكم) في "مستدركه"(1/ 311)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 473)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان فضل السنن الرواتب، حيث إن من داوم عليها يُبنى له بيتٌ في الجنّة.
2 -
(ومنها): بيان أن عدد ركعات السنن الرواتب، وأنها اثنتا عشرة ركعة في كل يوم وليلة.
3 -
(ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله: فيه أنه يحسن مِن العالم، ومَن يُقْتَدَى به أن يقول مثل هذا -يعني ما تركت هذه السنّة، أو هذا العمل منذ كذا وكذا- ولا يَقْصِد به تزكية نفسه، بل يريد حَثَّ السامعين على التخلُّق بخُلُقه في ذلك، وتحريضهم على المحافظة عليه، وتنشيطهم لفعله.
4 -
(ومنها): ما قال العلماء: الحكمة في شرعية النوافل الرواتب وغيرها رفع الدرجات، وتكفير السيّئات، وترغيم الشيطان، وقطع طماعيته في منع الإنسان من تأدية الفرائض على الوجه الأكمل، وتكميل الفرائض بها، إن عَرَض فيها نقصٌ، بترك شيء منها، أو من آدابها، كخشوع، وترك تدبّر في القراءة والأذكار، وغير ذلك، كما ثبت في الحديث في "سنن أبي داود" وغيره، كما أسلفناه آنفًا، ولترتاض نفسه بتقديم النافلة، ويتنشط بها، ويتفرغ قلبه أكمل فراغ للفريضة، ولهذا يُستَحَبّ أن تُفْتَح صلاةُ الليل بركعتين خفيفتين، كما سيأتي ذكره عن مسلم رحمه الله بعد هذا قريبًا
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في السنن الرواتب:
قال القرطبيّ رحمه الله: اختَلَف العلماء هل للفرائض رواتب مسنونةٌ، أو ليس لها؟ فذهب الجمهور إلى الأخذ بحديث أم حبيبة رضي الله عنها وبما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لهذه النوافل، على ما ذُكر عن عائشة، وابن عمر رضي الله عنهم في هذا الباب، فقالوا: هي سنّة مع الفرائض.
(1)
راجع: "شرح النووي" 6/ 10، و"المنهل العذب المورود" 7/ 133.
وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا راتب في ذلك، ولا توقيت عدا ركعتي الفجر، وقد تقدّم ذكرها؛ حماية للفرائض، ولا يُمنع من تطوّع بما يشاء إذا أمن ذلك، وذهب العراقيّون من أصحابنا إلى استحباب الركوع بعد الظهر، وقبل العصر، وبعد المغرب. انتهى كلام القرطبيّ
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي نقله القرطبيّ عن مالك رحمه الله عجيب، كيف يُنكر الرواتب غير ركعتي الفجر، مع صحة هذه الأحاديث؟ ويُمكن أن يُعتذر عنه أنها ما صحّت لديه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ رحمه الله: في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "قبل الظهر سجدتين، وكذا بعدها، وبعد المغرب، والعشاء، والجمعة"، وزاد في "صحيح البخاريّ" قبل الصبح ركعتين، قال: وهذه اثنتا عشرة، وفي حديث عائشة رضي الله عنها هنا:"أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وبعد المغرب، وبعد العشاء، وإذا طلع الفجر صلى ركعتين"، وهذه اثنتا عشرة أيضًا، وليس للعصر ذكر في "الصحيحين".
وجاء في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح، عن عليّ رضي الله عنه:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر ركعتين". وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"رَحِمَ اللَّه امرءًا صلى قبل العصر أربعًا"، رواه أبو داود، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ.
وجاء في أربع بعد الظهر حديثٌ صحيحٌ، عن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرّمه اللَّه على النار"، رواه أبو داود، والترمذيّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي "صحيح البخاريّ" عن ابن مُغَفَّل رضي الله عنه، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"صَلُّوا قبل المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء".
وفي "الصحيحين" عن ابن مغفل أيضًا، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:"بين كل أذانين صلاة"، والمراد بين الأذان والإقامة.
فهذه جملة من الأحاديث الصحيحة في السنن الراتبة مع الفرائض، قال
(1)
"المفهم" 2/ 365.
أصحابنا، وجمهور العلماء بهذه الأحاديث كلِّها، واستحبوا جميع هذه النوافل المذكورة في الأحاديث السابقة، ولا خلاف في شيء منها عند أصحابنا، إلا في الركعتين قبل المغرب، ففيهما وجهان لأصحابنا: أشهرهما لا يستحب، والصحيح عند المحققين استحبابهما، بحديثي ابن مغفل رضي الله عنه، وبحديث ابتدارهم السواري بها، وهو في "الصحيحين".
قال أصحابنا وغيرهم: واختلاف الأحاديث في أعدادها محمول على توسعة الأمر فيها، وأن لها أقل وأكمل، فيحصل أصل السنة بالأقلّ، ولكن الاختيار فعل الأكثر الأكمل، وهذا كما سبق في اختلاف أحاديث الضحى، وكما في أحاديث الوتر، فجاءت فيها كلِّها أعدادها بالأقل والأكثر، وما بينهما؛ ليدلّ على أقل المجزئ في تحصيل أصل السنة، وعلى الأكمل والأوسط، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(1)
، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1695]
(. . .) - (حَدَّثَنِي
(2)
أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ:"مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَجْدَةً تَطَوُّعًا، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [10](ت 230)(م د) تقدم في "الإيمان" 8/ 137.
2 -
(بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [8](ت 6 أو 187)(ع) تقدم في "الإيمان" 10/ 145.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد النعمان بن سالم الماضي، وهو: عن
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 7 - 9.
(2)
وفي نسخة: "وحدّثني".
عمرو بن أوس، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة رضي الله عنها.
وقوله: (فِي يَوْمٍ) أراد به ما يشمل الليل، وقد جاء الليل صريحًا في الرواية المتقدّمة، وهو المراد مع النهار في قوله:"كلّ يوم" في الرواية المتأخّرة، واليوم قد لا يختصّ بالنهار دون الليل، كما في "النهاية".
وقوله: (سَجْدَةً) أي: ركعةً، كما في الرواية الماضية، قال القرطبيُّ رحمه الله: أهل الحجاز يُسمّون الركعة سجدة. انتهى
(1)
.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1696]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(2)
مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ، يُصَلِّي للَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ
(3)
، إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" -أَوْ- "إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ"، قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ، وَقَالَ عَمْرٌو: مَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ، وَقَالَ النُّعْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قبل باب.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندَر، تقدّم قبل أيضًا.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
(1)
"المفهم" 2/ 365.
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(3)
وفي نسخة: "غير الفريضة"، وفي أخرى:"من غير الفريضة".
وقوله: (تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ) وفي نسخة: "غير الفريضة"، وفي أخرى:"من غير الفريضة"، قال النوويُّ رحمه الله: قوله: "غير فريضة" هو من باب التوكيد، ورفع احتمال لإرادة الاستعادة. انتهى.
وقال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "غير فريضة" تأكيد للتطوّع، فإن التطوّع التبرّع من نفسه بفعل من الطاعة، وهي قسمان: راتبة، وهي التي داوم عليها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وغير راتبة، وهذا من القسم الأول، والرتوب الدوام. انتهى
(1)
.
وقال ابن الملك: قوله: "غير فريضة" بدلٌ من "تطوّعًا" بدل الكلّ من الكلّ، وهو أوفى لتأيدية المقصود؛ لأن المراد من تلك الركعات السننُ المؤكّدة، والمؤكّدة في حكم الواجبة، والتطوّع مستعمل في النوافل التي يُخيّر المصلّي بين فعلها وتركها، فقوله:"غير فريضة" يكون أدلّ على المقصود. انتهى.
وقوله: (أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ) هذا شكّ من الراوي.
وقوله: (فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ) أي: ما زلت، يقال: بَرِحَ الشيءُ يَبْرَح، من باب تَعِبَ بَرَاحًا: زال من مكانه، ومنه قيل لليلة الماضية: البارحة، ويقال: ما بَرِحَ مكانه: لم يُفارقه، وما بَرِح يفعل كذا بمعنى: المواظبة والملازمة، أفاده في "المصباح"
(2)
.
والمعنى هنا: ما زلتُ أصلّي تلك الصلوات بعدما سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يذكر فضلهنّ.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1697]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 130.
(2)
راجع: "المصباح المنير" 1/ 42.
الْعَبْدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ أَخْبَرَنِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ، تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ"، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ) بن الحكم الْعَبْديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [10](ت 260) أو بعدها (خ م د ق) تقدم في "المقدمة" 6/ 99.
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ، صاحب حديث، من صغار [10] مات سنة بضع و (250)(م) تقدم في "الإيمان" 3/ 112.
3 -
(بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [9] مات بعد المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" 3/ 112.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كُلَّ يَوْمٍ) أي: وليلة، كما أسلفت بيانه.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ) الفاعل ضمير بهز؛ أي: ذكر الحديث بهز عن شعبة بمثل ما ذكره محمد بن جعفر عنه.
[تنبيه]: رواية بهز، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده" مقرونًا بمحمد جعفر غُنْدَر، فقال:
(26241)
حدّثنا بهز، وابن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت عمرو بن أوس، يحدث عن عنبسة، عن أم حبيبة، قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد مسلم، توضأ فأسبغ الوضوء، ثم صلى للَّه عز وجل كل يوم ثنتي عشرة ركعة، إلا بُنِي له بيت في الجنة".
قالت أم حبيبة: فما زلت أصليهن بعدُ، وقال عنبسة: فما زلت أصليهن بعدُ، وقال عمرو بن أوس: فما زلت أصليهنّ، قال النعمان: وأنا لا أكاد أَدَعُهُنّ.
قال ابن جعفر: عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم-
أنها سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد مسلم، يصلي للَّه عز وجل كل يوم ثنتي عشرة ركعةً تطوعًا، غير فريضة"، فذكر نحوه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1698]
(729) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَذَئنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الظُّهْرِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ سَجْدَتَيْنِ، فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ، فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد تعلم مما هناك.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) قال في "الفتح": المراد بقوله "مع" التبعيّة؛ أي: أنهما اشتركا في كون كلّ منهما صلاها لا التجميع، فلا حجة فيه لمن قال: يُجَمِّع في رواتب الفرائض. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لو حُمِل على ظاهره من كونه صلّى معه جماعةً لَمَا استُبْعِد؛ لأنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى معه بعض الصحابة النوافل جماعةً، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن جدته مُلَيكة دَعَت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته، فأكل منه، فقال:"قوموا فلأصلي بكم"، فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لَبِثَ، فنضحته بماء، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واليتيم معي، والعجوز من ورائنا، فصلى بنا ركعتين. متّفقٌ عليه.
وكما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: صلَّيت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلةً، فلم يزل قائمًا، حتى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممتَ؟ قال: هممتُ أن أقعد، وأذر النبيّ صلى الله عليه وسلم. متّفقٌ عليه أيضًا.
وحديث حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة. . . الحديث، أخرجه مسلم.
والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم صلّى في بعض الأوقات النوافل جماعةً، فلا يُستبعد حمل قول ابن عمر رضي الله عنهما هنا:"صليت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم" على ظاهره، واللَّه تعالى أعلم.
وأخرج البخاريّ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حَفِظت من النبيّ صلى الله عليه وسلم عشرَ ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعةً لا يُدْخَل على النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها، حدَّثتني حفصة، أنه كان إذا أَذَّن المؤذِّن، وطلع الفجر صلى ركعتين.
(قَبْلَ الظُّهْرِ سَجْدَتَيْنِ) أي: ركعتين، هذا متمسّك الشافعيُّ في أن السنّة قبل الظهر ركعتان، وهو قول الأكثرين من أصحابه، وعدّ جمع من الشافعيّة الأربع قبل الظهر من الرواتب، كما هو مذهب الحنفيّة، وقد روى البخاريّ في "صحيحه" عن عائشة رضي الله عنها:"كان لا يدع أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة"، وسيأتي في المسألة الثالثة بيان وجه الجمع بين حديثي ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم إن شاء اللَّه تعالى-.
(وَبَعْدَهَا) أي: الظهر (سَجْدَتَيْنِ) أي: ركعتين (وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ سَجْدَتَيْنِ، فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ، فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهِ) ولفظ البخاريّ: "فأما المغرب والعشاء ففي بيته"، قال في "الفتح": استُدِلَّ به على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد، بخلاف رواتب النهار، وحُكِي ذلك عن مالك، والثوريّ، وفي الاستدلال به لذلك نظر، والظاهر أن ذلك لم يقع عن عَمْدٍ، وإنما كان صلى الله عليه وسلم يتشاغل بالناس في النهار غالبًا، وبالليل يكون في بيته غالبًا.
قال: وتقدم في "الجمعة" من طريق مالك، عن نافع، بلفظ:"وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف"، والحكمة في ذلك أنه كان يبادر إلى الجمعة، ثم ينصرف إلى القائلة، بخلاف الظهر، فإنه كان يُبْرِد بها، وكان يَقِيل قبلها.
وأغرب ابن أبي ليلى، فقال: لا تجزئ سنة المغرب في المسجد، حكاه عبد اللَّه بن أحمد عنه، عقب روايته لحديث محمود بن لبيد، رفعه:"إن الركعتين بعد المغرب من صلاة البيوت"، وقال: إنه حَكَى ذلك لأبيه، عن ابن أبي ليلى، فاستحسنه. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تحقيق اختلاف العلماء في الأفضل من التطوّع في المسجد، أو في البيت، مع ترجيح القول بأفضليّة كونه في البيت بأدلّته مستوفًى في أبوابه -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [16/ 1698](729)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(937) و"التهجّد"(1169 و 1172 و 1180)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1252)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(425 و 432 و 433 و 434) وفي "الشمائل"(277)، و (النسائيّ) في "الإمامة"(873) و"الجمعة"(1427) و"الكبرى"(344 و 1745)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 166)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4811 و 4812)، و (الحميديّ) في "مسنده"(674)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 6 و 63)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1197 و 1198)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2454 و 2473)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2109)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1651)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 471)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(867)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في وجه الجمع بين حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور هنا، حيث أخبر أنه صلى قبل الظهر سجدتين، وحديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه البخاريّ، بلفظ:"كان لا يدع أربعًا قبل الظهر".
(1)
"الفتح" 3/ 61 كتاب التهجّد رقم (1172).
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فقيل: يَحْتَمِلُ أن ابن عمر رضي الله عنهما قد نسي ركعتين من الأربع، ورُدّ بأن هذا الاحتمال بعيد جدًّا.
وقيل: هو محمولٌ على أنه كان إذا صلّى في بيته صلّى أربعًا، وإذا صلّى في المسجد اقتصر على ركعتين، قال ابن القيّم رحمه الله في "زاد المعاد": وهذا أظهر.
ويُقوّي ذلك حديث عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة رضي الله عنها:"كان يُصلّي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرُج فيُصلّي بالناس. . . " الحديث
(1)
، رواه مسلم.
وقيل: يُحْمَلُ على حالين، فكان تارةً يصلي ثنتين، وتارةً يُصلي أربعًا، فحَكَى كلٌّ من ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم ما شاهده.
وقيل: يَحْتَمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين، ثم يخرُج إلى المسجد، فيُصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في البيت، واطّلعت عائشة على الأمرين.
وهذا يرُدّه قولها الماضي: "كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا"، فقد جعلت الأربع كلّها في بيتها، فتبصّر.
وقيل: كان يصلي في بيته أربعًا، فرأته عائشة رضي الله عنها، وكان يصلّي ركعتين إذا أتى المسجد تحيّته، فظنّ ابن عمر رضي الله عنهما أنها سنّة الظهر، ولم يَعْلَم بالأربع التي صلّاها في البيت.
وهذا أيضًا بعيد مثل الأول.
وقيل: يُمكن أن يكون مطّلعًا على الأربع، لكنه ظنّها صلاة فيء الزوال، لا سنّة الظهر، قال ابن القيّم رحمه الله في "الزاد": وقد يقال: إن هذه الأربع لم تكن سنّة الظهر، بل هي صلاة مستقلّة، كان يصلّيها بعد الزوال، فقد أخرج الترمذيّ، وحسّنه، عن عبد اللَّه بن السائب رضي الله عنه، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال:"إنها ساعة تُفْتَح فيها أبواب السماء، وأُحِبّ أن يصعد لي فيها عمل صالح".
وأخرج أبو داود عن أبي أيوب رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أربع قبل
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 131.
الظهر ليس فيهنّ تسليم، تُفْتَح لهنّ أبواب السماء"، لكن في إسناده عُبيدة بن معتّب الضبيّ، وهو ضعيف، كما بيّنه أبو داود.
قال: فهذه هي الأربع التي أرادت عائشة رضي الله عنها أنه كان لا يَدَعُهُنّ، وأما سنّة الظهر فالركعتان اللتان قال عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما، قال: فتكون هذه الأربع التي قبل الظهر وِرْدأ مستقلًّا، سببه انتصاف النهار، وزوال الشمس.
قال صاحب "المرعاة" رحمه الله
(1)
: وأولى الوجوه عندي هو الوجه الثالث، أعني أن يُحْمَلَ ذلك على اختلاف الأحوال، ويقال: كان يصلي تارةً أربعًا، وتارةً ركعتين، فحَكَى كل من ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم ما رأى، ورجّحه الحافظ أيضًا، لكن المختار فعل الأكثر الأكمل.
وقال ابن جرير الطبريُّ رحمه الله: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها. انتهى.
وهذا هو الظاهر؛ لكثرة الأحاديث في ذلك:
(فمنها): حديث أم حبيبة رضي الله عنها الماضي، وحديث عبد اللَّه بن شقيق المذكور قريبًا.
(ومنها): حديث عائشة رضي الله عنها: "كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا. . . " الحديث، رواه مسلم، وقد مرّ قريبًا.
(ومنها): حديث عائشة رضي الله عنها أيضًا في "السنن": "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يصلّ أربعًا قبل الظهر صلّاهنّ بعدها"، وقال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ.
(ومنها): حديث عليّ رضي الله عنه عند الترمذيّ، وحسّنه قال:"كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين".
قال الترمذيّ بعد روايته: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم، يختارون أن يُصلي الرجل قبل الظهر أربع ركعات، وهو قول سفيان الثوريّ، وابن المبارك، وإسحاق. انتهى.
ومما يؤكّد استحباب الأربع حديث أم حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها،
(1)
راجع: "المرعاة شرح المشكاة" 4/ 130 - 132.
حرّمه اللَّه على النار"، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وهو كما قال.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من هذه الأحاديث أن كونه صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الظهر أربع ركعات هو الأكثر، فظهر بهذا أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو وجه عند الشافعي أيضًا أنّ السنة قبل الظهر أربع ركعات؛ لقوّة أدلته، وهو الأكمل، ولكن يحصل أصل السنة بركعتين؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور هنا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(17) - (بَابُ جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ قَائِمًا وَقَاعِدًا، وَفِعْلِ بَعْضِ الرَّكْعَةِ قَائِمًا، وَبَعْضِهَا قَاعِدًا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1699]
(730) - (حَدَّثَنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ تَطَوُّعِهِ؟ فَقَالَتْ: "كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي
(2)
قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثمَّ يَدْخُلُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ، فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ").
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "في بيته".
رجال هذا الإسناد:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [10](ت 226) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
2 -
(هُشَيْمُ) بن بشير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [7](ت 186) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
3 -
(خَالِدُ) بن مِهْرَان الحذّاء، أبو الْمُنَازل البصريّ، ثقةٌ يُرسل [5](ت 1 أو 142)(ع) تقدم في "الإيمان" 10/ 144.
4 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [3](ت 108)(بخ م 4) تقدم في "الإيمان" 84/ 450.
5 -
(عَائِشَةُ) بنت الصدّيق رضي الله عنهما أم المؤمنين، ماتت (57)(ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 315.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعبد اللَّه بن شقيق، فأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد" فقط.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: خالد الحذّاء، عن عبد اللَّه بن شقيق.
4 -
(ومنها): أن فيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، روت من الحديث (2210)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: ليلًا ونهارًا ما عدا الفرائض، ولذا قال:(عَنْ تَطَوُّعِهِ؟) قال الطيبيّ رحمه الله: بدلٌ عن "صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"، كذا في "صحيح مسلم"، ووقع في رواية أبي داود بلفظ:"من التطوّع"، قال الطيبيّ: لفظ مسلم أولى،
وقال القاري: تكون "من" بيانيّة (فَقَالَتْ: "كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي) وفي بعض النسخ: "في بيته"، ولا تعارض بينهما؛ لأن بيتها هو بيته صلى الله عليه وسلم (قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا) فيه دليلٌ على أن المؤكّد قبل الظهر أربع ركعات، وهو مذهب الحنفيّة، ووجه عند الشافعيّ (ثُمَّ يَخْرُجُ) أي: إلى المسجد (فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ) أي: الفريضة (ثُمَّ يَدْخُلُ) أي: بيتها (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى بِالنَّاسِ الْمَغْربَ) لعلّ وجه عدم ذكرها العصر؛ لكونها بصدد بيان السنن المؤكَّدة (ثُمَّ يَدْخُلُ) البيت (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) فيه استحباب أداء سنّة المغرب في البيت (وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) فيه استحباب أداء سنة العشاء في البيت (وَكَانَ يُصَلِّي) أي: أحيانًا (مِنَ اللَّيْلِ) أي: فيه، فـ "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، أي: بعض الليل (تِسْعَ رَكَعَاتٍ) هذا كما أشرنا ما يفعله في بعض الأوقات، وقد صحّ عنها أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة، وصحّ أيضًا أنه يصلي ثلاث عشرة، وسيأتي تمام البحث في هذا في الباب التالي -إن شاء اللَّه تعالى- (فِيهِنَّ الْوِتْرُ) أي: في جملة تسع ركعات صلاة الوتر، وهي التاسعة، وقد جاء بيان ذلك في حديث سعد بن هشام الطويل الآتي للمصنّف بعد باب، قال: قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: كنا نُعِدّ له سواكه وطهوره، فيبعثه اللَّه ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر اللَّه، ويحمده، ويدعوه، ثم ينهض، ولا يسلِّم، ثم يقوم، فيصلِّ التاسعة، ثم يقعد، فيذكر اللَّه، ويحمده، ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم، وهو قاعد، وتلك إحدى عشرة ركعة يا بُنَيّ، فلما أَسَنَّ نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأخذه اللحم، أوتر بسبع، وصَنَعَ في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بُنَيّ. . . الحديث.
(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا) أي: وقتًا طويلًا من الليل (قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا) يعني أنه صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة كثيرة بعضها بالقيام، وبعضها بالقعود (وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ) أي: لا يقعد قبل الركوع، قاله ابن حجر الهيتميّ رحمه الله
(1)
، وقال الطيبيّ رحمه الله: أي: ينتقل إليهما من القيام،
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 135.
وكذا التقدير في الذي بعده؛ أي: ينتقل إليهما من القعود. انتهى
(1)
.
(وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ) أي: لا يقوم لأجل الركوع، كما يفعل في بعض الأحيان.
والمراد أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي أحيانًا لصلاة كلّها من قيام، وأحيانًا كان يصليها كلها من القعود، وكذلك كان يصلي بعضها من قيام، وبعضها من قعود، كما في حديث عائشة رضي الله عنها الآتي في الباب:"كان يصلي جالسًا، فيقرأ وهو جالسٌ، فإذا بَقِي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين، أو أربعين آية، قام فقرأ، وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك".
(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أي: خفيفتين كما بيّنته في رواياتها الأخرى، وهما سنّة الصبح، زاد في رواية أبي داود:"ثم يخرُج، فيُصلي بالناس صلاة الفجر"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [17/ 1699 و 1700 و 1701 و 1702 و 1703](730)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1251)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(375 و 436)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1646 و 1647) و"الكبرى"(1355)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1228)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 30 و 216)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1167 و 1199 و 1245 و 1248)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2474 و 2475 و 2511 و 2631)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2108 و 2310)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1653 و 1655 و 1654)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1173.
1 -
(منها): بيان جواز صلاة النافلة بالقعود، مع القدرة على القيام، قال النوويّ رحمه الله: وهو إجماع العلماء.
2 -
(ومنها): بيان جواز صلاة الركعة الواحدة بعضها من قيام، وبعضها من قعود، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
3 -
(ومنها): كون السنة قبل الظهر أربع ركعات، وبه قالت الحنفيّة، وهي عندهم بتسليمة واحدة؛ لحديث أبي أيوب الأنصاريّ رضي الله عنه، مرفوعًا:"أربع قبل الظهر ليس فيهنّ تسليم، تُفتح لهنّ أبواب السماء"، رواه أبو داود، وضعّفه
(1)
.
وذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد إلى أن الأفضل الفصل بينهن بسلام؛ لما رواه مالك في "الموطّأ":"كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يسلّم من كل ركعتين"، قال مالك: وهو الأمر عندنا، قالوا: وأما ما رواه الترمذيّ وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربع ركعات بعد الزوال، لا يُسلّم إلا في آخرهنّ، فقد ضعّفه الحفّاظ، قاله في "المنهل"
(2)
.
4 -
(ومنها): استحباب أداء الرواتب في البيوت، وهو الأفضل عند الجمهور، ولا فرق في ذلك بين راتبة النهار والليل، وقال بعضهم: المختار فعلها كلّها في المسجد، وقال مالك، والثوريّ: الأفضل تأدية نوافل النهار في المسجد، ورواتب الليل في البيت.
والحقّ ما ذهب إليه الجمهور من أن الأفضل في النوافل مطلقًا أن تكون في البيوت؛ لهذا الحديث، وللحديث المتّفق عليه:"صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، فإنه نصّ صريحٌ، لا معارض له، وقال ذلك في حقّ المسجد النبويّ، فلا ينبغي العدول عنه، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
حسّنه الشيخ الألباني في "صحيح أبي داود".
(2)
راجع: "المنهل العذب المورود" 7/ 135.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صلاة بعض النافلة قائمًا، وبعضها قاعدًا:
قال النوويّ رحمه الله ما حاصله: مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وعامة العلماء جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام، وبعضها من قعود، وسواء قام ثم قعد، أو قعد ثم قام، ومنعه بعض السلف، وهو غلطٌ، وحَكَى القاضي عن أبي يوسف ومحمد، صاحبي أبي حنيفة، في آخرين كراهة القعود بعد القيام، ولو نوى القيام ثم أراد أن يجلس جاز عند الجمهور، وجوّزه من المالكية ابن القاسم، ومنعه أشهب. انتهى
(1)
.
وقال صاحب "المرعاة": (واعلم): أن ههنا أربع صور:
[الأولى]: أن ينتقل من القيام إلى الركوع والسجود.
[والثانية]: أن ينتقل من القعود إليهما، وهاتان مذكورتان في حديث عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة رضي الله عنها.
[والثالثة]: أن ينتقل من القعود إلى القيام، ويقرأ بعض القرآن قائمًا، ثم ينتقل من القيام إلى الركوع والسجود، وهذه مذكورة في حديث عائشة رضي الله عنها الآتي في الباب.
[والرابعة]: عكس الثالثة، وهي أن ينتقل من القيام إلى القعود، فيقرأ بعض القراءة قاعدًا، ثم ينتقل من القعود إلى الركوع والسجود، ولم تُرو هذه الصورة، وعلى هذا فيكون صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل على ثلاثة أحوال: قائمًا في كلّها، وقاعدًا في كلّها، وقاعدًا في بعضها، ثم قائمًا، وأما أن يكون قائمًا في بعضها، ثم قاعدًا، وهي الصورة الرابعة، فذهب الجمهور إلى جوازها، قال العينيّ: جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام، وبعضها من قعود هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وعامّة العلماء إلى آخر ما تقدّم نقله عن النوويّ. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من الأقوال، وأدلّتها أن
(1)
راجع: "شرح النوويّ" 6/ 11 - 12.
(2)
راجع: "المرعاة شرح المشكاة" 4/ 135 - 136.
الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من جواز أداء بعض النافلة من قيام، وبعضها من قعود، سواء بدأ قائمًا، أو بالعكس؛ لأحاديث الباب وغيرها، والصورة الرابعة التي ذكرها صاحب "المرعاة" لم يأت نصّ يمنع منها، فهي جائزة أيضًا؛ إلحاقًا لها بالثلاث، كما يراه الجمهور، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1700]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(1)
قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ بُدَيْل، وَأَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا رَكَعَ
(2)
قَائِمًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 240)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
2 -
(حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [8](ت 179)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
3 -
(بُدَيْلُ) بن ميسرة الْعُقيليّ البصريّ، ثقةٌ [5](ت 125) أو (130)(م 4) تقدم في "الصلاة" 47/ 115.
4 -
(أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ فقيه [5](ت 131)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 305.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا إلخ) أي: إذا افتتح الصلاة قائمًا، أتمّها على هيئته، وإذا افتتحها قاعدًا، أتمّها كذاك.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "يركع" في الموضعين.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1701]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُدَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ شَاكِيًا بِفَارِسَ، فَكُنْتُ أصَلِّي قَاعِدًا، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِك عَائِشَةَ؟ فَقَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا"، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ: كُنْتُ شَاكِيًا بِفَارِسَ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا ضبطه جميع الرواة المشارقة والمغاربة "بفارس" بكسر الباء الموحدة الجارّة، وبعدها فاء، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة، قال: وغَلِطَ بعضهم، فقال: صوابه نَقَارِس، بالنون والقاف، وهو وَجَعٌ معروف؛ لأن عائشة رضي الله عنها لم تدخل بلاد فارس قطّ، فكيف يسألها فيها؟ وغَلَّطه القاضي في هذا، وقال: ليس بلازم أن يكون سألها في بلاد فارس، بل سألها بالمدينة بعد رجوعه من فارس، وهذا ظاهر الحديث، وأنه إنما سألها عن أمر انقضى، هل هو صحيح أم لا؟؟ لقوله:"فكنت أصلي قاعدًا". انتهى
(1)
.
وقوله: (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير شعبة؛ أي: ذكر شعبة الحديث بتمامه.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن بُديل هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، (6/ 100) فقال:
(1)
"شرح النووي" 6/ 10.
(24732)
حدّثنا عبد اللَّه، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن بُدِيل، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: كنت شاكيًا بفارس، فكنت أصلي قاعدًا، فسألت عن ذلك عائشة؟ فقالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، فإذا قرأ قائمًا ركع، أو خشع قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1702]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
2 -
(مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ البصريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [9](ت 196)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
3 -
(حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عُبيدة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [5](ت 2 أو 143) وهو قائم يصلّي، وله (75) سنةً (ع) تقدم في "الطهارة" 23/ 639.
والباقيان ذُكرا قبله، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1703]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(2)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ:
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
سَأَلْنَا
(1)
عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ الصَّلَاةَ قَائِمًا وَقَاعِدًا، فَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [9](ت 195) وله (82) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
2 -
(هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين [6](ت 7 أو 148)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
3 -
(محَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيه حجةٌ [3](ت 110)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 308.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (سَأَلْنَا) وفي نسخة: "سألتُ"، والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1704]
(731) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا
(2)
حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زيدٍ، قَالَ:(ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنٌ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرٌ بنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا
(1)
وفي نسخة: "سألت".
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا بَقيَ عَلَيْهِ
(1)
مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ، أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً، قَامَ، فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
1 -
(أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [10](ت 234)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 23/ 190.
2 -
(حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجَليّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورانيّ، ثقةٌ [10](ت 20 أو 221)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
3 -
(مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [6](ت 172)(ع) تقدم في "الإيمان" 47/ 297.
4 -
(وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [9](ت 6 أو 197) عن (70) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
5 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 247)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
6 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد اللَّه بن نُمير الْهَمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 199) عن (84) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 5.
7 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
8 -
(يَحْيَى بْنُ سَعِيَدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
9 -
(هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، ربّما دلّس [5](ت 5 أو 146)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 350.
10 -
(أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [3] (ت 94) وقيل: غير ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 407.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله.
(1)
وفي نسخة: بإسقاط لفظة "عليه".
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه: أبي الربيع، وابن أبي شيبة، وزهير.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من هشام.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعىّ، عن خالته: هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها.
5 -
(ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، حَتى إِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ) وفي نسخة بإسقاط لفظة "عليه"، وفيه إشارة إلى أن الذي كان يقرؤه قبل أن يقوم أكثر؛ لأن البقيّة تطلق في الغالب على الأقلّ (مِنَ السُّور ثَلَاثُونَ) بالرفع على الفاعليّة و"بقي"(أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً، قَامَ، فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ) فيه أنه لا يشترط لمن افتتح النافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائمًا، قاله في "الفتح"
(1)
.
وقال في موضع آخر: فيه ردّ على من اشترط على من افتتح النافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائمًا، وهو محكيّ عن أشهب، وبعض الحنفية، والحجة فيه ما رواه مسلم وغيره من طريق عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة في سؤاله لها عن صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه:"كان إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا"، وهذا صحيح، ولكن لا يلزم منه منع ما رواه عروة عنها، فَيُجمع بينهما بأنه كان يفعل كلا من ذلك بحسب النشاط وعدمه، واللَّه أعلم.
وقد أنكر هشام بن عروة على عبد اللَّه بن شقيق هذه الرواية، واحتجّ بما رواه عن أبيه، أخرج ذلك ابن خزيمة في "صحيحه"، ثم قال: ولا مخالفة
(1)
"الفتح" 3/ 304.
عندي بين الخبرين؛ لأن رواية عبد اللَّه بن شقيق محمولة على ما إذا قرأ جميع القراءة قاعدًا، أو قائمًا، ورواية هشام بن عروة محمولة على ما إذا قرأ بعضها جالسًا، وبعضها قائمًا. انتهى
(1)
.
زاد في رواية أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها التالية:"ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ"؛ أي: من القراءة جالسًا، فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين، أو أربعين قام، فقرأ، وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا مُتّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [17/ 1704 و 1705 و 1706 و 1707](731)، و (البخاريّ) في "كتاب تقصير الصلاة"(1118 و 1119) و"التهجّد"(1148 و 1161 و 1168) و"التفسير"(4837)، و (أبو داود) في "الصلاة"(953)، و (الترمذيّ) فيها (374)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1648 و 1649 و 1650) و"الكبرى"(1356)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1226 و 1227)، و (مالك) في "الموطأ"(1/ 137 و 138)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4096 و 4097)، و (الحميديّ) في "مسنده"(192)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 46 و 52 و 127 و 178 و 183 و 204 و 231)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(1494)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1240 و 1244)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2509)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1987 و 1988)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1656)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(4885)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 338)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 490)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(979)، واللَّه تعالى أعلم.
وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(1)
"الفتح" 3/ 344.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1705]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاِثِينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ، وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الإمام الحجة الثبت الفقيه، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [7](ت 179)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 378.
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) المخزوميّ المدنيّ المقرئ الأعور، مولى الأسود بن سُفيان، ثقةٌ [6](ت 148)(ع) تقدم في "المساجد" 20/ 1302.
[تنبيه]: كون عبد اللَّه بن يزيد هذا هو المخزوميّ مولى الأسود بن سفيان هو الذي صرّح به الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله، فقد ترجمه في "التمهيد"(19/ 110) ترجمة وافية، وصرّح به أيضًا الحافظ المزيّ رحمه الله في "تحفة الأشراف"(11/ 782)، والعينيّ رحمه الله في "عمدة القاري"(7/ 237).
وقد وقع في برنامج الحديث للكتب التسعة هنا غلط حيث ذُكر فيه ترجمة عبد اللَّه بن يزيد المعافريّ، أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، وهو غلط؛ لأنه لم يُذكر من شيوخ مالك، بل هو قديم الموت، مات سنة مائة، ولمالك نحو ثمان سنين، فليُتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
3 -
(أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عُبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُرسل [5](ت 129)(ع) تقدم في "الطهارة" 4/ 551.
4 -
(أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ فقيه [3](ت 94)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 423.
والباقيان ذُكرا قبله.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1706]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ، وَهُوَ قَاعِدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، قَامَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ إِنْسَانٌ
(2)
أَرْبَعِينَ آيَةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
2 -
(إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل باب أيضًا.
3 -
(الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ) واسم أبيه زياد، القرشيّ مولاهم، أخو هشام أبي الْمِقْدام، البصريّ، وقيل: المدنيّ، ثقة
(3)
[6].
رَوَى عن الحسن البصريّ، وفرقد أبي طلحة، ومسلم بن أبي مريم، ونافع مولى ابن عمر، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
وروى عنه أخوه أبو المقدام هشام بن زياد، ووُهيب بن خالد، ويزيد بن الهاد، وسَوّار بن عبد اللَّه، وجويرية بن أسماء، وإسماعيل ابن علية.
قال أبو القاسم البغويّ، عن أحمد: ثقةُ الحديثِ جدًّا، وقال ابن معين، وأبو داود، وأبو حاتم: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: لا بأس به، أوثق من أخيه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ الغسّانيُّ رحمه الله ما نصّه: هكذا رُوي في هذا الإسناد "الوليد بن أبي هشام"، وردّه أبو عبد اللَّه بن الحدّاد في نسخته:"الوليد بن هشام"، ووَهِمَ في ذلك، والصواب "الوليد بن أبي هشام"
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "الإنسان".
(3)
قال في "التقريب": صدوقٌ، والحقّ ما ذكرته، كما يظهر من ترجمته، فتأمّل.
مكنيّ، وهو مولى عثمان بن عفّان، يُعدّ في البصريين، وكذلك رواه أبو أحمد، وأبو العلاء، وفي الرواة أيضًا الوليد بن هشام الْمُعَيطيّ، شاميّ، روى له مسلم. انتهى كلام الغسانيّ
(1)
.
4 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [5](ت 120) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" 80/ 422.
5 -
(عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّة المدنيّة، تقدّمت قبل باب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (قَدْرَ مَا يَقْرَأُ إِنْسَانٌ) وفي نسخة: "الإنسان".
قال النوويّ رحمه الله: قولها: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقرأ، وهو قاعدٌ، فإذا أراد أن يركع قام قدر ما يقرأ الانسان أربعين آية"، هذا دليل على استحباب تطويل القيام في النافلة، وأنه أفضل من تكثير الركعات، وقد تقدمت المسألة مبسوطةً، وذكرنا اختلاف العلماء فيها، وأن مذهب الشافعي تفضيل القيام. انتهى
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والحديث قد مضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1707]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي محَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: كيْفَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ؟، قَالَتْ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ).
(1)
"تقييد المهمل" 3/ 822 - 823.
(2)
"شرح النووي" 6/ 12 - 13.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير، تقدّم قبل باب.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [9](ت 203)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 107.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [6](ت 145)(ع) تقدم في "الصلاة" 42/ 1085، وهو حفيد علقمة شيخ شيخه.
4 -
(مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ، له أفراد [4](ت 120) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 13/ 159.
5 -
(عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصِ) بن مِحْصن بن كَلَدَة بن عبد ياليل بن طَرِيف بن عُتْوَارة بن عامر بن مالك بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الليثيّ الْعُتْوَاريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [2].
رَوَى عن عُمَر، وابن عمر، وبلال بن الحارث، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وعائشة.
رَوَى عنه ابناه: عبد اللَّه، وعَمْرو، والزهريّ، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، وعمرو بن يحيى المازنيّ ويحيى بن النضر الأنصاريّ، وابن أبي مليكة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وتُوُفّي بالمدينة، وله بها عَقِبٌ، في خلافة عبد الملك بن مروان.
وذكره مسلم في طبقة الذين وُلِدوا في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكذا قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": إنه وُلد على عهده صلى الله عليه وسلم، وقال أبو نعيم الأصبهانيّ في "الصحابة": ذكره بعض المتأخرين، يعني ابن منده في "الصحابة"، وذكره القاضي أبو أحمد، والناس في التابعين.
قال الحافظ: سياق ابن منده من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جدّه، قال: شَهِدتُ الخندق، وكُتِبت في الوفد الذين وَفَدوا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهذا إسناد حسنٌ، وظاهره يقتضي صحبة علقمة، فليحرَّر ذلك.
وقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكر وفاته كما قال ابن سعد،
وذكر أبو الحسن علي بن المفضل الحافظ أن كنيته أبو يحيى، وقيل غير ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (731)، و (1907) حديث:"إنما الأعمال بالنيات. . . "، و (2770) حديث:"من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي. . . ".
و"عائشة" رضي الله عنها ذُكرت قبله.
والحديث مضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1708]
(732) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَهُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بَعْدَمَا حَطَمَهُ النَّاسُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [8](182)(ع) تقدم في "الإيمان" 7/ 131.
2 -
(سَعِيدُ الْجُرَيْرِيُّ) ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [5](ت 144)(ع) تقدم في "الإيمان" 40/ 266.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (بَعْدَمَا حَطَمَةُ النَّاسُ) يقال: حطم فلانًا أهله، من باب ضرب: إذا كَبِرَ فيهم، كأنهم بما حَمّلوه من أثقالهم صيّروه شيخًا محطومًا، قاله ابن الأثير رحمه الله
(1)
.
وقال في "القاموس": "الْحَطْمُ: الكسر، أو خاصّ باليابس، حَطَمه يَحْطمه، وحَطَّمه، فانحطم، وتحطّم. انتهى
(2)
.
(1)
"النهاية" 1/ 403.
(2)
"القاموس المحيط" 4/ 97.
وقال في "المصباح": حَطِمَ الشيءُ حَطَمًا، من باب تَعِبَ، فهو حَطِمٌ: إذا تكسّر، ويقال للدابّة إذا أسنّت: حَطِمٌ، ويتعدَّى بالحركة، فيقال: حَطَمَهُ حَطْمًا، من باب ضَرَبَ، فانحطم، وحَطَّمه بالتشديد مبالغةٌ، والْحَطِيم: حِجْرُ مكة. انتهى
(1)
.
وقال في "المفهم" بعد ذكر ما تقدّم: والْحَطْمُ: كسر الشيء اليابس، يؤيّد هذا قول حفصة رضي الله عنها: إنه صلى الله عليه وسلم ما صلّى سُبحته قاعدًا حتى كان قبل وفاته بعام. انتهى
(2)
.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [17/ 1708 و 1709 و 1710 و 1711](732)، و (أبو داود) في "الصلاة"(956)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1657)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 171)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(539)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1998)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1661)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1709]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْن مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ، تقدّم قبل باب.
2 -
(كهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [5](ت 149)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 102.
والباقون ذُكروا قبله، وأبو عبيد اللَّه هو: معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ.
(1)
"المصباح المنير" 1/ 141.
(2)
"المفهم" 2/ 370.
وقوله: (فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ) الفاعل ضمير كهمس.
[تنبيه]: رواية كهمس، عن عبد اللَّه بن شقيق هذه ساقها أبو داود رحمه الله في "سننه"، فقال:
(956)
حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا كهمس بن الحسن، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: سألت عائشة: أكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة في ركعة؟ قالت: المفصَّلَ، قال: قلت: فكان يصلي قاعدًا؟ قالت: حين حَطَمه الناس. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1710]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، أَنَّ أَبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلَاتِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [10](ت 5 أو 236)(م د) تقدم في "الإيمان" 1/ 104.
2 -
(هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الْحَمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [10](ت 243)(م 4) تقدم في "الإيمان" 64/ 361.
3 -
(حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [9](ت 206)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 94.
4 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب.
5 -
(عُثْمَانُ بْن أَبِي سُلَيْمَانَ) بن جُبير بن مُطعِم القرشيّ النوفليّ المكيّ، قاضيها، ثقةٌ [6](خت م د تم س ق) تقدم في "المساجد" 9/ 1218.
(1)
وفي نسخة: "حدّثني".
والباقيان ذُكرا قبله، وكذا الكلام على الحديث مرّ قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1711]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ زيدٍ، قَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنيَ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [11](ت 242)(خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.
2 -
(زيدُ بْنُ الْحُبَابِ) الْعُكليّ، أبو الحسن الكوفيّ، خراسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [9](ت 203)(م 4) تقدم في "الطهارة" 6/ 560.
3 -
(الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [7](م 4) تقدم في "الحيض" 16/ 774.
4 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام، أبو بكر الأسديّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [3].
رَوَى عن أبيه، وعمه عبد اللَّه، وجدّته أسماء بنت أبي بكر، وابن عمر، والحسن بن عليّ، وحكيم بن حِزَام، والنابغة الْجَعْديّ، وأبي هريرة، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عمر، وأخواه: هشام وعبيد اللَّه، وابن أخيه محمد بن يحيى بن عروة، وأبو بكر بن إسحاق، والضحاك بن عثمان الْحِزَاميّ، وإسماعيل بن أمية، ومصعب بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير، والزهريّ، وابن جريج، ونافع بن أبي نعيم القارئ، وغيرهم.
قال أحمد بن صالح المصريّ: ليس بينه وبين أبيه في السنّ إلا خمس عشرة سنةً، وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ أحد
الأثبات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الزبير بن بكار: كان له عَقْل، وحَزْمٌ، ولسانٌ، وفضلٌ، وشرف، وكان يشبه عبد اللَّه بن الزبير في لسانه، بَلَغَ خمسًا أو ستًّا وتسعين سنةً، وقال يوسف بن يعقوب الماجشون: كنت مع أبي في حاجة، فلما انصرفنا قال لي: هل لك في هذا الشيخ؟ فإنه من بقايا قريش، وأنت واجدٌ عنده ما شئت من حديث، ونُبْل رأي، يريد عبد اللَّه بن عروة.
بقي إلى أواخر دولة بني أميّة، وكان مولده سنة خمس وأربعين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (732)، و (1423) حديث:"تزوّجني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شوّال. . . "، و (2416):"فداك أبي وأمّي"، و (2448):"كنت لك كأبي زرع. . . ".
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) قال القاضي عياض رحمه الله: قال أبو عبيد في تفسير هذا الحديث: "بَدَّنَ الرجل" -بفتح الدال المشددة- تبدينًا: إذا أَسَنَّ، قال أبو عبيد: ومن رواه "بَدُنَ" -بضم الدال المخففة- فليس له معنى هنا؛ لأن معناه كَثُر لحمه، وهو خلاف صفته صلى الله عليه وسلم، يقال: بَدُن يَبْدُن بَدَانةً، وأنكر أبو عبيد الضمّ، قال القاضي: روايتنا في مسلم عن جمهورهم "بَدُنَ" بالضم، وعن العذريّ بالتشديد، وأراه إصلاحًا، قال: ولا يُنْكَر اللفظان في حقه صلى الله عليه وسلم، فقد قالت عائشة صلى الله عليه وسلم في "صحيح مسلم" بعد هذا بقريب:"فلما أسنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأخذ اللحم أوتر بسبع"، وفي حديث آخر:"ولَحُمَ"، وفي آخر:"أَسَنّ، وكَثُرَ لحمه"، وقول ابن أبي هالة رضي الله عنه في وصفه صلى الله عليه وسلم:"بادنٌ متماسكٌ"، هذا كلام القاضي، قال النوويّ: والذي ضبطناه، ووقع في أكثر أصول بلادنا بالتشديد. انتهى
(1)
.
وقال القرطبيُّ: قولها: "لَمّا بدن" أكثر الرواة قيّدوا "بَدُنَ" بضمّ الدال، ورواية الصدفيّ عن الْعُذريّ "بَدَّنَ" مفتوحة الدال، مشدَّدةً، وارتضى أبو عبيد
(1)
"شرح النووي" 6/ 13.
رواية الفتح والتشديد، وقال: يقال: بَدَّنَ الرجلُ تبدينًا: إذا أسنّ، وأنشد:
وَكُنْتُ الشَّيْبَ وَالتَّبْدِينَا
…
وَالْهَمذَ مِمَّا يُذْهِلُ الْقَرِينَا
قال: ومن رواه "بَدُنَ" ليس له معنى؛ لأنه خلاف وصفه صلى الله عليه وسلم، ومعناه كَثُرَ لحمه، يقال: بَدُنَ الرجلُ يَبْدُنُ بَدانةً.
قال القرطبيّ: ولا معنى لإنكار "بَدُنَ"، وقد صحّت الرواية فيه، وقد جاء معناه مفسَّرًا من قول عائشة رضي الله عنها، قالت:"فلَمَا كَبِرَ، وأخذه اللحمُ"، وفي رواية:"أسنّ، وكثُرَ لحمه"، وقول أبي عبيد:"لم يكن ذلك وصفه صلى الله عليه وسلم" صدقٌ؛ لأنه لم يكن في أصل خلقته بادنًا كثير اللحم، لكن عندما أسنّ، وضَعُف عن كثير مما كان يتحمّله في حال النشاط من الأعمال الشاقّة استرخى لحمه، وزاد على ما كان عليه في أصل خلقته زيادةً يسيرةً، بحيث يصدُقُ عليه ذلك الاسم، واللَّه تعالى أعلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر أن "بدن" بتشديد الدال، و"بَدُن" بتخفيفها مضمومة لا يبعد هنا؛ كما وجّهه القرطبيُّ، فيجوز الوجهان، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
وقولها: (وَثَقُلَ) بضمّ القاف، وزان كَرُم: ضدّ خفّ، فيكون عطفه على "بدّن" من عطف المسبّب على السبب.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مرّ تخريجه قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1712]
(733) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ
(2)
قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ
(1)
"المفهم" 2/ 369 - 370.
(2)
وفي نسخة: "يصلي في سبحته" في الموضعين.
قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ، فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
1 -
(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
2 -
(السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة بن الأسود الْكِنْديّ، ويقال: الأسديّ، أو الليثيّ، أو الْهُذَليّ، وقال الزهريّ: هو من الأزد عِداده في كنانة، وهو ابن أخت النَّمِر، لا يُعْرَفون إلا بذلك، له ولأبيه صحبة، قال محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد: حَجّ أبي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا ابن سبع سنين.
رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن حويطب بن عبد العُزَّى، وعمر، وعثمان، وعبد اللَّه بن السَّعْديّ، وأبيه يزيد، وخاله العلاء بن الحضرميّ، وطلحة بن عبيد اللَّه، وعبد الرحمن بن عبد القاريّ، ومعاوية، وعائشة رضي الله عنهم، وغيرهم.
ورَوى عنه ابنه عبد اللَّه، وإبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن حميد، وحمزة بن سفينة، والزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وابن أخته يزيد بن عبد اللَّه بن خصيفة، وجماعة.
وقال ابن عبد البرّ: كان عاملًا لعمر على سوق المدينة.
قال الواقديّ: تُوُفّي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وقال غيره سنة (69) وقيل: سنة (88)، وقال أبو نعيم: تُوُفّي سنة اثنتين وثمانين، وذكره البخاريّ في "فصل من مات ما بين التسعين إلى المائة"، وقال ابن أبي داود: هو آخر من مات بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (13) حديثًا بالمكرّر.
3 -
(الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ) هو: المطَّلِب بن أبي وَداعة الحارث بن أبي صُبيرة بن سعيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ القرشيّ، أمه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب.
رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن حفصة، وعنه أولاده: جعفر، وعبد الرحمن، وكثير، وحفيده أبو سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب، والسائب بن يزيد، وعكرمة بن خالد، وعبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، على خلاف فيه.
وقال الواقديّ: نَزَلَ المدينة، وله بها دارٌ، وبَقِيَ دهرًا، ومات بها، وذكره ابن سعد في مسلمة الفتح.
أخرج له مسلم والأربعة وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
4 -
(حَفْصَةُ) بنت عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجمعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والمطّلب، فما أخرج له البخاريّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ.
4 -
(ومنها): أن فيه ثلاثةً من الصحابة، روى بعضهم عن بعض: السائب، عن المطّلب، عن حفصة رضي الله عنهم.
شرح الحديث:
(عَنْ حَفْصَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها (أَنَّهَا قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى) وفي نسخة: "يُصلّي" في الموضعين (فِي سُبْحَتِهِ) أي: في صلاته النافلة (قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ) زاد في رواية يونس ومعمر الآتية: "بعام واحد، أو اثنين"، قال بعضهم: لعلّ الواقع كان عامًا وبعض عام، فإذا حذفنا الكسر قلنا: بعام واحد، وإذا جبرناه قلنا: بعامين، وإذا ردّدنا أردنا عامًا وشيئًا، فهذه الرواية تبيّن تحديد مدّة صلاته صلى الله عليه وسلم قاعدًا
(1)
، واللَّه تعالى أعلم.
(فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ) أي: القصيرة (فَيُرَتِّلُهَا) أي: يقرأها بتمهّل، يقال: رَتَّلتُ القرآن ترتيلًا: تمهّلتُ في القراءة، ولم أعجَل، قاله في "المصباح":(حَتَّى تَكُونَ) أي: إلى أن تصير تلك السورة بواسطة الترتيل (أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا) أي: من سورة أطول منها بسبب ترتيله قراءتها، وليس المراد أن تكون نفس السورة أطول.
(1)
راجع: "فتح المنعم شرح صحيح مسلم" 3/ 510.
وقال القرطبيُّ رحمه الله أي: يمُدّ وُيرتّل في قراءة السورة القصيرة، حتى يكون زمان قراءتها أطول من زمان قراءة سورة أخرى فوق الأولى في العدد. انتهى
(1)
.
وفيه استحباب الترتيل في تلاوة القرآن؛ إذ المطلوب من تلاوته التدبّر في آياته، وتذكّر ما فيها من المعاني الباهرة، كما قال اللَّه سبحانه وتعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)} [ص: 29]، ولا يمكن ذلك للقارئ والمستمع إلا بالترتيل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حفصة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [17/ 1712 و 1713](733)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(373)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1657)، و"الكبرى"(1376)، و (مالك) في "الموطأ"(1/ 137)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4089)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 285)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1242)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2508)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1992 و 1993 و 1994 و 1995 و 1996 و 1997)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1664 و 1665)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 339)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 490)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1713]
(. . .) - (وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا
(2)
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا
(1)
"المفهم" 2/ 370.
(2)
وفي نسخة: "وأخبرنا".
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: بِعَامٍ وَاحِدٍ، أَوِ اثْنَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [10](ت 250)(م د س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
2 -
(حَرْمَلَةُ) بن يحيى بن حرملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [11](ت 3 أو 244)(م س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
3 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [9](ت 197)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
4 -
(يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [7](ت 159)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
5 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الكسّيّ، أبو محمد، وقيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [11](ت 249)(خت م 4) تقدم في "الإيمان" 7/ 131.
6 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قريبًا.
7 -
(مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، فاضلٌ، من كبار [7](ت 157) تقدم في "المقدمة"(ع) 4/ 18.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ. . . إلخ) أي: روى يونس، ومعمر عن الزهريّ بإسناده السابق، وهو: عن السائب بن يزيد، عن المطّلب بن أبي وَداعة، عن حفصة رضي الله عنها.
وقوله: (بِعَامٍ وَاحِدٍ، أَوِ اثْنَيْنِ) تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية يونس، عن الزهريّ هذه ساقها أبو عوانة رحمه الله في "مسنده" (1/ 532 - 533) فقال:
وحدّثنا أبو عبيد اللَّه ابن أخي ابن وهب، قال: ثنا عمي، قال أنبا
يونس، عن الزهريّ عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي وداعة السهميّ، أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدًا، حتى كان قبل موته بعام أو اثنين، فكان يصلي في سُبحته جالسًا، ويُرَتِّل السورة حتى يكون في قراءته أطول من أطول منها. انتهى.
وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(25902)
حدّثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي وَداعة، عن حفصة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها قالت: لم أر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلي في سبحته جالسًا قطّ حتى كان قبل موته بعام أو بعامين، فكان يصلي في سبحته جالسًا، ويقرأ السورة، فيرتِّلها حتى تكون أطول من أطول منها. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1714]
(734) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَمُتْ حَتَّى صَلَّى قَاعِدًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر في الباب.
2 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، كان يتشيّع [9](ت 213) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 118.
3 -
(حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ) بن صالح بن حيّ، وهو حيّان بن شُفَيّ
(1)
بن هُنَيّ بن رافع الهمدانيّ الثوريّ، قال البخاريّ: يقال: حَيّ لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ، رُمي بالتشيّع [7].
رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق، وعمرو بن دينار، وعاصم الأحول، وعبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل، وإسماعيل السُّدّيّ، وعبد العزيز بن رُفيع،
(1)
بضم الشين المعجمة، مصغرًا.
ومحمد بن عمرو بن علقمة، وليث بن أبي سُليم، ومنصور بن المعتمر، وسهيل بن أبي صالح، وسلمة بن كُهيل، وسعيد بن أبي عروبة.
وروى عنه ابن المبارك، وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسيّ، والأسود بن عامر شاذان، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن آدم، وأبو أحمد الزبيري، وعبيد اللَّه بن موسى، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال يحيى القطان: كان الثوريّ سيئ الرأي فيه، وقال أبو نعيم: دخل الثوريّ يوم الجمعة، فإذا الحسن بن صالح يصلي، فقال: نعوذ باللَّه من خشوع النفاق، وأخذ نعليه، فتحوّل، وقال أيضًا عن الثوريّ: ذاك رجل يرى السيف على الأمة، وقال خلاد بن زيد الجعفيّ: جاءني الثوريّ إلى ها هنا، فقال: الحسن بن صالح مع ما سمع من العلم وفقه يترك الجمعة، وقال ابن إدريس: ما أنا وابن حيّ، لا يرى جمعة، ولا جهادًا، وقال بشر بن الحارث: كان زائدة يجلس في المسجد، يُحَذِّر الناس من ابن حيّ وأصحابه، قال: وكانوا يرون السيف، وقال أبو أسامة، عن زائدة: إن ابن حي استصلب منذ زمان، وما نَجِد أحدًا يصلبه، وقال خلف بن تميم: كان زائدة يستتيب من الحسن بن حيّ، وقال علي بن الجعد: حدَّثت رائدة بحديث عن الحسن، فغضب، وقال: لا حدثتك أبدًا، وقال أبو معمر الهذليّ: كنا عند وكيع، فكان إذا حدّث عن الحسن بن صالح لم نكتب، فقال: ما لكم؟ فقال له أخي بيده هكذا، يعني أنه كان يرى السيف فسكت، وقال أبو صالح الفراء: ذكرت ليوسف بن أسباط، عن وكيع شيئًا من أمر الفتن، فقال: ذاك يشبه أستاذه، يعني الحسن بن حيّ، فقال: فقلت ليوسف: ما تخاف أن تكون هذه غيبةً؟ فقال: لِمَ يا أحمق، أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا، فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم كان أضرّ عليهم، وقال الأشجّ: ذُكر لابن إدريس صَعْقُ الحسن بن صالح، فقال: تبسُّمُ سفيان أحب إلينا من صَعْق الحسن، وقال أحمد بن يونس: جالسته عشرين سنةً، ما رأيته رفع رأسه إلى السماء، ولا ذَكَر الدنيا، ولو لم يولد كان خيرًا له، يترك الجمعة، ويرى السيف، وقال أبو موسى: ما رأيت يحيى، ولا عبد الرحمن حدّثا عن الحسن بن صالح بشيء، وقال عمرو بن عليّ: كان عبد الرحمن يحدث عنه
ثلاثة أحاديث، ثم تركه، وذكره يحيى بن سعيد، فقال: لم يكن بالسكة، وقال ابن عيينة: حدّثنا صالح بن حيّ، وكان خيرًا من ابنيه، وكان عليّ خيرهما، وقال أحمد: حسن ثقةٌ، وأخوه ثقةٌ، ولكنه قَدُم موته، وقال علي بن الحسن الهسنجانيّ، عن أحمد: الحسن بن صالح صحيح الرواية، متفقه صائن لنفسه في الحديث والورع، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: الحسن أثبت في الحديث من شريك، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن يحيى بن معين: ثقةٌ مأمونٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: ثقةٌ، وكذا قال ابن أبي مريم عنه، وزاد: مستقيم الحديث، وقال الدُّوريّ، عن يحيى: يُكْتَب رأي مالك، والأوزاعيّ، والحسن بن صالح، هؤلاء ثقات، وقال عثمان الدارميّ، عن يحيى: الحسن وعليّ ابنا صالح ثقتان مأمونان، وقال أبو زرعة: اجتَمَع فيه إتقان وفقه وعبادة وزهد، وقال أبو حاتم: ثقة حافظٌ متقنٌ، وقال النسائيّ: ثقة، وقال عبيد اللَّه بن موسى: كنت أقرأ على علي بن صالح، فلما بلغت إلى قوله:{فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} [مريم: 84] سقط الحسن بن صالح يخور، كما يخور الثور، فقام إليه عليّ فرفعه، ورَشّ على وجهه الماء، وقال وكيع: ثنا الحسن، قيل: من الحسن؟ قال: الحسن بن صالح الذي لو رأيته ذَكَرت سعيد بن جبير، وقال وكيع أيضًا: لا يبالي من رأى الحسن أن لا يرى الربيع بن خيثم، وقال ابن بكير: قلنا للحسن بن صالح: صف لنا غسل الميت، فما قَدَر عليه من البكاء، وقال ابن الأصبهانيّ: سمعت عبدة بن سليمان يقول: إني أرى اللَّه يستحيي أن يعذبه، قال أبو نعيم: حدّثنا الحسن بن صالح، وما كان دون الثوري في الورع والفقه، وقال ابن أبي الحسين: سمعت أبا غسان يقول: الحسن بن صالح خير من شريك من هنا إلى خراسان، وقال ابن نمير: كان أبو نعيم يقول: ما رأيت أحدًا إلا وقد غَلِط في شيء غير الحسن بن صالح، وقال أبو نعيم أيضًا: كتبت عن ثمانمائة محدِّث، فما رأيت أفضل من الحسن بن صالح، وقال وكيع: كان الحسن وعلي ابنا صالح وأمهما قد جزأوا الليل ثلاثة أجزاء، فكان كل واحد يقوم ثلثًا، فماتت أمهما فاقتسما الليل بينهما، ثم مات عليّ، فقام الحسن الليل كله، وقال أبو سليمان الدارانيّ: ما رأيت أحدًا الخوف أظهر على وجهه من الحسن، قام ليلة بـ {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)} ، فغُشي عليه، فلم يختمها إلى الفجر،
وقال العجليّ: كان حَسَنَ الفقهِ، من أسنان الثوريّ، ثقةً ثبتًا متعبدًا، وكان يتشيع إلا أن ابن المبارك كان يَحْمِل عليه بعض الحمل لمحالّ التشيع، وقال ابن حبان: كان الحسن بن صالح فقيهًا وَرِعًا، من الْمُتَقَشِّفَة الْخُشُنِ، وممن تجرد للعبادة، ورَفَض الرياسة على تشيّع فيه، مات وهو مُخْتَفٍ من القوم، وقال ابن سعد: كان ناسكًا عابدًا فقيهًا حُجّةً صحيح الحديث، كثيرهُ، وكان متشيعًا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: رأيت أبا نعيم لا يعجبه، ما قال ابن المبارك في ابن حيّ، قال: وتكلم في حسن، وقد رَوَى عن عمرو بن عُبيد، وإسماعيل بن مسلم، قال: وسمعت أبا نعيم يقول: قال ابن المبارك: كان ابن صالح لا يشهد الجمعة، وأنا رأيته شهد الجمعة في إثر جمعة اختَفَى مثها، وقال الساجيّ: الحسن بن صالح صدوقٌ، وكان يتشيع، وكان وكيع يحدِّث عنه، ويقدِّمه، وكان يحيى بن سعيد يقول: ليس في السِّكّة مثله، إلى أن قال: حُكي عن يحيى بن معين أنه قال: ثقةٌ ثقةٌ، قال الساجيّ: وقد حدّث أحمد بن يونس عنه، عن جابر، عن نافع، عن ابن عمر في شرب الفضيخ، وهذا حديث منكر.
وأجاب الحافظ بأن الآفة ليس من الحسن، وإنما هي من جابر، وهو الجعفيّ، قال الساجيّ: وكان عبد اللَّه بن داود الخْرُيَبيّ يحدِّث عنه ويُطريه، ثم كان يتكلم فيه، ويدعو عليه، ويقول: كنت أَؤُمّ في مسجد بالكوفة، فأطريت أبا حنيفة، فأخذ الحسن بيدي، ونَحّاني عن الإمامة، قال الساجيّ: فكان ذلك سبب غضب الخريبي عليه، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ عابدٌ، وقال أبو غسان: مالك بن إسماعيل النَّهْديّ: عَجِبت لأقوام قَدَّموا سفيان الثوريّ على الحسن.
وقال ابن عديّ: والحسن بن صالح قومٌ يحدِّثون عنه بِنُسَخ، وقد رووا عنه أحاديث مستقيمة، ولم أجد له حديثًا منكرًا، مجاوز المقدار، وهو عندي من أهل الصدق.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من أقوال جمهور النقّاد أن الحسن بن صالح ثقةٌ حجةٌ لا يختلفون فيه، وإنما تكلّموا في مذهبه، وهو أنه يرى الخروج على الأئمة، وقد أجاب عنه الحافظ رحمه الله، فأجاد، حيث قال: وقولهم: كان يَرَى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور،
وهذا مذهب للسلف قديمٌ، لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك لَمّا رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه، ففي وقعة الْحَرّة، ووقعة ابن الأشعث، وغيرهما عِظَةٌ لمن تدبر، وبمثل هذا الرأي لا يُقْدَح في رجل، قد ثبتت عدالته، واشتَهَرَ بالحفظ والإتقان والورع التامّ، والحسن مع ذلك لم يخرج على أحد، وأما تركه الجمعة ففي جملة رأيه ذلك أن لا يُصَلِّي خلف فاسق، ولا يصحح ولاية الإمام الفاسق، فهذا ما يُعْتذَر به عن الحسن، وإن كان الصواب خلافه، فهو إمام مجتهد. انتهى كلام الحافظ رحمه الله، وقد أجاد، وأفاد.
والحاصل أن الحسن بن صالح ثقة حجةٌ، وما عيب عليه، فيُعتذر عنه بما ذُكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وُلد الحسن سنة (100) ومات سنة (169) كذا قيل، والصواب أنه مات سنة (167) بتقديم السين على الباء، كذا في تاريخ أبي نعيم، وتواريخ البخاريّ، وكتاب الساجيّ، وتاريخ ابن قانع، وكذا حكاه القرّاب في "تاريخه" عن أبي زرعة، وعثمان بن أبي شيبة، وابن منيع، وغيرهم.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وذكره في "كتاب الشهادات" من "الجامع"، وأخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (734) و (1480) و (2196) و (2344) و (2851).
4 -
(سِمَاكُ) بن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، تغيّر بآخره، فربّما تلقّن [4](ت 123)(خت م 4) تقدم في "الإيمان" 64/ 365.
5 -
(جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّواليّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، نزل الكوفة، ومات بها سنة سبعين (ع) تقدم في "الحيض" 24/ 808، وشرح الحديث، واضح يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [17/ 1714](734)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 241) رقم الحديث (2008)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1666)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 69)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(18) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1715]
(735) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ"، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ:"مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟ " قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّكَ قُلْتَ:"صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ"، وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا، قَالَ:"أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 234)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
2 -
(جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [8](ت 188)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
3 -
(مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلَميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ [6](ت 132)(ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ 1 ص 296.
4 -
(هِلَالُ بْنُ يِسَافٍ) -بكسر التحتانيّة، ويقال: بفتحها- ويقال: ابن
(1)
وفي نسخة: "حدّثني".
إساف الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ [3](خت م 4) تقدم في "الطهارة" 9/ 576.
5 -
(أَبُو يَحْيَى) مِصْدَع -بكسر أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه- الأعرج الْمُعَرْقَبُ، مقبول [3](م 4) تقدم في "الطهارة" 9/ 576.
6 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص الصحابي ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة على الأصحّ بالطائف على الأرجح (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وهلال، وأبي يحيى، كما أسلفته آنفًا.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: هلال، عن أبي يحيى، وهو من رواية الأقران، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله عنهما، أنه (قَالَ: حُدِّثْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: أخبرني مخبرٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) بفتح همزة "أنّ"؛ لوقوعها موقع المفرد، وهو النائب عن الفاعل (قَالَ:"صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا) أي: أجر صلاته، حال كونه قاعدًا، فهو على حذف مضاف (نِصْفُ الصَّلَاةِ") أي: مثل نصف أجره.
قال النوويُّ رحمه الله: معناه أن صلاة القاعد، فيها نصف ثواب القائم، فيتضمّن صحّتها، ونُقصان أجرها، وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلّى النفل قاعدًا لعجزه عن القيام، فلا ينقص ثوابه، بل يكون كثوابه قائمًا.
وأما الفرض، فإن صلى قاعدًا، مع قدرته على القيام لم تصحّ، فلا يكون فيه ثواب، بل يأثم به، قال أصحابنا -يعني الشافعيّة-: وإن استحلّه كَفَر، وجرت عليه أحكام المرتدّين، كما لو استحلّ الزنا، والربا، أو غيره من المحرّمات الشائعة التحريم، وإن صلى الفرض قاعدًا لعجزه عن القيام، أو مضطجعًا لعجزه عن القيام والقعود، فثوابه كثوابه قائمًا، لم ينقص باتفاق
أصحابنا، فيتعيّن حمل الحديث في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدًا مع قدرته على القيام. هذا تفصيل مذهبنا، وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث، وحكاه القاضي عياض رحمه الله عن جماعة، منهم الثوريّ، وابن الماجشون، وحُكي عن الباجيّ، من أئمة المالكية أنه حمله على المصلي فريضة لعذر، أو نافلةً لعذر، أو لغير عذر، قال: وحمله بعضهم على من له عذر، يرخّص في القعود في الفرض والنفل، ويمكنه القيام بمشقّة. انتهى كلام النوويُّ رحمه الله
(1)
.
(قَالَ) عبد اللَّه رضي الله عنه (فَأَتَيْتُهُ) أي: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم (فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي) حال كونه (جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي) الظاهر أنه إنما فعل ذلك بعد فراغه صلى الله عليه وسلم من الصلاة؛ إذ ما يُظنّ به ذلك قبله
(2)
.
(عَلَى رَأْسِهِ) أي: رأسه صلى الله عليه وسلم؛ ليتوجّه إليه، وكأنه كان هناك مانع من أن يحضر بين يديه، ومثل هذا لا يُسمّى خلاف الأدب عند طائفة العرب؛ لعدم تكلّفهم، وكمال تألّفهم، قاله القاري رحمه الله.
وقيل: هذا على عادة العرب فيما يعتنون به.
وقيل: كان ذلك في عادتهم فيما يستغربونه، ويتعجّبون منه، كفعل المستغرب للشيء المتعجّب من وقوعه مع من استغرب منه، ونظيره أن بعض العرب كان ربّما لمس لحيته الشريفة عند مفاوضته معه.
وقيل: صدر ذلك عنه من غير قصد منه؛ استغرابًا وتعجّبًا، ذكره في "المرعاة"
(3)
.
وقال الطيبيُّ رحمه الله: [فإن قلت]: أليس هذا على خلاف ما يجب عليه من توقيره صلى الله عليه وسلم؟.
[قلت]: لعلّ ذلك صدر لا عن قصد منه، وإنه لَمّا وجده صلى الله عليه وسلم على خلاف ما حُدِّث عنه من قوله:"صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة"، استَغْرب ذلك، واستبعده، فأراد تحقيق ذلك، فوضع يده على رأسه، ولذلك أنكره صلى الله عليه وسلم بقوله:
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 15.
(2)
"المرعاة" 4/ 254.
(3)
"المرعاة شرح المشكاة" 4/ 254.
"ما لك يا عبد اللَّه بن عمرو؟ "، فسمّاه، ونسبه إلى أبيه، وكذلك قول عبد اللَّه في الجواب:"وأنت تصلي قاعدًا"، فإنه حال مقرّرة لجهة الإشكال، ونحوه قول الملائكة:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} الآية [البقرة: 30]. انتهى
(1)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "فوضعت يدي على رأسه" هذا يدلّ على عظيم تواضع النبيّ صلى الله عليه وسلم وحنانه، وحسن أخلاقه، وأنه كان مع خاصّة أصحابه فيما يرجع إلى المعاشرة والمخالطة كواحد منهم؛ إذ كان يُباسطهم ويُمازحهم، ويكون معهم في عملهم، ولا يستأثر عليهم، ولا يترفّع عنهم، ولذلك كانت الأمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيده، وتنطلق به حيث شاءت، ويجلس يُحدّثها حيث أرادت، ومن كانت هذه حاله، فلا يُستنكر من بعض أصحابه أن يُعامله بمثل ذلك في بعض الأحوال، سيّما وكان مقصود عبد اللَّه أن يُقبِل عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى يُجيبه عمّا وقع في خاطره من هذا الأمر الدينيّ المهمّ في حقّه، واللَّه تعالى أعلم.
وهذا كلّه على ما صحّ عندنا من الرواية "على رأسه"، وظاهره أنه عائد على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد ذُكر لي أن بعض الناس رواه "رأسيه"، فألحق به ياء المتكلّم، وهاء السكت، ووجهُها واضحٌ لو ثبت، وأظنّ أنه إصلاح ورأيٌ، لا روايةٌ، ويقرُبُ من فعل عبد اللَّه فعل جبريل عليه السلام معه صلى الله عليه وسلم، حيث أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه، على قول من قال: إنه أراد فخذي النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو الصحيح
(2)
. انتهى كلام القرطبيُّ رحمه الله
(3)
.
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1217.
(2)
كتب في حاشية "المفهم"(2/ 372) ما نصّه: قد ثبت في هذه القصّة أن وضع عبد اللَّه يده على رأس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إنما كان في الليل في ظلمة، من غير قصد من عبد اللَّه، وإنما وقعت يده على رأسه صلى الله عليه وسلم بغير تعمّد، وهذا هو الحقّ، واللَّه أعلم، انتهى.
قال الجامع: لو صحّ هذا لكان حسنًا، لكن من أين له الصحّة؟ واللَّه تعالى أعلم.
(3)
"المفهم" 2/ 371 - 372.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأقرب أن قول من قال: إن وضع عبد اللَّه بن عمرو رضي الله عنهما يده على رأسه صلى الله عليه وسلم إنما من غير قصد؛ لسبب من الأسباب، بأن كان ليلًا، أو لغير ذلك، وهذا هو اللائق بحال مثله من أفاضل الصحابة رضي الله عنهم الذين هم في أعلى درجات التعظيم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما يليق هذا بالوافدين من الأعراب أهل البادية، كما قيل في توجيه فعل جبريل عليه السلام أنه إنما فعل ذلك تعميةً لحاله، حتى يظن الصحابة أنه رجلٌ من أهل البادية، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم ("مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟ ")"ما" تعجّبيّة؛ أي: ما شأنك، وماذا عرض لك؟ (قُلْتُ: حُدِّثْتُ) بالبناء للمفعول (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّكَ قُلْتَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ") أي: قائمًا (وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا) أي: فكيف اخترت نقصان الأجر مع شدّة حرصك على تكثيره؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم ("أَجَلْ) بفتحتين، وسكون اللام: مثلُ نعم وزنًا ومعنًى، وهي أحسن في مثل هذا من "نعم"؛ أي: نعم قد قلت ذلك.
وقال الطيبيُّ رحمه الله: قوله: "أجل" قول بالموجِب، وتقريرٌ لما قال، وقوله:"ولكني لست كأحدكم" إشارة إلى بيان الفرق بينه صلى الله عليه وسلم وبين غيره، ورفع لجهة الإشكال والاستغراب. انتهى
(1)
.
(وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ") أي: لست مثلكم في كون ثواب صلاتي قاعدًا على النصف من صلاتي قائمًا، بل هو كصلاتي قائمًا، لا ينقص منه شيء.
قال النوويُّ رحمه الله: هو عند أصحابنا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فجُعلت نافلته قاعدًا مع القدرة على القيام كنافلته قائمًا، تشريفًا له، كما خُصّ بأشياء معروفة في كتب أصحابنا، وقد استقصيتها في أول "كتاب تهذيب الأسماء واللغات".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق أن ذكرت من "ألفيّة السيرة" للحافظ العراقيّ الباب الذي عقده لبيان خصائصه صلى الله عليه وسلم، في أبواب المساجد، برقم [1168](521)، عند شرح حديث:"أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنّ أحد قبلي. . ." الحديث، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(1)
"الكاشف" 4/ 1217.
وقال القاضي عياض رحمه الله: معناه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لَحِقَه مشقّة من القيام لِحَطْم الناس، وللسنّ، فكان أجره تامًّا، بخلاف غيره، ممن ليس له عذر.
وردّ عليه النوويّ، فقال: هذا ضعيف، أو باطل؛ لأنَّ غيره صلى الله عليه وسلم إن كان معذورًا، فثوابه أيضًا كامل، وإن كان قادرًا على القيام، فليس هو كالمعذور، فلا يبقى فيه تخصيص، فلا يحسن على هذا التقدير:"لست كأحد منكم"، وإطلاق هذا القول، فالصواب ما قاله أصحابنا أن نافلته صلى الله عليه وسلم قاعدًا مع القدرة على القيام ثوابها كثوابه قائمًا، وهو من الخصائص، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويُّ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ردّ به النوويّ كلام عياض هو الصواب عندي.
وحاصله أن من صلى قاعدًا لعذر، فله الأجر كاملًا، سواء النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو غيره، فلا خصوصية له في ذلك، إنما الخصوصية له فيما إذا صلى قاعدًا من غير عذر، فإن له الأجر كاملًا.
ودليل ثبوت الأجر كاملًا للمعذور مطلقًا ما أخرجه البخاريُّ في "كتاب الجهاد" من طريق إبراهيم السَّكْسَكيّ، قال: سمعت أبا بُرْدَة، واصطَحَب هو ويزيد بن أبي كبشة، في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت، أبا موسى مرارًا، يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا". انتهى.
فهذا نصّ صريح في أن من ترك القيام لعذر يُكتب له ثواب من صلّى قائمًا كاملًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله: اختَلَف العلماء في الأفضل من كيفية القعود موضع القيام في النافلة، وكذا في الفريضة إذا عَجَز، وللشافعي قولان: أظهرهما يقعد مُفترشًا، والثاني متربعًا، وقال بعض أصحابنا: متوركًا، وبعض أصحابنا: ناصبًا ركبتيه، وكيف قعد جاز، لكن الخلاف في الأفضل، والأصح عندنا جواز التنفل مضطجعًا للقادر على القيام والقعود؛ للحديث الصحيح في
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 15.
"صحيح البخاريّ": "ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد"، وإذا صلى مضطجعًا فعلى يمينه، فإن كان على يساره جاز، وهو خلاف الأفضل، فإن استلقى مع امكان الاضطجاع لم يصحّ، قيل: الأفضل مستلقيًا، وأنه إذا اضطجع لا يصحّ، والصواب الأول، واللَّه أعلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: مسألة التنفل مضطجعًا قد استوفيت بحثها في "شرح النسائيّ"، باب:"فضلُ صلاة القاعد على النائم"، ورجّحت هناك قول من قال بصحّته، كما رجحه النوويّ في كلامه المذكور، فراجعه تستفد
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عَمْرو رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [18/ 1715 و 1716](735)، و (أبو داود) في "الصلاة"(950)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1659) و"الكبرى"(1361 و 1370)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1229)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 162 و 192 و 201 و 203)، و (الدارمي) في "سننه"(1391)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1237)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(1999 و 2000)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1667 و 1668 و 1669)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان فضل صلاة القائم على صلاة القاعد، حيث إنه يُفَضَّل عليه بنصف الأجر.
2 -
(ومنها): بيان جواز النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام.
3 -
(ومنها): بيان شرف النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعظيم منزلته عند اللَّه تعالى، حيث
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 15.
(2)
راجع: "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى"(17/ 396 - 399) باب (21) الحديث (1660).
خصّه بعدم نقص أجر صلاته قاعدًا، بخلاف غيره، فينقص منهم نصف أجورهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1716]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: عَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمَّد، بُندار، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
4 -
(شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
5 -
(يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
6 -
(سُفْيَانُ) بن سعيد بن حبيب الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام فقيه [7](ت 161)(ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ) الضمير لشعبة وسفيان.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد منصور الماضي، وهو: عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد اللَّه بن عمرو رضي الله عنهما.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن منصور هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(6844)
حدّثنا محمَّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن منصور، عن هلال بن
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
يِسَاف، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعدًا؟ فقال: "على النصف من صلاته قائمًا". انتهى.
وأما رواية سفيان، عن منصور، فساقها الحافظ أبو نعيم رحمه الله، في "مستخرجه" (2/ 331) فقال:
(1669)
حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا عباس بن محمد بن مجاشع، ثنا محمد بن أبي يعقوب، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يِسَاف، عن أبي يحيى، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى قاعدًا، فقلت: يا رسول اللَّه، إنك تقول:"صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم"، قال:"أَجَلْ، إني لست كأحد منكم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(19) - (بَابُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ؟)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1717]
(736) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلّهم تقدّموا قبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ) أي: فيه، فالباء بمعنى "في"(إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا) أي: تلك الركعات (بِوَاحِدَةٍ) فيه
دليل على أن أقلّ الوتر ركعة، وسيأتي تمام البحث في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- (فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا) أي: من تلك الركعة الواحدة التي أوتر بها (اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ) في هذه الرواية أن الاضطجاع بعد الوتر، وقبل ركعتي الفجر، والرواية الأخرى تدلّ على أنه بعد ركعتي الفجر، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) هما سنّة الصبح، وقد تقدّم للمصنّف من حديث عائشة رضي الله عنها أنه كان يقرأ فيهما بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} .
وتمام شرح الحديث، ومسائله تأتي في شرح الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1718]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ -وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ- إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قبل باب.
2 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه، أبو محمَّد المصري الحافظ الحجة، تقدّم قبل باب أيضًا.
3 -
(عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ فقيهٌ [7] مات قبل (150)(ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 169.
4 -
(ابْنُ شِهَابٍ) تقدّم قبل باب.
5 -
(عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قبل باب أيضًا.
6 -
(عَائِشَةُ) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدّمت قبل باب أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب عن عروة، ورواية الراوي عن خالته: عروة عن عائشة.
5 -
(ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة.
6 -
(ومنها): أن عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (2210)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) بجرّ "زوج" على البدليّة، أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي) هذا بظاهره يَشْمَل ما إذا كان بعد النوم أو قبله (فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ) -بضم الراء- يقال: فَرَغَ من الشُّغْلِ يَفْرُغَ فُرُوغًا، من باب قعد، وفَرِغَ يَفْرَغُ، من باب تَعِبَ لغة لبني تميم، والاسم الفراغ، وفَرَغْتُ للشيء، وإليه: قصدتُ، وفَرَغَ الشيءُ: خلا، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أفرغته، وفرَّغته، أفاده في "المصباح"
(1)
.
و"ما" موصولة، والظرف صلتها، والجار والمجرور متعلق بـ "يصلي"؛ أي: يصلي في الوقت الذي بين أن ينتهي (مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) متعلّق بـ "يفرغ"، وقوله:(وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ) جملة معترضة بيّن بها أن المراد هنا
(1)
"المصباح المنير" 2/ 470.
بصلاة العشاء هي العشاء الأخيرة، لا المغرب؛ إذا يُطلق عليها العشاء أيضًا، و"الْعَتَمَة" محرَّكَةً: ما بعد غيبوبة الشفق إلى الثلث الأول، وعَتَمَة الليل: ظلام أوله عند سقوط نور الشفق، أفاده في "المصباح"
(1)
.
وقال في "القاموس": "الْعَتَمَةُ" محرَّكةً: ثلُثُ الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، أو وقتُ صلاة العشاء. انتهى
(2)
.
وقد تقدّم في النهي عن تسمية العشاء بالعتمة حديث ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا:"لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب اللَّه العشاء، وإنها تُعْتِم بحلاب الإبل"
(3)
.
وتقدّم الجمع بينه وبين هذا الحديث بأن النهي محمول على التنزيه، فراجع ما كتبته هناك، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
(إِلَى) طلوع (الْفَجْرِ) وعند أبي داود: "إلى أن يتصدع الفجر" أي: ينشق (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) بسكون الشين، ويجوز كسرها في لغة تميم، كما أشار إليه في "الخلاصة":
وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيثِ إِحْدَى عَشْرَهْ
…
وَالشِّينُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ
قال الجامع عفا اللَّه عنه: صلاته صلى الله عليه وسلم هذا -أعني إحدى عشرة ركعة- محمول على غالب أحواله صلى الله عليه وسلم، قال السنديُّ رحمه الله في "حاشية ابن ماجه": قوله: "إحدى عشرة ركعة"، وقد جاء "ثلاث عشرة ركعة"، فيُحْمَل على أن هذا كان أحيانًا، أو لعله مبنيّ على عَدِّ الركعتين الخفيفتين اللتين يبدأ بهما صلاة الليل من صلاة الليل أحيانًا، وتركه أحرى، وعلى كلّ تقدير فهذه الهيئة لصلاة الليل لا بدّ من حملها على أنها كانت أحيانًا، وإلا فقد جاءت هيئات أخرى في قيام الليل. انتهى.
(يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) ولأبي داود: "يسلم من كل ثنتين"، وفيه أن الأفضل في صلاة الليل أن يسلم من كل ثنتين، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"صلاة الليل مثنى مثنى"(وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) قال في "الفتح" ما حاصله: كثير من
(1)
"المصباح المنير" 2/ 392.
(2)
"القاموس المحيط" 4/ 147.
(3)
تقدّم للمصنّف برقم [1457](644).
الأحاديث ظاهر في الفصل -يعني فصل ركعة الوتر عما قبلها- كحديث عائشة: "يسلم من كل ركعتين"، فإنه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنصّ في موضع النزاع، وحَمَلَ الطحاويّ هذا، ومثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يوتر بواحدة فردة، ليس قبلها شيء، وهو أعمّ من أن يكون مع الوصل، أو الفصل، وصرّح كثير منهم أن الفصل يقطعهما عن أن يكونا من جملة الوتر، ومن خالفهم يقول: إنهما منه بالنية. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث النهي عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد"، قال: أخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن يوسف، أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن بن سليمان بن قبيطة، حدثنا عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نَهَى عن البتيراء، أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها".
قال: هو عثمان بن محمد بن أبي ربيعة بن عبد الرحمن، قال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم. انتهى
(2)
.
وقال الذهبيّ رحمه الله في "الميزان"(3/ 53): قال عبد الحقّ في "أحكامه": الغالب على حديثه الوهم. وقال ابن القطان: هذا حديث شاذٌّ لا يُعَرَّج على رواته. انتهى
(3)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حكم به القطان رحمه الله من كون هذا الحديث شاذًّا حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
زاد في رواية أبي داود: "ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، قبل أن يرفع رأسه"، وفي رواية النسائيّ:"ويسجد سجدة واحدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، ثمَّ يرفع رأسه".
(1)
"الفتح" 2/ 563 - 564.
(2)
"التمهيد" 13/ 254.
(3)
"ميزان الاعتدال" 3/ 53.
يعني أنه يطوّل صلاة الليل بحيث تكون سجدة واحدة من تلك الركعات الإحدى عشرة بقدر ما يقرأ القارئ خمسين آية.
وأخرج الحديث البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ، بلفظ:"كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة".
(فَإِذَا سَكَتَ) بالتاء الفوقية؛ أي: فرغ (الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي: من أذانه لصلاة الفجر (وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ) أي: ظهر وانتشر، قال الطيبيُّ: هذا يدلّ على أن التَّبَيُّن لم يكن في الأذان، وإلا لما كان لذكر التبين فائدة. انتهى. (وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ) أي: ليعلمه بقرب الصلاة (قَامَ) صلى الله عليه وسلم (فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) هما سنّة الصبح (خَفِيفَتَيْنِ) فيه أن المستحبّ تخفيف الركعتين، وقد تقدّم للمصنّف رحمه الله حديث:"أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأولى بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)}، وفي الثانية بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} ".
(ثُمَّ اضْطَجَعَ) أي: في بيته للاستراحة من تعب قيام الليل؛ ليصلي صلاة الصبح بنشاط، أو ليفصل بين الفرض والنفل بالضجعة.
[تنبيه]:
اتفق أصحاب الزهريُّ، فرووا هذا الحديث عنه، فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، لا بعد الوتر، فقالوا:"فإذا تبيّن له الفجر، وجاءه المؤذن ركع ركعتين خفيفتين، ثمَّ اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة".
وخالفهم في ذلك مالك، فجعله بعد الوتر، فقال: يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ اضطجع على شقه الأيمن.
وزعم محمد بن يحيى الذُّهْليّ وغيره أن الصواب رواية الجمهور، وردّه ابن عبد البر بأنّه لا يدفع ما قاله مالك؛ لموضعه من الحفظ والإتقان، ولثبوته في ابن شهاب، وعلمه بحديثه، وقد قال يحيى بن معين: إذا اختلف أصحاب ابن شهاب، فالقول ما قاله مالك، فهو أثبتهم فيه، وأحفظهم لحديثه، ويَحْتَمِل أن يضطجع مرة كذا، ومرة كذا، ولرواية مالك شاهد، وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن اضطجاعه كان بعد الوتر، وقبل ركعتي الفجر، فلا ينكر أن
يحفظ ذلك مالك في حديث ابن شهاب، وإن لم يتابَع عليه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ أبو عمر رحمه الله هو الأولى من تغليط حافظ متقن، فالجمع مهما أمكن هو المتعيِّن، فيُحْمَل على أنه كان يضطجع أحيانًا بعد الوتر، وأحيانًا بعد ركعتي الفجر، واللَّه تعالى أعلم.
(عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) -بكسر الشين المعجمة -: أي: جنبه الأيمن؛ لكونه يحب التيامن في شأنه كله، أو للتشريع لغيره؛ لأنَّ النوم على الأيسر يستلزم استغراق النوم في غيره صلى الله عليه وسلم، بخلافه هو؛ لأنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه، فعلى الأيمن أسرع للانتباه بالنسبة لنا، وهو نوم الصالحين.
قال القسطلانيُّ رحمه الله: لا يقال: حكمته أن لا يستغرق في النوم؛ لأنَّ القلب في اليسار، ففي النوم عليه راحة له، فيستغرق فيه؛ لأنا نقول: صحّ أنه صلى الله عليه وسلم كان تنام عينه، ولا ينام قلبه، نعم يجوز أن يكون فعله لإرشاد أمته وتعليمهم. انتهى
(1)
.
(حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ) بلالٌ رضي الله عنه (لِلْإِقَامَةِ) وكذا هو في رواية أبي داود، باللام؛ أي: لأجل الإقامة للصلاة، وفي رواية النسائيّ:"بالإقامة" بالباء الموحّدة؛ أي: بشأنها.
والمراد أنه يأتيه مستئذنًا لأن يقيم للصلاة؛ لأنها منوطة بأمر الإمام.
و"حتى" غاية للاضطجاع؛ أي: يضطجع إلى أن يأتيه المؤذن، وفيه مشروعية إعلام المؤذن الإمام إذا أراد الإقامة، وليس هو من نوع التثويب البدعي الذي أنكره ابن عمر رضي الله عنهما وغيره، فإن ذلك أن يقوم المؤذّن على باب المسجد، أو على محلّ التأذين، فيرفع صوته، قائلا:"حي على الصلاة، حي على الفلاح"، أو:"الصلاة، الصلاة، يا مصلّون"، فتنبه.
زاد في رواية النسائيّ: "فيخرج معه"، وهو يَحْتَمِل الرفع، على الاستئناف؛ أي: فهو يخرج مع المؤذن؛ لأداء الصلاة جماعةً، والنصب عطفًا على "يأتي"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
راجع: "المرعاة شرح المشكاة" 4/ 166.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1717 و 1718 و 1719](736)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(994 و 1123 و 6310)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1335 و 1336 و 1337)، و (الترمذيّ) فيها (440 و 441)، و (النسائيّ) في "الأذان"(685) وفي "السهو"(1328) و"الكبرى"(1649)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1177 و 1358)، و (مالك) في "الموطأ"(1/ 120)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 291)، وأحمد في "مسنده"(6/ 35 و 182)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 372)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه"(2427 و 2431 و 2612)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 283)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2299 و 2300)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1670 و 1671 و 1672)، و (الدارقطنيّ) في "سننه"(1/ 416)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 23)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(900 و 901)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان استحباب قيام الليل.
2 -
(ومنها): أن فيه بيانَ أن أقل الوتر ركعة واحدة، وأن الركعة الفردة صلاة صحيحة، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهو الحقّ، وقال أبو حنيفة: لا يصح الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة أصلًا، قال النوويّ: والأحاديث الصحيحة ترُدّ عليه.
3 -
(ومنها): أن في زيادة أبي داود: "ويمكث في السجود قدر ما يقرأ أحدكم خمسين" استحبابَ تطويل السجود في قيام الليل، وقد بَوَّب عليه البخاريّ في "صحيحه"، فقال:"باب طول السجود في قيام الليل"، وفي حديث عائشة رضي الله عنها، أنها قالت:"كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، وفي "مسند أحمد" من طريق محمد بن عباد، عن عائشة، قالت:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الليل في سجوده: سبحانك لا إله إلا أنت"، ورجاله ثقات، قاله في "الفتح".
4 -
(ومنها): أنّ فيه مشروعيةَ الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وهو على الاستحباب عند الجمهور، وقال ابن حزم بوجوبه؛ للأمر الوارد به، وحمل الجمهور الأمر على الاستحباب لعدم مداومته صلى الله عليه وسلم، وقد سبق تمام البحث في ذلك.
5 -
(ومنها): أن المستحبّ في الاضطجاع أن يكون على شقه الأيمن، قال العلماء: وحكمته أنه لا يستغرق في النوم؛ لأنَّ القلب في جنبه اليسار، فيُعَلَّق حينئذ، فلا يستغرق، وإذا نام على اليسار، كان في دَعَةٍ واستراحة، فيستغرق
(1)
.
وقال في "الفتح": في الحديث أن الاضطجاع إنما يتم إذا كان على الشقّ الأيمن، وأما إنكار ابن مسعود رضي الله عنه الاضطجاع، وقول إبراهيم النخعيّ: هي ضِجْعة الشيطان، كما أخرجهما ابن أبي شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهما الأمر بفعله، وكلام ابن مسعود رضي الله عنه يدلّ على أنه إنما أنكر تحتمه، فإنه قال في آخر كلامه: إذا سلَّم فقد فَصَلَ، وكذا ما حُكِي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه بدعة، فإنه شذّ بذلك، حتى رُوي عنه أنه أَمَر بِحَصْب من اضطجع، وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان لا يُعجبه الاضطجاع، وأرجح الأقوال مشروعيته للفصل، لكن لا بعينه كما تقدم. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لا بعينه" فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه خلاف ما دلّ عليه الحديث، فإنه يدلّ على تعيّن الفصل بالاضطجاع، لا بغيره من الكلام، أو الانتقال، أو غير ذلك، فتفطّن.
والحاصل أن الاضطجاع بين السنّة والفرض في الصبح سنّة ثابتةٌ عنه صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا، وأما إنكار من أنكرها فمحمول على عدم بلوغ السنة إليهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
6 -
(ومنها): أن فيه استحبابَ اتخاذ مؤذِّن راتبٍ للمسجد.
7 -
(ومنها): بيان جواز إعلام المؤذِّن الإمامَ بحضور الصلاة وإقامتها،
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 19.
(2)
"الفتح" 3/ 54 "كتاب التهجّد" رقم (2260).
واستدعائه لها، قال النوويّ: وقد صرَّح به أصحابنا، وغيرهم.
8 -
(ومنها): بيان استحباب سنة الصبح، وتخفيفهما وقد سبق بيانه في بابه.
9 -
(ومنها): استحباب السلام في كل ركعتين، والذي جاء في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم لا يسلم إلا في الآخرة محمول على بيان الجواز.
10 -
(ومنها): ما قاله النوويُّ رحمه الله: قول عائشة رضي الله عنها في الحديث الآتي: "يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها"، وفي رواية أخرى:"يُسَلِّم من كل ركعتين"، وفي رواية:"يصلي أربعًا، ثمَّ أربعًا، ثمَّ ثلاثًا"، وفي رواية:"ثمان ركعات، ثمَّ يوتر بركعة"، وفي رواية:"عشر ركعات، ويوتر بسجدة"، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما:"فصلى ركعتين. . ." إلى آخره، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما:"صلاة الليل مثنى مثنى"، هذا كله دليلٌ على أن الوتر ليس مختصًّا بركعة، ولا بإحدى عشرة، ولا بثلاث عشرة، بل يجوز ذلك وما بينه، وأنه يجوز جَمْعُ ركعات بتسليمة واحدة، وهذا لبيان الجواز، وإلا فالأفضل التسليم من كل ركعتين، وهو المشهور من فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأمره بصلاة الليل مثنى مثنى. انتهى كلام النوويُّ، وهو بحثٌ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف الأحاديث في عدد صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الليل، والتوفيق بينها:
(اعلم) أن أحاديث صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل اختلفت، فوفّق العلماء بينها بما ينفي التعارض، قال القاضي عياض رحمه الله: في حديث عائشة رضي الله عنها من رواية سعد بن هشام قيام النبيّ صلى الله عليه وسلم بتسع ركعات، وحديث عروة عنها بـ "إحدى عشرة، منهنّ الوتر، يسلم من كل ركعتين، وكان يركع ركعتي الفجر إذا جاءه المؤذن"، ومن رواية هشام بن عروة وغيره عن عروة عنها:"ثلاث عشرة بركعتي الفجر"، وعنها:"كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً أربعًا أربعًا وثلاثًا"، وعنها:"كان يصلي ثلاث عشرةً: ثمانيًا، ثمَّ يوتر، ثمَّ يصلي ركعتين، وهو جالس، ثمَّ يصلي ركعتي الفجر"، وقد فسّرتها في الحديث الآخر: "منها
ركعتا الفجر"، وعنها في "صحيح البخاريّ" أن صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل سبع، وتسع.
وذكر البخاريّ ومسلم بعد هذا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن صلاته صلى الله عليه وسلم من الليل ثلاث عشرة ركعةً، وركعتين بعد الفجر سنة الصبح، وفي حديث زيد بن خالد أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين خفيفتين، ثمَّ طويلتين، وذكر الحديث، وقال في آخره: فتلك ثلاث عشرة.
قال القاضي: قال العلماء: في هذه الأحاديث إِخبارُ كلِّ واحد من ابن عباس، وزيد، وعائشة رضي الله عنهم بما شاهد.
وأما الاختلاف في حديث عائشة رضي الله عنها، فقيل: هو منها، وقيل: من الرواة عنها، فيَحْتَمِل أن إخبارها بإحدى عشرة هو الأغلب، وباقي رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرًا في بعض الأوقات، فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر، وأقله سبع، وذلك بحسب ما كان يَحصُل من اتساع الوقت، أو ضيقه بطول قراءة، كما جاء في حديث حُذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما، أو لنوم، أو عذر مرض، أو غيره، أو في بعض الأوقات عند كِبَر السنّ، كما قالت:"فلما أَسَنَّ صلى سبع ركعات"، أو تارةً تَعُدُّ الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل، كما رواه زيد بن خالد رضي الله عنه، وروتها عائشة رضي الله عنها بعد هذا في "صحيح مسلم"، وتَعُدُّ ركعتي الفجر تارةً، وتحذفهما تارةً، أو تعد إحداهما، وقد تكون عَدَّت راتبة العشاء مع ذلك تارةً، وحذفتها تارةً.
قال القاضي رحمه الله: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حدٌّ لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وما اختاره لنفسه. انتهى كلام القاضي رحمه الله، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
وقال الباجيُّ رحمه الله بعد ذكر رواية عائشة رضي الله عنها أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعةً غير ركعتي الفجر، وروايتها أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعةً، ما لفظه: ورواية عائشة في ذلك تَحْتَمل وجهين:
[أحدهما]: أنه صلى الله عليه وسلم كان تَخْتَلِف صلاته بالليل؛ لأنه لا حدّ لصلاة الليل، فمرّةً كانت تُخبر بما شاهدته منه صلى الله عليه وسلم في وقتٍ مّا، ومرّةً تُخبر بما شاهدته منه صلى الله عليه وسلم في غيره، وإنما قالت: إنه صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا في غيره على
إحدى عشرة، تريد صلاته المعتادة الغالبة، وإن كان ربما يزيد في بعض الأوقات على ذلك، فقصدت في تلك الرواية الإخبارَ عن غالب صلاته صلى الله عليه وسلم، وذكرت في هذه الرواية أكثر ما كانت تنتهي إليه صلاته صلى الله عليه وسلم في الأغلب.
[والوجه الثاني]: أن تكون رضي الله عنها تقصد في بعض الأوقات الإخبارَ عن جميع صلاته صلى الله عليه وسلم في ليلة، وتقصد في وقت ثانٍ إلى ذكر نوع من صلاته في الليل، وجميع صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل في حديث عائشة رضي الله عنها خمس عشرة ركعةً، مع الركعتين الخفيفتين، وركعتي الفجر، فعائشة رضي الله عنها كانت تخبر بالأمر على وجوه شتَّى، ولعلّ ذلك يكون على قدر أسباب السؤال. انتهى.
وقال القرطبيُّ رحمه الله: أشكلت روايات عائشة رضي الله عنها على كثير من أهل العلم، حتى نَسَبَ بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتمّ لو كان الراوي عنها واحدًا، أو أخبرت هي عن وقت واحد، والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك محمولٌ على أوقات متعدّدة، وأحوال مختلفة، بحسب النشاط، وبيان الجواز. انتهى
(1)
.
وقال الإمام ابن حبَّان رحمه الله في "صحيحه"(6/ 365): هذه الأخبار ليس بينها تضادّ، وإن تباينت ألفاظها ومعانيها من الظاهر؛ لأنَّ المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل على الأوصاف التي ذُكِرت عنه ليلة بنعت، وأخرى بنعت آخر، فأَدَّى كل إنسان منهم ما رَأَى منه، وأخبر بما شاهد، واللَّه جلَّ وعلا جعل صفيَّه صلى الله عليه وسلم معلمًا لأمته، قولًا، وفعلًا، فدلّنا تباين أفعاله في صلاة الليل على أن المرء مُخَيَّر بين أن يأتي بشيء من الأشياء التي فعلها صلى الله عليه وسلم في صلاته بالليل، دون أن يكون الحكم له في الاستنان به في نوع من تلك الأنواع، لا الكل. انتهى كلام ابن حبَّان رحمه الله.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الاختلاف في حديث عائشة رضي الله عنها، وكذا في حديث غيرها في صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل محمول على اختلاف الأوقات، أو على عدّ ركعتي الفجر، أو الركعتين الخفيفتين اللتين يبدأ بهما صلاته بالليل من جملة صلاته، وأما قولها:"لا يزيد على إحدى عشرة ركعةً"
(1)
راجع: "المرعاة شرح المشكاة" 4/ 171.
فمحمول على أن ذلك كان غالب أحواله صلى الله عليه وسلم، فتأمل بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قوله: "فإذا فَرَغَ اضطجع على شقّه الأيمن، حتى يأتيه المؤذّن، فيصلي ركعتين خفيفتين"، قال القاضي عياض رحمه الله: في هذا الحديث أن الاضطجاع بعد صلاة الليل، وقبل ركعتي الفجر، وفي الرواية الأخرى عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يضطجع بعد ركعتي الفجر، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الاضطجاع كان بعد صلاة الليل قبل ركعتي الفجر، قال: وهذا فيه رَدٌّ على الشافعيّ وأصحابه في قولهم: إن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر سنة، قال: وذهب مالك، وجمهور العلماء، وجماعة من الصحابة، إلى أنه بدعةٌ، وأشار إلى أن رواية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مرجوحة، قال: فتقدم رواية الاضطجاع قبلهما، قال: ولم يقل أحد في الاضطجاع قبلهما: إنه سنة، فكذا بعدهما، قال: وقد ذكر مسلم عن عائشة رضي الله عنها: "فإن كنت مستيقظة حدَّثني، وإلا اضطجع"، فهذا يدلّ على أنه ليس بسنة، وأنه تارةً كان يضطجع قبلُ وتارةً بعدُ، وتارة لا يضطجع، هذا كلام القاضي رحمه الله.
وتعقّبه النوويُّ رحمه الله، فقال: والصحيح، أو الصواب أن الاضطجاع بعد سنة الفجر؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع على يمينه"، رواه أبو داود، والترمذيّ، بإسناد صحيح، على شرط البخاريّ ومسلم، قال الترمذيّ: هو حديث حسنٌ صحيحٌ.
فهذا حديث صحيحٌ صريحٌ في الأمر بالاضطجاع.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها بالاضطجاع بعدها وقبلها، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قبلها، فلا يخالف هذا، فإنه لا يلزم من الاضطجاع قبلها أن لا يضطجع بعدُ، ولعلّه صلى الله عليه وسلم ترك الاضطجاع بعدها في بعض الأوقات؛ بيانًا للجواز، لو ثبت الترك، ولم يثبت، فلعلّه كان يضطجع قبلُ وبعدُ، وإذا صح الحديث في الأمر بالاضطجاع بعدها، مع روايات الفعل الموافقة للأمر به، تَعَيَّن المصير إليه، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث، لم يجز رَدُّ بعضها، وقد أمكن بطريقين أشرنا إليهما:
[أحدهما]: أنه اضطَجَع قبلُ وبعدُ.
[والثاني]: أنه تركه بعدُ في بعض الأوقات؛ لبيان الجواز، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويُّ رحمه الله
(1)
، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، وسيأتي مزيد التحقيق لبيان اختلاف العلماء في هذه المسألة في المسألة السادسة -إن شاء اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال الإمام البخاريُّ رحمه الله في "صحيحه": "باب من تحدّث بعد الركعتين، ولم يضطجع".
قال في "الفتح": قوله: "باب من تحدّث بعد الركعتين، ولم يضطجع"، أشار بهذه الترجمة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم عليها، وبذلك احتجّ الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي داود وغيره على الاستحباب، وفائدة ذلك الراحةُ والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للمتهجِّد، وبه جزم ابن العربيّ، ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول:"إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يضطجع لسنّة، ولكنه كان يدأب ليلته، فيستريح"، في إسناده راوٍ لم يُسَمّ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: من الغريب كيف ساغ للحافظ رحمه الله أن يقول: "ويشهد له" مؤيّدًا لرأي ابن العربيّ المخالف لإطلاق حديث الاضطجاع، وقد اعترف نفسه بأنّه حديث لا يصحّ؛ لجهالة بعض رواته، إن لهذا لهو العجب.
قال: وقيل: إن فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا اختصاص، ومن ثَمَّ قال الشافعيُّ رحمه الله: تتأدى السنة بكل ما يَحصُل به الفصل من مشيٍ وكلام وغيره، حكاه البيهقيّ، وقال النوويّ: المختار أنه سنةٌ؛ لظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه راوي الحديث: إن الفصل بالمشي إلى المسجد لا يكفي.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما نُقل عن الشافعيُّ رحمه الله إن صحّ فهو رأيه، وقد أجاد النوويُّ رحمه الله حيث خالفه، وقرّر ما دلّت عليه السنة الصحيحة.
قال: وأفرط ابن حزم، فقال: يجب على كل أحد، وجعله شرطًا لصحة
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 19 - 20.
صلاة الصبح، وردّه عليه العلماء بعده، حتى طعن ابن تيمية، ومن تبعه في صحة الحديث؛ لتفرّد عبد الواحد بن زياد به، وفي حفظه مقال، والحقّ أنه تقوم به الحجة
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد الحافظ رحمه الله في تصحيح حديث عبد الواحد، فإنه حقيقٌ بذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ومن ذهب إلى أن المراد به الفصل لا يتقيد بالأيمن، ومن أطلق قال: يختص ذلك بالقادر، وأما غيره فهل يسقط الطلب، أو يومئ بالاضطجاع، أو يضطجع على الأيسر؟ لم أقف فيه على نقل، إلا أن ابن حزم قال: يومئ، ولا يضطجع على الأيسر أصلًا، ويحمل الأمر به على الندب، وذهب بعض السلف إلى استحبابها في البيت دون المسجد، وهو محكيّ عن ابن عمر، وقوّاه بعض شيوخنا بأنّه لم يُنقَل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه فعله في المسجد.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا مردود بأنّه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي ركعتي الفجر في المسجد، حتى يضطجع فيه، فحيث صلى اضطجع، فمن صلى في بيته اضطجع فيه، ومن صلى في المسجد اضطجع فيه؛ لعموم الأمر بذلك، فتبصّر.
قال: وصحّ عن ابن عمر أنه كان يَحْصِب من يفعله في المسجد، أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما نُقل عن ابن عمر رضي الله عنهما ليس حجة يُعارض به ما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم فعلًا وقولًا؛ لأنه لا حجة لأحد مع النصّ الصحيح، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
والحاصل أن الاضطجاع بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح سنّة ثابتة فعلًا، كما في "الصحيحين"، وقولًا، كما في حديث أبي داود، والترمذيّ، وقد
(1)
حديث عبد الواحد هو ما أخرجه الترمذيّ، في "الجامع" (385): حدّثنا بشر بن معاذ الْعَقَديّ، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع على يمينه"، قال الترمذيّ: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. انتهى.
صححه، وأصاب في ذلك، وهي مستحبّة عند الجمهور، وهو الحقّ، وإنما لم نوجبها كما يراه ابن حزم؛ لما سيأتي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظةً حدّثني، وإلا اضطجع"، كما مرّ تحقيقه عند ترجمة الإمام البخاريُّ رحمه الله المذكور أول التنبيه، فإن الحديث يدلّ على أنه صلى الله عليه وسلم إذا كانت عائشة رضي الله عنها مستيقظة لم يضطجع، فدلّ هذا على صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، فيكون الأمر بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه" أمر استحباب، فتبصّر، وإن أردت مزيد التحقيق لذلك، فراجع ما كتبته في "شرح النسائيّ"
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1719]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ
(2)
حَرْمَلَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَسَاقَ حَرْمَلَةُ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ:"وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِقَامَةَ، وَسَائِرُ الْحَدِيثِ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرٍو سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
كلهم ذُكروا غير:
1 -
(يُونُسَ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قبل باب.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) إشارة إلى إسناد ابن شهاب الماضي، وهو: عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرٍو سَوَاءً) هو عمرو بن الحارث، شيخ ابن وهب في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه، لم أجد من ساقها بالنصّ
(1)
راجع: "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" 18/ 145 - 150 رقم الحديث (1762).
(2)
وفي نسخة: "وحدّثناه".
الذي أشار إليه المصنّف رحمه الله، وإنما ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، هكذا:
(25575)
حدّثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا يونس، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعةً، فكانت تلك صلاته، يسجد في السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آيةً، قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل الفجر، ثمَّ يضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1720]
(737) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
3 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل باب أيضًا.
4 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) والد محمد الراوي عنه هنا، تقدّم قبل باب أيضًا.
5 -
(هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه مرّتين، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) أي: فيه، فـ "من" بمعنى "في"، أو هي التبعيض؛ أي: بعض الليل (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) ثماني ركعات منها بأربع تسليمات، وقد تقدّم أن هذا لا ينافي قولها:"كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً"؛ لأنَّ ثلاث عشرة، إما بعدّ ركعتي الفجر، أو الركعتين الخفيفتين اللتين يبتدأ بهما صلاة الليل منها، وإما أن يكون محمولًا على اختلاف الأوقات، وأن غالب أحواله صلى الله عليه وسلم صلاته إحدى عشرة ركعةً، واللَّه تعالى أعلم.
(يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ) أي: من مجموع ثلاث عشرة ركعةً، أو من ذلك العدد المذكور (بِخَمْسٍ) يعني: أنه يصلي خمس ركعات بنيّة الوتر (لَا يَجْلِسُ) للتشهّد (فِي شَيْءٍ) من تلك الخمس (إِلَّا فِي آخِرِهَا) يعني: أنه لا يجلس في ركعة من الركعات الخمس إلا في آخرهنّ.
وفيه دليلٌ على مشروعيّة الإيتار بخمس ركعات بقعدة واحدة، وهذا أحد أنواع إيتاره صلى الله عليه وسلم، كما أن الإيتار بواحدة أحدها، كما أفاده حديثها الآخر.
ودلّ أيضًا على أن القعود في آخر كلّ ركعتين ليس بواجب، ففيه ردٌّ على من قال بتعين الثلاث، وبوجوب القعود بعد كل ركعتين.
قال الإمام الترمذيُّ رحمه الله: وقد رأى بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم الوتر بخمس، وقالوا: لا يجلس في شيء منهنّ إلا في آخرهنّ.
ورَوَى محمد بن نصر المروزيُّ في "كتاب قيام الليل" عن إسماعيل بن
زيد أن زيد بن ثابت رضي الله عنه كان يوتر بخمس ركعات، لا ينصرف فيها -أي: لا يسلّم-.
وقال الشيخ سراج أحمد السرهنديّ في "شرح الترمذيّ": وهو مذهب سفيان الثوريّ، وبعض الأئمة. انتهى.
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذيّ: وهو الظاهر من كلام الشافعيّ ومذهبه، فقد حكى الربيع بن سليمان في "اختلاف مالك والشافعيّ" الملحق بكتاب "الأمّ" (7/ 189) أنه سأل الشافعيّ عن الوتر بواحدة ليس قبلها شيء؟ فقال الشافعيّ: نعم، والذي أختار أن أصلي عشر ركعات، ثمَّ أوتر بواحدة، ثمَّ حكى الحجة عنه في ذلك، ثمَّ قال: قال الشافعيّ: وقد أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يوتر بخمس ركعات، لا يجلس، ولا يُسلّم إلا في الآخرة منهنّ، فقلت للشافعيّ: فما معنى هذا؟ قال: هذه نافلة يسع أن يوتر بواحدة، وأكثر، ونختار ما وصفت من غير أن نضيّق غيره، وانظر:"المجموع" للنوويّ
(1)
، فقد رجّح جواز هذا؛ لدلالة الأحاديث الصحيحة عليه. انتهى.
قال صاحب "المرعاة": والحديث مشكلٌ على الحنفيّة جدًّا، فإنهم قالوا بوجوب القعود والتشهّد بعد كل ركعتين من الفرض والنفل جميعًا، وأجابوا عنه بوجوه، كلُّها مردودة باطلة:
[أحدها]: أن المعنى: لا يجلس في شيء للسلام بخلاف ما قبله من الركعات، ذكره القاري.
وقد ردّه صاحب "البذل" حيث قال: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الحنفيّة قائلون بأن الوتر ثلاث، لا تجوز الزيادة عليها، فإذا صلّى خمس ركعات، فإن نوى الوتر في أول التحريمة لا يجوز ذلك؛ لأنَّ الزيادة على الثلاث ممنوعة، وإن نوى النفل في أول التحريمة لا يؤدّي الوتر بنيّة النفل، وإن قيل: إنها كانت في ابتداء الإِسلام، ثمَّ استقرّ الأمر على أن الوتر ثلاث ركعات، فينافيه ما سيأتي من حديث زُرارة بن أوفى، عند أبي داود: "فلم تزل تلك صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
(1)
راجع: "المجموع" 4/ 12 - 13.
حتى بدّن، فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الستّ والسبع، وركعتيه، وهو قاعد حتى قُبض على ذلك".
[وثانيها]: أن المنفيّ جلسة الفراغ والاستراحة؛ أي: لا يجلس في شيء من الخمس جلسة الفراغ والاستراحة إلا في آخرها؛ أي: بعد الركعة الأخيرة، يعني: بعد الفراغ منها، وكانت الركعتان نافلتي الوضوء، أو غيرها، والثلاث وترًا.
وفيه أن تخصيص الجلوس المنفيّ بجلوس الاستراحة والفراغ يحتاج إلى دليل، وإذ لا دليل على ذلك، فهو مردود على قائله، على أن قوله:"إلا في آخرهنّ" يدلّ على وجود الجلوس في آخر الركعات الخمس؛ بناءً على أن "في" للظرفيّة، وهي تقتضي تحقّق الجلوس داخل الصلاة، لا خارجها، وعلى أن الأصل في الاستثناء الاتّصال، وهذا ينافي كون المراد بالجلوس المنفيّ جلسة الفراغ.
[وثالثها]: أن المعنى لم يكن يصلي شيئًا من تلك الخمس جالسًا؛ إذ قد ورد أنه كان يصلي قائمًا وقاعدًا، وعلى هذا فالمنفيّ من الجلوس هو الجلوس مقام القيام، والاستثناء في قوله:"إلا في آخرهنّ" منقطعٌ، كما في الوجه الثاني، والمعنى: لا يصلي جالسًا إلا بعد أن يفرغ من الخمس.
وهذا أيضًا مردودٌ؛ لما تقدّم آنفًا.
[ورابعها]: أن المراد بقولها: "آخرهنّ" الركعتان الأخيرتان، فالثلاثة الأول من الخمس وتر، والركعتان بعده هما اللتان كان يصليهما النبيّ صلى الله عليه وسلم جالسًا بعد الوتر، والمعنى: لم يكن يصلي شيئًا من تلك الخمس جالسًا إلا الركعتين الأخيرتين منها، وعلى هذا فالاستثناء متّصلٌ.
وفيه أن هذا يردّه قولها: "يوتر من ذلك بخمس"؛ لأنه يدلّ على أن الركعات الخمس كلّها ركعات الوتر.
ويُبطله أيضًا رواية الشافعيّ بلفظ: "كان يوتر بخمس ركعات، لا يجلس، ولا يسلّم إلا في الآخرة منها"، ورواية أبي داود:"يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة، فيسلّم"، وهذا ظاهر.
[وخامسها]: أن المراد بـ "آخرهنّ" الركعة الأخيرة، والمنفيّ من الجلوس
الجلوس الخاصّ، وهو الذي فيه تشهّد بلا تسليم، فالمعنى: لا يجلس بهذه المثابة إلا في ابتداء الركعة الأخيرة، وأما الجلوس بعد الركعتين فهو على المعروف المتبادر، يعني: مع التسليم.
وهذا أيضًا مردودٌ، تردّه رواية الشافعيّ، وأبي داود، كما لا يخفى.
فهذه الوجوه كلُّها تحريف للحديث الصحيح، وإبطال لمؤدّاه، واستهزاء بالسنّة الثابتة الظاهرة، وتحيُّلٌ لدفعها، فهي تدلّ على شدّة تعصبّ أصحابها، وغلوّهم في التقليد المذموم، ذكرناها مع كونها أَضَاحِيك؛ ليعتبر بها أولو الأبصار، وليتذكّر أولو الألباب
(1)
. اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله
(2)
.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1720 و 1721](737)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1338 و 1358)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(459)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1717) و"الكبرى"(1408)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1359)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 50 و 123 و 275)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1076 و 1077)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه"(2437)، و (أبو
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 262 - 263.
(2)
أما ما ذكره في "المشكاة" من أنه متّفق عليه، فقد تعقّبه في "المرعاة" 4/ 263، فقال: فيه نظرٌ؛ لأنَّ قولها: "يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها" ليس في البخاريّ، بل هو من أفراد مسلم، وكأن المصنّف قلّد في ذلك الجزريّ، وصاحب "المنتقى"، والمنذريّ، حيث نسبوا هذا السياق إلى الشيخين، والعجب من الحافظ أنه قال بعد ذكره في "بلوغ المرام": متّفقٌ عليه، مع أنه عزاه في "التلخيص" لمسلم فقط، اللهم إلَّا أن يقال: إنهم أرادوا بذلك أن أصل الحديث متّفق عليه، لا السياق المذكور بتمامه، ولا يخفى ما فيه. انتهى.
عوانة) في "مسنده"(2296 و 2297 و 2298)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1673)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 27 و 28)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(960 و 961)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1721]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَاه
(2)
أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، تقدّم قريبًا.
2 -
(وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب.
3 -
(أَبُو أُسَامَةَ).
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ) الضمير لعبدة، ووكيع، وأبي أُسامة.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد هشام السابق، وهو: عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها.
[تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان، عن هشام هذه ساقها ابن حبَّان رحمه الله في "صحيحه" (6/ 192) فقال:
(2437)
أخبرنا عبد اللَّه بن محمد الأزديّ، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبدة بن سليمان، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس إلا في آخرهنّ، يجلس، ثمَّ يسلِّم". انتهى.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
وأما رواية وكيع، فقد ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(25174)
حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يوتر بخمس ركعات، لا يجلس إلا في آخرهنّ". انتهى.
وأما رواية أبي أُسامة، فلم أر من ساقها تامّةً، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1722]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَي الْفَجْرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ).
2 -
(لَيْثُ) بن سعد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](240) عن (90) سنة (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ 2 ص 412.
3 -
(يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) اسمه سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [5](ت 128)(ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 168.
4 -
(عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ) الغفاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [3] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" 29/ 225.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِرَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: معهما.
وشرح الحديث واضح، وفيه:
مسألتان تتعلّقان به:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1722](737)، و (أبو داود) في "الصلاة"
(1360)
، و (النسائيّ) في "الكبرى"(417)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 222)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2302)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1674)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1723]
(738) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ
(1)
: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ:"يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، واسم أبيه كيسان، ثقةٌ، قيل: تغيّر قبل موته بأربع سنين [3] مات في حدود (120) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 36/ 250.
2 -
(أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيه [3](ت 94)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 423.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
(1)
وفي نسخة: "فقالت".
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سعيد، عن أبي سلمة، وهو أيضًا من رواية الأقران، فكلاهما من الطبقة الثالثة.
5 -
(ومنها): أن عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، وأبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) أمَّ المؤمنين رضي الله عنها (كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ) وفي نسخة: "فقالت"(مَا) نافيةٌ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) هذا يدلّ على أن صلاته صلى الله عليه وسلم كانت متساوية في جميع السنة، لكن هذا محمول على الغالب؛ جمعًا بينه وبين الروايات الأخرى، كما تقدّم تحقيق ذلك، فتنبّه.
(يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي: متصلةً (فَلَا) ناهية، ولذا جُزم بها قولها:(تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ) قال النوويُّ رحمه الله: معناه: هنّ في نهاية من كمال الحسن، والطول، مستغنيات بظهور حسنهنّ، وطولهنّ عن السؤال عنه، والوصفِ.
وفي هذا الحديث دليل لمذهب الشافعي وغيره، ممن قال: تطويلُ القيام أفضل من تكثير الركوع والسجود، وهو المذهب الراجح في المسألة.
وقالت طائفة: تكثير الركوع والسجود أفضل.
وقالت طائفة: تطويل القيام في الليل أفضل، وتكثير الركوع والسجود في النهار أفضل، وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا في شرح حديث:"أفضل الصلاة طول القنوت" -إن شاء اللَّه تعالى-.
(ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي: أربع ركعات موصولة أيضًا (فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَانًا) أي: بتسليم واحد، وهذا هو موضع استدلال المصنّف رحمه الله على الترجمة، حيث بُيّن فيه كيفيةُ الإيتار بثلاث، وهو أن يصليهن بتسليمة واحدة.
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ) ووقع عند النسائيّ بلفظ: "إن عيني تنام" بالإفراد وهو صحيح، إذ "عين" مفرد مضاف، فيعمّ (وَلَا يَنَامُ قَلْبِي") يعني: أن النوم إنما كان حَدَثًا لما فيه من احتمال الخروج بلا علم النائم به، وذلك لا يُتصوّر في حقه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ نومه ليس بحدث حيث إن قلبه يقظان، بخلاف غيره، وهذا من خصائص الأنبياء -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين- ففي رواية البيهقيّ من حديث أنس رضي الله عنه:"وكذلك الأنبياء، تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم".
ونقل الحافظ السيوطيُّ رحمه الله عن الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام رحمه الله، أنه قال: قد أُورد على هذا الحديث قضيّة الوادي لَمّا نام صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فلو كانت حواسّه باقية مُدرِكة مع النوم لأدرك الشمس، وطلوع النهار.
قال: والجواب أن أمر الوادي مستثنى من عادته، وداخل في عادتنا.
وقال القاضي عياض رحمه الله: من أهل العلم مَنْ تأوّل الحديث على أن ذلك غالب أحواله، وقد ينام نادرًا، ومنهم من تأوّله على أنه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث.
والأولى عندي أن يقال: ما بين الحديثين تناقض، وأنه يومَ الوادي إنما نامت عيناه، فلم يَرَ طلوع الشمس، وطلوعُها إنما يُدرك بالعين، دون القلب. قال: وقد تكون هذه الغلبة هنا للنوم، والخروج عن عادته فيه، لِمَا أراد اللَّه تعالى من بيان سنّة النائم عن الصلاة، كما قال:"لو شاء اللَّه لأيقظنا، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم". انتهى.
وقال الشيخ وليّ الدين العراقيُّ رحمه الله: وفي "مسند أحمد": أنّ ابن صيّاد تنام عينه، ولا ينام قلبه، وكان ذلك في المَكْرِ به، وأن يصير مستيقظ القلب في الفجور والمفسدة؛ ليكون أبلغ في عقوبته، بخلاف استيقاظ قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإنه في المعارف الإلهيّة، والمصالح التي لا تُحصَى، فهو رافع لدرجاته، ومُعَظِّمٌ لشأنه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1723 و 1724 و 1725 و 1726 و 1727](738)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1147 و 2013) و"المناقب"(3569)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1341)، و (الترمذيّ) فيها (439)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1697) و"الكبرى"(1421)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1358)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 120)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4711)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 36 و 76 و 104)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1166)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه"(2430)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2304)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1675 و 1676 و 1677 و 1678)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 282)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(1/ 122 و 2/ 495 و 496 و 3/ 6 و 7/ 62) وفي "دلائل النبوّة"(1/ 371 و 372)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(899)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان كيفية الإيتار بثلاث ركعات، وهو أن يصلّيها متّصلة.
2 -
(ومنها): ما كان عليه هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم من تطويل صلاة الليل.
3 -
(ومنها): بيان خصوصيته صلى الله عليه وسلم في كون نومه لا ينقض وضوءه؛ لأنَّ نومه في عينه لا في قلبه، فيشعر بخروج ما يُخشى منه نقض الوضوء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1724]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى
(1)
، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ
(1)
وفي نسخة: "حدّثني محمد بن المثنّى، أخبرنا إلخ".
رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ، مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
2 -
(ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قريبًا.
3 -
(هِشَامُ) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
4 -
(يَحْيَى) بن أبي كثير، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن، وفي رواية النسائيّ:"عن ابن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن"، فصرّح بالإخبار (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟) أي: عن عددها، وكيفيّتها، والمراد صلاته في الليل، ففي رواية النسائيّ:"أنه سأل عائشة عن صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الليل"؛ أي: في الليل، أو بعض الليل (فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي: بركعتي الفجر (يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ) وفي نسخة: "ثمانيَ ركعات"، وهو البخاري على القاعدة، كما مرّ تحقيقه (ثُمَّ يُوتِرُ) أي: بالركعة التاسعة، وفي رواية معاوية بن أبي سلّام، عن يحيى التالية:"تِسْعَ رَكَعَاتِ قَائِمًا، يُوتِرُ مِنْهُنَّ"(ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ) زاد في رواية النسائيّ: "وسجد، ويفعل ذلك بعد الوتر".
قال النوويُّ رحمه الله: هذا الحديث أخذ بظاهره الأوزاعيّ، وأحمد فيما حكاه القاضي عنهما، فأباحا ركعتين بعد الوتر جالسًا، وقال أحمد: لا أفعله، ولا أمنع من فعله، قال: وأنكره مالك، قلت: الصواب أن هاتين الركعتين فعلهما صلى الله عليه وسلم بعد الوتر جالسًا؛ لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جواز النفل جالسًا، ولم يواظب على ذلك، بل فعله مرةً، أو مرتين، أو مرات قليلة، ولا تغتر بقولها:"كان يصلي"، فإن المختار الذي عليه الأكثرون، والمحققون من
الأصوليين، أن لفظة "كان" لا يلزم منها الدوام، ولا التكرار، وإنما هي فعل ماضٍ يدلّ على وقوعه مرةً، فإن دلّ دليل على التكرار عُمِل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: "كنت أطيّب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لحلّه، قبل أن يطوف"، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يحجَّ بعد أن صحبته عائشة رضي الله عنها إلا حجةً واحدةً، وهي حجة الوداع، فاستعمَلَت "كان" في مرة واحدة.
ولا يقال: لعلها طيّبته في إحرامه بعمرة؛ لأنَّ المعتمر لا يَحِلّ له الطيب قبل الطواف بالإجماع، فثبت أنها استعملت "كان" في مرة واحدة، كما قاله الأصوليون.
وإنما تأولنا حديث الركعتين جالسًا؛ لأنَّ الروايات المشهورة في "الصحيحين" وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها مع روايات خلائق من الصحابة رضي الله عنهم في "الصحيحين" مصرِّحة بأن آخر صلاته صلى الله عليه وسلم في الليل كان وترًا، وفي "الصحيحين" أحاديث كثيرة مشهورة بالأمر بجعل آخر صلاة الليل وترًا.
منها: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، و"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة"، وغير ذلك، فكيف يُظَنّ به صلى الله عليه وسلم مع هذه الأحاديث، وأشباهها أنه يداوم على ركعتين بعد الوتر، ويجعلهما آخر صلاة الليل؟ وإنما معناه ما قدمناه من بيان الجواز، وهذا الجواب هو الصواب.
وأما ما أشار إليه القاضي عياض رحمه الله من ترجيح الأحاديث المشهورة، ورَدّ رواية الركعتين جالسًا، فليس بصواب؛ لأنَّ الأحاديث إذا صحت، وأمكن الجمع بينها تَعَيَّن، وقد جمعنا بينها - وللَّه الحمد. انتهى كلام النوويُّ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه النوويّ رحمه الله: تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، ولا سيّما ردّه على القاضي عياض في ردّه هذا الحديث، إلا أن ترجيحه كون "كان" لا تدلّ على الدوام والتكرار، فيه نظرٌ، بل الأرجح أنها للدوام والتكرار، ولا تخرج عن هذا إلا بقرينة، وهذه الأمثلة التي ذكرها، ومنها
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 21 - 22.
حديث الباب مما خرج عن الأصل بسبب القرينة، كما هو واضح، وقد ذكرت هذا الترجيح في "التحفة المرضيّة"، حيث قلت:
وَلَفْظُ "كَانَ" لِدَوَامِ الْفِعْلِ مَعْ
…
تَكْرَارِهِ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُتَّبَعْ
(1)
وسيأتي البحث في اختلاف العلماء في حكم الصلاة بعد الوتر مستوفًى في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى-.
(ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ، مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) وفي رواية النسائيّ من طريق معاوية بن سلّام، عن يحيى:"فإذا سمع نداء الصبح، قام فركع ركعتين خفيفتين"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1724](738)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1159)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1340 و 1361)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1756 و 1780 و 1781) و"الكبرى"(450 و 413 و 1449)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1196)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 52 و 81 و 128 و 138 و 189 و 249 و 279)، و (الدارمي) في "سننه"(1482)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1102)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه"(2634)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2305 و 2306 و 2307 و 2308)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1676 و 1677 و 1678)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية الصلاة بعد الوتر:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختَلَفوا في الصلاة بعد الوتر، فكان قيس بن عُبَاد يقول: أقرأ وأنا جالس أحبّ إليّ من أن أصلي بعدما أُوتر. وكان مالك بن أنس لا يعرف الركعتين بعد الوتر. وقال أحمد بن حنبل: أرجو إن فعله إنسان
(1)
راجع: "المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة" لمزيد الإيضاح 3/ 262 - 263.
لا يضيّق عليه، وقال أحمد: لا أفعله. انتهى ببعض تصرّف.
وقال الإمام محمد بن نصر رحمه الله: كَرِهَ أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه الصلاة بعد الوتر، وسئل سعيد بن جُبير عن الصلاة بعد الوتر؟ فقال: لا، حتى ينام نومة، وعن إبراهيم أنه كره الصلاة بعد الوتر مكانه، وعن ميمون بن مهران: إذا أوترتَ فتحوّلْ، ثمَّ صلّ، وفي رواية: إذا أوترت، ثمَّ حوّلت قدميك، فصلّ ما بدا لك، وقيل لأبي العالية: ما تقول في السجدتين بعد الوتر؟ قال: تَنقُضُ وترك، قيل: الحسنُ يأمرنا بذلك، فقال: رحم اللَّه الحسن، قد سمعنا العلم، وتعلّمناه قبل أن يولد الحسن. وكان سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه يوتر، ثمَّ يصلي على إثر الوتر مكانه، وكان الحسن يأمر بسجدتين بعد الوتر، فذُكر ذلك لابن سيرين، فقال: أنتم تفعلون ذاك؟، وقال كثير بن مرّة، وخالد بن معدان: لا تدعهما، وأنت تستطيع -يعني الركعتين بعد الوتر-، وقال عبد اللَّه بن مساحق: كلّ وتر ليس بعده ركعتان، فهو أبتر. وقال عياض بن عبد اللَّه: رأيت أبا سلمة بن عبد الرحمن أوتر، ثمَّ صلى ركعتين في المسجد أيضًا، وقال الأوزاعيّ: لا نعرف الركعتين بعد الوتر جالسًا، وإنما ركعهما ناس، وقد اجتمعت الأحاديث على صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه كان يُصبح على ثلاث عشرة ركعة، ليس فيها هاتان الركعتان، وعن مكحول أنه صلى بعد الوتر في رمضان في المسجد ركعتين، وهو قائم، وقال سعيد، عن الحسن أنه كان يركعهما، وهو جالس، وكان سعيد لا يأخذ بهذا، ولا الأوزاعيّ، ولا مالك، قال الوليد بن مسلم: ذكرتهما لمالك، فلم يَعرفهما، وكرههما، وعن ابن القاسم: سئل مالك عن الذي يوتر في المسجد، ثمَّ يريد أن يتنفّل بعد ذلك؟ قال: نعم، ولكن يتلبّث شيئًا. انتهى.
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله بعد أن ذكر الاختلاف المذكور ما نصّه: الصلاة في كل وقت جائزة، إلا وقتًا نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه، والأوقات التي نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها وقتُ طلوع الشمس، ووقت الزوال، ووقت غروب الشمس، والصلاة في سائر الأوقات مباح، ليس لأحد أن يمنع فيها إلا بحجة، ولا حجّة مع من كره الصلاة بعد الوتر، فدلّ فعله صلى الله عليه وسلم هذا على أن قوله:"اجعلوا آخر صلاتكم وترًا" على الاختيار، لا على
الإيجاب، فنحن نستحبّ أن يجعل المرء آخر صلاته وترًا، ولا نكره الصلاة بعد الوتر، وقائل هذا قائل بالخبرين جميعًا. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر رحمه الله تحقيق حسنٌ جدًّا، فالراجح قول من قال بجواز الصلاة بعد الوتر، لصحة هذا الحديث، وغيره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1725]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا تِسْعَ رَكَعَاتِ قَائِمًا، يُوتِرُ مِنْهُنَّ)
(1)
.
رجال هذا الإسناد: ثماينة:
1 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن بَهْرَام التميميّ، أبو أحمد، أو أبو عليّ المرُّوذيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [9](ت 213) أو بعدها بسنة، أو سنتين (ع) تقدم في "المساجد" 56/ 1543.
3 -
(شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [7](ت 164)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
4 -
(يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ) -بفتح الحاء المهملة- ابن كثير الأسديّ، أبو زكريّا الكوفيّ، صدوق، من كبار [10].
رَوَى عن معاوية بن سلّام، ومعروف أبي الخطاب، وسعيد بن بَشِير، وسعيد بن عبد العزيز، وجعفر بن زياد الأحمر، والوليد بن مسلم.
(1)
وفي نسخة: "فيهنّ".
وروى عنه مسلم، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، وعثمان بن خُرَّزاذ، ومحمد بن أبي شيبة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وبشر بن موسى الأسديّ، ومُطَيَّن، وغيرهم، وكتب عنه ابن نُمَير، وهو من أقرانه.
قال صالح بن محمد: صدوقٌ، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبَّان في "الثقات".
وقال مُطَيَّن: مات في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان ثقةً، وقال ابن سعد، والبغويّ: مات سنة تسع.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (738) و (1082) و (1106) و (1473).
[تنبيه]: قوله: "الْحَرِيريّ" -بفتح الحاء المهملة-: نسبة إلى الْحَرِير، وهو نوع من الثياب، قاله في "اللباب"
(1)
.
وقد تقدّم في "شرح المقدّمة" أن كل ما في "الصحيحين" فهو الْجُرَيريّ -بالجيم مصغّرًا- إلا هذا، فهو بالحاء مكبّرًا، قال السيوطيُّ في "ألفية الحديث":
يَحْيَى هُوَ ابْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِي
…
وَغَيْرُهُ بِالضَّمَّةِ الْجُرَيْرِي
5 -
(مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) -بتشديد اللام- ابن أبي سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَ، ثقةٌ [7] مات في حدود (170)(ع) تقدم في "الإيمان" 49/ 309.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث هشام الدستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا. . . إلخ) الضمير لشيبان، ومعاوية بن سلّام.
وقوله: (يُوتِرُ مِنْهُنَّ) قال النوويُّ رحمه الله: كذا في بعض الأصول "منهنّ"، وفي بعضها:"فيهنّ"، وكلاهما صحيحٌ
(2)
.
(1)
"اللباب في تهذيب الأنساب" 1/ 245.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 22.
[تنبيه]: رواية شيبان النحويّ، عن يحيى هذه، فقد ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 334) فقال:
(1677)
حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، زهير بن حرب، ثنا حسين بن محمد، ثنا شيبان، ثنا يحيى (ح) وثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، ثنا يحيى بن بشر الْحَرِيريّ، ثنا معاوية بن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سمعت أبا سلمة يقول: سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قالت:"كان يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل، يصلي تسع ركعات قائمًا، ويوتر فيهنّ، ويصلي سجدتين جالسًا، فإذا أراد أن يسجد قام فركع، ويصنع ذلك بعد الوتر، ثمَّ يصلي ركعتين إذا سمع نداء الصبح"، لفظ أبي خيثمة. انتهى.
وأما رواية معاوية بن سلّام، عن يحيى، فقد ساقها النسائيُّ رحمه الله، فقال:
(1756)
أخبرنا عبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمد، يعني ابن المبارك الصُّوريّ، قال: حدّثنا معاوية، يعني ابن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سأل عائشة عن صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الليل، فقالت:"كان يصلي ثلاث عشرة ركعةً، تسع ركعات قائمًا، يوتر فيها، وركعتين جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فركع وسجد، ويفعل ذلك بعد الوتر، فإذا سمع نداء الصبح قام فركع ركعتين خفيفتين". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1726]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
عَمْروٌ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَيْ أُمّهْ أَخْبِرِينِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ).
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَمْرٌو النّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا.
2 -
(سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
3 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي لَبِيدٍ) -بفتح اللام- أبو المغيرة المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ رُمي بالقدر، قال أبو نعيم: وكان من عُبّاد أهل المدينة
(1)
[6] مات سنة بضع (130)(خ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 40/ 1456.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ) أي: في الليل، فالباء بمعنى "في".
وقولها: (مِنْها رَكْعَتا الْفَجْرِ) ووقع في نسخة "شرح النوويّ" بلفظ: "منها ركعتي الفجر"، قال النوويُّ رحمه الله: كذا في أكثر الأصول، وفي بعضها:"ركعتا"، وهو الوجه، ويتأوّل الأول على تقدير:"يصلي منها ركعتي الفجر". انتهى
(2)
.
وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق، تقدّم، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1726](738)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(392)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 39)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1678)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1727]
(. . .) - (حَدَّثَنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا أَبِي، حَدَّثَنا حَنْظَلَةُ، عَنِ الْقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عائِشَةَ تَقُولُ: كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ
(1)
"المستخرج على صحيح مسلم" 2/ 335.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 22.
اللَّيْلِ عَشَرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ
(1)
بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَتْلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الهمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [10](ت 234)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 5.
2 -
(أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [9](ت 199)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 5.
3 -
(حَنْظَلَةُ) بن أبي سُفيان الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن أُميّة الْجُمَحيّ المكيّ، ئقةٌ حجةٌ [6](151)(ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 123.
4 -
(الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ فقيه، من كبار [3](ت 106) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" 3/ 695.
5 -
(عَائِشَةُ) رضي الله عنها، ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أنهم ما بين مدنيين، وهما عائشة، والقاسم، ومكيّ، وهو حنظلة، وكوفيين، وهما ابن نُمير، وأبوه، وفيه رواية الابن عن أبيه.
4 -
(ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة، يروي عن عمّته عائشة رضي الله عنها.
شرح الحديث:
(عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصدّيق، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها (تَقُولُ: كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ اللَّيْلِ عَشَرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ) وفي نسخة: "ويوتر"(بِسَجْدَةٍ) أي: بركعة واحدة (وَيَرْكَعُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: يصلّي سنة الصبح (فَتْلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) بالبناء على الفتح؛ لتركّبه، وسكون شين "عشرة"، ويجوز كسرها عند تميم، كما قدّمناه (رَكْعَةً) منصوب على
(1)
وفي نسخة: "يوتر".
التمييز، ولفظ البخاريّ:"كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، منها الوتر، وركعتا الفجر"، وهذا محمول على غالب عادته صلى الله عليه وسلم، فقد تقدّم من رواية أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها ما يدلّ على أن ذلك كان أكثر ما يُصلّيه في الليل، وهو قولها:"ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً".
وإنما ألحق الوتر وركعتي الفجر بالتهجّد؛ لأنَّ الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الوتر آخر الليل، وهو مستيقظًا إلى الفجر، ويصلي الركعتين؛ أي: سنّة الفجر متّصلًا بتهجّده ووتره
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1727](738)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1140)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1334)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 165)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1679)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1728]
(739) - (وَحَدَّثَنَا
(2)
أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ عَمَّا حَدَّثَتْهُ عَائِشَةُ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيُحْي آخِرَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَنَامُ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ، قَالَتْ: وَثَبَ، وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ: قَامَ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَلَا وَاللَّهِ، مَا قَالَتِ: اغْتَسَلَ، وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا، تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ).
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 169.
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
1 -
(أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [10](ت 227) عن (94)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 53.
2 -
(زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعة من أبي إسحاق بآخره [7](ت 2 أو 3 أو 174)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 62.
3 -
(أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ، اختَلَط بآخره [3](ت 129)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 11.
4 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، ذُكر في الباب.
5 -
(الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [2](ت 4 أو 75)(ع) تقدم في "الطهارة" 32/ 674.
6 -
(عَائِشَةُ) أم المؤمنين رضي الله عنها، ذُكرت في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف صيغ الأداء، حيث اختلفت كيفيّة التحمّل، فشيخه أحمد بن يونس قال:"حدّثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق"، فسمّى شيخه باسمه، وبيّن أنه أخذه عنه بالسماع من لفظه مع غيره، كما أن شيخه أخذه أيضًا بالسماع من لفظ أبي إسحاق مع غيره، وأما يحيى فكنى شيخه، فقال:"أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي إسحاق"، وبيّن أنه إنما أخذه عنه بالسماع لقراءة غيره عليه، وعنعن عن أبي إسحاق، فتنبّه لهذه الدقائق، فإنها من مهمّات علم الإسناد.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى يحيى، فنيسابوريّ، وعائشة رضي الله عنها، فمدنيّة.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: أبو إسحاق، عن الأسود، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السبيعيّ.
[تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعيّ، وقد سبق في ترجمته أنه إنما سمع منه بعد اختلاطه؟.
[أجيب]: بأنّه لم ينفرد بالرواية عنه، بل تابعه شعبة عند البخاريّ في "صحيحه" رقم (1146)، وإسرائيل عند ابن ماجه (1365)، وأحمد (6/ 253)، وابن حبَّان (2589)، فتنبّه لهذه الفائدة، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو إسحاق (سَأَلْتُ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ) النخعيّ (عَمَّا حَدَّثَتْهُ) أي: عن الحديث الذي حدّثته (عَائِشَةُ) رضي الله عنها، وقوله:(عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) متعلّق بـ "حدّثته"، وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج"
(1)
: "عن أبي إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد، وكان لي أخًا وصديقًا، فقلت: حدّثني ما حدّثتك به أم المؤمنين، عن صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم".
(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ) أي: إلى تمام نصفه الأول، ومعلوم أنه كان لا ينام إلا بعد صلاة العشاء؛ لأنه كان يكره النوم قبلها (وَيُحْيِ آخِرَهُ) أي: بالصلاة، قال السنديُّ رحمه الله: من الإحياء، وإحياء الليل: تعميره بالعبادة، وجعله من الحياة على تشبيه النوم بالموت، وضدّه بالحياة لا يخلو عن سوء أدب. انتهى، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاريّ:"كان ينام أوله، ويقوم آخره، فيصلّي".
وقال القرطبيُّ رحمه الله: قول عائشة رضي الله عنها: "ينام أول الليل، ويُحيي آخره" تعني به أن هذا كان آخر فعله، أو أغلب أحواله، وإلا فقد قالت:"من كل الليل قد أوتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، من أوله، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر". انتهى
(2)
.
(1)
"المستخرج على صحيح مسلم" 2/ 335 رقم (1680).
(2)
"المفهم" 2/ 375.
(ثُمَّ) بعد صلاته، وفراغه من ورده (إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أرادت مباشرة زوجته (قَضَى حَاجَتَهُ) أي: فعل ذلك، وفي رواية النسائيّ:"فإذا كان له حاجة ألمّ بأهله"؛ أي: قَرُبَ من زوجته، وهو كناية عن الجماع.
و"ثُمّ" على بابها كما تقدّمت الإشارة إليه، فيؤخذ منه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقدّم التهجّد، ثمَّ يقضي؛ أي: بعد إحياء الليل حاجته من نسائه، فإن الجدير به أداء العبادة قبل قضاء الشهوة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قيل، وفيه نظرٌ، فتأمل.
وقيل: يمكن أن "ثُمَّ" هنا لتراخي الإخبار، أخبرت أوّلًا أن عادته صلى الله عليه وسلم كانت مستمرّة بنوم أوّل الليل، وإحياء آخره، ثمَّ إن اتّفق له احتياج إلى أهله يقضي حاجته، ثمَّ ينام في كلتا الحالتين.
وقال ابن حجر الهيتميُّ رحمه الله: وتأخير الوطء إلى آخر الليل أولى؛ لأنَّ أول الليل قد يكون ممتلئًا، والجماع على الامتلاء مُضرّ بالإجماع. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "بالإجماع" محلّ نظر، فليُتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ يَنَامُ) أي: السدس الأخير؛ ليستريح من تعب التهجّد، قال القرطبيُّ رحمه الله: يُفهم من هذا جواز نوم الجنب من غير أن يتوضّأ، فإنها لم تذكر وضوءًا عند النوم، وذكرت أنه إن لم يكن جنبًا توضّأ وضوء الصلاة، وتقدّم هذا. انتهى
(2)
.
(فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ) الظاهر أنها أرادت الأذان الذي يؤذَّن قبل الفجر الذي ذُكر في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، مرفوعًا:"لا يمنعنّ أحدكم أذان بلال من سُحُوره، فإنه يؤذن بليلٍ؛ لِيَرْجِع قائمكم، وينبه نائمكم. . ." الحديث، متّفقٌ عليه.
ويَحْتَمِل أنها أرادت الأذان المتعارفَ عليه الذي يؤذّن عند تبيّن الصبح، واحترزت به عن الإقامة، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَتْ: وَثَبَ) بواو، ثمَّ ثاء مثلّثة، فموحّدة مفتوحات، من باب وَعَدَ،
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 224.
(2)
"المفهم" 2/ 375.
وَثْبًا وَوُثُوبًا أيضًا، ووَثِيبًا، ووَثَبانًا بفتح الثاء: أي: طَفَرَ
(1)
، قاله في "المختار"
(2)
، وقال النوويُّ رحمه الله: أي: قام بسرعة
(3)
.
(وَلَا) نافية (وَاللَّهِ مَا) نافية مؤكّدة لـ "لا"، فُصل بينهما بالقسم، نظير قوله عز وجل:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} الآية [النساء: 65](قَالَتْ: قَامَ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) أي: أساله، وصبّه على جميع جسده الشريف صلى الله عليه وسلم (وَلَا وَاللَّهِ، مَا) مؤكّدة لـ "لا" أيضًا (قَالَتِ: اغْتَسَلَ، وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ) أراد بهذا أنه ذكر اللفظ الذي قالته عائشة رضي الله عنها، وهو:"فأفاض عليه الماء"، ولم تذكر لفظ:"اغتسل"، وهو يعلم أنها تريد بـ "أفاض" معنى اغتسل، وهذا بيان لمحافظته على أداء ما سمعه كما سمعه، ولم يؤدّه بمعناه، كما صنع غيره، فقد أخرج الحديث البخاريّ، ولفظه:"فإذا أذّن المؤذّن وثب، فإن كانت به حاجة اغتَسَل، وإلا توضّأ، وخرج".
قال في "الفتح": وقوله: "فإن كانت به حاجةٌ اغتسل" يعْكُرُ عليه ما في مسلم: "أفاض عليه الماء، وما قالت: اغتَسَلَ"، ويُجاب بأن بعض الرواة ذكره بالمعنى، وحافظ بعضهم على اللفظ. انتهى
(4)
.
وقال في "المرعاة": قولها: "إن كانت به حاجة" أي: أثر حاجة، أو المراد بالحاجة هي الجنابة؛ لكونها أثرًا لها، أو المراد حاجة الاغتسال بقرينة قولها:"اغتسل، وإلا توضّأ وخرج"
(5)
.
وفي رواية النسائيّ: "فإذا سمع الأذان وَثَبَ، فإن كان جنبًا أفاض عليه من الماء، وإلا توضّأ، ثمَّ خرج إلى الصلاة".
قال في "الفتح": قال الإسماعيليُّ رحمه الله: هذا الحديث يَغْلَط في معناه الأسود، والأخبار الجياد فيها:"كان إذا أراد أن ينام، وهو جنب توضأ".
قال الحافظ رحمه الله: لم يُرِد الإسماعيليّ بهذا أن حديث الباب غَلَطٌ، وإنما أشار إلى أن أبا إسحاق حَدَّث به عن الأسود بلفظ آخر، غَلِطَ فيه، والذي
(1)
من باب جلس: أي وثَبَ.
(2)
"مختار الصحاح"(ص 319).
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 22.
(4)
"الفتح" 3/ 39 - 40.
(5)
"المرعاة" 4/ 225.
أنكره الْحُفّاظ على أبي إسحاق في هذا الحديث هو ما رواه الثوريّ عنه، بلفظ:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينام، وهو جنب من غير أن يَمَسّ ماءً"، قال الترمذيّ: يرون هذا غَلَطًا من أبي إسحاق، وكذا قال مسلم في "التمييز"، وقال أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد عنه: ليس بصحيح، ثمَّ رَوَى عن يزيد بن هارون أنه قال: هو وَهَمٌ. انتهى.
قال الحافظ: وأظن أبا إسحاق اختصره من حديث هذا الباب الذي رواه عنه شعبة وزهير.
لكن لا يلزم من قولها: "فإذا كان جنبًا أفاض عليه الماء" أن لا يكون توضأ قبل أن ينام، كما دَلَّت عليه الأخبار الأُخَرُ، فمن ثَمَّ غَلَّطوه في ذلك. انتهى
(1)
.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا، تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلَاةِ) إما للتجديد؛ لأنَّ نومه صلى الله عليه وسلم لا ينقض الوضوء، وإما لأجل حصول ناقض آخر غير النوم (ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ) أي: سنّة الصبح، فـ "أل" فيه للعهد الذهني؛ أي: الركعتين المعهودتين له صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1728](739)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1146)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1640 و 1680)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1365)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 253)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه"(2589)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1680 و 1681)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(1)
"الفتح" 3/ 39.
1 -
(منها): بيان هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم في التهجّد، وذلك أنه كان ينام أول الليل، ويُحيي آخره، وهو الوقت الذي ينزل فيه اللَّه سبحانه وتعالى، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"ينزل ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَهُ، من يستغفرني فأغفرَ له".
2 -
(ومنها): بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان ربما نام جنبًا قبل أن يغتسل، وهذا لا ينافي استحباب الوضوء قبله؛ لثبوته عنه صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام، وهو جنب غسل فرجه، وتوضأ للصلاة".
وقد ثبت أيضًا أمره صلى الله عليه وسلم به، فقد أخرج الشيخان أيضًا عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنه، قال: استَفْتَى عمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، أينام أحدنا، وهو جنب؟ قال:"نعم، إذا توضأ"، وقد تقدّم البحث في هذا في "كتاب الطهارة" مستوفًى، فراجعه، وباللَّه تعالى التوفيق.
3 -
(ومنها): بيان أنه ينبغي الاهتمام بالعبادة، وعدم التكاسل بالنوم، والإقبال عليها بالنشاط، وهو معنى الحديث الصحيح:"المؤمن القويّ خيرٌ، وأحبّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف. . . " الحديث، رواه مسلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1729]
(740) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ صَلَاتِهِ الْوِتْرَ)
(1)
.
(1)
وفي نسخة: "حتى يكون من آخر صلاته الوتر".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [9](ت 203)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.
2 -
(عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ) -بتقديم الراء على الزاي- الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقةٌ [7]
(1)
(ت 159)(م د س ق) تقدم في "الإيمان" 63/ 348.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما أبو كريب، فممن اتّفق الستّة بالرواية عنه بلا واسطة.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى عائشة رضي الله عنها فمدنيّة.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) تقدّم أن "من" بمعنى "في"، أو هي بمعنى "بعض"(حَتَّى يَكُونَ آخِرُ صَلَاتِهِ الْوِتْرَ) يَحْتَمِل أن يكون "آخرُ" بالرفع على أنه اسم "كان"، و"الوتر" خبرها، ويَحْتَمل العكس، وفي بعض النسخ:"حتى يكون من آخر صلاته الوتر"، وعليه فـ "الوتر" مرفوع، لا غير، فتنبّه.
وقولها: (آخِرُ صَلَاتِهِ الْوِتْرَ) هذا موافق لأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بجعل آخر صلاة الليل وترًا، فيما أخرجه الشيخان، عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا".
[فإن قلت]: هذا ينافي ما سبق من كونه صلى الله عليه وسلم يصلي بعد الوتر ركعتين.
(1)
جعله في "التقريب" من الثامنة، والذي يظهر لي من ترجمته أنه من السابعة، فتأمله.
[قلت]: لا تنافي بينهما؛ لأن هذا محمول على غالب أحواله صلى الله عليه وسلم، فلا ينافي ما وقع منه في نادر الأوقات، لبيان الجواز.
وقال النوويُّ رحمه الله في شرح هذا الحديث: فيه دليلٌ لما قدّمناه من أن السنّة جعل آخر صلاة الليل وترًا، وبه قال العلماء كافّة، وسبق
(1)
تأويل الركعتين بعده جالسًا. انتهى
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1729](740)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 253)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2309)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1681)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1730]
(741) - (حَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: كَانَ يُحِبُّ الدَّائِمَ، قَالَ: قُلْتُ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَتْ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [10](ت 243)(عخ م 4) تقدم في "الإيمان" 64/ 365.
(1)
هو حمله على أنه صلى الله عليه وسلم صلّاهما لبيان الجواز.
(2)
"شرح النووي" 6/ 22 - 23.
2 -
(أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [7](ت 179)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 115.
3 -
(أَشْعَث) بن أبي الشعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [6](ت 125)(ع) تقدم في "الإيمان" 11/ 153.
4 -
(أَبُوهُ) سُليم بن الأسود بن حنظلة، أبو الشعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقة فاضل، من كبار [3](ت 83)(ع) تقدم في "الطهارة" 19/ 622.
5 -
(مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [2](ت 2 أو 63)(ع) تقدم في "الإيمان" 17/ 217.
6 -
(عَائِشَةُ) رضي الله عنها ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أن شيخه أبا كريب ممن اتّفق الستة بالرواية عنهم بلا واسطة.
4 -
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير عائشة رضي الله عنها، فمدنيّة.
5 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، مخضرم، ورواية الابن عن أبيه.
6 -
(ومنها): أن فيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَسْرُوقٍ) أنه (قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (عَنْ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية النسائيّ: "قلت لعائشة: أيُّ الأعمال أحبّ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: الدائم"(فَقَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (كَانَ) صلى الله عليه وسلم (يُحِبُّ الدَّائِمَ) وفي رواية ابن حبّان من طريق إسرائيل، عن أشعث:"وكان أحبّ العمل إليه أدومه، وإن قلّ".
قال الطيبيُّ رحمه الله: أي: العمل الذي يدوم عليه صاحبه، ويستقرّ عليه عامله، ومن ثَمّ أدخل حرف التراخي في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} الآية [فصلت: 30، والأحقاف: 13]، والمراد بالدوام الملازمة العرفية، لا شمول الأزمنة؛ لأنه متعذّر. انتهى.
وقال القرطبيُّ رحمه الله: سبب محبته صلى الله عليه وسلم الدائم أن فاعله لا ينقطع عن عمل الخير، ولا ينقطع عنه الثواب والأجر، ويجتمع منه الكثير، وإن قلّ العمل في الزمان الطويل، ولا تزال صحائفه مكتوبة بالخير، ومَصعَد عمله معمورًا بالبرّ، ويحصل به مشابهة الملائكة في الدوام، واللَّه تعالى أعلم. انتهى
(1)
.
(قَالَ) مسروق (قُلْتُ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي؟) بنصب "أيَّ" على الظرفيّة، ويتعلّق بـ "يصلي"، ورفعه على أنه مبتدأ، خبره جملة "كان يصلي"، والرابط محذوفٌ؛ أي:"فيه".
والمعنى: في أيّ أوقات الليل كان صلى الله عليه وسلم يقوم، فيصلي فيه؟
(فَقَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (كَانَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا سَمِعَ الصَّارخَ قَامَ فَصَلَّى) تعني: أنه يقوم في الليل وقت سماعه صوت الصارخ، وهو الديك، قال النوويُّ رحمه الله: هو المراد هنا باتفاق العلماء، وسُمِّي صارخًا؛ لكثرة صياحه.
وقال في "الفتح": وقع في "مسند الطيالسي" في هذا الحديث: "الصارخُ الديكُ"، والصَّرْخَة: الصيحة الشديدة، وجَرَت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالبًا، قاله محمد بن نصر رحمه الله، وقال ابن التين رحمه الله: هو موافق لقول ابن عباس رضي الله عنهما: "نصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل". وقال ابن بطال رحمه الله: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل، وكان داود يتحرّى الوقت الذي ينادي اللَّهُ فيه:"هل من سائل؟ "، كذا قال، والمراد بالدوام قيامه كلّ ليلة في ذلك الوقت، لا الدوام المطلق.
وقال صاحب "المرعاة": لعل صراخ الديك في الليل يختلف باختلاف البلاد، وفي بلادنا يصيح في الثلث الأخير، بل في السدس الأخير.
وروى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله عنه،
(1)
"المفهم" 2/ 375 - 376.
مرفوعًا: "لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة". وإسناده جيّد
(1)
، وفي لفظ:"فإنه يدعو إلى الصلاة"، وليس المراد أن يقول بصراخه حقيقةً: الصلاة، بل العادة جرت أنه يَصرُخ صرخات متتابعات عند طلوع الفجر، وعند الزوال، فطرةً فَطَرَه اللَّه عليها، فيذكّر الناس بصراخه الصلاة، قاله القسطلانيّ. انتهى
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1730](741)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1132) و"الرقاق"(6461)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1317)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1616) و"الكبرى"(1316)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1407)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 94 و 110 و 147 و 203 و 279)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2444)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1682)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 3 و 4)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان أن أحبّ الأعمال إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الدائم الذي لا ينقطع، وهو بمعنى حديث عائشة رضي الله عنها الآخر، قالت: سئل النبيّ صلى الله عليه وسلم أيُّ الأعمال أحب إلى اللَّه؟ قال: "أدومها، وإن قلَّ. . . " الحديث، متّفقٌ عليه.
2 -
(ومنها): بيان الوقت الأفضل لقيام الليل، وهو وقت صُراخ الديك.
3 -
(ومنها): بيان أن غالب قيام النبيّ صلى الله عليه وسلم-كان في النصف الأخير من الليل، أو قبله بقليل، في الوقت الذي يصيح فيه الديك، وإنما اختار ذلك؛ لأنه وقت نزول الرحمة، وهدوء الأصوات.
(1)
حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" برقم (21171)، وأبو داود في "سننه" برقم (5101).
(2)
راجع: "المرعاة" 4/ 195.
4 -
(ومنها): أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بعض الليل، لا كلّه؛ لما يترتّب عليه من الملل والسآمة، وإضعاف البدن بالسهر.
5 -
(ومنها): استحباب الاقتصاد في العبادة، وترك التعمّق فيها؛ لأن ذلك أنشط، والقلب به أشدّ انشراحًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1731]
(742) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدٍ
(1)
، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا أَلْفَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السَّحَرُ الْأَعْلَى فِي بَيْتِي، أَوْ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر الْعبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [9](ت 203)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 107.
2 -
(مِسْعَرُ) بن كِدَام بن ظُهير الْهِلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [7](ت 3 أو 155)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 31.
3 -
(سَعْدُ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قاضيها، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [5](ت 125) أو بعدها، وهو ابن (72) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 31.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، وشيخه ممن رووا عنه بلا واسطة.
3 -
(ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالكوفيين، والثاني بالمدنيين.
(1)
وفي نسخة: "عن سعد بن إبراهيم".
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، هو عمّه، فإن أبا سلمة أخو إبراهيم والد سعد، وتقدّم الكلام على عائشة رضي الله عنها، وأبي سلمة قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنه أنها (قَالَتْ: مَا) نافية (أَلْفَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السَّحَرُ) بنصب "رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم" على أنه مفعول مقدّم، و"السحرُ" فاعل مؤخّرٌ، و"ألفى" بالفاء: بمعنى وَجَدَ، والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم لم يجده وقتُ السحر، وقولها:(الْأَعْلَى) صفة لـ "السحر"، والمراد به آخر وقت السحر (فِي بَيْتِي، أَوْ) للشكّ من الراوي (عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا) قال ابن التين رحمه الله: تعني مضطجعًا على جنبه؛ لأنها قالت في حديث آخر: "فإن كنت يقظانة حدّثني، وإلا اضطجع". انتهى.
وتعقّبه ابن رُشيد بأنه لا ضرورة لحمل هذا التأويل؛ لأن السياق ظاهر في النوم حقيقةً، وظاهرٌ في المداومة على ذلك، ولا يلزم من أنه كان رُبّما لم ينم وقت السحر هذا التأويل، فدار الأمر بين حمل النوم على مجاز التشبيه، أو حمل التعميم على إرادة التخصيص، والثاني أرجح، وإليه ميل البخاريُّ رحمه الله؛ لأنه ترجم بقوله:"باب من نام عند السحر"، ثم ترجم عقبه بقوله:"باب من تسحر، فلم ينم"، فأومأ إلى تخصيص رمضان من غيره، فكان العادة جرت في جميع السنة أنه كان ينام عند السحر إلا في رمضان، فإنه كان يتشاغل بالسحور في آخر الليل، ثم يخرج إلى صلاة الصبح عقبه.
وقال ابن بطال رحمه الله: النوم وقت السحر كان يفعله النبيّ صلى الله عليه وسلم في الليالي الطوال، وفي غير شهر رمضان، قال الحافظ رحمه الله: كذا قال ويَحتاج في إخراج الليالي القصار إلى دليل. انتهى
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(1)
"الفتح" 3/ 23.
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1731](742)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1133)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1318)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1197)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 229)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2637)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2250)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1682)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 3)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1732]
(743) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ) بن نصر بن عليّ الْجَهضميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 250) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 30.
2 -
(ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، تقدّم قريبًا.
3 -
(أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة مولى عمر بن عبيد اللَّه المدنيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة تحمّله عنهم، فإنه سمع الحديث من لفظهم، مع جماعة، ولذا قال:"حدّثنا".
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وابن أبي عمر، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، وأما
شيخه نصر، فمن التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وقد سبق الكلام في عائشة رضي الله عنها، وأبي سلمة قريبًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: سنّة الصبح، وكذا هو في رواية للبخاريّ، وأبي داود، وفي رواية للبخاريّ:"كان يصلي ركعتين، فإن كنت مستيقظةً حدّثني، وإلا اضطجع".
(فَإنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي) أي: ولم يضطجع (وَإِلَّا) أي: إن لم أكن مستيقظة.
[تنبيه]: "إلا" هذه هي المركبّة من "إن" الشرطيّة، و"لا" النافية، أُدغمت ثونها في لام "لا"، وقد يظنّها بعض المغفّلين "إلا" الاستثنائيّة، بل قد رأيت بعضهم يُحال أن يَعْرِف المستثنى والمستئنى منه، فهذا كلّه من الأضحوكة.
ومن الغريب ما ذكره ابن هشام الأنصاريُّ في "مغنيه"، حيث قال ما نصّه: ليس من أقسام "إلا" التي في نحو قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} الآية [التوبة: 40]، وإنما هذه كلمتان "إن" الشرطيّة، و"لا" النافية، ومن العجب أن ابن مالك على إمامته ذكرها في "شرح التسهيل" من أقسام "إلا". انتهى
(1)
.
فإذا كان مثل ابن مالك رحمه الله مع إمامته في النحو وقع في مثل هذا الخطأ، فما أحقّ غيره بأن يُعذَر، واللَّه سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقولها: (اضْطَجَعَ) جواب "إن"، زاد في رواية البخاريّ:"حتى يؤذَّن بالصلاة"، وفي رواية أبي عوانة:"فإن كنت مستيقظة حدّثني، وإلا وضع جنبه"، وفي رواية له:"ثم اضطجع على شقّه الأيمن حتى يأتي المؤذّن للإقامة، فيخرج معهم"، وفي لفظ:"حتى يقوم إلى الصلاة".
(1)
"مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" 1/ 154.
[تنبيه]: ظاهر هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يضطجع إذا لم يحدّثها، وإذا حدّثها لم يضطجع، وإلى هذا جنح الإمام البخاريُّ رحمه الله، حيث ترجم بقوله:"باب من تحدّث بعد الركعتين، ولم يضطجع"، وكذا ابن خزيمة رحمه الله حيث ترجم بقوله:"الرخصة في ترك الاضطجاع بعد ركعتي الفجر"، ويَحْتَمِل أنه كان يُحدّثها، وهو مضطجع
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر، كما مال إليه البخاريّ، وابن خزيمة -رحمهما اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه: ويعكُر على ذلك ما وقع عند أحمد عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، عن أبي النضر في هذا الحديث:"كان يصلي من الليلٍ، فإذا فرغ من صلاته اضطجع، فإن كنت يقظى تحدّث معي، وإن كنت نائمةً نام حتى يأتيه المؤذّن"، فقد يقال: إنه كان يضطجع على كل حال، فإما أن يُحدّثها، وإما أن ينام، لكن المراد بقولها:"نام" أي: اضطجع، وبيّنه ما أخرجه البخاريّ قبل أبواب التهجّد من رواية مالك، عن أبي النضر، وعبد اللَّه بن يزيد جميعًا عن أبي سلمة بلفظ:"فإذا قضى صلاته نظر، فإن كنت يقظى تحدّث معي، وإن كنت نائمةً اضطجع". انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بالرواية الثانية المعنى المراد بالرواية الأولى، فمعنى قولها:"وإن كنت نائمة نام" أي: اضطجع، فيكون المعنى أن عادته صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من التهجّد الاضطجاع، لكنه إن رأى عائشة رضي الله عنها يقظى تحدّث معها، وترك الاضطجاع، وإلا اضطجع، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(1)
راجع: "المنهل العذب المورود" 7/ 149.
(2)
"الفتح" 3/ 53 - 54.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1732 و 1733](743)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1161 و 1162)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1262 و 1263)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(418)، و (الحميديّ) في "مسنده"(176 و 177)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 35) رقم (24128)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1122)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2155 و 2156 و 2157 و 2158 و 2159 و 2160)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1683 و 1684)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة سنة الصبح.
2 -
(ومنها): بيان جواز الكلام بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح؛ خلافًا لمن كَرِه ذلك، وقد نقله ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولا يثبت عنه، وأخرجه صحيحًا عن إبراهيم، وأبي الشعثاء، وغيرهما، قاله في "الفتح"
(1)
.
3 -
(ومنها): بيان استحباب الاضطجاع بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح الراجح بأدلته في المسألة الخامسة في شرح حديث عائشة رضي الله عنها الماضي أول الباب برقم [1717 و 1718](736)، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1733]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتَّابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ)
(2)
.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(زِيادُ بْنُ سَعْدِ) بن عبد الرحمن الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقةٌ ثبتٌ،
(1)
"الفتح" 3/ 54 "كتاب التهجّد" رقم (1162).
(2)
وفي نسخة: "بمثله".
قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [6](ع) تقدم في "الطهارة" 26/ 653.
2 -
(ابْنُ أَبِي عَتَّابٍ) هو: زيد بن أبي عَتّاب -بمثنّاة، وآخره موحّدةٌ- ويقال: زيد أبو عتّاب، وقيل: عبد الرحمن بن أبي عتّاب الشاميّ، مولى معاوية، أو أخته أم حبيبة، ثقة [3].
رَوَى عن أبي هريرة، وسعد، ومعاوية، وعبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة، وعُبيد بن جُريج، وعمرو بن سُليم الزُّرَقيّ، وأبي سلمة.
وروى عنه زياد بن سعد، وسعيد بن أبي أيوب، ونوح بن أبي بلال، ويحيى بن أبي سليمان المدني، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، ورَوَى مسلم في "صحيحه" عن ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن ابن أبي عَتّاب، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا صلى الركعتين، فإن كنت جالسةً حدّثني، وإلا اضطجع"، وقد رواه أبو العباس السَّرّاج، عن ابن أبي عمر، فسماه عبد الرحمن بن أبي عتّاب، وكذا سماه إسحاق ابن راهويه، عن ابن عيينة، ورواه الحميديّ، ومسدد، عن ابن عيينة، فلم يسمياه، ولم يذكر البخاريّ، ولا ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن أبي عتّاب، وأما زيد بن أبي عتاب فمذكور، وقد جاء مُسَمًّى في عدة أحاديث غير هذا.
وقال ابن حبان في "الثقات": زيد بن أبي عتاب، مولى أم حبيبة، رَوَى عن سعد، ومعاوية، وعنه ابن أبي ذئب وغيره.
قال الحافظ: وقرأت بخط الدارقطنيّ في مسند زياد بن سعد تأليفِهِ، حديثه عن زيد بن أبي عتّاب، وقيل: عبد الرحمن بن أبي عتّاب.
روى له البخاريّ
(1)
في "الأدب المفرد"، والمصنّف
(2)
، وأبي داود،
(1)
وقال في "تهذيب التهذيب" 3/ 360: وفي "النكاح" من "صحيح البخاريّ": ويُذكَر عن معاوية في "خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش. . . " الحديث، وهو عند أحمد، والطبرانيّ من طريق عبد اللَّه بن مبشر، عن زيد بن أبي عتاب، عن معاوية. انتهى.
(2)
من الغريب أنه لم يُرمز للمصنّف في ترجمة ابن عتّاب هذا في كثير من نسخ "التقريب" وغيره.
والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مِثْلَهُ) وفي نسخة: "بمثله" أي: بمثل حديث أبي النضر، عن أبي سلمة المتقدّم.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عتّاب، عن أبي سلمة هذه ساقها البيهقيّ رحمه الله في "الكبرى" (3/ 46) فقال:
(4670)
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا عبد الجبار بن العلاء المكيّ، ثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن ابن أبي عتاب، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صلى من الليل، ثم أوتر صلى الركعتين، فإن كنت مستيقظة حدَّثني، وإلا اضطجع حتى يأتيه المنادي". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1734]
(744) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَإذَا أَوْتَرَ، قَالَ: قُومِي، فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يُدلّس [5](ت 7 أو 148)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 297.
3 -
(تَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ) السلميّ الكوفيّ، ثقةٌ [3].
رَوَى عن عروة بن الزبير، وشُريح بن الحارث القاضي، وعبد الرحمن بن هلال العبسيّ.
وروى عنه الأعمش، ومنصور، وطلحة بن مُصَرِّف، وأبو صخرة جامع بن شداد، وجماعة.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي عاصم وغيره: مات سنة (100)، وكذا قال ابن سعد، قال: وكان ثقة، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفرَّق بينه وبين تميم بن سلمة الخزاعيّ، رَوَى عن جابر بن سمرة، وعنه المسيَّب بن رافع، قال: وهو الذي رَوَى عن عروة بن الزبير. انتهى.
روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (744)، وحديث (2592):"من يُحْرَم الرفق، يُحرَم الخير"، وأعاده بعده.
والباقون ذُكروا في "الباب".
وقولها: (كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل) أي: في الليل، فـ "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، كما مرّ بيانه.
قال النوويّ رحمه الله: فيه أنه يستحب جعل الوتر آخر الليل، سواء كان للإنسان تهجُّد أم لا، إذا وَثِقَ بالاستيقاظ آخر الليل، إما بنفسه، وإما بإيقاظ غيره، وأن الأمر بالنوم على وتر إنما هو في حقّ مَن لم يَثِقْ، كما سنوضّحه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- وقد سبق التنبيه عليه في حديثي أبي هريرة وأبي الدرداء رضي الله عنه. انتهى
(1)
.
وقال القرطبيُّ رحمه الله: قوله: "قومي، فأوتري" دليل على مشروعيّة تنبيه النائم إذا خيف عليه خروج وقت الصلاة، ولا يبعُد أن يقال: إن ذلك واجب في الصلاة الواجبة؛ لأن النائم، وإن لم يكن مكلّفًا في حال نومه، لكن مانعه سريع الزوال، فهو كالغافل، ولا شكّ أنه يجب تنبيه الغافل. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله برقم [53/ 1143](512)"باب في أنّ اعتراض المرأة بين يدي المصلّي لا يقطع الصلاة"، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 23 - 24.
(2)
"المفهم" 2/ 377.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1735]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَيْقَظَهَا، فَأَوْتَرَتْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [10](ت 253) عن (83) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" 29/ 225.
2 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيّوب المدنيّ، ثقةٌ [8](ت 177)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
4 -
(رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) واسم أبيه فَرُّوخ التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [5](ت 136) على الصحيح (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" 11/ 1652.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1736]
(745) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، وَاسْمُهُ وَاقِدٌ، وَلَقَبُهُ وَقْدَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَانْتَهَى
(1)
وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ).
(1)
وفي نسخة: "وانتهى".
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(أَبُو يَعْفُورٍ، وَاسْمُهُ وَاقِدٌ، وَلَقَبُهُ وَقْدَانُ) -بسكون القاف- وقيل: اسمه وقدان، ولقبه واقد، العبديّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [4](ت 122)(ع) تقدم في "المساجد" 5/ 1199.
2 -
(أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب.
3 -
(مُسْلِمُ) بن صُبيح -بالتصغير- الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [4](ت 100)(ع) تقدم في "الطهارة" 22/ 635.
والباقون كلّهم ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه يحيى فنيسابوريّ، وابن عيينة، فمكيّ، وعائشة رضي الله عنها، فمدنيّة.
4 -
(ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ) قال الطيبي: "من" ابتدائيّة منصوبة بقوله: (قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أو أوتر من كل أجزاء الليل، وقيل:"من" بمعنى "في"؛ أي: في جميع أوقات الليل.
وفي رواية يحيى بن وثّاب، عن مسروق التالية هنا:"من كلّ الليل قد أوتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر"، وفي رواية سعيد بن مسروق، عن أبي الضُّحى الأخيرة:"كلَّ الليل قد أوتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فانتهى وتره إلى آخر الليل".
والمراد بأول الليل بعد صلاة العشاء، للإجماع على أن ابتداء وقت الوتر مغيب الشفق بعد صلاة العشاء، هكذا نقل الإجماع ابن المنذر رحمه الله، لكن
أطلق بعضهم أنه يدخل بدخول العشاء، قالوا: ويظهر أثر الخلاف فيمن صلّى العشاء، وبان أنه بغير طهارة، ثم صلى الوتر متطهّرًا، أو ظنّ أنه صلى العشاء، فصلى الوتر، فإنه يجزئ على هذا القول دون الأول، قاله في "الفتح".
(فَانْتَهَى) وفي نسخة: "وانتهى"(وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ) زاد أبو داود، والترمذيّ:"حين مات"؛ أي: قبل وفاته.
قال النوويُّ رحمه الله: معناه كان آخر أمره الإيتار في السحر، والمراد به آخر الليل، كما قالت في الروايات الأخرى، ففيه استحباب الإيتار آخر الليل، وقد تضافرت الأحاديث الصحيحة عليه، قال: وفيه جواز الإيتار في جميع أوقات الليل بعد دخول وقته. انتهى.
وقال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيث أوتر في أوّله لعله كان وَجِعًا، وحيث أوتر في وسطه لعله كان مسافرًا، وأما وتره في آخره، فكأنه غالب أحواله؛ لما عُرف من مواظبته على الصلاة في أكثر الليل، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره غير ظاهر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: "السحر" -بفتحتين-: قُبيل الصبح، كالسَّحَريّ، والسَّحَرِيّة، والبياض يعلو السواد، وطَرَفُ كلّ شيء، جمعه أسحار، قاله في "القاموس"
(1)
.
وحَكَى الماوردي أن السَّحَر: السدسُ الأخيرُ، وقيل: أوله الفجر الأول، وفي رواية طلحة بن نافع، عن ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن خزيمة:"فلما انفجر الفجر قام، فأوتر بركعة"، قال ابن خزيمة: المراد به الفجر الأول.
ورَوَى أحمد من حديث معاذ رضي الله عنه، مرفوعًا:"زادني ربي صلاةً، وهى الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر"، وفي إسناده ضعف.
وأخرج "أصحاب السنن" عن خارجة بن حُذافة رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن اللَّه تعالى قد أمدّكم بصلاة، وهي خير لكم من حُمْر
(1)
"القاموس المحيط" 2/ 45.
النَّعَم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر"، وهو ضعيف أيضًا، وهو الذي احتجّ به من قال بوجوب الوتر، وليس صريحًا في الوجوب.
وأما حديث بُريدة رضي الله عنه، رفعه:"الوتر حقّ، فمن لم يوتر فليس منّا، وأعاد ذلك ثلاثًا"، ففي سنده أبو الْمُنِيب، وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله، فيَحتَاج من احتجّ به إلى أن يُثبت أن لفظ "حقّ" بمعنى واجب في عرف الشرع، وأن لفظ واجب بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد، أفاده في "الفتح"
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 1736 و 1737 و 1738](745)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(996)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1435)، و (الترمذيّ) فيها (456)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1682) و"الكبرى"(1390)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1185)، و (الشافعيّ) في "مسنده"(1/ 195)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4624)، و (الحميديّ) في "مسنده"(188)، و (ابن أبي شيبة) في "مسنده"(2/ 286)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 46 و 100 و 107 و 129 و 204 و 205)، و (الدارميّ) في "سننه"(1595)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2443)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2252 و 2253 و 2254 و 2255)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1687 و 1688 و 1689)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 35)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(970)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوتر:
قال النوويّ رحمه الله: اختلفوا في أول وقته: فالصحيح في مذهبنا،
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 565 "كتاب الوتر" رقم (996).
والمشهور عن الشافعيّ، والأصحاب أنه يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، ويمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه: يدخل بدخول وقت العشاء، وفي وجه: لا يصحّ الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وفي قول: يمتدّ إلى صلاة الصبح، وقيل: إلى طلوع الشمس. انتهى.
وقال الشوكانيّ رحمه الله: أحاديث الباب تدلّ على أن جميع الليل وقت للوتر، إلا الوقت الذي قبل صلاة العشاء، ولم يخالف في ذلك أحد، لا أهل الظاهر، ولا غيرهم، إلا ما ذُكر في وجه لأصحاب الشافعيّ أنه يصحّ قبل العشاء، وهو وجه ضعيف صرّح به العراقيّ وغيره، وقد حَكَى صاحب "المفهم" الإجماع على أنه لا يدخل وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء. انتهى.
وأما آخر وقته فهو إلى طلوع الفجر الثاني، وبعد طلوع الفجر يكون قضاء، وهو المشهور المرجّح الصحيح عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وعند المالكية للوتر وقتان: وقت اختيار، وهو إلى طلوع الفجر، ووقت ضرورة، وهو إلى تمام صلاة الصبح، ويكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر، ويندب قطع صلاة الصبح للوتر لفذّ، لا لمؤتمّ، وفي الإمام روايتان.
قال الحافظ رحمه الله: وحَكَى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياريّ، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح، وحكاه القرطبيّ عن مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصحيح هو ما عليه الجمهور، من أن وقت الوتر من مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق، وبعده يكون قضاء، كما دلّت عليه الأحاديث الكثيرة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
[تنبيه]: قال صاحب "المرعاة": اختلفوا فيمن صلى العشاء قبل وقته في جمع التقديم، هل يجوز له الوتر قبل مغيب الشفق أم لا؟، فقال الشافعيّة، والحنابلة: يصحّ وتره، كما صرّح به أصحاب فروعهم، وقالت المالكيّة: لا
يصحّ، بل يكون لغوًا، كما صرّح به في "الشرح الكبير" من فروع المالكيّة، وأما عند الحنفيّة، فلا يصحّ العشاء بجمع التقديم، فالوتر أولى أن يصحّ عندهم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي هو ما ذهب إليه الشافعيّة والحنابلة؛ لأن ظواهر الأدلّة التي دلّت على مشروعيّة الوتر عامّة يدخل فيها ما وقع فيه جمع التقديم، فلا يُخرج من هذه الظواهر إلا بدليل ينقُل عنها، ولم يوجد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1737]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ
(2)
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مِنْ أَوَّل اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُو حَصِينٍ) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، ربّما دلّس [4](ت 127) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
3 -
(يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ) -بفتح الواو، وتشديد الثاء المثلّثة- الأسديّ مولاهم الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [4].
رَوَى عن ابن عمر، وابن عباس، وزِرّ بن حُبيش، وعلقمة، والأسود، وأرسل عن ابن مسعود، وعائشة.
(1)
"المرعاة شرح المشكاة" 4/ 269.
(2)
وفي نسخة: "من كل الليل أوتر إلخ".
وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وعامر الشعبيّ، وقتادة، وسلمة بن كُهيل، وطلحة بن مُصَرِّف، وأبو حَصِين الأسَديّ، والأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يحيى بن عيسى الرَّمليّ، عن الأعمش: كان يحيى بن وَثّاب من أحسن الناس قراءةً، وكان إذا قرأ لا يُسْمَع في المسجد حركةٌ، وقال عطاء بن مسلم الحلبيّ، عن الأعمش: كنت إذا رأيت يحيى بن وثاب قد جاء، قلتُ: هذا قد وُقِف للحساب، يقول: أي ربِّ أذنبت كذا، أذنبت كذا، فعفوتَ عني فلا أعود، وقال أبو محمد بن حيان الأصبهانيّ: يقال: كان وَثّاب من أهل قاسان، فوقع إلى ابن عباس، فأقام معه، فاستأذنه في الرجوع إلى قاسان، فأذِنَ له، فرَحَل مع ابنه يحيى، فلما بلغ الكوفة، قال له ابنه يحيى: إني مُؤثِرٌ حظّ العلم على حظ المال، فأعطني الإذن في الْمُقام، فأذِنَ له، فأقام في الكوفة، فصار إمامًا، وله أحاديث كثيرة.
وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وكان مُقرئ أهل الكوفة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، صاحب قرآن، وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ.
ويُرْوَى عن أبي عمرو بن العلاء، عن نَهْشل الإياديّ، عن أبيه، قال: خرجت مع أبي موسى الأشعريّ إلى أصبهان، فبعث سراياه إلى قاسان ففتحها، وسَبَى أهلها، فكان منهم يزدويه بن ماهويه، فَتًى من أبناء أشرافها، فصار إلى ابن عباس، فسماه وَثّابًا، وهو والد يحيى، إمام أهل الكوفة في القرآن.
وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة ثلاث ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون ذكروا في الباب.
وقولها: (مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ) الجارّ والمجرور بدل من الجارّ والمجرور قبله، أعني:"من كل الليل"، والمراد أجزاء كل من الثلاثة الأقسام المستغرقة للّيل، فساوت ما قبلها، ثم المراد بأول الليل بعد صلاة العشاء، كما سبق بيانه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1783]
(. . .) - (حَدَّثَنِي عَليُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ، قَاضِي كِرْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، تقدّم قريبًا.
2 -
(حَسَّانُ، قَاضِي كِرْمَانَ) -بفتح الكاف، وكسرها- هو: حسّان بن إبراهيم بن عبد اللَّه الْعَنَزيّ، أبو هشام الكرمانيّ، قاضيها، صدوقٌ يُخطئ [8](ت 186) وله مائة سنة (خ م د) تقدم في "الطهارة" 8/ 569.
3 -
(سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقِ) الثوريّ الكوفيّ، والد سفيان، ثقةٌ [6].
رَوَى عن إبراهيم التيميّ، وخيثمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وسلمة بن كُهيل، وأبي وائل، والشعبيّ، وعَباية بن رفاعة، وأبي الضُّحَى، ومنذر الثوريّ، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وهو من أقرانه، وأولاده: سفيان، وعُمر، والمبارك، وشعبة بن الحجاج، وأبو الأحوص، وزائدة، وأبو عوانة، وجماعة.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المدينيّ.
قال ابن أبي عاصم: مات سنة ست وعشرين ومائة، وقال أحمد: بلغني أنه مات سنة (128)، وأرّخه ابن قانع سنة سبع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأرّخه سنة ثمان.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، هذا برقم (745) و (763) و (1060) و (1064) و (1929) و (1968) و (2212) وأعاده بعده، و (2408) و (2871).
والباقون ذُكروا في الباب، و"أبو الضُّحى" هو: مسلم بن صُبيح المذكور قبل حديث.
والحديث متّفق عليه، ومضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(20) - (بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1739]
(746) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنْزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارًا لَهُ بِهَا فَيَجْعَلَهُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَيُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، لَقِيَ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَنَهَوْهُ عَنْ ذلِكَ. وَأَخْبَرُوهُ، أَنَّ رَهْطًا سِتَّةً أَرَادُوا ذلِكَ فِي حَيَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: "أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ " فَلَمَّا حَدَّثُوهُ بِذلِكَ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رِجْعَتِهَا. فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، فَأْتِهَا فَاسْأَلَهَا، ثُمَّ ائْتِني فَأَخْبِرْنِي بَردِّها عَلَيْكَ. فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا. فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ، فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا، لأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلَّا مُضِيًّا. قَالَ: فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ، فَانْطَلَقْنَا إِلى عَائِشَةَ، فَأَسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا، فَأَذِنَتْ لَنَا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَقَالَتْ: أَحَكِيمٌ؟ (فَعَرَفَتْهُ) فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامِ. قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ. فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ خَيْرًا. (قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ الْقُرْآنَ. قَالَ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، وَلَا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا حَتَّى أَمُوتَ. ثُمَّ بَدَا لِي فَقُلْتُ: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّه عز وجل افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ
فِي أَوَّلِ هذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّه خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه، فِي آخِرِ هذِهِ السُّورَةِ، التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثهُ اللَّه مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يُجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّه وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومَ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّه وَيَحْمَدُهُ وَيَدَعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَا بُنَيَّ. فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ، يَا بُنَيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ، لَوْ كُنْتُ أَقْرَبُهَا أَوْ أَدْخُلُ عَلَيْهَا لأَتَيْتُهَا حَتَّى تُشَافِهَنِي به. قَالَ: قُلْتُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا حَدَّثْتُكَ حَدِيثَهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [9](ت 194) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 128.
3 -
(سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيفُ، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [6](ت 6 أو 157)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 127.
4 -
(قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، رأس الطبقة [4](ت 117)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 70.
5 -
(زُرَارَةُ) بن أوفى العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ قاضيها، ثقةٌ عابدٌ [3](ت 93) فَجْأةً في الصلاة (ع) تقدم في "الإيمان" 61/ 338.
6 -
(سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) الأنصاريّ المدنيّ ابن عمّ أنس رضي الله عنه، ثقة [3](ع) تقدم في "صلاة المسافرين" 15/ 1688.
7 -
(عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين رضي الله عنها، ماتت (57) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 315.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى زُرارة، والباقيان مدنيّان.
4 -
(ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
5 -
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن زرارة، عن سعد، ورواية زرارة عن سعد من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
6 -
(ومنها): أن فيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زُرَارَةَ) بضم الزاي، وتخفيف الراء العامريّ الْحَرَشيُّ رحمه الله (أَنَّ سَعْدَ) بسكون العين المهملة (ابْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) الأنصاريّ المدنيّ ابن عمّ أنس بن مالك رضي الله عنه (أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: ليقاتل الكفّار؛ لإعلاء كلمة اللَّه، قال ابن الأثير رحمه الله: قد تكرّر في الحديث ذكر "سبيل اللَّه"، فالسبيل الأصل الطريق، ويُذكّر ويؤنّث، والتأنيث فيها أغلب، وسبيل اللَّه عامّ يقع على كل عمل خالص سُلِك به طريق التقرّب إلى اللَّه تعالى بأداء الفرائض والنوافل، وأنواع التطوّعات، وإذا أُطلق فهو في الغالب واقعٌ على الجهاد، حتى صار؛ لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه. انتهى
(1)
.
(1)
"النهاية" 2/ 338 - 339.
(فَقَدِمَ) بكسر الدال المهملة (الْمَدِينَةَ) النبويّة -على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام- لأنها المرادة عند الإطلاق؛ لكون المدينة عَلمًا عليها بالغلبة، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ
…
مَضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كـ "الْعَقَبَهْ"
والمعنى: أنه جاء من البصرة إلى المدينة؛ لأنه كان مقيمًا بالبصرة، حيث إن أباه كان ممن نزلها.
(فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارًا) -بفتح العين المهملة، وتخفيف القاف-: قال الفيّوميُّ رحمه الله: "الْعَقَارُ" مثلُ سَلَامٍ: كلُّ مِلكٍ ثابتٍ له أصلٌ، كالدار، والنخل، قال بعضهم: ورُبّما أُطلق على المتاع، والجمع عقارات. انتهى
(1)
.
(لَهُ بِهَا) أي: بالمدينة (فَيَجْعَلَهُ فِي السِّلَاحِ) -بكسر السين المهملة، وتخفيف اللام، آخره حاء مهملة-: هو ما يُقاتل به في الحرب، ويُدافَع، والتذكير أغلب من التأنيث، فيُجمع على التذكير أَسْلِحَةً، وعلى التأنيث سِلَاحات، والسِّلْح -وزانُ حِمْل- لغة في السلاح، وأخذ القوم أسلحتهم؛ أي: أخذ كلُّ واحد سِلَاحه، أفاده في "المصباح"
(2)
.
وقال في "القاموس": السِّلَاحُ بالكسر، والسِّلَح، كعِنَب، والسُّلْحَانُ بالضمّ: آلة الحرب، أو حديدتها، ويُؤنّثُ، والسبقُ، والقَوْسُ بلا وَتَرٍ، والْعَصَا. انتهى
(3)
.
(وَالْكُرَاعِ) -بضمّ الكاف-، وزان غُرَاب: اسم لجماعة الخيل خاصّةً، أفاده في "المصباح"، و"القاموس"
(4)
.
(وَيُجَاهِدَ الرُّومَ) بالضمّ: جِيلٌ من ولد عِيصُو، قاله في "القاموس"، وقال في "اللسان": الرُّوم: جِيلٌ معروفٌ، واحدهم رُوميّ، يَنتمون إلى عِيصُو بن إسحاق النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى
(5)
. (حَتَّى يَمُوتَ) غاية لجهاده.
(1)
"المصباح المنير" 2/ 421.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 284.
(3)
"القاموس المحيط" 1/ 229.
(4)
"المصباح المنير" 2/ 531، و"القاموس المحيط" 3/ 78.
(5)
"لسان العرب" 12/ 258.
(فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، لَقِيَ) بكسر القاف، من باب تَعِبَ (أُنَاسًا) بضم الهمزة، لغة في ناس، بحذفها (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عمّا قصده من غزو الروم إلى أن يموت بعد تخلّيه عن أهله، وماله (وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ رَهْطًا) أي: جماعة، وهو ما دون العشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضًا: الرهط والنَّفَر، والقوم، والْمَعْشَر، والْعَشِيرة معناهم: الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرهط، والعشيرة بمعنى، ويقال: الرهط: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في "كتاب الضاد والظاء"، ونقله ابن فارس أيضًا، ورَهْطُ الرجلِ: قومُهُ، وقبيلته الأقربون. انتهى
(1)
.
وقوله: (سِتَّةً) منصوب على البدليّة لـ "رهطًا"(أَرَادُوا ذَلِكَ) أي: ما ذُكر من طلاق أزواجهم، وبيع ما يملكونه من العقار وغيره، وتفرّدهم للجهاد إلى أن يموتوا (فِي حَيَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم ("أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ ") زاد في نسخة: "حَسَنَة"، و"الأُسْوَة" بكسر الهمزة، وضمّها: الْقُدوة، وتأسّيتُ به، وائتسيتُ: اقتديتُ
(2)
.
والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم قال لمن أراد ما ذُكر من التبتّل والانقطاع للجهاد: إن من سنّتي النكاح وغيره من منافع الدنيا مع إقامة الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، فعليكم الاقتداء بسنتي، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا حَدَّثُوهُ) أي: حدّث الأناس الذين لقيهم سعد بن هشام في المدينة (بِذَلِكَ) أي: بما وقع لبعض الصحابة من عزمهم على ما عزم به سعد من الانقطاع عن الدنيا، والمثابرة على الجهاد مدى الحياة (رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ كَانَ طلَقَهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا) بفتح الراء، وكسرها، والفتح أفصح عند الأكثرين، وقال الأزهريّ: الكسر أفصح، ذكره النوويُّ رحمه الله
(3)
.
(1)
"المصباح المنير" 1/ 241.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 15.
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 25.
وإنما أشهد على رجعتها؛ عملًا بقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} الآية [الطلاق: 2]، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أي: أشهدوا على الرجعة إذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود (2186)، وابن ماجه (2025) عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أنه سئل عن الرجل يطلق المرأة، ثم يقع بها، ولم يُشْهِد على طلاقها، ولا على رجعتها؟، فقال: طَلَّقت لغير سنّة، ورجعت لغير سنة، وأشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُدْ، وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} قال: لا يجوز في نكاح، ولا طلاق، ولا رِجَاع إلا شاهدا عدل، كما قال اللَّه عز وجل إلا أن يكون من عذر. انتهى
(1)
.
(فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ) أي: أتى سعد بن هشام إلى ابن عبّاس رضي الله عنهما (فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (الأ) أداة عرض وتحضيض (أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ) وفي رواية أَبي داود: "على أعلم الناس"، وأشار في هامش بعض النسخ إلى أنه وقع أيضًا بعض نسخ مسلم، واللَّه تعالى أعلم.
(بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟) فيه أنه يستحبّ للعالم إذا سئل عن شيء، ويَعْرِف أن غيره أعلم به منه أن يرشد السائل إليه، فإن الدين النصيحة، ويتضمّن مع ذلك الإنصاف، والاعتراف بالفضل لأهله، والتواضع.
(قَالَ) سعد (مَنْ؟) استفهاميّة؛ أي: من هو أعلم أهل الأرض بوتره صلى الله عليه وسلم؟ (قَالَ) ابن عبّاس رضي الله عنهما (عَائِشَةُ) خبر لمحذوف؛ لدلالة السؤال عليه، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا
…
تَقُولُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا؟
وإنما كانت عائشة رضي الله عنها أعلم بذلك؛ لأن الوتر صلاة ليليّة، تؤدّى في البيت، وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن أعلم بذلك، وأَولاهنّ به عائشة رضي الله عنها، لشدة حرصها على حفظ آثار النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان يخصّها بما لم يخصّ به غيرها، من نسائه، فقد كان يحبّ الْمُقام عندها كثيرًا، وقد تنازلت لها سودة بنت زَمْعة رضي الله عنها عن نَوْبتها، فبذلك كانت أعلم الناس بوتره صلى الله عليه وسلم، وبغير
(1)
تفسير ابن كثير 4/ 380.
ذلك من الأعمال التي يعملها صلى الله عليه وسلم داخل البيت، ولا سيّما في الليل، واللَّه تعالى أعلم.
(فَأْتِهَا، فَاسْأَلْهَا) وفي نسخة: "فسَلْهَا"، وهو لغة في "اسأل"، قال في "المصباح": والأمر من سَأَلَ اسْأَلْ بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو واسألوا، وسَلُوا، وفيه لغةٌ سَالَ يَسَالُ، من باب خاف يَخَافُ، والأمرُ من هذه سَلْ، وفي المثنّى والمجموع سَلَا، وسَلُوا على غير قياس؛ إذ القياس يقتضي أن يقال: سالا، وسالوا، كخافا، وخافوا. انتهى بزيادة
(1)
.
(ثُمَّ ائْتِنِي، فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ) أي: بجوابها على سؤالك، وفيه شدّة حرص ابن عبّاس رضي الله عنهما على تعلم سنة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما لم يتعلّم بنفسه منها؛ لكونه لا يدخل عليها، كما سيذكره آخر الحديث.
قال سعد بن هشام: (فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا) أي: ذهبتُ إلى عائشة رضي الله عنها؛ لأسألها عن ذلك (فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ) هو: حجازيّ، رَوَى عن أبي مسعود، وعائشة رضي الله عنها، وروى عنه جعفر بن عبد اللَّه، والد عبد الحميد، لم يرو عنه غيره، كما قاله الذهبيّ، له في "ابن ماجه" حديث واحد في ما للمسلم على المسلم، وذكره ابن حبّان في "الثقات"
(2)
.
(فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا) أي: طلبت منه أن يلحق بي، ويصاحبني في ذهابي إلى عائشة رضي الله عنها، وإنما طلب ذلك منه لمعرفتها إياه، دون سعد بن هشام، كما يدلّ عليه ما يأتي.
(فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا) اسم فاعل من قَرَب يقرُب، كقتل يقتُلُ، وفيه لغة أخرى، كتَعِبَ، يقال: قَرَبْتُ الأمرَ، أَقْرَبُهُ، من باب قَتَلَ، وتَعِبَ، قِرْبَانًا بالكسر: فعلته، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} [الإسراء: 34]، ومن الثاني قولك: لا تَقْرَب الْحِمَى؛ أي: لا تَدْنُ منه. وأما قرُب بضم الراء، ككَرُم، فإنه لازم يتعدى بـ "من"، يقال: قرُب الشيءُ منّا، قُرْبًا، وقَرَابة، وقُرْبة، وقُرْبَى
(3)
.
(1)
"المصباح المنير" 1/ 297.
(2)
راجع: "تهذيب التهذيب" 1/ 472.
(3)
"المصباح المنير" 2/ 495.
ثمّ بيّن سبب عدم قربه منها، فقال:(لِأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ) أي: تتكلّم، وتتدخّل (فِي) شأن (هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ) أي: الطائفتين، والفرقتين، والمراد تلك الحروب التي جرت بين فرقتي عليّ ومعاوية رضي الله عنه (شَيْئًا) أي: شيئًا من القول، أو الفعل المؤيّد لإحداهما (فَأَبَتْ فِيهِمَا) أي: في الطائفتين (إِلَّا مُضِيًّا) أي: إلا أن تذهب إلى مناصرة إحداهما، أو تداوم على ذلك، يقال: مضى الشيءُ يَمضي مُضِيًّا، ومَضَاءً بالفتح والمدّ: ذَهَبَ، ومضيتُ على الأمر مُضِيًّا: داومته، ومَضَى الأمرُ مَضَاءً: نَفَذَ، وأمضيته بالألف: أنفذته
(1)
.
والمعنى: أن عائشة رضي الله عنها امتنعت من قبول نصحي لها، ومضت على وجهها، حتى حصلت وقعة الْجَمَل المشهورة.
(قَالَ) سعد (فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ) أي: حلفت عليه على أن يذهب معي، وفي رواية أبي داود:"فناشدته"(فَجَاءَ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ) رضي الله عنها (فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا) أي: طلب الإذن بالدخول عليها في بيتها (فَأَذِنَتْ لَنَا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَحَكِيمٌ؟) أي: أأنت حكيم؟ (فَعَرَفَتْهُ، فَقَالَ: نَعَمْ) أي: أنا حكيم (فَقَالَتْ: مَنْ مَعَكَ؟) أي: من هذا الشخص الذي دخل عليّ معك؟ (قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ) أي: هو سعد بن هشام، وفي رواية النسائيّ:"فَقَالَتْ لِحَكِيمٍ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ "(قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ) أي: هو ابنُ عامر (فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ) أي: دعت له بالرحمة، وفي رواية للنسائيّ، من طريق الحسن، عن سعد بن هشام:"قالت: رحم اللَّه أباك"(وَقَالَتْ خَيْرًا) وفي رواية محمد بن بشر، عن سعيد التالية:"قالت: نعم المرءُ كان عامرٌ، أصيب يوم أُحُدٍ"، وفي لفظ:"نعم المرءُ كان، أُصيب مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم أحد".
[تنبيه]: قوله: "نعم المرء كان عامرٌ" هكذا هو في رواية المصنّف رحمه الله برفعه، وهو الظاهر، ووقع في رواية النسائيّ:"كان عامرًا" بالنصب.
قال أبو البقاء الْعُكبريُّ رحمه الله في "إعراب الحديث": "المرء" فاعل "نعم"، و"عامرٌ" المخصوص بالمدح، و"كان" يجوز أن تكون زائدة، ويجوز أن تكون
(1)
"المصباح المنير" 2/ 575.
الجملة من "نِعْمَ" والمرفوعين بعدها خبرَ "كان"، ويكون في "كان" ضمير الشأن، كما تقول: كان نعم الرجلُ زيد، وزيد نعم الرجلُ كان، ليس من ضمير الشأن؛ لأن ضمير الشأن مُصدَّرٌ على الجملة، وإنما ينبغي أن يكون على هذا اسم كان مضمرًا فيها، وهو عامر، وتكون الجملة المتقدّمة خبرًا لها مُقدّمًا، ونظير زيادة "كان" ههنا زيادتها في التعجّب، كقولك: ما كان أحسن زيدًا. انتهى كلام أبي البقاء رحمه الله
(1)
.
(قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة (وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) ظاهر هذا أنه من كلام قتادة، ولكن الرواية الآتية ظاهرة في كونه من كلام عائشة رضي الله عنها، ولا تنافي بينهما؛ إذ يُمكن حمله على أن قتادة أحيانًا ينقله روايةً، وأحيانًا يقوله، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) هذا مقتبس من قول اللَّه تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6]، شُبِّهن بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهنّ، واحترامهنّ، وتحريم نكاحهنّ، وهنّ فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيّات، قاله الطيبيُّ رحمه الله
(2)
.
قال الحافظ العراقيُّ في "ألفيّة السيرة":
زَوْجَاتُهُ كُلٌّ مُحَرَّمَاتُ
…
هُنَّ لِذِي الإِيمَانِ أُمَّهَاتُ
نِكَاحُهُنَّ مَعْ عُقُوقِهِنَّهْ
…
مَعَ الْوُجُوبِ لاحْتِرَامِهِنَّهْ
(أَنْبِئِينِي) أي: أخبريني، ولأبي داود:"حدثيني"(عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: عن صفاته وسَجِيّته، قال في "القاموس":"الْخُلُقُ" بالضمّ، وبضمّتين: السجيّة، والطبع، والمروءة، والدين. انتهى
(3)
.
وقال في "المنهل": و"الخُلُق" بضم المعجمة، واللام، وقد تسكّن، في الأصل مَلَكَة راسخة في النفس، تَصدُر عنها الأفعال بسهولة، فإن صدر عنها المحمود عقلًا وشرعًا، فهي الخلق الحسن، وإلا فهي الخلق السيئ، والمراد
(1)
"إعراب الحديث لأبي البقاء" ص 474 - 476.
(2)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1219.
(3)
"القاموس المحيط" 3/ 229.
به هنا ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من الآداب والمكارم
(1)
.
(قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟) الظاهر أنه استفهام تقريريّ؛ لأنها تعرف أنه ممن قرأ القرآن، ويَحْتَمل أن يكون استفهامًا حقيقيًّا؛ بناء على أنها لم تعرف قراءته.
(قُلْتُ: بَلَى) أي: بلى قرأت القرآن، فـ "بلى": حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيدٌ، وقلت في الجواب: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلت: بلى، فمعناه التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام، أو في أثنائه، كقوله تعالى:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى} [القيامة: 3، 4] والتقدير: بل نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات، قاله الفيّوميُّ رحمه الله
(2)
.
(قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ الْقُرْآنَ) قال القرطبيُّ رحمه الله: أي: كان يتخلّق بما فيه من محمود الأوصاف، ويَجتنب ما فيه من ممنوعها، ويَحْتَمِلُ أن تُريد بقولها:"القرآن" الآيات التي اقتضت الثناء على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4]، وكقوله تعالى:{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} الآية [الأعراف: 157]، وما في معنى ذلك، واللَّه أعلم. انتهى
(3)
.
وقال النوويُّ رحمه الله: معناه العمل بالقرآن، والوقوف عند حدوده، والتأدّب بآدابه، والاعتبار بأمثاله، وقصصه، وتدبّره، وحسن تلاوته. انتهى
(4)
.
وحاصل المعنى: أنه صلى الله عليه وسلم كان متمسكًا بآداب القرآن، وأوامره، واقفًا عند حدوده، معتبرًا بأمثاله وقصصه، محسّنًا لتلاوته، فكان عاملًا بقول اللَّه تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} [الأعراف: 199]، وقوله تعالى إخبارًا عن لقمان:{أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} الآية [لقمان: 17]، وقوله:{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة: 13]، وغيرِ ذلك.
(1)
"المنهل العذب المورود" 7/ 273.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 62.
(3)
"المفهم" 2/ 378.
(4)
"شرح النوويّ" 6/ 26.
متحلّيًا بما حثّ عليه اللَّه تعالى بنحو قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النحل: 90]، وقوله:{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] وقوله: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)} [الشورى: 43].
متجنّبًا ما نهى اللَّه عنه، بنحو قوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} الآية [الحجرات: 11].
وبالجملة، فكلّ ما قصّ اللَّه تعالى في كتابه عن الأنبياء وغيرهم، من مكارم الأخلاق، أو حثّ عليه، أو ندب إليه، أو ذُكر بالوصف الأتمّ، والنعت الأكمل، كان النبيّ صلى الله عليه وسلم متحلّيًا به، ومتوليًا له، ومتخلّقًا به، وبالغًا فيه من المراتب أقصاها، حتى جُمِع له من ذلك ما تفرّق في سائر الخلق، وكلّ ما نَهَى اللَّه عنه كان صلى الله عليه وسلم لا يحوم حوله، بل كان أبعد الناس منه، ولذا أثنى اللَّه تعالى عليه بأعظم الثناء، حيث قال:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4]
(1)
.
(قَالَ) سعد بن هشام (فَهَمَمْتُ) أي: قصدت، يقال: هَمَمْتُ بالشيء هَمًّا، من باب قَتَلَ: إذا أردته، ولم تفعله، وفي الحديث:"لقد هَمَمتُ أن أنهى عن الْغِيلة. . . " الحديث؛ أي: عن إتيان المرضع، قاله في "المصباح"
(2)
.
(أَنْ أَقُومَ) أي: من مجلس سؤالي لها (وَلَا أَسْأَلَ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ) أي: من أخلاق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (حَتَّى أَمُوتَ) يعني أن سعدًا أراد أن يقوم من عند عائشة رضي الله عنها حيث أجملت له ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، على وجهٍ أكملَ، وأوجز، حينما أحالته على القرآن الكريم الجامع لكلّ صفات الكمال، والمنفّر عن كلّ ذميم الخصال، فيمكنه تتبع أخلاقه صلى الله عليه وسلم منه إجمالًا وتفصيلًا، فلا يبقى عليه حاجة إلى سؤال شيء من أخلاقه صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، وقوله:{تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} الآية [النحل: 89]، وهذا من فصاحة عائشة رضي الله عنها، وغزارة علمها، حيث أوجزت، وأبلغت، وأتقنت.
(1)
"المنهل العذب المورود" 7/ 273 - 274.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 641.
وقال القرطبيّ رحمه الله: إنما هَمّ سعد أن لا يسأل أحدًا حتى يموت؛ استقصارًا لفهمه؛ إذ لم يَفهم ذلك من القرآن مع وُضوح ذلك المعنى فيه، وإنهاضًا لهمّته للبحث عن معاني القرآن، واكتفاءً بذلك عن سؤال أحد من أهل العلم. انتهى
(1)
.
(ثُمَّ بَدَا لِي) أي: ظهر لي، أن أسأل عائشة رضي الله عنها عن غير ما أحالتني على القرآن، وهو خلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (فَقُلْتُ: أَنْبئِينِي) أي: أخبريني (عَنْ قِيَامِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: تهجّده بصلاة الليل (فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)}؟ قُلْتُ: بَلَى) أي: قرأتها (قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل افْتَرَضَ) وفي نسخة: "قد افترض"(قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ) أي: في قوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)} (فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا) أي: سَنَة، قال في "المصباح": حال حَوْلًا، من باب قال: إذا مضى، ومنه قيل للعام: حَوْلٌ، ولو لم يَمْضِ؛ لأنه سيكون تسميةً بالمصدر، والجمع أحوال. انتهى
(2)
.
وفي رواية النسائيّ: " فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَصْحَابُهُ، حَوْلًا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ" أي: من طول قيامهم.
قال القرطبيُّ رحمه الله: قولها: إن النسخ كان بعد حول، خولفت في ذلك، فقيل: بعد عشر سنين، قال عياض: وهو الظاهر؛ لأن السورة مكيّة، ومن أوّل ما نزل من القرآن، إلا الآيتين آخرها، نزلتا بالمدينة، وهذا الذي قاله صحيح، فصحيح الأحاديث، والنقلِ المشهور على ما قدّمناه في "كتاب الإيمان". انتهى كلام القرطبيُّ رحمه الله
(3)
.
(وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا) أي: آخر هذه السورة، وهو قوله تعالى:{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} الى آخر السورة [المزمل: 20](اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا) وهو معنى قولها: "حولًا"(فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ) أي: أنزل تخفيف فرضيّة قيام الليل بنسخه بقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} الآية (فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ) وفي رواية النسائيّ: "بعد أن كان فريضة".
(1)
"المفهم" 2/ 378.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 157.
(3)
"المفهم" 2/ 379.
قال النوويّ رحمه الله: هذا ظاهر أنه صار تطوّعًا في حقّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والأمة، فأما الأمة، فهو تطوّع في حقهم بالإجماع، وأما النبيّ صلى الله عليه وسلم، فاختلفوا في نسخه في حقّه، والأصحّ عندنا نسخه، وأما ما حكاه القاضي عياض رحمه الله عن بعض السلف أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم، ولو قدر حلب شاة، فغلط، ومردود بإجماع مَنْ قبله، مع النصوص الصحيحة أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس. انتهى
(1)
.
وقال القرطبيُّ رحمه الله: ظاهر قولها هذا يدلّ على أنه كان فرضًا عليه، وعلى الناس، قال مكيّ: وهو قول كافّة أهل العلم.
وقيل: إنه لم يكن فرضًا عليه، ولا عليهم، حكاه الأبهريّ عن بعضهم، قال: لقوله تعالى: {نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} [المزمل: 3 - 4]، وليس هذا ضرب الفروض، وإنما هو ندب.
وقيل: كان فرضًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده، مندوبًا لغيره، وكأن هذا مأخوذ من مواجهة النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله:{يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)} ، فخُصّ بالخطاب، وبما رُوي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، مرفوعًا:"ثلاثٌ عليّ فريضةٌ، ولكم تطوّع: الوتر، والضُّحى، وركعتا الفجر"، وهو ضعيف، والصحيح ما نقلته عائشة رضي الله عنها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
(2)
، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) سعد بن هشام (قُلْتُ) وفي نسخة: "فقلت"(يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: عن وقته، وكيفيته، وعدد ركعاته، وفي رواية النسائيّ:"فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، فَبَدَا لِي وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"؛ أي: ظهر لي السؤال عن وتره صلى الله عليه وسلم (فَقَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (كنَّا نُعِدُّ) بضمّ أوله، وكسر ثانيه، مضارع أعدّ رباعيًّا، من الإعداد؛ أي: نهيّء لَهُ (سِوَاكَهُ) بكسر السين: عُود الأراك، والجمع سُوكٌ بسكون الواو، والأصل بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، والمِسْوَاك مثله، وهو مأخوذ من تساوكت الإبل: إذا اضطربت أعناقها من الْهُزَال، وقال ابن دُرَيد: سُكْتُ الشيءَ أَسُوكه سَوْكًا، من باب قال: إذا دَلَكْتَهُ،
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 26 - 27.
(2)
"المفهم" 2/ 378 - 379.
ومنه اشتقاق السِّوَاك، والسواك أيضًا يُطلَقُ على المصدر
(1)
. (وَطَهُورَهُ) بفتح الطاء المهملة: أي: الماء الذي يَتَطَّهر به، وفيه استحباب إعداد ذلك، والتأهب بأسباب العبادة قبل وقتها، والاعتناء بها (فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ) أي: يوقظه اللَّه عز وجل من نومه في الوقت الذي يريد إيقاظه فيه، يقال: انبعث فلان بشأنه: إذا سار ومضى ذاهبًا لقضاء حاجته، و"ما" موصولة، والعائد محذوفٌ: أي: القدر الذي شاء البعث فيه، قال الطيبيُّ رحمه الله:
[فإن قلت]: قد تقرّر عند علماء المعاني أن مفعول "شاء"، و"أراد" لا يُذكر في الكلام الفصيح إلا أن تكون فيه غرابة، نحو قول القائل: لو شئت أن أبكي دمًا لبكيتُه، ولو شاء اللَّه أن يتخذ ولدًا، فأين الغرابة في قوله:"ما شاء أن يبعثه"؟.
[قلت]: كفى بلفظ البعث شاهدًا على الغرابة، كأنه تعالى نبّه حبيبه صلى الله عليه وسلم لقضاء نهمته من حبيبه سبحانه وتعالى مناغاةً
(2)
ومناجاةً بينهما، من مكاشفات وأحوال، قال تعالى:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11)} [النجم: 10 - 11]، فأيُّ غرابة أغرب من هذا؟. انتهى كلام الطيبيُّ رحمه الله
(3)
.
وفي رواية النسائيّ: "فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ عز وجل لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ" واللام للتوقيت؛ أي: في الوقت الذي شاء أن يوقظه فيه، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح اللام، وتشديد الميم، فتكون بمعنى "حين"، أي: يوقظه حين شاء اللَّه عز وجل.
وقوله: (مِنَ اللَيْلِ) بيان لـ "ما شاء"، و"من" تبعيضيّة؛ أي: بعض ساعات الليل، وأوقاته، وقيل: بيانية (فَيَتَسَوَّكُ) أي: يستعمل السواك، وفيه استحباب السواك عند القيام من النوم (وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ) ووقع في رواية للنسائيّ: "ويصلي ثماني ركعات"، والصواب:"تسع ركعات"، كما هو عند المصنّف، وعند النسائيّ أيضًا في رواية أخرى. (لَا يَجْلِسُ فِيهَا) وللنسائيّ: "لا
(1)
راجع: "المصباح المنير" 1/ 297.
(2)
يقال: ناغاه: إذا ناداه، وَبَاراه، أفاده في "القاموس" 4/ 396. والمراد هنا المناداة، فيكون بمعنى المناجاة.
(3)
"الكاشف" 4/ 1220 - 1221.
يجلس فيهنّ"؛ أي: في خلال تلك الركعات (إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ) وللنسائيّ: "إلا عند الثامنة".
وفيه دليلٌ على عدم وجوب الجلوس عند الركعتين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي ثمانيًا متّصلًا بلا تخلّل جلسات بينها على الشفعات، وفي ردّ على الحنفية القائلين بوجوب الجلسة عند كل ركعتين.
وأجابوا بأن المراد بالجلسة المنفية الجلسة الخالية عن السلام، قالوا: فالوتر منها ثلاث ركعات، والست قبله من النفل، قال العيني: وهذا اقتصار منها على بيان جلوس الوتر وسلامه؛ لأن السائل إنما سأل عن حقيقة الوتر، ولم يسأل عن غيره، فأجابته مبيّنة بما في الوتر من الجلوس على الثانية بدون سلام، والجلوس أيضًا على الثالثة بسلام، وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها، وعن السلام فيها، كما أن السؤال لم يقع عنها، فجوابها قد طابق سؤال السائل. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله العيني مكابرة، وتحريف للنصّ الصريح -قاتل اللَّه التعصّب- كيف يقول: وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها إلخ، وقد صرّحت بقولها:"لا يجلس فيها إلا في الثامنة"؟ فأين السكوت المزعوم؟ فتبصّر بالإنصاف، ولا تَكن أسير التقليد، واللَّه تعالى المستعان.
والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم أوتر بتسع ركعات، جلس في الثامنة بلا تسليم، وفي التاسعة بتسليم، ولم يجلس في غيرهما، وهذه إحدى أنواع إيتاره صلى الله عليه وسلم، واللَّه تعالى أعلم.
(فَيَذْكُرُ اللَّهَ) أي: يقرأ التشهّد (وَيَحْمَدُهُ) أي: يُثني عليه، قال الطيبيُّ رحمه الله: أي: يتشهّد، فالحمد إذًا لمطلق الثناء؛ إذ ليس في التحيّات لفظ الحمد. انتهى. زاد في رواية لأبي عوانة:"ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم"(وَيَدْعُوهُ) أي: بالدعاء المتعارف بعد التشهّد (ثُمَّ يَنْهَضُ) أي: يقوم، يقال: نَهَضَ عن مكانه يَنْهَضُ نُهُوضًا: ارتفع عنه، ونَهَضَ إلى العدوّ: أسرع إليه، ونَهَضتُ إلى فلان، وله نَهْضًا ونُهُوضًا: تحرّكتُ إليه بالقيام، وانتهضتُ أيضًا، وكان منه نَهْضَةٌ إلى
كذا: أي: حركةٌ، والجمع: نَهَضات، وأنهضته للأمر بالألف: أقمته إليه، قاله الفيّوميّ
(1)
.
(وَلَا يُسَلِّمُ) وقوله: (ثُمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ) توضيح للمراد بقوله: "ثم ينهض، ولا يسلّم"(ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ) زاد في رواية لأبي عوانة: "ويصلي على نبيّه صلى الله عليه وسلم"(وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا) من الإسماع؛ أي: يرفع صوته بالتسليم بحيث نسمعه (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ، وَهُوَ قَاعِدٌ) فيه مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعل الأمر في قوله:"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" مختصًّا بمن أوتر آخر الليل، وحمله النوويُّ على أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان جواز النفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسًا، يعني أن الأمر فيه أمر ندب، لا أمر إيجاب، فلا تعارض بينهما.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويُّ رحمه الله من وجه الجمع هو الصواب عندي، وأما ما جمع به الشوكانيّ من أنه لا يعارض فعله قوله، فالجواز مختصّ به، والأمر مختصّ بالأمة، فليس بصحيح، وقد تقدم الردّ عليه غير مرة، فتنبّه واللَّه تعالى أعلم.
(وَتِلْكَ) أي: الركعات المذكورة بهذه الأوصاف (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ) هذا من باب الإيناس، والتلطّف، وإلا فليس سعد ابنها رضي الله عنهما (فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: كَبِرَ، قال الفيّوميّ: وأسنّ الإنسان سَنَّ وغيره إسنانًا: إذا كَبِرَ، فهو مُسِنٌّ، والأنثى مُسِنّةٌ، والْجَمعُ مَسَانٌّ، قال الأزهريّ: وليس معنى إِسنان البقر والشاة كِبَرَها كالرجل، ولكن معناه: طُلُوعُ الثنيّة. انتهى
(2)
.
[تنبيه]: وقع في نسخة "شرح النوويّ" بلفظ: "فلما سنّ نبيّ اللَّه صلى الله عليه وسلم. . . إلخ" قال النوويُّ رحمه الله: هكذا هو في معظم الأصول "سَنَّ"، وفي بعضها "أسنّ"، وهذا هو المشهور في اللغة. انتهى
(3)
.
(وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ) وفي بعض النسخ: "وأخذ اللحمَ"، قيل: أي: السمن،
(1)
"المصباح المنير" 2/ 628.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 292.
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 27.
وقيل: معناه ضَعُفَ، وكان ذلك قبل موته بنحو سنة، على ما قيل.
وقال السنديُّ رحمه الله: فيه أنه أخذ اللحم في آخر عمره صلى الله عليه وسلم، ولعلّ ذلك لفرحه بقدومه على اللَّه بما جاءه من البشارات الأخروية صلى الله عليه وسلم. انتهى.
(أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ) أي: بأن صلاهما جالسًا بعدما يسلم (فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ) أي: فنقص ركعتين بسبب ضعفه (وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى صَلَاةً) أي: من النوافل (أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا) أي: كان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا صلّى صلاة تطوّع واظب عليها، فلا يتركها إلا لعذر، أو لبيان الجواز، كما في هاتين الركعتين اللتين صلّاهما بعد الوتر، قاله في "المنهل"
(1)
.
وإنما أحبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم الدوام على تلك الصلاة؛ لأن أحبّ الأعمال إلى اللَّه عز وجل ما داوم عليه صاحبه، فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "أحب العمل إلى اللَّه ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ"، وأخرجا أيضًا من حديثها:"وكان أحبّ الصلاة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما داوم عليها، وإن قلَّت".
وفي رواية شعبة الآتية: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا عَمِلَ عَمَلًا أثبته".
(وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعٌ) بفتحتين: يُطلق على كلّ مرض، وجمعه أوجاعٌ، مثلُ سبَبِ وأسبابٍ، ووِجَاعٌ أيَضًا بالكسر، مثل جَبَلٍ وجِبَالٍ
(2)
. (عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ) أي: في النهار، فـ "من" بمعنى "في"، أو تبعيضيّهّ، كما سبق قريبًا، وفي نسخة:"بالنهار"، والباء بمعني "في"، والمراد: في أول النهار ما بين طلوع الشمس، وزوالها.
وفي رواية أبي عوانة الآتية: "كان إذا فاتته الصلاة من الليل، من وجع، أو غيره، صلّى من النهار. . . "، وفي رواية شعبة:"وكان إذا نام من الليل، أو مَرِضَ صلّى من النهار .. "(ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) تعتي: أنه صلى الله عليه وسلم إذا منعه من قيام الليل مانع صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة؛ بدلًا مما فاته من قيام الليل، وهو ظاهر في كونه يقتصر في القضاء على ثنتي عشرة ركعة فقط، وإنما لم تذكر
(1)
"المنهل العذب المورود" 7/ 275.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 648.
الوتر؛ لأنه لم يقضه، والظاهر أنه لم يفته، فلعلّه صلى الله عليه وسلم كان إذا طرأ عليه ما يفوّت صلاة الليل بادر بالوتر فأوتر في أول الليل، وأخّر غيره، فقضاه بالنهار.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد يحتجّ بهذا الحديث بعضهم على عدم مشروعيّة قضاء الوتر، وهو غلطٌ؛ لأنه ليس صريحًا في كونه صلى الله عليه وسلم فاته الوتر، بل الظاهر أنه لم يفته، بل صلّاه بالليل، وإنما فاته التهجّد غير الوتر، والصحيح أنه إذا فات الوتر يُقضى؛ لما أخرجه أبو داود في "سننه" بسند صحيح عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من نام عن وتره، أو نسيه، فليصلّه إذا ذكره"، ولدخوله في عموم ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"من نَسِيَ صلاة، فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك"، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويُّ رحمه الله: هذا فيه دليل على استحباب المحافظة على الأوراد، وأنها إذا فاتت تُقضَى. انتهى.
(وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) قال الطيبيُّ: هذا من نفي الشيء بنفي لازمه، ولا يُسلك هذا الأسلوب إلا في حقّ من أحاط علمه بالعلوم، ويتمكّن منه تمكّنًا تامًّا، وهذا في علم اللَّه تعالى مطّردٌ، قال تعالى:{قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ} الآية [يونس: 18] أي: بما لم يوجد، ولم يثبُت؛ لأنه لو وُجد لتعلّق به علم اللَّه -سبحانة وتعالى-، وكذلك الصدّيقة ابنة الصدّيق رضي الله عنها كانت مراقبة أحوال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلها ونهارها، وحضورها وغيبتها، مشاهدةً ومساءلةً؛ أي: لم يكن يفعل المذكور؛ إذ لو فعله لعلمته، واللَّه تعالى أعلم. انتهى
(1)
.
(قَرَأَ الْقُرْآنَ كلَّهُ فِي لَيْلَةٍ) تعني أنه صلى الله عليه وسلم ما ختم القرآن كله في ليلة واحدة (وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ) هذا على حسب علمها رضي الله عنها، كما يدل عليه قولها:"ولا أعلم"، وإلا فقد ثبت في حديث خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ بسند صحيح أنه راقب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ليلة، فصلى الليلة كلها حتى كان مع الفجر. . . الحديث
(2)
.
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1221.
(2)
قال الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"(20548): حدّثنا عليّ بن عيّاش الحمصيّ، =
(وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ) هذا لا ينافي ما ثبت عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كلّه؛ لأن المراد به أنه يصوم أكثره، كما سيأتي في محله -إن شاء اللَّه تعالى-.
(قَالَ) سعد بن هشام رحمه الله: (فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ أي: ثم، بعد أن سمعت الحديث من عائشة رضي الله عنها على وجهه، جئتُ إلى ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأخبره بما سمعت منها حيث طَلَب مني ذلك.
(فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ) ابن عبّاس رضي الله عنهما (صَدَقَتْ) عائشة رضي الله عنها فيما حدّثتك به (لَوْ كنْتُ أَقْرَبُهَا) بضمّ الراء، وفتحها، فقد تقدّم قريبًا أنه من بابي قتل وتَعِبَ (أَوْ) للشكّ من الراوي (أَدْخُلُ عَلَيْهَا لأَتَيْتُهَا) وفي رواية النسائيّ:"أما إنى لو كنت أدخل عليها لأتيتها".
قيل: سبب عدم دخوله عليها هو السبب الذي تقدّم في عدم دخول حكيم بن أفلح عليها، وهو الأمر الذي كان بين عليّ ومعاوية -رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين-.
(حَتَّى تُشَافِهَنِي بِهِ) أي: حتى تكلمني بهذا الحديث مشافهةً (قَالَ) سعد (قُلْتُ) أي: لابن عبّاس رضي الله عنهما (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا، مَا حَدَّثْتُكَ حَدِيثَهَا) وهذا قاله سعد: معاتبةً لابن عباس رضي الله عنهما على مقاطعته إياها رضي الله عنها، وعدم دخوله عليها.
= حدّثنا شعيب بن أبي حمزة (ح) وأبو اليمان، أنبأنا شعيب، قال: وقال الزهريّ: حدّثني عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، عن عبد اللَّه بن خباب، عن أبيه خباب بن الأرتّ، مولى بني زُهْرة، وكان قد شَهِدَ بدرًا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال راقبت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ليلة صلاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كلها حتى كان مع الفجر، سلّم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من صلاته، جاءه خباب، فقال: يا رسول اللَّه بأبي أنت وأمي، لقد صلّيت الليلة صلاةً، ما رأيتك صليت نحوها، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أجلْ، إنها صلاة رَغَبٍ ورَهَبٍ، سألت ربي تبارك وتعالى ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً، سألت ربي تبارك وتعالى أن لا يُهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل أن لا يُظهر علينا عدوًّا غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي تبارك وتعالى، أن لا يَلْبِسنا شِيَعًا فمنعنيها". انتهى.
[فإن قلت]: كيف جاز لابن عباس رضي الله عنهما مقاطعتها، وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم:"لا يحلّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" متفق عليه؟.
[أجيب]: بأنه ليس المنهيّ عنه ترك الكلام مطلقًا، وإنما المنهيّ عنه الإعراض، وترك الكلام عند اللقاء، كما يدلّ عليه قوله:"يلتقيان إلخ"، وابن عباس رضي الله عنهما لم يترك الكلام عند اللقاء، بل ترك الدخول عليها، والقرب منها رضي الله عنها.
أو يقال: إن مقاطعته لها، لا لغرض نفسيّ، بل لأمر دينيّ في ظنه، وذلك أنه ظنّ أنها عاصية في دخولها في أمر الشيعتين المتقدّمتين، ولا شكّ أن هجران العاصي جائز، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [20/ 1739 و 1740 و 1741 و 1742 و 1743 و 1744](746)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1342 و 1343 و 1344 و 1345)، و (الترمذيّ) فيها (445) وفي "الشمائل"(267)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(3/ 60 و 199 و 218 و 234 و 240 و 241 و 259 و 4/ 151 و 199)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1191)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(4714 و 4751)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 53 و 94 و 109 و 163 و 168 و 236 و 258)، و (الدارمي) في "سننه"(1483)، و (البخاريّ) في "خلق أفعال العباد"(48)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1078 و 1127 و 1169 و 1178)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2420)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2294 و 2295)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1690 و 1691 و 1692 و 1693)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(987)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): أنه يدلّ على التنفير من الرهبانية، وهو الانقطاع للعبادة؛ لما فيها من مخالفة هدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعلى أنه يتأكّد الوقوف على ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من العبادة، والتأسّي به.
2 -
(ومنها): بيان مشروعية قيام الليل.
3 -
(ومنها): ما كان عليه السلف من السؤال، والبحث عن عبادة النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى يقتدوا به فيها.
4 -
(ومنها): أن من أدب العالم المسؤول إذا كان هناك من هو أعلم منه أن يرشد إليه؛ لأن الدين النصيحة.
5 -
(ومنها): بيان فضل عائشة رضي الله عنها، حيث كانت أعلم الناس بعبادة النبيّ صلى الله عليه وسلم بشهادة ابن عباس رضي الله عنهما لها بذلك.
6 -
(ومنها): ما أكرم اللَّه تعالى به نبيّه صلى الله عليه وسلم، حيث أدّبه بآداب القرآن، فكان المثل الأعلى في التخلّق بالأخلاق الكريمة، كما وصفه اللَّه تعالى بقوله:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4].
7 -
(ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يتأدّب بآداب القرآن؛ اقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم.
8 -
(ومنها): بيان أن قيام الليل كان واجبًا، ثم نُسِخ رحمةً من اللَّه تعالى ولطفًا.
9 -
(ومنها): استحباب التأهب لقيام الليل بإعداد السواك، والطَّهُور.
10 -
(ومنها): استحباب السواك لمن قام من النوم.
11 -
(ومنها): مشروعية الوتر بتسع ركعات، يجلس في الثامنة منها، دون تسليم، وفي التاسعة مع التسليم، وكذا بسبع، يجلس في السادسة بلا سلام، وفي السابعة بسلام.
12 -
(ومنها): أن أحب العمل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو المحبوب عند اللَّه تعالى ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ.
13 -
(ومنها): استحباب قضاء ما فات من قيام الليل لمرض، أو نحوه.
14 -
(ومنها): أنه لا ينبغي إحياء الليل كله بالعبادة؛ لأنه ليس من هدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكذا استيعاب الشهر كله بالصوم غير رمضان، وسبب كراهته
أنه يُضعف البدن، ويُذهب الْقُوى، فلا يكون الشخص مستعدًّا للجهاد، ونحوه من العبادة الشاقّة، ويضعفه أيضًا عن القيام بما يجب عليه من الاكتساب لكفاية نفسه وعياله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1740]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
مُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي
(2)
أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِيَبِيعَ عَقَارَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [9](ت 200)(ع) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
2 -
(أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، رُمي بالقدر، من كبار [7](ت 154)(ع) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
والباقون كلّهم ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) الفاعل ضمير هشام؛ أي: ذكر هشام الدستوائيّ، عن قتادة نحو حديث سعيد بن أبي عروبة المتقدّم عنه.
[تنبيه]: رواية هشام، عن قتادة هذه ساقها الإمام الدارميُّ في "سننه"، فقال:
(1439)
حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا معاذ بن هشام، حدّثني أبي، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سَعْد بن هشام، أنه طَلَّق امرأته، وأتى المدينة لبيع عقاره، فيجعله في السلاح والكُراع، فلقي رهطًا من الأنصار، فقالوا: أراد ذلك ستةٌ منا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فمنعهم، وقال:"أما لكم فيّ أسوة؟ "، ثم إنه قَدِم البصرة، فحدّثنا أنه لقي عبد اللَّه بن عباس، فسأله عن الوتر، فقال: ألا أحدّثك بأعلم الناس بوتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، قال:
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا أبي".
أم المؤمنين عائشة، فأتها فاسألها، ثم ارجع إليّ، فحدّثني بما تحدثك، فأتيت حكيم بن أفلح، فقلت له: انطلق معي إلى أم المؤمنين عائشة، قال: إني لا اَتيها، إني نهيت عن هذه الشيعتين، فأبت إلا مُضِيًّا، قلت: أقسمت عليك لَمّا انطلقتَ، فانطلقنا، فسلّمنا، فعرفت صوت حكيم، فقالت: من هذا؟ قلت: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قلت: هشام بن عامر، قالت: نعم المرءُ، قُتِل يوم أحد، قلت: أخبرينا عن خلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإنه خلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأردت أن أقوم، ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى ألحق باللَّه، فعَرَضَ لي القيام، فقلت: أخبرينا عن قيام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قالت: ألست تقرأ {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)} ؟ قلت: بلى، قالت: فإنها كانت قيام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أنزل أول السورة، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحُبِس آخرها في السماء ستة عشر شهرًا، ثم أُنزل، فصار قيام الليل تطوُّعًا بعد أن كان فريضةً. فأردت أن أقوم، ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى ألحق باللَّه، فعَرَض لي الوتر، فقلت: أخبرينا عن وتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا نام وضع سواكه عندي، فيبعثه اللَّه لما شاء أن يبعثه، فيصلي تسع ركعات، لا يجلس إلا في الثامنة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يقوم، ولا يسلم، ثم يجلس في التاسعة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ويسلم تسليمةً يُسمعنا، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا بُنَيّ، فلما أسنّ رسول اللَّه، وحَمَلَ اللحم، صلى سبع ركعات، لا يجلس إلا في السادسة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يقوم، ولا يسلم، ثم يجلس في السابعة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يسلم تسليمةً، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، فتلك تسع يا بُنَيّ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غلبه نوم، أو مرضٌ، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً، وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا أخذ خُلُقًا أحب أن يداوم عليه، وما قام نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلةً حتى يصبح، ولا قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان، فأتيت ابن عباس، فحدّثته، فقال: صدقتك، أما إني لو كنت أدخل عليها لشافهتها مشافهةً، قال: فقلت: أما إني لو شَعَرْتُ أنك لا تدخل عليها ما حدثتك. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1741]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْوِتْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَامِرٍ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ، أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف رحمه الله تقديم هذه الرواية على ما قبلها؛ لتكون روايتا سعيد بن أبي عروبة متتاليتين، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الفاعل ضمير سعيد بن أبي عروبة.
وقولها: (نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ) بالرفع على أنه المخصوص بالمدح، وقد تقدّم إعرابه في الحديث الماضي.
وقولها: (أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) تعني أن عامرًا استُشهد في وقعة أُحُد.
[تنبيه]: رواية سعيد، عن قتادة هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (2/ 323) فقال:
حدّثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا محمد بن بشر، قال ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، قال: ثنا قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: انطلقت إلى ابن عباس، فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قلت: من؟ قال: عائشة ائتها فسلها، ثم أعلمني ما ترُدّ عليك، قال: فانطلقت إليها، فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته، فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنّا، فدخلنا، فقالت: من هذا؟ فقال:
حكيم بن أفلح، فقالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قلت: ابن عامر، قالت نعم المرء كان عامرًا
(1)
أصيب يوم أحد، قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي، فقلت: فقيام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يا أم المؤمنين، قالت: ألست تقرأ {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)} ؟ قلت: بلى، قالت: فإن اللَّه افترض القيام في أول هذه السورة، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللَّه خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، ثم أنزل اللَّه التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي وتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: كنا نُعِدّ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سواكه وطَهُوره، فيبعثه اللَّه فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوّك، ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه، ويصلي على نبيّه صلى الله عليه وسلم، ثم يَنْهَض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ثم يحمد ربه، ويصلي على نبيّه صلى الله عليه وسلم، ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم، وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا بُنَيّ، فلما أسنّ نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأخذه اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين بعدما يسلم يا بُنَيّ، وكان نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليها، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا غلبه قيام الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعةً، ولا أعلم نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة حتى الصباح، ولا صام قط شهرًا كاملًا غير رمضان. فأتيت ابن عباس، فأخبرته بحديثها، فقال: صدقت، وكان أول مرّة أنه طَلَّق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له بها، ويجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلَقِيَ رهطًا من قومه، فذكر لهم ذلك، فأخبروه أن رهطًا منهم ستةً أرادوا ذلك في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فنهاهم عن ذلك. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
هكذا النسخة "عامرًا" بالنصب، وقد تقدّم توجيهه، فلا تنس.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1742]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ كَانَ جَارًا لَهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سَعِيدٍ، وَفيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ، أُصِيبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ، وَفيهِ: فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا أَنْبَأْتُكَ بِحَدِيثِهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة [10](ت 238)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ حافظٌ [11](ت 245)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
3 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِي في آخره فتغيّر، وكان يتشيّع [9](ت 211) وله (85) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
4 -
(مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عمرو البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [7](ت 154)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَانَ جَارًا لَهُ) أي: كان سعد بن هشام جارًا لزرارة بن أوفى.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. . . إلخ) الفاعل ضمير معمر.
وقوله: (فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ. . . إلخ) ظاهر هذه الرواية أن القائل لابن عبّاس: "لو علمت أنك لا تدخل عليها. . . إلخ" هو حكيم بن أفلح، لا سعد بن هشام، وهذا بعيد، والظاهر أنه وَهَمٌ؛ لأنه تقدّم أن حكيمًا أيضًا كان لا يدخل عليها، حيث قال لسعد لَمّا طلب منه أن ينطلق معه إليها:"ما أنا بقاربها"، فكيف يمكن أن ينكر على ابن عبّاس ذلك؟ فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية معمر، عن قتادة هذه ساقها أيضًا أبو نعيم في "مستخرجه" (2/ 340) فقال:
(1691)
أخبرنا سليمان بن أحمد، أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى (ح) وثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن عمران، ثنا ابن أبي عمر، ثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، أن سعد بن هشام بن عامر، كان جارًا له، فأخبره أنه طَلَّق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له ومالًا، فيجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقيه رهط من قومه، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطًا منهم ستةً أرادوا ذلك على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فنهاهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقال:"أليس لكم فيّ أُسْوَةٌ؟ "، فلما حَدَّثوه بذلك راجع امرأته، فلما قَدِم علينا أخبرنا أنه أتى ابن عباس، فسأله عن الوتر، فقال له ابن عباس: ألا أنبئك، أو ألا أدلك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قلت: مَنْ؟ قال: عائشة، فائتها فسلها عن ذلك، ثم ارجع، فأخبرني بردّها عليك، قال سعد بن هشام: فأتيت حَكِيم بن أفلح، فاستلحقته إليها، فقال: ما أنا بقاربها، إني نهيتها أن تقول في ما بين الشيعتين، فأبت إلا مُضِيًّا فيهما، فأقسمت عليه، فجاء معي، فسلّمنا عليها، فدخلنا، فعرفَته، فقالت: أحكيمٌ؟ قال: نعم، قالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، قالت: نعم المرء كان عامرًا، أصيب مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم أحد، قال: فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني على
(1)
خلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي، فقلت لها: أنبئيني عن قيام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: أما تقرأ هذه السورة: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} ، فقلت: بلى، قالت: فإن اللَّه افترض القيام في أول هذه السورة، فقام نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللَّه عن خاتمتها اثني عشر شهرًا، ثم أنزل اللَّه عز وجل التخفيف في آخر السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد
(1)
هكذا النسخة بـ "على"، فليُحرّر.
إذ كان فريضةً، فهممت أن أقوم، فبدا لي، فسألتها، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: كنا نُعِدُّ له سواكه وطَهوره من الليل، فيبعثه اللَّه لما شاء أن يبعثه، فيتسوك، ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات، لا يقعد فيهن إلا عند الثامنة، فيحمد اللَّه، ويذكره، ويدعوه، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ويحمد اللَّه، ويذكره، ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يُسْمِعنا، ثم يصلي ركعتين، وهو قاعد بعدما يسلّم، فتلك إحدى عشرة أي بُنَيّ، فلما أسن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين، وهو قاعد بعدما سَلَّم، فتلك تسع أي بُنيّ، وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحب أن يداوم عليها، وكان نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا غلبه عن قيام الليل نوم، أو وجع، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً، ولا أعلم نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير شهر رمضان. قال: فأتيت على ابن عباس، وأنبأته بحديثها، فقال: صدقت، أما إني لو كنت أدخل عليها لشافهتها مشافهةً، فقال حكيم بن أفلح: أما إني لو علمت أنك لا تدخل عليها ما أنبأتك بحديثها.
لفظ إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، ويقاربه ابن أبي عمر في اللفظ، ويوافقه في المعنى. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1743]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(1)
سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّيْلِ، مِنْ وَجَعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً).
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخُرَاسانيّ، نزيل مكهّ، ثقةٌ مصنّفٌ [10](ت 227) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 61/ 338.
2 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1744]
( .. -) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا
(2)
عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إَذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً، قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلَّا رَمَضَانَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، تقدّم قريبًا.
2 -
(عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، تقدّم قريبًا.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1745]
(747) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ
(1)
، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الْخَزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [10](ت 231) وله (74) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" 63/ 350.
2 -
(أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، تقدّم قبل بابين.
3 -
(السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الكِنديّ الصحابيّ الصغير، حُجّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، ومات سنة (91)، أو قبل ذلك (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" 17/ 1712.
4 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ثبتٌ [3](ت 94) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
5 -
(عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ) -بتشديد الياء- من وَلَد القارة بن الدِّيش، يقال: له صحبة، وقيل: بل وُلد على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيل: أُتي به إليه، وهو صغير.
رَوَى عن عمر، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي هريرة رضي الله عنه، وروى عنه ابنه محمد، والسائب بن يزيد، وهو من أقرانه، وعروة بن الزبير، والأعرج، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وأحمد بن عبد الرحمن بن عوف، ويحيى بن جَعْدة بن هُبيرة، والزهريّ.
(1)
وفي نسخة: "أخبرني يونس إلخ".
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن سعد: تُوُفّي بالمدينة سنة (85) في خلافة عبد الملك، وهو ابن (78) سنةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثمان وثمانين، وكذا أَرَّخَه ابن قانع، وابن زَبْر، والقَرّاب، وزاد: وهو ابن (78) سنةً، وقال الواقديّ: له صحبة، ثم قال: كان على بيت المال زمن عمر رضي الله عنه، وهو من جِلّة تابعي أهل المدينة وعلمائهم، وأخرج البيهقيّ في التشهد من طريق ابن إسحاق: حدّثني ابن شهاب، وهشام، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ، وكان عاملًا لعمر على بيت المال، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره مسلم، وابن سعد، وخليفة في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، ورَوَى ابن وهب عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد القاريّ، عن أبيه، قال: أُتي بعبد اللَّه وعبد الرحمن إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمسح على رؤوسهما، فذكر قِصّةً أوردها البغويّ في "معجم الصحابة".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (747)، وحديث (818):"هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف. . . ".
6 -
(عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل بن عبد الْعُزَّى القرشيّ الْعَدَويّ، أمير المؤمنين، استُشهد رضي الله عنه في ذي الحجة سنة (23)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، وأبو داود، والثاني ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثالث تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن تابعيّ، عن صحابيّ، وهو السائب، عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ، عن عمر رضي الله عنه، ويدخل هذا في رواية الكبار عن الصغار، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث" حيث قال:
وَمَا رَوَى الصَّحْبُ عَنِ الأَتْبَاعِ عَنْ
…
صَحَابَةٍ فَهْوَ ظَرِيفٌ لِلْفَطِنْ
أَلَّفَ فِيهِ الْحَافِظُ الْخَطِيبُ
…
وَمُنْكِرُ الْوُجُودِ لَا يُصِيبُ
كَسَائِبٍ عَنِ ابْنِ عَبْدٍ عَنْ عُمَرْ
…
وَنَحْوُ ذَا قَدْ جَاءَ عِشْرُونَ أَثَرْ
4 -
(ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، جمّ المناقب، وقد أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، ما لَقِيك الشيطان قطّ سالكًا فَجًّا إلا سلك فجًّا غير فَجِّك"، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما (وَعُبَيْدِ اللَّهِ) بن عبد اللَّه بن عتبة، أنهما (أَخْبَرَاهُ) أي: ابنَ شهاب (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ) بتشديد الياء، منسوب إلى القَارَة القبيلةِ المعروفة بِجَوْدة الرمي، قيل: له رؤية، والصحيح أنه تابعيّ.
[تنبيه]: قال السمعانيُّ رحمه الله في "الأنساب": القاريّ بالقاف، والراء المهملة المكسورة، وتشديد ياء النسبة غير مهموز، هذه النسبة إلى بني قَارَة، وهم بطن معروف من العرب، قال بعضهم: أيثع بن مَلِيح بن الهون بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضَر، ومن قال: أيثع بن الهون، فقد وَهِمَ، قال أبو عُبيدة: أيثع هو القارة، وقال غيره: الْقَارَةُ بل هو الدّيش بن مُحلِّم بن غالب بن عايذة بن أيثع بن مَلِيح بن الهون بن خُزيمة، وإنما سُمُّوا القَارَة؛ لأن يعمر بن عوف الشدّاخ أراد أن يفرّقهم في بطون كنانة، فقال رجل منهم:
دَعُونَا قَارَةً لَا تُنَفِّرُونَا
…
فَنُجْفِلَ مِثْلَ إِجْفَالِ الظَّلِيمِ
فسُمُّوا القارَةَ، ويعمر بن الشدّاخ أحد بني الليث، وقيل في المثل السائر: قد أنصف من راماها، يصفهم بالرمي والإصابة. انتهى
(1)
.
(قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) قال النوويُّ رحمه الله: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وزعم أنه معلّل
(1)
"الأنساب" 4/ 406، و"اللباب" 2/ 193.
بأن جماعة رووه هكذا مرفوعًا، وجماعة رووه موقوفًا، وهذا التعليل فاسدٌ، والحديث صحيحٌ، وإسناده صحيح أيضًا، وقد سبق بيان هذه القاعدة في الفصول السابقة في مقدمة هذا الشرح، ثم في مواضع بعد ذلك، وبَيّنّا أن الصحيح، بل الصواب الذي عليه الفقهاء والأصوليون، ومحققو المحدثين أنه إذا رُوِي الحديث مرفوعًا وموقوفًا، أو موصولًا ومرسلًا، حُكِم بالرفع والوصل؛ لأنها زيادة ثقة، وسواء كان الرافع والواصل أكثر، أو أقل في الحفظ والعدد، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن المحققين على ترجيح الرفع والوصل مطلقًا قد أسلفنا ردّه، وأن النقّاد من محققي المحدثين إنما يرجّحون حسب القرائن، فتارةً يَرجحون هذا، وتارة يرجحون العكس، فصنيعهم جارٍ حسب القرائن، فتنبّه لهذه الدقائق.
لكن حديث الباب صحيح كما قال، وليس للقاعدة المطلقة التي ذكرها، وإنما لوجود ما ذكرناه، مما يرجّح الرفع، وذلك لأن يونس لم ينفرد برفعه، بل تابعه عليه عُقيل عند ابن خزيمة في "صحيحه" 2/ 195 رقم (1171)، وكذا عند أبي عوانة في "مسنده" 2/ 14 رقم (2136).
وأيضًا الوقف في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا مما لا يُنال بالرأي.
وأيضًا يشهد لمتنه حديثُ عائشة رضي الله عنها المتقدّم: "كان صلى الله عليه وسلم إذا نام من الليل، أو مرض. . . " الحديث، فبهذه القرائن ترجّح الرفع على الوقف، ولذا أخرجه المصنّف رحمه الله هنا، فتبصّر
(2)
، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
("مَنْ) شرطيّةٌ (نَمامَ عَنْ حِزْبِهِ) -بكسر الحاء المهملة، وسكون الزاي المعجمة-: الوِرْد الذي يعتاده الشخص، من صلاة، وقراءة، وغير ذلك، قاله في "المصباح"، وقال السيوطيُّ رحمه الله: الحزب هو الجزء من القرآن يصلي به،
(1)
"شرح النووي" 6/ 29.
(2)
قد أجاد الكلام في هذا الحديث الشيخ ربيع بن هادي في كتابه: "بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ"، فراجعه تستفد (ص 156 - 163).
وقال العراقيُّ رحمه الله: هل المراد به صلاة الليل، أو قراءة القرآن في صلاة، أو غير صلاة؟ يَحْتَمِل كلًّا من الأمرين. انتهى.
وقال الطيبيُّ رحمه الله: قوله: "عن حزبه" هو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة، أو صلاة كالورد، والحزب: النوبة في ورود الماء. انتهى
(1)
.
والمعنى أن من فاته ورده كلّه، أو بعضه في الليل، لغلبة النوم، وإنما حملناه على الليل؛ لدلالة النوم عليه، ولدلالة آخر الحديث، وهو قوله:"كأنما قرأه من الليل"، ولقوله في الرواية الأخرى عند النسائيّ:"من فاته حزبه من الليل".
(أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ) أي: أو نام عن شيء من حزبه؛ أي: فاته بعض ورده (فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الظُّهْرِ) يَحْتَمِل أن يكون تحريضًا على المبادرة، ويَحْتَمِل أن أفضل الأداء مع المضاعفة مشروط بخصوص الوقت. أفاده السنديُّ رحمه الله.
وقال الطيبيُّ رحمه الله: قال المظهر: إنما خَصّ قبل الظهر بهذا الحكم؛ لأنه متّصل بآخر الليل بغير فصل، سوى صلاة الصبح، ولهذا لو نوى الصائم قبل الزوال صوم نافلة جاز، وبعده لم يجُز. انتهى
(2)
.
(كُتِبَ لَهُ) بالبناء للمفعول، جواب الشرط (كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ) صفة لمصدر محذوف؛ أي: أُثبت أجرُه في صحيفة عمله، إثباتًا مثلَ إثباته حين قرأه من الليل.
قال القرطبيُّ رحمه الله: هذا تفضّل من اللَّه تعالى، ودليلٌ على أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، والحزب هنا الجزء من القرآن، يصلي به، وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه نوم، أو عذر منعه من القيام، مع أن نيته القيام، وقد ذكر مالك في "الموطأ" عنه صلى الله عليه وسلم، قال:"ما من امرئ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كتَبَ اللَّه له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه"
(3)
، وهذا أتمّ في التفضّل والمجازاة بالنيّة، وظاهره أن له أجره مكمّلًا
(1)
"الكاشف" 4/ 1315.
(2)
"الكاشف" 4/ 1215.
(3)
رواه مالك في "الموطّأ"(1/ 117).
مضاعفًا، وذلك لحسن نيته، وصدق تلهّفه، وتأسّفه، وهذا قول بعض شيوخنا، وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون غير مضاعف، إذ الذي يصليها أكمل، وأفضل.
قال القرطبيُّ رحمه الله: والظاهر التمسّك بالظاهر؛ فإن الثواب فضل من الكريم الوهّاب، وقد تقدّم من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم:"كان إذا غلبه نوم، أو وجع، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة"، وهذا كله إنما هو يبقى في تحصيل مثل ما غُلب عليه، لا أنه قضاء له، إذ ليس في ذمّته شيء، ولا يُقضَى إلا ما تعلّق بالذمّة.
وقد رأى مالك أن يصلي حزبه من فاته بعد طلوع الفجر، وهو عنده وقت ضرورة لمن غُلب على حزبه، وفاتَه، كما يقول في الوتر. انتهى كلام القرطبيُّ رحمه الله
(1)
، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [20/ 1745](747)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1313)، و (الترمذيّ) فيها (581)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1790 و 1791 و 1792 و 1793) وفي "الكبرى"(1462 و 1463 و 1464 و 1465 و 1466)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1343)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 200)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 32 و 53)، و (الدارميّ) في "سننه"(1485)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1171)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2643)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2135 و 2136)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1694)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 484 و 485)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(985)، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
"المفهم" 2/ 383 - 384.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): مشروعيّة اتخاذ ورد من العبادات في الليل.
2 -
(ومنها): مشروعية قضائه إذا فات لنوم، أو عذر من الأعذار.
3 -
(ومنها): أن وقت قضائه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فمن فعله في هذا الوقت، كان كمن فعله في الليل، والظاهر أن مَن فعله بعد ذلك لا يكون له ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
4 -
(ومنها): أن فيه إشارةً إلى ما ورد في معنى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)} [الفرقان: 62]، قال القاضي: أي: ذَوَيْ خِلْفَة، يخلف كل منهما الآخر، يقوم مقامه فيما ينبغي أن يُعمل فيه، مَن فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر. انتهى، وهو منقول عن كثير من السلف، كابن عباس، وقتادة، والحسن، وسلمان، كما ذكره السيوطيّ في "الدرّ المنثور".
قيل: تخصيصه بما قبل الزوال مع شمول الآية النهار بالكمال إشارة إلى المبادرة بقضاء الفوائت قبل إتيان الموت، أو لأن ما قارب الشيء يُعطى حكمه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(21) - (بَاب صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1746]
(748) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ").
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم أيضًا قبل باب.
3 -
(إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
4 -
(أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
5 -
(الْقَاسِمُ الشَّيْبَانِيُّ) هو: القاسم بن عوف الشَّيبانيّ البكريّ الكوفيّ، من بني مُرّة بن هَمّام، صدوقٌ يُغرب [3].
رَوَى عن البراء، وزيد بن أرقم،. وابن عمر، وأبي بَرْزة، وابن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلي بن الحسين، وغيرهم، وأرسل عن أبي ذرّ.
ورَوَى عنه قتادة، وأيوب، وأبو إسحاق الشيباني، وزيد بن أبي أُنيسة، وهشام الدستوائيّ، وغيرهم.
قال ابن المدينيّ: ذكرناه ليحيى، فقال: قال شعبة: دخلت عليه فحرَّك رأسه، قلت ليحيى: ما شأنه؟ قال: فجعل يَحِيد، فقلت: ضعّفه في الحديث؟ فقال: لو لم يضعّفه لروى عنه، قال: وقلت ليحيى: إن ابن أبي عَرُوبة، رَوَى عن قتادة، عن القاسم بن عوف، عن زيد بن أرقم، يعني حديث الحشوش، وشعبة يحدثه، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد، فقال يحيى: لو عَلِم شعبة أنه عن القاسم لم يحمله، إنه رأى القاسم وتركه، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، ومحله عندي الصدق، وقال ابن عديّ: هو ممن يُكتَب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي عقب تخريج حديثه في "اليوم والليلة": القاسم ضعيف الحديث، وقال ابن عديّ: اشتَهَرَ بحديث الحشوش، وله غيره شيء يسير، وهو ممن يُكتب حديثه.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ في "اليوم والليلة"، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
6 -
(زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، مات سنة (6 أو 68)(ع) تقدم في "المساجد" 7/ 1208.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ، والقاسم، فانفرد به هو وابن ماجه، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة".
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن القاسم.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه من أفاضل الصحابة رضي الله عنهم، قد أنزل اللَّه تعالى "سورة المنافقين" في تصديقه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّ زيدَ بْنَ أَرْقَمَ) رضي الله عنه (رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى) وفي رواية أبي نعيم: رأى قومًا يصلّون الضحى بمسجد قباء، فقال: أما لقد عَلِموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"صلاة الأوابين. . . " الحديث، وفي رواية أبي عوانة من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن القاسم الشيبانيّ: أن زيد بن أرقم رأى قومًا جُلُوسًا إلى قاصّ، فلما طلعت الشمس قاموا يصلّون، فقال: لو رأينا هؤلاء ونحن في المسجد الأول ما صلّوا الآن، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"صلاة الأوّابين إذا رَمِضَت الفصال"، ومن طريق سعيد، عن قتادة، عن القاسم:"دخل نبيّ اللَّه مسجد قباء بعدما أشرقت الشمس، فرآهم يُصلّون، فقال: إن صلاة الأوابين. . . " الحديث (فَقَالَ) زيد رضي الله عنه (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه كـ "ألا"(لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية هشام الدستوائيّ، عن القاسم التالية: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أهل قباء، وهم يُصلّون، فقال:"صلاة الأوّابين إذا رَمِضت الفِصال"(قَالَ: "صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ) مبتدأ خبره الظرف بعده، و"الأوابون": جمع أواب، وهو الكثير الرجوع إلى اللَّه تعالى بالتوبة، وقيل: هو المطيع، وقيل: المسبِّح، قاله ابن الأثير رحمه الله
(1)
.
(1)
"النهاية" 1/ 79.
وقال القرطبيُّ رحمه الله: الأوابون: جمع أوّاب، وهو مبالغة آيب، وهو من اَب إلى كذا: أي: رجع، ومنه قول تأبّط شرًّا:
فَأُبْتُ إِلَى فَهْمٍ وَمَا كِدتُ آيِبًا
أي: رجعت، فمعنى الأوّابين هنا، وفي قوله تعالى:{فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25] أي: الراجعين من الإساءة إلى الإحسان، على ما قاله قتادة، وقال مجاهد: التائبون، وابن عمر: المستغفرون، وقال ابن عبّاس: المسبّحون، وكلُّ ذلك متقارب. انتهى
(1)
.
(حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ") هو بفتح التاء والميم، يقال: رَمِضَ يَرْمَضُ، كعَلِمَ يَعْلَمُ، والرَّمضاءُ: الرمل الذي اشتدّت حرارته بالشمس؛ أي: حين يَحترق أخفاف الفِصَال، جمع فَصِيل، وهي الصغار من أولاد الإبل، قاله النوويُّ رحمه الله
(2)
.
وقال ابن الأثير رحمه الله: يريد أن صلاة الضحى عند ارتفاع النهار، وشدّة الحرّ. انتهى
(3)
.
وقال القرطبيُّ رحمه الله: وأما الْفِصَال والْفُصْلان: جمع فَصِيل، وهو الذي يُفْطَمُ عن الرضاعة من الإبل، وأما الرمضاء: فشدّة الحرّ في الأرض، وخَصّ الفُصلان هنا بالذكر؛ لأنها هي التي تَرْمَضُ قبل انتهاء شدّة الحرّ التي تَرْمَضُ فيها أمهاتها؛ لقلّة جَلَدها، وذلك يكون في الضحى، أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسّط بين طلوع الشمس وزوالها. انتهى
(4)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [21/ 1746 و 1747](748)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(687)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 366 و 367 و 372 و 374 و 375)،
(1)
"المفهم" 2/ 359.
(2)
"شرح النووي" 6/ 30.
(3)
"النهاية" 1/ 79.
(4)
"المفهم" 2/ 359.
و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1227)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2539)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2133 و 2134)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1695 و 1696)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(5108 و 5109 و 5110 و 5111 و 5112 و 5113) وفي "الصغير"(155)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 49)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1010)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان استحباب صلاة الضحى.
2 -
(ومنها): بيان فضيلة صلاة الضحى عند اشتداد الحرّ، قال النوويّ رحمه الله: فيه بيان فضيلة الصلاة في هذا الوقت، قال أصحابنا: هو أفضل وقت صلاة الضحى، وإن كانت تجوز من طلوع الشمس إلى الزوال. انتهى
(1)
.
3 -
(ومنها): بيان جواز صلاة النافلة في المسجد؟ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى أهل قباء يتنفّلون في المسجد، فما أنكر عليهم ذلك، وإنما أرشدهم إلى أن الأولى أن يصلّوه حين تَرْمَضُ الفصال، ولا تعارض بين هذا وبين حديث:"أيها الناس صلّوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، متّفقٌ عليه؛ لأن هذا محمول على الأفضليّة، وقد تقدّم البحث فيه، فلا تكن من الغافلين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1747]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(2)
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ، وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقَالَ:"صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ").
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 30.
(2)
وفي نسخة: "وحدّثني".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين.
2 -
(هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) الدستوائي، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَهُمْ يُصَلُّونَ) أي: صلاة الضحى؛ لما سبق من رواية أبي عوانة بلفظ: "دخل نبيّ اللَّه صلى الله عليه وسلم مسجد قباء بعدما أشرقت الشمس، فرآهم يصلّون. . . " الحديث.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(22) - (بَاب صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)
و"الوتر" بالكسر: الفرد، وتُكسر واوه، وتُفتح، قاله في "النهاية"
(1)
.
وقال في "الصحاح": "الوتر" بالكسر: الفرد، وبالفتح: الذَّحْلُ
(2)
، هذه لغة أهل العالية، فأما أهل الحجاز، فبالضدّ منهم، وأما تميم، فبالكسر. انتهى
(3)
.
وقال الفيّوميُّ رحمه الله: الوتر: الفردُ، والوتر: الذَّحْلُ بالكسر فيهما لتميم، وبفتحٍ: العددُ، وكسرُ الذَّحْل لأهل العالية، وبالعكس، وهو فتح الذَّحْل، وكسر العدد لأهل الحجاز، وقُرئ في السبعة {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)} [الفجر: 3] بالكسر على لغة الحجاز وتميم، وبالفتح في لغة غيرهم، ويقال: وَتَرْتُ العددَ وَتْرًا، من باب وَعَدَ: أفردته، وأوترتُ بالألف مثله، ووَتَرْتُ الصلاةَ، وأوترتها
(1)
"النهاية" 5/ 147.
(2)
"الذَّحْلُ": الحِقد، ويُفتح حاؤه، فيُجمع على أَذْحال، مثلُ سبب وأسباب، ويسكّن، فيُجمع على ذُحُول، مثل فلس وفلوس، وطَلَب بذَحْلِهِ: أي بثأره. انتهى. "المصباح" 1/ 206.
(3)
راجع: هامش "القاموس" 2/ 152.
بالألف: جعلتها وِترًا، ووَترتُ زيدًا حقّه أَتِرُه، من باب وَعَدَ أيضًا: نقصته، ومنه حديث:"من فاتته صلاة العصر، فكأنما وُتر أهله وماله"
(1)
بنصبهما على المفعوليّة، شُبِّهَ فِقدانُ الأجر؛ لأنه يُعَدّ لقطع المصاعب، ودفع الشدائد بفِقدان الأهل؛ لأنهم يُعَدّون لذلك، فأقام الأهل مقام الأجر. انتهى
(2)
.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1748]
(749) - (وَحَدَّثَنَا
(3)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [10](ت 226) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الإمام الحجة [7](ت 179)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 378.
3 -
(نَافِعٌ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور [3](ت 117)(ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
4 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ [4](ت 227)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
5 -
(ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه العدويّ المدنيّ المتوفّى سنة (73)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 102.
(1)
حديث متّفق عليه.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 647.
(3)
وفي نسخة: "حدّثنا".
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (112) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
4 -
(ومنها): أنه أصحّ الأسانيد مطلقًا على ما نُقل عن الإمام البخاريّ: مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقد تقدّم غير مرّة.
5 -
(ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة رضي الله عنهم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّ رَجُلًا) قال في "الفتح": لم أَقِف على اسمه، ووقع في "المعجم الصغير" للطبرانيّ أن السائل هو ابن عمر
(1)
، لكن يَعْكُرُ عليه رواية عبد اللَّه بن شقيق، عن ابن عمر:"أن رجلًا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا بينه وبين السائل. . . " فذكر الحديث، وفيه:"ثم سأله رجلٌ على رأس الحول، وأنا بذلك المكان منه، قال: فما أدري أهو ذلك الرجلُ، أو غيره"، وعند النسائيّ من هذا الوجه أن السائل المذكور من أهل البادية، وعند محمد بن نصر في "كتاب أحكام الوتر"، وهو كتاب نفيسٌ في مجلدة، من رواية عطيّة، عن ابن عمر:"أن أعرابيًّا سأل"، فَيَحْتَمِل أن يُجْمَع بتعدد من سأل.
ووقع في رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن ابن عمر الآتية:"أن رجلًا نادى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو في المسجد"، وفي رواية للبخاريّ:"سأل رجلٌ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر"، وفي رواية له من طريق أيوب، عن نافع: "أن رجلًا جاء إلى
(1)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون السائل ابن عمر رضي الله عنهما، مما لا يخفى بطلانه، فتبصّر.
النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب، فقال: كيف صلاة الليل؟ "
(1)
.
(سَأَل رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ) وفي رواية أيوب المذكورة: "فقال: كيف صلاة الليل؟ "، قال في "الفتح": وقد تبيّن من الجواب أن السؤال وقع عن عددها، أو عن الفصل والوصل، وفي رواية محمد بن نصر، من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رجل: يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كيف تأمرنا أن نصلي من الليل؟.
وأما قول ابن بزيزة: جوابه بقوله: "مثنى" يدُلُّ على أنه فَهِمَ من السائل طلب كيفية العدد، لا مطلق الكيفية، ففيه نظرٌ، وأولى ما فُسِّرَ به الحديث من الحديث.
واستُدِلَّ بمفهومه على أن الأفضل في صلاة النهار أن تكون أربعًا، وهو مذهب الحنفية، وإسحاق.
وتُعُقِّب بأنه مفهوم لقب، وليس بحجة على الراجح، وعلى تقدير الأخذ به، فليس بمنحصر في أربع، وبأنه خرج جوابًا للسؤال عن صلاة الليل، فقيّد الجواب بذلك مطابقة للسؤال، وبأنه قد تبيّن من رواية أخرى أن حكم المسكوت عنه حكم المنطوق به، ففي السُّنَن، وصححه ابن خزيمة وغيره، من طريق عليّ الأزديّ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا:"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".
وقد تُعُقِّب هذا الأخير بأن أكثر أئمة الحديث أعلُّوا هذه الزيادة، وهي قوله:"والنهار" بأن الحفاظ من أصحاب ابن عمر رضي الله عنهما لم يذكروها عنه، وحَكَمَ النسائي على راويها بأنه أخطأ فيها، وقال يحيى بن معين: "مَنْ عليّ الأزديّ؟، حتى أَقْبَلَ منه، وادَّعَى يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع، أن ابن عمر كان يتطوع بالنهار أربعًا، لا يفصل بينهنّ، ولو كان حديث الأزديّ صحيحًا لما خالفه ابن عمر، يعني مع شدّة اتباعه، رواه عنه محمد بن نصر في سؤالاته.
لكن رَوَى ابن وهب بإسناد قويّ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، موقوفٌ، أخرجه ابن عبد البر، من طريقه فلعلّ الأزديّ
(1)
راجع: "صحيح البخاريّ" برقم (472 و 473)"كتاب الصلاة".
اختلط عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة مَن يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذًّا.
وقد رَوَى ابن أبي شيبة من وجه آخر، عن ابن عمر، أنه كان يصلي بالنهار أربعًا أربعًا، وهذا موافق لما نقله ابن معين
(1)
، قاله في "الفتح"
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد استوفيت البحث في زيادة "والنهار"، في "شرح النسائيّ"، ورجّحت ما ذهب إليه جمهور المحدثين من تضعيفها؛ لتفرّد عليّ الأزديّ بها، ومخالفته الجماعةَ من أثبات رواة ابن عمر رضي الله عنهما، ومخالفته ما صحّ عنه مع شدّة اتّباعه، أنه كان يتطوّع بالنهار أربعًا، لا يفصل بينهنّ، فلو كانت هذه الزيادة ثابتة عنده لما خالفه، فإن أردت زيادة التحقيق، فراجع شرحي المذكور
(3)
، تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) مبتدأ وخبره، أي: المستحبّ في صلاة الليل أن تكون ركعتان ركعتان، فـ "مثنى" الثاني للمبالغة في التأكيد، وإلا فالتكرار موجود في الأول؛ لأنه معدول عن اثنين اثنين، وهو خبر لفظًا، لكن معناه الأمر والندب، والمراد أنه ينبغي للمصلّي أن يصلّيها ركعتين ركعتين.
وقال في "الفتح": قوله: "مثنى مثنى": أي: اثنين اثنين، وهو غير منصرف؛ لتكرار العدل فيه، قاله صاحب "الكشاف"، وقال آخرون: للعدل والوصف، وأما إعادة "مثنى"؛ فللمبالغة في التأكيد.
وقد فسّره ابن عمر رضي الله عنهما راوي الحديث، فعند مسلم من طريق عُقبة بن حُرَيث: قال: قلت لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تُسَلِّم من كل ركعتين.
وفيه رَدّ على من زعم من الحنفية أن معنى "مثنى" أن يتشهد بين كل
(1)
هكذا نسخة "الفتح"، ولعل الصواب:"لما نقله يحيى بن سعيد الأنصاريّ"، كما تقدّم قريبًا.
(2)
"الفتح" 2/ 5556 - 556.
(3)
"ذخيرة العقبى" 18/ 15 - 20.
ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسره به هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه لا يقال في الرباعية مثلًا: إنها مثنى.
واستُدِلَّ بهذا على تَعَيُّن الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل، قال ابن دقيق العيد رحمه الله: وهو ظاهر السياق؛ لحصر المبتدأ في الخبر، وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل؛ لما صحّ من فعله صلى الله عليه وسلم بخلافه، ولم يتعيّن أيضًا كونه لذلك، بل يَحْتَمِل أن يكون للإرشاد إلى الأخف؛ إذ السلام بين كل ركعتين أخفّ على المصلي من الأربع فما فوقها؛ لما فيه من الراحة غالبًا وقضاء ما يَعْرِض من أمر مُهِمٍّ، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط لم يواظب عليه صلى الله عليه وسلم.
ومن ادَّعَى اختصاصه به فعليه البيان، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم الفصل، كما صحّ عنه الوصل، فعند أبي داود، ومحمد بن نصر، من طريقي الأوزاعيّ، وابن أبي ذئب، كلاهما عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي ما بين أن يفرُغ من العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعةً، يسلِّم من كل ركعتين، وإسنادهما على شرط الشيخين.
واستُدِلّ به أيضًا على عدم النقصان عن ركعتين في النافلة، ما عدا الوتر.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: والاستدلال به أقوى من الاستدلال بامتناع قصر الصبح في السفر إلى ركعة، يشير بذلك إلى الطحاويّ، فإنه استَدَلّ على منع التنفل بركعة بذلك.
وأستَدَلَّ بعض الشافعية للجواز بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة خيرُ موضوع، فمن شاء استَكْثَر، ومن شاء استَقَلَّ"، صححه ابن حبان.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في هذا الاستدلال نظرٌ لا يخفى؛ فإن الاستكثار لا يُنافي كون الصلاة مثنى مثنى، فالأفضل أن يستكثر المصلي مع التزام كونها مثنى مثنى، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقد اختَلَفَ السلف في الفصل والوصل في صلاة الليل، أيهما أفضل، وقال الأثرم، عن أحمد: الذي أختاره في صلاة الليل مثنى مثنى، فإن صلى بالنهار أربعًا فلا بأس، وقال محمد بن نصر نحوه في صلاة الليل، قال: وقد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أوتر بخمس، لم يجلس إلا في آخرها، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على الوصل، إلا أنّا نختار أن يُسَلِّم من كل ركعتين؛
لكونه أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت، وأكثر طُرُقًا، وقد تضمن كلامه الردّ على الداوديّ الشارح، ومَن تبعه في دعواهم، أنه لم يثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه صلى النافلة أكثر من ركعتين ركعتين. انتهى
(1)
، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا.
(فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ) أي: فوت الوتر بطلوع الفجر، وظهوره، وهو في شفع صلاة الليل قبل أن يوتر (صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ) أي: تجعل تلك الركعةُ الواحدةُ (مَا قَدْ صَلَّى")"ما" موصولة مفعول "تُوتر"، والعائد محذوف؛ لكونه ضميرًا متّصلًا منصوبًا بفعل تامّ، كما قال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . .
…
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ
…
بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
والمعنى: أن الركعة الواحدة التي صلاها أخيرًا تجعل تمام الركعات التي صلّاها شفعًا وترًا، فإن تلك الركعة الواحدة كما أنها وتر بذاتها، كذلك يصير بها جميع صلاة الليل وترًا بعد أن كان شفعًا.
قال ابن الملك رحمه الله: الحديث حجة للشافعيّ في قوله: الوتر ركعة واحدة.
وتعقّبه القاري بما نقله عن ابن الْهُمَام أن نحو هذا كان قبل أن يستقرّ أمر الوتر.
وتُعُقّب بأنه لا دليل على أن هذا كان قبل استقرار أمر الوتر، ولا على أن الوتر محصورٌ في ثلاث ركعات، فهو مردود على ابن الهمام.
وقال السنديُّ رحمه الله في "حاشية النسائيّ": قوله: "فإذا خَشِي الصبح، فواحدة" ظاهر الحديث مع أحاديث أخر يفيد جواز الوتر بركعة واحدة، كما هو مذهب الجمهور، والقول بأنه كان، ثم نُسِخَ إثباته مشكلٌ.
وفي رواية للبخاريّ: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف، فاركع ركعةً توتر لك ما صلّيت".
وفيه ردّ على من ادّعى من الحنفيّة أن الوتر بواحدة مختصّ بمن خَشِيَ
(1)
"الفتح" 2/ 556 - 557.
طلوع الفجر؛ لأنه علّقه بإرادة الانصراف، وهو أعمّ من أن يكون لخشية طلوع الفجر، أو غير ذلك. انتهى
(1)
.
[تنبيه]: قال ابن التين رحمه الله: اختُلِف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة، زاد الحافظ: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محل القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله، وهل تسن ركعتان بعده؟ وفي صلاته من قعود، لكن هذا الأخير يَنبني على كونه مندوبًا أو لا، وقد اختلفوا في أول وقته أيضًا، وفي كونه أفضل صلاة التطوع، أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تفاصيل أكثر هذه الأشياء في المسائل التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
[فائدة]: قال في "الفتح": يؤخذ من سياق هذا الحديث أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس من النهار شرعًا، وقد رَوَى ابنُ دُريد في "أماليه" بسند جيِّد أن الخليل بن أحمد سئل عن حدّ النهار، فقال: من الفجر المستطير إلى بداءة الشفق، وحُكِي عن الشعبيّ أنه وقت منفرد، لا من الليل، ولا من النهار، قاله في "الفتح"
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حُكي عن الشعبي قولٌ باطلٌ تردّه النصوص الشرعيّة، فإنها اعتبرت ما بعد طلوع الفجر كلّه من النهار، فعلّقت عليه وجوب الصوم، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالنصوص، وإنما الصواب قول الخليل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 258.
(2)
"الفتح" 2/ 557.
أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 1748 و 1749 و 1750 و 1751 و 1752](749)، و (البخاريّ)(472 و 473 و 990 و 993 و 995 و 1137)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1666 و 1667 و 1668 و 1669 و 1670 و 1671 و 1672 و 1673 و 1674 و 1682 و 1689 و 1690 و 1691 و 1692 و 1693 و 1694 و 1695)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1295 و 1326 و 1421 و 1438)، و (الترمذيّ) فيها (438)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1320)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 123)، و (الحميديّ) في "مسنده"(631)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 273 و 291)، و (أحمد) في "مسنده"(9/ 2 و 10 و 133 و 141)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1072)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2426)، و (أبو عوانة) في "مسنده (2311 و 2312 و 2313 و 2314 و 2315 و 2316 و 2317 و 2318 و 2319 و 2320 و 2321 و 2322 و 2323)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (1697 و 1698 و 1699 و 1700 و 1701 و 1702)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (13184 و 13215 و 13461)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (3/ 22)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (955 و 956 و 957)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان استحباب كون صلاة الليل مثنى مثنى، يسلّم من كلّ ركعتين، كما سيأتي هذا البيان من ابن عمر رضي الله عنهما الراوي للحديث، وهو أعلم بمعنى ما رواه.
2 -
(ومنها): أن قوله صلى الله عليه وسلم: "توتر له ما قد صلى" يدلّ على أن هذه الركعة الواحدة جَعَلت مجموع ما صلى قبلها وترًا، فيكون الوتر هو مجموع صلاة الليل الذي يُخْتَم بوتر، وهذا قول إسحاق ابن راهويه، واستدلّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أوتروا يا أهل القرآن"، وهو حديث صحيح
(1)
، وإنما أراد صلاة الليل.
وقالت طائفة: الوتر هو الركعة الأخيرة، وما قبله فليس منه، وهو قول
(1)
صحيح، أخرجه أبو داود برقم (1/ 61).
طائفة من الحنبليّة، كما قاله ابن رجب رحمه الله، قال: وفي كلام أحمد رحمه الله ما يدلُّ عليه
(1)
.
3 -
(ومنها): أن قوله صلى الله عليه وسلم: "فليوتر بواحدة" يدلُّ على أن الوتر مأمور به، وهل الأمر به للوجوب، أم لتأكد الاستحباب؟ فيهِ قولان مشهوران، وأكثر العلماء على أنه للاستحباب، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وسيأتي تحقيق القول فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
4 -
(ومنها): ما قاله في "الفتح": استُدِلّ بقوله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" على أنه لا صلاة بعد الوتر، وقد اختَلَف السلف في ذلك في موضعين: أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، والثاني: فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل في الليل، هل يَكتفِي بوتره الأول، وليتنفل ما شاء، أو يَشْفَع وتره بركعة، ثم يتنفل؟ ثم إذا فعل ذلك، هل يَحتاج إلى وتر آخر أو لا؟:
فأما الأول فوقع عند مسلم من طريق أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين بعد الوتر، وهو جالس، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعلوا الأمر في قوله:"اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترًا" مختصًّا بمن أوتر آخر الليل.
وأجاب من لم يقل بذلك بأن الركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر، وحمله النوويّ على أنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان جواز التنفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسًا، وهذا هو الحقّ.
وأما الثاني فذهب الأكثر إلى أنه يصلي شفعًا ما أراد، ولا ينقض وتره؛ عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا وتران في ليلة"، وهو حديثٌ حسنٌ، أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهما، من حديث طلق بن عليّ، وإنما يصحّ نقض الوتر عند من يقول بمشروعية التنفل بركعة واحدة غير الوتر، وقد تقدم ما فيه.
ورَوَى محمد بن نصر، من طريق سعيد بن الحارث، أنه سأل ابن عمر
(1)
راجع: "فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 9/ 116 - 117.
عن ذلك، فقال: إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم، فاشفع، ثم صلِّ ما بدا لك، ثم أوتر، وإلا فصلّ، واترُك على الذي كنت أوترت.
ومن طريق أخرى، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن ذلك، فقال: أما أنا فأصلي مثنى، فإذا انصرفتُ ركعتُ ركعةً واحدةً، فقيل: أرأيت إن أوترت قبل أن أنام، ثم قمتُ من الليل، فشفعت حتى أُصبح؟ قال: ليس بذلك بأس
(1)
.
5 -
(ومنها): أنه استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: "صلّ ركعة واحدةً" على أن فصل الوتر أفضل من وصله.
وتُعُقِّب بأنه ليس صريحًا في الفصل، فيَحْتَمِل أن يريد بقوله:"صلِّ ركعةً واحدةً" أي: مضافةً إلى ركعتين مما مضى.
واحتَجَّ بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيين الوصل، والاقتصار على ثلاث، بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسنٌ جائزٌ، واختلفوا فيما عداه، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه، وتركنا ما اختلفوا فيه.
وتَعَقَّبه محمد بن نصر المروزيّ بما رواه من طريق عراك بن مالك، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا وموقوفًا:"لا تُوتروا بثلاث، تُشَبِّهُوا بصلاة المغرب"، وقد صححه الحاكم، من طريق عبد اللَّه بن الفضل، عن أبي سلمة، والأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا نحوه، وإسناده على شرط الشيخين، وقد صححه ابن حبان، والحاكم.
ومن طريق مقسم، عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم كراهية الوتر بثلاث، وأخرجه النسائيّ أيضًا، وعن سليمان بن يسار أنه كَرِه الثلاث في الوتر، وقال: لا يشبه التطوع الفريضة، فهذه الآثار تَقْدَح في الإجماع الذي نقله.
وأما قول محمد بن نصر: لم نجد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم خبرًا ثابتًا صريحًا أنه أوتر بثلاث موصولة، نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاث، لكن لم يبيّن الراوي، هل هي موصولة، أو مفصولة؟. انتهى.
فيَرُدُّ عليه ما رواه الحاكم، من حديث عائشة رضي الله عنها:"أنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث، لا يقعد إلا في آخرهن"، ورَوَى النسائيّ من حديث أُبَيّ بن كعب
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 557 - 558.
نحوه، ولفظه:"يوتر صلى الله عليه وسلم بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)}، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}، ولا يسلم إلا في آخرهن"، وبَيَّن في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات.
ويجاب عنه باحتمال أنهما لم يَثْبُتا عنده، والجمع بين هذا وبين ما تقدم من النهي عن التشبه بصلاة المغرب، أن يُحْمَل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين، وقد فعله السلف أيضًا، فرَوَى محمد بن نصر، من طريق الحسن، أن عمر رضي الله عنه كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير، ومن طريق الْمِسْوَر بن مَخْرَمة أن عمر أوتر بثلاث، لم يسلم إلا في آخرهنّ، ومن طريق ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان يوتر بثلاث، لا يقعد بينهنّ، ومن طريق قيس بن سعد، عن عطاء، وحماد بن زيد، عن أيوب مثله.
ورَوَى محمد بن نصر، عن ابن مسعود، وأنس، وأبي العالية أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب، وكأنهم لم يبلغهم النهي المذكور، وصحّ عند البخاريّ قول القاسم بن محمد في تجويز الثلاث، ولكن النزاع في تعيّن ذلك، فإن الأخبار الصحيحة تأباه. انتهى، وسيأتي تمام البحث في هذا قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
6 -
(ومنها): أن قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا خَشِي أحدكم الصبح. . . إلخ" يدلّ على أن الأفضل تأخير صلاة الوتر إلى آخر الليل.
7 -
(ومنها): أن قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا خشي أحدكم الصبح" يُستدلّ به على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر.
وأصرح منه ما رواه أبو داود، والنسائيّ، وصححه أبو عوانة وغيره، من طريق سليمان بن موسى، عن نافع أنه حدّثه أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول: من صلى من الليل، فليجعل آخر صلاته وترًا، فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر، فقد ذَهَب كلُّ صلاة الليل والوتر.
وفي "صحيح ابن خزيمة"، من طريق قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا:"من أدركه الصبح، ولم يوتر فلا وتر له".
وهذا محمول على التعمّد، أو على أنه لا يقع أداءً؛ لما رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أيضًا مرفوعًا:"مَن نَسِي الوتر، أو نام عنه فليصلِّه إذا ذكره".
وقيل: معنى قوله: "إذا خَشِيَ أحدكم الصبح" أي: وهو في شفع، فلينصرف على وتر، وهذا ينبني على أن الوتر لا يَفْتَقِر إلى نية.
8 -
(ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "توتر له ما قد صلى" على أن الركعة الأخيرة هي الوتر، وأن كل ما تقدّمها شفعٌ، وادَّعَى بعض الحنفية أن هذا إنما يُشْرَع لمن طرقه الفجر قبل أن يوتر، فيكتفي بواحدة؛ لقوله:"فإذا خَشِيَ الصبح".
وتُعُقّب بأن في رواية البخاريّ من طريق القاسم بن محمد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف، فاركع ركعة واحدة توتر لك ما صلّيتَ"، فقد جعله بإرادة الانصراف، لا بخشية طلوع الفجر.
قال في "الفتح": في هذه الرواية دفع لقول من ادَّعَى أن الوتر بواحدة مختصّ بمن خَشِيَ طلوع الفجر؛ لأنه علّقه بإرادة الانصراف، وهو أعمّ من أن يكون لخشية طلوع الفجر، أو غير ذلك. انتهى.
والحاصل أن الإيتار بواحدة جائز مطلقًا، سواء خشي طلوع الفجر أم لا؛ لوضوح الأدلة على ذلك، فتبصّر بالإنصاف.
9 -
(ومنها): أنه استَدَلَّ به من قال بتعيّن الشفع قبل الوتر، وهو عن المالكية؛ بناءً على أن قوله:"ما قد صلى" أي: من النفل، وحملَه من لا يشترط سبق الشفع على ما هو أعمّ من النفل والفرض، وقالوا: إن سبق الشفع شرط في الكمال، لا في الصحة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح أن سبق الشفع أفضل، وإلا فالإيتار بركعة واحدة جائزٌ؛ لحديث أبي أيوب رضي الله عنه مرفوعًا:"الوتر حقٌّ، فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء بواحدة"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم.
وقد صحّ عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم أوتروا بواحدة، من غير تقدُّم نفل قبلها، ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح، عن السائب بن يزيد، أن عثمان رضي الله عنه قرأ القرآن ليلةً في ركعة، لم يُصَلّ غيرها، وفي "كتاب المغازي" من "صحيح البخاريّ" عن عبد اللَّه بن ثعلبة أن سعدًا رضي الله عنه أوتر
بركعة، وفي "كتاب المناقب" منه، عن معاوية رضي الله عنه أنه أوتر بركعة، وأن ابن عباس رضي الله عنهما استصوبه.
قال في "الفتح": وفي كل ذلك ردٌّ على ابن التين في قوله: إن الفقهاء لم يأخذوا بعمل معاوية رضي الله عنه في ذلك، وكأنه أراد فقهاءهم. انتهى، وسيأتي تمام البحث فيه أيضًا قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الفصل بين كلّ ركعتين من صلاة الليل والنهار:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله بعد ذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فواحدة" - ما نصُّهُ: وبهذا قال كثير من أهل العلم.
واختلفوا في صلاة النهار فقالت طائفة: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، رُوي هذا القول عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقال حماد في صلاة النهار: مثنى مثنى، وممن قال: إن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى: مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، واحتجّ أحمد بأحاديث، منها حديث ابن عمر في تطوّع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ركعتين بعد الظهر، وحديث العيد ركعتان، والاستسقاء ركعتان، و"إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين، قبل أن يجلس"، والنبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته صلى ركعتين، وذكر أحمد حديث ابن عمر الذي يرويه يعلى بن عطاء، قيل له: أوَليس قد رُوي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى قبل الظهر أربعًا؟ قال: قد رُوي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ثماني ركعات، فتراه لم يسلم فيها؟.
ذهبت طائفة: إلى أن صلاة الليل مثنى مثنى، ويصلي بالنهار أربعًا، ثبت عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، ويصلي بالنهار أربعًا أربعًا، ثم يسلّم.
وقال الأوزاعيّ: صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار إن شاء أربعًا قبل أن يسلّم.
وقال النعمان في صلاة الليل: إن شئت فصلِّ بتكبيرة ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت ستًّا، وقال يعقوب، ومحمد: صلاة الليل مثنى مثنى، وقال النعمان: وأما صلاة النهار، فصلِّ بتكبيرة ركعتين، وإن شئت أربعًا.
وكان إسحاق ابن راهويه يقول: الذي نختار له أن تكون صلاته بالليل مثنى مثنى، إلا الوتر، فإن له أحكامًا مختلفة، وأما صلاة النهار، فأختار أن يصلي قبل الظهر أربعًا، وقبل العصر أربعًا، وضحوة أربعًا؛ لما جاء عن ابن مسعود، وعلي، وابن عمر رضي الله عنهم من وجه واحد، فإن صلى بالنهار ركعتين ركعتين كان جائزًا.
وذهبت طائفة: إلى أن صلاة الليل والنهار يجزيك التشهد في الصلاة إلا أن تكون لك حاجة، فتسلّم، هكذا قال إبراهيم، وقال عطاء كذلك، وقال الأوزاعي: الرجل في سعة من صلاة النهار أن لا يسلّم من كلّ ثنتين، وأن يفصل بعضها عن بعض بعد أن يتشهد في كل ثنتين.
قال ابن المنذر رحمه الله: صلاة الليل مثنى مثنى؛ لحديث ابن عمر. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح عندي، استحباب صلاة الليل مثنى مثنى؛ لأحاديث الباب، وغيرها، وأما صلاة النهار، فإن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صلى أربعًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوتر:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: دلّت الأخبار على أن فرائض الصلوات خمس، وسائرهنّ تطوّع، وهو قول عوامّ أهل العلم، غير النعمان، فإنه خالفهم، وزعم أن الوتر فرض، وهذا القول مع مخالفته للأخبار الثابتة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم خلاف ما عليه عوامّ أهل العلم، عالمهم، وجاهلهم، ولا نعلم أحدًا سبقه إلى ما قال، وخالفه أصحابه، فقالوا كقول سائر الناس. انتهى.
وقال الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزيُّ رحمه الله في "كتاب الوتر": افترض اللَّه على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمته أول ما افترض ليلة أُسري به خمس صلوات في اليوم والليلة، فأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك أمته، ثم لم يزل بعد هجرته، وقدومه المدينة، ونزول الفرائض عليه، فريضة بعد فريضة، من الزكاة، والصيام،
والحجّ، والجهاد، يُخبر بمثل ذلك إلى أن توفّي -صلوات اللَّه وسلامه عليه- وقَدِمتْ وفودُ العرب بعد فتح مكة، ورجوعه إلى المدينة، وذلك في سنة تسع وعشر، من البادية، ونواحيها، يسألونه عن الفرائض، يخبرهم في كلّ ذلك أن عدد الصلوات المفترَضَات خمس، ووجّه معاذَ بنَ جبل إلى اليمن، وذلك قبل وفاته بقليل، فأمره أن يُخبرهم بأن فرض الصلوات خمس، ثم آخره ما خطب به بذلك في حجة الوداع، فأخبرهم أن عدد الصلوات المفترَضات خمس، لا أكثر من ذلك، وفيها نزلت:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} الآية [المائدة: 3]، ثم لم ينزل بعد ذلك فريضة، ولا حرام، ولا حلال، فرجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فمات بعد رجوعه بأقلّ من ثلاثة أشهر، ثم أخبر أبو بكر رضي الله عنه بذلك بعد وفاته، ثم أخبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الوتر ليس بحتم، كالصلوات المكتوبة، ولكنه سنة، وغير جائز أن يكون مثل أبي بكر، وعليّ رضي الله عنهما يجهلان فريضة صلاة من الصلوات المفروضات، وهما يحتاجان إليها في كل ليلة، حتى يجحدا فرضها، مَن ظنّ هذا بهما، فقد أساء الظنّ بهما.
قال: وكان أبو حنيفة يوجب الوتر، وخالفه أصحابه في الوتر، فقالوا: هو سنة، وليس بفرض. انتهى كلام محمد بن نصر باختصار رحمه الله.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر، وابن نصر -رحمهما اللَّه تعالى- من كون الوتر سنة من السنن، وليس بواجب، هو الحقّ، كما هو مذهب جمهور أهل العلم -رحمهم اللَّه تعالى-؛ لوضوح حجته.
والحاصل أن الوتر سنة مؤكّدة، وليس بواجب؛ لهذه الأدلة الواضحة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوتر:
قال النوويُّ رحمه الله: اختلفوا في أول وقته: فالصحيح في مذهبنا، والمشهور عن الشافعيّ، والأصحاب أنه يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، ويمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه: يدخل بدخول وقت العشاء، وفي وجه: لا يصحّ الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وفي قول: يمتدّ إلى صلاة الصبح، وقيل: إلى طلوع الشمس. انتهى.
وقال الشوكانيُّ رحمه الله: أحاديث الباب تدلّ على أن جميع الليل وقت للوتر، إلا الوقت الذي قبل صلاة العشاء، ولم يخالف في ذلك أحد، لا أهل الظاهر، ولا غيرهم، إلا ما ذُكر في وجه لأصحاب الشافعي أنه يصحّ قبل العشاء، وهو وجه ضعيف صرّح به العراقيّ وغيره، وقد حكى صاحب "المفهم" الإجماع على أنه لا يدخل وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء. انتهى.
وأما آخر وقته فهو إلى طلوع الفجر الثاني، وبعد طلوع الفجر يكون قضاء، وهو المشهور المرجّح الصحيح عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وعند المالكية للوتر وقتان: وقت اختيار، وهو إلى طلوع الفجر، ووقت ضرورة، وهو إلى تمام صلاة الصبح، ويكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر، ويندب قطع صلاة الصبح للوتر لفذّ، لا لمؤتمّ، وفي الإمام روايتان.
قال الحافظ: وحَكَى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياريّ، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح، وحكاه القرطبيّ عن مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ هو ما عليه الجمهور من أن وقت الوتر من مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق، وبعده يكون قضاء، كما دلّت عليه الأحاديث الكثيرة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم هل الوتر أول الليل أفضل، أم آخره؟:
(اعلم): أنه سيأتي للمصنّف رحمه الله في الباب التالي عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من خاف أن لا يقوم، من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل"، وقال أبو معاوية:"محضورة".
وأخرج ابن خزيمة رحمه الله في "صحيحه" عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: "متى توتر؟ " قال: أُوتِر، ثم أَنَام، قال:"بالحزم أخذت"، وسأل
عمر، فقال:"متى توتر؟ "، قال: أنام، ثم أقوم من الليل، فأُوتر، قال:"فِعْلِي فَعَلْتَ"، وفي رواية:"بفعل القويّ فعلتَ".
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله بعد أن أخرج الحديثين- ما نصّه: فدلّ قوله: "وذلك أفضل" على أن الوتر في آخر الليل أفضل.
وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه يوتر أول الليل، وكان عثمان بن عفّان رضي الله عنه ينام قبل أن يوتر، ورُوي معنى ذلك عن رافع بن خَدِيج رضي الله عنه، وفعل ذلك عائذ بن عمرو رضي الله عنه لمّا أسنّ، وروينا عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنه قال: الأكياس الذين إذا علموا أنهم لا يقومون أوتروا من قبل أن يناموا، وأن الأقوياء الذين يوترون آخر الليل، وهو أفضل.
قال: وروينا عن علي بن أبي طالب، أنه لما نظر إلى تباشير الفجر، قال: نعم ساعة الوتر هذه، وكان عائذ بن عمرو يوتر آخر الليل، فلما أسنّ أوتر، ثم نام، وكان عبد اللَّه بن مسعود يوتر آخر الليل، وممن استحبّ الوتر آخر الليل النخعيّ، ومالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي.
قال: ويشبه أن يكون من حجة من رأى أن الوتر أول الليل أفضل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "ثلاث أوصاني بهنّ، أن أنام على وتر"، فلما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"من طَمِعَ في أن يستيقظ من آخر الليل، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل"، دلّ على أن قول أبي هريرة رضي الله عنه:"ثلاث أوصاني بهنّ: الوتر قبل النوم"، إنما هنّ على معنى الحَذَرِ، والوثيقة، تخوّفًا أن لا يستيقظ، فيوترَ آخر الليل. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن الأفضل لمن يثق بالانتباه آخر الليل فالأفضل أن يؤخّر الوتر إلى آخر الليل، ومن خاف أن لا يقوم فيه، فالأفضل له أن يوتر قبل النوم.
والحاصل أن الأحاديث المطلقة، في الوصية بالوتر قبل النوم، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور في الباب مقيّدة بمخافة فوات الوتر باستغراقه في النوم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في نقض الوتر:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: اختلفوا في الرجل يوتر، ثم ينام، ثم يقوم للصلاة.
فقالت طائفة: يصلي إلى الركعة التي أوتر بها قبل أن ينام ركعة أخرى، ثم يصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته، واحتجّ بعضهم بأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمر أن يجعل آخر الصلاة بالليل وترًا، هكذا قال إسحاق وغيره.
فممن رُوي عنه أنه كان يشفع وتره عثمانُ بن عفّان، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب.
وممن رُوي عنه أنه فعل ذلك علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال عمرو بن ميمون، وابن سيرين.
ومذهب سعد، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن مسعود، وابن سيرين، وإسحاق: إذا نقض وتره أوتر في آخر صلاته، ولعلّ هذا مذهبُ الآخرين، وإن لم يُذكر ذلك عنهم.
قال: وأنكر بعضهم هذا، وقال: إذا نام الرجل، وأحدث أحداثًا، ثم قام، فتوضّأ، وتكلّم بين ذلك، ثم صلى ركعة، وهذه الركعة غير الركعة التي ركعها قبل أن ينام؛ إذ بينهما من الفصل بالنوم والأحداث ما بينهما، ثم إذا صلى، وأوتر بعد ذلك في آخر صلاته، فقد صار مُوتِرًا مرّتين في ليلة، وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا وتران في ليلة"
(1)
، وإنما قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" في الرجل يريد الصلاة من الليل، فإذا أراد ذلك، فالسنّة أن يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر آخر صلاته، وليس ذلك لمن قد أوتر مرّة؛ إذ ليس من السنّة أن يوتر في ليلة مرتين، والدليل على أن معنى قول ابن عمر المعنى الذي قلناه أن ابن عمر، وهو الراوي لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، وقد سئل عن نقض الوتر، فقال: إنما هو شيء أفعله برأيي، لا أرويه عن أحد.
ثم أخرج ابن المنذر بسنده عن مسروق، أنه قال: سألت ابن عمر عن نقضه الوتر؟ فقال: إنما هو شيء أفعله برأيي، لا أرويه عن أحد.
(1)
حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود (2/ 67).
قال ابن المنذر رحمه الله: ولا أعلم اختلافًا في أن رجلًا بعد أن أدى صلاة فرض كما فُرضت عليه، ثم أراد بعد أن فرغ منها نَقْضَها أن لا سبيل له إليه، فحُكْمُ المختَلَفِ فيه من الوتر حُكْمُ ما لا نعلمهم اختلفوا فيه، مما ذكرناه، وكذلك الحجّ، والصوم، والعمرة، والاعتكاف، لا سبيل إلى نقض شيء منها بعد أن يُكْمِلها.
رَوَينا عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه قال: أما أنا فإني أنام على وتر، فإن استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح، وروي هذا القول عن ابن عبّاس، خلاف القول الأول، ورَوَينا ذلك عن عائذ بن عمرو، وسعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعائشة رضي الله عنهم، ومَن رُوي عنه من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة قولان، فلعلّه قد فعل الفعلين جميعًا.
وكان علقمة لا يرى نقض الوتر، وهكذا مذهب النخعيّ، وطاوس، وأبي مِجْلَز، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور. انتهى كلام ابن المنذر رضي الله عنه باختصار.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المذهب الراجح عندي هو مذهب أكثر أهل العلم، وهو عدم نقض الوتر؛ إذ لا دليل عليه، كما قرره ابن المنذر رحمه الله، وأن من صلى الوتر قبل النوم، ثم استيقظ بعد النوم صلى ركعتين ركعتين، وأما احتجاج القائلين بنقض الوتر بحديث:"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، فالجواب عنه أن الأمر فيه ليس للإيجاب، وإنما هو للاستحباب، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسًا، فإنه يدلّ على أن الأمر المذكور للاستحباب، لا للإيجاب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في حكم قضاء الوتر:
قال في "الفتح": اختَلَفَ السلف في مشروعية قضائه، فنفاه الأكثر، وفي "صحيح مسلم" وغيره عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا نام من الليل من وجع أو غيره، فلم يَقُمْ من الليل، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً.
وقال محمد بن نصر رحمه الله: لم نَجِدْ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في شيء من الأخبار، أنه قَضَى الوتر، ولا أمر بقضائه، ومن زعم أنه صلى الله عليه وسلم في ليلة نومهم عن الصبح في الوادي قضى الوتر، فلم يُصِبْ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ولا أمر بقضائه" غير صحيح، يردّه حديث أبي سعيد رضي الله عنه الآتي.
قال: وعن عطاء، والأوزاعيّ رحمه الله: يُقضَى، ولو طلعت الشمس، وهو وجه عند الشافعية، حكاه النوويّ في "شرح مسلم".
وعن سعيد بن جبير: يُقْضَى من القابلة، وعن الشافعية: يُقضَى مطلقًا، قال الحافظ: ويُستَدَلُّ لهم بحديث أبي سعيد رضي الله عنه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ قول من قالَ: إن الوتر يُقضى؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بقضائه، فقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من نام عن وتره، أو نسيه، فليصلّه إذا ذكره"
(1)
، فهذا نصّ صريحٌ صحيحٌ.
ويشهد له ما أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"من نسي صلاةً، فليصلِّ إذا ذكرها. . . "، الحديث، وفي لفظ لمسلم:"من نسي صلاةً، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها"، فإن "صلاةً" نكرة في سياق الشرط، فيدخل فيه الفرض، والنفل الذي له وقت معيّنٌ، كالوتر، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1749]
(. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ،
(1)
قال الإمام أبو داود رحمه الله في "سننه"(1431): حدّثنا محمد بن عوف، حدثنا عثمان بن سعيد، عن أبي غسّان، محمد بن مطرف المدنيّ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من نام عن وتره، أو نسيه، فليصلّه إذا ذكره".
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح، فيه محمد بن عوف، وهو ثقة حافظ، وعثمان بن سعيد، وهو أيضًا ثقةٌ عابدٌ، واللَّه تعالى أعلم.
سَمِعَ
(1)
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ:"مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِرَكْعَةٍ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
2 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد، تقدّم قبل بابين.
3 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
4 -
(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
5 -
(الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
6 -
(سَالِمُ) بن عبد اللَّه بن عمر القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبتٌ عابدٌ فاضلٌ فقيه، كان يُشبّه بأبيه في الهدي والسَّمْت [3](ت 106) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 162.
7 -
(أَبُوهُ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب، ذُكر في السند الماضي.
8 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [10](ت 234)(خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 4/ 19.
9 -
(عَمْرُو) بن دينار الأثرم، الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [4](ت 126)(ع) تقدم في "الإيمان" 21/ 184.
10 -
(طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ [3](ت 106) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
وقوله: (سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) يقدّر قبله لفظة "أنه"، فيقرأ: عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم
وقوله: (وَحَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) عطفٌ على قوله: "حدّثنا عمر. . . إلخ"، فقائل:"وحدّثنا. . . إلخ" هو سفيان بن عيينة، فله في هذا الحديث ثلاثة
(1)
وفي نسخة: "أنه سمع".
أسانيد، الأول عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، والثاني: عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عمر، والثالث: عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه.
والفرق بين الأول والثالث أن ابن عمر في الأول سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وفي الثالث أنه سمع رجلًا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فأجابه، بقوله:"مثنى مثنى. . . إلخ"، والظاهر أن الرواية الأولى مختصرة من الثالثة، فلا فرق بينهما، وإنما أراد المصنّف رحمه الله أن يُنبّه على اختلاف الرواة في كيفيّة الأداء، فبعضهم أدّاه مطوّلًا، وبعضهم تصرّف فيه بالاختصار، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) تقدّم أن السائل لا يعرف اسمه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد استوفيتُ -بحمد اللَّه تعالى وتوفيقه- شرحَهُ، وبيانَ مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1750]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثنى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قبل باب.
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم أيضًا قبل باب.
3 -
(عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب المصريّ، تقدّم قبل بابين.
4 -
(حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [3](ت 105) تقدم في "الإيمان" 26/ 213.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي: في المسجد النبويّ، ففي رواية عبيد اللَّه بن عمر الآتية:"أن رجلًا نادى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو في المسجد"، وفي رواية للبخاريّ:"سأل رجلٌ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر"، وفي رواية له من طريق أيوب، عن نافع:"أن رجلًا جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب، فقال: كيف صلاة الليل؟ "
(1)
.
وقوله: (كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟) قد يتبيّن من الجواب أن سؤال الرجل وقع عن عدد صلاة الليل، أو عن الفصل والوصل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1751]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَبُدَيْلٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّائِلِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ:"مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَصَلِّ رَكْعَةً، وَاجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِكَ وِتْرًا"، ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَا أَدْرِي هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ
(2)
، أَوْ رَجُلٌ آخَرُ؟ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [10](ت 234)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 23/ 190.
2 -
(حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [8](ت 179)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
3 -
(أَيُّوبُ) بن أبي تميمة، تقدّم في الباب الماضي.
(1)
راجع: "صحيح البخاريّ" برقم (472 و 473)"كتاب الصلاة".
(2)
وفي نسخة: "أهو ذلك الرجل؟ ".
4 -
(بُدَيْلُ) بن ميسرة الْعُقيليّ البصريّ، ثقةٌ [5](ت 125 أو 130)(م 4) تقدم في "الصلاة" 47/ 1115.
5 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ، ثقةٌ فيه نصبٌ [3](ت 108)(عخ م 4) تقدم في "الإيمان" 84/ 450.
والصحابيّ ذُكر قبله.
وقوله: (فَصَلِّ رَكْعَةً) بيان جواز الإيتار بركعة منفردة، وقد تقدّم أنه المذهب الصحيح الذي تؤيّده الأحاديث الصحيحة، فتنبّه.
وقوله: (وَاجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِكَ وِتْرًا) هذا الأمر للاستحباب جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى التي تدلّ على جواز الإيتار في أول الليل، وإن تهجّد في آخره.
وقوله: (عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ) أي: في نهاية السنة، والجارّ والمجرور متعلّق بـ "سأله".
وقوله: (وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ) جملة في محلّ نصب على الحال.
والحديث متّفق عليه، وتمام شرحه يُعلم مما سبق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1752]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَبُدَيْلٌ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(1)
، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَا بِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَمَا بَعْدَهُ).
وجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين بن طلحة الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
(1)
وفي نسخة: "عن عبد اللَّه بن عمر".
[10]
(ت 237) وله أكثر (80) سنةً (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" 6/ 57.
2 -
(عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ) -بمهملات مصغّرًا- السَّدُوسيّ، أبو عُبيدة -بالضمّ- البصريّ، ثقة ثبتٌ [6](ت 149)(م د ت س) تقدم في "المسافرين" 7/ 1637.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [10](ت 238)(م د س) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
4 -
(الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ) -بكسر الخاء المعجمة، وتشديد الراء، آخره تاء مثنّاة- البصريّ، ثقةٌ [5](خ م د ت ق) تقدم في "المسافرين" 7/ 1636.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (فَذَكَرَا) ضمير التثنية لشيخيه: أبي كامل، ومحمد بن عُبيد، ويَحْتَمِلُ أن يكون لعمران بن حُدير، والزبير بن الْخِرِّيت.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) الضمير لحديث أبي الربيع؛ أي: بمثل حديث أبي الربيع الزهرانيّ الماضي.
[تنبيه]: هذه الرواية التي أحالها المصنّف رحمه الله هنا مع نفي قوله: "ثم سأله رجلٌ. . . إلخ" لم أجد من ساقها، وإنما وجدت رواية عمران بن حُدير، وفيها هذا المنفيّ، فقد أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(5195)
حدّثنا وكيع، حدّثنا عمران بن حُدير، عن عبد اللَّه بن شَقِيق الْعُقيليّ، عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسأله عن صلاة الليل، وأنا بين السائل وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"مثنى مثنى، فإذا خَشِيت الصبح، فاوتر بركعة"، قال: ثم جاء عند قَرْن الحول، وأنا بذاك المنزل، بينه وبين السائل، فسأله، فقال:"مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح، فأوتر بركعة". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1753]
(755) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ،
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
أَخْبَرَنِي عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، تقدّم قبل باب.
2 -
(سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [10](ت 235)(خ م س) تقدم في "الإيمان" 25/ 209.
3 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
4 -
(ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [9](ت 3 أو 184)(ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 121.
5 -
(عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [4] مات بعد (140)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 27.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بَادِرُوا الصُّبْحَ بالْوِتْرِ) أي: سابقوه به، وتعجّلوا، بأن توقعوا الوتر قبل دخول وقت الصبح، وقال في "المرعاة": أي: عجّلوا بأداء الوتر قبل طلوع الصبح، قال الطيبيُّ رحمه الله:"بادروا": أي: سارعوا، كأن الصبح مسافر يقدَم إليك طالبًا منك الوتر، وأنت تستقبله مسرعًا بمطلوبه، وإيصاله إلى بُغيته.
وفي حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه الآتي في الباب: "أوتروا قبل أن تُصبحوا": أي: تدخلوا في الصبح، وهو دليل على أن الوتر قبل الصبح، وأنه إذا طلع الفجر خرج وقت الوتر، وهو الصحيح، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة السادسة في شرح حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور أول الباب.
وقد استدلّ القاري بالحديث لمذهب الحنفية في وجوب الوتر؛ لأن الأمر للوجوب، وتعقّبه صاحب "المرعاة" بأنه إنما يدلّ على وجوب الإيتار قبل طلوع الصبح، لا على وجوب نفس الإيتار، والمطلوب هذا لا ذاك، فالاستدلال به على وجوب الوتر باطلٌ. انتهى
(1)
، وهو تحقيقٌ جيّد.
(1)
"المرعاة" 4/ 267 - 268.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 1753](750)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1436)، و (الترمذيّ) فيها (467)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 37 و 38)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1087 و 1088)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2445)، و (الحاكم) في "المستدرك"(1/ 301)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2323)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1703)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(1/ 478)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1754]
(751) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمح بن مهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 242)(م ق) تقدم في "الإيمان" 16/ 168.
3 -
(اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (113) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فانفرد به هو وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أن قتيبة بَغْلانيّ، وابن رُمح والليث مصريّان، والباقيان مدنيان.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنه (قَالَ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ)"من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، كما مرّ مرّة، أنه تهجّد في الليل، أو بعض الليل (فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاِتِهِ وِتْرًا) أي: ليختم تهجّده بصلاة الوتر، واستُدلّ به على أنه لا صلاة بعد الوتر، وهو محمول على الاستحباب؛ لما تقدّم من كونه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين، وهو جالس، فدلّ على جوازه، وقد سبق في المسائل المذكورة في شرح حديث أول الباب تحقيق الخلاف في مسألة نقض الوتر، وأن الصحيح أنه لا يُشرع نقضه.
واستُدلّ به لأبي حنيفة رحمه الله في وجوب الوتر؛ لكونه بصيغة الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
ورُدّ عنه بثلاثة أوجه:
[أحدها]: أن الأصل في الأمر وإن كان للوجوب، لكنه إذا وُجدت قرينة صارفة عن الوجوب، يُحمل على الندب، وقد صرّح علماء الحنفيّة بأن صيغة الأمر هنا ليست للوجوب، قاله القاري، وصاحب "بذل المجهود".
ولو سُلّم أنه للوجوب فهو إنما يدلّ على وجوب جعل الوتر آخر صلاة الليل، لا على وجوب الوتر.
[الثاني]: أن صلاة الليل ليست واجبة، فكذا آخرها، قال في "الفتح": قد استَدَلّ به بعض من قال بوجوب الوتر، وتُعُقّب بأن صلاة الليل ليست واجبة، وكذا آخرها، وبأن الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليله. انتهى.
[الثالث]: أنه لو ثبت من هذا الحديث وجوب الوتر لقال به ابن عمر رضي الله عنهما، وأفتى به من غير تأمّل وتردّد، لكنه لَمّا استفتي عنه لم يزد في فُتياه على أن يقول:"أوتر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأوتر المسلمون"، قاله في "المرعاة"
(1)
.
(1)
"المرعاة شرح المشكاة" 4/ 267.
(فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) الفاء للتعليل؛ أي: لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ) أي: بجعل الوتر آخر صلاة الليل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 1754 و 1755 و 1756](751)، و (البخاريّ) في "كتاب الوتر"(998)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1421 و 1436)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(429 و 431)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1682)، و (أحمد) في "مسنده"(4951)، و (الدارميّ) في "سننه"(1423)، و (أبو عوانة) في "سنده"(2326 و 2327)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1704 و 1705)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1755]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، كُلُّهُمْ مَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
1 -
(أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل بابين.
2 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل بابين.
4 -
(ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم قبل باب.
5 -
(يَحْيَى) بن سعيد القطّان، تقدّم في الباب الماضي.
6 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ) بنُ عمر العُمَرِيّ المدني، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، فلا تنس نصيبك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1756]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاِتهِ وِتْرًا قَبْلَ الصُّبْحِ، كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُهُمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الْحَمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقة [10](ت 243) وقد ناهز الثمانين (م 4) تقدم في "الإيمان" 64/ 361.
2 -
(حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمِصّيصيّ، أبو محمد الترمذيّ، نزيل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [9](ت 206)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 94.
3 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، يُرسل ويُدلّس [6](150)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1757]
(752) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّياحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمِي بالقدر، من صغار [9](ت 6 أو 235) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" 12/ 157.
2 -
(عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 180)(ع) تقدم في "الإيمان" 18/ 176.
3 -
(أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [5](ت 128)(ع) تقدم في "الطهارة" 27/ 659.
4 -
(أَبُو مِجْلَزٍ) -بكسر الميم، وفتح اللام، بينهما جيم ساكنة- لاحق بن حُميد بن سعيد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقة، من كبار [3](ت 6 أو 109)(ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 56/ 1547.
و"ابن عمر" رضي الله عنهما ذُكر قبله.
وقوله: (الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) مبتدأ وخبره، وهو دليلٌ على صحّة الإيتار بركعة واحدة، وعلى استحبابه آخر الليل، وقد تقدّم البحث في ذلك مستوفًى في مسائل شرح حديث أول الباب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 1757 و 1758](752)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1421)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1689)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1175)، و (أحمد) في "مسنده"(4863 و 5105 و 5512 و 5524 و 5725)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2328 و 2330)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1707 و 1708 و 1709)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1758]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ
(1)
، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(ابْنُ بَشَّار) هو: محمد المعروف ببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر الهذليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [9](ت 3 أو 194)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
4 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
5 -
(قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1759]
(753) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْوِتْرِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ"، وَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ").
(1)
وفي نسخة: "ومحمد بن بشّار".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث الْعَنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [9](ت 207)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 82.
2 -
(هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو بكر، أو أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [7](ت 4 أو 165)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 70.
3 -
(ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، مات سنة (68)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى تخريجه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1760]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَليدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أُوتِرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ صَلَّى، فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِنْ أَحَسَّ أَنْ يُصْبحَ سَجَدَ سَجْدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى".
قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُل: ابْنُ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [6](ت 151)(ع) تقدم في "الإيمان" 64/ 361.
2 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب العدويّ، أبو بكر المدنيّ، شقيق سالم، ثقة [3].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، والصميتة الليثية.
ورَوَى عنه ابنه القاسم، وابن ابنه خالد بن أبي بكر بن عبيد اللَّه،
وعيسى بن حفص بن عاصم بن عمر، وابن أخيه عبيد اللَّه بن عمر بن حفص، والزهريّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وأبو الأسود يتيم عروة، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم.
قال الواقديّ: كان أسنّ من عبد اللَّه بن عبد اللَّه فيما يذكرون، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات قبل سالم، وقال غيره: في ولاية عبد الواحد النَّصْريّ، وكان عَزْلُ النَّصْريّ سنة ستّ ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (749)، وحديث (1188) و (1199) و (1288) و (1570).
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ) وفي رواية البخاريّ: "وهو على المنبر".
وقوله: (كَيْفَ أُوتِرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ؟) وفي رواية البخاريّ: "ما ترى في صلاة الليل؟ "؛ أي: ما رؤيتك؟ من الرأي، أو من الرؤية بمعنى العلم، قاله في "الفتح"
(1)
.
وقوله: (مَثْنَى مَثْنَى) بغير تنوين؛ لعدم صرفه، كما سبق؛ أي: اثنتين اثنتين، وكرَّره للتأكيد.
وقوله: (فَإنْ أَحَسَّ أَنْ يُصْبِحَ) أي: علم بقرب طلوع الفجر، يقال: أحسّ الرجل الشيءَ إحساسًا: عَلِمَ به، ويتعدّى بنفسه مع الألف، قال تعالى:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} الآية، وربّما زيدت الباء، فقيل: أحسّ به، على معنى شَعَرَ به، وحَسَسْتُ به، من باب قَتَلَ لغة فيه، والمصدرُ الْحِسُّ بالكسر، تتعدَّى بالباء على معنى شَعَرتُ أيضًا، ومنهم من يُخفِّف الفعلين بالحذف، فيقول: أحسته، وحَسْتُ به، ومنهم من يُخفّف فيهما بإبدال السين ياءً، فيقول: حَسَيْتُ، وأحسيتُ، قاله الفيّوميُّ رحمه الله
(2)
.
وقوله: (سَجَدَ سَجْدَةً) أي: ركع ركعةً واحدةً، فهو بمعنى قوله السابق:"صلّى ركعة واحدةً".
(1)
"الفتح" 1/ 670.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 135.
وقوله: (فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى) بفتح الراء: أي جعلت تلك الركعة الواحدة ما صلّاه شفعًا وترًا.
(قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ. . . إلخ) أراد به بيان اختلاف شيخيه أبي كُريب، وهارون؛ إذ قال هارون:"عبيد اللَّه عبد اللَّه بن عمر"، فنسبه إلى أبيه وجدّه، وأما أبو كُريب فاقتصر على نسبته لأبيه فقط.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1761]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(1)
خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، أَؤُطِيلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، قَالَ: إِنّك لَضَخْمٌ، أَلَا تَدَعُنِي
(2)
أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ، كَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ، قَالَ خَلَفٌ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ صَلَاة).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ [10](ت 229)(م د) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.
2 -
(أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 237)(خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" 6/ 57.
3 -
(حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [8](ت 179) وله (81) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
4 -
(أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، أو أبو حمزة، أو أبو
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "لا تدعني".
عبد اللَّه البصريّ، أخو محمد، ثقةٌ [3](ت 118) أو (120)(ع) تقدم في "المساجد" 47/ 1494.
والصحابيّ ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (114) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني.
وقوله: (أَؤُطِيلُ فِيهمَا الْقِرَاءَةَ؟) هكذا في رواية المصنّف "أؤُطيل" بهمزة الاستفهام، ووقع في روايّة الكشميهني لـ"صحيح البخاريّ":"أُطيل" بتركها، ووقع في الأكثرين "نُطيل" بنون الجمع، قال في "الفتح": وجوّز الكرمانيّ في "أطيل" أن يكون بلفظ مجهول الماضي، ومعروف المضارع، وفي الأول بُعْدٌ. انتهى
(1)
.
وقوله: (يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى) استُدِلّ به على فضل الفصل؛ لكونه أمر بذلك وفَعَلَه، وأما الوصل، فوَرَدَ من فعله فقط.
وقوله: (وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ) لم يُعيّن وقتها، وقد بُيِّن في حديث عائشة رضي الله عنها أنه فَعَلَ ذلك في جميع أجزاء الليل.
وقوله: (قَالَ: قُلْتُ. . . إلخ) القائل هو أنس بن سيرين رحمه الله.
قوله: (إِنَّكَ لَضَخْمٌ) فيه أن السمين في الغالب يكون قليل الفهم، قاله في "الفتح"، وقال القاضي عياض رحمه الله: قوله: "لضخم" إشارة إلى البلادة، وسوء الأدب؛ لمداخلته له في الكلام، وتركه تمامه، وقطعه عليه، كما قال بعضهم في أحد تأويلات قوله:"إنك لعريض القفا"، متّفقٌ عليه؛ لأن البلادة والغباوة مع السمن والضخامة. انتهى
(2)
.
وقوله: (أَلَا تَدَعُنِي)"ألا" بتخفيف اللام: أداة تحضيض؛ أي: ألا تتركني، وفي نسخة:"لا تدعني" بحذف همزة الاستفهام، وهو على تقديرها.
والمعنى: دَعْني أستقرئ لك الخبر، وأتمّم لك الحديث، وآتيك بنهايته، وجميع أجزائه حتى تكون عالِمًا له بتمامه، واللَّه تعالى أعلم،
وقوله: (أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ) أي: أَذكر لك الحديث بتمامه، حتى
(1)
"الفتح" 2/ 564.
(2)
"إكمال المعلم" 3/ 104.
تعلمه بالتفصيل، يقال: استقرأتُ الأشياء: إذا تتبّعت أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصّها، قاله في "المصباح"
(1)
.
وقال القاضي عياض رحمه الله: قوله: "أستقرئ لك الحديث" كذا رويناه بالهمزة، ومعناه على هذا: أتلوه، وآت به على نسقه، وقد يكون غير مهموز، ويكون معناه: أقصد لك إلى ما طلبت، من قولهم: قروت إليه قروًا إذا قصدت نحوه، ومنه: يقتري الأرض، ويقروها: إذا قطعها إلى أخرى، وهو أشبه بهذا الموضع، ومنه القرو: الطلب. انتهى
(2)
.
وقوله: (كَأَنَّ) بالهمزة، وتشديد النون (الْأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ) يعني من تخفيفهما، والمراد بالأذان هنا الإقامة، كما قال القاضي رحمه الله، وهو إشارة إلى شدّة تخفيف الركعتين بالنسبة إلى باقي صلاته صلى الله عليه وسلم.
والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان يُسرع في تينك الركعتين، فبهذا يخصُّ الجواب عن سؤال أنس بن سيرين عن قدر القراءة فيهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 1759 و 1760 و 1761 و 1762 و 1763](753)، و (البخارىّ) في "كتاب الوتر"(995)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(461)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(437)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1144 و 1174 و 8131)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 31 و 45 و 78 و 88 و 126)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1073 و 1112)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2331 و 2332)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"، (1712)، وبقيّة المسائل تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"المصباح المنير" 2/ 502.
(2)
"إكمال المعلم" 36/ 104.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1763]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ: فَقَالَ: بَهْ بَهْ، إِنَّكَ لَضَخْمٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث حمّاد بن زيد، عن أنس بن سيرين.
وقوله: (وَزَادَ. . . إلخ) الفاعل ضمير شعبة.
وقوله: (فَقَالَ: بَهْ بَهْ) قال النوويُّ رحمه الله: هو بموحّدة مفتوحة، وهاء ساكنة، وقيل: معناه: مَهْ مَهْ، وهو زجزٌ، وكفٌّ، وقال ابن السكّيت: هي لتفخيم الأمر، بمعنى بَخْ بَخْ. انتهى
(1)
.
وقال القاض عياض رحمه الله: قوله: "بَهْ بَهْ" إما أن يكون بمعنى مَهْ مَهْ زجرًا، وقد جاء ذلك، والباء تُبدل من الميم كثيرًا، أو يكون من قولهم: رجل بَهْبَهيّ
(2)
، وهو الجسيم الجريء، لا سيّما مع قوله:"إنك لضخم"، أو تكون حكايةً لاعتراضه عليه، وكلامه له من بهبهة الفحل في هديره. انتهى
(3)
.
وقال ابن الأثير رحمه الله: قيل: هي بمعنى بَخْ بَخْ، يقال: بَخْبَخَ، وبَهْبَهَ، غير أن الموضع لا يَحْتَمله إلا على بُعْد؛ لأنه قال:"إنك لضخم"، كالمنكر عليه، وبَخْ بَخْ لا يقال في الإنكار. انتهى
(4)
.
وقال في "القاموس": "بَهْ بَهْ": كلمة تقال عند استعظام الشيء، أو معناه: بَخ بَخ. انتهى
(5)
.
(1)
"شرح النوويّ"(6/ 34).
(2)
وقع في النسخة: "بهيّ" والصواب كما في "القاموس": بهبهيّ.
(3)
"إكمال المعلم" 3/ 104 - 105.
(4)
"النهاية" 1/ 169.
(5)
"القاموس المحيط" 4/ 281.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن أنس بن سيرين هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(5466)
حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أنس بن سيرين، قال: سألت ابن عمر ما أقرأ في الركعتين قبل الصبح؟ فقال ابن عمر: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة من آخر الليل، قال أنس: قلت: فإنما أسألك ما أقرأ في الركعتين قبل الصبح؟ فقال: بَهْ بَهَ، إنك لَضَخْمٌ، إنما أُحَدِّث، أو قال: إنما أقتصّ لك الحديث، كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ركعتين ركعتين، ثم يوتر بركعة، من آخر الليل، ثم يقوم كأن الأذان، أو الإقامة في أذنيه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1763]
(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ"، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: أَنْ تُسَلِّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عُقْبَةُ بْنُ حُرَيْثٍ) التغلبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [4].
رَوَى عن ابن عمرو، وابن المسيِّب، وروى عنه شعبة، والْفُرَات بن الأحنف.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (749)، وحديث (1080):"الشهر تسع وعشرون. . . "، و (1165):"التمسوها في العشر الآواخر. . . "، و (1997):"نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الجرّ. . . ".
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَنْ تُسَلِّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) قال القرطبيُّ رحمه الله: هذا إخبار منه عن صلاته صلى الله عليه وسلم كيف كانت، كما تقدّم من قول عائشة رضي الله عنها. انتهى
(1)
.
والحديث تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1764]
(754) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
(2)
، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر في الباب.
2 -
(عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [8](ت 189)(ع) تقدم في "الطهارة" 5/ 557.
3 -
(مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل باب.
4 -
(يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم قبل بابين.
5 -
(أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ [3](ت 8 أو 109)(خت م 4) تقدم في "الإيمان" 6/ 127.
6 -
(أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنَان الخدريّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، مات سنة (3 أو 4 أو 65) وقيل: سنة (74)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 485.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
(1)
"المفهم" 2/ 380.
(2)
وفي نسخة زيادة: "الخدريّ".
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وأبي النضرة، فعلّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن أبي نضرة.
4 -
(ومنها): أن أبا سعيد رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، روى (1170) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) رضي الله عنه زاد في نسخة: "الخدريّ"(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ) وفي رواية شيبان، عن يحيى التالية:"أنهم سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الوتر؟، فقال: أوتروا قبل الصبح"("أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا") أي: صلّوا صلاة الوتر قبل أن تدخلوا في وقت الصبح، والمراد بالصبح: الفجر الصادق، وهو الثاني، والحديث دليل على أن وقت الوتر قبل الصبح، وأنه إذا طلع الفجر خرج وقته، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في شرح حديث ابن عمر رضي الله عنهما أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 1764 و 1765](754)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(368)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1685 و 1686)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1189)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1089 و 1092)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2408)، و (الحاكم) في "مستدركه"(1/ 301 و 302)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2256 و 2257 و 2258 و 2259 و 2260)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه"(1714 و 1715)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1765]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَضْرَةَ الْعَوَقِيُّ، أَنَّ أَبِا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُمْ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْوِتْرِ، فَقَالَ: "أَوْتِرُوا قَبْلَ الصُّبْحِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [11](ت 251)(خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
2 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ) بن موسى بن أبي المختار باذام الْعَبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، يتشيّع [9](ت 213) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 118.
3 -
(شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [7](ت 164)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 118.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: قوله: "الْعَوَقيّ -بعين مهملة، وواو مفتوحتين، ثم قاف- منسوب إلى الْعَوَقَة بطنٌ من عبد القيس، وحَكَى صاحب "المطالع" فتح الواو، وإسكانها، والصواب المشهور المعروف الفتح لا غير، قاله النوويُّ رحمه الله
(1)
.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(23) - (بَابٌ مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1766]
(755) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 34.
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ"، وقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ:"مَحْضُورَةٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [10](ت 235)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
2 -
(حَفْصُ) بن غياث بن طَلْق بن معاوية النَّخَعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر بآخره قليلًا [8](ت 4 أو 195)(ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 136.
3 -
(أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [9](ت 195) عن (82) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
4 -
(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءة، وَرِعٌ، لكنه يُدلّس [5](ت 7 أو 148)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 297.
5 -
(أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [4](ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
6 -
(جَابِرُ) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، مات بعد السبعين، وهو ابن (94) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما تقدّم في السند الماضي.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى أبي سفيان، فواسطيّ، ثم مكيّ، وجابر رضي الله عنه مدنيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي سفيان.
5 -
(ومنها): أن جابرًا رضي الله عنه صحابيّ جليلٌ، غزا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، وهو من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)"من" يَحْتَمِلُ أن تكون تبعيضيّة، أو بمعنى "في" (فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ) منصوب على الظرفيّة؛ أي: فليصلّ الوتر في أول الليل (وَمَنْ طَمِعَ) بكسر الميم، من باب تَعِبَ، قال الفيّوميُّ رحمه الله: طَمِعَ في الشيء طَمَعًا، وطَمَاعةً، وطَمَاعيَةً، مخفّفٌ، فهو طَمِعٌ، وطامعٌ، ويتعدَّى بالهمزة، فيقال: أطمعته، وأكثر ما يُستعمل فيما يَقرُبُ حصوله، وقد يُستعمَلُ بمعنى الأمل، ومن كلامهم: طَمِعَ في غير مَطْمَع: إذا أَمَّلَ ما يَبْعُدُ حصوله؛ لأنه قد يقع كلُّ واحد موقع الآخر؛ لتقارب المعنى. انتهى
(1)
.
والمعنى: أن من وَثِقَ (أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ) أي: ليصلّ الوتر في آخر الليل، ثم بيّن سبب الحثّ على الإيتار في آخر الليل لمن وثِقَ بالانتباه بقوله:(فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ) الفاء تعليليّة؛ أي: لأن الصلاة في آخر الليل (مَشْهُودَةٌ) أي: محضورة، تحضره ملائكة الرحمة، وقال الطيبيُّ رحمه الله: يعني تشهدها ملائكة الليل والنهار، ينزل هؤلاء، ويَصعَد هؤلاء، فهو آخر ديوان الليل، وأول ديوان النهار، أو يشهدها كثير من المصلّين في العادة. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الثاني بعيد، والحقّ أن المراد به حضور الملائكة، قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى:{إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]: قال الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، وعن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنهم، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه الآية:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} ، قال: "تشهده ملائكة الليل
(1)
"المصباح المنير" 2/ 378.
(2)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1222.
وملائكة النهار"، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح
(1)
.
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجةً، وتَجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر"، يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} .
وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدّثنا أسباط، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وحدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} ، قال:"تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار"، ورواه الترمذيّ، والنسائيّ وابن ماجه ثلاثتهم عن عُبيد بن أسباط بن محمد، عن أبيه، به، وقال الترمذيّ: حسن صحيح.
وفي لفظ في "الصحيحين" من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح، وفي صلاة العصر، فيعرُج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلّون، وتركناهم وهم يصلّون".
وقال عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه: يجتمع الْحَرَسَان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء، ويقيم هؤلاء، وكذا قال إبراهيم النخعيّ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وغير واحد في تفسير هذه الآية.
قال: وأما الحديث الذي رواه ابن جرير ها هنا من حديث الليث بن سعد، عن زيادة، عن محمد بن كعب الْقُرَظيّ، عن فَضَالة بن عُبيد، عن أبي الدرداء، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فذكر حديث النزول، وأنه تعالى يقول: من يستغفرني أغفر له، من يسألني أعطيه، من يدعني فأستجيب له حتى يطلع الفجر، فلذلك يقول:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} ، فيَشْهَدُه اللَّه، وملائكة الليل، وملائكة النهار، فإنه تفرد به زيادة، وله بهذا
(1)
رواه الترمذيّ برقم (2507) بإسناد صحيح.
حديث في سنن أبي داود. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله ببعض تصرّف
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فتبيّن بما ذُكر أن الصواب في معنى قوله هنا: "مشهودة"؛ أي: تشهدها الملائكة، فتبصّر، وقوله:(وَذَلِكَ أَفْضَلُ) أي: الإيتار آخر الليل أكثر ثوابًا، وأكمل أجرًا.
وقوله: (وقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم (مَحْضُورَةٌ) أي: تحضرها الملائكة، وهو بمعنى "مشهودة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [23/ 1766 و 1767](755)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(455)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1187)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 300 و 315 و 337 و 348 و 389)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1806)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2565)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2202 و 2203)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1716 و 1717)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 35)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان أن من خاف أن لا يقوم في آخر الليل يُستحبّ له أن يوتر في أوله.
2 -
(ومنها): بيان أن من وَثِقَ بالانتباه آخر الليل، بأن اعتاد ذلك، أو كان له من يوقظه، كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يفعل بعائشة رضي الله عنها، استُحبّ له أن يوتر في آخر الليل.
قال النوويُّ رحمه الله: فيه دليلٌ صريحٌ على أن تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن وَثِقَ بالاستيقاظ آخر الليل، وأن من لا يَثِقُ بذلك، فالتقديم له
(1)
"تفسير ابن كثير" 3/ 55.
أفضل، وهذا هو الصواب، ويُحْمَل باقي الأحاديث المطلقة على هذا التفصيل الصحيح الصريح، فمن ذلك حديث:"أوصاني خليلي أن لا أنام إلا على وتر"، فهو محمول على من لا يَثِقُ بالاستيقاظ. انتهى.
3 -
(ومنها): أنه يدلّ دلالةً صريحةً على تفضيل صلاة الوتر وغيرها آخر الليل.
4 -
(ومنها): أن بعضهم استدلّ به على وجوب الوتر، قال القاري: أمرُه بالإتيان عند خوف الفوت يدلّ على وجوبه. انتهى.
وتُعُقّب بأن أمْرَه بالإتيان عند خوف الفوت لمزيد تأكّده، لا لوجوبه؛ لما أسلفناه من الأدلّة التي تدلّ على عدم وجوبه، وقد سبق بيانها في المسألة السابعة التي تقدّمت في شرح حديث ابن عمر رضي الله عنهما قبل باب، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
5 -
(ومنها): ما قال القرطبيُّ رضي الله عنهما: هذا الحديث يدلّ على أن تأخير الوتر أفضل لمن قَوِيَ عليه، وأن تعجيله جَزْمٌ؛ لئلا يفوت بطلوع الفجر، وقد روى أبو سليمان الخطّابيّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن أبا بكر وعمر يتذاكرا الوتر عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أما أنا، فإني أنام على وتر، فإن صلّيتُ صلّيتُ شفعًا شفعًا حتى أُصبحَ، وقال عمر رضي الله عنه: لكني أنام على شفع، ثم أوتر من السحر، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:"حَذِرَ هذا"، وقال لعمر:"قَوِيَ هذا"
(1)
.
وقد دلّ قول أبي بكر رضي الله عنه في هذا الحديث على أن من صلى وتره في أول الليل، ثم نَشِطَ للصلاة في آخره صلى ما شاء من شفع، ولا يلزمه أن يوتر في آخر صلاته وترًا آخر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود عن طلق بن عليّ، مرفوعًا:"لا وتران في ليلة"
(2)
، وهو صحيح، ولا يجوز أن يُضيف إلى وتره المتقدّم وترًا آخر، فينقض المتقدّم، وقد اختُلِف فيه، وإلى ما فعله أبو بكر رضي الله عنه
(1)
رواه عبد الرزّاق في "مصنّفه"(5/ 46).
(2)
حديث صحيح، رواه أحمد في "مسنده" برقم (15861)، وأبو داود (1439)، والترمذيّ (432)، والنسائيّ (1679).
ذهب كثير من الصحابة والتابعين، وأئمة الفتوى: مالكٌ، وغيره، وقد ذهب إلى النقض جماعة من الصحابة وغيرهم، ورُوي عن مالك، والصحيح فعل أبي بكر رضي الله عنه. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم تحقيق الخلاف في هذه المسألة، وترجيح قول من قال بعدم نقض الوتر في المسألة الثامنة التي مضت في شرح حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدّم قبل باب، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1767]
(. . .) - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لِيَرْقُدْ، وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [11] مات سنة بضع (240)(م 4) تقدم في "المقدمة" 6/ 60.
2 -
(الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الْحَرّانيّ، أبو عليّ، نُسب إلى جدّه، صدوقٌ [9](ت 210)(خ م س) تقدم في "الإيمان" 4/ 119.
3 -
(مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) الْعَبْسيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الْجَزَريّ، صدوقٌ، يُخطئ [8](ت 166)(عم د س) تقدم في "الإيمان" 4/ 119.
4 -
(أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [4](ت 126)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 119.
و"جابر" رضي الله عنه ذُكر في السند الماضي.
(1)
"المفهم" 2/ 385.
وقوله: (أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ. . . إلخ)"أيُّ" هنا شرطيّة مبتدأ جوابه قوله: "فليوتر"، وهو الخبر، على خلاف في ذلك، فقد مضى تحقيق الخلاف في إعراب أدوات الشرط والاستفهام في أبيات نظمتها، فارجع إليها، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) تقدّم أن "من" تبعيضيّة، أو بمعنى "في".
وقوله: (ثُمَّ لِيَرْقُدْ) أي: ليَنَم، يقال: رَقَدَ يَرْقُد، من باب نصر، رَقْدَّ، ورُقُودًا، ورُقادًا: نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخُصّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى:{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} الآية [الكهف: 18]، قال المفسَّرون: إذا رأيتهم حَسِبتهم أيقاظًا؛ لأنّ أعينهم مفتّحةٌ، وهم نِيَامٌ، أفاده في "المصباح"
(1)
.
وقوله: (وَمَنْ وَثِقَ. . . إلخ) يقال: وَثِقَ به يَثِقُ بكسر ثانيهما، ثِقَةً، ووُثوقًا: إذا ائتمنه؛ أي: لمن أمن بقيامه في آخر الليل، بأن كان معتادًا له، أو عنده من يوقظه.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(24) - (بَابٌ: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1768]
(756) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ").
(1)
"المصباح المنير" 1/ 234 - 235.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظ [11](ت 249)(خت م ت) تقدم في "الإيمان" 7/ 131.
2 -
(أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [9](ت 212) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
3 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب. والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والترمذيّ.
3 -
(ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله عنه من المكثرين السبعة، كما سبق في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ") مبتدأ وخبره؛ أي: أفضل أركان الصلاة وأفعالها طول القنوت، أو أفضل الصلاة صلا فيها طول القنوت، أو ذات طول القنوت؛ أي: طول القيام، وقد جاء مصرّحًا به بلفظ القيام فيما أخرجه أبو داود بإسناد حسن، عن عبد اللَّه بن حُبْشيّ الْخَثْعَميّ رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سئل أيُّ الأعمال أفضل؟، قال:"طول القيام".
قال الطيبيُّ رحمه الله: القنوت يَرِد لمعانٍ متعدّدة، كالطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والقراءة، والسكوت، فيُصرَف في كلّ واحد من هذه المعاني إلى ما يَحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. انتهى
(1)
.
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 3/ 982.
وقال النوويُّ رحمه الله: المراد بالقنوت هنا القيام باتّفاق العلماء فيما عَلِمتُ، وفيه دليلٌ للشافعيّ ومن يقول كقوله: إن تطويل القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود، وقد سبقت المسألة قريبًا، وأيضًا في أبواب صفة الصلاة. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم في "باب ما يقال في الركوع" في شرح حديث (1088): "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد. . . "، بيان اختلاف العلماء في أفضليّة طول القيام على كثرة الركوع والسجود، أو العكس، ورجّحت هناك القول بأفضليّة طول القيام، لقوة أدلّته، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى الوفيق.
[تنبيه]: قال العلّامة ابن العربيُّ رحمه الله في "شرح الترمذيّ": تتبّعتُ موارد القنوت، فوجدتها عشرةً: الطاعة، العبادة، دوام الطاعة، الصلاة، القيام، طول القيام، الدعاء، الخشوع، السكوت، ترك الالتفات، وكلّها محتملة، وأولاها السكوت، والخشوع، والقيام، وأحدها
(2)
في هذا الحديث القيام. انتهى
(3)
.
وقد نظم الحافظ أبو الفضل العراقيُّ معاني القنوت، فقال [من الطويل]:
وَلَفْظَ الْقُنُوتِ اعْدُدْ مَعَانِيَهُ تَجِدْ
…
مَزِيدًا عَلَى عَشْرِ مَعَانِيَ مَرْضِيَّهْ
دُعَاءٌ خُشُوعٌ وَالْعِبَادَةُ طَاعَةٌ
…
إِقَامَتُهَا إِقْرَارُهُ بِالْعُبُودِيَّهْ
سُكُوتٌ صَلَاةٌ وَالْقِيَامُ وَطُولُهُ
…
كَذَاكَ دَوَامُ الطَّاعَةِ الرَّابِحُ الْقِنْيَهْ
(4)
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [24/ 1768 و 1769](756)، و (الترمذيّ) في
(1)
"شرح مسلم" 6/ 35 - 36.
(2)
هكذا النسخة، ولعله: وأنسبها، أو نحو ذلك، فليُتأمل.
(3)
"عارضة الأحوذيّ" 1/ 401.
(4)
راجع: "الفتح" 2/ 570 آخر "كتاب الوتر" رقم (1004).
"الصلاة"(387)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1421)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1777)، و (الحميديّ) في "مسنده"(1276)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 302 و 314 و 391)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1758)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2/ 155)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1718 و 1719)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 8)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(659)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1769]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، غير أبي كُريب، فتقدّم قبل باب.
وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ. . . إلخ) غرضه منه بيان اختلاف شيخيه في الأداء، فقال أبو بكر بقوله:"حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش"، وقال أبو كُريب:"حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش"، فصرّح بالتحديث بين أبي معاوية والأعمش، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(25) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ فِي اللَّيْلِ سَاعَةً، يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1770]
(757) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 239)(خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" 35/ 246.
2 -
(جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط، تقدّم قريبًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا الكلام على لطائف الإسناد مضى قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً) منصوب على أنه اسم مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور مقدّمًا، واللام للتأكيد، وأنها كساعة الجمعة، وليلة القدر؛ لأجل أن يجتهد الشخص جميع الليل، ولا يقتصر على العبادة في وقت دون وقت (لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ) ومثله امرأة مسلمة، وهذه الجملة صفةٌ لـ "ساعةً"؛ أي: لساعةً من شأنها أن يُتَرَقّب لها، وتغتنم الفرْصة لإدراكها؛ لأنها من نفحات ربّ رؤوف رحيم، وهي كالبرق الخاطف، "فمن وافقها؛ أي: تعرّض لها، واستغرق أوقاته مترقّبًا لِلَمَعَانها، فوافقها قُضِي وَطَرُهُ"، قاله طيبيُّ رحمه الله.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفي تشبيهه بالبرق الخاطف نظرٌ؛ إذ ليس في النصّ ما يُفيد ذلك، وإنما غاية ما دلّ عليه مطلق القلّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (يَسْأَلُ اللَّهَ) أي: فيها، والجملة صفة ثانية لـ "رجلٌ"، أو حال منه (خَيْرًا) نكّره؛ لإفادة التعميم؛ أي: أيّ خير كان، كثيرًا أو قليلًا، ولذا قال:(مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) الظاهر أنه يُعطيه عين ما سأل حقيقةً، فيكون هذا لخصوصيّة تلك الساعة، ويَحْتَمِلُ أن يكون يُعطى ما سأله حكمًا،
وذلك بادّخارها في الآخرة، أو بصرف السوء عنه؛ لما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"ما من مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها إثم، ولا قطيعة رَحِمٍ إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يُدَّخَرها له في الآخرة، وإما أن يُصْرَف عنه من السوء مثلُها"، قالوا: إذًا نكثرُ، قال:"اللَّه أكثر".
(وَذَلِكَ) أي: المذكور من ساعة الإجابة (كُلَّ لَيْلَةٍ") بالنصب على الظرفيّة متعلّق بخبر اسم الإشارة، يعني أن وجود تلك الساعة لا يختصّ ببعض الليالي دون بعض، بل هو ثابت ومستمرّ في كل ليالي السنة، فينبغي تحرّي تلك الساعة ما أمكن كلَّ ليلة.
قال القرطبيُّ رحمه الله: هذه الساعة هي التي يُنادي فيها المنادي: "من يسألني فأعطيه. . . " الحديث، وهي الثلث الأخير من الليل إلى أن يطلع الفجر، كما يأتي. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر الحديث يدلّ على أن تلك الساعة تعمّ كلَّ أجزاء الليل، ولكن الأَولى طلبها في النصف الثاني منه؛ لأنه أرجى أجزاء الليل لقبول الدعاء؛ لما أخرجه الترمذيّ، وحسّنه، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول اللَّه أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات".
فإن تيسّر طلبها في جميع النصف الثاني فذاك، وإلا فلتُطلَب في الثلث الأخير منه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا:"ينزل ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير. . . "، وفيه:"حتى ينفجر الفجر"، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(1)
"المفهم" 2/ 386.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1770 و 1771](757)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 313 و 331)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(2281)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2561)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2/ 289 و 290)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1720 و 1721)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): أن فيه إثباتَ ساعة الإجابة في كلّ ليلة.
2 -
(ومنها): أنه يتضمّن الحثّ على الدعاء في جميع ساعات الليل رجاء مصادفتها، قاله النوويُّ.
3 -
(ومنها): بيان ما منّ اللَّه عز وجل على عباده حيث جعل لهم ساعة يستجيب فيها دعواتهم، ويُعطيهم رغباتهم، فله الحمد والمنّة، ومنه الفضل والنعمة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1771]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ للَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلّهم تقدّموا قبل باب.
وقوله: (إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ)"من" فيه للتبعيض، أو هي بمعنى "في"، كما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
(26) - (بَابُ بَيَانِ نُزُولِ الرَّبّ عز وجل إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَالتَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1772]
(758) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرَّ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَنْزِلُ
(1)
رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ؟، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ؟ ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [10](ت 226) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [7](ت 179)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 378.
3 -
(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب القرشيّ الزهريّ، أبوَ بكر المدنيّ، ثقة ثبت حافظ إمام مشهور، رأس [4](ت 125) أو قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 348.
4 -
(أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرُّ) هو: سلمان الْجُهنيّ المدنيّ، أصبهانيّ الأصل، ثقةٌ، من كبار [3](ع) تقدم في "الإيمان" 53/ 319.
5 -
(أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثرٌ [3](94)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 423.
(1)
وفي نسخة: "يتنزّل".
6 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
5 -
(ومنها): أن أبا هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو عبد اللَّه الأغرّ، صاحب أبي هريرة، أن أبا هريرة أخبرهما، وفي رواية يحيى بن أبي كثير عند المصنّف، وهي التالية:"حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن"(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَنْزِلُ) وفي بعض النسخ: "يَتنزّل"(رَبُّنَا) أي: نُزولًا يليق بجلاله، فهو نزولٌ حقيقيّ على الكيفيّة التي يعلمها سبحانه وتعالى، فلا نكيّف، ولا نُعطّل، ولا نحرّف، بل نؤمن بذلك كما أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم به في هذا الحديث الصحيح، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقال في "الفتح": استَدَلَّ به من أثبت الجهة، وقال: هي جهة العلوّ، وأنكر ذلك الجمهور؛ لأن القول بذلك يُفْضِي إلى التحيز تعالى اللَّه عن ذلك.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن أراد بالجمهور جمهور المتكلّمين، فمسلّم، وإلا فلا، فإن مذهب السلف في ذلك -وهو الحقّ- إثبات العلوّ للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، كما سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
قال: وقد اختُلِف في معنى النزول على أقوال:
فمنهم: من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبِّهة، تعالى اللَّه عن قولهم.
ومنهم: من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملةً، وهم الخوارج والمعتزله، وهو مكابرةٌ، والعجب أنهم أوَّلُوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث، إما جهلًا، وأما عنادًا.
ومنهم: من أجراه على ما ورد، مؤمنًا به على طريق الإجمال، مُنَزِّهًا اللَّه تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقيّ وغيره عن الأئمة الأربعة، والسفيانين، والحمادين، والأوزاعيّ، والليث، وغيرهم.
ومنهم: من أوّله على وجه يَلِيق، مستعملٍ في كلام العرب، ومنهم من أفرط في التأويل، حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف، ومنهم من فَصَّل بين ما يكون تأويله قريبًا مستعملًا في كلام العرب، وبين ما يكون بعيدًا مهجورًا، فأوَّل في بعض، وفَوَّض في بعض، وهو منقول عن مالك، وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد، قال البيهقيّ: وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد، إلا أن يرد ذلك عن الصادق، فيصار إليه، ومن الدليل على ذلك اتفاقُهم على أن التأويل المعيَّن غير واجب، فحينئذ التفويض أسلم
(1)
.
ثم ذكر عن ابن العربيّ تأويلًا تركت ذكره؛ لأنه مما لا ينبغي الاشتغال به؛ لمخالفته ظواهر النصوص، ولما ثبت عن السلف رضي الله عنهم، على ما سيأتي بيانه في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
ثم قال: وقد حَكَى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله، على حذف المفعول؛ أي: يُنْزِل ملكًا، ويقويه ما رواه النسائيّ من طريق الأغرّ، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، بلفظ:"إن اللَّه يُمْهِل حتى يَمْضِي شطر الليل، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داعٍ، فيستجاب له. . . " الحديث.
وفي حديث عثمان بن أبي العاص: "ينادي منادٍ: هل من داع يستجاب له. . . " الحديث.
(1)
"الفتح" 3/ 548 - 549.
قال القرطبيّ رحمه الله: وبهذا يرتفع الإشكال، ولا يعكُر عليه ما في رواية رفاعة الجهنيّ:"ينزل اللَّه إلى السماء الدنيا، فيقول: لا يسأل عن عبادي غيري"؛ لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كيف لا يعكر عليه؟، فالأولى والأوجه الجمع بأنه عز وجل يأمر مناديًا ينادي، ثم ينادي هو، كما هو سنته في غير ذلك، فإنه إذا شاء كلّم من يشاء من عباده، كما وقع لموسى عليه السلام، وغيره، وإذا شاء أمر من يكلّمه من الملائكة، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
ثم نقل عن البيضاويّ تأويلًا من جنس ما ذكره ابن العربيّ، تركت ذكره؛ لما أسلفته هناك.
والحاصل أن الحقّ هو ما ذهب إليه السلف رضي الله عنهم، قال الإمام ابن حبّان رحمه الله: صفات اللَّه -جل وعلا- لا تُكَيّف، ولا تقاس إلى صفات المخلوقين، فكما أن اللَّه جل وعلا متكلمٌ من غير آلة، بأسنان ولَهَوَات ولسان وشفة، كالمخلوقين -جل ربنا وتعالى- عن مثل هذا وأشباهه، ولم يجز أن يقاس كلامه إلى كلامنا؛ لأن كلام المخلوقين لا يوجد إلا بآلات، واللَّه -جل وعلا- يتكلم كما شاء بلا آلة كذلك ينزل بلا آلة، ولا تحرُّك ولا انتقال من مكان إلى مكان، وكذلك السمع والبصر، فكما لم يجز أن يقال: اللَّه يبصر كبصرنا بالأشفار والحدق والبياض، بل يبصر كيف يشاء بلا آلة، ويسمع من غير أذنين وسماخين والتواء وغضاريف فيها، بل يسمع كيف يشاء بلا آلة، وكذلك ينزل كيف يشاء بلا آلة، من غير أن يقاس نزوله إلى نزول المخلوقين، كما يُكَيَّف نزولهم جل ربنا وتقدس من أن تُشَبَّه صفاته بشيء من صفات المخلوقين. انتهى كلام ابن حبّان رحمه الله، وهو تحقيق حسنٌ.
والحاصل أن مذهب السلف في هذه المسألة هو الحقّ الذي لا جدال فيه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقوله: تبارك وتعالى جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، وهو قوله:(كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) أي: القريبة من الأرض (حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ) بضمّ اللام، وسكونها، وفيه لغة ثالثة، وهي الثَّلِيث بفتح، فكسر، وهكذا تأتي اللغات الثلاث إلى العُشُر، والْعُشْر، والْعَشِير (اللَّيْلِ الْآخِرُ) بالرفع صفة لـ "ثلثُ".
قال في "الفتح": ولم تَخْتَلِف الروايات عن الزهريّ في تعيين الوقت، واختَلَفت الروايات عن أبي هريرة وغيره، قال الترمذيّ: رواية أبي هريرة أصحّ الروايات في ذلك، ويُقَوِّي ذلك أن الروايات المخالفة اختُلِف فيها على رُواتها. انتهى.
[تنبيه]: اختَلَفت الروايات في تعيين وقت النزول على ستّة:
[إحداها]: هذه الرواية التي فيها: "حين يبقى ثلث الليل الآخر"، قال الإمام الترمذيُّ رحمه الله: هذا أصحّ الروايات في ذلك، وقال الحافظ العراقيُّ رحمه الله: أصحّها ما صحّحه الترمذيّ، وقال الحافظ رحمه الله: ويُقوّي ذلك أن الروايات المخالفة له اختُلِف فيها على رُواتها.
[الثانية]: "حين يمضي الثلث الأول"، وهي الرواية التالية للمصنّف.
[الثالثة]: "حين يبقى نصف الليل الآخر"، وفي لفظ:"إذا كان شطر الليل"، وفي آخر:"إذا مضى شطر الليل".
[الرابعة]: "ينزل اللَّه تعالى شطر الليل، أو ثلث الليل الآخر" على الشكّ، أو التنويع.
[الخامسة]: "إذا مضى نصف الليل، أو ثلث الليل" أي: الأول، وفي لفظ:"إذا ذهب ثلث الليل، أو نصفه".
[السادسة]: الإطلاق.
فسَلَك بعضهم طريق الجمع، وذلك أن تُحمَل الروايات المطلقة على المقيدة، وأما التي بـ "أو"، فإن كانت "أو" للشك، فالمجزوم به مقدَّمٌ على المشكوك فيه، وإن كانت للتردد بين حالين، فيُجْمَع بذلك بين الروايات، بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال؛ لكون أوقات الليل تختلف في الزمان، وفي الآفاق، باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم، وتأخره عند قوم.
وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون النزول يقع في الثلث الأول، والقول يقع في النصف، وفي الثلث الثاني.
وقيل: يُحْمَل على أن ذلك يقع في جميع الأوقات التي وردت بها الأخبار، ويُحْمَل على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أُعلِم بأحد الأمور في وقت، فأَخبَر به، ثم
أُعلم به في وقت آخر، فأخبر به، فنَقَلَ الصحابة ذلك عنه، واللَّه أعلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأقرب عندي أن يُحْمَل على اختلاف الأوقات، قال الإمام ابن حبّان رحمه الله في "صحيحه" (3/ 201) ما نصّه: في خبر مالك، عن الزهريّ الذي ذكرناه أن اللَّه ينزل حتى يبقى ثلث الليل الآخر، وفي خبر أبي إسحاق، عن الأغرّ، أنه ينزل حتى يذهب ثلث الليل الأول، ويَحْتَمِلُ أن يكون نزوله في بعض الليالي حتى يبقى ثلث الليل الآخر، وفي بعضها حتى يذهب ثلث الليل الأول، حتى لا يكون بين الخبرين تهاترٌ ولا تضادٌ. انتهى
(2)
، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(فَيَقُولُ: مَنْ) استفهاميّة مبتدأ، خبره جملة قوله:(يَدْعُونِي) وقوله: (فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟) بالنصب على جواب الاستفهام، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ
…
مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
ويجوز رفعه على الاستئناف بتقدير مبتدأ؛ أي: فأنا أستجيب له، وكذا قوله:"فأعطيه"، و"أغفِر له"، وقد قرئ بهما في قوله تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} الآية [الحديد: 11]، وليست السين في قوله تعالى:"فأستجيب" للطلب، بل أستجيب بمعنى أُجيب، وذلك لتحوُّل الفاعل إلى أصل الفعل، نحو استحجرَ الطينُ.
[فإن قلت]: ليس في وعد اللَّه خُلْفٌ، وكثيرٌ من الداعين لا يُستجاب لهم.
[أجيب]: إنما ذاك لوقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء، مثل الاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو لاستعجال الداعي، أو يكون الدعاء بإثم، أو قطيعة رَحِمٍ، أو تحصل الإجابة ويتأخر حصول المطلوب إلى وقت آخر، يريد اللَّه وقوع الإجابة فيه، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، أفاده في "العمدة"
(3)
.
(1)
"الفتح" 3/ 38.
(2)
"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" 3/ 202.
(3)
"عمدة القاري" 7/ 201.
(وَمَنْ يَسْأَلْنِي فَأُعْطِيَهُ؟) بالنصب، والرفع على ما سبق بيانه.
(وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ ") قال في "الفتح": لم تختلف الروايات على الزهريّ في الاقتصار على الثلاثة المذكورة، وهي الدعاء، والسؤال، والاستغفار، والفرق بين الثلاثة أن المطلوب إما لدفع المضارّ، أو جلب المسارّ، وذلك إما دينيّ، وإما دنيويّ، ففي الاستغفار إشارة إلى الأول، وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث.
وقال الكرمانيُّ رحمه الله: يَحْتَمِل أن يقال: الدعاء ما لا طلب فيه، نحو يا اللَّه، والسؤال: الطلب، وأن يقال: المقصود واحد، وإن اختلف اللفظ. انتهى.
وقال الكرماني [فإن قلت]: ما الفرق بين الدعاء والسؤال؟.
[قلت]: المطلوب إما لدفع غير الملائم، وإما لجلب الملائم، وذلك إما دنيويّ، وإما دينيّ، فالاستغفار، وهو طلب ستر الذنوب إشارة إلى الأول، والسؤال إلى الثاني، والدعاء إلى الثالث، والدعاء ما لا طلب فيه، نحو قولنا: يا اللَّه، يا رحمن، والسؤال هو الطلب، والمقصود واحد، واختلاف العبارات لتحقيق القضية وتأكيدها. انتهى
(1)
.
وزاد في رواية أحمد: "هل من تائب، فأتوبَ عليه"، وزاد في رواية له أيضًا:"من ذا الذي يسترزقني، فأرزقَهُ، من ذا الذي يستكشف الضرَّ، فأكشف عنه"، ومعانيها داخلة فيما تقدم. انتهى
(2)
.
وأخرج أحمد، والدارميّ من طريق عطاء مولى أم صُبَيّة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخّرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأول، فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول، هَبَطَ اللَّه تعالى إلى السماء الدنيا، فلم يزل هناك حتى يطلع الفجر، فيقول قائل: ألا سائلٌ يُعطَى، ألا داعٍ يجابٍ، ألا سقيمٌ يَستَشْفِي فيشفى، ألا مذنبٌ يستغفر، فيغفر له"، وأخرجها أيضًا بسند
(1)
راجع: "عمدة القاري" 7/ 201.
(2)
"الفتح" 3/ 38.
صحيح، من حديث عليّ رضي الله عنه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [26/ 1277 و 1773 و 1774 و 1775 و 1776 و 1777 و 1778](758)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1145) و"الدعوات"(6321) و"التوحيد"(7494)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1315 و 4333)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(446) و"الدعوات"(3498)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة"(480)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1366)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 214)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 267 و 282 و 419 و 433 و 487)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد"(127 و 130)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(920)، و (اللالكائيّ) في "شرح السنّة"(3/ 435 و 436)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 2) و"الأسماء والصفات"(449)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان فضيلة ثلث الليل الآخر.
2 -
(ومنها): إثبات صفة النزول للَّه سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله، من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف، بل على ما يليق بجلاله.
3 -
(ومنها): بيان سعة فضل اللَّه عز وجل، وعظيم كرمه، حيث يُقبل عليهم، وينادي هل من سائل؟، هل من داع؟، هل من مستغفر؟، سبحانك ما أوسع فضلك، وأكثر جودك.
4 -
(ومنها): أن فيه التحريضَ على عمل الطاعة، والإشارةَ إلى جزيل الثواب عليها.
5 -
(ومنها): أن الحكمة في تخصيصه بالليل، وبالثلث الأخير منه؛ لكونه وقت التهجّد، وغفلة الناس عن التعرّض لنفحات رحمة اللَّه سبحانه وتعالى، فعند
ذلك تكون النيّة خالصةً، والرغبة إلى اللَّه تعالى وافرةً، وذلك مظنّة القبول والإجابة.
6 -
(ومنها): أن فيه تفضيلَ صلاة آخر الليل على أوله، وتفضيل تأخير الوتر، لكن ذلك في حقّ من طَمِعَ أن ينتبه، كما سبق في حديث جابر رضي الله عنه قبل بابين.
7 -
(ومنها): أن آخر الليل أفضل للدعاء، والاستغفار، ويشهد له قوله تعالى:{وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب، ويدلّ لها ما أخرجه الترمذيّ بسند صحيح، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول اللَّه أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات".
ولا يُعْتَرض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين؛ لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء، كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو تحصل الإجابة، ويتأخّر وجود المطلوب؛ لمصلحة العبد، أو لأمر يريده اللَّه.
والحاصل أن الإجابة ليس معناها أن يُعطَى الداعي عين ما سأله، وإنما معناها أن يُعطيه اللَّه تعالى ما هو أصلح له في الدنيا والآخرة، سواء كان عين ما سأل، أو خيرًا من ذلك، من جلب نفع، أو دفع ضُرّ، ويدلّ على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، عن جُبير بن نُفير، أن عبادة بن الصامت حدثهم، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"ما على الأرض مسلم، يدعو اللَّه بدعوة، إلا آتاه اللَّه إياها، أو صَرَف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم"، فقال رجل من القوم: إذًا نكثرُ، قال:"اللَّه أكثر"، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح غريب.
وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"ما من مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يَدَّخِرها له في الآخرة، وإما أن يَصْرِف عنه من السوء مثلها"، قالوا: إذًا نكثرُ، قال:"اللَّه أكثر".
وخلاصة القول: أن الأدب للعبد أن يسأل ربّه، موقنًا بالإجابة، ثم يرضى بما يختار له من نوع الإجابة؛ لأنه عز وجل أعلم بمصالح عباده، فقد يكون ما سأله مما يعود ضرره عليه، إما في دينه، أو دنياه؛ لأنه لا يعلم شيئًا من مصالح الدنيا والآخرة، وإنما عِلم ذلك إلى اللَّه تعالى وحده، قال اللَّه تعالى:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في إتمام ما سبق من البحث في مسألة النزول، ولنذكر ما حقّقه الإمام الحافظ المحقّق أبو عمر بن عبد البرُّ في كتابه "التمهيد"، فإن فيه الكفاية:
قال رحمه الله: وأما قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "ينزل تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا"، فقد أكثر الثاس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة، أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ويُصَدِّقون بهذا الحديث، ولا يُكَيِّفون، والقول في كيفية النزول، كالقول في كيفية الاستواء، والمجيء، والحجةُ في ذلك واحدة.
وقد قال قوم من أهل الأثر أيضًا: إنه ينزل أمره، وتنزل رحمته، ورُوي ذلك عن حبيب، كاتب مالك وغيره، وأنكره منهم آخرون، وقالوا: هذا ليس بشيء؛ لأن أمره ورحمته لا يزالان ينزلان أبدًا، في الليل والنهار، وتعالى الملك الجبار الذي إذا أراد أمرًا قال له: كن فيكون، في أيّ وقت شاء، ويختص برحمته من يشاء متى شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال.
وقد رَوَى محمد بن علي الجبليّ، وكان من ثقات المسلمين بالقيروان، قال: حدّثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدّثنا مطرِّف، عن مالك بن أنس، أنه سئل عن الحديث:"إن اللَّه ينزل في الليل إلى سماء الدنيا"، فقال مالك: يتنزل أمره، وقد يَحْتَمِل أن يكون كما قال مالك، على معنى أنه تتنزل رحمته، وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك من أمره؛ أي: أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت، واللَّه أعلم، ولذلك ما جاء فيه الترغيب في الدعاء.
وقد رُوي من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه أنه قال: يا رسول اللَّه؛ أي الليل أسمع؟ قال: "جوف الليل الغابر"، يعني الآخر، وهذا على معنى ما ذكرنا،
ويكون ذلك الوقت مندوبًا فيه إلى الدعاء، كما نُدِب إلى الدعاء عند الزوال، وعند النداء، وعند نزول غيث السماء، وما كان مثله من الساعات المستجاب فيها الدعاء، واللَّه أعلم.
وقال آخرون: ينزل بذاته، ثم أخرج بسنده عن نعيم بن حماد قال: حديث النزول يردّ على الجهمية قولهم، قال: وقال نعيم: ينزل بذاته، وهو على كرسيه، قال أبو عمر: ليس هذا بشيء عند أهل الفهم، من أهل السنة؛ لأن هذا كيفية، وهم يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يُحاط به عيانًا، وقد جلّ اللَّه وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات اللَّه إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
قال أبو عمر: أهل السنة مُجمِعون على الإقرار بالصفات الواردة كلِّها في القرآن والسنة، والإيمانِ بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكَيَّفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفةً محصورةً، وأما أهل البدع، والجهمية، والمعتزلة كلُّها، والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يَحْمِل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مُشَبِّهٌ، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحقُّ فيما قاله القائلون بما نَطَقَ به كتاب اللَّه تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم أئمة الجماعة، والحمد للَّه.
رَوَى حرملة بن يحيى، قال: سمعت عبد اللَّه بن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: مَن وصف شيئًا من ذات اللَّه مثل قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64]، وأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله:{وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، فأشار إلى عينيه، أو أذنه، أو شيئًا من بدنه قُطِعَ ذلك منه؛ لأنه شَبَّهَ اللَّه تعالى بنفسه، ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء رضي الله عنه حين حَدَّث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُضَحَّى بأربع من الضحايا"، وأشار البراء رضي الله عنه بيده، كما أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم بيده، قال البراء: ويدي أقصر من يد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فكره البراء رضي الله عنه أن يصف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إجلالًا له، وهو مخلوق، فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء؟.
قال: وقال سحنون: من العلم باللَّه الجهل بما لم يُخْبِر به عن نفسه، قال: وهذا الكلام أخذه سحنون، عن ابن الماجشون، قال: أخبرني الثقة، عن الثقة، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لقد تكلم مُطَرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله، ولا يقال بعده، قالوا: وما هو يا أبا سعيد؟ قال: قال: الحمد للَّه الذي من الإيمان به الجهل بغير ما وَصَفَ من نفسه.
وأخرج أيضًا عن سحنون بن منصور
(1)
، قال: قلت لأحمد بن حنبل: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا"، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ ويَرَى أهل الجنة ربهم، وبحديث:"لا تقبحوا الوجوه، فإن اللَّه خلق آدم على صورته"، و"اشتكت النار إلى ربها حتى يضع اللَّه فيها قَدَمه"، وأن موسى عليه السلام لَطَمَ ملك الموت -صلوات اللَّه عليه-؟ قال أحمد: كلُّ هذا صحيح، وقال إسحاق: كلُّ هذا صحيح ولا يَدَعُه إلا مبتدع، أو ضعيف الرأي.
قال أبو عمر رحمه الله: الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر، في هذه المسألة، وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه.
ثم أخرج بسنده عن أحمد بن نصر، أنه سأل سفيان بن عيينة، قال: حديث عبد اللَّه: "إن اللَّه عز وجل يجعل السماء على إصبع"، وحديث:"إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن"، و"إن اللَّه يَعْجَب، أو يضحك ممن يذكره في الأسواق"، وأنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، ونحو هذه الأحاديث؟ فقال: هذه الأحاديث نَرْوِيها، ونُقِرّ بها كما جاءت، بلا كيف.
وأخرج أيضًا عن الوليد بن مسلم، قال: سألت الأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات، فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف.
قال: وذكر عباس الدُّوريّ، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت
(1)
هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من "إسحاق بن منصور"، فليُحرّر.
زكريا بن عديّ سأل وكيع بن الجراح، فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث، يعني مثل الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا؟ فقال: أدركت إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومِسْعَرًا، يحدثون بهذه الأحاديث، ولا يفسرون شيئًا، قال عباس بن محمد الدُّوريّ: وسمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذُكِر له عن رجل من أهل السنة، أنه كان يقول: هذه الأحاديث التي تُرْوَى في الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وأن جهنم لتمتلئ، وأشباه هذه الأحاديث، وقالوا: إن فلانًا يقول: يقع في قلوبنا أن هذه الأحاديث حقّ، فقال: ضَعَّفتم عندي أمره، هذه الأحاديث حقّ لا شك فيها، رواها الثقات، بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نفسرها، ولم نذكر أحدًا يفسرها.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: المراد بالتفسير الذي نفوه هو التفسير الذي يؤدّي إلى التشبيه بالمخلوق، لا تفسير معناها اللغويّ على المعنى الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وقد كان مالك ينكر على من حدّث بمثل هذه الأحاديث، ذكره أصبغ، وعيسى، عن ابن القاسم، قال: سألت مالكًا عمن يحدِّث الحديث: "إن اللَّه خلق آدم على صورته"، والحديث:"إن اللَّه يكشف عن ساقه يوم القيامة"، و"أنه يدخل في النار يده حتى يخرج من أراد"، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، ونَهَى أن يحدِّث به أحدًا، وإنما كَرِه ذلك مالك خشيةَ الخوض في التشبيه بكيف ها هنا.
وأخرج عن ابن وضاح، قال: سألت يحيى بن معين عن التنزل، فقال: أَقِرّ به، ولا تَحُدّ فيه، يقول: كلُّ من لقيت من أهل السنة يُصَدِّق بحديث التنزل، قال: وقال لي ابن معين: صَدِّق به، ولا تَصِفْه.
وأخرج أيضًا عن أيوب بن صلاح المخزوميّ، قال: كنا عند مالك، إذ جاءه عراقيّ، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، مسألة أريد أن أسألك عنها، فطأطأ مالك رأسه، فقال له: يا أبا عبد اللَّه {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5]، كيف استوى؟ قال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، إنك امرؤ سوء، أخرجوه فأخذوا بضَبْعَيه فأخرجوه.
وقال يحيى بن إبراهيم بن مزين: إنما كَرِهَ مالك أن يتحدث بتلك الأحاديث؛ لأن فيها حدًّا وصفةً وتشبيهًا، والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما قال اللَّه عز وجل، ووصف به نفسه، بوجه، ويدين، وبسط، واستواء، وكلام، فقال:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، وقال:{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، وقال:{وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، وقال:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5].
فليقل قائل بما قال اللَّه، ولينته إليه، ولا يَعْدُوه، ولا يُفَسّره، ولا يقل: كيف، فإن في ذلك الهلاك؛ لأن اللَّه كَلَّف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم الخوض في التأويل، الذي لا يعلمه غيره.
وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأسًا برواية الحديث: "إن اللَّه ضحك"، وذلك لأن الضحك من اللَّه، والتنزل، والملالة، والتعجب منه ليس على جهة ما يكون من عباده.
قال أبو عمر رحمه الله: الذي أقول: إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين اللَّه أفواجًا، عَلِمَ أن اللَّه عز وجل لم يَعْرِفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة، ودلائل الرسالة، لا من قِبَل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه، لازمًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك مِن عَمَلهم مشهورًا، أو من أخلاقهم معروفًا، لاستفاض عنهم، ولشُهِروا به، كما شهروا بالقرآن والروايات، وقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" عندهم مثل قول اللَّه عز وجل: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143]، ومثل قوله:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: 22]، كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء؟، وكيف يتجلى؟، وكيف ينزل؟، ولا من أين جاء؟، ولا من أين تجلى؟، ولا من أين ينزل؟؛ لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له. انتهى المقصود من
كلام الحافظ ابن عبد البرُّ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد الحافظ أبو عمر رحمه الله في هذا التحقيق، وأفاد، فقد بيّن في هذا التحقيق أن مذهب جمهور العلماء من السلف والمحقّقين من الخلف أنه يجب الإيمان بما ورد في الكتاب والسنّة الصحيحة، مما وصف اللَّه تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، كالنزول، والاستواء، والمجيء، والقبض والبسط، وكالوجه واليد، والقدم، والساق، وكالتعجب، والضحك، والغضب، إلى غير ذلك، مما صحّ في نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة، على حقيقته، لا على وجه المجاز، بل نؤمن بها كما وردت، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تأويل.
وقد أسلفت أن مراد من قال من السلف: ولا تفسّروها أراد التفسير المؤدّي إلى تكييفها.
قال الإمام الترمذيُّ في كتاب الزكاة من "جامعه" بعد إخراج حديث: "إن اللَّه يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه. . . " الحديث، ما نصّه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات، من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا، ويُؤْمَن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف، هكذا روي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم، من أهل السنة والجماعة.
وأما الجهمية، فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر اللَّه عز وجل في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسَّروها على غير ما فَسَّر أهل العلم، وقالوا: إن اللَّه لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ها هنا القوّة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع،
(1)
راجع: "التمهيد" 7/ 141 - 152.
فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال اللَّه تعالى: يدٌ، وسمعٌ، وبصرٌ، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال اللَّه تعالى في كتابه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. انتهى كلام الترمذيُّ رحمه الله
(1)
، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الإمام البغويُّ رحمه الله في "شرح السنّة" بعد إخراجه حديث: "تحاجّت الجنة النار. . . " وفيه: "حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه"، وفي لفظ:"رجله" ما نصّه:
القدم، والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات اللَّه سبحانه وتعالى المنزّه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كلُّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنّة، كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرضٌ، والامتناع عن الخوض فيها واجبٌ، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغٌ، والمنكر معطّلٌ، والمكيِّف مشبّه، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. انتهى كلام البغويُّ رحمه الله
(2)
، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1773]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ").
(1)
"الجامع"(ص 166 - 167) نسخة تحقيق الشيخ مشهور حسن.
(2)
"شرح السنّة" 15/ 257 - 258.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 240) عن (90) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
2 -
(يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [8](181)(خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" 35/ 245.
3 -
(سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [6](ت 138)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 161.
4 -
(أَبُوهُ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [3](ت 101)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
والصحابيّ ذُكر قبله.
وقوله: (أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في الأصول مكرّرٌ للتوكيد والتعظيم. انتهى
(1)
.
وقوله: (حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ) وفي رواية يحيى بن أبي كثير الآتية: "حتى ينفجر الصبح"، وفي رواية الأغرّ الآتية أيضًا:"حتى ينفجر الفجر".
قال في "الفتح": وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة:"حتى يطلع الفجر"، وكذا اتَّفَق معظم الرواة على ذلك، إلا أن في رواية نافع بن جبير، عن أبي هريرة عند النسائيّ:"حتى ترجل الشمس"، وهي شاذةٌ، وزاد يونس في روايته عن الزهريّ في آخره أيضًا:"ولذلك كانوا يُفَضِّلون صلاة آخر الليل على أوله"، أخرجها الدارقطنيّ أيضًا، وله من رواية ابن سمعان، عن الزهريّ ما يُشير إلى أن قائل ذلك هو الزهريّ. انتهى
(2)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 37.
(2)
"الفتح" 3/ 38.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1774]
(. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللَّهُ تبارك وتعالى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [11](ت 251)(خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
2 -
(أَبُو الْمُغِيرَةِ) عبد القدّوس بن الحجاج الْخَوْلانيّ الْحِمصيّ، ثقة [9].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والمسعوديّ، وأبي بكر بن أبي مريم، وسعيد بن عبد العزيز، وعُفير بن مَعْبد، والأوزاعيّ، وغيرهم.
ورَوى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون له بواسطة إسحاق بن منصور الكَوْسَج، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن مُصَفَّى، وعبد الوهاب بن نَجْدة، وسلمة بن شبيب، والدارميّ، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن زنجويه، وأحمد بن أبي الحواريّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: كان صدوقًا. وقال العجليّ، والدارقطني: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال البخاريّ: مات سنة اثنتي عشرة ومائتين، وصلى عليه أحمد بن حنبل. وفي "الزهرة": رَوَى عنه البخاري ثلاثة أحاديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (758)، وحديث (1057):"أمشي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعليه بُرْد نَجْرَانِيّ. . . "، و (1167):"إني أُريت ليلة القدر. . . "، و (1173):"آلبرّ تردن. . . ".
3 -
(الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [7](ت 157)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
4 -
(يَحْيَى) بن أبي كثير، صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، سكن اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [5](ت 132)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 424.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
وقوله: ("إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ) قال القاضي عياض رحمه الله: الصحيح رواية: "حين يبقى ثلث الليل الآخر"، قال شيوخ الحديث: وهو الذي تظاهرت عليه الأخبار بلفظه ومعناه، قال: وقد يَحْتَمِل الجمع بين الحديثين بكون النزول الذي أراده النبيّ صلى الله عليه وسلم وعَنَاه -واللَّه أعلم بحقيقته- عند مضيّ الثلث الأول، وقوله:"من يدعوني. . . إلخ" في الثلث الأخير، هذا كلام القاضي رحمه الله
(1)
.
قال النوويُّ رحمه الله بعد نقل كلام القاضي المذكور: ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم أُعلِم بأحد الأمرين في وقت، فأَخْبَر به، ثم أُعلم بالآخر في وقت آخر، فأَعلَم به، وسمع أبو هريرة الخبرين، فنقلهما جميعًا، وسمع أبو سعيد الخدريّ خبر الثلث الأول فقط، فأخبر به مع أبي هريرة، كما ذكره مسلم في الرواية الأخيرة، وهذا ظاهر، وفيه ردٌّ لما أشار إليه القاضي من تضعيف رواية الثلث الأول، وكيف يُضَعِّفها، وقد رواها مسلم في صحيحه بإسناد لا مَطْعَن فيه عن الصحابيين: أبي سعيد، وأبي هريرة رضي الله عنهما؟، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويُّ رحمه الله
(2)
.
وقوله: (حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ) هو بمعنى الرواية السابقة: "حتى يُضيء الفجر"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1775]
(. . .) - (حَدَّثَنِي
(3)
حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ، أَبُو الْمُوَرِّعِ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَرْجَانَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
(1)
"إكمال المعلم" 3/ 111.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 37.
(3)
وفي نسخة: "حدّثنا".
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَنْزِلُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟، أَوْ يَسْأَلْنِي فَأُعْطِيَهُ؟، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ؟ ".
قَالَ مُسْلِم: ابْنُ مَرْجَانَةَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَرْجَانَةُ أُمُّهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [11](ت 259)(م د) تقدم في "المقدمة" 6/ 40.
2 -
(مُحَاضِرٌ، أَبُو الْمُوَرِّعِ) هو: محاضر -بضاد معجمة- ابن المورع -بضمّ الميم، وفتح الواو المشدّدة المكسورة، بعدها مهملة- الْهَمْدانيّ الياميّ، ويقال: السَّلُوليّ، ويقال: السَّكُونيّ، الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [9].
رَوَى عن عاصم الأحول، والأعمش، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، وسعد بن سعيد الأنصاريّ، وأجلح الكِنْديّ، ومُجالِد بن سعيد، وغيرهم.
ورَوى عنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن عبد اللَّه بن نمير، ومحمد بن إسحاق الصغانيّ، ومحمد بن يحيى الذُّهْلي، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: سمعت منه أحاديث، لم يكن من أصحاب الحديث، كان مُغَفَّلًا جدًّا، وقال أبو زرعة: صدوقٌ صدوقٌ، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يُكْتَب حديثه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: قال ابن المبارك: أعرفه قديمًا، قال: وكان شريك إذا لم يحضر صلى مُحاضرٌ، وقال في موضع آخر، عن أبي داود: قال أبو سعيد الحداد: محاضر لا يُحسن أن يصدُق، فكيف يُحسن أن يكذب، كنا نُوَقِّفه على الخطأ في كتابه، فإذا بلغ ذلك الموضع أخطأ، قال الآجريّ: وكان إمام الحيّ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن عديّ: رَوَى عن الأعمش أحاديث صالحةً مستقيمةً، ولم أر في حديثه حديثًا منكرًا، فأذكرَه، إذا رَوَى عنه ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً صدوقًا ممتنعًا عن التحديث، ثم حَدَّث بعدُ، وقال ابن قانع: ثقةٌ، وقال مسلمة بن
قاسم: ثقةٌ مشهورٌ، وكان على رأي أهل الكوفة في النبيذ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن سعد: مات سنة ست ومائتين.
روى له البخاريّ في التعليق
(1)
، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، متابعةً.
3 -
(سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ) بن قيس بن عمرو الأنصاريّ، أخو يحيى، صدوقٌ، سىّء الحفظ [4].
رَوَى عن أنس، والسائب بن يزيد، وعمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسعيد بن مُرْجانة، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعُمَر بن كثير بن أفلح، وغيرهم.
ورَوى عنه أخوه يحيى بن سعيد، وشعبة، والثوريّ، وسليمان بن بلال، وابن جريج، وعمرو بن الحارث، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وابن المبارك، ومحاضر بن الموَرِّع، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ضعيفٌ، وكذا قال ابن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: صالحٌ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاريّ مؤدي، يعني أنه كان لا يحفظ، ويؤدي ما سمع، وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحةٌ تقرُب من الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأسًا بمقدار ما يرويه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ، ولم يَفْحُش خطؤه، فلذلك سلكناه مسلك العدول، وقال العجليّ، وابن عمار: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": ذكر أبي عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاريّ مؤدي، قال أبو الحسن بن القطان الفاسيّ: اختُلِف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يُخفِّفها؛ أي: هالك، ومنهم من يُشَدِّدها؛ أي: حَسَنُ الأداء، وقال الترمذيّ: تكلموا فيه من قبل حفظه.
(1)
قال في "تهذيب التهذيب"(10/ 47): وذكره البخاريّ في "الحجّ"، وفي حديث آخر في "البيوع".
قال ابن سعد وخليفة بن خياط: توفي سنة 141. قلت: وكذا أرّخه ابن حبان. أخرج له البخاري في التعاليق ومسلم والأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا برقم (758)، وحديث رقم (783) و (918) وأعاده بعده، و (1140) و (1164) و (2040).
4 -
(ابْنُ مَرْجَانَةَ) هو: سعيد بن مرجانة، وهو سعيد بن عبد اللَّه القرشيّ العامريّ مولاهم، أبو عثمان الحجازيّ، ثقةٌ فاضلٌ [3].
رَوَى عن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر.
وروى عنه عليّ بن الحسين، وابناه عُمر بن عليّ، وأبو جعفر بن عليّ، وسعد بن سعيد الأنصاريّ، وواقد بن محمد بن زيد العُمريّ، وإسماعيل بن أبي حكيم، والزهريّ، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من أفاضل أهل المدينة.
قال يحيى بن بكير: مات سنة سبع وتسعين، وله (77) سنةً، وكذا أرّخه ابن سعد، وقال: كان ثقةً، وله أحاديث.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (758)، وحديث رقم (1509):"من أعتق رقبة مؤمنة. . . " الحديث، كرّره أربع مرّات.
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله في "تهذيب التهذيب": قال ابن حبان لَمّا ذكره في ثقات التابعين: يروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، مات سنة (96)، وقال: مُرْجانة أمه، وأبوه عبد اللَّه، ثم غَفَل عن ذلك، وقال في أتباع التابعين: سعيد بن مُرجانة، يروي عن عليّ بن حسين، وعنه إسماعيل بن أبي حكيم، وأهل المدينة، مات سنة (130)، ومُرجانة أمه، وعبد اللَّه أبوه، ولم يسمع من أبي هريرة شيئًا، ويكفي من بيان تناقض هذا الكلام حكايته، ولولا أن بعض الناس اغتَرَّ بهذا ما حكيته، والذي في "الصحيحين" عكس ما قال، فإن فيهما من طريق عليّ بن الحسين، عن سعيد بن مُرجانة، عن أبي هريرة، وفيهما التصريح بسماعه من أبي هريرة، أما في البخاريّ فبلفظ: قال لي أبو هريرة، وأما في مسلم فبلفظ: سمعت هذا الحديث، فانطلقت به إلى عليّ بن الحسين، وفي
"المسند"، و"مستخرج أبي نعيم" من طريق إسماعيل بن أبي حكيم، عن سعيد بن مُرجانة: سمعت أبا هريرة، وقال أبو مسعود في "الأطراف": سعيد بن عبد اللَّه ابن مُرجانة، مَن قال: سعيد بن يسار، فقد أخطأ، ومُرجانة هي أمه. انتهى، وعلى هذا فيكتب ابن مُرجانة بالألف. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
(1)
.
و"أبو هريرة" رضي الله عنه ذُكر قبله.
وقوله: ("يَنْزِلُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا) قال النوويُّ رحمه الله: هكذا هو في جميع الأصول: "في السماء"، وهو صحيحٌ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن "في" هنا بمعنى "إلى"؛ لأن نزل يتعدّى بـ "إلى"، فتأمّل.
وقوله: (لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ) اللام بمعنى "في"، و"أو" للشكّ من الراوي؛ أي: في نصف الليل، أو ثلثه، وقد تقدّم وجه الجمع بين رواية ثلث الليل الماضية، ونصف الليل بالحمل على اختلاف الأوقات، فراجع ما تقدّم، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟) قال القرطبيُّ رحمه الله: أي: فأُجيبه، وهذا من اللَّه تعالى وعدٌ حقٌّ، وقولٌ صدقٌ:{وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 111]، وإذا وقعت هذه الشروط من العبد على حقيقتها وكمالها، فلا بُدّ من المشروط، فإن تخلّف شيء من ذلك، فذلك لخلَلٍ في الشروط. انتهى
(2)
.
وقوله: (مَنْ يُقْرِضُ) بضمّ الياء، من الإقراض، والمراد به هنا عملُ الطاعة، سواءٌ فيه الصدقة، والصلاة، والصوم، والذكر، وغيرها من الطاعات، وسمّاه سبحانه وتعالى قرضًا؛ ملاطفةً للعباد، وتحريضًا لهم على المبادرة إلى الطاعة، فإن القرض إنما يكون ممن يَعْرِفه المقترض، وبينه وبينه مُؤانسة ومحبة، فحين يتعرض للقرض يبادر المطلوب منه بإجابته؛ لفَرَحه بتأهيله للاقتراض منه، وإدلاله عليه، وذكره له.
والمعنى: من يُعطي العبادة البدنيّة والماليّة على سبيل القرض، وأخذ
(1)
"تهذيب التهذيب" 4/ 69.
(2)
"المفهم" 2/ 387.
العوض
(1)
، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (غَيْرَ عَدِيمٍ) وفي الرواية التالية: "غير عَدُوم"، قال النوويُّ رحمه الله: هكذا هو في الأصول في الرواية الأولى: "عَدِيم"، والثانية:"عَدُوم"، وقال أهل اللغة: يقال: أَعْدَم الرجلُ: إذا افتقر، فهو مُعْدِمٌ، وعَدِيمٌ، وعَدُومٌ.
ومعنى "غير عديم": أي: ربًّا غنيًّا، غير فقير عاجز عن العطاء.
وقوله: (وَلَا ظَلُومٍ؟) بوزن فَعُول، بفتح أوله، وضمّ ثانيه، وهو من صيغ المبالغة، كما قال في "الخلاصة":
فَعَّالٌ أَوْ مِفْعَالٌ أَوْ فَعُولُ
…
فِي كَثْرَةٍ عَنْ فَاعِلٍ بَدِيلُ
ولكن المبالغة ليست مرادة هنا، وإنما المراد أصل المعنى، كما في قوله تعالى:{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]، يعني أنه لا يظلم من أقرضه بعدم وفاء دينه، أو بنقصه، أو بتأخير أدائه عن وقته، وإنما خصّ نفي هاتين الصفتين؛ لأنهما المانعان غالبًا عن الإقراض، فوصف اللَّه تعالى نفسه بنفي هذا المانع.
وحاصل المعنى أن من يعمل خيرًا في الدنيا، يجد جزاءه كاملًا في الآخرة، فشبّه هذا المعنى بالإقراض.
وفيه تحريض على عمل الطاعة، وإشارة إلى جزيل الثواب عليها
(2)
.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) يعني صاحب الكتاب (ابْنُ مَرْجَانَةَ. . . إلخ) بفتح الميم، وسكون الراء، كما تفيده عبارة "القاموس".
وغرض المصنّف رحمه الله بهذا بيان اسم ابن مَرْجانة، واسم والده، حيث يغلط بعضهم في اسم والده، قال في "تهذيب التهذيب": وقال الذُّهْليّ: سعيد بن مَرْجانة، هو سعيد بن يَسَار، أبو الحباب، أبوه يسار، وأمه مَرْجانة، وتعقّبه، فقال: كذا قال، والصحيح أنهما اثنان. انتهى.
وقال في ترجمة أبي الْحُباب: سعيد بن يسار، أبو الْحُباب المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: مولى شُقْران، أو مولى الحسن بن عليّ، وقيل: مولى بني النّجّار، والصحيح أنه غير سعيد بن مَرْجانة. انتهى
(3)
.
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 221.
(2)
راجع: "المرعاة" 4/ 221.
(3)
"تهذيب التهذيب" 2/ 51.
والحاصل أن ابن مَرْجانة غير سعيد بن يسار أبي الْحُبَاب، فإنه سعيد بن عبداللَّه، كما بيّنه مسلم هنا، فتبصّر.
ثم وجدت الحافظ أبا بكر الخطيب البغداديُّ قد أجاد الكلام في هذا الموضوع في كتاب الممتع "موضح أوهام الجمع والتفريق"(1/ 266 - 269)، أحببت إيراد كلامه، وإن كان فيه طولٌ، إلا أنه مهمّ جدًّا، وهذا الشرح موضوع لاستيفاء الفوائد المهمة بقدر المستطاع، قال رحمه الله:
ذكرُ وَهَم لأبي عبد اللَّه محمد بن يحيى بن فارس الذُّهْليّ.
أخبرني أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن الفضل القطان، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس الذهبيّ، قال: سمعت عبد اللَّه بن محمد بن زياد يقول: سمعت محمد بن يحيى يقول: سعيد بن مَرْجانة، هو سعيد بن يسار، أبو الحباب، أبوه يسار، وأمه مَرْجانة.
أخبرنا هبة اللَّه بن الحسن بن منصور الطبريّ، قال: قال محمد بن يحيى الذُّهليّ فيما أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد، عن أبي بكر النيسابوريّ، عنه: إن أبا الحباب سعيد بن يسار أبوه يسار، وأمه مَرْجانة.
قال لنا هبة اللَّه: وهذا خطأ ظاهرٌ، سعيد بن يسار يتميز عن سعيد بن مَرْجانة بالكنية؛ لأن كنية سعيد بن يسار أبو الْحُبَاب، وكنية سعيد بن مَرْجانة أبو عثمان، ويتميز بالولاء؛ لأن سعيد بن يسار مولى أبي مُزَرِّد، وسعيد بن مَرْجانة مولى بني عامر بن لؤيّ، ويتميز بالأب؛ لأنه هو ابن عبد اللَّه، وأمه مَرجانة.
قال الخطيب: وهذا الكلام صحيح، إلا قوله: مولى أبي مُزَرِّد، فإنه أخو أبي مُزَرِّد، واختلفوا في ولائه، ومما يتميز به سعيد بن يسار عن سعيد بن مَرجانة، ولم يذكره لنا هبة اللَّه تباين وفاتيهما، ومبلغ عمريهما، فإن سعيد بن مرجانة تقدمت وفاته على وفاة سعيد بن يسار بعشرين سنة، كما أخبرنا عليّ بن محمد بن عبد اللَّه المعدّل، أخبرنا الحسين بن صفوان البرذعيّ، حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن أبي الدنيا، حدّثنا محمد بن سعد، قال: سعيد بن مَرجانة يكنى أبا عثمان، مولًى لقريش، كان له انقطاع إلى عليّ بن حسين، وكان له فضل. تُوُفّي سنة سبع وتسعين، وله سبع وسبعون.
وأخبرنا عليّ بن أحمد الرزاز، أخبرنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن الحسن الصوّاف، حدّثنا بشر بن موسى الأسديّ، حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: وموت سعيد بن مَرجانة، ويكنى أبا عثمان سنة ست وتسعين، وهو ابن سبع وسبعين، مولى لقريش.
وأخبرنا عليّ بن محمد بن الحسن السِّمْسار، أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان الصفّار، حدّثنا عبد الباقي بن قانع، أن سعيد بن مَرجانة، أبو عثمان، مولى قريش، تُوُفّي سنة سبع وتسعين.
أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عليّ بن إبراهيم، حدّثنا أبو أحمد بن فارس، حدثنا البخاريّ، قال: سعيد بن مرجانة، هو ابن عبد اللَّه، ومرجانة أمه، صاحب عليّ بن حسين، مدنيّ، سمع أبا هريرة، سمع منه سعد بن سعيد، وواقد، ومحمد بن إبراهيم، نسبه ابن المبارك، ويقال: مولى بني عامر بن لؤيّ القرشيّ الحجازيّ، رَوَى عنه إسماعيل بن أبي حكيم، وعُمر بن عليّ بن حسين، ويقال: عن محاضر، قال: حدّثنا سعد، قال: حدّثنا سعيد بن أبي سعيد ابن مَرْجانة.
قال الخطيب: أما حديث محاضر هذا، فرواه عنه محمد بن إسحاق الصغاني وهو من الأثبات الْحُفّاظ، وقال فيه: سعيد ابن مَرجانة، كقول الجماعة.
أخبرنا أبو سعيد، محمد بن موسى الصيرفيّ، حدّثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب الأصمّ، حدّثنا محمد بن إسحاق الصغاني، أخبرنا محاضر، وهو ابن الْمُوَرِّع، حدّثنا سعد بن سعيد، أخبرني سعيد بن مَرجانة، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ينزل اللَّه تعالى في السماء الدنيا لشطر الليل، أو لثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، أو يسألني فأعطيه، ثم يقول: من يُقْرِض غير عديم ولا ظلوم".
وهكذا رواه سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد.
أخبرناه أبو بكر أحمد بن محمد بن الصقر المقرئ، أخبرنا فاروق بن عبد الكبير بن عمر الخطابيّ بالبصرة، حدّثنا العباس بن الفضل الأسفاطيّ، حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدّثنا سليمان بن بلال، عن سعد بن
سعيد، قال: حدّثني سعيد ابن مَرجانة، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إن اللَّه تعالى يَنزل إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل، أو نصف الليل، فيقول: من يدعوني فأجيبه، من يسألني فأعطيه، ثم يبسط يده، فيقول: من يُقْرِض غير عدوم ولا ظلوم".
وأما ذكر مبلغ سِنّ أبي الْحُبَاب، سعيد بن يسار، ووقت وفاته، فأخبرنا عليّ بن محمد بن عبد اللَّه المعدّل، أخبرنا الحسين بن صفوان، حدّثنا ابن أبي الدنيا، حدّثنا محمد بن سعد، قال: سعيد بن يسار، أبو الحباب، مولى الحسن بن عليّ بن أبي طالب، مات سنة سبع عشرة ومائة.
وأخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: كتب إليّ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عمران الجوريّ من شيراز، أن أحمد بن حمدان بن الحضر أخبرهم، قال: حدّثنا أبو العباس، أحمد بن يونس الضبيّ، قال: حدّثني أبو حسان الزياديّ، قال: سنة سبع عشرة ومائة فيها مات سعيد بن يسار، يُكنى أبا الحباب، مولى الحسين بن عليّ، وهو ابن ثمانين سنة.
أخبرنا عليّ بن أحمد الرزاز، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدّثنا بشر بن موسى، حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: ومات أبو الحباب، سعيد بن يسار، مولى الحسن بن عليّ سنة سبع عشرة، يعني ومائة.
أخبرنا السِّمْسار، أخبرنا الصفّار، حدّثنا ابن قانع، أن أبا الحباب، سعيد بن يسار، مولى الحسين بن عليّ، مات في سنة سبع عشرة ومائة.
أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عليّ بن إبراهيم، حدّثنا أبو أحمد بن فارس، حدثنا البخاريّ، قال: سعيد بن يسار، أبو الحباب، أخو أبي مُزَرِّد، مولى شُقْران، مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ويقال: مولى الحسن بن عليّ، قال لي ابن يوسف: حدّثنا الليث، حدّثنا المقبريّ، عن سعيد بن يسار، أخي أبي مَرْثَد، قال البخاريّ: والصحيح أبي مُزَرّد
(1)
. انتهى كلام الخطيب رحمه الله، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
والحديث بزيادة "من يُقْرِض. . . إلخ" من أفراد المصنّف رحمه الله، واللَّه
(1)
"موضح أوهام الجمع والتفريق" 1/ 266 - 269.
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1776]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(1)
هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْإَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ:"ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ تبارك وتعالى، يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ، وَلَا ظَلُومٍ؟ ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [10](ت 253) وله (83) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" 29/ 225.
2 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريًّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [9](ت 197) عن (72) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
3 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [8](ت 177)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
و"سَعْد بن سعيد" ذُكر قبله.
وقوله: (وَزَادَ. . . إلخ) الفاعل ضمير سليمان بن بلال.
وقوله: (ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ تبارك وتعالى فيه إثبات صفة البسط للَّه سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله، وأما قول النوويّ في "شرحه": فيه إشارة إلى نشر رحمته، وكثرة عطائه، وإجابته، وإسباغ نعمته. انتهى، ففيه نظر لا يخفى؛ لأنه تأويل لمعنى بسط اليدين باللازم، وهو غير مقبول، بل الحقّ أن اللَّه تعالى يبسط يديه على ظاهره، كما يليق بجلاله، فنشر رحمته، وكثرة عطائه. . . إلخ من أثر بسطه سبحانه وتعالى، فتبصّر بالإنصاف، ولا تنس مذهب السلف الذي مضى تحقيقه قريبًا في هذه الصفات، فالزمه، فإنه الصراط المستقيم، اللهم اهدنا فيمن هديت آمين.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد هذه ساقها الحافظ أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 353) فقال:
(1727)
حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا عليّ بن أحمد بن سليمان علان، ثنا هارون بن سعيد الأيليّ، ثنا ابن وهب، حدّثني سليمان بن بلال، عن سعد
(1)
بن سعيد، أخبرني سعيد بن مَرْجانة، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه تعالى يَنزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، أو نصف الليل، فيقول: من يستغفرني فأغفرُ له، من يدعوني فأستجيبُ له، من يسألني فأعطيه، ثم يبسط يديه، فيقول: من يُقْرِضُ غير عديم
(2)
، ولا ظلوم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1777]
(. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَفْظُ لِابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ، يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ
(3)
الْفَجْرُ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(عُثْمَانُ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
(1)
وقع في النسخة "سعيد"، وهو غلط، فتنبّه.
(2)
هكذا نسخة "المستخرج" بلفظ "عديم" بالياء، كالرواية الأولى، وقد نبّه المصنّف على أن رواية سليمان بلفظ "عدُوم"، وقد تقدّم عن الخطيب البغداديّ أنه ساق رواية سليمان بلفظ "عدوم"، كما قال المصنّف رحمه الله، والظاهر أن نسخة "المستخرج" وقع فيها تصحيف، فإن النسخة التي عندي من أردإ النسخ، مملوءة بالأخطاء والتصحيفات، واللَّه تعالى أعلم.
(3)
وفي نسخة: "يتفجّر".
2 -
(أَبُو بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
3 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام [10](ت 238)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
4 -
(جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل باب.
5 -
(مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلَميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [6](ت 132)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 296.
6 -
(أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السَّبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ مدلّسٌ، اختلط بآخره [3](ت 129)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 11.
7 -
(الْأَغَرُّ أَبُو مُسْلِمٍ) المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقة [3].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وكانا اشتركا في عتقه.
ورَوَى عنه عليّ بن الأقمر، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وهلال بن يساف، وطلحة بن مُصَرِّف، وغيرهم.
وزعم قوم أنه أبو عبد اللَّه سلمان الأغر، وهو وَهَمٌ، وممن زعم ذلك عبد الغنيّ بن سعيد، وسبقه الطبرانيّ، وزاد الوهم وَهَمًا، فزعم أن اسم الأغر مسلم، وكنيته أبو عبد اللَّه، فأخطأ؛ فإن الأغر الذي يُكنى أبا عبد اللَّه، اسمه سلمان، لا مسلم، وتفرد بالرواية عنه أهل المدينة، وأما هذا فإنما رَوَى عنه أهل الكوفة، وكأنه اشتبه على الطبراني بمسلم المدنيّ شيخٍ للشعبيّ، فإنه يروي أيضًا عن أبي هريرة، لكنه لا يلقب بالأغرّ، وأما أبو مسلم هذا فالأغرّ اسمه، لا لقبه.
وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال البزار: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفي "تاريخ البخاري": ويقال عن ابن أبجر، عن أبي إسحاق، عن أَغَرّ بن سُليك، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وكانا اشتركا في عتقه، وجزم عبد الغنيّ بوهم ابن أبجر في تسمية والد الأغرّ هذا، وقال: إن الأغرّ بن سُليك آخر. انتهى
(1)
.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في
(1)
"تهذيب التهذيب" 1/ 185.
هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (758) وحديث (2620):"العزّ إزاره" والكبرياء رداؤه. . . "، و (2700): "لا يقعد قوم يذكرون اللَّه عز وجل. . . "، و (2837): "ينادي مناد إن لكم أن تصحّوا. . . ".
[تنبيه]: وقع في "شرح النوويّ" هنا غلط، وهو أنه قال: الأغرّ لقبٌ، واسمه سلمان. انتهى، فقد اشتبه عليه بسلمان الأغرّ الذي تقدّم في أول حديث هذا الباب، وهو أبو عبد اللَّه الأغرّ، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
8 -
(أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ رضي الله عنه تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
9 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه ذُكر في الحديث الماضي.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ) أي: يؤخّر النزول إلى السماء الدنيا.
وقوله: (يَنْفَجِرَ الْفَجْرَ) وفي نسخة: "حتى يتفجّر"؛ أي: حتى ينشقّ، ويطلع، ويظهر الصبح، وهو غاية للقول، يعني أنه لا يزال يقول:"هل من مستغفر إلخ" إلى أن يضيء الفجر.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف رحمه الله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1778]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى
(1)
، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَنْصُورٍ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلّهم تقدّم قبل ثلاثة أبواب، غير أبي إسحاق، ففي السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد أبي إسحاق الماضي، وهو: عن الأغرّ أبي مسلم، عن أبي سعيد، وأبي هريرة رضي الله عنهما.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا محمد".
[تنبيه]: رواية شعبة، عن أبي إسحاق هذه ساقها الإمام ابن خزيمة رحمه الله في "صحيحه" (2/ 182) فقال:
(1146)
نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأغرّ، قال: أشهد على أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، أنهما شهدا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إن اللَّه يُمْهِل حتى يذهب ثلث الليل، فيَنْزِل، فيقول: هل من سائل، هل من تائب، هل من مستغفر من ذنب؟ فقال له رجل: حتى مطلع الفجر؟ قال: نعم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(27) - (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَبَيَانِ دَلَيلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قيام رمضان يُسمّى بالتراويح، قال الإمام البخاريُّ في "صحيحه":"كتاب صلاة التراويح".
قال في "الفتح": والتراويح: جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، كتسليمة من السلام، سُمِّيت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنهم أَوّلَ ما اجتمعوا عليها، كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، وقد عَقَدَ محمد بن نصر في "قيام الليل" بابين لمن استَحَبّ التطوع لنفسه بين كل ترويحتين، ولمن كره ذلك، وحَكَى فيه عن يحيى بن بكير، عن الليث، إنهم كانوا يستريحون قدر ما يصلي الرجل كذا كذا ركعة. انتهى
(1)
.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1779]
(759) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
(1)
"الفتح" 4/ 294.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [3](ت 105)(ع) تقدم في "الإيمان" 26/ 213.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ) شرطيّة مبتدأ (قَامَ رَمَضَانَ) أي: قام لياليه مُصَلِّيًا، والمراد من قيام الليل ما يَحصُل به مطلق القيام، وذكر النوويّ أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأغرب الكرمانيّ، فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، قاله في "الفتح".
(إِيمَانًا) أي: تصديقًا بوعد اللَّه بالثواب عليه (وَاحْتِسَابًا) أي: طلبًا لوجه اللَّه تعالى وثوابه، لا لقصدٍ آخر، من رياء، أو نحوه، وهما منصوبان على أنهما هما حالان متداخلتان، أو مترادفتان على تأويل مؤمنًا ومحتسبًا، وقيل: إنهما منصوبان على التمييز، أو على المفعوليّة من أجله.
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: قوله: "إيمانًا": أي: تصديقًا بأنه حقّ وطاعةٌ، وقوله:"واحتسابًا": أي: طلبًا لمرضاة اللَّه تعالى وثوابه، لا بقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك، مما يخالف الإخلاص، والاحتسابُ من الْحَسْب، وهو العدُّ، كالاعتداد من العدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللَّه تعالى: احتَسَبَهُ؛ لأن له حينئذ أن يَعْتَدَّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل كأنه مُعتدّ به. انتهى
(1)
.
وقال ابن الأثير رحمه الله: الاحتساب من الْحَسْبِ، كالاعتداد من العدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللَّه تعالى: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يعتدّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والحِسْبة اسم من
(1)
"طرح التثريب" 4/ 161.
الاحتساب، كالعدّة من الاعتداد، والاحتسابُ في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات هو الْبِدَار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طلبًا للثواب المرجوّ منها. انتهى
(1)
.
(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، جواب "من"، وهو: من الغَفْر، وهو الستر، ومنه الْمِغْفر وهو الْخُوذة
(2)
، وفي "العباب": الغَفْر: التغطية، والغَفْر، والغُفْران، والمغفرة واحد، ومغفرة اللَّه تعالى لعبده إلباسه إياه العفوَ، وستره ذنوبه
(3)
.
قال في "الفتح": وظاهر الحديث يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، وقال النوويّ رحمه الله: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة، قال بعضهم: ويجوز أن يُخَفَّف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة.
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: قوله: "غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه" ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وإلى ذلك جنح ابن المنذر، فقال: هو قولٌ عامٌّ يُرْجَى لمن قامها إيمانًا واحتسابًا أن يغفر له جميع ذنوبه، صغيرُها وكبيرُها.
وقال النوويّ في "شرح المهذَّب": قال إمام الحرمين: كلُّ ما يَرِدُ في الأخبار من تكفير الذنوب، فهو عندي محمول على الصغائر، دون الموبقات، قال النوويّ رحمه الله: وقد ثبت في "الصحيح" ما يؤيده.
فمن ذلك حديث عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبةٌ، فيُحْسِن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت له كفّارةً لما قبلها، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهرَ كله"، رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الصلوات الخمس، والجمعة
(1)
"النهاية في غريب الحديث والأثر" 1/ 382.
(2)
الْخُوذة بالضم: المغفر، جمعها خُوَذ، كغُرْفة وغُرَف.
(3)
"عمدة القاري" 1/ 226.
إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارةٌ لما بينها من الذنوب، إذا اجتُنِبت الكبائر"، رواه مسلم.
قال النوويُّ رحمه الله: وفي معنى هذه الأحاديث تأويلان:
[أحدهما]: تكفّر الصغائر بشرط ألا يكون هناك كبائر، فإن كانت كبائر، لم يُكَفَّر شيء، لا الكبائر، ولا الصغائر.
[والثاني]: وهو الأصح المختار أنه يُكَفَّر كل الذنوب الصغائر، وتقديره: تغفر ذنوبه كلُّها إلا الكبائر، قال القاضي عياض رحمه الله: هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر، هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تُكَفِّرها التوبةُ أو رحمةُ اللَّه تعالى. انتهى
(1)
.
(مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ")"ما" نائب فاعل لـ "غُفِرَ"، و"من ذنبه" بيان لـ "ما".
قال الحافظ رحمه الله: زاد قتيبة، عن سفيان، عند النسائيّ:"وما تأخر"، وكذا زادها حامد بن يحيى، عند قاسم بن أصبغ، والحسين بن الحسن المروزيّ، في "كتاب الصيام" له، وهشام بن عمار في الجزء الثاني عشر من "فوائده"، ويوسف بن يعقوب النجاحي في "فوائده"، كلهم عن ابن عيينة، ووردت هذه الزيادة من طريق أبي سلمة، من وجه آخر، أخرجها أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعن ثابت، عن الحسن، كلاهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ووقعت هذه الزيادة من رواية مالك نفسِهِ، أخرجها أبو عبد اللَّه الجرجانيّ في "أماليه" من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن مالك، ويونس، عن الزهريّ، ولم يتابع بحر بن نصر على ذلك أحد من أصحاب ابن وهب، ولا من أصحاب مالك، ولا يونس، سوى ما تقدّمناه، وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب عدةُ أحاديث، جمعتها في كتاب مفرد.
وقد استُشْكِلت هذه الزيادة من حيث إن المغفرة تستدعي سبق شيء يُغْفَر، والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يُغفَر؟.
(1)
"طرح التثريب" 4/ 162 - 163.
والجواب عن ذلك يأتي في قوله صلى الله عليه وسلم حكايةً عن اللَّه عز وجل أنه قال في أهل بدر: "اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".
ومُحَصَّل الجواب أنه قيل: إنه كناية عن حفظهم من الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل: إن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورةً، وبهذا أجاب جماعةٌ، منهم الماورديّ في الكلام على حديث صيام عرفة، وأنه يُكَفِّر سنتين: سنةً ماضيةً، وسنة آتيةً. انتهى كلام الحافظ رحمه الله.
وقال وليّ الدين رحمه الله في "شرح التقريب" ما نصّه: في "مسند أحمد"، و"معجم الطبرانيّ الكبير"، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"في رمضان"، فذكر الحديث، وفيه:"فمن قامها ابتغاءها إيمانًا واحتسابًا، ثم وُفِّقت له، غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، وفيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن.
وفيه زيادة: "وما تأخر"، وقد يُستشكَل معنى مغفرة ما تأخر من الذنوب، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة رضي الله عنه:"صيام عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده"، فتكفير السنة التي بعده كمغفرة المتأخر من الذنوب، وقد قال السرخسي من أصحابنا الشافعية: اختَلَف العلماء في معنى تكفير السنة المستقبلة، فقال بعضهم: إذا ارتكب فيها معصية جَعَل اللَّه تعالى صوم عرفة الماضي كفارةً لها، كما جعله مُكَفِّرًا لما قبله في السنة الماضية، وقال بعضهم: معناه أن اللَّه تعالى يعصمه في السنة المستقبلة عن ارتكاب ما يُحْوِجه إلى كفارة، وأطلق الماوردي في "الحاوي" في السنتين معًا تأويلين:
أحدهما: أن اللَّه تعالى يغفر له ذنوب سنتين.
والثاني: أنه يعصمه في هاتين السنتين، فلا يَعْصي فيهما.
وقال صاحب "العدّة": في تكفير السنة الأخرى يَحْتَمِل معنيين:
أحدهما: المراد السنة التي قبل هذه، فيكون معناه أنه يكفّر سنتين ماضيتين.
والثاني: أنه أراد سنةً ماضيةً، وسنةً مستقبلةً، قال: وهذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات أنه يكفّر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاص
برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم غَفَر اللَّه له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر بنص القرآن العزيز، ذكر ذلك كله النوويّ في "شرح المهذب"، وهذا يأتي مثله هنا، فيكون مغفرةُ ما تأخر من الذنوب إما أن يراد بها العصمة من الذنوب، حتى لا يقع فيها، وإما أن يراد به تكفيرها، ولو وقع فيها، ويكون المكفَّر متقدمًا على المكفَّر، واللَّه أعلم. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن ما دلّ عليه ظاهر النصّ هو الأقرب لحمل المراد من الحديث عليه، وهو أن التكفير معناه في اللغة المحو، قال الفيّوميُّ رحمه الله:"وكفّر اللَّه عنه الذنبَ: محاه، ومنه الكفّارة؛ لأنها تكفّر الذنب". انتهى
(2)
.
فيكون المراد بتكفير الذنب المستقبل أنه يُمْحَى إذا وقع، ولكن لا يُستبعد أن يَمُنّ اللَّه تعالى على عبده إذا صام يوم عرفة، أو قام رمضان، أو ليلة القدر، أو نحو ذلك، مما فيه تكفير ما تأخّر من الذنوب بأن يعصمه، ويحفظه من الوقوع في الذنوب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [27/ 1779 و 1780](759)، و (البخاريّ) في "كتاب صلاة التراويح"(2009)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1371)، و (الترمذيّ) في "الصوم"(808)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(3/ 201 و 202) و"الصيام"(4/ 156) و"الإيمان"(8/ 117 و 118)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1326)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 113)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(7719)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 281 و 289)، و (الدارميّ) في
(1)
"طرح التثريب في شرح التقريب" 4/ 163 - 164.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 535.
"سننه"(2/ 26)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(2202 و 2203)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2546)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(3038 و 3039 و 3040)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1730 و 1731 و 1732 و 1733)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 491 و 492)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(988 و 1707)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): الحثّ على قيام رمضان، وبيان عظم ثوابه.
2 -
(ومنها): بيان فضل شهر رمضان وعظم قدر ما منّ اللَّه سبحانه وتعالى على هذه الأمة بغفران ما تقدّم من ذنوبهم إذا قاموه إيمانًا واحتسابًا.
3 -
(ومنها): بيان وجوب التصديق بالعمل الذي يعمله الشخص، وهذا معنى قوله:"إيمانًا"؛ أي: مصدّقًا بكونه طاعةً للَّه تعالى، فلا ينفع العمل بلا تصديق.
4 -
(ومنها): الحثّ على إخلاص العمل للَّه سبحانه وتعالى، وأنه لا ينفع إلا إذا ابتُغي به وجهه، وطُلب الأجر منه وحده، وهذا معنى قوله:"واحتسابًا".
5 -
(ومنها): بيان أن بعض الأعمال تكفّر الذنوب الماضية كلّها، أما الصغائر فلا خلاف فيها، وأما الكبائر، فيُرجى من اللَّه عفوها، بل إذا لم يكن للعبد إلا الكبائر، فلا بدّ من تخفيفها، واللَّه عز وجل ذو الفضل العظيم.
6 -
(ومنها): بيان جواز إطلاق لفظ "رمضان" من غير إضافة "شهر" إليه؛ خلافًا لمن منع ذلك، حتى يقال: شهر رمضان، قال: لأن "رمضان" اسم من أسماء اللَّه تعالى، وهذا باطلٌ؛ لأن ذلك لم يصحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة التراويح:
قال النوويُّ رحمه الله: اتفق العلماء على استحباب صلاة التراويح، واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفردًا في بيته، أم في جماعة في المسجد؟ فقال الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض المالكية، وغيرهم الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة رضي الله عنهم، واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد.
وقال مالك، وأبو يوسف، وبعض الشافعية، وغيرهم: الأفضل فُرَادى في البيت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". انتهى
(1)
.
وقال في "الفتح": وبالغ الطحاويّ، فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية، وقال ابن بطال: قيام رمضان سنةٌ؛ لأن عمر رضي الله عنه إنما أخذه من فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما تركه النبيّ صلى الله عليه وسلم خشيةَ الافتراض، وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها: من كان يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا تختلّ الجماعة في المسجد بتخلّفه، فصلاته في الجماعة والبيت سواءٌ، فمن فَقَدَ بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح القول بأفضليّة التراويح في البيت، كسائر النوافل؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك، حيث قال:"فصلّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"، متّفقٌ عليه، وهذا قاله في صلاة التراويح الذي سيأتي في حديث عائشة رضي الله عنها المذكور في الباب.
هذا كلّه في حقّ من يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا يغلبه النوم لو صلّى في بيته، وأما من كان يخشى أن لا يقوم في البيت، بأن يغلبه النوم، أو يحصل له تشويش من أهل بيته، أو نحو ذلك مما يصدّه عن قيام الليل، فالأفضل في حقّه أن يصلي في المسجد، وعلى هذا يدلّ فعل عمر رضي الله عنه، فإنه لَمّا جمع الناس في المسجد على إمام واحد، لم يكن يصلي معهم، بل قال: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، رواه البخاريّ.
والحاصل أن صلاة التطوّع في البيت أفضل، سواء كان التراويح، أم غيره لمن كان نشطًا، ولا يمنعه منه مانع، وأما من يخشى أن يفوته بسبب من الأسباب، فصلاته مع الجماعة خير له، وأما القول بوجوب صلاة التراويح
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 39 - 40.
(2)
"الفتح" 4/ 297 "كتاب صلاة التراويح".
جماعة، كما تقدّم عن الطحاوي، فبطلانه واضح، وكذا القول بأفضليّته في المسجد مطلقًا ليس بصحيح؛ لما ذكرته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد صلاة التراويح:
قال القرطبيُّ رحمه الله: اختُلِف في المختار من عدد القيام، فعند مالك أن المختار من ذلك ستّ وثلاثون؛ لأن ذلك عَمَلُ أهل المدينة المتّصل
(1)
، وقد قال نافعٌ: لم أُدرك الناس إلا وهم يقومون بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث، وقال الشافعيّ: عشرون ركعةً، وقال كثير من أهل العلم: إحدى عشرة ركعةً، أخذًا بحديث عائشة رضي الله عنها المتقدّم. انتهى
(2)
.
وقال في "الفتح" ما حاصله: اختُلِف في عدد الركعات التي كان أُبيّ بن كعب رضي الله عنه يصليها بالناس لَمّا أمره عمر رضي الله عنه، ففي "الموطأ" عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، أنها إحدى عشرة، ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر، وزاد فيه:"وكانوا يقرؤون بالمائتين، ويقومون على العِصِيّ من طول القيام"، ورواه محمد بن نصر المروزيّ، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن يوسف، فقال:"ثلاث عشرة"، ورواه عبد الرزاق، من وجه آخر، عن محمد بن يوسف، فقال:"إحدى وعشرين"، ورَوَى مالك، من طريق يزيد بن خُصَيفة، عن السائب بن يزيد:"عشرين ركعةً"، وهذا محمول على غير الوتر، وعن يزيد بن رُومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين، ورَوَى محمد بن نصر، من طريق عطاء قال: أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة، وثلاث ركعات الوتر.
(1)
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: ولَمّا وَلِيَ والدي يعني الحافظ أبا الفضل العراقيّ رحمه الله إمامة مسجد المدينة، أحيا سنتهم القديمة في ذلك، مع مراعاة ما عليه الأكثر، فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد، ثم يقوم آخر الليل في المسجد بست عشرة ركعة، فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين، واستمرّ على ذلك عمل أهل المدينة بعده، فهم عليه إلى الآن. انتهى. "طرح التثريب"(4/ 98).
(2)
"المفهم" 2/ 389 - 390.
والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويَحْتَمِل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يُطيل القراءة تَقِلّ الركعات وبالعكس، وبذلك جزم الداوديّ وغيره، والعدد الأول موافقٌ لحديث عائشة رضي الله عنها:"ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً"، والثاني قريب منه، والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنه كان تارةً يوتر بواحدة، وتارة بثلاث.
ورَوَى محمد بن نصر، من طريق داود بن قيس قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، يعني بالمدينة، يقومون بست وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث، وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا، وعن الزعفرانيّ، عن الشافعيّ: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق، وعنه قال: إن أطالوا القيام، وأقلُّوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود، وأخفُّوا القراءة فحسن، والأول أحب إليّ.
وقال الترمذيّ: أكثر ما قيل فيه أنها تُصَلَّى إحدى وأربعين ركعةً، يعني بالوتر، كذا قال، وقد نَقَل ابنُ عبد البر، عن الأسود بن يزيد: تُصَلَّى أربعين، ويوتر بسبع، وقيل: ثمان وثلاثين، ذكره محمد بن نصر، عن ابن أيمن، عن مالك، وهذا يمكن ردُّه إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر، لكن صرَّح في روايته بأنه يوتر بواحدة، فتكون أربعين إلا واحدة، قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة، وعن مالك: ستًا وأربعين، وثلاث الوتر، وهذا هو المشهور عنه، وقد رواه ابن وهب عن العُمَريّ، عن نافع، قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعًا وثلاثين، يوترون منها بثلاث، وعن زُرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعًا وثلاثين، ويوتر، وعن سعيد بن جبير: أربعًا وعشرين، وقيل: ست عشرة، غير الوتر، رُوي عن أبي مِجْلَز عند محمد بن نصر، وأخرج من طريق محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن يوسف، عن جدّه السائب بن يزيد، قال: كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة، قال ابن إسحاق: وهذا أثبت ما سمعت في ذلك، وهو موافقٌ لحديث عائشة رضي الله عنها في صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم من الليل، واللَّه أعلم. انتهى
(1)
.
(1)
"الفتح" 4/ 298.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في "الفتاوى الكبرى": قد ثبت أن أُبيّ بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة، في قيام رمضان، ويوتر بثلاث، فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقام بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكرٌ، واستَحَبّ آخرون تسعة وثلاثين ركعةً؛ بناءً على أنه عمل أهل المدينة القديم، وقال طائفة: قد ثبت في "الصحيح" عن عائشة رضي الله عنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، واضطرب قوم في هذا الأصل؛ لِمَا ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين، والصواب أن ذلك جميعه حسنٌ، كما قد نَصّ على ذلك الإمام أحمد رحمه الله، وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها عددًا، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يطيل القيام بالليل، حتى قد ثبت عنه من حديث حذيفة رضي الله عنه أنه كان يقرأ في الركعة بـ "البقرة"، و"النساء"، و"آل عمران"، فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات، وأُبي بن كعب لَمّا قام بهم، وهم جماعة واحدة، لم يمكن أن يطيل بهم القيام، فكَثَّر الركعات؛ ليكون ذلك عوضًا عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعةً، أو ثلاث عشرة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضَعُفوا عن طول القيام، فكَثَّروا الركعات حتى بلغت تسعًا وثلاثين. انتهى كلامه رحمه الله
(1)
.
وقال رحمه الله في موضع آخر من "الفتاوى" أيضًا: وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قيامه بالليل هو وِتْرَه، يصلي بالليل في رمضان وغير رمضان إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعةً، لكن كان يصليها طوالًا، فلما كان ذلك يشق على الناس، قام بهم أُبي بن كعب في زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة، يوتر بعدها، ويخفف فيها القيام، فكان تضعيف العدد عوضًا عن طول القيام، وكان بعض السلف يقوم أربعين ركعة، فيكون قيامها أخفّ، ويوتر بعدها بثلاث، وكان بعضهم يقوم بست وثلاثين ركعةً، يوتر بعدها. انتهى كلام
(1)
"الفتاوى الكبرى" 1/ 176 - 227.
شيخ الإسلام رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أنه لا يتعيّن في قيام رمضان عدد معينّ من الركعات، ولا من القراءة، وإنما ذلك بحسب أحوال الناس، فإذا كان لهم نشاطٌ على أن يصلّوا صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ركعة بطولها، فهو الأحسن، وإن ضعفوا عن ذلك، فكثّروا الركعات عوضًا عن تطويل القراءة، فلا بأس، سواء صلّوا عشرين، أو أقلّ، أو أكثر، وأما التزام عشرين ركعةً، بحيث لا يزيد، ولا ينقص، فمما لا دليل عليه، بل هو من اعتقاد العوامّ الذين لا دراية لهم بالسنّة، فلا تغترّ بهم، فالشأن في الأدلّة، لا فيما رآه الجِلّة.
قال العلامة الشوكانيُّ رحمه الله: والحاصل أن الذي دلّت عليه الأحاديث هو مشروعيّة القيام في رمضان، والصلاة فيه جماعةً وفُرادى، فقصر الصلاة المسمّاة بالتراويح على عدد معيّن، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم ترد به سنة. انتهى، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: ليس المراد بقيام رمضان قيام جميع ليله، بل يحصل ذلك بقيام يسير من الليل، كما في مطلق التهجد، وبصلاة التراويح وراء الإمام، كالمعتاد في ذلك، وبصلاة العشاء والصبح في جماعة؛ لحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله"، رواه مسلم في "صحيحه" بهذا اللفظ، وأبو داود بلفظ:"من صلى العشاء في جماعة، كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة، كان كقيام ليلة"، وكذا لفظ الترمذيّ:"ومن صلى العشاء والفجر في جماعة"، ورواية مسلم في ذلك محمولة على روايتهما، فمعنى قوله:"ومن صلى الصبح في جماعة"؛ أي: مع كونه كان صلى العشاء في جماعة، وكذلك جميع ما ذكرناه يأتي في تحصيل قيام ليلة القدر.
(1)
"الفتاوى الكبرى" 1/ 176 - 177.
وقد رَوَى الطبراني في "معجمه الكبير" عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من صلى العشاء في جماعة، فقد أخذ بحظه من ليلة القدر"، لكن في إسناده مسلمة بن عليّ، وهو ضعيف، وذكره مالك في "الموطأ" بلاغًا عن سعيد بن المسيِّب أنه كان يقول: من شَهِد العشاء من ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها.
وقال ابن عبد البر رحمه الله: مثل هذا لا يكون رأيًا، ولا يؤخذ إلا توقيفًا، ومراسيل سعيد أصحّ المراسيل. انتهى.
وقال الشافعيُّ رحمه الله: في كتابه القديم: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها، ولا يُعْرَف له في الجديد ما يخالفه.
وقد ذكر النوويّ في "شرح المهذَّب" أن ما نصّ عليه في القديم، ولم يتعرض له في الجديد بموافقة، ولا بمخالفة، فهو مذهبه بلا خلاف، وإنما رجع من القديم عن قديمٍ نَصّ في الجديد على خلافه.
ورَوَى الطبرانيّ في "معجمه الأوسط" بإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من صلى العشاء في جماعة، وصلى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد، كان كعَدْل ليلة القدر"، وهذا أبلغ من الحديث الذي قبله؛ لأن مقتضاه تحصيل فضيلة ليلة القدر، وإن لم يكن ذلك في ليلة القدر، فما الظنّ بما إذا كان ذلك فيها؟. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "وهذا أبلغ. . . إلخ" بعد أن اعترف بضعف الحديث عجيب من مثل الحافظ ولي الدين رحمه الله، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1780]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(1)
وفي نسخة: "وحدّثناه".
يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ:"مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ
(1)
، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم قبل بابين.
2 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر، صاحب "المصنّف"، ثقةٌ حافظ، تغيّر في آخره، ويتشيّع [9](ت 211)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
3 -
(مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا.
4 -
(أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (يُرَغِّبُ. . . إلخ) من الترغيب؛ أي: يحثّهم على قيام لياليه بالطاعة، من الصلاة، وغيرها.
قال القرطبيُّ رحمه الله: هذا يدلّ على أن قيام الليل في رمضان من نوافل الخير، ومن أفضل أعمال البرّ، لا خلاف في هذا، وإنما الخلاف في الأفضل منه، هل إيقاعه في البيت، أو في المسجد؟، فذهب مالك إلى أن إيقاعه في البيت أفضل لمن قَوِيَ عليه، وكان أوّلًا يقوم في المسجد، ثم ترك ذلك، وبه قال أبو يوسف، وبعض أصحاب الشافعيّ.
وذهب عبد الحكم، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعيّ إلى أن حُضُورها في الجماعة أفضلُ، وقال الليث: لو قام الناس في بيوتهم، ولم يقم أحد في المسجد لا ينبغي أن يُخْرَجوا إليه.
والحجة لمالك قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، متّفقٌ عليه، وقول عمر رضي الله عنه:"نِعْمت البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون"، رواه البخاريّ.
(1)
زاد في نسخة: "الصدّيق".
وحجة مخالفه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد صلّاها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منعه من الدوام على ذلك، وهي خشية أن تُفْرَضَ عليهم، ثم إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يُصلّونها في المسجد أوزاعًا متفرّقين إلى أن جمعهم عمر رضي الله عنهم على قارئ واحد، فاستقرّ الأمر على ذلك، وثبتت سنّيّته بذلك.
قال: ومالك أحقّ الناس بالتمسّك بهذا؛ بناءً على أصله في التمسّك بعمل أهل المدينة. انتهى كلام القرطبيُّ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم تحقيق الخلاف في هذه المسألة في المسألة الخامسة من شرح الحديث الماضي، وأن الأرجح هو ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله من كون صلاة التراويح في البيت أفضل لمن قَوِيَ عليه؛ لقوّة حجّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (بِعَزِيمَةٍ) أي: بعزم وقطع، يعني من غير أن يفرضه عليهم، قال الراغب الأصفهانيُّ رحمه الله: الْعَزْمُ والعزيمة: عَقْدُ القلب على إمضاء الأمر. انتهى، وقال النوويُّ رحمه الله: معناه: لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب. انتهى.
وفيه التصريح بعدم وجوب قيام رمضان.
وقوله: (فَيَقُولُ. . . إلخ) بيان وتفسير للترغيب المذكور.
وقوله: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا. . . إلخ) قال الطيبيُّ رحمه الله: أي: أتى بقيامٍ، وهو التراويح، أو قام إلى صلاة رمضان، أو إلى الصلاة ليالي رمضان؛ إيمانًا باللَّه تعالى، وتصديقًا بأنه يُقرّب إليه، وطلبًا لوجه اللَّه تعالى، غُفر له سوابق الذنوب. انتهى.
وقوله: (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. . . إلخ) كذا وقع مدرجًا في نفس الخبر عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ، وهو قول الزهريّ، صرّح به مالك في "الموطّأ"، والبخاريّ في "صحيحه"، ومحمد بن نصر في "قيام الليل" من رواية مالك، قال الباجيّ: وهذا مرسلٌ، أرسله الزهريّ، وأدرجه معمر في نفس
(1)
"المفهم" 2/ 388 - 389.
الحديث، أخرجه مسلم، والترمذيّ، وأبو داود من طريق معمر، عن ابن شهاب. انتهى
(1)
.
وقوله: (وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) أي: على ترك الناس الاجتماع على إمام واحد في التراويح، بل كانوا يصلّون أوزاعًا متفرّقين، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرهط، ويصلي بعضهم في أول الليل، وبعضهم في آخره، وبعضهم في بيته، وبعضهم في المسجد، إما لكونهم معتكفين، أو لأنهم من أهل الصفّة، أو لغير ذلك.
(ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. . . إلخ) أي: كان أمر قيام رمضان على وفق ما كان عليه في زمان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه كلّها.
وقوله: (وَصَدْرًا) بالنصب عطف على خبر "كان".
وقوله: (وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ) رضي الله عنه أي: في أول خلافته، وصدرُ الشيء وجهه وأوله.
قال القرطبيُّ رحمه الله: أي: لم يزل أمر قيام رمضان معلوم الفضيلة، يقومونه، لكن متفرّقين، وفي بيوتهم، ولم يجتمعوا على قارئ واحد، حتى كان عمر رضي الله عنه جمعهم على أُبيّ بن كعب رضي الله عنه في المسجد، كما ذكره مالك رحمه الله في "الموطأ". انتهى
(2)
.
وقوله: (عَلَى ذَلِكَ) أي: على ما ذُكر، فهو تكرار لما مضى؛ تأكيدًا، ولم يُكرّر في رواية البخاريّ، ولفظه:"قال ابن شهاب: فتُوفّي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر رضي الله عنهما". انتهى.
[تنبيه]: بيّن الإمام البخاريُّ رحمه الله في "صحيحه" سبب جمع عمر رضي الله عنه الناس في التراويح، فقال: وعن ابن شهاب
(3)
، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبْد القاريّ، أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه،
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 315.
(2)
"المفهم" 2/ 389.
(3)
عطف على الإسناد السابق، وليس تعليقًا، فتنبّه.
ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرَّهْط، فقال عمر: إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل، ثم عَزَمَ، فجمعهم على أُبَيّ بن كعب، ثم خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1781]
(760) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 234)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
2 -
(مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [9](ت 200)(ع) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
3 -
(أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبر الدستوائيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [7](ت 154)(ع) تقدم في "الإيمان" 12/ 156.
4 -
(يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي الكلام على ليلة القدر قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1782]
(. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَيُوَافِقُهَا -أُرَاهُ قَالَ- إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [11](ت 245)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
2 -
(شَبَابَةُ) بن سَوّار الفزاريّ مولاهم المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [9](ت 4 أو 5 أو 206)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 40.
3 -
(وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في غير منصور بن المعتمر [7](ع) تقدم في "الصلاة" 31/ 999.
4 -
(أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [5](ت 130) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 30.
5 -
(الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [3](ت 117)(ع) تقدم في "الإيمان" 23/ 192.
والصحابيّ رضي الله عنه ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشبابة، وورقاء، فمدائنيّان.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.
5 -
(ومنها): أنه أصحّ أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه، على ما رُوي عن البخاريُّ رحمه الله.
6 -
(ومنها): أن أبا هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "مَنْ) شرطيّة (يَقُمْ) -بفتح الياء- من قام يقوم، قال في "العمدة": وهو مُتَعَدٍّ هنا، والدليل عليه ما جاء في رواية أخرى للبخاريّ ومسلم، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول لرمضان: "من قامه إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه"، وفي رواية للنسائيّ:"فمن صامه، وقامه إيمانا واحتسابًا، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، قال: قوله: (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) مفعول به لـ "يَقُم"، وليس مفعولًا فيه. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم أجد في كتب اللغة التي بين يديّ أن "قام" هذا
(2)
يتعدّى بنفسه، والذي يظهر لي أن "ليلةَ القدر" منصوب على الظرفيّة لـ "يقم"، وأما ما احتجّ به على تعدّيه بنفسه من قوله:"قامه"، فجوابه من باب الحذف والإيصال؛ أي: قام فيه، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
قال القرطبيُّ رحمه الله: اختُلِف في الْقَدَرِ الذي أُضيفت الليلة إليه، فقال ابن عبّاس رضي الله عنهما: الْقَدَرُ: العَظَمَةُ، من قوله تعالى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} الآية [الأنعام: 91]؛ أي: ما عَظَّموا اللَّه حقّ عَظَمته، وقال مجاهد: الْقَدَر: تقدير الأشياء من أمور السنة، وقال ابن الفضل: يعني سَوْقَ المقادير إلى المواقيت، وقيل: قُدِّر في وقتها إنزال القرآن. انتهى
(3)
.
وقال في "العمدة": قيل: سُمِّيت ليلة القدر؛ لما تَكتُب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة؛ أي: يُظْهِرهم اللَّه تعالى
(1)
"عمدة القاري" 1/ 357.
(2)
احترزتُ به عن "قام الرجل أهله" أي قام بشأنهم، فإنه يتعدّى بنفسه، كما قاله في "القاموس" 4/ 168.
(3)
"المفهم" 2/ 390.
عليه، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وقيل: لعظم قدرها وشرفها، وقيل: لأن من أتى فيها بالطاعات صار ذا قدر، وقيل: لأن الطاعات لها قدر زائد فيها
(1)
.
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: "ليلة القدر" -بفتح القاف، وإسكان الدال، ويجوز فتحها، كما سأبينه- سُمَّيت بذلك لعظم قدرها؛ لما لها من الفضائل؛ أي: ذات القدر العظيم، أو لِمَا يَحصُل لِمُحْيِيها بالعبادة من القدر العظيم، أو لأن الأشياء تُقَدَّر فيها وتُقْضُى، أقوال، ويؤيد الأولين قوله تعالى:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)} [القدر: 3]، ويؤيد الأخير قوله:{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)} [القدر: 4]، وقوله:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)} [الدخان: 4].
وإنما جَوَّزت فتح الدال؛ لأنها إن كانت سُمِّيت بذلك لعظم قدرها، فقد قال في "الصحاح": قَدْرُ الشيء مبلغه، وقَدْرُ اللَّهُ وقَدَرُهُ بمعنى، وهو في الأصل مصدرٌ، وقال تعالى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91]؛ أي: ما عَظَّموا اللَّه حقّ تعظيمه، وإن كان من التقدير، فقد قال في "الصحاح" عقبه: والقَدْرُ والْقَدَرُ أيضًا: ما يُقَدِّره اللَّه من القضاء، وأنشد الأخفش:
أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلنَّوَائِبِ وَالْقَدْرِ
…
وَلِلأَمْرِ يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي
(2)
وكذا قال في "المحكم": الْقَدْرُ وَالْقَدَرُ: القضاء. انتهى.
وقال ابن العربيُّ في "شرح الترمذيّ: هي ليلة القَدْرِ والقَدَر، فأما الأول، فالمراد به الشَّرَف، كقولهم: لفلان قَدْرٌ في الناس، يَعْنُون بذلك مزيةً وشَرَفًا، والثاني القَدَر بمعنى التقدير، قال اللَّه تعالى:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)} [الدخان: 4]، قال علماؤنا: يُلْقِي اللَّه فيها لملائكته ديوان العام. انتهى.
وهو يوهم أنه لا يجوز مع تسكين الدال إرادةُ التقدير، وليس كذلك، كما علمت، وقد جَوَّز المفسرون في الآية إرادةَ الشرف والتقدير، مع كونه لم يُقْرأ إلا بالإسكان، وجزم الهرويّ وابن الأثير في تفسيرها بالتقدير، فقالا:
(1)
راجع: "عمدة القاري" 1/ 355.
(2)
راجع لهذا البيت: "لسان العرب" 5/ 74.
وهي الليلة التي تُقَدَّر فيها الأرزاق، وتُقْضَى، وصححه النوويّ، فقال في "شرح المهذب": سُمَّيت ليلة القدر؛ أي: ليلة الحكم والفصل، هذا هو الصحيح المشهور، وحكاه في "شرح مسلم" عن العلماء. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله
(1)
، وهو بحثٌ مفيدٌ.
[فإن قلت]: لماذا عَبَّر هنا في ليلة القدر بالمصارع في الشرط، وبالماضي في جوابه، بخلافه في رمضان؟.
[قلت]: أجاب الكومانيّ رحمه الله: بأن لذلك نكتةً لطيفةً، قال: لأن قيام رمضان محقَّق الوقوع، وكذا صيامه، بخلاف قيام ليلة القدر، فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل. انتهى. قال في "الفتح": وفيه نظرٌ.
وقال غيره: استعمل لفظ الماضي في الجزاء؛ إشارةً إلى تحقق وقوعه، فهو نظير قوله تعالى:{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} الآية [النحل: 1].
وفي استعمال الشرط مضارعًا، والجواب ماضيًا نزاع بين النحاة، فمنعه الأكثر، وأجازه آخرون، لكن بقلّة، استدلوا بقوله تعالى:{إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ} الآية [الشعراء: 4]؛ لأن قوله: {فَظَلَّتْ} بلفظ الماضي، وهو تابع للجواب، وتابع الجواب جواب، واستدلّوا أيضًا بهذا الحديث.
قال الحافظ: وعندي في الاستدلال به نظر؛ لأنني أظنه من تصرف الوواة؛ لأن الروايات فيه مشهورة، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ المضارع في الشرط والجزاء، وقد رواه النسائيّ عن محمد بن علي بن ميمون، عن أبي اليمان، شيخ البخاريّ فيه، فلم يغاير بين الشرط والجزاء، بل قال:"من يقم ليلة القدر، يغفر له"، ورواه أبو نعيم في "المستخرج" عن سليمان، وهو الطبرانيّ، عن أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة، عن أبي اليمان، ولفظه زائد على الروايتين، فقال:"لا يقوم أحدكم ليلة القدر، فيوافقها إيمانًا واحتسابًا، إلا غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه".
وقوله في هذه الرواية: "فيوافقها" زيادة بيان، وإلا فالجزاء مرتَّبٌ على قيام ليلة القدر، ولا يَصْدُق قيام ليلة القدر إلا على من وافقها، والحصر
(1)
"طرح التثريب" 4/ 149 - 150.
المستفاد من النفي والإثبات مستفاد من الشرط والجزاء، فوضح أن ذلك من تصرف الرواة بالمعنى؛ لأن مخرج الحديث واحدٌ. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
(1)
.
وتعقّبه العينيُّ رحمه الله في دعواه تصرّف الرواة، فقال: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما رواه النسائيّ والطبرانيّ، وأن ما رواه البخاريّ بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللفظ النبويّ، بل الأمر كذا؛ لأن رواية محمد بن عليّ بن ميمون، عن أبي اليمان، لا تعادل رواية البخاريّ عن أبي اليمان، ولا روايةُ أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة عن أبي اليمان، مثل رواية البخاريّ عنه، ويؤيد هذا رواية مسلم أيضًا ولفظه:"من يقم ليلة القدر، فيوافقها -أُراه- إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه"، ولفظ حديث الطبرانيّ ينادي بأعلى صوته بوقوع التغيير، والتصرف من الرواة فيه؛ لأن فيه النفي والإثبات موضع الشرط والجزاء في رواية البخاريّ ومسلم. انتهى كلام العينيُّ رحمه الله، وهو عندي تعقّبٌ وجيهٌ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "من قام ليلة القدر"، مع قوله:"من قام رمضان"، قال النوويُّ رحمه الله: قد يقال: إن أحدهما يغني عن الآخر.
وجوابه أن يقال: قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر ومعرفتها، سبب لغفران الذنوب، وقيام ليلة القدر لمن وافقها وعَرَفَها سبب للغفران، وإن لم يقم غيرها.
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: الأحسن عندي الجواب بأنه صلى الله عليه وسلم ذكر للغفران طريقين:
[أحدهما]: يمكن تحصيلها يقينًا إلا أنها طويلة شاقّة، وهي قيام شهر رمضان بكماله.
[والثاني]: لا سبيل إلى اليقين فيها، إنما هو الظن والتخمين، إلا أنها مختصرة قصيرة، وهي قيام ليلة القدر خاصّةً، ولا يَتَوَقّف حصول المغفرة بقيام ليلة القدر على معرفتها، بل لو قامها غير عارفٍ بها غُفر له ما تقدم من ذنبه، لكن بشرط أن يكون إنما قام بقصد ابتغائها، وقد ورد اعتبار ذلك في حديث
(1)
"الفتح" 1/ 114 "كتاب الإيمان" رقم (35).
عبادة بن الصامت رضي الله عنه عند أحمد، والطبرانيّ مرفوعًا:"فمن قامها ابتغاءها إيمانًا واحتسابًا، ثم وُفِّقت له غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
قال: معنى توفيقها له، أو موافقته لها أن يكون الواقعُ أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر، هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يَعْلَم هو ذلك. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله
(1)
، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَيُوَافِقُهَا) قال النوويُّ رحمه الله: معناه يعلم أنها ليلة القدر. انتهى
(2)
.
وتعقّبه الحافظ وليّ الدين رحمه الله، فقال: إنما معنى توفيقها له أن يكون الواقعُ أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يَعْلَم هو ذلك، وما ذكره النوويّ من أن معنى الموافقة العلم بأنها ليلة القدر مردودٌ، وليس في اللفظ ما يقتضي هذا، ولا المعنى يساعده. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله، وهو تعقّبٌ وجيهٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيُّ رحمه الله: قوله: "يَقُم" في هذه الرواية، يعني به يطلُب بقيامه ليلة القدر، وحينئذ يلتئم مع قوله:"يوافقها"؛ لأن معنى "يوافقها" يصادفها، ومن صلّى فيها، فقد صادفها، ويَحْتَمِل أن تكون الموافقة هنا عبارة عن قبول الصلاة فيها والدعاء، أو يوافق الملائكة في دعائها، أو يوافقها حاضر القلب، متأهّلًا لحصول الخير والثواب؛ إذ ليس كلُّ دعاء يُسمع، ولا كل عَمَل يُقبل، فإنه:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]. انتهى
(3)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى بُعد هذه الاحتمالات، والحقّ ما سبق من أن معنى "يوافقها" كون تلك الليلة التي قامها قاصدًا لها هي ليلة القدر في الواقع، كما صوّبه وليّ الدين رحمه الله في كلامه السابق، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (أُرَاهُ قَالَ: إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) الظاهر أن القائل: "أُراه" هو محمد بن رافع؛ لأن أبا نعيم أخرجه في "مستخرجه"(2/ 355) من رواية رزق اللَّه بن موسى، وأبي مسعود، كلاهما عن شبابة، وليس فيه "أُراه قال"، ولفظه:
(1)
"طرح التثريب" 4/ 164.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 41.
(3)
"المفهم" 2/ 391.
(1733)
حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن العباس، ثنا رزق اللَّه بن موسى، قال: وثنا محمد بن سهل، ثنا أبو مسعود، قالا: ثنا شبابة، ثنا ورقاءُ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"من يقم ليلة القدر، فيوافقها إيمانًا واحتسابًا غُفِر له". انتهى.
وأخرجه البيهقيّ في "الكبرى"(4/ 306) من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، وليس فيه أيضًا:"أُراه قال"، ولفظه:
(8307)
أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو حامد بن بلال البزاز، ثنا محمد بن حيويه الإسفرائيني في سنة ثمان وخمسين ومائتين، أنبأ أبو اليمان، أنبأ شعيب، أنبأ أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من يقم ليلة القدر، فيوافقها، إيمانًا واحتسابًا يُغْفَر له ما تقدم من ذنبه". انتهى.
(إِيمَانًا) أي: تصديقًا بأنه حق وطاعة (وَاحْتِسَابًا) أي: إرادةَ وجه اللَّه تعالى، لا لرياء ونحوه، فقد يَفْعَل الإنسان الشيءَ الذي يعتقد أنه حقّ، لكن لا يفعله مخلصًا، بل لرياء، أو خوف، أو نحو ذلك، يقال: احتسبتُ بكذا أجرًا عند اللَّه تعالى، والاسم الْحِسْبة، وهي الأجر، وفي "العُباب": احتسبت بكذا أجرًا عند اللَّه، أي: اعتددته، أنوي به وجه اللَّه تعالى، واحتسبت عليه كذا: أي: أنكرته عليه، قاله ابن دريد، ومنه مُحْتَسِب البلد
(1)
.
(غُفِرَ لَهُ") بالبناء للمفعول جواب الشرط، وهو من الغَفْر، وهو الستر، ومغفرة اللَّه تعالى لعبده: إلباسه إياه العفوَ، وستره ذنوبَهُ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(1)
راجع: "عمدة القاري" 4/ 356.
أخرجه (المصنّف) هنا [27/ 1781 و 1782](760)، و (البخاريّ) في "الإيمان"(35)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1732 و 1733)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1783]
(761) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"، قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [3](ت 94)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 407.
2 -
(عَائِشَةُ) أم المؤمنين رضي الله عنه، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 315.
والباقون ذُكروا في الباب، وكذا لطائف الإسناد تقدّم في شرح حديث أول الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي الْمَسْجدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: ليلةً من الليالي، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة رضي الله عنها:"أنه صلى في حجرته"، قال في "الفتح": وليس المراد بها بيته، وإنما المراد الحصير التي كان يحتجرها بالليل في المسجد، فيجعلها على باب بيت عائشة رضي الله عنها، فيصلي فيه، ويجلس عليه بالنهار.
وقد ورد ذلك مبينًا من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها، وهو عند البخاريّ، في "كتاب اللباس"، ولفظه:"كان يحتجر حَصِيرًا بالليل، فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار، فيجلس عليه".
ولأحمد من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها:"فأمرني أن أَنْصِبَ له حصيرًا على باب حُجْرتي ففعلت، فخرج. . . " فذكر الحديث.
قال النوويُّ رحمه الله: معنى يَحْتَجِر يحوط موضعًا من المسجد بحصير يستره؛ ليصلي فيه، ولا يَمُرّ بين يديه مارّ؛ ليتوفّر خشوعه، ويتفرغ قلبه.
وتعقبه الكرمانيّ بأن لفظ الحديث لا يدلّ على أن احتجاره كان في المسجد، قال: ولو كان كذلك للزم منه أن يكون تاركًا للأفضل الذي أَمَر الناس به، حيث قال:"فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
ثم أجاب بأنه إن صحّ أنه كان في المسجد، فهو إذا احتجر صار كأنه بيتٌ بخصوصيته، أو أن السبب في كون صلاة التطوع في البيت أفضل عدم شوبه بالرياء غالبًا، والنبيّ صلى الله عليه وسلم منزه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته. انتهى
(1)
.
(فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ) أي: صلّى بعض الصحابة رضي الله عنهم مقتدين بصلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ) أي: من الليلة المقبلة، وهو لفظ معمر، عن ابن شهاب، عند أحمد، وللبخاريّ في رواية المستملي:"ثم صلى من القابل" أي: الوقت القابل، قال في "القاموس": والقابلة: الليلة المقبلةُ، وقد قَبَلَتْ، وأقبلت. انتهى
(2)
. (فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ) كذا رواه مالك بالشكّ، وفي رواية يونس، عن ابن شهاب التالية:"فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك"، ونحوه في رواية عمرة، عن عائشة عند البخاريّ، ولأحمد من رواية ابن جريج، عن ابن شهاب:"فلما أصبح تحدثوا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم"، زاد يونس:"فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية، فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج، فصلَّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عَجَزَ المسجدُ عن أهله"، ولابن جريج:"حتى كان المسجد يَعْجِز عن أهله"، ولأحمد من رواية معمر، عن ابن شهاب: "امتلأ المسجد
(1)
"الفتح" 3/ 16.
(2)
"القاموس المحيط" 4/ 34.
حتى اغتَصَّ بأهله"
(1)
، وله من رواية سفيان بن حسين، عنه:"فلما كانت الليلة الرابعة غُصَّ المسجدُ بأهله"، أفاده في "الفتح"
(2)
.
(فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) زاد أحمد في رواية ابن جريج: "حتى سَمِعتُ ناسًا منهم يقولون: الصلاة"، وفي رواية سفيان بن حسين:"فقالوا: ما شأنه؟ "، وفي حديث زيد بن ثابت عند البخاريّ في "كتاب الاعتصام":"ففقدوا صوته، وظنُّوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح؛ ليخرج إليهم"، وفي حديثه في "كتاب الأدب"، وسيأتي لمسلم أيضًا
(3)
: "فرفعوا أصواتهم، وحَصبُوا الباب".
(فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ) وفي رواية يونس التالية: "فلم يخرج إليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قَضَى الفجر، أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: أما بعدُ، فإنه لم يَخْفَ عليّ شأنكم الليلة"، وزاد في رواية أبي سلمة:"اكلَفُوا من العمل ما تطيقون"، وفي رواية معمر: أن الذي سأله عن ذلك بعد أن أصبح عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال الحافظ رحمه الله: ولم أَرَ في شيء من طرقه بيان عدد صلاته في تلك الليالي، لكن رَوَى ابن خزيمة، وابن حبان، من حديث جابر رضي الله عنه قال:"صلى بنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في رمضان ثمان ركعات، ثم أوتر، فلما كانت القابلةُ اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا، ثم دخلنا، فقلنا: يا رسول اللَّه. . . " الحديث، فإن كانت القصةُ واحدةً احتَمَلَ أن يكون جابر ممن جاء في الليلة الثالثة، فلذلك اقتصر على وصف ليلتين، وكذا ما وقع عند
(1)
قال وليّ الدين رحمه الله: قوله: "اغتَصّ المسجد بأهله": أي امتلأ بهم، وضاق عنهم، قال في "المشارق": غَصَّ البيتُ: امتلأ، وقال في "الصحاح": المنزل غاصّ بالقوم: أي ممتلئ بهم، وقال في "المحكم": غَصَّ المكانُ بأهله: ضاق، واعلم أنا كنا ضبطنا هذه اللفظة، وهي قوله:"اغتص" عن شيخنا والدي رحمه الله بضم التاء على البناء للمفعول، ثم لم أجد لذلك أصلًا في اللغة، ولم أر أحدًا ذكر ذلك من الأفعال التي لم تُستعمَل إلا مبنية للمفعول، فالصواب أنه بفتح التاء، على البناء للفاعل، واللَّه أعلم. انتهى. "طرح التثريب" 4/ 98 - 99.
(2)
"الفتح" 3/ 16.
(3)
سيأتي للمصنّف برقم (781).
مسلم من حديث أنس رضي الله عنه: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان، فجئت، فقمت إلى جنبه، فجاء رجل، فقام حتى كنا رهطًا، فلما أحسّ بنا تجوّز، ثم دخل رحله. . . " الحديث
(1)
، والظاهر أن هذا كان في قصة أخرى.
(فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ) هذا ظاهرٌ في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلين.
(أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ") بالبناء للمفعول، ونائب فعله ضمير صلاة الليل، توضّحه رواية يونس التالية، ولفظها:"ولكني خشيتُ أن تُفرض عليكم صلاة الليل، فتَعْجَزوا عنها"، وكذا هو عند البخاريّ من رواية عمرة، عن عائشة:"خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل".
وقوله: "فتعجزوا عنها"؛ أي: تشق عليكم، فتتركوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكليّ؛ لأنه يُسقط التكليف من أصله.
ثم إن ظاهر هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم توقع تَرَتُّب افتراض الصلاة بالليل جماعةً على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع مُلْزِمٌ، وفيه نظرٌ
(2)
.
وأجاب المحبّ الطبريّ بأنه يَحْتَمِل أن يكون اللَّه عز وجل أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحبَّ التخفيف عنهم، فترك المواظبة، قال: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع في نفسه، كما اتَّفَقَ في بعض القُرَب التي داوم عليها، فافتُرِضَت.
وقيل: خَشِيَ أن يَظُنّ أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، وإلى هذا الأخير نحا القرطبيّ، فقال: قوله: "فتُفْرَض عليكم"؛ أي: تظنونه فرضًا،
(1)
سيأتي للمصنّف رحمه الله في "كتاب الصيام" برقم (1104) -إن شاء اللَّه تعالى-.
(2)
المراد ببعض المالكيّة هو ابن المنيّر رحمه الله كما بيّنه في "الفتح"(4/ 299) في "كتاب صلاة التراويح"، ونصّه: قال ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية": يؤخذ منه أن الشروع مُلزم؛ إذ لا تظهر مناسبة بين كونهم يفعلون ذلك، ويُفرَض عليهم إلا ذلك. انتهى. وفيه نظرٌ؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون السبب في ذلك ظهور اقتدارهم على ذلك من غير تكلّف، فيُفرض عليهم. انتهى.
فيَجِب على من ظنّ ذلك، كما إذا ظنّ المجتهد حِلَّ شيء أو تحريمه، فإنه يجب عليه العمل به، قال: وقيل: كان حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه إذا واظب على شيء من أعمال البرّ، واقتَدَى الناسُ به فيه أنه يُفْرَصْ عليهم انتهى. ولا يخفى بُعْدُ هذا الأخير، فقد واظب النبيّ صلى الله عليه وسلم على رواتب الفرائض، وتابعه أصحابه، ولم تُفْرَض.
وقال ابن بطال رحمه الله: يَحْتَمِل أن يكون هذا القول صدر منه صلى الله عليه وسلم لَمّا كان قيام الليل فرضًا عليه دون أمته، فخَشِي إن خرج إليهم، والتزموا معه قيام الليل أن يُسَوِّي اللَّه بينه وبينهم في حكمه؛ لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين أمته في العبادة.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون خَشِي من مواظبتهم عليها أن يَضْعُفُوا عنها، فيَعْصِي مَن تركها بترك اتّباعه صلى الله عليه وسلم.
وقد استَشْكَل الخطابيُّ رحمه الله أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن اللَّه تعالى قال: "هُنَّ خمسٌ، وهنّ خمسون، لا يبدل القول لديّ"، فإذا أُمِنَ التبديلُ، فكيف يقع الخوف من الزيادة؟، وهذا يَدْفَع في صدور الأجوبة التي تقدمت.
وقد أجاب عنه الخطابيُّ رحمه الله بأن صلاة الليل كانت واجبةً عليه صلى الله عليه وسلم وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها، يعني عند المواظبة، فترك الخروج إليهم؛ لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فوض جديد، زائذٍ على الخمس، وهذا كما يوجب المرءُ على نفسه صلاةَ نذرٍ، فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادةُ فرض في أصل الشرع.
قال: وفيه احتمالٌ آخرُ، وهو أن اللَّه فَرَضَ الصلاة خمسين، ثم حَطَّ معظمها بشفاعة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فإذا عادت الأمة فيما استَوْهَب لها، والتزمت ما استَعْفَى لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم منه لم يُستَنكَر أن يثبت ذلك فرضًا عليهم، كما التَزَم ناس الرهبانية في قِبَل أنفسهم، ثم عاب اللَّه عليهم التقصير فيها، فقال:{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27]، فخشي صلى الله عليه وسلم أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقَطَعَ العمل شفقةً عليهم من ذلك.
قال الحافظ رحمه الله: وقد تلقى هذين الجوابين من الخطابيّ رحمه الله جماعة من
الشراح، كابن الجوزيّ، وهو مبنيّ على أن قيام الليل كان واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كلٍّ من الأمرين نزاع.
وأجاب الكرمانيُّ رحمه الله بأن حديث الإسراء يدلّ على أن المراد بقوله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 29] الأمن من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرض للزيادة. انتهى.
لكن في ذكر التضعيف بقوله: "هنّ خمسٌ، وهُنّ خمسون"، إشارة إلى عدم الزيادة أيضًا؛ لأن التضعيف لا ينقص عن العشر.
ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلًا للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض، وفيه نظر؛ لأن قوله:"لا يبدل القول لديّ" خبرٌ، والنسخ لا يدخله على الراجح، وليس هو كقوله مثلًا لهم: صوموا الدهرَ أبدًا، فإنه يجوز فيه النسخ.
قال الحافظ رحمه الله: وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى:
[أحدها]: يَحْتَمِل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعةً شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه:"حتى خَشِيت أن يكتب عليكم، ولو كُتب عليكم ما قمتم به، فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم"، فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقًا عَليهم من اشتراطه، وَأَمِنَ مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.
[ثانيها]: يَحْتَمِل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية، لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، بل هو نظير ما ذَهَب إليه قوم في العيد ونحوها.
[ثالثها]: يَحْتَمِل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصةً، فقد وقع في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان بن حسين:"خَشِيت أن يُفْرَض عليكم قيام هذا الشهر"، فعلى هذا يرتفع الإشكال؛ لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس، وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب. انتهى. كلام الحافظ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله من كون هذا الجواب هو الأقوى، هو الذي لا يظهر لي غيره، فهو أقوى الأجوبة المتقدّمة كلّها، وأما الثاني والثالث، فلا يخفى ضعفهما، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) يعني أن ما ذُكر من كونه صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد، وصلى الناس بصلاته تلك الليالي إنما وقع في شهر رمضان.
والظاهر أنه من كلام عائشة رضي الله عنها، وقد جزم به في "العمدة"، فقال: هو كلام عائشة رضي الله عنها ذكرته إدراجًا؛ لتبيّن أن هذه القضيّة كانت في شهر رمضان. انتهى
(2)
.
ويَحْتَمِل أن يكون مدرجًا من كلام غيرها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [27/ 1783 و 1784](761)، (والبخاريّ) في "الجمعة"(924) وفي "التهجّد"(1129) و"التراويح"(2012)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1373)، و (النسائيّ) في "قيام الليل"(1604)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 134)، و (أبو عوانة) في مسنده (3047 و 3048 و 3049 و 3050 و 3051)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1734 و 1735)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(2207)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2542)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 492 و 493)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(989)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان استحباب قيام الليل، ولا سيما في رمضان جماعةً؛
(1)
"الفتح" 3/ 17 - 18.
(2)
"عمدة القاري" 7/ 257.
لأن الخشية المذكورة أُمِنت بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب رضي الله عنهما.
2 -
(ومنها): ما قاله المهلّب رحمه الله: فيه جوازُ الفوار من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه.
3 -
(ومنها): بيان أن الكبير إذا فَعَلَ شيئًا خلاف ما اعتاده أتباعه أن يَذكُر لهم عذره، وحكمه، والحكمةَ فيه؛ تطييبًا لقلوبهم، وإصلاحًا لذات البين؛ لئلا يظنّوا خلاف هذا، وربّما ظنّوا ظنّ السوء.
4 -
(ومنها): بيان ما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم عليه من الزَّهَادة في الدنيا، والاكتفاء بما قلَّ منها، والشفقة على أمته، والرأفة بهم.
5 -
(ومنها): تركُ بعض المصالح؛ لخوف المفسدة، وتقديم أهمّ المصلحتين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان رأى الصلاة في المسجد؛ لبيان الجواز، أو لكونه معتكفًا، فلما عَارضه خوف الافتراض عليهم تركه؛ لعظم المفسدة التي تُخاف من عجزهم، وتركهم الفرض.
6 -
(ومنها): ما قال النوويّ رحمه الله: فيه جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، وهذا صحيح على من مذهبنا، ومذاهب العلماء، ولكن إن نوى الإمام إمامتهم بعد اقتدائهم حصلت فضيلة الجماعة له ولهم، وإن لم ينوها حَصَلت لهم فضيلة الجماعة، ولا تحصل للإمام على الأصحّ؛ لأنه لم ينوها، و"الأعمال بالخيات"، وأما المأمومون فقد نووها.
قال وليّ الدين رحمه الله: هذه واقعة محتملةٌ، فمن أين؟. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: اشتراط نيّة الإمامة محلّ نظرٌ؛ فإن ظواهر النصوص على خلافه، كهذا الحديث، وحديث مبيت ابن عبّاس رضي الله عنهما في بيت خالته، وغير ذلك، فتأمّل بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
7 -
(ومنها): ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صُلِّيت جماعةً.
8 -
(ومنها): جواز النافلة جماعةً، وإن كان الاختيار فيها الانفراد، إلا في نوافلَ مخصوصةٍ، وهي العيد، والكسوف، والاستسقاء، وكذا التراويح عند الجمهور، وذهب ابن حزم الظاهريّ إلى استحباب الجماعة في مطلق النوافل.
9 -
(ومنها): جواز النافلة في المسجد، وإن كان البيت أفضل، ولعل
النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما فعلها في المسجد؛ لبيان الجواز، أو أنه كان معتكفًا.
10 -
(ومنها): أنه استدلّ الجمهور به على استحباب الجماعة في صلاة التراويح في المسجد، وقد قدّرنا أن الأفضل كونها في البيت على الراجح، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1784]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
(2)
يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِن جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ
(3)
الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ، عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ
(4)
يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ:"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قريبًا.
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا،
والباقون ذُكروا قبله.
(1)
وفي نسخهّ: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(3)
وفي نسخة: "في الليلة".
(4)
وفي نسخة: "فطفق منهم رجالٌ".
وقوله: (خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ)"من" بمعنى "في"؛ أي: في جوف الليل.
وقوله: (فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ) أي: بسبب صلاته، أو مع صلاته صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ) أي: بما وقع في الليل من صلاة الناس معه صلى الله عليه وسلم في المسجد.
وقوله: (مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ) وفي نسخة: "في الليلة"، وهو معنى "من" في النسخة الأولى.
وقوله: (عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ) أي: ضاق المسجد النبويّ عن المصلّين.
وقوله: (فَطَفِقَ) بكسر الفاء، وفتحها، قال في "القاموس": طَفِقَ يفعل كذا، كفَرِحَ، وضَرَبَ طَفَقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، خاصٌّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفِقَ، وبمراده ظَفِرَ، وأطفقه اللَّه به، وطَفِقَ الموضعَ، كفَرِحَ: لَزِمَهُ. انتهى
(1)
.
وقوله: (رِجَالٌ مِنْهُمْ) وفي نسخة: "فطفق منهم رجال".
وقوله: (ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ. . . إلخ) فيه فوائد:
1 -
(منها): استحباب التشهد في صدر الخطبة والموعظة، وقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا:"كلُّ خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء"
(2)
.
2 -
(ومنها): استحباب قول "أما بعدُ" في الخطب، وقد جاءت به أحاديث كثيرة مشهورة في "الصحيحين" وغيرهما، وقد عقد الإمام البخاريّ في "صحيحه" بابًا في البداءة في الخطبة بـ "أما بعدُ"، وذكر فيه جملةً من الأحاديث.
3 -
(ومنها): أن السنة في الخطبة والموعظة استقبال الجماعة.
4 -
(ومنها): أنه يجوز أن يقال: جَرَى الليلة كذا، وإن كان بعد الصبح، وهكذا يقال: الليلة إلى زوال الشمس، وبعد الزوال يقال: البارحة، وقد سبقت
(1)
"القاموس المحيط" 3/ 258.
(2)
حديث صحيح، رواه أبو داود 4/ 261.
هذه المسألة في أوائل هذا الشرح
(1)
.
وقوله: (فَتَعْجزُوا عَنْهَا) بكسر الجيم، من باب ضرب، وعَجِزَ يَعْجَز، من باب تَعِبَ لغة لبعض قيس عَيْلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِزَ الإنسان بالكسر إلا إذا عَظُمَت عَجِيزته، قاله في "المصباح"
(2)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1785]
(762) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ -وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ- فَقَالَ أُبَيٌّ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي، وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ؟ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ، لَا شُعَاعَ لَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الْجَمّال، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 239) أو قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" 26/ 212.
2 -
(الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [8](ت 4 أو 195)(ع) تقدم في "الإيمان" 10/ 148.
3 -
(الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، تقدّم في الباب الماضي.
4 -
(عَبْدَةُ) بن أبي لُبابة الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قريش، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ [4](خ م ل ت س ق) تقدم في "الصلاة" 13/ 897.
5 -
(زِرُّ) بن حُبيش بن حُباشة الأسدي، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ جليلٌ
(1)
راجع: "شرح النوويّ" 6/ 42 - 43.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 393.
[2]
(ت 1 أو 2 أو 83) وهو ابن (127) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 247.
6 -
(أُبَيُّ بْنُ كَعْب) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عَمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، وأبو الطُّفيل الصحابيّ الشهير، سيّد القرّاء، مات رضي الله عنه سنة (19) وقيل:(32)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ 2 ص 466.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والبخاريّ، وأبو داود، وعبدة أخرج له أبو داود في "المراسيل".
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: عبدة، عن زرّ.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، قرأ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البينة: 1]، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأُبيّ:"إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} "، قال: وسمّاني؟ قال: "نعم"، فبكى، وهو أقرأ الصحابة رضي الله عنهم للقرآن، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زِرٍّ) -بكسر الزاي، وتشديد الراء- ابن حُبيش أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) رضي الله عنه (يَقُولُ -وَقِيلَ لَهُ) جملة معترضة بين القول ومقوله، وهو قوله:"واللَّه الذي. . . . إلخ".
وفي الرواية الآتية في "الصيام" من طريق سفيان بن عيينة، عن عبدة وعاصم بن أبي النَّجُود، سمعا زِرّ بن حُبيش يقول: سألت أُبي بن كعب رضي الله عنه، فقلت:"إن أخاك ابن مسعود يقول: من يَقُمِ الحول لصب ليلة القدر. . . ".
وفي رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد، عن عاصم، عن زِرّ، قال: قلت لأُبي بن كعب: أخبرني عن ليلة القدر، يا أبا المنذر، فإن صاحبنا
(1)
سئل عنها، فقال:"من يقم الحول يصبها. . . ".
(1)
يعني ابن مسعود رضي الله عنه.
(إِن) بالكسر؛ لوقوعها محكيّةً بالقول، كما قال في "الخلاصة":
أَوْ حُكِيَتْ بِالْكَسْرِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ
…
حَالٍ كَـ "زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ"
(عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (يَقُولُ: مَنْ قَامَ السَّنَةَ) أي: جميع ليالي العام، قال الفيّوميُّ رحمه الله: السنة: الحول، وهي محذوفة اللام، وفيها لغتان:
[إحداهما]: جعل اللام هاء، ويُبْنَى عليها تصاريفُ الكلمة، والأصل سَنْهَةٌ، وتُجْمَع على سَنَهَاتٍ، مثلُ سَجْدَة وسَجَدات، وتُصَغَّر على سُنَيْهَةٍ وتَسَنَّهَتِ النخلةُ وغيرُها: أتت عليها سِنُون، وعاملته مُسَانَهَةً، وأرضٌ سَنْهَاءُ: أصابها السَّنَةُ، وهي الْجَدْبُ.
[والثانية]: جعلُها واوًا يُبْنَى عليها تصاريفُ الكلمة أيضًا، والأصل سَنْوَةٌ، وتُجْمَع على سَنَوَات، مثلُ شَهْوَة وشَهَوَات، وتُصَغَّر على سُنَيِّةٍ، وعاملته مُساناةً، وأرضٌ سَنْوَاءُ: أصابتها السَّنَةُ، وتَسَنَّيتُ عنده: أقمت سنين، قال النحاةُ: وتُجْمَع السنةُ كجمع المذكر السالم أيضًا، فيقال: سِنُون، وسِنِين، وتُحْذَف النون للإضافة، وفي لغة تثبت الياء في الأحوال كلها، وتُجعَل النون حرف إعرابٍ، تُنَوِّن في التنكير، ولا تُحذف مع الإضافة، كأنها من أصول الكلمة، وعلى هذه اللغة قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف". انتهى
(1)
و"من" شرطيّةٌ، وجوابهما قوله، (أَصَابَ لَيْلَةَ القَدْرِ-) يعني أن من قام الحول كله يُصِبْ ليلة القدر؛ لأنه لا تخرج عن ليالي السنة كلّها، ومعنى هذا أنها تنتقل في ليالي السنة، ولا تختصّ بشهر رمفان فقط، وهذا القول منقول عن بعض السلف، منهم ابن مسعود رضي الله عنه، كما بُيّن في رواية المصنّف في هذا الباب، قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله عند حكاية اختلاف العلماء في ليلة القدر ما نصّه: فأحدها أنها في السنة كلِّها، وهو محكيّ عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه، وتابعه أبو حنيفة وصاحباه، لكن في "صحيح مسلم" وغيره عن زِرّ بن حُبَيشٍ قال: سألت أُبَيّ بن كعب، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يَقُمِ الحولَ يُصِب ليلة القدر، فقال: رحمه الله أراد أن لا يتّكل الناس، أَمَا إنه عَلِم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حَلَف لا
(1)
"المصباح المنير" 1/ 292.
يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأيِّ شيء تقول ذلك، يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها. ويَشْهَد لما فَهِمه أُبَيّ رضي الله عنه من كلام عبد اللَّه ما رواه أحمد في "مسنده"، عن أبي عَقْرب قال: غدوت إلى ابن مسعود ذات غداة في رمضان، فوجدته فوق بيت جالسًا، فسمعنا صوته، وهو يقول: صدق اللَّه، وبلّغ رسوله، فقلنا: سمعناك تقول: صدق اللَّه، وبلّغ رسوله، فقال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر من رمضان، تطلع الشمس غداتئذ صافيةً، ليس لها شعاع، فنظرت إليها، فوجدتها كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"، ورواه البزار في "مسنده" بنحوه
(1)
.
وفي "معجم الطبراني" عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، فقال:"أيكم يذكر ليلة الصهباوات؟ " فقال عبد اللَّه: أنا بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، حين طلع الفجر، وذلك ليلة سبع وعشرين. والحديث رواه أحمد
(2)
وغيره، لكن لم أر التصريح بليلة سبع وعشرين إلا
(1)
حديث ضعيف الإسناد؛ لجهالة أبي الصلت، وأبي عقرب، راجع: ما كتبه محققو "المسند" 6/ 405.
(2)
قال الإمام أحمد رحمه الله: (3755) حدّثنا أبو النضر، حدّثنا المسعوديّ، عن سعيد بن عمرو بن جعدة، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه، أن رجلًا أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسأله عن ليلة القدر، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أيكم يذكر ليلة الصَّهْباوات؟ "، فقال عبد اللَّه: أنا واللَّه أذكرها يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي، وإن في يدي لتمرات أتَسَحَّر بهن، مستترًا بمؤخرة رحلي من الفجر، وذلك حين طلع القمر. انتهى.
وفيه انقطاع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه، والمسعوديّ، وهو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة اختلط بآخره.
وقوله: "ليلة الصهباوات" قال السنديّ: هكذا جاء اللفظ في هذا الحديث في "مسند أحمد"، وأبي يعلى، والطبرانيّ، ولم أر أحدًا تعرّض له، ويَحْتَمل أن يكون الصهباوات اسم موضع، نزلوا فيه تلك الليلة، فأضيفت الليلة إليه، أو هي جمع صهباء، وهي ناقة حمراء، يعلوها سواد، وكأنهم كانوا غالب تلك الليلة على ظهورها، فأضيفت الليلة إليها. انتهى. راجع: هامش "المسند" 6/ 33 بتحقيق شعيب الأرنؤوط وصاحبيه. =
في "معجم الطبراني الكبير"، فلذلك اقتصرت على عزوه إليه. انتهى. كلام وليّ الدين رحمه الله
(1)
.
وقال النوويُّ رحمه الله: حلف أُبي بن كعب رضي الله عنه على أنها ليلة سبع وعشرين أحد المذاهب فيها، وأكثر العلماء على أنها ليلة مبهمة من العشر الأواخر من رمضان، وأرجاها أوتارها، وأرجاها ليلة سبع وعشرين، وثلاث وعشرين، وإحدى وعشرين، وأكثرهم أنها ليلة معينة لا تنتقل، وقال المحقّقون: إنها تنتقل، فتكون في سنةٍ ليلةَ سبع وعشرين، وفي سنة ليلة ثلاث، وسنةٍ ليلة إحدى، وليلة أخرى، وهذا أظهر، وفيه الجمع بين الأحاديث المختلفة فيها. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي استيفاء ذكر بقيّة الأقوال في ليلة القدر حيثما يذكر المصنّف رحمه الله أحاديثها أواخر "كتاب الصيام" -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقوله: (فَقَالَ أُبَيٌّ) تأكيد لقوله: "يقول"؛ لطول الفصل، نظير قول اللَّه عز وجل:{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} الآية [البقرة: 89].
(وَاللَّهِ) الواو واو القسم، ولفظ الجلالة مجرور بها (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا) بالكسر؛ لوقوعها في جواب القسم، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ
…
وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(لَفِي رَمَضَانَ) يعني أنها لا تقع إلا في السنة في شهر رمضان، وفي رواية سفيان المذكورة:"فقال: رحمه الله أراد أن لا يتّكل الناس، أما إنه قد عَلِمَ أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني. . . ".
وفي رواية أبي داود المذكورة: "فقال: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن، واللَّه لقد علم أنها في رمضان، ولكن كَرِهَ أن يتكلوا، أو أحب أن لا يتكلوا. . . ".
= قال الجامع: هذا التفسير الذي ذكره السندي لا ينشرح له الصدر، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
"طرح التثريب" 4/ 101 - 102.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 43.
(يَحْلِفُ) أي: يُقسم أُبيّ رضي الله عنه مؤكِّدًا لقوله: إنها لفي رمضان (مَا) نافية (يَسْتَثْنِي) أي: لا يُخرج شيئًا من بقيّة الشهور أنها تكون فيه، بل جازم ومقتصر على رمضان فقط، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالاستثناء تعليقه بالمشيئة؛ أي: لا يُعلّق حلفه على المشيئة، فيقول:"واللَّه إنها في رمضان إلا أن يشاء اللَّه"، بل يجزم بكونها فيه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الطيبيُّ رحمه الله قوله: "ما يستثني" قيل: هو قول الرجل: إن شاء اللَّه، يقال: حَلَفَ فلانٌ يمينًا، ليس فيها ثني، ولا ثنو، ولا ثنية، ولا استثناء، كلُّها واحدٌ، وأصلها من الثني، وهو الكفّ والرّدّ، وذلك أن الحالف إذا قال: واللَّه لأفعلنّ كذا، إلا أن يشاء اللَّه غيره، فقد ردّ انعقاد ذلك اليمين.
[فإن قلت]: فقد جزم أُبيّ رضي الله عنه على اختصاصها بليلة مخصوصة، وحَمَلَ كلام ابن مسعود رضي الله عنه على العموم، مع إرادة الخصوص، فهل هو إخبارٌ عن الشيء على خلاف ما هو به، فإن بين العموم والخصوص تنافيًا؟.
[قلت]: لا إذا ذهب إلى التعويض، كما قال إبراهيم عليه السلام في سارة:"أختي"؛ تعريضًا بأنها أخته في الدين. انتهى كلام الطيبيُّ رحمه الله
(1)
،
(وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ؟)"أيُّ" مبتدأ خبره "هي"، والجملة معلّق عنها "أعلم" (هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: بإحيائها، فقوله:(بِقِيَامِهَا) بدل من "بها" بإعادة الجارّ، ثم بيّن تلك الليلة التي أمرهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقيامها بقوله (هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) أي: الليلة التي يكون يومها يوم سبعة وعشرين، يعني أنها ليلة سبع وعشرين، و"الصّبِيحة" بفتح الصاد، وكسر الموحِّدة: أولُ اليوم
(2)
. (وَأَمَارَتُهَا) قال في "المصباح": الأَمَارةُ: كالعلامة وزنًا ومعنًى. انتهى
(3)
. أي: علامة كون الليلة ليلة القدر، وفي رواية سفيان المذكورة:"فقلتُ: بأيّ شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها".
وفي رواية أبي داود المذكورة: "قلت: يا أبا المنذر أَنَّى علمت ذلك؟
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 5/ 1623 - 1624.
(2)
راجع: "المصباح" 1/ 331.
(3)
"المصباح المنير" 1/ 22.
قال: بالآية التي أخبرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قلت لزِرّ
(1)
. ما الآية؟ قال: تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطَّسْت، ليس لها شُعَاع حتى ترتفع".
(أَنْ تَطْلُعَ) بضمّ اللام، من باب قعد (الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا) أي: في أول يوم تلك الليلة (بَيْضَاءَ، لَا شُعَاعَ لَهَا) التقدير: وقد رأيتها صبيحة ليلة سبع وعشرين طلعت كذلك؛ إذ لا يكون دليلًا إلا بانضمامه إلى كلامه
(2)
.
قال الطيبيُّ رحمه الله: الشعاع هو ما يُرى من ضوء الشمس عند ذُرُورها مثل الحبال والقُضبان، مقبلةً إليك إذا نظرت إليها، قيل: معنى "لا شُعاع لها" أن الملائكة لكثرة اختلافها في ليلتها، ونزولها إلى الأرض، وصُعُودها تستر بأجنحتها، وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس
(3)
.
وتعقّب القاري قوله: "تستر بأجنحتها. . . إلخ" بأن الأجسام اللطيفة لا تستر شيئًا من الأشياء الكثيفة، نعم لو قيل: غَلَب نور تلك الليلة ضوء الشمس مع بعد المسافة الزمانيّة مبالغة في إظهار أنوارها الربّانيّة لكان وجهًا وجيهًا، وتنبيهًا نَبِيهًا.
قال: وقال ابن حجر -يعني الْهَيْتميّ-: وفائدة كون هذه علامة مع أنه إنما يوجد بعد انقضاء الليلة؛ لأنه يسنّ إحياء يومها، كما يُسنّ إحياء ليلها. انتهى.
قال: وفي قوله: "يسنّ إحياء يومها" نظرٌ يحتاج إلى أثر، والأظهر أن فائدة العلامة أن يشكر على حصول تلك النعمة من قام تلك الليلة، وإلا فيتأسّف على ما فاته من الكرامة، ويتدارك في السنة الآتية، وإنما لم تُجعَل العلامة في أولها؛ إبقاءً لها على إبهامها، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القاري رحمه الله، وهو حسنٌ، ولا سيّما تعقّبه لابن حجر في قوله: يسنّ إحياء يومها، فإنه كلام باطلٌ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الإمام أحمد رحمه الله: (20685) حدّثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن الشعبيّ، عن زِرّ بن حُبيش، عن أُبَيّ بن كعب، قال:
(1)
القائل هو عاصم بن بهدلة.
(2)
راجع: "المرقاة" 4/ 588.
(3)
"الكاشف" 5/ 1624.
تذاكر أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة القدر، فقال أُبي: أنا والذي لا إله غيره أعلم أَيّ ليلة هي؟ هي الليلة التي أخبرنا بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرين، تمضي من رمضان، وآية ذلك أن الشمس تُصبح الغد من تلك الليلة، تَرْقْرَق
(1)
، ليس لها شعاع، فزعم سلمة بن كهيل أن زِرًّا أخبره أنه رَصَدها ثلاث سنين من أول يوم يدخل رمضان إلى آخره، فرآها تطلع صبيحة سبع وعشرين تَرَقْرق، ليس لها شعاع.
في سنده مصعب بن سلام قال فيه ابن معين: ليس به بأس، ووثقه العجليّ، والأجلح وثقه ابن معين، والعجليّ، والباقون رجال الصحيح.
(20689)
حدّثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدّثني عاصم، عن زِرٍّ قال: قلت لأُبَيّ: أخبرني عن ليلة القدر، فإن ابن أم عبد كان يقول: من يقم الحول يصبها، قال: يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن، قد عَلِمَ أنها في رمضان، فإنها لِسَبع وعشرين، ولكنه عَمَّى على الناس لكيلا يتكلوا، فواللَّه الذي أنزل الكتاب على محمد، إنها في رمضان، ليلة سبع وعشرين، قال: قلت: يا أبا المنذر، وأَنَّى علمتها؟ قال: بالآية التي أنبأنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فعددنا، وحَفِظنا، فواللَّه إنها لهي ما يَستَثْنِي، قلت لزرّ: ما الآية؟ قال: إن الشمس تطلع غداتئذ كأنها طَسْتٌ، ليس لها شعاع.
رجاله رجال الصحيح.
(22259)
حدّثنا حيوة بن شُرَيح، حدّثنا بقية، حدّثني بَحِير بن سَعْد، عن خالد بن مَعْدان، عن عبادة بن الصامت، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"ليلةُ القدر في العشر البواقي، من قامهنّ؛ ابتغاء حِسْبتهنّ، فإن اللَّه تبارك وتعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلةُ وِتْر، تسع، أو سبع، أو خامسة، أو ثالثة، أو آخر ليلة"، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن أمارة ليلة القدر أنها صافية، بَلْجَةٌ
(2)
، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنةٌ، ساجية، لا بَرْد فيها، ولا حرّ، ولا يَحِلّ لكوكب أن يُرْمَى به فيها حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها،
(1)
أي تدور، وتجيء، وتذهب.
(2)
أي مشرقة.
تخرج مستوية، ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ". انتهى.
رجال إسناده ثقات، وبقيّة مدلس، وقد صرّح بالتحديث في شيخه، لكنه مطعون بتدليس التسوية.
(20695)
حدّثنا عبد اللَّه
(1)
، حدّثني العباس بن الوليد النَّرْسيّ، قال: حدّثنا حماد بن شعيب، عن عاصم، عن زِرّ بن حُبيش، عن عبد اللَّه، أنه قال في ليلة القدر: من يقم الحول يصبها، فانطلقت حتى قَدِمتُ على عثمان بن عفان، وأردت لُقِيّ أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، قال عاصم: فحدّثني أنه لزم أُبَيّ بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، فزعم أنهما كانا يقومان حتى تغرُب الشمس، فيركعان ركعتين قبل المغرب، قال: فقلت لأُبيّ، وكانت فيه شَرَاسةٌ: اخفِضْ لنا جناحك رحمك اللَّه، فإني إنما أتمتع منك تمتعًا، فقال: تريد أن لا تدع آية في القرآن إلا سألتني عنها، قال: وكان لي صاحبَ صِدْقٍ، فقلت: يا أبا المنذر أخبرني عن ليلة القدر، فإن ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصبها، فقال: واللَّه لقد عَلِمَ عبد اللَّه أنها في رمضان، ولكنه عَمَّى على الناس؛ لكيلا يتكلوا، واللَّه الذي أنزل الكتاب على محمد، إنها لفي رمضان، وإنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: يا أبا المنذر أَنَّى علمتَ ذلك؟ قال: بالآية التي أنبأنا بها محمد صلى الله عليه وسلم، فعددنا، وحفظنا، فواللَّه إنها لهي، ما يَسْتَثنِي، قال: فقلت: وما الآية؟ فقال: إنها تطلع حين تطلع، ليس لها شعاع حتى ترتفع، وكان عاصم ليلتئذ من السحر لا يطعم طعامًا، حتى إذا صلى الفجر صَعِدَ على الصَّوْمَعَة، فنظر إلى الشمس حين تطلع، لا شعاع لها حتى تَبْيَضّ، وترتفع.
في إسناده حماد بن شعيب، ضعّفه أبو حاتم، وأبو زرعة، وقال البخاريّ فيه نظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
هو عبد اللَّه بن الإمام أحمد، فيكون هذا من زياداته.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [27/ 1785 و 1786 و 1787](762)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1378)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(3351)، و (النسائي) في "الكبرى"(2/ 274)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(7700)، و (الحميديّ) في "مسنده"(375)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(3/ 76)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 130)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(2188 و 2191 و 2193)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(3689)، و (عبد اللَّه بن أحمد) في "زوائد المسند"(5/ 131)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1736 و 1737)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(4/ 312)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1828)، وبقيّة المباحث المتعلّقة بليلة القدر ستأتي مستوفاةً في أواخر "كتاب الصيام" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1786]
(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ، يُحَدِّثُ عَن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ أُبَيٌّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا، وَأَكْثَرُ عِلْمِي
(1)
هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقِيَامِهَا، هِيَ
(2)
لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِهَا صَاحِبٌ لِي عَنْهُ).
رجال الإسناد: ستّةٌ.
وكلّهم تقدّموا، فالثلاثة الأولون في الباب الماضي، والباقون في السند الماضي.
(1)
وفي نسخة: "وأكبر علمي".
(2)
وفي نسخة: "وهي".
وقوله: (قَالَ أُبَيٌّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أي: في شأنها، وتعيين وقتها
وقوله: (وَأَكْثَرُ عِلْمِي) هو من قول شعبة، كما يبيّنه بعدُ، قال النوويُّ رحمه الله: ضبطناه بالمثلّثة، وبالموحّدة، والمثلّثة أكثر. انتهى
(1)
.
وقوله: (وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ) أراد بالحرف الجملة، وهي قوله:"هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي. . . إلخ".
وقوله: (قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِها صَاحِبٌ لِي عَنْهُ) هو من شعبة، يعني أنه لَمّا شكّ في سماعه من عبدة بن أبي لُبابة جملة "هي الليلة التي. . . . إلخ" سأل صاحبًا له سمعها من عبدة، فحدّثه بها.
[فإن قلت]: كيف أخرجه المصنّف رحمه الله في "صحيحه"، وفيه شكّ شعبة هذا، وكذا جهاله صاحبه؟.
[قلت]: لا يضرّ ذلك؛ لأنه إنما أورده متابعة لرواية الأوزاعي التي لا مطعن فيها، ولأن معاذ بن معاذ رواه عنه بدون شكّ، وأخرجه بدون شكّ أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق النضر بن شُميل، (3/ 329) فقال:
(2188)
حدّثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا النضر، حدّثنا شعبة، عن عبدة، وهو ابن أبي لبابة، قال: لسمعت زِرَّ بن حُبيش، عن أُبَيّ قال: ليلة القدر إنى لأعلمها هي الليلة التي أمونا بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هي ليلة سبع وعشرين، انتهى.
فتبيّن بهذا أن شعبة كان تارةً يشكّ، وتارة يجزم، ولعله كان يشكّ، ثم تذكّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1787]
(. . . .) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ، وَمَا بَعْدَهُ).
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 43.
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
1 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 237)(خ م د س) 3/ 7.
2 -
(أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر الْعَنبريّ البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [9](ت 196)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
3 -
(شُعْبَةُ) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد شعبة الماضي، وهو: عن عبدة بن أبي لبابة، عن زِرّ بن حُبيش، عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه.
وقوله: (نَحْوَهُ) أي: حدّث معاذ، عن شعبة، نحو حديث محمد بن جعفر الماضي، عنه.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ. . . إلخ) يعني: أن معاذًا لم يذكر شكّ شعبة في الحرف.
[تنبيه]: رواية معاذ، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء الخامس عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الاثنين المبارك 16/ 5/ 1427 هـ الموافق (12 يونيو - حزيران 2006 م).
أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10].
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} الآية [الأعراف: 43].
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)} [الصافات: 180 - 183].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء السادس عشر مفتتحًا بـ (28) - (بَابُ كَيْفِيَّة دُعاء النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وتبتّله فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ) رقم الحديث [1788](763).
"سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *