الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
يوم الاثنين المبارك وقت أذان صلاة الفجر 1/ 8/ 1427 هـ أول الجزء السابع عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى.
7 - (كِتَابُ الْجُمُعَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في هذه الترجمة مسائل:
(المسألة الأولى): في ضبط لفظ "الجمعة"، وفي سبب تسمية اليوم به، وبيان أوّل من سماه به:
قال ابن منظور رحمه الله في قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} الآية [الجمعة: 9]: خفّفها الأعمش، وثقّلها عاصم، وأهل الحجاز، والأصل فيها التخفيف "جُمْعَة"، فمن ثقّل أتبع الضمّة الضمّة، ومن خفّف فعلى الأصل، والقرّاء قرؤوها بالتثقيل، ويقال: يوم الْجُمْعَة -أي: بالتسكين- لغة بني عُقَيل، ولو قرئ بها كان صوابًا، قال: والذين قالوا: الجُمُعَة -أي: بالضم- ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يَجْمَعُ الناسَ، كما يقال: رجل هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ ضُحَكَةٌ، وهو الْجُمْعَة -بسكون الميم- والْجُمُعَة -بضمها- والجُمَعَة -بفتحها- وهو يوم الْعَرُوبة، سُمّي بذلك لاجتماع الناس فيه، ويُجمَعُ على جُمُعات وجُمَع، وقيل: الجُمْعَة على تخفيف الجُمُعة والجُمْعَة لأنها تجمع الناس كثيرًا، كما قالوا: رجل لُعَنَة يُكثرُ لَعْن الناس، ورجل ضُحَكَة يُكثر الضحك.
وزعم ثَعْلب أنّ أوّل من سمّاه به كعب بن لؤيّ جدّ النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقال له: العَرُوبة. وذكر السُّهَيلي في "الرَّوْض الأُنُف" أن كعب بن لؤيّ أوّل من جَمَّعَ يوم العَرُوبة، ولم تُسَمَّ العروبة الجمعةَ إلا مذ جاء الإسلام، وهو أول من سمّاها الجمعة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويُذكّرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ويُعْلِمهم أنه من
ولده، ويأمرهم باتباعه صلى الله عليه وسلم، والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا، منها:[من البسيط]:
يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ
…
إِذَا قُرَيْشٌ تُبَغِّي الْحَقَّ خِذْلَانَا
انتهى المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله
(1)
.
وقال في "الفتح": و"الجمعة" بضمّ الميم على المشهور، وقد تسكّن، وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحديّ عن الفرّاء فتحها. وحكى الزّجّاج الكسر أيضًا.
واختلف في تسمية اليوم بذلك، مع الاتفاق على أنه كان يُسمّى في الجاهليّة العَرُوبةَ -بفتح العين المهملة، وضم الراء، وبالموحّدة- فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلائق جُمع فيه. ذكره أبو حُذيفة النجّاريّ في "المبتدأ" عن ابن عباس رضي الله عنهما، وإسناده ضعيف.
وقيل: لأن خلق آدم جُمع فيه، ورد ذلك من حديث سلمان رضي الله عنه، أخرجه أحمد، وابن خُزيمة، وغيرهما في أثناء حديث، وله شاهد عن أبي هُريرة رضي الله عنه، ذكره ابن أبي حاتم، موقوفًا بإسناد قويّ، وأحمد مرفوعًا باسناد ضعيف.
وهذا أصحّ الأقوال، ويليه ما أخرجه عبد بن حُميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصّة تجمّع الأنصار مع أسعد بن زُرَارة، وكانوا يُسمّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة، فصلّى بهم، وذكّرهم، فسمّوه الجمعة حين اجتمعوا إليه. ذكره ابن أبي حاتم موقوفًا.
وقيل: لأن كعب بن لؤيّ كان يَجمَع قومه فيه، فيُذكّرهم، ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويُخبرهم بأنه سيُبعث منه نبيّ. رَوَى ذلك الزبير في "كتاب النسب" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مقطوعًا، وبه جزم الفرّاء وغيره.
وقيل: إن قُصَيًّا هو الذي كان يَجمعهم. ذكره ثعلب في "أماليه".
وقيل: سُمّي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم، فقال: إنه اسم إسلاميّ، لم يكن في الجاهليّة، وإنما كان يُسمّى العَرُوبة. انتهى.
وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: إن العروبة اسم قديم كان للجاهليّة، وقالوا في الجمعة: هو يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيّروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تُسمّى: أوّل، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شبار.
(1)
"لسان العرب" 8/ 58.
وقال الجوهري: كانت العرب تُسمي يوم الاثنين أهون في أسمائهم القديمة، وهذا يُشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء، وهي هذه المتعارفة الآن، كالسبت، والأحد، إلى آخرها.
وقيل: إنّ أوّل من سمّى الجمعة العروبة كعب بن لؤيّ، وبه جزم الفرّاء وغيره، فيحتاج من قال: إنهم غيّروها إلا الجمعة، فأبقوه على تسمية العروبة إلى نقل خاصّ
(1)
.
وقال ولي الدين رحمه الله بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقيل: لاجتماع آدم مع حواء في الأرض، رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث سلمان الفارسيّ رضي الله عنه، قال: قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يا سلمان ما يوم الجمعة؟ "، قلت: اللَّه ورسوله أعلم، قال:"يا سلمان يوم الجمعة جمع فيه أبوكم وأمكم".
قال: فهذه خمسة أقوال في سبب تسميتها بذلك. انتهى
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في أسماء الجمعة:
قال ولي الدين رحمه الله: (اعلم) أن يوم الجمعة هو الاسم الذي سماه اللَّه تعالى به، وله أسماء أُخر:
(الأول): يوم العروبة -بفتح العين المهملة-، وكان هو اسمه في الجاهلية، قال أبو جعفر النحّاس في كتابه "صناعة الكتاب": لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف واللام، إلا شاذًا، قال: ومعناه اليوم البيّن المعظم، من أعرب: إذا بيّن، قال: ولم يزل يوم الجمعة معظمًا عند أهل كل ملّة.
ثم اعترضه وليّ الدين بأنه لم تعرفه الأمم المتقدّمة، وأوّل من هُدي له هذه الأمة، كما في حديث الباب.
وقال أبو موسى المديني في "ذيله" على "الغريبين": والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام، قال: وكأنه ليس بعربي.
(الثاني): من أسمائه حَرْبة، حكاه أبو جعفر النحّاس؛ أي: مرتفع عال كالحربة، قال: وقيل: ومن هذا اشتقّ المحراب.
(1)
"الفتح" 2/ 411 - 412.
(2)
"طرح التثريب" 3/ 159.
(الثالث): يوم المزيد، وروى الطبراني في "معجمه الأوسط" بإسناد ضعيف عن أنس رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام أنه قال:"ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد"، ذكره في أثناء حديث طويل.
(الرابع): حج المساكين، سماه بعضهم بذلك، قال الحافظ أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذيّ": وكأنه أخذه من الحديث الذي رواه الحارث بن أبي أُسامة في "مسنده" من رواية الضحاك بن مُزاحم، عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا، والحديث ضعيف، وكان شعبة ينكر أن يكون الضحّاك سمع من ابن عباس، وقال ابن حبان: لم يشافه أحدًا من الصحابة، زعم أنه لقي ابن عباس، وقد وُهِّمَ. انتهى
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم متى شُرعت الجمعة؟
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجمعة إنما فرضت بالمدينة.
واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الآية [الجمعة: 9]؛ لأن هذه السورة مدنيّة، وأنه لم يثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة بمكة قبل الهجرة.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: ونصّ الإمام أحمد رحمه الله على أن أول جمعة جُمّعت في الإسلام هي التي جُمّعت بالمدينة مع مصعب بن عُمير رضي الله عنه، وكذا قال عطاء، والأوزاعيّ، وغيرهما.
وزعمت طائفة من الفقهاء أن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُصليها بمكة قبل أن يُهاجر.
واستدلّوا لذلك بما أخرجه النسائيّ في "الكبرى"(3/ 1655) من حديث مُعافَى بن عمران، عن إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:"إن أول جمعة جُمّعت بعد جمعة مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمكة بجُواثا بالبحرين، قرية لعبد القيس".
وقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي عامر العَقَديّ، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي جَمْرة، عن ابن عباس رضي الله عنهما:"إن أوّل جمعة جُمّعت بعد جمعة في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجُوَاثَى من البحرين".
(1)
"طرح التثريب" 3/ 158 - 159.
وكذا رواه وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، ولفظه:"إن أوّل جمعة جُمّعت في الإسلام بعد جمعة جُمّعت في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة لَجُمعة جُمّعت بجُوَاثا، قرية من قُرى البحرين". أخرجه أبو داود.
وكذلك رواه ابن المبارك، وغيره، عن إبراهيم بن طهمان.
فتبيّن بذلك أن المعافى وَهِم في إسناد الحديث ومتنه، والصواب رواية الجماعة عن إبراهيم بن طهمان.
ومعنى الحديث أن أول مسجد جُمّع فيه بعد مسجد المدينة مسجد جُوَاثا، وليس معناه أن الجمعة التي جُمّعت بجواثا كانت في الجمعة الثانية من الجمعة التي جُمّعت بالمدينة، كما قد يُفهم من بعض ألفاظ الروايات، فإن عبد القيس إنما وفَدُوا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عام الفتح، كما ذكره ابن سعد، عن عروة بن الزبير، وغيره، وليس المراد به -أيضًا- أن أوّل جمعة جُمّعت في الإسلام في مسجد المدينة، فإن أوّل جمعة جُمّعت بالمدينة في نَقيع الخَضِمَات قبل أن يقدَمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وقبل أن يَبني مسجدَهُ.
يدلّ على ذلك حديث كعب بن مالك رضي الله عنه أنه كان كلما سمع أذان الجمعة استغفر لأسعد بن زُرارة، فسأله ابنه عن ذلك؟ فقال: كان أوّل من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مكة في نقيع الخَضِمات في هَزْم النَّبيت من حَرَّة بني بياضة، قيل له: كم كنتم يومئذ؟ قال رحمه الله: أربعين رجلًا، أَخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه مطوّلًا.
وروى أبو إسحاق الفَزَاريّ في كتاب "السير" له عن الأوزاعيّ، عمن حدّثه، قال: بَعَثَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مصعب بن عُمير القُرشيّ إلى المدينة قبل أن يهاجر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"اجمع مَنْ بها من المسلمين، ثم انظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتها، فإذا مال النهار عن شطره، فقم فيهم، ثمّ تزلّفوا إلى اللَّه بركعتين".
قال: وقال الزهريّ، فجمّع بهم مُصعب بن عُمير في دار من دور الأنصار، فجمّع بهم، وهم بضعة عشر. قال الأوزاعيّ: وهو أول من جمّع بالناس.
قال ابن رجب: وقد أخرج الدارقطني -أظنه في "أفراده"- من رواية أحمد بن محمد بن غالب الباهلي، نا محمد بن عبد اللَّه، أبو زيد المدني، نا المغيرة بن عبد الرحمن، نا مالك، عن الزهريّ، عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن
ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يَستطع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُجمّع بمكة، ولا يُبيّنَ لهم، وكتب إلى مصعب بن عُمير:"أما بعد، فانظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقرّبوا إلى اللَّه بركعتين".
قال: فأوّل من جَمّع مصعب بن عمير حتى قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك.
قال ابن رجب رحمه الله: وهذا إسناد موضوع، والباهلي هو غلام خليل كذّاب مشهور بالكذب، وإنما هذا من أصله من مراسيل الزهريّ، وفي هذا السياق ألفاظ منكرة.
وأخرج البيهقيّ من رواية يونس، عن الزهريّ، قال: بلغنا أن أول ما جُمَّعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فجمّع بالمسلمين مصعب بن عُمير.
وروى عبد الرزاّق في "كتابه"، عن معمر، عن الزهريّ، قال: بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مصعب بن عُمير إلى أهل المدينة ليُقرأهم القرآن، فاستأذن رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُجمّع بهم، فأذن له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وليس يومئذ بأمير، ولكنه انطلق يُعلّم أهل المدينة.
وذكر عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: مَن أوّلُ من جَمَّع؟ قال: رجل من بني عبد الدار، زعموا، قلت: أفبأمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فمَهْ؟!.
وأخرجه الأثرم من رواية ابن عُيينة، عن ابن جُريج، وعنده: قال: نعم، فمَنْ؟ قال ابن عُيينة: سمعت من يقول: هو مصعب بن عُمير.
ولذلك نصّ الإمام أحمد في رواية أبي طالب على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم هو أَمَرَ مصعبَ بن عمير أن يجمّع بهم بالمدينة، ونصّ أحمد أيضًا على أن أوّل جمعة جُمّعت في الإسلام هي الجمعة التي جُمّعت بالمدينة مع مصعب بن عمير، وقد تقدّم مثله عن عطاء، والأوزاعيّ.
فتبيّن بهذا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بإقامة الجمعة بالمدينة، ولم يُقمها بمكة، وهذا يدلّ على أنه كان قد فُرضت عليه الجمعة بمكة.
وممن قال: إن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة أبو حامد الإسفرايينيّ من الشافعية، والقاضي أبو يعلى في "خلافه الكبير"، وابن عَقيل في "عُمدة الأدلّة" وهما من الحنابلة، وكذلك ذكره طائفة من المالكية، منهم السُّهَيليّ، وغيره.
وأما كونه لم يفعله بمكة، فيُحمَل على أنه إنما أُمِرَ بها أن يُقيمها في دار الهجرة، لا في دار الحرب، وكانت مكة إذ ذاك دار حرب. ولم يكن المسلمون يتمكنون فيها من إظهار دينهم، وكانوا خائفين على أنفسهم، ولذلك هاجروا منها إلى المدينة.
وقد رُوي عن ابن سيرين أنّ تجميع الأنصار بالمدينة إنما كان عن رأيهم من غير أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكلّيّة، وأن ذلك كان قبل فرض الجمعة.
قال عبد اللَّه بن أحمد في "مسائله" رحمه الله: نا أبي، نا إسماعيل -هو ابن عُليّة- نا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نُبّئت أن الأنصار قبل قُدوم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عليهم المدينة قالوا: لو نظرنا يومًا، فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم اللَّه علينا به، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نُجامع اليهود في يومهم، قالوا: يوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العَرُوبة -قال: وكانوا يُسَمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة- فاجتمعوا في بيت أبي أُمامة أسعد بن زُرَارة، فذُبحت لهم شاة، فكَفَتهم.
وروى عبد الرزّاق في "مُصَنَّفه" عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: جمّع أهلُ المدينة قبل أن يقدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سمَّوها الجمعة، فقالت الأنصار: لليهود يومٌ يجتمعون فيه كلّ ستة أيام، وللنصارى أيضًا مثل ذلك، فهلُمّ، فلنجعلْ يومًا نجتمع فيه، ونذكر اللَّه عز وجل، ونصلي، ونشكره، أو كما قالوا، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة، -وكان يُسمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة- فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرَارة، فصلى بهم، وذكّرهم، فسمَّوه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح أسعد بن زُرارة لهم شاة، فتغدَّوا، وتعَشَّوا من شاة واحدة ليلتهم، فأنزل اللَّه بعد:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الآية [الجمعة: 9].
فوقع في كلام الإمام أحمد أن هذه هي الجمعة التي جمّعها مصعب بن عُمير، وهي التي ذكرها كعب بن مالك في حديثه أنهم كانوا أربعين رجلًا.
قال الحافظ ابن رجب: وفي هذا نظر، ويَحْتَمِل أن يكون هذا الاجتماع من الأنصار كان باجتهادهم قبل قدوم مصعب إليهم، ثم لما قدم مصعب عليهم
جمّع بهم بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان الإسلام حينئذ قد ظهر، وفشا، وكان يمكن إقامة شعار الإسلام في المدينة.
وأما اجتماع الأنصار قبل ذلك، فكان في بيت أسعد بن زُرارة قبل ظهور الإسلام بالمدينة وفُشُوّه، وكان باجتهاد منهم، لا بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله باختصار
(1)
، وهو بحث نفيس جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في خواص يوم الجمعة:
ذكر الإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله للجمعة ثلاثًا وثلاثين خصوصية مفصَّلة، ودونك ملخّصها:
1 -
قراءة سورة السجدة في فجره.
2 -
استحباب كثرة الصلاة والسلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه، وفي ليلته.
3 -
صلاة الجمعة.
4 -
الأمر بالاغتسال في يومها.
5 -
التطيب فيه.
6 -
السواك فيه.
7 -
التبكير للصلاة.
8 -
أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والقراءة حتى يخرج الإمام.
9 -
الإنصات للخطبة وجوبًا لمن يسمعها على الأصحّ.
10 -
قراءة سورة الكهف في يومها، وفيه حديث صحيح.
11 -
عدم كراهة الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي، ومن وافقه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
12 -
قراءة "سورة الجمعة"، و"المنافقين"، أو "سبح"، و"الغاشية" في صلاة الجمعة.
13 -
أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع.
14 -
استحباب لبس أحسن الثياب فيه.
(1)
راجع: "فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 8/ 62 - 70.
15 -
استحباب تجمير المسجد فيه.
16 -
أنه لا يجوز السفر في يومه لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما قبله، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والثالث يجوز للجهاد فقط.
17 -
أن للماشي إلى الجمعة بكلّ خطوة أجر سنة، صيامها وقيامها، وفيه حديث صححه ابن خزيمة.
18 -
أنه يوم تكفير السيئات.
19 -
أن جهنم تُسجر كل يوم إلا يوم الجمعة.
20 -
فيه ساعة الإجابة.
21 -
فيه صلاة الجمعة التي خُصّت بخصائص لا توجد في غيرها، من الاجتماع، والعدد المخصوص، وتقديم الخطبة، وغير ذلك.
22 -
أن فيه الخطبة التي يُقصد بها الثناء على اللَّه تعالى، وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وتذكير العباد بأيام اللَّه، وتحذيرهم من بأسه، ونقمته، ووصيتهم بما يُقرّبهم إليه، وإلى جنانه، ونهيهم عما يقربهم من سخطه، وناره، فهذا هو مقصود الخطبة، والاجتماع لها.
23 -
أنه اليوم الذي يُستحب أن يُتَفَرَّغ فيه للعبادة.
24 -
أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملًا على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل اللَّه تعالى التعجيل فيه إلى المسجد بدلًا من القربان، وقائمًا مقامه.
25 -
أن للصدقة فيه مزيّة على سائر الأيام.
26 -
أنه يوم يتجلّى اللَّه عز وجل فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة، وزيارتهم له، فيكون أقربُهم إلى الإمام أقربَهم إلى الجنة.
27 -
أنه قد فُسّر الشاهد الذي أقسم اللَّه به في كتابه بيوم الجمعة.
28 -
أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض، والجبال، والبحار، والخلائق كلها، إلا الإنس والجنّ، من أجل أن القيامة تقوم فيه.
29 -
أنه اليوم الذي ادّخره اللَّه لهذه الأمة، وأضلّ عنه أهل الكتاب قبلهم.
30 -
أنه خِيرَة اللَّه من أيّام الأسبوع، كما أن شهر رمضان خيرته من شهور العام، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض، ومحمد صلى الله عليه وسلم خيرته من خلقه.
31 -
أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم، وتوافيها في يوم الجمعة، فيعرفون زُوّارهم، ومن يمرّ بهم، ويُسلّم عليهم
(1)
.
32 -
أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم.
33 -
أنه يوم اجتماع الناس، وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد. انتهى ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى باختصار، وقد توسّع رحمه الله تعالى في هذا الموضوع، وذكر الأدلّة على هذه الخصائص، فمن شاء التوسع في ذلك فليراجعه
(2)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الجمعة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: أجمع أهل العلم على أن الجمعة واجبة على الأحرار البالغين الذين لا عُذر لهم. انتهى.
وقال ابن العربيّ رحمه الله: الجمعة فرض بإجماع الأمة. وقال ابن قُدامة رحمه الله في "المغني": أجمع المسلمون على وجوب الجمعة، وقد حَكَى الخطابي الخلاف في أنها من فُروض الأعيان، أو من فُروض الكفايات، وقال: قال أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفايات، وذكر ما يدلّ على أن ذلك قول للشافعيّ، وقد حكاه المرعشيّ عن قوله القديم، قال الدارميّ: وغلّطوا حاكيه، وقال أبو إسحاق المروزيّ: لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي، وكذلك حكاه الروياني عن حكاية بعضهم، وغلّطه. قال العراقيّ: نعم هو وجه لبعض الأصحاب، قال: وأما ما ادّعاه الخطّابي من أن أكثر الفقهاء قالوا: إن الجمعة فرض على الكفاية، ففيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنها فرض عين، لكن بشروط يشترطها أهل كلّ مذهب.
(1)
هذه الخاصيّة أكثر ما لها من الأدلّة هي المنامات، فتحتاج لثبوتها إلى دليل مرفوع صحيح، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
(2)
راجع: "زاد المعاد في هدي خير العباد" 1/ 375 - 425 بتحقيق الأرنؤوطين.
وقال ابن العربي: وحكى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة، ثم قال: قلنا: له تأويلان:
أحدهما: أن مالكًا يطلق السنة على الفرض.
الثاني: أنه أراد سنة على صفتها، لا يشاركها فيه سائر الصلوات، حسب ما شرعه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وفعله المسلمون، وقد روى ابن وهب عن مالك: عزيمةُ الجمعة على كلّ من سمع النداء. انتهى.
[ومن جملة الأدلّة] على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول اللَّه تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9].
[ومنها]: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فُرِضَ عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا اللَّه له، فهم لنا فيه تبَعٌ، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غد"، متّفق عليه.
وقد استنبط منه البخاري في "صحيحه" فرضية صلاة الجمعة، وبوّب عليه "باب فرض الجمعة"، وصرّح النووي، والحافظ بأنه يدلّ على الفرضية.
[ومنها]: حديث طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض"، رواه أبو داود. وصححه غير واحد.
[ومنها]: حديث حفصة رضي الله عنها، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"رواح الجمعة واجب على كل محتلم"، وهو حديث صحيح
(1)
.
[ومنها]: حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هَمَمت أن آمر رجلًا يُصلي بالناس، ثمّ أحرّق على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم"، رواه أحمد، ومسلم.
[ومنها]: حديث أبي هريرة، وابن عمر رضي الله عنهم، أنهما سمعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره:"لينتهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليَختمنّ اللَّه على قلوبهم، ثم ليكونُنّ من الغافلين"، حديث صحيح، رواه أحمد، وغيره
(2)
.
(1)
حديث صحيح، أخرجه أبو داود (342)، والنسائيّ (1371).
(2)
حديث صحيح.
[ومنها]: حديث أبي الجَعْد الضَّمْري -وله صحبة- أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك ثلاث جُمَع تهاونًا، طبع اللَّه على قلبه"، حديث صحيح، رواه الخمسة.
قال العلامة الشوكانيّ رحمه الله: والحقّ أن الجمعة من فرائض الأعيان على سامع النداء، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق، وحفصة المذكورين لكانا مما تقوم به الحجة على الخصم، والاعتذار عن حديث طارق بالإرسال قد رُدّ بأنه إرسال صحابيّ، وبأنه يشهد له حديث حفصة المذكور.
وكذلك الاعتذار بأن مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم كان صغيرًا لا يتسع هو ورحبته لكل المسلمين، وما كانت تقام الجمعة في عهده صلى الله عليه وسلم بأمره إلا في مسجده، وقبائلُ العرب كانوا مقيمين في نواحي المدينة مسلمين، ولم يُؤمروا بالحضور مدفوع بأن تخلّف المتخلفين عن الحضور بعد أمر اللَّه تعالى به، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، والتوعد الشديد لمن لم يحضر لا يكون حجة، إلا على فرض تقريره صلى الله عليه وسلم للمتخلفين على تخلفهم، واختصاص الأوامر بمن حضر جمعته صلى الله عليه وسلم من المسلمين، وكلاهما باطل.
أما الأول: فلا يصحّ نسبة التقرير إليه بعد همّه بإحراق المتخلفين عن الجمعة، وإخباره بالطبع على قلوبهم، وجعلها كقلوب المنافقين.
وأما الثاني: فمع كونه قصرًا للخطابات العامّة بدون برهان، تردّه أيضًا تلك التوعّدات، للقطع بأنه لا معنى لتوعّد الحاضرين، ولتصريحه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك الوعيد للمتخلفين.
وضيق مسجده صلى الله عليه وسلم لا يدلّ على عدم الفرضيّة، إلا على أن الطلب مقصور على مقدار ما يتسع له من الناس، أو عدم إمكان إقامتها في البقاع التي خارجه، وفي سائر البقاع، وكلاهما باطل.
أما الأول، فظاهر، وأما الثاني فكذلك أيضًا، لإمكان إقامتها في تلك البقاع عقلًا وشرعًا.
لا يقال: عدم أمره صلى الله عليه وسلم بإقامتها في غير مسجده يدلّ على عدم الوجوب؛ لأنا نقول: الطلب العامّ يقضي وجوب صلاة الجمعة على كلّ فرد من أفراد المسلمين، ومن لا يمكنه إقامتها في مسجده صلى الله عليه وسلم، لا يمكنه الوفاء بما طلبه
الشارع إلا بإقامتها في غيره، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب كوجوبه، كما تقرر في الأصول. انتهى كلام الشوكانيُّ رحمه الله.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما حققه العلامة الشوكانيُّ رحمه الله في هذه المسألة هو الحقّ الذي لا مرية فيه.
وحاصله أن الجمعة فرض عين على الرجال الأحرار البالغين الذين لا عذر لهم؛ لوضوح أدلته المذكورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في العدد الذي تنعقد به الجمعة:
(اعلم): أن جملة ما للعلماء من الأقوال في هذه المسألة -على ما ذكره في "الفتح"- خمسة عشر قولًا:
(الأول): تصحّ من الواحد، نقله ابن حزم، وحكاه الدارميّ عن القاشانيّ، وحُكي عن الحسن بن صالح.
(الثاني): اثنان كالجماعة، وهو قول النخعيّ، وأهل الظاهر.
(الثالث): اثنان مع الإمام، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وحُكي عن الأوزاعيّ، وأبي ثور.
(الرابع): ثلاثة معه، وهو قول أبي حنيفة، ورُوي عن الأوزاعيّ، وأبي ثور أيضًا، واختاره المزنيّ، والسيوطيّ، وحكاه عن الثوريّ، والليث.
(الخامس): سبعة، وحكي عن عكرمة.
(السادس): تسعة، وحكي عن ربيعة.
(السابع): اثنا عشر، وحكي عن ربيعة في رواية، ونُقل عن الزهريّ، والأوزاعيّ، ومحمد بن الحسن.
(الثامن): مثله غير الإمام، نقل عن إسحاق.
(التاسع): عشرون، وهو رواية ابن حبيب عن مالك.
(العاشر): ثلاثون، في روايته أيضًا عن مالك.
(الحادي عشر): أربعون، وهو قول الشافعي، وطائفة.
(الثاني عشر): أربعون غير الإمام، رُوي عن الشافعي أيضًا، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وطائفة.
(الثالث عشر): خمسون، رُوي عن أحمد، وفي رواية عن عمر بن عبد العزيز.
(الرابع عشر): ثمانون، حكاه المازريّ.
(الخامس عشر): جمع كثير بغير قيد، حُكي عن مالك، قال الحافظ: ولعلّ هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيُّ رحمه الله بعد ذكر هذه الأقوال: إنه لا مستند لاشتراط ثمانين، أو ثلاثين، أو عشرين، أو تسعة، أو سبعة، كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد المنفرد.
وأما من قال: إنها تصحّ باثنين، فاستدلّ بأن العدد واجب بالحديث، والإجماع، ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت نصّ من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا القول هو الراجح عندي.
وقال في موضع آخر: وقد انعقدت سائر الصلوات باثنين بالإجماع، والجمعة صلاة، فلا تختصّ بحكم يُخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها، وقد قال عبد الحقّ: إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث، وكذلك قال السيوطيّ: لم يثبت في شيء من الأحاديث تعيين عدد مخصوص. انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيُّ حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن الجمعة تنعقد باثنين، فما فوق؛ لحديث طارق بن شهاب مرفوعًا:"الجمعة حقّ واجب على كل مسلم في جماعة. . . " الحديث، وقد تقدم أنه حديث صحيح، وقد أجمعوا على أن أقل الجماعة في سائر الصلوات اثنان، فوجب كون أقل عدد الجماعة في الجمعة اثنين أيضًا؛ إذ لا فرق بينها وبين غيرها من الصلوات في هذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الأماكن التي تجب الجمعة على أهلها:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: اختَلَفوا في الأمصار والقرى التي يجب على أهلها الجمعة:
فقال طائفة: على كل قرية فيها جماعة أن يصلّوا الجمعة، روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:"إن أول جمعة جمّعت بعد جمعة بالمدينة، لَجُمعة جمّعت بجُوَاثَى من البحرين".
وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمّعون، ولا يعيب ذلك عليهم.
وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل المياه بين مكة والمدينة أن يُجمّعوا.
وقال طائفة: كلّ قرية عليهم أمير يُجمّع فيها، وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: أيما قرية فيها أمير، يقضي، ويقيم الحدود، فإنه يُجمّع فيها، وقال الأوزاعي: كل مدينة، أو قرية عليها أمير، أُمرُوا بالجمعة، فليجمّع بهم أميرهم، وقال الليث بن سعد: كل مدينة، أو قرية فيها جماعة، وعليهم أمير أُمروا بالجمعة، فليُجمّع بهم.
وقالت طائفة: لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع، يُروى هذا القول عن عليّ رضي الله عنه، وبه قال النخعيّ، وكان الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، يقولان: لا جمعة إلا في مصر، أو قال: في الأمصار.
وقال الحسن: إن عمر مصّر سبعة أمصار، أو قال: مصّر الأمصار سبعة: المدينة، والبحرين، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام، ومصر.
وقال النعمان، وابن الحسن: لا تجب الجمعة، إلا على أهل الأمصار، والمدائن، وحكي عن يعقوب أنه قال: تفسير المصر الجامع والمدينة: كل مصر، ومدينة فيها منبر وقاض يُنفّذ الأحكام، ويجوز حكمه، ويقيم الحدود، قال: فهذا مصر جامع، فيه الجمعة.
وقالت طائفة: كل قرية فيها أربعون رجلًا، والقرية: البناء بالحجارة، واللبن، والجريد، والشجر، وتكون بيوتها مجتمعة، ويكون أهلها لا يظعنون شتاءً، ولا صيفًا، إلا ظعن حاجة، فإذا كانوا أربعين رجلًا أحرارًا بالغين رأيت -واللَّه أعلم- أن عليهم الجمعةَ، فإذا صلّوا الجمعة أجزأت.
هذا قول الشافعيّ، ومال إلى هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق، ولم يشترطا الشروط التي اشترطها الشافعيّ.
وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز قولًا ثالثًا، أنه قال: أيما قرية فيها أربعون، فصاعدًا، عليهم إمام يقضي بينهم، فليخطب، وليصلّ ركعتين، ففي هذه الرواية عن عمر أنه ذكر إمامًا يقضي بينهم، ولم يشترط ذلك الشافعي، وأحمد، وإسحاق، واشترط الشافعيّ شروطًا لم يذكرها عمر بن عبد العزيز، وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول خامس: وهي الرواية الرابعة عن عمر بن عبد العزيز، كتب عمر: أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلًا، فليؤمّهم رجل منهم، وليخطب عليهم، وليصل بهم الجمعة.
وفيه قول سادس: وهو إذا لم يحضر الإمامَ إلا ثلاثة صلى الإمام الجمعة، قال الوليد: سألت الأوزاعيّ عن إمام الجمعة لم يحضره جماعة؟ قال: فليُجمّع بهم، قلّوا أو كثروا، قيل له: وإن لم يكن إلا ثالث ثلاثة؟ قال: نعم. وحكى غير الوليد عن الأوزاعيّ أنه قال: إذا كانوا ثلاثة فليُجمّعوا، إذا كان فيهم أميرهم.
وكان أبو ثور يقول: الجمعة كسائر الصلوات، إلا أن فيها خطبة، وقصرًا من الأربع، فمتى كان إمام، وخطب بهم صلى الجمعة.
واحتجّ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه كتب إلى عمر بن الخطاب، يسأله عن الجمعة بالبحرين، فكتب إليه أن جمّعوا حيثما كنتم.
وقد روينا عن مكحول أنه قال: إذا كانت القرية فيها الجماعة صلّوا الجمعة ركعتين.
وسئل مالك عن القرية التي تكون فيها جماعة المسلمين؟ قال مالك: إنا نقول: إذا كان فيها مسجد، يقيمون الصلاة يجمّعون فيه، وأسواقها قائمة، وبيوتها متصلة، ليس كبيوت أهل البادية، فأرى أن يجمّعوا، وقال مالك في القرية التي اتصل دُورها: فأرى أن يجمّعوا الجمعة، كان عليهم وال، أو لم يكن.
قال ابن المنذر: ورأيت في حكاية الميموني، عن أحمد أنه قال: كان عكرمة يقول: إذا كانوا سبعة جمّعوا، قال: ورأيته كأنه يعجبه.
وحكاية أحمد قولَ عكرمة قولٌ سابع.
قال ابن المنذر رحمه الله: أوجب اللَّه تعالى على الخلق اتباع كتابه، وسنن نبيه صلى الله عليه وسلم، قال اللَّه جلّ ذكره:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} الآية [النساء: 59]، وقال اللَّه جلّ ذكره:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الآية [الجمعة: 9]، فاتباع ظاهر كتاب اللَّه عز وجل يجب، ولا يجوز أن يُستثنى من ظاهر الكتاب جماعة، دون عدد جماعة بغير حُجّة، ولو كان للَّه في عدد دون عدد مرادٌ لبيّن ذلك في كتابه، أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فلما عمّ، ولم يخصّ كانت الجمعة على كل جماعة في دار إقامة على ظاهر الكتاب، وليس لأحد مع عموم الكتاب أن يُخرج قومًا من جملته بغير حجة يُفزَعُ إليها، وهذا يلزم مَن مذهبُهُ القول بعموم الكتاب، وأن لا يُحال ظاهر منه إلى باطن، ولا عامّ إلى خاصّ، إلا بكتاب، أو سنة، أو اتفاق.
وقد اختلفت الروايات عن عمر بن عبد العزيز، وقد ذكرناها، ولو لم تختلف الروايات عنه ما وجب الاستثناء من ظاهر الكتاب بقوله.
وليس لاحتجاج من احتجّ بقصة أسعد في أن لا تجزئ جمعة بأقلّ من أربعين حجةٌ؛ إذ ليس في شيء من الأخبار أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمرهم إذا كان عددهم كذا أن يُصلّوا، وإن نقصوا من ذلك العدد لم يُصلّوا، إنما كتب أن يصلي بمن معه، ولو ورد كتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعددهم أقلّ من أربعين، فترك أن يصلي بهم لكان تاركًا لما أمره به.
ودفع بعض أهل العلم قول من زعم أن الجمعة إنما تُصَلّى في مصر، أو مدينة يكون فيها قاض ينَفِّذ الأحكام، ويقيم الحدود بأن بعض أصحابه قد صلى بالمدينة الجمعة، وليس فيها منبر، ولا قاض، ولا كانت الحدود تُقام بها في ذلك الوقت.
وقد صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة، وليس فيها منبر، وليس المنبر، والقاضي، والحدود من أمر الصلاة بسبيل.
وقال أحمد بن حنبل في قول عليّ رضي الله عنه: "لا جمعة، ولا تشريق، إلا في مصر جامع": الأعمش لم يسمعه من سعد. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله-رحمه الله مختصرًا
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي رجّحه الإمام ابن المنذر رحمه الله من وجوب الجمعة على كل جماعة في مكان، سواء كان مدينة، أو قرية بدون عدد معين، هو المذهب الراجح عندي؛ لوضوح أدلته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيمن يجب عليه شهود الجمعة:
ذهبت طائفة إلى أنه تجب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله، روي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، والحسن، وعطاء، ونافع، وعكرمة، والحكم، والأوزاعيّ.
واحتجوا بحديث "الجمعةُ على من آواه الليل إلى أهله"، وهو حديث ضعيف جدًّا، فيه مُعارك بن عبّاد ضعيف، وعبد اللَّه بن سعيد المقبري، متروك، فلا يصح الاحتجاج به، كما قال الحافظ العراقيُّ رحمه الله.
وذهبت طائفة إلى أنها تجب على من سمع النداء، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، حكاه عنهم الترمذيّ، وحكي عن عبد اللَّه بن عمرو، ومالك.
واحتجوا بحديث: "الجمعةُ على من سمع النداء"، رواه أبو داود، وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه عنعنةَ الوليد بن مسلم، وهو مدلّس، قاله العراقيُّ رحمه الله.
وروي عن مالك أنها تلزم من سمع النداء بصوت الصيّت من سور البلد، وعن عطاء تلزم مَن على عشرة أميال، وقال الزهريّ: مَن على ستة أميال، وقال ربيعة: مَن على أربعة أميال، وروي عن مالك ثلاثة، وروي عن الشافعيّ فرسخ، وكذا روي عن أحمد.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي القول بوجوبها على من سمع النداء، أو كان في قوّة من يسمع؛ لكونه داخل المدينة؛ لعموم قوله
(1)
"الأوسط" 4/ 26 - 30.
تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الآية، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم وغيره، قال: أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخّص له، فلما ولى دعاه، فقال:"هل تسمع النداء بالصلاة؟ "، قال: نعم، قال:"فأجب"، ورَوَى نحوه أبو داود بإسناد حسن عن ابن أم مكتوم، قال الحافظ العراقيّ رحمه الله: فإذا كان هذا في مطلق الجماعة، فالقول به في خصوصية الجمعة أولى. انتهى، وهو بحث نفيسٌ.
وأما من لا يسمع النداء لبعد مكانه، أو لكونه خارج المدينة، فلا يجب عليه إتيانها؛ لعدم السماع، بل يجب عليهم إقامتها في محلهم؛ لكونهم من أهل وجوب الجمعة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في وقت صلاة الجمعة:
(اعلم): أنهم قد اختلفوا في وقت صلاة الجمعة، فذهب الجمهور، إلى أن وقتها بعد الزوال، فلا تصحّ قبله.
وذهب الإمام أحمد، وطائفة من السلف إلى أنها تجوز قبل الزوال.
قال الإمام البخاري رحمه الله: "بابٌ وقتُ الجمعة إذا زالت الشمس"، وكذلك يُروَى عن عمر، وعلي، والنعمان بن بشير، وعمرو بن حُريث رضي الله عنهم.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وهو قول أكثر الفقهاء، منهم الحسن، والنخعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ.
وذهب كثير من العلماء إلى أنه يجوز إقامتها قبل الزوال.
قال: وحكى الماوردي في كتابه "الحاوي" عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، نقله عنهما ابن منصور، وهو مشهور عن أحمد، حتى نُقل عنه أنه لا يختلف قوله في جواز إقامة الجمعة قبل الزوال، كذا قاله غير واحد من أصحابه.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله في حديث أنس رضي الله عنه: "كنا نُبكّر بالجمعة، ونَقيل بعد الجمعة":
هذا مما يَستدلّ به من يقول بجواز إقامة الجمعة قبل الزوال؛ لأن التبكير، والقائلة لا يكون إلا قبل الزوال، وقد ثبت أنهم كانوا في عهد عمر
يُصلّون معه الجمعة، ثم يرجعون، فيقيلون قائلة الضحى، وهذا يدلّ على أن وقت الضحى كان باقيًا.
وكل ما استدل به من قال: تُمنع الجمعة قبل الزوال ليس نصًّا صريحًا في قوله، وإنما يدلّ على جواز إقامة الجمعة بعد الزوال، أو على استحبابه، أما منع إقامتها قبله فلا، فالقائل بإقامتها قبل الزوال يقول بجميع الأدلة، ويَجمع بينها كلِّها، ولا يردّ منها شيئًا.
فروى جعفر بن بُرقان، عن ثابت بن الحجاج رحمه الله، عن عبد اللَّه بن سِيدَان، قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصدّيق، فكانت خطبته، وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول: مال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك، ولا أنكره. أخرجه وكيع في كتابه، عن جعفر به، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة في كتابه، وخرّجه عبد الرزاق في كتابه، عن معمر، عن جعفر به، وخرّجه الأثرم، والدارقطنيّ.
ورواه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه، عن وكيع، عن جعفر، واستدلّ به.
وهذا إسناد جيّد، وجعفر حديثه عن غير الزهري حجة يُحتجّ به. قاله الإمام أحمد، والدارقطني، وغيرهما.
وثابت بن الحجاج جزريّ تابعيّ معروف، لا نعلم أحدًا تكلم فيه، وقد خرّج له أبو داود.
وعبد اللَّه بن سيدان السلمي المطْرُديّ قيل: إنه من الربَذَة، وقيل: إنه جَزَريّ، يروي عن أبي بكر، وحُذيفة، وأبي ذرَ، وثقه العجليّ، وذكره ابن سعد في طبقة الصحابة، ممن نزل الشام، وقال: ذكروا أنه رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال القُشيريّ في "تاربخ الرقّة": ذكروا أنه أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وأما البخاريّ، فقال: لا يُتابع على حديثه، كأنه يشير إلى حديثه هذا.
وقول ابن المنذر: إن هذا الحديث لا يثبت هو متابعة لقول البخاريّ، وأحمد أعرف بالرجال من كلّ من تكلّم في هذا الحديث، وقد استدلّ به، واعتمد عليه.
وقد عَضَدَ هذا الحديث أنه قد صح من غير وجه أن القائلة في زمن عمر، وعثمان، كانت بعد صلاة الجمعة، وصحّ عن عثمان أنه صلى الجمعة بالمدينة، وصلى العصر بمَلَل. خرجه مالك في "الموطأ".
وبين المدينة وملل اثنان وعشرون ميلًا، وقيل: ثمانية عشر، ويبعد أن يلحق هذا السير بعد زوال الشمس.
وروى شعبة عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللَّه بن سَلمَة، قال: صلى بنا عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه الجمعة ضُحًى، وقَال: خشيت عليكم الحرّ.
وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد، قال: صلى بنا مُعاوية الجمعة ضحى.
وروى إسماعيل بن سميع، عن بلال العَبْسي، أن عمارًا صلى للناس الجمعة، والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تَزُل.
أخرج هذه الآثار كلها ابن أبي شيبة في "مصنّفه" 2/ 107 - 108. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله باختصار وتصرف.
قال العلّامة الشوكاني رحمه الله في كتابه "السيل الجَرَّار".
(اعلم): أن الأحاديث الصحيحة، قد اشتمل بعضها على التصريح بإيقاع صلاة الجمعة وقت الزوال، كحديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه في "الصحيحين"، وغيرهما، قال:"كنّا نُجَمّع مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس".
وبعضها فيه التصريح بايقاعها قبل الزوال، كما في حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم، وغيره:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة، ثمّ يذهبون إلى جمالهم، فيريحونها حين تزول الشمس".
وبعضها محتمل لإيقاع الصلاة قبل الزوال، وحالَه، كما في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه في "الصحيحين"، وغيرهما، قال:"ما كنّا نَقيلُ، ولا نتغدّي إلا بعد الجمعة". وكما في حديث أنس رضي الله عنه عند البخاريّ، وغيره، قال:"كنّا نصلي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثمّ نرجع إلى القائلة، فنَقيل".
ومجموع هذه الأحاديث يدلّ على أنّ وقت صلاة الجمعة حال الزوال، وقبله، ولا موجب لتأويل بعضها.
وقد وقع من جماعة من الصحابة التجميع قبل الزوال، وذلك يدلّ على تقرر الأمر لديهم، وثبوته. انتهى
(1)
.
وقال في "نيل الأوطار" عند شرح حديث سهل بن سعد رضي الله عنه: "ما كنا نَقيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة" ما حاصله: فيه دليل لمن قال بجواز صلاة الجمعة قبل الزوال، ووجه الاستدلال به أن الغداء، والقيلولة محلهما قبل الزوال، وحكوا عن ابن قُتيبة أنه قال: لا يُسمَّى غداء، ولا قائلة بعد الزوال، وأيضًا قد ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكّر الناس، كما في مسلم من حديث أم هشام بنت حارثة، أخت عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت:"ما حفظت {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)} إلا من فِي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو يقرؤها على المنبر كلّ جمعة".
وعند ابن ماجه من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ تبارك يوم الجمعة، وهو قائم يذكّر بأيام اللَّه"، وكان يصلي الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث عليّ، وأبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهم.
ولو كانت خطبته، وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظلّ يُستظلّ به، وقد خرج وقت الغداء والقائلة.
وأصرح من هذا حديث جابر رضي الله عنه المتقدّم، فإنه صرّح بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة، ثم يذهبون إلى جمالهم، فيُريحونها عند الزوال، ولا مُلجئ إلى التأويلات المتعَسَّفَة التي ارتكبها الجمهور. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلامة الشوكانيُّ رحمه الله هو الحق الذي ينبغي التمسك به؛ لوضوح أدلته.
وحاصله أنّ صلاة الجمعة تجوز قبل الزوال، ولكن الأولى أن تُصَلَّى بعده؛ لأنه غالب فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ومن بعدهم، وهذا هو الصواب الذي لا يؤدي إلى التكلّف بتأويل كثير من النصوص، وإخراجه عن ظواهره، مع أنه لا مُلجئ إلى ذلك بعد أن ثبت عن كثير من السلف العمل
(1)
"السيل الجرّار على حدائق الأزهار" 1/ 296 - 297.
بما دلّ عليه، كما أسلفناه في سوق تحقيق ابن رجب رضي الله عنه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1) - (بَابُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1951]
(844) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْث، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
(1)
، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 242)(م ق) تقدم في "الإيمان" 16/ 168.
3 -
(اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [7](ت 175)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 412.
4 -
(قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جَمِيل بن طَرِيف الثَّقَفيّ، أبو رجاء الْبَغْلاني يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 240) عن تسعين سنةً (ع) تقدّم في "المقدّمة" 6/ 50.
5 -
(نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم في الباب الماضي.
6 -
(عَبْدُ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (123) من رباعيات الكتاب.
(1)
وفي نسخة: "عن عبد اللَّه بن عمر".
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن رُمح، فتفرّد به هو، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه أصح الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل عن البخاريُّ رحمه الله، وأنه هو السند المسمَّى بسلسلة الذهب: مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقد تقدم البحث فيه، غير مرّة.
4 -
(ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله عنهما من العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ) وفي رواية ابن وهب، عن مالك: أن نافعًا حدّثهم (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) وفي نسخة: "عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما" أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ) المراد به الصلاة، أو المكان الذي تقام فيه الصلاة، وذَكَر الإتيان؛ لكونه هو الغالب، وإلا فالحكم شامل لمن كان مجاورًا للمسجد، أو معتكفًا فيه.
وقال ولي الدين رحمه الله: ليس المراد بالمجيء إلى الجمعة أن يكون بينه وبين المكان الذي تقام فيه الجمعة مسافة، يَحتاج إلى قطعها، بل المقيم في المكان الذي يُجمَّع فيه حكمه كذلك، فالمجيء من مكان آخر ليس مقصودًا، وإنما المراد من أراد أن يُصلي الجمعة، فليغتسل، وإن كان سبب ورود الأمر بالغسل للجمعة أنهم كانوا ينتابون الجمعةَ من منازلهم، ومن العوالي، فيأتون في الغبار، فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لو تطهرتم ليومكم هذا"، كما في حديث عائشة رضي الله عنها الآتي في الباب التالي، ولكن الحكم يعم الآتي مَن بَعُدَ، ومَن قَرُبَ، ومَن هو مقيم في مكان الجمعة، واللَّه أعلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يؤيد ذلك حديث أبي سعيد رضي الله عنه الآتي في الباب التالي: "غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، فإنه أطلق الغسل، فعَمَّ من كان بعيدًا من الجمعة، ومن كان قريبًا لها، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
"طرح التثريب" 3/ 169.
(فَلْيَغْتَسِلْ") ولفظ البخاريّ: "إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل"، ورواية المصنّف بلفظ:"إذا أراد" تبيّن أن المراد من "جاء" في هذه الرواية إرادة المجيء، ونظير هذا قوله تعالى:{إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} الآية [المجادلة: 12]، فإن المعنى: إذا أردتم المناجاة، بلا خلاف.
ويقوِّي هذا حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه الآتي قريبًا: "من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح. . . " فإنه صريح في تأخير الرواح عن الغسل.
وعُرف بهذا فساد قول من حمله على ظاهره، واحتجّ به على أن الغسل لليوم، لا للصلاة؛ لأن الحديث واحد، ومخرجه واحد، وقد بيّن المرادُ في هذه الرواية، وقوّاه حديث أبي هُريرة رضي الله عنه الآتي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما هذا متَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [1/ 1951 و 1952 و 1953 و 1954](844)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(877 و 894 و 919)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(492 و 493)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1376 و 1405) و"الكبرى"(1676 و 1678 و 1677 و 1679)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1088)، و (مالك) في "الموطأ"(85)، و (الحميدي) في "مسنده"(608 و 610)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 3 و 41 و 42 و 48 و 55 و 64 و 75 و 77 و 78 و 101 و 105 و 115 و 141 و 145)، و (الدارميّ) في "سننه"(1544)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1749 و 1750 و 1751)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في "الفتح": رواية نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما لهذا الحديث مشهورة جدًّا، فقد اعتنى بتخريج طرقه أبو عوانة في "صحيحه"، فساقه من طريق سبعين نفسًا، رووه عن نافع.
قال الحافظ: وقد تتبعت ما فاته، وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء
مفرد؛ لغرض اقتضى ذلك، فبلغت أسماء من رواه عن نافع مائة وعشرين نفسًا.
(فمما يُستفاد منه هنا): ذكر سبب الحديث، ففي رواية إسماعيل بن أميّة، عن نافع عند أبي عوانة، وقاسم بن أصبغ: كان الناس يَغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة، جاءوا، وعليهم ثياب متغيّرة، فَشَكَوا ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"من جاء منكم الجمعة، فليغتسل".
(ومنها): ذكر محلّ القول، ففي رواية الحَكَم بن عُتيبة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أعواد هذا المنبر بالمدينة يقول. . . ". أخرجه يعقوب الجصاص في "فوائده" من رواية اليسع بن قيس، عن الحكم، وطريق الحكم عند النسائيّ (25/ 1405) وغيره من رواية شعبة عنه بدون هذا السياق بلفظ حديث الباب، إلا قوله:"جاء"، فعنده "راح"، وكذا رواه النسائي من رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، ومنصور، ومالك، ثلاثتهم عن نافع.
(ومنها): ما يدلّ على تكرار ذلك، ففي رواية صخر بن جُويرية، عن نافع، عند أبي مسلم الكجيّ، بلفظ:"كان إذا خطب يوم الجمعة قال. . . " الحديث.
(ومنها): زيادة في المتن، ففي رواية عثمان بن واقد، عن نافع، عند أبي عوانة، وابن خُزيمة، وابن حبان في "صحاحهم"، بلفظ:"من أتى الجمعة من الرجال والنساء، فليغتسل، ومن لم ياتها، فليس عليه غسل"، ورجاله ثقات، لكن قال البزّار: أخشى أن يكون عثمان بن واقد وَهِمَ فيه.
(ومنها): زيادة في المتن، والإسناد أيضًا، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن خُزيمة، وابن حبان، وغيرهم من طُرُق، عن مفضّل بن فَضَالة، عن عيّاش بن عباس القتبانيّ، عن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الجمعة واجبة على كل محتلم، وعلى من راح إلى الجمعة الغسل".
قال الطبرانيّ في "الأوسط": لم يروه عن نافع بزيادة حفصة إلا بُكير، ولا عنه إلا عيّاش، تفرد به مفضل.
قال الحافظ: قلت: رواته ثقات، فإن كان محفوظًا، فهو حديث آخر، ولا مانع أن يسمعه ابن عمر، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن غيره من الصحابة، فقد ثبت في "الصحيحين" من رواية ابن عمر، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا سيما مع اختلاف المتون. انتهى كلام الحافظ رحمه الله ببعض تصرف
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الغسل يوم الجمعة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختَلَفوا في وجوب الغسل يوم الجمعة، فقالت طائفة: غسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم محتلم، كذلك قال أبو هريرة، وروينا عن عمر أنه قال في شيء: لأنا أَعْجَزُ إذًا ممن لا يغتسل يوم الجمعة، وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: ثلاث حقّ على كل مسلم في يوم الجمعة: الغسل، والسواك، ويمس طيبًا، إن وجده، وتقاول عمار بن ياسر رجلًا، فقال: أنا إذًا أشرّ من الذي لا يغتسل يوم الجمعة، وروينا عن ابن عباس أنه قال: ما شَعَرت أن أحدًا يرى أن له طهورًا يوم الجمعة غير الغسل، حتى قدمت هذا البلد -يعني: البصرة-.
وكان الحسن يرى الغسل يوم الجمعة واجبًا، ويأمر به، وكان مالك يقول: من اغتسل يوم الجمعة في أول نهاره، وهو لا يريد به غسل الجمعة، فإن الغسل لا يجزي عنه حتى يغتسل لرواحه.
وقالت طائفة: الغسل سنة، وليس فرضًا، قال عبد اللَّه بن مسعود: غسل يوم الجمعة سنة، وكان ابن عباس يأمر بالغسل، قال عطاء: من غير أن يُؤَثِّم من تركه، وهو الراوي للحديث عن ابن عباس، وروينا عن ابن عباس، أنه قال: ليس الغسل بمحتوم.
وممن كان لا يرى الغسل فرضًا لازمًا: الأوزاعيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، والنعمان، وأصحابه.
ثم مال ابن المنذر رحمه الله إلى ترجيح القول بالندبية، راجع كلامه في "الأوسط".
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 416 - 417.
وقال في "الفتح": واستُدلّ بقوله: "واجبٌ" على فرضية غسل الجمعة، وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة، وعمار بن ياسر، وغيرهما، وهو قول أهل الظاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وحكاه ابن حزم عن عمر، وجمعٍ جَمٍّ من الصحابة، ومن بعدهم، ثم ساق الرواية عنهم، لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريح بذلك إلا نادرًا، وإنما اعتمد في ذلك على أشياء محتملة، كقول سعد: ما كنت أظنّ مسلمًا يدع غسل يوم الجمعة، وحكاه ابن المنذر، والخطابي عن مالك، وقال القاضي عياض وغيره: ليس ذلك بمعروف في مذهبه.
قال ابن دقيق العيد: قد نصّ مالك على وجوبه، فَحَمَلَهُ من لم يمارس مذهبه على ظاهره، وأبى ذلك أصحابه. انتهى.
والرواية عن مالك بذلك في "التمهيد"، وفيه أيضًا من طريق أشهب عن مالك أنه سئل عنه؟ فقال: حسن وليس بواجب.
وحكاه بعض المتأخرين عن ابن خُزيمة من أصحابنا، وهو غلط عليه، فقد صرّح في "صحيحه" بأنه على الاختيار، واحتجّ لكونه مندوبًا بعدة أحاديث في عدة تراجم.
وحكاه شارح "الغنية" لابن سُريج قولًا للشافعي، واستُغرب، وقد قال الشافعي في "الرسالة" بعد أن أورد حديثي ابن عمر، وأبي سعيد: احتَمَلَ قوله: "واجب" معنيين، الظاهر منهما أنه واجب، فلا تُجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتَمَل أنه واجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، ثم استدلّ للاحتمال الثاني بقصة عثمان مع عمر، قال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل دلّ ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار. انتهى.
وعلى هذا الجواب عوّل أكثر المصنفين في هذه المسألة، كابن خُزيمة، والطبري، والطحاويّ، وابن حبان، وابن عبد البرّ، وهَلُمَّ جَرّا.
وزاد بعضهم فيه أن من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك، فكان إجماعًا منهم على أن الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة، وهو استدلال قويّ.
وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة، لكن حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه، ولم يقولوا: إنه شرط، بل هو واجب مستقلّ، تصحّ الصلاة بدونه، كأن أصله قصد التنظيف، وإزالة الرائحة الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس، وهو موافق لقول من قال: يَحرُم أكل الثوم على من قصد الصلاة في الجماعة، ويَردّ عليهم أنه يلزم من ذلك تأثيم عثمان.
والجواب أنه كان معذورًا؛ لأنه إنما تركه ذاهلًا عن الوقت، مع أنه يحتمل أن يكون قد اغتسل في أول النهار، لما ثبت في "صحيح مسلم" عن حُمران أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يُفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخّر لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، كما هو الأفضل.
وعن بعض الحنابلة التفصيل بين ذي النظافة وغيره، فيجب على الثاني دون الأول، نظرًا إلى العلة، حكاه صاحب "الهدي".
وحَكَى ابن المنذر عن إسحاق ابن راهويه أن قصة عمر وعثمان تدلّ على وجوب الغسل، لا على عدم وجوبه من جهة ترك عمر الخطبة، واشتغاله لمعاتبة عثمان وتوبيخ مثله على رؤوس الناس، فلو كان ترك الغسل مباحًا لما فعل عمر ذلك، وإنما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدّم.
قال ابن دقيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة، وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر، وقد أوّلوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على التأكيد، كما يُقال: إكرامك عليّ واجب، وهو تأويل ضعيف، إنما يُصار إليه إذا كان المعارض راجحًا على هذا الظاهر.
وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديثُ: "من توضأ يوم الجمعة، فبها، ونعصت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث، قال: وربما تأولوه تأويلًا مستكرهًا، كمن حمل لفظ الوجوب على السقوط. انتهى.
فأما الحديث، فعَوَّل على المعارضة به كثير من المصنفين، ووجه الدلالة منه قوله:"فالغسل أفضل"، فإنه يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء، ولهذا الحديث طرق، أشهرها، وأقواها رواية الحسن، عن سمرة، أخرجها أصحاب السنن الثلاثة، وابن خُزيمة، وابن حبان، وله علتان:
إحداهما أنه من عنعنة الحسن، والأخرى أنه اختُلف عليه فيه.
وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس، والطبراني من حديث عبد الرحمن بن سمرة، والبزار من حديث أبي سعيد، وابن عديّ من حديث جابر، وكلها ضعيفة.
وعارضوا أيضًا بأحاديث:
(منها): الحديث: "وأن يستنّ، وأن يمسّ طيبًا". قال القرطبي: ظاهره وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعاطف، فالتقدير: الغسل واجب والاستنان والطيب كذلك، قال: وليسا بواجبين اتفاقًا، فدلّ على أن الغسل ليس بواجب، إذ لا يصحّ تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد. انتهى.
وقد سبق إلى ذلك الطبريّ والطحاويّ، وتعقبه ابن الجوزيّ بأنه لا يمتنع عطف ما ليس بواجب على الواجب، لا سيما، ولم يقع التصريح بحكم المعطوف.
وقال ابن المنيّر في الحاشية: إن سُلّم أن المراد بالواجب الفرض لم ينفع دفعه بعطف ما ليس بواجب عليه؛ لأن للقائل أن يقول: أُخرج بدليل، فَيَبْقَى ما عداه على الأصل، وعلى أن دعوى الإجماع في الطيب مردودة، فقد روى سفيان بن عُيينة في "جامعه" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة، وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر.
(ومنها): حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت غفر له". أخرجه مسلم.
قال القرطبي: ذَكَرَ الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحّة، فدلّ على أن الوضوء كاف.
وأجيب: بأنه ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في "الصحيحين" بلفظ:"من اغتسل"، فيَحْتَمِل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدّم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفيه نظر، بل ما قاله القرطبيّ هو الظاهر، واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن غسل يوم الجمعة، أواجب هو؟ فقال: لا، ولكنه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل، فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل، كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون، وكان مسجدهم ضيقًا، فلما آذى بعضهم بعضًا، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا"، قال ابن عباس: ثم جاء اللَّه بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسّع المسجد. أخرجه أبو داود، والطحاويّ، وإسناده حسن.
لكن الثابت عن ابن عباس خلافه، وعلى تقدير الصحة فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب، وأما نفي الوجوب، فهو موقوف؛ لأنه من استنباط ابن عباس.
وفيه نظر، إذ لا يلزم من زوال السبب زوال المسبب، كما في الرمل والجمار، وعلى تقدير تسليمه، فلمن قصر الوجوب على من به رائحة كريهة أن يتمسك به.
(ومنها): حديث طاوس، قلت لابن عباس: زعموا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، إلا أن تكونوا جنبًا. . . " الحديث. قال ابن حبان بعد أن أخرجه: فيه أن غسل الجمعة يُجزئ عنه غسل الجنابة، وأن غسل الجمعة ليس بفرض، إذ لو كان فرضًا لم يُجز عنه غيره. انتهى.
وهذه الزيادة: "إلا أن تكونوا جنبًا" تفرّد بها ابن إسحاق عن الزهري، وقد رواه شعيب عن الزهري بلفظ:"وإن لم تكونوا جنبًا"، وهذا هو المحفوظ عن الزهريّ.
(ومنها): حديث عائشة رضي الله عنها، بلفظ:"لو اغتسلتم"، ففيه عرض وتنبيه، لا
حتم ووجوب. وأجيب بأنه ليس فيه نفي الوجوب، وبأنه سابق على الأمر به، والإعلام بوجوبه.
ونقل الزين ابن المنيّر بعد قول الطحاويّ لمّا ذكر حديث عائشة: "فدلّ على أن الأمر بالغسل لم يكن للوجوب، وإنما كان لعلة، ثم ذهبت تلك العلّة، فذهب الغسل": وهذا من الطحاوي يقتضي سقوط الغسل أصلًا، فلا يُعدّ فرضًا، ولا مندوبًا، لقوله: زالت العلة إلخ، فيكون مذهبًا ثالثًا في المسألة. انتهى.
ولا يلزم من زوال العلة سقوط الندب تعبّدًا، ولا سيما مع احتمال وجود العلة المذكورة.
ثم إن هذه الأحاديث كلها لو سُلّمت لما دلّت إلا على نفي اشتراط الغسل، لا على الوجوب المجرد، كما تقدّم.
وأما ما أشار إليه ابن دقيق العيد من أن بعضهم أوّله بتأويل مُستَكره، فقد نقله ابن دحية عن القدوريّ من الحنفية، وأنه قال: قوله: "واجب": أي: ساقط، وقوله:"على" بمعنى "عن"، فيكون المعنى أنه غير لازم. ولا يَخفَى ما فيه من التكلّف.
وقال الزين ابن المنيّر: أصل الوجوب في اللغة: السقوط، فلما كان في الخطاب على المكلف عبء ثقيل كان كلُّ ما أُكّد طلبه منه يُسمّى واجبًا، كأنه سقط عليه، وهو أعمّ من كونه فرضًا أو ندبًا.
وهذا سبقه ابن بزيزة إليه، ثم تعقبه بأن اللفظ الشرعيّ خاصّ بمقتضاه شرعًا، لا وضعًا، وكأن الزين استشعر هذا الجواب، فزاد أن تخصيص الواجب بالفرض اصطلاح حادث.
وأجيب بأن "وجب" في اللغة لم ينحصر في السقوط، بل ورد بمعنى "مات"، وبمعنى "اضطرب"، وبمعنى "لزم"، وغير ذلك، والذي يتبادر إلى الفهم منها في الأحاديث أنها بمعنى "لزم"، لا سيما إذا سيقت لبيان الحكم.
وقد تقدّم في بعض طرق حديث ابن عمر: "الجمعة واجبة على كل محتلم"، وهو بمعنى اللزوم قطعًا، ويؤيده أن في بعض طرق حديث الباب:"واجب كغسل الجنابة". أخرجه ابن حبان من طريق الدراورديّ عن صفوان بن سُليم، وظاهره اللزوم.
وأجاب عنه بعض القائلين بالندبية بأن التشبيه في الكيفية، لا في الحكم.
وقال ابن الجوزي: يحتمل أن تكون لفظة "الوجوب" مغيّرة من بعض الرواة، أو ثابتة، ونسخ الوجوب.
وردّ بأن الطعن في الروايات الثابتة بالظن الذي لا مستند له لا يُقبل، والنسخ لا يُصار إليه إلا بدليل.
ومجموع الأحاديث يدلّ على استمرار الحكم، فإن حديث عائشة أن ذلك كان في أول الحال، حيث كانوا مجهودين، وأبو هريرة، وابن عباس إنما صحبا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن حصل التوسع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أوّلًا، ومع ذلك، فقد سمع كل منهما منه صلى الله عليه وسلم الأمر بالغسل، والحثّ عليه، والترغيب فيه، فكيف يُدَّعَى النسخ بعد ذلك؟. انتهى ما في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ظاهر كلام الحافظ رحمه الله أنه يميل إلى ترجيح القول بوجوب غسل الجمعة، وهو الواضح من الأدلّة المتقدّمة، لكن لمّا قامت الأدلة الصارفة عن الوجوب -كما تقدم تفصيلها، فيما سبق من البحث- تعيّن القول بالاستحباب الأكيد.
وتلك الأدلّة وإن كان في بعضها مقال، إلا أن مجموعها صالح لصرف الوجوب إلى الاستحباب، كما لا يخفى على من تأمل ذلك، ولا سيما حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم، مرفوعًا:"من توضأ يوم الجمعة، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة. . . " الحديث، فإنه صريح في الاجتزاء بالوضوء عن الغسل، وكقصة عمر مع عثمان رضي الله عنهما بمحضر جمٍّ غفير من الصحابة رضي الله عنهم، وغير ذلك من الأدلة المتقدم ذكرها فيما سبق آنفًا.
ولقد أجاد القول في هذه المسألة العلامة الشوكانيُّ رحمه الله في كتابه "السيل الجرّار" فقال:
الأحاديثُ الصحيحة في "الصحيحين" وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة قاضيةٌ بالوجوب، كحديث:"غسلُ الجمعة واجب على كل محتلم"، وحديث:"إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"، ونحوهما، وكحديث أبي هريرة في "الصحيحين" وغيرهما مرفوعًا:"حقّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام".
ولكنه ورد ما يدلّ على عدم الوجوب، وهو ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وابن ماجه وابن خزيمة، من حديث الحسن البصريّ، عن سمرة مرفوعًا:"من توضأ يوم الجمعة فبها، ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
فإن دلالة الحديث على عدم الوجوب ظاهرة واضحة، وقد أُعلّ بما وقع من الخلاف في سماع الحسن من سمرة، ولكنه قد حسنه الترمذيّ.
ويُقوّي هذا الحديث أنه قد رُوي من حديث أبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد، وابن عباس، وجابر رضي الله عنهم، كما حكى ذلك الدارقطني.
قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة، وأنس.
وأخرجه البيهقيّ من حديث ابن عباس، وأنس، وأبي سعيد، وجابر.
ويقوّيه أيضًا ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من توضأ يوم الجمعة، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت، غُفِرَ له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام".
فإن اقتصاره صلى الله عليه وسلم على الوضوء في هذا الحديث يدلّ على عدم وجوب الغسل، فوجب تأويل حديث:"غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم" بحمله على أن المراد بالوجوب تأكيد المشروعيّة، جَمْعًا بين الأحاديث، وإن كان لفظ الوجوب لا يُصرَف عن معناه، إلا إذا ورد ما يدلّ على صرفه كما نحن بصدده، لكن الجمع مقدّم على الترجيح، ولو كان بوجه بعيد. انتهى كلام الشوكانيُّ رحمه الله.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حققه الشوكانيُّ رحمه الله هو التحقيق الحقيق بالقبول، فإنه حسنٌ جدًّا؛ لأن الجمع بين الأحاديث المختلفة مهما أمكن هو المتعيّن، ولا سيما إذا كان طريق الجمع واضحًا، كما نحن فيه.
والحاصل أن غسل يوم الجمعة مستحب استحبابًا أكيدًا بحيث يستحقّ تاركه التعنيف، والإنكار الشديد عليه، كما تقدم من قصّة عمر، وعمار بن ياسر، وغيرهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط اتصال الغسل بالذهاب إلى الجمعة، وعدمه:
ذهب الجمهور إلى أن ذلك مستحبّ، ولا يشترط اتصاله به، بل متى اغتسل بعد الفجر أجزأه.
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن مجاهد، والحسن البصريّ، والنخعيّ، وعطاء بن أبي رباح، وأبي جعفر الباقر، والحكم، والشعبيّ، وحكاه ابن المنذر عن الثوريّ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وبه قال ابن وهب صاحب مالك
(1)
.
وقال الأثرم: سمعت أحمد سُئل عمن اغتسل، ثم أحدث، هل يكفيه الوضوء؟ فقال: نعم، ولم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى. يُشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، وله صحبة:"أنه كان يغتسل يوم الجمعة، ثم يُحدث، فيتوضأ، ولا يُعيد الغسل"
(2)
.
وذهب مالك إلى أنه يشترط أن يكون الغسل متصلًا بالذهاب إلى الجمعة.
وحكى ابن المنذر عن الأوزاعيّ، أنه قال: يجزئه أن يغتسل قبل الفجر للجنابة والجمعة، وحكى ابن حزم عن الأوزاعيّ أنه قال كقول مالك: لا يُجزئ غسل الجمعة إلا متصلًا بالرواح، قال: إلا أن الأوزاعي قال: إن اغتسل قبل الفجر، ونهض إلى الجمعة أجزأه، وحكى إمام الحرمين في "النهاية" وجهًا أنه يُجزئ قبل الفجر، كغسل العيد، قال النووي: وهو شاذ منكر
(3)
.
واحتُجّ لمالك بحديث الباب: "إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل".
قال ولي الدين رحمه الله: وجواب الجمهور عن هذا الحديث أنه تبيّن برواية مسلم تعليق الأمر بالغسل على إرادة إتيان الجمعة، وليس يلزم أن يكون إتيان الجمعة متصلًا بإرادة ذلك، فقد يريد عقب الفجر إتيانها، ويتأخر الإتيان إلى ما بعد الزوال، ولا شكّ أن كل من تجب عليه الجمعة، وهو مواظب على الواجبات إذا خطر له عقب الفجر أمر الجمعة أراد إتيانها، وإن تأخر الإتيان زمنًا طويلًا، وذلك يدلّ على أنه ليس المدار على نفس الإتيان، بل على إرادته، ليحترز به عمن هو مسافر، أو معذور بغير ذلك من الأعذار القاطعة عن الجمعة، واللَّه أعلم. انتهى
(4)
.
(1)
"طرح التثريب" 3/ 167 - 168.
(2)
"الفتح" 3/ 9.
(3)
"طرح التثريب" 3/ 16.
(4)
"طرح التثريب" 3/ 10.
وقال في "الفتح": ومقتضى النظر أن يقال: إذا عُرف أن الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة والتنظيف رعاية الحاضرين من التأذي بالرائحة الكريهة، فمن خشي أن يصيبه في أثناء النهار ما يُزيل تنظيفه، استُحبّ له أن يؤخّر الغسل لوقت ذهابه، ولعلّ هذا هو الذي لحظه مالك، فشرط اتصال الذهاب بالغسل، ليحصل الأمن مما يُغاير التنظيف، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: ولقد أبعد الظاهري إبعادًا يكاد أن يكون مجزومًا ببطلانه، حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة، حتى لو اغتسل قبل الغروب كفى عنده، تعلقًا بإضافة الغسل إلى اليوم -يعني: قوله: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"- وقد تبيّن من بعض الروايات أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة.
قال: وفُهم منه أن المقصود عدم تأذي الحاضرين، وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة.
وكذلك أقول: لو قدّمه بحيث لا يتحصّل هذا المقصود لم يُعتدّ به.
والمعنى إذا كان معلومًا كالنصّ قطعًا، أو ظنًّا مقارنًا للقطع، فاتباعه، وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ.
وقد حكى ابن عبد البرّ الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة، ولا فَعَل ما أمر به.
وادعى ابن حزم أنه قول جماعة من الصحابة والتابعين، وأطال في تقرير ذلك بما هو بصدد المنع، والرّدُّ يفضي إلى التطويل بما لا طائل تحته، ولم يورد عن أحد ممن ذُكر التصريحَ بإجزاء الاغتسال بعد صلاة الجمعة، وإنما أورد عنهم ما يدلّ على أنه لا يُشترط اتصال الغسل بالذهاب إلى الجمعة، فأخذ هو منه أنه لا فرق بين ما قبل الزوال، أو بعده، والفرق بينهما ظاهر كالشمس، واللَّه تعالى أعلم. انتهى ما في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تحرّر مما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من جواز الاغتسال بعد الفجر، وأن اتصاله بالذهاب غير لازم، وأنه
(1)
"الفتح" 3/ 9 - 10.
لا يجزئ بعد صلاة الجمعة هو المذهب الحقّ؛ لوضوح أدلته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اغتسال من لا تجب عليه الجمعة، كالمسافر، والنساء، والصبيان:
قال ابن المنذر رحمه الله: اختَلَفَ أهل العلم في اغتسال المسافر يوم الجمعة، فقالت طائفة: ليس على المسافر يوم الجمعة غسل، هكذا قال عطاء، وكان ابن عمر وعلقمة لا يغتسلان في السفر يوم الجمعة.
وقالت طائفة: يغتسل، وإن كان مسافرًا، روينا عن طلحة بن عُبيد اللَّه أنه اغتسل في السفر يوم الجمعة، وروي عن طاوس، ومجاهد، أنهما كانا يفعلان ذلك، وكان أبو ثور يقول: ولا يجب
(1)
ترك الغسل يوم الجمعة في سفر، ولا حضر.
قال ابن المنذر رحمه الله: ليس على المسافر الاغتسال يوم الجمعة؛ لأن المأمور بالاغتسال من أتى الجمعة، وليس ذلك على من لا يأتيها.
وقال أيضًا رحمه الله: واختلفوا في اغتسال النساء، والصبيان، والعبيد إذا حضروا الصلاة، فكان مالك يقول: من حضر الجمعة من النساء والعبيد، فليغتسل، وقال الشافعي في النساء والعبيد، والمسافرين، وغير المحتلمين إن شهدوا الجمعة أجزأتهم، وليغتسلوا، كما يفعل بهم إذا شهدوها
(2)
.
وقالت طائفة: إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة.
قال ابن المنذر: ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "من جاء منكم الجمعة، فليغتسل" يدلّ على أن الأمر بالاغتسال لمن أتى الجمعة، فلا معنى لاغتسال من لا يأتي الجمعة من المسافرين، وسائر من رُخّص له في التخلف عن إتيان الجمعة.
وفي حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:"غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، فظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال لليوم أتى، أو
(1)
هكذا نسخة "الأوسط": "ولا يجب"، ولعلّ الصواب:"ولا يجوز"، فليُحرّر.
(2)
هكذا نسخة "الأوسط": "كما يفعل بهم. . . إلخ" وفيها ركاكة، كما لا يخفى، فليُحرّر.
لم يأتها، وقول من أمر المسافر بالاغتسال يوم الجمعة يوافق ظاهر هذا الحديث. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول من قال: إن الغسل لمن أراد الإتيان إلى الجمعة هو الراجح عندي؛ لأن إطلاق حديث: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم"، مقيَّد بمفهوم حديث:"من جاء منكم الجمعة فليغتسل"، وقد جاء مصرحًا به فيما رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقيّ في "سننه" من طريق عثمان بن واقد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل، من الرجال والنساء"، قال ولي الدين رحمه الله: وإسناده صحيح.
فدل على أن الاغتسال لصلاة الجمعة، لا لليوم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم هل الغسل للجنابة والجمعة واحد، أم لا؟:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: قال أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم: إن المغتسل للجنابة والجمعة غُسلًا واحدًا يجزئه. وروينا هذا القول عن ابن عمر، ومجاهد، ومكحول، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن يجزئه.
وأخرج عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه كان يغتسل من الجنابة والجمعة غُسلًا واحدًا.
قال: وروينا أن بعض ولد أبي قتادة دخل عليه يوم الجمعة ينفض رأسه، مغتسلًا، فقال: للجمعة اغتسلت؟ قال: لا، ولكن للجنابة، قال: فأعد غسلًا للجمعة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مذهب الجمهور في كون الغسل الواحد يكفي للجنابة والجمعة إذا نواهما هو الحقّ، ويدلّ عليه ما رواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن مسلم الزهري، عن
(1)
"الأوسط" 4/ 47 - 48.
(2)
"الأوسط" 4/ 43 - 44.
طاوس اليماني، قال: قلت لابن عباس: زعموا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، إلا أن تكونوا جُنُبًا، ومسُّوا من الطيب"، قال: فقال ابن عباس: أما الطيب، فلا أدري، وأما الغسل، فنعم. انتهى.
وجاء في هامش "الإحسان": هذا رواه شعيب، عن الزهري بلفظ:"وإن لم تكونوا جنبًا"، وروايته أصح
(1)
.
وقال في "الفتح": معناه اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنبًا للجنابة، وإن لم تكونوا جنبًا للجمعة، وأُخذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزئ عن الجمعة، سواء نواه أو لا، وفي الاستدلال على ذلك بُعْد.
نعم رَوَى ابنُ حبان من طريق ابن إسحاق، عن الزهري في هذا الحديث:"اغتسلوا يوم الجمعة، إلا أن تكونوا جنبًا"، وهذا أوضح في الدلالة على المطلوب، لكن رواية شعيب عن الزهري أصح. انتهى.
والحاصل أن هذا الحديث يدل على أن الغسل الواحد يكفي للجنابة والجمعة، إذا نواه عنهما.
والظاهر أن استبعاد الحافظ الاستدلال به إنما هو في قوله: "نواه للجمعة أم لا"، لا في الاجتزاء بغسل واحد عنهما، وهو ظاهر؛ لأن العبادة المشتركة لا بد من نيّتهما معًا حال أدائها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيمن أحدث بعد الاغتسال:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: واختلفوا في الرجل يغتسل للجمعة، ثم يُحدث، فاستحبت طائفة أن يعيد الاغتسال له.
وبه قال طاوس، والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وقال الحسن البصري: يعيد الغسل، وقال إبراهيم التيمي: كانوا يقولون: إذا أحدث بعد الغسل عاد إلى حالته التي كان عليها قبل أن يغتسل.
وقالت طائفة: يُجزيه الوضوء، كذلك قال الحسن، ومجاهد، وكذلك
(1)
"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" 7/ 21 بتحقيق شعيب الأرنؤوط.
كان يفعل عبد الرحمن بن أبزى، وقال مالك، والأوزاعي: يجزيه الوضوء.
قال ابن المنذر: وكذلك نقول؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، وقد أتى من أحدث بعد الاغتسال بالغسل. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله ابن المنذر حسن جدًّا.
وحاصله: أن من اغتسل يوم الجمعة للجمعة، ثم طرأ عليه الحدث، فقد أتى بما أُمِر به، فإنه لم يؤمر بالصلاة بذلك الغسل، وإنما أمر بالنظافة في حال حضوره للجمعة، فإذا حصلت فقد امتثل الأمر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1952]
(. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ:"مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب الْعَدَويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، كان وصيّ أبيه، ثقةٌ [3].
رَوَى عن أبيه، وأخيه حمزة، وأبي هريرة، وأسماء بنت زيد بن الخطاب، وإياس بن عبد اللَّه بن أبي ذُباب على خلاف فيه.
ورَوَى عنه ابنه عبد العزيز، وابن أخيه عبد اللَّه بن واقد بن عبد اللَّه بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن القاسم، والزهريّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونافع مولى ابن عمر، وعبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومحمد بن عباد بن جعفر، وغيرهم.
قال وكيع: كان ثقةً، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: وكان ثقةً قليل الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن أبي عاصم في الصحابة، من أجل حديث أرسله، وقال يزيد بن هارون: كان أكبر ولد عبد اللَّه بن عمر، وقال الزبير بن بكار: كان من أشراف قريش ووجوهها.
قال الحافظ: وصفيّة كانت في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم صغيرةً، فيكون مولده بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم
(1)
.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة خمس ومائة، وقال الهيثم بن عديّ: مات أول خلافة هشام
(2)
.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ
(3)
، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (844)، وحديث (1284):"غدونا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من منهى إلى عرفات. . . "، وأعاده بعده.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة حاليّة؛ أي: حال كونه قائمًا على المنبر، يخطب الناس.
[تنبيه]: قال الإمام النسائيُّ رحمه الله بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: ما أعلم أحدًا تابع الليث على هذا الإسناد غير ابن جريج، وأصحاب الزهريّ يقولون: عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه، بدل عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر. انتهى.
أراد النسائيُّ رحمه الله أن أكثر أصحاب الزهريّ يجعلونه عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، إلا الليث، فإنه جعله عن الزهريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، وتابعه عليه ابن جريج، فرواه عن الزهريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، وروايته أخرجها النسائيّ في "الكبرى"(8/ 1674) عن إبراهيم بن الحسن المِصِّيصيّ، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج به.
(1)
"تهذيب التهذيب" 2/ 368 - 369.
(2)
هي سنة خمس ومائة، كما قال ابن حبّان.
(3)
وليس له عنده إلا حديث الباب فقط.
وقد أخرج مسلم أيضًا روايته في السند التالي، لكنه قرنه بسالم، كما يأتي.
والحاصل أن الحديث صحيح عن الزهريّ بالطريقين: طريق سالم، عن أبيه، وطريق عبد اللَّه بن عبد اللَّه عن أبيه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1953]
(. . .).- (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
(1)
ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي
(2)
ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [11](ت 245)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
2 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [6](ت 150)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن ابن شهاب هذه، ساقها البيهقيّ رحمه الله في "الكبرى" (1/ 293) فقال:
(1302)
أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفّار ببغداد، أنبأ أبو عبد اللَّه الحسين بن يحيى بن عياش القطّان، ثنا الحسن بن أبي الربيع، ثنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمر، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل".
(1)
وفي نسخة: "أخبرني".
(2)
وفي نسخة: "أخبرنا".
قال: وحدّثني ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن عبد اللَّه بن عمر، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال -وهو قائم على المنبر-:"من جاء منكم الجمعة فليغتسل".
(1303)
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن أبي طالب، ثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، فذكره عنهما جميعًا مدرجًا على اللفظ الأول، رواه مسلم في "الصحيح" عن محمد بن رافع. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1954]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) أبو حفص التُّجِيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [11](ت 3 أو 244)(م س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
2 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [9](197) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
3 -
(يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [7] (ت 159) على الصحيح وقيل: سنة ستين (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (يَقُولُ بِمِثْلِهِ) يعني: أن يونس حدّث الزهريّ بمثل ما حدّث به الليث، عنه.
[تنبيه]: رواية يونس عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه"(2/ 434 - 445) فقال:
(1900)
حدّثنا محمد بن أحمد بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم (ح) وثنا محمد بن إبرأهيم، ثنا أبو العباس بن قتيبة، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر- يقول: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1955]
(845) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، قَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وهم المذكورون في السند السابق، سوى:
1 -
(عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفَيل القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، مشهورٌ جمّ المناقب، استُشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سباعيّاته.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه مرّتين.
5 -
(ومنها): أن عمر رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين جمّ المناقب، وأن عبد اللَّه أحد العبادلة الأربعة، وأكثر المكثرين من الرواية، جمّ المناقب أيضًا، وأن سالِمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال:(حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبدًا للَّه بن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه.
[تنبيه]: قال في "الفتح" ما حاصله: أورد البخاريّ هذا الحديث من رواية جويرية بن أسماء، عن مالك، وهو عند رواة "الموطأ" عن مالك ليس فيه ذكر "ابن عمر"، فحَكَى الإسماعيليّ، عن البغويّ بعد أن أخرجه من طريق رَوْح بن عُبادة عن مالك، أنه لم يذكر في هذا الحديث أحد عن مالك، عبدَ اللَّه بن عمر غير رَوْح بن عُبادة، وجُوَيرية. انتهى.
وقد تابعهما أيضًا عبد الرحمن بن مهديّ، أخرجه أحمد بن حنبل عنه، بذكر ابن عمر.
وقال الدارقطنيّ في "الموطأ": رواه جماعة من أصحاب مالك الثقات عنه خارج "الموطأ" موصولًا عنهم، فذكر هؤلاء الثلاثة، ثم قال: وأبو عاصم النبيل، وإبراهيم بن طَهْمان، والوليد بن مسلم، وعبد الوهاب بن عطاء، وذكر جماعةً غيرهم، في بعضهم مقال، ثم ساق أسانيدهم إليهم بذلك.
وزاد ابن عبد البرّ فيمن وصله عن مالك: القعنبيّ في رواية إسماعيل بن إسحاق القاضي عنه.
ورواه عن الزهريّ موصولًا بونس بن يزيد عند مسلم، ومعمر عند أحمد، وأبو أويس عند قاسم بن أصبغ.
ولِجُويرية بن أسماء فيه إسناد آخر أعلى من روايته عن مالك، أخرجه الطحاويّ وغيره من رواية أبي غَسّان، عنه، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما. انتهى
(1)
.
(1)
"الفتح" 2/ 418.
(بَيْنَا) هي "بين" الظرفيّة، أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وقد تزاد فيها "ما"، فتصير "بينما"، وهما ظرف زمان، فيه معنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة فعليّة، أو اسميّة، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، وجواب "بينا" هنا قوله:"دخل رجلٌ". (هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ) وفي رواية للبخاريّ: "إذ دخل رجل"، وفي بعض روايته:"إذ جاء رجلٌ".
[تنبيه]: الرجل المذكور هو عثمان بن عفّان رضي الله عنه، كما سمّاه أبو هريرة رضي الله عنه في الرواية التالية، وكذا سمّاه ابنُ وهب، وابن القاسم في روايتهما عن مالك في "الموطأ"، وكذا سماه معمرٌ في روايته عن الزهريّ، عند الشافعيّ وغيره، وكذا وقع في رواية ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في ذلك
(1)
.
(مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية البخاريّ: "إذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأولين، من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم".
وقوله: "من المهاجرين الأولين" قيل في تعريفهم: مَن صَلَّى إلى القبلتين، وقيل: مَن شَهِدَ بدرًا، وقيل: من شهد بيعة الرضوان، ولا شك أنها مراتب نسبية، والأول أولى في التعريف؛ لسبقه، فمن هاجر بعد تحويل القبلة وقبل وقعة بدر هو آخر بالنسبة إلى من هاجر قبل التحويل، قاله في "الفتح"
(2)
.
وإلى هذه الأقوال أشار السيوطيُّ رحمه الله في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَالسَّابِقُونَ لَهُمُ مَزِيَّهْ
…
فَقِيلَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ الْمَرْضِيَّهْ
وَقِيلَ أَهْلُ الْقِبْلَتِيْنِ أَوْ هُمُ
…
بَدْرِيَّةٌ أَقَبْلَ فَتْح أَسْلَمُوا
(فَنَادَاهُ عُمَرُ) أي: قال له يا فلان (أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟)"أَيَّةُ" بتشديد التحتانية تأنيث "أَيّ" يُستفهَم بها، وأنّث "أيّة" لأجل "ساعة"، ويجوز تذكيرها وتأنيثها، قال اللَّه تعالى:{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34]، وقرى في الشاذّ:"بأيّة أرض تموت"، وتقول: أيُّ امرأة جاءتك؟، وأيّةُ امرأة جاءتك؟، وشبّه سيبويه تأنيث "أيّة" بتأنيث "كل" في قولهم:"كلّهنّ"، قاله في "العمدة"
(3)
.
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 418.
(2)
"الفتح" 2/ 418.
(3)
راجع: "عمدة القاري" 6/ 240.
و"الساعة": اسم لجزء من النهار مُقَدَّرٍ، وتُطلق على الوقت الحاضر، وهو المراد هنا، وهذا الاستفهام استفهام توبيخ وإنكار، وكأنه يقول: لم تأخرت إلى هذه الساعة؟ وقد ورد التصريح بالإنكار في رواية أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاريّ، ولفظه:"فقال عمر: لم تحتبسون عن الصلاة؟ "، وفي رواية مسلم التالية:"فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء".
قال الحافظ رحمه الله: والذي يظهر أن عمر رضي الله عنه قال ذلك كله، فَحَفِظ بعضُ الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر التلميح إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها، وأنها إذا انقضت طَوَت الملائكة الصحف، كما سيأتي قريبًا، وهذا من أحسن التعريضات، وأرشق الكنايات، وفَهِمَ عثمان رضي الله عنه ذلك، فبادر إلى الاعتذار عن التأخر. انتهى
(1)
.
(فَقَالَ) عثمان رضي الله عنه: (إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ) ببناء الفعل للمفعول، وقد بَيَّنَ جهة شغله في رواية عبد الرحمن ابن مهدي حيث قال:"انقلبت من السوق، فسمعت النداء".
(فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي) أي: لم أرجع إليهم، قال في "العمدة": الانقلاب: الرجوع من حيث جاء، وهو انفعال، من قَلَبْتُ الشيءَ: إذا كببته، أو رددته. انتهى
(2)
. (حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ) بكسر النون أشهر من ضمّها، والمراد به الأذان بين يدي الخطيب (فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ) أي: لم أشتغل بشيء بعد أن سماعي للنداء إلا بالوضوء، وهذا يدل على أنه دخل المسجد في ابتداء شروع عمر رضي الله عنه في الخطبة.
(قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (وَالْوُضُوءَ أَيْضًا) فيه إشعار بأنه قَبِلَ عذره في ترك التبكير، لكنه استنبط منه معنى آخر اتَّجَهَ له عليه فيه إنكار ثانٍ مضاف إلى الأول.
قال في "الفتح": وقوله: "والوضوء" في روايتنا بالنصب، وعليه اقتصر النوويّ في "شرح مسلم": أي: والوضوءَ أيضًا اقتصرت عليه، أو اخترته دون
(1)
"الفتح" 2/ 418 - 419.
(2)
"عمدة القاري" 6/ 241.
الغسل، والمعنى: ما اكتفيت بتأخير الوقت، وتفويت الفضيلة حتى تركت الغسل، واقتصرت على الوضوء.
وجَوَّز القرطبيّ الرفع، على أنه مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: والوضوءُ أيضًا يُقْتَصَرُ عليه.
وأغرب السُّهَيليّ، فقال: اتَّفَقَ الرواة على الرفع؛ لأن النصب يخرجه إلى معنى الإنكار؛ يعني: والوضوء لا ينكر، وجوابه ما تقدم، والظاهر أن الواو عاطفةٌ، وقال القرطبيّ: هي عوض عن همزة استفهام، كقراءة ابن كثير:{قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ} [الأعراف: 123]. انتهى
(1)
.
وقال في "العمدة": قوله: "والوضوء أيضًا" جاءت الرواية فيه بالواو، وحذفها، وبنصب "الوضوء" ورفعه، أما وجه وجود الواو فهو أن يكون للعطف على الإنكار الأول، وهو قوله:"أيّةُ ساعة هذه؟ "؛ لأن معنى الإنكار: ألم يكفك أن أخرت الوقت، وفَوَّتَّ فضيلة السبق، حتى أتبعته بترك الغسل، والقناعة بالوضوء؟، فتكون هذه الجملة المبسوطة مدلولًا عليها بتلك اللفظة.
وأما وجه حذف الواو فظاهر، ولكن يكون لفظ "الوضوءُ" بالرفع والنصب، أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ قد حُذِف خبره، تقديره الوضوءُ أيضًا يُقْتَصَر عليه، ويجوز أن يكون خبرًا محذوفَ المبتدأ، تقديره: كفايتك الوضوءُ أيضًا، وأما وجه النصب فهو على إضمار فعل، والتقدير: أتتوضأ الوضوءَ فقط؛ يعني: اقتصرتَ على الوضوء وحده. انتهى
(2)
.
وقوله: (أَيْضًا) منصوب على أنه مصدرٌ، من آض يئيض؛ أي: عاد ورجع، قال ابن السِّكِّيت: تقول: فعلته أيضًا إذا كنت قد فعلته بعد شيء آخر، كأنك أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور. انتهى.
وقال في "الفتح": وقوله: "أيضًا"؛ أي: ألم يكفك أن فاتك فضل التبكير إلى الجمعة، حتى أضفت إليه ترك الغسل المرغَّب فيه.
قال: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان رضي الله عنه عن ذلك، والظاهر أنه سكت عنه؛ اكتفاءً بالاعتذار الأول؛ لأنه قد أشار إلى أنه كان
(1)
"الفتح" 2/ 419.
(2)
راجع: "العمدة" 6/ 241.
ذاهلًا عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء، وإنما ترك الغسل؛ لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة، والاشتغال بالغسل، وكلٌّ منهما مُرَغَّبٌ فيه، فآثر سماع الخطبة، ولعله كان يرى فرضيته، فلذلك آثره، واللَّه أعلم. انتهى
(1)
.
وقوله: (وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أنك قد علمت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل لمن يريد المجيء إلى الجمعة، قاله في "العمدة"
(2)
.
وقال في "الفتح": قوله: "كان يأمر بالغسل" كذا في جميع الروايات، لم يُذكَر المأمور، إلا أن في رواية جويرية، عن نافع، بلفظ:"كنا نؤمر"، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الطحاويّ في هذه القصة: أن عمر قال له: لقد عَلِمَ أَنَّا أُمِرنا بالغسل، قلت: أنتم المهاجرون الأولون، أم الناس جميعًا؟ قال: لا أدري، ورواته ثقات، إلا أنه معلول.
وقد وقع في رواية أبي هريرة رضي الله عنه في هذه القصة: أن عمر رضي الله عنه قال: ألم تسمعوا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"، كذا هو في "الصحيحين" وغيرهما، وهو ظاهر في عدم التخصيص بالمهاجرين الأولين. انتهى
(3)
، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى) حديث عمر بن الخطّاب رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 1955](845)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(878)، و (الترمذيّ) في "الجمعة"(494 و 495)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(1596)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 29 و 45)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده"(8)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1901)، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
"الفتح" 2/ 419.
(2)
راجع: "عمدة القاري" 6/ 231.
(3)
"الفتح" 2/ 419.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان الأمر بالغسل للجمعة.
2 -
(ومنها): أن فيه مشروعيّة القيام للخطبة، وأنه من سننها، وأنه على المنبر.
3 -
(ومنها): أن فيه تفقدَ الإمام رعيته، وأمره لهم بمصالح دينهم، وإنكاره على من خالف السنّة، وإن كان عظيم القدر.
4 -
(ومنها): أن فيه مواجهةَ الإمام بالإنكار للكبير في مجمع من الناس؛ ليرتدع من هو دونه بذلك.
5 -
(ومنها): بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أثناء الخطبة لا يفسدها، وأنه يسقط منع الكلام عن المخاطب بذلك.
6 -
(ومنها): الاعتذار إلى ولاة الأمور.
7 -
(ومنها): إباحة الشغل والتصرّف يوم الجمعة قبل النداء، ولو أفضى ذلك إلى ترك فضيلة التبكير إلى الجمعة؛ لأن عمر رضي الله عنه لم يأمر برفع السوق بعد هذه القصّة.
8 -
(ومنها): أنه استَدَلَّ به مالك على أن السوق لا تُمنع يوم الجمعة قبل النداء؛ لكونها كانت في زمن عمر رضي الله عنه، ولكون الذاهب إليها مثل عثمان رضي الله عنه وإنما يجب السعي، وحرمة البيع والشراء بالأذان الذي يؤذن بين يدي المنبر؛ لأنه هو الأصل، وبهذا قال الشافعيّ وأحمد وأكثر فقهاء الأمصار، ثم اختَلَف العلماء في حرمة البيع في ذلك الوقت، فعند أبي حنيفة وأصحابه والشافعيّ يجوز البيع مع الكراهة، وعند مالك، وأحمد، والظاهرية البيع باطل، ذكره في "العمدة"
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه مالك، وأحمد، وأهل الظاهر هو الحقّ؛ لقوّة حجته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
9 -
(ومنها): جواز شهود الفضلاء السوق، ومزاولة التجارة فيها.
10 -
(ومنها): أن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل التأذين.
(1)
"عمدة القاري" 6/ 241.
11 -
(ومنها): أنه قال القاضي عياض رحمه الله: فيه حجة لكون السعي إنما يجب بسماع الأذان، وأن شهود الخطبة لا يجب، وهو مقتضى قول أكثر المالكية.
وتُعُقِّب بأنه لا يلزم من التأخُّر إلى سماع النداء فوات الخطبة، بل تقدم ما يدلّ على أنه لم يفت عثمان رضي الله عنه من الخطبة شيءٌ، وعلى تقدير أن يكون فاته منها شيء فليس فيه دليل على أنه لا يجب شهودها على من تنعقد به الجمعة، قاله في "الفتح"
(1)
.
12 -
(ومنها): أنه قد استَدَلّ بعضهم بقوله: "كان يأمر بالغسل" أن الغسل يوم الجمعة واجب، وهذا الاستدلال ضعيفٌ؛ لأنه لو كان واجبًا لرجع عثمان حين كلمه عمر رضي الله عنهما، أو لَرَدّه عمر حين لم يرجع، فلما لم يرجع، ولم يؤمر بالرجوع، وبحضرتهما المهاجرون والأنصار دَلّ على أنه ليس بواجب، وهذه قرينة على أن المراد من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي فيه:"فليغتسل" ليس أمر إيجاب، بل هو للندب الأكيد، وكذا المراد من قوله:"واجب" أنه في التأكّد كالواجب جمعًا بين الأدلة، قاله في "العمدة"
(2)
، واللَّه تعالى أعلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1956]
(. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(3)
يَقُولُ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ").
(1)
"الفتح" 2/ 420.
(2)
راجع: "عمدة القاري" 6/ 241 - 242.
(3)
وفي نسخة: "ألم تسمعوا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الحنظليّ، أبو محمد المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ [10](ت 238) وله اثنتان وسبعون (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
2 -
(الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [8] مات آخر سنة أربع، أو أول سنة خمس وتسعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 10/ 148.
3 -
(الْأَوْزَاعيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليلٌ [7](ت 157)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
4 -
(يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
5 -
(أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
6 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
و"عمر" رضي الله عنه ذُكر قبله.
وقوله: (فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ) بتشديد الراء، من التعريض، يقال: عرّضتُ به تعريضًا: إذا قلت قولًا، وأنت تعنيه، فالتعريض خلاف التصريح من القول، قاله في "المصباح"
(1)
.
وقوله: (فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ؟) قال القرطبيّ رحمه الله: هذا إنكار منه على عثمان تأخّره عن وقت وجوب السعي، ثم عَذَرَ عثمان حين اعتذر بقوله:"ما زدت على أن توضّأت" يعني: أنه ذَهِلَ عن الوقت، ثم تذَكَّرَه، فإذا به قد ضاق عن الغسل، وكان ذهوله ذلك لعذر مسوّغ. انتهى
(2)
.
وتمام شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(1)
"المصباح المنير" 2/ 403.
(2)
"المفهم" 2/ 480.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 1956](845)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(872)، و (أبو داود) في "الصلاة"(340)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 46)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1748)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1902)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(334)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(2) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ")
[1957]
(846) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْغُسْلُ يَومَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
3 -
(صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ) الزهريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مُفْتٍ عابدٌ رُمِي بالقدر [4](ت 132) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 26/ 213.
4 -
(عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [2] مات سنة أربع وتسعين، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" 26/ 213.
5 -
(أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، استُصْغِر بأُحُد، ثم شَهِدَ ما بعدها، مات بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 485.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: صفوان، عن عطاء.
5 -
(ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ رضي الله عنهما، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (1170) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك رضي الله عنهما.
[تنبيه]: لم تَخْتَلِف رواة "الموطأ" على مالك في إسناد هذا الحديث، وأنه من مسند أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، وقد تابع مالكًا على روايته الدَّرَاوَرْديّ، عن صفوان، عند ابن حبان، وخالفهما عبد الرحمن بن إسحاق، فرواه عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أخرجه أبو بكر الْمَرُّوذيّ في "كتاب الجمعة"، له، قاله في "الفتح".
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ) ظاهره أن الغسل حيث وُجِدَ فيه كَفَى؛ لكون اليوم جُعِل ظرفًا للغسل، وفي رواية للبخاريّ:"غسلُ يومِ الجمعة" بالإضافة، فيُستَدَلُّ به لمن قال: الغسل لليوم؛ للإضافة إليه، وقد تقدم ما فيه، واستُنْبِط منه أيضًا أن ليوم الجمعة غُسلًا مخصوصًا، حتى لو وُجدت صورة الغسل فيه لم يُجْزِ عن غسل الجمعة إلا بالنية، وقد أَخَذ بذلك أبو قتادة، فقال لابنه، وقد رآه يغتسل يوم الجمعة: إن كان غسلك عن جنابة فأَعِد غسلًا آخر للجمعة، أخرجه الطحاويّ، وابن المنذر، وغيرهما.
ويَحْتَمِل أن تكون "أل" في رواية المصنّف للعهد، فتتفق الروايتان، أفاده في "الفتح".
وقوله: (وَاجِبٌ) قال النوويّ رحمه الله: معناه: متأكّدٌ في حقّه، كما يقول الرجل لصاحبه: حقّك واجبٌ عليّ؛ أي: متأكّد، لا أن المراد الواجب
المتحتّم المعاقَبُ عليه. انتهى
(1)
.
(عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ") أي: بالغ مُدرك، يقال: حَلَمَ الصبيّ، من باب نصر، واحْتَلَمَ: أدرك، وبلغ مبالغ الرجال، فهو حالم، ومحتلمٌ
(2)
.
وإنما ذَكَرَ الاحتلام؛ لكونه الغالبَ، وإلا فلو بلغ بالسنّ، أو غير ذلك، كان عليه الغسل.
وقال القرطبيّ رحمه الله: خصّ المحتلم بالذكر؛ لأن الاحتلام أكثر ما يبلغ به الرجال، وهو الأصل، وهذا كما قال في حقّ النساء:"لا تُقبل صلاةُ حائض إلا بخمار"
(3)
، يعني بالحائض: البالغ من النساء، وخصّها به؛ لأن الحيض أغلب ما يبلغ به النساء من علامات البلوغ، وفيه دليلٌ على أن الجمعة لا تجب على صبيّ، ولا امرأة؛ لأنه بَيّن محلّ وجوبها. انتهى
(4)
.
قال الحافظ ابن رجبُّ رحمه الله في "شرح البخاريّ": وقد اختَلَف العلماء في غسل الجمعة: هل هو واجبٌ -بمعنى: أنه يأثم بتركه مع القدرة عليه بغير ضرر، أم هو مستحبٌ- فلا ياثم بتركه بحال؟، ولم يختلفوا أنه ليس بشرط لصحة صلاة الجمعة، وأنها تصح بدونه، ولهذا أقر عمر والصحابة من شهد الجمعة ولم يغتسل، ولم يأمروه بالخروج للغسل.
وقد استَدَلَّ -أيضًا- بذلك الشافعي وغيره على أنه غير واجب؛ لأنه لو كان واجبًا لأمر عمر عثمان رضي الله عنهما بالخروج له.
وأجاب بعضهم عن ذلك: بأنهم قد يكونوا خافوا عليه فوات الصلاة لضيق الوقت.
وأكثر العلماء على أنه يستحب، وليس بواجب.
وذكر الترمذي في "جامعه" أن العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم.
(1)
"شرح النووي" 6/ 134.
(2)
راجع: "المصباح" 1/ 148.
(3)
حديث صحيح، أخرجه أحمد (6/ 218 و 259)، وأبو داود (641)، والترمذيّ (377) عن عائشة رضي الله عنها.
(4)
"المفهم" 2/ 480.
وهذا الكلام يقتضي حكاية الإجماع على ذلك.
وقد حُكِي عن عمر وعثمان، ومستند من حكاه عنهما: قصة عمر مع الداخل إلى المسجد؛ فإنه قد وقع في روايةٍ أنه كان عثمان.
وممن قال: هو سنة: ابن مسعودٍ، وروي عن ابن عباسٍ، أنه غير واجبٍ، وعن عائشة وغيرهم من الصحابة، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار: الثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد -في ظاهر مذهبه-، وإسحاق، ورواه ابن وهبٍ عن مالكٍ، وأنه قيل له: في الحديث: هو واجبٌ؟ قال: ليس كل ما في الحديث: هو واجبٌ يكون كذلك، وهو اختيار عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره من أصحابه.
واستَدَلَّ من قال: ليس بواجبٍ: بما روي عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذي، وحسنَّه، وقد اختُلِف في سماع الحسن من سمرة، وأخرجه ابن ماجه من حديث يزيد الرقاشي، عن أنس -مرفوعًا- أيضًا، ويزيد، ضعيف الحديث.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن- النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام".
وهذا يدل على أن الوضوء كافٍ، وأن المقتصر عليه غير آثمٍ ولا عاصٍ، وأما الأمر بالغسل فمحمول على الاستحباب.
وقد رُوي من حديث عائشة وابن عباسٍ ما يدلّ على ذلك، وسيأتي ذكره -إن شاء اللَّه تعالى-.
وأما رواية الوجوب، فالوجوب نوعان: وجوب حتم، ووجوب سنةٍ وفضل.
وذهبت طائفة إلى وجوب الغسل، وروي عن أبي هريرة، والحسن، وروي -أيضًا- عن سعدٍ، وعمارٍ، وابن عباسٍ -في رواية أخرى عنه-، وعن عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود، وعطاء بن السائب، وعمرو بن سليمٍ وغيرهم من المتقدمين.
وحكي رواية عن أحمد، قال أحمد -في رواية حربٍ وغيره-: أخاف أن يكون واجبًا، إلا أن يكون بردٌ شديدٌ، وهذا لا يدل على لوجوب جزمًا، وهو رواية عن مالكٍ، ولم يذكر في "تهذيب المدونة" سواها.
وذكر ابن عبد البر: أنه لا يعلم أحدًا قال: إنه يأثم بتركه، غير أهل الظاهر، وأن من أوجبه، قال: لا يأثم بتركه، وحَكَى -أيضًا- الإجماع على أنه ليس بفرض واجب.
وذكر عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاءٍ: غسل الجمعة واجبٍ؟ قال: نعم، من تركه فليس بآثمٍ، قال عبد الرزاق: وهو أحب القولين إلى سفيان، يقول: هو واجبٌ؛ يعني: وجوب سنةٍ.
وذكر ابن عبد البر قولين للعلماء، وذكر أنه أشهر الروايتين عن مالكٍ.
والثاني: أنه مستحب وليس بسنةٍ، بل كالطيب والسواك، وحكاه رواية عن مالكٍ.
وحكى عن بعضهم: أن الطيب يغني عنه، حكاه عن عطاء الخراساني، وعن عبد الكريم بن الحارث المصري، وعن موسى بن صهيبٍ، قالَ: كانوا يقولون ذَلِكَ.
وعن النخعيّ، قالَ: ما كانوا يرون غسلًا واجبًا إلا غسل الجنابة، وكانوا يستحبون غسل الجمعة.
فابن عبد البر لم يُثبت في وجوب غسل الجمعة -بمعنى كونه فرضًا يأثم بتركه- اختلافًا بين العلماء المعتبرين، وإنما خَصَّ الخلاف في ذَلِكَ بأهل الظاهر.
والأكثرون: أطلقوا حكاية الخلاف في وجوب غسل الجمعة، وحكوا القول بوجوبه عن طائفة من السلف، كما حكاه ابن المنذر، عن أبي هريرة وعمار، وعن مالكٍ -أيضًا-.
والذي ذكره ابن عبد البر هوَ التحقيق في ذَلِكَ -واللَّه أعلم-، وأن من أطلق وجوبه إنما تبع في ذَلِكَ ما جاء عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم من إطلاق اسم الواجب عليهِ، وقد صرَّح طائفة منهم بأن وجوبه لا يقتضي الإثم بتركه، كما حمل أكثر العلماء كلام النَّبيّ صلى الله عليه وسلم على مثل ذَلِكَ -أيضًا-.
وممن صرح بهذا: عطاءٌ، كما سبق ذكره عنه، ومنهم: يحيى بن يحيى النيسابوري، والجوزجاني.
وقد تبيّن بهذا أن لفظ الواجب ليس نصًا في الإلزام بالشيء والعقاب على تركه، بل قد يراد به ذَلِكَ -وهو الأكثر-، وقد يراد به تأكد الاستحباب والطلب.
ولهذا قالَ إسحاق: إن كل ما في الصَّلاة فهوَ واجبٌ، وإن كانت الصَّلاة تعاد من ترك بعضه، كما سبق ذكره عنه، وسبق -أيضًا- عن الشافعي وأحمد في لفظ: الفرض ما يدل على نحو ذَلِكَ، فالواجب أولى؛ لأنه دون الفرض.
ونص الشافعي -في رواية البويطي- على أن صلاة الكسوف ليست بنفلٍ، ولكنها واجبةٌ وجوب السنة.
وهذا تصريح منه بأن السنة المتأكدة تسمى واجبًا، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ابن رجب رحمه الله بحث نفيسٌ، خلاصته أن الأرجح حمل الوجوب المذكور في هذا الحديث على الأمر المتأكد، لا على الواجب الذي يأثم تاركه؛ جمعًا بين الأدلّة الظاهرة في ذلك.
[فمنها]: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم مرفوعًا: "من توضّأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا".
[ومنها]: حديث عائشة رضي الله عنها الآتي: فقيل لهم: "لو اغتسلتم يوم الجمعة"، فإن هذا عرض وتحضيضٌ، وإرشاد، لا يقال مثله في الواجب.
[ومنها]: تقرير عمر عثمان بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم على اكتفائه بالوضوء، كما سبق بيانه.
(1)
"فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 8/ 83.
[ومنها]: حديث الحسن، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، قال الترمذيّ: حديث حسن، وقد اختُلف في سماع الحسن، عن سمرة في غير حديث العقيقة، لكن يشهد له ما سبق من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم.
والحاصل أن أرجح الأقوال في المسألة هو قول الجمهور، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه، إلا عن الظاهريّة، كما سبق آنفًا عن ابن عبد البرّ، ومال إليه ابن رجب في كلامه السابق آنفًا، وقد استوفيت البحث في هذا في الباب الماضي، فارجع إليه تزدد علمًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [2/ 1957](846)، و (البخاريّ) في "الأذان"(858)، و"الجمعة"(879 و 881 و 895 و 2665)، و (أبو داود) في "الطهارة"(341 و 344)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1375)، و"الكبرى"(1667)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1089)، و (مالك) في "الموطّأ"(84)، و (الشافعيّ) في "المسند"(1/ 154)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(5307)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 92)، و (الحميديّ) في "مسنده"(736)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 6 و 30 و 60 و 65)، و (الدارميّ) في "مسنده"(1545)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1742 و 1743 و 1744 و 1745)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2557 و 2558 و 2559)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1903)، و (ابن الجارود) في "المنتقى"(284)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1228 و 1229)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 116)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(1/ 294 و 3/ 188)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1958]
(847) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْعَوَالِي
(1)
، فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ، وَيُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنْسَان مِنْهُمْ، وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) -بفتح الهمزة، وسكون التحتانية- السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [10](ت 253) وله ثلاث وثمانون سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" 29/ 225.
2 -
(أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، يُعْرَف بابن التستريّ، صدوقٌ تُكُلِّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [10](243)(خ م س ق) تقدم في "الإيمان" 8/ 134.
3 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه تقدّم في الباب الماضي.
4 -
(عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيّوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [7] مات قديمًا قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 169.
5 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) الفقيه، مولى بني كنانة، أو أمية، أبو بكر المصريّ، قيل: اسم أبيه يسار -بتحتانية، ومهملة- ثقةٌ، وكان فقيهًا عابدًا، قال أبو حاتم: هو مثل يزيد بن أبي حبيب [5](ت 2 أو 4 أو 5 أو 136)(ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 20/ 1306.
6 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ، ثقة [6].
رَوَى عن عميه: عبد اللَّه، ولم يسمع منه، وعروة، وعن ابن عمه،
(1)
وفي نسخة: "من منازلهم، ومن العوالي".
عباد بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وأخيه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثور، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن إسحاق، وابن جريج، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، والوليد بن كثير، وجماعة.
قال ابن سعد: كان عالِمًا، وله أحاديث، وقال البخاريّ: قال لي زهير، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقال: كان من فقهاء أهل المدينة وقرائهم، وقال الدارقطنيّ: مدنيّ ثقةٌ، وذكره البخاريّ في "الأوسط" في "فصل من مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم (847)، وحديث (1112):"تصدّق تصدّق، قال: ما عندي شيء. . . " الحديث، وأعاده بعده، و (1147):"من مات وعليه صيام صام عنه وليّه".
7 -
(عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قريبًا.
8 -
(عَائِشَةُ) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدّمت أيضًا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قَرَنَ بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى عبيد اللَّه، ومن بعده مسلسلٌ بالمدنيين.
4 -
(ومنها): أن عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ) أي: يحضرونها نُوَبًا، والانتياب: افتعالٌ من النوبة، وهو المجيء مرّة بعد أخرى،
قال في "القاموس": وانتابهم انتيابًا: أتاهم مرّةً بعد أُخرى. انتهى
(1)
. وقال في "المصباح": وناوبته مناوبةً: بمعنى ساهمته مساهمةً، والنَّوْبةُ اسمٌ منه، والجمعُ نُوَبٌ، مثلُ قَرْيةٍ وقُرَى. انتهى
(2)
. وفي رواية: "يتناوبون"(مِنْ مَنَازِلهِمْ مِنَ الْعَوَالِي) بدل مما قبله، وفي بعض النسخ:"ومن العوالي" بالعطف، وهو: جمع العالية، وهي مواضع وقُرى بقرب المدينة، من جهة المشرق، من ميلين إلى ثمانية أميال، وقيل: أدناها من أربعة أميال
(3)
. (فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ) بفتح المهملة والمد: جمِع عباءة، وعباية، لغتان مشهورتان، وهو كساءٌ غليظٌ
(4)
. (وَيُصِيبُهُم الْغُبَارُ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ) وفي الرواية التالية: "كان الناس أهل عمل، ولم يكن لهم كُفاةٌ، فكانوا يكون لهم تَفَلٌ"(فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنْسَانٌ مِنْهُمْ) قال الحافظ رحمه الله: لم أقف على اسمه، وللإسماعيليّ:"ناس منهم "(وَهُوَ عِنْدِي) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنه صلى الله عليه وسلم جالس في بيتي (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا") وفي الرواية التالية: "فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة"، و"لو" هنا للتمني، فلا تَحتاج إلى جواب، أو هي للشرط، والجوابُ محذوف، تقديره: لكان حسنًا، وقد وقع في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي داود أن هذا كان مبدأ الأمر بالغسل للجمعة، ولأبي عوانة من حديث ابن عمر نحوه، وصَرَّح في آخره بأنه صلى الله عليه وسلم قال حينئذ:"من جاء منكم الجمعة فليغتسل".
قال في "الفتح": استدَلّت به عمرة -يعني: بنت عبد الرحمن-
(5)
على أن غسل الجمعة شُرع للتنظيف لأجل الصلاة، فعلى هذا فمعنى قوله:"ليومكم هذا" أي: في يومكم هذا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
"القاموس المحيط" 1/ 135.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 629.
(3)
"عمدة القاري" 6/ 285.
(4)
"المفهم" 2/ 482.
(5)
هو الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا، ولفظ البخاريّ في "صحيحه" عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة؟ فقالت: قالت عائشة رضي الله عنها: كان الناس مَهَنَة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم. انتهى.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [2/ 1958 و 1959](847)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(902 و 903 و 2071)، و (أبو داود) في "الطهارة"(352)، و"الصلاة"(1055)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(1608)، و (الحميديّ) في "مسنده"(178)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 62)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1753 و 1754)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1237)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1904 و 1905)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 189 - 190)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان سبب الأمر بالغسل للجمعة، وهو دفع التأذّي بالرائحة الكريهة ممن يحضر المسجد للجمعة.
2 -
(ومنها): رفق العالم بالمتعلم.
3 -
(ومنها): استحباب التنظيف لمجالسة أهل الخير واجتناب أذى المسلم بكل طريق.
4 -
(ومنها): حرص الصحابة رضي الله عنهم على امتثال الأمر، ولو شق عليهم.
5 -
(ومنها): ما قال القرطبيُّ رحمه الله: فيه ردٌّ على الكوفيين حيث لم يوجبوا الجمعة على من كان خارج المصر.
وتُعُقّب بأنه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعًا، واللَّه أعلم
(1)
.
وقد اختلف العلماء فيمن تجب عليه الجمعة؟، فالذي ذهب إليه الجمهور أنها تجب على من سمع النداء، أو كان في قوة السامع، سواء كان داخل البلد أو خارجه، ومحله كما صَرّح به الشافعيّ ما إذا كان المنادي صَيِّتًا، والأصوات هادئةٌ، والرجل سميعًا.
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 449.
وفي "السنن" لأبي داود من حديث عبد اللَّه بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا: "إنما الجمعة على من سمع النداء"، وقال: إنه اختُلِف في رفعه ووقفه.
وأخرجه الدارقطنيّ من وجه آخر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوعًا، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم:"أتسمع النداء؟ "، قال: نعم، قال:"فأجب"، وقد تقدّم في صلاة الجماعة ذكر من احتج به على وجوبها، فيكون في الجمعة أولى؛ لثبوت الأمر بالسعي إليها.
وأما حديث: "الجمعةُ على من آواه الليل إلى أهله"، فأخرجه الترمذيّ، ونَقَل عن أحمد أنه لم يره شيئًا، وقال لمن ذَكَره له: استغفر ربك.
ومعناه: أنها تجب على من يُمكنه الرجوع إلى أهله قبل دخول الليل، واستُشكِل بأنه يلزم منه أنه يجب السعي من أول النهار، وهو بخلاف الآية، قاله في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الجمعة تجب على من سمع النداء على الوصف الذي ذكره الشافعيُّ رحمه الله في كلامه السابق هو الحقّ؛ لوضوح حجّته، وأما حديث الترمذيّ:"الجمعة على من آواه الليل إلى أهله"، فحديث ضعيف جدًّا، ففي سنده عبد اللَّه بن سعيد متروك، والراوي عنه ضعيف أيضًا، فلا وجه لاستشكاله مع الآية، وقد استوفيت المسألة في المسألة الثامنة من المسائل المذكورة في أول "كتاب الجمعة"، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1959]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا
(2)
اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ، فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ
(3)
، فَقِيلَ لَهُمْ:"لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ").
(1)
"الفتح" 2/ 447 - 448.
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(3)
وفي نسخة: "يكون لهم التفل".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(اللَّيْثُ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
3 -
(يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد القاضي المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [5](ت 144) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 36.
4 -
(عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة الأنصاريةّ المدنية، أكثرت عن عائشة رضي الله عنها، ثقةٌ [3] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ 2 ص 417.
و"عَائِشَةُ" رضي الله عنها ذُكرت قبله.
وقوله: (كانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ) أي: كانوا يزاولون الأعمال من الزراعة ونحوها بأنفسهم.
وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ) بضمّ الكاف: جمع كافٍ، كقاض وقُضاة، وهم الْخَدَمُ الذين يكفونهم العمل.
(فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ) وفي نسخة: "التفل" معرّفًا، وهو بتاء مثنّاة من فوقُ، ثم فاء مفتوحتين: أي: رائحة كريهة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(3) - (بَابُ الطِّيبِ وَالسِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1960]
(846) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ، وَبُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ، حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ"، إِلَّا
أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ فِي الطِّيبِ:"وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [11](ت 245)(م د س ق) تقدم في "الإيمان" 34/ 239.
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
4 -
(سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، ولا سلف لابن حزم في تضعيفه، إلا أن الساجيّ حَكَى عن أحمد أنه اختلط [6] مات بعد الثلاثين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في "الإيمان" 87/ 462.
5 -
(بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، نسب لجدّه، مولى بني مخزوم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [5] مات سنة عشرين ومائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" 4/ 554.
6 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد اللَّه بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ، وكان أسنّ من أخيه محمد [4].
رَوَى عن عمه ربيعة بن عبد اللَّه بن الهدير، وعثمان بن عبد الرحمن التيميّ، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وعمرو بن سُلَيم الزُّرَقيّ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار.
وروى عنه أخوه محمد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويزيد بن الهاد، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وبكير بن الأشجّ، وسعيد بن أبي هلال، وإبراهيم بن عمرو، وشعبة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا يُسَمَّى، وكذا قال النسائيّ: لا يوقف على اسمه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان من ثقات الناس، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقةً، قليل الحديث.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
7 -
(عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ) بن خَلْدة -بسكون اللام- الأنصاريّ الزُّرَقي -بضم الزاي، وفتح الراء، بعدها قاف- ثقةٌ، من كبار التابعين [2] (ت 104) ويقال: له رؤية (ع) تقدم في "الصلاة" 17/ 916.
8 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك الأنصاريّ الخزرجيّ، ثقةٌ [3](ت 112) وله سبع وسبعون سنةً (خت م 4) تقدم في "الحيض" 16/ 774.
9 -
(أَبُوهُ) أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنهما، تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من ثمانيات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى بُكير، وبعده بالمدنيين.
3 -
(ومنها): أن فيه أربعةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: بكير، عن أبي بكر، عن عمرو بن سُليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، وفيه رواية الابن عن أبيه.
4 -
(ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ رضي الله عنه من المكثرين السبعة، روى (1170) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن مالك رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) هكذا في رواية المصنّف هنا "غسل الجمعة على كل محتلم" دون ذكر لفظًة "واجب"، قال النوويُّ رحمه الله: هكذا هو في جميع الأصول. انتهى. وقد سبق في الباب الماضي بلفظ: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، ووقع في رواية البخاريّ والنسائيّ ذكره هنا أيضًا، ولفظ البخاريّ:"الغسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم"، ولفظ النسائيّ:"غسل الجمعة واجب".
والمراد بالمحتلم البالغ، فيشمل مَن بلغ بالسنّ، أو الإحبال، والمراد بالبالغ من كان خاليًا عن عذر يُبيح الترك، وإلا فالمعذور مُستثنى بالأدلّة الأخرى.
والمراد الذَّكَر كما هو مقتضى الصيغة، وأيضًا الاحتلام أكثر ما يبلغ به الذكور دون الإناث، وفيهنّ الحيض أكثر.
وعمومه يشمل المصلي وغيره، لكن الحديث الذي تقدّم بلفظ:"إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" يخصّه بالمصلي.
(وَسِوَاكٌ) بالرفع عطف على "غسلُ"، ولفظ النسائيّ:"والسواك" بالتعريف، وأفاد في شرح النوويّ أنه نائب فاعل لفعل محذوف: أي: ويُسنّ سواك.
(وَيَمَسُّ) بفتح الميم أفصح من ضمها، قال الفيوميُّ رحمه الله: مَسِسْتُهُ، من باب تَعِبَ، وفي لغة: مَسَسْتُهُ مَسًّا من باب قَتَلَ: أفضيت إليه بيدي من غير حائل، هكذا قيّدوه، والاسم: المَسيس، قال: ومَسَّ الماءُ الجسدَ مَسًّا: أصابه، ويتعدّى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مَسِسْتُ الجسدَ، وأمسستُ الجسد ماءً. انتهى.
قال السنديُّ رحمه الله: وهو خبر بمعنى الأمر.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنه عطف على "الغسل" بحذف "أن" المصدريّة، وحذف "أن" ورفع الفعل جائز عند بعض النحاة، وهو الأصح، ومنه قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} الآية [الروم: 24]، والتقدير هنا: والمسُّ منَ الطّيب.
وقوله: (مِنَ الطِّيبِ)"من" بيان مقدم لـ "ما" في قوله: (مَا قَدَرَ عَلَيْه") و"ما" مفعول "يمسّ"؛ أي: ومسُّ الشيء الذي قدر عليه من الطيب.
قال القاضي عياض رحمه الله: يَحْتَمِل إرادة التأكيد حتى يفعله بما أمكنه، ويَحْتَمِل إرادة التكثير، والأول أظهر، ويؤيده قوله:"ولو من طيب المرأة"، وهو المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، وخَفِي ريحه، فإباحته للرجل هنا للضرورة؛ لعدم غيره، وهذا يدلّ على تأكده، واللَّه أعلم.
وقوله: (إلَّا أَنَّ بُكَيْرًا) استثناء منقطع؛ أي: لكن بُكير بن الأشجّ خالف سعيدَ بنَ أبي هلال في سند هذا الحديث، فـ (لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَن) بن أبي سعيد، بل جعله عن عمرو بن سُليم، عن أبي سعيد (و) خالف في متنه أيضًا بالزيادة، فـ (قَالَ في الطِّيب:"وَلَوْ منْ طيب الْمَرْأَة") يعني: أنه قال: ويَمُسُّ من الطيب، ولو من طيب المرأة.
و"لو" هنا وصلية، فلا تحتاج إلى جواب، والجار والمجرور خبر
لـ "كان" المحذوفة مع اسمها، وهو كثير في الاستعمال، كما قال في "الخلاصة":
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ
…
وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ
أي ولو كان الممسوسُ كائنًا من طيب المرأة.
[فائدة]: "لو" تأتي للتقليل، كحديث:"رُدُّوا السائل ولو بظِلْف مُحْرَق"، حديث صحيح، رواه النسائيّ وغيره.
والمراد: ردّه بالإعطاء، ولو يسيرًا.
وإلى هذا أشار السيوطيُّ رحمه الله في "الكوكب الساطع" بقوله:
وَقِلَّةٍ كَخَبَرِ الْمُصَدَّقِ
…
تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقِ
وقلت في "التحفة المرضيّة":
وَجَا لِقِلَّةٍ كَـ "رُدُّوا السَّائِلَا"
…
وَمَصْدَرِيًّا عِنْدَ بَعْضِ النُّبَلَا
وقريب من هذا المعنى ما وقع في هذا الحديث، فكأنه يقول: لا تتركوا الطيب، ولو بأقلّ ما يُمكن، وهو أن يستعمل طيب النساء، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: في رواية البخاريُّ رحمه الله في آخر هذا الحديث ما نصّه: قال عمرو: أما الغسل فأشهد أنه واجبٌ، وأما الاستنان والطيب فاللَّه أعلم، أواجب هو أم لا؟، ولكن هكذا في الحديث. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "قال عمرو" أي: ابن سُليم راوي الخبر، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه.
وقوله: "وأما الاستنان والطيب فاللَّه أعلم. . . إلخ" هذا يؤيد ما تقدم من أن العطف لا يقتضي التشريك من جميع الوجوه، وكأن القدر المشترك تأكيد الطلب للثلاثة، وكأنه جزم بوجوب الغسل دون غيره؛ للتصريح به في الحديث، وتوقف فيما عداه؛ لوقوع الاحتمال فيه.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر: يَحْتَمِل أن يكون قوله: "وأن يستنّ" معطوفًا على الجملة المصرِّحة بوجوب الغسل، فيكون واجبًا أيضًا، ويَحْتَمِل أن يكون مستأنفًا، فيكون التقدير: وأن يستنّ، ويتطيب استحبابًا، ويؤيد الأول رواية الليث، عن خالد بن يزيد، حيث قال فيها: إن الغسل واجب، ثم قال:
والسواك، وأن يمس من الطيب، وفي حديث ابن عباس:"وأصيبوا من الطيب"، وفيه تردد ابن عباس في وجوب الطيب.
وقال ابن الجوزيّ: يَحْتَمِل أن يكون قوله: "وأن يستنّ. . . إلخ" من كلام أبي سعيد، خلطه الراوي بكلام النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى.
قال الحافظ: وإنما قال ذلك؛ لأنه ساقه بلفظ: "قال أبو سعيد: وأن يستن"، وهذا لم أره في شيء من نسخ "الجمع بين الصحيحين" الذي تكلم ابن الجوزي عليه، ولا في واحد من "الصحيحين"، ولا في شيء من المسانيد والمستخرجات، بل ليس في جميع طرق هذا الحديث "قال أبو سعيد"، فدعوى الإدراج فيه لا حقيقة لها.
قال: ويَلْتَحِق بالاستنان والتطيب التزينُ باللباس، واستعمالُ الخمس التي عُدَّت من الفطرة، وقد صرَّح ابن حبيب من المالكية به، فقال: يلزم الآتي الجمعة جميعُ ذلك، أفاده في "الفتح"
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [3/ 1960](846)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(880)، و (أبو داود) في "الغسل"(344)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1375 و 1377 و 1383)، و"الكبرى"(1667 و 1668 و 1688)، و (مالك) في "الموطأ"(84)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1/ 142)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(5318)، و (الحميديّ) في "مسنده"(736)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 6 و 30 و 60 و 65 - 66 و 69)، و (الدارميّ) في "سننه"(1545)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1742 و 1743 و 1744 و 1745)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1233)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2559)، و (أبو نعيم) في
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 424.
"مستخرجه"(1906)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 242)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): (اعلم): أن رواية بُكير بن الأشج التي قال فيها المصنّف رحمه الله أنه لم يذكر فيها "عبد الرحمن" وافقه فيها شعبة، فقد رَوَى الحديث البخاري في "صحيحه" عن علي -هو ابن المديني- عن حَرَميّ بن عُمَارة، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن المنكدر، قال: حدثني عَمرو بن سليم الأنصاريّ، قال: أشهد على أبي سعيد، قال: أشهد على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنّ، وأن يمسّ طيبًا، إن وجده".
قال الحافظ رحمه الله بعد ذكر نحو ما تقدم عن المصنّف ما حاصله: وكذلك أخرجه أحمد من طريق ابن لَهيعة، عن بُكير، ليس فيه عبد الرحمن.
وغَفَل الدارقطنيّ في "العلل" عن هذا الكلام الأخير، فجزم بأن بُكيرًا وسعيدًا خالفا شُعبة، فزادا في الإسناد "عبدَ الرحمن"، وقال: إنهما ضبطا إسناده، وجوّداه، وهو الصحيح.
وليس كما قال، بل المنفرد بزيادة "عبد الرحمن" هو سعيد بن أبي هلال، وقد وافق شعبةَ، وبُكيرًا على إسقاطه محمدُ بنُ المنكدر، أخو أبي بكر، أخرجه ابن خُزيمة من طريقه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد.
والذي يظهر أن عمرو بن سُليم سمعه من عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، ثم لقي أبا سعيد، فحدّثه، وسماعه منه ليس بمنكر؛ لأنه قديم، وُلد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يوصف بالتدليس. وحَكَى الدارقطنيّ في "العلل" فيه اختلافًا آخر على عليّ ابن المدينيّ شيخ البخاري فيه، فذكر أن الباغنديّ حدّث به عنه بزيادة عبد الرحمن أيضًا، وخالفه تمّام عنه، فلم يذكر عبد الرحمن. وفيما قاله نظر، فقد أخرجه الإسماعيلي، عن الباغنديّ بإسقاط عبد الرحمن، وكذا أخرجه أبو نُعيبم في "المستخرج" عن أبي إسحاق بن حمزة، وأبي أحمد الغطريفيّ، كلاهما عن الباغندي، فهؤلاء ثلاثة من الحفّاظ حدّثوا به عن الباغنديّ، فلم يذكروا عبد الرحمن في الإسناد، فلعلّ الوهم فيه ممن حدَّث به الدارقطنيَّ عن الباغنديّ.
وقد وافق البخاريّ على ترك ذكره محمدُ بنُ يحيى الذُّهْليُّ عند الجوزقيّ،
ومحمدُ بنُ عبد الرحيم صاعقةُ عند ابن خُزيمة، وعبدُ العزيز بن سلام عند الإسماعيليّ، وإسماعيلُ القاضي عند ابن منده في "غرائب شعبة"، كلهم عن عليّ ابن المدينيّ، ووافق عليَّ ابنَ المدينيّ على ترك ذكره أيضًا إبراهيمُ بنُ محمد بن عَرْعَرَة، عن حرميّ بن عُمَارة، عند أبي بكر المرّوذيّ في "كتاب الجمعة" له.
قال: ولم أقف عليه من حديث شعبة إلا من طريق حرميّ، وأشار ابن منده إلى أنه تفرّد به. انتهى كلام الحافظ رحمه الله، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان تأكّد الغسل للجمعة، وقد صرّح بلفظ الواجب في رواية البخاريّ هنا، ولفظه:"الغسل يوم الجمعة واجب على كلّ محتلم"، وقد تقدّم أن الراجح حمل الوجوب على تأكُّد الاستحباب؛ جمعًا بين الأدلة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الخطابيُّ رحمه الله: ذهب مالك رحمه الله إلى إيجاب الغسل، وأكثر الفقهاء إلى أنه غير واجب، وتأولوا الحديث على معنى الترغيب فيه، والتوكيد لأمره، حتى يكون كالواجب على معنى التشبيه، واستدلوا فيه بأنه قد عُطِف عليه الاستنان والطيب، ولم يختلفوا أنهما غير واجبين، قالوا: وكذلك المعطوف عليه، وقال النوويُّ رحمه الله: هذا الحديث ظاهر في أن الغسل مشروع للبالغ، سواء أراد الجمعة أو لا، وحديث:"إذا جاء أحدكم" في أنه من أرادها، سواء البالغ والصبي، فيقال في الجمع بينهما: إنه مستحبّ للكل، ومتأكد في حق المريد، وآكد في حق البالغ ونحوه، ومذهبنا المشهور أنه مستحب لكل مريد أتى، وفي وجه للذكور خاصّة، وفي وجه من تلزمه الجمعة، وفي وجه لكل أحد.
وفي "المصنف": وكان ابن عمر يُجَمِّر ثيابه كل جمعة، وقال معاوية بن قرة: أدركت ثلاثين من مزينة كانوا يفعلون ذلك، وحكاه مجاهد، عن ابن عباس، وعن أبي سعيد، وابن مغفل، وابن عمر، ومجاهد نحوه، وخالف ابن حزم لَمّا ذكر فرضية الغسل على الرجال والنساء قال: وكذلك الطيب
والسواك، وشُرع الطيب؛ لأن الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول، فربما صافحوه، أو لمسوه.
واختُلِف في الاغتسال في السفر، فممن يراه عبد اللَّه بن الحارث، وطلق بن حبيب، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وطلحة بن مُصَرِّف، وقال الشافعيّ: ما تركته في حضر ولا سفر، وإن اشتريته بدينار.
وممن كان لا يراه علقمة، وعبد اللَّه بن عمرو، وابن جبير بن مطعم، ومجاهد، وطاووس، والقاسم بن محمد، والأسود، وإياس بن معاوية، وفي كتاب ابن التين، عن طلحة، وطاووس، ومجاهد، أنهم كانوا يغتسلون للجمعة في السفر، واستحبه أبو ثور، ذكر هذا كلّه في "العمدة"
(1)
.
2 -
(ومنها): الحثّ على استعمال السواك يوم الجمعة، وحمله العلماء على الاستحباب.
3 -
(ومنها): الحثّ أيضًا على استعمال الطيب للجمعة؛ إزالةً للرائحة الكريهة، وبُعْدًا عن إيذاء المسلمين الذين يحضرون الجمعة.
4 -
(ومنها): بيان أن طيب الرجال مخالف لطيب النساء، وهو أن طيبه ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وطيبها ما ظهر لونه، وخفي ريحه.
وقد جاء فيه حديث صريح صحيح، وهو ما أخرجه الترمذيّ والنسائيّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا:"طيب الرجل ما ظهر ريحه، وخَفِي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه".
وأخرجه الطبرانيّ، والضياء المقدسيّ من حديث أنس رضي الله عنه.
5 -
(ومنها): اهتمام الشرع بالنظافة، فقد حَثّ عليها في هذا الحديث، فينبغي للمسلم أن يكون نظيف الجسد، واللباس، والمكان، ولا سيما في الأوقات التي يجتمع الناس فيها، كالجمعة، والعيدين، ونحوها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"عمدة القاري" 6/ 244.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1961]
(848) - (خدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِبرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ طَاوُسٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: "وَيَمَسُّ طِيبًا، أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ "، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو علي الخلال الْحُلْوانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [11](242)(خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.
2 -
(رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان الْقَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [9](5 أو 207)(ع) تقدم في "الإيمان" 90/ 476.
3 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [6](150) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل: جاز المائة، ولم يثبت (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
4 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [11](245)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
5 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنِّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغيّر، وكان يتشيع [9](ت 211) وله خمس وثمانون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
6 -
(إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [5](ت 132)(ع) تقدم في "صلاة المسافرين" 2/ 1582.
7 -
(طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسي، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [3] (ت 106) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
8 -
(ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد اللَّه البحر الحبر رضي الله عنهما، مات بالطائف سنة (68)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيّفية التحمّل والأداء، فحيث سمع من الحسن الحلوانيّ مع جماعة قال:"حدّثنا حسن. . . إلخ"، وحيث سمع من محمد بن رافع وحده قال:"وحدّثني محمد بن رافع"، وكذا الخلاف في روح وعبد الرزّاق في التحديث والإخبار.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
4 -
(ومنها): أن ابن عبّاس رضي الله عنهما جمّ المناقب، فهو صحابيّ ابن صحابيّ، وابن عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ودعا له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر رضي الله عنه: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عَشَرَهُ منّا أحد، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة رضي الله عنهم، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ طَاوُسِ) بن كيسان رحمه الله (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّهُ) أي: ابن عبّاس رضي الله عنهما (ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ولفظ البخاريّ من طريق الزهريّ، عن طاوس، قال: قلت لابن عبّاس: ذَكَروا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رءوسكم، وإن لم تكونوا جنبًا، وأصيبوا من الطيب"، قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري. انتهى.
قال في "الفتح"
(1)
: قوله: "ذَكَروا" لم يُسَمِّ طاوس مَن حدثه بذلك، والذي يظهر أنه أبو هريرة، فقد رواه ابن خزيمة، وابن حبان، والطحاويّ من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن أبي هريرة نحوه، وثبت ذكر الطيب أيضًا في حديث أبي سعيد، وسلمان، وأبي ذرّ، وغيرهم رضي الله عنهم.
(1)
"الفتح" 2/ 433.
وقوله: "اغتسلوا يوم الجمعة، وإن لم تكونوا جنبًا"، معناه: اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنبًا، للجنابة وإن لم تكونوا جنبًا للجمعة.
وأُخِذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزئ عن الجمعة سواءٌ نواه للجمعة أم لا، وفي الاستدلال به على ذلك بُعْدٌ.
نعم رَوَى ابن حبان من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ في هذا الحديث:"اغتسلوا يوم الجمعة، إلا أن تكونوا جنبًا"، وهذا أوضح في الدلالة على المطلوب، لكن رواية شعيب، عن الزهري أصحّ.
قال ابن المنذر رحمه الله: حفظنا الإجزاء عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. انتهى. والخلاف في هذه المسألة منتشر في المذاهب.
واستُدِلَّ به على أنه لا يجزئ قبل طلوع الفجر؛ لقوله: يوم الجمعة، وطلوع الفجر أول اليوم شرعًا.
وقوله: "واغسلوا رءوسكم" هو من عطف الخاصّ على العامّ؛ للتنبيه على أن المطلوب الغسل التامّ؛ لئلا يُظَنّ أن إفاضة الماء دون حَلّ الشعر مثلًا يجزئ في غسل الجمعة، وهو موافق لقوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"كغسل الجنابة".
ويَحْتَمِل أن يراد بالثاني المبالغة في التنظيف.
وقوله: "وأصيبوا من الطيب"، ليس في هذه الرواية ذكر الدهن المترجم به
(1)
، لكن لما كانت العادة تقتضي استعمال الدهن بعد غسل الرأس أشعر ذلك به، كذا وجّهه الزين ابن الْمُنَيِّر جوابًا لقول الداوديّ: ليس في الحديث دلالة على الترجمة.
قال الحافظ: والذي يظهر أن البخاريّ أراد أن حديث طاوس، عن ابن عباس واحد، ذَكَر فيه إبراهيم بن ميسرة الدهن، ولم يذكره الزهريّ وزيادة الثقة الحافظ مقبولةٌ، وكأنه أراد بإيراد حديث ابن عباس عقب حديث سلمان الإشارة إلى أن ما عدا الغسل، من الطيب، والدهن، والسواك، وغيرها ليس هو في
(1)
أي حيث أورد البخاريُّ هذا الحديث تحت ترجمة: "باب الدهن للجمعة".
التأكد كالغسل، وإن كان الترغيب ورد في الجميع، لكن الحكم يَختَلِف إما بالوجوب عند من يقول به، أو بتأكيد بعض المندوبات على بعض
(1)
.
(قَالَ طَاوُسٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (وَيَمَسُّ طِيبًا، أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟) معناه: هل ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم حين ذكر غسل يوم الجمعة مسّ الطيب، أو الدهن إن وُجد عند أهله معه؟ (قَالَ) ابن عبّاس رضي الله عنهما (لَا أَعْلَمُهُ) أي: لا أعلم ذكره صلى الله عليه وسلم له معه.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: مضمون هذا أن ابن عبّاس رضي الله عنهما روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الغسل للجمعة، وأنه لم يكن عنده من ذكر الطيب والدهن علم، فيَحْتَمِل أنه نفى أن يكون يعلم ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويَحْتَمِل أنه نفى أن يكون ذلك مستحبًّا بالكلّيّة، فإنه إذا لم يكن عنده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه شيءٌ، فإنه يقتضي التوقّف في استحبابه. انتهى
(2)
.
وفي رواية البخاريّ المذكورة: "قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري"، قال في "الفتح": هذا يخالف ما رواه عُبيد بن السَّبّاق عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: "من جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان له طيب فليَمَسَّ منه"، أخرجه ابن ماجه من رواية صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، عن عُبيد، وصالحٌ ضعيف، وقد خالفه مالك، فرواه عن الزهريّ، عن عُبيد بن السبّاق بمعناه مرسلًا، فإن كان صالح حَفِظَ فيه ابنَ عباس احتَمَلَ أن يكون ذَكَرَه بعدما نسيه، أو عكسَ ذلك. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [3/ 1961 و 1962](848)، و (البخاريّ) في
(1)
"الفتح" 2/ 433 - 434.
(2)
"فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 8/ 115.
"الجمعة"(884 و 885)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 265 و 330 و 367)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1759)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1907)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 115)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1962]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ، قد يخطئ [9](ت 204)(ع) تقدم في "الإيمان" 65/ 369.
3 -
(هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مَرْوان الْحَمّال البزاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [10](ت 243) وقد ناهز الثمانين (م 4) تقدم في "الإيمان" 64/ 361.
4 -
(الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بن الضحاك بن مسلم الشيبانيّ، أبو عاصم النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [9](ت 212) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
و"ابنُ جريج" ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. . . إلخ) أي: روى كلٌّ من محمد بن بكر، والضحّاك بن مَخْلد هذا الحديث عن ابن جريج بسنده الماضي، وهو: عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما.
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج، ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"(1/ 367) مقرونًا بعبد الرزّاق، فقال:
(3471)
حدّثنا عبد اللَّهِ، حدّثني أبي، ثنا عبد الرَّزَّاقِ، وابن بَكْرٍ قَالَا: أنا ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني إِبْرَاهِيمُ بن مَيْسَرَةَ، عن طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أنه ذَكَرَ قَوْلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في الْغُسْلِ يوم الْجُمُعَةِ، قال طَاوُسٌ: فقلت لِابْنِ عَبَّاسٍ: "وَيَمَسُّ طِيبًا، أو دُهْنًا، إن كان عِنْدَ أَهْلِهِ؟ "، قال: لَا أَعْلَمُهُ. انتهى.
وأما رواية الضحّاك، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1963]
(849) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "حَقٌّ للَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ السمين، صدوقٌ ربما وَهِمَ، وكان فاضلًا [10](ت 5 أو 236)(م د) تقدم في "الإيمان" 1/ 104.
2 -
(بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [9] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" 3/ 112.
3 -
(وُهَيْبُ) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغير قليلًا بأَخَرَة [7] (ت 165) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 413.
4 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ) بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [6](ت 132)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
5 -
(أَبُوهُ) طاوس بن كيسان، ذُكر قبله.
6 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وأخرجه الطحاويّ من طريق عمرو بن دينار، عن
طاوس، وصرّح فيه بسماعه له من أبي هريرة رضي الله عنه، وزاد فيه:"ويمسّ طيبًا إن كان من لأهله"(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "حَقٌّ للَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) وفي رواية للبخاريّ: "حقٌّ على كلّ مسلم"، وفي لفظ:"للَّه تعالى على كل مسلم حقٌّ"(أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ) زاد في رواية البخاريّ: "يومًا"، قال في "الفتح": هكذا أُبْهِم "يومًا" في هذا الطريق، وقد عَيَّنه جابر رضي الله عنه في حديثه عند النسائيّ بلفظ:"الغسل واجب على كل مسلم في كل أسبوع يومًا، وهو يوم الجمعة"، وصححه ابن خزيمة، ولسعيد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما مرفوعًا نحوه، ولفظه:"إن من الحقّ على المسلم أن يغتسل يوم الجمعة. . . " الحديث، ونحوه للطحاويّ، من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من الصحابة أنصاريّ، مرفوعًا. انتهى
(1)
.
وقوله: (يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ") بيان وتوضيح لكيفيّة غسل يوم الجمعة، وإنما ذكر الرأس، وإن كان ذكر الجسد يُغني عنه؛ للاهتمام بتنظيفه، ولأنه قوام البدن، والعمدة فيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [3/ 1963](849)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(896)، وفي "ذكر بني إسرائيل"(3486)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1761)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1908)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 188 - 189)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(3/ 196)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 115 - 116)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
"الفتح" 2/ 445.
(4) - (بَابُ فَضْلِ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ)
(1)
[1964]
(850) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ، يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
- (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ، ثقةٌ [6](ت 130) مقتولًا بقُدَيد (ع) تقدم في "الصلاة" 18/ 918.
4 -
(أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ) الزيات هو: ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يجلُب الزيت إلى الكَوفة [3](101)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
5 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبَغْلانيّ، وقد دخل المدينة.
(1)
هذه الترجمة مأخوذة من "مستخرج أبي نعيم" 2/ 439.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) يدخل فيه كلُّ مَن يصحّ التقرب منه، من ذكر، أو أنثى، حرّ، أو عبد (غُسْلَ الْجَنَابَةِ) بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي: غسلًا كغسل الجنابة، وهو كقوله تعالى:{وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: 88].
وفي رواية ابن جريج، عن سُميّ، عند عبد الرزاق:"فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة".
وظاهره أن التشبيه للكيفية، لا للحكم، وهو قول الأكثر، وقيل فيه إشارة إلى الجماع يوم الجمعة؛ ليغتسل فيه من الجنابة، والحكمة فيه أن تَسْكُن نفسه في الرواح إلى الصلاة، ولا تمتد عينه إلى شيء يراه، وفيه حمل المرأة أيضًا على الاغتسال ذلك اليوم، وعليه حمل قائل ذلك حديث:"مَن غَسَّلَ، واغتسل"، المخرَّج في "السنن" على رواية من رَوَى "غَسَّلَ" بالتشديد.
قال النوويّ رحمه الله: ذهب بعض أصحابنا إلى هذا، وهو ضعيف، أو باطل والصواب الأول. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ادّعاء النوويّ بطلان هذا القول عجيبٌ، فقد حكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد، وثبت أيضًا عن جماعة من التابعين، اللهم إلا أن يريد أنه باطل في المذهب، كما أبداه الحافظ في "الفتح"
(1)
.
والحاصل أن حمل "غسّل، واغتسل"، وكذا حمل قوله في هذا الحديث:"من اغتسل غسلَ الجنابة" على الإشارة إلى الجماع؛ للعلّة المذكورة واضحٌ لا خفاء فيه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبي رحمه الله: قوله: "غسل الجنابة" يعني: في الصفة، والأغسال الشرعيّة كلها على صفة واحدة، وإن اختلفت أسبابها، وهكذا رواية الجمهور، ووقع عند ابن ماهان:"غسل الجمعة" مكان "غسل الجنابة"، وفي كتاب أبي داود من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه مرفوعًا:"من غسّل، واغتسل" الأول مشدّد السين، وذكر نحو حديث مسلم، وقد رُوي مخفّف السين، وروايتنا التشديد.
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 426.
واختُلف في معناه، فقيل: معناه جامع، يقال: غَسَلَ، وغَسَّلَ: إذا جامع، قالوا: ليكون أغضّ لبصره في سعيه إلى الجمعة، وقيل: في التشديد: أوجب الغسل على غيره، أو حمله عليه، وقيل: غسّل للجنابة، واغتسل للجمعة، وقيل: غسّل رأسه، واغتسل بقيّة جسده، وقيل: غسّل بالغ في النظافة والدلك، واغتسل صبّ الماء عليه، وأنسب ما في هذه الأقوال قول من قال: حمل غيره على الغسل بالحثّ، والترغيب، والتذكير، واللَّه تعالى أعلم. انتهى
(1)
.
(ثُمَّ رَاحَ) أي: في الساعة الأولى، بدليل قوله الآتي:"ومن راح في الساعة الثانية"، وقد أخرجه مالك في "الموطأ" بهذا الإسناد، بلفظ:"في الساعة الأولى".
قال النوويُّ رحمه الله: المراد بالرواح الذهاب أول النهار، وفي المسألة خلاف مشهور.
مذهب مالك، وكثيرٍ من أصحابه، والقاضي حسين، وإمام الحرمين من أصحابنا، أن المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، والرواح عندهم بعد الزوال، وادَّعَوا أن هذا معناه في اللغة.
ومذهب الشافعيّ، وجماهير أصحابه، وابن حبيب المالكيّ، وجماهير العلماء استحباب التبكير إليها أول النهار، والساعات عندهم من أول النهار، والرواح يكون أول النهار وآخره، قال الأزهريّ: لغة العرب الرواح الذهاب، سواء كان أول النهار أو آخره، أو في الليل، وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث والمعنى؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى، وهو كالمهدي بدنةً، ومن جاء في الساعة الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، وفي رواية النسائيّ السادسة، فإذا خرج الإمام طَوَوُا الصحف، ولم يكتبوا بعد ذلك أحدًا، ومعلوم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الجمعة متصلًا بالزوال، وهو بعد انفصال السادسة، فدل على أنه لا شيء من الهدي والفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولأن ذكر الساعات إنما كان للحثّ في
(1)
"المفهم" 2/ 484.
التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل الصفّ الأول، وانتظارها، والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال، ولا فضيلة من أتى بعد الزوال؛ لأن النداء يكون حينئذ، ويحرُم التخلّف بعد النداء، واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي البحث في هذه المسألة مستوفًى، مع ترجيح مذهب الجمهور في كون المراد بالرواح هو الذهاب في أول النهار في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً) بتشديد الراء: أي: تَصَدَّق بها متقربًا إلى اللَّه تعالى، وقيل: المراد أن للمبادر في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب، ممن شُرع له القربان؛ لأن القربان لم يُشْرَع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم السالفة.
وفي رواية ابن جريج المذكورة: "فله من الأجر مثل الْجَزُور"، وظاهره أن المراد أن الثواب لو تجسّد لكان قدر الجزور.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا فسّر في "الفتح" هذه الرواية بهذا التفسير، وفيه نظر لا يخفى، فالصواب أن رواية ابن جريج هذه بمعنى رواية مالك، فالمراد أن ثوابه كثواب من قرّب جزورًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقيل: ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة، وأن نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلًا، ويدلّ عليه أن في مرسل طاوس، عند عبد الرزاق:"كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة".
ووقع في رواية الزهري الآتية بلفظ: "كمثل الذي يُهْدِي بَدَنَةً"، فكأن المراد بالقربان في هذه الرواية الإهداء إلى الكعبة.
قال الطيبيُّ رحمه الله: في لفظ الإهداء إدماج بمعنى التعظيم للجمعة، وأن المبادر إليها كمن ساق الهدي، والمراد بالبدنة البعير ذكرًا كان أو أنثى، والهاء فيها للوحدة، لا للتأنيث، وكذا في باقي ما ذُكِرَ.
وحَكَى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجب ممن يخص البدنة بالأنثى، وقال الأزهريّ في شرح ألفاظ "المختصر": البدَنَةُ لا تكون إلا من الإبل، وصحّ ذلك عن عطاء، وأما الهديُ فمن الإبل والبقر والغنم، هذا لفظه.
وحَكَى النوويّ عنه أنه قال: الْبَدَنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وكأنه خطأٌ نشأ عن سقط.
وفي "الصحاح": البدنة ناقة، أو بقرة، تُنْحَر بمكة، سُمِّيت بذلك؛ لأنهم كانوا يسمنونها. انتهى.
والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف، واستُدِلّ به على أن البدنة تختص بالإبل؛ لأنها قوبلت بالبقرة عند الإطلاق، وقسم الشيء لا يكون قسيمه. أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد.
وقال إمام الحرمين: البدنة من الإبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها البقرة، وسبعًا من الغنم.
وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال: للَّه عليّ بدنة، وفيه خلاف، والأصح تعيّن الإبل إن وُجدت، وإلا فالبقرة، أو سبع من الغنم، وقيل: تتعين الإبل مطلقًا، وقيل: يتخير مطلقًا
(1)
.
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: ذَكَر في "الصحاح" و"المحكم" أن البدنة من الإبل والبقر ما أُهدي إلى مكة، وكذا قال في "النهاية": إنها تطلق عليهما، قال: وهي بالإبل أشبه. وذكر القاضي عياض أنها تختصّ بالإبل. وقال النووي رحمه الله: قال جمهور أهل اللغة، وجماعة من الفقهاء: تقع على الواحدة من الإبل والبقر والغنم، وخصّها جماعة بالإبل، والمراد هنا الإبل بالاتفاق، لتصريح الحديث بذلك. انتهى
(2)
.
وقال الفيّوميُّ رحمه الله: والبَدَنَةُ قالوا: هي ناقة، أو بقرة، وزاد الأزهريّ: أو بعير ذكر، قال: ولا تقع البدنة على الشاة، وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصّةً، ويدلّ عليه قوله تعالى:{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الآية [الحج: 36]، سميت بذلك لعظم بَدَنِها، وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسُّنة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"تُجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة"، ففرّق الحديث بينهما بالعطف، إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطلق على البقرة لما ساغ عطفها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: "اشتركنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
(1)
"الفتح" 2/ 426 - 427.
(2)
"طرح التثريب" 3/ 177 - 178.
في الحجّ والعمرة سبعة منّا في بدنة"، فقال رجل لجابر رضي الله عنه: أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البُدْن
(1)
، والمعنى: في الحكم، إذ لو كانت البقرة من جنس البُدْن لما جهلها أهل اللسان، ولفُهمت عند الإطلاق أيضًا. انتهى
(2)
.
وقيل: المراد كالذي يُهدي البدنة إلى مكة، وفيه أنه لا يناسبه ذكر الدجاجة، والبيضة.
(وَمَنْ رَاحَ) أي: ذهب (فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً) بفتحات، تقع على الذكر والأنثى باتفاقهم، والهاء فيها للواحدة، كقَمْحَة، وشَعِيرة، ونحوهما، من أفراد الجنس، وسُمِّيت بقرة؛ لأنها تبقُر الأرض: أي: تَشُقُّها بالحراثة، والْبَقْر الشقّ، ومنه قولهم: بَقَرَ بطنه، ومنه سُمِّي محمد الباقر رحمه الله؛ لأنه بقر العلم، ودخل فيه مدخلًا بليغًا، ووصل منه غايةً مرضيةً
(3)
.
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا) بفتح، فسكون: هو الْحَمَلُ
(4)
إذا أثنى، أو إذا خرجت رَبَاعيته، جمعه أَكْبُشٌ، وكِبَاشٌ، وأَكْبَاشٌ، قاله في "القاموس"
(5)
.
ووصفه بقوله: (أَقْرَنَ) لأنه أكمل، وأحسن صورة، ولأن قرنه يُنتفع به
(6)
.
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً) بكسر الدال وفتحها، لغتان مشهورتان، ويقع على الذكر والأنثى، قاله النوويّ، وقال في "المصباح": الدجاج: معروفٌ، وتُفتح الدال، وتُكسر، ومنهم من يقول: الكسر لغة قليلةٌ، والجمع دُجُجٌ بضمّتين، مثلُ عَنَاق وعُنُق، أو كتاب وكُتُب، ورُبّما
(1)
حديث جابر رضي الله عنه أخرجه المصنّف، وسيأتي في "الحجّ" برقم (1318) قال:"اشتركنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة"، فقال رجل لجابر:"أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلا من البُدْن".
(2)
"المصباح المنير" 1/ 39.
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 137.
(4)
"الْحَمَلُ" بفتحتين ولد الضائنة في السنة الأولى، والجمع: حُمْلان، قاله في "المصباح" 1/ 152.
(5)
"القاموس المحيط" 2/ 285.
(6)
"شرح النوويّ" 6/ 137.
جُمع على دَجَائج. انتهى
(1)
.
وفي "القاموس": والدَّجاجة معروفة للذكر والأنثى، ويُثلّث. انتهى
(2)
.
وقال في "الفتح": قوله: "دجاجة" بالفتح، ويجوز الكسر، وحَكَى الليث الضم أيضًا، وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان، وبالكسر من الناس. انتهى
(3)
.
(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً) بفتح، فسكون: واحدة البَيْضَات بسكون الياء أيضًا، وهُذيلٌ تفتحها، يقال: باض الطائر يَبيض بَيْضًا، فهو بائضٌ، والْبَيْضُ له بمنزلة الولد للدوابّ، وجمع الْبَيْض بُيُوضٌ، ويُحكى عن الجاحظ أنه صنّف كتابًا فيما يَبِيض وَيلِد من الحيوان، فتوسّع في ذلك، فقال له أعرابيّ: يَجْمَع ذلك كلّه كلمتان: كلُّ أَذُونٍ وَلُودٌ، وكلُّ صَمُوخٍ بَيُوضٌ، أفاده الفيّوميُّ رحمه الله
(4)
.
[تنبيه]: قال في "الفتح": واستُشْكِل التعبيرُ في الدجاجة والبيضة بقوله في رواية الزهريّ: "كالذي يُهدي"؛ لأن الهدي لا يكون منهما.
وأجاب القاضي عياض تبعًا لابن بطال بأنه لَمّا عطفه على ما قبله أعطاه حكمه في اللفظ، فيكون من الإتباع، كقوله:"مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا".
وتَعَقَّبه ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية" بأن شرط الإتباع أن لا يُصَرَّح باللفظ في الثاني، فلا يسوغ أن يقال: متقلدًا سيفًا ومتقلدًا رُمْحًا، والذي يظهر أنه من باب المشاكلة، وإلى ذلك أشار ابن العربيّ بقوله: هو من تسمية الشيء باسم قرينه.
وقال ابن دقيق العيد: قوله: "قَرَّبَ بيضةً"، وفي الرواية الأخرى:"كالذي يُهْدِي" يدلّ على أن المراد بالتقريب الهديُ، وينشأ منه أن الهدي يُطلق على مثل هذا، حتى لو التزم هديًا، هل يكفيه ذلك أو لا؟. انتهى.
والصحيح عند الشافعية الثاني، وكذا عند الحنفية، والحنابلة، وهذا ينبني على أن النذر هل يُسْلَك به مُسْلَك جائز الشرع، أو واجبِهِ؟، فعلى الأول يكفي
(1)
"المصباح" 1/ 189.
(2)
"القاموس" 1/ 187.
(3)
"الفتح" 2/ 427.
(4)
راجع: "المصباح المنير" 1/ 68.
أقل ما يُتَقَّرب به، وعلى الثاني يُحْمَل على أقلّ ما يُتقرَّب به من ذلك الجنس، ويُقَوي الصحيح أيضًا أن المراد بالهدي هنا التصدّق، كما دل عليه لفظ التقرُّب، واللَّه أعلم. انتهى
(1)
.
(فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ) أي: من مكانه، وفيه إشارة إلى أن الإمام ينبغي له أن يتّخذ مكانًا خاليًا قبل صعوده المنبر؛ تعظيمًا لشأنه، قاله الطيبيُّ رحمه الله
(2)
.
(حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ) بفتح الضاد، وكسرها، لغتان مشهورتان، والفتح أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن، قال اللَّه تعالى:{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} [النساء: 8]، قاله النوويُّ رحمه الله
(3)
، وقال في "القاموس": حَضَرَ، كنصر، وعَلِمَ حُضُورًا، وحضارةً: ضدُّ غاب، كاحتضر، وتحضّر، ويُعَدَّى، يقال: حَضَرَه، وتحضّره. انتهى
(4)
.
وقال الفيّوميُّ رحمه الله: حَضَرتُ مجلسَ القاضي حُضورًا، من باب قعد: شَهِدته، وحَضَرَ الغائب حُضورًا: قَدِمَ من غيبته، وحَضَرت الصلاةُ، فهي حاضرة، والأصل حَضَر وقتُ الصلاة، والْحَضَرُ بفتحتين: خلاف الْبَدْو، والنسبة إليه حَضَريٌّ على لفظه، وحَضَرَ: أقام بالحضر، والْحِضَارة بفتح الحاء وكسرها: سكون الْحَضَر، وحَضَرني كذا: خطر ببالي، وحَضَره الموتُ واحتضره: أشرف عليه، فهو في النَّزْع، وهو محضور، ومُحْتَضرٌ بالفتح، وكَلَّمته بحضرة فلان: أي: بحضوره، وحَضْرَةُ الشيءِ: فَنَاؤُهُ وقربه، وكَلَّمته بِحَضَر فلان وزانُ سَبَبٍ، لغةٌ، وبمحضره: أي: بمشهده، وَحَضِيرةُ التمرٍ: الْجَرِينُ.
وحَضِرَ فلانٌ بالكسر لغةٌ، واتفقوا على ضم المضارع مطلقًا، وقياس كسر الماضي أن يُفْتَحَ المضارع، لكن استُعْمِل المضموم مع كسر الماضي شُذوذًا، ويُسَمَّى تداخل اللغتين. انتهى
(5)
.
(1)
"الفتح" 2/ 427.
(2)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1275.
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 137.
(4)
"القاموس المحيط" 2/ 10.
(5)
"المصباح المنير" 1/ 140.
وقوله: (يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ") أي: الخطبة، جملة في محلّ نصب على الحال من "الملائكة"، والمراد بالملائكة هنا: غير الحفظة، وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة، قاله النوويّ رحمه الله
(1)
.
وقال في "الفتح": قوله: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر"، استَنْبَط منه الماورديّ أن التبكير لا يُستحب للإمام، قال: ويدخل للمسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر، وما قاله غير ظاهر؛ لإمكان أن يُجْمَع الأمرين بأن يُبَكِّر، ولا يخرج من المكان المعدّ له في الجامع، إلا إذا حضر الوقت، أو يُحْمَل على من ليس له مكان مُعَدٌّ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا تعقّب في "الفتح" استنباط الماورديّ المذكور، وعندي أن ما استنبطه هو الظاهر، فلا معنى لتعقّبه، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
وزاد في رواية الزهريّ، عن أبي عبد اللَّه الأغرّ الآتية:"فإذا جلس الإمام طَوَوُا الصُّحُف، وجاءوا يستمعون الذكر"، وكأن ابتداء طيّ الصحف عند ابتداء خروج الإمام، وانتهاءه بجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم للذكر.
والمراد بالذكر ما في الخطبة من المواعظ، وغيرها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [4/ 1964](850)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(881)، و (أبو داود) في "الطهارة"(351)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(499)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1388)، و (مالك) في "الموطأ"(1/ 105)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 460)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1909)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1063)، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
"شرح النووي" 6/ 137.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان الْحَضّ على الاغتسال يوم الجمعة، وفضله، وفضل التبكير إليها، وأن الفضل المذكور إنما يحصل من جمعهما، وعليه يُحْمَل ما أُطلق في باقي الروايات، من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل.
2 -
(ومنها): بيان أن مراتب الناس في الفضل بحسب أعمالهم، وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع.
3 -
(ومنها): بيان أن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر، وهو بالاتفاق في الهدي، واختُلِف في الضحايا، والجمهور على أنها كذلك.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: فَرَّق مالك بين التقربين باختلاف المقصودين؛ لأن أصل مشروعية الأضحية التذكير بقصة الذبيح، وهو قد فُدِي بالغنم، والمقصود بالهدي التوسعة على المساكين، فناسب البدن.
4 -
(ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن الجمعة تصح قبل الزوال، كما سيأتي نقل الخلاف فيه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يُستحبّ فيه الرواح إلى الجمعة:
قد أجاد البحث في هذا الموضوع الإمام ابن القيّم رحمه الله، فقال: وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين:
[أحدهما]: أنها من أول النهار، وهذا هو المعروف في مذهب الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما.
[والثاني]: أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال، وهذا هو المعروف في مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية، واحتجوا عليه بحجتين:
إحداهما: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وهو مقابل الغدوّ الذي لا يكون إلا قبل الزوال، قال تعالى:{غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12]، قال الجوهريّ: ولا يكون إلا بعد الزوال.
الحجة الثانية: أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا يَغْدُون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار، وقال: لم نُدرك عليه أهل المدينة.
واحتَجَّ أصحاب القول الأول بحديث جابر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعةً"، قالوا: والساعات المعهودة هي الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعةً، وهي نوعان: ساعات تعديلية، وساعات زمانية، قالوا: ويدلّ على هذا القول أن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما بَلَغَ بالساعات إلى ستّ، ولم يزد عليها، ولو كانت الساعة أجزاء صغارًا من الساعة التي تُفْعَل فيها الجمعة لم تنحصر في ستة أجزاء، بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة، فإن الساعة السادسة متى خرجت، ودخلت السابعة، خرج الإمام، وطُوِيَت الصحف، ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك، كما جاء مصرَّحًا به في "سنن أبي داود" من حديث عليّ رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم الجمعة غَدَت الشياطين براياتها إلى الأسواق، فيَرْمُون الناس بالتَّرَابيث، أو الربائث
(1)
، ويثبطونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة، فتجلس على أبواب المساجد، فيكتبون الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين، حتى يخرج الإمام"
(2)
.
قال أبو عمر بن عبد البر: اختلف أهل العلم في تلك الساعات، فقالت طائفة منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها، والأفضل عندهم التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة، وهو قول الثوريّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ رحمه الله، وأكثر العلماء، بل كلهم يَستحب البكور إليها، قال الشافعيُّ: ولو بكّر إليها بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس كان حسنًا، وذكر الأثرم قال: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرًا، فقال: هذا خلاف حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال: سبحان اللَّه إلى أيّ شيء ذَهَبَ في هذا، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:"كالمهدي جَزُورًا".
قال: وأما مالك فذكر يحيى بن عمر، عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات، أهو الغُدُوّ من أول ساعات النهار، أو إنما أراد بهذا
(1)
يرمونهم بالترابيث: أي يذكّرونهم الحاجات؛ ليربّثوهم بها عن الجمعة، يقال: ربثته عن الأمر: إذا حبسته وثبطته، والربائث: جمع ربيثة، وهي الأمر الذي يحبس الإنسان عن مهامه.
(2)
حديث ضعيف؛ لجهالة التابعيّ الراوي عن عليّ رضي الله عنه.
القول ساعات الرواح؟ فقال ابن وهب: سألت مالكًا عن هذا؟ فقال: أما الذي يقع بقلبي، فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات، مَن راح من أول تلك الساعة، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة، ولو لم يكن كذلك ما صُلِّيت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر، أو قريبًا من ذلك.
وكان ابن حبيب ينكر قول مالك هذا، ويميل إلى القول الأول، وقال: قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث، ومحال من وجوه، وقال: يدلك أنه لا يجوز ساعات في ساعة واحدة أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت الأذان، وخروج الإمام إلى الخطبة، فدَلّ ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات النهار، فقال:"من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرَّب بدنةً"، ثم قال في الساعة الخامسة بيضةً، ثم انقطع التهجير، وحان وقت الأذان، فشرح الحديث بَيِّنٌ في لفظه، ولكنه حُرِّف عن موضعه، وشُرِح بالْخَلْف من القول، وما لا يكون، وزَهَّدَ شارحه الناس فيما رَغَّبهم فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من التهجير من أول النهار، وزَعَم أن ذلك كله إنما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس، قال: وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب "واضح السنن" بما فيه بيان وكفاية، هذا كله قول عبد الملك بن حبيب.
ثم رَدَّ عليه أبو عمر، وقال: هذا تحامل منه على مالك رحمه الله، فهو الذي قال القول الذي أنكره، وجعله خَلْفًا وتحريفًا من التأويل، والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح، من رواية الأئمة، ويشهد له أيضًا العمل بالمدينة عنده، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل؛ لأنه أمر يتردد كل جمعة، لا يخفى على عامة العلماء.
فمن الآثار التي يَحتَجّ بها مالك ما رواه الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يومُ الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الناس، الأول، فالأول، فالمهجِّر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً، ثم الذي يليه كالمهدي بقرةً، ثم الذي يليه كالمهدي
كبشًا، حتى ذكر الدجاجة، والبيضة، فإذا جَلَس الإمام طُويت الصحف، واستمعوا الخطبة"، قال: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث، فإنه قال: يكتبون الناس الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً، ثم الذي يليه، فجعل الأول مهجّرًا، وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك وقت طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير، وفي الحديث: ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ولم يذكر الساعة، قال: والطرُق بهذا اللفظ كثيرة مذكورة في "التمهيد"، وفي بعضها: "المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنةً"، وفي أكثرها: "المهجر كالمهدي جَزورًا"، الحديث، وفي بعضها ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنةً، وفي آخرها كذلك، وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرةً، وفي آخرها كذلك.
وقال بعض أصحاب الشافعيّ: لم يرد صلى الله عليه وسلم بقوله: "المهجِّر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً" الناهض إليها في الهجير والهاجرة، وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله، من أغراض أهل الدنيا؛ للنهوض إلى الجمعة، كالمهدي بدنةً، وذلك مأخوذ من الهجرة، وهو ترك الوطن، والنهوض إلى غيره، ومنه سمي المهاجرون.
وقال الشافعيُّ رحمه الله: أحب التبكير إلى الجمعة، ولا تؤتى إلا مشيًا، هذا كله كلام أبي عمر رحمه الله.
قال العلامة ابن القيّم رحمه الله: مدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور، أحدها: على لفظة الرواح، وأنها لا تكون إلا بعد الزوال، والثاني: لفظة التهجير، وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر، والثالث: عمل أهل المدينة، فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار.
فأما لفظة الرواح فلا ريب أنها تُطلَق على المضيّ بعد الزوال، وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرِنت بالغدوّ، كقوله تعالى:{غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12]، وقوله صلى الله عليه وسلم:"من غدا إلى المسجد وراح، أَعَدَّ اللَّه له نُزُلًا في الجنة، كلما غدا أو راح"، وقول الشاعر:
نَرُوحُ وَنَغْدُو لِحَاجَاتِنَا
…
وَحَاجَةُ مَنْ عَاشَ لَا تَنْقَضِي
وقد يُطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضيّ، وهذا إنما يجيء إذا كانت مجرَّدة عن الاقتران بالغدوّ، وقال الأزهريّ في "التهذيب": سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت، يقال: راح القوم إذا ساروا، وغدوا كذلك، ويقول أحدهم لصاحبه: تروح، ويخاطب أصحابه، فيقول: رُوحُوا: أي: سيروا، ويقول الآخر: ألا تروحون، ومن ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضيّ إلى الجمعة، والخِفّة إليها، لا بمعنى الرواح بالعشيّ.
وأما لفظ التهجير والمهجِّر، فمن الهجير والهاجرة، قال الجوهريّ: هي نصف النهار عند اشتداد الحرّ، تقول منه: هَجَّر النهار، قال امرؤ القيس:
فَدَعْهَا وَسَلِّ الْهَمَّ عَنْهَا بِجَسْرَةٍ
…
ذَمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا
(1)
ويقول: أتينا أهلنا مُهَجِّرين، أي: في وقت الهاجرة، والتهجير والتهجُّر: السير في الهاجرة، فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة.
قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواح، فإنه يُطلق، ويراد به التبكير، قال الأزهريّ في "التهذيب": رَوَى مالك، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في التهجير، لاستبقوا إليه"، وفي حديث آخر مرفوع:"المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً".
قال: ويذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال، وهو غلط، والصواب فيه ما رَوَى أبو داود المصاحفيّ، عن النضر بن شُمَيل، أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير، والمبادرة إلى كل شيء، قال: سمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث، قال الأزهريّ: وهذا صحيحٌ، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس، قال لبيد [من البسيط]:
رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا
…
فَمَا تُوَاصلُهُ سَلْمَى وَمَا تَذَرُ
(1)
"الجسرة: الناقة النشيطة، والذمول: التي تسير الذميل، وهو سير سريع، ومعنى صام النهار: قام، واعتدل، وهَجّر من الهاجرة، وهي شدّة الحرّ.
فقرن الهجر بالابتكار، والرواح عندهم الذهاب والمضيّ، يقال: راح القوم إذا خَفُّوا ومَرُّوا أَيَّ وقت كان.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه"، أراد به التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها.
قال الأزهريّ: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجل: إذا خرج وقت الهاجرة، ورَوَى أبو عبيد، عن أبي زيد: هَجَّر الرجل: إذا خرج بالهاجرة، قال: وهي نصف النهار، ثم قال الأزهريّ: أنشدني المنذريّ فيما رَوَى لثعلب، عن ابن الأعرابيّ في "نوادره"، قال: قال جِعْثِنَةُ بن جَوَّاس الرَّبَعِيّ في ناقته [من الرجز]:
هَلْ تَذْكُرِينَ قَسَمِي وَنَذْرِي
…
أَزْمَانَ أَنْتِ بِعَرُوضِ الْجَفْرِ
إِذْ أَنْتِ مِضرَارٌ جَوَادُ الْحُضرِ
…
عَلَيَّ إِنْ لَمْ تَنْهَضِي بِوِقْرِي
بِأَرْبَعِينَ قُدِّرَتْ بِقَدْرِ
…
بِالْخَالِدِيِّ لَا بِصَاعِ حَجْرِ
وَتَصْحَبِي أَيَانِقًا فِي سَفْرِ
…
يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الْفَجْرِ
ثُمَّتَ تَمْشِي لَيْلَهُمْ فَتَسْرِي
…
يَطْوُونَ أَعْرَاضَ الْفِجَاجِ الْغُبْرِ
طَيَّ أَخِي التَّجْرِ بُرُودَ التَّجْرِ
(1)
قال الأزهريّ: يُهَجِّرون بهجير الفجر: أي: يبكرون بوقت السحر.
وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أول النهار، فهذا غاية عملهم في زمان مالك رحمه الله، وهذا ليس بحجة، ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجةٌ، فإن هذا ليس فيه إلا ترك الرواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة، وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه، ومصالح أهله ومعاشه، وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار، ولا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة، وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: "والذي ينتظر الصلاة، ثم يصليها مع الإمام أفضل من
(1)
"الجفر": موضع بنجد، و"ناقة مضرارٌ": إذا كانت تَنِدُّ وتركب شقها من النشاط، و"الوقر": الثقل، و"الخالديّ": ضرب من المكاييل، و"الأيانق": جمع ناقة.
الذي يصلي، ثم يروح إلى أهله"
(1)
، وأخبر "أن الملائكة لم تزل تصلي عليه ما دام في مصلاه"
(2)
، وأخبر "أن انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو اللَّه به الخطايا، ويرفع به الدرجات" و"أنه الرباط"
(3)
، وأخبر "أن اللَّه يباهي ملائكته بمن قضى فريضة، وجلس ينتظر أخرى"
(4)
.
وهذا يدلّ على أن من صلى الصبح، ثم جلس ينتظر الجمعة، فهو أفضل ممن يذهب، ثم يجيء في وقتها، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك، لا يدلّ على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها، والتبكير في أول النهار، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله
(5)
، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
وقال الحافظ رحمه الله أنه استُدِلَّ بهذا الحديث على أن الجمعة تصح قبل الزوال، كما سيأتي نقل الخلاف فيه قريبًا.
قال: ووجه الدلالة منه تقسيم الساعة إلى خمس، ثم عقب بخروج الإمام، وخروجه عند أول وقت الجمعة، فيقتضي أنه يخرج في أول الساعة السادسة، وهي قبل الزوال.
والجواب أنه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من أول النهار، فلعل الساعة الأولى منه جُعِلت للتأهب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ المجيء من أول الثانية، فهي أولى بالنسبة للمجيء، ثانية بالنسبة للنهار، وعلى هذا فآخر الخامسة أول الزوال، فيرتفع الإشكال، وإلى هذا أشار الصيدلانيّ شارح "المختصر"، حيث قال: إن أول التبكير يكون من ارتفاع النهار، وهو أول الضحى، وهو أول الهاجرة، ويؤيده الحثّ على التهجير إلى الجمعة، ولغيره من الشافعية في ذلك وجهان، اختَلَف فيهما الترجيح، فقيل: أول التبكير طلوع الشمس، وقيل: طلوع الفجر، ورجّحه جمع، وفيه نظرٌ؛ إذ يلزم منه أن
(1)
متفق عليه.
(2)
متفق عليه.
(3)
أخرجه مسلم.
(4)
أخرجه ابن ماجه، بإسناد صحيح، وصححه البوصيريّ في "الزوائد".
(5)
"زاد المعاد في هدي خير العباد" 1/ 399 - 407.
يكون التأهب قبل طلوع الفجر، وقد قال الشافعيّ: يجزئ الغسل إذا كان بعد الفجر، فأشعر بأن الأولى أن يقع بعد ذلك.
ويَحْتَمِل أن يكون ذكر الساعة السادسة لم يذكره الراوي، وقد وقع في رواية ابن عجلان، عن سُمَيّ، عند النسائيّ من طريق الليث عنه زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة، وهي "العصفور"، وتابعه صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، أخرجه محمد بن عبد السلام الخشنيّ، وله شاهد من حديث أبي سعيد، أخرجه حميد بن زنجويه في "الترغيب" له، بلفظ:"فكَمُهْدي البدنة، إلى البقرة، إلى الشاة، إلى عِلّيّة الطير، إلى العصفور" الحديث، ونحوه في مرسل طاوس، عند سعيد بن منصور.
ووقع عند النسائيّ أيضًا في حديث الزهريّ، من رواية عبد الأعلى، عن معمر زيادة البطة بين الكبش والدجاجة، لكن خالفه عبد الرزاق، وهو أثبت منه في معمر، فلم يذكرها.
وعلى هذا فخروج الإمام يكون عند انتهاء السادسة، وهذا كله مبنيّ على أن المراد بالساعات ما يتبادر الذهن إليه من العرف فيها، وفيه نظرٌ؛ إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الأمر في اليوم الشاتي والصائف؛ لأن النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات، وفي الطول إلى أربع عشرة، وهذا الإشكال للقفال، وأجاب عنه القاضي حسين بأن المراد بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول والقصر، فالنهار اثنتا عشرة ساعة، لكن يزيد كل منها، وينقص، والليل كذلك، وهذه تسمى الساعات الآفاقية عند أهل الميقات، وتلك التعديلية.
وقد رَوَى أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا:"يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعةً"، وهذا وإن لم يَرِدْ في حديث التبكير، فيستأنس به في المراد بالساعات.
وقيل: المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلى الزوال، وأنها تنقسم إلى خمس، وتجاسر الغزاليّ، فقسمها برأيه، فقال: الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها، والرابعة إلى أن تَرْمَضَ الأقدام، والخامسة إلى الزوال.
واعترضه ابن دقيق العيد بأن الردّ إلى الساعات المعروفة أولى، وإلا لم
يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معنى؛ لأن المراتب متفاوتة جدًّا.
وأولى الأجوبة الأولُ إن لم تكن زيادة ابن عجلان محفوظة، وإلا فهي المعتمدة.
وانفصل المالكية إلا قليلًا منهم، وبعض الشافعية عن الإشكال بأن المراد بالساعات الخمس لحظات لطيفة، أوّلها زوال الشمس، وآخرها قعود الخطيب على المنبر.
واستدلُّوا على ذلك بأن الساعة تُطْلَق على جزء من الزمان غير محدود، تقول: جئت ساعة كذا، وبأن قوله في الحديث:"ثم راح" يدلّ على أن أول الذهاب إلى الجمعة من الزوال؛ لأن حقيقة الرواح من الزوال إلى آخر النهار، والغدوّ من أوله إلى الزوال.
قال المازريّ: تمسّك مالك بحقيقة الرواح، وتجوَّز في الساعة، وعكس غيره. انتهى.
وقد أنكر الأزهريّ على من زعم أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، ونقل أن العرب تقول: راح في جميع الأوقات، بمعنى ذهب، قال: وهي لغة أهل الحجاز، ونقل أبو عبيد في "الغريبين" نحوه.
قال الحافظ: وفيه ردّ على الزين ابن الْمُنَيِّر حيث أطلق أن الرواح لا يُستعمل في المضيّ في أول النهار بوجه، وحيث قال: إن استعمال الرواح بمعنى الغدوّ لم يُسمع، ولا ثبت ما يدل عليه.
قال: ثم إني لم أر التعبير بالرواح في شيء من طرق هذا الحديث إلا في رواية مالك هذه عن سميّ، وقد رواه ابن جريج عن سميّ بلفظ "غدا"، ورواه أبو سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ:"المتعجلُ إلى الجمعة كالمهدي بدنةً" الحديث، وصححه ابن خزيمة.
وفي حديث سمرة رضي الله عنه ضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مَثَلَ الجمعة في التبكير كناحر البدنة، الحديث، أخرجه ابن ماجه.
ولأبي داود من حديث عليّ مرفوعًا: "إذا كان يومُ الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق، وتغدو الملائكة، فتجلس على باب المسجد، فتكتب الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين"، الحديث.
فدلّ مجموع هذه الأحاديث على أن المراد بالرواح الذهاب.
وقيل: النكتة في التعبير بالرواح الإشارة إلى أن الفعل المقصود إنما يكون بعد الزوال، فيسمى الذاهب إلى الجمعة رائحًا، وإن لم يجئ وقت الرواح، كما سمي القاصد إلى مكة حاجًّا.
وقد اشتدّ إنكار أحمد وابن حبيب من المالكية ما نُقِل عن مالك، من كراهية التبكير إلى الجمعة، وقال أحمد: هذا خلاف حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
واحتَجَّ بعض المالكية أيضًا بقوله في رواية الزهريّ: "مَثَلُ المهجِّر"؛ لأنه مشتق من التهجير، وهو السير في وقت الهاجرة.
وأجيب بأن المراد بالتهجير هنا التبكير، كما تقدم نقله عن الخليل في المواقيت.
وقال ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية": يَحْتَمِل أن يكون مشتقًّا من الْهِجِّير بالكسر، وتشديد الجيم، وهو ملازمة ذكر الشيء، وقيل: هو من هجر المنزل، وهو ضعيف؛ لأن مصدره الْهَجر، لا التهجير.
وقال القرطبيّ: الحقّ أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير وقت الحرّ، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حجة فيه لمالك
(1)
.
وقال التوربشتيّ: جَعَلَ الوقت الذي يرتفع فيه النهار ويأخذ الحرّ في الازدياد من الهاجرة تغليبًا، بخلاف ما بعد زوال الشمس، فإن الحرّ يأخذ في الانحطاط.
ومما يدلّ على استعمالهم التهجير في أول النهار ما أنشد ابن الأعرابيّ في "نوادره" لبعض العرب:
تُهَجِّرُونَ تَهْجِيرَ الْفَجْر
واحتجُّوا أيضًا بأن الساعة لو لم تَطُل للزم تساوي الآتين فيها، والأدلة تقتضي رجحان السابق، بخلاف ما إذا قلنا: إنها لحظة لطيفة.
(1)
ليس في كلام القرطبيّ قوله: "فلا حجة لمالك"، بل ظاهر سياقه الاحتجاج لمالك، فانظر:"المفهم" 2/ 485 - 486.
والجواب ما قاله النوويّ في "شرح المهذَّب" تبعًا لغيره: إن التساوي وقع في مسمى البدنة، والتفاوت في صفاتها.
ويؤيِّده أن في رواية ابن عجلان تكرير كلّ من المتقرَّب به مرتين، حيث قال:"كرجل قدَّم بدنة، وكرجل قدم بدنة. . . " الحديث.
ولا يَرِدُ على هذا أن في رواية ابن جريج: "وأولُ الساعة وآخرها سواء"؛ لأن هذه التسوية بالنسبة إلى البدنة كما تقرر.
واحتَجَّ مَن كَرِهَ التبكير أيضًا بأنه يستلزم تخطي الرقاب في الرجوع من عرضت له حاجة، فخرج لها، ثم رجع.
وتُعُقِّب بأنه لا حرج عليه في هذه الحالة؛ لأنه قاصد للوصول لحقّه، وإنما الحرج على من تأخر عن المجيء، ثم جاء فتخطى، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله:
(1)
، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من سوق أقوال العلم، وأدلّتهم في هذه المسألة أن الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من معنى الرواح والتهجير إلى الجمعة يكون من أول النهار، لا بعد الزوال، كما هو رأي الإمام مالك رحمه الله؛ لقوّة الأدلّة، ورجحانها، كما لا يخفى على من تأمّلها، فتأملها بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(5) - (بَابُ التَّحْذِيرِ عَنِ اللَّغْوِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1965]
(851) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ").
(1)
"الفتح" 2/ 428 - 430.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في السند الماضي.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل باب.
3 -
(اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا.
4 -
(عُقَيْلُ) بن خالد بن عَقِيل -بالفتح- الأموي مولاهم، أبو خالد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [6](ت 144) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 133.
5 -
(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم قبل بابين.
6 -
(سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وَهَب القرسيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [3](ت 94) وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 71.
7 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه ذُكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما، لاتحاد كيفيّة تحمّله منهما، ثم فرّق بينهما في التفصيل؛ لاختلافهما في صيغ الأداء.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه سكن مصر، ونصفه الثاني بالمدنيين.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، سعيد، وفيه أبو هريرة، رضي الله عنه رَأْسُ المكثرين من الرواية، رَوَى (5374) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ) وفي الرواية التالية من طريق شعيب بن الليث، عن أبيه، قال: حدّثني عُقيل، عن
ابن شهاب، عن عُمر بن عبد العزيز، عن عبد اللَّه بن إبراهيم بن قارظ، عن أبي هريرة، قال في "الفتح": والطريقان معًا صحيحان، وقد رواه أبو صالح، عن الليث بالإسنادين معًا، أخرجه الطحاويّ، وكذا رواه ابن جُريج وغيره عن الزهريّ بهما، أخرجه عبد الرزّاق وغيره، ورواه مالك عند أبي داود، وابنُ أبي ذئب عند ابن ماجه، كلاهما عن الزهريّ بالإسناد الأول. انتهى
(1)
.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ) ولفظ النسائيّ: "من قال لصاحبه. . . "، والمراد بالصاحب هو الذي يخاطبه إذ ذاك، أو جليسه، وإنما ذكر الصاحب؛ لكونه الغالب (أَنْصِتْ) قال في "الصحاح": الإنصات السكوت، والاستماع للحديث، وقال في "المشارق": السكوت والاستماع لما يقال، وقال في "النهاية": أنصت: سَكَتَ سُكُوتَ مُستَمِعٍ.
وهذه العبارة متفقة في المعنى، واقتصر في "المحكم" على أنه السكوت، ويوافقه عطفه في التنزيل على الاستماع في قوله تعالى:{فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204].
قال وَليّ الدين العراقيُّ رحمه الله: وكذا قال أصحابنا الفقهاء: الإنصات هو السكوت، والاستماع شغل السمع بالسماع.
ويستعمل رباعيًّا، وهو أفصح، وثلاثيًّا، فيقال: أنصت، ونَصَتَ، فيجوز في قوله هنا:"انصت" قطع الهمزة، ووصلها، والأول أفصح، وأشهر، والصاد مكسورة على كلّ حال. انتهى.
وقوله: (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) متعلق بـ "قلت"، وفي هذا التقييد دلالةٌ على أن خطبة غير الجمعة، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء ليست كالجمعة، فلا يجب الإنصات لها، ولا يَحْرُم الكلام فيها، واستماعها مستحبّ فقط؛ لأنها غير واجبة، وقد صرّح بذلك أصحاب الشافعيّ، وحكى ابن عبد البرّ عن عطاء، قال: يَحْرُم الكلام ما كان الإمام على المنبر، وإن كان قد ذهب في غير ذكر اللَّه، قال: ويوم عرفة، والعيدين كذلك في الخطبة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول عطاء رحمه الله هو مذهب النسائيُّ رحمه الله،
(1)
"الفتح" 2/ 480 - 481.
فقد ترجم في "سننه" بقوله: "الإنصات للجمعة"، ثم أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من طريق مالك، عن ابن شهاب بلفظ:"إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطُبُ، فقد لغوت"، فاحتجّ بإطلاق هذه الرواية على وجوب الإنصات لخطبة العيد.
لكن الذي يظهر لي أن المطلق في هذه الرواية يُحمل على المقيّد بيوم الجمعة في رواية الباب؛ لأن مخرج الحديث واحد، فيُحمل على أن بعض الرواة اختصره، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "قلت"، والرابط الواو.
وفيه دلالة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة، وأن النهي من الكلام يختص بحال الخطبة، وردٌّ على من جعل وجوب الإنصات، والنهي عن الكلام من خروج الإمام، نعم الأولى والأحسن الإنصات منه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كذا قالوا، وفيه نظر لا يخفى، بل القول بأن النهي من خروج الإمام هو الأولى، لما سيأتي للمصنّف من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا:"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليُصلّ ركعتين"، فإنه يدلّ على أن الإنصات من خروج الإمام، فقولهم أولى بالصواب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَدْ لَغَوْتَ) وفي الرواية التالية: "إذا قلت لصاحبك أنصت، فقد لغيت" بالياء، قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة رضي الله عنه، وفي رواية هَمّام عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا:"إذا قلت للناس أنصتوا، وهم يتكلّمون، فقد ألغيت على نفسك"
(1)
.
قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه، وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول، وقيل: الميل عن الصواب، وقيل: اللغو الإثم، كقوله تعالى:{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].
وقال الزين ابن الْمُنَيّر: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا
(1)
أي أبطلت جمعتك على نفسك.
يحسن من الكلام، وأغرب أبو عُبيد الهرويّ في "الغريب"، فقال: معنى لغا: تكلّم، كذا أطلق، والصواب التقييد.
وقال النضر بن شُميل: معنى لغوتَ: خِبْتَ من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهرًا.
قال الحافظ: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود، وابن خزيمة من حديث عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا:"ومن لغا، وتخطّى رقاب الناس كانت له ظهرًا"، قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأت عنه الصلاة، وحُرِمَ فضيلة الجمعة.
ولأحمد من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا: "من قال: صَهْ، فقد تكلّم، ومن تكلّم، فلا جمعة له"، ولأبي داود نحوه، ولأحمد، والبزّار من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا:"من تكلّم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت ليست له جمعة"، وله شاهد قويّ في "جامع حماد بن سلمة"، عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفًا.
قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة، للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه.
وحكى ابن التين عن بعض من جوّز الكلام في الخطبة أنه تأول قوله: "فقد لغوت"؛ أي: أمرت بالإنصات من لا يجب عليه، وهو جمود شديد؛ لأن الإنصات لم يُختَلَف في مطلوبيته، فكيف يكون من أمر بما طلبه الشرع لاغيًا، بل النهي عن الكلام مأخوذ من حديث الباب بدلالة الموافقة؛ لأنه إذا جُعل قوله:"أنصت" مع كونه أمرًا بمعروف لغوًا، فغيره من الكلام أولى أن يُسمّى لغوًا.
وقد وقع عند أحمد من رواية الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه في آخر هذا الحديث بعد قوله:"فقد لغوت": "عليك بنفسك"
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
"الفتح" 2/ 481.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [5/ 1965 و 1966 و 1967 و 1968](851)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(934)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1112)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(512)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1401 و 1402 و 1577)، و"الكبرى"(1727 و 1728 و 1780)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1110)، و (مالك) في "الموطأ"(85)، و (الحميديّ) في "مسنده"(966)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 244 و 272 و 280 و 393 و 396 و 474 و 485 و 518 و 532)، و (الدارميّ) في "سننه"(1556 و 1557 و 1558)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1805 و 1806)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1910 و 1911 و 1912 و 1913 و 1914)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1080)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة الخطبة للجمعة.
2 -
(ومنها): بيان وجوب الإنصات حال الخطبة.
3 -
(ومنها): بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حال الخطبة يكون بالإشارة، لا بالكلام.
4 -
(ومنها): أنه استُدِلّ به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حقّ من سمعها، وكذا الحكم في حقّ من لا يسمعها عند الأكثر، قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف، فليجعله بالإشارة.
وأغرب ابن عبد البرّ، فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها، إلا عن قليل من التابعين، ولفظه: لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها في الجمعة، وأنه غير جائز أن يقول من سمعه من الجهال يتكلم، والإمام يخطب: أَنصِتْ ونحوها؛ أخذًا بهذا الحديث.
ورُوي عن الشعبيّ وناس قليل أنهم كانوا يتكلمون إلا في حين قراءة
الإمام في الخطبة خاصّةً، قال: وفعلهم في ذلك مردود عند أهل العلم، وأحسن أحوالهم أن يقال: إنه لم يبلغهم الحديث.
قال الحافظ: للشافعي في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا، فعلى الأول يَحْرُم لا على الثاني، والثاني هو الأصح عندهم، فمن ثَمّ أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام حتى شَنَّع عليهم من شنع من المخالفين.
وعن أحمد أيضا روايتان، وعنهما أيضًا التفرقة بين من يسمع الخطبة، ومن لا يسمعها، ولبعض الشافعية التفرقة بين من تنعقد بهم الجمعة، فيجب عليهم الإنصات دون من زاد، فجعله شبيهًا بفروض الكفاية.
واختَلَف السلف إذا خطب بما لا ينبغي من القول، وعلى ذلك يُحْمَل ما نُقِل عن السلف من الكلام حال الخطبة.
والذي يظهر أن مَن نَفَى وجوبه أراد أنه لا يشترط في صحة الجمعة، بخلاف غيره، ويدل على الوجوب في حقّ السامع أن في حديث عليّ المشار إليه آنفًا
(1)
: "ومن دنا فلم يُنصِت كان عليه كفلان من الوزر"؛ لأن الوزر لا يترتب على من فعل مباحًا، ولو كان مكروهًا كراهة تنزيه.
وأما ما استَدَلَّ به من أجاز مطلقًا من قصة السائل في الاستسقاء ونحوه، ففيه نظر؛ لأنه استدلال بالأخصّ على الأعمّ، فيمكن أن يُخَصّ عموم الأمر
(1)
هو ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"إذا كان يوم الجمعة خرج الشياطين يربثون الناس إلى أسواقهم، ومعهم الرايات، وتقعد الملائكة على أبواب المساجد، يكتبون الناس على قدر منازلهم، السابق والمصلي، والذي يليه، حتى يخرج الإمام، فمن دنا من الإمام، فأنصت، أو استمع، ولم يَلْغُ كان له كفلان من الأجر، ومن نأى عنه، فاستمع وأنصت، ولم يلغ، كان له كفل من الأجر، ومن دنا من الإمام فلغا، ولم ينصت، ولم يستمع، كان عليه كفلان من الوزر، ومن نأى عنه، فلغا، ولم ينصت، ولم يستمع، كان عليه كفل من الوزر، ومن قال: صه، فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له"، ثم قال: هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم.
وهو حديث ضعيف؛ لجهالة التابعيّ الراوي عن عليّ رضي الله عنه، واللَّه تعالى أعلم.
بالإنصات بمثل ذلك، كأمر عارض في مصلحة عامّة، كما خَصَّ بعضهم منه ردّ السلام، لوجوبه.
ونَقَلَ صاحب "المغني" الاتفاق على أن الكلام الذي يجوز في الصلاة يجوز في الخطبة، كتحذير الضرير من البئر.
وعبارة الشافعيّ: وإذا خاف على أحد لم أر بأسًا إذا لم يفهم عنه بالإيماء أن يتكلم.
وقد استُثني من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يُشْرَع مثل الدعاء للسلطان مثلًا، بل جزم صاحب "التهذيب" بأن الدعاء للسلطان مكروه، وقال النوويّ: محله ما إذا جازف، وإلا فالدعاء لولاة الأمور مطلوبٌ. انتهى.
ومحل الترك إذا لم يَخَفْ الضرر، وإلا فيباح للخطيب إذا خَشِي على نفسه، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
(1)
، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكلام حال الخطبة:
(اعلم): أنه سبق البحث عن هذا مختصرًا في المسألة السابقة، ولكن لا بأس بإعادته على وجه الاستقصاء لأقوال أهل العلم وأدلّتهم ومناقشتها؛ تكميلًا للفائدة، فأقول:
قال الحافظ ولي الدين العراقيُّ رحمه الله ما حاصله: استُدلّ بحديث الباب على وجوب الإنصات للخطبة، وتحريم الكلام فيها؛ لأنه إذا لم تغتفر هذه الكلمة -يعني:"أنصت"- مع خفّتها، وكونها أمرًا بمعروف محتاج إليه في تلك الحالة، فما عداها أولى بالمنع.
وهذا أحد قولي الشافعيّ، نصّ عليه في "القديم"، و"الإملاء"، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وهو المشهور من مذهب أحمد.
وقال ابن المنذر: نَهَى عثمان، وابن عمر عن الكلام، والإمام يخطب،
(1)
"الفتح" 2/ 481 - 482.
وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم، والإمام يخطب فاقرَع رأسه بالعصا، وكره مالك ذلك، وابن عباس، والشافعي، وعوامّ أهل العلم.
وقال الترمذي في "جامعه" بعد رواية هذا الحديث: والعمل عليه عند أهل العلم، كرهوا للرجل أن يتكلّم، والإمام يخطب.
قال الحافظ العراقي في "شرح الترمذي": والمتقدّمون يُطلقون كثيرًا الكراهة، ويريدون التحريم. انتهى.
وقال ابن بطّال: جماعة أئمة الفتوى على وجوب الإنصات.
وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها. انتهى.
والقول الثاني للشافعي أن الإنصات سنة، والكلام ليس بحرام، وهو نصّه في "الجديد"، وهو رواية عن أحمد، حكاها ابن قُدَامة.
وقال ابن المنذر: كان النخعي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم بن مُهاجر، والشعبيّ، وأبو بردة يتكلمون، والحَجاج يخطب، وقال بعضهم: إنّا لم نُؤمر أن ننصت لهذا، قال ابن المنذر: واتّباع السنة أولى. انتهى.
قال العراقيُّ: فيَحْتَمِل أن يراد بـ "هذا" الإشارةُ للحَجاج، لما كان فيه من الظلم، وهو الظاهر، ويحتمل أن يراد لهذا الأمر.
قال وليّ الدين: ويَحْتَمِل أن تكون الإشارة إلى كلام بعينه أتى به الحَجاج، لا ينبغي سماعه، لما فيه من سبّ الصحابة رضي الله عنهم، أو الأمر بالظلم، وما لا يجب امتثاله، أو عند قراءة كتب وردت عليه من الخليفة، فيها ما لا ينبغي فعله.
وقد قال ابن حزم: روينا من طريق سفيان الثوريّ، عن مُجالد، قال: رأيت الشعبي، وأبا بردة بن أبي موسى الأشعريّ يتكلمان، والحَجاج يخطب، حين قال: لعن اللَّه، ولعن اللَّه، فقلت: تتكلمان في الخطبة؟ فقالا: لم نؤمر بأن ننصت لهذا.
وعن إبراهيم النخعيّ: أنه كان يتكلّم، والإمام يخطب زمن الحَجاج.
قال ابن حزم: كان الحَجاج، وخطباؤه يلعنون عليًّا، وابن الزبير رضي الله عنهم.
وذكر ابن عبد البرّ أن عبد اللَّه بن عروة كان يُنصت للخطيب، فإذا شتم عليًّا تكلّم، ويقول: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا.
وقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن الشعبيّ، ومحمد بن عليّ بن الحسين أنه لا بأس بالكلام، والصحف تقرأ يوم الجمعة، وعن أبي بردة، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يتكلمان في هذه الحالة، وعن حماد بن أبي سليمان إنما كان السكوت قبل اليوم إذا وعظوا بكتاب اللَّه، وقالوا فيه، فنسكت لصحفهم هذه؟، وعن الحسن البصري أنه كان يكره الكلام، والصحف تقرأ. وعن إبراهيم النخعيّ أنه قيل له: إن الكتب تجيء من قبل قُتيبة، فيها الباطل والكذب، فأكلّم صاحبي، أو أنصت؟ قال: لا، بل أنصت -يعني: في الجمعة- فطرد النخعيُّ والحسن منع الكلام في الخطبة، وسَدَّا البَابَ في ذلك.
قال ابن بطال: وروى ابن وهب، وابن قانع، وعليّ بن زياد، عن مالك أن الإمام إذا لغى، وشتم الناس، فعلى الناس الإنصات، ولا يتكلّمون.
ورُويَ عنه: إذا خطب في أمر ليس من الخطبة من أمر كتاب يقرؤه، أو نحو ذلك، فليس على الناس الإنصات.
ورأى الليث إذا أخذ الإمام في غير ذكر اللَّه، والموعظة أن يتكلّم، ولا يُنصت. انتهى.
وقال ابن حزم: فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر اللَّه تعالى، ولا من الدعاء المأمور به، فالكلام مباح حينئذ، فهذان مذهبان آخران مفصِّلان، إما بين أئمة الجور وغيرهم، وإما بين الوعظ وغيره.
وحكى ابنُ عبد البرّ قولًا خامسًا أنه إنما يجب الإنصات عند تلاوة القرآن خاصّة، قال: روي عن الشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعيّ، وأبي بُردة، قال: وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم بالسنّة الثابتة، وأحسن أحوالهم أنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك؛ لأنه حديث انفرد به أهل المدينة، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به.
وقال ابن بطال: استماع الخطبة واجب وجوبَ سنة عند أكثر العلماء، ومنهم من جعله فريضةً. انتهى.
وهذا على قاعدة المالكية من وجوب السنن، ومعناه أنه سنة مؤكدة، وهو
قول الشافعيّ في الجديد، فيكون ابن بطال نقل استحباب الإنصات عن الأكثرين، فمن أوجب الإنصات أخذ بقول من قال: إن اللغوَ الباطلُ، ومن استحبّه أخذ بقول من قال: إنه السقط، وما لا يُعتدّ به، ولغط الكلام، وما لا محصول له، أو الْمُطَّرَح من القول، وما لا يُعْنَى، فإن هذه العبارات متقاربة المعنى، ومقتضاها أن قائل اللغط غير مرتكب حرامًا.
وقد قال الشافعيُّ رحمه الله في قوله: "لغوت": تكلّمت في موضعٍ الأدبُ فيه أن لا تتكلّم.
واحتجّ الشافعيّ في القديم على عدم تحريم الكلام في الخطبة بحديث أنس رضي الله عنه في الرجل الذي قام إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة، وهو يخطب، فقال:"يا رسول اللَّه، هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع اللَّه. . . "، وهو في "الصحيحين".
وبحديث عثمان رضي الله عنه حيث دخل يوم الجمعة، وعمر رضي الله عنه يخطب، فكلّمه، وأجابه.
واحتجّ على ذلك في الجديد بالحديث المتقدّم قبل هذا في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الداخل، وهو يخطب عن كونه صلى، وإجابته له بقوله:"لا"، وقوله له:"صلّ ركعتين". وبكونه صلى الله عليه وسلم كلّم الذين قَتَلوا ابن أبي الْحُقَيق على المنبر، وكلموه، وتداعوا قتله، وقد رواه الشافعي مرسلًا، قال البيهقيّ، وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو مشهور فيما بين أهل العلم بالمغازي. وروي من وجه آخر موصولًا عن عبد اللَّه بن أنيس. انتهى.
ومن ذهب إلى تحريم الكلام أجاب عن هذه الأحاديث بأن المخاطبة فيها من الإمام، أو معه، فلا يشتغل بذلك عن سماع الخطبة، بخلاف كلام الحاضرين بعضهم مع بعض. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر أن المذهب الراجح هو تحريم الكلام مطلقًا على حاضري الخطبة؛ لوضوح أدلته، وأما من كلمه الإمامُ، أو كلم الإمامَ فلا يحرم ذلك عليه؛ لأنه مستثنى بالنصوص الكثيرة
(1)
"طرح التثريب في شرح التقريب" 3/ 192 - 195.
الدالّة على ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيمن لا يسمع الخطبة، هل يجب عليه الإنصات أم لا؟:
ذهب المالكية، والحنابلة، والظاهرية، إلى أنه لا فرق في وجوب الإنصات بين من يسمع الخطبة، ومن لا يسمعها. وحكاه ابن بطال وغيره عن أكثر العلماء، وحكاه ابن عبد البرّ عن مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وهو الأصحّ عند الشافعية، واختلف الحنفية في هذه المسألة.
وروى ابن أبي شيبة، عن عروة بن الزبير أنه كان لا يرى بأسًا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة.
والمختلف فيه هو كلام الآدميين، أما الذكر، والتلاوة سرًّا، فليس ممنوعًا منهما قطعًا.
قال ابن قُدامة: وهل ذلك أفضل، أو الإنصات؟ يحتمل الوجهين: أحدهما الإنصات أفضل، لحديث عبد اللَّه بن عمرو، مرفوعًا:"يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها يلغو، فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا اللَّه، فإن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفّارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن اللَّه عز وجل يقول: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] "، رواه أبو داود
(1)
.
ولقول عثمان: من كان قريبًا يسمع، ويُنصت، ومن كان بعيدًا يُنصت، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظّ ما للسامع.
والثاني: الذكر أفضل؛ لأنه يحصل له ثوابه من غير ضرر. انتهى.
وقال ابن عقيل من الحنابلة: في صورة البعد له المذاكرة في الفقه، وصلاة النافلة، والمشهور عندهم منع ذلك. انتهى.
(1)
حديث حسنٌ.
قال ابن المنذر رحمه الله: ليس لأحد أن يتكلم، والإمام يخطب، على ظاهر هذا الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الراجح قول من قال بتحريم الكلام مطلقًا، سواء سمع الخطبة، أم لا؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يشترط السماع حينما حرّم الكلام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في رد السلام، وتشميت العاطس حال الخطبة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختلفوا في تشميت العاطس، وردّ السلام، والإمام يخطب، فرخّصت طائفة في تشميت العاطس، وردّ السلام، والإمام يخطب.
وممن رخّص في ذلك: الحسن البصريّ، والنخعيّ، والشعبي، والحَكَم، وحماد، وسفيان الثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وكان قتادة يقول: يردّ السلام، ويُسمعه، وروي ذلك عن القاسم بن محمد.
واختلف قول الشافعي في هذا الباب، فكان إذ هو بالعراق يقول: ولا يشمتون عاطسًا، ولا يردون سلامًا إلا بإيماء، وكان يقول بعدُ بمصر: وإن سلّم رجل على رجل يوم الجمعة كرهت ذلك، ورأيت أن يردّ عليهم بعضهم؛ لأن ردّ السلام فرض، ولو عطس رجل، فشمّته رجل رجوت أن يَسَعَه؛ لأن التشميت سنّة.
وكان سعيد بن المسيّب يقول: لا يشمّته، وكذلك قال قتادة، وهذا خلاف قوله في ردّ السلام، ولعل الفرق يمنعه بينهما أن ردّ السلام فرض، وليس كذلك تشميت العاطس. وقال أصحاب الرأي: أحبّ إلينا أن يستمعوا، ويُنصتوا.
وفرّق عطاء بين الحالين، فقال: إذا كنت تسمع الخطبة، فاردد في نفسك، وإذا كنت لا تسمعها، فاردد عليه، وأسمعه، وقال أحمد: إذا لم يسمع الخطبة شمّت، وردّ.
قال ابن المنذر رحمه الله: ثبت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت"، فالإنصات يجب على ظاهر السنّة،
وإباحة ردّ السلام، وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يردّ السلام إشارةً، ويشمّت العاطس إذا فرغ الإمام من الخطبة. افتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر حسنٌ جدًّا؛ لوضوح دليله.
والحاصل أنه لا يُشرع ردّ السلام، ولا تشميت العاطس؛ لعموم الأدلّة، إلا أن يردّ السلام إشارةً، كما فعل صلى الله عليه وسلم مع من سلّم عليه، وهو يصلّي، وكذا تشميته بعد الخطبة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الكلام بعد الفراغ من الخطبة:
قال ابن المنذر رحمه الله: اختلفوا في الكلام بعد فراغ الإمام من الخطبة قبل أن يدخل في الصلاة، فرخّصت طائفة في ذلك.
وممن كان لا يرى به بأسًا طاوس، وعطاء، والزهريّ، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد اللَّه، وإبراهيم النخعي، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، ويعقوب، ومحمد، وروينا عن ابن عمر أنه قال: لا بأس بالكلام إذا نزل الإمام من المنبر يوم الجمعة حتى يكبّر.
وكان الحكم بن عُتيبة يكره ذلك، وروي عن طاوس رواية توافق قول الحكم، خلاف الرواية الأولى.
وكذا اختلفوا في الكلام بين الخطبتين، فكرهته طائفة، منهم مالك، والأوزاعيّ، والشافعي، وإسحاق، وقال الحسن البصريّ: لا بأس بالكلام بين الخطبتين، وإذا نزل الإمام عن المنبر.
قال ابن المنذر رحمه الله: قد كان الكلام مباحًا قبل خطبة الإمام، وقد أمر الناس بالإنصات لإمامهم إذا خطب، فإذا انقضت الخطبة رجعت الإباحة، والأخبار دالّة على ذلك. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله بتصرّف
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن الإنصات يكون من
(1)
"الأوسط" 4/ 97 - 98.
خروج الإمام إلى أن ينتهي من الصلاة؛ لما تقدم من حديث جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإمام. . . " الحديث، فقد جعل خروج الإمام مبدأ الإنصات، فلا يتشاغل عنه إلا من يصلي تحيّة المسجد.
ولما أخرجه البخاريّ والنسائيّ من حديث سلمان رضي الله عنه مرفوعًا: "ما من رجل يتطهّر يوم الجمعة، كما أمر ثم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة، وينصت حتى يقضي صلاته إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة"
(1)
. فقوله: "ثم يُنصت حتى يقضي صلاته"، نصّ في أن الإنصات يكون إلى انقضاء الصلاة.
والحاصل أن الإنصات يكون من أوّل ما خرج الإمام إلى أن ينتهي من الصلاة، فلا يتكلم في خلال ذلك سواء كان في حال الخطبة، أو بين الخطبتين، أو بين الخطبة والصلاة؛ لما ذكرناه آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1966]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) بن سَعْد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ [11](ت 248)(م د س) تقدم في "الإيمان" 26/ 211.
2 -
(أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك
(1)
هذا لفظ النسائيّ، ولفظ البخاريّ:"لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع، من طهر، ويدّهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى".
المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [10](ت 199) وله أربع وستون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" 26/ 211.
3 -
(عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان بن الْحَكَم بن أبي العاص الأمويّ، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وَلِي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، ووَلِي الخلافة بعده، فعُدّ مع الخلفاء الراشدين [4] مات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنةً، ومدة خلافته سنتان ونصف (ع) تقدّم في "المقدّمة" 6/ 46.
4 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ) -بقاف وظاء معجمة- وقيل: هو: إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ، وَوَهِمَ من زَعَم أنهما اثنان، صدوق [3](بخ م د س ق) تقدم في "الحيض" 22/ 794.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
[تنبيه]: هذا الإسناد أنزل من الماضي؛ لأن المصنّف رحمه الله وصل فيه إلى الليث بواسطتين: عبد الملك، وأبوه، بخلاف الماضي، فإنه بواسطة، فتنبّه.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث قتيبة، ومحمد بن رُمح جميعًا عن الليث المتقدّم.
[تنبيه]: رواية شعيب، عن الليث هذه ساقها النسائيُّ رحمه الله بسند المصنّف، فقال:
(1402)
أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، قال: حدّثني أبي، عن جدّي، قال: حدّثني عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد اللَّه بن إبراهيم بن قارظ، وعن سعيد بن المسيِّب، أنهما حدثاه أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1967]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيَعًا، فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرسانيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
3 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقون ذُكرُوا قبله.
وقوله: (بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا) يعني: إسنادي ابن شهاب السابقين، وهما: سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعمر بن عبد العزيز، عن عبد اللَّه بن إبراهيم، وسعيد بن المسيِّب، كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقوله: (فِي هَذَا الْحَدِيثِ)"في" بمعنى الباء، متعلّق بـ "أخبرنى".
وقوله: (مِثْلَهُ) أي: حديث ابن شهاب الماضي.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ:. . . إلخ) بنصب "غيرَ" على الاستثناء؛ أي: إلا أن ابن جريج قال في اسم شيخ عمر بن عبد العزيز: "إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ" بدل قول عُقيل: "عبد اللَّه بن إبراهيم بن قارظ"، وقد سبق أنه مختلف في اسمه، وأن من زعم أنهما رجلان، فقد غلط.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن ابن شهاب هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(7629)
حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا ابن جريج، وابن بكر
(1)
، عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ، عن أبي هريرة، وعن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت".
قال ابن بكر في حديثه: قال: أخبرني ابن شهاب، عن حديث عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ، عن أبي هريرة، وعن حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، أنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقوله.
(1)
برفع "ابنُ" عطفًا على "عبدُ الرزّاق".
انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1968]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغِيتَ"، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ: "فَقَدْ لَغَوْتَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صَنَّف "المسند"[10](ت 243)(م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 5/ 31.
2 -
(سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمرإن ميمون الهلاليّ أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [8] مات في رجب سنة (198) وله (91) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 383.
3 -
(أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذَكْوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الملقّب بأبي الزناد، ثقةٌ فقيهٌ [5] (ت 130) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 30.
4 -
(الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [3](ت 117)(ع) تقدم في "الإيمان" 23/ 192.
وأبو هريرة رضي الله عنه ذُكر قبله.
وقوله: (وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) قال النوويُّ رحمه الله: فيه دليل على أن وجوب الإنصات، والنهيَ عن الكلام، إنما هو في حال الخطبة، وهذا مذهبنا، ومذهب مالك، والجمهور، وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام. انتهى
(1)
.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 139.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم البحث في هذا قريبًا مستوفًى مع ترجيح ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله؛ لقوّة حجّته، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (فَقَدْ لَغِيتَ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ. . . إلخ) قال النوويُّ رحمه الله: قال أهل اللغة: يقال: لغا يلغو، كغزا يغزو، ويقال: لَغِيَ يَلْغَى، كعَمِيَ يَعْمَي، لغتان، الأولى أفصح، وظاهر القرآن يقتضي هذه الثانية التي هي لغة أبي هريرة، قال اللَّه تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26]، وهذا من لَغِيَ يَلْغَى، ولو كان من الأول لقال: والْغُوا بضم الغين، قال ابن السِّكِّيت وغيره: مصدر الأول: اللَّغْوُ، ومصدر الثاني: اللَّغْيُ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "الأُولى أفصح" فيه نظر لا يخفى، كيف يكون أفصح من الثانية التي وقعت في القرآن الكريم؟ هذا غير مقبول، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ومعنى "فقد لغوت": أي: قلت اللغو، وهو الكلام الْمُلْغَى الساقط الباطل المردود، وقيل: معناه: قلت غير الصواب، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي.
ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبَّه بهذا على ما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لَغْوًا، فغيره من الكلام أولى، وإنما طريقه إذا أراد نَهْيَ غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فَهِمَه، فإن تعذر فهمه فلْيَنْهَهُ بكلام مختصر، ولا يزيد على أقل ممكن.
واختَلَف العلماء في الكلام، هل هو حرام، أو مكروه كراهةَ تنزيه؟ وهما قولان للشافعيّ، قال القاضي: قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة، وحُكِي عن النخعيّ، والشعبيّ، وبعض السلف أنه لا يجب إلا إذا تَلا فيها القرآن، قال: واختلفوا إذا لم يسمع الإمام، هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟، فقال الجمهور: يلزمه، وقال النخعيّ، وأحمد، وأحد قولي الشافعيّ: لا يلزمه. انتهى كلام النوويُّ رحمه الله
(1)
،
(1)
"شرح النووي" 6/ 138.
وهو بحثٌ نفيسٌ، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى قريبًا، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(6) - (بَابٌ فِي ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ)
[تنبيه]: سقط من نسخة شرح السيوطيّ المسمّى "الديباج على صحيح مسلم بن الحجّاج" هنا أحاديث هذا الباب إلا حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه الآتى آخر الباب، فليُتنبّه
(1)
.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله: المذكور أولَ الكتاب قال:
[1969]
(852) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ (ح) وَحَدَّثَنَا
(2)
قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ:"فِيهِ سَاعَةٌ، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ"، زَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين.
2 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان، فرّق
(1)
راجع: "الديباج" 2/ 435، فقد سقط منه ستة أحاديث تقريبًا.
(2)
وفي نسخة: "وحدّثناه".
بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في صيغتي الأداء، فيحيى قال: قرأت على مالك، وقتيبة قال: عن مالك بن أنس، فجعله بـ "عن"، ونسب شيخه إلى أبيه، فتنبّه لهذه الدقائق الإسناديّة.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، إلا شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، إلا شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بَغْلانيّ، وقد دخلا المدينة.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
5 -
(ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه، فقد نُقل عن البخاريُّ رحمه الله أنه قال: أصحّ أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه أبو الزناد، عن الأعرج، عنه
(1)
.
6 -
(ومنها): أن أبا هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (5374) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان، كذا رواه أصحاب مالك في "الموطأ"، ولهم فيه إسناد آخر إلى أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه قصة له مع عبد اللَّه بن سلام رضي الله عنه، قاله في "الفتح"
(2)
.
(عَنِ الْأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رضي الله عنه ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) يعني: أنه صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه ما في يوم الجمعة من الفضل؛ ليحُثّهم على العناية بتعظيمه، والاشتغال بالطاعة، والدعاء فيه (فَقَالَ: "فِيهِ سَاعَةٌ) كذا هي مبهمةٌ في هذه الرواية، وعُيِّنَت في أحاديث أُخَر، كما سيأتي
(3)
، والمراد بالساعة: قطعة من الزمن، فليس المراد الساعة المشهورة والمتداولة بين الناس.
(1)
راجع: "إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفيّة الأثر" 1/ 41 - 42.
(2)
"الفتح" 2/ 482.
(3)
"الفتح" 2/ 482.
وقال في "العمدة": الساعة: اسم لجزء مخصوص من الزمان، وَيَرِدُ على أنحاء: أحدها: أنها تُطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وهي مجموع اليوم والليلة، وتارةً تُطلق مجازًا على جزءٍ ما غيرِ مقدر من الزمان، فلا يُتَحَقَّق، وتارةً تطلق على الوقت الحاضر، ولأرباب النجوم والهندسة وضعٌ آخر، وذلك أنهم يُقَسِّمون كل نهار وكل ليلة باثني عشر قَسْمًا، سواء كان النهار طويلًا أو قصيرًا، وكذلك الليل، ويُسَمُّون كل ساعة من هذه الأقسام ساعةً، فعلى هذا تكون الساعة تارةً طويلةً، وتارةً قصيرةً، على قدر النهار في طوله وقِصَره، ويسمون هذه الساعات الْمُعْوَجَّة، وتلك الأولى مستقيمةٌ. انتهى
(1)
.
(لَا يُوَافِقُهَا) أي: لا يصادفها، أعمّ من أن يقصدها، أو يتّفق له وقوع الدعاء فيها (عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي) جملة حاليّة من "عبدٌ"، وفي الرواية التالية:"قائمٌ يصلي"، وللبخاريّ:"وهو قائمٌ يصلي".
قال في "الفتح": قوله: "وهو قائم يصلي، يسأل اللَّه" هي صفات لـ "مسلم"، أُعربت حالًا، ويَحْتَمِل أن يكون "يصلي" حالًا منه؛ لاتصافه بـ "قائم"، و"يسأل" حالٌ مترادفةٌ، أو متداخلةٌ.
وأفاد ابن عبد البر أن قوله: "وهو قائم" سقط من رواية أبي مصعب، وابن أبي أويس، ومُطَرِّف، والتِّنِّيسيّ، وقتيبة، وأثبتها الباقون، قال: وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد، من رواية مالك، وورقاء، وغيرهما عنه، وحكى أبو محمد بن السِّيد، عن محمد بن وَضّاح، أنه كان يأمر بحذفها من الحديث، وكأنّ السبب في ذلك أنه يُشْكِل على أصح الأحاديث الواردة في تعيين هذه الساعة، وهما حديثان: أحدهما أنها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة، والثاني أنها من بعد العصر إلى غروب الشمس، وقد احتَجَّ أبو هريرة على عبد اللَّه بن سلام لَمَّا ذكر له القول الثاني بأنها ليست ساعة صلاة، وقد ورد النصّ بالصلاة، فأجابه بالنصّ الآخر أن منتظر الصلاة في حكم المصلي، فلو كان قوله:"وهو قائم" عند أبي هريرة ثابتًا لاحتجّ عليه بها، لكنه سَلَّم له الجواب، وارتضاه، وأفتى به بعده.
(1)
"عمدة القاري" 6/ 350.
وأما إشكاله على الحديث الأول، فمن جهة أنه يتناول حال الخطبة كلّه، وليست صلاة على الحقيقة.
وقد أجيب عن هذا الإشكال بحمل الصلاة على الدعاء، أو الانتظار، وبحمل القيام على الملازمة والمواظبة، ويؤيّد ذلك أن حال القيام في الصلاة غير حال السجود والركوع والتشهد، مع أن السجود مَظِنّة إجابة الدعاء، فلو كان المراد بالقيام حقيقته لأخرجه، فدلّ على أن المراد مجاز القيام، وهو المواظبة ونحوها، ومنه قوله تعالى:{إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75]، فعلى هذا يكون التعبير عن المصلي بالقائم، من باب التعبير عن الكل بالجزء، والنكتة فيه أنه أشهر أحوال الصلاة. انتهى.
وقوله: (يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا) جملة حاليّة أيضًا، فهما إما متداخلتان، أو مترادفتان، كما سَبَقَ بيانه آنفًا.
والمراد بقوله: "شيئًا" أي: مما يليق أن يدعو به المسلم، ويسأل ربه تعالى، كما بيّنه في الرواية التالية بقوله:"يسأل اللَّه خيرًا"، وفي حديث أبي لبابة رضي الله عنه عند ابن ماجه:"ما لم يسأل حرامًا"، وفي حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه عند أحمد:"ما لم يسأل إثمًا، أو قطيعة رَحِمٍ"، وهو نحو الأول، وقطيعة الرحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاصّ على العامّ؛ للاهتمام به
(1)
.
(إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ") أي: ذلك الشيء الذي سأله.
(زَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ) وقوله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا) مفعول "زاد" محكيّ؛ لقصد لفظه؛ يعني: أن قتيبة زاد في روايته عن مالك على رواية يحيى عنه هذه الجملة، فقوله:"يقلّلها" جملة حاليّة من فاعل "أشار"، وهو ضمير النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما يأتي بيانه الآن.
[تنبيه]: قوله: "وأشار بيده" كذا هنا بإبهام الفاعل، وفي رواية أبي مصعب، عن مالك، وأشار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وفي رواية للبخاريّ في "الطلاق" من طريق بشر بن المفضّل، عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين:"ووضع أنملته على بطن الوسطى، أو الخنصر، قلنا: يُزَهِّدها"، وبَيَّن أبو مسلم الكجيّ
(1)
"الفتح" 2/ 483.
أن الذي وضع هو بشر بن المفضل، راويه عن سلمة بن علقمة، وكأنه فَسَّر الإشارة بذلك، وأنها ساعة لطيفة، تتنقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره.
وبهذا يحصل الجمع
(1)
بينه وبين قوله: "يُزَهِّدها"؛ أي: "يُقَلِّلها"، وفي رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة الآتية هنا:"وهي ساعة خفيفة"، وللطبراني في "الأوسط" في حديث أنس رضي الله عنه:"وهي قدر هذا"؛ يعني: قبضة.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر: الإشارة لتقليلها، هو للترغيب فيها، والحضّ عليها؛ ليسارة وقتها، وغزارة فضلها، قاله في "الفتح"
(2)
.
وقال وليّ الدين رحمه الله: قوله: "وأشار بيده يقللها" لم يبيّن كيفية هذه الإشارة، وقد تقدم في رواية للبخاريّ:"ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر"، والظاهر أن المراد أنملة الإبهام، وقد يقال: كيف وضعها على بطن الوسطى والخنصر، وبين هذين الأصبعين أصبع أخرى، وهي البنصر؛ ولعله عَرَض الإبهام على هذه الأصابع، وسكت عن ذكر البنصر؛ لأنه إذا وضع الإبهام عرضًا على الوسطى والخنصر، فلا بدّ وأن يكون موضوعًا على البنصر أيضًا، فسكت عنه؛ لفهمه مما ذُكر، وأما إذا كان الإبهام موضوعًا على استقامته، فلا يمكن أن يكون موضوعأ على الوسطى والخنصر في حالة واحدة. انتهى
(3)
.
وقال وليّ الدين رحمه الله أيضًا: قد ورد التصريح بذلك لفظًا بقوله: "وهي ساعة خفيفة"، وهو في "صحيح مسلم" من حديث محمد بن زياد، عن أبي هريرة -يعني: الحديث الآتي بعد حديثين-.
وفي "معجم الطبراني الأوسط" عن أنس رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ابتغوا الساعة التي تُرجى في الجمعة ما بين العصر إلى غيبوبة الشمس، وهي قدر هذا يعني: قبضة".
وفي حديث عبد اللَّه بن سلام رضي الله عنه عن ابن ماجه: "أو بعض ساعة"، وذلك يدل على قِصَرِ زمانها، وأنها ليست مستغرقة لما بين جلوس الإمام على
(1)
ينظر وجه الفرق ما هو؟.
(2)
"الفتح" 2/ 483.
(3)
"طرح التثريب" 3/ 215 - 216.
المنبر وآخر الصلاة، ولا لما بين العصر والمغرب، بل المراد على هذين القولين، وعلى جميع الأقوال أن تلك الساعة لا تخرج عن هذا الوقت، وأنها لحظة لطيفة، وقد نَبَّهَ على ذلك القاضي عياض، وقال النوويّ في "شرح المهذب" بعد نقله عنه: إن الذي قاله صحيح.
قال وليّ الدين: لكن في "سنن أبي داود" وغيره عن جابر رضي الله عنه، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"يوم الجمعة ثنتا عشرة يريد ساعةً، لا يوجد مسلم يسأل اللَّه شيئًا، إلا آتاه اللَّه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر"، وهذا يقتضي أن المراد الساعة التي ينقسم النهار منها إلى اثني عشر جزءًا، لكونه صدَّر الحديث بأن يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فدلّ على أن قوله في آخره:"فالتمسوهما آخر ساعة" أي: من الساعات الاثنتي عشرة المذكورة أول الحديث، إلا أن يقال: ليس المراد بالتماسها آخر ساعة أنها تستوعب آخر ساعة، بل هي لحظة لطيفة في آخر ساعة، فتُلْتَمس تلك اللحظة في تلك الساعة؛ لأنها منحصرة فيها، وليست في غيرها. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله
(1)
، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [6/ 1969 و 1097 و 1971 و 1972 و 1973 و 1974](852)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(935)، و"الطلاق"(5294)، و"الدعوات"(6400)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1431 و 1432)، وفي "عمل اليوم والليلة"(469 و 470)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1137)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 108)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(5571 و 5572)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 230 و 244 و 255 و 284 و 298)، و (الحميديّ) في "مسنده"(986)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (1737
(1)
"طرح التثريب" 3/ 216 - 217.
و 1740)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2773)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2547 و 2548 و 2549 و 2550)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1915 و 1916 و 1917 و 1918 و 1919 و 1920)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1048)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال وليّ الدين العراقيُّ رحمه الله في الكلام على تخريج هذا الحديث ما حاصله: أخرجه الشيخان، والنسائيّ من طريق مالك، وفي رواية البخاريّ:"وهو قائم يصلي"، وذكر ابن عبد البر أن عامة رواة "الموطأ" قالوا في هذا الحديث:"وهو قائم يصلي"، إلا قتيبة، وأبا مصعب، فلم يقولا:"وهو قائم"، قال: ولا قاله ابن أويس، ولا مُطَرِّف، ولا التِّنِّيسيّ، قال: والمعروف في حديث أبي الزناد هذا قوله: "وهو قائم" من رواية مالك وغيره، وكذلك رواه ورقاء في نسخته، عن أبي الزناد، وكذا رواه ابن سيرين، عن أبي هريرة. انتهى.
وأخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، واتفق عليه الشيخان، والنسائيّ، وابن ماجه، من طريق أيوب السختيانيّ، والشيخان أيضًا من طريق سلمة بن علقمة، ومسلم، والنسائيّ من طريق عبد اللَّه بن عون، ثلاثتهم عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ:"إن في الجمعة لساعةً لا يوافقها مسلم، قائم يصلي، يسأل اللَّه خيرًا، إلا أعطاه إياه"، وقال بيده: يقلِّلها: يزَهِّدها، لفظ مسلم، وفي رواية البخاريّ، والنسائيّ، من طريق أيوب بعد قوله:"وقال بيده، قلنا: يقللها، يزهدها"، ففي قوله:"قلنا"، زيادةٌ، وهي أنهم فَهِمُوا من هذه الإشارة التقليل من ذلك الوقت، وذكره بعضهم لبعض، وفي رواية البخاريّ من طريق سلمة بن علقمة بعد قوله:"وقال بيده: ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر، قلنا: يزهدها"، وأخرجه مسلم من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة بلفظ:"إن في الجمعة لساعةً، لا يوافقها مسلم، يسأل اللَّه فيها خيرًا، إلا أعطاه"، قال:"وهي ساعة خفيفة"، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، والحاكم في "مستدركه"، من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بلفظ: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي، يسأل اللَّه فيها شيئًا، إلا
أعطاه"، قال أبو هريرة: فلقيت عبد اللَّه بن سلام، فذكرت له هذا الحديث، فقال: أنا أعلم تلك الساعة، فقلت: أخبرني بها، ولا تَضُنَّ بها عليّ، قال: هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، قلت: وكيف تكون بعد العصر، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا يوافقها عبد مسلم، وهو يصلي"، وتلك الساعة لا يُصَلَّى فيها؟ قال عبد اللَّه بن سلام: أليس قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة، فهو في صلاة"؟ قلت: بلى، قال: فهو ذاك. لفظ الترمذيّ، وقال: حسن صحيحٌ.
وفي رواية أبي داود، والنسائيّ، والحاكم: قال عبد اللَّه بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
ورواه أحمد في "مسنده" من حديث العباس، وهو عبد الرحمن بن ميناء، عن محمد بن مسلمة الأنصاريّ، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، بلفظ:"إن في الجمعة ساعةً. . . " الحديث، وفي آخره:"وهي بعد العصر". انتهى كلام وفي الدين رحمه الله
(1)
، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان فضل يوم الجمعة؛ لاختصاصه بهذه الساعة التي لا توجد في غيره، وقد ورد التصريح بأنه خير يوم طلعت فيه الشمس، كما سيأتي في الباب التالي، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وورد في ذلك عدّة أحاديث.
قال وليّ الدين رحمه الله: وصرّح أصحابنا الشافعية بأنه أفضل أيام الأسبوع، وأن يوم عرفة أفضل أيام السنة، واختلفوا في أفضل الأيام مطلقًا على وجهين: أصحهما أنه يوم عرفة، وذكروا ذلك في الطلاق، فيما لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، ومقتضى الحديث المصرّح بأن يوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس تفضيله مطلقًا، كما هو أحد الوجهين. انتهى
(2)
.
(1)
"طرح التثريب في شرح التقريب" 3/ 206 - 207.
(2)
"طرح التثريب" 3/ 217.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ترجيح القول بأن يوم الجمعة أفضل من يوم عرفة؛ لوضوح حجّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
2 -
(ومنها): بيان فضل الدعاء يوم الجمعة، واستحباب الإكثار منه فيه؛ رجاء مصادفة تلك الساعة، ولا سيما في الوقتين المذكورين في الحديث، وهما من جلوس الإمام على المنبر إلى فراغه من الصلاة، وبعد صلاة العصر إلى المغرب، قال وليّ الدين رحمه الله: وقد صرّح بذلك العلماء من أصحابنا وغيرهم. انتهى.
3 -
(ومنها): ما قيل: إنه استدلّ به على بقاء الإجمال بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وتُعُقّب بأنه لا خلاف في بقاء الإجمال في الأحكام الشرعية، لا في الأمور الوجودية، كوقت الساعة، فهذا لا اختلاف في إجماله، والحكم الشرعي المتعلِّق بساعة الجمعة، وليلة القدر، وهو تحصيل الأفضليّة يمكن الوصول إليه، والعمل بمقتضاه باستيعاب اليوم والليلة، فلم يبق في الحكم الشرعيّ إجمال، واللَّه تعالى أعلم.
4 -
(ومنها): ما قيل: الحكمة في إخفاء هذه الساعة في هذا اليوم أن يجتهد الناس فيه، ويستوعبوه بالدعاء، ولو عُرِفَت لخصّوها بالدعاء، وأهملوا ما سواها، وهذا كما أنه تعالى أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى؛ ليُسأل بجميع أسمائه، وأخفى ليلة القدر في أوتار العشر الأخير، أو في جميع شهر رمضان، أو في جميع السنة على الخلاف في ذلك؛ ليجتهد الناس في هذه الأوقات كلها، وأخفى أولياءه في جملة المؤمنين
(1)
حتى لا يُخَصّ بالإكرام واحدٌ بعينه.
5 -
(ومنها): أنه قد ورد في ساعة الجمعة هذه ما ورد في ليلة القدر، من أنه صلى الله عليه وسلم أُعْلِم بها، ثم أُنسيها، رواه أحمد في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه" من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها؟ فقال: "إني كنت أُعلمتها، ثم أُنسيتها كما أُنسيت ليلة القدر".
قال وليّ الدين رحمه الله: وإسناده صحيح، قال الحاكم: إنه على شرط
(1)
هذا يحتاج إلى دليل صحيح، ولم أره إلى الآن، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
الشيخين، ولعل ذلك يكون خيرًا للأمة؛ ليجتهدوا في سائر اليوم، كما قال صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر حين أُنسيها:"وعسى أن يكون خيرًا لكم".
قال الحافظ العراقيُّ رحمه الله في "شرح الترمذيّ": وإن من كان مطلبه خطيرًا عظيمًا، كسؤال المغفرة، والنجاة من النار، ودخول الجنة، ورِضَى اللَّه تعالى عنه، لَجَدِير أن يستوعب جميع عمره بالطلب، والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال يوم واحد؟ كما قال عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما: إن طلب حاجة في يوم يسيرٌ.
قال العراقيّ رحمه الله: ومن لم يتفرغ لاستيعاب اليوم بالدعاء، وأراد حصول ذلك، فطريقه كما قال كعب الأحبار: لو قَسَمَ الإنسان جمعة في جُمَعٍ أتى على تلك الساعة، قال: وهذا الذي قاله بناءٌ على أنها مستقرّة في وقت واحد من اليوم، لا تنتقل، وهو الصحيح المشهور، واللَّه أعلم. انتهى
(1)
.
6 -
(ومنها): ما قاله وليّ الدين رحمه الله: أَطْلق في هذه الرواية المسئول، وظاهره أن جميع الأشياء في ذلك سواء، وفي رواية أخرى: يسأل اللَّه خيرًا، وهي في "الصحيحين" من رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي "صحيح مسلم" من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهي أخص من الأولى، إن فُسِّر الخير بخير الآخرة، وإن فُسِّر بأعمّ من ذلك؛ ليشمل خير الدنيا، فَيَحْتَمِل مساواتها للرواية الأولى، ويَحْتَمِل أن يقال: إنها أخص أيضًا؛ لأنه قد يدعو بشيء ليس خيرًا في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو شرّ محضٌ، يَحْمِله على الدعاء به سوء الْخُلُق والحرج، فيُحْمَل المطلق على المقيَّد.
وقد ورد التقييد أيضًا في حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه أن رجلًا من الأنصار أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبرنا عن يوم الجمعة، ماذا فيه من الخير؟ قال:"فيه خمس خلال. . . " الحديث، وفيه:"وفيه ساعة، لا يسأل عبد فيها شيئًا إلا آتاه اللَّه، ما لم يسأل مَأْثَمًا، أو قطيعةَ رَحِم"، رواه أحمد، والبزار، والطبرانيّ في "الكبير"، وإسناده جيّد، وعطف "قطيعة الرحم" على "المأثم"، وإن دخل في عمومه؛ لعظم ارتكابه.
(1)
"طرح التثريب" 3/ 214.
وفي "سنن ابن ماجه" من حديث أبي لبابة رضي الله عنه: "ما لم يسأل حرامًا".
وروى الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث أنس رضي الله عنه قال: "عُرِضت الجمعة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . . " الحديث، وفيه:"وفيها ساعة لا يدعو عبد ربه بخير، هو له قسم، إلا أعطاه، أو يتعوذ من شرّ إلا دفع عنه، ما هو أعظم منه".
ففي هذا الحديث أنه لا يجاب إلا فيما قُسِم له، وهو كذلك، ولعله لا يُلْهَم الدعاءَ إلا فيما قُسِم له جمعًا بينه وبين الحديث الذي أُطلق فيه أنه يُعْطَى ما سأله، ولكن جاء في حديث أنس رضي الله عنه في روايةٍ ذكرها البيهقيّ في "المعرفة": "وإن لم يكن قُسم له دُخِر
(1)
له ما هو خير منه".
وقوله: "أو يتعوذ من شرّ إلا دُفع عنه ما هو أعظم منه" لم يذكر فيه دفع المستعاذ منه، فكأنّ المعنى: دُفع عنه ما هو أعظم إن لم يُقَدَّر له دفع ما تعوّذ منه.
ويَحْتَمِل أنه سقط منه لفظة "أو"، وأنه كان: إلا دفع عنه، أو ما هو أعظم منه، فإن نسخ "المعجم الأوسط" يقع فيها الغلط كثيرًا؛ لعدم تداولها بالسماع.
وقد ورد في حديثٍ: إن الداعي لا يخطئه إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، أو يُدَّخَر له في الآخرة، أو يدفع عنه من سوء مثلها، ولكن ذلك الحديث في مُطلق الدعاء، فلا بدّ وأن يكون للدعاء في ساعة الإجابة مزيد مزية.
وقد يقال: ذُكِر في مطلق الدعاء أن يُدْفَع عنه من السوء مثلها، وذكر في ساعة الإجابة دفع ما هو أعظم منه، فهذه هي المزية، واللَّه أعلم. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله
(2)
، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
7 -
(ومنها): أن فيه العملَ بالإشارة، وأنها قائمة مقام النطق، إذا فُهِم المراد بها، وقد أورده البخاريّ في "باب الإشارة في الطلاق، والأمور"، قال
(1)
هكذا نسخة "المعرفة" بالدال، والظاهر أنه بالذال المعجمة، إلا أن يكون "ادّخر" افتعالًا من ذخر، بالمعجمة، فليُحرّر.
(2)
"طرح التثريب" 3/ 214 - 215.
وليّ الدين رحمه الله: وإنما اكتَفَى أصحابنا بالإشارة في الطلاق والعقود ونحوها، من الأخرس الذي لا يَقدر على النطق، إذا كانت له إشارة مفهومة، أما الناطق فلم يكتفوا بإشارته في العقود والفسوخ ونحوها، وإنما اكتفوا بها في الأمور الخفيفة. انتهى.
8 -
(ومنها): ما قيل: إن قيل: ظاهر الحديث حصول الإجابة لكلّ داع بالشرط المتقدّم، مع أن الزمن يختلف باختلاف البلاد، والمصلي، فيتقدم بعض على بعض، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف تتفق مع الاختلاف؟.
أجيب باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كلّ مصلّ، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة، ولعلّ هذا فائدة جعل الوقت الممتدّ مظنّة لها، وإن كانت هي خفيفة.
ويَحْتَمِل أن يكون عبّر عن الوقت بالفعل، فيكون التقدير وقت جواز الخطبة، أو الصلاة، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم، قاله في "الفتح"
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ساعة الجمعة:
لقد حقّق الحافظ رحمه الله هذا الموضوع، وأجاد فيه في كتابه العديم النظير في بابه، في استقصائه واستيعابه "فتح الباري"، حيث قال:
وقد اختَلَفَ أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في هذه الساعة، هل هي باقية، أو رُفعت؟ وعلى البقاء، هل هي في كلّ جمعة، أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول، هل هي وقت من اليوم معينٌ، أو مبهم؟ وعلى التعيين، هل تستوعب الوقت، أو تُبْهَم فيه؟، وعلى الإبهام ما ابتداؤه، وما انتهاؤه؟ وعلى كل ذلك، هل تستمرّ، أو تنتقل؟ وعلى الانتقال، هل تستغرق اليوم، أو بعضه؟، وها أنا أذكر تلخيص ما اتصل إليّ من الأقوال مع أدلتها، ثم أعود إلى الجمع بينها، والترجيح:
(فالأول): أنها رُفعت، حكاه ابن عبد البرّ عن قوم، وزيّفه، وقال عياض: ردّه السلف على قائله، ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن جُريج، أخبرني
(1)
"الفتح" 2/ 489.
داود بن أبي عاصم، عن عبد اللَّه بن عبس مولى معاوية، قال: قلت لأبي هريرة: إنهم زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة يستجاب فيها الدعاء رُفعت، فقال: كَذَبَ من قال ذلك، قلت: فهي في كل جمعة؟ قال: نعم. إسناده قويّ.
وقال صاحب "الهدي": إن أراد قائله أنها كانت معلومة، فرُفع علمها عن الأمة، فصارت مبهمة احْتُمل، وإن أراد حقيقتها، فهو مردود على قائله.
(القول الثاني): أنها موجودة، لكن في جمعة واحدة من كل سنة، قاله كعب الأحبار لأبي هريرة، فردّ عليه، فرجع إليه، رواه مالك في "الموطأ"، وأصحاب السنن.
(القول الثالث): أنها مخفيّة في جميع اليوم، كما أخفيت ليلة القدر في العشر.
روى ابن خزيمة، والحاكم من طريق سعيد بن الحارث، عن أبي سلمة: سألت أبا سعيد عن ساعة الجمعة؟ فقال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها؟ فقال: "قد أُعلمتها، ثم أُنسيتها، كما أنسيت ليلة القدر".
ورَوَى عبد الرزاق، عن معمر، أنه سأل الزهريّ؟، فقال: لم أسمع فيها شيئًا، إلا أن كعبًا كان يقول: لو أن إنسانًا قسم جمعةً في جُمَع لأتى على تلك الساعة.
قال ابن المنذر: معناه أنه يبدأ، فيدعو في جمعة من الْجُمَع من أول النهار إلى وقت معلوم، ثم في جمعة أخرى يبتدئ من ذلك الوقت إلى وقت آخر حتى يأتي على آخر النهار، قال: وكعب هذا هو كعب الأحبار، قال: وروينا عن ابن عمر أنه قال: إنّ طلب حاجة في يوم ليسير، قال: معناه أنه ينبغي المداومة على الدعاء يوم الجمعة كله ليمرّ بالوقت الذي يُستجاب فيه الدعاء. انتهى.
والذي قاله ابن عمر يصلح من يَقْوَى على ذلك، وإلا فالذي قاله كعب سهل على كل أحد، وقضية ذلك أنهما يريان أنها غير معينة، وهو كلام جمع من العلماء، كالرافعيّ، وصاحب "المغني"، وغيرهما، حيث قالوا: يستحبّ أن يكثر من الدعاء يوم الجمعة رجاء أن يُصادف ساعة الإجابة.
ومن حجة هذا القول تشبيهها بليلة القدر، والاسم الأعظم في الأسماء الحسنى، والحكمةُ في ذلك حثّ العباد على الاجتهاد في الطلب، واستيعاب الوقت بالعبادة، بخلاف ما لو تحقّق الأمر في شيء من ذلك لكان مقتضيًا للاقتصار عليه، وإهمال ما عداه.
(الرابع): أنها تنتقل في يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة معينة، لا ظاهرة، ولا مخفيةً، قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال، وذكره الأثرم احتمالًا، وجزم به ابن عساكر وغيره. وقال المحب الطبري: إنه الأظهر، وعلى هذا لا يتأتى ما قاله كعب في الجزم بتحصيلها.
(الخامس): إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره الحافظ أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذي"، والشيخ سراج الدين ابن الملقّن في "شرحه على البخاريّ" ونسباه لتخريج ابن أبي شيبة عن عائشة، وقد رواه الروياني في "مسنده" عنها، فأطلق الصلاة، ولم يقيّدها، ورواه ابن المنذر، فقيّدها بصلاة الجمعة. واللَّه أعلم.
(السادس): من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، رواه ابن عساكر من طريق أبي جعفر الرازي، عن ليث بن أبي سُليم، عن مُجاهد، عن أبي هُريرة، وحكاه القاضي أبو الطيب الطبريّ، وأبو نصر بن الصباغ، وعياض، والقرطبي، وغيرهم، وعبارة بعضهم: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
(السابع): مثله، وزاد: ومن العصر إلى الغروب، رواه سعيد بن منصور، عن خَلَف بن خَليفة، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، وتابعه فُضيل بن عياض، عن ليث، عند ابن المنذر، وليث ضعيف، وقد اختلف عليه فيه كما ترى.
(الثامن): مثله، وزاد: وما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبّر. رواه حميد بن زنجويه في "الترغيب" له من طريق عطاء بن قرة، عن عبد اللَّه بن ضمرة، عن أبي هريرة، قال:"التمسوا الساعة التي يُجاب فيها الدعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات الثلاثة"، فذكرها.
(التاسع): أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس، حكاه الجيلي في "شرح التنبيه"، وتبعه المحبّ الطبريّ في "شرحه".
(العاشر): عند طلوع الشمس، حكاه الغزالي في "الإحياء"، وعبّر عنه الزين ابن المنيّر في "شرحه" بقوله: هي ما بين أن ترتفع الشمس شبرًا إلى ذراع، وعزاه لأبي ذرّ.
(الحادي عشر): أنها في آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب "المغني"، وهو في "مسند الإمام أحمد" من طريق علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، مرفوعًا:"يوم الجمعة فيه طبعت طينة آدم، وفي آخر ثلاث ساعات منه ساعة من دعا بها اللَّه فيها استجيب له"، وفي إسناده فَرَج بن فضالة، وهو ضعيف، وعليّ لم يسمع من أبي هريرة.
قال المحبّ الطبريّ: قوله: "في آخر ثلاث ساعات" يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون المراد الساعة الأخيرة من الثلاث الأُوَل.
ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كل ساعة من الثلاث ساعةُ إجابة، فيكون فيه تجوّز لإطلاق الساعة على بعض الساعة.
(الثاني عشر): من الزوال إلى أن يصير الظلّ نصف ذراع، حكاه المحبّ الطبريّ في "الأحكام"، وقبله الزكيّ المنذريّ.
(الثالث عشر): مثله، لكن قال: إلى أن يصير الظلّ ذراعًا، حكاه عياض، والقرطبيّ، والنووي.
(الرابع عشر): بعد زوال الشمس، بشبر إلى ذراع، رواه ابن المنذر، وابن عبد البرّ بإسناد قويّ إلى الحارث بن يزيد الحضرميّ، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن أبي ذرّ، أن امرأةً سألته عنها؟ فقال ذلك، ولعله مأخذ القولين اللذين قبله.
(الخامس عشر): إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، وورد نحوه في أثناء حديث عن علي، ورَوَى عبد الرزاق من طريق الحسن أنه كان يتحرّاها عند زوال الشمس بسبب قصّة وقعت لبعض أصحابه في ذلك، وروى ابن سعد في "الطبقات" عن عُبيد اللَّه بن نوفل نحو القصّة، وروى ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس، وكأن مأخذهم في ذلك أنها وقت اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة، وابتداء الأذان، ونحو ذلك.
(السادس عشر): إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، رواه ابن المنذر عن عائشة، قالت:"يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تُفتح فيه أبواب السماء، وفيه ساعة لا يسأل اللَّه فيها العبد شيئًا إلا أعطاه"، قيل: أية ساعة؟ قالت: "إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة"، وهذا يُغاير الذي قبله من حيث إن الأذان قد يتأخر عن الزوال، قال الزين ابن المنيّر: ويتعيّن حمله على الأذان الذي بين يدي الخطيب.
(السابع عشر): من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السَّوَّار العَدَويّ، وحكاه ابن الصبّاغ بلفظ: إلى أن يدخل الإمام.
(الثامن عشر): من الزوال إلى خروج الإمام، حكاه القاضي أبو الطيّب الطبريّ.
(التاسع عشر): من الزوال إلى غروب الشمس، حكاه أبو العباس أحمد بن علي بن كشاسب الدزماريّ، وهو بزاي ساكنة، وقبل ياء النسب راء مهملة في "نكته على التنبيه" عن الحسن، ونقله عنه سراج الدين ابن الملقّن في "شرح البخاريّ"، وكان الدزماريّ المذكور في عصر ابن الصلاح.
(العشرون): ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن، وروى أبو بكر المروزيّ في "كتاب الجمعة" بإسناد صحيح إلى الشعبيّ، عن عوف بن حصيرة، رجل من أهل الشام مثله.
(الحادي والعشرون): عند خروج الإمام، رواه حُميد بن زنجويه في "كتاب الترغيب" عن الحسن أن رجلًا مرت به، وهو ينعس في ذلك الوقت.
(الثاني والعشرون): ما بين خروج الإمام إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبيّ قولَه، ومن طريق معاوية بن قرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قولَه، وفيه أن ابن عمر استصوب ذلك.
(الثالث والعشرون): ما بين أن يَحرُم البيع إلى أن يَحلّ، رواه سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن الشعبي قولَه أيضًا، قال الزين ابن المنيّر: ووجهه أنه أخصّ أحكام الجمعة؛ لأن العقد باطل عند الأكثر، فلو اتفق ذلك في غير
هذه الساعة بحيث ضاق الوقت، فتشاغل اثنان بعقد البيع، فخرج، وفاتت تلك الصلاة أثما، ولم يبطل البيع.
(الرابع والعشرون): ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد بن زنجويه عن ابن عباس، وحكاه البغويّ في "شرح السنة" عنه.
(الخامس والعشرون): ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه مسلم، وأبو داود من طريق مَخرَمة بن بُكير، عن أبيه، عن أبي بُردة بن أبي موسى، أن ابن عمر سأله عما سمع من أبيه في ساعة الجمعة؟ فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فذكره، وهذا القول يُمكن أن يُتخذ من اللذين قبله.
(السادس والعشرون): عند التأذين، وعند تذكير الإمام، وعند الإقامة، رواه حُميد بن زنجويه من طريق سُليم بن عامر، عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي.
(السابع والعشرون): مثله، لكن قال: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاةُ، رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي أُمامة الصحابي قولَه. قال الزين ابن المنيّر: ما ورد عند الأذان من إجابة الدعاء، فيتأكد يوم الجمعة، وكذلك الإقامة، وأما زمان جلوس الإمام على المنبر، فلأنه وقت استماع الذكر، والابتداء في المقصود من الجمعة.
(الثامن والعشرون): من حين يَفتتح الإمام الخطبة حتى يفرغ، رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، مرفوعًا، وإسناده ضعيف.
(التاسع والعشرون): إذا بلغ الخطيب المنبر، وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالي في "الإحياء".
(الثلاثون): عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبيّ عن بعض شُرّاح "المصابيح".
(الحادي والثلاثون): أنها عند نزول الإمام من المنبر، رواه ابن أبي شيبة، وحميد بن زنجويه، وابن جرير، وابن المنذر بإسناد صحيح إلى أبي
إسحاق، عن أبي بردة، قولَه. وحكاه الغزالي قولًا بلفظ: إذا قام الناس إلى الصلاة.
(الثاني والثلاثون): حين تقام الصلاة حتى يقوم الإمام في مقامه، حكاه ابن المنذر، عن الحسن أيضًا، وروى الطبراني من حديث ميمونة بنت سعد نحوه، مرفوعًا بإسناد ضعيف.
(الثالث والثلاثون): من إقامة الصلاة إلى تمام الصلاة، رواه الترمذي، وابن ماجه من طريق كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا، وفيه: قالوا: أية ساعة يا رسول اللَّه؟ قال: "حين تُقام الصلاة إلى الانصراف منها"، وقد ضَعَّفَ كثيرٌ رواية كثير، ورواه البيهقي في "الشعب" من هذا الوجه بلفظ:"ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن تُقضى الصلاة"، رواه ابن أبي شيبة من طريق مغيرة، عن واصل الأحدب، عن أبي بردة قولَه، وإسناده قويّ إليه، وفيه أن ابن عمر استحسن ذلك منه، وبرّك عليه، ومسح على رأسه، وروى ابن جرير، وسعيد بن منصور، عن ابن سيرين نحوه.
(الرابع والثلاثون): هي الساعة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن سيرين، وهذا يُغاير الذي قبله من جهة إطلاق ذاك، وتقييد هذا، وكأنه أخذه من جهة أن صلاة الجمعة أفضل صلوات ذلك اليوم، وأن الوقت الذي كان يصلي فيه النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأوقات، وأن جميع ما تقدّم من الأذان، والخطبة، وغيرهما وسائل، وصلاة الجمعة هي المقصودة بالذات، ويؤيده ورود الأمر في القرآن بتكثير الذكر حال الصلاة، كما ورد الأمر بتكثير الذكر حال القتال، وذلك في قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)} [الأنفال: 45]، وفي قوله:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} إلى أن ختم الآية بقوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]، وليس المراد إيقاع الذكر بعد الانتشار، وإن عطف عليه، وإنما المراد تكثير الذكر المشار إليه أول الآية
(1)
، واللَّه تعالى أعلم.
(1)
قال بعض المحقّقين: هذا فيه نظرٌ، وسياق الآية يخالفه، واللَّه أعلم.
(الخامس والثلاثون): من صلاة العصر إلى غروب الشمس، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عباس موقوفًا، ومن طريق صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، مرفوعًا بلفظ:"فالتمسوها بعد العصر"، وذكر ابن عبد البرّ أن قوله:"فالتمسوها. . . إلخ" مدرج في الخبر من قول أبي سلمة، ورواه ابن منده من هذا الوجه، وزاد:"أغفل ما يكون الناس"، ورواه أبو نعيم في "الحلية" من طريق الشيباني، عن عون بن عبد اللَّه بن عُتبة، عن أخيه عبيد اللَّه، كقول ابن عباس، ورواه الترمذي من طريق موسى بن وردان، عن أنس، مرفوعًا بلفظ:"بعد العصر إلى غيبوبة الشمس"، وإسناده ضعيف.
(السادس والثلاثون): في صلاة العصر، رواه عبد الرزاق، عن عُمر بن ذَرّ، عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وفيه قصّة.
(السابع والثلاثون): بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغزالي في "الإحياء".
(الثامن والثلاثون): بعد العصر كما تقدم عن أبي سعيد مطلقًا، ورواه ابن عساكر من طريق محمد بن سلمة الأنصاري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، مرفوعًا بلفظ:"وهي بعد العصر"، ورواه ابن المنذر، عن مجاهد مثله، ورواه ابن جريج
(1)
من طريق إبراهيم بن ميسرة، عن رجل، أرسله عمرو بن أويس إلى أبي هريرة، فذكر مثله، قال: وسمعته عن الحكم، عن ابن عباس مثله، ورواه أبو بكر المرّوذيّ من طريق الثوريّ، وشعبة جميعًا، عن يونس بن خبّاب، قال الثوريّ: عن عطاء، وقال شعبة: عن أبيه، عن أبي هريرة مثله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان يتحرّاها بعد العصر، وعن ابن جريج، عن بعض أهل العلم، قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس مثله، فقيل له: لا صلاة بعد العصر، فقال: بلى، لكن من كان في مصلاه لم يقم منه، فهو في صلاة.
(1)
وفي مخطوطة الرياض من "الفتح": "ابن جرير" بدل "ابن جريج"، ولعله الصواب، واللَّه تعالى أعلم.
(التاسع والثلاثون): من وسط النهار إلى قرب آخر النهار، كما تقدم أول الباب عن سلمة بن علقمة.
(الأربعون): من حين تصفرّ الشمس إلى أن تغيب، رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كيسان، عن طاوس قولَه، وهو قريب من الذي قبله.
(الحادي والأربعون): آخر ساعة بعد العصر، رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم بإسناد حسن عن أبي سلمة، عن جابر مرفوعًا، وفي أوله:"إن النهار اثنتا عشرة ساعة"، ورواه مالك، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد اللَّه بن سلام، قولَه، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك، واحتجاج عبد اللَّه بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة.
وروى ابن جرير من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله، ولم يذكر عبد اللَّه بن سلام قوله، ولا القصّة. ومن طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبيه رر عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار قولَه.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة أنه سمع أبا سلمة يقول: حدثنا عبد اللَّه بن عامر، فذكر مثله.
وروى البزار، وابن جرير من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد اللَّه بن سلام مثله.
وروى ابن أبي خيثمة من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، فذكر الحديث، وفيه: قال أبو سلمة: فلقيت عبد اللَّه بن سلام، فذكرت ذلك له، فلم يُعرّض بذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم، بل قال:"النهار اثنتا عشرة، وإنها لفي آخر ساعة من النهار".
ولابن خزيمة من طريق أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن سلام، قال: قلت -ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جالس-: إنا لنجد في كتاب اللَّه أن في الجمعة ساعة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أو بعض ساعة"، قلت: نعم، أو بعض ساعة. . . الحديث، وفيه: فقلت: أي ساعة؟ فذكره.
وهذا يَحْتَمِل أن يكون القائل: "قلت" عبدَ اللَّه بنَ سلام، فيكون مرفوعًا، ويحتمل أن يكون أبا سلمة، فيكون موقوفًا، وهو الأرجح، لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير بأن عبد اللَّه بن سلام لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الجواب.
(الثاني والأربعون): من حين يغيب نصف قرص الشمس، أو من حين تَدَلَّى الشمسُ للغروب إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني في "الأوسط"، والدارقطني في "العلل"، والبيهقي في "الشعب"، و"فضائل الأوقات" من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي، حدثتني مُرجانة مولاة فاطمة بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قالت: حدثتني فاطمة عليها السلام، عن أبيها، فذكر الحديث، وفيه: قلت للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أيّ ساعة هي؟ قال: "إذا تدلى نصف الشمس للغروب"، فكانت فاطمة إذا كان يوم الجمعة، أرسلت غلامًا لها، يقال له: زيد، ينظر لها الشمس، فإذا أخبرها أنها تدلت للغروب أقبلت على الدعاء إلى أن تغيب. وفي إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يُعرف حاله.
وقد أخرج إسحاق ابن راهويه في "مسنده" من طريق سعيد بن راشد، عن زيد بن علي، عن فاطمة، لم يذكر مرجانة، وقال فيه: إذا تدلت الشمس للغروب، وقال فيه: تقول لغلام يقال له أربد: اصعد على الظراب، فإذا تدلت الشمس للغروب فأخبرني، والباقي نحوه، وفي آخره: ثم تصلي يعني: المغرب.
قال الحافظ رحمه الله: فهذا جميع ما اتَّصَلَ إليّ من الأقوال في ساعة الجمعة مع ذكر أدلتها، وبيان حالها في الصحة والضعف، والرفع، والوقف، والإشارة إلى مأخذ لبعضها، وليست كلها متغايرة من كل جهة، بل كثير منها يمكن أن يتَّحد مع غيره.
ثم ظَفِرتُ بعد كتابة هذا بقول زائد على ما تقدم، وهو غير منقول، استنبطه صاحبنا العلامة الحافظ شمس الدين الجَزَريّ، وأذن لي في روايته عنه في كتابه المسمى "الحصن الحصين" في الأدعية لَمَّا ذَكَرَ الاختلاف في ساعة الجمعة، واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال ما نصه: والذي أعتقده أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول: آمين، جمعًا بين
الأحاديث التي صحّت، كذا قال، ويخدش فيه أنه يفوّت على الداعي حينئذ الإنصات لقراءة الإمام، فليُتأمل.
قال الزين ابن المنيّر: يحسن جمع الأقوال، وكان قد ذكر مما تقدم عشرة أقوال تبعًا لابن بطال، قال: فتكون ساعة الإجابة واحدة منها لا بعينها، فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها، واللَّه المستعان.
وليس المراد من أكثرها أنه يستوعب جميع الوقت الذي عُيّن، بل المعنى أنها تكون في أثنائه؛ لقوله فيما مضى:"يقلِّلها"، وقوله:"وهي ساعة خفيفة".
وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلًا، وانتهاؤها انتهاء الصلاة.
وكأن كثيرًا من القائلين عَيَّنَ ما اتفق له وقوعها فيه من ساعة في أثناء وقت من الأوقات المذكورة. فبهذا التقرير يقل الانتشار جدًّا.
ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى، وحديث عبد اللَّه بن سلام رضي الله عنهما، كما تقدم.
قال المحب الطبريّ: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد اللَّه بن سلام. انتهى.
وما عداهما إما موافق لهما، أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه صلى الله عليه وسلم أُنسيها بعد أن أُعلمها، لاحتمال أن يكون سمع ذلك منه قبل أن ينسى، أشار إلى ذلك البيهقي وغيره.
وقد اختلف السلف في أيهما أرجح، فروى البيهقيّ من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوريّ أن مسلمًا قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحّه، وبذلك قال البيهقيّ، وابن العربيّ، وجماعة، وقال القرطبيّ: هو نص في موضع الخلاف فلا يُلتفت إلى غيره، وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب، وجزم في "الروضة" بأنه الصواب، ورجحه أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا، وفي أحد "الصحيحين".
وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد اللَّه بن سلام، فحَكَى الترمذيّ عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البرّ: إنه أثبت شيء
في هذا الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجحه كثير من الأئمة أيضًا، كأحمد، وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشيّ، وحكى العلائيّ أن شيخه ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته كان يختاره، ويحكيه عن نصّ الشافعي.
وأجابوا عن كونه ليس في أحد "الصحيحين" بأن الترجيح بما في "الصحيحين"، أو أحدهما إنما هو من حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا، فإنه أُعلّ بالانقطاع والاضطراب:
أما الانقطاع، فلأن مخرمة بن بُكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن خالد، عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن مخرمة، وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا. وقال علي ابن المدينيّ: لم أسمع أحدًا من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه سمعت أبي، ولا يُقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا؛ لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع.
وأما الاضطراب، فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قُرّة، وغيرهم عن أبي بُردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفيّ، فهم أعلم بحديثه من بُكير المدنيّ، وهم عدد، وهو واحد، وأيضًا فلو كان عند أبي بُردة مرفوعًا لم يُفت فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب.
وسلك صاحب "الهدي" مسلكًا آخر، فاختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يُعارض الآخر؛ لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم دلّ على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البرّ: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلكانحو ذلك الإمام أحمد، وهو أولى في طريق الجمع.
وقال ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية": إذا عُلم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة، ولليلة القدر بَعْث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بُيِّن لاتكل
الناس على ذلك، وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تَلَخَّص مما ذُكِر من أقوال أهل العلم، وأدلّتها، ومناقشتها أن الأصحّ هو ما عليه أكثر الأئمة، وهو ترجيح قول عبد اللَّه بن سلام رضي الله عنه أنها بعد العصر؛ لقوّته، هذا من حيث الترجيح.
وأما من حيث المعنى، فعدم التحديد بهذا -كما قال ابن الْمُنَيّر- أولى؛ لمخالفته لحكمة إخفاء اللَّه تعالى لها، حتى يجتهد عبادُه في التضرع إليه كثيرًا، فينبغي أن يجتهد في الدعاء، ولا سيما في هذين الوقتين اللذين نُصّ عليهما في حديث عبد اللَّه بن سلام، وحديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1970]
(. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِم صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا، إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ"، وَقَالَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، يُزَهِّدُهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خثيمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 234) وهو ابن أربع وسبعين (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
2 -
(إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ المعروف بابن عُلَيّة، ثقةٌ حافظٌ [8](193) وهو ابن ثلاث وثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
3 -
(أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كَيْسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العباد [5](131) وله خمس وستون (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 305.
(1)
"الفتح" 2/ 483 - 489.
4 -
(مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عَمْرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القَدْر [3](ت 110)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 308.
و"أبو هريرة" رضي الله عنه ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1971]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(1)
ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد بن المثنّى بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، مشهور بكنيته، وباسمه، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
2 -
(ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [9](ت 194) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 128.
3 -
(ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد اللَّه بن عَوْن بن أَرْطَبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ [5](ت 150) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 303.
والباقيان ذُكرا قبله، و"محمد" هو ابن سيرين.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن ابن عون حدّث عن محمد بن سيرين بمثل ما حدّث به أيوب، عنه.
[تنبيه]: رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده" فقال:
(7423)
حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجمعة لساعةً -وجعل ابن عون يُرينا بكفه
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
اليمنى، فقلنا: يزهدها- لا يوافقها رجل مسلم قائم يصلي، يسأل اللَّه خيرًا إلا أعطاه إياه". انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1972]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ
(1)
، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ) حميد بن مسعدة بن المبارك السامي بالمهملة أو الباهلي بصري صدوق [10].
روى عن حماد بن زيد، وبشر بن المفضل، وابن علية، وغيرهم.
وعنه الجماعة سوى البخاري، وأبو زرعة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: كان صدوقًا، ووثقه النسائي.
مات سنة أربع وأربعين.
أخرج له الجماعة سوى البخاري، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث.
2 -
(بِشْرُ بْنُ مُفَضَّلٍ) بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي بقاف ومعجمة أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت عابد من الثامنة مات سنة ست أو سبع وثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" 10/ 145.
3 -
(سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ) التميميّ، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ [6].
رَوَى عن محمد بن سيرين، والوليد أبي بشر العنبريّ، ونافع مولى ابن عمر، وعبيد اللَّه بن حميد بن عبد الرحمن الْحِمْيَريّ.
ورَوَى عنه حماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وبشر بن المفضل، وابن عُلَيّة، وابن أبي عديّ، وغيرهم.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا بشر بن المفضّل".
قال أحمد: بَخٍ ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكر البخاريّ في "تاريخه" عن ابن عُليّة، قال: كان سلمة أحفظ لحديث محمد؛ يعني: ابن سيرين من خالد؛ يعني: الحذاء، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان حافظًا متقنًا، وقال العجليّ: ثقةٌ فقيهٌ، وذكره ابن المدينيّ في الطبقة السابعة من أصحاب نافع.
أرَّخ وفاته ابن قانع سنة (139).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (852)، وحديث (1080):"الشهر تسع وعشرون، فإذا رأيتم الهلال. . . " الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين هذه ساقها البخاريُّ رحمه الله في "كتاب الطلاق" من "صحيحه"، فقال:
(5295)
حدّثنا مسدَّد، حدّثنا بشر بن المفضَّل، حدَّثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "في الجمعة ساعة، لا يوافقها عبد مسلم، قائم يصلي، فسأل اللَّه خيرًا، إلا أعطاه، وقال بيده، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر، قلنا: يزهدها". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1973]
(. . .) - (وَحَدثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، قَالَ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ -بتشديد اللام- الْجُمَحِيُّ) مولاهم، أبو حرب البصريّ، أخو محمد الأَخْبَاريّ، صدوقٌ [10] (ت 231) ويقال: بعدها (م) تقدم في "الإيمان" 100/ 526.
2 -
(الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْجُمَحِيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [7](167)(بخ م د ت س) تقدم في "الإيمان" 100/ 526.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحِيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ ربما أرسل [3](ع) تقدم في "الإيمان" 92/ 500.
و"أبو هريرة" رضي الله عنه ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (125) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً) منصوب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، والجارّ والمجرور خبرها مقدّمًا، واللام هي لام الابتداء المؤكّدة قُرنت باسمها، وإنما دخلت على الاسم هنا؛ لتأخّره، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة" بقوله:
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ
…
لَامُ ابْتِدَاء نَحْوُ "إِنِّي لَوَزَرْ"
إلى أن قال:
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ
…
وَالْفَصْلَ وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
وقوله: (وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) أي: تلك الساعة التي يستجاب فيها الدعاء ساعة قليلة قصيرة، لا كثيرة طويلة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1974]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَاه
(1)
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَقُلْ:"وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ").
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا ابن رافع".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قبل باب أيضًا.
3 -
(مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا.
4 -
(هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصَّنْعانيّ، أبو عُتْبَة، أخو وهب، ثقةٌ [4](ت 132) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 26/ 213.
و"أبو هريرة" رضي الله عنه ذُكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) هذا على خلاف عادة المصنّف، فإنه إذا أحال حديثًا، ولم يسقه بتمامه يقول:"مثله"، أو "نحوه"، أو غير ذلك من العبارات المفهمة للإحالة، ولعله سقط من النسّاخ قوله:"بمثله"، أو نحو ذلك، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) يعني: أن همّام بن منبّه حدّث عن أبي هريرة رضي الله عنه بمثل ما حدّث به محمد بن زياد، إلا لم يقل في روايته:"وهي ساعة خفيفة".
قال القرطبيُّ رحمه الله: قوله: "ساعة خفيفة": أي: قصيرة غير طويلة، كما قال في الرواية الأخرى:"يُزهّدها؛ أي: "يُقلّلها"، وهذا يدلّ على أنها ليست من بعد العصر إلى غروب الشمس؛ لطول هذا الوقت. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "يدلّ على أنها. . . إلخ" في هذا الاستدلال نظر لا يخفى، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية همّام بن منبّه، عن أبي هريرة رضي الله عنه هذه ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 443) فقال:
(1920)
أخبرنا سليمان بن أحمد، أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الرزاق قراءة، عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه، أنه سَمِع أبا هريرة يقول. . .
وثناه محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا محمد بن أبي السَّرِيّ، ثنا عبد الرزاق، أنبا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، قال
(1)
"المفهم" 2/ 494.
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن في الجمعة لساعةً -وقال محمد-: ساعةً لا يوافقها مسلم، وهو يصلي، يسأل اللَّه فيها -وقال محمد-: يسأل ربه شيئًا إلا أعطاه إياه" -وقال محمد-: "آتاه إياه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1975]
(853) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَسَمِعْتَ أَباكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [10](ت 250)(م د س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
2 -
(عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ) -بمعجمتين، وزانُ جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [10](ت 257) أو بعدها، وقارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 25.
3 -
(هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) ثم المصريّ، تقدّم قبل بابين.
4 -
(أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) المصريّ المعروف بابن التستريّ، تقدّم قبل بابين.
5 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب، تقدّم قبل باب.
6 -
(مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْر) بن عبد اللَّه بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ، وروايته عن أبيه وِجَادةٌ من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ: سمع من أبيه قليلًا [7](ت 159)(بخ م د س) تقدم في "الطهارة" 4/ 554.
7 -
(أَبُوهُ) بُكَير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، مولى بني مخزوم، أبو عبد اللَّه،
أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [5] (ت 120) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" 4/ 554.
8 -
(أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [3](104) وقيل غير ذلك، وقد جاز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 171.
9 -
(أَبُوهُ) عبد اللَّه بن قيس بن سُلَيم بن حَضَّار أبو موسى الأشعريّ الصحابي المشهور، أَمَّره عمر، ثم عثمان رضي الله عنه، وهو أحد الْحَكَمين بِصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 171.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) أنه (قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله عنهما (أَسَمِعْتَ أَبَاكَ) أي: أبا موسى الأشعريّ رضي الله عنه (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ؟) أي: في بيان وقت ساعة إجابة الدعاء التي في يوم الجمعة (قَالَ) أبو بردة (قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ) أي: أباه أبا موسى رضي الله عنه (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "هِيَ) أي: الساعة التي في يوم الجمعة (مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ) أي: جلوسه للخطبة، قال أبو داود: يعني: على المنبر؛ أي: المراد بجلوس الإمام في الحديث جلوسه عقب صعوده على المنبر للخطبة.
(إِلَى أَنْ تُقْضَى) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله:(الصَّلَاةُ") أي: إلى تمام الصلاة، والفراغ منها.
وقال الطيبيُّ رحمه الله: قوله: "هي بين أن يجلس الإمام": أي: ما بين الخطبتين إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة، قال: أصل الكلام يقتضي أن تقترن لفظة "بين" بطرفي الزمان، فيقال: بين أن يجلس، وبين أن تُقضى، إلا أنه أتى بـ "إلى"، فبيّن أن جميع الزمان المبتدأ من الجلوس إلى انقضاء الصلاة تلك الساعة الشريفة، و"إلى" هذه مقابلة "من" في قوله تعالى:{وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5] فإن "من" هناك لتحقيق الابتداء، فيلزم منه الانتهاء، كما أن "إلى" ها هنا لتحقيق الانتهاء، فيلزم منه الابتداء، قال في "الكشّاف": لو قيل: بيننا وبينك حجابٌ لكان المعنى أن حجابًا حاصلٌ وسط الجهتين، فأما
بازدياد "مِنْ" فالمعنى: أن الحجاب ابتدأ منا، وابتدأ منك، فالمسافة المتوسّطة بجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب، لا فراغ فيها. انتهى كلام الطيبيُّ رحمه الله
(1)
.
وقال في "المرعاة": والحديث نصّ في أن ساعة الإجابة فيما بين جلوس الإمام على المنبر للخطبة إلى تمام الصلاة، وليس المراد أنها تستوعب جميع الوقت الذي عُيِّنَ، بل المعنى أنها تكون في أثنائه؛ لقوله فيما مضى:"يُقلّلها"، وقوله:"ساعة خفيفة"، وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه، فيكون ابتداء مظنّتها ابتداء الخطبة، وانتهاؤها انتهاء الصلاة. انتهى
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في "تخريجه":
أخرجه (المصنّف) هنا [6/ 1975](853)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1049)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1739)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2551 و 2552)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1921)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1051)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث مما استدركه الإمام أبو الحسن الدارقطنيُّ رحمه الله على مسلم رحمه الله، وقال: لم يُسنده غير مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة، ورواه جماعة عن أبي بردة من قوله، ومنهم مَن بلغ به أبا موسى ولم يرفعه، قال: والصواب أنه من قول أبي بردة، كذلك رواه يحيى القطان، عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، وتابعه واصل الأحدب، ومجالد، روياه عن أبي بردة من قوله.
وقال النعمان بن عبد السلام، عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، موقوفًا، ولا يثبت قوله:"عن أبيه".
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1264.
(2)
"المرعاة شرح المشكاة" 4/ 426.
وقال أحمد بن حنبل، عن حماد بن خالد: قلت لمخرمة: سمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا. هذا كلام الدارقطني رحمه الله.
قال النوويُّ رحمه الله: وهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له، ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع، أو إرسال واتّصال حكموا بالوقف والإرسال، وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء، والبخاريّ ومسلم، ومحققي المحدثين، أنه يُحْكَم بالرفع والاتّصال؛ لأنها زيادةُ ثقةٍ، وقد سبق بيان هذه المسألة واضحًا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب، وسبق التنبيه على مثل هذا في مواضع أُخَرَ بعدها، وقد رَوَينا في "سنن البيهقيّ" عن أحمد بن سَلَمة، قال: ذاكرت مسلم بن الحجاج رحمه الله حديث مخرمة هذا، فقال مسلم: هو أجود حديث، وأصحّه في بيان ساعة الجمعة. انتهى كلام النوويُّ
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ادّعاه النوويُّ رحمه الله من أن ما ذهب إليه الدارقطنيّ مذهب ضعيف، وأن مذهب المحقّقين، ومنهم البخاريّ ومسلم دائمًا تقديم الرفع والاتّصال هو الضعيف، فليس كما زعمه، كما أوضحناه غير مرّة، بل مذهب المحقّقين، ومنهم الشيخان أنهم ينظرون في القرائن المحتفّة، فإن اقتضت تقديم الرفع والاتّصال على الوقف والإرسال سلكوه، وإن اقتضت العكس عملوا به، فتنبّه لهذا الأمر المهمّ.
والحاصل أن انتقاد الدارقطنيّ لهذا الإسناد قويّ؛ لقوّة حجّته، فالحديث مقطوع من قول أبي بردة، وليس مرفوعًا، وإنما رفعه مخرمة، وفيه علّتان: الانقطاع والاضطراب، وقد أجاد الحافظ في "الفتح" البحث فيه فقال ما حاصله: حديث أبي موسى رضي الله عنه هذا أُعِلّ بالانقطاع والاضطراب، أما الانقطاع فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن خالد، عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن مخرمة، وزاد: إنما هي كُتُب كانت عندنا، وقال عليّ ابن المدينيّ: لم أسمع أحدًا من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه: سمعت أبي.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 141.
ولا يقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا؛ لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كافٍ في دعوى الانقطاع.
وأما الاضطراب فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرة، وغيرهم، عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفيّ فهم أعلم بحديثه من بكير المدنيّ وهم عدد، وهو واحد، وأيضًا فلو كان عند أبي بردة مرفوعًا لم يُفْتِ فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطنيّ بأن الموقوف هو الصواب. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
(1)
.
فتبيّن بما ذُكر أن هذا الحديث لا يصحّ رفعه، وإنما هو موقوف على أبي بردة من قوله؛ للعلّتين المذكورتين، وهما: الانقطاع بين بُكير وأبيه، ومخالفة بُكير لجماعة الرواة عن أبي بردة، وهم: أبو إسحاق السبيعيّ، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرّة، وغيرهم، كما ذكره الحافظ، وزاد الدارقطنيّ مجالد بن سعيد، فهؤلاء كلهم جعلوه من قول أبي بردة، وهو الصواب.
وبالجملة فالجواب عن المصنّف في إيراده مورد الاحتجاج به هنا صعوبة وأما الجواب الذي ذكره النوويّ رحمه الله، فمما لا يخفى ضعفه على من تأمّله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(7) - (بَابُ فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1976]
(854) - (وَحَدَّثَنِي
(2)
حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا").
(1)
"الفتح" 2/ 489.
(2)
وفي نسخة: "حدّثني".
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران، أبو حفص التجيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق من [11](ت 3 أو 244)(م س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
2 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه، تقدّم في السند الماضي.
3 -
(يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [7] (ت 159) على الصحيح وقيل: سنة (160)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
4 -
(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
5 -
(عَبْدُ الرَّحمَنِ الْأَعْرَجُ) ابن هُرْمُز، تقدّم قبل باب أيضًا.
6 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدّم قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
4 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار إلا في موضع واحد.
5 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال:(أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن هُرْمُز (الْأَعرَجُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ يَوْمٍ) مبتدأ، وخبره "يومُ الجمعة".
قال القرطبيُّ رحمه الله: "خير" و"شرّ" يستعملان للمفاضلة، ولغيرها، فإذا كانتا للمفاضلة، فأصلهما:"أخير" و"أشرّ"، على وزن أفعل، كما قال في "الكافية":
وَغَالِبًا أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرْ
…
عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرْ
وقد نُطق بأصلها، فجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"توافون يوم القيامة سبعين أمّةً، أنتم أخيرهم"
(1)
، ثم أفعل إن قُرنت بـ "من" كانت نكرةً، ويستوي فيها المذكّر والمؤنّث، والواحد، والاثنان، والجمع، وإن لم تُقرن بها، لزم تعريفها بالإضافة، أو بالألف واللام، فإذا عُرّف بالألف واللام أُنّث، وثُنّي، وجُمع، وإن أُضيف ساغ فيه الأمران، كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} [الأنعام: 123]، وقال:{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96].
وأما إذا لم يكونا للمفاضلة فهما من جملة الأسماء، كما قال تعالى:{إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 180]، وقال:{وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
وإلى قاعدة أفعل التفضيل المذكورة أشار ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة" حيث قال:
وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا
…
تَقْدِيرًا أَوْ لَفْظًا بِـ "مِنْ" إِنْ جُرِّدَا
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا
…
أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا
وَتلْوَ "أَلْ" طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَهْ
…
أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ
هَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى "مِنْ" وَإِنْ
…
لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ
و"خير" في هذا الحديث للمفاضلة، غير أنها مضافة لنكرة موصوفة، ومعناها: أن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت فيه الشمس
(2)
.
(طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "يوم"، جيء بها للتنصيص على التعميم، كما في قوله تعالى:{وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38]، فإن الشيء إذا وُصف بصفة تعمّ جنسه يكون تنصيصًا على اعتبار استغراقه أفرادَ الجنس
(3)
.
(1)
هكذا أورده القرطبيّ، والحديث أخرجه أحمد، والدارميّ، وغيرهما بإسناد حسن بلفظ:"أنتم توفون سبعين أمة، أنتم آخرها وأكرمها على اللَّه عز وجل. . . " الحديث.
(2)
"المفهم" 2/ 489 - 490.
(3)
"المرعاة" 4/ 422.
وظاهر قوله: "طلعت فيه الشمس" أن يوم الجمعة لا يكون أفضل من أيام الجنة.
ويمكن أن لا يُعتبر هذا القيد، ويكون يوم الجمعة أفضل أيام الجنة، كما أنه أفضل أيام الدنيا؛ لما ورد من أنّ أهل الجنة يزورون ربهم فيه.
ويجاب بأنّا لا نعلم أنه يسمّى في الجنة يوم الجمعة، والذي ورد أنهم يزورون ربهم بعد مضيّ جمعة
(1)
، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذيّ، وابن ماجه، قال:"أخبرني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوها، نزلوا فيها بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون. . . " الحديث
(2)
.
(يَوْمُ الْجُمُعَةِ) فيه أن أفضل الأيام يومُ الجمعة، فيكون أفضل من يوم عرفة، وبه جزم ابن العربيّ.
ويشكل على ذلك ما أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" عن جابر رضي الله عنه، مرفوعًا:"ما من يوم أفضل عند اللَّه من يوم عرفة. . . " الحديث.
وقد جمع الحافظ العراقيّ، فقال: المراد بتفضيل الجمعة بالنسبة إلى أيام الجمعة؛ أي: الأسبوع، وتفضيل يوم عرفة بالنسبة إلى أيام السنة، وصرّح بأن حديث أفضلية الجمعة أصحّ
(3)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ويؤيد تفضيلَ الجمعة على الإطلاق ما أخرجه أحمد في "مسنده" 3/ 430، وابن ماجه في "سننه" رقم (1084) بإسناد حسن -كما قال الحافظ العراقيّ- عن أبي لبابة البدريّ رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "سيّدُ الأيام يومُ الجمعة، وأعظمُها عند اللَّه تعالى، وأعظمُ عند اللَّه تعالى من يوم الفطر، ويوم الأضحى، وفيه خمسُ خلال: خلق اللَّه عز وجل فيه آدم عليه السلام، وأهبط اللَّه تعالى فيه آدم إلى الأرض، وفيه تَوَفَّى اللَّهُ تعالى آدمَ، وفيه ساعةٌ، لا
(1)
هكذا في "نيل الأوطار": "بعد مضيّ جمعة"، والذي في الحديث أنه يؤذن لهم:"في مقدار يوم الجمعة"، فليُتأمّل.
(2)
"نيل الأوطار"(3/ 286 - 287) لكن الحديث ضعيف، فتنبّه.
(3)
"نيل الأوطار" 3/ 286.
يَسأل العبدُ فيها ربّه شيئًا إلا آتاه اللَّه تعالى إياه، ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مُقرَّب، ولا سماء، ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر، إلا هنّ يُشفقن من يوم الجمعة"، واللَّه تعالى أعلم.
(فِيهِ خُلِقَ آدَمُ) عليه السلام؛ أي: في آخر ساعة منه، كما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال:"خلق اللَّه التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة، من ساعات يوم الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل"
(1)
.
(وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ) فيه دليل على أن آدم عليه السلام لم يُخلق في الجنّة، بل خُلق خارجها، ثم أدخل فيها.
قيل: إن خلقه، وإدخاله كانا في يوم واحد، ويَحْتَمِل أنه خلق يوم الجمعة، ثمّ أمهل إلى جمعة أخرى، فأدخل فيها الجنّة، وكذا الاحتمال في يوم الإخراج.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا التفصيل كله يحتاج إلى دليل، واللَّه تعالى أعلم.
(وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا") قال ابن كثير رحمه الله: إن كان يومُ خلقه يومَ إخراجه، وقلنا: الأيام الستة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا، وفيه نظر، وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خُلق فيه، وقلنا: إن كل يوم بألف سنة، كما قال ابن عباس، والضحاك، واختاره ابن جرير، فقد لبث هناك مدة طويلة. انتهى.
وقيل: كان إخراجه في اليوم الذي خُلق فيه، لكن المراد من اليوم
(1)
هذا الحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم (2789)، وتكلّم فيه عليّ ابن المدينيّ، والبخاريّ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار، وسمعه أبو هريرة رضي الله عنه منه، فاشتبه على بعض الرواة، فجعلوه مرفوعًا، انظر:"تفسير ابن كثير" في "سورة البقرة"(1/ 72).
الإطلاق الثاني؛ أي: ما مقداره كألف سنة، فيكون مكثه فيها زمانًا طويلًا
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مثل هذا الخلاف مما لا فائدة فيه، حيث لم يَسْتَنِد إلى نصّ صحيح، فلا ينبغي الاشتغال به، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قيل: هذه القضايا ليست لذكر فضيلة يوم الجمعة؛ لأن إخراج آدم، وقيام الساعة، لا يُعَدّان فضيلةً، وإنما هو لبيان ما وقع فيه من الأمور العظام.
وقيل: بل جميعها فضائل، وخروج آدم عليه السلام ليس طردًا، كخروج إبليس، وإنما كان خروجه منها مسافرًا لقضاء أوطار، من وجود الذرّيّة الطيبة، من الرسل، والأنبياء، والصالحين، والعود إلى تلك الدار، وموته سبب لنيل ما أُعدّ له، ولذرّيّته الصالحين، من الكرامات، وقيام الساعة أعظم سبب لظهور رحمة اللَّه تعالى، وإنجاز وعده لعباده الصالحين وتعجيل جزائهم.
وقال القرطبيُّ: كون يوم الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى عين اليوم؛ لأن الأيام متساوية في أنفسها
(2)
، وإنما يَفضُلُ بعضُها بعضًا بما يُخَصّ به من أمر زائد على نفسه، ويوم الجمعة قد خُصّ من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة التي يجتمع لها الناس، وتتفق هممهم، ودواعيهم، ودعواتهم فيها، ويكون حالهم فيها كحالهم يوم عرفة، ليُستجاب لبعضهم في بعضهم، ويُغفر لبعضهم ببعض، ولذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"الجمعة حج المساكين"
(3)
؛ أي: يحصل لهم فيها ما يحصل لأهل عرفة، ثم إن الملائكة يَشهدونهم، ويكتبون ثوابهم، ولذلك سُمي هذا اليومُ اليومَ المشهودَ، ثم يحصل لقلوب العارفين من الألطاف، والزيادات حسبما يدركونه من ذلك، ولذلك سُمي يوم
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 422 - 423.
(2)
هذا الكلام من القرطبيّ فيه نظر لا يخفى؛ لأن ظاهر النصّ يدلّ على أن فضله في نفسه، وذلك بتفضيل من اللَّه تعالى، ولكون فضله في نفسه حصلت فيه هذه الأمور العظام، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(3)
حديث ضعيف، أخرجه ابن زنجويه في "ترغيبه"، والقضاعيّ من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما، راجع:"ضعيف الجامع" للشيخ الألبانيُّ رحمه الله (ص 394).
المزيد، ثم إن اللَّه تعالى قد خصه بالساعة التي فيه، وبأن أوقع فيه هذه الأمور العظيمة التي هي خلق آدم عليه السلام الذي هو أصل البشر، ومن وَلَدِهِ الأنبياءُ، والأولياءُ، والصالحون، ومنها إخراجه من الجنة التي حصَلَ عنده إظهار معرفة اللَّه تعالى، وعبادته في هذا النوع الآدمي، مع إجرامه، ومخالفته، ومنها موته الذي بعده وُفّي به أجره، ووصل إلى مأمنه، ورجع إلى المستقرّ الذي خرج منه، ومن فَهمَ هذه المعاني فَهمَ فضيلة هذا اليوم، وخصوصيّته بذلك، فحافظ عليه، وبادر إليه. انتهى
(1)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [7/ 1976 و 1977](854)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1046)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(491)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1373)، و"الكبرى"(1663 و 1664)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 108)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 401 و 418 و 512 و 540)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1729)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2542 و 2543 و 2544 و 2545)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1922 و 1923)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(4/ 203 - 205)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان فضل يوم الجمعة، قال النوويُّ رحمه الله: في هذا الحديث فضيلة يوم الجمعة، ومزيّته على سائر الأيام، وفيه دليل لمسألة غريبة حسنة، وهي لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، وفيها وجهان لأصحابنا -يعني: الشافعية- أصحهما تطلق يوم عرفة، والثاني يوم الجمعة لهذا الحديث، وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إن أراد أفضل أيام السنة، فيتعيّن يوم
(1)
"المفهم" 2/ 490 - 491.
عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع، فيتعيّن الجمعة، ولو قال أفضل ليلة تعيّنت ليلة القدر، وهي عند أصحابنا والجمهور، منحصرة في العشر الأواخر من رمضان، فإن كان هذا القول قبل مضيّ أول ليلة من العشر طلقت في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، وإن كان بعد مضيّ ليلة من العشر، أو أكثر لم تطلق إلا في أول جزء من مثل تلك في السنة الثانية، وعلى قول من يقول: هي منتقلة، لا تطلق إلا في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، واللَّه أعلم. انتهى.
2 -
(ومنها): أن هذه الأشياء، من خلق آدم، وإدخاله الجنة، وإخراجه منها، وكذا قيام الساعة فضائل عظيمة، كما ذكرنا وجهه سابقًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1977]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، يَعْنِي الْحِزَامِيَّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا في يَوْمِ الْجُمُعَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام -بمهملة، وزاي- الِحِزامي المدنيّ، كان قد نزل عسقلان، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [7] من السابعة (ع) تقدم في "الطهارة" 26/ 653.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: قوله: (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) تكلّم فيها الإمام ابن خزيمة رحمه الله في "صحيحه"، ودونك نصّه (3/ 115):
(1728)
نا الربيع بن سليمان المراديّ، نا عبد اللَّه بن وهب، قال: وأخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "سيد الأيام يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة".
قال أبو بكر
(1)
: غَلِطنا في إخراج هذا الحديث؛ لأن هذا مرسلٌ، موسى بن أبي عثمان لم يسمع من أبي هريرة، أبوه أبو عثمان التَّبّان، رَوَى عن أبي هريرة أخبارًا سمعها منه.
(1729)
نا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، حدّثنا محمد بن مصعب؛ يعني: القرقسائيّ، ثنا الأوزاعيّ، عن أبي عَمّار، عن عبد اللَّه بن فَرُّوخ، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة".
قال أبو بكر: قد اختلفوا في هذه اللفظة، في قوله:"فيه خُلق آدم" إلى قوله: "وفيه تقوم الساعة"، أهو عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار؟ قد خرجت هذه الأخبار في كتاب "الكبير"، مَن جعل هذا الكلام روايةً من أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن جعله عن كعب الأحبار، والقلب إلى رواية مَن جعل هذا الكلام، عن أبي هريرة، عن كعب أميل؛ لأن محمد بن يحيى حدّثنا، قال: نا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُسكن الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة"، قال: قلت له: أشيء سمعته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟، قال: بل شيء حدّثناه كعب، وهكذا، رواه أبان بن يزيد العطار، وشيبان بن عبد الرحمن النحويّ، عن يحيى بن أبي كثير.
قال أبو بكر: وأما قوله: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة"، فهو عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، لا شك، ولا مِرْية فيه، والزيادة التي بعدها:"فيه خُلِق آدم" إلى آخره، هذا الذي اختلفوا فيه، فقال بعضهم: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: عن كعب. انتهى كلام ابن خزيمة رحمه الله
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه ابن خزيمة رحمه الله في كلامه السابق أنه يرى أن قوله: "ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة"، ليس من كلام
(1)
هو ابن خزيمة.
(2)
"صحيح ابن خزيمة" 3/ 115 - 116.
النبيّ صلى الله عليه وسلم، بل هو مما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن كعب الأحبار، واستدَلّ على ذلك بما رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وسؤال أبي سلمة له، هل سمعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ وجوابه له بأنه إنما أخذه عن كعب.
هذا حاصل ما أشار إليه، والذي يظهر لي أنه صحيح من كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأمور:
(الأول): تصحيح مسلم له، فقد أخرجه هنا ساكتًا، ولم يُشِر إلى الطعن فيها، كما هي عادته في كثير من الروايات التي تقع فيها العلّة، وهي مؤثّرة عنده، كما وَعَدَ في مقدّمة صحيحه.
(الثاني): أن هذه الزيادة ثبتت عن أبي هريرة رضي الله عنه في غير هذا الطريق، فقد أخرجها الحاكم في "المستدرك"(1/ 412)، من الوجه الذي أخرجه ابن خزيمة عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، فاتّصل الإسناد بذكر "أبيه".
(والثالث): أن الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله من طريق آخر، في "مسنده" (2/ 540) فقال:
(10587)
حدّثنا محمد بن مصعب، حدّثنا الأوزاعيّ، عن أبي عَمّار، عن عبد اللَّه بن فَرُّوخ، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، وفيه تقوم الساعة".
وهذا إسناد حسنٌ، و"أبو عمّار" اسمه شدّاد بن عمار، وثّقه أبو حاتم، والعجليّ، وغيرهما، و"عبد اللَّه بن فَرُّوخ" وإن قال أبو حاتم: مجهول، إلا أنه روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم حديثين، ووثقه العجليّ، فأقلّ أحواله أنه حسن الحديث، فتنبّه.
(9930)
قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنه قال: خرجت إلى الطور، فلَقِيت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدَّثني عن التوراة، وحدّثته عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فكان فيما حدثته أن قلت: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم
الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبط، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابّة، إلا وهي مُسِيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس؛ شفقًا من الساعة، إلا الجنّ والإنس، وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي، يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه إياه"، قال كعب: ذلك في كلّ سنة مرة، فقلت: بل هي في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد اللَّه بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب، وما حدثته في يوم الجمعة، فقلت له: قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، قال عبد اللَّه بن سلام: كَذَبَ كعب، ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة، قال عبد اللَّه بن سلام: صَدَقَ كعب.
وهذا إسناد صحيح.
(10167)
حدّثنا يزيد
(1)
، أخبرنا محمد
(2)
، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي، وقَبَضَ أصابعه يُقَلِّلها، يسأل اللَّه عز وجل خيرًا إلا أعطاه إياه". وهذا إسناد حسنٌ.
والحاصل أن الحديث صحيح ثابت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(8) - (بَابُ هِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1978]
(855) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ الْآخِرُونَ،
(1)
هو ابن هارون.
(2)
هو ابن عمرو بن علقمة.
وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا، هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نَزَل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 232)(خ م د س) تقدم في "المقدمة" 4/ 23.
2 -
(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ الثقة الحافظٌ الفقيه الإمام الحجة، من رؤوس الطبقة [8] مات في رجب سنة (198) وله إحدى وتسعون سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 383.
3 -
(أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان، تقدّم في السند الماضي.
4 -
(الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم في السند الماضي أيضًا.
5 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، تقدّم في السند الماضي أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، ثم رَقّيّ، وسفيان، فكوفيّ، ثم مكيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.
5 -
(ومنها): أن هذا الإسناد أصح أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله.
6 -
(ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ الْآخِرُونَ) -بكسر الخاء المعجمة- أي: المتأخرون زمانًا (وَنَحْنُ السَّابِقُونَ) أي: المتقدّمون على الأمم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) والمراد أن هذه الأمة، وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يُحْشَر، وأول من يُحاسَب، وأول من يُقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه الآتي:"نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق".
وقال الحافظ ولي الدين العراقيّ رحمه الله: والتقييد بـ "يوم القيامة" يردّ قولَ من قال: إن المراد سبقهم بيوم الجمعة على الأيام بعده التي هي تَبَعٌ له، وقولَ من قال: إن المراد سبقهم بالقبول والطاعة التي حُرمُوها، وقالوا: سمعنا وعصينا.
وصحّ وصف هذه الأمّة بالآخرية، والسبق باعتبارين، فلما اختلف الاعتبار لم يكن في ذلك تناف.
[فإن قلت]: كون هذه الأمة آخر الأمم أمر واضح، فما فائدة الإخبار به؟.
[قلت]: يَحْتَمِل أنه ذُكِر توطئة لوصفهم بالسبق يوم القيامة، وأنه لا يُتخيّل من تأخرهم في الزمن تأخّرهم في الحظوظ الأُخرويّة، بل سابقون فيها.
ويَحْتَمِل أن يُراد بذلك الدلالة على أنهم آخر الأمم، وأن شريعتهم باقية إلى آخر الدهر، ما دام التكليف موجودًا، فسائر الأمم، وإن سبقوا، لكن انقطعت شرائعهم، ونُسخت، بخلاف هذه الأمة، فإن شريعتها باقية مستمرّة، وهذا الاحتمال أمكن من الأول؛ لأنه يكون حينئذ في وصفهم بالآخريّة شرف، كما أن في وصفهم بالسبق شرفًا، وعلى الأول يكون ذكره مجرّد توطئة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى
(1)
.
(بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا)"بَيْدَ" -بموحّدة، ثم تحتانيّة ساكنة- مثل "غير" وزنًا وَمعنًى، وبه جزم الخليل، والكسائيّ، ورجحه ابن
(1)
"طرح التثريب في شرح التقريب" 3/ 152 - 153.
سِيدَهْ، وَرَوَى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعيّ، عن الربيع، عنه أن معنى "بيد":"من أجل"، وكذا ذكره ابن حبّان، والبغويّ، عن المزنيّ، عن الشافعيّ، وقد استبعده عياض، ولا بُعْدَ فيه، بل معناه: إنا سبقنا بالفضل، إذ هُدينا للجمعة، مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلّوا عنها مع تقدّمهم.
ويشهد له ما في "فوائد ابن المقري" من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ:"نحن الآخرون في الدنيا، ونحن السابقون، أول من يدخل الجنة؛ لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا".
وفي "موطأ" سعيد بن عُفير، عن مالك، عن أبي الزناد، بلفظ:"ذلك بأنهم أوتوا الكتاب".
وقال الداوديّ: هي بمعنى "على"، أو "مع".
وقال القرطبيّ: إن كانت بمعنى "غير"، فالنصبُ على الاستثناء، وإن كانت بمعنى "مع"، فالنصبُ على الظرفية.
وقال الطيبيّ: هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ، والمعنى: نحن السابقون للفضل، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ووجه التأكيد فيه ما أُدمج فيه من معنى النسخ؛ لأن الناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان متأخرًا في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله:"نحن الآخرون" مع كونه أمرًا واضحًا. قاله في "الفتح".
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: "بيد" -بفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء المثناة من تحتُ، وفتح الدال المهملة- وحَكَى بعضهم أنه يقال فيها:"ميد" بالميم، والمشهور أنها بمعنى "غير"، وقد جزم بذلك في "الصحاح"، وقال: يقال: هو كثير المال بيد أنه بخيل، وذكر في "المحكم" مثل ذلك عن حكاية ابن السِّكّيت، ثم قال: وقيل: هي بمعنى "على"، حكاه أبو عُبيد، والأول أعلى، وحَكَى في "المشارق" قولًا آخر أنها بمعنى "إلّا"، ثم قال: وقد تأتي بمعنى "من أجل"، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"بيد أني من قريش"، وقد قيل ذلك في الحديث الأول، وهو بعيد. انتهى.
وأنشدوا على مجيئها بمعنى "من أجل" قولَ الشاعر [من الرجز]:
عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي
…
أَخَافُ إِنْ هَلَكْتُ لَمْ تُرِنّي
(1)
وقد ذكر ابن مالك أن "بيد" في قوله صلى الله عليه وسلم: "بيد أني من قُريش" بمعنى "غير"، مثل قوله [من الطويل]:
وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ
…
بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وسبقه إلى ذلك ابن الأثير في "النهاية".
وعبارة ابن مالك رحمه الله في "التوضيح": و"بيد" بمعنى "غير"، والمشهور استعمالها متلُوّةً بـ "أَنَّ"، كقوله صلى الله عليه وسلم:"نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم"، ومنه قول الشاعر [من الرمل]:
بَيْدَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَكُمْ
…
فَوْقَ مَنْ أَحْكَأَ
(2)
صُلْبًا بِإِزَارِ
وقول الراجز:
عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي
…
. . . . . . . . . . البيت
والأصل في رواية من روى "بيد كلّ أمة": بيد أنّ كل أمة، فحُذفت "أنّ"، وبطل عملها، وأُضيف "بيد" إلى المبتدأ والخبر اللذين كانا معمولي "أَنّ"، وهذا الحذف في "أنّ" نادر، لكنه غير مستبعد في القياس على حذف "أَنْ" فإنهما أختان في المصدريّة، وشبيهتان في اللفظ.
وقد حَمَل بعض النحويين على حذف "أن" قول الزبير رضي الله عنه:
فَلَوْلَا بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَطَبْتُهَا
ومما حُذف فيه "أَنْ"، واكتُفي بصلتها قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} الآية [الروم: 24]، والأصل أن يريكم؛ لأن الموضع موضع مبتدأ وخَبَرُهُ {مِنْ آيَاتِهِ} .
ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلّ لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تُحِدّ على ميّت فوق ثلاث"، متّفق عليه.
(1)
في نسخة "الطرح": "أن تزني"، وفي "اللسان":"لم تُرنِّي"، ولعله الصواب، ومعناه: لم تصيحي بالبكاء.
(2)
أي: شدّ وأحكم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها"، أراد: أن تُحدّ، وأن تسأل.
قال: والمختار عندي في "بيد" أن يُجعل حرف استثناء، ويكون التقدير: إلا كلّ أمة أوتوا الكتاب من قبلنا، على معنى لكن؛ لأن معنى "إلا" مفهوم منها، ولا دليل على اسميّتها. انتهى كلام ابن مالك رحمه الله
(1)
.
وقال الطيبيّ رحمه الله: أقول: هذا الاستثناء من باب تأكيد المدح بما يُشبه الذّمّ، قال النابغة [من الطويل]:
فتًى كَمُلَتْ أَخْلَاقُهُ غَيْرَ أَنَّهُ
…
جَوَادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ الْمَالِ بَاقِيَا
والبيت يجري في الاستثناء على المنقطع، لا المتّصل بالادّعاء، كما قوله:
وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَن سُيُوفَهُمْ
…
بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِب
يعني: أنه إذا كان فُلول السيف من القِرَاع عَيْبًا، فلهم هذا العيب، ولكن هو من أخصّ صفة الشجاعة، وعلى هذا فمعنى الحديث، وتقريره: نحن السابقون يوم القيامة بما مُنِحنا من الفضائل والكمالات، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا.
وهذا الإيتاء يؤكّد مدح السابقين بما عَقّب من قوله: "وأوتيناه من بعدهم"؛ لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان مسبوقًا في الوجود.
وعلى هذا الأسلوب أيضًا قوله: "ثم هذا يومهم. . . " إلى آخره، يعني: أن يوم الجمعة، وإن أُخّر في الوجود، وأوتيناه من بعدهم، فهو سابق في الفضل والكمال، وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله:"والناس لنا فيه تبعٌ". انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله
(2)
.
وقال في "الطرح": وإنما استبعد القاضي عياض كون "بيد" في الحديث الذي نشرحه بمعنى "من أجل"؛ لتعلّقه بأقرب مذكور، وهو "السابقون"، فهو
(1)
"شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" ص 154 - 156.
(2)
"الكاشف" 4/ 1261 - 1262.
استثناء منه في المعنى، كأنه استثنى مِن سبقنا كون أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا، ويتحد
(1)
في المعنى كونها بمعنى "غير"، وكونها بمعنى "على"، وكونها بمعنى "إلّا".
أما إذا جعلناه متعلّقا بقوله: "الآخرون" اتجه كونها بمعنى "من أجل"؛ أي: نحن الآخرون من أجل أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وهو بعيد كما قال، لبعده في اللفظ، ولأنه لا يحتاج إلى توجيه كوننا الآخرين بهذا، فإنّ هذا أمر معلوم، إنما الذي يحتاج إلى توجيه كوننا السابقين، وقد بيّن وجهه، وهو السبق يوم القيامة إلى الحظوظ الأخروية من الإراحة من كرب الموقف، ودخول الجنة.
وقد يقال: إذا كان السبق مقيدًا بكونه يوم القيامة، فلا حاجة إلى أن يُستثنى إيتاؤهم الكتاب قبلنا؛ لأن هذا ليس يوم القيامة، وإنما هو في الدنيا، فالمذكور أوّلًا، وهو سبقنا يوم القيامة، لا استثناء فيه، فإمّا أن يقال: إن هذا في معنى الاستثناء المنقطع، وإما أن يقال: إيتاؤهم الكتاب قبلنا في الدنيا يظهر له ثمرة يوم القيامة، فيكون هذا من سبقنا إلى الحظوظ الأُخروية؛ أي: إلا ثمرة إيتائهم قبلنا الكتاب يظهر فيه سبقهم يوم القيامة، وفيه بُعد، وهو محتاج إلى زيادة نظر.
وذكر القاضي عياض أنه وقع عند بعض رواة مسلم "بأيد" بكسر الباء، بعدها همزة مفتوحة، كقوله تعالى:{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات: 47]؛ أي: بقوة أعطاناها اللَّه، وفَضّلنا بها لقبول أمره وطاعته، قال: وعلى هذا تكون "إنهم" مكسورة لابتداء الكلام، واستئناف التفسير، قال: وقد صُحّف، والصواب الأول عند أكثرهم. انتهى.
[واعلم]: أن الحديث في "مسند الشافعي" من طريق طاوس، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ "بَيْدَ" كما هو الرواية المشهورة.
(1)
هكذا نسخة "الطرح": "ويتّحد"، ولعل الصواب:"ويتّجه"، كما يدلّ عليه كلامه الآتي، فتأمل.
ومن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، وطريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة بلفظ "بايد"، واختلفت النسخ في ضبطه، ففي بعضها مفتوح الآخر، مثل "بيد"، إلَّا أنه زاد ألفًا بعد الباء، فكسر لذلك الياء لالتقاء الساكنين، وفي بعضها "بأيد"؛ ومعناه: بقوّة، كما حكاه القاضي عن بعض رواة مسلم، والأولُ هو الذي ذكره في "النهاية"، فقال: وجاء في بعض الروايات "بايد أنهم"، ولم أره في اللغة بهذا المعنى، ثم قال: وقال بعضهم: إنها "بأيد" أي: بقوّة.
ورواه البيهقيّ في "سننه" من غير وجه عن ابن عُيينة، عن أبي الزناد "بايد"، وهو مضبوط في الأصل بفتح آخره، والشافعي لما رواه كذلك من طريق أبي الزناد رواه عن ابن عُيينة، عنه. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله
(1)
.
وقوله: (أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) أي: أعطيته، واللام للجنس، والمراد التوراة والإنجيل، والضمير في قوله:"وأوتيناه" للقرآن، وقال القرطبيّ: المراد بـ "الكتاب" التوراة، وفيه نظر؛ لقوله:"وأوتيناه من بعدهم"، فأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صحّ الإخبار؛ لأنا إنما أوتينا القرآن، قاله في "الفتح".
(وَأُوتِينَاهُ) أي: الكتاب، والمراد القرآن (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد انقضاء زمن كلّ الأمم السابقة.
(ثمَّ) هي لترتيب الإخبار، ويَحْتَمِل أن تكون لترتيب المخبَر به، والمراد: أنهم أوتوا الكتاب، ثم فُرِضَ عليهم هذا اليوم
(2)
. (هَذَا الْيَوْمُ) المراد باليوم يوم الجمعة، وأُشير إليه بـ "هذا" لكونه ذُكر في أول الكلام، كما هو في الرواية التالية عن أبي هريرة، وحذيفة رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أضلّ اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا. . . " الحديث.
(الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا) أي: فرض اللَّه تعالى علينا أيتها الأمة المحمّدية تعظيمه، وفي الرواية التالية:"وهذا يومهم الذي فُرض عليهم، فاختلفوا فيه"(هَدَانَا اللَّهُ لَهُ) أي: بالثبات عليه حين شَرَعَ لنا العبادة فيه.
(1)
"طرح التثريب" 3/ 131 - 154.
(2)
"فتح الباري" لابن رجب 8/ 71.
وقال في "الفتح": قوله: "فهدانا اللَّه له": يَحْتَمِل أن يُراد بأن نصّ لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزّاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، قال: جَمَّعَ أهلُ المدينة قبل أن يقدمها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلُمّ، فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر اللَّه تعالى، ونصلي، ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زُرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل اللَّه تعالى بعد ذلك:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} الآية [الجمعة: 9]، وهذا، وإن كان مرسلًا، فله شاهد بإسناد حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال:"كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مَقدَم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة أسعد بن زُرَارة. . . " الحديث.
فمرسل ابن سيرين يدلّ على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد.
ولا يمنع ذلك أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم علمه بالوحي، وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثَمَّ، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما عند الدارقطني، ولذلك جَمَّعَ بهم أولَ ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا، فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق.
وقيل في الحكمة في اختيارهم الجمعة: وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خُلق للعبادة، فناسب أن يَشتغل بالعبادة فيه، ولأن اللَّه تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي يَنتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه. انتهى
(1)
.
(فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ) -بفتح التاء المثناة، والباء الموحّدة- جمع تابع؛ كالخَدَم جمع خادم.
قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: الظاهر أن معناه: إنا أول من هداه اللَّه للجمعة، وأقام أمرها، وعظّم حرمتها، فمن فعل ذلك، فهو تَبَعٌ لنا.
(1)
"الفتح" 2/ 414.
وعن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أضلّ اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء اللَّه بنا، فهدانا اللَّه ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم"، وفي رواية:"بينهم قبل الخلائق".
ورواه البزّار في "مسنده" بلفظ: "المغفورُ لهم قبل الخلائق".
ويَحْتَمِل أن يُستدلّ به على أن الجمعة أول الأسبوع، ولا أعلم قائلًا به، واللَّه أعلم. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله
(1)
.
(الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ") وفي رواية أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عند ابن خُزيمة:"فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد".
والمعنى: أنه لنا بهداية اللَّه تعالى، ولهم باعتبار اختيارهم، وخطئهم في اجتهادهم.
قال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "اليهود غدًا" أي: اليهود تبع لنا في غد، والنصارى تبعٌ لنا بعد غد، والقرينة قوله:"والناس لنا تبَعٌ". انتهى
(2)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: "غدًا" هنا منصوب على الظرف، وهو متعلّق بمحذوف، وتقديره: اليهود يُعظّمون غدًا، وكذا قوله:"وبَعدَ غد"، ولا بدّ من هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الْجُثّة. انتهى.
وقال ابن مالك رحمه الله: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك: غدًا التأهُّبُ، وبعد غد الرحيلُ، فيقدّر هنا مضافان، يكون ظرفا الزمان خبرين عنهما؛ أي: تعييد اليهود غدًا، وتعييد النصارى بعد غد. انتهى. وسبقه إلى نحو ذلك عياض، وهو أوجه من كلام القرطبيّ، قاله في "الفتح"
(3)
.
(1)
"طرح التثريب" 3/ 157.
(2)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1263.
(3)
"الفتح" 2/ 414.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا وجه لترجيح قول عياض وابن مالك، بل ما قاله القرطبيّ وجيهٌ أيضًا، وأوجه منهما ما قاله الطيبيّ؛ للقرينة الدالّة عليه، كما سبق، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [8/ 1978 و 1979 و 1980 و 1981](855)، و (البخاريّ) في "صحيحه"(238 و 876 و 896 و 6624 و 6887 و 7036 و 7495 و 9626)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1367) و"الكبرى"(1654)، و (الحميديّ) في "مسنده"(945)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 243 و 249)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1720)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2534 و 2535 و 2536 و 2537 و 2538 و 2539 و 2784)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1924 و 1925 و 1926 و 1927)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1045)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان وجوب الجمعة.
2 -
(ومنها): أن الهداية والإضلال من اللَّه تعالى، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
3 -
(ومنها): أن فيه دليلًا قويًّا على زيادة فضل هذه الأمة على الأمم السالفة.
4 -
(ومنها): أن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأمة.
5 -
(ومنها): بيان سقوط القياس مع وجود النصّ، وذلك أن كلا الفريقين قال بالقياس مع وجود النصّ، فضلّوا بذلك.
6 -
(ومنها): أن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل.
7 -
(ومنها): أن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز.
8 -
(ومنها): أن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، ويدلّ على ذلك تسمية
الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سَبتًا، وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود، فتبعوهم في ذلك.
9 -
(ومنها): أن فيه بيانًا واضحًا لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السابقة زادها اللَّه تعالى شَرَفًا وفضلًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1979]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم قبل بابين.
2 -
(ابْنُ طَاوُسِ) هو: عبد اللَّه بن طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [6](132)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
3 -
(أَبُوهُ) طاوس بن كيسان الْحِمْيَرِيّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [3] (106) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
[تنبيه]: قوله: (وابنِ طاوس. . . إلخ) بالجرّ عطفًا على "أبي الزناد"، فسفيان بن عيينة يرويه بالطريقين: طريقِ أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وطريق عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، و"سفيان" هو ابن عيينة.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن رواية ابن أبي عمر، عن سفيان بن عُيينة مثل رواية عمرو الناقد، عنه الماضية.
[تنبيه]: رواية سفيان، بهذين الطريقين، ساقها النسائيّ رحمه الله، فقال:
(1367)
أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وابنِ طاوس، عن أبيه، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي كتب اللَّه عز وجل عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا اللَّه عز وجل له، يعني: يوم الجمعة، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1980]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ الآخِرُونَ، الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
3 -
(جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبّيّ الكوفيّ، نزيل الرّيّ وقاضيها، ثقةٌ صحيحُ الكتاب [8](188) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
4 -
(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأَسَديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرِعٌ، لكنه يدلِّس [5](ت 7 أو 148)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 297.
5 -
(أَبُو صَالِحٍ) ذَكْوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، [3](ت 101)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
و"أبو هريرة" رضي الله عنه ذُكر قبله.
وقوله: (نَحْنُ الآخِرُونَ، الْأَوَّلُونَ) وفي الرواية التالية: "نحن السابقون" أي: في الفضل والكرامة على اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وفي حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أنتم موفّون سبعين أمةً، أنتم خيرها، وأكرمها على اللَّه عز وجل"، حديث حسنٌ، رواه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما.
وقوله: (فَاخْتَلَفُوا. . . إلخ) هكذا في هذه الرواية بذكر "اختلفوا" مرّتين، فيحتَمِل أن يكون هذا لبيان مطلق اختلافهم على أنبيائهم، و"اختلفوا" الثاني لبيان اختلافهم في يوم الجمعة، ويَحْتَمِل أن يكون الثاني تفصيلًا لما أُجمل في الأولى، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) قال القاضي عياض رحمه الله: الظاهر أنه فُرِض عليهم تعظيم يوم في الجمعة
(1)
بغير تعيين، ووُكِل إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه، فاختَلَف اجتهادهم في تعيينه، ولم يَهْدِهم اللَّه له، وفرضه على هذه الأمة مُبَيَّنًا، ولم يَكِله إلى اجتهادهم، ففازوا بتفضيله، قال: وقد جاء أن موسى عليه السلام أمرهم بالجمعة، وأعلمهم بفضلها، فناظروه أن السبت أفضل، فقيل له: دَعْهُم، قال القاضي: ولو كان منصوصًا لم يصح اختلافهم فيه، بل كان يقول: خالفوا فيه.
وتعقّبه النوويّ، فقال: يمكن أن يكون أُمروا به صريحًا، ونُصّ على عينه، فاختلفوا فيه، هل يلزم تعيينه، أم لهم إبداله؟ وأبدلوه، وغَلِطُوا في إبداله. انتهى
(2)
.
وقوله: (هَدَانَا اللَّهُ لَهُ) قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وهذا مما حازت به الأمة السبق مع تأخر زمانهم، فإن اليهود والنصارى لَمّا فُرِض عليهم تعظيم الجمعة، والعبادة فيه للَّه، واتخاذه عيدًا للاجتماع فيه لذكر اللَّه فيه، ضلوا عنه، فاختارت اليهود السبت؛ لأنه يوم فرغ فيهِ الخلق، واختارت النصارى الأحد؛ لأنه يوم بدئ فيه الخلق، فهدانا اللَّه للجمعة، فصار عيدنا أسبق من عيدهم، وصاروا لنا في عيدنا تبعًا، فمنهم من عيده الغد من يوم الجمعة، ومنهم من عيده بعد غدٍ.
(1)
أي: في أيام الأسبوع.
(2)
"شرح النووي" 6/ 143 - 144.
وإنما ضَلّت الطائفتان قبلنا؛ لتقديمهم رأيهم على ما جاءت به رسلهم وأنبياؤهم، واهتدت هذه الأمة باتباعهم ما جاءهم به رسولهم عن ربهم، من غير تغيير له ولا تبديلٍ.
وفي الحديث دليلٌ على أن الجمعة فرض من اللَّه واجب علينا، كما كان على من قبلنا، فإن اللَّه فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة، واتخاذه عيدًا ومجمعًا لذكر اللَّه وعبادته، فبدّلوه بغيره من الأيام، وهدانا اللَّه لهُ، فدل ذَلِكَ على أنه مفروض علينا تعظيمه، واتخاذه عيدًا؛ لذكر اللَّه والاجتماع فيه لعبادته، وهذا من أدل دليلٍ على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة. انتهى
(1)
.
وقوله: (قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ) هذا بيان لاسم الإشارة في قوله: "هذا يومهم الذي. . . إلخ"، يعني: أن المشار إليه هو يومُ الجمعة، وفي رواية النسائيّ:"يعني: يوم الجمعة"، وهي واضحة، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَالْيَوْمَ لَنَا) يَحْتَمِل أن يكون "اليوم" مرفوعًا على الابتداء، خبره "لنا"، ويَحْتَمِل النصب على الظرفيّة، و"لنا" صفة لمبتدأ محذوف؛ أي: عيدٌ لنا كائن اليوم، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى) تقدّم أنه على حذف مضاف؛ أي: عيد اليهود كائن غدًا، وعيد النصارى كائنٌ بعد غد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1981]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، أَخي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ الْآخِرُونَ، السَّابِقُونَ يَوْمَ
(1)
"فتح الباري" لابن رجب رحمه الله 8/ 72.
الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَالْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلّهم تقدّموا قبل باب.
وقوله: (فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ) قال الطيبيّ نقلًا عن البيضاويّ: معنى قوله: "فهدانا اللَّه له" بعد قوله: "فُرض عليهم" أن اللَّه تعالى أمر عباده، وفَرَضَ عليهم أن يجتمعوا يوم الجمعة، فَيَحْمَدوا خالقهم، ويشكروه بالعبادة، وما عيّنه لهم، بل أمرهم أن يستخرجوه بأفكارهم، ويُعيّنوه باجتهادهم، فقالت اليهود: هو يوم السبت؛ لأنه يوم فراغ، وقطع عمل، فإن اللَّه تعالى فرغ من خلق العالم، فينبغي للخلق أن يُعرِضُوا عن صنائعهم، ويتفرّغوا للعبادة، وزعمت النصارى أن المراد به يوم الأحد، فإنه يوم بَدْءِ الخلق الموجب للشكر والعبادة، فهدى اللَّه تعالى هذه الأمة، ووفّقهم الإصابة، حتى عيّنوا الجمعة، وقالوا: إن اللَّه تعالى خلق الإنسان للعبادة، وكان خلقه يوم الجمعة، فكانت العبادة فيه أولى، ولأنه تعالى أوجد في سائر الأيام ما ينتفع به الإنسان، وفي الجمعة أوجد الإنسان نفسه، والشكر على نعمة الوجود أهمّ وأحرى، ولَمّا كان مبدأ دور الإنسان، وأول أيامه يوم الجمعة، كان المتعبّد فيه باعتبار العبادة متبوعًا، والمتعبّد في اليومين اللذين بعده تابعًا. انتهى
(1)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1982]
(856) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1262.
مَنْ كَانَ قَبْلنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا، فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، وَالْأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ"، وَفي رِوَايَةِ وَاصلٍ: "الْمَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الهمدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [10](247) وهو ابن سبع وثمانين سنة (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
2 -
(وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [10](ت 244)(م 4) تقدم في "الطهارة" 12/ 587.
3 -
(ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضَيل بن غَزْوَان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ رُمِي بالتشيّع [9](195)(ع) تقدم في "الإيمان" 63/ 358.
4 -
(أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ) سَعْد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [4] مات في حدود (140)(خت م 4) تقدم في "الإيمان" 5/ 120.
5 -
(أَبُو حَازِمٍ) هو: سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [3] مات على رأس المائة (ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 142.
6 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ذُكر في السند الماضي.
7 -
(رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) -بكسر الحاء المهملة، وآخره شينٌ معجمة- أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [2] مات سنة مائة، وقيل: غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
8 -
(حُذَيْفَةُ) بن اليمان واسم اليمان حُسَيل -بمهملتين مصغرًا- ويقال: حِسْل -بكسر، ثم سكون- الْعَبْسيّ -بالموحدة- حليف الأنصار الصحابي الجليل، من السابقين الأولين، ومات في أول خلافة عليّ رضي الله عنه سنة ست وثلاثين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 457.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، فكلاهما أخذا من لفظ ابن فضيل، فقالا:"حدّثنا".
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه واصل، فما أخرج له البخاريّ. وأبي مالك، فقد علّق له البخاريّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، من أوله إلى آخره.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّين، أبو مالك، عن أبي حازم، ورِبْعيّ.
5 -
(ومنها): أنه مرويّ عن صحابييّن شهيرين، فأما أبو هريرة رضي الله عنه، فقد مرّ الكلام عليه قريبًا، وأما حُذيفة رضي الله عنه، فهو الصحابيّ الجليل، ثبت في "صحيح مسلم" عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأعلمه بأسماء المنافقين، وأبوه صحابيّ أيضًا استُشْهِد رضي الله عنه بأحد، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبي حَازمٍ) سلمان الأشجعيّ رحمه الله (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (وعَنْ ربْعِيِّ بْنِ حرَاشٍ) معطوف على "أبي حازم"، فأبو مالك الأشجعيّ رحمه الله له طريقان لهذا الحديث: إحداهما: طريق أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، والثانية: طريق رِبْعيّ بن حِرَاش، عن حذيفة رضي الله عنه.
(عَنْ حُديْفَةَ) بن اليمان رضي الله عنهما (قَالَا) أي: أبو هريرة، وحذيفة رضي الله عنهما (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَضَلَّ اللَّهُ) عز وجل؛ أي: خلق فيهم الضلال، وهو ضدّ الهداية، وفيه نسبة الإضلال إلى اللَّه تعالى، فالهداية والضلال من اللَّه سبحانه وتعالى، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، كما نطق به الكتاب في غير ما آية:{يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [النحل: 93]، ولبعضهم:
أَضَلَّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى
…
مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى
(عَن الْجُمُعَة) أي: عن تعظيمها، وعبادة اللَّه تعالى فيها (مَنْ كَانَ قَبْلَنَا) المراد به اليهود، والنصارى، بدليل قوله (فَكَانَ لِلْيَهُود يَوْمُ السَّبْت) أي: بدلًا عن الجمعة، وقد تقدّم الكلام على اختيارهم السبت (وَكَانَ للنَّصَارَى يَوْمُ
الأَحَد) أي: بدلًا من الجمعة أيضًا (فَجَاءَ اللَّهُ) عز وجل (بنَا) أي: خلقنا، وأوجدنا بعد هؤلاء (فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْم الْجُمُعَة) أي: دلّنا على تعظيمه، وعبادته فيه، ووفَّقَنا لامتثال أمره، فضلًا ونعمةً، فله الحمد والثناء (فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، وَالأَحَدَ) هذا فيه دلالة أن أوّل الأسبوع الشرعيّ يومُ الجمعة، وقد تقدم ذلك في شرح الحديث السابق (وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَة) أي: كما أنهم تبع في هذه الأيام المذكورة، هم تبع لهذه الأمة يوم القيامة، بحيث يكونون بعدها في الحساب، والميزان، والقضاء، ودخول الجنة، وغير ذلك مما يقع في ذلك اليوم.
(نَحْنُ الآخرُونَ) بكسر الخاء المعجمة؛ أي: المتأخرون وجودًا (منْ أَهْل الدُّنْيَا) الجار والمجرور حال من "الآخِرون"؛ أي: حال كوننا من جملة أهل الدنيا.
وقال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "الآخِرون" اللام فيه موصولة، و"من أهل الدنيا" حال من الضمير الذي في الصلة. انتهى
(1)
.
(وَالأَوَّلُون يَوْمَ الْقِيَامَة) أي: المتقدّمون على جميع الأمم في الفضل الذي يكون هناك، وأهمُّه الإراحة من هول الموقِف، كما بيّنه بقوله:(الْمَقْضيُّ لَهُمْ) صفة لـ "الأوّلون"، والضمير في "لهم" راجع إلى اللام؛ لأن المعنى: الآخرون الذين يُقضى لهم قبل الناس؛ ليدخلوا الجنّة قبلهم، كأنه قيل: نحن الآخرون السابقون، قاله الطيبيّ رحمه الله
(2)
.
(قَبْلَ الْخَلَائِق") متعلق بـ "المقضيّ"؛ أي: الذين يُقضَى لهم قبل الناس ليدخلوا الجنّة.
وقوله: (وَفي رِوَايَةِ وَاصِلٍ: "الْمَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ") يعني: أن شيخه أبا كُريب رواه بلفظ: "المقضيّ لهم"، وشيخه واصلًا رواه بلفظ:"المقضيّ بينهم"، والمعنى متقارب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
"الكاشف" 4/ 1263.
(2)
"الكاشف" 4/ 1263.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة، وحذيفة رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [8/ 1982 و 1983](856)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1368) و"الكبرى"(1652)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1083)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2540 و 2541)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1928)، وفوائده تقدمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[1983]
(. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "هُدِينَا إِلَى الْجُمُعَةِ، وَأَضَلَّ اللَّهُ عَنْهَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا"، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(ابْنُ ابِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [9](ت 3 أو 184) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 121.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، و"سعد بن طارق" هو: أبو مالك الأشجعي المذكور في السند السابق.
وقوله: (هُدِينَا إِلَى الْجُمُعَةِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: هدانا اللَّه تعالى إلى تعظيم الجمعة.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير ابن أبي زائدة.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي زائدة، عن سعد بن طارق هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(9) - (بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1984]
(850)
(1)
- (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ
(2)
، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرُّ، أنّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ، يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ، فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ
(3)
، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قبل بابين.
2 -
(حَرْمَلَةُ) بن يحيى، تقدّم قبل باب.
3 -
(عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) بتشديد الواو، تقدّم قريبًا.
4 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه، تقدّم قبل باب.
5 -
(يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
6 -
(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قبل باب.
7 -
(أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأغَرُّ) سلمان الأغرّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى جُهَينة، أصله من أصبهان، ثقةٌ، من كبار [3](ع) تقدم في "الإيمان" 53/ 319.
8 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ذُكِر قبل حديث.
(1)
هذا ترقيم محمد فؤاد، وفيه أن رقم معاد سبق قبل هذا، فتنبّه.
(2)
وفي نسخة: "وحرملة بن يحيى".
(3)
وفي نسخة: "يُهدي بدنة".
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
4 -
(ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه قال:(أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) سلمان (الْأَغَرُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) يَحْتَمِل أن تكون "كان" ناقصة، واسمها محذوف، و"يوم" منصوب على أنه خبرها؛ أي: إذا كان الوقت يومَ الجمعة، أو "يومُ" مرفوع على أنه اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: حاضرًا، ويَحْتَمِل أن تكون تامّة، و"يومُ" فاعلها؛ أي: إذا جاء يومُ الجمعة.
(كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ) وفي رواية البخاريّ: "وقَفَت الملائكة"، وللنسائيّ:"قَعَدت الملائكة"، وفي رواية ابن خزيمة:"على كل باب من أبواب المسجد ملكان، يكتبان الأول، فالأول".
والمراد بالملائكة هنا غير الحفظة، وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة خاصّة، فقد أخرج أبو نعيم في "الحلية" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا:"إذا كان يوم الجمعة بعث اللَّه ملائكةً بصحف من نور، وأقلام من نور. . . " الحديث، قال الحافظ: وهو دالّ على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة. انتهى.
والمعنى: أنهم يستمرّون من طلوع الفجر، وهو أول اليوم الشرعيّ، أو من طلوع الشمس، وهو أول النهار العرفيّ، أو من ارتفاع النهار، أو من حين الزوال، قال القاري: وهو أقرب، ورجّحه الشاه وليّ الدهلويّ في "المسوى
شرح الموطأ" (1/ 15) وإليه مال الشوكانيّ، وبه قالت المالكية، وهو وجه للشافعية، والأول ظاهرُ كلام الشافعيّ، وصححه النوويّ، والرافعيّ، وغيرهما، والثاني أيضًا وجه للشافعية، واختار الثالثَ ابنُ رُشد في "بداية المجتهد"، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
(يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ، فَالْأَوَّلَ) وفي رواية النسائيّ: "فَكَتَبُوا مَنْ جَاءَ إلَى الْجُمُعَة"، وفي رواية له:"يكتبون الناس على منازلهم، الأول، فالأول".
قال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "الأول فالأول" أي: الداخل الأول، والفاء فيه، و"ثُمّ" في قوله:"ثمّ كالذي يُهدي بقرةً" كلتاهما لترتيب النزول من الأعلى إلى الأدنى، ولكن في الثانية تراخٍ، ليست في الأولى، وفيه إشكالٌ؛ لأن الثانية مسبَّبةٌ عن الأولى، والجواب أن الفاء آنت بالتعاقب الذي ينتهي إلى أعداد كثيرة، وليس كذلك "ثُمّ"، ومن ثَمَّ جيء بها متعدّدةً. انتهى
(1)
.
(فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ) وفي رواية البخاريّ: "فَإذَا خَرَجَ الإِمَامُ"، ولا تنافي بين الروايتين؛ لأنه يُحمَل على أنهم بخروج الإمام يحضرون إلى المنبر من غير طيّ، فإذا جلس الإمام على المنبر طووا الصحف، أو يقال: ابتداء طيّهم الصحف عند ابتداء خروج الإمام، وانتهاؤه بجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم الذكر، واللَّه تعالى أعلم.
والمراد بخروج الإمام خروجه من مكانه؛ ليصعد المنبر، أو المراد بالخروج ظهوره بصعوده المنبر، وجلوسه عليه، واللَّه تعالى أعلم.
(طَوَوُا الصُّحُفَ) أي: طوت الملائكة الصحف التي كانوا يكتبون فيها درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما بيان صفة تلك الصحف، بأنها صحف من نور، وأقلام من نور.
والمراد من طيّ الصحف طيّ صحف الفضائل المتعلّقة بالمبادرة إلى الجمعة، دون غيرها من سماع الخطبة، وإدراك الصلاة، والذكر، والدعاء، والخشوع، ونحو ذلك، فإنه يكتبه الحافظان قطعًا.
ووقع في آخر الحديث عند ابن ماجه: "فمن جاء بعد ذلك، فإنما يجيء
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1274.
لحقّ الصلاة"، يعني: فله أجر الصلاة، وليس له شيء من الزيادة في الأجر.
(وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) أي: خطبة الإمام.
(وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ) -بضم الميم، وتشديد الجيم- اسم فاعل، من التهجير، قيل: المراد به المبادرة إلى الجمعة بعد الصبح، وقيل: المراد الذي يأتي في الهاجرة؛ أي: عند شدّة الحرّ، قُربَ نصف النهار، فيكون دليلًا للمالكية في قولهم: إن الساعات من حين الزوال، وإن الذهاب إلى الجمعة بعد الزوال، لا قبله؛ لأن التهجير هو السير في الهاجرة؛ أي: نصف النهار.
قال الحافظ: وأجيب بأن المراد بالتهجير هنا التبكير، كما تقدّم نقله عن الخليل في "المواقيت".
وقال القرطبيّ: الحقّ أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير في وقت الحَرّ، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حُجّة فيه لمالك.
وقال الطيبيّ رحمه الله: الواو في قوله: "ومَثَلُ المهجّر" عَطَفَت الجملة على الجملة الأولى، وفوّضت الترتيب إلى الذهن؛ لأنها وقعت موقع الفاء التفصيليّة، والواو هنا أوقع من الفاء؛ لأنها توهم العطف على الأول والثاني، والحال أنه عطف على "يكتبون".
وقال التوربشتيّ: مَنْ ذهب في معناه إلى التبكير، فإنه أصاب، وسلك طريقًا حسنًا من طريق الاتساع، وذلك أنه جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار، ويأخذ الحرّ في الازدياد من الهاجرة، تغليبًا، بخلاف ما بعد الزوال، فإن الحرّ يأخذ في الانحطاط، وهذا كما يُسمّى النصف الأوّل من النهار غَدْوةً، والآخر عَشيّةً. انتهى
(1)
.
وقال ابن منظور -بعد أن أورد حديث الباب، وحديث:"لو يَعلمُ الناسُ ما في التهجير لاستبقوا إليه"- ما نصه: قال الأزهريّ: يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من الْمُهاجَرَة وقتَ الزوال، قال: وهو غلَطٌ، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفيّ، عن النضر بن شُمَيل، أنه قال:
(1)
"الكاشف" 4/ 1274 - 1275.
التهجير إلى الجمعة وغيرها التبكير والمبادرة إلى كلّ شيء، قال: وسمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث، قال الأزهريّ: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس، قال لبيد:
رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا
فقرن الْهَجْر بالابتكار، والرواح عندهم: الذهاب والمضيّ، يقال: راح القوم؛ أي: خَفُّوا، ومَرُّوا، أيّ وقت كان، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لو يَعلمُ الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه"، أراد التبكير إلى الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها. قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجلُ: إذا خرج بالهاجرة، وهي نصف النهار، ويقال: أتيته بالْهَجِير، وبالهَجْر.
وأنشد الأزهريّ عن ابن الأعرابيّ في "نوادره"، قول الشاعر:
يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الْفَجْرِ
قال الأزهري: أي: يبكّرون بوقت الفجر. انتهى ما ذكره ابن منظور باختصار
(1)
.
(كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ) وفي بعض النسخ: "يُهدي بدنةً"، وفي رواية النسائيّ:"كَالْمُهْدي بدنةً"؛ أي: كالشخص الذي يُهدي بدنةً، من أهدى الرباعيّ، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف: بَعَثْتُ به إليه إكرامًا، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير، وأهديت الهَدْيَ إلى الحرم: سُقْتُهُ، والجارّ والمجرور خبر قوله:"مثلُ المهجّر".
و"البَدَنَةُ" بفتحتين: جمعها بَدَنات، مثل قَصَبَة وقَصَبَات، وبُدُن أيضًا بضمتين، وتسكن داله تخفيفًا.
والمعنى: أنه كالمتصدّق بها متقرّبًا إلى اللَّه تعالى، وقيل: المراد أن للمبادر في أول ساعة نظيرُ ما لصاحب البدنة من الثواب، ممن شُرع له القربانُ؛ لأن القربان لم يُشرَع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم السالفة، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه الماضي برقم [1964](850).
(1)
"لسان العرب" 5/ 254 - 255.
(ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً) يشمل الذكر والأنثى، والتاء فيه للوحدة، لا للتأنيث، كما تقدم في "البدنة" وسميت بقرة لأنها تبقر الأرض؛ أي: تشقها بالحراثة، والبَقْرُ الشق.
وفيه دليل على أن البَدَنَة لا تشمل البقرة؛ لتقابلها بها، وإليه ذهب الشافعيّ، وقال أبو حنيفة: البدنة تُطلق على البقر أيضًا، وإنما أُريد هنا البعير خاصّةً لقرينة المقابلة، وهذا لا ينفي عموم الإطلاق.
(ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ) بفتح، فسكون: هو الْحَمَلُ
(1)
إذا أثنى، أو إذا خرجت رَبَاعيته، جمعه أَكْبُشٌ، وكِبَاشٌ، وأَكْبَاشٌ، قاله في "القاموس"
(2)
، وتقدّم وصفه بلفظ:"كبشًا أَقْرَنَ"؛ أي: له قرنٌ؛ ووصفه له؛ لأنه أكمل، وأحسن صورةً، ولأن قرنه يُنتفع به
(3)
.
(ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ) تقدّم أنها مثلّثة الدّال، والفتح أفصحها، سميت بذلك لإقبالها وإدبارها.
(ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ") بفتح، فسكون واحدة البيض، بفتح، فسكون أيضًا، وتقدّم تمام البحث فيها.
والمراد هنا بيض الدجاج.
ثم إنه استُشكل التعبير في الدجاجة، والبيضة بقوله:"ثم كالذي يُهدي"؛ لأن الهدي لا يكون منهما، وقد تقدّم الجواب عنه مستوفًى في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه الماضي، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [9/ 1984 و 1985 و 1986](850)، و (البخاريّ)
(1)
"الْحَمَلُ" بفتحتين ولد الضائنة في السنة الأولى، والجمع: حُمْلان، قاله في "المصباح" 1/ 152.
(2)
"القاموس المحيط" 2/ 285.
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 137.
في "الجمعة"(929)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1385) و"الكبرى"(1693)، و (الحميديّ) في "مسنده"(934)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 263 و 264 و 280 و 505)، و (الدارميّ) في "سننه"(1551 و 1552)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1768)، و (أبو نعيم) في"مستخرجه"(1929 و 1930 و 1931)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان فضل التبكير إلى الجمعة.
2 -
(ومنها): أن مراتب الناس في الفضيلة في الجمعة وغيرها بحسب أعمالهم، وهو من باب قوله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الآية [الحجرات: 13].
وأخرج ابن ماجه بسنده عن علقمة، قال: خرجت مع عبد اللَّه إلى الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، إني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الناس يجلسون من اللَّه يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة، الأول، والثاني، والثالث، ثم قال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد"
(1)
.
3 -
(ومنها): أن القليل من الصدقة غير مُحَقّر في الشرع.
4 -
(ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الأفضل في الهدي والأضحية الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، لكونه صلى الله عليه وسلم قَدَّم الإبل، وجعل البقر في الدرجة الثانية، والغنم في الدرجة الثالثة، وهذا مجمع عليه في الهدي، وقال به في الأضحية أيضًا أبو حنيفة، والشافعيّ، والجمهور، وقال مالك: الأفضل في الأضحيّة الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، ومنهم من قدّم الإبل على البقر، حكاه القاضي عياض، قالوا: والمقصود في الأضاحي طيب اللحم، وفي الهدايا كثرة اللحم.
واحتجّوا بأمور:
أحدها: قوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)} [الصافات: 107]، وكان
(1)
أخرجه ابن ماجه في "سننه" برقم (1094) بإسناد رجاله ثقات، غير عبد المجيد بن عبد العزيز، فقد تُكُلّم فيه، وحسَّن البوصيريّ إسناده في "الزوائد".
كبشًا، قال بعضهم: لو علم اللَّه حيوانًا أفضل من الكبش لفدى به إسماعيل، وورد في حديث رواه البزّار، وابن عبد البرّ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام في أثناء حديث: "اعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من السيد
(1)
من المعز، ومن البقر، والإبل، ولو علم اللَّه ذبحًا خيرًا منه لفَدَى به إبراهيم ابنَهُ"، قال ابن عبد البرّ: وهذا الحديث لا أعلم له إسنادًا غير هذا، انفرد به الحُنينيّ
(2)
، وليس ممن يُحتجّ به.
ثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم ضحّى بكبشين، فلو كان الإبل والبقر أفضل لما عدل عنهما إلى الغنم.
ثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "خير الأضحية الكبش الأقرن". رواه أبو داود، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بإسناد صحيح.
والجواب عن الأول من وجهين:
الأول: أنه لا يلزم من كون الكبش عظيمًا أن لا يكون غيره من الأنعام وغيرها أعظم منه.
الثاني: لو سُلّم ذلك فهذا خاصّ بذلك الكبش؛ لأنه ذُكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رَعَى في الجنة أربعين خريفًا، وأنه قرّبه ابن آدم، فتُقُبّل منه، ورُفع إلى الجنة
(3)
، فلذلك قيل فيه: عظيم.
والجواب عن الثاني أنه لا يلزم من تضحيته صلى الله عليه وسلم ترجيح الغنم؛ لأمرين:
أحدهما: أنه قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ضحّى عن نسائه بالبقر، فلو دلّت تضحيته بالغنم على أفضليتها لدلّت تضحيته بالبقر على أفضليتها، ويتعارض الخبران.
ثانيهما: أنه ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم أهدى غنمًا، فلو دلت تضحيته
(1)
هكذا في "التمهيد"(22/ 30) بلفظ: "السيّد"، والذي في "ميزان الاعتدال" (1/ 179) بلفظ:"المسنّة"، والظاهر أنه الصواب، واللَّه تعالى أعلم.
(2)
هو إسحاق بن إبراهيم الْحُنَينيّ بالحاء المهملة، مصغّرًا، أبو يعقوب المدنيّ، نزيل طَرَسوي، ضعيف من التاسعة، مات سنة (216)، قاله في "التقريب".
(3)
اللَّه أعلم بصحّته، فلم يذكر له سند حتى يُنظر فيه.
بالغنم على أفضليتها في الأضحيّة لدلّ إهداؤه لها على أفضليتها في الهدايا، وليس كذلك بالاتفاق، كما تقدّم.
وقول القاضي عياض: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنَّما ضحّى بالضأن، وما كان ليترك الأفضل، كما لم يتركه في الهدايا، فيه نظر، لما قدّمناه أنه ضحّى بغير الضأن، وأنه تَرَكَ الأفضلَ في حقنا في الهدايا، فأهدى الغنم، وكان صلى الله عليه وسلم إذا فعل العبادة المفضولة، كانت في حقِّه فاضلة، لكونه يُبيّن بذلك شرعيتها.
وقد تُحملُ تضحيته صلى الله عليه وسلم بالكبشين على أنه لم يجد في ذلك الوقت إلا الغنم، أو أنه فعله لبيان الجواز، واللَّه أعلم.
والجواب عن الثالث، وهو أقوى ما استدلّوا به أنه محمول على تفضيل الكبش على مُساويه من الإبل والبقر، فإن البدنة والبقرة كل منهما يُجزئ عن سبعة، فيكون المراد تفضيلَ الكبش على سُبُع بدنة، وسُبُع بقرة، أو تفضيل سَبْع من الغنم على البدنة والبقرة، لتتفق الأحاديث، فإن ظاهر الحديث الذي نحن في شرحه موافق للجمهور.
قال الحافظ العراقيّ رحمه الله: وقد يُجاب بأن المراد خير الأضحية بالغنم الكبشُ، قال: وفيه تعسّف. انتهى.
واحتجّ الجمهور أيضًا بقياس الضحايا على الهدايا، وأيضًا فقيل في قوله تعالى:{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] أن المراد شاة، وذلك يدلّ على نقصان مرتبتها عن غيرها من النَّعَم، وأيضًا فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم سُئل عن أفضل الرقاب، فقال:"أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها"، ولا شكّ في أن الإبل والبقر أنفس عند الناس، وأغلى ثمنًا من الغنم. ذكره وليّ الدين رحمه الله.
5 -
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن مَن التزم هديًا يكفيه أن يخرج ناقة، أو بقرة، أو شاة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أطلق لفظ الهدي على الثلاثة، وقد اتفق العلماء على ذلك في الإبل، والبقر، واتفق الشافعية في الغنم أيضًا، وعن مالك أنه أجاز الشاة مرّة، ومرّة لم يُجزها، واللَّه تعالى أعلم.
6 -
(ومنها): أنه قد يُستدلّ بعمومه على استحباب التبكير للخطيب أيضًا، لكن ينافيه قوله في آخره:"فإذا خرج الإمام طوت الملائكة الصحف"، فدلّ على أنه لا يخرج إلا بعد انقضاء وقت التبكير المستحبّ في حقّ غيره.
قال الماورديّ رحمه الله من الشافعية: يُختار للإمام أن يأتي الجمعة في الوقت الذي تُقام فيه الصلاةُ، ولا يبكّر، اتباعًا لفعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، واقتداء بالخلفاء الراشدين، قال: ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر. انتهى.
7 -
(ومنها): أنه أطلق في هذه الرواية أن المهجّر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، وقَيَّد في رواية أخرى، فقال:"من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح. . . " الحديث، فاقتضى هذا أن التهجير إلى الجمعة إنما يكون كإهداء البدنة، وكذا ما بعدها بشرط تقدّم الاغتسال عليه في ذلك اليوم، والقاعدة حمل المطلق على المقيّد. قاله وليّ الدين رحمه الله.
8 -
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن الجمعة تصحّ قبل الزوال، وقد تقدّم تمام البحث فيه في المسألة الرابعة من مسائل شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدّم، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1985]
(. . .) - (حَدَّثَنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو الناقِدُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
2 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
4 -
(سَعِيدُ) بن المسيِّب، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن سفيان بن عيينة حدّث عن الزهريّ بمثل ما حدّث به يونس بن يزيد الأيليّ عنه في روايته السابقة.
(1)
وفي نسخة: "حدّثناه".
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 446) فقال:
(1929)
حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ (ح) وثنا فاروق الخطابيّ، ثنا أبو مسلم، ثنا القعنبيّ، والرماديّ، قالوا: ثنا سفيان بن عيينة، سمعت الزهريّ، وحفظته منه، عن سعيد بن المسيِّب، أنه أخبره عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من المسجد ملائكة، يكتبون الناس على منازلهم، الأول، فالأول، فإذا خرج الإمام طُوِيت الصحفُ، واستمعوا إلى الخطبة، والمهجِّر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً، ثم الذي يليه كالمهدي بقرةً، ثم الذي يليه كالمهدي كبشًا، حتى ذكر الدجاجة والبيضة".
ثم قال: رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، وعمرو الناقد. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1986]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلكٌ، يَكْتُبُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، مَثَّلَ الْجَزُورَ، ثُمَّ نَزَّلَهُمْ، حَتَّى صَغَّرَ إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طُوِيتِ الصُّحُفُ، وَحَضَرُوا الذِّكْرَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد القاريّ -بتشديد التحتانية- المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حَلِيف بني زُهْرة، ثقةٌ [8](ت 181)(خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" 35/ 245.
3 -
(سُهَيْلُ) بن أبي صالح، تقدّم قريبًا.
4 -
(أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان، تقدّم قريبًا أيضًا.
و"أبو هُريرة" رضي الله عنه ذُكر قبله.
وقوله: (مَثَّلَ الْجَزُورَ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا ضبطناه: الأول "مَثَّلَ" بتشديد الثاء، وفتح الميم.
و"الْجَزُورُ" قال الفيّوميّ رحمه الله: "الْجَزُور" من الإبل خاصّة يقع على الذكر والأنثى، والجمع جُزُر مثلُ رسول ورُسُل، ويجمع أيضًا على جُزُرات، ثم على جزائر، ولفظ الْجَزُور أُنثى، يقال: رَعَت الْجَزور، قاله ابن الأنباريّ، وزاد الصغانيّ: وقيل: الْجَزُور: الناقة التي تُنْحَر، وجَزَرتُ الجزورَ وغيرها، من باب قَتَل: نَحَرْتها، والفاعل: جَزّار، والْحِرْفةُ: الْجِزَارة بالكسر، والْمَجْزَر: موضع الْجَزْر، مثل جَعْفَر، وربما دخلته الهاء، فقيل: مَجْزَرةٌ. انتهى
(1)
.
وقوله: (ثُمَّ نَزَّلَهُمْ) بتشديد الزاي، مبنيًّا للفاعل؛ أي: ذَكَر النبيّ صلى الله عليه وسلم منازلهم في السبق والفضيلة.
وقوله: (حَتَّى صَغَّرَ) بتشديد الغين المعجمة، مبنيًّا للفاعل أيضًا.
وقوله: (إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ) بفتح الميم، والثاء المخففة.
وقوله: (وَحَضَرُوا الذِّكْرَ) وفي نسخة: "وحضروا للذكر"؛ أي: لسماع الخطبة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(10) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ مَنِ اسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ إِلَى الْخُطْبَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1987]
(857) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَة، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ
(1)
"المصباح المنير" 1/ 98.
يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ) الْعَيْشيُّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [10](ت 231)(خ م س) تقدم في "الإيمان" 7/ 132.
2 -
(يَزِيدُ بْنَ زُريعٍ) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [8](182)(ع) تقدم في "الإيمان" 7/ 132.
3 -
(رَوْحُ) بن القاسم التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غَيَاث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [6](ت 141)(خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" 7/ 132.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ)"من" شرطيّة، والفعل مبنيّ للفاعل، جوابها:"غُفِرَ له. . . إلخ".
والمراد أنه اغتسل للجمعة؛ لحديث: "إذا أتى أحدكم الجمعة، فليغتسل"، متّفقٌ عليه، أو مطلقًا، وفيه دلالة على أنه لا بدّ في إحرازه لما ذُكر من الأجر من الاغتسال، إلا أن في الرواية الآتية بيان أن غسل الجمعة سنّة، وليس بواجب، وقيل: ليس فيها نفي الغسل، وقد ذُكر الغسل في هذه الرواية، فيَحْتَمِل أن يكون ذكر الوضوء في الرواية التالية لمن تقدّم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء
(1)
.
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 458.
(ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أي: الموضع الذي تقام فيه صلاة الجمعة، كما يدلّ عليه قوله:(فَصَلَّى) أي: من مطلق النوافل (مَا قُدِّرَ لَهُ) بتشديد الدال، مبنيًّا للمفعول، وفيه دليلٌ على مشروعيّة الصلاة قبل الجمعة، وأنه لا حدّ لها، وليس لها سنّة قبلية بعدد معيّن، كما يزعمه بعض الناس، وسيأتي تمام البحث في هذا في آخر أبواب الجمعة، عند شرح حديث:"إذا صلّيتم بعد الجمعة، فصلّوا أربعًا" -إن شاء اللَّه تعالى- (ثُمَّ أَنْصَتَ) أي: سكت مستمعًا، يقال: أنصت الرجل للقارئ: إذا استمع له، يتعدّى بالحرف، وقد يُحذف الحرف، فيقال: أنصت القارئ، ويقال أيضًا: نصت له ثلاثيًّا، من باب ضرب
(1)
.
وقال النوويّ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم أنصت"، هكذا هو في أكثر النسخ المحقَّقة المعتمدة ببلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن الجمهور، ووقع في بعض الأصول المعتمدة ببلادنا:"انتصت"، وكذا نقله القاضي عن الباجيّ، وآخرون:"انتصت" بزيادة تاء مثناة فوقُ، قال: وهو وَهَمٌ.
قال النوويّ: قلت: ليس هو وَهَمًا، بل هي لغة صحيحة، قال الأزهريّ في "شرح ألفاظ المختصر": يقال: أنصت، ونَصَتَ، وانتصت، ثلاث لغات. انتهى
(2)
.
(حَتَّى يَفْرُغَ) بضمّ الراء، ويجوز فتحها، يقال: فَرَغ من الشّغْل فُرُوغًا، من باب قَعَدَ، وفرغَ يَفْرَغُ، من باب تَعِبَ لغة لبني تميم، والاسم الفَرَاغ، قاله في "المصباح"
(3)
. (مِنْ خُطْبَتِهِ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في الأصول من غير ذكر الإمام، وعاد الضمير إليه؛ للعلم به، وإن لم يكن مذكورًا. انتهى
(4)
. (ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ) بالرفع عطفًا على "ثم أنصت"(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول (مَا بَيْنَهُ) أي: ذنوب ما بينه (وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى) أي: الماضية، لا المستقبلة؛ لما رواه النسائيّ من حديث سلمان رضي الله عنه مرفوعًا:"ما من رجل يتطهّر يوم الجمعة. . . " الحديث، وفيه:"إلا كان كفّارةً لما قبله من الجمعة"، وفي رواية
(1)
راجع: "المصباح المنير" 2/ 607.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 146 - 147.
(3)
"المصباح المنير" 2/ 470.
(4)
"شرح النووي" 6/ 147.
ابن خزيمة: "غفر له ما بينه وبين الجمعة التي قبلها"
(1)
. (وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ") أي: من الأيام التي تأتي بعد يوم الجمعة.
وقوله: "فَضْلُ" مرفوعٌ عطفًا بالواو بمعنى "مع" على "ما" في قوله: "ما بينه"؛ أي: بين يوم الجمعة الذي فعل فيه ما ذُكِرَ مع زيادة ثلاثة أيّام على السبعة؛ أي: وغُفِرت له ذنوب ثلاثة أيام مع السبعة؛ لتكون الحسنة بعشر أمثالها.
ويجوز جرّ "فضل" عطفًا على "الجمعة"، ونصبه على المفعول معه.
وقال النوويّ رحمه الله: وقوله صلى الله عليه وسلم: "وفضل ثلاثة أيام"، وكذا قوله الآتي:"وزيادة ثلاثة أيام" هو بنصب "فضل"، و"زيادة" على الظرف.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون النصب على الظرف محلّ تأمّل، بل الظاهر أن النصب على المفعول معه، إلا أن يريد بالظرف معنى المفعول معه، وهو غريبٌ، فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
قال: قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين، وثلاثة أيام أن الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فَعَلَ فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تُجْعَل بعشر أمثالها، قال بعض أصحابنا: والمراد بما بين الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل الوقت من الجمعة الثانية، حتى تكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان، ويضم إليها ثلاثة فتصير عشرة. انتهى
(2)
.
[فإن قلت]: أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن سلمان الفارسيّ رضي الله عنه، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع، من طهر، ويَدَّهن من دهنه، أو يَمَسّ من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلم الإمام، إلا غُفر له ما بينه
(1)
لكن وقع في رواية الإمام أحمد بلفظ: "والجمعة المقبلة"، وبعض ألفاظه:"والجمعة التي بعدها"، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 147.
وبين الجمعة الأخرى"، فقد اقتصر فيه على غفران ذنوب أيام الأسبوع فقط، فكيف التوفيق بينه وبين حديث الباب؟.
[قلت]: يُجاب بأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أولًا أن الغفران لأيام الأسبوع، ثم تفضّل اللَّه تعالى بزيادة ثلاثة أيام، فأخبر به، وذلك بأن الحسنة بعشر أمثالها؛ فضلًا من اللَّه ونعمة، والحمد والشكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [10/ 1987](857)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2780)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1932)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1059)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان فضل الجمعة، وفضيلة الغسل لها، وهو مستحبّ عند الجمهور؛ لقوله في الرواية التالية:"من توضّأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة. . . " الحديث.
2 -
(ومنها): بيان فضل الاستماع، والإنصات للخطبة.
3 -
(ومنها): بيان فضل الصلاة قبل الجمعة من غير عدد معيّن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فصلّى ما قُدّر له".
4 -
(ومنها): أن فيه دليلًا على أن النهي عن الكلام إنما هو في حال الخطبة، لا بعد الفراغ منها، ولو قبل الصلاة، فإنه لا نهي عنه، كما دلّت عليه لفظة:"حتى يفرغ من خطبته".
5 -
(ومنها): بيان أن الحسنة بعشر أمثالها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1988]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيُّ الأصلِ، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [10](ت 235)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
3 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قبل باب.
4 -
(أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، عَمِي وهو صغير، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [9](ت 195) وله اثنتان وثمانون سنةً، وقد رُمِي بالإرجاء (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
5 -
(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة تحمّله منهم، وهو السماع من لفظهم مع غيره، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في كيفيّة التحمّل، وذلك أن يحيى سمع قراءة القارئ على أبي معاوية، ولذا قال:"أخبرنا"، والآخران سمعا من لفظه مع غيرهما، ولذا قالا:"حدّثنا"، فتنبّه لهذه الدقائق الإسناديّة.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
3 -
(ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
4 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى يحيى، فنيسابوريّ، وأبي هريرة، وأبي صالح، فمدنيّان.
5 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين من الرواية، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ) شرطيّة، كما تقدّم قريبًا (تَوَضَّأَ) قد استدلّ به الجمهور على أن غسل الجمعة سنّة، غير واجب وجوب الفرض الذي يأثم تاركه، قال القرطبيّ رحمه الله: ذَكَرَ فيه الوضوء واقتصر عليه دون الغسل، ورتَّب عليه الصحّة والثواب عليه، فدلّ على أن الوضوء كافٍ، من غير غسل، وأن الغسل ليس بواجب. انتهى
(1)
. وقد تقدّم بيان الخلاف في هذه المسألة مع ترجيح ما ذهب إليه الجمهور من سنّيّة الغسل للجمعة بأدلّته في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي: أتى بمكملاته من سننه ومستحبّاته، قال النوويّ رحمه الله: معنى إحسان الوضوء: الإتيان به ثلاثًا ثلاثًا، ودلك الأعضاء، وإطالة الغرّة والتحجيل، وتقديم الميامن، والإتيان بسننه المشهورة. انتهى. (ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أي: أتى المسجد لأداء صلاة الجمعة، وقال القاري رحمه الله: أي: حضر خطبتها وصلاتها. انتهى. (فَاسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ) قال النوويّ رحمه الله: هما شيئان متمايزان، وقد يجتمعان، فالاستماع الإصغاء، والإنصات السكوت، ولهذا قال اللَّه تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} الآية [الأعراف: 204].
(1)
"المفهم" 2/ 479.
(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول جواب "من"(مَا) موصولة نائب فاعل "غُفِر"، وهي واقعة على الذنوب؛ أي: الذنوب التي (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ) أي: السابقة، وهي سبعة أيّام؛ بناءً على أن الحساب من وقت الصلاة إلى مثله من الثانية، فبزيادة ثلاثة أيام تتم العشرة.
قال الإمام ابن حبّان رحمه الله بعد إخراجه هذا الحديث ما نصّه: قد يَتَوهّم من لم يَسْبُرْ صناعة الحديث أن الجمعة إلى الجمعة ثمانية أيّام، وليس كذلك؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقل غُفِر له من الجمعة إلى الجمعة، فوقتُ الجمعة زوال الشمس، فمن زوال الشمس يومَ الجمعة إلى زوال الشمس يوم الجمعة الأخرى سبعة أيّام، وقوله:"وزيادة ثلاثة أيّام" تمام العشرة، قال اللَّه جلّ وعلا:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، وهذا مما نقول في كتبنا: إن المرء قد يَعْمَل طاعةً اللَّه جلّ وعلا، فيغفر اللَّه له بها ذنوبًا لم يكتسبها بعدُ. انتهى
(1)
.
وقوله: (وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) تقدّم أنه يجوز فيه أوجه الأعراب الثلاثة: الرفع عطفًا على "ما"، والنصب على المفعوليّة معه، والجرّ عطفًا على "الجمعة" (وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى) أي: لتسويتها، سواءٌ مسّها في الصلاة، أو قبلها في حال الخطبة بطريق اللعب (فَقَدْ لَغَا") قال القرطبيّ رحمه الله: أي: فقد أتى لغوًا من الفعل، أو القول، قال الهرويّ: لغا: تكلّم بما لا يجوز له، وقيل: لغا عن الصواب؛ أي: مال عنه، وقال النضر بن شُميل: خاب، ألغيته خيّبته، وقال ابن عرفة: اللغو الشيء الْمُسْقَطُ؛ أي: الملغَى، يقال: لغا يلغو، ولَغِيَ يَلْغَى. انتهى
(2)
.
وقال النوويّ رحمه الله: وفيه النهيُ عن مسّ الحصا وغيره من أنواع العبث في حالة الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة، والمراد باللغو هنا الباطل المذموم المردود. انتهى
(3)
.
(1)
"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" 7/ 18 رقم (2779).
(2)
"المفهم" 2/ 487 - 488.
(3)
"شرح النووي" 6/ 147.
وقال القرطبيّ رحمه الله: وفي هذا الحديث ما يدلّ على وجوب الإقبال على استماع الخطبة، والتجرّد لذلك، والإعراض عن كل ما يَشْغَلُ عنها، ولذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أَنْصِتْ، والإمام يخطب، فقد لغوت"، متّفقٌ عليه.
وهو حجة للجمهور على وجوب الإنصات للخطبة على من كان سامعًا، وذُكر عن الشعبيّ، والنخعيّ، وبعض السلف أنه ليس بواجب إلا عند تلاوة القرآن، وهذه الأحاديث حجةٌ عليهم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في المسألة الثالثة، والرابعة من شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفُوعًا الماضي في [1965] (851):"إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت. . . " الحديث، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من أفراد المصنف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [10/ 1988](857)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1050)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(498)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1090)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 424)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1756 و 1818)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2779)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1933)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(336)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
"المفهم" 2/ 488.
(11) - (بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1989]
(858) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ نَرْجِعُ، فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا، قَالَ حَسَنٌ: فَقُلْتُ لِجَعْفَرٍ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلْكَ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمْسِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
2 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الحنظليّ، أبو محمد المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ إمامٌ حجةٌ (ت 238) وله اثنتان وسبعون (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
3 -
(يَحْيَى بْنُ آدَمَ) ين سليمان الأُمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [9](203)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.
4 -
(حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ) -بتحتانية، ثم معجمة- ابن سالم الأسديّ، أبو محمد الكوفيّ، أخو أبي بكر المقرئ، صدوقٌ [8].
رَوَى عن الأعمش، ومغيرة، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي إسحاق الشيبانيّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعمرو بن ميمون، وابن عجلان، وابن إسحاق، وجعفر الصادق، وزائدة، والثوريّ، وكان وصيَّه.
ورَوَى عنه ابن المبارك، وابن مهديّ، ويحيى بن آدم، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، وأبو معاوية، وابن أبي زائدة، وقبيصة، وأحمد بن يونس، ويحيى الْحِمّانيّ، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، وأخوه أبو بكر ثقة، قال عثمان: ليسا بذاك، وهما من أهل الصدق والأمانة، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الطحاويّ: ثقةٌ حجةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال يحيى الْحِمّانيّ: مات سنة (172).
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
5 -
(جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المعروف بالصادق، صدوقٌ، فقيهٌ، إمامٌ [6](ت 148)(بخ م 4) تقدم في "الحيض" 10/ 749.
6 -
(أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر المعروف بالباقر، ثقةٌ فاضلٌ [4] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 61.
7 -
(جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة تلقيه عنهما، وهو أنه سمع من لفظهما مع غيره، ثم فرّق بينهما في شيخهما؛ لاختلافهما في الكيفيّة، فقد صرّح أبو بكر بـ "حدّثنا"، وأما إسحاق، فلعله قال:"أخبرنا"، أو عنعنه، واللَّه تعالى أعلم.
2 -
(ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، والثاني بالمدنيين.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ رضي الله عنهما، ومن أفاضل الصحابة رضي الله عنهم، غزا مع النبيّ تسع عشرة غزوةً، ومن المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا، ومن المعمّرين، كما مرّ آنفًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ نَرْجِعُ، فَنُرِيحُ) -بضم النون- من الإراحة، يقال: راحت الإبل تَرُوح، فهي رائحة: إذا رجعت من المَرْعَى، قال الأزهريّ: وأما راحت الإبل، فهي رائحة، فلا يكون إلا بالعشيّ، إذا أراحها راعيها على أهلها، يُقال: سَرَحَتْ بالغداة إلى الرَّعْي، وراحَتْ بالعشيّ على أهلها؛ أي: رجعت من المَرْعى إليهم، وقال ابن فارس: الرَّواح رَوَاح العشيّ، وهو من الزوال إلى الليل، قاله الفيّوميّ رحمه الله
(1)
.
وقال النوويّ رحمه الله: ومعنى "نُريح"؛ أي: نُريحها من العمل، وتَعَب السقي، فنخلّيها منه، وأشار القاضي إلى أنه يجوز أن يكون أراد الرواح للرعي. انتهى
(2)
.
(نَوَاضِحَنَا) جمع ناضح، وهو البعير الذي يَحْمِل الماء لسقي الزرع، يقال: نَضَحَ البعيرُ الماءَ: حَمَله من نهر، أو بئر؛ لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة، سمّي ناضحًا؛ لأنه يَنْضَحُ العطشَ؛ أي: يَبُلُّهُ بالماء الذي يَحْمِله، هذا أصله، ثم استُعْمِل الناضح في كل بعير، وإن لم يَحْمِل الماء، قاله الفيّوميّ رحمه الله
(3)
.
وقال النوويّ رحمه الله: سُمِّي بذلك؛ لأنه ينضح الماء؛ أي: يَصُبّه. انتهى.
(قَالَ حَسَن) أي: ابن عيّاش الراوي عن جعفر الصادق (فَقُلْتُ لِجَعْفَرٍ) الصادق مستفهمًا تلك الساعة التي يصلي فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة الجمعة (فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلْكَ؟) اسم الاشارة مبتدأ مؤخّرٌ، خبره الجارّ والمجرور قبله، ثم إنه يَحْتَمِل أن تكون الإشارة إلى الصلاة؛ أي: في أيّة ساعة واقعة تلك الصلاة؟، وعلى هذا فالظاهر أنهم صلوها وقت الزوال، ويَحْتَمِل أن تكون الإشارة للإراحة، وعلى هذا فالمتبادر أن الصلاة كانت قبل الزوال، فيكون دليلًا لمن قال بصحتها قبل الزوال، وهو قول الإمام أحمد، وإسحاق ابن
(1)
"المصباح المنير" 1/ 243.
(2)
"شرح مسلم" 6/ 149.
(3)
"المصباح" 2/ 609 - 610.
راهويه، وقد تقدّم أنه الراجح، وقد استوفيت هذا البحث في المسألة التاسعة من المسائل المذكورة في أول "كتاب الجمعة"، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
[فائدة]: "أية" لغة في "أيّ" الاستفهامية، والأفصح في استعمالها، وكذا الشرطية أن تكون بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث؛ لأنها اسم، والاسم لا تلحقه هاء التأنيث الفارقة بين المذكر والمؤنث، نحو أي رجل جاء، وأيّ امرأة قامت، وعليه قوله تعالى:{فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ} [غافر: 81]، وقال تعالى:{بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34]، وقد تُطابَقُ في التذكير والتأنيث، نحو أيّ رجل، وأيّة امرأة، وقُرئ شاذًّا:"بأية أرض تموت"
(1)
، ومنه هذا الحديث، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) جعفر رحمه الله (زَوَالَ الشَّمْسِ) يَحْتَمِل النصب على الظرفية لفعل مقدر أي: يصلّون، أو يُريحون على الاحتمال الذي ذكرته قبله.
ويَحْتَمِل الرفع على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هو زوال الشمس، وإنما عَرَف جعفر ضبط الوقت بإخبار أبيه له، عن جابر رضي الله عنه، ففي الرواية التالية عن جعفر، عن أبيه، أنه سأل جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما، متى كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة؟ قال: كان يصلي، ثم نذهب إلى جمالنا، فنُريحها، زاد في رواية:"حين تزول الشمس"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [11/ 1989 و 1990](858)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1390) و"الكبرى"(1699)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 331)،
(1)
"المصباح المنير" 1/ 34.
و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1934)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1990]
(. . .) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، مَتَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا، فَنُرِيحُهَا، زَادَ عَبْدُ اللَّهِ في حَدِيثِهِ: حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، يَعْنِي النَّوَاضِحَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نسب إلى جدّه، ثقةٌ [11] مات في حدود (250)(م ت س ق) تقدم في "الإيمان" 4/ 118.
2 -
(خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ
(2)
أبو الهيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيَّع، وله أفراد، من كبار [10] (ت 213) وقيل: بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" 65/ 367.
3 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) بن الفضل بن بَهْرَام السمرقنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب المسند، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [11](ت 255) وله أربع وسبعون (م د ت) تقدم في "المقدمة" 5/ 29.
4 -
(يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنّيسيّ
(3)
، بصريّ الأصل، ثقةٌ [10](ت 208) وله (64) سنةً (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" 7/ 723.
5 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [8](ت 177)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
بفتح القاف والطاء.
(3)
بكسر المثناة، والنون الثقيلة، وسكون التحتانية، ثم مهملة.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَا جَمِيعًا) ضمير التثنية لخالد بن مَخْلَد، ويحيى بن حَسّان.
وقوله: (إِلَى جِمَالِنَا) بكسر الجيم: جمع جَمَل، ويُجمع أيضًا على أجمال، وأَجْمُل، وجمالة بالهاء، وجمع الجمال: جمالات، و"الْجَمَل" من الإبل بمنزلة الرجل يَختصّ بالذكر، قالوا: ولا يُسمّى بذلك إلا إذا بَزَلَ؛ أي: فَطَر نابه بدخوله في السنة التاسعة، فهو بازل، يستوي فيه الذكر والأنثى، قاله في "المصباح"
(1)
.
وقوله: (زَادَ عَبْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ) يعني: شيخه عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ.
وقوله: (يَعْنِي النَّوَاضِحَ) أي: يريد بقوله: "إلى جمالنا" الإبل التي يُستقى بها الماء.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد سبق تمام شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1991]
(859) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلَا نَتَغَدَّى، إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، زَادَ ابنُ حُجْرٍ: في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدةً، ثقةٌ عابدٌ كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدمان عليه في "الموطأ" أحدًا، من صغار [9](ت 221) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" 17/ 617.
(1)
"المصباح المنير" 1/ 48 و 110.
2 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ) -بضم المهملة، وسكون الجيم- ابن إياس السَّعْديّ المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [9](244) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 2/ 6.
4 -
(عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [8] (184) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" 45/ 290.
5 -
(أَبُوهُ) سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج الأفزر التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [5] مات في خلافة المنصور (ع) تقدم في "الإيمان" 50/ 313.
6 -
(سَهْلُ) بن سَعْد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: بعدها، وقد جاز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" 50/ 313.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (126) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، كما أسلفته آنفًا.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه من المعمّرين، وهو آخر من مات بالمدينة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ) بن سعد الساعديّ رضي الله عنهما أنه (قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ) بفتح النون، مضارع قال، يقال: قال يَقِيلُ قَيْلًا، وقَيْلُولَةً: إذا نام نصف النهار، والقائلة وقت الْقَيْلُولة، وقد تُطلق على الْقَيْلُولة، قاله الفيّوميّ رحمه الله
(1)
.
وقال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "نقيل" من القيلولة، قال الأزهريّ: القيلولة
(1)
"المصباح المنير" 2/ 521.
والْمَقِيل عند العرب: الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن مع ذلك نومٌ، بدليل قوله تعالى:{وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24]، والجنّة لا نوم فيها. انتهى
(1)
.
(وَلَا نَتَغَدَّى) أي: لا نأكل الغداء -بالمدّ-، وهو الطعام الذي يؤكل أول النهار.
[فائدة]: قال الفيّوميّ رحمه الله: إذا قيل: تَغَدَّ، أو تَعَشَّ، فالجواب: ما بي من تَغَدٍّ، ولا تَعَشٍّ، قال ثعلبٌ: ولا يقال: ما بي غداءٌ ولا عشاءٌ؛ لأن الغداء نفس الطعام، وإذا قيل: كُل، فالجواب: ما بي أَكْلٌ بالفتح. انتهى
(2)
.
وقوله: (إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ) أي: إلا بعد أداء صلاتها، وهذا كناية عن اهتمامهم بالتبكير إلى الجمعة، يعني: أنهم في ذلك اليوم لا يتغدَّون، ولا يستريحون، ولا يشتغلون، ولا يهتمّون بأمر سوى التهيّؤ، والذهاب مبكّرين إلى المسجد.
قال في "الفتح": واستُدِلّ بهذا الحديث لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، وترجم عليه ابن أبي شيبة:"بابُ من كان يقول: الجمعة أول النهار"، وأورد فيه حديث سهل رضي الله عنه هذا، وحديث أنس رضي الله عنه: كنّا نُبكّر إلى الجمعة، ثم نَقِيل، وعن ابن عمر مثله، وعن عمر، وعثمان، وسعد، وابن مسعود رضي الله عنهم مثله من قولهم.
وتُعُقُّب بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلّون الجمعة قبل الزوال، بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة، ثم بالصلاة، ثم ينصرفون، فيتداركون ذلك، بل ادَّعَى الزين ابن الْمُنَيِّر أنه يؤخذ منه أن الجمعة تكون بعد الزوال؛ لأن العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال، فأَخْبَر الصحابيّ أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عن القائلة، ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة. انتهى
(3)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى أن كثيرًا من أدلّة المجوّزين للجمعة
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1281.
(2)
"المصباح" 2/ 443.
(3)
"الفتح" 3/ 238 - 239.
قبل الزوال قويٌّ، يكون الجواب عنها تكلّفًا، فالظاهر أن هذا القول هو الأرجح، وقد تقدّم تحقيق هذا أولَ "كتاب الجمعة"، فارجع إليه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (زَادَ ابْنُ حُجْرٍ) يعني: أن شيخه الثالث، وهو عليّ بن حُجر زاد في روايته على رواية القعنبي، ويحيى بن يحيى قوله:(فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: أن تأخيرهم القيلولة والغداء كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، وفيه أن الصحابيّ إذا قال:"كنا نفعل كذا" يكون حكمه حكم المرفوع، وإن لم يسنده إلى زمنه صلى الله عليه وسلم هذا الحديث رووه دون الإضافة إلى زمنه، وقد أخرجه البخاريّ كذلك عن القعنيّ، وأورده مورد الاحتجاج به، وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح، وإليه أشار السيوطيّ رحمه الله في "ألفيّة الحديث" بقوله:
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
…
نَحْوِ "مِنَ السُّنَّةِ" مِنْ صَحَابِي
كَذَا "أُمِرْنَا" وَكَذَا "كُنَّا نَرَى
…
فِي عَهْدِهِ" أَوْ عَنْ إِضَافَة عَرَا
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [11/ 1991](859)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(938 و 939 و 941 و 2349 و 5403 و 6248 و 6279)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1086)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(525)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1099)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1875 و 1876)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1935)، و (الدارقطنيّ) في "سننه"(2/ 19)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(6/ 173)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1992]
(865) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ، نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيُّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [9] مات في آخر سنة ستّ، وأول سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
2 -
(يَعْلَى بْنُ الحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ) هو: يعلى بن الحارث بن حرب بن جرير بن الحارث المحاربيّ، أبو حرب، ويقال: أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [8].
رَوَى عن إياس بن سلمة بن الأكوع، وإسماعيل بن أبي خالد، وأشعث بن أبي الشعثاء، وسليمان بن حبيب المحاربيّ، وعُبيدة بن مُعَتِّب، وغيرهم.
وروى عنه ابنه يحيى، وابن مهديّ، ووكيع، ويحيى بن آدم، وأبو الوليد الطيالسيّ، وأحمد بن عبد اللَّه بن يونس، ويحيى الْحِمَّانيّ، وغيرهم.
قال أبو قُدامة، عن ابن مهديّ: يعلى بن الحارث من ثقات مشيخة الكوفيين، وقال ابن معين، وابن المدينيّ، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال البخاريّ: يقال: مات سنة ثمان وستين ومائة، وبه جزم ابن حبان.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
3 -
(إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ [3](ت 119) وهو ابن سبع وسبعين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 44/ 288.
4 -
(أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، وأبو إياس
الصحابيّ الشهير، شهد بيعة الرضوان، ومات رضي الله عنه بالمدينة سنة أربع وسبعين (ع) تقدم في "الإيمان" 44/ 288.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيّفية التحمّل والأداء منه، ومنهما أيضًا.
2 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ) سلمة بن عمرو بن الأكوع، نسبه في السند إلى جدّه، أنه (قَالَ: كُنَّا نُجَمِّعُ) أي: نصلّي الجمعة (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) هذا صريح في أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة بعد الزوال (ثُمَّ نَرْجِعُ، نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ) -بفتح، فسكون- يقال: فاء الظلّ يفيء فَيْئًا: رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، والجمع فُيُوءٌ، وأَفْيَاءٌ، مثل بيت، وبُيُوت، وأَبْيَات، وتقدّم أنه لا يكون إلا بعد الزوال.
قال النوويّ رحمه الله: هذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يُخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل، وإسحاق، فجوّزاها قبل الزوال.
قال القاضي عياضٌ رحمه الله: وروي في هذا أشياء عن الصحابة، لا يصحّ منها شيء إلا ما عليه الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجليها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء، والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة؛ لأنهم نُدبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها، أو فوت التبكير إليها.
وقوله: "نتتبع الفيء" إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانهم.
وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير.
وقوله: "وليس للحيطان فيء يُستظلّ به" موافق لهذا، فإنه لم يَنفِ الفيء
من أصله، وإنما نفى ما يُستظلّ به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد عرفت فيما تقدّم أن أكثر هذه التأويلات فيها تكلّف ظاهر، لا حاجة إليه، فبعض الأحاديث يدلّ على صحة الجمعة قبل الزوال.
وأما ما قاله القاضي عياض، من أنه لم يصحّ عن الصحابة شيء، فغير صحيح، فقد تقدم في المسألة التاسعة من المسائل المذكورة أول "كتاب الجمعة" إثباته عن كثير من السلف، فتنبّه.
والحاصل أن الراجح صحتها قبل الزوال، وإن كان الأولى كونها بعده؛ لأنه أكثر أفعال النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [11/ 1992 و 1993](860)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(4168)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1085)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1391) و"الكبرى"(1698)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1100)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 46 و 54)، و (الدارميّ) في "سننه"(1554)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1839)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1937 و 1938 و 1939)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1993]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْجُمُعَةَ، فَنَرْجِعُ، وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الباهليّ مولاهم، أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [9](ت 227) وله أربع وتسعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 63.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَنَرْجِعُ) أي: إلى منازلهم.
وقوله: (وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ) بالكسر: جمع حائط، والجملة في محلّ نصب حال من فاعل "نرجع".
وقوله: (نَسْتَظِلُّ بِهِ) وفي رواية النسائيّ: "يُستظلّ به" ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ نصب صفة لـ "فيئًا"، وإنما وصفه به إشارة إلى أنّ هناك ظلًّا، لكن لا يمكن الاستظلال به؛ لقصره، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(12) - (بَابُ ذِكْرِ الْخُطْبَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْجَلْسَةِ بَيْنَهُمَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1994]
(861) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
1 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) ابن مَيْسَرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 235) على الأصح، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" 6/ 75.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
2 -
(أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضَيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10](237) وله أكثر من ثمانين سنة (خت م د س) تقدم في "المقدمة" 6/ 57.
3 -
(خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 186)(ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 243.
4 -
(عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قذمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة عنها [5] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
5 -
(نَافِعٌ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [3](ت 117) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
6 -
(ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 102.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، وهو السماع من لفظهما مع غيره، ثم فرّق بينهما؛ لاختلافهما في الكيفيّة، فقد صرّح أبو كامل بكونه سمعه من خالد مع غيره، بخلاف عبيد اللَّه، فتنبّه.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما نبّهت عليه آنفًا.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد اللَّه، وما قبله كلهم بصريّون.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
5 -
(ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ رضي الله عنهما، وُلد بعد المبعث بيسير، واستُصغِر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة رضي الله عنهم، وأحد العبادلة الأربعة منهم، وكان من أشدّ الناس اتباعًا للأثر، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا) أي: على المنبر (ثُمَّ يَجْلِسُ) وفي رواية البخاريّ: "كان يخطب قائمًا، ثم يقعد، ثم يقوم"، وللنسائيّ، والدارقطنيّ من هذا الوجه:"كان يخطب خطبتين قائمًا، يفصل بينهما بجلوس"، قال في "الفتح": وغفل صاحب "العمدة"، فعزا هذا اللفظ لـ "الصحيحين"، ورواه أبو داود بلفظ:"كان يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صَعِد المنبر، حتى يفرغ المؤذِّن، ثم يقوم، فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم، فيخطب".
واستُفِيد من هذا أن حال الجلوس بين الخطبتين لا كلام فيه، لكن ليس فيه نفيُ أن يذكر اللَّه، أو يدعوه سرًّا. انتهى
(1)
.
أي: جلسة خفيفة، ولم يَرِد في الحديث ما يُبيّن مقدارها، قال العلامة المباركفوريّ رحمه الله: لم يرد تصريح بمقدار الجلوس بين الخطبتين في حديث الباب، وما رأيته في حديث غيره، وذكر ابن التين أن مقداره كالجلسة بين السجدتين، وعزاه لابن القاسم، وجزم الرافعيّ وغيره أن يكون بقدر سورة الإخلاص. انتهى
(2)
.
(ثُمَّ يَقُومُ) أي: للخطبة الثانية (قَالَ) الظاهر أن القائل هو ابن عمر رضي الله عنهما، ويَحْتَمِل أن يكون مَن دونه، واللَّه تعالى أعلم. (كَمَا يَفْعَلُونَ) أي: الأئمة (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بما قبله؛ أي: في الوقت الذي حدّث فيه بهذا الحديث، وفي رواية البخاريّ:"كما تفعلون الآن"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [12/ 1994](861)، و (البخاريّ) في "الجمعة"
(1)
"الفتح" 3/ 203 - 204.
(2)
"تحفة الأحوذيّ" 3/ 19 - 20.
(920 و 928)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(506)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1416) و"الكبرى"(1721 و 1722)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1103)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 35)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1446 و 1781)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1940)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان عدد الخطبة التي تُشرع للجمعة، وهو أنهما خطبتان، وسيأتي بيان حكمهما في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
2 -
(ومنها): مشروعية القيام حال الخطبة، وأنه لا يجلس فيها، قال ابن المنذر رحمه الله: هذا هو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار. انتهى.
واختلف في وجوبه، فذهب الجمهور إلى وجوبه، ونقل عن أبي حنيفة أن القيام سنة، وليس بواجب، وقال به ابن حزم، وهو الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-.
3 -
(ومنها): مشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلا يَصل بينهما في قيام واحد، وسيأتي أيضًا تمام البحث فيه في المسألة السادسة -إن شاء اللَّه تعالى-.
4 -
(ومنها): أن قوله: "كما يفعلون اليوم" يستفاد منه أن الناس في ذلك الوقت الذي حدّث فيه بهذا الحديث لم يغيّروا سنّة الخطبة، من كونها خطبتين، وفيهما قيامان بينهما جلوس، وإنما حدثت الخطبة جالسًا بعد ذلك، كما سيأتي بيانه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الخطبة للجمعة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختلفوا في الجمعة تُصلى، ولم يُخطَب لها، فقالت طائفة: تجزيهم جمعتهم، خطب الإمام، أو لم يخطب، هكذا قال الحسن البصريّ.
قال ابن المنذر: ولعل من حجة قائل هذا القول حديث عمر رضي الله عنه: "صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم".
وقالت طائفة: إذا لم يخطب الإمام صلى أربعًا، كذلك قال عطاء، والنخعي، وقتادة، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمد.
وروينا عن سعيد بن جبير أنه قال: كانت الجمعة أربعًا، فجعلت الخطبة مكان الركعتين. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله.
وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله ردًّا على القائلين بالفرضية:
فأما أبو حنيفة، ومالك فقالا: الخطبة فرض، لا تجزئ صلاة الجمعة إلا بها، والوقوف في الخطبة فرض، واحتجّا بفعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم تناقضا، فقالا: إن خطب جالسًا أجزأه، وإن خطب خطبة واحدة أجزأه، وإن لم يخطب لم يجزه.
قال: من الباطل أن يكون بعض فعله صلى الله عليه وسلم فرضًا، وبعضه غير فرض. وقال الشافعيّ: إن خطب خطبة واحدة لم تجزه الصلاة، ثم تناقض، فأجاز الجمعة لمن خطب قاعدًا، والقول عليه في ذلك كالقول على أبي حنيفة ومالك في إجازتهما الجمعة بخطبة واحدة، ولا فرق.
قال: فإن ادَّعَوا إجماعًا أكذَبهم ما رويناه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن البصريّ: من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كلّ حال، وقد قاله أيضًا ابن سيرين.
قال: فإن قالوا: لم يصلّها صلى الله عليه وسلم قط إلا بخطبة.
قلنا: ولا صلاها صلى الله عليه وسلم قط إلا بخطبتين قائمًا يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضًا لا تصح الجمعة إلا به، ولا صلى صلى الله عليه وسلم قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى باختصار
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أنّ ما ذهب إليه من قال بعدم وجوب الخطبتين هو الحقّ؛ لأنه لا دليل على الوجوب إلا مجرّد فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو لا يكفي في إثبات الوجوب، كما هو مذهب المحقّقين، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم القيام للخطبة:
(1)
"المحلّى" 5/ 57 - 60.
قال ابن المنذر رحمه الله: الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار ما يفعله الأئمة، وهو جلوس الإمام على المنبر أولَ ما يرقى إليه، ويؤذّن المؤذن، والإمام جالس، فإذا فرغ المؤذن من الأذان قام الإمام، فخطب خطبةً، ثم جلس، وهو في حال جلوسه غير خاطب، ولا يتكلم، ثم يقوم فيخطب الخطبة الثانية، ثم ينزل عند فراغه. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله.
ونقل غيره عن أبي حنيفة أن القيام في الخطبة سنة، وليس بواجب، وعن مالك رواية أنه واجب، فإن تركه أساء، وصحت الخطبة، وعند الباقين أن القيام في الخطبة يشترط للقادر كالصلاة.
واستُدلّ للأول بحديث أبي سعيد رضي الله عنه: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله. . . " الحديث، متّفقٌ عليه، وبحديث سهل رضي الله عنه أيضًا:"مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن. . . "، متّفقٌ عليه.
وأجيب عن الأول بأنه كان في غير خطبة الجمعة، وعن الثاني باحتمال أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد، وبين الخطبتين.
واستُدلّ للجمهور بحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه الآتي بعد هذا: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائمًا، فمن نبّأك أنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب".
وبحديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه الآتي في الباب التالي.
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس: "خطب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على القيام، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية".
وبمواظبة النبيّ صلى الله عليه وسلم على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعًا في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس، ولأن الذي نُقل عنه القعود كان معذورًا.
فعند ابن أبي شيبة من طريق الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه ولحمه.
وروى سعيد بن منصور عن الحسن، قال:"أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان، وكان إذا أعيى جلس، ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسًا معاوية".
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قيامًا، حتى شقّ على عثمان القيام، فكان يخطب قائمًا، ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالسًا، والأخرى قائمًا".
ولا حجة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعدًا؛ لأنه تبيّن أن ذلك للضرورة.
وأما من احتجّ بأنه لو كان شرطًا ما صلى من أنكر ذلك مع القاعد.
فجوابه أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أن الذي قعد باجتهاد، كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ابن مسعود، ثم إنه صلى خلفه، فأتمّ معه، واعتذر بأن الخلاف شرّ، ذكره في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن القول بعدم وجوب القيام للخطبة هو الحقّ؛ لأن من أوجبه ما استدلّ إلا بفعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو بمجرده لا يكفي في إثبات الوجوب، فالمستحب أن يخطب قائمًا، اقتداء برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين، إلا عثمان، فكان يخطب قائمًا، ثم جلس لَمّا شقّ عليه، وأما الاحتجاج بقوله صلى الله عليه وسلم:"صلّوا كما رأيتموني أصلي" فقد اتفقوا على عدم الاحتجاج به في بعض المواضع؛ كالجلوس على المنبر قبل الخطبة، والأذان بين يدي الخطيب، وقراءة سورة {ق} ، فكان يقرأ بها في كل جمعة، وغير ذلك، فلم يقولوا بوجوبها، فكذلك هنا، إذ لا فرق بينها، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم فيما يُجزئ من الخطبة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختلف أهل العلم فيما يجزئ من الخطبة للجمعة، فقالت طائفة: يجزئ ما يقع عليه اسم خطبة، روينا ذلك عن الشعبي، أنه كان يخطب يوم الجمعة ما قلّ، أو كثر، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ما جلس النبيّ صلى الله عليه وسلم على منبر قطّ
(1)
.
وممن رأى أن خطبةً واحدة تجزئ: مالكٌ، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأبو
(1)
هذا القول تردّه الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس بين الخطبتين، فتنبّه.
يوسف، ومحمد، وقال أبو ثور: يجزئ ما يكون كلامًا مجتمعًا، يقع عليه اسم خطبة.
وفي هذا المسألة قولان آخران:
أحدهما: قول الشافعيّ، وهو أن الإمام إن خطب خطبة واحدة، وصلى الجمعة عاد، فخطب ثانيةً، فإن لم يفعل حتى يذهب الوقت أعاد الظهر أربعًا. وقال: فإن جعلها خطبتين، ولم يفصل بينهما بجلوس أعاد خطبته، فإن لم يفعل صلى أربعًا، وأقلّ ما يقع عليه اسم خطبة من الخطبتين أن يحمد اللَّه، ويصلي على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويوصي بتقوى اللَّه، ويقرأ شيئًا من القرآن في الأولى، ويحمد اللَّه، ويصلي على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويوصي بتقوى اللَّه، ويدعو في الآخرة.
والقول الآخر: قول النعمان، وهو أن الإمام إن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزأه.
قال ابن المنذر: فأما ما قال النعمان، فلا معنى له، ولا أعلم أحدًا سبقه إليه، وغير معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يُقال لمن قال: سبحان اللَّه، قد خطب، وإذا كان المقول هذا سبيله، فلا معنى للاشتغال به.
وأما الذي قاله الشافعيّ، فلست أجد دلالةً توجب ما قال.
وقد عارض الشافعيَّ غيرُه من أصحابنا
(1)
، فقال: يقال لمن قال بقوله: من أين أوجبت الجلسة بين الخطبتين فرضًا أبطلت الجمعة بتركها؟ وقد أتى بالجمعة، والخطبتين، وليست الجلسة من الجمعة؛ لأن الجمعة فرضها ركعتان، كذلك في حديث عمر رضي الله عنه، والخطبة معروفة، والجلسة غير هذا، ولو كانت الجلسة واجبة لم يجز أن تبطل الجمعة بتركها؛ لأنها غير هذا، فإن اعتلّ بجلوس النبيّ صلى الله عليه وسلم بين الخطبتين، فالفعل عنده، وعند غيره لا يوجب فرضًا، ولو ثبت أنه فرض لم يدلّ على إبطال الجمعة.
(1)
قوله: "غيره من أصحابنا" أراد به المحقّقيق من أهل العلم الذين جمعوا بين النقل والدراية، وفيه إبطال لزعم من يزعم أن ابن المنذر شافعيّ المذهب، مقلّد للشافعيّ، وقد أوضحت بطلان هذا القول في "مقدّمة شرح النسائيّ" عند الكلام على مذهب النسائيّ بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
ويقال له: وما الفرق بين الجلسة الأولى، والجلسة بين الخطبتين؟ فإن اعتلّ بأن الجلسة بين الخطبتين من فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكذلك الجلسة الأولى من فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذكر
(1)
كلامًا تركت ذكره ههنا كراهية التطويل. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال: إن أقل الخطبة ما يقع عليه اسم الخطبة، ومعلوم أنه لا يقع عليه ذلك إلا إذا اشتمل على الذكر، والموعظة، وذلك هو المقصود من الخطبة، كما يظهر ذلك ممن تتبّع خُطَب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1995]
(862) - (وَحَدَّثَنَا
(3)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) البجليّ أبو عليّ الكوفيّ الْبُورانيّ -بضم الموحدة- ثقةٌ [10](ت 20 أو 221)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
3 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
4 -
(أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [7](ت 179)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 115.
5 -
(سِمَاكُ) -بكسر أوله، وتخفيف الميم- ابن حرب بن أوس بن خالد
(1)
هذا من جملة كلام ابن المنذر، أي: ذكر ذلك الذي عارض الشافعيّ.
(2)
"الأوسط" 4/ 62 - 63.
(3)
وفي نسخة: "حدّثنا".
الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ وقد تغير بأَخَرَةٍ، فكان ربما تَلَقّن [4](ت 123)(خت م 4) تقدم في "الإيمان" 64/ 365.
[فإن قيل]: كيف أخرج المصنّف رواية سماك مع أنه ممن يقبل التلقين؛ لتغيّره، كما مرّ آنفًا؟.
[قلت]: قد روى هذا الحديث عن سماك شعبة، والثوريّ، وروايتهما عند النسائيّ
(1)
، وهما ممن أخذ عنه قبل تغيّره، فسلم من الاعتراض، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
6 -
(جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة
(2)
السُّوَائيّ
(3)
الصحابي ابن الصحابي، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة سبعين (ع) تقدم في "الحيض" 24/ 808.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رُباعيّات المصنّف رحمه الله، كالسند التالي، وهو (127) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن له فيه ثلاثة شيُوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في كيفيّة التحمّل والأداء، كما سبق غير مرّة.
3 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وسماكٌ علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون.
4 -
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه يحيى، فنيسابوريّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) أي: بين الخطبتين، وقد فُسّر في الرواية التالية كيفيّة الخطبتين، حيث قال: "كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائمًا، فمن حدّثك أنه
(1)
رواية شعبة عند النسائيّ برقم (1574)، ورواية سفيان عنده برقم (1418).
(2)
بضم الجيم، بعدها نون.
(3)
بضم المهملة والمدّ.
كان يخطب جالسًا، فقد كذب"، قال النوويّ رحمه الله: وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعيّ والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تصحّ من القادر على القيام إلا قائمًا في الخطبتين، ولا يصحّ حتى يجلس بينهما، وأن الجمعة لا تصحّ إلا بخطبتين.
وقال القاضي عياضٌ رحمه الله: ذهب عامّة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة، وعن الحسن البصريّ، وأهل الظاهر، ورواية ابن الماجشون عن مالك، أنها تصحّ بلا خطبة.
وحَكَى ابن عبد البرّ إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن أطاقه.
وقال أبو حنيفة: تصح قاعدًا، وليس القيام بواجب، وقال مالك: هو واجب لو تركه أساء، وصحَّت الجمعة.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والجمهور: الجلوس بين الخطبتين سنة ليس بواجب، ولا شرط، ومذهب الشافعيّ أنه فرض، وشرطٌ لصحة الخطبة، قال الطحاويّ: لم يقل هذا غير الشافعيّ، ودليل الشافعيّ أنه ثبت هذا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مع قوله صلى الله عليه وسلم:"صَلُّوا كما رأيتموني أصلي". انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت في المسائل الماضية في شرح الحديث الماضي أن الأرجح مذهب من قال بعدم فرضيّة الخطبة، وأن القيام فيها ليس بواجب؛ لقوّة حجته، فلتُراجع التفاصيل حتى تكون على بصيرة، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
(يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ) بتشديد الكاف، من التذكير، وهو الوعظ، وفيه دليلٌ لمشروعيّة قراءة آيات من القرآن في الخطبة، وتذكير الناس، ولا خلاف في الاستحباب، وإنما الخلاف في الوجوب، فذهب الشافعيّ إلى وجوب ذلك، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وهو الراجح؛ لعدم دليل للوجوب، سوى مجرّد الفعل، وهو لا يكفي في ذلك، كما تقدّم قريبًا.
وقال النوويّ رحمه الله: فيه دليل للشافعيّ في أنه يُشْتَرط في الخطبة الوعظُ
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 149 - 150.
والقرآنُ، قال الشافعيّ: لا تصح الخطبتان إلا بحمد اللَّه تعالى، والصلاة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيهما، والوعظِ، وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن في إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت أن الأرجح ما ذهب إليه الجمهور، وأن ما قاله الشافعيّ ليس عليه دليلٌ مقنع، فتبصّر.
قال: وقال مالك، وأبو حنيفة، والجمهور: يكفي من الخطبة ما يقع عليه الاسم، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومالك في رواية عنه: يكفي تحميد، أو تسبيحة، أو تهليلة، وهذا ضعيف؛ لأنه لا يسمى خطبةً، ولا يحصل به مقصودها، مع مخالفته ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ضعف ما ذهب إليه من قال بالاكتفاء بتحميدة ونحوها في الخطبة، كما قال النوويّ؛ لأنه خلاف ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، وخلاف ما وُضعت له الخطبة، ولكن مع ذلك لا نقول بوجوب ذلك، كما قال به الشافعيّ؛ فإن ذلك يَحتاج إلى دليل يقتضي الوجوب، كما لا يخفى على من تأمّله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [12/ 1995 و 1996](862)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1101 و 1107 و 1093 و 1094 و 1095)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(507)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1415 و 1417 و 1418) و"الكبرى"(1730)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1105 و 1106)، و (أحمد) في
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 150.
"مسنده"(5/ 86 و 87 و 88 و 90 و 92 و 93 و 98 و 100 و 102 و 106 و 107)، و (الدارميّ) في "سننه"(1565 و 1567)، و (عبد اللَّه بن أحمد) في "زوائد المسند"(5/ 97 و 100)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1447 و 1448)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1941 و 1942)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1996]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: أَنْبَأَنِي
(2)
جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ -وَاللَّهِ- صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُدَيج، الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [7](ت 2 أو 3 أو 174)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 62.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (128) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (فَمَنْ نَبَّأَكَ) بتشديد الموحّدة؛ أي: أخبرك، وفي رواية أبي داود:"فمن حدّثك".
وقوله: (فَقَدْ -وَاللَّهِ- صَلَّيْتُ مَعَهُ) قال الطيبيّ رحمه الله: "واللَّه" قَسَمٌ اعترض بين "قد" ومتعلَّقه، وهو دالّ على جواب القسم، والفاء في "فمن" جواب شرط محذوف، وفي "فقد كَذَبَ" جواب "مَنْ"، وفي "فقد واللَّه" سببيّة، والمعنى: أنه كاذبٌ، ظاهر الكذب بسبب أني صلّيتُ، إلى آخره. انتهى
(3)
.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "نبّأني".
(3)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1286.
وقوله: (أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ) أي: من الجمعة وغيرها، أو أراد التكثير، لا التحديد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يُقم بالمدينة إلا عشر سنين، وأول جمعة صلّاها هي الجمعة التي تلي قُدومه المدينة، فلم يُصلّ ألفي جمعة، بل نحو خمسمائة، قاله القاريّ رحمه الله.
وقال السنديّ رحمه الله في "فتح الودود": ظاهر المقام يفيد أنه أراد صلاة الجمعة، فالعدد مشكلٌ، إلا أن يراد به الكثرة والمبالغة، فإن حُمل على مطلق الصلاة، فالأمر سهل. انتهى.
والحديث يدلّ على مواظبته صلى الله عليه وسلم على القيام حال الخطبتين، واستَدَلّ به الشافعيّ، ومالك، ومن وافقهما على وجوب القيام في خطبة الجمعة، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قد يواظب على الشيء الفاضل مع جواز تركه، ونحن نقول به
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(13) - (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} الآية)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1997]
(863) - (حَدَّثَنَا
(2)
عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأُنزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} ).
(1)
راجع: "المراعاة" 4/ 508.
(2)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ، وله أوهامٌ، [10](ت 239) وله ثلاث وثمانون سنة (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" 35/ 246.
2 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
3 -
(جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [8](188) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
4 -
(حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السَّلَميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير حفظه في الآخر [5](ت 136) وله ثلاث وتسعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 43/ 285.
5 -
(سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ وكان يرسل كثيرًا [3] (ت 7 أو 98) وقيل: سنة مائة، أو بعد ذلك، ولم يثبت أنه جاوز المائة (ع) تقدم في "الحيض" 8/ 728.
6 -
(جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنهما، تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله، ثم فصل؛ لاختلافهما فيه، كما مرّ قريبًا.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، والصحابيّ، فمدنيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
5 -
(ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) مدار هذا الحديث في "الصحيحين" عليه، وقد رواه تارة عن سالم بن أبي الجعد وحده، كما هنا، وهي رواية أكثر
أصحابه، وتارة عن أبي سفيان طلحة بن نافع وحده، وهي رواية قيس بن الرّبيع وإسرائيل عند ابن مردويه، وتارةً جمع بينهما عن جابر، وهي رواية خالد بن عبد اللَّه الطحّان، وهُشيم الآتية هنا، ورواية الطحّان عند البخاريّ أيضًا، كما أفاده في "الفتح"
(1)
.
(عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) واسمه رافع الغَطَفانيّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) هذا صريح في كونه صلى الله عليه وسلم لم يدخل في الصلاة، لكن وقع عند البخاريّ بلفظ:"بينما نحن نصلي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم"، وعند أبي نعيم في "المستخرج":"بينما نحن مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الصلاة"، وهو ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة.
ويمكن الجمع بأن يُحمَل قوله: "نصلي"؛ أي: ننتظر الصلاة، وقوله:"في الصلاة" أي: في الخطبة مثلًا، وهو من تسمية الشيء بما قاربه.
ويؤيّد هذا الجمع ويؤيده استدلال ابن مسعود رضي الله عنه على القيام في الخطبة بالآية المذكورة، كما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وكذا استدلّ به كعب بن عجرة رضي الله عنه في الحديث الآتي بعد حديثين.
وحمل ابن الجوزيّ رحمه الله قوله: "يخطب قائمًا" على أنه خبر آخرُ، غيرُ خبر كونهم كانوا معه في الصلاة، فقال: التقدير صلينا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكان يخطب قائمًا. . . الحديث، قال الحافظ رحمه الله: ولا يخفى تكلّفه. انتهى
(2)
.
(فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ) وفي رواية خالد الطحّان التالية: "فقدّمت سُوَيقةٌ"، وفي رواية هُشيم:"إذ قَدِمت عِيرٌ إلى المدينة"، وفي رواية البخاريّ:"إذ أقبلت عيرٌ تَحْمِل طعامًا".
و"العِيرُ" بكسر المهملة: هي الإبل التي تَحْمِل التجارة طعامًا كانت أو غيره، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها.
ونقل ابن عبد الحقّ في "جمعه" أن البخاريّ لم يخرج قوله: "إذ أقبلت عِيرٌ تَحْمِل طعامًا"، قال الحافظ: وهو ذُهُول منه، نعم سقط ذلك في
(1)
راجع: "الفتح" 3/ 230.
(2)
"الفتح" 3/ 231.
"التفسير"، وثبت هنا، وفي أوائل "البيوع"، وزاد فيه أنها أقبلت من الشام، ومثله لمسلم من طريق جرير، عن حُصين.
ووقع عند الطبريّ من طريق السُّدّيّ، عن أبي مالك، وقرَّة
(1)
، فرّقهما أن الذي قَدِمَ بها من الشام دِحْية بن خَلِيفة الكلبيّ، ونحوه في حديث ابن عباس، عند البزار، ولابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس:"جاءت عِير لعبد الرحمن بن عوف".
ويُجمع بين هاتين الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان دِحية السَّفِيرَ فيها، أو كان مُقارِضًا.
ووقع في رواية ابن وهب، عن الليث أنها كانت لِوَبَرَة الكلبيّ، ويُجمع بأنه كان رَفِيق دحية، قاله في "الفتح"
(2)
.
(فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا) وفي رواية خالد الطحّان: "فخرج الناس إليها"، وفي رواية "هُشيم":"فابتدرها أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية البخاريّ:"فالتفتوا إليها"، وفي رواية له:"فانفضّ الناس"، وهو موافق للفظ القرآن، ودالّ على أن المراد بالالتفات الانصراف، قال في "الفتح": وفيه رَدّ على مَن حمل الالتفات على ظاهره، فقال: لا يُفْهَم من هذا الانصراف عن الصلاة وقطعُها، وإنما يُفهَم منه التفاتهم بوجوههم، أو بقلوبهم، وأما هيئة الصلاة المجزئة فباقية، ثم هو مبنيّ على أن الانفضاض وقع في الصلاة، وقد ترجح فيما مضى أنه إنما كان في الخطبة، فلو كان كما قيل لَمَا وقع هذا الإنكار الشديد، فإن الالتفات فيها لا ينافي الاستماع، وقد غَفَل قائله عن بقية ألفاظ الخبر.
وفي قوله: "فانفتل الناس"، وكذا "فالتفتوا" التفاتٌ
(3)
؛ لأن السياق يقتضي أن يقول: فالتفتنا، وكأن الحكمة في عدول جابر رضي الله عنه عن ذلك أنه هو
(1)
وقع في نسخة "الفتح" بلفظ: "ومرة"، وهو تصحيف، والصواب:"قُرّة" كما في "تفسير الطبري" 23/ 386.
(2)
"الفتح" 3/ 231.
(3)
تعقّب العينيّ هذا الالتفات على الحافظ، ولكنه لم يُنصِفْ في ذلك، فتنبّه.
لم يكن ممن التفتَ، كما سيأتي
(1)
.
(حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) قال الكرمانيّ رحمه الله: ليس هذا الاستثناء مُفَرَّغًا، فيجبَ رفعه، بل هو من ضمير "يبقَ" الذي يعود إلى المصلي، فيجوز فيه الرفع والنصب، قال: وقد ثبت الرفع في بعض الروايات. انتهى.
ووقع في "تفسير الطبري"، وابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى قتادة، قال: قال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "كم أنتم؟ "، فعَدّوا أنفسهم، فإذا هم اثنا عشر رجلًا وامرأةً، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشاميّ:"وامرأتان"، ولابن مردويه من حديث ابن عباس:"وسبع نسوة"، لكن إسناده ضعيف، واتفقت هذه الروايات كلها على اثني عشر رجلًا، إلا ما رواه عليّ بن عاصم، عن حُصين بالإسناد المذكور، فقال:"إلا أربعين رجلًا"، أخرجه الدارقطنيّ، وقال: تفرّد به عليّ بن عاصم، وهو ضعيف الحفظ، وخالفه أصحاب حُصين كلهم.
وأما تسمية هؤلاء الباقين، فوقع في رواية خالد الطحّان التالية أن جابرًا قال: أنا فيهم، وفي رواية هشيم الآتية:"فيهم أبو بكر، وعمر".
وفي الترمذيّ أن هذه الزيادة في رواية حُصين، عن أبي سفيان، دون سالم، وله شاهد عند عبد بن حميد، عن الحسن مرسلًا، ورجال إسناده ثقات.
وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشاميّ أن سالِمًا مولى أبي حُذيفة منهم.
وروى العُقيليّ، عن ابن عباس أن منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأُناسًا من الأنصار.
وحَكَى السهيليّ أن أسد بن عمرو رَوَى بسند منقطع أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة، وبلال، وابن مسعود، قال: وفي روايةٍ: عمارٌ، بدل ابن مسعود. انتهى.
قال الحافظ: ورواية العقيليّ أقوى، وأشبه بالصواب، قال: ثم وجدت رواية أسد بن عمرو عند العقيليّ بسند متصل، لا كما قال السهيليّ: إنه منقطع، أخرجه من رواية أسد، عن حُصين، عن سالم. انتهى.
(1)
راجع: "الفتح" 3/ 231 - 232.
(فَأُنْزِلَتْ هَذه الآية الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ) هذا ظاهرٌ في أنها نزلت بسبب قدوم العِير المذكورة، والمراد باللهو على هذا ما يَنشأ من رؤية القادمين، وما معهم.
ووقع عند الشافعيّ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، مرسلًا: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، وكانت لهم سوق، كانت بنو سُليم يَجْلُبون
(1)
إليها الخيل، والإبل، والسَّمن، فقَدِموا، فخرج إليهم الناس، وتركوه، وكان لهم لهو يضربونه، فنزلت"، ووصله أبو عوانة في "صحيحه"، والطبريّ بذكر جابر فيه: "أنهم كانوا إذا نَكَحُوا تضرب الجواري بالمزامير، فيشتدّ الناس إليهم، ويَدَعُون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائمًا"، فنزلت هذه الآية.
وفي مرسل مجاهد، عند عبد بن حميد:"كان رجال يقومون إلى نواضحهم، وإلى السفر يقدمون، يبتغون التجارة واللهو، فنزلت".
قال الحافظ رحمه الله: ولا بُعْدَ في أن تنزل في الأمرين معًا، وأكثر.
({وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا}) أي: إلى التجارة، والانفضاض: هو التفرّق، يقال: فَضضت القوم، فانفضّوا: فرّقتهم، فتفرّقوا، قاله في "العمدة"
(2)
.
قال في "الفتح": والنكتة في قوله: "انفضوا إليها" دون قوله: إليهما، أو إليه، أن اللهو لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما كان تبعًا للتجارة، أو حُذِف لدلالة أحدهما على الآخر.
وقال الزجاج: أُعيد الضمير إلى المعنى؛ أي: انفضوا إلى الرؤية؛ أي: ليروا ما سمعوه. انتهى
(3)
.
وقال في "العمدة": قال الزمخشريّ: كيف قال: "إليها"، وقد ذكر شيئين؟.
قلت: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوًا نفضوا إليه، فحُذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ:"انفضوا إليه"، وقراءة من قرأ:"لهوًا، أو تجارة انفضوا إليها"، وقُرئ:"إليهما". انتهى.
(1)
من بابي ضرب، وقتل. "المصباح".
(2)
"عمدة القاري" 6/ 358.
(3)
"الفتح" 3/ 232 - 233.
وقيل: أعيد الضمير إلى التجارة فقط؛ لأنها كانت أهمَّ إليهم، وقال الزجاج: يجوز في الكلام: انفضوا إليه، وإليها، وإليهما، ولأن العطف إذا كان ضميرًا، فقياسه عوده إلى أحدهما، لا إليهما، وأن الضمير أعيد إلى المعنى دون اللفظ؛ أي: انفضوا إلى الرؤية التي رأوها؛ أي: مالوا إلى طلب ما رأوه. انتهى
(1)
.
[فائدة]: ذَكَر الحميديّ في "الجمع" أن أبا مسعود الدمشقيّ ذكر في آخر هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحدٌ لسال بكم الوادي نارًا"، قال: وهذا لم أجده في الكتابين، ولا في مستخرجي الإسماعيليّ والْبَرْقانيّ، قال: وهي فائدة من أبي مسعود، ولعلنا نجدها بالإسناد فيما بَعْدُ. انتهى.
قال الحافظ: ولم أر هذه الزيادة في "الأطراف" لأبي مسعود، ولا هي في شيء من طُرُق حديث جابر رضي الله عنه المذكورة، وإنما وقعت في مرسلي الحسن وقتادة المتقدم ذكرهما، وكذا في حديث ابن عباس عند ابن مردويه، وفي حديث أنس عند إسماعيل بن أبي زياد، وسنده ساقط. انتهى
(2)
.
({وَتَركُوكَ}) حال كونك ({قَائِمًا}) على المنبر تخطب فيه، وفيه دليلٌ على أن الخطيب ينبغي له أن يخطب قائمًا على المنبر.
قال الإمام الطبريّ رحمه الله: وقوله تعالى: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} [لجمعة: 11] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: الذي عند اللَّه من الثواب لمن جلس مستمعًا خطبةَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وموعظته يوم الجمعة إلى أن يفرُغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منها خير له من اللهو ومن التجارة التي ينفضون إليها، {وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11] يقول: واللَّه خير رازق فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، وإياه فأسألوا أن يوسع عليكم من فضله، دون غيره. انتهى
(3)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله تعالى: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ
(1)
"عمدة القاري" 6/ 358.
(2)
"الفتح" 3/ 233.
(3)
"تفسير الطبريّ" 23/ 389.
التِّجَارَةِ} للذين آمنوا {وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} أي: خير مَن رَزَق، وأَعْطَى، فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده، من خيري الدنيا والآخرة
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 1997 و 1998 و 1999 و 2000](863)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(936) و"البيوع"(2058 و 2064) و"التفسير"(4899)، و (الترمذيّ) في "التفسير"(2311)، و (النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى"(11593)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 313 و 370)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده"(1110)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1823)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1943 و 1944 و 1945 و 1946)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان أن الخطبة تكون عن قيام كما تقدم، وأن بعضهم جعله شرطًا، وفيه نظرٌ، وقد تقدّم تحقيقه.
2 -
(ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة.
3 -
(ومنها): أن فيه كراهيةَ ترك سماع الخطبة بعد الشروع فيها.
4 -
(ومنها): بيان فضيلة أبي بكر وعمر، وجابر رضي الله عنهم، ومن ثبت معهم، حيث ثبتوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم.
5 -
(ومنها): ما قيل: إن البيع وقت الجمعة ينعقد، ترجم عليه سعيد بن منصور، وكأنه أخذه من كونه صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بفسخ ما تبايعوا فيه من الْعِير المذكورة، ولا يخفى ما فيه.
6 -
(ومنها): ما قيل: أنه يُستدلّ به على جواز انعقاد الجمعة باثني عشر نفسًا، وهو قول ربيعة، ويجيء أيضًا على قول مالك، ووجه الدلالة منه أن
(1)
"تفسير القرطبيّ" 18/ 120.
العدد المعتبر في الابتداء يُعتبر في الدوام، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على الاثني عشر دَلّ على أنه كافٍ.
وتُعُقِّب بأنه يَحْتَمِل أنه تمادى حتى عادُوا، أو عاد من تُجزئ بهم؛ إذ لم يَرِد في الخبر أنه أتم الصلاة، ويَحْتَمِل أيضًا أن يكون أتمها ظهرًا، وأيضًا فقد فرّق كثير من العلماء بين الابتداء والدوام في هذا، فقيل: إذا انعقدت لم يضرّ ما طرأ بعد ذلك، ولو بقي الإمام وحده، وقيل: يُشترط بقاء واحد معه، وقيل: اثنين، وقيل: يفرق بين ما إذا انفضّوا بعد تمام الركعة الأولى فلا يضر، بخلاف ما قبل ذلك، وإلى ظاهر هذا الحديث صار إسحاق ابن راهويه، فقال: إذا تفرقوا بعد الانعقاد، فيشترط بقاء اثني عشر رجلًا.
وتُعُقِّب بأنها واقعة عين لا عموم فيها، قال الحافظ: ظاهر ترجمة البخاريّ تقتضي أن لا يتقيد الجمع الذي يبقى مع الإمام بعدد معين.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن القول الراجح في عدد من تنعقد بهم ليس له حدّ محدود، فراجع المسألة السادسة من المسائل المذكورة في أول "كتاب الجمعة"، وخلاصته أن الجمعة تنعقد باثنين، فما فوق؛ لحديث طارق بن شهاب مرفوعًا:"الجمعة حقّ واجب على كل مسلم في جماعة. . . " الحديث، وهو حديث صحيح، وقد أجمعوا على أن أقل الجماعة في سائر الصلوات اثنان، فوجب كون أقل عدد الجماعة في الجمعة اثنين أيضًا؛ إذ لا فرق بينها وبين غيرها من الصلوات في هذا، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وتقدم ترجيح كون الانفضاض وقع في الخطبة، لا في الصلاة، وهو اللائق بالصحابة؛ تحسينًا للظن بهم، وعلى تقدير أن يكون في الصلاة حُمِل على أن ذلك وقع قبل النهي، كآية {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ، وقبل النهي عن الفعل الكثير في الصلاة.
وقال أيضًا: إن الجميع لو انفضّوا في الركعة الأولى، ولم يبق إلا الإمام وحده أنه لا تصحّ له الجمعة عند الجمهور، وقيل: تصح إن بقي واحد، وقيل: إن بقي اثنان، وقيل: ثلاثة، وقيل: إن كان صلى بهم الركعة الأولى صحَّت لمن بقي، وقيل يتمها ظهرًا مطلقًا، قال: وهذا الخلاف كله أقوال مخرَّجة في مذهب الشافعي إلا الأخير، فهو قوله في الجديد.
قال: وإن ثبت قول مقاتل بن حيان الذي أخرجه أبو داود في "المراسيل" أن الصلاة كانت حينئذ قبل الخطبة زال الإشكال، لكنه مع شذوذه مُعْضَلٌ.
قال: وقد استَشْكَل الأصيليّ حديث الباب، فقال: إن اللَّه تعالى قد وَصَف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه.
ثم أجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث كان قبل نزول الآية. انتهى.
وهذا الذي يتعين المصير إليه، مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك، فلم يكن تقدّم لهم نهي عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفَهِمُوا منها ذمَّ ذلك اجتنبوه، فوُصِفُوا بعد ذلك بما في آية النور، واللَّه أعلم. انتهى. وهو بحث نفيسٌ، إلا قوله:"ليس في آية النور. . . إلخ"؛ لأن الصحابة إذا لم يدخلوا فيها دخولًا أوّليًّا، فمن يدخل؟، بل الكلام الأخير هو الصواب في الجواب.
وحاصله أن الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يعرفون الذمّ في التفرّق قبل ذلك، فحصل منهم تساهل، فلما عرفوا ذلك تركوه، وحسُنت أحوالهم، فوُصفوا بقوله عز وجل:{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} الآية [النور: 37]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1998]
(. . .) - (وَحَدَّثنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ
(1)
: وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ، وَلَمْ يَقُلْ: قَائِمًا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [8](ت 192) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.
و"حُصين" ذُكر قبله.
(1)
وفي نسخة: "وقال".
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي: بإسناد حصين بن عبد الرحمن السابق، وهو عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما.
[تنبيه]: رواية عبد اللَّه بن إدريس، عن حُصين هذه ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 452) فقال:
(1944)
حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا ابن إدريس، عن حُصين، عن سالم، عن جابر، قال: أقبلت عِيرٌ بتجارة يوم جمعة، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخطب، فانصرف الناس ينظرون، وبقي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في اثني عشر رجلًا، فنزلت هذه الآية:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11]، قال: رواه مسلم عن أبي بكر. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[1999]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي الطَّحَّانَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَنَا فِيهِمْ، قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ) رفاعة بن الهيثم بن الحكم، أبو سعيد الواسطيّ، مقبول [10].
رَوَى عن خالد بن عبد اللَّه الواسطيُّ وهشيم، وروى عنه مسلم، وأسلم بن سهل وعبد اللَّه بن محمد بن شيرويه، وإبراهيم بن محمد الصَّيدلانيّ.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث
(1)
، برقم (863) و (1821) و (1856) و (2133) و (2494).
(1)
قال في "تهذيب التهذيب": ذكر بعضهم أن مسلمًا روى عنه ثلاثة أحاديث. انتهى. وهذا فيه نظر، والصواب ما ذكرته هنا.
2 -
(خَالِدٌ الطَّحَّانَ) هو: خالد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 182)(ع) تقدم في "الإيمان" 78/ 407.
3 -
(أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ، أبو سفيان الإسكاف، نزيل مكة، صدوق [4](ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَقَدِمَتْ سُويقَةٌ) هو تصغير سُوق، والمراد: العير المذكورة في الرواية الأولى، وهي الإبل التي تَحْمل الطعام، أو التجارة، لا تُسَمَّى عِيرًا إلا هكذا، وسُمِّيت سُوقًا؛ لأن البضائع تساق إليها، وقيل: لقيام الناس فيها على سُوقهم، قاله النوويّ رحمه الله
(1)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله في الحديث السابق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2000]
(2)
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا
(3)
هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَدِمَتْ عِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، قَالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11]).
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 151.
(2)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد انتهيت -بحمد اللَّه تعالى وتوفيقه- من الألف الثاني بعد صلاة المغرب ليلة الأربعاء 8/ 24/ 1427 هـ الموافق 22/ سبتمبر 2006 م، وكانت المدّة التي بين نهاية الألف الأول، ونهاية الألف الثاني سنة كاملة إلا نحو ستة أيام، وذلك لأني انتهيت من الألف الأول، ودخلت في الثاني 29/ 8/ 1426 هـ وهذا من عظيم فضل اللَّه تعالى عليّ، وحسن توفيقه، الحمد للَّه ربّ العالمين، الحمد للَّه حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك.
(3)
وفي نسخة: "حدّثنا".
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ) الصائغ البغداديّ، نزيلُ مكة، ثقةٌ [10] من أفراد المصنّف رحمه الله تقدم في "الحيض" 10/ 748.
2 -
(هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم بمعجمتين الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [7](183) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2001]
(864) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ، يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11]).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 252) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
2 -
(ابْنُ بَشَّارِ) بن عثمان الْعَبْديّ البصريّ، أبو بكر المعروف ببندار، ثقةٌ [10](ت 252) وله بضع وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بغُنْدَر، ثقةٌ صحيح الكتاب [9](ت 3 أو 194)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
4 -
(شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الْوَرْد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابدٌ [7](ت 160)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 381.
5 -
(مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السّلميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان لا يدلّس [6](132)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 296.
6 -
(عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلِّس، ورُمِي بالإرجاء [5] (118) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" 85/ 452.
7 -
(أَبُو عُبَيْدَةَ) بن عبد اللَّه بن مسعود مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [3] مات بعد سنة ثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" 85/ 452.
8 -
(كعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ المدنيّ أبو محمد الصحابي المشهور، مات رضي الله عنه بعد الخمسين، وله نيف وسبعون سنةً (ع) تقدم في "الطهارة" 23/ 643.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان، قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفية الأخذ والأداء.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة.
4 -
(ومنها): أنهما كفَرَسي رهان في الحفظ، وماتا في سنة واحدة.
5 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون.
6 -
(ومنها): أن شعبة الإمام المشهور، كان الثوريّ يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وكان هو أول مَن فَتَّش بالعراق عن الرجال، وذَبّ عن السنة.
7 -
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول من يقول: إن منصورًا تابعيّ، كما ذكره في "الفتح".
8 -
(ومنها): أن أبا عبيدة ممن اشتهر بكنية، والمشهور أنه لا اسم له غيرها، وقيل غير ذلك.
9 -
(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه من مشاهير الصحابة رضي الله عنهم، نزلت فيه آية
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} الآية [البقرة: 196]، كما سيأتي في "كتاب الحجّ" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) بن عبد اللَّه بن مسعود (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) أي: عن قصّته رضي الله عنه (قَالَ) الفاعل ضمير أبي عبيدة، وليس ضميرَ كعب رضي الله عنه أي: قال أبو عبيدة (دَخَلَ الْمَسْجِدَ) الفاعل ضمير كعب رضي الله عنه، يعني: أن كعب بن عُجرة رضي الله عنه دخل المسجد؛ أي: مسجد الكوفة (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ) -بفتح المهملة، والكاف- هكذا هو عند المصنف، و"سنن النسائيّ":"ابن ام الحكم"، ووقع في "السنن الكبرى" للبيهقيّ:"ابن الحكم" بدون "أم".
وعبد الرحمن ابن أمّ الحكم هذا: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عثمان الثقفيّ، المعروف بابن أمّ الحكم، وهو ابن أخت معاوية بن أبي سفيان بن حَرْب، استعمله معاوية رضي الله عنه أميرًا على الكوفة في سنة (58)، وبعد سنة، أو أكثر عُزِل عنها، توفي بعد معاوية سنة (83)
(1)
.
فـ "عبد الرحمن" مبتدأ، خبره جملة (يَخْطُبُ) وقوله (قَاعِدًا) حال من فاعل "يخطب"، وجملة المبتدأ والخبر في محلّ نصب على الحال من فاعل "دَخَل"، فالحالان متداخلان.
يعني: أن كعب بن عجرة رضي الله عنه دخل المسجد، والحال أن عبد الرحمن ابن أم الحكم يخطب الناس قاعدًا، مخالفًا للسنة.
(فَقَالَ) أي: كعب رضي الله عنه منكرًا عليه (انْظُرُوا إلَى هَذَا الْخَبِيثِ) وهذا من غاية غضب هذا الصحابيّ الجليل رضي الله عنه على من خالف سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (يَخْطُبُ قَاعدًا) مع كون السنة أن يخطب قائمًا، وفي رواية ابن خزيمة
(2)
: "ما رأيت كاليوم قطّ إمامًا يؤم المسلمين يخطب، وهو جالس، يقول ذلك مرتين".
(1)
راجع ترجمته في: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (5/ 229)، و"مشاهير علماء الأنصار" لابن حبّان (ص 106)، و"الكامل" لابن الأثير (3/ 515).
(2)
هكذا عزاه في "الفتح" إلى ابن خزيمة، ولم أره في "صحيحه"، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
(وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يخطب"، والرابط الواو ({وَإِذَا رَأَوْا}) أي: أبصروا، أو عَرَفوا ({تِجَارَةً}) أي: بيعًا وشراءً ({أَوْ لَهْوًا}) قيل: المراد الطبل الذي كان يُضْرَب عند قدوم التُّجَّار ({انْفَضُّوا}) أي: تفرّقوا ({إِلَيْهَا}) أي: إلى تلك التجارة، وما ذكر معها، فيكون من باب الاكتفاء، ومراعاة أقرب المذكورَين، أو اختصّت التجارة بالذكر؛ لأنها المقصود الأعظم من الأمرين، فإن الطبل كان لإعلام مجيء أسباب التجارة ({وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}) أي: حال كونك قائمًا على المنبر، تخطب الناس.
وقال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "وقد قال اللَّه" حال مُقَرِّرة لجهة الإنكار؛ أي: كيف يخطب قاعدًا، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائمًا، بدليل قوله تعالى:{وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11]، وذلك أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء، فقَدِمَت تجارة من زيت الشام، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فتركوه قائمًا، وما بقي معه إلا نفر يسير. انتهى
(1)
.
وقال النوويّ رحمه الله: هذا الكلام يتضمن إنكار المنكر، والإنكارَ على ولاة الأمور، إذا خالفوا السنّة.
ووجه استدلاله بالآية أن اللَّه أخبر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائمًا، وقد قال اللَّه تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، مع قوله تعالى:{فَاتَّبِعُوهُ} ، وقوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7]، مع قوله صلى الله عليه وسلم:"صلُّوا كما رأيتموني أصلي". انتهى
(2)
. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1286.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 152.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [3/ 2001](864)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1397) و"الكبرى"(1712)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1947)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 196 و 197)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعية قيام الإمام على المنبر في حال الخطبة، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في اشتراطه، وقد تقدّم تحقيقه.
2 -
(ومنها): ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من شدّة الغضب على من خالف السنة، ولو كان ممن تجب طاعته، واحترامه من ولاة الأمور؛ لأنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق.
3 -
(ومنها): ذمّ الاشتغال بالتجارة، واللَّهو، وإيثار ذلك عن ذكر اللَّه وطاعته، قال اللَّه تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)} [المنافقون: 9]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(14) - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2002]
(865) - (وحَدَّثَنِي
(1)
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ، وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زيدٍ يَعْنِي: أَخَاهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ:"لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ").
(1)
وفي نسخة: "حدّثني".
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلال الْحُلْوَانيّ -بضم المهملة- نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [11](ت 242)(خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.
2 -
(أَبُو تَوْبَةَ) الربيع بن نافع، الحلبيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ [10](ت 241)(خ م د س ق) تقدم في "الحيض" 7/ 722.
3 -
(مُعَاوِيَة بْنُ سَلَّامٍ) -بتشديد اللام- ابن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَ، ثقةٌ [7] مات في حدود سنة (170)(ع) تقدم في "الإيمان" 49/ 309.
4 -
(زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الحَبَسيّ الدمشقيّ، ثقة [6](بخ م 4) تقدم في "الطهارة" 1/ 540.
5 -
(أَبُو سَلَّامٍ) مَمْطُور الأسود الحَبَشيّ الأعرج الدمشقيّ، ويقال: النُّوبي، وقيل: إن الحَبَشيّ نسبة إلى حَيّ من حمير، ثقة يرسل [3](بخ م 4) تقدم في "الطهارة" 1/ 540.
6 -
(الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ) -بكسر الميم، بعدها تحتانية، ثم نون، ومدٌّ- الأنصاريّ مولاهم المدني، صدوق [2].
رأى بلالًا رضي الله عنه يمسح على الخفّين، ورَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عُمر، وابن عباس، وغيرهم رضي الله عنهم.
ورَوَى عنه ابنه شُبَيث، وأبو سلّام الأسود، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: مدنيّ يُروَى عنه، وقال ابن سعد: شهد أبوه ميناء تبوك مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن أبي حاتم: شيخ، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود في "فضائل الأنصار"، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا حديث الباب فقط، وهو مختلف في إسناده، كما سيأتي -إن شاء اللَّه تعالى-.
والصحابيّان رضي الله عنهما تقدّما قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع إلا في موضع.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
4 -
(ومنها): أن صحابييه من المكثرين السبعة من الصحابة رضي الله عنهم.
شرح الحديث:
(عَنْ زيدٍ يَعْنِي: أَخَاهُ) أي: أخا معاوية، والظاهر أن العناية من المصنّف، ويَحْتَمِل أن يكون من غيره، وكذا القول في "وهو ابن سلّام" (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ) يعني: أباه، واسمه ممطور، كما مرّ آنفًا، وقوله:(قَالَ) جملة حاليّة من المفعول (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر الميم (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنهما.
[تنبيه]: هكذا في رواية المصنّف من طريق أبي توبة، عن معاوية بن سلام، عن زيد، عن أبي سلام، عن الحكم بن ميناء:"أن عبد اللَّه بن عمر، وأبا هريرة حدّثاه"، فجعله من مسند ابن عمر، وأبي هريرة رضي الله عنهما.
ووقع في رواية النسائيّ، من طريق الحضرميّ لن لاحق، عن زيد، عن أبي سلّام، عن الحكم بن ميناء "أنه سمع ابن عبّاس، وابن عمر"، فجعله من مسند ابن عبّاس بدل أبي هريرة رضي الله عنهما.
ورواية المصنّف هي المحفوظة؛ ويؤيّد ذلك أن النسائيّ رواها في "الكبرى"(1/ 516) فقال:
(1659)
أخبرني إبراهيم بن يعقوب، قال: نا سعيد بن الربيع، قال: نا عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام، عن الحكم بن مينا، عن ابن عمر، وابن عباس، قال عليّ: ثم كتب به إليّ عن ابن عمر وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره:"لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو ليختمن على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين".
وأيضًا فقد رواه محمد بن شعيب بن شابور، والوليد بن مسلم، عن
معاوية بن سلّام، كما قال أبو توبة، قاله في "تحفة الأشراف"
(1)
.
قال البيهقي: ورواية معاوية بن سلام عن أخيه زيد أولى أن تكون محفوظة، واللَّه أعلم
(2)
.
(حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونه قائمًا على أعواد منبره.
و"الأعواد" بالفتح: جمع عُود بالضم؛ أي: على درجات منبره، وقال الصنعانيّ رحمه الله: أي: منبره الذي كان من عُود، لا على الذي كان من الطين، ولا على الجذع الذي كان يَستند إليه. انتهى.
وفائدة ذكره الدلالةُ على كمال التَّذَكُّرِ، والإشارةُ إلى اشتهار هذا الحديث.
("لَيَنْتهِيَن أَقْوَامٌ) اللام موطئة للقسم المقدَّر، والنون المشددة للتوكيد، والجملة جواب القسم المقدَّر؛ أي: واللَّه لينتهينّ أقوام، وإنما أبهمهم كراهيةَ كسر قلوب من يُعَيِّنهم لو عَيَّن أشخاصًا؛ لأن النصيحة، في الملإ فضيحة.
(عَنْ وَدْعهِمُ الْجُمُعَات) -بفتح الواو، وسكون الدال-: مصدر وَدَعَ؛ أي: عن تركهم إيّاها، والتخلف عنها من غير عذر، من وَدَعَ الشيءَ يَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركه.
وقول النحاة: إن العرب أماتوا ماضيه ومصدره، واسم فاعله، استغناء بتَرَكَ تَرْكًا، فهو تارك: محمول على أن الغالب عدم استعمال ذلك، استغناءً بما هو أخفّ، لا أنهم لم يستعملوا ذلك أصلًا.
وقيل: قولهم مردود، والحديث حجة عليهم، قال التوربشتيّ رحمه الله: لا عبرة بما قال النحاة، فإن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الحجة القاضية على كلّ ذي لهجة وفصاحة. انتهى.
وقال الفيّوميّ رحمه الله: وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حُذفت الواو، ثمّ فُتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضيَ "يَدَعُ"، ومصدرَه، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة،
(1)
راجع: "تحفة الأشراف" 5/ 335.
(2)
"سنن البيهقي الكبرى" 3/ 172.
ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ:{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} [الضحى: 3] بالتخفيف، وفي الحديث:"ليَنتَهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات"؛ أي: عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القُرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله، فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فمما أنشدوا لاستعمال ماضيه -كما أورده ابن منظور رحمه الله قول الشاعر:
وَكَانَ مَا قَدَّمُوا لأَنْفُسِهِمْ
…
أَكْثَرَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي وَدَعُوا
وقول الآخر:
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي مَا الَّذِي
…
غَالَهُ حَتَّى وَدَعَهْ
وقول الآخر:
سَلْ أَمِيرِي مَا الَّذِي غَيَّرَهُ
…
عَنْ وِصَالِي الْيَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ
وقول الآخر:
فَسَعَى مَسْعَاتَهُ فِي قَوْمِهِ
…
ثُمَّ لَمْ يُدْرِكْ وَلَا عَجْزًا وَدَعْ
ومن استعمال اسم الفاعل له قوله:
فَأَيُّهُمَا مَا أَتْبَعَنَّ فَإِنَّنِي
…
حَزِينٌ عَلَى تَرْكِ الَّذِي أَنَا وَادِعُ
وقول الآخر:
عَلَيْهِ شَرِيبٌ لَيِّنٌ وَادِعُ الْعَصَا
…
يُسَاجِلُهَا حَمَّاتُهُ وَتُسَاجِلُهْ
فقول السيوطيّ في "شرحه": الظاهر أن استعماله هنا من الرواة المولدين الذين لا يُحسنون العربية، غير صحيح، كيف يمكن أن يُغَلّط الرواة الثقات الذين يُعتمد على حفظهم، مع أن أهل اللغة قد أثبتوا استعمال العرب الماضي منه، وقرأ به من قدّمنا ذكره من القرّاء، وكذا أثبتوا له اسم الفاعل، وثبت في هذا الحديث استعمال المصدر له؟، إن هذا لشيء عجيب!!.
وغاية ما يقال في مثل هذا: إن استعمال الماضي، والمصدر، واسم الفاعل منه قليل، لا يكثر كثرة استعمال المضارع والأمر منه.
قال السنديّ رحمه الله ردًّا على كلام السيوطيّ المذكور ما نصه: لا يخفى على من تتبع كتب العربية أن قواعد العربية مبنية على الاستقراء الناقص، دون
التامّ عادةً، وهي مع ذلك أكثريّات، لا كليّات، فلا يناسب تغليط الرواة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
(أَوْ لَيَخْتَمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهِمْ) أي: يَطْبَع عليها، ويُغطّيها بالرَّيْن، قال القاضي عياضٌ رحمه الله: أصل الختم التغطية؛ أي: غطّى عليها، ومنعها من الهداية به حتى لا تعرف معروفًا، ولا تُنكر منكرًا، ولا تعي خيرًا، قالوا في قوله تعالى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7]؛ أي: طَبَعَ عليها، قالوا: وأصل الطبع في اللغة: الوسخُ والدنس، واستُعْمِل فيما يُشبهه من الآثام، ومثله الرَّيْنُ، وقيل: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّها، وقد اختَلَفَ المتكلّمون في هذا اختلافًا كثيرًا، فقيل: هو إعدام اللطف، وأسباب الخير، والتمكين من أسباب ضدّه، وقيل: هو خَلْق الكفر في قلوبهم، وهو قول أكثر متكلمي أهل السنّة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم، وقيل: هو علامةٌ جعلها اللَّه تعالى في قلوبهم؛ لتعرف بها الملائكة الفرق بين من يجب مدحه، ومن يجب ذمّه. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصواب حمل الختم على ظاهره، وأنه عز وجل يجعل على قلوبهم بسبب ذنوبهم شيئًا يمنع قلوبهم عن اتباع الحقّ، ووصول الخير إليه؛ لما أخرجه الترمذي في "جامعه"(3334)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(418) وفي "السنن الكبرى" 6/ 509، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:"إنّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر، وتاب صُقِّل قلبُهُ، وإن عاد زيد فيها، حتى تَعلُو قلبه، وهو الرَّانُ الذي ذكره اللَّه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)} [المطففين: 14] "، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبّان، والحاكم، ووافقه الذهبيّ، واللَّه تعالى أعلم.
قيل: ومن خُتِمَ على قلبه بالرين قد يتيقظ للخير في بعض الأوقات، بخلاف الغافل عن مولاه، فلا يتفطن أصلًا، فلهذا ترقّى، فقال (ثُمَّ لَيَكُونُنَّ) بضم النون الأولى، من الكَوْن، ولفظ أحمد:"ثم ليُكتَبُنّ" من الكتابة (منَ
(1)
"إكمال المعلم" 3/ 265.
الْغَافلينَ") أي: من جملة من استولت عليهم الغفلة، ونَسُوا اللَّهَ، فنسيهم، يعني: أنه يُترقىّ بهم في الشرّ إلى هذه المرتبة.
قال الطيبيّ رحمه الله: "ثمّ" لتراخي الرتبة، فإن كونهم من جملة الغافلين المشهود عليهم بالغفلة أدعى لشَقَائهم، وأنطق بخسرانهم من مطلق كونهم مختومًا عليهم، وقيل: المراد: من الدائمين في الغفلة.
وقال القاضي البيضاويّ رحمه الله: المعنى: أن أحد الأمرين كائن لا مَحَالةَ، إما الانتهاءُ عن ترك الجمعات، أو ختم اللَّه تعالى على قلوبهم، فإن اعتياد ترك الجمعة يُغَلِّب الرّينَ على القلب، وُيزَهِّد النفوس في الطاعة، وذلك يؤدي بهم إلى أن يكونوا من الغافلين؛ أي: عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال، وعن ترك ما يضرّهم منها.
والحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة، والتساهل فيها، ومن أدلّة أنها من فروض الأعيان.
وهذا كله فيمن تركها تهاونًا وتكاسلًا من غير عذر؛ لِما أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من ترك الجمعة ثلاثًا من غير ضرورة، طَبَعَ اللَّه على قلبه".
ولما أخرجه أصحاب "السنن" عن أبي الجعد الضمريّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من ترك ثلاث جُمَعٍ؛ تهاونًا بها طَبَع اللَّه على قلبه"
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر، وأبي هريرة رضي الله عنهم هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(1)
حديث صحيح، رواه أصحاب السنن، وأحمد، والدارميّ، وصححه ابن خزيمة.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [14/ 2002](865)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1948)، و (الدارميّ) في "سننه"(1578)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1054)، وأخرجه (النسائيّ)(1370) و"الكبرى"(1658 و 1659) من حديث ابن عبّاس، وابن عمر رضي الله عنهم، وكذا (أحمد) في "مسنده"(1/ 239 و 2/ 84)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2785)، وأخرجه (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1855) من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ رضي الله عنهما، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان التشديد في التخلّف عن الجمعة.
2 -
(ومنها): أنه حجة بيّنة، في كون وجوب الجمعة، وكونها فرضًا؛ إذ العقاب، والوعيد، والطبع، والختم إنما يكون على ارتكاب الكبائر، وترك الواجبات.
3 -
(ومنها): استحباب اتّخاذ المنبر للخطبة، وهي سنّة مجمع عليها.
4 -
(ومنها): أن ترك الجمعة تكاسلًا يكون سببًا لختم القلوب، فلا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا، بل تكون من الغافلين الذين قال اللَّه تعالى فيهم:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)} [الأعراف: 179].
5 -
(ومنها): أنه ينبغي للواعظ والمذكر أن يُبهم الأشخاص الذين يريد أن يعظهم، ويذكّرهم، ولا يسميهم بأسمائهم؛ لئلا تعود النصيحة عليهم فضيحة، فلا يقبلوها، فقد كان من هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم في مواعظه، وخطبه أن يقول كثيرًا:"ما بال أقوام"، "ما بال رجال"، ولا يسميهم بأسمائهم؛ لأن ذلك أدعى لقبول النصح، وامتثال الأوامر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(15) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْدًا، وَالْخُطْبَةِ قَصْدًا، وَكَيْفِيَّةِ خُطْبَتِهِ صلى الله عليه وسلم
-)
[2003]
(866) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وقد تقدّم بعينه قبل بابين، و"الحسن بن الربيع" هو: الْبُورَانيّ الكوفي، و"أبو الأحوص": هو سلّام بن سُليم، و"سماك" هو: ابن حرب.
[تنبيه]: من لطائفه أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (129) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي الرواية التالية: "كنت أُصلي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الصلوات"(فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا) أي: متوسّطةً بين الطول الظاهر، والقصر الماحِقِ، ولا يلزم منه تساوي الصلاة والخطبة؛ إذ توسّط كل يُعتبر في بابه، فلا تنافي بين هذا الحديث وحديث عمار رضي الله عنه الآتي:"فأطيلوا الصلاة، واقصُروا الخطبة"، فالمراد أن تكون الصلاة طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلًا يشقّ على المأمومين، فهي حينئذ قصدٌ بالنسبة إلى وضعها.
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "قصدًا" أي: متوسّطة بين الطول والقصر، ومنه القصد من الرجال، والقصد في المعيشة، والإكثار في الخطبة مرده؛ للتشدّق والإملال بالتطويل. انتهى
(1)
.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد تقدّم تخريجه قبل بابين، واللَّه
(1)
"المفهم" 2/ 503.
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2004]
(. . .) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا، وَفي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: زَكَرِيَّاءُ، عَنْ سِمَاكٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 234)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 5.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [9](ت 203)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 107.
3 -
(زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ [6](ت 7 أو 8 أو 149)(ع) تقدم في "الإيمان" 83/ 449.
والباقون ذُكروا قبله، وكذا الكلام على الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2005]
(867) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ، وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ:"بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ"، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةِ وَالْوُسطَى، وَيَقُولُ:"أمّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"،
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
ثُمَّ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا، فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
2 -
(عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين [8](ت 194) عن نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 17/ 173.
3 -
(جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [6](ت 148)(بخ م 4) تقدم في "الحيض" 10/ 749.
4 -
(أَبُوهُ) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقةٌ فاضلٌ [4] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 61.
5 -
(جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنهما، تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين اتفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة.
4 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من جعفر، وشيخه وشيخ شيخه بصريّان.
5 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه جابر رضي الله عنه من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ) بالرفع الفاعليّة؛ أي: ارتفع صوته (وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ) إنما يفعل ذلك؛ إزالة للغفلة من قلوب الناس؛ حتى يتمكّن فيها الوعظ فضلَ
تمكّن، ويؤثّر فيها حقّ تأثير، أو لأنه يتوجّه فكره إلى الموعظة، فتظهر عليه آثار الهيبة الإلهيّة، واستُدلّ به على أنه يُستحبّ للخطيب أن يفخّم أمر الخطبة، ويَرفع صوته وكلامه؛ ليكون مطابقًا للفصل الذي يتكلّم فيه، من ترغيب، أو ترهيب، ولعلّ اشتداد غضبه صلى الله عليه وسلم كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا، قاله في "المرعاة"
(1)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: كان هذا منه صلى الله عليه وسلم في أحوال، وهذا مشعر بأن الواعظ حقّه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلّم فيه ما يطابقه، حتى لا يأتي بالشيء وضدُّه ظاهرٌ عليه، وأما اشتداد غضبه صلى الله عليه وسلم، فيَحْتَمل أن يكون عند نهيه عن أمر خُولف فيه، أو يُريد أن صفته صفة الغضبان. انتهى
(2)
.
(حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ) هو الذي يجيء مخبرًا للقوم بما دَهَمَهم من عدوّ، أو غيره؛ أي: كمن يُنذر قومًا من قرب جيش عظيم قصد الإغارة عليهم (يَقُولُ) ذلك المنذر، والجملة في محلّ رفع صفة لـ "منذر"، أو حالٌ؛ لتخصيصه بالإضافة.
وقال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "يقول" يجوز أن يكون صفةً لـ "منذرُ جيشٍ"، وأن يكون حالًا من اسم "كأَنَّ"، والعامل معنى التشبيه، فالقائل إذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، و"يقول" الثاني عطفٌ على الأول، وعلى الوجه الأول عطفٌ على جملة "كأنّه". انتهى
(3)
.
(صَبَّحَكُمْ) بتشديد الموحّدة، والفاعل ضمير يعود إلى العدوّ المنذَر به، والضمير المنوب يعود إلى المنذَرين؛ أي: نزل بكم العدوّ صباحًا، والمراد أنه سينزل، وعبّر بصيغة الماضي؛ لتحقّقه.
قال الطيبيّ رحمه الله: مَثَّلَ حالَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في خطبته، وإنذاره بمجيء القيامة، وقرب وقوعها، وتهالك الناس فيما يُرديهم بحال من يُنذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة بهم بغتةً من كلّ جانب بحيث لا يفوت منهم أحدٌ، فكما أن المنذر يرفع صوته، وتحمرّ عيناه، ويشتدّ غضبه على
(1)
راجع: "المرعاة" 4/ 496 - 497.
(2)
"المفهم" 2/ 506.
(3)
"الكاشف" 4/ 1283 - 1284.
تغافلهم، كذلك حال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند الإنذار، وإلى قرب المجيء أشار بإصبعيه، ونظيره ما رُوي أنه لَمّا نزل قوله تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214] صَعِدَ الصفا، فجعل ينادي:"يا بني فِهر، يا بني عديّ. . . " الحديث، متّفقٌ عليه. انتهى
(1)
.
(وَمَسَّاكُمْ) بتشديد السين المهملة، مثلُ "صَبّحكم"، والمراد: الإنذار بإغارة الجيش في الصباح والمساء.
وقيل: يَحْتَمِل أن يكون ضمير "يقول" للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والجملة حال، وضمير "صبّحكم، ومسّاكم" للعذاب، والمراد به: قَرُب منكم، إن لم تطيعوني هلكتم، والوجه الأول هو الأظهر، واللَّه تعالى أعلم.
(وَيَقُولُ) أي: النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهو عطف على "احمرّت عيناه"("بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ)"أنا" تأكيد للضمير المتّصل، وإنما أكّده به؛ ليصحّ عطف "والساعةُ" عليه، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ
…
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِل مَّا وَبِلَا فَصْل يَرِدْ
…
فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ
وقال النوويّ رحمه الله: رُوي بنصب "الساعة" ورفعها، والمشهور نصبها، على المفعول معه. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن أراد النوويّ بالمشهور المشهور من حيث الروايةُ فذاك، وإلا فمن حيث القاعدةُ النحويّة في مثل هذا الرفعُ أولى؛ لأنه إذا أمكن العطف بلا ضعف، فهو أحقّ، وهنا كذلك للفصل بالضمير المنفصل، وإلا فالنصب أحقّ، نحو سرتُ وزيدًا؛ لعدم الفصل، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة" حيث قال:
وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضُعْفٍ أَحَقْ
…
وَالنَّصْبُ مُخْتَارُ لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ
وقال القرطبيّ رحمه الله: قيّدناه بالنصب، والرفع، فأما النصب فهو على المفعول معه، والرفع على أنه معطوفٌ على التاء في "بُعِثْتُ"، وفَصَل بينهما
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1283.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 154.
بـ "أنا"؛ توكيدًا للضمير، على ما هو الأحسن عند النحويين، وقد اختار بعضهم النصب؛ بناءً على أن التشبيه وقع بملاصقة الإصبعين، واتّصالهما، واختار آخرون الرفعَ؛ بناءً على أن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما، ويعني: أن ما بين زمان النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيام الساعة قريب كقرب السبّابة من الوسطى، وهو واقع، واللَّه أعلم
(1)
.
وقد جاء من حديث المستورد بن شدّاد رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بُعثتُ في نفس الساعة، فسَبَقتها كما سبقت هذه" لإصبعيه السبّابة والوسطى
(2)
.
(كَهَاتَيْنِ")"ها" هي حرف تنبيه، و"تين" تثنية "تا" ضمير للمؤنّثة، مجرور بالكاف؛ أي: مثل هاتين الإصبعين (وَيَقْرُنُ) بضمّ الراء على المشهور الفصيح، وحُكي كسرها، قاله النوويّ رحمه الله
(3)
.
وقال الفيّوميّ رحمه الله: قَرَنَ بين الحجّ والعمرة، من باب قَتَلَ، وفي لغة من باب ضَرَبَ: جَمَع بينهما في الإحرام. انتهى
(4)
.
(بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) تقدّم أن فيها عشر لغات، وهي تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصْبُوع، بالضمّ، بوزن عُصْفُور، وأفصحها كسر الهمزة، مع فتح الموحّدة، وقوله:(السَّبَّابَةِ) بالجرّ بدل من "إصبعيه"، ويجوز قطعها إلى الرفع بتقدير مبتدأ؛ أي: هي، والنصب بتقدير فعل؛ أي: أعني، وهي بتشديد الموحّدة: الإصبع التي تلي الإبهام، سُمّيت بذلك؛ لأنهم يشيرون بها عند السبّ (وَالْوُسْطَى) بضمّ الواو، مقصورًا، تأنيث الأوسط، وهي الإصبع التي تلي السبّابة.
قال السنديّ رحمه الله: التشجيه في المقارنة بينهما؛ أي: ليس بينهما إصبع أخرى، كما أنه لا نبيّ بينه صلى الله عليه وسلم وبين الساعة، أو في قلّة التفاوت بينهما، فان الوسطى تزيد على المسبحة بقليل، فكأن ما بينه صلى الله عليه وسلم وبين الساعة في القلّة قدرُ
(1)
"المفهم" 2/ 506 - 507.
(2)
أخرجه الترمذيّ 4/ 496، وهو ضعيف؛ لأن في سنده مجالد بن سعيد، ضعيف.
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 154.
(4)
"المصباح المنير" 2/ 500.
زيادة الوسطى على المسبّحة. انتهى
(1)
.
(وَيَقُولُ) صلى الله عليه وسلم "أمَّا بَعْدُ) "أما" كلمة تَفْصِل ما بعدها عما قبلها، وهي حرفٌ متضمّنٌ للشرط، ولذلك تدخل الفاء في جوابها، وقدّرها النحويّون بـ "مهما يكن من شيء"، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله:
"أَمَّا" كَـ "مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ" وَفَا
…
لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا
وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا
…
لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا
و"بَعْدُ" ظرف زمانيّ قُطِع عن الإضافة مع كونها مرادةً، فبُني على الضمّ، وخصّ بالضمّ؛ لأنه حركة ليست في حال إعرابه، والعامل فيه ما تضمّنه "أما" من معنى الشرط
(2)
.
وقال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "أما بعدُ" هاتان الكلمتان يقال لهما: فصل الخطاب، وأكثر استعمالهما بعد تقدّم قصّة، أو حمد اللَّه تعالى، والصلاة والسلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم، والأصل أن يقال: أما بعد حمد اللَّه تعالى، و"بَعْدُ" إذا أُضيف إلى شيء، ولم يتقدّم عليه حرف جرّ، فهو منصوب على الظرف، وإذا قُطِع عنه المضاف إليه يُبنَى على الضمّ، والمفهوم أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك في أثناء خطبته ووعظه، وأنشد التوربشتيّ لسحبان [من الطويل]:
لَقَدْ عَلِمَ الْحَيُّ الْيَمَانُونَ أَنَّنِي
…
إِذَا قُلْتُ "أَمَّا بَعْدُ" أَنِّي خَطِيبُهَا
والفاء لازمة لما بعد "أمّا" من الكلام؛ لما فيها من معنى الشرط.
قال: "أما" وُضِعَ للتفضيل، فلا بُدّ من التعدّد، روى صاحب "المرشد" عن أبي حاتم أنه لا يكاد يوجد في التنزيل "أما" وما بعدها إلا وتثنَّى، أو تثلّث، كقوله تعالى:{أَمَّا السَّفِينَةُ} ، {وَأَمَّا الْغُلَامُ} ، {وَأَمَّا الْجِدَارُ} ، وعامله مقدّر؛ أي: مهما يكن من شيء بعد تلك القصّة فإن خير الحديث كتاب اللَّه، فالذي يتضمّن القرينة السابقة قول الراوي في الحديث: "إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرِن بين إصبعيه السبّابة
(1)
"شرح السنديّ على النسائيّ" 3/ 189.
(2)
راجع: "المفهم" 2/ 507.
والوسطى، ويقول: أما بعد. . . " الحديث. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله
(1)
.
وقد استوفيت البحث في "أما بعد" في "شرح المقدمة" عند قوله: "أما بعد"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ) صلى الله عليه وسلم قال النوويّ رحمه الله: هو بضم الهاء، وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء، وإسكان الدال أيضًا، ضبطناه بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين، وقال القاضي عياض رحمه الله: رويناه في مسلم بالضمّ، وفي غيره بالفتح، وبالفتح ذكره الهرويّ، وفسّره الهرويّ على رواية الفتح بالطريق؛ أي: أحسنُ الطرق طريقُ محمد صلى الله عليه وسلم، يقال: فلانٌ حسن الهدي؛ أي: الطريقة، والمذهب، "اهتدوا بهدي عَمّار".
وأما على رواية الضمّ، فمعناه الدلالة، والإرشاد.
قال العلماء: لفظ الهدى له معنيان:
[أحدهما]: بمعنى الدلالة والإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل، والقرآن، والعباد، قال اللَّه تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، و {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، ومنه قوله تعالى:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17]، أي: بيّنّا لهم الطريق، ومنه قوله تعالى:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} [الإنسان: 3]، {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)} [البلد: 10].
[والثاني]: بمعنى اللطف، والتوفيق، والعصمة، والتأييد، وهو الذي تفرّد اللَّه تعالى به، ومنه قوله تعالى:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} الآية [القصص: 56]. وقالت القدرية: حيث جاء الهدى، فهو للبيان، بناءً على أصلهم الفاسد في إنكار القدر، وردّ عليهم أصحابنا وغيرهم من أهل الحقّ، مثبتي القدر للَّه تعالى بقوله تعالى:{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)} [يونس: 25]، ففرّق بين الدعاء والهداية. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(2)
.
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 604.
(2)
"شرح النووي" 6/ 154.
وقال الطيبيّ رحمه الله: و"الهدي": السيرة، يقال: هُدي هَدْي زيد: إذا سار سيرته، من تهادت المرأة في مشيها: إذا تبخترت، ولا يكاد يُطلق إلا على طريقة حسنة، وسنّة مرضيّة، ولذلك حسُن إضافة الخير إليه، والشرّ إلى الأمور، واللام في "الهدي" للاستغراق؛ لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلا إلى متعدّد، وهو داخل فيه، ولأنه لو لم تكن للاستغراق لم تُفد المعنى المقصود، وهو تفضيل دينه وسنّته على سائر الأديان والسنن. انتهى
(1)
.
(وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا) مبتدأ وخبره، والجملة عطف على جملة "إن الحديث. . . إلخ"، ويجوز نصب "شرَّ" عطفًا على اسم "إنّ"، و"محدثاتها" عطف على خبرها، فيكون من عطف المعمولين على المعمولين، وبالرفع عطفًا على محلّ "إنّ" واسمها
(2)
.
قال في "الفتح": "المحدَثات" بفتح الدال جمع محدثة، والمراد بها ما أُحدث، وليس له أصل في الشرع، وُشممّى في عرف الشرع "بدعةً"، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع، فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيء أُحدث على غير مثال يُسَمَّى بدعةً، سواء كان محمودًا، أو مذمومًا، وكذا القول في المحدَثة، وفي الأمر المحدَث الذي ورد في حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ". انتهى
(3)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: يعني: المحدَثات التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحّة والجواز، وهي المسمّاة بالبِدَعِ، ولذلك حُكم عليها بأنّ كل بدعة ضلالة، وحقيقة البدعة: ما ابتدئ، وافْتُتح من غير أصل شرعيّ، وهي التي قال فيها صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ" متّفقٌ عليه. انتهى
(4)
.
وقال السنديّ رحمه الله: المراد: المحدثات في الدين، وعلى هذا فقوله:
(1)
"الكاشف" 2/ 604.
(2)
راجع: "الكاشف" 2/ 604.
(3)
"الفتح" 13/ 266 - 267، طبعة دار الريان.
(4)
"المفهم" 2/ 508.
"وكلّ بدعة ضلالة" على عمومه. انتهى
(1)
.
(وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ") هذه الجملة معطوفة على محذوف كما بُيِّن في رواية أخرى؛ تقديره: فكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وعند النسائيّ بإسناد صحيح من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا:"إن أصدق الحديث كتاب اللَّه، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار".
قال النوويّ رحمه الله: قوله: "وكلُّ بدعة ضلالة" هذا عامّ مخصوص، والمراد: غالب الْبِدَع، قال أهل اللغة: هي كلُّ شيء عُمِل على غير مثال سابق. قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومُحَرَّمة، ومكروهة، ومباحة، فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للردّ على الملاحدة والمبتدعين، وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم، وبناء المدارس والربط، وغير ذلك، ومن المباح التبسط في ألوان الأطعمة، وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران.
فإذا عُرِف ما ذكرته عُلِم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة، ولا يَمنَع من كون الحديث عامًا مخصوصًا قوله:"كل بدعة" مؤكدًا بـ "كل" بل يدخله التخصيص مع ذلك، كقوله تعالى:{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى: قول النوويّ: "هذا عامّ مخصوص" فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ ليس كذلك، بل الصواب أنه على عمومه، فإن كل بدعة شرعيّة ضلالة من دون استثناء شيء منها، وأما ما ظنّه أنه مخصوص من العموم، فإنما هو في البدع اللغويّة، فإن البدعة قسمان:
[إحداهما]: شرعيّة، وهي التي أُحدثت بعد كمال الدين، وليس لها أصل في الكتاب، والسنة، والإجماع، فهذه ضلالة دون استثناء.
[والثانية]: لغويةٌ وهي أعمّ من الشرعيّة، إذ هي تشمَلُ كلَّ ما أُحدث بعد
(1)
"شرح السنديّ" 3/ 189.
(2)
"شرح مسلم" 6/ 155.
النبيّ صلى الله عليه وسلم سواء كان له أصل في الشرع أم لا، فكلُّ ما أورده النوويّ من الأمثلة، وظنّ أنه مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنه من اللغويّة، لا من الشرعية.
والحاصل أن البدع التي ليس لها مُسْتَنَدٌ من الأدلة الشرعية، فإنها بدعة شرعية ضلالة، وأن البدع التي لها أصل من الأدلة الشرعيّة، فهي من البدع اللغويّة، وليست من الضلالة في شيء، ويدلّ على هذا التقسيم الحديثُ المتّفق عليه:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، فقوله صلى الله عليه وسلم:"ما ليس منه" يدلّ على أن من المحدَث ما هو من الشرع، وهو الذي تدلّ عليه الأدلة الشرعيّة، ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه:"نعمت البدعة"، فإنه أراد به كونها بدعة لغويّة، وذلك لأن قيام رمضان رغّب فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم، بل صلى بعض الليالي بأصحابه، ثم اعتذر إليهم بخشية أن يُفرَض عليهم، فلا يقومون به، فلما تُوفّي صلى الله عليه وسلم، رأى عمر رضي الله عنه أن الخشية ارتفعت، فجمعهم على إمام واحد، واستحسن منه ذلك كثيرٌ من الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم عثمان وعليّ رضي الله عنهما، فقد كان الناس يصلّون جماعة في خلافتهما. وكذلك ما نقل عن الإمام الشافعيّ رحمه الله وغيره من تقسيم البدع إلى محمودة ومذمومة، فإنما أرادوا البدعة اللغوية، لا الشرعيّة، فافهم الفرق، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، وسيأتي مزيد بسط وإيضاح لهذا في المسائل الآتية -إن شاء اللَّه تعالى- وباللَّه تعالى التوفيق.
(ثُمَّ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ) قال النوويّ رحمه الله: هو موافق لقول اللَّه تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]؛ أي: أحقّ، قال أصحابنا -يعني: الشافعيّة-: لو كان النبيّ صلى الله عليه وسلم مضطرًّا إلى طعام غيره، وهو مضطرّ إليه لنفسه كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم أخذه من مالكه المضطرّ، ووجب على مالكه بذله له صلى الله عليه وسلم، قالوا: ولكن هذا -وإن كان جائزًا- فما وقع. انتهى.
(مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ) أي: فهو ميراث لأهله (وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ") أي: فعليّ وفاء دينه، وإلَيّ كفالة عياله، فالأول راجع إلى الدَّين، والثاني راجع إلى الضياع.
قال النوويّ رحمه الله: هذا تفسير لقوله: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه"،
قال أهل اللغة: "الضَّيَاع" -بفتح الضاد-: العيال، قال ابن قتيبة: أصله مصدر ضاع يَضيع ضَيَاعًا، والمراد: من ترك أطفالًا وعيالًا ذوي ضَياع، فأوقع المصدر موضع الاسم. انتهى.
وقال القرطبيّ: الضَّيَاع: العيال، قاله النضر بن شُميل. وقال ابن قتيبة: هو مصدر ضَاعَ يَضيع ضَيَاعًا، ومثله: مضى يمضي مَضَاءً، وقَضَى يَقْضِي قَضَاءً: أراد من ترك عيالًا، أو أطفالًا، فجاء بالمصدر موضع الاسم، كما تقول: ترك فقرًا: أي: فقراء. و"الضِّيَاع" بالكسر: جمع ضائع، مثل جائع وجياع، وضيعة الرجل أيضًا ما يكون منه معاشه، من صناعة، أو غلّة، قاله الأزهريّ، وقال شَمِر: ويدخل فيه التجارة، والحِرفة، يقال: ما ضيعتك؟ فتقول: كذا. انتهى
(1)
.
قال النوويّ رحمه الله: قال أصحابنا: وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُصلي على من مات وعليه دَين، لم يَخلُف به وفاء؛ لئلا يتساهل الناس في الاستدانة، ويُهمِلوا الوفاء، فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم، فلما فتح اللَّه على المسلمين مبادئ الفتوح قال صلى الله عليه وسلم:"من ترك دينًا فعليّ"؛ أي: قضاؤه، فكان يقضيه.
واختَلَف أصحابنا: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يَجِب عليه قضاء ذلك الدين، أم كان يقضيه تَكَرُّمًا؟ والأصح عندهم أنه كان واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم.
واختلفوا هل هذه من الخصائص أم لا؟، فقال بعضهم: هو من خصائص رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقيل: لا، بل يلزم الإمام أن يقضي من بيت المال دَين من مات، وعليه دين إذا لم يَخلُف وفاءً، وكان في بيت المال سعة، ولم يكن هناك أهم منه. انتهى كلام النوويّ
(2)
.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله: قوله: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه"؛ أي: أقرب له من نفسه، أو أحقّ به منها، ثم فسّر وجهه بقوله:"من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا، أو ضَيَاعًا فإليّ، وعليّ".
وبيانه أنه إذا ترك دينًا، أو ضَيَاعًا، ولم يَقدِر على أن يُخَلِّصَ نفسه منه؛ إذ لم يترك شيئًا يَسُدُّ به ذلك، ثم يُخلّصه النبيّ صلى الله عليه وسلم بقيامه به عنه، أو سدّ ضَيْعته
(1)
"المفهم" 2/ 509.
(2)
"شرح مسلم" 6/ 155.
كان أولى به من نفسه؛ إذ قد فعل معه ما لم يَفعَل هو بنفسه، واللَّه تعالى أعلم.
وأما رواية من رواه: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم" في غير "صحيح مسلم"، فيَحْتَمِل أن يُحمَل على ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: أنا أولى بالمؤمنين من بعضهم لبعض، كما قال تعالى:{أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 66] أي: ليقتل بعضكم بعضًا في أَشهر أقوال المفسّرين.
قال: وهذا الكلام إنما قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم رَفَعَ ما كان قرّر من امتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاءً، كما قاله أبو هريرة رضي الله عنه: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُؤتى بالميت عليه الدين، فيَسْأل:"هل ترك لدينه وفاءً؟ " فإن قيل: إنه ترك وفاءً صلّى عليه، وإن قالوا: لا، قال:"صلوا على صاحبكم"، قال: فلما فتح اللَّه عليه الفتوحَ قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من تُوفّي فترك دينًا، فعليّ، ومن ترك مالًا فلورثته". متّفقٌ عليه.
قال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض في مال اللَّه تعالى للذرّيّة، وأهل الحاجة، والقيام بهم، وقضاء ديون محتاجيهم. انتهى
(1)
، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 2005 و 2006 و 2007](867)، و (أبو داود) في "كتاب الخراج والإمارة والفيء"(2954)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1578) و"الكبرى"(1786)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة"(45) و"كتاب الأحكام"(2407)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1785)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(10)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1951 و 1952 و 1953)،
(1)
"المفهم" 2/ 508 - 510.
و (أحمد) في "مسنده"(3/ 310 و 338 و 371)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(2111)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 214)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(4295)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة الخطبة.
2 -
(ومنها): بيان وجوب اجتناب البدع، وسيأتي البحث عن البدعة مستوفًى في المسائل الآتية -إن شاء اللَّه تعالى-.
3 -
(ومنها): ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من شدّة الاهتمام في التحذير عن المعاصي، والحثّ على الطاعات، ومن أجل شدّة الاهتمام بذلك ينشأ غضبه، بحيث تحمرّ عيناه، ويتغيّر حاله، فكأن من سمع خطبته في تلك الحال يتصوّره كأنه منذر جيش جرّار، قد دنا اجتياحه لقومه، وهم في غفلتهم ساهون، وفي مستلذّاتهم لاهون، وذلك نتيجة حرصه على هداية أمته، ورحمته ورأفته بهم، فكان كما وصفه اللَّه عز وجل بقوله:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128].
4 -
(ومنها): أنه ينبغي للخطيب أن يفخِّم أمر الخطبة، فيرفع صوته، ويُجْزِل كلامه؛ حتى يكون مطابقًا للفصل الذي يتكلّم فيه، من ترغيب، أو ترهيب.
5 -
(ومنها): بيان قرب الساعة، فإن بعثته صلى الله عليه وسلم إحدى علاماتها.
6 -
(ومنها): مشروعيّة ضرب المثل للإيضاح.
7 -
(ومنها): استحبابُ قولِ: "أما بعدُ" في خُطَب الوعظ، والجمعة، والعيد، وغيرها، وكذا في خُطَب الكتب المصنفة، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله بابًا في استحبابه، وذكر فيه جملةً من الأحاديث، واختَلَف العلماء في أول من تكلم به، فقيل: داود عليه السلام، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: قُسّ بن ساعدة. وقال بعض المفسرين، أو كثير منهم: إنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه السلام، وقال المحققون: فصلُ الخطاب الفصل بين الحقّ والباطل
(1)
، وقد استوفيت
(1)
"شرح مسلم للنوويّ" 6/ 156.
البحث في هذا في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
8 -
(ومنها): كون كلام اللَّه سبحانه وتعالى خير الكلام، كما قال سبحانه وتعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} الآية [الزمر: 23].
9 -
(ومنها): أن هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم خير الهدي، وأكمله، وأحسنه وأفضله.
10 -
(ومنها): أن البِدَعَ التي لا أصل لها من الكتاب والسنة شرُّ الأمور، وأنها هي الضلالة بعينها، فيجب اجتنابها، والحذر منها، والبعد عن أهلها، حتى لا يقع العاقل في مهواتها، فيكون مأواه نار جهنم وبئس المصير.
11 -
(ومنها): كون النبيّ صلى الله عليه وسلم أولى بكلّ مؤمن من نفسه، كما قال اللَّه تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الآية [الأحزاب: 6].
12 -
(ومنها): أن من مات وعليه دينٌ، ولم يترك وفاءً، أو ترك عيالًا لا كافل لهم، فعلى الإمام أن يتولّى ذلك من بيت المال، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما نُقل عن أهل العلم فيما يتعلّق بالبدعة:
قال الإمام الْهُمام شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: البدعة في الدين هي ما لم يشرعه اللَّه ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب، ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب، أو استحباب، وعُلم الأمر بالأدلة الشرعية، فهو من الدين الذي شرعه اللَّه، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك، وسواءٌ كان هذا مفعولًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو لم يكن، فما فُعل بعده بأمره -من قتال المرتدّين، والخوارج المارقين، وفارس والروم والترك، وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وغير ذلك- فهو سنته
(1)
.
وقال أيضًا: البدعة ما خالفت الكتاب، والسنّة، أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات، والعبادات، كأقوال الخوارج، والروافض، والقدريّة، والجهميّة، وكالذين يتعبّدون بالرقْصِ، والغناء في المساجد، والذين يتعبّدون بحلق اللحى، وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبّد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنّة
(2)
.
(1)
"مجموع الفتاوى" 4/ 107 - 108.
(2)
"مجموع الفتاوى" 3/ 195.
وقال أيضًا: فمن ندب إلى شيء يُتقرّب به إلى الله، أو أوجبه بقوله، أو فعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله)
(1)
.
وقال أيضًا: السنّة هي ما قام الدليل الشرعيّ عليه بأنه طاعة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، سواء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فُعل في زمانه، أو لم يفعله، ولم يُفعل في زمانه؛ لعدم المقتضي حينئذ لفعله، أو وجود المانع منه.
فإذا ثبت أنه أمر به، أو استحبّه فهو سنّة، كما أمر بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وكما جمع الصحابةُ القرآن في المصحف، وكما داوموا على قيام رمضان في المسجد جماعةً، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"، فشرَع كتابة القرآن، وأما كتابة الحديث فنهى عنه أولًا، وذلك منسوخٌ عند جمهور العلماء بإذنه لعبد الله بن عمرو أن يكتب عنه ما سمعه في الغضب والرضا، وبإذنه لأبي شاهٍ أن تكتب له خطبته عام الفتح، وبما كتبه لعمرو بن حزم من الكتاب الكبير الذي كتبه له لَمّا استعمله على نجران، وبغير ذلك.
والمقصود هنا أن كتابة القرآن مشروعةٌ؛ لكن لم يجمعه في مصحف واحد؛ لأن نزوله لم يكن تمّ، وكانت الآية قد تُنسخ بعد نزولها، فلوجود الزيادة والنقص لم يمكن جمعه في مصحف واحد حتى مات صلى الله عليه وسلم، وكذا قيام رمضان، قد قال صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة"، وقام في أول الشهر بهم ليلتين، وقام في آخر الشهر ليالي، وكان الناس يُصلّون على عهده صلى الله عليه وسلم في المسجد فرادى وجماعات، لكن لم يُداوم بهم على الجماعة؛ خشية أن تُفرض عليهم، وقد أُمن ذلك بموته. وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه الترمذيّ وغيره:"عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلّ بدعة ضلالة"، فما سنّه الخلفاء الراشدون ليس بدعةً شرعيّةً يُنهى عنها، وإن كان يُسمّى في اللغة بدعة؛ لكونه ابتُدئ، كما قال عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل. انتهى)
(2)
.
(1)
"المصدر السابق" 3/ 195.
(2)
"مجموع الفتاوى" 21/ 317 - 319.
وقال العلامة أبو إسحاق الشاطبيّ
(1)
رحمه الله: أصل مادّة "بدع" للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى:{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 117، الأنعام: 101]: أي: مخترعهما من غير مثال سابق متقدّم، وقوله تعالى:{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9]؛ أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدّمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدّمه ما هو مثله وما لا يُشبهه.
ومن هذا المعنى سمّيت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع وهيئتها هي البدعة، وقد يُسمّى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة.
فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخصّ منه في اللغة.
قال: ثبتٌ في علم الأصول أن الأحكام المتعلّقة بأفعال العباد، وأقوالهم ثلاثة: حكم يقتضيه معنى الأمر، كان للإيجاب، أو الندب، وحكم يقتضيه معنى النهي، كان للكراهة، أو التحريم، وحكم يقتضيه معنى التخيير، وهو الإباحة.
فأفعال العباد وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة: مطلوب فعله، ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه، والمطلوب تركه لم يُطلَب تركه إلا لكونه مخالفًا للقسمين الأخيرين، لكنه على ضربين:
(أحدهما): أن يُطلَب تركه، ويُنهى عنه؛ لكونه مخالفة خاصّة مع مجرّد النظر عن غير ذلك، وهو إن كان محرّماً سمّي فعله معصية وإثمًا وسمي فاعله عاصيًا وآثماً، وإلا لم يسمّ بذلك، ودخل في حكم العفو حسبما هو مبيّن في غير هذا الموضع، ولا يُسمّى بحسب الفعل جائزًا ولا مباحًا؛ لأن الجمع بين الجواز والنهي جمع بين متنافيين.
(1)
هو: العلامة الأصوليّ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطيّ الشاطبيّ صاحب المصنفات النافعة كـ"الاعتصام" و"الموافقات" المتوفى سنة (790 هـ)).
(والثاني): أن يطلب تركه، ويُنهى عنه لكونه مخالفةَّ لَظاهر التشريع من جهة ضرب الحدود، وتعيين الكيفيّات، والتزم الهيئات المعينة، أو الأزمنة المعينة مع الدوام، ونحو ذلك، وهذا هو الابتداع والبدعة، ويسمّى فاعله مبتدعًا.
فالبدعة إذن عبارة عن "طريقة في الدين مخترعة تُضاهي الشرعيّة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه".
وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصّها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة، فيقول:
"البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية".
ولا بدّ من بيان ألفاظ هذا الحدّ:
ف "الطريقة، والطريق"، والسبيل والسنن هي بمعنى واحد، وهو ما رُسِم للسلوك عليه، وإنما قُيّدت ب "الدين "؛ لأنها فيه تُختَرع، وإليه يُضيفها صاحبها، وأيضًا فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسمّ بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدّم.
ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم- فمنها: ما له أصلٌ في الشريعة، ومنها: ما ليس له أصلٌ فيها- خُصّ منها ما هو المقصود بالحدّ، وهو القسم المخترع؛ أي: طريقة ابتُدِعَت على غير مثال تقدّمها من الشارع، إذ البدعة إنما خاصّتها أنها خارجة عما رسمه الشارع. وبهذا القيد انفصلت عن كلّ ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع مما هو متعلّق بالدين، كعلم النحو والتصريف، ومفردات اللغة، وأصول الفقه، وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع:
إذ الأمر بإعراب القرآن منقول، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنّة، فحقيقتها إذًا أَنها فقه التعبّد بالألفاظ الشرعيّة الدالّة على معانيها، كيف تؤخذ وتؤدّى؟، وأصول الفقه إنما معناها استقراء كلّيّات الأدلّة حتى تكون عند المجتهد نُصب عين، وعند الطالب سهلة الملتمس، وكذلك أصول الدين، إنما حاصله تقرير لأدلّة القرآن والسنة، أو ما ينشأ عنها في التوحيد، وما يتعلّق به، كما كان الفقه تقريراً لأدلتها في الفروع العباديّة.
[فإنه قيل]: فإن تضمينها على ذلك الوجه مخترع.
[فالجواب]: أن له أصلًا في الشرع، ففي الحديث ما يدلّ عليه، ولو سُلّم أنه ليس في ذلك دليلٌ على الخصوص، فالشرع بجملته يدلّ على اعتباره، وهو مستمدّ من قاعدة المصالح المرسلة.
فعلى القول بإثباتها أصلًا شرعيًّا لا إشكال في أن كلّ علم خادم للشريعة داخل تحت أدلّته التي ليست بمأخوذة من جزئي واحد، فليست ببدعة ألبتة.
وعلى القول بنفيها لا بدّ أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة؛ لأن كلّ بدعة ضلالة من غير إشكال.
ويلزم من ذلك أن يكون كَتْبُ المصحف، وجمع القرآن قبيحًا، وهو باطل بالإجماع، فليس إذاً بدعةً.
ويلزم أن يكون دليلٌ شرعى، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة، وإذا ثبت جزئيّ في المصالح المرسلة ثبت مطلق المصالح المرسلة.
فعلى هذا لا ينبغي أن يُسمّى علم النحو أو غيره من علوم اللسان، أو علم الأصول، أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعةً أصلًا، ومن سمّاه بدعةً، فإما على المجاز، كما سَمَّى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قيام الناس في رمضان بدعةً، وإما جهلًا بمواقع السنّة والبدعة، فلا يكون قول من قال ذلك معتدًّا به، ولا معتمدًا عليه.
وقوله في الحدّ: "تضاهي الشرعيّة" يعني: أنها تشابه الطريقة الشرعيّة من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادّة لها من أوجه:
(منها): وضع الحدود؛ كالناذر للصيام قائمًا لا يقعد، ضاحيًا لا يَستظلّ، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف واحد دون صنف، من غير علّة.
(ومنها): التزام الكيفيّات والهيئات المعيّنة؛ كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبيّ صلى الله عليه وسلم عيدًا، وما أشبه ذلك.
(ومنها): التزام العبادات المعيّنة في أوقات معيّنة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة؛ كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته.
وثَمَّ أوجه تُضاهي بها البدعةُ الأمورَ المشروعةَ، فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعةً؛ لأنها تصير من باب الأفعال العادية.
وأيضًا فإن صاحب البدعة إنما يَخترعها ليضاهي بها السنّة حتى يكون مُلبِّساً بها على غيره، أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة؛ إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع بأمر لا يُشابه المشروع؛ لأنه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك الابتداع نفعاً، ولا يدفع به ضرراً، ولا يُجيبه غيره إليه.
ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيّل التشريع، ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير.
فأنت ترى العرب الجاهليّة في تغيير ملّة إبراهيم عليه السلام كيف تأوّلوا فيما أحدثوه احتجاجًا منهم، كقولهم في أصل الإشراك:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} الآية [الزمر: 3]، وكترك الْحُمْس الوقوف بعرفةَ؛ لقولهم: لا نخرُج من الحرم اعتدادًا بحرمته، وطواف من طاف بالبيت عُريانًا قائلين: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، وما أشبه ذلك مما وجّهوه ليُصَيِّروه بالتوجيه كالمشروع.
فما ظنك بمن عَدّ، أو عُدّ نفسه من خواصّ أهل الملّة؟ فهم أحرى بذلك، وهم المخطئون، وظنّهم الإصابة، وإذا تبيّن هذا ظهر أن مضاهاة الأمور الشرعيّة ضروريّة الأخذ في أجزاء الحدّ. وقوله:"يُقصَد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله تعالى" هو تمام معنى البدعة؛ إذ هو المقصود بتشريعها.
وذلك أن أصل الدخول فيها يحثّ على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56]. فكان المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبيّن له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ، فرأى من نفسه أنه لا بدّ لما أُطلق الأمر فيه من قوانين منضبطة، وأحوال مرتبطة، مع ما يداخل النفوس من حبّ الظهور أو عدم مظنته، فدخلت في هذا الضبط شائبة البدعة.
وأيضًا فإن النفوس قد تَمَلُّ وتسأم من الدوام على العبادات المرتّبة، فإذا جُدّد لها أمر لا تَعْهَده حصل لها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الأمر الأول، ولذلك قالوا: لكلّ جديد لذّة، بحكم هذا المعنى، كمن قال: كما
تُحْدَثُ للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، فكذلك تُحدَث لهم مرغِّبات في الخير بقدر ما حَدَثَ لهم من الفتور.
وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: "فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتّبعوني وقد قرأت القرآن، ما هم بِمُتَّبِعيّ حتى أُحدث لهم غيره، فإياكم وما ابتُدِع، فإن ما ابتُدع ضلالة")
(1)
.
وقد تبيّن بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات، فكلُّ ما اختُرع من الطرق في الدين مما يُضاهي المشروع، ولم يُقصد به التعبّد، فقد خرٍ ج عن هذه التسمية؛ كالمغارم الْمُلْزِمة على الأموال وغيرها نسبة مخصوصة وقَدْر مخصوص مما يُشبه فرض الزكاة، ولم يكن إليها ضرورة، وكذلك اتخاذ المناخل، وغسل اليد بالأشنان، وما أشبه ذلك من الأمور التي لم تكن قبلُ، فإنها لا تُسمّى بدَعاً على إحدى الطريقتين.
وأما الحدّ على الطريقة الأخرى)
(2)
، فقد تبيّن معناه إلا قوله:"يُقصد بها ما يُقصد بالطريقة الشرعيّة".
ومعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته؛ لأن
(1)
هو ما أخرجه أبو داود (3995) بإسناد صحيح، عن يزيد بن عَمِيرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كان لا يجلس مجلسًا للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط، هَلَك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يومًا: إن من ورائكم فتنًا يَكثُر فيها المال، وُيفتَح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يَتَبِعُوني، وقد قرأت القرآن، ما هم بِمُتَّبِعِيَّ حتى أَبتدِع لهم غيره، فإياكم وما ابْتُدِع، فإن ما ابتُدِع ضلالة، وأُحَذِّركم زيغَة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: ما يُدريني - رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى اجتَنِب من كلام الحكيم الْمُشتَهِرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يَثْنِيَنّك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتَلَقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورًا.
(2)
وهي طريقة من يُدخل العادات في معنى البدع.
البدعة إما أن تتعلّق بالعادات، أو العبادات، فإن تعلّقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتي تعبّده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتمّ المراتب في الآخرة في ظنّه، وإن تعلّقت بالعادات فكذلك؛ لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها.
فمن جعل المناخل في قسم البدع، فظاهر أن التمتّع عنده بلذّة الدقيق المنخول أتمّ منه بغير المنخول، وكذلك البناءات المشيّدة المختلفة التمتّع بها أبلغ منه بالحشوش والخرب، ومثله المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولي الأمر، وقد أباحت الشريعة التوسّع في التصرّفات، فيعُدُّ المبتدع هذا من ذلك. وقد ظهر بهذا معنى البدعة، وما هي في الشرع- والحمد لله. انتهى كلام الشاطبّيّ رحمه الله، ولقد أجاد وأفاد)
(1)
.
وقال الإمام ابن رجب رحمه الله عند شرح قوله صلى الله عليه وسلم: "وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة": فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكّد ذلك بقوله:"كلُّ بدعة ضلالة".
والمراد بالبدعة: ما أُحدِث مما لا أصل له في الشريعة يَدُلُّ عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة.
وفي "صحيح مسلم"
(2)
عن جابر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". وأخرجه الترمذي وابن ماجه
(3)
من حديث كثير بن عبد الله المزني، وفيه ضعف، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضاها الله ولا رسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا يَنقص ذلك من أوزارهم شيئًا".
وأخرج الإمام أحمد من رواية غُضَيف بن الحارث الثُّمَالي، قال: بعث إليّ عبد الملك بن مروان، فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد صلاة الصبح والعصر، فقال: أَما إنهما
(1)
"الاعتصام" 1/ 49 - 57.
(2)
"صحيح مسلم" رقم (867).
(3)
أخرجه الترمذيّ 5/ 45 رقم 2677، وابن ماجه رقم 209.
أمثلُ بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما أحدث قومٌ بدعةً إلا رُفِع مثلها من السنة"، فتمسك بسنّة خير من إحداث بدعة)
(1)
. وقد رُوي عن ابن عمر بمن قوله نحوُ هذا.
فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم:"مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد")
(2)
.
فكل من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يَرجِع إليه، فهو بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة.
وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية.
فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لَمّا جَمَع الناسَ في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: نعمت البدعة هذه. ورُوِيَ عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة. ورُوِيَ عن أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر رضي الله عنه: قد عَلِمتُ، ولكنه حسن.
ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصولٌ في الشريعة يَرجِعُ إليها.
فمنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَحُثُّ على قيام رمضان، وُيرَغِّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقةً ووُحْدانًا، وهو صلى الله عليه وسلم صَلَّى بأصحابه في رمضان ليلةً، ثم امتنع من ذلك مُعَلِّلا بأنه خَشِيَ أن يُكتَب عليهم، فيَعجَزُوا عن القيام به، وهذا قد أُمِن بعده صلى الله عليه وسلم)
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد 4/ 105، والبزّار رقم 131، وذكره الهيثميّ في "مجمع الزوائد" 1/ 193 وقال: رواه أحمد والبزّار، وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو منكر الحديث.
(2)
متّفق عليه.
(3)
أخرجه البخاريّ 4/ 779 رقم 2012 من حديث عائشة رضي الله عنها.
ورُوِي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر)
(1)
.
ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر، وعثمان، وعليّ رضي الله عنهم ومن ذلك أذان الجمع الأول زاده عثمان رضي الله عنه لحاجة الناس إليه، وأقرّه عليّ، واستمر عمل المسلمين عليه.
ورُوِيَ عن ابن عمر بأنه قال: هو بدعة، قال ابن رجب: ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام شهر رمضان.
ومن ذلك جَمْعُ المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت رضي الله عنه، وقال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم عَلِمَ أنه مصلحة، فوافق على جَمْعه)
(2)
، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يُكتَب مُفَرقًا أو مجموعًا، بل جَمْعُهُ صار أصلح.
وكذلك جَمْعُ عثمان رضي الله عنه الأمة على مصحف واحد، وإعدامه لِمَا خالفه؛ خشيةَ تفرق الأمة، وقد استحسنه عليّ، وأكثر الصحابة رضي الله عنهم، وكان ذلك عينَ المصلحة.
وكذلك قتال مَن مَنَعَ الزكاةَ توقف فيه عمر وغيره، حتى بَيَّن له أبو بكر أصله الذي يَرجِع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك.
ومن ذلك القَصَصُ، وقد سبق قول غُضَيف بن الحارث: إنه بدعة، وقال الحسن: إنه بدعة، ونعمت البدعة، كم من دَعْوة مستجابةٍ، وحاجةٍ مَقْضِيّةٍ، وأخ مُستفاد.
وإنما عَنَى هؤلاء بقولهم: إنه بدعةٌ الهيئةَ الاجتماعيةَ عليه في وقت معين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له وقت معين يَقُصُّ على أصحابه فيه، غير خُطَبه الراتبة في الْجُمَع والأعياد، وإنما كان يُذَكِّرهم أحيانًا أو عند حدوث أمر يَحتاج إلى التذكير عنده، ثم إن الصحابة رضي الله عنهم اجتمعوا على تعيين وقت له، كما سبق عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يُذَكِّر أصحابه كل يوم خميس.
(1)
صحيح، أخرجه أبو داود رقم 1375، والترمذيّ 806، والنسائيّ 1605.
(2)
أخرجه البخاريّ في "كتاب فضائل القرآن" رقم 4986.
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس بانه قال: حَدِّثِ الناسَ في كل جمعة مرة، فإن أبيتَ فمرتين، فإن أكثرت فثلاثًا، ولا تُمِلَّ الناسَ.
وفي "المسند" عن عائشة رضي الله عنها أنها وَصَّتْ قاصَّ أهل المدينة بمثل ذلك)
(1)
.
ورُوِي عنها أنها قالت لسعيد بن عمير: حَدِّث الناسَ يومًا، ودع الناس يومًا. ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاصّ أن يقص كل ثلاثة أيام مرة. ورُوي عنه أنه قال: رَوِّحِ الناسَ، ولا تُثْقِل عليهم، ودَعِ القَصَصَ يوم السبت ويوم الثلاثاء.
وقد رَوَى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الْجُنيد قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هي.
ومراد الشافعي رحمه الله ما ذكرناه من قبلُ أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصلٌ في الشريعة تَرجِع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة
(1)
هو ما أخرجه في "المسند" 6/ 217 ونصّه:
24636 -
حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا داود، عن الشعبي قال: قالت عائشة لابن أبي السائب، قاصِّ أهل المدينة: ثلاثًا لَتُبَايِعُنِّي عليهن، أو لأناجِزَنَّك، فقال: ما هنّ؟ بل أنا أبايعك يا أم المؤمنين، قالت: اجتنب السجع من الدعاء، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك، وقال إسماعيل مرة: فقالت: إني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم لا يفعلون ذاك. وقُصَّ على الناس في كل جمعة مرة، فإن أبيت فثنتين، فإن أبيت فثلاثًا، فلا تُمِلَّ الناسَ، هذا الكتابَ، ولا أَلْقَيَنَّك تأتي القوم، وهم في حديث من حديثهم، فتقطع عليهم حديثهم، ولكن اتركهم فإذا جَرَّءُوك عليه، وأمروك به فحدثهم. وهذا إسناد صحيح، وإسماعيل هو ابن عليّة، وداود هو ابن أبي هند، ويقال: إن الشعبيّ لم يسمع من عائشة رضي الله عنها. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" 2/ 265. إلا أن إرساله لا يضرّ؛ لأنه لا يرسل إلا صحيحًا، قال العجليّ: مرسل الشعبيّ صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحًا. انظر: "شرح علل ابن رجب" ص 181 تحقيق صبحي السامرّائي.
المحمودة فما وافق السنة يعني: ما كان لها أصل من السنة تَرجِع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا؛ لموافقتها السنة. وقد رُوي عن الشافعي كلام آخر يُفَسِّر هذا، وأنه قال: المحدثات ضربان: ما أُحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، وما أُحدث فيه من الخير، لا خِلاف فيه لواحد من هذا، فهذه مُحْدَثة غير مذمومة.
وكثير من الأمور التي أُحدثت، ولم يكن
(1)
قد اختَلَف العلماء في أنها هل هي بدعة حسنة حتى
(2)
ترجع إلى السنة أم لا؛.
(فمنها): كتابة الحديث، نَهَى عنه عمر، وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم، وَرَخَّص فيها الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السنة.
(ومنها): كتابة تفسير الحديث والقرآن، كَرِهه قوم من العلماء، ورخص فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة الكلام في المعاملات، وأعمال القلوب التي لم تُنقَل عن الصحابة والتابعين، وكان الإمام أحمد يَكرَه أكثر ذلك.
وفي هذه الأزمان التي بَعُدَ العهد فيها بعلوم السلف يَتَعَيَّن ضبط ما نُقِل عنهم من ذلك كله؛ ليتميز به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم، وما أُحدِث في ذلك بعدهم، فيُعلمَ بذلك السنة من البدعة.
وقد صَحَّ عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستُحدِثون، ويُحدَث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول. وابن مسعود رضي الله عنه قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين.
وروى ابنُ مَهديّ عن مالك قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان، وكان مالك يُشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات، من أمور الخوارج، والروافض، والمرجئة ونحوهم، ممن تَكَلَّم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في
(1)
هكذا نسخة "جامع العلوم والحكم": "ولم يكن"، ولعل المعنى:"ولم يكن موجودًا"، والله تعالى أعلم.
(2)
هكذا نسخة "جامع العلوم"، ولعل الأَولى:"حيث"، والله أعلم.
تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواص هذه الأمة، أو عَكَسَ ذلك، فزعم أن المعاصي لا تضر أهلها، وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد.
وأصعب من ذلك ما أُحدث من الكلام في أفعال الله تعالى في قضائه وقدره، فكَذّب بذلك من كَذَّب، وزَعَم أنه نزه الله بذلك عن الظلم.
وأصعب من ذلك ما حَدَث من الكلام في ذات الله وصفاته، مما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعون لهم بإحسان، فقومٌ نَفَوا كثيرًا مما وَرَد في الكتاب والسنة من ذلك، وزَعَموا أنهم فعلوا تنزيهًا لله عما تقتضي العقول تنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيل على الله عز وجل. وقوم لم يكتفوا بإثباته، حتى أثبتوا ما يُظَنّ أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفياً وإثباتاً دَرَجَ صدرُ الأمة على السكوت عنها.
ومما حَدَث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلامُ في الحلال والحرام بمجرد الرأي، ورَدُّ كثير مما وردت به السنة في ذلك؛ لمخالفته الرأي، والأقيسة العقلية.
ومما حَدَث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذَّوْق والكشف، وزَعْمُ أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال، وأنها حجاب، أو أن الشريعة إنما يَحتاج إليها العوائمُ، وربما انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يُعلَمُ قطعًا مخالفته للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى)
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا البحث الذي حقّقه الإمام ابن رجب رحمه الله في كتابه النفيس "جامع العلوم والحكم" بحث نفيش، وتحقيق أنيس، فعليك بمطالعته، وتدبّره، حتى ينجلي لك الفرق بين البدعة الشرعية المذمومة بكل أشكالها وألوانها التي عناها النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله:"فكل بدعة ضلالة"، وبين البدعة اللغويّة التي يُستحسَن بعض أفرادها، وهي التي تستند إلى أصل من الكتاب والسنة، أو إجماع الأمة.
(1)
"جامع العلوم والحكم" 2/ 97 - 102.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: البدعة كلُّ ما فُعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعيّة فما لم يدلّ عليه دليلٍ شرعيّ -إلى أن قال-: ثم ذلك العمل الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة ليس بدعة في الشريعة، وإن سُمّي في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعمّ من لفظ البدعة في الشريعة، وقد عُلم أن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"كلُّ بدعة ضلالة" لم يُرد به كلّ عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام، بل كلّ دين جاء به الرسل فهو عملٌ مبتدأ، وإنما أراد ما ابتُدئ من الأعمال التي لم يشرعها النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى)
(1)
.
والحاصل أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة" هي البدعة الشرعيّة، لا اللغويّة.
ومن أقوى الأدلة على التفريق بين البدعة الشرعيّة واللغويّة ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، من حديث عائشة رضي الله عنها، مرفوعًا:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، ففي قوله صلى الله عليه وسلم:"ما ليس منه " إشارةٌ واضحةٌ إلى أن من المحدثات ما يكون من الشرع، وهو ما له أصل يستند إليه من الأدلة الشرعيّة.
وقد غلا بعض الناس في هذا الباب، حيث تمسّك بقوله صلى الله عليه وسلم:"فكل بدعة ضلالة" فاعتقد أن كلّ ما أُحدث فهو من البدع الضلالة، وهذا غلوّ، وجفاء، وتفريط في عدم الجمع بين أطراف النصوص في هذا الباب، وتدبّرها، وتفهّمها حقّ تدبّر وتفهّم، كما فعل هؤلاء المحقّقون الذين تقدمت أقوالهم، فإياك، ثم إياك أن تكون من هذا المصنف، أو تقلّد منهم أحدًا، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، آمين، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم في تعريف البدعة أنها هي التي تُفْعَل بقصد القربة، وهذا أصل أصيلٌ يفرّقُ به بين الفعل الذي يكون بدعةً، والفعل الذي يكون معصيةً فقط، وإن كانت البدعة معصيةً لله سبحانه وتعالى إلا أنها تفوق المعصية في الإثم والحكم.
(1)
راجع: "الصراط المستقيم" 2/ 589 - 590.
فالمعصية في أصل وقوعها من حيث العمل والاعتقاد تختلف عن البدعة من جهة ما يقترن بكل منهما، فالعاصي لا يعتقد أنه بمعصيته يُرضي الله، بخلاف المبتدع، فإنه يعتقد في عمله المحدَث القربةَ إلى الله تعالى، وهذا هو وجه المفارقة.
ووجه آخر هو ما تؤول إليه البدعة من مفاسد حاليّة ومآليّة في الدنيا والآخرة، وذلك باعتقاد المشروعيّة أو الجواز فيما ليس له أصل، وما يترتّب على هذا الاعتقاد من شيوع وانتشار، حتى ينشأ عليها الصغير، ويموت عليها الكبير، بخلاف المعصية، أو المخالفة.
وهذا هو معنى ما قاله سفيان الثوريّ رحمه الله: البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها)
(1)
.
والسبب في عدم توبة المبتدع أنه يرجو بعمله، أو قوله، أو اعتقاده المحدث القرب من الله، فلا ينفكّ من ملازمة هذا العمل.
وبسبب كون البدع أشرّ من المعاصي، وأهلها أضرّ من أهل الذنوب أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج، ونهى عن قتال الولاة الظلمة)
(2)
.
ومما جاء عن السلف في اعتبار أن البدعة أشدّ ضررًا من المعاصي ما رواه ابن وضّاح بسنده عن أبي بكر بن عيّاش، قال: كان عندنا فتًى يقاتل، ويشرب، وذَكَر أشياءَ من الفسق، ثم إنه تقرّأ فدخل في التشيّع، فسمعت حبيب بن أبي ثابت، وهو يقول: لأنت يوم كنتَ تقاتل وتفعل وتفعل خيرٌ منك اليوم.
وقَصْدُ القربة يراد به إلحاق حكم شرعيّ بعمل محدَث؛ كالندب والاستحباب والإيجاب، أو الكراهة والتحريم، قال شيخ الإسلام رحمه الله: فمن ندب إلى شيء يتقرّب به إلى الله، أوأوجبه بقوله، أو فعله، من غير أن يشرعه الله فقد شرع ما لم يأذن به الله)
(3)
.
وقصد القربة يتوجّه إلى العمل الذي لا يتصوّر فيه غير إرادة القربة
(1)
رواه أبو نعيم في "الحلية" 26/ 7.
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى" 7/ 284.
(3)
"مجموع الفتاوى" 3/ 195.
كالعبادات المحضة، وهي حق خالصٌ لله سبحانه وتعالى، فلا بدّ من مطابقة فعل العبد لأمر الشرع)
(1)
.
فالعبادة التي هي حق الله تعالى لا يُتصوّر فيها غير إرادة القربة، فالإحداث فيها يسمّى ابتداعًا، سواء قصد القربة، أو افتُرض أنه لم يقصدها، فلو أحيا ليلة النصف من شعبان بعبادة مخصوصة؛ كالصلاة والذكر فهو مبتدع، حتى مع افتراض عدم قصده للقربة.
ويتوجّه قصد القربة أيضًا إلى العمل الذي يَحمِل أوجهًا متعدّدة، مثل الأمور الدنيويّة، فيُنظر إلى الفعل باعتبار الوجه الغالب عليه، أو باعتبار وجه القربة إذا اتّحدت أوجه الفعل الواحد، فمن لبس ثوبًا بلون معيّن، ولم يُرد بذلك القربة فلا يوصف هذا العمل بالبدعة؛ لأنه مباح، إلا إذا لحقته أمور منهيّ عنها؛ كالإسبال والاشتهار، فإنه يكون معصيةً. أما إذا أراد بذلك الثوب المعيّن القربة فإنه يكون بدعة، كما يفعله بعض الصوفيّة من اشتراط لون معيّن لمريدهم.
والحاصل أن كلّ فعل، أو ترك قُصد به القربة، مما ليس له أصل في الشرع فهو بدعة.
فخرج بذلك ما فُعل أو تُرك لا بقصد القربة، فإنه يكون معصية، أو مخالفة، أو عفواً، ولا يُطلق عليه بدعة.
مثال ما فُعل لا بقصد القربة، ويكون معصية جميع المنهيات الشرعية؛ كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء، فإذا كان هذا الفعل بقصد القربة فهو بدعة.
ومثال ما تُرك لا بقصد القربة ترك المأمور به شرعًا، كترك النكاح للقادر عليه، وكترك الدعوة إلى الله ممن وجبت عليه، فإذا كان هذا الترك بقصد القربة فهو بدعة.
ومثال ما فُعل لا بقصد القربة ويكون عفواً حلقُ الرأس في غير نسُك، فإن فُعل بقصد القربة فهو بدعة.
(1)
انظر: "الموافقات" للشاطبيّ 2/ 308.
ومثال ما تُرك لا بقصد القربة، ويكون عفوًا الامتناع عن أكل اللحم للتطبّب ونحوه، فإن كان الترك تديّنًا فهو باع.
وللاستزادة في هذا الموضوع راجع: "اقتضاء الصراط المستقيم"، و"مجموع الفتاوى" لابن تيميّة رحمه الله
(1)
؛ والله تعالي أعلم بالصواب؛ وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في تقسيم البدعة إلى حقيقيّة، وإضافيّة: قال أبو إسحاق الشاطبيّ رحمه الله: البدعة الحقيقيّة هي التي لم يدلّ عليها دليلٌ شرعيّ، لا من كتابْ، ولا سنة، ولا إجماع، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم، لا في الجملة، ولا في التفصيل، ولذلك سمّيت بدعةً؛ لأنها شيء مُخترع على غير مثال سابق.
والبدعة الإضافيّة هي التي لها شائبتان:
[إحداهما]: لها من الأدلّة مُتَعلّقٌ، فلا تكون من تلك الجهات بدعة.
[والأخرى]: ليس لها مُتعلَّقٌ إلا مثل ما للبدعة الحقيقيّة؛ أي: إنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة؛ لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة؛ لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، أو غير مستندة إلى شيء.
والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيّات، أو الأحوال، أو التفاصيل لم يقُم عليها، مع أنها محتاجة إليه؛ لأن الغالب وقوعها في التعبّديّات، لا في العاديات المحضة.
قال: قد يكون أصل العمل مشروعاً، ولكنه يصير جاربًا مجرى البدعة من باب الذرائع، وبيانه أن العمل يكون مندوباً إليه مثلًا، فيَعمَل العامل في خاصّة نفسه على وضعه الأول من الندبيّة، فلو اقتصر العامل على هذا المقدار لم يكن به بأس، ويجري مجراه إذا دام عليه في خاصيّته غير مظهر له دائمًا،
(1)
"اقتضاء الصراط المستقيم" 1/ 326 - 327 و 2/ 630 و 633 و 637، "مجموع الفتاوى" 21/ 317 - 319 و 18/ 346، "درء التعارض" 1/ 244. وراجع:"حقيقة البدعة وأحكامها" تأليف سعيد بن ناصر الغامدي 1/ 291 - 296.
بل إذا أظهره لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن الرواتب والفرائض اللوازم، فهذا صحيحٌ لا إشكال فيه، وأصله ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإخفاء النوافل، والعمل بها في البيوت، وقوله صلى الله عليه وسلم:"فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، متّفقٌ عليه، فاقتصر في الإظهار على المكتوبات كما ترى، وإن كان ذلك في مسجده صلى الله عليه وسلم، أو في المسجد الحرام، أو في مسجد بيت المقدس، حتى قالوا: إن النافلة في البيت أفضل منها في أحد هذه المساجد الثلاثة بما اقتضاه ظاهر هذا الحديث، وجرى مجرى الفرائض في الإظهار بعض السنن؛ كالعيدين، والخسوف، والاستسقاء، وشبه ذلك، فبقي ما سوى ذلك حكمه الإخفاء، فإذا اجتمع في النافلة أن تُلْزَم التزام السنة الرواتب إما دائمًا، وإما في أوقات محدودة، وعلى وجه محدود، وأُقيمت في الجماعة في المساجد التي تقام فيها الفرائض، أو المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب، فذلك ابتداع.
والدليل عليه أنه لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين لهم بإحسان فعلُ هذا المجموع هكذا مجموعًا، وإن أتى مطلقًا، من غير تلك التقييدات، فالتقييد في المطلقات التي لم يثبت بدليل الشرع تقييدها رأي في التشريع، فكيف إذا عارضه الدليل، وهو الأمر بإخفاء النوافل مثلًا؟.
ووجه دخول الابتداع هنا أن كلّ ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من النوافل وأظهره في الجماعات فهو سنة، فالعمل بالنافلة التي ليست بسنّة على طريق العمل بالسنّة إخراج للنافلة عن مكانها المخصوص بها شرعًا، ثم يلزم من ذلك اعتقاد العوامّ فيها، ومن لا علم عنده أنها سنّة، وهذا فساد عظيم؛ لأن اعتقاد ما ليس بسنة، والعمل بها على حدّ العمل بالسنّة نحوٌ من تبديل الشريعة، كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو فيما ليس بفرض أنه فرضٌ، ثم عمل على وفق اعتقاده، فإنه فاسدٌ، فهب العملُ في الأصل صحيحًا، فإخراجه عن بابه اعتقادًا وعملًا من باب إفساد الأحكام الشرعيّة، ومن هنا ظهر عذر السلف الصالح في تركهم سننًا لئلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض.
فهذه أمورٌ جائزة، أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفًا من البدعة؛ لأن اتخاذها سنةً إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السنة، وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شكّ.
قال الجامع عفا الله تعالى: هذا الذي قاله الشاطبيّ فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه إن أراد أن ترك السنة مخافة أن يعتقد الجاهل أنها من الفرائض فهذا مما لا معنى له؛ لأن السنة لا تُترك لمثل هذا الخوف، بل الواجب أن يُبيّن للجاهل ما هو الفرض، وما هي السنة، ولا أظنّه يُثبت النقل بذلك عن أحد من السلف أنهم تركوا السنن لأجل هذا الخوف.
وإن أراد بتركها ترك فعل بصفة خاصّة، لم تثبت في السنة، فهذا أمر مسلمٌ، ولكن سياق كلامه يأبى هذا التأويل.
وبالجملة فلا تترك السنة على الوجه الذي ثبتت به لأجل مثل هذا الخوف، بل ينبه الجاهل، ويبيّن له ذلك. والله تعالى أعلم.
قال: ومن البِدَع الإضافيّة التي تَقْرُب من الحقيقيّة أن يكون أصل العبادة مشروعًا إلا أنها تخرج عن أصل مشروعيّتها بغير دليل توهمًا أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيّد إطلاقها بالرأي، أو يُطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج عن حدّها الذي حُدّ لها.
ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصّه الشارع بوقت دون وقت، ولا حد فيه زمانًا دون زمان، ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين، أو ندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول، فإذا خصّ منه يومًا من الجمعة بعينه، أو أيامًا من الشهر بأعيانها، لا من جهة ما عيّنه الشارع، فلا شكّ أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أيامًا بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المكلّف بدعةً؛ إذ هي تشريع بغير مستند.
ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تُشرع لها تخصيصاً، كتخصيص اليوم الفلانيّ بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانيّة بقيام كذا وكذا ركعةً، أو بختم القرآن فيها، أو ما أشبه
ذلك، فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يَقصِد مئله أهل العقل والفراغ والنشاط، كان تشريعًا زائدًا، وهذا كله إن فرضنا أصل العبادة مشروعًا، فإن كان أصلها غير مشروع فهي بدعة حقيّقية مركبة. انتهى كلام الشاطبيّ رحمه الله
(1)
، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في ذكر بعض ما جاء عن السلف في ذمّ البدعة:
ذكر الإمام الطبري رحمه الله في كتاب "آداب النفوس": حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان، أن رجلًا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؛ قال: تَرَكَنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادّ، وعن يساره جوادّ، وثَمّ رجال يدعون من مَرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} [الأنعام: 153] الآية.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: تعلموا العلم قبل أن يُقبَض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه الدارمي.
وقال مجاهد في قوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} وقال: البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} الآية [الأنعام: 159]، فالْهَرَب الْهَرَبَ، والنجاة النجاةَ، والتمسك بالطريق المستقيم، والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح. وعن أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا". متّفق عليه.
وروى ابن ماجه وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا
(1)
راجع: "مختصر الاعتصام" ص 71 - 78.
رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذَرَفَت منها العيون، ووَجِلَت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال:
"قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة، وإن عبدًا حبشيًا، فإنما المؤمن كالْجَمَل الأَنِفِ حيثما قيد انقاد". وأخرجه الترمذي بمعناه، وصححه.
ورَوى أبو داود قال: حدثنا ابن كثير قال: أخبرنا سفيان، قال: كتب رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز، يسأله عن القدر، فكتب إليه: "أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث الْمُحْدِثون بعدَ ما جرت به سنته، وكُفُوا مُؤْنته، فعليك بلزوم الجماعة، فإنها لك -بإذن الله- عِصْمَة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعةً إلا قد مضى قبلها ما هو دليلٌ عليها، أو عبرةٌ فيها، فإن السنة إنما سَنَّها من قد علم ما في خلافها من الخطإ والزَّلَلِ، والْحُمْق والتعمّق، فارضَ لنفسك ما رَضِي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وَقَفُوا، وببصر نافذ كَفُّوا، وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أَوْلَى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه، فقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم؛ إنما حَدَثَ بعدَهم، فما أحدثه إلا مَن اتّبع غير سبيلهم، ورَغِبَ بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، قد تكلموا فيه بما يَكفِي، ووَصَفُوا ما يَشفِي، فما دونهم من مَقْصَر، وما فوقهم من مَحْسَر، وقد قَصَّر قوم دونهم فجَفَوا، وطَمَحَ عنهم أقوام فَغَلَوْا، وإنهم مع ذلك لَعَلَى هُدًى مستقيم، كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر، فعلى الخبير -بإذن الله- وقعتَ، ما أعلم ما أحدث الناس من مُحدَثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثرًا، ولا أثبت أمراً، من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الْجُهَلاء، يتكلمون به في كلامهم، وفي شِعْرهم، يُعَزُّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يَزِده الإسلام بعدُ إلا شِدَّةً، ولقد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه
منه المسلمون، فتكلموا به في حياته، وبعد وفاته، يقينًا وتسليمًا لربهم، وتضعيفًا لأنفسهم أن يكون شيء لم يُحِط به علمه، ولم يُحصِه كتابه، ولم يَمضِ فيه قَدَرُه، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه، منه اقتبسوه، ومنه تعلموه، ولئن قلتم: لِمَ أَنزل الله آية كذا؟ لم قال كذا؟ لقد قرءوا منه مما قرأتم، وعَلِمُوا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر، وكُتِبت الشقاوة، وما يُقدَّر يكن، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً، ثم رَغِبوا بعد ذلك ورهبوا")
(1)
.
وقال سهل بن عبد الله التستريّ: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليلٍ زمانٌ إذا ذَكَر إنسانٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في جميع أحواله ذَمُّوه، ونَفَرُوا عنه، وتبرءوا منه، وأَذَلّوه، وأهانوه، قال سهل: إنما ظهرت البدعة على أيدي أهل السنة؛ لأنهم ظاهروهم، وقاولوهم، فظهرت أقاويلهم، وفَشَت في العامة، فسمعه من لم يكن يسمعه)
(2)
، فلو تركوهم، ولم يكلموهم لَمَات كل واحد منهم على ما في صدره، ولم يَظهَر منه شيء، وحمله معه إلى قبره. وقال سهل: لا يُحدِث أحدكم بدعة حتى يُحدث له إبليس عبادةً، فيتعبد بها، ثم يُحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة، ودعا الناس إليها نُزع منه تلك الخدمة. قال سهل: لا أعلم حديثًا جاء في المبتدعة أشدّ من هذا الحديث: "حجب الله الجنة عن صاحب البدعة")
(3)
، قال: فاليهودي والنصراني أرجى منهم. قال سهل: من أراد أن يُكرِم دينه، فلا يدخل على السلطان، ولا يَخلُوَنَّ بالنسوان، ولا يخاصمنّ أهل الأهواء. وقال أيضا: اتّبِعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم. وفي "مسند الدارمي" أن أبا موسى الأشعري جاء إلى عبد الله بن مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا شيئًا أنكرته، ولم أر -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت
(1)
صحيح، أخرجه أبو داود في "سننه" 4/ 202 - 203 رقم 4612.
(2)
هكذا النسخة، ولعلّ الأولى: فسمعها من لم يكن يسمعها، والله تعالى أعلم.
(3)
حديث صحيح، أخرجه الطبراني في "الأوسط" بلفظ:"إن الله حجب التوبة عن كلّ صاحب بدعة حتى يَدَع بدعته".
في المسجد قومًا حِلَقًا حِلَقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، وفي كل حَلْقة رجل، وفي أيديهم حصىً، فيقول لهم: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظارَ رأيك، وانتظارَ أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يَعُدُّوا سيئاتهم، وضَمِنتَ لهم ألا يضيع من حسناتهم، ثم مَضَى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحِلَق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصىً نَعُدّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فَعُدُّوا سيئاتكم، وأنا ضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، أوَ مُفْتَتَحِي بابِ ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا خيرًا، فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. وعن عمر بن عبد العزيز، وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع، فقال: عليك بدين الأعراب، والغلام في الْكُتّاب، والْهَ عمّا سوى ذلك. وقال الأوزاعي: قال إبليس لأوليائه: من أيّ شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل شيء، قال: فهل تأتونهم من قِبَل الاستغفار، قالوا: هيهات ذلك شيء قُرِن بالتوحيد، قال: لأَبُثَّنّ فيهم شيئًا لا يستغفرون الله منه، قال: فَبَثَّ فيهم الأهواء. وقال مجاهد: ولا أدري أَيُّ النعمتين علي أعظم؟: أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء. وقال الشعبيّ: إنما سُمُّوا أصحاب الأهواء؛ لأنهم يَهْوُون في النار. كله عن الدارمي.
وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة خلف المعتزلة، والنكاح منهم وتزويجهم، فقال: لا ولا كرامة، هم كُفّار كيف يؤمن مَن يقول: القرآن مخلوق، ولا جنة مخلوقة، ولا نار مخلوقة، ولا لله صراط ولا شفاعة، ولا أحد من المؤمنين يدخل النار، ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا عذاب القبر، ولا منكر ولا نكير، ولا رؤية لربنا في الآخرة، ولا زيادة، وأن علم الله مخلوق، ولا يرون السلطان ولا جمعة، ويُكَفِّرون من يؤمن بهذا. وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه.
وقال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال ابن عباس: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة، وَينهَى عن البدعة عبادةٌ. وقال أبو العالية: عليكم بالأمر الأَوَّل الذي كانوا عليه قبل أن يتفرقوا، قال عاصم الأحول: فحدثتُ به الحسن، فقال: قد نصحك والله وصدقك.
وقد قال بعض العلماء العارفين في قوله صلى الله عليه وسلم: "تفرقت بنو إسرائيل عن ثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين
…
" الحديث:
هذه الفرقة التي زادت في فرقة أمة محمد صلى الله عليه وسلم قوم يُعادون العلماء، ويُبغضون الفقهاء، ولم يكن ذلك قط في الأمم السالفة. وقد رَوَى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يكون في أمتي قوم يَكفُرون بالله وبالقرآن، وهم لا يشعرون، كما كفرت اليهود والنصارى"، قال: فقلت -جُعِلتُ فداك يا رسول الله-: كيف ذاك؟ قال: يُقِرُّون ببعض، ويكفرون ببعض، قال: قلت -جُعلتُ فداك يا رسول الله-: وكيف يقولون؟ قال: "يجعلون إبليس عَدلًا لله في خلقه وقوته ورزقه، ويقولون: الخير من الله، والشر من إبليس " -قال-: "فيكفرون بالله، ثم يقرءون على ذلك كتابَ الله، فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة،، قال: "فما تَلقَى منهم من العداوة والبغضاء والجدال، أولئك زنادقة هذه الأمة
…
" وذكر الحديث. وقد نهى الله صلى الله عليه وسلم عن مجالسة أهل البِدَع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم، فقال عز وجل: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا} الآية [الأنعام: 68]، ثم بَيّن في "سورة النساء"، وهي مدنية عقوبةَ مَن فَعَل ذلك، وخالف ما أمر الله به فقال:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} الآية [النساء: 140]، فألحق من جالسهم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات، في مجالس أهل البِدَع على المعاشرة والمخالطة، منهم: أحمد بن حنبل، والأوزاعي، وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع، قالوا: يُنهَى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا أُلحق بهم، يعنون في الحكم. وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحدّ على مجالس شَرَبةِ الخمر، وتلا: {إِنَّكُمْ
إِذًا مِثْلُهُمْ}، قيل له: فإنه يقول: إني أجالسهم لأباينهم، وأرُدّ عليهم، قال: يُنهَى عن مجالستهم، فإن لم ينته الحق بهم. انتهى)
(1)
، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: من أسباب ظهور البدع: اتباع الهوى، وقلّة العلم بالأدلة الشرعية، واتباع الآباء والمشايخ، واتباع المذاهب والطائفة، وأخذ أهل السلطة بها، أو سكوتهم عنها، وكون المبتدع من ذوي الفصاحة والبيان، واحتفاء المبتدعة ببعضهم، وتعاونهم فيما بينهم)
(2)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2006]
(
…
) (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَحْمَدُ اللهَ، وُيثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
(1)
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسّيّ -بمهملة- أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [11](ت 249)(خت م ت) تقدم في "الإيمان" 7/ 131.
2 -
(خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الَقَطَوَانيّ
(3)
أبو الْهَيْثَم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيَّع، وله أفراد، من كبار [10] (ت 213) وقيل: بعدها (خ م كدت س ق) تقدم في "الإيمان" 367/ 65.
(1)
راجع: "الجامع لأحكام القرآن" 7/ 138 - 142.
(2)
انظر: تفاصيل هذه الأسباب في كتاب "حقيقة البدعة وأحكامها" تأليف سعيد بن ناصر الغامديّ 1/ 173 - 183.
(3)
بفتح القاف والطاء.
3 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [8](177)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَحْمَدُ اللهَ، وُيثْنِي عَلَيْهِ
…
إلخ) قال النوويّ رحمه الله: فيه دليل للشافعيّ رحمه الله أنه يجب حمد الله تعالى في الخطبة، ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه. انتهى)
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ادّعاه النوويّ من الحديث دليلٌ على وجوب ما ذكره فيه نظرٌ لا يخفى، فإن الحديث إنما يدلّ على استحبابه، لا على الوجوب؛ لأنه مجرّد فعل، وإن استدلّ بقوله صلى الله عليه وسلم:"صلّوا كما رأيتموني أصلي"، فهو استدلال غير مقبول؛ لأن الشافعيّ رحمه الله نفسه يرى بعض ما فعله في خطبته مستحبًّا، فتفطّن.
والحاصل أن الأرجح عدم وجوب ما ذُكر، وقد تقدّم تحقيق ذلك، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ) بكسر الهمزة، وسكون المثلّثة، أو بفتحهما، قال الفيّوميّ رحمه الله: وجئتُ في أَثَره بفتحتين، وإِثْرِهِ بكسر الهمزة، والسكون؛ أي: تبِعته عن قُرب. انتهى)
(2)
.
وَقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل "ساق" ضمير سليمان بن بلال؛ يعني: أن سليمان بن بلال ساق الحديث المتقدّم بمثل ما ساقه عبد الوهّاب بن عبد المجيد.
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد هذه ساقها البيهقيّ رحمه الله في "السنن الكبرى" (213/ 3) فقال:(5589) أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفّار، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا ابن أبي أُوس، والفرويّ قالا: ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر؛ يعني: ابن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أنه سمعه يقول: خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، يحمد الله، ويثني
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 156.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 4.
عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، واشتدّ غضبه، واحْمَرَّت وجنتاه، كأنه منذر جيش، يقول: صَبَّحكم، أو مَسّاكم، ثم يقول:"بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين"، وأشار بإصبعه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم يقول:"إن أفضل الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلاله، مَن تَرَك مالًا فلأهله، ومن ترك ديْنًا، أو ضَيَاعًا، فإليّ، وعليّ". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2007]
(
…
) (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللهَ، وُيثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: "مَنْ يَهْلِإِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ"، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
3 -
(سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [7](ت 161) وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ) فاعل "ساق" ضمير سفيان؛ يعني: أن سفيان الثوريّ ساق الحديث المتقدّم بمثل ما ساقه عبد الوهّاب الثقفيّ.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن جعفر هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(14566)
حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر،
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم، فيخطب، فيحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ويقول:"من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة"، وكان إذا ذكر الساعة احمرّت وجنتاه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش، صبَّحكم مسّاكم، "من ترك مالًا فللورثة، ومن ترك ضَياعًا أو ديْنًا فعليّ، وإليّ، وأنا ولي المؤمنين". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[3008]
(868) (وَحَدَّثَنَا
(1)
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَبُو هَمَّامِ، حَدَّثنا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أنّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، لَعَلَّ اللهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ، قَالَ: فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ)
(2)
، وَإِنَّ اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أمَّا بَعْدُ"، قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ)
(3)
، قَالَ: فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"وَعَلَى قَوْمِكَ؟ " قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي،
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "يرقي هذه الريح".
(3)
وفي نسخة: "قاموس البحر"، وفي أخرى:"قاعوس البحر"، وفي أخرى:"تاعوس البحر".
قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً، فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَجُل مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً، فَقَالَ: رُدُّوهَا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ذُكر في الباب.
3 -
(عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَبُو هَمَّامٍ) هو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصريّ السامي -بالمهملة- أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [8](ت 189)(ع) تقدم في "الطهارة" 5/ 557.
4 -
(دَاوُدُ) بن أبي هند الْقُشَيريّ مولاهم، أبو بكر، أوأبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ كان يهم بأَخَرَة [5] (ت 140) وقيل: قبلها (خت م 4) تقدم في "الإيمان " 27/ 221.
5 -
(عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ) القرشيّ، ويقال: الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [5].
رَوَى عن أنس، وورّاد كاتب المغيرة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وسعيد بن جبير، وحميد بن عبد الرحمن الْحِمْيريّ، وأبي العالية، والشعبيّ.
وروى عنه أيوب، ويونس بن عبيد، وابن عون، وداود، وجرير بن حازم، والحباب بن المختار القطعيّ، وسعيد الجريريّ.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: مشهور، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: شيخٌ بصريّ، وقال ابن سعد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: عمرو بن سعيد ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (868) و (1628) و (1872) و (2159) و (2316).
6 -
(سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [3] قُتِل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يُكَمِّل الخمسين (ع) تقدم في "الإيمان" 57/ 329.
(7)
(ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنه، مات سنة ثمان وستين بالطائف (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه منهما، وهو السماع من لفظهما مع غيره، فلما اختلفا في ذلك فرّق بينهما، فقال: قال ابن المثنّى: حدّثني عبد الأعلى إلخ.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه، وداود فقد علّق له البخاريّ، وعمرو بن سعيد، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى إسحاق، فمروزيّ، وسعيد، فكوفيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
5 -
(ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يُسَمّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عُمر بن الخطّاب رضي الله عنه: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منّا أحدٌ، وهو أحد المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم، وأحد العبادلة الأربعة، من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنها (أَنَّ ضِمَادًا) بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم، آخره دالٌ مهملة-: ابن ثعلبة الأزديّ، من أَزْدَ شَنُوءَةَ، روى مُسَدَّد في "مسنده" فقال:"وكان ضِمَاد صديقًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان يتطبَّب، فخرج يطلب العلم، ثم جاء وقد بُعِث النبيّ صلى الله عليه وسلم "، فذكر الحديث، قال البغويّ: لا أعلم لضماد غيره، ووقع في "الصحابة" لابن حبان: ضِمَاد الأزديّ كان صديقًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وكذا قال ابن منده: إنه يقال فيه: ضمادٌ -أي بالدال- وضمام- أي
بالميم- أفاده في "الإصابة")
(1)
.
(قَدِمَ) بكسر الدال (مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ) بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الشين المعجمة، وضمّ النون-: اسم قبيلة مشهورة، وهو أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كَهلان بن سبأ، أفاده في "اللباب")
(2)
. (وَكَانَ يَرْقِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: رَقَيْتُهُ أَرْقِيه رَقْيًا، من باب رَمَى: إذا عَوَّذته بالله، والاسمُ الرُّقْيَا على فُعْلَى، والمرّةُ الرُّقيةُ، والجمع رُفى، مثلُ مُدْيَةٍ ومُدًى)
(3)
. (مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ) بكسر الراء المراد به هنا الجنون، ومسّ الجنّ، وفي غير "صحيح مسلم": يَرقي من الأرواح؛ أي: الجنّ، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم لا يُبصرهم الناس، فهم كالروح، والريح)
(4)
، (فَسَمِعَ سُفَهَاءَ) بالضمّ: جمع سَفِيه، يقال: سَفِهَ سَفَهاً، من باب تَعِبَ، وسَفُهَ بالضمّ سَفَاهَةً، فهو سفيه، والأُنثى سَفِيهةٌ، والسَّفَه: نقصٌ في العقل، وأصله الخِفّة)
(5)
. (مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا) صلى الله عليه وسلم (مَجْنُون، فَقَالَ) ضماد (لَوْ أَني رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، لَعَل اللهَ يَشْفِيهِ) بفتح أوله، يقال: شَفَى الله المريض يَشْفيه، من باب رَمَى شِفَاءً: عافاه)
(6)
. (عَلَى يَدَيَّ) أي: بسبب معالجتي له بيديّ (قَالَ) الراوي (فَلَقِيَهُ) أي: لقي ضِمادٌ النبيّ صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذ الرِّيحِ) وفي نسخة: "في هذه الريح"(وَإِن اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟) جارّ ومجرور خبر لمحذوف؛ أي: فهل لك رغبة في أن أعالجك؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِن الْحَمْدَ لله) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها مقول القول؛ أي: الثناء الجميل (نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ) أي: في جميع الأمور (مَنْ يَهْدِهِ اللهُ) بإِثبات ضمير النصب؛ أي: من يوفّقه الله تعالى لاتّباع طريق الحقّ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) فلا أحد يقدر على إضلاله، من شيطان، أو نفس، أو غيرهما (وَمَنْ يُضْلِلْ) أي: من يضلله الله تعالى (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي: فلا أحد يهديه إلى الحقّ، لا من جهة
(1)
راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" 3/ 486.
(2)
راجع: "اللباب في تهذيب الأنساب" 1/ 34.
(3)
راجع: "المصباح" 1/ 236.
(4)
"شرح النوويّ " 157/ 6.
(5)
راجع: "المصباح" 1/ 279 - 280.
(6)
"المصباح" 1/ 319.
العقل، ولا من جهة النقل، ولا من جهة أحد من الخلق (وَأَشْهَدُ) أي: أعلم، وأتيقّن، وأعترف (أَنْ) بفتح الهمزة مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وأصله أنه، وخبره الجملة بعدها، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ تُخَفَّفْ "أَنَّ " فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ
…
وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ "أَنْ"
(لَا إِلَهَ) أي: لا معبود بحقّ (إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتقدير تنكيره؛ أي: منفردًا، كما قال في "الخلاصة":
وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ
…
تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَـ"وَحْدَكَ اجْتَهِدْ"
وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة حاليّة (وَأَنَّ مُحَمَّدًا) وفي رواية النسائيّ: "وأشهد أن محمدًا"(عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) تقدّم معنى الشهادتين مستوفًى في أبواب الأذان، فراجعه تستفد.
(أمَّا بَعْدُ") أي: بعد ما ذُكر من الحمد، وما بعده (قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضمادٌ (أَعِدْ) بقطع الهمزة، أمر من الإعادة؛ أي: كرّر (عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ) مبنيّ على الكسر، في محلّ جرّ بدل من "كلماتك" (فَأَعَادَهُنَّ) أي: الكلمات (عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي: ليفهمها حقّ الفهم، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لذلك، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أنس رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثًا.
(قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضماد (لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ) بفتحات: جمع كاهن، ويُجمع أيضًا على كُهّانٍ، وهو اسم فاعل من كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ كَهَانَةً بالفتح، وتكهّن تكهُّنًا: إذا قَضَى له بالغيب، وحرفته الْكِهَانَةُ بالكسر، أفاده في "القاموس")
(1)
. (وَقَوْلَ السَّحَرَةِ) بفتحات أيضًا: جمع ساحر، من سَحَر يسحرُ، من باب منع، والسَّحْر -بكسر فسكون- كلُّ ما لطُفَ مأخذه، ودَقَّ، أفاده في "القاموس")
(2)
، وقال في "المصباح" نقلًا عن ابن فارس: السَّحْرُ هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَرَه
(1)
"القاموس المحيط" 4/ 264.
(2)
"القاموس" 2/ 45.
بكلامه استماله برقّته، وحسن تركيبه. انتهى)
(1)
. (وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ) بالضمّ جمع شاعر، قال الفيّوميّ رحمه الله: والشِّعْر العربيّ: هو النظم الموزون، وحَدُّه ما تركَّب تركبًا متعاضدًا، وكان مُقَفًّى موزونًا مقصودًا به ذلك، فما خلا من هذه القيود، أو من بعضها فلا يُسَمَّى شِعْراً، ولا يسمى قائله شاعرًا، ولهذا ما ورد في الكتاب أو السنة موزونًا، فليس بشعر؛ لعدم القصد، أو التقفية، وكذلك ما يَجري على ألسنة بعض الناس من غير قصد؛ لأنه مأخوذ من شَعَرْتُ: إذا فَطِنتَ وعَلِمتَ، وسُمِّي شاعرًا؛ لفطنته، وعلمه به، فإذا لم يقصده، فكأنه لم يَشْعُر به، وهو مصدر في الأصل، يقال: شَعَرتُ أَشْعُر، من باب قتل: إذا قلته.
وجَمْعُ الشاعر شُعَراء، وجمع فاعل على فُعَلاء نادر، ومثله عاقل وعُقلاء، وصالح وصُلَحاء، وبارح وبُرَحاء، عند قوم، وهو شِدّة الأَذَى، من التبريح، وقيل: البُرَحاء غير جمع، قال ابن خالويه: وإنما جُمع شاعر على شُعَراء؛ لأن من العرب من يقول: شَعُر بالضم، فقياسه أن تجيء الصفة على فَعِيل، نحو شُرُفَ فهو شَرِيف، فلو قيل كذلك لالتبس بشَعِير الذي هو الْحَبّ، فقالوا: شاعر، ولَمَحُوا في الجمع بناءه الأصليَّ، وأما نحو عُلَماء، وحُلَماء فجمع، عليم، وحليم. انتهى)
(2)
.
(فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ) قال النوويّ رحمه الله: ضبطناه بوجهين، أشهرهما "ناعوس" بالنون والعين، هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا، والثاني "قاموس" بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير "صحيح مسلم".
وقال القاضي عياض: أكثر نسخ "صحيح مسلم" وقع فيها "قاعوس" بالقاف والعين، قال: ووقع عند أبي محمد بن سعيد "تاعوس" بالتاء المثناة فوقُ، قال: ورواه بعضهم "ناعوس" بالنون والعين، قال: وذكره أبو مسعود الدمشقئ في "أطراف الصحيحين"، والحميديّ في "الجمع بين الصحيحين""قاموس" بالقاف والميم، قال بعضهم: هو الصواب، قال أبو عبيد: قاموس البحر: وسطه، وقال ابن دُريد: لُجَّته، وقال صاحب "كتاب العين": قَعْرُه الأقصى.
(1)
"المصباح" 1/ 267 - 268.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 315.
وقال الحربيّ: قاموسُ البحر: قعره، وقال أبو مروان بن سرّاج:"قاموس" فاعول، من قَمَسته: إذا غمسته، فقاموس البحر لُجَّته التي تضطرب أمواجها، ولا تستقرّ مياهها، وهي لفظة عربيةٌ صحيحةٌ.
وقال أبو عليّ الجيانيّ: لم أجد في هذه اللفظة ثَلْجًا، وقال شيخنا أبو الحسين: قاعوس البحر بالقاف والعين صحيحٌ بمعنى قاموس، كأنه من القعس، وهو تطامن الظهر، وتعمقه، فيرجع إلى عُمْق البحر ولجّته، هذا آخر كلام القاضي رحمه الله.
وقال أبو موسى الأصفهانيّ: وقع في "صحيح مسلم": ناعوس البحر بالنون والعين، قال: وفي سائر الروايات "قاموس"، وهو وسطه ولُجَّته، قال: وليست هذه اللفظة موجودة في مسند إسحاق ابن راهويه الذي رَوَى مسلم هذا الحديث عنه، لكنه قرنه بأبي موسى، فلعله في رواية أبي موسى، قال: وإنما أورد مثل هذه الألفاظ؛ لأن الإنسان قد يطلبها فلا يجدها في شيء من الكتب، فيتحير، فإذا نظر في كتابي عَرَفَ أصلها ومعناها. انتهى)
(1)
.
(قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضماد (هَاتِ) بكسر التاء؛ أي: ناولني (يَدَكَ أُبَايِعْكَ) بالجزم في جواب الطلب (عَلَى الإسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ) أي: بايع ضماد النبيّ صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: و"عَلَى قَوْمِكَ؟ " عطف على مقدّر؛ أي: بايعني: على نفسك، وعلى قومك (قَالَ) ضماد (وَعَلَى قَوْمِي) أي: أبايعك على نفسي، وعلى قومي أيضًا (قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً) أي: قطعة جيش، فهي فَعِيلةٌ بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تسري في خُفية، والجمع سَرَايَا، وسَرِيَّات، مثلُ عَطِيّة وعَطَايَا، وعَطِيّات)
(2)
. (فَمَرُّوا بقَوْمِهِ) أي: مرّت هذه السريّة بقوم ضِماد رضي الله عنه (فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ) أي: أَميرهم (لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ) أي: من قوم ضماد (شَيْئًا؟) أي: من المال (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً) بكسر الميم على الأشهر، ويجوز فتحها، هي: الإداوة، وهي الإناء الذي يكون فيه ماء الطهارة، وقال الفيّوميّ: الْمِطهرة،
(1)
"شرح النووي على صحيح مسلم" 6/ 157 - 158.
(2)
"المصباح"1/ 275.
بكسر الميم: الإداوة، والفتح لغة، ومنه الحديث:"السِّواك مَطْهَرةٌ للفم"، بالفتح، وكلُّ إناء يُتطهَّر به مَطْهَرَةٌ، والجمع المطاهر. انتهى)
(1)
.
وإنما أخذ ذلك الرجل تلك المطهرة؛ لظنه أنها مال حربيّ يجوز أخذه؛ حيث لم يعلم أن صاحبها من قوم ضماد، أو لم يعلم بإسلام ضماد أصلًا، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) صاحب السريّة (رُدُّوهَا) أي: رُدّوا تلك المِطهرة، وإنما جمع الضمير؛ لإرادة الرجل المصيب، ومن معه من أصحابه (فَإنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ) يعني: أنهم مسلمون، فلا يجوز التعرّض لأنفسهم، ولا لأَموالهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 2008](868))، و (النسائيّ) مختصرًا في "النكاح"(3279) و"الكبرى"(527 (5))، و (ابن ماجه) في "النكاح"(189 (3))، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 302 و 350)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1954)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(6568)، و (ابن منده) في "الإيمان"(132)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 214)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة الخطبة.
2 -
(ومنها): استحباب قول الخطيب في خطبته: "أما بعد".
3 -
(ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من جراءة قومه عليه، حتى إنهم يصفونه بالجنون، وهم المجانين.
4 -
(ومنها): منقبة ضماد بن ثعلبة الأزديّ رضي الله عنه حيث اهتدى بمجرّد سماع خطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم، مع أن قريشًا كان تسمع منه باستمرار الآيات القرآنيّة،
(1)
"المصباح" 2/ 380.
ولكنها لم ترفع لها رأسًا، بل تكبّرت، وعاندت الحقّ، {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النور: 46].
5 -
(ومنها): أن الهداية بيد الله تعالى، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم مع شدّة حرصه على إيمان قومه، وشدّة مواصلتهم في دعوتهم إلى الحقّ، لم يستطع أن يهدي منهم إلا من شاء الله تعالى هدايته، وقصّة محاولته صلى الله عليه وسلم في إسلام عمّه أبي طالب أكبر شاهد على ذلك حتى نزلت:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} الآية [البقرة: 272].
6 -
(ومنها): أن أموال أهل الحرب مباحة، يجوز للمسلمين أن يأخذوا منها ما داموا محاربين لهم، وإنما تحرم إذا عقدوا الصلح مع المسلمين، أو دخلوا دار الإسلام بأمان.
7 -
(ومنها): بيان حرمة أموال المسلمين، قليلها وكثيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2009]
(869) (حَدَّثَنِي
(1)
سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوْجَزَ، وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ أَبْلَغْتَ، وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كنْتَ تَنَفَّسْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِن طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا")).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم البغداديّ أبو الحارث، مَرُّوذيُّ الأصلِ، ثقةٌ عابدٌ [10](235)(خ م س) تقدم في "الإيمان" 25/ 209.
2 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ) هو: عبد الرحمن بن
(1)
وفي نسخة: "وحدّثني".
عبد الملك بن سعيد بن حيان- بمهملة، وتحتانية -ابن أبجر- بموحدة، وجيم، وزن أحمد-الْهَمْدانيّ، ويقال: الكِنَانيّ الكوفي ثقةٌ، من كبار [9].
رَوَى عن أبيه، والنوريّ، والمفضل بن يونس الجعفيّ.
ورَوَى عنه ابنه عبد الملك، وإسماعيل بن محمد بن جُحادة، وهو من أقرانه، ويحى بن عبد الرحمن الأَرْحَبيّ، وسعيد بن محمد الْجَرْميّ، وسريج بن يونس، وغيرهم.
قال ابن معين: صالحٌ، وقال ابن سعد: هو كنانيّ، من أَنْفُسهم، وكان خيّراً فاضلًا، صاحب سنة، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، ووثَّقه الدارقطنيّ، ومحمد بن عبد الله بن نمير.
قال ابن نمير، وابن سعد: مات سنة إحدى وثمانين ومائة.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط)
(1)
، برقم (869) و (996)).
3 -
(أَبُوهُ) عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [6](م دت س) تقدم في "الإيمان" 90/ 472.
4 -
(وَاصِلُ بْنُ حَيَّانَ) الأحدب الأسديّ الكوفىّ، بَيَّاع السابِرِيّ)
(2)
، ثقةٌ ثبتٌ [6](ت 120)(ع) تقدم في "الإيمان" 42/ 279.
5 -
(أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [2] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 57.
6 -
(عَمَّارُ) بن ياسر بن عامر بن مالك الْعَنْسيّ -بنون ساكنة، ومهملة- أبو الْيَقْظان، مولى بني مخزوم الصحابي الجليل المشهور رضي الله عنه، قُتِل مع عليّ - ضي الله عنهما- بصفين سنة سبع وثلاثين (ع) تقدم في "الحيض" 27/ 824.
(1)
وقال في "تهذيب التهذيب": له عند مسلم حديثُ عمار في قصر الخطبة، وحديث ابن عمرو في نفقة الرقيق.
(2)
قال في "القاموس": السابريّ: ثوبٌ رقيقٌ جيّد. اهـ.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، كما مرّ آنفًا.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
4 -
(ومنها): أن عمّارًا رضي الله عنه صحابي ابن صحابيّين، من السابقين الأولين، ومن البدريّين رضي الله عنهم.
[تنبيه]: هذا الإسناد مما استدركه الدارقطنيّ في "التّتبّع"، فقال: تفرد به ابن أبجر، عن واصل، حدّث به ابنه عبد الرحمن، وسعيد بن بشير، وخالفه الأعمش، وهو أحفظ لحديث أبي وائل منه، فحدّث به عن أبي وائل، عن عَمرو بن شُرحبيل، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قولَهُ غير مرفوع، قاله الثوريّ وغيره، عن الأعمش. انتهى. وهذا نصّه في "التتبّع")
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدراك لا يؤثّر على غرض المصنّف رحمه الله؛ لأن ابن أبجر ثقةٌ، تُقبل زيادته، ولا سيّما مع وجود الشواهد، فيكون الحديث مرويًّا بالطريقين.
ومما يؤيّد ذلك أن الدارقطنيّ حكم في "العلل" للطريقين بكونهما محفوظين، حيث سئل عن هذا الحديث، فقال: يرويه أبو وائل، واختُلف عنه، فرواه الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحبيل، عن عبد الله، رواه ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفًا، وخالف الأعمشَ واصل بن حَيّان، فرواه عن أبي وائل، عن عمار بن ياسر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، تفرّد به عبد الملك بن أبجر، عن واصل، وقد روي هذا الكلام عن عبد الله من وجه آخر موقوفًا؛ أيضًا وروي عن عمار بن ياسر أيضًا من وجهه آخر، رواه عديّ بن ثابت، واختُلف عنه، فرواه العلاء بن صالح، عن عديّ بن ثابت، عن أبي راشد، عن عمار، ورواه مِسْعَر، عن عديّ بن ثابت، عن عمار مرسلًا، والقولان عن أبي وائل محفوظان، قول الأعمش، وقول واصل جميعًا. انتهى
(1)
راجع: "التتبّع" ص 182 - 185 نسخة الشيخ ربيع المدخليّ.
حاصل كلام الدارقطنيّ رحمه الله
(1)
.
فقد تبيّن من هذا أن الدارقطنيّ رحمه الله يرى صحّة الحديث عن الطريقين، وأن الرفع الذي اختاره المصنّف صحيح.
ومما يؤيّد هذا أيضًا أن الحديث روي عن عمّار أيضًا مرفوعًا، من وجه آخر، فقد أخرجه أبو داود بسند صحيح إلى أبي راشد، عن عمار بن ياسر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باقصار الْخُطَب.
وأبو راشد وثّقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ في "الميزان": لا يُعرف، فمثله يصلح للاعتبار.
ومما يشهد للحديث أيضًا ما تقدّم من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما، قال: كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا.
ويشهد للجزء الأخير حديث ابن عمر فقال: جاء رجلان من المشرق فخطبا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحرًا"، رواه البخاريّ.
فقد تبيّن بهذا أن حديث عمّار رضي الله عنه هذا صحيح مرفوعًا، كما أراده المصنّف رحمه الله، كما أنه صحّ أيضًا موقوفًا على ابن مسعود رضي الله عنه، فقد أخرجه البيهقيّ رحمه الله في "السنن الكبرى"، بإسناد صحيح، عن الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحبيل، قال: قال عبد الله: "إن طُول الصلاة، وقِصَر الخطبة مَئِنّة من فقه الرجل".
وأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال:"أطيلوا هذه الصلاة، وأقصروا هذه الخطبة" -يعني: صلاة الجمعة- انتهى)
(2)
.
والحاصل أن الحديث صحيح، مرفوعًا موقوفًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
(1)
"العلل الواردة في الأحاديث النبوية" 5/ 223 - 224.
(2)
"سنن البيهقي الكبرى" 3/ 208.
شرح الحديث:
(عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ) بتحتانيّة مشدّدة، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ) شقيق ابن سلمة (خَطَبَنَا عَمَّارٌ) أي: ابن ياسر رضي الله عنها (فَأَوْجَزَ، وَأَبْلَغَ) أي: أبلغ في المعنى، وأوجز في اللفظ، وهذه هي المسمّاة بالبلاغة والفصاحة عند علماء البلاغة (فَلَمَّا نَزَلَ) أي: عن المنبر (قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ) كنية عمّار رضي الله عنه (لَقَدْ أَبْلَغْتَ، وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ؟) أي: أطلت الكلام شيئًا، يقال: نفّس الله في عمرك؛ أي: أطاله (فَقَالَ) عمّار رضي الله عنه (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ) أي: إطالتها (وَقصَرَ خُطْبَتِهِ) بكسر القاف، وفتح الصاد؛ أي: تقصيرها (مَئِنَّةٌ) -بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ نُونٌ مُشَدَّدَةٌ-؛ أَيْ: عَلَامَة (مِنْ فِقْهِهِ) أي: علامة يتحقّق بها فقهه، فهي مِفْعَلة، بُنيت من "إِنَّ" المكسورة المشدّدة، وحقيقتها مَظِنّة ومكانٌ لقول القائل: إنه فقيهٌ؛ لأن الصلاة مقصودة بالذات، والخطبة توطئة لها، فتُصرف العنايةُ إلى الأهمّ، كذا قيل، أو لأنّ حال الخطبة توجهه إلى الخلق، وحال الصلاة مقصده الخالق، فمن فقاهة قلبه إطالة معراج ربّه، أو لأن الصلاة هي الأصل، والخطبة هي الفرع، ومن القضايا الفقهيّة أن يُؤْثَر الأصل على الفرع بزيادة.
وقال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "من فقهه" صفةُ "مَئِنّة"؛ أي: مئِنّةٌ ناشئةٌ من وقال في "النهاية": أي: ذلك مما يُعرف به فقه الرجل، فكلُّ شيء دلّ على شيء فهو مئنّة له، وحقيقتها أنها مِفْعَلة، من معنى "إِنَّ" التي للتحقيق والتأكيد، غيرُ مشتقّة من لفظها؛ لأن الحروف لا يُشْتَقّ منها، وإنما ضُمِّنت حروفها؛ دلالة على أن معناها فيها، ولو قيل: إنها اشتُقّت من لفظها بعدما جُعلت اسمًا لكان قولًا.
ومن أغرب ما قيل فيها: إن الهمزة بدل من ظاء الْمِظَّنة، والميمُ في ذلك كله زائدة، وقال أبو عبيد: معناه أن هذا مما يُستدلّ به على فقه الرجل، قال الأزهريّ: جعل أبو عبيد فيه الميم أصليةً، وهي ميم مِفْعَلة. انتهى)
(1)
.
(1)
"النهاية في غريب الأثر" 4/ 290 - 291.
وقال النوويّ: قال الأزهريّ والأكثرون: الميم فيها زائدة، وهي مِفْعَلة، قال الهرويّ: قال الأزهريّ: غَلِطَ أبو عبيد في جعله الميم أصليةً، قال القاضي عياض: قال شيخنا ابن سراج: هي أصلية. انتهى.
وقال الشوكانيّ: وإنما كان إقصار الخطبة علامة فقه الرجل؛ لأن الفقيه هو المطّلع على جوامع الألفاظ، فيتمكّن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "مَئِنّةٌ من فقهه" الرواية في هذا اللفظ "مَئِنّةٌ" بالهمز والقصر وتشديد النون، ووقع لبعضهم "مائنّة" بالمدّ، وهو غَلَطٌ، وكذلك كلُّ تقييد خالف الأول، قال الأصمعيّ: سألني شعبة عن "مَئِنّة"، فقلت: هو كقولك عَلامة، وخَلِيقٌ، قال أبو زيد: هو كقولك مَخْلَقَةٌ ومَجْدَرَةٌ، قال أبو عبيد: يعني: أن هذا مما يُعْرَف به فقه الرجل، ويُستدل به عليه، قال: وكل شيء دَلَّك على شيء فهو مئنة له، وأنشد لِلْمَرَّار:
فَتَهَامَسُوا سِرًّا فَقَالُوا عَرِّسُوا
…
مِنْ غَيْرِ تَمْئِنَةٍ لِغَيْرِ مُعَرَّسِ
(1)
قال أبو منصور: والذي رواه أبو عبيد عن الأصمعيّ وأبي زيد في تفسير المئنة صحيحٌ، وأما احتجاجه برأيه ببيت المرَّار في التمئنة للمئنة، فهو غَلَطٌ وسهو؛ لأن الميم في التمئنة أصلية، وهي في مئنة مَفْعِلة، ليست بأصلية. انتهى)
(2)
.
(فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ) بقطع الهمزة، من الإطالة (وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ) بوصل الهمزة، وضمّ الصاد، من باب نصر، يقال: قَصَر الصلاةَ، ومنها قَصْرًا، ضدّ أطالها، هذه هي اللغة العالية التي جاء بها القرآن، قال الله تعالى:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} والآية [النساء: 101]، وقُصِرت الصلاةُ بالبناء للمفعول، فهي مقصورة، وفي حديث ذي اليدين رضي الله عنه:"أَقُصِرَتِ الصلاةُ؟ "، وفي لغة يتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أقصرتها، وقَصَّرتها، أفاده
(1)
معناه: أي: لم يتأكّدوا من وقت التعريس، ويقال: أتاني فلانٌ ما مأنتُ مأنه، ولا شأنتُ شأنه؛ أي: لم أُفكّر فيه، ولم أتهيّأ له. انتهى. "المفهم" 2/ 504.
(2)
"لسان العرب" 13/ 29، و"المفهم" 2/ 504.
الفيّوميّ رحمه الله
(1)
.
وعلى هذه اللغة الأخيرة يجوز هنا: "وأَقْصِروا الخطبة"، بقطع الهمزة، رباعيًّا، فقول النوويّ رحمه الله في "شرحه": الهمزة في "واقصُروا" همزة وصل، إن أراد الرواية، فنعم، وإلا فيجوز قطعها؛ لما علمت آنفًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وليس هذا الحديث مخالفًا للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة، ولا لقوله في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما المتقدّم:"وكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا"؛ لأن المراد بحديث عمّار رضي الله عنه هذا الذي نحن فيه أن الصلاة تكون طويلةً بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً يَشُقّ على المأمومين، وهي حينئذ قَصْدٌ؛ أي: معتدلة، والخطبة قصدٌ، بالنسبة إلى وضعها، قاله النوويّ رحمه الله
(2)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: هذا الحديث ليس مخالفًا لقوله: "كانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا"؛ لأن كلّ واحد قَصْدٌ في بابه، لكن الصلاة ينبغي أن تكون أطول من الخطبة مع القصد في كلّ منهما. انتهى)
(3)
.
وقال في "المرقاة": قال ابن الملك: المراد بهذا الطول ما يكون على وفاق السنة، لا أقصر منها، ولا أطول؛ ليكون توفيقاً بين هذا الحديث والحديث قبله. انتهى.
قال القاريّ: أقول: لا تنافي بينهما، فمان الأوّل دلّ على الاقتصاد فيهما، والثاني على اختيار المزيّة في الثانية منهما.
ثم لا ينافي هذا ما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي زيد عمرو بن أخطب رضي الله عنه قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل، فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل، فصلى، ثم صَعِد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأَعْلَمُنا أحفظنا"؛ لكونه نادرًا اقتضاه الوقت، ولكونه بيانًا
(1)
راجع: "المصباح المنير" 2/ 505.
(2)
"شرح النووي" 6/ 158 - 159.
(3)
"المفهم" 2/ 504.
للجواز، وكأنه كان واعظًا، والكلام في الْخُطَب المتعارفة. انتهى)
(1)
.
(وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا") قال القرطبيّ رحمه الله: البيان هنا الإيضاح البليغ مع اللفظ المستعذَب، وفي هذا الحديث تأويلان:
أحدهما: أنه قصد به الذمّ؛ لأن الإبلاع في البيان يفعل في القلوب من الإمالة، والتحريك، والتطريب، والتحزين ما يفعل السحر، واستَدَلَّ متأوّل هذا بإدخال مالك الحديث في "موطّئه" في "بابُ ما يُكره من الكلام بغير ذكر الله"، وأنه مذهبه في تأويل الحديث.
وثانيهما: أنه على جهة المدح، فإن الله تعالى قد امتنّ على عباده بالبيان حيث قال:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)} [الرحمن: 3، 4]، وشبّهه بالسحر؛ لميل القلب إليه، وأصل السحر الصرف والبيان يصرف القلوب، وُيميلها إلى ما يدعو إليه.
قال القرطبيّ رحمه الله: وهذا التأويل أولى؛ لهذه الآية، وما معناها. انتهى)
(2)
.
وقال النوويّ رحمه الله: وهذا الثاني هو الصحيح المختار. انتهى)
(3)
.
وقال في "المرقاة": قوله: "إن من البيان لسحرًا" أي: بعض البيان يَعمَل عمل السحر، فكما يكتسب الإِثم بالسحر، يكتسب ببعض البيان، أو منه ما يَصْرِف قلوب المستمعين إلى قبول ما يستمعون، وإن كان غير حق، ففي هذا إشارةٌ إلى بيان الحكمة في قَصْر الخطبة، فإنه في مَعْرِض البلية، فيجب عليه الاحتراز من هذه المحنة، حتى لا يقع في الرياء والسمعة، وابتغاء الفتنة، فهو ذمٌ لتزيين الكلام، وتعبيره بعبارة يتحير فيها السامع؛ كالتحير في السحر، ونَهْيٌ عنه كنهيه عن السحر.
وقيل: بل هو مدح للفصاحة والبلاغة، يريد أن البليغ؛ أي: الذي له مَلَكَةٌ يقتدر بها على تأليف كلام بليغ؛ أي: مطابق لمقتضى الحال، يبعث الناسَ على حب الآخرة، والزهد في الدنيا، وعلى مكارم الأخلاق، ومحاسن
(1)
راجع: "مرقاة المفاتيح" 3/ 451.
(2)
"المفهم" 2/ 504 - 505.
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 159.
الأعمال، ببلاغته، وفصاحته، فبيانه هو السحر الحلال في اجتذاب القلوب، وإلاشتمال على الدقائق واللطائف، فهو تشبيهٌ بليغٌ، والظاهر أنه من عطف الجمل، ذَكَره استطرادًا.
وقال الطيبيّ: الجملة حال من "اقصُرُوا" أي: أقصروا الخطبة، وأنتم تأتون بها مَعَانيَ جَمّة في ألفاظ يسيرة، وهو من أعلى طبقات البيان، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"أوتيت جوامع الكلم")
(1)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمّار بن ياسر رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [2009/ 15](869 (، و (أبو داود) في "الصلاة"(1106))، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 263 و 320))، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1782))، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 365))، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1955))، و (الحاكم) في "المستدرك"(1/ 289))، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1077)، وفوائد الحديث واضحة، تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2010]
(875) (حَدَّثنَا
(2)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ، أَن رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ كَوَى"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم "بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ"، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ).
(1)
"مرقاة المفاتيح" 3/ 451 - 452.
(2)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعِ) بفاء، مُصَغَّرًا -الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ الطائفيّ، سَكَن الكوفة، ثقةٌ [4].
رَوَى عن أنس، وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الطّفَيل، وزيد بن وهب، وتميم بن طَرَفة، وأمية بن صفوان الْجُمَحيّ، وشدّاد بن مَعْقِل، وابن أبي مليكة، وغيرهم.
ورَوَى عنه عمرو بن دينار، وهو من شيوخه، والأعمش، ومغيرة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وشعبة، والحسن بن صالح، وشريك وأبو الأحوص، والسيفانان، وآخرون.
قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو ستين حديثًا، وقال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: يقوم حديثه مقام الحجة.
وقال جرير: كان أتى عليه نيف وتسعون سنةً، فكان يتزوج، فلا تمكث المرأة معه من كثرة جماعة.
قال مطين: مات سنة ثلاثين ومائة، وقال ابن حبان: مات بعد الثلاثين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث بالمكرّر.
6 -
(تَمِيمُ بْنُ طَرَفَةَ) بفتح الطاء، والراء، والفاء -الطائيّ الْمُسْليّ - بضم الميم، وسكون المهملة- الكوفيّ، ثقةٌ [3](ت 95)(م د س ق) تقدم في "الصلاة" 27/ 971.
7 -
(عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ) بن عبد الله بن سَعْد بن الْحَشْرَج -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، آخره جيم- ابن امرئ القيس بن عديّ بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الْغَوْث بن طيّء الطائيّ، أبو طَرِيف -بفتح المهملة، وآخره فاء- ويقال: أبو وهب.
قَدِمَ على النبيّ صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة سبع، رَوَى عن النبيّ -صلى الله عليه سلم -، وعن عمر رضي الله عنه وروى عنه عَمرو بن حُريث، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن، وتميم بن طَرَفة، وخيثمة بن عبد الرحمن، وآخرون.
قال مُحِلّ بن خَلِيفة، عن عديّ بن حاتم: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء، وقال الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجَعَل يَفْرِض للرجل من طيء في ألفين، وُيعْرِض عني، فاستقبلته، فقلت: يا أمير المؤمنين أتعرفني؟ قال: فَضَحِك حتى استلقى لقفاه، وقال: نعم والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وعَرَفت إذ أنكروا، ووَفّيت إذ غَدَروا، وأقبلت إذ أدبروا، وأن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجوه أصحابه رضي الله عنه صدقة طيّء جئت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ يعتذر.
وقال الخطيب: لَمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت عدي بن حاتم وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر، وحَضَر فتح المدائن، وشَهِد مع عليّ الْجَمَل وصِفِّين والنَّهْرَوَان، ومات بعد ذلك بالكوفة، وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء عليّ يوم الجمل وبوم صفين، قال أبو حاتم السجستانيّ في "كتاب المعمرين": قالوا: وعاش مائة وثمانين سنة، وقال خليفة: بلغ عشرين ومائة سنة، ومات بالكوفة سنة (68))، وقال جرير، عن مغيرة الضبيّ: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله، وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قُرقيساء، وقالوا: لا نقيم ببلد يُشْتَم فيها عثمان.
قال أبو حاتم: وكان متواضعًا لَمّا أسنَّ استأذن قومه في وِطَاء يجلس عليه في ناديهم؛ كراهيةَ أن يَظُنّ أحد منهم أنه يفعل ذلك تعاظمًا، فأَذِنُوا له.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (18) حديثًا بالمكرّر.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمل والأداء، كما مرّ غير مرّة.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وتميم بن طرفَة، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
4 -
(ومنها): أن عديًّا وعبد العزيز بن رفيع هذا أول محلّ ذكرهما من هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد أحاديثهما فيه.
5 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبد العزيز، عن تميم.
6 -
(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه من مشاهير الصحابة رضي الله عنهم، ومن المعمّرين، كان جواداً ابن جواد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية النسائيّ: "تَشَهَّدَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ
…
" الحديث (فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ) بفتح الشين المعجمة -على المشهور الموافق لقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]؛ إذ المضارع بالضمّ لا يكون للماضي بالكسر، ولذلك لَمّا قرأ شهاب الدين الموصليّ في مجلس الحافظ الْمِزّيّ: رَشِدَ -بالكسر- ردّ عليه الشيخ بقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}، أو بالكسر، ذكره سيبويه في "كتابه"، وهو الموافق لقوله تعالى:{فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} [الجن: 14]-بفتحتين- فإن فَعَلًا -بفتحتين- مصدر فَعِلَ -بكسر العين- كفرِحَ فَرَحاً، وسَخِطَ سَخَطاً، ولذلك ردّ الشيخ عليه بقوله تعالى:{فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} [الجن: 14]، وأنت لو تأمّلت وجدت بكلام المِزّيّ والموصِلِيّ موقعًا عظيمًا، ودلالةً باهرة على فطانتهما، ذكره السنديّ رحمه الله
(1)
.
وقال الفيّوميّ رحمه الله: الرُّشْدُ: الصلاحُ، وهو خلاف الغيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، ورَشِدَ، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ، من باب قَتَلَ، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَاد. انتهى.
(وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى) بفتح الواو، وقيل: بكسرها أيضًا، وضَعَّفُوه، وقال القاضي عياضٌ رحمه الله: وقع في روايةِ مسلم بفتح الواو، وكسرها، والصواب الفتح، وهو من الْغَيّ، وهو الانهماك في الشرّ. انتهى)
(2)
.
(1)
"شرح السنديّ على النسائيّ " 6/ 90.
(2)
"إكمال المعلم" 3/ 276.
وقال الفيّوميّ رحمه الله: غَوَى غيًّا، من باب ضَرَب: انهمك في الجهل، وهو خلافُ الرُّشْد، والاسم الْغَوَاية بالفتحِ. انتهى.
وفي "القاموس" و"شرحه": وغوَى الرجلُ يَغْوِي غيًّا، وغَوَايةً بالفتح، ولا يكسر، هذه هي اللغة الفصيحة المعروفة، واقتصر عليها الجوهريّ، قال أبو عبيد: وبعضهم يقول: غَوِيَ يَغْوَى، كرَضِيَ غَوًى، وليست بالمعروفة: ضلّ، وخاب، وقال الأزهريّ: أي: فسد، وقال ابن الأثير: الغيّ: الضلال، والانهماك في الباطل، وقال الراغب: الغَيّ جَهْل من اعتقاد فاسد، وذلك لأن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادًا، لا صالِحًا ولا فاسدًا، وهذا النحو الثانيّ، يقال له: غيّ، وأنشد الأصمعيّ للمرقّش [من الطويل]:
فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ
…
وَمَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَمْ عَلَى الْغَيِّ لَائِمًا
وقال دُريد بن الصّمّة [من الطويل]:
وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ
…
غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ
انتهى ما في "القاموس"، وشرحه "تاج العروس" ببعض تصرّف)
(1)
.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنتَ) الضمير المنفصل هو المخصوص بالذمّ، وهو مبتدأ، خبره جملة "بئس الخطيب"، أو هو خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا، كما قال في "الخلاصة":
وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا
…
أَوْ خَبَرَ اسْبم لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا
وفي رواية أحمد: "بئس الخطيب أنت قُمْ"(قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ") أي: بالاسم الظاهر، لا بالضمير، وقد اختُلف في سبب إنكاره صلى الله عليه وسلم عليه، والأرجح أنه إنما أنكر عليه؛ لأن الخطبة محلّ بسط وإيضاح، لا محلّ إشارة، وإيجاز، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ) أي: بكسر الواو؛ يعني: أن شيخه أبا بكر رواه "فقد غَوَى" بفتح الواو، من باب ضرب، وشيخه محمد بن عبد الله بن نُمير رواه "غَوِيَ" بكسرها، من باب رَضِيَ، وقد تقدّم آنفًا أن الكسر ضعيفٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
"القاموس"، وشرحه "تاج العروس" 10/ 273.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 2010](870)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1099) و"الأدب"(498 (1)، و (النسائيّ) في "النكاح "(3280) و"الكبرى"(5530)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 256 و 379)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1956))، و (الحاكم) في "المستدرك "(1/ 289))، و (ابن حبّان) في "صحيحه "(2798)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار"(4/ 296))، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها)؛ بيان مشروعيّة الخطبة؛ للحاجة.
2 -
(ومنها): بيان ما يُكره للخطيب أن يقوله في خُطبته، وذلك أنه لا يجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد، وسيأتي ما قاله أهل العلم في سبب إنكاره صلى الله عليه وسلم على الخطيب قوله في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى-.
3 -
(ومنها): بيان جواز الخطبة أمام النبيّ صلى الله عليه وسلم بإذنه، وأن قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية [الحجرات: 1] محمول على التقدّم بغير إذنه، والله تعالى أعلم.
4 -
(ومنها): مشروعيّة إنكار المنكر لمن كان أهلًا للإنكار، وذلك بأن يَعْرِف كونه منكرًا، ويَقدر على إزالته بحسب مراتب الإزالة المبيّنة في قوله صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا، فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر ما قاله أهل العلم في إنكاره صلى الله عليه وسلم على الخطيب المذكور:
قال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله: ظاهره أنه أنكر عليه جمعَ اسم الله، واسم رسوله صلى الله عليه وسلم في ضمير واحد.
ويُعارضه: ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم-
خطب، فقال في خطبته:"من يُطع الله ورسوله، فقد رَشَد، ومن يَعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه"، وفي حديث أنس رضي الله عنه:"ومن يعصهما فقد غَوَى"، وهما صحيحان.
ويُعارضه أيضًا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الآية [الأحزاب: 56]، فجمع بين ضمير اسم الله وملائكته، ولهذه المعارضة صَرَفَ بعضُ القرّاء هذا الذّمّ إلى أن ذلك الخطيب وقف على:"ومن يعصهما"، وهذا تأويلٌ لم تساعده الرواية، فإن الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأن آخر كلامه إنما هو:"فقد غوى"، ثم إن النبيّ صلى الله عليه وسلم ردّ عليه، وعلّمه صواب ما أخلّ به، فقال:"قل: ومن يَعص الله ورسوله، فقد غَوَى"، فظهر أن ذمّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير، وحينئذ يتوجّه الإشكال، ونتخلّص عنه من أوجه:
[أحدها]: أن المتكلّم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجّهه لغيره، فقوله صلى الله عليه وسلم:"بئس الخطيب أنت" منصرفٌ لغير النبيّ صلى الله عليه وسلم لفظًا ومعنًى.
[وثانيها]: أن إنكاره صلى الله عليه وسلم على ذلك الخطيب يَحْتَمِل أن يكون كأنّ هناك من يتوهّم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد، فمنع ذلك لأجله، وحيث عُدِمَ ذلك جاز الإطلاق.
[وثالثها]: أن ذلك الجمع تشريفٌ، ولله تعالى أن يشرِّفَ من شاء بما شاء، ويمنع من مثل ذلك للغير، كما قد أقسم بكثير من المخلوقات، ومنعنا من القسم بها، فقال عز وجل:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الآية [الأحزاب: 56]، وكذلك أَذِنَ لنبيّه صلى الله عليه وسلم في إطلاق مثل ذلك، ومنع منه الغير على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم.
[ورابعها]: أن العمل بخبر المنع أولى؛ لأوجه: لأنه تقعيد قاعدة، والخبر الآخر يحتمل الخصوص، كما قرّرناه، ولأن هذا الخبر ناقلٌ، والآخر مُبْقٍ على الأصل، فكان الأول أولى، ولأنه قولٌ، والثاني فِعْلٌ، فكان أولى. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
(1)
.
وقال النوويّ رحمه الله: قال القاضي، وجماعة من العلماء: إنما أنكر عليه
(1)
"المفهم" 2/ 510 - 512.
لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر:"لا يقل أحدكم ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شاء فلان".
والصواب أن سبب النهي، أن الْخُطَب شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبتٌ في "الصحيح":"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لِتُفْهَمَ".
وأما قول الأولين، فيضعَّف بأشياء، منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرّر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله صلى الله عليه وسلم:"أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما"، وغيره من الأحاديث، وإنما ثَنَى الضمير هاهنا؛ لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلّما قلّ لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يُراد الاتعاظ بها.
ومما يؤيّد هذا ما ثبتٌ في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله، فلا مُضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيرًا ونذيرًا، بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئًا"، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله.
وقال الشيخ عزّ الدين: من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربّه تعالى، وذلك ممتنع على غيره، قال: وإنما يمتنع من غيره، دونه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرّق إليه إيهام ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشيخ عزّ الدين رحمه الله يعكُر عليه حديث أبي داود الذي قبله، حيث علّم صلى الله عليه وسلم غيره أن يقولوا:"ومن يعصهما"، فدلّ على أنه ليس مخصوصًا به، فالأولى عندي ما رجّحه النوويّ، من أن سبب النهي كون الْخُطَب محل بسط وإيضاح، لا إشارة وإيجاز، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(16) - (باب قراءة القرآن في الخطبة)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2011]
(871) - (حَدَّثَنَا
(1)
قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِي، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَطَاءً، يُخْبِرُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ:{وَنَادَوْا يَامَالِكُ} [الزخرف: 77]).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رَجَاء الْبَغْلانىّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 240) عن (90) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
2 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
4 -
(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ إلا أنه تغير حفظ، من رؤوس الطبقة [8] مات في رجب سنة (198) وله إحدى وتسعون سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 383.
5 -
(عَمْرُو) بن دينار المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [4](126)(ع) تقدم في "الإيمان" 21/ 184.
6 -
(عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [3](114) على المشهور، وقيل: إنه تغير بأَخَرَة، ولم يَكْثُر ذلك منه (ع) تقدم في "الإيمان" 83/ 442.
7 -
(صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى) بن أمية التميميّ المكيّ، ثقةٌ [3].
رَوَى عن أبيه، وعنه ابن أخيه محمد بن حيي بن يعلى، وعطاء بن أبي رَبَاح، والزهريّ، ومحمد جبير بن مطعم.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
ذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث بالمكرّرات.
8 -
(أَبُوهُ) يعلى بن أمية بن أبي عُبيدة بن همام التميميّ، حليف قريش، وهو يعلى ابن مُنْية -بضم الميم، وسكون النون، بعدها تحتانية مفتوحة- وهي أمه، صحابيّ مشهور، مات رضي الله عنه سنة بضع وأربعين (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" 1/ 1573.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء منه، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم فيما ذُكر.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وإسحاق، فما أخرج له ابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى شيوخه.
4 -
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين المكيين، روى بعضهم عن بعض.
5 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يعلى أبن أُميّة رضي الله عنه (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ} [الزخرف: 77]) كذا الرواية هنا بإثبات الكاف، وهي قراءة الجمهور، وقرأ الأعمش:"ونادوا يا مالِ" بالترخيم، ورُويت عن عليّ، وهي قراءة ابن مسعود، قال عبد الرزاق: قال الثوريّ في حرف ابن مسعود: "ونادوا يا مالِ"؛ يعني: بالترخيم، وبه جزم ابن عيينة، ويذكر عن بعض السلف أنه لَمّا سمعها قال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم، وأجيب باحتمال أنهم يقتطعون بعض الاسم؛ لضعفهم، وشدّة ما هم فيه.
وظاهر وقوع قوله: {وَنَادَوْا} بعد قوله: {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} أنهم بعدما طال إبلاسهم تكلّموا، والْمُبْلِس الساكت بعد اليأس من الفرج، فكان فائدة الكلام بعد ذلك حصول بعض فرج؛ لطول العهد، أو النداء يقع قبل الإبلاس؛ لأن
الواو لا تستلزم ترتيبًا، أفاده في "الفتح"
(1)
.
يعني: أن الكفار في النار ينادون مالكًا خازن النار، فيقولون: يا مالك {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77]؛ أي: ليمتنا، فنستريح فيجيبهم مالك، بعد ألف سنة إنكم ماكثون في العذاب
(2)
، وفي تفسير ابن الجوزيّ: ينادون مالكًا أربعين سنة، فيجيبهم بعدها: إنكم ماكثون، ثم ينادون رب العزة:{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا} [المؤمنون: 107] فلا يجيبهم مثل عمر الدنيا، ثم يقول:{قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]
(3)
.
قال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "قرأ على المنبر
…
إلخ" يَحْتَمِل أن يكون أراد الآية وحدها، أو السورة كلَّها، ونبّه ببعضها عليها، كما يقال: قرأت {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ، وفي قراءته صلى الله عليه وسلم هذه السورة، وسورة {ق} دليل على صحّة استحباب مالك قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وخصّ هذه الآية، وسورة {ق} ؛ لما تضمّنته من المواعظ، والزجر، والتحذير. انتهى
(4)
.
وقال النوويّ رحمه الله: فيه القراءة في الخطبة، وهي مشروعة بلا خلاف، واختلفوا في وجوبها، والصحيح عندنا وجوبها، وأقلّها آية. انتهى
(5)
.
وذكر في "المجموع" أن فروض الخطبة خمسة: (أحدها): حمد الله تعالى.
(الثاني): الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(الثالث): الوصيّة بتقوى الله تعالى.
(الرابع): قراءة القرآن.
(الخامس): الدعاء للمؤمنين، وقد ذكر هذه الأمور مفصّلةً، فراجعه إن شئت
(6)
.
قال الجامع عفا الله عنه: لا دليل على فرضيّة هذه الخمسة، فإن الذي استدلّوا به غايته أنه صلى الله عليه وسلم فعله، ومجرّد الفعل لا يكفي في إثبات الوجوب، وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم:"صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، فعير صحيح؛ لأنهم لا
(1)
راجع: "الفتح" 8/ 431 "كتاب التفسير" رقم (4819).
(2)
قال ابن كثير: رواه ابن أبي حاتم.
(3)
"عمدة القاري" 19/ 160.
(4)
"المفهم" 2/ 512.
(5)
"شرح النووي" 6/ 160.
(6)
راجع: "المجموع شرح المهذّب" 4/ 388 - 390.
يرون وجوب غير هذه الخمسة، مع أنه صلى الله عليه وسلم نُقل عنه في الجمعة غير هذه الأمور، وقد أجمعوا على استحبابها.
والحاصل أن الأرجح قول من قال باستحبابها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث يعلى ابن أُميّة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [16/ 2011](871)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق"(3230) و"صفة النار"(3266) و"التفسير"(4819)، و (أبو داود) في "الحروف"(3992)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(598)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(11479)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(4/ 253)، و (الحميديّ) في "مسنده"(787)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 223)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1957)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2012]
(872) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أخْتٍ لِعَمْرَةَ، قَالَتْ: أَخَذْتُ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)} مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنبرِ في كُلِّ جُمُعَةٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السَّمَرْقَنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [11](ت 55) وله أربع وسبعون (م د ت) تقدم في "المقدمة" 5/ 29.
2 -
(يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ، أصله من البصرة، ثقةٌ [9](ت 208) وله أربع وستون سنةً (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" 7/ 723.
3 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [8](177)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
4 -
(يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، أبو سعيد القاضى، ثقةٌ ثبتٌ [5](ت 144) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 36.
5 -
(عَمْرَةُ بنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سَعْد بن زُرَارة الأنصاريّة المدنيّة، أكثرت عن عائشةَ رضي الله عنهما، ثقةٌ [3] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ 2 ص 417.
6 -
(أُخْتُ عَمْرَةَ) هي: أم هشام بنت حارثة بن النعمان بن نَفْع بن زيد بن عُبيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجّار الأنصاريّة، صحابيّة، وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها، روت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، روت عنها أختها عمرة، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة.
أخرج لها المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس لها في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، كرّره ثلاث مرّات.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من سليمان.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، عن أختها.
شرح الحديث:
(عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ) هي: أم هشام رضي الله عنها، فهي معروفة، وقال النوويّ: هذا صحيحٌ، يُحْتَجّ به، ولا يضر عدم تسميتها؛ لأنها صحابية، والصحابة كلهم عدول. انتهى. (قَالَتْ: أَخَذْتُ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)} ) أي: حفِظت هذا السورة (مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)"في" لغة في الفم، وهي من الأسماء الستّة التي تُعرب بالحروف بشرط خلوّها عن الميم، وإضافتها إلى غير ياء المتكلّم، كما قال في "الخلاصة":
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصبَنَّ بِالأَلِفْ
…
وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
مِنْ ذَاكَ "ذُو" إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا
…
وَالْفَمُ حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
"أَبٌ""أَخٌ""حَمٌ" كَذَاكَ و"هَنُ"
…
وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ
وَفِي "أَبٍ" وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ
…
وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
وَشَرْطُ ذَا الإِعْرَابِ أَنْ يُضَفْنَ لَا
…
لِلْيَا كَـ"جَا أَخُو أَبِيكَ ذَا اعْتِلَى"
وفي رواية عبد الله بن محمد بن معن، عن بنت لحارثة الآتية:"ما حَفِظتُ {ق} إلا من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب بها كلّ جمعة".
وقوله: (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ظرف لـ"أخذتُ"(وَهُوَ يَقْرَأُ) جملة حاليّة من "في رسول الله صلى الله عليه وسلم"(بِهَا) متعلّق بـ "يقرأ"، وكذا الجارّان بعده (عَلَى الْمِنْبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) قال العلماء: سبب اختيار {ق} كونها مشتملةً على البعث، والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، وفيه دليل للقراءة في الخطبة، كما سبق، وفيه استحباب قراء {ق} ، أو بعضها في كل خطبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أخت عمرة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [16/ 2012 و 2013](872) و [16/ 2014 و 2015](873)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1100 و 1102 و 1103)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1411)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 463)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1786)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1958 و 1959 و 1960)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2013]
(
…
) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [10](ت 250)(م د س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
2 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [9](ت 197) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
3 -
(يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقي -بمعجمة، ثم فاء، وقاف- أبو العباس المصريّ، صدوقٌ، ربما أخطأ [7](168)(ع) 26/ 820.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) يعني: أن يحيى بن أيوب حدّث عن يحيى بن سعيد بمثل ما حدّث به سليمان بن بلال عنه.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2014]
(873) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنْ بِنْتٍ
(1)
لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ {ق} إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاحِدًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(خُبَيْبُ) بن عبد الرحمن بن خبيب بن يَسَاف الأنصاري أبو الحارث المدني ثقة من الرابعة مات سنة اثنتين وثلاثين (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
5 -
(عَبدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ) الغفاريّ المدنيّ، مقبول [3].
رَوَى عن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان هذا الحديث فقط، وروى عنه خُبيب بن عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وأبو داود وليس له عندهما إلا هذا الحديث فقط.
(1)
وفي نسخة: "عن ابنة".
و"بنت حارثة" هي أم هشام المذكورة في السند السابق، والباقون تقدّموا قبل بابين.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف رحمه الله رواية عبد الله بن محمد بن مَعْن، مع أنه لا راوي له إلا خُبيب بن عبد الرحمن، وقال في "التقريب" عنه: مقبول؟.
[قلت]: إنما أخرجها متابعة لرواية عمرة السابقة، ولرواية يحيى بن عبد الله اللاحقة، لا استقلالًا، فلا اعتراض عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقولها: (وكان تنُّورُنَا) بفتح التاء، وتشديد النون: قال الفيّوميّ رحمه الله: هو الذي يُخبَز فيه، وافقت فيه لغة العرب لغة العجم، وقال أبو حاتم: ليس بعربيّ صحيح، والجمع التنانير. انتهى
(1)
.
وقال في "القاموس": "التّنّور": الكانون، يُخْبَزُ فيه، وصانعه تَنَّارٌ، ووجهُ الأرض، وكلُّ مَفْجَر ماءٍ، ومَحْفَلُ ماء الوادي، وجبلٌ قُرْب الْمِصِّيصَة. انتهى
(2)
.
وإنما قالت: "وكان تنّورنا وتنُّور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدًا"؛ إشارةً إلى حفظها، ومعرفتها بأحوال النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقربها من منزلة
(3)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2015]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا
(4)
عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاحِدًا سَنَتَيْنِ، أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ
(5)
{ق
(1)
"المصباح المنير" 1/ 77.
(2)
"القاموس المحيط" 1/ 381.
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 161.
(4)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(5)
وفي نسخة: "ما أخذتُ".
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)} إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نَزَلَ الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [10](232)(خ م د س) تقدم في "المقدمة" 4/ 23.
2 -
(يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو يوسف المدني نزيل بغداد ثقة فاضل من صغار التاسعة مات سنة ثمان ومائتين (ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 141.
3 -
(أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح من الثامنة مات سنة خمس وثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 141.
4 -
(مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر من صغار الخامسة مات سنة خمسين ومائة ويقال بعدها (خت م 4) تقدم في "الإيمان" 4/ 116.
5 -
(عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الأَنْصَارِيُّ) المدني القاضي ثقة من الخامسة مات سنة خمس وثلاثين وهو ابن سبعين سنة (ع) تقدم في "الصلاة" 17/ 916.
6 -
(يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ) ويقال: ابن أسعد بن زُرارة الأنصاريّ النجاريّ المدنيّ، ثقةٌ [4].
رَوَى عن زيد بن ثابت، وعُمارة بن حزم، وأبي هريرة، وسودة بنت زمعة، أم المؤمنين، وأم هشام بنت حارثة بن النعمان.
وروى عنه قريبه إبراهيم بن محمد بن سعد بن زرارة، وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ.
قال ابن أبي حاتم: فَرَّق البخاريّ بين الراوي عن أبي هريرة، وبين الراوي عن أم هشام، وهما واحدٌ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن عبد البرّ: لم يسمع من أم هشام، بينهما عبد الرحمن بن سعيد.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
و"أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان" رضي الله عنها ذُكرت قبله.
وقوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ) هكذا هو في جميع النسخ "سَعْد بن زُرارة"، وهو الصواب، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، وروايات جميع شيوخهم، قال: وهو الصواب، قال: وزعم بعضهم أن صوابه "أسعد"، وغلط في زعمه، وإنما أوقعه في الغلط اغتراره بما في كتاب الحاكم أبي عبد الله ابن الْبَيِّع، فإنه قال: صوابه أسعد، ومنهم من قال: سعد، وحَكَى ما ذكره عن البخاريّ، والذي في "تاريخ البخاريّ" ضِدُّ ما قال، فإنه قال في "تاريخه": سَعْد، وقيل: أسعد، وهو وَهَمٌ، فانقلب الكلام على الحكم، وأسعد بن زُرارة سيّد الخزرج، وأخوه هذا سعد بن زُرارة جدُّ يحيى، وعمرةَ، أدرك الإسلام، ولم يذكره كثيرون في الصحابة؛ لأنه ذُكِر في المنافقين.
وقال أبو عبد الله الحميديّ: ذكر بعضهم في سند هذا الحديث عمرة بنت عبد الرحمن؛ يعني: حديث يحيى بن عبد الرحمن، قال: وذلك وَهَمٌ، ولم يذكر ذلك الْبَرْقانيّ، ولا الدمشقيّ. انتهى
(1)
.
[تنبيه]: ادّعى ابن عبد البرّ رحمه الله في كتابه "الاستيعاب" في ترجمة "أم هشام" هذه بأن هذا الحديث لم يسمعه يحيى بن عبد الله منها، بينهما عبد الرحمن بن سعيد. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادّعاه ابن عبد البرّ من الانقطاع محلّ نظر؛ فإنه مخالف لصنيع مسلم، فإنه صححه، حيث أخرجه هنا، فلو كان فيه انقطاع لما أخرجه، على أن ابن عبد البرّ لم يذكر السند الذي فيه زيادة عبد الرحمن بن سعيد حتى يُنظر فيه.
(1)
"إكمال المعلم" 3/ 276 - 277.
والحاصل أن الذي يظهر أنه صحيحٍ متّصلٌ، وعلى تقدير صحّة ما ادّعاه يجاب عن المصنّف بانه إنما أورده متابعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2016]
(874) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ، رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
2 -
(عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [8](ت 192) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.
3 -
(حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السَّلَميّ، أبو الْهُذَيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير حفظه في الآخر [5](ت 136) وله ثلاث وتسعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 43/ 285.
4 -
(عُمَارَةُ بْنُ رُؤَيْبَةَ) -براء، وبموحدة، مصغَّرًا- الثقفيّ، أبو زهير، صحابيّ، نزل الكوفة، وتأخر إلى بعد السبعين (م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 38/ 1437.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (135) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
شرح الحديث: (عَنْ عُمَارَةَ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم (ابْنِ رُؤَيْبَةَ) بالتصغير،
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
وقوله: (قَالَ) فاعله ضمير حصين بن عبد الرحمن الراوي عن عمارة؛ أي: قال حصين، وقوله:(رَأَى) فاعله ضمير عمارة؛ أي: رأى عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه، وقوله:(بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ) بالنصب على المفعوليّة لـ"رأى"، وهي بمعنى أبصر تتعدى لمفعول واحد.
وهو: بشر بن مروان بن الحكم بن العاص بن أُمية بن عبد مناف القرشيّ، تولى الكوفة سنة إحدى وسبعين بعد قتل مصعب بن الزبير، وأضيفت إليه البصرةُ سنة ثلاث وسبعين بعد أن عُزِل عنها خالد بن عبد الله، فَرَحَل إليها، واستخلف على الكوفة عمرو بن حُريث.
(عَلَى الْمِنْبَرِ) متعلّق بـ "رأى"؛ أي: بحال من بشر؛ أي: حال كونه قائمًا على المنبر، وهو بكسر الميم، مشتقّ من النَّبْر، وهو الرفع، ويقال: نَبَرْتُ الحرف نَبْرًا، من باب ضرب: هَمَزْتُهُ، قال ابن فارس: النَّبْرُ في الكلام: الْهَمْزُ، وكلُّ شيء رُفِعَ، فقد نُبِرَ، ومنه الْمِنْبَرُ؛ لارتفاعه، وكُسِرت الميم على التشبيه بالآلة، قاله في "المصباح"
(1)
.
وقال في "القاموس": نَبَرَ الحرْفَ يَنْبِرُهُ: هَمَزَه، والشيءَ: رَفَعَهُ، ومنه الْمِنْبَرُ بكسر الميم. انتهى
(2)
.
(رَافِعًا يَدَيْهِ) أي: حال كونه رافعًا لهما في حال الدعاء، ففي رواية الإمام أحمد رحمه الله عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: كنت إلى جنب عُمارة بن رُويبة، وبشرٌ يخطبنا، فلما دعا رفع يديه، فقال عُمارة؛ يعني: قبح الله هاتين اليدين، أو هاتين اليُدَيّتين رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السبّابة وحدها
(3)
.
وقال الطيبيّ: قوله: "رافعًا يديه" يعني: عند التكلم كما هو دأب الوُعّاظ إذا حَمُوا، ويشهد له قوله:"وأشار بإصبعه المسبّحة". انتهى
(4)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "عند التكلّم
…
إلخ" فيه نظر؛ بل
(1)
"المصباح المنير" 2/ 590.
(2)
"القاموس المحيط" 2/ 137.
(3)
راجع: "المسند" 4/ 136.
(4)
"الكاشف عن حقائق السنن" 14/ 286.
الأولى ما أسلفته من أنه كان عند الدعاء؛ لتصريحه في الروايات المذكورة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) عمارة رضي الله عنه (قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ) بالتكبير، وفي رواية أحمد:"لعن الله هاتين اليُديّتين" بالتصغير.
قال القاري رحمه الله: هذا دعاء عليه، أو إخبارٌ عن قبح صنعه، نحو قوله تعالى:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] انتهى
(1)
.
وإنما دعا عليه لمخالفته ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فالجملة خبرية لفظًا، إنشائية معنًى، وفيها إطلاق اسم الجزء على الكلّ، ويَحْتَمِل أن تكون خبرية لفظًا ومعنى، فيكون إخبارًا عن قبح صنيعه.
(لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ) أي: يفعل، ففيه إطلاق القول على الفعل مجازًا (بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ) بالجرّ صفة لـ"إصبعه"، ويجوز القطع إلى الرفع والنصب، وهي بكسر الموحّدة المشدّدة، اسم فاعل من التسبيح، سُمّيت بذلك؛ لكونها يشار بها عند التوحيد والتسبيح، كما سُمّيت بالسبّابة؛ لجريان عادة الناس بالإشارة بها عن السبّ.
يعني: أنه أشار كما يرفعها في التشهد، وفي رواية النسائيّ:"مَا زَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى هَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ"، وفي رواية أبي داود:"لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر، ما يزيد على هذه -يعني: السبابة التي تلي الإبهام-، وفي رواية أحمد: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يدعو، وهو يُشير بإصبع".
وفيه دليل على عدم مشروعية رفع اليدين على المنبر حال الدعاء في الخطبة.
وفي معنى حديث عمارة بن رويبة حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما، قال:"ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهرًا يديه قط يدعو على منبر، ولا غيره، ما كان يدعو إلا يضع يده حذو منكبيه، ويشير بإصبعه إشارةً"، أخرجه أحمد، وأبو داود، وقال فيه:"لكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبّابة، وعقد الوسطى بالإبهام".
(1)
"مرقاة المفاتيح" 3/ 462.
وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق القرشيّ، ويقال له: عَبّاد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن معاوية، وفيهما مقال.
وعن غُضيف بن الحارث، قال: بَعَثَ إليّ عبد الملك بن مروان، فقال: يا أبا أسماء إنا قد جمعنا الناس على أمرين، قال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أَمَا إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منهما، قال: لم؟ قال: لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحدث قوم بدعة إلا رُفِع مثلها من السنة، فتَمَسُّكٌ بسنة خيرٌ من إحداث بدعة"، وفي إسناده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو ضعيف، وبقيَّة، وهو مدلس، وقد عنعنه.
قال النوويّ رحمه الله: فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك، وأصحابنا، وغيرهم، وحَكَى القاضي عن بعض السلف، وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى، وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عُمَارة بن رويبة الثقفيّ رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [16/ 2016 و 2017](874)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1104)، و (الترمذيّ) في "الجمعة"(515)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1412) و"الكبرى"(1714 و 1715)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 147 - 148)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1/ 179)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 135 و 136 و 261)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 366)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1793 و 1794)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(882)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1961 و 1962)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 210)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان جواز الإشارة بالمسبِّحة في الدعاء حال الخطبة.
2 -
(ومنها): عدم مشروعية رفع اليدين في الدعاء حال الخطبة، وأن ما يفعله كثير من الخطباء من رفع أيديهم عند الخطبة بدعة، وإنما الثابت الإشارة بالإصبع.
3 -
(ومنها): مشروعية الدعاء في الخطبة.
4 -
(ومنها): إنكار المنكر، ولو كان فاعله ذا وَجَاهة، فإن من واجب المسلم أن لا يأخذه في الله لومة لائم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2017]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: رَأَيْتُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ رُؤَيْبَةَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(أَبُو عَوَانَةَ) وضاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته ثقةٌ ثبتٌ [7](ت 5 أو 176)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: هذا الإسناد من الرباعيّات أيضًا كسابقه، وهو (131) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير أبي عوانة؛ يعني: أن أبا عوانة حدّث عن حُصين بن عبد الرحمن نحو حديث عبد الله بن إدريس، عنه.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن حُصين هذه ساقها النسائيّ رحمه الله في "السنن الكبرى"(1/ 531) بسند المصنّف، فقال:(1714) أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: نا أبو عوانة، عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: رأيت بشر بن مروان يوم الجمعة، يرفع يديه، فقال
عمارة بن رويبة: قَبَّحَ الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على هذا، وأشار أبو عوانة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(17) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِرَكْعَتَي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2018]
(875) - (وَحَدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ، فَارْكَعْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلم فيه أحد بحجة [10](ت 234)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 23/ 190.
2 -
(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثَّقَفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 240) عن تسعين سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
3 -
(حَمَّادُ بْنُ زيْدِ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [8](179) وله إحدى وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
4 -
(عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [4](ت 126)(ع) تقدم في "الإيمان" 21/ 184.
5 -
(جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ الصحابي الشهير، مات زحبه بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (131) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي الربيع، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ، استُشهد أبوه بأُحُد، وغزا تسع عشرة غزوةً، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) صرح في رواية ابن عيينة الآتية بسماع عمرو له من جابر رضي الله عنه (قَالَ: بَيْنَا) هي "بين" الظرفيّة أُشبعت فتحتها فتولّدت منها ألف، وهي مضافة إلى الجملة بعدها، وجوابها:"إذ جاء رجلٌ"، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة، فلا تكن من الغافلين. (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) هو سُلَيكٌ -بمهملة مصغَّرًا- ابن هُدْبَة، وقيل: ابن عمرو الْغَطَفَانيّ -بفتح المعجمة، ثم المهملة، بعدها فاء- من غطفان بن سَعْد بن قيس عَيْلان، ووقع مُسمًّى في رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه الآتية، بلفظ:"جاء سليك الغطفانيّ يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فقعد سُلَيك قبل أن يصلي، فقال له: "أصليت ركعتين؟ " فقال: لا، فقال: "قم فاركعهما".
وفي رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر الآتية آخر الباب نحوه، وفيه: فقال له: "يا سُليك، قم فاركع ركعتين، وتَجَوَّز فيهما".
قال في "الفتح": هكذا رواه حُفّاظ أصحاب الأعمش عنه، ووافقه الوليد أبو بشر، عن أبي سفيان، عند أبي داود، والدارقطنيّ، وشَذَّ منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش بهذا الإسناد، فقال: جاء النعمان بن نوفل
…
فذكر الحديث، أخرجه الطبرانيّ، قال أبو حاتم الرازيّ: وَهِمَ فيه منصور؛ يعني: في تسمية الآتي.
وقد رواه الطحاويّ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح يُحَدِّث بحديث سُلَيك الغَطَفانيّ، ثم سمعت أبا سفيان يحدِّث به عن جابر، فتحرر أن هذه القصة لسُليك.
ورَوَى الطبرانيّ أيضًا من طريق أبي صالح، عن أبي ذرّ رضي الله عنه، أنه أَتَى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب، فقال لأبي ذرّ:"صليت ركعتين؟ " قال: لا
…
الحديث، وفي إسناده ابن لَهِيعة، وشَذَّ بقوله:"وهو يخطب"، فإن الحديث مشهور عن أبي ذرّ، أنه جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد، أخرجه ابن حبّان وغيره.
قال الحافظ رحمه الله: وأما ما رواه الدارقطنيّ من حديث أنس رضي الله عنه، قال: دخل رجل من قيس المسجد
…
فذكر نحو قصة سُليك، فلا يخالف كونه سُليكًا، فإن غَطَفان من قيس، كما تقدم، وإن كان بعض شيوخنا غاير بينهما، وجَوَّز أن تكون الواقعة تعددت، فإنه لم يتبين لي ذلك.
واختُلِف فيه على الأعمش اختلافًا آخر، رواه الثوريّ عنه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن سُليك، فجَعَل الحديث من مسند سليك، قال ابن عديّ: لا أعلم أحدًا قاله عن الثوريّ هكذا غير الفِرْيابيّ، وإبراهيم بن خالد. انتهى.
وقد قاله عنه أيضًا عبد الرزاق، أخرجه هكذا في "مصنفه"، وأحمد عنه، وأبو عوانة، والدارقطنيّ، من طريقه، ونَقَل ابن عديّ، عن النسائيّ أنه قال: هذا خطأ. انتهى.
قال الحافظ رحمه الله: والذي يظهر لي أنه ما عَنَى أن جابرًا حَمَل القصة عن سُليك، وإنما معناه أن جابرًا حدَّثهم عن قصة سليك، ولهذا نظير، سأذكره في حديث أبي مسعود رضي الله عنه في قصة أبي شعيب اللحّام، في "كتاب البيوع"
(1)
-إن شاء الله تعالى-.
(1)
هو ما أخرجه البخاريّ في "البيوع" برقم (2081) عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل من الأنصار، يُكنَى أبا شعيب، فقال لغلام له قَصاب: اجعل لي طعامًا يكفي خمسةً، فإني أريد أن أدعو النبيّ صلى الله عليه وسلم خامس خمسة، فإني قد عَرَفت في وجهه =
قال: ومن المستغربات ما حكاه ابن بشكوال في "المبهمات" أن الداخل المذكور يقال له: أبو هَدِيّة، فإن كان محفوظًا، فلعلها كُنية سُليك صادفت اسم أبيه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
(1)
، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ ") وفي رواية ابن جريج، عن عمرو الآتية:"أركعت ركعتين؟ "، ومثله في رواية أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه الآتية (قَالَ) الرجل (لَا) أي: لم أصلّ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم ("قُمْ، فَارْكَعْ") وفي رواية سفيان، عن عمرو:"قم، فصلّ ركعتين"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [17/ 2018 و 2019 و 2020 و 2021 و 2022 و 2023 و 2024](875)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(930 و 931) و"التهجّد"(1166)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1115)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(510)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1395) و"الكبرى"(1703)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1112)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(5514)، و (الشافعيّ) في "المسند"(1/ 140)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1695)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 316، 317 و 389)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 364)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(1/ 365)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1832)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(2501 و 2502)، و (ابن الجارود) في "المنتقى"(293)، و (الدارقطنيّ) في "سننه"(2/ 13)، و (البيهقيّ)
= الجوع، فدعاهم، فجاء معهم رجل، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إن هذا قد تَبِعَنا، فإن شئت أن تأذن له فأذَنْ له، وإن شئت أن يرجع رجع"، فقال: لا، بل قد أذنت له. انتهى.
وسيأتي لمسلم في "كتاب الأشربة" برقم (2036).
(1)
"الفتح" 3/ 205 - 206.
في "الكبرى"(3/ 193 و 217)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1083)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان استحباب ركعتين لمن جاء يوم الجمعة، وقد خرج الإمام.
2 -
(ومنها): بيان جواز صلاة تحية المسجد في الأوقات المكروهة؛ لأنها إذا لم تسقط في الخطبة مع الأمر بالإنصات لها، فغيرها أولى.
3 -
(ومنها): أن التحية لا تفوت بالقعود؛ لأنه ثبت أن سُليكًا دخل المسجد، فقعد، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"قم، فاركع ركعتين"، قيل: إن هذا مقيد بالجاهل، والناسي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عدم التقييد هو الظاهر؛ لأنه لو كان مقيدًا لبيّنه النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت ذلك منه.
والحاصل أن الجلوس لا يقطع مشروعية ركعتي تحية المسجد؛ إذ لا دليل عليه، والله تعالى أعلم.
4 -
(ومنها): أن للخطيب أن يأمر وينهى، ويُبَيّن الأحكام في أثناء خطبته، ولا يقطع ذلك توالي الخطبة، بل إن ذلك من جملة الخطبة.
5 -
(ومنها): ما قاله بعضهم: إنه يدلّ على أن المسجد شرط للجمعة؛ للاتفاق على أنه لا تُشرع التحية لغير المسجد، وفيه نظر.
6 -
(ومنها): أنه يدلّ على جواز ردّ السلام، وتشميت العاطس في حال الخطبة؛ لأن أمرهما أخفّ، وزمنهما أقصر، ولا سيما ردّ السلام، فإنه واجب. قاله في "الفتح"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة لمن جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختلفوا في المرء يدخل المسجد يوم الجمعة، والإمام على المنبر، فقالت طائفة: يركع ركعتين، ويجلس، كذلك قال الحسن البصري، وفعل ذلك مكحول، وهو قول ابن عيينة، و -عبد الله بن
يزيد- المقرئ، والشافعيّ، والحميديّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، ونفر
(1)
من أهل الحديث.
وقالت طائفة: يجلس، ولا يصلي، هذا قول محمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وشُريح، وقتادة، والنخعيّ، ومالك، والليث بن سعد، والثوريّ، وسعيد بن عبد العزيز، والنعمان.
وفيه قول ثالث، قاله أبو مِجْلَز، قال: إن شئت ركعت، وإن شئت جلست.
وفيه قول رابع، قاله الأوزاعيّ، قال: كان من هدي الناس أن يركع الرجل في منزلة ركعتين عند خروجه إلى الجمعة، فمتى ركعهما، ثم جاء المسجد، فوجد الإمام يخطب قعد، ولم يركع، وإن لم يكن ركع قبل خروجه، فلا يجلس حين يدخل المسجد حتى يركع.
قال ابن المنذر رحمه الله: يصلي إذا دخل، والإمام يخطب ركعتين خفيفتين، صلى في منزلة، أو لم يصلّ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بذلك الداخل في المسجد، وأَمْرُهُ على العموم، ويؤكد ذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه
(2)
.
ولا يقولنّ قائل: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم خَصَّ بهما سُليكًا؛ لأن في حديث جابر رضي الله عنه: جاء سليكٌ الغطفانيّ يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلس، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"قم، فاركع ركعتين، وتجوّز فيهما"، ثم قال:"إذا دخل أحدكم إلى الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، ويتجوّز فيهما".
قال: ومما يزيد ذلك ثباتًا فعل أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه ذلك، وهو الراوي لهذه
(3)
القصة، دخل، ومروان يخطب، فقام يصلي الركعتين، فجاء إليه
(1)
عبارة ابن حزم في "المحلَّى"(5/ 70): "وجمهور أهل الحديث"، وهذا أولى، فتنبّه.
(2)
هو حديث عمرو بن سُليم الزُّرَقيّ، عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس"، وفي لفظ:"فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، متّفقٌ عليه.
(3)
وقع في نسخة "الأوسط""بهذه" بالباء، والظاهر أنه تصحيف.
الأحراس ليُجلسوه، فأبى حتى صلى الركعتين، وقال: ما كنت أدعهما لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث.
قال ابن المنذر رحمه الله: وفي قوله: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين" بعد أن علّم سُليكًا أبينُ البيان بأن ذلك عامّ للناس. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله باختصار
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله في هذه المسألة، ورجَّحه حسنٌ جدًّا.
وقد حقق البحث في هذه المسألة الحافظ رحمه الله في "الفتح"، فذكر أدلّة الفريقين، وناقشها بما لا يوجد في غيره، فقال:
واستُدلّ به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد.
وتُعُقّب بأنها واقعة عين لا عُموم لها، فيحتمل اختصاصها بسُليك، ويدلّ عليه قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب "السنن" وغيرهم: جاء رجل، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب، والرجل في هيئة بَذَّة، فقال له:"أصليت؟ "، قال: لا، قال: "صلّ ركعتين، وحَضَّ الناس على الصدقة
…
" الحديث، فأَمَرَهُ أن يصلي ليراه بعض الناس، وهو قائم، فيُتَصدَّق عليه.
ويؤيِّده أن في الحديث عند أحمد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذّة، فأمرته أن يُصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يَفطن له رجل، فيُتَصدّقَ عليه".
وعُرف بهذه الرواية الردّ على من طعن في هذا التأويل، فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا بَذَّةٍ، فتصدّقوا عليه، أو إذا كان أحد ذا بذّةٍ، فليقم، فليركع حتى يتصدّق الناس عليه.
والذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل، كما كان يصنع عند المعاتبة.
ومما يُضعف الاستدلال به أيضًا على جواز التحية في تلك الحال أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس.
(1)
"الأوسط" 4/ 94 - 96.
وورد أيضًا ما يُؤكّد الخصوصية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لسليك في آخر الحديث:"ولا تعودنّ لمثل هذا". أخرجه ابن حبان. انتهى ما اعتلّ به من طَعَنَ في الاستدلال بهذه القصّة على جواز التحيّة.
وكله مردود؛ لأن الأصل عدم الخصوصيّة، والتعليل بكونه صلى الله عليه وسلم قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يُجيزون التطوّع لعلة التصدّق.
قال ابن المنيّر في "الحاشية": لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوّع عند طلوع الشمس، وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به.
ومما يدلّ على أن أمره بالصلاة لم ينحصر في قصد التصدّق معاودته صلى الله عليه وسلم بأمره بالصلاة أيضًا في الجمعة الثانية بعد أن حَصَّلَ له في الجمعة الأولى ثوبين، فدخل بهما في الثانية، فتصدّق بأحدهما، فنهاه النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضًا، ولأحمد، وابن حبان أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرّات في ثلاث جمع، فدلّ على أن قصد التصدّق عليه جزء علّة، لا علّة كاملة.
وأما إطلاق من أطلق أن التحيّة تفوت بالجلوس، فقد حَكَى النووي في "شرح مسلم" عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم
(1)
، أما الجاهل، أو الناسي فلا، وحالُ هذا الداخل محمولة في الأولى على أحدهما، وفي المرّتين الأخريين على النسيان.
والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر بالإنصات، والاستماع للخطبة.
قال ابن العربي: عارض قصّةَ سُليك ما هو أقوى منها، كقوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204]، وقوله كرز:"إذا قلتَ لصاحبك: أنصتْ، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت"، متفق عليه.
قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف، وهوأمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحيّة مع طول زمنها أولى.
(1)
قد سبق لك ترجيح القول بعدم الفوات بالجلوس للعامد أيضًا، فلا تغفل.
وعارضوا أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب للذي دخل يتخطى رقاب الناس:"اجلس، فقد آذيت"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وغيره من حديث عبد الله بن بُسر، قالوا: فأمره بالجلوس، ولم يأمره بالتحيّة.
وروى الطبرانيّ من حديث ابن عمر، رفعه:"إذا دخل أحدكم، والإمام على المنبر، فلا صلاة، ولا كلام، حتى يفرُغ الإمام".
والجواب عن ذلك كلّه أن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد الدليلين إنما يُعمل بها عند تعذّر الجمع، والجمع هنا ممكن:
أما الآية، فليست الخطبة كلها قرآنًا، وأما ما فيها من القرآن، فالجواب عنه كالجواب عن الحديث، وهو تخصيص عمومه بالداخل.
وأيضًا فمصلي التحيّة يجوز أن يُطلق عليه أنه منصت، فقد تقدّم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال:"يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ " فأطلق على القول سرًّا السكوتَ.
وأما حديث ابن بُسْر رضي الله عنه، فهو أيضًا واقعة عين لا عموم فيها، فيَحْتَمِل أن يكون ترك أمره بالتحيّة قبل مشروعيتها، وقد عارض بعضهم في قصّة سُليك بمثل ذلك.
وَيحْتَمِل أن يُجمَعَ بينهما بأن يكون قوله له: "اجلس" أي: بشرطه، وقد عُرِف قوله للداخل:"فلا تجلس حتى تصلي ركعتين"، فمعنى قوله:"اجلس"؛ أي: لا تتخطّ، أو ترك أمره بالتحيّة؛ لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحيّة، وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة.
ويَحْتَمِل أن يكون صلى التحيّة في مؤخَّر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، فوقع منه التخطي، فأنكر عليه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الوجه هو الأولى والأقرب في الجواب من جميع الاحتمالات المذكورة، والله تعالى أعلم.
قال: والجواب عن حديث ابن عمر رضي الله عنهما بأنه ضعيف، فيه أيوب بن نَهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة، وأبو حاتم، والأحاديث الصحيحة لا تُعَارَضُ بمثله.
وأما قصّة سُليك، فقد ذكر الترمذيّ أنها أصحّ شيء رُوي في هذا الباب، وأقوى.
وأجاب المانعون أيضًا بأجوبة غير ما تقدّم، اجتمع لنا منها زيادة على عشرة، أوردتها مُلخّصة مع الجواب عنها، لتُستَفاد:
الأول: قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم لما خاطب سُليكًا سكت عن خطبته حتى فرغ سُليك من صلاته، فعلى هذا فقد جمع لسُليك بين سماع الخطبة، وصلاة التحيّة، فليس فيه حجة لمن أجاز التحية، والخطيب يخطب.
والجواب أن الدارقطنيّ الذي أخرجه من حديث أنس قد ضعفه، وقال: إن الصواب أنه من رواية سليمان التيميّ مرسلًا، أو معضَلًا.
وقد تعقبه ابن المنيّر في "الحاشية" بأنه لو ثبت لم يَسُغ على قاعدتهم؛ لأنه يستلزم جواز قطع الخطبة لأجل الداخل، والعمل عندهم لا يجوز قطعه بعد الشروع فيه، لا سيما إذا كان واجبًا.
الثاني: لما تشاغل النبيّ صلى الله عليه وسلم بمخاطبة سُليك سقط فرض الاستماع عنه؛ إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة. قاله ابن العربى، وادعى أنه أقوى الأجوبة.
وتُعُقّب بأنه من أضعفها؛ لأن المخاطبة لما انقضت رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أَمَره به من الصلاة، فصحّ أنه صلى في حال الخطبة.
الثالث: قيل: كانت هذه القصة قبل شروعه صلى الله عليه وسلم في الخطبة، ويدلّ عليه قوله في رواية الليث عند مسلم:"والنبيّ صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر".
وأجيب بأن القعود على المنبر لا يختصّ بالابتداء، بل يَحْتَمِل أن يكون بين الخطبتين أيضًا، فيكون كلمه بذلك، وهو قاعد، فلما قام ليصلي قام النبيّ صلى الله عليه وسلم للخطبة؛ لأن زمن القعود بين الخطبتين لا يطول.
ويَحْتَمِل أيضًا أن يكون الراوي تجوّز في قوله: "قاعد"؛ لأن الروايات الصحيحة كلها مُطْبِقة على أنه دخل، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب.
الرابع: قيل: كانت هذه القصّة قبل تحريم الكلام في الصلاة.
وتُعقّب بأن سُليكًا متأخر الإسلام جدًّا، وتحريم الكلام متقدِّم، كما مرّ
في موضعه، فكيف يُدّعَى نسخ المتأخّر بالمتقدّم، مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
وقيل: كانت قبل الأمر بالإنصات، وقد تقدّم الجواب عنه، وعورض هذا الاحتمال بمثله في الحديث الذي استدلّوا به، وهو ما أخرجه الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما:"إذا خرج الإمام، فلا صلاة، ولا كلام"؛ لاحتمال أن يكون ذلك قبل الأمر بصلاة التحيّة، والأولى في هذا أن يُقال -على تقدير تسليم ثبوت رفعه-: يخصّ عمومه بحديث الأمر بالتحية خاصة، كما تقدَّم.
الخامس: قيل: اتفقوا على أنّ منع الصلاة في الأوقات المكروهة، يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفّل حال الخطبة، فليكن الآتي كذلك، قاله الطحاويّ.
وتُعُفب بأنه قياس في مقابلة النّصّ، فهو فاسد، وما نقله من الاتفاق وافقه عليه الماورديّ وغيره.
وقد شذّ بعض الشافعية، فقال: ينبني على وجوب الإنصات، فإن قلنا به امتنع التنفّل، وإلا فلا.
السادس: قيل: اتفقوا على أن الداخل، والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية، ولا شكّ أن الخطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضًا.
وتُعُقّب بأن الخطبة ليست صلاةً من كل وجه، والفرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل المقصود، هذا مع تفريق الشارع بينهما، فقال:"إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، وقد وقع في بعض طرقه:"فلا صلاة إلا التي أُقيمت"، ولم يقل ذلك في حال الخطبة، بل أمرهم فيها بالصلاة.
السابع: قيل: اتفقوا على سقوط التحيّة عن الإمام مع كونه يجلس على المنبر، مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى.
وتُعُقّب بأنه أيضًا قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد، ولأن الأمر وقع مقيّدًا بحال الخطبة، فلم يتناول الخطيب.
وقال الزين ابن المنير: منع الكلام إنما هو لمن شهد الخطبة، لا لمن خطب، فكذلك الأمر بالإنصات، واستماع الخطبة.
الثامن: قيل: لا نُسلّم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحيّة المسجد، بل يَحْتَمِل أن تكون صلاة فائتة، كالصبح مثلًا، قاله بعض الحنفيّة، وقوّاه ابن المنيّر في "الحاشية"، وقال: لعله صلى الله عليه وسلم كان كُشف له عن ذلك، وإنما استفهمه مُلاطفةً له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصلاة التحيّةَ لم يحتج إلى استفهامه؛ لأنه قد رآه لَمّا دخل.
وقد تولّى ردّه ابن حبان في "صحيحه"، فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرّةً أخرى، ومن هذه المادّة قولهم: إنما أمره بسنة الجمعة التي قبلها، ومستندهم قوله في قصّة سُليك عند ابن ماجه:"أصليت قبل أن تجيء"؛ لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعيّ: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء، فلا يصلي إذا دخل المسجد.
وتعقّب بأن المانع من صلاة التحيّة لا يُجيز التنفل حال الخطبة مطلقًا.
ويَحْتَمِل أن يكون معنى: "قبل أن تجيء" أي: إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، كما تقدم في قصة الذي تخطى، ويؤكده أن في رواية لمسلم:"أصليت الركعتين" بالألف واللام، وهو للعهد، ولا عهدَ هناك أقرب من تحيّة المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها، فلم يثبت فيها شيء، كما سيأتي في بابه.
التاسع: قيل: لا نسلم أن الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدلّ على أنها كانت لغيرها قوله للداخل:"أصليت"؛ لأن وقت الصلاة لم يكن دخل.
وهذا ينبني على أن الاستفهام وقع عن صلاة الفرض، فيحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب، وفي الذي بعده أن ذلك كان يوم الجمعة، فهو ظاهر في أن الخطبة كانت لصلاة الجمعة.
قال جماعة، منهم القرطبيّ: أقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة
عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقًا.
وتُعُقّب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك، فقد ثبت فعل التحيّة عن أبي سعيد الخدريّ، وهو من فقهاء الصحابة، من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضًا.
فرَوَى الترمذيّ، وابن خُزيمة، وصححاه عن عياض بن أبي سرح:"أن أبا سعيد الخدريّ دخل، ومروان يخطب، فصلى الركعتين، فأراد حَرَس مروان أن يمنعوه، فابى حتى صلاهما، ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بهما". انتهى.
ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك.
وأما ما نقله ابن بطال عن عمر، وعثمان، وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقًا، فاعتماده على روايات عنهم، فيها احتمالات، كقول ثعلبة بن أبي مالك:"أدركت عمر، وعثمان -وكان الإمام- إذا خرج تركنا الصلاة".
ووجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عَنَى بذلك من كان داخل المسجد خاصة.
قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": كلّ من نقل عنه -يعني: من الصحابة- منع الصلاة، والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد؛ لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحيّة، وقد ورد فيها حديث يخصّها، فلا تترك بالاحتمال. انتهى.
قال الحافظ: ولم أقف على ذلك صريحًا عن أحد من الصحابة.
وأما ما رواه الطحاويّ عن عبد الله بن صفوان أنه دخل المسجد، وابن الزبير يخطب، فاستلم الركن، ثم سلّم عليه، ثم جلس، ولم يركع.
وعبد الله بن صفوان، وعبد الله بن الزبير صحابيّان صغيران، فقد استدلّ به الطحاويّ، فقال: لَمّا لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان، ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحئة دلّ على صحة ما قلناه.
وتُعُقّب بأن تركهم النكير لا يدلّ على تحريمها، بل يدلّ على عدم وجوبها، ولم يقل به مخالفوهم.
وسيأتي في أواخر الكلام على هذا الحديث البحث في أن صلاة التحيّة، هل تعمّ كلّ مسجد، أو يُستثنى المسجد الحرام؛ لأن تحيته الطواف؟، فلعل ابن صفوان كان يرى أن تحيّته استلام الركن فقط.
قال الجامع عفا الله عنه: كون تحيّة المسجد الحرام الطوافَ فيه نظرٌ، بل الصواب أن تحيّته هي الصلاة، فمن طاف وصلى ركعتين، فلم يخرج من كونه صلى ركعتي التحيّة؛ لأنه لم يجلس قبلهما.
والحاصل أن الأمر بركعتي التحيّة يشمل من دخل المسجد الحرام، وأن ركعتي الطواف يتأدّى بهما الأمران جميعًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وهذه الأجوبة التي قدّمناها تندفع من أصلها بعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة رضي الله عنه: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين"، متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه.
وورد أخصّ منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب:"إذا جاء أحدكم، والإمام يخطب -أو قد خرج- فليُصلّ ركعتين" متفق عليه أيضًا، ولمسلم من طريق أبي سفيان، عن جابر رضي الله عنه، أنه قال ذلك في قصّة سُليك، ولفظه بعد قوله:"فاركعهما، وتجَوَّزْ فيهما": ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما".
قال النوويّ رحمه الله: هذا نصّ لا يتطرّق إليه التأويل، ولا أظنّ عالِمًا يبلغه هذا اللفظ، ويعتقده صحيحًا، فيخالفه.
وقال أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصّ في الباب، لا يحتمل التأويل.
وحكى ابن دقيق العيد أن بعضهم تأوّل هذا العموم بتأويل مستكره.
وكأنه يُشير إلى بعض ما تقدّم من ادّعاء النسخ، أو التخصيص.
وقد عارض بعض الحنفية والشافعيّةَ بأنهم لا حجة لهم في قصّة سُليك؛ لأن التحيّة عندهم تسقط بالجلوس، وقد تقدّم جوابه.
وعارض بعضهم بحديث أبي سعيد رضي الله عنه رفعه: "لا تصلّوا، والإمام يخطب".
وتعقّب بأنه لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته، فيخصّ عمومه بالأمر بصلاة التحيّة.
وبعضهم بأن عمر رضي الله عنه لم يأمر عثمان رضي الله عنه بصلاة التحيّة مع أنه أنكر عليه الاقتصار على الوضوء.
وأجيب باحتمال أن يكون صلّاهما.
[فائدة]: قيل: يُخصّ عموم حديث الباب بالداخل في آخر الخطبة، كما تقدّم.
قال الشافعيّ رحمه الله: للإمام أن يأمر الآتي بالركعتين، ويزيد في كلامه ما يُمكنُهُ الإتيان بهما قبل إقامة الصلاة، فإن لم يفعل كرهت ذلك.
وحَكَى النوويّ عن المحققين أن المختار إن لم لفعل أن يقف حتى تقام الصلاة؛ لئلا يكون جالسًا بغير تحيّة، أو متنفّلًا حال إقامة الصلاة.
واستثنى المحامليّ المسجد الحرام؛ لأن تحيّته الطواف.
قال الحافظ رحمه الله: وفيه نظر؛ لطول زمن الطواف بالنسبة إلى الركعتين.
والذي يظهر من قولهم: إن تحية المسجد الحرام الطواف، إنما هو في حقّ القادم؛ ليكون أول شيء يفعله الطواف، وأما المقيم، فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنه يبدأ في المسجد الحرام بالطواف؛ لكون الطواف يعقبه صلاة الركعتين، فيحصل شغل البقعة بالصلاة غالبًا، وهو المقصود، ويختصّ المسجد الحرام بزيادة الطواف، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقَدَّم أن الصواب، والقول الحقّ الواضح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه المجوّزون لأداء ركعتي التحيّة لمن دخل المسجد، والإمام يخطب؛ لوضوح أدلته، وضعف ما عارضه مما ذكره المانعون، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"الفتح" 3/ 72 - 77.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2019]
(
…
) - (حَدَّثنَا
(1)
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرٍو
(2)
، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ حَمَّادٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرقيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 252) وله ست وثمانون سنة (ع) تقدم في "الإيمان" 25/ 209.
3 -
(ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأَسَديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [8](ت 193) وهو ابن ثلاث وثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
4 -
(أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء الْعُبّاد [5](ت 131) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 305.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كَمَا قَالَ حَمَّادٌ) يعني: أن أيوب السَّخْتيانيّ، روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كرواية حمّاد بن زيد، عنه الماضي، غير أنه.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ) يعني: أن أيوب لم يذكر قوله: "صلّ الركعتين"، بل اقتصر على قوله:"قم فاركع"، وهذا مثل رواية حمّاد، وإنما ذكره تأكيدًا لقوله:"كما قال حمّاد"، فتفطّن.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن عمرو هذه ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 460) فقال:
(1964)
حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا محمد بن إسحاق بن
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "عن عمرو بن دينار".
خزيمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا ابن أبي عاصم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا ابن عُلَيّة، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: دخل رجل والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال:"أصليت؟ "، قال: لا، قال:"قم، فاركع".
قال: لفظ يعقوب، رواه مسلم عن يعقوب، وأبي بكر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2020]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثنا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ، فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ"، وَفِي رِوَايَةِ قتيْبَةَ: قَالَ: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
2 -
(سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (132) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار، وقد وقع تصريح سفيان بتحديث عمرو له، في هذا الحديث عند أبي نعيم في "مستخرجه" رقم (1965)
(1)
، وقد قرنه بأبي الزبير.
وقوله: (فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ)"أل" فيه للعهد؛ أي: الركعتين المعهودتين لمن دخل المسجد.
(1)
"المستخرج على صحيح مسلم" 2/ 460.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ رحمه الله، فقال:(931) حدّثنا عليّ بن عبد الله، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابرًا، قال: دخل رجل يوم الجمعة، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال:"أصليت؟ "، قال:"لا"، قال:"قم، فصلّ ركعتين". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2021]
(
…
) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ: "أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ "، قَالَ: لَا، فَقَالَ: "ارْكَعْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [11](ت 245)(خ م د ت س) تقَدم في "المقدمة" 4/ 18.
2 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قبل باب.
3 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره، فتغيَّرَ، وكان يتشيع [9](ت 211) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
4 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يُدَلِّس، ويرسل [6](ت 150) أو بعدها، وقد جاز السبعين (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2022]
(
…
) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد، وَهُوً بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو
(1)
، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ، فَقَالَ:"إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُندار، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، لْقدّم في الباب الماضي أيضًا.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: ("إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ") هذه الرواية مختصرة، تبيّنها رواية أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه التالية: قال: جاء سُليك الغَطَفاني يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقعد سُلمِك قبل أن يُصلي، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال:"قم، فاركعهما".
وأتمّ منها رواية أبي سفيان، عن جابر رضي الله عنه الآتية أيضًا: قال: جاء سُليك الغَطَفاني يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلس، فقال له:"يا سُليك قم، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما"، ثم قال:"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّزْ فيهما".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2023]
(
…
) - (وَحَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ
(1)
وفي نسخة: "عن عمرو بن دينار".
الْغَطَفَانِيُّ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَعَدَ سُلَيْكٌ، قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ:"قُمْ، فَارْكَعْهُمَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](م ق) تقدم في "الإيمان" 16/ 168.
2 -
(اللَّيْثُ) بن سَعْد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [7](ت 175)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 412.
3 -
(أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، إلا أنه يُدَلِّس [4](ت 126)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 119.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ)
(1)
قال في "الإصابة": سُلَيك بن عمرو، أو ابن هُدْبة الغَطَفانيّ، ووقع ذكره في "الصحيح" من حديث جابر رضي الله عنه أنه دخل يوم الجمعة والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال:"أصليت؟ "، وهو في البخاريّ مبهم.
ورواه أحمد، والدارقطنيّ من طريق أبي سفيان، عن جابر، فقال عن سليك، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأخرجه أحمد من وجه آخر، فقال: عن جابر، جاء رجل من غَطَفان، يقال له سُليك.
وروى ابن ماجه، وأبو يعلى، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وعن أبي سفيان، عن جابر، قالا: إن سُليكًا جاء، وهو عند مسلم، وأبي داود، وابن خزيمة، من طريق جابر فقط.
وروي عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وله أصل في النسائيّ من طريق عياض، عن أبي سعيد، ورواه جماعة عن أبي الزبير. انتهى
(2)
.
(1)
"سُليك" مصغّرًا، و"الْغَطَفَانيّ" -بفتح المعجمة، ثم المهملة، بعدها فاء-: نسبة إلى غَطَفان بن سعد بن قيس عَيْلان.
(2)
"الإصابة في تمييز الصحابة" 3/ 165.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2024]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كلَاهُمَا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: "يَا سُلَيْكُ، قُمْ، فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ) بمعجمتين، بوزن جعفر، المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [10](ت 257) أو بعدها، وقارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 25.
2 -
(عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفي، نَزَل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [8] (ت 187) وقيل: سنة إحدى وتسعين (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
3 -
(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسدي الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرعٌ، لكنه يُدَلِّس [5](ت 7 أو 148)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 297.
5 -
(أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [4](ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) أي: خفّف أداءهما، قال الفيّوميّ رحمه الله: تجوّزتُ في الصلاة: ترخّصتُ، فأتيتُ بأقلّ ما يكفي. انتهى
(1)
، وفيه الأمر بتقصير ركعتي التحيّة حال الخطبة.
(1)
"المصباح المنير" 1/ 115.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(18) - (بَابُ بَيَانِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّعْلِيمِ فِي حَالْ الْخُطْبَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2025]
(876) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَخْطُبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ، فَأَتَمَّ آخِرَهَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ).
2 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [7](ت 165)(ع) تقدم في "الإيمان" 3/ 111.
3 -
(حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة فقيه [3](ع) تقدم في "الحيض" 21/ 791.
4 -
(أَبُو رِفَاعَةَ) الْعَدَويّ، قيل: اسمه تَمِيم بن أَسَد، وقيل: ابن أُسيد، وقيل: اسمه عبد الله بن الحارث بن عبد الحارث بن أسد بن عديّ جَرْوَل، وقيل: جَنْدَل بن عامر بن مالك بن تميم بن الدؤل بن حِسْل بن عديّ بن عبد مناة بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.
رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنه حميد بن هلال، وصِلَة بن أَشْيم العدويان المجريان، قال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة يُعَدّ في أهل البصرة،
قُتل بكابُل سنة أربع وأربعين، قال الدارقطنيّ: تميم بن أَسِيد بالفتح، وقال غيره بالضمّ، فالله أعلم، وقال خليفة بن خياط: سنة أربع وأربعين فَتَحَ ابنُ عامر كابلَ، وقُتل بها أبو قتادة العَدَويّ، ويقال: إن الذي قُتل أبو رفاعة العدوي.
روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والنسائيّ، له عندهم هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رُباعيّات المصنّف، وهو (134) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، والصحابيّ، كما أسلفته آنفًا.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه، أُبُليّ، من قرية بالبصرة يقال لها: أُبُلّة.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه من المقلّين من الرواية، فليس له غير هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ)، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ) الْعَدويّ الصحابيّ رضي الله عنه (انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أي: وصلت إلى مجلسه صلى الله عليه وسلم (وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حاليّة، قال القرطبيّ رحمه الله: يَحْتَمِل أن تكون تلك الخطبة للجمعة، أو لغيرها؛ إذ قد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يجمع الناس لغير الجمعة عند نزول النوازل، فيخطبهم، ويعظهم. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر صنيع المصنّف رحمه الله يدلّ على أنه يرى أنها خطبة الجمعة، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(1)
"المفهم" 2/ 514.
(قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ) خبر لمحذوف؛ أي: أنا رجلٌ (غَرِيبٌ) فَعِيل بمعنى فاعل، قال في "المصباح": غزب الشخص بالضم، من باب شَرُف غَرابة: بَعُد عن وطنه، فهو غريبٌ، فَعِيل بمعنى فاعلٍ، وجمعه غُرباء
(1)
. (جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ) أي: أمور دينه، وتفاصيلها، وقوله:(لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ) جملة حاليّة من فاعل "يسأل".
قال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "رجلٌ غريبٌ
…
إلخ" استلطافٌ في السؤال، واستخراجٌ حسَنٌ للتعليم؛ لأنه لَمّا أخبره بذلك تعيّن عليه أن يُعلّمه، وأيضًا، فإن هذا الرجل الغريب الذي جاء سائلًا عن دينه هو من النوع الذي قال فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن أُناسًا يأتونكم من أقطار الأرض يطلبون العلم، فاستوصوا بهم خيرًا"
(2)
، فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يأمر بشيء إلا كان أوّل آخذ به، وإذا نَهَى عن شيء كان أوّل تارك له. انتهى
(3)
.
(قَالَ) أبو رفاعة رضي الله عنه (فَأَقْبَلَ عَلَي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ) إنما فعل ذلك؛ لتعيّنه عليه في الحال، ولخوف الفوت، ولأنه لا يناقض ما كان فيه من الخطبة، ومشيه صلى الله عليه وسلم، وقربه منه في تلك الحال مبادرة لاغتنام الفُرْصة، وإظهار التّهَمُّم بشأن السائل، قاله القرطبيّ رحمه الله
(4)
.
(حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ) أي: وصل إلى المكان الذي جلست فيه (فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ) بضمّ الكاف، أشهر من كسرها، والجمع الكراسيّ مثقّل أيضًا، وقد يُخفّف، قال ابن السّكّيت في "باب ما يُشدّد": وكلُّ ما كان واحدة مشدّدًا، شَدَّدتَ
(1)
"المصباح المنير" 2/ 444.
(2)
حديث ضعيف، أخرجه الترمذيّ (2650)، وابن ماجه (247) عن أبي هارون العبديّ قال: كنا نأتي أبا سعيد، فيقول: مرحبًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الناس لكم تَبَعٌ، وإن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرضين، يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا".
قال أبو عيسى: قال علي بن عبد الله: قال يحيى بن سعيد: كان شعبة يضعف أبا هارون العبديّ، قال يحيى بن سعيد: ما زال ابن عون يروي عن أبي هارون العبديّ حتى مات، وأبو هارون اسمه عُمَارة بن جُوَين. انتهى.
(3)
"المفهم" 2/ 514.
(4)
"المفهم" 2/ 515.
جمعه، وإن شئتَ خفّفت. أفاده الفيّوميّ
(1)
.
(حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا) أي: ظننتُ أن قوائم ذلك الكرسيّ كانت حديدًا، ووقع عند النسائيّ بلفظ:"خِلْتُ" -بكسر الخاء المعجمة- من أخوات "ظَنّ"، يقال: خال الرجل الشيءَ يَخالُهُ خَيلًا، من باب نال: ظنّه، وخالة يَخِيله من باب باع لغةٌ، وفي المضارع للمتكلّم يقال: إِخاله بكسر الهمزة على غير قياس، وهو أكثر استعمالًا، وبنوأسد يفتحون على القياس. قاله الفيّوميّ.
وقال النوويّ رحمه الله في "شرحه": هكذا هو في جميع النسخ "حسبت"، ورواه ابن أبي خيثمة في غير "صحيح مسلم":"خلت" بكسر الخاء، وسكون اللام، وهو بمعنى "حسبت".
وقال القاضي: ووقع في نسخة ابن الحذّاء "خشب" بالخاء، والشين المعجمتين، وفي كتاب ابن قُتيبة "خلب" بضم الخاء، وآخره باء موحّدة، وفسّروه باللِّيف، وكلاهما تصحيف، والصواب "حسبت" بمعنى ظننت، كما هو في نسخ مسلم، وغيره من الكتب المعتمدة. انتهى
(2)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "حسبت قوائمه حديدًا": هكذا صحيح الرواية، وذكره ابن قُتيبة، وقال:"بكرسيّ خُلْب" قال: والْخُلْب: اللِّيف، وهو تصحيف منه، وإنما هو "خِلْتُ" كما رواه ابن أبي شيبة، وهو بمعنى "حسبت" الذي رواه مسلم، ووقع في نسخة ابن الحذّاء:"بكرسيّ خشب"، وهو أيضًا تصحيف، وصوابه ما قدّمناه، وقد فسّره حميد في كتاب ابن أبي شيبة، فقال: أراه كان من عُود أسود، فحسبه من حديد.
قال القرطبيّ: وأظنّ أن هذا الكرسيّ هو المنبر، ويعني به: أنه نُقل عن موضعه المعتاد إلى موضع السائل؛ ليجلس عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى
(3)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون الكرسيّ هذا هو المنبر النبويّ بعيدٌ بل الظاهر أنه كرسيّ آخر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) رفاعة رضي الله عنه (فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) إنما قعد صلى الله عليه وسلم على الكرسيّ
(1)
"المصباح" 2/ 530.
(2)
"شرح النووي" 6/ 165.
(3)
"المفهم" 2/ 515.
ليسمع الباقون كلامه، ويروا شَخْصَه الكريم صلى الله عليه وسلم (وَجَعَلَ) أي: شَرَع صلى الله عليه وسلم (يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ) أي: من الأحكام الشرعيّة التي يجهلها هو (ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ) أي: محلّ خطبته، وهو المنبر المعروف (فَأَتَمَّ آخِرَهَا).
أي: أتمّ الخطبة التي بدأ بها، قال القرطبيّ: أي: لَمّا فرغ من تعليم الرجل رجع إلى أسلوب خطبته المتقدّم، لا يقال: إن هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم قطعٌ للخطبة؛ لِمَا قرّرناه من أن تعليم العلم، والأمر، والنهي في الخطبة لا يكون قاطعًا للخطبة، والجمهور على أن الكلام في الخطبة لأمر يحدُث لا يفسدها، وحَكَى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن الخطيب إذا تكلّم في الخطبة أعادها. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الذي عزاه الخطّابيّ لبعض العلماء من إعادة الخطبة بسبب الكلام قول ضعيف، منابذ للسنّة الصحيحة، كحديث الباب، وحديث قصّة سُليك الغطفانيّ رضي الله عنه المذكور في الباب الماضي، حيث قال له صلى الله عليه وسلم عن ركعتي تحية المسجد، وأمره بهما، إلى غير ذلك.
وكذا قول النوويّ في "شرحه" 6/ 164: يَحْتَمِل أن تكون هذه الخطبة التي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها خطبة أمر غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويَحْتَمِل أنها كانت الجمعة، واستأنفها، ويَحْتَمِل أنه لم يحصل فصل طويل، ويَحْتَمِل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلّقًا بالخطبة، فيكون منها، ولا يضرّ المشي في أثنائها. انتهى.
فكلّ هذه الاحتمالات مما لا ينبني على دليل، فأين النصّ، أو الإجماع الذي يمنع الخطيب للجمعة من الكلام للحاجة، مثل التعليم، أو غيره؟ ومن أين اشتراط عدم الفصل أثناء الخطبة بكلام ونحوه؟ ومن الغريب قوله:"واستأنفها" مع أن نصّ "صحيح مسلم": "فأتمّ آخرها"، إن هذا لشيء عُجاب!، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
"المفهم" 2/ 515.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي رِفاعة العدويّ رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [18/ 2025](876)، و (النسائيّ) في "كتاب الزينة"(5379) و" الكبرى"(9826)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 80)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد"(1164)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1457 و 1800)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1970)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة التعليم أثناء الخطبة.
2 -
(ومنها): بيان جواز الجلوس على الكراسيّ.
3 -
(ومنها): استحباب تلطّف السائل في عبارته، وسؤاله العالم.
4 -
(ومنها): أن فيه تواضعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم، كما وصفه الله سبحانه وتعالى حيث قال:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128].
5 -
(ومنها): المبادرة إلى جواب المستفتي، وتقديم أهمّ الأمور، فأهمّها، ولعله كان سائلًا عن الإيمان، وقواعده المهمّة، وقد اتّفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان، وكيفيّة الدخول في الإسلام وجب إجابته، وتعليمه على الفور، قاله النوويّ رحمه الله
(1)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
"شرح النووي" 6/ 165.
(19) - (بَابُ مَا يُقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2026]
(877) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ، فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ:{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} ، قَالَ: فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ انْصَرَفَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأْتَ
(1)
بِسُورَتَيْنِ، كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ
(2)
، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وسكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدِّمان عليه في "الموطأ" أحدًا، من صغار [9] مات في أول سنة (221) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" 17/ 617.
2 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [3](ت 177)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
3 -
(جَعْفَرُ) بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد الله المعروف بـ "الصادق"، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [6](ت 148)(بخ م 4) تقدم في "الحيض" 10/ 749.
4 -
(أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن على بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقةٌ فاضلٌ [4] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 61.
(1)
وفي نسخة: "فقلت: إنك قرأت".
(2)
وفي نسخة: "في الكوفة".
5 -
(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ) المدنيّ، مولى النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان كاتب عليّ رضي الله عنه، ثقةٌ [3](ع) تقدم في "صلاة المسافرين" 28/ 1812.
6 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وجعفر، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ.
5 -
(ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله (بْنِ أَبِي رَافِع) المدنيّ، مولى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه (قَالَ: اسْتَخْلَفَ) بالبناء للفاعل (مَرْوَانُ) بالرفًع على الفاعليّة، وهو مروان بن الحكم بن أبي العا عبن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَيّ الأمويّ، أبو عبد الملك، ويقال: أبو القاسم، ويقال: أبو الحكم، أمه آمنة بنت عَلْقَمة بن صفوان الكنانيّ، وتكنى أم عثمان المدنيّ، وُلد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، وروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يصح له منه سماع.
كَتَب لعثمان رضي الله عنه، ووَلي إِمْرة المدينة أيام معاوية رضي الله عنه، وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابِيَة، وكان الضحاك بن قيس غَلَب على دِمشق، ودعا لابن الزبير، ثم دعا لنفسه، فواقعه مَرْوان بِمَرْج راهط، فقُتل الضحاك، وغَلَب مروان على دمشق، ثم على مصر، ومات في رمضان سنة خمس وستين، وله ثلاث، أو إحدى وستون سنةً، وكانت ولايته تسعة أشهر، قال البخاريّ: لم ير النبيّ صلى الله عليه وسلم
(1)
.
(1)
راجع: "تهذيب التهذيب" 10/ 82.
أخرج البخاريّ، والأربعة، وليست له رواية في هذا الكتاب، وإنما له ذكر فقط.
(أَبَا هُرَيْرَةَ) منصوب على المفعولية (عَلَى الْمَدِينَةِ) أي: حين كان واليًا عليها أيام معاوية زيبنه، كما مرّ آنفًا (وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لنَا أَبُو هُرَيرَةَ) رضي الله عنه (الْجُمُعَةَ) أي: صلاتها (فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ}) أي: هذه السورة بكاملها، وفي رواية حاتم بن إسماعيل، عن جعفر التالية: فقرأ بـ "سورة الجمعة" في السجدة الأولى، وفي الآخرة {الْمُنَافِقُونَ}. (قَالَ) عبيد الله بن أبي رافع (فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (حِينَ انْصَرَفَ) أي: انتهى من صلاة الجمعة، ورجع إلى بيته، وفي رواية لأبي نعيم في "مستخرجه": "فلما انصرف مشيتُ إلى جنبه، فقلت: يا أبا هريرة لقد سمعتك قرأت
…
". (فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأْتَ
(1)
بِسُورَتَيْنِ، كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله عنه (يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ) وفي نسخة:"في الكوفة"(فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وفي رواية أبي نعيم: "قرأ بهما حِبِّي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم".
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنّفه"، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة، والمنافقين، فأما سورة الجمعة، فيبشّر بها المؤمنين، ويُحَرِّضهم، وأما سورة المنافقين، فَيُوئس بها المنافقين، ويوبِّخُهم
(2)
، وهو حديث مرسلٌ.
قال القرطبيّ رحمه الله: قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الجمعة بسورتها؛ ليذكّرهم بأمرها، ويُبيّن تأكيدها، وأحكامها، وأما قراءة "سورة المنافقين" فلتوبيخ مَن يحضرها من المنافقين؛ لأنه قلّ من كان يتأخّر عن الجمعة منهم؛ إذ قد كان صلى الله عليه وسلم هدَّد على التخلّف عنها بتحريق البيوت على من فيها، ولعلّ هذا -والله أعلم- كان في أول الأمر، فلَمّا عقل الناس أحكام الجمعة، وحَصَلَ توبيخ المنافقين عَدَلَ عنها إلى قراءة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} ، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} ، على ما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه؛ لِمَا تضمّنتاه من الوعظ، والتحذير،
(1)
وفي نسخة: "فقلت: إنك قرأت".
(2)
"المصنَّف" 7/ 319.
والتذكير، وليُخفّف أيضًا عن الناس، كما قال لمعاذ رضي الله عنه:"إذا أممتَ الناس، فاقرأ بالشمس وضحاها، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)}، و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}، و {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)} "، متّفقٌ عليه.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "كان في أول الأمر
…
إلخ" فيه نظرٌ؛ لأنه لا دليل عليه، بل الأولى أن يُحمل على أنه كان يقرأ تارة بهذا، وتارةً بهذا، كما يأتي تحقيقه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 2026 و 2027](877)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1124)، و (الترمذيّ) فيها (519)، و (ابن ماجه) في إقامة "الصلاة"(1118)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(1661)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 429)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1843 و 1844)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1971 و 1972)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة قراءة سورة بعد الفاتحة.
2 -
(ومنها): بيان استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة.
3 -
(ومنها): بيان استحباب القراءة في الركعتين بهاتين السورتين، وفي الحديث الآخر القراءة في العيد بـ {ق} {اقْتَرَبَتِ} ، وكلاهما صحيحٌ، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم في وقت يقرأ في الجمعة "سورة الجمعة"، و"سورة المنافقين"، وفي وقت {سَبِّحِ} ، و {هَلْ أَتَاكَ} ، وفي وقت يقرأ في العيد {اقْتَرَبَتِ} ، و {سَبِّحِ} ، وفي وقت {سَبِّحِ} ، {هَلْ أَتَاكَ} . قاله النوويّ رحمه الله
(1)
.
4 -
(ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من اقتفاء آثار النبيّ صلى الله عليه وسلم في
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 167.
صلاتهم، وقراءتهم، وسائر أحوالهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيم يُقرأ في صلاة الجمعة: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله في "التمهيد": اختَلَف الفقهاء فيما يُقرأ به في صلاة الجمعة، فقال مالك: أَحَبّ إليّ أن يقرأ الإمام في الجمعة {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ، مع "سورة الجمعة"، وقال مرةً أخرى: أما الذي جاء به الحديث فـ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ، مع سورة الجمعة، والذي أدركت عليه الناس {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} .
قال أبو عمر رحمه الله: تحصيل مذهب مالك أن كلتا السورتين قراءتهما حسنة مستحبة مع سورة الجمعة في الركعة الثانية، وأما الأولى فسورة الجمعة، ولا ينبغي للإمام عنده أن يترك "سورة الجمعة"، ولا "سورة {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)}، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} " في الثانية، فإن فَعَل، وقرأ بغيرهما فقد أساء، وبئسما صنع، ولا تفسد بذلك عليه صلاته؛ إذا قرأ بأمّ القرآن، وسورة معها في كل ركعة منها.
وقال الشافعيّ، وأبو ثور: يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة بـ "سورة الجمعة"، وفي الثانية {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} ، وَيستحِبّ مالك، والشافعيّ، وأبو ثور، وداود بن عليّ ألا يترك "سورة الجمعة" على حال
(1)
.
وقال في "الاستذكار": قال الأوزاعيّ: ما نعلم أحدًا من أئمة المسلمين ترك "سورة الجمعة" يوم الجمعة.
وقال الشافعيّ: أختار أن يقرأ في الأولى بـ "سورة الجمعة"، وفي الثانية {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} ، وهو قول عليّ، وأبي هريرة، وجماعة.
وقال مالك، والشافعيّ، وداود: لا يترك قراءة "سورة الجمعة" في الركعة الأولى على كلل حالٍ، فإن لم يقرأها لم تفسد صلاته، وقد أساء، وترك ما يُستَحَبّ له.
انتهى
(2)
.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: ما قرأ به الإمام في صلاة الجمعة فحسنٌ،
(1)
"التمهيد" 16/ 322 - 324.
(2)
"الاستذكار" 2/ 51 - 53.
و"سورة الجمعة" وغيرها في ذلك سواءٌ، وَيكرَهون أن يؤقت في ذلك شيء من القرآن بعينه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه خلاف السنّة الصحيحة، فلا يُلتَفت إليه، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
قال أبو محمد بن حزم رحمه الله: وقال أبو حنيفة: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ يَلْتَزِمُ في الْجُمُعَةِ أو غَيْرِهَا سُورَةً بِعَيْنِهَا، أو سُوَرًا بِعَيْنِهَا، قال: كَرِهَ السُّنَّةَ، وَخَالَفَ فِعْلَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَذَلِكَ من كَرِهَ شيئًا مِمَّا صَحَّ أَنَّهُ عليه السلام فَعَلَهُ. انتهى
(1)
.
وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله قول أبي حنيفة هذا في "كتاب الردّ على أبي حنيفة" من "مصنّفه" فقال: هذا ما خالف فيه أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(2)
.
وقال الثوريّ: لا يَعْتَمِد أن يقرأ في الجمعة بالسور التي جاءت في الأحاديث، ولكنه يتعمدها أحيانًا، ويدعها أحيانًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الثوريّ أيضًا من جنس ما قبله، كيف لا يُعْتَمَد ما صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعله؟، إن هذا لهو العجب العُجاب.
وبالجملة فهذا قولٌ مخالف للسنّة الصحيحة الصريحة، فلا ينبغي الالتفات إليه.
والحاصل أن الحقّ والصواب أنه يُستحبّ للإمام أن يقرأ في صلاة الجمعة بسورتي الجمعة، والمنافقون، وأحيانًا بسورتي الأعلى والغاشية؟ اقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد سبق عن مالك، والشافعيّ، وداود -رحمهم الله تعالى- أنهم قالوا: لا يترك قراءة "سورة الجمعة" في الركعة الأولى على كل حالٍ، فإن لم يقرأها لم تفسد صلاته، وقد أساء، وترك ما يُستَحَبّ له، وهذا هو الحقّ الذي لا مرية فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"المحلى" 4/ 107.
(2)
راجع: "المصنّف" 7/ 319.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2027]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
قُتَيْبَهُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ: فَقَرَأَ بِـ "سُورَةِ الْجُمُعَةِ" فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَفِي الْآخِرَةِ
(2)
: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب أيضًا.
3 -
(حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المدنيّ، أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، أصله من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوقٌ يَهِمُ [8](ت 6 أو 187)(ع) تقدم في "الصلاة" 42/ 1086.
4 -
(عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ [8](6 أو 187)(ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 135.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية حاتم بن إسماعيل، عن جعفر هذه ساقها ابن ماجه رحمه الله في "سننه"، فقال:(1118) حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: استَخْلَف مروان أبا هريرة على المدينة، فخرج إلى مكة، فصلى بنا أبو هريرة يوم الجمعة، فقرأ بـ "سورة الجمعة" في السجدة الأولى، وفي الآخرة {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} ، قال عبيد الله: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين، كان عليّ يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما. انتهى.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "وفي الأخرى".
وأما رواية عبد العزيز الدّرَاورْديّ، عن جعفر، ساقها الإمام الشافعيّ رحمه الله في "المسند" (1/ 69) فقال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قرأ في الجمعة بـ "سورة الجمعة"، {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} ، قال عبيد الله: فقلت له: قد قرأت بسورتين كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ بهما في الجمعة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2028]
(878) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ، بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)}، وَ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ، قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ في يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا في الصَّلَاتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [10](ت 226) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
2 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
3 -
(إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
4 -
(جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [8](ت 188) وله إحدى وسبعون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
5 -
(إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ) بن الأجدع الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [5].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وقيس بن مسلم، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والثوريّ، ومِسْعَرٌ، وأبو عوانة، وجرير، وعدّة.
قال أحمد، وأبو حاتم: ثقةٌ، صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: شريفٌ، كوفيّ، ثقةٌ، وقال العجليّ، وابن سعد، ويحيى بن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (878)، وحديث (1192): "أنا طيّبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه
…
" الحديث، كرّره ثلاث مرّات.
6 -
(أَبُوهُ) محمد بن المنتشر بن الأجدع الْهَمْدانيّ ثم الوادعي الكوفيّ، ثقةٌ [4].
روى عن عمة مسروق، على خلاف، وأبيه المنتشر، وابن عمر، وعائشة، وغيرهم.
وعنه ابنه إبراهيم، ومجالد، وسماك بن حرب.
وثقه أحمد وقال فيه خيرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث قليلة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم (878) و (1163) و (1192) وكرره ثلاث مرات.
7 -
(حَبِيبُ بْنُ سَالِمٍ، مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) وكاتبه، ثقةٌ
(1)
[3](م 4).
رَوَى عن مولاه، وعن حبيب بن يساف عنه، على اختلاف في ذلك، وقيل: عن أبيه، عن النعمان بن بشير، ورَوَى عن أبي هريرة.
ورَوَى عنه بشير بن ثابت، وأبو بِشْر جعفر بن أبي وَحْشيّة، وخالد بن عُرْفُطة، وقتادة فيما كتب إليه، ومحمد بن المنتشر، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال البخاريّ: فيه نظرٌ، وقال أبوأحمد بن عديّ: ليس في متون أحاديثه حديث منكر، بل قد اضطُرِب في أسانيد ما يُرْوَى عنه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(1)
فقوله في "التقريب": "لا بأس به" فيه نظر، فقد روى عنه جماعة، ووثّقه أبو حاتم، وأبو داود، وابن حبّان، وكلام البخاري يَحتَمل أن يكون لاختلاف الأسانيد الواقعة في أحاديثه، فتأمّل.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
8 -
(النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، سكن الشام، ثم وَلي إِمْرة الكوفة، ثم قُتِل بِحِمْص سنة خمس وستين، وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 97/ 522.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله عنهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم فيها.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه، وحبيب بن سالم ما أخرج له البخاريّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه: يحيى، فنيسابوريّ، وإسحاق، فمروزيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض، ورواية الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) رضي الله عنهما.
[فائدة]: إنما دخلت "أل" على "نعمان" مع كونه علمًا، والأعلام لا تدخل عليه؛ لكونه معرفة بنفسه؛ للمح الأصل، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا
…
لِلَمْحِ مَا قَدْكَانَ عَنْهُ نُقِلَا
كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ
…
فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي) صلاة (الْعِيدَيْنِ، وَفِي) صلاة (الْجُمُعَةِ، بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)}) أي: في الركعة الأولى {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} ) أي: في الركعة الثانية (قَالَ) النعمان رضي الله عنه (وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ) قال النوويّ رحمه الله: فيه استحباب القراءة فيهما بهما، وفي الحديث الآخر القراءة في العيد بـ {ق} و {اقْتَرَبَتِ} ، وكلاهما صحيح، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم في وقت يقرأ في الجمعة
"الجمعة"، و"المنافقين"، وفي وقت {سَبِّحِ} ، و {هَلْ أَتَاكَ} . انتهى
(1)
.
وقال القرطبيِّ رحمه الله: قوله: "وإذا اجتمع العيد والجمعة
…
إلخ" هذا يدلّ على أنه لا يُكتفى بصلاة العيد عن صلاة الجمعة إذا اجتمعا في يوم واحد، وهو المشهور من مذاهب العلماء؛ خلافًا لمن ذهب إلى أن الجمعة تسقط يومئذ، وإليه ذهب ابن الزبير، وابن عبّاس رضي الله عنهم، وقالا: هي السنّة، وذهب غيرهما إلى أن أنهما يُصلِّيان، غير أنه يُرخّص لمن أتى العيد من أهل البافى ية في ترك إتيان الجمعة، وإلى هذا ذهب عثمان رضي الله عنه، والذي استمرّ العمل عليه ما دلّ عليه ظاهر الحديث المتقدّم. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بسقوط الجمعة عمن حضر العيد هو الحقّ؛ لصحّة الأدلِّة على ذلك، وقد استوفيت بحثه في "شرح النسائيّ"
(3)
، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 2028 و 2029 و 2030](878)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1122 و 1123)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(533)، و (النسائيِّ) في "الجمعة"(1423 و 1568) و"الكبرى"(1737 و 1738 و 1775)، و (ابن ماجه) في إقامة "الصلاة"(1119 و 1281)، و (الحميديّ) في "مسنده"(921)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 270 و 273 و 277)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1463 و 1845)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1973 و 1974)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 167.
(2)
"المفهم" 2/ 517.
(3)
راجع: "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" 17/ 236 - 237.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2029]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
1 -
(أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني: أن أبا عوانة حدّث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، بسنده الماضي، وهو: عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد هذه ساقها الترمذيّ، والنسائيّ بسند المصنّف، فقالا:
حدّثنا قتيبة، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين، ويوم الجمعة، بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)}، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)}، وربما اجتمعا في يوم واحد، فيقرأ بهما".
قال الترمذيّ رحمه الله: حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما حديث حسن صحيح، وهكذا رَوَى سفيان الثوريّ، ومِسْعَرٌ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، نحو حديث أبي عوانة، وأما سفيان بن عيينة، فيُخْتَلف عليه في الرواية، يُرْوَى عنه، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير، ولا نَعْرِف لحبيب بن سالم روايةً عن أبيه، وحبيب بن سالم هو مولى النعمان بن بشير، ورَوَى عن النعمان بن بشير أحاديثَ، وقد رُوي عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، نحو رواية هؤلاء.
ورُوِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في صلاة العيدين بـ {ق} ، و {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} ، وبه يقول الشافعيّ. انتهى.
وقال الترمذيّ في "العلل": سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو
حديث صحيحٌ، وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فيَضْطِرب في روايته، قال مرةً: حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير، وهو وَهَمٌ، والصحيح حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير. انتهى كلام الترمذيّ رحمه الله
(1)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2030]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، يَسْأَلُهُ، أَيَّ شَيْءٍ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْجُمُعَةِ، سِوَى "سُورَة الْجُمُعَةِ"، فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ {هَلْ أَتَاكَ})
(2)
.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل بابين.
2 -
(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين أيضًا.
3 -
(ضَمْرَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن أبي حَنّة -بالنون، وقيل: بالباء الموحدة- واسمه عمرو بن غَزِيّة بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن غَنْم بن مازن بن النجار الأنصاريّ المازنيّ، ثقةٌ [4].
رَوَى عن عمة الحجاج بن عمرو بن غَزِيّة، وأبي سعيد الخدريّ، وأنس، وأبان بن عثمان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبي بشر المازنيّ.
وروى عنه ابنه موسى، ومالك، وابن عيينة، وفُليح بن سليمان، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، والعجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (878)، وحديث (891) في "كتاب العيدين"، وأعاده بعده.
4 -
(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [3](ت 94) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
والصحابيّ ذُكر قبله.
وقوله: (كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ
…
إلخ) هو: الضحاك بن قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شَيْبان بن مُحارب بن فِهْر بن مالك الْفِهْريّ القرشيّ، أبوأنيس
(1)
، ويقال: أبو أمية، أو أبو سعيد، أو أبو عبد الرحمن، أخو فاطمة بنت قيس، وهي أكبر منه، مختلف في صحبته.
رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن عمر، وحبيب بن مسلمة، وروى عنه معاوية بن أبي سفيان، وهو أكبر منه، وتميم بن طَرَفة، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وجماعة.
شَهِدَ فتح دِمَشق، وسكنها إلى حين وفاته، وشَهِد صِفِّين مع معاوية، وغَلَب على دمشق، ودعا إلى بيعة ابن الزبير، ثم دعا إلى نفسه، وقُتِل بِمَرْج راهط في قتاله لمروان بن الحكم سنة أربع أو خمس وستين
(2)
، وكان مولده قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحو ست سنين، أو أقل. ذكره مسلم في حديث الباب فقط، ورَوَى له النسائيّ حديثًا واحدًا في الصلاة على الجنازة
(3)
.
وقوله: (أَيَّ شَيْءٍ) بنصب "أَيَّ" مفعولًا مقدّمًا لـ"قرأ".
وقوله: (قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي: في صلاتها، لا في مطلق اليوم.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
صحح هذا ابن عساكر. اهـ. "تت" 2/ 224.
(2)
والصحيح أن وقعة مرج راهط كانت في ذي الحجة سنة (64). اهـ. "تت" 2/ 224.
(3)
"تهذيب التهذيب" 2/ 224.
(20) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2031]
(879) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ
(1)
، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاَةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ {الم (1) تَنْزِيلُ} السَّجْدَةُ، وَ {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ "سُورَةَ الْجُمُعَةِ"، وَ"الْمُنَافِقِينَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [10](ت 235)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
2 -
(عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [8] (ت 187) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 61/ 339.
3 -
(سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [7] وكان ربما دلَّس (ت 161) وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
4 -
(مُخَوَّلُ بْنُ رَاشِدٍ) هو: مُخَوَّل -بوزن مُحَمَّد، وقيل: بوزن مِنْبَر -ابن راشد، أبو راشد بن أبي الْمُجالد النَّهْديّ مولاهم الكوفيّ الْحَنّاط -بمهملة ونون- ثقةٌ نُسِب إلى التشيع [6].
رَوَى عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، ومسلم البطين، وأبي سعد المدني.
وروى عنه شعبةُ والثوريّ، وجعفر الأحمر، وشريك، وأبو عوانة.
(1)
وفي نسخة: "عن مُخَوَّل، عن مسلم".
قال الميمونيّ، عن أحمد: ما علمت إلا خيرًا، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: يُكْتب حديثه، وقال العجليّ: ثقة من غُلاة الكوفيين، وليس بكثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة أبي جعفر، وكان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال الدارقطنيّ: مخول بن راشد، ومجاهد بن راشد ثقتان، وقال الآجريّ، عن أبي داود: شيعيّ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال محمد بن عمار: كوفيّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وليس له في البخاريّ أيضًا غير حديث واحد توبع عليه عنده.
5 -
(مُسْلِمٌ الْبَطِينُ) هو: مسلم بن عِمْران، ويقال: ابن أبي عمران، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [6].
رَوَى عن عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، وإبراهيم التيميّ، وعلي بن الحسين، وعمرو بن ميمون الأوديّ، وأبي عبد الله الْجَدَليّ، وأبي عمرو الشيبانيّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه شبة بن مسلم، وسلمة به كُهيل، وأبو إسحاق السبيعيّ، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن سُميع، وعبد الله بن عون، ومُخَوَّل بن راشد، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: لم يدركه شعبة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، هذا برقم (879) وحديث (1148) وأعاده بعده، و (2986) و (3028).
6 -
(سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [3] قُتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في "الإيمان" 57/ 329.
7 -
(ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، مات سنة ثمان وستين بالطائف (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 124.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين.
4 -
(ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله عنهما ذو مناقب جمّة، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر رضي الله عنه: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشرة منا أحدٌ، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة رضي الله عنهم، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة رضي الله عنهم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي: بعد الفاتحة، وإنما لم يذكرها لوضوح أمرها (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) متعلّق بـ "يقرأ"، ويَحْتَمِل أن يتعلّق بمحذوف حالٍ من "صلاة الفجر"؛ أي: حال كونها كائنةً يوم الجمعة {الم (1) تَنْزِيلُ} برفع "تنزيل" وترك التنوين؛ على الحكاية، وقوله:(السَّجْدَةَ) مضبوط في النسخة ضبط قلم مثلّثًا، فيَحْتمل أن رفعه على الخبريّة لمحذوف؛ أي: هي "السجدة"، والنصب على المفعوليّة لمقدّر؛ أي: أعني، والجرّ بإضافة ما قبله إليه؛ لكونه محكيًّا، فبيّن بإضافته؛ ليحترز به عن غيره مما يشاركه في اللفظ، والله تعالى أعلم. (وَ {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ}) والمراد أنه كان يقرأ في كل ركعة سورةً من هاتين السورتين، وقد بيّن ذلك في رواية إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن أبيه التالية، بلفظ:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} ) {الم (1) تَنْزِيلُ} [السجدة: 1، 2] في الركعة الأولى، وفي الثانية {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} [الإنسان: 1].
وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من هذا اليوم؛ لما تشعر الصيغة به من مواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك، أو إكثاره منه، بل قد ورد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه التصريح بمداومته صلى الله عليه وسلم على ذلك، أخرجه
الطبراني، ولفظه:"يُدِيم ذلك"، وأصله في ابن ماجه بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات، لكن صَوَّب أبو حاتم إرساله.
قال في "الفتح": وكأنّ ابن دقيق العيد لم يقف عليه، فقال في الكلام على حديث الباب: ليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائمًا اقتضاء قويًا، وهو كما قال بالنسبة لحديث الباب، فإن الصيغة ليست نصًا في المداومة، لكن الزيادة التي ذكرناها نصّ في ذلك.
قيل: الحكمة في قراءة هاتين السورتين في فجر الجمعة الإشارة إلى ما فيهما من ذكر خلق آدم، وأحوال يوم القيامة؛ لأن ذلك كان، وسيقع يوم الجمعة، قاله في "الفتح" نقلًا عن ابن رحمه الله.
(وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ "سُورَةَ الْجُمُعَةِ"، وَ"الْمُنَافِقِينَ") قد تقدّم الكلام على هذا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [20/ 2031 و 2032 و 2033](879)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1074 و 1075)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(520)، و (النسائيّ) في "الافتتاح"(2/ 159 و 3/ 111)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(821)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 226 و 307 و 328 و 334 و 340 و 354)، و (الدارميّ)(1550) و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(533)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1975 و 1976)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم قراءة هاتين السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة:
ذهب بعض أهل العلم إلى استحباب ذلك، وممن كان يفعله من الصحابة رضي الله عنهم-كما قاله الحافظ العراقيّ رحمه الله عبد الله بن عباس، ومن
التابعين إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وأصحاب الحديث.
وذهب مالك وآخرون إلى كراهته، قال النوويّ رحمه الله: وهم محجوجون بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة المروية من طرق
(1)
.
وقال في "الفتح": وقد اختلف تعليل المالكية بكراهة قراءة السجدة في الصلاة، فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قال القرطبي: وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث.
وقيل: لخشية التخليط على المصلين، ومن ثَمَّ فرّق بعضهم بين الجهرية والسرية؛ لأن الجهرية يؤمن معها التخليط.
لكن صح
(2)
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة فيها سجدة في صلاة الظهر، فسجد بهم فيها. أخرجه أبو داود، والحاكم، فبطلت التفرقة.
ومنهم من عَلَّل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: أما القول بالكراهة مطلقًا فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة، فينبغي أن تترك أحيانًا؛ لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات. انتهى.
وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله: ينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب للقدوة، ويقطع أحيانًا لئلا تظنه العامة سنة. انتهى.
وهذا على قاعدتهم في التفرقة بين السنة والمستحب.
وقال صاحب "المحيط" من الحنفية: يستحب قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا، لئلا يظن الجاهل أنه لا يجزئ غيره.
(1)
راجع: "نيل الأوطار" 3/ 330.
(2)
لكن في صحّته نظر؛ لأن في سنده أميّة شيخ سليمان التيميّ، روى عن أبي مِجْلَزٍ مجهولٌ، كما في "التقريب"، وقد نبّه عليه الشوكانيّ في "النيل" 3/ 120 - 121 فتأمل.
وأما صاحب "الهداية" منهم فذكر أن علة الكراهة هجران الباقي، وإيهام التفضيل، وقول الطحاوي يناسب قول صاحب "المحيط"، فإنه خص الكراهة بمن يراه حتمًا، لا يجزئ غيره، أو يرى القراءة بغيره مكروهة. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما تقدم في كلام ابن دقيق العيد، وأشار إليه ابن العربي، رحمهما الله تعالى هو الراجح عندي، فتستحب المداومة على هاتين السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة، لكن إن خُشِي على العوامّ اعتقاد وجوب ذلك فينبّهون بالقول، أو بالترك أحيانًا، دفعًا للمفسدة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدتان]: ذكرهما الحافظ في "الفتح"، فقال:
(الأولى): لم أر في شيء من الطرق التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم سجد لمّا قرأ سورة "تنزيل السجدة" في هذا المحلّ إلا في "كتاب الشريعة" لابن أبي داود من طريق أخرى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "غدوت على النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة فيها سجدة، فسجد
…
" الحديث، وفي إسناده من ينظر في حاله.
وللطبراني في "الصغير" من حديث عليّ رضي الله عنه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الصبح في "تنزيل السجدة"، لكن إسناده ضعيف، والله تعالى أعلم.
(الثانية): قيل: الحكمة في اختصاص يوم الجمعة بقراءة سورة السجدة، قصد السجود الزائد حتى إنه يستحب لمن لم يقرأ هذه السورة بعينها أن يقرأ سورة غيرها، فيها سجدة، وقد عاب ذلك على فاعله غير واحد من العلماء، ونسبهم صاحب الهدي إلى قلة علم، ونقص المعرفة، لكن عند ابن أبي شيبة بإسناد قويّ عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: يستحب أن يقرأ في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وعنده من طريقه أيضًا أنه فعل ذلك، فقرأ سورة مريم، ومن طريق ابن عون قال: كانوا يقرؤون في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وعنده من طريقه أيضًا، قال: وسألت محمدًا -يعني: ابن سيرين- عنه؟ فقال: لا أعلم به بأسًا. انتهى.
(1)
"الفتح" 3/ 34.
فهذا قد ثبت عن بعض علماء الكوفة والبصرة، فلا ينبغي القطع بتزييفه.
وقد ذكر النووي في زيادات "الروضة" هذه المسألة، وقال: لم أر فيها كلامًا لأصحابنا، ثم قال: وقياس مذهبنا أنه يكره في الصلاة إذا قصده. انتهى.
وقد أفتى ابن عبد السلام قبله بالمنع، وببطلان الصلاة بقصد ذلك، قال صاحب "المهمات": مقتضى كلام القاضي حسين الجواز، وقال الفاروقيّ في "فوائد المهذَّب": لا تستحب قراءة سجدة غير تنزيل، فإن ضاق الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكن منها، ولو بآية السجدة منها، ووافقه ابن أبي العصرون في "كتاب الانتصار"، وفيه نظر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قراءة غير ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من السورة التي فيها السجدة، بدلًا عما ثبت عنه ليس مما ينبغي، بل لا يبعد القول بكراهته إن قصده، وأما القول ببطلان الصلاة به فشيء عجيب، فكيف تبطل الصلاة بقراءة سورة من السور القرآنية مع الفاتحة؟! والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[2032]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا.
2 -
(أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ حافظ سُنيّ، من كبار [9](ت 199)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 5.
3 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 247) وهو ابن سبع وثمانين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
4 -
(وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا.
و"سفيانُ" ذُكر قبله.
(1)
"الفتح" 3/ 35 - 36.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ) يعني: أن عبد الله بن نُمير، ووكيعًا حدّثا عن سفيان الثوريّ باسناده الماضي، وهو: عن مُخَوَّل بن راشد، عن مسلم الْبَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما مثل حديث عبدة بن سليمان، عنه.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، ووكيع كلاهما عن سفيان هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2033]
(
…
) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ مُخَوَّلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، فِي الصَّلَاَتيْنِ كِلْتَيْهِمَا، كَمَا قَالَ سُفْيَانُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل بابين.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم قبل بابين أيضًا.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين أيضًا.
وقوله: (فِي الصَّلَاتَيْنِ كلْتَيْهِمَا) أي: في صلاة فجر الجمعة، وصلاة الجمعة.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن مُخَوَّل هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده" فقال:(3150) حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن مُخَوَّل، قال: سمعت مسلمًا الْبَطِين يحدِّث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في صلاة الصبح {الم (1) تَنْزِيلُ} السجدة، و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} ، وفي الجمعة بـ "سورة الجمعة"، و"المنافقين". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2034]
(880) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ {الم (1) تَنْزِيلُ}، وَ {هَلْ أَتَى} ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 234) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
2 -
(سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، ولي قضاء المدينة، وكان ثقةً فاضلًا عابدًا [5] (ت 125) وقيل: بعدها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 31.
3 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) ابن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [3](ت 117)(ع) تقدم في "الإيمان" 23/ 192.
4 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
والباقيان ذُكرا قبل سند، وشرح الحديث تقدّم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [20/ 2034 و 2035](880)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(891 و 1068)، و (النسائيّ) في "أبواب القراءة"(955) و"الكبرى"(1027)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(823)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 430 و 472)، و (الدارميّ) في "سننه"(1550)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1977 و 1978)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ رحمه الله: قد أشار أبو الوليد الباجيّ في رجال البخاريّ إلى الطعن في سعد بن إبراهيم؟ لروايته لهذا الحديث، وأن مالكًا امتنع من الرواية عنه لأجله، وأن الناس تركوا العمل به، لا سيما أهل المدينة. انتهى.
وليس كما قال؛ فإن سعدًا لم ينفرد به مطلقًا، فقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الحديث الذي قبل هذا، وكذا ابن ماجه، والطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والطبراني في "الأوسط" من حديث عليّ رضي الله عنه.
وأما دعواه أن الناس تركوا العمل به فباطلة؛ لأن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين قد قالوا به، كما نقله ابن المنذر وغيره، حتى إنه ثابت عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والد سعد، وهو من كبار التابعين من أهل المدينة أنه أمّ الناس بالمدينة بهما في الفجر يوم الجمعة، أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
وكلام ابن العربي يُشْعِر بأن ترك ذلك أمر طرأ على أهل المدينة؛ لأنه قال: وهو أمر لم يُعْلَم بالمدينة، فالله أعلم بمن قطعه كما قطع غيره. انتهى.
وأما امتناع مالك من الرواية عن سعد، فليس لأجل هذا الحديث، بل لكونه طَعَن في نسب مالك، كذا حكاه ابن البَرْقِيّ، عن يحيى بن معين، وحَكَى أبو حاتم، عن عليّ ابن المدينيّ، قال: كان سعد بن إبراهيم لا يحدث بالمدينة، فلذلك لم يكتب عنه أهلها.
وقال الساجي: أجمع أهل العلم على صدقه. وقد روى مالك عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عنه، فصح أنه حجة باتفاقهم، قال: ومالك إنما لم يرو عنه لمعنى معروف، فأما أن يكون تكلم فيه، فلا أحفظ ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2035]
(
…
) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِـ {الم (1) تَنْزِيلُ} فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)} ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
1 -
(أَبُو الطَّاهِرِ) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح، تقدّم قريبًا.
2 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا.
3 -
(إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [8](ت 185)(ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 141.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث سبق شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(21) - (بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2036]
(881) - (وَحَدَّثنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [10](ت 226) على الصحيح (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
2 -
(خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 182)(ع) تقدم في "الإيمان" 78/ 407.
3 -
(سُهَيْلُ) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [6](ت 138)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 161.
4 -
(أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [3](ت 101)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
5 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(منها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من سهيل، وشيخه نيسابوريّ، وخالد واسطيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ) أي: أدّى صلاتها، وفرغ منها (فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا") وفي رواية سفيان، عن سهيل الآتية:"من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا".
وفيه إشارة إلى أن الأربع سنة، وليست بواجبة.
وقال النوويّ رحمه الله: في هذه الأحاديث استحبابُ سنّة الجمعة بعدها، والحثّ عليها، وأن أقلها ركعتان، وأكملها أربع، فنبّه صلى الله عليه وسلم بقوله:"إذا صلى أحدكم بعد الجمعة، فليصلّ بعدها أربعًا" على الحثّ عليها، فأتى بصيغة الأمر، ونبّه بقوله:"من كان منكم مصليًا" على أنها سنة ليست واجبة، وذَكَرَ الأربع؛ لفضيلتها، وفَعَلَ الركعتين في أوقات؛ بيانًا لأن أقلها ركعتان، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا
(1)
؛ لأنه أمرنا بهنّ، وحَثّنا عليهنّ، وهو أرغب في الخير، وأحرص عليه، وأولى به. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(2)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "إذا صلّيت بعد الجمعة
…
إلخ" أي: إذا أردتم أن تصلّوا نفلًا، كما قال في الرواية الأخرى: "من كان مصلّيًا بعد الجمعة، فليُصلّ أربعًا"، قال المازريّ: وكل هذا إشارة إلى ترك الاقتصار على
(1)
سيأتي تعقّب الحافظ العراقيّ له في هذا، فتنبّه.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 169 - 170.
ركعتين؛ لئلا تلتبس الجمعة بالظهر التي هي أربع على الجاهل، أو لئلا يتطرّق أهل الْبِاَع إلى صلاتها ظهرًا.
وإلى الأخذ بظاهر هذا الحديث ذهب أبو حنيفة، وإسحاق، فقالا: يصلي أربعًا لا يَفصِل بينهنّ، وروي عن جماعة من السلف أنه يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، وهو مذهب الثوريّ، وأبي يوسف، لكن استَحَبّ أبو يوسف تقديم الأربع على الاثنتين، واستَحَبّ الشافعيّ التنفّل بعدها، وأن الأكثر أفضل، وأخذ مالك برواية ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي في بيته ركعتين، وجعله في الإمام أشدَّ، ووسَّعَ لغيره في الركوع في المسجد مع استحبابه أن لا يفعلوا، قاله عياضٌ. انتهى
(1)
.
وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [21/ 2036 و 2037 و 2038](881)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1131)، و (الترمذيّ) في "الجمعة"(523)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1426) و"الكبرى"(1743)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1132)، و (الحميديّ) في "مسنده"(976)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 249 و 442 و 499)، و (الدارميّ) في "سننه"(1583)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1873 و 1874)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1979 و 1980 و 1981)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في التطوّع بعد الجمعة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: قد اختلفوا في هذا الباب: فرأت طائفة أن يصلي بعدها أربعًا، هذا قول عبد الله بن مسعود، وإبراهيم، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
(1)
"المفهم" 2/ 518 - 519.
وذهبت طائفة إلى أنه يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، رُوي هذا القول عن عليّ، وابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، ومجاهد، وعطاء، وحُميد بن عبد الرحمن، وبه قال سفيان الثوريّ، وقال أحمد: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعًا.
وذهبت طائفة إلى أنه يصلي بعد الجمعة ركعتين، هكذا فعل ابن عمر، وروي عن النخعيّ.
قال ابن المنذر رحمه الله: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعًا، ويصلي أربعًا يفصل بين كلّ ركعتين بتسليم أحبّ إليّ. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله بتصرف
(1)
.
وقال الإمام الترمذيّ رحمه الله في "جامعه" بعد رواية حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "كان يصلي بعد الجمعة ركعتين": والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعيّ، وأحمد، ثم قال بعد رواية حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا": والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا، وبعدها أربعًا، ورُوي عن علي بن أبي طالب أنه أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعًا، وذهب سفيان الثوريّ، وابن المبارك إلى قول ابن مسعود، وقال إسحاق: إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعًا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين، واحتجّ بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وبحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم:"من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا".
قال الترمذيّ رحمه الله: وابن عمر زيمبن هو الذي رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وابن عمر بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد بعد الجمعة ركعتين، وصلى بعد الركعتين أربعًا، ثم رواه كذلك.
وروى أبو داود في "سننه" عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه كان إذا كان بمكة، فصلى الجمعة، تقدّم، فصلى ركعتين، ثم تقدم، فصلى أربعًا، وإذا كان
(1)
"الأوسط" 4/ 125 - 127.
بالمدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلى ركعتين، ولم يصلّ في المسجد، فقيل له؟ فقال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك".
قال الحافظ العراقيّ رحمه الله في "شرح الترمذيّ": والظاهر أن المرفوع منه آخر الحديث فقط، وهو ما كان يفعله بالمدينة، دون ما كان يفعله بمكة، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصحّ أنه صلى الجمعة بمكة، وكان ابن عمر في زمنه بمكة قبل الهجرة صغيرًا، فإن أريد رفع فعله بمكة أيضًا، وهو بعيد، فيَحْتَمِل أنه رآه يصلي بمكة بعد الظهر في المسجد، أوأنه صلى الجمعة بمكة بعد الفتح، ولم يُنقل ذلك.
ثم قال بعد ذلك: قد يُسأل عن الحكمة في كون ابن عمر كان يصليها بمكة في المسجد، وفي المدينة بمنزلة.
وقد يجاب بأنه لعله كان يريد التأخر في مسجد مكة للطواف بالبيت، فيكره أن يفوته بمضيه إلى منزلة لصلاة سنة الجمعة زمن مما يغتنمه في الطواف، أوأنه يشقّ عليه الذهاب إلى منزلة، ثم الرجوع إلى المسجد للطواف، أوأنه كان يرى النوافل تضاعف بمسجد مكة، دون بقية مكة، فكان يتنفّل في المسجد لذلك، أو كان له أمر يتعلّق به في المسجد من الاجتماع بأحد، أو غير ذلك مما يقتضي أولوية صلاته في المسجد. انتهى.
قال ولي الدين رحمه الله: وهو مبنيّ على ما ذكره أوّلًا من أن المرفوع آخر الحديث فقط.
لكن ظاهر اللفظ أن تفريق ابن عمر بين البلدين في ذلك فعله لمجرّد الاتباع، والله أعلم.
وقال ابن عبد البرّ رحمه الله: قال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعًا، وقال في موضع آخر: ستًّا، وقال الثوريّ: إن صليت أربعًا، أو ستًّا، فحسن. وقال الحسن بن حيّ: يصلي أربعًا، وقال أحمد بن حنبل: أحبّ إليّ أن يصلي بعد الجمعة ستًّا، وإن صلى أربعًا فحسن، لا بأس به.
قال ابن عبد البرّ: وكل هذه الأقوال مروية عن الصحابة، قولًا، وعملًا، ولا خلاف بين العلماء أن ذلك على الاختيار.
وقال ابن بطّال رحمه الله: قالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين، روي ذلك عن ابن عمر، وعمران بن حصين، والنخعيّ.
وقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، روي عن عليّ، وابن عمر، وأبي موسى، وهو قول عطاء، والثوريّ، وأبي يوسف، إلا أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين.
وقالت طائفة: يصلي أربعًا لا يفصل بينهنّ بسلام، روي ذلك عن ابن مسعود، وعلقمة، والنخعي، وهو قول أبي حنيفة، وإسحاق. انتهى.
وفي مصنَّف ابن أبي شيبة وغيره عن أبي عبد الرحمن، وهو السُّلَميّ، قال: قَدِم علينا ابن مسعود، فكان يأمرنا أن نصلي بعد الجمعة أربعًا، فلما قَدِم علينا عليّ أمرنا أن نصلي ستًّا، فأخذنا بقول عليّ، وتركنا قول عبد الله، قال: كان يصلي ركعتين، ثمّ أربعًا.
وذكر ابن العربيّ أن أمره صلى الله عليه وسلم بالأربع لئلا يُتوهّم من الركعتين أنهما تكملة الركعتين المتقدّمتين، فيكون ظهرًا، وسبقه إلى ذلك المازريّ، فقال: وكلّ هذا إشارة إلى ترك الاقتصار على ركعتين، لئلا تلتبس الجمعة بالظهر التي هي أربع على الجاهل، أو لئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا.
وقال النووي في "شرح مسلم": نبّه بقوله: "من كان منكم مصليًا" على أنها سنة، ليست بواجبة، وذَكَرَ الأربعَ لفضلها، وفعل الركعتين في أوقات، بيانًا؛ لأن أقلها ركعتان، قال: ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا؛ لأنه أمرنا بهنّ، وحثّنا عليهنّ، وهو أرغب في الخير، وأحرص عليه، وأولى به. انتهى.
قال العراقيّ رحمه الله: وما ادعاه من أنه معلوم أنه كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا فيه نظر، فليس ذلك بمعلوم، ولا مظنون؛ لأن الذي صح عنه صلاة ركعتين في بيته، ولا يلزم من كونه أمر به أن يفعله.
وكون ابن عمر كان يصلي بمكة بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلى بعدها ركعتين في بيته، فقيل له؟ فقال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك".
فليس في ذلك علم، ولا ظنّ أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل بمكّة ذلك، وإنما أراد
رفع فعله بالمدينة، فحسبُ؛ لأنه لم يصحّ أنه صلى الجمعة بمكة، وعلى تقدير وقوعه بمكة منه، فليس ذلك في أكثر الأوقات، بل نادرٌ.
وربما كانت الخصائص في حقه بالتخفيف في بعض الأوقات، فإنه صلى الله عليه وسلم "كان إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم، ومسّاكم
…
" الحديث، رواه مسلم.
فربما لَحِقَه تَعَبٌ من ذلك، فاقتصر على الركعتين في بيته، وكان يطيلهما كما ثبت في رواية النسائي:"وأفضل الصلاة طول القنوت"؛ أي: القيام، فلعلها كانت أطول من أربع ركعات خِفَاف، أو متوسطات، وكما ترك قيام الليل ليلة المزدلفة في حجة الوداع، ونام حتى أصبح؛ لما تقدم له من الأعمال بعرفة من وقوفه من الزوال إلى ما بعد الغروب، واجتهاده في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، فاقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا، ورقد بقية ليله، مع كونه كان يقوم في الليل حتى تورّمت قدماه، ولكنه أراح نفسه؛ لما تقدّم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر من كونه نحر بيده ثلاثًا وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. انتهى كلام العراقيّ رحمه الله
(1)
، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أقوال أهل العلم في قبلية الجمعة:
قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: قد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في إنكاره، وجعلوه بدعة، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يؤذَّن للجمعة إلا بين يديه، وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة.
وممن أنكر ذلك من متأخري الشافعية، وجعله من البِدَع، والحوادث الإمام شهاب الدين أبو شامة.
قال: ولم أر في كلام الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة استحباب سنة للجمعة قبلها.
(1)
"طرح التثريب" 3/ 37 - 41، و"نيل الأوطار" 3/ 333 - 334.
وذهب آخرون إلى أن لها سنةً قبلها، منهم النوويّ، فقال: يسنّ قبلها ما قبل الظهر، وقال: العمدة فيه القياس على الظهر، ويُستأنس بحديث سنن ابن ماجه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبلها أربعًا، وإسناده ضعيف جدًّا، بل قال النووي في "الخلاصة": هو حديث باطل، في سنده مبشر بن عُبيد متروك، بل رماه أحمد بالوضع.
واستدلّوا أيضًا بما رواه ابن ماجه في "سننه" بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء سُليك الغَطَفانيّ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أصليت قبل أن تجيء؟ " قال: لا، قال:"فصلّ ركعتين، وتجوّز فيهما"، قال المجد ابن تيمية في "الأحكام": رجال إسناده ثقات، ورواه ابن ماجه أيضًا من حديث جابر رضي الله عنه، قال العراقيّ رحمه الله: وإسناده صحيح.
قالوا: فقوله: "قبل أن تجيء" يدلّ على أن الصلاة المأمور بها ليست تحية المسجد؛ لأن فعلها في البيت لا يقوم مقام فعلها في المسجد، فتعيّن أنها سنة الجمعة.
وفيه نظر فلم يتعين ذلك
(1)
فلا يجوز إثبات سنة الجمعة لمجرد هذا؛ إذ يحتمل أن معناه قبل أن تقترب مني لسماع الخطبة، وليس المراد قبل أن يجيء إلى المسجد؛ لأن صلاته قبل مجيء المسجد غير مشروعة، فكيف يسأله عنها؛ إذ المأمور به بعد دخول وقت الجمعة السعي إلى مكان الجمعة، وقبله لا يصحّ فعلها بتقدير ثبوتها.
واستدلُّوا أيضًا بما رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه" عن نافع، قال:"كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك".
قال العراقيّ رحمه الله: وفي الاستدلال به نظر من وجهين:
(أحدهما): أنه لا يلزم من إطالته الصلاة قبل الجمعة أن يكون ذلك سنة للجمعة، بل قد يكون قبل الزوال في انتظاره.
(1)
هكذا نسخة "الطرح"، ولعلّ الصواب:"إذ لم يتعيّن ذلك"، والله أعلم.
(والوجه الثاني): أن الظاهر أن المراد بالمرفوع منه صلاة ركعتين بعدها في بيته على وفق حديثه المتَّفَق عليه في "الصحيحين"، فأما إطالة الصلاة قبلها، فلم يُنقل عنه فعله؛ لأنه كان يخرج إلى صلاة الجمعة، فيؤذن بين يديه، ثم يخطب. انتهى.
واستدلوا أيضا بما ثبت في "الصحيحين" عن عبد الله بن مغفّل رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:"بين كلّ أذانين صلاة".
قال العراقيّ رحمه الله: ولقائل أن يعترض على الاستدلال به بأن ذلك كان متعذِّرًا في حياته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان بين الأذان والإقامة الخطبة، فلا صلاة حينئذ بينهما، نعم بعد أن جَدَّد عثمان الأذان على الزوراء يمكن أن يصلي سنة الجمعة قبل خروج الإمام للخطبة، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظر لا يخفى؛ إذ الكلام في مشروعية سنة الجمعة القبلية، هل لها دليل تثبت به من قوله صلى الله عليه وسلم، أو فعله، أم لا؟، لا عما أحدث بعده صلى الله عليه وسلم، وأيضا الثابت عن عثمان رضي الله عنه هو الأمر بالأذان، ولم يثبت عنه أنه أمر بسنة الجمعة القبليّة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
واستدلوا أيضًا بما رواه ابن حبان في "صحيحه"، والدارقطني في "سننه"، وغيرهما عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من صلاة مفروضة، إلا وبين يديها ركعتان"، وهذا يتناول الجمعة وغيرها.
لكن يُضَعَّفُ الاستدلالُ به من جهة أنه عموم يقبل التخصيص، فيقدّم عليه ما هو الظاهر من حال النبيّ صلى الله عليه وسلم، والصحابة أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك.
قال العراقيّ رحمه الله: واستَدَلّ بعضهم بحديث عبد الله السائب، وأبي أيوب الأنصاريّ، وثوبان رضي الله عنهم في صلاة أربع ركعات بعد الزوال، وقوله صلى الله عليه وسلم:"إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء".
ولقائل أن يقول: هذه سنة الزوال، ففي حديث عليّ رضي الله عنه أنه كان يصلي بعدها أربعًا قبل الظهر.
وقد يجاب عنه بأنه حصل في الجملة استحباب أربع بعد الزوال كل يوم، سواء الجمعة وغيرها، وهو المقصود. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب عن هذا كالجواب عن سابقه، فيقال: هذا عامّ خُصّ منه يوم الجمعة بما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم أنهم ما كانوا يصلون قبل الجمعة، كما تقدم، والله تعالى أعلم.
وقال ولي الدين رحمه الله: وهذه الأمور التي استُدِلّ بها على سنة الجمعة قبلها وإن كان في كلّ منها على انفراده نظرٌ، فمجموعها قويّ يضعف معه إنكارها.
وأقوى ما يُعارض ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يؤذن في زمنه يوم الجمعة غير أذان واحد في أول الوقت، وهو على المنبر، وذلك الأذان يعقبه الخطبة، ثم الصلاة، فلا يمكن مع ذلك أن يفعلها النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من أصحابه.
وبالجملة فالمسألة مشكلة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام ولي الدين رحمه الله هذا نظر لا يخفى.
أما قوله: "فمجموعها قويّ يضعف معه إنكارها"، فقد كفانا الجواب عنه هو بنفسه، حيث قال: وأقوى ما يعارِضُ ذلك
…
إلخ، فأيّ قوة من هذه الأمور المعترَضَة بما سبق مع هذا الصريح الصحيح الثابت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم، أنهم ما كانوا يصلون سنة الجمعة القبلية المزعومة؟.
وكيف لا يُنكَر على من ادَّعَى شرعية ما لم يَشْرَعه الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا ثبت من فعله، ولا فُعل بمحضره صلى الله عليه وسلم؟ أليس هذا هو الابتداع الذي ينبغي إنكاره؟ إن هذا لشيء عجيب!!.
وأما قوله: "وبالجملة فالمسألة مشكلة"، فجوابه أنه لا إشكال -بحمد الله تعالى- في هذه المسألة عند من لم يُعْمِه التقليد، والتقيُّد برأي فلان، أو فلان، والتجمّد عليه؛ إذ حكمها واضح وضوحَ الشمس في رائعة النهار؛ إذ مَن ادَّعى سنية قبلية الجمعة ما أتى بدليل يُستند إليه، إلا القياس على الظهر، فهذا أقوى دليل عندهم، كما تقدم في كلام النوويّ رحمه الله، وأما مستندهم من الأحاديث، فقد عرفت ضعفها فيما سبق، وقد صحّ لدينا أنه صلى الله عليه وسلم ما صلى قبلية الجمعة، ولا أمر بها، ولا فعلها أصحابه بحضرته، بل كان يؤذن بين يديه صلى الله عليه وسلم،
فيقوم، فيخطب، ثم ينزل، فيصلي، فإذا ثبت هذا بطل القياس؛ إذ هو في مقابلة النص فاسد الاعتبار، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا
…
تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى
…
تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
وبالجملة فمسألتنا واضحة لا إشكال فيها، ولله الحمد والمنة.
والحاصل أن قبلية الجمعة مما لا أثارة عليه من علم، بل هي من الأمور المحدثة التي ينبغي إنكارها.
ومن أغرب ما نراه ممن لا يبالي بالسنة أن كثيرًا منهم يواظب على صلاة ركعتين، أو أربع بزعم أنها سنة قبلية للجمعة، ولا يترك ذلك، ولو رأى الإمام جالسًا على المنبر، أو شارعًا في الخطبة، ثم يتساهل فيما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله:"إذا صلى أحدكم الجمعة، فليصلّ بعدها أربعًا"، فلا يلتفت لهذا الأمر، بل إن صلى يصلي ركعتين فقط، أو يترك الصلاة بالكلية يذهب لحاجته، وهذا هو نتيجة التساهل في التمسك بالسنة، ومن تقديم البدعة عليها، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من الحرمان والخذلان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهان]:
(الأول): أنه ينبغي أن يُتنبه إلى شيء مُهمّ جدًّا، وهو أن إنكار الصلاة قبل الجمعة إنما هو لمن يعتقد أنها سنة قبلية ثابتة كسنة الظهر، وأما مطلق الصلاة لمن حضر قبل حضور الإمام، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة.
فقد تقدّم للمصنّف من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدّر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام".
فينبغي أن يَشتغل من أتى إلى الجمعة بالصلاة إلى أن يجلس الإمام على المنبر؛ لينال هذا الفضل العظيم.
وكذا من دخل المسجد بعد خروج الإمام، ولو في حال الخطبة يستحب له أن يصلي ركعتين خفيفتين كما تقدم في حديث:"إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإمام، فليصلّ ركعتين"، وفي لفظ:"إذا جاء أحدكم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما".
وإنما نبهت على هذا، وإن كان واضحًا؛ لئلا يعتقد القاصر إذا سمع إنكار قبلية الجمعة، أن الصلاة قبلها غير مشروعة مطلقًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(التنبيه الثاني): قبليّة الجمعة التي سبق إنكارها هي التي تُسمّى في أصول الفقه بالسنة التركيّة، وقد استوفيت البحث فيها في "التحفة المرضية"، ودونك نصّها:
وَتَرْكُهُ فِعْلًا مِنَ الأَفْعَالِ
…
يَكُونُ حُجّةً بِلَا جِدَالِ
نَقْلُ الصَّحَابَةِ لَهُ يَنْقَسِمُ
…
إِلَى صَرِيحٍ دُونَ لَبْسٍ يُفْهَمُ
كَمِثْلِ صَلَّى عِيدَهُ بِلَا أَذَانِ
…
وَلَا إِقَامَةٍ فَحَقِّقِ الْبَيَانِ
وَالثَّانِ أَنْ لَا يَنْقُلُوا فِعْلًا لَهُ
…
مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي نَقْلَهُ
كَتَرْكِ لَفْظِ نِيّةِ الصَّلَاةِ مَعْ
…
تَرْكِهِ لِلدَّعَاءِ بَعْدَهَا فَدَعْ
أَيْ مَعَ تَأْمِينِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهْ
…
وَنَحْوِ ذَا مِمَّا الصِّحَابُ لَمْ يَعُوهْ
وَتَرْكُهُ يَكُونُ حُجَّةً إِذَا
…
وُجِدَتِ الشُّرُوطُ فَادْرِ الْمَأْخَذَا
أَنْ يُوجَدَ السَّبَبُ مِمَّا يَقْتَضِي
…
الْفِعْلَ ذَا فِي عَهْد الَّذِي ارْتُضِي
وَالثَّانِ أَنْ تَقُومَ حَاجَةٌ إِلَى
…
ذَاكَ الَّذِي تَرَكَهُ لِيُفْعَلَا
وَالثَّالثُ انْتِفَاءُ مَانِعٍ فَقَدْ
…
بَانَتْ شُرُوطُ التَّرْكِ فَاحْفَظْ تُعْتَمَدْ
فَتَرْكُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ دَلْ
…
لِكَوْنِهِ سَنَّ لَنَا تَرْكَ الْعَمَلْ
أَمَّا إِذَا خَلَا عَنِ الشُّرُوطِ لَا
…
يَدُلُّ تَرْكُهُ عَلَى السَّنِّ انْجَلى
خُلَاصَةُ الْقَوْلِ لِتَرْكِ الْفِعْلِ لَا
…
يَخْلُو مِنَ الْحَالَاتِ تَأْتِي فَاعْقِلَا
أَوَّلُهَا التَّرْكُ لِفَقْدِ الْمُقْتَضِي
…
كَتَرْكِ مَانِعِ الزَّكَاةِ الْمُعْرِضِ
وَالثَّانِ تَرْكُهُ لِمَانِعٍ حَصَلْ
…
كَتَرْكِهِ الْقِيَامَ خَوْفًا لِلْمَلَلْ
ثَالِثُهَا التَّرْكُ مَعَ اقْتِضَاءِ
…
لَهُ كَذَا الْمَانِعُ ذُو انْتِفَاءِ
كَتَرْكِهِ الأَذَانَ لِلْعِيدَيْنِ
…
نَقُولُ تَشْرِيعٌ بِغَيْرِ مَيْنِ
فَهَذِهِ بِالسُّنَّةِ التَّرْكِيَّهْ
…
يَدْعُونَهَا فَاتْرُكْ بِحُسْنِ نِيَّهْ
وَسُنَّةُ التَّرْكِ عَلَى ثَلَاثَةِ
…
تُبْنَى كَمَالَ الدِّينِ مِنْهَا أَثْبِتِ
إِذْ هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الزَّيْدِ فَقَدْ
…
رَضِيَهُ دِينًا إلَهُنَا الصَّمَدْ
وَالثَّانِ أَنَّ الْمُصْطَفَى بَيَّنَهُ
…
أَتَمَّ تَبْيِينٍ فَمَا أَحْسَنَهُ
فَمَا مِنَ الْخَيْرَاتِ إِلَّا أَرْشَدَا
…
أُمَّتَهُ لَهَا وحَثًّا أَكَّدَا
وَمَا مِنَ الشُّرُورِ إِلَّا حَذَّرَا
…
وَشَدَّدَ النَّكِيرَ حَتَّى تَحْذَرَا
ثَالِثُهَا حِفْظُ الإِلَهِ الدِّينَ مِنْ
…
كَيْدِ الشَّيَاطِينِ فَشَرَّهُمْ أَمِنْ
وإن أردت تحقيق البحث في هذه المسألة فلتراجع الشرح "المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة"، تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2037]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَصَلُّوا أَرْبَعًا،، زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: قَالَ سُهَيْلٌ: "فَإِنْ عَجِلَ بِكَ شَيْءٌ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتَيْنِ إِذَا رَجَعْتَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
3 -
(عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [8](ت 192) عن بضع وسبعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ
…
إلخ) يعني: أن شيخه عمرًا الناقد زاد في روايته ما لفظه: "قال إدريس: قال سُهيلٌ: فإن عَجِلَ بك شيء
…
إلخ"، والمعنى: أنك إن استعجلت، فلم تتمكّن من إكمال أربع ركعات بعد الجمعة في المسجد، فصلّ ركعتين فيه، وركعتين في بيتك، وفيه إشارة إلى تأكّد الأمر بأربع ركعات.
[تنبيه]: قوله: "قال ابن إدريس: قال سُهيل
…
إلخ" ظاهره أنه من كلام سُهيل موقوفًا عليه، وليس مرفوعًا، وتدلّ على ذلك رواية أبي داود، ولفظه: "قال: فقال لي أبي: يا بُنيّ، فإن صلّيت في المسجد ركعتين، ثم أتيت المنزل، أو البيت، فصل ركعتين". انتهى.
ورواية أبي داود صريحة في أن سهيلًا أمره به أبوه، وظاهر رواية
المصنّف أنه أمر به ابنَ إدريس، ولعله أمره به أبوه، ثم هوأمر به ابن إدريس، والله تعالى أعلم.
وقوله أيضًا: (فَإِنْ عَجلَ بِكَ شَيْءٌ) بكسر الجيم، من باب تَعِبَ؛ أي: حملك على الاستعجال، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2038]
(
…
) - (وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا"، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ:"مِنْكُمْ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
وكلّهم تقدّموا، فمن سُهيل ذُكروا في الباب، ومن قبله في الباب الماضي، سوى جرير، قبل باب، وسفيان هو الثوريّ.
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: "مِنْكُمْ") يعني: أن لفظ "منكم" لم يُذكر في حديث جرير، وإنما ذُكر في حديث وكيع فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2039]
(882) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثنا
(2)
قُتَيْبَةُ، حَدَّثنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ "قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ ذَلِكَ).
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) ذُكر في الباب.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) تقدّم قريبًا.
3 -
(اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم قريبًا أيضًا.
4 -
(قتيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل باب.
5 -
(نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [3](ت 117)(ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
6 -
(عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ المشهور، مات رضي الله عنه سنة (73) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 102، وشرح الحديث واضحٌ.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [21/ 2039 و 2040 و 2041](882)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(937) و"التطوّع"(1172 و 1180)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1252)، و (الترمذيّ) في "الجمعة"(521 و 522)، و (النسائيّ) في "الجمعة"(1228) و"الكبرى"(326 و 515 و 1670)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1130 و 1131)، و (الحميديّ) في "مسنده"(674)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 11)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1198 و 1871)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1982 و 1983)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2040]
(
…
) - (وَحَدَّثنَا
(1)
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ وَصَفَ تَطَوُّعَ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ
(2)
: فَكَانَ
(1)
وفي نسخة: "وحدّثني".
(2)
وفي نسخة: "فقال".
لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي
(1)
رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، قَالَ يَحْيَى: أَظُنُّنِي
(2)
قَرَأْتُ: فَيُصَلِّي، أَوْ أَلْبَتَّةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم ذُكروا قبله، غير:
1 -
(مالك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين، وإمام المجتهدين، [7](ت 179)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 378.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (134) من رباعيّات الكتاب، وهو أصحّ الأسانيد، فقد نُقل عن البخاريّ أنه قال: أصحّ الأسانيد كلّها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وقوله: (أَنَّهُ وَصَفَ
…
إلخ) الضمير لابن عمر رضي الله عنهما.
وقوله: (قَالَ: فَكَانَ
…
إلخ) وفي نسخة: "فقال
…
إلخ".
وقوله: (فَيُصَلِّي) وفي نسخة: "فصلّى".
وقوله: (قَالَ يَحْيَى: أَظنُنِي قَرَأْتُ: فَيُصَلِّي، أَوْ أَلبَتَّةَ) قال النوويّ رحمه الله: معناه أظنّ أني قرأت على مالك في روايتي عنه: "فيصلّي"، أوأجزم بذلك، فحاصله أنه قال: أظنّ هذه اللفظة، أوأجزم بها. انتهى
(3)
.
ووقع في بعض النسخ: "أظنّه" بضمير الغائب، وعليه فالضمير للشأن، والجملة بعده مفسّرة له.
وقال القاضي عياض رحمه الله: قوله: "أظن قرأت
…
إلخ" هذا لفظ يُشكل ظاهره، وتفسيره أنه شكّ هل قرأ على مالك قوله: فيُصلي ركعتين، أو غير هذا اللفظ، كيركع، أو سقط من كتابه لفظة "يصلي"؟ ثم غَالَبَ ظنه وقوع هذه اللفظة وشهرتها في حديث مالك، قال: أو ألبتّة؛ أي: أنا متردّد بين الظنّ واليقين في هذه اللفظة؛ تحرّيًا في الأداء، قال: وكان رحمه الله مع علمه وحفظه
(1)
وفي نسخة: "فصلى".
(2)
وفي نسخة: "أظنه".
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 170.
كثير التشكك في الألفاظ؛ لورعه وتقاه حتى لُقِّب بالشكّاك. انتهى
(1)
.
[فائدة مهمّة]: قال العلامة ابن عابدين رحمه الله في "الفوائد العجيبة": قولهم: "لا أفعله البَتَّةَ"، هي مصدر من البَتّ بمعنى القطع، وفي "القاموس": لا أفعلُهُ البَتَّةَ، وبتَّةً لكلِّ أمرٍ لا رَجْعَةَ فيه. انتهى.
والمشهور على الألسنة أنّ همزتها همزة قطع، وبه صَرَّح الإِمام الكِرْمانيّ في "شرح البخاريّ"، وردّه الحافظ ابنُ حجر في شرحه "فتح الباري" بما حاصله أَنَّه لم يَرَ أحدًا من أهل اللغة صرَّحَ بذلك، ونازعه البدر العَيْنيّ في "شرحه" أيضًا بانّ عدم رؤيته واطلاعه على التصريح بذلك لا يُنافي وجوده.
قال ابن عابدين: القياس يقتضي ما قاله الحافظ، فإنّه من المصادر الثلاثية، وهمزاتها همزة وصل، وبمنازعة العينيّ لا يثبت المدَّعى، نَعَمْ قد يُقال من حُسْنِ الظنِّ بالإِمام الكِرْماني أنّه لا يقولُ ذلك من رأيه مع مخالفته لقياسه على نظائره، فلولا وقوفه على ثَبَت في ذلك لما قاله.
وصرّح بعض الفضلاء بأنّ المشهور كونها همزة قطع، وأنّه مما خالف القياس، وهو يؤيد ما قاله الكِرْمانيّ، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال.
قال: ثمّ رأيت في "الشرح الكبير" للعلامة الدمامينيّ على "المغني" عند قوله في "باب الهمزة": ولو كان على الاستفهام الحقيقيّ لم يكن مدحًا البَتةَ، ما نَصُّهُ: هي بمعنى القول المقطوع به، قالَ الرضيّ: وكأنَّ اللام فيها في الأصل للعهد؛ أي: القَطْعَة المعلومة التي لا تردّد فيها، فالتقدير هنا: أجزمُ بهذا الأمر، وهوأنّه لو كان على حقيقة الاستفهام لم يكن مدحًا قَطْعةً واحدةً، والمعنى أنّه ليس فيه تردّد، بحيث أجزم به، ثُمّ يبدو لي، ثُمّ أجزمُ به مرة أخرى، فيكون قطعتين، أو أكثر، بل هو قطعة واحدة لا يُثَنَّى فيها النظر، فالبَتَّة بمعنى القَطْعَة، ونصبها نصب المصادر. انتهى.
وفي هذا إشارة ظاهرة إلى أنّ الهمزة همزة وصل، بل كلام الرضيّ كالصريح في ذلك، اللهمّ إلّا أنْ يكونَ ذلك بناءً على ما هو القياس، فلا يُنافي ما قدّمناه من أنّ قطع همزتها مما خالف القياس.
(1)
"إكمال المعلم" 3/ 287 - 288، و"شرح الأبيّ" 3/ 32 - 33.
قال: ثُمَّ رأيتُ التصريح بذلك في "تصريح الشيخ خالد الأزهريّ" في بحث المعرفة حيث قال: البَتَّة بقطع الهمزة سماعًا، قاله شارح اللباب، والقياس وصلها. انتهى. فليتأمَّل.
وجاء في "لباب الإعراب": أنّ الأكثر فيه التعريف، وقطع الهمزة بمعزل عن القياس، لكنه مسموع. انتهى كلام ابن عابدين رحمه الله
(1)
وقال المرتضى الزَّبِيديّ رحمه الله في "شرح القاموس" عند قوله: "ولا أفعله البتّةَ، وبَتَّةً لكلّ أمر لا رجعة فيه"، ما نصّه: ونصبه على المصدر، قال ابن برّيّ: مذهب سيبويه وأصحابه أن البتّة لا تكون إلا معرفة لا غير، وإنما أجاز تنكيره الفرّاء وحده، وهو كوفيّ، ونقل شيخنا عن الدمامينيّ في "شرح التسهيل": زَعَمَ في "اللباب" أنه سُمِع في "البتّة" قطع الهمزة، وقال شارحه في "العباب": إنه المسموع، قال البدر: ولا أعرف ذلك من جهة غيرهما، وبالغ في ردّه وتعقُّبه، وتصدّى لذلك أيضًا عبد الملك العصاميّ في حاشيته على شرح القطر. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من كلام المحقّقين أن الصواب في همزة "البتّة" أنها وصل، على ما هو القياس، وليست بقطع؛ لأن ذلك لم يثبُت عند المحققين، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2041]
(
…
) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثنا عَمْرٌو، عَنِ الزهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي.
(1)
"الفوائد العجيبة" 1/ 52 - 54.
(2)
"تاج العروس من جواهر القاموس" 1/ 534.
2 -
(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
3 -
(عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
4 -
(الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ المشهور، من رؤوس 41، (ت 125)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 348.
5 -
(سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر، أوأبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار [3](ت 106) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 162.
والباقون ذُكروا في الباب.
وشرح الحديث واضحٌ، وقد تقدّم تخريجه قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(22) - (بَابُ النَّهْي عَنْ وَصْلِ النَّافِلَةِ بِالْفَرِيضَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِالْكَلَامِ، أَوِ الْخُرُوجِ مِنْ مَحَلِّهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2042]
(883) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَة، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ، أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنَا بِذَلِكَ، أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ
(1)
، حَتَّى نتكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ).
(1)
وفي نسخة: "أن لا توصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج" بحذف لفظة "بصلاة".
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب.
2 -
(غُنْدَرٌ) هو: محمد بن جعفر الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [9](ت 3 أو 194)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
3 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
4 -
(عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ) -بضم الخاء المعجمة، وتخفيف الواو- المكيّ، مولى بني عامر، ثقة [4](م د) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 43/ 1477.
5 -
(السَّائِبُ ابْنُ أُخْتِ نَمِرِ) بن سعيد بن ثُمَامة الْكِنْديّ، وقيل غير ذلك في نسبه، ويُعْرَف بابن أخت النَّمِر، صحابي صغير، له أحاديث قليلةٌ، وحُجَّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عُمَر رضي الله عنه سوقَ المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" 17/ 1712.
6 -
(مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان صَخْر بن حَرْب بن أُمَيّة الأمويّ، أبو عبد الرحمن الخليفة الصحابيّ، أسلم قبل الفتح، وكَتَبَ الوحيّ، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الصلاة" 8/ 858.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعمر بن عطاء، تفرّد به المصنّف، وأبو داود.
3 -
(ومنها): أن فيه من اشتَهَر بالكنية، وهو غُنْدر بضمّ أوله، وسكون النون، وفتح الدال، وتُضمّ، ومعناه المشاغب، ولقبّه به ابن جُريج لَمّا ورد البصرة، كان يكثر التشغيب عليه، وأهل الحجاز يُسَمُّون المشغِّب غُندرًا
(1)
.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ رضي الله عنهما.
(1)
راجع: "تهذيب التهذيب" 9/ 85.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ) بضمّ، ففتح (أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ) بن مُطْعِم النوفليّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ المتوفَّى سنة (99 هـ)، تقدّمت ترجمته في "شرح المقدمة" جـ 2 ص 482. (أَرْسَلَهُ) أي: أرسل عمر بن عطاء (إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرِ) بن جبل خال يزيد بن سعيد، والد السائب، قال في "الإصابة": والنَّمِر خال أبيه يزيد، هو النَّمِر بن جَبَل، ووَهِمَ من قال: إنه النَّمِر بن قاسط. انتهى
(1)
.
(يَسْأَلُهُ) جملة حاليةّ من المفعول (عَنْ شَيءٍ رَآهُ مِنْهُ) أي: من السائب (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان رضي الله عنهما، (فِي الصَّلَاةِ) والمعنى أن نافعًا أرسل عمر بن عطاء يسأل السائب بن يزيد عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فأنكره عليه (فَقَالَ) السائب (نَعَمْ) المناسب من معانيها هنا الوعد، كأنه يعده بالإخبار، ثم أخبره، فقال:(صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي: مع معاوية رضي الله عنه (الْجُمُعَةَ) أي: صلاتها (فِي الْمَقْصُورَةِ) اسم مفعول من قصر الشيء: إذا حبسه، قال الفيّوميّ رحمه الله: وقصرته قَصْرًا: حبستُهُ، ومنه {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72)} [الرحمن: 72]، ومقصورة الدار: الْحُجْرة منها، ومقصورة المسجد أيضًا، وبعضهم يقول: هي مُحَوَّلةٌ عن اسم الفاعل، والأصل: قاصرةٌ؛ لأنها حابسةٌ، كما قيل:{حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء: 45]؛ أي: ساترًا. انتهى
(2)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: المقصورة: موضع من المسجد، تُقصَر على الملوك والأمراء، وأوّل من عَمِلَ ذلك معاوية رحمه الله لَمّا ضربه الخارجيّ، واستَمَرّ العمل عليها؛ لهذه العلّة؛ تحصينًا للأمراء، فإن كان اتّخاذها لغير تلك العلّة فلا يجوز، ولا يُصلَّى فيها؛ لتفريقها الصفوف، وحيلولتها بين الإمام وبين المصلّين خلفه مع تمكّنهم من مشاهدة أفعاله، وقد أجازها بعض المتأخّرين لغير التحصين، وفيه بُعْدٌ. انتهى
(3)
.
(فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قُمْتُ فِي مَقَامِي) أي: قمت في مكاني الذي صلّيت فيه
(1)
"الإصابة في تمييز الصحابة" 3/ 27.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 505.
(3)
"المفهم" 2/ 519.
الجمعة (فَصَلَّيْتُ) أي: النافلة من غير فاصل بينها وبين الفرض (فَلَمَّا دَخَلَ) أي: معاوية رضي الله عنه بيته (أَرْسَلَ إِلَيَّ) أي: للحضور عنده حتى يُبين له خطأه (فَقَالَ: لَا تَعُدْ) بفتح أوله، وضمّ ثانية، من العودة؛ أي: لا ترجع (لِمَا فَعَلْتَ) أي: من وصل النافلة بالفريضة في محلّ واحد (إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فَلَا تَصِلْهَا) بفتح أوله، وسكون ثانية، مضارع وَصَلَ الشيءَ بغيره (بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ) بحذف إحدى التاءين، وأصله حتى تتكلّم، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْصَرْ
…
فِيهِ عَلَى تَا كَـ"تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
(أَو تَخْرُجَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه من الخروج؛ أي: تنتقل من محلّ الجمعة إلى محلّ آخر من المسجد، ويؤيّد هذا قوله:"حتى تكلَّم"؛ لأن التكليم يكون في المسجد.
ويَحْتَمِلُ أن يكون المراد الخروج من المسجد، فيكون المراد أداء سنّة الجمعة في البيت، وهذا يؤيّده عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"صلُّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وكذا فعله صلى الله عليه وسلم، كما سبق في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والاحتمال الأول أقرب، والله تعالى أعلم.
ثمِ ذكر معاوية رضي الله عنه دليلًا ما قاله بالفاء التعليليّة، فقال:(فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنَا بِذلِكَ) أي: بما ذُكر من التكليم، أو الخروج، وقوله:(أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ) عطف بيان، أو بدل من اسم الإشارة.
قال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "ألا توصل بصلاة" هكذا وقع في إحدى الروايتين، وقد رُوي:"ألا نُوصل صلاةً"، فالأولى:"تُوصَلَ" بالتاء مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله، وفيه ضمير هو المفعول الذي لم يُسمّ فاعله، و"بصلاة" مُتعلّق به، فعلى هذا يكون النهي مخصوصًا بالجمعة لفظًا، والرواية الأخرى:"نُوصِلَ" بالنون مبنيًّا للفاعل، و"صلاة" مفعول، وهذا اللفظ يعُمّ جميع الصلوات. انتهى
(1)
.
(حَتَّى نَتَكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ) بنون المتكلّم، وفي رواية أبي داود:"حتى تتكلّم، أو تخرج" بتاء الخطاب.
قال البيهقيّ رحمه الله في "معرفة السنن والآثار" بعد إخراجه هذا الحديث:
(1)
"المفهم" 2/ 520.
قال الشافعيّ في "سنن حرملة": هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، وهذا في مثل ما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه مَرّ برجل يصلي ركعتي الفجر حين أقيمت الصلاة، فقال:"أصلاتان معًا؟ "، كأنه أحبّ أن يَفْصِلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام، يفصل بعد السلام، وقد رُوي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم اضطجع بعد ركعتي الفجر، ثم أخرج بسنده عن الشافعيّ، عن سفيان، عن عمر بن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة فأراد أن يتنفل بعدها أن لا يتنفل حتى يتكلَّم، أو يتقدم، وربما حدثه، فقال: إذا صلى أحدكم المكتوبة، ثم أراد أن يصلي بعدها، فلا يصلي حتى يتقدم، أو يتكلّم. انتهى
(1)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 2042 و 2043](883)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1129)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 99)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1705 و 1867)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1984 و 1985)، و (البيهقيّ) في "المعرفة"(2/ 522)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة فصل النافلة عن الفريضة، إما بالكلام، أو الخروج من محلّها، والأفضل الخروج إلى البيت؛ لما تقدّم من قوله صلى الله عليه وسلم:"صلُّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
2 -
(ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله: فيه دليل على جواز اتخاذ المقصورة في المسجد إذا رآها وليّ الأمر مصلحةً، قالوا: وأول من عملها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، حين ضربه الخارجيّ.
وقال القاضي عياض رحمه الله: واختلفوا في المقصورة، فأجازها كثيرون من السلف، وصَلَّوا فيها، منهم الحسن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم.
(1)
"معرفة السنن والآثار" 2/ 522.
وكَرِهها ابنُ عمر، والشعبيّ، وأحمد، وإسحاق، وكان ابن عمر -رضي الله نهما- إذا حضرت الصلاة، وهو في المقصورة، خرج منها إلى المسجد.
قال القاضي: وقيل: إنما تصح فيها الجمعة إذا كانت مباحةً لكل أحد، فإن كانت مخصوصة ببعض الناس ممنوعةً من غيرهم، لم تصح فيها الجمعة؛ لخروجها عن حكم الجامع. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم صحّة الجمعة إذا كانت ممنوعة على الناس، مما لا دليل عليه، وأيضًا إن الإذن للكل يُخرجها عما وُضعت له؛ لأنها ما وضعوها إلا اتّقاء عن الأشرار، فلو سومح لكلّ أحد لفات الغرض.
والحاصل أنها إذا اتُّخذت لغرض صحيح، فجواز الصلاة لمن فيها هو الأرجح؛ لما ذُكِر، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق.
3 -
(ومنها): ما قاله النوويّ أيضًا: فيه دليلٌ لما قاله أصحابنا: إن النافلة الراتبة وغيرها يُسْتَحَبّ أن يُتَحَوَّل لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحوُّل إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد، أو غيره؛ لتَكْثُر مواضعُ سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة.
4 -
(ومنها): أنه دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضًا، ولكن بالانتقال أفضل؛ لما مرّ آنفًا.
5 -
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: مقصود هذا الحديث منع ما يؤدّي إلى الزيادة على الصلوات المحدودات. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2043]
(
…
) - (وَحَدَّثنا
(1)
هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ابْنَ أُخْتِ نَمِرٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمَ قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِمَامَ).
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنيه".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [10](ت 243)(م 4) تقدم في "الإيمان" 64/ 361.
2 -
(حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، أبو محمد ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [9](ت 206)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 94.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) الفاعل ضمير حجاج بن محمد؛ يعني: أنه ساق الحديث بمثل حديث غُنْدر الماضي، إلا أنه لم يذكر لفظ "الإمام" من قوله:"فلما سلّم الإمام"، وإنما ذكره بلا فاعل ظاهر، لكن مثل هذا جائز؛ لأن الفاعل يكون ضمير يعود إلى الإمام؛ لدلالة السياق عليه.
[تنبيه]: رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج هذه ساقها ابن خزيمة رحمه الله في "صحيحه" (3/ 101) فقال:
(1705)
نا عبد الرحمن بن بشر، نا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، ثنا عمر بن عطاء
(1)
، وثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار (ح) وثنا عليّ بن سهل الرمليّ، ثنا الوليد، حدّثني ابن جريج، عن عمر بن عطاء، قال: أرسلني نافع بن جبير إلى السائب بن يزيد أسأله، فسألته، فقال: نعم صليت الجمعة في المقصورة، مع معاوية، فلما سلَّم قمت أصلي، فأرسل إليّ، فأتيته، فقال: إذا صلّيت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة، إلا أن تخرج، أو تتكلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، وقال ابن رافع، وعبد الرحمن:"أمر بذلك ألا توصل صلاة بصلاة، حتى تخرج، أو تتكلم".
قال أبو بكر
(2)
: عمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار هذا ثقة، والآخر هو عمر بن عطاء تَكَلَّم أصحابنا في حديثه؛ لسوء حفظه، قد رَوَى ابن جريج عنهما جميعًا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
(1)
هكذا النسخة ليس فيها "ح" التحويل، ولعلها سقطت من النساخ، فتنبّه.
(2)
أي: ابن خزيمة.
8 - (كِتَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ)
أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدالّة على أمور صلاة العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى.
(مسألة): في بيان اشتقاق العيد، ومعناه:
قال القرطبيّ رحمه الله: سمي العيد عيدًا؛ لعَوْده، وتكرره في كلّ سنة، وقيل: لعوده بالفرح والسرور، وقيل: سمي بذلك على جهة التفاؤل؛ لأنه يعود على من أدركه. انتهى.
ونحوه للنوويّ رحمه الله في "شرحه"، وزاد: وقيل: تفاؤلاً بعوده على من أدركه، كما سُمِّيت القافلة حين خروجها، تفاؤلًا؛ لقفولها سالمةً، وهو رجوعها، وحقيقتها الراجعة. انتهى.
وقال الطحطاويّ رحمه الله: ويُطلق العيد على كلّ يوم مسرّة، ولذا قيل [من البسيط]:
عِيدٌ وَعِيدٌ وَعِيدٌ صِرْنَ مُجْتَمِعَهْ
…
وَجْهُ الْحَبِيبِ وَيَوْمُ الْعِيدِ وَالْجُمُعَهْ
(1)
وقال في "لسان العرب": العيد كلُّ يوم فيه جَمْعٌ، واشتقاقه من عادَ يعود، كأنهم عادوا إليه، وقيل: اشتقاقه من العادة؛ لأنهم اعتادوه، والجمع أعياد، لَزِم البدل، ولو لم يلزم لقيل: أعواد، كريح وأرواح؛ لأنه من عاد يعود، وعَيَّدَ المسلمون: شَهِدُوا عيدهم، قال الْعَجَّاجُ يَصِفُ الثور الوحشيّ [من الرجز]:
وَاعْتَادَ أَرْبَاضًا لَهَا آرِيُّ
…
كَمَا يَعُودُ الْعِيدَ نَصْرَانِيُّ
(1)
"حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" ص 527.
فجَعَل العيد من عاد يعود، وتحولت الواو في "العيد" ياء لكسرة العين، وتصغير "عيد":"عُيَيْدٌ"، تركوه على التغيير، كما أنهم جمعوه أَعْيَادًا، ولم يقولوا: أَعْوَادًا، وقال الأزهريّ: والعيد عند العرب الوقت الذي يعود فيه الفَرَح والْحُزْن، وكان في الأصل "الْعِوْدَ" فلما سَكَنَت الواو، وانكسر ما قبلها صارت ياءً. وقيل: قُلبت الواو ياء ليفرّقوا بين الاسم الحقيقيّ وبين المصدريّ، وقال الجوهريّ: إنما جُمع أعياد بالياء للزومها في الواحد، ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وقال ابن الأعرابي: سمي العيدُ عيدًا؛ لأنه يعود كلَّ سنة بفرح مجدّد. انتهى.
[فائدة]: جعل الله تعالى للمؤمنين ثلاثة أيَّام عيدًا: الجمعة، والفطر، والأضحى، وكلُّها بعد إكمال العبادة وطاعتهم، وليس العيد لمن لبس الجديد، بل هو لمن طاعته تزيد، ولا لمن تجمّل باللبس والركوب، بل لمن غُفرت له الذنوب، وأما عيدهم في الجنّة، فهو اجتماعهم بربهم، ورؤيتهم له في حضرة القدس، فليس عندهم شيءٌ ألذّ من ذلك
(1)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1) - (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2044]
(884) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَني الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ، قَالَ: فَنَزَلَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ
(1)
راجع: "تحفة الحبيب على شرح الخطيب" 2/ 218.
أقبَلَ يَشُقُّهُمْ، حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَقَالَ:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا:"أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ "، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ؟ قَالَ:"فَتَصَدَّقْنَ"، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ، وَالْخَوَاتِمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ زاهدٌ [11](ت 245)(خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
2 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [11](ت 249)(خت م ت) تقدم في "الإيمان" 7/ 131.
3 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ مصنِّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغيَّر، وكان يتشيع [9](ت 211) وله خمس وثمانون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
4 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [6](ت 150) وقد جاز السبعين (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
5 -
(الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن يَنّاق -بفتح التحتانية، وتشديد النون، وآخره قاف- المكيّ، ثقةٌ [5].
رَوَى عن صفية بنت شيبة، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء الكيخارانيّ، وعُبيد بن عُمير، ولم يدركه.
ورَوَى عنه أبان بن صالح، وإبراهيم بن نافع، وعمرو بن مرة، وبُديل بن ميسرة، وابن جريج، وجابر الجعفيّ، وجامع بن أبي راشد، وحميد الطويل، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عيينة: مات الحسن بن مسلم قبل طاوس، وقال ابن سعد: مات قبل طاوس، وكان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو داود: كان من العلماء بطاووس، وقال في "التقريب": مات قديمًا بعد المائة بقليل.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (884) و (1021) وأعاده بعده، و (1195) و (1246) و (1317) و (1328) و (2123) وأعاده بعده.
6 -
(طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذَكْوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [3] (106) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
7 -
(ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، مات بالطائف سنة (68)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان، قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهما، حيث سمع من لفظهما وحده، ولذا قال:"حدّثني"، ثم فرّق بينهما؛ لاختلافهما في صيغة الأداء.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، والحسن، كما أسلفته آنفًا.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة رضي الله عنهم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء، من باب علِمَ يعلَم، يقال: شَهِدتُ العيد: بمعنى أدركته، وشَهِدت المجلس: حضرته
(1)
. (صَلَاةَ الْفِطْرِ) منصوب على المفعوليّة، والإضافة من إضافة الشيء إلى سببه (مَعَ نَبِي اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبِي بَكْرٍ) الصدّيق رضي الله عنه (وَعُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله عنه (وَعُثْمَانَ) بن عفّان رضي الله عنه (فَكُلُّهُمْ يُصَفَيهَا) هكذا رواية المصنّف بالإفراد، وهو صحيح؛ نظرًا للفظ "كلّ" فإنه مفرد؛ أي: يصلّي كل منهم صلاة الفطر، وفي رواية البخاريّ:"يصلّونها" بضمير الجمع، وهو ظاهرًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ) بعد الصلاة (قَالَ) ابن عبّاس رضي الله عنهما:(فَنَزَلَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم) أي: من منبره إلى الأرض.
[تنبيه]: قال القاضي عياض رحمه الله ما حاصله: نزوله صلى الله عليه وسلم إلى النساء في خطبته كان في أول الإسلام؛ تأكيدًا لبيعة الإسلام، وهو خاصّ به صلى الله عليه وسلم، فليس للأئمة فعله، ولا يُباح لهم قطع الخطبة بنزول لوعظ النساء، ومن بَعُدَ من الرجال، وقول عطاء:"إن ذلك لحقّ على الأئمة، وما لهم لا يفعلونه" غير موافق عليه. انتهى خلاصة كلام القاضي رحمه الله.
قال الجامع عفا الله عنه: في كلام القاضي عياض رحمه الله هذا مؤاخذات:
(الأولى): قوله: "نزوله صلى الله عليه وسلم في خطبته" هذا غير صحيح، بل نزوله كان بعد فراغه من خطبته، فسيأتي في حديث جابر رضي الله عنه، ولفظه: "ثم خطب الناس، فلما فرغ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم نزل، وأتى النساء
…
" الحديث، فقد صرّح بأن نزوله كان بعد الفراغ، فتبصّر.
(الثانية): قوله: "كان في أول الإسلام، وهو خاصّ به صلى الله عليه وسلم" فيه نظرٌ؛ فمن أين دعوى الخصوصيّة؟، فهل له عليه حجة، فتبصّر.
(الثالثة): قوله: "ولا يباح لهم قطع الخطبة بنزول
…
إلخ" فيه نظر
(1)
راجع: "المصباح" 1/ 324.
أيضًا، فاين دليل عدم إباحة القطع؟ بل هنا اخلاف الثابت في السنّة، فقد سبق أنه صلى الله عليه وسلم قال له رجل في أثناء الخطبة: يا رسول الله رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك خطبته حتى انتهى إليه، فأُتي بكرسيّ، فقعد عليه، وجعل يعلّمه مما علّمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها، فهل بعد هنا اتطلب البيّنة؟ إن هذا لهو العجب.
(الرابعة): قوله في كلام عطاء: "غير موافَق عليه"، فيه نظر أيضًا، بل غير الموافق هو القاضي عياض، فإن ما قاله عطاء رحمه الله هو الموافق للسنّة، ولذلك عقد الإمام البخاريّ رحمه الله في "صحيحه" له بابًا، فقال:"باب موعظة الإمام النساء يوم العيد"، ثم أورد حديث جابر الآتي، وفي آخره قول عطاء هذا.
والحاصل أن مشروعيّة موعظة الإمام النساء في الخطبة هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) أي: إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم (حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ) بتشديد الجيم، من التجليس؛ أي: يأمرهم بالجلوس، مشيرًا إليهم بيده، وكأنهم لَمّا انتَقَل صلى الله عليه وسلم عن مكان خطبته أرادوا الانصراف، فأمرهم بالجلوس حتى يفرُغ من حاجته، ثم ينصرفوا جميعًا، أو لعلهم أرادوا أن يتبعوه فمنعهم، وأمرهم بالجلوس
(1)
. (ثُمَّ أَقْبَلَ) بالبناء للفاعل؛ أي: توجّه النبيّ صلى الله عليه وسلم (يَشُقُّهُمْ) أي: يشقّ صفوف الرجال الجالسين (حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ) أي: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم، بمعنى تلا قوله تعالى:({يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة: 12]، فَتَلَا هَذ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا) أي: انتهى من قراءة الآية بتمامها.
وإنما تلا النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الآية الكريمة؛ ليُذَكِّرهنّ البيعة التي وقعت بينه
(1)
راجع: "الفتح" 3/ 304، و"عمدة القاري" 6/ 435.
وبين النساء لَمّا فَتَحَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا فَرَغَ من أمر الفتح اجتَمَعَ الناس للبيعة، فجَلَس يبايعهم على الصفا، ولَمّا فَرَغ من بيعة الرجال بايع النساء، وذَكَرَ لهنّ ما ذَكَر الله في الآية المذكورة، قاله في "العمدة"
(1)
.
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (حِينَ فَرَغَ مِنْهَا) أي: قراءة الآية المذكورة، وقوله:("أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ ") مقول "قال"، والخطاب للنساء، و (أَنْتُنَّ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأنتنّ (عَلَى ذَلِكِ؟) بكسر الكاف؛ خطابًا للأنثى؛ أي: أنتنّ على ما ذُكِر في هذه الآية؟ (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ) أي: من النساء اللاتي حضرن خطبته صلى الله عليه وسلم، وقوله:(نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ) مقول "قلت"؛ أي: نعم، نحن على ذلك.
وفيه دلالة على الاكتفاء في الجواب بـ "نَعَم"، وتنزيلها منزلة الإقرار، وأن جواب الواحد عن الجماعة كافٍ؛ إذا لم يُنكِروا، ولم يمنع مانع من إنكارهم
(2)
.
(لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ؟) قال النوويّ رحمه الله: هكذا وقع في جميع نسخ "صحيح مسلم": "حينئذ"، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال هو وغيره: وهو تصحيفٌ، وصوابه:"لا يَدري حَسَنٌ من هي؟ "، وهو حسن بن مسلم راويه عن طاوس، عن ابن عباس، ووقع في "صحيح البخاريّ" على الصواب، من رواية إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق:"لا يَدري حسنٌ من هي؟ ".
قال النوويّ رحمه الله: ويَحْتَمِلُ تصحيح "حينئذ"، ويكون معناه: لكثرة النساء، واشتمالهنّ ثيابَهُنَّ لا يدرى من هي؟. انتهى
(3)
.
وقد تعقّب الحافظ تصحيح النووي المذكور، فقال بعد ذكر كلامه: لكن اتّحاد المخرج دالّ على ترجيح رواية الجماعة، ولا سيما وجودُ هذا الموضع في "مصنَّف عبد الرزاق" الذي أخرجه مسلم من طريقه كالبخاريّ موافقًا لرواية الجماعة، والفرق بين الروايتين أن في رواية الجماعة تعيين الذي لم يدر مَنِ المرأة؟، بخلاف رواية مسلم.
(1)
"عمدة القاري" 6/ 435.
(2)
"الفتح" 3/ 304.
(3)
"شرح النوويّ" 6/ 172.
قال: ولم أقف على تسمية هذه المرأة إلا أنه يَختلج في خاطري أنها أسماء بنت يزيد بن السَّكَن التي تُعْرَف بخطيبة النساء، فإنها رَوَت أصل هذه القصة في حديث أخرجه البيهقيّ، والطبرانيّ، وغيرهما، من طريق شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى النساء، وأنا معهنّ، فقال:"يا معشر النساء، إنكن أكثر حَطَبُ جهنّم"، فناديت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت عليه جَرِيئة: لِمَ يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تُكْثِرن اللعن، وتَكْفُرن العشير
…
" الحديث، فلا يبعد أن تكون هي التي أجابته أوّلًا بـ "نعم"، فإن القصّة واحدة، فلعل بعض الرواة ذَكَر ما لم يذكره الآخر، كما في نظائره، والله أعلم.
وقد رَوَى الطبراني من وجه آخر، عن أم سلمة الأنصارية، وهي أسماء المذكورة، أنها كانت في النسوة اللاتي أَخَذَ عليهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ
…
الحديث.
ولابن سعد من حديثها: أَخَذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، الآية. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
(1)
، وهو بحث مفيدٌ، وتعقّبه العينيّ على عادته المستمرّة، أعرضت عن ذكره؛ لكونه مجرّد تحامل، فتنبّه.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم ("فَتَصَدَّقْنَ") قال العينيّ رحمه الله: هذه صيغة أمر، أَمَرَهُنّ صلى الله عليه وسلم بالصدقة، وهذه الصيغة تشترك فيها جماعة النساء من الماضي، ومن الأمر لهنّ، ويُفَرَّق بينهما بالقرينة.
[فإن قلت]: ما هذه الفاء فيها؟.
[قلت]: يجوز أن تكون للجواب لشرط محذوف، تقديره: إن كنتنّ على ذلكِ، فتصدقن، ويجوز أن تكون للسببية. انتهى كلام العينيّ رحمه الله
(2)
، وهو بحث نفيسٌ.
وقال الحافظ رحمه الله: قوله: قال: "فتصدقن" هو فعل أمر لهنّ بالصدقة، والفاء سببية، أو داخلة على جواب شرط محذوف، تقديره: إن كنتن على ذلك فتصدقن، ومناسبته للآية من قوله:{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة: 12]،
(1)
"الفتح" 3/ 304.
(2)
"عمدة القاري" 6/ 436.
فإن ذلك من جملة المعروف الذي أُمِرْنَ به. انتهى
(1)
.
(فَبَسَطَ بِلَالٌ) رضي الله عنه (ثَوْبَهُ) أي: ليجمع صدقات النساء (ثُمَّ قَالَ) بلال رضي الله عنه (هَلُمَّ) هذا على اللغة الفصحى في التعبير بها للمفرد والجمع، قال في "الفتح"؛ أي: أحضرن الصدقات، وادفعنها إليّ.
وقال في "العمدة": لفظ "هَلُمّ" من أسماء الأفعال المتعدية، نحو هَلُمّ زيدًا؛ أي: هاته، وقَرِّبه، وهو مركب من الهاء، ولُمَّ، من لممت الشيء جمعته، وششوي فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، تقول: هَلُمّ يا رجل، هلم يا رجلان، هلم يا رجال، هلم يا امرأةُ، هلم يا امرأتان، هلم يا نسوة، هذه لغة أهل الحجاز، وأما بنو تميم، فيقولون: هَلُمَّ، هَلُمّا، هَلُمّوا، هَلُمِّي، هَلُمّا، هَلْمُمْن والأولى أفصح، ويجيء لازمًا أيضًا، قال تعالى:{وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب: 18]. انتهى
(2)
.
(فدًى) بكسر الفاء والقصر (لَكُنَّ) بضم الكاف وتشديد النون؛ لأنه خطاب للنساء، فقوله:"فدى" مرفوعٌ على أنه خبر لقوله: (أَبِي وَأُمِّي) والتقدير: أبي وأمي مَفْدِيّان لَكُنّ.
قوله: "لكُنَّ" بضم الكاف وتشديد النون.
وقال في "العمدة": "فداء": إذا كُسِر الفاء يُمَدُّ ويُقْصَرُ، وإذا فُتِح فهو مقصور، والفداء: فِكاكُ الأسير، يقال: فداه يَفْديه فِداءً، وفَدىً، وفاداه يفاديه مُفاداةً: إذا أعطى فِداءه، وأنقذه، وفداه بنفسه، وفدّاه: إذا قال له: جُعِلتُ فداك، وقيل: المفاداة أن يُفْتَكّ الأسير بأسير مثله. انتهى
(3)
.
(فَجَعَلْنَ) أي: شرع النساء (يُلْقِينَ) بضم الياء، من الإلقاء، وهو الرمي؛ أي: يرمين (الْفَتَخَ) منصوب على المفعولية لـ"يُلقين"(وَالْخَوَاتِمَ) منصوب بالعطف على سابقه.
قال النوويّ رحمه الله: "الفتخ": بفتح الفاء والتاء المثناة فوقُ، وبالخاء المعجمة، واحدها فتَخَةٌ، كقَصَبَة وقَصَب، واختُلِف في تفسيرها، ففي "صحيح
(1)
"الفتح" 3/ 304.
(2)
"عمدة القاري" 6/ 436.
(3)
"عمدة القاري" 6/ 436.
البخاري"، عن عبد الرزاق قال: هي الخواتيم العظام، وقال الأصمعيّ: هي خواتيم لا فُصُوص لها، وقال ابن السّكِّيت خواتيم تُلْبس في أصابع اليد، وقال ثعلب: وقد يكون في أصابع الواحد من الرجال، وقال ابن دُريد: وقد يكون لها فُصوص، وتجمع أيضًا فَتَخَاتٍ وأَفْتاخٍ.
و"الخواتيم": جمع خاتم، وفيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخيتام. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في "شرح المقدّمة" عند قوله: "وصلّى الله على محمد خاتم النبيين"، أن للخاتم نحو تسع لغات، واستوفيتها نثرًا ونظمًا، فارجع إليه تستفد علمًا، وبالله تعالى التوفيق.
وقال في "الفتح" بعد ذكر تفسير عبد الرزّاق، ما حاصله: ولكن لم يذكر عبد الرزّاق في أيّ شيء كانت تُلْبَس، وقد ذكر ثعلب أنهن كُنّ يلبسنها في أصابع الأرجل، ولهذا عطف عليها "الخواتيم"؛ لأنها عند الإطلاق تنصرف إلى ما يُلْبَس في الأيدي.
وحُكِي عن الأصمعيّ أن الفتخ الخواتيم التي لا فُصوص لها، فعلى هذا هو من عطف الأعمّ على الأخصّ. انتهى
(2)
.
[تنبيه]: ذكر في "الفتح" هنا، ما نصّه: وقد وقع في بعض طرقه عند مسلم هنا ذكر الخلاخيل. انتهى
(3)
.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي عزاه إلى مسلم من ذكر الخلاخيل، لم أجده هنا فيما لديّ من النسخ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
وقوله (فِي ثَوْبِ بِلَالٍ) متعلّق بـ "يُلقين"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 173.
(2)
"الفتح" 3/ 305.
(3)
"الفتح" 3/ 305.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 2044 و 2045 و 2046](884)، و (البخاريّ)(98 و 863 و 962 و 964 و 975 و 977 و 989 و 1449 و 4895 و 5249 و 5880 و 5883 و 7325)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1142)، و (ابن ماجه) في إقامة "الصلاة"(273)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(3/ 279)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 76)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 242 و 285 و 331 و 345 و 346)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 456)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1458)، و (ابن الجارود) في "المنتقى"(1/ 76)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1986 و 1987 و 1988)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 297)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(4/ 352) و"مشكل الآثار"(15/ 187)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): مشروعيّة صلاة العيدين، قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: لا خلاف في أن صلاة العيدين من الشعائر المطلوبة شرعًا، وقد تواتر بها النقل الذي يَقطَع العذرَ، وُيغني عن أخبار الآحاد، وإن كان هذا الحديث من آحاد ما يدُلّ عليها، وقد كان للجاهلية يومان مُعَدّان للَّعِب، فأبدل الله المسلمين منهما هذين اليومين اللذين يَظْهَر فيهما تكبيرُ الله، وتحميده، وتمجيده، وتوحيده، ظهورًا شائعًا، يُغِيظ المشركين، وقيل: إنهما يقعان شكرًا على ما أنعم الله به من أداء العبادات التي في وقتهما، فعيد الفطر شكرًا لله تعالى على إتمام صوم شهر رمضان، وعيد الأضحى شكرًا على العبادات الواقعة في العشر، وأعظمها إقامة وظيفة الحج. انتهى
(1)
.
2 -
(ومنها): أنه دليل لمذهب العلماء كافّةً أن خطبة العيد بعد الصلاة، قال القاضي عياض رحمه الله: هذا هو المتّفَهق عليه من مذاهب علماء الأمصار، وأئمة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين بعده، إلا ما رُوي أن عثمان في شطر خلافته الأخير قَدَّم الخطبة؛
(1)
"إحكام الأحكام" 2/ 124 - 125.
لأنه رأى من الناس مَن تفوته الصلاة، ورُوي مثله عن عمر، وليس بصحيح، وقيل: إن أول مَن قدَّمها معاوية، وقيل: مروان بالمدينة في خلافة معاوية، وقيل: زيادٌ بالبصرة في خلافة معاوية، وقيل: فعله ابن الزبير في آخر أيامه، ذكره النوويّ رحمه الله.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: قد ثبت أن الصلاة مقدمة على الخطبة في صلاة العيد، وهذا الحديث يدل عليه، وقيل: إن بني أمية غَيَّروا ذلك، وجميع ما له خُطَبٌ من الصلوات، فالصلاة مقدَّمة إلا الجمعة، وخطبة يوم عرفة، وقد فُرِّق بين صلاة العيد والجمعة بوجهين:
[أحدهما]: أن صلاة الجمعة فرض عين، ينتابها الناس من خارج المصر، ويدخل وقتها بعد انتشارهم في أشغالهم، وتصرفاتهم في أمور الدنيا، فقُدِّمت الخطبة فيها، حتى يتلاحق الناس، ولا يفوتهم الفرض، لا سيما فرض لا يُقْضَى على وجهه، وهذا معدوم في صلاة العيد.
[الثاني]: أن صلاة الجمعة هي صلاة الظهر حقيقةً، وإنما قُصِرت بشرائط، منها الخطبتان، والشرط لا يتأخر، وتتعذر مقارنة هذا الشرط للمشروط الذي هو الصلاة، فلزم تقديمه، وليس هذا المعنى في صلاة العيد؛ إذ ليست مقصورة عن شيء آخر بشرط، حتى يلزم تقديم ذلك الشرط. انتهى
(1)
.
3 -
(ومنها): بيان استحباب وعظ النساء، وتذكيرهنّ الآخرة، وأحكام الإسلام، وتذكيرهنّ بما يجب عليهنّ، ويستحب حثُّهنّ على الصدقة، وتخصيصهنّ بذلك في مجلس منفرد، قال النوويّ: وهذا إذا لم يترتب على ذلك مفسدةٌ، وخوفٌ على الواعظ، أو الموعوظ، أو غيرهما.
4 -
(ومنها): أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال، ومجامعهم يكُنّ بِمَعْزِل عنهم؛ خوفًا من فتنة، أو نظرة، أو فكر ونحوه.
5 -
(ومنها): أن صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول، بل تكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهنّ، ولا من
(1)
"إحكام الأحكام" 2/ 124 - 125.
بلال، ولا من غيره، قال النوويّ: وهذا هو الصحيح في مذهبنا، وقال أكثر أصحابنا العراقيين: تفتقر إلى إيجاب وقبول باللفظ؛ كالهبة، والصحيح الأول، وبه جزم المحققون. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: اشتراط التلفّظ بالإيجاب والقبول في المعاملات؛ كالبيع والشراء فيه، والهبة والنكاح مما لا دليل عليه، والحقّ عدم الاشتراط، وقد حقّقته في "كتاب النكاح" من "شرح النسائيّ" فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
6 -
(ومنها): جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على ثُلُث مالها، قال النوويّ: هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال مالك: لا يجوز الزيادة على ثلث مالها إلا برضاء زوجها، ودليلنا من الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يسألهنّ، استأذنّ أزواجهنّ في ذلك أم لا؟، وهل هو خارج من الثلث أم لا؟، ولو اختلف الحكم بذلك لسأل، وأشار القاضي إلى الجواب عن مذهبهم بأن الغالب حضور أزواجهنّ، فتركهم الإنكار يكون رضاء بفعلهنّ، وهذا الجواب ضعيف، أو باطلٌ؛ لأنهنّ كنّ معتزلات، لا يعلم الرجال مَنِ المتصدقة منهنّ من غيرها؟ ولا قدر ما تتصدق به، ولو علموا فسكوتهم ليس إذنًا. انتهى كلام النوويّ رحمه الله.
وعبارة "الفتح": واستُدِلّ به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها، أو على مقدار معين من مالها؛ كالثلث، خلافًا لبعض المالكية، ووجه الدلالة من القصّة ترك الاستفصال عن ذلك كلّه، قال القرطبيّ: ولا يقال في هذا: إن أزواجهن كانوا حُضُورًا؛ لأن ذلك لم يُنْقَل، ولو نُقِل فليس فيه تسليم أزواجهنّ لهنّ ذلك؛ لأن مَن ثبت له الحقّ فالأصل بقاؤه حتى يُصَرِّح بإسقاطه، ولم يُنقل أن القوم صَرَّحُوا بذلك. انتهى. وأما كونه من الثلث فما دونه، فإن ثبت أنهنّ لا يجوز لهنّ التصرف فيما زاد على الثلث لم يكن في هذه القصة ما يدلّ على جواز الزيادة. انتهى.
وقال في "العمدة": [أفإن قلت]: احتجّ مالك ومن تبعه في ذلك بما خرّجه أبو داود، من حديث موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن داود بن أبي هند، وحبيب المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجوز لامرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجها عصمتها".
وبما خرّجه النسائيّ، وابن ماجه، من حديث أبي كامل، عن خالد؛ يعني: ابن الحارث، ثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل لامرأة عطية إلَّا بإذن زوجها".
قال البيهقيّ: الطريق إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب، لزمه إثباته.
والجواب عنه من أوجه:
(أحدها): معارضته بالأحاديث الصحيحة الدالة على الجواز عند الإطلاق، وهي أقوى منه، فقُدِّمت عليه، وقد يقال: إنه واقعة حال، فيمكن حملها على أنها كانت قدر الثلث.
(الثاني): على تسليم الصحة إنه محمول على الأولى والأدب، ذكره الشافعيّ في "البويطيّ"، قال: وقد أَعْتَقَت ميمونة رضي الله عنها، فلم يَعِبِ النبيّ صلى الله عليه وسلم عليها، وكما يقال: ليس لها أن تصوم وزوجها حاضر، إلَّا بإذنه، فإن فَعَلت فصومها جائز، ومثله إن خرجت بغير إذنه، فباعت، فهو جائز.
(الثالث): الطعن فيه، قال الشافعيّ: هذا الحديث سمعناه، وليس بثابت، فيلزَمَنا أن نقول به، والقرآن يدل على خلافه، ثم الأمر، ثم المنقول، ثم المعقول.
قيل: أراد بالقرآن قوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237]، وقوله:{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]، وقوله:{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، وقوله:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، وقوله:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} الآية [النساء: 6]، ولم يفرّق، فدلَّت هذه الآيات على نفوذ تصرفها في مالها دون إذن زوجها.
وقال صلى الله عليه وسلم لزوجة الزبير رضي الله عنهما: "ارضَخِي، ولا تُوعي، فيوعيَ اللهُ عليك"، متّفَقٌ عليه، وقال:"يا نساء المسلمات لا تَحْقِرَنّ جارة لجارتها، ولو فِرْسِن شاة"، واختلدت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زوجها من كل شيء، فلم يُنكر ذلك ابن عمر رضي الله عنهما.
وقد طَعَنَ ابن حزم في حديث عمرو بن شعيب، بأن قال: صحيفة منقطعة، وقد علمتَ أن شعيبًا صَرَّح بعبد الله بن عمرو، فلا انقطاع.
وقد أخرجه الحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، وحبيب المعلِّم، عن عمرو به، ثم قال: صحيح الإسناد.
ثم ذكر ابن حزم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما حقّ الزوج على زوجته؟ قال: "لا تصدق إلَّا بإذنه، فمان فعلت كان له الأجر، وعليها الوزر".
ثم قال: هذا خبرها لكٌ؛ لأن فيه موسى بن أعين، وهو مجهول، وليث بن أبي سُليم، وليس بالقويّ، وهو غريب منه، فإن موسى بن أعين رَوَى عن جماعة، وعنه جماعة، واحتج به الشيخان، ووثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي.
نعم فيه الحسن بن عبد الغفار، وهو مجهول، وليته أعلّه به.
ثم ذكر حديث إسماعيل بن عياش، عن شُرَحبيل بن مسلم الخولانيّ، عن أبي أمامة، رفعه:"لا تنفق المرأة شيئًا من بيت زوجها إلَّا بإذنه"، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال:"ذلك أفضل أموالنا".
ثم قال: إسماعيل ضعيف، وشُرَحبيل مجهول، لا يُدْرَى من هو؟.
وهذا عجيب منه، فإسماعيل حجة فيما يروي عن الشاميين، وشُرَحبيل شاميّ، وحاشاه من الجهالة، روى عنه جماعة، قال أحمد: هو من ثقات الشاميين، نعم ضعفه ابن معين، وقد أخرجه ابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حسنٌ.
(الرابع): من أوجه الجواب ما قيل: إن المراد من مال زوجها، لا من مالها، وفيه نظرٌ. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أنّ الأرجح في هذه المسألة هو الذي ذهب إليه الجمهور من جواز صدقة المرأة من مالها دون استئذان زوجها، ولا يقدّر ذلك بثلث ولا غيره؛ لقوّة الأدلّة على ذلك، وأما الأحاديث
(1)
"عمدة القاري" 2/ 124.
التي أورودها فلا تعارض أدلّة الجواز؛ لإمكان حملها على أن الأولى والأحسن لها أن تستأذن زوجها؛ تطييبًا لخاطره، وإدخالًا للمسرّة عليه، وهذا الحمل أولى؛ للجمع بين الأحاديث، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب.
7 -
(ومنها): مشروعيّة خروج النساء إلى المصلَّى.
8 -
(ومنها): جواز التفدية بالأب والأمِّ، وملاطفة العامل على الصدقة بمن يدفعها إليه.
9 -
(ومنها): بيان أن الصدقة من دوافع العذاب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمرهنّ بالصدقة، ثم عَلَّل بانهنّ أكثر أهل النار؛ لما يقع منهنّ من كفران النعم، وغير ذلك.
10 -
(ومنها): أن فيه بذلَ النصيحة، والإغلاظ بها لمن احتيج في حقّه إلى ذلك، والعناية بذكر ما يُحتاج إليه؛ لتلاوة آية الممتحنة؛ لكونها خاصّة بالنساء.
11 -
(ومنها): جواز طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين، ولو كان الطالب غير محتاج.
قال في "الفتح": وأَخَذَ منه الصوفية جواز ما اصطلحوا عليه من الطلب، ولا يخفى ما يُشترط فيه من أن المطلوب له أيكون غير قادر على التكسب مطلقًا، أو لما لا بُدّ له منه؟. انتهى.
12 -
(ومنها): أن في مبادرة تلك النسوة إلى الصدقة بما يَعِزّ عليهنّ من حليهنّ مع ضيق الحال في ذلك الوقت دلالةً على رفيع مقامهنّ في الدين، وحرصهنّ على امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهنّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة العيدين:
(اعلم): أنهم اختلفوا في حُكمها، فقال الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وجماهير العلماء: سنة مؤكّدة، وقال أبو سعيد الإصطخريّ من الشافعية: هي فرض كفاية، وقال أبو حنيفة: هي واجبة، فإذا قلنا: فرض كفاية، فامتنع أهل موضع من إقامتها قوتلوا عليها، كسائر فروض الكفاية، وإذا قلنا: إنها سنة لم
يقاتلوا بتركها، كسنة الظهر، وغيرها، وقيل: يقاتلون؛ لأنها شعار ظاهر، قاله النووي في "شرح مسلم".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور من أنها سنة مؤكّدة هو الراجح؛ لحديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه عند الشيخين وغيرهما: أن رجلًا جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطّوّع".
وحديث معاذ رضي الله عنه المشهور، فقد أخرج الشيخان وغيرهما، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن، فقال:"ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم".
ففي هذين الحديثين دلالة ظاهرة على أن صلاة العيد تطوع غير فريضة، والله تعالى أعلم. واتفقوا على أن أوّل عيدٍ صلّاهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم عيدَ الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي التي فُرِض رمضان في شعبانها، ثم داوم عليه صلى الله عليه وسلم إلى أن توفّاه الله تعالى، وقيل: شُرع عيد الأضحى أيضًا في السنة الثانية من الهجرة
(1)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2045]
(
…
) - (وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْن عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَهتَاهُنَّ، فَذَكَرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَاتَمَ، وَالْخُرْصَ، وَالشَّيْءَ).
(1)
راجع: "المرعاة" 5/ 21 - 22.
رجال هذا الإسناد: ستّة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [10](ت 243)(م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 5/ 31.
3 -
(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
4 -
(أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجّةٌ، فقيهٌ عابدٌ [5](131) عن (65) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 305.
5 -
(عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [3](ت 114)(ع) تقدم في "الإيمان" 83/ 442.
و"ابن عبّاس" ذُكر قبله.
وقوله: (لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ) بفتح اللامين، اللام الأولى جواب قسم محذوف، يتضمنه لفظ "أشهد"؛ لأنه كثيرًا مّا يُستعْمَل في معنى القسم، تقديره: والله لقد صلى، ومعناه: أحلف بالله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العيد قبل الخطبة.
وقوله: (فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ)"رأى" هنا بمعنى "ظنّ"، وقد صُرّح به في رواية البخاريّ، ولفظه:"فظنّ أنه لم يُسمع النساء"، وفيه دليلٌ على أن على الإمام افتقادَ رعيته، وتعليمهم، ووعظهم.
وقوله: (فَذَكَّرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ).
وقوله: (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) هي ما تُبْذَل من المال؛ لثواب الآخرة، وهي تتناول الفريضة والتطوع، لكن الظاهر أن المراد بها هنا هو الثاني، قاله في "العمدة"
(1)
.
(وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ) قال النوويّ رحمه الله: "قائل" بهمزة قبل اللام، يكتب بالياء؛ أي: فاتحًا ثوبه للأخذ فيه، وفي الرواية الأخرى:"وبلال باسط ثوبه":
(1)
"عمدة القاري" 2/ 123.
معناه أنه بسطه ليجمع الصدقة فيه، ثم يُفَرِّقها النبيّ صلى الله عليه وسلم على المحتاجين، كما كانت عادته صلى الله عليه وسلم في الصدقات المتطوع بها والزكوات، وفيه دليلٌ على أن الصدقات العامّة أنما يَصْرِفها في مصارفها الإمام. انتهى
(1)
.
وقوله: (فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ)"جعلت" من أفعال المقاربة، وهي مثل "كاد" في الاستعمال، تَرْفَع الاسم، وخبرهُ الفعل المضارع بغير "أن"، وهو متأوَّل باسم الفاعل، فتقديره هنا: فجعلت المرأة ملقيةً الخاتم
…
إلخ.
وقوله: (وَالْخُرْصَ) بضمّ الخاء المعجمة، وكسرها، وسكون الراء: الحلَقة الصغيرة، من الْحَلْيِ، وهو من حوْليِ الأُذُن، قاله ابن الأثير رحمه الله
(2)
.
وقال في "القاموس": و"الخرص" بالضمّ، ويُكسر: حَلَقَة الذهب والفضّة، أو حَلَقة الْقُرْط، أو الحلَقَةُ الصغيرة من الْحُلِيّ، جمعه خِرْصَان. انتهى
(3)
.
وقوله: (وَالشَّيْءَ) من عطف العامّ على الخاصّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2046]
(
…
) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وحَدَّثَني يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قريبًا.
2 -
(يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم البغداديّ، ثقةٌ حافظ [10](ت 252)(ع) تقدم في "الإيمان" 25/ 209.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 173 - 174.
(2)
راجع: "النهاية" 2/ 22.
(3)
"القاموس المحيط" 2/ 300.
3 -
(إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قريبًا.
4 -
(حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم قريبًا أيضًا.
و"أيوب" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية حمّاد بن زبد، عن أيوب هذه ساقها البيهقيّ في "الكبرى" (6/ 60) فقال:
(11111)
وحدّثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: سمعت عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس، أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بعد الصلاة في يوم عيد، ثم أَتَى النساء، وظَنّ أنه لم يُسمعهنّ، وبلال معه، فوعظهنّ، وأمرهنّ بالصدقة، فجعلت المرأة تُلقي الخاتم، والقرط، وبلال يأخذ في ناحية ثوبه. انتهى.
وأما رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب، فقد ساقها البخاريّ رحمه الله، فقال:
(1449)
حدّثنا مُؤَمَّلٌ، حدّثنا إسماعيل، عن أيوب، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلى قبل الخطبة، فرأى أنه لم يسمع النساء، فأتاهنّ، ومعه بلال، ناشر ثوبه، فوعظهنّ، وأمرهنّ أن يتصدقن، فجعلت المرأة تُلقي، وأشار أيوب إلى أذنه، وإلى حلقه. انتهى.
وقوله: "وأشار أيوب" هوأيوب السختيانيّ المذكور في السند، "إلى أذنه" أي: إلى ما في أذنه، وأراد به الحلق، والقُرْط، وإلى ما في حلقه، وأراد به القلادة
(1)
.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2047]
(885) - (وَحَدَّثنَا
(2)
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ
(1)
راجع: "عمدة القاري" 9/ 9.
(2)
وفي نسخة: "حدّثنا".
ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي
(1)
عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ، وَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً
(2)
، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ بِهَا حِينَئِذٍ، تُلْقِي الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا، وَيُلْقِينَ، وَيُلْقِينَ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ، حِينَ يَفْرُغُ، فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ
(3)
، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا.
2 -
(جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنهما، تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنهما (قَالَ: سَمِعْتُهُ) أي: قال عطاء: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ) وفي الرواية التالية: "قال: شهِدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد"(فَصَلَّى) أي: أراد أن يصلي (فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) فيه تقديم الصلاة على الخطبة، وقد تقدّم الكلام عليه مستوفى في شرح حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما (ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم) أي: من خطبته (نَزَلَ) أي: من منبره (وَأتى النِّسَاءَ) أي: إلى صفوفهنّ (فَذَكَّرَهُنَّ) من التذكير، وهو الوعظ (وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ) التوكّؤ على العصا هو التحمّل عليها، والمراد أنه كان معتمدًا على يد بلال رضي الله عنه، كما تفيده رواية "صحيح البخاري"، قاله السنديّ رحمه الله، والجملة في محلّ نصب
(1)
وفي نسخة: "أخبرنا".
(2)
وفي نسخة: "الصدقة".
(3)
وفي نسخة: "يحقّ عليهم".
على الحال من الفاعل (وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ) أي: ليأخذ الصدقة، والجملة حال أيضًا (يُلْقِينَ النِّسَاءُ) هكذا هو في النسخ:"يُلقين النساءُ"، وهو جائز على لغة "أكلوني البراغيث"، وسمّاها ابن مالك رحمه الله لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار"، وإليها أسْار في "الخلاصة" بقوله:
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوُا
…
وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِر بَعْدُ مُسْنَدُ
وقوله: (صَدَقَةً) منصوب على المفعوليّة، وفي نسخة:"الصدقة"، قال ابن جُريج (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟) بنصب "زكاةَ" بفعل مقدّر دلّ عليه قوله: "يُلقين"(قَالَ) عطاء (لَا) أي: ليس هذا المدفوع زكاة الفطر (وَلَكِنْ) بتخفيف النون حرف استدراك (صَدَقَةً) بالنصب مفعولًا لمقدّر؛ أي: يُلقين صدقةً، ويَحْتملٍ الرفع خبرًا لمحذوف؛ أي: هي صدقةٌ، وقوله:(يَتَصَدَّقْنَ بِهَا) صفة لـ"صدقةً"، وقوله:(حِينَئِذٍ) ظرف لـ"يتصدّقن"؛ أي: يتصدّقن في ذلك الوقت (تُلْقِي) بضمّ أوله، من الإلقاء (الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا) بفتحات: هي الخواتيم العظام، أو هي التي لا فصوص لها، كما تقدّم بيانه، وقوله:(وَيُلْقِينَ، وَيُلْقِينَ) هكذا هو في النسخ مكررٌ، وهو صحيحٌ، ومعناه: ويلقين كذا، ويلقين كذا، كما ذكره في باقي الروايات، قال ابن جريج:(قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا) هكذا بالنصب، وهو مفعول لفعل مقدّر؛ أي: أتراه حقًّا (عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ) أي: في الوقت الحاضر، والمراد بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم (أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ، حِينَ يَفْرُغُ) أي: من خطبته (فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ) عطاء (إِي) بكسر الهمزة، وسكون الياء التحتانيّة بمعنى نعم، قال ابن هشام الأنصاريّ رحمه الله:"إِيْ" بالكسر والسكون: حرف جواب بمعنى "نَعَم"، فيكون لتصديق المخبِر، ولإعلام المستخبِر، ولوعد الطالب، فتقع بعد قام زيد، وهل قام زيد؟، واضرب زيدًا، ونحوهنّ، كما تقع "نعم" بعدهنّ، وزعم ابن الحاجب أنها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو قوله تعالى:{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: 53]، ولا تقع عند الجميع الا قبل القسم، وإذا قيل: إِيْ والله، ثم أسقطت الواو جاز سكون الياء وفتحها وحذفها، وعلى الأول، فيلتقي ساكنان على غير حدِّهما. انتهى
(1)
.
(1)
"مغني اللبيب" 1/ 105 - 106.
وقوله: (لَعَمْرِي) قال في "القاموس": الْعَمْرُ بالفتح، وبالضمّ، وبضمّتين: الحياةُ، جمعه أَعمارٌ. انتهى
(1)
.
وقال في "النهاية": الْعَمْرُ بالفتح الْعُمْرُ، ولا يُستعمل في القسم إلا المفتوح. انتهى
(2)
.
وقال في "المصباح": وَعَمِرَ يَعْمَرُ، من باب تَعِبَ عَمْرًا بفتح العين وضمّها: طال عُمْر، فهو عامر، ويتعدّى بالحركة والتضعيف، فيقال: عَمَرَهُ الله يَعْمُرُهُ، من باب قَتَلَ، وعَمَّره تعميرًا؛ أي: أطال عُمْره، وتدخل لام القسم على المصدر المفتوح، فتقول: لَعَمْرُك لأفعلنّ، والمعنى: وحياتِكَ وبقائك. انتهى
(3)
.
فتبيّن بما ذُكر أن ما هنا بفتح العين المهملة، وسكون الميم.
[فإن قلت]: كيف يحلف بحياته، والحلف بغير الله ممنوعٌ؟.
[قلت]: الظاهر أنه ما أراد الحلف هنا، إنما هو مجرّد تأكيد الكلام، كما يقال: تربت يمينه، وحلقى، وعقرى، مما لا يُراد به حقيقته، والله تعالى أعلم.
(إِنَّ ذَلِكَ لَحَقّ عَلَيْهِمْ) أي: إنه من الأمور الثابتة شرعًا على الأئمة، وفي نسخة:"يَحِقّ عليهم"(وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟)"ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء منعهم من فعله؟، والاستفهام للإنكار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 2047 و 2048](885)، و (البخاريّ) في "العيدين"(958 و 978)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1141)، و (النسائيّ) في
(1)
"القاموس المحيط" 2/ 95.
(2)
"النهاية" 3/ 298.
(3)
"المصباح المنير" 2/ 429.
"العيدين"(1575) وفي "الكبرى"(1784 و 1562 و 1762 و 1765)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(3/ 278)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 242 و 3/ 296 و 314 و 318 و 381 و 382)، و (الدارميّ) في "سننه"(1610 و 1618)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1460)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1989 و 1990)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 415)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2048]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ"، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ، مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ"، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ في ثَوْبِ بِلَالٍ، مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ، وَخَوَاتِمِهِنَّ)
(1)
.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
3 -
(عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، صدوقٌ [5](ت 145)(خت م 4) تقدم في "الإيمان" 83/ 442.
والباقيان ذُكرا قبله.
(1)
وفي نسخة: "وخواتيمهنّ".
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) أي: حضرت (مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلَاةَ) منصوب على المفعوليّة و"شهِدت"، وقوله:(يَوْمَ الْعِيدِ) منصوب على الظرفيّة له (فَبَدَأَ) بالهمزة؛ لأنه بمعنى ابتدأ، وأما بدا بمعنى ظهر، فغير مهموز، ولا يناسب هنا (بالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) فيه تقديم الصلاة على الخطبة، فلو بدأ بالخطبة، فقد أسَاء، قال ابن الملقّن: وفي احتسابها احتمال لإمام الحرمين. انتهى. (بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ) فيه عدم الأذان والإقامة لصلاة العيد، وهو مجمع عليه اليوم، وهو المعروف من فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، ونُقل عن بعض السلف فيه شيء خلاف إجماع من قبله ومن بعده، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي -إن شاء الله تعالى- (ثُمَّ قَامَ) صلى الله عليه وسلم (مُتَوَكِّئًا عَلَى بلَالٍ) التوكّؤ: التحامل، والمراد هنا: الميل في قيامه متحاملًا على بلال رضي الله عنه، فيؤخذ منه القيام في الخطبة، والتوكؤ على شيء، ولو على آدميّ، ولا يتعيّن القوس والعصا، كما قاله الفقهاء، وجواز استعانة العالم بمن يخدُمُهُ
(1)
. (فَاَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ)"التقوى" أصلها وَقْوَى؛ لأنها من وَقَى يَقِي، فأُبدلت الواو تاءً كما ابدلت في تُراب، وتُخمة، والأصل وُرابٌ، ووُخمة، فكأن المتّقي يجعل بينه وبين النار وِقَايةً، قالوا: هي عبارة عن امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه (وَحَثَّ) أي: حرّض وحرص (عَلَى طَاعَتِهِ) هي الانقياد للأوامر، وأصلها طوعة؛ لأنها من طاع يطوع: إذا انقاد، فقُلبت الواو ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، والحثّ على الطاعة يكون بأمرين: الأول بالترغيب في الجزاء عليها، والثاني بالترهيب من تركها بفوات ثوابها، وترتّب العقاب عليه (وَوَعَظَ النَّاسَ) الوعظ: هو الأمر، ومنه قوله تعالى:{لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} [الأعراف: 164] أي: تأمرون، وقوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة} [سبأ: 46]؛ أي: آمركم، وهو النصح أيضًا، والتذكير بالعواقب (وَذَكَّرَهُمْ) التذكير يكون بالنعم، ودفع النقم، واستحقاق الله سبحانه وتعالى الطاعةَ والتنزيهَ، والتحميدَ، والتوحيدَ، والشكرَ على ذلك كلّه، وعلى التوفيق له.
(1)
"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" 4/ 226.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: وهذه المقاصد التي ذَكَرَها الراوي من الأمر بتقوى الله، والحثّ على طاعته، والموعظة، والتذكير، هي مقاصد الخطبة، وقد عَدَّ بعض الفقهاء من أركان الخطبة الواجبة الأمرَ بتقوى الله، وبعضهم جَعَل الواجب ما يسمى خطبة عند العرب، وما يتأدى به الواجب في الخطبة الواجبة تتأدى به السنة في الخطبة المسنونة. انتهى
(1)
.
(ثُمَّ مَضَى) النبيّ صلى الله عليه وسلم (حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ) هذا ظاهر في أن إتيانه صلى الله عليه وسلم إلى النساء كان بعد فراغه من الخطبة، لا في أثنائها، كما زعم ذلك القاضي عياض، وقد تقدّم تعقّبه (فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ) أي: أكثر جنس النساء، لا أكثر المخاطبات (حَطَبُ جَهَنَّمَ") أي: وقودها، قال في "القاموس": الْحَطَبُ محرّكةً: ما أُعدّ من الشجر شَبُوبًا، وقال أيضًا: الشَّبُوب -أي بالفتح-: ما تُوقَد به النار. انتهى. (فَقَامَتِ امْرَأَةٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفها
(2)
. (مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ) بكسر السين المهملة، وفتح الطاء المخفّفة، وأصل هذه اللفظة من الوسط الذي هو الخيار، أو المعنى أنها جالسة في وسطهنّ.
قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في النسخ: "سِطَة النساء" بكسر السين، وفتح الطاء المخففة، وفي بعض النسخ:"واسطة النساء"، قال القاضي عياض: معناه: من خيارهنّ، والوسط: العدل والخيار، قال: وزعم حُذّاق شيوخنا أن هذا الحرف مُغَيَّر في كتاب مسلم، وأن صوابه: من سَفِلَة النساء
(3)
، وكذا رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، والنسائيّ في "سننه"، وفي رواية لابن أبي شيبة:"امرأة ليست من عِلّيّة النساء"، وهذا ضِدّ التفسير الأول، ويَعْضِده قوله بعده:"سَفْعَاءُ الخدين"، هذا كلام القاضي.
قال النوويّ: وهذا الذي ادَّعَوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها: من خيار النساء، كما فسره، هو بل المراد: امرأة
(1)
"إحكام الأحكام" 2/ 130.
(2)
"تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم"(ص 169).
(3)
"السَّفِلَةُ": بفتح السين، وكسر الفاء: الساقطة من الناس.
من وسط النساء، جالسةٌ في وسطهنّ، قال الجوهريّ وغيره من أهل اللغة: يقال: وَسَطتُ القومَ أَسِطُهم وَسْطًا، وسِطَةً: أي: توسطتهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصّل مما ذُكر من تفسير "سِطَةِ النساء" ثلاثة معان: خيار النساء، وسَعلَةُ النساء، وجالسةٌ في وسطهنّ، وما قاله النوويّ أقرب، والله تعالى أعلم.
(سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ) بفتح السين، بوزن حمراء؛ أي: فيهما تغير وسواد، السُّفْعَةُ نوع من السواد، وليس بالكثير، وقيل: هي سواد مع لون آخر، وقال الفيّوميّ: السُّفْعَة وِزَان غُرْفة: سواد مُشْرَبٌ بحمرة، وسَفِعَ الشيءُ، من باب تَعِبَ: إذا كان لونه كذلك، فالذكر أسفَعُ، والأنثى سَفْعَاء، مثل أحمر وحمراء. انتهى.
وقال ابن الملقن رحمه الله: قوله: "سفعاء الخدّين": هو بضمّ السين، وفتحها، حكاهما صاحب "المطالع"، قال: وهو شُحُوب، وسوادٌ في الوجه، وفي "البارع"، و"الصحاح": هو سواد الخدّين من المرأة الشاحبة، وقال الأصمعيّ: هو حمرة يعلوها سواد، وقال ابن دقيق العيد: الأسفع، والسَّفْعَاءُ من أصاب خدّه لون يُخالف لونه الأصليّ، من سواد، أو خُضرة، أو غيره. انتهى
(1)
.
(فَقَالَتْ) تلك المرأة (لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: لأيّ شيء كنّا أكثر حطب جهنّم؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم ("لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ) بضمّ أوله، من الإكثار (الشَّكَاةَ) بفتح الشين: أي: التشكّي، قال القرطبيّ رحمه الله: يعني: التشكّي بالأزواج؛ أي: يكتمن الإحسان، ويُظهرن التشكّي كثيرًا. انتهى.
وقال في "الصحاح": شَكَوتُ فلانًا أشكوه شَكْوًا، وشَكِيّةً، وشَكَاةً: إذا أخبرت عنه بسوء فعله، فهو مَشْكُوٌّ، ومَشْكيٌّ، والاسم: الشَّكْوَى، وقال غيره: الشِّكَايةُ والشَّكِيّة: إظهار ما يُصيبك به غيرك من المكروه، والاشتكاء: إظهار ما بك من مكروه، أو مرض، ونحوه. انتهى
(2)
.
(1)
"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" 4/ 236.
(2)
"العدّة حاشية العمدة" 3/ 173.
وقال ابن الملقّن رحمه الله: ألف الشكوى منقلبة عن واو؛ كالصلاة، والزكاة، والشكاة، والشكاية بمعنى واحد؛ أي: تَكْتُمن الإحسانَ، وتظهرن الشكوى، ولا شكّ أن الشكاية في الأصل جائزة إذا اضطرّ إليها، فإذا أُكثر منها دلّ ذلك على عدم الرضا بقضاء الله تعالى، فاقتضى دخول النار
(1)
.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: وتعليله صلى الله عليه وسلم بالشَّكاة، وكفران العشير، دليل على تحريم كفران النعمة؛ لأنه جعله سببًا لدخول النار، وهذا السبب في الشكاية يجوز أن يكون راجعًا إلى ما يتعلق بالزوج، وجحد حقِّه، ويجوز أن يكون راجعًا إلى ما يتعلق بالله تعالى، من عدم شكره، والاستكانة لقضائه، وإذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد ذكر ذلك في حقّ مَن هذا ذنبه، فكيف بمن له منهنّ ذنوب أكثرُ من ذلك، كترك الصلاة، والقذف. انتهى
(2)
.
وقال الفاكهيّ: والأول أظهر؛ لأن الشكاية من الله تعالى لا يختصّ بالنساء، وقال الحلبيّ: ويؤيّده أنه قرنه بقوله: "وتكفرن العشير". انتهى
(3)
.
(وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ") قال أهل اللغة: يقال: العشير: هو المعاشر، والمخالط، وحمله الأكثرون هنا على الزوج، وقال آخرون: هو كلُّ مخالط، قال الخليل: يقال هو العَشِير والشَّعِير على القلب، ومعنى الحديث: أنهن يَجْحَدن الإحسان؛ لضعف عقلهنّ، وقلة معرفتهنّ، فيُستدلُّ به على ذمّ مَن يجحد إحسان ذي إحسان، قاله النوويّ رحمه الله
(4)
.
وقال في "الفتح": الْعَشِيرُ: فَعِيل بمعنى مُعاشر، مثل أَكِيل بمعنى مؤاكل؛ أي: تجحدن حقّ الخليط، وهو الزوج، أوأعمّ من ذلك. انتهى.
وقال في "الإعلام": معنى العشير عند الأكثرين: الزوج، وهو معدول عن اسم الفاعل للمبالغة، وقيل: هو كلُّ مخالط، وقد أحسن الحريريّ رحمه الله حيث قال في "مقاماته": وَأَفِي العشير، وإن لم يواف بالعشير، أراد بالأول المعاشر، وبالثاني الْعُشْر، فإنه يقال: عُشْر وعَشِير، ومِعْشَار بمعنى.
(1)
"الإعلام" 4/ 236.
(2)
"إحكام الأحكام" 2/ 131.
(3)
"العدّة حاشية العمدة" 3/ 173 - 174.
(4)
"شرح النوويّ" 6/ 175 - 176.
قال: ومعنى الكفر هنا: جحد الإحسان؛ لضعف عقلهنّ، وقلّة معرفتهنّ، فإن الزوج قوّامٌ على المرأة بالنفقة، والكسوة، والسكنى، وغضّ بصرها عن المحارم، وقيام حرمتها به، وسترها، وقد بيّن الله تعالى ذلك في كتابه، فقال تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} الآية [النساء: 34].
واعلم أن الكفر عند الإطلاق لا يُطلق إلا على الكفر المنافي للإسلام، وقد يُطلق على الكفر المنافي لكماله، لقصد التنبيه على عظم قبحه شرعًا وعادةً، لا للخروج من الإسلام. انتهى
(1)
.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ رحمه الله: إنما خصّ كفران العشير من بين أنواع الذنوب لدقيقة بديعة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم:"لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"
(2)
، فقرن حقّ الزوج على الزوجة بحقّ الله، فإذا كفرت المرأة حقّ زوجها -وقد بلغ من حقّه عليها هذه الغاية- كان ذلك دليلًا على تهاونها بحقّ الله، فلذلك يطلق عليها الكفر، لكنه كفر دون كفر، لا يُخرج عن الملّة. انتهى
(3)
.
(قَالَ) جابر رضي الله عنه (فَجَعَلْنَ) أي: أخذن وشرعن (يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ) بضمّ الحاء المهملة، وكسرها، والضمّ أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، وأكثر القرَّاء على الضمّ، واللام مكسورة، والياء مشدّدةٌ، وهو جمع حَلْيٍ، بفتح، فسكون، كفَلْسٍ وفُلُوس، أفاده في "الإعلام"، و"المصباح"
(4)
.
(يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ)"يُلقين" بضمّ أوله، من الإلقاء، والجملة في محلّ نصب على الحال (مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ) جمع قُرط، قال في "المصباح": القُرط: ما يُعلّق في شحمة الأذن، والجمع أَقْرِطَة، وقِرَطَة، وزان عِنبَة. انتهى
(5)
.
وقال في "القاموس": الْقُرْط بالضمّ: ما يُعلّق في شحمة الأذن، جمعه أَقراطٌ، وقِرَاطٌ، وقُرُوطٌ، وقِرَطَةٌ، كقِرَدَة. انتهى
(6)
، ونحوُه في "اللسان".
(1)
"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" 4/ 237.
(2)
حديث صحيح.
(3)
راجع: "الفتح" 1/ 105.
(4)
"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" 4/ 241، و"المصباح" 1/ 149.
(5)
"المصباح المنير" 2/ 498.
(6)
"القاموس" 2/ 378.
وقال النوويّ: قال ابن دُرَيد: كل ما عُلِّق في شحمة الأذن فهو قُرْط، سواء كان من ذهب، أو خَرَز، وأما الْخُرْص فهو الحلقة الصغيرة من الْحَلْي، قال القاضي: قيل: الصواب قِرَطَتهنّ بحذف الألف، وهو المعروف في جمع قُرْط، كخُرْجٍ وخِرَجَة، ويقال في جمعه: قِرَاط، كرُمْحٍ ورِمَاح، قال: لا يبعد صحّة أقرطة، ويكون جمعَ جمعٍ؛ أي: جمع قِرَاط، لا سيّما وقد صحّ في الحديث. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن ما تقدّم في عبارة "المصباح" من أن "أقرطة" جمع قُرْط صريح في كونه جمعًا، فلا داعي لدعوى كونه جمع جمع، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(وَخَوَاتِمِهِنَّ) وفي بعض النسخ: "وخواتيمهنّ" بالياء بعد التاء، وهو: جمع خاتم، هي: حَلْقَة ذات فَصّ من غيرها، فإن لم يكن لها فصّ فهي فَتَخَةٌ، بفاء، وتاء مثنّاة من فوق، وخاء معجمة، وزان قَصَبَة، قاله في "المصباح"
(2)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد جاء بيان مسائله في شرح حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2049]
(886) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي
(3)
عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَنُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنصَارِيُّ، أَنْ لَا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا بَعْدَمَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ، وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ، وَلَا إِقَامَةَ).
(1)
"شرح النووي" 6/ 176.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 163.
(3)
وفي نسخة: "حدّثني".
رجال هذا الحديث: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وهو مسلسل بالتحديث، والإخبار.
شرح الحديث:
عن عطاء بن أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ) رضي الله عنهما أنهما (قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ) بتشديد الذال، مبنيًّا للمفعول (يَوْمَ الْفِطْرِ) منصوب على الظرفيّة لـ"يؤذّن" (وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى) قال ابن جُريج:(ثُمَّ سَأَلْتُهُ) أي: عطاء (بَعْدَ حِينٍ) أي: بعد زمن طويل (عَنْ ذَلِكَ) أي: عن الأذان والإقامة للعيد (فَأَخْبَرَنِي) وقوله: (قَالَ) بيان وتوضيح لمعنى "أخبرني"(أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ) رضي الله عنهما (أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة "لا أذان
…
إلخ" خبرها، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَإِنْ تُخَفَّفْ "أَنَّ" فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ
…
وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ "أَنْ"
والتقدير هنا: أنه (لَا أَذَانَ)"لا" نافية للجنس، و"أذان" اسمها مبنيّ على الفتح؛ لتركّبه معها، وخبرها قوله:(لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ) ظرف لـ"أذان"، وقوله (حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ) بدل من الظرف قبله؛ أي: وقت خروجه من مكانه إلى مكان الصلاة (وَلَا بَعْدَما يَخْرُجُ)"ما" مصدريّة؛ أي: بعد خروجه (وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ) من عطف العامّ على الخاصّ، للتوكيد، وكذا قوله:(وَلَا شَيْءَ) من أنوع النداء، كقوله: الصلاة جامعة، كما يستحبّه الشافعيّة، وقوله:(لَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ، وَلَا إِقَامَةَ) ذكره تأكيدًا لعدم مشروعيّة أيّ نوع من أنواع النداء لصلاة العيدين، قال النوويّ رحمه الله: هذا ظاهره مخالفٌ لما يقوله أصحابنا وغيرهم: إنه يُسْتَحبّ أن يقال: "الصلاة جامعة"، كما قدمنا، فيُتأوَّل على أن المراد: لا أذان، ولا إقامة، ولا نداء في معناهما، ولا شيء من ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل الذي ذكره النوويّ عجيب غريب صدوره عن مثله، فإن بطلان هذا التأويل مما لا يتردّد فيه منصفٌ بعد أن سمع حديث جابر رضي الله عنه هذا الذي ذَكَره هنا بصيغ مؤكّدة، وكرّره مبالغة في التحذير عن مخالفته، فماذا بعد هذا النصّ الصحيح الصريح؟، وسيأتي تمام البحث في
المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 2049 و 2050](886)، و (البخاريّ)(960)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1146) عن ابن عبّاس، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 242 و 335)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1991)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 402)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم الأذان والإقامة للعيدين:
قال ابن قُدامة رحمه الله، ما حاصله: لا نعلم في عدم مشروعيّة الأذان والإقامة خلافًا ممن يُعْتَدّ بخلافه، إلا أنه رُوي عن ابن الزبير أنه أذَّن وأقام، وقيل: أول من أَذَّن في العيد ابن زياد، وهذا دليل على انعقاد الإجماع قبله على أنه لا يُسَنّ لها أذان ولا إقامة، وبه يقول مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وقد ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيد بغير أذان ولا إقامة.
فرَوَى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى العيدين بغير أذان ولا إقامة، وعن جابر مثله، مُتَّفَقٌ عليه.
وقال جابر بن سمرة ريمبن: صلَّيتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد غير مرّة، ولا مرتين، بلا أذان ولا إقامة، رواه مسلم.
وعن عطاء قال: أخبرني جابر أن لا أذان يوم الفطر، حين يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج، ولا إقامة، رواه مسلم، وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحقّ أن تتبع. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله
(1)
، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
(1)
"المغني" لابن قُدامة 2/ 235 - 236.
وقال في "الفتح" ما حاصله: إن ترك الأذان في العيد ورد من حديث ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر رضي الله عنهم، وغيرهم.
أما حديث ابن عمر، ففي رواية النسائيّ: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد، فصلى بغير أذان ولا إقامة
…
" الحديث.
وأما حديث ابن عباس وجابر رضي الله عنهم، ففي رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، عند مسلم:"فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة"، وعنده من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، قال:"لا أذان للصلاة يوم العيد، ولا إقامة، ولا شيء"، وفي رواية يحيى القطان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن ابن عباس قال لابن الزبير:"لا تؤذن لها، ولا تُقِم"، أخرجه ابن أبي شيبة عنه.
ولأبي داود من طريق طاوس، عن ابن عباس:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العيد بلا أذان ولا إقامة"، إسناده صحيح.
وقد جاء الحديث أيضًا عن جابر بن سمرة، عند مسلم، وعن سعد بن أبي وقاص، عند البزار، وعن البراء، عند الطبرانيّ في "الأوسط".
وقال مالك في "الموطأ": سمعت غير واحد من علمائنا يقول: لم يكن في الفطر، ولا في الأضحى نداء، ولا إقامة، منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.
قال الحافظ: واستُدِلّ بقول جابر: "ولا إقامة، ولا شيء" على أنه لا يقال أمام صلاتها شيء من الكلام، لكن رَوَى الشافعي عن الثقة، عن الزهريّ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن في العيدين أن يقول: "الصلاة جامعة"، وهذا مرسل يَعْضِده القياس على صلاة الكسوف؛ لثبوت ذلك فيها، كما سيأتي.
قال الشافعيّ: أحبّ أن يقول: "الصلاة"، أو "الصلاة جامعة"، فإن قال: هلموا إلى الصلاة لم أكرهه، فإن قال: حي على الصلاة، أو غيرها من ألفاظ الأذان أو غيرها كرهت له ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الة عنه: قوله: "لكن رَوَى الشافعيّ
…
إلخ" غير مقبول؛ لأمور:
(الأول): أن أثر الزهريّ هذا غير صحيح؛ لأنه من مرسله، ومعلوم أن مراسيله شبه ريح، فقد أخرج البيهقيّ من طريق أبي قُدامة السرخسيّ، عن يحيى بن سعيد قال: مرسل الزهريّ شرّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما يقدر أن يسمي سمَّى، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسمّيه، وقال ابن معين: مراسيل الزهريّ ليست بشيء، وقال الشافعيّ: إرسال الزهريّ عندنا ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم، ذكر هذا كلّه ابن رجب في "شرح علل الترمذيّ"
(1)
.
(الئاني): أنه يُبطل أثره أيضًا ثبوت هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في نفي الأذان والإقامة وجميع أنواع النداء بضدّه، فيبطل الاعتماد عليه.
(الثالث): أن القياس على الكسوف غير صحيح؛ لأنه في مقابلة النصّ، والقياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار، كما سبق غير مرّة، فيكون اعتضاد المرسل الضعيف جدًّا بالقياس الفاسد، ولا يخفاك ما في هذا من الوهاء فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد.
والحاصل أن مذهب الجمهور الذين لا يرون مشروعيّة النداء للعيدين، لا بألفاظ الأذان المشهورة، ولا بغيرها؛ كالصلاةُ جامعة، ونحوها هو الحقّ الذي لا محيد عنه، فتمسّك به، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: اختُلِفَ في أول من أحدث الأذان في العيدين، فرَوَى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن المسيب أنه معاوية، ورَوَى الشافعيّ، عن الثقة، عن الزهريّ مثله، وزاد: فأخذ به الحجاج حين أُمِّر على المدينة.
وروى ابن المنذر عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: أول من أحدثه زياد بالبصرة.
وقال الداوديّ: أول من أحدثه مروان، قال الحافظ: وكلُّ هذا لا ينافي أن معاوية أحدثه، كما تقدم في البداءة بالخطبة.
وقال ابن حبيب: أول من أحدثه هشام.
ورَوَى ابن المنذر، عن أبي قلابة قال: أول من أحدثه عبد الله بن الزبير،
(1)
"شرح علل الترمذيّ" 1/ 284.
وقد وقع في الحديث التالي أن ابن عباس أخبره أنه لم يكن يؤذَّن لها، لكن في رواية يحيى القطان أنه لَمّا ساء ما بينهما أَذَّن؛ يعني: ابن الزبير وأقام، ذكره في "الفتح"
(1)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2050]
(
…
) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوَّلَ مَا بُويعَ لَهُ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَلَا تُؤَذِّنْ لَهَا، قَالَ: فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ، إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يُفْعَلُ، قَالَ: فَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وهم رجال الإسناد الماضي، وهو أيضًا مسلسل بالتحديث والإخبار.
شرح الحديث:
عن عطاء بن أبي رباح رحمه الله (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَرْسَلَ) بالبناء للفاعل (إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ) هو: عبد الله بن الزبير بن العوَّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو خُبيب، كان أوّل مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، ولي الخلافة تسع سنين، وقُتل في ذي الحجّة سنة (73 هـ)، تقدّمت ترجمته في "الطهارة" (16/ 610). (أَوَّلَ مَا بُويِعَ لَهُ) أي: لابن الزبير بالخلافة، و"أوّلَ" منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "أَرْسَلَ"، وكانت مبايعته سنة أربع وستّين عقب موت يزيد بن معاوية
(2)
.
وقوله: (أَنَّهُ) يَحْتَمِل فتح همزته، فيكون في تأويل المصدر مفعولًا لـ"أَرْسَلَ"، ويَحْتَمِل كسرها على أن يكون مفعولًا لـ"أَرْسَل" محكيًّا؛ لإرادة لفظه؛ أي: أرسل إليه هذه الجملة (لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ) بالبناء للمفعول (لِلصَّلَاةِ يَوْمَ
(1)
"الفتح" 3/ 278 - 279.
(2)
"الفتح" 3/ 279.
الْفِطْرِ) أي: لم يكن يؤذّن أحد يوم عيد الفطر في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، (فَلَا تُؤَذِّنْ لَهَا) الفاء فصيحيّة؛ أي: فإذا علمت أن السنّة عدم التأذين فيه، فلا تخالف السنّة (قَالَ) عطاء (فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ) رضي الله عنهما (يَوْمَهُ) أي: في ذلك اليوم الذي نهاه عنه ابن عبّاس رضي الله عنهما، ولعلّ هذا إشارة إلى ما وقع لابن الزبير من الأذان في العيد بعد أن وقعت الوحشة بينهما، كما سبقت الإشارة في المسألة التنبيه المذكور قريبًا (وَأَرْسَلَ) ابن عبّاس رضي الله عنهما أيضًا (إِلَيْهِ) أي: إلى الزبير رضي الله عنهما (مَعَ ذَلِكَ) أي: مع بيان ما سبق من عدم مشروعيّة الأذان في يوم الفطر (إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ) فيه أن السنّة تقديم الصلاة على الخطبة في العيد، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى (وَإِنَّ ذَلِكَ) أي: المذكور من تقديم الصلاة على الخطبة، ويَحْتَمل أن تكون الإشارة إلى ما سبق من ترك الأذان، وتقديم الصلاة معًا (قَدْ كَانَ يُفْعَلُ) بالبناء للمفعول؛ أي: قد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يفعله، وخلفاؤه الراشدون، وهذا فيه إشارة إلى أنه قد وقع فيه تغيير من بعض الناس، كما أسلفت تحقيقه في التنبيه المذكور قريبًا (قَالَ) عطاء (فَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ) رضي الله عنهما (قَبْلَ الْخُطْبَةِ)؛ أي: عملًا بالسنّة.
[فإن قلت]: كيف خالف ابن الزبير بعد معرفته السنة، حيث روي عنه أنه أذّن للعيد؟.
[قلت]: لعلّه اجتهد، فظهر له ما يقتضي جواز ذلك، لكن الحقّ أن السنّة أحقّ أن تُتّبع، ولا يكون لاجتهاد أحد بعد صحّتها مجالٌ، فإن السنّة قاضية على الآراء كلّها، فنعتذر عمن خالفها بنحو ما ذكرته آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 2050](886)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(959)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1992)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(3/ 277)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 76)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"
(1/ 402)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2051]
(887) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ ابْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
2 -
(حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجَليّ، أبو عليّ الْبُورانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [10](ت 20 أو 221)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
3 -
(قُتَيْبَة بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 240)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
4 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر في الباب.
5 -
(أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [7](ت 179)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 115.
6 -
(سِمَاكُ) بن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره، فربّما تلقّن [4](ت 123)(خت م 4) تقدم في "الإيمان" 64/ 365.
7 -
(جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّواليّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات بها سنة سبعين (ع) تقدم في "الحيض" 24/ 808.
وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 2051](887)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1148)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(532)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 74)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1432)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 19 و 5/ 91 و 94)، و (عبد الله بن أحمد) في "زوائد المسند"(5/ 95 و 98)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1993)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 402 و 403)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1100)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2052]
(888) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبله.
2 -
(عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، قيل: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [8] (ت 187) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 61/ 339.
3 -
(أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 201) وهو ابن (80) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 51.
4 -
(عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [5] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
5 -
(نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل باب.
6 -
(ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، تقدّم قبل باب أيضًا، وشرح الحديث قد تقدّم في شرح حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما المذكور أول الباب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 2052](888)، و (البخاريّ) في "العيدين"(957 و 963)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(531)، و (النسائيّ) في "العيدين"(3/ 183)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1276)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 75)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 12 و 38 و 39 و 92 و 108)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1443)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1994)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1101)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أول الكتاب قال:
[2053]
(889) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةٌ، ؤابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قامَ، فَاقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ جُلُوسٌ مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَة حَاجَةٌ بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ:"تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا"، وَكَان أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكمِ، فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُني يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ، وَأَنَا أَخرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ
(1)
، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا، يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُركَ مَا تَعْلَمُ، فلْتُ: كلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ، ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ أَيُّوت) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [10](ت 234)(عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" 2/ 110.
(1)
وفي نسخة: "نحو المصلَّى".
2 -
(قُتَيْبَةُ) بن سعيد ذُكر قبله.
3 -
(ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [9](ت 244) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 2/ 6.
4 -
(إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 180)(ع) تقدم في "الإيمان" 2/ 110.
5 -
(دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفَرّاء الدبّاغ القرشيّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [5] مات في خلافة أبي جعفر (خت م 4) تقدم في "الصلاة" 42/ 1084.
6 -
(عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي سَرْح القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقةٌ [3] مات على رأس المائة (ع) تقدم في "الإيمان" 36/ 250.
7 -
(أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، استُصغر بأُحُد، ثم شهد ما بعدها، مات سنة (3 أو 4 أو 65) وقيل:(74)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 485.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه ثلاثة شيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمل والأداء، فقد سمع هو من لفظهم مع غيره، وهم كذلك، ولذا قالوا جميعًا:"حدّثنا".
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل بن جعفر.
3 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: داود، عن عياض.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه من المكثرين السبعة، روى (1170) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه، وفي رواية عبد الرزاق، عن داود بن قيس، عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد، وكذا أخرجه أبو عوانة، من طريق ابن وهب، عن داود (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ) زاد في رواية البخاريّ: "إلى المصلَّى" وهو بضمّ الميم، وفتح اللام المشدّدة:
موضع بالمدينة معروف، بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عُمَر بن شَبَّة في "أخبار المدينة" عن أبي غَسّان الْكِنَانيّ، صاحب مالك رحمه الله
(1)
.
(فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ) وفي رواية البخاريّ: "فأوّلُ شيء يبدأ به الصلاة"(فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ) أي: أتمها (وَسَلَّمَ) منها (قَامَ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) أي: واجههم، وفي رواية البخاريّ:"ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس"، وفي رواية ابن حبّان من طريق داود بن قيس:"فينصرف إلى الناس قائمًا في مصلاه"، وروى ابن خزيمة في رواية مختصرة:"خَطَب يوم عيد على رجليه"، وهذا مشعر بأنه لم يكن بالمصلَّى في زمانه صلى الله عليه وسلم منبرٌ، ويدلّ على ذلك قول أبي سعيد:"فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجت مع مروان"، كما سيأتي بيانه.
(وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ) جملة إسمية وقعت حالًا، و"جُلُوسٌ": جمع جالس؛ أي: والحال أن الناس جالسون في مكان صلاتهم، وفي رواية البخاريّ:"والناس جُلُوسٌ على صفوفهم، فيَعِظُهم، ويوصيهم، ويأمرهم"(فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ) وفي رواية البخاريّ: "فإن كان يريد أن يقطع بَعْثًا قطعه"، و"الْبَعْثُ" بفتح الباء الموحّدة، وسكون العين المهملة، وفي آخره ثاء مثلثة: بمعنى المبعوث، وهو الجيش؛ يعني: أنه صلى الله عليه وسلم إذا كان يريد أن يبعث جيشًا إلى جهة من الجهات (ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ) أي: ذكر ذلك البعث، وبيّن مقداره، وعيّن مكانه، وأوضح ما يلزمهم تجاه ذلك (أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ) من إعانة فقير، أو إغاثة ملهوف (أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا") أي: بالتكرار تأكيدًا لشأن الصدقة (وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ) حيث يؤكّد عليهنّ الحث على الصدقة، فيقول:"يا معشر النساء تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار"(ثُمَّ يَنْصَرِفُ) إلى بيته (فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ) أي: لم يزل الحال على هذا الذي كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من صلاته العيدين في المصلَّى بلا منبر، وتقديمه الصلاة على الخطبة (حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ولي الخلافة سنة (64)، ومات في رمضان سنة (65) وليست له صحبة، وكان معاوية رضي الله عنه استعمله على المدينة.
(1)
"الفتح" 3/ 274، و"عمدة القاري" 6/ 275.
وفي رواية البخاريّ: "فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجتُ مع مروان، وهوأمير المدينة في أضحى، أو فطر".
(فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ) أي: مماشيًا له يده في يدي، هكذا فسّروه، قاله النوويّ
(1)
، وقال ابن الأثير: المخاصرة: أن يأخذ الرجل بيد رجل آخر يتماشيان، ويد كلّ واحد منهما عند خَصْرِ صاحبه. انتهى
(2)
.
وزاد عبد الرزاق، عن داود بن قيس:"وهو بيني وبين أبي مسعود"؛ يعني: عقبة بن عمرو الأنصاريّ؛ يعني: أن مروان كان بينه وبين أبي مسعود رضي الله عنه.
(حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ)"إذا" للمفاجأة، وارتفاع "كثير" على أنه مبتدأ وخبره جملة (قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ) والعامل في "إذا" معنى المفاجأة، والمعنى: فاجأنا كثير بن الصلت زمان الإتيان، وقيل:"إذا" حرف لا يَحتاج إلى عامل.
و"الطين" بالكسر: معروف، و"اللبِنُ" بفتح اللام، وكسر الموحّدة، آخره نون: ما يُعمل من الطين، ويُبنى به، والواحدة لَبِنةٌ، ويجوز التخفيف، فيصير مثل حِمْلٍ، قاله في "المصباح"
(3)
.
قيل: إنما اختار له بناء المنبر باللبن والطين لا من الخشب؛ لكونه يُترك بالصحراء في غير حرز، فلا يُخاف عليه من النقل بخلاف منابر الجوامع
(4)
.
[تنبيه]: "كثير" هو: ضدُّ القليل، و"الصَّلْتُ" بالتاء المثناة من فوقُ، وهو كثير بن الصَّلْت بن معاوبة الْكِنديّ، وُلد في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقَدِمَ المدينة هو وإخوته بعده، فسكنها، وحالف بني جُمَح، وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى نافع، قال: كان اسم كثير بن الصلت قليلًا، فسماه عمر كثيرًا، ورواه أبو عوانة، فوصله بذكر ابن عمر، ورفعه بذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم، والأول أصحّ.
وقال الذهبيّ في "تجريد الصحابة": كثير بن الصَّلْت بن معدي كرب
(1)
"شرح النووي" 6/ 177.
(2)
"النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 37.
(3)
"المصباح المنير" 2/ 548.
(4)
راجع: "عمدة القاري" 6/ 406.
الكنديّ، أخو زبيد، وُلد في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، رَوَى عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن كثير بن الصلت كان اسمه قليلًا، فسماه النبيّ صلى الله عليه وسلم كثيرًا، والأصح أن الذي سماه كثيرًا عمر رضي الله عنه. انتهى.
وقد صَحّ سماع كثير من عُمر ومن بعده، وقال العجليّ: هو تابعيّ مدنيّ ثقةٌ، وكان له شرفٌ، وحالٌ جميلة في نفسه، وله دارٌ كبيرةٌ بالمدينة في المصلَّى، وقبلة المصلَّى في العيدين إليها، وكان كاتبًا لعبد الملك بن مروان على الرسائل، وهو ابن أخي جَمْد -بفتح الجيم، وسكون الميم، أو فتحها- أحد ملوك كِنْدة الذين قُتِلوا في الردّة، وقد ذَكَر ابنُ منده الصَّلْت في "الصحابة"، وفي صحّة ذلك نظرٌ، وقال الذهبيّ: والصلت أبو زبيد الكنديّ مختلف في صحبته، وروى عنه ابنه زبيد، وكثير. انتهى
(1)
.
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح": مقتضى ما سبق أن أول من اتخذ المنبر في العيد مروان، وقد وقع في "المدونة" لمالك، ورواه عُمَر بن شَبَّة، عن أبي غَسّان عنه، قال: أول من خطب الناس في المصلَّى على المنبر عثمان بن عفان رضي الله عنه، كلّمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت، وهذا مُعْضَلٌ، وما في "الصحيحين" أصحّ، فقد رواه مسلم من طريق داود بن قيس، عن عياض، نحو رواية البخاريّ.
قال: ويَحْتَمِلُ أن يكون عثمان فَعَل ذلك مرّةً، ثم تركه، حتى أعاده مروان، ولم يَطَّلِع على ذلك أبو سعيد رضي الله عنه.
وإنما اخْتَصَّ كثير بن الصلت ببناء المنبر بالمصلَّى؛ لأن داره كانت مجاورةً للمصلى، كما سيأتي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم أتى في يوم العيد إلى الْعَلَمِ الذي عند دار كثير بن الصَّلْت
(2)
، قال ابن سعد: كانت دار
(1)
راجع: "الفتح" 3/ 274، و"عمدة القاري" 6/ 405.
(2)
هو ما أخرجه البخاريّ في "كتاب الاعتصام"(7325) قال: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، قال: سئل ابن عباس أشهدت العيد مع النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر، فأتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى، ثم خطب، ولم يذكر أذانًا ولا إقامةً، ثم أمر =
كثير بن الصلت قبلة المصلَّى في العيدين، وهي تُطِلُّ على بَطْن بُطْحَان الوادي الذي في وسط المدينة. انتهى.
وإنما بَنَى كثير بن الصَّلْت داره بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بمدة، لكنها لما صارت شهيرة في تلك البقعة، وُصِفَ المصلَّى بمجاورتها. انتهى
(1)
.
(فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ) أي: ليخطب قبل الصلاة، وفي رواية البخاريّ:"فلما أتينا المصلّى؛ إذا منبرٌ بناه كثير بن الصّلْت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع، فخطب قبل الصلاة".
(وَأنَما أَجُزُهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ) وفي نسخة: "نحو المصلَّى"؛ أي: ليبدأ بالصلاة قبل الخطبة؛ اتبّاعًا للسنّة (فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ) أي: إلحاحه على ما أراده من تقديم الخطبة على الصلاة (قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟) أي: أين اتّباع السنّة في تقديم الابتداء بالصلاة طى الخطبة؟.
وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "أين الابتداء بالصلاة" هكذا ضبطناه على الأكثر، وفي بعض الأصول:"ألا نبتدئ" بـ "ألا" التي هي للاستفتاح، وبعدها نون، ثم باء موحّدة، وكلاهما صحيح، والأول أجود في هذا الموطن؛ لأنه ساقه للإنكار عليه. انتهى
(2)
.
وفي رواية البخاريّ: " فقلتُ له: غيّرتم والله"(فَقَالَ: لَا) أي: لا نبدأ بالصلاة (يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ:"قد ذهب ما تعلم"، قال أبو سعيد رضي الله عنه:(قُلْتُ: كَلَّا) كلمة مركبة عند ثعلب من كاف التشبيه، و"لا" النافية، قال: وإنما شُدِّدت لامها؛ لتقوية المعنى، ولدفع توهّم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره هي بسيطة، وهي عند سيبويه، والخليل، والمبرّد، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه الرَّدْع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبدًا الوقف عليها،
= بالصدقة، فجعل النساء يُشرن إلى آذانهنّ وحلوقهنّ، فأمر بلالًا فأتاهنّ، ثم رجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى.
(1)
"الفتح" 3/ 274.
(2)
"شرح النووي" 6/ 178.
والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت "كلا" في سورة، فاحكم بأنها مكية؛ لأن فيها معنى التهديد والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتوّ كان بها، ذكره ابن هشام في "المغني"، وله فيه تعقّب على ما ذُكر، وتفصيل للمسألة، فراجعه
(1)
.
والمعنى هنا: ارتدع، وانزجر عما زعمته؛ لأنه لا خير فيه.
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ، لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ) لقد صدق أبو سعيد رضي الله عنه فيما قال، فوالله إن الذي يعلمه هو طريَق النبيّ صلى الله عليه وسلم، ففيه الهدى، والفلاح، فقد قال تعالى:{وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، وقال:{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} الآية [النور: 54]، وقال:{افَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].
فكيف يكون غيره خيرًا منه؟ بل الخير كلُّ الخير في اتّباع سنته صلى الله عليه وسلم، والشرّ كلُّ الشرّ في مخالفتها.
وفي رواية البخاريّ: "فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة". انتهى.
[تنبيه]: قوله: "لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ" صريحٌ في أن أبا سعيد هو الذي أنكر، وتقدّم لمسلم في "كتاب الإيمان" من طريق طارق بن شهاب، قال: أوّلُ من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرِك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أمّا هذا فقد قضى ما عليه، وهذا ظاهر في أنه غير أبي سعيد، وكذا هو في رواية رجاء، عن أبي سعيد عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، بلفظ: "أخرج مروان المنبر يوم العيد، وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجل
…
" الحديث.
قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون الرجل هوأبا مسعود الذي وقع في رواية عبد الرزاق، أنه كان معهما، ويَحْتَمِل أن تكون القصة تعددت، ويدلّ على ذلك المغايرةُ الواقعة بين روايتي عياض ورجاء، ففي رواية عياض أن المنبر بُنِي بالمصلَّى، وفي رواية رجاء أن مروان أخرج المنبر معه، فلعلّ مروان
(1)
"مغني اللبيب" 1/ 249.
لما أنكروا عليه إخراج المنبر، ترك إخراجه بعدُ، وأمر ببنائه من لَبِنٍ وطين بالمصلَّى، ولا بُعْدَ في أن يُنْكَر عليه تقديم الخطبة على الصلاة مرةً بعد أخرى، ويدل على التغاير أيضًا أن إنكار أبي سعيد وقع بينه وبينه، وانكار الآخر وقع على رؤوس الناس. انتهى
(1)
، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) أي: قال أبو سعيد ذلك ثلاث مرّات، وإنما كرّره توكيدًا للإنكار (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: إلى الصفّ، لا أنه ترك الصلاة معه.
قال النوويّ: قال القاضي عياض: قوله: "ثم انصرف" أي: عن جهة المنبر إلى جهة الصلاة، وليس معناه أنه انصرف من المصلى، وترك الصلاة معه، بل في رواية البخاريّ أنه صلى معه، وكلمه في ذلك بعد الصلاة، وهذا يدل على صحة الصلاة بعد الخطبة، ولولا صحتها كذلك لما صلاها معه.
قال النوويّ: واتفق أصحابنا على أنه لو قدّمها على الصلاة صحّت، ولكنه يكون تاركًا للسنة، مفوتًا للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه يشترط لصحة صلاة الجمعة تقدُّم خطبتها عليها؛ لأن خطبة الجمعة واجبة، وخطبة العيد مندوبة. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم مناقشة اشتراط الخطبة للجمعة في بابه، فإن شئت فراجعه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 2053](889)، و (البخاريّ)(304 و 956 و 1462 و 2658)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1140)، و (النسائيّ) في "سننه"(3/ 187 و 190)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1288)، و (أحمد) في
(1)
"الفتح" 3/ 275.
(2)
"شرح النووي" 6/ 178.
"مسنده"(3/ 31 و 36 و 42 و 54 و 56)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1445 و 1449)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1995)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان أن الخطبة على الأرض عن قيام في المصلى أولى من القيام على المنبر، والفرق بينه وبين المسجد أن المصلَّى يكون بمكان فيه فضاء، فيتمكن من رؤيته كلُّ من حضر، بخلاف المسجد، فإنه يكون في مكان محصور، فقد لا يراه بعضهم.
2 -
(ومنها): استحباب الخروج إلى المصلى في العيد، وأن صلاتها في المسجد لا تكون إلا عن ضرورة.
3 -
(ومنها): إنكار العلماء على الأمراء؛ إذا صنعوا ما يخالف السنة.
4 -
(ومنها): أن فيه الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، وإن كان المنكَر عليه واليًا.
5 -
(ومنها): أن الانكار يكون باليد لمن أمكنه، ولا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد؛ وقد تقدّم حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
6 -
(ومنها): حلف العالم على صدق ما يُخبر به.
7 -
(ومنها): المباحثة، والمجادلة في الأحكام الشرعيّة؛ للوصول إلى ما هو الصواب.
8 -
(ومنها): جواز عمل العالم بخلاف الأَولى؛ إذا لم يوافقه الحاكم على الأولى؛ لأن أبا سعيد حضر الخطبة، ولم ينصرف، فيُسْتَدلّ به على أن البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها.
قال ابن الْمُنَيِّر رحمه الله في "الحاشية": حَمَلَ أبو سعيد رضي الله عنه فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتَذَر عن ترك الأولى بما ذكره من تغيُّر حال الناس، فرأى أن المحافظة على أصل السنة، وهو إسماع الخطبة أولى من المحافظة على هيئة فيها، ليست من شرطها، والله أعلم.
9 -
(ومنها): استحباب مواجهة الخطيب الناس، وجلوسهم بين يديه.
10 -
(ومنها): وعظ الإمام في صلاة العيد، ووصيته، وتخويفه عن عواقب الأمور.
11 -
(ومنها): بيان أن السنّة بدأ تغييرها في عهد الصحابة رضي الله عنهم، كما فعل مروان بن الحكم في هذه القضيّة.
12 -
(ومنها): أنه استُدِلَّ به على استحباب الخروج إلى الصحراء لصلاة العيد، وأن ذلك أفضل من صلاتها في المسجد؛ لمواظبة النبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك مع فضل مسجده.
وقال الشافعيّ رحمه الله في "الأُمّ": بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذا مَن بعده إلا من عذر مطر ونحوه، وكذلك عامة أهل البلدان إلا أهل مكة، ثم أشار إلى أن سبب ذلك سعة المسجد، وضيق أطراف مكة، قال: فلو عُمِّر بلد، فكان مسجد أهله يسعهم في الأعياد، لم أر أن يخرجوا منه، فإن كان لا يسعهم كَرِهت الصلاة فيه، ولا إعادة.
قال الحافظ: ومقتضى هذا أن العلة تدور على الضيق والسعة، لا لذات الخروج إلى الصحراء؛ لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد مع أفضليته كان أولى. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(2) - (بَابُ الأَمْرِ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ فِي الْعِيدَيْنِ إِلَى الْمُصَلَّى، وَاعْتِزَالِ الْحُيَّضِ الْمُصَلَّى)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2054]
(890) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا -تَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم- أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
3 -
(أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
4 -
(مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ كبير القدر [3](ت 110)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 308.
5 -
(أُمُّ عَطِيَّةَ) الأنصاريّة الصحابيّة المشهورة، سكنت البصرة، واسمها نُسَيبة -بنون، وسين مهملة، وباء موحدة، مصغرًا- وقيل: بفتح النون، وكسر السين
(1)
-معروفة باسمها وكنيتها، وهي بنت الحارث، وقيل بنت كعب، وأنكره ابن عبد البرّ؛ لأن نُسيبة بنت كعب هي أم عمارة صحابيّة غير هذه.
رَوَت أم عطيّة رضي الله عنها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وعن عُمَر، وروى عنها أنس بن مالك، ومحمدٌ وحفصة ابنا سيرين، وعبد الملك بن عُمير، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، وعلي بن الأقمر، وأم شَرَاحيل.
قال ابن عبد البرّ: كانت تغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تُمَرِّض المرضى، وتداوي الجرحى، شَهِدت غسل ابنة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان جماعة من الصحابة، وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (17) حديثًا بالمكرّرات
(2)
.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
(1)
ضبطها ابن ماكولا بفتح النون، قاله في "تت".
(2)
وفي "الخلاصة": لها أربعون حديثًا، اتّفقا على سبعة، وانفرد كلّ منهما بحديث، انتهى.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن محمد بن سيرين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بنت كعب، أو بنت الحارث رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: أَمَرَنَا -تَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم-) هكذا في هذه الرواية بزيادة "يعني"، وهي من بعض الرواة، وفي رواية عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين التالية: "كنّا نؤمر بالخروج
…
"، وفي رواية هشام القردوسيّ، عن حفصة الثالثة: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُخرجهنّ
…
" (أَنْ نُحرِجَ) بضمّ أوله، من الإخراج رباعيًّا (في الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ) بالنصب على المفعوليّة لـ"نُخْرِج".
قال أهل اللغة: "الْعَوَاتِقُ": جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وقال ابن دُريد: هي التي قاربت البلوغ، قال ابن السّكّيت: هي ما بين أن تبلغ إلى أن تَعْنُس
(1)
، ما لم تَتَزَوّج، والتعنيس: طول الْمُقام في بيت أبيها بلا زوج، حتى تَطْعُن في السنّ، قالوا: سُمّيت عاتقًا؛ لأنها عَتَقَت من امتهانها في الخدمة، والخروج في الحوائج، وقيل: قاربت أن تتزوج، فتُعْتَق من قهر أبويها وأهلها، وتستقلّ في بيت زوجها، قاله النوويّ رحمه الله
(2)
.
وقيل: العاتق: من النساء مَن بلغت الحُلُم، أو قاربت، واستحقت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها. وقال في "اللسان": جارية عاتق: شابّة، وقيل: العاتق البكر التي لم تَبِنْ عن أهلها، وقيل: هي التي بَيْنَ التي أدركت، وبين التي عَنَسَتْ، والعاتق: الجارية التي قد أدركت، وبلغت، فَخُدِّرت في بيت أهلها، ولم تتزوج، سُمّيت بذلك؛ لأنها عتَقَت عن خدمة أبويها، ولم يملكها زوج بعدُ، قال الفارسي: وليس بقوي.
قال الشاعر [من الطويل]:
أَقِيدِي دَمًا يَا أُمَّ عَمْرٍو هَرَقْتِهِ
…
بِكَفَّيْكِ يَوْمَ السّتْرِ إِذْ أنْتِ عَاتِقُ
(1)
من باب ضرب، وفي لغة من باب قعد، وعَنّست بالتثقيل للمبالغة، وأنكر الأصمعي الثلاثيّ، وقال: إنما يقال رباعيًّا متعديًا. اهـ. "المصباح" 2/ 432.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 178.
وقيل: العاتق: الجارية التي قد بَلَغت أن تَدَرَّع، وعتقت من الصبا، والاستعانة بها في مهنة أهلها، وسُمّيت عاتقًا بها، والجمع في ذلك كله عواتق.
قال زهير بن محمود الضبيّ [من الوافر]:
وَلَمْ تَثِقِ العَوَاتِقُ مِنْ غَيُورٍ
…
بِغَيْرَتِهِ وَخَلَّيْنَ الْحِجَالا
(1)
(وَذَوَاتِ الْخُدُورِ) أي: النساء صواحبات الخدور، و"الْخُدُور": جمع خدْر -بكسر الخاء- المعجمة، وسكون الدال المهملة -: ستْر يُتَّخَذ في البيت تقعد الأبكار وراءه صيانة لهن.
وفي "اللسان": الخدْر: ستر يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت، ثم صار كلُّ ما واراك من بيت ونحوه خدْرًا، والجمع خُدُور، وأخْدار، وأخادير جمع الجمع، وأنشد:
حَتَّى تَغَامَزَ رَبَّاتُ الأخَادِيرِ
(2)
ثم إن فيه ثلاث روايات: الأولى بواو العطف، والثانية بلا واو، وتكون صفة للعواتق، والثالثة ذات الخدور بإفراد "ذات"، قاله العيني.
قال الجامع عفا الله عنه: بين العواتق وذوات الخدور عموم وخصوص وجهيّ؛ لأنها قد تكون بكرًا مُخَدَّرَة، وقد تكون بالغة مُخَدَّرَة، وقد تكون بكرًا غير مُخَدَّرَة، وفد تكون بالغة غير مخدرة، والله تعالى أعلم.
(وَأَمَرَ الْحُيَّضَ) ببناء الفعل للمفعول، و"الحيّض" نائب فاعله، وهو بضم الحاء المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة، جمع حائض (أَنْ يَعْتَزِلْنَ) أي: يبتعدن (مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ) يعني: أن النساء اللاتي بهنّ الحيض يبتعدن عن محل الصلاة؛ لئلا يتلوث مكان الصلاة بالدم، أو لئلا يظهرن بمظهر من يَستهين بالصلاة إذا قعدن، والناس يصلون، وفي رواية للبخاري:"ويعتزلن الحيّضُ"، وهو على لغة أكلوني البراغيث.
ثم إن الجمهور حَمَلوا الأمر المذكور على الندب؛ لأن المصلَّى ليس بمسجد، فيمنع الحيّض من دخوله، قال الحافظ: وأغرب الكرمانيّ، فقال:
(1)
"لسان العرب" 10/ 235.
(2)
"لسان العرب" 4/ 230.
الاعتزال واجب، والخروج والشهود مندوب، مع كونه نقل عن النوويّ تصويب عدم وجوبه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر وجوب شهودهنّ العيدين، واعتزالهن المصلَّى؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، فإن كان القائلون بالاستحباب وجدوا صارفًا للأمر عن الوجوب فذاك، وإلا فكونه للوجوب هو الظاهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال ابن المنير: الحكمة في اعتزالهنّ: أن في وقوفهن لا يصلين مع المصليات إظهار استهانة بالحال، فيستحب لهن اجتناب ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم عطيّة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [2/ 2054 و 2055 و 2056](890)، و (البخاريّ)(324 و 351 و 971 و 974 و 981 و 1652)، و (أبو داود) في "سننه"(1136 و 1137)، و (الترمذيّ)(539)، و (ابن ماجه)(1308)، و (النسائيّ)(3/ 180)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(3/ 302)، و (الحميديّ) في "مسنده"(361 و 362)، و (أحمد)(5/ 85)، و (ابن خزيمة)(1467)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1996 و 1997 و 1998)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 428)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان مشروعيّة خروج النساء الطاهرات والحيّض إلى العيدين، وشهود الجماعات، وتعتزل الحيّض المصلى، ولْيَكُنَّ ممن يدعو، أو يؤمّن رجاء بركة المشهد الكريم.
2 -
(ومنها): أنّ الحيّض يشهدن مواطن الخير، ومجالس العلم.
3 -
(ومنها): أن فيه بيان أن الحائض لا تهجُر ذكر الله تعالى.
4 -
(ومنها): ما قاله الشوكانيّ رحمه الله: قَوْلُهُ: "يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ
الْمُسْلِمِينَ"، يَرُدُّ ما قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ: أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ إلَى الْعِيدِ، كان في صَدْرِ الْإِسْلامِ؛ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ، ثُمَّ نُسِخَ، وَأَيْضًا قد رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما خُرُوجَهُنَّ بَعْد فَتْحِ مَكَّةَ، وقد أَفْتَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها بَعْدَ مَوْتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِمُدَّةٍ، كما في الْبُخَارِيِّ. انتهى.
5 -
(ومنها): مشروعية اعتزال الْحُيَّض المصلى، واختلفوا فيه، فقال الجمهور: هو منع تنزيه، وسببه الصيانة والاحتراز عن التلويث، وحمله بعضهم على التحريم.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر من النصّ التحريم حتى يوجد صارف، وإن نازع الحافظُ الكرمانيَّ في ذلك، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم خروج النساء إلى العيدين:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: قد اختلفوا في خروج النساء إلى الأعياد: فرَوَينا عن أبي بكر، وعليّ رضي الله عنهما أنهما قالا: حقّ على كلّ ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين، ورُوي عن عليّ أنه قال: الخروج إلى العيدين سنة للرجال والنساء، وكان ابن عمر يُخرج من استطاع من أهله في العيد.
وكَرِهَتْ طائفة خروج النساء إلى العيدين، كره ذلك إبراهيم النخعيّ، وكان عروة بن الزبير لا يدع امرأة من أهله تخرج إلى فطر، ولا إلى أضحى، وقال يحيى الأنصاريّ: لا نعرف خروج المرأة الشابّة عندنا في العيدين.
وقال أصحاب الرأي في خروج النساء إلى العيد: أما اليوم فإنا نكره لهنّ ذلك، ونرخّص للعجوز الكبيرة بأن تشهد العشاء والفجر، والعيدين، وأما غير ذلك فلا. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله
(1)
.
وقال الشوكانيّ رحمه الله: وَالْحَدِيثُ وما في مَعْنَاهُ من الْأَحَادِيثِ قَاضِيَةٌ بِمَشْرُوعِيَّةِ خُرُوجِ النِّسَاءِ في الْعِيدَيْنِ إلَى الْمُصَلَّى، من غَيْرِ فَرْقٍ بين الْبِكْرِ
(1)
"الأوسط" 4/ 262 - 263.
وَالثَّيِّبِ، وَالشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ، وَالْحَائِضِ وَغَيْرِهَا، ما لم تَكُنْ مُعْتَدَّةً، أو كان في خُرُوجها فِتْنَةً، أو كان له عُذْرٌ.
وقد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في ذلك على أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهَا): أَنَّ ذلك مُسْتَحبٌّ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فيه على النَّدْبِ، ولم يُفَرِّقُوا بَيْن الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ، وَهَذَا قَوْلُ أبي حَامِدٍ من الْحَنَابِلَةِ، والْجُرْجَانِيِّ من الشَّافِعِيَّةِ، وهو ظَاهِرُ إطْلاقِ الشَّافِعِيِّ.
(الْقَوْلُ الثَّانِي): التَّفْرِقَةُ بين الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ، قال الْعِرَاقِيُّ: وهو الذي عليه جُمْهُورُ الشَّافِعيَّةِ؛ تَبَعًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ في "الْمُخْتَصَرِ".
(وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ): أَنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لَهُنَّ مُطْلَقًا، وهو ظَاهِرُ كَلامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فِيمَا نَقَلَهً عنه ابنُ قُدَامَةَ.
(وَالرَّابِعُ): أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وقد حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عن الثَّوْرِيِّ، وابن الْمُبَارِكِ، وهو قَوْلُ مَالِكٌ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَحَكَاهُ ابن قُدَامَةَ عن النَّخَعِيّ، وَيَحْيَى بن سَعيدٍ الْأَنْصَاري.
وَرَوَى ابنُ أبي شَيْبَةَ عن النَّخَعِيّ، أَنَّهُ كَرِهَ لِلشَّابَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ.
(الْقَوْلُ الْخَامِسُ): إنه حَقٌّ على النِّسَاءِ الْخُرُوجُ إلى الْعِيدِ، حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، عن أبي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ، وابن عُمَرَ رضي الله عنهم.
وقد رَوَى ابنُ أبي شَيْبَةَ عن أبي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا قَالا: حَقٌّ على كل ذَاتِ نِطَاقٍ الْخُرُوجُ إلَى الْعِيدَيْنِ. انتهى.
قال الشوكانيّ رحمه الله: وَالْقَوْلُ بَكَرَاهَةِ الْخُرُوجِ على الْإِطْلاقِ رَدٌّ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ، وَتَخْصِيصُ الشَّوَابِّ يَأْبَاهُ صَرِيحُ الحديث الْمُتَّفَقِ عليه وَغَيْرُهُ. انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله
(1)
، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ الذي دلّت عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة المذكورة في "الصحيحين" وغيرهما هو
(1)
"نيل الأوطار" 3/ 354.
القول بمشروعيّة خروج النساء إلى العيدين، مطلقًا عجائز كنّ، أو شابّات، طاهرات كنّ أو حُيّض، ولا مُتَمَسَّكَ للمانعين، إلا مجرّد النظر لتغير الزمان، وهذا غير مانع، فإن الشارع لَمَّا أمر بخروج النساء مطلقًا، شابّة كانت أو عجوزًا شرط عليها أن تتجلبب، وأن لا تخرج متطيّبة، ولا متبخّرة، فإذا وجد الشرط لا تُمنع، وأما إذا لم تلتزم بما اشترط عليها الشارع فقد مَنَعَت نفسها من الخروج، لا أن الشارع منعها، فإن حكم الشارع مستمرّ إلى قيام الساعة، لا يتغير بتغيّر الزمان، فالقول بمنع الشوابّ، دون العجائز، أو التفريق بين الصلوات مما لا برهان له، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد.
ثم رأيت الصنعانيّ رحمه الله أيّد هذا في "حاشية العمدة" حيث قال -بعد ذكر أقوال المانعين-: قلت: وتنصيصه صلى الله عليه وسلم على العواتق وذوات الخدور يمنع التفصيل في إخراج العجائز دون الشوابّ، وهل النصّ إلا في الشوابّ؟ وقولهم: إن المفسدة كانت مأمونة في ذلك الزمان غير صحيح؛ إذ كلّ زمان فيه صالحون وغيرهم، وقد وقع في عصر النبوّة ما وقع في غيره من ارتكاب فاحشة الزنا، والسرقة، وغيرهما، نعم لا تخرج إلى الصلاة في ثياب زينة، ولا متطيّبة، بل تخرج متبذّلة؟ لورود النهي عن ذلك. انتهى كلام الصنعانيّ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الصنعانيّ رحمه الله في هذا التعقّب، وأفاد، وصَدَقَ في قوله: "وقد وقع في عصر النبوّة
…
إلخ".
أمَا سمع هؤلاء ما أخرجه أبو داود في "سنن" بسند حسن، عن وائل بن حجر رضي الله عنه أن امرأة خرجت على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم تريد الصلاة، فتلقّاها رجل، فتجلّلها، فقضى حاجته منها، فصاحت، وانطلق، فمرّ عليها رجلٌ، فقالت: إن ذاك فعل بي كذا وكذا، ومرت عصابة من المهاجرين، فقالت: إن ذلك الرجل فعل بي كذا وكذا
…
" الحديث.
أليست هذه الفاحشة وقعت على امرأة خرجت تصلى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم؟، فانتبهوا يا أولي الألباب.
والحاصل أن الصواب مشروعية خروج النساء إلى العيدين مطلقًا؛ إذا
(1)
"العدّة حاشية العمدة" 3/ 178.
التزمت ما أوجب عليها الشرع، مما أسلفناه من الشروط، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ثم إن الجمهور على أن الأمر بخروج النساء إلى العيدين للاستحباب، وهو محلّ نظر؛ إذ الأمر للوجوب عند جمهور الأصوليين، وهو الراجح، إلا لصارف، ولم يذكروا هنا صارفًا، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2055]
(
…
) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْمُخَبَّأَةُ، وَالْبِكْرُ، قَالَت: الْحُيَّضُ يَخْرُجْنَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُو خَيْثَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [7](ت 2 أو 3 أو 174)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 62.
3 -
(عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) هو: ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [4] مات بعد (140)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 27.
4 -
(حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ)، أم الْهُذيل الأنصاريّة البصريّة، ثقةٌ [3].
رَوَت عن أخيها يحيى، وأنس بن مالك، وأم عطية الأنصارية، والرباب أم الرائح، وأبي العالية، وأبي ذبيان خليفة بن كعب، والربيع بن زياد الحارثيّ، وخيرة أم الحسن البصريّ، وقيل: إنها روت عن سلمان بن عامر الضبيّ، وجماعة.
وروى عنها أخوها محمد، وقتادة، وعاصم الأحول، وأيوب، وخالد الحذاء، وابن عون، وهشام بن حسان، وغيرهم.
قال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال العجليّ: بصريةٌ تابعيّة، وقال أبو داود: أم الهذيل حفصة، كان اسم ابنها الْهُذيل، وقال
هشام بن حسان، عن إياس بن معاوية: ما أدركت أحدًا أفضّله على حفصة، وقال ابن أبي داود: قَرَأَت القرآن، وهي ابنة اثنتي عشرة سنةً، وماتت وهي ابنة سبعين سنة، فقيل لابن أبي داود: لعله تسعين، فقال: كذا في الحديث، وذكرها ابن حبان في "الثقات".
ماتت سنة إحدى ومائة، وذكرها البخاريّ في "فصل من مات من سنة مائة إلى عشر ومائة".
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (15) حديثًا بالمكرّر.
و"أمّ عطيّة" ذُكرت في السند الماضي.
وقوله: (كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدَيْنِ) تقدّم في الرواية الماضية أن الذي أمرهم هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه تقوية لقول الجمهور أن قول الصحابيّ:"كنا نؤمر"، ونحوه له حكم الرفع.
وقولها: (وَالْمُخَبَّأَةُ) مرفوع بالعطف على الضمير النائب عن الفاعل في "نُؤمر"، وهو: بضمّ الميم، وتشديد الموحّدة، اسم مفعول، من خبّأ الشيء: إذا ستره، قال ابن الأثير رحمه الله:"الْمُخَبَّأَةُ": الجارية التي في خِدْرها، لم تتزوّج بعدُ؛ لأن صيانتها أبلغ ممن قد تزوّجت. انتهى
(1)
.
وقال الفيّوميّ رحمه الله: خَبَأتُ الشيءَ مهموزٌ من باب نَفَعَ: سَتَرْتُه، وخَبّأته: حَفِظته، والتشديد تكثيرٌ ومبالغةٌ. انتهى
(2)
.
وقولها: (وَالْبِكْرُ) بكسر الموحّدة، وسكون الكاف: خلاف الثيّب رجلًا كان أو امرأةً، وهو الذي لم يتزوّج، والجمع: أَبْكارٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمَال
(3)
.
وقولها: (قَالَت: الْحُيَّضُ يَخْرُجْنَ
…
إلخ) القائلة هي أم عطيّة رضي الله عنها.
وقولها: (يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ) قال النوويّ رحمه الله: فيه جواز ذكر الله تعالى للحائض والجنب، وإنما يحرم عليها القرآن، وفيه دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين، وهو مُجْمَع عليه، قال أصحابنا: يستحب التكبير ليلتي العيدين، وحال الخروج إلى الصلاة.
(1)
"النهاية" 2/ 3.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 163.
(3)
"المصباح" 1/ 59.
وقال القاضي عياض رحمه الله: التكبير في العيدين أربعة مواطن: في السعي إلى الصلاة إلى حين يخرج الإمام، والتكبير في الصلاة، وفي الخطبة، وبعد الصلاة.
أما الأول فاختلفوا فيه، فاستحبه جماعة من الصحابة والسلف، فكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى، يرفعون أصواتهم، وبه قال الأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وزاد استحبابه ليلة العيدين، وقال أبو حنيفة: يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر، وخالفه أصحابه، فقالوا بقول الجمهور.
وأما التكبير بتكبير الإمام في الخطبة، فمالك يراه، وغيره يأباه، وأما التكبير المشروع في أول صلاة العيد، فقال الشافعيّ: هو سبع في الأولى، غير تكبيرة الإحرام، وخمس في الثانية، غير تكبيرة القيام، وقال مالك، وأحمد، وأبو ثور كذلك، لكن سبع في الأولى إحداهن تكبيرة الإحرام، وقال الثوريّ، وأبو حنيفة: خمس في الأولى، وأربع في الثانية بتكبيرة الإحرام والقيام، وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة، وقال عطاء، والشافعيّ، وأحمد: يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى، ورُوي هذا أيضًا عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وأما التكبير بعد الصلاة في عيد الأضحى، فاختلف علماء السلف ومن بعدهم فيه، على نحو عشرة مذاهب، هل ابتداؤه من صبح يوم عرفة، أو ظهره، أو صبح يوم النحر، أو ظهره؟ وهل انتهاؤه في ظهر يوم النحر، أو ظهر أول أيام النَّفْر، أو في صبح أيام التشريق، أو ظهره، أو عصره؟
واختار مالك، والشافعيّ، وجماعة ابتداءه من ظهر يوم النحر، وانتهاءه صبح آخر أيام التشريق، وللشافعيّ قولٌ: إلى العصر من آخر أيام التشريق، وقولٌ: إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وهو الراجح عند جماعة من أصحابنا، وعليه العمل في الأمصار. انتهى
(1)
.
وقال في "الفتح" بعد ذكره آثارًا تدلّ على ثبوت التكبير في يوم العيد، وأيام التشريق، ما حاصله: وقد اشتَمَلَت هذه الآثار على وجود التكبير في تلك
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 179 - 180.
الأيام عقب الصلوات، وغير ذلك من الأحوال، وفيه اختلاف بين العلماء في مواضع، فمنهم من قَصَر التكبير على أعقاب الصلوات، ومنهم من خَصّ ذلك بالمكتوبات دون النوافل، ومنهم من خَصّه بالرجال دون النساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤدّاة دون المقضيّة، وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المصر دون القرية، وظاهر اختيار البخاريّ شمول ذلك للجميع، والآثار التي ذكرها تساعده.
قال: وللعلماء اختلاف أيضًا في ابتدائه وانتهائه، فقيل: من صبح يوم عرفة، وقيل: من ظهره، وقيل: من عصره، وقيل: من صبح يوم النحر، وقيل: من ظهره، وقيل: في الانتهاء إلى ظهر يوم النحر، وقيل: إلى عصره، وقيل: إلى ظهر ثانية، وقيل: إلى صبح آخر أيام التشريق، وقيل: إلى ظهره، وقيل: إلى عصره، حَكَى هذه الأقوال كلها النوويّ، إلا الثاني من الانتهاء، وقد رواه البيهقيّ عن أصحاب ابن مسعود، ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول عليّ، وابن مسعود: إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى، أخرجه ابن المنذر وغيره، والله أعلم.
وأما صيغة التكبير: فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق، بسند صحيح، عن سلمان رضي الله عنه قال:"كَبِّروا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا"، ونُقِل عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، أخرجه جعفر الفريابيّ في "كتاب العيدين" من طريق يزيد بن أبي زياد عنهم، وهو قول الشافعيّ، وزاد:"ولله الحمد"، وقيل: يكبر ثلاثًا، ويزيد: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له
…
إلخ"، وقيل: يكبر ثنتين بعدهما: "لا إله الا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد"، جاء ذلك عن عمر، وعن ابن مسعود نحوه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقد أُحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن أرجح الأقوال استحباب التكبير من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؛ لأنه صحّ عن عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما، وهوأحقّ من اتُّبع في ذلك.
(1)
"الفتح" 3/ 294 - 295.
وأما صيغ التكبير، فأولاها ما صحّ عن سلمان رضي الله عنه، وإن زيد ما قاله الشافعيّ رحمه الله، فلا بأس.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2056]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا
(1)
أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
2 -
(عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [8] (ت 187) وقيل:(191)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
3 -
(هِشَامُ) بن حسّان الْقُردُوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [6](ت 7 أو 148)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 26.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَهُنَّ) قال القرطبي رحمه الله: تعني النساء، والضمير عائد على نساء جرى ذكرهنّ، وقد أَبدلت من ضميرهنّ بقولها:"العواتق والْحُيّض"، وذوات الخدور، قال: ولا يصحّ أن يُستدلّ بهذا الأمر على وجوب صلاة العيدين، والخروج إليهما؛ لأن هذا الأمر إنما يوجّه من ليس بمكلّف بالصلاة باتّفاق؛ كالحيّض، وإنما مقصود هذا الأمر تدريب الأصاغر على الصلاة، وشهود دعوة المسلمين، ومشاركتهم في الثواب والخير، وإظهار جمال الدين. انتهى
(2)
.
(1)
وفي نسخة: "لتلبسنّها".
(2)
"المفهم" 2/ 524 - 525.
قال الجامع عفا الله عنه: قولها: "أن نُخْرِجهنّ" هذا مما عاد الضمير على متأخّر لفظاً ورتبة، وهي ستة مواضع، وقد جمعتها بقولي:
وَعَوْدُ مُضْمَرٍ عَلَى مَا أُخِّرَا
…
لَفْظاً وَرُتْبَةً أَتَى مُغْتَفَرَا
فِي مُضْمَرِ الشَّأْنِ وَنِعْمَ رَجُلَا
…
وَرُبَّهُ فَتًى كَذَا مَا أُبْدِلَا
مَا بَعْدَهُ عَنْهُ وَمَا قَدْ فُسِّرَا
…
بِخَبَرٍ وَفِي التَّنَازُعِ جَرَى
فَتِلْكَ سِتّ وِسِوَاهَا أَوْجَبُوا
…
تَقَدُّمَ الْمَرْجِعِ نَعْمَ الْمَطْلَبُ
وقولها: (الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ) بدل من ضمير الجماعة في "نُخرجهنّ".
وقولها: (فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ) أي: موضع الصلاة، كما قال في الرواية السابقة:"وأمر الحيّض أن يعتزلن مصلى المسلمين".
وقولها: (وَيشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ) فيه استحباب حضور النساء مجامع الخير ودعاء المسلمين، وحلِق الذِّكر والعلم ونحو ذلك.
وقولها: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟) القائلة هي أمّ عطية، ومعنى كلامها: أنه إذا لم يكن لإحدانا جلباب تلبسه، فهل يُسمح لها بعدم الخروج؟، فأجابها صلى الله عليه وسلم بأنه لا بدّ لها من الخروج باستعارة الجلباب من أختها.
و"الجِلباب" - بكسر الجيم، وسكون اللام، وبموحّدتين، بينهما ألف - قال النضر بن شُميل: هو ثوب أقصر، وأعرض من الخمار، وهي الْمِقْنعة، تغطي به المرأة رأسها، وقيل: هو ثوب واسع دون الرداء، تغطي به صدرها وظهرها، وقيل: هو كالْمُلاءة، والْمِلْحَفة، وقيل: هو الإزار، وقيل: الخمار، قاله النوويّ رحمه الله
(1)
.
وقولها: (قَالَ) أي: النبيّ صلى الله عليه وسلم ("لِتُلْبِسْهَا) وفي نسخة: "لتلبسنّها" بنون التوكيد.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 180.
وقوله: (أُخْتُهَا) المراد أختها في الإسلام، كما جاء في الرواية الأخرى بلفظ:"لتلبسها صاحبتها".
وقوله: (مِنْ جِلْبَابِهَا") قال في "الفتح": قيل: المراد به الجنس؛ أي: تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، وقيل: المراد تشريكها معها في لبعس الثوب الذي عليها، وهذا ينبني على تفسير الْجِلْباب، كما تقدّم
(1)
.
وقال في موضع آخر: يَحْتَمِل أن يكون للجنس؛ أي: تعيرها من جنس ثيابها، ويؤيده رواية ابن خزيمة:"من جلابيبها"، وللترمذيّ:"فلتعرها أختها من جلابيبها"، والمراد بالأخت: الصاحبة.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد تُشْرِكها معها في ثوبها، ويؤيده رواية أبي داود:"تُلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها"؛ يعني: إذا كان واسعاً، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله:"ثوبها" جنس الثياب، فيرجع للأول.
ويؤخذ منه جواز اشتمال المرأتين في ثوب واحد عند التستر، وقيل: إنه ذكر على سبيل المبالغة؛ أي: يَخْرُجن على كل حال، ولو اثنتين في جلباب. انتهى
(2)
.
وقال النوويّ رحمه الله: فيه الحثّ على حضور العيد لكل أحد، وعلى المواساة والتعاون على البر والتقوى. انتهى
(3)
.
وقال القرطبي رحمه الله: قوله: "لتلبسها
…
إلخ" يعني: لتُعِرها من ثيابها، وقيل: هو على المبالغة؛ يعني: أنه يخرُج اثنتان في لحاف واحد. انتهى
(4)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
"الفتح" 1/ 717.
(2)
"الفتح" 3/ 306 - 307.
(3)
"شرح النووي" 6/ 180.
(4)
"المفهم" 2/ 525.
(3) - (بَابُ بَيَانِ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ، وَبَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2057]
(884) - (وَحَدَّثَنَا
(1)
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ، فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا
(2)
، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا، وَتُلْقِي سِخَابَهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 237)(خ م د س) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
2 -
(أَبُوهُ" معاذ بن معاذ بن نصر الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [9] (ت 196)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 7.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
4 -
(عَدِيُّ) بن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [4](ت 116)(ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 244.
5 -
(سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
6 -
(ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(متها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله.
(1)
وفي نسخة: "حدّثنا".
(2)
وفي نسخة: "لم يصلّ قبلهما، ولا بعدهما".
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
5 -
(ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله عنهما حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة، والفقهاء والمكثرين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ) شكّ من الراوي، ولعلّهَ من شعبة، وفي رواية البخاريّ:"خرج يوم الفطر"، وللنسائيّ:"خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ"(فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ) أي: صلّى صلاة العيد ركعتين (لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا) إنما أفرد الضمير مع أن المرجع قوله: "ركعتين" باعتبار أنهما صلاة واحدة، ووقع في بعض النسخ:"لم يصلّ قبلهما، ولا بعدهما"(ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ) أي: صفوفهنّ (وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا) - بضم الخاء المعجمة، وحكي كسرها، وسكون الراء، بعدها صاد مهملة -: هو الحلقة من الذهب، أو الفضة، وقيل: هو القُرْط؛ إذا كان بحبة واحدة.
(وَتُلْقِي سِخَابَهَا) - بكسر المهملة، ثم معجمة، ثم موحدة -: هو قِلادة من عَنْبَر، أو قَرَنفُل، أو غيره، ولا يكون فيه خَرَز، وقيل: هو خيط، فيه خَرَزٌ، وسُمِّي سِخَاباً؛ لصوت خرزه عند الحركة، مأخوذ من السَّخَب، وهو اختلاط الأصوات، يقال: بالصاد والسين.
وقال النوويّ رحمه الله: "السِّخَابُ": - بكسر السين، وبالخاء المعجمة -: هو قِلادة من طِيب مَعْجُون على هيئة الْخَرَز، يكون من مِسْكٍ، أو قَرَنْفُل، أو غيرهما من الطيب، ليس فيه شيء من الجوهر، وجمعه سُخُبٌ، ككِتَاب وكُتُبٍ. انتهى
(1)
.
(1)
"شرح النووي" 6/ 181.
والحديث دليل على عدم التنفّل قبل صلاة العيد وبعدها.
قال في "الفتح": وقد اختَلَف السلف في ذلك، فذكر ابن المنذر، عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلّون بعدها، لا قبلها، والبصريون يصلّون قبلها، لا بعدها، والمدنيون لا قبلها، ولا بعدها. وبالأول قال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وبالثاني قال الحسن البصريّ، وجماعة، وبالثالث قال الزهريّ، وابن جريج، وأحمد.
وأما مالك فمنعه في المصلَّى، وعنه في المسجد روايتان. وقال الشافعي في "الأمّ" ونقله عنه البيهقيّ في "المعرفة" بعد أن رَوَى حديث ابن عباس حديثَ الباب ما نصه: وهكذا يجب للإمام أن لا يتنفّل قبلها، ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك، ثم بسط الكلام في ذلك. وقال الرافعي: يكره للإمام التنفّل قبل العيد وبعدها، وقيّده في "البويطيّ" بالمصلّى، وجرى على ذلك الصيمريّ، فقال: لا بأس بالنافلة قبلها وبعدها مطلقاً، إلا للإمام في موضع الصلاة، وأما النوويّ في "شرح مسلم"، فقال: قال الشافعيّ، وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها، ولا بعدها، فإن حُمِل كلامه على المأموم فهو مخالف لنصّ الشافعيّ المذكور، ويؤيد ما في "البويطيّ" حديث أبي سعيد:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزلة صلى ركعتين"، أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن، وقد صححه الحاكم، وبهذا قال إسحاق، ونقل بعض المالكية الإجماع على أن الإمام لا يتنقل في المصلى.
وقال ابن العربيّ: التنفل في المصلى لو فُعل لَنُقل، ومن أجازه رأى أنه وقتٌ مطلقٌ للصلاة، ومن تركه رأى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى. انتهى.
والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها، ولا بعدها، خلافاً من قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاصّ، إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، والله تعالى أعلم. انتهى ما في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما أشار إليه ابن العربيّ رحمه الله هو الأرجح.
وحاصله عدم مشروعية التنفّل في المصلَّى؛ لعدم ثبوته عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وسيأتي تحقيق القول في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس بهذا مُتَفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [3/ 2057 و 2058](884)، و (البخاريّ) في "العيدين"(964 و 989 و 1431 و 5881 و 5883)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1159)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(537)، و (النسائيّ) في "العيديين"(1587) و"الكبرى"(1792)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1291)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 280 و 340 و 355)، و (الدارميّ) في "سننه"(1613 و 1619)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1436)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(1999)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 415)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة قبل صلاة العيد، وبعدها:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج في يوم فطر، أو أضحى، فصلّى ركعتين، لم يصلّ قبلها، ولا بعدها.
وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة: لا يُصَلَّى قبلها، ولا بعدها، وممن كان لا يصلي قبلها، ولا بعدها ابن عمر، ورُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وحذيفة، وابن أبي أوفى، وجابر بن عبد الله، ورَوينا عن عبد الله بن عمروأنه قال في الصلاة قبل العيد: ليس قبله، ولا بعده.
ورأت طائفة أن يُصَلَّى قبلها وبعدها، هذا قول أنس بن مالك، ورُوي عن أبي هريرة. وهو قول الحسن البصريّ، وأخيه سعيد، وجابر بن زيد، وعروة بن الزبير، وبه قال الشافعي، وقال عطاء: إذا طلعت الشمس فصلّ.
وفيه قول ثالث: وهو أن يصلي بعدها، ولا يصلي قبلها، روينا عن أبي مسعود البدري أنه قال في يوم عيد: أيها الناس إنه لا صلاة في يومكم هذا حتى يخرج الإمام. وروينا عن ابن مسعود أنه صلى بعد العيدين أربعاً.
وممن مذهبه أن يصلَّى بعدها، ولا يصلى قبلها علقمة، والأسود، ومجاهد، وابن أبي ليلى، وسعيد، وإبراهيم النخعي، وبه قال سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وحُكي عن الأوزاعيّ أنه قال: اجتمعت العامّة على أن لا صلاة قبل خروج الإمام يوم الفطر والأضحى، وبُصَلَّى بعدُ.
وفيه قول رابع: وهو كراهية الصلاة في المصلى قبل صلاة العيد وبعدها، والرخصة في الصلاة في غير المصلى، هذا قول مالك، وكان إسحاق يقول: الفطر والأضحى ليس قبلهما صلاة، ويُصَلِّى بعدهما أربع ركعات، يفصل بينهنّ إذا رجع إلى بيته، ولا يصلي في الجَبّان أصلاً؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين يوم الفطر، لم يصلّ قبلها ولا بعدها. ثم رجّح ابن المنذر قول من أباح الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، راجع كلامه في كتابه
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال بعدم مشروعيّة الصلاة قبل صلاة العيد، أو بعدها؛ لعدم ثبوته عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصرح دليل على ذلك قول أبي مسعود رضي الله عنه فيما رواه النسائيّ بإسناد صحيح:"يا أيها الناس إنه ليس من السنة أن يُصَلَّى قبل الإمام"، فإنه من أهل اللغة يَفهَم مقاصد الشريعة، وقد أنكر على من رآهم يصلّون قبل صلاة العيد، وقال لهم: إنها ليست من السنة، فلا أدلّ على عدم مشروعيتها من قوله: "ليس من السنّة
…
إلخ".
والحاصل أنه لا يُشرع التنفّل قبل صلاة العيد، ولا بعدها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"الأوسط" 4/ 268 - 269.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2058]
(
…
) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَنْ غُنْدَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس الأوديّ، تقدّم قبل بابين.
3 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) هو: محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [10] مات بعد (240)(م ت س) تقدم في "الإيمان" 12/ 158.
4 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
5 -
(غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) ضمير التثنية لابن إدريس وغُندر.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد شعبة السابق، ونحوه حديثه.
[تنبيه]: رواية ابن إدريس، عن شعبة هذه ساقه النسائيّ رحمه الله، فقال:(1587) أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشجّ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: أنبأنا شعبة، عن عديّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج يوم العيد، فصلى ركعتين، لم يصلّ قبلها، ولا بعدها". انتهى.
وأما رواية غندر، عن شعبة، فقد ساقها الإمام أحمد رحمه الله مقروناً ببهز، فقال:(3143) حدّثنا محمد بن جعفر، وبهز قالا: حدّثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال بهز: أخبرني عديّ بن ثابت، قال: سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم أضحى، أو يوم فطر، قال: وأكبر ظني أنه قال: يوم فطر، فصلى ركعتين، لم يصلّ قبلهما، ولا بعدهما، ثم أتى النساء، ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تُلقي خُرْصها، وسِخَابها، ولم يشكّ بهزٌ قال:"يوم فطر"، وقال:"صِخَابها". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(4) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُقْرَأُ بِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2059]
(891) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثيَّ، مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)}، {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)} .
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [10](ت 226)(خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [7](ت 179)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 378.
3 -
(ضَمْرَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَازِنِيُّ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [4](م 4) تقدم في "الجمعة" 19/ 2030.
4 -
(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [3](ت 94) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
5 -
(أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ) الصحابيّ رضي الله عنه، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: اسمه عوف بن الحارث بن أسيد بن جابر بن عُويمرة بن عبد مناة بن أشجع بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن عليّ بن كنانة. روى عن النبيّ رضي الله عنه، وعن أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، وروى عنه ابناه عبد الملك، وواقد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو مرّة مولى عَقيل بن أبي طالب، وعطاء بن يسار، وغيرهم. قيل: إنه شهد بدراً، قال الواقديّ: توفّي سنة (68) وهو ابن (65) وفيها أرّخه يحيى بن بُكير، وابن نُمير، وغير واحد، زاد ابن بُكير: وسنّه (70) سنة، وقال غيرهم: وهو ابن (75) سنة، وقال البخاريّ، وابن حبّان: شهد بدراً، وقال ابن عبد البرّ: قيل: إنه شهد بدراً، وتوفي وسنّه (85) سنة، وقال الباروديّ في "الصحابة": شهد بدراً، ثم
صفّين، ومات، وله (87) سنة انتهى. وصحح في "التقريب" أنه مات سنة (68) وهو ابن (85) سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (891) وأعاده بعده، وحديث (2176): "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة
…
" الحديث، وإلله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وضمرة، فما أخرج له البخاريّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
5 -
(ومنها): أن فيه عبيد الله من الفقهاء السبعة.
6 -
(ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا خمسة أحاديث
(1)
، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ كبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، قال القاضي عياض رحمه الله: هذا الحديث غير متصل؛ لأن عبيد الله لا سماع له من عُمر رضي الله عنه، وقد وصله مسلم من طريق فُليح، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله ين عبد الله بن عتبة، عن أبي وأقد الليثيّ، قال: سألني عمر، فذكره. انتهى. وسيأتي تمام البحث فيه قريباً - إن، شاء الله تعالى -.
(سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ) تقدّم الخلاف في اسمه آنفاً (مَا) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء من القرآن (كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) أي: بعد الفاتحة؛ لأن تعيّن قراءتها معلومْ لعمر رضي الله عنه (فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ) أي: في صلاتي عيدي
(1)
راجع: ترجمته في "تحفة الأشراف" 10/ 525 - 528.
الأضحى والفطر (فَقَالَ) أبو واقد رضي الله عنه (كَانَ) صلى الله عليه وسلم (يَقْرَأُ فِيهِمَا) أي: في الأضحى والفطر (بِـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)}، وَ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} وفي رواية فُلَيح عن ضمرة التالية: عن أبي واقد الليثيّ قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم العيد؟ فقلت: بـ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} ، و {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)} ، والمراد قراءة السورتين بتمامهما.
قال الباجيّ رحمه الله: يَحْتَمِل أن يكون سؤال عمر رضي الله عنه على معنى الاختبار، أو نَسِي، فأراد أن يتذكّر. وقال النوويّ رحمه الله: قالوا: يَحْتَمِلُ أنه شكّ في ذلك، فاستثبته، أو أراد إعلام الناس بذلك، أو نحو هذا من المقاصد، قالوا: ويبعد أن عُمَر رضي الله عنه لم يعلم ذلك مع شهود صلاة العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات، وقربه منه.
قال العلماء: الحكمة في قراءتهما؛ لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذّبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث، وخروجهم من الأجداث، كأنّهم جراد منتشر
(1)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي واقد الليثيّ رضي الله عنه من أفراد المصنّف رحمه الله.
[فإن قلت]: كيف أخرجه المصنّف، وفيه انقطاع؛ لأن عبيد الله لم يُدرك عمر رحمه الله؟.
[قلت]: هذا الانقطاع صوريّ؛ لأن عبيد الله إنما رواه عن أبي واقد، لا عن عمر رضي الله عنهما، بدليل الرواية التالية؛ فإن المصنّف رحمه الله ساقه من طريق فُليح، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله، عن أبي واقد الليثيّ رضي الله عنه، قال: سألني عمر بن الخطّاب
…
فذكره.
قال النوويّ رحمه الله بعد أن ذكر أن الرواية الأولى مرسلة؛ لأن عبيد الله لم يدرك عمر، ما نصّه: ولكن الحديث صحيح بلا شكّ، متّصلى من الرواية
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 181 - 182.
الثانية، فانه أدرك أبا واقد بلا شكّ، وسمعه بلا خلاف، فلا عَتْبَ على مسلم حينئذ في روايته، فإنه صحيح متّصل، والله أعلم. انتهى
(1)
.
وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله: قد زعم بعض أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث منقطع؛ لأن عبيد الله لم يلق عمر، وقال غيره: هو متّصل مسند، ولقاء عبيد الله لأبي واقد الليثيّ غير مدفوع، وقد سمع عبيدُ الله من جماعة من الصحابة، ولم يذكر أبو داود في "باب ما يقرأ به في العيدين" إلا هذا الحديث، وهذا يدلّ على أنه عنده متّصل صحيح. انتهى كلام ابن عبد البرّ.
قال الجامع عفا الله عنه: الحديث صحيح متّصل، كما قال، لكن استدلالة بعدم إخراج أبي داود في الباب غيره نظر لا يخفى؛ لأن أبا داود لم يلتزم أن يخرّج الصحيح المتّصل عنده في كتابه، حتى يُستدلّ بصنيعه هذا على صحة الحديث عنده، فتبصّر.
والحاصل أن الحديث متصل صحيح، قد تبيّن اتّصاله من طريق فُليح كما فعل المصنّف رحمه الله هنا حيث أخرجه من الطريقين إشارة إلى أن مثل هذا الانقطاع لا يضرّ بصحة الحديث؛ لكونه انقطاعاً صوريًّا بدليل الرواية الثانية.
وخلاصة القول أن قول عبيد الله في الرواية: "أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد
…
إلخ" مما أخذه عن أبي واقد، لا أنه يحكي القصّة؛ إذ لم يشهدها، بدليل قوله في الرواية الثانية: "عن أبي واقد الليثيِّ قال: سألني عمر رضي الله عنه
…
إلخ"، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [4/ 2059 و 2060](891)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1154)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(534 و 535)، و (النسائيّ) في "العيدين"(1567) و"الكبرى"(1773)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1282)، و (مالك) في "الموطأ"(1/ 180)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(3/ 298)، و (الحميديّ) في "مسنده"(849)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 217 و 5/ 219)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1440)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 181.
(2000 و 2001)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 413)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيما يُقْرَأ في صلاة العيدين: قال الحافظ أبو عمر رحمه الله: اختَلَفت الآثار في هذا الباب، وكذلك اختلف الفقهاء أيضاً فيه، فقال مالك: يقرأ في صلاة العيدين بـ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} ، ونحوها.
وقال الشافعيّ بحديث أبي واقد الليثيّ هذا في {ق} و {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} .
وقال أبو حنيفة: يقرأ فيهما بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ، وما قرأ من شيء أجزأه.
وقال أبو ثور: يقرأ في العيدين بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ، وقد روي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه مثل ذلك.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ فيهما بأمّ القرآن وسورة من المفصّل، وكان أبان بن عثمان يقرأ فيهما بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)} .
وليس في هذا الباب أثر مرفوع إلا حديث أبي واقد الليثيّ المذكور في هذا الباب، وحديث سمرة بن جندب رضي الله عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ، وحديث حبيب بن أبي سالم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله
(1)
.
قال: وفي اختلاف الآثار في هذا الباب دليلٌ على أن لا توقيت فيه، والله أعلم. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه الله
(2)
.
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله بعد ذكره نحو ما تقدّم من الاختلاف ما نصّه: الإمام بالخيار، إن شاء قرأ في صلاة العيدين بـ {ق} و {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} ، وإن شاء قرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ، والاختلاف في هذا من الاختلاف المباح، وإن قرأ بفاتحة الكتاب وسورة سوى ما ذكرناه أجزأه. انتهى كلامه ببعض تصرّف
(3)
.
(1)
"التمهيد" 16/ 328 - 329.
(2)
أخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 176، وابن أبي شيبة في "مصنّفه" 5/ 7 بسند صحيح.
(3)
"الأوسط" 4/ 284.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من الأحاديث أنه يستحبّ للإمام أن يقرأ بهذه السُّوَر في العيدين، تارةً بهذا وتارةً بهذا، ولكن لا يتعيّن عليه ذلك، كما قال ابن المنذر، وابن عبد البرّ - وحمهما الله تعالى - من أن هذا الاختلاف من الاختلاف المباح، فيجوز أن يقرأ بعد الفاتحة بما شاء من القرآن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2060]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: سَأَلنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ، عَفَا قَرَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي يَوْمِ الْعِيدِ؟ فَقُلْتُ: بِـ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}، وَ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)}.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنظليّ، تقدّم قبل بابين.
2 -
(أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو الْقَيْسيّ البصريّ، ثقةٌ [9](ت 4 أو 205)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 21.
3 -
(فُلَيْحُ) بن سُليمان بن أبي المغيرة الْخُزاعيّ، أو الأسلميّ، أبو يحيى المدنيّ، ويقال: فُليح لقبه، واسمه عبد الملك، صدوقٌ كثير الخطأ [7](ت 168)(ع) تقدم في "الطهارة" 9/ 575.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(5) - (بَابُ بَيَانِ الرُّخْصَةِ فِي اللَّعِبِ يَوْمَ الْعِيدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2061]
(892) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُوأُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَي أَبُو بَكْرٍ، وَعِنْدِي جَارِيتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأنصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنَيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيداً، وَهَذَا عِيدُنَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [10](235)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
2 -
(أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 201) وله (80) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 51.
3 -
(هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه ربما دلّس [5](ت 5 أو 146) وله (87) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 350.
4 -
(أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيه [3](ت 94) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 407.
5 -
(عَائِشَةُ) أم المؤمنين بنت الصدّيق رضي الله عنه ما-، ماتت سنة (57)(ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 315.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شعيخه، كما مرّ آنفاً.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان.
4 -
(ومنها): أن فيه راوية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته.
5 -
(ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق رضي الله عنه (وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ) أي: والحال أن جاريتين كائنتان عندي.
والجارية في النساء كالغلام في الرجال، يقعان على من دون البلوغ فيهما (مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ) وللطبرانيّ من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، وفي "الأربعين" للسلمي أنهما كانتا لعبد الله بن سلام، وفي "العيدين" لابن أبي الدنيا من طريق فُليح، عن هشام بن عروة:"وحمامةُ وصاحبتها تغنّيان"، وإسناده صحيح، قال الحافظ رحمه الله: ولم أقف على تسمية الأخرى، لكن يَحْتَمِل أن يكون اسم الثانية زينب، وقد ذكرته في "كتاب النكاح"، ولم يذكر حمامةَ الذين صنّفوا في الصحابة، وهي على شرطهم. انتهى.
(تُغَنِّيَانِ) أي: ترفعان أصواتهما بإنشاد الشعر، وهو المسمّى عندهم بالنصْب، وهو إنشاد بصوت رقيق، فيه تمطيط، وهو يجري مجرى الْحُدَاء، قاله القرطبيّ ايًخَددهُ (بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ) أي: قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء.
وفي رواية للبخاريّ في "الهجرة": "بما تعازفت" بعين مهملة، وزاي، وفاء، من العَزَف، وهو الصوت الذي له دويّ، وفي رواية:"تقاذفت" بقاف بدل العين، وذال معجمة بدل الزاي، من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض، وعند أحمد في رواية حماد بن سلمة، عن هشام:"تذكران يوم بُعَاث، يَوْمَ قُتِلَ فيه صناديد الأوس والخزرج"
(1)
.
(1)
"عمدة القاري" 6/ 389.
وقولها: (يَوْمَ بُعَاثَ) - بضم الباء الموحّدة، وبالعين المهملة -، ويجوز صرفه، وترك صرفه، وهو الأشهر، وهو يومٌ جرت فيه بين قبيلتي الأنصار الأوس والخزرج في الجاهلية حَرْبٌ، وكان الظهور فيه للأوس، قال القاضي عياضٌ: قال الأكثرون من أهل اللغة وغيرهم: هو بالعين المهملة، وقال أبو عبيدة بِالْغَين المعجمة، والمشهور المهملة، كما قدمناه. انتهى.
وقال في "الفتح": "يومُ بُعاثَ" هو: يوم قُتل فيه صناديد الأوس والخزرج، وهو يوم قدّمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقد قَدِمَ المدينةَ، وقد افترق ملؤهم، وقُتلت سَرَوَاتهم.
و"بُعاث" بضم الموحدة، وبعدها مهملة، وآخره مثلّثة، وهو موضع على ليلتين من المدينة، وقيل: اسم حصن للأوس، وكانت وقعة بُعاث على ما رجحه الحافظ في "الفتح" قبل مقدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة بثلاث سنين، وقيل: بخمس سنين، ودامت الحرب بين الحيين قبل ذلك مائة وعشرين سنة، وسببه أن رجلاً يقال له كعب من بني ثعلبة، نزل على مالك بن عَجْلان الخزرجيّ، فحالفه، فقتله رجل من الأوس، يقال له سُمَير، فكان ذلك سبب الحرب بينهما، وكان رئيس الأوس يوم بُعاث حُضير والد أُسيد، فجُرح يومئذ، فمات بعد مدة من جراحته، وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان، فجاءه سهم في القتال، فصرعه، فهُزِموا بعد أن كانوا قد استظهروا.
(قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ) معناه ليستا ممن يعرف الغناء، كما تعرفه المغنّيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّزٌ من الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يُحَرّك النفوسَ، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون الذي يُحرّك الساكن، ويبعث الكامن.
قال القرطبي رحمه الله: وهذا النوع إذا كان في شعر يشبّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهنّ، وذكر الخمور، والمحرّمات لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتّفاق، فأما ما يسلم من تلك المحرّمات، فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح، كالعُرْس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقّة، ويدلّ على جواز هذا النوع هذا الحديث، وما في معناه، على ما يأتي في أبوابه، مثل ما جاء في الوليمة، وفي حفر الْخَنْدق، وفي حَدْوِ الْحَبَشَة،
وسلمة بن الأكوع رضي الله عنه، وسيأتي تمام كلامه رحمه الله قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟) الهمزة للاستفهار الإنكاريّ، والجارّ والمجرور متعلّق بمقدّر؛ أي: أتلعبان بمزمور الشيطان؟، قال القرطبي رحمه الله: هذا إنكار منه رضي الله عنه لما سمع مستصحباً لما كان مقرّرًا عنده من تحريم اللهو والغناء جُملةً حتى ظنّ أن هذا من قبيل ما يُنكَر، فبادر إلى ذلك؛ قياماً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك على ما ظهر له، وكأنه ما كان تبيّن أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرّرهنّ على ذلك بعدُ، وعند ذلك قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"دعهما"، ثمّ عَلَّل الإباحة بأنه يوم عيد؛ يعني: يوم سُرور وفَرَحٍ شرعيّ، فلا يُنكر فيه مثلُ هذا. انتهى
(1)
.
و"الْمُزْمُورُ" بضم الميم الأولى، وفتحها، والضم أشهر، ولم يذكر القاضي غيره، ويقال أيضاً: مِزْمار بكسر الميم، وأصله صوت بصفير، والزمير: الصوت الحسن، ويُطْلق على الغناء أيضاً.
وقال ابن سِيدَه: يقال: زمر يزمِرُ
(2)
زَمِيراً وزَمَرَاناً: غَنَّى في القَصَب، وامرأة زامرة، ولا يقال: رجل زامرٌ، إنما هو زَمّار، وقد حَكَى بعضهم: رجل زا مر، وفي "الجامع": الزمّارة: الفاجرة، وفي "الصحاح": ولا يقال للمرأة: زَمّارةٌ، وفي كتاب ابن التين: الزمر: الصوت الحسن، ويطلق على الغناء أيضاً، وجمع المزمار مزامير، أفاده في "العمدة"
(3)
.
وقال القرطبي رحمه الله: "المزمور: الصوت، ونسبته إلى الشيطان ذمٌّ على ما ظهر لأبي بكر رضي الله عنه، قال المازريّ: فأما الغناء بآلة مطربة، فيُمنع، وبغير آلة اختَلَفَ الناس فيه، فمنعه أبو حنيفة، وكرهه الشافعيّ ومالك، وحَكَى أصحاب الشافعيّ عن مالك أن مذهبه الإجازة من غير كراهة.
قال القاضي: المعروف من مذهب مالك المنع، لا الإجازة.
قال القرطبيّ: ذكر الأئمة هذا الخلاف هكذا مطلقاً، ولم يُفصّلوا
(1)
"المفهم" 2/ 534 - 535.
(2)
من باب ضرب، وحُكي أيضًا بالضمّ، من باب نصر، أفاده في "المصباح".
(3)
راجع: "عمدة القاري" 6/ 390.
موضعه، والتفصيل الذي ذكرناه لا بُدّ من اعتباره، وبما ذَكَرناه يَجتمع شَمْلُ مقصود الشرع الكليّ، ومضمون الأحاديث الواردة في ذلك، وينبغي أن يُستثنى من الآلات التي ذكر المازريّ الدّفّ، فإنه قد جاء ذكره في هذا الحديث، وفي حديث الْعُرْس. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
(1)
، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وقولها: (وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ) إشارة إلى ما سبق من غناء الجاريتين، ودخول أبي بكر رضي الله عنه، وإنكاره عليهما (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"يَا أَبَا بَكْرِ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمِ عِيداً، وَهَذَا عِيدُنَا") أي: هذا اليوم عيدنا، وفيه تعليل لإباحة ذَلك لهما؛ أيَ: لأن لكلّ قوم عيدًا يلعبون فيه، وهذا اليوم عيدنا أهل الإسلام، فيباح للنساء أن يلعبن بضرب الدفّ والغناء فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [5/ 2061 و 2062 و 2063 و 2064 و 2065 و 2066 و 2067 و 2068](892)، و (البخاريّ)(249 و 952 و 987 و 2907 و 3530 و 3931)، و (النسائيّ) في "العيدين"(3/ 195 و 196)، و (ابن ماجه)(1898)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(2/ 81)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 84 و 166 و 247 و 270)، و (الحميديّ) في "مسنده"(254)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(2002 و 2003 و 2004 و 2005 و 2006 و 2007 و 2008)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 413 و 414)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1107)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان جواز الغناء واللهو في العيد.
(1)
"المفهم" 2/ 535 - 536.
2 -
(ومنها): أن مواضع الصالحين، وأهل الفضل تُنَزَّه عن الهوى واللغو ونحوه، وإن لم يكن فيه إثم.
3 -
(ومنها): أن التابع للكبير إذا رأى بحضرته ما يُستنكر أو لا يليق بمجلس الكبير له أن يُنكره، ولا يكون بهذا افتياتاً على الكبير، بل هو أدبٌ، ورعاية حرملى، وإجلال للكبير من أن يتولى ذلك بنفسه، وصيانة لمجلسه.
وإنما سكت النبيّ صلى الله عليه وسلم عنهما؛ لأنه مباح لهنّ، وتَسَجَّى بثوبه، وحَوَّل وجهه إعراضاً عن اللهو، ولئلا يستحيين، فيقطعن ما هو مباح لهنّ، وكان هذا من رأفته صلى الله عليه وسلم وحلمه وحسن خلقه.
4 -
(ومنها): أن في قوله صلى الله عليه وسلم: "هذا عيدنا" إشارة إلى أن ضرب الدفّ مباح في العيد، ومثله العُرْس والنكاح، كما سيأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2062]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ: جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمدانيّ الكوفي، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 247)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
3 -
(أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من كبار [9](ت 195)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
و"هشامٌ" ذُكر قبله.
وقوله: (تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ) بضم الدال، وفتحها، والضم أفصح، وأشهر، والجمع دُفُوفٌ.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن هشام هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه"(2/ 476) فقال:
(2003)
حدّثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو يحيى، ثنا هناد (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة قالا: ثنا أبو معاوية، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: دخل عليها أبو بكر، وعندها جاريتان، تلعبان بدفّ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ، فزبرها أبو بكر، فقال: تصنعين، وقال زهير: تفعلين هذا، والنبيّ صلى الله عليه وسلم جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دعها يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2563]
(
…
) - (حَدَّثَنِي
(1)
هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيَلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ ابْنَ شِهَاب حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهَا جَارِيتَانِ، فِي أَيَّامِ مِنًى، تُغَنِّيَانِ، وَتَضْرِبَانِ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسَجُّى بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ عَنْهُ، وَقَالَ:"دَعْهُمَا يَا أَبا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامِ عِيدٍ"، وَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ، وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [10](ت 253) عن (83) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" 29/ 225.
2 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد [9](ت 197) عن (72) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
3 -
(عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [7] مات قديماً قبل (150) تقدم في "الإيمان" 16/ 169.
4 -
(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثني".
وقولها: (فِي أَيَّامِ مِنًى) أي: أيام عيد الأضحى، أُضيفت إلى المكان، والمراد الأيام الثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، ففيه أن هذه الأيام داخلة في أيام العيد، وحكمه جارٍ عليها في كثير من الأحكام كجواز التضحية، وتحريم الصوم، واستحباب التكبير، وغير ذلك، قاله النوويّ رحمه الله
(1)
.
وقولها: (وَتَضْرِبَانِ) كذا بحذف المفعول في هذه الرواية؛ أي: الدفّ، وفي رواية البخاريّ:"تدفّفان، وتضربان".
وقولها: (وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسَجًّى بِثَوْبِهِ) أي: مغطَّى، قال القرطبي رحمه الله: تسجية النبيّ صلى الله عليه وسلم وجهه بثوبه إعراض عنهما، وقالت في الحديث الآخر: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان على الفراش مضطجعاً، وإنه حوّل وجهه عند غناء الجاريتين، وكأنه أعرض عن ذلك الغناء؛ لأنه من قبيل اللغو الذي يُعرَضُ عنه، وأما لعب الحبشة في المسجد، فكان لَعِباً بالحراب والدَّرَقِ تواثُباً ورَقْصاً بهما، وهو من باب التدريب على الحرب، والتمرين، والتنشيط عليه، وهو من قبيل المندوب، ولذلك أباحه النبيّ صلى الله عليه وسلم في المسجد. انتهى
(2)
.
وقولها: (فَانْتَهَرَهمَا أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه؛ أي: زجر الجاريتين، وفي رواية للبخاريّ:"فانتهرني"؛ أي: زجرني، وكأنه زجرها؛ لتقريرها ذلك، وزجرهما لفعلهما.
وقولها: (فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ عَنْهُ) أي: كشف صلى الله عليه وسلم عن وجهه الغطاء عن نفسه، والتفت إلى أبي بكر في جهة الجاريتين، وهذا معنى قولها في الرواية الأخرى:"فأقبل عليه رسول الله لى الله عليه وسلم - "، وفي رواية في "الصحيح":"فكشف النبيّ صلى الله عليه وسلم عن وجهه"، وفي رواية:"فكشف عن رأسه".
وقولها: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ) وفي الرواية الآتية: "فأقامني وراءه، خدّي على خدّه"، وفي الأخرى:"فوضعتُ رأسي على منكبه"، وفي الأخرى:"وقمتُ على الباب بين أذنيه وعاتقه"، وفي الأخرى:"فوضعت ذقني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خدّه"، وفي الأخرى:"أنظر بين أذنيه وعاتقه"، وكلّ هذه الروايات تعني أنها وقفت خلفه صلى الله عليه وسلم على باب
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 184.
(2)
"المفهم" 2/ 536.
حجرتها المطلّ على المسجد النبويّ، مستترةً به وبردائه، فوضعت رأسها على منكيه، وذَقَنها على العاتق، ووجهها ملتصقٌ بوجهه صلى الله عليه وسلم، وخدّها على خدّه.
وقولها: (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ) قال في "القاموس": الْحَبَشُ، والْحَبَشَةُ محرَّكتين، والأُحْبُشُ بضمّ الباء: جنسٌ من السودان، جمعه حُبْشان، وأحابش. انتهى
(1)
.
وقال في "المصباح": الْحَبَشُ: جيلٌ من السّودان، وهو اسم جنس، ولهذا صُغّر على حُبيش، والْحَبَشَةُ لغةٌ فاشيةٌ، الواحد حَبَشيّ. انتهى
(2)
.
وقولها: (وَأَنَا جَارِيَةٌ) أي: صغيرة السنّ، فقد تزوّجها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي بنت ست، ودخل بها، وهي بنت تسع، وتوفّي عنها، وهي بنت ثمان عشرة سنة، وإنما ذكرت ذلك اعتذاراً عن حبّها اللهو.
وقولها: (فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيةِ)"اقدُروا" بضمّ الدال المهملة، وكسرها، من بابي نصر، وضرب، لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، وهو بمعنى قدّروا، والفاء في جواب شرط مقدّر؛ أي: فإذا عَذَرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدّر عذري في ذلك، فقدّروا أنتم رغبتي، ورغبة أمثالي في ذلك إلى أن تنتهي، والمراد أنه يستغرق وقتاً طويلاً، ومع ذلك، فقد تحمّل صلى الله عليه وسلم مشاقّ ذلك رغبةً في رضاها، كما قال صلى الله عليه وسلم:"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"
(3)
، فما أوسع حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، ولطيف عِشرته، وهو مصداق قوله صلى الله عليه وسلم:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4].
وقولها: (الْعَرِبَةِ) بفتح العين المهملة، وكسر الراء؛ أي: المشتهية للّعب المحبّة له، وقال القاضي عياض رحمه الله: ومعنى الجارية العَرِبة، قال أهل التفسير في قوله تعالى:{عُرُبًا أَتْرَابًا (37)} [الواقعة: 37] واحدتهنّ عروبٌ، وهنّ المتحبّبات لأزواجهنّ، وقيل: غير هذا، وقيل: الْعَرِبة: الْغَنِجَة، وامرأة عاربة؛ أي: ضاحكة، والعروب النشاط، فقد تكون العرِبة هنا المشتهرة في اللعب، كما قال في الحديث الآخر:"الحريصة على اللهو". انتهى
(4)
.
(1)
"القاموس المحيط" 2/ 266 - 267.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 118.
(3)
رواه أصحاب السنن بإسناد صحيح.
(4)
"إكمال العلم" 3/ 308.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2064]
(
…
) - (وَحَدَّثَنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ، حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ)
(1)
.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [10](ت 250)(م د س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
2 -
(يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [7](ت 159)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (عَلَى بَابِ حُجْرَتِي) بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم: البيت، والجمع: حُجَرٌ، وحجرات، مثلُ غُرَف، وغُرُفات في وجوهها
(2)
.
وقوله: (بِحِرَابِهِمْ) بالكسر: جمع حَرْبة، وهي ما كانت عَرِيضةَ النَضل
(3)
.
وقوله: (حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ) بنصب "حريصةً" على الحال، وفي نسخة:"الحريصةِ على اللهو" بالجرّ صفة و"الجارية" بعد صفة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
وفي نسخة: "الحريصة على اللهو".
(2)
"المصباح" 1/ 122.
(3)
راجع: "القاموس" 1/ 53 و 3/ 330.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2065]
(
…
) - (حَدَّثَنِي
(1)
هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ، وُيونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا
(2)
عَمْرٌو، أَنَّ مُحمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(3)
، وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ، تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"دَعْهُمَا"
(4)
، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَإِمَّا قَالَ:"تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ:"دُونَكُمْ يَا بَني أَفِدَةَ"، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ:"حَسْبُكِ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:"فَاذْهَبِي").
رجال هذا الإسناد: سبعةٌ:
1 -
(يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن مَيْسَرة الصّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [10](264) عن (96) سنةً (م س ق) تقدم في "الإيمان" 75/ 393.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الأسديّ، أبو الأسود المدنيّ، يتيم عُروة، ثقةٌ [6] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (ع) تقدم في "الطهارة" 9/ 573.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي نسخة: "دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية الزهريّ أن ذلك كان في أيام منى (وَعِنْدِي
(1)
وفي نسخة: "وحدّثني".
(2)
وفي نسخة: "أخبرني".
(3)
وفي نسخة: "دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(4)
وفي نسخة: "دعها".
جَارِيَتَانِ) تقدّم أنهما من جواري الأنصار، وأن إحداهما كانت لحسّان بن ثابت، وسمى بعضهم إحداهما حمامة، ولم يذكر أحد من مصنفي أسماء الصحابة حمامة هذه، وذكر الذهبيّ في "التجريد" حمامة أمّ بلال رضي الله عنه اشتراها أبو بكر رضي الله عنه، وأعتقها، قاله في "العمدة"
(1)
، وفيه أنها ليست للأنصار، فتأمّل.
(تغَنِّيَانِ) جملة في محل الرفع على أنها صفة لجاريتين، وفي رواية الزهريّ:"تُدَفِّفان" بفاءين؛ أي: تضربان بالدفّ، و"الدُّفّ" بضم الدال وفتحها، والضم أشهر، ويقال له أيضاً: الكِرْبال بكسر الكاف، وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو الْمِزْهَر.
(بِغِنَاءِ بُعَاثٍ) الغناء بكسر الغين المعجمة، وبالمدّ، قال الجوهريّ: الغناء بالكسر من السماع، وبالفتح النفع، وقال ابن الأثير رحمه الله: أي: تُنشدان الأشعار التي قِيلت يوم بُعاث، وهو حرب كانت بين الأنصار، ولم تُرِد الغِنَاء المعروف من أهل اللهو واللعب، وقد رخص عمر رضي الله عنه في غناء الأعراب، وهو صوت كالحداء. انتهى
(2)
.
و"بُعَاث" بضم الباء الموحَّدة، وتخفيف العين المهملة، وفي آخره ثاء مثلثة، والمشهور أنه لا ينصرف، ونَقَل عياض، عن أبي عبيدة بالغين المعجمة، ونقل ابن الأثير عن صاحب "العين" خليل كذلك، وكذا حَكَى عنه البكريّ في "معجم البلدان"، وجزم أبو موسى في "ذيل الغريب" بأنه تصحيف، وتبعه صاحب "النهاية"، وقال أبو موسى، وصاحب "النهاية": هو اسم حِصْن للأوس، وفي كتاب أبي الفرج الأصفهانيّ في ترجمة أبي قيس بن الأسلت: هو موضع في ديار بني قريظة، فيه أموالهم، وكان موضع الوقعة في مَزْرعة لهم هناك
(3)
.
(فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ) وفي الرواية: "مُسجًّى"؛ أي: ملتفًّا بثوبه، وفي رواية للبخاريّ:"أنه تَغَشَّى بثوبه"(وَحَوَّلَ) صلى الله عليه وسلم (وَجْهَهُ) أي: إلى الجدار، وإنما
(1)
"عمدة القاري" 6/ 389.
(2)
"النهاية في غريب الحديث والأثر" 3/ 392.
(3)
"عمدة القاري" 6/ 389 - 390.
حوّل وجهه؛ إعراضاَّ عَنه، من باب التنزّه، فهو وإن كان مباحاً لعوامّ الناس، فمقام النبيّ صلى الله عليه وسلم يتنزّه عنه، والله تعالى أعلم. (فَدَخَلَ أَبُو بَكْرِ) ويروى:"وجاء أبو بكر"، وفي رواية للبخاريّ:"ودخل عليّ أبو بكر"، وكأنَه جاء زائراً لها، بعد أن دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم بيته، وَيحْتَمِل أن يكون مجيئه لمنعه الجاريتين المذكورتين عن الغناء (فَانْتَهَرَنِي) أي: زجرني، وفي رواية الزهريّ السابقة:"فانتهرهما"؛ أي: الجاريتين، ويُجمع بينهما بأنه انتهر عائشة رضي الله عنها؛ لتقريرها ذلك، وانتهرهما؛ لفعلهما ذلك في بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم.
(وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية البخاريّ: "مزمارة الشيطان"، وهي: بكسر الميم يعني: الغناء، أو الدفّ، وهمزة الاستفهام قبلها مقدَّرة، وهي مشتقة من الزمير، وهو الصوت الذي له صفير، وسميت به الآلة المعروفة التي يُزمر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تُلْهي، وتَشْغَل القلب عن الذكر، وقد تقدّم قريباً تمام البحث فيه.
(فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ) أي: على أبي بكر رضي الله عنه (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ: "فكشف النبيّ صلى الله عليه وسلم عن وجهه"، وفي رواية فُلَيح:"فكشف رأسه"، وقد تقدّم أنه كان ملتفًّا (فَقَالَ:"دَعْهُمَا") أي: اتركهما، وفي بعض النسخ:"دعها" بالإفراد، والضمير لعائشة، وفي رواية هشام:"يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا"، وهذا تعليل لنهيه صلى الله عليه وسلم إياه بقوله:"دعهما"، وبيانٌ لخلاف ما ظنه أبو بكر من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه؛ لكونه دخل، فوجد النبيّ صلى الله عليه وسلم مُغَطَّى بثوبه، نائماً، ولا سيما كان المقرَّر عنده منع الغناء واللهو، فبادر إلى إنكار ذلك؛ قياماَّ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مستنداً إلى ما ظهر له، فأوضح له النبيّ صلى الله عليه وسلم الحال، وعرّفه الحكم، مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد؛ أي: يوم سرور شرعيّ، فلا يُنكَرُ فيه مثلُ هذا، كما لا يُنكر في الأعراس.
وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال: كيف ساغ للصدّيق رضي الله عنه إنكار شيء أقرّه النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ وتكلّف جواباً لا يخفى تعسّفه، قاله في "الفتح"
(1)
.
وقال في "العمدة": قوله: "إن لكل قوم عيداً" أي: إن لكل طائفة من
(1)
"الفتح" 3/ 262 - 263.
الملل المختلفة عيدًا يسمونه باسم مثل: النيروز، والمهرجان، وإن هذا اليوم يوم عيدنا، وهو يوم سرور شرعيّ، فلا ينكر مثل هذا على أن ذلك لم يكن بالغناء الذي يُهَيِّج النفوس إلى أمور لا تليق، ولهذا جاء في رواية:"وليستا بِمُغَنِّيتين" يعني: لم تتخذا الغناء صناعةً وعادةً.
ورَوَى النسائيّ، وابن حبان بإسناد صحيح، عن أنس رضي الله عنه:"قَدِمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى"
(1)
.
(فَلَمَّا غَفَلَ) النبيّ صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر (غَمَزْتُهُمَا) جواب "لَمّا"، والغمز بالمعجمتين: الإشارة بالعين، والحاجب، أو اليد، والرمز كذلك (فَخَرَجَتَا) قال في "العمدة": بفاء العطف، والمشهور -يعني: في رواية البخاريّ - "خرجتا" بدون الفاء، قال الكرمانيّ:"خرجتا" بدون الفاء بدل، أو استئناف.
وقولها: (وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ) هذا حديث آخر، وقد جمعهما بعض الرواة، وأفردهما بعضهم، وقع في رواية الجوزقي في هذا الحديث:"وقالت عائشة: كان يوم عيد"، فتبيّن بهذا أنه موصول كالأول، قاله في "الفتح"
(2)
.
(يَلْعَبُ السُّودَانُ) المراد بهم الحبشة، كما في الروايات الأخرى، ففي رواية الزهريّ:"والحبشةُ يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية:"جاء حَبَشٌ يلعبون في المسجد".
قال المحب الطبريّ: هذا السياق يُشعر بأن عادتهم ذلك في كل عيد، ووقع في رواية ابن حئان:"لَمّا قَدِمَ وفدُ الحبشة قاموا يلعبون في المسجد"، وهذا يُشعر بأن الترخيص لهم في ذلك بحال القدوم، ولا تنافي بينهما؛ لاحتمال أن يكون قدومهم صادَفَ يوم عيد، وكان من عادتهم اللعب في الأعياد، ففعلوا ذلك كعادتهم، ثم صاروا يلعبون يوم كل عيد.
ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس رضي الله عنه قال: "لَمّا قَدِمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة لَعِبت الحبشة؛ فرحاً بذلك، لَعِبوا بحرابهم"، ولا شك أن يوم قدومه صلى الله عليه وسلم كان عندهم أعظم من يوم العيد.
(1)
"عمدة القاري" 6/ 391.
(2)
"الفتح" 3/ 264 - 265.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر: سماه لَعِباً، وإن كان أصله التدريب على الحرب، وهو من الجدّ؛ لما فيه من شبه اللعب؛ لكونه يَقْصِد إلى الطعن، ولا يفعله، ويوهم بذلك قِرْنه
(1)
، ولو كان أباه أو ابنه. انتهى
(2)
.
(بِالدَّرَقِ) متعلّق بـ "يلعب"، وهو: بفتحتين: جمع دَرَقة، وهي التُّرْس (وَالْحِرَاب) بالكسر: جمع حَرْبة (فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) أي: التمست من رسول اللهَ صلى الله عليه وسلم النظر إليهم، قال في "العمدة": وكلمة "إمّا" فيه تدلّ على ترددها فيما كان وقع منها، هل كان أذن لها في ذلك ابتداء منه، من غير سؤال منها، أو كان عن سؤال منها إياه في ذلك؟.
قيل
(3)
: هذا بناءٌ على أن "سألْتُ" بسكون اللام، على أنه كلامها، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح اللام كلام الراوي.
قلت
(4)
: سكون اللام يدلّ على أنه لفظ المتكلم وحده، وفتح اللام يدلّ على أنه فعل ماض مفرد مؤنث، والاحتمال الذي ذكره يُبْعِده قوله:"فقلت: نعم"، على أن جعله من كلامها أولى من جعله من كلام الراوي؛ لأن كلام الراوي ليس من الحديث، فافهم. انتهى
(5)
.
(وَإِمَّا قَالَ: "تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ ") كلمة الاستفهام فيه مقدّرة، وكذلك "أن" المصدرية مقدّرة في قوله:"تنظرين"، والتقدير: أتشتهين النظر إلى السودان؟.
وقد اختلفت الروايات عنها في ذلك، ففي رواية النسائيّ من طريق يزيد بن رُومان عنها: سَمِعتُ لَغَطاً، وصوت صبيان، فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا حَبَشيّة تَزْفِن
(6)
؛ أي: ترقُص، والصبيان حولها، فقال:"يا عائشة تعالي، فانظري"، ففي هذا أنه ابتدأها، وفي رواية عُبيد بن عمير، عنها، الآتي عند
(1)
هكذا نسخ "الفتح"، ولعلّ الصواب "قتله"، فليُحرّر.
(2)
"الفتح" 3/ 265.
(3)
القائل هو الحافظ ابن حجر في "الفتح" 3/ 2659 تعقّبه العينيّ، وهو في هذا مقبول، والله تعالى أعلم.
(4)
القائل هو العينيّ صاحب "العمدة".
(5)
"عمدة القاري" 6/ 391.
(6)
زفن من باب ضرب: رقص. "المصباح" 1/ 254.
المصنّف: أنها قالت لِلَعّابين: وَدِدتُ أني أراهم، ففي هذا أنها سألت.
ويُجْمَع بينهما بأنها التمست منه ذلك، فأَذِن لها، وفي رواية النسائيّ من طريق أبي سلمة، عنها:"دخل الحبشة يلعبون، فقال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا حميراء، أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم"، إسناده صحيح، قال الحافظ: ولم أر في حديث صحيح ذكر "الحميراء" إلا في هذا
(1)
.
وفي رواية أبي سلمة هذه من الزيادة عنها: "قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طَيّباً"، كذا فيه بالنصب، وهو حكاية قول الحبشة.
ولأحمد، والسرّاج، وابن حبان من حديث أنس:"أن الحبشة كانت تَزْفِنُ بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويتكلمون بكلام لهم: فقال: ما يقولون؟ قال: يقولون: محمد عبد صالح"
(2)
.
قالت عائشة رضي الله عنها: (فَقُلْتُ: نَعَمْ) أي: أشتهي أن أنظر إلى لعبهم (فَأَقَامَني وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَي خَدِّهِ) جملة حالية بلا واو، كما في قوله تعالى:{وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36]، وقولِ القائل:"كَلَّمته فوه إلى فيّ".
وفي رواية هشام، عن أبيه عند المصنّف الآتية:"فوضعت رأسي على منكبه"، وفي رواية أبي سلمة عنها:"فوضعت ذَقَنِي على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خدّه"، وفي رواية عُبيد بن عُمير عنها:"أنظر بين أذنيه وعاتقه"، ومعانيها متقاربة، ورواية أبي سلمة أبينها، وفي رواية الزهريّ:"فيسترني، وأنا أنظر"، وفي لفظ:"يسترني بردائه"، ويُتَعَّقب به على الزين ابن الْمُنَيِّر في استنباطه من لفظ حديث الباب جواز اكتفاء المرأة بالتستر بالقيام خلف مَن تستر به، من زوج، أو ذي محرم؛ إذا قام ذلك مقام الرداء؛ لأن القصّة واحدة، وقد وقع فيها التنصيص على وجود التستر بالرداء، قاله في "الفتح"
(3)
.
(وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من فاعل "أقامني"("دُونَكُمْ) في الأصل منصوب على الظرفية، وهو هنا اسم فعل بمعنى: الزموا، ومفعوله محذوفٌ؛ أي:
(1)
من الغريب أن العيني تعقّبه على عادته بأنه ورد في حديث آخر، ثم اعترف بأنه ضعيف، وهذا من تعصّبه المحض، فتبصّر.
(2)
"الفتح" 3/ 265 - 266.
(3)
"الفتح" 3/ 266.
الزموا ما أنتم فيه من اللعب بالحراب، وعليكم به، وفيه تنهيضٌ لهم، وتنشيط.
[تنبيه]: شأن "دونك" أن تتقدّم على المغرى به، كما قدّرناه، وقد جاء تأخيرها عليه شاذًّا في قول الشاعر:
يَا أَيُّهَا الْمَاتِحُ دَلْوِي دُونَكَا
…
إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا
والماتح - بالتاء - هو الرجل الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قلّ ماؤها، فيملأ الدلو بيده
(1)
.
(يَا بَنِي أَرْفِدَةَ") بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الفاء، وقد تفتح، قيل:"هو لقب للحبشة"، وقيل: هو اسم جنس لهم، وقيل: اسم جدّهم الأكبر، وقيل: المعنى يابني الإماء، زاد في رواية الزهريّ، عن عروة:"فزجرهم عمرُ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: أَمْناً بني أرفدة"
(2)
، وبيّن الزهريّ أيضًا عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه وجه الزجر، حيث قال:"فأهوى إلى الحصباء، فحصبهم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهم يا عمر"، وزاد أبو عوانة في "صحيحه":"فإنهم بنو أرفدة"، كأنه يعني: أن هذا شأنهم وطريقتهم، وهو من الأمور المباحة، فلا إنكار عليهم.
قال المحبّ الطبريّ: فيه تنبيهٌ على أنه يُغْتَفَر لهم ما لا يُغتفر لغيرهم؛ لأن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب، فيُقتَصَر على ما ورد فيه النص. انتهى.
ورَوَى السّرّاج من طريق أبي الزناد، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال يومئذ:"لِتَعْلَمْ يهودُ أن في ديننا فُسْحَةً، إني بُعِثت بحنيفية سمحة"، وهذا يُشعر بعدم التخصيص، وكأن عمر رضي الله عنه بَنَى على الأصل في تنزيه المساجد، فبَيَّن له النبيّ صلى الله عليه وسلم وجه الجواز فيما كان هذا سبيله، كما سيأتي تقريره، أو لعله
(1)
راجع: "فتح المنعم" 3/ 126.
(2)
قوله: "أمناً بني أرفدة" منصوب بفعل محذوف؛ أي: ائمنوا أمناً، ولا تخافوا، ويجوز أن يكون أمناً الذي هو مصدرٌ أقيم مقام الصفة، كقولك: رجلٌ عدلٌ؛ أي: عادل، والمعنى: آمنين بني أرفدة، وقال ابن التين: وضُبِط في بعض الكتب: "آمناً" على وزن فاعلاً، ويكون أيضاً بمعنى آمنين، قاله في "عمدة القاري" 6/ 392.
لم يكن عَلِمَ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يراهم، قاله في "الفتح"، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ) بكسر اللام الأولى، قال في "المصباح": مَلِلتُهُ، ومَلِلتُ منه مَلَلاً، من باب تَعِبَ، وملالةً: سَئِمْتُ، وضَجِرْتُ، والفاعل مَلُولٌ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمللته الشيء. انتهى
(1)
.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم ("حَسْبُكِ؟ ") بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أحسبك، والخبر محذوف؛ أي: أكافيك هذا القدر؟.
(قُلْتُ: نَعَمْ) أي: نعم يكفيني (قَالَ) صلى الله عليه وسلم ("فَاذْهَبِي") أي: ارجعي إلى حجرتك، وانصرفي عن النظر إليهم.
وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ: "حتى أكون أنا الذي أسأم"، وفي رواية المصنّف التي قبل هذا:"ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف"، وفي رواية يزيد بن رُومان، عند النسائيّ:"أما شَبِعتِ؟، أما شَبِعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا؛ لأنظر منزلتي عنده"، وله من رواية أبي سلمة، عنها:"قلت: يا رسول الله، لا تَعْجَل، فقام لي، ثم قال: حسبكِ؟ قلت: لا تعجل، قالت: وما بي حبُّ النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساءَ مَقَامُهُ لي، ومكاني منه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه، وأما تخريجه، فقد تقدّم أول الباب.
(المسألة الثانية): في فوائده، وإن كان بعضها تقدّم:
1 -
(منها): بيان جواز الغناء، واللعب في يومي العيدين.
2 -
(ومنها): بيان الرخصة في الاستماع إلى الغناء، وضرب الدف يوم العيد، وجواز النظر إلى اللهو المباح.
3 -
(ومنها): بيان حسن خلق النبيّ صلى الله عليه وسلم مع أهله، وكريم معاشرته.
(1)
"المصباح المنير" 2/ 580.
4 -
(ومنها): بيان فضل عائشة رضي الله عنها، وعظم منزلتها عنده صلى الله عليه وسلم.
5 -
(ومنها): بيان مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصّل لهم بسطَ النفس، وترويحَ البدن من كُلَفِ العبادة.
6 -
(ومنها): أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين.
7 -
(ومنها): جواز دخول الرجل على ابنته، وهي عند زوجها؛ إذا كان له بذلك عادة.
8 -
(ومنها): تأديب الأب ابنته بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج؛ لقول عائشة:"وجاء أبو بكر، فانتهرني"؛ إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء.
9 -
(ومنها): الرفق بالمرأة، واستجلاب مودّتها.
10 -
(ومنها)؛ أن مواضع أهل الخير تُنزّه عن اللَّهو واللغو، وإن لم يكن فيه إثم، إلا باذنهم.
11 -
(ومنها): أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستنكر مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون في ذلك افتيات على شيخه، بل هو أدبٌ منه، ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه.
12 -
(ومنها): فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرفه من طريقته، وَيحْتَمِل أن يكون أبو بكر ظنّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نام، فخَشِي أن يستيقظ، فيغضب على ابنته، فبادر إلى سدّ هذه الذريعة.
13 -
(ومنها): أن في قول عائشة رضي الله عنها: "لما غَفَلَ غَمَزتُهما، فخرجتا" دلالةً على أنها مع ترخيص النبيّ صلى الله عليه وسلم لها في ذلك راعت خاطر أبيها، وخَشِيت غضبه عليها، فأخرجتهما، واقتناعها في ذلك بالإشارة فيما يظهر للحياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها.
14 -
(ومنها): أنه استدلّ به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء، ولو لم تكن مملوكةً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره، واستمرّتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج.
قال الحافظ: ولا يخفى أن محلّ الجواز ما إذا أُمنت الفتنةُ بذلك. انتهى. وهو تقييد حسنٌ.
15 -
(ومنها): أنه استُنبِط من تسمية أيام منى بأنها أيام عيد مشروعيةُ قضاء صلاة العيد فيها من فاتته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
16 -
(ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب، والتنشيط عليه.
17 -
(ومنها): استُنبِط منه جواز المثاقفة؛ لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب.
18 -
(ومنها): جواز اللعب بالحراب في المسجد، وحَكَى ابن التين عن أبي الحسن اللَّخْميّ أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة، أما القرآن فقوله تعالى:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36]، وأما السنة فحديث:"جَنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم".
وتُعُقِّب بأن الحديث ضعيف، وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادّعاه، ولا عُرِف التاريخ، فَيَثْبُتَ النسخُ، وحَكَى بعض المالكية عن مالك أن لَعِبَهم كان خارج المسجد، وكانت عائشة في المسجد، وهذا لا يثبت عن مالك، فإنه خلاف ما صُرِّح به في طُرُق هذا الحديث، وفي بعضها أن عمر رضي الله عنه أنكر عليهم لعبهم في المسجد، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"دَعْهُم"، واللعب بالحراب ليس لَعِباً مجرداً، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدوّ.
وقال المهلَّب رحمه الله: المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يَجْمَع منفعة الدين وأهله جاز فيه، ذكره في "الفتح"
(1)
.
19 -
(ومنها): جواز نظر النساء إلى فعل الرجال الأجانب؛ لأنه إنما يُكره لهنّ النظر إلى المحاسن، والاستلذاذ بذلك، ومن تراجم الإمام البخاريّ رحمه الله في "صحيحة" عليه:"باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة"، وقال النوويّ: أما النظر بشهوة، وعند خشية الفتنة فحرام اتفاقاً، وأما بغير شهوة، فالأصحّ أنه محرَّم، وأجاب عن هذا الحديث بأنه يَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل بلوغ عائشة رضي الله عنها وسيأتي ردّ هذا قريباً، فلا تغفل.
(1)
"الفتح" 2/ 200 "كتاب الصلاة" رقم الحديث (455).
قال: أو كانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم، لا إلى وجوههم وأبدانهم، وإن وقع بلا قصد أمكن أن تصرفه في الحال. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: والأرجح أن نظر النساء إلى الرجال الأجانب بلا خوف فتنة جائز، لحديث الباب وغيره، كما هو مذهب البخاريّ رحمه الله، كما أوضح ذلك في الترجمة المذكورة آنفاً، ومن أقوى الحجة على ذلك إجماع المسلمين من غير نكير على خروج الرجال في الطرقات، وفي أعمالهم كاشفين ما عدا العورات من أجسادهم، مع مشاهدة النساء الأجانب لهم، ولم يرد نصّ، ولا يوجد قول لأحد بإلزام الرجال الحجاب، كما ألزم النساء بذلك عند الخروج.
وأما احتجاج من احتجّ على المنع بقوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31]، ففيه نظر لا يخفى، فإن الأمر بالغضّ عند خوف الفتنة؛ جمعاً بين الأدلة.
وأما الاحتجاج بحديث أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنها حين قالتا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنه أعمى لا يُبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم:"أفعمياوان أنتما؟ "
(1)
، فهذا حديث ضعيف؛ لأن في سنده نبهان مولى أم سلمة لم يرو عنه إلا الزهري، فهو مجهول العين، وعلى تقدير صحّته، يُحْمَل على أن أمهات المؤمنين لسن كغيرهن في مثل هذا، بل يلزمهنّ الاحتياط، فيكون من باب التشديد في الورع؛ لرفعة منزلتهنّ، كما أخبر الله تعالى بذلك، فقال:{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب: 32]، والله تعالى أعلم.
20 -
(ومنها): أنه تمسّك بقولها: "فاقدِروا قدرَ الجارية الحديثة السنّ
(1)
هو ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن نبهان، مولى أم سلمة، أنه حدثه، أن أم سلمة حدثته، أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة، قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"احتجبا منه"، فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى، لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ ".
الحريصة على اللهو" إلى أنها كانت حينئذ شابّة، مَن ادَّعَى نسخ هذا الحكم، وأنه كان في أول الإسلام.
ورُدّ عليه بأن قولها: "يسترني بردائه" دالّ على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، وكذا قولها:"أحببت أن يبلغ النساءَ مقامُهُ لي"، مشعر بأن ذلك وقع بعد أن صارت لها ضرائر، أرادت الفخر عليهنّ، فالظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها، وفي رواية ابن حبّان أن ذلك وقع لَمّا قَدِم وفد الحبشة، وكان قدومهم سنة سبع، فيكون عمرها حينئذ خمس عشرة سنةً، أفاده في "الفتح"
(1)
.
[تنبيه]: قال في "الفتح": استدلّ جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء، وسماعه بآلة، وبغير آلة، ويكفي في ردّ ذلك تصريح عائشة رضي الله عنها في الحديث بقولها في الجاريتين:"وليستا بمغنّيتين"، فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يُطلق على رفع الصوت، وعلى الترنّم الذي تسميه العرب النّصْب - بفتح النون، وسكون المهملة - وعلى الْحُدَاء، ولا يسمى فاعله مغنّياً، وإنما يسمى بذلك من يُنشد بتمطيط، وتكسير، وتهييج، وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش، أو تصريح.
وقال القرطبي رحمه الله: قولها: "ليستا بمغنيتين"؛ أي: ليستا ممن يَعرف الغناء، كما يعرفه المغنّيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يحرّك النفوس، ويبعثها على الهوى، والغَزَل، والْمُجُون، الذي يُحرّك الساكن، وَيبعَث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر يُشَبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهنّ، وذكر الخمور، والمحرّمات، لا يُختَلَف في تحريمه؛ لأنه اللَّهو، واللعب المذموم بالاتفاق.
فأما ما يَسلَم من تلك المحرّمات، فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح؛ كالعُرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقّة، ويدلّ على جواز هذا النوع هذا الحديث، وما في معناه، مثل ما جاء في الوليمة، وفي حَفْر الخَنْدَق، وفي حَدْو الحبشة، وسلمة بن الأكوع.
فأما ما ابتدعه الصوفيّة اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات
(1)
"الفتح" 3/ 267.
المطربة، فمن قبيل ما لا يُختَلَف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية، والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن يُنسب إلى الخير، وشُهِر بذكره حتى عَمُوا عن تحريم ذلك، وعن فُحْشه، حتى قد ظهرت من كثير منهم عَوَاراتُ الْمُجَّان، والمخانيث، والصبيان، فَيَرقُصُون، وَيزْفِنون بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، كما يَفعل أهل السفَه والمجون، وقد انتهى التواقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا: إن تلك من أبواب القُرَب، وصالحات الأعمال، وأن ذلك يُثمر صفاء الأوقات، وسنيّات الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة، وقول أهل البطالة، والمخرّفة، نعوذ بالله من البدع، والفتن، ونسأله التوبة، والمشي على السُّنَن. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ.
وقال الحافظ رحمه الله بعد ذكر كلام القرطبيّ هذا - ما نصّه: وينبغي أن يُعكس مرادهم، ويقرأ "سيء" يعني: قوله: "سنيّ الأحوال" عوض النون الخفيف المكسورة بغير همز، بمثنات تحتاثية ثقيلة مهموزاً - أي: فيقال: "وسيّئات الأحوال" -. انتهى. وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2066]
(
…
) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ، فِي يَوْمِ عِيدٍ، فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتي أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 234)(خ م د س ق) تقدم في "المقًدمة" 2/ 3.
2 -
(جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [8](ت 188)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (جَاءَ حَبَشٌ) تقدّم أنه لغة في الحبشة.
وقولها: (يَزْفِنُونَ، فِي يَوْمِ عِيدٍ) هو بفتح الياء، وإسكان الزاي، وكسر الفاء، من باب ضرب، ومعناه: يرقُصُون، قال النوويّ رحمه الله: وحمله العلماء على التوثب بسلاحهم، ولَعِبهم بحِرابهم على قريبٍ من هيئة الراقص؛ لأن معظم الروايات إنما فيها لعبهم بحرابهم، فتُتأوّل هذه اللفظة على موافقة سائر الروايات. انتهى
(1)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2067]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرَا:"فِي الْمَسْجِدِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [9](ت 3 أو 184) وله (93) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 121.
2 -
(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضل [10](ت 234)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 5.
3 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [9](ت 203)(ع) تقدم في "الإيمان " 1/ 107.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) ضمير التثنية ليحيى بن زكرياء، ومحمد بن بشر.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 186.
[تنبيه]: رواية يحيى بن زكرياء، ومحمد بن بشر، كلاهما عن هشام لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2068]
(
…
) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِم، وَاللَّفْظُ لِعُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ، أنَهَا قالَتْ لِلَعَّابِينَ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَاهُمْ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ، أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ عَطَاءٌ: فُرْسٌ، أَوْ حَبَشٌ، قَالَ: وَقَالَ لِي ابْنُ عَتِيقٍ
(1)
: بَلْ حَبَشٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) أبو إسحاق القارئ البغداديّ، ثقةٌ [10](ت 232)(م) تقدم في "الإيمان" 41/ 272.
2 -
(عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ
(2)
الْعَمّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [11](م د ت ق) تقدم في "الإيمان" 27/ 220.
3 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [11](ت 249)(خت م ت) تقدم في "الإيمان" 7/ 131.
4 -
(أَبُو عَاصِمٍ) الضّحّاك بن مَخْلَد بن الضّحّاك الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [9](ت 212) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
5 -
(ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن خريج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
6 -
(عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم المكيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا.
7 -
(عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، وُلد في عهد
(1)
وفي نسخة: "ابن أبي عتيق".
(2)
بضمّ الميم، وفتح الراء، بصيغة اسم المفعول.
النبيّ صلى الله عليه وسلم، من كبار التابعين، مجمَع على ثقته [2](ت 68، (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ص 2 ص 473.
و"عائشة" رضي الله عنها ذُكرت قبله.
وقوله: (قَالَتْ لِلَعَّابِينَ) اللام الأولى لام الجرّ، والثانية مفتوحة مخفّفةٌ، والعين مشدّدة مفتوحة: صيغة مبالغة في اللعب، والمعنى أنها قالت لأجل جماعة كثيري اللعب؛ أي: من أجلهم، وبخصوصهم:"ودِدتُ أني أراهم".
وقولها: (وَدِدْتُ أَنِّي أَرَاهُمْ) بفتح الواو، وكسر الدال الأولى، يقال: وَدِدتُه أَوَدُّه، من باب تَعِبَ وُدًّا بفتح الواو وضمّها: إذا أحببته، والاسم المودّةُ، وودِدتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضاً وُدًّا، ووَدَادَةً بالفتح: تمنّيته، وفي لغة: وَدَدتُ أَوَدُّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غلطٌ عند البصريين، وقال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ إلا ما سَمِعَ، ولكنّه سمِعه ممن لا يُوثق بفصاحته، أفاده الفيّوميّ رحمه الله
(1)
.
وقوله: (قَالَ عَطَاءٌ: فُرْسٌ، أَوْ حَبَشٌ، قَالَ: وَقَالَ لِي ابْنُ عَتِيقٍ
(2)
: بَلْ حَبَشٌ).
قال النوويّ رحمه الله: قوله: "قال عطاء: فرسٌ أو حبشٌ
…
إلخ " هكذا هو في كلّ النسخ، ومعناه أن عطاء شكّ، هل قال: هم فُرْسٌ، أو حَبَشٌ؟ بمعنى هل هم من الفرس، أو من الحبشة؟ وأما ابن عتيق فجزم بأنهم حبش، وهو الصواب.
قال القاضي عياض: وقوله: "قال ابن عتيق" هكذا هو عند شيوخنا، وعند الباجيّ: وقال لي ابن عُمير، قال: وفي نسخة أخرى: "قال لي ابن أبي عتيق"، قال صاحب "المشارق"، و"المطالع": الصحيح ابن عُمير، وهو عُبيد بن عُمير المذكور في السند على الصواب. انتهى
(3)
.
قال الجامع عفا الله عنه: وعلى الصواب وقع عند أبي نعيم في "مستخرجه"، حيث قال:"قال عطاء: فُرسٌ، أو حبش؛ قال لي ابن عُمير: بل حبش". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2069]
(893) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ:
(1)
راجع: "المصباح المنير" 2/ 653.
(2)
وفي نسخة: "ابن أبي عتيق".
(3)
"شرح النووي" ببعض تصويب 6/ 186 - 187.
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ، عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحِرَابِهِمْ، إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ
(1)
يَحْصِبُهُمْ بِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"دَعْهُمْ يَا عُمَرُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
2 -
(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
3 -
(مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، من كبار [7](ت 154)(ع) عن (58) سنةً تقدم في "المقدمة" 4/ 18.
4 -
(ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد حجة، من كبار [3](ت 94)(ع) تقدّم في "المقدّمة" 6/ 71.
5 -
(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدم في "المقدمة" 2/ 4.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فصل بينهما؛ لاختلافهما في ذلك، كما تقدّم غير مرّة.
2 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
3 -
(ومنها): أن سعيدأ أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة.
4 -
(ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه.
(1)
وفي نسخة: "فأهوى بيده إلى الحصباء".
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: بَيْنَمَا) تقدّم الكلام عليها غير مرّة، فلا تنس نصيبك (الْحَبَشَةُ) لغة في الحبش (يَلْعَبُونَ، عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحِرَابِهِمْ) بكسر الحاء: جمع حربة (إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب) رضي الله عنه (فَأَهْوَى) وفي نسخة: "فأهوى بيده"؛ أي: مدّ يده، قال الفيّوميّ رحمه الله: وأهوى إلى سيفه بالألف: تناوله بيده، وأهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرْب، فإن كان كان عن بُعد قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويت بالشيء بالألف: أومأت به. انتهى
(1)
. (إِلَى الْحَصْبَاءِ) بالمدّ: هي الحصى الصغار (يَحْصِبُهُمْ بِهَا) أي: يرميهم بتلك الحصباء، يقال: حَصَبته حَصْباً، من ضرب، وفي لغة من باب قتل: رميته بالحصباء، وحَصَبْتُ المسجد وغيره: بسطته بالحصباء، وحصّبته بالتشديد مبالغة، فهو مُحَصّبٌ بالفتح
(2)
.
وإنما حصبهم عمر رضي الله عنه؛ لظنّه أن هذا مما لا يليق بحرمة المسجد، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يرهم، ولم يعلم بذلك
(3)
.
وقال ابن التين رحمه الله: يَحْتَمِل أن يكون عمر رضي الله عنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعلم أنه رآهم، أو ظنّ أنه رآهم، واستحيا أن يمنعهم، وهذا أولى؛ لقوله في الحديث:"وهم يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال الحافظ رحمه الله: وهذا لا يمنع الاحتمال المذكور أوّلاً، وَيحْتَمِل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين، وكان من شدّته في الدين يُنكر خلاف الأَولى، والجدّ في الجملة أولى من اللعب المباح، وأما النبيّ صلى الله عليه وسلم فكان بصدد بيان الجواز. انتهى
(4)
.
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "دَعْهُمْ) أي: اتركهم على ما هم عليه من اللعب (يَا عُمَرُ") حيث إنه مباحٌ لهم؛ لكونه عيدًا للمسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(1)
"المصباح المنير" 2/ 643 - 644.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 138.
(3)
راجع: "شرح النوويّ" 6/ 187.
(4)
"الفتح" 7/ 180 "كتاب الجهاد والسير" رقم (2901).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [5/ 2069](893)، و (البخاريّ) في "كتاب الجهاد والسير"(2901)، و (النسائيّ) في "العيدين"(596") و"الكبرى"(1799)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 358 و 540)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(2009)، والله تعالى أعلم.
[خاتمة]: في بيان مسألة مهمّة طالما يتساءل الناس عن حكمها، وهي مسألة التهنئة بمناسبة العيد ونحوه.
(اعلم): أن أصل التهمئة ورد في عدّة مناسبات:
(فمنها): ما أخرجه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه قال: أنزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2]، مَرْجِعه من الحديبية، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لقد أُنزِلَت عليَّ آلة أحبّ إليّ مما على وجه الأرض" ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئاً لك يا رسول الله.
(ومنها): ما أخرجه أحمد؛ ومسلم عن أُبي بن كعب رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سأله أيُّ آية في كتاب الله أعظم؟، قال: آية الكرسي، قال:"ليَهْنِكَ العلم أبا المنذر".
(ومنها): ما أخرجه الشيخان عن كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة توبته، قال: وانطَلَقْتُ أتأمَّمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجاً فوجأ، يهنئوني بتويتي، ويقولون: لِيَهْنِكَ توبة الله عليك، حتى دخلت المَسجد، قإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يُهَرْوِلُ حتى صافحني، وهَنّاني، فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - وهو يَبْرُق وجهه من السرور -: "أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك
…
" الحديث، وغير ذلك من الأحاديث.
وقد ألّف الإمام السيوطيّ رحمه الله رسالة سماها "وصول الأماني بأصول التهاني" اجَمَعَ فيها ما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار، فمن ذلك ما جاء عن جُبَير بن نُفَير أنه قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم
لبعض: تقبل الله منا ومنكم" حسّنه السيوطي، وحسّنه الحافظ قبله في "الفتح"
(1)
.
ومن ذلك ما أخرجه ابن حبّان في "الثقات" عن عليّ بن ثابت قال: سألت مالكاً عن قول الناس في العيد: تقبل الله مثا ومنك؟ فقال: ما زال الأمر عندنا كذلك.
ومن ذلك ما أخرجه زاهر بن طاهر عن محمد بن زياد الألهانيّ، قال: رأيت أبا أُمامة الباهليّ يقول في العيد لأصحابه: تقبل الله منا ومنكم، حسّنه السيوطيّ.
ومن ذلك ما أخرجه البيهقيّ عن آدم مولى عمر بن عبد العزيز قال: كنا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيدين: تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين، فيردّ علينا مثله، ولا ينكر ذلك، وغير ذلك من الآثار التي أوردها السيوطيّ في تلك الرسالة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى"(24/ 253): أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل الله منا ومنكم، وأحاله الله عليك، ونحو ذلك، فهذا قد رُوِيَ عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورَخص فيه الأئمة، كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحداً، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس بسنة مأموراً لها، ولا هو أيضًا مما نُهِي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقِلَ عن الإمام أحمد رحمه الله حسن جدًّا.
والحاصل أن التهنئة في الأصل مشروعة في مناسبات كثيرة، كما سبقت في الأحاديث الصحيحة المذكورة، وأما بخصوص يوم العيد فلم يُنقل مرفوعاً، وإنما نُقِلَ من آثار الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم، فمن فعله فهم القدوة له، ومن تركه فحجّته عدم ثبوته مرفوعاً، فلا يُنكَر على من تركه، ولا على من فعله؛ لثبوت التهنئة في غير العيد بكثرة، ولفعل الصحابة رضي الله عنهم له في العيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)
راجع: "الفتح" 2/ 446.
9 - (كِتَابُ صَلاةِ الاسْتِسْقَاء)
" الاستسقاء" لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير، وشرعاً طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص.
قال ابن الأثير رحمه الله في "النهاية": هو استفعال من طلب السُّقْيَا؛ أي: إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيثَ وأسقاهم، والاسم السّقْيا - بالضمّ -، واستسقيت فلاناً: إذا طلبت منه أن يسقيك. انتهى.
وقال النووي رحمه الله في "المجموع": والاستسقاء طلب السُّقْيَا، ويقال: سَقَى، وأسقى لغتان بمعنى، وقيل: سقى: ناوله ليَشْرَب، وأسقيته: جعلت له سُقْيا. انتهى
(1)
.
(1) - (بَابُ بَيَانِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2070]
(894) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
(1)
"المجموع شرح المهذّب" 5/ 68.
3 -
(عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [5](ت 135) وهو ابن (70) سنةً (ع) تقدم في "الصلاة" 17/ 916.
4 -
(عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ) بن غَزِيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [3](ع) تقدم في "الحيض" 25/ 810.
5 -
(عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ الْمَازِنِيُّ) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، روى صفة الوضوء، وغير ذلك، ويقال: إنه هو الذي قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ الكذّاب، واستُشهِد رضي الله عنه بالحرّة سنة (63) ع) تقدم في "الطهارة" 7/ 561.
[تنبيه]: كون عبد الله بن زيد المذكور في هذا السند هو ابن عاصم المازنيّ هو الصواب، كما سيأتي قريباً. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمِ) المازنيّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ ئنَ زَيْدٍ الْمَاَزِنِيَّ) رضي الله عنه (يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُصَلَّى) قال الحافظ رحمه الله: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك، ولا صفته صلى الله عليه وسلم حال الذهاب إلى المصلَّى، ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود، وابن حبّان، قالت: "شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحط المطر، فأمر بمنبر، فوُضِع له بالمصلَّى، ووَعَدَ الناس يوماً يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر
…
" الحديث، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أحمد، وأصحاب السنن: "خرج متبذّلاً متواضعاً حتى أتى المصلّى، فرقي المنبر
…
".
وفي حديث أبي الدرداء عند البزار، والطبرانيّ: "قَحَطَ المطرُ، فسألنا نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يستسقي لنا، فغدا نبي الله صلى الله عليه وسلم
…
" الحديث.
وقد حَكَى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معيّنٌ، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختصّ بيوم معيّن، وهل تُصنَع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة فيها بالنهار أنها نهاريّة كالعيد، هالا فلو كانت تصلى بالليل لأسرّ فيها بالنهار، وجهر بالليل كمطلق النوافل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستنباط محل تأمُّل، والله تعالى أعلم.
ونَقَلَ ابن قُدامة رحمه الله الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة.
وأفاد ابن حبّان أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة.
(فَاستَسْقَى) أي: طلب من الله تعالى السُّقيا بتضرّعه ودعائه (وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) أي: قلبه على جهة التفاؤل بانقلاب الحال من الشدّة إلى السعة، ومن القحط والجدب إلى الخصب والرخاء.
وقال الطيبيّ رحمه الله: والغرض من التحويل التفاؤل بتحويل الحال؛ يعني: حَوَّلنا أحوالنا رجاء أن يُحَوّل الله تعالى العسر باليسر، والجدب بالخِصْب.
وكيفيّة تحويل الرداء أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل أيضاً من جانب يمينه، وَيقْلِب يديه خلف ظهره، بحيث يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمين، والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، فإذا فَعَل ذلك، فقد انقلب اليمين يساراً واليسار يميناً، والأعلى أسفل، والأسفل أعلى، وأبو حنيفة لا يرى صلاة الاستسقاء، بل يدعو له، والشافعيّ يصلي كصلاة العيد، ومالك يصلي كسائر الصلوات. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله
(1)
، وهو بحث نفيسٌ، وسيأتي تمام البحث في اختلاف الأئمة في صلاة الاستسقاء في المسألة الرابعة - إن شاء اللُّه تعالى -.
(1)
"الكاشف عن حقائق السنن" 9/ 1314 - 1320.
[فائدة]: ذكر الواقديّ أن طول ردائه صلى الله عليه وسلم كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين، ووقع في "شرح الأحكام لابن بزيزة" ذرع الرداء كالذي ذكره الواقديّ في ذرع الإزار، والأول أولى، قاله في "الفتح".
(حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) زاد في الروايات التالية: "وصلّى ركعتين"، وفي رواية يحيى بن سعيد عند ابن خزيمة:"وصلى للناس ركعتين"، وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ:"ثم صلى لنا ركعتين".
واستدلّ به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وسيأتي البحث عنه قريباً - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [1/ 2070 و 2071 و 2072 و 2073](894)، و (البخاريّ) في "الاستسقاء"(1005 و 1012 و 1023 و 1024 و 1025 و 1026 و 1027)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1161 و 1162 و 1163 و 1167)، و (الترمذيّ) في "الصلاة"(556)، و (النسائيّ) في "الاستسقاء"(3/ 155 و 156 و 157)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1267)، و (مالك) في "الموطأ"(135)، و (الحميديّ) في "مسنده"(415 و 416)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 38 و 39 و 40 و 41 و 42)، و (الدارميّ) في "سننه"(1/ 432)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1406 و 1407 و 1410 و 1415 و 1414 و 1420 و 1424)، و (أبو عوانة) في "مسنده) (2472)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (2010)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان استحباب خروج الإمام إلى المصلى للاستسقاء.
2 -
(ومنها): بيان استحباب استقبال القبلة في حال الدعاء.
3 -
(ومنها): استحباب قلب الرداء، تفاؤلاً في قلب الحال من الجدب إلى الرخاء والخصب.
4 -
(ومنها): استحباب صلاة ركعتين للاستسقاء، وقد خالف فيه الإمام أبو حنيفة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الاستسقاء:
قال النوويّ رحمه الله: أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنةٌ، واختلفوا هل تُسَنّ له صلاة أم لا؟:
فقال أبو حنيفة: لا تسنّ له صلاةٌ، بل يُستسقَى بالدعاء بلا صلاة، وقال سائر العلماء، من السلف والخلف: الصحابة، والتابعون، فمن بعدهم: تسنّ الصلاة، ولم يخالف فيه إلا أبو حنيفة، وتَعَلَّق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة.
واحتجّ الجمهور بالأحاديث الثابتة في "الصحيحين" وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى للاستسقاء ركعتين، وأما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة، فبعضها محمول على نسيان الراوي، وبعضها كان في الخطبة للجمعة، ويتعقبه الصلاة للجمعة فاكتَفَى بها، ولو لم يصلِّ أصلاً كان بياناً لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمةً؛ لأنها زيادة علم، ولا معارضة بينهما.
قال أصحابنا: الاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها: الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة.
الثاني: الاستسقاء في خطبة الجمعة، أو في إثر صلاة مفروضة، وهو أفضل من النوع الذي قبله.
والثالث، وهو أكملها: أن يكون بصلاة ركعتين وخطبتين، ويتأهب قبله بصدقة، وصيام، وتوبة، وإقبال على الخير، ومجانبة الشرّ، ونحو ذلك من طاعة الله تعالى. انتهى
(1)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه يقتضي أن سنّة
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 187 - 188.
الاستسقاء الخروج إلى المصلَّى، والخطبة، والصلاة، وبذلك قال جمهور العلماء، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنّته صلاةٌ، ولا خروجٌ، وإنما هو دعاءٌ لا غير، وهذا الحديث وما في معناه يردّ عليه، ولا حجّة لأبي حنيفة في حديث أنس رضي الله عنه؛ إذ فيه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا من غير صلاة، ولا غيرها؛ لأن ذلك كان دعاءً عُجِّلت إجابته، فاكتَفَى به عمّا سواه، ولم يقصد بذلك بيان سنّة الاستسقاء، ولَمّا قصد البيان بيّن بفعله، كما في حديث عبد الله بن زيد. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من استحباب صلاة ركعتين للاستسقاء؛ لثبوت الأحاديث في "الصحيحين" وغيرهما بذلك، والذين ادّعوا عدم الاستحباب ليس عندهم دليلٌ، يعارض أدلّة المثبتين، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تقديم خطبة الاستسقاء على الصلاة، أو العكس: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختلفوا في هذا الباب، فروينا عن ابن الزبير أنه خرج يستسقي بالناس، فخطب، ثم صلى بغير أذان، ولا إقامة، وفي الناس يومئذ البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، قال: وروينا أن عمر بن عبد العزيز استسقى على المنبر، ثم نزل، فصلى، وروينا عن عبد الله بن يزيد أنه صلى، ثم استسقى، قال أبو إسحاق الراوي لهذا الحديث: فمشيت يومئذ إلى جنب زيد بن أرقم.
وقال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن: يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه خطب قبل الصلاة.
وقال ابن المنذر رحمه الله: يخطب قبل الصلاة. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله في "المفهم": وظاهر الحديث أن الخطبة مقدمة على الصلاة؛ لأنه جاء فيه بـ "ثم" التي للترتيب والْمُهْلة، وبذلك قال مالك في أول قوليه، وهو قول كثير من الصحابة والتابعين، والجمهور على أن الصلاة مقدمة
(1)
"المفهم" 2/ 538.
على الخطبة، وإليه رجع مالك، وهو قوله في "الموطأ"، وكان مستند هذا القول رواية من روى هذا الخبر بالواو غير المرتبة بدل "ثم"، وما روي عن إسحاق بن عيسى بن الطباع، عن مالك: أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا نصّ، وَيعْتَضِد هذا بقياس هذه الصلاة على صلاة العيدين، لسبب أنهما يخرج لهما، ولهما خطبة. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيّ رحمه الله: وقد اختَلَفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة، أو العكس، ففي حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبد الله بن زيد في "الصحيحين" وغيرهما، وكذا حديث ابن عباس عند أبي داود، وحديث عائشة المتقدم أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، ولكنه لم يصرّح في حديث عبد الله بن زيد الذي في "الصحيحين" أنه خطب، وإنما ذكر تحويل الظهر لمشابهتها للعيد، وكذا قال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة.
قال في "الفتح": ويمكن الجمع بين ما اختَلَف من الروايات في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وعبّر بعضهم بالدعاء عن الخطبة، فلذلك وقع الاختلاف.
والمرجح عند الشافعية، والمالكية البدء بالصلاة، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وبه قال الجماهير، وقال الليث: بعد الخطبة، وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير، قال: وقال بعض أصحابنا: ولو قدّم الخطبة على الصلاة صحّتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة. انتهى. قال الشوكانيّ رحمه الله: وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحقّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ رحمه الله حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم هل يكبّر في الاستسقاء كالعيد أم لا؟:
قال النوويّ رحمه الله: اختَلَفوا هل يكبر تكبيرات زائدة في أول صلاة الاستسقاء، كما يكبر في صلاة العيد؟، فقال به الشافعيّ، وابن جرير، ورُوي عن ابن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وقال الجمهور: لا يكبر، واحتجُّوا للشافعي بأنه جاء في بعض الأحاديث: صلى ركعتين كما يصلي في العيد، وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر والقراءة، وفي كونها قبل الخطبة، واختَلَفت الرواية عن أحمد في ذلك، وخَيَّره داود بين التكبير وتركه، ولم يذكر في رواية مسلم الجهر بالقراءة، وذكره البخاريّ، وأجمعوا على استحبابه، وأجمعوا أنه لا يؤذَّن لها، ولا يقام، لكن يُستحبّ أن يقال: الصلاة جامعة. انتهى كلام النوويّ رحمه الله
(1)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: ولم يُذكر في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه هذا أنها يُكبّر لها كما يُكبّر في العيد، ولذلك لم يَصِر إليه أكثر العلماء، مالك وغيره، وقد قال بالتكبير فيها جماعة، منهم ابن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، والشافعيّ، والطبريّ، وحجتهم حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما الذي أخرجه أبو داود، قال فيه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متذلّلاً، متواضعاً، متضرّعاً، حتى أتى المصلَّى، فرقي المنبر، ولم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرّع، والتكبير، ثم صلّى ركعتين، كما يصلي في العيد
(2)
.
قال: وهذا لا ينتهض حجة، فانه يصدق على التشبيه، وإن كان من بعض الوجوه، ولا يلزم التشبيه من كلّ الوجوه، إلا في شبيه ومثيل للمبالغة التي فيه، فان العرب تقول: زيدٌ كالأسد، وكالبحر، وكالشمس، تريد بذلك أنه يُشبهه في وجه من الوجوه، على أن هذا الحديث قد رواه الدارقطنيّ، وقال فيه: صلى ركعتين، كبَّر في الأولى بسبع تكبيرات، وقرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} ، وقرأ في الثانية {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ، وكبّر خمس تكبيرات، وهذا نصّ غير أن هذا الطريق في إسناده محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ضعيف الحديث، ذكره ابن أبي حاتم.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 189.
(2)
حديث حسنٌ، رواه أبو داود برقم (1165).
قال: ولا خلاف في أنه يجهر فيهما بالقراءة، وقد ذكره البخاريّ، ويُخْطَب فيهما خطبتان، يجلس في أولاهما ووسطهما، وهو قول مالك، والشافعيّ، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن مهديّ: يخطب خطبة واحدةً، لا جلوس فيها، وخيّره الطبريّ. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهذا لا ينتهض حجة
…
إلخ" فيه نظر لا يخفى، كيف لا ينتهض ما دلّ عليه ظاهر التشبيه، فما الذي أدّاه إلى هذه الدعوى، فهل هناك دليلٌ صريح يدلّ على عدم التكبيرات في صلاة الاستسقاء؟، فالظاهر أن كون صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد في تكبيراتها هو الأقرب.
والحاصل أن ما ذهب إليه القائلون بذلك هو الأرجح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية تحويل الرداء: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: وقد اختلفوا في تحويل الرداء، فكان مالك يقول: إذا فرغ من الصلاة في الاستسقاء خطب الناس قائماً يدعو في خطبته، مستقبل الناس، وظهره إلى القبلة، والناس مستقبلوه، فإذا استقبل القبلة حوّل رداءه، وجعل ما على يمينه على شماله، وما على شماله على يمينه، ودعا قائماً، واستقبل الناسُ جميعاً القبلةَ كما استقبلها الإمام قعوداً، وحوّلوا أرديتهم جميعاً كما حوّل الإمام، فإذا فرغ مما يريد من الدعاء استقبل الناس بوجهه، ثم انصرف.
وممن كان يرى أن يجعل اليمين الشمالَ، والشمالَ اليمينَ أحمدُ بن حنبل، وأبو ثور، وحُكي ذلك عن ابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإسحاق ابن راهويه، وكان الشافعي يقول بذلك إذ هو بالعراق، ثم رجع عنه.
وفيه قول ثان، قاله الشافعي آخر قوليه، قال: آمر الإمام أن ينكّس رداءه، فيجعل أعلاه أسفله، ويزيد مع نكسه، فيجعل شقه الذي كان على منكبه
(1)
"المفهم" 2/ 539.
الأيمن على منكبه الأيسر، والذي على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن، فيكون جاء بما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نكسه، وبما فعل من تحويل الرداء.
وفيه قول ثالث: قاله محمد بن الحسن، قال: ويقلب الإمام رداءه كله، وقلبه أن يجعل جانب الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر، وإنما يتبع في هذا السنة والآثار المعروفة، وليس ذلك على من خلف الإمام. قال أبو الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يحوّل رداءه في الاستسقاء، قال: ولم يكن الناس يحوّلون أرديتهم. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من استحباب تحويل الرداء؛ لوضوح أدلته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أنه اختُلِفَ في حكمة التحويل، فجزم المهلب أنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه، وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يُقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حوّل رداءك لتحوّل حالك.
قال الحافظ: وتُعُقِّب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي ردّه وَرَدَ فيه حديثٌ رجاله ثقات، أخرجه الدارقطنيّ، والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن عليّ، عن أبيه، عن جابر رضي الله عنه، ورجّح الدارقطنيّ إرساله، وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظنّ.
وقال بعضهم: إنما حوَّل رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء، فلا يكون سنة في كلّ حال.
وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى، فإن الاتّباع أولى من تركه لمجرّد احتمال الخصوص، والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح مشروعية التحويل، وأنه
(1)
"الأوسط" 4/ 322 - 323.
للتفاؤل؛ لحديث جابر رضي الله عنه المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2071]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحافظ الفقيه الحجة الثبت المشهور، من كبار [8](ت 198)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 383.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2072]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زيدٍ الْأَنَصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [8](ت 177)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
2 -
(يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [5](ت 144)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 36.
3 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي،
اسمه وكنيته واحدٌ، وقيل: كنيته أبو محمد، ثقةٌ عابدٌ [5](ت 120) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" 80/ 422.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2073]
(
…
) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ
(1)
، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَازِنِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً يَسْتَسْقِي، فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، يَدْعُو اللهَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
2 -
(حَرْمَلَةُ) بن يحيى التجيبيّ المصريّ، صدوقٌ [11](ت 3 أو 144)(م س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.
3 -
(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
4 -
(يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
5 -
(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (سَمِعَ عَمَّهُ) المراد بعمّه: عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ المتكرّر في الروايات السابقة.
(1)
وفي نسخة: "وحرملة بن يحيى".
وقوله: (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) فيه دليلٌ لمن يقول بتقديم الخطبة على صلاة الاستسقاء، قال النوويّ: وأصحابنا يحملونه على الجواز، كما سبق بيانه. انتهى
(1)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(2) - (بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ بِالدُّعَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2074]
(895) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
2 -
(يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر
(2)
الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزل بغداد، ثقةٌ [9](ت 8 أو 209)(ع) تقدم في "الإيمان" 90/ 471.
3 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير العابد [7](ت 160)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 381.
4 -
(ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [4] مات سنة بضع (120)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 80.
5 -
(أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير رضي الله عنه، مات سنة (2 أو 93) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 189 - 190.
(2)
بفتح النون، وسكون السين المهملة، آخره راء.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من شعبة، والباقيان كوفيّان.
4 -
(ومنها): أن أنساً رضي الله عنه ذو مناقب جمّة، تشرّف بخدمة النبيّ صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ونال دعوته المباركة، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز المائة رضي الله عنه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه، وفي رواية النسائي:"قال شعبة: قلت لثابت: أنت سمعته من أنس؟، قال: سبحان الله، قلت: سمعته؟ قال: سبحان الله"، وسيأتي من رواية الإمام أحمد تصريح ثابت بسماعه من أنس رضي الله عنه، وإنما سأله شعبة للتأكّد من سماعه بدون واسطة؛ لإمكان سماعه بواسطة شخص لا يرضاه شعبة، وتسبيح ثابت لاستغرابه اتّهام شعبة له بذلك (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ) أي: في حالة الدعاء (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر الحديث أن هذا الرفع لمطلق الدعاء، لكن ظاهر صنيع المصنّف رحمه الله أنه حمله على دعاء الاستسقاء حيث أورده في "كتاب الاستسقاء"، ويؤيّد ذلك ما وقع عند النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة، ولفظه:"قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء".
وفي رواية للإمام أحمد رضي الله عنه لهذا الحديث من طريق سليمان بن داود: أنا شعبة، عن ثابت، سمع أنساً قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدعاء حتى يُرَى بياضُ إبطيه، فذكرت ذلك لعليّ بن زيد، فقال: إنما ذاك في إلاستسقاء، قال: قلت: أسمعته من أنس؟ قال: سبحان الله، قال: قلت:
أسمعته منه؟ قال: سبحان الله. انتهى
(1)
.
والقائل: "فذكرتُ
…
إلخ" هو شعبة، وعلي بن زيد هو ابن جُدْعان.
فقد تبيّن بما ذُكر أن حديث أنس رضي الله عنه إنما هو في دعاء الاستسقاء، فيُحمل المطلق في هذه الرواية على المقيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [2/ 2074 و 2076 و 2077](895)، و (البخاريّ) في "الاستسقاء"(1031) و"المناقب"(3565) و"الدعوات"(6341)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1170)، و (النسائيّ) في "الاستسقاء"(1513) و"الكبرى"(1436 و 1817) وفي "قيام الليل"(1748)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة"(1180)، و (أحمد) في "المسند"(3/ 181 و 182 و 184 و 209 و 216 و 259)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده"(1304)، و (ابن خُزيمة) في "صحيحه"(1791)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2482 و 2483 و 2484)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(2014 و 2016)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في حكم رفع اليدين في الدعاء:
[اعلم]: أن رفع اليدين في الدعاء مستحبّ، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله في "كتاب الدعوات" من "صحيحه" باباً في ذلك، فقال:
[باب رفع الأيدي في الدعاء]: وقال أبو موسى الأشعريّ رضي الله عنه، دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: رفع النبيّ صلى الله عليه وسلم يديه، وقال:"اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، قال أبو عبد الله: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك سمعا أنساً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.
(1)
"مسند الإمام أحمد بن حنبل" 3/ 209.
قال الحافظ رحمه الله، وفي الحديث الأول ردّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلاً، وتمسك بحديث أنس:"لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء"، وهو صحيح، لكن جُمِع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناه بأن المنفيّ صفة خاصّة، لا أصل الرفع، وقد أشرت إلى ذلك في أبواب الاستسقاء.
وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حَذْوِ الوجه مثلاً، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يَعْكُر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما:"حتى يُرى بياضُ إبطيه"، بل يُجْمَع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء.
قال المنذريّ رحمه الله: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح.
قال الحافظ: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في "جزء"، وسَرَدَ النوويّ في "الأذكار" وفي "شرح المهذب" جملةً، وعقد البخاريّ أيضاً في "الأدب المفرد" باباً ذكر فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قَدِمَ الطفيلُ بن عمرو على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إن دوساً عَصَتِ الله، فادع الله عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال:"اللَّهم اهْدِ دَوْساً"، وهو في "الصحيحين" دون قوله:"ورفع يديه".
وحديث جابر رضي الله عنه: "أن الطفيل بن عمرو هاجر"، فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهم وليديه، فاغفر، ورفع يديه"، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم.
وحديث عائشة رضي الله عنها أنها رأت النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو رافعاً يديه يقول: "اللَّهمّ إنما أنا بشر
…
" الحديث، وهو صحيح الإسناد.
ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه البخاريّ في "جزء رفع اليدين": "رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه يدعو لعثمان".
ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف: "فانتهيت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو رافع يديه يدعو"، وعنده في حديث عائشة في الكسوف
أيضاً: "ثم رفع يديه يدعو"، وفي حديثها عنه في دعائه لأهل البقيع: "فرفع يديه ثلاث مرات
…
" الحديث.
ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه الطويل في فتح مكة: "فرفع يديه، وجعل يدعو".
وفي "الصحيحين" من حديث أبي حميد في قصة ابن اللُّتْبية: ثم رفع يديه حتى رأيت عُفْرَة إبطيه، يقول:"اللَّهم هل بلغت".
ومن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر قول إبراهيم، وعيسى، فرفع يديه، وقال:"اللَّهمّ أمتي".
وفي حديث عمر رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يُسْمَع عند وجهه كدويّ النَّحْل، فأنزل الله عليه يوماً، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، ودعا"، الحديث، أخرجه الترمذيّ، واللفظ له، والنسائي، والحاكم.
وفي حديث أسامة رضي الله عنه: "كنت رديف النبيّ صلى الله عليه وسلم بعرفات، فرفع يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خِطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى"، أخرجه النسائيّ بسند جيد
(1)
.
وفي حديث قيس بن سعد رضي الله عنه عند أبي داود: ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، وهو يقول:"اللَّهم اجعل صلواتك، ورحمتك على آل سعد بن عبادة"، الحديث، وسنده جيد.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُويبة رضي الله عنه أنه رأى بِشْر بن مَرْوان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال:"لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يزيد على هذا، يشير بالسبابة"، فقد حَكَى الطبريّ عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، وردّه بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها.
(1)
راجع: "المجتبى" 202/ 3011.
وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وحَسّنَه، وغيرهما من حديث سلمان رضي الله عنه رفعه:"إن ربكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يرُدَّهما صِفْراً" - بكسر المهملة، وسكون الفاء - أي: خالية، وسنده جيد.
قال الطبريّ: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر، وجبير بن مطعم، ورأى شُرَيحٌ رجلاً يرفع يديه داعياً، فقال: من تتناول بهما، لا أمّ لك؟، وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم.
وذكر ابن التين عن عبد الله بن عمرو بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء
(1)
، قال: وقال في "المدونة": ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض.
وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبريّ عنه أيضاً، وعن ابن عباس أن هذه صفة الدعاء.
وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعاً.
وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه.
(1)
هذا هو الصحيح في وجه كراهة مالك لرفع اليدين في الدعاء، وهو عدم كونه من أمر الفقهاء، ولعلهم لم يصحّ عندهم ما صحّ عند غيرهم من أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الدعاء كثيراً.
وأما ما قاله القرطبي في "المفهم" من أن مالكاً إنما كرهه مخاقة اعتقاد الجهة، فغير صحيح؛ لأن هذا هو مذهب المتكلّمين الذين لا يُثبتون علوّ الله تعالى على عرشه، كما يليق بجلاله، ويؤوّلون كل ما جاء من ذلك تأويلاً سخيفاً، وأما السلف أهل الحقّ والهدى، فإنهم يثبتون ما أثبته من علوه على عرشه، كما يليق بجلاله، فتفطّن، فإن هذا مما زلّت فيه أقدام المتأخّرين من المتكلمين ومن سار على دربهم الذين انصبغت أفكارهم بأفكار الجهميّة، والمعتزلة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقد صحّ عن ابن عمر خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد" من طريق القاسم بن محمد:"رأيت ابن عمر يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه". انتهى ما في "الفتح"
(1)
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيَّن بما سبق من الأحاديث ثبوت رفع اليدين في الدعاء، بل بعضها يدلّ على أنه من أسباب الإجابة، كحديث سلمان رضي الله عنه المتقدم مرفوعاً: "إن ربكم حييّ كريمٌ يستحيي من عبده
…
" الحديث، فلا ينبغي التهاون بمثل هذا الفضل العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2075]
(896) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
2 -
(الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الْمَوْصِلِ وغيرها، ثقةٌ [9](ت 9 أو 210)(ع) تقدم في "الإيمان" 55/ 321.
3 -
(حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [8](ت 167)(خت م 4) تقدم في "المقدمة" 6/ 80.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَسْقَى) استفعل؛ أي: طلب
(1)
"الفتح" 21/ 428 - 430.
السُّقيا من الله تعالى بدعائه، وتضرّعه (فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ) وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج" من رواية حماد، وحُميد، كلاهما عن أنس بن مالك:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى، فمدّ يده هكذا، فأومأ حمّاد بيده حيال ثندوته، جعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأينا بياض إبطيه، وهو على المنبر".
قال النوويّ رحمه الله: قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كلّ دعاء لرفع بلاء، كالقَحْط ونحوه أن يرفع يديه، ويَجْعَل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله، جَعَل بطن كفيه إلى السماء، واحتجوا بهذا الحديث. انتهى
(1)
.
وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفّين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهراً لبطن، كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول، وهو نزول السحاب إلى الأرض. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [2/ 2075](896)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1171)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 154 و 241)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(1293 و 1338)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1421)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2486 و 2487 و 2488)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(2015)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 190.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2076]
(
…
) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ، أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
2 -
(ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [9](ت 194) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 128.
3 -
(عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، [ثقةٌ](ت 189)(ع) تقدم في "الطهارة" 5/ 557.
4 -
(سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [6](ت 6 أو 157)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 127.
5 -
(قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، من رؤوس [4](ت 7 أو 118)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 70.
و"أنسٌ" رضي الله عنه ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
4 -
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وتقدّم الكلام في أنس رضي الله عنه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ) رضي الله عنه، وفي رواية يحيى القطّان، عن سعيد، عن قتادة التالية:"أن أنساً حدَّثهم"، فصرّح قتادة بالتحديث، فانتفت تهمة التدليس عنه (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ) ظاهره نفي الرفع في كلّ دعاء غير الاستسقاء، وهو مُعارَض بالأحاديث السابقة التي أثبتت الرفع في غير الاستسقاء، وقد تقدم أنها كثيرة.
فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحَمَلَ حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره.
وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يُحمل النفي على صفة مخصوصة، إما على الرفع البليغ، ويدلّ عليه قوله:"حتى يُرَى بياضُ إبطيه"، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه، وإما على صفة رفع اليدين في ذلك، كما رواه مسلم من رواية ثابت، عن أنس:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء"، ولأبي داود من حديث أنس أيضاً:"كان يستسقي هكذا، ومدّ يده، وجعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه".
وقال النوويّ: هذا الحديث ظاهره يوهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يرفع يديه إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفعه صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نحواً من ثلاثين حديثاً من "الصحيحين"، أو أحدهما، وذكرتها في أواخر "باب صفة الصلاة" من "شرح المهذَّب"، فيتؤول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ، بحيث يرى بياض أبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد لم أره يرفع، وقد رآه غيره، فيُقدَّم المثبتون في مواضع كثيرة، وهم جماعات على واحد لم يحضر ذلك، ولا بُدَّ من تأويله؛ لما ذكرناه، والله أعلم. انتهى
(1)
.
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 190.
وقوله: (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) متعلّق بمحذوف، تبيّنه الرواية الأخرى بلفظ:"فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ".
و"يُرَى" بالبناء للمفعول، و"بياض" بالرفع نائب فاعله.
وفيه استحباب المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ، أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) يعني: أن عبد الأعلى قال في روايته لهذا الحديث عن سعيد بن أبي عروبة: "حتى يُرى بياضُ إبطه، أو بياض إبطيه" بالشكّ هل هو بإفراد "إبطه"، أو تثنيته؟ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [2/ 2076 و 2077](895)، و (البخاريّ) في "الاستسقاء"(1031) و"المناقب"(3565)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1170)، و (النسائيّ) في "الاستسقاء"(1513) و"الكبرى"(1817 و 1748)، و (ابن ماجه)(1180)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 181 و 282)، و (الدارمي) في "سننه"(1543)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1411)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2484)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(2016)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2077]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير، من كبار [9](ت 198) عن (78) سنةً، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 385.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ
…
إلخ) قال النوويّ رحمه الله: فيه بيان أن قتادة قد سمعه من أنس رضي الله عنه، وقد تقدم أن قتادة مُدَلِّسٌ، وأن المدلِّس لا يُحْتَجُّ بعنعنته حتى يَثْبُت سماعه ذلك الحديث، فَبَّيَن مسلم رحمه الله ثبوته بالطريق الثاني. انتهى
(1)
.
[تنبيه] رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(12456)
حدّثنا يحيى، حدّثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنساً حدثهم، قال:"لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شيء من دعائه"، وقال يحيى مرة:"من الدعاء، إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه، حتى يُرَى بياضُ إبطيه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(3) - (بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالسُّقْيَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2078]
(897) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ
(2)
، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ
(3)
، مِنْ بَابِ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ، يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِماً، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا
(4)
، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا"، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 190 - 191.
(2)
وفي نسخة: "وقُتيبة بن سعيد".
(3)
وفي نسخة: "يوم الجمعة".
(4)
وفي نسخة: "يُغيثُنا".
قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا
(1)
وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ، وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ، مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلَا وَاللهِ، مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتاً، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ، يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ حَوْلَنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ"، فَانْقَلَعَتْ
(2)
، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ، قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(يَحْيى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
2 -
(يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [10](ت 234)(عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" 2/ 110.
3 -
(قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [10](ت 240)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.
4 -
(ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [9](244)(خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 2/ 6.
5 -
(إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 180)(ع) تقدم في "الإيمان" 2/ 110.
6 -
(شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ) أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [5] مات في حدود (140)(خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" 80/ 421.
7 -
(أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه، تقدّم في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيات المصنّف رحمه الله، وهو (135) من رباعيّات
(1)
وفي نسخة: "ولا بيننا".
(2)
وفي نسخة: "قال: فانقطعت".
الكتاب، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة أخذه عنهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في ذلك، كما سبق غير مرّة.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه: يحيى بن يحيى، وابن أيوب، وابن حُجْر، كما سبق آنفاً.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ، والثالث بَغْلانيّ، والرابع مروزيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه أنساً من المكثرين السبعة، رَوَى (2286) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلاً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه في حديث أنس رضي الله عنه، وروى أحمد عن كعب بن مُرّة ما يمكن أن يُفَسَّر به هذا المبهم بأنه كعب المذكور، وللبيهقيّ مرسلاً ما يمكن أن يفسر به بأنه خارجة بن حِصْن الفزاريّ، لكن رواه ابن ماجه عن شُرَحبيل بن السِّمْط أنه قال لكعب بن مرّة: يا كعب حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله استسق الله، فرفع يديه، فقال: "اللَّهم اسقنا
…
" ففي هذا أنه غير كعب، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس أنه أعرابيّ، وفي رواية يحيى بن سعيد، عن أنس: أتى رجل أعرابي من أهل البادية.
ولا يعارض هذا قول ثابت عن أنس: فقام الناس، فصاحوا؛ لاحتمال أنهم سألوا بعد أن سأل الرجل، أو نُسِب إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من دعائه صلى الله عليه وسلم.
ولأحمد عن ثابت، عن أنس: إذ قال بعض أهل المسجد، وهو يرجّح الاحتمال الأول، وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب، وهو وَهَمٌ؛ لأنه جاء في واقعة أخرى قبل إسلامه، وينفي زعمه قوله: يا رسول الله؛ لأنه لا يقولها قبل إسلامه. انتهى
(1)
.
(1)
"الفتح" 3/ 359.
(دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وفي نسخة: "يوم الجمعة"(مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ) قال القاضي عياض رحمه الله: سُمِّيت دار القضاء؛ لأنها بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى ابنه عبد الله أن يبيع فيه ما له بالغابة، فإن عجز ما له استعان ببني عديّ، ثم بقريش، فباع ابنه داره هذه لمعاوية، وماله بالغابة، وقَضَى دينه، وكان ثمانية وعشرين ألفاً، وكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم اختصروا، فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان، وقال بعضهم: هي دار الإمارة، وغُلِّط؛ لأنه لَمّا بلغه أنها دار مروان، ظنّ أن المراد بالقضاء الإمارة، والصواب ما قدمناه. انتهى كلام القاضي رحمه الله
(1)
.
قال النوويّ رحمه الله بعد نقله كلام القاضي المذكور ما نصّه: قوله: إن دَينه كان ثمانية وعشرين ألفاً غريبٌ، بل غلطٌ، والصحيح المشهور أنه كان ستة وثمانين ألفاً، أو نحوه، هكذا رواه البخاري في "صحيحه"، وكذا رواه غيره من أهل الحديث، والسير، والتواريخ، وغيرهم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله، وهو تعقّبٌ حسنٌ.
وفي رواية البخاريّ: "أن رجلاً دخل يوم الجمعة من بابٍ كان وِجاهَ المنبر"، قال في "الفتح"، قوله:"من باب كان وجاه المنبر" بكسر واو "وِجاه"، ويجوز ضمُّها؛ أي: مُوَاجهةَ، ووقع في شرح ابن التين: أن معناه مستدبر القبلة، وهو وَهَمٌ، وكأنه ظنّ أن الباب المذكور كان مقابل ظهر المنبر، وليس الأمر كذلك.
ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر: "من باب كان نحوَ دار القضاء"، وفَسَّر بعضهم دار القضاء بأنها دار الإمارة، وليس كذلك، وإنما هي دار عمر بن الخطاب، وسُمِّيت دار القضاء؛ لأنها بيعت في قضاء دينه، فكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم طال ذلك، فقيل لها: دار القضاء، ذكره الزبير بن بَكّار بسنده إلى ابن عمر رضي الله عنهما، وذكر عمر بن شَبّة في "أخبار المدينة" عن أبي غسان المدنيّ، سمعت بن أبي فُديك، عن عمة: كانت دار القضاء لعمر، فأمر عبد الله
(1)
"إكمال المعلم" 3/ 319.
وحفصة أن يبيعاها عند وفاته، في دين كان عليه، فباعوها من معاوية، وكانت تُسَمَّى دار القضاء، قال ابن أبي فُديك: سمعت عمي يقول: إن كانت لتسمى دار قضاء الدين، قال: وأخبرني عمي أن الْخَوْخَة الشارعة في دار القضاء غربيّ المسجد هي خوخة أبي بكر الصديق رضي الله عنه التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى في المسجد خَوْخَةٌ إلا خَوْخَة أبي بكر"، وقد صارت بعد ذلك إلى مروان، وهوأمير المدينة، فلعلها شُبهة من قال: إنها دار الإمارة، فلا يكون غلطاً، كما قال صاحب "المطالع" وغيره.
وجاء في تسميتها دار القضاء قولٌ آخر، رواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" عن أبي غسان المدنيّ أيضاً، عن عبد العزيز بن عمران، عن راشد بن حفص، عن أم الحكم بنت عبد الله، عن عمتها سهلة بنت عاصم، قالت: كانت دار القضاء لعبد الرحمن بن عوف، وإنما سُمِّيت دار القضاء؛ لأن عبد الرحمن بن عوف اعتَزَل فيها ليالي الشورى حتى قَضَى الأمر فيها، فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان، قال عبد العزيز: فكانت فيها الدواوين، وبيت المال، ثم صَيَّرها السفاح رَحْبَةً للمسجد.
وزاد أحمد في رواية ثابت، عن أنس:"إني لقائم عند المنبر"، فأفاد بذلك قوّة ضبطه للقصة؛ لقربه، ومن ثَمّ لم يَرِد هذا الحديث بهذا السياق كله إلا من روايته. انتهى.
وفي رواية سعيد المقبريّ، عن شريك، عن أنس عند البخاريّ: "بينما نحن في المسجد يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، فقام رجل، فقال: يا رسول الله
…
".
(وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله:(يَخْطُبُ) حال من "قائمٌ"، زاد في رواية قتادة عند البخاريّ في "كتاب الأدب":"بالمدينة"(فَاسْتَقْبَلَ) أي: ذلك الرجل (رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِماً) حال من الفاعل (ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) قال في "الفتح": هذا يدلّ على أن السائل كان مسلماً، فانتفى أن يكون أبا سفيان، فإنه حين سؤاله لذلك كان لم يسلم. انتهى. (هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ) المراد بهلاكهم عدم وجود ما يَعِيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر.
وفي رواية إسحاق بن عبد الله، عن أنس التالية: "فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة؛ إذ قام أعرابيّ، فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال
…
"، وفي رواية ثابت، عن أنس الآتية: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقام إليه الناس، فصاحوا، فقالوا: يا نبي الله قَحَطَ المطر، واحمرّ الشجر، وهلكت البهائم
…
".
ووقع عند البخاريّ في رواية كريمة وأبي ذرّ جميعاً عن الكشميهنيّ بلفظ: "هلكت المواشي"، وهو المراد بالأموال هنا، لا الصامت، ووقع عنده في "كتاب الجمعة" بلفظ:"هلك الكُراع"، وهو بضم الكاف يطلق على الخيل وغيرها، وعنده من رواية يحيى بن سعيد، عن أنس:"هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس"، وهو من ذكر العامّ بعد الخاصّ، قاله في "الفتح".
(وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) - بضمتين - جمع سبيل؛ أي: الطرق، ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ بلفظ:"وتقطعت" بمثناة، وتشديد الطاء، فالأول من باب الانفعال، والثانى من باب التفعُّل.
واختلف في معنى انقطاع السُّبُل، فقيل: ضَعُفت الإبلُ؛ لقلة الكلأ أن يسافر بها، وقيل: إنها لا تجد في سفرها من الكلأ ما يبلِّغها، وقيل: إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام، ولم يجلبوه إلى الأسواق، وقيل: نفاد ما عندهم من الطعام، أو قلته، فلا يجدون ما يَحملونه إلى الأسواق
(1)
.
ووقع في الرواية الآتية: "قَحَطَ المطر، واحمرّ الشجر"، ومعنى "قَحَط" بفتح القاف والطاء، وحُكي بضمٍّ، ثم كسر؛ أي: قَلَّ، أو لم ينزل أصلاً، واحمرار الشجر كناية عن يُبْس ورقها؛ لعدم شربها الماء، أو لانتثاره فتصير الشجر أعواداً بغير ورق، ووقع في رواية عند أحمد:"وأمحلت الأرض"، وهذه الألفاظ يَحْتَمِل أن يكون الرجل قال كلّها، وَيحْتَمل أن يكون بعض الرواة رَوَى شيئاً مما قاله بالمعنى؛ لأنها متقاربة، فلا تكون غلطاً، كما قال صاحب "المطالع"، وغيره
(2)
.
(فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا) بالجزم على أنه جواب الأمر، ووقع في بعض النسخ:
(1)
راجع: "عمدة القاري" 7/ 39.
(2)
راجع: "الفتح" 3/ 361.
"يُغيثُنا" بالرفع، وهو الذي وقع في البخاريّ، قال في "الفتح": قوله: "فادع الله يغيثنا"؛ أي: فهو يغيثنا، وهذه رواية الأكثر، ولأبي ذرّ:"أن يغيثنا"، وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية للكشميهنيّ:"يغثنا" بالجزم، ويجوز الضم في "يُغيثنا" على أنه من الإغاثة، وبالفتح على أنه من الغَيْث، ويُرجِّح الأول قوله في رواية إسماعيل بن جعفر:"فقال: اللهم أغثنا"، ووقع في رواية قتادة:"فادع الله أن يسقينا"، وله في "الأدب":"فاستسق ربك"، قال قاسم بن ثابت: رواه لنا موسى بن هارون: "اللهم أغثنا"، وجائز أن يكون من الغوث، أو من الغيث، والمعروف في كلام العرب: غُثنا؛ لأنه من الغوث.
وقال ابن القطاع: غاث الله عباده غَيْثاً وغياثاً: سقاهم المطر، وأغاثهم أجاب دعاءهم، ويقال: غاث، وأغاث بمعنًى، والرباعي أعلى.
وقال ابن دريد: الأصل غاثه الله يغوثه غَوْثاً، فأغيث، واستُعمِل أغاثه، ومَن فتح أوله فمن الغيث، وَيحْتَمل أن يكون معنى أغثنا: أعطنا غَوْثاً وغَيْثاً. انتهى.
(قَالَ) أنس رضي الله عنه: (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ) أي: إلى السماء، وزاد في رواية للنسائيّ:"ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون"، وزاد في رواية:"حذاء وجهه"، ولابن خزيمة:"حتى رأيت بياض إبطيه"، وللبخاريّ في "الجمعة":"فمد يديه ودعا"، زاد في رواية في "الأدب":"فنظر إلى السماء"
(1)
.
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا") أي: ثلاث مرّات، قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في جميع النسخ "أغثنا" بالألف، و"يُغيثنا" بضمّ الياء
(2)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "أغثنا" بالهمزة رباعيًّا، هكذا رويناه، ومعناه: هَبْ لنا غَيْثاً، والهمزة فيه للتعدية، وقال بعضهم: صوابه غِثْنا؛ لأنه من غاث، قال: وأما أغثنا، فإنه من الإغاثة، وليس من طلب الغيث، والأول الصواب. انتهى
(3)
.
(1)
راجع: "الفتح" 3/ 362.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 191.
(3)
"المفهم" 2/ 543.
وقال في "العمدة": "يُغيثنا" بضم الياء في جميع النسخ، و"اللهم أغثنا" بالألف، من باب أغاث يُغيث إغاثةً، من مزيد الثلاثيّ، والمشهور في كتب اللغة أنه يقال في المطر: غاث الله الناسَ والأرضَ يَغِيثهم بفتح الياء، قال القاضي عياض: قال بعضهم: هذا المذكور في الحديث من الإغاثة، بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث، وإنما يقال في طلب الغيث: اللهم أغثنا، قال القاضي: وَيحْتَمِل أن يكون من طلب الغيث؛ أي: هب لنا غيثاً، أو ارزقنا غيثاً، كما يقال: سقاه الله، وأسقاه؛ أي: جعل له سُقْيَا على لغة مَن فرّق بينهما.
وقيل: يَحْتَمِل أن يكون معنى قوله: "اللهم أغثنا" أي: فرِّج عنا، وأدركنا، فعلى هذا يجوز ما وقع في عامة النسخ.
وقال في "المنتهى": يقال: أغاثه الله يُغيثه، والغِياث ما أغاثك الله به، اسم من أغاث، واستغاثني فأغثته.
وقال القزاز: غاثه يَغُوثه غَوْثاً، وأغاثه يُغيثه إغاثةً، فأُمِيت غاث، واستُعْمِل أغاث، ويقول الواقع في بلية: اللهم أغثني؛ أي: فَرِّج عني.
وقال الفراء: الغيث والغوث متقاربان في المعنى والأصل.
وفي "كتاب النبات" لأبي حنيفة الدِّينوَريّ: وقد غِيثت الأرضُ فهي مَغِيثةٌ، ومغيوثةٌ.
وقال أبو الحسن اللحيانيّ: أرض مَغِيثةٌ، ومغيوثةٌ؛ أي: مَسْقِيّة، ومَغِيرة، ومَغيورة، والاسم الْغِيرَة، والْغَيْث، وقال الفراء: الغيث يَغُورنا، ويَغِيرنا، وقد غارنا الله بخير: أغاثنا. انتهى
(1)
.
(قَالَ أنَسٌ) رضي الله عنه: (وَلَا وَاللهِ) قال في "الفتح": كذا للأكثر بالواو، ولأبي ذر بالفاء، وفي رواية ثابت:"وايمُ الله"، والتقدير: ولا نرى والله، فحذف الفعل منه؛ لدلالة المذكور عليه (مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ) أي: مجتمع (وَلَا قَزَعَةٍ) بفتح القاف والزاي، بعدها مهملة؛ أي: سحاب متفرق، قال ابن سِيدهْ: القَزَع قِطَعٌ من السحاب رِقَاق، زاد أبو عبيد: وأكثر ما يجيء في الخريف، قاله في "الفتح".
(1)
"عمدة القاري" 7/ 39، و"لسان العرب" 5/ 41.
وقال في "العمدة" نقلاً عن "التلويح": القَزَعة مثالُ شَجَرة: قطعةٌ من السحاب رقيقة، كأنها ظِلّ إذا مرّت من تحت السحاب الكثير، وقال أبو حاتم: القزع السحاب المتفرق، وقال يعقوب عن الباهليّ: يقال: ما على السحاب قَزَعَةٌ؛ أي: شيء من غيم، ذكره في "الموعب"، وفي "تهذيب الأزهريّ": كلُّ شيء متفرقٍ فهو قَزَعٌ، وفي "المحكم": أكثر ما يكون ذلك في الخريف. انتهى
(1)
.
(وَمَا بَيْنَنَا) وفي نسخة: "ولا بيننا"(وَبَيْنَ سَلْعٍ) - بفتح السين المهملة، وسكون اللام -: جبل معروف بالمدينة، وقد حُكِيً أنه بفتح اللام (مِنْ بَيْتٍ، وَلَا دَارٍ) أي: يحجبنا عن رؤيته، وأشار بذلك إلى أن السحاب كان مفقوداً، لا مستتراً ببيت ولا غيره، ووقع في رواية للبخاريّ في "علامات النبوة"، عن ثابت قال: قال أنس: وإن السماء لفي مثل الزجاجة؛ أي: لشدّة صفائها، وذلك مشعرٌ بعدم السحاب أيضاً.
(قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَطَلَعَتْ) أي: ظهرت (مِنْ وَرَائِهِ) أي: من وراء سلع، وكأنها نشأت من جهة البحر؛ لأن وضع سلع يقتضي ذلك (سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ) أي: مستديرة، ولم يُرِد أنها مثله في القدر؛ لأن في رواية حفص بن عبيد الله عند أبي عوانة:"فنشأت سحابة مثل رجل الطائر، وأنا أنظر إليها"، فهذا يُشعر بأنها كانت صغيرة، وفي رواية للبخاريّ:"فهاجت ريح أنشأت سحاباً، ثم اجتمع"، وفي رواية له:"فنشأ السحاب بعضه إلى بعض"، وفي رواية:"حتى ثار السحاب أمثال الجبال"؛ أي: لكثرته، وفيه:"ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته"، وهذا يدلّ على أن السقف وَكَفَ؛ لكونه كان من جريد النخل.
(فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ) يعني: أنها بلغت إلى وسط السماء، وهي على هيئة مستديرة، ثم انتشرت، وانبسطت حينئذ، وكأن فائدته تعميم الأرض بالمطر.
(ثُمَّ أَمْطَرَتْ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في النسخ، وكذا جاء في
(1)
"عمدة القاري" 7/ 39.
البخاريّ "أمطرت" بالألف، وهو صحيحٌ، وهو دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون، والمحققون من أهل اللغة، أنه يقال: مَطَرَت، وأمطرت لغتان في المطر، وقال بعض أهل اللغة: لا يقال: أمطرت بالألف إلا في العذاب، كقوله تعالى:{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً} [الحجر: 74]، والمشهور الأول، ولفظة أمطرت تُطلَق في الخير والشر، وتُعْرَف بالقرينة، قال الله تعالى:{قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24]، وهذا من أمطر، والمراد به المطر في الخير؛ لأنهم ظنوه خيراً، فقال الله تعالى:{بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ} [الأحقاف: 24]. انتهى.
وقال في "العمدة": يقال: مَطَرت السماءُ تَمْطُر، ومَطَرتهم تَمْطُرهم مَطَراً - أي: من باب طَلَب - وأمطرتهم: أصابتهم بالمطر، وأمطرهم الله بالعذاب خاصّةً، ذكره ابن سِيده، وقال الفراء: قَطَرت السماءُ، وأقطرت، مثلُ مَطَرت السماء، وأمطرت، وفي "الجامع": مَطَرت السماء تَمْطُر مَطْراً، فالْمَطْرُ بالسكون المصدر، وبالحركة الاسم، وفي "الصحاح": مَطَرت السماء، وأمطرها الله، وناس يقولون: مطرت السماء، وأمطرت بمعنى. انتهى
(1)
.
وقال في "المصباح": مَطَرَت السماء تَمْطُرُ مَطَراً، من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضاً لغةٌ، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ البقلُ، وأنبت، كما يقال: مَطَرت السماءُ، وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غيرُ في العذاب. انتهى
(2)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصحيح جواز مَطَرت، وأمطرت ثلاثيًّا ورباعيًّا في الرحمة، وأما في العذاب فالأفصح أمطرت بالألف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: فَلَا وَاللهِ) تقدّم أنه بتقدير "فلا رأينا"، وقوله:(مَا) نافية مؤكّدة و"لا"(رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتاً) بسين مهملة، ثم باء موحّدة، ثم مثناه فوقيّة؛ أي: قطعة من الزمان وأصل السّبْت: القطعُ، قاله النوويّ رحمه الله.
وقال في "الفتح": قوله: "ما رأينا الشمس سبتاً" كناية عن استمرار الغيم
(1)
"عمدة القاري" 6/ 238.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 575.
الماطر، وهذا في الغالب، وإلا فقد يستمرّ المطر، والشمس بادية، وقد تُحجَب الشمس بغير مطر، وأصرح من ذلك رواية إسحاق بلفظ:"فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى".
قال: وأما قوله: "سَبْتاً" فوقع للأكثر بلفظ السبت؛ يعني: أحد الأيام، والمراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال: جمعة، قاله صاحب "النهاية"، قال: ويقال: أراد قطعةً من الزمان.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: قوله: "سبتاً" أي: من السبت إلى السبت؛ أي: جمعةً، وقال المحب الطبريّ مثله، وزاد أن فيه تجوزاً؛ لأن السبت لم يكن مبدأ، ولا الثاني منتهى، وإنما عَبّر أنس بذلك؛ لأنه كان من الأنصار، وكانوا قد جاوروا اليهود، فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنما سَمُّوا الأسبوع سبتاً؛ لأنه أعظم الأيام عند اليهود، كما أن الجمعة عند المسلمين كذلك.
وحَكَى النووي تبعاً لغيره كثابت في "الدلائل" أن المراد بقوله: "سبتاً" قطعة من الزمان، ولفظ ثابت: الناس يقولون: معناه من سبت إلى سبت، وإنما السبت قطعة من الزمان، وأن الداوديّ رواه بلفظ:"ستًّا "، وهو تصحيف.
وتُعُقِّب بأن الداودي لم ينفرد بذلك، فقد وقع في رواية الحمويّ والمستملي هنا "ستًّا "، وكذا رواه سعيد بن منصور، عن الدراورديّ، عن شريك، ووافقه أحمد من رواية ثابت، عن أنس، وكأن من ادَّعَى أنه تصحيف استبعد اجتماع قوله:"ستًّا " مع قوله في رواية إسماعيل بن جعفر الآتية: "سبعاً"، وليس بمستبعد؛ لأن من قال:"ستًّا " أراد ستة أيام تامة، ومن قال:"سبعاً" أضاف أيضاً يوماً مُلَفّقاً من الجمعتين.
وقد وقع في رواية مالك، عن شريك:"فمُطِرنا من جمعة إلى جمعة"، وفي رواية للنسفيّ:"فدامت جمعةً"، وفي رواية عبدوس والقابسيّ فيما حكاه عياض:"سبتنا"، كما يقال:"جمعتنا"، ووَهِمَ من عزا هذه الرواية لأبي ذرّ.
وفي رواية قتادة: "فمُطرنا فما كِدْنا نَصِل إلى منازلنا" أي: من كثرة المطر.
وفي رواية للبخاريّ في "الجمعة": "فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا"، ولمسلم في رواية ثابت الآتية: "ومكثنا حتى رأيت الرجل الشديد
تَهُمّه نفسه أن يأتي أهله"، ولابن خزيمة في رواية حميد: "حتى أهم الشابّ القريب الدار الرجوع إلى أهله"، وللبخاريّ في "الأدب" من طريق قتادة: "حتى سألت مَثَاعِب المدينة"، ومَثَاعب جمع مَثْعَب بالمثلثة، وآخره موحَّدة: مَسِيلُ الماء
(1)
.
(قَالَ) أنس رضي الله عنه (ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ) ظاهر هذا أن الرجل غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلّت على التعدد، كما قال في السيوطيّ رحمه الله في "عقود الْجُمان":
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ
…
إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ
…
تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا
…
لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ أَبَدَا
وَأَبْطَلَ السُبْكِيُّ ذِي بِأَمْثِلَهْ
…
وَقَالَ: ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ
قال الجامع عفا الله عنه: قلتُ مجيباً عن استشكال السبكيّ رحمه الله:
قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ
…
عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ
وللأجهوريّ رحمه الله في هذا المعنى قوله:
وَإِنْ يُعَدْ مُنَكَّرٌ مُنَكَّرَا
…
فَالثَّانِ غَيْرُ أَوَّلٍ بِلَا مِرَا
وَفِي سِوَى ذَا الثَّانِ عَيْنُ الأَوَلِ
…
وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ وَهْوَ جَلِي
قُلْتُ وَفِي مُغْنِي اللَّبِيبِ حَكَمَا
…
بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَا سُلِّمَا
إِذْ قَوْلُهُ فَوْقَ الْعَذَاب أَبْطَلَهْ
…
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ قَدْ أَبَانَ خَلَلَهْ
وَقَوْلُهُ أَيْضاً: وَفِي الَأَرْضِ إِلَهْ
…
لأَنَّ رَبِي وَاحِدٌ بِلَا اشْتِبَاهْ
قال الجامع: وقلتُ أيضاً معقّباً عليه:
قُلْتُ: يُجَابُ أَنَّ هَذِي الْقَاعِدَهْ
…
تُبْنَى عَلَى الْغَالِب خُذْهُ فَائِدَهْ
أَوْ قُلْ: إِذَا قَرِينَةٌ لَمْ تَقْتَرِنْ
…
فَإِنْ بَدَتْ تَصْرِفُهَا فَلْتَسْتَبِنْ
وقال شريك في آخر هذا الحديث هنا: سألت أنساً أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري، قال الحافظ: وهذا يقتضي أنه لم يَجزم بالتغاير، فالظاهر أن القاعدة المذكورة محمولة على الغالب؛ لأن أنساً من أهل اللسان، وقد تعددت.
(1)
راجع: "الفتح" 3/ 363 - 364.
ووقع عند البخاريّ من رواية إسحاق عن أنس: "فقام ذلك الرجل أو غيره"، وكذا لقتادة، وهذا يقتضي أنه كان يشكّ فيه.
ووقع في رواية يحيى بن سعيد: "فأتى الرجل، فقال: يا رسول الله"، ومثله لأبي عوانة، من طريق حفص بن عُبيد الله، عن أنس، بلفظ:"فما زلنا نُمْطَر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى"، وأصله في مسلم.
وهذا يقتضي الجزم بكونه واحداً، فلعل أنساً تذكره بعد أن نسيه، أو نسيه بعد أن كان تذكره، ويؤيد ذلك رواية البيهقيّ في "الدلائل" من طريق يزيد بن أبي عبيد السَّلَميّ، قال: لَمّا قَفَل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد بني فَزَارة بضعة عشر رجلاً، وفيهم خارجة بن حَصْن أخو عيينة، قَدِمُوا على إبل عِجَاف، فقالوا: يا رسول الله، ادعُ لنا ربك أن يغيثنا
…
فذكر الحديث، وفيه: فقال: "اللهم اسْقِ بلدك وبهيمتك، وانشر بركتك، اللهم اسقنا غَيْثاً مُغِيثاً مَرِيئاً مَرِيعاً طَبَقاً واسعاً عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضارّ، اللهم سُقْيَا رحمة، لا سُقْيا عذاب، اللهم اسقنا الغيث، وانصرنا على الأعداء"، وفيه: قال: فلا والله ما نَرَى في السماء من قَزَعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسَلْع من بناء، فذكر نحو حديث أنس بتمامه، وفيه: قال الرجل -يعني الذي سأله أن يستسقي لهم -: هلكت الأموال
…
الحديث
(1)
.
قال في "الفتح": والظاهر أن السائل هو خارجة المذكور؛ لكونه كان كبير الوفد، ولذلك سُمّي من بينهم، والله أعلم، وأفادت هذه الرواية صفة الدعاء المذكور، والوقت الذي وقع فيه. انتهى
(2)
.
(وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ، يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً) حال من الفاعل (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ) أي: بسببٍ غيرِ السبب الأول، والمراد أن كثرة الماء انقطع المرعَى بسببها، فهَلكت المواشي من عدم الرعي، أو لعدم ما يُكِنّها من المطر، ويدل على ذلك قوله في رواية سعيد المقبريّ، عن شريك، عند النسائيّ:"وهَلَكت الأموال من كثرة الماء".
(1)
"دلائل النبوّة" للبيهقيّ رحمه الله 6/ 143 - 144.
(2)
"الفتح" 3/ 365.
(وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) أي: لتعذر سلوك الطرق، من كثرة الماء، وفي رواية حميد، عند ابن خزيمة:"واحتَبَسَ الركبان"، وفي رواية مالك، عن شريك:"تهدّمت البيوت"، وفي رواية إسحاق عند البخاريّ:"هُدِم البناءُ، وغَرِقَ المال".
(فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا) يجوز في "يُمْسكها" الضم والسكون، وعند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ:"أن يمسكها"، والضمير يعود على الأمطار، أو على السحاب، أو على السماء، والعرب تُطلق على المطر سماء، ووقع في رواية سعيد، عن شريك:"أن يمسك عنّا الماء"، وفي رواية أحمد، من طريق ثابت:"أن يرفعها عنّا"، وفي رواية قتادة عند البخاريّ:"فادع ربك أن يحبسها عنا، فضحك"، وفي رواية ثابت:"فتبسم"، زاد في رواية حميد:"لسرعة ملال ابن آدم".
(قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ) تقدّم البحث في رفع اليدين في الدعاء مستوفًى قريباً، فلا تغفُل.
(ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوْلَنَا) منوب على الظرفيّة، لفعل محذوف؛ أي: أنزل حولنا، وفي بعض النسخ:"حوالينا"، وهما صحيحان، قال النوويّ رحمه الله:"وحوالينا" بفتح اللام، وفيه حذف تقديره: اجعل، أو أمطر، والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور.
وقوله: (وَلَا عَلَيْنَا) فيه بيان للمراد بقوله: "حوالينا"؛ لأنها تشمل الطرُق التي حولهم، فأراد إخراجها بقوله:"ولا علينا"، قال الطيبيّ رحمه الله: في إدخال الواو هنا معنى لطيفٌ، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقياً للآكام، وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصوداً لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مُخْلَصَة للعطف، ولكنها للتعليل، وهو كقولهم: تَجُوع الحرّةُ، ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصوداً لعينه، ولكن لكونه مانعاً عن الرضاع بأجرة؛ إذ كانوا يَكرهون ذلك أَنَفاً. انتهى.
(اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَام) فيه بيان للمراد بقوله: "حولنا"، والإكام بكسر الهمزة، وقد تُفْتَح، وتُمَدَّ: جمع أَكَمَة بفتحات، قال ابن الْبَرْقيّ: هو التراب
المجتمع، وقال الداوديّ: هي أكبر من الْكُدية، وقال القَزّاز: هي التي من حَجَر واحد، وهو قول الخليل، وقال الخطابيّ: هي الْهَضَبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض، وقال الثعالبيّ: الأكمة أعلى من الرابية، وقيل: دونها. (وَالظِّرَابِ) بكسر الظاء المعجمة، وآخره موحَّدة: جمع ظَرِب بكسر الراء، وقد تسكَّن، وقال القزاز: هو الجبل المنبسط، ليس بالعالي، وقال الجوهريّ: الرابية الصغيرة (وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ) المراد بها ما يتحصل فيه الماء؛ ليُنْتَفَع به، قالوا: ولم تسمع أفعلة جمع فاعل، إلا الأودية جمع واد، وفيه نظر، وزاد مالك في روايته:"ورؤوس الجبال"(وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ") أراد بالشجر الْمَرْعَى، ومنابته التي تُنْبِت الزرع والكلأ
(1)
.
(فَانْقَلَعَتْ) هكذا في أكثر النسخ، ووقع في بعض النسخ المعتمدة، كما قال النوويّ رحمه الله بلفظ:"فانقطعت"، وهما بمعنًى؛ أي: انقطعت السماء، أو السحابة الماطرة، والمعنى أنها أمسكت عن المطر على المدينة.
(وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ) وفي رواية مالك: "فانجابت عن المدينة انجياب الثوب"؛ أي: خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه، وفي رواية سعيد، عن شريك:"فما هو إلا أن تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، تَمَزّق السحاب حتى ما نرى منه شيئاً"، والمراد بقوله:"ما نَرَى منه شيئاً"؛ أي: في المدينة.
وفي رواية إسحاق بن عبد الله الآتية للمصنّف: "قال: فما يُشير بيده إلى ناحية إلا تفرّجت حتى رأيت المدينة في مثل الْجَوْبة، وسال وادي قناة شهراً، ولم يجئ أحدٌ من ناحية إلا أخبر بجَوْد".
وفي رواية حفص بن عبيد الله الآتية: "فرأيت السحاب يتمزق، كأنه الْمُلاءُ حين تُطْوَى"، والملا بضم الميم والقصر، وقد يُمَدّ: جمع ملاءة، وهو ثوب معروف.
وفي رواية قتادة عند البخاريّ: "فلقد رأيت السحاب يتقطع يميناً وشمالاً يمطرون"؛ أي: أهل النواحي، ولا يمطر أهل المدينة، وفي رواية للبخاريّ أيضاً:"فجعل السحاب يتصدع عن المدينة"، وزاد فيه: "يريهم الله كرامة
(1)
"عمدة القاري" 7/ 41.
نبيّه صلى الله عليه وسلم، وإجابة دعوته"، وله في رواية ثابت، عن أنس: "فتكشطت" - أي تكشفت - فجعلت تمطر حول المدينة، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة، وإنها لمثل الإكليل.
ولأحمد من هذا الوجه: "فتقوّر ما فوق رؤوسنا من السحاب، حتى كأنا في إكليل"، والإكليل بكسر الهمزة، وسكون الكاف، كل شيء دار من جوانبه، واشتَهَرَ لما يوضع على الرأس، فيحيط به، وهو من ملابس الملوك، كالتاج.
(قَالَ شَرِيكٌ) هو ابن عبد الله بن أبي نَمِر الراوي عن أنس رضي الله عنه (فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي) أي: لا أعلم أنه هوأم غيره، مال الحافظ رحمه الله في "كتاب المناقب" إلى ترجيح أن الرجل الذي قام أوّلاً هو الذي قام ثانياً، وأن أنساً جزم به تارةً، وشكّ فيه أخرى، ومال أيضاً إلى أن الرجل هو خارجة بن حصن الفزاريّ
(1)
، وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [3/ 2078 و 2079 و 2080 و 2081 و 2082](897)، و (البخاريّ) في "الجمعة"(932 و 933) و"الاستسقاء"(1013 و 1014 و 1016 و 1017 و 1018 و 1019)، و (أبو داود) في "الصلاة"(1174 و 1175)، و (النسائيّ) في "الاستسقاء"(3/ 154 و 159 و 160 و 161)، و (مالك) في "الموطأ"(135)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 194 و 271)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده"(1282)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1423 و 1788)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2489 و 2490 و 2491 و 2492 و 2493)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(2017 و 2018 و 2019 و 2020 و 2021)، والله تعالى أعلم.
(1)
راجع: "الفتح" 6/ 695 "كتاب المناقب" رقم الحديث (3582).
(المسألة الثالثة): في فوائده
(1)
:
1 -
(منها): بيان استحباب استسقاء الإمام إذا طلب الناس ذلك منه.
2 -
(ومنها): طلب الناس من الإمام أن يستسقي لهم إذا حصل الجدب والقحط.
3 -
(ومنها): جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة.
4 -
(ومنها): القيام في الخطبة، وأنها لا تنقطع بالكلام، ولا تنقطع بالمطر.
5 -
(ومنها): قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة؛ لأنهم كانوا يسلكون مسلك الأدب بالتسليم، وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول أنس رضي الله عنه: "كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية، فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
".
6 -
(ومنها): طلب الدعاء من أهل الخير، ومَن يُرْجَى منه القبول، وإجابتهم لذلك، ومن أدبه بَثّ الحال لهم قبل الطلب لتحصيل الرقّة المقتضية لصحة التوجه، فترجى الإجابة عنده.
7 -
(ومنها): تكرير الدعاء ثلاثاً.
8 -
(ومنها): إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاء به على المنبر، ولا تحويل فيه، ولا استقبال القبلة.
9 -
(ومنها): الاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدلّ على أنه نواها مع الجمعة، قال النوويّ رحمه الله: فيه جواز الاستسقاء منفرداً عن تلك الصلاة المخصوصة، واغترت به الحنفية، وقالوا: هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير، وجعلوا الاستسقاء بالبروز إلى الصحراء، والصلاة بدعةً، وليس كما قالوا، بل هو سنةٌ؛ للأحاديث الصحيحة السابقة،
(1)
المراد: الفوائد التي اشتمل عليها حديث أنس رضي الله عنه هذا باختلاف ألفاظه وطرقه التي أوردها المصنّف في الباب، والتي أشرنا إليها في الشرح، لا خصوص السياق المذكور هنا فقط، فتنبّه.
وقد قدمنا في أول الباب أن الاستسقاء أنواعٌ، فلا يلزم من ذكر نوع إبطال نوع ثابت، والله أعلم. انتهى
(1)
.
10 -
(ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة في إجابة الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم عقبه، أو معه، ابتداء في الاستسقاء، وانتهاء في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرّد الإشارة.
وقال النوويّ رحمه الله: في الحديث الإخبارُ عن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعظيم كرامته على ربه سبحانه وتعالى بإنزال المطر سبعة أيام متوالية متصلاً بسؤاله، من غير تقدُّم سحاب، ولا قَزَع، ولا سبب آخر، لا ظاهر، ولا باطن، وهذا معنى قوله:"وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار"؛ أي: نحن مشاهدون له وللسماء، وليس هناك سبب للمطر أصلاً. انتهى.
11 -
(ومنها): بيان معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً في إجابة دعائه متصلاً به حتى خرجوا في الشمس.
12 -
(ومنها): بيان أدبه صلى الله عليه وسلم في الدعاء، فإنه لم يسأل رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرره، وكشفه عن البيوت، والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكن، ولا ابن سبيل، وسأل بقاءه في مواضع الحاجة، بحيث يبقى نفعه وخصبه، وهي بطون الأودية وغيرها من المذكور.
13 -
(ومنها): بيان أدب الدعاء عند كثرة المطر، فلا يدعو برفع المطر مطلقاً؛ لاحتمال الاحتياج إلى استمراره، بل يدعو برفع الضرر، وإبقاء النفع.
14 -
(ومنها): أنه يُستنبَط منه أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يَعْرِض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض، وإبقاء النعمة.
15 -
(ومنها): أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل.
16 -
(ومنها): جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجباً، وجواز الصياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك، وفيه اليمين لتأكيد الكلام.
17 -
(ومنها): جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، ولكن هذا لا ينافي ما ثبت من الصلاة لها، فلا يكون دليلاً لأبي حنيفة في عدم مشروعية
(1)
"شرح النوويّ" 6/ 191 - 192.
الصلاة لها، كما سبق البحث في هذا مستوفًى قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2579]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَبَيْنَا
(1)
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ، وَفِيهِ: قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا"، قَالَ: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ، إِلَّا تَفَرَّجَتْ
(2)
، حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْراً، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [10](ت 239)(خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" 10/ 148.
2 -
(الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية [8](ت 4 أو 195)(ع) تقدم في "الإيمان" 10/ 148.
3 -
(الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ حجةٌ إمام مشهورٌ [7](ت 157)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.
4 -
(إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [4](ت 132) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" 30/ 667.
و"أنس بن مالك" رضي الله عنه ذُكر قبله.
وقوله: (أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ) أي: قحطٌ.
وقوله: (هَلَكَ الْمَالُ) قال القرطبيّ رحمه الله: المراد المواشي، وأصل المال
(1)
وفي نسخة: "فبينما".
(2)
وفي نسخة: "إلا لنفرجت".
كلُّ ما يُتموَّل، وعُرْفه عند العرب الإبل؛ لأنها معظم أموالهم. انتهى
(1)
.
وقال الفيّوميّ رحمه الله: المال معروفٌ، ويُذكّر ويؤنّث، وهو المال، وهي المال، قال: والمال عند أهل البادية النَّعَم. انتهى
(2)
، وهذا الإطلاق الأخير هو المراد هنا في الحديث، كما سبق بيانه.
وقوله: (وَجَاعَ الْعِيَالُ) بالكسر: أهل البيت، ومن يمونه الإنسان، الواحد عَيِّلٌ، مثلُ جِيَادٍ وجَيِّدٍ
(3)
.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بمَعْنَاهُ) فاعل "ساق" ضمير إسحاق بن عبد الله؛ أي: ساق معنى حديث أنس رضي الله عنه الماضي، ولم يسق لفظه.
وقوله: (فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ، إِلَّا تَفَرَّجَتْ) وفي نسخة: "إلا انفرجت"؛ أي: تقطّع السحاب عنها، وزال.
وقوله: (حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ) بفتح الجيم، وإسكان الواو، بعدها باءٌ موحّدة، وهي الْحُفْرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفُرجة في السحاب، قال النوويّ رحمه الله: معناه: تقطّع السحاب عن المدينة، وصار مستديراً حولها، وهي خاليةٌ منه. انتهى.
وقال الخطابيّ: المراد بالجوبة هنا التُّرْس، وضبطها الزين ابن الْمُنَيِّر تبعاً لغيره بنون بدل الموحَّدة، ثم فسره بالشمس إذا ظهرت في خِلال السحاب، لكن جزم عياض بأن من قاله بالنون فقد صَحَّف. انتهى.
وقوله: (وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْراً) بفتح القاف: اسم لواد من أودية المدينة، وعليه زُرُوعٌ لهم، فأضافه هنا إلى نفسه، وفي رواية للبخاريّ:"وسال الوادي قَنَاةُ"، وهذا صحيح على البدل، والأوّل صحيح، وهو عند الكوفيين على ظاهره، وعند البصريين يُقدّر فيه محذوفٌ، وفي رواية للبخاريّ:"وسال الوادي وادي قناة"، قاله النوويّ رحمه الله
(4)
.
وقال في "الفتح": و"قَنَاةُ" بفتح القاف والنون الخفيفة: عَلَمٌ على أرض ذات مزارع، بناحية أُحُد، وواديها أحد أودية المدينة المشهورة، قاله الحازميّ،
(1)
"المفهم" 2/ 542.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 586.
(3)
"المصباح" 2/ 438.
(4)
"شرح النوويّ" 6/ 194.
وذكر محمد بن الحسن المخزوميّ في "أخبار المدينة" بإسناد له أن أوّل من سماه وادي قناة تُبَّعٌ اليمانيّ لَمّا قَدِم يَثْرِب قبل الإسلام، وفي رواية له: أن تُبَّعاً بَعَثَ رائداً ينظر إلى مزارع المدينة، فقال: نظرت، فإذا قَنَاةُ حَبّ ولا تِبْنَ، والْجُرُفُ حبّ وتبنٌ، والحرار -يعني: جمع حَرّة بمهملتين - لا حبّ ولا تبن. انتهى.
ووقع عند البخاريّ في "الجمعة" بلفظ: "وسال الوادي قناة"، وأُعرِب بالضم على البدل، على أن "قَناة" اسم الوادي، ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره، قال الحافظ رحمه الله: وقرأت بخط الرضيّ الشاطبيّ، قال: الفقهاءُ تقوله بالنصب والتنوين، يتوهمونه قَنَاةً من القَنَوَات، وليس كذلك. انتهى. وهذا الذي ذكره قد جَزَم به بعض الشُّرّاح، وقال: هو على التشبيه؛ أي: سال مثل القناة. انتهى
(1)
.
وقوله: (وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ) بفتح الجيم، وإسكان الواو: هو المطر الغزير، وهذا يدلّ على أن المطر استمرّ فيما سوى المدينة، فقد يُشكل بأنه يستلزم أن قول السائل:"هلكت الأموال، وانقطعت السبل" لم يرتفع الهلاك ولا القطع، وهو خلاف مطلوبه، ويمكن الجواب بأن المراد أن المطر استمرّ حول المدينة من الإكام، والظراب، وبطون الأودية، لا في الطرق المسلوكة، ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثيرٌ، ولو كانت تُجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للماشية أماكن تُكِنّها، وتَرْعَى فيها، بحيث لا يضرها ذلك المطر، فيزول الإشكال، قاله في "الفتح"
(2)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية إسحاق بن عبد الله، عن أنس رضي الله عنه هذه ساقها الإمام البخاريّ رحمه الله، فقال:
(933)
حدّثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا أبو عمرو الأوزاعيّ، قال: حدّثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
(1)
راجع: "الفتح" 3/ 367 - 368.
(2)
"الفتح" 3/ 368.
عن أنس بن مالك، قال: أصابت الناس سَنَةٌ على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، فبينا النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة، قام أعرابيّ، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قَزَعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها، حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره، حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم، فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابيّ، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله تَهَدّم البناء، وغَرِق المالُ، فادع الله لنا، فرفع يديه، فقال:"اللهم حوالينا، ولا علينا"، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب، إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الْجَوْبة، وسال الوادي قناةُ شهراً، ولم يجئ أحدٌ من ناحية، إلا حَدَّث بالْجَوْد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2080]
(
…
) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَصَاحُوا، وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ قَحَطَ الْمَطَرُ، وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى: فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا، وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الْإِكْلِيلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ، من كبار [10](ت 6 أو 23)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 27/ 221.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثَّقَفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [10](ت 234)(خ م س) تقدم في "الإيمان" 10/ 145.
3 -
(مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [9](ت 187) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 105.
4 -
(عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [5] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.
5 -
(ثَابِثٌ الْبُنَانِيُّ) هو ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [4] مات سنة بضع وعشرين ومائة، عن (86)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 80.
و"أنس بن مالك" رضي الله عنه ذُكر قبله.
وقوله: (فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَصَاحُوا) هذا لا يعارض ما تقدّم من أن السائل رجل، أوأعرابيّ؛ لاحتمال أن يكونوا سألوه بعد أن سأل، أو نُسب إليهم؛ لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه، وقد تقدّم تحقيق هذا.
وقال القاضي عياضٌ رحمه الله: قوله: "فقام إليه الناس
…
إلخ لا، وفي سائر الروايات عن أنس:"أن رجلاً"، و"جاء أعرابيّ"، فقيل: يَحْتَمل أن الرجل ابتدأ بالكلام، فشايعه الناس، فمرّة ذكر المبتدئ بالكلام، ومرّةً أخبر عن الجماعة، وقيل: يَحْتَمل أنه أراد بالناس الرجل الأعرابي المذكور، كما قال تعالى:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173]، إنما قاله واحد، وهذا فيه بعد؛ لما جاء بعده. انتهى بتصرّف
(1)
.
وقوله: (قَحَطَ الْمَطَرُ) بفتح القاف، والحاء المهملة، ويجوز كسرها؛ أي: أمسك
(2)
، وقال الفيّوميّ رحمه الله: قَحَطَ المطرُ قَحْطاً، من باب نَفَعَ: احتَبَسَ، وحَكَى الفرّاءُ: قَحِطَ قَحَطاً، من باب تَعِبَ، وقَحُطَ بالضمّ، فهو قَحِيطٌ، وقُحِطت الأرض، والقومُ بالبناء للمفعول، وبلدٌ مقحوطٌ، وبلادٌ مقاحيط، وأقحط الله الأرض بالألف، فأَقْحَطَتْ، وهي مُقْحِطةٌ، وأقحط القومُ: أصابهم القحطُ، بالبناء للفاعل، والمفعول. انتهى
(3)
.
وقوله: (وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ) يعني: تغير لونها عن الخضرة إلى الحمرة، من اليبس، وأنَّث الفعل باعتبار جنس الشجر، قاله في "العمدة"
(4)
.
وقوله: (وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ) ويُرْوَى "المواشي"، وهي الدوابّ والأنعام.
(1)
"إكمال المعلم" 3/ 324 - 325.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 194.
(3)
"المصباح المنير" 2/ 491.
(4)
"عمدة القاري" 7/ 47.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير ثابت.
وقوله: (فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ) الفاعل ضمير السحابة؛ أي: زالت السحابة عن المدينة، وانقطع المطر عنها.
وقوله: (فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا)"تمطر" بالبناء للفاعل، وهو من أمطرت رباعيًّا، وَيحْتَمِل أن يكون من مَطَرت ثلاثيًّا، كما تقدم، والفاعل ضمير السحابة.
وقوله: (وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً) بالنصب على المفعوليّة.
وقوله: (وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الْإِكْلِيلِ) الضمير للمدينة، و"الإكليل" بكسر الهمزة، وسكون الكاف: هو شيء دار بين جوانب الشيء، وقال النوويّ رحمه الله:"الإكليلُ" بكسر الهمؤة، قال أهل اللغة: هي العصابة، وتُطلق على كلّ محيط بالشيء. انتهى.
والمعنى: أن السحابة صارت كالدائرة حول الشيء، فصار كأن المدينة في مثل الدائرة.
[تنبيه]: هذه الرواية ساقها الإمام البخاريّ رحمه الله في "صحيحه" المصنّف، فقال:(1021) حدّثنا محمد بن أبي بكر، حدّثنا معتمر، عن عبيد الله، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعة، فقام الناس، فصاحوا، فقالوا: يا رسول الله، قَحَط المطر، واحمرّت الشجر، وهلكت البهائم، فادع الله يُسقينا، فقال:"اللهم اسقنا" مرتين، وايم الله، ما نرى في السماء قَزَعَةً من سحاب، فنشأت سحابة، وأمطرت، ونَزَل عن المنبر، فصلى، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب صاحوا إليه: تَهَدَّمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله يحبسها عنّا، فتبسم النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"اللهم حوالينا، ولا علينا"، فكُشِطت المدينة، فجَعَلت تمطر حولها، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة، وإنها لفي مثل الإكليل. انتهى.
وقوله: "اسقنا" بوصل الهمزة، وقطعها.
وقوله: "مرتين" ظرف للقول، لا للسقي.
وقوله: "وايمُ الله" الهمزة فيه همزة الوصل، وهو مختصر من "أيمن الله"، بحذف الهمزة، والنون، ويختصر أيضاً ثانياً، فيقال:"مُ الله"، بضم الميم، وكسرها. وإضافته إلى لفظ الجلالة واجبة، وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوباً؛ أي: أيم الله قسمي، أو خبر لمحذوف كذلك؛ أي: قسمي أَيْمُ الله
(1)
.
وقال الفيوميّ رحمه الله: "أَيْمُن" اسم مستعمل في القسم، والتُزم رفعه، كما التُزم رفع "لَعَمْرُ الله"، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من اليُمْنِ، وهو البركة، وعند الكوفيين قطعٌ؛ لأنه جمع يمين عندهم. انتهى.
وقوله: "تكشَّطَت"؛ أي: تكشفت، يقال: كَشَطْتُ الْجُلَّ عن ظهر الفرس، والغطاءَ عن الشيء: إذا كشفته عنه، وفي رواية كريمة:"فَكُشِطَت" على صيغة المجهول، قاله في "العمدة"
(2)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2081]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُوأُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ، وَزَادَ: فَأَلَّفَ الله بَيْنَ السَّحَابِ، وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [9](ت 247)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.
2 -
(أَبُو أسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 201)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 51.
3 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [7](ت 165)(ع) تقدم في "الإيمان" 3/ 111.
(1)
راجع: "حاشية الخضريّ على الخلاصة" 2/ 295.
(2)
"عمدة القاري" 7/ 47.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير سليمان بن المغيرة.
وقوله: (فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ السَّحَابِ) أي: جمع الله سبحانه وتعالى بين السحاب المتفرّق في نواحي السماء؛ ليُمطر عليهم.
وقوله: (وَمَكَثْنَا) بفتح الميم، والكاف، وتُضمّ، يقال: مكث مَكْثاً، من باب قتل: أقام، وتلبّث، فهو ماكثٌ، وَمَكُثَ مُكْثاً، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُب قُرْباً، فهو قريبٌ لغة، وقرأ السبعة {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [النمل: 22] باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَل فيه
(1)
.
وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "ومكثنا" هكذا ضبطناه، وكذا هو في نسخ بلادنا، ومعناه ظاهرٌ، وذكر القاضي فيه أنه رُوي في نسخ بلادهم على ثلاثة أوجه، ليس منها هذا، ففي رواية لهم:"وبَلَّتْنَا"، ومعناه: أمطرتنا، قال الأزهريّ: يقال: بَلَّ السحابُ بالمطر بَلًّا، والبلل المطر، ويقال: انْهَلَّت أيضاً، وفي رواية لهم:"ومَلَتْنَا" بالميم مخففة اللام، قال القاضي: ولعلّ معناه: أوسعتنا مطراً، وفي رواية:"ملأتنا" بالهمز. انتهى
(2)
.
وقوله: (حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ) أي: القويّ.
وقوله: (تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ) قال النوويّ رحمه الله: ضبطناه "تهمّه" بوجهين: فتح التاء مع ضم الهاء، وضم التاء مع كسر الهاء، يقال: همه الشيءُ، وأهمه؛ أي: اهتمّ له، ومنهم من يقول: هَمّه: أذابه، وأهمه: غَمّه. انتهى.
وقال الفيّوميّ رحمه الله: والهمّ: الحزن، وأهمّني الأمر بالألف: أقلقني، وهَمّني هَمًّا، من باب قتل مثله. انتهى
(3)
.
وقوله: "أن يأتي أهله" في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ أي: في إتيان أهله.
والمعنى: أن كثرة المطر حالت دون وصولهم إلى بيوتهم، حتى اهتمّ
(1)
"المصباح المنير" 2/ 577.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 195.
(3)
"المصباح المنير" 2/ 641.
القويّ - ومن باب أولى الضعيف - كيف يصل إلى أهله، وفي رواية ابن خزيمة:"حتى أهمّ الشابّ القريب الدار الرجوعُ إلى أهله"؛ أي: فضلاً عن العجوز، وبعيد الدار، وفي رواية للبخاريّ:"فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا".
[تنبيه]: رواية سليمان بن المغيرة، عن ثابت هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(12604)
حدّثنا بَهْزٌ، وحدّثنا حجاج، قالا: حدّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، قال: قال أنس: إني لقاعد عند المنبر يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب؛ إذ قال بعض أهل المسجد يا رسول الله، حُبِس المطرُ، هَلَكت المواشي، ادع الله أن يسقينا، قال أنس: فرفع يديه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أرى في السماء من سحاب، فأُلِّف بين السحاب، قال حجاج: فألَّف اللهُ بين السحاب، فَوَأَلْنا، قال حجاج: سعينا حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله، فمُطرنا سبعاً، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في الجمعة المقبلة؛ إذ قال بعض أهل المسجد: يا رسول الله، تهدمت البيوت، حُبِس السُّفّار، ادع الله عز وجل أن يرفعها عنّا، قال: فرفع يديه، فقال:"اللهم حوالينا، ولا علينا"، قال: فتقَوَّر ما فوق رأسنا منها، حتى كأنا في إكليل، يُمْطَرُ ما حولنا، ولا نُمْطَرُ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2082]
(
…
) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي
(1)
أُسَامَةُ، أَنَّ حَفْصَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ: فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ، كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى).
(1)
وفي نسخة: "أخبرني".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر السعديّ مولاهم، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [10](ت 253) وله (83) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" 29/ 225.
2 -
(ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبت حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [9](ت 197)(ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
3 -
(أُسَامَةُ) بن زيد الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [7](ت 153)(خت م 4) تقدم في "الصلاة" 42/ 1085.
[تنبيه]: قال القاضي عياض رحمه الله: وقع عند العذري: "حدّثني سلمة" والصواب: "حدّثني أسامة"، وهو أسامة بن زيد الليثيّ، شيخ ابن وهب مشهورٌ. انتهى
(1)
.
4 -
(حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ويقال فيه: عبيد الله بن حفص، ولا يصحّ، صدوقٌ [3](خ م ت س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 34/ 1416.
و"أنس بن مالك" رضي الله عنه ذُكر قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ) فاعل "اقتصّ"، و"زاد" ضمير حفص بن عبيد الله.
وقوله: (يَتَمَزَّقُ) أي: يتفرّق.
وقوله: (كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى) قال النوويّ رحمه الله: هو بضم الميم، وبالمدّ، والواحدة مُلاءة بالضم والمد، وهي: الرَّيطة، كالْمِلْحفة، ولا خلاف أنه ممدود في الجمع والمفرد، ورأيت في كتاب القاضي قال: هو مقصور، وهو غلط من الناسخ، فإن كان من الأصل كذلك فهو خطأ يلا شكّ، ومعناه تشبيه تقطع السحاب، والجلائه بالملاءة المنشورة إذا طُوِيت. انتهى
(2)
.
وقال القرطبيّ رحمه الله: يعني: أن السحاب بعد أن كان منتشراً انضمّ عن جهات المدينة، فصار كأنه ثوبٌ طُوِي عنها. انتهى
(3)
.
(1)
"إكمال المعلم" 3/ 324.
(2)
"شرح النوويّ" 6/ 195.
(3)
"المفهم" 2/ 545.
[تنبيه]: رواية حفص بن عبيد الله، عن أنس بن مالك رضي الله عنه هذه ساقها أبو نعيم رحمه الله في "مستخرجه" (2/ 483) فقال:
(2021)
حدّثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أبو يعلى، ثنا هارون بن معروف (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة، قالا: ثنا ابن وهب، حدّثني أسامة بن زيد، أن حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك، حدّثه أنه سمع أنس بن مالك يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، فادع الله أن يسقينا، قال: فأنشأت سحابة مثل رجل الطائر، أنا أنظر إليها، ثم انتشرت في السماء، ثم أمطرت، فما زلنا نُمْطَر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، وسقطت البيوت، فادع الله أن يكشفها عنّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم حوالينا، ولا علينا"، فرأيت السحاب يتمزق، كأنها الملاء حين تُطْوَى. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(4) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّكَشُّفِ عِنْدَ أَوَّلِ نُزُولِ الْمَطَرِ، وَالتَّعَوُّذِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الرِّيحِ، وَالْغَيْمِ، وَالْفَرَحِ بِالْمَطَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2083]
(898) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِثٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ
(1)
، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ:"لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى").
(1)
وفي نسخة: "عن أنس بن مالك".
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه يتشيّع [8](ت 178)(بخ م 4) تقدم في "الإيمان" 55/ 322.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (136) من رباعيّات الكتاب.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) وفي نسخة: "عن أنس بن مالك" رضي الله عنه، وقوله:(قَالَ) قول جعفر بن سليمان الراوي عن ثابت؛ أي: قال ثابتٌ: (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه: (أَصَابَنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) جملة حاليّة معترضة بين الفعل وفاعله، وهو قوله:(مَطَرٌ، قَالَ) أنس رضي الله عنه: (فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَوْبَهُ) أي: كشف صلى الله عليه وسلم ثوبه عن بعض بدنه (حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ)"من" تبعيضيّة؛ أي: أصاب بعض بدنه بعض المطر النازل من السماء (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟) أي: حسر ثوبك عن بعض بدنك (قَالَ: "لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى") قال القرطبيّ رحمه الله؛ أي: بإيجاد ربّه له، وهذا منه صلى الله عليه وسلم تبرّكٌ بالمطر، واستشفاءٌ به؛ لأن الله تعالى قد سمّاه رحمةً، ومباركاً، وطَهُوراً، وجعله سبب الحياة، ومُبعداً عن العقوبة، ويُستفاد منه احترام المطر، وترك الاستهانة به. انتهى
(1)
.
وأنشد بعضهم في معنى الحديث قوله:
تَضُوعُ أَرْوَاحُ نَجْدٍ مِنْ ثِيَابِهِمُ
…
بَعْدَ الْقُدُومِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِالدَّارِ
وقال السنوسيّ: وكما يُتبرّك به فلا يُمتهن باستعماله في النجاسات، كصبّه في مِرْحاضٍ، قال: واختار بعضهم استعمال ماء المطر دون ماء الآبار؛
(1)
"المفهم" 2/ 546.
لهذا الحديث، والأطبّاء يقولون: إن أنفع المياه ما لم يُختزن، كاختزانه في المراجل. انتهى
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فلا يُمتهن
…
إلخ" مما لا دليل عليه، وكذا قوله: "واختار بعضهم
…
إلخ"؛ لأن هذا الحديث لا يدلّ عليه، وإنما يدلّ على التمطّر في أول نزول المطر، ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يتكلّف للطهارة بماء المطر، بل كان يتطهّر غالباً بماء الآبار ونحوها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ رحمه الله: معنى حديث عهد بربه؛ أي: بتكوين ربّه إياه، ومعناه أن المطر رحمةٌ، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها، فيُتَبَرَّك بها، قال: وفي هذا الحديث دليلٌ لقول أصحابنا: إنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته؛ ليناله المطر، واستدلوا بهذا، وفيه أن المفضول إذا رأى من الفاضل شيئاً لا يعرفه أن يسأله عنه؛ ليعلمه، فيعملَ به، ويُعَلِّمه غيره. انتهى.
وقال القاضي عياضٌ رحمه الله: قال بعض أهل المعاني: معناه: حديث عهد بالكون بإرادة الرحمة؛ لقوله تعالى: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} الآية [لأعراف: 57]، وقوله:{مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ} الآية [ق: 9]، وقوله:{مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} الآية [الفرقان: 48، 49]، بخلاف ما أخبر به عنه فيما يقرب عهد كونه بإرادة الغضب والسخط وخوفه، وذلك عند هبوب الرياح، وطلوع السحاب حتى تُمطر، كما جاء في الحديث الآخر:"إنه إذا كان يوم الريح والغيم عُرف ذلك في وجهه، وأقبل، وأدبر، فإذا أمطرت سُرّ به"، ويقول:"إني خشيتُ أن يكون عذاباً سُلّط على أمتي"، فقد خشي صلى الله عليه وسلم أن تعمّهم عقوبة بذنوب العاصين منهم، ويقول إذا رأى المطر:"رحمة"، وقد ذكر مسلم أحاديث في هذا المعنى. انتهى كلام القاضي رحمه الله
(2)
.
[فائدة]: قال الإمام ابن القيّم رحمه الله: الغيث مذكور في القرآن في عدة مواضع، وهو لذيذ الاسم على السمع، والمسمَّى على الروح والبدن، تبتهج الأسماع بذكره، والقلوب بوروده، وماؤه أفضل المياه، وألطفها، وأنفعها،
(1)
"مكمل إكمال الإكمال" 3/ 49.
(2)
"إكمال المعلم" 3/ 325.
وأعظمها بركةً، ولا سيما إذا كان من سحاب راعد، واجتمع في مستنقعات الجبال، وهوأرطب من سائر المياه؛ لأنه لم تَطُل مدته على الأرض، فيكتسبَ من يبوستها، ولم يخالطه جوهر يابس، ولذلك يتغير، وَيتَعَفَّن سريعاً للطافته، وسرعة انفعاله، وهل الغيث الربيعي ألطف من الشَّتَويّ، أو بالعكس؟ فيه قولان:
قال من رجّح الغيث الشتويّ: حرارة الشمس تكون حينئذ أقلّ، فلا تجتذب من ماء البحر إلا ألطفه، والجو صافٍ، وهو خالٍ من الأبخرة الدخانية، والغبار المخالط للماء، وكلّ هذا يوجب لطفه، وصفاءه، وخلوّه من مخالط.
وقال من رجّح الربيعيّ: الحرارة توجب تحلل الأبخرة الغليظة، وتوجب رقه الهواء، ولطافته، فيخفف بذلك الماء، وتقلّ أجزاؤه الأرضية، وتصادف وقت حياة النبات، والأشجار، وطيب الهواء. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله
(1)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [4/ 2083](898)، و (أبو داود) في "الأدب"(5100)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(1837)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد"(571)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 133 و 267)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(3426)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(2022) و"الحلية"(6/ 291)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(6135)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 359)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1171)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث قد تكلّم فيه الحافظ أبو الفضل بن
(1)
"زاد المعاد" 4/ 346.
عمّار رحمه الله، فقال: هذا حديث تفرّد به جعفر بن سليمان من بين أصحاب ثابت، لم يروه غيره، قال: وأخبرني الحسين بن إدريس، عن أبي حامد المخلديّ، عن عليّ ابن المدينيّ، قال: لم يكن عند جعفر كتاب، وعنده أشياء ليست عند غيره، وأخبرنا محمد بن أحمد بن البراء، عن عليّ ابن المدينيّ، قال: أما جعفر بن سليمان فأكثر عن ثابت، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير، وسمعت الحسين يقول: سمعت محمد بن عثمان يقول: جعفر ضعيف. انتهى كلام أبي الفضل رحمه الله
(1)
.
قال الجامع عفا الله عنه: الجواب عن مسلم رحمه الله أن جعفراً وإن تكلّم فيه بحضهم، كابن المدينيّ، إلا أن كثيراً من الحفّاظ قوّوه، ومعظم كلام من تكلّم فيه إنما هو في تشيّعه، لا في روايته، فقد وثّقه ابن معين، وابن سعد، ووثقه أيضاً ابن المدينيّ في رواية، وقال أحمد: لا بأس به، وقال ابن عديّ: ولجعفر حديثٌ صالح، وروايات كثيرةٌ، وهو حسن الحديث، معروفٌ بالتشيّع، وجمع الرقاق، وأرجوأنه لا بأس به، وقد روى أيضاً في فضل الشيخين، وأحاديثه ليست بالمنكرة، وما كان فيه منكر، فلعل البلاء فيه من الراوي عنه، وهو عندي ممن يجحب أن يُقبل حديثه. انتهى.
وقال ابن حبّان: كان من الثقات في الروايات، غير أنه ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف في أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بخبره جائزٌ. انتهى.
وقال ابن شاهين في "المختَلَف فيهم": إنما تُكُلّم فيه لعلة المذهب، وما رأيت من طعن في حديثه إلا ابن عمّار بقوله: جعفر بن سليمان ضعيف. انتهى.
وقال البزّار: لم نسمع أحداً يطعن عليه في الحديث، ولا في الخطأ فيه، إنما ذُكرت عنه شيعيّته، وأما حديثه فمستقيم. انتهى
(2)
.
(1)
"علل الحديث في كتاب الصحيح" 1/ 86 - 87.
(2)
راجع: ترجمته في "تهذيب التهذيب" 1/ 307 - 308.
فقد تبيّن بما ذُكر أن جعفر بن سليمان ثقةٌ مستقيم الحديث، وأن المعظم الطعن فيه إنما هو في مذهبه.
والحاصل أن هذا الحديث صحيح، كما هو رأي المصنّف رحمه الله حيث أورده مورد الاحتجاج به، وكما سبق من توثيق الأئمة له، فالأرجح ما ذهب إليه المصنّف، فلا تلتفت إلى طعن أبي الفضل بن عمّار، وتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2084]
(899) - (حَدَّثَنَا
(1)
عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ جَعْفَرٍ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ:"إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَاباً، سُلِّطَ عَلَى أُمَّتي"، وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ:"رَحْمَةٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدَّةً، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من صغار [9] مات في أول (221) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" 17/ 617.
2 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) الميميّ مولاهم، أبو محمد، أوأبوأيّوب المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 177)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.
3 -
(جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [6](ت 148)(بخ م 4) تقدم في "الحيض" 10/ 749.
(1)
وفي نسخة: "وحدّثنا".
4 -
(عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة، لكنه كثير الإرسال [3](ت 114) على المشهور (ع) تقدم في "الإيمان" 83/ 442.
5 -
(عَائِشَةُ) بنت الصدّيق رضي الله عنهما، أم المؤمنين، ماتت سنة (57) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 315.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وجعفر، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، إلا عطاءً، فمكيّ، وشيخه، وإن كان بصريًّا، فقد سكن المدينة أيضاً.
4 -
(ومنها): أن فيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، روت (2210) من الحديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) اسم أبيه أسلم، كما مرّ آنفاً (أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) بالنصب على البدليّة (تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ) "كان" هنا أن تكون تامّة، فلا تحتاج إلى خبر، كما قال الحريريّ رحمه الله في "ملحته":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمَ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ
…
فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، وخبرها محذوف؛ أي: واقعاً، أو حاضراً.
قال الفيّوميّ رحمه الله: و"الريح": مؤنثة على الأكثر، فيقال: هي الريح، وقد تُذَكَّر على معنى الهواء، فيقال: هو الريح، وهي الريح، نقله أبو زيد، وقال ابن الأنباريّ: الريح مؤنثة، لا علامةَ فيها، وكذلك سائر أسمائها، إلا الأعصار، فإنه مذكر، وراح اليوم يروح رَوْحاً، من باب قال، وفي لغة من باب خاف: إذا اشتدت ريحه، فهو رائح، ويجوز القلب والإبدال، فيقال: رَاحٍ، كما قيل؛ هارٍ في هائرٍ، ويوم رِّيحٌ بالتشديد؛ أي: طيب الريح، وليلة رَيِّحة
كذلك، وقيل: شديدُ الريح نقله المطرزي عن الفارسيّ. انتهى
(1)
.
و"الغيْمُ": السحاب، الواحدة غَيْمة، وهو في الأصل مصدرٌ، من غامت السماءُ، من باب سار: إذا أَطْبق بها السحاب، وأغامت بالألف، وغَيَّمَت، وتغَيَّمت مثله، والغين بالنون لغة في الغيم، وغِينَتِ السماءُ باليناء للمفعول: غُطِّيت بِالغين، قاله الفيّوميّ رحمه الله
(2)
.
(عُرِفَ) بالبناء للمفعول (ذَلِكَ لم أي: أَثر يوم الريح والغيم (فِي وَجْهِهِ) صلى الله عليه وسلم، هو بمعنى قوله في الرواية التالية:"وإذا تخيّلت السماء تغيّر لونه"؛ يعني: أن أثر الخوف ظهر في وجهه صلى الله عليه وسلم؛ خوفاً من أن يحصل من تلك الريح أو الغيم ما فيه ضرر للناس (وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ) أي: لا يستقوّ في حال واحد من شدّة الخوف (فَإذَا مَطَرَتْ) أي: نزل مطر السحاب، وقد سبق أن الصحيح جواز أن يقال: أمَطرت بالألف أيضاً (سُرَّ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي؛ استبشر، وفَرِح بذلك المطر (وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ) أي: ما سبق من تغيّر الوجه، وحصول الغمّ والكرب (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَسَأَلْتُهُ) أي: عن سبب ذلك، وفي رواية سليمان بن يسار، عنها الآتية:"فقالت: يا رسول الله أرى الناس إذا رأوا الغيم فَرِحُوا؛ رجاء أن يكون فيه مطرٌ، وأراك إذا رأيته عرَفتُ في وجهك الكراهية"(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَاياً، سُلِّطَ) بالبناء للمفعول (عَلَى أُمَّتِي") قال القرطبي رحمه الله: يعني: على الْعُتَاة عليه، والعصاة له من أمته، وكان صلى الله عليه وسلم لعظيم حلمه، ورأفته، وشفقته يرتجي لهم الفلاح، والرجوع إلى الحقّ، وهذا كما قال يوم أُحد:"اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، وقيل: خاف أن تعمّهم العقوبة بسبب العصاة منهم، والأول أصحّ. انتهى
(3)
.
وفي رواية سليمان بن يسار المذكورة: "قالت: فقال: يا عائشة ما يُؤَمّنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا".
(وَيَقُولُ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: "رَحْمَةٌ") خبر لمحذوف؛ أي: هذا رحمة
(1)
"المصباح المنير" 1/ 245.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 460.
(3)
"المفهم" 2/ 547.
من الله عز وجل لعباده، ويحتمل أن يكون منصوباً بفعل محذوف: اجعلها رحمة لا عذاباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه
(1)
.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [4/ 2084 و 2085 و 2086](899)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق"(3206) و"التفسير"(4829)، و (أبو داود) في "الأدب"(5098)، و (الترمذيّ) في "التفسير"(3257)، و (ابن ماجه) في "الدعاء"(3891)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 66)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(658)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2502 و 2506 و 2507 و 2559)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(2023 و 2024 و 2025)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 361)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده
(2)
:
1 -
(منها): بيان ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من شدّة الخوف من الله تعالى.
2 -
(ومنها): بيان أنه ينبغي الاستعداد بالمراقبة لله تعالى، والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال، وحدوث ما يُخاف بسببه.
(1)
هذا هو الحقّ، وأما اختلاف شرّاح "المشكاة" هل متّفقٌ عليه، أو مما انفرد به مسلم؛ فمما لا يُلتفت إليه؛ لأن المراد باتفاق الشيخين إخراجهما الحديث عن صحابيّ واحد، ولا يُنظر في اختلاف سياقهما بالزيادة والنقص، والتقديم والتاخير، أو الاختصار والتطويل.
والحاصل أن الحديث متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(2)
المراد فوائد حديث عائشة رضي الله عنها برواياته المختلفة، مما أورده المصنّف في الباب، ومما أشرنا إليه في الشرح، لا خصوص سياق هذه الرواية، فتنبّه.
3 -
(ومنها): ما قيل: كان خوفه صلى الله عليه وسلم أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسروره لزوال سبب الخوف.
4 -
(ومنها): استحباب الفرح والسرور عند نزول المطر؛ لأنه رحمة مهداة من الله تعالى لعباده، فينبغي أن يُفرَح به، كما قال الله عز وجل:{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58].
5 -
(ومنها): أنه ينبغي أن يتذكّر الإنسان، ولا يذهل ما وقع في الأمم الخالية، ويحذر من الوقوع فيما وقعوا فيه من المعاصي؛ لئلا يصيبه مثل ما أصابهم.
6 -
(ومنها): استحباب الدعاء عند هبوب الريح، لما في الرواية التالية.
7 -
(ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من كمال الشفقة، وشدّة الرأفة بأمته، كما وصفه الله عز وجل بقوله:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128].
[فإن قلت]: كيف يخشى صلى الله عليه وسلم أن تُعَذّب أمته، وهو فيهم، وقد قال الله عز وجل:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33]؟.
[قلت]: أجاب ابن العربيّ رحمه الله بأن الآية نزلت بعد هذه القصة، قال: ويتعيّن الحمل على ذلك؛ لأن الآية دلّت على كرامة له صلى الله عليه وسلم ورفعِهِ، فلا يُتَخَيَّل انحطاط درجته أصلاً.
وتعقّبه الحافظ رحمه الله بأنهْ يَعْكُر عليه أن آية الأنفال كانت في المشركين من أهل بدر، وفي حديث عائشة رضي الله عنها إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب على ذلك من صنيعه، كان إذا رأى فعل كذا، والأولى في الجواب أن يقال: إن في آية الأنفال احتمالَ التخصيص بالمذكورين، أو بوقت دون وقت، أو أن مقام الخوف يقتضي غلبة عدم الأمن من مكر الله، وأولى من الجميع أن يقال: خَشِيَ على من ليس هو فيهم أن يقع بهم العذاب، أما المؤمن فشفقة عليه؛ لإيمانه، وأما الكافر فلرجاء إسلامه، وهو صلى الله عليه وسلم بُعِث رحمةً للعالمين. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
(1)
، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
راجع: "الفتح" 7/ 509 - 510 "كتاب بدء الخلق" رقم (3206).
وبالسند المتّصل إلى ألامام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2085]
(: .. ) - (وَحَدَّثَنِي
(1)
أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ، يُحَدِّثنا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ"، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ
(2)
، فَقَالَ:"لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [10](ت 250)(م د س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.
2 -
(ابْنُ وَهْب) هو عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
3 -
(ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس ويرسل [6](ت 150) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَن عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها، وقوله:(زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) بدل من "عائشة"(أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ) أي: اشتدّ هبوبها، قال الفيوميّ رحمه الله: عَصَفَت الريح عَصْفاً، من باب ضرب، وعُصُوفاً: اشتدّت، فهي عاصف، وعاصفةٌ، وجمع الأولى: عَوَاصفُ، والثانية: عاصفات، ويقال: أعصفت بالألف أيضاً، فهي مُعصفةٌ، ويُسند الفعل إلى اليوم والليلة؛ لوقوعه
(1)
وفي نسخة: "وأخبرني".
(2)
وفي نسخة: "فعرفت ذلك عائشة، فسألته".
فيهما، فيقال: يومٌ عاصفٌ، كما يقال: باردٌ؛ لوقوع البرد فيه. انتهى
(1)
.
وقولها هنا: "إذا عصفت الريح"، وهو شدّة هُبوبها، وفي رواية أبي يعلى بلفظ:"إذا هاجت ريح شديدة" يدلّ على خروج الريح الخفيفة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا) أي: خير ذاتها (وَخَيْرَ مَا فِيهَا) أي: من منافعها (وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ) أي: بخصوصها في وقتها، وهو مبنيّ للمفعول، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل، قال الطيبيّ رحمه الله: يَحْتَمِل الفتح على الخطاب، و"شرّ ما أرسلت به" على بناء المفعول، ليكون من قبيل قوله تعالى:{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"الخير كلّه في يديك، والشرّ ليس إليك". انتهى
(2)
.
وتعقّب ابن حجر الهيتميّ في "شرح المشكاة" ما قاله الطيبيّ، فقال: هذا تكلّف بعيد لا حاجة إليه، فـ"أرسلت" مبنيّ للمفعول فيهما، كما هو المحفوظ، أو للفاعل. انتهى
(3)
.
وقوله: (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ") قال القاري في شرح "المشكاة": على بناء المفعول في جميع النسخ، وكتَبَ ميرك فوقه "صحّ " إشارةً إلى عدم الخلاف. انتهى
(4)
.
وأخرج أبو يعلى بإسناد صحيح عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه أن النبيّ- صلى الله عليه وسلم كان إذا هاجت ريح شديدة قال:"اللهم إني أسألك من خير ما أُمِرتّ به، وأعوذ بك من شر ما أُمرت به".
وفي الباب عن أبي هريرة، عند أبي داود، والنسائيّ، وعن ابن عباس، عند الطبراليّ، وعن غيرهم، قاله في "الفتح"
(5)
.
(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها: (وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ) أي: تهيّأت السحاب للمطر،
(1)
"المصباح المنير" 2/ 414.
(2)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1325 - 1326.
(3)
راجع: "المرقاة" 3/ 622.
(4)
"المرقاة" 3/ 623.
(5)
"الفتح" 3/ 390.
قال الطيبيّ: "السماء" هنا بمعنى السحاب، وتَخَيَّلت السماءُ: إذا ظهر في السماء أثر المطر، وقال أبو عبيدة: تخيّلت من الْمَخِيلة بفتح الميم، وكسر المعجمة، بعدها تحتانيّةٌ ساكنة، وهي سحابة فيها رعدٌ وبرقٌ، يُخيَّل إليه أنها ماطرةٌ؛ يعني: سحابة يُخال فيها المطر، وتكون مظنّةً للمطر، وقال ابن الأثير: الْمَخيلة السحابة التي يُظنّ أن فيها مطراً، وتخيّلت السماء: إذا تغيّمت. انتهى
(1)
. (تَغَيَّرَ لَوْنُهُ) أي: من خشية الله تعالى، ومن رأفته على أمته، وتعليماً لهم في متابعته (وَخَرَجَ) من البيت تارةً (وَدَخَلَ) تارةً أخرى (وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ) أي: فلا يستقرّ في حال واحد (فَإِذَا مَطَرَتْ) أي: السحاب، وفي رواية للبخاريّ:"فإذا أمطرت السماء"، من الإمطار، قال الحافظ: وفيه ردّ على من زعم أنه لا يقال: أمطرت إلا في العذاب، وأما في الرحمة، فيقال: مطرت. انتهى. والحاصل أنه يقال: مطرت، وأمطرت في الرحمة بالوجهين (سُرِّيَ عَنْهُ) بضمّ السين المهملة، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول؛ أي: كُشف عنه الخوف وأُزيل عنه الحزن (فَعَرَفْتُ ذَلِكَ) أي: التغيّر المذكور (فِي وَجْهِهِ) صلى الله عليه وسلم (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (فَسَأَلْتُهُ) أي: عن سببه، وفي بعض النسخ:"فعَرَفت ذلك عائشة، فسألته"(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("لَعَلَّهُ) أي: لعلّ هذا السحاب (يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ) الإضافة للبيان؛ أي: مثل الذي قال في حقّه قوم عادٍ: هذا عارضٌ ممطرنا، كما بيّنه تعالى بقوله:{) فَلَمَّا رَأَوْهُ} أي: السحاب {عَارِضًا} أي: سحاباً عارضاً، قال ابن الأثير: العارض السحاب الذي يعرض في السماء {مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} أي: صهاريهم، ومحل مزارعهم {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} أي: سحاب عَرَض ليمطرنا، قال الله تعالى ردًّا عليهم:{بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ} أي: من العذاب {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)} [الأحقاف: 24، 25]، فظهرت منه ريح، فأهلكتهم، فلا ينبغي لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1)
"المرعاة" 5/ 197.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2086]
(
…
) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ (ح)
(1)
وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَاَئِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَجْمِعاً ضَاحِكاً، حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْماً، أَوْ رِيحاً عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَتْ
(2)
: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا؛ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ، قَالَتْ: فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا:{هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [10](ت 231) عن (74) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" 63/ 350.
2 -
(عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [7] مات قديماً قبل (150)(ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 169.
3 -
(أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [5](ت 129)(ع) تقدم في "الطهارة" 4/ 551.
4 -
(سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة، من كبار [3] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 489.
والباقون ذُكروا قبله.
(1)
ووقع في بعض النسخ: "وحدّثني زهير بن حرب، حدّثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث ح وأخبرني أبو الطاهر".
(2)
وفي نسخة: "فقلت".
وقولها: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَجْمِعاً ضَاحِكاً) المستجمع: المجِدّ في الشيء القاصد له.
وقال في "الفتح": رواية الكشميهني: "مستجمعاً ضَحِكاً"؛ أي: مبالغاً في الضحك، لم يترك منه شيئاً، يقال: استجمع السيل: اجتمع من كلّ موضع، واستجمعت للمرء أموره: اجتمع له ما يُحبّه، فيكون "ضاحكاً" منصوباً على التمييز، وإن كان مشتقًّا، مثلُ لله درّه فارساً؛ أي: ما رأيته مستجمعاً من جهة الضحك بحيث يضحك ضَحِكاً تامًّا مقبلاً بكلّيته على الضحك
(1)
.
(حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) بالتحريك: جمع لَهَاة، وهي اللحمة المتعلّقة في أعلى الحنك، ويُجمَع أيضاً على لَهًى بفتح اللام، مقصوراً.
وقولها: (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ) هذا لا ينافي ما جاء في الحديث الآخر: "أنه صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ حتى بدت نواجذه"؛ لأن ظهور النواجذ، وهي الأسنان التي في مُقَدَّم الفم، أو الأنياب لا يستلزم ظهور اللهاة، قاله في "الفتح"
(2)
.
وقيل: كان التبسّم على سبيل الأغلب، وظهور النواجذ على سبيل الندرة، قاله في "المرعاة"
(3)
.
وقولها: (عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ:"عُوِفت الكراهية في وجهه"، قال في "الفتح": عَبَّرَت عن الشيء الظاهر في الوجه بالكراهة؛ لأنه ثمرتها. انتهى.
وقال الطيبيّ رحمه الله: قولها: "عرف ذلك في وجهه" أي: ظهر أثر الخوف في وجهه صلى الله عليه وسلم مخافة أن يحصل من ذلك السحاب، أو الريح ما فيه ضرر للناس، فدلّ نفي الضحك البليغ عنه صلى الله عليه وسلم على أنه لم يكن فَرِحاً لاهياً بَطِراً، ودلّ إثبات التبسّم له صلى الله عليه وسلم على طلاقة وجهه، وبشاشته، ودلّ أثر خوفه من رؤية الغيم، أو الريح على رأفته، ورحمته على الخلق، وهذا هو الخلق العظيم. انتهى
(4)
.
(1)
"المرعاة" 5/ 196.
(2)
"الفتح" 10/ 591.
(3)
" المرعاة" 5/ 196.
(4)
"الكاشف عن حقائق السنن" 4/ 1325.
وقولها: (عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ) ببناء الفعل للفاعل، والتاء ضمير المتكلّم، و"الكراهية" منصوب على المفعوليّة، ويَحْتَمل أن يكون بالبناء للمفعول، و"الكراهيةُ" بالرفع على أنه نائب الفاعل.
وقوله: (مَا يُؤَمِّننِي إَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَاب)"ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء يجعلني آمناً من كون العذاب فيه؟.
وقوله: (قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا:{هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} قال في "الفتح": ظاهر هذا أن الذين عُذِّبوا بالريح غير الذين قالوا ذلك؛ لما تقرر أن النكرة إذا أعيدت نكرةً كانت غير الأولى، لكن ظاهر آية الباب على أن الذين عُذبوا بالريح هم الذين قالوا: هذا عارض، ففي هذه السورة:{وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} الآيات، وفيها:{فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24].
وقد أجاب الكرمانيّ عن الإشكال بأن هذه القاعدة المذكورة إنما تَطِّرِد إذا لم يكن في السياق قرينة تدل على أنها عين الأول، فإن كان هناك قرينة كما في قوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] فلا. ثم قال: ويَحْتَمِل أن عاداً قومان: قوم بالأحقاف، وهم أصحاب العارض، وقوم غيرهم.
قال الحافظ: ولا يخفى بعده، لكنه مُحْتَمِلٌ، فقد قال تعالى في سورة النجم:{وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50)} ، فإنه يُشعِر بأن ثَمّ عاداً أخرى.
وقد أخرج قصة عاد الثانية أحمد بإسناد حسنٍ
(1)
، عن الحارث بن حسّان
(1)
قال الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"(15524): حدّثنا زيد بن الحباب، قال: حدّثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحويّ، قال: حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكريّ، قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرميّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالرَّبَذَة، فإذا عجوز من بني تميم مُنقَطَعٌ بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةً، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاصّ بأهله، وإذا راية سوداء تَخفق، وبلال متقلد =
البكريّ، قال: خرجت أنا والعلاء بن الحضرميّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث، وفيه: فقلت: أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد، قال: وما وافد عادٍ، وهو أعلم بالحديث، ولكنه يستطعمه، فقلت: إن عاداً قُحِطُوا، فَبَعَثُوا قيل بن عنز إلى معاوية بن بكر بمكة، يستسقي لهم، فمكث شهراً في ضيافته، تغنيه الجرادتان، فلما كان بعد شهر، خرج لهم فاستسقى لهم، فمرت بهم سحابات، فاختار السوداء منها، فنودي: خذها رماداً رمداً، لا تُبْقِ من عاد أحداً.
وأخرج الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه بعضه.
والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه، وإنما بُنيت بعد إبراهيم،
= السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً، قال: فجلست، قال: فدخل منزلة، أو قال: رحله، فاستأذنت عليه، فأَذِنَ لي، فدخلت، فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين بني تميم شيء؟ قال: فقلت: نعم، قال: وكانت لنا الدَّبْرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم مُنقَطَع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأِذَن لها، فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزاً، فاجعل الدَّهْناء، فحَمِيَت العجوز، واستوفزت، قالت: يا رسول الله، فإلى أين تضطر مضرك؟، قال: قلت: إنما مثلي ما قال الأول: مِعْزاء حملت حَتْفَها، حملتُ هذه، ولا أشعر أنها كانت لي خصماً، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: هيه، وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عاداً قحطوا، فبعثوا وافداً لهم، يقال له: قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان، يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر، خرج جبال تهامة، فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عاداً، ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سُودٌ، فنودي: منها اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذها رَمَاداً رِمْدِداً، لا تبق من عاد أحداً، قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا، قال أبو وائل: وصدق، قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد. انتهى.
وهذا إسناد حسنٌ، كما قال الحافظ رحمه الله.
حين أسكن هاجر وإسماعيل بوادٍ غير ذي زرع، فالذين ذُكروا في "سورة الأحقاف" هم عاد الأخيرة، ويلزم عليه أن المراد بقوله تعالى:{أَخَا عَادٍ} نبيّ آخر غير هود، والله أعلم. انتهى
(1)
.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(5) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ)
قال الجامع عفا الله عنه: ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله في "صحيحه" بنحو هذه الترجمة، حيث قال:"باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم نُصِرت بالصبا".
قال الزين ابن الْمُنَيِّر رحمه الله: في هذه الترجمة إشارة إلى تخصيص حديث أنس رضي الله عنه الذي قبله -يعني: حديث: "كانت الريح الشديدة إذا هبّت عُرف ذلك في وجه النبيّ صلى الله عليه وسلم" - بما سوى الصبا من جميع أنواع الريح؛ لأن قضية نصرها له أن يكون مما يُسَرّ بها دون غيرها.
وَيحْتَمِل أن يكون حديث أنس رضي الله عنه على عمومه، إما بأن يكون نصرها له متأخراً عن ذلك؛ لأن ذلك وقع في غزوة الأحزاب، وهو المراد بقوله تعالى:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9]، كما جزم به مجاهد وغيره، وإما بأن يكون نصرها له بسبب إهلاك أعدائه، فيُخْشَى من هبوبها أن تُهلك أحداً من عصاة أمته، وهو كان بهم رؤوفاً رحيماً صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً فالصبا تؤلِّف السحاب وتجمعه، فالمطر في الغالب يقع حينئذ، وقد وقع في الخبر الماضي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أمطرت سُرِّي عنه، وذلك يقتضي أن تكون الصبا أيضاً مما يقع التخوف عند هبوبها، فيَعْكُر ذلك على التخصيص المذكور، والله أعلم، قاله في "الفتح"
(2)
.
(1)
"الفتح" 10/ 591 - 592 "كتاب التفسير" رقم (4828 - 4829).
(2)
"الفتح" 3/ 390 - 391 "كتاب الاستسقاء" رقم (1035).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يبعد أن يكون التخصيص واقعاً عند هبوبها لئصره صلى الله عليه وسلم عند مواجهة العدوّ، فحينئذ يستبشر بها؛ لكونها مجرّد رحمة، حيث هبّت للنصر، فلا إشكال، فتأمل، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2087]
(900) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:"نُصِرْتُ يِالصَّبَا"، وَأُهْلِكَتْ عَاد بِالدَّبُورِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ حافظ، صاحب تصانيف [10](ت 235)(خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
2 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
3 -
(ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار العبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف ببندار، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 252)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
4 -
(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) الْهُذليّ، ربيب شعبة، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغُئدر، ثقةٌ صحيح الكتابَ [9](ت 3 أو 194)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
5 -
(شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ -، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [7](ت 160)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ 1 ص 381.
6 -
(الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [5](113) أو بعدها، عن نيّف وستين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 1/ 1.
7 -
(مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [3](ت 1 أو 2 أو 3 أو 104)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 21.
8 -
(ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر رضي الله عنهما، مات سنة (68)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرّق بينهم بالتحويل؛ لاختلاف صيغ الأداء، فأبو بكر قال:"حدّثنا غندر، عن شعبة"، فذكر شيخه بلقبه، وعنعن في شعبة، وابن المثنّى، وابن بشّار قالا:"حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة"، ذكرا شيخهما باسمه، وصرّح هو بتحديث شعبة له، وهذه من دقائق الإسناد ينبغي العناية بها، فكن منتبهاً.
2 -
(ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
3 -
(ومنها): أن شيخيه: ابن المثنى، وابن بشار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الحكم، عن مجاهد.
5 -
(ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، كما سبق غير مرّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا) - بفتح الصاد المهملة، بعدها موحَّدة مخفّفةٌ مقصورة - يقال لها: القَبُول - بفتح القاف -؛ لأنها تقابل باب الكعبة؛ إذ مهبها من مشرق الشمس (وَأُهْلِكَتْ عَاد بِالدَّبُورِ") - بفتح الدال المهملة، وتخفيف الموحّدة المضمومة -: مقابل الصبَا، وهي التي أهلكت بها قوم عاد، ويشير صلى الله عليه وسلم بهذا إلى قوله تعالى في قصة الأحزاب:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9]، ورَوَى الشافعيّ بإسناد فيه انقطاع أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"نصرت بالصبا، وكانت عذاباً على من كان قبلنا"، وقيل: إن الصبا هي التي حَمَلت ريح قميص يوسف إلى يعقوب عليه السلام قبل أن يصل إليه
(1)
.
(1)
"الفتح" 7/ 509 "كتاب بدء الخلق" رقم (3205).
قال الحافظ رحمه الله: ومن لطيف المناسبة كون القَبُول نَصَرت أهل القبول، وكون الدَّبُور أهلكت أهل الإدبار، وأن الدبور أشدّ من الصبا؛ لأنها لما أهلكت عاداً لم يخرج منها إلا قدر يسير، ومع ذلك استأصلتهم، قال الله تعالى:{فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)} [الحاقة: 8]، ولَمّا عَلِم الله تعالى رأفة نبيه صلى الله عليه وسلم بقومه رجاء أن يسلموا سَلَّط عليهم الصبا، فكانت سبب رحيلهم عن المسلمين؛ لِمَا أصابهم بسببها من الشدّة، ومع ذلك فلم تُهلك منهم أحداً، ولم تستأصلهم.
ومن الرياح أيضاً الْجَنُوب والشمال، فهذه الأربع تَهُبّ من الجهات الأربع، وأيّ ريح هَبّت من بين جهتين منها، يقال لها: النَّكباء - بفتح النون، وسكون الكاف، بعدها موحّدة، ومدّ -. انتهى
(1)
.
وقال الفيّوميّ رحمه الله: الريح أربع: الشمال، وتأتي من ناحية الشام، وهي حارّة في الصيف، بارح
(2)
، والجنوب تقابلها، وهي الريح اليمانية، والثالثة: الصبا، وتأتي من مطلع الشمس، وهي القَبُول أيضاً، والرابعة: الدَّبُور، وتأتي من ناحية المغرب. انتهى
(3)
، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [5/ 2087 و 2088](900)، و (البخاريّ) في "الاستسقاء"(1035) و"بدء الخلق"(3205) و"الأنبياء"(3342) و"المغازي"(4105)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(2641)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(11/ 433 - 434)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 228 و 324 و 341 و 355)،
(1)
"الفتح" 3/ 391 "كتاب الاستسقاء" رقم (1035).
(2)
أي: حاملة للتراب.
(3)
"المصباح المنير" 1/ 244.
و (أبو يعلى) في "مسنده"(2563 و 2680)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(11044)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2512 و 2513)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"(2026 و 2027)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(6421)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 364) و"دلائل النبوة"(3/ 448)، و (البغويّ) في "شرح السنّة"(1149)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): بيان ما أكرم الله سبحانه وتعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم حيث نصره على أعدائه بريح الصبا، وكان ذلك يوم الخندق، ويقال له: غزوة الأحزاب، وكان زهاء اثني عشر ألفاً، أو أكثر حين حاصروا المدينة، فأرسل الله تعالى عليهم ريح الصبا باردة، في ليلة شاتية شديدة البرد، فسفّت التراب والحصى في وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقطّعت خيامهم، فانهزموا من غير قتال، كما قصّ الله تعالى ذلك في القرآن العظيم.
2 -
(ومنها): تفضيل بعض المخلوقات على بعض، مع كونه من جنسه، حيث فُضّلت الصبا على الدبور من جهة إضافة النصر إليها، والهلاك إلى الدبور.
3 -
(ومنها): أن فيه ردًّا على الطبائعيين والفلاسفة الذين ينسبون الأشياء إلى الطبيعة، ففي هذا الحديث إثبات أن الرياح مسخّرة بأمر الله تعالى تارة يُسخّرها لنصر أوليائه، وتارةً يسخّرها لإهلاك أعدائه، فسبحان من بيده ملكوت كلّ شيء، وإليه يرجع الأمر كلّه، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)} .
4 -
(ومنها): أن فيه إخبار المرء عن نفسه بما فضّله الله سبحانه وتعالى به على سبيل التحدث بالنعمة، لا على سبيل الفخر.
5 -
(ومنها): أن فيه الإخبارَ عن الأمم الماضية، وإهلاكها؛ ليكون عبرةً، ويتّعظ بها من أراد الله به الخير والصلاح، اللهم اهدنا فيمن هديت، ولا تجعلنا من الغافلين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:
[2088]
(
…
) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ - يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ - كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
2 -
(أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، من كبار [9](ت 1195) ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 117.
3 -
(عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِيُّ) هو: عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح بن عمير الأمويّ مولاهم، يقال له: الجعفيّ نسبة إلى خالة حسين بن عليّ الجعفيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، لقبه مُشْكُدانة - بضم الميم والكاف، بينهما معجمة ساكنة، وبعد الألف نون - وهو وعاء المسك بالفارسية، صدوق، فيه تشيعٌ [10].
رَوَى عن خالة حسين المذكور، وأبي الأحوص، وابن المبارك، وعبدة بن سليمان، وابن نمير، والمحاربيّ، وأسباط بن محمد، وعبد الرحيم بن سليمان، ومحمد بن فضيل، وجماعة.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له النسائي في "خصائص عليّ" بواسطة أبي بكر أحمد بن علي المروزي، وزكرياء بن يحيى خياط السنة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن بشير الطيالسيّ، وابن أبي الدنيا، ومحمد بن إسحاق السَّرّاج، والبغويّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: سمعت محمد بن إسحاق الثقفيّ يقول: سمعته يقول: إنما لَقّبني مُشْكُدانة أبو نعيم، كنت إذا أتيته تطيبت وتلبست، فإذا رآني قال: قد جاء مشكدانة، وقال أبو بكر بن منجويه: مشكدأنة بلغه أهل خراسان وعاء المسك.
وقال صالح جزرة: كان غالياً في التشيع، فكان يمتحن كلَّ من يجيئه من أهل الحديث.
قال السرّاج: مات سنة ثمان، أو تسع وثلاثين ومائتين، وجزم سنة تسع البغوي وابن قانع وابن عساكر ومن قبلهم البخاريّ في "التاريخ الأوسط".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ في "خصائص عليّ"، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط
(1)
.
4 -
(عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [8](ت 187)(ع) تقدم في "الإيمان" 61/ 339.
5 -
(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة، لكنه يدلّس [5](ت 147)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 297.
6 -
(مَسْعُودُ بْنُ مَالِكِ) بن مَعْبَد الأسديّ الكوفيّ مولى سعيد بن جُبير، ثقةٌ
(2)
[6].
روى عن مولاه سعيد بن جبير، والربيع بن خُثيم، وعليّ بن الحسين.
وروى عنه الأعمش، والثوريّ، وصالح بن حيّان.
قال النسائيّ: مسعود بن مالك كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
7 -
(سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [3](ت 95)(ع) تقدم في "الإيمان" 57/ 329.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ) الضمير لأبي معاوية، وعبدة بن سليمان.
[تنبيه]: رواية سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما ريمما هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:
(1956)
حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن مسعود بن مالك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني نُصِرت
(1)
وفي "الزهرة": روى عنه مسلم اثني عشر حديثاً.
(2)
وأما قوله في "التقريب": مقبول، فهو غير مقبول، فاقرأ ترجمته في "تهذيب التهذيب".
بالصبا، وإن عاداً أُهلكت بالدبور". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء السابع عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الاثنين المبارك (29/ 10/ 427 اهـ) الموافق (20 نوفمبر - تشرين الثاني 2006 م).
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وسبباً للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10].
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43].
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)} [الصافات: 180 - 183].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثامن عشر مفتتحاً بـ 10 - (كتاب الكسوف)، (1) - (بَابُ بَيَانِ كيْفِيَّةِ صَلَاةِ الكُسُوف، وَمَا جَاء من الأمرِ بالصَّلَاةِ، والذِّكْرِ، والدعاءِ، وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ الكُسُوفِ) رقم الحديث [2089](901).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".