المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم قال الجامع عفا الله عنه: بدأتُ بكتابة - البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - جـ ٣٩

[محمد بن علي بن آدم الأثيوبي]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الجامع عفا الله عنه: بدأتُ بكتابة الجزء التاسع والثلاثين من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله ليلة الخميس التاسعة والعشرين من شهر ذي القعدة (29/ 11/ 1432 هـ).

(12) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها

-)

هي: خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العزى بن قُصيّ القرشيّة الأسديّة، زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأول من صدَّقت ببعثته مطلقًا، قال الزبير بن بكار: كانت تدعى قبل البعثة: الطاهرة، وأمها: فاطمة بنت زائدة، قرشية من بني عامر بن لؤيّ، وكانت عند أبي هالة بن زرارة بن النباش بن عديّ التميميّ أوّلًا، ثم خَلَف عليها بعدَ أبي هالة: عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثم خَلَف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا قول ابن عبد البرّ، ونَسَبه للأكثر، وعن قتادة عَكْس هذا، إن أول أزواجها عتيق، ثم أبو هالة، ووافقه ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عنه، وهكذا في كتاب النَّسَب للزبير بن بكار، لكن حكى القول الأخير أيضًا عن بعض الناس، وكان تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم خديجة قبل البعثة بخمس عشرة سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وكانت موسرةً، وكان سبب رغبتها فيه ما حكاه لها غلامها ميسرة، مما شاهده من علامات النبوة قبل البعثة، ومما سمعته من بَحِيرا الراهب في حقه صلى الله عليه وسلم لمّا سافر معه ميسرة، في تجارة خديجة، وولدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاده كلهم، إلا إبراهيم.

وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها في حديث بدء الوحي ما صنعته خديجة من تقوية قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم لتلقّي ما أنزل الله عليه، فقال لها:"لقد خَشِيتُ على نفسي"، فقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، وذَكَرَتْ خصاله الحميدة، وتوجهت به إلى ورقة، وهو في "الصحيح"، وقد ذكره ابن إسحاق، فقال: وكانت خديجة

ص: 5

أول من آمن بالله، ورسوله، وصدَّق بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يسمع شيئًا يكرهه من الردّ عليه، فيرجع إليها إلا تثبّته، وتهوّن عليه أمر الناس.

وذكر الواقدي منِ حديث نفيسة أخت يعلى بن أمية قالت: كانت خديجة ذات شرف وجمال، فذَكَر قصة إرسالها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وخروجه في التجارة لها إلى سوق بُصْرَى، فربح ضَعف ما كان غيره يربح، قالت نفيسة: فأرسلتني خديجة إليه دسيسًا أَعْرِض عليه نكاحها، فقَبِل، وتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنةً، فولدت له القاسم، وعبد الله، وهو الطيب، وهو الطاهر، سُمِّي بذلك؛ لأنها ولدته في الإسلام، وبناته الأربع.

وقد أسند الواقديّ أيضًا قصة تزويج خديجة من طريق أم سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية أخت يعلى، قالت: كانت خديجة امرأة شريفةً، جَلْدةً، كثيرة المال، ولمّا تأيّمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها، فلما أن سافر النبيّ صلى الله عليه وسلم في تجارتها، ورجع بربح وافر رغبت فيه، فأرسلتني دسيسًا إليه، فقلت له: ما يمنعك أن تزوَّج؟ فقال: "ما في يدي شيء"، فقلت: فإن كُفيت، ودُعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال:"ومن؟ " قلت: خديجة فأجاب.

ماتت خديجة رضي الله عنها قبل الهجرة بثلاث سنين، على الصحيح، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس، وقالت عائشة: ماتت قبل أن تُفرض الصلاة؛ يعني: قبل أن يُعرج بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ويقال: كان موتها في رمضان، وقال الواقديّ: توفيت لعشر خلون من رمضان، وهي بنت خمس وستين سنة، ثم أسند من حديث حكيم بن حزام أنها توفيت سنة عشر من البعثة، بعد خروج بني هاشم من الشِّعْب، ودُفنت بالحجون، ونزل النبيّ صلى الله عليه وسلم في حفرتها، ولم تكن شُرعت الصلاة على الجنائز. انتهى ملخّصًا من "الإصابة"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: كانت خديجة رضي الله عنها تُدعى في الجاهلية: الطاهرة، تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ثيّبًا بعد زواج زوجين: أبي هالة؛ هند بن

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 8/ 99 - 103.

ص: 6

النباش التميميّ، فولدت له هندًا، وعتيقِ بن عائذ المخزوميّ، ثم تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي بنت أربعين سنة، وأقامت معه أربعًا وعشرين سنة، وتُوفيت، وهي بنت أربع وستين سنة وستة أشهر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ تزوج خديجة ابن إحدى وعشرين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين سنة، وهو قول الأكثر. وقيل: ابن ثلاثين. وأجمع أهل النقل: أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام، وأسلمن، وهاجرن: زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم. وأجمعوا أنها ولدت له ابنًا يُسمَّى: القاسم، وبه كان يكنى، واختلفوا هل ولدت له ذكرًا غير القاسم؛ فقيل: لم تلد له ذكرًا غيره. وقيل: ولدت له ثلاثة ذكور: عبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل: بل ولدت له: عبد الله، والطيب والطاهر: اسمان له. والخلاف في ذلك كثير، والله تعالى أعلم.

ومات القاسم بمكة صغيرًا. قيل: إنه بلغ إلى أن مشى، وقيل: لم يعش إلا أيامًا يسيرة، ولم يكن للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولد من غير خديجة إلا إبراهيم، ولدته مارية القبطية بالمدينة، وبها توفي وهو رضيع، ومات بنات النبيّ صلى الله عليه وسلم كلهن قبل موته إلا فاطمة، فإنَّها توفيت بعده بستة أشهر.

وكانت خديجة رضي الله عنها امرأة شريفة عاقلة فاضلة حازمة ذات مال، وقد تقدَّم أنها أول من آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم نُبِّئ يوم الإثنين، فصلّت آخر ذلك اليوم، وكانت عونًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم على حاله كله، وردءًا له تثبِّتُه على أمره، وتصدّقه فيما يقوله، وتصبِّره على ما يلقى من قومه من الأذى والتكذيب، ولم يتزوج عليها إلى أن ماتت. قيل: كانت وفاتها قبل مُهاجَر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بسبع سنين. وقيل: بخمس. وقيل: بأربع. وقيل: بثلاث، وهو أصحها، وأشهرها -إن شاء الله تعالى- وتوفيت هي وأبو طالب -عم رسول الله صلى الله عليه وسلم- في سنة واحدة. قيل: كان بينهما ثلاثة أيام، وتوفيت في رمضان، ودُفنت بالحجون. انتهى

(1)

.

[6251]

(2430) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ،

(1)

"المفهم" 6/ 313 - 314.

ص: 7

وَأَبُو مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَاللَّفْظُ حَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُويلِدٍ"، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).

رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:

1 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

4 -

(هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا.

5 -

(أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، تقدّم أيضًا قريبًا.

6 -

(عَلِيُّ) بن أبي طالب رضي الله عنه، تقدّم أيضًا قريبًا.

والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و"أَبُو مُعَاوِيَةَ" هو: محمد بن خازم الضرير.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، هشام عن أبيه، وصحابيّ عن صحابيّ هو عمّه، عبد الله بن جعفر عن عليّ رضي الله عنهم.

شرح الحديث:

(عَنْ هِشَامِ) بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرِ) بن أبي طالب، ووقع عند عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر، وهو من المزيد في متصل الأسانيد؛ لتصريح عبدة في هذه الرواية بسماع عروة عن عبد الله بن جعفر، قاله في "الفتح"

(1)

.

(1)

"الفتح" 8/ 521، كتاب "الفضائل" رقم (3815).

ص: 8

(يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا)؛ أي: ابن أبي طالب رضي الله عنه، قال في "الفتح": اتفق أصحاب هشام على ذكر عليّ فيه، وقصر به محمد بن إسحاق، فرواه عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم، لكن بلفظ مغاير لهذا اللفظ، فالظاهر أنهما حديثان. انتهى

(1)

.

(بِالْكُوفَةِ) بضمّ الكاف، وسكون الواو: مدينة مشهورة بالعراق، قيل: سُمّيت كوفة؛ لاستدارة بنائها؛ لأنه يقال: تكوّف القوم: إذا اجتمعوا، واستداروا، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(2)

.

وقال في "التاج": الكُوفَةُ بالضَّمِّ: الرَّمْلَةُ الحمْراءُ المُجْتَمِعةُ، وقِيلَ: المُسْتَدِيرةُ، أَو كلُّ رَمْلَةٍ تُخالِطُها حصْباءُ، أَو الرَّمْلَة ما كانتْ، والكُوفَةُ: مَدِينَةُ العِراقِ الكُبْرى، وهي قُبَّةُ الإِسلام، ودارُ هِجرَةِ المُسْلِمِينَ، قيل: مَصَّرَها سعْدُ بن أَبي وقّاصٍ، وكانَ قبل ذلك مَنْزَلَ نُوحٍ عليه السلام، وبَنَى مَسْجِدَها الأَعظَم، واختُلِفَ في سَبَب تَسْمِيَتِها، فقِيلَ: سُمِّيَتْ؛ لاسْتِدارتِها، وقِيل: بسبَب اجْتِماعِ الناسِ بها، وقِيلَ: لكَوْنِها كانتْ رَملَةً حمْراءَ، أَو لاخْتِلاطِ تُرابِها بالحَصَى، ويقال لها أيضًا: كُوفانُ بالضم، ويُفتح، وقالَ اللِّحْيانِيُّ: كُوفانُ: اسمٌ للكُوفَةِ، وبها كانَتْ تُدْعَى قبلُ، وقال الكِسائيُّ: كانَت الكُوفَةُ تُدْعَى كُوفانَ، ويُقالُ لها أيضًا: كُوفَةُ الجُنْدِ؛ لأنّه اخْتُطَّتْ فيها خِطَطُ العربِ أَيّامَ عُثْمانَ رضي الله عنه، ويقال: أَيامَ عُمرَ رضي الله عنه خَطَّطَها -أَي: تَولَّى تَخْطِيطَها- السائِبُ بنُ الأَقْرَع بنِ عوْفٍ الثَّقَفِيُّ رضي الله عنه، وهو الذي شَهد فتحُ نَهاوَنْدَ مع النُّعمانِ بنِ مُقَرِّنٍ، وقد ولِيَ أَصبهانَ أيضًا، وبها ماتَ وعَقِبُه بها، أَو سُمِّيَتْ بِكُوفانَ، وهو جُبَيْلٌ صَغِيرٌ، فسَهَّلُوهُ، واخْتَطُّوا علَيْهِ، أَو مِنَ الكَيْفِ، وهو القَطْعُ؛ لأَنَّ أَبْرَوِيزَ أَقْطَعَه لبَهْرامَ، أَو لأَنَّها قِطْعَةٌ من البلادِ، والأَصلُ كُيْفَة، فلمّا سَكَنَت الياءُ، وانْضَمَّ ما قَبْلَها جُعِلَتْ واوًا، أَو هي من قوْلهم: هُمْ في كُوفانٍ بالضّمِّ، وكَوَّفانٍ مُحَرَّكَةً مشَدَّدَةَ الواوِ؛ أَي: في عِزٍّ ومَنَعَةٍ، أَو لأَنَّ

(1)

"الفتح" 8/ 521، كتاب "الفضائل" رقم (3815).

(2)

"المصباح المنير" 2/ 544.

ص: 9

جَبَل ساتِيدَمَا مُحيطٌ بها، كالكافِ، أَو لأَنَّ سَعْدًا؛ أَي: ابنُ أَبي وقّاصٍ رضي الله عنه لَمّا أَراد أَنْ يبْنِيَ الكُوفَةَ ارْتادَ هذهِ المَنْزِلَةَ للمُسْلِمينَ، قال لهمُ: تَكَوَّفُوا في هذا المكانِ؛ أَي: اجْتَمِعُوا فيه، أَو لأَنَّه قالَ: كَوِّفُوا هذه الرَّمْلَةَ؛ أَي: نَحُّوها، وانْزِلُوا. انتهى باختصار

(1)

.

(يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ)؛ أي: نساء أهل الدنيا في زمانها، وليس المراد أن مريم خير نسائها؛ لأنه يصير كقولهم: زيد أفضل إخوانه، وقد صرَّحوا بمنعه، فهو كما لو قيل: فلان أفضل الدنيا، وقد رواه النسائيّ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ:"أفضل نساء أهل الجنة"، فعلى هذا فالمعنى: خير نساء أهل الجنة مريم، وفي رواية:"خير نساء العالمين"، وهو كقوله تعالى:{اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42]، وظاهره أن مريم أفضل من جميع النساء، وهذا لا يمتنع عند من يقول: إنها نبيّة، وأما من قال: ليست بنبيّة، فيحمله على عالَمِي زمانها، وبالأول جزم الزجاج، وجماعة، واختاره القرطبيّ، ويَحْتَمِل أيضًا أن يراد نساء بني إسرائيل، أو نساء تلك الأمة، أو "مِنْ" فيه مضمرة، والمعنى أنها من جملة النساء الفاضلات، ويدفع ذلك حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه الآتي بعده بصيغة الحصر: أنه لم يكمل من النساء غيرها، وغير آسية

(2)

.

(وَخَيْرُ نِسَائِهَا)؛ أي: نساء هذه الأمة (خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ") قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: خديجة أفضل نساء الأمة مطلقًا لهذا الحديث، وقد تقدم في آخر قصة موسى حديث أبي موسى في ذِكر مريم وآسية، وهو يقتضي فضلهما على غيرهما من النساء، ودل هذا الحديث على أن مريم أفضل من آسية، وأن خديجة أفضل نساء هذه الأمة، وكأنه لم يتعرض في الحديث الأول لنساء هذه الأمة حيث قال:"ولم يكمل من النساء"؛ أي: من نساء الأمم الماضية، إلا إن حملنا الكمال على النبوة فيكون على إطلاقه، وعند النسائي

(1)

"تاج العروس من جواهر القاموس" 1/ 6108 - 6109.

(2)

"الفتح" 8/ 54 - 56، كتاب "الفضائل" رقم (3432).

ص: 10

بإسناد صحيح عن ابن عباس: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية"، وعند الترمذي بإسناد صحيح عن أنس:"حسبك من نساء العالمين" فَذَكرهن، وللحاكم من حديث حذيفة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملَك فبشّره أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة

(1)

.

(قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) قال النوويّ رحمه الله: أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في "نسائها"، وأن المراد به جميع نساء الأرض؛ أي: كل من بين السماء والأرض من النساء، والأظهر أن معناه: أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه، قال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أن المراد: أنهما من خير نساء الأرض، والصحيح الأول. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ: قوله: "خير نسائها مريم. . . إلخ" هذا الضمير عائد على غير مذكور؛ لكنه تفسّره الحال والمشاهدة؛ يعني به: الدنيا، وفي رواية: وأشار وكيع إلى السماء والأرض -يريد الدُّنيا- كأنه يفسر ذلك الضمير، فكأنه قال: خير نساء الدنيا: مريم بنت عمران. وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدِّم، الذي قال فيه:"خير نساء العالمين: مريم". ويشهد لهذه الأحاديث في تفضيل مريم: قول الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لها: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42]، فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي: أن مريم أفضل من جميع نساء العالم، من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، ويعتضد هذا الظاهر: بأنها صدّيقة ونبيّة بلَّغتها الملائكةُ الوحي عن الله تعالى بالتكليف، والإخبار، والبشارة، وغير ذلك؛ كما بلَّغته سائر الأنبياء، فهي إذًا نبيَّة، وهذا أَولى مِن قول من قال: إنها غير نبيَّة، وإذا ثبت ذلك، ولم يُسمع في الصحيح أن في النساء نبئة غيرها فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين؛ إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع، وعلى هذا فهي أفضل مطلقًا، ثم بعدها في الفضيلة فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية، وكذلك رواه

(1)

"فتح الباري" 7/ 135.

(2)

"شرح النوويّ" 15/ 198.

ص: 11

موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيدة نساء العالمين: مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية"

(1)

، وهذا حديث حسن، رافع لإشكال هذه الأحاديث.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب الحافظ قول القرطبيّ رحمه الله: حديث حسنٌ، فقال ما حاصله: هذا الحديث الدال على الترتيب ليس بثابت، وأصله عند أبي داود، والحاكم بغير صيغة ترتيب. انتهى.

قال: فأمَّا من يرى: أن مريم صدّيقة، وليست بنبيَّة فلهم في تأويل هذه الأحاديث طريقان:

أحدهما: أن معناها: أن كل واحدة من أولئك النساء الأربع خير عالم زمانها، وسيدة وقتها.

وثانيهما: أن هؤلاء النسوة الأربع هن أفضل نساء العالم، وإن كنَّ في أنفسهن على مزايا متفاوتة، ورُتَب متفاضلة، وما ذكرناه: أوضح وأسلم. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله

(2)

.

وقال الطيبيّ رحمه الله: الضمير الأول يعود على الأمة التي كانت فيها مريم، والثاني على هذه الأمة، قال: ولهذا كرر الكلام تنبيهًا على أن حُكم كل واحدة منها غير حكم الأخرى.

قال الحافظ: ووقع عند مسلم من رواية وكيع عن هشام في هذا الحديث: "وأشار وكيع إلى السماء والأرض"، فكأنه أراد أن يبيّن أن المراد: نساء الدنيا، وأن الضميرين يرجعان إلى الدنيا، وبهذا جزم القرطبيّ أيضًا.

وقال الطيبيّ: أراد أنهما خيرُ مَن تحت السماء وفوق الأرض من النساء، قال: ولا يستقيم أن يكون تفسيرًا لقوله: "نسائها"؛ لأن هذا الضمير لا يصلح أن يعود إلى السماء، كذا قال، ويَحْتَمِل أن يريد أن الضمير الأول يرجع إلى

(1)

رواه الطبرانيّ في "الأوسط"، و"الكبير" بنحوه. راجع:"مجمع الزوائد" 9/ 201.

(2)

"المفهم" 6/ 315 - 316.

ص: 12

السماء، والثاني إلى الأرض إن ثبت أن ذلك صدر في حياة خديجة، وتكون النكتة في ذلك أن مريم ماتت، فعُرج بروحها إلى السماء، فلمّا ذَكَرها أشار إلى السماء، وكانت خديجة إذ ذاك في الحياة، فكانت في الأرض، فلما ذكرها أشار إلى الأرض، وعلى تقدير أن يكون بعد موت خديجة، فالمراد أنهما خير من صُعِد بروحهنّ إلى السماء، وخير من دُفِن جسدهنّ في الأرض، وتكون الإشارة عند ذِكر كل واحدة منهما.

قال الحافظ: والذي يظهر لي أن قوله: "خير نسائها" خبر مقدَّم، والضمير لمريم، فكأنه قال: مريم خير نسائها؛ أي: نساء زمانها، وكذا في خديجة.

وقد جزم كثير من الشراح أن المراد: نساء زمانها؛ لحديث أبي موسى رضي الله عنه الآتي بعد هذا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية"، فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لآسية، كما أثبته لمريم، فامتنع حمل الخيرية في هذا الحديث على الإطلاق.

وقد جاء ما يفسِّر المراد صريحًا، فروى البزار، والطبرانيّ من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما رفعه:"لقد فُضِّلت خديجة على نساء أمتي، كما فُضِّلت مريم على نساء العالمين"، وهو حديث حسن الإسناد

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عليّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [12/ 6251](2430)، و (البخاريّ) في "الأنبياء"(3432) و"الفضائل"(3815)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3877)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 93)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(7/ 492)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 84 و 132 و 143) وفي "الفضائل"(2/ 847)، (وابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(5/ 380 و 381)، و (البزّار) في "مسنده"

(1)

"الفتح" 8/ 521 - 522، كتاب "الفضائل" رقم (3815).

ص: 13

(2/ 115)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 8)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(1/ 399 و 455)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 203)، و (اللالكائيّ) في "اعتقاد أهل السُّنَّة"(8/ 1424)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(6/ 367)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها.

2 -

(ومنها): بيان فضل مريم عليها السلام.

3 -

(ومنها): ما قيل: يُستدلّ بهذا الحديث على أن خديجة أفضل من عائشة رضي الله عنهما، قال ابن التين: ويَحْتَمِل أن لا تكون عائشة دخلت في ذلك؛ لأنها كان لها عند موت خديجة ثلاث سنين، فلعل المراد: النساء البوالغ، قال الحافظ: كذا قال، وهو ضعيف، فإن المراد بلفظ النساء أعم من البوالغ، ومن لم تَبْلُغ، وأعم ممن كانت موجودة، وممن ستوجد، وقد أخرج النسائيّ بإسناد صحيح، وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا:"أفضل نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية"، وهذا نصّ صريح، لا يَحْتَمِل التأويل.

4 -

(ومنها): ما قاله في "الفتح": وقد يتمسك بحديث الباب من يقول: إن مريم ليست بنبيّة؛ لتسويتها في حديث الباب بخديجة، وليست خديجة بنبيّة بالاتفاق.

والجواب: أنه لا يلزم من التسوية في الخيرية التسوية في جميع الصفات، وقد استدلّ من قال بنبوة مريم بقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} [آل عمران: 42]، وليس بصريح في ذلك، وأيّده بذكرها مع الأنبياء في سورة مريم، ولا يمنع وصفها بأنها صدّيقة، فقد وُصِف يوسف بذلك، وقد نُقل عن الأشعريّ أن في النساء عدّة نبيات، وحصرهنّ ابن حزم في ستّ: حواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى، وآسية، ومريم، وأسقط القرطبيّ سارة، وهاجر، ونقله في "التمهيد" عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ، وقال عياض: الجمهور على خلافه، ونقل النوويّ في "الأذكار" أن الإمام نقل الإجماع على أن مريم ليست نبيةً، وعن الحسن: ليس في النساء نبية، ولا في

ص: 14

الجنّ، وقال السبكي الكبير: لم يصح عندي في هذه المسألة شيء، ونقله السهيليّ في آخر "الروض" عن أكثر الفقهاء، قاله في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: إني أتعجّب من الاختلاف المذكور -أعني: في نبوّة مريم، وغيرها من النساء- فإنهم إن أرادوا بالوحي إرسال الله تعالى الملَك إليهنّ، فهذا مما لا مجال للاختلاف فيه؛ لظواهر النصوص؛ كقوله تعالى:{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17]، وقوله عز وجل:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)} [القصص: 7]، واضح في ذلَك، وقوله عز وجل:{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] إلى أن قال: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)} [هود: 73]، وغير ذلك من الآيات، فإنها نصوص صريحة واضحة إلى هؤلاء النساء.

وإن أرادوا بالنبوّة: النبوّة بإرشاد الخلق، وهدايتهم، فهذا مما لا يدلّ عليه نصّ الكتاب والسُّنَّة، فلا ينبغي أن يُختلف فيه.

والحاصل: أن وحي الله عز وجل إلى بعض النساء ببعض الأمور التكلفيّة، أو بالبشارة، ونحو ذلك مما لا يُتوقّف في صحته، فمن هذه الجهة القول بنبوّة بعضهنّ صحيح، وأما الوحي بما يتعلّق بإرشاد الناس، وقيادتهم بالشريعة، فهذا غير ثابت، فلا يصحّ القول به؛ لأنه مما لم يُنزل به الله تعالى من سلطان، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6252]

(2431) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ

(1)

"الفتح" 8/ 54.

ص: 15

رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ").

رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:

1 -

(عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ -بفتح الجيم والميم- المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلس، ورُمي بالإرجاء [5] (ت 118) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" 85/ 452.

2 -

(مُرَّةُ) بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ -بسكون الميم- أبو إسماعيل الكوفيّ هو الذي يقال له: مُرّة الطّيّب، ثقةٌ عابدٌ [2] (76) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 55.

3 -

(أَبُو مُوسَى) عبد بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير رضي الله عنه، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة رضي الله عنهم، ذو مناقب جمّة، وقد تقدّم قريبًا.

شرح الحديث:

(عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ) قال في "الفتح": مُرّة والد عمرو غير مُرَّة شيخه، وهو عمرو بن مرّة بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ -بفتح الجيم والميم- المرادي ثقة عابد، من صغار التابعين، وأما شيخه مرة فهو ابن شَرَاحيل مخضرمٌ، ثقةٌ عابدٌ أيضًا، من كبار التابعين، ويقال له: مرّة الطّيّب، ومرّة الخير. انتهى

(1)

.

(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: قَالَ

(1)

"الفتح" 8/ 14، كتاب "الأنبياء" رقم (3411).

ص: 16

رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (كَمَلَ) بتثليث الميم، قال الفيّوميّ رحمه الله: كَمَلَ الشيءُ كُمُولًا، من باب قَعَدَ، والاسم الكَمَالُ، ويستعمل في الذوات، وفي الصفات، يقال: كَمَلَ: إذا تمّت أجزاؤه، وكَمَلَت محاسنه، وكَمَل الشهرُ؛ أي: كمل دوره، وتَكَامَلَ تَكَامُلًا، واكتَمَلَ اكتِمَالًا، وكَمَلَ من أبواب: قَرُب، وضَرَب، وتَعِبَ أيضًا، لغاتٌ، لكن باب تَعِبَ أردؤها. انتهى

(1)

.

(مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ) قال في "العمدة": المراد من الكمال: التناهي في جميع فضائل الرجال

(2)

.

وقال القاضي عياض رحمه الله في "المشارق": كمل؛ أي: انتهى في الفضل نهاية التمام والكمال، دون نقص، وقيل: كمل في العقل؛ إذ قد وُصف النساء بنقص ذلك. انتهى

(3)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "كَمَل من الرجال كثير. . . إلخ" الكمال: هو التناهي والتمام، ويقال في ماضيه:"كَمُل" بفتح الميم، وضمها

(4)

، ويكمُل في مضارعه بالضم، وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق: إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء، ثم تليهم الأولياء؛ ويعني بهم: الصدّيقين والشهداء والصالحين.

وإذا تقرر هذا، فقد قيل: إن الكمال المذكورد في الحديث يعني به: النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيَّتين، وقد قيل بذلك، والصحيح: أن مريم نبيَّة؛ لأنَّ الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملَك، كما أوحى إلى سائر النبيين، وأما آسية، فلم يَرِد ما يدلّ على نبوتها دلالة واضحة، بل على صدّيقيتها وفضيلتها، فلو صحَّت لها نبوّتها لَمَا كان في الحديث إشكال، فإنَّه يكون معناه: أن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبيّ إلا هاتين المرأتين، ومن عداهما من فضلاء النساء صدّيقات لا نبيَّات، وحينئذ يصحُّ أن تكونا أفضل نساء العالمين.

(1)

"المصباح المنير" 2/ 541.

(2)

"عمدة القاري" 15/ 309.

(3)

"مشارق الأنوار" 1/ 342.

(4)

تقدّم أنه مثلّث الميم، فلا تنس، وبالله تعالى التوفيق.

ص: 17

والأَوْلى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء، بل يندرج معه كمال الأولياء، فيكون معنى الحديث: إن نَوْعَي الكمال وُجد في الرجال كثيرًا، ولم يوجد منه في النساء المتقدِّمات على زمانه صلى الله عليه وسلم أكمل من هاتين المرأتين، ولم يتعرض النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لأحد من نساء زمانه، إلا لعائشة خاصة، فإنَّه فضّلها على سائر النساء، ويُستثنى منهن الأربع المذكورات في الأحاديث المتقدِّمة، وهنَّ: مريم بنت عمران، وخديجة، وفاطمة، وآسية؛ فإنَّهن أفضل من عائشة، بدليل أحاديث الباب، وبهذا يصحُّ الجمع، ويرتفع التعارض إن شاء الله تعالى. انتهى

(1)

.

(وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ) قال في "الفتح": استُدِلّ بهذا الحصر على أنهما نبيّتان؛ لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء، ثم الأولياء، والصديقون، والشهداء، فلو كانتا غير نبيّتين لَلَزم ألا يكون في النساء وليّة، ولا صدّيقة، ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهنّ موجودة، فكأنه قال: ولم ينبّأ من النساء إلا فلانة وفلانة، ولو قال: لم تثبت صفة الصدّيقية، أو الولاية، أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح؛ لوجود ذلك في غيرهنّ، إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، والله أعلم.

وعلى هذا فالمراد مَنْ تقدَّم زمانه صلى الله عليه وسلم، ولم يتعرض لأحد من نساء زمانه إلا لعائشة، وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة رضي الله عنها على غيرها؛ لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لِمَا فيه من تيسير المؤنة، وسهولة الإساغة، وكان أجلّ أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة، فقد يكون مفضولًا بالنسبة لغيره من جهات أخرى.

[تنبيه]: إنما أورد مسلم هذا الحديث في ترجمة خديجة رضي الله عنها، وإن لم يكن فيه ذِكرها، إشارة إلى ما ورد من زيادتها في بعض الروايات

(2)

، فقد ورد

(1)

"المفهم" 6/ 331 - 332.

(2)

فلا حاجة لِمَا قاله بعض الشرّاح من استبعاده ذِكْره هنا. راجع: "شرح الشيخ الهرريّ" 23/ 528.

ص: 18

في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله: "ومريم ابنة عمران": "وخديجة بنت خُويلد، وفاطمة بنت محمد"، أخرجه الطبرانيّ عن يوسف بن يعقوب القاضي، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة بالسند المذكور هنا، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" في ترجمة عمرو بن مرة أحد رواته عند الطبرانيّ بهذا الإسناد، وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" من طريق عمرو بن مرزوق به، وقد ورد من طريق صحيح ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة على غيرهما، وذلك فيما سبق في قصة مريم من حديث عليّ رضي الله عنه بلفظ:"خير نسائها خديجة".

وجاء في طريق أخرى ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة، وذلك فيما أخرجه ابن حبان، وأحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ، وأبو داود، في "كتاب الزهد"، والحاكم كلهم من طريق موسى بن عقبة، عن غريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون"، وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في "الأوسط" للطبرانيّ، ولأحمد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه، رفعه:"فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم بنت عمران"، وإسناده حسن، فإن ثَبَت ففيه حجة لمن قال: إن آسية امرأة فرعون ليست نبيّة، وأخرج البخاريّ في مناقب فاطمة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم لها:"إنها سيدة نساء أهل الجنة".

قال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملَك، وأما آسية فلم يَرِد ما يدل على نبوّتها، وقال الكرمانيّ: لا يلزم من لَفْظ الكمال ثبوت نبوتها؛ لأنه يُطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد: بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، قال: وقد نُقل الإجماع على عدم نبوّة النساء، كذا قال، وقد نُقل عن الأشعريّ أن من النساء من نُبّئ، وهنّ ست: حواء، وسارة، وأم موسى، وهاجر، وآسية، ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملَك عن الله بحكم من أمر، أو نهي، أو بإعلام، فهو نبيّ، وقد ثبت مجيء الملَك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك من عند الله عز وجل، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهنّ في القرآن.

وذكر ابن حزم في "الملل والنحل" أن هذه المسألة لم يحدث التنازع

ص: 19

فيها إلا في عصره بقرطبة، وحكى عنهم أقوالًا، ثالثها الوقف، قال: وحجة المانعين قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا} الآية [يوسف: 109] قال: وهذا لا حجة فيه، فإن أحدًا لم يدّع فيهنّ الرسالة، وإنما الكلام في النبوة فقط، قال: وأصرح ما ورد في ذلك قصة مريم، وفي قصة أم موسى ما يدلّ على ثبوت ذلك لها، من مبادرتها بإلقاء ولدها في البحر بمجرد الوحي إليها بذلك، قال: وقد قال الله تعالى بعد أن ذَكر مريم والأنبياء بعدها: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} الآية [مريم: 58]، فدخلت في عمومه والله أعلم.

ومن فضائل آسية امرأة فرعون: أنها اختارت القتل على المُلْك، والعذاب في الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، وكانت فراستها في موسى عليه السلام صادقة حين قالت:{قُرَّتُ عَيْنٍ لِي} [القصص: 9]

(1)

.

(وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (عَلَى النِّسَاءِ) الظاهر أنه أراد نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال في "الفتح": هذا لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وقد أشار ابن حبان إلى أن أفضليتها التي يدل عليها هذا الحديث وغيره مقيّدة بنساء النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى لا يدخل فيها مثل فاطمة عليها السلام جمعًا بين هذا الحديث، وبين حديث:"أفضل نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة. . ." الحديث، وقد أخرجه الحاكم بهذا اللفظ، من حديث ابن عباس، وكذلك حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا:"خير نسائها خديجة"

(2)

، وقد تقدّم.

(كفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ") الثريد: الخبز الْمُفَتَّت في المرق وغيره، وهو طعام سريع الهضم، كثير النفع، كما أن الصدّيقة رضي الله عنها كثيرة النفع للأمة بحسب العلم والفتيا

(3)

.

وقال في "العمدة": هو مِن ثردت الخبز ثردًا: إذا كسرته فهو ثريد، ومثرود، والاسم: الثُّردة بالضم، والثريد غالبًا لا يكون إلا باللحم، وقال ابن

(1)

"الفتح" 8/ 16، كتاب "الأنبياء" رقم (3411).

(2)

"الفتح" 8/ 478، رقم (3769).

(3)

"شرح سنن ابن ماجه" 1/ 236.

ص: 20

الأثير: قيل: لم يُرِدْ عين الثريد، وإنما أراد الطعام المتخذ من اللحم والثريد معًا؛ لأن الثريد غالبًا لا يكون إلا من اللحم، والعرب قلّما تجد طبيخًا، ولا سيّما بلحم

(1)

.

وقال القرطبي رحمه الله: وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة ليسارة مؤنته، وسهولة إساغته، وعظيم بركته؛ ولأنه كان جلَّ أطعمتهم، وألذَّها بالنسبة لهم ولعوائدهم، وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل، وذلك بحسب العوائد في الأطعمة، والله تعالى أعلم. انتهى

(2)

.

وقوله: (عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ")؛ أي: باقيه، قال ابن الأثير رحمه الله: والسائر مهموزًا: الباقي، والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح، وقد تكررت في هذه اللفظة، في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء. انتهى

(3)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "كفضل الثريد على سائر الطعام" قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق، فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه، والمراد بالفضيلة: نَفْعه، والشِّبَع منه، وسهولة مساغه، والالتذاذ به، وتيسر تناوله، وتمكّن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة، وغير ذلك، فهو أفضل من المرق كله، ومن سائر الأطعمة، وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية؛ لاحتمال أن المراد: تفضيلها على نساء هذه الأمة. انتهى

(4)

.

وقال الطيبيّ رحمه الله: لم يعطف عائشة رضي الله عنها على آسية، لكن أبرز الكلام في صورة جملة مستقلّة؛ تنبيهًا على اختصاصها بما امتازت به على سائرهنّ، ونحوُهُ في الأسلوب قوله صلى الله عليه وسلم:"حُبّب إليّ من الدنيا: الطيب، والنساء، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة"

(5)

.

وقال التوربشتيّ رحمه الله: قيل: إنما مثّل الثريد؛ لأنه أفضل طعام العرب،

(1)

"عمدة القاري" 15/ 309.

(2)

"المفهم" 6/ 332.

(3)

"النهاية في غريب الأثر" 2/ 327.

(4)

"شرح النوويّ" 5/ 199.

(5)

حديث صحيح، أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم.

ص: 21

ولا يَرَوْن في الشبع أغنى غناءً منه، وقيل: إنهم كانوا يحمدون الثريد فيما طُبخ بلحم، ورُوي:"سيد الطعام اللحم"، فكأنها فُضّلت على النساء كفضل اللحم على سائر الأطعمة، والسر فيه: أن الثريد مع اللحم جامع بين الغذاء، واللذة، والقوّة، وسهولة التناول، وقلة المؤونة في المضغ، وسرعة المرور في المريء، فضَرب به مَثَلًا؛ ليؤذِن بأنها أُعطيت مع حسن الْخَلْق والْخُلُق، وحلاوة النطق فصاحةَ اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي، ورصانة العقل، والتحبب إلى البعل، فهي تصلح للتبعل، والتحدث، والاستئناس بها، والإصغاء إليها، وحسبك أنها عَقَلت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما لم يعقل غيرها من النساء، وروت ما لم يرو مثلها من الرجال.

ومما يدل على أن الثريد أشهى الأطعمة عندهم، وألذّها قول الشاعر [من الوافر]:

إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأَدِمُهُ

(1)

بِلَحْمٍ

فَذَاكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ

(2)

والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [12/ 6252](2431)، و (البخاريّ) في "الأنبياء"(3411 و 3433) و"الفضائل"(3769 و 3770) و"الأطعمة"(5418 و 5419)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3887)، و (النسائيّ) في "المجتبى"(7/ 68) و"فضائل الصحابة"(248 و 275)، و (ابن ماجه) في "الأطعمة"(3280 و 3281)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1/ 68)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(6/ 379 و 380)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 394 و 409)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(2/ 486)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(1/ 198)، و (الطبرانيّ) في

(1)

من باب ضرب.

(2)

"الكاشف عن حقائق السنن" 8/ 3621 - 3622.

ص: 22

"الكبير"(23/ 109 و 110 و 111 و 112) وفي "الصغير"(260)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(3670)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7113 و 7114 و 7115)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3963)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان أن نوع الذكر أفضل من نوع الأنثى، حيث كمل منهم كثير، ولم يكمل منهن إلا قليل.

2 -

(ومنها): بيان فضل مريم، وآسية عليهما السلام.

3 -

(ومنها): بيان فضل عائشة رضي الله عنها على النساء حيث شُبّهت بأفضل الطعام، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّل الكتاب قال:

[6253]

(2432) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ، قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ، أَو شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ عليها السلام مِنْ رَبِّهَا عز وجل؛ وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ في رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَمِنِّي).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فضيل بن غَزْوان تقدّم قريبًا.

2 -

(عُمَارَةُ) بن القعقاع بن شُبْرمة -بضم الشين المعجمة، والراء، بينهما موحّدة ساكنة- الضَّبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ أرسل عن ابن مسعود [6](ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 108.

3 -

(أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله الْبَجَليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقةٌ [3](ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 106.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب، و"ابن نمير" هو: محمد بن عبد الله بن نمير.

ص: 23

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) الْبَجَليّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: أتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) في رواية سعيد بن كثير عند الطبرانيّ أن ذلك كان بحراء.

[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، وهو حجة عند الجماهير، كما سبق، وخالف فيه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيّ؛ لأن أبا هريرة لم يدرك أيام خديجة رضي الله عنها، فهو محمول على أنه سمعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو من صحابيّ آخر، ولم يذكر أبو هريرة هنا سماعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لم يُدرك أيام خديجة" أراد به الإشارة المعروفة عند أهل الحديث، وهي أن كلّ من حكى قصّة، أو واقعة حضرها، فهو موصول، وكلّ من حكى قصّة، أو واقعة لم يحضرها فإنه منقطع، وذلك مثل ما هنا، فإن أبا هريرة رضي الله عنه ما لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا في المدينة عام خيبر، وقصّة خديجة رضي الله عنها كانت في مكّة قبل الهجرة، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله في "ألفيّة الأثر" حيث قال:

وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى

مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى

(1)

(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ، قَدْ أَتَتْكَ)؛ أي: توجّهت إليك، وقوله:(مَعَهَا إِنَاءٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، وقوله:(فِيهِ إِدَامٌ) جملة في محلّ رفع صفة لـ "إناءٌ"، وقوله:(أَوْ طَعَامٌ، أَوْ شَرَابٌ)"أو" فيهما لكلِّ من الراوي، وفي رواية الإسماعيليّ:"فيه إدام، أو طعام، وشراب"، وفي رواية سعيد بن كثير المذكورة عند الطبرانيّ:"أنه كان حَيْسًا". (فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ)؛ أي: وصَلَت إليك، (فَاقْرَأْ) بوصل الهمزة؛ لأنه أمْر من الثلاثيّ، متعدّ إلى الثاني بـ "على"، يقال: قرأت السلام عليه، ولا يتعدّى إليه بنفسه، وإنما يتعدّى

(1)

راجع: "شرحي للألفيّة المذكور" 1/ 188 - 189.

ص: 24

بالهمزة، فيقال: أقرأته السلامَ، قال الفيّوميّ رحمه الله: وقرأت على زيد السلامَ أَقْرَؤُهُ عليه قِرَاءَةً، وإذا أمَرت منه قلت: اقْرَأْ عليه السلام، قال الأصمعيّ: وتَعْديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقْرَأْهُ السلامَ؛ لأنه بمعنى: اتْلُ عليه، وحكى ابن القطاع أنه يتعدى بنفسه رُباعيًّا، فيقال: فلانٌ يُقْرئك السلامَ. انتهى

(1)

.

عليها السلام مِنْ رَبِّهَا عز وجل، وَمِنِّي) زاد الطبرانيّ في الرواية المذكورة:"فقالت: هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام"، وللنسائيّ من حديث أنس قال:"قال جبريل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن الله يُقرئ خديجةَ السلامَ -يعني: فأخبِرها- فقالت: إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام، ورحمة الله، وبركاته"، زاد ابن السنيّ من وجه آخر:"وعلى من سمع السلام، إلا الشيطان".

قال العلماء

(2)

: في هذه القصة دليل على وفور فقهها؛ لأنها لم تقل: وعليه السلام، كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد: السلام على الله، فنهاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال:"إن الله هو السلام، فقولوا: التحيات لله"، فعَرَفت خديجة؛ لصحة فهمها أن الله لا يُرَدّ عليه السلام، كما يردّ على المخلوقين؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، وهو أيضًا دعاء بالسلامة، وكلاهما لا يصلح أن يردّ به على الله، فكأنها قالت: كيف أقول: السلام عليكم، والسلام اسمه، ومنه يُطلب، ومنه يَحصل، فيستفاد منه أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه، فجَعَلت مكان ردّ السلام عليه الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق بالله، وما يليق بغيره، فقالت:"وعلى جبريل السلام"، ثم قالت:"وعليك السلام"، ويستفاد منه ردّ السلام على من أرسل السلام، وعلى من بلّغه، والذي يظهر أن جبريل كان حاضرًا عند جوابها، فردّت عليه، وعلى النبيّ صلى الله عليه وسلم مرتين: مرةً بالتخصيص، ومرةً بالتعميم، ثم أخرجت الشيطان ممن سمع؛ لأنه لا يستحق الدعاء بذلك.

قيل: إنما بلَّغها جبريل عليه السلام من ربها بواسطة النبيّ صلى الله عليه وسلم احترامًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم،

(1)

"المصباح المنير" 2/ 502.

(2)

راجع: "الفتح" 8/ 528 - 529، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3820).

ص: 25

وكذلك وقع له لمّا سَلَّم على عائشة لم يواجهها بالسلام، بل راسلها مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد واجه مريم بالخطاب، فقيل: لأنها نبية، وقيل: لأنها لم يكن معها زوج يُحترم معه مخاطبتها.

قال السهيليّ: استدلّ بهذه القصة أبو بكر بن داود على أن خديجة أفضل من عائشة؛ لأن عائشة سلّم عليها جبريل من قِبَل نفسه، وخديجة أبلغها السلام من ربها.

وزعم ابن العربيّ أنه لا خلاف في أن خديجة أفضل من عائشة، وردّ بأن الخلاف ثابت قديمًا، وإن كان الراجح أفضلية خديجة بهذا، وبما تقدم، ومن صريح ما جاء في تفضيل خديجة ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، رفعه:"أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد".

قال السبكيّ الكبير: لعائشة رضي الله عنها من الفضائل ما لا يحصى، ولكن الذي نختاره، وندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، واستدلّ لفضل فاطمة بما تقدم في ترجمتها أنها سيدة نساء المؤمنين.

قال الحافظ: وقال بعض من أدركناه: الذي يظهر أن الجمع بين الحديثين أَولى، وأن لا نفضّل إحداهما على الأخرى.

وسئل السبكي: هل قال أحد: إن أحدًا من نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟ فقال: قال به من لا يُعْتَدّ بقوله، وهو مَنْ فضّل نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم على جميع الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهن في درجته في الجنة، قال: وهو قول ساقط مردود. انتهى.

قال الحافظ: وقائله هو أبو محمد بن حزم، وفساده ظاهر، قال السبكيّ: ونساء النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد خديجة وعائشة متساويات في الفضل، وهنّ أفضل النساء؛ لقول الله تعالى:{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} الآية [الأحزاب: 32]، ولا يستثنى من ذلك إلا من قيل: إنها نبيةٌ، كمريم، والله أعلم.

ومما نبَّه عليه أنه وقع عند الطبرانيّ من رواية أبي يونس، عن عائشة؛

ص: 26

أنها وقع لها نظير ما وقع لخديجة من السلام والجواب، وهي رواية شاذّةٌ، والعلم عند الله تعالى. انتهى

(1)

.

(وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ) -بفتح القاف، والصاد المهملة، بعدها موحّدة- قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوّفة واسعة؛ كالقصر المنيف، وعند الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق أخرى، عن ابن أبي أوفى:"يعني: قصب اللؤلؤ"، وعنده في "الكبير" من حديث أبي هريرة:"بيت من لؤلؤة مجوّفة"، وأصله في مسلم، وعنده في "الأوسط" من حديث فاطمة:"قالت: قلت: يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب، قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا، من القصب المنظوم بالدر، واللؤلؤ، والياقوت".

وأما قوله: "ببيت"، فقال أبو بكر الإسكاف في "فوائد الأخبار": المراد به بيت زائد على ما أَعدّ الله لها من ثواب عملها، ولهذا قال:"لا نصب فيه"؛ أي: لم تتعب بسببه.

(لَا صَخَبَ فِيهِ) الصَّخَب -بفتح الصاد المهملة، والخاء المعجمة، بعدها موحّدة-: الصياح، والمنازعة برفع الصوت. (وَلَا نَصَبَ) -بفتح النون، والصاد المهملة، بعدها موحَّدة-: التَّعَب، وأغرب الداوديّ، فقال: الصخب: العيب، والنَّصَب: العِوَج، وهو تفسير لا تساعد عليه اللغة، قاله في "الفتح"

(2)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "ببيت من قصب" قال جمهور العلماء: المراد به: قصب اللؤلؤ المجوّف؛ كالقصر المنيف، وقيل: قصب من ذهب منظوم بالجوهر، قال أهل اللغة: القصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف، قالوا: ويقال لكل مجوَّف: قصب، وقد جاء في الحديث مفسَّرًا ببيت من لؤلؤة محياة، وفسّروه بمجوّفة، قال الخطابيّ وغيره: المراد بالبيت هنا: القصر.

وأما الصخب: فبفتح الصاد، والخاء، وهو الصوت المختلط المرتفع.

والنصب: المشقة والتعب، ويقال فيه: نُصْبٌ، بضم النون، وإسكان الصاد، وبفتحهما لغتان، حكاهما القاضي وغيره؛ كالْحُزْن والْحَزَن، والفتح

(1)

"الفتح" 8/ 528، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3820).

(2)

"الفتح" 8/ 527، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3820).

ص: 27

أشهر وأفصح، وبه جاء القرآن، وقد نَصَب الرجل، بفتح النون، وكسر الصاد: إذا أعيا. انتهى

(1)

.

وقال عياض في "المشارق": قوله: "ببيت من قصب" قد ذكر ابن وهب في روايته تفسيره في الحديث نفسه، قالت:"يا رسول الله ما بيت من قصب؟ قال: هو بيت من لؤلؤة مُجَبَّأَةٍ"، قال ابن وهب: أي: مجوّفة، ويروى: مجوَّبة بمعناه، قالوا: القصب هو اللؤلؤ المجوّف الواسع؛ كالقصر المنيف، قال الخليل: القصب ما كان من الجوهر مستطيلًا أجوف، ويؤيد تفسيرهم قوله في الحديث الآخر:"قباب اللؤلؤ"، وفي الآخر:"قصر من درة مجوّفة". انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "من قصب. . . إلخ" قال الهرويّ وغيره: القصب -هنا-: اللؤلؤ المجوَّف المستطيل، والبيت: هو القصر.

قال: وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: "إن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوَّفة عرضها ستون ميلًا"، متّفقٌ عليه، وفي لفظ آخر:"من درَّة بيضاء طولها ستون ميلًا"، وسيأتي -إن شاء الله تعالى-.

والصخب: اختلاط الأصوات، ويقال: بالسين والصاد، والنصب: التعب والمشقة. ويقال: نُصْبٌ، ونَصَبٌ؛ كحُزْن وحَزَن؛ أي: لا يصيبها ذلك؛ لأنَّ الجنة منزهة عن ذلك، كما قال تعالى:{لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)} [الحجر: 48]، وقيل: معناه: أن هذا البيت خالص لها، لا تُنازَع فيه، فيُصخب عليها فيه، وذلك من فضل الله تعالى عليها، لا بنصبها في العبادة، ولا اجتهادها في ذلك. انتهى

(3)

.

وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ)؛ يعني: ابن أبي شيبة، (فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَمِنِّي) غرض المصنّف رحمه الله بهذا بيان اختلاف شيوخه الثلاثة، فقد اتّفق أبو كريب، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، فقالا في روايتهما:"عن أبي زرعة، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه"،

(1)

"شرح النوويّ" 15/ 200 - 201.

(2)

"مشارق الأنوار" 2/ 187.

(3)

"المفهم" 6/ 316.

ص: 28

فصرّحا بالسماع، وزادا في الحديث قول جبريل:"ومني"؛ أي: بعد قوله: "فاقرأ عليها السلام من ربّها عز وجل"، زادا:"ومنّي"، وخالفها أبو بكر بن أبي شيبة، فقال:"عن أبي هريرة"، ولم يذكر السماع، وأسقط لفظة:"ومنّي"، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنف) هنا [12/ 6253](2432)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3820) و"التوحيد"(7497)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 94)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 231) و"فضائل الصحابة"(1588)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7009)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 10)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 185)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3953)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث إن الله تعالى خصّها بإرسال السلام إليها، قال القرطبيّ رحمه الله: وإبلاغ الملَك لها أن الله يقرأ عليها السلام؛ فضيلة عظيمة، وخصوصية شريفة، لم يُسمع بمثلها لمن ليس بنبيّ إلا لعائشة رضي الله عنها على ما يأتي. انتهى

(1)

.

2 -

(ومنها): ما قاله في "الفتح" نقلًا عن السهيليّ رحمه الله: النكتة في قوله: "من قصب"، ولم يقل: من لؤلؤ: أن في لفظ القصب مناسبةً لكونها أَحرزت قصب السَّبْق بمبادرتها إلى الإيمان، دون غيرها، ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ هذا الحديث. انتهى.

قال: وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها؛ إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن، ولم يَصْدُر منها ما يُغضبه قطّ، كما وقع لغيرها.

(1)

"المفهم" 6/ 316.

ص: 29

3 -

(ومنها): ما قاله السهيليّ رحمه الله أيضًا: مناسبة نفي هاتين الصفتين -يعني: الصخب، والنصب- أنه صلى الله عليه وسلم لمّا دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعًا، فلم تُحْوجه إلى رفع صوت، ولا منازعة، ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهوّنت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشّرها به ربها بالصفة المقابلة لِفعلها. انتهى

(1)

.

4 -

(ومنها): ما نقله في "الفتح" عن السهيليّ أيضًا، قال: لِذِكر البيت معنى لطيف؛ لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث، ثم صارت ربة بيت في الإسلام، منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بُعِث النبيّ صلى الله عليه وسلم بيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها، قال: وجزاء الفعل يُذكر غالبًا بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت، دون لفظ القصر. انتهى.

قال: وفي ذِكر البيت معنى آخر؛ لأن مرجع أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم إليها؛ لِمَا ثبت في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] قالت أم سلمة: "لمّا نزلت دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم فاطمة، وعليًّا، والحسن، والحسين، فجلّلهم بكساء، فقال: اللَّهُمَّ هؤلاء أهل بيتي. . ." الحديث، أخرجه الترمذيّ، وغيره، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة؛ لأن الحَسَنَيْن من فاطمة، وفاطمة بنتها، وعليّ نشأ في بيت خديجة، وهو صغير، ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبويّ إلى خديجة دون غيرها

(2)

.

5 -

(ومنها): ما قيل: يُستدلّ بهذا الحديث على فضل عائشة على خديجة رضي الله عنها، وتُعُقّب بأن ذلك ليس بلازمٍ؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد من النساء في هذا الحديث نساء زمنها، وقال السبكيّ الكبير: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحقّ أحقّ أن يُتّبع، وقال ابن تيميّة: جهات الفضل بين خديجة وعائشَة متقاربة، وكأنه رأى

(1)

"الفتح" 8/ 527، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3820).

(2)

"الفتح" 8/ 527، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3820).

ص: 30

التوقّف، وقال ابن القيّم: إن أُريدَ بالتفضيل كثرة الثواب عند الله، فذاك أمر لا يُطَّلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف السيادة، فقد ثبت النصّ لفاطمة وحدها.

وقد أخرج الطحاويّ، والحاكم بسند جيّد عن عائشة؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في حقّ زينب ابنته لمّا أوذيت عند خروجها من مكة:"هي أفضل بناتي، أصيبت فيَّ"، راجع "الفتح"

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6254]

(2433) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيه، وَلَا نَصَبَ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.

2 -

(إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد الْبَجَليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبت [4](ت 146)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 299.

3 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، شَهِد الحديبية، وعُمِّر بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم دهرًا، ومات رضي الله عنه سنة سبع وثمانين، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة رضي الله عنهم (ع) تقدم في "الصلاة" 41/ 1072.

والباقيان ذُكرا في الباب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله كلاحقه، وهو (482) من رباعيّات الكتاب.

(1)

"الفتح" 7/ 109. وراجع: "تكملة فتح الملهم" أيضًا 5/ 140 - 141.

ص: 31

شرح الحديث:

(عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالد؛ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) قال في "الفتح": هذا مما حمله التابعيّ عن الصحابيّ عَرَضًا، وليس هذا من التلقين؛ لأن التلقين لا استفهام فيه، وإنما يقول الطالب للشيخ: قُلْ: حدثنا فلان بكذا، فيحدِّث به من غير أن يكون عارفًا به حديثه، ولا بعدالة الطالب، فلا يؤمَن أن لا يكون ذلك الطالب ضابطًا لذلك القدر، فيدلّ على تساهل الشيخ، فلذلك عابوه على مَن فَعَله. انتهى

(1)

.

(أَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ؟) ولفظ البخاريّ: "بشّر النبيّ صلى الله عليه وسلم خديجة ببيت في الجنّة"، فيكون بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أبشّرها؟ (قَالَ) عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما (نَعَمْ، بَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ) بفتحتين؛ أي: من لؤلؤ مجوّفة واسعة كالقصر المنيف، (لَا صَخَبَ فِيهِ) بفتح الصاد، والخاء؛ أي: لا صياح، ولا منازعة برفع الصوت، (وَلَا نَصَبَ) بفتحتين، أو بضمّ، فسكون؛ أي: لا تعب، ولا مشقّة فيه، وقد تقدّم تمام الشرح في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [12/ 6254 و 6255](2433)، و (البخاريّ) في "العمرة"(1792) و"مناقب الأنصار"(3819)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 94)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(12/ 133)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 355 و 356 و 381) وفي "الفضائل"(1577 و 1581 و 1582)، و (ابنه عبد الله) في "زوائده"(1593)، و (الحميديّ) في "مسنده"(720)، و (البزّار) في "مسنده"(8/ 271)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7004)، و (اللالكائيّ) في "اعتقاد أهل السُّنَّة"(8/ 1425)، والله تعالى أعلم.

(1)

"الفتح" 8/ 526، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3819).

ص: 32

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6255]

(. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَجَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ).

رجال هذا الإسناد: أحد عشر:

1 -

(الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طرخان التيميّ البصريّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

4 -

(سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.

والباقون ذُكروا في الباب وقبله.

[تنبيه]: تقدّم أن هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف، كسابقه، وهو (483) منه رباعيّات الكتاب.

وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) ضمير الجماعة لهؤلاء الخمسة: أبي معاوية، ووكيع، والمعتمر، وجرير، وسفيان بن عيينة، فكلّهم رووا هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد بسنده المذكور.

وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل الحديث الماضي، وهو حديث عبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، فالضمير في "مثله" للحديث المذكور، لا لعبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر، كما زعمه بعض الشرّاح

(1)

، وادّعى أنه غلط، قال: والصواب بمثلهما، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق.

[تنبيه]: رواية وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد ساقها ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" مقرونًا بيعلى بن عبيد، فقال:

(1)

هو: الشيخ الهررى. راجع: "شرحه" 23/ 532.

ص: 33

(2990)

- حدّثنا أبو بكر، نا وكيع ويعلى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى، قال: سمعته يقول: "بَشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ببيت في الجنة، من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب". انتهى

(1)

.

ورواية المعتمر بن سليمان، عن إسماعيل ساقها النسائيّ رحمه الله في "الكبرى"، فقال:

(8360)

- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا المعتمر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال:"بَشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ببيت في الجنة، لا صخب فيه، ولا نصب". انتهى

(2)

.

وأما رواية جرير بن عبد الحميد عن إسماعيل، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

ورواية سفيان بن عيينة عن إسماعيل ساقها الحميديّ رحمه الله في "مسنده"، فقال:

(720)

- حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن أبي خالد، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أبشّر رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ببيت في الجنة، من قصب، لا سخب فيه، ولا نصب؟ قال: نعم. انتهى

(3)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6256]

(2434) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَشَّرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ بِبَيْتٍ في الْجَنَّةِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفيّ، ثقةٌ حافظ شهيرٌ، وله أوهام [10](ت 239) وله ثلاث وثمانون سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" 35/ 246.

(1)

"الآحاد والمثاني" 5/ 382.

(2)

"السنن الكبرى" للنسائيّ 5/ 94.

(3)

"مسند الحميديّ" 2/ 314.

ص: 34

والباقون تقدّموا قريبًا، و"عبدة" هو: سليمان الكلابيّ، وشرح الحديث يأتي في الذي بعده، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ، والله تعالى وليّ التوفيق.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6257]

(2435) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ عز وجل أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ، ثُمَّ يُهْدِيهَا إِلَى خَلَائِلِهَا).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

وكلّهم ذُكروا في الباب.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها؛ أنها (قَالَتْ: مَا) نافية، (غِرْتُ) بكسر الغين المعجمة، يقال: غَارَ الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغَارُ، من باب تَعِبَ غَيْرًا، وغَيْرَةً بالفتح، وغَارًا، قال ابن السِّكِّيت: ولا يقال: غِيرًا، وَغِيرَةً بالكسر، فالرجل غَيُورٌ، وغَيْرَانُ، والمرأة غَيُورٌ؛ أيضًا، وغَيْرَى، وجَمْع غَيُورٍ: غُيُرٌ، مثلُ رَسول ورُسُل، وجَمْع غَيْرَانَ، وغَيْرَى: غُيَارَى، بالضم، والفتح، وأَغَارَ الرجل زوجته: تزوج عليها، فَغَارَتْ عليه، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(1)

.

وقال ابن الأثير رحمه الله: الْغَيْرةُ: هي الْحَمِيّة والأَنَفَةُ، يقال: رجلٌ غَيُورٌ، وامرأةٌ غَيُورٌ بلا هاء؛ لأن فعولًا يشترك فيه الذكر والأنثى. انتهى

(2)

.

(عَلَى امْرَأَةٍ) وفي الرواية التالية: "ما غِرت على نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة"، قال في "الفتح": فيه ثبوت الغيرة، وأنها غير مستنكَر وقوعها من فاضلات النساء، فضلًا عمن دونهنّ، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، لكن كانت تغار من خديجة أكثر، وقد بيَّنت سبب ذلك، وأنه لكثرة ذِكر

(1)

"المصباح المنير" 2/ 458.

(2)

"النهاية في غريب الأثر" ص 685.

ص: 35

النبيّ صلى الله عليه وسلم إياها، ووقع في رواية أصرح من هذا، حيث قال فيها:"من كثرة ذِكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها".

وأصل غيرة المرأة من تخيّل محبة غيرها أكثر منها، وكثرةُ الذِّكر تدل على كثرة المحبة.

وقال القرطبيّ: مرادها بالذِّكر لها: مدحها، والثناء عليها.

ووقع عند النسائيّ من رواية النضر بن شُميل عن هشام: "من كثرة ذِكره إياها، وثنائه عليها"، فعَطْف الثناء على الذِّكر من عَطْف الخاصّ على العامّ، وهو يقتضي حمل الحديث على أعمّ مما قاله القرطبيّ، قاله في "الفتح"

(1)

.

(مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ) قال الطيبيّ رحمه الله: "ما" يجوز أن تكون مصدريّةً، أو موصولةً؛ أي: ما غرتُ مثلَ غيرتي، أو مثل التي غِرتها. انتهى

(2)

.

(وَلَقَدْ هَلَكَتْ)؛ أي: ماتت خديجة رضي الله عنها (قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي) أشارت بهذا إلى أنها لو كانت موجودة في زمانها لكانت غيرتها منها أشدّ. (بِثَلَاثِ سِنِينَ) قال النوويّ: أرادت بذلك زمن دخولها عليه، وأما العقد فتقدم على ذلك بمدة سنة ونصف، أو نحو ذلك. انتهى

(3)

.

وللحافظ تعقّب على كلام النوويّ هذا، حيث قال: إن المدة بين العقد عليها، والدخول بها كان أكثر من ذلك

(4)

.

وقولها: (لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا) وفي رواية عبد الله الْبَهِيّ، عن عائشة عند الطبرانيّ:"وكان إذا ذَكَر خديجة لم يسأم من ثناءٍ عليها، واستغفارٍ لها". انتهى

(5)

.

قال القرطبيّ رحمه الله: هذا بيان للسبب الحامل لها على الغيرة، قال القرطبيّ رحمه الله: قولها: "يذكرها"؛ أي: يمدحها، ويثني عليها، ويذكر فضائلها،

(1)

"الفتح" 8/ 523، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3816).

(2)

"الكاشف عن حقائق السنن" 12/ 3921.

(3)

"شرح النوويّ" 15/ 201.

(4)

"الفتح" 8/ 524، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3816).

(5)

"الفتح" 8/ 525.

ص: 36

وذلك لفرط محبته إياها، ولِما اتَّصَل له من الخير بسببها، وفي بيتها، ومن أحبَّ شيئًا أكثر من ذِكره؛ ولذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إني رُزقت حبها"

(1)

.

وكونه صلى الله عليه وسلم يُهدي لخلائل خديجة: دليل على كرم خُلُقه صلى الله عليه وسلم، وحُسْن عهده، ولذلك كان يرتاح لهالة بنت خُويلد إذا رآها، وَيَهِشُّ

(2)

إكرامًا لها، وسرورًا بها. انتهى

(3)

.

وقولها: (وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ عز وجل أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ فِي الْجَنَّةِ) هذا أيضًا من جملة أسباب الغيرة؛ لأن اختصاص خديجة بهذه البشرى مشعر بمزيد محبة من النبيّ صلى الله عليه وسلم لها، ووقع عند الإسماعيليّ من رواية الفضل بن موسى، عن هشام بن عروة، بلفظ:"ما حَسَدت امرأة قطّ ما حسدت خديجة، حين بشّرها النبيّ صلى الله عليه وسلم ببيت من قصب. . ." الحديث.

(وَإِنْ كَانَ)"إن" مخففة من الثقيلة، ويراد بها تأكيد الكلام، ولهذا أتت اللام في قولها:(لَيَذْبَحُ الشَّاةَ، ثُمَّ يُهْدِيهَا) بضمّ أوله، من الإهداء رباعيًّا، (إِلَى خَلَائِلِهَا) -بالخاء المعجمة- جمع خَلِيلة؛ أي: صديقة، وهي أيضًا من أسباب الغيرة؛ لِمَا فيه من الإشعار باستمرار حبه لها، حتى كان يتعاهد صواحباتها، ولفظ البخاريّ:"فيُهدي في خلائلها منها ما يسعهنّ"؛ أي: ما يكفيهنّ، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [12/ 6256 و 6257 و 6258 و 6259 و 6260](2434 و 2435)، و (البخاريّ) في "الفضائل"(3816 و 3817) و"النكاح"(5229) و"الأدب"(6004) و"التوحيد"(7484)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(2017)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 94 و 290)، و (ابن ماجه) في "النكاح"

(1)

رواه مسلم، كما يأتي بعد هذا.

(2)

يقال: هشّ الرجلُ هشاشةً، من بابي تعب، وضرب: تبسّم، وارتاح. "المصباح".

(3)

"المفهم" 6/ 317.

ص: 37

(1997)

، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 58 و 202 و 279)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(2/ 212 و 330)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(5/ 385)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 11 و 12)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(7/ 307)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6258]

(. . .) - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ، وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قَالَتْ: وَكانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فَيَقُولُ

(1)

: "أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ"، قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنْديّ، أبو مسعود العسكريّ، نزيل الرّيّ، أحد الحفاظ، صدوقٌ، له غرائب [10](ت 235)(م) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" 5/ 121.

2 -

(حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) -بمعجمة مكسورة، وياء، ومثلّثة- ابن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عُمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغيَّر حفظه قليلًا في الآخر [8](ت 4 أو 195) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 136.

والباقون ذُكروا قبله.

وقولها: (وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا)؛ أي: لم أدرك أيام كونها زوجة للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنها ماتت قبل أن يتزوّج بها، وفي الرواية الآتية:"وما رأيتها قطّ"، قال في "الفتح": ورؤية عائشة لخديجة كانت ممكنة، وأما إدراكها لها فلا نزاع فيه؛ لأنه كان لها عند موتها ست سنين، كأنها أرادت بنفي الرؤية والإدراك النفي بقيد اجتماعهما عند النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي: لم أرها وأنا عنده، ولا أدركتها كذلك، وقد وقع في بعض طرقه عند أبي عوانة:"ولقد هلكت قبل أن يتزوجني". انتهى.

(1)

وفي نسخة: "يقول".

ص: 38

وقولها: (فَيَقُولُ) وفي نسخة: "يقول" بحذف الفاء.

وقوله: (أَرْسِلُوا بِهَا)؛ أي: بتلك الشاة، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم يُهديها بأكملها، لا يترك شيئًا في بيته، ويَحْتمل أن تكون الباء بمعنى "من"، كما قوله تعالى:{عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6].

ويؤيّد هذا الاحتمال رواية البخاريّ بلفظ: "فيُهدي منها ما يسعهنّ"، والله تعالى أعلم.

وقوله: (إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ) بفتح الهمزة: جمع صَدِيق بفتح، فكسر، قال الفيّوميّ رحمه الله: الصَّدِيقُ: المُصَادِقُ، وهو بيِّنُ الصَّدَاقَةِ، واشتقاقها من الصِّدْق في الْوُدّ، والنُّصْح، والجمع أَصْدِقَاءُ، وامرأة صَدِيقٌ، وصَدِيقَةٌ أيضًا، ورجل صِدِّيقٌ - بالكسر، والتثقيل: ملازم للصدق. انتهى

(1)

.

وفي رواية للبخاريّ: "وربما ذبح الشاةَ، ثمّ يقطّعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق خديجة".

وقولها: (فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ؟) بالنصب بفعل مقدّر؛ أي: "أتذكر خديجة؟ "، وفي رواية البخاريّ:"فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد".

قولها: "إنها كانت، وكانت"؛ أي: كانت فاضلةً، وكانت عاقلةً، ونحو ذلك، وعند أحمد من حديث مسروق، عن عائشة:"آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حَرَمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولادَ النساء".

وقوله: "وكان لي منها ولد" وكان جميع أولاد النبيّ صلى الله عليه وسلم من خديجة إلا إبراهيم، فإنه كان من جاريته مارية، والمتفق عليه من أولاده منها القاسم، وبه كان يُكْنَى، مات صغيرًا قبل المبعث، أو بعده، وبناته الأربع: زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، وقيل: كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة، وعبد الله، وُلِد بعد المبعث، فكان يقال له: الطاهر، والطيب، ويقال: هما أخوان له،

(1)

"المصباح المنير" 1/ 336.

ص: 39

ومات الذكور صغارًا باتفاق، ذكره في "الفتح"

(1)

.

وقوله: (إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا) ببناء الفعل للمفعول، قال القرطبيّ رحمه الله: كان حبه صلى الله عليه وسلم لها؛ لِمَا تقدم ذكره من الأسباب، وهي كثيرةٌ، كل منها كان سببًا في إيجاد المحبة

(2)

.

وقال النوويّ رحمه الله: فيه إشارة إلى أن حبّها فضيلة حصلت. انتهى

(3)

.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6259]

(. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، إِلَى قِصَّةِ الشَّاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

وكلّهم ذُكروا قبله، سوى زُهير، فتقدّم قبل أربعة أبواب.

وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ)؛ يعني: حديث أبي معاوية نحو حديث أبي أسامة الماضي.

وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا)؛ يعني: أن أبا معاوية لم يذكر في روايته بعد قصّة الشاة غيرها، والظاهر -كما يظهر من التنبيه التالي- أنه أراد عدم ذكره قوله:"ولقد أمره ربه. . . إلخ"، والله تعالى أعلم.

[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة هذه ساقها إسحاق بن راهويه رحمه الله في "مسنده"، فقال:

(720)

- أخبرنا أبو معاوية، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:"ما غِرْت على امرأة. من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكن لكثرة ذِكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، إن كان مما يَذبح الشاة، فيتتبّع بها صدائق خديجة يُهديها إليهنّ". انتهى

(4)

.

(1)

"الفتح" 8/ 525.

(2)

"المفهم" 6/ 317.

(3)

"شرح النوويّ" 15/ 201.

(4)

"مسند إسحاق بن راهويه" 2/ 212.

ص: 40

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6260]

(. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا غِرْت لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِه، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا، وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهيرٌ، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيع [9](ت 211) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.

3 -

(مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة من كبار [7](154) وهو ابن ثمان وخمسين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.

والباقون ذُكروا قبله.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، والمسائل المتعلّقة به، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6261]

(2436) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ).

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الذي قبله.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ أنها (قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى خَدِيجَةَ) رضي الله عنها (حَتَّى مَاتَتْ) قال في "الفتح": هذا مما كافأ النبيّ صلى الله عليه وسلم به خديجة في الدنيا حيث إنه لم يتزوج في حياتها غيرها، قال: وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عِظَم قَدْرها عنده، وعلى مزيد فضلها؛ لأنها

ص: 41

أغنته عن غيرها، واختصت به بقَدْر ما اشترك فيه غيرها مرتين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عامًا، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عامًا، وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فَصَان قلبها فيها من الغيرة، ومِن نَكَد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها، ومما اختصت به سَبْقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنَّت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهنّ؛ لِمَا ثبت أن:"من سَنَّ سُنَّة حسنةً. . ." الحديث، وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالنسبة إلى الرجال، ولا يَعْرِف قَدْر ما لكلٍّ منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله عز وجل

(1)

.

وقال النووي: في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد، وحفظ الودّ، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيًّا وميتًا، وإكرام معارف ذلك الصاحب. انتهى

(2)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [12/ 6261](2436)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(7/ 492 و 493)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(1/ 429)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(22/ 450)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 205)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(3/ 72)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6262]

(2437) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُوَلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاحَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"، فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا؟).

(1)

"الفتح" 8/ 525 - 526.

(2)

"شرح النوويّ" 15/ 202.

ص: 42

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ هرويّ الأصل، تقدّم قريبًا.

2 -

(عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، تقدّم أيضًا قريبًا.

والباقون ذُكروا قبله، ولطائف هذا الإسناد تقدّمت قريبًا.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها؛ أنها (قَالَت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)"هالة" -بفتح الهاء، وتخفيف اللام- بنت خُويلد رضي الله عنها، وكانت زوج الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، والد أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد ذكروها في الصحابة، وهو ظاهر هذا الحديث، وقد هاجرت إلى المدينة؛ لأن دخولها كان بها؛ أي: بالمدينة، ويَحْتَمِل أن تكون دخلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة حيث كانت عائشة معه في بعض سفراته، ووقع عند المستغفريّ من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بهذا السند:"قَدِم ابنٌ لخديجة، يقال له: هالة، فسمع النبيّ صلى الله عليه وسلم في قائلته كلام هالة، فانتبه، وقال: هالةُ هالةُ"، قال المستغفريّ: الصواب هالة أخت خديجة. انتهى.

ورَوَى الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق تميم بن زيد بن هالة عن أبي هالة، عن أبيه؛ أنه "دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو راقد، فاستيقظ، فضمَّه إلى صدره، وقال، هالةُ هالةُ"، وذكر ابن حبان، وابن عبد البرّ في الصحابة هالة بن أبي هالة التميميّ، فلعله كان لخديجة أيضًا ابن اسمه هالة، والله أعلم، قاله في "الفتح"

(1)

.

(فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ)؛ أي: تذكّر صفة استئذانها؛ لِشَبَه صوتها بصوت أختها، فتذكر خديجة بذلك

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قولها: "فعرف استئذان خديجة"؛ أي: تذكّر عند

(1)

"الفتح" 8/ 529، 530، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3821).

(2)

"عمدة القاري" 16/ 282، و"الفتح" 8/ 530.

ص: 43

استئذان هالة خديجة، وكأن نَغْمةَ هالة كانت تُشبه نَغْمةَ خديجة، وأصلُ هذا كله أن من أحب محبوبًا أحبَّ محبوباته، وما يتعلق به، وما يُشْبِهه. انتهى

(1)

.

(فَارْتَاحَ لِذَلِكَ) بالحاء المهملة؛ أي: اهتزّ لذلك سرورًا، ويُروى:"فارتاع" من الرَّوْع بفتح الراء؛ أي: فَزِع، والمراد من الفزع لازِمُه، وهو التغيّر

(2)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قولها: "فارتاح لذلك"؛ أي: هَشّ لمجيئها، وسُرّ بها؛ لتذكّره بها خديجة، وأيامها، وفي هذا كله دليل لِحُسن العهد، وحِفظ الوُدّ، ورعاية حرمة الصاحب، والعشير في حياته، ووفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب. انتهى

(3)

.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ("اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُويلِدٍ") بنصب هالةَ؛ أي: يا الله اجعلها هالةَ، فيكون منصوبًا على المفعولية، للفعل المقدّر، ويجوز رفعه، على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه هالةُ

(4)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: يجوز في "هالة" الرفع على خبر الابتداء؛ أي: هذه هالة، فأكرمها، وأحسن إليها، والنَّصب على إضمار فعل؛ أي: أَكْرِم هالةَ، واحفظها، وما أشبَه ذلك من التقدير الذي يليقُ بالمعنى. انتهى

(5)

.

(فَغِرْتُ) بكسر الغين المعجمة، وتقدّم ضَبْطه، (فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ) "ما" استفهاميّة في محل رفع مبتدأ خبره "تَذكُر"، وهو مبنيّ للفاعل، وقولها:(مِنْ عَجُوزٍ)"من" زائدة، و"عجوز" مفعول به لـ "تذكر"، وقولها:(مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ) متعلّق بصفة لـ "عجوز".

قال القرطبيّ رحمه الله: قول عائشة رضي الله عنها هذا قولٌ أخرجه منها فرط الغيرة، وخِفَّة الشباب، والدَّلال، ولذلك لم يُنكر عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم شيئًا مما قالت

(6)

، وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث أن الغَيْرى لا تُؤاخذ بما يصدرُ عنها

(1)

"المفهم" 6/ 317.

(2)

"عمدة القاري" 16/ 282.

(3)

"شرح النوويّ" 15/ 202.

(4)

"عمدة القاري" 16/ 282.

(5)

"المفهم" 6/ 317.

(6)

هذا غير صحيح، بل أنكر عليها، كما سيأتي بيانه قريبًا.

ص: 44

في حال غيرتها، وليس ذلك أخذًا صحيحًا؛ لأنَّ الغيرة هنا جزءُ السَّبب، لا كل السَّبب، وذلك أن عائشة رضي الله عنها اجتمع فيها تلك الأمور الثلاثة: الغيرة، والشباب -ولعل ذلك كان قبل بلوغها- والدَّلال، وذلك أنها: كانت أحب نسائه إليه بعد خديجة، فإحالة الصَّفح عنها على بعض هذه الأمور دون بعض تحكُّم، لا يقال: إنما يصحُّ إسناد الصَّفح إلى الغيرة؛ لأنَّها هي التي نصَّت عليها عائشة فقالت: "فغِرت"؛ لأنَّا نقول: لو سلّمنا أن غيرتها وحدها أخرجت منها ذلك القول لَمَا لزم أن تكون غيرتها وحدها هي الموجبة للصفح عنها، بل يَحْتَمِل: أن تكون الغيرة وحدها، ويَحْتمل أن تُعتبر باقي الأوصاف، لا سيما ولم ينص النبيّ صلى الله عليه وسلم على المسقط ما هو، فبقي الأمر محتملًا للأمرين، فلا تكون فيه حجَّة على ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي قريبًا التعقّب على كلام القرطبيّ هذا، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق.

وقولها: (حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ) بالجرّ صفة ثانية لـ "عجوز".

وقال أبو البقاء: يجوز في "حمراء" الرفع على القطع، والنصب على الصفة، أو الحال

(2)

، قال في "الفتح": والموجود في جميع النسخ، وفي مسلم:"حمراء" بالمهملتين، وحَكَى ابن التين أنه رُوي بالجيم، والزاي، ولم يذكر له معنى، وهو تصحيف، والله أعلم.

قال النوويّ رحمه الله: قولها: "حمراء الشدقين": معناه: عجوز كبيرة جدًّا حتى قد سقطت أسنانها من الكِبَر، ولم يبق لِشِدْقها بياض شيء من الأسنان، إنما بقي فيه حمرة لِثّاتها. انتهى

(3)

.

وقال القرطبي رحمه الله: قيل: معنى حمراء الشدقين: بيضاء الشدقين، والعرب تُطلق على الأبيض: الأحمر كراهةَ اسم البياض؛ لكونه يشبه البرص، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة:"يا حميراء"، ثم استبعد القرطبيّ هذا؛ لكون

(1)

"المفهم" 6/ 318.

(2)

"إعراب الحديث النبويّ" لأبي البقاء العكبريّ ص 342 رقم (411).

(3)

"شرح النوويّ" 15/ 202.

ص: 45

عائشة أوردت هذه المقالة مورد التنقيص، فلو كان الأمر كما قيل لنَصَّت على البياض؛ لأنه كان يكون أبلغ في مرادها، قال: والذي عندي أن المراد بذلك: نِسبتها إلى كِبَر السنّ؛ لأن من دخل في سن الشيخوخة مع قوة في بدنه يغلب على لونه غالبًا الحمرة المائلة إلى السمرة.

قال الحافظ: كذا قال، والذي يتبادر أن المراد بالشدقين: ما في باطن الفم، فكَنَت بذلك عن سقوط أسنانها حتى لا يبقى داخل فمها إلا اللحم الأحمر من اللِّثَةِ وغيرها، وبهذا جزم النوويّ وغيره. انتهى

(1)

.

(هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ) ولفظ البخاريّ: "قد أبدلك"(اللهُ خَيْرًا مِنْهَا؟ ")" قال القرطبيّ رحمه الله: تعني بـ "خيرًا": أجمل، وأشبّ -وتعني: نفسها-، لا أنها خير منها عند الله، وعند رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لِمَا تقدَّم من الأحاديث التي ذكرناها في صدر الكلام، وكونه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج على خديجة إلى أن ماتت، يدلّ على عظيم قَدْرها عنده، ومحبته لها، وعلى فضل خديجة أيضًا؛ لأنها اختصَّت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يشاركها فيه أحد؛ صيانة لقلبها من التَّغيير والغَيْرة، ومن مناكدة الضرة. انتهى

(2)

.

وقال ابن التين رحمه الله: في سكوت النبيّ صلى الله عليه وسلم على هذه المقالة دليل على أفضلية عائشة على خديجة رضي الله عنها، إلا أن يكون المراد بالخيرية هنا: حُسْن الصورة، وصِغَر السنّ. انتهى.

وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يلزم من كونه لم يُنقل في هذه الطريق أنه صلى الله عليه وسلم ردّ عليها عدم ذلك، بل الواقع أنه صدر منه ردّ لهذه المقالة، ففي رواية ابن أبي نجيح، عن عائشة، عند أحمد، والطبرانيّ في هذه القصة:"قالت عائشة: فقلت: أبدلك الله بكبيرة السنّ حديثة السنّ، فغضب، حتى قلت: والذي بعثك بالحقّ لا أذكرها بعد هذا إلا بخير".

وهذا يؤيد ما تأوله ابن التين في الخيرية المذكورة، والحديث يفسِّر بعضه بعضًا.

(1)

"الفتح" 8/ 529. 530، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3821).

(2)

"المفهم" 6/ 318.

ص: 46

ورَوَى أحمد أيضًا، والطبرانيّ، من طريق مسروق، عن عائشة، في نحو هذه القصة:"فقال صلى الله عليه وسلم: ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس. . ." الحديث

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا أخرجه المصنّف موصولًا، والبخاريّ تعليقًا. (المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [12/ 6262](2437)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3821) تعليقًا، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 117 - 118)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(2/ 587)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 22)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7008)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(5/ 386)، و (الحاكم) في "المستدرك"(4/ 318)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(7/ 307)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان شدّة حب النبيّ صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها، حيث كان يرتاع لسماع صوت أختها.

2 -

(ومنها): بيان ما جُبلت عليه المرأة من شدّة الغيرة، ولو كانت صالحة عالمة تقيّة، كعائشة رضي الله عنها.

3 -

(ومنها): ما قاله الطبريّ وغيره من العلماء: الغيرة مسامَح للنساء، ما يقع فيها، ولا عقوبة عليهنّ في تلك الحالة؛ لِمَا جُبلن عليه منها، ولهذا لم يزجر النبيّ صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها عن ذلك.

وتعقب القاضي عياض هذا بأن ذلك جرى من عائشة لِصِغَر سنّها، وأول شبيبتها، فلعلها لم تكن بلغت حينئذ.

قال الحافظ: وهو مُحْتَمِلٌ مع ما فيه من نظر.

(1)

"الفتح" 8/ 529، 530، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3821).

ص: 47

وقال القرطبيّ: لا تدل قصة عائشة رضي الله عنها هذه على أن الغيرى لا تؤاخذ بما يصدر منها؛ لأن الغيرة هنا جزء سبب، وذلك أن عائشة رضي الله عنها اجتمع فيها حينئذ الغيرة، وصِغَر السن، والإدلال، قال: فإحالة الصفح عنها على الغيرة وحدها تحكّم، نَعَم الحامل لها على ما قالت الغيرة؛ لأنها هي التي نَصّت عليها بقولها:"فغِرتُ"، وأما الصفح، فيَحْتَمِل أن يكون لأجل الغيرة وحدها، ويَحْتَمِل أن يكون لها ولغيرها من الشباب، والإدلال.

وتعقّب الحافظ هذا، فقال: الغيرة محقَّقة بتنصيصها، والشباب محتاج إلى دليل، فإنه صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وهي بنت تسع، وذلك في أول زمن البلوغ، فمن أين له أن ذلك القول وقع في أوائل دخوله عليها، وهي بنت تسع؟ وأما إدلال المحبة فليس موجبًا للصفح عن حقّ الغير، بخلاف الغيرة، فإنما يقع الصفح بها؛ لأن من يحصل لها الغيرة لا تكون في كمال عقلها، فلهذا تصدر منها أمور لا تصدر منها في حال عدم الغيرة، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله

(1)

، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}

(13) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها

-)

هي: عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها تقدم نَسَبها في ترجمة والدها عبد الله بن عثمان رضي الله عنهم، وأمها أم رُومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، وُلدت بعد المبعث بأربع سنين، أو خمس، فقد ثبت في "الصحيح" أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوجها، وهي بنت ست، وقيل: سبع، ويُجمع بأنها كانت أكملت السادسة، ودخلت في السابعة، ودخل بها وهي بنت تسع، وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى، كما أخرجه ابن سعد عن الواقديّ، عن أبي الرجال، عن أبيه، عن أمه عمرة، عنها، قالت: أعرس بي على رأس ثمانية أشهر، وقيل: في السنة الثانية من الهجرة، وقال الزبير بن بكار: تزوجها بعد موت خديجة، قيل: بثلاث سنين.

(1)

"الفتح" 8/ 529، 530، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3821).

ص: 48

وفي "الصحيحين" من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا بنت ست سنين، وبنى بي، وأنا بنت تسع، وقُبض وأنا بنت ثمان عشرة سنة.

وأخرج ابن أبي عاصم من طريق يحيى القطان، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة قالت: لما تُوفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون، وذلك بمكة: أي رسول الله ألا تزوج؟ قال: "من؟ " قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا، قال:"فمن البكر؟ " قالت: بنت أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر، قال:"ومن الثيّب؟ " قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك، واتبعتك، قال:"فاذهبي، فاذكريهما علي"، فجاءت: فدخلت بيت أبي بكر، فوجدت أم رُومان، فقالت: ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، قالت: وددت انتظري أبا بكر، فجاء أبو بكر، فذكرت له، فقال: وهل تصلح له؟ وهي بنت أخيه، فرجعت، فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"قولي له: أنت أخي في الإسلام، وابنتك تحلّ لي"، فجاء، فأنكحه، وهي يومئذ بنت ست سنين، ثم ذكر قصة سودة، وفي "الصحيحين" أيضًا لم ينكح بكرًا غيرها، وهو متفق عليه بين أهل النقل، وكانت تكنى أم عبد الله، فقيل: إنها ولدت من النبي صلى الله عليه وسلم ولدًا، فمات طفلًا، ولم يثبت هذا، وقيل: كناها بابن أختها عبد الله بن الزبير، وهذا الثاني وَرَد عنها من طرق، منها عند ابن سعد، عن يزيد بن هارون، عن حماد، عن هشام بن عروة، عن عباد بن حمزة، عن عائشة.

وأخرج الترمذيّ من طريق الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن غالب؛ أن رجلًا نال من عائشة عند عمار بن ياسر، فقال: اعْزُب مقبوحًا، أتؤذي محبوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأخرجه ابن سعد من وجه آخر عن أبي إسحاق، عن حميد بن عريب نحوه وقال: مقبوحًا منبوحًا، وزاد: إنها لزوجته في الجنة. انتهى ملخّصًا من "الإصابة"

(1)

.

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 8/ 231 - 235.

ص: 49

وقال القرطبيّ رحمه الله: تُوُفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمَرَت أن تُدفن ليلًا، فدُفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلَّى عليها أبو هريرة رضي الله عنه، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله، وعروة ابنا الزبير، والقاسم، ومحمد ابنا محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وكانت فاضلةً، عالمةً، كاملةً، قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامَّة، وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا طبٍّ، ولا شعرٍ من عائشة، وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى لشعرٍ من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما روايتي في رواية عائشة؟! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا. قال الزهري: لو جُمع عِلم عائشة إلى عِلم أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم وعِلم جميع النساء لكان عِلم عائشة أفضل.

وجملة ما روت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ألفا حديث، ومئتا حديث، وعشرة أحاديث. أخرج منها في "الصحيحين" ثلاثمائة إلا ثلاثة أحاديث. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6263]

(2438) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ -وَاللَّفْظُ لأَبِي الرَّبِيعِ- حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإذَا أَنْتِ هِيَ، فَأقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ

(2)

يُمْضِهِ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثعلب -بالثاء المثلثة، والعين المهملة- البزار -بالراء آخره-، المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيار في القراءات [10](229)(م د) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.

(1)

"المفهم" 6/ 320 - 321.

(2)

وفي نسخة: "إن يك من عند الله".

ص: 50

2 -

(أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في السند الماضي.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين رضي الله عنها؛ (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أُرِيتُكِ) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: أراني الله تعالى إيّاك (فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ) هو جبريل عليه السلام، كما يأتي مفسّرًا، وفي رواية:"إذا رجل يَحملك"، فيُجمع بينهما على أن الملَك تمثّل له حينئذ رجلًا، ووقع في رواية ابن حبان، من طريق أخرى، عن عائشة:"جاء بي جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم". (فِي سَرَقَةٍ) السَّرَقة -بفتح السين المهملة، والراء، والقاف- هي القطعة، ووقع في رواية ابن حبان:"في خِرْقة حرير"، وقال الداوديّ: السرقة: الثوب، فإن أراد تفسيره هنا فصحيح، وإلا فالسرقة أعمّ.

وأغرب المهلَّب، فقال: السرقة كالكِلّة، أو كالبرقع، وعند الآجريّ من وجه آخر، عن عائشة: "لقد نزل جبريل بصورتي في راحته، حين أمر

(1)

رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني".

ويُجمع بين هذا وبين ما قبله بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة، والخرقةُ في راحته، ويَحْتَمِل أن يكون نزل بالكيفيتين؛ لقولها في نفس الخبر:"نزل مرتين".

وقال القرطبيّ رحمه الله: السَّرَقة -بفتح الراء-: واحدة السَّرق، وهي شقق الحرير البيض. وقيل: الجيد من الحرير. وقال أبو عبيد: وأحسبها فارسية،

(1)

هكذا النسخة، ولعله:"أراد"، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

ص: 51

وأصلها سَرَة، وهو: الجيد. وأنشد غير أبي عبيد للعجاج [من الرجز]:

ونَسَجَتْ لَوَامِعُ الْحَرُورِ

سَبَائِبًا كَسَرَقِ الْحَرير

والسَّبائب -بالهمز والباء-: هي ما رَقَّ من الثياب كالْخُمُر، ونحوها. قال المهلَّب: السَّرَقَةُ: كالكِلَّة والبرقع، والأول: هو المعروف، وفيه دليل على أن للرؤيا ملَكًا يمثّل الصور في النوم، كما قد حكيناه عن بعض العلماء. انتهى

(1)

.

وقوله: (مِنْ حَرِيرٍ) تأكيد؛ كقوله: {أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} [الكهف: 31]، والأساور لا تكون إلا من ذهب، وإن كان من فضة تسمى قُلْبًا، وإن كانت من قرون أو عاج تسمى مُسْكة، قاله في "العمدة"

(2)

.

(فَيَقُولُ) ذلك الملَك: (هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ) عبّر بصيغة المضارع استحضارًا لصورة الحال، (فَإِذَا أَنْتِ هِيَ) "إذا" هنا هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني وجودك، قال القرطبيّ؛ أي: إنه رآها في النوم كما رأها في اليقظة، فكان المراد بالرؤيا ظاهرها. انتهى

(3)

.

(فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ) وفي بعض النسخ: "إن يك من عند الله"، (يُمْضِهِ") بضمّ أوله، من الإمضاء، وهو مجزوم؛ لأنه جواب الشرط؛ أي: يُنَفِّذه، ويكمله

(4)

.

قال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أن تكون هذه الرؤيا قبل النبوة، وأن تكون بعدها، وبعد العِلم، فإن رؤياه وحي، فعبَّر عما عَلِمه بلفظ الشك، ومعناه اليقين؛ إشارةً إلى أنه لا دَخْل له فيه، وليس ذلك باختياره، وفي قدرته. انتهى.

قال في "العمدة": "بيَّن حماد بن سلمة في روايته المراد، ولفظه: "أُتيت بجارية في سرقة من حرير، بعد وفاة خديجة، فكشفتها، فإذا هي أنت"، وهذا يدفع الاحتمال الذي ذكره الكرمانيّ"

(5)

.

وقال في "الفتح": قال عياض: يَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل البعثة، فلا إشكال فيه، وإن كان بعدها ففيه ثلاث احتمالات:

(1)

"المفهم" 6/ 321.

(2)

"عمدة القاري" 24/ 150.

(3)

"المفهم" 6/ 322.

(4)

"عمدة القاري" 24/ 150.

(5)

"عمدة القاري" 24/ 150.

ص: 52

أحدها: التردد هل هي زوجته في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط؟

ثانيها: أنه لفظُ شكٍّ لا يراد به ظاهره، وهو أبلغ في التحقق، ويسمى في البلاغة: مزجُ الشك باليقين.

ثالثها: وجه التردد هل هي رؤيا وحي على ظاهرها، وحقيقتها؟ أو هي رؤيا وحي لها تعبير؟ وكلا الأمرين جائز في حق الأنبياء.

قال الحافظ: الأخير هو المعتمَد، وبه جزم السهيليّ عن ابن العربيّ، ثم قال: وتفسيره باحتمال غيرها لا أرضاه، والأول يردّه أن السياق يقتضي أنها كانت قد وجدت، فإن ظاهر قوله:"فإذا هي أنت" مشعر بأنه كان قد رآها، وعرفها قبل ذلك، والواقع أنها وُلدت بعد البعثة، ويردّ أول الاحتمالات الثلاث رواية ابن حبان في آخر حديث الباب:"هي زوجتك في الدنيا والآخرة"، والثاني بعيد. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 6263 و 6264](2438)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3795) و"النكاح"(5078 و 5125) و"التعبير"(7011 و 7012)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 41 و 128) وفي "فضائل الصحابة"(1638)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(8/ 64)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(4498 و 4600)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7093)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 41 و 42 و 43)، و (الخطيب) في "تاريخه"(5/ 428)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(7/ 85)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3292)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل عائشة رضي الله عنها، حيث إن الله عز وجل أراها النبيّ صلى الله عليه وسلم في منامه قبل أن يتزوّجها، وأخبره بأنها زوجته في الدنيا والآخرة.

(1)

"الفتح" 8/ 441، كتاب "النكاح" رقم (5125).

ص: 53

2 -

(ومنها): أن البخاريّ رحمه الله استدلّ به على جواز النظر للمرأة الأجنبيّة قبل أن يتزوّجها، فقال:"باب النظر إلى المرأة قبل التزويج"، قال ابن المنير رحمه الله: في الاحتجاج بهذا الحديث للترجمة نظرٌ؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت إذ ذاك في سنّ الطفولية، فلا عورة فيها البتة، ولكن يستأنس به في الجملة في أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد. انتهى.

3 -

(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: قوله: "إن يك من عند الله يُمضِه" ظاهره الشَّك في صحة هذه الرؤيا، فإنْ كان هذا منه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فلا إشكال فيه؛ لأنَّ حُكمه حُكم البشر، وأما إن كان بعد النبوة فهو مشكِل؛ إذ رؤيا الأنبياء وحي كما تقدَّم، والوحي لا يُشَكّ فيه، وقد انفُصِل عن هذا بأن قيل: إنَّ شكه لم يكن في صحة أصل الرؤيا، وإن ذلك من الله، ولكن في كون هذه الرؤيا على ظاهرها، فلا تحتاج إلى تعبير، أو المقصود بها معناها، فتحتاج إلى تعبير، أو في كونها امرأته في الدنيا، أو في الآخرة.

وقيل: لم يكن عنده شك في ذلك، بل محققًا له، لكنه أتى به على صورة الشك، وهو غير مراد، كما قال الشاعر [من الطويل]:

أيا ظَبْيَة الوَغْساءِ بَيْنَ حَلاحِل

وبَيْنَ النَّقا أَأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ؟

وهذا نوع من أنواع البلاغة معروف عند أهلها يسمى: تجاهل العارف، وقد سُمِّي مزج الشك باليقين، ونحو منه قوله تعالى:{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94]، ونحوه، وقوله تعالى:{وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111)} [الأنبياء: 111]، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشك في شيء من ذلك، لكن أتى به على التقدير، لا التحقيق. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6264]

(. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ).

(1)

"المفهم" 6/ 321 - 322.

ص: 54

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوْديَ، أبو محمد الكوفيّ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [8](192) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.

والباقون ذُكروا في الباب وقبله.

[تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس، عن هشام بن عروة هذه ساقها أبو عوانة رحمه الله في "مسنده"، فقال:

(4278)

- حدّثنا أبو أمية، قثنا

(1)

يوسف بن بهلول، قثنا عبد الله بن إدريس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أريتك في المنام في يد ملَك، يقول: هذه زوجتك، فأقول: إن كان هذا من عند الله يُمضه". انتهى

(2)

.

ورواية أبي أسامة، عن هشام ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:

(4790)

- حدّثنا عبيد بن إسماعيل، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أريتك في المنام مرتين؛ إذا رجل يحملك في سَرَقة حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه". انتهى

(3)

.

وساقها أيضًا ابن حبّان رحمه الله في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:

(7093)

- أخبرنا ابن خزيمة، حدّثنا محمد بن العلاء أبو كريب، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يك هذا من عند الله يُمضه". انتهى

(4)

، والله تعالى أعلم.

(1)

قوله "قثنا" في الموضعين مختصر من "قال: حدّثنا"، فتنبّه.

(2)

"مسند أبي عوانة" 23/ 82.

(3)

"صحيح البخاريّ" 5/ 1953.

(4)

"صحيح ابن حبان" 16/ 5.

ص: 55

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6265]

(2439) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وإذَا كُنْتِ غَضْبَى، قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ"، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، وكذا لطائف الإسناد سبقت.

[تنبيه]: قوله في السند الأول: (وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) هو من كلام أبي بكر بن أبي شيبة، ثم إن هذا لا يضرّ في صحة الحديث حيث كان وجادة؛ لأنه وَصَله بعده من رواية أبي كريب، كما نبّه على ذلك الرشيد العطار، وقد تقدّم ذلك في "مقدّمة شرح المقدّمة"

(1)

، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لأَعْلَمُ) قال في "الفتح": يؤخذ منه استقراء الرجل حال المرأة من فِعلها وقولها، فيما يتعلق بالميل إليه وعدمه، والحكم بما تقتضيه القرائن في ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جزم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذِكرها لاسمه، وسكوتها، فبنى على تغير الحالتين من الذِّكر والسكوت تغيّر الحالتين من الرضا والغضب، ويَحْتَمِل أن يكون انضم إلى ذلك شيء آخر أصرح منه، لكن لم ينقل. انتهى

(2)

.

قال القاضي عياض رحمه الله: مغاضبة عائشة للنبيّ صلى الله عليه وسلم هي مما سبق من

(1)

راجع: "قرة عين المحتاج" 1/ 126.

(2)

"الفتح" 8/ 678، كتاب "النكاح" رقم (5228).

ص: 56

الغيرة التي عُفي عنها للنساء في كثير من الأحكام، كما سبق؛ لعدم انفكاكهنّ منها، حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة: يسقط عنها الحدّ إذا قَذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة، قال: واحتُجّ بما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: "ما تدري الغيرى أعلى الوادي من أسفله"، ولولا ذلك لكان على عائشة في ذلك من الحرج ما فيه؛ لأن الغضب على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهَجْره كبيرة عظيمة، ولهذا قالت:"لا أهجر إلا اسمك"، فدلّ على أن قلبها وحبها كما كان، وإنما الغيرة في النساء؛ لفرط المحبة. انتهى

(1)

.

(إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَىَّ غَضْبَى") بفتح الغين المعجمة، والقصر تأنيث غضبان. (قَالَتْ) عائشة:(فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: "أمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى، قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ"، قَالَتْ) عائشة: (قُلْتُ: أَجَلْ) كنعم وزنًا ومعنًى، قال الأخفش: إلا أن "نعم" أحسن من "أجل" في جواب الاستفهام، و"أجل" أحسن من "نعم" في التصديق، قال الحافظ: وهو في الحديث على وفق ما قال. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ: "أجل"؛ تعني: نعم، وتعني بذلك أنها، وإن أعرضت عن ذكر اسمه في حالة غضبها، فقلبها مغمور بمحبته صلى الله عليه وسلم لم يتغيَّر منها شيء. وفي هذا ما يدلّ على ما كانا عليه من صفاء المحبة وحُسن العشرة، وفيه ما يدلّ على: أن الاسم غير المسمَّى، وهي مسألة اختلف فيها أهل اللسان والمتكلمون، وللكلام فيها مواضع أخر. انتهى

(3)

.

(وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا) نافية، (أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ) قال الطيبيّ رحمه الله: هذا الحصر لطيف جدًّا؛ لأنها أخبرت أنها إذا كانت في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره، لا تتغير عن المحبة المستقرّة، فهو كما قيل [من الكامل]:

إِنِّي لأَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وإنَّنِي

قَسَمًا إِلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لأَمْيَلُ

وقال ابن الْمُنَيِّر رحمه الله: مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية، ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة مودةً ومحبة. انتهى.

(1)

"شرح النوويّ" 15/ 203.

(2)

"الفتح" 13/ 652 - 653.

(3)

"المفهم" 6/ 322 - 323.

ص: 57

وفي اختيار عائشة رضي الله عنها ذِكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام دون غيره من الأنبياء دلالة على مزيد فطنتها؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَولى الناس به، كما نَصّ عليه القرآنُ، فلمّا لم يكن لها بُدّ من هجر الاسم الشريف أبدلته بمن هو منه بسبيل، حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة، قاله في "الفتح"

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 6265 و 6266](2439)، و (البخاريّ) في "النكاح"(5228) و"الأدب"(6078)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 365)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 61 و 213)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7112)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(8/ 298 و 299)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 119 و 120 و 122)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(10/ 27)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(2238)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان سعة أخلاق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وشدّة تحمّله ما يحصل من النساء بسبب الغيرة.

2 -

(ومنها): بيان شدّة غيرة النساء، وتحمّل الرجال ذلك منهنّ، والعفو والصفح عنهنّ.

3 -

(ومنها): ما قاله القاضي عياض: استَدَلَّ بعضهم بهذا أن الاسم غير المسمى في المخلوقين، وأما في حق الله تعالى فالاسم هو المسمى، قال القاضي: وهذا كلام مَن لا تحقيق عنده مِن معنى المسألة لغة ولا نظرًا، ولا شك عند القائلين بأن الاسم هو المسمى من أهل السُّنَّة وجماهير أئمة اللغة أو مخالفيهم من المعتزلة أن الاسم قد يقع أحيانًا، والمراد به التسمية، حيث كان

(1)

"الفتح" 8/ 678، كتاب "النكاح" رقم (5228).

ص: 58

في خالق، أو مخلوق، ففي حق الخالق تسمية المخلوق له باسمه، وفعل المخلوق ذلك بعباراته المخلوقة، وأما أسماؤه عز وجل التي سمى بها نفسه فقديمة، كما أن ذاته وصفاته قديمة وكذلك لا يختلفون أن لفظة الاسم إذا تكلم بها المخلوق فتلك اللفظة والحروف والأصوات المقطعة المنفهم منها الاسم أنها غير الذات، بل هي التسمية، وإنما الاسم الذي هو الذات ما يفهم منه من خالق ومخلوق. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ في هذه المسألة ما قاله بعض المحقّقين

(2)

: إن الصواب أن الاسم قد يراد به المسمّى، وقد يراد به غير المسمّى، وهو اللفظ؛ كقولك: الله مشتقّ، وأصله الإله، والرحمن عربيّ، فأسماء الله تعالى إذا وردت في سياق الدعاء، والاستعاذة، فالمراد بها المسمّى، وإذا وردت في مقام التعداد، واختلاف الدلالات، فالمراد بها الأسماء الدالّة على المسمّى، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن لله تسعًا وتسعين اسمًا. . ."، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6266]

(. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: "لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ"، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).

رجال هذا الإسناد: ثلاثة:

وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله، و"عبدة" هو: ابن سليمان الكلابيّ.

وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) فاعل "يذكر" ضمير عبدة، هكذا نصّ مسلم على أن عبدة لم يذكر ما بعد قوله:"لا ورب إبراهيم"، لكن الذي وجدته أنه ذكر ما بعده، فقد أخرج البخاريّ الحديث في "صحيحه"، كما في التنبيه التالي، وكذا أحمد في "مسنده"، وغيرهما، من طريق عبدة عن هشام، وفيه الزيادة المذكورة، ولعلّ مسلمًا وجد ما أشار إليه، فإنه إمام مطّلع، والله تعالى أعلم.

(1)

"شرح النوويّ" 15/ 203 - 204.

(2)

راجع: ما كتبه الشيخ البراك في هامش "الفتح" 17/ 342، كتاب "التوحيد".

ص: 59

[تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة هذه ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:

(5728)

- حدّثنا محمد

(1)

، أخبرنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف غضبك ورضاك"، قالت: قلت: وكيف تعرف ذاك يا رسول الله؟ قال: "إنك إذا كنت راضية قلت: بلى ورب محمد، وإذا كنت ساخطة قلت: لا ورب إبراهيم"، قالت: قلت: أجل لست أهاجر إلا اسمك. انتهى

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6267]

(2440) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: وَكَانَتْ تَأتِينِي صَوَاحِبِي، فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ المدنيّ، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، وكذا لطائف الإسناد قد تقدّمت.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ) قال في "العمدة": بالبنات: هي التماثيل التي تسمى لُعَب البنات، وهي مشهورة، وقال الداوديّ: يَحْتَمِل أن يكون الباء بمعنى "مع"، والبنات: الجواري. انتهى

(3)

.

وزاد في الرواية التالية: "وهُنّ اللُّعَبُ"، قال القرطبيّ رحمه الله: و"اللُّعَب": جمع لُعْبة، وهو ما يُلعب به، والبنات: جمع بنت، وهنَّ الجواري، وأضيفت اللُّعب للبنات؛ لأنهنَّ هنَّ اللواتي يصنعنها، ويلعبن بها، وقد تقدَّم القول في جواز ذلك، وفي فائدته، وأنه مستثنى من الصور الممنوعة؛ لأنَّ ذلك من باب

(1)

هو ابن سلام البيكنديّ.

(2)

"صحيح البخاريّ" 5/ 2257.

(3)

"عمدة القاري" 22/ 170.

ص: 60

تدرّب النساء من صغرهن على النظر لأنفسهنّ، وبيوتهنّ، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن، غير مالك فإنَّه كره ذلك، وحَمَله بعض أصحابه على كراهية الاكتساب بذلك. انتهى

(1)

.

(عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: وَكَانَتْ تَأْتِينِي صَوَاحِبِي) جمع صاحبة، ويُجمع أيضًا على صواحبات، وهنّ الجواري من أقرانها، وفي رواية البخاريّ:"وكان لي صواحب يلعبن معي"، (فَكُنَّ)؛ أي: صواحباتها (يَنْقَمِعْنَ)؛ أي: ينقبضن، ويستترن حياء، وفي لفظ للبخاريّ:"يتقمّعن"، بمثناة، وتشديد الميم المفتوحة، قال في "الفتح": وفي رواية الكشميهنيّ بنون ساكنة، وكسر الميم: ومعناه: أنهن يتغيبن منه، ويدخلن من وراء الستر، وأصله من قِمَع التمرة

(2)

؛ أي: يدخلن في الستر، كما يدخلن التمرة في قِمَعها. انتهى.

وقال في "العمدة": قوله: "ينقمعن منه"؛ أي: يذهبن، ويستترن من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو من الانقماع، من باب الانفعال، وهو رواية الكشميهنيّ، وعند غيره:"يتقمعن" من التقمع من باب التفعل، ومادته قاف، وميم، وعين مهملة، وقال أبو عبيد: يتقمعن؛ يعني: يدخلن البيت، وَيغِبْن، ويقال: الإنسان قد انقمع، وتقمّع: إذا دخل في الشيء، وقال الأصمعيّ: ومنه سمّي القِمَع الذي يُصب فيه الدهن وغيره؛ لدخوله في الإناء. انتهى

(3)

.

(مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) هيبةً له، (قالَتْ) عائشة:(فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ) بسين مهملة، ثم موحّدة؛ أي: يُرسلهن إليها، ويسكِّنهنَّ، ويؤنسهنَّ حتى يزول عنهنَّ ما كان أصابهنَّ منه، فيَرجعنَ يلعبْنَ معها كما كنَّ

(4)

.

وقال في "العمدة": قوله: "فيسرّبهنّ" بالسين المهملة؛ أي: يرسلهنّ، من

(1)

"المفهم" 6/ 323.

(2)

القمع بكسر، ففتح: ما على التمر ونحوها، وهو الذي تتعلّق به، والقِمَع أيضًا: آلة تُجعل في فم السقاء، ويُصبّ فيها الزيت ونحوه، وهما مثلُ عِنَبٍ في الحجاز، ومثل حِمْل للتخفيف في تميم، والجمع أقماع. انتهى. "المصباح" 2/ 516.

(3)

"عمدة القاري" 22/ 170

(4)

"المفهم" 6/ 323 - 324.

ص: 61

التسريب، وهو الإرسال، والتسريح، والسارب: الذاهب، يقال: سَرَّب عليه الخيلَ، وهو أن يبعث عليه الخيل قطعةً بعد قطعة، وقوله:"إليّ" بتشديد الياء المفتوحة. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 6267 و 6268](2440)، و (البخاريّ) في "الأدب"(6130)، و (أبو داود) في "الأدب"(4931)، و (النسائيّ) في "المجتبى"(6/ 131)، و (ابن ماجه) في "النكاح"(1982)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(19722)، و (الحميديّ) في "مسنده"(260)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 166 و 233 و 234)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 275 و 277 و 278 و 280)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(5863)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(8/ 62)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(10/ 219)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل عائشة رضي الله عنها، حيث كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُحبها حبًّا شديدًا.

2 -

(ومنها): بيان لُطف النبيّ صلى الله عليه وسلم، وحُسْن معاشرته، فمن ذلك أنه كان يترك عائشة رضي الله عنها تلعب بالبنات مع صواحباتها، بل إذا خِفن منه، وانقمعن، يرسلهن إليها، حتى تقضي وَطَرَها من اللعب، وهذا غاية اللطف، وكريم الأخلاق، وحُسْن المعاشرة.

3 -

(ومنها): ما قاله القاضي عياض رحمه الله: فيه جواز اللعب بالبنات، قال: وهنّ مخصوصات من الصور المنهيّ عنها، لهذا الحديث، ولِمَا فيه من تدريب النساء في صغرهنّ لأَمْر أنفسهنّ، وبيوتهنّ، وأولادهنّ، قال: وقد أجاز العلماء بيعهنّ وشراءهنّ، ورُوي عن مالك كراهة شرائهنّ، وهذا محمول على

(1)

"عمدة القاري" 22/ 170.

ص: 62

كراهة الاكتساب بها، وتنزيه ذوي المروءات عن تولّي بيع ذلك، لا كراهة اللعب، قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهنّ، وقالت طائفة: هو منسوخ بالنهي عن الصور. انتهى كلام القاضي رحمه الله

(1)

.

وقال في "الفتح": واستُدِلّ بهذا الحديث على جواز اتخاذ صُوَر البنات، واللُّعَب من أجل لَعِب البنات بهنّ، وخُصّ ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللُّعَب للبنات لتدريبهنّ من صِغَرهنّ على أمر بيوتهن، وأولادهن، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وإليه مال ابن بطال، وحَكَى عن ابن أبي زيد، عن مالك، أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور، ومن ثم رجّح الداودي أنه منسوخ، وقد ترجم ابن حبان الإباحة لصغار النساء اللَّعِبَ باللُّعَب، وترجم له النسائيّ:"إباحةُ الرجل لزوجته اللعب بالبنات"، فلم يقيّد بالصغر، وفيه نظر.

قال البيهقيّ بعد تخريجه: ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيُحْمَل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزيّ، وقال المنذريّ: إن كانت اللُّعَب كالصورة فهو قبل التحريم، وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة، وبهذا جزم الْحَلِيميّ، فقال: إن كانت صورة كالوثن لم يَجُزْ، وإلا جاز.

وقيل: معنى الحديث: اللَّعب مع البنات؛ أي: الجواري، والباء هنا بمعنى "مع"، حكاه ابن التين عن الداوديّ، وردّه. قال الحافظ: ويردّه ما أخرجه ابن عيينة في "الجامع" من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، عنه، عن هشام بن عروة، في هذا الحديث:"وكنّ جواري يأتين، فيلعبن بها معي"، وفي رواية جرير، عن هشام:"كنت ألعب بالبنات، وهُنَّ اللُّعَب"، أخرجه أبو عوانة وغيره.

وأخرج أبو داود، والنسائيّ من وجه آخر، عن عائشة قالت:"قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، أو خيبر. . ." فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها، قالت: فكشف ناحية الستر علي بنات لعائشة لُعَب،

(1)

"شرح النوويّ" 15/ 204.

ص: 63

فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت بناتي، قالت: ورأى فيها فرسًا مربوطًا له جناحان، فقال: ما هذا؟ قلت: فرس، قال: فرس له جناحان؟ قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة، فضحك"، فهذا صريح في أن المراد باللُّعَب غير الآدميات.

قال الخطابيّ: في هذا الحديث أن اللَّعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما أرخص لعائشة فيها؛ لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ.

قال الحافظ: وفي الجزم به نظر، لكنه مُحْتَمِلٌ؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتها، أو جاوزتها، أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك، فكانت قد بلغت قطعًا، فيترجح رواية من قال: في خيبر، ويُجْمَع بما قال الخطابيّ؛ لأن ذلك أَولى من التعارض. انتهى الحافظ رحمه الله

(1)

، وهو بحث مفيد.

خلاصته: أن الحديث يدلّ على الترخيص للبنات قبل البلوغ أن يلعبن بالبنات؛ لتدريبهنّ على تربية أولادهنّ، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6268]

(. . .) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: كُنْتُ أَلعَبُ بِالْبَنَاتِ فِي بَيْتِهِ، وَهُنَّ اللُّعَبُ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، و"جرير" هو: ابن عبد الحميد، و"ابن نمير" هو: محمد بن عبد الله بن نمير.

وقوله: (كلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ) ضمير الجماعة لهؤلاء الثلاثة: أبي أسامة، وجرير بن عبد الحميد، ومحمدَ بن بشر.

(1)

"الفتح" 13/ 700 - 701، كتاب "الأدب" رقم (6130).

ص: 64

[تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة ساقها أبو عوانة رحمه الله في "مسنده"، فقال:

(4262)

- حدّثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثيّ، قثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، بإسناده:"كنت ألعب بالبنات، فتجيء صواحبي، فكنّ ينقمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَرِّبهنّ يلعبن معي". انتهى

(1)

.

ورواية جرير بن عبد الحميد عن هشام ساقها ابن أبي الدنيا رحمه الله في "كتاب العيال" بسند المصنّف، فقال:

(559)

- حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:"تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا بنت سبع سنين، وبنى بي، وأنا بنت تسع سنين، قالت: وكنت ألعب بالبنات في بيته، وهي اللُّعَب، وكُنّ جَواري يختلفن إليّ، فكن ينقمعن -يعني: يستترن- من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يسرّبهنّ، فيدخلن عليّ، فيلعبن معي". انتهى

(2)

.

ورواية محمد بن بشر عن هشام ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:

(26003)

- حدّثنا محمد بن بشر، قال: ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ أنها:"كانت تلعب بالبنات، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يأتي بصواحبي يلعبن معي". انتهى

(3)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6269]

(2441) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم).

(1)

"مسند أبي عوانة" 23/ 78.

(2)

"العيال" 2/ 756.

(3)

"مسند الإمام أحمد بن حنبل" 6/ 233.

ص: 65

رجال هذا الإسناد: خمسة:

وكلّهم ذُكروا في الباب.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ)؛ أي: في تقديمها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، (يَوْمَ عَائِشَةَ)؛ المعنى: أنهم ينتظرون اليوم الذي يبيت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عائشة رضي الله عنها، فيُقدّمون إليه هداياهم في ذلك اليوم؛ لِعِلْمهم بأنه صلى الله عليه وسلم يحب ذلك؛ لحبّه عائشة رضي الله عنها أكثر من غيرها.

(يَبْتَغُونَ) بِالغين المعجمة، من الابتغاء؛ أي: يطلبون، ويُروى:"يتّبعون" من الاتّباع. (بِذَلِكَ)؛ أي: بتحرّيهم يوم عائشة رضي الله عنها (مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: لأنه يفرح به؛ لكونه أهدي له، وهو في بيت أحبّ الناس إليه.

[تنبيه]: أخرج البخاريّ رحمه الله هذا الحديث في "صحيحه" مختصرًا، ولفظه:

(2580)

- حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس يتحرّون بهداياهم يومي، وقالت أم سلمة: إن صواحبي اجتمعن، فذكَرَت له، فأعرض عنها. انتهى

(1)

.

فقال في "الفتح": هكذا أورده مختصرًا جدًّا، وقد أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم، والإسماعيليّ من طريق محمد بن عبيد، زاد الإسماعيليّ، وخلف بن هشام، كلاهما عن حماد بن زيد، بهذا الإسناد، بلفظ:"كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة، فقلن لها: خَبِّري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يُهدوا له حيث كان، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: فأعرض عني، قالت: فلما عاد إليّ ذكرت له ذلك، فأعرض عني. . ." الحديث، وقد أخرجه البخاريّ في مناقب عائشة، عن عبد الله بن عبد الوهاب، عن حماد بن زيد، فقال: عن هشام، عن أبيه:"كان الناس يتحرون. . ." فذكره بتمامه، مرسلًا.

(1)

"صحيح البخاريّ" 2/ 911.

ص: 66

ورَوَى ابن سعد في طبقات النساء، من حديث أم سلمة قالت:"كان الأنصار يكثرون إلطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم: سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وعمارة بن حزم، وأبو أيوب، وذلك لِقُرب جوارهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم". انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 6269](2441)، و (البخاريّ) في "الهبة"(2574 و 2580 و 2581) و"فضائل الصحابة"(3775)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3879)، و (النسائيّ) في "المجتبى"(7/ 68) و"الكبرى"(5/ 284)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(6/ 169)، وفوائده تأتي في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى-.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6270]

(2442) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَأذَنَتْ عَلَيْه، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، وَأنَا سَاكِتَةٌ، قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيْ بُنَيَّةُ، ألَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ "، فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ:"فَأَحِبِّي هَذِهِ"، قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْنَ

(1)

"الفتح" 6/ 429، كتاب "الهبة" رقم (2580).

ص: 67

لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ، فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاللهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم زينَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهِيَ الَّتي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ أَرَ امْرَأةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زينَبَ، وَأَتْقَى للهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حَدٍّ، كَانَتْ فِيهَا تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ، قَالَتْ: فَاسْتَأذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا، عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا، وَهُوَ بِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ، وَأنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ، هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا؟ قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، قَالَتْ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حِينَ أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَتبَسَّمَ:"إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ").

رجال هذا الإسناد: تسعة:

1 -

(الْحَسَنُ بْنُ عَليٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلال، تقدّم قريبًا.

2 -

(أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر هاشم بن القاشم البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، واسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [11](ت 245)(م ت س) تقدم في "المقدمة" 6/ 36.

3 -

(يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [9](ت 208)(ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 141.

4 -

(أَبُوهُ) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريبًا.

5 -

(صَالِحُ) بن كيسان أبو محمد أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدِّب ولد

ص: 68

عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [4] مات بعد سنة ثلاثين، أو بعد الأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 141.

6 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ المدنيّ، أخو أبي بكر، ثقةٌ [3](خت م س).

رَوَى عن عائشة، وعنه الزهريّ.

قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وقال النسائي: ثقةٌ، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وقال الأزدي في "الضعفاء": محمد بن عبد الرحمن بن الحارث: قال ابن معين: ليس حديثه بشيء.

قال الجامع عفا الله عنه: من المعلوم أن ابن معين يُطلق هذه العبارة أحيانًا على من يكون قليل الحديث، ولا يريد بذلك تضعيف الراوي، وهو الظاهر هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.

والباقون ذُكروا في الباب وقبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو مسلسل بالمدنيين، سوى شيوخه، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: صالح، وابن شهاب، ومحمد بن عبد الرحمن، وفيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة.

شرح الحديث:

(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) المخزومي المدنيّ (أَنَّ عَائِشَةَ زوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وروى ابن سعد من مرسل علي بن الحسين؛ أن التي خاطبتها بذلك منهنّ زينب بنت جحش، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم سألها: أرسلتك زينب؟ قالت: زينب وغيرها، قال: أهي التي وَليَتْ ذلك؟

ص: 69

قالت: نعم

(1)

. (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وسبب الإرسال هو ما أخرجه الشيخان، وغيرهما، واللفظ للبخاريّ، من طريق حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، قال: كان الناس يَتَحَرَّون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير، كما تريده عائشة، فمُرِي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يأمر الناس أن يُهدُوا إليه، حيث ما كان، أو حيث ما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليّ ذكرت له ذاك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال:"يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحيُ، وأنا في لِحَاف امرأة منكن غيرها".

وأخرج أيضًا من طريق سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، "أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كُنّ حزبين، فحزب فيه عائشة، وحفصة، وصفية، وسودة، والحزب الآخر أم سلمة، وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية، يريد أن يُهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخَّرها حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بيت عائشة، بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، فكلّم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يُهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، فليُهده إليه، حيث كان، من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: فكلميه، قالت فكَلَّمَتْهُ حين دار إليها أيضًا، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأة، إلا عائشة"، قالت: فقلت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله، ثم إنهنّ دعون فاطمة، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأَرْسَلَت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر. . ." الحديث.

(فَاسْتَأذَنَتْ عَلَيْهِ)؛ أي: طلبت الإذن بالدخول عليه صلى الله عليه وسلم (وَهُوَ مُضْطَجِعٌ)

(1)

"الفتح" 6/ 430.

ص: 70

اسم فاعل من الاضطجاع، افتعال من الضَّجْعِ، يقال: ضَجَعتُ ضَجْعًا، من باب نفع، وضُجُوعًا: وَضَعْتُ جنبي بالأرض، وأَضْجعتُ بالألف لغةٌ. قاله الفيّوميّ رحمه الله. والجملة في محل نصب على الحال؛ أي: والحال أنه صلى الله عليه وسلم واضع جنبه على الأرض. (مَعِي فِي مِرْطي) بكسر الميم، وسكون الراء: كساء من صوفٍ، أو خَزٍّ، يُؤتزرُ به، وتَتَلَفَّع المرأة به، والجمع: مُرُوط، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول. قاله الفيّوميّ رحمه الله.

قال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله: وفي دخول فاطمة، وزينب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مع عائشة في مِرْطها، دليلٌ على جواز مثل ذلك؛ إذ ليس فيه كشف عورة، ولا ما يُستقبح على من فَعَل ذلك مع خاصّته، وأهله. انتهى

(1)

.

قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: قد تبيّن برواية مسلم، والنسائيّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة أن كلًّا منهما لم يدخل إلا بعد استئذان، فلو كره صلى الله عليه وسلم دخولهما على تلك الحالة لحجبهما، أو تغيّر عن حالته التي كان عليها.

[فإن قلت]: فقد رَوَى النسائيّ

(2)

، وابن ماجه من رواية البَهِيّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما علمت حتى دخلت عليّ زينب بغير إذن، وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول الله أحسبك، إذا قَلَبَتْ بُنَيّةُ أبي بكر ذُرَيْعَتَيها، ثم أقبلت عليّ، فأعرضت عنها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:"دونك فانتصري"، فأقبلت عليها، حتى رأيتها، وقد يبس ريقها في فيها، ما تردّ عليّ شيئًا، فرأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه.

[قلت]: الظاهر أن هذه واقعة أخرى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث المذكور حديث صحيح، وهذا الذي قاله وليّ الدين رحمه الله: مِن حَمْل هذه القصّة على أنها واقعة أخرى حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.

(فَأَذِنَ) صلى الله عليه وسلم (لَهَا)؛ أي: لفاطمة بالدخول عليه، (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ

(1)

"المفهم" 6/ 324.

(2)

أي: في "الكبرى" 5/ 290.

ص: 71

أَزْوَاجَكَ ارْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ) قال النوويّ رحمه الله: معناه: يسألنك التسوية في محبّة القلب، وكان صلى الله عليه وسلم يُسوّي بينهنّ في الأفعال، والمبيت، ونحوه، وأما محبّة القلب فكان يحبّ عائشة رضي الله عنها أكثر منهنّ، وأجمع المسلمون على أن محبّتهنّ لا تكليف فيها، ولا يلزمه التسوية فيها؛ لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله، وإنما أمر بالعدل في الأفعال، وقد اختلف أصحابنا، وغيرهم من العلماء في أنه صلى الله عليه وسلم، هل كان يلزمه القَسْم بينهنّ في الدوام، والمساواة في ذلك، كما يلزم غيره، أم لا يلزمه، بل يفعل ما يشاء، من إيثار وحرمان؟، فالمراد بالحديث: طلب المساواة في محبّة القلب، لا العدل في الأفعال، فإنه كان حاصلًا قطعًا، ولهذا كان يُطاف به صلى الله عليه وسلم في مرضه عليهنّ حتى ضَعُف، فاستأذنهنّ في أن يُمَرَّض في بيت عائشة، فأَذِنَّ له. انتهى

(1)

.

وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله: طلبُ أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم منه العدل بينهنّ، وبين عائشة -رضي الله تعالى عنهنّ- ليس على معنى أنه جارَ عليهنّ، فمنَعهنّ حقًّا هو لهنّ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم منزَّهٌ عن ذلك، ولأنه لم يكن العدل بينهنّ واجبًا عليه، لكن صَدَر ذلك منهنّ بمقتضى الْغَيْرة، والحرص على أن يكون لهنّ مثلُ ما كان لعائشة رضي الله عنها من إهداء الناس له، إذا كان في بيوتهنّ، فكأنهنّ أردن أن يأمر من أراد أن يُهدي له شيئًا ألّا يتحرّى يوم عائشة رضي الله عنها، ولذلك قال:"وكان الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة".

ويَحْتَمِل أن يقال: إنهنّ طلبن منه أن يُسوّي بينهنّ في الحبّ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها:"ألست تُحبّين من أُحبّ؟ " قالت: بلى، قال:"فأَحِبِّي هذه"، وكلا الأمرين لا يجب العدل فيه بين النساء، أما الهديّة فلا تُطلب من المهدي، فلا يتعيّن لها وقتٌ، وأما الحبّ، فغير داخل تحت قدرة الإنسان، ولا كسبه. انتهى

(2)

.

وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: مقتضى القصّة التي سُقناها من عند البخاريّ أن الذي طَلَبْنه منه مساواتهنّ لعائشة في الإهداء للنبيّ صلى الله عليه وسلم في بيوتهنّ، وقد صرّحت له أم سلمة بذلك مرارًا قبل حضور فاطمة، وزينب، ولم يصدُر

(1)

"شرح النوويّ" 15/ 205 - 206.

(2)

"المفهم" 6/ 324 - 325.

ص: 72

ذلك منهن عن اعتدال، وهذا الكلام فيه تعريضٌ بطلب الهديّة، واستدعائها، وذلك ينافي كماله صلى الله عليه وسلم أن يقوله على سبيل العموم، أما قوله ذلك لواحد بعينه على سبيل الانبساط إليه، وتكريمه فلا مانع منه، بل آحاد ذوي المودّات يمتنع من مثل ذلك، ولعلّ قوله صلى الله عليه وسلم في جواب أم سلمة:"لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة"، إشارة إلى أن تقليب قلوب الناس للإهداء في نوبة عائشة أمرٌ سماويٌّ، لا حِيلة لي فيه، ولا صُنْع بدليل اختصاصها بنزول الوحي عليّ، وأنا في ثوبها، دون غيرها من أمهات المؤمنين، فلا يمكنني قَطْعُ ذلك، ولا آمُرُ الناس بخلافه. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله

(1)

، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.

وقولها: (وَأنَا سَاكِتَةٌ) جملة في محل نصب على الحال. (قَالَتْ) عائشة: (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيْ بُنيَّةُ)"أيْ" حرف نداء للقريب، (أَلسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ "، فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: "فَأَحِبِّي هَذِهِ") يريد عائشة رضي الله عنها. (قَالَتْ) عائشة: (فَقَامَتْ فَاطِمَةُ) رضي الله عنها من مجلسها ذلك (حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فَأخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ)؛ أي: بما قالته فاطمة للنبيّ صلى الله عليه وسلم من قولها: "إن أزواجك أرسلنني إليك. . . إلخ"، (وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: وبالجواب الذي ردّه عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو قوله:"ألست تُحبّين. . . إلخ"، (فَقُلْنَ لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ)؛ أي: لم تنفعينا بقضاء حاجتنا، (فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: مرّةً أخرى، (فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ) -بفتح حرف المضارعة، وضمّ الشين المعجمة-: أي: يسألنك، يقال: نَشَدتُ فلانًا: إذا قلت له: نشدتك الله؛ أي: سألتك اللهَ، كأنك ذكّرته إيّاه. وفي رواية:"يناشدنك الله العدل"؛ أي: يسألنك بالله العدل (فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ) أبو قُحافة: هو والد أبي بكر رضي الله عنهما، وفي نِسبتها إلى جدِّها، وإن كان صحيحًا سائغًا، إلا أن فيه نوع غضٍّ منها؛ لِنَقْص رتبته بالنسبة إلى أبيها الصدّيق، لا سيّما إن كان ذلك قبل إسلام أبي قُحافة رضي الله عنهم، قاله وليّ الدين رحمه الله. (فَقَالَتْ فَاطِمَةُ) رضي الله عنها:(وَاللهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا) وفي رواية

(1)

"طرح التثريب في شرح التقريب" 7/ 51 - 52.

ص: 73

النسائيّ: "قالت فاطمة: لَا وَاللهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا" بتكرار "لا"، والثانية مؤكّدة للأولى، كُرّرت للفصل بينها وبين الفعل بالقَسَم.

(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم زينَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) رضي الله عنها، قالت عائشة:(وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي)؛ أي: تطاولني، وترافعني، وهو مأخوذٌ من السّمُوّ، وهو العلوّ والرفعة. تعني أنها كانت تتعاطى أن يكون لها من الْحُظوة والمنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلُ ما كان لعائشة عنده. وقيل: إنه مأخوذٌ من قولهم: سامه؛ أي: كلّفه ما يَشُقّ عليه، ويُذلّه. وفيه بُعْدٌ من جهة اللسان والمعنى. قاله أبو العباس القرطبيّ.

وقال القاضي عياض رحمه الله في "المشارق": معنى "تساميني"؛ أي: تضاهيني، وتعاندني، وتطاولني، وأصله من السّمُوّ، والارتفاع، يقال: فلان يسمو إلى المعالي؛ أي: يتطاول إليها، ورأيت بعضهم فسَّره مِن سَوْمِ الْخَسْف، وهو تجشّم الإنسان ما يشق عليه، ويكرهه، وملازمة ذلك عليه، كأنه ذهب إلى أن معناه: تؤذيني، وتُغيظني، ولا يصح على هذا من جهة العربية أن يقال في المفاعلة منه: سامَني، إنما يصح فيه ساوم، والوجه ما قلناه. انتهى

(1)

.

(مِنْهُنَّ)؛ أي: من أزواجه صلى الله عليه وسلم، (فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ أَرَ امْرَأةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زينَبَ، وَأَتْقَى للهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِم، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ) الابتذال مصدر ابتذل، من البِذْلة، وهي الامتهان بالعمل والخِدْمة. (الَّذِي تَصَدَّقُ بِه، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى) بحذف إحدى التاءين من الفعلين، كما في قوله عز وجل:{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ} [القدر: 4]، قال في "الخلاصة":

وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ

فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"

والمعنى: تتصدّق به على الفقراء والمساكين، وتتقرّب به إلى الله تعالى، فكانت زينب رضي الله عنها تعمل بيديها عمل النساء، من الغزل، والنسج، وغير ذلك، مما جرت به عادة النساء بعمله، والكسب به، فتتصدّق بذلك، وتَصِل به ذوي

(1)

"مشارق الأنوار" 2/ 221.

ص: 74

رحمها، وهي التي كانت أطولهنّ يدًا بالعمل والصدقة، وهي التي قال النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها:"أسرعكنّ لحاقًا بي أطولكنّ يدًا"، فقد أخرج الشيخان، واللفظ للبخاريّ، عن عائشة رضي الله عنها؛ أن بعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، قلن للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أينا أسرع بك لحوقًا؟، قال:"أطولكن يدًا"، فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدًا، فعلمنا بعدُ أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة.

وفيه فضيلة ظاهرةٌ لعائشة وزينب رضي الله عنهما، أما زينب، فَلِما اتّصفت به من هذه الخصال الحميدة، وأما عائشة، فلأنه لم يمنعها ما كان بينهما من وصفها بما تعرفه منها.

وقوله: (مَا عَدَا) من صيغ الاستثناء، وهي مع "ما" فعل يَنصب ما بعده، وبدونها حرف يَخفِضُ ما بعده على المشهور في الحالتين، ومثلها "خلا"، و"حاشا" لكنها لا تصحب "ما"، كما أشار إلى ذلك ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة" حيث قال:

وَاسْتَثْنِ نَاصِبًا بِـ "لَيْسَ" و"خَلَا"

وَبِـ "عَدَا" وَبِـ "يَكُونُ" بَعْدَ "لَا"

وَاجْرُرْ بِسَابِقَيْ "يَكُونُ" إِنْ تُرِدْ

وَبَعْدَ "مَا" انْصِبْ وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ

وَحَيْثُ جَرَّا فَهُمَا حَرْفَانِ

كَمَا هُمَا إِنْ نَصَبَا فِعْلَانِ

وَكَـ "خَلَا""حَاشَا" وَلَا تَصْحَبُ "مَا"

وَقِيلَ "حَاشَ" و"حَشَا" فَاحْفَظْهُمَا

(سَوْرَةً) -بفتح السين المهملة، وإسكان الواو، وبعدها راء، ثم هاء-: هو الثَّوَرَان، وعَجَلَة الغضب، ومنه سَوْرة الشراب، وهي قوّته، وحدّته؛ أي: يعتريها ما يعتري الشاربَ من الشراب. وهو منصوب على الاستثناء، كما قدّمناه، ويجوز جرّه على قلّة.

وقولها: (مِنْ حِدَّةٍ) بيان للسورة، وهو -بكسر الحاء، وتشديد الدال المهملتين-: الغضب. وقولها: (كَانَتْ فِيهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "حِدّة"، قال القرطبيّ: ويُروى هذا الحرف: "ما عدا سَوْرة حَدٍّ" - بفتح الحاء، من غير تاء تأنيث؛ أي: سرعة غضب. انتهى.

قال النوويّ: ومعنى الكلام: أنها كانت كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدّة خُلُق، وسُرْعة غضب، تُسرع منها.

ص: 75

قال القرطبيّ: ولأجل هذه الحدّة وقعت بعائشة، واستطالت عليها؛ أي: أكثرت عليها من القول والعتب، وعائشة رضي الله عنها ساكتةٌ تنتظر الإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتصار، فلمّا علمت أنه لا يَكره ذلك من قرائن أحواله انتصرت لنفسها، فجاوبتها، وردّت عليها قولها حتى أفحمتها، وكانت زينب لمّا بدأتها بالعتب واللوم، كأنها ظالمةٌ، فجاز لعائشة أن تنتصر؛ لقوله تعالى:{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)} [الشورى: 41] انتهى.

(كَانَتْ فِيهَا تُسْرعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ) -بفتح الفاء، وسكون الياء، بعدها همزة-: المرة من الفيء، وهو الرجوع؛ تعني: أن زينب، وإن كان فيها سُرْعة غضب، إلا أنها تسرع الرجوع من ذلك، ولا تصرّ عليه.

قال النوويّ: وقد صحّف صاحب "التحرير" في هذا الحديث تصحيفًا قبيحًا جدًّا، فقال:"ما عدا سودة" وجعلها سودة بنت زمعة. وهذا من الغلط الفاحش، نبّهت عليه؛ لئلّا يُغترّ به. انتهى

(1)

.

(قَالَتْ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا) تقدّم ضبطه، ومعناه قريبًا. (عَلَى الْحَالَةِ الَّتي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا، وَهُوَ بِهَا)؛ أي: والحال أنه صلى الله عليه وسلم بتلك الحالة، (فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَني إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي)؛ أي: سَبَّتني على عادة الضرّات، قال القرطبيّ: هو مأخوذ من الوقيعة التي هي معركة الحرب. وقيل: هو مأخوذٌ من الوقع، وهو أَلَمُ الرِّجْل من المشي، ومنه قولهم: كلّ الحذا يَحتذي الحافي الْوَقِعُ -بكسر القاف-. انتهى

(2)

.

(فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ)؛ أي: أكثرت عليّ من القول، والْعَتْب (وَأنَا أَرْقُبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم) -بضمّ القاف- من باب نصر؛ أي: أنتظر، وأراعي (وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ) -بفتح الطاء المهملة، وسكون الراء-؛ أي: عَيْنه، (هَلْ يَأْذَنُ لِى فِيهَا؟)؛ أي: في الانتصار منها. (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمْ تَبْرَحْ زينَبُ) -بفتح الراء- من باب تَعِب؛ أي: لم تزل من مكانها، ولم ترجع إلى بيتها، (حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ)؛ أي: من قرائن أحواله صلى الله عليه وسلم.

(1)

"شرح النوويّ" 15/ 206 - 207.

(2)

"المفهم" 6/ 326.

ص: 76

قال النوويّ رحمه الله: اعلم أنه ليس فيه دليلٌ على أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَذِن لعائشة، ولا أشار بعينه، وغيرها، بل لا يحلّ اعتقاد ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم يحرُمُ عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها، فلم يَنهها. انتهى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أنه لا يحلّ اعتقاد ذلك يعكر عليه ما رواه النسائيّ في "الكبرى"، وابن ماجه في "سننه" بإسناد صحيح، من أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها:"دونك، فانتصري"، فالذي يظهر أن هذا ليس من خائنة الأعين، بل هو من نَصْر المظلوم، فلا يَحْرُم عليه صلى الله عليه وسلم، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

وقال في "الفتح": وفي هذا جواز العمل بما يُفهَم من القرائن، لكن روى النسائيّ، وابن ماجه مختصرًا من طريق عبد الله البهيّ، عن عروة، عن عائشة قالت:"دخلت عليّ زينب بنت جحش، فسبّتني، فردعها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأبت، فقال: سُبّيها، فسَبَبْتُها حتى جَفّ ريقها في فمها"، فيمكن أن يُحْمَل على التعدد. انتهى

(1)

.

(قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا)؛ أي: سَبَبْتُها؛ جزاء لسبّها، (لَمْ أنْشَبْهَا) وفي الرواية التالية:"لم أنشبها أن أثخنتها عليه"، وفي رواية النسائيّ:"لَمْ أَنْشَبْهَا بِشَيْءٍ"؛ أي: لم أُمهلها، ولم أتلبّث حتى أوقعت بها، وأصله من نَشِبَ بالشيء، أو في الشيء: إذا تعلّق به، واحتبس فيه، أو بسببه. (حَتَّى أنْحَيْتُ عَلَيْهَا) -بالنون، والحاء المهملة، بعدها مثنّاةٌ تحتيّةٌ-؛ أي: قصدتها، واعتمدتها بالمعارضة، -والمشهور بالثاء المثلّثة، والخاء المعجمة، والنون-؛ أي: قمعتها، وقهرتها، أو بالغت في جوابها، وأفحمتها.

وقال القرطبيّ: كذا الرواية بالنون، والحاء المهملة، والياء المثنّاة من تحتها، ومعناه: إني أصبت منها بالذمّ ما يؤلمها، فكأنها أصابت منها مَقْتلًا. وفي "الصحاح": أنحيت على حَلْقه بالسكّين؛ أي: عَرَضت، وحينئذ يرجع معنى هذه الرواية لمعنى الرواية الأخرى التي هي "أثخنتها"؛ أي: أثقلتها بجراح الكَلِمِ، وهو مأخوذ من قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} الآية [محمد: 4]؛

(1)

"الفتح" 6/ 431.

ص: 77

أي: أثقلتموهم بالجراح، أو أكثرتم فيهم القتل. انتهى

(1)

.

وقال النوويّ رحمه الله: أما "أنحيت" فبالنون المهملة؛ أي: قصدتها، واعتمدتها بالمعارضة، وفي بعض النسخ:"حين" بدل "حتى"، وكلاهما صحيح، ورجّح القاضي "حين" بالنون، ومعنى "لم أنشبها": لم أُمهلها، وفي الرواية الثانية:"لم أنشبها أن أثخنتها عليه" بالعين المهملة وبالياء، وفي بعض النسخ:"غَلَبَةً" بِالغين المعجمة، و"أثخنتها" بالثاء المثلثة، والخاء المعجمة؛ أي: قمعتها، وقهرتها، وقولها أوّلًا:"ثم وقعت بي"؛ أي: استطالت عليّ، ونالت مني بالوقيعة فيّ. انتهى

(2)

.

(قَالَتْ) عائشة: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَتبَسَّمَ: "إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ")؛ أي: إنها شريفة عاقلةٌ، عارفةٌ كأبيها، ففيه إشارة إلى كمال فهمها، ومتانة عقلها، حيث صبرت إلى أن أثبتت أن التعدّي من جانب الخصم، ثم أجابت بجواب إلزام.

وكأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أبا بكر كان عالمًا بمناقب مُضَر، ومثالبها، فلا يُستغرب من بنته أن تتلقى ذلك منه، كما قال الشاعر [من الرجز]:

بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الْكَرَمْ

وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ

وقال القرطبيّ: قوله: "إنها ابنة أبي بكر" تنبيهٌ على أصلها الكريم الذي نشأت عنه، واكتسبت الجزالة والبلاغة، والفضيلة منه، وطيبُ الفروع بطيب عروقها، وغذاؤها من عروقها، كما قال [من الكامل]:

طِيبُ الْفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ وَلَمْ يُرَ

فَرْعٌ يَطِيبُ وَأَصْلُهُ الزَّقُّومُ

ففيه مَدْح عائشة، وأبيها رضي الله تعالى عنهما. انتهى، والله تعالى أعلم

(3)

.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(1)

"المفهم" 6/ 327.

(2)

"شرح النوويّ" 15/ 207.

(3)

"المفهم" 6/ 327.

ص: 78

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 6270 و 6271](2442)، و (البخاريّ) في "الهبة"(2581)، و (النسائيّ) في "المجتبى"(3395 و 3396 و 3397) و"الكبرى"(8892 و 8893 و 8894)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(11/ 432)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 150)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(2/ 344)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7105)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(2/ 53)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(7/ 299)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل عائشة رضي الله عنها، ومنقبتها الظاهرة، حيث كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُحبّها أكثر من غيرها من أزواجه، حتى عرف الناس ذلك، فكانوا يتحرّون بهداياهم يومها؛ طلبًا لمرضاته صلى الله عليه وسلم.

2 -

(ومنها): بيان جواز حبّ الرجل بعض زوجاته أكثر من بعض، لكن بشرط أن لا يميل بسببه عن العدل في القَسْم إلى الجور.

3 -

(ومنها): تنافس الضرائر، وتغايرهنّ على الرجل، وأن الرجل يسعه السكوت إذا تقاولن، ولا يميل مع بعض على بعض.

4 -

(ومنها): أنه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتُّحَف، وإنما اللازم العدل في المبيت، والنفقة، ونحو ذلك من الأمور اللازمة. كذا قرّره ابن بطّال عن المهلّب. وتعقّبه ابن المنيّر بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، وإنما فعله الذين أهدوا له، وهم باختيارهم في ذلك، وإنما لم يمنعهم النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرّض الرجل إلى الناس بمثل ذلك؛ لِمَا فيه من التعرّض لطلب الهديّة، وأيضًا فالذي يُهدي لأجل عائشة كأنه مَلَّك الهديّة بشرط، والتمليك يتّبع فيه تحجير المالك، مع أن الذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يُشَرّكهنّ في ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطيّة تصل إليهنّ من بيت عائشة -رضي الله تعالى عنهنّ-.

5 -

(ومنها): قَصْد الناس بالهدايا أوقات المسرّة، ومواضعها؛ ليزيد ذلك في سُرور المُهْدَى إليه.

6 -

(ومنها): جواز التشكّي، والتوسّل في ذلك.

ص: 79

7 -

(ومنها): ما كان عليه أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مهابته، والحياء منه، حتى راسلنه بأعزّ الناس عنده فاطمة رضي الله عنها.

8 -

(ومنها): سرعة فهمهنّ، ورجوعهنّ إلى الحقّ، والتوقّف عنه.

9 -

(ومنها): إدلال زينب بنت جحش على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لكونها كانت بنت عمّته، كانت أمها أُمَيمة -بالتصغير- بنت عبد المطّلب.

10 -

(ومنها): أنه يجوز للمرأة أن تتصدّق مما تكسبه في بيت زوجها، من غير أَمْره.

11 -

(ومنها): ما قاله الداوديّ: وفيه عذر النبيّ صلى الله عليه وسلم لزينب. قال ابن التين: ولا أدري من أين أخذه؟. قال الحافظ: كأنه أخذه من مخاطبتها النبيّ صلى الله عليه وسلم لطلب العدل مع علمها بأنه أعدل الناس، لكن غلبت عليها الغيرة، فلم يؤاخذها النبيّ صلى الله عليه وسلم بإطلاق ذلك. وإنما خصّ زينب بالذِّكر؛ لأن فاطمة رضي الله عنها كانت حاملة رسالة خاصّة، بخلاف زينب، فإنها شريكتهنّ في ذلك، بل رأسهنّ؛ لأنها هي التي تولّت إرسال فاطمة أوّلًا، ثم سارت بنفسها.

12 -

(ومنها): أنه استُدلّ به على أن القَسْم كان واجبًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، كذا قيل، ولكن تقدّم أن الأصحّ أنه ليس واجبًا عليه، بل يَقسم من عند نفسه كرمًا وفضلًا، والله تعالى أعلم بالصواب.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6271]

(. . .) - (حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَهُ فِي الْمَعْنَى، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أثْخَنْتُهَا غَلَبَةً).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) -بضم القاف، وسكون الهاء، ثم زاي- المروزيّ، ثقةٌ [11](262)(م) من أفراد المصنّف تقدم في "المقدمة" 5/ 32.

2 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جبلة -بفتح الجيم، والموحّدة- ابن أبي رَوَّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- العتكيّ -بفتح العين المهملة، والمثناة- أبو عبد الرحمن المروزيّ الملَقَّب عبدان، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 221) في شعبان (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 5/ 32.

ص: 80

3 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) المروزيّ، مولى بني حنظلة، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عالمٌ جوادٌ مجاهدٌ جُمعت فيه خصال الخير [8](ت 181) وله ثلاث وستون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 32.

4 -

(يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأيليّ -بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، بعدها لام- أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ ثبتٌ من كبار [7](ت 159) على الصحيح، وقيل: سنة ستين (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.

و"الزهريّ" ذُكر قبله.

[تنبيه]: رواية يونس بن يزيد عن الزهريّ هذه ساقها البيهقيّ رحمه الله في "الكبرى"، فقال:

(14526)

- أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبيّ، وأبو بكر محمد بن أحمد الداربرديّ، وأبو محمد الحسن بن محمد الحليمي بمرو، قالوا: ثنا أبو المُوَجِّه محمد بن عمرو الفزاريّ، أنا عبدان بن عثمان، أنا عبد الله بن المبارك، أنا يونس، عن الزهريّ، أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ أن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: أرسل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مضطجع مع عائشة في مرطها، فَأَذِن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: وأنا ساكتة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألست تحبين ما أحب؟ " قالت: بلى، قال:"فأحبي هذه"، قالت: فقامت فاطمة رضي الله عنها حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجعت إليهنّ، فأخبرتهنّ بالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولي له: إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: والله لا أكلمه فيها أبدًا، قالت عائشة رضي الله عنها، فأرسلن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تساميني منهنّ، ولكني ما رأيت امرأة خيرًا في الدين من زينب رضي الله عنها أتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقةً، وأشدّ ابتذالًا لنفسها من العمل الذي تصدّق به، وتتقرب به إلى الله عز وجل، ما عدا حِدّةً فيها توشك الفيئة فيه، قالت: فاستأذنْتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة في

ص: 81

مرطها بمنزلة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها، قالت: فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت عليّ، وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقب طرفه، هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب بنت جحش حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها، لم أنشب أن أعتبتها عليه، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبسّم:"إنها ابنة أبي بكر".

قال الشيخ

(1)

رحمه الله: لم يُقم شيخنا هذه اللفظة، ولعل الصواب: أن أثخنتها غلبةً، وفي رواية أخرى:"أنحيت عليها"، رواه مسلم في "الصحيح" عن محمد بن عبد الله بن قُهزاذ، عن عبدان. انتهى

(2)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6272]

(2443) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيَتَفَقَّدُ، يَقُولُ: "أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أنَا غَدًا؟ "؛ اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي، وَنَحْرِي).

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه ذُكر في الباب قبل ستة أحاديث، وكذا الكلام في قوله:"وجدت في كتابيّ"، فلا تغفل، والله تعالى الموفّق.

[تنبيه]: قوله هنا: "وجدت في كتابي" قد تكلّم فيه الحافظ رشيد الدين العطّار في "غرره"

(3)

، فقال: هكذا أورده مسلم، ولم يخرجه في كتابه إلا في هذا الموضع وحده، فيما علمت، بهذا الإسناد، وقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه" متصلًا من غير وجادة، وهو ما أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن علي المسعوديّ الأنصاريّ، أنا أبو عبد الله محمد بن بركات السعيديّ، أخبرتنا

(1)

هو: البيهقيّ رحمه الله.

(2)

"سنن البيهقي الكبرى" 7/ 299.

(3)

تقدّم كلام العطار رحمه الله هذا في مقدّمة "شرح المقدّمة" 1/ 125.

ص: 82

كريمة بنت أحمد المروزية، أنا أبو الهيثم الكشميهنيّ، أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربريّ، أنا محمد بن إسماعيل البخاريّ، ثنا إسماعيل

(1)

، ثنا سليمان

(2)

، عن هشام (ح). . . .

قال: وحدّثني محمد بن حرب، ثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكرياء، عن هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعذر في مرضه، أين أنا اليوم؟ أين أنا غدًا؟ استبطاءً ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين سَحْري ونَحْري، ودُفن في بيتي صلى الله عليه وسلم.

وأخرجه أيضًا عن عُبيد بن إسماعيل الكوفيّ، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا مرسلًا، إلا أنه قال في آخره: قالت عائشة: فلما كان يومي سَكَن. وهذا متصل، والله أعلم.

ويحيى بن أبي زكريا المذكور في هذا الإسناد هو الغسانيّ شاميّ، وربما اشتبه بيحيى بن زكريا الكوفيّ، وهو ابن أبي زائدة؛ لاشتراكهما في الرواية عن هشام بن عروة، والأول يكنى أبا مروان، وابن زائدة يكنى أبا سعيد، هَمْدانيّ.

وقوله في هذه الرواية التي أوردناها من طريق البخاريّ: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعذر، قال الخطابيّ: معناه يتعسّر، ويتمنع، وأنشد:

وَيَوْمًا عَلَى ظَهْرِ الْكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ

وأكثر الرواة يرويه: "ليتقدر" بالقاف من التقدير، وفي كتاب مسلم:"ليتفقد" من التفقّد، كما أوردناه.

وقولها: "بين سحري ونحري": والسحر بفتح السين المهملة، وضمّها: الرئة، وقال بعضهم: هو ما بين ثدييها، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ العطار رحمه الله

(3)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن إسناد المصنّف رحمه الله مما اختُلف في وصله؛ لأنه من نوع الوجادة، والوجادة فيها اختلاف بين العلماء، والراجح أنها ليست متّصلةً، ولعل المصنّف ممن يرى الرواية بها، ولا سيّما

(1)

هو: ابن أبي أويس.

(2)

هو: ابن بلال المدنيّ.

(3)

"غرر الفوائد" 1/ 272 - 275.

ص: 83

فيما إذا كان متّصلًا من طرق أخرى عند البخاريّ، وإنما أوردها من طريق الوجادة دون غيرها لكونها سماعه من شيخه، فأدّاها على ما لم يسمعه.

والحاصل: أن الحديث صحيح، لا شكّ فيه، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ أنها (قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم)"إن" بكسر الهمزة، وسكون النون مخفّفة من الثقيلة، ولذا جاءت اللام الفارقة بينهما وبين "إن" النافية بعدها، كما قال في "الخلاصة":

وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ

وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذا مَا تُهْمَلُ

وقال في "العمدة": كلمة "إِنْ" هذه مخففة من الثقيلة، فتدخل على الجملتين، فإن دخلت على الاسمية جاز إعمالها، خلافًا للكوفيين، وحَكَى سيبويه: إِنْ عمرًا لمنطلقٌ، وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالها، وههنا دخلت على الفعلية، والأكثر كون الفعل ماضيًا. انتهى

(1)

.

(لَيَتَفَقَّدُ)؛ أي: يطلب، ويسأل يوم عائشة استبطاءً له، يقال: تفقّدته: إذا طلبته عند غيبته

(2)

.

ووقع عند البخاريّ بلفظ: "ليتعذّر"، قال في "العمدة": هو بالعين المهملة، والذال المعجمة؛ أي: يطلب العذر فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت عائشة رضي الله عنها، ويمكن أن يكون بمعنى: يتعسر؛ أي: يتعسر عليه ما كان عليه من الصبر، وعند ابن التين في رواية أبي الحسن:"ليتقدر" بالقاف، والدال المهملة، قال الداوديّ: معناه: يسأل عن قَدْر ما بقي إلى يومها؛ ليهوّن عليه بعض ما يجد؛ لأن المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند غيره من الأُنس والسكون. انتهى

(3)

.

وقولها: (يَقُولُ) بيان لمعنى تفقدّه: ("أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ ")؛ أي: أين أكون في هذا اليوم؟ وأين أكون غدًا؟ وقال الكرمانيّ: يريد بقوله:

(1)

"عمدة القاري" 8/ 223.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 978.

(3)

"عمدة القاري" 8/ 223.

ص: 84

"أين أنا اليوم؟ لمن النوبة اليوم؟ ولمن النوبة غدًا؟ أي: في حجرةِ أيِّ امرأة من النساء أكون غدًا؟. انتهى

(1)

.

(اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ)؛ أي: يستطيل يومها؛ اشتياقًا إليها، وإلى نوبتها (قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ) "كان" هنا تامّة، كما قال الحريريّ في "ملحته":

وَإِنْ تَقُلْ: "يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ"

فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ

وقال في "الخلاصة":

. . . . . . . . . . . .

وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي

والمعنى هنا: جاء (يَوْمِي)؛ أي: يوم نوبتي الذي يكون فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم عندي، وقال النوويّ رحمه الله: أي: كان يومها الأصيل بحساب الدَّوْر، والْقَسْم، وإلا فقد كان صار جميع الأيام في بيتها. انتهى

(2)

.

(قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي، وَنَحْرِي) قال القرطبيّ رحمه الله: الرواية الصحيحة: "سَحْري" بسين مفتوحة، غير معجمة، والسَّحر: الرئة، والنَّحر: أعلى الصدر، وأرادت أنه صلى الله عليه وسلم تُوُفّي، وهو مستند إلى موضع سَحْرها، وهو الصدر، كما جاء في الرواية الأخرى:"وهو مستند إلى صدرها"، وحُكي عن عمارة بن عقيل بن بلال؛ أنه قال: إنما هو شَجْري -بالشين المعجمة، والجيم- وشبَّك بين أصابعه، وأومأ إلى أنها ضمَّته إلى صدرها مشبِّكة يديها عليه. انتهى

(3)

.

وقال النوويّ رحمه الله: السحر -بفتح السين المهملة، وضمها، وإسكان الحاء- وهي الرئة، وما تعلق بها، قال القاضي: وقيل: إنما هو شجري -بالشين المعجمة، والجيم- وشبك هذا القائل أصابعه، وأومأ إلى أنها ضمته إلى نحرها مشبكة يديها عليه، والصواب المعروف هو الأول. انتهى

(4)

.

[تنبيه]: وقع في رواية للبخاريّ من رواية القاسم عن عائشة بلفظ: "وكانت تقول: مات، ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي"، وفي رواية ذكوان عن عائشة:"توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، في آخر يوم من الدنيا".

(1)

"عمدة القاري" 8/ 223.

(2)

"شرح النوويّ" 15/ 208.

(3)

"المفهم" 6/ 328 - 329.

(4)

"شرح النوويّ" 15/ 208.

ص: 85

قال في "الفتح": والحاقنة بالمهملة، والقاف: ما سفل من الذقن، والذاقنة ما علا منه، أو الحاقنة نُقرة التَّرْقُوة، هما حاقنتان، ويقال: إن الحاقنة: المطمئن من الترقوة والحلق، وقيل: ما دون الترقوة من الصدر، وقيل: هي تحت السرّة، وقال ثابت: الذاقنة: طرف الحلقوم، والسَّحر بفتح المهملة، وسكون الحاء المهملة: هو الصدر، وهو في الأصل الرئة، والنحر بفتح النون، وسكون المهملة، والمراد به موضع النحر، وأغرب الداوديّ، فقال: هو ما بين الثديين.

والحاصل: أن ما بين الحاقنة والذاقنة: هو ما بين السَّحر والنحر، والمراد أنه مات ورأسه بين حنكها وصدرها صلى الله عليه وسلم، ورضي عنها، وهذا لا يغاير حديثها أن رأسه كان على فخذها؛ لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها. انتهى ما في "الفتح"، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 6272](2443)، و (البخاريّ) في "الوضوء"(198) و"الصلاة"(664 و 665) و"الجنائز"(1389) و"الهبة"(2588) و"الجهاد"(3099) و"المغازي"(4438 و 4446)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(12/ 131 - 132)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 121 - 122 و 200)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 78)، و (الحاكم) في "مسنده"(4/ 6)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7116)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(8/ 63)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل عائشة رضي الله عنها، حيث كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُحبّها كثيرًا، ومن حبّه كان يستبطئ يومها في مرض موته، ومات في يوم نوبتها، وهي مسندته إلى صدرها.

2 -

(ومنها): أن حديث الباب صريح في أنه صلى الله عليه وسلم مات، وعائشة مسندته

ص: 86

إلى صدرها، وما ورد من أنه مات، وهو في صدر عليّ رضي الله عنه لا يثبت، وقد أجاد الحافظ رحمه الله في بيان ذلك، ودونك نصّه:

قال: وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم، وابن سعد من طرُق؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مات، ورأسه في حجر عليّ، وكل طريق منها لا يخلو من شيعيّ، فلا يُلتفَت إليهم، وقد رأيت بيان حال الأحاديث التي أشرت إليها دفعًا لتوهّم التعصب.

قال ابن سعد: "ذكرُ من قال: توفي في حجر عليّ"، وساق من حديث جابر: سأل كعب الأحبار عليًّا: ما كان آخر ما تكلم به صلى الله عليه وسلم، فقال: أسندته إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي، فقال:"الصلاة الصلاة"، فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء، وفي سنده الواقديّ، وحرام بن عثمان، وهما متروكان.

وعن الواقديّ عن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: "ادعوا إليَّ أخي، فُدعِيَ له عليَّ، فقال: ادن مني، قال: فلم يزل مستندًا إليَّ، وإنَّه ليكلمني حتى نزل به، وثَقُل في حِجري، فصحت: يا عباس أدركني، فإني هالك، فجاء العباس، فكان جهدهما جميعًا أن أضجعاه"، وفيه انقطاع، مع الواقدي، وعبد الله فيه لِيْن.

وبه عن أبيه، عن علي بن الحسين:"قُبض ورأسه في حجر عليّ"، فيه انقطاع.

وعن الواقديّ عن أبي الحويرث، عن أبيه، عن الشعبيّ:"مات، ورأسه في حجر عليّ"، فيه الواقديّ، والانقطاع، وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن الحارث المدنيّ، قال مالك: ليس بثقة، وأبوه لا يُعرف حاله.

وعن الواقديّ عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن أبي غطفان: سألت ابن عباس قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إلى صدر عليّ، قال: فقلت: فإن عروة حدّثني عن عائشة قالت: "تُوُفّي النبيّ صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحرى"، فقال ابن عباس: لقد توفي وإنه لمستند إلى صدر عليّ، وهو الذي غسله، وأخي الفضل، وأبي أبي أن يحضر. فيه الواقديّ، وسليمان لا يُعرف

ص: 87

حاله، وأبو غطفان -بفتح المعجمة، ثم المهملة- اسمه سعد، وهو مشهور بكنيته، وثقه النسائيّ.

وأخرج الحاكم في "الإكليل" من طريق حبة العدنيّ، عن عليّ:"أسندته إلى صدري، فسالت نفسه"، وحبة ضعيف.

ومن حديث أم سلمة قالت: عليّ آخرهم عهدًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث عن عائشة أثبت من هذا، ولعلها أرادت: آخر الرجال به عهدًا، ويمكن الجمع بأن يكون عليّ آخرهم عهدًا به، وأنه لم يفارقه حتى مالَ، فلما مال ظنّ أنه مات، ثم أفاق بعد أن توجه، فأسندته عائشة بعده إلى صدرها، فقُبض.

ووقع عند أحمد من طريق يزيد بن بابنوس -بموحدتين، بينهما ألف، غير مهموز، وبعد الثانية المفتوحة نون مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم سين مهملة- في أثناء حديث:"فبينما رأسه ذات يوم على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نقطة باردة، فوقعت على ثغرة نحري، فاقشعر لها جلدي، وظننت أنه غُشي عليه، فسجيته ثوبًا". انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ في تتبّعه الأحاديث المعارضة لحديث الباب، وبيّن ضعفها، فاستبان الحقّ، وظهر الصدق، وأنه صلى الله عليه وسلم مات وعائشَة رضي الله عنها مسندته، وما خالف هذا فلا يُلتفت إليه، وأما مخالفة الرافضة الشيعة في ذلك فلا يُستغرب، فإنهم معروفون بمعاندة الحقّ، والإعراض عنه، ودَفْعه بالأخبار المرويّة عن طريق المتروكين والوضاعين، فلا تغترّ بتمويههم الباطل، وتزويرهم الحقّ، والله المستعان على من يجادل بالباطل، ويتمسّك بالترّهات، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)} [آل عمران: 8]، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6273]

(2444) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا

(1)

"الفتح" 9/ 601، كتاب "المغازي" رقم (4438).

ص: 88

قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا، وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام، كان قاضي مكة زمن أبيه، وخليفته إذا حجّ، ثقةٌ [3](ع) تقدم في "الجنائز" 32/ 2252.

والباقيان ذُكرا قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بَغْلانيًّا -وهي قرية من بَلْخَ- إلَّا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة رضي الله عنها، وتقدّم القول فيها.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ)؛ أي: عبّادًا، (أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ). وقولها:(وَهُوَ مُسْنِدٌ) جملة حاليّة، وهو بضم الميم، وكسر النون: اسم فاعل من أسند؛ أي: مسند ظهره (إِلَى صَدْرِهَا)؛ أي: عائشة رضي الله عنها، وفي رواية ابن حبّان:"وهي مسندته إلى صدرها". (وَأَصْغَتْ)؛ أي: أمالت سمعها (إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة أيضًا، ("اللَّهُمَّ) أصله يا الله، بالجمع بين "يا"، و"أل"، فحُذفت "يا"، وعُوّض عنها الميم المشدّدة، وشذّ الجمع بينهما، في قول الشاعر [من الرجز]:

إِنّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا

أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا

وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:

وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ "يَا" و"أَلْ"

إِلَّا مَعَ "اللهِ" ومَحْكِيِّ الْجُمَلْ

وَالأَكْثَرُ "اللَّهُمَّ" بِالتَّعْوِيِضِ

وَشَذَّ "يَا اللَّهُمَّ" فِي قَرِيضِ

ص: 89

(اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ") وفي رواية البخاريّ: "وألحقني بالرفيق الأعلى"، قال النوويّ رحمه الله: الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى: الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظة "رفيق" تُطلق على الواحد، والجمع، قال الله تعالى:{وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، وقيل: هو الله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، وأنكر الأزهريّ هذا القول، وقيل: أراد مرتفق الجَنَّة. انتهى

(1)

.

وقال في "العمدة": قوله: "في الرفيق الأعلى": قال الجوهريّ: الرفيق الأعلى: الجَنَّة، وكذا رُوي عن ابن إسحاق، وقيل: الرفيق اسم جنس يشمل الواحد، وما فوقه، والمراد به الأنبياء عليهم السلام ومَن ذُكِر في الآية.

وقال الخطابيّ: الرفيق الأعلى هو الصاحب المرافق، وهو هاهنا بمعنى الرفقاء؛ يعني: الملائكة.

وقال الكرمانيّ: الظاهر أنه معهود من قوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} ؛ أي: أدخلني في جملة أهل الجَنَّة، من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وقيل: المراد بالرفيق الأعلى: الله؛ لأنه رفيق بعباده، وغَلَّط الأزهريّ قائل ذلك، وقيل: أراد رفق الرفيق، وقيل: أراد مُرتَفق الجَنَّة.

وقال الداوديّ: هو اسم لكل ما سما، وقال: الأعلى؛ لأنَّ الجَنَّة فوق ذلك.

وفي "التلويح"؛ والمفسرون ينكرون قوله، ويقولون: إنه صَحَّف الرقيع بالقاف، والرقيع من أسماء السماء.

ورُدّ على هذا بما رُوي من الأحاديث التي فيها الرفيق.

منها: حديث رواه أحمد من رواية المطلب، عن عائشة:"مع الرفيق الأعلى: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} -إلى قوله-: {رَفِيقًا} ".

ومنها: حديثٌ رواه النسائيّ من رواية أبي بُردة بن أبي موسى، عن أبيه، وفيه:"فقال: أسأل الله الرفيقَ الأسعد، مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل".

ومنها: رواية الزهريّ: "في الرفيق الأعلى"، ورواية عباد عن عائشة:

(1)

"شرح النوويّ" 15/ 208.

ص: 90

"اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى"، وفي رواية عن ذكوان، عن عائشة:"فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبض"، ورواية ابن أبي مليكة، عن عائشة:"وقال: في الرفيق الأعلى".

وعن الواقديّ: إن أول كلمة تكلم بها، وهو مسترضع عند حليمة:"الله أكبر"، وآخر كلمة تكلم بها، كما في حديث عائشة:"في الرفيق الأعلى".

ورَوَى الحاكم من حديث أنس: "أن آخر ما تكلم به: جلال ربي الرفيع". انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 6273 و 6274 و 6275 و 6276 و 6277](2444)، و (البخاريّ) في "المغازي"(4440) و"المرضى"(5674)، و (الترمذيّ) في "الدعوات"(3496)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة"(1095)، و (مالك) في "الموطّأ"(1/ 238)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 231)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(6618)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة"(7/ 209)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3828)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده

(2)

:

1 -

(منها): بيان فضل عائشة رضي الله عنها.

2 -

(ومنها): بيان آخر ما تكلّم به النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو قوله:"اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى".

3 -

(ومنها): بيان أن الله سبحانه وتعالى يُكرم الأنبياء، فلا يموتون حتى يخيّرهم بين البقاء، وبين لقائه، ونعيم الجَنَّة، فيختارون لقاءه، ونعيم الجنّة، وهذا هو غاية الإكرام والإعظام.

(1)

"عمدة القاري" 18/ 64.

(2)

المراد فوائد الحديث برواياته المختلفة الآتية في الكتاب، وفي الشرح، لا خصوص سياق هذه الرواية، فتنبّه.

ص: 91

4 -

(ومنها): بيان فهم عائشة رضي الله عنها وقوّة إدراكها، فقد فهمت من قوله صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى"، أنه خُيِّر، وأنه لا يختار البقاء في الدنيا، نظير فهم أبيها من قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله خَيّر عبدًا بين الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله"، فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فتوافق فهمهما، فبانَ صِدْق قوله صلى الله عليه وسلم لمّا أفحمت خصمها زينب بنت جحش رضي الله عنهما:"إنها ابنة أبي بكر"، كما تقدّم ذلك قبل حديثين، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6274]

(. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله.

وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ)؛ أي: كل هؤلاء الثلاثة: أبو أسامة، وعبد الله بن نُمير، وعبدة بن سليمان رووه عن هشام بن عروة بسنده المذكور.

[تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:

(5350)

- حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي شيبة

(1)

، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن هشام، عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعت عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو مستند إليّ، يقول:"اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق". انتهى

(2)

.

ورواية عبد الله بن نُمير عن هشام ساقها أحمد رحمه الله في "مسنده"، مقرونًا بأبي أسامة، فقال:

(25989)

- حَدَّثَنَا ابن نُمير، ثنا هشام، وثنا أبو أسامة، قال: أنا هشام

(1)

هو: أبو بكر بن أبي شيبة" الشيخ الأول لمسلم في هذا الحديث.

(2)

"صحيح البخاريّ" 5/ 2147.

ص: 92

-يعني: ابن عروة- عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -قال أبو أسامة في حديثه-: سمعت عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يُتوفي، وأنا مسندته إلى صدري، يقول:"اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى". انتهى

(1)

.

ورواية عبدة بن سليمان عن هشام ساقها النسائيّ رحمه الله في "الكبرى"، فقال:

(7105)

- أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأ عبدة، عن هشام، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول عند وفاته:"اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى". انتهى

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6275]

(. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ، يَقُولُ: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، قَالَتْ: فَظنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ) قال في "الفتح": "ولم تصرح عائشة رضي الله عنها بذِكر مَن سمعت ذلك منه في هذه الرواية، وصرحت بذلك في الرواية الآتية حيث قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو صحيح: "إنه لم يُقبض نبيّ قطّ حتى يرى مقعده من الجَنَّة".

(1)

"مسند الإمام أحمد بن حنبل" 6/ 231.

(2)

"السنن الكبرى" للنسائيّ 4/ 260.

ص: 93

(أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ) بضم أوله، وفتح الخاء المعجمة، (بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)؛ أي: بين البقاء في الدنيا والانتقال إلى الدار الآخرة.

(قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ) -بضم الباء الموحّدة، وتشديد الحاء المهملة- وهي شيء يعترض في مجاري النفس، فيتغير به الصوت، فيَغْلُظ، يقال: بَحِحْتُ بالكسر بَحًّا، ورجل أبحّ: إذا كان ذلك فيه خِلْقَةً، وقيل: يقال: رجل بَحٌّ، وأبحّ، ولا يقال: باحّ، وامرأة بحّاء، قاله في "العمدة"

(1)

.

(يَقُولُ: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]) وفي رواية المطلب عن عائشة، عند أحمد:"فقال: مع الرفيق الأعلى، {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ} -إلى قوله-: {رَفِيقًا} "، وفي رواية أبي بُردة بن أبي موسى، عن أبيه، عند النسائيّ، وصححه ابن حبان:"فقال: أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل".

قال القرطبيّ رحمه الله: قد تقدَّم القول في الرفيق، وأن الأَولى فيه أنه الذي دلَّ عليه قوله تعالى:{فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، وتخيير الله للأنبياء عند الموت مبالغة في إكرامهم، وفي ترفيع مكانتهم عند الله تعالى، وليستخرج منهم شدَّة شوقهم، ومحبتهم له تعالى، ولِمَا عنده. وقد تقدَّم من هذا شيء في باب ذِكر موسى صلى الله عليه وسلم. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح": ظاهر الحديث أن الرفيق: المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، وفي رواية الزهريّ:"في الرفيق الأعلى"، وفي رواية عباد، عن عائشة المتقدّمة:"قال: اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق"، وفي رواية ذكوان، عن عائشة:"فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قُبض"، وفي رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة:"وقال: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى".

(1)

"عمدة القاري" 18/ 64.

(2)

"المفهم" 6/ 328 - 329.

ص: 94

وهذه الأحاديث تَرُدّ على من زعم أن الرفيق تغيير من الراوي، وأن الصواب الرقيع، بالقاف، والعين المهملة، وهو من أسماء السماء.

وقال الجوهريّ: الرفيق الأعلى: الجَنَّة، ويؤيده ما وقع عند أبي إسحاق:"الرفيق الأعلى الجَنَّة"، وقيل: بل الرفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد، وما فوقه، والمراد: الأنبياء، ومن ذُكر في الآية، وقد خُتِمت بقوله:{وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} .

ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد: الإشارةُ إلى أن أهل الجَنَّة يدخلونها على قلب رجل واحد، نَبَّهَ عليه السهيليّ.

وزعم بعض المغاربة أنه يَحْتَمِل أن يراد بالرفيق الأعلى: الله عز وجل؛ لأنه من أسمائه، كما أخرج أبو داود، من حديث عبد الله بن مُغَفَّل رضي الله عنه، رفعه:"إن الله رفيق يحب الرفق"، كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم، عن عائشة، فعَزْوه إليه أَولي، قال: والرفيق يَحْتَمِل أن يكون صفة ذات؛ كالحكيم، أو صفة فعل، قال: ويَحْتَمِل أن يراد به حضرة القدس، ويَحْتَمِل أن يراد به الجماعة المذكورون في آية النساء، ومعنى كونهم رفيقًا: تعاونهم على طاعة الله، وارتفاق بعضهم ببعض.

قال الحافظ: وهذا الثالث هو المعتمَد، وعليه اقتصر أكثر الشراح، وقد غَلّط الأزهريّ القول الأول، ولا وجه لتغليطه من الجهة التي غلَّطه بها، وهو قوله:"مع الرفيق"، أو "في الرفيق"؛ لأنَّ تأويله على ما يليق بالله سائغ.

قال السهيليّ: الحكمة في اختتام كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد، والذِّكر بالقلب، حتى يستفاد منه الرخصة لغيره، أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان؛ لأنَّ بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره إذا كان قلبه عامرًا بالذكر. انتهى ملخصًا

(1)

.

(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها: (فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ) بالبناء للمفعول؛ أي: خُيِّر بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة.

وفي رواية الزهريّ الآتية: "فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه

(1)

راجع: "الفتح" 9/ 598 - 599، كتاب "المغازي" رقم (4435).

ص: 95

الذي كان يحدثنا، وهو صحيح"، وعند أبي الأسود في "المغازي" عن عروة: "أن جبريل نزل إليه في تلك الحالة، فخيَّره".

[تنبيه]: قال السهيليّ: وجدت في بعض كتب الواقديّ أن أول كلمة تكلم بها صلى الله عليه وسلم، وهو مسترضع عند حليمة:"الله أكبر"، وآخر كلمة تكلم بها كما في حديث عائشة:"في الرفيق الأعلى"، وروى الحاكم من حديث أنس:"أن آخر ما تكلم به: جلالُ ربي الرفيع". انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الواقديّ: أول كلمة تكلّم بها صلى الله عليه وسلم. . . إلخ يحتاج إلى ثبوته من طريق غيره، فإنه ضعيف جدًّا، والله تعالى أعلم.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان بقيّة مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6276]

(. . .) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله.

وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ضمير التثنية لوكيع، ومعاذ بن معاذ.

[تنبيه]: رواية وكيع عن شعبة ساقها أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:

(25742)

- حَدَّثَنَا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت أسمع: لا يموت نبيّ إلَّا خُيِّر بين الدنيا والآخرة، قالت: فأصابته بُحّة في مرضه الذي مات فيه، فسمعته يقول:{مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فظننت إنه خُيِّر. انتهى

(2)

.

(1)

راجع: "الفتح" 9/ 598 - 599، كتاب "المغازي" رقم (4435).

(2)

"مسند الإمام أحمد بن حنبل" 6/ 205.

ص: 96

وأما رواية معاذ بن معاذ عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6277]

(. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ -وَهُوَ صَحِيحٌ-: "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ في الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَأسُهُ عَلَى فَخِذِي، غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى"، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِه، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلَهُ: "اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَي").

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

وكلهم تقدّموا قريبًا.

شرح الحديث:

عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ؛ أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ: (أَخْبَرَنيِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ)"في" بمعنى "مع"، (مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ) قال الحافظ رحمه الله: لم أقف على تعيين أحد منهم صريحًا، وقد رَوَى أصل الحديث المذكور عن عائشة: ابنُ أبي مليكة، وذكوانُ مولى عائشة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، فيمكن أن يكون الزهريّ عَنَاهُم، أو بعضهم. انتهى

(1)

.

وقال في "العمدة"، قوله:"في رجال من أهل العلم"؛ أي: أخبره

(1)

"الفتح" 14/ 363، كتاب "الدعوات" رقم (6348).

ص: 97

سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، في جملة طائفة أخرى أخبروه أيضًا، به، أو في حضور طائفة مستمعين له. انتهى

(1)

.

(أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) رضي الله عنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ)، وقولها:(وَهُوَ صَحِيحٌ) جملة معترضة بين القول ومقوله، وهو قولها:("إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك في "الكافية":

وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا

بِجَمْلَةٍ كَـ "إِنَّهُ زيدٌ سَرَى"

(لَمْ يُقْبَضْ) بالبناء للمفعول، (نَبِيٌّ قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من الزمن، (حَتَّى يَرَى) يَحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول؛ أي: حتى يريه الله عز وجل مقعده، ويَحْتَمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، والفاعل ضمير "نبيّ"؛ أي: إلى أن يرى ذلك النبيّ (مَقْعَدَهُ) بفتح الميم، والعين؛ أي: مكان قعوده، والمراد: منزله (فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ) بالبناء للمفعول، من التخيير، وهو منصوب عطفًا على "يرى"، أو مرفوع على الاستئناف؛ أي: ثم هو يُخيّر؛ أي: يُجعل له الْخِيَرة بين البقاء في الدنيا، والانتقال إلى الدار الآخرة.

ووقع في رواية للبخاريّ: "ثم يُحيّي، أو يخيّر"، قال في "الفتح": وهو شكّ من الراوي، هل قال:"يُحَيّى" بضم أوله، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية، بعدها أخرى، أو "يخير"، كما في رواية سعد بن إبراهيم؟ وعند أحمد من طريق المطلب بن عبد الله، عن عائشة؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول:"ما من نبيّ يُقبض إلا يرى الثواب، ثم يخيَّر"، ولأحمد أيضًا من حديث أبي مويهبة، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض، والخلد، ثم الجنة، فخُيرت بين ذلك، وبين لقاء ربي، والجنة، فاخترت لقاء ربي، والجنة". وعند عبد الرزاق، من مرسل طاوس، رفعه:"خُيِّرت بين أن أبقى حتى أرى ما يُفتح على أمتي، وبين التعجيل، فاخترت التعجيل". انتهى

(2)

.

(1)

"عمدة القاري" 22/ 305.

(2)

"الفتح" 9/ 598، كتاب "المغازي" رقم (4435).

ص: 98

(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم،) ببناء الفعل للفاعل؛ أي: نزل به المرض، أو حضره ملَك الموت، وقولها:(وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن رأسه صلى الله عليه وسلم موضوع على فخذي، وتقدّم أن للفخذ أربع لغات: فتح أوله، وكسر ثالثه، وفتح الأول وإسكان الثاني، وكسر الأول، وإسكان الثاني، وكسرهما معًا. (غُشِيَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، قال الفيّوميّ رحمه الله: غُشِيَ عليه -بالبناء للمفعول- غَشْيًا، بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والغَشْيَةُ بالفتح: المرة، فهو مَغْشِيٌّ عليه، ويقال: إن الغَشْيَ يُعَطِّل الْقُوَى المحرِّكة، والأوردة الحسّاسة؛ لضعف القلب، بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مُفْرِط، وقيل: الغَشْيُ هو الإغماء، وقيل: الإغماء امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء سهو، يَلْحَق الإنسان مع فتور الأعضاء؛ لعلة. انتهى

(1)

.

وقولها: (سَاعَةً) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "غُشي"، (ثُمَّ أَفَاقَ)؛ أي: رجع إليه وعيه، (فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ)؛ أي: حدّد نظره إلى سقف البيت، كما تفعل الموتي، قاله القرطبيّ

(2)

.

وقال في "التاج": "شَخَصَ بَصَرُهُ، فهو شاخِصٌ: إِذا فَتَحَ عَيْنَيْه، وجَعَلَ لا يَطْرِفُ، قال اللهُ تَعَالَى: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية [الأنبياء: 97]، شَخَص المَيِّتُ بَصَرَهُ: رَفَعَهُ إِلى السماءِ، فلَمْ يَطْرِفْ، وشَخَص ببَصره عِنْد المَوْت كَذلِكَ، وهو مَجَازٌ، وأَبْصَارٌ شاخِصَةٌ، وشَوَاخِصُ، وقال ابنُ الأَثير: شُخوصُ بَصَرِ المَيِّت: ارْتِفَاعُ الأَجْفَان إِلى فَوْقُ، وتَحْدِيدُ النَّظَرِ، وانْزعاجُه". انتهى

(3)

.

(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى") قال في "العمدة": "الرفيق" منصوب بمقدّر، وهو نحو أَختار، أو أُربد، و"الأعلى" صفته، وهو إشارة إلى الملائكة، أو إلى {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69]. انتهى

(4)

.

(1)

"المصباح المنير" 2/ 447 - 448.

(2)

"المفهم" 6/ 329.

(3)

"تاج العروس من جواهر القاموس" 1/ 4462.

(4)

"عمدة القاري" 23/ 94.

ص: 99

(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (قُلْتُ: إِذًا)؛ أي: إذا كان مخيّرًا (لَا يَخْتَارُنَا) قال في "العمدة": "لا يختارَنا" بالنصب؛ أي: حين اختار مرافقة أهل السماء، لا يبغي أن يختار مرافقتنا من أهل الأرض، هكذا أعربه الكرمانيّ، قال العينيّ: ولا مانع من أن يكون مرفوعًا؛ لأن معنى قوله: "إذًا"؛ يعني: حينئذ هو لا يختارنا. انتهى

(1)

.

(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ")؛ المعنى: أنها عرفت أن الأمر الذي حصل له هو قوله في الحديث الذي كان يحدثنا به، وهو صحيح، وهو قوله:"إنه لَمْ يُقبض نبيّ قط. . . إلخ".

قال المناويّ: والذي دعاه إلى ذلك رغبته في لقاء محبوبه، فلما عَيَّن للّقاء محلًّا خاصًّا، ولا يُنال إلا بالخروج من هذه الدار التي تنافي ذلك اللقاء اختار الرفيق الأعلى

(2)

.

[تنبيه]: فَهْم عائشة رضي الله عنها من قوله صلى الله عليه وسلم: "في الرفيق الأعلى" أنه خُيِّر نظير فهم أبيها رضي الله عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: "أن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده" أن العبد المخيّر هو النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بكي، كما تقدم في مناقبه رضي الله عنه

(3)

.

(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (فَكَانَتْ تِلْكَ)؛ أي: تلك الكلمة التي هي قوله: "اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى"، وهي اسم "كانت"، وخبرها قولها:(آخِرُ كَلِمَةٍ) ويَحتمل أن يكون "آخر" اسمها مؤخّرًا، و"تلك" خبرها مقدّمًا، والوجه الأول أَولى؛ لأن اسم الإشارة أعرف، فهو بكونها مسندًا إليه، وقولها:(تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم) جملة في محل جرّ صفة لـ "كلمة"، وقولها:(قَوْلَهُ) يَحتمل أن يكون مرفوعًا خبر لمحذوف؛ أي: هو قوله، ويَحتمل أن يكون منصوبًا بدلًا من "تلك". ("اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى") و"الرفيق" منصوب على المفعوليّة لمقدّر، كما أسلفناه آنفًا.

(1)

"عمدة القاري" 23/ 94.

(2)

"فيض القدير على الجامع الصغير" 5/ 251.

(3)

"الفتح" 9/ 598.

ص: 100

[تنبيه]: قال في "الفتح": قول عائشة رضي الله عنها: "فكانت تلك آخر كلمة تكلّم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم" كأنها أشارت إلى ما أشاعته الرافضة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أوصى إلى عليّ بالخلافة، وأن يُوَفّي ديونه، وقد أخرج العُقيليّ، وغيره، في "الضعفاء" في ترجمة حكيم بن جبير، من طريق عبد العزيز بن مروان، عن أبي هريرة، عن سلمان؛ أنه "قال: قلت: يا رسول الله، إن الله لَمْ يبعث نبيًّا إلا بيَّن له من يلي بعده، فهل بَيَّن لك؟ قال: نعم، عليّ بن أبي طالب".

ومن طريق جرير بن عبد الحميد، عن أشياخ من قومه، عن سلمان:"قلت: يا رسول الله من وصيّك؟ قال: وصيّي، وموضع سري، وخليفتي على أهلي، وخير من أخلفه بعدي عليّ بن أبي طالب".

ومن طريق أبي ربيعة الإياديّ، عن ابن بُريدة، عن أبيه، رفعه:"لكل نبيّ وصيّ، وإن عليًّا وصيي، وولدي".

ومن طريق عبد الله بن السائب، عن أبي ذرّ، رفعه:"أنا خاتم النبيين، وعليّ خاتم الأوصياء"، أوردها وغيرها ابن الجوزيّ في "الموضوعات". انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن مذهب الرافضة مذهب باطل، حيث يزعمون أن عليًّا هو الخليفة؛ وأن الخلفاء الراشدين اغتصبوا منه، وظلموه، وهذا القول هو الظلم، ولكن القوم جَهَلَة، ضَلَلَة، لا يفقهون، ولا يعقلون، صمّ بكم، عميٌ، فهم لا يرجعون، فهم على مثل ما قال الله عز وجل في أهل الكتاب:{وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)} [البقرة: 145]، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان بقيّة مسائله قريبًا، ولله الحمد، والمنة.

(1)

"الفتح" 9/ 619.

ص: 101

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6278]

(2445) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، فَخَرَجَتَا مَعَهُ جَمِيعًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ، يَتَحَدَّثُ مَعَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي، وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ؟ فَتَنْظُرِينَ، وَأَنْظُرُ، قَالَتْ: بَلَي، فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ، وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَارَ مَعَهَا، حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَغَارَتْ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا

(1)

بَيْنَ الإِذْخِرِ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَىَّ عَقْرَبًا، أَو حَيَّةً تَلْدَغُنِي، رَسُولُكَ وَلَا أَستَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين الكوفيّ، واسم دُكين: عمرو بن حماد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول الملائيّ -بضم الميم- مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [9](ت 8، أو 219) وكان مولده سنة ثلاثين ومائة، وهو من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 91.

2 -

(عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) المخزوميّ مولاهم، أبو القاسم المكيّ، ثقةٌ

(2)

[5](خ م س) تقدم في "الرضاع" 12/ 3625.

3 -

(ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة -بالتصغير- ابن عبد الله بن جُدْعان، يقال: اسم أبي مليكة: زُهير التيميّ المكيّ، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقةٌ فقيهٌ [3](ت 117)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 22.

4 -

(الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصديق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ، أحد

(1)

وفي نسخة: "رجليها".

(2)

هذا أَولى من قول "التقريب": لا بأس به، راجع: ترجمته في "تهذيب التهذيب".

ص: 102

الفقهاء السبعة بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار [3](ت 106) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" 3/ 695.

والباقون ذُكروا في الباب وقبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن عمّته، وفيه عائشة رضي الله عنها وقد سبق القول فيها قريبًا.

شرح الحديث:

(عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق، يروي عن عائشة رضي الله عنها تارة بالواسطة، كما هنا، وتارة بغيرها. (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا خَرَجَ) ولفظ البخاريّ: "إذا أراد سفرًا"، ومفهومه اختصاص القرعة بحالة السفر، وليس على عمومه، بل لتعيِّن القرعة من يسافر بها، وتجري القرعة أيضًا فيما إذا أراد أن يُقسم بين زوجاته، فلا يبدأ بأيهنّ شاء، بل يُقرع بينهنّ، فيبدأ بالتي تخرج لها القرعة، إلا أن يرضين بشيء، فيجوز بلا قرعة.

(أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) قال في "العمدة": هو مِن أقرعتُ بينهم، من القرعة، ومنه يقال: تقارعوا، واقترعوا، والقرعة: هي السهام التي توضع على الحظوظ، فمن خرجت قرعته، وهي سهمه الذي وُضع على النصيب، فهو له. انتهى

(1)

.

زاد في رواية البخاريّ: "فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه"؛ أي: أية امرأة منهن خرج سهمها الذي بِاسمها، خرج بها معه؛ أي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة التي خرج سهمها معه؛ أي: في صحبته صلى الله عليه وسلم.

وزاد ابن سعد من وجه آخر، عن القاسم، عن عائشة:"فكان إذا خرج سهم غيري عُرف فيه الكراهية".

وقال القرطبيّ رحمه الله: قولها: "أقرع بين نسائه"؛ تعني: إذا خرج إلى سفر؛ وإنَّما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مبالغةً في تطييب قلوبهن؛ إذ لَمْ يكن

(1)

"عمدة القاري" 13/ 153.

ص: 103

القَسْم عليه واجبًا على الخلاف المتقدّم، وليست القرعة في هذا واجبةً عند مالك؛ لأنَّه قد يكون صلى الله عليه وسلم لبعض نساءه من الغَنَاء في السفر والمنفعة، والصلاحية ما لا يكون لغيرها، فتتعين الصالحة لذلك، ولأن من وقعت القرعة عليها لا تُجبر على السفر مع الزوج إلى الغزو والتجارة، وما أشبه ذلك، إنما القرعة بينهن من باب تحسين العشرة إذا أردن ذلك، وكن صالحات له، وقال أبو حنيفة بإيجاب القرعة في هذا، وهو أحد قولي الشافعيّ، ومالك، أخذًا بظاهر هذا الحديث. انتهى

(1)

.

وقال النوويّ رحمه الله: القَسْم بين النساء واجب في حقّ غير النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأما النبيّ صلى الله عليه وسلم ففي وجوب القسم في حقه خلاف، فمن قال بوجوبه يجعل إقراعه واجبًا، ومن لم يوجبه يقول: فَعَل ذلك من حُسن العشرة، ومكارم الأخلاق، وتطييبًا لقلوبهنّ، وأما الحنفيون فقالوا: لا حقّ لهنّ في القَسْم حالة السفر، يسافر الزوج بمن شاء، والأَولى أن يقرع بينهنّ. وقال القرطبيّ: وليست أيضًا بواجبة عند مالك، وقال ابن القصّار: ليس له أن يسافر بمن شاء منهنّ بغير قرعة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وقال مالك مرةً: له أن يسافر بمن شاء منهنّ بغير قرعة.

وقال المهلَّب: وفيه العمل بالقرعة في المقاسمات، والاستهام، وفيه أن القَسْم يكون بالليل والنهار. انتهى

(2)

.

(فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ)؛ أي: في سفرة من السفرات (عَلَى عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ) ولفظ البخاريّ: "لعائشة وحفصة"، والمراد بقولها:"طارت"؛ أي: حصلت، وطَيْر كل إنسان: نصيبه، وفي حديث أم العلاء: لَمّا اقتسم الأنصار المهاجرين قالت: وطار لنا عثمان بن مظعون؛ أي: حصل في نصيبنا من المهاجرين، قاله في "الفتح".

وقال في "العمدة"؛ أي: حصلت القرعة لعائشة وحفصة صلى الله عليه وسلم، وطير كل إنسان: نصيبه؛ يعني: كان هذا في سفرة من سفرات النبيّ صلى الله عليه وسلم

(3)

.

(1)

"المفهم" 6/ 329.

(2)

"عمدة القاري" 20/ 197.

(3)

"عمدة القاري" 20/ 197.

ص: 104

(فَخَرَجَتَا مَعَهُ) صلى الله عليه وسلم (جَمِيعًا)؛ أي: معًا، (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ، يَتَحَدَّثُ مَعَهَا)؛ أي: مع عائشة رضي الله عنها، والجملة في محل النصب على الحال، والحاصل: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا كان في هذه السفرة، وكانت عائشة وحفصة معه، فإذا كان الليل، وهم سائرون يسير مع عائشة، يتحدث معها، كما هي عادة المسافرين؛ لِقَطْع المسافة.

وقال القرطبيّ رحمه الله: ظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لَمْ يكن يَقسم بين عائشة وحفصة في المسير والحديث، وأن ذلك كان مع عائشة دائمًا دون حفصة، ولذلك تحيَّلت حفصة حتى سار وتحدَّث معها، فيَحْتَمِل أن هذا القَدْر لا يجب القَسْم فيه؛ إذ الطريق ليس محلَّ خَلْوة، ولا يحصل لها به اختصاص، ويَحْتَمِل أن يقال: إن القدر الذي يقع به التسامح من السير والحديث مع إحداهما هو الشيء اليسير، كما يفعل في الحَضَر، فإنَّه يتحدث ويسأل وينظر في مصلحة بيت التي لا يكون في يومها، ولكن لا يُكثر من ذلك، ولا يُطيله، وعلى هذا فيكون النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما أدام ذلك؛ لأنَّ أصل القَسْم لَمْ يكن عليه واجبًا، والله أعلم.

ولم يختلف الفقهاء في أن الحاضرة لا تحاسب المسافرة فيما مضى لها مع زوجها في السفر، وكذلك لا يختلفون في أنه يقسم بين الزوجات في السفر كما يقسم بينهن في الحضر. وقد ذكرنا الاحتمال الذي في السير والحديث. انتهى

(1)

.

(فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ)؛ أي: في هذه الليلة، (بَعِيرِي، وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ؟ فَتَنْظُرِينَ) إلى ما لَمْ تكوني تنظرين، (وَأَنْظُرُ) إلى ما لم أنظر، وإنما حَمَل حفصة على ذلك الغيرة التي تورث الدهش والحيرة، وفيه إشعار أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما لم تكونا متقارنتين، بل كانت كل واحدة منهما في جهة. (قَالَتْ) عائشة:(بَلَى)؛ أي: فقالت عائشة لحفصة: بلى اركبي جملي، وانظري، وأنا أركب جملك، وأنظر.

قال في "الفتح": كأن عائشة أجابت إلى ذلك؛ لِمَا شوّقتها إليه من النظر

(1)

"المفهم" 6/ 329 - 330.

ص: 105

إلى ما لم تكن هي تنظر، وهذا مشعر بأنهما لم يكونا حال السير متقاربتين، بل كانت كل واحدة منهما من جهة، كما جرت العادة من السير قطارين، وإلا فلو كانتا معًا لم تختص إحداهما بنظر ما لم تنظره الأخرى، ويَحْتَمِل أن تريد بالنظر وطأة البعير، وجودة سيره. انتهى

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: وقول حفصة لعائشة رضي الله عنهما: "ألا تركبين بعيري، وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر" حيلة منها تمّت لها على عائشة لصغر سنِّ عائشة، وسلامة صدرها عن المكر والحيل؛ إذ لم تجرب الأمور بعدُ، ولا دَرْك على حفصة فيما فعلت من جهة أنها أخذت حقًّا هو لعائشة؛ لأنَّ السير والحديث؛ إن لم يدخل في القَسْم فهي وعائشة فيه سواء، فأرادت حفصة أن يكون لها حظ من الحديث والسير معه صلى الله عليه وسلم، وإن كان ذلك واجبًا فقد توصلت إلى ما كان لها، وإنَّما يكون عليها الدَرْك من حيث إنها خالفت مراد النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديثه، فقد يريد أن يحدِّث عائشة حديثًا يُسِرُّ به إليها، أو يختص بها، فتسمعه حفصة، وهذا لا يجوز بالاتفاق، لكن حَمَلها على اقتحام ذلك الغيرة التي تورث صاحبها الدَّهَشَ والْحَيْرة. انتهى

(2)

.

(فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ) بناءً على أنها على جملها، (وَ) الحال أنه (عَلَيْهِ) وفي رواية حكاها الكرمانيّ:"وعليها" وكأنه على إرادة الناقة

(3)

. (حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ)؛ أي: على حفصة، ولم يُذكَر في الخبر أنه تحدث معها، فيَحْتَمِل أن يكون أُلْهِم ما وقع، ويَحْتَمِل أن يكون وقع ذلك اتفاقًا، ويَحْتَمِل أن يكون تحدث، ولم يُنقَل

(4)

، (ثُمَّ صَارَ مَعَهَا)؛ أي: مع حفصة، (حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَغَارَتْ)؛ أي: افتقدت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: في حالة المسايرة، فبسبب ذلك غارت؛ لأن قطع المألوف صعبٌ، (فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا) وفي بعض النسخ:"رجليها"، (بَيْنَ الإِذْخِرِ)؛ أي: جعلت عائشة رضي الله عنها رجليها بين الإذخر، وهو نبت معروف، توجد فيه الهوامّ غالبًا

(1)

"الفتح" 11/ 653.

(2)

"المفهم" 6/ 330.

(3)

"الفتح" 11/ 653.

(4)

"الفتح" 11/ 653.

ص: 106

في البرية، وإنما فعلت هذا؛ لِمَا عَرَفت أنها الجانية فيما أجابت إليه حفصة، وأرادت أن تعاقب نفسها على تلك الجناية، (وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ) وفي رواية: "ربّ سلّط" بحذف "يا"، (عَلَيَّ عَقْرَبًا، أَو حَيَّةً)"أو" هنا للتنويع، قال القرطبيّ رحمه الله: هذا دعاءٌ منها على نفسها بعقوبة لِمَا لحقها من النَّدم على ما فعلت، ولِمَا تم عليها من الحيلة، ولِمَا حصل لها من الغَيْرة، وهو دعاء باللسان غير مراد بالقلب. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "غير مراد بالقلب" محلّ نظر، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. (تَلْدَغُنِي) بالِغين المعجمة، يقال: لَدَغَتْهُ العقرب -بِالغين معجمة- لَدْغًا، من باب نفع: لسعته، ولَدَغَتْهُ، الحية لَدْغًا: عضّته، فهو لَدِيغٌ، والمرأة لَدِيغٌ أيضًا، والجمع لَدْغَي، مثل جريح وجرحي، ويتعدى بالهمزة إلى مفعول ثان، فيقال: أَلدَغْتُهُ العقربَ: إذا أرسلتها عليه، فَلَدَغَتْهُ، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(2)

.

وقال في "التاج": لدَغَتْهُ العَقْرَبُ، والحَيَّةُ، كمَنَعَ تَلْدَغُ لَدْغًا، وقيلَ: اللَّدْغُ بالفَمِ، واللَّسْعُ بالذَّنَبِ، وقالَ الليثُ: اللَّدْغُ بالنّابِ، وفي بَعْضِ اللُّغاتِ: تَلْدَغُ العَقْرَبُ.

وقال محمد بن الطيب الفاسيّ: واللَّدْغُ للحَارّاتِ كالنّارِ، ونَحْوِها، ومَن جَوَّزَ إعْجَامَ الذّالِ مع الغَيْنِ المُعْجَمَةِ في مَعْنَاهُ فقدْ وَهِمَ؛ لِمَا عُلِمَ أنَّ الذّالَ والغَيْنَ المُعْجَمَتَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ في كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ. انتهى.

وقالَ أبو وَجْزَةَ: اللَّدْغَةُ جامِعَةٌ لِكُلِّ هامَّةٍ تَلْدَغُ لَدْغًا وتَلْدَاغًا، بفَتْحِهِمَا، فهُوَ مَلْدُوغٌ، ولَدِيغٌ. انتهى

(3)

.

(رَسُولُكَ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هذا رسولك، ويَحْتَمل النصب مفعولًا لفعل مقدَّر؛ أي: أخاف رسولك. (وَلَا أسْتَطِيعُ أنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا) قال القرطبيّ رحمه الله: ظاهره أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يعرف القصة؛ وإنَّما تمَّت لحفصة حيلتها عليها، والله أعلم، مع أنه يَحْتَمِل أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم عَلِم ذلك بالوحي، أو

(1)

"المفهم" 6/ 331.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 551 - 552.

(3)

"تاج العروس" 1/ 5692.

ص: 107

بالقرائن، وتغافل عمَّا جرى من ذلك؛ إذ لم يجر منهما شيء يترتب عليه حكم، ولا يتعلق به إثم، والله تعالى أعلم. انتهى

(1)

.

وقال الكرمانيّ: قولها: "رسولك. . . إلخ" الظاهر أنه كلام حفصة، ويَحْتَمِل أن يكون كلام عائشة.

وتعقّبه العينيّ، فقال: الأمر بالعكس، بل الظاهر أنه من كلام عائشة، وظاهر العبارة يُشعر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرف القصة، ويَحْتَمِل أن يكون قد عرفها بالوحي، وبالقرائن، وتغافل صلى الله عليه وسلم عما جرى إذ لم يحصل منها شيء يترتب عليه حكم. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح": قوله: "ولا أستطيع أن أقول له شيئًا" قال الكرمانيّ: الظاهر أنه كلام حفصة، ويَحْتَمِل أن يكون كلام عائشة، ولم يظهر لي هذا الظاهر، بل هو كلام عائشة، وقد وقع في رواية مسلم في جميع ما وقفت عليه من طرقه، إلا ما سأذكره بعدُ قولُه:"تلدغني، رسولك، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا"، و"رسولك" بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو رسولك، ويجوز النصب على تقدير فعل، وإنما لم تتعرض لحفصة؛ لأنها هي التي أجابتها طائعة، فعادت على نفسها باللوم، ووقع عند الإسماعيليّ من وجهين، عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بعد قوله:"تلدغني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا"، وعلى هذا فيَحْتَمِل أن يكون المراد بالقول في قولها:"أن أقول"؛ أي: أحكي له الواقعة؛ لأنه ما كان يعذرني في ذلك، وظاهر رواية غيره يُفهم أن مرادها بالقول: أنها لا تستطيع أن تقول في حقه شيئًا، كما تقدم.

قال الداوديّ: يَحْتَمِل أن تكون المسايرة في ليلة عائشة، ولذلك غلبت عليها المغيرة، فَدَعَتْ على نفسها بالموت.

وتُعُقّب بأنه يلزم منه أنه يوجب القَسْم في المسايرة، وليس كذلك؛ إذ لو كان لَمَا كان يخص عائشة بالمسايرة دون حفصة، حتى تحتاج حفصة تتحيل على عائشة، ولا يتجه القَسْم في حالة السير إلا إذا كانت الخلوة لا تحصل إلا فيه، بأن يركب معها في الهودج، وعند النزول يجتمع الكل في الخيمة، فيكون

(1)

"المفهم" 6/ 331.

(2)

"عمدة القاري" 20/ 197.

ص: 108

حينئذ عماد القَسْم السَّيْر، أما المسايرة فلا، وهذا كله مبني على أن القَسْم كان واجبًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يدل عليه معظم الأخبار

(1)

، ويؤيد القول بالقرعة أنهم اتفقوا على أن مدة السفر لا يحاسب بها المقيمة، بل يبتدئ إذا رجع بالقسم فيما يستقبل، فلو سافر بمن شاء بغير قرعة، فقدّم بعضهن في القَسْم للزم منه إذا رجع أن يوفي من تخلفت حقها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن ذلك لا يجب، فظهر أن للقرعة فائدةً، وهي أن لا يُؤْثِر بعضهن بالتشهي؛ لِمَا يترتب على ذلك من ترك العدل بينهنّ، وقد قال الشافعيّ في القديم: لو كان المسافر يَقسم لمن خلف لَمَا كان للقرعة معنى، بل معناها أن تصير هذه الأيام لمن خرج سهمها خالصة. انتهى.

قال الحافظ: ولا يخفى أن محل الإطلاق في ترك القضاء في السفر ما دام اسم السفر موجودًا، فلو سافر إلى بلدة، فأقام بها زمانًا طويلًا، ثم سافر راجعًا، فعليه قضاء مدة الإقامة، وفي مدة الرجوع خلاف عند الشافعية، والمعنى في سقوط القضاء أن التي سافرت، وفازت بالصحبة لَحِقَها من تعب السفر ومشقته ما يقابل ذلك، والمقيمة عَكْسها في الأمرين معًا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله

(2)

، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 6278](2445)، و (البخاريّ) في "النكاح"(5211)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 300)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 114)، و (الدارميّ) في "سننه"(2/ 277)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(3/ 137)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(7/ 302)، والله تعالى أعلم.

(1)

قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت غير مرّة أن الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم لا يجب عليه القَسْم؛ لقوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ} الآية [الأحزاب: 51]، وأما الأحاديث التي تدلّ على القَسْم فمحمولة على أنه صلى الله عليه وسلم ما ترك القَسْم؛ لكريم أخلاقه، وحُسن عشرته، والله تعالى أعلم.

(2)

"الفتح" 9/ 312.

ص: 109

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان كمال حُسن عشرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، حيث كان يُقرع بين نسائه، وإن لَمْ يكن القسم واجبًا؛ على الراجح؛ لقوله عز وجل:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} الآية [الأحزاب: 51].

2 -

(ومنها): بيان ما جُبل عليه النساء من شدّة الغيرة؛ لأنه ما حمل حفصة على ذلك إلَّا غَيْرتها من حديثه صلى الله عليه وسلم مع عائشة في الليل.

3 -

(ومنها): أنه استُدِل به على مشروعية القُرعة في القسمة بين الشركاء، وغير ذلك، والمشهور عن الحنفية، والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال القاضي عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه؛ لأنه من باب الْخَطَر والقمار، وحُكِي عن الحنفية إجازتها. انتهى، وقد قالوا به في مسألة الباب.

واحتج مَن مَنَع مِن المالكية بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضرّ بحال الرجل، وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقْوَم ببيت الرجل من الأخرى.

وقال القرطبيّ: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء، وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهنّ؛ لئلا تخرج واحدة معه، فيكون ترجيحًا بغير مرجح. انتهى.

وفيه مراعاة للمذهب، مع الأمن من ردّ الحديث أصلًا؛ لِحَمْله على التخصيص، فكأنه خصص العموم بالمعني، قاله في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ قول من قال بمشروعيّة القرعة في الأشياء المشتركة؛ لصحة حديث الباب، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.

4 -

(ومنها): أنه استَدَلّ به المهلَّب على أن القَسْم لَمْ يكن واجبًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو كان واجبًا عليه لَحَرُم على حفصة ما فعلت في تبديل بعيرها ببعير عائشة.

ورُدّ عليه ذلك

(2)

؛ لأنَّ القائل بوجوب القسمة عليه لا يمنع من حديث

(1)

"الفتح" 652 - 653، كتاب "النكاح" رقم (5211).

(2)

وقال في "الفتح": استَدَلّ به المهلب على أن القسم لم يكن واجبًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، =

ص: 110

الأخرى في غير وقت القسم؛ لجواز دخوله إلى غير صاحبة النوبة، وقد روى أبو داود، والبيهقيّ، واللفظ له، من طريق ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها:"قَلَّ يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا جميعًا، فيُقَبِّل، ويلمس ما دون الوقاع، فإذا جاء إلى التي هو يومها بات عندها". انتهى.

وعماد القسم في حقّ المسافر وقت نزوله، وحالة السير ليست منه ليلًا كان، أو نهارًا، قاله في "العمدة"

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6279]

(2446) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ

(2)

").

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ البصريّ مدني الأصل، تقدّم قريبًا.

2 -

(سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أبو أيوب المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن معمر بن حزم الأنصاريّ، أبو طُوالة -بضم الطاء المهملة- المدنيّ، قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز، ثقةٌ [5] (ت 134) ويقال: بعد ذلك (ع) تقدم في "الصيام" 13/ 2593.

4 -

(أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه تقدّم قريبًا.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله كلاحقيه، وهو (484) من رباعيّات

= ولا دلالة فيه؛ لأن عماد القسم الليل في الحضر، وأما في السفر فعماد القسم فيه النزول، وأما حالة السير فليست منه، لا ليلًا، ولا نهارًا. انتهى.

(1)

"عمدة القاري" 20/ 197.

(2)

وفي نسخة: "على الطعام".

ص: 111

الكتاب، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، والصحابيّ، وإن كانا بصريين، إلا أن أصلهما من المدينة، وقد سكناها، وفيه أنس بن مالك رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله عنهم، وقد جاوز عمره المائة، وشرح الحديث تقدّم مستوفي في "باب مناقب خديجة رضي الله عنها"[12/ 6252](2431)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 6279 و 6280](2446)، و (البخاريّ) في "فضائل الصحابة"(3770) و"الأطعمة"(5419 و 5428)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3887)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(4/ 161)، و (ابن ماجه) في "الأطعمة"(3281)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 156 و 264)، و (الدارميّ) في "سننه"(2/ 106)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 109 و 110 و 111 و 112)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7113)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(3670 و 3673)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3963)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6280]

(. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بمِثْلِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَفِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ: أَنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حجر السعديّ المروزيّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب، و"عبد العزيز" هو: الدراورديّ.

ص: 112

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه مشتمل على إسنادين بالتحويل، وكلاهما من رباعيّات المصنّف رحمه الله كسابقه، وهو (485)، و (486) من رباعيّات الكتاب.

[تنبيه]: رواية إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن عبد الرحمن ساقها الترمذيّ رحمه الله في "الشمائل"، فقال:

(176)

- حَدَّثَنَا عليّ بن حُجْر، ثنا إسماعيل بن جعفر، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاريّ، أبو طوالة؛ أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام". انتهى

(1)

.

ورواية عبد العزيز بن محمد الدراورديّ عن عبد الله بن عبد الرحمن ساقها ابن عساكر رحمه الله في "الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين"، فقال:

أخبرنا عمي الحافظ رحمه الله، أنا أبو الفضل محمد بن إسماعيل الفضيلي، بقراءتي عليه بهراة، أنا أبو مضر محلم بن إسماعيل بن مضر بن إسماعيل الضبيّ، قراءة عليه، وأنا أسمع في سنة سبع وخمسين وأربعمائة بهراة، أنا أبو سعيد الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل بن موسى بن عبد الله القاضي السجزيّ، قراءة عليه بهراة، وأنا أسمع، نا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفيّ، نا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، نا عبد العزيز، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس مالك؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على الطعام". انتهى

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6281]

(2447) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا: "إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَحْمَةُ اللهِ).

(1)

"الشمائل المحمديّة" 1/ 146.

(2)

"الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين" 1/ 84، للحافظ علي بن الحسن بن عساكر المتوفّى سنة (571 هـ).

ص: 113

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكِنانيّ، أو الطائيّ، أبو علي الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ له تصانيف، من صغار [8](ت 187)(ع) تقدم في "الحيض" 26/ 817.

2 -

(يَعْلَى بْنُ عُبَيْدِ) بن أبي أُميّة الكوفي، أبو يوسف الطنافسيّ، ثقة، إلا في حديثه عن الثوريّ، ففيه لِيْن، من كبار [9] مات سنة بضع ومائتين، وله تسعون سنةً (ع) تقدم في "السلام" 4/ 5647.

3 -

(زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلّس، وسماعه من أبي إسحاق بأَخَرَةٍ [6](ت 7 أو 8 أو 149)(ع) تقدم في "الإيمان" 83/ 449.

4 -

(الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، فاضلٌ [3] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.

5 -

(أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، تقدّم قريبًا.

والباقيان ذُكرا في الباب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير أبي سلمة، وعائشة فمدنيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة رضي الله عنها، وقد مضى البحث فيها.

شرح الحديث:

(عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،) وفي الرواية التالية: "حَدَّثَنَا زكريّاء بن أبي زائدة، قال: سمعت عامرًا يقول: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة حدّثته؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها. . .". (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ (أنَّهَا حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا) وفي الرواية الرابعة: "قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشُ هذا جبريل يقرأ عليك السلام". ("إِنَّ جِبْرِيلَ) عليه السلام (يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ") بفتح حرف المضارعة، من القراءة؛ أي: يسلّم عليك، قال الفيّوميّ رحمه الله: قرأت على زيد السلامَ أَقْرَؤُهُ عليه قِرَاءَةً، وإذا أمرت منه قلت: اقْرَأْ عليه السلام، قال الأصمعيّ: وتَعْديته بنفسه خطأٌ، فلا يقال: اقْرَأْهُ

ص: 114

السلامَ؛ لأنه بمعنى: اتْلُ عليه، وحَكَى ابن القطاع أنه يتعدى بنفسه رُباعيًّا، فيقال: فلان يُقرئك السلامَ. انتهى

(1)

.

وقال في "القاموس"، و"شرحه": وقَرَأَ عليه السلام يَقْرَؤُه: أبْلَغَه، كأَقْرَأَه إيَّاه، أو لا يقال: أَقْرَأَه السَّلام رُباعيًّا مُتَعدِّيًا بنفسه، وكذا بحرفِ الجرّ إِلَّا إِذا كانَ السلامُ مَكْتوبًا، في وَرَقٍ، يقال: أقرِئْ فُلانًا السَّلامَ، واقْرَأْ عليه السلام، كأنه حين يُبَلِّغُه سلامه يَحْمِله على أنَّ يقرأَ السَّلام، وَيرُدَّه، قال أَبو حاتمٍ السِّجستانيّ: تقول: اقْرَأْ عليه السلام، ولا تقول: أقْرِئْه السَّلام، إِلَّا في لغةٍ، فإذا كانَ مَكتوبًا قلتَ: أَقْرِئْهُ السَّلام؛ أي: اجعله يَقْرَؤُهُ. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن قوله صلى الله عليه وسلم: "يَقرأ عليكِ السلامَ" يُضبط بفتح حرف المضارعة، ولا يجوز ضمه؛ فهو ثلاثيّ تعدّى للمفعول الأول بحرف الجرّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(قَالَتْ) عائشة: (فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَحْمَةُ اللهِ) زاد في الرواية الرابعة: "قالت: وهو يرى ما لا أرى"، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [13/ 6281 و 6282 و 6283 و 6284](2447)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق"(3217) و"الفضائل"(3768) و"الأدب"(6201) و"الاستئذان"(6249 و 6253)، و (أبو داود) في "الأدب"(5232)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3881)، و (ابن ماجه) في "الأدب"(3696)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(12/ 132 - 133)، و (الحميديّ) في "مسنده"(277)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 56 و 74 - 75 و 88 و 112 و 117 و 146 و 208 - 209 و 224 - 225) و"فضائل الصحابة"(1635)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(2/ 331)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(1/ 430)، و (ابن حبّان) في

(1)

"المصباح المنير" 2/ 502.

(2)

"تاج العروس" 1/ 188.

ص: 115

"صحيحه"(7098)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 90 و 91 و 92)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(2/ 46)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضيلة ظاهرة لعائشة رضي الله عنها حيث سلّم عليها جبريل عليه السلام.

2 -

(ومنها): بيان استحباب بعث السلام، وقد سبق في "صحيح مسلم" حديث أنس بن مالك رضي الله عنه؛ أن فتى من أسلم قال: يا رسول الله، إني أريد الغزو، وليس معي ما أتجهز، قال:"أنت فلانًا، فإنه قد كان تجهّز، فمرض"، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقرئك السلامَ، ويقول: أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئًا، فوالله لا تحبسي منه شيئًا، فيبارَكَ لكِ فيه.

قال النوويّ: ويجب على الرسول تبليغه؛ لأنه أمانة، وتُعُقِّب بأنه بالوديعة أشبه، والتحقيق أن الرسول إن التزمه أشبه الأمانة، وإلا فوديعة، والودائع إذا لم تُقبل لم يلزمه شيء، قاله في "الفتح"

(1)

.

3 -

(ومنها): بعث الأجنبي السلام إلى الأجنبية الصالحة؛ إذا لَمْ يُخف ترتّب مفسدة.

4 -

(ومنها): أن الذي يُبَلّغه السلامَ يردّ عليه، قال النوويّ: قال أصحابنا: وهذا الرد واجب على الفور، وكذا لو بلغه سلامٌ في ورقة من غائب لزمه أن يردّ السلام عليه باللفظ على الفور إذا قرأه.

5 -

(ومنها): أنه يستحب أن يردّ على المبلِّغ، لِمَا أخرجه النسائيّ عن رجل من بني تميم أنه بَلَّغ النبيّ صلى الله عليه وسلم سلام أبيه، فقال له:"وعليك، وعلى أبيك السلام"، وقالت خديجة رضي الله عنها لَمّا بَلَّغها النبيّ صلى الله عليه وسلم عن جبريل سلام الله عليها: إن الله هو السلام، ومنه السلام، وعليك، وعلى جبريل السلام.

قال الحافظ رحمه الله: ولم أر في شيء من طرق حديث عائشة رضي الله عنها؛ أنها ردّت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فدلّ على أنه غير واجب. انتهى

(2)

.

(1)

"الفتح" 14/ 185، كتاب "الاستئذان" رقم (6253).

(2)

"الفتح" 14/ 185، كتاب "الاستئذان" رقم (6253).

ص: 116

6 -

(ومنها): أنه يستحب في الرد أن يقول: وعليك، أو: وعليكم السلام بالواو، فلو قال: عليكم السلام، أو: عليكم أجزأه على الصحيح، وكان تاركًا للأفضل، قال النوويّ: وقال بعض أصحابنا: لا يجزئه، وسبقت مسائل السلام في بابه مستوفاة، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6282]

(. . .) - (حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا).

رجال هذا الإسناد: ستة:

وكلّهم ذُكروا في الباب، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هو: ابن راهويه، والْمُلَائِيُّ هو: أبو نعيم، الفضل بن دُكين.

[تنبيه]: كون الملائيّ هنا أبا نعيم الفضل بن دُكين هو الصواب، وقد أخطأ بعض الشرّاح

(1)

، فترجم هنا لعبد السلام بن حرب الملائيّ بدل أبي نعيم، وهذا غلط فاحش، فقد صرّح الحافظ المزيّ في "تحفته"

(2)

بأنه أبو نعيم، وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث في "صحيحه" عن أبي نعيم هذا، والحاصل: أن الصواب هو أبو نعيم.

وإنما التبس على الشارح المذكور أنه ذكر في "التقريب" في الأنساب عند ذِكر "الملائيّ": عبد السلام بن حرب، وأبا نعيم، فأوقعه في الغلط، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.

وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا)؛ يعني: أن حديث أبي نعيم عن زكريّاء بن أبي زائدة مثلُ حديث عبد الرحيم بن سليمان، ويعلى بن عُبيد كلاهما عن زكريّاء.

[تنبيه]: رواية أبي نعيم الملائيّ عن زكرياء بن أبي زائدة ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:

(1)

هو: الشيخ الهرريّ. راجع: "شرحه" 23/ 570.

(2)

راجع: "تحفة الأشراف" 12/ 352.

ص: 117

(5898)

- حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا زكريا، قال: سمعت عامرًا يقول: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة رضي الله عنها حدّثته أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها:"إن جبريل يُقرئك السلام، قالت: وعليه السلام، ورحمة الله". انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6283]

(. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَسبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).

رجال هذا الإسناد: ثلاثة:

1 -

(أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشيّ مولاهم، أبو محمد، ثقةٌ، ضُعِّف في الثوريّ [9](200)(ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 26/ 1354.

والباقيان ذُكرا قبله.

[تنبيه]: رواية أسباط بن محمد عن زكرياء بن أبي زائدة لم أجد من ساقها، فلْيُنظَر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6284]

(. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا عَائِشُ، هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرام السمرقنديّ، أبو محمد الدارميّ الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [11](255) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في "المقدمة" 5/ 29.

(1)

"صحيح البخاريّ" 5/ 2307.

ص: 118

2 -

(أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة [10](222)(ع) تقدم في "الإيمان" 23/ 196.

والباقون ذُكروا في الباب.

وقوله: ("يَا عَائِشُ) هذا من الترخيم، وفيه دليلٌ على جواز الترخيم، وهو حَذْف أواخر الكلم في النداء، نحو: يا سعا، والأصل: يا سعاد، كما قال في "الخلاصة":

تَرْخِيمًا احْذِفْ آخِرَ الْمُنَادَى

كَـ "يَا سُعَا" فِيمَنْ دَعَا سُعُادَى

ويجوز في شين "عائش" الفتح، ويُسمّى لغة من ينتظر المحذوف للترخيم، والضمّ، ويُسمّى لغة من لا ينتظر الحرف المحذوف، وإليه أشار في "الخلاصة" بقوله:

وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ

فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ

وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفًا كَمَا

لَوْ كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا

فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي ثَمُودَ يَا

ثَمُو وَيَا ثَمِي عَلَى الثَّاني بِيَا

وقوله: (يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ") قال القرطبيّ رحمه الله: يقال: أقرأته السلام، وهو يُقرئك السلام -رُباعيًّا- فتضم ياء المضارعة منه، فإذا قلت: يَقرأ عليك السلام - كان مفتوح حرف المضارعه؛ لأنَّه ثلاثيّ، وهذه فضيلة عظيمة لعائشة رضي الله عنها، غير أن ما ذُكر من تسليم الله عز وجل على خديجة أعظم؛ لأنَّ ذلك سلام من الله عز وجل، وهذا سلام من جبريل عليه السلام. انتهى

(1)

.

وقولها: (وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَحْمَةُ اللهِ) قال القرطبيّ رحمه الله: فيه حجة لمن اختار أن يكون ردّ السلام هكذا، وإليه ذهب ابن عمر رضي الله عنهما

(2)

.

وقولها: (وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى)؛ تعني: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يرى ما لا تراه هي، وهو الملَك، وفي رواية البخاريّ:"ترى ما لا أري، تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"المفهم" 6/ 332 - 333.

(2)

"المفهم" 6/ 333.

ص: 119

(14) - (بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ)

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6285]

(2448) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عِيسَى -وَاللَّفْظُ لِابْنِ حُجْرٍ- حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدْنَ، وَتَعَاقَدْنَ، أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا، قَالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٌّ، عَلَى رَأسِ جَبَلٍ وَعْرٍ، لَا سَهْلٌ فَيُرْتَقَي، وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلَ

(1)

، قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ، إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ، قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ، إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ، قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لَا حَرٌّ، وَلَا قُرٌّ، وَلَا مَخَافَةَ، وَلَا سَآمَةَ، قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ، قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ؛ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ، قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ، أَو عَيَايَاءُ، طَبَاقَاءُ، كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ، أَو فَلَّكِ، أَو جَمَعَ كُلًّا لَكِ. قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ، وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ. قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي. قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟، مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ، لَهُ إِبِلٌ كثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلَاتُ الْمَسَارحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ. قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلأَ مِنْ شَحْمِ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشَقٍّ، فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ، وَأَطِيطٍ، وَدَائِسٍ، وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ، فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ

(1)

وفي نسخة: "ولا سمين فيُنتقى".

ص: 120

فَأَتَقَنَّحُ، أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ، ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجِعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أبِيَ زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا، وَمِلْءُ كِسَائِهَا، وَغَيْظُ جَارَتِهَا، جَارِيةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلَا تمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا، قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ، وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا، كَالْفَهْدَيْنِ، يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي، وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا، قَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ، فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ").

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

2 -

(أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ) -بفتح الجيم، وتخفيف النون- ابن المغيرة المصيصيّ، أبو الوليد، صدوق [10](230)(م د س) تقدم في "الجهاد والسير" 28/ 4607.

3 -

(عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [8] (ت 187) وقيل:(191)(ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.

4 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام، أبو بكر الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [3] بقي إلى أواخر دولة بني أمية، وكان مولده سنة خمس وأربعين (خ م ت س ق) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" 17/ 1711.

والباقون ذُكروا في الباب الماضي.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الراوي عن أخيه عن أبيهما، عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة.

ص: 121

شرح الحديث:

عن (عِيسَى بْنِ يُونُسَ)؛ أنه قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ) وفي رواية أبي يعلى في "مسنده"

(1)

عن أحمد بن جناب، عن عيسى بن يونس، عن هشام، أخبرني أخي عبد الله بن عروة.

قال في "الفتح": وهذا من نوادر ما وقع لهشام بن عروة في حديثه عن أبيه، حيث أدخل بينهما أخًا له واسطة، ومثله ما في "اللباس" من صحيح البخاريّ من طريق وهيب، عن هشام بن عروة، عن أخيه عثمان، عن عروة، وقد وقع له فيه رواية بواسطة اثنين بينه وبين أبيه، ولم يختلف على عيسى بن يونس في إسناده، وسياقه، لكن حَكَى عياض عن أحمد بن داود الحرّانيّ أنه رواه عن عيسى، فقال في أوله: عن عائشة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وساقه بطوله مرفوعًا كلُّه، وكذا حكاه أبو عبيد أنه بلغه عن عيسى بن يونس، وتابع عيسى بن يونس على روايته مفصلًا فيما حكاه الخطيب سُويد بن عبد العزيز، وكذا سعيد بن سلمة، عن أبي الحسام، كلاهما عن هشام.

قال الحافظ: وستأتي روايته تعليقًا -أي: عند البخاريّ- وأذكر من وَصَلها عند الفراغ من شرح الحديث.

وخالفهم الهيثم بن عديّ، فيما أخرجه الدارقطنيّ في الجزء الثاني من "الأفراد"، فرواه عن هشام بن عروة، عن أخيه يحيى بن عروة، عن أبيه، وخَطّأه الدارقطنيّ في "العلل"، وصوّب أنه عبد الله بن عروة، وقال عقبة بن خالد، وعباد بن منصور، وروايتهما عند النسائيّ، والدراورديّ، وعبد الله بن مصعب، وروايتهما عند الزبير بن بكار، وأبو أويس، فيما أخرجه ابنه عنه، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وروايته عند الطبرانيّ، وأبو معاوية، وروايته عند أبي عوانة في "صحيحه" كلهم: عن هشام بن عروة، عن أبيه، بغير واسطة.

وأدخل بينهما واسطة أيضًا عقبة بن خالد، فرواه عن هشام بن عروة، عن يزيد بن رُومان، عن عروة، لكن اقتصر على المرفوع، وبَيَّن ذلك البزار، قال

(1)

"مسند أبي يعلى" 8/ 154، وعزا في "الفتح" هذه الرواية لمسلم، لكني لم أجدها فيما بين يدي من نُسخ مسلم، والله تعالى أعلم.

ص: 122

الدارقطنيّ: وليس ذلك بمدفوع، فقد رواه أبو أويس أيضًا، وإبراهيم بن أبي يحيى، عن يزيد بن رُومان. انتهى.

ورواه عن عروة أيضًا حفيده عُمر بن عبد الله بن عروة، وأبو الزناد، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، إلا أنه كان يقتصر على المرفوع منه، وينكر على هشام بن عروة سياقه بطوله، ويقول: إنما كان عروة يحدثنا بذلك في السفر بقطعة منه، ذكره أبو عبيد الآجريّ في أسئلته عن أبي داود.

قال الحافظ: ولعل هذا هو السبب في تَرْك أحمد تخريجه في "مسنده" مع كِبَره، وقد حدّث به الطبرانيّ عن عبد الله بن أحمد، لكن عن غير أبيه.

وقال العقيليّ: قال أبو الأسود: لم يرفعه إلا هشام بن عروة، قلت

(1)

: المرفوع منه في "الصحيحين": "كنت لك كأبي زرع لأم زرع"، وباقيه من قول عائشة.

وجاء خارج الصحيح مرفوعًا كلّه من رواية عباد بن منصور، عند النسائيّ، وساقه بسياق لا يقبل التأويل، ولفظه:"قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع"، قالت عائشة: بأبي وأمي يا رسول الله، ومن كان أبو زرع؟ قال: اجتمع نساء. . ." فساق الحديث كلّه، وجاء مرفوعًا أيضًا من رواية عبد الله بن مصعب، والدراورديّ، عند الزبير بن بكار، وكذا رواه أبو معشر، عن هشام وغيره من أهل المدينة، عن عروة، وهي رواية الهيثم بن عديّ أيضًا، وكذا أخرجه النسائيّ من رواية القاسم بن عبد الواحد، عن عمر بن عبد الله بن عروة، وقد رواه أحمد بن داود، عن عيسى بن يونس، كذلك، قال عياض: وكذا ظاهر رواية حنبل بن إسحاق، عن موسى بن إسماعيل، عن سعيد بن سلمة، بسنده المتقدم، فإن أوله عنده:"قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت لك كأبي زرع لام زرع"، ثم أنشأ يحدّث حديث أم زرع، قال عياض: يَحْتَمِل أن يكون فاعل أنشأ هو عروةَ، فلا يكون مرفوعًا، وأخذ القرطبيّ هذا الاحتمال، فجزم به، وزعم أن ما عداه وَهَمٌ، وسبقه إلى ذلك ابن الجوزيّ.

قال الحافظ: لكن يعكر عليه أن في بعض طرقه الصحيحة: "ثم أنشأ

(1)

القائل هو: الحافظ، فتنبّه.

ص: 123

رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدّث"، وذلك في رواية القاسم بن عبد الواحد، ولفظه: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع"، ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدّث، فانتفى الاحتمال.

ويُقَوِّي رَفْع جميعه أن التشبيه المتَّفق على رفعه يقتضي أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع القصّة، وعرفها، فأقرّها، فيكون كله مرفوعًا من هذه الحيثية، ويكون المراد بقول الدارقطنيّ والخطيب وغيرهما من النقاد: إن المرفوع منه ما ثبت في "الصحيحين"، والباقي موقوف من قول عائشة، هو أن الذي تلفّظ به النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا سمع القصّة من عائشة هو التشبيه فقط، ولم يريدوا أنه ليس بمرفوع حكمًا، ويكون مَن عَكَس ذلك، فنسب قَصَّ القصّة من ابتدائها إلى انتهائها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم واهمًا كما سيأتي بيانه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله

(1)

، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، خلاصته: أن الحديث مرفوع كلّه من حيث المعنى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سمع عائشة تُحدّث به، فأقرّها عليه، وأما من حيث اللفظ فالمرفوع قوله صلى الله عليه وسلم:"كنت لك كأبي زرع لأم زرع"، والله تعالى أعلم.

(عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ (أَنَّهَا قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً) قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها:"جلسن" بزيادة نون، وهي لغة قليلة، سبق بيانها في مواضع، منها: حديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة"، وإحدى عشرة، وتسع عشرة، وما بينهما يجوز فيه إسكان الشين، وكسرها، وفتحها، والإسكان أفصح، وأشهر. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح": قال ابن التين رحمه الله: التقدير: جلس جماعة إحدى عشرة، وهو مثل:{وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ} [يوسف: 30]، وفي رواية أبي عوانة:"جلست"، وفي رواية أبي عليّ الطبريّ في مسلم:"جلسن" بالنون، وفي رواية للنسائيّ:"اجتَمَع"، وفي رواية أبي عُبيد:"اجتمعت"، وفي رواية أبي يعلى:"اجتمعن"، قال القرطبيّ: زيادة النون على لغة أكلوني البراغيث، وقد أثبتها جماعة من أئمة العربية، واستشهدوا لها بقوله تعالى:{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} الآية [الأنبياء: 3]، وقوله تعالى:{فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} الآية [المائدة: 71]، وحديث:"يتعاقبون فيكم ملائكةٌ"، وقول الشاعر [من الطويل]:

(1)

"الفتح" 9/ 257.

(2)

"شرح النووي" 15/ 212.

ص: 124

وَلَكِنْ دِيَافِيٌّ أَبُوهُ وَأُمُّهُ

بِحَوْرَانَ يَعْصِرونَ السَّلِيطَ أَقَارِبُهْ

وقوله [من المتقارب]:

يَلُومُونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخِـ

ـيلِ قَوْمِي فَكُلُّهُمُ يَعْذُلُ

وقد تكلف بعض النحاة ردّ هذه اللغة إلى اللغة المشهورة، وهي أن لا يلحق علامة الجمع، ولا التثنية، ولا التأنيث في الفعل، إذا تقدم على الأسماء، وخرّج لها وجوهًا، وتقديرات في غالبها نظرٌ، ولا يحتاج إلى ذلك بعد ثبوتها نقلًا، وصحتها استعمالًا، والله أعلم.

وإلى ما ذُكر أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:

وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا

لاثْنَيْنِ أَو جَمْعٍ كَـ "فَازَ الشُّهَدَا"

وَقَدْ يُقَالُ: "سَعِدَا وَسَعِدُوا"

والْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ

وقال عياض: الأشهر ما وقع في "الصحيحين"، وهو توحيد الفعل مع الجمع، قال سيبويه: حُذِفَ اكتفاءً بما ظهر، تقول مثلًا: قام قومك، فلو تقدم الاسم لم يحذف، فتقول: قومك قام، بل قاموا، ومما يوجه ما وقع هنا أن يكون إحدى عشرة بدلًا من الضمير في "اجتمعن"، والنون على هذا ضمير، لا حرف علامة، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: مَن هنّ؟ فقيل: إحدى عشرة، أو بإضمار أعني، وذكر عياض أن في بعض الروايات:"إحدى عشرة نسوةً"، قال: فإن كان بالنصب احتاج إلى إضمار أعني، أو بالرفع فهو بدلٌ من إحدى عشرة، ومنه قوله تعالى:{وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا} [الأعراف: 160]، قال الفارسيّ: هو بدل من {قطعناهم} ، وليس بتمييز. انتهى.

وقد جوَّز غيره أن يكون تمييزًا بتأويل يطول شرحه.

[تنبيه]: وقع لهذا الحديث سبب عند النسائيّ من طريق عُمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت:"فَخَرت بمال أبي في الجاهلية، وكان ألف ألف أوقية" -وفيه-: "فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: اسكتي يا عائشة، فإني كنت لك كأبي زرع لأم زرع".

ووقع له سبب آخر فيما أخرجه أبو القاسم عبد الحكيم بن حبان بسند له مرسل، من طريق سعيد بن عُفير، عن القاسم بن الحسن، عن عمرو بن

ص: 125

الحارث، عن الأسود بن جبر

(1)

المغافريّ: "قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وفاطمة، وقد جرى بينهما كلام، فقال: ما أنت بمنتهية يا حميراء عن ابنتي، إن مثلي ومثلك كأبي زرع مع أم زرع، فقالت: يا رسول الله حدّثنا عنهما، فقال: كانت قرية فيها إحدى عشرة امرأة، وكان الرجال خَلُوفًا، فقلن: تعالين نتذاكر أزواجنا بما فيهم، ولا نكذب".

ووقع في رواية أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عند أبي عوانة في "صحيحه" بلفظ:"كان رجل يُكنى أبا زرع، وامرأته أم زرع، فتقول: أحسن لي أبو زرع، وأعطاني أبو زرع، وأكرمني أبو زرع، وفعل بي أبو زرع".

ووقع في رواية الزبير بن بكار: "دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندي بعض نسائه، فقال يخصني بذلك: يا عائشة أنا لك كأبي زرع لأم زرع، قلت: يا رسول الله ما حديث أبي زرع وأم زرع؟ قال: إن قرية من قرى اليمن، كان بها بطن من بطون اليمن، وكان منهنّ إحدى عشرة امرأة، وإنهن خرجن إلى مجلس، فقلن: تعالين، فلنذكر بعولتنا بما فيهم، ولا نكذب".

فيستفاد من هذه الرواية معرفة جهة قبيلتهنّ، وبلادهنّ، لكن وقع في رواية الهيثم أنهن كنّ بمكة.

وأفاد أبو محمد بن حزم فيما نقله عياض أنهن كنّ من خثعم، وهو يوافق رواية الزبير أنهن من أهل اليمن.

ووقع في رواية ابن أبي أويس، عن أبيه أنهن كنّ في الجاهلية، وكذا عند النسائيّ في رواية عقبة بن خالد، عن هشام.

وحكى عياض، ثم النوويّ قول الخطيب في "المبهمات": لا أعلم أحدًا سمّى النسوة المذكورات في حديث أم زرع إلا من الطريق الذي أذكره، وهو غريب جدًّا، ثم ساقه من طريق الزبير بن بكار، قال الحافظ: وقد ساقه أيضًا أبو القاسم عبد الحكيم المذكور من الطريق المرسلة التي قدمت ذكرها، فإنه ساقه من طريق الزبير بن بكار بسنده، ثم ساقه من الطريق المرسلة، وقال: فذكر الحديث نحوه، وسمّى ابن دُريد في الوشاح أم زرع: عاتكة، ثم قال

(1)

لم أجد ترجمته، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

ص: 126

النوويّ: وفيه -يعني: سياق الزبير بن بكار- أن الثانية اسمها: عمرة بنت عمرو، واسم الثالثة: حُبَّى -بضم المهملة، وتشديد الموحّدة، مقصور- بنت كعب، والرابعة: مهدد بنت أبي هزومة، والخامسة: كبشة، والسادسة: هند، والسابعة: حبى بنت علقمة، والثامنة: بنت أوس بن عبد، والعاشرة: كبشة بنت الأرقم. انتهى، ولم يسمّ الأولى، ولا التاسعة، ولا أزواجهنّ، ولا ابنة أبي زرع، ولا أمه، ولا الجارية، ولا المرأة التي تزوجها أبو زرع، ولا الرجل الذي تزوجته أم زرع، وقد تبعه جماعة من الشراح بعده، وكلامهم يوهم أن ترتيبهن في رواية الزبير كترتيب رواية "الصحيحين"، وليس كذلك، فإن الأولى عند الزبير، وهي التي لَمْ يسمّها هي الرابعة هنا، والثانية في رواية الزبير هي الثامنة هنا، والثالثة عند الزبير هي العاشرة هنا، والرابعة عند الزبير هي الأولى هنا، والخامسة عنده هي التاسعة هنا، والسادسة عنده هي السابعة هنا، والسابعة عنده هي الخامسة هنا، والثامنة عنده هي السادسة هنا، والتاسعة عنده هي الثانية هنا، والعاشرة عنده هي الثالثة هنا.

وقد اختَلَف كثير من رواة الحديث في ترتيبهنّ، ولا ضير في ذلك، ولا أثر للتقديم والتأخير فيه؛ إذ لم يقع تسميتهنّ، نعم في رواية سعيد بن سلمة مناسبة، وهي سياق الخمسة اللاتي ذَمَمْن أزواجهن على حِدَة، والخمسة اللاتي مدحن أزواجهن على حِدَةٍ، قال الحافظ رحمه الله: وسأشير إلى ترتيبهن في الكلام على قول السادسة هنا، وقد أشار إلى ذلك في قول عروة عند ذكر الخامسة، فهؤلاء خمس يَشْكُون، وإنما نبّهت على رواية الزبير بخصوصها؛ لِمَا فيها من التسمية مع المخالفة في سياق الأعداد، فيظن من لَمْ يقف على حقيقة ذلك أن الثانية التي سمّيت عمرة بنت عمرو هي التي قالت: زوجي لا أبث خبره، وليس كذلك، بل هي التي قالت: زوجي المس مس أرنب، وهكذا إلخ، فللتنبيه عليه فائدة من هذه الحيثية. انتهى كلام الحافظ رحمه الله

(1)

، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.

(فَتَعَاهَدْنَ، وَتَعَاقَدْنَ)؛ أي: ألزمن أنفسهنّ عهدًا، وعقدن على الصدق من

(1)

"الفتح" 11/ 564 - 566، كتاب "النكاح" رقم (5189).

ص: 127

ضمائرهنّ عقدًا، (أَنْ لَا يَكْتُمْنَ) في رواية ابن أبي أويس، وعقبة:"أن يتصادقن بينهنّ، ولا يكتمن"، وفي رواية سعيد بن سلمة، عند الطبرانيّ:"أن ينعتن أزواجهنّ، ويصدقن"، وفي رواية الزبير:"فتبايعن على ذلك". (مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا، قَالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٌّ) -بفتح الغين المعجمة، وتشديد المثلثة- ويجوز جرّه صفة للجمل، ورَفْعه صفة لِلَحم، قال ابن الجوزيّ: المشهور في الرواية الخفض، وقال ابن ناصر: الجيد الرفع، ونقله عن التبريزيّ وغيره، والغَثّ: الْهَزِيل الذي يستغث من هزاله؛ أي: يُستترك، ويُستكره، مأخوذ من قولهم: غَثَّ الجرحُ غَثًّا، وغثيثًا: إذا سال منه القيح، واستغثه صاحبه، ومنه أغث الحديث، ومنه غثّ فلان في خُلُقه، وكثر استعماله في مقابلة السمين، فيقال للحديث المختلط: فيه الغث والسمين. (عَلَى رَأسِ جَبَلٍ وَعْرٍ) في رواية الزبير بن بكّار: "وَعْث" بالثاء المثلَّثة بدل الراء، وهي أوفق للسجع، والأول ظاهر؛ أي: كثير الضجر، شديد الغلظة، يصعب الرُّقِيّ إليه، والوعث بالمثلثة: الصعب المرتقَي، بحيث توحل فيه الأقدام، فلا يتخلص منه، ويشق فيه المشي، ومنه:"وعثاء السفر". (لَا سَهْلٌ) قال في "الفتح": بالفتح، بلا تنوين، وكذا:"ولا سمينَ"، ويجوز فيهما الرفع على أنهما خبرا مبتدأ محذوف؛ أي: لا هو سهل، ولا سمين، ويجوز الجرّ على أنهما صفة "جمل"، و"جبل"، ووقع في رواية عقبة بن خالد، عن هشام، عند النسائيّ بالنصب منونًا فيهما:"لا سهلًا ولا سمينًا"، وفي رواية عمر بن عبد الله بن عروة عنده:"لا بالسمين، ولا بالسهل"، قال عياض: أحسن الأوجه عندي الرفع في الكلمتين من جهة سياق الكلام، وتصحيح المعنى، لا من جهة تقويم اللفظ، وذلك أنَّها أودعت كلامها تشبيه شيئين بشيئين، شَبَّهَت زوجها باللحم الغثّ، وشبّهت سُوء خلقه بالجبل الوعر، ثم فسَّرت ما أجملت، فكأنها قالت: لا الجبل سهلٌ، فلا يشق ارتقاؤه لِأَخْذ اللحم، ولو كان هزيلًا، لأن الشيء المزهود فيه أن يؤخذ إذا وُجد بغير نصب، ثم قالت: ولا اللحم سمينٌ، فيتحمل المشقة في صعود الجبل؛ لأجل تحصيله، (فَيُرْتَقَى) بالبناء للمفعول، وهو منصوب بـ "أن" مضمرة بعد الفاء السببيّة، ومثله:"فيُنتقل"، كما قال في "الخلاصة":

ص: 128

وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ

مَحْضَيْنِ "أَنْ" وسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ

ومعنى "فيُرتقى"؛ أي: فيُصْعَد فيه، وهو وصف للجبل، وفي رواية للطبرانيّ:"لا سهلٌ، فيرتَقَى إليه". (وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلَ) باللام، وفي بعض النسخ:"فيُنتقى"، وقال في "الفتح": قوله: "ولا سمين، فينتقل"، في رواية أبي عبيد:"فينتقَى"، وهذا وصف اللحم، والأول من الانتقال؛ أي: أنه لهزاله لا يرغب أحد فيه، فينتقل إليه، يقال: انتقلت الشيء؛ أي: نقلته، ومعنى ينتقى: ليس له نِقْيٌ يُستخرج، والنقي: الْمُخّ، يقال: نقوت العظم، ونقيته، وانتقيته: إذا استخرجت مخه، وقد كثر استعماله في اختيار الجيد من الرديء، قال عياض: أرادت أنه ليس له نِقْيٌ، فيُطلب لأجل ما فيه من النِّقْيِ، وليس المراد أنه فيه نِقي يُطلب استخراجه، قالوا: آخر ما يبقى في الجَمل مُخّ عظم المفاصل، ومخّ العين، وإذا نَفِدا لم يبق فيه خير، قالوا: وَصَفَته بقلّة الخير، وبُعده مع القلة، فشبّهته باللحم الذي صغرت عظامه عن النقي، وخبث طعمه وريحه، مع كونه في مُرْتَقًى يشق الوصول إليه، فلا يرغب أحدٌ في طلبه لينقله إليه، مع توفر دواعي أكثر الناس على تناول الشيء المبذول مجانًا.

وقال النوويّ

(1)

: فسَّره الجمهور بأنه قليل الخير من أوجه، منها كونه كلحم الجمل، لا كلحم الضأن مثلًا، ومنها أنه مع ذلك مهزول، رديء، ويؤيده قول أبي سعيد الضرير: ليس في اللحوم أشدّ غثاثة من لحم الجمل؛ لأنه يجمع خبث الطعم، وخبث الريح، ومنها أنه صعب التناول، لا يوصل إليه إلا بمشقه شديدة.

وذهب الخطابيّ

(2)

إلى أن تشبيهها بالجبل الوعر إشارةٌ إلى سوء خُلُقه، وأنه يترفع، ويتكبر، ويسمو بنفسه فوق موضعها، فيجمع البخل وسوء الخلق.

وقال عياض

(3)

: شَبَّهَت وعورة خُلُقه بالجبل، وبُعد خيره ببُعد اللحم على رأس الجبل، والزهد فيما يُرجَى منه مع قلّته وتعذّره بالزهد في لحم الجمل الهزيل، فأعطت التشبيه حَقَّه، وَوَفته قِسطه.

(1)

شرح النوويّ" 15/ 213.

(2)

"الأعلام" 3/ 1988.

(3)

"بغية الرائد" ص 48.

ص: 129

(قَالَتِ) المرأة (الثَّانِيَةُ) من الإحدى عشرة: (زَوْجِي) مبتدأ خبره قولها: (لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ) بالموحّدة، ثم المثلثة، وفي رواية حكاها عياض:"أَنُثّ" بالنون بدل الموحّدة؛ أي: لا أُظهر حديثه، وعلى رواية النون فمرادها حديثه الذي لا خير فيه؛ لأنَّ النّثّ بالنون أكثر ما يُستعمل في الشرّ، ووقع في رواية للطبرانيّ:"لا أَنُمّ" بنون، وميم، من النميمة. (إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ)؛ أي: أخاف أن لا أترك من خبره شيئًا، فالضمير للخبر؛ أي: أنه لطوله، وكثرته، إن بَدَأْتُه لَمْ أقدر على تكميله، فاكتفت بالإشارة إلى معايبه؛ خشيةَ أن يطول الخطب بإيراد جميعها، ووقع في رواية عباد بن منصور، عند النسائيّ:"أخشى أن لا أذره من سوء"، وهذا تفسير ابن السكيت، ويؤيده أن في رواية عقبة بن خالد:"إني أخاف أن لا أذره، أذكره، وأذكر عُجَره، وبُجَره"، وقال غيره: الضمير لزوجها، وعليه يعود ضمير "عُجَره، وبُجَره" بلا شكّ، كأنها خشيت إذا ذكرت ما فيه أن يبلغه، فيفارقها، فكأنها قالت: أخاف أن لا أقدر على تركه؛ لعلاقتي به، وأولادي منه، وأذره؛ بمعنى: أفارقه، فاكتفت بالإشارة إلى أنه له معايب؛ وفاءً بما التزمته من الصدق، وسكتت عن تفسيرها للمعنى الذي اعتذرت به، ووقع في رواية الزبير:"زوجي من لا أذكره، ولا أبث خبره"، والأول أليق بالسجع.

(إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ) -بضم أوله، وفتح الجيم فيهما-: الأول بعين مهملة، والثاني بموحّدة، جمع عُجْرة، وبُجْرة -بضم، ثم سكون- فالعجر؛ تعقّد العصب، والعروق في الجسد، حتى تصير ناتئة، والبجر مثلها، إلا أنها مختصة بالتي تكون في البطن، قاله الأصمعيّ وغيره، وقال ابن الأعرابيّ: العُجْرة: نفخة في الظهر، والْبُجْرة: نفخة في السُّرَّة، وقال ابن أبي أويس: العجر: العُقَد التي تكون في البطن، واللسان، والبجر: العيوب، وقيل: العجر في الجَنْب، والبطن، والبجر: في السرّة، هذا أصلهما، ثم استُعملا في الهموم والأحزان، ومنه قول عليّ رضي الله عنه يوم الجمل: أشكو إلى الله عُجَري وبُجَري، وقال الأصمعيّ: استُعملا في المعايب، وبه جزم ابن حبيب، وأبو عبيد الهرويّ، وقال أبو عبيد بن سلام

(1)

، ثم ابن السكيت: استُعملا فيما

(1)

"غريب الحديث" 2/ 290.

ص: 130

يكتمه المرء، ويخفيه عن غيره، وبه جزم المبرّد، قال الخطابيّ

(1)

: أرادت عيوبه الظاهرة، وأسراره الكامنة، قال: ولعله كان مستور الظاهر، رديء الباطن، وقال أبو سعيد الضرير: عَنَت أن زوجها كثير المعايب، متعقد النفس عن المكارم، وقال الأخفش: العُجَر: العُقَد تكون في سائر البدن، والبجر: تكون في القلب، وقال ابن فارس: يقال في المثل: أفضيت إليه بعُجري وبُجري؛ أي: بأمري كله

(2)

.

(قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ) -بفتح العين المهملة، ثم الشين المعجمة، وتشديد النون المفتوحة، وآخره قاف- قال أبو عبيد، وجماعة: هو الطويل، زاد الثعالبيّ: المذموم الطول، وقال الخليل: هو الطويل الْعُنُق، وقال ابن أبي أويس: الصقر من الرجال الْمِقْدام الجريء، وحكى ابن الأنباريّ عن ابن قتيبة أنه قال: هو القصير، ثم قال: كأنه عنده من الأضداد، قال: ولم أره لغيره. انتهى.

قال الحافظ: والذي يظهر أنه تصحّف عليه بما قال ابن أبي أويس، قاله عياض، وقد قال ابن حبيب: هو الْمِقْدام على ما يريد الشَّرِس في أموره، وقيل: السيئ الخلق، وقال الأصمعي: أرادت أنه ليس عنده أكثر من طوله بغير نفع، وقال غيره: هو المستكره الطول، وقيل: ذمّته بالطول؛ لأن الطول في الغالب دليل السَّفَه، وعُلِّل ببُعد الدماغ عن القلب، وأغرب من قال: مدحته بالطول؛ لأن العرب تتمدح بذلك، وتُعُقِّب بأن سياقها يقتضي أنها ذمّته، وأجاب عنه ابن الأنباريّ باحتمال أن تكون أرادت مَدْح خَلْقه، وذَمَّ خُلُقه، فكأنها قالت: له منظر بلا مخبر، وهو مُحْتَمِل، وقال أبو سعيد الضرير: الصحيح أن العَشَنَّق الطويل النجيب الذي يملك أمر نفسه، ولا تحكم النساء فيه، بل يحكم فيهنّ بما شاء، فزوجته تهابه أن تنطق بحضرته، فهي تسكت على مَضَض، قال الزمخشريّ: وهي من الشكاية البليغة. انتهى، ويؤيده ما وقع في رواية يعقوب بن السكيت من الزيادة في آخره: "وهو على حدّ السِّنان

(1)

"الأعلام" 3/ 1988.

(2)

"الفتح" 11/ 564 - 566، كتاب "النكاح" رقم (5189).

ص: 131

الْمُذَلَّق" بفتح المعجمة، وتشديد اللام؛ أي: المجرد بوزنه ومعناه، تشير إلى أنها منه على حَذَر، ويَحْتَمِل أن تكون أرادت بهذا أنه أهوج، لا يستقر على حال، كالسنان الشديدة الحدّة. (إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ)؛ أي: إن ذكرتُ عيوبه، فيبلغه طلقني، وإن سكتُّ عنها، فأنا عنده معلَّقة، لا ذات زوج، ولا أَيِّم، كما وقع في تفسير قوله تعالى {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129]، فكأنها قالت: أنا عنده لا ذات بعل، فأنتفعَ به، ولا مطلقةٌ فأتفرغَ لغيره، فهي كالمعلقة بين العلو والسفل، لا تستقر بأحدهما، قال الحافظ: هكذا توارد عليه أكثر الشراح تبعًا لأبي عبيد، وفي الشق الثاني عندي نظرٌ؛ لأنه لو كان ذلك مرادها لنطقت ليطلقها، فتستريح، والذي يظهر لي أيضًا أنها أرادت وصف سوء حالها عنده، فأشارت إلى سوء خُلُقه، وعدم احتماله لكلامها إن شكت له حالها، وإنها تعلم أنها متى ذكرت له شيئًا من ذلك بادر إلى طلاقها، وهي لا تُؤثِر تطليقه؛ لمحبتها فيه، ثم عبّرت بالجملة الثانية إشارةً إلى أنها إن سكتت صابرةً على تلك الحال، كانت عنده كالمعلقة التي لا ذات زوج، ولا أيّم، ويَحْتَمِل أن يكون قولها: "أُعلق" مشتقًّا من علاقة الحبّ، أو من علاقة الوصلة؛ أي: إن نطقت طلقني، وإن سكتُّ استمرّ لي زوجةً، وأنا لا أوثر تطليقه لي، فلذلك أسكت، قال عياض: أوضحت بقولها: "على حدّ السنان الْمُذَلَّق" مرادها بقولها قبلُ: "إن أسكت أعلَّق، وإن أنطق أطلق"؛ أي: أنها إن حادت عن السنان سقطت، فهلكت، وإن استمرت عليه أهلكها.

(قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لَا حَرٌّ، وَلَا قُرٌّ، وَلَا مَخَافَةً، وَلَا سَآمَةً) قال النوويّ رحمه الله: هذا مدحٌ بليغٌ؛ ومعناه: ليس فيه أذي، بل هو راحة، ولذاذة عيش، كَلَيْل تهامة لذيذٌ معتدلٌ، ليس فيه حرّ، ولا برد مفرط، ولا أخاف له غائلة؛ لِكَرَم أخلاقه، ولا يسأمني، ويملّ صحبتي. انتهى

(1)

.

وقال في "الفتح": قولها: "لا حرّ ولا قرّ، وَلَا مَخَافَةَ، وَلَا سَآمَةَ" بالفتح بغير تنوين مبنية مع "لا" على الفتح، وجاء الرفع مع التنوين فيها، وهي رواية

(1)

"شرح النوويّ" 15/ 214.

ص: 132

أبي عبيد، قال أبو البقاء

(1)

: وكأنه أشبع بالمعنى؛ أي: ليس في حرّ، فهو اسم "ليس" وخبرها محذوف، قال: ويقويه ما وقع من التكرير، كذا قال، وقد وقع في القراءات المشهورة البناء على الفتح في الجميع، والرفع مع التنوين، وفتح البعض، ورفع البعض، وذلك في مثل قوله تعالى:{لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254]، ومثل:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]، ووقع في رواية عُمر بن عبد الله، عند النسائيّ:"ولا بَرْد" بدل و"لا قر"، زاد في رواية الهيثم:"ولا خامة" بالخاء المعجمة؛ أي: لا ثقل عنده، تصف زوجها بذلك، وأنه ليِّن الجانب، خفيف الوطأة على الصاحب، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من بقية صفة الليل.

وفي رواية الزبير بن بكار: "والغيث غيث غمامة"، قال أبو عبيد

(2)

: أرادت أنه لا شرّ فيه يُخاف. وقال ابن الأنباريّ: أرادت بقولها: "ولا مخافة"؛ أي: أن أهل تهامة لا يخافون؛ لتحصّنهم بجبالها، أو أرادت وصف زوجها بأنه حامي الذمار، مانع لداره وجاره، ولا مخافة عند من يأوي إليه، ثم وصفته بالجود، وقاله غيره: قد ضربوا المثل بليل تهامة في الطِّيب؛ لأنها بلاد حارة في غالب الزمان، وليس فيها رياح باردة، فإذا كان الليل كان وهج الحرّ ساكنًا، فيطيب الليل لأهلها بالنسبة لِمَا كانوا فيه من أذى حر النهار، فوصفت زوجها بجميل العشرة، واعتدال الحال، وسلامة الباطن، فكأنها قالت: لا أذى عنده، ولا مكروه، وأنا آمنة منه، فلا أخاف من شره، ولا ملل عنده، فيسأم من عشرتي، أو ليس بسيئ الخُلُق، فأسأم من عشرته، فأنا لذيذة العيش عنده، كلذة أهل تهامة بليلهم المعتدل.

(قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ) قال أبو عبيد

(3)

: "فَهِدَ" بفتح الفاء، وكسر الهاء: مشتق من الفهد، وصَفَتْه بالغفلة عند دخول البيت على وجه المدح له، وقال ابن حبيب: شبّهته في لِينه وغفلته بالفهد؛ لأنه يوصف بالحياء، وقلة الشرّ، وكثرة النوم. (وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ) بفتح الهمزة، وكسر السين

(1)

"إعراب الحديث النبويّ" ص 334 - 335 رقم (402) مسند عائشة رضي الله عنها.

(2)

"غريب الحديث" 2/ 292.

(3)

"غريب الحديث" 2/ 295.

ص: 133

المهملة: مشتق من الأسد؛ أي: يصير بين الناس مثل الأسد، وقال ابن السكيت: تصفه بالنشاط في الغزو، وقال ابن أبي أويس: معناه إن دخل البيت وثب عليّ وثوب الفهد، وإن خرج كان في الإقدام مثل الأسد، فعلى هذا يَحْتَمِل قوله: وثب عليّ المدح والذم، فالأول تشير إلى كثرة جماعه لها إذا دخل، فينطوي تحت ذلك تمدّحها بأنها محبوبة لديه، بحيث لا يصير عنها إذا رآها، والذم إما من جهة أنه غليظ الطبع، ليست عنده مداعبة، ولا ملاعبة قبل المواقعة، بل يثب وثوبًا كالوحش، أو من جهة أنه كان سيئ الخلق، يبطش بها، ويضربها، وإذا خرج على الناس كان أمره أشدّ في الجرأة، والإقدام، والمهابة، كالأسد، قال عياض

(1)

: فيه مطابقة بين خرج، ودخل لفظية، وبين فَهِد وأَسِد معنوية، ويسمى أيضًا المقابلة.

(وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) يَحْتَمِل المدح والذمّ أيضًا، فالمدح بمعنى أنه شديد الكرم، كثير التغاضي، لا يتفقد ما ذهب من ماله، وإذا جاء بشيء لبيته لا يسأل عنه بعد ذلك، أو لا يلتفت إلى ما يرى في البيت من المعايب، بل يسامح، ويُغضي.

ويَحْتَمِل الذمّ، بمعنى أنه غير مبال بحالها، حتى لو عرف أنَّها مريضة، أو معوزة، وغاب، ثم جاء لا يسأل عن شيء من ذلك، ولا يتفقد حال أهله، ولا بيته، بل إن عَرَّضت له بشيء من ذلك وثب عليها بالبطش والضرب، وأكثر الشراح شرحوه على المدح، فالتمثيل بالفهد من جهة كثرة التكرم، أو الوثوب، وبالأسد من جهة الشجاعة، وبعدم السؤال من جهة المسامحة.

وقال عياض

(2)

: حَمَله الأكثر على الاشتقاق من خُلُق الفهد، إما من جهة قوة وُثوبه، وإما من كثرة نومه، ولهذا ضربوا المثل به، فقالوا: أنوم من فهد، قال: ويَحْتَمِل أن يكون من جهة كثرة كسبه؛ لأنهم قالوا في المثل أيضًا: أكسب من فهد، وأصله أن الفهود الهرمة تجتمع على فهد منها فتي، فيتصيد عليها كل يوم حتى يشبعها، فكأنها قالت: إذا دخل المنزل دخل معه بالكسب لأهله، كما يجيء الفهد لمن يلوذ به من الفهود الهرمة، ثم لمّا كان في وصفها

(1)

"بغية الرائد" ص 74 - 75.

(2)

"بغية الرائد" ص 70.

ص: 134

له بخُلق الفهد ما قد يَحْتَمِل الذم من جهة كثرة النوم رَفَعَت اللَّبس بوصفها له بخُلق الأسد، فأفصحت أن الأول سجية كرم، ونزاهة شمائل، ومسامحة في العشرة، لا سجية جُبْن وجَوْر في الطبع.

قال عياض

(1)

: وقد قلب الوصف بعض الرواة -يعني: كما وقع في رواية الزبير بن بكار- فقال: إذا دخل أَسِد، وإذا خرج فَهِد، فإن كان محفوظًا؛ فمعناه: أنه إذا خرج إلى مجلسه كان على غاية الرزانة والوقار، وحسن السمت، أو على الغاية من تحصيل الكسب، وإذا دخل منزله كان متفضلًا مواسيًا؛ لأن الأسد يوصف بأنه إذا افترس أكل من فريسته بعضًا، وترك الباقي لمن حوله من الوحوش، ولم يهاوشهم عليها.

وزاد في رواية الزبير بن بكار في آخره: "ولا يرفع اليوم لغد"؛ يعني: لا يدّخر ما حصل عنده اليوم من أجل الغد، فكَنَتْ بذلك عن غاية جوده، ويَحْتَمِل أن يكون المراد أنه يأخذ بالحزم في جميع أموره، فلا يؤخّر ما يجب عمله اليوم إلى غده.

(قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ) أرادت أنه يكثر الأكل، ويستقصيه حتى لا يترك منه شيئًا، وقال أبو عبيد: اللفّ: الإكثار مع التخليط، يقال: لفّ الكتيبة بالأخرى: إذا خلطها في الحرب، ومنه اللفيف من الناس، فأرادت أنه يخلط صنوف الطعام من نهمته وشرهه، ثم لا يُبقي منه شيئًا، وحكى عياض رواية من رواه:"رَفّ" بالراء بدل اللام، قال: وهي بمعناها، ورواية من رواه "اقتفّ" بالقاف، قال: ومعناه التجميع، قال الخليل: قُفّانُ

(2)

كل شيء جُمَّاعهُ واستيعابه، ومنه سمّيت القفة لِجَمْعها ما وُضع فيها.

وفي رواية عمر بن عبد الله، عند النسائيّ:"إذا أكل اقتَفَّ"، وفيه:"وإذا نام" بدل "اضطجع"، وزاد:"وإذا ذَبَح اغتثّ"؛ أي: تحرى الغثّ، وهو الهزيل، كما تقدم في شرح كلام الأولى، بدل "يولج".

(1)

"بغية الرائد" ص 78.

(2)

وقع في النسخة: "قفاف" بفاءين، والذي في "القاموس"، و"شرحه":"قُفّان" بالنون، فليُتنبّه، والله أعلم.

ص: 135

(وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ) الاشتفاف في الشرب: استقصاؤه، مأخوذ من الشُّفَافة بالضم، والتخفيف، وهي البقية، تبقى في الإناء، فإذا شربها الذي شرب الإناء قيل: اشتفها، ومنهم من رواها بالمهملة، وهي بمعناها.

(وَإِنِ اضْطَجَعَ) وفي رواية: "وإذا رقد"(الْتَفَّ)؛ أي: رقد ناحيةً، وتلفف بكسائه وحده، وانقبض عن أهله إعراضًا، فهي كئيبة حزينة لذلك، ولذلك قالت:"ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ".

(وَلَا يُولِجُ) وفي رواية الطبرانيّ: "ولا يُدخل"، وهو بمعناه. (الْكَفَّ؛ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ) وفي رواية الترمذيّ، والطبرانيّ:"فيعلم" بالفاء بدل اللام، والمعنى: أنه لا يمد يده ليعلم ما هي عليه من الحزن فيزيله، ويَحْتَمِل أن تكون أرادت أنه ينام نوم العاجز الفَشِل الكَسِل، والمراد بالبثّ: الحُزْن، ويقال: شدة الحزن، ويُطلق البثّ أيضًا على الشكوي، وعلى المرض، وعلى الأمر الذي لا يُصْبَر عليه، فأرادت أنه لا يسأل عن الأمر الذي يقع اهتمامها به، فوصفته بقلّة الشفقة عليها، وأنه أن لو رآها عليلة لَمْ يُدخل يده في ثوبها؛ ليتفقد خبرها، كعادة الأجانب فضلًا عن الأزواج، أو هو كناية عن ترك الملاعبة، أو عن ترك الجماع، كما سيأتي.

وقد اختلفوا في هذا، فقال أبو عبيد: كان في جسدها عيب، فكان لا يُدخل يده في ثوبها ليلمس ذلك العيب؛ لئلا يشقّ عليها، فمدحته بذلك.

وقد تعقبه كلُّ من جاء بعده إلا النادر، وقالوا: إنما شكت منه، وذمّته، واستقصرت حظها منه، ودلّ على ذلك قولها قبلُ:"وإذا اضطجع التفّ"، كأنها قالت: إنه يتجنبها، ولا يدنيها منه، ولا يُدخل يده في جنبها، فيلمسها، ولا يباشرها، ولا يكون منه ما يكون من الرجال، فيعلم بذلك محبتها له، وحزنها لقلة حظها منه، وقد جَمَعت في وصفها له بين اللؤم، والبخل، والهمة، والمهانة، وسوء العشرة مع أهله، فإن العرب تَذُم بكثرة الأكل والشرب، وتتمدح بقلّتهما، وبكثرة الجماع؛ لدلالتها على صحة الذكورية والفحولية.

وانتصر ابن الأنباريّ لأبي عبيد، فقال: لا مانع من أن تجمع المرأة بين مثالب زوجها ومناقبه؛ لأنهن كن تعاهدن أن لا يكتمن من صفاتهم شيئًا، فمنهن من وصفت زوجها بالخير في جميع أموره، ومنهن من وصفته بضد

ص: 136

ذلك، ومنهن من جمعت، وارتضى القرطبيّ هذا الانتصار، واستَدَلَّ عياض للجمهور بما وقع في رواية سعيد بن سلمة، عن أبي الحسام: أن عروة ذكر هذه في الخمس اللاتي يشكون أزواجهن، فإنه ذكر في روايته الثلاث المذكورات هنا أولًا على الولاء، ثم السابعة المذكورة عقب هذا، ثم السادسة هذه، فهي خامسة عنده، والسابعة رابعة، قال: ويؤيد أيضًا قول الجمهور كثرة استعمال العرب لهذه الكناية عن ترك الجماع، والملاعبة، وقد سبق

(1)

في "فضائل القرآن" في قصة عمرو بن العاص مع زوج ابنه عبد الله بن عمرو، حيث سألها عن حالها مع زوجها، فقالت:"هو كخير الرجال، من رجل لم يفتش لنا كَنَفًا"، وسبق أيضًا في حديث الإفك قول صفوان بن المعطّل:"ما كشفت كنَفَ أنثى قط"، فعبَّر عن الاشتغال بالنساء بكشف الكنف، وهو الغطاء.

ويَحْتَمِل أن يكون معنى قولها: "ولا يولج الكفّ" كناية عن تَرْك تفقّده أمورها، وما تهتم به من مصالحها، وهو كقولهم: لَمْ يُدخل يده في الأمر؛ أي: لَمْ يشتغل به، ولم يتفقده، وهذا الذي ذكره احتمالًا جزم بمعناه ابن أبي أويس، فإنه قال، معناه: لا ينظر في أمر أهله، ولا يبالي أن يجوعوا، وقال أحمد بن عبيد بن ناصح: معناه: لا يتفقد أموري؛ ليعلم ما أكرهه، فيزيله، يقال: ما أدخل يده في الأمر؛ أي: لم يتفقده.

(قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ، أَو عَيَايَاءُ، طَبَاقَاءُ) كذا في "الصحيحين" بفتح الغين المعجمة، بعدها تحتانية خفيفة، ثم أخرى بعد الألف الأُولي، والتي بعدها بعين مهملة، وهو شكّ من راوي الخبر عيسى بن يونس، وقد صرَّح بذلك أبو يعلى في روايته عن أحمد بن جناب عنه، ووقع في رواية عمر بن عبد الله، عند النسائيّ:"غياياء" بمعجمة، بغير شكّ. والغياياء والطباقاء: الأحمق الذي ينطبق عليه أمره، وقال أبو عبيد: العياياء بالمهملة: الدي لا يَضرب، ولا يُلَقِّح من الإبل، وبالمعجمة ليس بشيء، والطباقاء: الأحمق الفَدْم، وقال ابن فارس: الطباقاء: الذي لا يُحسن الضِّراب، فعلى هذا يكون تأكيدًا لاختلاف اللفظ؛ كقولهم: بُعْدًا وسُحْقًا.

(1)

أي: في "صحيح البخاريّ".

ص: 137

وقال الداوديّ: قوله: "غياياء" بالمعجمة مأخوذ من الغيّ بفتح المعجمة، وبالمهملة مأخوذ من العِيّ بكسر المهملة.

وقال أبو عبيد: العياياء بالمهملة: العَيُّ الذي تُعيبه مباضعة النساء، وأراه مبالغة من العيّ في ذلك، وقال ابن السكيت: هو الْعَيُّ الذي لا يهتدي.

وقال عياض وغيره: الغياياء بالمعجمة يَحْتَمِل أن يكون مشتقًّا من الغياية، وهو كل شيء أظل الشخص فوق رأسه، فكأنه مغطى عليه مِن جَهْله، وهذا الذي ذكره احتمالًا جزم به الزمخشريّ في "الفائق".

وقال النوويّ: قال عياض وغيره: غياياء بالمعجمة صحيحٌ، وهو مأخوذ من الغياية، وهي الظلمة، وكل ما أظل الشخص، ومعناه: لا يهتدي إلى مسلك، أو أنها وصفته بثقل الروح، وأنه كالظل المتكاثف الظلمة الذي لا إشراق فيه، أو أنها أرادت أنه غُطيت عليه أموره، أو يكون غياياء من الغَيّ، وهو الانهماك في الشرّ، أو من الغَيّ الذي هو الخيبة، قال تعالى:{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]. وقال ابن الأعرابيّ: الطباقاء المطبَق عليه حمقًا، وقال ابن دريد: الذي تنطبق عليه أموره، وعن الجاحظ: الثقيل الصدر عند الجماع، ينطبق صدره على صدر المرأة، فيرتفع سفله عنها، وقد ذمّت امرأة امرأ القيس، فقالت له: ثقيل الصدر، خفيف العَجَر، سريع الإراقة، بطيء الإفاقة.

قال عياض

(1)

: ولا منافاة بين وصفها له بالعَجَز عند الجماع، وبين وصفها بثقل الصدر فيه؛ لاحتمال تنزيله على حالتين، كل منهما مذموم، أو يكون إطباق صدره من جملة عيبه وعجزه، وتعاطيه ما لا قدرة له عليه، لكن كل ذلك يرد على من فسَّر عياياء بأنه العِنِّين. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: والمعروف في الطباقاء أنه بمعنى: العياياء؛ وهو الذي تنطبق عليه الأمور، وأنشد الجوهري قول جميل بن مَعْمَر [من الطويل]:

طَبَاقَاءُ لَمْ يَشْهَدْ خُصُومًا ولم يَقُدْ

رِكابًا إِلَى أَكْوارِها حين تُعْلَفُ

(3)

(كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ)؛ أي: كل شيء تفرّق في الناس من المعايب موجود

(1)

"بغية الرائد" ص 89 - 90.

(2)

"الفتح" 11/ 577.

(3)

"المفهم" 6/ 339.

ص: 138

فيه، وقال الزمخشريّ: يَحْتَمِل أن يكون قولها: "له داء" خبرًا لـ "كلُّ"؛ أي: أن كل داء تفرّق في الناس فهو فيه، ويَحْتَمِل أن يكون "له" صفةً لـ "داءٍ"، و"داءٌ" خير لـ "كلُّ"؛ أي: كل داء فيه في غاية التناهي، كما يقال: إن زيدًا لزيد، وإن هذا الفرس لفرس، قال عياض: وفيه من لطيف الوحي والإشارة الغايةُ؛ لأنه انطوى تحت هذه الكلمة كلام كثير.

(شَجَّكِ) بشين معجمة أوله، وجيم ثقيلة؛ أي: جرحك في رأسك، وجراحات الرأس تسمى شِجاجًا. (أَو فَلَّكِ) بفاء، ثم لام ثقيلة؛ أي: جرح جسدك، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:

وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ

بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ

أي: ثَلْم جمع ثلمة، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: نَزَع منك كل ما عندك، أو كسرك بسلاطة لسانه، وشدّة خصومته، زاد ابن السكيت في روايته:"أو بجك" بموحدة، ثم جيم؛ أي: طعنك في جراحتك، فشقّها، والْبَجّ: شق القرحة، وقيل: هو الطعنة.

(أَو جَمَعَ كُلًّا لَكِ) وقع في رواية الزبير: "إن حدثته سَبّك، وإن مازحته فَلّك، وإلا جمع كلًّا لك"، وهي توضح أن "أو" للتقسيم، لا للتخيير.

وقال الزمخشريّ: يَحْتَمِل أن تكون أرادت أنه ضَرُوب للنساء، فإذا ضرب إما أن يكسر عظمًا، أو يشج رأسًا، أو يجمعهما، ويَحْتَمِل أن يريد بالفلّ: الطرد والإبعاد، وبالشج: الكسر عند الضرب، وإن كان الشج إنما يُستعمل في جراحة الرأس.

قال عياض

(1)

: وَصَفته بالحمق، والتناهي في سوء العشرة، وجمع النقائص، بأن يعجز عن قضاء وطرها مع الأذى، فإذا حدّثته سبّها، وإذا مازحته شجّها، وإذا أغضبته كسر عضوًا من أعضائها، أو شقّ جلدها، أو أغار على مالها، أو جمع كل ذلك، من الضرب، والجرح، وكسر العضو، وموجع الكلام، وأخْذ المال.

(قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ، وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ) زاد الزبير

(1)

"بغية الرائد" ص 91 - 92.

ص: 139

في روايته: "وأنا أغلبه، والناسَ يَغْلِب"، وكذا في رواية عقبة عند النسائيّ، وفي رواية عُمر عنده، وكذا الطبرانيّ، لكن بلفظ:"ونغلبه" بنون الجمع.

و"الأرنب": دُوَيبة لينة المسّ، ناعمة الوبر جدًّا، و"الزرنب" بوزن: الأرنب، لكن أوله زاي، وهو نبت طيب الريح، وقيل: هو شجرة عظيمة بالشام بجبل لبنان، لا تثمر، لها ورق بين الخضرة والصفرة، كذا ذكره عياض

(1)

، واستنكره ابن البيطار وغيره من أصحاب المفردات، وقيل: هو حشيشة دقيقة طيبة الرائحة، وليست ببلاد العرب، وإن كانوا ذكروها، قال الشاعر [من الرجز]:

يَا بِأَبِي أَنْتِ وَفُوكِ الأَشْنَبُ

كَأَنَّمَا ذُرَّ عَلَيْهِ الزَّرْنَبُ

أَو زَنْجَبِيلٌ عَاتِقٌ مُطَيَّبُ

وقيل: هو الزعفران، وليس بشيء، واللام في "المس" و"الريح" نائبة عن الضمير؛ أي: مسّه وريحه، أو فيهما حذفٌ، تقديره: الريح منه، والمسّ منه؛ كقولهم: السمن مَنَوان بدرهم، وَصَفته بأنه ليّن الجسد، ناعمه.

ويَحْتَمِل أن تكون كَنَت بذلك عن حُسن خُلُقه، ولِين عريكته، بأنه طيّب العَرَق لكثرة نظافته، واستعماله الطِّيب تظرّفًا.

ويَحْتَمِل أن تكون كَنَت بذلك عن طِيب حديثه، أو طيب الثناء عليه؛ لجميل معاشرته.

وأما قولها: "وأنا أغلبه، والناسَ يَغلِب" فوصفته مع جميل عشرته لها، وصبره عليها بالشجاعة، وهو كما قال معاوية:"يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام".

قال عياض

(2)

: هذا من التشبيه بغير أداة، وفيه حسن المناسبة، والموازنة، والتسجيع.

وأما قولها: "والناسَ يغلب" ففيه نوع من البديع، يسمى التتميم؛ لأنها لو اقتصرت على قولها:"وأنا أغلبه" لظُنّ أنه جبان ضعيف، فلما قالت:"والناسَ يغلب" دلَّ على أن غَلَبها إياه إنما هو من كَرَم سجاياه، فتمّمت بهذه الكلمة المبالغة في حُسن أوصافه.

(1)

"بغية الرائد" ص 93.

(2)

"بغية الرائد" ص 191.

ص: 140

(قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي) زاد الزبير بن بكار في روايته: "لا يَشبع ليلةَ يُضاف، ولا ينام ليلةَ يُخاف"، وصَفَته بطول البيت، وعلوّه، فإن بيوت الأشراف كذلك يُعلونها، ويضربونها في المواضع المرتفعة؛ ليقصدهم الطارقون والوافدون، فطُوْل بيوتهم إما لزيادة شرفهم، أو لطول قاماتهم، وبيوت غيرهم قِصار، وقد لهج الشعراء بمدح الأول، وذم الثاني؛ كقوله [من الطويل]:

قِصَارُ الْبُيُوتِ لَا تُرَى صَهوَاتُهَا

مِنَ اللُّؤْمِ حَشَّامُونَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ

وقال آخر [من الوافر]:

إِذَا دَخُلُوا بُيُوتَهُمُ أكَبُّوا

عَلَى الرُّكَبَاتِ مِنْ قِصَرِ الْعِمَادِ

ومِن لازِم طول البيت أن يكون متسعًا، فيدلّ على كثرة الحاشية، والغاشية، وقيل: كَنَت بذلك عن شرفه، ورفعه قَدْره.

و"النِّجَاد" بكسر النون، وجيم خفيفة: حِمَالة السيف، تريد أنه طويل القامة، يَحتاج إلى طول نِجاده، وفي ضمن كلامها أنه صاحب سيف، فأشارت إلى شجاعته، وكانت العرب تتمادح بالطول، وتذم بالقصر.

وقال القرطبيّ: والنجاد: حمالة السيف، تُريد أنه طويل القامة، كما قال شاعرهم [من الكامل]:

قَصُرَتْ حَمائِلُهُ عَلَيْهِ فَقَلَصَتْ

ولَقَد تَمَطَّطَ بَيْنَها فَأَطَالَها

وكانت العرب تتمادح بالطول، وتذم بالقِصَر، وذلك موجود في أشعارهم. انتهى

(1)

.

وقولها: "عظيم الرماد"؛ تعني: أن نار قراه للأضياف لا تطفأ لتهتدى الضيفان إليها، فيصير رماد النار كثيرًا لذلك، كما قال الشاعر [من الطويل]:

مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إَلَى ضَوْءِ نارِه

تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجا

وقال آخر [من الوافر]:

لَهُ نارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَاعٍ

إِذَا النِّيرانُ أُلْبِسَتِ القِنَاعَا

(2)

وقولها: "قريب البيت من الناد" -في رواية البخاري- وقفت عليها

(1)

"المفهم" 6/ 340 - 341.

(2)

"المفهم" 6/ 341.

ص: 141

بالسكون؛ لمؤاخاة السجع، و"النادي" والندي: مجلس القوم، وصَفَتْه بالشرف في قومه، فهم إذا تفاوضوا، واشتوروا في أمر أتوا، فجلسوا قريبًا من بيته، فاعتمدوا على رأيه، وامتثلوا أمره، أو أنه وضع بيته في وسط الناس؛ ليسهل لقاؤه، ويكون أقرب إلى الوارد، وطالب القِرى، قال زهير [من الكامل]:

بَسَطَ الْبُيُوتَ لِكَيْ يَكُونَ مَظِنَّةً

مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ جَفْنَةُ الْمُسْتَرْفِدِ

ويَحْتَمِل أن تريد أن أهل النادي؛ إذا أتوه، لم يصعب عليهم لقاؤه؛ لكونه لا يحتجب عنهم، ولا يتباعد منهم، بل يقرب، ويتلقاهم، ويبادر لإكرامهم، وضِدّه مَن يتوارى بأطراف الْحُلَل، وأغوار المنازل، ويبعد عن سَمْت الضيف؛ لئلا يهتدوا إلى مكانه، فإذا استبعدوا موضعه صدُّوا عنه، ومالوا إلى غيره.

ومُحَصَّل كلامها أنها وصفته بالسيادة، والكرم، وحُسن الخلق، وطِيب المعاشرة

(1)

.

وقال الأبيّ

(2)

: قولها: "قريب البيت من الناد" تصفه بالكرم والسؤدد؛ لأنه لا يقرّب بيته من الناد إلا المتّصف بذلك، أما بالكرم فلأن الأضياف يقصدون النادي ليقوم لهم كرمًا، وهو عكس اللئام، فإنهم يُبعدون بيوتهم من النادي، ويُخفونها؛ لئلا تُرى، فيُقصدون، قال الشاعر [من الوافر]:

لَهُ نَارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَاعٍ

(3)

إِذَا النِّيرَانُ أُلْبِسَتِ الْقِنَاعَا

(قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟، مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ) وقع في رواية عُمر بن عبد الله، عند النسائيّ، والزبير:"المبارح" بدل "المبارك"، وفي رواية أبي يعلى:"المزاهر" بصيغة الجمع، وعند الزبير:"الضيف" بدل "المزهر".

و"المبارك": بفتحتين جمع مبرك، وهو موضع نزول الإبل، و"المسارح": جمع مسرح، وهو الموضع الذي تُطلق لترعى فيه، و"المزهر": بكسر الميم،

(1)

"الفتح" 11/ 576 - 577.

(2)

"شرح الأبيّ" 6/ 271.

(3)

"الْيَفَعُ" محرّكةً، وكسحاب: التّلّ. انتهى "القاموس".

ص: 142

وسكون الزاي، وفتح الهاء: آلة من آلات اللهو، وقيل: هي العُود، وقيل: دُفّ مربع، وأنكر أبو سعيد الضرير تفسير المزهر بالعُود، فقال: ما كانت العرب تعرف العُود إلا من خالط الْحَضَر منهم، وإنما هو بضم الميم، وكسر الهاء، وهو الذي يوقد النار، فيزهرها للضيف، فإذا سمعت الإبل صوته، ومعمعان النار، عرفت أن ضيفًا طَرَق، فتيقنت الهلاك.

وتعقبه عياض بأن الناس كلهم رووه بكسر الميم، وفتح الهاء، ثم قال: ومن الذي أخبره أن مالكًا المذكور لم يخالط الحَضَر؟ ولا سيما مع ما جاء في بعض طُرق هذا الحديث أنهنّ كنّ من قرية من قُرى اليمن، وفي الأخرى: أنهن من أهل مكة، وقد كَثرُ ذِكر المزهر في أشعار العرب، جاهليتها، وإسلامها، ببدويّها، وحضريّها. انتهى

(1)

.

وَيرِد عليه أيضًا وروده بصيغة الجمع، فإنه بعينه للآلة، ووقع في رواية يعقوب بن السكيت، وابن الأنباري من الزيادة:"وهو إمام القوم في المهالك"، فجمعت في وصفها له بين الثورة والكرم، وكثرة القِرى، والاستعداد له، والمبالغة في صفاته، ووصفته أيضًا مع ذلك بالشجاعة؛ لأن المراد بالمهالك الحروب، وهو لثقته بشجاعته يتقدم رفقته، وقيل: أرادت أنه هادٍ في السبل الخفية، عالم بالطرق في البيداء، فالمراد على هذا بالمهالك: المفاوز، والأول أليق، والله أعلم.

و"ما" في قولها: "وما مالك" استفهامية، يقال للتعظيم، والتعجب، والمعنى: وأيُّ شيء هو مالك، ما أعظمه، وأكرمه، وتكرير الاسم أَدْخَلُ في باب التعظيم.

وقولها: "مالك خير من ذلك" زيادة في الإعظام، وتفسير لبعض الإبهام، وأنه خير مما أشير إليه، من ثناء، وطِيب ذِكر، وفوق ما أعتقد فيه من سؤدد، وفخر، وهو أجلّ ممن أصفه؛ لشهرة فضله، وهذا بناء على أن الإشارة بقولها:"ذلك" إلى ما تعتقده فيه من صفات المدح.

ويَحْتَمِل أن يكون المراد: مالك خير من كل مالك، والتعميم يستفاد من

(1)

"الفتح" 11/ 578.

ص: 143

المقام، كما قيل: تمرة خير من جرادة؛ أي: كل تمرة خير من كل جرادة، وهذا إشارة إلى ما في ذهن المخاطب؛ أي: مالك خير مما في ذهنك من مالك الأموال، وهو خير مما سأصفه به.

ويَحْتَمِل أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من الثناء على الذين قبله، وأن مالكًا أجمعُ من الذين قبله لخصال السيادة، والفضل.

ومعنى قولها: "قليلات المسارح" أنه لاستعداده للضيفان بها، لا يُوجّه منهن إلى المسارح إلا قليلًا، ويترك سائرهن بفنائه، فإن فاجأه ضيف وجد عنده ما يقريه به من لحومها، وألبانها، ومنه قول الشاعر:

حَبَسْنَا وَلَمْ نَسْرَحْ لِكَيْ لَا يَلُومَنَا

عَلَى حُكْمِهِ صَبْرًا مُعَوّدَةَ الْحَبْسِ

ويَحْتَمِل أن تريد بقولها: "قليلات المسارح" الإشارة إلى كثرة طروق الضيفان، فاليوم الذي يطرقه الضيف فيه لا تُسْرح، حتى يأخذ منها حاجته للضيفان، واليوم الذي لا يطوقه فيه أحد، أو يكون هو فيه غائبًا تسرح كلها، فأيام الطروق أكثر من أيام عدمه، فهي لذلك قليلات المسارح، وبهذا يندفع اعتراض من قال: لو كانت قليلات المسارح لكانت في غاية الهزال.

وقيل: المراد بكثرة المبارك أنها كثيرًا ما تثار، فتُحلب، ثم تُترك، فتكثر مباركها لذلك.

وقال ابن السكيت: إن المراد أن مباركها على العطايا، والحمالات، وأداء الحقوق، وقِرى الأضياف كثيرة، وإنما يسرح منها ما فضل عن ذلك، فالحاصل: أنها في الأصل كثيرة، ولذلك كانت مباركها كثيرة، ثم إذا سرحت صارت قليلة؛ لأجل ما ذهب منها.

وأما رواية من روى: "عظيمات المبارك"، فيَحْتَمِل أن يكون المعنى أنها من سِمَنها، وعِظَم جثتها تَعْظُم مَبارِكها.

وقيل: المراد أنها إذا بركت كانت كثيرة؛ لكثرة من ينضم إليها ممن يلتمس القرى، وإذا سُرحت سُرحت وحدها، فكانت قليلة بالنسبة لذلك.

ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقلّة مسارحها: قلة الأمكنة التي ترعى فيها من الأرض، وإنها لا تمكن من الرعي إلا بقرب المنازل؛ لئلا يشقّ طلبها؛ إذا

ص: 144

احتيج إليها، ويكون ما قرب من المنزل كثير الخصب؛ لئلا تهزل

(1)

.

وقال الأبيّ

(2)

: وقيل: المراد بكثرة مباركها أنها تكثر في مباركها بمن يتخلّلها من الآخذين لها في الحمالات، والعطايا، والضيفان، ومن تُحلب له، وإذا سرحت سرحت قليلةً؛ لفقدة أولئك، واحتجّ قائله بقول عروة بن الورد [من الطويل]:

يُرِيحُ عَلَيَّ اللَّيْلَ قِرْبَانُ مَاجِدٍ

كَرِيمٍ وَمَا لِي سَارِحًا مَالَ مُعْسِرِ

ووقع في رواية سعيد بن سلمة عند الطبرانيّ: "أبو مالك، وما أبو مالك؟ ذو إبل كثيرة المسالك، قليلة المبارك"، قال عياض: إن لم تكن هذه الرواية وَهَمًا؛ فالمعنى: أنها كثيرة في حال رعيها إذا ذهبت، قليلة في حال مباركها إذا قامت؛ لكثرة ما يُنحر منها، وما يسلك منها فيه من مسالك الجود، من رِفْد، ومعوفة، وحَمْل، وحمالة، ونحو ذلك.

وأما قولها: "أيقنّ أنهنّ هوالك" فالمعنى أنه كثرت عادته بنحر الإبل لقِرى الضيفان، ومن عادته أن يسقيهم، ويُلهيهم، أو يتلقاهم بالغناء؛ مبالغةً في الفرح بهم صارت الإبل؛ إذا سمعت صوت الغناء عرفت أنها تُنحر.

ويَحْتَمِل أنها لم تُرِدْ فهم الإبل لهلاكها، ولكن لمّا كان ذلك يعرفه من يعقل أضيف إلى الإبل، والأول أَولى.

(قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) قال النوويّ: وفي بعض النسخ: "الحادي عشرة"، وفي بعضها:"الحادية عشر"، والصحيحِ الأول، وفي رواية الزبير:"وهي أم زرع بنت أكيمل بن ساعدة. (زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ) وفي رواية النسائيّ: "نكحت أبا زرع"، (فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟) وفي رواية أبي ذرّ: "وما أبو زرع"، وهو المحفوظ للأكثر، زاد الطبرانيّ في رواية: "صاحب نَعَم، وزَرْع"، (أَنَاسَ) بفتح الهمزة، وتخفيف النون، وبعد الألف مهملة؛ أي: حرك (مِنْ حُلِيٍّ) بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، (أُذُنَيَّ) بالتثنية، والمراد أنه ملأ أذنيها بما جرت عادة النساء من التحلي به، من قُرط، وشَنْف من ذهب، ولؤلؤ، ونحو ذلك، وقال ابن السكيت: "أَناس"؛ أي: أثقل حتى تدلى، واضطرب، والنّوس حركة كل

(1)

"الفتح" 11/ 578 - 579.

(2)

"شرح الأبيّ" 6/ 271.

ص: 145

شيء متدلٍّ، ووقع في رواية ابن السكيت:"أُذنيّ، وفَرْعَيّ"، بالتثنية، قال عياض

(1)

: يَحْتَمِل أن تريد بالفرعين اليدين؛ لأنهما كالفرعين من الجسد؛ تعني: أنه حلّى أذنيها، ومعصميها، أو أرادت العنق، واليدين، وأقامت اليدين مقام فرع واحد، أو أرادت اليدين، والرجلين كذلك، أو الغديرتين، وقرني الرأس، فقد جرت عادة المترفات بتنظيم غدائرهنّ، وتحلية نواصيهن، وقرونهنّ.

ووقع في رواية ابن أبي أويس: "فَرْعِي" بالإفراد؛ أي: حلّى رأسي، فصار يتدلى من كثرته، وثقله، والعرب تسمي شعر الرأس فرعًا، قال امرؤ القيس:

وَفَرْعٌ يُغَشِّي الْمَتْنَ أَسْوَدُ فَاحِمٌ

(وَمَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ) قال أبو عبيد

(2)

: لم تُرِدْ العضد وحده، وإنما أرادت الجسد كله؛ لأن العضد إذا سَمِنت سمن سائر الجسد، وخصت العضد؛ لأنه أقرب ما يلي بصر الإنسان من جسده. (وَبَجَّحَنِي) بموحدة، ثم جيم ثقيلة، وفي رواية بجيم خفيفة، ثم مهملة.

(فَبَجِحَتْ) بسكون المثناة، (إِلَيَّ) بتشديد التحتانيّة، (نَفْسِي) هذا هو المشهور في الروايات، وفي رواية النسائيّ:"وبجح نفسي، فبجحت إليّ"، وفي أخرى له، ولأبي عبيد:"فبجحتُ" بضم التاء، و"إلى" بالتخفيف، والمعنى: أنه فرّحها، ففَرِحت.

وقال ابن الأنباريّ: المعنى: عظّمني، فعَظُمَت إلي نفسي، وقال ابن السكيت: المعنى: فخّرني، ففخرت، وقال ابن أبي أويس: معناه: وسّع عليّ، وترّفني.

وقال القرطبيّ: وقولها: "فبجَحني، فبجحت إليَّ نفسي" الرواية المعروفة: "فبَجَحَتْ" بفتح الجيم، والحاء، وسكون التاء، و"إليّ" مشدد الياء، وتكون "نفسي" فاعل "بجحت"، وقد رواه أبو عبيد:"فَبَجُحْتُ"، بضم الجيم، وسكون الحاء، وتاء مضمومة، هي ضمير المتكلم الفاعل، و"إلى" حرف جر،

(1)

"بغية الرائد" ص 119.

(2)

"غريب الحديث" 2/ 300.

ص: 146

و"نفسي" مجرور، ومعنى:"بجحني": فرّحني، ورفعني، ففرحت، وترفعت، يقال: فلان يتبجَّح بكذا؛ أي: يترفع، ويفتخر، قال الشاعر [من الطويل]:

وَمَا الفَقْرُ مِنْ أَرْضِ العَشِيرَةِ

سَاقَنا إِلَيْك وَلكنَّا بِقُربِكَ نَبْجَحُ

أي: نترفع، ونفتخر. انتهى

(1)

.

(وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ) بالغين المعجمة، والنون، مصغرًا، (بِشَقٍّ) بكسر الشين المعجمة، قال الخطابيّ

(2)

: هكذا الرواية، والصواب بفتح الشين، وهو موضع بعينه، وكذا قال أبو عبيد

(3)

، وصوّبه الهرويّ

(4)

، وقال ابن الأنباريّ: هو بالفتح، والكسر موضع، وقال ابن أبي أويس، وابن حبيب: هو بالكسر، والمراد: شقّ جبل كانوا فيه؛ لقلّتهم وَسِعَهم سكنى شق الجبل؛ أي: ناحيته، وعلى رواية الفتح، فالمراد: شقّ في الجبل، كالغار، ونحوه، وقال ابن قتيبة، وصوّبه نفطويه: المعنى بالشق بالكسر أنهم كانوا في شَظَف من العيش، يقال: هو بشِقّ من العيش؛ أي: بشظف، وجَهد، ومنه قوله تعالى:{لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النحل: 7]، وبهذا جزم الزمخشريّ، وضعّف غيره. (فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ)؛ أي: خيل، (وَأَطِيطٍ)؛ أي: إبل، زاد في رواية النسائيّ:"وجامل"، وهو جمع جَمَل، والمراد اسم فاعل لمالك الجمال؛ كقوله: لابن، وتامر، وأصل الأطيط: صوت أعواد المحامل والرِّحَال على الجمال، فأرادت أنهم أصحاب محامل، تشير بذلك إلى رفاهيتهم، ويُطلق الأطيط على كل صوت نشأ عن ضغط، كما في حديث باب الجنة:"ليأتينّ عليه زمان، وله أطيط"، ويقال: المراد بالأطيط: صوت الجوف من الجوع. (وَدَائِسٍ) اسم فاعل من الدوس، وفي رواية للنسائيّ:"ودياس"، قال ابن السكيت: الدائس: الذي يدوس الطعام، وقال أبو عبيد: تأوله بعضهم من دياس الطعام، وهو دِراسه، وأهل العراق يقولون: الدياس، وأهل الشام: الدراس، فكأنها أرادت أنهم أصحاب زرع، وقال أبو سعيد: المراد أن عندهم طعامًا منتقى، وهم في دياس شيء آخر، فخيرهم متصل. (وَمُنَقٍّ) بضمّ الميم، وفتح النون، وتشديد

(1)

"المفهم" 6/ 343.

(2)

"الأعلام" 3/ 1996.

(3)

"غريب الحديث" 2/ 301.

(4)

"الغريبين" 3/ 1022.

ص: 147

القاف، ومنهم من يكسر النون، والصحيح المشهور فَتْحها، قاله النوويّ، وقال في "الفتح": هو بكسر النون، وتشديد القاف، قال أبو عبيد: لا أدري معناه، وأظنه بالفتح، من نَقَّى الطعام، وقال ابن أبي أويس: المُنِق بالكسر: نقيق أصوات المواشي، تصف كثرة ماله، وقال أبو سعيد الضرير: هو بالكسر من نقيقة الدجاج، يقال: أنَقَّ الرجل: إذا كان له دجاج، قال القرطبيّ: لا يقال لشيء من أصوات المواشي: نَقّ، وإنما يقال: نَقّ الضفدع، والعقرب، والدجاج، ويقال في الهر بقلّة، وأما قول أبي سعيد فبعيد؛ لأن العرب لا تتمدح بالدجاج، ولا تذكرها في الأموال، قال الحافظ: وهذا الذي أنكره القرطبيّ لم يُرِدْه أبو سعيد، وإنما أراد ما فهمه الزمخشريّ، فقال: كأنها أرادت من يطرد الدجاج عن الحبّ، فينقّ، وحكى الهرويّ أن الْمِنَقّ بالفتح الغربال، وعن بعض المغاربة: يجوز أن يكون بسكون النون، وتخفيف القاف؛ أي: له أنعام ذات نِقْيٍ؛ أي: سمان.

والحاصل: أنها ذكرت أنه نقلها من شظف عيش أهلها إلى الثروة الواسعة، من الخيل، والإبل، والزرع، وغير ذلك، ومن أمثالهم: إن كنت كاذبًا، فحلبت قاعدًا؛ أي: صار مالك غنمًا يحلبها القاعد، وبالضد أهل الإبل، والخيل.

(فَعِنْدَهُ أَقُولُ) وفي رواية للنسائيّ: "أنطق"، وفي رواية الزبير:"أتكلم"، (فَلَا أُقَبَّحُ)؛ أي: فلا يقال لي: قَبَّحك الله، أو لا يقبّح قولي، ولا يرد عليّ؛ أي: لكثرة إكرامه لها، وتدللها عليه، لا يردّ لها قولًا، ولا يقبّح عليها ما تأتي به، ووقع في رواية الزبير:"فبينما أنا عنده أنام. . . إلخ. (وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ)؛ أي: أنام الصبحة، وهي نوم أول النهار، فلا أوقظ، إشارة إلى أن لها من يكفيها مؤنة بيتها، ومهنة أهلها، (وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ) كذا وقع بالقاف، والنون الثقيلة، ثم الحاء المهملة، قال عياض: لم يقع في "الصحيحين" إلا بالنون، ورواه الأكثر في غيرهما بالميم، قال أبو عبيد: "أتقمح"؛ أي: أروى حتى لا أحب الشرب، مأخوذ من الناقة القامح، وهي التي تَرِد الحوض، فلا تشرب، وترفع رأسها رِيًّا، وأما بالنون فلا أعرفه. انتهى.

وأثبت بعضهم أن معنى أتقنح بمعنى أتقمح؛ لأن النون والميم يتعاقبان

ص: 148

مثل امتقع لونه، وانتقع، وحكى شَمِر عن أبي زيد: التقنح الشرب بعد الريّ، وقال ابن حبيب: الريّ بعد الريّ، وقال أبو سعيد: هو الشرب على مَهَل؛ لكثرة اللبن؛ لأنها كانت آمنة من قلّته، فلا تبادر إليه مخافة عَجْزه، وقال أبو حنيفة الدِّينوريّ: قنحت من الشراب: تكارهت عليه بعد الريّ، وحكى القالي: قَنحتِ الإبلُ تقنح بفتح النون، في الماضي والمستقبل قنحًا بسكون النون، وبفتحها أيضًا: إذا تكارهت الشرب بعد الريّ، وقال أبو زيد، وابن السكيت: أكثر كلامهم تقنحت تقنحًا بالتشديد، وقال ابن السكيت: معنى قولها: "فأتقنح"؛ أي: لا يُقطع عليّ شربي، فتوارد هؤلاء كلهم على أن المعنى أنها تشرب حتى لا تجد مساغًا، أو أنها لا يقلل مشروبها، ولا يقطع عليها حتى تتم شهوتها منه.

وأغرب أبو عبيد، فقال: لا أراها قالت ذلك إلا لعزة الماء عندهم؛ أي: فلذلك فَخَرَت بالريّ من الماء، وتعقّبوه بأن السياق ليس فيه التقييد بالماء، فيَحْتَمِل أن تريد أنواع الأشربة، من لبن، وخمر، ونبيذ، وسويق، وغير ذلك.

ووقع في رواية الإسماعيليّ عن البغويّ: "فأنفتح" بالفاء، والمثناة، قال عياض: إن لم يكن وَهَمًا فمعناه التكبر، والزهو، يقال: في فلان فتحة: إذا تاه، وتكبَّر، ويكون ذلك تَحصَّل لها من نشأة الشراب، أو يكون راجعًا إلى جميع ما تقدم، أشارت به إلى عزتها عنده، وكثرة الخير لديها، فهي تزهو لذلك، أو معنى "أتقنح" كناية عن سِمَن جسمها.

ووقع في رواية الهيثم: "وآكل، فأتمنح"؛ أي: أطعم غيري، يقال: منحه يمنحه: إذا أعطاه، وأتت بالألفاظ كلها بوزن أتفعل إشارةً إلى تكرار الفعل، وملازمته، ومطالبة نفسها، أو غيرها بذلك، فإن ثبتت هذه الرواية، وإلا ففي الاقتصار على ذِكر الشرب إشارةٌ إلى أن المراد به اللبن؛ لأنه هو الذي يقوم مقام الشراب والطعام.

(أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ) وفي رواية أبي عبيد: "فياح" بتحتانية خفيفة، من فاح يفيح: إذا اتسع، ووقع في رواية أبي العباس العذريّ، فيما حكاه عياض:"أم زرع، وما أم زرع" بحذف أداة

ص: 149

الكنية، قال عياض: وعلى هذا فتكون كَنَت بذلك عن نفسها، قال الحافظ: والأول هو الذي تضافرت به الروايات، وهو المعتمَد، وأما قولها:"فما أم أبي زرع" فتقدم بيانه في قول العاشرة.

والعكوم بضم المهملة، جمع عِكْم، بكسرها، وسكون الكاف، هي الأعدال، والأحمال التي تُجمع فيها الأمتعة، وقيل: هي نمط تَجعل المرأة فيها ذخيرتها، حكاه الزمخشريّ.

و"رداح" بكسر الراء، وبفتحها، وآخره حاء مهملة؛ أي: عظام، كثيرة الحشو، قاله أبو عبيد، وقال الهرويّ: معناه: ثقيلةٌ، يقال للكتيبة الكبيرة: رداح، إذا كانت بطيئة السير؛ لكثرة من فيها، ويقال للمرأة إذا كانت عظيمة الكفل، ثقيلة الورك: رداح، وقال ابن حبيب: إنما هو رداح؛ أي: ملأى، قال عياض: رأيته مضبوطًا، وذكر أنه سمعه من ابن أبي أويس كذلك، قال: وليس كما قاله شرّاح العراقيين، قال عياض: وما أدري ما أنكره ابن حبيب، مع أنه فسّره بما فسّره به أبو عبيد، مع مساعدة سائر الرواة له، قال: ويَحْتَمِل أن يكون مراده أن يضبطها بكسر الراء، لا بفتحها، جمع رادح، كقائم وقيام، ويصح أن يكون "رداح" خبر "عكوم"، فيخبر عن الجمع بالجمع، ويصح أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: عكومها كلها رداح، على أن رداح واحد جَمْعه رُدُح، بضمتين، وقد سُمِع الخبر عن الجمع بالواحد، مثل أدرع دِلاصٌ، فيَحْتَمِل أن يكون هذا منه، ومنه:{أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} [البقرة: 257] أشار إلى ذلك عياض، قال: ويَحْتَمِل أن يكون مصدرًا، مثل طَلاق، وكَمال، أو على حذف المضاف؛ أي: عكومها ذات رداح، قال الزمخشريّ: لو جاءت الرواية في عكوم بفتح العين، لكان الوجه على أن يكون المراد بها الجفنة التي لا تزول عن مكانها، إما لِعِظَمها، وإما لأن القِرى متصل دائم، من قولهم: وَرَدَ، ولم يعكم؛ أي: لم يقف، أو التي كثر طعامها، وتراكم، كما يقال: اعتكم الشيء، وارتكم، قال: والرداح حينئذ تكون واقعة في مصابها من كون الجفنة موصوفة بها.

و"فساح" بفتح الفاء، والمهملة؛ أي: واسع، يقال: بيت فَسيح، وفَساح، وفَياح بمعناه، ومنهم من شدّد الياء مبالغةً؛ والمعنى: أنها وصفت

ص: 150

والدة زوجها بأنها كثيرة الآلات، والأثاث، والقماش، واسعة المال، كبيرة البيت، إما حقيقةً، فيدل ذلك على عِظَم الثروة، وإما كناية عن كثرة الخير، ورغد العيش، والبِرّ بمن ينزل بهم؛ لأنهم يقولون: فلان رحب المنزل؛ أي: يُكرم من ينزل عليه، وأشارت بوصف والدة زوجها إلى أن زوجها كثير البرّ لأمه، وأنه لم يطعن في السنّ؛ لأن ذلك هو الغالب ممن يكون له والدة، توصف بمثل ذلك.

(ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجِعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ) زاد في رواية لابن الأنباريّ: "وترويه فيقة اليعرة، ويميس في حلق النترة"، فأما "مَسَلّ الشطبة" فقال أبو عبيد: أصل الشطبة: ما شُطب من الجريد، وهو سَعَفه، فيشقّ منه قُضبان رِقاق، تُنسج منه الْحُصُر، وقال ابن السكيت: الشطبة من سَدَى الحصير، وقال ابن حبيب: هي العُود المحدّد كالمسلة، وقال ابن الأعرابي: أرادت بمسل الشطبة سيفًا سُلّ من غِمده، فمضجعه الذي ينام فيه في الصغر كقدر مسل شطبة واحدة، أما على ما قال الأولون، فعلى قدر ما يُسَلّ من الحصير، فيبقى مكانه فارغًا، وأما على قول ابن الأعرابيّ، فيكون كغِمد السيف.

وقال أبو سعيد الضرير: شبَّهته بسيف مسلول، ذي شطب، وسيوف اليمن كلها ذات شطب، وقد شبَّهت العرب الرجال بالسيوف إما لخشونة الجانب، وشدة المهابة، وإما لجمال الرونق، وكمال اللألاء، وإما لكمال صورتها في اعتدالها، واستوائها.

وقال الزمخشريّ: المسلّ مصدر بمعنى السّلّ يقام مقام المسلول، والمعنى: كمسلول الشطبة.

وأما الجفرة بفتح الجيم، وسكون الفاء، فهي الأنثى من ولد المعز، إذا كان ابن أربعة أشهر، وفُصل عن أمه، وأَخَذ في الرعي، قاله أبو عبيد وغيره.

وقال ابن الأنباريّ، وابن دريد: ويقال لولد الضأن أيضًا؛ إذا كان ثنيًّا، وقال الخليل: الجفر من أولاد الشاة ما استجفر؛ أي: صار له بطن، والفِيقة بكسر الفاء، وسكون التحتانية، بعدها قاف: ما يجتمع في الضرع بين الحلبتين، والفُواق بضم الفاء: الزمان الذي بين الحلبتين، واليعرة بفتح التحتانية، وسكون المهملة، بعدها راء: العناق.

ص: 151

ويميس بالمهملة؛ أي: يتبختر، والمراد بـ "حلق النترة"، وهي بالنون المفتوحة، ثم المثناة الساكنة: الدرع اللطيفة، أو القصيرة، وقيل: اللينة الملمس، وقيل: الواسعة.

والحاصل: أنها وصفته بهيف القدّ، وأَنه ليس ببطين، ولا جاف، قليل الأكل والشرب، ملازم لآلة الحرب، يختال في موضع القتال، وكل ذلك مما تتمادح به العرب.

قال الحافظ: ويظهر لي أنها وصفته بأنه خفيف الوطأة عليها؛ لأن زوج الأب غالبًا يستثقل ولده من غيرها، فكان هذا يخفف عنها، فإذا دخل بيتها، فاتّفق أنه قال فيه مثلًا لم يضطجع إلا قدر ما يُسَلّ السيف من غمده، ثم يستيقظ مبالغةً في التخفيف عنها، وكذا قولها:"يشبعه ذراع الجفرة" أنه لا يحتاج ما عندها بالأكل فضلًا عن الأخذ، بل لو طَعِم عندها لاقتنع باليسير الذي يسدّ الرمق من المأكول والمشروب.

وقال القرطبيّ رحمه الله: وقولها: "وتشبعه ذراع الجفرة" وهي: الأنثى من ولد المعز، والذكر: جفر، وإذا أتى على ولد المعز أربعة أشهر، وفُصل عن أمه، وأخذ في الرعي قيل عليه: جفر، مَدَحَتْه بقلَّة أكله، وقلَّة لحمه، وهما وصفان ممدوحان في الرجال، قال الشاعر [من البسيط]:

تَكْفِيهِ حُزَّةُ فِلْذٍ إِنْ أَلَمَّ بِهَا

مِنَ الشِّواءِ وُيروِي شُرْبَهُ الْغُمَرُ

(1)

(بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا)؛ أي: أنها بارّة بهما، زاد في رواية الزبير:"وزين أهلها، ونسائها"؛ أي: يتجملون بها، وفي رواية للنسائيّ:"زين أمها، وزين أبيها" بدل "طوع" في الموضعين، وفي رواية للطبرانيّ:"وقرة عين لأمها، وأبيها، وزين لأهلها"، وزاد الكاذي في روايته، عن ابن السكيت:"وصِفْر ردائها"، وزاد في رواية:"قَبّاء، هضيمة الحشا، جائلة الوشاح، عكناء، فعماء، نجلاء، دعجاء، رجاء، فنواء، مؤنقة، مفنقة".

(وَمِلْءُ كِسَائِهَا)؛ أي. ممتلئة الجسم، وهو كناية عن كمال شخصها، ونعومة جسمها.

(1)

"المفهم" 6/ 345.

ص: 152

وقولها أيضًا: "ملء كسائها"؛ أي: ممتلئة موضع الأزرة، وهو أسفل بدنها، قال عياض

(1)

: والأَولى أنها أرادت أن امتلاء منكبيها، وقيام نهديها، يرفعان الرداء عن أعلى جسدها، فهو لا يمسه، فيصير كالفارغ منها، بخلاف أسفلها، ومنه قول الشاعر [من الكامل]:

أَبَتِ الرَّوَادِفُ وَالنُّهُودُ لِقُمْصِهَا

مِنْ أَنْ تَمَسَّ بُطُونَهَا وَظُهُورَهَا

(وَصِفْرُ رِدَائِهَا) بكسر الصاد المهملة، وسكون الفاء؛ أي: خال فارغ؛ والمعنى: أن رداءها كالفارغ الخالي؛ لأنه لا يمس من جسمها شيئًا؛ لأن ردفها، وكتفيها يمنع مسه من خلفها شيئًا من جسمها، ونهدها يمنع مسه شيئًا من مقدمها.

وفي كلام ابن أبي أويس وغيره: معنى قولها: "صفر ردائها" تصفها بأنها خفيفة موضع التردية، وهو أعلى بدنها.

(وَغَيْظُ جَارَتِهَا) في رواية سعيد بن سلمة التالية عند مسلم: "وعَقْر جارتها" بفتح العين المهملة، وسكون القاف؛ أي: دهشها، أو قتلها، وفي رواية للنسائيّ، والطبرانيّ:"وحير جارتها" بالحاء المهملة، ثم التحتانية، من الحيرة، وفي أخرى له:"وحَيْن جارتها" بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانية، بعدها نون؛ أي: هلاكها، وفي رواية الهيثم بن عديّ:"وعُبْرُ جارتها" بضم العين المهملة، وسكون الموحّدة، وهو من العَبْرة بالفتح؛ أي: تبكي حسدًا لِمَا تراه منها، أو بالكسر؛ أي: تعتبر بذلك، وفي رواية سعيد بن سلمة:"وحبر نسائها"، واختُلِف في ضبطه، فقيل: بالمهملة، والموحّدة، من التحبير، وقيل: بالمعجمة، والتحتانية، من الخيرية، والمراد بجارتها: ضرّتها، أو هو على حقيقته؛ لأن الجارات من شأنهنّ ذلك، ويؤيد الأول أن في رواية حنبل:"وغير جارتها" بالغين المعجمة، وسكون التحتانية، من الغيرة.

وقولها: "قَبّاء" بفتح القاف، وبتشديد الموحّدة؛ أي: ضامرة البطن، و" هضيمة الحسا" هو بمعنى الذي قبله، و "جائلة الوشاح"؛ أي: يدور وشاحها؛ لضمور بطنها، و"عكناء"؛ أي: ذات أعكان، و"فعماء" بالمهملة؛

(1)

"بغية الرائد" ص 144.

ص: 153

أي: ممتلئة الجسم، و"نجلاء" بنون، وجيم؛ أي: واسعة العين، و"دعجاء"؛ أي: شديدة سواد العين، ورَجّاء" بتشديد الجيم؛ أي: كبيرة الكفل، ترتج من عظمه، إن كانت الرواية بالراء، فإن كانت بالزاي، فالمراد: في حاجبيها تقويس، و"مُوَنِّقة" بنون ثقيلة، وقاف، و"مفنقة" بوزنه؛ أي: مغذية بالعيش الناعم، وكلها أوصاف حسان.

وفي رواية ابن الأنباريّ: "برود الظل"؛ أي: أنها حسنة العشرة، كريمة الجوار، "وَفِيّ الإلّ" بتشديد التحتانية، والإلّ بكسر الهمزة؛ أي: العهد، أو القرابة، "كريم الْخِلّ" بكسر المعجمة؛ أي: الصاحب، زوجًا كان، أو غيره.

وإنما ذَكَّرت هذه الأوصاف مع أن الموصوف مؤنث؛ لأنها ذهبت به مذهب التشبيه؛ أي: هي كرجل في هذه الأوصاف، أو حملته على المعنى، كشخص، أو شيء، ومنه قول عروة بن حرام:

وَعَفْرَاءُ عَنِّي الْمُمْرِضُ الْمُتَوَانِي

قال الزمخشريّ: ويَحْتَمِل أن يكون بعض الرواة نقل هذه الصفة من الابن إلى البنت، وفي أكثر هذه الأوصاف ردّ على الزجاجيّ في إنكاره مثل قولهم: مررت برجل حسن وجهه، وزعم أن سيبويه انفرد بإجازة مثل ذلك، وهو ممتنع؛ لأنه أضاف الشيء إلى نفسه، قال القرطبيّ: أخطأ الزجاجيّ في مواضع، في منعه، وتعليله، وتخطئته، ودعواه الشذوذ، وقد نَقَل ابن خروف أن القائلين به لا يحصى عددهم، وكيف يُخَطِّئ من تمسك بالسماع الصحيح؟ كما جاء في هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته، وكما جاء في صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم:"شَثْنٌ أصابعه".

[تنبيه]: سقط من رواية الزبير ذِكر ابن أبي زرع، ووصف بنت أبي زرع، فجعل وصف ابن أبي زرع لبنت أبي زرع، ورواية الجماعة أَولى، وأتم.

(جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟) في رواية الطبرانيّ: "خادم أبي زرع"، وفي رواية الزبير:"وليد أبي زرع"، والوليد: الخادم، يُطلق على الذَّكر والأنثى.

(لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا) بالموحّدة، ثم المثلثة، وفي رواية بالنون، بدل الموحّدة، وهما بمعنى بَثّ الحديثَ، ونَثَّ الحديث: أظهره، ويقال بالنون في

ص: 154

الشرّ خاصّة، كما تقدم في كلام الأولى، وقال ابن الأعرابيّ: النثاث: المغتاب، ووقع في رواية الزبير:"ولا تخرج".

وقال القرطبيّ: وقولها: "لا تبثُّ حديثنا تبثيثًا" يُروى بالباء الموحّدة، من البث، وهو الإظهار والإشاعة، فتصفها بكتمان ما تسمعه من الحديث، وهذا يدلّ على عقلها، وأمانتها، ويُروى بالنون، وهو بمعنى الأول، يقال: بثَّ الحديث: إذا أفشاه، وفي "الصحاح": بث الخبر، وأبثه: إذا أفشاه، ونثَّه بالنون ينثّه بالضم كذلك، وأنشد [من الطويل]:

إِذَا جَاوَزَ الاثنين سرٌّ فإنَّهُ

بِنَثٍّ وتكْثِيرِ الوُشَاةِ قَمينُ

(1)

(وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا) بتشديد القاف، بعدها مثلثة؛ أي: تُسرع فيه بالخيانة، وتُذهبه بالسرقة، كذا في البخاريّ، وضبطه عياض في مسلم بفتح أوله، وسكون النون، وضم القاف، قال: وجاء "تنقيثًا" مصدرًا على غير الأصل، وهو جائز، كما في قوله تعالى:{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران: 37] ووقع عند مسلم في الطريق التي بعد هذه وهي رواية سعيد بن سلمة: "ولا تُنَقّث" بالتشديد، كما في رواية البخاريّ. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذَكر في "الفتح" رواية مسلم، وهو عكس ما عندنا من نُسخ مسلم، فإنها بالتشديد في الرواية الأُولى، والتخفيف في الثانية، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

وضبطه الزمخشريّ بالفاء الثقيلة بدل القاف، وقال في شرحه: النفث والتفل بمعنى، وأرادت المبالغة في براءتها من الخيانة، فيَحْتَمِل إن كان محفوظًا أن تكون إحدى الروايتين في مسلم بالقاف، كما في رواية البخاري، والأخرى بالفاء.

والميرة: بكسر الميم، وسكون التحتانية، بعدها راء: الزاد، وأصله ما يُحَصِّله البدوي من الحضر، وَيحْمِله إلى منزله؛ لينتفع به أهله.

وقال أبو سعيد: التنقيث: إخراج ما في منزل أهلها إلى غيرهم، وقال ابن حبيب: معناه: لا تفسده، ويؤيده أن رواية الزبير:"ولا تفسد"، وذكر

(1)

"المفهم" 6/ 347.

ص: 155

مسلم أن في رواية سعيد بن سلمة بالفاء في الموضعين، وفي رواية أبي عبيد:"ولا تنقل"، وكذا للزبير عن عمه مصعب، ولأبي عوانة:"ولا تنتقل"، وفي رواية عن ابن الأنباريّ:"ولا تغث" بمعجمة، ومثلثة؛ أي: تفسد، وأصله من الغثة، بالضم: وهي الوسوسة، وفي رواية للنسائيّ:"ولا تُفِشُّ ميرتنا تفشيشًا" بفاء، ومعجمتين، من الإفشاش: طَلَب الأكل من هنا وهنا، ويقال: فَشّ ما على الخوان: إذا أكله أجمع.

ووقع عند الخطابيّ: "ولا تفسد ميرتنا تغشيشًا" بمعجمات، وقال: مأخوذ من غشيش الخبز: إذا فسد، تريد أنها تحسن مراعاة الطعام، وتتعاهده، بأن تطعم منه أوّلًا طريًّا، ولا تغفله، فيفسد.

وقال القرطبيّ: فسَّره الخطابيّ بأنها لا تفسد الطعام المخبوز، بل تتعهده، بأن تطعمهم منه أوّلًا فأوّلًا، وتبعه المازريّ، وهذا إنما يتمشى على الرواية التي وقعت للخطابيّ، وأما على رواية الصحيح:"ولا تملأ" فلا يستقيم، وإنما معناه: أنها تتعهده بالتنظيف.

والحاصل: أن الرواية في الأُولى كما في الأصل: "ولا تنقث ميرتنا تنقيثًا"، وعند الخطابيّ:"ولا تفسد ميرتنا تغشيشًا" بالغين المعجمة، واتفقتا في الثانية على:"ولا تملأ بيتنا تعشيشًا"، وهي بالعين المهملة، وعلى رواية الخطابيّ هي أقعد بالسجع، أعني تعشيشًا من تنقيثًا، والله أعلم.

(وَلَا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا) بالعين المهملة، ثم معجمتين؛ أي: أنها مُصلحة للبيت، مهتمة بتنظيفه، وإلقاء كناسته، وإبعادها منه، وإنها لا تكتفي بقَمّ كناسته، وتَرْكها في جوانبه، كأنها الأعشاش

وفي رواية الطبرانيّ: "ولا تعش" بدل: "ولا تملأ"، ووقع في رواية سعيد بن سلمة التي علّقها البخاريّ بعدُ بِالغين المعجمة، بدل المهملة، وهو من الغشّ ضدّ الخالص؛ أي: لا تملؤه بالخيانة، بل هي ملازمة للنصيحة فيما هي فيه، وقال بعضهم: هو كناية عن عِفّة فرجها، والمراد أنها لا تملأ البيت وسخًا بأطفالها من الزنا، وقال بعضهم: كناية عن وصفها بأنها لا تأتيهم بشرّ، ولا تهمة، وقال الزمخشريّ في "تعشيشًا" بالعين المهملة: يَحْتَمِل أن يكون من عششت النخلة: إذا قَلّ سَعَفها؛ أي: لا تملؤه اختزالًا وتقليلًا لِمَا فيه.

ص: 156

ووقع في رواية الهيثم: "ولا تنجث أخبارنا تنجيثًا" بنون، وجيم، ومثلثة؛ أي: تستخرجها، وأصل التنجثة ما يخرج من البئر، من تراب، ويقال أيضًا بالموحّدة، بدل الجيم، زاد الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن جعفر الوَرَكانيّ

(1)

، عن عيسى بن يونس:"قالت عائشة: حتى ذكرت كلب أبي زرع"، وكذا ذكره الإسماعيليّ عن البغويّ، عن الوَرَكاني، وزاد الهيثم بن عديّ في روايته:"ضيفُ أبي زرع، فما ضيف أبي زرع؟ في شِبَعٍ ورَيّ، ورتع، طهاة أبي زرع، فما طهاة أبي زرع؟ لا تفتر، ولا تعدى تقدح قَدرًا، وتنصب أخرى، فتلحق الآخرة بالأُولى، مال أبي زرع، فما مال أبي زرع؟ على الجمم معكوس، وعلى العفاة محبوس".

وقولها: "رَيّ، ورَتْع" بفتح الراء، وبالمثناة؛ أي: تنعّم، ومسرة، والطُّهاة: بضم المهملة: الطباخون، وقولها:"لا تفتر" بالفاء الساكنة، ثم المثناة المضمومة؛ أي: لا تسكن، ولا تضعف، وقولها:"ولا تعدى" بمهملة؛ أي: تصرف، وتقدح بالقاف، والحاء المهملة؛ أي: تفرق، وتنصب؛ أي: ترفع على النار، والجمم بالجيم: جمع جمة، هم القوم يسألون في الدية، ومعكوس؛ أي: مردود، والعفاة: السائلون، ومحبوس؛ أي: موقوف عليهم.

(قَالَتْ) أم زرع: (خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ) وفي رواية النسائيّ: "خرج من عندي"، وفي رواية الحارث بن أبي أسامة:"ثم خرج من عندي"، (وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ) "الأوطاب": جمع وَطَب، بفتح أوله، وإسكان ثانيه، وهو وعاء اللبن، وذكر أبو سعيد أن جَمْعه على أوطاب على خلاف قياس العربية؛ لأن فَعْلًا لا يُجمع على أفعال، بل على فِعَال.

وتُعُقِّب بأنه قال الخليل: جَمْع الوَطْب وِطاب، وأوطاب، وقد جُمع فَرْد على أفراد، فبطل الحصر الذي ادّعاه، نَعَم القياس في فَعْل أفعُل في القلة، وفِعال، أو فُعول في الكثرة.

قال عياض: ورأيت في رواية حمزة عن النسائيّ: "والأطاب" بغير واو، فإن كان مضبوطًا، فهو على إبدال الواو همزة، كما قالوا: إكاف، ووكاف،

(1)

بفتح الواو والراء.

ص: 157

قال يعقوب بن السكيت: أرادت أنه يبكر بخروجه من منزلها غدوة، وقت قيام الخدم والعبيد لأشغالهم، وانطوى في خبرها كثرة خير داره، وغزر لبنه، وأن عندهم ما يكفيهم، ويفضل حتى يمخضوه، ويستخرجوا زُبْده، ويَحْتَمِل أن يكون أنها أرادت أن الوقت الذي خرج فيه كان في زمن الخصب، وطيب الربيع، قال الحافظ: وكأن سبب ذِكر ذلك توطئة للباعث على رؤية أبي زرع للمرأة على الحالة التي رآها عليها؛ أي: أنها من مخض اللبن تعبت، فاستلقت تستريح، فرآها أبو زرع على ذلك.

(فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا، كَالْفَهْدَيْنِ) وفي رواية الطبرانيّ: "فأبصر امرأة، لها ابنان كالفهدين"، وفي رواية ابن الأنباريّ:"كالصقرين"، وفي رواية الكاذي:"كالشبلين"، ووقع في رواية إسماعيل بن أبي أويس:"سارّين، حسنين، نفيسين"، وفائدة وصفها لهما التنبيه على أسباب تزويج أبي زرع لها؛ لأنهم كانوا يرغبون في أن تكون أولادهم من النساء المنجبات، فلذلك حَرَص أبو زرع عليها لمّا رآها، وفي رواية للنسائيّ:"فإذا هو بأم غلامين"، ووَصْفها لهما بذلك للإشارة إلى صِغَر سنّهما، واشتداد خَلْقهما.

وتواردت الروايات على أنهما ابناها، إلا ما رواه أبو معاوية، عن هشام، فإنه قال:"فَمَرّ على جارية، معها أخواها"، قال عياض: يتأول بأن المراد أنهما ولداها، ولكنهما جُعلا أخويها في حسن الصورة، وكمال الخلقة، فإن حُمل على ظاهره، كان أدلّ على صغر سنها، ويؤيده قوله في رواية غندر:"فمرّ بجارية شابّة"، كذا قال، وليس لغندر في هذا الحديث رواية، وإنما هذه رواية الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن جعفر، وهو الْوَرَكانيّ، ولم يدرك الحارث محمد بن جعفر غندرًا، ويؤيد أنه الوَرَكانيّ أن غندرًا ما له رواية عن عيسى بن يونس، وقد أخرجه الإسماعيليّ، عن البغويّ، عن محمد بن جعفر الوَرَكانيّ، ولكن لم يَسُقْ لفظه، ثم إن كونهما أخويها يدلّ على صغر سنها، فيه نظر؛ لاحتمال أن يكونا من أبيها، ووُلدا له بعد أن طعن في السن، وهي بكر أولاده، فلا تكون شابّةً، ويمكن الجمع بين كونهما أخويها وولديها بأن تكون لمّا وضعت ولديها كانت أمها ترضع، فأرضعتهما.

(يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ) وفي رواية الحارث: "من تحت

ص: 158

درعها"، وفي رواية الهيثم: "من تحت صدرها"، قال أبو عبيد: يريد أنها ذات كَفَل عظيم، فإذا استلقت ارتفع كفلها بها من الأرض، حتى يصير تحتها فجوة تجري، فيها الرمانة، قال: وذهب بعض الناس إلى الثديين، وليس هذا موضعه. انتهى، وأشار بذلك إلى ما جزم به إسماعيل بن أبي أويس، ويؤيد قول أبي عبيد ما وقع في رواية أبي معاوية: "وهي مستلقية على قفاها، ومعهما رمانة يرميان بها من تحتها، فتخرج من الجانب الآخر من عظم أليتيها"، لكن رجح عياض تأويل الرمانتين بالنهدين من جهة أن سياق أبي معاوية هذا لا يشبه كلام أم زرع، قال: فلعله من كلام بعض رواته أورده على سبيل التفسير الذي ظنه، فأدرج في الخبر، وإلا لم تجر العادة بلعب الصبيان، ورميهم الرمان تحت أصلاب أمهاتهم، وما الحامل لها على الاستلقاء حتى يصفان ذلك، ويرى الرجال منها ذلك، بل الأشبه أن يكون قولها: "يلعبان من تحت خصرها، أو صدرها"؛ أي: أن ذلك مكان الولدين منها، وأنهما كانا في حضنيها، أو جنبيها، وفي تشبيه النهدين بالرمانتين إشارة إلى صغر سنها، وإنها لم تترهل حتى تنكسر ثدياها، وتتدلى. انتهى.

قال الحافظ: وما ردّه ليس ببعيد، أما نفي العادة فمسلّم، لكن من أين له أن ذلك لم يقع اتفاقًا، بأن تكون لمّا استلقت، وولداها معها شغلتهما عنها بالرمانة، يلعبان بها؛ ليتركاها تستريح، فاتفق أنهما لعبا بالهيئة التي حكيت، وأما الحامل لها على الاستلقاء، فقد قدمت احتمال أن يكون من التعب الذي حصل لها من المخض، وقد يقع ذلك للشخص، فيستلقي في غير موضع الاستلقاء، والأصل عدم الإدراج الذي تخيّله، وإن كان ما اختاره من أن المراد بالرمانة ثديها أَولى؛ لأنه أَدْخلُ في وصف المرأة بصغر سنِّها، والله أعلم. انتهى.

(فَطَلَّقَنِي، وَنَكَحَهَا) وفي رواية الحارث: "فأعجبته، فطلقني"، وفي رواية أبي معاوية:"فخطبها أبو زرع، فتزوجها، فلم تزل به حتى طلّق أم زرع"، فأفاد السبب في رغبة أبي زرع فيها، ثم في تطليقه أم زرع. (فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا) وفي رواية النسائيّ:"فاستبدلت، وكلُّ بدل أعور"، وهو مَثَلٌ، معناه: أن البدل من الشيء غالبًا لا يقوم مقام المبدل منه، بل هو دونه، وأنزل منه،

ص: 159

والمراد بالأعور: المعيب، قال ثعلب: الأعور: الرديء من كل شيء، كما يقال: كلمة عوراء؛ أي: قبيحة، وهذا إنما هو على الغالب، وبالنسبة، فأخبرت أم زرع أن الزوج الثاني لم يَسُدّ مَسَدّ أبي زرع. (سَرِيًّا) بسين مهملة، ثم راء، ثم تحتانية ثقيلة؛ أي: من سَرَاة الناس، وهم كبراؤهم في حسن الصورة، والهيئة، والسَّريّ من كل شيء خياره، وفسره الحربيّ بالسخيّ. (رَكِبَ شَرِيًّا) بشين معجمة، ثم راء، ثم تحتانية ثقيلة، قال ابن السكيت: تعني فرسًا خِيارًا، فائقًا، وفي رواية الحارث:"ركب فرسًا عربيًّا"، وفي رواية الزبير: أعوجيًّا"، وهو منسوب إلى أعوج فرس مشهور، تُنسب إليه العرب جياد الخيل، كان لبني كندة، ثم لبني سُليم، ثم لبني هلال، وقيل: لبني غَنِيّ، وقيل: لبني كلاب، وكل هذه القبائل بعد كندة من قيس، قال ابن خالويه: كان لبعض ملوك كندة، فغزا قومًا من قيس، فقتلوه، وأخذوا فرسه، وقيل: إنه ركب صغيرًا رطبًا قبل أن يشتد، فاعوجّ، وكَبُر على ذلك، والشّريّ الذي يستشري في سيره؛ أي: يمضي فيه بلا فتور، وشَرِي الرجلُ في الأمر: إذا لَجّ فيه، وتمادى، وشري البرق: إذا كثر لمعانه.

(وَأَخَذَ خَطِّيًّا) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الطاء المهملة: نسبة إلى الخط صفة موصوف، وهو الرمح، ووقع في رواية الحارث:"وأخذ رُمحًا خطيًّا"، والخط موضع بنواحي البحرين، تُجْلَب منه الرماح، ويقال: أصلها من الهند، تُحمل في البحر إلى الخط المكان المذكور، وقيل: إن سفينة في أول الزمان كانت مملوءة رماحًا قذفها البحر إلى الخط، فخرجت رماحها فيها، فنُسبت إليها، وقيل: إن الرماح إذا كانت على جانب البحر تصير كالخط بين البر والبحر، فقيل لها: الخطية لذلك، وقيل: الخط: منبت الرماح، قال عياض: ولا يصح، وقيل: الخط: الساحل، وكل ساحل خط.

(وَأَرَاحَ) بمهملتين، من الرواح، ومعناه: أتى بها إلى المراح، وهو موضع مبيت الماشية، قال ابن أبي أويس: معناه: أنه غزا، فغنم، فأتى بالنَّعَم الكثيرة. (عَلَيَّ) بالتشديد، وفي رواية الطبرانيّ:"وأراح على بيتى"، (نَعَمًا) بفتحتين، وهو جَمْع، لا واحد له من لفظه، وهو الإبل خاصّةً، ويُطلق على جميع المواشي، إذا كان فيها إبل، وفي رواية حكاها عياض:"نِعَمًا" بكسر

ص: 160

أوله، جمع نعمة، والأشهر الأول. (ثَرِيًّا) بمثلثة؛ أي: كثيرةً، والثريّ: المال الكثير من الإبل، وغيرها، يقال: أثرى فلان فلانًا: إذا كَثَرَه، فكان في شيء من الأشياء أكثر منه، وذكّر "ثريًّا"، وإن كان وصف مؤنث لمراعاة السجع، ولأن كل ما ليس تأنيثه حقيقيًّا يجوز فيه التذكير والتأنيث. (وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ) براء، وتحتانية، ومهملة، في الرواية التالية عند مسلم:"ذابحة" بمعجمة، ثم موحّدة، ثم مهملة؛ أي: مذبوحة مثل عِيشة راضية؛ أي: مرضية، فالمعنى: أعطاني من كل شيء يُذبح زوجًا، وفي رواية الطبرانيّ:"من كل سائمة"، والسائمة: الراعية، والرائحة: الآتية وقت الرواح، وهو آخر النهار. (زَوْجًا)؛ أي: اثنين من كل شيء، من الحيوان الذي يَرعَى، والزوج يُطلق على الاثنين، وعلى الواحد أيضًا، وأرادت بذلك كثرة ما أعطاها، وأنه لم يقتصر على الفرد من ذلك. (قَالَ) وفي رواية البخاريّ:"وقال" بالواو، (كُلِي أُمَّ زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ)؛ أي: صِلِيهم، وأوسعي عليهم بالميرة، بكسر الميم، وهي الطعام.

والحاصل: أنها وصفته بالسؤدد في ذاته، والشجاعة، والفضل، والجود، بكونه أباح لها أن تأكل ما شاءت من ماله، وتُهدي منه ما شاءت لأهلها مبالغةً في إكرامها، ومع ذلك فكانت أحواله عندها محتقرة بالنسبة لأبي زرع، وكان سبب ذلك أن أبا زرع كان أول أزواجها، فسكنت محبته في قلبها، كما قال الشاعر [من الكامل]:

نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى

مَا الْحُبُّ إِلَّا لِلْحَبِيبِ الأَوَّلِ

كَمْ مَنْزِلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الْفَتَى

وَحَنِينُهُ أَبَدًا لأوَّلِ مَنْزِلِ

(1)

زاد أبو معاوية في روايته: "فتزوجها رجل آخر، فأكرمها أيضًا، فكانت تقول: أكرَمني، وفَعَل لي، وتقول في آخر ذلك: لو جمع ذلك كله".

(فَلَوْ جَمَعْتُ) في رواية الهيثم: "فجمعت ذلك كله"، وفي رواية الطبرانيّ:"فقلت: لو كان هذا أجمع في أصغر"، (كُلَّ شَيْءٍ) في رواية للنسائيّ:"كل الذي"(أَعْطَانِي) في رواية البخاريّ: "أعطانيه" بالهاء، (مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ) وفي رواية ابن أبي أويس: "ما ملأ إناءً من آنية أبي

(1)

"شرح الأبيّ" 6/ 277.

ص: 161

زرع"، وفي رواية للنسائيّ: "ما بلغت إناء"، وفي رواية الطبرانيّ: "فلو جمعت كل شيء أصبته منه، فجعلته في أصغر وعاء من أوعية أبي زرع، ما ملأه"؛ لأن الإناء، أو الوعاء لا يسع ما ذكرت أنه أعطاها، من أصناف النِّعم، قال الحافظ: ويظهر لي حَمْله على معنى غير مستحيل، وهي أنها أرادت أن الذي أعطاها جملةً أراد أنها توزعه على المدة إلى أن يجيء أوان الغزو، فلو وزَّعته لكان حظ كل يوم مثلًا لا يملأ أصغر آنية أبي زرع التي كان يطبخ فيها في كل يوم على الدوام، والاستمرار، بغير نقص، ولا قطع.

(قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية الترمذيّ: "فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم"، زاد الكاذي في روايته:"يا عائشُ"، وفي رواية ابن أبي أويس:"يا عائشةُ"("كُنْتُ لَكِ) وفي رواية للنسائيّ: "فكنت لك"، وفي رواية الزبير:"أنا لك"، وهي تفسير المراد برواية:"كنت"، كما جاء في تفسير قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110]؛ أي: أنتم، ومنه:{مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ} [مريم: 29]؛ أي: من هو في المهد، ويَحْتَمِل أن تكون "كان" هنا على بابها، والمراد بها الاتصال، كما في قوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5]؛ إذ المراد بيان زمان ماض في الجملة؛ أي: كنت لك في سابق علم الله (كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ". زاد في رواية الهيثم بن عديّ: "في الأُلفة والوفاء، لا في الفُرقة والجلاء"، وزاد الزبير في آخره: "إلا أنه طلقها، وإني لا أطلقك"، ومثله في رواية للطبرانيّ، وزاد النسائيّ في رواية له، والطبرانيّ: "قالت عائشة: يا رسول الله، بل أنت خير من أبي زرع"، وفي أول رواية للزبير: "بأبي وأمي لأنت خير لي من أبي زرع لأم زرع"، وكأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك تطييبًا لها، وطمأنينةً لقلبها، ودفعًا لإيهام عموم التشبيه بجملة أحوال أبي زرع؛ إذ لم يكن فيه ما تذمه النساء، سوى ذلك، وقد وقع الإفصاح بذلك، وأجابت هي عن ذلك جواب مثلها في فضلها، وعِلْمها.

[تنبيه]: وقع عند أبي يعلى، عن سُويد بن سعيد، عن سفيان بن عيينة، عن داود بن شابور، عن عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة، عن عائشة؛ أنها حدّثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي زرع، وأم زرع، وذكرت شعر أبي زرع في أم زرع، قال الحافظ: كذا فيه، ولم يَسُقْ لفظه، ولم أقف في

ص: 162

شيء من طرقه على هذا الشعر، وأخرجه أبو عوانة، من طريق عبد الله بن عمران، والطبرانيّ من طريق ابن أبي عمر، كلاهما عن ابن عيينة بإسناده، ولم يسق لفظه أيضًا. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [14/ 6285 و 6286](2448)، و (البخاريّ) في "النكاح"(5189)، و (الترمذيّ) في "الشمائل"(251)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 355 و 356 و 359)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(2/ 238)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 266 و 269 و 273)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(2702 و 2703)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7104)، و (الخطيب البغداديّ) في "الأسماء المبهمة"(527)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(2340)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(13/ 10 و 48/ 27)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): حسن عشرة المرء أهله بالتأنيس، والمحادثة بالأمور المباحة، ما لم يُفْضِ ذلك إلى ما يمنع.

2 -

(ومنها): أن فيه المزحَ أحيانًا، وبسط النفس به، ومداعبة الرجل أهله، وإعلامه بمحبته لها ما لم يؤد ذلك إلى مفسدة تترتب على ذلك من تجنيها عليه، وإعراضها عنه.

3 -

(ومنها): منع الفخر بالمال، وبيان جواز ذِكر الفضل بأمور الدين، وإخبار الرجل أهله بصورة حاله معهم، وتذكيرهم بذلك، لا سيما عند وجود ما طُبعن عليه من كفر الإحسان.

4 -

(ومنها): ذكر المرأة إحسان زوجها.

5 -

(ومنها): إكرام الرجل بعض نسائه بحضور ضرائرها بما يخصها به،

(1)

"الفتح" 11/ 592 - 594، كتاب "النكاح" رقم (5189).

ص: 163

من قول، أو فعل، ومحله عند السلامة من الميل المفضي إلى الجور.

6 -

(ومنها): جواز تخصيص بعض الزوجات بالتحف واللطف؛ إذا استوفى للأخرى حقها.

7 -

(ومنها): جواز تحدث الرجل مع زوجته في غير نوبتها.

8 -

(ومنها): الحديث عن الأمم الخالية، وضرب الأمثال بهم اعتبارًا.

9 -

(ومنها): جواز الانبساط بذكر طُرَف الأخبار، ومستطابات النوادر؛ تنشيطًا للنفوس.

10 -

(ومنها): حَضّ النساء على الوفاء لبعولتهن، وقصر الطّرْف عليهم، والشكر لجميلهم.

11 -

(ومنها): وصف المرأة زوجها بما تعرفه من حسن وسوء.

12 -

(ومنها): جواز المبالغة في الأوصاف، ومحله إذا لم يصر ذلك ديدنًا؛ لأنه يفضي إلى خرم المروءة.

13 -

(ومنها): تفسير ما يُجمله المخبر من الخبر، إما بالسؤال عنه، وإما ابتداء من تلقاء نفسه.

14 -

(ومنها): أن ذكر المرء بما فيه من العيب جائز؛ إذا قُصد التنفير عن ذلك الفعل، ولا يكون ذلك غيبة، أشار إلى ذلك الخطابيّ، وتعقبه أبو عبد الله التميميّ، شيخ عياض، بأن الاستدلال بذلك إنما يتمّ أن لو كان النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع المرأة تغتاب زوجها، فأقرّها، وأما الحكاية عمن ليس بحاضر فليس كذلك، وإنما هو نظير من قال: في الناس شخص يسيء، ولعل هذا هو الذي أراده الخطابيّ، فلا تعقب عليه، وقال المازريّ: قال بعضهم: ذكر بعض هؤلاء النسوة أزواجهن بما يكرهون، ولم يكن ذلك غيبةً؛ لكونهم لا يُعرفون بأعيانهم، وأسمائهم، قال المازريّ: وإنما يُحتاج إلى هذا الاعتذار لو كان مَن تُحُدِّث عنده بهذا الحديث سمع كلامهنّ في اغتياب أزواجهنّ، فأقرهنّ على ذلك، فأما والواقع خلاف ذلك، وهو أن عائشة رضي الله عنها حَكَت قصة عن نساء مجهولات غائبات، فلا، ولو أن امرأة وصفت زوجها بما يكرهه لكان غيبة مجرمة على من يقوله، ويسمعه، إلا إن كانت في مقام الشكوى منه عند الحاكم، وهذا في حقّ المعيّن، فأما المجهول الذي لا يُعرف فلا حرج في

ص: 164

سماع الكلام فيه؛ لأنه لا يتأذى إلا إذا عَرَف أن من ذُكر عنده يَعرفه، ثم إن هؤلاء الرجال مجهولون، لا تُعرف أسماؤهم، ولا أعيانهم، فضلًا عن أسمائهم، ولم يثبت للنسوة إسلام، حتى يجري عليهنّ حكم الغيبة، فبطل الاستدلال به، لِمَا ذُكر.

15 -

(ومنها): أن فيه تقويةً لمن كَرِه نكاح من كان لها زوج؛ لِمَا ظهر من اعتراف أم زرع بإكرام زوجها الثاني لها بقَدْر طاقته، ومع ذلك حقّرته، وصغّرته بالنسبة إلى الزوج الأول.

16 -

(ومنها): أن الحب يستر الإساءة؛ لأن أبا زرع مع إساءته لها بتطليقها، لم يمنعها ذلك من المبالغة في وصفه، إلى أن بلغت حدّ الإفراط والغلوّ، وقد وقع في بعض طرقه إشارة إلى أن أبا زرع نَدِمَ على طلاقها، وقال في ذلك شعرًا، ففي رواية عُمر بن عبد الله بن عروة، عن جدّه، عن عائشة رضي الله عنها؛ أنها حدّثت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، عن أبي زرع، وأم زرع، وذكرت شعر أبي زرع على أم زرع.

17 -

(ومنها): جواز وصف النساء، ومحاسنهنّ للرجل، لكن محله إذا كنّ مجهولات، والذي يُمنع من ذلك وصف المرأة المعيّنة بحضرة الرجل، أو أن يَذكر من وصفها ما لا يجوز للرجال تعمّد النظر إليه.

18 -

(ومنها): أن التشبيه لا يستلزم مساواة المشبَّه بالمشبَّه به من كل جهة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كنت لك كأبي زرع"، والمراد ما بيَّنه بقوله في رواية الهيثم:"في الألفة. . ." إلى آخره، لا في جميع ما وُصف به أبو زرع من الثروة الزائدة، والابن، والخادم، وغير ذلك، وما لم يُذكر من أمور الدين كلها.

19 -

(ومنها): أن كناية الطلاق لا توقعه، إلا مع مصاحبة النية، فإنه صلى الله عليه وسلم تشبّه بأبي زرع، وأبو زرع قد طلَّق، فلم يستلزم ذلك وقوع الطلاق، لكونه لم يقصد إليه.

20 -

(ومنها): جواز التأسي بأهل الفضل، من كل أمة؛ لأن أم زرع أخبرت عن أبي زرع بجميل عِشرته، فامتثله النبيّ صلى الله عليه وسلم، كذا قال المهلَّب، واعترضه عياض، فأجاد، وهو أنه ليس في السياق ما يقتضي أنه تأسى به، بل فيه أنه أخبر أنّ حاله معها مثل حال أم زرع، نَعَم ما استنبطه صحيح باعتبار أن

ص: 165

الخبر إذا سيق، وظهر من الشارع تقريره، مع الاستحسان له جاز التأسي به، ونحوٌ مما قاله المهلَّب قول آخر: إن فيه قبول خبر الواحد؛ لأن أم زرع أخبرت بحال أبي زرع، فامتثله النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتعقبه عياض أيضًا، فأجاد، نَعَم يؤخذ منه القبول بطريق أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقره، ولم ينكره.

21 -

(ومنها): جواز قول: "بأبي وأمي"؛ ومعناه: أفديك بأبي وأمي.

22 -

(ومنها): جواز مدح الرجل في وجهه، إذا عُلم أن ذلك لا يفسده.

23 -

(ومنها): جواز القول للمتزوج: "بالرفاء والبنين" إن ثبتت اللفظة الزائدة أخيرًا

(1)

.

24 -

(ومنها): أن من شأن النساء إذا تحدثن أن لا يكون حديثهن غالبًا إلا في الرجال، وهذا بخلاف الرجال، فإن غالب حديثهم إنما هو فيما يتعلق بأمور المعاش.

25 -

(ومنها): جواز الكلام بالألفاظ الغريبة، واستعمال السجع في الكلام، إذا لم يكن متكلَّفًا، قال عياض رحمه الله ما ملخّصه: في كلام هؤلاء النسوة من فصاحة الألفاظ، وبلاغة العبارة والبديع، ما لا مزيد عليه، ولا سيما كلام أم زرع، فإنه مع كثرة فصوله، وقلة فضوله، مختار الكلمات، واضح السمات، نيّر النسمات، قد قُدِّرت ألفاظه قَدْر معانيه، وقُررت قواعده، وشِيْدَت مبانيه، وفي كلامهن، ولا سيما الأُولى، والعاشرة أيضًا من فنون التشبيه، والاستعارة، والكناية، والإشارة، والموازنة، والترصيع، والمناسبة، والتوسيع، والمبالغة، والتسجيع، والتوليد، وضرب المثل، وأنواع المجانسة، وإلزام ما لا يلزم، والإيغال، والمقابلة، والمطابقة، والاحتراس، وحسن التفسير، والترديد، وغرابة التقسيم، وغير ذلك أشياء ظاهرة لمن تأملها، وقد أشرنا إلى بعضها فيما تقدم، وكَمَّل ذلك أن غالب ذلك أُفرغ في قَالَب الانسجام، وأَتَى به الخاطر بغير تكلف، وجاء لفظه تابعًا لمعناه، منقادًا له، غير مستكره، ولا منافر، والله يمنّ على من يشاء بما شاء، لا إله إلا هو، ذَكر

(1)

هي ما تقدّم من رواية الهيثم بن عبديّ: "في الألفة والوفاء، لا في الفرقة والجلاء".

ص: 166

ذلك في "الفتح"، وكله بحث نفيسٌ، وجليسٌ أنيسٌ، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6286]

(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: عَيَايَاءُ، طَبَاقَاءُ، وَلَمْ يَشُكَّ، وَقَالَ: قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، وَقَالَ: وَصِفْرُ رِدَائِهَا، وَخَيْرُ نِسَائِهَا، وَعَقْرُ جَارَتِهَا، وَقَالَ: وَلَا تَنْقُثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَقَالَ: وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجًا).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْمِنْقريّ -بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف- مولاهم، أبو سلمة التَّبُوذكيّ -بفتح المثناة، وضم الموحّدة، وسكون الواو، وفتح المعجمة- البصريّ، مشهور بكنيته، وباسمه، ثقةٌ ثبتٌ، ولا التفات إلى قول ابن خِرَاش: تكلم الناس فيه. من صغار [9].

روى عن جرير بن حازم، ومهدي بن ميمون، وهنيد بن القاسم، ومبارك بن فَضَالة، وأبان العطار، وهمام بن يحيى، ووهيب بن خالد، وأبي هلال الراسبيّ، ويزيد بن أبي إبراهيم التستريّ، وقيس بن الربيع، وحماد بن سلمة، وجويرية بن أسماء، وخَلْق كثير.

وروى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى الباقون عنه بواسطة الحسن بن عليّ الخلال، والذهليّ، وأحمد بن الحسن الترمذيّ، وعبيد الله بن فَضَالة، وعبد الرحمن بن عبد الوهاب العميّ، ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وخَلْق كثير.

قال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: ما جلست إلى شيخ إلا هابني، أو عرف لي، خلا هذا التبوذكيّ، قال: وعددت ليحيى ما كتبنا عنه خمسًا وثلاثين ألف حديث، وقال الحسين بن الحسن الرازيّ عن ابن معين: ثقةٌ مأمونٌ، وقال أبو حاتم: سمعت ابن معين، وأثنى على أبي سلمة، وقال: كان كَيِّسًا، وكان الحجاج بن منهال رجلًا صالِحًا، وأبو سلمة أتقنهما، قال أبو حاتم: سمعت

ص: 167

أبا الوليد الطيالسيّ يقول: موسى بن إسماعيل ثقةٌ، صدوقٌ، قال: وقال ابن المدينيّ: من لا يَكتب عن أبي سلمة كتب عن رجل عنه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ثقةٌ، كان أيقظ من الحجاج، ولا أعلم أحدًا ممن أدركناه أحسن حديثًا من أبي سلمة، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من المتقنين، ويُروَى أن ابن معين قال له في حديث: لم أجده في صدر كتابك، إنما وجدته على ظهره، فاحلف لي أنك سمعته، قال: فحلف له، وقال بعد ذلك: والله لا كلمتك أبدًا.

قال البخاريّ: مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وقال أبو حاتم بن الليث: كان قد رأى سعيد بن أبي عروبة، وحَفِظ عنه مسائل، مات سنة ثلاث، وكذا أرّخه ابن سعد.

وآخر من حدّث عنه أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وقال ابن خِرَاش: تكلم الناس فيه، وهو صدوق.

قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن خِرَاش: "تكلم الناس فيه" مما لا يُلتفت إليه، كما نبّه عليه في "التقريب"، فقد عرفت في ترجمته السابقة ثناء النقاد عليه؛ كابن معين، وأبي حاتم، وغيرهما، فتنبّه.

أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.

2 -

(سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ) بن أبي الْحُسَام العدويّ مولاهم، أبو عمرو المدنيّ، وهو أبو عمرو السَّدوسيّ الذي روى عنه الْعَقَديّ، صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ من حفظه [7].

رَوَى عن أبيه، وهشام بن عروة، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وابن المنكدر، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.

ورَوَى عنه عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو عامر الْعَقَديّ، وعبد الله بن رجاء البصريّ، وأبو سلمة التبوذكيّ، وغيرهم.

قال أبو سلمة: ما رأيت كتابًا أصح من كتابه، وقال الآجريّ عن أبي داود: كان في لسانه، وليس في حديثه، وقال أبو حاتم: سألت ابن معين عنه، فلم يعرفه؛ يعني: حقّ معرفته، وقال النسائيّ: شيخ ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات".

ص: 168

واستشهد به البخاريّ، وروى له البخاريّ حديثًا في الاستعاذة فقط، وروى أبو داود في "الطلاق" عن محمد بن معمر، عن أبي عامر العَقَديّ، عن أبي عمرو السدوسي، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة؛ أن حبيبة بنت سهل، كانت عند ثابت بن قيس بن شماس. . . الحديث، وروى هذا الحديث أحمد بن محمد بن شعيب الرّجانيّ، عن محمد بن معمر، عن أبي عامر العَقَديّ، عن سعيد بن سلمة، عن عبد الله بن أبي بكر، بإسناده، فدلّت هذه الرواية أن أبا عمرو المذكور في رواية أبي داود، هو سعيد بن سلمة، والله أعلم.

أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.

والباقيان ذُكرا في الباب.

وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لسعيد بن سلمة.

وقوله: (عَيَايَاءُ، طَبَاقَاءُ، وَلَمْ يَشُكَّ)؛ يعني: أنه ذكر "عياياء" بالعين المهملة، ولم يذكره "عياياء" أو "غياياء طباقاء" بالشكّ، كما شكّ فيه عيسى بن يونس في الرواية السابقة.

قال القرطبيّ رحمه الله: قول السَّابعة: "زوجي غياياء -أو عياياء- طباقاء" الرواية التي لا يُعرف غيرها بالعين المهملة، وغياياء: بِالغين المعجمة، و"أو" للشك، وهو شكّ وقع من بعض الرواة، وقد أنكر أبو عبيد، وغيره الغين المعجمة، وقالوا: صوابه: عياياء، وقالوا: هو الْعِنِّين، وهو الذي تغلبه مباضعة النساء، وكذلك هو في الإبل التي لا تضرب، ولا تلقح.

قلت

(1)

: ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة أنهم قصروا عياياء على الذي يعجز عن الجماع والضِّراب، والصحيح من اللسان أنه يقال على ذلك، وعلى من لم يقم بأموره، ففي "الصحاح": يقال: جمل عياياء؛ أي: لم يهتد للضراب، ورجل عياياء: إذا عَيي بالأمر، والمنطق، وعلى هذا فتكون هذه المرأة قد وصفته بكل ذلك، وأما إنكار غياياء فليس بصحيح، قال القاضي أبو

(1)

القائل هو: القرطبيّ رحمه الله.

ص: 169

الفضل: وقد يظهر له وجهٌ حسن، ولا سيما، وأكثر الرواة أثبتوه، ولم يشكُّوا فيه، وهو أن يكون مأخوذًا من الغياية، وهو كل ما أظل الإنسان فوق رأسه، فكأنه غُطِّي عليه، وسُترت أموره، ويكون من الغيّ: وهو الانهماك في الشرّ، أو من الغيّ: وهو الخيبة، قال الله تعالى:{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]؛ أي: خيبة.

والمعروف في "الطباقاء": أنه بمعنى: العياياء، وهو الذي تنطبق عليه الأمور، وأنشد الجوهري قول جميل بن مَعْمَر [من الطويل]:

طَبَاقَاءُ لَمْ يَشْهَدْ خُصُومًا وَلَمْ يَقُدْ

رِكابًا إلى أَكْوارِهَا حِينَ تُعْلَفُ

قال: ويُروى عياياء، وهو بمعنى واحد.

قال القاضي: وحكى أبو عليّ -وأظنه البغداديّ- عن بعضهم أنه قال: الثقيل الصدر الذي ينطبق صدره على صدر المرأة عند الحاجة إليها، وهو من مذامّ الرجال، وقال الجاحظ: عياياء، طباقاء: أخبرت عن جهله بإتيان النساء، وعيِّه، وعجزه، وأنه إذا سقط عليها انطبق عليها، والنساء يكرهن صدور الرجال على صدورهن. انتهى

(1)

.

وقوله: (قَلِيلَاتُ الْمَسَارحِ) قال القرطبيّ رحمه الله: قولها: "كثيرات المبارك، قليلات المسارح" مبارك الإبل: مواضع بروكها، واحدها: مبرك، ومسارحها: مواضع رعيها، واحدها مسرح، واختُلف في معناه على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه أكثر بروكها، وأقل تسريحها؛ مخافة أن ينزل به ضيف، وهي غائبة، ذكره أبو عبيد.

والثاني: أنها إذا بَرَكت كانت كثيرةً؛ لِوَفْر عددها، وإذا سرحت كانت قليلة؛ لكثرة ما يجزر منها للضيفان، قاله ابن أبي أويس.

وثالثها: أنها إذا بركت كانت كثيرةً؛ لكثرة من ينضم إليها، ممن يلتمس لحمها ولبنها، وإذا سرحت كانت قليلةً؛ لقلة من ينضم إليها منهم. انتهى

(2)

.

وقولها: (وَصِفْرُ رِدَائِهَا)؛ أي: خاليته، والصفر: الشيء الفارغ، قال الهروي: أي: ضامرة البطن، والرداء ينتهي إلى البطن، وقال غيره: تريد أنها

(1)

"المفهم" 6/ 339.

(2)

"المفهم" 6/ 342.

ص: 170

خفيفة أعلى البدن، وهو موضع الرداء، ممتلئة أسفله، وهو موضع الكساء، والأزرة، ويؤيده قولُها في بعض روايات الحديث:"مِلءُ إزارها"، قال القاضي: والأَولى أنها أرادت أن امتلاء منكبيها، وقيام نهديها يرفضان الرداء عن أعلى جسدها، فهو لا يمسه، كالفارغ منها، بخلاف أسفلها، كما قال الشاعر [من الطويل]:

أَبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقُمْصِها

مَسَّ البُطُونِ وأَنْ تَمَسَّ ظُهُورا

وقولها: (وَعَقْرُ جَارَتِهَا) قال القرطبيّ رحمه الله: الرواية الصحيحة: بعين مهملة، مفتوحة، وقاف من العَقْر، وهو الجرح، أو الهلاك؛ تعني: أن ضرتها تموت من أجلها حسدًا، وغيظًا، أو ينعقر قلبها، وفي قولها:"ملء كسائها، وصفر ردائها، وغيظ جارتها" دليل لسيبويه على صحة ما أجازه من قوله: مررتُ برجلٍ حَسَنٍ وجهه، وهو ردٌّ على المبرّد، والزجَّاج، فإنَّهما منعا ذلك، وعلَّل الزجاجيّ المنع بإضافة الشيء إلى نفسه، وخطَّأَ سيبويه في إجازة ذلك، وقال: إنما أجازه سيبويه وحده، وقد أخطأ الزجَّاجي في هذا النقل في مواضع، أخطأ في المنع، وأخطأ في التعليل، وفي تخطئته سيبويه، وفي قوله: إنه لم يقل به غير سيبويه، وقد قال أبو الحسن بن خروف: إنَّه قال به طائفة لا يحصون، وفي قوله: إن جميع الناس خطَّؤوا سيبويه؛ وليس بصحيح، وكيف يخطأ في اللسان من تمسك بالسَّماع الصحيح؟ كما جاء في هذا الحديث المتفق على صحته، وقد جاء عن بعض الصَّحابة رضي الله عنهم في وصف النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"شَثَنٌ أصابعه"، وقد اتفق أهل اللسان على صحة قول الشاعر [من الطويل]:

أَمِنْ دِمْنتينِ عرَّجَ الرَّكْبُ فِيهِمَا

بِحَقْل الرُّخَامى قَدْ عَفَا طَلَلَاهُمَا

أقامَتْ عَلَى رَبْعَيهِما جَارَتَا صَفًا

كُمَيْتَا الأَعَالِي جَوْنتا مُصْطَلَاهُمَا

وقد تعسَّف المانع في تأويل هذا السماعِ بما تمجُّه الأسماع، ولتفصيل ذلك مبسوطات النحو، ومن تمسّك بالسماع، فرَدُّ حجَّته لا يستطاع. انتهى

(1)

.

وقولها: (وَلَا تَنْقُثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا) أصل التنقيث: الإسراع، يقال: خرجت

(1)

"المفهم" 6/ 346 - 347.

ص: 171

أنقث -بالضم-؛ أي: أسرع السير، وكذلك أنتقث، والميرة: ما يُمتار من موضع إلى موضع من الأطعمة، وأرادت: أنها أمينةٌ على حفظ طعامنا، وحافظة له.

وقولها: (وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجًا) الذابحة بالذال المعجمة: من الذبح، فاعلة بمعنى مفعولة؛ كـ {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [القارعة: 7]؛ أي: مرضية؛ يعني: أنه أعطاها من كل شيء يُذبح، وروي:"وأعطاني من كل رائحة زوجًا"، والرائحة -بالراء-: اسم فاعل، من راح، تعني: أنه أعطاها من كل صنف من الإبل، والغنم، والبقر، والزوجُ: الصِّنف، كما قال تعالى:{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7)} [الواقعة: 7]، وقد يراد بالزوج: اثنان، يقال: فرد، وزوج، وزوج المرأة: بعلها، وهي زوجٌ له، وقد جاء زوجة، ويقال: هما زوجان للاثنين، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء، قاله الجوهريُّ، وقال غيره: ولا يوضع الزوج على الاثنين أبدًا، قال الله تعالى:{وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45)} [النجم: 45]

(1)

.

والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(15) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم-رضي الله عنها

-)

هي: فاطمة الزهراء بنت إمام المتقين، رسول الله صلى الله عليه وسلم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية -صلى الله على أبيها وآله وسلم، ورضي عنها- كانت تكنى أم أبيها بكسر الموحّدة، بعدها تحتانية ساكنة، ونقل ابن فتحون عن بعضهم بسكون الموحّدة بعدها نون، وهو تصحيف، وتلقّب الزهراء، روت عن أبيها، روى عنها ابناها، وأبوهما، وعائشة، وأم سلمة، وسلمى أم رافع، وأنس، وأرسلت عنها فاطمة بنت الحسين، وغيرها.

قال عبد الرزاق، عن ابن جريج: قال لي غير واحد: كانت فاطمة أصغر

(1)

"المفهم" 6/ 348 - 349.

ص: 172

بنات النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأحبهنّ إليه، وقال أبو عمر: اختلفوا أيتهن أصغر، والذي يسكن إليه اليقين أن أكبرهنّ زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة.

واختُلف في سنة مولدها، فروى الواقديّ عن طريق أبي جعفر الباقر قال: قال العباس: وُلدت فاطمة والكعبة تبنى، والنبيّ صلى الله عليه وسلم ابن خمس وثلاثين سنةً، وبهذا جزم المدائنيّ، ونقل أبو عمر عن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر الهاشميّ أنها وُلدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان مولدها قبل البعثة بقليل نحو سنة، أو أكثر، وهي أسنّ من عائشة بنحو خمس سنين، وتزوجها عليّ أوائل المحرم سنة اثنتين بعد عائشة بأربعة أشهر، وقيل غير ذلك، وانقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من فاطمة.

وقال الواقديّ: تُوفيت فاطمة ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان، سنة إحدى عشرة. انتهى مختصرًا من "الإصابة"

(1)

.

وقال الحافظ رحمه الله في "الفتح": فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم-رضي الله عنها، وأمها خديجة رضي الله عنها، وُلدت فاطمة في الإسلام، وقيل: قبل البعثة، وتزوجها عليّ رضي الله عنه بعد بدر، في السنة الثانية، وَوَلدت له، وماتت سنة إحدى عشرة بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، وقد ثبت في "الصحيح" من حديث عائشة رضي الله عنها، وقيل: بل عاشت بعده ثمانية، وقيل: ثلاثة، وقيل: شهرين، وقيل: شهرًا واحدًا، ولها أربع وعشرون سنة، وقيل غير ذلك، فقيل: إحدى، وقيل: خمس، وقيل: تسع، وقيل: عاشت ثلاثين سنة.

قال: وأقوى ما يُستَدَلّ به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها، ومن بعدهنّ ما ذُكر من قوله صلى الله عليه وسلم:"إنها سيدة نساء العالمين"، إلا مريم، وإنها رُزئت بالنبيّ صلى الله عليه وسلم دون غيرها من بناته، فإنهنّ مُتْنَ في حياته، فكنّ في صحيفته، ومات هو في حياتها، فكان في صحيفتها.

قال الحافظ: وكنت أقول ذلك استنباطًا إلى أن وجدته منصوصًا، قال أبو جعفر الطبريّ في "تفسير آل عمران" من التفسير الكبير، من طريق فاطمة بنت الحسين بن عليّ؛ أن جدتها فاطمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، وأنا عند

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 8/ 262 - 263.

ص: 173

عائشة، فناجاني، فبكيت، ثم ناجاني، فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت: لقد علمت، أأُخبرك بسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتركتني، فلما تُوفي سألت، فقلت: ناجاني. . . فذكر الحديث في معارضة جبريل له بالقرآن مرتين، وأنه قال:"أحسب أني ميت في عامي هذا، وأنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين مثل ما رزئت، فلا تكوني دون امرأة منهنّ صبرًا"، فبكيت، فقال:"أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم"، فضحكتُ، قلت

(1)

: وأصل الحديث في "الصحيح" دون هذه الزيادة. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: فاطمة سيدة نساء العالمين رضي الله عنها، وقد اختُلف في أصغر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمر: والذي تسكن النفس إليه أن زينب هي الأُولى، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، وُلدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة إحدى وأربعين من مولده صلى الله عليه وسلم، وتزوجها عليّ رضي الله عنها بعد وقعة أُحد، وقيل: بعد أن ابتنى النبيّ صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها بأربعة أشهر ونصف شهر، وبنى بها عليٌّ بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف، وكان سِنُّها يوم تزوجها رضي الله عنها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفًا، وسِنُّ علي يومئذ إحدى وعشرون سنة وستة أشهر، فوَلَدت له الحسن والحسين، وأم كلثوم، وزينب، وتوفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير، قيل: بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وقيل: بثلاثة أشهر، وقيل: بسبعين يومًا، وقيل: بمائة يوم، وهي أحبُّ بناتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وأكرمهنّ عنده، وسيدة نساء أهل الجنة على ما تقدَّم في باب خديجة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد، فيصلِّي فيه، ثم يبدأ ببيت فاطمة، فيسأل عنها، ثم يدور على سائر نسائه، إكرامًا لها، واعتناء بها، وهي أوَّل من سُتِر نعشُها في الإسلام، وذلك أنها لمّا احتُضِرت قالت لأسماء بنت عُميس: إني قد استقبحتُ ما يُفْعَلُ بالنساء؛ إنه يُطْرَحُ على المرأة الثوبُ يصفها، فقالت أسماء: يا بنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أريكِ شيئًا رأيتُه في الحبشة؟! فدعت بجرائد رطبةٍ، فَحَنَتْها، ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا، وأجمله، تُعرف

(1)

القائل هو: الحافظ رحمه الله.

(2)

"الفتح" 8/ 474، كتاب "فضائل الصحابة" رقم (3767).

ص: 174

به المرأة من الرجل، فإذا أنا مِتُّ، فاغسليني أنت وعليٌّ، ولا تُدْخلي أحدًا، فلما تُوفيت جاءت عائشة لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر، وقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر، فوقف على الباب، فقال: يا أسماء! ما حَمَلَكِ على أن منعت أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم يدخلن علي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمَرَتني ألَّا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعتُ، فأمرتني أن أصنع ذلك بها، قال أبو بكر رضي الله عنه: اصنعي ما أمَرَتك، ثم انصرف، وغسَّلها عليٌّ، وأشارت أن يدفنها ليلًا، وصلَّى عليها العباس، ونزل في قبرها هو، وعليّ، والفضل، وتوفيت وهي بنت ثلاثين سنة، وقيل: بنت خمس وثلاثين سنةً. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6287]

(2449) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: "إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِى مَا آذَاهَا").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [10](ت 227) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 53.

2 -

(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل باب.

3 -

(اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المشهور المصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب.

(1)

"المفهم" 6/ 351 - 352.

ص: 175

4 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ) تقدّم أيضًا قبل باب.

5 -

(الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن له، ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين (ع) تقدم في "الحيض" 18/ 779.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (487) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالتحديث من أوله إلى آخره.

شرح الحديث:

عن (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) رضي الله عنهما (حَدَّثَهُ) قال في "الفتح": كذا رواه عنه عمرو بن دينار، وتابعه الليث، وابن لهيعة، وغيرهما، ورواه أيوب، عن ابن أبي مليكة، فقال: عن عبد الله بن الزبير، أخرجه الترمذيّ، وصححه، وقال: يَحْتَمِل أن يكون ابن أبي مليكة سمعه منهما جميعًا، ورجّح الدارقطنيّ وغيره طريق المسور، والأول أثبت بلا ريب؛ لأن المسور قد روى في هذا الحديث قصة مطولة ستأتي بعد هذا، نعم يَحتمل أن يكون ابن الزبير سمع هذه القطعة فقط، أو سمعها من المسور، فأرسلها. انتهى

(1)

.

(أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ) النبويّ، وقوله:(وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة، ("إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ) هو والد أبي جهل، وجدّ مخطوبة عليّ؛ وبنوه هم أعمامها. (اسْتَأْذَنُونِي)؛ أي: طلبوا مني أن آذن لهم (أَنْ يُنْكِحُوا) بضم حرف المضارعة، من الإنكاح؛ أي: يزوّجوا (ابْنَتَهُمْ) هي ابنة أبي جهل، واختُلف في اسمها، فروى الحاكم في "الإكليل" أنها جويرية، وهو الأشهر، وفي بعض الطرق اسمها العوراء، أخرجه ابن طاهر في "المبهمات"، وقيل: اسمها الحنفاء، ذكره ابن جرير الطبريّ، وقيل: جرهمة، حكاه السهيليّ، وقيل: اسمها جميلة، ذكره ابن الملقن في "شرحه"، وكان لأبي جهل بنت

(1)

"الفتح" 8/ 475 رقم (3767).

ص: 176

تسمى صفية، تزوجها سهل بن عمرو، سماها ابن السكيت وغيره، وقال: هي الحنفاء المذكورة

(1)

.

(عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله عنه، هكذا وقع في رواية ابن أبي مليكة أن سبب الْخُطبة استئذان بني هشام بن المغيرة وفي رواية الزهريّ عن عليّ بن الحسين بسبب آخر، ولفظه:"أن عليًّا خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن قومك يتحدثون. . ."، كذا في رواية شعيب، وفي رواية عبد الله بن أبي زياد، عنه في "صحيح ابن حبان":"فبلغ ذلك فاطمة، فقالت: إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا عليّ ناكح بنت أبي جهل"، هكذا أطلقت عليه اسم فاعل مجازًا؛ لكونه أراد ذلك، وصمَّم عليه، فنزَّلته منزلة مَن فعله.

ووقع في رواية عبيد الله بن أبي زياد: "خطب"، ولا إشكال فيها، قال المسور:"فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم"، فذكر الحديث.

ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي حنظلة:"أن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة".

قال الحافظ: فكأن ذلك كان سبب استئذانهم، وجاء أيضًا أن عليًّا استأذن بنفسه، فأخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سُويد بن غَفَلة، وهو أحد المخضرمين، ممن أسلم في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يلقه، قال:"خَطَب عليّ بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أعن حَسَبها تسألني؟ فقال: لا، ولكن أتامرني بها؟ قال: لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا أنها تحزن، أو تجزع، فقال عليّ: لا آتي شيئًا تكرهه"، ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خُطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم بما خطب، ولم يحضر عليّ الخطبة المذكورة، فاستشار، فلما قال له: لا، لم يتعرض بعد ذلك لطلبها، ولهذا جاء آخر حديث شعيب عن الزهريّ:"فترك عليّ الْخِطبة"، وهي بكسر الخاء المعجمة.

ووقع عند ابن أبي داود من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عروة:"فسكت عليّ عن ذلك النكاح".

(1)

"الفتح" 8/ 443 رقم (3729).

ص: 177

(فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ) ولفظ البخاريّ: "فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن"، كرر ذلك تأكيدًا لمنع الجمع بين فاطمة، وبين ابنة أبي جهل، لِمَا خاف النبيّ صلى الله عليه وسلم على فاطمة من الفتنة، من أجل الغَيْرة، ولِمَا توقع من مُناكدة هذه الضَّرَّة؛ لأنَّ عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء، قاله القرطبيّ رحمه الله

(1)

.

وقال في "الفتح": فيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن، وكأنه أراد رفع المجاز؛ لاحتمال أن يُحمل النفي على مدة بعينها، فقال:"ثم لا آذن"؛ أي: ولو مضت المدة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها، ثم كذلك أبدًا، وفيه إشارة إلى ما في حديث الزهريّ من أن بني هشام بن المغيرة استأذنوا، وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل؛ لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه: الحارث بن هشام، وسلمة بن هشام، عام الفتح، وحسن إسلامهما، ويؤيد ذلك جوابهما المتقدم لعليّ، وممن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة: عكرمة بن أبي جهل بن هشام، وقد أسلم أيضًا، وحسن إسلامه، والمخطوبة تزوجها عَتّاب بن أَسِيد بن أبي العِيص لمّا تركها عليّ رضي الله عنه

(2)

.

(إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ) هو عليّ رضي الله عنه، فكأنه كَرِه ذلك من عليّ، فلذلك لم يقل: علي بن أبي طالب

(3)

. (أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ) هذا محمول على أن بعض من يُبغض عليًّا وشى به أنه مصمِّم على ذلك، وإلا فلا يُظَنّ به أنه يستمر على الْخِطبة بعد أن استشار النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمنعه، وسياق سُويد بن غَفَلة يدلّ على أن ذلك وقع قبل أن تعلم به فاطمة، فكأنه لما قيل لها ذلك، وشَكَت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد أن أعلمه علي أنه ترك أنكر عليه ذلك، وزاد في رواية الزهريّ:"وإني لست أحرّم حلالًا، ولا أحلّل حرامًا، ولكن والله لا تُجمع بنت رسول الله، وبنت عدوّ الله عند رجل أبدًا"، وفي رواية مسلم الآتي بعد حديث:"مكانًا واحدًا أبدًا"، وفي رواية شعيب:"عند رجل واحد أبدًا".

(1)

"المفهم" 6/ 353.

(2)

"الفتح" 11/ 681، كتاب "النكاح" رقم (5230).

(3)

"عمدة القاري" 20/ 212.

ص: 178

قال ابن التين: أصحّ ما تُحْمَل عليه هذه القصة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حَرّم على عليّ أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل؛ لأنه عَلَّل بأن ذلك يؤذيه، وأذيّته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله:"لا أحرّم حلالًا"؛ أي: هي له حلال، لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذي النبيّ صلى الله عليه وسلم لتأذي فاطمة به فلا.

وزعم غيره أن السياق يُشعر بأن ذلك مباح لعليّ، لكنه منعه النبيّ صلى الله عليه وسلم رعاية لخاطر فاطمة، وقَبِل هو ذلك؛ امتثالًا لأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه لا يَبعد أن يُعَدّ في خصائص النبيّ صلى الله عليه وسلم أن لا يُتزوج علي بناته، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خاصًّا بفاطمة عليها السلام. انتهى

(1)

.

(فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي) بفتح الباء الموحّدة، وسكون الضاد المعجمة؛ أي: قِطعة، ووقع في حديث سُويد بن غَفَلة بلفظ "مضغة" بضم الميم، وبغين معجمة، والسبب في ذلك أنها كانت أصيبت بأمها، ثم بأخواتها واحدةً بعد واحدة، فلم يبق لها من تستأنس به، ممن يخفف عليها الأمر، ممن تُفضي إليه بسرّها إذا حصلت لها الغيرة، قاله في "الفتح".

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "بضعة مني، يريبني ما رابها" البضعة -بفتح الباء-: القطعة من اللحم، وتُجمع على بضاع؛ كقصعة وقصاع، وهي مأخوذة من البضع، وهو القطع، وقد سَمَّاها في الرواية الأخرى:"مُضْغَة"، وهي قَدْرُ ما يَمضغه الماضغ، ويعني بذلك: أنَّها كالجزء منه، يؤلمه ما آلمها، و"يريبني ما رابها"؛ أي: يَشُقّ عليّ، ويؤلمني، يقال: رابني فلان: إذا رأيت منه ما تكرهه -ثلاثيًّا- والاسم منه: الرِّيبة، وهذيل تقول فيه: أرابني -رباعيًّا- والمشهور: أن أراب: إنما هو بمعنى صار ذا ريبة، فهو مُريب، وارتاب بمعنى: شك، والرَّيب: الشك. انتهى

(2)

.

(يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا) كذا هنا في رواية مسلم: "يَرِيبني ما رابها" من راب يريب ثلاثيًّا، وفي رواية البخاريّ:"يُريبني ما أرابها"، رباعيًّا، وزاد في رواية

(1)

"الفتح" 11/ 681، كتاب "النكاح" رقم (5230).

(2)

"المفهم" 6/ 352 - 353.

ص: 179

الزهريّ؛ "وأنا أتخوف أن تُفْتَن في دينها"؛ يعني: أنها لا تصبر على الغيرة، فيقع منها في حقّ زوجها في حال الغضب ما لا يليق بحالها في الدِّين.

وفي رواية شعيب: "وأنا أكره أن يسوءها"؛ أي: تزويج غيرها عليها، وفي رواية مسلم الآتية من هذا الوجه:"أن يفتنوها"، وهي بمعنى أن تُفْتَن.

(وَيُؤْذَينِي مَا آذَاهَا") في رواية أبي حنظلة: "فمن آذاها فقد آذاني"، وفي حديث عبد الله بن الزبير:"يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها"، وهو بنون، وصاد مهملة، وموحّدة، من النّصَب، بفتحتين، وهو التعب، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن المسور:"يَقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها"، أخرجها الحاكم

(1)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "يريبني" بفتح الياء، قال إبراهيم الحربي: الريب ما رابك من شيء، خِفت عقباه، وقال الفراء: راب، وأراب بمعنى، وقال أبو زيد: رابني الأمر: تيقنت منه الريبة، وأرابني: شكّكني، وأوهمني، وحُكي عن أبي زيد أيضًا وغيره كقول الفراء، قال العلماء: في هذا الحديث تحريم إيذاء النبيّ صلى الله عليه وسلم بكل حال، وعلى كل وجه، وإن تولَّد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا، وهو حيّ، وهذا بخلاف غيره، قالوا: وقد أعلم صلى الله عليه وسلم بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعليّ بقوله صلى الله عليه وسلم: "لست أحرّم حلالًا"، ولكن نهى عن الجمع بينهما؛ لعلتين منصوصتين، إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة، فيتأذى حينئذ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيهلك من آذاه، فنَهَى عن ذلك؛ لكمال شفقته على عليّ، وعلى فاطمة.

والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة، وقيل: ليس المراد به النهي عن جَمْعهما، بل معناه: أَعْلَم من فضل الله أنهما لا تجتمعان، كما قال أنس بن النضر: والله لا تُكسر ثنية الرُّبَيِّع، ويَحْتَمِل أن المراد تحريم جَمْعهما، ويكون معنى:"لا أحرّم حلالًا"؛ أي: لا أقول شيئًا يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئًا لم أحرمه، وإذا حرّمه لم أحلله، ولم أسكت عن تحريمه؛ لأن سكوتي تحليل

(1)

"الفتح" 11/ 681، كتاب "النكاح" رقم (5230).

ص: 180

له، ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله، وبنت عدوّ الله. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 6287 و 6288 و 6289 و 6290 و 6291](2449)، و (البخاريّ) في "النكاح"(5230) و"الطلاق"(5278) و "الفضائل"(3714 و 3767)، و (أبو داود) في "النكاح"(2071)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3867)، و (ابن ماجه) في "النكاح"(1998)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 147) و "فضائل الصحابة"(266)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 328) وفي "الفضائل"(1328)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(6955)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(22/ 1010 و 1011 و 1012)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(7/ 307 و 10/ 288 - 289)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3957 و 3958)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده

(2)

:

1 -

(منها): بيان تحريم إيذاء النبيّ صلى الله عليه وسلم بكل حال، وعلى كل وجه، وإن كان تولّد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا وهو في هذا بخلاف غيره، وقال النوويّ: ويَحْتَمِل أن المراد: تحريم جَمْعهما، ويكون معنى:"لا أُحَرِّم حلالًا"؛ أي: لا أقول شيئًا يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئًا لم أحرمه، وإذا حرمه لم أحله، ولم أسكت على تحريمه؛ لأن سكوتي تحليل له، ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وبنت عدوّ الله. انتهى

(3)

.

2 -

(ومنها): أن قوله صلى الله عليه وسلم الآتي: "وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 2 - 3.

(2)

المراد: فوائد حديث الباب بطرقه المختلفة، وليس المراد السياق المذكور في هذه الرواية، فتنبّه.

(3)

"عمدة القاري" 15/ 34.

ص: 181

حرامًا" صريح في أن الحكم بالتحليل والتحريم من الله تعالى؛ وإنَّما الرسول مُبلِّغ.

قال القرطبيّ رحمه الله: ويُستدلُّ به في منع اجتهاد النبيّ صلى الله عليه وسلم في الأحكام، ومن منع جواز تفويض الأحكام إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ اجتهاد المجتهد لا يوجب الأحكام، ولا ينشئها؛ وإنَّما هو مُظْهِر لها، كما أوضحناه في الأصول.

قال: ويفيد هذا: أن حكم الله على عليٍّ، وعلى غيره التخيير في نكاح ما طاب له من النساء إلى الأربع، ولكن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما منع عليًّا من ذلك لِمَا خاف على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر عداوةٍ تَسري إليها، فتتأذى في نفسها، فيتأذى النبيّ صلى الله عليه وسلم بسببها، وأذى النبيّ صلى الله عليه وسلم حرام، فيحرم ما يؤدي إليه.

3 -

(ومنها): أن فيه القولَ بسد الذرائع، وإعمال المصالح، وأن حرمة النبيّ صلى الله عليه وسلم أعظم من حرمة غيره، وتظهر فائدة ذلك بأن من فعل مِمَّا ما يجوز له فِعله لا يُمنع منه، وإن تأذى بذلك الفعل غيره، وليس ذلك حالنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، بل يَحْرم علينا مطلقًا فعلُ كل شيء يتأذى به النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن كان في أصله مباحًا، لكنه إن أدَّى إلى أذى النبيّ صلى الله عليه وسلم ارتفعت الإباحة، ولزم التحريم، قاله القرطبيّ رحمه الله.

وقال في "الفتح": فيه حجةٌ لمن يقول بسد الذريعة؛ لأن تزويج ما زاد على الواحدة حلال للرجال ما لم يجاوز الأربع، ومع ذلك فقد مُنع من ذلك في الحال؛ لِمَا يترتب عليه من الضرر في المآل. انتهى.

4 -

(ومنها): أنه يدلّ على جواز غضب الرَّجل لابنته، ووَلَده، وحُرَمه، وعلى الحرص في دفع ما يؤدي إلى ضررهم؛ إذا كان ذلك بوجه جائز.

5 -

(ومنها): أنه يدلّ أيضًا على جواز خُطبة الإمام الناس، وجَمْعهم لأمر يحدث.

6 -

(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: إن قوله صلى الله عليه وسلم: "والله لا تجتمع ابنة نبي الله وابنة عدوِّ الله عند رجل واحد أبدًا"؛ دليل على أن الأصل أن ولد الحبيب حبيب، وولد العدو عدوّ، إلى أن يتبيّن خلاف ذلك، قال: وقد استنبط بعض الفقهاء من هذا مَنْع نكاح الأَمَة على الحرَّة، وليس بصحيح؛ لأنَّه يلزم

ص: 182

منه مَنْع نكاح الحرَّة الكتابية على المسلمة، ومنع نكاح ابنة المرتدّ على من ليس أبوها كذلك، ولا قائل به فيما أعلم، فدلَّ ذلك على أن ذلك الحكم مخصوص بابنة أبي جهل وفاطمة رضي الله عنها.

7 -

(ومنها): أنه يؤخذ من هذا الحديث أن فاطمة لو رَضِيت بذلك لم يُمنع عليّ من التزويج بابنة أبي جهل، أو بغيرها.

8 -

(ومنها): تحريم أذى من يتأذى النبيّ صلى الله عليه وسلم بتأذيه؛ لأن أذى النبيّ صلى الله عليه وسلم حرام اتفاقًا قليله وكثيره، وقد جزم بأنه يؤذيه ما يؤذي فاطمة، فكل من وقع منه في حقّ فاطمة شيء، فتأذت به فهو يؤذي النبيّ صلى الله عليه وسلم بشهادة هذا الخبر الصحيح، ولا شيء أعظم في إدخال الأذى عليها من قَتْل وَلَدها، ولهذا عُرف بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشدّ.

9 -

(ومنها): بقاء عار الآباء في أعقابهم؛ لقوله: "بنت عدو الله"، فإن فيه إشعارًا بأن للوصف تأثيرًا في المنع، مع أنها هي كانت مسلمة حسنة الإسلام.

10 -

(ومنها): ما قيل: إنه قد احتجّ به من منع كفاءة من مسّ أباه الرقّ، ثم أُعتق بمن لم يمس أباها الرقّ، ومن مسه الرقّ بمن لم يمسها هي، بل مسّ أباها فقط.

قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم في "كتاب النكاح" أن الصحيح من مذاهب العلماء أن الكفاءة تُعتبر بالدِّين فقط، لا بالنسب، ولا بالحِرَف، والصنائع؛ للأدلة الصحيحة الكثيرة التي ذُكرت هناك، فراجعها، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

11 -

(ومنها): أن الغيراء إذا خُشي عليها أن تُفتن في دينها كان لوليّها أن يسعى في إزالة ذلك، كما في حكم الناشز، كذا قيل، وفيه نظرٌ، ويمكن أن يزاد فيه شَرْط أن لا يكون عندها من تتسلى به، ويخفف عنها الحملة كما تقدم.

قال الحافظ: ومن هنا يؤخذ جواب مَن استَشكَلَ اختصاص فاطمة بذلك مع أن الغيرة على النبيّ صلى الله عليه وسلم أقرب إلى خشية الافتتان في الدين، ومع ذلك فكان صلى الله عليه وسلم يستكثر من الزوجات، وتوجد منهنّ الغيرة، كما في هذه الأحاديث،

ص: 183

ومع ذلك ما راعى ذلك صلى الله عليه وسلم في حقهنّ، كما راعاه في حقّ فاطمة رضي الله عنها.

ومحصل الجواب: أن فاطمة رضي الله عنها كانت إذ ذاك كما تقدم فاقدةً مَن تَرْكَنُ إليه ممن يؤنسها، ويزيل وحشتها، من أم، أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهنّ كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك، وزيادةً عليه، وهو زوجهنّ صلى الله عليه وسلم لِمَا كان عنده من الملاطفة، وتطييب القلوب، وجَبْر الخواطر، بحيث أن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خُلُقه، وجميل خَلْقه بجميع ما يصدر منه، بحيث لو وُجد ما يُخشى وجوده من الغيرة لزال عن قرب

(1)

.

12 -

(ومنها): ما قيل: إن فيه حجةً لمن منع الجمع بين الحرة والأمة، هكذا قيل.

13 -

(ومنها): أنه يؤخذ منه إكرام من ينتسب إلى الخير، أو الشرف، أو الديانة

(2)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6288]

(. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِيني مَا آذَاهَا").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر بن الحسن الهُذليّ الْقَطِيعيّ، أصله هَرَويّ، ثقةٌ مأمونٌ [10](ت 236)(خ م س) تقدم في "الرضاع" 1/ 3569.

2 -

(سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين.

3 -

(عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [4](ت 126)(ع) تقدم في "الإيمان" 21/ 184.

(1)

"الفتح" 11/ 681، كتاب "النكاح" رقم (5230).

(2)

"عمدة القاري" 20/ 212.

ص: 184

والباقيان ذُكرا قبله.

والحديث متّفقٌ عليه، لكن السياق هذا من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6289]

(. . .) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيُّ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ

(1)

، تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا، قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وَايْمُ اللهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا، حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ:"إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا"، قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَأَحْسَنَ، قَالَ:"حَدَّثَنِي، فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي، فَأَوْفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ الله، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا").

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) الإمام الشهير، تقدّم قريبًا.

2 -

(يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد الزهريّ، تقدّم قبل باب.

3 -

(أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قبل باب.

4 -

(الْوَليدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ،

(1)

وفي نسخة: "هل لك من حاجة".

ص: 185

صدوقٌ، عارفٌ بالمغازي، رُمي برأي الخوارج [6](ت 151)(ع) تقدم في "الإيمان" 64/ 361.

5 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ

(1)

الدُّؤَلِيُّ) -بضمّ الدال، وفتح الهمزة، الدِّيليّ بكسر الدال، وسكون التحتانية- المدنيّ، ثقةٌ [6](خ م د س) تقدم في "الحيض" 23/ 806.

6 -

(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم قبل باب.

7 -

(عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، قال ابن عيينة، عن الزهريّ: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه [3](ت 93) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" 30/ 1818.

و"المسور بن مخرمة رضي الله عنهما" ذُكر قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من ثمانيّات المصنّف رحمه الله فهو قريبٌ من أَنْزَلِ أسانيده، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه مسلسل بالتحديث والإخبار إلا في موضع.

شرح الحديث:

(عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ) المخزوميّ المدنيّ، ثم الكوفيّ؛ أنه (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ اَلدُّؤَلِيُّ) بضمّ الدال المهملة، وفتح الهمزة، ويقال: الدّيليّ بكسر الدال، وسكون التحتانيّة: نسبة إلى قبيلة. (أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ) الزهريّ (حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ) زين العابدين (حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُمْ)؛ أي: عليًّا ومن معه من أهل بيته (حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ) وكان ذلك في خلافته، (مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما)؛ أي: في وقته، فالمقتل منصوب على الظرفيّة الزمانيّة، وكان قَتْل الحسين رضي الله عنه يوم عاشوراء سنة (61) من الهجرة وله (56) سنةً. (لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم في "الْمِسور"، وفتحها في "مخرمة" صحابي ابن صحابيّ رضي الله عنهما. (فَقَالَ) المسور (لَهُ)؛ أي: لعلّي بن الحسين رضي الله عنهما: (هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ) وفي بعض النسخ: "هل لك

(1)

"حَلْحَلَة" بحاءين مهملتين، بينهما لام ساكنة.

ص: 186

من حاجة"؛ أي: تذكر لي حاجة لك؟ (تَأْمُرُنِي بِهَا؟)؛ أي: بقضائها، (قَالَ) عليّ:(فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: للمسور، (لَا)؛ أي: لا حاجة لي إليك، (قَالَ) المسور (لَهُ)؛ أي: لعليّ: (هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ) اسم فاعل من أعطى، مضاف إلى ياء المتكلّم، ولذا شُدّدت الياء لإدغام الياء التي هي لام الكلمة في ياء المتكلّم. (سَيْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) قال الحافظ رحمه الله: والذي يظهر أن المراد بالسيف المذكور: ذو الفقار الذي تنفّله يوم بدر، ورأى فيه الرؤيا يوم أُحد، قال: وأراد المسور بذلك صيانة سيف النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يأخذه من لا يعرف قَدْره، وقال الكرمانيّ: مناسبة ذِكر المسور لقصة خطبة بنت أبي جهل عند طلبه للسيف من جهة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحترز عما يوجب وقوع التكدير بين الأقرباء؛ أي: فكذلك ينبغي أن تعطيني السيف حتى لا يحصل بينك وبين أقربائك كُدورة بسببه، أو كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يراعي جانب بني عمه العبشميين، فأنت أيضًا راعِ جانب بني عمك النوفليين؛ لأن المسور نوفليّ، كذا قال، والمسور زهريّ، لا نوفليّ، قال: أو كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب رفاهية خاطر فاطمة رضي الله عنها، فأنا أيضًا أحب رفاهية خاطرك؛ لكونك ابن ابنها، فأعطني السيف حتى أحفظه لك.

قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمَد، وما قبله ظاهر التكلف. انتهى

(1)

.

وقال في "العمدة": قوله: "مُعْطِيَّ" بضم الميم، وسكون العين، وكسر الطاء، وتشديد الياء؛ يعني: هل أنت معطي سَيْف رسول الله صلى الله عليه وسلم إياي، وكون السيف عند آل عليّ رضي الله عنه يَحْتَمِل أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أعطاه لعليّ رضي الله عنه في حياته انتَقَل إلى زين العابدين، أو أعطاه أبو بكر رضي الله عنه، ثم انتقل إلى آله، والظاهر: أن هذا السيف هو ذو الفَقار؛ لأن سبط ابن الجوزيّ ذكر في "تاريخه": ولم يزل ذو الفقار عنده صلى الله عليه وسلم حتى وهبه لعليّ رضي الله عنه قبل موته، ثم انتقل إلى آله، وكانت له عشرة أسياف، منها ذو الفَقار تنفّله يوم بدر. انتهى

(2)

.

(فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ)؛ أي: يأخذوه منك بالقوّة والاستيلاء،

(1)

"الفتح" 7/ 371، كتاب "فرض الخمس" رقم (3110).

(2)

"عمدة القاري" 15/ 33.

ص: 187

ويريد بالقوم: بني أمية، ومن يواليهم. (عَلَيْهِ)؛ أي: على هذا السيف، (وَايْمُ اللهِ) تقدّم أنه مبتدأ خبره محذوف؛ أي: قَسَمي (لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ؛ أَبَدًا) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: لا يصل إليه أحد أبدًا (حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي) يَحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، و"نفسي" مرفوع بالفاعليّة؛ أي: حتى تبلغ نفسي غايتها، بمعنى: حتى أموت، وضَبَطه بعضهم بالبناء للمفعول، وفسّره بقوله: حتى تُقبض روحي.

وقال في "التكملة": يعني: أنني سوف أحتفظ بهذا السيف، ولن أسلّمه إلى أئمة بني أميّة، وهم المراد من قوله:"إني أخاف أن يغلبك القوم عليه"، ولو اضطررت لحفظه إلى بذل نفسي. انتهى

(1)

.

[تنبيه]: كتب في "الفتح" ما نصّه: ولا أزال أتعجب من المسور، كيف بالغ في تعصبه لعلي بن الحسين، حتى قال: إنه لو أودع عنده السيف لا يُمَكِّن أحدًا منه حتى تزهق روحه؛ رعايةً لكونه ابن ابن فاطمة رضي الله عنها محتجًّا بحديث الباب، ولم يراع خاطره في أن ظاهر سياق الحديث المذكور غَضاضة على عليّ بن الحسين؛ لِمَا فيه من إيهام غضّ من جدّه علي بن أبي طالب، حيث أقدم على خِطبة بنت أبي جهل على فاطمة، حتى اقتضى أن يقع من النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك من الإنكار ما وقع، بل أتعجب من المسور تعجبًا آخر أبلغ من ذلك، وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة، وما بذل نفسه دون ابن فاطمة نفسه، أعني الحسين والد عليّ الذي وقعت له معه القصة حتى قُتل بأيدي ظلمة الولاة، لكن يَحْتَمِل أن يكون عُذْره أن الحسين لمّا خرج إلى العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أن أمره يئول إلى ما آل إليه، والله أعلم. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: وأنا لا أزال أتعجّب من الحافظ سامحه الله تعالى حيث كتب هذا الكلام الذي فيه غضّ من المسور رضي الله عنه، فيا ليته لَمْ يكتبه، فإن المسور رضي الله عنه من الصحابة الذين يجب علينا أن لا نذكرهم إلَّا بخير وفضل واحترام، ولا نذكر ما وقع منهم من بعض الأشياء التي انتقدها

(1)

"تكملة فتح الملهم" 5/ 179.

(2)

"الفتح" 9/ 327.

ص: 188

أعداؤهم، وتوسّعوا فيها، وأوقدوا نيرانها، فإنهم بَشَر قد يصدر منهم ما يصدر من البشر، ولكنهم مجتهدون مأجورون، فالواجب أن لا نتعرّض لمثل ذلك، ولا نفتح لأعدائهم باب الشرّ.

وبالجملة فالمسور رضي الله عنه كسائر الصحابة رضي الله عنهم لا يُذكر إلَّا بخير ما فعله، ونكفّ عن غير ذلك إن كان هناك شيء، فلا يليق بنا أن نقول في حقّ صحابيّ: أتعجّب من فلان، كيف فعل هذا؟، وكيف ترك هذا؟ فإن هذا معاونة للأعداء، وتقوية لاعتقادهم الباطل في حقّ كثير من الصحابة رضي الله عنهم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

(إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ) اسمها جويرية، ويقال: العوراء، ويقال: جميلة، وكان عليّ رضي الله عنه قد أخذ بعموم الجواز، فلما أنكر النبيّ صلى الله عليه وسلم أعرض عليّ عن الْخِطْبة، فيقال: تزوجها عَتّاب بن أَسِيد، وإنما خَطَب النبيّ صلى الله عليه وسلم ليُشيع الحكم المذكور بين الناس، ويأخذوا به، إما على سبيل الإيجاب، وإما على سبيل الأولوية.

قال الحافظ: وغَفَل الشريف المرتضى عن هذه النكتة، فزعم أن هذا الحديث موضوع؛ لأنه من رواية المسور، وكان فيه انحراف عن عليّ، وجاء من رواية ابن الزبير، وهو أشدّ في ذلك.

ورُدّ كلامه بإطباق أصحاب الصحيح على تخريجه. انتهى

(1)

.

وقال في "العمدة": إنما ذكر المسور قصة خِطبة عليّ بنت أبي جهل؛ ليَعْلَم عليّ بن الحسين زين العابدين بمحبته في فاطمة، وفي نسلها؛ لِمَا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى

(2)

.

(فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وقوله: (وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ) جملة في محل نصب على الحال، (فِي ذَلِكَ)؛ أي: في شأن خِطبة علي بنت أبي جهل، (عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا) يريد المنبر النبويّ في المسجد النبويّ، وقوله:(وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ) جملة حاليّة أيضًا، و "المحتلم": بكسر اللام اسم فاعل من حَلَم، يقال: حَلَم

(1)

"الفتح" 8/ 443، كتاب "الفضائل" رقم (3729).

(2)

"عمدة القاري" 15/ 34.

ص: 189

يَحْلُم، من باب قَتَلَ حُلُمًا بضمّتين، وإسكان الثاني تخفيف، واحتَلَمَ: رأى في منامه رُؤَيَا، وحلم الصبيّ، واحتلم: أدرك وبلغ مبالغ الرجال، فهو حالمٌ، ومحتَلِمٌ، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(1)

.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي) هو بمعنى الرواية السابقة: "بضعة مني"، (وَإِنِّي أتخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا")؛ أي: أنَّها لا تصبر بسبب المغيرة، فتقع في محظور شرعيّ. (قَالَ) المسور:(ثُمَّ ذَكَرَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (صِهْرًا لَهُ) الصِّهْرُ بكسر، فسكون: جمعه أَصْهَارٌ، قال الخليل: الصِّهْرُ: أهل بيت المرأة، قال: ومن العرب من يجعل الأَحْمَاءَ، والأَخْتَانَ جميعًا أَصْهَارًا، وقال الأزهريّ: الصِّهْرُ يشتمل على قرابات النساء، ذوي المحارم، وذوات المحارم؛ كالأبوين، والإخوة، وأولادهم، والأعمام، والأخوال، والخالات، فهؤلاء أَصْهَارُ زوج المرأة، ومن كان من قِبَل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أَصْهَارُ المرأة أيضًا، وقال ابن السكيت: كل من كان من قِبَل الزوج، من أبيه، أو أخيه، أو عمة، فهم الأَحْمَاءُ، ومن كان من قِبَل المرأة، فهم الأَخْتَانُ، وَيَجمع الصنفين الأَصْهَارُ، وصَاهَرْتُ إليهم: إذا تزوجت منهم، ذكره الفيّوميّ رحمه الله

(2)

.

(مِنْ بَني عَبْدِ شَمْسٍ) هو: أبو العاص بن الربيع بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، ويقال بإسقاط ربيعة، وهو مشهور بكنيته، واختُلِف في اسمه على أقوال، أثبتها عند الزبير: مِقْسَم، وأمه هالة بنت خُويلد أخت خديجة، فكان ابن أختها.

قال في "الفتح": وأصل المصاهرة: المقاربة، وقال الراغب: الصهر: الْخَتَن، وأهل بيت المرأة، يقال لهم: الأصهار، قاله الخليل، وقال ابن الأعرابيّ: الأصهار: ما يتحرّم بجوار، أو نَسَب، أو تزوُّج، وقال النوويّ: الصهر يُطلق على أقارب الزوجين، والمصاهرة مقاربة بين المتباعدين، وعلى هذا عمل البخاريّ، فإن أبا العاص بن الربيع ليس من أقارب نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم إلَّا من جهة كونه ابن أخت خديجة، وليس المراد هنا نِسبته إليها، بل إلى تزوجه بابنتها، وتزوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وهي أكبر بنات

(1)

"المصباح المنير" 1/ 148.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 349.

ص: 190

النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد أُسر أبو العاص ببدر مع المشركين، وَفَدَتْه زينب، فشَرَط عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يُرسلها إليه، فوفى له بذلك، فهذا معنى قوله في آخر الحديث:"ووعدني، فوفى لي"، ثم أُسر أبو العاص عمرة أخرى، فأجارته زينب، فأسلم، فردّها النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى نكاحه، وولدت أُمامة التي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يحملها، وهو يصلي، كما تقدم في "الصلاة"، وولدت له أيضًا ابنًا اسمه عليّ، كان في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم مراهقًا، فيقال: إنه مات قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وأما أبو العاص فمات سنة اثنتي عشرة، ذكره في "الفتح"

(1)

.

(فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَأَحْسَنَ) ثم أشار إلى إحسانه في مصاهرته بقوله: (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("حَدَّثَنِي)؛ أي: أبو الربيع، (فَصَدَقَنِي) بتخفيف الدال، قال في "الفتح": لعله كان شَرَط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، وكذلك عليّ، فإن لَمْ يكن كذلك فهو محمول على أنَّ عليًّا نسي ذلك الشرط، فلذلك أقدم على الْخِطبة، أو لَمْ يقع عليه شرط؛ إذ لَمْ يصرّح بالشرط، لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القَدْر، فلذلك وقعت المعاتبة، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قَلّ أن يواجه أحدًا بما يعاب به، ولعله إنما جهر بمعاتبة عليّ مبالغةً في رضا فاطمة عليها السلام، وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ مَنْ تأخَّر من بنات النبيّ صلى الله عليه وسلم غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بإخوتها، فكان إدخال المغيرة عليها مما يزيد حزنها

(2)

.

(وَوَعَدَنِي، فَأَوْفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ الله، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا") قال في "العمدة": قد أعلم صلى الله عليه وسلم بذلك بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعليّ رضي الله عنه، ولكن نَهَى عن الجمع بينها وبين فاطمة ابنته صلى الله عليه وسلم؛ لعلتين منصوصتين: إحداهما: أن ذلك يؤذيني؛ لأنَّ إيذاء فاطمة إيذاءًا لي، والأخرى: خوف الفتنة عليها بسبب المغيرة. انتهى

(3)

.

(1)

"الفتح" 8/ 442 - 443، كتاب "الفضائل" رقم (3729).

(2)

"الفتح" 8/ 443، كتاب "الفضائل" رقم (3729).

(3)

"عمدة القاري" 15/ 34.

ص: 191

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6290]

(. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارَمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَلِيُّ بْنَ أَبِي طَالِبِ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيُّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: "أمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيع، فَحَدَّثَنِي، فَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا"، قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"أبو السمان" هو: الحكم بن نافع الحمصيّ، و"شُعيب" هو: ابن أبي حمزة الحمصيّ أيضًا.

وقوله: (فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ) وفي رواية البخاريّ: "إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك".

وقولها: (وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ) هكذا الرواية عند مسلم "ناكحًا" بالنصب، ووجهه أنه منصوب على الحال المنتظرة من عليّ، وقال القرطبيّ: كذا الرواية: "ناكحًا" بالنصب على الحال؛ لأنَّ الكلام قبله مستقلّ بنفسه؛ لأنَّ قولها: "هذا عليّ "؛ كقولك: هذا زيد، لكنْ رَفْعه أحسن لو رُوي؛ لأنَّه هو المقصود بالإفادة، و"عليّ" توطئة له. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لو رُوي

إلخ" قد روي ذلك عند

(1)

"المفهم" 6/ 353.

ص: 192

البخاريّ، ولفظه: "وهذا عليّ ناكح

إلخ" بالرفع، فيكون خبرًا لاسم الإشارة بعد خبر، أو صفة لعليّ.

قال في "العمدة": وإطلاق اسم الناكح عليه مجازٌ باعتبار ما كان قصد إليه. انتهى

(1)

.

وقوله: (فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ) بكسر الخاء؛ يعني: خِطبته لابنة أبي جهل وغيرها، ولم يتزوَّج عليها، ولا تسرَّى حتى ماتت رضي الله عنها.

والحديث متَّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6291]

(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُّ - يَعْنِي: ابْنَ جَرِيرٍ - عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ - يَعْنِي: ابْنَ رَاشِدٍ - يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ) هو: زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [11](م) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" 57/ 328.

2 -

(وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةُ [9](ت 206)(ع) تقدم في "الإيمان" 50/ 315.

3 -

(أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [6] مات سنة سبعين ومائة، بعدما اختَلَط، لكن لَمْ يحدّث في حال اختلاطه (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 81.

4 -

(النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ) الجزريّ، أبو إسحاق الرَّقّيّ، مولى بني أمية، صدوقٌ سيئ الحفظ [6](خت م 4) تقدم في "النكاح" 20/ 3537.

و"الزهريّ" ذُكر قبله.

(1)

"عمدة القاري" 16/ 231.

ص: 193

[تنبيه]: رواية النعمان بن راشد عن الزهريّ ساقها الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:

(18931)

- حَدَّثَنَا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت النعمان يحدّث عن الزهريّ، عن عليّ بن حسين، عن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة؛ أن عليًّا خطب ابنة أبي جهل، فوُعد بالنِّكَاح، فأتت فاطمة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن قومك يتحدّثون أنك لا تغضب لبناتك، وإن عليًّا قد خطب ابنة أبي جهل، فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم، فحمِد الله، وأثنى عليه، وقال: إنما فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن تفتنوها، وذكر أبا العاص بن الربيع، فأكثر عليه الثناء، وقال: لا يُجْمَع بين ابنة نبي الله، وبنت عدوّ الله، فَرَفَض عليّ ذلك. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6292]

(2450) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْني: ابْنَ سَعْدٍ - عَنْ أَبِيه، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيه، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ، فَسَارَّهَا، فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ: مَا هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَبَكَيْت، ثُمَّ سَارَّك، فَضَحِكْتِ؛ قَالَتْ: سَارَّنِي، فَأَخْبَرَنِي بِمَوْتِه، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي، فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ أَهْلِه، فَضَحِكْتُ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ) بشير التُّركيّ، أبو نصر البغداديّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

(1)

"مسند الإمام أحمد بن حنبل" 4/ 326.

ص: 194

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.

[تنبيه]: إبراهيم بن سعد المذكور قبل التحويل هو والد يعقوب بن إبراهيم المذكور بعد التحويل، ووالده هو: سعد بن إبراهيم، فتنبّه.

شرح الحديث:

عن يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزهريّ، أبي يوسف المدنيّ، نزيل بغداد؛ أنه قال:(حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعد المذكور قبل التحويل، (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ؛ (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ) أم المؤمنين (حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ الله صلى الله عليه وسلم دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ) رضي الله عنها (فَسَارَّهَا)؛ أي: كلّمها سرًّا (فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا) ثانيًا (فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ) رضي الله عنها: (مَا) استفهاميّة، (هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَبَكَيْت، ثُمَّ سَارَّك، فَضَحِكْتِ؟ قَالَتْ) فاطمة: (سَارَّنِي) صلى الله عليه وسلم (فَأَخْبَرَنِي بِمَوْته، فَبَكَيْتُ) لذلك (ثُمَّ سَارَّنِي) ثانيًا (فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ) إلى الدار الآخرة (مِنْ أَهْلِه، فَضَحِكْتُ)؛ أي: استبشارًا، وفرحًا بذلك.

والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6293]

(. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَهُ، لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، فَقَالَ:"مَرْحَبًا بِابْنَتِي"، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِه، أَو عَنْ شِمَالِه، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَار، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سِرَّهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَّا حَدَّثْتِنِي مَا

ص: 195

قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: أمّا الآنَ فَنَعَمْ، أمّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، فَأَخْبَرَنِي "أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَو مَرَّتَيْن، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْن، وَإِنِّي لَا أُرَى الأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي، فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ"، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْت، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: "يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَيْ

(1)

أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ"، قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ).

رجال هذا الإسناد: ستّة:

1 -

(أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10](237) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م د س) تقدم في "المقدمة" 6/ 57.

2 -

(أَبُو عَوَانَةَ) وَضّاح اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [7](ت 5 أو 176)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 4.

3 -

(فِرَاسُ) - بكسر أوله، وبمهملة - ابن يحيى الْهَمْدانيّ الخارفيّ - بمعجمة، وفاء - أبو يحيى الكوفيّ المكتب، صدوقٌ ربما وَهِمَ [6](ت 129)(ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 4290.

4 -

(عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشَّعْبي، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ فاضلٌ [3] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50.

5 -

(مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [2](ت 2 أو 63)(ع) تقدم في "الإيمان" 27/ 217.

و"عائشة" رضي الله عنها ذُكرت قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة.

(1)

وفي نسخة: "أما ترضين".

ص: 196

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ أنَّها (قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) هذا على لغة "أكلوني البراغيث"، كما قال في "الخلاصة":

وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا

وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ

ولفظ البخاريّ: "كنّا أزواجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بنصب "النبيّ" على الاختصاص.

(عِنْدَهُ) صلى الله عليه وسلم (لَمْ يُغَادِرْ) بالبناء للفاعل؛ أي: لَمْ تترك مكانها، من المغادرة، وهو الترك. (مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ) ابنته صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها (تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا) بكسر الميم؛ لأنَّ الفِعْلة بالكسر للحالة، وبالفتح للمرة

(1)

. (مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا) ولفظ البخاريّ: "كأن مشيتها مَشيُ النبيّ صلى الله عليه وسلم"، فـ "مشيُ" مرفوع؛ لأنه خبر "كأنّ" بالتشديد، وكان صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنه ينحدر من صبب؛ أي: من موضع منحدر

(2)

.

وقال في "الفتح" ما حاصله: وفي أول هذا الحديث من رواية مسروق عن عائشة: "فأقبلت فاطمة ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رحّب بها، فقال: مرحبًا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم سارّها، فبكت بكاءً شديدًا"، ولأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبان، والحاكم، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عاشه قالت:"ما رأيت أحدًا أشبه سَمْتًا، وهَديًا، ودَلًّا برسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، وقعودها، من فاطمة، وكانت إذا دخلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم قام إليها، وقبّلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مَرِضَ دخلت عليه، فأكبّت عليه تقبّله"، واتفقت الروايتان على أنَّ الذي سارّها به أَوّلًا، فبكت هو إعلامه إياها بأنه ميت من مرضه ذلك، واختَلَفا فيما سارّها به ثانيًا، فضحكت، ففي رواية عروة -يعني: الرواية الماضية - أنه إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقًا به، وفي رواية مسروق هذه أنه إخباره إياها بأنها سيدة نساء أهل الجَنَّة، وجَعَلَ كونَها أول أهله لحوقًا به مضمومًا إلى الأول وهو الراجح، فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة، وهو من الثقات الضابطين، فمما زاده مسروق قول

(1)

"عمدة القاري" 16/ 154.

(2)

"عمدة القاري" 16/ 154.

ص: 197

عائشة: "فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن، فسألتها عن ذلك، فقالت: ما كنت لأُفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تُوُفّي النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسألتها، فقالت: أسرّ إليّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كلَّ سنة مرّة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلَّا حَضَر أجلي، وأنك أول أهل بيتي لحوقًا بي"، وقولها:"كأن مشيتها" هو بكسر الميم؛ لأنَّ المراد الهيئة، وقولها:"ما رأيت كاليوم فرحًا"، تقديره: ما رأيت كفرح اليوم فرحًا، أو ما رأيت فرحًا كفرح رأيته اليومَ، وقولها:"حتى تُوُفّي" متعلق بمحذوف، تقديره: فلم تقل لي شيئًا حتى تُوُفّي، وقد طَوَى عروة هذا كله، فقال في روايته بعد قوله:"فضحكت، فسألناها عن ذلك، فقالت: سارّني أنه يُقبض في وجعه الذي تُوُفّي فيه. . ." الحديث.

وفي رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: "أن عائشة لمّا رأت بكاءها وضحكها قالت: إن كنت لأظنّ أن هذه المرأة أعقل النساء، فإذا هي من النساء". ويَحْتَمِل تعدد القصة، ويؤيده الجزم في رواية عروة بأنه ميت من وجعه ذلك، بخلاف رواية مسروق، ففيها أنه ظنّ ذلك بطريق الاستنباط، مما ذكره من معارضة القرآن.

وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلَّا بالزيادة، ولا يمتنع أن يكون إخباره بأنها أول أهله لحوقًا به سببًا لبكائها، أو ضحكها معًا باعتبارين، فذكر كل من الراويين ما لَمْ يذكره الآخر. وقد روى النسائيّ من طريق أبي سلمة، عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين الآخرين.

ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك أنَّها سيدة النساء.

وفي رواية عائشة بنت طلحة عنها أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك لحاقها به.

وعند الطبريّ من وجه آخر عن عائشة؛ أنه قال لفاطمة: "إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المسلمين أعظم ذريّة منك، فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبرًا". انتهى

(1)

.

(1)

"الفتح" 9/ 596 - 597، كتاب "المغازي" رقم (4433).

ص: 198

(فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا) بتشديد الحاء المهملة، من الترحيب؛ أي: قال لها: مرحبًا. (فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِابْنَتِي") قال الأصمعي: معنى قوله: "مرحبًا": لَقِيت رُحبًا وسعةً، وقال الفرّاء: نُصِب على المصدر، وفيه معنى الدعاء بالرُّحب والسعة، وقيل: هو مفعول به؛ أي: لقيت سعةً، لا ضِيقًا

(1)

.

وقال القاضي في "المشارق": "مَرْحبًا" منونًا كلمة تقال عند المبرة للقادم الوافد، ولمن يُلْقَي، ويجتمع به بعد مغيب، ومعناها: صادفت رُحْبًا؛ أي: سعةً، نُصبت على المفعول، وقيل: على المصدر؛ أي: رحّب الله بك مرحبًا، وُضع موضع الترحيب، وهو مذهب الفراء. انتهى

(2)

.

(ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِه، أَو عَنْ شِمَالِهِ) شكّ من الراوي، (ثُمَّ سَارَّهَا) بتشديد الراء، وأصله: ساررها؛ أي: تكلّم معها سِرًّا، (فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَضَحِكَتْ) قال القرطبيّ رحمه الله: وهذا كان لمّا اشتدَّ مرضُه صلى الله عليه وسلم، ومُرِّض في بيت عائشة رضي الله عنها، قال: وبكاء فاطمة رضي الله عنها في أول مرَّة كان حزنًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا أعلمها بقرب أجله، وضحكها ثانية فرحًا بما بشَّرها به من السلامة من هذه الدار، ولقرب الاجتماع به، وبالفوز بما لها عند الله من الكرامة، وكفى بذلك أن قال لها:"إنها سيدة نساء أهل الجَنَّة". انتهى

(3)

.

قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهَا)؛ أي: لفاطمة، (خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ) بالكسر: المُسارّة؛ أي: الكلام بالسّرّ، (ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي) بضم الهمزة، من الإفشاء، وهو الإظهار والنشر، (عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سِرَّهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّي) بالبناء للمفعول، (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ)؛ أي: أقسمت عليك (بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ)؛ أي: حيث إنها أمها زوجة أبيها، (لَمَّا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)"لَمّا" بفتح اللام، وتشديد الميم هي هنا بمعنى إلَّا، حرف استثناء، وتدخل على الجملة الاسمية، نحو: قوله تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا

(1)

"الفتح" 14/ 47، كتاب "الأدب" رقم (6176).

(2)

"مشارق الأنوار" 1/ 285.

(3)

"المفهم" 6/ 355 - 357.

ص: 199

عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)} [الطارق: 4]، فيمن شَدّد الميم، وعلى الماضي لفظًا لا معنى، نحو: أنشدك الله لَمّا فعلت؛ أي: ما أسألك إلَّا فعلك، وهنا أيضًا المعنى: لا أسألك إلَّا إخبارك بما سارّك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفاده في "العمدة"

(1)

.

(فَقَالَتْ: أَمَّا الآنَ) قال الفيّوميّ رحمه الله: "الآنَ": ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولَزِم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأنَّ التعريف تمييز المشترِكات، وليس لهذا ما يَشْرَكه في معناه، قال ابن السرّاج: ليس هو آن وآن، حتى يَدخل عليه الألف واللام للتعريف، بل وُضع مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثل الثريّا، والذي، ونحو ذلك. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد أشار ابن مالك رحمه الله إلى هذا في "الخلاصة" حيث قال:

وَقَدْ تُزَادُ لَازِمًا كَـ "اللَّاتِ". . . و"الآنَ" و"الَّذِينَ" ثُمَّ "اللات"

(فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، فَأَخْبَرَنِي "أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ) من المعارضة، وهي المقابلة، ومنه عارضت الكتاب بالكتاب؛ أي: قابلت به

(3)

. (فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَو مَرَّتَيْنِ)"أو" هنا للشكّ من الراوي، ووقع في الرواية التالية من طريق زكريّاء عن فراس بلفظ:"أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عام مرّة" دون شكّ، وهو الصواب.

قال النوويّ رحمه الله: قوله: "مرّةً، أو مرّتين" هكذا وقع في هذه الرواية، وذِكر المرتين شكّ من بعض الرواة، والصواب حذفها، كما في باقي الروايات. انتهى

(4)

.

(وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ) قال القرطبيّ رحمه الله: كون جبريل يعارض النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقرآن كل سنة مرَّة يدلّ على استحباب عرض القرآن على الشيوخ، ولو مرَّة في السَّنة، ولمّا عارضه في آخر سنة مرتين استَدَلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك على قُرب أجله من حيث مخالفة العادة المتقدِّمة، والله تعالى أعلم.

قال: وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم كَثُر عليه الوحي في أواخر حياته حتى كثر عليه

(1)

"عمدة القاري" 22/ 266.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 31.

(3)

"عمدة القاري" 16/ 154.

(4)

"شرح النوويّ" 6/ 16.

ص: 200

الوحيُ في السنة التي توفي فيها حتى كمَّل الله من أمره ووحيه ما شاء أن يكمله. انتهى

(1)

.

(وَإنِّي لَا) نافية، (أُرَى) بضمّ الهمزة، ويجوز فتحها؛ أي: لا أظنّ (الأَجَلَ إِلّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي) على فقدك إياي، (فَإنَّهُ) الضمير للشأن، (نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ")؛ أي: المتقدّم إلى الدار الآخرة، قال النوويّ رحمه الله: معناه أنا متقدِّم قُدّامك، فَتَرِدِين علي

(2)

. (قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْت، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي) بفتحتين، يقال: جَزَعَ جَزَعًا، من باب تَعِبَ، فهو جَزِعٌ، وجَزُوعٌ مبالغة: إذا ضَعُفت مُنّتُهُ

(3)

عن حمل ما نَزَل به، ولم يجد صبرًا، وأجزعه غيره، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(4)

. (سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: "يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَيْ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في النسخ في هذه الرواية: "أما ترضي"، وهو لغة، والمشهور:"ترضين". انتهى

(5)

.

قال الجامع عفا الله عنه: أراد النوويّ رحمه الله أن حذف النون من "ترضين" خلاف المشهور، وهو كما قال؛ لأنَّ الفعل مرفوع بالنون؛ لكونه من الأفعال الخمسة التي تُرفع بثبوت النون، وتجزم، وتنصب بحذفها، فحقّها أن لا تُحذف هنا، كما قال في "الخلاصة":

وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلَانِ النُّونَا

رَفْعًا وَتَدْعِينَ وَتَسْأَلُونَا

وَحَذْفُهَا لِلْجَزْمِ وَالنَّصْبِ سِمَهْ

كَلَمْ تَكُونِي لِتَرُومِي مَظْلَمَهْ

لكن ورد حذفها بدون جازم، أو ناصب، قال ابن مالك رحمه الله في "الكافية":

وَدُونَ "نِي" فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا

فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا

أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي

وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي

ووقع في بعض النسخ: "أمَا ترضين"، ولفظ البخاريّ:"إلَّا ترضين".

(أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأمَّةِ")"أو" هنا

(1)

"المفهم" 6/ 356 - 357.

(2)

شرح النوويّ" 6/ 16.

(3)

"المُنّة بالضمّ: القوّة، والضَّعف، من الأضداد. قاله في "المصباح" 2/ 581.

(4)

"المصباح المنير" 1/ 99.

(5)

"شرح النوويّ" 6/ 16.

ص: 201

للشكّ من الراوي. (قَالَتْ) فاطمة: (فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ) قال في "العمدة": وبكاؤها في هذه الرواية كان من أجل قوله رحمه الله: "ما أُراه إلَّا حضر أجلي"، وضحكها كان لأجل إخباره لها أنَّها سيدة نساء أهل الجَنَّة، أو سيدة نساء المسلمين، وأما بكاؤها في الرواية السابقة فكان لأجل قوله: إنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، وضحكها كان لأجل قولها:"فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله"، وماتت فاطمة رضي الله عنها بعد أبيها بستة أشهر، قالت عائشة: وذلك في رمضان عن خمس وعشرين سنةً، وقيل: ماتت بعده بثلاثة أشهر. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [15/ 6292 و 6293 و 6294](2450)، و (البخاريّ) في "الأنبياء"(3623) و"الفضائل"(3715) و"المغازي"(4433) و"الاستئذان"(6285) وفي "الأدب المفرد"(1/ 356)، و (أبو داود) في "الأدب"(5217)، و (الترمذيّ) في "مناقب فاطمة"(3871)، و (ابن ماجه) في "الجنائز"(1621)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(4/ 251 و 5/ 96 و 146)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1/ 196)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 77 و 240 و 282) وفي "فضائل الصحابة"(2/ 762)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(5/ 6)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(2/ 247 و 8/ 26)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(5/ 358 و 367)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(22/ 418 و 419)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): أن فيه بيان فضل فاطمة رضي الله عنها، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم بأنها سيدة نساء أهل الجَنَّة، فهي أفضل من خديجة وعائشة رضي الله عنها، والمسألة مختلف فيها، ولكن

(1)

راجع: "عمدة القاري" 16/ 154.

ص: 202

الراجح ما دلّ عليه هذا الحديث، قال في "العمدة": والمتبادر إلى الذهن من لفظ المؤمنين غير النبيّ صلى الله عليه وسلم عرفًا، ودخول المتكلم في عموم كلامه مختلَف فيه عند الأصوليين. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: عدم دخوله صلى الله عليه وسلم هذا مما لا يخفي، وإن كان الأصوليّون يختلفون في أصل المسألة، فلا يختلفون هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

2 -

(ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ صلى الله عليه وسلم، بل معجزتان، فقد أخبر ببقاء فاطمة رضي الله عنها بعده صلى الله عليه وسلم، وبأنها أول أهله لحاقًا به، ووقع كذلك.

3 -

(ومنها): أن في ضحك فاطمة رضي الله عنها بيان إيثارهم الآخرة، وسرورهم بالانتقال إليها، والخلاص من الدنيا.

4 -

(ومنها): بيان أن المرء لا يحب البقاء بعد محبوبه، قال ابن عمر في عاصم [من الطويل]:

فَلَيْتَ الْمَنَايَا كُنَّ خَلَّفْنَ عَاصِمًا

فَعِشْنَا جَمِيعًا أَو ذَهَبْنَ بِنَا مَعَا

5 -

(ومنها): أن فيه إخبارَه صلى الله عليه وسلم بما سيقع، فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة رضي الله عنها كانت أول من مات من أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم بعده حتى من أزواجه

(2)

، والله تعالى أعلم.

6 -

(ومنها): جواز قول الرجل لآخَرَ: مرحبًا، وقد عقد البخاريّ في "صحيحه" لهذا بابًا، فقال:"باب قول الرجل: مرحبًا"، ثم قال: وقالت عائشة: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة عليها السلام: "مرحبًا بابنتي"، وقالت أم هانئ: جئت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"مرحبًا بأم هانئ"، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لمّا قَدِم وفد عبد القيس على النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: مرحبًا بالوفد الذين جاؤوا غير خزايا، ولا ندامى".

وأخرج ابن أبي عاصم حديث بريدة أن عليًّا لمّا خطب فاطمة قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: "مرحبًا وأهلًا"، وهو عند النسائيّ، وصححه الحاكم، وأخرج فيه

(1)

"عمدة القاري" 16/ 154.

(2)

"الفتح" 9/ 596 - 597، كتاب "المغازي" رقم (4433).

ص: 203

أيضًا من حديث عليّ: "استأذن عمار بن ياسر على النبيّ صلى الله عليه وسلم"، فقال: مرحبًا بالطيِّب المطيب"، وهو عند الترمذيّ، وابن ماجه، والبخاريّ في "الأدب المفرد"، وصححه ابن حبان، والحاكم، ذكره في "الفتح"

(1)

.

7 -

(ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله: مساررة الواحد مع الواحد بحضرة الجماعة جائز؛ لأنَّ المعنى الذي يُخاف من ترك الواحد لا يُخاف من ترك الجماعة.

8 -

(ومنها): ما قاله ابن بطّال أيضًا: إنه لا ينبغي إفشاء السرّ إذا كانت فيه مضرة على المسِرِّ؛ لأنَّ فاطمة رضي الله عنها لو أخبرتهن لحزن لذلك حزنًا شديدًا، وكذا لو أخبرتهنّ أنَّها سيدة نساء المؤمنين لَعَظُم ذلك عليهنّ، واشتدّ حزنهنّ، فلما أَمنت من ذلك بعد موتهن أخبرت به.

وتعقّبه الحافظ، فقال: أما الشق الأول فحقّ العبارة أن يقول: فيه جواز إفشاء السرّ إذا زال ما يترتب على إفشائه من المضرة؛ لأنَّ الأصل في السر الكتمان، وإلا فما فائدته.

وأما الشق الثاني: فالعلة التي ذكرها مردودة؛ لأنَّ فاطمة رضي الله عنها ماتت قبلهنّ كلِّهنّ، وما أدري كيف خفي عليه هذا؟ ثم جَوّزتُ أن يكون في النسخة سقم، وأن الصواب: فلما أمنت من ذلك بعد موته، وهو أيضًا مردود؛ لأنَّ الحزن الذي عَلَّل به لَمْ ينزل بموت النبيّ صلى الله عليه وسلم، بل لو كان كما زعم لاستمرّ حزنهن على ما فاتهن من ذلك.

9 -

(ومنها): ما قاله ابن التين رحمه الله: يستفاد من قول عائشة رضي الله عنها: "عزمت عليك بما لي عليك من الحقّ" جواز العزم بغير الله تعالى، قال: وفي "المدونة" عن مالك إذا قال: أعزم عليك بالله فلم يفعل لَمْ يحنث، وهو كقوله: أسألك بالله، وإن قال: أعزم بالله أن تفعل فلم يفعل حَنِث؛ لأنَّ هذا يمين. انتهى.

قال الحافظ: والذي عند الشافعية أن ذلك في الصورتين يرجع إلى قَصْد

(1)

"الفتح" 14/ 46 - 47، كتاب "الأدب" رقم (6176).

ص: 204

الحالف، فإن قَصَد يمين نفسه فيمين، وإن قصد يمين المخاطَب، أو الشفاعة، أو أطلق فلا. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6294]

(. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"مَرْحَبًا بِابْنَتِي"، فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِه، أَو عَنْ شِمَالِه، ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا، فَضَحِكَتْ أَيْضًا، فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْن، فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحَدِيثِهِ دُونَنَا، ثُمَّ تَبْكِينَ؟ وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي "أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْن، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ"، فَبَكَيْتُ لِذَلِك، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي، فَقَالَ:"أَلَّا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ "، فَضَحِكْتُ لِذَلِكِ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و"زكريّاء" هو: ابن أبي زائدة.

(فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ)؛ أي: ما رأيت كفرح اليوم فرحًا، أو ما رأيت فرحًا كفرحٍ رأيته اليوم، قاله في "الفتح"

(2)

.

(1)

"الفتح" 14/ 252 - 253، كتاب "الاستئذان" رقم (6285).

(2)

"الفتح" 8/ 135.

ص: 205

وقوله: (وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي)"أراني" بضم الهمزة؛ أي: ولا أظنه إلَّا أن موتي قَرُب.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(16) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنهما

-)

هي: هند بنت أبي أمية - واسمه حذيفة، وقيل: سهل - ابن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها، معروفة باسمها، وشذّ من قال: إن اسمها رملة، وكان أبوها يُلَقَّب زاد الركب؛ لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لَمْ يحمل أحد معه من رفقته، زادًا، بل هو كان يكفيهم، وأمها عاتكة بنت عامر كنانية من بني فِرَاس، وكانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة، فيقال: إنها أول ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة، ولما مات زوجها من الجراحة التي أصابته خطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي عاصم من طريق عبد الواحد بن أيمن، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أم سلمة قالت: لمّا خطبني النبيّ صلى الله عليه وسلم قلت له: فِيَّ خلالٌ ثلاث: أما أنا فكبيرة السنّ، وأنا امرأة مُعِيل، وأنا امرأة شديدة المغيرة، فقال:"أنا أكبر منك، وأما العيال فإلى الله، وأما المغيرة فأدعو الله فيذهبها عنك"، فتزوجها، فلمّا دخل عليها قال:"إن شئت سبّعت لك، وإن سبّعت لك سبّعت لنسائي"، فرضيت بالثلاث، والحديث في "الصحيح" من طرق.

وأخرج ابن سعد من طريق عاصم الأحول، عن زياد بن أبي مريم قال: قالت أم سلمة لأبي سلمة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها، وهو من أهل الجَنَّة، ثم لَمْ تتزوج بعده إلَّا جمع الله بينهما في الجَنَّة، وكذا إذا ماتت امرأة، وبقي الرجل بعدها، فتعال أعاهدك أن لا أتزوج بعدك، ولا تتزوج بعدي، قال: أتطيعيني؟ قالت: ما استأمرتك إلَّا وأنا أريد أن أطيعك، قال: فإذا مت

ص: 206

فتزوجي، ثم قال: اللَّهُمَّ ارزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا مني، لا يُخزيها، ولا يؤذيها، قالت: فلما مات قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة؟ فلبثت ما لبثت، ثم تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي "الصحيح" عن أم سلمة؛ أن أبا سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللَّهُمَّ عندك أحتسب مصيبتي، وآجرني فيها"، وأردت أن أقول:"وأبدلني بها خيرًا منها"، فقلت: من هو خير من أبي سلمة؟ فما زلت حتى قلتها، فذكَرَتِ القصة.

وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرَّحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: لمّا تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة حَزِنت حزنًا شديدًا؛ لِمَا ذُكر لنا في جمالها، قالت: فتلطفت لها حتى رأيتها، فرأيتها أضعاف ما وُصف لي في الحسن والجمال، فقالت حفصة: والله إِنْ هذا إلَّا المغيرة، فتلطفت لها حفصة حتى رأتها، فقالت لي: لا والله ما هي كما تقولين، وإنها لجميلة، قالت: فرأيتها بعدُ فكانت كما قالت حفصة.

قال الواقديّ: ماتت في شوال سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، ولها أربع وثمانون سنةً.

قال الحافظ: كذا قال، وتلقاه عنه جماعة، وليس بجيد، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يُخسف به

الحديث، وكانت ولاية يزيد بعد موت أبيه في سنة ستين.

وقال ابن حبان: ماتت في آخر سنة إحدى وستين بعدما جاءها الخبر بقتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما، وهذا - كما قال الحافظ - أقرب.

قال محارب بن دثار: أوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وكان أميرُ المدينة يومئذ مروانَ بن الحكم، وقيل: الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، والثاني - كما قال الحافظ - أقرب، فإن سعيد بن زيد مات قبل تاريخ موت أم سلمة على الأقوال كلها، فكأنها كانت أوصت بأن يصلي سعيد عليها

ص: 207

في مرضة مرضتها، ثم عوفيت، ومات سعيد قبلها. انتهى مختصرًا من "الإصابة"

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6295]

(2451) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ - قَالَ ابْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: لَا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَان، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ، قَالَ: وَأُنْبِئْتُ وأَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أتى نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأُمِّ سَلَمَةَ:"مَنْ هَذَا؟ "، أَو كَمَا قَالَ، قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ، قَالَ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْبِرُ خَبَرَنَا

(2)

، أَو كَمَا قَالَ، قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم البصريّ أبو يحيى المعروف بالنَّرْسيّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالمهملة - ثقةٌ

(3)

، من كبار [10](ت 6 أو 237)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 27/ 221.

2 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [10](ت 245)(م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" 92/ 503.

3 -

(مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) البصريّ، تقدّم قبل بابين.

4 -

(أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ البصريّ، تقدَّم قريبًا.

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 8/ 151 - 152.

(2)

وفي نسخة: "يخبر خبر جبريل".

(3)

هذا أَولى من قوله في "التقريب": لا بأس به، كما يتبيّن ذلك من ترجمته في "التهذيب"، فتنبّه.

ص: 208

5 -

(أَبُو عُثْمَانَ) النَّهديّ، عبد الرَّحمن بن ملّ بن عمرو، مخضرم تقدّم أيضًا قريبًا.

6 -

(سَلْمَانُ) الفارسيّ، أبو عبد الله، ويقال له: سلمان الخير، الصحابيّ الشهير، أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أول مشاهده الخندق، مات رضي الله عنه سنة أربع وثلاثين، وهو من المعمّرين (ع) تقدم في "الطهارة" 17/ 612.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وهو مسلسل بالتحديث والسماع، ومسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، ثم مدائنيّ، وأما أبو عثمان فسكن الكوفة، ثم البصرة وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وهو أبو عثمان، وهو من المعمّرين، قيل: عاش مائة وثلاثين سنة، وقيل: مائة وأربعين، وهو معدود فيمن عاش ستين سنة في الجاهليّة، وفي الإسلام أكثر من ذلك

(1)

.

وأما سلمان رضي الله عنه فقد قيل: إنه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، قال في "تهذيب التهذيب": إن أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة، فأما مائتان وخمسون فلا يشكّون فيه، ثم نقل عن المذهبيّ أنه قال: رجعت عن القول إنه قارب الثلاثمائة، أو زاد عليها، وتبيّن لي أنه ما جاوز الثمانين، قال: ولم يذكر مستنده في ذلك، والعلم عند الله. انتهى

(2)

.

شرح الحديث:

(عَنْ سَلْمَانَ) الفارسيّ رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: لَا تَكُونَنَّ) ظاهر سياق المصنّف رحمه الله أن الحديث موقوف، لكن قد أورده الْبَرْقاني في "مستخرجه" من طريق عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان مرفوعًا، قاله في "الفتح".

وقال القرطبيّ رحمه الله: كذا روى مسلم هذا الحديث موقوفًا على سلمان من قوله، وقد رواه أبو بكر البزار مرفوعًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من طريق صحيح

(3)

، وهو

(1)

"تهذيب التهذيب" 2/ 556.

(2)

"تهذيب التهذيب" 2/ 69.

(3)

قوله: "من طريق صحيح" فيه نظر؛ لأنَّ شيخ البزّار القاسم بن محمد لَمْ أجد من ترجمه، فالظاهر أنه مجهول، والله تعالى أعلم.

ص: 209

الذي يليق بمساق الخبر؛ لأنَّ معناه ليس مما يُدرك بالرأي والقياس، وإنما يُدرك بالوحي، وأخرجه الإمام أبو بكر الْبَرْقانيّ في كتابه مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، من رواية عاصم، عن أبي عثمان النهديّ، عن سلمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَّا تكن أوَّل من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها؛ فإنَّها معركة الشيطان، فيها باض الشيطان، وفرَّخ". انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: نصّ أبي بكر البزّار رحمه الله في "مسنده":

(2541)

- حَدَّثَنَا القاسم بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن فضيل، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لا تكوننّ إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته". انتهى

(2)

.

وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح، إلَّا شيخ البزّار، فلم أعرفه، فتصحيح رَفع الحديث فيه نَظَر لا يخفى، بل هو موقوف، كما أخرجه مسلم هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

وقوله: (إِنِ اسْتَطَعْتَ) جملة معترضة بين "تكوننّ" وخبرها، وهو قوله:(أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ) بضمّ السين المهملة، يذكّر، ويؤنّث، وقال أبو إسحاق: السُّوق التي يباع فيها مؤنّثة، وهو أفصح، وأصحّ، وتصغيرها سُويقة، والتذكير خطأٌ؛ لأنه يقال: سُوقٌ نافقةٌ، ولم يُسمع ساقٌ نافقٌ بغير هاء، والنسبة إليها سوقيّ على لفظها

(3)

.

وقال النوويّ رحمه الله: والسوق تؤنّث، وتذكّر، سُمّيت بذلك؛ لقيام الناس فيها على سُوقهم

(4)

.

(وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا)؛ أي: السوق"، (مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ) قال القرطبيّ رحمه الله: المعركة: موضع القتال، سُمِّي بذلك لتعارك الأبطال فيه، ومصارعة بعضهم بعضًا، فشبّه السوقَ، وفعلَ الشيطان بأهلها، ونيله منهم بما يَحملهم عليه من المكر، والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة، والكذب،

(1)

"المفهم" 6/ 358.

(2)

"مسند البزار" 6/ 502.

(3)

"المصباح المنير" 1/ 296.

(4)

"شرح النوويّ" 16/ 7 - 8.

ص: 210

والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات، وغير ذلك بمعركة الحرب، وبمن يُصْرَع فيها. انتهى

(1)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قال أهل اللغة: المعركة بفتح الراء: موضع القتال؛ لمعاركة الأبطال بعضهم بعضًا فيها، ومصارعتهم، فشَبَّه السوق، وفعلَ الشيطان بأهلها، ونيلَه منهم بالمعركة؛ لكثرة ما يقع فيها من أنواع الباطل؛ كالغشّ، والخداع، والأيمان الخائنة، والعقود الفاسدة، والنجش، والبيع على بيع أخيه، والشراء على شرائه، والسوم على سومه، وبخس المكيال والميزان. انتهى

(2)

.

(وَبِهَا)؛ أي: بالسوق، (يَنْصِبُ) بكسر الصاد المهملة، من باب ضرب؛ أي: يرفع (رَايَتَهُ) قال الفيّوميّ رحمه الله: الراية: عَلَمُ الجيش، يقال: أصلها الهمز، لكن العرب آثرت تَرْكه تخفيفًا، ومنهم من يُنكر هذا القول، ويقول: لَمْ يُسمع الهمز، والجمع: رايات. انتهى

(3)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "وبها ينصب رايته" إشارة إلى ثبوته هناك، واجتماع أعوانه إليه؛ للتحريش بين الناس، وحَمْلهم على هذه المفاسد المذكورة، ونحوها، فهي موضعه، وموضع أعوانه. انتهى

(4)

.

وقال ابن الأثير رحمه الله: المعركة، والمعترك: موضع القتال؛ أي: موطن الشيطان، ومحله الذي يأوي إليه، ويكثر منه؛ لِمَا يجري فيه من الحرام، والكذب، والربا، والغصب، ولذلك قال:"وبها ينصب رايته" كنايةً عن قوّة طمعه في إغوائهم؛ لأنَّ الرايات في الحروب لا تُنصب إلَّا مع قوّة الطمع في الغلبة، وإلا فهي مع اليأس تُحَطّ، ولا تُرفع. انتهى

(5)

.

(قَالَ) أبو عثمان النهديّ: (وَأُنْبِئْتُ) بالبناء للمجهول، وسيأتي في آخر الحديث أن الذي أنبأه هو أسامة بن زيد رضي الله عنهما. (أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَتَى نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ) جملة في محل نصب على الحال. (قَالَ) الذي أنبأ أبا عثمان، وهو أسامة، وليس في "البخاريّ" لفظ "قال". (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع وأخذ

(1)

"المفهم" 6/ 358 - 359.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 7.

(3)

"المصباح المنير" 1/ 246.

(4)

"شرح النوويّ" 16/ 7.

(5)

"النهاية في غريب الأثر" 3/ 222.

ص: 211

جبريل عليه السلام (يَتَحَدَّثُ) مع النبيّ صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ قَامَ) جبريل عليه السلام؛ أي: ذهب من مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم"، (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها: ("مَنْ هَذَا؟ ") الذي كان يتحدّث معي، استفهمها صلى الله عليه وسلم عنه، هل فَطِنت لكونه مَلَكًا أم لا؟ (أَو كَمَا قَالَ) هذا للشكّ من الراوي، ويَحْتَمِل أن يكون أبا عثمان، أو مَنْ دونه.

وقال في "الفتح": قوله: "أو كما قال" يريد أن الراوي شكّ في اللفظ، مع بقاء المعنى في ذهنه، وهذه الكلمة كثُر استعمال المحدثين لها في مثل ذلك، قال الداوديّ: هذا السؤال إنما وقع بعد ذهاب جبريل، وظاهر سياق الحديث يخالفه، وتعقّبه الحافظ، فقال: كذا قال، ولم يظهر لي ما ادّعاه من الظهور، بل هو محتمل للأمرين. انتهى

(1)

.

(قَالَتْ) أم سلمة رضي الله عنها: (هَدا) الذي تحدّث معك (دِحْيَةُ) بكسر الدال، وحُكي فتحها، لغتان، ويقال: إنه الرئيس بلغة أهل اليمن، وهو ابن خليفة بن فَرْوة بن فَضَالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج - بفتح المعجمة، وسكون الزاي، ثم جيم - ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف الكلبيّ الصحابي المشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل: أُحُد، ولم يشهد بدرًا، وكان يُضرَب به المَثَل في حُسن الصورة، وكان جبرائيل عليه السلام ينزل على صورته، جاء ذلك من حديث أم سلمة، ومن حديث عائشة، وغيرهما، وهو رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر، فلقيه بحمص أول سنة سبع، أو آخر سنة ست. وعن مجاهد قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية سَرِيّة وحده، وقد شَهِد دحية اليرموك، وكان على كُردوس، وقد نزل دمشق، وسكن الْمِزَّة، وعاش إلى خلافة معاوية - رضي الله عنهنا -

(2)

.

وقال في "الفتح": أسلم قديمًا، وبعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم في آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية بكتابه إلى هرقل، وكان وصوله إلى هرقل في المحرّم سنة سبع، قاله الواقدي

(3)

.

(قَالَ) الراوي، وهو أسامة رضي الله عنه:(فَقَالَتْ أمُّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها: (ايْمُ اللهِ) تقدّم أنه مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: قَسَمي؛ أي: يمين الله قسمي، (مَا) نافية

(1)

"الفتح" 11/ 156، كتاب "فضائل القرآن" رقم (4980).

(2)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 2/ 385.

(3)

"الفتح" 1/ 80.

ص: 212

(حَسِبْتُهُ) بكسر السين، من بابي عَلِم، وورِثَ. (إِلَّا إِيَّاهُ)؛ أي: دحية، (حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْبِرُ خَبَرَنَا)

(1)

قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عن بعض الرواة، والنُّسخ، وعن بعضهم:"يخبر خبر جبريل"، قال: وهو الصواب، وقد وقع في البخاريّ على الصواب. انتهى

(2)

.

(أَو كمَا قَالَ) تقدّم الكلام فيه.

[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله: لَمْ أر هذا الحديث في شيء من المسانيد إلَّا من هذا الطريق، فهو من غرائب الصحيح، ولم أقف في شيء من الروايات على بيان هذا الخبر في أيّ قصة، ويَحْتَمِل أن يكون في قصة بني قريظة، فقد وقع في "دلائل البيهقي"، وفي "الغيلانيات" من رواية عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ أنَّها رأت النبيّ صلى الله عليه وسلم يكلم رجلًا، وهو راكب، فلما دخل قلت؛ من هذا الذي كنت تكلمه؟ قال:"بمن تشبّهينه؟ " قلت: بدحية بن خليفة، قال:"ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة"

(3)

.

(قَالَ) سليمان التيميّ: (فَقُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ) النهديّ الذي حدّثه بالحديث: (مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ) رضي الله عنهما، وفيه الاستفسار عن اسم من أُبْهِم من الرواة، ولو كان الذي أَبْهَم ثقةٌ معتمَدًا، وفائدته احتمال أن لا يكون عند السامع كذلك، ففي بيانه رفع لهذا الاحتمال

(4)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): هذا الحديث طرفه الأول - وهو حديث سلمان الموقوف - هو من أفراد المصنّف، وأما حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أما حديث سلمان الموقوف فأخرجه (المصنّف) هنا [16/ 6295]، وأخرجه (الطبرانيّ) مرفوع" (6118 و 6131)، و (الخطيب) في "تاريخه" (12/ 426)،

(1)

وفي نسخة: "يخبر خبر جبريل".

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 8.

(3)

"الفتح" 11/ 157، كتاب "فضائل القرآن" رقم (4980).

(4)

"الفتح" 11/ 157.

ص: 213

و (ابن الجوزيّ) في "العلل المتناهية"(970)، والصحيح وَقْفه، كما هو عند المصنّف، فتنبّه.

وأما حديث أسامة رضي الله عنه المرفوع فأخرجه أيضًا هنا [16/ 6295](2451)، و (البخاريّ) في "المناقب"(3634) و"فضائل القرآن"(4980)، و (البزّار) في "مسنده"(6/ 502)، و (أحمد) في "الزهد"(1/ 150)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): أن فيه منقبةً لأم سلمة رضي الله عنها.

2 -

(ومنها): جواز رؤية البشر الملائكة، ووقوع ذلك، ويرونهم على صورة الآدميين؛ لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صُوَرهم، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يرى جبريل على صورة دحية غالبًا، ورآه مرتين على صورته الأصلية.

3 -

(ومنها): ما قال القاضي عياض وغيره: في هذا الحديث أن للملَك أن يتصور على صورة الآدميّ، وأن له هو في ذاته صورة لا يستطيع الآدميّ أن يراه فيها؛ لِضَعف القُوَى البشرية، إلَّا من يشاء الله أن يقوّيه على ذلك، ولهذا كان غالب ما يأتي جبريل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورة الرجل كما تقدم، في ذِكر بدء الوحي:"وأحيانًا يتمثّل لي المَلَك رجلًا"، ولم ير صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خُلق عليها إلَّا مرتين، كما ثبت في "الصحيحين".

وقال القرطبيّ رحمه الله: قد تقدَّم القول في تمثّل الملائكة والجن في الصور المختلفة، وأن لهم في أنفسهم صورًا خلقهم الله تعالى عليها، وأن الإيمان بذلك كله واجب؛ لِمَا دلَّ عليه من السمع الصادق. انتهى

(1)

.

4 -

(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: ويفيد هذا الحديث أن الأسواق إذا كانت موطن الشياطين، ومواضع لهلاك الناس، فينبغي للإنسان أن لا يدخلها إلَّا بحكم الضرورة، ولذلك قال:"لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها"، ولأن من كان أول داخل فيها، وآخر خارج منها كان ممن استحوذ عليه الشيطان، وصَرَفه عن أمور دينه، وجعل همَّه

(1)

"المفهم" 6/ 359.

ص: 214

السوق، وما يُفعل فيها، فأهلكه، فحقّ من ابتلاه الله تعالى بالسوق أن يَخطُر بباله أنه قد دخل محل الشيطان، ومحل جنوده، وأنه إن أقام هنالك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قَدْر ضرورته، وتحرّز من سوء عاقبته، وبليّته. انتهى

(1)

.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(17) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها

-)

هي: زينب بنت جحش الأسديّة أم المؤمنين، زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمها أمية عمة النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوجها النبيّ صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس، ونزلت بسببها آية الحجاب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، وفيها نزلت:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} الآية [الأحزاب: 37]، وكان زيد يُدعى ابن محمد، فلما نزلت:{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} الآية [الأحزاب: 37]، وتزوج النبيّ صلى الله عليه وسلم امرأته بعده انتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه، من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه، بحيث يتوارثان إلى غير ذلك.

قال الواقديّ: تزوجها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي بنت خمس وثلاثين سنةً، وماتت سنة عشرين، وهي بنت خمسين، ونُقِل عن عمر بن عثمان الحجبي أنَّها عاشت ثلاثًا وخمسين. انتهى مختصرًا من "الإصابة"

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: وأما زينب رضي الله عنها: فهي ابنة جحش بن رِئاب بن يعمر بن صَبِرة بن مرّة بن كثير بن غنم بن دُودان بن أسد بن خزيمة، وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أثنت عليها عائشة بأوصافها الحسنة المذكورة في باب عائشة، وكانت تفخر على أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم فتقول لهنَّ: أنكحكنّ أولياؤكنّ، وإن الله أنكحني نبيّه صلى الله عليه وسلم من فوق سبع سموات؛ تعني بذلك قوله تعالى:{زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37].

(1)

"المفهم" 6/ 359.

(2)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 7/ 667 - 669.

ص: 215

توفيت سنة عشرين في خلافة عمر رضي الله عنهما، وفي هذا العام استُفتحت مصر.

وقيل: توفيت سنة إحدى وعشرين، وفيها فُتحت الإسكندرية، وكانت زينب هذه أوَّل أزواجه اللائي توفي عنهنَّ لحاقًا به، وكان للنبيّ صلى الله عليه وسلم زوجة أخرى تسمَّى زينب بنت خزيمة الهلالية، وتُدعى أم المساكين؛ لحنوِّها عليهم، وهي من بني عامر، تزوجها النبيّ صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث، ولم تلبث عنده إلَّا يسيرًا؛ شهرين، أو ثلاثة، وتوفيت في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش، قُتل عنها يوم أُحد. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6296]

(2452) - (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَبُوأَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّيْنَانِيُّ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا"، قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زينَبُ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا، وَتَصَدَّقُ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَبُو أَحْمَدَ) العدويّ مولاهم المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [10] (ت 239) وقيل: بعد ذلك (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 6/ 81.

2 -

(الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّيْنَانِيُّ) - بسين مهملة مكسورة، ونونين - أبو عبد الله المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وربما أغرب

(2)

، من كبار [9](ت 192) في ربيع الأول (ع) تقدم في "الجنائز" 26/ 2236.

3 -

(طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يخطئ [6](ت 148)(م 4) تقدم في "الصلاة" 8/ 858.

(1)

"المفهم" 6/ 357 - 358.

(2)

كذا قال في "التقريب"، والأَولى حذف هذه الجملة. راجع ترجمته في:"تهذيب التهذيب" تَرَ الصواب.

ص: 216

4 -

(عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيمية، أم عمران، كانت فائقة الجمال، وهي ثقةٌ حجّةٌ [3](ع) تقدمت في "الصيام" 34/ 2714.

و"عائشة" أم المؤمنين رضي الله عنها ذُكرت قبل حديث.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من طلحة، والباقيان مروزيّان، وفيه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، روت من الحديث (2210) أحاديث.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) رضي الله عنها؛ أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا) بالنصب على التمييز؛ أي: من حيث اللّحَاق، وهو بفتح اللام: مصدر لَحِق، بكسر الحاء، يقال: لَحِقْتُهُ، ولَحِقْتُ به أَلْحَقُ، من باب تَعِبَ لَحَاقًا بالفتح: أدركته، وأَلْحَقْتُهُ بالألف مثله، وأَلْحَقْتُ زيدًا بعمرو: أتبعته إياه، فَلَحِقَ هو، وأَلْحَقَ أيضًا، وفي الدعاء:"إن عذابك بالكفار مُلْحَقٌ" يجوز بالكسر: اسم فاعل، بمعنى لَاحِق، ويجوز بالفتح: اسم مفعول؛ لأنَّ الله تعالى أَلْحَقَهُ بالكفار؛ أي: يُنزله بهم، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(1)

.

وقال في "التاج": لَحِق به؛ كسَمِع، ولَحِقه لَحْقًا، ولَحاقًا بفَتْحِهما: أدرَكَه، وكذلك اللُّحوق بالضمِّ؛ كأَلْحَقَه إلحاقًا، وهذا لازِمٌ متَعدٍّ، يُقال: ألحقَه به غيرُه، وألحَقَه: أدْرَكَه. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة "التاج" أن مصدر لَحِقَ ثلاثة: لَحْقٌ، ولَحَاقٌ بفتحهما، ولُحُوقٌ بالضمّ، وأن لَحِقَ، وألحق يتعدّى كل منهما، ويلزم، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

ووقع في رواية البخاريّ: أن بعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم قُلن للنبيّ صلى الله عليه وسلم: "أينا أسرع بك لحوقًا، قال: أطولكن يدًا. . ." الحديث، فظهر بهذا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك جوابًا عن سؤال بعض أزواجه.

وقد بيّن ابن حبّان في روايته أن السائلة هي عائشة رضي الله عنها، ولفظه: "عن

(1)

"المصباح المنير" 2/ 550.

(2)

"تاج العروس" 1/ 6567.

ص: 217

مسروق قال: حدّثتني عائشة؛ أن نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم اجتمعن عنده، لَمْ تغادر منهنّ واحدة، قالت: فقلت: يا رسول الله؛ أيتنا أسرع بك لحوقًا. . ." الحديث

(1)

.

(بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا") منصوب على التمييز؛ أي: أكثركنّ عطاء، تقول: فلان طويل اليد والباع: إذا كان كريمًا، قاله في "المشارق"

(2)

، وقال في موضع آخر: يريد: أسمحكنّ، وأفعلكنّ للمعروف، وأكثركنّ صدقةً، يقال: فلان طويل اليد، وطويل البدع: إذا كان سمحًا جوادًا، وضدّه قصير اليد، وجَعْد البنان. انتهى

(3)

.

قال القرطبيّ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا" هذا خطاب منه صلى الله عليه وسلم لزوجاته خاصة، إلَّا ترى أنه قال لفاطمة رضي الله عنها:"أنت أوَّل أهل بيتي لحوقًا بي"، فكانت زينب أوَّلَ أزواجه وفاةً بعده، وفاطمةُ أوَّلَ أهل بيته وفاةً، ولم يُرد بِالْتِحاق به الموت فقط، بل الموت، والكون معه صلى الله عليه وسلم في الجَنَّة، والكرامة. انتهى

(4)

.

[تنبيه]: إنما لَمْ يقل: "سُرْعاكنّ"، و"طُولاكنّ" بلفظ التأنيث؛ لأنَّ أفعل التفضيل إذا أريد به التفضيل، وكان مضافًا إلى معرفة، جاز فيه وجهان: المطابقة، وعدمها، بخلاف المضاف إلى نكرة، والمجرّد، فيذكّران، ويُفردان، وبخلاف المحلّى بـ "أل"، فإنه تلزم مطابقته، كما أشار إلى ذلك ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:

وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَو جُرِّدَا

أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا

وَتِلْوَ "ألْ" طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَه

أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ

هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى "مِنْ" وَإِنْ

لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ

(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها: (فَكُنَّ)؛ أي: أزواجه صلى الله عليه وسلم (يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا)؛ أي: يتنافسن أيتهن أطول يدًا، زعمًا منهنّ أن المراد الطول الحقيقيّ في اليد

(5)

.

(1)

"صحيح ابن حبان" 8/ 108.

(2)

"مشارق الأنوار" 1/ 322.

(3)

"مشارق الأنوار" 2/ 303.

(4)

"المفهم" 6/ 360.

(5)

"مشارق الأنوار" 1/ 322.

ص: 218

وفي رواية النسائيّ: "فَأَخَذْنَ قَصَبَةً، فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا"، ولفظ البخاريّ:"فأخذوا قصبةً يذرعونها" بالواو؛ أي: يقدّرونها بذراع كل واحدة منهنّ، وإنما ذكره بلفظ جمع المذكر بالنظر إلى لفظ الجمع، لا بلفظ جماعة النساء، وقد قيل في قول الشاعر:

وَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ

...................................

أنه ذَكره بلفظ جَمْع المذكر تعظيمًا، وقوله:"أطولكنّ" يناسب ذلك، وإلا لقال: طولاكنّ، قاله في "الفتح"

(1)

.

(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها: (فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ) بنت جحش رضي الله عنها، ثم بيّنت سبب كونها أطولهنّ، فقال:(لأنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَما، وَتَصَدَّقُ) وفي رواية للبيهقي في "دلائل النبوّة": "قُلن النسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أينا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكن يدًا، فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يدًا، فلما تُوفيت زينب علمن أنَّها كانت أطولهن يدًا في الخير والصدقة".

وأخرج الحاكم في "مستدركه" عن عائشة رضي الله عنها: "قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: أسرعكنّ لحوقًا بي أطولكن يدًا، قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمدّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك، حتى تُوفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صَنّاعةً باليد، وكانت تدبُغ، وتخرز، وتصدّق في سبيل الله"، قال الحاكم: على شرط مسلم

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: "تطاول أزواجه صلى الله عليه وسلم بأيديهنَّ: مقايسة أيدي بعضهنّ ببعض؛ لأنَّهن حَمَلن الطول على أصله، وحقيقته، ولم يكن مقصودُ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك؛ وإنَّما كان مقصودُه طولَ اليد بإعطاء الصدقات، وفعلِ المعروف، وبيَّن ذلك أنه لمّا كانت زينب أكثر أزواجه فعلًا للمعروف، والصدقات كانت أوّلهن موتًا، فظهر صِدْقه، وصحّ قوله صلى الله عليه وسلم". انتهى

(3)

، والله تعالى أعلم.

(1)

"الفتح" 4/ 240 - 241، كتاب "الزكاة" رقم (1420).

(2)

راجع: "الفتح" 4/ 242 - 243.

(3)

"المفهم" 6/ 360.

ص: 219

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه، لكن ذكره البخاريّ بلفظ:"فكانت سودة أطولهن يدًا، فعلمنا بعدُ إنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة"، وسيأتي ما في ذِكر سودة هنا من الإشكال في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف رحمه الله) هنا [17/ 6296](2452)، و (البخاريّ) في "الزكاة"(1420)، و (النسائيّ) في "الزكاة"(5/ 67) و"الكبرى"(2/ 35)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 121)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(3314)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(5/ 426)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط"(6/ 233) و"الكبير"(24/ 50)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(2/ 54)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(8/ 55 و 108)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها.

2 -

(ومنها): بيان فضل الصدقة.

3 -

(ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بأوّل من يموت من أزواجه رضي الله عنهن فكان كما قال.

4 -

(ومنها): أن فيه جوازَ إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ:"أطولكنّ"؛ إذا لَمْ يكن هناك محذور.

قال الزين بن المنيّر رحمه الله: لمَّا كان السؤال عن آجال مقدّرة، لا تُعلم إلَّا بالوحي، أجابهنّ بلفظ غير صريحٍ، وأحالهنّ على ما لا يتبيّن إلَّا بآخره، وساغ ذلك؛ لكونه ليس من الإحكام التكليفيّة. انتهى

(1)

.

5 -

(ومنها): ما ذكره في "الفتح" من أنّ من حَمَلَ الكلام على ظاهره، وحقيقته، لَمْ يُلَمْ، وإن كان مراد المتكلّم مجازه؛ لأنّ نسوة النبيّ صلى الله عليه وسلم حملن طول اليد على الحقيقة، فلم يُنْكِر عليهنّ، هكذا قال في "الفتح".

(1)

"الفتح" 4/ 244، كتاب "الزكاة" رقم (1420).

ص: 220

قال الجامع عفا الله تعالى عنه؛ قوله: "فلم ينكر عليهنّ" فيه نظر؛ إذ لا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم اطلع على ذَرْعهنّ للقصبة، حتّى يُنكر عليهنّ، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.

قال: وأما ما رواه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق يزيد بن الأصمّ، عن ميمونة رضي الله عنها؛ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لهنّ:"ليس ذلك أعني، إنما أعني أصنعكنّ يدًا". فهو ضعيف جدًّا، ولو كان ثابتًا، لَمْ يَحْتَجْن بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ذرع أيديهن، كما سبق في رواية عمرة، عن عائشة رضي الله عنها.

6 -

(ومنها): ما قاله المهلّب رحمه الله: فيه دلالة على أنَّ الحكم للمعاني، لا للألفاظ؛ لأنّ النسوة فَهِمنَ من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة. قال الحافظ: وما قاله لا يمكن اطّراده في جميع الأحوال. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

(المسألة الرابعة): قد تقدّم أن رواية البخاريّ رحمه الله فيها إشكالٌ، ولفظها:

(1420)

- حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن فِراس، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها؛ أن بعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم قُلن للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أينا أسرع بك لحوقًا؟، قال:"أطولكن يدًا"، فأخذوا قصبة، يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدًا، فعلمنا بعدُ، أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة.

قال في "الفتح": "وكانت أسرعنا" كذا وقع في "الصحيح" بغير تعيين، ووقع في "التاريخ الصغير" للبخاريّ، عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد: "فكانت سودة أسرعنا

إلخ"، وكذا أخرجه البيهقيّ في "الدلائل"، وابن حبّان في "صحيحه" من طريق العبّاس الدُّوريّ، عن موسى. وكذا وقع في رواية عفّان عند أحمد، وابن سعد، قال ابن سعد: قال لنا محمد بن عمر -يعني: الواقديّ -: هذا الحديث وَهَلَ في سودة، وإنما هو في زينب بنت جحش، فهي أول نسائه به لُحوقًا، وتوفّيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفّيت في خلافة معاوية، في شوّال سنة أربع وخمسين.

(1)

"الفتح" 4/ 244.

ص: 221

وقال ابن بطّال: هذا الحديث سقط منه ذِكر زينب؛ لاتفاق أهل السير على أنَّ زينب أوّل من ماتت من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ يعني: أن الصواب: وكانت زينب أسرعنا

إلخ.

قال الحافظ: ولكن يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدّمة المصرّح فيها بأن الضمير لسودة.

قال: وقرأت بخطّ الحافظ أبي عليّ الصدفيّ: ظاهر هذا اللفظ أن سودة كانت أسرع، وهو خلاف المعروف عند أهل العلم أن زينب أوّل من مات من الأزواج، ثم نقله عن مالك، من روايته عن الواقديّ، قال: ويقوّيه رواية عائشة بنت طلحة.

وقال ابن الجوزيّ: هذا الحديث غلطٌ من بعض الرواة، والعجب من البخاريّ، كيف لَمْ يُنبّه عليه، ولا أصحاب التعاليق، ولا عَلِمَ بفساد ذلك الخطّابيّ؟ فإنه فسّره، وقال: لُحُوق سودة به من أعلام النبوّة. وكلّ هذا وَهَمٌ، وإنما هي زينب، فإنها كانت أطولهنّ يدًا بالعطاء، كما رواه مسلم، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة، بلفظ:"فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنَّها كانت تعمل، وتتصدّق". انتهى. وتلقّى مغلطاي كلام ابن الجوزيّ، فجزم به، ولم ينسبه له.

وقد جمع بعضهم بين الروايتين، فقال الطيبيّ: يمكن أن يقال فيما رواه البخاريّ: المراد: الحاضرات من أزواجه، دون زينب، وكانت سودة أوّلهنّ موتًا.

قال الحافظ: وقد وقع نحوه في كلام مغلطاي، لكن يعكر على هذا أن في رواية يحيى بن حمّاد، عند ابن حبّان:"أن نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم اجتمعن عنده، لَمْ تغادر منهنّ واحدة". ثمّ هو مع ذلك إنما يتأتّى على أحد القولين في وفاة سودة، فقد روى البخاريّ في "تاريخه" بإسناد صحيح إلى سعيد بن هلال؛ أنه قال: ماتت سودة في خلافة عمر رضي الله عنه.

وجزم الذهبيّ في "التاريخ الكبير" بأنها ماتت في آخر خلافة عمر رضي الله عنه.

وقال ابن سيّد الناس: إنه المشهور. وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين -يعني: النوويّ - حيث قال: أجمع أهل السّيَر على أنَّ زينب أوّل من مات من أزواجه. وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطّال، كما تقدّم.

ص: 222

ويمكن الجواب بأن النقل مقيّدٌ بأهل السِّير، فلا يرد نَقْل قول من خالفهم من أهل النقل، ممن لا يدخل في زمرة أهل السير. وأما قول الواقديّ الذي تقدّم، فلا يصحّ، وقد تقدّم عن ابن بطّال أن الضمير في قوله:"فكانت" لزينب، وذكرتُ ما يعكر عليه.

لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة؛ لكون غيرها لَمْ يتقدّم له ذِكرٌ، فلما لَمْ يطّلع على قصّة زينب، وكونها أوّل الأزواج لحوقًا به، جعل الضمائر كلها لسودة، وهذا عندي من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن عُيينة، عن فِرَاس، كما قرأت بخطّ ابن رشيد؛ أنه قرأه بخطّ أبي القاسم بن الورد، ولم أقف إلى الآن على رواية ابن عُيينة هذه، لكن روى يونس بن بُكير في "زيادات المغازي"، والبيهقيّ في "الدلائل" بإسناده عنه، عن زكريّا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ التصريح بأن ذلك لزينب، لكن قصّر زكريَّا في إسناده، فلم يذكر مسروقًا، ولا عائشة، ولفظه:"قُلن النسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّنا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكنّ يدًا، فأخذن يتذارعن أيتهنّ أطول يدًا، فلما توفّيت زينب عَلِمنَ أنَّها كانت أطولهنّ يدًا في الخير والصدقة".

قال: ويؤيّده أيضًا ما روى الحاكم في "المناقب" من "مستدركه" من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: أسرعكن لُحوقًا بي أطولكنّ يدًا، قالت عائشة: فكنّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمدّ أيدينا في الجدار، نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفّيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقةَ، وكانت زينب امرأةً صناعة باليد، وكانت تدبغ، وتخرز، وتصدّق في سبيل الله". قال الحاكم: على شرط مسلم. انتهى.

وهي رواية مفسّرةٌ، مبينةٌ، مرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر نسب.

قال ابن رُشيد: والدليل على أنَّ عائشة لا تعني سودة قولها: "فعلمنا بعدُ"؛ إذ قد أخبرت عن سودة بالطول الحقيقيّ، ولم تذكر سبب الرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلَّا الموت، فإذا طلب السامع سبب العدول لَمْ يجد إلَّا

ص: 223

الإضمار، مع أنه يصلح أن يكون المعنى: فعلمنا بعدُ أن الْمُخْبَرَ عنها إنما هي الموصوفة بالصدقة لموتها قبل الباقيات، فينظر السامع، ويبحث فلا يجد إلَّا زينب، فيتعيّن الحمل عليه، وهو من باب إضمار ما لا يصلح غيره، كقوله تعالى:{حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32].

وقال الزين بن الْمُنَيِّر رحمه الله: وجه الجمع أنّ قولها: "فعلمنا بعدُ" يُشعر إشعارًا قويًّا أنّهنّ حملن طول اليد على ظاهره، ثمّ علمن بعد ذلك خلافه، وأنه كناية عن كثرة الصدقة، والذي علمنه آخرًا خلاف ما اعتقدنه أَوّلًا، وقد انحصر الثاني في زينب؛ للاتفاق على أنَّها أوّلهنّ موتًا، فتعيّن أن تكون هي المرادة، وكذلك بقيّة الضمائر بعد قوله:"فكانت"، واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك. انتهى.

وقال الكرمانيّ رحمه الله: يَحْتَمِل أن يقال: إن في الحديث اختصارًا، أو اكتفاءً بشهرة القصّة لزينب، ويؤول الكلام بأنّ الضمير رجع إلى المرأة التي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّها أوّل من يلحق به، وكانت كثيرة الصدقة.

قال الحافظ رحمه الله: الأول هو المعتمَد، وكأنّ هذا هو السرّ في كون البخاريّ حَذَف لفظ سودة من سياق الحديث لَمَّا أخرجه في "الصحيح"؛ لِعِلْمه بالوَهَم فيه، وأنّه لَمَّا ساقه في "التاريخ" بإثبات ذِكرها ذَكَر ما يرُدّ عليه من طريق الشعبيّ أيضًا عن عبد الرَّحمن بن أبزى، قال:"صلّيت مع عمر على أمّ المؤمنين زينب بنت جحش، وكانت أوّل نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم لحوقًا به". وقد تقدّم الكلام على تاريخ وفاتها في "كتاب الجنائز"، وأنّه سنة عشرين. وروى ابن سعد من طريق بزرة بنت رافع، قالت: "لَمّا خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فتعجّبت، وسترته بثوب، وأمرت بتفرقته، إلى أن كشفت الثوب، فوجدت تحته خمسة وثمانين درهمًا، ثمّ قالت: اللَّهُمَّ لا يُدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت، فكانت أوّل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم لحوقًا به.

وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن، قال:"كانت زينب أوّل نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم لحوقًا به".

ص: 224

فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضًا، ويحصُلُ من مجموعها أنّ في رواية أبي عوانة وَهَمًا.

وقد ساقه يحيى بن حمّاد عنه، مختصرًا، ولفظه:"فأخذن قصبةً يتذارعنها، فماتت سودة بنت زمعة، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمنا أنه قال: أطولكنّ يدًا بالصدقة"، هذا لفظه عند ابن حبّان، من طريق الحسن بن مدركٍ عنه. ولفظه عند النسائيّ، عن أبي داود، وهو الحرّانيّ، عنه:"فأخذن قصبةً، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أسرعهنّ به لحوقًا، وكانت أطولهنَّ يدًا، فكان ذلك من كثرة الصدقة". وهذا السياق لا يَحْتَمِل التأويل، إلَّا أنه محمولٌ على ما تقدّم ذكره من دخول الوهم على الراوي في التسمية خاصّة، والله أعلم. انتهى ما ذكره الحافظ رحمه الله في "الفتح"

(1)

.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيَّنَ بما ذُكر أنّ في رواية أبي عوانة المذكورة في هذا الباب وَهَمًا، وأن الصواب أن التي لحقت بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أزواجه هي زينب بنت جحش رضي الله عنها، وأما سودة رضي الله عنها فإنما ذُكرت لطول يدها عند ذرع القصبة، وهو المعنى الحقيقيّ لطول اليد، لا لكونها أول من لحقت به صلى الله عليه وسلم؛ لكثرة صدقتها، وهو المعنى المجازيّ لطول اليد المقصود هنا.

قال الحافظ السيوطيّ رحمه الله: وعندي أنه وقع في رواية المصنّف -يعني: النسائيّ - تقديمٌ وتأخيرٌ، وسَقَطَ لفظة "زينب"، وأنّ أصل الكلام:"فأخذن قَصَبَة، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أطولهنّ يدًا - أي: حقيقة - وكانت أسرعهنّ لحوقًا به زينب، وكان ذلك من كثرة الصدقة"، فأسقط الراوي لفظة "زينب"، وقدّم الجملة الثانية على الجملة الأولى. انتهى كلام الحافظ السيوطيّ رحمه الله في "شرحه على النسائيّ"، وهو تحقيقٌ حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"الفتح" 4/ 241 - 244، كتاب "الزكاة" رقم (1420).

ص: 225

(18) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ أَيْمَنَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها

-)

هي: أم أيمن مولاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وحاضنته، قال أبو عمر: اسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حِصْن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، وكان يقال لها: أم الظباء، وقال ابن أبي خيثمة: حَدَّثَنَا سليمان بن أبي شيخ، قال: أم أيمن اسمها بركة، وكانت لأم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"أم أيمن أمي بعد أمي".

وقال أبو نعيم: قيل: كانت لأخت خديجة، فوهبتها للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال ابن سعد: قالوا: كان ورثها من أبيه، فأَعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن حين تزوج خديجة، وتزوج عُبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج أم أيمن، فولدت له أيمن، فصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فاستُشهد يوم حُنين، وكان زيد بن حارثة لخديجة، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه، وزوّجه أم أيمن بعد النبوة، فولدت له أسامة.

وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن طارق بن شهاب قال: لمّا قُبض النبيّ بكت أم أيمن، فقيل لها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي على خبر السماء، وفيه: لمّا قُتل عمر بكت أم أيمن، فقيل لها: فقالت: اليوم وَهَى الإسلام.

وأخرج البخاريّ في تاريخه، ومسلم، وابن السكن، من طريق الزهريّ قال: كان من شأن أم أيمن أنَّها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، والد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكانت من الحبشة، فلما وَلَدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه حتى كَبُر، ثم أنكحها زيد بن حارثة.

وأخرج أحمد، والبخاريّ، وابن سعد من طريق سليمان التيميّ عن أنس: أن الرجل كان يجعل للنبيّ صلى الله عليه وسلم النخلات، حتى فُتحت عليه قريظة، والنضير، فجعل يردّ بعد ذلك، فكلمني أهلي أن أسأله الذي كانوا أعطوه، أو بعضه، وكان أعطاه لأم أيمن، فسألته، فأعطانيه، فجاءت أم أيمن، فجعلت تلوح بالثوب، وتقول: كلا والله لا يعطيكهنّ، وقد أعطانيهنّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لك كذا وكذا"، وتقول: كلا حتى أعطاها، حسبته قال: عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله.

ص: 226

وقال ابن سعد: أخبرنا أبو أمامة، عن جرير بن حازم، سمعت عثمان بن القاسم يقول: لمّا هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرَف، ودون الرَّوْحاء، فعَطِشَت، وليس معها ماء، وهي صائمة، فأجهدها العطش، فدُلّي عليها من السماء دلو من ماء، برشاء أبيض، فأخذته، فشربته، حتى رَوِيت، فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر، فما عَطِشت.

وأخرج ابن السكن بسند صحيح عن الزهريّ؛ أنَّها توفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر.

قال الحافظ: وهذا مرسلٌ، ويعارضه حديث طارق؛ أنَّها قالت بعد قَتْل عمر ما قالت، وهو موصول، فهو أقوى، واعتمده ابن منده وغيره، وزاد ابن منده بأنها ماتت بعد عمر بعشرين يومًا، وجمع ابن السكن بين القولين، بأن التي ذكرها الزهريّ هي مولاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن التي ذكرها طارق بن شهاب هي مولاة أم حبيبة، بركة، وأن كلًّا منهما كان اسمها بركة، وتكنى أم أيمن، قال الحافظ: وهو مُحْتَمِلٌ على بُعْدٍ. انتهى من "الإصابة" باختصار

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6297]

(2453) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ"، قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ، قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا، أَو لَمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْه، وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو كرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.

2 -

(أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب.

3 -

(سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثقةٌ،

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 8/ 171.

ص: 227

قاله يحيى بن معين [7](ت 165) أخرج له البخاريّ مقرونًا وتعليقًا (ع) تقدم في "الإيمان" 3/ 111.

4 -

(ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.

5 -

(أَنَسُ) بن مالك رضي الله عنه، تقدّم قبل أربعة أبواب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من سليمان، والباقيان كوفيّان، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أنس رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد جاوز عمره مائة سنة.

شرح الحديث:

(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه؛ أَنَّه (قَالَ: انْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ) بركة رضي الله عنها، (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتْهُ)؛ أي: أعطته (إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ، قَالَ) أنس: (فَلَا أَدْرِي)؛ أي: لا أعلم (أَصَادَفَتْهُ)؛ أي: وجدته صلى الله عليه وسلم حال كونه (صَائِمًا، أَو لَمْ يُرِدْهُ) بضمّ أوله، من الإرادة؛ أي: أو صادفته، والحال أنه لا يريد ذلك الشراب، (فَجَعَلَتْ)؛ أي: شرعت، وأخذت (تَصْخَبُ عَلَيْهِ) بفتح أوله وثالثه ـ من باب فَرِحَ؛ أي: "ع، وترفع صوتها إنكارًا لإمساكه عن شرب الشراب، قاله النوويّ رحمه الله

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قولي: من باب فَرِحَ هو الصواب، وأما قول بعض الشرّاح

(2)

: إنه من باب ذَهَب، فغير صحيح، راجع كتب اللغة، تَرَ الصواب، والله تعالى أعلم.

وقال عياض رحمه الله في "المشارق": "الصّخَب" بفتح الصاد، والخاء، وقيل أيضًا: بالسين مكان الصاد، وضَعّف هذا الخليل، ومعناه: اختلاط الأصوات، وارتفاعها. انتهى

(3)

.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 9.

(2)

راجع: شرح الشيخ الهرريّ 23/ 617.

(3)

"مشارق الأنوار" 2/ 40.

ص: 228

وقال في "التاج": الصَّخَبُ مُحَرَّكَةً: الصِّيَاحُ، والْجَبَلَةُ، وشِدَّةُ الصَّوْت، واخْتِلَاطُه، ومِنْهُم مَنْ قَيَّدَه لِلْخصَامِ؛ كالسَّخَبِ بالسِّينِ المُهْمَلَة، وَهِيَ لُغَةٌ رَبَعِيَّةٌ قَبِيحَةٌ، وقد صَخِبَ كفَرِح يَصْخَبُ صَخَبًا، فهو صَخَّابٌ؛ كشَدَّادٍ، وصَخِبٌ، وصَخُوبٌ؛ كصَبُورٍ، وصَخْبَانُ بالفَتْح، كُلُّ ذَلِك بمَعْنَى شَدِيدِ الصَّخَب، كَثِيرِهِ. انتهى

(1)

.

(وَتَدَمَّرُ عَلَيْهِ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب قتل، أو بفتح أوله وثانيه، وتشديد الميم، وأصله تتذمّر، فحُذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى:{نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14]، وقوله:{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ} [القدر: 4]، قال في "الخلاصة":

وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ

فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"

قال عياضٌ رحمه الله في "المشارق": هو بفتح التاء، والذال، وتشديد الميم؛ أي: تتغيظ، وتلوم، قال الأصمعي: إذا جعل الرجل يتكلم، ويتغضّب أثناء ذلك، قيل: سمعت له تذمُّرًا، وكان عند ابن الحذاء:"وتدمن"، وهو تصحيف، وكذلك لبعضهم عن العذري:"تدمري"، وليس بشيء. انتهى

(2)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "تذمر" بفتح التاء، وإسكان الذال المعجمة، وضم الميم، ويقال:"تَذَمَّرُ" بفتح التاء، والذال، والميم؛ أي: تتذمر، وتتكلم بالغضب، يقال: ذَمَرَ يَذمُرُ، كقتل يقتل: إذا غضب، وإذا تكلم بالغضب.

ومعنى الحديث: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ردّ الشراب عليها، إما لصيام، وإما لغيره، فغضبت، وتكلمت بالإنكار، والغضب، وكانت تُدِلّ عليه صلى الله عليه وسلم؛ لكونها حضنته، وربّته صلى الله عليه وسلم، وجاء في الحديث:"أم أيمن أمي بعد أمي"

(3)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله،

(1)

"تاج العروس من جواهر القاموس" 1/ 657.

(2)

"مشارق الأنوار" 1/ 270.

(3)

ضعيف؛ للانقطاع في سنده.

ص: 229

أخرجه هنا [18/ 6297](2453)، ولم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، بل لَمْ أجد أحدًا أخرجه من غيرهم، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل أم أيمن رضي الله عنها، حيث كان صلى الله عليه وسلم يُحبّها، ويزورها، وكانت هي تُدلّ عليه، كأنها أمه، حيث حضنته، وربّته.

2 -

(ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من كمال التواضع، وحُسن العشرة، والتودّد إلى كل أحد شريفًا كان أو وضيعًا، فهو كما وصفه الله عز وجل في كتابه، حيث قال:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4]، وقال:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128].

3 -

(ومنها): بيان أن للضيف الامتناعَ من الطعام والشراب الذي يُحضره الْمُضيف؛ إذا كان له عذر، من صوم، أو غيره، من الأعذار.

4 -

(ومنها): مشروعيّة زيارة الرجال المرأة في بيتها إذا كان وراء حجاب، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يزورها، وكذا كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يزورانها بعده صلى الله عليه وسلم.

5 -

(ومنها): ما قاله القرطبيّ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكْرِم أم أيمن، ويبرها مَبَرَّة الأم، ويكثر زيارتها، وكان صلى الله عليه وسلم عندها كالولد، ولذلك كانت تصخبُ عليه؛ أي: ترفع أيمن صوتها عليه، وتذمر؛ أي: تغضب وتضجر فِعْلَ الوالدة بولدها، وقال الأصمعيّ: تذمَّر الرجل: إذا تغضب، وتكلم أثناء ذلك، وقال غيره: تذمَّر الرجل: إذا لام نفسه.

قال: وزيارة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما لها دليل على فضلها، ومعرفتهم بحقها، وفيه دليل على زيارة النساء في جماعة. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6298]

(2454) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه

(1)

"المفهم" 6/ 361.

ص: 230

بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ"، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاء، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاء، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل بابين.

2 -

(عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ) القَيْسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ، في حِفظه شيء، من صغار [9](ت 213)(ع) تقدم في "الإيمان" 43/ 286.

والباقون ذُكروا قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وهو مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثمّ بغداديّ.

شرح الحديث:

(عَنْ أَنَسِ) بن مالك رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق (رضي الله عنه بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله عنه: (انْطَلِقْ بِنَا)؛ أي: اذهب بنا (إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ) رضي الله عنها (نَزُورُهَا) جملة حاليّة؛ أي: حال كوننا زائرين لها، يقال: زَارَهُ زِيَارَةً، وزَوْرًا: قَصَده، فهو زَائِرٌ، وزَوْرٌ، وقوم زَوْرٌ، وزُوَّارٌ، مثلُ سافر وسَفْر، وسُفّار، ونسوة زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّرٌ، وزَائِرَاتٌ، والمَزَارُ، يكون مصدرًا، وموضع الزِّيَارَة، والزِّيَارَةُ في العُرف: قَصْدُ المَزور؛ إكرامًا له واستئناسًا به، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(1)

.

(كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَزُورُهَا)؛ أي: اقتداء به صلى الله عليه وسلم، وإحياء لسُنَّته، وصلة لِمَا كان يُحبّ أن يصله، (فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ) أم أيمن رضي الله عنها (فَقَالَا)؛

(1)

"المصباح المنير" 1/ 260.

ص: 231

أي: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، (لَهَا)؛ أي: لأم أيمن: (مَا) استفهاميّة، (يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم)؛ المعنى: أن البكاء على الشخص إنما يكون عند فَقْده شيئًا مما يُحبه، ويفرح من أجله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم انتقل إلى الدار الآخرة التي هي خير له، وأحب إليه، كما قال عز وجل:{وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)} [الضحى: 4]، فكيف تبكين عليه؟ (فَقَالَتْ) أم أيمن رضي الله عنها:(مَا أَبْكِي أَنْ) مصدريّة، (لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم)؛ المعنى: أني لا أبكي لعدم علمي بخيريّة ما عند الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، (وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ) قال القرطبيّ رحمه الله:"أن" المشدّدة مفتوحة؛ لأنَّها معمولة لـ "أبكي" بإسقاط حرف الجر، تقديره: أبكي لأنّ، أو من أجل أنّ؛ تعني: أن الوحي لمّا انقطع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمِل الناس بآرائهم، فاختلفت مذاهبهم، فوقع التنازع والفتن، وعَظُمت المصائب والمحن، ولذلك نَجَم بعده النفاق، وفشا الارتداد، والشقاق، ولولا أن الله تعالى تدارك الدِّين بثاني اثنين -يعني: أبا بكر رضي الله عنه لَمَا بقي منه أثر ولا عين. انتهى

(1)

.

(فَهَيَّجَتْهُمَا)؛ أي: أثارت أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما (عَلَى الْبُكَاء، فَجَعَلَا)؛ أي: شرعا (يَبْكِيَانِ مَعَهَا) لَمّا تذكّرا ما ذكرته أم أيمن رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [18/ 6298](2454)، و (ابن ماجه) في "الجنائز"(1635)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(7/ 428)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(1/ 71)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(2/ 68)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(7/ 93)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

(1)

"المفهم" 6/ 362.

ص: 232

1 -

(منها): أن فيه زيارةَ الصالحين، وفضلها.

2 -

(ومنها): زيارة الصالح لمن هو دونه.

3 -

(ومنها): زيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره، ولأهل ودّ صديقه.

4 -

(ومنها): زيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة، وسماع كلامها، ولا سيّما المُتَجالّات.

5 -

(ومنها): استصحاب العالم والكبير صاحبًا له في الزيارة، والعيادة، ونحوهما.

6 -

(ومنها): البكاء حزنًا على فراق الصالحين، والأصحاب، وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضل مما كانوا عليه، والله تعالى أعلم

(1)

.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(19) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ سُلَيْمٍ، أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه

-)

(2)

هي: أم سُليم بنت مِلْحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصارية، وهي أم أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتهرت بكنيتها، واختُلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رُميلة، وقيل: رُميثة، وقيل: مُليكة، وقيل: الغميصاء، أو الرميصاء، تزوجت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت أنسًا في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب مالك، وخرج إلى الشام، فمات بها، فتزوجت بعده أبا طلحة.

روى أحمد في "مسنده" من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، وإسماعيل بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ أن أبا طلحة خطب أم سليم -يعني: قبل أن يسلم - فقالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد نبت من الأرض؟ قال: بلي، قلت: أفلا تستحي تعبد شجرة؟ إن

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 10.

(2)

زادوا في النُّسخ هنا في الترجمة: "وبلال"، وليس هذا موضعه، فسيأتي له باب مستقلّ إن شاء الله تعالى.

ص: 233

أسلمت، فإني لا أريد منك صداقًا غيره، قال: حتى أنظر في أمري، فذهب، ثم جاء، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، فقالت: يا أنس زوِّج أبا طلحة، فزوّجها، ولهذا الحديث طرق متعددة. انتهى من الإصابة" باختصار

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: أم سليم هذه هي: ابنةُ مِلْحان بن زيد بن حرام من بني النجار، وهي: أمُّ أنس بن مالك بن النَّضر، كانت أسلمت مع قومها، فغضب مالك لذلك، فخرج إلى الشام، فهلك هنالك كافرًا، وقيل: قتل، ثم خطبها بعده أبو طلحة، وهو على شِركه، فأَبَتْ حتى يُسْلِم، وقالت: لا أريد منه صداقًا إلَّا الإسلام، فأسلم، وتزوَّجها، وحَسُن إسلامه، فولدت له غلامًا كان قد أُعجب به، فمات صغيرًا، ويقال: إنه أبو عُمير صاحب النُّغير، وكان أبو طلحة غائبًا حين مات، فغطّته أم سليم، فجاء أبو طلحة، فسأل عنه، فكتمت موته، ثم إنها تصنَّعت له، فأصاب منها، ثم أعلمته بموته، فشقّ ذلك عليه، ثم إنه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فدعا لهما النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"بارك الله لكما في غابر ليلتكما"، فبورك لهما بسبب تلك الدَّعوة، وولدت له عبد الله بن أبي طلحة، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته كانوا عشرة كلهم حُمِل عنه العلمُ، وإسحاق هو شيخ مالك رحمهما الله.

واختُلف في اسم أم سليم، فقيل: سهلة. وقيل: رملة. وقيل: مليكة. وهي الغُميصاء المذكورة في الحديث، ويقال: الرُّميصاء، وقيل: إن الرميصاء بالراء هي: أم حرام أختها، وخالة أنس، والغميصاء: مأخوذ من الغمص، وهو ما سال من قذى العين عند البكاء والمرض، يقال بالصاد والسين، والرمص - بالراء -: ما تجمَّد منه، قاله يعقوب وغيره.

وكانت أم سليم من عقلاء النساء، وفضلائهن، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أُحدًا، وحنينًا، روت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أحاديث، خرّج لها في "الصحيحين" أربعة أحاديث. انتهى

(2)

.

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 8/ 227 - 229.

(2)

"المفهم" 6/ 363.

ص: 234

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6299]

(2455) - (حَدَّثَنَا حَسَن الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاء، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِه، إِلَّا أُمِّ سُلَيْمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو الحسن بن عليّ بن محمد الخلال، تقدّم قبل أربعة أبواب.

2 -

(عَمْرُو بْنُ عَاصِمِ) بن عبيد الله الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ في حفظه شيءٌ، من صغار [9](ت 213)(ع) تقدم في "الإيمان" 43/ 286.

3 -

(هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [7](ت 4 أو 165)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 70.

4 -

(إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [132] وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة 30/ 667.

و"أَنَسُ" بن مالك رضي الله عنه ذُكر قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين غير شيخه، وفيه أنس رضي الله عنه منه تقدّم القول فيه قريبًا.

شرح الحديث:

(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ)؛ أي: ابن أبي طلحة، وفي رواية عند ابن سعد:"أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة"، وعند الإسماعيليّ:"حَدَّثَنَا إسحاق"(عَنْ أنَسٍ) رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاء، إِلَّا عَلَى أَزوَاجِهِ) أمهات المؤمنين، (إِلَّا أُمِّ سُلَيْمٍ) والدة أنس. قال القرطبيّ رحمه الله: إنما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يدخل على النساء؛ عملًا بما شرع من المنع من الخلوة بهنَّ، وليُقتدَى به في ذلك، ومخافة أن يقذف الشيطان في

ص: 235

قلب أحد من المسلمين شرًّا فيهلك، كما قال في حديث صفية المتقدِّم، ولئلا يجد المنافقون، وأهل الزيغ مقالًا؛ وإنما خصَّ أم سليم بالدُّخول عندها؛ لأنَّها كانت منه ذات محرمٍ بالرَّضاع كما تقدَّم، وليجبر قلبها من فَجْعتها بأخيها؛ إذ كان قد قُتِل معه في بعض حروبه، وأظنه يوم أُحد، ولمَا عَلِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم من فضلها، كما دلَّ عليه رؤية النبيّ صلى الله عليه وسلم إياها في الجَنَّة. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وأظنه يوم أُحد" هذا غلط، والصواب: أنه شهد بدرًا، وأُحدًا، وإنما قُتل يوم بئر معونة، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.

(فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا) قال الحميديّ: لعله أراد على الدوام، وإلا فقد تقدّم أنه كان يدخل على أم حرام رضي الله عنها، وقال ابن التين: يريد أنه كان يُكثر الدخول على أم سليم، وإلا فقد دخل على أختها أم حرام، ولعلها - أي: أم سليم - كانت شقيقة المقتول، أو وَجَدت عليه أكثر من أم حرام.

وتعقّب الحافظ هذا، فقال: لا حاجة إلى هذا التأويل، فإن بيت أم حرام، وأم سليم واحد، ولا مانع أن تكون الأختان في بيت واحد كبير، لكل منهما فيه معزل، فنُسب تارة إلى هذه، وتارة إلى هذه. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فإن بيت أم حرام، وأم سليم واحد" يحتاج إلى ثبوت هذا، وإلا فما في تأويل ابن التين لا يخفى حُسنه، فتأمل، والله تعالى أعلم.

(فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ)؛ أي: قال له صلى الله عليه وسلم قائل: لماذا تكثر الدخول على أم حرام؟ وهذا القائل لَمْ يُعرف، كما قال الحافظ رحمه الله

(3)

. (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم جوابًا عن هذا السؤال: ("إِنِّي أَرْحَمُهَا)؛ أي: إنما أُكثر الدخول عليها؛ لأني أرحمها، ثم ذَكَر الباعث على رحمته الخاصّة لها، فقال:(قُتِلَ أَخُوهَا) هو حرام بن مِلْحان رضي الله عنه، (مَعِي)؛ أي: مع عسكري، أو على أمري، وفي طاعتي، وليس المراد أنه قُتل في معركة كان فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قُتل في غزوة بئر معونة،

(1)

"المفهم" 6/ 362 - 363.

(2)

"الفتح" 7/ 113، كتاب "الجهاد" رقم (2844).

(3)

"الفتح" 7/ 113، كتاب "الجهاد" رقم (2844).

ص: 236

والنبيّ لَمْ يشهد بئر معونة، وإنما أمرهم بالذهاب إليها، وغَفَل القرطبيّ، فقال: قُتل أخوها معه في بعض حروبه، وأظنه يوم أُحد، ولم يُصِبْ في ظنه، والله أعلم، قاله في "الفتح"

(1)

.

وقال الكرمانيّ: كيف صار قتل الأخ سببًا للدخول على الأجنية؟.

قلت: لَمْ تكن أجنبية، كانت خالة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاع، وقيل: من النَّسب، فالمحرمية كانت سببًا لجواز الدخول. انتهى

(2)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قد قدَّمنا في "كتاب الجهاد" عند ذِكر أم حرام أخت أم سليم؛ أنهما كانتا خالتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مَحْرَمين، إما من الرضاع، وإما من النسب، فتحلّ له الخلوة بهما، وكان يدخل عليهما خاصّةً، لا يدخل على غيرهما من النساء إلَّا أزواجه. انتهى

(3)

.

[تنبيه]: قصّة قتل حرام بن مِلْحان أخي أم سليم وأم حرام رضي الله عنها ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:

(4091)

- حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدّثني أنس؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث خالة أخًا لأم سليم، في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامرَ بن الطفيل، خَيَّر بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان، بألف، وألف، فطُعن عامر في بيت أم فلان، فقال: غُدّة كغَدّة الْبَكْر في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم، هو ورجل أعرج، ورجل من بني فلان، قال: كونا قريبًا حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم، فقال: أتؤمّنوني أبلّغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يحدثهم، وأومؤوا إلى رجل، فأتاه من خلفه، فطعنه - قال همام: أحسبه - حتى أنفذه بالرمح، قال: الله أكبر، فُزْتُ ورب الكعبة، فلُحِق الرجل، فقُتلوا كلهم، غير الأعرج، كان في رأس جبل، فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: "إنا قد

(1)

"الفتح" 7/ 113.

(2)

"عمدة القاري" 14/ 138.

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 10.

ص: 237

لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا"، فدعا النبيّ صلى الله عليه وسلم عليهم ثلاثين صباحًا، على رِعْل، وذَكْوان، وبني لحيان، وعُصية الذين عصوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

(4092)

- حدّثني حِبّان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، قال: حدّثني ثمامة بن عبد الله بن أنس؛ أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: لمّا طُعِن حرام بن مِلْحان، وكان خالة يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه، ورأسه، ثم قال: فُزْتُ ورب الكعبة. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 6299](2455)، و (البخاريّ) في "الجهاد"(2844)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(2/ 61)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(8/ 428)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): جواز دخول المَحْرَم على مَحْرمه، والخلوة بها.

2 -

(ومنها): أن فيه إشارةً إلى منع دخول الرجل إلى الأجنبية، وإن كان صالحًا، وقد تقدمت الأحاديث الصحيحة المشهورة في تحريم الخلوة بالأجنبية.

3 -

(ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من الرحمة، والتواضع، وملاطفة الضعفاء.

4 -

(ومنها): أن فيه صحةَ الاستثناء من الاستثناء، فإن قوله:"إلَّا على أزواجه" مستثنى من "النساء"، وقوله:"إلَّا أم سليم" مستثنى من "أزواجه"، قال النوويّ رحمه الله: وقد رَتَّب عليه أصحابنا مسائل في الطلاق، والإقرار، ومثله في القرآن:{قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ} [الحجر: 58 - 60].

(1)

"صحيح البخاريّ" 4/ 1501 - 1502.

ص: 238

5 -

(ومنها): استحباب حُسن العهد، والمحافظة على الودّ بتعاهد أهل الصديق، وأقاربه في حياته، أو بعد موته، والخلافة فيهم بخير، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَجْبُر قلب أم سليم بزيارتها، ويعلل ذلك بأن أخاها قُتل معه، ففيه أنه صلى الله عليه وسلم خَلَفه في أهله بخير بعد وفاته، وذلك من حُسن عهده صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله لهُ أوّلَ الكتاب قال:

[6300]

(2456) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ السَّرِيِّ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ خَشْفَةً، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذه الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ، أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عُمر كنية يحيى، صدُوقٌ، صَنَّف"المسند"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [10](243)(م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 5/ 31.

2 -

(بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأفوه، البصريّ، سكن مكة، وكان واعظًا، ثقةٌ، متقنًا، طُعن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [9](ت 5 أو 196) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 7/ 131.

3 -

(حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ، عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حِفظه بأخرة، من كبار [8](ت 167)(خت م 4) تقدم في "المقدمة" 6/ 80.

والباقيان ذُكرا قبل حديث.

شرح الحديث:

(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)؛ أنه (قَالَ: "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ) قال القرطبيّ رحمه الله: كان هذا الدخول في الجَنَّة من النبيّ صلى الله عليه وسلم في النوم، كما قاله فيٍ حديث بلال المتقدِّم، ورؤياه حقٌّ، فهي رضي الله عنها من أهل الجَنَّة. (فَسَمِعْتُ خَشْفَةً) بفتح الخاء، وسكون الشين المعجمتين: هي صوتُ المشي، ويقال: خشخشة، كما جاء في الرواية الأخرى، وأصل الخشخشة: صوت الشيء اليابس يحك

ص: 239

بعضه بعضًا، ويتراجع. (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا)؛ أي: الملائكة: (هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ). قال النوويّ رحمه الله: "الغُميصاء" بضم الغين المعجمة، وبالصاد المهملة، ممدودة، ويقال لها: الرُّميصاء أيضًا، ويقال بالسين، قال ابن عبد البرّ: أم سُليم هي الرُّميصاء، والغُميصاء، والمشهور فيه الغين، وأختها أم حرام الرُّميصاء، ومعناهما متقارب، والرَّمَص، والْغَمَص: قَذًى يابسٌ، وغير يابس، يكون في أطراف العين، وهذه منقبة ظاهرة لأم سليم رضي الله عنها. انتهى

(1)

.

وقوله: (أُمُّ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ") بدل، أو عطف بيان لـ "الغُميصاء"، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 6300](2456)، و (النسائيّ) في "فضائل الصحابة"(1/ 85)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 106 و 125 و 239 و 268) وفي "فضائل الصحابة"(2/ 848)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده"(1/ 399)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7190)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(25/ 317 و 318)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(3505)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(8/ 435)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6301]

(2457) - (حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَج، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ الْحُبَاب، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ امْرَأةَ أَبِي طَلْحَةَ، ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي، فَإِذَا بِلَالٌ").

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 11.

ص: 240

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ) بن عبد الوارث القرشيّ مولاهم البغداديّ، جار أحمد بن حنبل، صدوقٌ [10](236)(م د) تقدم في "النكاح" 23/ 3545.

2 -

(زيدُ بْنُ الْحُبَابِ) - بضم الحاء المهملة، وموحّدتين - أبو الحسين الْعُكْليّ - بضم المهملة، وسكون الكاف - أصله من خراسان، وكان بالكوفة، ورحل في الحديث، فأكثر منه، وهو صدوقٌ، يخطئ في حديث الثوريّ [9](ت 203)(ر م 4) تقدم في "الطهارة" 6/ 560.

3 -

(عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجِشون - بكسر الجيم، بعدها شين معجمة مضمومة

(1)

- المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدَير، ثقةٌ فقيهٌ مصنِّف [7](ت 164)(ع) تقدم في "الإيمان" 81/ 437.

4 -

(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدَير - بالتصغير - التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [3](ت 130) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" 11/ 584.

5 -

(جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ - بفتحتين - الصحابيّ ابن الصحابي رضي الله عنهما، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من عبد العزيز، وفيه جابر بن عبد الله الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما، من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين.

شرح الحديث:

عن (عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ)؛ أنه قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ)

(1)

"الماجشون" لقب أبي سلمة، وتلقّب به أولاده أيضًا، هكذا أفاد في "الفتح"، وقال في "اللباب" 3/ 141: الماجشون: لقب أبي سلمة يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون؛ لحمرة خدّيه، وهذه لغة أهل المدينة، والماجشون: الورد. انتهى.

ص: 241

قال في "الفتح": هكذا رواه الأكثر عن ابن الماجشون، ورواه صالح بن مالك عنه، عن حميد، عن أنس، أخرجه البغويّ في "فوائده"، فلعل لعبد العزيز فيه شيخين، ويؤيده اقتصاره في حديث حميد على قصة القصر فقط، وقد أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبان، من وجه آخر عن حميد كذلك. انتهى

(1)

.

(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنهما؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أُرِيتُ الْجَنَّةَ) بالبناء للمفعول، ولفظ البخاريّ:"رأيتني دخلت الجنّة"، وقوله:"رأيتني" بضم المثناة، والضمير للمتكلم، وهو من خصائص أفعال القلوب. (فَرَأَيْتُ امْرَأةَ أَبِي طَلْحَةَ) هي أم سليم، ولفظ البخاريّ:"فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة"، والرُّميصاء بالتصغير صفة لها؛ لِرَمَص كان بعينها، واسمها سهلة، وقيل: رُميلة، وقيل غير ذلك، وقيل: هو اسمها، ويقال فيه: بِالْغين المعجمة بدل الراء، وقيل: هو اسم أختها أم حرام، وقال أبو داود: هو اسم أخت أم سُليم من الرضاعة، وجوَّز ابن التين أن يكون المراد امرأة أخرى لأبي طلحة، قاله في "الفتح"

(2)

.

(ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةً) - بفتح المعجمتين، والفاء -؛ أي: حركة، وزنًا ومعنًى، ووقع لأحمد:"سمعت خشفًا"؛ يعني: صوتًا، قال أبو عبيد: الخشفة: الصوت ليس بالشديد، قيل: وأصله صوت دبيب الحية، ومعنى الحديث هنا: ما يُسمع من حِسّ وقع القدم. (أَمَامِي)؛ أي: قُدّامي، (فَإِذَا بِلَالٌ") "إذا" هنا هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني وجود بلال، وإنما أخبر بلالًا بذلك؛ ليطيب قلبه، ويداوم على العمل، ويرَغِّب غيره فيه.

قال العراقيّ رحمه الله في "شرح التقريب": إن قيل: كيف رأى بلالًا أمامه، مع أنه أول من يدخلها؟.

قلنا: لَمْ يقل هنا إنه يدخلها قبله يوم القيامة، وإنما رآه أمامه منامًا، وأما الدخول حقيقة فهو أول داخل، وهذا الدخول المراد به سريان الروح حالة

(1)

"الفتح" 376، كتاب "الفضائل" رقم (3679).

(2)

"الفتح" 376، كتاب "الفضائل" رقم (3679).

ص: 242

النوم، قال القاضي: ولا يجوز إجراؤه على ظاهره؛ إذ ليس لنبي من الأنبياء أن يسابقه، فكيف بأحد من أمته؟. انتهى

(1)

.

وقال المظهر رحمه الله: هذا لا يدلُّ على تفضيل بلال على العشرة فضلًا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما سبقه للخدمة.

وقال التوربشتيّ رحمه الله: هذا شيء كوشف به من عالم الغيب في نومه، أو يقظته، وهو من قبيل قول القائل لعبده: تسبقني إلى العمل؛ أي: تعمل قبل ورود أمري عليك.

وقال الطيبيّ رحمه الله: ولا يناقضه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية [الحجرات: 1]؛ لِمَا أن المتقدم بين يدي الرجل خارج من صفة المتابع المنقاد؛ لأنَّ الآية واردة في النهي عما لا يُرضي اللهَ ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما يشهد له سبب النزول، والحديث ليس كذلك، ومن ثم قرّره على السبب الموجب للسبق، واستحمده لذلك. انتهى

(2)

.

[تنبيه]: هذا الحديث ساقه البخاريّ رحمه الله في "صحيحه" مطوّلًا، فقال:

(3476)

- حَدَّثَنَا حجّاج بن مِنهال"، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن الماجشون، حَدَّثَنَا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "رأيتني دخلت الجَنَّة، فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة، وسمعت خَشْفَةً، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر، فأردت أن أدخله، فأنظر إليه، فذكرت غَيْرتك"، فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟. انتهى

(3)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [19/ 6301](2457)، و (البخاريّ) في

(1)

"فيض القدير" 3/ 517.

(2)

"فيض القدير" 3/ 518.

(3)

"صحيح البخاري" 3/ 1346.

ص: 243

"الفضائل"(3679) و"النكاح"(5226) و"التعبير"(7524)، و (النسائيّ) في "فضائل الصحابة"(23 و 25)، و (الحميديّ) في "مسنده"(1235 و 1236)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 309 و 372 و 389 - 390)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(12/ 28)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(3/ 467)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(6886)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار"(2/ 390)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3878)، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(20) - (بَابُ فَضَائِلِ أَبِي طَلْحَةَ الأنصَارِيِّ رضي الله عنه

-)

هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عمرو بن مالك بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاريّ الخزرجيّ مشهور بكنيته، ووَهِم من سمّاه سهل بن زيد، وهو قول ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عروة في تسمية مَن شَهِد العقبة، وقد قال ابن سعد: أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا أبو طلحة مِن وَلَد أبي طلحة، قال: اسم أبي طلحة: زيد، وهو القائل [من الرجز]:

أَنَا أَبُو طَلْحَةَ وَاسْمِي زَيْدُ

وَكُلَّ يَوْمٍ فِي سِلَاحِي صَيْدُ

كان من فضلاء الصحابة، وهو زوج أم سليم.

رَوَى النسائيّ من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، قال: خَطَب أبو طلحة أم سليم، فقالت: يا أبا طلحة ما مثلك يُرَدّ، ولكنك امرؤ كافر، وأنا مسلمة، لا تحلّ لي، فإن تُسْلِم فذلك مهري، فاسلم، فكان ذلك مهرها، وعن أنس؛ أنه كان يرمي بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، فرفع النبيّ صلى الله عليه وسلم ينظر، فرفع أبو طلحة صدره، وقال: هكذا لا يصيبك بعض سهامهم، نَحْري دون نَحْرك، صحيح الإسناد. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لَصَوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة"، أخرجه أحمد مرسلًا.

واختُلِف في وفاته، فقال الواقديّ، وتبعه ابن نُمير، ويحيى بن بكرٍ، وغير واحد: مات سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان، وقيل: قبلها بسنتين،

ص: 244

وقال أبو زرعة الدمشقيّ: عاش بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم أربعين سنة، وكأنه أخذه من رواية شعبة، عن ثابت، عن أنس، قال: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم من أجل الغزو، فصام بعده أربعين سنة، لا يُفطر إلَّا يوم أضحى، أو فِطر، قال الحافظ: فعلى هذا يكون موته سنة خمسين، أو سنة إحدى وخمسين، وبه جزم المدائنيّ، ويؤيده ما أخرجه في "الموطأ"، وصححه الترمذيّ من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ أنه دخل على أبي طلحة، فذكر الحديث في التصاوير، وعبيد الله لَمْ يُدرِك عثمان، ولا عليًّا، فدلّ على تأخر وفاة أبي طلحة، وقال ثابت، عن أنس أيضًا: مات أبو طلحة غازيًا في البحر، فما وجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلَّا بعد سبعة أيام، ولم يتغيّر، أخرجه الفسوي في "تاريخه"، وأبو يعلى، وإسناده صحيح.

وروى مسلم وغيره من طريق ابن سيرين، عن أنس؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا حَلَق شعره بمنى فرّق شقه الأيمن على أصحابه الشعرة والشعرتين، وأعطى أبا طلحة الشق الأيسر كله، وفي "الصحيحين"، عن أنس: لمّا نزلت: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، قال أبو طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحب أموالي إلي بِيْرُحا، وإنها صدقة أرجو برّها، وذُخرها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"بخ بخ، ذاك مال رابح. . ." الحديث. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6302]

(2144)

(2)

- (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، مِنْ أُمِّ سُلَيْم، فَقَالَتْ لأَهْلِهَا: لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِه، حَتَّى كُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، قَالَ: فَجَاءَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ، وَشَرِبَ، فَقَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبعَ، وَأَصَابَ مِنْهَا، قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 2/ 607.

(2)

هذا الرقم مكرّر، فقد مرَّ قبل هذا، فتنبّه.

ص: 245

يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ، قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي، فَانْطَلَقَ، حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"بَارَكَ اللهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا"، قَالَ: فَحَمَلَتْ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أتى الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ، لَا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا، فَدَنَوْا مِنَ الْمَدِينَة، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَاحْتُبِسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبّ، إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ، وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ، وَقَدِ احْتُبِسْتُ بِمَا تَرَى، قَالَ: تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طَلْحَةَ مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، قَالَ: وَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: يَا أَنَسُ لَا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَصَادَفْتُهُ، وَمَعَهُ مِيسَمٌ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ:"لَعَلَّ أُمُّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ"، قُلْتُ: نَعَمْ، فَوَضَعَ الْمِيسَمَ، قَالَ: وَجِئْتُ بِه، فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِه، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَة، فَلَاكَهَا فِي فِيه، حَتَّى ذَابَتْ، ثُمَّ قَذَفَهَا فِي فِيِّ الصَّبِيِّ، فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الأَنْصَارِ التَّمْرَ"، قَالَ: فَمَسَحَ وَجْهَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونِ) البغداديّ السمين، صدوقٌ، ربما وَهِمَ، وكان فاضلًا [10](ت 5 أو 236)(م د) تقدم في "الإيمان" 1/ 104.

2 -

(بَهْزُ) بن أَسَد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [9] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" 3/ 112.

والباقيان ذُكرا في البابين السابقين.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وفيه أنس بن مالك رضي الله عنه الخادم المشهور، خدّم النبيّ صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فنال دعواته المباركة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (2286)

ص: 246

حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة، وقد جاوز عمره المائة.

شرح الحديث:

(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ) اسمه زيد بن سهل رضي الله عنه الأنصاريّ، (مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ) رضي الله عنها، والاسم المذكور هو أبو عمير الذي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يمازحه، ويقول له:"يا أبا عُمير ما فعل النُّغَير"، بَيّن ذلك ابن حبان في روايته من طريق عُمارة بن زاذان، عن ثابت، وزاد من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت في أوله قصة تزويج أم سليم بأبي طلحة، بشرط أن يُسلم، وقال فيه:"فحَمَلت فولدت غلامًا صبيحًا، فكان أبو طلحة يُحبّه حبًّا شديدًا، فعاش، حتى تحرّك، فمرِض فحَزِن أبو طلحة عليه حزنًا شديدًا، حتى تضعضع، وأبو طلحة يغدو، ويروح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فراح روحة، فمات الصبيّ". (فَقَالَتْ) أم سُليم (لأَهْلِهَا) الذين كانوا في البيت، وشاهدوا موت الابن:(لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ)؛ أي: بموت ابنه؛ لئلا يشتدّ حزنه، (حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ)؛ أي: بلطف، وتمهيد طريق لإخباره، وفي رواية الإسماعيليّ:"كان لأبي طلحة ولد، فتوفي، فأرسلت أم سليم أنسًا يدعو أبا طلحة، وأمرته أن لا يخبره بوفاة ابنه، وكان أبو طلحة صائمًا". (قَالَ) أنس: (فَجَاءَ) أبو طلحة، وفي رواية عند البخاريّ:"فمات، وأبو طلحة خارج، كما أي: خارج البيت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم في أواخر النهار. (فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً)؛ أي: لأنه كان صائمًا، كما في الرواية المذكورة، (فَأَكَلَ، وَشَرِبَ) وفي رواية للبخاريّ: "فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؛ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح، وظنّ أبو طلحة أنَّها صادقة"، قال في "الفتح": قولها: "هدأت" بالهمز؛ أي: سكنت و"نفسه" بسكون الفاء، كذا للأكثر؛ والمعنى: أن النفس كانت قَلِقَة مُنزعجة بعارض المرض، فسكنت بالموت، وظن أبو طلحة أن مرادها أنَّها سكنت بالنوم؛ لوجود العافية، وفي رواية أبي ذر: "هَدَأَ نَفَسُهُ" بفتح الفاء؛ أي: سكن؛ لأنَّ المريض يكون نَفَسه عاليأ، فإذا زال مرضه سكن، وكذا إذا مات.

فقوله: "وظن أبو طلحة أنَّها صادقة"؛ أي: بالنسبة إلى ما فهمه من كلامها، وإلا فهي صادقة بالنسبة إلى ما أرادت.

ص: 247

(فَقَالَ) أنس: (ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ)؛ أي: تزيّنت، وتعطّرت لأبي طلحة، حتى يُصيب منها حاجته، (أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا)؛ أي: جامعها، (فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبع)؛ أي: من الطعام؛ لأنه كان جائعًا بسبب صومه، (وَأَصَابَ مِنْهَا)؛ أي: شهوته، (قَالَتْ) ممهدّة لإخباره بموت ابنه بطريقة حسنة:(يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني (لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ)؛ أي: جيرانهم، كما في رواية أخرى، (فَطَلَبُوا عَارِيتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟)؛ أي: عاريتهم، (قَالَ) أبو طلحة:(لَا) يحلّ لهم منعهم، (قَالَتْ) أم سُليم:(فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ)؛ أي: ادّخر ثوابه عند الله تعالى، وفي رواية:"فقالت: يا أبا طلحة أرأيت قومًا أعاروا متاعًا، ثم بدا لهم فيه، فأخذوه، فكأنهم وجدوا في أنفسهم"، وفي رواية:"فأبوا أن يردّوها، فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، إن العارية مؤدّاةٌ إلى أهلها، فقالت: إن الله أعارنا فلانًا، ثم أخذه منا، فاسترجَعَ".

(قَالَ) أنس: (فَغَضِبَ) أبو طلحة (وَقَالَ: تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي)؛ أي: بموته، (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب أبو طلحة (حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَهُ بمَا كَانَ)؛ أي: بما جرى بينه وبين أم سُليم، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"بَارَكَ اللهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا")؛ أي: في ماضيها، والغابر يُطلق على الماضي، والمستقبل، والمراد هنا الأول، وفي رواية البخاريّ:"لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما"، وفي رواية أنس بن سيرين:"اللَّهُمَّ بارك لهما"، قال في "الفتح": ولا تعارض بينهما، فيُجمع بأنه دعا بذلك، ورجا إجابة دعائه، ولم تختلف الرواة عن ثابت وكذا عن حميد في أنه قال:"بارك الله لكما في ليلتكما"، وعُرف من رواية أنس بن سيرين أن المراد الدعاء، وإن كان لَفْظه لَفْظ الخبر، وفي رواية أنس بن سيرين من الزيادة:"فولدت غلامًا"، وفي رواية عبد الله بن عبد الله:"فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة".

(قَالَ) أنس: (فَحَمَلَتْ) أم سُليم من جماع تلك الليلة؛ لاستجابة دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم لهما في ذلك.

ص: 248

[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ: "قال سفيان

(1)

: فقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن". قال في "الفتح": قوله: "فقال رجل من الأنصار

إلخ " هو عباية بن رفاعة؛ لِمَا أخرجه سعيد بن منصور، ومسدد، وابن سعد، والبيهقيّ في "الدلائل" كلهم من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، قال: "كانت أم أنس تحت أبي طلحة"، فذكر القصة شبيهةً بسياق ثابت، عن أنس، وقال في آخره: "فولدت له غلامًا"، قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين، كلهم قد خَتَمَ القرآن، وأفادت هذه الرواية أن في رواية سفيان تجوّزًا في قوله: "لهما"؛ لأنَّ ظاهره أنه مِن وَلَدهما بغير واسطة، وإنما المراد: مِن أولاد ولدهما المدعوّ له بالبركة، وهو عبد الله بن أبي طلحة، ووقع في رواية سفيان: "تسعة"، وفي هذه "سبعة" فلعل في أحدهما تصحيفًا، أو المراد بالسبعة: من خَتَم القرآن كله، وبالتسعة من قرأ معظمه. انتهى

(2)

.

(قَالَ) أنس: (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ) لَمْ يُسمّ هذا السفر، (وَهِيَ مَعَهُ) جملة في محل نصب على الحال؛ أي: والحال أن أمّ سُليم معه صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر، (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ، لَا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا)؛ أي: لا يأتيها، ولا يدخلها ليلًا، وإنما يأتيها نهارًا، يقال: طرق النجم طُرُوقًا، من باب قَعَدَ: طَلَعَ، وكلُّ ما أتى ليلًا، فقد طَرَقَ، وهو طَارِقٌ

(3)

. (فَدَنَوْا)؛ أي: قَرُبوا (مِنَ الْمَدِينَة، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ)؛ أي: أخذها الطَّلْق، ووجع الولادة، قال ابن الأثير رحمه الله: المخاض: المطلق عند الولادة، يقال: مَخَضت الشاة مَخْضًا، ومَخَاضًا، ومِخاضًا: إذا دنا نتاجها، وفي حديث عثمان: أن امرأة زارت أهلها، فمَخَضت عندهم؛ أي: تحرّك الولد في بطنها للولادة، فضربها المخاض. انتهى

(4)

.

وقال المجد رحمه الله: مَخِضَتْ؛ كسَمِعَ، ومنعَ، وعُنِيَ مَخاضًا، ومِخاضًا،

(1)

هو: ابن عيينة.

(2)

"الفتح" 4/ 59، كتاب "الجنائز" رقم (1301).

(3)

"المصباح المنير" 2/ 372.

(4)

"النهاية في غريب الأثر" 4/ 306.

ص: 249

ومَخَّضَتْ تَمْخِيضًا: أخَذَها الطَّلْقُ، أو الماخِضُ من النساء، والإبِل، والشاء: المُقْرِبُ، جَمْعه: مواخِضُ، ومُخَّضٌ. انتهى

(1)

.

وقال الفيّوميّ رحمه الله: المِخَاضُ بفتح الميم، والكسرُ لغة: وَجَعُ الولادة، ومَخِضَتِ المرأة، وكلّ حامل، من باب تَعِبَ: دنا ولادها، وأخذها المطلق، فهي مَاخِضٌ، بغير هاء، وشاة مَاخِضٌ، ونُوق مُخَّضٌ، ومَوَاخِضُ، فإن أردت أنَّها حامل قلتَ: نُوق مَخَاضٌ، بالفتح، الواحدة خَلِفَةٌ، من غير لفظها، كما قيل لواحدة: ناقة من غير لفظها. انتهى

(2)

.

(فَاحْتُبِسَ) بالبناء للمفعول؛ أي: منع، وتأخّر من الذهاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، (عَلَيْهَا)؛ أي: لأجل رعايتها، والقيام بمصالحها، (أَبُو طَلْحَةَ) رضي الله عنه (وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة. (قَالَ) أنس:(يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ) عبّر بصيغة المضارع؛ لاستحضار الحكاية في الحال: (إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها مقولًا لـ "يقول"، ولدخول اللام في خبرها، وهو قوله:(لَتَعْلَمُ يَا رَبّ، إِنَّهُ يُعْجِبُنِي) قال الفيّوميّ رحمه الله: يُستعمل التَّعَجُّبُ على وجهين: أحدهما: ما يَحمده الفاعل، ومعناه الاستحسان، والإخبار عن رضاه به، والثاني: ما يَكرهه، ومعناه الإنكار، والذمّ له، ففي الاستحسان يقال: أَعْجَبَنِي بالألف، وفي الذمّ والإنكار: عَجِبْتُ وزان تعبت. انتهى

(3)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الاستعمال الأول هو المراد هنا، والله تعالى أعلم.

(أَنْ أَخْرُجَ)"أن" بالفتح مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول "يُعجبني"، (مَعَ رَسُولِكَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا خَرَجَ، وَأَدْخُلَ مَعَهُ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا دَخَلَ، وَقَدِ احْتُبِسْتُ) بالبناء للمفعول أيضًا، (بِمَا تَرَى)؛ أي: بما تعلمه من حال أم سُليم. (قَالَ) أنس: (تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ) وَجْه التعبير بالمضارع قد مرّ آنفًا، (يَا أَبَا طَلْحَةَ مَا) نافية، (أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ)؛ أي: عند الولادة؛ تعني: أن حالها في ذلك الوقت ليس كحالها الماضي إذا أخذها المطلق من شدّة وجع الولادة، والمراد: أن

(1)

"القاموس المحيط" 1/ 843.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 565.

(3)

"المصباح المنير" 2/ 393.

ص: 250

ذلك الوقت ليس وقت ولادتها، (انْطَلِقْ)؛ أي: اذهب معه صلى الله عليه وسلم، ولا تتأخّر عنه بسببي؛ لعدم ما يوجب ذلك من شأن الولادة، قال:(فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: لحقنا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذهبنا معه. (قَالَ: وَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ)؛ أي: أخذ أم سُليم وجع الولادة (حِينَ قَدِمَا) من ذلك السفر؛ والمعنى: أن أم سُليم ما ولدت حتى قدِمت المدينة، (فَوَلَدَتْ غُلَامًا) هو عبد الله، كما سمّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم. (فَقَالَتْ لِي أُمِّي) أم سليم بعدما ولدت:(يَا أَنَسُ لَا يُرْضِعُهُ) بضمّ أوله، من الإرضاع، (أَحَدٌ) من الناس (حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ)؛ أي: تذهب به وقت الغدوّ، وهو أول النهار، (عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه": فحَمَلت بعبد الله بن أبي طلحة، حتى إذا وضعت، وكان يوم السابع، قالت لي أم سليم: يا أنس اذهب بهذا الصبيّ، وهذا الْمِكتل، وفيه شيء من عجوة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى يكون هو الذي يحنكه، ويسمّيه، قال: فأتيت به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رجليه، وأضجعه في حِجره، وأخذ تمرةً، فَلَاكَها، ثم مَجّها في في الصبيّ، فجعل يتلمّظها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أبت الأنصار إلَّا حُبّ التمر". انتهى.

(فَلَمَّا أَصْبَحَ)؛ أي: دخل في الصباح، (احْتَمَلْتُهُ) مبالغة في الحمل، (فَانْطَلَقْتُ بِهِ)؛ أي: ذهبت بالغلام (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَصَادَفْتُهُ)؛ أي: وجدته (وَمَعَهُ مِيسَمٌ) جملة في محل نصب على الحال؛ أي: والحال أن معه صلى الله عليه وسلم مِيسم، وهو بكسر الميم: آلة الوسم، وهي المِكْواة، يقال: وَسَمْتُ الشيءَ وَسْمًا، من باب وَعَدَ، والاسم: السّمَةُ، وهي العَلامَةُ، ومنه المَوْسِمُ؛ لأنه مَعْلَمٌ يُجتَمَع إليه، ثم جُعل الوَسْمُ اسمًا، وجُمع على وُسُومٍ، مثل فَلْس وفُلوس، وجَمْع السِّمَةِ سِمَاتٌ، مثل عِدَةٍ وعِدَاتٍ، واسْمُ الآلة التي يُكْوَى بها، ويُعْلَمُ: مِيسَمٌ بكسر الميم، وأصله الواو، ويُجمع تارة باعتبار اللفظ، فيقال: مَيَاسِمُ، وتارة باعتبار الأصل، فيقال: مَوَاسِمُ، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(1)

.

وإنما كان معه صلى الله عليه وسلم المِيسم؛ لأنه كان يسِم إبل الصدقة في ذلك الوقت.

(فَلَمَّا رَآنِي قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (لَعَلَّ أمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ، قُلْتُ: نَعَمْ، فَوَضَعَ الْمِيسَمَ، قَالَ: وَجِئْتُ بِهِ)؛ أي: بالغلام (فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ) صلى الله عليه وسلم بالحاء المهملة، وسكون

(1)

"المصباح المنير" 2/ 660.

ص: 251

الجيم، قال المجد رحمه الله: الحجر مثلّثةً: حِضْنُ الإنسان

(1)

. (وَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ)؛ أي: بالنوع المسمّى بالعجوة، من تُمور المدينة النبويّة، وهو بفتح العين المهملة، وسكون الجيم: أجود أنوع تمر المدينة ويُسمّونه لِينة، وقيل: هي أكبر من الصيحانيّ، يَضْرِب إلى السواد، وذكر ابن التين: أن العجوة غَرْس النبيّ صلى الله عليه وسلم، ذكره في "العمدة"

(2)

.

(فَلَاكَهَا)؛ أي: مَضَغها، يقال: لاك اللقمة يلوكها لَوْكًا، مِن قال، مَضَغها، ولاك الفرسُ اللجامَ: عضّ عليه

(3)

. (فِي فِيهِ)"في" الأُولى جارّة، والثانية لغة في "الفم"، وهي من الأسماء الستّة التي تُعرب بالحروف، كما قال في "الخلاصة":

وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ

وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ

مِنْ ذَاكَ ذُو إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا

وَالْفَمُ حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا

أَبٌ أَخٌ حَمٌ كَذَاكَ وَهَنُ

وَالنَّقْصُ فِي هَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ

وَفِي أَبٍ وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ

وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ

(حَتَّى ذَابَتْ)؛ أي: سالت، يقال: ذاب الشيءُ يذوبُ ذَوْبًا، وذَوَبَانًا: سال، فهو ذائبٌ، وهو خلاف الجامد المتصلِّب، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أذبته، وذَوَّبته

(4)

. (ثُمَّ قَذَفَهَا)؛ أي: رماها (فِي فِي الصَّبِيِّ، فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا)؛ أي: يتذوّق تلك العجوة التي لاكها النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال المجد رحمه الله: لَمَظَ: تَتَبَّعَ بلِسانِه اللُّماظَةَ بالضم: لِبَقِيَّةِ الطَّعامِ في الفَمِ، وأخْرَجَ لِسانَهُ، فَمَسَحَ شَفَتَيْه، أو تَتبَّعَ الطَّعْمَ، وتَذَوَّقَ، كتَلَمَّظَ في الكلِّ. انتهى

(5)

.

(قَالَ) أنس: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) للقوم الذين حضروا ذلك المجلس تعجيبًا لهم بما فعل الصبيّ من التلمّظ: ("انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الأَنْصَارِ التَّمْرَ"، قَالَ)

(1)

"الحضن" بالكسر: ما دون الإبط إلى الكشح، أو الصدر، والعضُدان، وما بينهما، وجانب الشيء، وناحيته. انتهى. "القاموس". و"الكَشْح"، وزانُ فلس: ما بين الخاصرة إلى الضِّلَع. قاله في "المصباح".

(2)

"عمدة القاري" 21/ 71.

(3)

"المصباح المنير" 2/ 560.

(4)

"المصباح المنير" 1/ 211.

(5)

"القاموس المحيط" 1/ 902.

ص: 252

أنس: (فَمَسَحَ) النبيّ صلى الله عليه وسلم (وَجْهَهُ)؛ أي: وجه ذلك الصبيّ، (وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ) وبارك الله تعالى لهما فيه، فوَلَد له أولاد، فله من الأولاد فيما ذَكَر ابن سعد وغيره من أهل العلم بالأنساب: إسحاق، وإسماعيل، وعبد الله، ويعقوب، وعمر، والقاسم، وعمارة، وإبراهيم، وعُمير، وزيد، ومحمدٌ، وأربع من البنات. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

قال في "العمدة": يستفاد من الحديث عدم إظهار الحزن عند المصيبة، كما فعلت أم سليم رضي الله عنها، فإنها اختارت الصبر، وقهرت نفسها، وفيه منقبة عظيمة لأم سليم رضي الله عنهما بصبرها ورضائها بقضاء الله تعالى، وفيه جواز الأخذ بالشدّة، وتَرْك الرخصة لمن قَدَر عليها، وأن ذلك مما ينال به العبد رفيع الدرجات، وجزيل الأجر، وفيه أن المرأة تتزيّن لزوجها تعرّضًا للجماع، وفيه أن من ترك شيئًا لله تعالى، وأَثر ما نَدَب إليه، وحَضَّ عليه من جميل الصبر أنه يُعَوَّض خيرًا مما فاته، إلا ترى قوله: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، وفيه مشروعية المعاريض الموهِمة إذا دعت الضرورة إليها، وشَرْط جوازها أن لا تُبْطل حقًّا لمسلم، وفيه إجابة دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: وصنيع أم سليم رضي الله عنها، ووَعْظها لأبي طلحة يدلّ على كمال عقلها، وفضلها، وعِلمها، وملازمةُ أبي طلحة ليكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره وحَضَره، ومدخله ومخرجه دليل على كمال محبته للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وصِدق رغبته في الجهاد، والخير، وتحصيل العلم، ورفعُ وَجَع المخاض - وهو الولادة - عن أم سليم عند دعاء أبي طلحة دليل على كرامات الأولياء، وإجابة دعواتهم، وأن أبا طلحة وأم سليم منهم. انتهى

(3)

.

وقال النوويّ رحمه الله: في الحديث: استجابةُ دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فحملت بعبد الله بن أبي طلحة في تلك الليلة، وجاء مِن ولده عشرة رجال علماء أخيار، وفيه كرامة ظاهرة لأبي طلحة، وفضائل لأم سليم، وفيه تحنيك المولود، وأنه يُحمل أَبِي صالح ليحنكه، وأنه يجوز تسميته في يوم ولادته،

(1)

"الفتح" 4/ 59، كتاب (الجنائز، رقم (1301).

(2)

"عمدة القاري" 8/ 99.

(3)

"المفهم" 6/ 365 - 366.

ص: 253

واستحباب التسمية بعبد الله، وكراهة الطُّرُوق للقادم من سفر إذا لَمْ يعلم أهله بقدومه قبل ذلك، وفيه جواز وَسْم الحيوان؛ ليتميّز، وليُعرف، فيردّها من وجدها، وفيه تواضع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ووَسْمه بيده. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الأدب"[5600 و 5601](2144) وتقّدم تخريجه، وبيان فوائده هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6303]

(. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ) البغداديّ، أبو جعفر، صدوقٌ [11](ت 242) وله ستون سنةً (م،) تقدم في "الإيمان" 42/ 280.

2 -

(عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) الكلابيّ القيسيّ، تقدّم في الباب الماضي.

والباقون ذُكروا قبله.

[تنبيه]: رواية عمرو بن عاصم عن سليمان بن المغيرة لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(21) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ بِلَالٍ رضي الله عنه

-)

هو: بلال بن رَبَاح الحبشيّ المؤذن، وهو بلال ابن حَمَامة، وهي أمه، اشتراه أبو بكر الصديق رضي الله عنهما من المشركين لَمّا كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأَذَّن له، وشَهِد معه جميع المشاهد، وآخى النبيّ صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عُبيدة بن الجراح، ثم خرج بلال بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم مجاهدًا إلى أن مات بالشام.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 12 - 13.

ص: 254

قال أبو نعيم: كان تِرْبَ أبي بكر رضي الله عنهما، وكان خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورَوَى أبو إسحاق الْجُوزجاني في "تاريخه" من طريق منصور، عن مجاهد، قال: قال عمار: كلٌّ قد قال ما أرادوا -يعني: المشركين - غير بلال، ومناقبه كثيرة مشهورة.

قال ابن إسحاق: كان لبعض بني جُمَح مُوَلَّدًا من مولديهم، واسم أمه حَمَامة، وكان أمية بن خلف يُخرجه إذا حَمِيت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول: لا يزال على ذلك حتى يموت، أو يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيقول وهو في ذلك: أَحدٌ أَحدٌ، فمرّ به أبو بكر، فاشتراه منه بعبد له أسود جَلْد.

قال البخاريّ: مات بالشام زمن عمر رضي الله عنهما، وقال ابن بُكير: مات في طاعون عَمَواس، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة عشرين، وقال ابن زَبْر: مات بِدَارِيَا، وفي "المعرفة" لابن منده: أنه دُفِن بِحَلَب، ذكره في "الإصابة"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: وتُسمَّى أمُّه: حمامة، واختُلف في كنيته، فقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الكريم، وقيل: أبو عبد الرَّحمن، وقيل: أبو عمرو، وكان حبشيًّا.

قال ابن إسحاق: كان بلال لبعض بني جُمَح مُوَلَّدًا من مولّديهم، وقيل: من مُولَّدي مكة، وقيل: من مولدي السّراة، وقال عبد الله بن مسعود: أول من أظهر الإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سُمَيَّة، وصُهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمَنَعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلَّا واتاهم

(2)

على ما أرادوه منه إلَّا بلالًا، فإنَّه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه، فأعطوه الوِلدان، فجعلوا

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 326.

(2)

أي: وافقهم على ما قالوا، يقال: آتيته على الأمر بمعنى: وافقته، وفي لغة لأهل اليمن تُبدل الهمزة واوًا، فيقال: واتيته على الأمر مواتاةً، وهي المشهورة على السنة الناس، قاله في "المصباح" 1/ 4.

ص: 255

يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول:"أحدٌ، أحدٌ"، وفي رواية: وجعلوا الحبل في عنقه، وقال سعيد بن المسيِّب: كان بلال شحيحًا على دينه، وكان يعذَّب على دينه، فإذا أراد المشركون أن يقاربهم قال: الله، الله. فاشتراه أبو بكر بخمس أواق، وقيل: بسبع. وقيل: بتسع، فأعتقه، فكان يؤذّن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات النبيّ صلى الله عليه وسلم أراد أن يروح إلى الشام، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: بل تكون عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك، فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله، فذرني أذهب إليه، فقال: اذهب، فذهب إلى الشام، فكان بها حتى مات رضي الله عنه.

قال القرطبيّ: وظاهر هذا أنه لَمْ يؤذِّن لأبي بكر، وقد ذكر ابن أبي شيبة عن حسين بن علي، عن شيخ يقال له: الحفصي، عن أبيه، عن جده قال: أذّن بلال حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أذَّن لأبي بكر حياته، ولم يؤذِّن في زمان عمر، فقال له عمر: ما منعك أن تؤذّن؟ قال: إني أذّنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُبض، وأذّنت لأبي بكر رضي الله عنه حتى قُبض؛ لأنَّه كان وليّ نعمتي، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يا بلال ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله"، فخرج فجاهد، ويقال: إنه أذّن لعمر رضي الله عنه إذ دخل الشام، فبكى عمر، وبكى المسلمون. وكان بلال خازنًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عمر: أبو بكر سيدنا، وأعتق بلالًا سيدَنا. وتُوُفي بلال رضي الله عنه بدمشق، ودُفن عند الباب الصغير بمقبرتها سنة عشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل: سنة إحدى وعشرين، وهو ابن سبعين. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6304]

(2458) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ

(2)

:

(1)

"المفهم" 6/ 367 - 368.

(2)

وفي نسخة: "لبلال صلاة الغداة".

ص: 256

"يَا بِلَالُ حَدَّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ"، قَالَ بِلَالٌ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا فِي الإِسْلَام أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً، مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ

(1)

، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كتَبَ اللهُ لِي أَنْ أُصَلِّيَ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ) المحامليّ، أبو محمد الكوفيّ العطار، ثقةٌ، من صغار [10].

رَوَى عن عبد الله بن نُمير، ويونس بن بُكير، وأبي أسامة، والمحاربيّ، ومحمد بن فضيل، وزكرياء بن عديّ، وغيرهم.

ورَوى عنه البخاريّ في "كتاب رفع اليدين"، وفي "جزء القراءة خلف الإمام"، وفي "الأدب المفرد"، ومسلم، وروى النسائيّ، عن أبي حاتم الرازيّ، عنه، وأبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة السدوسيّ، وغيرهم.

قال ابن معين، وأبو حاتم: صدوقٌ، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ ثقةٌ، وذَكَره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطيء، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وقال ابن منجويه وغيره: مات سنة (29)، وكذا قال ابن سعد، وقال؛ كان ثقةٌ، وابن قانع، وقال: صالحٌ، وقال مسلمة بن قاسم: كوفيّ ثقةٌ.

أخرج له البخاري في "جزء رفع اليدين"، ومسلم، والنسائيّ، وله صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (2458)، و (2727):"إلا أعلّمكما خيرًا مما سألتما. . ." الحديث، و (2896):"مَنَعت العراق درهمها، وقفيزها. . ." الحديث.

2 -

(أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن حيان الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [6](145)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 106.

(1)

وفي نسخة: "من ليل أو نهار".

ص: 257

3 -

(أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرَّحمن، وقيل: جرير، ثقةٌ [3](ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 106.

4 -

(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدّم قريبًا.

والباقون تقدّموا قبل باب، وقبل أربعة أبواب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِبِلَالِ) بن رَبَاح المؤذّن رضي الله عنه (عِنْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) وفي بعض النُّسخ: "صلاةَ الغداة" بإسقاط لفظة "عند"، فيكون"صلاة" منصوبًا على الظرفيّة، ولفظ البخاريّ:"قال لبلال عند صلاة الفجر".

وفيه إشارةٌ إلى أن ذلك وقع في المنام؛ لأنَّ هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقصّ ما رآه، ويعبّر ما رآه غيره من أصحابه بعد صلاة الفجر، ففي رواية البخاريّ في "التعبير" من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه الطويل، وفيه:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يُكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ قال: فيقصّ عليه ما شاء الله أن يقُصّ ". . . الحديث

(1)

. (يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ)"أرجى" على وزن أفعل التفضيل، بمعنى المفعول، لا بمعنى الفاعل، وأُضيفَ إلى العمل؛ لأنه الداعي إليه، وهو السبب فيه

(2)

. (عَمِلْتَهُ) بكسر الميم، (عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً) هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، كما يدلّ عليه جواب بلال رضي الله عنه، والأصل:"حدّثني بأرجى عَمَلٍ عندك منفعةً، عَمِلته في الإسلام"، فقوله:"عندك" ظرف لـ "أرجى"، و"منفعةً" منصوب على التمييز؛ أي: من حيث المنفعة، والثواب.

(1)

"عمدة القاري" 7/ 206، و"الفتح" 16/ 467.

(2)

"عمدة القاري" 7/ 206.

ص: 258

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "حدِّثني بأرجى عمل عملته"؛ أي: بعمل يكون رجاؤك لثوابه أكثر، ونفسك به أوثق، وفيه تنبيه على أنَّ العامل لشيء من القُرَب ينبغي له أن يأتي بها على أكمل وجوهها؛ لِيَعْظُم رجاؤه في قبولها، وفي فَضْل الله عليها، فيُحْسِن ظنّه بالله تعالى، فإنَّ الله تعالى عند ظن عبده به، ويتضح لك هذا بمَثَل - ولله المثل الأعلى - أن الإنسان إذا أراد أن يتقرب إلى بعض ملوك الدنيا بهدية، أو تُحفة، فإنْ أتى بها على أكمل وجوهها، وأحسن حالاتها، قَوِيَ رجاؤه في قبولها، وحسن ظنه في إيصاله إلى ثوابها؛ لا سيما إذا كان الْمُهْدَى له موصوفًا بالفضل والكرم، وإن انتقص شيئًا من كمالها ضَعُف رجاؤه للثواب، وقد يتوقع الردّ، لا سيما إذا علم أن المُهدَى له غنيّ عنها، فأمَّا لوأتى بها واضحة النقصان؛ لكان ذلك من أوضح الخسران؛ إذ قد صار المهدَى له كالمستصغَر المُهان. انتهى

(1)

.

(فَإِنِّي سَمِعْتُ) الفاء تعليليّة؛ أي: لأني سمعت (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "سمِعتُ"، (خَشْفَ نَعْلَيْكَ) بفتح الخاء، وسكون الشين، وبتحريكهما؛ أي: صوتهما، أو حَرَكتهما، قال المجد رحمه الله: الخَشْفُ، والخَشْفَةُ - أي: بسكون الشين - ويُحَرَّكُ: الصوتُ، والحَركةُ، أو الحِسُّ الخَفِيُّ، أو الخَشْفَةُ: صوتُ دَبيبِ الحَيَّات، وصَوْتُ الضَّبُع، وقُفٌّ قد غَلَبَ عليه السُّهولَةُ. وخَشَفَ كضَرَبَ، وَنَصَرَ: صَوَّتَ، وفي السَّيْرِ: أسْرَعَ، ورأسَهُ بالحَجَرِ: فَضَخَه، والمرأةُ بالوَلَدِ: رَمَتْ به. انتهى

(2)

.

وفي رواية البخاريّ: "فإني سمعت دَفّ نعليك بين يديّ في الجَنَّة"، وفي رواية الإسماعيليّ:"حَفِيف نعليك"، وفي رواية الحاكم على شرط الشيخين:"يا بلال، سبقتني إلى الجَنَّة؟ دخلت البارحة، فسمعت خشخشتك أمامي"، وعند أحمد، والترمذيّ:"فإني سمعت خشخشة نعليك"، والخشخشة: الحركة التي لها صوت كصوت السلاح.

وفي رواية ابن السكن: "دَوِيّ نعليك" بفتح

(3)

الدال المهملة؛ يعني:

(1)

"المفهم" 6/ 370.

(2)

"القاموس المحيط" 1/ 1039.

(3)

وقع في نسخة "العمدة" بضمّ الدال، والظاهر أنه غلظ؛ لأنَّ الدويّ في "القاموس" بفتح الدال، وهو الصوت.

ص: 259

صوتهما، وأما الدّفّ فهو بفتح الدال المهملة، وتشديد الفاء، قال ابن سيده: الدفيف سَيْر لَيِّنٌ، دَفّ يَدِفّ دَفيفًا، ودَفّ الماشي على وجه الأرض: إذا جَدّ، ودَفّ الطائر، وأدف: ضرب جنبيه بجناحية، وقيل: هو إذا حرّك جناحية، ورجلاه في الأرض. انتهى

(1)

.

وقال في "الفتح": قوله: "دَفّ نعليك" بفتح المهملة، وضبطها المحبّ الطبريّ بالإعجام، والفاء مثقّلةً، وقد فسّره البخاريّ في رواية كريمة بالتحريك، وقال الخليل: دَفّ الطائر: إذا حرّك جناحية، وهو قائم على رجليه، وقال الحميديّ: الدفّ: الحركة الخفيفة، والسَّير الليّن، ووقع في رواية مسلم "خَشْفَ" بفتح الخاء، وسكون الشين المعجمتين، وتخفيف الفاء، قال أبو عبيد وغيره: الخشف الحركة الخفيفةُ، ووقع في حديث جابر المذكور عند مسلم قبل باب، وكذا في حديث بريدة، عند أحمد، والترمذيّ، وغيرهما:"خشخشة" بمعجمتين مكررتين، وهو بمعنى الحركة أيضًا. انتهى

(2)

.

(بَيْنَ يَدَيَّ)؛ أي: أمامي (فِي الْجَنَّةِ") وذلك في النوم؛ لأنه لا يدخل أحد الجَنَّة في اليقظة والنبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن دخلها يقظةً ليلة المعراج، إلَّا أن بلالًا لَمْ يدخلها.

قال العراقيّ رحمه الله في "شرح التقريب": إن قيل: كيف رأى بلالًا أمامه، مع أنه أول من يدخلها؟.

قلنا: لَمْ يقل هنا: إنه يدخلها قبله يوم القيامة، وإنما رآه أمامه منامًا، وأما الدخول حقيقةً فهو أول داخل، وهذا الدخول المراد به: سَرَيان الروح حالة النوم، قال القاضي: ولا يجوز إجراؤه على ظاهره؛ إذ ليس لنبيّ من الأنبياء أن يسابقه، فكيف بأحد من أمته؟. انتهى

(3)

.

وقال الكرمانيّ رحمه الله: ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم؛ لأنَّ الجَنَّة لا يدخلها أحد إلَّا بعد الموت، ويَحْتَمِل أن يكون في اليقظة؛ لأنَّ

(1)

"عمدة القاري" 7/ 206.

(2)

"الفتح" 3/ 554، كتاب "التهجّد" رقم (1149).

(3)

"فيض القدير" 3/ 518.

ص: 260

النبيّ صلى الله عليه وسلم دخلها ليلة المعراج، وأما بلال فلا يلزم من هذه القصة أنه دخلها؛ لأنَّ قوله:"في الجَنَّة" ظرف للسماع، ويكون الدّفّ بين يديه خارجًا عنها. انتهى.

وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يخفى بُعد هذا الاحتمال؛ لأنَّ السياق مشعر لإثبات فضيلة بلال؛ لكونه جعل السبب الذي بلّغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما ثبتت له الفضيلة بأن يكون رُؤي داخل الجَنَّة، لا خارجًا عنها.

وقد وقع في حديث بريدة رضي الله عنه: "يا بلال، سبقتني إلى الجَنَّة؟ "، وهذا ظاهر في كونه رآه داخل الجَنَّة، ويؤيد كونه وقع في المنام حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا:"رأيتني دخلت الجَنَّة، فسمعت خشفة، فقيل: هذا بلال، ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقيل هذا لعمر. . ." الحديث، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا:"بينا أنا نائم رأيتني في الجَنَّة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقيل: هذا لعمر. . ." الحديث.

فعُرِف أن ذلك وقع في المنام، وثبتت الفضيلة بذلك لبلال؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌّ، ولذلك جزم النبيّ صلى الله عليه وسلم له بذلك.

ومَشْيُهُ بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم كان من عادته في اليقظة، فاتفق مثله في المنام، ولا يلزم من ذلك دخول بلال الجَنَّة قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في مقام التابع، وكأنه أشار صلى الله عليه وسلم إلى بقاء بلال على ما كان عليه في حال حياته، واستمراره على قُرْب منزلته، وفيه منقبة عظيمة لبلال رضي الله عنه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله

(1)

، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.

[تنبيه]: قال الحافظ: قول الكرمانيّ: لا يدخل أحد الجَنَّة إلَّا بعد موته، مع قوله: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخلها ليلة المعراج، وكان المعراج في اليقظة على الصحيح، ظاهرهما التناقض، ويمكن حمل النفي إن كان ثابتًا على غير الأنبياء، أو يُخصّ في الدنيا بمن خرج عن عالم الدنيا، ودخل في عالم

(1)

"الفتح" 3/ 555 - 556، كتاب "التهجّد" رقم (1149).

ص: 261

الملكوت، وهو قريب مما أجاب به السهيليّ عن استعمال طست الذهب ليلة المعراج. انتهى

(1)

.

(قَالَ بِلَالٌ) رضي الله عنه: (مَا) نافية، (عَمِلْتُ) بكسر الميم، (عَمَلًا فِي الْإِسْلَامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً) منصوب على التمييز، (مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا) بضمّ الطاء؛ بمعنى: الطهارة، (تَامًّا) أخرج غير التامّ، وهو الطُّهور اللغويّ؛ أي: تنظيف بعض الأعضاء؛ كغسل الوجه، لطرد النوم.

وقال الحافظ رحمه الله: قوله: "تامًّا" الذي يظهر أنه لا مفهوم له، وَيحتمل أن يخرج بذلك الوضوء اللغويّ، فقد يفعل ذلك لطرد النوم مثلًا. انتهى

(2)

.

(فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ)، وفي بعض النسخ:"من ليلٍ، أو نهار"، (إِلَّا صَلَّيْتُ) زاد الإسماعيليّ:"لربّي"، (بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا) موصولة بمعنى الذي، (كَتَبَ اللهُ) ببناء الفعل للفاعل، وبتقدير العائد؛ أي: كتبه الله؛ أي: قدّره (لِي أَنْ أُصَلِّيَ)"أن" بالفتح مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول به لـ "كَتَب"، ولفظ البخاريّ:"ما كُتِب لي" بالبناء للمفعول.

قال في "الفتح": قوله: "ما كُتب لي"؛ أي: قُدّر لي، وهو أعمّ من الفريضة والنافلة، قال ابن التين: إنما اعتقد بلال ذلك؛ لأنه عَلِم من النبيّ صلى الله عليه وسلم أن الصلاة أفضل الأعمال، وأن عمل السر أفضل من عمل الجهر، وبهذا التقرير يندفع إيراد من أورد عليه غير ما ذَكَرَ من الأعمال الصالحة، والذي يظهر أن المراد بالأعمال التي سأله عن أرجاها: الأعمالُ المتطوَّع بها، وإلا فالمفروضة أفضل قطعًا. انتهى

(3)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

(1)

"الفتح" 3/ 556، كتاب "التهجّد" رقم (1149).

(2)

"الفتح" 3/ 554، كتاب "التهجّد" رقم (1149).

(3)

"الفتح" 3/ 555، كتاب "التهجّد" رقم (1149).

ص: 262

أخرجه (المصنّف) هنا [21/ 6304]، (2458)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1149)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 66) وفي "فضائل الصحابة"(1/ 40)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 333 و 439)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(1/ 218)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(2/ 213)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7085)، و (البيهقيّ) في "شُعَب الإيمان"(3/ 5)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(1011)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(10/ 453 و 454)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل بلال المؤذّن رضي الله عنه.

2 -

(ومنها): بيان أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان؛ لقول بلال رضي الله عنه: إنه ما عَمِل عملًا أرجى منه.

3 -

(ومنها): أن فيه دليلًا على أنَّ الله تعالى يُعَظِّم المجازاة على ما يُسِرّ به العبد بينه وبين ربه، مما لا يطّلع عليه أحد، وقد استَحَبّ ذلك العلماء؛ ليدّخرها، وليُبعدها عن الرياء.

4 -

(ومنها): بيان فضيلة الوضوء، وفضيلة الصلاة عقبه؛ لئلا يبقى الوضوء خاليًا عن مقصوده.

5 -

(ومنها): استحباب إدامة الطهارة، ومناسبة المجازاة على ذلك بدخول الجَنَّة؛ لأنَّ مِن لازِم الدوام على الطهارة أن يبيت المرء طاهرًا، ومن بات طاهرًا عَرَجت روحه، فسجدت تحت العرش، كما رواه البيهقي في "الشُّعَب" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، والعرش سقف الجَنَّة، وزاد بريدة في آخر حديثه:"فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: بهذا"، وظاهره أن هذا الثواب وقع بسبب ذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يُدخل أحدكم الجَنَّة عمله"؛ لأنَّ أحد الأجوبة المشهورة بالجمع بينه وبين قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، أن أصل الدخول إنما يقع برحمة الله، واقتسام الدرجات بحسب الأعمال، فيأتي مثله في هذا، قاله في "الفتح"

(1)

.

(1)

"الفتح" 3/ 555، كتاب "التهجّد" رقم (1149).

ص: 263

6 -

(ومنها): وفيه سؤال الصالحين عما يَهديهم الله له من الأعمال الصالحة؛ ليقتدي بها غيرهم في ذلك.

7 -

(ومنها): سؤال الشيخ تلميذه عن عمله؛ ليحضّه عليه، ويرغّبه فيه إن كان حَسَنًا، وإلا فينهاه.

8 -

(ومنها): بيان أن الجَنَّة مخلوقة، موجودة الآن، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة.

9 -

(ومنها): جواز الاجتهاد في توقيت العبادة؛ لأنَّ بلالًا توصّل إلى ما ذكرنا بالاستنباط، فصوّبه النبيّ صلى الله عليه وسلم.

قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وفيه نظر لا يخفي، بل الحقّ أن العبادة لا تثبت بالاجتهاد، وإنما هي بتشريع من الله تعالى، فتؤخذ من الكتاب والسُّنَّة، لا بالاجتهاد، قال الله تعالى:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} الآية [الشورى: 21]، وأما الاحتجاج بما وقع لبلال رضي الله عنه، فليس بصحيح؛ لأنه عَمِل في زمن الوحي، فأقرّه صلى الله عليه وسلم، فكان تشريعًا منه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.

10 -

(ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز هذه الصلاة في الأوقات المكروهة؛ لعموم قوله: "في كل ساعة".

وتُعُقِّب بأن الأخذ بعمومه ليس بأَولى من الأخذ بعموم النهي.

وتعقبه ابن التين بأنه ليس فيه ما يقتضي الفورية، فيُحْمَل على تأخير الصلاة قليلًا؛ ليخرج وقت الكراهة، أوأنه كان يؤخر الطهور إلى آخر وقت الكراهة؛ لتقع صلاته في غير وقت الكراهة.

وتعقّب الحافظ ذلك بأن عند الترمذيّ، وابن خزيمة، من حديث بُريدة في نحو هذه القصة:"ما أصابني حدث قطّ، إلَّا توضأت عندها"، ولأحمد من حديثه:"ما أحدثت إلَّا توضأت، وصليت ركعتين"، فدلّ على أنه كان يُعقّب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة، في أيّ وقت كان. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي تَعَقَّب به الحافظ تَعَقُّب ابن التين،

(1)

"الفتح" 3/ 555، كتاب "التهجّد" رقم (1149).

ص: 264

والذي قبله حسنٌ جدًّا، وإن تعقّبه العينيّ، فإنه مجرّد دفاع عن مذهبه، والحقّ أن الصلاة في أوقات الكراهة جائزة؛ لأدلّة كثيرة، ومنها هذا الحديث، وقد تقدّمت في محلّها من "كتاب الصلاة"، وذكرت الأقوال بأدلّتها، وتوصّلت إلى ترجيح القول بجوازها؛ لكثرة أدلّته الصحيحة، فراجعها هناك تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.

11 -

(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه:

"حدِّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة" هذا السُّؤال إنما أخرجه من النبيّ صلى الله عليه وسلم ما اطَّلع عليه من كرامة بلال رضي الله عنه بكونه أمامه في الجَنَّة، فسأله عن العمل الذي لازمه حتى أوصله إلى ذلك، وقد جاء هذا الحديث في كتاب الترمذيّ بأوضح من هذا من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بلالًا، فقال: "يا بلال، سبقتني إلى الجَنَّة؟ فما دخلت الجَنَّة قط إلَّا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنَّة فسمعت خشخشتك أمامي

"، وذكر الحديث، فقال بلال: يا رسول الله! ما أذَّنت إلَّا صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قط إلَّا توضأت عنده، ورأيت أن لله تعالى عليّ ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بهما"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

قال القرطبيّ: فلنبحث في هذا الحديث، قوله:"، سبقتني إلى الجَنَّة؟ " لا يُفْهَم من هذا أن بلالًا يدخل الجَنَّة قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّ ذلك ممنوع بما قد عُلم من أن النبيّ صلى الله عليه وسلم هو السابق إلى الجَنَّة، وبما قد تقدَّم أنه أوَّل من يستفتح باب الجَنَّة، فيقول الخازن:"بك أُمرتُ، لا أفتح لأحد قبلك"، رواه مسلم، وإنما هذه رؤيا منام أفادت أن بلالًا من أهل الجَنَّة، وأنه يكون فيها مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن ملازميه، وهذا كما قال في الغميصاء:"سمعت خشخشتك أمامي"، وقد لا يبعد أن يقال في أسبقية بلال أنَّها أسبقية الخادم بين يدي مخدومه، والله تعالى أعلم.

وفيه ما يدلّ على أنَّ استدامة بعض النوافل، وملازمتها في أوقات، وأحوال فيه فضل عظيم، وأجر كثير، وإن كان النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَدُم عليها، ولا لازَمها، ولا اشتهر العمل بها عند أصحابه رضي الله عنهم، وأن ذلك لا يُنكَر على من

ص: 265

لازَمه ما لَمْ يعتقد أن ذلك سُنَّة راتبة له ولغيره، وهذا هو الذي منعه مالك حتى كره اختصاص شيء من الأيام، أو الأوقات بشيء من العبادات، من الصوم، والصلاة، والأذكار، والدعوات، إلَّا أن يعيّنه الشارع، ويدوم عليه، فأمَّا لو دام الإنسان على شيء من ذلك في خاصة نفسه، ولم يعتقد شيئًا من ذلك، كما فعله بلال في ملازمة الركعتين عند كل أذان، وفي ملازمة الطهارة دائمًا، لكان ذلك يفضي بفاعله إلى نعيم مقيم، وثواب عظيم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "بهما"؛ أي: بسبب ثواب ذينك الأمرين وصلت إلى ما رأيتُ من كونك معي في الجَنَّة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فيه ما يدلّ على أنَّ استدامة بعض النوافل

إلخ" فيه نظر لا يخفى؛ إذ ملازمة شيء من العبادات التي لا تثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم هي عين البدعة ذمّها الله عز وجل في الآية السابقة: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ} الآية [الشورى: 21]، والتي حذّر منها صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح، كما أخرجه الترمذيّ وغيره من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وفيه: ". . . فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ"، لفظ الترمذيّ.

فالحقّ ما قاله الإمام مالك رحمه الله من كراهة اختصاص شيء من الأيام، أو الأوقات بشيء من العبادات، وأما الاحتجاج بفعل بلال هذا فغير صحيح؛ لأنه اجتهد في زمن الوحي، فثبّته النبيّ صلى الله عليه وسلم، فصار سُنَّة ثابتة من هذه الناحية، وأما أن يفعل الآن شخص شيئًا مَما لا أصل له، فلا يجوز، فتبصّر بالإنصاف، فإن هذا المحلّ من مزالّ الأقدام، ولا يغرّنك كثرة المتشبّثين بمثل هذه البدعة؛ إذ الحقّ لا يُعرف بالأكثريّة، وإنما يُعرف بأدلّته، وإن كان القائلون به قلّة، قال الله تعالى:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)} [الأنعام: 116]، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"المفهم" 6/ 368 - 369.

ص: 266

(22) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّهِ رضي الله عنهما

-)

هو: عبد الله بن مسعود بن غافل - بمعجمة، وفاء - ابن حبيب بن شَمْخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هُذيل، الْهُذَليّ، أبو عبد الرَّحمن، حليف بني زُهْرة، وكان أبوه حالَفَ عبد الحارث بن زهرة.

أمه أم عبد الله بنت ودّ بن سواءة، أسلمت، وصحبت.

أحد السابقين الأولين، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد بعدها، ولازم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان صاحب نعليه، وحدّث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بالكثير، وعن عمر، وسعد بن معاذ.

وروى عنه ابناه: عبد الرَّحمن، وأبو عبيدة، وابن أخيه عبد الله بن عتبة، وامرأته زينب الثقفية، ومن الصحابة: العبادلة، وأبو موسى، وأبو رافع، وأبو شريح، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأبو جحيفة، وأبوأمامة، وأبو الطفيل، ومن التابعين: علقمة، والأسود، ومسروق، والربيع بن خُثيم، وشُريح القاضي، وأبو وائل، وزيد بن وهب، وزِرّ بن حُبيش، وأبو عمرو الشيبانيّ، وعَبيدة بن عمرو السلمانيّ، وعمرو بن ميمون، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وأبو عثمان النَّهْديّ، والحارث بن سُويد، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وآخرون.

وآخى النبيّ صلى الله عليه وسلم بينه وبين الزبير، وبعد الهجرة بينه وبين سعد بن معاذ، وقال له في أول الإسلام:"إنك لغلام مُعَلَّم"، وأخرج البغويّ من طريق القاسم بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: قال عبد الله: لقد رأيتني سادس ستة، وما على الأرض مسلم غيرنا، وبسند صحيح عن ابن عباس، قال: آخى النبيّ صلى الله عليه وسلم بين أنس وابن مسعود، وقال أبو نعيم: كان سادس من أسلم، وكان يقول: أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، أخرجه البخاريّ، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة، ذكره ابن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضًّا كما نزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد"، وكان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَيحْمِل نعليه.

ص: 267

وقال البخاريّ: مات قبل قَتْل عمر، وقال أبو نعيم وغيره: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: مات سنة ثلاث، وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت، ذكره في "الإصابة"

(1)

.

وقال في "الفتح": هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن هُذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، مات أبوه في الجاهلية، وأسلمت أمه، وصَحِبت، فلذلك نُسب إليها أحيانًا، وكان هو من السابقين، وقد روى ابن حبان أنه كان سادس ستة في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان، وقَدِم في أواخر عمره المدينة، ومات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، وقد جاوز الستين، وكان من علماء الصحابة، وممن انتشر علمه بكثرة أصحابه، والآخذين عنه. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: يُكنى؛ أبا عبد الرَّحمن، وأمه؛ أم عبد بنت عبد ودّ الهذلية أيضًا، أسلم قديمًا، وكان سبب إسلامه: أنه كان يرعى غنمًا لعقبة بن أبي مُعَيط، فمرَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا غلام! هل من لبن؟ " قال: نعم! ولكني مؤتمَن. قال: "فهل من شاة حائل لَمْ يَنْزُ عليها الفحل؟ "، فأتيتهُ بشاة شَصُوص - أي: لا لبن لها - فمسح ضرعها، فنزل اللبن، فحلب في إناء، وشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع:"اقلص"، فقلص، فقلت: يا رسول الله! علّمني من هذا القول، فقال:"رحمك الله! إنك غُلَيِّمٌ معلَّمٌ"، فأسلم، وضمَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فكان يَلِجُ عليه، ويُلبسه نعله، ويمشي أمامه، ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال له:"إذنك عليّ أن ترفع الحجابَ، وأن تسمع سِوَادي، حتى أنهاك"، وكان يعرف في الصحابة بصاحب السِّرار، والسَّواد، والسِّواك، هاجر هجرتين إلى أرض الحبشة، ثم من مكة إلى المدينة، وصلَّى القبلتين، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاهده كلها، وكان يُشَبَّهُ في هديه وسَمْته برسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وشهد له كبراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه مِن أعلمِهم بكتاب الله قراءةً وعلمًا، وفضائله كثيرة.

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 4/ 234.

(2)

"الفتح" 8/ 471، كتاب "فضائل الصحابة" رقم (3759).

ص: 268

تُوُفّي بالمدينة سنة ثنتين وثلاثين، ودُفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان، وقيل: بل صلَّى عليه عمَّار، وقيل: بل صلَّى عليه الزبير ليلًا بوصيّته، ولم يُعلم عثمان بذلك، فعاتب عثمان الزبير على ذلك، والله أعلم.

روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمئة حديث، وثمانية وأربعين حديثًا، أخرج له منها في "الصحيحين" مائة وعشرين حديثًا. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6305]

(2459) - (حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ، وَسُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَالْوَليدُ بْنُ شُجَاعٍ، قَالَ سَهْلٌ وَمِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} [المائدة: 93]، إِلَى آخِرِ الآيَة، قَالَ لِي

(2)

رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قِيلَ لِي: أَنْتَ مِنْهُمْ").

رجال هذا الإسناد: عشرة:

1 -

(مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: مِنجاب - بكسر أوله، وسكون ثانية، ثم جيم، ثم موحّدة - ابن الحارث بن عبد الرَّحمن، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [10](ت 31)(م فق) تقدم في "الإيمان" 41/ 273.

2 -

(سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنْديّ، أبو مسعود العسكريّ، نزيل الريّ، أحد الحفاظ، له غرائب [10](ت 235)(م) من أفراد المصنّف، تقدم في "الإيمان" 5/ 121.

3 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ) مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، صدوقُ [10](ت 237)(م د ق) تقدم في "الإيمان" 63/ 358.

4 -

(سُويدُ بْنُ سَعِيدِ) بن سهل الْهَرَويُّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ - بفتح المهملة، والمثلثة - ويقال له: الأنباريّ - بنون، ثم موحّدة - أبو محمد، صدوقٌ في نفسه، إلَّا أنه عَمِيَ، فصار يتلقَّن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قدماء [10](ت 240) وله مائة سنة (م ق) تقدم في "المقدمة" 6/ 87.

(1)

"المفهم" 6/ 370 - 371.

(2)

وفي نسخة: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ص: 269

5 -

(الْوَليدُ بْنُ شُجَاعِ) بن الوليد بن قيس السَّكُونيّ، أبو هَمّام بن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [10](ت 243) على الصحيح (م د ت ق) تقدم في "الإيمان" 77/ 402.

6 -

(عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [3](ت 189)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 6.

7 -

(الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرعٌ، لكنه يُدَلِّس [5](ت 7 أو 148)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 297.

8 -

(إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقةٌ، إلَّا أنه يرسل كثيرًا [5](ت 96) وهو ابن خمسين، أو نحوها (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 52.

9 -

(عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [2] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 52.

10 -

(عَبْدُ اللهِ) بن مسعود رضي الله عنه، تقدّمت ترجمته أول الباب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله وله فيه خمسة من الشيوخ قرن بينهم، لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم وأدائه، حيث أخذ عنهم بالسماع، ثم فصّل حيث اختلف أخْذهم عن عليّ بن مُسهر، فسهل ومنجاب أخذا قراءةً، والباقون أخذوا سماعًا، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، وفيه عبد الله مهملًا، وهو ابن مسعود، للقاعدة المشهورة أنه إذا كان الإسناد كوفيًّا، فهو ابن مسعود، وإن كان مدنيًّا، فابن عمر، أو مكّيًّا، فابن الزبير، أو بَصْريًّا، فابن عبّاس، أو مصريًّا، وشاميًّا، فابن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:

وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فِي

طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ

بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَو جَرَى

بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى

وَالْبَصْرَةِ الْحَبْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ

وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو

وقد تقدّم هذا، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، والله تعالى أعلم.

ص: 270

شرح الحديث:

(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) التالية، وهي قوله تعالى:({لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ})؛ أي: إثم، ({فِيمَا طَعِمُوا})؛ أي: فيما شَرِبوا من الخمر، وأكلوا من مال القمار في وقت الإباحة قبل التحريم.

وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله

(1)

: قوله تعالى: {طَعِمُوا} أصل هذه اللفظة في الأكل، يقال: طَعِم الطعام، وشَرِب الشراب، لكن قد تُجُوِّز في ذلك، فيقال: لَمْ أطعم خبزًا، ولا ماءً، ولا نومًا، قال الشاعر [من المتقارب]:

نَعَامًا بِوَجْرَةٍ

(2)

صُعْرِ الْخُدُو

دِ لَا تَطْعَمُ النَّوْمَ إِلَّا صِيَامَا

({إِذَا مَا اتَّقَوْا}) الشرك، ({وَآمَنُوا}) بالله عز وجل (إِلَى آخِرِ الآيَةِ)؛ يعني: قوله تعالى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بعد الإيمان، {ثُمَّ اتَّقَوْا} الخمر والميسر بعد التحريم، {وَآمَنُوا} بتحريمهما، {ثُمَّ اتَّقَوْا} سائر المحرّمات، أو الأولُ عن الشرك، والثاني عن المحرّمات، والثالث عن الشبهات. {وَأَحْسَنُوا} إلى الناس، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} هكذا قال النسفيّ في "تفسيره"

(3)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله تعالى: {إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية، فيه أربعة أقوال:

الأول: أنه ليس في ذِكر التقوى تكرار، والمعنى: اتقوا شُربها، وآمنوا بتحريمها، ومعنى الثاني: دام اتقاؤهم، وإيمانهم، والثالث على معنى الإحسان إلى الاتّقاء.

والثاني: اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها شُربها، ثم اتقوا فيما بقي من أعمارهم، وأحسنوا العمل.

والثالث: اتقوا الشرك، وآمنوا بالله ورسوله، ومعنى الثاني: ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا إيمانًا، ومعنى الثالث: ثم اتقوا الصغائر، وأحسنوا؛ أي: تنفّلوا.

(1)

"تفسير القرطبيّ" 6/ 296.

(2)

"وجرة": موضع بين مكة والبصرة.

(3)

"تفسير النسفيّ" 1/ 301.

ص: 271

وقال محمد بن جرير: الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمْر الله بالقبول، والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث: الاتقاء بالإحسان، والتقرب بالنوافل. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال كلها متقاربة في المعنى، وما قاله ابن جرير: أوضح، والله تعالى أعلم.

(قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي نسخة: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم": ("قِيلَ لِي)؛ أي: قال لي قائل، جبريل عليه السلام أو غيره:(أَنْتَ) يريد ابن مسعود رضي الله عنه، (مِنْهُمْ")؛ أي: من هؤلاء الموصوفين بهذه الآية.

وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "قيل لي: أنت منهم" الخطاب لابن مسعود رضي الله عنه؛ أي: أوحي إليّ أنك يا ابن مسعود من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذه تزكية عظيمة، ودرجة رفيعة، قلَّ من ظَفِر بمثلها. انتهى

(2)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 6305](2459)، و (الترمذيّ) في "التفسير"(3053)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(11153)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(8/ 457 و 9/ 296)، و (البزّار) في "مسنده"(4/ 325 و 4326)، و (الحاكم) في "المستدرك"(4/ 160)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

2 -

(ومنها): ما قال ابن خويزمنداد: تضمنت هذه الآية تناول المباح

(1)

"تفسير القرطبيّ" 6/ 296.

(2)

"المفهم" 6/ 371 - 372.

ص: 272

والشهوات، والانتفاع بكل لذيذ من مطعم، ومشرب، ومَنْكَح، وإن بُولِغَ فيه، وتُنُوهِيَ في ثَمَنه.

وهذه الآية نظير قوله تعالى: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87]، ونظير قوله:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وإن بولغ فيه

إلخ" هذا بشرط أن لا يدخل في الإسراف، وإلا حَرُم، فقد أخرج النسائيّ، وغيره عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا، وتصدقوا، والبسوا، في غير إسراف، ولا مَخِيلة"، حديث صحيح، وعلَّقه البخاريّ بصيغة الجزم، فقد أباح الأكل والشرب، والتصدّق بشرط الخلوّ عن أمرين، وهما: الإسراف، والمخيلة؛ أي: الخيلاء، وهو التكبّر، ومعناه: أنه إذا لَمْ يَخْلُ عنهما، أو عن أحدهما فإنه لا يجوز، والله تعالى أعلم.

3 -

(ومنها): ما قيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة، أخرج البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، عن أنس رضي الله عنه؛ أن الخمر التي أهريقت: الفَضِيخ، قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديًا، فنادي، فقال أبو طلحة: اخرُج، فانظر ما هذا الصوت؟ قال: فخرجت، فقلت: هذا منادٍ ينادي: إلا إن الخمر قد حُرّمت، فقال لي: اذهب، فأهرقها، قال: فَجَرت في سكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذ الفَضِيخ، فقال بعض القوم: قُتل قوم، وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] الآية.

وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله: قال ابن عباس، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك: إنه لمّا نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا، وهو يشربها، ويأكل الميسر؟ - ونحو هذا - فنزلت الآية. انتهى

(2)

.

4 -

(ومنها): ما قال القرطبيّ رحمه الله اللهُ: هذه الآية، وهذا الحديث -يعني: حديث البخاريّ المذكور - نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى، فنزلت:

(1)

"تفسير القرطبيّ" 6/ 296.

(2)

"تفسير القرطبيّ" 6/ 293.

ص: 273

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} الآية [البقرة: 143]، ومَن فَعَل ما أبيح له حتى مات على فِعله لَمْ يكن له، ولا عليه شيء، لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا ذمّ، ولا أجر، ولا مدْح؛ لأنَّ المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع، وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف، ولا يسأل عن حال من مات، والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل غَفَل عن دليل الإباحة، فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين تَوَهَّمَ مؤاخذةً ومعاقبةً لأجل شُرب الخمر المتقدم، فرفع الله ذلك التوهّم بقوله:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الآية. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6306]

(2460) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعِ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَن، فَكُنَّا حِينًا، وَمَا نُرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ، وَلُزُومِهِمْ لَهُ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) أبو محمد بن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ قرين أحمد بن حنبل، ذَكَر أبو داود أنه تغيّر قبل موته بيسير [10](238) وله اثنتان وسبعون سنةً (خ م د، س) تقدم في "المقدمة" 5/ 28.

2 -

(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [11](245)(خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.

3 -

(يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان، أبو زكريّاء الكوفيّ، مولى بني أمية، ثقةٌ حافظ فاضل، من كبار [9](203)(ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.

4 -

(ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ

(1)

"تفسير القرطبيّ" 6/ 294.

ص: 274

- بسكون الميم - أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ، متقنٌ، من كبار [9](ت 3 أو 184) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 121.

5 -

(أَبُوهُ) زكريا بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلِّس، وسماعه من أبي إسحاق بأخَرَة [6](ت 7 أو 8 أو 149)(ع) تقدم في "الإيمان" 83/ 449.

6 -

(أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال: عليّ الْهَمْدانيّ السَّبِيعي - بفتح المهملة، وكسر الموحّدة - ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ اختلط بأخرة [3] (ت 129) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 11.

7 -

(الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس بن عبد الله النَّخَعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرَّحمن، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [2](ت 4 أو 75)(ع) تقدم في "الطهارة" 32/ 674.

8 -

(أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار - بفتح المهملة، وتشديد الضاد المعجمة - الأشعري الصحابي المشهور، أَمَّره عُمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 171.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من يحيى بن آدم، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.

شرح الحديث:

(عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق يوسف بن أبي إسحاق: "حدّثني الأسود، سمعت أبا موسى". (عَنْ أَبِيِ مُوسَى) الأشعريّ رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: قَدِمْتُ) بكسر الدال، وقوله:(أَنَا) أتى به ليعطف على الضمير المتّصل قوله: (وَأَخِي) لِضُعف العطف عليه بلا فاصل، كما قال في "الخلاصة":

وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ

عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ

أَو فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ

فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ

وفي رواية أبي بردة، عن أبي موسى في "المغازي": "بلغنا مخرج

ص: 275

النبيّ صلى الله عليه وسلم، ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم، أحدهما أبو بُرْدة، والآخر أبو رُهْم. . ." الحديث.

(مِنَ الْيَمَنِ)؛ أي: البلد المعروف، قال الفيّوميّ رحمه الله: اليَمَنُ: إقليم معروفٌ، سُمِّي بذلك؛ لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنِيُّ، على القياس، وَيمَانٍ بالألف، على غير قياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان:

أحدهما - وهو الأشهر -: تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر التثقيل، ووَجْهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عِوَضًا عن التثقيل، فلا يُثَقَّل؛ لئلا يُجْمَع بين العوض والمعوَّض عنه.

والثاني: التثقيل؛ لأنَّ الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ على النسبة؛ تنبيهًا على جواز حذفها. انتهى

(1)

.

[تنبيه]: كان قدوم أبي موسى الأشعريّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم سنة سبع عند فتح خيبر لَمّا قَدِم جعفر بن أبي طالب، وقيل: إنه قَدِم عليه بمكة قبل الهجرة، ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قَدِم الثانية صحبة جعفر، والصحيح أنه خرج طالبًا المدينة في سفينة، فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر، ثم قَدِموا صُحْبته، قاله في "الفتح"

(2)

.

(فَكُنَّا)؛ أي: مكثنا (حِينًا)؛ أي: زمانًا، قال الشافعيّ، وأصحابه، وغيرهم: الحين يقع على القطعة من الدهر، طالت أم قصرت، قاله النوويّ

(3)

. (وَمَا نُرَى) بضمّ النون؛ أي: نظنّ، والجملة حاليّة. (ابْنَ مَسْعُودٍ)؛ أي: عبد الله، (وَأُمَّهُ) اسمها أم عبد بنت عبد وَدّ بن سواء بن قُريم بن صاهلة بن كاهل الْهُذليّة الصحابية، وأمها أيضًا هذليّة، وهي قيلة بنت الحارث بن زُهرة، قاله ابن عبد البرّ

(4)

. (إِلَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم) قال القرطبيّ رحمه الله: قول أبي موسى رضي الله عنه هذا يدلّ على صحَّة ما ذكرنا من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمَّ ابن

(1)

"المصباح المنير" 2/ 682.

(2)

"الفتح" 9/ 534، كتاب "المغازي" رقم (4384).

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 14.

(4)

"تنبيه العلم" ص 414.

ص: 276

مسعود رضي الله عنه إليه، واختصَّه بخدمته، وملازمته، وذلك لِمَا رأى من صلاحيته لقبول العلم، وتحصيله له، ولذلك قال له أول ما لقيه:"إنك غُلَيْمٌ مُعَلَّم"، وفي رواية أخرى:"لَقِنٌ مُفَهَّمٌ"؛ أي: أنت صالح؛ لَأَنْ تُعَلَّم فتَعْلم، وتُلَقَّنَ فتفهم، ولمّا رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك ضمَّه لنفسه، وجعله في عِداد أهل بيته، فلازمه حضرًا، وسفرًا، وليلًا، ونهارًا؛ ليتعلَّم منه، وينقل عنه. انتهى

(1)

.

ثم بيّن وجه ظنّهم ذلك، فقال:(مِنْ كَثْرَةِ دُخُولهِمْ)"من" تعليليَّة؛ أي: من أجل كثرة دخول ابن مسعود، وأمه على النبيّ صلى الله عليه وسلم، و"الكثرة" بفتح الكاف، على الفصيح المشهور، وبه جاء القرآن، وحَكَى الجوهريّ وغيره كسرها

(2)

. (وَلُزُومِهِمْ لَهُ)؛ أي: للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه استعمال ضمير الجمع للاثنين، وهو فصيح، قال النوويّ رحمه الله: جَمَعهما وهما اثنان هو وأمه؛ لأنَّ الاثنين يجوز جَمْعهما بالاتفاق، لكن الجمهور يقولون: أقلّ الجمع ثلاثة، فجَمْعُ الاثنين مجازٌ، وقالت طائفة: أقله اثنان، فجَمْعهما حقيقةٌ. انتهى

(3)

.

قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن أقلّ الجمع اثنان حقيقةً هو الصحيح؛ لأدلّة كثيرة، ومنها هذا الحديث، وأحاديث تقدّمت في هذا الكتاب، وقوله عز وجل:{وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78]، وقوله:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، وغيرها من النصوص الكثيرة، وقد حقّقت المسألة بأدلّتها في "التحفة المرضيّة" في الأصول، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 6306 و 6307 و 6308](2460)، و (البخاريّ) في "الفضائل"(3763) و"المغازي"(4384)، و (الترمذيّ) في

(1)

"المفهم" 6/ 372.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 14.

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 14 - 16.

ص: 277

"المناقب"(3806)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 103)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 401)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود، وأمه رضي الله عنهما، حيث ظن الوافدون أنهما من أهل البيت.

2 -

(ومنها): أنه يدلّ على تخصّص ابن مسعود بملازمة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتلقّيه القرآن، والسُّنَّة منه صلى الله عليه وسلم.

3 -

(ومنها): ما قاله البيهقيّ رحمه الله: وفي هذا كالدلالة على أنَّ كثرة الدخول في الدار، والتصرف فيها يُستدلّ بهما على المُلك، والله أعلم، قال الشافعيّ رحمه الله: ومنها: ما سمعه، فيشهد بما أَثْبت سمعًا من الشهود عليه، مع إثبات بصر. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6307]

(. . .) - (حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ الأَسْوَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: لَقَدْ قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَن، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قبل باب.

2 -

(إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلُوليّ - بفتح السين المهملة - مولاهم، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، صدوقٌ، تُكُلِّم فيه للتشيّع [9] (ت 204) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" 22/ 638.

3 -

(إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، صدوقٌ يَهِمُ [7]

(2)

(ت 198)(خ م د س ق) تقدم في "الحج" 7/ 2838.

(1)

"سنن البيهقيّ الكبرى" 10/ 157.

(2)

هكذا قال في "التقريب" من السابعة، والظاهر أنه من الثامنة، كما تدلّ عليه طبقة أبيه، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

ص: 278

4 -

(أَبُوهُ) يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعي وقد نُسب لجدّه، ثقةٌ [7](ت 157)(ع) تقدم في "الحج" 7/ 2838.

والباقون ذُكروا قبله.

[تنبيه]: رواية يوسف بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق هذه ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:

(3552)

- حدّثني محمد بن العلاء، حدثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، قال: حدّثني أبي، عن أبي إسحاق، قال: حدّثنى الأسود بن يزيد، قال: سمعت أبا موسى الأشعريّ رضي الله عنه يقول: قَدِمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حينًا ما نُرى إلَّا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لِمَا نَرَى من دخوله، ودخول أمه على النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6308]

(. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَد، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأنَا أُرَى أَنَّ عَبْدَ اللهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. أَو مَا ذَكَرَ مِنْ نَحْوِ هَذَا).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

2 -

(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا.

3 -

(ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم أيضًا قريبًا.

4 -

(عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

5 -

(سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

والباقون ذُكروا قبله.

وقوله: (وَأنَا أُرَى) بضمّ الهمزة؛ أي: أظنّ.

(1)

"صحيح البخاريّ" 3/ 1373.

ص: 279

وقوله: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ)؛ أي: عبد الله بن مسعود من أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقوله: (أَو مَا ذَكَرَ مِنْ نَحْوِ هَذَا)"أو" هنا للشكّ من الراوي، و"ما" موصولة، "وذَكَر" بالبناء للفاعل، والظاهر: أن الفاعل ضمير أبي موسى، فالشك من أبي إسحاق، أو الضمير لأبي إسحاق، والشكّ من الثوريّ، والجملة صلة "ما"، بتقدير العائد؛ أي: الذي ذكره مما يُشبه هذا الكلام، وذلك مثلُ ما تقدّم في رواية زكريا بن أبي زائدة من قوله: "وما نُرى ابن مسعود، وأمه إلَّا من أهل البيت

إلخ"، والله تعالى أعلم.

[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن أبي إسحاق هذه ساقها النسائيّ رحمه الله في "الكبرى"، فقال:

(8263)

- أخبرنا محمد بن بشار، قال: أنا عبد الرَّحمن، قال: أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن أبي موسى، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أرى أن عبد الله من أهل البيت. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6309]

(2461) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَص، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا مُوسَى، وَأَبَا مَسْعُودٍ حِينَ مَاتَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَتُرَاهُ تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ؟ فَقَالَ: إِنْ قُلْتَ ذَاكَ، إِنْ كَانَ لَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا، ويَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم قريبًا.

2 -

(شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(أَبُو الأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلة - بفتح النون، وسكون

(1)

"السنن الكبرى" 5/ 72.

ص: 280

المعجمة - الْجُشَميّ - بضم الجيم، وفتح المعجمة - الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [3] قُتل في ولاية الحجاج رحمه الله على العراق (بخ م 4) تقدم في "المقدمة" 3/ 11.

4 -

(أَبُو مَسْعُودٍ) عُقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابي الجليل، مات رضي الله عنه قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ب 2 ص 458.

والباقون ذُكروا قبله.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبِيعيِّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلة (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء؛ أي: حضرت (أَبَا مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ رضي الله عنه (وَأَبَا مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ رضي الله عنه (حِينَ مَاتَ) عبد الله (بْنُ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه، تقدّم أنه مات سنة (32) على الصحيح، (فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ) هذا القائل هو أبو مسعود رضي الله عنه، كما تبيّنه الرواية التالية. (أَتُرَاهُ) بضمّ الهمزة؛ أي: أتظنّ ابن مسعود (تَرَكَ بَعْدَهُ)؛ أي: بعد موته، (مِثْلَهُ؟) في العِلم، والهدي، والسَّمت الصالح، (فَقَالَ) الآخر، وهو أبو موسى، كما في الرواية التالية أيضًا:(إِنْ قُلْتَ ذَاكَ)؛ أي: قلتَ: لَمْ يترك بعده مثله، فسببه ما يلي:(إِنْ) مخفّفة من الثقيلة، ولذا دخلت اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية بعدها، كما قال في "الخلاصة":

وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ

وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ

أي: إنه (كَانَ لَيُؤْذَنُ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يأذن له النبيّ صلى الله عليه وسلم بالدخول عليه (إِذَا حُجِبْنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: إذا مُنِعنا نحن من الدخول عليه، (وَ) لكثرة ملازمته صلى الله عليه وسلم حضرًا وسفرًا كان (يَشْهَدُ)؛ أي: يحضر عنده صلى الله عليه وسلم، (إِذَا غِبْنَا) نحن بسبب أشغالنا.

قال الجامع عفا الله عنه: الغرض من هذا الكلام بيان فضل عبد الله بن مسعود، للسَّبْق المذكور، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان يأذن له في الوقت الذي يُحجب عنه الناس، وذلك في الوقت الذي يكون فيه مشتغلًا بخاصّته، وكان هو ملازمًا له صلى الله عليه وسلم في غالب أوقاته، فيحضر ما لا يحضره الآخرون، ويشهد ما يغيبون

ص: 281

عنه، فيحفظ من العلم ما لا يحفظون، فبهذا فاق كثيرًا من الصحابة رضي الله عنهم، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): أثر أبي موسى، وأبي مسعود صلى الله عليه وسلم هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 6309 و 6310 و 3611](2461)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(9/ 89)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(1/ 128 و 129)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(2/ 343 و 3/ 165)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6310]

(. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطْبَةُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - عَنِ الأَعْمَش، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِث، عَنْ أَبِي الأَحْوَص، قَالَ: كُنَّا فِي دَارِ أَبِي مُوسَى مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الله، وَهُمْ يَنْظُرُونَ في مُصْحَفٍ، فَقَامَ عَبْدُ الله، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ؛ مَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ بَعْدَهُ أَعْلَمَ بِمَا أنزَلَ اللهُ مِنْ هَذَا الْقَائِم، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا، وَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(قُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز) بن سِيَاه - بكسر المهملة، بعدها تحتانية خفيفة - الأسديّ الْحِمّاني الكوفيّ، ثقةٌ

(1)

[8].

رَوَى عن الأعمش، وليث بن أبي سُليم، ويوسف بن ميمون الصباغ.

وروى عنه أبو معاوية، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، ويحيى بن آدم، ويحيى بن عبد الحميد الْحِمّاني.

قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ، وقال أيضًا: كان أبي يتتبع

(1)

هذا أَولى من قوله في "التقريب": صدوقٌ؛ لِمَا ستعرفه في ترجمته من توثيق الأئمة له، فتنبَّه.

ص: 282

حديث قطبة، وسليمان بن قرم، ويزيد بن عبد العزيز، ويقول: هؤلاء قوم ثقاتٌ، وهم أتمّ حديثًا من حديث شعبة، وسفيان، هم أصحاب ليث، وإن كان سفيان وشعبة أحفظ منهم، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن قطبة ويزيد ابني عبد العزيز؟ فقال: قطبة أحلى، وقال الترمذيّ: هو ثقةٌ عند أهل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال البزار: صالحٌ، وليس بالحافظ.

أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط هذا برقم (2461)، وحديث (2643):"ما من كتاب الله سورة. . ." الحديث، وحديث (2744):"لَلَّه أشدّ فرحًا بتوبة العبد. . ." الحديث.

3 -

(مَالكُ بْنُ الْحَارِثِ) السلميّ الرقيّ، ويقال: الكوفيّ، ثقةٌ [4].

رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي الأحوص، وعلقمة بن قيس، وعبد الله بن ربيعة، وأبي وائل، وأبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، وغيرهم.

وروى عنه إبراهيم النخعيّ، والأعمش، ومنصور، وعبد الملك بن ميسرة، وطلحة بن مصرّف، وجماعة.

قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".

وقال عمرو بن عليّ: مات سنة أربع وتسعين.

أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"

(1)

والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (2461)، وحديث (2760):"ليس أحد أحبّ إليه المدح من الله عز وجل. . ." الحديث.

والباقون ذُكروا في الباب وقبل ثلاثة أبواب.

(1)

قال الحافظ: وله رواية عن أبيه، عن أبي موسى، علّقها البخاريّ في "الصحيح" لأبي موسى. انتهى.

ص: 283

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة؛ أنه (قَالَ: كُنَّا فِي دَارِ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رضي الله عنه (مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رضي الله عنه (وَهُمْ يَنْظُرُونَ فِي مُصْحَفٍ) بضمّ الميم، أشهر من كسرها، قاله الفيّوميّ

(1)

، وقال المجد: مثلّث الميم

(2)

، ولعلّهم كانوا يقابلون بعضه ببعض، أو يتدارسونه، والله تعالى أعلم، (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود رضي الله عنه من المجلس لبعض حاجته، وهذه الرواية تدلّ على أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه كان في ذلك الوقت حيث أثنى عليه أبو مسعود موجودًا، والرواية السابقة تدلّ على أنه كان بعد موته، ويمكن الجمع بأنه كان ذلك مرّتين، فمرّة أثنى عليه وهو حيّ، ومرّةً وهو ميت، والله تعالى أعلم

(3)

.

(فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ رضي الله عنه: (مَا) نافية، (أَعْلَمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ بَعْدَهُ أَعْلَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ)؛ أي: من القرآن الكريم، (مِنْ هَذَا الْقَائِمِ) قال القاضي عياض رحمه الله: يعني: ابن مسعود خصّه بما أنزل الله، وبعلم القرآن، ولا يقال: إنه أعلم من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ على الجملة، وقد يكون أحد الرجلين أعلم من الآخر بالجملة، والأقلّ علمًا أعلم بباب من العلم، ألا تراه كيف قال عن نفسه في الحديث الآخر:"لقد عَلِم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أعلم بكتاب الله، وما من كتاب الله آية إلَّا أعلم فيمن نزلت، ولا سورة إلَّا أعلم حيث نزلت". انتهى

(4)

.

(فَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ صلى الله عليه وسلم مبيّنًا سبب كون ابن مسعود رضي الله عنه أعلم بكتاب الله عز وجل: (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، كـ "إلا"، (لَئِنْ) اللام هي الموطّئة للقَسَم؛ أي: والله لئن (قُلْتَ ذَاكَ)؛ أي: الذي قلته من كونه أعلم بما في كتاب الله، (لَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا، ويؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا)؛ يعني: أنه إنما حصل له هذا الفضل بسبب ملازمته النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلًا ونهارًا، وحضرًا وسفرًا.

(1)

"المصباح المنير" 1/ 334.

(2)

"القاموس المحيط" ص 729.

(3)

راجع: "تكملة فتح الملهم" 5/ 197 - 198.

(4)

"إكمال المعلم" 7/ 489 - 490.

ص: 284

والحديث من أفراد المصنّف وتقدّم تخريجه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6311]

(. . .) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ - هُوَ ابْنُ مُوسَى - عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِث، عَنْ أَبِي الأَحْوَص، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا مُوسَى، فَوَجَدْتُ عَبْدَ اللهِ وَأَبَا مُوسَى (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ قُطْبَةَ أَتَمُّ، وَأَكْثَرُ).

رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:

1 -

(الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطَّحّان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [11] مات في حدود (ت 250)(م ت س ق) تقدم في "الإيمان" 4/ 118.

2 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، كان يتشيع [9] قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستُصغِر في سفيان الثوريّ (ت 213) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 118.

3 -

(شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى "نحوة" بطنٍ من الأزد، لا إلى علم النحو [7](ت 164)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 118.

4 -

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ) بن معن بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [10].

رَوَى عن أبيه، واسمه عبد الملك، وعنه ابنه إبراهيم، وابن ابنه يحيى بن إبراهيم بن محمد، وابنا أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن سعيد بن الأصبهانيّ، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، وعلي بن سلم الطوسيّ، وغيرهم.

قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس لي به عِلْمٌ، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: له غرائب، وأفرادات، ولا بأس به عندي، وذكره ابن حبان في "الثقات".

ص: 285

قال البخاريّ، عن علي بن مسلم: مات سنة خمس ومائتين.

روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (2461)، وحديث (2713):"اللَّهُمَّ رب السماوات والأرض. . ." الحديث.

5 -

(أَبُوهُ) عبد الملك بن مَعْن بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود الْهُذَليّ، أبو عُبيدة المسعوديّ، ثقةٌ [9].

رَوَى عن الأعمش، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وعنه ابنه محمد، وابن المحاربيّ، وحسين بن ثابت، وأحمد بن يحيى الأحول، مشهور بكنيته، وقَلَّ أن يَرِد في الرواية إلَّا بها.

قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ.

روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة ابنه آنفًا.

6 -

(زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليلٌ، لَمْ يُصِب من قال: في حديثه خللٌ [2] مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست وتسعين (ع) تقدم في "الإيمان" 67/ 374.

والباقون ذُكروا قبله.

[تنبيه]: رواية شيبان النحويّ عن الأعمش ساقها يعقوب بن سفيان رحمه الله في "المعرفة والتاريخ"، فقال:

حَدَّثَنَا عبيد الله، ثنا شيبان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبي الأحوص، قال: أتيت أبا موسى الأشعريّ، وعبد الله بن مسعود، وأبا مسعود الأنصاريّ، وهم ينظرون إلى مصحف، فتحدثثا ساعةً، ثم خرج عبد الله، فذهب، فقال أبو مسعود: والله ما أعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم ترك أحدًا أعلم بكتاب الله من هذا القائم. انتهى

(1)

.

وأما رواية أبي عبيدة عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

(1)

"المعرفة والتاريخ" 2/ 316.

ص: 286

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6312]

(2462) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ قَالَ:{وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي

(1)

أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ الله، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْه، قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْه، وَلَا يَعِيبُهُ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [2] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 57.

والباقون ذُكروا في الباب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه عبد الله مهملًا، وتقدّم أنه ابن مسعود رضي الله عنه؛ لكون الإسناد كوفيًّا.

شرح الحديث:

(عَنْ شَقِيقِ) بن سلمة أبي وائل، قال في "الفتح": في رواية مسلم

(2)

والنسائيّ جميعًا: عن إسحاق، عن عبدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، وهو شقيق المذكور، وجاء عن الأعمش فيه شيخ آخر، أخرجه النسائيّ عن

(1)

وفي نسخة: "تأمرونني".

(2)

هكذا قال في "الفتح"، ولا يوجد فيما بين أيدينا من نُسخ مسلم هنا:"عن أبي وائل"، وإنما هو: عن شقيق، ولعل نسخة الحافظ فيها ذلك، فليُحوّر، والله تعالى أعلم.

ص: 287

الحسن بن إسماعيل، عن عبدة بن سليمان، عنه، عن أبي إسحاق، عن هُبيرة بن يَرِيم، عن ابن مسعود، فإن كان محفوظًا احتَمَل أن يكون للأعمش فيه طريقان، وإلا فإسحاق، وهو ابن راهويه أتقن من الحسن بن إسماعيل، مع أن المحفوظ عن أبي إسحاق فيه ما أخرجه أحمد، وابن أبي داود، من طريق الثوريّ وإسرائيل وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن خُمَير -بالخاء المعجمة، مصغرًا- عن ابن مسعود، فحصل الشذوذ في رواية الحسن بن إسماعيل في موضعين. انتهى

(1)

.

(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رضي الله عنه؛ (أنَّهُ قَالَ: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]) قال النوويّ رحمه الله: فيه محذوف، وهو مختصر مما جاء في غير هذه الرواية، معناه: أن ابن مسعود كان مصحفه يخالف مصحف الجمهور، وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه، فأنكر عليه الناس، وأمروه بترك مصحفه، وبموافقة مصحف الجمهور، وطلبوا مصحفه أن يحرّقوه، كما فعلوا بغيره، فامتَنَعَ، وقال لأصحابه: غُلُّوا مصاحفكم؛ أي: اكتموها، {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}؛ يعني: فإذا غللتموها جئتم بها يوم القيامة، وكفى لكم بذلك شرفًا، ثم قال على سبيل الإنكار: ومن هو الذي تأمرونني أن آخذ بقراءته، وأترك مصحفي الذي أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قال القاضي أبو الفضل: هذا الحديث في مسلم مختصر، مبتور، إنما ذكر منه أطرافًا لا تشرح مقصد الحديث، وبيانه في سياق آخر، ذكره ابن أبي خيثمة بسنده إلى أبي وائل، وهو شقيق، راوي الحديث في مسلم؛ قال: لمّا أُمر في المصاحف بما أُمر؛ يعني: أمر عثمان بتحريقها ما عدا المصحف المجتمَع عليه الذي وجَّه منه النّسخ إلى الآفاق، ورأى هو والصحابة رضي الله عنهم أن بقاء تلك المصاحف يُدخل اللَّبس والاختلاف، ذكر ابن مسعود الغلول، وتلا الآية، ثم قال: غلُّوا المصاحف، إني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع أن يَغلَّ مصحفه فليفعل، فإنَّ الله تعالى يقول: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ

(1)

"الفتح" 11/ 225، كتاب "فضائل القرآن" رقم (5000).

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 16.

ص: 288

يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]، ثم قال: على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟؛ على قراءة زيد بن ثابت؛ لقد أخذت القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يَلعب مع الغلمان، وفي أخرى: صبي من الصبيان، فتمام هذا الحديث يُظهر كلام عبد الله.

وقوله: "غُلُّوا مصاحفكم. . ." إلى آخره؛ أي: اكتموها، ولا تُسَلِّموها، والتزموها إلى أن تلقوا الله تعالى بها، كما يفعل مَن غَلّ شيئًا، فإنه يأتي به يوم القيامة، ويحمله، وكان هذا رأيًا منه رآه، انفرد به عن الصحابة رضي الله عنهم، ولم يوافقه أحد منهم عليه، فإنَّه كتم مصحفه، ولم يُظهره، ولم يَقْدر عثمان ولا غيره عليه أن يظهره، وانتشرت المصاحف التي كتبها عثمان، واجتمع عليها الصحابة في الآفاق، وقرأ المسلمون عليها، وتُرك مصحف عبد الله، وخُفِيَ إلى أن وُجد في خزائن بني عبيد بمصر عند انقراض دولتهم، وابتداء دولة المعزّ، فأمر بإحراقه قاضي القضاة بها صدر الدين، على ما سمعناه من بعض مشايخنا، فأُحرق. انتهى

(1)

.

(ثُمَّ قَالَ) ابن مسعود رضي الله عنه: (عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُوني) وفي نسخة: "تأمرونني"، و"على قراءة" متعلّق بـ "أقرأ"، و"قراءة" مضاف، و"من" استفهامية مضاف إليها؛ أي: على قواءة أيِّ شخص تأمروني (أَنْ أَقْرَأَ؟) هذا إنكار منه على الناس الذين أمروه أن يقرأ بمصحف عثمان رضي الله عنه.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟ " إنكار منه على من يأمره بترك قراءته، ورجوعه إلى قراءة زيد، مع أنه سابق له إلى حفظ القرآن، وإلى أَخْذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصَعُب عليه أن يترك قراءة قرأها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرأ بما قرأه زيد، أو غيره، فتمسَّك بمصحفه، وقراءته، وخفي عليه الوجه الذي ظهر لجميع الصحابة رضي الله عنهم من المصلحة التي هي من أعظم ما حَفِظ الله بها القرآن عن الاختلاف المخلّ به، والتغيير بالزيادة والنقصان.

وقد تقدَّم القول في الأحرف السبعة، وفي كيفية الأمر بذلك، وكان من

(1)

"المفهم" 6/ 373.

ص: 289

أعظم الأمور على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن الصحابة رضي الله عنهم لمّا عزموا على كَتْب المصحف بِلُغَةِ قريش عيَّنوا لذلك أربعة لم يكن منهم ابن مسعود، فكتبوه على لغة قريش، ولم يُعَرِّجوا على ابن مسعود مع أنه أسبقهم لِحِفظ القرآن، ومِنْ أعلمهم به، كما شهدوا له بذلك، غير أنه رضي الله عنه كان هُذليًا كما تقدم، وكانت قراءته على لغتهم، وبينها وبين لغة قريش تباين عظيم، فلذلك لم يُدخلوه معهم، والله تعالى أعلم. انتهى

(1)

.

ثم علّل إنكاره بقوله: (فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم)؛ أي: أخذت القراءة من فيه صلى الله عليه وسلم إلى فيّ مشافهةً، فكيف أتركها، وأقرأ بما لم آخذه منه؟ (بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً) قال الفيّوميّ رحمه الله: البِضْعٌ في العدد بالكسر، وبعض العرب يَفتح، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب: من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث، فيقال: بِضْعُ رجال، وبِضْعُ نسوة، ويُستعمل أيضًا من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تَثبت الهاء في بِضْعٍ مع المذكر، وتُحذف مع المؤنث؛ كالنَّيِّف، ولا يُستعمل فيما زاد على العشرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بِضْعَة وعشرون رجلًا، وبِضْعٌ وعشرون امرأةً، وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا: على هذا معنى البِضْع، والبِضْعَةِ في العدد قطعةٌ مبهمةٌ غير محدودة. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح": قوله: "لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورةً" زاد عاصم عن بدر، عن عبد الله:"وأخذت بقية القرآن عن أصحابه"، وعند إسحاق بن راهويه في روايته المذكورة في أوله:" {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161] ثم قال: على قراءة من تأمرونني أن أقرأ، وقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. . ." فذكر الحديث، وفي رواية النسائيّ، وأبي عوانة، وابن أبي داود، من طريق ابن شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال:"خطبنا عبد الله بن مسعود على المنبر، فقال: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} غُلُّوا مصاحفكم، وكيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "، مثله. وفي رواية خُمير بن مالك

(1)

"المفهم" 6/ 374.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 50 - 51.

ص: 290

المذكورة: بيان السبب في قول ابن مسعود هذا، ولفظه:"لمّا أُمر بالمصاحف أن تُغَيَّر ساء ذلك عبد الله بن مسعود، فقال: "من استطاع. . ." وقال في آخره: "أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم

"، وفي رواية له: "فقال: إني غالّ مصحفي، فمن استطاع أن يغلّ مصحفه فليفعل"، وعند الحاكم من طريق أبي ميسرة، قال: رُحت، فإذا أنا بالأشعريّ، وحذيفة، وابن مسعود، فقال ابن مسعود: والله لا أدفعه -يعني: مصحفه- أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذَكَره. انتهى

(1)

.

(وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ) قال القرطبيّ رحمه الله: يعني: أنه أعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع أحكامه، بدليل قوله في الرواية الأخرى:"ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أعلم فيما أُنزلت"، وسَبَبُ ذلك ملازمته للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ومباطنته إيَّاه سفرًا وحضرًا؛ كما قدَّمنا، وأما في القراءة فأُبيٌّ أقرأ منه، بدليل قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أقرؤكم أُبَيّ"

(2)

، والخطابُ للصحابة كلُّهم. انتهى

(3)

.

وفي رواية البخاريّ: "والله لقد عَلِم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم"، قال في "الفتح": وقع في رواية عبدة، وأبي شهاب جميعًا عن الأعمش:"أني أعلمهم بكتاب الله" بحذف "من"، وزاد:"ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه"، وهذا لا ينفي إثبات "مِنْ"، فإنه نفى الأغلبية، ولم يَنْف المساواة.

وقوله: "وما أنا بخيرهم" يُستفاد منه أن الزيادة في صفة من صفات الفضل لا تقتضي الأفضلية المطلقة، فالأعلمية بكتاب الله لا تستلزم الأعلمية المطلقة، بل يَحْتَمِل أن يكون غيره أعلم منه بعلوم أخرى، فلهذا قال:"وما أنا بخيرهم". انتهى

(4)

.

(وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ) هذا تأكيد لكونه أعلمَهم

(1)

"الفتح" 11/ 225 - 226.

(2)

رواه أحمد في "مسنده" 3/ 184، والترمذيّ 3790، وابن ماجه 155.

(3)

"المفهم" 6/ 375.

(4)

"الفتح" 11/ 225 - 226.

ص: 291

بكتاب الله، وفيه شدّة حرصه على الاستزادة من العلم، فلو وجد أحدًا أعلم منه لرحل إليه، وأخذ منه.

(قَالَ شَقِيقٌ)؛ أي: ابن سلمة بالإسناد المذكور: (فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم)"الْحَلَق" بفتح الحاء واللام، ويقال: بكسر الحاء وفتح اللام، قال القاضي: وقالها الحربيّ: بفتح الحاء، وإسكان اللام، وهو جمع حَلْقة بإسكان اللام، على المشهور، وحَكَى الجوهريّ وغيره فَتْحها أيضًا، واتفقوا على أن فَتْحها ضعيف، فعلى قول الحربيّ هو كتَمْر وتَمْرة، قاله النوويّ رحمه الله

(1)

.

(فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْه، وَلَا يعِيبُهُ) بفتح أوله ثلاثيًّا، من العيب، وفي رواية البخاريّ:"فما سمعت رادًّا يقول غير ذلك"، قال في "العمدة": قوله؟ "رادًّا"؛ أي: عالِمًا يرُدّ الأقوال؛ لأن ردّ الأقوال لا يكون إلا للعلماء، وغرضه: أن أحدًا لم يردّ عليه هذا الكلام، بل سلموا إليه. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح": يعني: أنه لم يسمع من يخالف ابن مسعود يقول غير ذلك، أو المراد: من يردّ قوله ذلك، وفي رواية أبي شهاب:"فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق، فما أحدٌ يُنكر ما قال"، وهذا يُخَصِّص عموم قوله:"أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بمن كان منهم بالكوفة".

ولا يعارض ذلك ما أخرجه ابن أبي داود، من طريق الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، فذكر نحو حديث الباب، وفيه: قال الزهريّ: فبلغني أن ذلك كرهه من قول ابن مسعود رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه محمول على أن الذين كَرِهوا ذلك من غير الصحابة الذين شاهدهم شقيق بالكوفة.

ويَحْتَمِل اختلاف الجهة، فالذي نَفَى شقيق أن أحدًا ردّه، أو عابه: وَصْف ابن مسعود بأنه أعلمهم بالقرآن، والذي أثبته الزهريّ: ما يتعلق بأمره بِغَلِّ المصاحف، وكأن مراد ابن مسعود بغَلّ المصاحف كَتْمها، وإخفاؤها؛ لئلا تَخْرج، فتُعْدَم، وكأن ابن مسعود رأى خلاف ما رأى عثمان، ومن وافقه في

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 16.

(2)

"عمدة القاري" 20/ 25.

ص: 292

الاقتصار على قراءة واحدة، وإلغاء ما عدا ذلك، أو كان لا يُنكر الاقتصار؛ لِمَا في عدمه من الاختلاف، بل كان يريد أن تكون قراءته هي التي يُعَوَّل عليها دون غيرها؛ لِمَا له من المزيّة في ذلك، مما ليس لغيره، كما يؤخذ ذلك من ظاهر كلامه، فلمّا فاته ذلك، ورأى أن الاقتصار على قراءة زيد ترجيح بغير مرجح عنده اختار استمرار القراءة على ما كانت عليه، على أن ابن أبي داود ترجم:"باب رِضَى ابن مسعود بعد ذلك بما صنع عثمان"، لكن لم يورد ما يُصَرِّح بمطابقة ما ترجم به، قاله في "الفتح"

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 6312](2462)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن"(5000)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 8) و"فضائل القرآن"(1/ 76)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(9/ 72)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 469)، و (الشاشيّ) في "مسنده"(2/ 75)، و (ابن عساكر) في "تاريخ دمشق"(33/ 135)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث كان أعلم الصحابة رضي الله عنه بكتاب الله عز وجل.

2 -

(ومنها): جواز ذِكر الإنسان نفسه بالفضيلة، والعلم، ونحوه، للحاجة، وأما النهي عن تزكية النفس فإنما هو لمن زكَّاها ومَدَحها لغير حاجة، بل للفخر والإعجاب، وقد كثرت تزكية النفس من الأماثل عند الحاجة، كدفع شرّ عنه بذلك، أو تحصيل مصلحة للناس، أو ترغيب في أخذ العلم عنه، أو نحو ذلك، فمن المصلحة: قول يوسف صلى الله عليه وسلم: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، ومِن دفع الشرّ: قول عثمان رضي الله عنه في وقت

(1)

"الفتح" 11/ 225 - 226، كتاب "فضائل القرآن" رقم (5000).

ص: 293

حِصاره: إنه جَهَّز جيش العسرة، وحفر بئر رُومة، ومن الترغيب: قول ابن مسعود رضي الله عنه هذا، وقول سهل بن سعد رضي الله عنه:"ما بقي أحدٌ أعلم بذلك مني"، وقول غيره:"على الخبير سقطتَ"، وأشباهه

(1)

.

3 -

(ومنها): أن قوله: "وما أنا بخيرهم"؛ يعني: ما أنا بأفضلهم؛ إذ العشرة المبشرون بالجنّة أفضل منه بالاتفاق.

4 -

(ومنها): أن زيادة العلم لا توجب الأفضلية؛ لأن كثرة الثواب لها أسباب أُخَر من التقوى، والإخلاص، وإعلاء كلمة الله عز وجل، وغيرها، مع أن الأعلمية بكتاب الله تعالى لا تستلزم الأعلمية مطلقًا؛ لاحتمال أن يكون غيره أعلم بالسُّنَّة.

5 -

(ومنها): استحباب الرحلة في طلب العلم، والذهاب إلى الفضلاء، حيث كانوا.

6 -

(ومنها): أن الصحابة رضي الله عنهم لم ينكروا قول ابن مسعود رضي الله عنه: إنه أعلمهم، والمراد: أعلمهم بكتاب الله عز وجل، كما صَرَّح به، فلا يلزم منه أن يكون أعلم من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ وغيرهم رضي الله عنهم بالسُّنَّة، ولا يلزم من ذلك أيضًا أن يكون أفضل منهم عند الله تعالى، فقد يكون واحد أعلم من آخر بباب من العلم، أو بنوع، والآخر أعلم من حيث الجملة، وقد يكون واحد أعلم من آخر، وذاك أفضل عند الله بزيادة تقواه، وخشيته، وورعه، وزهده، وطهارة قلبه، وغير ذلك، ولا شكّ أن الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم كلٌّ منهم أفضل من ابن مسعود رضي الله عنه

(2)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6313]

(2463) - (حَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثنَا قُطْبَةُ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ مُسْلِم، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْ كِتَابِ اللهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ).

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 16 - 17.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 17.

ص: 294

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(مُسْلِمُ) بن صُبيح -بالتصغير - الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحَى الكوفيّ العطار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [4](ت 100)(ع) تقدم في "الطهارة" 22/ 635.

2 -

(مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مُخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [2] مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين (ع) تقدم في "الإيمان" 27/ 217.

والباقون ذُكروا قبل حديثين

(1)

.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن مسلم، عن مسرق، وفيه عبد الله بالإهمال، وقد سبق القول فيه قريبًا.

شرح الحديث:

(عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابن صُبيح، أبو الضحى الكوفيّ، وقع كذلك في رواية أبي حمزة، عن الأعمش، عند الإسماعيليّ، وفي طبقة مسلم هذان رجلان من أهل الكوفة، يقال لكل منهما: مسلم، أحدهما يقال له: الأعور، والآخر يقال له: الْبَطِين، فالأول هو مسلم بن كيسان، والثاني مسلم بن عمران، قال الحافظ: ولم أر لواحد منهما رواية عن مسروق، فإذا أُطلق مسلم عن مسروق عُرِف أنه هو أبو الضحى، ولو اشتركوا في أن الأعمش روى عن الثلاثة. انتهى

(2)

.

(عَنْ مَسْرُوقِ) بن الأجدع الْهَمْدانيّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رضي الله عنه، قال في "الفتح": في رواية قطبة، عن الأعمش، عند مسلم:"عن عبد الله بن مسعود". انتهى.

(1)

[تنبيه]: وقع في هذا السند غلط في برنامج الحديث للكتب التسعة، حيث كتب هنا ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو غلط فاحش، والصواب أنه عبد الله بن مسعود، وأما ابن العاص فسيأتي في الحديث التالي، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.

(2)

"الفتح" 11/ 229، كتاب "فضائل القرآن" رقم (5002).

ص: 295

قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في "الفتح"، ولكن الموجود في النُّسخ التي بين أيدينا من "صحيح مسلم":"عن عبد الله"، فقط، ولعلّ نسخة الحافظ كما قال، والله تعالى أعلم.

(قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ) وفي رواية جرير، عن الأعمش، عند ابن أبي داود: "قال عبد الله لَمّا صُنِع بالمصاحف ما صنع: والله

إلخ". (مَا) نافية (مِنْ كِتَاب اللهِ) الجارّ والمجرور بيان مقدّم لقوله: (سُورَةٌ إِلَّا أنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ)؛ أَي: المكان الذي أُنزلت فيه، (وَمَا) نافية أيضًا، (مِنْ آيَةٍ) "من" زائدة للتوكيد، (إِلَّا أنا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ) "ما" موصولة؛ أي: في الأمر الذي أُنزلت من أجله، وفي رواية عند البخاريّ: "فيمن نزلت" أي: في الشخص الذي نزلت من أجله، (وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ) في رواية للبخاريّ: "تبلغنيه" (الابِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ) تقدم في الحديث الماضي بلفظ: "لرحلت إليه"، ولأبي عبيدة من طريق ابن سيرين: "نُبِّئت أن ابن مسعود قال: لو أعلم أحدًا تُبلغنيه الإبل، أحدثُ عهدًا بالعرضة الأخيرة مني لأتيته، أو قال: لتكلفت أن آتيه"، وكأنه احترز بقوله: "تبلغنيه الإبل" عمن لا يَصِل إليه على الرواحل، إما لكونه كان لا يركب البحر، فقيَّد بالبرّ، أو لأنه كان جازمًا بأنه لا أحد يفوقه في ذلك من البشر، فاحترز عن سكّان السماء.

وفي الحديث جواز ذِكر الإنسان نفسه بما فيه من الفضيلة بقدر الحاجة، ويُحْمَل ما ورد من ذمّ ذلك على من وقع ذلك منه فخرًا أو إعجابًا

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [22/ 6313](2463)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن"(5502)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(9/ 73)، و (البزّار) في

(1)

"الفتح" 11/ 229، كتاب "فضائل القرآن" رقم (5002).

ص: 296

"مسنده"(5/ 343)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(2/ 342)، و (الشاشيّ) في "مسنده"(2/ 75)، و (يعقوب بن سفيان) في "المعرفة والتاريخ"(2/ 315)، و (الخطيب) في "الرحلة في طلب الحديث"(1/ 95)، و (ابن عساكر) في "تاريخ دمشق"(33/ 136)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6314]

(2464) - (حَدثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا نَأتِي عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، فَنَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ -وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: عِنْدَهُ - فَذَكرْنَا يَوْمًا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَقَدْ ذَكرْتُمْ رَجُلًا لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ -فَبَدَأَ بِهِ - وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبيِ حُذَيْفَةَ").

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا.

2 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد -بالتصغير - ابن سعد بن سهم السهميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة، على الأصح بالطائف، على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 18.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ستّة أبواب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وهو مسلسلٌ بالكوفيين إلا الصحابيّ، فطائفيّ، وفيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض.

شرح الحديث:

(عَنْ مَسْرُوقٍ)؛ أي: ابن الأجدع؛ أنه (قَالَ: كُنَّا نَأْتِي عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله عنهما (فَنَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ)، وقوله:(وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ)؛ يعني: شيخه الثاني محمد بن عبد الله بن نُمير، (عِنْدَهُ) بدل قول ابن أبي شيبة:"إليه"؛ أي:

ص: 297

"نتحدّث عنده"، (فَذَكَرْنَا يَوْمًا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (فَقَالَ) عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:(لَقَدْ ذَكَرْتُمْ رَجُلًا)؛ يعني: ابن مسعود، (لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) ثم بيّن الشيء الذي سمعه منه صلى الله عليه وسلم، بقوله:(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم -يَقُولُ) جملة "سمعت

إلخ" مستأنَفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأنهم قالوا له: ماذا سمعت؟، فأجابهم بقوله: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ("خُذُوا الْقُرْآنَ)؛ أي: تعلّموه (مِنْ أَرْبَعَةٍ) قال العلماء: سببه أن هؤلاء أكثر ضبطًا لألفاظه، وأتقن لأدائه، وإن كان غيرهم أفقه في معانيه منهم، أو لأن هؤلاء الأربعة تفرّغوا لِأخذه منه صلى الله عليه وسلم مشافهةً، وغيرهم اقتصروا على أَخْذ بعضهم من بعض، أو لأن هؤلاء تفرغوا لَأَن يؤخذ عنهم، أو أنه صلى الله عليه وسلم أراد الإعلام بما يكون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مِن تقدّم هؤلاء الأربعة، وتمكّنهم، وأنهم أقعد من غيرهم في ذلك، فليؤخذ عنهم، ذَكَره النوويّ رحمه الله

(1)

.

وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أنه صلى الله عليه وسلم أراد الإعلام بما يكون بعده؛ أي: أن هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك.

وتُعُقّب بأنهم لم ينفردوا، بل الذين مَهَروا في تجويد القرآن بعد العصر النبويّ أضعاف المذكورين، وقد قُتل سالم مولى أبي حذيفة بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم في وقعة اليمامة، ومات معاذ في خلافة عمر، ومات أُبَيّ، وابن مسعود في خلافة عثمان، وقد تأخر زيد بن ثابت، وانتهت إليه الرياسة في القراءة، وعاش بعدهم زمانًا طويلًا، فالظاهر أنه أَمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صَدَر فيه ذلك القول، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل كان الذين يحفظون مثل الذين حفظوه، وأَزْيد منهم جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وقد تقدم في غزوة بئر معونة أن الذين قُتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم: القراء، وكانوا سبعين رجلًا، قاله في "الفتح"

(2)

.

وقوله: (مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) بدل من الجارّ والمجرور، وهو عبد الله بن مسعود، نُسب لأمه؛ لكونها أسلمت، فأحرزت الفضل، بخلاف أبيه، فقد مات

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 17 - 18.

(2)

"الفتح" 9/ 48.

ص: 298

كافرًا. (فَبَدَأَ) صلى الله عليه وسلم (بِهِ)؛ أي: بابن مسعود قبل الثلاثة؛ تنويهًا بفضله، وإشادة برفعة درجته، (وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلِ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، وقال القرطبيّ رحمه الله: هو معاذ بن جبل بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، يُكنى: أبا عبد الرحمن، قيل: بولد كان له كَبُر إلى أن قاتل مع أبيه في اليرموك، ومات بالطاعون قبل أبيه بأيام، على ما ذكره محمد بن عبد الله الأزديّ البصريّ في "فتوح الشام" وغيره. وقال الواقديّ: إنه لم يولد لمعاذ قط، وقاله المدائنيّ. أسلم معاذ، وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين، وشهد بدرًا، وجميع المشاهد، وولَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمل من أعمال اليمن، وخرج معه النبيّ صلى الله عليه وسلم مودِّعًا ماشيًا، ومعاذ راكبًا، منعه من أن ينزل، وقال فيه صلى الله عليه وسلم:"أعلمكم بالحلال والحرام معاذ". وقال: "إنه يسبق العلماء يوم القيامة رتوة

(1)

بحجر"، وقال فيه ابن مسعود: إنه كان أمة قانتًا لله، وقال: الأمة: هو الذي يعمّ الناس الخير، والقانت: هو المطيع لله عز وجل، وكان عابدًا، مجتهدًا، وَرِعًا، محققًا، كان له امرأتان، فإذا كان يوم إحداهما: لم يشرب من بيت الأخرى، وماتتا بالطاعون في وقت واحد، فحَفَر لهما حفرة، فأسهم بينهما أيتهما تُقدَّم في القبر، وكان مجاب الدعوة؛ لمّا كان طاعون عمواس -وعمواس قرية من قرى الشام، وكأنها إنما نُسب الطاعون إليها؛ لأنَّه أول ما نزل فيها - فقال بعض الناس: هذا عذاب، فبلغ ذلك معاذًا فأنكر ذلك، وخطب فقال: أيها الناس! إن هذا الوجع رحمةُ ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم. اللَّهُمَّ آت آل معاذ من هذه الرحمة النصيب الأوفى. فما أمسى حتى طُعِن ابنه عبد الرحمن، وماتت زوجتاه، ثم طُعِن من الغد مِن دَفْن وَلَده، فاشتد وجعه فمات منه، وذلك في سنة سبع عشرة، وقيل: سنة ثمان عشرة، وسنُّه يومئذ ثمان وثلاثون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون سنة، رُوي عنه من الحديث: مائة حديث، وسبعة وخمسون حديثًا، أخرج له منها في "الصحيحين" ستة أحاديث. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: تقدّمت ترجمة معاذ رضي الله عنه في "الإيمان" 7/ 130، وإنما أعَدْتها لطول العهد بها، فتنبّه.

(1)

"الرتوة": الرمية.

(2)

"المفهم" 6/ 376 - 377.

ص: 299

(وَأُبيِّ بْنِ كَعْبِ) بن قيس بن عُبيد الأنصاريّ الخزرجيّ، سيّد القرّاء المتوفّى سنة (19 أو 32) تقدّمت ترجمته في "شرح المقدمة" جـ 2 ص 466، وتأتي مناقبه في الباب التالي -إن شاء الله تعالى. (وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) وهو سالم بن معقل -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر القاف -يكنى أبا عبد الله، كان من الفُرس، وكان عبدًا لثُبيتة -بضمّ الثاء المثلّثة، وفتح الباء الموحّدة، وإسكان الياء المثنّاة، من تحتُ، بعدها تاءٌ - وقيل في اسمها غير ذلك، استُشهد باليمامة سنة اثنتي عشرة.

وقال القرطبيّ رحمه الله: هو سالم بن مَعْقِل، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، يُكنى سالم أبا عبد الله، وكان من أهل فارس من اصطخر، وكان من فضلاء الموالي، ومن خيار الصحابة وكبرائهم، وهو معدودٌ في المهاجرين؛ لأنَّه لمّا أعتقته مولاته زَوْج أبي حذيفة

(1)

، وهي عمرة بنت يعار. وقيل: سلمى، وقيل غير ذلك، تولى أبا حذيفة فتبنَّاه أبو حذيفة، وهوأيضًا معدودٌ في الأنصار؛ لِعِتْق مولاته المذكورة له وهي أنصارية، وهو معدودٌ في القرَّاء، قيل: إنه هاجر مع عمر بن الخطاب ونفر من الصحابة من مكة رضي الله عنهم، فكان يؤمهم؛ لأنَّه كان أكثرهم قرانًا، وكان يؤم المهاجرين بقباء فيهم عمر بن الخطاب، شهد سالم بدرًا، وقُتل يوم اليمامة ومولاه أبو حذيفة. فوُجد رأس أحدهما عند رِجْلَي الآخر، وذلك سنة اثنتي عشرة. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: تقدّمت ترجمة سالم هذا في "كتاب الرضاع" برقم [7/ 3600](1453)، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنف) هنا [22/ 6314 و 6315 و 6316 و 6317 و 6318

(1)

هذا فيه نظر، فإن مولاته ليست امرأة أبي حُذيفة، وإنما هي امراْة أخرى أنصاريّة اختُلف في اسمها، فقيل: ثُبيتة، وقيل غير ذلك، فتنبّه.

(2)

"المفهم" 6/ 377 - 378.

ص: 300

و 6319] (2464)، و (البخاريّ) في "فضائل الصحابة"(3758 و 3760 و 3806 و 3808) و"فضائل القرآن"(4999)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(5/ 674)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 67 و 76)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه"(6/ 138)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(2/ 4)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه"(10/ 518)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 163 و 175 و 190 و 191)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط"(3/ 39)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(736 و 7122 و 7128)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(1/ 229)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل هؤلاء الصحابة الأربعة رضي الله عنهم.

2 -

(ومنها): بيان فضل القرآن الكريم، وأن من اعتنى بحفظه، ومعانيه يُرفع على غيره، وهذا هو الذي صرّح به في حديث عمر رضي الله عنه، فقد أخرج مسلم من طريق ابن شهاب، عن عامر بن واثلة؛ أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعُسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين".

3 -

(ومنها): استحباب محبة من يكون ماهرًا في القرآن؛ لِشَرَفه ورفعة درجته به.

4 -

(ومنها): أن البداءة بالرَّجُل في الذِّكر على غيره في أمر اشتَرَك فيه مع غيره يدلّ على تقدّمه فيه، والله تعالى أعلم.

[6315]

(. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَذَكَرْنَا حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُهُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ -فَبَدَأَ بِهِ - وَمِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ،

ص: 301

وَمِنْ سَالِمِ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمِنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ"، وَحَرْفٌ لَمْ يَذْكُرْهُ زُهَيْرٌ قَوْلُهُ: يَقُولُهُ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريبًا.

3 -

(عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

4 -

(جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، تقدّم أيضًا قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب.

وقوله: (يَقُولُهُ) جملة في محل نَصْب على الحال من فاعل "سمعته".

وقوله: (سَمِعْتُهُ يَقُولُ

إلخ) جملة مستأنفة اسئنافًا بيانيًّا، كما تقدّم قريبًا.

وقوله: (مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ) بفتحتين جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، فلا يقال: نفَرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ

(1)

.

وقال في "التاج": النَّفَرُ محرَّكةً: الناسُ كلُّهم، وقيل: النَّفَر، والرَّهْط: ما دونَ العشرةِ من الرِّجال. ومنهم من خَصَّص، فقال: الرِّجال دون النساء، وقال أبو العباس: النَّفَر، والرَّهْط، والقوم، هؤلاء معناهم الجمع، لا واحدَ لهم من لَفْظِهم، قال سيبويه: والنَّسَب إليه نفَرِيٌّ، كالنَفير كأَمير، جَمْعه أَنْفَار، كَسَبَب وأَسْباب، والنَّفَر: رَهْطُ الإنسان، وعَشيرتُه، وهو اسمُ جمعٍ يقعُ على جماعةٍ من الرجالِ خاصّةً ما بين الثلاثةِ إلى العَشرة. وقال الليث: يقال: هؤلاء عَشَرَةُ نَفَرٍ؛ أي: عَشَرَةُ رجال، ولا يقال: عِشرون نَفَرًا، ولا ما فوق العشرة. انتهى

(2)

.

وقوله: (فَبَدَأَ بِهِ)؛ أي: بابن أم عبد: عبد الله بن مسعود، وهذا قاله عبد الله بن عمرو إشارة أنه يُحبّه حبًّا زائدًا على غيره، لكونه صلى الله عليه وسلم بدأ بذكره قبل غيره، فإن هذا يدلّ على فضله.

(1)

"المصباح المنير" 2/ 617.

(2)

"تاج العروس" 1/ 3559.

ص: 302

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "فبدأ به" ليس فيه دليل على أنه أقرأ من أُبي، فإنَّه قد بيَّن صلى الله عليه وسلم بالنص الجليّ أن أُبيًّا أقرأ منه، ومن غيره، فيَحْتَمِل أن يقال: إن الموجب لابتدائه اختصاصه به، وملازمته إياه، وحضوره في ذهنه، لا أنه أقرأ الأربعة، والله تعالى أعلم.

وهذا كله بناء على: أن المقدَّم من المعطوفات له مزيَّة على المتأخر، وفيه نظر قد تقدَّم في "الطهارة"، وفي "الحج"، وتخصيص هؤلاء الأربعة بالذّكر دون غيرهم ممن حَفِظ القرآن من الصحابة رضي الله عنه، وهم عدد كثير كما يأتي؛ لأنَّ هؤلاء الأربعة هم الذين تفرغوا لإقراء القرآن، وتعليمه دون غيرهم، ممن اشتغل بغير ذلك من العلوم، أو العبادات، أو الجهاد، وغير ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عَلِم أنهم هم الذين ينتصبون لتعليم الناس القرآن بعده، وليؤخذ عنهم؛ فأحال عليهم لِمَا عَلِم من مآل أمرهم، كما قد أظهر الموجود من حالهم؛ إذ هم أئمة القرَّاء، وإليهم تنتهي في الغالب أسانيد الفضلاء، والله أعلم. انتهى

(1)

.

وقوله: (وَحَرْفٌ لَمْ يَذْكُرْهُ زُهَيْرٌ)"حرفٌ" خبر مقدّم عن قوله: "قوله"، وقوله:"لم يذكره زهير" جملة في محل رفع صفة لـ "حرفٌ"، وقوله:"يقوله " مقول القول محكيّ؛ لِقَصْد لفظه.

والمعنى: أن شيخه الثاني، وهو زهير بن حرب خالف شيخيه الأول، والثالث بشيء تَرك ذِكره، وهو (قَوْلُهُ: يَقُولُهُ)؛ أي: ترك ذِكر هذه الجملة التي في قوله: "بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُهُ".

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6316]

(. . .) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الأَعْمَش، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، وَوَكِيعٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَدَّمَ مُعَاذًا قَبْلَ أبَيٍّ، وَفي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ أُبَيٌّ قَبْلَ مُعَاذٍ).

(1)

"المفهم" 6/ 376.

ص: 303

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب.

[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش ساقها الترمذيّ رحمه الله في "جامعه"، فقال:

(3810)

- حدّثنا هنّاد، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. انتهى

(1)

.

ورواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية ساقها ابن أبي شيبة في "مصنّفه"، فقال:

(30127)

- حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة". انتهى

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6317]

(. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَش، بِإسْنادِهِمْ، وَاخْتَلَفَا عَنْ شُعْبَةَ فِي تَنْسِيقِ الأَرْبَعَةِ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [9](ت 194) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 128.

2 -

(بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العَسْكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغْرِب [10](ت 3 أو 255)(خ م د س) تقدم في "الإيمان" 23/ 200.

(1)

"جامع الترمذي" 5/ 674.

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة" 6/ 138.

ص: 304

والباقون ذُكروا في الباب.

وقوله: (بِإسْنَادِهِمْ) الضمير لرواة الأعمش المذكورين في الأسانيد الماضية، وهم: وكيعٌ، وجريرٌ، وأبو معاوية؛ أي: بإسناد الرواة عن الأعمش، والله تعالى أعلم.

وقوله: (وَاخْتَلَفَا عَنْ شُعْبَةَ فِي تَنْسِيقِ الأَرْبَعَةِ) أراد بهذا أن ابن أبي عديّ، ومحمد بن جعفر اختلفا في ترتيب الأربعة المذكورين بالتقديم والتأخير، قلت: لكن لم يتبيّن لي اختلافهم في التنسيق المذكور؛ لأني لم أجد من ساق رواية ابن أبي عديّ عن شعبة، والله تعالى أعلم.

[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر -غندر - عن شعبة ساقها النسائيّ رحمه الله في "الكبرى"، فقال:

(8001)

- أخبرنا بشر بن خالد، قال: أنا غندر، عن شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب". انتهى

(1)

.

وأما رواية ابن أبي عديّ عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6318]

(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: ذَكَرُوا ابْنَ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ").

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله

(1)

"السنن الكبرى" 5/ 9.

ص: 305

الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلِّس، ورُمي بالإرجاء [5] (ت 118) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" 85/ 452.

والباقون ذُكروا في الباب، و"إبراهيم" هو: ابن يزيد النخعيّ.

وقوله: (اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ)؛ أي: اطلبوا منهم أن يقرئوكم القرآن، فإنهم أحفظ، وأضبط له من غيرهم.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6319]

(. . .) - (حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: بَدَأَ بِهَذَيْن، لَا أَدْرِي بِإَيِّهِمَا بَدَأَ).

رجال هذا الإسناد: ثلاثة:

1 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا.

و"شُعبة" ذُكر قبله.

[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ عن شعبة لم أجد من ساقها، ولكن ساق النسائيّ في "الكبرى" هذه الرواية من رواية خالد بن الحارث الْهُجيمي عن شعبة، فقال:

(7996)

- أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: ثنا خالد، عن شعبة، عن عمرو بن مُرّة، قال: سمعت إبراهيم يحدِّث عن مسروق، قال: ذُكر عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو، فقال: ذلك رجل لا أزال أحبه بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "استقرئوا من أربعة: عبد الله، وسالم مولى أبي حذيفة، قال شعبة: بدأ بهذين، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل"، قال: لا أدري بأيِّهما بدأ. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"السنن الكبرى" 5/ 8.

ص: 306

(23) - (بَاب مِنْ فَضَائِلِ أُبَيِّ بْنِ كعْبٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ رضي الله عنهم

-)

هو: أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاريّ، أبو المنذر، وأبو الطُّفيل، سيد القراء، كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لِيَهْنِك العلم أبا المنذر"، وقال له:"إن الله أمرني أن أقرأ عليك"، وكان عمر يسمّيه سيد المسلمين، ويقول: أقرأ يا أُبَيّ. ويُرْوَى ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أيضًا، وأخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم، وعدّه مسروق في الستة من أصحاب الفُتيا، قال الواقديّ: وهوأول من كتب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان ابن فلان، وكان رَبْعَةً أبيض اللحية، لا يغيّر شَيْبه.

وممن روى عنه من الصحابة: عمر، وكان يسأله عن النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبوأيوب، وعبادة بن الصامت، وسهل بن سعد، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وسليمان بن صُرَد، وغيرهم.

قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مات أُبَيّ بن كعب سنة عشرين، أو تسع عشرة، وقال الواقديّ: ورأيت آل أُبَيّ وأصحابنا يقولون: مات سنة اثنتين وعشرين، فقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين، قال: وقد سمعت من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، وهو أثبت الأقاويل، وقال ابن عبد البرّ: الأكثر على أنه في خلافة عمر، وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، واحتج له بأن زِرَّ بن حُبيش لقيه في خلافة عثمان.

وروى البخاري في "تاريخه" عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: قلت لأُبَيٍّ لمّا وقع الناس في أمر عثمان، فذكر القصة، وروى البغويّ عن الحسن في قصة له أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة، وقال ابن حبان: مات سنة ثنتين وعشرين في خلافة عمر، وقد قيل: إنه بقي إلى خلافة عثمان، وثبت عن أبي سعيد الخدريّ؛ أن رجلًا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه

ص: 307

الأمراض التي تصيبنا ما لنا فيها؟ قال: كفارات، فقال أُبَيّ بن كعب: يا رسول الله، وإن قلَّت؟ قال: وإن شوكة فما فوقها، فدعا أُبَيٌّ ألا يفارقه الوعك حتى يموت، وألا يَشغله عن حجّ، ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صلاة مكتوبة في جماعة، قال: فما مَسَّ إنسان جسده إلا وجد حرّه حتى مات، رواه أحمد، وأبو يعلى، وابن أبي الدنيا، وصححه ابن حبان، ورواه الطبرانيّ من حديث أُبَيّ بن كعب بمعناه، وإسناده حسن. انتهى من "الإصابة"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: جملةُ ما رُوي عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، أخرجا له منها في "الصحيحين" ثلاثة عشر. انتهى

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6320]

(2465) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أنَسًا يَقُولُ: جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَة كلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زيدٍ، قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتي).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [9](204)(خت م 4) تقدم في "المقدمة" 6/ 73.

2 -

(قَتَادَةُ) بن دِعامة بن قتادة السَّدوسي، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، يقال: وُلد أكمه، وهو رأس الطبقة [4](ت 117)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 70.

3 -

(أنسُ) بن مالك رضي الله عنه، تقدّم قريبًا.

والباقيان ذُكرا قبل حديث.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وهو مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه أنس رضي الله عنه تقدّم القول فيه قريبًا.

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 27.

(2)

"المفهم" 6/ 378.

ص: 308

شرح الحديث:

(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيّ، وفي رواية للبخاريّ من طريق همّام، قال: حدّثنا قتادة، قال:"سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: مَنْ جَمَع القرآن على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم؟. . ."(قَالَ) قتادة: (سَمِعْتُ أَنَسًا) رضي الله عنه (يَقُولُ)؛ أي: جوابًا لسؤال قتادة المذكورة آنفًا: (جَمَعَ الْقُرْآنَ)؛ أي: استظهره حفظًا (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: زمانه، وحياته صلى الله عليه وسلم، (أَرْبَعَةٌ) قال في "الفتح": وليس في هذا ما يعارض حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "استقرئوا القران من أربعة"، فذكر اثنين من الأربعة، ولم يذكر اثنين؛ لأنه إما أن يقال: لا يلزم من الأمر بأخذ القراءة عنهم أن يكونوا كلهم استظهروا جميعه، وإما أن لا يؤخذ بمفهوم حديث أنس؛ لأنه لا يلزم من قوله: جَمَعه أربعة أن لا يكون جَمَعه غيرهم، فلعله أراد أنه لم يقع جَمْعه لأربعة من قبيلة واحدة، إلا لهذه القبيلة، وهي الأنصار. انتهى

(1)

.

(كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ) في رواية الطبريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في أول الحديث:"افتخر الحيان: الأوس، والخزرج، فقال الأوس: منا أربعة: مَن اهتَزَّ له العرش، سعد بن معاذ، ومَن عُدِّلت شهادته شهادة رجلين، خزيمة بن ثابت، ومَن غسلته الملائكة، حنظلة بن أبي عامر، ومَن حَمَته الدَّبْرُ، عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن، لم يجمعه غيرهم، فذكرهم".

قال الحافظ: رواية سعيد هذه صريحة في الحصر، وسعيد ثَبْت في قتادة، ويَحْتَمِل مع ذلك أن مراد أنس: لم يجمعه غيرهم؛ أي: من الأوس بقرينة المفاخرة المذكورة، ولم يُرِدْ نفي ذلك عن المهاجرين، ثم في رواية سعيد أن ذلك من قول الخزرج، ولم يُفصح باسم قائل ذلك، لكن لمّا أورده أنس، ولم يتعقبه كان كأنه قائل به، ولا سيما، وهو من الخزرج. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة الثالثة تحقيق القول في

(1)

"الفتح" 8/ 511، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3810).

(2)

"الفتح" 8/ 229 - 230، كتاب "فضائل القرآن" رقم (5003).

ص: 309

الجمع بين حديث أنس رضي الله عنه هذا وبين الأحاديث الأخرى التي تدلّ على أن الذين جمعوا القرآن أكثر من الأربعة المذكورين هنا -إن شاء الله تعالى -.

(مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) تقدّمت ترجمتهما في الباب الماضي. (وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عوف بن غنم بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو سعيد، وقيل: أبو ثابت، وقيل غير ذلك في كنيته، استُصغر يوم بدر، ويقال: إنه شهد أُحُدًا، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أوّلًا مع عمارة بن حزم، فأخذها النبيّ صلى الله عليه وسلم منه، فدفعها لزيد بن ثابت، فقال:"يا رسول الله بلغك عني شيء؟ قال: لا، ولكن القرآن مقدَّم"، وكتب الوحي للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمه النوار بنت مالك بن معاوية بن عديّ، وقُتل أبوه يوم بُعاث، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين، وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر، ثبت ذلك في "الصحيح"، وقال له أبو بكر: إنك شابّ عاقلٌ لا نتهمك، وروى البخاريّ تعليقًا، والبغوي، وأبو يعلى موصولًا عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه قال: أُتي بي النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَقْدمَه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورةً، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: تعلَّم كتاب يهود، فإني ما آمنهم على كتابي، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حَذِقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الشعبيّ قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب، فقال: تنحّ يا ابن عم رسول الله، قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء. وعن أنس قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أفرضكم زيد"، رواه أحمد بإسناد صحيح، وقيل: إنه معلول، وروى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأُبَيّ، وأبو موسى، وزيد بن ثابت.

مات زيد سنة اثنتين، أو ثلاث، أو خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى، أو اثنتين، أو خمس وخمسين، وفي خمس وأربعين قول الأكثر، وقال أبو هريرة حين مات: اليوم مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا، ولمّا مات رثاه حسان بقوله [من الطويل]:

ص: 310

فَمَنْ لَلْقَوَافِي بَعْدَ حَسَّانَ وَابْنِهِ

وَمْن لِلْمَعَانِي بَعْدَ زيدِ بْنِ ثَابِتِ

(1)

تقدّمت ترجمته في "الحيض" 22/ 793، وإنما أعدتها لطول العهد بها، فتنبّه.

(وَأَبُو زيدٍ) ذكر عليّ بن المدينيّ أن اسمه أوس، وعن يحيى بن معين: هو ثابت بن زيد، وقيل: هو سعد بن عبيد بن النعمان، وبذلك جزم الطبراني عن شيخه أبي بكر بن صدقة، قال: وهو الذي كان يقال له: القارئ، وكان على القادسية، واستُشهد بها، وهو والد عُمير بن سعد، وعن الواقديّ: هو قيس بن السكن بن قيس بن زعور بن حرام الأنصاريّ النجاريّ، قال الحافظ: ويرجحه قول أنس: أحد عمومتي، فإنه من قبيلة بني حرام. انتهى

(2)

.

(قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأَنَسِ) رضي الله عنه: (مَنْ أَبُو زيدٍ؟ قَالَ) أنس: (أَحَدُ عُمُومَتي) وفي رواية للبخاريّ: "قال: ونحن ورِثناه"، قال في "الفتح": القائل: "ونحن ورثناه" هو أنس، وفي رواية عن أنس:"قال: مات أبو زيد، وكان بدريًّا، ولم يترك عَقِبًا، وقال أنس: نحن ورثناه".

قال الحافظ رحمه الله: وقوله: "أحد عمومتي" يردّ قول من سمى أبا زيد المذكور: سعد بن عبيد بن النعمان أحد بني عمرو بن عوف؛ لأن أنسًا خزرجيّ، وسعد بن عبيد أوسيّ، وإذا كان كذلك احتَمَل أن يكون سعد بن عبيد ممن جَمَع، ولم يَطَّلِع أنس على ذلك، وقد قال أبوأحمد العسكريّ: لم يجمعه من الأوس غيره، وقال محمد بن حبيب في "المحبر": سعد بن عبيد -ونَسَبه - كان أحد من جَمَع القرآن في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم.

ووقع في رواية الشعبي المغايرة بين سعد بن عبيد، وبين أبي زيد، فإنه ذكرهما جميعًا، فدلّ على أنه غير المراد في حديث أنس، وقد ذكر ابن أبي داود فيمن جمع القرآن: قيس بن أبي صعصعة، وهو خزرجيّ، ويكنى أبا زيد، وسعد بن المنذر بن أوس بن زهير، وهو خزرجيّ أيضًا، لكن لم أر التصريح بأنه يكنى أبا زيد، ثم وجدت عند أبي داود ما يرفع الإشكال من أصله، فإنه روى بإسناد على شرط البخاريّ إلى ثمامة، عن أنس أن أبا زيد الذي جمع

(1)

راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" 2/ 594.

(2)

"الفتح" 8/ 510، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3810).

ص: 311

القرآن اسمه قيس بن السكن، قال: وكان رجلًا منّا من بني عديّ بن النجار أحد عمومتي، ومات ولم يَدَعْ عَقِبًا، ونحن ورثناه، قال ابن أبي داود: حدّثنا أنس بن خالد الأنصاريّ، قال: هو قيس بن السكن بن زعوراء، من بني عديّ بن النجار، قال ابن أبي داود: مات قريبًا من وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذهب عِلْمه، ولم يؤخذ عنه، وكان عقبيًّا بدريًّا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله

(1)

، وهو بحث نفيسّ جدًّا، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [23/ 6320 و 6321](2465)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3810) و"فضائل القرآن"(5003 و 5004)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3794)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 9)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(2018)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 277)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7130)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(3198 و 3255)، و (البزّار) في "مسنده"(2802)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط"(2/ 150) و"الكبير"(2/ 261)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(2/ 356)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(6/ 211)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في كلام أهل العلم في هذا الحديث:

قال القرطبيّ رحمه الله: قد استَشْكَل ظاهرَ هذا الحديث كثير من الناس، حتى ظنوا أنه مما يُطَرِّق الطعنَ والقدح في تواتر القرآن، وهذا إنما نشأ ممن يظنّ أن لهذا الحديث دليلَ خطاب؛ فإنَّه لا يتم له ذلك حتى يقول: إن تخصيص هؤلاء الأربعة بالذكر يدلّ على أنه لم يجمعه أحدٌ غيرهم، فمن ينفي القول بدليل الخطاب قد سَلِم من ذلك، ومن يقول به، فأكثرهم يقول: إن أسماء الأعداد لا دليل خطاب لها، فإنَّها تجري مجرى الألقاب، والألقاب لا دليل خطاب لها

(1)

"الفتح" 8/ 233، كتاب "فضائل القرآن" رقم (5004).

ص: 312

باتفاق أئمة أهل الأصول، ولا يُلتفت لقول الدقاق في ذلك، فإنَّه واضح الفساد كما بيَّنَّاه في الأصول، ولئن سلَّمنا أن لأسماء الأعداد دليل خطاب، فدليل الخطاب إنما يُصار إليه إذا لم يعارضه منطوق به، فإنه أضعف وجوه الأدلة عند القائلين به، وهنا أمران هما أَولى منه -بالاتفاق -:

أحدهما: النقل الصحيح.

والثاني: ما يُعْلَم من ضرورة العادة.

فأمَّا النقل: فقد ذكر القاضي أبو بكر وغيره جماعةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة. وقد سَمَّى أبو عبد الله المازري منهم خمسة عشر.

وقد تواترت الأخبار بأنه قُتل يوم اليمامة سبعون ممن جَمَع القرآن، وكان ذلك في سنة وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم وأول سِنِي خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وإذا قُتل في جيش واحد سبعون ممن جمع القرآن؛ فالذين بقوا في ذلك الجيش منهم لم يقتلوا أكثر من أولئك أضعافًا، وإذا كان ذلك في جيش واحد! فانظر كم بقي في مدن الإسلام إذ ذاك، وفي عساكر أُخَر من الصحابة رضي الله عنهم ممن جمع القرآن، فيظهر من هذا أن الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُحصيهم أحد، ولا يضبطهم عدد.

وأما الثاني وهو العادة: وذلك أنها تقتضي أن يجتمع الكثير، والجم الغفير على حِفظه ونَقْله، وذلك أن القرآن على نظم عجيب، وأسلوب غريب، مخالف لأساليب كلامهم في نثرهم ونظامهم، مع ما تضمَّنه من العلوم، والأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، والقَصَص والأخبار، والتبشير والإنذار، والنبيّ صلى الله عليه وسلم مع ذلك يُشيعه في الناس، ويشافه به البلغاء الأكياس، وما كان هذا سبيله فالعادة تقتضي أن تتوفر الدواعي على حفظ جميعه، والوقوف على ما تضمّنه من أنواع حِكَمه وبدائعه، ومحاسن آدابه وشرائعه، وتُحيل انفراد الآحاد بحفظه، كما تُحيل انفرادهم بنقله، فقد ظهر من هذه المباحث العجاب أن ذلك الحديث ليس له دليل خطاب.

ص: 313

فإنْ قيل: فإذا لم يكن له دليل خطاب، فلأي شيء خصَّ هؤلاء الأربعة بالذِّكر دون غيرهم؟ فالجواب من أوجه:

أحدها: أنه يَحْتَمِل أن يكون ذلك لتعلُّق غَرَض المتكلم بهم دون غيرهم؛ كالحال في ذِكر الألقاب.

وثانيها: لحضور هؤلاء الأربعة في ذهنه دون غيرهم.

وثالثها: أن هؤلاء الأربعة قد اشتَهَروا بذلك في ذلك الوقت دون غيرهم ممن يَحفظ جميعه.

ورابعها: لأن أنسًا سمع من هؤلاء الأربعة إخبارهم عن أنفسهم أنهم جمعوا القرآن، ولم يسمع مثل ذلك من غيرهم، وكلُّ ذلك مُحْتَمِلٌ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم

(1)

.

وقال في "الفتح": وقد استنكره -يعني: هذا الحديث- جماعة من الأئمة، قال المازريّ: لا يلزم من قول أنس: لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك؛ لأن التقدير: أنه لا يعلم أن سواهم جَمَعه، وإلا فكيف الإحاطة بذلك، مع كثرة الصحابة رضي الله عنهم، وتفرّقهم في البلاد؟ وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده، وأخبره عن نفسه أنه لم يَكْمُل له جَمْع القرآن في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا في غاية البعد في العادة، وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك، قال: وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة، ولا متمسَّك لهم فيه، فإنا لا نسلِّم حَمْله على ظاهره، سلّمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلّمناه، لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجمّ الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حَفِظ مجموعه الجم الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكلُّ الكلَّ، ولو على التوزيع كفى.

واستدلّ القرطبيّ على ذلك ببعض ما تقدم، من أنه قُتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقُتل في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم ببئر معونة مثل هذا العدد، قال:

(1)

"المفهم" 6/ 379 - 380.

ص: 314

وإنما خص أنس الأربعة بالذكر؛ لشدة تعلقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم. انتهى

(1)

.

وقال في "الفتح" أيضًا: وقد أجاب القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره عن حديث أنس هذا بأجوبة:

[أحدها]: أنه لا مفهوم له، فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جَمَعه.

[ثانيها]: المراد: لم يجمعه على جميع الوجوه، والقراءات التي نزل بها إلا أولئك.

[ثالثها]: لم يَجمع ما نُسخ منه بعد تلاوته، وما لم يُنسخ إلا أولئك، وهو قريب من الثاني.

[رابعها]: أن المراد بجمعه: تلقّيه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بواسطة، بخلاف غيرهم، فيَحْتَمِل أن يكون تَلَقَّى بعضه بالواسطة.

[خامسها]: أنهم تَصَدَّوا لإلقائه، وتعليمه، فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عمن عَرَف حالهم، فحَصَر ذلك فيهم بحسب علمه، وليس الأمر في نفس الأمر كذلك، أو يكون السبب في خفائهم أنهم خافوا غائلة الرياء والعُجْب، وأَمِن ذلك من أظهره.

[سادسها]: المراد بالجمع: الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جَمَعه حفظًا عن ظهر قلب، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة، وحفظوه عن ظهر قلب.

[سابعها]: المراد: أن أحدًا لم يُفصح بأنه جَمَعه بمعنى: أكمل حفظه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أولئك، بخلاف غيرهم، فلم يُفصح بذلك؛ لأن أحدًا منهم لم يكمله إلا عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت آخر آية منه، فلعل هذه الآية الأخيرة، وما أشبهها ما حضرها إلا أولئك الأربعة، ممن جمع جميع القرآن قبلها، وإن كان قد حضرها من لم يَجمع غيرها الجمع البيّن.

[ثامنها]: أن المراد بجمعه: السمع والطاعة له، والعمل بموجبه، وقد أخرج أحمد في "الزهد" من طريق أبي الزاهرية؛ أن رجلًا أتى أبا الدرداء، فقال: إن ابني جمع القرآن، فقال: اللَّهُمَّ غَفْرًا، إنما جَمَع القرآن من سمع له، وأطاع.

(1)

"الفتح" 11/ 232، كتاب "فضائل القرآن".

ص: 315

قال الحافظ: وفي غالب هذه الاحتمالات تكلّف، ولا سيما الأخير، وقد أومأت قبل هذا إلى احتمال آخر، وهو أن المراد: إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فقط، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين، من المهاجرين، ومن جاء بعدهم، ويَحْتَمِل أن يقال: إنما اقتصر عليهم أنس لتعلّق غرضه بهم، ولا يخفى بُعْدُه.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أحسن الأجوبة حَمْل نفي أنس غير هؤلاء الأربعة على عِلمه، فإنه رضي الله عنه علم يقينًا أن هؤلاء الأربعة جمعوه كلّه، بأن أخبره كلهم بذلك، ولم يكن لديه يقين بجمع غيرهم، فلذلك قال: لم يجمعه غيرهم، أو المراد: أنهم جمعوه كلّه في حياته صلى الله عليه وسلم، كما يدلّ عليه قوله:"على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم"، وغيرهم إنما جمعه بعد موته صلى الله عليه وسلم.

والحاصل: أن النفي لعلمه، لا للواقع، فإن الواقع بخلافه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(المسألة الرابعة): قال الحافظ رحمه الله: والذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر رضي الله عنه كان يحفظ القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في "الصحيح" أنه بنى مسجدًا بفناء داره، فكان يقرأ فيه القرآن، وهو محمول على ما كان نزل منه إذ ذاك، وهذا مما لا يُرتاب فيه مع شدة حرص أبي بكر على تلقي القرآن من النبيّ صلى الله عليه وسلم وفراغ باله له، وهما بمكة، وكثرة ملازمة كل منهما للآخر، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم يأتيهم بكرة وعشية، وقد "صحح مسلم" حديث:"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"، وصحّ أنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم في مكانه لَمّا مرض، فيدل على أنه كان أقرأهم، وثبت عن عليّ رضي الله عنه أنه جَمَع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأخرج النسائيّ بإسناد صحيح عن عبد الله بن عَمرو قال: جمعت القرآن، فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"اقرأه في شهر. . ." الحديث، أصله في "الصحيح"، وتقدم في الحديث الذي مضى ذِكر ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وكل هؤلاء من المهاجرين.

وقد ذكر أبو عبيد القراء من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فعَدّ من المهاجرين: الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعدًا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالمًا، وأبا

ص: 316

هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، ومن الثساء: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنما أكمله بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلا يَرِد على الحصر المذكور في حديث أنس.

وعَدّ ابن أبي داود في "كتاب الشريعة" من المهاجرين أيضًا: تميم بن أوس الداريّ، وعقبة بن عامر، ومن الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذًا الذي يكنى أبا حليمة، ومُجَمِّع بن حارية، وفَضالة بن عبيد، ومسلمة بن مُخَلَّد، وغيرهم، وصَرَّح بأن بعضهم إنما جَمَعه بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وممن جَمَعه أيضًا: أبو موسى الأشعريّ، ذكره أبو عمرو الدانيّ، وعَدَّ بعض المتأخرين من القراء: عمرو بن العاص، وسعد بن عباد، وأم ورقة. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الذين جمعوا القرآن كلّه أكثر من الأربعة المذكورين، وقد عرفت تأويل قول أنس رضي الله عنه:"لم يجمعه غيرهم" فيما أسلفته، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق.

(المسألة الخامسة): أخرج البخاريّ رحمه الله من طريق عبد الله بن المثنّى، عن ثابت، وثُمامة كلاهما عن أنس رضي الله عنه قال: مات النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورِثناه.

قال في "الفتح": خالفت هذه الرواية روايةَ قتادة من وجهين:

أحدهما: التصريح بصيغة الحصر في الأربعة، ثانيهما: ذِكر أبي الدرداء بدل أُبَيّ بن كعب، فأما الأول فقد تقدم الجواب عنه من عِدّة أوجه.

وأما الوجه الثاني من المخالفة: فقال الإسماعيلي: هذان الحديثان مختلفان، ولا يجوزان في الصحيح مع تباينهما، بل الصحيح أحدهما، وجزم البيهقيّ بأن ذِكر أبي الدرداء وَهَمٌ، والصواب: أبَيّ بن كعب، وقال الداوديّ: لا أرى ذِكر أبي الدرداء محفوظًا.

قال الحافظ: وقد أشار البخاريّ إلى عدم الترجيح باستواء الطرفين،

(1)

"الفتح" 8/ 231، كتاب "فضائل القرآن" رقم (5004).

ص: 317

فطريق قتادة على شرطه، وقد وافقه عليها ثمامة في إحدى الروايتين عنه، وطريق ثابت أيضًا على شرطه، وقد وافقه عليها أيضًا ثمامة في الرواية الأخرى، لكن مخرج الرواية عن ثابت وثمامة بموافقته قد وقع عن عبد الله بن المثنى، وفيه مقال، وإن كان عند البخاري مقبولًا، لكن لا تُعادل روايته رواية قتادة، ويرجح رواية قتادة حديث عُمر في ذِكر أُبَيّ بن كعب

(1)

، وهو خاتمة أحاديث الباب

(2)

، ولعل البخاريّ أشار بإخراجه إلى ذلك؛ لتصريح عمر بترجيحه في القراءة على غيره.

ويَحْتَمِل أن يكون أنس حدّث بهذا الحديث في وقتين، فذَكره مرة أُبَيّ بن كعب، ومرة بدله أبا الدرداء.

وقد روى ابن أبي داود من طريق محمد بن كعب القرظيّ قال: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأُبيّ بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاريّ، وإسناده حسن مع إرساله، وهو شاهد جيّد لحديث عبد الله بن المثنى في ذكر أبي الدرداء، وإن خالفه في العدد والمعدود.

ومن طريق الشعبيّ قال: جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة، منهم أبو الدرداء، ومعاذ، وأبو زيد، وزيد بن ثابت، وهؤلاء الأربعة هم الذين ذُكروا في رواية عبد الله بن المثنى، وإسناده صحيح، مع إرساله، فللَّه دَرّ البخاريّ ما أكثر اطلاعه.

وقد تبيّن بهذه الرواية المرسلة قوّة رواية عبد الله بن المثنى، وأن لروايته أصلًا، والله أعلم.

وقال الكرمانيّ: لعل السامع كان يعتقد أن هؤلاء الأربعة لم يجمعوا، وكان أبو الدرداء ممن جمع، فقال أنس ذلك ردًّا عليه، وأتى بصيغة الحصر ادّعاءً، ومبالغةً، ولا يلزم منه النفي عن غيرهم بطريق الحقيقة. انتهى

(3)

، والله تعالى أعلم.

(1)

أي: حيث قال عمر رضي الله عنه: "أُبيّ أقرؤنا".

(2)

أي: عند البخاريّ.

(3)

"الفتح" 8/ 231، كتاب "فضائل القرآن" رقم (5004).

ص: 318

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6321]

(. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثنَا هَمَّامٌ

(1)

، حَدَّثنَا قَتَادَةُ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كلُّهُمْ مِنَ الأنصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَجُلٌ مِنَ الأنصَار، يُكْنَى أَبَا زيدٍ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدِ) بن كُوسجان -بسين مهملة، ثم جيم- المروزيّ السِّنْجيّ - بكسر السين المهملة، بعدها نون ساكنة، ثم جيم- ثقةٌ صاحب حديث، رحّالٌ أديبٌ [11](257 ت)(م ت س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" 14/ 1674.

2 -

(عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، تقدّم قبل بابين.

3 -

(هَمَّامُ) بن يحيىى الْعَوْذيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

والباقيان ذُكرا قبله.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6322]

(799)

(2)

- (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لأُبَيٍّ: "إِن اللهَ عز وجل أَمَرَنِي أَنْ أقرَأَ عَلَيْكَ"، قَالَ: آللهُ سَمَّاني لَكَ؟ قَالَ: "اللهُ سَمَّاكَ لِي"، قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) بفتح الهاء، وتشديد الدال، بعدها موحّدة، ويقال له: هُدْبة -بضم أوله، وسكون الدال- ابن خالد بن الأسود القَيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابد، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [9] مات سنة بضع وثلاثين ومائتين (خ م د) تقدم في "الإيمان" 11/ 151.

(1)

وفي نسخة: "حدثنا عمرو بن عاصم قال: قال همّام: حدثنا قتادة".

(2)

هذا الرقم تقدّم، فهو مكرّر، فتنبّه.

ص: 319

والباقون ذُكروا قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (488) من رباعيّات الكتاب، وهو مكرّر، فقد تقدّم في كتاب "صلاة المسافرين وقصرها" برقم [40/ 1864](799).

وقال النوويّ رحمه الله: هذه الأسانيد الثلاثة، رواتها كلهم بصريون، وهذا من المستطرفات، أن يَجتمع ثلاثة أسانيد متصلة، مسلسلون بغير قصد، وقد سبق بيان مثله، وشعبة واسطيّ بصريٌّ، سبق بيانه مرات، وفي الطريق الثاني والثالث فائدة حسنة، وهي أن قتادة صرّح بالسماع من أنس، بخلاف الطريق الأول، وقتادة مدلّس، فينتفي أن يُخاف من تدليسه بتصريحه بالسماع، وقد سبق التنبيه على مثل هذا مرات. انتهى

(1)

.

شرح الحديث:

قوله: (أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ) وفي الرواية التالية: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البينة: 1]) ".

وقوله: (قَالَ: وَسَمَّانِي؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أَوَ سمّاني؟ وفي الرواية المتقدّمة: "آلله سمّاني لك؟ " بهمزة الاستفهام؛ أي: هل نَصّ عليّ باسمي، أو قال لك: اقرأ على واحد من أصحابك، فاخترتني أنت؟ فلما قال له:"نعم" بَكَى.

قوله: (قَالَ) النبيّ صلى الله عليه وسلم: ("نَعَمْ") سمّاك لي باسمك. (قَالَ) أنس: (فَبَكَى) أُبيّ رضي الله عنه، إما فرَحًا وسُرُورًا بذلك، وإما خشوعًا وخوفًا من التقصير في شُكر تلك النعمة، قاله في "الفتح"

(2)

.

وقال النوويّ رحمه الله: أما بكاؤه فبكاء سرور، واستصغار لنفسه عن تأهيله لهذه النعمة، وإعطائه هذه المنزلة، والنعمةُ فيها من وجهين:

أحدهما: كونه منصوصًا عليه بعينه، ولهذا قال:"وسمّاني": معناه: نَصّ عليّ بعيني، أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك؟ قال: بل سمّاك، فتزايدت النعمة.

(1)

"شرح النوويّ" 6/ 86.

(2)

"الفتح" 7/ 158.

ص: 320

والثاني: قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنها منقبة عظيمة له، لم يشاركه فيها أحد من الناس.

وقيل: إنما بكى خوفًا من تقصيره في شُكر هذه النعمة.

وأما تخصيص هذه السورة بالقراءة، فلأنها مع وَجازتها جامعة لأصول، وقواعد، ومهمات عظيمة، وكان الحال يقتضي الاختصار، وأما الحكمة في أمْره بالقراءة على أُبَيّ، فقال المازريّ، والقاضي: هي أن يتعلم أُبَيّ ألفاظه، وصيغة أدائه، ومواضع الوقوف، وصُنْع النَّغَمَ في نغمات القرآن، على أسلوب أَلِفه الشرع، وقدّره، بخلاف ما سواه من النغم المستعمَل في غيره، ولكل ضرب من النغم مخصوص في النفوس، فكانت القراءة عليه ليتعلم منه، وقيل: قرأ عليه؛ لِيَسُنّ عَرْض القرآن على حفاظه البارعين فيه المجيدين لأدائه، وليَسُنّ التواضع في أخْذ الإنسان القرآن وغيره من العلوم الشرعية من أهلها، وإن كانوا دونه في النَّسَب، والدين، والفضيلة، والمرتبة، والشهرة، وغير ذلك، ولينبّه الناس على فضيلة أُبَيّ في ذلك، ويحثّهم على الأخذ منه، وكان كذلك، فكان بَعد النبيّ صلى الله عليه وسلم رأسًا، وإمامًا مقصودًا في ذلك، مشهورًا به، والله أعلم. انتهى

(1)

.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وبيان فوائده بالرقم المذكور، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

[6323]

(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأُبيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أقْرَأَ عَلَيْكَ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا}، قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَبَكَى).

رجال هذا الإسناد: ستة:

وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 20 - 21.

ص: 321

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6324]

(. . .) - (حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيب، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أنسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأُبَيٍّ، بِمِثْلِهِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عَرَبيّ البصريّ، ثقة [10] (ت 248) وقيل: بعدها (م 4) تقدم في "الإيمان" 14/ 165.

2 -

(خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [8](ت 186)(ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 243.

والباقون ذُكروا قبله.

وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: بمثل رواية حديث محمد بن جعفر عن شعبة؛ يعني: أن رواية خالد بن الحارث عن شعبة مثل رواية محمد بن جعفر عنه.

[تنبيه]: قد قدّمت في "فضائل القرآن" أني لم أجد من ساق رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه، والآن -ولله الحمد - قد وجدت النسائيّ رحمه الله قد ساقها في "الكبرى"، فقال:

(8238)

- أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: أنا خالد، قال: أنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُبَيّ بن كعب: "إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك القرآن"، قال: وسمّاني؟ قال: "سمّاك، فبكى". انتهى

(1)

.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"السنن الكبرى" 5/ 66.

ص: 322

(24) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رضي الله عنه

-)

هو: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأشهليّ، سيد الأوس، وأمه كبشة بنت رافع، لها صحبة، ويكْنَى أبا عمرو، شهد بدرًا باتفاق، ورُمي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حَكَم في بني قريظة، وأُجيبت دعوته في ذلك، ثم انتقض جرحه، فمات رضي الله عنه، أخرج ذلك البخاريّ، وذلك سنة خمس، وقال المنافقون لمّا خرجت جنازته: ما أخفّها؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة حَمَلته"، وفي "الصحيحين" وغيرهما من طُرُق؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"اهتَزّ العرش لموت سعد بن معاذ"، وروى يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن أحد أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعَبّاد بن بشر، وذكر ابن إسحاق أنه لمّا أسلم على يد مصعب بن عمير، قال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تُسْلموا، فأسلموا، فكان من أعظم الناس بركةً في الإسلام.

وروى ابن إسحاق في قصة الخندق، عن عائشة، قالت: كنت في حِصْن بني حارثة، وأم سعد بن معاذ معي، فمَرّ سعد بن معاذ، وهو يقول:

لَبِّثْ قَلِيلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ

مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الأَجَلْ

فقالت له أمه: الْحَقْ يا بُنيّ، فقد تأخرت، فقلت: يا أم سعد لوددت أن درع سعد أسبغ مما هي، قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه، وقال الذي رماه: خذها وأنا ابن الْعَرِقَة، فقال: عَرَّق الله وجهك في النار، وابن العرقة اسمه حِبّان بن عبد مناف، من بني عامر بن لؤيّ، والعرقة أمه، وقيل: إن الذي أصاب سعدًا أبو أسامة

(1)

الْجُشَميّ.

ورَوَى البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدريّ؛ أن بني قريظة لمّا نزلوا

(1)

وفي بعض النسخ: "أبو أمامة"، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

ص: 323

على حُكم سعد، وجاء على حمار، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"قوموا إلى سيدكم".

وأخرج ابن إسحاق بغير سند أن أم سعد لمّا مات قالت:

وَيْلُ أمِّ سَعْدِ سَعْدَا

حَزَامَةً وَجِدّا

وَفَارِسًا مُعَدّا

سُدَّ بِهِ مَسَدَّا

فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "كلُّ نادبة تكذب، إلا نادبة سعد".

وأخرجه الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس قال: جعلت أم سعد تقول:

ويلُ أمِّ سَعْدٍ سَعْدَا

حَزَامَةً وَجِدَّا

فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لا تزيدي على هذا، كان والله ما علمتُ حازمًا، وفي أمر الله قويًّا"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير، وشهد بدرًا، وأُحدًا، ورُمي يوم الخندق بسهم، فعاش شهرًا، ثم انتقَضَ جُرحه، فمات منه. تُوُفِّي في سنة خمس من الهجرة، وقد تقدَّم حديثه في حُكمه في بني قريظة، وقوله صلى الله عليه وسلم للحاضرين من أصحابه:"قوموا إلى سيدكم"، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم من المسلمين أحدٌ أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعبَّاد بن بشر؛ تعني: من الأنصار، والله أعلم.

وقال ابن عباس: قال سعد بن معاذ: ثلاثة أنا فيهن رجل كما ينبغي، وما سوى ذلك فأنا رجل من المسلمين، ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا إلا علمت أنه من الله، ولا دخلت في صلاة قط، فشغلت نفسي بغيرها حتى قضيتها، ولا كنت في جنازة قط، فحدَّثت نفسي بغير ما تقول، وما يُقال لها، حتى أنصرفَ عنها. انتهى

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6325]

(2466) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 3/ 85.

(2)

"المفهم" 6/ 382.

ص: 324

رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ:"اهتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيّ -بسين مهملة- أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقة حافظٌ [11](ت 249)(خت م ت) تقدم في "الإيمان" 7/ 131.

2 -

(عَبْدُ الرَّزاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنِّف شهيرٌ عَمِي في آخر عمره، فتغير، وكان يتشيع [9](ت 211) وله خمس وثمانون (ع) تقدم في "المقدمة، 4/ 18.

3 -

(ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقية فاضلٌ، وكان يدلِّس، ويرسل [6](ت 150) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل: جاز المائة، ولم يثبت (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.

4 -

(أَبُو الزبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق إلا أنه يدلِّس [4](ت 126)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 119.

5 -

(جَابِرُ بْن عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ -بفتحتين- الصحابي ابن الصحابيّ، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره، وفيه جابر بن عبد الله رضي الله عنه صحابيّ ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

عن ابْنِ جُرَيْجٍ؛ أنه قال: (أَخبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم المكيّ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنهما (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وقوله: (وَجَنَازةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيدِيهِمْ) جملة حاليّة معترضة بين القول ومقوله، والمراد بالجنازة بكسر الجيم، وفتحها: السرير، قال الفيّوميّ رحمه الله: جَنَزْتُ الشيءَ

ص: 325

أَجْنِزُهُ، من باب ضرب: سترتُهُ، ومنه اشتقاق الجنازة، وهي بالفتح، والكسر، والكسر أفصح، وقال الأصمعيّ، وابن الأعرابيّ: بالكسر: الميت نفسه، وبالفتح: السرير، ورَوَى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب عكس هذا، فقال: بالكسر: السرير، وبالفتح: الميت نفسه. انتهى

(1)

.

("اهْتَزَّ لَهَا)؛ أي: لأجل هذه الجنازة، (عَرْشُ الرَّحْمَنِ") قال القرطبيّ رحمه الله: حَمَل بعض العلماء هذا الحديث على ظاهره، من الاهتزاز، والحركة، وقال: هذا ممكن؛ لأنَّ العرش جسم، وهو قابل للحركة والسُّكون، والقدرة صالحة، وكانت حركته عَلَمًا على فضله، وحَمَله آخرون على حَمَلة العرش، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ويكون الاهتزاز منهم استبشارًا بقدوم روحه الطيبة، وفرحًا به، وحَمَله آخرون على تعظيم شأن وفاته، وتفخيمه على عادة العرب في تعظيمها الأشياء، والإغياء في ذلك، فيقولون: قامت القيامة لموت فلان، وأظلمت الأرض، وما شاكل ذلك، مِمَّا المقصود به التعظيم والتفخيم، لا التحقيق، وإليه صار الحربيّ، وكل هذا مُنزَّل على أن العرش هو المنسوب لله تعالى في قوله:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5]، وهو ظاهر قوله:"اهتز عرش الرحمن لموت سعد".

وقد رُوي عن ابن عمر رضي الله عنه؛ أن العرش هنا سرير الموت، قال القاضي: وكذلك جاء في حديث البراء في "الصحيح": "اهتز السَّرير"، وتأوله الهرويّ: فَرِح بحَمْله عليه. انتهى

(2)

.

وقال النوويّ رحمه الله: اخَتَلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش: تحرّكه فرحًا بقدوم روح سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزًا حصل به هذا، ولا مانع منه، كما قال تعالى:{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74]، وهذا القول هو ظاهر الحديث، وهو المختار.

وقال المازريّ: قال بعضهم: هو على حقيقته، وأن العرش تحرك لموته، قال: وهذا لا يُنْكَر من جهة العقل؛ لأن العرش جسم من الأجسام، يَقبل

(1)

"المصباح المنير" 1/ 111.

(2)

"المفهم" 6/ 382 - 383.

ص: 326

الحركة والسكون، قال: لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك، إلا أن يقال: إن الله تعالى جعل حركته علامة للملائكة على موته.

وقال آخرون: المراد: اهتزاز أهل العرش، وهم حَمَلَتُه، وغيرهم من الملائكة، فحُذف المضاف، والمراد بالاهتزاز: الاستبشار، والقبول، ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها.

وقال الحربيّ: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشيء المعظَّم إلى أعظم الأشياء، فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة.

وقال جماعة: المراد: اهتزاز سرير الجنازة، وهو النعش، وهذا القول باطل، يرُدّه صريح هذه الروايات التي ذَكَرها مسلم:"اهتز لموته عرش الرحمن"، وإنما قال هؤلاء هذا التأويل؛ لكونهم لم تَبْلُغهم هذه الروايات التي في مسلم، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا.

خلاصته: أن الحديث على ظاهره، وأن اهتزاز العرش: اضطرابه فرحًا بقدوم روح سعد رضي الله عنه إليه، وأما تأويله كما قال بعضهم فغير صحيح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

وأخرج البخاريّ من طريق الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه، سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:"اهتزّ العرش لموت سعد بن معاذ"، وعن الأعمش: حدّثنا أبو صالح، عن جابر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مثله، فقال رجل لجابر: فإن البراء يقول: اهتز السرير، فقال: إنه كان بين هذين الحيين ضغائن، سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:"اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ". انتهى.

قال في "الفتح": قوله: "فقال رجل لجابر" لم أقف على اسمه.

قوله: "فإن البراء يقول: اهتز السرير"؛ أي: الذي حُمل عليه.

قوله: "إنه كان بين هذين الحيين"؛ أي: الأوس والخزرج.

قوله: "ضغائن" بالضاد، والغين المعجمتين: جمع ضغينة، وهي الحقد، قال الخطابيّ: إنما قال جابر ذلك؛ لأن سعدًا كان من الأوس، والبراء خزرجيّ، والخزرج لا تُقِرّ للأوس بفضل.

ص: 327

وتعقّبه الحافظ، فقال: كذا قال، وهو خطأ فاحش، فإن البراء أيضًا أوسي؛ لأنه ابن عازب بن الحارث بن عديّ بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، يجتمع مع سعد بن معاذ في الحارث بن الخزرج، والخزرج والد الحارث بن الخزرج، وليس هو الخزرج الذي يقابل الأوس، وإنما سُمّي على اسمه، نَعَم الذي من الخزرج الذين هم مقابل الأوس جابرٌ، وإنما قال جابر ذلك إظهارا للحقّ، واعترافًا بالفضل لأهله، فكأنه تعجب من البراء، كيف قال ذلك مع أنه أوسيّ؟ ثم قال: أنا وإن كنت خزرجيًّا، وكان بين الأوس والخزرج ما كان، لا يمنعني ذلك أن أقول الحقّ، فذكر الحديث، والعذر للبراء أنه لم يَقصد تغطية فضل سعد بن معاذ، وإنما فَهِم ذلك، فجزم به، هذا الذي يليق أن يُظَنّ به، وهو دالّ على عدم تعصبه، ولمّا جَزَم الخطابيّ بما تقدم احتاج هو ومن تبعه إلى الاعتذار عما صدر من جابر في حق البراء، وقالوا في ذلك ما مُحَصَّله: إن البراء معذور؛ لأنه لم يقل ذلك على سبيل العداوة لسعد، وإنما فَهِم شيئًا محتملًا، فحَمَل الحديث عليه، والعذر لجابر أنه ظن أن البراء أراد الغضّ من سعد، فساغ له أن ينتصر له، والله أعلم.

وقد أنكر ابن عمر ما أنكره البراء، فقال: إن العرش لا يهتزّ لأحد، ثم رجع عن ذلك، وجزم بأنه اهتزّ له عرش الرحمن، أخرج ذلك ابن حبان من طريق مجاهد عنه.

والمراد باهتزاز العرش: استبشاره، وسروره بقدوم روحه، يقال لكل من فَرِح بقدوم قادم عليه: اهتزّ له، ومنه اهتزت الأرض بالنبات: إذا اخضرّت، وحسُنت.

ووقع ذلك من حديث ابن عمر عند الحاكم، بلفظ:"اهتزّ العرش فرحًا به"، لكنه تأوله كما تأوله البراء بن عازب، فقال: اهتز العرش فرحًا بلقاء الله سعدًا حتى تفسخت أعواده على عواتقنا، قال ابن عمر: يعني: عرش سعد الذي حُمل عليه، وهذا من رواية عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عمر، وفي حديث عطاء مقال؛ لأنه ممن اختلط في آخر عمره، ويعارض روايته أيضًا ما صححه الترمذيّ من حديث أنس، قال: لمّا حُملت جنازة

ص: 328

سعد بن معاذ، قال المنافقون: ما أخفّ جنازته؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة كانت تحمله".

قال الحاكم: الأحاديث التي تصرح باهتزاز عرش الرحمن مخرّجة في "الصحيحين"، وليس لمعارضها في الصحيح ذِكر. انتهى.

وقيل: المراد باهتزاز العرش اهتزاز حملة العرش، ويؤيده حديث:"إن جبريل قال: من هذا الميت الذي فُتحت له أبواب السماء، واستبشر به أهلها؟ "، أخرجه الحاكم.

وقيل: هي علامة، نصبها الله لموت من يموت من أوليائه؛ لِيُشعِر ملائكته بفضله.

وقال الحربيّ: إذا عظّموا الأمر نسبوه إلى عظيم، كما يقولون: قامت لموت فلان القيامة، وأظلمت الدنيا، ونحو ذلك، وفي هذه منقبة عظيمة لسعد.

وأما تأويل البراء على أنه أراد بالعرش السرير الذي حُمل عليه، فلا يستلزم ذلك فضلًا له؛ لأنه يَشْرَكه في ذلك كل ميت، إلا أن يريد: اهتز حملة السرير فرحًا بقدومه على ربه، فيتّجه.

ووقع لمالك نحو ما وقع لابن عمر أوّلًا، فذكر صاحب "العتبية" فيها أن مالكًا سئل عن هذا الحديث، فقال: أنهاك أن تقوله، وما يدعو المرء أن يتكلم بهذا، وما يدري ما فيه من الغرور، قال أبو الوليد بن رشد في "شرح العتبية": إنما نهى مالك؛ لئلا يسبق إلى وَهَم الجاهل أن العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته، كما يقع للجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرار الله، تبارك الله، وتنزّه عن مشابهة خلقه. انتهى مُلَخّصًا.

قال الحافظ: والذي يظهر أن مالكًا ما نهى عنه لهذا؛ إذ لو خَشِي من هذا لَمَا أسند في "الموطأ" حديث: "ينزل الله إلى سماء الدنيا"؛ لأنه أصرح في الحركة، من اهتزاز العرش، ومع ذلك فمعتقَد سلف الأئمة، وعلماء السُّنَّة من الخلف؛ أن الله منزَّه عن الحركة، والتحول، والحلول

(1)

، ليس كمثله شيء.

(1)

أما الحلول فلا شك أنه لا يقول به إلا الضالّون المبطلون، وأما الحركة والتحوّل =

ص: 329

ويَحْتَمِل الفَرْق بأن حديث سعد ما ثبت عنده، فأمر بالكفّ عن التحدث به، بخلاف حديث النزول، فإنه ثابت، فرواه، وَوَكَل أَمْره إلى فَهْم أولي العلم الذين يسمعون في القرآن:{اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، ونحو ذلك، وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة رضي الله عنهم، أو أكثر وثَبَت في "الصحيحين"، فلا معنى لإنكاره. انتهى، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [24/ 6325 و 6326](2466)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3803)، و (الترمذيّ) في "جامعه"(3848)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة"(158)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(12/ 142)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(6747)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 316)، و (سعيد بن منصور) في "سننه"(2963)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(3/ 433 - 434)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(5335 و 5337 و 5338 و 5339)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7029 و 7031)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3980)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6326]

(. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزل الرَّقَّة، ثقة حافظ [10](ت 232)(خ م د س) تقدم في "المقدمة" 4/ 23.

= فمما لم يَرِدْ في الكتاب والسُّنَّة، فلا ينبغي الجزم بنفيه، راجع ما كتبه البرّاك تعليقًا على كلام الحافظ هذا في:"الفتح" 8/ 504 - 505، فقد أفاد وأجاد.

ص: 330

2 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ) -بسكون الواو- أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقية عابدٌ [8](ت 192) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.

3 -

(أَبُو سُفْيَانُ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [4](ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 117.

والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسألتيه، في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6327]

(2467) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثنا أنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، وَجِنَازَتُهُ مَوْضُوعَةٌ - يَعْنِي: سَعْدًا -: "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ) أبو جعفر البغداديّ، ثقة يَهِم [10]، (ت 231)(م) من أفراد المصنّف، تقدم في "الجهاد والسِّير" 27/ 4601.

[تنبيه]: قوله: (الرُّزِّيُّ) بضمّ الراء، وتشديد الزاي: نسبة إلى الرّزّ المعروف، ويقال له الأرزيّ أيضًا، قاله في "اللباب"

(1)

، ولعله كان يتّجر بالرز، والله تعالى أعلم.

2 -

(عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ) أبو نصر العجليّ مولاهم البصريّ، نزيل بغداد، صدوقٌ، ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثًا في العباس، يقال: دلّسه عن ثور [9](ت 4 أو 206)(عخ م 4) تقدم في "الجهاد والسِّير" 27/ 4601.

3 -

(سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قنادة [6](ت 6 أو 157)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 127.

(1)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 2/ 24.

ص: 331

والباقيان تقدّما في الباب الماضي.

وقوله: (وَجِنَازَتُهُ مَوْضُوعَةٌ؛ يَعْني: سَعْدًا)؛ يعني: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ"؛ أي: لجنازة سعد رضي الله عنه، وجملة:"وجنازته موضوعة" حاليّة معترضة بين القول ومقوله، كما سبق نظيره؛ أي: والحال أن جنازة سعد رضي الله عنه موضوعة بين يدي الناس.

وفي رواية ابن حبّان: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال -وجنازة سعد موضوعة -: "اهتَزّ لها عرش الرحمن"، فطفق المنافقون في جنازته، وقالوا: ما أخفها؟ فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"إنما كانت تحمله الملائكة معهم"

(1)

.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [24/ 6327](2467)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 234)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7032)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(5342)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6328]

(2468) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُّولُ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمُسُونَهَا

(2)

، وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَفَالَ:"أتعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا، وَأليَنُ").

رجال هذا الإسناد: ستّة:

1 -

(أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبِيعيّ، تقدّم قبل باب.

2 -

(الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابي

(1)

"صحيح ابن حبان" 15/ 505.

(2)

وفي نسخة: "يمسّونها".

ص: 332

ابن صحابيّ، نزل الكوفة، استُصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةً، مات سنة اثنتين وسبعين (ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 244.

والباقون ذُكروا في الباب الماضي.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، إلا أبا إسحاق، والصحابيّ، فكوفيّان، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) رضي الله عنه (يَقُولُ: أُهْدِيَتْ) بضمّ أوله مبنيًّا للمفعول، وسيأتي في حديث أنس رضي الله عنه؛ أن الذي أهداها له صلى الله عليه وسلم هو أُكيدر دُومة الجندل. (لِرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم حُلَّةُ حَرِيرٍ) مرفوع على أنه نائب فاعل، وفي الرواية الآتية:"ثوب حرير"، وفي الأخرى:"جُبّة من سُندس"، وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "حلَّةُ حريرا"، كذا جاء في حديث البراء:"حلَّة" بالحاء المهملة، واللام، وفي حديث أنس: أن أُكَيْدر دومة الجندل أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم جُبَّة من سندس، وهذه أوْجَه، وأصوب؛ لأنَّ الحلة لا تكون عند العرب ثوبًا واحدًا؛ وإنما هي لباس ثوبين، يَحُلّ أحدهما على الآخر، وأن الثوب الفرد لا يُسمَّى حلة، وقد جاء في السِّير أنها قَبَاءٌ من ديباج، مخوَّص بالذهب، وقد تقدَّم الكلام على لُبس الحرير في اللباس. انتهى

(1)

.

(فَجَعَلَ)؛ أي: شَرَع، وأخذ (أَصْحَابُهُ) صلى الله عليه وسلم (يَلْمُسُونَهَا) بضمّ الميم، وكَسْرها، يقال: لَمسه لَمْسًا، من بابي نصر، وضرب: إذا أفضى إليه بيده، وفي نسخة:"يمسّونها" بإسقاط اللام، (وَيَعْجَبُونَ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، (مِنْ لِينِهَا) بكسر اللام ضدّ الخشونة؛ أي: يتعجّبون من حُسنها، ولينها، ونعومتها؛ إذ لم يَسْبِق لهم عَهْد بمثلها.

(1)

"المفهم" 6/ 383.

ص: 333

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم خوفًا عليهم من أن يميلوا بذلك إلى الدنيا، ويستحسنوها في طباعهم، فزهّدهم عنها، ورغّبهم في الآخرة، حيث قال لهم:("أتعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) قال الطيبيّ: مناديل جمع منديل، وهو الذي يُحمَل في اليد، وقال ابن الأعرابيّ وغيره: هو مشتقّ من الندل، وهو النقل؛ لأنه يُنقل من واحد، وقيل: من الندل، وهو الوسخ؛ لأنه يُندل به. انتهى.

وقال الفيّوميّ رحمه الله: المِنْدِيلُ مذكّر، قاله ابن الأنباريّ، وجماعة، ولا يجوز التأنيث؛ لعدم العلامة في التصغير، والجمع، فإنه لا يقال: مُنَيْدِيلَةٌ، ولا منْدِيلاتٌ، ولا يوصف بالمؤنَّث، فلا يقال: مِنْدِيلٌ حسنة، فإنّ ذلك كله يدلّ على تأنيث الاسم، فإذا فُقدت علامة التأنيث مع كَوْنَها طارئة على الاسم، تعيَّن التَّذْكيرُ الذي هو الأصل، وتَمَنْدَلْتُ بِالمِنْدِيل، وتَنَدَّلْتُ: تمسّحت به، وحَذْف الميم أكثر، وأنكر الكسائيّ تَمَنْدَلْتُ بالميم، ويقال: هو مشتق من ندلت الشيءَ نَدْلًا، من باب قتل: إذا جذبته، أو أخرجته، ونقلته. انتهى

(1)

.

قال في "العمدة": تخصيص سعد به قيل: لأنه كان يُعجبه ذلك الجنس من الثوب، أو لأجل كون اللامسين المتعجبين من الأنصار، فقال: مناديل سيدكم خير منها.

وإنما ضَرَب المثل بالمناديل؛ لأنها ليست من عِلْية الثياب، بل هي تُبتذل في أنواع من المرافق، يُتمسح بها الأيدي، ويُنفض بها الغبار عن البَدَن، ويُعطى بها ما يُهْدَى، وتُتخذ لفائف للثياب، فصار سبيلها سبيل الخادم، وسبيل سائر الثياب سبيل المخدوم، فإذا كان أدناها هكذا، فما ظنك بعِلْيتها؟. انتهى

(2)

.

(فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا، وَأليَنُ") قال القرطبيّ رحمه الله: هذه إشارة إلى أدنى ثياب سعد في الجنة؛ لأنَّ المناديل إنما هي مُمتهَنة متَّخذة لِمَسح الأيدي بها من الدَّنس والوسخ، وإذا كان هذا حال المنديل، فما ظنُّك بالعمامة والحلة؟! ولا يُظَنُّ طعام الجنة وشرابها فيهما ما يدنِّس يد المتناول، حتى يحتاج إلى منديل؛ فإنَّ هذا ظنّ من لا يعرف الجنة، ولا طعامها، ولا شرابها؛ إذ قد نَزّه الله الجنة عن ذلك كله، وإنما ذلك إخبارٌ بأن الله أعدَّ في الجنة كل ما كان

(1)

"المصباح المنير" 2/ 598.

(2)

"عمدة القاري" 16/ 267.

ص: 334

يُحتاج إليه في الدُّنيا، لكن هي على حالة هي أعلى وأشرف، فأعدَّ فيها أمشاطًا، ومجامر، وأُلُوَّة، ومناديل، وأسواقًا، وغير ذلك مما تعارفناه في الدُّنيا، وإن لم نحتج له في الجنة؛ إتمامًا للنعمة، واكمالًا للمنَّة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله

(1)

.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ رحمه الله في توجيه المناديل لأهل الجنّة كلام نفيسٌ جدًّا، وحاصله: أن الله جعل في الجنة كل ما كان كمالًا في الدنيا، وإن لم يكن لأهل الجنّة حاجة إلى ذلك؛ فالمناديل، والأمشاط، والمجامر كانت لأهل الدنيا من الكمالات، بحيث إنها تكون لأهل الشرف، من الملوك، وأهل الفضل، إلا أنهم في الدنيا يحتاجون إليها لِمَا يُصيبهم من الأوساخ، ونحوها، وأما أهل الجنة، فلا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يبصقون، ولا يمتخطون، وإنما هذه الأشياء مجرّد كمالات لهم. اللَّهُمَّ إنا نسألك الجنة، وما قرّب إليها من قول، أو عمل، ونعوذ بك من النار، وما قرّب إليها من قول، أو عمل. آمين، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث البراء رضي الله عنه هذا متّفق عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [24/ 6328 و 6329 و 6330](2468)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق"(3249) و"مناقب الأنصار"(3802) و"اللباس"(5836) و"الأيمان والنذور"(6640)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3847)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 62)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة"(157)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(11/ 235)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(6/ 394 و 7/ 375)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 289 و 301 و 302) و"فضائل الصحابة"(1487)، و (الحميديّ) في "مسنده"(2/ 506)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7035)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(3/ 435)، و (الطبرانيّ) في

(1)

"المفهم" 6/ 384.

ص: 335

"الكبير"(6/ 13)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(3/ 273)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"(4/ 247)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 273)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3981)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): أن فيه إشارةً إلى عظيم منزلة سعد بن معاذ رضي الله عنه في الجنّة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من حرير الدنيا؛ لأن المنديل أدنى الثياب؛ لأنه معدّ للوسخ، والامتهان، فغيره أفضل.

2 -

(ومنها): أن فيه إثبات الجنّة لسعد رضي الله عنه.

3 -

(ومنها): أن فيه جوازَ قبول هديّة المشرك؛ لأنه يأتي أن الذي أهداها هو أُكيدر دومة، وهو نصرانيّ، وقد ترجم البخاريّ رحمه الله في "كتاب الهبة" من "صحيحه":"باب قبول هديّة المشرك".

قال في "الفتح": قوله: "باب قبول الهدية من المشركين"؛ أي: جواز ذلك، وكأنه أشار إلى ضَعف الحديث الوارد في ردّ هدية المشرك، وهو ما أخرجه موسى بن عقبة في "المغازي" عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ورجال من أهل العلم: أن عامر بن مالك الذي يُدْعَى مُلاعِب الأَسِنَّة، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشرك، فأهدى له، فقال:"إني لا أقبل هدية مشرك. . ." الحديث، ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم عن الزهريّ، ولا يصح، وفي الباب حديث عياض بن حمار، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما، من طريق قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن عياض، قال: أهديت للنبيّ صلى الله عليه وسلم ناقة، فقال:"أسلمت؟ " قلت: لا، قال:"إني نُهيت عن زَبْد المشركين"، و"الزبد" - بفتح الزاي، وسكون الموحدة -الرِّفْدُ، صححه الترمذي، وابن خزيمة.

وأَورد البخاري في الباب عدة أحاديث، دالة على الجواز.

فجَمَع بينها الطبريّ بأن الامتناع فيما أُهدي له خاصة، والقبول فيما أُهدي للمسلمين، وتعقّبه الحافظ بأن من جملة أدلة الجواز، ما وقعت الهدية فيه له خاصة.

وجَمَع غيره بأن الامتناع في حقّ من يريد بهديته التودّد والموالاة،

ص: 336

والقبول في حقّ من يُرجى بذلك تأنيسه، وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول.

وقيل: يُحمل القبول على من كان من أهل الكتاب، والردّ على من كان من أهل الأوثان. وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

ومنهم من ادَّعَى نَسخ المنع، بأحاديث القبول. ومنهم من عَكَس. وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة، فالنَّسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا التخصيص، ذَكَره في "الفتح"

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6329]

(. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِثَوْبِ حَرِيرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَني قَتَادَةُ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِ هَذَا، أَو بِمِثْلِهِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) هو: أحمد بن عبدة بن موسى الضُبيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [10](ت 245)(م 4) تقدم في "الإيمان" 1/ 103.

والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. و"أبو داود" هو: سليمان بن داود الطيالسيّ.

وقوله: (فذَكَرَ الْحَدِيثَ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير أبي داود، ويَحْتَمِل أن يكون ضمير أحمد بن عبدة، بل هو الظاهر بدليل ما بعده، والله تعالى أعلم.

[تنبيه]: رواية أبي داود، عن شعبة هذه ساقها ابن حبّان في "صحيحه"، فقال:

(7036)

- أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، حدّثنا أبو داود، حدّثنا شعبة، قال: أخبرنا

(1)

"الفتح" 5/ 551، كتاب "الهبة" رقم (2615).

ص: 337

أبو إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب حرير، فجعلوا يلمسونه، ويتعجبون من لِيْنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لمناديل سعد بن معاذ في الجنة ألْيَن من هذا، أو خيرٌ من هذا"، قال شعبة: وحدّثني قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثل هذا. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6330]

(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيث، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا، كَرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ).

رجال هذا الإسناد: ثلاثة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ) هو: محمد بن عمرو بن عَبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ -بفتح المهملة، والمثناة- أبو جعفر البصريّ، صدوق [11](ت 234)(م د) تقدم في "الإيمان" 63/ 348.

2 -

(أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدِ) بن الأسود، وقيل: ابن خالد بن هُدبة بن عتبة الأزديّ الثوبانيّ القيسيّ، أبو عبد الله البصريّ، أخو هُدْبة، أكبر منه، صدوقٌ [9].

رَوَى عن شعبة، والثوريّ، والمسعوديّ، وابن أخي الزهريّ، وغيرهم.

ورَوى عنه أخوه، ومسدد، وعليّ بن المدينيّ، والفلاس، وبندار، وأبو موسى، وأبو الأشعث العجليّ، وغيرهم.

قال أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: ما علمت إلا خيرًا، وروى العقيلي في "الضعفاء" عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أمية بن خالد، فلم أره يحمده في الحديث، قال: إنما كان يحدِّث مِن حِفْظه، لا يُخرج كتابًا، وما أبدى العقيلي فيه غير حديث واحد وَصَله، وأرسله غيره، وذكره أبو العرب في الضعفاء، فلم يصنع شيئًا.

وقال عبيد الله بن جرير بن جبلة: مات سنة (2)، وقال البخاريّ، وابن حبان: مات سنة (251)، كذا قال ابن حبان في "الثقات"، قاله في "تهذيب التهذيب".

(1)

"صحيح ابن حبان" 15/ 508.

ص: 338

أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (2468)، وحديث (2604):"اذهب، وادع لي معاوية. . ." الحديث.

و"شُعبة" ذُكر قبله.

وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ)؛ أي: بالإسناد الماضي، وهو أبو داود عن شعبة.

وقوله: (بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا

إلخ)؛ أي: بإسنادَي شعبة الماضيين، وهما شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه، وشعبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه.

[تنبيه]: رواية أُميّة بن خالد عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6331]

(2469) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِن مَنَادِيلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.

2 -

(يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدِّب، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [9](ت 207)(ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 105.

3 -

(شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن النحويّ، تقدّم أيضًا قبل باب.

والباقيان ذُكرا قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسل بالبصريين من شيبان، والباقيان بغداديّان.

ص: 339

شرح الحديث:

(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدُوسيِّ؛ أنه (حَدَّثنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: أن الأمر والشأن (أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) ببناء الفعل للمفعول، وقد بُيّن المهدي في الرواية التالية أنه أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَل، و"أُكيدر" بضم الهمزة، وفتح الكاف، وبعدها ياء التصغير: تصغير أكدر، والكدرة لون بين السواد والبياض، وهو الأغبر، وهو أُكيدر بن عبد الملك الكنديّ، صَاحِبِ دُومَةَ، بفتح الدال، وضمّها، وأنكر ابن دُريد الفتح، وقال: أهل اللغة يقولونه بالضمِّ، والمحدّثون بالفتح، وهو خطأ، وقال: و"دُومةُ الجندل": مجتمعه، ومستداره، وهو من بلاد الشام، قرب تبوك، كان أُكيدر ملكها، وكان خالد بن الوليد، قد أسره في غزوة تبوك، وسلبه قباءً من ديباج، مُخَوَّصًا بالذهب، فأمّنه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وردّه إلى موضعه، وضرب عليه الجزية، قاله القرطبيّ رحمه الله

(1)

.

وقال في "الفتح": و"أكيدر دومة": هو أكيدر تصغير أكدر، ودومة بضم المهملة، وسكون الواو: بلد بين الحجاز والشام، وهي دومة الجندل، مدينة بقرب تبوك، بها نخل، وزرع، وحصن على عشر مراحل من المدينة، وثمان من دمشق، وكان أكيدر ملكها، وهو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن - بالجيم والنون - ابن أعباء بن الحارث بن معاوية، يُنسب إلى كندة، وكان نصرانيًّا، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم، أرسل إليه خالد بن الوليد في سَرِيّة، فأسَره، وقتل أخاه حسان، وقَدِم به المدينة، فصالحه النبيّ صلى الله عليه وسلم على الجزية، وأطلقه، ذكر ابن إسحاق قصته مطولة في "المغازي". ورَوَى أبو يعلى بإسناد قويّ، من حديث قيس بن النعمان: أنه لَمّا قَدِم أخرج قباء من ديباج، منسوجًا بالذهب، فرَدّه النبيّ صلى الله عليه وسلم عليه، ثم إنه وجد في نفسه مِن ردّ هديته، فرجع به، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"ادفعه إلى عمر. . ." الحديث. وفي حديث علي عند مسلم: "أن أكيدر دومة أهدى للنبيّ صلى الله عليه وسلم ثوب حرير، فأعطاه عليًّا، فقال: شقِّقه خُمُرًا بين الفواطم". انتهى من "الفتح" ببعض تصرّف

(2)

.

وقال النوويّ رحمه الله: "وأما أُكيدر" -فهو بضم الهمزة، وفتح الكاف- وهو

(1)

"المفهم" 6/ 384.

(2)

"الفتح"، كتاب "الهبة" 5/ 552.

ص: 340

أُكيدر بن عبد الملك الكنديّ، قال الخطيب البغداديّ في كتابه "المبهمات": كان نصرانيًّا، ثم أسلم، قال: وقيل: بل مات نصرانيًّا. وقال ابن منده، وأبو نُعيم الأصبهانيّ في كتابيهما في معرفة الصحابة: إن أُكيدرًا هذا أسلم، وأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلّة سيراء. قال ابن الأثير في كتابه "معرفة الصحابة": أما الهديّة، والمصالحة، فصحيحان، وأما الإسلام فغلط، قال: لأنه لم يُسلم بلا خلاف بين أهل السِّير، ومن مال: أسلم فقد أخطأ خطأ فاحشًا، قال: وكان أكيدر نصرانيًّا، فلما صالحه النبيّ صلى الله عليه وسلم عاد إلى حصنه، وبقي فيه، ثم حاصره خالد بن الوليد في زمان أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، فقتله مشركًا نصرانيًّا -يعني: لِنَقْضِه العهد- قال: وذكر البلاذري أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاد إلى دومة، فلما توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدّ أكيدر، فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله. وعلى هذا القول لا ينبغي عدّه في الصحابة. هذا كلام ابن الأثير

(1)

.

(جُبَّةٌ مِن سُنْدُسٍ) قال في "المشارق": الجبة: ما قُطع من الثياب، وخِيط

(2)

، والسندس: ما رَقّ من الحرير، والديباج، والإستبرق: ما غَلُظ منه

(3)

، وقال ابن الأثير: السندس: ما رَقّ من الديباج، ورَفع، وقال الداوديّ: السندس رقيق الديباج، والإستبرق غليظه، وقال ابن التين: الإستبرق أفضل من السندس؛ لأنه غليظ الديباج، وكلُّ ما غَلُظ من الحرير كان أفضل من رقيقه. انتهى

(4)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ"، وفي رواية:"حلّة حرير"، وفي رواية:"ثوب حرير"، وفي أخرى:"جُبّة"، قال القاضي: رواية الجبّة بالجيم والباء؛ لأنه كان ثوبًا واحدًا، كما صُرّح به في الرواية الأخرى، والأكثرون يقولون:"الحلّة" لا تكون إلا ثوبين، يحلّ أحدهما على الآخر، فلا

(1)

"شرح النوويّ" 14/ 50.

(2)

"المفهم" 6/ 384، و"مشارق الأنوار" 1/ 137.

(3)

"عمدة القاري" 8/ 7.

(4)

"عمدة القاري" 13/ 170.

ص: 341

يصحّ الحلّة هنا. وأما من يقول: الحلّة ثوب واحدٌ جديدٌ، قريب العهد بحلّه من طيّه، فيصحّ، وقد جاء في "كتب السِّير" أنها قَباء. انتهى

(1)

.

(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ) هكذا رواية شيبان عن قتادة: "وكان ينهى عن الحرير"، وخالفه سعيد بن أبي عروبة عنه، فقال:"قبل أن يحرّم الحرير"، وفي لفظ:"قبل أن ينهى عن الحرير"، أخرجه البيهقيّ، وصحّحه ابن حبّان، ورجّحه البيهقيّ على رواية شيبان، فقد أخرجه ابن حبّان من طريق محمد بن سواء، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس؛ "أن أُكيدر دومةَ أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جُبّة سُندس، فَلَبِسها، وذلك قبل أن يُحرَّم الحرير، فتعجّب الناس من حُسنها. . ." الحديث.

وأخرجه البيهقيّ من طريق عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ أن أكيدر دومة أهدى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم جبة -قال سعيد -: أحسبه قال: سندس، قال: وذلك قبل أن يُنْهَى عن الحرير، قال: فلبسها، فعَجِب الناس منها. . ." الحديث.

قال البيهقيّ: أخرجاه في "الصحيح" من وجه آخر، عن قتادة، دون اللفظة التي أَتَى بها سعيد بن أبي عروبة، أن ذلك قبل أن يُنْهَى عن الحرير، وهي أشبه بالصحة من رواية من روى:"وكان ينهى عن الحرير"، وقد قال البخاريّ: وقال سعيد: عن قتادة، عن أنس، أن أكيدر دُومة أهدى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في هدية المشركين، إلا أنه لم يَسُق مَتْنه. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن رواية سعيد بن أبي عروبة بلفظ: "قبل أن ينهى عن الحرير" هي المحفوظة دون لفظ: "وكان ينهى عن الحرير"؛ لكون سعيد أثبت من شيبان، بل هو أثبت الناس في قتادة، وقد تابعه عمر بن عامر، كما سيأتي في الرواية التالية، ولأن قوله:"فلبسها" ينافي قوله: "وكان ينهى عن الحرير"؛ لأنه لا يلبسها بعد النهي عنها.

والحاصل: أن الصحيح قوله: "قبل أن ينهى عن الحرير"، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.

(1)

"شرح النوويّ" 15/ 23 - 24.

(2)

"سنن البيهقي الكبرى" 3/ 274.

ص: 342

(فَعَجِبَ) بكسر الجيم، (النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَنَادِيلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) جمع مِنْديل -بكسر الميم- في المفرد، وهو الذي يُحمل في اليد، وقال في "العمدة": المنادل: جمع مِنديل، وهو الذي يُحمَل في اليد، مشتقّ من الندل، وهو النقل؛ لأنه يُنقل من يد إلى يد، وقيل: الندل: الوسخ، وفيه إشارة إلى منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه الجبة؛ لأن المناديل في الثياب أدناها؛ لأنه معدّ للوسخ، والامتهان، فغيره أفضل منه، وقيل: في قوله: "مناديل سعد" ضَرَب المثال بالمناديل التي يُمسح بها الأيدي، ويُنفض بها الغبار، ويُتخذ لِفافةً لجيِّد الثياب، فكانت كالخادم، والثياب كالمخدوم، فإذا كانت المناديل أفضل من هذه الثياب - أعني جبة السندس - دلّ على عِظَم عطايا الرب جل جلاله، قال تعالى:{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17].

[فإن قلت]: ما وجه تخصيص سعد به؟.

[قلت]: لعل منديله كان من جنس ذلك الثوب لونًا، ونحوه، أو كان الوقت يقتضي استمالة سعد، أو كان اللامسون المتعجبون من الأنصار، فقال: منديل سيدكم خير منها، أو كان سعد يُحبّ ذلك الجنس من الثياب، وقال صاحب "الاستيعاب": رُوي أن جبريل عليه السلام نزل في جنازته معتجرًا بعمامة من استبرق. انتهى

(1)

.

(فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا")؛ أي: إن هذا في الدنيا قد أُعدّ لِلُبس الملوك، ومع ذلك لا يساوي مناديل سعد في الآخرة التي أُعدّت لإزالة الوسخ، وتنظيف الأيدي، فأيّ نسبة بين الدنيا والآخرة؟ فلا ينبغي للمرء الرغبة في الدنيا، وعن الآخرة، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [24/ 6331 و 6332](2469)، و (البخاريّ) في

(1)

"عمدة القاري" 13/ 170.

ص: 343

"الهبة"(2615 و 2616) و"بدء الخلق"(3248)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 234)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(5/ 423)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(1/ 361)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7037 و 7038)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 274)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6332]

(. . .) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(1)

حُلَّةً، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ:"وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(سَالِمُ بْنُ نُوحٍ) بن أبي عطاء البصريّ، أبو سعيد العطار، صدوق له أوهام [9] مات بعد المائتين (بخ م دت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 55/ 1532.

2 -

(عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ) السلميّ البصريّ قاضيها، صدوق له أوهام [6] (ت 135) وقيل: بعدها (م س) تقدم في "الصيام" 9/ 2553.

والباقون ذُكروا في الباب.

وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير عُمر بن عامر.

[تنبيه]: رواية عمر بن عامر عن قتادة هذه ساقها النسائيّ رحمه الله في "الكبرى"، فقال:

(9614)

- أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا سالم بن نوح، قال: ثنا عمر بن عامر، عن قتادة، عن أنس، أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جُبّة سُندس، فَلَبِسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعجَّب الناس منها، فقال:"أتعجبون من هذه؟ فوالذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها"، وأهداها إلى عمر، فقال: يا رسول الله تكرهها، وألبسها؟ قال: يا عمر، إني إنما أرسلت بها إليك لِتَبعث بهاِ وجهًا، تُصيب بها"، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير. انتهى.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

وفي نسخة: "أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ص: 344

(25) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ رضي الله عنه

-)

هو: أبو دُجانة -بضمّ الدال، وتخفيف الجيم - الأنصاريّ، اسمه سماك بن خَرَشة -بفتح الخاء والشين المعجمتين- وقيل: ابن أوس بن خَرَشة، متفق على شهوده بدرًا، وقال عليّ: إنه استُشهِد باليمامة، وأسند ابن إسحاق من طريق يزيد بن السكن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا التحم القتال ذَبّ عنه مصعب بن عمير؛ يعني: يوم أُحد حتى قُتل، وأبو دُجانة سماك بن خَرَشة حتى كثرت فيه الجراحة، وقيل: إنه ممن شارك في قتل مسيلمة

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: هو سماك بن خَرَشة بن لوذان الخزرجيّ الأنصاريّ، وهو مشهور بكنيته، شهد بدرًا وأُحُدًا، ودافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو ومصعب بن عمير، وكثرت فيه الجراحة، وقُتِل مصعب. وكان أبو دُجانة أحد الشجعان، له المقامات المحمودة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه، استُشهِد يوم اليمامة، وقال أنس: رَمَى أبو دجانة بنقسه في الحديقة، فانكسرت رجله، فقاتل حتى قُتل، وقيل: إنه شارك وحشيًّا في قتل مسيلمة، وقد قيل: إنه عاش حتى شَهِد مع علي صفِّين، والله تعالى أعلم. قال أبو عمر: وإسناد حديثه في الحِرْز المنسوب إليه فيه ضَعف. انتهى

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6333]

(2470) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَدَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: (مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا؟، فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ، كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا أَنَا، قَالَ:"فَمَنْ يَأخُذُهُ بحَقِّهِ؟، قَالَ: فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّه، قَالَ: فَأَخَذَهُ، فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ".

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب.

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 7/ 119.

(2)

"المفهم" 6/ 385.

ص: 345

2 -

(عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حَرْف من الحديث تَرَكه، وربما وَهِمَ، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات بعدها بيسير، من كبار [10](ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 44.

3 -

(حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ)، تقدّم قريبًا.

4 -

(ثَابِتُ) بن أسلم البُنانيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

و"أَنَسٌ" رضي الله عنه ذُكر في السند الماضي.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فكوفيّ.

شرح الحديث:

(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ): ("مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا") السيف، (فَبَسَطُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون (أَيْدِيَهُمْ، كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا أَنَا)؛ أي: أنا آخذه، أنا آخذه، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم:("فَمَنْ يَأخذُهُ بِحَقِّهِ؟ ") قال القرطبيّ رحمه الله: يعني بالحق هنا: أنه يقاتل بذلك السيف إلى أن يفتح الله تعالى على المسلمين أو يموت.

وأخرج الدُّولابيّ في "الكنى" من طريق عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزبير بن العوام: عَرَض النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أُحد سيفًا، فقال:"من يأخذ هذا السيف بحقه؟ "، فقام أبو دُجانة سماك بن خَرَشة، فقال: أنا، فما حقّه؟ قال:"لا تقتل به مسلمًا، ولا تفرّ به من كافر".

فأخذه أبو دجانة فقام بشرطه، ووَفَّى بحقه.

(قَالَ) أنس: (فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ)؛ أي: تأخّروا، يقال: أحجم، وأجحم بتقديم الحاء، وتأخيرها، قاله القرطبيّ، وقال ابن الأثير:"فأحجم القوم"؛ أي: نَكَصُوا، وتأخروا، وتهيّبوا أخذه. انتهى

(1)

.

(1)

"النهاية في غريب الأثر" 1/ 347.

ص: 346

وقال النوويّ: هو بحاء، ثم جيم، هكذا هو في معظم نُسخ بلادنا، وفي بعضها بتقديم الجيم على الحاء، وادَّعى القاضي عياض أن الرواية بتقديم الجيم، ولم يذكر غيره، قال: فهما لغتان، ومعناهما: تأخروا، وكَفُّوا. انتهى

(1)

.

وإنما أحجم القوم بعدما كثُر اشتياقهم إلى هذا السيف؛ لأنهم عرفوا أن الوفاء بحقّ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خطيرٌ، وخافوا أن يلحقهم العجز في ذلك، أو فهِموا أن طلب السيف بعد العلم بأنّ أخْذه مشروط بأداء حقّه ربما يكون فيه ادّعاء مذموم

(2)

.

(فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّه، قَالَ) أنس: (فَأَخَذَهُ)؛ أي: مشترطًا أخْذه بحقّه، (فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ)؛ أي: فوفى بحقّه، وذلك أن فلق به؛ أي: شقّ بذلك السيف رؤوس المشركين.

وقال القرطبيّ رحمه الله: "هام المشركين" مخففًا؛ يعني: رؤوسهم. قال الشاعر [من الوافر]:

وَنَضْرِبُ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ

أَزَلْنا هَامَهُنَّ عَنِ الْمَقِيلِ

المقيل: أصول الأعناق

(3)

.

والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنف) هنا [25/ 6333](2470)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(7/ 369)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 123)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(1327)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(3/ 556)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 255)، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 24.

(2)

"تكملة فتح الملهم" 5/ 207.

(3)

"المفهم" 6/ 385.

ص: 347

(26) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَالِدِ جَابِرٍ رضي الله عنهما

-)

هو: عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ السَّلَميّ، والد جابر الصحابيّ المشهور، معدود في أهل العقبة، وبدر، وكان من النقباء، واستُشهِد بأُحُد، ثَبَت ذِكره في "الصحيحين" من حديث ولده، قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم في دَيْن كان على أبي، فدفعت عليه الباب

الحديث بطوله، ومن حديثه أيضًا قال: لَمّا قُتل أبي يوم أُحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه

الحديث، وفيه:"ما زالت الملائكة تُظلّه بأجنحتها"، ورَوى الترمذيّ من حديث جابر: لقيني النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا جابر ما لي أراك منكسرًا؟ " فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قُتل أبي، وترك دَينًا وعيالًا، فقال:"ألا أخبرك؟ ما كلَّم الله أحدًا قطّ إلا من وراء حجاب، وكلّم أباك كِفَاحًا، قال: يا عبدي سَلْني أُعْطِك. . ." الحديث.

وقال جابر: حَوَّلت أبي بعد ستة أشهر، فما أنكرت منه شيئًا إلا شعرات من لحيته كانت مستها الأرض.

ورَوى مالك في "الموطأ" عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة؛ أنه بلغة أن عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام كانا قد حَفَر السيل عن قبرهما، وكانا في قبر واحد مما يلي السيل، فحَفَر عنهما، فوُجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما وضع يده على جرحه، فدُفن، وهو كذلك، فأُمِطيت يده عن جرحه، ثم أُرسلت، فرجعت كما كانت، وكان بين الوقتين ست وأربعون سنة.

وروى أبو يعلى، وابن السكن، من طريق حبيب بن الشهيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جزى الله الأنصار عنّا خيرًا، لا سيما عبد الرحمن بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة"، وأخرجه النسائيّ من هذا الوجه، لكن لفظه:"لا سيما آل عمرو بن حرام". انتهى

(1)

.

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 4/ 189.

ص: 348

وقال القرطبيّ رحمه الله: وأما أبو جابر: فهو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن كعب بن غنم بن كعب بن سَلِمَة الأنصاريّ السَّلَميّ، وهو أحد النقباء، شهد العقبة وبدرًا، وقُتِل يوم أُحُد، ومُثِّل به.

رَوَى بقي بن مَخْلَد عن جابر رضي الله عنه قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا جابر" ما لي أراك منكسًا مهتمًا؟ "، قلت: يا رسول الله! استُشهد أبي، وترك عيالًا، وعليه دَين. قال: "أفلا أبشّرك بما لقي الله عز وجل به أباك؟ "، قلت: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال: "إن الله عز وجل أحيا أباك، وكلمه كِفَاحًا، وما كلَّم أحدًا قط إلا من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي تَمَنَّ، أُعطك! قال: يا رب! تردّني إلى الدنيا، فأُقتل فيك ثانية، فأبلِّغ من ورائي؛ فأنزل الله تعالى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ} [آل عمران: 169].

قال القرطبيّ: وقد تضمَّن هذا الحديث فضيلة عظيمة لعبد الله لم يُسْمَع بمثلها لغيره، وهي: أن الله تعالى كلَّمه مشافهة بغير حجاب حجبه به. ولا واسطة قبل يوم القيامة، ولم يفعل الله تعالى ذلك بغيره في هذه الدَّار، كما قال تعالى:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَو يُرْسِلَ رَسُولًا} [الشورى: 51]، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث:"وما كلَّم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب"، وظاهر هذه الآية، وهذا الحديث: أن الله تعالى لم يفعل هذا في هذه الذَار لحيٍّ ولا لميت، إلا لعبد الله هذا خاصَّة، فيلزم على هذا العموم: أنه قد خُصَّ من ذلك بما لم يُخَصّ به أحدٌ من الأنبياء. وهذا مشكل بالمعلوم من ضرورة الشرع، ومن إجماع المسلمين على أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الشهداء والأولياء، كما تقدم، فوجه التَّوفيق: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "وما كلَّم الله أحدًا إلا من وراء حجاب" إنما يعني به -والله أعلم-: أنه ما كلَّم أحدًا من الشهداء، وممن ليس بنبي بعد موته، وقبل يوم القيامة، إلا عبد الله، ولم يُرِدْ به الأنبياء، ولا أراد بعد يوم القيامة، لِمَا قد عُلِم أيضًا من الكتاب والسُّنَّة، وإجماع أهل السُّنَّة من: أن المؤمنين يَرَوْن الله تعالى في الجنة، ويُكلِّمهم بغير حجاب، ولا واسطة.

وأما الآية: فإنما مقصودها حَصْر أنواع الوحي الواصل إلى الأنبياء من الله تعالى، فمنه: ما يقذفهُ الله تعالى في قلب النبيّ، ورُوعِه، ومنه: ما يُسمعه الله

ص: 349

تعالى للنبي مع كون ذلك النبي محجوبًا عن رؤية الله تعالى، ومنه: ما يبيّنه له المَلَك، وحاصلها: الإعلام بأن الله تعالى لم يره أحد من البشر في هذه الدَّار؛ نبيًّا كان أو غير نبيّ، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح:"اعلموا أنه لا يرى أحدٌ ربَّه حتى يموت"

(1)

.

وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لربِّه، والصحيح أنه لم يأت قاطع بذلك، والأصل بقاء ما ذكرناه على ما أصَّلناه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم الخلاف في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه ببصره، ورجّحنا أن الصحيح أنه لم يره ببصره؛ للأدلة الصحيحة المذكورة في "كتاب الإيمان"، ومن أوضحها: حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنَّى أراه؟ "، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6334]

(2471) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى، وَقَدْ مُثِلَ بِه، قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَوأَمَرَ بِه، فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ، أَو صَائِحَةٍ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَو أُخْتُ عَمْرٍو، فَقَالَ: "وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رُفِعَ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) هو: عبيد الله بن عُمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 235) على الأصح، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" 6/ 75.

2 -

(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا.

(1)

حديث صحيح.

(2)

"المفهم" 6/ 386 - 387.

ص: 350

3 -

(ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدير -بالتصغير- التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [3](ت 130) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" 11/ 584.

والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (489) من رباعيّات الكتاب، وفيه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقد سبق القول فيه قريبًا.

شرح الحديث:

(عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ)؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ) محمد (بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنهما (يَقُولُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ)"كان" هنا تامّة، بمعنى جاء، وحضر، فلا تحتاج إلى خبر، بل تكتفي بفاعلها فقط، كما قال الحريريّ في "ملحته":

وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ

فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ

وقال في "الخلاصة":

....................

وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي

وكانت غزوة أُحُد في سنة ثلاث من الهجرة في شوال.

(جِيءَ بِأَبِي) عبد الله بن حرام، حال كونه (مُسَجًّى)؛ أي: مُغطّى الجسد والرأس بثوب، ولفظ البخاريّ:"وقد سُجِّي ثَوْبًا"؛ أي: غُطّي، من سَجَّى يُسَجّى تسجيةً، وانتصاب "ثوبًا" بنزع الخافض؛ أي: بثوب

(1)

.

(وَقَدْ مُثِلَ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: قطع المشركون أطرافه مُثلةً، قال النوويّ رحمه الله: مُثِل بضم الميم، وكسر الثاء المخففة، يقال: مُثِل بالقتيل، والحيوان يُمْثل مَثْلًا؛ كقُتل يُقتل قتلًا: إذا قُطع أطرافه، أو أنفه، أوأذنه، أو مذاكيره، ونحو ذلك، والاسم: المثلة، فأما مُثِّل بالتشديد فهو للمبالغة، والرواية هنا بالتخفيف. انتهى

(2)

.

وقال في "العمدة": قوله: "قد مُثّل به" جملة وقعت حالًا، ومُثّل بضم

(1)

"عمدة القاري" 8/ 86.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 24 - 25.

ص: 351

الميم، وتشديد الثاء المثلثة، من التمثيل، يقال: مُثّل بالقتيل: إذا جُدِع أنفُهُ، وأذنه، أو مذاكيره، أو شيء من أطرافه، والاسم المثلة، بضم الميم، وسكون الثاء، ويجوز مُثِل بتخفيف الثاء، يقال: مَثَلْتُ بالحيوان أَمْثُلُه به مَثْلًا، قال ابن الأثير: وأما مُثّل بالتشديد، فهو للمبالغة. انتهى

(1)

.

(قَالَ) جابر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ) وفي رواية: "أريد أن أكشف عنه"؛ أي: حتى يُرى ما فُعل به، (فَنَهَانِي قَوْمِي) بنو سَلِمة بكسر اللام، ولعلهم نهوه ظنًّا منهم أن كشف وجه الميت لا يجوز، ولم ينهه صلى الله عليه وسلم دلالة على أنه يجوز، ويَحْتَمِل أن يكون نهيهم له خشية أن يزيده ذلك حزنًا وبكاءً على جابر؛ لأنه كان يبكي عندئذ، كما هو مصرّح به في الرواية التالية، ولم ينهه صلى الله عليه وسلم لِمَا رأى من شدّة اشتياقه، ولأن ذلك ربما يؤدي إلى التسلية

(2)

، والله تعالى أعلم.

(ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: رَفَعه من موضعه إلى موضع دَفنه، (أَوْ أَمَرَ بِهِ)"أو" للشكّ من الراوي، (فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول، (فَسَمِعَ) النبيّ صلى الله عليه وسلم (صَوْتَ بَاكِيَةٍ، أَو صَائِحَةٍ)"أو" للشكّ أيضًا؛ أي: امرأة صائحة، (فَقَالَ:"مَنْ هَذه؟ ") الباكية، (فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو") "أو" هنا أيضًا للشكّ، والصحيح أنها بنت عمرو، كما في الرواية التالية: "وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه" وعمرو جدّ جابر؛ لأنه ابن عبد الله بن عمرو بن حرام، وفي رواية للبخاريّ: "فجعلت عمتي فاطمة تبكي"، ووقع في "الإكليل" للحاكم أنها هند بنت عمرو، قال الحافظ: لعل لها اسمين، أو أحدهما اسمها، والآخر لقبها، وتعقّبه العينيّ، فقال: لا يُلقّب بالأسماء الموضوعة للمسمّيات، فإن صح ما في "الإكليل" فيُحْمَل على أنهما كانتا أختين، وهما عمتا جابر، إحداهما تسمى فاطمة، والأخرى تسمى هندًا

(3)

.

قوله: (أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو) شك من الراوي، فإن كانت بنت عمرو، تكون

(1)

"عمدة القاري" 8/ 86.

(2)

راجع: "تكملة فتح الملهم" 5/ 209.

(3)

"عمدة القاري" 8/ 86.

ص: 352

أخت المقتول عمة جابر، وإن كانت أخت عمرو تكون عمة المقتول، وهو عبد الله، هكذا قال في "العمدة"

(1)

.

وقال في "الفتح": هذا شكّ من سفيان، والصواب: بثت عمرو، وهي فاطمة بنت عمرو؛ لأن في رواية شعبة، عن محمد بن المنكدر:"وجعلت عمتي تبكيه"، وفي رواية:"فذهبت عمتي فاطمة".

(فَقَالَ: "وَلِمَ تَبْكِي؟ ")"لِمَ" بكسر اللام، وفتح الميم: استفهام عن الغائبة، والاستفهام للإنكار، فيكون بمعنى النهي، ولفظ البخاريّ:"فَلِمَ تبكي؟، أو: لا تبكي"، فقوله:"أو: لا تبكي" شكّ من الراوي، وليس باستفهام، بل هو نهي للغائبة.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "ولمَ تبكي؟ " كذا صحَّت الرواية بـ "لم" التي للاستفهام، "تبكي" بغير نون؛ لأنَّه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة، ولو خاطبها بالاستفهام خطاب الحاضرة، لقال: ولمَ تبكين؛ بإثبات النون، وكذلك جاء في رواية أخرى:"تبكيه، أو لا تبكيه؟ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها"، هو إخبار عن غائبة، ولو كان خطاب الحاضرة لقال: تبكينه، أو لا تبكينه، بنون فعل الواحدة المخاطبة، ويعني بهذا الكلام: أن عبد الله مكرَّم عند الملائكة، سواء بُكِي عليه، أو لم يُبْكَ؟، وكون الملائكة تظله بأجنحتها، إنما ذلك لاجتماعهم عليه، وتزاحمهم على مبادرة لقائه، والصُّعود بروحه الكريمة الطيبة، ولتبشِّره بما له عند الله تعالى من الكرامهّ، والدَّرجة الرفيعة، والله تعالى أعلم. انتهى

(2)

.

وقال في "المشارق": قوله: "تبكين، أو لا تبكين

إلخ" بسكون الواو، وقد يكون هذا شكًّا من الراوي في أيّ الكلمتين قال، أو يكون على طريق التسوية للحالين، والأول أظهر. انتهى

(3)

.

وقال في "الفتح": قوله: "قال: فلم تبكي؟ أو: لا تبكي" هكذا في هذه الرواية بكسر اللام، وفتح الميم، على أنه استفهام عن غائبة، وأما قوله: "أو:

(1)

"عمدة القاري" 8/ 86.

(2)

"المفهم" 6/ 387 - 388.

(3)

"مشارق الأنوار" 1/ 53.

ص: 353

لا تبكي"، فالظاهر أنه شكّ من الراوي، هل استفهَمَ، أو نهَى؟ لكن تقدّم -يعني: في رواية البخاري- من رواية شعبة: "تبكين، أو لا تبكين"، وتقدم شرحه على التخيير، ومحصّله أن هذا الجليل القَدْر الذي تظلّه الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يُبكَى عليه، بل يُفرح له بما صار إليه. انتهى

(1)

.

وقال في موضع آخر: قوله: "تبكين، أو لا تبكين " للتخيير، ومعناه: أنه مكرم بصنيع الملائكة، وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه، ويَحْتَمِل أن يكون شكًّا من الراوي. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حَمْله على التخيير فيه نظر؛ إذ تعارضه رواية شعبة عند البخاريّ بلفظ: "لا تبكيه" بالنهي الجازم، فالأَولى حَمْله على الشكّ، فيكون قوله:"تبكين" استفهامًا بتقدير أداته؛ أي: أتبكين؟، والاستفهام الإنكاريّ بمنزلة النهي، فلا اختلاف بين رواية سفيان، وشعبة في المعنى، والله تعالى أعلم.

وقوله: (فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا) هذه الجملة تعليل للنهي عن البكاء؛ أي: لأنّ من كان مُعزّزًا مُكرّمًا بعناية الملائكة به لا ينبغي أن يُبكَى عليه، بل يُفرَح به.

وقال القاضي عياض رحمه الله: يَحْتَمِل أن ذلك لتزاحمهم عليه؛ لبشارته بفضل الله تعالى ورضاه عنه، وما أَعَدَّ له من الكرامة عليه، ازدحموا عليه إكراما له، وفرحًا به، أو أظلّوه من حرّ الشمس؛ لئلا يتغيّر ريحه، أو جسمه. انتهى

(3)

.

(حَتَّى رُفِعَ) بالبناء للمفعول، وفي رواية شعبة:"حتى رفعتموه"، وهو غاية لتظليل الملائكة له، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا مُتَّفقٌ عليه.

(1)

"الفتح" 3/ 512.

(2)

"الفتح" 3/ 452.

(3)

"إكمال المعلم" 7/ 500.

ص: 354

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [26/ 6334 و 6335 و 6336 و 6337](2471)، و (البخاريّ) في "الجنائز"(1242 و 1293) و"الجهاد"(2816) و"المغازي"(3080)، و (النسائيّ) في "المجتبى"(4/ 11 و 13) و"فضائل الصحابة"(143)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 298 و 307)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(4/ 18)، و (ابن الجعد) في "مسنده"(1/ 252)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن حرام رضي الله عنه، حيث أظلته الملائكة بأجنحتها.

2 -

(ومنها): استحباب تسجية الميت، قال النوويّ رحمه الله: وهو مُجْمَع عليه، وحكمته صيانة الميت من الانكشاف، وستر عورته المتغيّرة عن الأعين، قال بعض أصحاب الشافعيّ: ويُلَفّ طَرَف الثوب المسجّى به تحت رأسه، وطرفه الآخر تحت رجليه، لئلا ينكشف منه، قال: وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي تُوفّي فيها، لئلا يتغيّر بدنه بسببها. انتهى.

3 -

(ومنها): بيان عناية الملائكة بخدمة الصالحين، ومصاحبتهم، كما قال الله تعالى حكاية عنهم:{نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [فصلت: 31].

4 -

(ومنها): فضل الشهادة في سبيل الله تعالى.

5 -

(ومنها): النهي عن البكاء على من مات على خير عمله، وقد تقدّمت المسألة في محلّها من "الجنائز" مستوفاة، فارجع إليها تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6335]

(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلْتُ كشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِه، وَأَبْكِي، وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَنْهَانِي، قَالَ: وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو تَبْكِيه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تَبْكِيه، أَو لَا تَبْكِيه، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ").

ص: 355

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.

وقوله: (وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي) هكذا بنونين، إحداهما نون الرفع، والثانية نون الوقاية، وهو واضح، ووقع في رواية للبخاريّ:"ينهوني" بنون واحدة، ووَجْهه أنه حُذف منه إحدى النونين، والصحيح أن المحذوف نون الرفع؛ لأنه عُهد حَذْفها لغير ذلك، ولأنها نائبة عن الضمّة التي تُحذف تخفيفًا

(1)

، والله تعالى أعلم.

وقوله: (وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو تَبْكِيهِ) هي عمّة جابر، شقيقة أبيه عبد الله بن عمرو.

وقوله: (تَبْكِيه، أَو لَا تَبْكِيهِ

إلخ) قال في "الفتح": "أو" فيه للتخيير، ومعناه: أنه مكرَّم بصنيع الملائكة، وتزاحُمهم عليه؛ ليصعدوا بروحه، ويَحْتَمِل أن يكون شكًّا من الراوي. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن التخيير غير صحيح، بل الظاهر أنها للشكّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

وقال النوويّ رحمه الله: معناه: سواء بكت عليه أم لا، فما زالت الملائكة تُظلّه؛ أي: فقد حصل له من الكرامة هذا وغيره، فلا ينبغي البكاء على مثل هذا، وفي هذا تسلية لها.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6336]

(. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدثنا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ

(3)

، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ الْمَلَائِكَة، وَبُكَاءُ الْبَاكِيَةِ).

(1)

راجع: "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة" 1/ 80.

(2)

"الفتح" 3/ 686، كتاب "الجنائز" رقم (1244).

(3)

وفي نسخة: "بهذا الإسناد".

ص: 356

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

[رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

2 -

[إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.

3 -

[مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.

[تنبيه]: رواية معمر عن محمد بن المنكدر ساقها عبد الرزاق رحمه الله في "مصنّفه"، فقال:

(6693)

- عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قُتل أَبِي يوم أُحد، فأُتي به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فوُضع بين يديه مُجَدَّعًا، قد مُثِل به، قال: فأكببت أبكي عليه، والقوم يعزونني

(1)

، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يراني، ولا ينهاني، حتى رُفع، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"ما زالت الملائكة حوله حتى رُفع"، قال: فكان على أبي دَيْن، وكان الغرماء يأتون النخل، فينظرونه، فيستقلّونه، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إذا أردت أن تَجُدّ، فآذنّي"، قال: فأتيته، فذهب معي، حتى قام فيه، فدعا بالبركة، قال: فقضيت ما كان على أبي، وفَضَل لنا طعام كثير. انتهى

(2)

.

وأما رواية ابن جريج، عن محمد بن المنكدر فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6337]

(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْن عَدِيٍّ، أخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عُنْ عَبْدِ الْكَرِيم، عَنْ محَمَّدِ بْن الْمُنْكَدِر، عَن جَابِرٍ، قَالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، مُجَدَّعًا، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).

(1)

قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نسخة عبد الرزّاق: "يعزونني"، وفي رواية غيره:"ينهونني"، فإن لم تكن هذه مصحّفة من "ينهونني"، فلعل معناها: يغلبونني، من قوله تعالى:{وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 23]؛ أي: غلبني، والله تعالى أعلم.

(2)

"مصنف عبد الرزاق" 3/ 561.

ص: 357

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد الله البغداديّ القطيعي، ثقةٌ [10](ت 237) وله سبع وستون سنةً (م د) تقدم في "الإيمان" 92/ 502.

2 -

(زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيِّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، وهو أخو يوسف، ثقةٌ جليلٌ حافظٌ، من كبار [10](ت 11 أو 212)(خ م مد ت س ق) تقدّم في "المقدّمة" 6/ 88.

3 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن أبي الوليد الرَّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما وَهِمَ [8](ت 180) عن ثمانين إلا سنةً (ع) تقدّم أيضًا في "المقدّمة" 6/ 75.

4 -

(عَبْدُ الْكَرِيمِ) بن مالك الجزريّ، أبو سعيد، مولى بني أمية، وهو الْخِضْرميّ -بالخاء والضاد المعجمتين- نسبة إلى قرية من اليمامة، ثقةٌ متقنٌ [6](ت 127) تقدم في "الصيام" 15/ 2609.

والباقيان ذُكرا قبله.

[تنبيه]: تكلّم الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ الجيّانيّ رحمه الله في هذا الإسناد، فقال بعدما ساق سند مسلم: حدّثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال: حدّثنا زكريّا بن عديّ، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر

إلخ ما نصّه: هكذا رُوي عن أبي أحمد، والكسائيّ، وعند أبي العلاء بن ماهان: حدّثنا عبد الكريم، عن محمد بن عليّ، عن جابر، جعل بدل محمد بن المنكدر محمد بن عليّ، وهو ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: ومن حديث محمد بن المنكدر، عن جابر خرّجه أبو مسعود الدمشقيّ، وهو الصواب. انتهى كلام الغسانيّ رحمه الله

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن النسخة التي شرحتها هي الصواب، ولله الحمد، وهي رواية أبي أحمد الجلوديّ، والكسائيّ.

[تنبيه آخر]: رواية عبد الكريم الجَزَريّ عن محمد بن المنكدر هذه ساقها الفريابيّ رحمه الله في "دلائل النبوّة"، فقال:

(1)

"تقييد المهمل" 3/ 914.

ص: 358

(53)

- حدّثنا جعفر، قال: ثنا حكيم بن سيف أبو عمرو الرّقّيّ بالرَّقَّة، وأبو نعيم الحلبي بِحَلَب، قالا: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: جيء بأبي رحمه الله يوم أُحد مُجَدَّعًا، قال: فجعلت أبكي، وأكشف عن وجهه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاني، فلما رُفع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما زالت الملائكة حافّته بأجنحتها، حتى رُفع"، قال جابر: وكان عليه دَينٌ، فجاء الغرماء، فجعلوا ينظرون إلى النخل، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل النخل، ودعا بالبركة، ثم قال:"جُدّ، فاقضه"، قال: فجَدَدْتُ، فقضيت، وفَضَل لي مثل ما في النخل. انتهى

(1)

.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(27) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جُلَيْبِيبٍ رضي الله عنه

-)

قال في "الإصابة": جُليبيب غير منسوب، وهو تصغير جلباب، رَوَى مسلم من حديث حماد، عن ثابت، عن كنانة بن نعيم، عن أبي برزة الأسلميّ؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في مغزى له، فأفاء الله، فقال:"هل تفقِدون من أحد؟ " قالوا: فقدنا فلانًا، وفلانًا، قال: "ولكني أفقد جُليبيبًا

"، فذكر الحديث، وأخرجه النسائيّ، وله ذِكر في حديث أنس في تزويجه بالأنصارية، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "لكنك عند الله لست بكاسد"، وهو عند الْبَرْقانيّ في "مستخرجه" في حديث أبي برزة أيضًا، وقد أخرجه أحمد مطوّلًا، وحديث أنس أخرجه البزار، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت عنه مطوّلًا، وأخرجه أحمد، عن عبد الرزاق، وحكى ابن عبد البر في ترجمته أنه نزل في قصته:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، قال الحافظ رحمه الله: ولم أر ذلك في شيء من طرقه الموصولة من حديث أنس، ومن حديث أبي برزة. انتهى

(2)

.

(1)

"دلائل النبوة للفريابي" 1/ 88.

(2)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 495.

ص: 359

وقال القرطبيّ رحمه الله: جُليبيب رضي الله عنه كان رجلًا من ثعلبة، وكان حليفًا في الأنصار، قال ابن سعد: سمعت من يذكر ذلك، روى أنس بن مالك قال: كان رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يقال له: جليبيب، وكان في وجهه دمامة، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم التزويج، فقال: إذن تجدني كاسدًا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال: "إنك عند الله لست بكاسد"، وفي غير كتاب مسلم من حديث أبي برزة في تزويج جليبيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من الأنصار: "يا فلان زوِّجني ابنتك"، قال: نعم، ونعمة عين، قال:"إني لست لنفسي أريدها"، قال: فلمن؟ قال: "لجليبيب"، قال: حتى أستأمرَ أمَّها، فأتاها، وأخبرها بذلك، فقالت: حَلْقَى، ألجليبيب؟! لا، لَعَمْرُ الله، لا أُزوِّج جُليبيبًا، فلما قام أبوها ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الفتاة من خِدرها لأبويها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: أفتردَّان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟! ادفعاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّه لن يُضيِّعني، فذهب أبوها للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، وقال: شأنك بها؛ فزوَّجها جُليبيبًا، ودعا لهما النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"اللَّهُمَّ صُبَّ عليهما الرزقَ صبًّا صبًّا، ولا تجعل عيشهما كدًّا كدًّا"، ثم ذكر باقي الحديث على ما في كتاب مسلم. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6338]

(2472) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن ثَابِتٍ، عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ، فَأَفَاءَ اللهُ عَلَيْه، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ:"هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ "، قَالُو ا: نَعَمْ فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ:"هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ "، قَالُو ا: نَعَمْ فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ:"هَلْ تَفْقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟ "، قَالُوا: لَا. قَالَ: "لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ"، فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

(2)

، فَوَقَفَ عَلَيْه، فَقَالَ:"قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ"، قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْه، لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

(3)

، قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ، وَوُضِعَ فِي قَبْرِه، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا).

(1)

"المفهم" 6/ 388 - 389.

(2)

وفي نسخة: "فأتاه النبيّ صلى الله عليه وسلم".

(3)

وفي نسخة: "ليس له سرير إلا ساعدي النبيّ صلى الله عليه وسلم".

ص: 360

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ) الْهُذَليّ، أبو يعقوب البصريّ، صدوقٌ [10](ت 229) أو بعدها بسنة (م صد) تقدم في "الصيام" 32/ 2709.

2 -

(كنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ) الْعَدَويّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [4](م د س) تقدم في "الزكاة" 37/ 2404.

3 -

(أَبُو بَرْزَةَ) نَضْلَة بن عُبيد الأسلميّ الصحابي مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خُرَاسان، ومات بها بعد سنة خمس وستين، على الصحيح (ع) تقدم في "الصلاة" 36/ 1036.

والباقيان ذُكرا قبل باب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ لأن كلًّا من ثابت، وكنانة من الطبقة الرابعة.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) بفتح الموحّدة، وسكون الراء، نَضْلة بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، ابن عُبيد الأسلميّ رضي الله عنه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ) بفتح الميم، وسكون الغين المعجمة؛ أي: في سفر غَزو، ولم تُسمَّ هذه الغزوة، (فَأَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ)؛ أي: نَصَره الله تعالى على أعدائه، وردّ الله أموالهم إليه فيئًا، والفيء: الغنيمة، قال في "التاج": وقد تكرَّر في الحديث ذِكْرُ الفَيءِ على اختلافِ تَصَرُّفِه، وهو ما حصلَ للمُسْلِمين من أَموالِ الكُفَّارِ من غير حربٍ، ولا جِهادٍ، وقال أيضًا: وسُمِّي هذا المال فَيْئًا؛ لأنَّه رَجَع إلى المُسْلَمين من أَموال الكفَّار عَفْوًا، بلا قِتالٍ. انتهى

(1)

.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لأَصْحَابِهِ) رضي الله عنهم: ("هَلْ تَفْقِدُونَ) بكسر القاف، يقال: فقدته فقْدًا، من باب ضرب، وفِقْدانًا: عَدِمته، فهو مفقود، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثله

(2)

. (مِنْ أَحَدٍ؟)"من" زائدة للتوكيد، كما قال في "الخلاصة":

(1)

"تاج العروس" 1/ 181.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 478.

ص: 361

وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ

نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ"

(قَالُوا: نَعَمْ فلَانًا)؛ أي: نفقد فلانًا، ولم يسمَّ، والاثنان بعده. (وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم مرّة ثانيةً: ("هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم مرّة ثالثةً: ("هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ "، قَالُوا: لَا)؛ أي: لا نفقد غير هؤلاء الذين ذكرناهم.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "هل تفقدون أحدًا؟ " هذا الاستفهام ليس مقصوده استعلامَ كونهم فقدوا أحدًا ممن يعزّ عليهم فَقْده؛ إذ ذاك كان معلومًا له بالمشاهدة، وإنما مقصوده التَّنويه والتَّفخيم بمن لم يَحْتفلوا به، ولا التفتوا إليه؛ لكونه كان غامضًا في الناس، ولكون كل واحدٍ منهم أصيب بقريبه، أو حبيبه، فكان مشغولًا بمُصابِه، لم يتفرَّغ منه إلى غيره، ولَمَّا أطلع الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم على ما كان من جليبيب رضي الله عنه من قَتْله السَّبعة الذين وُجدوا إلى جنبه، نوَّه باسمه، وعرَّف بقَدْره، فقال:"لكني أفقدُ جُليبيبًا"؛ أي: فقدُهُ أعظم من فَقْد كل من فُقِد، والمصاب به أشدّ، ثم إنه أقبل بإكرامه عليه، ووسَّده ساعديه مبالغة في كرامته، ولتناله بركة ملامسته صلى الله عليه وسلم. انتهى

(1)

.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("لَكِنِّي أفقِدُ جُلَيْبِيبًا"، فَاطْلُبُوهُ، فَطُلِبَ) بالبناء للمفعول، (فِي الْقَتْلَى) بفتح، فسكون، مقصورًا: جَمْع قتيل، (فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ) من المشركين (قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) ببناء الفعل للفاعل، وفي بعض النسخ:"فأتاه النبيّ صلى الله عليه وسلم"، (فَوَقَفَ عَلَيْه، فَقَالَ): ("قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا)؛ أي: جُليبيب (مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ") كرّره للتأكيد. (قَالَ) أبو برزة رضي الله عنه: (فَوَضَعَهُ) صلى الله عليه وسلم (عَلَى سَاعِدَيْهِ) تثنية ساعد، وهو من الإنسان: ما بين الْمِرْفق والكفّ، وهو مذكّرٌ، سُمّي ساعدًا؛ لأنه يساعد الكفّ في بطشها

(2)

. (لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وفي بعض النُّسخ: "ليس له سرير إلا ساعدا النبيّ صلى الله عليه وسلم". (قَالَ) أبو برزة: (فَحُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: حفر الصحابة الحاضرون في ذلك المكان حُفرة؛ ليدفنوه فيها، (وَوُضِعَ) بالبناء

(1)

"المفهم" 6/ 389 - 390.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 277.

ص: 362

للمفعول أيضًا، (فِي قَبْرِهِ)، وقوله:(وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا)؛ أي: لم يذكر الراوي، وهو أبو برزة رضي الله عنه في جملة ما ذكره من قصّة جُليبيب غسله؛ لأنه لم يُغسل؛ حيث كان شهيد المعركة، وشهداء المعركة لا يغسلون، لقوله صلى الله عليه وسلم في شهداء أُحد:"زمّلوهم بدمائهم"، وفي رواية:"زمّلوهم بكلومهم، ودمائهم"، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي برزة الأسلميّ رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [27/ 6338](2472)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 68) وفي "فضائل الصحابة"(142)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 421 و 422 و 425)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(924)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(4035)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(4/ 328)، و (البزّار) في "مسنده"(9/ 295 و 304)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(4/ 21)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3997)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل هذا الصحابيّ الجليل جُليبيب رضي الله عنه، فقد بجّله النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأعلى قَدْره، وأشهَرَ ذِكره، بقوله:"هذا منّي، وأنا منه"، مرّتين، فما أعظم هذه الفضيلة، والمنزلة الرفيعة التي حازها هذا الصحابيّ رضي الله عنه مع كونه غير مشهور فيما بين الناس، ولكنه مشهور عند الله عز وجل، وعند رسوله صلى الله عليه وسلم.

2 -

(ومنها): بيان فضل الشهادة في سبيل الله عز وجل.

3 -

(ومنها): ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من التواضع، وكريم الأخلاق، حيث كان يجعل مثل هذا الصحابيّ على ساعديه، حتى يُرفع، ويوضع في لَحْده، فما أصدق قوله عز وجل:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128].

4 -

(ومنها): أن قصّة جليبيب رضي الله عنه أوردها المصنّف مختصرة، وقد

ص: 363

ساقها أحمد في "مسنده"، وابن حبّان في "صحيحه"، وغيرهما، ولفظ أحمد:

(19799)

- حدّثنا عفّان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن كنانة بن نعيم العدويّ، عن أبي برزة الأسلميّ؛ أن جُليبيبًا كان امرءًا يدخل على النساء، يمرّ بهنّ، ويلاعبهنّ، فقلت لامرأتي: لا يدخلنّ عليكم جليبيب، فإنه إن دخل عليكم لأفعلنّ، ولأفعلنّ، قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيِّم، لم يزوّجها حتى يَعْلَمَ هل للنبي صلى الله عليه وسلم فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار:"زوّجني ابنتك"، فقال: نعم، وكرامة يا رسول الله، ونِعْم عَيْني، فقال:"إني لست أريدها لنفسي"، قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: لجليبيب، قال: فقال: يا رسول الله أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ابنتك، فقالت: نعم ونعمة عيني، فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب، فقالت: أجليبيب إنيه أجليبيب إنيه، أجليبيب إنيه، لا، لَعَمْر الله، لا تزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت: أتردّون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟ ادفعوني، فإنه لم يضيّعني، فانطلق أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، قال: شأنك بها، فزوَّجها جليبيبًا، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة له، قال: فلما أفاء الله عليه، قال لأصحابه:"هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نفقد فلانًا، ونفقد فلانًا، قال:"انظروا هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: لا، قال:"لكني أفقد جليبيبًا، قال: فاطلبوه في القتلى"، قال: فطلبوه، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قَتَلهم، ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة، قد قَتَلهم، ثم قتلوه، فأتاه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقام عليه، فقال:"قتل سبعة، وقتلوه، هذا مني، وأنا منه، هذا مني، وأنا منه"، مرتين، أو ثلاثًا، ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه، وحَفَر له، ما له سرير إلا ساعدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وضعه في قبره، ولم يذكر أنه غَسّله.

قال ثابت: فما كان في الأنصار أيِّم أنفق منها.

وحدّث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا، قال: هل تعلم ما دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "اللَّهُمَّ صُبّ عليها الخير صبًّا، ولا تجعل عيشها كَدًّا كَدًّا"، قال: فما كان في الأنصار أيّم أنفق منها.

ص: 364

قال أبو عبد الرحمن: ما حدّث به في الدنيا أحد إلا حماد بن سلمة، ما أحسنه من حديث. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: لم يتبيّن لي من هو أبو عبد الرحمن، وقوله: "ما حدّث به

إلخ" فيه نظر، إلا أن يريد الأصحيّة، ققد ذكروا ممن رواه عن ثابت، معمرًا، وله متاج أيضًا، قال الحافظ في "المطالب العالية" بعد إيراده من رواية أبي يعلى في "مسنده" مطوّلًا ما نصّه: قلت: رواه معمر، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، وتابعه ديلم بن غزوان، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، ورواية حماد بن سلمة أصحّ. انتهى.

وقال الهيثميّ رحمه الله في "المجمع": وعن أنس قال: "خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، قال: أستأمر أمها، قال: فنَعَم إذًا، قال: فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: لا ها الله؛ إذًا ما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جليبيبًا، وقد منعناها فلانًا، وفلانًا، قال: والجارية في خِدرها تسمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟ إن كان رضي لكم، فأنكحوه، قال: فكأنها جلّت عن أبويها، وقالا: صدقت، فذهب أبوها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كنتَ رضيتَه، فقد رضيناه، فقال: إني قد رضيتُه، فزوَّجها، ثم فَزِع أهل المدينة، فركب جليبيب، فوجدوه قد قُتل وحوله ناس من المشركين، قد قَتَلهم، قال أنس: فلقد رأيتُها، وإنها لَمِن أنفق أيّم بالمدينة"، رواه أحمد، والبزار، إلا أنه قال: فكأنما حلّت عن أبويها عقالًا، ورجال أحمد رجال الصحيح. انتهى

(2)

، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"مسند الإمام أحمد بن حنبل" 4/ 422.

(2)

"مجمع الزوائد" 9/ 368.

ص: 365

(28) - (بَاب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه

-)

هو: أبو ذَرّ الغفاريّ الصحابيّ الزاهد المشهور الصادق اللهجة، مختلَف في اسمه واسم أبيه والمشهور أنه جندب بن جُنادة بن سكن، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه برير، وقيل: بالتصغير، والاختلاف في أبيه كذلك، إلا في السكن، ويقال: إنه أخو عمرو بن عبسة لأمه، وقع في رواية لابن ماجه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: يا جنيدب بالتصغير، وكان من السابقين إلى الإسلام، وقصة إسلامه في "الصحيحين" على صفتين بينهما اختلاف ظاهر.

وقال الآجريّ عن أبي داود: لم يشهد بدرًا، ولكن عمر ألحقه بهم، وكان يوازي ابن مسعود في العلم.

وكانت وفاته بالرَّبَذَة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: في التي بعدها، وعليه الأكثر، ويقال: إنه صلى عليه عبد الله بن مسعود، في قصة رُويت بسند لا بأس به، وقال المدائني: إنه صلى عليه ابن مسعود بالربذة، ثم قَدِم المدينة، فمات بعده بقليل. انتهى مختصرًا من "الإصابة"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: أبو ذرّ الغفاريّ، اسمه جندب -على الأصح، والأكثر- ابن جُنادة بن قيس بن عمرو بن مُليل بن حرام بن غفار، وغفار بن كنانة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، هو من كبار الصحابة رضي الله عنهم، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، فكان خامسًا، ثم انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها، حتى قَدِم على النبيّ صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، بعد أن مضت بدر، وأُحد، والخندق، ويدل على كيفية إسلامه، وتفصيل أحواله: حديثه المذكور في مسلم، وكان قد غَلَب عليه التعبُّد والزهد، وكان يعتقد أن جميع ما فَضَل عن الحاجة كنز، وإمساكه حرام، ودخل الشام بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فوقع بينه وبين معاوية نزاع في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34]، فشكاه معاوية إلى عثمان، فأقدمه عثمان المدينة، فقدِمها، فزهد أبو ذر

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 7/ 125.

ص: 366

في كل ما بأيديهم، واستأذن عثمان في سكنى الرَّبذة، فأَذِن له، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَذِن له في البدو، فأقام بالرَّبذة في موضع منقطع إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين، على ما قاله ابن إسحاق، وصلى عليه عبد الله بن مسعود منصرفه من الكوفة في رَكْب، ولم يوجد له شيء يُكفّن فيه، فكفَّنه رجل من أولئك الركب في ثوب من غَزْل أمه، وكان قد وصَّى ألا يكفّنه أحدٌ وَليَ شيئًا من الأعمال السلطانية، وخبره بذلك معروف.

روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتي حديث، وواحدًا وثمانين حديثًا، أُخرج له منها في "الصحيحين" ثلاثة وثلاثون حديثًا. انتهى

(1)

.

وتقدّمت ترجمته في "الإيمان" 29/ 224.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6339]

(2473) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِت، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا كِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنيْسٌ، وَأُمُّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، فَجَاءَ خَالُنَا، فَنَثَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ، فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي، فَانْطَلَقْنَا، حَتى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا، وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ

(2)

، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا، وَمِثْلِهَا مَعَهَا، قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ لِمَنْ؟ قَالَ: لله، قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ، حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ، فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ، فَاكفِنِي، فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ، حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ، فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ:

(1)

"المفهم" 6/ 390 - 391.

(2)

وفي نسخة: "فأتى الكاهن".

ص: 367

لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ، يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ، قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاء، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، فَمَا هُوَ بِقَوْلهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ

(1)

، فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ، فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَأَتيْتُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ؟ فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ، وَعَظْمٍ، حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ، فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاِثينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ، حَتى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ: فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ، إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ

(2)

عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ، قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخْرَى، قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ

(3)

قَوْلهِمَا، قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَة، غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَان، وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا

(4)

، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا هَابِطَان، قَالَ:"مَا لَكُمَا؟ "، قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَستَارِهَا، قَالَ:"مَا قَالَ لَكُمَا؟ "، قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاَتهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ حَياهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَام، قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ:"وَعَلَيكَ وَرَحْمَةُ اللهِ"، ثُمَّ قَالَ:"مَنْ أنتَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ، قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِه، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِه، فَقُلْتُ فِي

(1)

وفي نسخة: "على أقراء الشعراء".

(2)

وفي نسخة: "إذ ضرب الله على أسمختهم".

(3)

وفي نسخة: "على".

(4)

وفي نسخة: "من أنصارنا".

ص: 368

نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِه، فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، ثُمَّ قَالَ:"مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟ "، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاِثينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ، قَالَ:"فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ، حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ:"إِنَّهَا مُبَارَكَة، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِف، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا، ثُمَّ كَبَرْتُ مَا كَبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"إِنَّهُ قَدْ وُجَّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ، لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؟، عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ، ويَأْجُرَكَ فِيهِمْ؟، فَأتَيْتُ أُنَيْسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَأَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا حَتى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْه، فَاَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا الله").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأزدِيُّ) هو: هُدبة بن خالد، تقدّم قبل أربعة أبواب.

2 -

(سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.

3 -

(حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان [3](ع) تقدم في "الحيض" 21/ 791.

4 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغفاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ، ثقةٌ [3] مات بعد السبعين (خت م 4) تقدم في "الصلاة" 52/ 1142.

ص: 369

و"أَبُو ذَرٍّ رضي الله عنه" تقدّم أول الباب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران، كما سبق قريبًا.

شرح الحديث:

(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ) الغفاريّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ رضي الله عنه: (خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ) بدل، أو عطف بيان، وهو بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء: نسبة إلى غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، قاله في "اللباب"

(1)

. (وَكَانُوا)؛ أي: قومهم، (يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ)؛ أي: يستبيحونه، ويفعلون فيه ما يفعلون في الأشهر غير الحُرُم، والظاهر: أن المراد جنس الشهر الحرام، فيشمل الأربعة، وهي ذُو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب، وَيحتَمِل أن يريد بعضها، والأربعة هي أنزل الله تعالى فيها قوله:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: قوله تعالى: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} فهذا مما كانت العرب في الجاهلية تحرّمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم، إلا طائفة منهم، يقال لهم: البَسْل، كانوا يحرّمون من السنة ثمانية أشهر؛ تعمّقًا، وتشديدأ، والأربعة هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، فإنما أضافه إلى مضر ليبيّن صحة قولهم في رجب: إنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرَّم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال، وهو رمضان اليوم، فبيّن صلى الله عليه وسلم أنه رجب مضر، لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعةً، ثلاثةٌ سَرْدٌ وواحد فَرْد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرّم قبل شهر الحج شهرًا، وهو ذو

(1)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 2/ 387.

ص: 370

القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرّم شهر ذي الحجة؛ لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرّم بعده شهرًا آخر، وهو المحرم؛ ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرّم رجب في وسط الحَوْل؛ لأجل زيارة البيت، والاعتمار به لمن يَقْدَم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره، ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله بتصرّف يسير

(1)

.

(فَخَرَجْتُ أَنَا) أتى به؛ لِيُمْكنه عَطْف ما بعده على ضمير الرفع المتّصل من غير ضعف، قال في "الخلاصة":

وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ

عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ

أَو فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ

فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ

(وَأَخِي أُنَيْسُ) بن جُنادة بن سفيان بن عُبيد بن حرام بن غِفار الغفاريّ، أخو أبي ذرّ، وكان أكبر منه، تأتي قصّته في الحديث. (وَأُمُّنَا) هي رملة بن الوقيعة، كما في "الإصابة". (فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا) لم يُعرف اسمه، (فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ)؛ أي: عشيرته الذين يجاورونه، (فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ)؛ أي: زوجتك، (خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ) يريدون: أنه يتعرّض لزوجته بالفاحشة. (فَجَاءَ خَالُنَا، فَنَثَا) بنون، ثم ثاء مثلّثة؛ أي: أشاع، وأفشى، يقال: نثوت الخبرَ نثوًا من باب قتل: أظهرته، والنثا وزانُ الحصى: إظهار القبيح، والحسَن، قاله الفيّوميّ

(2)

.

وقال في "المشارق": قوله: "فنثا علينا الذي قيل": نثا؛ أي: أخبر بتقديم النون في الخير والشرّ، والثناء بتقديم الثاء ممدودًا في الخير وحده. انتهى

(3)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "فنثا علينا"؛ أي: أظهر لنا بالقول، وإنما يقال: النثى -بتقديم النون، والقصر- في الشرّ، والكلام القبيح، وإذا قَدَّمْتَ الثاء، ومدَدَت فهو الكلام الحسن الجميل. انتهى

(4)

.

(عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ) من اتّهام أنيس بأهله، قال أبو ذرّ: (فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا

(1)

"تفسير ابن كثير" 2/ 356.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 593.

(3)

"مشارق الأنوار" 2/ 4.

(4)

"المفهم" 6/ 392.

ص: 371

مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ)؛ أي: إحسانك علينا، (فَقَدْ كَدَّرْتَهُ)؛ أي: أذهبت صفاءه، وأفسدته بما ذَكَرته من اتّهامك أنيسًا بما هو بريء منه، (وَلَا جِمَاعَ لَكَ) بكسر الجيم؛ أي: لا اجتماع بيننا وبينك يبقى بعدما أسأت إلينا بسوء الظنّ فينا، (فِيمَا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لِقَطْعِه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد اليوم. (فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا) بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء: هي القطعة من الإبل، وتُطلق أيضًا على القطعة من الغنم، قال النوويّ، وقال الفيّومي: الصِّرْمَةُ بالكسر: القطعة من الإبل، ما بين العشرة إلى الأربعين، وتُصَغَّر على صُرَيْمَةٍ، والجَمْع صِرَمٌ، مثل سِدرة وسِدَرٍ، والصِّرْمَةُ: القطعة من السحاب، والصِّرْمُ: الطائفة المجتمعة من القوم، ينزلون بإبلهم ناحيةً من الماء، والجمعُ: أَصْرَائم، مثلُ حِمْلِ وأَحْمَالٍ. انتهى

(1)

.

والمعنى: طلبنا إبلنا حتى نركب عليها، ونَحْمل متاعنا؛ لنغادر ذلك المكان.

(فَاحْتَمَلْنَا)؛ أي: حَمَلنا أمتعتنا (عَلَيْهَا)؛ أي: على تلك الصِّرْم، (وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي) لعله فَعَل ذلك ندمًا على ما فعل بأضيافه، أو حزنًا على فراقهم. (فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا من ذلك المكان، (حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ)؛ أي: بمكان قريب من مكة، قال الفيّوميّ: حَضْرة الشيء: فناؤه، وقُربه

(2)

. (فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا، وَعَنْ مِثْلِهَا) قال أبو عبيد وغيره في شرح هذا: المنافرة: وهي المفاخرة، والمحاكمة، فيَفْخَر كل واحد من الرجلين على الآخر، ثم يتحاكمان إلى رجل؛ ليحكم أيهما خير، وأعزّ نفرًا؟ وكانت منافرة أنيس هذه المفاخرة في الشعر أيهما أشعر؟ كما بيَّنه في الرواية الأخرى.

وقال النوويّ: معناه: تراهَنَ هو وآخر أيهما أفضل، وكان الرهن صِرْمة ذا، وصِرْمة ذاك، فأيهما كان أفضل أخذ الصرمتين، فتحاكما إلى الكاهن، فحَكَم بأن أُنيسًا أفضل، وهو معنى قوله:"فخَيَّر أنيسًا"؛ أي: جعله الخيارَ، والأفضلَ. انتهى

(3)

.

(1)

"المصباح المنير" 1/ 339.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 140.

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 27.

ص: 372

وقال القرطبيّ: قوله: "فنافر أُنَيْس"؛ أي: التزم أن من قُضي له بالغلبة أخذ ذلك، قال أبو عبيد: المنافرة: أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يُحَكِّما رجلًا بينهما، والنافر: الغالب، والمنفور: المغلوب، يقال: نَفَره، يَنفِرُه، وَينفُره نفرًا: إذا غلب عليه. انتهى

(1)

.

(فَأَتَيَا الْكَاهِنَ) قال المجد رحمه الله: كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَر، وكَرُمَ، كَهانَةً بالفتح، وتَكَهَّنَ تَكَهُّنًا: قَضَى له بالغَيْب، فهو كاهِنٌ، جَمْعه: كَهَنَةٌ، وكُهَّانٌ، وحِرْفتُه: الكِهانَةُ بالكسر. انتهى

(2)

.

وقال ابن الأثير رحمه الله: الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويَدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنة؛ كشِقٍّ، وسَطِيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجنّ، ورَئيًّا يُلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب، يستدلّ بها على مواقعها، من كلام مَن يساله، أو فِعله، أو حاله، وهذا يخصونه باسم العرّاف؛ كالذي يَدّعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحوهما. انتهى

(3)

.

(فَخَيَّرَ أُنَيْسًا)؛ أي: فقمله، وحَكَم بأنه خَيْر من منافره، وغالب له. (فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا، وَمِثْلِهَا مَعَهَا) وهو الذي أخذه من مُنافره.

(قَالَ) أبو ذرّ رضي الله عنه: (وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثِ سِنِينَ) وفي رواية ابن عون الآتية: "سنتين"، ولا تَخالُف بينهما؛ إذ يُجمع بأنه كان سنتين وزيادة، فمن قال:"سنتين" ألغى الكسر، ومن قال:"ثلاث سنين" جَبَر الكسر، والله تعالى أعلم.

وقال القرطبيّ رحمه الله: هذا إلهام للقلوب الطاهرة، ومقتضى العقول السَّليمة؛ فإنَّها تُوفَّق للصواب، وتُلْهَم للرشد

(4)

.

قال عبد الله بن الصامت: (قُلْتُ: لِمَنْ؟)؛ أي: لمن صلّيت؟ (قَالَ)

(1)

"المفهم" 6/ 392.

(2)

"القاموس المحيط" 1/ 1585.

(3)

"النهاية في غريب الأثر" 4/ 214 - 215.

(4)

"المفهم" 6/ 392.

ص: 373

أبو ذرّ: (للهِ) عز وجل (قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟) بفتح التاء، أصله: تتوجّه بتاءين، حُذفت إحداهما تخفيفًا، كما قال في "الخلاصة":

وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ

فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"

(قَالَ) أبو ذرّ: (أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي)؛ أي: لا أخصّ جهة معيّنة أتوجّه إليها، بل إلى الجهة التي يوجهني الله تعالى إليها. (أُصَلِّي عِشَاءً)؛ أي: صلاتها، (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) الظاهر أن "كان" هنا تامّة، و"من" زائدة على قول من يرى زيادتها في الإثبات، و"آخر الليل" مرفوع على الفاعليّة؛ أي: أصلي من أول العشاء، وأواصل صلاتي إلى أن يجيء آخر الليل.

والمراد: أن أبا ذرّ رضي الله عنه كان يصليّ قبل أن يؤمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد أخرج ابن سعد عن الواقديّ، عن أبي معشر قال:"كان أبو ذرّ يتألّه في الجاهلية، ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام"

(1)

، والظاهر: أن صلاته كانت تختلف عن الصلاة المشروعة في الإسلام.

(أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ) قال القرطبيّ عز وجل: الرواية في "أُلقيت" بضم الهمزة، وكَسْر القاف؛ مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، والْخِفَاء بكسر الخاء والمدّ: هو الغطاء، وكل شيء غطيته بكساء، أو ثوب، فذلك الغطاء خِفَاءٌ، ويُجمع على أَخْفِية، قاله أبو عبيد. وقال ابن دريد: الخفاء: كساء يُطْرَح على السقاء. انتهى

(2)

.

والمراد: أنه كان يصلّي من الليل طويلًا، حتى إذا كان آخر الليل اضطجع على فراشه، ونام كأنه كساء

(3)

.

وقال النوويّ: قوله: "كأني خِفاء"، هو بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الفاء، وبالمدّ، وهو الكساء، وجَمْعه أَخْفية، ككساء وأكسية، قال القاضي: ورواه بعضهم عن ابن ماهان: "جُفَاء" بجيم مضمومة، وهو غُثاء السيل، والصواب المعروف هو الأول. انتهى

(4)

.

(حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ)؛ أي: حتى تطلع الشمس، وظهر عليّ حرّها.

(1)

"الطبقات الكبرى" لابن سعد 4/ 222.

(2)

"المفهم" 6/ 393.

(3)

راجع: "التكملة" 5/ 213.

(4)

"شرح النوويّ" 16/ 28.

ص: 374

(فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ) الظاهر: أن أنيسًا قال هذا عندما كانوا مقيمين بموضع قريب من مكة. (فَاكْفِنِي)؛ أي: قُمْ بالأمر الذي أقوم به هنا. (فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ، حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ عَلَيَّ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر عن الرجوع، (ثُمَّ جَاءَ) قال أبو ذرّ (فَقُلْتُ) له:(مَا صَنَعْتَ؟)"ما" استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء صنعت؟ (قَالَ) أنيس: (لَقِيتُ رَجُلًا) يريد النبيّ صلى الله عليه وسلم، (بمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ)؛ أي: على التوحيد، ونفي الأضداد، والأنداد، (يَزْعُمُ)؛ أَي: يقول، وإنما عبّر بزعم؛ لكونه غير مسلم وقتئذ، (أَنَّ اللهَ) تعالى (أَرْسَلَهُ) قال أبو ذرّ:(قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟) في شأنه، هل استجابوا له، أو خالفوه، وعادوه؟ (قَالَ) أنيس:(يَقُولُونَ) هو (شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ)؛ أي: قال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ساحر، (وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ) الذين يميّزون الشعر وغيره. (قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَة، فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشّعْرِ) وفي نسخة:"أقراء الشعراء"، والأقراء: بالفتح: جمع قَرْء بفتح القاف، وسكون الراء، وهو في اللغة: القافية، وأقراء الشعر: أنواعه، وأنحاؤه، كما في "القاموس"، والمراد: إني قارنت بين قوله، وبين أنواع الشعر.

وقال القرطبيّ: قوله: "على أقراء الشعر" قال ابن قتيبة: يريد أنواعه، وطُرقه، واحدها: قَرْء، فيقال: هذا الشعر على قَرْء هذا.

وقال أيضًا: "على أقراء الشعر" كذا الرواية الصحيحة: أقراء بالراء، جَمْع قَرْءٍ على ما تقدم، وقئده العذريّ: أقواء بالواو، ورواه بعضهم بالواو وكسر الهمزة، قال القاضي: لا وجه له. انتهى

(1)

.

(فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ) مراده: أني تيقّنت بأن ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس شعرًا، وكذلك لا يستطيع أحد غيري أن يجعله شعرًا

(2)

.

وقال القرطبيّ: قوله: "فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر" هكذا الرواية عند جميع الشيوخ "بعدي" بالباء بواحدة، والعين المهملة بمعنى غيري،

(1)

"المفهم" 6/ 393 - 394.

(2)

راجع: "التكملة" 5/ 214.

ص: 375

يقال: ما فعل هذا أحد بعدك؛ أي: غيرك، كما يقال ذلك في "دُون"، وهو كثيرٌ فيها.

ومعنى الكلام: أنه لمّا اعتبر القرآن بأنواع الشعر تبيَّن له أنه ليس من أنواعه، ثم قَطَع بأنه لا يصح لأحد أن يقول: إنه شعر، ووقع في بعض النُّسخ: يَقْرِي بفتح الياء، قال القاضي: وهو جيّد، وأحسن منه: يُقْرِي، بضمها، وهو مِمَّا تقدَّم، يقال: أقرأت في الشعر، وهذا الشعر على قَرْء هذا، وقرؤه؛ أي: قافيته، وجَمْعها: أقراء، وفي بعض النُّسخ أيضًا:"على لسان أحد يُعْزَى إلى شعر"؛ أي: يُنسب إليه، ويوصف به، وللروايات كلها وجه. انتهى

(1)

.

(وَاللهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ) في قوله: إن الله أرسله، (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في قولهم: شاعر، كاهن، ساحر.

(قَالَ) أبو ذرّ رضي الله عنه: (قُلْتُ: فَاكْفِنِي)؛ أي: كن أنت قائمًا بما قمت به أنا، (حَتَّى أَذْهَبَ) إلى مكة (فَأَنْظُرَ) حال هذا الرسول، وصِدْقه في دعواه، فأتّبعه على دينه. (قَالَ) أبو ذرّ:(فَأَتَيْتُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ)؛ يعني: نظرت إلى أضعفهم، فسألته؛ لأن الضعيف مأمون الغائلة غالبًا، وفي رواية ابن ماهان:"فتضيّفت" بالياء، وأنكرها القاضي وغيره، قالوا: لا وجه له هنا

(2)

.

(فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟) اسم فاعل من صبأ من دين إلى دين يَصْبَأُ مهموزًا بفتحتين: إذا خرج، فهو صَابِي، ثم جُعِل هذا اللقب عَلَمًا على طائفة من الكفار، يقال: إنها تعبد الكواكب في الباطن، وتُنسب إلى النصرانية في الظاهر، وهم الصَّابِئَةُ، والصَّابِئُونَ، ويَدَّعون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم، ويجوز التخفيف، فيقال: الصَّابُونُ، وقرأ به نافعٌ، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(3)

.

والمراد هنا: هو النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن العرب كانت تسميه صلى الله عليه وسلم الصابئَ؛ لأنه خرج من دين قريش إلى الإسلام، ويُسمّون من يدخل في دين الإسلام مَصْبُوًّا؛

(1)

"المفهم" 6/ 394.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 28.

(3)

"المصباح المنير" 1/ 332 - 333.

ص: 376

لأنهم كانوا لا يهمزون، فأبدلوا من الهمزة واوًا، ويُسمّون المسلمين الصُّباة، بغير همز، كأنه جَمْع الصابي غير مهموز، كقاض وقُضاة، وغاز وغُزاة، قاله في "اللسان"

(1)

.

(فَأَشَار إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ؟) بالنصب على الإغراء؛ يعني: أن الرجل بدلًا من أن يدلّني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا الناس إليّ، وأغراهم على أن يُلحقوا بي ضررًا قائلًا: الصابئ؛ أي: الزموه، واضربوه، ويَحْتَمل أن يكون "الصابئ" منصوبًا على المفعوليّة لفعل مقدّر مع أداة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: أتَذْكُر الصابئ؟.

(فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي)؛ أي: أهل مكة، (بِكُلِّ مَدَرَةٍ) واحدة المَدَرُ، مثل قَصَبة وقَصَب، وهو التراب المتلبد، قال الأزهريّ: المَدَرُ: قِطَع الطين، وبعضهم يقول: الطين العِلْك الذي لا يخالطه رَمْلٌ، والعرب تسمي القرية مَدَرَةً؛ لأن بنيانها غالبًا من المدر، وفلان سَيّدُ مَدرَتهِ؛ أي: قريته، قاله الفيّوميّ

(2)

.

(وَعَظْمٍ) معروف، جَمْعه: عِظامٌ، وأعظُمٌ، مثلُ سَهْمٍ، وسِهام، وأسهُم، (حَتَّى خَرَرْتُ) من باب ضرب، ونصر؛ أي: سقطت، حال كوني (مَغْشِيًّا عَلَيَّ)؛ أي: مغمًى عليّ، يقال: غُشي عليه كعُني غَشْيًا، وغَشَيانًا: أُغمي، فهو مغشيّ عليه، والاسم: الْغَشْيةُ، قاله المجد

(3)

، وقال الفيّوميّ: غُشِيَ عليه بالبناء للمفعول غَشْيًا، بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والغَشْيَةُ بالفتح: المرة، فهو مَغْشِي عليه، ويقال: إن الغَشْيَ يُعَطِّل الْقُوَى المحرِّكة، والأوردة الحسّاسة؛ لضعف القلب بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مُفْرِط، وقيل؛ الغَشْيُ: هو الإغماء، وقيل: الإغماء امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء سهو يَلْحَق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة. انتهى

(4)

.

(قَالَ) أبو ذرّ: (فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ)؛ أي: قُمت حين قُمت (كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ) بضمّ النون، والصاد، ويجوز تسكين الصاد، وهو الصنم والحجر

(1)

"لسان العرب" لابن منظور 1/ 108.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 566.

(3)

"القاموس المحيط" ص 950.

(4)

"المصباح المنير" 2/ 447 - 448.

ص: 377

الذي كانت الجاهليّة تنصبه للعبادة، وتذبح عنده، فيحمرّ بالدم، شبّه أبو ذرّ رضي الله عنه نفسه بالنصب الأحمر؛ لتلوّثه بالدماء التي سالت من بدنه بسبب ضربهم إياه بالحجرة والمدرة، والعظم.

وقال القرطبيّ: أي: قمت كأني لجريان دمي من الجراحة التي أُصبت بها أحدُ الأنصاب، وهي الحجارة التي كانوا يذبحون عليها، فتحمرّ بالدماء.

وقال النوويّ: قوله: "كأني نصب أحمر"؛ يعني: من كثرة الدماء التي سالت مِن ضَرْبهم له، والنصب: الصنم والحجر، كانت الجاهلية تنصبه، وتذبح عنده، فيحمر بالدم، وهو بضم الصاد، وإسكانها، وجمعه أنصاب، ومنه قوله تعالى:{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3]

(1)

.

(قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ) اسم للبئر المعروفة بمكة، ولا تنصرف؛ للتأنيث، والعلميّة، قال ابن فارس: هو من قولهم: زممت الناقةَ: إذا جعلت لها زمامًا تحبسها به، وذلك أن جبريل عليه السلام لَمّا هَمَز الأرض بمقاديم جناحه، ففاض الماء زَمّتها هاجر، فسُمِّيت: زمزم

(2)

.

وقال ابن الأثير: هي البئر المعروفة بمكة، قيل: سُمّيت بها؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمازم، وزمزم، وقيل: هو اسم عَلَم لها. انتهى

(3)

.

وقال في "الفتح": سميت زمزم؛ لكثرتها، يقال: ماء زمزم؛ أي: كثير، وقيل: لاجتماعها، نُقل عن ابن هشام، وقال أبو زيد: الزمزمة من الناس خمسون ونحوهم، وعن مجاهد: إنما سُمّيت زمزم؛ لأنها مشتقة من الْهَزْمة، والهزمة: الْغَمْز بالعقب في الأرض، أخرجه الفاكهيّ بإسناد صحيح عنه، وقيل: لحركتها، قاله الحربيّ، وقيل: لأنها زُمَّت بالميزان؛ لئلا تأخذ يمينًا وشمالًا. انتهى

(4)

.

وقال في "التاج": وماء زمزم، كجَعْفَر، وعُلابِط؛ أي: كثير، قال أيضًا: زَمَّم، كبَقَّم، وزمزم، كجعفر، وزُمازِم مثلُ عُلابِط: بئر عند الكعبة، قال ابن بَرّيّ: لزمزم اثنا عشر اسمًا: زمزم، مكنومة، مضنونة، شُباعة سُقيا، الزواء،

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 28.

(2)

"المفهم" 6/ 393.

(3)

"النهاية في غريب الأثر" 2/ 313.

(4)

"الفتح" 3/ 493.

ص: 378

رَكْضة جبريل، هَزْمة جبريل، شِفاء سُقْم، طعام طُعْم، حَفِيرة عبد المطلب، قال المرتضى: وقد جَمَعت أسماءها في نُبذة لطيفة، فجاءت على ما يَنيف على ستين اسمًا، مما استخرجتها من كتب الحديث، واللغة. انتهى

(1)

.

(فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ) بكسر الموحّدة؛ أي: مكثتُ، قال المجد: اللَّبْثُ، ويُضَمُّ، واللَّبَثُ مُحَرَّكَةً: المُكْثُ، لَبِثَ كَسَمِعَ، وهو نادرٌ؛ لأنّ المصدرَ من فَعِلَ بالكسرِ قِياسُهُ بالتَّحْريك؛ إذا لم يَتَعَدَّ. انتهى باختصار

(2)

. (يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاِثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ)؛ يعني: خمسة عشر يومًا بلياليها، (مَا) نافية، (كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ)؛ يعني: أنه يستغني بشربها عن الطعام، (فَسَمِنْتُ) بكسر الميم، يقال: سَمِنَ يَسْمَنُ، من باب تَعِب، وفي لغة من باب قَرُب: إذا كثُر لحمه، وشحمه، ويتعدى بالهمزة، وبالتضعيف، قاله الفيّوميّ

(3)

.

(حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي) بضم العين المهملة، وفتح الكاف: جَمْع عُكْنة، بضمّ، فسكون، مثل غُرْفَة وغُرِف، والعُكْنَةُ: الطيّ في البطن، من السمن، وربما جُمع على أَعْكَان، وتَعَكَّنَ البطن: صار ذا عُكَنٍ

(4)

.

(وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي) بفتح الكاف، وكسر الموحّدة: هي من الأمعاء معروفة، وهي مؤنّثة، وقال الفرّاء: تُذكّر، وتؤنّث، ويجوز التخفيف بفتحِ الكاف، وكسرها، مع سكون الباء، والجمع أكباد، وكُبُود قليلًا

(5)

. (سُخْفةَ جُوعٍ) بفتح السين المهملة، وضمّها، وإسكان الخاء المعجمة، وهي رِقّة الجوع، وضَعفه، وهُزاله، قال الأصمعيّ: السخفة: الخفّة، ولا أحسب قولهم: سخيف إلا منه

(6)

. (قَالَ) أبو ذرّ: (فَبَيْنَا) تقدّم أن أصلها "بين" الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وهي تضاف إلى الجملة بعدها، وتحتاج إلى جواب، وهو هنا قوله: "إذا ضُرب

إلخ". (أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ)؛

(1)

"تاج العروس" 1/ 7748.

(2)

"القاموس المحيط" 1/ 224.

(3)

"المصباح المنير" 1/ 290.

(4)

"المصباح المنير" 2/ 424.

(5)

"المصباح المنير" 2/ 523 بزيادة يسيرة من "القاموس".

(6)

"شرح النوويّ" 16/ 28 - 29، و"المفهم" 6/ 394 - 395.

ص: 379

أي: مقمرة طلع قمرها، (إِضْحِيَانَ) بكسر الهمزة، والحاء، وإسكان الضاد المعجمة بينهما، وهي المضيئة، ويقال: ليلة إضحيان، وإضحيانة، وضَحْياء، ويوم ضَحْيان. انتهى.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "في ليلة قمراء إضْحِيان" القمراء: المقمرة، وهي التي يكون فيها قمر، ويُسمَّى الهلالُ قمرًا من أول الليلة الثالثة إلى أن يصير بدرًا، ثم إذا أخذ في النقص عاد عليه اسم القمر، وإضحيان -بكسر الهمزة، والضاد المعجمة-: معناه كثيرٌ ضوء قمرها. قال ابن قتيبة: ويقال: ليلة إضحيانٌ، وإضحيانةٌ، وضَحيانة: إذا كانت مضيئة. انتهى

(1)

.

(إِذْ ضُرِبَ) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ:"إذ ضرب الله"(عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ) قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في جميع النسخ، وهو جمع سِماخ، وهو الْخَرْق الذي في الأُذُن، يفضي إلى الرأس، يقال: صِماخ بالصاد، وسِماخ بالسين، والصاد أفصح، وأشهر، والمراد بأصمختهم هنا: آذانهم؛ أي: ناموا، قال الله تعالى:{فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} [الكهف: 11]؛ أي: أنمناهم. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "ضُرب على أصمختهم "؛ أي: ناموا، ومنه قوله تعالى:{فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11)} ؛ أي: أنمناهم. الأصمخة: جمع صماخ، وهو خُرق الأذن، وهو بالصاد، وقد أخطأ من قاله: بالسين.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "أخطأ من قاله بالسين" فيه نظر، بل هذا هو الخطا، فإن السين لغة ثابتة، كما تقدّم في كلام النوويّ، وقد أثْبَتَه في "القاموس"، وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ) قال النوويّ: هكذا هو في معظم النسخ بالياء، وفي بعضها:"وامرأتان" بالألف، والأول منصوب بفعل

(1)

"المفهم" 6/ 395.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 29.

ص: 380

محذوف؛ أي: ورأيت امرأتين (تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ) هما: صنمان، وقد تقدَّم ذِكرهما في "كتاب الحج"، وقد رَوَى ابن أبي نجيح: أن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأة حجَّا من الشام، فقبَّلَها وهما يطوفان فمُسخا حجرين، فلم يزالا في المسجد حتى جاء الإسلام، فأُخرجا منه، قاله القرطبيّ رحمه الله

(1)

.

وقال ياقوت الحمويّ: إساف بكسر الهمؤة، وآخره فاء، وإساف ونائلة صنمان كانا بمكة، قال ابن إسحاق: هما مسخان، وهما إساف بن بغاء، ونائلة بنت ذئب، وقيل: إساف بن عمرو، ونائلة بنت سهيل، وإنهما زنيا في الكعبة، فمُسخا حجرين، فنُصبا عند الكعبة، وقيل: نصب أحدهما على الصفا، والآخر على المروة؛ ليُعْتَبر بهما، فَقَدُم الأمر، فأمر عمرو بن لُحَيّ الخزاعي بعبادتهما، ثم حوّلهما قصيّ، فجعل أحدهما بلصق البيت، وجعل الآخر بزمزم، وكان ينحر عندهما، وكانت الجاهلية تتمسح بهما.

وعن ابن عباس: أن إسافًا رجل من جرهم، يقال له: إساف بن يعلى، ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها بأرض اليمن، فأقبلا حاجين، فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس، وخلوةً في البيت ففَجَر بها في البيت، فمُسخا، فأصبحوا، فوجدوهما مسخين، فأخرجوهما، فوضعوهما موضعهما، فعبدتهما خزاعة وقريش، ومن حج البيت بعدُ من العوب. انتهى

(2)

.

(قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخْرَى) أراد أبو ذرّ رضي الله عنه بهذا الكلام تعييرًا لهما على عبادة الصمنين، ودعائهما دون الله تعالى.

(فَالَ) أبو ذرّ: (فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا) وفي بعض النسخ: "على قولهما"، فتكون "على" بمعنى "عن"؛ أي: لم تمتنعا عن دعائهما إساف ونائلة.

وقال النوويّ: أي: ما انتهتا عن قولهما، بل دامتا عليه، ووقع في أكثر النسخ:"فما تناهتا على قولهما"، وهو صحيح أيضًا، وتقديره: ما تناهتا من الدوام على قولهما. انتهى

(3)

.

(1)

"المفهم" 6/ 395.

(2)

"معجم البلدان" لياقوت الحمويّ 1/ 170.

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 29.

ص: 381

(قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ) الهنُ، والهنة: بتخفيف نونهما، هو كناية عن كل شيء، وأكثر ما يستعمل كناية عن الفَرْج والذَّكَر، فقال لهما: ذَكَرٌ مِثْل الخشبة في الفرج، وأراد بذلك سبّ إساف ونائلة، وغيظ الكفار بذلك.

وقوله: (غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي)؛ أي: سببت إسافًا ونائلة بالكلام الصريح، لا بالكناية، و"أكني" بفتح الهمزة، من كنى ثلاثيًّا، من باب رمى، وبضمها من أكنى، وبضمها مع تشديد النون من كنّى بالتشديد، قال المجد رحمه الله: كَنَى به عن كذا يَكْنِي، وَيكْنُو كِنايَةً: تَكَلَّمَ بما يُسْتَدَلُّ به عليه، أو أن تَتَكَلَّمَ بشيءٍ، وأنْتَ تُرِيدُ غيرَهُ، أو بِلَفْظٍ يُجاذِبُه جانِبَا حَقيقةٍ ومَجازٍ، وزيدًا أبا عَمْرٍو، وبه كُنْيَةً، بالكسر، والضم: سَمَّاهُ به، كأَكْناهُ، وكَنَّاهُ. انتهى

(1)

.

(فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ)؛ أي: تدعوان بالويل، وترفعان بذلك أصواتهما، وتقولان: يا ويلنا، (وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا) بفتح الهمزة: جَمْع نفر، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة، وفي نسخة:"من أنصارنا"، وهو أوضح، والمراد: لو كان أحد من أنصارنا لأغاثنا، وانتصر لنا.

وقال القرطبيّ رحمه الله: "لو كان أحدٌ من أنفارنا"؛ أي: من قومنا، وهو جَمْع نفر، والنَّفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وجواب لو محذوف؛ أي: لنصرنا عليك، ونحوه. انتهى

(2)

.

وقال النوويّ رحمه الله: الولولة: الدعاء بالويل، والأنفار: جمع نفر، أو نفير، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة، ورواه بعضهم:"أنصارنا"، وهو بمعناه، وتقديره: لو كان هنا أحد من أنصارنا لانتصر لنا. انتهى

(3)

.

(قَالَ) أبو ذرّ: (فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ) الصدّيق رضي الله عنه (وَهُمَا هَابِطَانِ)؛ أي: نازلان إلى البيت، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم للمرأتين:("مَا لَكُمَا؟ ")؛ أي: أيُّ شيء أزعجكما، وجعلكما تولولان؟ (قَالَتَا: الصَّابِئُ)؛ أي: الخارج عن دين قومه، يُهمز، ولا يُهمز، وقد قُرئ بهما

(4)

. (بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا)؛ أي:

(1)

"القاموس المحيط" 1/ 1713.

(2)

"المفهم" 6/ 396.

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 29.

(4)

"المفهم" 6/ 396.

ص: 382

متعلّق في ذلك المكان، ويريدان أبا ذرّ رضي الله عنه. (قَالَ) صلى الله عليه وسلم:("مَا قَالَ لَكُمَا؟ "، قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ)؛ أي: كلمة عظيمة، حتى يكون الفم يضيق عنها؛ لِعِظَمها.

وقال النوويّ: أي: عظيمة لا شيء أقبح منها، كالشيء الذي يملأ الشيء، ولا يسع غيره، وقيل: معناه: لا يمكن ذِكرها، وحكايتها، كأنها تسدّ فم حاكيها، وتملؤه؛ لاستعظامها. انتهى

(1)

.

(وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) إلى البيت (حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ) الأسود؛ فيه أن ابتداء الطواف منه. (وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ) أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، (ثُمَّ صَلَّى) ركعتي الطواف، فيه مشروعيّتهما. (فَلَمَّا قَضَى صَلَاَتَهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَام) قال القرطبيّ رحمه الله: يعني به: السلام عليك يا رسول الله! وظاهره أنه أُلهم النُّطق بتلك التحية؛ إذ لم يكن سمعها قبل ذلك، وعِلْمه بكونه أوّل من حيّاه يَحْتَمِل أن يكون إلهامًا، ويَحْتَمِل أن يكون عَلِمه بعد ذلك بالاستقراء، ثم أَخبر عنه، والله تعالى أعلم. انتهى

(2)

.

(قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: "وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ") قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في جميع النُّسخ: "وعليك" من غير ذِكر السلام، وفيه دلالة لأحد الوجهين لأصحابنا أنه إذا قال في ردّ السلام:"وعليك" يجزئه؛ لأن العطف يقتضي كونه جوابًا، والمشهور من أحواله صلى الله عليه وسلم، وأحوال السلف ردّ السلام بكماله، فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله، أو: ورحمته وبركاته، وسبق إيضاحه في بابه. انتهى

(3)

.

(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("مَنْ أَنْتَ؟ "، قَالَ) أبو ذرّ: (قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ)؛ أي: أنا رجل من قبيلة غفار. (قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَهْوَى بِيَدِهِ)؛ أي: مدّ يده صلى الله عليه وسلم، يقال: أهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرب، فإن كان عن بُعد قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأت إليه، قاله الفيّوميّ

(4)

. (فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ) صلى الله عليه وسلم، قال أبو ذرّ:(فَقُلْتُ: فِي نَفْسِي)؛ أي: سرًّا من

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 29 - 230.

(2)

"المفهم" 6/ 396.

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 230.

(4)

"المصباح المنير" 2/ 643 - 644.

ص: 383

غير أن أُظهره، (كَرِهَ) بكسر الراء، يقال: كَرِهه، كسَمِعه، كَرْهًا بالفتح، ويُضمّ، وكراهَةً، وكراهيةً بالتخفيف، ومكرَهَةً، وتُضمّ راؤه، وتكرّهه: ضدّ أحبّه

(1)

. (أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ) قبيلتِه؛ لأنها معروفة بقطع الطريق، وقد وقع ذلك صريحًا فيما أخرجه ابن سعد في "طبقاته" من طريق الواقديّ من غير هذا السياق، وفيه:"فسأله النبيّ صلى الله عليه وسلم: ممن أنت؟ فقال: من بني غفار، قال: فعجب النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنهم يقطعون الطريق، فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يرفع بصره فيه، ويصوِّبه تعجبًا من ذلك؛ لِمَا كان يَعْلَم منهم، ثم قال: إن الله يهدي من يشاء"

(2)

.

وقد روى الواقديّ أيضًا: أن أبا ذرّ نفسه كان يقطع الطريق، فروى عن خُفَاف بن إيما بن رَحَضَة قال:"كان أبو ذرّ رجلًا يصيب الطريق، وكان شجاعًا يتفرد وحده يقطع الطريق، ويُغِير على الصِّرْم في عَماية الصبح على ظهر فرسه، أو على قدميه، كأنه السبع، فيطرُق الحيّ، ويأخذ ما أخذ، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام، وسمع بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ بمكة، يدعو مختفيًا، فأقبل يسأل عنه، حتى أتاه في منزلة. . ." الحديث

(3)

.

(فَذَهَبْتُ)؛ أي: شرعتُ (آخُذُ بِيَدِهِ) صلى الله عليه وسلم (فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ)؛ أي: دفعني صاحبه أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، يقال: قَدَعه بالدال المهملة، كقطعه، وأقدعه: إذا كفّه، ومنعه.

وقال القرطبيّ رحمه الله: "فَقَدَعَنِي صاحبه"؛ أي: كفَّني، ومنعني، يقال: قَدَعْتُ الرَّجَل، وأقْدَعتُه: إذا كففته، ومنه قول الحسن: اقْدَعُوا هذه الأنفس، فإنَّها طُلَعَةٌ، وهو بالدال المهملة. انتهى

(4)

.

(وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي)؛ يعني: أن صاحبه أبا بكر رضي الله عنه كان أعلم بشأن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وحاله من أبي ذرّ رضي الله عنه، فلذلك مَنَعه لِعِلمه أنه صلى الله عليه وسلم لا يُحبّ ذلك، (ثُمَّ رَفَعَ) صلى الله عليه وسلم (رَأْسَهُ) إلى أبي ذرّ:(ثُمَّ قَالَ: "مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟ ")؛ أي: في

(1)

"القاموس المحيط" ص 1128 بزيادة من "المصباح".

(2)

"الطبقات الكبرى" لابن سعد 4/ 223.

(3)

"الطبقات الكبرى" لابن سعد 4/ 222.

(4)

"المفهم" 6/ 396 - 397.

ص: 384

مكة، (قَالَ) أبو ذرّ (قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاِثينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ)؛ أي: خمسة عشر يومًا بليالها، (قَالَ:"فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ) بكسر الميم، (حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ) بضمّ، ففتح، وهو مضاف إلى (بَطْنِي) والعُكَن هي طاقات لحم البطن، والمراد بتكسّرها: انثناؤها وانطواؤها؛ يعني: انكسرت تلك العُكَن بسبب السِّمَن، (وَمَما) نافية، (أَجِدُ عَلَى كبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ)؛ أي: ضَعفه، وهُزاله. (قَالَ) صلى الله عليه وسلم:("إِنَّهَا)؛ أي: زمزم، (مُبَارَكَة) قال القرطبيّ رحمه الله: أي: إنها تَظهَر بركتها على من صحَّ صِدقه، وحَسُنَت فيها نيّته، كما قد رَوَى العقيليّ أبو جعفر من حديث أبي الزبير، عن جابر: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ماء زمزم لِمَا شُرِب له"، فينبغي أن يُتبرّك بها، وتُحَسَّن النية في شُربها، ويُحْمَل من مائها، فقد روى الترمذيّ عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تَحْمِل من ماء زمزم، وتُخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله، قال الترمذيّ: حديث حسن غريب

(1)

.

(إِنَّهَا طَعَامُ طُعْم") بضمّ الطاء، وسكون العين المهملتين؛ أي: تُشبع شاربها، كما يُشبعه الطعام.

قال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "إنها طعام طعم" أي: يُشبَع منها، ويُرَدُّ الجوع، الرواية فيه:"طعامُ طعم" بالإضافة، والطعام: اسم لما يُتَطَعَّم، فكأنه قال: طعام إشباع، أو طعامٌ يُشبع، فأضافه إلى صفته، هذا على معنى ما قاله ابن شميل، فإنه قال: يقال: إن هذا لطعامُ طُعمٍ؛ أي: يُطْعِم مَنْ أكَله؛ أي: يَشبَع منه الإنسان، وما يُطْعِم أكلُ هذا الطعام؛ أي ما يُشبع منه، غير أنه قد قال الجوهريّ: الطُّعْمُ بالضم: الطعام، وبالفتح: ما يُشتهَى منه، قال: قال أبو خراش [من الطويل]:

أُرَدُّ شُجَاعَ البَطنِ لَوْ تَعْلَمينه

ويُؤثَرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكِ بِالطُّعمِ

وأَغْتَبِقُ الْمَاءَ القَرَاحَ فَأَنْتَهِي

إذا الزَّادُ أَمْسَى للمُزَلَّج ذَا طَعْمِ

قال: فأراد بالأول الطعام، وبالثاني ما يُشتهى.

قلت

(2)

: وعلى هذا فلا تصحُّ الإضافة من جهة المعنى؛ فإنَّه يكون

(1)

"المفهم" 6/ 398.

(2)

القائل: القرطبيّ رحمه الله.

ص: 385

كقولك: طعامُ طعام، ولا يصحُّ؛ لأنَّه إضافة الشيء إلى نفسه؛ وإنَّما يستقيم معنى الحديث على ما حكاه ابن شميل، ويحصل من قولهما: أن طُعْمًا يُستعمل بمعنى الاسم، كما قاله الجوهريّ، وبمعنى الصفة، كما قاله ابن شميل، والله تعالى أعلم.

وقد روى أبو داود الطيالسيّ من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في زمزم: "إنها مباركةٌ، وهي طعام طعم، وشفاء سُقم": أي: طعام من جوع، وشفاء من سُقْم. انتهى

(1)

.

[تنبيه]: قال في "الفتح": وقع في مسلم من حديث أبي ذرّ: "إنها طعام طُعْم"، زاد الطيالسيّ من الوجه الذي أخرجه منه مسلم:"وشِفاء سُقْم"

(2)

.

قال: وفي "المستدرك" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: "ماء زمزم لِمَا شُرب له"

(3)

، رجاله موثَّقون، إلا أنه اختُلف في إرساله، ووَصْله، وإرساله أصحّ، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعيّ، وابن ماجه، ورجاله ثقات، إلا عبد الله بن المؤمل المكيّ، فذكر العقيليّ أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات، كلاهما عن أبي الزبير بن سعيد، عن جابر.

ووقع في "فوائد ابن المقرئ" من طريق سُويد بن سعيد، عن ابن المبارك، عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر، عن جابر، وزعم الدمياطي أنه على رَسْم الصحيح، وهو كما قال من حيث الرجال، إلا أن سُويدًا، وإن أخرج له مسلم، فإنه خَلَط، وطعنوا فيه، وقد شذّ بإسناده، والمحفوظ عن ابن المبارك، عن ابن المؤمل، وقد جمعت في ذلك جزءًا، والله أعلم. انتهى

(4)

.

(1)

"المفهم" 6/ 397 - 398.

(2)

حديث صحيح.

(3)

حديث صحيح، وقد أجاد البحث فيه الشيخ الألبانيّ رحمه الله في "الصحيحة" 2/ 543 وأورد ما أخرجه البيهقيّ:"كان يَحمل ماء زمزم في الأداوي والقِرَب، وكان يصبّ على المرضى، ويَسقيهم"، ثم قال: صحيح، وله شاهد، ثم ذكر ذلك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

(4)

"الفتح" 3/ 493.

ص: 386

(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدِّيق رضي الله عنه: (يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِه)؛ أي: إطعامه الطعام (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة؛ أي: في هذه الليلة، (فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِف، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا)؛ أي: بمكة، (ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ)؛ أي: بقِيتُ ما بقيت بهذه الحالة، وقد تقدّم أن "غَبَر" من الأضداد، قال الفيّوميّ رحمه الله: غَبَر غُبُورًا، من باب قَعَد: بقي، وقد يُستعمل فيما مضى أيضًا، فيكون من الأضداد، وقال الزُّبيديّ: غَبَر غُبُورًا: مكَثَ، وفي لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي. انتهى

(1)

.

(ثُمَّ أتيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره جملة بعده، كما قال ابن مالك رحمه الله في "الكافية":

وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضمِيرٌ فُسِّرَا

بِجُمْلَةٍ كَـ "إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى"

(قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أُريت جهتها بالوحي، (ذَاتُ نَخْلٍ) صفة لـ "أرض"، (لَا أُرَاهَا) بضمّ الهمزة، وفتحها؛ أي: لا أظنّ تلك الأرض (إِلَّا يَثْرِبَ)؛ يعني: المدينة؛ والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم أُري دار هجرته أرضًا ذات نخل من غير أن تُسمّى له في الوحي، ولكنه فَهِمَ أنه أرض يثرب، وهذا اسمها الجاهليّ، قال في "المشارق": يثرب: اسم مدينة النبيّ صلى الله عليه وسلم بثاء مثلّثة، وراء مكسورة، وقد غَيّر النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك، فسمّاها طابة، وطَيْبة، كراهةً لِمَا في يثرب من التثريب، وقيل: سُمّيت يثرب بأرض بها، تُسَمَّى كذلك المدينة بناحية منها. انتهى

(2)

.

وقال الفيّوميّ: ثَرَبَ عليه يَثْرِبُ، من باب ضرب: عَتَبَ، ولام، وبالمضارع بياء الغائب سُمِّي رجل من العمالقة، وهو الذي بنى مدينة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسُميت المدينة باسمه، قاله السهيليّ. انتهى

(3)

.

وقال النوويّ: "لا أراها إلا يثرب" وهذا كان قبل تسمية المدينة طابة، وطيبة، وقد جاء بعد ذلك حديث في النهي عن تسميتها يثرب، أو أنه سمّاها

(1)

"المصباح المنير" 2/ 442.

(2)

"مشارق الأنوار" 2/ 306.

(3)

"المصباح المنير" 1/ 5.

ص: 387

باسم معروف عند الناس حينئذ. انتهى

(1)

.

(فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغ عَنِّي قَوْمَكَ؟)؛ أي: هل ترجع إلى قومك، وتدعوهم إلى الإيمان بي، واتباع ما جئت به؟؛ لأنه لا داعي في إقامتك بمكة، والمسلمون مضطهدون فيها، فهل تغتنم هذا الوقت بحمل رسالة الإسلام إليهم؟ (عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ)؛ أي: بسبب دعوتك، (وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ")؛ أي: يعطيك أجر دعوتهم، يقال: أَجَره الله أَجْرًا، من باب قَتَلَ، ومن باب ضَرَب لغة بني كعب، وآجره بالمدّ لغة ثالثة: إذا أثابه

(2)

.

وهذا الحديث يفسّره، ويوضّحه حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا"، رواه مسلم.

قال أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا) أخاه، (فَقَالَ) أنيس:(مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ) النبيّ صلى الله عليه وسلم بما جاء به من عند الله تعالى. (قَالَ) أُنيس: (مَا) نافية، (بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ)؛ أي: ما أكره دينك الذي جئت به من عند النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن رغب إذا تعدّى بـ "عن" يكون بمعنى عدم إرادة الشيء، وإذا تعدّى بـ "في" يكون بمعنى إرادة الشيء، قال الفيّوميّ رحمه الله: رَغِبْتُ في الشيء، ورَغِبْتُهُ يتعدى بنفسه أيضًا: إذا أردته، رَغْبًا، بفتح الغين، وسكونها، ورُغْبَى، بفتح الراء، وضمّها، ورَغْبَاءُ، بالفتح، والمدّ، ورَغِبْتَ، عنه: إذا لم تُرِدْه. انتهى

(3)

.

(فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَأَتَيْنَا أُمَّنَا) تقدّم أنها رملة بنت الوقيعة، (فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا)؛ أي: لا أكرهه، بل أدخل فيه، (فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا) مبالغة الحمل؛ أي: حملنا، أنفسنا، وأمتعتنا، وكلّ ما كان معنا على إبلنا، ثم سافرنا.

وأخرج ابن سعد من طريق الواقديّ: أن أبا ذرّ "جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم،

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 31.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 81.

(3)

"المصباح المنير" 1/ 231.

ص: 388

فقال: يا رسول الله أما قريش فلا أَدَعُهم، حتى أثار منهم، ضربوني، فخرج، حتى أقام بعُسفان، وكلما أقبلت عِير لقريش يحملون الطعام يُنَفِّر بهم على ثنية غزال، فتلقي أحمالها، فجمعوا الحنط، قال: يقول أبو ذرّ لقومه: لا يمس أحدٌ حبة، حتى تقولوا: لا إله إلا الله، فيقولون: لا إله إلا الله، ويأخذون الغرائر"

(1)

.

(حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا) بدل، أو عطف بيان، (فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ) معطوف على مقدّر؛ أي: دعوتها إلى الإسلام، فأسلم نصفهم، (وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ)"إيماء" بكسر الهمزة في المشهور ممدودًا، وحَكَى القاضي فتح الهمزة أيضًا، وأشار إلى ترجيحه، قال النوويّ: وليس براجح، و"رَحَضَة" بِراء، وحاء مهملة، وضاد معجمة مفتوحات.

قال في "الإصابة": إيماء بن رَحَصَة بن خربة بن خُفاف بن حارثة بن غِفار، قديم الإسلام، قال ابن المدينيّ: له صحبة، قال: وقد روى حنظلة الأسلميّ عن خفاف بن إيماء بن رَحَضة حديث القنوت، وقال بعضهم: عن إيماء بن رحضة، ثم ذكر قصّة مسلم هنا، وقوله:"وكان يؤمّهم إيماء بن رحضة الغفاريّ"، قال: ولكن ذكر أحمد في هذا الحديث الاختلاف على رواية سليمان بن المغيرة، هل هو خُفاف بن إيماء، أوأبوه إيماء بن رحضة؟ وعلى هذا فيمكن أن يكون إسلام خفاف تقدم على إسلام أبيه، والله أعلم.

وذَكَر الزبير بن بكار من حديث حكيم بن حزام أن إيماء بن رحضة حضر بدرًا مع المشركين، فيكون إسلامه بعد ذلك، وذكر ابن سعد أنه أسلم قريبًا من الحديبية، وهذا يعارض رواية مسلم، وقال ابن سعد: كان سكن غَيقة من ناحية السُّقْيَا، ويأوي إلى المدينة. انتهى

(2)

.

(وَكَانَ) إيماء بن رَحَضَة (سَيِّدَهُمْ)؛ أي: سيّد قبيلة غفار، (وَقَالَ نِصْفُهُمْ) الباقي:(إِذَا قَدِمَ) بكسر الدال، (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ)؛ أي: قبيلة أسلم

(1)

"الطبقات الكبرى" لابن سعد 4/ 223 - 224.

(2)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 169.

ص: 389

-بفتح الهمزة، وسكون السين، وفتح اللام - بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، قاله في "اللباب"

(1)

. (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِخْوَتُنَا) يعنون غِفارًا، (نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ)؛ أي: على دين الإسلام الذي جئت به من عند الله تعالى. (فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ") قال القرطبيّ رحمه الله: إنما دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم لهاتين القبيلتين؛ لأنَّهما أسلمتا طوعًا، من غير قتال، ولا إكراه، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خبرًا عما فعل الله بهاتين القبيلتين من المغفرة، والمسالمة لهما، وكيف ما كان فقد حصل لهما فخر السابق، وأجر اللاحق، وفيه مراعاة التجنيس في الألفاظ. انتهى

(2)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الاْولى): حديث أبي ذرّ رضي الله عنه عنه هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [28/ 6339 و 6340 و 6341](2473)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" مختصرًا (458)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 174) وفي "فضائل الصحابة"(2473)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(4/ 219 - 222)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(773) و"الأوسط"(3/ 108) وفي "الأحاديث الطوال"(5)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7133)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(1/ 157 - 158) و"دلائل النبوّة"(197)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 341)، وفوائده تأتي في شرح رواية ابن عبّاس رضي الله عنهما التالية - إن شاء الله تعالى -.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6340]

(. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، حَدَّثنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَزَادَ بَعْدَ

(1)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 1/ 58.

(2)

"المفهم" 6/ 399.

ص: 390

قَوْلِهِ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي، حَتَّى أَذْهَبَ، فَأَنْظُرَ، قَالَ: نَعَمْ، وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ، وَتَجَهَّمُوا).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.

2 -

(النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 204) وله اثنتان وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 39.

والباقيان ذُكرا قبله.

وقوله: (قَدْ شَنِفُوا لَهُ) بشين معجمة مفتوحة، ثم نون مكسورة، ثم فاء؛ أي: أبغضوه، ويقال: رجلٌ شَنِفٌ، مثالُ حَذِرٍ؛ أي: شانئٌ مُبْغِضٌ، قاله النوويّ

(1)

.

وقال المجد: شَنِف له، كفرِحَ: أبغضه، وتنكّره، فهو شَنِف، والشانف: المعرِض، وإنه لمشانف عنّا بأنفه: رافع. انتهى.

وقوله: (وَتَجَهَّموا)؛ أي: قابلوه بوجوه غليظة كريهة، من الجهم، وهو الوجه الغليظ السَّمِجُ، وجَهَمه، من باب منه، وسَمِع، وتجهّمه، وتجهّم له: إذا استقبله بوجه كريه، والمراد: أن أُنيسًا لمّا أَذِن لأبي ذرّ رضي الله عنهما في الذهاب إلى مكة حذّره من أهلها؛ لأنه لمّا ذهب إليها أوّلًا رأى في وجوه أهلها غلظةً، وكراهية للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم، ولمن يستخبر عن شأنهم، فأشار على أبي ذرّ بأن يكون منهم على حذر؛ لئلا يصيبوه بأذاهم.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "إنهم قد شَنِفُوا له، وتَجَهَّمُوا"؛ أي: أبغضوه، وعبسوا في وجهه، والشَّنَفُ: البغض، ويُقال: رجل جهم الوجه: إذا كان غليظه، منعقده؛ كأنه يُعَبِّس وجهه لكل أحد. انتهى

(2)

.

[تنبيه]: رواية النضر بن شُميل عن سليمان بن المغيرة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 31 - 32.

(2)

"المفهم" 6/ 399.

ص: 391

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6341]

(. . .) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَني ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: أنبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِت، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا ابْنَ أَخِي صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ كنْتَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: حَيْثُ وَجَّهَنِي اللهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَة، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّان، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ

(1)

حَتَّى غَلَبَهُ، قَالَ: فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ، فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا، وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَطَافَ بِالْبَيْت، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَام، قَالَ: فَأَتيْتُهُ، فَإِنِّي لأَوَّلُ النَّاسِ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَام، قَالَ: قُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ:"وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، مَنْ أنتَ؟ "، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَقَالَ: "مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هَا هُنَا؟ "، قَالَ: قُلْتُ: مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتْحِفْنِي

(2)

بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ).

رجال هذا الإسناد: ستّة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) تقدّم قبل باب.

2 -

(ابْنُ أَبِي عَدِي) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا.

3 -

(ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم، والعمل، والسنّ [5](ت 150) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 303.

والباقون ذُكروا قبله.

وقوله: (صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ

إلخ) تقدّم وجه الجمع بينه وبين رواية ثلاث سنين قبل حديث.

وقوله: (فَأَيْنَ كُنْتَ تَوَجَّهُ؟) بفتح التاء والجيم، وفي بعض النسخ:"تُوَجِّهُ"

(1)

وفي نسخة: "يمدحه، ويُثني عليه حتى".

(2)

وفي نسخة: "ألحقني".

ص: 392

بضمّ التاء، وكسر الجيم، وكلاهما صحيح، قاله النوويّ رحمه الله

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: "تُوجِّه" بالضبط الثاني، مضارع وَجَّهَ، بتشديد الجيم، وهو بمعنى توَجّه، يقال: وَجَّهُتُ إليك توجيهًا: بمعنى توجّهت، قاله في "القاموس"

(2)

.

وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ) فاعل "اقتصّ" ضمير ابن عون.

وقوله: (فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّانِ)؛ أي: تحاكما.

وقوله: (فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ) قال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "فلم يزل أخي أُنَيْس يمدحه حتى غلبه" كذا في رواية السِّجْزيّ وغيره، وهي واضحة؛ أي: لم يزل يُنشد شعرًا يقتضي المدح، حتى حكم له الكاهن بالغلبة على الآخر، وأنه أشعر منه، وكأنّ هذا الكاهن كان شاعرًا، فقضى بينهما بذلك، وفي رواية الْعُذْريّ:"فلم يزل أخي أنَيْس يمدحه، ويثني عليه" مكان: "حتى غلبه". قال: "فأخذنا صِرْمَته، فضَمَمْناها إلى صرمتنا"، والرواية الأُولى أَولى؛ لأنَّها أفادت معنى مناسبًا به التأم الكلام بما بعده، وهو أنه إنما أخذ صِرْمته؛ لأنَّ الكاهن قضى له بالغلبة؛ ولأن قوله:"ويثني عليه" مكرر؛ لأنَّه قد فُهم ذلك من قوله: "يمدحه"، فحَمْلُ الكلام على فائدة جديدة أَولى.

وإنَّما ذكر هذا المعنى ليبيّن أن أخاه أُنَيْسًا كان شاعرًا مُفْلِقًا مُجيدًا، بحيث يُحكَم له بغلبة الشعراء، ومن كان هكذا عَلِم أنه عالم بالشعر، وأنواعه، فلما كان كذلك، وسمع القرآن، علم قطعًا أنه ليس بشعر، ولذلك قال: لقد وضعته على أنواع الشعر فلم يلتئم، فكانت هذه شهادة بأنه ليس بشعر، ولا أنه صلى الله عليه وسلم شاعر، فكان ذلك تكذيبًا لمن زَعَمه من جهَّال الكفار، ومن المعاندين الفجَّار.

قال القرطبيّ: وقد ظهر بين حديث عبد الله بن الصامت، وبين حديث عبد الله بن عباس تباعد، واختلاف في موضع من حديث أبي ذر هذا بحيث يبعد الجمع بينهما فيه، وذلك: أن في حديث ابن الصامت: أن أبا ذر لقي

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 32.

(2)

"القاموس المحيط" ص 1384.

ص: 393

النبيّ صلى الله عليه وسلم أول ما لقيه ليلًا، وهو يطوف بالكعبة، فأسلم إذ ذاك بعد أن أقام ثلاثين بين يوم وليلة، ولا زاد له؛ وإنَّما اغتذى بماء زمزم، وفي حديث ابن عباس: أنه كان له قِربة، وزاد، وأن عليًّا رضي الله عنه أضافه ثلاث ليال، ثم أدخله على النبيّ صلى الله عليه وسلم في بيته، فأسلم، ثم خرج، فصرخ بكلمتي الإسلام، وكل واحد من السندين صحيح، فالله أعلم أيُّ المتنين الواقع، ويَحْتَمِل أن يقال: إن أبا ذرّ لمّا لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم حول الكعبة، وأسلم، لم يعلم به إذ ذاك عليّ؛ إذ لم يكن معهم، ثم إن أبا ذرّ بقي متسترًا بحاله، إلى أن استتبعه عليّ، ثم أدخله على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجدَّد إسلامه، فظن الراوي: أن ذلك أول إسلامه، وفي هذا الاحتمال بُعد، والله أعلم بحقيقة ذلك، قال: ولم أر من الشارحين لهذا الحديث من تنبَّه لهذا التعارض، ولا لهذا التأويل. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "ولم أر من الشارحين

إلخ" بل قد تعرّضوا للجمع بين الحديثين، وسيأتي ما قاله الحافظ رحمه الله عند شرح حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما التالي -إن شاء الله تعالى-.

وقوله: (فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ، فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا) الصرمة بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء: القطعة من الإبل ما بين العشرة إلى الأربعين، وتُصغّر على صُرَيمة، والجمع صِرَمٌ، مثلُ سِدْرة، وسِدَر

(1)

.

وقوله: (مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ) لا تعارض بينه وبين ما سبق: "ثلاثين بين يوم وليلة"؛ لأن التقدير: خمس عشرة ليلة بأيامها.

وقوله: (أَتْحِفْنِي

(2)

بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ)؛ أي: خُصّني بها، وأكرمني بذلك، قال أهل اللغة: التحفة بإسكان الحاء، وفتحها: هو ما يُكرم به الإنسان، والفعل منه أتحفه، قاله النوويّ

(3)

.

ووقع في بعض النسخ: "ألحقني" بدل "أتحفني"، والظاهر أنه مصحّف منه، والله تعالى أعلم.

(1)

"المصباح المنير" 1/ 339.

(2)

وفي نسخة: "ألحقني".

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 32.

ص: 394

[تنبيه]: رواية ابن عون، عن حميد بن هلال هذه ساقها البزّار رحمه الله في "مسنده" بسند المصنّف، فقال:

(3946)

- حدّثنا محمد بن المثنى، قال: نا ابن أبي عديّ، عن ابن عون، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ قال: قال لي: يا ابن أخي صليت قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، قال: قلت: فأين كنت توجه؟ قال: كنت أتوجه حيث وجَّهني الله، كنت أقوم من الليل ما شاء الله، فإذا كان من آخر الليل أَلقيت نفسي، كأني خِفَاء، وكنا مع خالنا، فقال له إنسان: إن أنيسًا يَخلُفُك في أهلك، قال: فقال له أخي أنيس: يا خالاه، أما ما صنعت من معروفك، فقد والله كدّرته، وأما نحن فلا نساكنك ببلد أنت به، قال: وكنا مع أمنا في صرمتنا، فنافر أخي أنيس رجلًا بصرمتنا، فتنافر إلى رجل من الكهان، ولم يزل أنيس يمدحه حتى غلبه، فأخذ صرمته، فضمَّها إلى صرمتنا، وانطلق أخي أنيس إلى مكة، فقال: لقد رأيت بها رجلًا إنه لأشبه الناس بك، يقال له: الصابئ، قال: قلت: حتى أذهب، فأنظر، قال: فأتيت مكة، فدنوت من إنسان، فقلت: أين هذا الذي يقال له: الصابئ؟ قال: فرفع صوته، وقال: صابي، صابي؟ قال: فرُميت، حتى تُركت كاني كذا، كلمة ذكرها ابن أبي عديّ، فانطلقت، فكنت بين مكة وأستارها، فخرجت ذات ليلة، فإذا أنا بامرأتين، تطوفان، تدعوان إسافًا ونائلة، قال: قلت: زوِّجوا إحداهما الأخرى، فقالتا: صابي، صابي، قال: قلت: أنا هَنٌ مثل خشبة في هَنِ، غير أني ما أكني، قال: فانطلقتا، فإذا هما بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، مقبلين من أسفل مكة، فقالتا: هذا صابي بين الكعبة وأستارها، فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت، وصلى ركعتين خلف المقام، قال: فأتيته، قال: فإني أول الناس حيّاه بتحية الإسلام، قال: قلت: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"وعليك، من أنت؟ "، قلت: أنا من بني غفار، قال: فقال: "بيده كذا على وجهه"، قال: قلت: كره القومَ الذين انتميت إليهم، فذهبت أقول بيده، قال: فقال صاحبه بيده دون يدي، وكان أعلم مني، قال: فرفع يده، فقال:"منذ كم أنت ها هنا؟ " قال: قلت: منذ خمس عشرة، قال:"فما كان طعامك؟ " قلت: شراب زمزم، وما وجدت على كبدي سُخفة جوع، ولقد

ص: 395

تكسرت عُكَن بطني، قال:"أمَا إنه طعام طُعْم، وشفاء سُقْم"، قال: فقال أبو بكر: متِّعني بضيافة الليلة، قال: فانطلق بي إلى دار في أسفل مكة، فقبض لي قبضات من زبيب، قال: وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه قد ذُكر لي أرض بها نخل، فإذا بلغك أنّا قد أتيناها، فأُتِنا"، قال: فرجعت إلى أهلي، فقال أنيس: ما صنعت؟ قلت: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلمت، فقال: ما بي رغبة عن دينك، أو ما بي عن دينك من رغبة، فأسلم أخي، وقالت أمي: ما بي عن دينكما من رغبة، فأسلمت، وأسلم ناس من قومنا، وقال الشطر الآخر: حتى أتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنشترط لأنفسنا. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6342]

(2474) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ -وَتَقَارَبَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيث، وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ، قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي، فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاء، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِني، فَانْطَلَقَ الآخَرُ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِه، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاق، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْر، فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ، وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى أَدْرَكَهُ -يَعْنِي: اللَّيْلَ- فَاضْطَجَعَ، فَرَآهُ عَلِيٌّ، فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قُرَيْبَتَهُ، وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِد، فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَا يَرَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِه، فَمَرَّ بِهِ عَلِيُّ، فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ، فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَا يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ:

(1)

"مسند البزار" 9/ 367 - 369.

ص: 396

أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ، فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا أَصْبَحْتَ، فَاتَّبِعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ، فَاتَّبِعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِه، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي"، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فنادَى بِأَعْلَى صَوْتهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَثَارَ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ، فَأَكَبَّ عَلَيْه، فَقَالَ: ويلَكُمْ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ كِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ

(1)

إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ؟ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا، وَثَارُوا إِلَيْه، فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ، فَأَنْقَذَه).

رجال هذا الإسناد: ستّة:

1 -

(إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ)"عَرْعَرة" -بمهملات - الساميّ - بالمهملة - البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، تَكَلَّم أحمد في بعض سماعه [10](ت 231)(م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 31/ 1394.

[تنبيه]: قوله: (السَّامِيُّ) بسين مهملة: نسبة إلى سامة بن لؤيّ بن غالب، قاله في "اللباب"

(2)

.

2 -

(مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، تقدّم قريبًا.

3 -

(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) أبو سعيد البصريّ الناقد الجِهْبِذ، تقدّم أيضًا قريبًا.

4 -

(الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ) الضُّبَعيّ -بضم المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو سعيد البصريّ القَسّام القصير، ثقةٌ [6](ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 57/ 1569.

(1)

وفي نسخة: "تجارتكم".

(2)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 2/ 95.

ص: 397

5 -

(أَبُو جَمْرَةَ) - بالجيم - نصر بن عمران بن عِصام الضُّبعيّ البصريّ، نزيل خُرَاسان، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [3](128)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.

6 -

(ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة ثمان وستين بالطائف، وهوأحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فالأول بصري، ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، ثم بغداديّ، وفيه ابن عبّاس رضي الله عنهما، ذو المناقب الجمّة، دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر رضي الله عنه: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشرة منا أحد، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، روى (1696) حديثًا.

شرح الحديث:

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ أنه (قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبا ذَرٍّ) هو جندب، وقيل: بريد بن جُنادة -بضم الجيم، والنون الخفيفة - ابن سفيان، وقيل: سفير بن عبيد بن حرام - بالمهملتين - ابن غِفار، وغِفار من بني كنانة، قاله في "الفتح"

(1)

، وتقدّم ذِكر الخلاف في اسمه، واسم أبيه في أول الباب.

(مَبْعَثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ)؛ أي: بَعْثه، وإرساله إلى الناس، فالمبعث مصدر ميميّ لِبَعَث. (قَالَ لأَخِيهِ) تقدّم أنه أُنيس:(ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي)؛ أي: وادي مكة، وفي أول رواية أبي قتيبة عند البخاريّ: قال لنا ابن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذرّ؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذرّ: كنت رجلًا من غفار، وهذا السياق يقتضي أن ابن عباس تلقّاه من أبي ذر رضي الله عنه.

قال في "الفتح": وقد أخرج مسلم قصة إسلام أبي ذرّ من طريق عبد الله بن

(1)

"الفتح" 8/ 582، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3861).

ص: 398

الصامت عنه، وفيها مغايرة كثيرة لسياق ابن عباس، ولكن الجمع بينهما ممكن، ثم ساق قطعة من أوله إلى قوله:"لقد سمعت كلام الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم عليها، والله إنه لصادق".

ثم قال: وهذا الفصل في الظاهر مغاير لقوله في حديث ابن الصامت: "إن أبا ذر قال لأخيه: ما شفيتني"، ويُمكن الجمع بأنه كان أراد منه أن يأتيه بتفاصيل من كلامه، وأخباره، فلم يأته إلا بمجمل

(1)

.

(فَاعْلَمْ لِي)؛ أي: لأجلي، (عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ) منصوب بقوله:"اعلم".

(الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاء، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ)"من" للتبعيض؛ أي: اسمع بعض قوله؛ يعني: أنه يكفيه أن يسمع بعضه؛ لأنه يتبيّن به الصادق من الكاذب. (ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الآخَرُ)؛ أي: أنيس، وفي رواية للبخاريّ:"فانطلق الأخ"، وفي رواية الكشميهني:"فانطلق الآخر"، قال عياض: وقع عند بعضهم: "فانطلق الأخ الآخر"، والصواب الاقتصار على أحدهما؛ لأنه لا يُعرف لأبي ذرّ إلا أخ واحد، وهو أنيس. انتهى.

وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "فانطلق الآخر" هكذا هو في أكثر النُّسخ، وفي بعضها:"الأخ"، بدل "الآخر"، وهو هو، فكلاهما صحيح. انتهى

(2)

.

(حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال، (مَكَّةَ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ)؛ أي: من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، (ثُمَّ رَجَعَ) أُنيس (إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: رَأْيْتُهُ)؛ يعني: النبيّ صلى الله عليه وسلم، (يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ)؛ أي: بالأخلاق الحسان، وقوله:(وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ) كذا في هذه الرواية، بنصب "كلامًا"، وهو منصوب بالعطف على الضمير المنصوب، وفيه إشكال؛ لأن الكلام لا يُرَى، ويجاب عنه بأنه من قبيل قوله:

عَلَفْتُهَا تبنًا وماء باردًا

حَتَّى غَدَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا

وفيه الوجهان: الإضمار؛ أي: وَسَقَيْتها، أو ضَمَّن العَلْف معنى الإعطاء، وهنا يمكن أن يقال: التقدير: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعته يقول كلامًا

(1)

"الفتح" 8/ 582، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3861).

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 33.

ص: 399

ما هو بالشعر، أو ضَمّن الرؤية معنى الأخذ عنه، ووقع في رواية أبي قتيبة:"رأيته يأمر بالخير، وينهى عن الشرّ"، ولا إشكال فيها، قاله في "الفتح".

وقال في "العمدة": [فإن قلت]: الكلام لا يُرَى.

[قلت]: فيه وجهان: الإضمار، والمجاز، من قبيل قوله:

عَلَفْتُهَا تبنًا وماء باردًا

أما الإضمار فهو: سَقَيْتُها ماءً، وأما المجاز فهو أنّ "عَلَفتها" بمعنى أعطيتها، وأما هاهنا فالإضمار هو أن يقدّر: وسمعته يقول كلامًا، وأما المجاز فهو أن يُضمّن الرؤية معنى الأخذ عنه، فالتقدير: وأخذت عنه كلامًا ما هو بالشعر. انتهى

(1)

.

(فَقَالَ) أبو ذرّ لأخيه أُنيس رضي الله عنهما: (مَا) نافية، (شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ)؛ أي: ما أتيتني بالتفاصيل التي كنت أحبّ أن أعرفها.

وقال النوويّ: قوله: "فيما أردت" كذا في جميع نُسخ مسلم: "فيما" بـ "في"، وفي رواية البخاريّ:"مما" بالميم، وهو أجود؛ أي: ما بلّغتني غرضي، وأزلت عني هَمَّ كشف هذا الأمر. انتهى

(2)

.

(فَتَزَوَّدَ)؛ أي: أخذ زاد، وهو طعام المسافر المتّخذ لسفره، والجمع أزواد. (وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ) بفتح الشين المعجمة: القربة البالية، وقوله:(فِيهَا مَاءٌ) جملة في محل نصب صفة لـ "شنّةً".

هذه الرواية صريحة في أن أبا ذرّ رضي الله عنه كان معه زاد حين سافر إلى مكة، وقد مرّ في رواية عبد الله بن الصامت أنه لم يكن له طعام إلا ماء زمزم مدّة ثلاثين يومًا.

ويُمكن الجمع بينهما بأنه كان معه زاد في ابتداء سفره إلى مكة، ولكنه فنِي بعد وصوله إليها، والله تعالى أعلم.

(حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجدَ) الحرام (فَالْتَمَسَ)؛ أي: طلب (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ)؛ أي: لأنه عَرَف أن قومه يؤذون من يقصده، أو يؤذونه بسبب قَصْد من يقصده، أو لكراهتهم في ظهور أمره لا يَدلّون من يسأل

(1)

"عمدة القاري" 17/ 3.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 33.

ص: 400

عنه عليه، أو يمنعونه من الاجتماع به، أو يَخْدَعونه حتى يرجع عنه. (حَتَّى أَدْرَكَهُ)؛ أي: أبا ذرّ، وقوله:(يَعْني: اللَّيْلَ) ملحق من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، والله تعالى أعلم.

(فَاضْطَجَعَ)؛ أي: نام أبو ذرّ في المسجد، (فَرَآه عَلِيٌّ)؛ أي: ابن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا يدلّ على أن قصة أبي ذرّ وقعت بعد المبعث بأكثر من سنتين، بحيث يتهيأ لعليّ أن يستقل بمخاطبة الغريب، ويضيفه، فإن الأصح في سنّ علي حين المبعث كان عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، وهذا الخبر يقوِّي القول الصحيح في سنّه.

(فَعَرَفَ أنَّهُ غَرِيبٌ)؛ أي: حيث اضطجع في محل لا يضطجع فيه أهل البلد، (فَلَمَّا رَآهُ تَبعَهُ)؛ أي: بعد استتباع عليّ له، ففي رواية للبخاريّ:"فمرّ بي عليّ، فقال: كَانّ الرجل غريبٌ؟ قال: قلت: نعم، قال: فانطلِقْ إلى المنزل، قال: فانطلقت معه". (فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى أَصْبَحَ)؛ أي: دخل في الصباح، (ثُمَّ احْتَمَلَ)؛ أي: حَمَل (قُرَيْبَتَهُ) بضمّ القاف تصغير قِربة، وفي بعض النُّسخ:"قِرْبته" بالتكبير، وهي الشنّة المذكورة قبله. (وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ) الحرام، وهذا يدلّ على أن أبا ذرّ كان معه زاد إلى ذلك الوقت، فيعارضه ما تقدّم من رواية عبد الله بن الصامت الماضي، لكن يُمكن الجمع أيضًا بحمل قوله:"وزاده" على حذف مضاف، وعاء زادِه الذي نفِد.

وحاصله: أنه لم يَرْم الشنّة والقربة بعد نفاد ما فيهما من الماء والطعام، بل أخَذهما؛ ليستعملهما بعد ذلك، والله تعالى أعلم.

(فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ) قال الفيوميّ رحمه الله: ظَلَّ يفعل كذا يَظَلُّ، من باب تَعِبَ ظُلُولًا: إذا فعله نهارًا، قال الخليل: لا تقول العرب: ظَلَّ إلا لعمل يكون بالنهار. انتهى

(1)

.

(وَلَا يَرَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَمْسَى)؛ أي: دخل في المساء، (فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ)؛ أي: محل نومه من المسجد، (فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ) رضي الله عنه (فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ) وفي بعض النُّسخ: "آن"، وهما لغتان؛ أي: ما حان، وقرُب، وفي

(1)

"المصباح المنير" 2/ 386.

ص: 401

بعض النسخ: "أما" بزيادة همزة الاستفهام، وهي مرادة في الرواية الأولى، ولكن حُذفت، وهو جائز، قاله النوويّ رحمه الله

(1)

.

وفي رواية للبخاريّ: "أما نال للرجل"؛ أي: أما حان، يقال: نال له، بمعنى آن له، قال في "الفتح": ويُروَى: "أما آن" بمد الهمزة، و"أَنَّى" بالقصر، وبفتح النون، وكلها بمعنى. انتهى

(2)

.

وقوله: " (أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ) ببناء الفعل للفاعل، والمصدر المؤوّل فاعل "أنى"؛ أي: ما قرُب للرجل علمُ منزلة، ومكانه؟.

وقال في "الفتح": قوله: "أن يعلم منزلة"؛ أي: مقصده، ويَحْتَمِل أن يكون عليّ أشار بذلك إلى دعوته إلى بيته لضيافته ثانيًا، وتكون إضافة المنزل إليه مجازية؛ لكونه قد نزل به مرةً، ويؤيد الأول قول أبي ذرّ في جوابه:"قلت: لا". انتهى.

(فَأقامَهُ)؛ أي: أمر عليّ أبا ذرّ بالقيام من مكانه؛ ليذهب به إلى بيته؛ ليضيفه، (فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ)"كان" هنا تامّة بمعنى جاء، و"يوم الثالث" مرفوع على الفاعليّة، والإضافة فيه كقولهم: مسجد الجامع، فإن التقدير فيه: مسجد المكان الجامع، فالجامع صفة للمكان، لا للمسجد، وكذلك التقدير في يوم الثالث؛ أي: يوم الزمن الثالث. (فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما فعل في اليومين الماضيين من إقامته من مكانه، ثم الذهاب به إلى بيته، وتقديم الضيافة له، (فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ) رضي الله عنه (مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ) عليّ (لَهُ)؛ أي: لأبي ذرّ: (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟) مكة (قَالَ) أبو ذرّ:(إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا) تأكيد لِمَا قبله، فإن الميثاق هو العهد. (لَتُرْشِدَنِّي)؛ أي: تدلّني على ما أبحث عنه، (فَعَلْتُ)؛ أي: حدّثتك بما سألت. (فَفَعَلَ)؛ أي: فأعطاه عليّ العهد والميثاق على ذلك، (فَأَخْبَرَهُ) بأن سبب قدومه مكة أنه سمع بمبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يلقاه، وفي رواية عند البخاريّ:"فأخبرته"، وفيه التفات. (فَقَالَ) عليّ رضي الله عنه:

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 33 - 34.

(2)

"الفتح" 8/ 584، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3861).

ص: 402

(فَإِنَّهُ حَقٌّ)؛ أي: فإن الذي تبحث عنه حقّ، وليس بباطل، (وَهُوَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) أرسله الله بالهدى ودين الحقّ؛ ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. (فَإذَا أَصْبَحْتَ)؛ أي: دخلت في وقت الصباح (فَاتَّبِعْنِي) بتشديد التاء، من الاتّباع، ويروى:"فاتبعني" ثلاثيًّا. (فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ) الظاهر أنه أراد البول، وفي رواية للبخاريّ:"كأني أصلح نعلي"، ويُحمل على أنه فعلهما جميعًا. (فَإِنْ مَضَيْتُ، فَاتَّبِعْنِي)؛ يعني: إن لم أقف في الطريق، أو وقفت، ثم مضيت بعد حصول الأمن من الخوف، فاتبعني (حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي)؛ أي: محل دخولي، وهو المكان الذي فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم. (فَفَعَلَ) أبو ذرّ ما أمره به عليّ رضي الله عنهما، وهو ما بيّنه بقوله:(فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب حال كونه (يَقْفُوهُ)؛ أي: يتبع عليًّا، (حَتَّى دَخَلَ) عليٌّ (عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَدَخَلَ) أبو ذرّ (مَعَهُ) قال الداوديّ: فيه الدخول بدخول المتقدّم، وكأن هذا قبل آية الاستئذان، وتعقبه ابن التين، فقال: لا تؤخذ الأحكام من مثل هذا، قال الحافظ: وفي كلام كل منهما من النظر ما لا يخفى

(1)

.

(فَسَمِعَ) أبو ذرّ (مِنْ قَوْلِهِ) صلى الله عليه وسلم، (وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ)؛ أي: في المحلّ الذي سمع من قوله فيه.

وقال في "الفتح": قوله: "فسمع من قوله، وأسلم مكانه" كأنه كان يعرف علامات النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلمّا تحققها لم يتردد في الإسلام، هكذا في هذه الرواية، ومقتضاها أن التقاء أبي ذرّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم كان بدلالة عليّ، وفي رواية عبد الله بن الصامت: "أن أبا ذرّ لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر في الطواف بالليل، قال: فلما قضى صلاته قلت: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمة الله وبركاته، قال: فكنت أول من حيّاه بالسلام، قال: من أين أنت؟ قلت: من بني غفار، قال: فوضع يده على جبهته، فقلت: كَرِه أن انتميت إلى غفار

". فذكر الحديث في شأن زمزم، وأنه استغنى بها عن الطعام والشراب ثلاثين من بين يوم وليلة، وفيه: "فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم في طعامه الليلة، وأنه أطعمه من زبيب الطائف. . ." الحديث، وأكثره مغاير لِمَا في حديث ابن عباس هذا عن أبي ذرّ.

(1)

"الفتح" ص 584 - 585، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3861).

ص: 403

ويمكن التوفيق بينهما بأنه لقيه أوّلًا مع عليّ، ثم لقيه في الطواف، أو بالعكس، وحَفِظ كل منهما عنه ما لم يحفظ الآخر، كما في رواية عبد الله بن الصامت من الزيادة ما ذكرناه، ففي رواية ابن عباس أيضًا من الزيادة قصته مع عليّ، وقصته مع العباس، وغير ذلك.

وقال القرطبيّ: في التوفيق بين الروايتين تكلّف شديد، ولا سيما إن في حديث عبد الله بن الصامت: أن أبا ذرّ أقام ثلاثين لا زاد له، وفي حديث ابن عباس: أنه كان معه زاد، وقِربة ماء، إلى غير ذلك.

قال الحافظ: ويَحْتَمِل الجمع بأن المراد بالزاد في حديث ابن عباس ما تزوّده لَمّا خرج من قومه، ففرغ لمّا أقام بمكة، والقربة التي كانت معه، كان فيها الماء حال السفر، فلما أقام بمكة لم يحتج إلى ملئها، ولم يطرحها، ويؤيده أنه وقع في رواية أبي قتيبة:"فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد. . ." الحديث

(1)

.

(فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ) بني غفار، (فَأَخْبِرْهُمْ) بالإسلام، وشرائعه التي تعلّمتها منّي، (حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي")؛ أي: شأني وحالي من النصر، والفتح، وانتشار الدعوة، وفي رواية البخاريّ:"اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك، فأخبرهم، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل"، وتقدّم في رواية عبد الله بن الصامت:"إنه قد وُجِّهَتْ لي أرض ذات نخل، فهل أنت مبلّغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك؟ "، فذكر قصة إسلام أخيه أنيس، وأمه، وأنهم توجهوا إلى قومهم غفار، فأسلم نصفهم

الحديث

(2)

.

(فَقَالَ) أبو ذرّ رضي الله عنه: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَد لأَصْرُخَنَّ بِهَا) بضمّ الخاء المعجمة؛ أي: لأصيحنّ بكلمة التوحيد، أراد أنه يرفع صوته جهارًا بين المشركين، قال في "العمدة": وضُبط في بعض النّسخ: "لأُصَرّحَنّ" بالحاء المهملة، من التصريح

(3)

.

(1)

"الفتح" ص 584 - 585، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3861).

(2)

"الفتح" ص 584 - 585، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3861).

(3)

"عمدة القاري" 17/ 4.

ص: 404

وقال في "الفتح": قوله: "لأصرخن بها "؛ أي: بكلمة التوحيد، والمراد: أنه يرفع صوته جهارًا بين المشركين، وكأنه فَهِم أن أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم له بالكتمان ليس على الإيجاب، بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوةً على ذلك، ولهذا أقرّه النبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك.

ويؤخذ منه جواز قول الحقّ عند من تُخشَى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزًا، والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد، وبحسب ذلك يترتب وجود الأجر وعدمه.

(بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)؛ أي: بينهم، يقال: هو نازل بين ظَهْرَانَيْهِمْ، بفتح النون، قال ابن فارس: ولا تُكْسَر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهِمْ، كلها بمعنى: بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن المعنى: أن ظَهْرًا منهم قُدّامه، وظَهْرًا وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كَثُر حتى استعمل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(1)

.

(فَخَرَجَ) أبو ذرّ من عند النبيّ صلى الله عليه وسلم (حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ) الحرام، (فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَثَارَ الْقَوْمُ)؛ أي: هاجوا، وقاموا إليه، يقال: ثَارَ الغُبارُ يَثُورُ ثَوْرًا، وثُؤُورًا، على فُعُول، وثَوَرَانًا: هاج، ومنه قيل للفتنة: ثَارَتْ، وأَثَارَهَا العَدُوّ، وثَارَ الغضب: احتَدّ، وثَارَ إلى الشرّ نَهَض

(2)

.

وفي رواية البخاريّ: "فقالوا: قوموا إلى هذا الصابي" -بالياء الليّنة - فقاموا، وكانوا يُسَمُّون من أسلم صابيًا؛ لأنه من صبا يصبو: إذا انتقل من شيء إلى شيء.

(فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ)؛ أي: ألقوه على الأرض، وفي رواية البخاريّ:"فضربوه حتى أوجعوه"، وفي رواية:"فضُربت لأموت"؛ أي: ضُربت ضربًا لا يبالي مَن ضربني أن لو أموت منه.

(1)

"المصباح المنير" 2/ 387.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 87.

ص: 405

(فَأَتَى الْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب رضي الله عنه، (فَأَكَبَّ عَلَيْهِ) قال في "المشارق": كذا للكافّة، وعند العذريّ:"فكَبَّ"، وهو خطأ، والأول الصواب. انتهى

(1)

.

وقال الفيّوميّ: كَبَبْتُ الإناءَ كَبًّا، من باب قتل: قلبته على رأسه، وكَبَبْتُ زيدًا كَبًّا أيضًا: ألقيته على وجهه، فأكَبَّ هو بالألف، وهو من النوادر التي تَعَدَّى ثلاثيها، وقَصَر رباعيها، وفي التنزيل:{فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [النمل: 90]، {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} [الملك: 22]، وأَكَبَّ على كذا بالألف: لازمه. انتهى

(2)

.

وقال المجد: كبّه: قَلَبه، وصَرَعه، كأكبّه، وكبكبه، فأكبَّ، وهو لازم متعدّ، وأكبّ عليه: أقبل، ولزم. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة المجد أن أكبّ يتعدّى ويلزم، خلاف ما قاله الفيّوميّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(فَقَالَ) العبّاس: (ويلَكُمْ)؛ أي: ألزمكم الله الويل، وهو شدّة العذاب، أو واد في جهنّم. (أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ) وفي بعض النُّسخ: "تجارتكم"، (إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ)؛ أي: خلّصه من أذاهم، (ثُمَّ عَادَ) أبو ذرّ (مِنَ الْغَدِ)؛ أي: اليوم الثاني، (بِمِثْلِهَا)؛ أي: الكلمة التي قالها بالأمس، وهي كلمة التوحيد، (وَثَارُوا إِلَيْه، فَضَرَبُوهُ، فَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ، فَأَنْقَذَه)؛ أي: خلّصه منهم.

قال في "الفتح" ما حاصله: الحديث يدلّ على تقدم إسلام أبي ذرّ، لكن الظاهر أن ذلك كان بعد المبعث بمدة طويلة؛ لِمَا فيه من الحكاية عن عليّ رضي الله عنه، ومن قوله أيضًا في رواية عبد الله بن الصامت:"إني وُجِّهَتْ لي أرض ذات نخل"، فإن ذلك يُشعر بأن وقوع ذلك كان قرب الهجرة، والله أعلم. انتهى

(3)

، والله تعالى أعلم.

(1)

"مشارق الأنوار" 1/ 334.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 523.

(3)

"الفتح" 8/ 582 - 586، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3861).

ص: 406

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ برواية ابن عبّاس رضي الله عنهم هذا متّفقٌ عليه.

[تنبيه]: ظاهر سياق الشيخين أن هذا الحديث من مسند ابن عبّاس رضي الله عنهما، لكن الحقّ أنه من مسند أبي ذرّ رضي الله عنه، وذلك لأمرين:

أحدهما: أن في رواية أبي قتيبة عند البخاريّ ما نصّه: "قال لنا ابن عبّاس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذرّ؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذرّ: كنت رجلًا من غفار .. . ." الحديث، فهذا صريح في كون ابن عبّاس أخذه عن أبي ذر رضي الله عنه.

والثاني: أن ابن عبّاس رضي الله عنهما لم يحضر قصّة إسلام أبي ذرّ؛ لأن إسلامه كان في أوائل المبعث، روي عنه أنه قال:"كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة، وأنا الرابع"، ووُلد ابن عبّاس قبل الهجرة بثلاث سنين، فلم يحضرها قطعًا، وكلّ من أخبر عن قصّة لم يشهدها، فإنه مرسل، كما قال السيوطيّ في "ألفيّة الحديث":

وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى

مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعَا حَوَى

فدلّ على أنه أخَذه عن أبي ذرّ رضي الله عنه، ولذلك جعلته من مسند أبي ذرّ رضي الله عنه.

ومن الغريب أن الحافظ المزّيّ: جعله في "تحفة الأشراف" من مسنديهما، فذكره في ترجمة ابن عبّاس رضي الله عنهما (5/ 263) وفي ترجمة أبي ذرّ رضي الله عنه (9/ 176)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [28/ 6342](2474)، و (البخاريّ) في "المناقب"(3522) و"فضائل الصحابة"(3861)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(4/ 225)، و (الطبرانيّ) في "الكبير) (12/ 226) و"الأوسط" (3/ 108) وفي "الأحاديث الطوال" (5)، و (أبو نعيم) في "الحلية" (1/ 159) و"دلائل النبوّة" (197)، و (البزّار) في "مسنده) (9/ 334)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 382)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(66/ 182)، والله تعالى أعلم.

ص: 407

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أبي ذرّ الغِفاريّ رضي الله عنه.

2 -

(ومنها): بيان تقدم إسلام أبي ذرّ رضي الله عنه، ولكن الظاهر أنه بعد البعث بمدة طويلة؛ لِمَا فيه من الحكاية عن عليّ رضي الله عنه من مخاطبته لأبي ذرّ، وتضيّفه إياه، والأصح أن سنّه حين البعث كان عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، فظهر من ذلك أن إسلام أبي ذرّ بعد البعث بمدة بأكثر من سنتين، بحيث يتهيأ لعليّ ما فعله

(1)

.

3 -

(ومنها): بيان ما أنعم الله تعالى على أبي ذرّ رضي الله عنه من هدايته إلى التوحيد، ودين الإسلام، قبل أن يأتي الإسلام، ويعرفه، فكان يصلّي لله تعالى، ويُنكر عبادة الأصنام.

4 -

(ومنها): أن العاقل الموفّق لا يزال يبحث عن الحقّ، ويجتهد في الوصول إليه، ولا يقتصر بما لديه من الهدى، فقد أمر أبو ذرّ أخاه رضي الله عنهما بالذهاب إلى مكة، واستبيان الأمر، ثم لمّا لم يُقنعه ما أتى به، سافر بنفسه إليها، حتى وجد طَلِبته، وحصّل بُغيته، وقضى نَهْمته.

5 -

(ومنها): بيان فضل القرآن الكريم، وأنه من عند الله تعالى، فقد شهد له أخو أبي ذرّ رضي الله عنه الشاعر بأنه لا يُشبه كلام الكهّان، ولا قول الشعراء، بل هو من عند الله تعالى، وكان كفّار قريش يعلمون ذلك، ولكنهم معاندون للحقّ، كما وصفهم الله تعالى بذلك، حيث قال:{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام: 33]،

وقال أيضًا: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 13 - 14].

6 -

(ومنها): بيان ما كان عليه أبو ذرّ رضي الله عنه من الصلابة في الدين، حيث إنه أظهر ما أمره صلى الله عليه وسلم بإخفائه، لكنه قال:"لأخرجنّ بها بين أظهرهم"، فصرخ بها في مجتمعهم، فقاموا عليه بكلّ ما يستطيعون، فلم يتراجع عما عزم عليه.

(1)

"عمدة القاري" 16/ 87.

ص: 408

7 -

(ومنها): بيان فضل ماء زمزم، وأنها مباركة، وطعام طُعم، وشفاء سُقم، يجد ذلك مَن صَدَق إيمانه، وتمّ إيقانه، اللَّهُمَّ اجعلنا من الصادقين.

8 -

(ومنها): بيان ما كان عليه الصدّيق رضي الله عنه من الكرم والسخاء حيث أخذ أبا ذرّ إلى بيته، وأضافه بزبيب الطائف، ومثله عليّ رضي الله عنه.

9 -

(ومنها): بيان عَلَم من أعلام النبوّة حيث أري النبيّ صلى الله عليه وسلم دار هجرته أرضًا ذات نخل، قبل أن يهاجر إليها.

10 -

(ومنها): أن فيه دلالةً على حُسْن تأتّى العباس رضي الله عنه، وجودة فطنته، حيث توصَّل إلى تخليص أبي ذرّ رضي الله عنه من أيدي المشركين بتخويفهم من قومه أن يقاصُّوهم بأن يقطعوا طُرُق متجرهم، وكان عيشهم من التجارة، فلذلك بادروا إلى الكفّ عنه.

11 -

(ومنها): بيان فضل قبيلة غفار، حيث أسلموا دون أيّ تردّد حين دعاهم أبو ذرّ رضي الله عنه، فأسلم نصفهم، ووعد الباقون أن يُسْلموا بوصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فوَفَوا بذلك.

12 -

(ومنها): بيان فضل قبيلة أسلم، حيث اقتدوا بغفار، فقالوا:"إخواننا نُسلم على الذي أسلموا عليه"، فاسلموا، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله"، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(29) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ رضي الله عنه

-)

هو: جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة بن جُشم بن عوف بن حزيمة بن حرب بن عليّ البجليّ الصحابيّ الشهير، يكنى أبا عمرو، وقيل: يكنى أبا عبد الله، اختُلف في وقت إسلامه، ففي "الأوسط" للطبرانيّ من طريق حصين بن عُمر الأحمسيّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: لَمّا بُعِث النبيّ صلى الله عليه وسلم أتيته، فقال: ما جاء بك؟ قلت: جئت لأسلم، فألقى إليّ كساءه، وقال:"إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه".

ص: 409

قال الحافظ: حصين فيه ضَعْف، ولو صحّ لَحُمل على المجاز؛ أي: لمّا بلغنا خبر بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو على الحذف؛ أي: لمّا بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم دعا إلى الله، ثم قَدِم المدينة، ثم حارب قريشًا وغيرهم، ثم فتح مكة، ثم وفدت عليه الوفود.

وجزم ابن عبد البرّ عنه بأنه أسلم قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بأربعين يومًا، وهو غلط، ففي "الصحيحين" عنه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: "استنصت الناس في حجة الوداع"، وجزم الواقديّ بأنه وَفَد على النبيّ صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة عشر، وأن بَعْثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وأنه وافى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم حجة الوداع من عامة.

قال الحافظ: وفيه عندي نظر؛ لأن شريكًا حَدّث عن الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن جرير، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أخاكم النجاسيّ قد مات. . ." الحديث، أخرجه الطبرانيّ، فهذا يدلّ على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر؛ لأن النجاشيّ مات قبل ذلك.

وكان جرير جميلًا، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة، وقدّمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة، وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن جرير الكوفة، وأرسله عليّ رسولًا إلى معاوية، ثم اعتزل الفريقين، وسكن قرقيسيا، حتى مات سنة إحدى، وقيل: أربع وخمسين.

ورَوَى البغوي من طريق قيس، عن جرير، قال: رآني عمر متجردًا، فقال: ما أرى أحدًا من الناس صُوِّر صورة هذا، إلا ما ذُكر من يوسف.

ومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيليّ، قال: كان طول جرير ستة أذرع.

ورَوَى الطبراني من حديث عليّ مرفوعًا: "جرير منا أهلَ البيت".

ورَوَى عنه من الصحابة أنس بن مالك، قال: كان جرير يخدمني، وهو أكبر مني، أخرجه الشيخان. انتهى من "الإصابة" مختصرًا

(1)

.

وقال في "الفتح": جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجليّ، من بني

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 475.

ص: 410

أنمار بن أراش، نُسِبوا إلى أمهم بَجِيلة، يكنى أبا عمرو، على المشهور، واختُلف في إسلامه، والصحيح أنه في سنة الوفود سنة تسع، وَوَهِم من قال: إنه أسلم قبل موت النبيّ صلى الله عليه وسلم بأربعين يومًا؛ لِمَا ثبت في "الصحيحين" أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: "استنصت الناسَ" في حجة الوداع، وذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم بأكثر من ثمانين يومًا، وكان موت جرير سنة خمسين، وقيل: بعدها. انتهى

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: جرير بن عبد الله البجليّ رضي الله عنه، وبجيلة من ولد أنمار بن نزار بن معدّ بن عبدنان، واختلف في بجيلة؛ هل هو، أب، أوأُمّ نُسبت القبيلة إليها؟ وجرير هذا: هو سيد بجيلة، ويُكنى: أبا عمرو، وقال له عمر رضي الله عنه:"ما زلت سيدًا في الجاهلية والإسلام"، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل وافدًا:"يطلُع عليكم خير ذي يَمَن، كان على وجهه مَسْحة مَلَك، فطلع جرير"

(2)

، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول فيه:"جرير بن عبد الله يوسف هذه الأمة"، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه"

(3)

.

نزل جرير رضي الله عنه الكوفة بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم، واتخذ بها دارًا، ثم تحوَّل إلى قرقيسيا، ومات بها سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: مات بالسَّراة في ولاية الضحَّاك بن قيس على الكوفة لمعاوية.

روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مائة حديث، أخرجا له منها في "الصحيحين" خمسة عشر حديثًا. انتهى

(4)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6343]

(2475) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ بَيَانٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ

(1)

"الفتح" 8/ 516 - 517.

(2)

رواه أحمد في "مسنده" 4/ 360 - 361، والحميديّ في "مسنده"(800).

(3)

رواه الحاكم في "المستدرك" 4/ 291 - 292.

(4)

"المفهم" 6/ 402 - 403.

ص: 411

يَقُولُ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ).

رجال هذا الإسناد: ستّة:

1 -

(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [10](ت 226) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.

2 -

(خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان، أبو الهيثم الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 182) وكان مولده سنة عشر ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 78/ 407.

3 -

(عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانِ) بن زكريا الواسطيّ أبو الحسن السكّريّ، صدوق [10](ت 244)(م دق) تقدم في "الإيمان" 407/ 78.

4 -

(بَيَانُ) بن بشر الأحمسيّ -بمهملتين- أبو بشر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [5](ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" 47/ 1891.

5 -

(قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ، ويقال: له رؤية، وهو الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشّرين [2] مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 475.

6 -

(جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) البجليّ الصحابيّ الشهير، تقدّمت ترجمته آنفًا.

والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6344]

(. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي، زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِه، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ: وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ:"اللَّهُمَّ ثَبتهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا").

ص: 412

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

2 -

(وَكِيعُ) بن الجزاح، تقدّم قريبًا.

3 -

(أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

4 -

(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْداني، تقدّم أيضًا قريبًا.

5 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

6 -

(إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البَجَليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [4](ت 146)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 299.

والباقون تقدموا في السند الماضي.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه قيس بن أبي حازم هو الذي اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشّرين بالجنة كلهم بلا واسطة، ولا يوجد في التابعين من اتَّفَق له ذلك غيره، على خلاف في عبد الرحمن بن عوف، وأن صحابيّه رضي الله عنه كان جميلًا، فكان يقال له: يوسف هذه الأمة.

شرح الحديث:

(عَنْ جَرِيرِ) بن عبد الله البَجَليّ رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: مَا) نافية، (حَجَبَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) قال النوويّ رحمه الله: معناه: ما منعني الدخول عليه في وقت من الأوقات. انتهى

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: يعني: أنه ما كان يحتجب منه، بل بنفس ما يَعلم النبيُّ باستئذانه تَرَك كل ما يكون فيه، وأَذِن له، مبادرًا لذلك، مبالغة في إكرامه، ولا يُفْهَم من هذا أن جريرًا كان يدخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم بيته من غير إذن؛ فإنَّ ذلك لا يصحُّ لحرمة بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولمَا يُفضي ذلك إليه من الاطلاع على ما لا يجوز، من عورات البيوت. انتهى

(2)

.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 34 - 35.

(2)

"المفهم" 6/ 403.

ص: 413

وقال في "الفتح": قوله: "ما حجبني

إلخ"؛ أي: ما منعني من الدخول إليه؛ إذا كان في بيته، فاستأذنت عليه، وليس كما حَمَله بعضهم على إطلاقه، فقال: كيف جاز له أن يدخل على أمهات المؤمنين بغير حجاب؟ ثم تكلّف في الجواب أن المراد: مجلسه المختص بالرجال، أو أن المراد بالحجاب: مَنْع ما يطلبه منه، قال الحافظ: وقوله: "ما حجبني" يتناول الجميع، مع بُعْد إرادة الأخير. انتهى

(1)

.

وقوله: (مُنْذُ أَسْلَمْتُ) ظرف لـ "حجبني".

(وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي) وفي رواية للبخاريّ: "إلا ضَحِك"، ومعنى "ضَحِك": تبسّم، كما بُيّن في هذه الرواية، وفَعَل ذلك إكرامًا، ولُطفًا، وبشاشةً، ففيه استحباب هذا اللطف للوارد، وفيه فضيلة جرير رضي الله عنه، قاله النوويّ

(2)

.

وقال القرطبيّ: هذا منه صلى الله عليه وسلم فَرَحٌ به، وبشاشة للقائه، وإعجابٌ برؤيته؛ فإنَّه كان من كَمَلة الرجال خَلْقًا، وخُلُقًا. انتهى

(3)

.

وأخرج أحمد في "مسنده"، وصححه ابن حبّان، والحاكم عن المغيرة بن شِبْل

(4)

قال: قال جرير: لَمّا دنوت من المدينة أنخت راحلتي، ثم حللت عيبتي، ثم لبست حُلّتي، ثم دخلت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فرماني الناس بالحدَق، فقلت لجليسي: يا عبد الله، ذَكَرني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ذَكَرك آنفًا بأحسن ذِكر، فبينا هو يخطب إذ عَرَضَ له في خطبته، وقال:"يدخل عليكم من هذا الباب -أو من هذا الْفَجِّ- من خير ذي يمن، ألا إن على وجهه مَسْحَة مَلَك"، قال جرير: فحمدت الله عز وجل على ما أبلاني

(5)

.

وقول: (زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير شيخه الثاني، (فِي حَدِيثِه، عَن) عبد الله (ابْنِ إِدْرِيسَ) الأوديّ، وقوله:(وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ) مفعول

(1)

"الفتح" 8/ 517، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3822).

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 35.

(3)

"المفهم" 6/ 403.

(4)

ويقال: شُبيل -بالتصغير-.

(5)

"مسند الإمام أحمد بن حنبل" 4/ 359.

ص: 414

"زاد" محكيّ؛ لِقَصْد لفظه؛ أي: شكوت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم (أَنِّي) بفتح "أنَّ"؛ لوقوعها في محلّ المفرد؛ حيث كان المصدر المؤوّل مفعولًا به لـ "شكوت"، قال في "الخلاصة":

وَهَمْزَ "إِن" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ

مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ

(لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ)؛ يعني: أنه يسقط، أو يخاف السقوط عن علي ظهورها حالة إجرائها، قاله القرطبيّ رحمه الله

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "أو يخاف السقوط

إلخ" فيه نظرٌ؛ لأن ظاهر النصّ لا يساعده، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.

(فَضَرَبَ) صلى الله عليه وسلم (بِيَدِهِ) الشريفة (فِي صَدْرِي) إنما ضربه في صدره؛ لأن فيه القلبَ، وفي حديث البراء عند الحاكم:"فشكا جرير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الْقَلَعَ، فقال: "ادن مني"، فدنا منه، فوضع يده على رأسه، ثم أرسلها على وجهه وصدره، حتى بلغ عانته، ثم وضع يده على رأسه، وأرسلها على ظهره، حتى انتهت إلى أليته، وهو يقول مثل قوله الأول"، فكان ذلك للتبرك بيده المباركة.

[فائدة]: "الْقَلَعُ بالقاف، ثمّ اللام، آخره عين مهملة، قال المجد رحمه الله: الْقَلَعُ محرّكةً مصدر قَلِعَ، كفَرِحَ قَلَعَة محرّكةً، فهو قِلْع بالكسر، وكَكَتِفٍ، وطُرْفةٍ، وهُمَزَةٍ، وجُبُنَّةٍ، وشَدّادٍ: إذا لم يثبُت على السرج، أو لم يثبُت قدمه عند الصِّرَاع، أو لم يَفهم الكلام بَلادةً. انتهى باختصار

(2)

.

(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ)؛ أي: على ظهور الخيل، وقوله:(وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا") إشارة إلى قوّة التكميل، ومَهديًّا إلى قوّة الكمال؛ أي: اجعله كاملًا مكملًا، قال ابن بطال: هو من باب التقديم والتاخير؛ لأنه لا يكون هاديًا لغيره إلا بعد أن يهتدي هو، فيكون مَهديًّا. انتهى

(3)

.

ووقع في حديث البراء أنه قال ذلك في حال إمرار يده عليه في المرتين، وزاد:"وبارك فيه، وفي ذريته"

(4)

.

(1)

"المفهم" 6/ 403 - 404.

(2)

"القاموس المحيط" ص 1085.

(3)

"عمدة القاري" 14/ 269.

(4)

"الفتح" 9/ 496، كتاب "المغازي" رقم (4357).

ص: 415

وقال القرطبيّ رحمه الله: دعا له النبيّ صلى الله عليه وسلم بأكثر مما طلب بالثبوت مطلقًا، وبأن يجعله هاديًا لغيره، ومهديًّا في نفسه، فكان كل ذلك، وظهر عليه جميع ما دعا له به، وأول ذلك أنه نَفَر في خمسين ومئة فارس لذي الْخَلَصة، فحرّقها، وعَمِل فيها عملًا لا يعمله خمسة آلاف، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لذي الكلاع، وذي رُعَيْن، وله المقامات المشهورة. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله البجليّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [29/ 6343 و 6344](2475)، و (البخاريّ) في "الجهاد"(3035 و 3036) و"فضائل الصحابة"(3822) و"الأدب"(6069 و 6090)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3822) وفي "الشمائل"(230 - 231)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 82 و 183 و 204 و 6/ 134)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة"(159)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7201)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(2254)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل جرير بن عبد الله البجليّ رضي الله عنه.

2 -

(ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من حُسن الخُلق، وطِيْب المعاملة للناس حسب درجاتهم، فكان يُكرم كريم قوم، ويزيده كرامة على كرامته، فلما كان جرير رضي الله عنه شريفًا في قومه خصّه بمزايا اللطف والإكرام، فكان لا يحجبه إذا جاءه، ويتبسّم في وجهه إذا رآه.

3 -

(ومنها): بيان أن الرجل الوجيه في قومه له حرمة ومكانة على من هو دونه؛ لأن جريرًا رضي الله عنه كان سيد قومه، وقد تقدّم في "المقدّمة" حديث عائشة رضي الله عنها قالت:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزّل الناس منازلهم"، والحديث وإن كان فيه انقطاع، إلا أن مسلمًا ذكره في موضع الاحتجاج، ولعله صحّ

(1)

"المفهم" 6/ 404.

ص: 416

عنده، وقد سبق البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

4 -

(ومنها): بيان أن لقاء الناس بالتبسم، وطلاقة الوجه، من أخلاق النبوة، وهو مناف للتكبر، وجالب للمودة.

5 -

(ومنها): فضل الفُروسية، وأحكام ركوب الخيل، فإن ذلك مما ينبغي أن يتعلمه الرجل الشريف والرئيس.

6 -

(ومنها): أنه لا بأس للإمام، أو للعالم إذا أشار إليه إنسان في مخاطبة، أو غيرها أن يضع عليه يده، ويضرب بعض جسده، وذلك من التواضع، واستمالة النفوس.

7 -

(ومنها): بيان معجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم حيث دعا لجرير رضي الله عنه بالثبوت على الخيل، فما أصابه بعد ذلك سقوط، ولا ميل، كما جاء في الحديث، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6345]

(2476) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْن بَيَانٍ، أَخبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْخَلَصَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ، وَالشَّامِيَّةِ؟ "، فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ أَحْمَسَ، فَكَسَرْنَاهُ، وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَا لنَا وَلأَحْمَسَ).

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الذي تقدّم قبل حديث.

وقوله: (وَكانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ) قال النوويّ رحمه الله: وفي بعض النُّسخ: "الكعبة اليمانية، الكعبة الشامية" بغير واو، وهذا اللفظ فيه إيهام، والمراد: أن ذا الخلصة كانوا يسمّونها الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التي بمكة تسمى الكعبة الشامية، ففرّقوا بينهما للتمييز، هذا هو المراد، فيتأول اللفظ عليه، وتقديره: يقال له: الكعبة اليمانية، ويقال للتي بمكة: الشامية، وأما من رواه:"الكعبة اليمانية، الكعبة الشامية" بحذف الواو، فمعناه: كان يقال هذان اللفظان، أحدهما لموضع، والآخر للآخر،

ص: 417

وأما قوله: "هل أنت مريحي من ذي الخلصة، والكعبة اليمانية، والشامية"، فقال القاضي عياض: ذِكر الشامية وَهَمٌ، وغَلَط من بعض الرواة، والصواب حَذْفه، وقد ذكره البخاريّ بهذا الإسناد، وليس فيه هذه الزيادة والوهم. انتهى كلام القاضي رحمه الله.

وتعقّبه النوويّ، فقال بعد ذِكره: وليس بجيّد، بل يمكن تأويل هذا اللفظ، ويكون التقدير: هل أنت مريحي من قولهم: الكعبة اليمانية، والشامية، ووجودِ هذا الموضع الذي يلزم منه هذه التسمية؟ انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل الذي ذكره النوويّ رحمه الله تأويل حسنٌ، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك، قريبًا، فتنبّه.

والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه مستوفًى في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ، فتنبّه.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6346]

(. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا جَرِيرُ ألَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ "، بَيْتٍ لِخَثْعَمَ، كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَة، قَالَ: فَنَفَرْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ، وَكُنْتُ لَا أثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا"، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَحَرَّقَهَا بِالنَّار، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يُبَشِّرُهُ، يُكْنَى أبا أَرْطَاةَ مِنَّا، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ: مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا، كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، فَبَرَّكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ، وَرِجَالِهَا، خَمْسَ مَرَّاتٍ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم في الباب الماضي.

2 -

(جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هو: ابن راهويه، الحنظليّ.

ص: 418

شرح الحديث:

(عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ) -بفتح الباء الموحّدة، والجيم-: نسبة إلى قبيلة بَجِيلة، وهو ابن أنمار بن إِراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث، وقيل: إن بَجِيلة اسم أمّهم، وهي من سعد العشيرة، وأختها باهلة، ولدتا قبيلتين عظيمتين، نزلت الكوفة، قاله في "اللباب"

(1)

.

(قَالَ) جرير رضي الله عنه: (قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا جَرِيرُ أَلا) -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام- معناها هنا: العَرْض، والتحضيض، وتختص بالجملة الفعلية

(2)

. (تُرِيحُنِي) بضمّ حرف المضارعة، من الإراحة، بالراء والحاء المهملة، قاله في "العمدة".

وقال في "الفتح": قوله: "ألا تُريحني" هو بتخفيف اللام، طَلَبٌ يتضمن الأمر، وخَصَّ جريرًا بذلك؛ لأنها كانت في بلاد قومه، وكان هو من أشرافهم، والمراد بالراحة: راحة القلب، وما كان شيء أتعب لقلب النبيّ صلى الله عليه وسلم من بقاء ما يُشْرَك به من دون الله تعالى.

وروى الحاكم في "الإكليل" من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: "قَدِم على النبيّ صلى الله عليه وسلم مائة رجل من بني بَجِيلة، وبني قُشير جرير بن عبد الله

(3)

، فسأله عن بني خثعم، فأخبره أنهم أبَوْا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامّة من كان معه، ونَدَب معه ثلاثمائة من الأنصار، وأَمَرَه أن يسير إلى خثعم، فيدعوهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قَبِل منهم، وهَدَم صنمهم ذا الخلصة، وإلا وَضَع فيهم السيف"

(4)

.

(مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟) -بفتح الخاء المعجمة، واللام، بعدها مهملة- وحَكَى ابن دُريد فتح أوله، وإسكان ثانية، وحَكَى ابن هشام ضمّها، وقيل:

(1)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 1/ 121.

(2)

"عمدة القاري" 14/ 269.

(3)

هكذا نسخة "الفتح": والظاهر أن فيه سقطًا، مثل: منهم جرير بن عبد الله، أو نحو ذلك، فليُحرّر.

(4)

"الفتح" 9/ 494، كتاب "المغازي" رقم (4355).

ص: 419

بفتح أوله، وضمّ ثانية، والأول أشهر، والخلصة: نبات له حَبّ أحمر، كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة، واسم الصنم ذو الخلصة، وحَكَى المبرّد أن موضع ذي الخلصة صار مسجدًا جامعًا لبلدة، يقال لها العبلات، من أرض خثعم، ووَهِم من قال: إنه كان في بلاد فارس، قاله في "الفتح"

(1)

.

وقال في "العمدة": "الخلصة" بالخاء المعجمة، وباللام، وبالصاد المهملة المفتوحات، وقيل: بسكون اللام، وقيل: بضم الخاء، وسكون اللام، وهو اسم لذلك البيت، وقيّده أبو الوليد الوَقْشيّ بفتح الخاء، وإسكان اللام، وضَبَطه الدمياطي بخطه بفتحهما، وقال ابن الأثير: ذو الخلصة طاغيةٌ كانت لدوس، يعبدونها، وقيل: هو بيت كان لخثعم، يسمى الكعبة اليمانية، وهو الذي خَرَّبه جرير بن عبد الله البجليّ، بعثه إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى

(2)

.

(بَيْتٍ لِخَثْعَمَ) بخاء معجمة، ومثلّثة، وزانُ جعفر: قبيلة شهيرة، ينتسبون إلى خثعم بن أنمار، بفتح أوله، وسكون النون؛ أي: ابن إراش، بكسر أوله، وتخفيف الراء، وفي آخره معجمة، ابن عَنَز، بفتح المهملة، وسكون النون، بعدها زاي؛ أي: ابن وائل، ينتهي نسبهم إلى ربيعة بن نزار، إخوة مُضَر بن نزار، جدّ قريش.

وقد وقع ذِكر ذي الخلصة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الشيخين في "كتاب الفتن" مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة"، وكان صنمًا تعبده دوس في الجاهلية.

قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه غير المراد في حديث الباب، وإن كان السُّهيليّ يشير إلى اتحادهما؛ لأن دوسًا قبيلة أبي هريرة، وهم ينتسبون إلى دوس بن عُدْثان، بضم المهملة، وبعد الدال الساكنة مثلثة، ابن عبد الله بن زهران، ينتهي نَسَبهم إلى الأزد، فبينهم وبين خثعم تباين في النسب، والبلد.

وذكر ابن دحية أن ذا الخلصة المراد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه كان

(1)

"الفتح" 9/ 494، كتاب "المغازي" رقم (4355).

(2)

"عمدة القاري" 14/ 269.

ص: 420

عمرو بن لُحَيّ قد نصبه أسفل مكة، وكانوا يلبسونه القلائد، ويجعلون عليه بَيض النعام، ويذبحون عنده، وأما الذي لخثعم، فكانوا قد بنوا بيتًا يضاهون به الكعبة، فظهر الافتراق، وقَوِيَ التعدد، والله أعلم. انتهى

(1)

.

(كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ) قال النوويّ رحمه الله:

(2)

: هكذا هو في جميع النسخ، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، وأجازه الكوفيون، وقدّر البصريون فيه حذفًا؛ أي: كعبة الجهة اليمانية، واليمانية بتخفيف الياء على المشهور، وحُكِي تشديدها، وسبق إيضاحه غير مرة.

وفي الرواية التي قبل هذه: "وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ"، قال في "الفتح": كذا فيه، قيل: وهو غلط، والصواب:"اليمانية" فقط، سَمَّوها بذلك مضاهاة للكعبة، والكعبة البيت الحرام بالنسبة لمن يكون جهة اليمن شامية، فسَمُّوا التي بمكة شامية، والتي عندهم يمانية، تفريقًا بينهما.

قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الذي في الرواية صواب، وأنها كان يقال لها: اليمانية باعتبار كونها باليمن، والشامية باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام، وقد حَكَى عياض أن في بعض الروايات:"والكعبة اليمانية الكعبة الشامية" بغير واو، قال: وفيه إيهام، قال: والمعنى: كان يقال لها تارة هكذا، وتارة هكذا، وهذا يُقَوِّي ما قلته، فإن إرادة ذلك مع ثبوت الواو أَولى.

وقال غيره: قوله: "والكعبة الشامية" مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: هي التي بمكة، وقيل: الكعبة مبتدأ، والشامية خبره، والجملة حال، والمعنى: والكعبة هي الشامية لا غير.

قال: وحَكَى السهيليّ عن بعض النحويين أن "له" زائدة، وأن الصواب كان يقال: الكعبة الشامية؛ أي: لهذا البيت الجديد، والكعبة اليمانية؛ أي: للبيت العتيق، أو بالعكس، قال السهيليّ: وليست فيه زيادة، وإنما اللام بمعنى "من أجل"؛ أي: كان يقال من أجله: الكعبة الشامية، والكعبة اليمانية؛ أي:

(1)

"الفتح" 9/ 494، كتاب "المغازي" رقم (4355).

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 36.

ص: 421

إحدى الصفتين للعتيق، والأخرى للجديد. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا التوجيه الأخير الذي ذكره السهيليّ أَولى وأرجح، وحاصله: أن من أجل وجود ذلك البيت أحدثوا اسمين، أحدهما: الكعبة الشاميّة، وهو اسم للكعبة الشريفة، والثاني: الكعبة اليمانيّة، وهو اسم لبيت الصنم المذكور، فعلى هذا فلا غلط في الرواية، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.

(قَالَ) جرير رضي الله عنه: (فَنَفَرْتُ)؛ أي: خرجت مسرعًا للقتال (فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ) ولفظ البخاريّ: "في مائة وخمسين راكبًا"، زاد في رواية:"وكانوا أصحاب خيل"؛ أي: يثبتون عليها، لقوله بعده:"وكنت لا أثبت على الخيل"، ووقع في رواية ضعيفة في الطبرانيّ:"أنهم كانوا سبعمائة"، قال الحافظ: فلعلها إن كانت محفوظةً يكون الزائد رجّالةً، وأتباعًا، قال: ثم وجدت في "كتاب الصحابة" لابن السكن أنهم كانوا أكثر من ذلك، فذكر عن قيس بن غَرَبة الأحمسي أنه وَفَد في خمسمائة، قال: وقَدِم جرير في قومه، وقَدِم الحجاج بن ذي الأعين في مائتين، قال: وضُمّ إلينا ثلاثمائة من الأنصار، وغيرهم، فغزونا بني خثعم، فكأن المائة والخمسين هم قوم جرير، وتكملة المائتين أتباعهم، وكأن الرواية التي فيها سبعمائة مَن كان من رهط جرير، وقيس بن غربة؛ لأن الخمسين كانوا من قبيلة واحدة، وغَرَبة بفتح المعجمة، والراء المهملة، بعدها موحّدة، ضَبَطه الأكثر. انتهى.

وقوله: (وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا") قد تقدّم شرحه، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق.

(قَالَ) قيس بن أبي حازم راويًا عن جرير: (فَانْطَلَقَ) جرير (فَحَرَّقَهَا)؛ أي: حرّق الخلصة بيت الصنم (بِالنَّار، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يُبَشِّرُهُ) بتحريقهم المذكور، (يُكْنَى) بضمّ أوله، وتخفيف النون، أو تشديدها، مبنيًّا للمفعول، مضارع كنى مخفّفًا، أو أكنى، أو كنّى مشدّدًا. (أَبَا أَرْطَاةَ) بفتح

(1)

"الفتح" 9/ 494، كتاب "المغازي" رقم (4355).

ص: 422

الهمزة، وقوله:(مِنَّا)؛ أي: أحمس، ولفظ البخاريّ:"ثم بعث جرير رجلًا من أحمس، يُكنى أبا أرطاة"، بفتح الهمزة، وسكون الراء، بعدها مهملة، وبعد الألف هاء تأنيث، واسم أبي أرطاة هذا: حُصين بن ربيعة، وقع مسمى في الرواية التالية عند مسلم، ولبعض رواته: حُسين بسين مهملة، بدل الصاد، وهو تصحيف، ومنهم من سمّاه: حِصْنًا، بكسر أوله، وسكون ثانية، وقلبه بعض الرواة، فقال: ربيعة بن حصين، ومنهم من سمّاه: أرطاة، والصواب: أبو أرطاة، حُصين بن ربيعة، وهو ابن عامر بن الأزور، وهو صحابيّ بَجَليّ، قال الحافظ: لم أر له ذِكرًا إلا في هذا الحديث. انتهى

(1)

.

(فَأتَى) أبو أرطاة رضي الله عنه (رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ: مَا) نافية، (جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا، كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ) بالجيم، والموحّدة، هو كناية عن نزع زينتها، وإذهاب بهجتها، وقال الخطابيّ: المراد أنها صارت مثل الجمل المطليّ بالقطران من جَرَبه، إشارةٌ إلى أنها صارت سوداء؛ لِمَا وقع فيها من التحريق.

ووقع لبعض الرواة، وقيل: إنها رواية مُسَدَّد: "أجوف" بواو بدل الراء، وفاء بدل الموحّدة، والمعنى: أنها صارت صورةً بغير معنى، والأجوف: الخالي الجوف مع كِبَره في الظاهر.

ووقع لابن بطال معنى قوله: "أجرب"؛ أي: أسود، ومعنى قوله:"أجوف"؛ أي: أبيض، وحكاه عن ثابت السرقسطيّ، وأنكره عياض، وقال: هو تصحيف، وإفساد للمعنى، كذا قال.

قال الحافظ: فإن أراد إنكار تفسير أجوف بأبيض فمقبول؛ لأنه يضادّ معنى الأسود، وقد ثبت أنه حرّقها، والذي يُحرق يصير أثره أسود، لا محالة فيه، فكيف يوصف بكونه أبيض؟ وإن أراد إنكار لفظ أجوف، فلا إفساد فيه، فإن المراد أنه صار خاليًا، لا شيء فيه، كما قررته. انتهى

(2)

.

(فَبَرَّكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) بتشديد الراء؛ أي: دعا بالبركة، وفي رواية ابن حبّان:"اللَّهُمَّ بارك في خيل أحمس، ورجالها". (عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ) بمهملتين

(1)

"الفتح" 9/ 497، كتاب، (المغازي" رقم (4355).

(2)

"الفتح" 9/ 497، كتاب "المغازي" رقم (4355).

ص: 423

وزانُ أحمر، وهم إخوة بَجِيلة، بفتح الموحّدة، وكسر الجيم، رهط جرير رضي الله عنه، ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار، وبجيلة امرأة نُسبت إليها القبيلة المشهورة، ومدارُ نَسَبِهم أيضًا على أنمار.

وفي العرب قبيلة أخرى يقال لها: أحمس ليست مرادةً هنا، ينتسبون إلى أحمس بن ضُبيعة بن ربيعة بن نزار

(1)

.

(وَرِجَالِهَا)؛ أي: ودعا لرجال أحمس (خَمْسَ مَرَّاتٍ) ولعل كونه خمسًا مع أنه كان إذا دعا دعا ثلاثًا، كما في حديث أنس رضي الله عنه، مبالغة، وتخصيصًا لأحمس حيث قاموا بدحض الكفر، وإزالة آثاره، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله البجليّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [29/ 6345 و 6346 و 6347](2476)، و (البخاريّ) في "الجهاد"(3030) و"مناقب الأنصار"(3823) و"المغازي"(4355 و 4356 و 4357) و"الدعوات"(6333)، و (أبو داود) في "الجهاد"(3772)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7202)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(2252 و 2253 و 2255 و 2256 و 2257)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(9/ 174)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(ومنها): بيان مناقب جرير رضي الله عنه، وقومه.

2 -

(ومنها): بيان بركة يد النبيّ صلى الله عليه وسلم ودعائه، وأنه كان يدعو وترًا، وقد يجاوز الثلاث، وفيه تخصيص لعموم قول أنس:"وكان إذا دعا دعا ثلاثًا"، رواه مسلم، فيُحْمَل على الغالب، وكأن الزيادة لمعنى اقتضى ذلك، وهو ظاهر في أحمس؛ لِمَا اعتمدوه منِ دَحْض الكفر، ونَصْر الإسلام، ولا سيما مع القوم الذين هم منهم.

(1)

"عمدة القاري" 18/ 11.

ص: 424

3 -

(ومنها): بيان مشروعية إزالة ما يَفتتن به الناس، من بناء وغيره، سواء كان إنسانًا، أو حيوانًا، أو جمادًا.

4 -

(ومنها): مشروعيّة استمالة نفوس القوم بتأمير من هو منهم، والاستمالة بالدعاء لهم، والثناء عليهم.

5 -

(ومنها): استحباب إرسال البشير بالفتوح ونحوها.

6 -

(ومنها): بيان فضل ركوب الخيل في الحرب.

7 -

(ومنها): قبول خبر الواحد.

8 -

(ومنها): المبالغة في نكاية العدوّ، وفيه النكاية بآثار الباطل، والمبالغة في إزالته، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6347]

(. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ -يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ- (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ فِي حَدِيثِ مَرْوَانَ:"فَجَاءَ بَشِيرُ جَرِيرٍ، أَبُو أَرْطَاةَ، حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ، يُبَشِّرُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم".

رجال هذا الإسناد: عشرة:

1 -

(ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير المذكور قبل حديثين.

2 -

(أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.

3 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [10](ت 234)(خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 4/ 19.

4 -

(سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين.

5 -

(ابْن أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدني، ثمّ المكيّ، تقدّم قريبًا.

6 -

(مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ودمشق، ثقةٌ حافظٌ، وكان يدلس أسماء الشيوخ [8](ت 193) تقدم في "الإيمان" 8/ 138.

ص: 425

7 -

(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد الله النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب.

وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ) ضمير الجماعة للخمسة المذكورين، وهم: وكيع، وعبد الله بن نمير، وسفيان بن عيينة، ومروان الفزاريّ، وأبو أسامة حمّاد بن أُسامة، فكلهم رووا هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه.

وقوله: (فَجَاءَ بَشِيرُ جَرِيرٍ، أَبُو أَرْطَاةَ، حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ، يُبَشِّرُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) قال النوويّ رحمه الله: هكذا هو في بعض النُّسخ: "حُصين" بالصاد، وفي أكثرها:"حُسين" بالسين، وذَكَر القاضي الوجهين، قال: والصواب الصاد، وهو الموجود في نسخة بن ماهان. انتهى

(1)

.

[تنبيه]: رواية وكيع بن الجرّاح عن إسماعيل بن أبي خالد ساقها ابن أبي شيبة رحمه الله في "مصنّفه"، فقال:

(33154)

- حدّثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تريحني من ذي الخلصة؟، بيت كان لخثعم، كانت تعبده في الجاهلية، يسمى كعبة اليمانية، قال: فخرجت في خمسين ومائة راكب، قال: فحرقناها حتى جعلناها مثل الجمل الأجرب، قال: بعث جرير رجلًا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يبشر، فلما قَدِم عليه، قال: والذي بعثك بالحقّ ما أتيتك حتى تركناها مثل الجمل الأجرب، قال: فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحمس، خيلها، ورجالها، خمس مرات. انتهى

(2)

.

وأما رواية ابن نُمير عن إسماعيل فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

وأما رواية سفيان بن عيينة، عن إسماعيل، فساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:

(5974)

- حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس، قال: سمعت جريرًا قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تُريحني من ذي

(1)

شرح النوويّ" 16/ 37.

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة" 6/ 486.

ص: 426

الخلصة؟ "، وهو نُصُب كانوا يعبدونه، يسمى الكعبة اليمانية، قلت: يا رسول الله إني رجل لا أثبت على الخيل، فصَكّ في صدري، فقال: "اللَّهُمَّ ثَبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا"، قال: فخرجت في خمسين من أحمس، من قومي، وربما قال سفيان: فانطلقت في عُصبة من قومي، فأتيتها، فأحرقتها، ثم أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، والله ما أتيتك حتى تركتها مثل الجمل الأجرب، فدعا لأحمس، وخيلها. انتهى

(1)

.

وأما رواية مروان الفزاريّ، فساقها الطبرانيّ رحمه الله في "المعجم الكبير" مقرونًا بسفيان، فقال:

(2253)

- حدّثنا أبو خليفة، ثنا إبراهيم بن بشار الرماديّ، ثنا سفيان، ومروان بن معاوية، قالا: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمع قيس بن أبي حازم، سمع جريرًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تكفيني ذا الخلصة؟ "، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني رجل لا أثبت على الخيل، فصَكّ في صدري، وقال:"اللَّهُمَّ اجعله هاديًا مهديًّا"، قال: فخرجت إليها في خمسين من قومي، فحرّقتها بالنار، فرجعت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أتيتك حتى تركتها مثل الجمل الأجرد، فدعا لأحمس، خيلها، ورجالها، ثلاثًا". انتهى

(2)

.

وأما رواية أبي أسامة، عن إسماعيل، فقد ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:

(4099)

- حدّثنا يوسف بن موسى، أخبرنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تُريحني من ذي الخلصة؟ " فقلت: بلى، فانطلقت في خمسين ومائة فارس، من أحمسَ، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فضرب يده على صدري، حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال:"اللَّهُم ثَبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا"، قال: فما وقعت عن فرس بعدُ، قال: وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعم، وبَجِيلة، فيه نُصُب تُعْبَد، يقال له: الكعبة، قال: فأتاها، فحرّقها بالنار، وكسرها، قال: ولمّا قَدِم جرير اليمن، كان بها

(1)

"صحيح البخاريّ" 5/ 2333.

(2)

"المعجم الكبير" للطبرانيّ 2/ 300.

ص: 427

رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ها هنا، فإن قَدَر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضرب بها؛ إذ وقف عليه جرير، فقال: لتكسرنّها، ولتشهدن أن لا إله إلا الله، أو لأضربنّ عنقك، قال: فكسرها، وشَهِد، ثم بعث جرير رجلًا من أحمس، يكنى أبا أرطأة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يبشّره بذلك، فلما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي بعثك بالحقّ ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فَبَرّك النبيّ صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس، ورجالها، خمس مرات. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(30) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما

-)

هو: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشيّ الهاشميّ، أبو العباس، ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمه أم الفضل، لبابة بنت الحارث الهلالية، وُلد وبنو هاشم بالشِّعْب قبل الهجرة بثلاث، وقيل: بخمس، والأول أثبت، وهو يقارب ما في "الصحيحين" عنه:"أقبلت، وأنا راكب على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار. . ." الحديث، وفي "الصحيح" عن ابن عباس:"قُبِض النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا خَتين"، وفي رواية:"وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرك"، وفي طريق أخرى:"قُبض وأنا ابن عشر سنين"، وهذا محمول على إلغاء الكسر.

وروى الترمذيّ من طريق ليث، عن أبي جهضم، عن ابن عباس؛ أنه رأى جبرائيل عليه السلام مرتين.

وفي "الصحيح" عنه: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ضمّه إليه، وقال: اللَّهُمَّ علِّمه الحكمة"، وكان يقال له: حبر العرب، ويقال: إن الذي لقّبه بذلك جرجير ملِك المغرب، وكان قد غزا مع عبد الله بن أبي سرح إفريقية، فتكلم مع جرجير،

(1)

"صحيح البخاريّ" 4/ 1583.

ص: 428

فقال له: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، ذكر ذلك ابن دريد في "الأخبار المنثورة" له.

وقال الواقديّ: لا خلاف عند أئمتنا أنه وُلد بالشِّعب حين حَصَرت قريشٌ بني هاشم، وإنه كان له عند موت النبيّ صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنةً.

وروى أبو الحسن المدائني عن سُحيم بن حفص، عن أبي بكرة قال: قَدِم علينا ابن عباس البصرة، وما في العرب مثله جسمًا وعلمًا وثيابًا وجمالًا وكمالًا.

قال ابن يونس: غزا إفريقية مع عبد الله بن سعد سنة سبع وعشرين، وقال ابن منده: كان أبيض طويلًا مُشَرَّبًا صفرة، جسيمًا، وَسِيمًا، صَبيح الوجه، له وَفْرة، يخضب بالحناء.

وساق الزبير بن بكّار بسند له إلى موسى بن عقبة، عن مجاهد أن ابن عباس مات بالطائف، فصلى عليه ابن الحنفية، فجاء طائر أبيض، فدخل في أكفانه، فما خرج منها، فلما سُوِّي عليه التراب قال ابن الحنفية: مات والله اليوم حبر هذه الأمة.

وأخرج يعقوب بن سفيان، من طريق عبد الله بن يامين، أخبرني أبي، أنه لمّا مُرّ بجنازة عبد الله بن عباس جاء طائر أبيض، يقال له الغرنوق، فدخل في النعش، فلم يُرَ بعدُ، وأخرج ابن سعد، من طريق يعلى بن عطاء، عن بجير بن عبد الله قال: لمَّا خرج نعش ابن عباس جاء طائر أبيض، عظيم من قِبَل وَجّ حتى خالط أكفانه، فلم يُدر أين ذهب؟ فكانوا يَرَوْن أنه عِلمه.

وقال الحسن بن عرفة في "جزئه": حدّثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: مات ابن عباس بالطائف، فشهدت جنازته، فجاء طائر أبيض، لم يُرَ على خِلقته، فدخل في نعشه، ولم يُرَ خارجًا منه، فلما دُفِن تُليت هذه الآية:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 27 - 28] إلى آخر السورة.

وفي وفاته أقوال: سنة خمس وستين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وهو الصحيح في قول الجمهور.

وقال المدائنيّ عن حفص بن ميمون، عن أبيه: تُوُفِّي عبد الله بن عباس

ص: 429

في الطائف، فجاء طائر أبيض، فدخل بين النعش والسرير، فلمّا وُضع في قبره سمعنا تاليًا يتلو:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27)} الآية، واتفقوا على أنه مات بالطائف سنة ثمان وستين، واختلفوا في سنّه، فقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن اثنتين، وقيل: ابن أربع، والأول هو الأقوى، ذَكَره في "الإصابة"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم، يُكنى: أبا العباس. وُلد في الشِّعب، وبنو هاشم محصورون فيه، قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، واختُلِف في سِنِّه، يوم موت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة، رواه سعيد بن جبير عنه، وقيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة، وقال ابن عباس: إنه كان في حجَّة الوداع قد ناهز الاحتلام، ومات عبد الله بالطائف سنة ثمان وستين، في أيام ابن الزبير؛ لأنَّه أخرجه من مكة، وتُوُفِّي ابن عباس، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن أربع وسبعين، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات ربانيّ هذه الأمة، وضَرب على قبره فسطاطًا

(2)

، ويروى عن مجاهد عنه أنه قال: رأيت جبريل عند النبيّ صلى الله عليه وسلم مرتين، ودعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين، وقال ابن مسعود رضي الله عنه فيه: نِعم تُرجمان القرآن ابن عباس، وكان عمر رضي الله عنه يقول: فتى الكهول، لسان سَؤول، وقلب عَقول، وقال مسروق: كنتُ إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا تكلَّم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدَّث قلت: أعلم الناس، وكان يُسمى البحر: لغزارة علمه، والحبر: لاتساع حفظه، ونفوذ فهمه، وكان عمر رضي الله عنه يقرّبه، ويُدنيه؛ لجودة فهمه، وحسن تأتِّيه.

وجملة ما رَوَى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف حديث وستمئة وستين

(3)

، أُخرج

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 4/ 141 - 151.

(2)

قال الجامع: هذا ما أظنه صحيحًا؛ لأن ابن الحنفيّة كان من أهل العلم، وضَرْب الفسطاط على القبر مُحْدَث، ليس من الشريعة، بل هو مخالف لِمَا جاء به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فليُتنبّه.

(3)

ذُكر أن لابن عبّاس رضي الله عنهما في "مسند بقيّ بن مخلد"(1696) حديثًا.

ص: 430

له في "الصحيحين" مائتا حديث وأربعة وثلاثون حديثًا. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6348]

(2477) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْر، قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَى الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: "مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ "، فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: قَالُوا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قُلْتُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.

2 -

(أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، اسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [11](ت 245)(م ت س) تقدم في "المقدمة" 6/ 36.

[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله: قوله: "وأبو بكر بن النضر" هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: "أبو بكر بن النضر"، وكذا نقله القاضي عن جمهور رواة "صحيح مسلم"، وفي نسخة العذريّ:"أبو بكر بن أبي النضر"، قال: وكلاهما صحيح، هو أبو بكر بن النضر بن أبي النضر هاشم بن القاسم، سماه الحاكم "أحمد"، وسمّاه الكلاباذي "محمدًا"، هذا ما ذكره القاضي، وقال النوويّ: وممن قال اسمه أحمد: عبد الله بن أحمد الدَّورقيّ، وقال السرّاج: سألته عن اسمه، فقال: اسمي كنيتي، وهذا هو الأشهر، ولم يذكر الحاكم أبو أحمد في كتابه "الكنى" غيره، والمشهور فيه أبو بكر بن أبي النضر. انتهى

(2)

.

3 -

(هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، أبو النضر، مشهور بكنيته، ولقبُهُ قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [9](ت 207) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع) تقدم في المقدمة" 6/ 36.

4 -

(وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ) أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوق، في حديثه عن منصور لِينٌ [7](ع) تقدم في "الصلاة" 31/ 999.

(1)

"المفهم" 6/ 455 - 406.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 37.

ص: 431

[تنبيه]: قوله: (الْيَشْكُرِيُّ) بفتح الياء، وسكون الشين، وضمّ الكاف، بعدها راء: نسبة إلى يشكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة، وهو أخو بكر وتغلب ابني وائل، وقيل: هو يشكر بن بكر بن وائل، وهو أصحّ، قاله ابن الكلبيّ، وأبو عبيدة، والمبرد

(1)

.

5 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقةٌ، كثير الحديث [4](ت 126) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في "الصيام" 21/ 2662.

6 -

(ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر رضي الله عنهما، تقدّم قبل باب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع، وفيه ابن عبّاس رضي الله عنهما حبر الأمة، وبحرها، وقد سبق القول فيه قريبًا.

شرح الحديث:

(عَن وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ الْيَشْكُرِيِّ)، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ أَبِي يَزيدَ) المكيِّ، لا يُعرف اسم أبيه، (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أتى الْخَلَاءَ) وفي رواية البخاريّ:"دخل الخلاء"، و"الخلاء" بالمدّ: حقيقته المكان الخالي، ثم استعمل في المكان المعدّ لقضاء الحاجة مجازًا، قاله في "الفتح"

(2)

.

وقال الفيّوميّ رحمه الله: الخلاء بالمدّ مثلُ الفضاء، والْخَلَاءُ أيضًا: الْمُتوضَّأُ. انتهى

(3)

.

(فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بفتح الواو؛ أي: ماءً ليتوضّأ به، وقيل: يَحتمل أن يكون ناوله إياه ليستنجي به، وفيه نَظَر، قاله في "الفتح"

(4)

. (فَلَمَّا خَرَجَ) من الخلاء (قَالَ: "مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ ")"من" استفهاميَّة؛ أي: أي شخص وضع هذا الماء؛ (فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ)؛ أي: ابن حرب شيخه الأول، (قَالُوا)؛ أي: الناس

(1)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 3/ 413.

(2)

"الفتح" 1/ 423.

(3)

"المصباح المنير" 1/ 181.

(4)

"الفتح" 1/ 423، كتاب "الوضوء" رقم (143).

ص: 432

الحاضرون عند السؤال، وفي رواية أحمد، وابن حبان من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أن ميمونة هي التي أخبرته بذلك، وأن ذلك كان في بيتها ليلًا، ولعل ذلك كان في الليلة التي بات ابن عباس فيها عندها؛ ليرى صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما سبق في موضعه.

وقد أخرج أحمد من طريق عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس في قيامه خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل، وفيه:"فقال لي: ما بالك أجعلك حِذائي، فتَخْلُفني؟ فقلت: أوَ ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فدعا لي أن يزيدني الله فهمًا وعلمًا"

(1)

.

(وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ)؛ أي: ابن النضر شيخه الثاني، (قُلْتُ) ففيه أن جواب السؤال لابن عبّاس، وقوله:(ابْنُ عَبَّاسٍ) فاعل لفعل مقدّر دلّ عليه السؤال؛ أي: وَضَعه ابن عبّاس، وعلى رواية "قلت" يكون فيه التفات؛ إذ الأصل أن يقول:"أنا". (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("اللَّهُمَّ فَفهْهُ") زاد في رواية البخاريّ: "في الدين"، وفي رواية للبخاريّ:"اللَّهُمَّ علّمه الكتاب"، والمراد بالكتاب: القرآن؛ لأن العُرف الشرعيّ عليه، والمراد بالتعليم ما هو أعمّ من حِفظه، والتفهم فيه.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "اللَّهُمَّ فقهه" هنا انتهى حديث مسلم، وقال البخاري:"اللَّهُمَّ فقِّهه في الدين"، وفي رواية قال:"ضمّني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: اللَّهُمَّ علّمه الكتاب"، قال أبو عمر: وفي بعض الروايات: "اللهُمَّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل"، قال: وفي حديث آخر: "اللَّهُمَّ بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين"، وفي حديث آخر:"اللَّهُمَّ زده علمًا، وفقهًا"، قال: وكلها حديث صحيح. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح": ووقع في رواية مسدّد: "الحكمة" بدل "الكتاب"، وذَكَر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرُق كلها، عن خالد الحذّاء، قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظرٌ؛ لأن البخاريّ أخرجه أيضًا من حديث وُهيب، عن خالد بلفظ:"الكتاب" أيضًا، فيُحْمَل على أن المراد بالحكمة أيضًا: القرآن، فيكون بعضهم رواه بالمعنى.

(1)

"الفتح" 1/ 423.

(2)

"المفهم" 6/ 406.

ص: 433

وللنسائيّ، والترمذيّ من طريق عطاء، عن ابن عباس، "قال: دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أوتي الحكمة مرتين"، فيَحْتَمِل تعدّد الواقعة، فيكون المراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: السُّنَّة، ويؤيده أن في رواية عبيد الله بن أبي يزيد التي قدّمناها عند الشيخين: "اللَّهُمَّ فقّهه في الدين"، لكن لم يقع عند مسلم: "في الدين".

وذكر الحميديّ في الجمع أن أبا مسعود ذَكَره في "أطراف الصحيحين" بلفظ: "اللَّهُمَّ فقّهه في الدّين، وعلمه التأويل"، قال الحميديّ: وهذه الزيادة ليست في "الصحيحين".

قال الحافظ: وهو كما قال، نَعَم هي في رواية سعيد بن جبير التي قدّمناها عند أحمد، وابن حبان، والطبرانيّ، ورواها ابن سعد من وجه آخر، عن عكرمة مرسلًا.

وأخرج البغويّ في "معجم الصحابة" من طريق زيد بن أسلم، عن ابن عمر:"كان عمر يدعو ابن عباس، وبقرّبه، وبقول: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاك يومًا، فمسح رأسك، وقال: اللَّهُمَّ فقّهه في الدِّين، وعلّمه التأويل".

[تنبيه]: ووقع في بعض نُسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفيّ، عن خالد الحذاء، في حديث الباب، بلفظ:"اللَّهُمَّ علِّمه الحكمة، وتأويل الكتاب"، وهذه الزيادة مستغربة من هذا الوجه، فقد رواه الترمذيّ، والإسماعيليّ، وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها، قال الحافظ: وقد وجدتها عند ابن سعد من وجه آخر، عن طاوس، عن ابن عباس:"قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح على ناصيتي، وقال: اللَّهُمَّ علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب"، وقد رواه أحمد عن هشيم، عن خالد، في حديث الباب، بلفظ:"مسح على رأسي"، قاله في "الفتح"

(1)

.

وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر: هذه اللفظة اشتَهَرت على الألسنة: "اللَّهُمَّ فقِّهه في الدين، وعلّمه التأويل" حتى نَسَبها بعضهم لـ "الصحيحين"، ولم يُصِب، والحديث عند أحمد بهذا اللفظ، من طريق ابن

(1)

"الفتح" 1/ 299 - 300، كتاب "العلم" رقم (75).

ص: 434

خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعند الطبراني من وجهين آخرين، وأوله في هذا "الصحيح" من طريق عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس دون قوله:"وعلّمه التأويل"، وأخرجها البزار، من طريق شعيب بن بشر، عن عكرمة، بلفظ:"اللَّهُمَّ علِّمه تأويل القرآن"، وعند أحمد من وجه آخر، عن عكرمة:"اللَّهُمَّ أعط ابن عباس الحكمة، وعلّمه التأويل". انتهى

(1)

.

[تنبيه آخر]: اختَلَف الشرّاح في المراد بالحكمة هنا، فقيل: القرآن كما تقدم، وقيل: العمل به، وقيل: السُّنَّة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرَّق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سُرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذَكَرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان: 12]، والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس: الفهم في القرآن، قاله في "الفتح"

(2)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [30/ 6348](2477)، و (البخاريّ) في "العلم"(75) و"الوضوء"(143) و"فضائل الصحابة"(3756) و"الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة"(7270)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3823)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة"(166)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 51)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(6/ 383)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 214 و 269 و 359) وفي "فضائل الصحابة"(1835 و 1883 و 1923)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(4/ 230)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7053 و 7054 و 7055)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(4/ 427)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(10588 و 11531)، و (يعقوب بن

(1)

"الفتح" 8/ 466 - 467، كتاب "فضائل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم" رقم (3756).

(2)

"الفتح" 1/ 299 - 300، كتاب "العلم" رقم (75).

ص: 435

سفيان) في "المعرفة"(1/ 518)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(2/ 365)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 615)، و (الضياء) في "المختارة"(10/ 169 و 170 و 222 و 223)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(1/ 287)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حبر الأمة، وبحرها، عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما.

2 -

(ومنها): أن هذه الدعوة مما تَحقَّق إجابة النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها؛ لِمَا عُلم من حال ابن عباس في معرفة التفسير، والفقه في الدين رضي الله عنه

(1)

، فقد كان ابن عباس رضي الله عنهما من أعلم الصحابة رضي الله عنهم بتفسير القرآن، وروى يعقوب بن سفيان في "تاريخه" بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، وروى هذه الزيادة ابن سعد من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود، وروى أبو زرعة الدمشقيّ في "تاريخه" عن ابن عمر قال: هو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبي خيثمة نحوه بإسناد حسن.

وروى يعقوب أيضًا بإسناد صحيح عن أبي وائل، قال: قرأ ابن عباس "سورة النور"، ثم جعل يفسّرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت، ورواه أبو نعيم في "الحلية" من وجه آخر بلفظ:"سورة البقرة"، وزاد أنه كان على الموسم؛ يعني: سنة خمس وثلاثين، كان عثمان أرسله لَمّا حُصِر، ذَكَره في "الفتح"

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قد ظهرت عليه بركات هذه الدَّعوات، فاشتهرت علومه، وفضائله، وعمَّت خيراته، وفواضله، فارتحل طلاب العلم إليه، وازدحموا عليه، ورجعوا عند اختلافهم لقوله، وعوَّلوا على نَظَره، ورأيه.

(1)

"الفتح" 1/ 299 - 300، كتاب "العلم" رقم (75).

(2)

"الفتح" 8/ 466 - 467، كتاب "فضائل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم" رقم (3756).

ص: 436

قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يَطلب العلم.

وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: الحلال، والحرام، والعربية، والأنساب، والشعر.

وقال عبيد الله بن عبد الله: ما رأيت أحدًا كان أعلم بالسُّنَّة، ولا أجلّ رأيًا، ولا أثقب نظرًا من ابن عباس رضي الله عنهما، ولقد كان عمر رضي الله عنه يُعِدّه للمعضِلات، مع اجتهاد عمر، ونَظَره للمسلمين، وكان قد عَمِي في آخر عمره، فأنشد في ذلك [من البسيط]:

إِنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِنْ عَيْنيَّ نُورَهُمَا

فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ

قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ

وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيفِ مَأْثُورُ

ورُوي أن طائرًا أبيض خرج من قبره، فتأوَّلوه: عِلْمه خرج إلى الناس، ويقال: بل دخل قبره طائرٌ أبيض، فقيل: إنه بصره في التأويل، وقال أبو الزبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائرٌ أبيض فدخل في نعشه حين حُمِل، فما رؤي خارجًا منه، وفضائله أكثر من أن تحصى. انتهى

(1)

.

3 -

(ومنها): بيان فضل العلم، والحضّ على تعلّمه، وعلى حفظ القرآن، والدعاء بذلك.

4 -

(ومنها): استحباب خدمة الأكابر، والتعرّض لنيل دعواتهم؛ لأن ابن عبّاس رضي الله عنهما حصل له ذلك الفضل بسبب خدمة النبيّ صلى الله عليه وسلم.

5 -

(ومنها): استحباب الدعاء لمن عَمِل عملًا خيرًا مع الإنسان.

6 -

(ومنها): استحباب الدعاء لمن نبغ من طلاب العلم؛ حضًّا له، وترغيبًا لغيره، كي يقتدوا به في النبوغ، والفطنة.

7 -

جواز ضمّ الطفل محبّةً وشفقةً، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"المفهم" 6/ 406 - 407.

ص: 437

(31) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما

-)

هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفيل القرشيّ العدويّ، أبو عبد الرحمن، أمه زينب بنت مظعون الجمحية، وُلد سنة ثلاث من المبعث النبويّ، فيما جزم به الزبير بن بكار، قال: هاجر وهو ابن عشر سنين، وكذا قال الواقديّ، حيث قال: مات سنة أربع وثمانين، وقال ابن منده: كان ابن إحدى عشرة ونصف، ونقل الهيثم بن عديّ عن مالك أنه مات، وله سبع وثمانون سنة، فعلى هذا كان له في الهجرة ثلاث عشرة، وقد ثبت عنه أنه كان له يوم بدر ثلاث عشرة، وبدر كانت في السنة الثانية، وأسلم مع أبيه، وهاجر، وعُرِض على النبيّ صلى الله عليه وسلم ببدر، فاستصغره، ثم بأُحُد فكذلك، ثم بالخندق، فأجازه، وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنةً، كما ثبت في "الصحيح"، وقال البغويّ: أسلم مع أبيه، ولم يكن بلغ يومئذ، وأخرج من طريق أبي إسحاق: رأيت ابن عمر في السعي بين الصفا والمروه، فإذا رجل ضخم، آدم، وهو من المكثرين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وروى أيضًا عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي ذرّ، ومعاذ، وعائشة، وغيرهم، وروى عنه من الصحابة، ومن كبار التابعين جمّ غفير.

وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي بسند صحيح، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر: ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به، ومال بها غير عبد الله بن عمر.

وفي تاريخ أبي العباس السراج بسند حسن، عن السديّ: رأيت نفرًا من الصحابة كانوا يَرَوْن أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا ابن عمر، وفي "الشُّعب" للبيهقيّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: مات ابن عمر وهو مِثل عمر في الفضل.

وأخرج السراج في "تاريخه"، وأبو نعيم من طريقه، بسند صحيح، عن ميمون بن مِهْران قال: مَرّ أصحاب نجدة الحروري بإبل لابن عمر، فاستاقوها، فجاء الراعي، فقال: يا أبا عبد الرحمن احتسب الإبل، وأخبره الخبر، قال:

ص: 438

فكيف تركوك؟ قال: انفلتُّ منهم؛ لأنك أحب إلي منهم، فاستحلفه، فحلف، فقال: إني أحتسبك معها، فأعتقه، فقيل له بعد ذلك: هل لك في ناقتك الفلانية تباع في السوق؟ فأراد أن يذهب إليها، ثم قال: قد كنت احتسبت الإبل، فلأيّ معنى أطلب الناقة.

وأخرج البيهقيّ من طريق عاصم بن محمد العمريّ، عن أبيه، قال: أَعْطَى عبدُ الله بن جعفر في نافع لعبد الله بن عمر عشرة آلاف درهم، أوألف دينار، فقيل له: ماذا تنظر؟ قال: فهلّا ما هو خير من ذلك؟ هو حرّ.

وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، قال: ما لعن ابن عمر خادمًا قط، إلا واحدًا، فأعتقه.

وقال الزبير بن بكار: وكان ابن عمر يحفظ ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسأل من حضر إذا غاب عن قوله، وفِعله، وكان يتّبع آثاره في كل مسجد صلى فيه، وكان يَعترض براحلته في طريق رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عَرَض ناقته، وكان لا يترك الحجّ، وكان إذا وقف بعرفة يقف في الموقف الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج البغويّ من طريق محمد بن بشر، حدّثنا خالد، حدّثنا سعيد، وهو أخو إسحاق بن سعيد، عن أبيه: ما رأيت أحدًا كان أشدّ اتقاء للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن عمر.

ومن طريق ابن جريج، عن مجاهد، صحبت ابن عمر إلى المدينة، فما سمعته يحدّث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا حديثًا واحدًا.

وفي الزهد للبيهقيّ بسند صحيح عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، سمعت أبي يقول: ما ذكر ابن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بكى، ولا مرّ على رُبعهم إلا غمض عينيه.

وأخرجه الدارميّ من هذا الوجه في تاريخ أبي العباس السرّاج بسند جيّد عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ هذه الآية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16] يبكي حتى يغلبه البكاء.

وعند ابن سعد بسند صحيح قيل لنافع: ما كان ابن عمر يصنع في منزلة؟ قال: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما.

ص: 439

وعند البيهقي من طريق زيد بن أسلم: مَرّ ابن عمر براعٍ، فقال: هل من جزرة؟ قال: ليس هاهنا ربها، قال: تقول له: إن الذئب أكلها، قال: فاتق الله، فاشترى ابن عمر الراعي، والغنم، وأعتقه، ووهبها له.

قال البخاريّ في "التاريخ": حدّثني الأويسيّ، حدّثني مالك؛ أن ابن عمر بلغ سبعًا وثمانين سنةً، وقال غير مالك: عاش أربعًا وثمانين، والأول أثبت، وقال ضمرة بن ربيعة في "تاريخه": مات سنة اثنتين، أو ثلاث وسبعين، وجزم مرة بثلاث، وكذا أبو نعيم، ويحيى بن بكير، والجمهور، وزاد بعضهم: في ذي الحجة، وقال الفلاس مرة: سنة أربع، وبه جزم خليفة، وسعيد بن جبير، وابن زبر

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغ عبد الله بن عمر ستًّا وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة، ونَشَر نافعٌ عنه علمًا جمًّا، وروى ابن الماجشون أن مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد الله بن عمر بعدما قُتل عثمان رضي الله عنه، فعزموا عليه أن يبايعوه. قال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتِلهم، فقال: والله! لو اجتمع عليّ أهل الأرض إلا أهل فَدَك، ما قاتلتهم، قال: فخرجوا من عنده، ومروان يقول [من البسيط]:

إني أرى فِتنَةً تَغلي مَرَاجِلُها

والمُلكُ بَعدَ أَبي لَيْلَى لِمَن غَلَبا

مات ابن عمر بمكة سنة ثلاث وسبعين، وذلك بعد قَتْل ابن الزبير بثلاثة أشهر، أو نحوها، وقيل: ستة أشهر، ودُفن بذي طُوى في مقبرة المهاجرين، وكان سبب موته أن الحجاج أمر رجلًا، فسمَّ زُجَّ رُمْحِهِ فزحمه، فوضع الزجَّ في ظهر قَدَمه، فمَرِض منها، فمات رحمه الله تعالى، حكاه أبو عمر.

وجملة ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفا حديث، وستمئة وثلاثون حديثًا، أُخرج له منها في "الصحيحين" مائة حديث وثمانون. انتهى

(2)

.

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 4/ 181 - 187.

(2)

"المفهم" 6/ 408.

ص: 440

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6349]

(2478) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامٍ، كَأَنَّ فِي يَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، وَلَيْسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ إِلَيْه، قَالَ: فقَصَصْتُهُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهُ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَرَى عَبْدَ اللهِ رَجُلًا صَالِحًا").

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ لم يتكلم فيه أحد بحجة [10](ت 234)(خ م دس) تقدم في "الإيمان" 23/ 190.

2 -

(خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثعلب - بالمثلثة، والمهملة - البزار - بالراء آخره - المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيار في القراءات [10](ت 229)(م د) تقدم في "الإيمان" 6/ 124.

3 -

(أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين الْجحدريّ البصريّ، تقدّم قريبًا.

4 -

(حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [8](ت 179) وله إحدى وثمانون سنةً (ع) تقدّم في "المقدمة" 5/ 26.

5 -

(أيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العباد [5](ت 131) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 305.

6 -

(نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [3](ت 117) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.

7 -

(ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب، ذُكر أولَ الباب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين باتّباع الآثار.

ص: 441

شرح الحديث:

(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما؛ أنه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَام، كَأَنَّ فِي يَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ) - بكسر الهمزة -، وهو الديباج الغليظ، فارسيّ معرب.

وقال المجد رحمه الله: الإسْتَبْرَقُ بالكسر: الديباجُ الغَليظُ، مُعَرَّبُ: اسْتَرْوَه، أو ديباجٌ يُعْمَلُ بالذَّهب، أو ثيابُ حَريرٍ صِفاقٌ، نَحْوُ الديباج، أو قِدَّةٌ حَمْراءُ، كأَنَّها قِطَعُ الأَوْتار، وتَصْغير: أُبَيْرِقٌ. انتهى

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "قطعة إستبرق" كأن هذه القطعة مثال لعمل صالح يعمله يتقرَّب به إلى الله تعالى، ويقدِّمه بين يديه، يرشده ثوابه إلى أيّ موضع شاء من الجنة، ولذلك قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أرى عبد الله رجلًا صالحًا". انتهى

(2)

.

(وَلَيْسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ)؛ أي: تبلغني إلى ذلك المكان، مثل جناح الطائر، والباء للتعدية. (قَالَ) ابن عمر:(فَقَصَصْتُهُ)؛ أي: هذا الذي رأيته في المنام، (عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر شقيقته رضي الله عنهم، (فَقَصَّتْهُ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَرَى عَبْدَ اللهِ) بفتح الهمزة؛ أي: أعلمه، وأعتقده، قاله النوويّ، وقال القرطبيّ: وجدت بخط شيخنا أبي الصبر أيوب مقيدًا: "أرى" - بفتح الراء، والهمزة - فيكون مبنيًّا للفاعل، ويكون من رؤية القلب، فيكون علمًا. ويجوز أن تكون همزته مضمومة، فيكون ظنًّا صادقًا؛ لأنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم معصوم في ظنه، كما هو في علمه. (رَجُلًا صَالِحًا") الصالح هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وهذه شهادة عالية من النبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما بالصَّلاح، وَلَنِعْم الرجل هو، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

(1)

"القاموس المحيط" 1/ 1120، بزيادة من "التاج".

(2)

"المفهم" 6/ 408 - 409.

ص: 442

أخرجه (المصنّف) هنا [31/ 6349](2478)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1156 و 1157) و"التعبير"(7015 و 7016)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3825)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(4/ 388)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 5)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7072)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(12/ 482)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6350]

(2479) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ - قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا، أقصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، عَزَبًا، وَكُنْتُ أنامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنًّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّار، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْر، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيِ الْبِئْر، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أقولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّار، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّار، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّار، قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ الله، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ"، قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.

2 -

(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريبًا.

3 -

(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

4 -

(مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا.

5 -

(الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قريبًا.

6 -

(سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يُشبَّه

ص: 443

بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [3](ت 106) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 162.

و"ابْنُ عُمَرَ" رضي الله عنهما ذُكر قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر رضي الله عنهما، وقد مرّ القول فيه.

شرح الحديث:

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، (عَنْ سَالِمِ) بن عبد الله، (عَنْ) أبيه عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله عنهما؛ أنه (قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ) اللام للجنس، ولا مفهوم له، وإنما ذُكر للغالب، قاله في "الفتح"، وقال في "العمدة": الألف واللام فيه لا تصلح أن تكون للعهد، على ما لا يخفى، بل هي للجنس. انتهى

(1)

.

(فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَأَى رُؤْيَا) بضمّ الراء، وسكون الهمزة على وزن فُعْلَى: مصدر رأى في منامه، وهو غير منصرف لألف التأنيث

(2)

، وقال في "العمدة": قوله: "رؤيا" على وزن فُعْلى بالضم، بلا تنوين، وهو يختص بالمنام، كما أن الرَّأْيَ يختص بالقلب، والرؤية تختص بالعين. انتهى

(3)

.

(قَصَّهَا)؛ أي: حدّث بها، يقال: قصّ الخبر قصًّا، من باب نَصرَ: حدّث به على وجهه، والاسم: القَصَصُ بفتحتين

(4)

.

وقال في "العمدة": قوله: "قصها" مِن قصصت الرؤيا على فلان: إذا أخبرته بها، وأقصها قَصًّا، والقص: البيان. انتهى

(5)

.

(عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا) زاد في رواية للبخاريّ: "فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء"، ويؤخذ منه أن الرؤيا المصالحة تدلّ على خير رائيها

(6)

.

(1)

"عمدة القاري" 7/ 169.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 247.

(3)

"عمدة القاري" 7/ 169.

(4)

"المصباح المنير" 2/ 505.

(5)

"عمدة القاري" 7/ 169.

(6)

"الفتح" 3/ 5120، كتاب "التهجّد" رقم (1121).

ص: 444

قوله: (كأن ملكين) لم أقف على تسميتهما.

(أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ) ابن عمر رضي الله عنهما: (وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، عَزَبًا) بفتحتين؛ أي: لا زوجة له، قال الفيّوميّ رحمه الله: عَزَبَ الرجلُ يَعْزُبُ، من باب قتل عُزْبَةً، وزانُ غُرْفَة، وعُزُوبَةً: إذا لم يكن له أهل، فهو عَزَبٌ بفتحتين، وامرأة عَزَبٌ أيضًا كذلك، قال الشاعر [من الرجز]:

يَا مَنْ يَدُلُّ عَزَبًا عَلَى عَزَبْ

عَلَى ابْنَةِ الحُمَارِسِ

(1)

الشَّيْخِ الأَزَبْ

وجَمْع الرجل عُزَّابٌ باعتبار بنائه الأصليّ، وهو عَازِبٌ، مثلُ كافر وكفار، قال أبو حاتم: ولا يقال: رجل أَعْزَبُ، قال الأزهريّ: وأجازه غيره، وقياس قول الأزهريّ أن يقال: امرأة عَزْبَاءُ، مثل أحمر وحمراء. انتهى

(2)

.

(وَكُنْتُ أَنَامُ في الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية نافع التالية: "قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِد، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَهْلٌ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ. . .". قال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "وكنت شابًا عزبًا أنام في المسجد" دليل على جواز النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك

(3)

.

[تنبيه]: أورد البخاريّ هذا الحديث في "التعبير" من "صحيحه" مطوّلًا، فقال:

(7028)

- حدّثني عبيد الله بن سعيد، حدّثنا عفان بن مسلم، حدّثنا صخر بن جُويرية، حدّثنا نافع؛ أن ابن عمر قال: إن رجالًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقصّونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله، وأنا غلام حديث السنّ، وبيتي المسجد، قبل أن أَنكِح، فقلت في نفسي: لو كان فيكَ خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء، فلما اضطجعت ليلةً قلت: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم فيّ خيرًا، فَأَرِنِي رؤيا، فبينما أنا كذلك؛ إذ جاءني مَلَكان، في يد كل واحد منهما مَقْمَعة من حديد، يُقبلان بي إلى جهنم، وأنا بينهما، أدعو الله: اللَّهُمَّ أعوذ بك من جهنم، ثم أُراني لقيني ملَك، في يده مِقْمَعة من حديد، فقال: لم تُرْعَ، نِعْم

(1)

الْحُمارس: الشديد. والأزب: الكريه الذي لا يُدنى من حُرمته.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 407.

(3)

"المفهم" 6/ 409.

ص: 445

الرجل أنت، لو تُكْثِر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين مَلَك بيده مِقمعة من حديد، وأرى فيها رجالًا معلَّقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصّتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن عبد الله رجل صالح"، فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يُكثر الصلاة. انتهى

(1)

.

(فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ) قال الحافظ: لم أقف على تسميتهما. (أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ). وفي رواية: "كأن اثنين أتياني، أرادا أن يذهبا بني إلى النار، فتلقّاهما ملَك، فقال: لن تُرَاعَ، خَلِّيا عنه"، وظاهر هذا أنهما لم يذهبا به، ويُجمع بينهما بحمل الثاني على إدخاله فيها، فالتقدير أن يذهبا بي إلى النار، فيدخلاني فيها، فلما نظرتها، فإذا هي مطوية، ورأيت من فيها، واستعذت، فلقِيَنَا مَلَكٌ آخرُ"، قاله في "الفتح"

(2)

.

(فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ)؛ أي: مبنيّة، والبئر قبل أن تُبنى تسمّى قَليبًا، قاله في "الفتح"، وقال في "العمدة": كلمة "إذا" للمفاجأة، ومعنى مطوية: مبنية الجوانب، فإن لم تُبْنَ فهي القَلِيب. انتهى

(3)

.

(كَطَيِّ الْبِئْر، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ) قال النوويّ رحمه الله: القرنان: هما الخشبتان اللتان عليهما الْخَطّاف، وهي الحديدة التي في جانب البَكَرة، قاله ابن دُريد، وقال الخليل: هما ما يُبنى حول البئر، ويوضع عليه الخشبة التي يدور عليها الْمِحْوَر، وهي الحديدة التي تدور عليها الْبَكَرة. انتهى

(4)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: القرنان: منارتان تُبنيان على جانبي البئر، يُجعل عليهما الخشبة التي تُعَلَّق عليها البكرة، والبئر: المطوية بالحجارة، وهي الرسّ أيضًا، فإنْ لم تُطو: فهي القَلِيب والرّكِيّ

(5)

.

(1)

"صحيح البخاريّ" 6/ 2578.

(2)

"الفتح" 3/ 510، كتاب "التهجّد" رقم (1121).

(3)

"عمدة القاري" 7/ 169.

(4)

"شرح النوويّ" 16/ 38.

(5)

"المفهم" 6/ 409.

ص: 446

وقال في "الفتح": هكذا للجمهور، وحَكَى الكرمانيّ أن في نسخة:"قرنين" فأعربها بالجرّ، أو بالنصب، على أن فيه شيئًا مضافًا، حُذف، وتُرِك المضاف إليه على ما كان عليه، وتقديره: فإذا لها مثل قرنين، وهو كقراءة من قرأ:"تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ"[الأنفال: 67] بالجرّ؛ أي: يريد عرض الآخرة، أو ضُمِّن "إذا" المفاجأه معنى الوجدان؛ أي: فإذا بي وجدت لها قرنين. انتهى.

والمراد بالقرنين هنا: خشبتان، أو بناءان تُمَدّ عليهما الخشبة العارضة التي تُعَلَّق فيها الحديدة التي فيها البَكَرة

(1)

، فإن كانا من بناء فهما القرنان، وإن كانا من خشب فهما الزرنوقان، بزاي منقوطة، قبل المهملة، ثم نون، ثم قاف، وقد يُطلق على الخشبة أيضًا القرنان. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح" في موضع آخر: "وقرون البئر" جوانبها التي تبنى من حجارة، توضع عليها الخشبة التي تُعَلّق فيها الْبَكَرَة والعادة أن لكل بئر قرنين

(3)

.

وقال في "العمدة": قوله: "فإذا لها قرنان"؛ أي: جانبان، وقرنا الرأس: جانباه، ويقال: القرنان منارتان عن جانبي البئر، تُجعَل عليهما الخشبة التي تُعَلَّق عليها الْبَكَرة، قال الكرمانيّ: أو ضفيرتان، وفي بعضها "قرنين".

فإن قلت: فما وجهه؛ إذ هو مُشْكِل؟ قلت: إما أن يقال: تقديره: فإذا لها مثل قرنين، فحُذف المضاف، وتُرك المضاف إليه على إعرابه، وهو كقراءة:"وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ"[الأنفال: 67] بجرّ الآخرةِ؛ أي: عَرَض الآخرة، وإما أن يقال:"إذا" المفاجأة تتضمَّن معنى الوجدان، فكأنه قال: فإذا وَجَدت لها قرنين، كما يقول الكوفيون في قولهم:"كنت أظنّ العقرب أشدّ لَسْعًا من الزنبور، فإذا هو إياها" أن معناه: فماذا وجدته هو إياها. انتهى

(4)

.

(1)

قال في "المصباح": الْبَكَرَة التي يُستَقَى عليها بفتح الكاف، فتُجمَع على بَكَرٍ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ، وتُسكّن فَتُجْمَع على بَكَرَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. انتهى.

(2)

"الفتح" 3/ 510، كتاب "التهجّد" رقم (1121).

(3)

"الفتح" 16/ 386، كتاب "التعبير" رقم (7028).

(4)

"عمدة القاري" 7/ 169.

ص: 447

(كَقَرْنَيِ الْبِئْر، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ) قال الحافظ: لم أقف على تسمية أحد منهم. (فَجَعَلْتُ أقولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّار، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّار، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّار، قَالَ) ابن عمر: (فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ) - بضم أوله، وفتح الراء، بعدها مهملة ساكنة -؛ أي: لم تُخَفْ، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا، قال الجوهريّ: يقال: لا تُرَع: معناه: لا تخف، ولا يلحقك خوف، وفي رواية الكشميهنيّ:"لن تراع"، وزاد فيه:"إنك رجل صالحٌ"

(1)

، قال الحافظ: قوله: "لن تراع"، هي رواية الجمهور بإثبات الألف، ووقع في رواية القابسيّ:"لن تُرَعْ"، بحذف الألف، قال ابن التين: وهي لغة قليلةٌ؛ أي: الجزم بـ "لَنْ" حتى قال القزاز: لا أعلم له شاهدًا.

وتُعُقِّب بقول الشاعر [من الخفيف]:

لَنْ يَخِبِ الآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ

حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الْحَلَقَهْ

وبقول الآخر [من الطويل]:

وَلَنْ يَحْلُ لِلْعَيْنَيْنِ بَعْدَكَ مَنْظَرٌ

وقال في "الفتح" أيضًا: قوله: "لم تُرَعْ"؛ أي: لم تُفْزَع، في رواية الكشميهنيّ:"لَن تُرَاعَ"، فعلى الأول ليس المراد أنه لم يقع له فزع، بل لمّا كان الذي فَزِع منه لم يستمرّ، فكأنه لم يفزع، وعلى الثانية فالمراد: أنك لا روع عليك بعد ذلك.

قال ابن بطال: إنما قال له ذلك لِمَا رأى منه من الفزع، ووثق بذلك منه؛ لأن الملَك لا يقول إلا حقًّا. انتهى.

ووقع عند ابن أبي شيبة من رواية جرير بن حازم، عن نافع:"فلقيه ملك، وهو يرعد، فقال: لم تُرَعْ"، ووقع عند كثير من الرواة:"لَن تُرَعْ" بحرف "لن" مع الجزم، ووجّهه ابن مالك بأنه سكّن العين للوقف، ثم شبّهه بسكون الجزم، فحَذف الألف قبله، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، ويجوز أن يكون جَزَمه بـ "لن"، وهي لغة قليلة، حكاها الكسائيّ. انتهى

(2)

.

(1)

"عمدة القاري" 7/ 169.

(2)

"الفتح" 16/ 386، كتاب "التعبير" رقم (7028).

ص: 448

(فَقَصَصْتُهَا)؛ أي: تلك الرؤيا التي رآها، (عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر رضي الله عنهم، وهي أم المؤمنين، شقيقة ابن عمر، (فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ) رضي الله عنها (عَلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) مشيرًا إلى تعبيرها، (نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (لَوْ كَانَ يُصَلِّي)"لو" هنا للتمني، لا للشرط، ولذلك لم يُذكر الجواب.

قال القرطبيّ رحمه الله: وإنَّما فَهِمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم من رؤيا عبد الله للنار أنه ممدوح؛ لأنَّه عُرِض على النار، ثم عُوفي منها، وقيل له: لا روع عليك، وهذا إنما هو لصلاحه، وما هو عليه من الخير، غير أنه لم يكن يقوم من الليل؛ إذ لو كان ذلك ما عُرض على النار ولا رآها، ثم إنه حصل لعبد الله رضي الله عنه من تلك الرؤيا يقين مشاهدة النار، والاحتراز منها، والتنبيه على أن قيام الليل مِمَّا يُتَّقى به النار، ولذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك رضي الله عنه

(1)

.

وقال في "الفتح" - بعد ذِكر كلام القرطبيّ المذكور -: وأشار المهلَّب إلى أن السرّ في ذلك كون عبد الله كان ينام في المسجد، ومن حقّ المسجد أن يتعبَّد فيه، فُنبِّه على ذلك بالتخويف بالنار

(2)

.

(مِنَ اللَّيْلِ")"من" هنا بمعنى "في"، كما في قوله تعالى:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9]، ويَحْتَمِل أن تكون للتبعيض؛ كقوله تعالى:{مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} [البقرة: 253]، وقوله:{حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، قال ابن هشام رحمه الله: وعلامتها أمكان سدّ "بعض" مسدّها؛ كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه: (حتى تُنفقوا بعض ما تُحبُّون). انتهى

(3)

.

(قَالَ سَالِمٌ)؛ أي: ابن عبد الله الراوي عنه، (فَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر رضي الله عنهما (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعدما قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لو كان يصلّي من الليل"، (لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا) امتثالًا لأمْر النبيّ صلى الله عليه وسلم له بذلك، فإن قوله:"لو كان يصلي من الليل" يتضمّن الأمر به، والله تعالى أعلم.

(1)

"المفهم" 6/ 410.

(2)

"الفتح" 3/ 510 - 511، كتاب "التهجّد" رقم (1121).

(3)

"مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" 1/ 609.

ص: 449

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [31/ 6350 و 6351](2479)، و (البخاريّ) في "التهجّد"(1121 و 1122 و 1156) و"المساجد"(440) و"فضائل الصحابة"(3838 و 3839) و"التعبير"(7028 و 7029 و 7030 و 7031)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3825)، و (ابن ماجه) في "تعبير الرؤيا"(3966)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه"(1/ 420)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 146)، و (الدارميّ) في "سننه"(2/ 127)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7070)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(4/ 192)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(4/ 147)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 501)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(31/ 99 و 100)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقد وَصَفه النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنه رجل صالح، والصالح من الأوصاف الشريفة؛ إذ معناه: من أدّى حقّ الحقّ للحقّ، وحقّ الخلق للخلق.

2 -

(ومنها): استحباب قصّ الرؤيا على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنها من الوحي، وهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة، فقد ثبت في "الصحيحين" مرفوعًا:"الرؤيا المصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة".

3 -

(ومنها): جواز تمنّي الرؤيا المصالحة، لِيَعرِف صاحبها ما له عند الله، وتمني الخير، والعلم، والحرص عليه.

4 -

(ومنها): رؤية الملائكة في المنام، وتحذيرهم للرائي؛ لقوله:"فرأيت مَلَكين أخذاني".

5 -

(ومنها): أن فيه السترَ على مسلم، وتَرْك ذِكره باسمه، وذلك قوله:"وإذا فيها أناس قد عرفتهم"، إنما أَخبر بهم على الإجمال؛ ليزدجروا، وسكت عن بيانهم؛ لئلا يُغتابهم إن كانوا مسلمين، وليس ذلك مما يُختم عليهم بالنار، وإما أن يكون ذلك تحذيرًا، كما حُذِّر ابن عمر رضي الله عنهما.

ص: 450

6 -

(ومنها): أن فيه القصّ على المرأة، وفيه تبليغ حفصة، وفيه قبول خبر المرأة.

7 -

(ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله: يؤخذ من الحديث الجزم بالشيء، وإن كان أصله الاستدلال؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما استدلّ علي أنهما مَلَكان بأنهما وقفاه على جهنم، ووعظاه بها، والشيطان لا يعظ، ولا يُذكِّر الخير.

قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكونا أخبراه بأنهما ملكان، أو اعتَمَدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لَمّا قصته عليه حفصة رضي الله عنها، فاعتَمَد على ذلك

(1)

.

8 -

(ومنها): ما قاله ابن بطال أيضًا: في هذا الحديث أن بعض الرؤيا لا يَحتاج إلى تعبير، وعلى أن ما فُسِّر في النوم فهو تفسيره في اليقظة؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يزد في تفسيرها على ما فسّرها الملَك.

قال الحافظ: يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: "إن عبد الله رجل صالح"، وقول الملَك قبل ذلك:"نِعْم الرجل أنت، لو كنت تُكثر الصلاة"، وفي رواية:"قال له: لم تُرَعْ، إنك رجل صالح"، وفي رواية: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن عبد الله رجل صالح، لو كان يكثر الصلاة من الليل".

9 -

(ومنها): ما قاله أيضًا: وفيه وقوع الوعيد على ترك السنن، وجواز وقوع العذاب على ذلك.

قال الحافظ: هو مشروط بالمواظبة على الترك رغبةً عنها، فالوعيد والتعذيب إنما يقع على المحرّم، وهو الترك بقيد. الأعراض.

10 -

(ومنها): ما قاله أيضًا: وفيه أن أصل التعبير من قِبَل الأنبياء، ولذلك تمنى ابن عمر أنه يرى رؤيا، فيعبرها له النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ليكون ذلك عنده أصلًا، قال: وقد صَرَّح الأشعريّ بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء، وعلى ألسنتهم، قال ابن بطال: وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك، وإن كان أصلًا، فلا يعمّ جميع المرائي، فلا بدّ للحاذق في هذا الفنّ أن يستدل بحُسن نَظَره، فيردّ ما لم يُنَصّ عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة، فيُجعل أصلًا يُلحق به غيره، كما يفعل الفقيه في فروع الفقه.

(1)

"شرح ابن بطّال" على البخاريّ 9/ 547، و"الفتح" 16/ 385.

ص: 451

11 -

(ومنها): جواز المبيت في المسجد، قال في "العمدة": فيه جواز النوم في المسجد، ولا كراهة فيه عند الشافعيّ، وقال الترمذيّ: وقد رخص قوم من أهل العلم فيه، وقال ابن عباس: لا تتخذه مَبِيتًا ولا مَقِيلًا، وذهب إليه قوم من أهل العلم، وقال ابن العربيّ: وذلك لمن كان له مأوى، فأما الغريب فهو داره، والمعتكف فهو بيته، ويجوز للمريض أن يجعله الإمام في المسجد، إذا أراد افتقاده، كما كانت المرأة صاحبة الوشاح ساكنة في المسجد، وكما ضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم قبة لسعد رضي الله عنه في المسجد حين سال الدم من جرحه، ومالك، وابن القاسم يكرهان المبيت فيه للحاضر القويّ، وجوّزه ابن القاسم للضعيف الحاضر. انتهى

(1)

.

12 -

(ومنها): مشروعية النيابة في قصّ الرؤيا.

13 -

(ومنها): تأدُّب ابن عمر رضي الله عنهما مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومهابته له، حيث لم يقصّ رؤياه بنفسه، وكأنه لمّا هالته لم يُؤْثِر أن يقصها بنفسه، فقصّها على أخته؛ لإدلالة عليها.

14 -

(ومنها): فضل قيام الليل، وأنه مما يقي من عذاب جهنم - أعاذنا الله - منها بمنّه، وكرمه، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6351]

(. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ خَالِدٍ خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِد، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَهْلٌ، فَرَأَيْتُ في الْمَنَام، كَأَنَّمَا انْطُلِقَ بِي إِلَى بِئْرٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، تقدّم قريبًا.

[تنبيه]: قوله: "الدَّارِمِيُّ" بكسر الميم: نسببة إلى دارم بن مالك بن

(1)

"عمدة القاري" 7/ 170.

ص: 452

حنظلة بن زيد مناة بن تميم، بطنٌ كبير من تميم، يُنسب إليه خلق كثير، من العلماء، والشعراء، والفرسان، قاله في "اللباب"

(1)

.

2 -

(مُوسَى بْنُ خَالِدٍ خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ) هو: موسى بن خالد الشاميّ، أبو الوليد الْحَلَبيّ خَتَن أبي إسحاق الفزاريّ، ويقال: خَتَنُ الفريابيّ، كما نصّ عليه في هذا السند، مقبول [10].

رَوَى عن أبي إسحاق الفزاريّ، وعيسى بن يونس، ومعتمر بن سليمان، وهِقْل بن زياد، وابن عيينة.

ورَوَى عنه عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، وعباس بن عبد الله الترقفيّ، من أفراد المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، أفاده في "تهذيب التهذيب"

(2)

.

[تنبيه]: قوله: "خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ "الخَتَنُ" بفتحتين عند العرب: كل من كان من قِبَل المرأة؛ كالأب، والأخ، والجمع: أَخْتَانٌ، وخَتَنُ الرجل عند العامّة: زوج ابنته، وقال الأزهريّ: الخَتَنُ: أبو المرأة، والخَتَنَةُ: أمها، فالأختَانُ من قِبَل المرأة، والأَحْمَاءُ من قِبَل الرجل، والأَصْهَارُ يعمّهما، ويقال: المُخَاتَنَةُ: المصاهرة من الطرفين، يقال: خَاتَنْتُهُمْ: إذا صاهرتهم، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(3)

.

و"الفريابيّ" بكسر الفاء، وسكون الراء: نسبة إلى فارياب بُليدة بنواحي بَلْخَ، يُنسب إليها الْفِرْيابيّ، والفاريابيّ، والْفِيريابيّ أيضًا بإثبات الياء، يُنسب إليها جماعة، قاله في "اللباب"

(4)

.

3 -

(أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حُذيفة، ثقةٌ حافظٌ إمامٌ، له تصانيف [8] (ت 185) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 88.

(1)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 1/ 484.

(2)

"تهذيب التهذيب" 10/ 304.

(3)

"المصباح المنير" 1/ 164.

(4)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 2/ 429.

ص: 453

[تنبيه]: قوله: "الْفَزَارِيِّ" بفتح الفاء والزاي: نسبة إلى فَزَارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غَطَفان، وهي قبيلة كبيرة من قيس عيلان، يُنسب إليها خَلْق كثير، قاله في "اللباب"

(1)

.

4 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قَدَّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة، عنها [5] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 28/ 222.

والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.

وقوله: (فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إلخ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير عبيد الله بن عمر.

[تنبيه]: رواية نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما هذه ساقها الدارميّ، شيخ المصنّف هنا بسند المصنّف، فقال:

(1400)

- حدّثنا موسى بن خالد، عن أبي إسحاق الفزاريّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنت أبيت في المسجد، ولم يكن لي أهل، فرأيت في المنام، كأنما انطُلِق بي إلى بئر، فيها رجال مُعَلَّقُون، فقيل: انطَلِقُوا به إلى ذات اليمين، فذكرت الرؤيا لحفصة، فقلت: قُصِّيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقصّتها عليه، فقال:"من رأى هذه؟ " قالت: ابن عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نِعْم الفتى - أو قال -: نِعْم الرجل، لو كان يصلي من الليل"، قال: وكنت إذا نِمْتُ لم أقم حتى أُصبِحَ، قال: فكان ابن عمر يصلي الليل. انتهى

(2)

.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 2/ 427.

(2)

"سنن الدارميّ" 1/ 379.

ص: 454

(32) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه

-)

هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حرام بن جُندب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجار، أبو حمزة الأنصاريّ الخزرجيّ خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المكثرين من الرواية عنه، صح عنه أنه قال: قَدِم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وأنا ابن عشر سنين، وأن أمه أم سليم أتت به النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا قَدِم، فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك، فقَبِله، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كناه أبا حمزة بِبَقْلة كان يجتنبها، ومازحه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له:"يا ذا الأذنين"، وقال محمد بن عبد الله الأنصاريّ: خرج أنس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وهو غلام يخدمه، أخبرني أبي، عن مولى لأنس، أنه قال لأنس: أشَهِدت بدرًا؟ قال: وأين أغيب عن بدر، لا أُمّ لك؟

قال الحافظ: وإنما لم يذكروه في البدريين؛ لأنه لم يكن في سنّ من يقاتل.

وقال الترمذيّ: حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو داود، عن أبي خَلْدة، قلت: لأبي العالية: أسمع أنس من النبيّ صلى الله عليه وسلم؟، قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان له بستان يَحْمِل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيه ريحان، ويجيء منه ريح المسك، وكانت إقامته بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ثم شَهِد الفتوح، ثم قَطَن البصرة، ومات بها.

قال عليّ بن المدينيّ: كان آخر الصحابة موتًا بالبصرة، وقال البخاريّ: حدّثنا موسى، حدّثنا إسحاق بن عثمان، سألت موسى بن أنس، كم غزا أنس مع النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: ثماني غزوات.

وروى ابن السكن من طريق صفوان بن هبيرة، عن أبيه، قال: قال لي ثابت البنانيّ: قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضعها تحت لساني، قال: فوضعتها تحت لسانه، فدُفن، وهي تحت لسانه.

وقال معتمر، عن أبيه: سمعت أنس بن مالك يقول: لم يبق أحد صلى القبلتين غيري.

ص: 455

قال جرير بن حارم: قلت لشعيب بن الحبحاب: متى مات أنس؟ قال: سنة تسعين، أخرجه ابن شاهين، وقال سعيد بن عُفير، والهيثم بن عديّ، ومعتمر بن سليمان: مات سنة إحدى وتسعين، وقال ابن شاهين: حدّثنا عثمان بن أحمد، حدّثنا حنبل، حدّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا معتمر بن سليمان، عن حميد مثله، وزاد: وكان عمره مائة سنة إلا سنة.

وقال ابن سعد عن الواقديّ، عن عبد الله بن زيد بن الهذلي: إنه حضر أنس بن مالك سنة اثنتين وتسعين، وقال أبو نعيم الكوفيّ: مات سنة ثلاث وتسعين، وفيها أرّخه المدائنيّ، وخليفة، وزاد: وله مائة وثلاث سنين، وحَكَى ابن شاهين عن يحيى بن بكير، أنه مات، وله مائة سنة وسنة، قال: وقيل: مائة وسبع سنين، ورواه البغويّ عن عمر بن شَبّة، عن محمد بن عبد الله الأنصاريّ كذلك.

قال الطبرانيّ: حدّثنا جعفر الفريابيّ، حدّثنا إبراهيم بن عثمان المصِّيصيّ، حدّثنا مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أنس، قال: قالت أم سليم: يا رسول الله ادْعُ الله لأنس، فقال:"اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه"، قال أنس: فلقد دفنت من صلبي، سوى ولد ولدي، مائة وخمسة وعشرين، وإن أرضي لَتُثمر في السنة مرتين.

وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس: جاءت بي أم سليم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله أنس ادع الله له، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأدخله الجنة"، قال: قد رأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة.

وقال جعفر أيضًا عن ثابت: كنت مع أنس، فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة عَطِشت أرضنا، قال: فقام أنس، فتوضأ، وخرج إلى البريّة، وصلى ركعتين، ثم دعا، فرأيت السحاب تلتئم، قال: ثم مطرف حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر، فلم تَعْدُ أرضه إلا يسيرًا، وذلك في الصيف.

وقال عليّ بن الجعد عن شعبة، عن ثابت، قال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم لسُليم؛ يعني: أنسًا.

ص: 456

ورَوَى الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق عبيد بن عمرو الأصبحيّ، عن أبي هريرة، أخبرني أنس بن مالك؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلاة، وقال: لا نعلم روى أبو هريرة عن أنس غير هذا الحديث.

وقال محمد بن عبد الله الأنصاريّ: "حدّثنا ابن عون، عن موسى بن أنس؛ أن أبا بكر لَمّا استُخلِف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السعاية، فدخل عليه عمر، فاستشاره، فقال: ابعثه، فإنه لبيب، كاتب، قال: فبعثه، ومناقب أنس رضي الله عنه وفضائله كثيرة جدًّا. انتهى من الإصابة"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زبد النَّجاريّ، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُكنى: أبا حمزة، يُرْوَى عنه أنه قال: كنَّاني رسول الله ببقلة كنت أجتنيها، وأمه: أم سليم بنت ملحان، كان سِنُّ أنس لمّا قَدِم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة عشر سنين، وقيل: ثماني سنين، وتُوُفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنس ابن عشرين سنة، وشهد بدرًا، وتُوُفّي في قصره بالطّفِّ على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، قال أبو عمر: وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أعلم أحدًا ممن مات بعده ممن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا الطفيل.

واختُلف في سنّ أنس يوم تُوُفّي، فقيل: مائة سنة إلا سنة واحدة، ويقال: إنه وُلد له ثمانون ولدًا؛ منهم: ثمانية وسبعون ذكرًا، وابنتان، وتُوُفّي قبله من وَلَدِه لصلبه، وولَدِ وَلَدِه نحو المئة؛ وكلُّ ذلك من تعميره، وكثرة نسله ببركة دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما يأتي في "صحيح مسلم".

وجملة ما رَوَى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديث: ألفا حديث، ومئتا حديث، وستة وثمانون حديثًا، أخرجا له في "الصحيحين" ثلاثمئة حديث، وثمانية عشر حديثًا.

[تنبيه]: في الصحابة رجل آخر اسمه أنس بن مالك، ويُكنى: أبا أُمية القشيريّ، وقيل: الكعبيّ، وكعب أخو قشير، ولم يُسند عن النبيّ صلى الله عليه وسلم سوى

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 128.

ص: 457

قوله: "إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة"

(1)

، وقيل: روى ثلاثة أحاديث، لم يقع له في "الصحيحين" منها شيءٌ

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6352]

(2480) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنسٍ، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ خَادِمُكَ أنَسٌ، ادْعُ اللهَ لَهُ، فَقَالَ: "اللهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ").

رجال هذا الإسناد: سبعةٌ:

وكلّهم تقدّموا قريبًا.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، ومسلسلٌ بالتحديث والسماع، غير موضع، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية الابن عن أمه.

شرح الحديث:

(عَنْ أنَسٍ) وفي رواية هشام بن زيد التالية: "سمعت أنس بن مالك"، (عَنْ أُمِّ سُلَيْم) - بضم السين المهملة، وفتح اللام - واسمها الغُميصاء، وقيل: الرُّميصاء، وَقيل غير ذلك، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى.

[تنبيه]: ظاهر رواية مسلم هذه أن هذا الحديث من مسند أم سُليم، وكذا هو في رواية للبخاريّ، وكذا هو عند الترمذيّ، والإسماعيليّ، وأحمد في "مسنده".

وأخرجه مسلم في الرواية التالية من رواية أبي داود الطيالسيّ بلفظ:

(1)

حديث حسن رواه أبو داود (2408)، والترمذيّ (713)، والنسائيّ (4/ 180 - 182)، وابن ماجه (1667).

(2)

"المفهم" 6/ 410 - 411.

ص: 458

"سمعت أنسًا يقول: قالت أمّ سُليم"، وكذا في رواية عند البخاريّ، وفي رواية له:"عن أنس: قال: قالت أمي"، وكذا هو عند الإسماعيليّ.

قال الحافظ رحمه الله: وهذا الاختلاف لا يضرّ، فإن أنسًا رضي الله عنه حضر ذلك، بدليل رواية مسلم الآتية في الباب من رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس:"قال: جاءت بني أمي أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. . ." الحديث. انتهى

(1)

.

(أَنَّهَا قَالَتْ) لهذا الحديث مبدأ، وذلك ما أخرجه البخاريّ في "الصوم"، فقال:

(1982)

- حدّثنا محمد بن المثنى، قال: حدّثني خالد - هو ابن الحارث - حدّثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم على أم سليم، فأتته بتمر وسَمْن، قال:"أعيدوا سَمْنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم"، ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأمّ سليم، وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله، إن لي خُوَيصةً، قال:"ما هي؟ " قال: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة، ولا دنيا إلا دعا لي به، قال:"اللَّهُمَّ ارزقه مالًا، وولدًا، وبارك له"، فإني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدّثتني ابنتي أمينة أنه دُفن لصلبي مقدم حجاج البصرة بضع وعشرون ومائة

(2)

.

(يَا رَسُولَ اللهِ خَادِمُكَ) مبتدأ، وفي الرواية الآتية:"خويدمك"، بالتصغير، وقوله:(أَنَسٌ) بدل، أو عطف بيان لـ "خادمك"، وقوله:(ادْعُ اللهَ لَهُ) خبر المبتدأ، وفيه وقوع الخبر جملة إنشائيّةً، وفيه خلاف، والصحيح جوازه، كما حقّقه الخضريّ في "حاشيته" على "الخلاصة"

(3)

. (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ) قال الفيّوميّ رحمه الله: المَالُ: معروف، ويُذكَّر، ويؤنَّث، وهو المَالُ، وهي المَالُ، ويقال: مَالَ الرجلُ يَمَالُ مَالًا: إذا كَثُر ماله، فهو مَالٌ، وامرأة مَالَةٌ، وتَمَوَّلَ: اتخذ مالًا، ومَوَّلَهُ غيره، وقال الأزهريّ: تَمَوَّلَ مَالًا: اتخذه قِنْيَةً،

(1)

"الفتح" 14/ 414 - 415، كتاب "الدعوات" رقم (6378).

(2)

"صحيح البخاريّ" 2/ 699.

(3)

راجع: "حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة" 1/ 92.

ص: 459

فقول الفقهاء: ما يُتَمَوَّلُ؛ أي: ما يُعَدّ مالًا في العُرف، والمَالُ عند أهل البادية النعم. انتهى

(1)

.

وقال المجد رحمه الله: المالُ: ما مَلَكْتَه من كل شيءٍ، جَمْعه: أمْوالٌ، ومُلْتَ تَمالُ، ومِلْتَ، وتَمَوَّلتَ، واسْتَمَلْتَ: كثُر مالُكَ، ومَوَّلَهُ غيرُهُ، ورجُلٌ مالٌ، ومَيِّلٌ، ومَوِّلٌ: كثيرُه، وهم مالَةٌ، وما بينَ، وهي مالَةٌ، جَمْعه: مالَةٌ أيضًا، ومالاتٌ، ومُلْتُه بالضم: أعْطَيْتُه المالَ، كأمَلْتُه. انتهى

(2)

.

(وَوَلَدَهُ) بفتح الواو واللام، أو بضمّ، فسكون: يُطلق على الواحد، وعلى أكثر منه، قال الفيّوميّ رحمه الله: الوَلَدُ بفتحتين: كلُّ ما ولده شيءٌ، ويُطلق على الذكر، والأنثى، والمثنى، والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو مذكَّر، وجَمْعه: أوْلَادٌ، والوُلْدُ، وزان قُفْلٍ لغةٌ فيه، وقيس تجعل المضموم جمع المفتوح، مثل أُسْدٍ جمع أَسَدٍ. انتهى

(3)

.

(وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ)، وفي الرواية الآتية:"وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ"، بإفراد الضمير بتأويله بالمذكور، ولأحمد:"فيهم"، وهو ظاهر، وفي رواية ثابت الآتية عند مسلم:"فدعا لي بكل خير، وكان آخر ما دعا لي أن قال: اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه"، ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة؛ لأن المال، والولد، من خير الدنيا، وكأن بعض الرواة اختصره، ووقع في الرواية الآتية من طريق الجعد عن أنس:"فدعا لي بثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة"، ولم يبيّنها، وهي المغفرة، كما بيَّنها سنان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عنه، عن أنس:"قال: اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه"

(4)

.

زاد في الرواية الآتية: "قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ"، وفي رواية للبخاريّ: "فإني لَمِن أكثر

(1)

"المصباح المنير" 2/ 586.

(2)

"القاموس المحيط" 1/ 1368.

(3)

"المصباح المنير" 2/ 671.

(4)

"الفتح" 14/ 410، كتاب "الدعوات" رقم (6378).

ص: 460

الأنصار مالًا، وحدّثتني ابنتي امينة أنه دُفن لِصُلبي مَقْدَم حجاج البصرة بضع وعشرون ومائة".

وقوله: "فإني لمن أكثر الأنصار مالًا"، زاد أحمد في رواية ابن أبي عديّ:"وذَكر أنه لا يملك ذهبًا ولا فضةً، غير خاتمه"؛ يعني: أن ماله كان من غير النقدين، وفي رواية ثابت عند أحمد:"قال أنس: وما أصبح رجل من الأنصار أكثر مني مالًا، قال: يا ثابت، وما أملك صفراء، ولا بيضاء، إلا خاتمي".

وللترمذيّ من طريق أبي خَلْدة: قال أبو العالية: "كان لأنس بستان يَحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك"، ولأبي نعيم في "الحلية" من طريق حفصة بنت سيرين، عن أنس قال: وأن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وما في البلد شيء يثمر مرتين غيرها.

وقوله: "وحدّثتني ابنتي أُمينة" بالنون تصغير آمنة، "أنه دُفِن لصلبي"؛ أي: مِن وَلَدِه دون أسباطه، وأحفاده.

وقوله: "مَقْدَم الحجاج البصرة" بالنصب على نزع الخافض؛ أي: من أول ما مات لي من الأولاد إلى أن قَدِمها الحجاج، ووقع ذلك صريحًا في رواية ابن أبي عديّ، ولفظه: وذَكَر أن ابنته الكبرى أُمينة أخبرته أنه دُفن لصلبه إلى مقدم الحجاج، وكان قدوم الحجاج البصرة سنة خمس وسبعين، وعُمُر أنس حينئذ نيف وثمانون سنةً، وقد عاش أنس بعد ذلك إلى سنة ثلاث، ويقال: اثنتين، ويقال: إحدى وتسعين، وقد قارب المائة.

وقوله: "بضع وعشرون ومائة" في رواية ابن أبي عديّ: "نَيِّفٌ على عشرين ومائة"، وفي رواية الأنصاريّ، عن حميد عند البيهقيّ في "الدلائل":"تسع وعشرون ومائة"، وهو عند الخطيب في "رواية الآباء عن الأبناء" من هذا الوجه بلفظ:"ثلاث وعشرون ومائة"، وفي رواية حفصة بنت سيرين:"ولقد دفنت من صلبي سوى وَلَدِ وَلَدِي خمسة وعشرين ومائة"، وفي "الحلية" أيضًا من طريق عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس:"قال: دَفنت مائة لا سِقْطًا، ولا وَلَد وَلَد".

قال الحافظ رحمه الله: ولعل هذا الاختلاف سبب العدول إلى البضع

ص: 461

والنيف، وفي ذِكر هذا دلالة على كثرة ما جاءه من الولد، فإن هذا القَدْر هو الذي مات منهم، وأما الذين بَقُوا، ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس الآتية عند مسلم:"وإن ولدي، وولد ولدي، ليتعادّون على نحو المائة"، ذكر هذا كلّه في "الفتح"

(1)

.

وأخرج البخاريّ في "الأدب المفرد" عن أنس قال: قالت أم سليم، وهي أم أنس: خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: "اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأطل حياته، واغفر له".

فأما كثرة أولاده فقد مرّ آنفًا، وأما طول عمره، فقد ثبت في "الصحيح" أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين، فيما قيل، وقيل: سنة ثلاث، وله مائة وثلاث سنين، قاله خليفة، وهو المعتمَد، وأكثر ما قيل في سنة: إنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه: تسعًا وتسعين سنةً

(2)

.

[فائدة]: قال ابن قتيبة في "المعارف": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذَكَر لِصُلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعًا، وهو المهلَّب بن أبي صُفْرة

(3)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك عن أم سُليم رضي الله عنهما متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [32/ 6352 و 6353 و 6354](2480)، و (البخاريّ) في "الدعوات"(6334 و 6344 و 6378 و 6379 و 6380 و 6381)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3829)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1987)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 430)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(1/ 375 و 377)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7177 و 7178 و 7186)، و (أبو يعلى) في

(1)

"الفتح" 14/ 410 - 411، كتاب "الدعوات" رقم (6378).

(2)

"الفتح" 14/ 355 - 356، كتاب "الدعوات" رقم (6344).

(3)

"الفتح" 14/ 355 - 356، كتاب "الدعوات" رقم (6344).

ص: 462

"مسنده"(3238 و 3239)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(25/ 303)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(2/ 77)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(4/ 234 و 236)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(6/ 196)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده

(1)

:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أنس بن مالك رحمه الله، حيث إنه وُفّق لخدمة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنال دعوته المباركة.

2 -

(ومنها): بيان فضل أم سُليم رضي الله عنها حيث إنه صلى الله عليه وسلم كان يُحبّها، ويزورها في بيتها، وأجاب سؤالها لابنها أنس أن يدعو له.

3 -

(ومنها): أنه عَلَمٌ من أعلام نبوّته صلى الله عليه وسلم في إجابة دعائه.

4 -

(ومنها): أن فيه دليلًا لمن يفضّل الغني على الفقير، ومن قال بتفضيل الفقير، أجاب عن هذا بأن هذا قد دعا له النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن يبارك له فيه، ومتى بورك فيه لم يكن فيه فتنة، ولم يحصل بسببه ضرر، ولا تقصير في حقّ، ولا غير ذلك من الآفات التي تتطرق إلى سائر الأغنياء، بخلاف غيره، قاله النوويّ رحمه الله

(2)

.

5 -

(ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله: وفيه هذا الأدب البديع، وهو أنه إذا دعا بشيء له تعلّق بالدنيا، ينبغي أن يضم إلى دعائه طلب البركة فيه، والصيانة، ونحوهما، وكان أنس وولده رحمة وخيرًا ونفعًا بلا ضرر بسبب دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

6 -

(ومنها): جواز التصغير على معنى التلطف، لا التحقير، فقد قالت أم سُليم:"خُويدمك أنس".

7 -

(ومنها): تُحْفة الزائر بما حضر، بغير تكلف، حيث إنه صلى الله عليه وسلم لمّا دخل على أم سُليم أتته بتمر، وسمن.

8 -

(ومنها): جواز ردّ الهدية إذا لم يشقّ ذلك على المهدي، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأم سُليم:"أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم".

(1)

المراد: فوائد الحديث بجميع سياقاته، لا خصوص السياق الذي ساقه المصنّف هنا، بل الروايات التي أشرنا لها في الشرح داخلة فيه.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 39.

ص: 463

9 -

(ومنها): أن أخْذ من رُدّت عليه هديّته لها ليس من العَوْد في الهبة.

10 -

(ومنها): أن فيه حفظَ الطعام، وترك التفريط فيه.

11 -

(ومنها): جبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده بالدعاء له، ومشروعية الدعاء عقب الصلاة، فإنه صلى الله عليه وسلم صلى غير المكتوبة، ثم دعا لأم سليم، وأهل بيتها.

12 -

(ومنها): تقديم الصلاة أمام طلب الحاجة.

13 -

(ومنها): الدعاء بخير الدنيا والآخرة.

14 -

(ومنها): مشروعيّة الدعاء بكثرة المال والولد، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخرويّ.

15 -

(ومنها): بيان أن فَضْلَ التقلل من الدنيا يختلف باختلاف الأشخاص.

16 -

(ومنها): استحباب زيارة الإمام بعض رعيته، ودخول بيت الرجل في غيبته؛ لأنه لم يَقُل في طرق هذه القصة: إن أبا طلحة كان حاضرًا.

17 -

(ومنها): إيثار الولد على النفس، وحسن التلطف في السؤال، حيث آثرت أم سليم ولدها أنسًا بطلب دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم.

18 -

(ومنها): أن كثرة الموت في الأولاد لا ينافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم، ولا طلب البركة فيهم؛ لِمَا يحصل من المصيبة بموتهم، والصبر على ذلك من الثواب.

19 -

(ومنها): أن فيه التحدثَ بنِعَم الله تعالى، وبمعجزات النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لِمَا في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد، وكون بستان المدعوّ له صار يثمر مرتين في السنة، دون غيره.

20 -

(ومنها): أن فيه التأريخَ بالأمر الشهير، ولا يتوقف ذلك على صلاح المؤرَّخ به، حيث أرّخ أنس رضي الله عنه بقدوم الحَجاج البصرة.

21 -

(ومنها): جواز ذكر البضع فيما زاد على عقد العشر؛ خلافًا لمن قَصَره على ما قبل العشرين

(1)

.

(1)

راجع: "الفتح" 5/ 411 - 412، كتاب "الصوم" رقم (1982).

ص: 464

22 -

(ومنها): ما قاله الداوديّ: هذا الحديث يدلّ على بطلان الحديث الذي ورد: "اللَّهُمَّ من آمن بي، وصدّق ما جئت به، فأقلل له من المال والولد. . ." الحديث، قال: وكيف يصح ذلك، وهو صلى الله عليه وسلم يحض على النكاح والتماس الولد؟.

قال الحافظ: لا منافاة بينهما؛ لاحتمال أن يكون ورد في حصول الأمرين معًا، لكن يعكُر عليه حديث الباب، فيقال: كيف دعا لأنس، وهو خادمه بما كرهه لغيره؟

ويَحْتَمِل أن يكون مع دعائه له بذلك قَرَنه بأن لا يناله من قِبَل ذلك ضررٌ؛ لأن المعنى في كراهية اجتماع كثرة المال والولد إنما هو لِمَا يُخشَى من ذلك من الفتنة بهما، والفتنة لا يؤمَن معها الهلكة. انتهى

(1)

.

23 -

(ومنها): ما قال القرطبيّ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ أكثر ماله وولده" يدلُّ على إباحة الاستكثار من المال والأولاد، والعيال، لكن إذا لم يشغل ذلك عن الله تعالى، ولا عن القيام بحقوقه، لكن لمَّا كانت سلامة الدِّين مع ذلك بادرة، والفتن والآفات غالبة، تعيَّن التقلُّل من ذلك، والفرار مما هنالك، ولولا دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنس رضي الله عنه بالبركة لخيفَ عليه من الإكثار الهلكة، ألا ترى: أن الله تعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد، ونبَّه على المفاسد الناشئة من ذلك فقال:{أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} الآية [الأنفال: 28]، وصدَّر الكلام بإنما الحاصرة المحققة، فكأنه قال: لا تكون الأموال والأولاد إلا فتنة؛ يعني: في الغالب، ثم قال بعد ذلك:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14]، ووَجْه عداوتهما: أن محبَّتهما موجبة لانصراف القلوب إليهما، والسعي في تحصيل أغراضهما، واشتغالها بما غلب عليها من ذلك عما يجب عليهما من حقوق الله تعالى، ومع غلبة ذلك تذهب الأديان، ويعم الخسران، فأيُّ عداوةٍ أعظم من عداوة من يدمر دينك هذا الدمار، ويورثك عقوبة النار؟! ولذلك قال تعالى، وهو أصدق القائلين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ

(1)

"الفتح" 14/ 344 - 345، كتاب "الدعوات" رقم (6334).

ص: 465

يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)} [المنافقون: 9]، وقال أرباب القلوب والفهوم: ما يشغلك من أهل ومال، فهو عليك مشؤوم. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6353]

(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ الله، خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا قبله.

وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير أبي داود؛ أي: ذكر أبو داود عن شعبة نحو رواية محمد بن جعفر عنه.

[تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ عن شعبة هذه ساقها أبو داود نفسه في "مسنده"، فقال:

(1987)

- حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: قالت أم سليم: يا رسول الله، ادع الله له - تعني: أنسًا - قال: "اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما رزقته". انتهى

(2)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6354]

(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زيدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(هِشَامُ بْنُ زَيْدِ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [5](ع) تقدم في "الحيض" 6/ 714.

والباقون تقدموا في السند الماضي.

(1)

"المفهم" 6/ 412.

(2)

"مسند الطيالسيّ" 1/ 267.

ص: 466

[تنبيه]: رواية شعبة عن هشام بن زيد هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6355]

(2481) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا، وَأُمِّي، وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ الله، خُويدِمُكَ، ادْعُ اللهَ لَهُ، قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(سُلَيْمَانُ) بن المغيرة القيسيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

2 -

(ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"هاشم بن القاسم" هو: أبو النضر البغداديّ.

شرح الحديث:

(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا)، وقوله:(وَمَا هُوَ)"ما" نافية، و"هو" ضمير شأن، مبتدأ خبره قوله:"إلا أنا. . . . إلخ"؛ أي: ما الحال والشأن (إِلَّا أَنَا، وَأُمِّي) أم سُليم، (وَأُمُّ حَرَامٍ) بنت مِلْحان بن خالد بن زيد بن حرام الأنصاريّة، صحابيّة مشهورة، ماتت في خلافة عثمان رضي الله عنهما، قال أبو عمر بن عبد البرّ: لا أقف لها على اسم صحيح. انتهى

(1)

. تقدّمت ترجمتها في "المساجد ومواضع الصلاة" 49/ 1502.

وقوله: (خَالَتِي) بدل من أمّ حرام، (فَقَالَتْ أُمِّي) أم سُليم:(يَا رَسُولَ الله، خُوَيْدِمُكَ) بالتصغير، ففيه جواز التصغير، وهو مبتدأ، خبره قوله:(ادْعُ اللهَ لَهُ، قَالَ) أنس: (فَدَعَا) صلى الله عليه وسلم (لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ)"أن" بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل اسم "كان"، وخبرها "في آخر ما دعا".

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 8/ 189.

ص: 467

("اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ")؛ أي: فيما رزقته من المال، والولد، فإفراد الضمير منه أنه ذَكر اثنين، بتأويله بالمذكور، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب المساجد ومواضع الصلاة" برقم [49/ 1502](660) وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6356]

(. . .) - (حَدَّثَني أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا إِسحَاقُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ أَزَّرَتْني بِنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِه، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، هَدَا أُنيْسٌ ابْني أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ، فَادْعُ اللهَ لَهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ"، قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ) زيد بن يزيد الثَّقَفيّ، أبو مَعْن البصريّ، ثقةٌ [11](م) من أفراد المصَنّف، تقدم في "الإيمان" 57/ 328.

[تنبيه]: قوله: "الرَّقَاشيّ" بفتح الراء، وتخفيف القاف: نسبة إلى امرأة اسمها رَقَاش بنت قيس، كثُر أولادها، فنُسبوا إليها، قاله في "اللباب"

(1)

.

2 -

(عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص الْجُرَشيّ اليماميّ، ثقةٌ [9](ت 206)(ع) تقدم في "الإيمان" 12/ 155.

3 -

(عِكْرِمَةُ) بن عَمّار العجليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة، صدوقٌ يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [5] مات قبيل الستين ومائة (خت م 4) تقدم في "الإيمان" 12/ 155.

4 -

(إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [4] (ت 132) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" 30/ 667.

(1)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 2/ 33.

ص: 468

و"أنس رضي الله عنه" ذُكر قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن عمّه، فأنس رضي الله عنه عمّ إسحاق، وفيه أنس رضي الله عنه تقدّم القول فيه قريبًا.

شرح الحديث:

عَنْ إِسْحَاقَ بن عبد الله بن أبي طلحة؛ أنه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ) بن مالك رضي الله عنه (قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي) الباء للتعدية؛ أي: أحضرتني معها، قال الفيّوميّ رحمه الله: جَاءَ زيد يَجِيءُ مَجِيئًا: حضر، ويُستعمل متعديًا أيضًا بنفسه، وبالباء، فيقال: جِئْتُ شيئًا حَسَنًا: إذا فعلتَهُ، وجِئْتُ زيدًا: إذا أتيت إليه، وجِئْتُ به: إذا أحضرته معك، وقد يقال: جِئْتُ إليه على معنى ذهبت إليه، وجَاءَ الغيثُ: نزل، وجَاءَ أمر السلطان: بلغ، وجِئْتُ من البلد، ومن القوم؛ أي: من عندهم. انتهى

(1)

.

وقوله: (أُمُّ أَنَسٍ) بدل، أو عطف بيان لـ "أمي"، (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وقوله:(وَقَدْ أَزَّرَتْنِي) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنها قد أزّرتني بتشديد الزاي؛ أي: جعلتني متّزرًا (بِنِصْفِ خِمَارِهَا) بكسر الخاء، وتخفيف الميم: ثوبٌ تُغطّي به المرأة رأسها، والجمع خُمُرٌ، مثلُ كِتاب وكُتُب

(2)

. (وَرَدَّتْنِي)؛ أي: جعلتني أرتدي (بِنِصْفِهِ)؛ أي: بنصف الخمار، والمعنى: أنها ألبسته خمارها بحيث قام الخمار مقام الثوبين، فصار نصفه على أسفل الجسم كالإزار، وجعلت النصف الباقي على أعلى الجسم، فصار كالرداء، والله تعالى أعلم.

(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، هَذَا أُنَيْسٌ) بضمّ الهمزة تصغير أنس تصغيرَ تلطّف، واسترحام. (ابْنِي أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ) بضمّ الدال، وكسرها، من بابي نصر، وضرب، (فَادْعُ اللهَ لَهُ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ"، قَالَ

(1)

"المصباح المنير" 1/ 116.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 181.

ص: 469

أَنَسٌ) رضي الله عنه: (فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ) أخرج الترمذيّ عن أبي خَلْدة

(1)

، قال:"قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: خَدَمه عشر سنين، ودعا له النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان له بستان يَحمِل في السنة الفاكهة مرّتين، وكان فيها رَيحان كان يجيء منها ريح المسك"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن

(2)

.

(وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ) بضم الدال المشدّدة؛ أي: يتجاوزون، وقال في "المشارق": يتفاعلون من العدد. انتهى

(3)

، وقال في "التاج": يقال: هُم يَتَعَادُّونَ، وَيتَعَدَّدُون على أَلْفٍ؛ أي: يَزِيدُون عليه في العَدَد، وقيل: يَتَعَدَّدُون عليه: يَزِيدُون عليه في العَدَد، وَيتعادُّونَ: إذا اشتركوا فيما يُعادُّ به بعضهم بعضًا من المكارمِ. انتهى

(4)

.

(عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ) وقد ثبت في "صحيح البخاريّ" عن أنس أنه دَفَن من أولاده قبل مَقْدَم الحَجاج بن يوسف البصرة مائة وعشرين، قاله النوويّ

(5)

.

ولفظ البخاريّ: "وحدّثتني ابنتي أُمينة أنه دُفن لِصُلبي مَقْدَم حجاج البصرةَ بضع وعشرون ومائة. انتهى

(6)

.

[تنبيه]: قال في "المشارق": قوله في حديث أنس: "وردّتني ببعضه" اختُلف في تأويله، فقيل: معناه: صَرَفت جوعي، وأعطتني من بعض الطعام ما ردّه، والهاء هنا عائدة على الطعام، وقيل: بل الهاء عائدة على الخمار الذي لَفّت فيه الطعام، ثم غَطّت أنسًا ببعضه، وجعلته له كالرداء، وهذا أكثر التأويل، وأشبهه، وقد رواه أيضًا البخاريّ:"لاثتني ببعضه"، وهذا يصحح هذا التأويل، وذكر مسلم في الفضائل:"أزّرتني بنصف خمارها، وردّتني بنصفه"، وكله يَعْضِد التأويل الثاني، ويصححه. انتهى

(7)

.

قال الجامع عفا الله عنه: التأويل الأول مما ذكره لا يصحّ هنا، بل هو

(1)

قال الترمذيّ رحمه الله: أبو خلدة اسمه خالد بن دينار، وهو ثقة عند أهل الحديث، وقد أدرك أبو خلدة أنس بن مالك، وروى عنه. انتهى.

(2)

"جامع الترمذيّ" 5/ 683.

(3)

"مشارق الأنوار" 2/ 69.

(4)

"تاج العروس" 1/ 2109.

(5)

"شرح النوويّ" 16/ 41.

(6)

"صحيح البخاريّ " 2/ 699.

(7)

"مشارق الأنوار" 1/ 286 - 287.

ص: 470

باطلٌ، والصواب التأويل الثاني، وأن المرد بقوله:"وردّتني"؛ أي: جعلته لي كالرداء، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [32/ 6355 و 6356 و 6357](2481)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 194 و 248)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد"(653)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7177)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(25/ 301 و 302)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(3328)، و (الأصفهانيّ) في "دلائل النبوّة"(1/ 85 و 88)، و (ابن سعد) في "الطبقات"(7/ 19)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(3/ 53 - 54) و"دلائل النبوّة"(6/ 194)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(9/ 345)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6357]

(. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ - عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَمِعَتْ أُمِّي أمّ سُلَيْمٍ صَوْتَهُ، فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ أُنَيْسٌ، فَدَعَا لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الآخِرَةِ).

رجال هذا الإسناد: أربعة:

1 -

(قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا.

2 -

(جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه كان يتشيع [8](ت 178)(بخ م 4) تقدم في "الإيمان" 55/ 322.

3 -

(الْجَعْدُ أَبُو عُثْمَانَ) هو: الجعد بن دينار اليشكريّ الصيرفيّ البصريّ، ثقةٌ [4](خ م دت س) تقدم في "الإيمان" 62/ 345.

و"أنس بن مالك رضي الله عنه" ذُكر قبله.

ص: 471

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله

(1)

، وهو (490) من رباعيّات الكتاب.

شرح الحديث:

(عَنِ الْجَعْدِ) بن دينار، وقوله:(أَبِي عُثْمَانَ) بالجر بدل، أو عطف بيان لـ "الجعد". (قَالَ) الجعد:(حَدَّثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ: مَرَّ) بفتحِ الميم، وتشديد الراء؛ أي: اجتاز (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) بمكان قريب من بيتنا، (فسَمِعَتْ أُمِّي)، وقوله:(أُمُّ سُلَيْمٍ) بدل، أو عطف بيان لـ "أمي"، (صَوْتَهُ)؛ أي: صوت النبيّ صلى الله عليه وسلم، (فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي) متعلّق بمحذوف؛ أي: أَفديك بأبي وأمّي، أو أنت مَفْديّ بأبي وأمّي (يَا رَسُولَ اللهِ أُنَيْسٌ) بتصغير التلطّف، والاسترحام، (فَدَعَا لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا) الظاهر أنه أراد بهما كثرة ماله وولده، (وَأنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الآخِرَةِ) لم يُبيّنها في هذه الرواية، وهي المغفرة، كما بيَّنها سِنَان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عنه، عن أنس:"قال: اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه"

(2)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [32/ 6357](2481)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(2827)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 79)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(2/ 291)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده"(1/ 375)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6358]

(2482) - حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثنا بَهْزٌ، حَدَّثنا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَا أَلْعَبُ

(1)

فقول الشيخ الهرريّ في "شرحه": من خماسيّاته غلط، فتنبّه.

(2)

"الفتح" 5/ 410، كتاب "الصوم" رقم (1982).

ص: 472

مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَةٍ، قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ، قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدًا، قَالَ أَنَسٌ: وَاللهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ

(1)

أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو بَكْرِ بن نَافِعٍ) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ، أبو بكر البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [10] مات بعد الأربعين ومائتين (م ت س) تقدم في "الطهارة" 16/ 607.

2 -

(بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [9] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" 3/ 112.

3 -

(حَمَّادُ) بن سلمة البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.

والباقيان ذُكرا في الباب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وفيه ثابت الْبُنانيّ ألزم الناس لأنس، يقال: لزمه أربعين سنة، وفيه أنس رضي الله عنه تقدّم القول فيه قريبًا.

شرح الحديث:

(عَنْ أَنَسِ) بن مالك رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: أَتَى عَلَيَّ)؛ أي: جاءني (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وقوله:(وَأَنَا أَلْعَبُ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أني ألعب (مَعَ الْغِلْمَانِ) بكسر الغين المعجمة، وسكون اللام: جَمْع كثرة لغُلام بالضم، وهو الابن الصغير، وجَمْع القلّة غِلْمة، بكسر، فسكون، ويُطلق الغُلامُ على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخ مجازًا باسم ما يؤول إليه، وجاء في الشعر غلامة بالهاء للجارية، قال:

يُهَانُ لَهَا الغُلامَةُ والغُلامُ

(1)

وفي نسخة: "بها".

ص: 473

قال الأزهريّ: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذَكَرًا: غُلامٌ، وسمعتهم يقولون للكهل: غُلامٌ، وهو فاشٍ في كلامهم. انتهى

(1)

.

(قَالَ) أنس: (فَسَلَّمَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَيْنَا)؛ أي: على الغلمان، (فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ)؛ أي: تأخّرت (عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ) إليها (قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟)"ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء منعك من قضاء حاجتي، والمجيء إليّ؟ وفي رواية لأحمد، وابن سعد، من طريق حميد، عن أنس:"فأرسلني في رسالة، فقالت أم سليم: ما حبسك؟ "(قُلْتُ: بَعَثَنِي) من باب فتح؛ أي: أرسلني (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَةٍ، قَالَتْ) أم سليم: (مَا حَاجَتُهُ؟)؛ أي: أيُّ شيء حاجته صلى الله عليه وسلم؟ (قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ) بكسر السين المهملة، وتشديد الراء: هو: ما يُكْتَمُ، وهو خلاف الإعلان، والجمع: الأَسْرَارُ، وأَسْرَرْتُ الحديثَ إِسْرَارًا: أخفيته، يتعدى بنفسه، وأما قوله تعالى:{تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1]، فالمفعول محذوف، والتقدير: تُسِرُّون إليهم أخبارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم، مثلُ قوله تعالى:{تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1]، ويجوز أن تكون "المودة" مفعولَهُ، والباء زائدة للتأكيد، مثلُ أخذت الخطامَ، وأخذت به، وعلى هذا فيقال: أَسَرَّ الفاتحةَ، وبالفاتحة، قال الصغانيّ: أَسْرَرْتُ المودة، وبالمودة، ودخول الباء حَمْلًا على نقيضه، والشيء يُحمَل على النقيض، كما يُحْمَل على النظير، ومنه قوله تعالى:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} الآية [الإسراء: 110]، وأَسْرَرْتُهُ: أظهرته، فهو من الأضداد، وأَسْرَرْتُهُ: نَسَبْته إلى السِّرِّ، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(2)

.

(قَالَتْ) أم سليم: (لَا) ناهية، (تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدًا) حذّرته، وإن كان حذِرًا؛ للتأكيد عليه، وفي رواية حميد عن أنس:"فقالت: احفظ سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم". (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه: (وَاللهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ)

(3)

؛ أي: بذلك السرّ (أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ) قال بعض العلماء: كأن هذا السرّ كان يختصّ بنساء

(1)

"المصباح المنير" 2/ 452.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 273 - 274.

(3)

يوجد في هامش بعض النسخ بلفظ: "بها" بالتأنيث، والظاهر أنه تصحيف، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

ص: 474

النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإلا فلو كان من العلم ما وَسِع أنسًا كتمانه، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [32/ 6358 و 6359](2482)، و (البخاريّ) في "الاستئذان"(6289)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1/ 271)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 109 و 219 و 235)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(ومنها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، حيث كان محافظًا لسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2 -

(ومنها): بيان فضل أم سُليم رضي الله عنهما ورجاحة عقلها، وحصافة رأيها، حيث حثّت ابنها على محافظة سرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأكّدت عليه.

3 -

(ومنها): بيان شدّة حبّ أنس رضي الله عنه لتلميذه ثابت، حيث قال له:"والله لو حدّثت به أحدًا لحدّثتك يا ثابت".

4 -

(ومنها): بيان وجوب المحافظة على السرّ، وقال ابن بطال: الذي عليه أهل العلم أن السرّ لا يباح به إذا كان على صاحبه منه مضرّة، وأكثرهم يقول: إنه إذا مات لا يلزم من كتمانه ما كان يلزم في حياته، إلا أن يكون عليه فيه غضاضة.

قال الحافظ: الذي يظهر انقسام ذلك بعد الموت إلى ما يباح، وقد يُستحب ذِكره، ولو كرهه صاحب السرّ، كأن يكون فيه تزكية له، من كرامة، أو منقبة، أو نحو ذلك، وإلى ما يُكره مطلقًا، وقد يَحرُم، وهو الذي أشار إليه ابن بطال، وقد يجب، كأن يكون فيه ما يجب ذِكره، كحقٍّ عليه، كان يُعذَر بترك القيام به، فيرجى بَعده إذا ذُكر لمن يقوم به عنه أن يفعل ذلك. انتهى كلام الحافظ رحمه الله وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.

5 -

(ومنها): أنه وردت أحاديث في حفظ السرّ:

منها: حديث الباب.

ص: 475

ومنها: حديث أنس رضي الله عنه: "احفظ سرّي، تكن مؤمنًا"، أخرجه أبو يعلى، والخرائطيّ، وفيه عليّ بن زيد، وهو صدوقٌ، كثير الأوهام، وقد أخرج أصله الترمذيّ، وحسّنه، ولكن لم يَسُق هذا المتن، بل ذكر بعض الحديث، ثم قال: وفي الحديث طُول.

ومنها: حديثُ: "إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة، فلا يحل لأحد أن يُفشي على صاحبه ما يَكْرَه"، أخرجه عبد الرزاق، من مرسل أبي بكر بن حزم.

ومنها: ما أخرجه القُضاعيّ في "مسند الشهاب" من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا: "المجالس بالأمانة"، وسنده ضعيف، ولأبي داود من حديث جابر رضي الله عنه مثله، وزاد:"إلا ثلاثة مجالس: ما سُفك فيه دم حرام، أو فَرْجٌ حرام، أو اقتُطِع فيه مالٌ بغير حقّ".

ومنها: حديث جابر رضي الله عنه رَفَعه: "إذا حدّث الرجل بالحديث، ثم التَفَتَ فهي أمانة"، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذيّ، وله شاهد من حديث أنس رضي الله عنه عند أبي يعلى، ذَكَره في "الفتح"

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6359]

(. . .) - (حَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْل، حَدَّثنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَسَرَّ إِلَيَّ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدُ، وَلَقَدْ سَأَلتْنِي عَنْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثّقَفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [11](ت 259)(م د) تقدم في "المقدمة" 6/ 40.

2 -

(عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ) هو: محمد بن الفضل السدوسيّ، أبو النعمان البصريّ، لقبه عارمٌ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيَّر في آخر عمره، من صغار [9](ت 3 أو 224)(ع) تقدم في "الحج" 28/ 3013.

(1)

"الفتح" 14/ 255 - 256، كتاب "الاستئذان" رقم (6289).

ص: 476

3 -

(مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب الطُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [9](ت 187) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" 1/ 105.

4 -

(أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [4](ت 143) وهو ابن سبع وتسعين (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 9.

و"أنس بن مالك رضي الله عنه" ذُكر قبله.

وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعدما أسرّ بالبناء على الضمّ؛ لِقَطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعدما أسرّ إليّ، ولفظ البخاريّ:"بعده" بذكر المضاف إليه.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(33) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله عنه

-)

قال في "الفتح": عبد الله بن سلام - بتخفيف اللام -؛ أي: ابن الحارث، من بني قينقاع، وهم من ذرية يوسف الصديق عليه السلام، وكان اسم عبد الله بن سلام في الجاهلية الحصين، فسمّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم عبد الله، أخرجه ابن ماجه، وكان من حلفاء الخزرج، من الأنصار، أسلم أوّلَ ما دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وزعم الداوديّ أنه كان من أهل بدر، وسَبَقه إلى ذلك أبو عَروبة، وتفرَّد بذلك، ولا يثبت، وغَلِط مَن قال: إنه أسلم قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بعامين، ومات عبد الله بن سلام سنة ثلاث وأربعين. انتهى

(1)

،

وقال في "الإصابة": عبد الله بن سلام بن الحارث، أبو يوسف من ذرية يوسف النبيّ عليه السلام، حليف القوافل من الخزرج، الإسرائيليّ، ثم الأنصاريّ، كان حليفًا لهم، وكان من بني قينقاع، يقال: كان اسمه الحصين، فغيَّره النبيّ صلى الله عليه وسلم، وجزم بذلك الطبريّ، وابن سعد، وأخرجه يعقوب بن سفيان في

(1)

"الفتح" 8/ 513، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3812).

ص: 477

"تاريخه" عن أبي اليمان، عن شعيب، عن عبد العزيز، قال: كان اسم عبد الله بن سلام: الحصين، فسمّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم عبد الله.

أسلم أول ما قَدِم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وقيل: تأخر إسلامه إلى سنة ثمان، قال قيس بن الربيع عن عاصم، عن الشعبيّ، قال: أسلم عبد الله بن سلام قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بعامين، أخرجه ابن الْبَرْقيّ، وهذا مرسلٌ، وقيس ضعيف.

وقد أخرج أحمد، وأصحاب "السنن" من طريق زُرارة بن أبي أوفى، عن عبد الله بن سلام، قال: لَمّا قَدِم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة كنت ممن انجفل، فلما تبيّنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فسمعته يقول:"أفشوا السلام، وأطعموا الطعام. . ." الحديث.

وفي البخاريّ من طريق حميد، عن أنس؛ أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مَقْدَمه المدينة، فقال:"إني سائلك عن ثلاث خصال، لا يعلمها إلا نبيّ. . ." الحديث، وفيه قصته مع اليهود، وأنهم قوم بُهْتٌ، ومن طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: أقبل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فاستشرفوا ينظرون إليه، فسمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل لأهله، فعَجِل، وجاء، فسمع من نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أنك رسول الله حقًّا، وأنك جئت بحقّ، ولقد عَلِمتَ أني سيدهم، وأعلمهم، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. . . الحديث.

وفي "التاريخ الصغير" للبخاريّ بسند جيّد، عن يزيد بن عَميرة، قال: حضرت معاذًا الوفاة، فقيل له: أوصنا، فقال: التمسوا العلم عند أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًّا، فأسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنه عاشر عشرة في الجنة".

وأخرجه الترمذيّ عن معاذ مختصرًا.

وأخرج البغويّ في "المعجم" بسند جيّد عن عبد الله بن مَعْقل قال: نهى عبد الله بن سلام عليًّا، عن خروجه إلى العراق، وقال: الزم منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن تَرَكْته لا نراه أبدًا، فقال عليّ: إنه رجل صالح منّا.

وأخرج ابن عساكر بسند جيّد عن أبي بردة بن أبي موسى: أتيت المدينة، فإذا عبد الله بن سلام جالس في حلقة متخشعًا، عليه سِيْما الخير.

ص: 478

وروى الزُّبيديّ من طريق ابن أخي عبد الله بن سلام، قال: لمّا أريدَ عثمان جاء عبد الله بن سلام، فقال: جئت لأنصرك، فخرج عبد الله، فقال: إنه كان اسمي في الجاهلية فلانًا، فسمّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، ونزلت فِيّ آيات من كتاب الله، ونزل فِيّ:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف: 10]، ونزل فيّ:{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43].

قال الطبريّ: مات في قولِ جميعهم بالمدينة سنة ثلاث وأربعين، قال الحافظ: وفيها أرّخه الهيثم بن عديّ، وابن سعد، وأبو عبيد، والبغويّ، وأبو أحمد العسكريّ، وآخرون. انتهى من "الإصابة"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: توفّي عبد الله بن سلام في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين، وجملة ما روى من الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرون حديثًا، أخرجا له في "الصحيحين" حديثين. انتهى

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6360]

(2483) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَيٍّ يَمْشِي: إِنَّهُ فِي الْجَنَّة، إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.

2 -

(إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجِيح البغداديّ، أبو يعقوب بن الطّبّاع، سكن أَذَنَةَ، صدوقٌ [9] (ت 214) وقيل: بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في "الكسوف" 3/ 2110.

3 -

(مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلها مالك، عن نافع، عن ابن عمر [7]

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 4/ 119.

(2)

"المفهم" 6/ 413.

ص: 479

(ت 179) وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 378.

4 -

(أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يرسل [5](ت 129)(ع) تقدم في "الطهارة" 4/ 551.

5 -

(عَامِرُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [3](ت 104)(ع) تقدم في "الإيمان" 13/ 159.

6 -

(أَبُوهُ) سعد بن أبي وقاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب، الزهريّ، أبو إسحاق ومناقبه كثيرة، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين على المشهور، وهو آخر العشرة وفاة (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 71.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله وهو مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، والباقيان بغداديّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه رضي الله عنه ذو مناقب جمّة، فهو من السايقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنّة، وأول مَن رَمَى بسهم في سبيل الله رضي الله عنه.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي النَّضْرِ) في رواية أبي يعلى عن يحيى بن معين، عن أبي مُسهِر، عن مالك: حدّثني أبو النضر (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) في رواية عاصم بن مِهْجَع، عن مالك، عند الدارقطنيّ:"قال: سمعت عامر بن سعد". (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه (يَقُولُ: مَا) نافية، (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَيٍّ) اللام بمعنى "عن"، كما في قوله تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} الآية [الأحقاف: 11]، وقوله:(يَمْشِي) جملة في محل جرّ صفة لـ "حيّ"، زاد في رواية البخاريّ:"على الأرض". (إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها مقول القول؛ أي: إن ذلك الحيّ (فِي الْجَنَّةِ)؛ أي: من أهل الجنّة، فهو على حَذْف مضاف، و"في" بمعنى "من"، كما في قول الشاعر [من الطويل]:

وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْدِهِ

ثَلَاثِينَ شَهْرًا فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ

أي: من ثلاثة أحوال. (إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) قال النوويّ رحمه الله: قد ثبت

ص: 480

أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعليّ في الجنة. . ." إلى آخر العشرة، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن عُكاشة منهم، وثابت بن قيس، وغيرهم، وليس هذا مخالفًا لقول سعد، فإن سعدًا قال: ما سمعته، ولم ينف أصل الإخبار بالجنة لغيره، ولو نفاه كان الإثبات مقدَّمًا عليه. انتهى كلام النوويّ رحمه الله

(1)

، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم.

وقال في "الفتح": استُشكل حديث سعد هذا بأنه صلى الله عليه وسلم قد قال لجماعة: إنهم من أهل الجنة غير عبد الله بن سلام، ويبعد أن لا يطّلع سعد على ذلك.

وأجيب بأنه كَرِه تزكية نفسه؛ لأنه أحد العشرة المبشرة بذلك.

وتُعُقِّب بأنه لا يستلزم ذلك أن ينفي سماعه مثل ذلك في حقّ غيره.

قال الحافظ: ويظهر لي في الجواب أنه قال ذلك بعد موت المبشَّرين؛ لأن عبد الله بن سلام عاش بعدهم، ولم يتأخر معه من العشرة غير سعد وسعيد، ويؤخذ هذا من قوله:"يمشي على الأرض".

قال: لكن وقع عند الدارقطنيّ من طريق سعيد بن داود، عن مالك، ما يعكر على هذا التأويل، فإنه أورده بلفظ:"سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: لا أقول لأحد من الأحياء: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وبلغني أنه قال: وسلمان الفارسيّ"، لكن هذا السياق منكَر، فإن كان محفوظًا حُمِل على أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قديمًا قبل أن يبشّر غيره بالجنة.

وقد أخرج ابن حبّان من طريق مصعب بن سعد، عن أبيه، سبب هذا الحديث بلفظ:"سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: يدخل عليكم رجل من أهل الجنة، فدخل عبد الله بن سلام".

وهذا يؤيد صحة رواية الجماعة، ويُضْعف رواية سعيد بن داود

(2)

، والله تعالى أعلم.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 41 - 42.

(2)

"الفتح" 8/ 513، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3812).

ص: 481

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [33/ 6360](2483)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3812)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 169)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 70)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7163)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(2/ 107 و 114)، و (الطبريّ) في "تفسيره"(26/ 10)، و (البغويّ) في "تفسيره"(3990)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن سلام رضي الله عنه حيث إنه صلى الله عليه وسلم بشّره بالجنّة.

2 -

(ومنها): بيان أن المبشَّرين بالجنّة أكثر من عشرة، فقد بشّر النبيّ صلى الله عليه وسلم كثيرًا من الصحابة جملة وتفصيلًا، كأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وكعبد الله بن سلام هذا، وغير ذلك.

3 -

(ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف: 10]، والله تعالى أعلم.

(المسألة الرابعة): زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث قوله: "وفيه نزلت هذه الآية: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} الآية [الأحقاف: 10]، قال: لا أدري قال مالك الآية، أو هي في الحديث". انتهى.

وقوله: "قال: لا أدري قال مالك الآية، أو في الحديث"؛ أي: لا أدري هل قال مالك: إن نزول هذه الآية في هذه القصة من قِبَل نفسه، أو هو بهذا الإسناد؟

قال الحافظ: وهذا الشك في ذلك من عبد الله بن يوسف شيخ البخاريّ، ووَهِم من قال: إنه من القعنبيّ؛ إذ لا ذِكر للقعنبي هنا، ولم أر هذا عن عبد الله بن يوسف إلا عند البخاريّ، وقد رواه عن عبد الله بن يوسف أيضًا إسماعيل بن عبد الله الملقَّب سَمُّوَيْه في "فوائده"، ولم يذكر هذا الكلام عن عبد الله بن يوسف، وكذا أخرجه الاسماعيليّ من وجه آخر عن عبد الله بن

ص: 482

يوسف، وكذا أخرجه الدارقطنيّ في "غرائب مالك" من وجهين آخرين عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه من طريق ثالث عنه بلفظ آخر مقتصرًا على الزيادة، دون الحديث، وقال: إنه وَهَمٌ.

وروى ابن منده في "الإيمان" من طريق إسحاق بن سيار، عن عبد الله بن يوسف الحديث، والزيادة، وقال فيه: قال إسحاق: فقلت لعبد الله بن يوسف: إن أبا مسهر حدّثنا بهذا عن مالك، ولم يذكر هذه الزيادة، قال: فقال عبد الله بن يوسف: إن مالكًا تكلم به عقب الحديث، وكانت معي ألواحي، فكتبت. انتهى.

وظهر بهذا سبب قوله للبخاريّ: ما أدري. . . إلخ.

وقد أخرجه الإسماعيليّ، والدارقطنيّ في "غرائب مالك" من طريق أبي مسهر، وعاصم بن مهجع، وعبد الله بن وهب، وإسحاق بن عيسى، زاد الدارقطنيّ: وسعيد بن داود، وإسحاق الفَرْويّ، كلهم عن مالك بدون هذه الزيادة، قال: فالظاهر أنها مُدرَجة من هذا الوجه.

ووقع في رواية ابن وهب عند الدارقطنيّ التصريح بأنها من قول مالك، إلا أنها قد جاءت من حديث ابن عباس عند ابن مردويه، ومن حديث عبد الله بن سلام نفسه، عند الترمذيّ، وأخرجه ابن مردويه أيضًا من طرق عنه، وعند ابن حبان من حديث عوف بن مالك أيضًا أنها نزلت في عبد الله بن سلام نفسه.

وقد استَنْكَر الشعبيّ فيما رواه عبد بن حميد، عن النضر بن شُميل، عن ابن عون، عنه نزولها في عبد الله بن سلام؛ لأنه إنما أسلم بالمدينة، والسورة مكية، فأجاب ابن سيرين بأنه لا يمتنع أن تكون السورة مكية، وبعضها مدنيّ، وبالعكس، وبهذا جزم أبو العباس في "مقامات التنزيل"، فقال:"الأحقاف" مكية إلا قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ} إلى آخر الآيتين. انتهى.

ولا مانع أن تكون جميعها مكية، وتقع الإشارة فيها إلى ما سيقع بعد الهجرة من شهادة عبد الله بن سلام.

وروى عبد بن حميد في "تفسيره" من طريق سعيد بن جبير؛ أن الآية نزلت في ميمون بن يامين، وفي "تفسير الطبريّ" عن ابن عباس: أنها نزلت في ابن سلام، وعمير بن وهب بن يامين النضريّ، وفي "تفسير مقاتل" اسمه:

ص: 483

يامين بن يامين، ولا مانع أن تكون نزلت في الجميع. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6361]

(2484) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: كنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ، فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ

(2)

، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، فَصَلَّى رَكْعَتَيْن، يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَدَخَلْتُ، فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ، قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ، قَالَ رَجُلٌ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَاُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ؟ رَأَيْتُ رُؤْيَا، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْه، رَأَيْتُني فِي رَوْضَةٍ - ذَكَرَ سَعَتَهَا، وَعُشْبَهَا، وَخُضْرَتَهَا - وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُود مِنْ حَدِيدٍ، أَسْفَلُهُ فِي الأَرْض، وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاء، فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ

(3)

، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَالْمِنْصَفُ: الْخَادِمُ - فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي - وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ - فَرَقِيتُ، حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُود، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوة، فَقِيلَ لِيَ: اسْتَمْسِكْ، فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ، وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ

(4)

، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَام، وَتلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ"، قَالَ: وَالرَّجُل: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.

(1)

"الفتح" 8/ 513، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3812).

(2)

وفي نسخة: "في وجهه بعض أثر من".

(3)

وفي نسخة: "فقيل له: ارقه".

(4)

وفي نسخة: "تلك الروضة روضة الإسلام".

ص: 484

2 -

(مُعَاذُ بْن مُعَاذِ) العنبريّ البصريّ تقدّم قريبًا.

3 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ) البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.

4 -

(مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) البصريّ، تقدّم قريبًا.

5 -

(قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) - بضم العين المهملة، وتخفيف الموحّدة - الضُّبَعيّ - بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو عبد الله البصريّ، مخضرمٌ، ثقة [2].

قَدِم المدينة في خلافة عمر، وروى عنه، وعن عليّ، وعمار، وأبي ذرّ، وعبد الله بن سلام، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمرو، وأُبَيّ بن كعب، وغيرهم.

رَوَى عنه ابنه عبد الله، وصهره عبد الله بن مطر، وابن ابنه النضرة بن عبد الله بن مطر، وأبو مِجْلَز، والحسن، وابن سيرين، وأبو نضرة العبديّ، وغيرهم،

قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وقال العجليّ: كان ثقةً، من كبار الصالحين، وقال النسائيّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ، وكانت له مناقب، وحِلْم، وعبادة، وذكره أبو مِخْنف عن شيوخه فيمن قتله الحَجّاج، ممن خرج مع ابن الأشعث، وذَكَره ابن حبان في "الثقات" في التابعين، وقال: إنه يشكريّ، وذَكَره ابن قانع في "معجم الصحابة"، وأورد له حديثًا مرسلًا، مات بعد الثمانين، ووَهِمَ مَن عَدَّه في الصحابة.

أخرج له البخاريّ، والمصنف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط

(1)

، هذا برقم (2484) وأعاده بعده، وحديث (2779):"في أصحابي اثنا عشر منافقًا. . ." الحديث، وأعاده بعده، وحديث (3033):"هذان خصمان اختصموا في ربّهم. . ." الحديث.

و"عبد الله بن سلام" ذُكر أول الباب.

(1)

قال في "الفتح"(16/ 352): ليس له في البخاري سوى حديثين، وهو بصريّ تابعيّ ثقةٌ كبير، له إدراك. قدم المدينة في خلافة عمر، ووَهِمَ من عدّه في الصحابة. انتهى.

ص: 485

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، فإن ابن عون تابعيّ رأى أنسًا رضي الله عنه، فهو من الطبقة الخامسة من طبقة الأعمش، كما تقدّم تحقيق البحث عنه في ترجمته في "شرح المقدّمة".

شرح الحديث:

(عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، ووقع في رواية للبخاريّ:"عن محمد بن سيرين: حدّثني قيس بن عُباد". (قَالَ: كُنْتُ بالْمَدِينَةِ) النبويّة (فِي نَاسٍ)؛ أي: مع ناس، أو في جملة ناس، (فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وفي الرواية التالية:"عن محمد بن سيرين، قال: قال قيس بن عُباد: كنت في حَلْقة فيها سعد بن مالك، وابن عمر، فمرّ عبد الله بن سلام. . .". (فَجَاءَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن سلام رحبه، (فِي وَجْهِهِ أثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ) وفي بعض النُّسخ:"وفي وجهه بعض أثر من خشوع"، (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْم)، لم يُسمّوا:(هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) مكرّرًا، وفي رواية خرشة بن الحر الآتية:"كنت جالسًا في حَلْقة في مسجد المدينة، وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبد الله بن سلام، فجعل يحدثهم حديثًا حسنًا، فلما قام قال القوم: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"، وفي رواية النسائيّ:"فجاء شيخ يتوكأ على عصا له"، فذكر نحوه.

ويُجْمَع بينهما بأنهما قصتان اتفقتا لرجلين، فكأنه كان في مجلس يتحدث، كما في رواية خَرَشة، فلما قام ذاهبًا مرّ على الحلقة التي فيها سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، فحضر ذلك قيس بن عُباد، كما في روايته هنا، وكلٌّ من خَرَشة وقيس اتّبَعَ عبد الله بن سلام، ودخل عليه منزلة، وسأله، فأجابه، ومن ثم اختلف الجواب بالزيادة والنقص، كما سيأتي، سواء كان زمن اجتماعهما بعبد الله بن سلام، اتحد أم تعدد، أفاده في "الفتح"

(1)

.

(1)

"الفتح" 16/ 352 - 353، كتاب "التعبير" رقم (7010).

ص: 486

(فَصَلَّى) ذلك الرجل (رَكْعَتَيْنِ) لعلهما ركعتا تحيّة المسجد، (يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا)؛ أي: يأتي بأقل ما يجوز فيها، يقال: تجوّزت في الصلاة: ترخّصتُ، فأتيت بأقلّ ما يكفي

(1)

.

[تنبيه]: هكذا وقع في بعض النُّسخ بلفظ: "فصلى ركعتين، يتجوّز فيهما"، وهي النسخة التي شرح عليها الأبّيّ، وهي النسخة الإستانبوليّة

(2)

، والمعنى عليها واضح، ووقع في نسخة "شرح النوويّ" بلفظ:"فصلى ركعتين فيها، ثم خرج"، قال النوويّ رحمه الله: قوله: "فصلى ركعتين فيها، ثم خرج"، وفي بعض النسخ:"فصلى ركعتين فيهما، ثم خرج"، وفي بعضها:"فصلى ركعتين، ثم خرج"، فهذه الأخيرة ظاهرة، وأما إثبات "فيها"، أو "فيهما" فهو الموجود لمعظم رواة مسلم، وفيه نقص، وتمامه ما ثبت في البخاريّ:"ركعتين تجوّز فيهما". انتهى

(3)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وتمامه ما ثبت في البخاري" هذا يدلّ على أن النوويّ لم تقع له النسخة التي شرح عليها الأبيّ، وتَبعْته فيها، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(ثُمَّ خَرَجَ)؛ أي: من المسجد (فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَدَخَلْتُ)؛ أي: منزلة بعد الاستئذان، ففي رواية خرشة الآتية:"قال: فاستأذنت عليه، فأذن لي"، (فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنسَ)؛ أي: انبسط، يقال: استأنستُ به، تأنّستُ به: إذا سكن إليه القلب، ولم ينفر

(4)

. (قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لوقعها مقول القول، (لمَّا)؛ أي: حين (دَخَلْتَ قَبْلُ) بالبناء على الضمِّ؛ لِقَطْعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: قبل هذا الوقت. (قَالَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه

(5)

، وتقدّم في الرواية الماضية بلفظ:"فقال بعض القوم"، وقوله:(كَذَا وَكَذَا) كناية عما قال، وتقدّم أنهم قالوا:"هذا رجلٌ من أهل الجنّة"، وفي رواية البخاريّ: "فقلت له:

(1)

"المصباح المنير" 1/ 115.

(2)

راجع: النسخة الإستانبولية 7/ 160.

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 42.

(4)

"المصباح المنير" 1/ 25.

(5)

"تنبيه المعلم" ص 417.

ص: 487

إنهم قالوا كذا وكذا"، قال في "الفتح": وكأنه نَسب القول للجماعة، والناطقُ به واحد لِرضاهم به، وسكوتهم عليه، وفي رواية خَرَشة الآتية: "فقلت: والله لأتّبعنه، فلأعْلمنّ مكان بيته، فانطَلَق حتى كان يخرج من المدينة، ثم دخل منزلة، فاستأذنت عليه، فأذِن لي، فقال: ما حاجتك يا ابن أخي؟ فقلت: سمعت القوم يقولون"، فذكر اللفظ الماضي، وفيه: "فأعجبني أن أكون معك"، وسقطت هذه القصة في رواية النسائيّ، وعنده: "فلما قضى صلاته قلت: زعم هؤلاء". انتهى

(1)

.

(قَالَ) عبد الله بن سلام تعجّبًا من قولهم هذا: (سُبْحَانَ اللهِ) اسم مصدر لسبّح، قال الفيّوميّ رحمه الله: سبحان الله عَلَمٌ على التسبيح، ومعناه: تنزيه الله عن كلّ سوء، وهو منصوب على المصدر، غير متصرّف؛ لجموده. انتهى

(2)

. (مَا) نافية، (يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ) قال النوويّ رحمه الله: هذا إنكار من عبد الله بن سلام رضي الله عنه حيث قطعوا له بالجنة، فَيُحْمَل على أن هؤلاء بَلَغهم خبر سعد بن أبي وقاص بأن ابن سلام من أهل الجنة، ولم يَسمَع هو، ويَحْتَمِل أنه كره الثناء عليه بذلك؛ تواضعًا، وإيثارًا للخمول، وكراهةً للشهرة. انتهى

(3)

.

وقال في "الفتح": قوله: "ما ينبغي لأحد

إلخ" هذا إنكار من عبد الله بن سلام على من قَطَع له بالجنة، فكأنه ما سمع حديث سعد، وكأنهم هم سمعوه، ويَحْتَمِل أن يكون هو أيضًا سمعه، لكنَّه كَرِه الثّناء عليه بذلك تواضعًا، ويَحْتَمِل أن يكون إنكارًا منه على من سألة عن ذلك؛ لكونه فَهِم منه التعجب من خبرهم، فأخبره بأن ذلك لا عَجَب فيه بما ذكره له من قصة المنام، وأشار بذلك القول إلى أنه لا ينبغي لأحد إنكار ما لا علم له به، إذا كان الذي أخبره به من أهل الصدق، قاله في "الفتح"

(4)

.

ووقع في رواية خَرَشة: "فقال: الله أعلم بأهل الجنة، وسأحدثك مما قالوا ذلك؟ " فذكر المنام، وهذا يقوي احتمال أنه أنكر عليهم الجزم، ولم يُنْكِر

(1)

"الفتح" 16/ 352 - 353، كتاب "التعبير" رقم (7010).

(2)

"المصباح المنير" 1/ 263.

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 42.

(4)

"الفتح" 8/ 515، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3813).

ص: 488

أصل الإخبار بأنه من أهل الجنة، وهذا شأن المراقب الخائف المتواضع، ووقع في رواية النسائيّ:"الجنة لله يُدخلها من يشاء"، زاد ابن ماجه من هذا الوجه:"الحمد لله". انتهى

(1)

.

(وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ؟)؛ أي: لأيّ شيء قال هؤلاء ما قالوا؟ (رَأَيْتُ رُؤْيَا، عَلَى عَهْدِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: في زمانه صلى الله عليه وسلم، فـ "على" بمعنى "في"، (فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ)؛ أي: أخبرته صلى الله عليه وسلم بتلك الرؤيا، ثم بيّن تلك الرؤيا، فقال:(رَأَيْتُنِي)؛ أي: رأيت نفسي.

[تنبيه]: قوله: "رأيتني" هذا مما اتّحد فيه الفاعل والمفعول، وهو من خواصّ أفعال القلوب، قال الفيّوميّ رحمه الله: ورَأَيْتُنِي قائمًا يكون الفاعل هو المفعولَ، وهذا مختصّ بأفعال القلوب، على غير قياس، قالوا: ولا يجوز ذلك في غير أفعال القلوب، والمراد ما إذا كانا متصلين، مثل رَأَيْتُنِي، وعَلِمتُني، أما إذا كان غير ذلك، فإنه غير ممتنع بالاتفاق، نحو: أهلكَ الرجلُ نفسه، وظلمت نفسي. انتهى

(2)

.

وقال الخضريّ رحمه الله في "حاشيته على شرح ابن عقيل" عند تعداد خواصّ أفعال القلوب، ما حاصله: وتختصّ بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كظننتني قائمًا، وخِلْتُني لي اسم، وقوله تعالى:{أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)} [العلق: 7]، وأُلْحِق بها في ذلك رأى الْحُلميّة، والبصريّة بكثرة، نحو:{إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36]، وقوله [من الكامل]:

وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً

مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي

وعَدِمَ، وفَقَدَ، ووَجَدَ بمعنى لَقِيَ بقلّة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: ضربتني اتّفاقًا؛ لئلا يكون الفاعل مفعولًا، بل ضربت نفسي، وظلمتُ نفسي؛ ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهمه قُدّر فيه النَّفْس، نحو:{وَهُزِّي إِلَيْكِ} [مريم: 25]، و {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} [القصص: 32]، و {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37]؛ أي: إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب، فإن

(1)

"الفتح" 16/ 353، كتاب "التعبير" رقم (7010).

(2)

"المصباح المنير" 1/ 247.

ص: 489

مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها، فلا ضرر في اتّحاده مع الفاعل، ولا توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننتُ نفسي عالمةً، وجوّزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلًا جاز في كلّ فعل، نحو: ما ضربتُ إلا إيّاي. انتهى

(1)

.

(فِي رَوْضَةٍ) بفتح، فسكون؛ أي: بستان، قال الفيّوميّ رحمه الله: الرَّوْضَةُ: الموضع الْمُعْجِب بالزهور، يقال: نزلنا أرضًا أَرِيضَةً، قيل: سُمِّيت بذلك؛ لاستراضة المياه السائلة إليها؛ أي: لسكونها بها، وأَرَاضَ الوادي، واسْتَرَاضَ: إذا استَنقع فيه الماء، واسْتَرَاضَ: اتَّسَع، وانبسط، ومنه يقال: افعل ما دامت النفس مريضةً، وجَمْع الرَّوضة: رِياضٌ، وروْضَاتٌ بسكون الواو؛ للتخفيف، وهُذيلٌ تفتح على القياس. انتهى

(2)

.

وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أن يراد بالروضة: جميع ما يتعلق بالدِّين، وبالعمود: الأركان الخمسة، وبالعروة الوثقى: الإيمان. انتهى.

وفي "التوضيح": والعمود دالّ على كل ما يُعتمَد عليه؛ كالقرآن، والسنن، والفقه في الدين، ومكان العمود، وصفات المنام تدلّ على تأويل الأمر، وحقيقة التعبير، وكذلك العروة: الإسلام والتوحيد، وهي العروة الوثقى، قال تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)} [البقرة: 256]، فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن عبد الله بن سلام يموت على الإيمان، ولِمَا في هذه الرؤيا من شواهد ذلك حَكَم له الصحابة بالجنة بحكم النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بموته على الإسلام، وقال الداوديّ: قالوا: لأنه كان بدريًّا، وفيه القطع بأن كل من مات على الإسلام والتوحيد لله دخل الجنة، وإن نالت بعضهم عقوبات. انتهى

(3)

.

(ذَكَرَ سَعَتَهَا)؛ أي: ذكر عبد الله بن سلام سعة تلك الروضة، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ "روضة". (وَعُشْبَهَا) بضمّ العين المهملة، وسكون الشين

(1)

"حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة" 1/ 151.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 245.

(3)

"عمدة القاري" 24/ 149.

ص: 490

المعجمة: هو الكلأ الرطب في الربيع، وعَشِبَ الموضع يَعْشَبُ، من باب تَعِبَ: نَبَت عُشْبه، وأَعْشَبَ بالألف كذلك، فهو عَاشِبٌ على تداخل اللغتين، وعَشِبَتِ الأرض، وأَعْشَبَتْ، فهي عَشِيبَةٌ، ومُعْشِبَةٌ، ومنهم من يقول: أرض عَشِبَةٌ، وعَشِيبَةٌ، ولا يقول: أَعْشَبَتْ، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(1)

.

(وَخُضْرَتَهَا) بضمّ، فسكون: لون معروفٌ جَمْعه: خُضَرٌ، وخُضْرٌ، والخُضْرة في الخيل: غُبْرة تُخالطها دُهْمة، قاله المجد

(2)

.

(وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ) بفتح الواو، وسكون السين المهملة، قال ابنُ الأَثِيرِ رحمه الله: الوَسْط بالتَّسْكِينِ يُقالُ فيِما كانَ مُتَفَرِّقَ الأَجْزَاء، غَيْرَ مُتَّصِلٍ؛ كالنّاس، والدَّوَابِّ، وغَيْرِ ذلِكَ، فإِذا كانَ مُتَّصِلَ الأَجْزَاءِ؛ كالدّار، والرَّأْسِ، فهو بالفَتْحِ، وكُلُّ ما يَصْلُحُ فِيهِ "بَيْن"، فَهُوَ بالسُّكُونِ، وما لا يَصْلُحُ فِيهِ "بَيْن" فَهُوَ بالفَتْحِ، وقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُما يَقَعُ مَوْقِعَ الآخَر، قالَ: وكَأَنَّه الأَشْبَهُ. انتهى

(3)

.

وقال في "التاج": قال الشَّيْخ أَبو مُحَمَّدِ بنِ بَرِّيّ رحمه الله: اعْلَمْ أَنَّ الوَسَطَ بالتَّحْرِيكِ: اسمٌ لِمَا بَيْنَ طَرَفَي الشَّيْءِ، وهُوَ مِنْهُ؛ كقَوْلِكَ: قَبَضْتُ وَسَطَ الحَبْلِ، وكَسَرْتُ وَسَطَ الرُّمْحِ، وجَلَسْتُ وَسَطَ الدّار، قال: وجاءَ الوَسَطُ مُحَرَّكًا أَوْسَطُه على وِزانٍ نَقِيضِه في المَعْنَى، وهو الطَّرَفُ؛ لأَنَّ نَقِيضَ الشَّيْءِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ نَظِيره في كَثِيرٍ من الأَوْزَانِ، نَحْوُ: جَوْعَان وشَبْعان، وطَوِيلٍ وقَصِير، قال: واعْلَمْ أَنَّ الوَسَطَ قَدْ يَأْتِي صِفَةً، وإِنْ كانَ أَصْلُه أَنْ يَكُونَ اسْمًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَوْسَطَ الشَّيْءِ أَفْضَلُه، وخِيَارُه كوَسَطُ المَرْعَى خَيْرٌ مِنْ طَرَفَيْه، وكوَسَطُ الدَّابَّة للرُّكُوبِ خَيْرٌ من طَرَفِيْهَا؛ لِتَمَكُّنِ الرّاكِب، قال: وحَقِيقَةُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّيْءِ، وهو مِنْهُ، أَو هُمَا فِيمَا مُصْمَتٌ كالحَلْقَةِ مِنَ النَّاسِ، والسُّبْحَةِ، والعِقْد، فإذا كانَتْ أَجْزَاؤُه مُتبايِنةً فبالإِسْكَانِ فَقَط، أَو كُلُّ مَوْضِعٍ صَلَحَ فِيهِ "بَيْنَ" فهُوَ وَسْطٌ بالتَّسْكِين، وإِلَّا فبِالتَّحْرِيك، وهذا نَقَلَهُ الجَوْهَرِيّ.

(1)

"المصباح المنير" 2/ 410.

(2)

"القاموس المحيط" ص 376.

(3)

"النهاية في غريب الأثر" ص 971 - 972.

ص: 491

قال: ورُبَّمَا سُكِّنَ ولَيْسَ بالوَجْهِ. قال ابنُ بَرِّيّ: وأَمّا الوَسْطُ بسُكُونِ السِّين فهُوَ ظَرْفٌ، لا اسْمٌ، جَاءَ على وَزانِ نَظِيرِهِ في المَعْنَى، وهُوَ بَيْنَ، تَقُولُ: جَلَسْتُ وَسْطَ القَوْم؛ أي: بَيْنَهُمْ، قال: ولَمّا كانَتْ "بَيْنَ" ظَرْفًا كانت "وَسْطَ" ظَرْفًا، ولهذَا جاءَتْ سَاكِنَةَ الأَوْسَط؛ لِتَكُونَ على وِزَانِهَا، ولَمّا كانَتْ "بَيْنَ" لا تَكُونُ بَعْضًا لِمَا يُضَافُ إِلَيْهَا بخِلافِ الوَسَطِ الَّذِي هو بَعْضُ ما يُضَافُ إِلَيْه، كَذلِكَ "وَسْط" لا تكُونُ بَعْضَ ما تُضَافُ إِلَيْه، أَلا تَرَى أَنَّ وَسَطَ الدّارِ مِنْهَا، ووَسْط القَوْمِ غَيْرهم، ومِنْ ذلِكَ قَوْلُهم: وَسَطُ رَأْسِه صُلْب؛ لأَنَّ وَسَطَ الرّأْسِ بَعْضها، وتَقُولُ: وَسْطَ رَأْسِهِ دُهْنٌ. فتَنْصِبُ وَسْطَ على الظَّرْف، ولَيْسَ هو بَعْضَ الرَّأس، فقَدْ حَصَلَ لَكَ الفَرْقُ بَيْنَهُما من جِهَةِ المَعْنَى، ومِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، أَمَّا من جِهَةِ المَعْنَى فإِنَّهَا تَلْزَمُ الظَّرْفِيَّةَ، ولَيْسَتْ باسْمٍ مُتَمَكِّنٍ يَصِحُّ رَفْعُهُ، ونَصْبُه عَلَى أَنْ يَكُونَ فاعِلًا ومَفْعُولًا، وغَيْرَ ذلِكَ، بِخلافِ الوَسَطِ.

وأَمَّا من جِهَةِ اللَّفْظِ فإِنَّهُ لا يَكُونُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْه، بخِلافِ الوَسَطِ أَيْضًا.

قال المرتضى بعد أن أطال التقرير في هذا، ما نصّه: وقَدِيمًا كُنْتُ أَسْمَعُ شُيُوخَنَا يَقُولُون في الفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَلامًا شَامِلًا لِما ذَكَرُوهُ، وهو: السَّاكِنُ مُتَحَرِّكٌ، والمُتَحَرِّكُ ساكِنٌ، وما فَصَّلْناه مُدْرَجٌ تَحْتَ هذا الكامِنِ. انتهى من "التاج" باختصار

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت الضابط المذكور، فقلت:

إِذَا أَرَدتَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَسَطِ

مُحَرَّكًا وَبِسُكُونٍ فَاضْبِطِ

فِإِنْ أَتَى بِمَعْنَى"بَيْنَ" سَكِّنَا

أَو لَا فَحَرِّكَنْ تَكُونُ مُحْسِنًا

أَوْ إِنْ أَتَى مُفَرَّقَ الأَجْزَاءِ

كَالنَّاسِ سَكِّنَنْ بِلَا عَنَاءِ

وَإِنْ أَتَى مُتَّصِلًا كَالرَّأْسِ

وَالدَّارِ فَافْتَحَنْ بِدُونِ بَأْسِ

(1)

"تاج العروس" 1/ 5034 - 5036.

ص: 492

وَقِيلَ كُل مِنْهُمَا يَقعُ فِي

مَوْقِعِ الآخَرِ

(1)

وَذَا قَدِ اصْطُفِي

لِبَعْضِهِمْ فَابْنُ الأَثِيرِ قَدْ ذَكَرْ

كَأَنَّهُ الأَشْبَهُ حَقِّقِ الْخَبَرْ

(عَمُودٌ) بفتح العين: جَمْعه: أعمِدةٌ، وعُمُدٌ بضمّتين، وبفتحتين، وقوله:(مِنْ حَدِيدٍ) متعلّقٌ بصفة لـ "عمود". (أَسْفَلُهُ)؛ أي: أسفل ذلك العمود، (فِي الأَرْضِ)؛ أي: غائص فيها، (وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ)؛ أي: مرتفع إليها، وجملة "أسفله" صفة لـ "عمود" بعد صفة، أو حال منه؛ لوصفه بالجارّ والمجرور، ومثله ما بعده. (فِي أَعْلَاهُ)؛ أي: في أعلى ذلك العمود، (عُرْوَةٌ) بضمّ، فسكون، قال في "التاج": الْعُرْوة بالضمّ من الدلو، والكوز: الْمَقْبِض، وعُرْوة القميص مَدخل زِرّه؛ كالْعُرْيِ، ويُكْسَرُ. انتهى

(2)

.

(فَقِيلَ لِي) لم يُعرف القائل، والله تعالى أعلم، ووقع في بعض النسخ:"فقيل له"، (ارْقَهْ) بهاء ساكنة، وهي هاء السكت، كما قال في "الخلاصة":

وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلّ

بِحَذْفِ آخِرٍ كَ "أَعْطِ مَنْ سَأَلْ"

وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَـ "عِ" أَوْ

كَ "يَعِ" مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوَا

ويَحْتَمِل أن تكون الهاء ضميرًا، عائدًا على "عمود"، فتكون مضمومة، والله تعالى أعلم.

(فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: للذي أمرني بالرقيّ على ذلك العمود: (لَا أَسْتَطِيعُ) الرُّقيّ، (فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ) بكسر الميم، وفتحها، وسكون النون، وفتح الصاد المهملة، آخره فاء، فسّره بقوله:(قَالَ) عبد الله (بْنُ عَوْنٍ) الراوي عن محمد بن سيرين مفسّرًا للمِنصف: (وَالْمِنْصَفُ: الْخَادِمُ) وفي رواية البخاريّ: "والمِنصف الوَصِيف"، وهذا التفسير مُدرَجٌ من كلام ابن عون، كما صرّح به هنا في رواية مسلم

(3)

.

وقال النوويّ رحمه الله: الْمِنصف بكسر الميم، وفتح الصاد، ويقال: بفتح الميم أيضًا، وقد فسّره في الحديث بالخادم، والوصيف، وهو صحيح، قالوا:

(1)

بنقل حركة الهمزة إلى اللام، ودرجها، وهو لغة، لا ضرورة، فتنبّه.

(2)

"تاج العروس" 1/ 8494.

(3)

فما قاله في "الفتح" من أن التفسير من ابن سيرين، فيه نظر لا يخفى، فتنبّه.

ص: 493

هو الوصيف الصغير المُدرِك للخدمة. انتهى

(1)

.

وقال المجد: "المصنف كمَقْعَدٍ، ومِنْبَرٍ: الخادم، وهي بِهاء، جَمْعه: مَنَاصف". انتهى

(2)

.

قال: والوَصِيف كأمير: الخادم، والخادمة، جَمْعه: وُصفَاءُ؛ كالوصيفة، جَمْعه وَصَائف. انتهى

(3)

.

(فَقَالَ)؛ أي: أخذ (بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي) فرفعها حتى أتمكّن من الرقيّ، وفيه استعمال القول للفعل، وهو شائع، وقد مرّ تحقيقه غير مرّة، فلا تغفل. (وَصَفَ) عبد الله بن سلام (أَنَّهُ)؛ أي: ذلك المصنف (رَفَعَهُ)؛ أي: رفع الثوب (مِنْ خَلْفِهِ)؛ أي: خلف عبد الله، وفيه التفات، ويَحْتَمِل أن يكون فاعل "وَصَف" لابن عون، أو ابن سيرين، فعلى هذا فلا التفات. (بِيَدِهِ)؛ أي: بيد المصنف، (فَرَقِيتُ) بكسر القاف على الأفصح، ويجوز الفتح، على لغة من قال: بَقَى يبقَى، وفَنَى يفنى، وهي لغة طيّئ؛ أي: صعِدت.

وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "فرقيت" بكسر القاف، على اللغة المشهورة الصحيحة، وحُكي فتحها، قال القاضي: وقد جاء بالروايتين في مسلم، والموطأ، وغيرهما في غير هذا الموضع. انتهى

(4)

.

(حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُود، فَأخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ)؛ أي: استمسكت بها حتى لا أسقط، (فَقِيلَ لِيَ) لم يُعرف القائل. (اسْتَمْسِكْ، فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ، وَإِنَّهَا)؛ أي: العروة، (لَفِي يَدِي)؛ أي: أن الاستيقاظ كان في حال الأخذ من غير فاصلة، ولم يُرِدْ أنها بقيت في يده في حال يقظته، ولو حُمل على ظاهره لم يمتنع في قدرة الله تعالى، لكن الذي يظهر خلاف ذلك، ويَحْتَمِل أن يريد: أن أثرها بقي في يده بعد الاستيقاظ، كأن يُصبح، فيرى يده مقبوضةً

(5)

.

ووقع في رواية خَرَشة الآتية: "حتى أتى بي عمودًا، رأسه في السماء، وأسفله في الأرض، في أعلاه حَلْقةٌ، فقال لي: اصعَد فوق هذا، قال: قلت:

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 42.

(2)

"القاموس المحيط" ص 1289.

(3)

"القاموس المحيط" ص 1402.

(4)

"شرح النوويّ" 16/ 42 - 43.

(5)

"الفتح" 8/ 515، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (2813).

ص: 494

كيف أصعد؟ فأخذ بيدي، فزَجَل بي -وهو بزاي، وجيم؛ أي: رفعني- فإذا أنا متعلق بالحلقة، ثم ضرب العمود، فخَرّ، وبقيت متعلقًا بالحلقة، حتى أصبحت".

(فَقَصَصْتُهَا)؛ أي: هذه الرؤيا (عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ) وفي بعض النسخ: "تلك الروضة روضة الإسلام"، (وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى) قال السمين الحلبيّ رحمه الله: العُروة: موضع شدّ الأيدي، وأصل المادّة يدل على التعلّق، ومنه عَرَوته: ألممت به متعلّقًا، واعتراه الهمّ: تعلّق به، و"الوُثقى": فُعْلى للتفضيل، تأنيث الأوثق؛ كفُضلَى تأنيث الأفضل، وجَمْعها على وُثَق، نحو كُبرى وكُبَر. انتهى

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: العروة: الشيء المتعلَّق به، حبلًا كان أو غيره، ومنه عروة القميص، والدلو، وقال بعضهم: أصله من عروته: إذا ألممت به متعلقًا، واعتراه الهمُّ: تعلّق به، وقيل: من العروة: وهي شجرة تبقى على الجدب، سُمّيت بذلك؛ لأنَّ الإبل تتعلق بها إلى زمان الخصب، وتُجْمَع العروة: على عُرَى.

و"الوُثقى": الوثيقة؛ أي: القوية التي لا انقطاع فيها، ولا ضَعف، وقد أضاف العروة هنا إلى صفتها، فقال: عروة الوثقى، كما قالوا: مسجدُ الجامع، وصلاةُ الأُولى. انتهى

(2)

.

وقوله: (وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنك ثابت على الإسلام (حَتَّى تَمُوتَ) غاية لثباته عليه. (قَالَ) قيس بن عُباد، وقال في "الفتح": هو من قول عبد الله بن سلام، ولا مانع من أن يُخبر بذلك، ويريد نفسه، ويَحْتَمل أن يكون من كلام الراوي. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد الاحتمال الأول، فالظاهر هو الاحتمال الثاني، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.

(1)

"الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون" 2/ 548.

(2)

"المفهم" 6/ 415.

ص: 495

(وَالرَّجُلُ)؛ أي: الذي قال في أول الحديث: "فجاء رجل في وجهه أثر من خُشوع"؛ لأن النكرة إذا أُعيدت معرفة فهي عين الأُولى، كما قال السيوطيّ رحمه الله في "عقود الجمان":

ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ

إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ

تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ

تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ

شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا

"لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ" أَبَدًا

ثم ذَكَر تعقّب السبكي للقاعدة، فقال:

وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأمْثِلَهْ

وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ

قال الجامع عفا الله عنه متعقّبًا لكلام السبكيّ هذا:

قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ

عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ

وللعلامة الأجهوريّ رحمه الله في هذا المعنى قوله:

وَإِنْ يُعَدْ مُنَكَّرٌ مُنَكَّرَا

فَالثَّانِ غَيْرُ أَوَّلٍ بِلَا مِرَا

وَفِي سِوَى ذَا الثَّانِ عَيْنُ الأَوَّلِ

وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ وَهْوَ جَلِي

قُلْتُ وَفي "مُغْنِي اللَّبِيبِ" حَكَمَا

بِأنَّ هَذَا كُلَّهُ مَا سُلِّمَا

إِذْ قَوْلُهُ {فَوْقَ الْعَذَابِ} أَبْطَلَهْ

{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} قَدْ أَبَانَ خَلَلَهْ

وَقَوْلُهُ أَيْضًا {وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ}

لأَنَّ رَبِّي وَاحِدٌ بِلَا اشْتِبَاهْ

قال الجامع: فقلت أيضًا متعقّبًا على الأجهوريّ:

قُلْتُ يُجَابُ أَنَّ هَذِي الْقَاعِدَهْ

تُبْنَى عَلَى الْغَالِبِ خُذْهَا فَائِدَهْ

أَو قُل إِذَا قَرِينَةٌ لَمْ تَقْتَرِنْ

فَإِنْ بَدَتْ تَصْرِفُهَا فَلْتَسْتَبِنْ

فقوله: "والرجلُ" مبتدأ خبره قوله: (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَام) رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [33/ 6361 و 6362 و 6363](2484)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3813) و "التعبير"(7010 و 7014)،

ص: 496

و (ابن ماجه) في "تعبير الرؤيا"(3920)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 452 - 453)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7166)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن سلام رضي الله عنه.

2 -

(ومنها): أن فيه من تعبير الرؤيا معرفةَ اختلاف الطرق، وتأويل العمود، والجبل، والروضة الخضراء، والعروة.

3 -

(ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة أن عبد الله بن سلام لا يموت شهيدًا، فوقع كذلك، مات على فراشه في أول خلافة معاوية رضي الله عنه بالمدينة.

4 -

(ومنها): ما نَقَل ابن التين عن الداوديّ أن القوم إنما قالوا في عبد الله بن سلام: إنه من أهل الجنة؛ لأنه كان من أهل بدر، كذا قال، وتعقّبه الحافظ، فقال: والذي أوردته من طرق القصة يدلّ على أنهم انما أخذوا ذلك من قوله لمّا ذكر طريق الشمال: "إنك لست من أهلها"، وإنما قال: ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم على سبيل التواضع، كما تقدم، وكراهة أن يُشار إليه بالأصابع؛ خشية أن يدخله العُجْب، ثم إنه ليس من أهل بدر أصلًا، والله تعالى أعلم

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6362] (

) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا حَرَميُّ ابْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ، فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عُمَرَ، فَمَرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَالُوا: هَذا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُودًا وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فَنُصِبَ فِيهَا، وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ، وَفِي أَسْفَلِهَا

(2)

مِنْصَف -وَالْمِنْصَفُ: الْوَصِيفُ- فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ، فَرَقِيتُ

(3)

، حتَّى

(1)

"الفتح" 16/ 355، كتاب "التعبير" رقم (7010).

(2)

وفي نسخة: "وفي أسلفه".

(3)

وفي نسخة: "فرقيته".

ص: 497

أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"يَمُوتُ عَبْدُ الله، وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى").

رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) الْعَتَكيّ -بفتح العين المهملة، والمثناة- أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [11](ت 234)(م د) تقدم في "الإيمان" 63/ 348.

2 -

(حَرَميُّ بْنُ عُمَارَةَ) بن أبي حفصة نابت -بنون، وموحّدة، ثم مثناة- وقيل: كالجادّة، الْعَتَكيّ البصريّ، أبو رَوْح، صدوقٌ يَهِم [9](ت 201)(خ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 31/ 1394.

3 -

(قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [6](ت 155)(ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.

والباقون ذُكروا قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وهو مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.

شرح الحديث:

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) الأنصاريّ البصريّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، وتقدّم أنه وقع في رواية:"عن محمد بن سيرين، حدّثني قيس بن عُباد". (كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ) بفتح الحاء المهملة، وسكون اللام، قال الفيّوميّ رحمه الله: حَلْقَةُ الباب، بالسكون، من حديد وغيره، وحَلْقَةُ القوم: الذين يجتمعون مستديرين، والحَلْقَةُ: السلاح كله، والجمع: حَلَقٌ، بفتحتين، على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَق، بالكسر، مثل قَصْعَةٍ وقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَر، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الحَلَقَةَ بالفتح لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس، مثلُ قَصَبة وقَصَبٍ، وجَمَعَ ابنُ السراج بينهما، وقال: فقالوا: حَلَقٌ، ثم خففوا

ص: 498

الواحد حين ألحقوه الزيادة، وغُيِّر المعنى، قال: وهذا لفظ سيبويه. انتهى

(1)

. وقال المجد رحمه الله: وحَلْقَةُ الباب، والقوْمِ، وقد تُفْتَحُ لامُهما، وتُكْسَرُ، أوْ ليس في الكلامِ حَلَقَةٌ محرَّكةً، إلَّا جَمْعُ حالِقٍ، أو لغةٌ ضعيفةٌ، جَمْعه: حَلَقٌ محرَّكةً، وكبِدَرٍ، وحَلَقاتٌ محرَّكةً، وتُكْسَرُ الحاءُ. انتهى

(2)

.

(فِيهَا)؛ أي: في تلك الحلقة (سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) هو سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه، (وَ) عبد الله (بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله عنهما. (فَمَرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَام) رضي الله عنه (فَقَالُوا)؛ أي: قال بعض الحاضرين، وتقدّم بلفظ:"فقال بعض القوم"، وبلفظ:"فقال رجل كذا وكذا". (هَذَا) إشارة إلى عبد الله بن سلام رضي الله عنه، (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ). قال قيس:(فَقُمْتُ) من المجلس (فَقُلْتُ لَهُ) وذلك بعدما ذهب إلى بيته، فاستأذنه، ثم دخل عليه:(إِنَّهُمْ)؛ أي: القوم الجالسين في الحلقة؛ أي: بعضهم، (قَالُوا: كَذَا وَكَذَا) كناية عن قولهم: هذا رجل من أهل الجنّة. (قَالَ) ابن سلام: (سُبْحَانَ الله، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُودًا وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاء، فَنُصِبَ فِيهَا) -بضم النون، وكسر الصاد المهملة، بعدها موحّدة- قال في "الفتح": وفي رواية المستملي، والكشميهني:"قبضت" بفتح القاف، والموحّدة، بعدها ضاد معجمة ساكنة، ثم تاء المتكلم. (وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ) ضمير المؤنّث للعمود، وهو مذكر، وكأنه أُنِّث باعتبار الدعامة، قاله في "الفتح"

(3)

. (وَفِي أَسْفَلِهَا) وفي بعض النسخ: "وفي أسفله"؛ أي: أسفل العمود، (مِنْصَفٌ) تقَدم أنه بكسر الميم، وفتحها، (وَالْمِنْصَفُ: الْوَصِيفُ)؛ أي: الخادم، وتقدّم أن هذا مُدْرَج من ابن عون، وجعله في "الفتح" من ابن سيرين (فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ) بهاء السكت، أو هي ضمير للعمود، (فَرَقِيتُ) وفي بعض النُّسخ:"فرقيته"، (حتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ) وفي رواية:"فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت بالعروة، فاستمسكت، فاستيقظت، وإنَّها لفي يدي"، (فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

(1)

"المصباح المنير" 1/ 146 - 147.

(2)

"القاموس المحيط" 1/ 1130 - 1131.

(3)

"الفتح" 16/ 353.

ص: 499

"يَمُوتُ عَبْدُ اللهِ) بن سلام (وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه (آخِذٌ بِالْعُرْوة الْوُثْقَى")؛ أي: ثابت على الإسلام، ومن مات على الإسلام، فهو من أهل الجنّة؛ لأن الله تعالى وعده بذلك، وهو لا يخلف الميعاد.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6363] (

) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ، فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَفيهَا شَيْخٌ، حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ قَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لأَتْبَعَنَّهُ، فَلأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِه، قَالَ: فَتَبِعْتُهُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَة، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، قَالَ: فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأذِنَ لِي، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ لَمَّا قُمْتَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَأَعْجَبَنِي أَنْ أكُونَ مَعَكَ، قَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِأهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ؟ إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ: فَإذَا أَنَا بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي، قَالَ: فَأخَذْتُ لآخُذَ فِيهَا، فَقَالَ لِي: لَا تَأْخُذْ فِيهَا، فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَال، قَالَ: فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَلَى يَمِيِنِي

(1)

، فَقَالَ لِي: خُذْ هَا هُنَا، فَأَتَى بِي جَبَلًا، فَقَالَ لِي: اصْعَدْ، قَالَ: فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى اسْتِي، قَالَ: حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا، رَأْسُهُ فِي السَّمَاء، وَأَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ، فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ، فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أصْعَدُ هَذَا، وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي، فَزَجَلَ بِي، قَالَ: فَإِذَا أَنَا

(1)

وفي نسخة: "عن يميني".

ص: 500

مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ، فَخَرَّ، قَالَ: وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ، حَتَّى أَصْبَحْتُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْه، فَقَالَ: "أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، قَالَ: وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِين، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاء، وَلَنْ تَنَالَهُ، وَأَمَّا الْعَمُودُ، فَهُوَ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَأمّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا

(1)

حَتَّى تَمُوتَ").

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدَّم في الباب الماضي.

2 -

(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.

3 -

(جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

4 -

(الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريبًا.

5 -

(سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْهِرٍ) الْفَزاريّ الكوفيّ، ثقةٌ [4] ووَهِم من ذَكَره في الصحابة (م د س) تقدم في "الإيمان" 48/ 301.

6 -

(خَرَشَةُ بْنُ الْحُرِّ) هو: خَرَشة -بفتحات، والشين معجمة- ابن الحر -بضم الحاء المهملة- الفزاريّ، كان يتيمًا في حِجْر عمر رضي الله عنه، قال أبو داود: له صحبةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ من كبار التابعين، فيكون من الطبقة الثانية، مات سنة أربع وسبعين (ع) تقدم في "الإيمان" 48/ 300.

و"عبد الله بن سلام رضي الله عنه" ذُكر قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وهو مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه، فالأول بغلانيّ، والثاني مروزيّ، وفيه رواية صحابي عن صحابيّ، على قول من قال بصحبة خَرَشة، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض.

(1)

وفي نسخة: "به".

ص: 501

شرح الحديث:

(عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ)؛ أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ) تقدّم أنها بفتح اللام، وسكونها، (فِي مَسْجِدِ الْمَدِينة، قَالَ) خرشة: (وَفِيهَا)؛ أي: في تلك الحلقة (شَيْخٌ، حَسَنُ الْهَيْئَةِ)؛ أي: الصفة، قال الفيّوميّ رحمه الله: الهيئة: الحالة الظاهرة، يقال: هاء يهوء، ويهيء هيئةً حسنةً: إذا صار إليها

(1)

. (وَهُوَ)؛ أي: ذلك الشيخ (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) رضي الله عنه (قَالَ) خَرَشة: (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع، وأخذ (يُحَدِّثُهُمْ)؛ أي: القوم الحاضرين في تلك الحلقة، وهذا يخالف من سبق، وقد تقدّم الجمع بحَمْل الروايتين على واقعتين، فتنبّه. (حَدِيثًا حَسَنًا، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ) عبد الله بن سلام (قَالَ الْقَوْمُ)؛ أي: بعضهم، (مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ خبره "فلينظر". (سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا)؛ أي: عبد الله بن سلام. (قَالَ) خرشة: (فَقُلْتُ: وَاللهِ لأَتْبَعَنَّهُ، فَلأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِهِ)؛ أي: حتى يدخل عليه، ويسأله سبب قولهم هذا. (قَالَ: فَتَبِعْتُهُ، فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ) كون خبر "كاد" مقترنًا بـ "أن" قليل، عكس "عسى"، كما قال في "الخلاصة":

وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ "عَسَى"

نَزْرٌ و "كَادَ" الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا

(ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، قَالَ) خرشة: (فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ)؛ أي: طلبت منه الإذن في الدخول عليه، (فَأَذِنَ لِي) بكسر الذال المعجمة، (فَقَالَ) ابن سلام:(ما) استفهاميّة، (حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟، قَالَ) خرشة: (فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ)؛ أي: من أجلك، (لَمَّا قُمْتَ) من الحلقة، (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَأعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ)؛ أي: حتى أسألك عن السبب. (قَالَ) ابن سلام: (اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ) وقد سبق أنه قال: "سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم"، (وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ؟)"ممّ" هي "ما" الاستفهاميّة جُرّت بـ "من"، فحُذفت ألفها تخفيفًا، كما قال في "الخلاصة":

و"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ

أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ

وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا

بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ "اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى"

(1)

"المصباح المنير" 2/ 645.

ص: 502

(إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ) تقدَّم البحث في "بينما"، و "بينا" غير مرّة، فلا تغفل.

(إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ) لم يُعرف، ويَحْتمل أن يكون ملَكًا، أو غيره، (فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأخَذَ بيَدِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ) ابن سلام:(فَإذَا أَنَا)"إذا" هي الفجائيّة، (بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي) قال النوويّ رحمه الله: الجوادّ جَمْع جادّة، وهي الطريق الْبَيِّنة المسلوكة، والمشهور فيها جوادّ بتشديد الدال، قال القاضي عياض: وقد تُخَفَّف، قاله صاحب "العين". انتهى

(1)

.

(قَالَ) ابن سلام: (فَأَخَذْتُ)؛ أي: شرعت (لآخُذَ فِيهَا)؛ أي: لأسير في تلك الجوادّ، (فَقَالَ لِي) ذلك الرجل:(لَا تَأْخُذْ فِيهَا، فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ)؛ أي: الكفرة، والمنافقين، وفي رواية النسائيّ:"فبينا أنا أمشي؛ إذ عَرَض لي طريق عن شمالي، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها". (قَالَ) ابن سلام: (فَإذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ)؛ أي: طُرُقٌ واضحة مستقيمة، والنهج: الطريق المستقيم، ونهج الأمر، وأنهج: إذا وضح، وطريق منهج، ومنهاج، ونهج؛ أي: بيّنٌ واضح، قاله النوويّ رحمه الله

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "فإذا جواد منهج" الجوادّ: جمع جادّة مشدد الدال؛ وهي: الطريق، و"منهجٌ" مرفوع على الصفة؛ أي: جوادُّ ذوات منهج؛ أي: استقامة، ووضوح، والمنهج: الطريق الواضح، وكذلك: المنهاج، والنهج، وأنهج الطريقُ؛ أي: استبان، ووضح، ونهجته أنا: أوضحته، ويقال أيضًا: نهجت الطريق: إذا سلكته. انتهى

(3)

.

(عَلَى يَمِيِنِي) وفي بعض النسخ: "عن يميني"، (فَقَالَ لِي) الرجل:(خُذْ هَا هُنَا)؛ أي: اسلك هذا الطريق، (فَأَتَى بِي جَبَلًا)؛ أي: فلما أخذت في تلك الجهات، أوصلني إلى جبل (فَقَالَ لِي: اصْعَدْ) بفتح العين، أمرٌ مِن صَعِد يصعد، من باب تعب، لكن قال المجد: لم يُسمَع صَعِد الجبل ثلاثيًّا، وإنما هو صعّد بالتشديد، ونصّه: صَعِدَ في السلّم، كسَمِعَ، صُعُودًا، وصَعَّدَ في الجبل، وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسمَع صَعِدَ فيه. انتهى

(4)

.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 44.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 44.

(3)

"المفهم" 6/ 414.

(4)

"القاموس المحيط" ص 739.

ص: 503

لكن أثبت الفيّوميّ: صَعِد في الجبل ثلاثيًّا على قلّة، ونصّه: وصَعِدَ في السلم، والدرجة يَصْعَدُ، من باب تَعِبَ صُعُودًا، وصَعِدْتُ السطحَ، وإليه، وصَعَّدْتُ في الجبل، بالتثقيل: إذا عَلَوْته، وصَعِدْتُ في الجبل، من باب تَعِبَ لغة قليلة. انتهى

(1)

.

وقال في "التاج" بعد ذكر ما تقدّم عن المجد، ما نصّه: قلت: وقَرَأَ الحَسَنُ: {إِذْ تُصْعِدُونَ} ، جَعَل الصُّعُودَ في الجَبَلِ كالصُّعُودِ في السُّلَّم، وقال ابن السّكّيت: يقال: صَعِدَ في الجَبَل، وأَصْعَدَ في البلاد، وقال ابن الأَعرابيّ: صَعِدَ في الجَبَل، واستشهدَ بقوله تعالى:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وقد رَجَعِ أبو زيدٍ إلى ذلك، فقال: استوْأَرَتِ الإِبِلُ: إذا نَفَرَتْ، فَصَعِدَت في الجِبَال، ذَكرَه في الهمز، وقد أَشار في "المصباح" إلى بعضٍ من ذلك. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن قوله هنا: "فقال لي: اصْعَد" فصيحٌ تشهد له الآيتان المذكورتان، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(قَالَ) ابن سلام: (فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ) بفتحتين، من بابي ضرب، وقعد: سقطت، (عَلَى اسْتِي) بهمزة الوصل؛ أي: دُبُري.

[فائدة]: "الاست" أحد الأسماء التي تبدأ بهمزة الوصل، وقد بيّن الخضريّ في "حاشيته" قاعدة همزة الوصل، فقال ما حاصله: همزة الوصل لا تدخل على المضارع أصلًا، ولا الحرف، سوى "أل"، ولا ماضي الثلاثيّ، والرباعيّ، ولا اسمًا غير مصدر الخماسيّ، والسداسيّ، والأسماء العشرة -يعني: المذكورة في الأبيات الآتية- و "أل" الموصولة، فجملة الأسماء اثنا عشر

(3)

، لا غير. انتهى.

وقد أشار ابن مالك رحمه الله إلى هذا في "الخلاصة"، حيث قال:

لِلْوَصْلِ هَمْزٌ سَابِقٌ لَا يَثْبُتُ

إِلَّا إِذَا ابْتُدِي بِهِ كَ "اسْتَثْبِتُوا"

(1)

"المصباح المنير" 1/ 340.

(2)

"تاج العروس" 1/ 2072.

(3)

أي: هي الأسماء العشرة، بزيادة "أل" الموصولة، ومصدر الخماسيّ، والسداسيّ، صارت اثني عشر.

ص: 504

وَهْوَ لِفِعْلٍ مَاضٍ احْتَوَى عَلَى

أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِةٍ نَحْوُ "انْجَلَى"

وَالأَمْرِ وَالْمَصْدَرِ مِنْهُ وَكَذَا

أَمْرُ الثُّلَاثِي كَـ "اخْشَ" و "امْضِ" و"انْفُذَا"

وَفِي اسْم اسْتٍ ابْنٍ ابْنِمٍ سُمِعْ

وَاثْنَيْنِ وَامْرِئٍ وَتَأنِيثٍ تَبِعْ

وَايْمُن هَمْزُ "أَلْ" كَذَا وَيُبْدَلُ

مَدًّا فِي الاسْتِفَهَامِ أَو يُسَهَّلُ

(قَالَ) ابن سلام: (حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ)؛ أي: محاولة الصعود، (مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي)؛ أي: ذهب الرجلُ (حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا، رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ، وَأَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ، فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ) تقدَّم الخلاف في ضبطها بسكون اللام، أو بفتحها، (فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ فَوْقَ هَذا، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْعَدُ هَذا، وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ) الرجل (بِيَدِي، فَزَجَلَ بِي) بالزاي، والجيم؛ أي: رمى بي.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "فزجل بي" يُروى بالجيم، وبالحاء المهملة، فبالجيم: معناه: رمى، يقال: لعن الله أُمًّا زَجَلتْ به، والزَّجْلُ: إرسال الحمام، والمِزْجَل: الْمِزْراق

(1)

؛ لأنَّه يُرمى به، فأمَّا زحل: فمعناه تنحَّى، وتباعد، يقال: زحل عن مكانه زُحُولًا، وتزحَّل: تنحَّى، وتباعد، فهو زَحِلٌ، وزحيل، ورواية الجيم أَولى، وأوضح. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: ضَبْطه بالحاء المهملة أظنّه تصحيفًا؛ لأنه لا معنى له هنا، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.

(قَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ) التي في أعلى العمود، (قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ)؛ أي: ليسقط، (فَخَرَّ)؛ أي: سقط ذلك العمود، (قَالَ: وَبَقِيتُ) بكسر القاف على الأفصح، كما سبق. (مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ)، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه:"ثم عُرِضَت عليّ طريقٌ عن يميني، فسلكتها، حتى إذا انتهيت إلى جبل زَلْقٍ، فأخذ بيدي، فزَجَل بي، فإذا أنا على ذروته، فلم أتقارّ، ولم أتماسك، وإذا عمود من حديد في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي، فزجل بي حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسكتَ؟ قلت: نعم، فضرب العمود برجله، فاستمسكت بالعروة". (حَتَّى أَصْبَحْتُ)؛ أي: دخلت في الصباح، واستيقظت

(1)

"المزراق": الرمح القصير".

(2)

"المفهم" 6/ 415.

ص: 505

من نومي. (قَالَ) ابن سلام: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ) من الكفرة والمنافقين الفجار. (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) من الأنبياء، والشهداء، والصالحين، (وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ، وَلَنْ تَنَالَهُ)؛ أي: لن تموت شهيدًا، وإنما تموت على فراشك، وهذا، وقوله صلى الله عليه وسلم الآتي:"ولن تزال متمسّكًا بها حتى تموت"، من أعلام النبوّة، ومن المعجزات الظاهرة، حيث مات عبد الله سلام على فراشه، وهو متمسّك بالإسلام (وَأَمَّا الْعَمُودُ، فَهُوَ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا)

(1)

؛ أي: بعروة الإسلام، وفي بعض النُّسخ:"به"؛ أي: بالإسلام، (حَتَّى تَمُوتَ")؛ معناه: أنه لا يتخلّل إسلامك انحراف إلى أن تموت، وهذه منقبة عظيمة لعبد الله بن سلام رضي الله عنه.

قال القرطبيّ رحمه الله: وإخباره صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن سلام أنه لا ينال الشهادة، وأنه لا يزال على الإسلام حتى يموت، خبران عن غيب، وقعا على نحو ما أخبر؛ فإنَّ عبد الله مات بالمدينة، ملازمًا للأحوال المستقيمة، فكان ذلك من دلائل صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى

(1)

.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدَّم تخريجه، وبقيّة مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(34) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه

-)

هو: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاريّ الخزرجيّ، ثم النجاريّ، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه الفريعة -بالفاء، والعين المهملة، مصغرًا- بنت خالد بن حبيش بن لوذان خزرجية أيضًا، أدركت الإسلام، فأسلمت، وبايعت، وقيل:

(1)

"المفهم" 6/ 415.

ص: 506

هي أخت خالد، لا ابنته، يكنى أبا الوليد، وهي الأشهر، وأبا المضرب، وأبا الحسام، وأبا عبد الرحمن.

رَوَى عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أحاديث، وروى عنه سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وآخرون.

قال أبو عبيدة: فُضِّل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبيّ صلى الله عليه وسلم في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام، وكان مع ذلك جَبَانًا، وفي "الصحيحين" من طريق سعيد بن المسيِّب قال: مَرّ عمر بحسّان في المسجد، وهو ينشد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك

الحديث.

وأخرج أحمد من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: مَرّ عمر على حسان، وهو يُنشد الشعر في المسجد، فقال: أفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تنشد الشعر؟ فقال: قد كنت أُنشد، وفيه من هو خير منك.

وقال أبو داود: حدّثنا لُوَيْن

(1)

، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن عائشة رضي الله عنها؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يضع لحسّان المنبر في المسجد، يقوم عليه قائمًا، يهجو الذين كانوا يهجون النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن روح القدس مع حسان، ما دام ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وروى ابن إسحاق في "المغازي" قال: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان معنا فيه مع النساء، والصبيان، فمرّ بنا رجل يهوديّ، فجعل يُطيف بالحصن، فقالت له صفية: إن هذا اليهوديّ لا آمنه أن يدلّ على عوراتنا، فأنزل إليه، فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا، قالت صفية: فلما قال ذلك، أخذت عمودًا، ونزلت من الحصن، حتى قتلت اليهوديّ، فقالت: يا حسان انزل، فاسلُبه، فقال: ما لي بسلبه من حاجة.

قال الجامع عفا الله عنه: قد أنكر كثير من العلماء هذه الحكاية في جبن

(1)

لَقَبُ محمد بن سعيد المصّيصيّ.

ص: 507

حسّان رضي الله عنه، وما أحقها بالإنكار، ومما يبطلها ما قام به حسّان رضي الله عنه من هجو قريش بقصائده المتتالية، وما ردّوا عليه في ذلك، فلم يذكروه بالجبن أصلًا، فلو كان موصوفًا به لَمَا تركوا طعنه به، بل هو أَولى ما يُطعن به الشخص في مثل ذلك، فالحقّ أن هذه الحكاية غير صحيحة، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم.

مات حسان قبل الأربعين، في قول خليفة، وقيل: سنة أربعين، وقيل: خمسين، وقيل: أربع وخمسين، وهو قول ابن هشام، حكاه عنه ابن الْبَرْقيّ، وزاد: وهو ابن عشرين ومائة سنة، أو نحوها.

وذكر ابن إسحاق أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينة، ولحسّان ستون سنة.

قال الحافظ: فلعل هذا يكون على قول من قال: إنه مات سنة أربعين، بلغ مائة، أو دونها، أو في سنة خمسين، مائة وعشرة، أو سنة أربع وخمسين، مائة وأربع عشرة، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين سنة، وقيل: عاش مائة وأربع سنين، جزم به ابن أبي خيثمة، عن المدائنيّ، وقال ابن سعد: عاش في الجاهلية ستين، وفي الإسلام ستين، ومات وهو ابن عشرين ومائة. انتهى من "الإصابة"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: حسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن النجار الأنصاري، يكنى: أبا الوليد، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا الحسام، ويقال له: شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، رُوي عن عائشة رضي الله عنها؛ أنها وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان والله كما قال شاعره حسان بن ثابت [من الطويل]:

متى يبْدُ في الدَّاجي الْبَهِيمِ جَبِينُه

يَلُحْ مِثلَ مِصباحِ الدُّجَى المُتَوَقِّدِ

فمَن كانَ أَو مَن قَد يَكُونُ كَأَحْمَدٍ

نِظَامٌ لِحَقٍّ أَوْ نَكالٌ لِمُلْحِدِ

قال أبو عبيدة: فَضَل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبيّ صلى الله عليه وسلم في النبوَّة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام. وقال أيضًا: أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر: حسان بن ثابت. وقال أبو عبيدة، وأبو عمرو بن العلاء: حسان أشعر أهل الحضر. وقال الأصمعيّ:

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 2/ 62 - 64.

ص: 508

حسان أحد فحول الشعراء، فقال له أبو حاتم: تأتي له أشعارٌ ليِّنة! فقال الأصمعيّ: نُسبت له، وليست له، ولا تصح عنه. ورُوي عنه أنه قال: الشعر نَكِدٌ يقوى في الشر ويُسهل، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسَّان فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط، وقيل لحسان: لانَ شِعرُك، أو هَرِمَ شعرك في الإسلام يا أبا الحسام! فقال: إن الإسلام يحجز عن الكذب؛ يعني: أن الشعر لا يجوِّده إلا الإفراط، والتزين في الكذب، والإسلام قد منع ذلك، فقلّما يجود شعر من يتقي الكذب.

وتُوفي حسان قبل الأربعين في خلافة عليّ رضي الله عنه، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين، ولم يختلفوا أنه عاش مئة وعشرين سنة، منها: ستون في الجاهلية، وستون في الإسلام، وكذلك عاش أبوه وجدُّه، وأدرك النابغة الذُّبيانيّ، والأعشى، وأنشدهما من شعره، فكلاهما استجاد شعره، وقال: إنك شاعر. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6364](2485) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْن أَبِي عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ، وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ "، قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في السند الماضي.

3 -

(ابنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.

(1)

"المفهم" 6/ 417 - 418.

ص: 509

4 -

(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدَّم أيضًا قبل أربعة أبواب.

5 -

(الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم قبل بابين.

6 -

(سَعِيدُ) بن الْمُسَيِّب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [3] اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثّمانين (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 71.

7 -

(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، تقدّم قريبًا.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه رأس المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا، وأن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه، كما أشار إليه السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:

وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ

سَعِيدٍ أَو أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنّ

عَنْ أَعْرَجٍ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا

أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى

شرح الحديث:

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنْ سَعِيدِ) بن المسيّب، هكذا رواية ابن عيينة عن سعيد، عن الزهريّ، عن أبي هريرة، وهي عند البخاريّ في "بدء الخلق"، وتابعه معمر في الرواية التالية عند مسلم، وإبراهيم بن سعد، وإسماعيل بن أميّة، عند النسائيّ، ورواه البخاريّ في "الصلاة" من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أنه سمع حسّان بن ثابت، وتابعه إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، أخرجه النسائيّ، قال في "الفتح": وهذا من الاختلاف الذي لا يضرّ؛ لأن الزهريّ من أصحاب الحديث، فالراجح أنه عنده عنهما معًا، فكان يحدّث به تارةً عن هذا، وتارة عن هذا، وهذا من جنس الأحاديث التي يتعقبها الدارقطني على الشيخين، لكنه لم يذكره، فليُستدرك عليه.

قال: وفي الإسناد نَظَر من وجه آخر، وهو على شرط التتبع أيضًا، وذلك

ص: 510

أن لفظ رواية سعيد بن المسيِّب: "مَرّ عمرُ في المسجد، وحسان ينشد، فقال: كنت أُنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله

" الحديث، ورواية سعيد لهذه القصة عندهم مرسلة؛ لأنه لم يدرك زمن المرور، ولكنه يُحْمَل على أن سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعدُ، أو من حسان، أو وقع لحسان استشهاد أبي هريرة مرة أخرى، فحضر ذلك سعيد، ويقويه سياق حديث الباب -يعني: حديث البخاريّ- فإن فيه أن أبا سلمة سمع حسان يستشهد أبا هريرة، وأبو سلمة لم يُدرك زمن مرور عمر أيضًا، فإنه أصغر من سعيد، فدلّ على تعدد الاستشهاد، ويجوز أن يكون التفات حسان إلى أبي هريرة، واستشهاده به، إنما وقع متأخرًا؛ لأن "ثُمّ" لا تدلّ على الفورية، والأصل عدم التعدد، وغايته أن يكون سعيد أرسل قصة المرور، ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسان لأبي هريرة، وهو المقصود؛ لأنه المرفوع، وهو موصول بلا تردد، والله أعلم. انتهى

(1)

.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه؛ (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله عنه (مَرَّ بحَسَّانَ) بن ثابت رضي الله عنه، وقوله:(وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ) جملة في محلّ نصب على الحال من "حسّان"، و "يُنشد" بضمّ أوله، من الإنشاد، يقال: أنشد الشعرَ: إذا قرأه. (فَلَحَظَ إِلَيْهِ) بفتح الحاء المهملة، يقال: لَحَظَه، كسمِعه، وإليه لَحْظًا، ولَحَظانًا محرّكةً: إذا نظر بمؤخِّر عينيه، وهو أشدّ التفاتًا من الشَّزْر، قاله المجد رحمه الله

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "فلحظ إليه"؛ أي: أومأ إليه بعينيه أن اسكت، وهذا يدلُّ على أن عمر رضي الله عنه كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، وكان قد بنى رحبة خارج المسجد، وقال: من أراد أن يلغط، أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة، وقد اختُلف في ذلك، فمِن مانع مطلقًا، ومن مجيز مطلقًا، والأَولى التفصيل، وهو أن يُنظر إلى الشعر، فإنْ كان مِمَّا يقتضي الثناء على الله تعالى، أو على رسوله صلى الله عليه وسلم، أو الذبَّ عنهما، كما كان شعر حسان،

(1)

"الفتح" 2/ 197 - 198، كتاب "الصلاة" رقم (453).

(2)

"القاموس المحيط" ص 1168.

ص: 511

أو يتضمن الحضَّ على الخير، فهو حسن في المساجد، وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يَجُز؛ لأنَّ الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش، والكذب، والتزيين بالباطل، ولو سَلِم من ذلك فأقل ما فيه اللغو، والهذر، والمساجد منزهة عن ذلك؛ لقوله تعالى:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} الآية [النور: 36]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن"

(1)

، وقد تقدَّم هذا المعنى. انتهى

(2)

.

(فَقَالَ) حسّان: (قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ) وقوله: (وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وأراد به النبيّ صلى الله عليه وسلم. (ثُمَّ الْتَفَتَ) حسّان (إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ)؛ أي: أسألك بالله رافعًا نشيدتي؛ أي: صوتي، يقال: نشدتك الله، وبالله أنشُدك، من باب نصر: ذَكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مقسِمًا عليك، قاله الفيّوميّ رحمه الله

(3)

.

وقال في "العمدة": قوله: أنشدك اللهَ بفتح الهمزة، وضم الشين، معناه: سألتك بالله، قال الجوهريّ: نشدت فلانًا أنشده نَشْدًا: إذا قلت له: نشدتك الله؛ أي: سألتك بالله، كأنَّك ذكّرته إياه، فنَشَدَ؛ أي: تذكَّر، وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك اللهَ، وأنشدك الله، وبالله، وناشدتك الله؛ أي: سألتك، وأقسمت عليك، ونشدته نِشدةً، ونِشدانًا، ومناشدةً، وتَعْدِيته إلى مفعولين، إما لأنه بمنزلة دعوتُ، حيث قالوا: نشدتك الله، وبالله، كما قالوا: دعوت زيدًا، وبزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى ذكرت، وأما أنشدتك بالله، فخطأ. انتهى

(4)

.

(1)

أخرجه مسلم وغيره بلفظ: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. . ." الحديث، وأما بلفظ:"إن هذه المساجد. . ." قال القرطبيّ: لا أظنه ثابتًا، وإنما الثابت ما ذكرته، وكذا ثبت في مسلم وغيره بلفظ:"إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى. . ." الحديث، ولعلّه التبس على القرطبيّ أحدهما بالآخر، فليُتنبّه.

(2)

"المفهم" 6/ 418.

(3)

"المصباح المنير" 2/ 605.

(4)

"عمدة القاري" 4/ 218.

ص: 512

(أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أجِبْ عَنِّي) وفي رواية أبي سلمة الآتية: "يا حسّان أجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"، والمراد بالإجابة: الردّ على الكفار الذين هجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وقال في "العمدة": قوله: "أجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية سعيد:"أجب عني"، ومعنى الأول: أجب الكفار عن جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظ "جهة" مقدَّر، ويجوز أن يضمَّن "أجب" معنى ادفع، والمعنى: ادفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويَحْتَمِل أن يكون الأصل رواية سعيد، وهي:"أجب عني"، ثم نقل حسان ذلك بالمعنى، وزاد فيه لفظة:"رسول الله صلى الله عليه وسلم"؛ تعظيمًا له، ويَحْتَمِل أن تكون تلك لفظة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه؛ لأجل المهابة، وتقويةً لداعي المأمور، كما قال تعالى:{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} الآية [آل عمران: 159]، وكما يقول الخليفة: أمير المؤمنين يرسم لك؛ لأن فيه تعظيمًا له، وتقويةً للمأمور، ومهابةً، بخلاف قوله: أنا أرسم، والمراد بالإجابة: الردّ على الكفار الذين هَجَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى

(1)

.

وفي التِّرمذيّ من طريق أبي الزناد، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه، يهجو الكفار". (اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ)؛ أي: قوّه، والأيد: القوة، ومنه قوله تعالى:{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} الآية [الذاريات: 47]؛ أي: بقوة. (بِرُوحِ الْقُدُسِ") المراد به جبريل عليه السلام بدليل حديث البراء رضي الله عنه عند البخاريّ بلفظ: "وجبريل معك"؛ أي: بالإلهام، والتذكير، والمعونة، قاله في "الفتح"

(2)

.

وقال في "العمدة": قوله: "اللَّهُمَّ أيّده" هذا دعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان، دعا له بالتأييد، وهو القوّة على الكفار.

وقوله: "بروح القدس" الباء فيه تتعلق بقوله: "أيده"، والمراد بروح القدس هنا: جبريل عليه السلام، يدل عليه ما رواه البخاريّ أيضًا من حديث البراء رضي الله عنه بلفظ:"وجبريل معك"، والقدس بضم القاف، والدال: بمعنى

(1)

"عمدة القاري" 4/ 218.

(2)

"الفتح" 2/ 198 - 199 بزيادة من "المفهم" 6/ 421.

ص: 513

الطُّهر، وسُمّي جبريل بذلك؛ لأنه خُلق من الطُّهر، وقال كعب: القدس الرب عز وجل، ومعنى روح القدس: روح الله، وإنما سُمّي بالروح؛ لأنه يأتي بالبيان عن الله تعالى، فتحيى به الأرواح، وقيل: معنى القدس: البركة، ومن أسماء الله تعالى: القُدُّوس؛ أي: الطّاهر المنزه عن العيوب والنقائص، ومنه: الأرض المقدسة، وبيت المقدس؛ لأنه الموضع الذي يُتقدس فيه؛ أي: يُتطهر فيه من الذنوب. انتهى

(1)

.

(قَالَ) أبو هريرة رضي الله عنه: (اللَّهُمَّ نَعَمْ)؛ أي: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، وإنما أتى أبو هريرة رضي الله عنه بقوله:"اللَّهُمَّ" تأكيدًا لكلامه، كأنه يستشهد الله تعالى على صِدْق شهادته، كأنه يقول: اللَّهُمَّ اشهد على صدق ما شهدته لحسان رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث حسّان، وأبي هريرة رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [34/ 6364 و 6365 و 6366](2485)، و (البخاريّ) في "الصلاة"(453) و "بدء الخلق"(3212) و "الأدب"(6152)، و (النسائيّ) في "المجتبى"(2/ 48) و "عمل اليوم والليلة"(171)، و (الحميديّ) في "مسنده"(1105)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 222)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(1716 و 20509 و 20510)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"(1307)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(1653)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار"(4/ 298)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(2/ 448 و 10/ 337)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3406)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه، حيث دعا له النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بتأييده بروح القدس.

(1)

"عمدة القاري" 4/ 218.

ص: 514

2 -

(ومنها): أن الإمام ينبغي له الإنكار إذا رأى من أتباعه ما ظنّ أنه مُنكَر حتى يظهر له عدم كونه منكرًا.

3 -

(ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يُثبت دعواه بالإشهاد عليه تأكيدًا، وإن كان لا يُتّهم.

4 -

(ومنها): جواز الانتصار من الكفار، وهجوهم، قال العلماء: ينبغي أن لا يُبدأ المشركون بالسبّ والهجاء؛ مخافةً من سبِّهم الإسلام، وأهله، قال تعالى:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا} الآية [الأنعام: 108]، ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفُحْش، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة؛ كابتدائهم به، فيكافَؤون، كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم.

5 -

(ومنها): استحباب الدعاء لمن قال شعرًا ينصر به الإسلام، أو يمدح النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو القرآن، أو يثني على الله تعالى، مثل قصّة حسان رضي الله عنه.

6 -

(ومنها): أنه يدلّ على أن الشعر الحقّ لا يحرَّم في المسجد، وإنما يحرَّم فيه ما فيه الخناء، والزور، والكلام الساقط، يدلّ عليه ما رواه الترمذيّ مصححًا من حديث عائشة رضي الله عنها:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه، ويهجو الكفار"

(1)

.

وأما ما رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، والترمذيُّ، وحسّنه، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال:"نَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تناشد الأشعار في المساجد"، وإسناده صحيح إلى عمرو، فمن يصحح نسخته يصححه، وفي المعنى عدة أحاديث، لكن في أسانيدها مقال، فالجمع بينها وبين حديث الباب أن يُحْمَل النهي على تناشد أشعار الجاهلية، والمبطلين، والمأذون فيه ما سَلِم من ذلك، وقيل: المنهيّ عنه ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد، حتى يتشاغل به من فيه، وأبعد أبو عبد الملك البونيّ، فأعمل أحاديث النهي، وادّعَى النسخ في حديث الإذن، ولم يُوافَق على ذلك، حكاه ابن التين عنه، قاله في "الفتح"

(2)

.

(1)

"عمدة القاري" 4/ 218.

(2)

"الفتح" 2/ 199، كتاب "الصلاة" رقم (453).

ص: 515

7 -

(ومنها): ما قاله في "العمدة": وقد اختَلَف العلماء أيضًا في جواز إنشاد الشعر مطلقًا، فقال الشعبيّ، وعامر بن سعد البجليّ، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيِّب، والقاسم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد: لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء، ولا نَكْب عِرْض أحد من المسلمين، ولا فُحْش.

وقال مسروق بن الأجدع، وإبراهيم النخعيّ، وسالم بن عبد الله، والحسن البصريّ، وعمرو بن شعيب: تُكره رواية الشعر، وإنشاده، واحتجوا في ذلك بحديث عمر بن الخطاب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا"، ورواه ابن أبي شيبة، والبزار، والطحاويّ، وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يَرِيه، خير من أن يمتلئ شعرًا"، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وأخرجه البخاريّ، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحو رواية ابن أبي شيبة، وأخرجه مسلم أيضًا، عن أبي هريرة، نحو روايته عن سعد، وأخرجه أيضًا عن أبي سعيد الخدريّ، وأخرجه الطحاويّ أيضًا عن عوف بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأخرجه الطبرانيّ أيضًا عن أبي الدرداء، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وأجاب الأولون عن هذا، وقالوا: إنما هذه الأحاديث وردت على خاصّ من الشعر، وهو أن يكون فيه فُحْش، وخناء، وقال البيهقيّ عن الشعبيّ: المراد به الشعر الذي هُجي به النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عبيدة: الذي فيه عندي غير ذلك؛ لأن ما هُجي به رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان شطر بيت لكان كفرًا، ولكن وَجْهه عندي أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن، والذِّكر، قيل: فيما قاله أبو عبيدة نَظَر؛ لأن الذين هَجَوا النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا كفارًا، وهم في حال هجوهم موصوفون بالكفر من غير هجو، غاية ما في الباب: قد زاد كفرهم وطغيانهم بهجوهم، والذي قاله الشعبي أوْجَه.

وقال الطحاويّ: قال قوم: لو كان أُريدَ بذلك ما هُجي به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعر لم يكن لذكِر الامتلاء معنى؛ لأن قليل ذلك وكثيرة كفر، ولكن ذِكر الامتلاء يدلّ على معنى في الامتلاء، ليس فيما دونه، قالوا: فهو عندنا على

ص: 516

الشعر الذي يملأ الجوف، فلا يكون فيه قرآن، ولا تسبيح، ولا غيره، فأما من كان في جوفه القرآن، والشعر مع ذلك، فليس ممن امتلأ جوفه شعرًا، فهو خارج من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يَرِيه خير له من أن يمتلئ شعرًا".

وقال أبو عبد الملك: كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام، وكذا لَعِب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله.

قال العينيّ: أشار بذلك إلى النَّسخ، ولم يوافقه أحد على ذلك.

وقوله: "قيحًا" نُصِب على التمييز، وهو الصديد الذي يسيل من الدُّمّل والجرح.

وقوله: "يَرِيه" من الوَرْي، وهو الداء، يقال: ورى يوري، فهو موري: إذا أصاب جوفه الداء، وقال الجوهريّ: وروى القيح جوفه يريه وريًا: أكله، وقال قوم: معناه: حتى يصيب رِئتيه، قلت: فيه نظر. انتهى كلام العينيّ رحمه الله

(1)

، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.

8 -

(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم لحسان: "أجب عني، اللَّهُمَّ أيده بروح القدس" إنما قال ذلك؛ لأنَّ نفرًا من قريش كانوا يهجون النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، منهم: عبد الله بن الزَّبَعْرَى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب، فقيل لعليّ: اهج عنا القوم الذين يهجوننا، فقال: إن أَذِن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلت، فأُعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن عليًّا ليس عنده ما يراد من ذلك"، ثم قال:"ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصروه بألسنتهم؟ " فقال حسان: أنا لها، وأخذ طرف لسانه، وقال: والله ما يسرُّني به مِقوَلٌ

(2)

ما بين بصرى وصنعاء، وكان طويل اللسان، يضرب بلسانه أرنبةَ أنفه من طوله، وكان له ناصية يسدلها بين عينيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجوأبا سفيان، وهو ابن عمي؟ "، فقال: والله

(1)

"عمدة القاري" 4/ 219.

(2)

"المِقول": اللسان.

ص: 517

لأسلنَّك منهم كما تُسَلّ الشعرة من العجين، فقال:"ائت أبا بكر، فإنَّه أعلم بأنساب القوم منك"، فكان يمضي لأبي بكر لِيَقِفه على أنسابهم، وكان يقول: كُفَّ عن فلان، وفلانة، واذكر فلانًا، وفلانة، فجعل حسان يهجوهم، فلما سمعت قريشٌ شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة، فقال حسان رضي الله عنه[من الطويل]:

أَبلِغ أَبا سُفيَانَ أنَّ مُحمْدًا

هَوَ الغُضنُ ذُو الأفنَانِ لا الواحِدُ الوَغْدُ

ومَا لَكَ فِيهِم مَحتِدٌ يَعرِفونهُ

فَدُونَكَ فَالصَق مِثلَ مَا لَصِقَ القُردُ

(1)

وإِنَّ سَنامَ المَجدِ في آلِ هَاشِم

بَنُو بِنتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ

وَمَن وَلَدَت أبنَاءُ زُهرَةَ مِنْهُمُ

كِرَامٌ وَلَم يَقرَب عَجَائِزَكَ المَجدُ

وَلَستَ كَعَبَّاس وَلا كَابنِ أُمِّهِ

وَلكِن لَئِيمٌ لا يَقُومُ لَهُ زَندُ

وإن امْرَءًا كَانَتَ سُمَيَّةُ أُمَّهُ

وسَمرَاءُ مَغمُوزٌ إذا بُلِغَ الجَهدُ

وَأنتَ هَجِينٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ

كَمَا نِيطَ خَلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَردُ

الأفنان: الأغصان، واحدها: فنن. والوغد: الدنيء من الرجال، والمَحتِد: الأصل. ودونك: ظرف قُصد به الإغراء، والمغرى به محذوف تقديره: فدونك محتدك فالصق به، والعرب تغري بـ "عليك" و "إليك" و "دونك". وسنام المجد: أرْفَعُه، والمجد: الشرف. قال أبو عمر: بنت مخزوم هي فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم، وهي: أم أبي طالب، وعبد الله، والزبير، بني عبد المطلب.

وقوله: "ومن ولدت أبناء زهرة منهم"؛ يعني: حمزة وصفية، أمهما: هالة ابنة أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والعباس: هو ابن عبد المطلب، وابن أمه: شقيقه ضرار بن عبد المطلب، أمهما نسيبة: امرأة من النمر بن قاسط. وسميَّة: أم أبي سفيان، وسمراء: أم أبيه. واللؤم: اسم للبخل، ودناءة الأفعال والآباء. والمغموز: المعيب المطعون فيه، والهجين: من كانت أمه دنية، والمقرف: من كان أبوه دنيًّا. ونيط: أُلصق وعُلِّق، والقَدَح: يعني به: قدح الراكب الذي يكون تعليقه بعد إكمال وَقْر البعير؛ لأنَّه لا يُحفل به. ومنه

(1)

"القُرْد" بضمّ، فسكون: جمعه قِردان: دُويبّة، كما في "القاموس".

ص: 518

الحديث: "لا تجعلوني كقدح الراكب"

(1)

. انتهى، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6365](. . .) - (حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ حَسَّانَ قَالَ فِي حَلْقَةٍ، فِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

2 -

(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل بابين.

3 -

(عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين.

4 -

(مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل بابين.

والباقون ذُكروا قبله.

[تنبيه]: رواية معمر عن الزهري هذه ساقها عبد الرزّاق رحمه الله في "مصنّفه"، فقال:

(20509)

- أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب؛ أن حسان بن ثابت كان في حلقة فيهم أبو هريرة، فقال: أنشدك الله يا أبا هريرة أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أجب عني أيدك الله بروح القدس"؟ فقال: "اللَّهُمَّ نعم". انتهى

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6366](. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِميُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ، يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ، هَلْ سَمِعْتَ

(1)

ضعيف. رواه عبد بن حميد، والبزّار، وغيرهما، وفي سنده موسى بن عُبيدة الربذيّ ضعيف.

(2)

"مصنف عبد الرزاق" 11/ 267.

ص: 519

النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَا حَسَّانُ أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، تقدّم قبل بابين.

2 -

(أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصيّ، تقدّم قريبًا.

3 -

(شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الحمصيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

4 -

(أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [3] مات سنة أربع وتسعين، أوأربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 423.

والباقون ذُكروا قبله.

وقوله: (يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ)؛ أي: يطلب منه الشهادة، ومحل الجملة النصب على الحال من حسان.

[فإن قيل]: لا بدّ في الشهادة من نِصَاب، فكيف ثبت غرض حسان بشهادة أبي هريرة رضي الله عنه فقط؟.

[أجيب]: بأن هذه رواية حكم شرعيّ، ويكتفى فيها عدل واحد، وأطلق الشهادة على سبيل التجوز؛ لأنه في الحقيقة إخبار، فيكفي فيه عدل واحد، كما بُيِّن ذلك في موضعه، قاله في "العمدة"

(1)

.

والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6367](2486) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ -وَهُوَ: ابْنُ ثَابِتٍ- قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ

(2)

رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: "اهْجُهُمْ، أَو هَاجِهِمْ، وَجِبْرِيلُ مَعَكَ").

(1)

"عمدة القاري" 4/ 218.

(2)

وفي نسخة: "يقول: سمعت".

ص: 520

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدَّم قريبًا.

2 -

(أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي.

3 -

(شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الشهير، تقدّم قبل باب.

4 -

(عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيع [4](ت 116)(ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 244.

5 -

(الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ) بن الحارث بن عبديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، استُصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةً، مات سنة اثنتين وسبعين (ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 244.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين إلى عديّ، وهو والبراء رضي الله عنه كوفيّان.

[فائدة]: قوله: "وهو ابن ثابت"، إنما لم يقل:"عديّ بن ثابت"، بل زاد لفظ:"وهو" إشارةً إلى القاعدة المشهورة عند المحدّثين، وهي التي ذكرها النوويّ رحمه الله في "تقريبه"، فقال مع "شرحه": ليس له أن يزيد في نَسَب غير شيخه، من رجال الإسناد، أو صِفَته مُدرِجًا ذلك، حيث اقتصر شيخه على بعضه، إلا أن يميّزه، فيقول مثلًا: هو ابن فلان الفلانيّ؛ أو يعني: ابن فلان، ونحوه، فيجوز، فَعَلَ ذلك أحمد، وغيره، فإن ذَكر شيخه نَسَب شيخه بتمامه في أول حديث، ثم اقتصر في باقي أحاديث الكتاب على اسمه، أو بعض نَسَبه، فقد حَكَى الخطيب عن أكثر العلماء جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة عن الحديث الأول، مستوفيًا نَسَب شيخ شيخه، وحُكي عن بعضهم أن الأَولى فيه أيضًا أن يقول: يعني: بن فلان، وحُكي عن علي ابن المدينيّ وغيره؛ كشيخه أبي بكر الأصبهاني الحافظ أنه يقول: حدّثني شيخي أن فلان ابن فلان حدّثه، وحُكي عن بعضهم أنه يقول: أنا فلان، هو ابن فلان، واستحبه؛ أي: هذا الأخير الخطيب؛ لأن لفظ "أَنّ" استعملهما قوم في الإجازة، قال ابن الصلاح: وكلّه جائزٌ، والأَولى أن يقول: هو ابن فلان؛ أو يعني: ابن فلان،

ص: 521

ثم قوله: "أن فلان ابن فلان"، ثم أن يذكره بكماله، من غير فصل. انتهى

(1)

.

وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:

وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَو وَصْفِ مَنْ

فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ

بِنَحْوِ "يَعْنِي" أَو بـ "أَنَّ" أَو بِـ "هُو"

أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ

أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ

وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ

شرح الحديث:

(عَنْ عَدِيٍّ -وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ-) تقدَّم نكتة زيادة "وهو" آنفًا، فلا تغفل.

(قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ابْنَ عَازِبٍ) رضي الله عنهما (قَالَ) وفي نسخة: "يقول": (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) رضي الله عنه ("اهْجُهُمْ) أمْر من هجا يهجو هَجْوًا، وهو نقيض المدح، وقال ابن الجوزيّ: الهجاء ذِكر المعايب

(2)

. (أَو هَاجِهِمْ) شكّ من الراوي، من المهاجاة، ومعناه جازهم بهجوهم، بالشك، قاله في "العمدة"

(3)

، وقاله في "الفتح": والثاني أخصّ من الأول؛ يعني: أن المهاجاة أخصّ من الهجو؛ لأنه بمقابلة هجوهم، بخلاف الهجو، فهو أعمّ. (وَجِبْرِيلُ مَعَكَ")؛ يعني: يؤيدك، ويعينك عليه.

وقال في "العمدة": قوله: "اهجُهم" أمْر من الهجو، وهو خلاف المدح، يقال: هَجَوته هَجْوًا، وهِجاءً، وتهجاء: وقع فيه بالشِّعر، وسبّه، وعابه، وقوله:"أو هاجهم" شك من الراوي، وهو أمر من المهاجاة، من باب المفاعلة الدالّ على الاشتراك في الهجو، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المشركين، بدلالة القرينة، والواو في:"وجبريل معك" للحال. انتهى

(4)

.

[تنبيه]: بيَّن البخاريّ رحمه الله في روايته وقت أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم حسان بالهجو، فقال بعد إخراجه عن طريق شعبة، عن عديّ بلفظ مسلم ما نصّه: وزاد إبراهيم بن طهمان، عن الشيبانيّ، عن عديّ بن ثابت، عن البراء بن عازب،

(1)

"تقريب النواوي" مع شرحه "تدريب الراوي" 2/ 113 - 114.

(2)

"غريب الحديث لابن الجوزيّ" 2/ 491.

(3)

"عمدة القاري" 15/ 134.

(4)

"عمدة القاري" 17/ 193 بزيادة من "المصباح" 2/ 635.

ص: 522

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قُريظة لحسّان بن ثابت: "اهجُ المشركين، فإن جبريل معك". انتهى.

قال في "الفتح": قوله: "وزاد إبراهيم بن طهمان" وَصَله النسائيّ، وإسناده على شرط البخاريّ، وأبو إسحاق هو الشيبانيّ، واسمه سليمان، وزيادته في هذا الحديث معيِّنة أن الأمر له بذلك وقع يوم قريظة، ووقع في حديث جابر رضي الله عنه عند ابن مردويه:"لمّا كان يومُ الأحزاب، ورَدَّهم الله بغيظهم، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: من يحمي أعراض المسلمين؟ فقام كعب، وابن رواحة، وحسان، فقال لحسان: اهجُهم أنت، فإنه سيعينك عليهم روح القدس"، فهذا يؤيد زيادة الشيباني المذكورة، فإن يوم بني قريظة مسبَّب عن يوم الأحزاب، والله أعلم، ولا مانع أن يتعدد وقوع الأمر له بذلك. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [34/ 6367 و 6368](2486)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق"(3213) و "المغازي"(4123 و 4124) و "الأدب"(6153)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(3/ 493)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 299 و 302)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 556)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار"(2677)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار"(4/ 299)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(4/ 41)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(10/ 237 و 238)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6368](. . .) - (حَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).

(1)

"الفتح" 9/ 220، كتاب "المغازي" رقم (4123 و 4124).

ص: 523

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ الحافظ الشهير، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين، و "أبو بكر بن نافع" هو: محمد بن أحمد بن نافع، و "غُندر" هو: محمد بن جعفر المذكور في السند الثاني، و "عبد الرحمن" في الموضعين هو: ابن مهديّ.

وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ

إلخ) هكذا النُّسخ بضمير الجمع مع أن المذكور اثنان، وهما عبد الرحمن بن مهديّ، وغُندر، وإطلاق ضمير الجماعة على الاثنين صحيح على مذهب من يقول: إن أقلّ الجمع اثنان، وقد تقدّم أنه المذهب المختار، كما في قوله تعالى:{وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] بعد قوله: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} الآية [الأنبياء: 78]، وقوله تعالى:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، وغير ذلك، وأما تغليط الرواية مع صحة الوجه، كما سلكه بعض الشرّاح

(1)

، فممَّا لا يُلتفت إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة، ساقها أحمد رحمه الله في "مسنده" مقرونًا ببهز، فقال:

(1456)

- حدّثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال: سمعت البراء يحدّث؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت: "هاجهم، أو اهجهم، وجبريل معك". انتهى

(2)

.

وأما رواية عبد الرحمن بن مهديّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6369](2487) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَبَبْتُهُ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي دَعْهُ، فَإنَّهُ كانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم).

(1)

هو: الشيخ الهرري. راجع: "شرحه" 24/ 75.

(2)

"فضائل الصحابة لابن حنبل" 2/ 808.

ص: 524

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(هِشَامُ) بن عروة المدنيّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(أَبُوهُ) عروة بن الزبير المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(عَائِشَةُ) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدّمت أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبل ثلاثة أبواب، و "أبو بكر بن أبي شيبة" هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و "أبو كريب" هو: محمد بن العلاء، و "أبو أسامة" هو: حمّاد بن أسامة.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون، وأن شيخه أبا كريب من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة.

شرح الحديث:

(عَنْ هِشَامِ) بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ (أَنَّ حَسانَ بْنَ ثَابِتٍ) رضي الله عنه (كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ) بتشديد الثاء المثلّثة: من التكثير؛ أي: أكثر في الطعن (عَلَى عَائِشَةَ) رضي الله عنها في قصّة الإفك على ما هو المشهور، وسيأتي ما فيه. (فَسَبَبْتُهُ)؛ أي: شتمته، وعيّرته بذلك، (فَقَالَتْ) عائشة رضي الله عنها:(يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماء بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهم، (دَعْهُ)؛ أي: اترك سبّه، (فَإِنَّهُ) الفاء تعليليّة؛ لأنه (كَانَ يُنَافِحُ)؛ أي: يدافع، ويناضل، قال في "العمدة": قوله: "كان ينافح" بكسر الفاء، بعدها حاء مهملة، ومعناه: يدافع، يقال: نافحت عن فلان؛ أي: خاصمت عنه، ويقال: نَفَحت الدابة: إذا رمحت بحوافرها، ونَفَحه بالسيف: إذا تناوله من بعيد، وأصل النفح بالمهملة: الضرب، وقيل للعطاء: نفحٌ، كأنّ الْمُعْطِيَ يضرب السائل به. انتهى

(1)

.

(1)

"عمدة القاري" 16/ 95.

ص: 525

وقال في "الفتح": قوله: "كان ينافح" بكسر الفاء، بعدها مهملة، ومعناها: يدافع، أو يرامي، قال الكشميهنيّ في رواية أبي ذرّ عنه: نَفَحَت الدابةُ: إذا رَمَحت بحوافرها، ونفحه بالسيف: إذا تناوله من بعيد، وأصل النفح بالمهملة: الضرب، وقيل للعطاء: نفحٌ، كأن المعطي يضرب السائل به، ووقع في رواية أبي سلمة الآتية، قالت عائشة: فسمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله، ورسوله"، قالت: وسمعته يقول: "هجاهم حسان، فشَفَى، واشْتَفَى". انتهى

(1)

.

(عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) متعلّقٌ بـ "ينافح"، وقد أخرج الشيخان في أثناء حديث الإفك من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ، قال عروة: كانت عائشة تَكْرَه أن يُسَبَّ عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال:

فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي

لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [34/ 6369 و 6370](2487)، و (البخاريّ) في "المناقب"(3531) و "المغازي"(4145) و "الأدب"(6150) وفي "الأدب المفرد"(1/ 299)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 555)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(2/ 259)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حسّان بن ثابت رضي الله عنه حيث كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويَفديه بنفسه، ووالديه.

2 -

(ومنها): بيان فضل المنافحة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بجميع ما يملكه الشخص، من لسان، أو يد، أو عِرض، أو مال، أو غير ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أَولى

(1)

"الفتح" 6/ 554.

ص: 526

بالمؤمنين من أنفسهم، كما قال الله عز وجل:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} الآية [الأحزاب: 6].

3 -

(ومنها): بيان فضل عائشة رضي الله عنها، حيث إنها تركت ما بَلَغها عن حسّان في قصّة الإفك من أجل أنه كان ينافح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذلك من كمال عقلها، ورجاحة فهمها، حيث آثرت على عِرضها عِرض النبيّ صلى الله عليه وسلم عملًا بمقتضى الآية المذكورة، وهكذا ينبغي للمسلم إذا ناله شيء في سبيل الدفاع عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن الإسلام، يصبر، ويحتسب على الله سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6370](. . .) - (حَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).

رجال هذا الإسناد: ثلاثة:

1 -

(عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

و"هشام بن عروة" ذُكر قبله.

[تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة هذه ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:

(3338)

- حدّثني عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن حسان النبيّ صلى الله عليه وسلم في هجاء المشركين، قال:"كيف بنسبي؟ "، فقال حسان: لأسلنّكّ منهم، كما تُسَلّ الشعرة من الْعَجِين، وعن أبيه قال: ذهبت أسبّ حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبّه، فإنه كان ينافح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6371](2488) - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْتُ

(1)

"صحيح البخاريّ" 3/ 1299.

ص: 527

عَلَى عَائِشَةَ، وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا، يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ، فَقَالَ [من الطويل]:

حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ

وَتُصْبِحُ غَرْثَي مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ

فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ، يَدْخُلُ عَلَيْكِ؟ وَقَدْ قَالَ اللهُ:{وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} الآية [النور: 11]، فَقَالَتْ: فَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ إِنَّهُ كَانَ

(1)

يُنَافِحُ، أَو يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريّ الفرائضيّ، أبو محمد البصريّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح العطار الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمداني الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي، و "محمد بن جعفر" هو: غُندر، و "سليمان" هو: ابن مِهْران الأعمش.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين، غير عائشة رضي الله عنها، فمدنيّة، وفيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، وفيه عائشة رضي الله عنها تقدّم القول فيها قريبًا.

شرح الحديث:

(عَنْ مَسْرُوقٍ)؛ أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) رضي الله عنها، وقوله:(وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من "عائشة"، وكذا الجملتان

(1)

وفي نسخة: "فقالت: إنه كان".

ص: 528

بعده، وفي رواية للبخاريّ:"دخل حسّان بن ثابت على عائشة، فشبّب"، وفي رواية له:"جاء حسّان بن ثابت يستأذن عليها". وفي رواية مؤمل عن سفيان، عند الإسماعيليّ:"كنت عند عائشة، فدخل حسان، فأَمَرت، فأُلقيت له وسادةٌ، فلما خرج قلت: أتأذنين لهذا؟ ". (يُنْشِدُهَا شِعْرًا) بضمّ حرف المضارعة، من الإنشاد، وهو قراءة الشعر. (يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ) بالشين المعجمة، من التشبيب، وهو ذِكر الشاعر ما يتعلق بالغزَل

(1)

.

وقال في "الفتح": قوله: "يُشبّب" بمعجمة، وموحدتين، الأولى ثقيلة؛ أي: تغزّل، يقال: شَبَّب الشاعر بفلانة؛ أي: عَرَّض بحبها، وذَكَر حُسْنها، والمراد: ترقيق الشِّعر بذِكر النساء، وقد يُطلق على إنشاد الشعر، وإنشائه، ولو لم يكن فيه غزل، كما وقع في حديث أم معبد:"فلما سَمِع حسان شعر الهاتِف، شبَّب يجاريه، أخَذَ في نَظْم جوابه"

(2)

.

(فَقَالَ: حَصَانٌ) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي حصانٌ، وهو بفتح الحاء؛ أي: عفيفة، تمتنع من الرجال، قاله في "العمدة".

وقال القرطبيّ رحمه الله: "حَصَان": عفيفة، وقد تقدّم القول في وجوه الإحصان. و "رَزَان": كاملة الوقار، والعقل. يقال: رَزُن

(3)

الرجل رزانة، فهو رزين: إذا كان وقورًا، وامرأة رزان. و "غرثى": من الغرث، وهو الجوع، يقال: رجل غرثان، وامرأة غرثى؛ كعطشان وعطشى. و "الغوافل" جمع تكسير غافلة؛ يعني: أنهن غافلات عما رُمين به من الفاحشة، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} الآية [النور: 23]، ويعني حسان بهذا البيت: أن عائشة رضي الله عنها في غاية العفة، والنزاهة عن أن تُزنَّ بريبة؛ أي: تُتَّهم بها. ثم وَصَفها بكمال العقل والوقار، والورع المانع لها من أن تتكلم بعرض غافلة، وشبَّهها بالغرثى؛ لأنَّ بعض الغوافل قد كان هو آذاها فما تكلمت فيها، وهي: حمنة بنت جحش، فكأنها كانت بحيث تنتصر ممن آذاها، بأن تقابلها

(1)

"عمدة القاري" 17/ 212.

(2)

"الفتح" 10/ 440، كتاب "التفسير" رقم (4756).

(3)

ككرم.

ص: 529

بما يؤذيها، لكن حَجَزها عن ذلك دينها، وعقلها، وورعها. انتهى

(1)

.

وقال في "الفتح": قوله: "حصان" بفتح المهملة، قال السهيليّ: هذا الوزن يكثر في أوصاف المؤنث، وفي الأعلام منها، كأنهم قصدوا بتوالي الفتحات مشاكلة خفة اللفظ لخفة المعنى، وحصان من الحصين، والتحصين، يراد به الامتناع على الرجال، ومِنْ نَظَرهم إليها. انتهى

(2)

.

(رَزَانٌ) بفتح الراء، وتخفيف الزاي؛ أي: صاحبة وقار، وقيل: يقال: امرأة رزان: إذا كانت رزينة في مجلسها، والرَّزان والثَّقَال بمعنى واحد، وهي قليلة الحركة، وكلاهما على وزن فَعَال، بفتح الفاء، وهو يكثر في أوصاف المؤنث، وفي الأعلام

(3)

. (مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ) بضم التاء المثناة من فوقُ، وفتح الزاي، وتشديد النون؛ أي: ما تُتَّهم، وما تُرمى بريبة، يقال: أزننت الرجلَ: إذا اتهمته برِيبة، والرِّيبة بكسر الراء: التهمة. (وَتُصْبِحُ غَرْثَى) بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، وبالثاء المثلثة؛ أي: جائعة؛ يعني: أنها لا تغتاب الناس؛ إذ لو كانت مغتابة لكانت آكلة من لحم أخيها، فتكون شبعانة، لا جوعانة، ويقال: رجل غرثان، وامرأة غرثى، ويقال: وتصبح غرثى؛ أي: خميصة البطن، قاله في "العمدة"

(4)

.

وقال في "الفتح": وقوله: "غرثى" بفتح المعجمة، وسكون الراء، ثم مثلثة؛ أي: خميصة البطن؛ أي: لا تغتاب أحدًا، وهي استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب:{أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات: 12]. انتهى.

(مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ)؛ أي: العفيفات، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} الآية [النور: 23] جعلهن الله تعالى غافلات؛ لأن الذي رُمين به من الشرّ لم يَهْمُمن به قطّ، ولا خَطَر على قلوبهنّ، فهنّ في غفلة عنه، وهذا أبلغُ ما يكون من الوصف بالعفاف

(5)

.

(1)

"المفهم" 6/ 421 - 422.

(2)

"الفتح" 10/ 440، كتاب "التفسير" رقم (4756).

(3)

"عمدة القاري" 17/ 212.

(4)

"عمدة القاري" 17/ 212.

(5)

"عمدة القاري" 17/ 212.

ص: 530

وقال في "الفتح": قوله: "رزان" من الرزانة، يراد به قلّة الحركة، و "تُزَنّ" بضم أوله، ثم زاي، ثم نون ثقيلة؛ أي: ترمَى، و "الغوافل" جمع غافلة، وهي العفيفة الغافلة عن الشرّ، والمراد: تبرئتها من اغتياب الناس بأكل لحومهم من الغيبة، ومناسبة تسمية الغيبة بأكل اللحم أن اللحم سترٌ على العظم، فكأن المغتاب يكشف ما على من اغتابه مِنْ سِتر.

وزاد ابن هشام في "السيرة" في هذا الشعر [من الطويل]:

عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ

كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ

مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللهُ خِيمَهًا

وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ

وفيه عن ابن إسحاق:

فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ

فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي

فَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي

لِآلِ رَسُولِ اللهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ

وزاد فيه الحاكم في رواية له من غير رواية ابن إسحاق:

حَلِيلَةُ خَيْرِ الْخَلْقِ دِينًا وَمَنْصِبًا

نَبِيِّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَاتِ الْفَوَاضِلِ

رَأَيْتُكِ وَلْيَغْفِرْ لَكِ اللهُ حُرَّةً

مِنَ الْمُحْصَنَاتِ غَيْرِ ذَاتِ الْغَوِائِلِ

و"الخيم" بكسر المعجمة، وسكون التحتانية: الأصل الثابت، وأصله من الْخِيمة، يقال: خام يخيم: إذا أقام بالمكان. انتهى

(1)

.

(فَقَالَتْ لَهُ)؛ أي: لحسّان رضي الله عنه، (عَائِشَةُ) رضي الله عنها:(لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ) فيه إشارة إلى أنه اغتاب عائشة رضي الله عنها حين وقعت قصة الإفك، وقد عَمِي في آخر عمره.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قول عائشة رضي الله عنها لحسان رضي الله عنه: "لكنك لست كذلك"؛ تعني: أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل، وظاهر هذا الحديث: أن حسان كان ممن تكلم بالإفك، وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الإفك الطويل الذي يأتي فيه: أن الذين تكلموا بالإفك: مسطح، وحسان، وحمنة، وعبد الله بن أُبيِّ ابن سلول، غير أنه قد حَكَى أبو عمر: أن عائشة رضي الله عنها قد برَّأت حسَّان من الفرية، وقالت: إنه لم يقل شيئًا، وقد أنكر حسان أن يكون قال من ذلك شيئًا

(1)

"الفتح" 10/ 441، كتاب "التفسير" رقم (4756).

ص: 531

في البيت الثاني الذي ذكره متصلًا بالبيت المذكور آنفًا، فقال:

فَإِنْ كَانَ ما قَد قِيلَ عَنِّي قُلتُهُ

فلا رَفَعَتْ سَوْطِي إِليَّ أَنَامِلِي

فيَحْتَمِل أن يقال: إن حسان؛ يعني: أن يكون قال ذلك نصًّا وتصريحًا، ويكون قد عرَّض بذلك، وأومأ إليه، فنُسب ذلك إليه، فالله أعلم.

وقد اختَلَف الناس فيه، هل خاض في الإفك أم لا؟ وهل جُلِد الحدَّ أم لا؟ فالله أعلم أيُّ ذلك كان. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول ببراءة حسّان رضي الله عنه هو الأرجح، كما سيأتي.

وقال في "الفتح"

(2)

: قوله: "فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك" ذَكَر ابن هشام عن أبي عبيدة أن امرأة مدحت بنت حسان بن ثابت عند عائشة، فقالت: حصان رزان

البيت، فقالت عائشة: لكن أبوها، وهو بتخفيف النون، فإن كان محفوظًا أمكن تعدد القصة، ويكون قوله في بعض طرق رواية مسروق:"يشبب ببنت له" بالنون، لا بالتحتانية، ويكون نَظْم حسان في بنته، لا في عائشة، وإنما تمثَّل به، لكن بقية الأبيات ظاهرة في أنها في عائشة، وهذا البيت في قصيدة لحسان يقول فيها:

فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ

فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي

وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِقٍ

بِكِ الدَّهْرَ بَلْ قِيلُ امْرِئٍ مُتَمَاحِلِ

قال في "التكملة": قولها: "لكنك لست كذلك" ظاهره أن حسّان بن ثابت رضي الله عنه كان قد تكلّم فيمن تكلّم في عائشة رضي الله عنها، وهو الظاهر من قولها:

"أيّ عذاب أشدّ من العمى؟ "، ولكن يُشكل عليه أن حسّان رضي الله عنه قد أنكر في أبياته المذكورة أن يكون تكلّم في عائشة رضي الله عنها ما لا ينبغي، وخاصّةً قوله:

فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ

البيتين، فإنه صرّح بأنه لم يقذف عائشة رضي الله عنها أبدًا، وإنما نَسب بعض الناس إليه أقوالًا لم يقلها، وهو اللائق به رضي الله عنه.

(1)

"المفهم" 6/ 422.

(2)

"الفتح" 10/ 441، كتاب "التفسير" رقم (4756).

ص: 532

ويَحْتَمِل أن تكون نسبة هذه الأقوال إليه صارت مشهورةً بين الناس بما يصعب ردّها، وتأثّرت عائشة رضي الله عنها بهذه الشهرة، وقد نسب بعضهم إليه أبياتًا تدلّ على أنه كان من جملة القاذفين، وهي:

لَقَدْ ذَاقَ حَسَّانُ الَّذِي كَانَ أَهْلَهُ

وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ

تَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْب زَوْجَ نَبِيِّهِمْ

وَسَخْطَةَ ذِي الْعَرْشِ الْكَرِيم فَأَتْرَحُوا

لكن ذكر السهيليّ في "الروض الأنف"(4/ 24) أن البيت الأَول من هذه الأبيات يروى على خلاف هذا، وهو:

لَقَدْ ذَاقَ عَبْدُ اللهِ مَا كَانَ أَهْلَهُ

وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ

وعلى هذا الأساس مال السهيليّ رحمه الله إلى أن حسّان رضي الله عنه لم يخُض في قذف عائشة رضي الله عنها-والله سبحانه وتعالى أعلم- ولو ثبت منه القذف، فإنه تاب من ذلك توبةً نصوحًا، فلا ملامة عليه بعد ذلك. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما مال إليه السهيليّ رحمه الله، من تبرئة حسّان رضي الله عنه من القذف المذكور هو الصواب؛ لأن كلامه في قصيدته المذكورة صريح في ذلك، وبعد إنكاره فلا مجال لإلصاق ذلك به، وأما تأثّر عائشة رضي الله عنها فيكون مما اشتهر على ألسنة الناس مِنْ قَذْفه لها، فتأمل بالإمعان، تَسْلَم من الخذلان، والله تعالى المستعان.

(قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا)؛ أي: لعائشة رضي الله عنها: (لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ)؛ أي: لحسّان (يَدْخُلُ عَلَيْكِ) جملة في محلّ نصب على الحال، ولفظ البخاريّ:"لِمَ تأذنين له أن يدخل عليك"، فـ "أن" فيه مصدريّة، ويَحتمل ما هنا أن يكون بتقديرها أيضًا، وقوله:(وَقَدْ قَالَ اللهُ: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]) جملة في محلّ نصب على الحال، وفي رواية:"تَدَعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل الله: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} "، قال في "الفتح": وهذا مُشْكِل؛ لأن ظاهره أن المراد بقوله: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} هو حسان بن ثابت، وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أُبَيّ، وهو المعتمَد، وقد وقع في رواية أبي حذيفة، عن سفيان الثوريّ، عند أبي نعيم

(1)

"تكملة فتح الملهم" 5/ 244 - 245.

ص: 533

في "المستخرج": "وهو ممن تولى كِبْره"، فهذه الرواية أخفّ إشكالًا. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: تُحمل الرواية هنا بأن نقول: إنه ممن شملته الآية حيث كان منهم، إن ثبت منه ذلك، فلا إشكال، ولله الحمد.

وقال صاحب "التكملة": لعلّ مسروقًا لم يُرد أن حسّان رضي الله عنه هو الذي تولى كبره، أو هو ممن تولّى كبره، ولكنه ذكر الآية لمجرّد الإشارة إلى قصّة الإفك، ولبيان أن الله تعالى أنزل في القرآن مذمّة هؤلاء الذين تعاطوا القذف، سواء كانوا ممن اختلقوا هذه القصّة، أو ممن صدّقوها بدون تحقيق، وإن قوله تعالى:{وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} وإن كان المقصود به عبد الله بن أُبيّ، ولكن حسّان كان في زَعْم مسروق ممن صدّقه، ولم يكذّبه في ذلك، فلذلك تلا هذه الآية في معرض ذِكر حسّان رضي الله عنه. انتهى

(2)

.

(فَقَالَتْ) عائشة رضي الله عنها: (فَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى) زاد في رواية أبي حذيفة: "وإقامة الحدود"؛ أي: إنه أصابه بسبب قوله العذاب، وهو العمى، وإقامة الحدّ عليه، وهما من جملة العذاب.

وفي رواية للبخاريّ: "فقالت: أوَ ليس قد أصابه عذاب عظيم؟ "، قال سفيان: تعني: ذهاب بصره.

ثم بيّنت سبب مسامحتها له، وإن كان حصل منه ما حصل، فقال:(إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في موضع التعليل؛ أي: لأنه (كَانَ يُنَافِحُ) وفي نسخة: "فقالت: إنه كان ينافح"؛ أي: يدافع، وقوله:(أَو يُهَاجِي)"أو" للشكّ من الراوي؛ أي: يقابل هجاء المشركين بهجائه دفاعًا (عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، فلذا أسامحه، وآذن له في الدخول عليّ.

وقال صاحب "التكملة": فيه رعاية عظيمة من قِبَل عائشة رضي الله عنها لعلاقة حسّان رضي الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم بالرغم من أنها كانت تزعم أنه من جملة القاذفين

(1)

"الفتح" 10/ 440، كتاب "التفسير" رقم (4756).

(2)

"تكملة فتح الملهم" 5/ 145.

ص: 534

لها، وكان من مقتضاه أن تظلّ ساخطة عليه، ولكنها آثرت علاقته به صلى الله عليه وسلم على عواطفها الشخصيّة. انتهى

(1)

. والله تعالى أعلم.

وقال ابن كثير في "تفسيره": {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يَجمعه، ويستوشيه، ويذيعه، ويشيعه، {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]؛ أي: على ذلك، ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلُولَ قبّحه الله، ولعنه، وهو الذي تقدم النّصّ عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد، وغير واحد، وقيل: المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في "صحيح البخاريّ" ما قد يدل على إيراد ذلك لَمَا كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل، ومناقب، ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذبّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هاجهم، وجبريل معك"، وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: قال: كنت عند عائشة رضي الله عنها، فدخل حسان بن ثابت، فأمَرَتْ، فأُلقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني: يدخل عليك، وفي رواية قيل لها: أتأذنين لهذا، يدخل عليك، وقد قال الله:{وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]؟، قالت: وأي عذاب أشدّ من العمى؟ وكان قد ذهب بصره، لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم، ثم قالت: إنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرًا يمتدحها به، فقال:

حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ

وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لَحُومِ الْغَوَافِلِ

فقالت: أما أنت فلست كذلك، وفي رواية: لكنك لست كذلك.

وقال ابن جرير: حدّثنا الحسن بن قزعة، حدّثنا سلمة بن علقمة، حدّثنا داود، عن عامر، عن عائشة؛ أنها قالت: ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان، ولا تمثّلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:

(1)

"تكملة فتح الملهم" 5/ 146.

ص: 535

هَجَوْتُ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ

وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الْجَزَاءُ

فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي

لَعِرْضِ مُحَمِّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

أَتَشْتِمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ

فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ

لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ

وَبَحْرِي لَا تُكِدِّرُهُ الدِّلَاءُ

فقيل: يا أم المؤمنين أليس هذا لغوًا؟، قالت: لا، إنما اللغو ما قيل عند النساء، قيل: أليس الله يقول: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]؟ قالت: أليس قد ذهب بصره؟، وكُنِع

(1)

بالسيف؟؛ تعني: الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطَّل السُّلَميّ حين بلغة عنه أنه يتكلم في ذلك، فعلاه بالسيف، وكاد أن يقتله. انتهى

(2)

، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6372](. . .) - (حَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ: قَالَتْ: كَانَ يَذُبُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَذْكُرْ: حَصَانٌ رَزَانٌ).

1 -

(ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله.

[تنبيه]: رواية ابن أبي عديّ عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6373](2489) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ حَسَّانُ: يَا رَسُولَ الله، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ:"كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ "، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ، كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِير، فَقَالَ حَسَّانُ [من الطويل]:

وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ

بَنُو بِنْتِ

(3)

مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ

(1)

أي: ضُرب.

(2)

"تفسير ابن كثير" 3/ 273 - 274.

(3)

وفي نسخة: "بنو ابنة".

ص: 536

قَصِيدَتَهُ هَذِهِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر الإمام النيسابوريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.

2 -

(يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [9](ت 3 أو 184) وله ثلاثٌ وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 121.

والباقون ذُكروا في الباب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشيخه، فكوفيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ والابن عن أبيه، عن خالته.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ حَسَّانُ) بن ثابت رضي الله عنه: (يَا رَسُولَ الله، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ) بن الحارث بن عبد المطّلب، ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي: في هجوه، وفي الرواية التالية:"اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ"، وسبب هذا الاستئذان مُبَيَّن في رواية أبي سلمة، عن عائشة الآتية بعد حديث:"قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اهجوا المشركين، فإنَّه أشدّ عليهم من رَشْق النبل، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم، فهجاهم. . ." الحديث.

ورَوَى أحمد من حديث كعب بن مالك، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اهجوا المشركين بالشِّعر، فإن المؤمن يجاهد بنفسه، وماله، والذي نفس محمد بيده، كأنما تنضحونهم بالنبل".

وروى أحمد، والبزار، من حديث عمار بن ياسر، قال: لَمّا هجانا المشركون، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قولوا لهم كما يقولون لكم".

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ ")؛ أي: كيف تهجوه، مع اجتماعي معه في القرابة؟، ولفظ البخاريّ:"كيف بنسبي فيهم"؛ أي: كيف تهجو قريشًا، مع اجتماعي معهم، في نسب واحد، وفي هذا إشارة إلى أن معظم طرق الهجو

ص: 537

العضّ بالآباء

(1)

. (قَالَ) حسّان رضي الله عنه: (وَالَّذِي أَكْرَمَكَ) هو الله سبحانه وتعالى، (لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ)؛ أي: لأُخَلِّصن نَسَبك من نَسَبهم، بحيث يختص الهجو بهم دونك، وفي رواية أبي سلمة الآتية:"فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَعْجَلْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي"، فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ"، (كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِيرِ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم؛ أي: العجين، كما قال في الرواية الأخرى، ومعناه: لأتلطفنّ في تخليص نسبك مِنْ هجوه، بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة إذا سُلّت من العجين لا يبقى منها شيء فيه، بخلاف ما لو سُلّت من شيء صَلْب، فإنها ربما انقطعت، فبقيت منها فيه بقية، قاله النوويّ

(2)

.

وقال في "المشارق": يريد بالخمير: العجينَ المختمر؛ يعني: لأتلطفنّ في تخليص نسبك، حتى لا يعمّه الهجو، ويقضي عليه، كما يُتلطف في إخراج الشعرة من العجين؛ لئلا تنقطع فتبقى فيه. انتهى

(3)

.

وفي رواية البخاريّ: "كما تسلّ الشعرة من العين"، قال في "الفتح": أشار بذلك إلى أن الشعرة إذا أُخرجت من العجين، لا يتعلق بها منه شيء؛ لنعومتها، بخلاف ما إذا سُلّت من العسل مثلًا، فإنها قد يَعْلَق بها منه شيء، وأما إذا سُلّت من الخبز، فإنها قد تنقطع قبل أن تخلص. انتهى

(4)

.

(فَقَالَ حَسَّانُ) رضي الله عنه: (وَإِنَّ سَنَامَ)؛ أي: أعلى (الْمَجْدِ)؛ أي: الشرف، (مِنْ آلِ هَاشِمِ بَنُو بِنْتِ) وفي نسخة:"ابنةِ"(مَخْزُومٍ) قال النوويّ رحمه الله: وبعد هذا بيتٌ لم يَذكره مسلم، وبذِكره تتم الفائدة والمراد، وهو:

وَمَنْ وَلَدَتْ أَبْنَاءُ زُهْرَةَ مِنْهُمُو

كِرَامٌ وَلَمْ يَقْرَبْ عَجَائِزَكَ الْمَجْدُ

المراد ببنت مخزوم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، أم عبد الله، والزبير، وأبي طالب، ومراده بأبي سفيان هذا المذكور المهجوّ:

(1)

"الفتح" 8/ 184، كتاب "المناقب" رقم (3531).

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 48.

(3)

"مشارق الأنوار" 1/ 240.

(4)

"الفتح" 8/ 184، كتاب "المناقب" رقم (3531).

ص: 538

أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان يؤذي النبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين في ذلك الوقت، ثم أسلم، وحسن إسلامه.

وقوله: "ولدت أبناء زُهرة منهم" مراده: هالة بنت وهب بن عبد مناف، أم حمزة، وصفية. وأما قوله:(وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ) فهو سبّ لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه: أن أم الحارث بن عبد المطلب والدة أبي سفيان هذا، هي سُمَيّة بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث كانت كذلك، وهو مراده بقوله:"ولم يَقْرَب عجائزك المجد".

وقوله: (قَصِيدَتَهُ هَذِهِ) بالنصب مقول "فقال حسّان"؛ أي: قال قصيدته التي من جملتها هذا البيت، و"هذه" بدل، أو عطف بيان لـ "قصيدته"، وتلك القصيِدة

(1)

قوله [من الطويل]:

لقَدْ عَلِمَ الأَقْوَامُ أَنَّ ابْنَ هَاشِمٍ

هُوَ الغُضنُ ذُو الأفنَانِ لا الواحِدُ الوَغْدُ

ومَا لَكَ فِيهِم مَحتِدٌ يَعرِفونهُ

فَدُونَكَ فَالصَق مِثلَ مَا لَصِقَ القُردُ

(2)

وإِنَّ سَنامَ المَجدِ في آلِ هَاشِم

بَنُو بِنتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ

وَمَا وَلَدَت أبنَاءُ زُهرَةَ مِنْكُمُ

كَرِيمًا وَلَم يَقرَب عَجَائِزَكَ المَجدُ

وَلَستَ كَعَبَّاسٍ وَلا كَابنِ أُمِّهِ

وَلكِن هَجِينٌ لَيْسَ يُورَى لَكَ زَندُ

وَأنتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ

كَمَا نِيطَ خَلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَردُ

وإِنِ امْرَءًا كَانَت سُمَيَّةُ أُمَّهُ

وسَمرَاءُ مَغْلُوبٌ إذا بُلِغَ الجَهدُ

راجع لهذه القصيدة، وشرحها ديوان حسّان بن ثابت مع شرحه للبرقوقي (ص 159 - 161). ذَكَره في "التكملة"

(3)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

(1)

تقدمت هذه القصيدة مع بعض المخالفة قريبًا.

(2)

"القُرْد" بضمّ، فسكون: جمعه قِردان: دُويّبة، كما في "القاموس".

(3)

"تكملة فتح الملهم" 5/ 247 - 248.

ص: 539

أخرجه (المصنّف) هنا [34/ 6373 و 6374](2489)، و (البخاريّ) في "المناقب"(3531) و "المغازي"(4145) و "الأدب"(6150) وفي "الأدب المفرد"(862)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(8/ 696)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(2/ 259)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(5787 و 7145)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار"(4/ 297)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 487 - 488)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار"(2/ 629)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(4/ 38)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(7/ 341)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(10/ 238)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6374](. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَت: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سُفْيَانَ، وَقَالَ بَدَلَ الْخَمِيرِ: الْعَجِينِ).

رجال هذا الإسناد: ثلاثة:

وقد ذُكر الإسناد نفسه قبل ثلاثة أحاديث، والظاهر أن هذه الرواية مكرّرة، كما يتبيّن من التنبيه التالي، فتنبّه.

[تنبيه]: رواية عبدة عن هشام بن عروة هذه ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:

(3338)

- حدّثني عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن حسان النبيّ صلى الله عليه وسلم في هجاء المشركين، قال:"كيف بنسبي؟ " فقال حسان: لأسلنّك منهم، كما تُسَلّ الشعرة من الْعَجين. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6375](2490) - (حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ

(1)

"صحيح البخاريّ" 3/ 1299.

ص: 540

غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْل"، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ، فَقَالَ:"اهْجُهُمْ"، فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يُرْضِ، فَأرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْه، قَالَ حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِه، ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَفْرِيَنَّهُمْ بلِسَانِي فَريَ الأَدِيمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَعْجَلْ، فَإنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بَأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي"، فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِين، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ، مَا نَافَحْتَ عَنِ اللهِ وَرَسُولهِ"، وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "هَجَاهُمْ حَسَّانُ، فَشَفَى، وَاشْتَفَى"، قَالَ حَسَّانُ [من الطويل]:

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ

(1)

عَنْهُ

وَعِنْدَ الله فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تَقِيًّا

(2)

رَسُولَ اللهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ

فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ

(3)

وَعِرْضِي

لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا

تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَي كَدَاءِ

يُبَارِينَ

(4)

الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ

عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ

تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ

تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ

فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا

وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ

وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ

يَوْمِ يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ

وَقَالَ اللهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا

يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ

وَقَالَ اللهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا

هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ

(1)

وفي نسخة: "وأجبت".

(2)

وفي نسخة: "برًّا حنيفًا".

(3)

وفي نسخة: "ووالدتي".

(4)

وفي نسخة: "ينازعن".

ص: 541

لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ

(1)

مِنْ مَعَدٍّ

سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَو هِجَاءُ

فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ

وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ

وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فينَا

وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ)

رجال هذا الإسناد: تسعة:

1 -

(عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [11](ت 248)(م د س) تقدم في "الإيمان" 26/ 211.

2 -

(أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [10](ت 199) وله أربع وستون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" 26/ 211.

3 -

(جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [7] مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 412.

4 -

(خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمَحيّ، ويقال: السَّكْسكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [6](ت 139)(ع) تقدم في "الإيمان" 87/ 462.

5 -

(سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، قال الحافظ: لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفًا، إلا أن الساجيّ حَكَى عن أحمد أنه اختَلَط [6] مات بعد الثلاثين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في "الإيمان" 87/ 462.

6 -

(عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) -بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانية ثقيلة- ابن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ

(2)

، وروايته عن أنس مرسلة [6](ت 140)(خت م 4) تقدم في "الطهارة" 12/ 585.

7 -

(مُحَمَّدُ بْن إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [4](ت 120) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" 13/ 159.

(1)

وفي نسخة: "يلاقي كلَّ يوم".

(2)

هذا أَولى من قوله في "التقريب": لا بأس به. راجع ترجمته في: "تهذيب التهذيب".

ص: 542

والباقيان ذُكرا في الباب، و"أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ" هو: ابن عوف.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من تُساعيّات المصنّف رحمه الله، وهو من أنزل الأسانيد له، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من عُمارة، والباقون مصريّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، وفيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، روت من الحديث (2210).

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشًا) وقع في "المفهم": "اهج قريشًا"، فقال القرطبيّ: قوله: "اهج قريشًا" هكذا وقع في بعض النُّسخ: "اهج" على أنه أمْر لواحد، ولم يتقدَّم له ذِكر، فكأنه أمْر لأحد الشعراء الحاضرين، ووقع في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب:"اهجوا" بضمير الجماعة، فيكون أمرًا لجميع من حضر هناك من الشعراء. انتهى

(1)

.

(فَإِنَّهُ)؛ أي: إن الهجو (أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ") بفتح الراء، وهو الرمي بها، وأما الرِّشق بالكسر، فهو اسم للنبل التي تُرمَى دَفعةً واحدةً، وفي بعض النسخ:"من رَشْق النبل".

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "فإنَّه أشدُّ عليها من رَشْق بالنبل" الضمير في "إنه" عائد على الهجو الذي يدلُّ عليه: "اهجوا قريشًا". وفي "عليها": لقريش، ورشق -بفتح الراء-: وهو الرَّمي، ففيه دليل: على أن الكافر لا حرمة لِعِرضه، كما أنه لا حرمة لماله، ولا لدمه، وأنه يُتعرض لنكايتهم بكل ما يؤلمهم من القول والفعل. انتهى

(2)

.

(فَأَرْسَلَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَى) عبد الله (بْنِ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيّ الأنصاريّ الشاعر، أحد السابقين، شَهِد بدرًا، واستُشهِد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها، في جمادى الأولى سنة ثمان، تقدّمت ترجمته في "الجنائز" 10/ 2161، له ذِكر عند مسلم دون رواية. (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم لابن رواحة:

(1)

"المفهم" 6/ 423.

(2)

"المفهم" 6/ 423.

ص: 543

(اهْجُهُمْ)؛ أي: المشركين، (فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يُرْضِ) بضمّ أوله، من الإرضاء؛ أي: لم يرضِه صلى الله عليه وسلم هجو ابن رواحة حيث لم يبلغ ما أراده من النكاية، (فَأرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكِ) بن أَبِي كَعَب الأنصاريّ السَّلَميّ -بالفتح- الصحابيّ المدنيّ المشهور، وهوأحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا، مات في خلافة عليّ رضي الله عنه، تقدّمت ترجمته في "صلاة المسافرين وقصرها" 13/ 1659.

(ثُمَّ أَرْسَلَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) رضي الله عنه (فَلَمَّا دَخَلَ) حسّان (عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (قَالَ حَسَّانُ) رضي الله عنه: (قَدْ آنَ)؛ أي: حان وقَرُب (لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ) قال العلماء: المراد بذنَبه هنا لسانه، فشبَّه نفسه بالأسد في انتقامه، وبطشه، إذا اغتاظ، وحينئذ يضرب بذنبه جنبيه، كما فعل حسان بلسانه، حين أدلعه، فجعل يحركه، فشبَّه نفسه بالأسد، ولسانه بذنبه، قاله النوويّ رحمه الله

(1)

. وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "قد آن لكم أن ترسلوا

إلخ" هذا من حسان مَدْح لنفسه، شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب، فحَمِي، وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبيّ صلى الله عليه وسلم، واحتدّ لذلك، واستحضر في ذهنه هجو قريش، فتصوّره، وأحس أنه قد أُعينَ على ذلك ببركة دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال تلك الكلمات، مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه، وأنه قد أجيب فيه دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك، وتنزّل هذا الافتخار في هذا الموطن منزلة افتخار الأبطال في حال القتال؛ فإنَّهم يمدحون أنفسهم، ويذكرون مآثرهم، ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا، وذلك يدلّ على ثبوت الجأش، وشجاعة النفس، وقوة العقل، والصَّبر، وإظهار كل ذلك للعدو، وإغلاظ عليهم، وإرهاب لهم، وكل هذا الافتخار: يوصل إلى رضا الغفار، فلا عتب، ولا إنكار. انتهى

(2)

.

(ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ)؛ أي: أخرجه عن الشفتين، وحرّكه، كأنه يُعِدّه لإنشاء الهجو، يقال: دَلَعَ لسانَهُ، وأدلعه، ودَلَعَ اللسانُ بنفسه، قاله النوويّ.

وقال المجد: دَلَعَ لسانَهُ، كمَنَعَ: أخرجه، كأدلعه، فَدَلَع هو، كمَنَعَ،

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 49.

(2)

"المفهم" 6/ 424.

ص: 544

ونَصَرَ دَلْعًا، ودُلُوعًا. انتهى

(1)

.

(فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ)؛ أي: لسانه خارجِ فمه، (فَقَالَ) حسّان:(وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ) هو الله عز وجل، (لأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فرْيَ الأَدِيمِ)؛ أي: لأمزّقنّ أعراضهم تمزيق الجلد، قاله النوويّ

(2)

.

وقال القرطبيّ: قوله: "لأفرينَّهم بلساني فَرْيَ الأديم"؛ أي: لأمزقنّهم بالهجو، كما يمزق الجلد بعد الدِّباغ؛ فإنَّه يُقطع خفافًا ونعالًا، وغير ذلك، وتشبيه حسان نفسه بالأسد الضارب بذنبه بحضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وإقرار الكل عليه: دليل على بطلان قول من نسب حسَّان إلى الجُبن، ويتأيد هذا بأن حسان لم يزل يُهاجي قريشًا وغيرهم من خيار العرب، ويهاجونه، فلم يعيِّره أحد منهم بالجُبن، ولا نسبه إليه، والحكايات المنسوبة إليه في ذلك أنكرها كثير من أهل الأخبار، وقيل: إن حسَّان أصابه الجُبن عندما ضربه صفوان بن المعطل بالسيف؛ فكأنه اختل في إدراكه، والله تعالى أعلم. انتهى

(3)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت الإنكار على هذه الحكاية، وما أحقّها بذلك، فحسان رضي الله عنه كان من الشجعان، فلو كان جبانًا لَمَا ترك المشركون طَعْنه به، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَعْجَلْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تعِبَ، (فَإنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصديق رضي الله عنه (أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي")؛ أي: يفصلهم، ويُخرجهم عنهم، حتى لا يعمّهم الهجو. (فَأَتَاهُ)؛ أي: أبا بكر رضي الله عنه، (حَسَّانُ) رضي الله عنه (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ) من باب نصر، من السّلّ؛ أي: لآخذنّك، ولأُخرجنّك (مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ)؛ أي: والمعنى: لأتلطفَنّ في تخليص نسبك في هجوهم، بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة إذا استُلّت من العجين لا يبقى منها شيء

(4)

، (قَالَتْ

(1)

"القاموس المحيط" ص 442.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 49.

(3)

"المفهم" 6/ 424 - 425.

(4)

"الديباج على مسلم" 5/ 457.

ص: 545

عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ)؛ أي: جبريل عليه السلام لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ)؛ أي: يقوّيك، وينصرك بالإلهام، والتذكير، والمعونة، (مَا نَافَحْتَ) "ما" مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدَّة منافحتك، والمنافحة: المخاصمة، والمجادلة، وأصلها: الدَّفع، يقال: نفحت الناقة الحالب برجلها؛ أي: دفعته، ونفحه بسيفه؛ أي: ضربه به من بعيد

(1)

.

(عَنِ اللهِ) سبحانه وتعالى (وَرَسُولِهِ") صلى الله عليه وسلم. (وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "هَجَاهُمْ)؛ أي: قريشًا، (حَسَّانُ، فَشَفَى، وَاشْتَفَى")؛ أي: شفى المؤمنين، واشتفى هو بما ناله من أعراض الكفار، ومزّقها، ونافح عن الإسلام والمسلمين، وقال القرطبيّ رحمه الله: أي: شفى الألم الذي أحدثه هجوهم، واشتفى هو في نفسه؛ أي: أصاب منهم بثأره شفاء. انتهى

(2)

.

(قَالَ حَسَّانُ) رضي الله عنه في إنشائه قصيدته لهجوهم:

(هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأجَبْتُ عَنْهُ

وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الْجَزَاءُ)

(هَجَوْتَ) خطاب لأبي سفيان بن الحارث (مُحَمَّدًا) صلى الله عليه وسلم (فَأَجَبْتُ)

(3)

وفي نسخة: "وأجبت"(عَنْهُ، وَعِنْدَ اللهِ) تعالى (فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ)؛ لأنه من الجهاد في سبيل الله تعالى، قال القرطبيّ رحمه الله: وروي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أنشده هذا البيت قال له: "جزاؤك عند الله الجنة"

(4)

.

(هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تَقِيًّا

(5)

رَسُولَ اللهَ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ)

البرُّ: التَّقي، والحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين إبراهيم عليه السلام، والشِّيمة: السَّجيَّة، والسَّليقة، والخليقة، والجبلَّة كلها: الطبيعة، قاله القرطبيّ رحمه الله

(6)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "بَرًّا تقيًّا"، وفي كثير من النسخ "حنيفًا": بدل "تقيًا"، فالبرّ بفتح الباء: الواسع الخير، وهو مأخوذ من الْبِرّ، بكسر الباء، وهو

(1)

"المفهم" 6/ 424 - 425.

(2)

"المفهم" 6/ 424 - 425.

(3)

وفي نسخة: "وأجبت".

(4)

انظر: "الأغاني" 4/ 163 والله أعلم بصحّته.

(5)

وفي نسخة: "برًّا حنيفًا".

(6)

"المفهم" 6/ 431.

ص: 546

الاتساع في الإحسان، وهو اسم جامع للخير، وقيل: الْبَرّ هنا بمعنى المتنزه عن المآثم، وأما الحنيف فقيل: هو المستقيم، والأصح أنه المائل إلى الخير، وقيل: الحنيف التابع ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم. انتهى

(1)

.

وقوله:

(أَتَهجُوه ولَستَ لَهُ بِكُفءٍ

فَشَرُّكُمَا لِخَيرِكُما الفِداءُ)

(2)

هذا يتضمن الدُّعاء بإنزال المكاره بأكثر الرجلين شرًّا، وإنزال الخير بأكثرهما خيرًا، وعند ذلك يتوجَّه عليه إشكال، وهو أن شرًّا وخيرًا هنا للمفاضلة، والمعقول من المفاضلة اشتراك المتفاضلين فيما وقعت فيه، واختصاص أحدهما بزيادة فيه، فيلزم منه: أن يكون في النبيّ صلى الله عليه وسلم شرٌّ، وهو باطل، فتعيَّن تأويل ذلك، فقال السُّهيليّ: إن شرًّا هنا بمعنى: أنقص، وحُكي عن سيبويه أنه قال: تقول: مررت برجل شرٍّ منك؛ أي: أنقص عن أن تكون مثله، قال السُّهيليّ: ونحو منه قوله صلى الله عليه وسلم: "شرُّ صفوف الرجال آخرها"، رواه مسلم، يريد: نقصان حقهم عن حظ الصف الأول، ولا يجوز أن يريد به التفضيل في الشرٍّ.

قال القرطبيّ: وأوضح من هذا، وأبعد من الإعتراض أن يقال: إن الأصل في "أفعل" ما ذُكِر، غير أن المعنى الذي يُقصد به المفاضلة فيه قد يكون معنى وجوديًا، كما يقال: بياض الثلج أشدُّ من بياض العاج، وقد يكون المعنى توهُّمًا بحسب زعم المخاطب، كما قال تعالى:{فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا} [مريم: 75]، وذلك أن الكفار زعموا: أن المؤمنين شرٌّ منهم، فأجيبوا بأن قيل لهم: ستعلمون باطل زعمكم بأن تشاهدوا عاقبة من هو الموصوف بالشر، وعلى هذا يُخَرَّج معنى البيت، فإنَّهم كانوا يعتقدون في النبيّ صلى الله عليه وسلم شرًّا، فخاطبهم بحسب زعمهم، ودعا على الأشرّ من الفريقين منهما له، وهو يعنيهم قطعًا، فإنَّهم هم أهل الشر، لكنهم أتاهم بدعاء نَصَف يُسكِت الظالم، ويُرضي المظلوم.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 49 - 50.

(2)

هذا البيت ليس في نصّ مسلم، وإنما ذكره القرطبيّ، فتنبّه.

ص: 547

(فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ

(1)

وَعِرْضِي

لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ)

قال ابن قتيبة: يعني بالعِرض هنا: النفس، فكأنه قال: أبي وجدّي، ونفسي وقاية لنفس محمد صلى الله عليه وسلم، وقال غيره: بل العِرض هنا: هو الحرمة التي تُنتهك بالسبّ والغيبة التي قال فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا"، متّفقٌ عليه.

وقال النوويّ رحمه الله: هذا مما احتَجّ به ابن قتيبة لمذهبه أن عِرْض الإنسان هو نفسه، لا أسلافه؛ لأنه ذَكَر عِرضه وأسلافه بالعطف، وقال غيره: عِرْض الرجل: أموره كلها التي يُحمد بها، ويذمّ، من نفسه، وأسلافه، وكل ما لَحِقه نقص يعيبه.

وأما قوله: "وِقاء" فبكسر الواو، وبالمد، وهو ما وَقَيت به الشيء. انتهى

(2)

.

(ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا

تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَي كَدَاءِ)

(ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي)؛ أي: فقدت بناتي، والثكل: فَقْد الولد، و "بُنيّتي" تصغير بنت، ومعناه: الدعاء على ابنته بالموت إن لم يغز قريشًا.

وقوله: (إِنْ لَمْ تَرَوْهَا) الضمير للخيل، (تُثِيرُ النَّقْعَ)؛ أي: الغبار، يقول: إنكم سوف ترون خيول المسلمين تُثير الغبار في حوالي مكة، وإن لم تفعل فإني أدعو على بُنيّتي بالموت.

(مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ)؛ أي: جانبَي الموضع المسمى بكداء، هكذا وقع عند مسلم، وفيه الإقواء من عيوب القافية، وهو اختلاف حركة الإعراب في القوافي، ووقع لبعض الرواة بلفظ:"موعدها كَداءُ"، ولبعضهم "غايتها" بدل "موعدها"، والمعنى متقارب، وقال القرطبيّ رحمه الله بعد ذكر الرواية الأولى التي فيها الإقواء: وليس بشيء؛ إذ لا ضرورة تُحْوج إليه مع صحّة الروايات المتقدّمة؛ يعني: التي لا إقواء فيها. انتهى

(3)

.

(1)

وفي نسخة: "ووالدتي".

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 49 - 50.

(3)

"المفهم" 6/ 429.

ص: 548

(يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ

عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ)

(يُبَارِينَ) وفي نسخة: "ينازعن" من المنازعة، والمباراة: المعارضة، والأعنّة: جمع عِنَان، وهو سَيْر اللجام الذي تُمسك به الدابّة.

وقوله: (مُصْعِدَاتٍ) منصوب على الحال، والإصعاد: التوجّه إلى الشيء والذهاب إليه، ولا يُطلق ذلك على الرجوع، والمعنى: أنها -يعني: الخيل- حين تتوجّه إلى الحرب، فإنها تعارض أعنّتها في الصلابة والقوّة؛ لأن العنان ربما يكون من الحديد، وقيل: إنها تضاهي أعنّتها في اللِّين، وسرعة الانقياد؛ يعني: أنها تنقاد لراكبها، كما أن أعنّتها تنقاد لحاملها، وقيل: المراد أنها تعارض أعنتها في الجذب؛ لقوّة نفوسها، وقوّة رؤوسها.

وقوله: (عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ)"الأسل" بفتح الهمزة، والسين: الرماح، و "الظماء": جمع ظمأ؛ أي: العطاش، وفي بعض الروايات:"الأُسُد الظماء"، وهو جمع أَسَد، شبّه راكبيها بالأُسُد؛ لشجاعتهم، وصولتهم.

(تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ

تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ)

قوله: (تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ) قال ابن منظور في "اللسان": تمطّرت الخيل: ذهبت مسرعةً، وجاءت متمطّرةً؛ أي: جاءت يسبق بعضها بعضًا، و"تُلَطِّمهنّ" تفعيل من لطم يلطِم لطمًا: إذا ضرب خدّه، أو صفحة خدّه بكفه مفتوحةً، و "الخُمُر" على وزن كُتُب: جمع خِمار، وهو ما تغطّي به المرأة رأسها، وقد فسّر شُرّاح الحديث هذا الشِّعر بأن خيل المسلمين مسرعة في سَيْرها عند القتال، وأنها كريمة على أهلها، ولذلك تمسح النساء الغبار وجوهها بخُمُرها؛ إكرامًا لها، وإظهارًا لحبّهنّ لها.

وقد فسّر علماء الأدب بطريق آخر، وهوأنها تَتْبَع العدوّ مسرعة في سَيْرها، حتى إن نساء العدوّ يلطمن وجوهها بخمرهنّ ليردّوها عن أنفسهنّ، وهذا المعنى ألْيق بكلمة اللطم، وقد ذكروا أن ذلك وقع فعلًا عند فتح مكة، فكأن الله تعالى أجرى على لسان حسّان ما قدّره عند فتح مكة.

ص: 549

ويُروى أيضًا أن الناس قد أُمروا يوم فتح مكة بأن يسيروا إلى كداء، تفاؤلًا بشعر حسّان رضي الله عنه، فكان الأمر كذلك.

(فَإنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا

وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ)

ظاهر هذا أن حسّان رضي الله عنه قال هذه القصيدة في عمرة الحديبية حين صُدّوا عن البيت، وقيل: إنه قالها يوم فتح مكة، والظاهر هو الأول؛ لأنه يقول: إن أعرضتم عنّا، ولم تصدّونا عن البيت أدّينا عمرتنا، وحصل لنا الفتح في هذا الأمر، وإلا فانتظروا يومًا يُعزّ الله فيه المسلمين، وهو يوم فتح مكة، ما بيّنه بقوله:

(وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ

يَوْمِ يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ)

الضِّراب بكسر الضاد المعجمة: المضَاربة بالسيف والقتال، وقوله:"يُعزّ الله فيه من يشاء" فيه تجاهل العارف، وهو من صنائع البديع، والمراد: أن الله تعالى يُعزّ المسلمين، ولكنه لم يُصرّح بذلك.

(وَقَالَ اللهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا

يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ)

شهِد حسّان رضي الله عنه بتصديقه صلى الله عليه وسلم في هذا البيت، ولذلك قال في البيت الذي بعده:

شَهِدتُ بِهِ فَقُومُوا صَدِّقُوهُ

فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ

(1)

أي: لا نقوم لتصديقه، ولا نريده، فعانَدوا، ولمَّا كان كذلك قال:

(وَقَالَ اللهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا

هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ)

"عُرضتها" بضم العين: قَصْدها، يقال: اعترضت عُرضه؛ أي: قصدت قَصْده، والمراد أن الأنصار قَصْدهم لقاء العدوّ والقتال، وقد تكون العرضة بمعنى القوّة، يقال: فلان عُضة لكذا؛ أي: قويّ عليه، والمراد أن الأنصار أقوياء على القتال، وإنما خصّ الأنصار بالذِّكر؛ لأنهم الذين قاموا بمبازرة النبيّ صلى الله عليه وسلم مَنْ عانَد من قومه، وأما المهاجرون فلم يظهر لهم أمر إلا عند اجتماعهم بالأنصار.

(1)

هذا ليس من أبيات مسلم، بل هو من شرح الأبيّ.

ص: 550

(لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ

سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ)

وفي بعض النسخ: "يُلَاقِي

(1)

كُلَّ يَوْمِ مِنْ مَعَدٍّ"؛ يعني بمعدّ: قريشًا؛ لأنهم من وَلَد معدّ بن عدنان، و "أو" للتنويع، ويعني بالسباب: السبّ نثرًا، وبالهجاء: السبّ نظمًا، ويدلّ على ذلك قوله:

فَنُحَكِّمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا

وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّمَاءُ

(2)

أي: نُجيب الهاجي بأبلغ من هجائه، وأصعب عليه، فيمتنع من العود، ويعني باختلاط الدماء: التحام الحرب.

أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي

مُغَلَّغَةً فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ

(3)

المغلّغة بغينين معجمتين

(4)

، بينهما لام: الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد، و "برح الخفاء"؛ أي: انكشف المضمر.

بِأَنَّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْدًا

وَعَبْدُ الدَّارِ سَادَتُهُ الإِمَاءُ

(5)

أي: تركتك ذليلًا ذُلّ العبيد.

(فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ

وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ)

يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم من العزّة والشرف بمكان لا يضرّه هجاؤكم، ولا ينفعه مدحكم ونصركم؛ لأنكم من الهوان بحيث لا يُعبأ بكم، وهو من العزّة والمنعة والوجاهة بحيث لا ينال منه، ولا يُرتقى إليه.

(وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فينَا

وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْس لَهُ كِفَاءُ)

قوله: "ليس له كِفاء" بكسر الكاف؛ أي: نظيرٌ ومثيلٌ. انتهى منقولًا من "شرح الأبيّ" وغيره

(6)

.

(1)

أي: يلاقينا منهم"، فقوله: "سبابٌ" مرفوع على الفاعلية لـ "يُلاقي".

(2)

هذا ليس من أبيات مسلم.

(3)

وهذا ليس من أبيات مسلم.

(4)

وقع في شرح الأبي "مغلفة" بغين، ثم لام، ثم فاء، وهو غلط، والصواب:"مغلغلة" بغينين معجمتين، كما في "القاموس".

(5)

وهذا أيضًا ليس من أبيات مسلم، بل من شرح الأبّيّ، فتنبّه.

(6)

راجع: "شرح الأبيّ"، و "السنوسي" ص 322 - 328، و "تكملة فتح الملهم" 5/ 246 - 252.

ص: 551

[تنبيه]: ذكر القرطبيّ رحمه الله أول هذه القصيدة، وشرحها، فقال ما نصّه: لم يرو مسلم أوَّل هذه القصيدة، وقد ذكرها بكمالها ابن إسحاق، وذكر أوَّلها:

عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالجِواءُ

إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُها خَلاءُ

فلنذكرها على ما ذكرها ابن إسحاق ونفسِّر غريبها؛ فإنَّها قصيدة حسنة مشتملة على فوائد كثيرة.

وقوله: عفت: معناه: درست وتغيَّرت، وذات الأصابع والجِواء: موضعان بالشام، وعذراء: قرية عند دمشق، إنَّما ذكر حسّان هذه المواضع؛ لأنَّه كان يَرِدها كثيرًا على ملوك غسان يمدحهم، وكان ذلك قبل الإسلام. وخلا: خالٍ ليس به أحد.

ديارٌ من بني الحَسحَاس قَفرٌ

تُعَفِّيها الرَّوامسُ والسَّماء

وكانت لا يَزَالُ بها أَنِيسٌ

خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وَشَاءُ

الدِّيار: المنازل. وبنو الحسحاس: قبائل معروفون، وتُعَفِّيها: تغيِّرها. والروامس: الرياح، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها ترمس الآثار؛ أي: تغيّرها، والرمس والرسم: الأَثَر الخفيّ. والسماء: المطر. والسماء: كل ما علاك فأظلَّك. وخِلال: بمعنى بين. ومروج: جمع مَرْج، وهو الموضع المُنْبِت للعشب المختلف الذي يختلط بعضه ببعض. والنَّعَم: الإبل خاصّة، والأنعام: يتناول: الإبل، والبقر، والغنم. والشاءُ: الغنم.

فَدَع هَذَا ولَكِن مَن لِطَيْفٍ

يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ

الطَّيف: ما يراه النائم في منامه، وهو في الأصل مصدر: طاف الخيال، يطوف طيفًا، ولم يقولوا في هذا: طائف في اسم الفاعل، قال السُّهيلي: لأنه تخيُّل لا حقيقة له، فأمَّا قوله:{فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ} [القلم: 19]، فلا يقال: فيه طيف؛ لأنَّه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل، فأمَّا قوله تعالى:{إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا} [الأعراف: 201]. فمن قرأه: {طَائِفٌ} اسم فاعل؛ فإنَّه أراد به الشيطان نفسه، ومن قرأه:"طيف" أراد به تخيّله ووسواسه، وهي لا حقيقة لها، ويؤرقني: يُسهرني. إذا ذهب العِشاء؛ أي: بعد العشاء في الوقت الذي ينام فيه الناس؛ يعني: أنه يسهر لفكرته في الطيف، أو لِلَوْعَتِه به كلما غمض.

ص: 552

لِشَعثاءَ التي قد تَيَّمتهُ

فَلَيسَ لِقَلبِه منها شِفاءُ

قيل: إن شعثاء هذه: هي ابنةُ كاهنِ امرأة حسان، ولدت له ابنته أم فراس. وتيَّمته: ذلَّلته.

كَأَنَّ سَبِيَّةً مِن بَيتِ رَأسٍ

يكُونُ مِزَاجُها عَسَلٌ وماءُ

السبيّة: الخمر. وبيت رأس: موضع فيه خمر عالية، وقيل: رأس: رجل خمّار نُسبت إليه، ومزاجها: خليطها. وقد جعل الخبر معرفة، والاسم نكرة، وهو عكس الأصل؛ وإنَّما جاز ذلك؛ لأنَّ عسلًا وماءً: اسمان من أسماء الأجناس، فأفاد مُنكِّره ما يفيد معرَّفة، فكأنهما معرفتان، وخبر كان محذوف، تقديره: كأنَّ فيها سبيَّة مستلذَّة، وهذا إنما اضطر إلى ذلك من لم يرو في القصيدة قوله:

على أَنيابِها أو طَعمُ غَضٍّ

مِنَ التُّفَّاح هَصَّرَهُ الجِناء

وذلك أن هذا البيت لم يقع في رواية ابن إسحاق، فمن صحَّ عنده هذا البيت، جعل خبر كان: على أنيابها، ولم يحتَجْ إلى تقدير ذلك المحذوف.

والأنياب: هي الأسنان التي بين الضَّواحك والرُّباعيات. والغَضُّ: الطريّ، وهصَّره: دلَّاه، وأدناه. الجِناء؛ أي: الاجتناء، وهو بكسر الجيم والمدّ، والجنى -بالفتح والقصر-: ما يُجتنى من الشجر، قال أبو القاسم السُّهيلي: وهذا البيت موضوع.

إذا ما الأَشْرِباتُ ذُكِرنَ يومًا

فَهُنَّ لِطَيّب الرَّاح الفِدَاءُ

الأشربات: جمع أشربة، فشرابٌ الواحد، وجَمْع قلّته المكسّر: أشربة، وجَمْع سلامته: أشربات. والراح: من أسماء الخمر، واللام هنا: للعهد؛ أي: الخمر السبية المتقدِّمة الذكر.

نُوَلِّيها المَلامَةَ إن أَلَمْنا

إذا ما كان مَقْتٌ أو لِحَاءُ

ونَشرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا

وأُسدًا ما يُنَهنِهُنا اللِّقاءُ

ألَمْنا؛ أي: أتينا ما نلام عليه. والمقتُ: مما يُمقت عليه أي: يُبغض؛ كالضرب، والأذى. واللحاء: الملاحاة باللسان، يريد: إن فعلنا شيئًا من ذلك اعتذرنا بالسُّكْر، وينهنهنا: يُضْعِفُنا، ويُفْزِعُنا.

عَدِمنا خَيلَنا إِن لَم تَرَوها

تُثِيرُ النَّقْعَ مَوعِدُها كَدَاءُ

ص: 553

يُنَازِعنَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ

على أَكْتَافِها الأَسَلُ الظِّمَاءُ

الضمير في "تروها" عائد على الخيل، وإن لم يَجْرِ لها ذِكْر، لكنها تفسِّرها الحال والمشاهدة، وتثير: تحرِّك. والنقع: الغبار، وكداء: الثنية التي بأعلى مكة، وكُدَى -بضم الكاف والقصر-: تثنية بأسفل مكة، وقد تقدَّم ذِكرهما. وينازعن: يجاذبن. والأسل: الرِّماح. والظماء: العطاش. ووصف الرماح بذلك؛ لأنَّ حامليها يريدون أن يطعنوا أعداءهم بها فيُرووها من دمائهم. ومُصعِدات: مرتفعات، ومصغيات: مائلات.

تَظَلُّ جِيَادُنا مُتَمَطِّراتٍ

تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ

الجياد: الخيل. متمطرات؛ يعني: بالعرق من الجري، والرواية المشهورة: يلطمهن: من اللطم، وهو: الضرب في الخدّ، ويعني: أن هذه الخيل لكرمهن في أنفسهن، ولعزَّتهن عليهم تبادر النساء فيمسحن وجوه هذه الخيل بالخُمُر. وكان الخليل يروي هذا اللفظ: يطلمهن بتقديم الطاء على اللام، ويجعله بمعنى ينفض، وقال ابن دريد: الطلم: ضربك خبز الْمَلّة بيدك لينتفض ما به من الرماد. ورواية مسلم لهذا الحديث: "ثَكِلَتْ بُنَيتي" بدل "عدمنا خيلنا". والثكل: فَقْد الولد. وبُنيّتي: تصغير بنت. ومعنى صدر هذا البيت على الروايتين: الدعاء على نفسه إن لم يغز قريشًا. ووقع أيضًا لبعض رواة مسلم: موعدها كداء، ولبعضهم:"غايتها" بدل "موعدها". والمعنى متقارب. ووقع في بعض النُّسخ مكان "موعدها": "من كنفي كداء" على الإقواء، وليس بشيء؛ إذ لا ضرورة تُحْوج إليه مع صحَّة الروايات المتقدِّمة، وكنفا كداء: جانباها.

فإِمَّا تُعرِضو عنَّا اعتَمَرنا

وكَانَ الفَتحُ وانكَشَفَ الغِطَاءُ

هذا يدل على أن حسان قال هذه القصيدة قبل يوم الفتح كما قال ابن هشام. وظاهره أن ذلك كان في عُمرة الحديبية حين صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت، وقال ابن إسحاق: إن حسان قالها في فتح مكة، وفيه بُعدٌ.

وإِلا فَاصبِرُوا لِضراب يَومٍ

يُعِزُّ اللهُ فيهِ مَنْ يَشاءُ

هذا من باب إلهام الَعالم؛ لأنَّ حسان قد علم أن الله قد أعز نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]،

ص: 554

وقال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} الآية [النور: 55]، وقال:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40]، إلى غير ذلك، وقد دلَّ على هذا قوله بعد هذا:

وجِبرِيلُ رَسُولُ اللهِ فينا

ورُوحُ القُدسِ ليسَ لَهُ كِفَاءُ

أي: لا يقاومه أحد، ولا يماثله. وروح القدس: هو جبريل عليه السلام، والقدس: الطهارة، وهو معطوف على رسول الله، والكفاء: الكفؤ، وهو المثل.

وقالَ الله قد أَرسَلْتُ عَبدًا

يقُولُ الحقَّ إِن نَفَعَ البَلاءُ

أي: الابتلاء، وهو الاختبار، وقد ضمّن صدر هذا البيت معنى الابتلاء، ولذلك أشار بقوله: البلاء؛ لأنَّ اللام فيه للعهد لا للجنس، فتدبَّره، ورواية مسلم في هذا البيت:

.........................

يقُولُ الحَقَّ لَيسَ به خَفاءُ

ثم شهد حسَّان بتصديقه فقال:

شَهِدتُ به فَقُومُوا صدِّقُوه

فَقُلتُم لا نَقُومُ ولا نَشَاءُ

أي: لا نقوم لتصديقه، ولا نريده، فعاندوا، ولمّا كان ذلك قال:

وقَال اللهُ قَد يَسَّرتُ جُندًا

هُمُ الأَنصارُ عُرضَتُها اللِّقاءُ

أي: قَصدُها وهمُّها: لقاؤكم، وقتالكم؛ يعني: أنهم لمّا ظهر عنادهم، نصر الله نبيَّه بجند الأنصار، ولم يذكر المهاجرين؛ لأنَّهم لم يظهر لهم أثر إلا عند اجتماعهم بالأنصار، والله تعالى أعلم.

لَنا فِي كُلِّ يومٍ مِنْ مَعَدٍّ

سِبَابٌ أو قِتَالٌ أو هِجاءُ

هكذا رواية ابن إسحاق، ويروى: سباء من السَّبي، ومعناه واضح، فالهمزة مكان الباء، والذي في كتاب مسلم: يُلاقي كل يوم من معدٍّ سباب. ويعني بمعدٍّ: قريشًا، نَسَبَهم لمعدِّ بن عدنان، و "أو" في البيت للتنويع، ويعني بالسباب: السب نثرًا، وبالهجاء: السب نظمًا، والله تعالى أعلم. وقد دلَّ عليه قوله:

فَنُحكِم بالقَوَافي مَن هَجَانا

ونَضرِبُ حِينَ تَختَلِطُ الدِّماءُ

فنحكم: نمنع، ويعني: أنه يجيب الهاجي بأبلغ من هجائه، وأصعب

ص: 555

عليه، فيمتنع من العود، ويعني باختلاط الدماء: التحام الحرب، ومخالطة الدماء عند الحرب.

أَلا أَبلِغ أَبا سفيانَ عَنِّي

مُغَلغَلةً فقد بَرِحَ الخَفَاءُ

أبو سفيان هذا: هو ابن الحارث، وهو كان الهاجي أولًا، وقد تقدَّم أنه كان أحد الشعراء. والمغلغلة: الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد. وبرح الخفاء؛ أي: انكشف السر، وظهر المُضْمَر، وهو مَثَلٌ.

فإنَّ سيوفنا تَرَكَتكَ عبدًا

وعبد الدَّارِ ساد بها الإماء

عبدًا: يعني: ذليلًا ذُلّ العبيد. انتهى من شرح القرطبيّ رحمه الله

(1)

.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(35) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ رضي الله عنه

-)

هو: أبو هريرة بن عامر بن عبد ذي الشَّرَى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غَنْم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب الدوسي، هكذا سمّاه، ونسبه ابن الكلبيّ، ومن تبعه، وقوّاه أبو أحمد الدمياطيّ. وقال ابن إسحاق: كان وسيطًا في دوس، وأخرج الدولابيّ من طريق ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: اسم أبي هريرة: عبد نهم بن عامر، وهو دوسي، حليف لأبي بكر الصديق، وخالف ابن الْبَرْقي في نَسَبه، فقال: هو ابن عامر بن عبد شمس بن عبد الساطع بن قيس بن مالك بن ذي الأسلم بن الأحمس بن معاوية بن المسلم بن الحارث بن دهمان بن سليم بن فهم بن عامر بن دوس، قال: ويقال: هو ابن عتبة بن عمرو بن عيسى بن حرب بن سعد بن ثعلبة بن عمرو بن فهم بن دوس، وقال أبو علي بن السكن: اختُلف في اسمه، فقال أهل النسب: اسمه عمير بن عامر، وقال ابن إسحاق: قال لي بعض أصحابنا عن أبي هريرة: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسمّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبد الرحمن،

(1)

"المفهم" 6/ 425 - 433.

ص: 556

وكُنيت أبا هريرة؛ لأني وجدت هرة، فحملتها في كمي، فقيل لي: أبو هريرة، وهكذا أخرجه أبو أحمد الحاكم في "الكنى" من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، وأخرجه ابن منده من هذا الوجه مطولًا، وأخرج الترمذي بسند حسن، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: قلت لأبي هريرة: لِمَ كنيت بأبي هريرة؟ قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة. انتهى. وفي "صحيح البخاري": أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا هِرّ". وأخرج البغوي من طريق إبراهيم بن الفضل المخزومي، وهو ضعيف، قال: كان اسم أبي هريرة في الجاهلية عبد شمس، وكنيته أبو الأسود، فسمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وكناه أبا هريرة.

وأخرج ابن خزيمة بسند قوي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عبد شمس، من الأزد، ثم من دوس. وأخرج الدولابي بسند حسن، عن أسامة بن زيد الليثي، عن عبيد الله بن أبي رافع، والمقبري، قالا: كان اسم أبي هريرة: عبد شمس بن عامر بن عبد الشَّرَى

(1)

-والشَّرَى: اسم صنم لدوس- فلما أسلم سُمّي بعبد الله بن عامر، وقال عبد الله بن إدريس عن شعبة: كان اسم أبي هريرة عبد شمس، وكذا قال يحيى بن معين، وأحمد بن صالح المصري، وهارون بن حاتم، وكذا قال أبو زرعة، عن أبي مسهر، وقال أبو نعيم الفضل بن دكين مثله، وزاد: ويقال: عبد عمرو، وقال مرة أخرى: أبو هريرة: سُكين، ويقال: عامر بن عبد غنم، وكذا قال إسماعيل بن أبي أويس: وجدت في كتاب أبي: كان اسم أبي هريرة: عبد شمس، واسمه في الإسلام: عبد الله، وعن أبي: نمير

(2)

مثله، وذكر الترمذي عن البخاري مثله، وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: أبو هريرة عبد شمس، ويقال: عبد نهم، ويقال: عبد غنم، ويقال: سُكَين، ويقال: عبد الله بن عامر، أخرجه البغوي عن صالح، وكذا قال الأحوص بن المفضل العلائي عن أبيه، وكذا

(1)

في "القاموس": ذو الشَّرَى -أي: مقصورًا-: صنم لدوس. انتهى.

(2)

كذا نسخة "الإصابة"، أبو نمير، وليُحرّر.

ص: 557

حكاه يعقوب بن سفيان في "تاريخه"، وذكر ابن أبي شيبة مثله، وزاد: ويقال: عبد الرحمن بن صخر، وذكر البغوي عن عبد الله بن أحمد، قال: سمعت شيخًا لنا كبيرَّا يَقول: اسم أبي هريرة: سُكين بن دُومة، وهذا حكاه الحسن بن سفيان بسنده عن أبي عمر الضرير، وزاد: ويقال: عبد عمرو بن غنم، وقال عمرو بن علي الفلاس، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن المحرر بن أبي هريرة: كان اسم أبي: عبد عمرو بن عبد غنم، أخرجه أسلم بن سهل في "تاريخه"، وأخرجه البغوي عن المقدمي، عن عمة سفيان، ولفظه: كان اسم أبي هريرة: عبد الرحمن بن غنم، كذا في رواية عيسى بن علي، عن البغوي، وأخرجه ابن أبي الدنيا من طريق المقدمي مثل ما قال عمرو بن علي، وكذا هو في "الذهليات" عن بكر بن بكار، عن عُمَر بن علي المقدمي

(1)

، وقال ابن خزيمة: قال الذهلي: هذا أوضح الروايات

(2)

عندنا على القلب.

قال ابن خزيمة: وإسناد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أحسن من سفيان بن حسين، عن الزهري، عن المحرر، إلا أن يكون كان له اسمان قبل إسلامه، وأما بعد إسلامه، فلا أحسب اسمه استمر. قلت: أنكر أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم غيّر اسمه، فسمّاه عبد الرحمن، كما نَقل أحمد بن حنبل، عن أبي عبيدة الحداد، وأخرج أبو محمد بن زيد، عن الأصمعي أن اسمه: عبد عمرو بن عبد غنم، ويقال: عمرو بن عبد غنم، وجزم بالأول النسائي، وقال البغوي: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واسمه: عبد الرحمن بن صخر، قال الحافظ: وأبو إسماعيل صاحب غرائب، مع أن قوله: واسمه: عبد الرحمن بن صخر، يحتمل أن يكون من كلام أبي صالح، أو من كلام مَن بعده، وأخلق به أن يكون أبو إسماعيل الذي تفرد به، والمحفوظ في هذا قول محمد بن إسحاق، وأخرج أبو نُعيم من طريق إسحاق بن راهويه، قال: أبو هريرة مختلَف في

(1)

كان في النسخة: "عن عمر بن بكار، عن عمرو بن علي المقدسي"، والإصلاح من "تاريخ ابن عساكر" 67 ص 304.

(2)

ولفظ "تاريخ ابن عساكر": "وأوقع الروايات على القلب".

ص: 558

اسمه، فقيل: سُكَين بن مل، وقيل: ابن هانئ، وقال بعضهم: عمر بن عبد شمس، وقيل: ابن عبد نهم، وقال عباس الدوري، عن أبي بكر بن أبي الأسود: سكين بن جابر، وأخرج أبو أحمد الحاكم بسند صحيح، عن صالح بن كيسان، قال: اسمه عامر، ومثله حكاه الهيثم بن عبدي، عن ابن عباس، وهو المسوق، وزاد أنه ابن عبد شمس بن عبد غنم بن عبد ذي الشَّرَى، وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: هو عامر بن عبد شمس، وقيل: عبد غنم، وقيل: سكين بن عامر، وقال خليفة: اختلف في اسمه، فقيل: عمير بن عامر، وقيل: سكين بن دومة، ويقال: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل: عبد الله بن عامر، وقيل: برير، أو يزيد بن عشرقة، وقال الفلاس: اختلفوا في اسمه، والذي صح أنه عبد عمرو بن عبد غنم، ويقال: سكين، وقال البغوي: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا أبو نميلة، حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: اسمه: سعد بن الحارث، قال البغوي: وبلغني أن اسمه: عبد ياليل، وقال ابن سعد، عن الواقدي: كان اسمه عبد شمس، فسمّي في الإسلام عبد الله، ونقل عن الهيثم مثله، وزاد البغوي عن الواقدي: ويقال: إنه عبد الله بن عائذ، وقال ابن البرقي: اسمه عبد الرحمن، ويقال: عبد شمس، ويقال: عبد غنم، ويقال: عبد الله، ويقال: بل هو عبد نهم، وقيل: عبد تيم، وحكى ابن منده في أسمائه: عبد، بغير إضافة، وفي اسم أبيه: عبد غنم، وحكى أبو نعيم فيه: عبد العزى، وسَكَن -بفتحتين-.

قال النووي في مواضعٍ من كتبه: اسم أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولًا. وقال القطب الحلبي: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولًا، مذكورة في "الكنى" للحاكم، وفي "الاستيعاب"، وفي "تاريخ ابن عساكر".

قال الحافظ: وجه تكثره أنه يجتمع في اسمه خاصة عشرة أقوال مثلًا، وفي اسم أبيه نحوها، ثم تركَّبت، ولكن لا يوجد جميع ذلك منقولًا، فمجموع ما قيل في اسمه وحده نحو من عشرين قولًا: عبد شمس، وعبد نهم، وعبد تيم، وعبد غنم، وعبد العزى، وعبد ياليل، وهذه جائز أن تبقى بعد أن أسلم، كما أشار إليه ابن خزيمة، وقيل فيه أيضًا: عبيد بغير إضافة، وعبيد الله

ص: 559

بالإضافة، وسُكين بالتصغير، وسكن بفتحتين، وعمرو بفتح العين، وعمير بالتصغير، وعامر، وقيل: برير، وقيل: بر، وقيل: يزيد، وقيل: سعد، وقيل: سعيد، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وجميعها محتمل في الجاهلية والإسلام، إلا الأخير، فإنه إسلامي جزمًا، والذي اجتمع في اسم أبيه خمسة عشر قولًا، فقيل: عائذ، وقيل: عامر، وقيل: عمرو، وقيل: عمير، وقيل: غنم، وقيل: دومة، وقيل: هانئ، وقيل: ملّ، وقيل: عبد نهم، وقيل: عبد غنم، وقيل: عبد شمس، وقيل: عبد عمرو، وقيل: الحارث، وقيل: عشرقة، وقيل: صخر، فهذا معنى قول من قال: اختُلف في اسمه واسم أبيه على أكثر من ثلاثين قولًا.

فأما مع التركيب بطريق التجويز، فيزيد على ذلك نحو مائتين وسبعة وأربعين، مِنْ ضَرْب تسعة عشر في ثلاثة عشر، وأما مع التنصيص، فلا يزيد على العشرين، فإن الاسم الواحد من أسمائه يركب مع ثلاثة، أو أربعة من أسماء الأب، إلى أن يأتي العد عليهما، فيخلص للمغايرة مع التركيب عدد أسمائه خاصة، وهي تسعة عشر، مع أن بعضها وقع فيه تصحيف، أو تحريف، مثل: بر، وبرير، ويزيد، فإنه لم يَرِدْ شيء منها إلا مع عشرة، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وكذا سكن وسُكَين، والظاهر أنه يرجع إلى واحد، وكذا سعد وسعيد، مع أنهما أيضًا لم يَرِدا إلا مع الحارث، وبعضها انقلب اسمه مع اسم أبيه كما تقدم في قول من قال: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل: عبد غنم بن عبد عمرو، فعند التأمل لا تبلغ الأقوال عشرة خالصة، ومرجعها من جهة صحة النقل إلى ثلاثة: عمير، وعبد الله، وعبد الرحمن، الأولان محتملان في الجاهلية والإسلام، وعبد الرحمن في الإسلام خاصة، كما تقدم.

قال ابن أبي داود: كنت أجمع سند أبي هريرة، فرأيته في النوم، وأنا بأصبهان، فقال لي: أنا أول صاحب حديث في الدنيا. وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثًا، وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلاثمائة حديث وكسر، وحدّث أبو هريرة أيضًا عن أبي بكر، وعمر، والفضل بن العباس، وأُبيّ بن كعب، وأسامة بن زيد، وعائشة، وبصرة الغفاري، وكعب الأحبار، وروى عنه

ص: 560

ولده: المحرر -بمهملات- ومن الصحابة: ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وواثلة بن الأسقع، ومن كبار التابعين: مروان بن الحكم، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الله بن ثعلبة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسلمان الأغر، والأغر أبو مسلم، وشريح بن هانئ، وخباب صاحب المقصورة، وأبو سعيد المقبري، وسليمان بن يسار، وسنان بن أبي سنان، وعبد الله بن شقيق، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وعراك بن مالك، وأبو رزين الأسدي، وعبد الله بن قارظ، وبسر بن سعيد، وبشير بن نهيك، وبعجة الجهني، وحنظلة الأسلمي، وثابت بن عياض، وحفص بن عاصم بن عُمَر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن بن عوف، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وخلاس بن عمرو، وزُرارة بن أوفى، وسالم أبو الغيث، وسالم مولى شداد، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، وأبو الحباب سعيد بن يسار، وعبد الله بن الحارث البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن مرجانة، والأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، والمقعد، وهو عبد الرحمن بن سعيد، ويقال له: الأعرج أيضًا، وعبد الرحمن بن أبي نعيم، وعبد الرحمن بن يعقوب، والد العلاء، وأبو صالح السمان، وعبيدة بن سفيان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعطاء بن ميناء، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يزيد الليثي، وعطاء بن يسار، وعبيد بن حنين، وعجلان والد محمد، وعبيد الله بن أبي رافع، وعنبسة بن سعيد بن العاص، وعمرو بن الحكم، أبو السائب، مولى ابن زُهرة، وموسى بن يسار، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الله بن رَباح، وعبد الرحمن بن مهران، وعمرو بن أبي سفيان، ومحمد بن زياد الجمحي، وعيسى بن طلحة، ومحمد بن قيس بن مَخْرَمة، ومحمد بن عباد بن جعفر، ومحمد بن أبي عائشة، والهيثم بن أبي سنان، وأبو حازم الأشجعي، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو الشعثاء المحاربي، ويزيد بن الأصم، ونعيم المجمر، ومحمد بن المنكدر، وهمام بن منبه، وأبو عثمان الطنبذي، وأبو قيس مولى أبي هريرة، وآخرون كثيرون.

قال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من

ص: 561

روى الحديث في عصره، قال وكيع في نسخته: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عياش، عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ، وأخرج ابن أبي خيثمة، من طريق سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أحد من الصحابة أكثر حديثًا من أبي هريرة، وقال الربيع: قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال أبو الزُّعَيزِعَة، كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة، فجعل يحدّثه، وكان أجلسني خلف السرير، أكتب ما يحدّث به حتى إذا كان في رأس الحول، أرسل إليه فسأله، وأمرني أن انظر، فما غَيّر حرفًا عن حرف.

وفي "صحيح البخاري" من طريق وهب بن منبه، عن أخيه همام، عن أبي هريرة، قال: لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثَّا مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب. وقال الحاكم أبوأحمد -بعد أن حكى الاختلاف في اسمه ببعض ما تقدم-: كان من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألزمهم له صحبة، على شِبَع بطنه، فكانت يده مع يده، يدور معه حيث دار، إلى أن مات، ولذلك كَثُر حديثه. وقد أخرج البخاري في "الصحيح" من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لِمَا رأيت من حرصك على الحديث". وأخرج أحمد من حديث أُبيّ بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء، لا يسأله عنها غيره. وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين، وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرًا وسكن الصُّفّة، وقال أبو معشر المدائني، عن محمد بن قيس قال: كان أبو هريرة يقول: لا تكنوني أبا هريرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كناني أبا هر، والذَّكَر خير من الأنثى. وأخرجه البغوي بسند حسن عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، وقال عبد الرحمن بن أبي لبيبة: أتيت أبا هريرة، وهو آدم، بَعيدُ ما بين المنكبين، ذو ضفيرتين، أفرق الثنيتين. وأخرج ابن سعد من طريق قرة بن خالد: قلت لمحمد بن سيرين: أكان أبو هريرة مُخشوشنًا؟ قال: لا، كان ليّنًا،

ص: 562

قلت: فما كان لونه؟ قال: أبيض، وكان يخضب، وكان يلبس ثوبين ممشقين، وتمخّط يومًا، فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان. وقال أبو هلال عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: لقد رأيتني أُصرَع بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجرة عائشة، فيقال: مجنون، وما بي جنون، زاد يزيد بن إبراهيم، عن محمد عنه: وما بي إلا الجوع، ولهذا الحديث طرق في "الصحيح"، وغيره، وفيها سؤال أبي بكر، ثم عمر عن آية، وقال: لعل أن يسبقني، فيفتح علي الآية، ولا يفعل. وقال داود بن عبد الله، عن حميد الحميري: صحبت رجلًا صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة.

وقال ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: نزل علينا أبو هريرة بالكوفة، واجتمعت أحمس، فجاءوا ليسلّموا عليه، فقال: مرحبًا، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، لم أكن أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن.

وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا مجاهد، عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر على بطني، فذَكَر قصة القدح واللبن. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو كثير، حدثني أبو هريرة، قال: أما والله ما خلق الله مؤمنًا يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني، قال: وما عِلْمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى عليّ، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أبكي، فذكرت له، فقال:"اللَّهُمَّ اهدِ أم أبي هريرة"، فخرجت عَدْوًا، فإذا بالباب مُجاف، وسمعت حصحصة الماء، ثم فتحت الباب، فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فرجعت وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين، فدعا. وقال الجريري عن أبي بصرة، عن رجل من الطفاوة، قال: نزلت على أبي هريرة، قال: ولم أدرك من الصحابة رجلًا أشد تشميرًا، ولا أقْوَم على ضيف منه. وقال عمرو بن علي الفلاس: كان مَقْدَمه عام خيبر، وكانت في المحرم سنة سبع.

ص: 563

وفي "الصحيح" عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت امرءًا مسكينًا، أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبيّ صلى الله عليه وسلم مجلسًا، فقال:"من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئًا سمعه مني"، فبسطت بردة عليَّ حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئًا سمعته منه بعد.

وأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي من طريق الزهري، عن الأعرج، ومن طريق الزهري أيضًا عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، يزيد بعضهم على بعض. وأخرجه البخاري وغيره، من طريق سعيد المقبري عنه مختصرًا: قلت: يا رسول الله إني لأسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، فقال:"ابسط رداءك"، فبسطته، ثم قال:"ضمه إلى صدرك"، فضممته، فما أنسيت حديثًا بعد. وأخرج أبو يعلى من طريق الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، عن أبي هريرة قال: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء الحفظ، فقال:"افتح كساءك"، فذكر نحوه. وأخرج أبو نعيم من طريق عبد الله بن أبي يحيى، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"ألا تسألني عن هذه الغنائم؟ " قلت: أسألك أن تعلمني مما علَّمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري، ووسطها بيني وبينه، فحدَّثني حتى إذا استوعبت حديثه، قال:"اجمعها، فصُرها إليك"، فأصبحت لا أُسقط حرفًا مما حدثني، وقد تقدمت طرق هذا الحديث الصحيحة، وله طرق أخرى، منها عند أبي يعلى من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من يأخذ مني كلمة، أو كلمتين، أو ثلاثًا، فيُصِرْهُنَّ في ثوبه، فيتعلمهن، ويعلّمهن؟ " قال: فنشرت ثوبي، وهو يحدث، ثم ضممته، فأرجو ألا أكون نسيت حديثًا مما قال. وأخرجه أحمد من طريق المبارك بن فضالة، عن الحسن نحوه، وفيه: فقلت: أنا، فقال:"ابسط ثوبك"، وفي آخره: فأرجو ألا أكون نسيت حديثًا سمعته منه بعد ذلك. وأخرج ابن عساكر من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فبسطت

ص: 564

ثوبي، ثم جمعته، فما نسيت شيئًا بعد هذا، مختصر مما قبله.

قال الحافظ: ووقع لي بيان ما كان حدَّث به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة، إن ثبت الخبر، فأخرج أبو يعلى من طريق أبي سلمة: جاء أبو هريرة، فسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم، في شكواه يعوده، فأَذِن له، فدخل، فسلَّم وهو قائم، والنبيّ صلى الله عليه وسلم، متساند إلى صَدْر علي، ويده على صدره ضامّه إليه، والنبيّ صلى الله عليه وسلم باسط رجليه، فقال:"ادن يا أبا هريرة"، فدنا، ثم قال:"ادن يا أبا هريرة"، ثم قال:"ادن يا أبا هريرة"، فدنا حتى مست أطراف أصابع أبي هريرة أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له:"اجلس"، فجلس، فقال له:"أدْنِ مني طرف ثوبك"، فمدّ أبو هريرة ثوبه، فأمسك بيده، ففتحه، وأدناه من النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أوصيك يا أبا هريرة بخصال، لا تدعهن ما بقيت"، قال: أوصني ما شئت، فقال له:"عليك بالغسل يوم الجمعة، والبكور إليها، ولا تَلْغُ، ولا تَلْهُ، وأوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإنه صيام الدهر، وأوصيك بركعتي الفجر، لا تدعهما، وإن صليت الليل كله، فإن فيها الرغائب"، قالها ثلاثًا، ثم قال:"ضُمَّ إليك ثوبك"، فضَمّ ثوبه إلى صدره، فقال: يا رسول الله بأبي وأمي أسرٌّ هذا، أو أعلنه؟ قال:"أعلنه يا أبا هريرة"، قالها ثلاثًا، والحديث المذكور من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية في عصره.

وقال طلحة بن عبيد الله: لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع. وقال ابن عمر: أبو هريرة خير مني، واعلم بما يحدّث. وأخرج النسائي بسند جيد في "العلم" من "كتاب السنن الكبرى" 3/ 440؛ أن رجلًا جاء زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم، ندعو الله، ونذكر ربنا، خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جلس إلينا، فسكتنا، فقال:"عودوا للذي كنتم فيه"، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي، قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمِّن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللَّهُمَّ إني أسألك مثل ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علمًا لا ينسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"آمين"، فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علمًا لا ينسى، فقال: "سبقكم بها الغلام

ص: 565

الدوسي". وأخرج الترمذي من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك أشياء لا أحفظها، قال: "ابسط رداءك"، فبَسَطْته، فحدّث حديثًا كثيرًا، فما نسيت شيئًا حدّثني به، وسنده صحيح، وأصله عند البخاري بلفظ: "فما نسيت شيئًا سمعته بعدُ". وأخرج الترمذي أيضًا عن عمر؛ أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحفظنا لحديثه. وعن الدراوردي، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، قال: تواعد الناس ليلة إلى قبّة من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة يحدّثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح.

وأخرج ابن سعد من طريق سالم مولى بني نصر، سمعت أبا هريرة، يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلاء الحضرمي، فأوصاه بي خيرًا، فقال لي: ما تحب؟ قلت: أُؤَذِّن لك، ولا تسبقني بـ "آمين"، وأخرجه البخاري من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.

قال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى معلّقًا على هذا الأثر: هذا دالّ على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرّك فتنة في الأصول، أو الفروع، أو المدح والذمّ، أما حديث يتعلّق بحلّ، أو حرام، فلا يحلّ كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى، وفي "صحيح البخاريّ" قول الإمام عليّ رضي الله عنه:"حدّثوا الناس بما يَعرفون، ودعوا ما يُنكرون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله؟ "، وكذا لو بثّ أبو هريرة رضي الله عنه ذلك الوعاء لَأُوذِي، بل لقُتل، ولكن العالم قد يؤدّيه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلانيّ؛ إحياء للسُّنَّة، فله ما نوى، وله أجر، وإن غلط في اجتهاده. انتهى

(1)

.

وعند أحمد من طريق يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، وقيل له: أكثرت، فقال: لو حدثتكم بما سمعت لرميتموني بالقَشَع؛ أي: الجلود.

وفي "الصحيح" عن نافع قال: قيل لابن عمر: حديث أبي هريرة؛ أن من اتبع جنازة، فصلى عليها فله قيراط

الحديث، فقال: أكثر علينا أبو هريرة،

(1)

"سير أعلام النبلاء" 2/ 597 - 598.

ص: 566

فسأل عائشة، فصدّقته، فقال: لقد فرّطنا في قراريط كثيرة. وأخرج البغوي بسند جيد، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر؛ أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمنا بحديثه. وأخرج ابن سعد بسند جيد، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: قالت عائشة لأبي هريرة: إنك لَتُحَدِّث بشيء ما سمعته، قال: يا أمه طَلَبْتُها، وشَغَلَك عنها المكحلة والمرآة، وما كان يشغلني عنها شيء، والأخبار في ذلك كثيرة.

وأخرج البيهقي في "المدخل" من طريق بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أنه لقي كعبًا، فجعل يحدثه ويسأله، فقال كعب: ما رأيت رجلًا لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة. وأخرج أحمد من طريق عاصم بن كليب، عن أبيه: سمعت أبا هريرة يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله الصادق المصدوق، أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وأخرج مسدد في "مسنده" من رواية معاذ بن المثنى، عن خالد، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: بلغ عمر حديثي، فقال لي: كنت معنا يوم كنا في بيت فلان؟ قلت: نعم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ:"من كذَّب علي. . ." الحديث، قال: اذهب الآن فحدِّث. قال الذهبيّ: يحيى ضعيف.

وعن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عُبيد الله، عن السائب بن يزيد، سمع عمر يقول لأبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لأُلحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض الْقِرَدة. وعن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان أن أبا هريرة كان يقول: إني لَأُحَدِّث أحاديث، لو تكلمت بها في زمن عمر لشُجّ رأسي.

قال الحافظ الذهبيّ: هكذا كان عمر رضي الله عنه يقول: أقلّوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزجر غير واحد من الصحابة عن بثّ الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره، فبالله عليك إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر، بل هو غضّ لم يُشَب، فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب، والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط؟ فبالحريّ أن نزجُر القوم عنه، فيا ليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون -والله- الموضوعات

ص: 567

والأباطيل، والمستحيل في الأصول والفروع، والملاحم والزهد، نسأل الله العافية، فمن روى ذلك مع عِلْمه ببطلانه، وغرّ المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه، جانٍ على السنن والآثار، يستتاب من ذلك، فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق كفى به إثمًا أن يحدّث بكلِّ ما سمع، وإن هو لم يعلم، فليتورعّ، وليستعن بمن يُعينه على تنقية مروياته، نسأل الله العافية، فلقد عمّ البلاء، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدّثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عُتبى على الفقهاء وأهل الكلام. انتهى كلام الذهبيّ

(1)

.

وأخرج مسدد من طريق عاصم بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، كان ابن عمر إذا سمع أبا هريرة يتكلم قال: إنا نعرف ما يقول، ولكنا نجبُن ويجترئ. وفي "فوائد المزكى"، تخريج الدارقطني من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه:"إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه"، فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ قال: لا، فبلغ ذلك ابن عمر، فقال: أكثر أبو هريرة، فقيل لابن عمر: هل تُنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبُنَّا، فبلغ ذلك أبا هريرة، فقال: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا. وقد أخرج أبو داود الحديث المرفوع. وأخرج ابن سعد من طريق الوليد بن رباح، سمعت أبا هريرة يقول لمروان حين أرادوا أن يدفنوا الحسن عند جده: تَدْخُل فيما لا يعنيك؟ وكان الأمير يومئذ غيره، ولكنك تريد رضا الغائب، فغضب مروان، وقال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة الحديث، وإنما قدم قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير، فقال أبو هريرة: قدمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين، فأقمت معه حتى مات، أدور معه في بيوت نسائه، وأخدمه، وأغزو معه، وأحج، فكنت أعلم الناس بحديثه، وقد والله سبقني قوم بصحبته، فكانوا يعرفون لزومي له، فيسألونني عن حديثه، منهم عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ولا والله لا يخفى عليَّ كل حديث كان بالمدينة، وكل من كانت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة، ومن أخرجه من المدينة أن يساكنه،

(1)

راجع: "سير أعلام النبلاء" 2/ 601 - 602.

ص: 568

قال: فوالله ما زال مروان بعد ذلك كافًّا عنه. وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق ابن إسحاق، عن عمر، أو عثمان بن عروة عن أبيه، قال: قال أبي: أدْنِني من هذا اليماني -يعني: أبا هريرة- فإنه يُكثر، فأدنيته، فجعل يحدّث، والزبير يقول: صدق، كذب، فقلت: ما هذا؟ قال: صدق أنه سمع هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن منها ما وَضَعَه في غير موضعه. وتقدم قول طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا.

وفي "فوائد تمام" من طريق أشعث بن سليم، عن أبيه، سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة، فسألته، فقال: إن أبا هريرة سمع. وأخرج أحمد في "الزهد" بسند صحيح، عن أبي عثمان النهدي، قال: تضيَّفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه، يَقْسِمون الليل أثلاثًا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا.

وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة؛ أن أبا هريرة كان يسبّح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبّح بقدر ديتي

(1)

.

وفي "الحلية" من تاريخ أبي العباس السراج بسند صحيح، عن مضارب بن حزن: كنت أسير من الليل، فإذا رجل يكبّر، فلحقته، فقلت: ما هذا؟ قال: أكثر شُكر الله عليّ أن كنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان لنفقة رحلي، وطعام بطني، فإذا ركبوا سبقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، فزوَّجنيها الله، فأنا أركب، وإذا نزلت خُدِمت. وأخرجه ابن خزيمة من هذا الوجه، وزاد: وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت، فقالت: لا أَرِيم حتى تجعل لي عصيدة، فها أنا إذا أتيت على نحو من مكانها، قلت: لا أريم حتى تجعلي لي عصيدة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين؛ أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقَدِم بعشرة آلالف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال، فمن أين لك؟ قال: خيل نُتجت، وأعطية تتابعت، وخَرَاج رقيق لي، فنظر فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله، فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيرًا منك، قال: ومن؟ قال: يوسف عليه السلام، قال: إن يوسف نبي الله ابن

(1)

هكذا في "سير أعلام النبلاء": "ديتي"، ووقع في "الإصابة" وغيرها بلفظ:"ذنبي"، والظاهر أنه مصحّف.

ص: 569

نبي الله، وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثًا: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حُكم، ويُضرب ظهري، ويُشتم عِرضي، ويُنزع مالي.

وأخرج ابن أبي الدنيا في "كتاب المزاح"، والزبير بن بكار فيه، من طريق ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة: أن رجلًا قال له: إني أصبحت صائمًا، فجئت أبي، فوجدت عنده خبزًا ولحمًا، فأكلت حتى شبعت، ونسيت أني صائم، فقال أبو هريرة: الله أطعمك، قال: فخرجت حتى أتيت فلانًا، فوجدت عنده لقحة تُحلب، فشربت من لبنها حتى رويت، قال: الله سقاك، قال: ثم رجعت إلى أهلي فقِلتُ، فلما استيقظت دعوت بماء فشربته، فقال: يا ابن أخي أنت لم تعوّد الصيام.

وأخرج ابن أبي الدنيا في "المحتضرين" بسند صحيح، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: دخلت على أبي هريرة، وهو شديد الوجع، فاحتضنته، فقلت: اللَّهُمَّ اشف أبا هريرة، فقال: اللَّهُمَّ لا تُرجعها، قالها مرتين، ثم قال: إن استطعت أن تموت فمت، والله الذي نفس أبي هريرة بيده، ليأتينّ على الناس زمان، يمر الرجل على قبر أخيه، فيتمنى أنه صاحبه. وقد جاء هذا الحديث مرفوعًا، عن أبي هريرة. وعن عمير بن هانئ، قال: كان أبو هريرة يقول: تشبثوا بصُدْغَي معاوية، اللَّهُمَّ لا تدركني سنة ستين. وأخرج أحمد، والنسائي بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن مهران، عن أبي هريرة؛ أنه قال حين حضره الموت: لا تضربوا عليّ فسطاطًا، ولا تَتَّبعوني بمجمرة، وأسرعوا بي.

وأخرج أبو القاسم بن الجراح في "أماليه" من طريق عثمان الغطفاني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: إذا مت فلا تنوحوا علي، ولا تتبعوني بمجمرة، وأسرعوا بي. وأخرج البغوي من وجه آخر عن أبي هريرة؛ أنه لمّا حضرته الوفاة بكى، فسئل، فقال: من قلة الزاد، وشدة المفازة. وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك، عن سعيد المقبري، قال: دخل مروان على أبي هريرة، في شكواه الذي مات فيه، فقال: شفاك الله، فقال أبو هريرة: اللَّهُمَّ إني أحب لقاءك، فأحبب لقائي، فما بلغ مروان -يعني: وسط السوق- حتى مات. وقال ابن سعد عن الواقدي: حدثني ثابت بن قيس، عن ثابت بن مِسحل قال: صلى الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، على أبي هريرة

ص: 570

بعد أن صلى بالناس العصر، وفي القوم ابن عمر، وأبو سعيد الخدري، قال: وكتب الوليد إلى معاوية يخبره بموته، فكتب إليه: انظر من ترك، فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحْسِن جوارهم، فإنه كان ممن نَصَر عثمان يوم الدار.

قال أبو سليمان بن زَبْر في "تاريخه": عاش أبو هريرة ثمانيًا وسبعين سنة. قال الحافظ: وكأنه مأخوذ من الأثر المتقدم عنه؛ أنه كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ابن ثلاثين سنة، وأزْيَد من ذلك، وكانت وفاته بقصره بالعقيق، فحمل إلى المدينة، قال هشام بن عروة، وخليفة، وجماعة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين، وقال الهيثم بن عدي، وأبو معشر، وضمرة بن ربيعة: مات سنة ثمان وخمسين، وقال الواقدي، وأبو عبيد، وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين، وزاد الواقدي: وصلى على عائشة في رمضان سنة ثمان، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع، ثم توفي بعد ذلك.

قال الحافظ: وهذا الذي قاله في أم سلمة وَهَلٌ منه، وإن تابعه عليه جماعة، فقد ثبت في "الصحيح" ما يدل على أن أم سلمة عاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية، والمعتمَد في وفاة أبي هريرة قول هشام بن عروة، وقد تردَّد البخاري فيه، فقال: مات سنة سبع وخمسين

(1)

. أخرج له الجماعة.

وقال القرطبيّ رحمه الله: حُفِظ لأبي هريرة رضي الله عنه من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يُحْفَظ لأحد من الصحابة رضي الله عنهم، وذلك خمسة الآف حديث وثلاثمئة وأربعة وسبعون حديثًا، أُخرج له منها في "الصحيحين" ستمائة وتسعة أحاديث، قال البخاريّ: رَوَى عنه أكثر من ثمانمئة رجل من بين صحابيّ وتابعيّ. انتهى

(2)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6376](2491) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَاميُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَام، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي

(1)

راجع: "الإصابة" 12/ 63 - 79، و "تهذيب الكمال" 34/ 366 - 379، و "سير أعلام النبلاء" 2/ 578 - 632، و "تهذيب التهذيب" 4/ 601 - 603.

(2)

"المفهم" 6/ 435.

ص: 571

رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ، فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ، فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِيَ هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ"، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا جِئْتُ، فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَميَّ، فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ، وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْتُهُ، وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَبْشِرْ، قَدِ اسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَتَكَ، وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ خَيْرًا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا -يَعْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأُمَّهُ- إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ"، فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي، وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب الماضي.

2 -

(عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ) تقدّم قبل بابين.

3 -

(عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) اليماميّ، بصريّ الأصل، تقدّم أيضًا قبل بابين.

4 -

(أَبُو كَثِيرِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّحَيميّ -بمهملتين مصغرًا- الْغُبَريّ -بضم المعجَمة، وفتح الموحّدة- اليماميّ الأعمى، قيل: هو يزيد بن عبد الرحمن، وقيل: يزيد بن عبد الله بن أُذينة، أو ابن غُفَيلة -بمعجمة، وفاء، مصغرًا- ثقةٌ [3](بخ م 4) تقدم في "الإيمان" 12/ 155.

و"أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه" ذُكر أول الباب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ باليماميين، غير شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ، وأبو هريرة رضي الله عنهم تقدّم القول فيه قريبًا.

ص: 572

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي كَثِيرٍ) السُّحَيميّ اليماميّ، وقوله:(يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالجرِّ بدلًا، أو عطف بيان لِمَا قبله، أنه قال:(حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي) قال ابن بشكوال: هي أُميمة بنت صبيح

(1)

. (إِلَى الإِسْلَام، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا) إلى الإسلام (يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَكْرَهُ)؛ أي: تكلّمت في شأنه صلى الله عليه وسلم بشيء مكروه، بأن عابت من دينه شيئًا. (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَا أَبْكِي) جملة حاليّة من الفاعل، وإنما بكى إما لِمَا سمعه من المكروه في رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لمّا أيس من إسلام أمه

(2)

. (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ، فَتَأْبَى عَلَيَّ)؛ أي: تمتنع من الدخول فيما دعوتها، (فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ)؛ أي: في هذا اليوم، فـ "أل" للعهد الحضوريّ، (فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ") قال أبو هريرة رضي الله عنه: (فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا)؛ أي: فَرِحًا (بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم) لأمه، (فَلَمَّا جِئْتُ، فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإذَا هُوَ مُجَافٌ)"إذا" هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني كونه مُجافًا، بضمّ الميم: اسم مفعول من أجاب الباب: إذا أغلقه. (فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ) بفتح الخاء والشين المعجمتين، وبسكون الشين أيضًا؛ أي: صوتهما في الأرض، وقال المجد رحمه الله: الْخَشْف، والْخَشْفة؛ أي: بسكون الشين: وُيحرَّك: الصوت، والحركة، أو الحِسّ الخفيّ، قال: وخَشَفَ، كضَرَبَ، ونصرَ: صَوَّتَ. انتهى

(3)

.

(فَقَالَتْ: مَكَانَكَ) منصوب على الإغراء؛ أي: الزم مكانك، ولا تتحرك إلى غيره، (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) قال أبو هريرة:(وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ)؛ أي: صوت تحريكه، وإنما سمعه؛ لأن أمه كانت تغتسل. (قَالَ) أبو هريرة:(فَاغْتَسَلَتْ، وَلَبِسَتْ) بكسر الباء الموحّدة، (دِرْعَهَا) بكسر الدال، وسكون الراء، آخره عين مهملة؛ أي: قميصها، (وَعَجِلَتْ) بكسر الجيم؛ أي: استعجلت (عَنْ خِمَارِهَا)؛ أي: عن لُبسه؛ يعني: أنها لاستعجالها نسيت أن تلبس خمارها؛

(1)

"تنبيه المعلم" ص 418.

(2)

"تكملة فتح الملهم" 5/ 253.

(3)

"القاموس المحيط" ص 371.

ص: 573

أي: عجلت في الخروج إلى الباب دون أن تغطي رأسها بالخمار، وهو بكسر الخاء، وتخفيف الميم: ثوب تُغَطّي به المرأة رأسها. (فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه) صلى الله عليه وسلم. (قَالَ) أبو هريرة: (فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْتُهُ، وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَح) جملة حاليّة من الفاعل؛ يعني: أنه من شدّة فرحه بإسلام أمه بكى. (قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَبْشِرْ) يَحْتمل أن يكون بقطع الهمزة، من أبشر إبشارًا، بمعنى فَرِحَ، ويَحتمل أن يكون بوصل الهمزة، مع كسر الشين، وفتحها، من بَشَر، كضرب، وبَشِرَ، كعَلِم، بمعنى سُرَّ، وافرَحْ. (قَدِ اسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَتَكَ، وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ) النبيّ صلى الله عليه وسلم (اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ خَيْرًا)؛ أي: تكلّم بخير بأن أثنى على أبي هريرة في سعيه إلى إسلام أمه، أو دعا لأمه بالثبات على الإسلام، أو نحو ذلك. (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي)؛ أي: يجعلني محبوبًا، (أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) قال الأبيّ رحمه الله: يَحْتَمل أنه تلطّف في سؤال أن يُحبّه الله تعالى؛ لأن ذلك فَرْع محبة الله سبحانه وتعالى إياه، لِمَا في "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا، فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبّوه، فيحبه أهل السماء -قال-: ثم يوضع له القبول في الأرض. . ." الحديث.

(وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا)؛ أي: ويجعلهم محبوبين لدينا. (قَالَ) أبو هريرة: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ) بالتصغير، وليس تصغير تحقير، بل أسلوب من أساليب المحبّ، كما يفعل الآباء مع الأبناء.

(هَذَا -يَعْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأُمَّهُ- إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ") قال أبو هريرة رضي الله عنه: (فَمَا) نافية، (خُلِقَ) بالبناء للمفعول، (مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي)؛ أي: يسمع بذكر اسمي بعد مماتي (وَلَا يَرَانِي)؛ أي: في حياته (إِلَّا أَحَبَّنِي) إنما جزم أبو هريرة رضي الله عنه بهذا، وإن كان مغيّبًا؛ لقوّة اعتقاده باستجابة دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا سيّما، وقد شاهده في المرّة الأولى، حيث دعا صلى الله عليه وسلم لأمه، وكانت شديدة البغض للإسلام، فهداها الله تعالى بسبب دعائه، فلهذا جزم هنا، والله تعالى أعلم.

ص: 574

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رضي الله عنه، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [35/ 6376](2491)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد"(34)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 319)، و (الأصبهانيّ) في "دلائل النبوّة"(1/ 85)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أبي هريرة رضي الله عنه.

2 -

(ومنها): بيان فضل أم أبي هريرة رضي الله عنهما.

3 -

(ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة حيث استجاب الله عز وجل دعاء نبيّه صلى الله عليه وسلم في أبي هريرة وأمه رضي الله عنهما.

4 -

(ومنها): بيان قوّة إيمان أبي هريرة، وشدّة محبّته للنبيّ صلى الله عليه وسلم حيث اعتقد أن دعاءه لا يُردّ، فلذا قال:"فما خُلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني إلا أحبّني"، وذلك لأنه رأى أن الله استجاب دعاءه صلى الله عليه وسلم في أمه حيث أسلمت في سويعة بعد دعائه، فأيقن أن دعاءه لهما بمحبّة المؤمنين مستجاب، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21].

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6377]

(2492) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَاللهُ الْمَوْعِدُ، كُنْتُ رَجُلًا مِسْكِينًا، أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاق، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي"، فَبَسَطْتُ ثَوْبِي، حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ، ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ).

ص: 575

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [3](ت 117)(ع) تقدم في "الإيمان" 23/ 192.

والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره.

شرح الحديث:

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز.

[تنبيه]: اختُلف في إسناد هذا الحديث على الزهريّ، فرواه ابن عيينة عنه هكذا، ووافقه مالك، وإبراهيم بن سعد، ورواه شعيب عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي هريرة، وتابعه يونس بن يزيد، والإسنادان جميعًا محفوظان، صححهما الشيخان، قاله في "الفتح"

(1)

.

(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ)؛ أي: رواية الحديث (عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) زاد في رواية: "ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه"، وبه تبيّن الحكمة في ذِكره المهاجرين والأنصار بعده، ووَضْعه المُظهَر موضع المضمَر على طريق الحكاية حيث قال:"إن أبا هريرة يُكثر"، ولم يقل: إني أكثرت

(2)

. (وَاللهُ الْمَوْعِدُ) -بفتح الميم- وفيه حذف، تقديره: وعند الله الموعد؛ لأن الموعد إما مصدر، وإما ظرف زمان، أو ظرف مكان، وكل ذلك لا يخبَر به عن الله تعالى، ومراده: أن الله تعالى يحاسبني، إن تعمّدت كذبًا، ويحاسب مَن ظَنّ بي ظنّ السوء

(3)

.

(1)

"الفتح" 1/ 373، كتاب "العلم" رقم (118).

(2)

"الفتح" 1/ 374، كتاب "العلم" رقم (118).

(3)

"الفتح" 6/ 151، كتاب "الحرث والمزارعة" رقم (2350).

ص: 576

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "والله الموعد"؛ أي: الرجوع إلى الله بحكم الوعد الصَّادق، فيجازي كُلًّا على قوله، وفعله. انتهى

(1)

.

وقال في "العمدة": قوله: "والله الموعد" إما مصدر ميميّ، وإما اسم زمان، أو اسم مكان، وعلى كل تقدير لا يصح أن يُخْبَر به عن الله تعالى، ولكن لا بدّ من إضمار، تقديره في كونه مصدرًا: والله هو الواعد، وإطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة؛ يعني: الواعد في فعله بالخير والشرّ، والوعد يُستعمل في الخير والشرّ، يقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا، فإذا أُسقط الخير والشرّ، يقال في الخير: الوعد، والْعِدَة، وفي الشرّ: الإيعاد، والوعيد، وتقديره في كونه اسم زمان: وعند الله الموعد يوم القيامة، وتقديره في كونه اسم مكان: وعند الله الموعد في الحشر.

وحاصل المعنى على كل تقدير: فالله تعالى يحاسبني إن تعمّدت كذبًا، ويحاسب مَن ظنّ بي ظن السوء. انتهى

(2)

.

(كُنْتُ رَجُلًا) في رواية البخاريّ: "امرءًا"، (مِسْكِينًا)؛ أي: لا مال لي يَشغلني عن حضور مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يشغل الآخرين، (أَخْدِمُ) بكسر الدال، وضمّها، من بابي نصر، وضرب

(3)

، وفي رواية:"ألزم"(رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) -بكسر الميم- أي: مُقتنعًا بالقوت، قال النوويّ رحمه الله: أي: ألازمه، وأقنع بقوتي، ولا أجمع مالًا لذخيرة، ولا غيرها، ولا أزيد على قوتي، والمراد: من حيث حَصل القوت من الوجوه المباحة، وليس هو من الخدمة بالأجرة. انتهى

(4)

.

وقال في "الفتح": قوله: "على ملء بطني" بكسر الميم، وبهمزة آخره؛ أي: بسبب شِبَعِي؛ أي: إن السبب الأصليّ الذي اقتَضَى كثرةَ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ملازمته له؛ ليجد ما يأكله؛ لأنه لم يكن له شيء يتّجر فيه، ولا أرض يزرعها، ولا يعمل فيها، فكان لا ينقطع عنه؛ خشيةَ أن يفوته القوت، فيحصلُ في هذه الملازمة من سماع الأقوال، ورواية الأفعال ما لا يحصل

(1)

"المفهم" 6/ 436.

(2)

"عمدة القاري" 12/ 188.

(3)

راجع: "القاموس" ص 354.

(4)

"شرح النوويّ" 16/ 53.

ص: 577

لغيره، ممن لم يلازمه ملازمته، وأعانه على استمرار حِفظه لذلك ما أشار إليه من الدعوة النبوية له بذلك. انتهى

(1)

.

[تنبيه]: روى البخاريّ في "التاريخ"، والحاكم في "المستدرك" من حديث طلحة بن عبيد الله شاهدًا لحديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا ولفظه:"لا أشكّ أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا نسمع، وذلك أنه كان مسكينًا، لا شيء له، ضيفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم".

وأخرج البخاري في "التاريخ"، والبيهقيّ في "المدخل" من حديث محمد بن عُمارة بن حزم أنه:"قَعَد في مجلس فيه مشيخة من الصحابة، بضعة عشر رجلًا، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، فيراجعون فيه، حتى يعرفوه، ثم يحدثهم بالحديث كذلك، حتى فَعَل مرارًا، فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس".

وأخرج أحمد، والترمذيّ عن ابن عمر؛ أنه قال لأبي هريرة:"كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفنا بحديثه"، قال الترمذيّ: حسنٌ. انتهى

(2)

.

وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شكّ مما يجيء به، ولكنه اجترأ، وجَبُنَّا. انتهى

(3)

.

وأخرج ابن حبّان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، عن معاذ بن محمد بن معاذ بن أُبَيّ بن كعب، عن أبيه، عن جدّه، عن أُبَيّ بن كعب، قال: كان أبو هريرة جريئًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم يسأله عن أشياء، لا نسأله عنها. انتهى

(4)

.

(وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ) بفتح حرف المضارعة، مضارع شغل، من باب فتح، وقال النوويّ: هو بفتح الياء من "يَشغلهم"، وحُكي ضمها، وهو غريب.

(1)

"الفتح" 17/ 248، كتاب "الاعتصام" رقم (7354).

(2)

"الفتح" 1/ 373، كتاب "العلم" رقم (118).

(3)

"المستدرك على الصحيحين" 3/ 583.

(4)

"صحيح ابن حبان" 16/ 109.

ص: 578

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهو غريب" تقدّم أن الصواب: شغله ثلاثيًّا، وأما أشغله رباعيًّا فغير صحيح؛ إذلم يُثبته المحقّقون من أهل اللغة، فلا ينبغي الالتفات إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(الصَّفْقُ) بالصاد المهملة: كناية عن التبايع، وكانوا يُصَفِّقون بالأيدي من المتبايعين بعضها على بعض.

وقال في "العمدة": قوله: "الصفق": كذا في رواية أبي ذرّ، وعند غيره "سَفْق" بالسين، وقال الخليل: كلُّ صاد تجيء قبل الفاء، وكل سين تجيء بعد القاف، فللعرب فيه لغتان: سين وصاد، ولا يبالون اتَّصَلت، أو انفَصَلت، بعد أن تكونا في كلمة، إلا أن الصاد في بعضٍ أحسنُ، والسين في بعضٍ أحسنُ.

وقال الخطابيّ: وكانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكفّ، إمارة لانتزاع البيع، وذلك أن الأملاك إنما تضاف إلى الأيدي، والقبوض تبعٌ لها، فإذا تصافقت الأكف انتقلت الأملاك، واستقرت كل يد منها على ما صار لكل واحد منهما من مُلك صاحبه. انتهى

(1)

.

(بِالأَسْوَاقِ) بفتح الهمزة: جمع سُوق، بالضمّ، قال النوويّ رحمه الله: السوق مؤنثة، وتُذكّر، سُمّيت به؛ لقيام الناس فيها على سُوقهم. انتهى

(2)

.

وقال الفيّوميّ رحمه الله: السوق: يُذكّر، ويؤنّثُ، وقال أبو إسحاق: السوق التي يُباع فيها مؤنّثةٌ، وهو أفصح، وأصحّ، وتصغيرها سُويقةٌ، والتذكير خطأٌ؛ لأنه قيل: سُوقٌ نافقةٌ، ولم يُسمع نافقٌ بغير هاء، والنسبة إليها سُوقيّ، على لفظها. انتهى

(3)

.

(وَكَانَتِ الأَنْصَارُ)؛ أي: أنصار النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهم قبيلتا الأوس والخزرج، (يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ)؛ أي: على مزارعهم؛ لأنهم كانوا أصحاب زرع، والمال وإن كان عامًّا، لكنه قد يُخَصّ بنوع منه، ولم يكن للأنصار إلا المزارع

(4)

.

وفي رواية يونس: "وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضهم"، وفي رواية شعيب:"عمل أموالهم"، وزاد في رواية يونس:"فيشهد إذا غابوا، ويحفظ إذا نَسُوا"، وفي رواية شعيب:"وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصُّفّة أعي حيث يَنْسَون".

(1)

"عمدة القاري" 11/ 162.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 54.

(3)

"المصباح المنير" 1/ 296.

(4)

"عمدة القاري" 25/ 69.

ص: 579

وحاصل ما أشار إليه أبو هريرة رضي الله عنه بهذا الكلام: أن المهاجرين كانوا تُجّارًا، والأنصار كانوا أصحاب زرع، فيغيبون بها عن حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر أحواله، ولا يسمعون من حديثه إلا ما كان يُحَدّث به في أوقات شهودهم، وأبو هريرة رضي الله عنه حاضر دهره، لا يفوته شيء منها، إلا ما شاء الله؛ لأنه ليس عنده ما يشغله عن ذلك، ثم لا يستولي عليه النسيان؛ لِصِدق عنايته بضبطه، وقلة استعماله بغيره، وقد لحقته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت له الحجة على من أنكر أمره، واستغرب شأنه، والله تعالى أعلم

(1)

.

(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ)؛ أي: حين أحدّث بالحديث، (فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي") قال أبو هريرة رضي الله عنه:(فَبَسَطْتُ ثَوْبِي) وفي رواية: "بُردةً"، وفي رواية:"نَمِرَةً"، والمراد: بَسْط بعضه، لا كلّه؛ لئلا يلزم منه كشف العورة. (حَتَّى قَضَى)؛ أي: حتى أنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم (حَدِيثَهُ) وفرغ منه، (ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِليَّ) وفي رواية:"ثم قال: ضمّه، فضممته"، (فَمَا نَسِيتُ) بكسر السين المهملة، من باب تَعِبَ. (شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ) قال في "الفتح": وتنكير "شيئًا" بعد النفي ظاهر العموم في عدم النسيان منه لكل شيء من الحديث وغيره، ووقعٍ في رواية ابن عيينة وغيره عن الزهريّ:"فوالذي بعثه بالحقّ ما نسيت شيئًا سمعته منه"، وفي رواية يونس الآتية عند مسلم:"فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدَّثني به"، وهذا يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث.

ووقع في رواية شعيب: "فما نسيت من مقالته تلك من شيء"، وهذا

يقتضي عدم النسيان بتلك المقاله فقط، لكن سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس، ومن وافقه؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه نبّه به على كثرة محفوظه من الحديث، فلا يصحّ حمله على تلك المقالة وحدها.

ويَحْتَمِل أن تكون وقعت له قضيتان، فالتي رواها الزهريّ مختصة بتلك المقالة، والقضية التي رواها سعيد المقبريّ عامّة.

وأما ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية، قال:"تحدثت عند أبي هريرة بحديث، فأنكره، فقلت: إني سمعت منك، فقال: إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي"، فقد يُتَمَسّك به في تخصيص عدم

(1)

"عمدة القاري" 11/ 162.

ص: 580

النسيان بتلك المقالة، لكن سند هذا ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فهو نادر.

ويَلتحق به حديث أبي سلمة عنه: "لا عدوى"، فإنه قال فيه: إن أبا هريرة أنكره، قال: فما رأيته نسي شيئًا غيره.

[فائدة]: المقالة المشار إليها في حديث الزهريّ أُبهمت في جميع طرقه، وقد وُجدت مصرّحًا بها في "جامع الترمذيّ"، وفي "الحلية" لأبي نعيم، من طريق أخرى، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل يسمع كلمة، أو كلمتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا، مما فرض الله، فيتعلمهنّ، ويعلمهنّ إلا دخل الجنة

"، فذكر الحديث. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [35/ 6377 و 6378](2492)، و (البخاري) في "صحيحه"(2/ 721 و 827 و 6/ 2677)، و (النسائي) في "الكبرى"(3/ 430 و 439)، و (ابن حبان) في "صحيحه"(16/ 105)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(11/ 121)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 240)، و (الطبراني) في "مسند الشاميين"(4/ 170)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(1/ 378)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل أبي هريرة رضي الله عنه، حيث إنه اختصّ بملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، متفرّغًا له من أشغال الدنيا، وحِفظ أحاديثه.

2 -

(ومنها): أنه صلى الله عليه وسلم خص أبا هريرة ببَسْط ردائه، وضمّه إليه، فما نسي من مقالته شيئًا.

قال في "العمدة": قيل: إذا كان أبو هريرة أكثر أخذًا للعلم يكون أفضل من غيره؛ لأن الفضيلة ليست إلا بالعلم والعمل.

وأجيب: بأنه لا يلزم من أكثرية الأخذ كونه أعلم، ولا باشتغالهم عدم

(1)

"الفتح" 1/ 375 - 376، كتاب "العلم" رقم (119).

ص: 581

زهدهم، مع أن الأفضلية معناها: أكثرية الثواب عند الله تعالى، وأسبابه لا تنحصر في أخذ العلم ونحوه، وقد يكون بإعلاء كلمة الله ونحوه، كذا قيل. والأحسن أن يقال: لا تستلزم الأفضليةُ في نوعٍ الأفضليةَ في كل الأنواع، فافهم. انتهى

(1)

.

3 -

(ومنها): بيان معجزة واضحة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وعَلَم من علامات النبوة؛ لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة رضي الله عنه بأنه كان يَكثُر منه، ثم تخلَّف عنه ببركة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي "المستدرك" للحاكم من حديث زيد بن ثابت:"قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ادعوا، فدعوت أنا، وصاحبيَّ، وأَمّن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللَّهُمَّ إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علمًا لا يُنْسَى، فأمَّن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله، فقال: سبقكما الغلام الدوسيّ".

4 -

(ومنها): الحرص على التعلم، وإيثار طلبه على طلب المال، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6378](. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، غيْرَ أَنَّ مَالِكًا انْتَهَى حَدِيثُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ"، إِلَى آخِرِهِ).

رجال هذا الإسناد: تسعة:

1 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ) بن بَرْمَك البرمكيّ، أبو محمد، نشأ بالبصرة، ثم سكن بغداد، ثقةٌ [11](م د) تقدم في "قتل الحيّات" 4/ 5840.

2 -

(مَعْنُ) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القَزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [10](ت 198)(ع) تقدم في "الطهارة" 7/ 563.

3 -

(مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.

(1)

"عمدة القاري" 11/ 162.

ص: 582

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.

وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لمالك، ومعمر؛ يعني: أنهما رويا عن الزهريّ كرواية سفيان بن عيينة عنه، بإسناده؛ أي: عن الأعرج، عن أبي هريرة.

[تنبيه]: رواية مالك عن الزهريّ ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:

(118)

- حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدّثني مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدّثت حديثًا، ثم يتلو:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} -إلى قوله-: {الرَّحِيمُ} [البقرة: 159، 160] إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون. انتهى

(1)

.

وأما رواية معمر عن الزهري، فقد ساقها أحمد رحمه الله في "مسنده"، فقال:

(7691)

- حدّثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن الأعرج، قال: قال أبو هريرة: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إنكم تقولون: ما بال المهاجرين لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الأحاديث؟ وما بال الأنصار، لا يحدثون بهذه الأحاديث؟ وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق، وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أَرَضُوهم، والقيام عليها، وإني كنت امرءًا معتكفًا، وكنت أُكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وإن النبيّ صلى الله عليه وسلم حدّثنا يومًا، فقال:"من يبسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي، ثم يقبضه إليه، فإنه ليس ينسى شيئًا سمعه مني أبدًا"، فبسطت ثوبي -أو قال: نمِرتي- ثم قبضته إليّ، فوالله ما نسيت شيئًا سمعته منه، وايم الله لولا آية في كتاب الله، ما

(1)

"صحيح البخاريّ " 1/ 55.

ص: 583

حدثتكم بشيء أبدًا، ثم تلا:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} [البقرة: 159] الآية كلها. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال: [6379](2493) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ، جَاءَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ

(2)

حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ؛ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ، وَاللهُ الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا:"أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ، فَيَأْخُذُ مِنْ حَدِيثِي هَذَا، ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِه، فَإنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ"، فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِه، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ، وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبدًا:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ [البقرة: 159، 160]).

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [11](ت 3 أو 244)(م س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.

2 -

(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو

(1)

"مسند الإمام أحمد بن حنبل" 2/ 274.

(2)

وفي نسخة: "إلى جانب".

ص: 584

محمد المصريّ الفقيه ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [9](ت 197) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.

3 -

(يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ -بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، بعدها لام- أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقة، من كبار [7](ت 159) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.

والباقون ذُكروا في الباب وقبله.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة، وابن المسيّب من الفقهاء السبعة.

شرح الحديث:

(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها (قَالًتْ: أَلَا) أداة تحضيض، (يُعَجِّبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ) قال القرطبيّ رحمه الله: هو بضم الياء، وفتح العين، وكسر الجيم مشدّدة، من التعجيب، ومعناه: ألا يَحْمِلك على التعجب النظرُ في أمره. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الموجود في النُّسخ ضَبْط "يُعْجِب" ضَبْط قلم بضمّ الياء، وكسر الجيم، من الإعجاب، والذي ضبط به القرطبيّ هو الذي في "القاموس"، فهو الأَولى، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(جَاءَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ

(2)

حُجْرَتِي) بضمّ، فسكون؛ أي: بيتي، (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم). وقولها:(يُسْمِعُنِي ذَلِكَ) جملة حاليّة، والمعنى: أنه أراد بتحديثه هناك أن يُسمع عائشة رضي الله عنها حديثه حتى تشهد له بصحّته، قالت:(وَكُنْتُ أُسَبِّحُ) من التسبيح؛ أي: أصلّي النافلة، (فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أقْضِيَ سُبْحَتِي) بضمّ السين، وسكون الموحّدة: هي النافلة، (وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ) أرادت الإنكار عليه إسراعه في التحديث، لا أنها أنكرت حديثه، كما بيّنه قولها: (إِنَّ

(1)

"المفهم" 6/ 436.

(2)

وفي نسخة: "إلى جانب".

ص: 585

رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها جملة تعليليّة، ويَحْتَمل فَتْحها على تقدير حرف التعليل؛ أي: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: سردت الحديث سرْدًا، من باب نصر: أتيت به على الوِلاء

(1)

.

(الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ) قال القرطبيّ رحمه الله: قالت عائشة رضي الله عنها هذا منكرةً عليه إكثاره من الأحاديث في المجلس الواحد، ولذلك قالت في غير هذه الرواية:"إنما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُحدِّثُ حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه"؛ تعني: أنه كان يحدِّث حديثًا قليلًا، ويَحْتَمِل أن تريد بذلك أنه كان يحدِّث حديثًا واضحًا مبينًا، بحيث لو عُدَّت كلماته أُحصيت لقلِّتها، وبيانها، ويدلّ على صحة هذا التأويل قولها:"ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث سردكم هذا". انتهى

(2)

.

وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ)؛ أي: بالسند السابق، فهو موصول، وليس معلّقًا.

[تنبيه]: ما ذكره الشيخ الهرريّ في شرحه من أن قوله هنا: "قال ابن شهاب

إلخ" تحريف من النُّساخ، ثم تكلّم في تصويبه حسبما رآه، فانظر شرحه (24/ 101 - 102)، ففيه نظر لا يخفى، والحقّ أنه لا تحريف، وأن مسلمًا ساقه كما سمعه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق.

(وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ)؛ أي: بعض الناس متعجّبًا من كثرة أحاديثه، مع قصر زمان صحبته للنبيّ صلى الله عليه وسلم، (إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ)؛ أي: من رواية الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، (وَاللهُ الْمَوْعِدُ) تقدّم شرحه قبل حديث. (وَيَقُولُونَ: مَا) استفهاميّة للتعجبّ والاستغراب، (بَالُ)؛ أي: حال (الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟)؛ أي: من حيث الكثرةُ.

ثمّ قال أبو هريرة رضي الله عنه مبيّنًا سبب كثرة أحاديثه: (وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ)؛ أي: عن علّة وسبب كثرة أحاديثي، دون المهاجرين والأنصار. (إِنَّ إِخْوَانِي) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها في موضع الاستئناف، كما قال في "الخلاصة":

فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ

وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ

(1)

"المصباح المنير" 1/ 273.

(2)

"المفهم" 6/ 436.

ص: 586

والاستئناف هنا بيانيّ، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأن الناس قالوا له: ما سبب ذلك؟، فقال: إن إخواني (مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ) وفي رواية ابن سعد: "كان يشغلهم القيام على أرضيهم"؛ أي: القيام بزراعة أرضيهم، فإنهم كانوا أصحاب أراض، وليسوا أصحاب تجارة، (وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ) بفتح، فسكون: هو ضرب اليد على اليد، وجَرَتْ عادتهم به عند عقد البيع.

وقال القرطبيّ رحمه الله: والصَّفق بالأسواق: التجارة فيها، وقد تقدَّم أنهم كانوا يتواجبون بالأيدي، فيُصَفِّق أحدهما في كفّ الآخر، فإذا فعلوا ذلك وجب البيع، فسمِّي البيع صفقًا بذلك، وقد تقدم هذا. انتهى

(1)

.

(بِالأَسْوَاقِ)؛ لأنهم ليست لهم أراض يزرعونها حيث كانوا نزلاء، وليسوا مواطنين، (وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مِلْءِ بَطْنِي)؛ أي: بشِبعي، (فَأَشْهَدُ)؛ أي: أحضر مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِذَا غَابُوا)؛ أي: الأنصار والمهاجرون بسبب اشتغالهم بما ذُكر، (وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا) بفتح النون، وضمّ السين المهملة، أصله: نَسِيُوا بكسر السين، بوزن عَلِمُوا، فنُقلت ضمّة الياء إلى السين بعد سَلْب حركتها، ثمّ حُذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، فصار: نَسُوا.

والمعنى: أنه يحفظ، ويبقى محفوظه لديه؛ لصفاء ذاكرته بسبب عدم ما يشغله من الأهل والمال، بخلافهم، فإن اشتغالهم بذلك يورثهم النسيان، والله تعالى أعلم.

والحاصل: أن أبا هريرة رضي الله عنه بيّن بهذا أن سبب كثرة أحاديثه ملازمة مجالس النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعدم اشتغاله بالزراعة، والتجارة، أشغاله، ثم زاد سببًا آخر مما ثبّت محفوظاته، بقوله:

(وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا: "أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ، فَيَأْخُذُ) بالرفع عطفًا على "يبسط"، (مِنْ حَدِيثِي هَذَا) الذي أُحدّث به، (ثُمَّ يَجْمَعُهُ) بالرفع أيضًا لِمَا ذُكر. (إِلَى صَدْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ"، فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِه، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ)؛

(1)

"المفهم" 6/ 436.

ص: 587

أي: مما حدّث به في ذلك المجلس، أو في غيره من المجالس.

ثم إنه فكّر في ترك التحديث للناس؛ لكثرة أقاويلهم فيه، لكنه تذكّر آية الوعيد على كتمان العلم، كما بيّنه بقوله:

(وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِه)؛ أي: ذمًّا لكاتم العلم، (مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا) والآيتان قوله تعالى:({إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} إِلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ [البقرة: 159، 160]).

وقال القرطبيّ رحمه الله عند قوله: يقولون: "ما بال المهاجرين والأنصار. . . إلخ" ما نصّه: هذا الإنكار خلاف إنكار عائشة رضي الله عنها؛ فإنَّها إنما أنكرت سرد الحديث، وهؤلاء أنكروا على أبي هريرة أن يكون أكثر الصحابة حديثًا، وهذا إنكار استبعادٍ وتعجب، لا إنكار تُهمة، ولا تكذيب؛ لِمَا يُعْلَم مِن حِفظه، وعِلمه، وفضله، ولِمَا يُعْلَم أيضًا من فضلهم، ومعرفتهم بحاله، ولذلك بيَّن لهم الموجِب لكثرة حديثه، وبيَّن أنه شيئان:

أحدهما: أنه لازَم النبيّ صلى الله عليه وسلم ما لم يلازموا، فحضر ما لم يحضروا.

والثاني: بركة امتثال ما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من بَسْط ثوبه، وضمِّه إلى صدره، فكان ذلك سبب حفظه، وعدم نسيانه، فقد حصلت لأبي هريرة ولأمه من بركات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخصائص دعواته، ما لم يحصل لغيره، ثم إن أبا هريرة رضي الله عنه لَمّا حَفِظ علمًا كثيرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحقق أنه وجب عليه أن يبلّغه غيره، ووجد من يَقبل عنه، ومن له رغبة في ذلك، تفرَّغ لذلك مخافة الفوت، ومعاجلة القواطع، أو الموت، ثم إنه لمّا آلمه الإنكار همَّ بترك ذلك والفرار منه، لكنه خاف من عقوبة الكتمان المنبَّه عليها في القرآن، ولذلك قال: لولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثًا، ثم تلا قوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ} الآيتين. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه.

(1)

"المفهم" 6/ 437 - 438.

ص: 588

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [35/ 6379 و 6380](2493)، و (البخاري) في "صحيحه"(3/ 1307)، و (ابن حبان) في "صحيحه"(1/ 302 و 16/ 104 و 106)، و (أبو داود) في "سننه"(3/ 320)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 118 و 157)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6380]

(. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

وكلهم ذُكروا في الباب وقبله.

وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن شعيب بن أبي حمزة حدّث عن الزهريّ بهذا الحديث بنحو ما حدّث به ابن عيينة، ومالك، ومعمر، ويونس بن يزيد عنه.

[تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ هذه ساقها الطبرانيّ رحمه الله في "مسند الشاميين"، فقال:

(3026)

- حدّثنا عبد الرحمن بن جابر الطائيّ، ثنا بِشْر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه (ح) وحدّثنا أبو زرعة الدمشقيّ، ثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، حدّثني سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن؛ أن أبا هريرة قال: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يُكثر الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل حديث أبي هريرة؟، وإن إخواني من المهاجرين كان يَشغَلهم الصفق بالأسواق، وكان يشغل إخواني من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصُّفّة، ألزم النبيّ صلى الله عليه وسلم على مِلْء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث حدّثه يومًا:"لن يبسط أحد ثوبه، حتى أقضي جميع مقالتي هذه، ثم يجمع إليه ثوبه، إلا وَعَى ما أقول"، فبسطت نَمِرةً عليّ، حتى إذا قضى النبيّ صلى الله عليه وسلم مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة

ص: 589

رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك من شيء. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(36) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَقِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ رضي الله عنهم

-)

" بَدْر" بفتح الباء الموحّدة، وسكون الدال المهملة، آخره راء: موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو منها على ثمانية وعشرين فرسخًا، على منتصف الطريق تقريبًا، وعن الشعبيّ؛ أنه اسم بئر هناك، قال: وسمّيت بَدْرًا؛ لأن الماء كان لرجل من جهينة، اسمه بَدْرٌ، وقال الواقِدي: كان شيوخ غفار يقولون: بدر ماؤنا، ومنزلنا، وما مَلَكه أحد قبلنا، وهو من ديار غفار

(2)

.

وقد تقدّمت قصّة غزوة بدر، وسببها في "الجهاد" برقم [30/ 4612](1779).

وأما حاطب بن أبي بَلْتعة -بفتح الموحّدة، وسكون اللام، بعدها مثناة، ثم مهملة مفتوحات- فهو ابن عمرو بن عُمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللَّخْميّ، حليف بني أسد بن عبد العزى، يقال: إنه حالف الزبير، وقيل: كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه، فأدَّى مكاتبته، اتفقوا على شهوده بدرًا، وثبت ذلك في "الصحيحين" من حديث عليّ في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فنزلت فيه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} الآية [الممتحنة: 1] إلى آخر ما يأتي في مسلم.

وروى ابن شاهين، والباورديّ، والطبرانيّ، وسمويه، من طريق الزهريّ، عن عروة، عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، قال:"حاطب رجل من أهل اليمن، وكان حليفًا للزبير، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهد بدرًا، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطب من المدينة إلى كبار قريش ينصح لهم فيه، فذكر الحديث نحو حديث عليّ، وفي آخره: "فقال حاطب: والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت، ولكنني كنت امرءًا غريبًا، ولي بمكة بَنُون،

(1)

"مسند الشاميين" 4/ 170.

(2)

"المصباح المنير" 1/ 38.

ص: 590

وإخوة. . ." الحديث، وزاد في آخره: فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الآيات، ورواه ابن مردويه من حديث أنس، وفيه نزول الآية، ورواه ابن شاهين من حديث ابن عمر بإسناد قويّ.

وروى ابن السكن، من طريق محمد بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن حاطب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يُزَوَّج المؤمن في الجنة ثنتين وسبعين زوجة، سبعين من نساء الجنة، وثنتين من نساء الدنيا"، وأغرب أبو عمر، فقال: لا أعلم له غير حديث واحد: "من رآني بعد موتي. . ." الحديث.

قال الحافظ: وقد ظَفِرت بغيره كما ترى، ثم وجدت له ثلاثة أحاديث غيرها:

أحدها: أخرجه ابن شاهين، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن جدّه، قال:"بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فجئته بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. . ." الحديث.

ثانيها: أخرجه ابن منده من هذا الوجه مرفوعًا: "من اغتسل يوم الجمعة. . ." الحديث.

ثالثها: أخرجه الحاكم من طريق صفوان بن سليم، عن أنس، عن حاطب بن أبي بلتعة: أنه "طلع على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يشتدّ، وفي يد عليّ بن أبي طالب ترس، فيه ماء. . ." الحديث.

وروى مالك في "الموطأ" له قصةً مع رفيقه في عهد عمر، وقال المرزباني في "معجم الشعراء": كان أحد فرسان قريش في الجاهلية، وشعرائها، وقال ابن أبي خيثمة: قال المدائنيّ: مات حاطب رضي الله عنه في سنة ثلاثين، في خلافة عثمان رضي الله عنه، وله خمس وستون سنةً، وكذا رواه الطبرانيّ عن يحيى بن بكير. انتهى مختصرًا من "الإصابة"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: حاطب بن أبي بَلْتَعة، واسمه: عمرو بن راشد من ولد لَخْم بن عديّ، يُكنى: أبا عبد الله، وقيل: أبا محمد، وهو حليف للزبير بن العوَّام، وقيل: لبني أسد، وقيل: كان عبدًا لعبيد الله بن حميد، كاتَبَه فأدّى

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 2/ 4.

ص: 591

كتابته يوم الفتح، شهد بدرًا والحديبية، مات رضي الله عنه سنة ثلاثين بالمدينة، وهو ابن خمس وستين سنة، وصلَّى عليه عثمان رضي الله عنه، وقد شَهِد الله تعالى له بالإيمان في قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الآية [الممتحنة: 1]، وقد شَهِد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان والصدق، وبأنه لا يدخل النار على ما تضمَّنه الحديثان المذكوران في مسلم. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6381]

(2494) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ -وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ -وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيٍّ- قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رضي الله عنه، وَهُوَ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا، وَالزُّبَيْرَ، وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ:"ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا"، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِيَ كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أَو لَتُلْقِيَنَّ

(2)

الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ "، قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ -قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا- وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا، يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا، وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"صَدَقَ"، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ، أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ

(1)

"المفهم" 6/ 438 - 439.

(2)

وفي نسخة: "لنُلقيَنَّ".

ص: 592

لَكُمْ"، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الآية [الممتحنة: 1]، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَزُهَيْرٍ ذِكْرُ الآيَة، وَجَعَلَهَا إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ تِلَاوَةِ سُفْيَانَ).

رجال هذا الإسناد: عشرة:

1 -

(عَمْرُو) بن دينار الأثرم، أبو محمد الجمحي مولاهم، المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [4](ت 126)(ع) تقدم في "الإيمان" 21/ 184.

2 -

(الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، وأبوه ابن الحنفية، ثقةٌ فقيهٌ، يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء [3] مات سنة مائة، أو قبلها بسنة (ع) تقدم في "الحيض" 10/ 749.

3 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ) المدنيّ، مولى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان كاتِبُ عليّ رضي الله عنه، ثقةٌ [3](ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" 28/ 1812.

4 -

(عَلِيُّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم الخليفة الراشد، مات رضي الله عنه في رمضان سنة أربعين، وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض بإجماع أهل السُّنَّة، وله ثلاث وستون سنةً على الأرجح (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.

والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وله فيه خمسة من الشيوخ قَرَن بينهما، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفناه غير مرّة، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وأن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته، من السابقين الأولين، ورَجَّح جَمْع أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنة، ومات يوم مات، وهو أفضل أهل الأرض من بني آدم بإجماع أهل السُّنَّة والجماعة.

شرح الحديث:

(عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّد) بن عليّ بن أبي طالب؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي

ص: 593

عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَهُوَ)؛ أي: عبيد الله (كَاتِبُ عَلِيّ) بن أبي طالب. (قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رضي الله عنه، وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من "عليًّا"، (بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا، وَالزُّبَيْرَ، وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ: "ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ) بخاءين معجمتين، بينهما ألف، وقال السهيليّ: كان هُشيم يصحّفها، فيقول: خاج، بخاء وجيم، وذكر البخاريّ أن أبا عوانة كان يقولها كما يقول هشيم، وذكر ياقوت مائة وثلاثين روضة في بلاد العرب، منها روضة خاخ، وهو موضع بين مكة والمدينة

(1)

.

وقال النوويّ رحمه الله: "روضة خاخ" هي بخاءين معجمتين، هذا هو الصواب الذي قاله العلماء كافّةً في جميع الطوائف، وفي جميع الروايات، والكتب، ووقع في البخاريّ من رواية أبي عوانة:"حاج" بحاء مهملة، والجيم، واتفق العلماء على أنه من غَلَط أبي عوانة، وإنما اشتبه عليه بـ "ذات حاج" بالمهملة، والجيم، وهي موضع بين المدينة والشام على طريق الحجيج، وأما روضة خاخ فبين مكة والمدينة، بقرب المدينة، قال صاحب "المطالع": وقال الصائديّ: هي بقرب مكة، والصواب الأول. انتهى

(2)

.

(فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً) قال النوويّ رحمه الله: "الظعينة" هنا الجارية، وأصلها الهودج، وسُمِّيت بها الجارية؛ لأنها تكون فيه، واسم هذه الظعينة: سارة، مولاة لعمران بن أبي صيفيّ القرشيّ. انتهى

(3)

.

وقال في "الفتح": "الظعينة" بظاء معجمة وزن عظيمة، فعيلة بمعنى فاعلة، من الظعن، وهو الرحيل، وقيل: سمّيت ظعينة؛ لأنها تركب الظعين التي تَظْعَن براكبها، وقال الخطابيّ: سمِّيت ظعينة؛ لأنها تظعن مع زوجها، ولا يقال لها ظعينة إلا إذا كانت في الهودج، وقيل: إنه اسم الهودج، سمِّيت المرأة لركوبها فيه، ثم توسعوا، فأطلقوه على المرأة، ولو لم تكن في هودج، وذكر ابن إسحاق أن اسمها سارة، والواقديّ أن اسمها كنود، وفي رواية: سارة، وفي أخرى: أم سارة، وذكر الواقديّ أن حاطبًا جعل لها عشرة دنانير

(1)

"عمدة القاري" 14/ 254.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 55.

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 55.

ص: 594

على ذلك، وقيل: دينارًا واحدًا، وقيل: إنها كانت مولاة العباس

(1)

، وذكر الواقديّ أنها من مُزَينة، وأنها من أهل العَرَج -بفتح الراء، بعدها جيم- يعني: قرية بين مكة والمدينة، وذكر الثعلبي ومن تبعه أنها كانت مولاة أبي صيفيّ بن عمرو بن هاشم بن عبد مناف، وقيل: عمران بدل عمرو، وقيل: مولاة بني أسد بن عبد العزى، وقيل: كانت من موالي العباس، وفي حديث أنس عند ابن مروديه أنها مولاة لقريش، وفي تفسير مقاتل بن حبان أن حاطبًا أعطاها عشرة دنانير، وكساها بُرْدًا، وعند الواحدي أنها قَدِمت المدينة، فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم:"جئت مسلمة؟ " قالت: لا، ولكن احتجت، قال:"فأين أنت عن شباب قريش؟ " وكانت مغنيةً، قالت: ما طُلب مني بعد وقعة بدر شيء من ذلك، فكساها، وحَمَلها، فأتاها حاطب، فكتب معها كتابًا إلى أهل مكة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزو، فخذوا حذركم. وفي حديث عبد الرحمن بن حاطب: فكتب حاطب إلى كفار قريش بكتاب ينتصح لهم، وعند أبي يعلى، والطبريّ من طريق الحارث بن عليّ: لمّا أراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يغزو مكة أسرّ إلى ناس من أصحابه ذلك، وأفشى في الناس أنه يريد غير مكة، فسمعه حاطب بن أبي بلتعة، فكتب حاطب إلى أهل مكة بذلك، وذكر الواقديّ أنه كان في كتابه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَذَّن في الناس بالغزو، ولا أراه إلا يريدكم، وقد أحببت أن يكون إنذاري لكم بكتابي إليكم. انتهى

(2)

.

وقال في "العمدة": "الظعينة": بفتح الظاء المعجمة، وكسر العين المهملة، وسكون الياء، آخر الحروف، وفتح النون: هي المرأة في الهودج، ولا يقال: ظعينة إلا وهي كذلك؛ لأنها تظعن بارتحال الزوج، وقيل: أصلها الهودج، وسمّيت به المرأة؛ لأنها تكون فيه، وقال ابن فارس: الظعينة: المرأة، وهو من باب الاستعارة، وأما الظعائن: فالهوادج، كانت فيها نساء، أو لم تكن.

وكان اسمها سارة، وقيل: أم سارة، وقيل: كنود، مولاة لقريش، وقيل:

(1)

"الفتح" 9/ 383، كتاب "المغازي" رقم (4274).

(2)

"الفتح" 16/ 202 - 203، كتاب "الاستئذان" رقم (6939).

ص: 595

لعمران بن صيفيّ، وقيل: كانت من مزينة، من أهل العَرَج، وفي "الإكليل" للحاكم: وكانت مُغَنِّية نَوّاحةً، تغني بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بها يوم الفتح، فقُتلت، وذكرها أبو نعيم، وابن منده في جملة الصحابيات، ووقع في "كتاب الأحكام" للقاضي إسماعيل في قصة حاطب: قال للذين أرسلهم: "إن بها امرأةً من المسلمين، معها كتاب إلى المشركين"، وأنهم لما أرادوا أن يخلعوا ثيابها، قالت: أَوَ لستم مسلمين؟ انتهى.

وهذا مشكل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا دخل مكة ذكرها في المستثنَيْن بالقتل، وبما قال الحاكم أيضًا، ويؤيده ما ذكر أبو عبيد البكريّ:"فإن بها امرأة من المشركين"، وقال الواحديّ: قال جماعة المفسرين: إن هذه الآية؛ يعني: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفيّ بن هاشم بن عبد مناف أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من مكة، وهو يتجهز لفتح مكة، فقال:"ما جاء بك؟ " قالت: الحاجة، قال:"فأين أنتِ عن شباب أهل مكة؟ "، وكانت مغنية، قالت: ما طُلب مني شيء بعد وقعة بدر، فكساها، وحملها، وأعطاها حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير، وكتب في الكتاب إلى أهل مكة: إن رسول الله يريدكم، فخذوا حذركم، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام بخبرها، فبعث عليًّا، وعمارًا، وعمر، والزبير، وطلحة، والمقداد بن الأسود، وأبا مرثد، وكانوا كلهم فُرسانًا، وقال:"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى المشركين، فخذوه، وخَلُّوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم، فاضربوا عنقها".

وفي "تفسير النسفيّ": أتت سارة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، بعد بدر بسنتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمسلمة جئت؟ " قالت: لا، قال:"أمهاجرة جئت؟ " قالت: لا، قال:"فما حاجتك"؟ قالت: ذهب الموالي؛ يعني: قُتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجة شديدة، فقَدِمت عليكم لتُعطوني، وتَكسوني، وتَحملوني، فحثّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب، وبني المطلب، فكسَوها، وحملوها، وأعطوها نفقة، فأتاها حاطب، فكتب معها إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بُردًا،

ص: 596

واستحملها كتابًا إلى أهل مكة، نُسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: اعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فخذوا حذركم.

وقال السهيليّ: الكتاب: أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم في جيش كالليل، يسير كالسيل، وأُقسم بالله لو لم يَسِرْ إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له بوعده فيكم، فإن الله وليّه وناصره.

وفي "تفسير ابن سلام" أن فيه: أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نفر إما إليكم، وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر، وقيل: كان فيه أنه آذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، فقد أحببت أن يكون لي عندكم يدٌ بكتابي إليكم

(1)

.

(مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا"، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى) بفتح التاء؛ أي: تجري، قاله النوويّ

(2)

.

وقال في "العمدة": "تعادى" بلفظ الماضي؛ أي: تَباعَدَ، وتَجَارَى وبالمضارع بحذف إحدى التاءين. (بِنَا خَيْلُنَا) قال الفيّوميّ رحمه الله: الخَيْلُ معروفةٌ، وهي مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع: خيول، قال بعضهم: وتُطلق الخَيْلُ على العِراب، وعلى الْبَرَاذِين، وعلى الْفُرْسان، وسميّت خَيْلًا؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا، ومنه يقال: اخْتَالَ الرجلُ، وبه خَيَلاءُ، وهو الكِبْر، والإعجاب. انتهى

(3)

.

وقوله: (فَإِذَا) هي الفجائيّة، (نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ)"أل" للعهد الحضوريّ؛ أي: الكتاب الذي معك من حاطب بن أبي بلتعة، (فَقَالَتْ: مَا مَعِيَ كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أَو لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ) وفي بعض النسخ:"أو لنلقيَنّ الثِّيَابَ" بنون المتكلّم، قال في "العمدة": قوله: "أو لتلقين الثياب" قال ابن التين: صوابه في العربية بحذف الياء، قلت: القياس ما قاله، لكن صحت الرواية بالياء، فتُأوَّل الكسرة بأنها لمشاكَلَة:"لتخرجِنّ"، وباب المشاكلة واسع، فيجوز كسر الياء، وفتحها، فالفتحة بالحمل على المؤنث الغائب، على

(1)

"عمدة القاري" 14/ 254 - 255.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 56.

(3)

"المصباح المنير" 1/ 186.

ص: 597

طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، قال الكرمانيّ: ويروى بفتح القاف، ورَفْع "الثياب". انتهى

(1)

.

قال في "الفتح": قوله: "لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب" قال ابن التين: كذا وقع بكسر القاف، وفتح الياء التحتانية، وتشديد النون، قال: والياء زائدة، وقال الكرمانيّ: هو بكسر الياء، وبفتحها، كذا جاء في الرواية بإثبات الياء، والقواعد التصريفية تقتضي حذفها، لكن إذا صحت الرواية فتُحمل على أنها وقعت على طريق المشاكلة لـ "تُخْرِجِنّ"، وهذا توجيه الكسرة، وأما الفتحة فتُحمل على خطاب المؤنث الغائب، على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، قال: ويجوز فتح القاف على البناء للمجهول، وعلى هذا فيُرفع "الثياب".

قال الحافظ: ويظهر لي أن صواب الرواية: "لنُلقينّ" بالنون بلفظ الجمع، وهو ظاهر جدًّا، لا إشكال فيه البتة، ولا يفتقر إلى تكلف تخريج.

ووقع في رواية للبخاريّ: "لتخرجِنّ الكتاب، أو لأجرّدنك"؛ أي: أنزع ثيابك حتى تصيري عريانة، وفي رواية ابن فضيل:"أو لأقتلنك"، وذكر الإسماعيليّ أن في رواية خالد بن عبد الله مثله، وعنده من رواية ابن فضيل:"لأجزرنك" بجيم، ثم زاي؛ أي: أصيِّرك مثل الجزور إذا ذُبحت.

ووقع في حديث أنس: "فقالت: ليس معي كتاب، فقال: كذبتِ، فقال: قد حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معك كتابًا، والله لتعطيني الكتاب الذي معك، أو لا أترك عليك ثوبًا إلا التمسنا فيه، قالت: أو لستم بناس من مسلمين؟ حتى إذا ظنت أنهما يلتمسان في كل ثوب معها حَلَّت عفاصها -وفيه-: فرجعا إليها فسلّا سيفيهما، فقالا: والله لنذيقنك الموت، أو لتدفعن إلينا الكتاب، فأنكرت".

ويُجمع بينهما بأنهما هدداها بالقتل أوّلًا، فلما أصرت على الإنكار، ولم يكن معهما إذن بقتلها هدّداها بتجريد ثيابها، فلما تحققت ذلك، خشيت أن يقتلاها حقيقةً، وزاد في حديث أنس أيضًا: "فقالت: أدفعه اليكما على أن

(1)

"عمدة القاري" 14/ 255.

ص: 598

تردّاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية أعشى ثقيف عن عبد الرحمن عند الطبريّ: "فلم يزل عليّ بها حتى خافته".

وقد اختُلف هل كانت مسلمة، أو على دين قومها؟ فالأكثر على الثاني، فقد عُدّت فيمن أَهْدَر النبيّ صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح؛ لأنها كانت تغني بهجائه، وهجاء أصحابه، وقد وقع في أول حديث أنس:"أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقتل أربعة"، فذكرها فيهم، ثم قال: وأما أمْر سارة فذُكِر قصتها مع حاطب. انتهى.

(فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا) بكسر العين المهملة، وبالقاف، وبالصاد المهملة: جَمْع عقيصة؛ أي: من شعرها المضفور، ويقال: هي التي تتخذ من شعرها مثل الوقاية، وكل خُصْلة

(1)

منه عقيصة، والعَقْص: لَيُّ خُصَلات الشعر بعضه على بعض، وقال المنذريّ: هو لَيّ الشعر بعضه على بعض، على الرأس، ويُدخَل أطرافه في أصوله، قال: ويقال: هي التي تتخذ من شعرها مثل الرُّمّانة، قال: وقيل: العقاص هو الخيط الذي يُجمع فيه أطراف الذوائب، وعَقْص الشعر: ضَفْرُهُ، ويقال: العقاص: السَّيْرُ الذي يُجمع به شعرها على رأسها، والعَقْصُ: الضَّفْرُ، والضَّفْر: الْفَتْلُ. انتهى

(2)

.

وفي رواية للبخاريّ: "فأخرجته من حُجْزتها"، قال في "الفتح": قوله: "فأخرجته من حُجزتها"، والحجزة بضم المهملة، وسكون الجيم، بعدها زاي: مَعْقِد الإزار، والسراويل، ووقع في رواية القابسيّ:"من حُزَّتها" بحذف الجيم، قيل: هي لغة عاميّة، ويُجمع بينها وبين رواية:"فأخرجته من عقاصها" بأنها أخرجته من حجزتها، فأخفته في عقاصها، ثم اضطرت إلى إخراجه، أو بالعكس، أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها، فربطته في عقيصتها، وغرزته بحجزتها، وهذا الاحتمال أرجح، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون معها كتابان إلى طائفتين، أو المراد بالحجزة: العُقْدة مطلقًا، وتكون رواية العقيصة أوضح من رواية الحجزة، أو المراد بالحجزة: الحَبْل؛ لأن الْحَجْز هو شدّ وسط يدي البعير بحبل، ثم يخالَف، فتُعقد رجلاه، ثم يشدّ

(1)

"الْخُصلة" -بالضمّ-: الشعر المجتمع.

(2)

"عمدة القاري" 14/ 255.

ص: 599

طرفاه إلى حقويه، ويسمى أيضًا الحجاز. انتهى

(1)

.

(فَأَتَيْنَا بِهِ)؛ أي: بالكتاب، ويُرْوَى:"بها"؛ أي: بالصحيفة، قال الكرمانيّ: أو بالمرأة، وفيه نَظَر؛ لأن في رواية:"معها كتاب إلى المشركين، فخذوه، وخلوا سبيلها"

(2)

. (رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) قال الكرمانيّ: هو كلام الراوي وَضَع موضع إلى فلان وفلان المذكورين في الكتاب. قال العينيّ: لم يطّلع الكرماني على أسماء المكتوب إليهم، فلذلك قال هكذا، والذين كتب إليهم هم: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل

(3)

.

وقال في "الفتح": وفي رواية ابن عباس عن عمر: "فأتينا به، فقرئ عليه، فإذا فيه: من حاطب إلى ناس من المشركين، من أهل مكة"، سمّاهم الواقديّ في روايته: سهيل بن عمرو العامريّ، وعكرمة بن أبي جهل المخزوميّ، وصفوان بن أمية الجمحيّ. انتهى

(4)

.

(يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) تقدّم أنه أخبرهم بغزو النبيّ صلى الله عليه وسلم لهم، وأمَرَهم أن يأخذوا حِذرهم، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ ")؛ أي: ما الكتاب الذي أفشيت به سرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لأعدائه، هل نافقت، أو لك عذر فيه؟، وفي رواية للبخاريّ:"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟ "، في رواية عبد الرحمن بن حاطب:"فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا، فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم، قال: فما حملك على ذلك؟ "، وكأنّ حاطبًا لم يكن حاضرًا لَمّا جاء الكتاب، فاستُدعي به لذلك، وقد بُيِّن ذلك في حديث ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، ولفظه:"فأرسل إلى حاطب"، فذكر نحو رواية عبد الرحمن، أخرجه الطبريّ بسند صحيح

(5)

.

(قَالَ) حاطب رضي الله عنه: (لَا تَعْجَلْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تعِبَ، (عَلَيَّ

(1)

"الفتح" 7/ 335 - 336، كتاب "الجهاد" رقم (3081).

(2)

"عمدة القاري" 14/ 255.

(3)

"عمدة القاري" 14/ 255.

(4)

"الفتح" 16/ 205، كتاب "الاستئذان" رقم (6939).

(5)

"الفتح" 16/ 205، كتاب "الاستئذان" رقم (6939).

ص: 600

يَا رَسُولَ اللهِ)؛ أي: لا تستعجل في أمري حتى أشرح لك القضيّة، وأبيّن لك عذري في ذلك. (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، كما سبق قريبًا. (كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا) بضمّ الميم: اسم مفعول من أُلصق؛ أي: مُلْزقًا، وقال القرطبيّ رحمه الله: الملصَق في القوم: هو الذي لا نَسَب له فيهم، وهو الحليف، والنزيل، والدَّخيل. انتهى

(1)

.

وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب: "ولكني كنت امرءًا غريبًا فيكم، وكان لي بنون، وإخوة بمكة، فكتبت لعلّي أدفع عنهم".

وقال في "العمدة": قوله: "مُلْصَقًا في قريش"؛ أي: مضافًا إليهم، ولست منهم، وأصل ذلك من إلصاق الشيء بغيره ليس منه، ولذلك قيل للدَّعِيّ في القوم: ملصقٌ، وقيل: معناه حليفًا، ولم يكن من نَفْس قريش، وأقربائهم. انتهى

(2)

.

(فِي قُرَيْشٍ) لست مِنْ نَسَبهم، وفي رواية للبخاريّ:"كنت امرءًا من قريش، ولم أكن من أنفسهم"، قال في "الفتح": ليس هذا تناقضًا، بل أراد أنه منهم، بمعنى أنه حليفهم، وقد ثبت حديث:"حليف القوم منهم"، وعبَّر بقوله:"ولم أكن من أنفسهم" لإثبات المجاز. انتهى

(3)

.

(قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة مفسّرًا معنى قوله: "مُلصقًا": (كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا)؛ أي: ليس له نَسَب في قريش، (وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ) قال القرطبيّ رحمه الله: كذا وقع هذا اللفظ "ممن" بزيادة "مِنْ"، وفي بعض النسخ، "من معك" بإسقاط "من"، وهو الصواب؛ لأنَّ "من" لا تزاد في الموجَب عند البصريين وأكثر أهل اللسان، وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين. انتهى

(4)

.

(مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ، يَحْمُونَ) مضارع حمى، من باب ضرب؛ أي: يحفظون، وأصله يحميُون، بوزن يضربون، فنُقلت ضمة الياء إلى الميم بعد سَلْب حركتها، عملًا بقاعدة قوله:

(1)

"المفهم" 6/ 439.

(2)

"عمدة القاري" 14/ 255.

(3)

"الفتح" 10/ 684، كتاب "التفسير" رقم (4890).

(4)

"المفهم" 6/ 439.

ص: 601

حَرَكَةٌ لِيَا كَوَاوٍ إِنْ عَقِبْ مَا

صَحَّ سَاكِنًا فَنَقْلُهَا يَجِبْ

(بِهَا)؛ أي: بسبب تلك القرابات، (أَهْلِيهِمْ) منصوب على المفعوليّة لـ "يحمون"، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكّر السالم، كما قال في "الخلاصة":

وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَبِيَا اجْرُرْ وَانْصِبِ

سَالِمَ جَمْعِ عَامِرٍ وَمُذْنِبِ

وَشِبْهِ ذَيْنِ وَبِهِ عِشْرُونَا

وَبَابُهُ أُلْحِقَ وَالأَهْلُونَا

وفي رواية البخاريّ: "وليس من أصحابك أحدٌ إلا له هنالك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله"، وفي حديث أنس:"وليس منكم رجل إلا له بمكة من يحفظه في عياله غيري".

(فَأَحْبَبْتُ إِذْ) ظرفيّة، بمعنى حين؛ أي: حين (فَاتَنِي ذَلِكَ) إشارةٌ إلى قوله: "لهم قرابات يَحمون بها أهليهم، وأموالهم"، (مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ)؛ أي: في قريش، (أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ) كلمة "أن" مصدرية في محل النصب؛ لأنه مفعول "أحببت". (يَدًا)؛ أي: نعمةً وَمنّةً، (يَحْمُونَ)؛ أي: يحفظون (بِهَا)؛ أي: بسبب تلك اليد، (قَرَابَتِي) تقدّم أنه له بمكة أولادًا، وفي رواية البخاريّ:"ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يَدٌ"؛ أي: منّة أدفع بها عن أهلي ومالي، زاد في رواية أعشى ثقيف:"والله ورسوله أحبّ إلي من أهلي ومالي". (وَلَمْ أَفْعَلْهُ)؛ أي: ما ذُكر من المكاتبة لأهل مكة، (كُفْرًا) منصوب على أنه مفعول لأجله؛ أي: من أجل كفر، وقال في "العمدة":"كفرًا" نُصب على التمييز، وما بعده عطف عليه. انتهى

(1)

.

(وَلَا ارْتِدَادًا)؛ أي: ولا من أجل ارتداد (عَنْ دِينِي) الإسلام، (وَلَا رِضًا بالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ) وفي رواية للبخاريّ:"قال: يا رسول الله ما لي أن لا أَكون مؤمنًا بالله، ورسوله"، وفي رواية المستملي:"ما بي" بالموحّدة بدل اللام، وهو أوضح، وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب:"أما والله ما ارتبت منذ أسلمت في الله"، وفي رواية ابن عباس:"قال: والله إني لناصح لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم"

(2)

(1)

"عمدة القاري" 14/ 255.

(2)

"الفتح" 16/ 205، كتاب "الاستئذان" رقم (6939).

ص: 602

(فَـ) لمّا بيّن عذره (قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) لأصحابه: ("صَدَقَ") بتخفيف الدال؛ أي: قال الصدق فيما ذكره من العذر، وفي رواية للبخاريّ:"إنه قد صدقكم"، قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون صلى الله عليه وسلم عَرَف صِدْقه مما ذَكَرَ، ويَحتمل أن يكون بوحي. انتهى.

قال الجامع عفا الله عنه: كونه بالوحي هو الأظهر عندي، والله تعالى أعلم. (قَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله عنه:(دَعْنِي)؛ أي: اتركني (يَا رَسُولَ اللهِ، أَضْرِبْ) بالجزم على أنه جواب الأمر، وفي رواية البخاريّ:"فأضرب" فيكون منصوبًا بعد الفاء السببيّة، كما قال في "الخلاصة":

وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَو طَلَبْ

مَحْضَيْنِ "أَنْ" وسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ

وفي رواية له: "فلأضرب" قال الكرمانيّ: هو بكسر اللام، ونصب الباء، وهو في تأويل مصدر محذوف، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: اتركني لأضرب عنقه، فتَرْكك لي من أجل الضرب، ويجوز سكون الباء، والفاءُ زائدة، على رأي الأخفش، واللام للأمر، ويجوز فتحها على لغةٍ، وأمرُ المتكلم نفسه باللام فصيح، قليل الاستعمال، وفي حديث ابن عباس:"قال عمر: فاخترطت سيفي، وقلت: يا رسول الله أمكنّي منه، فإنه قد كفر".

وقد أنكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني هذه الرواية، وقال: ليست بمعروفة، قاله في الردّ على الجاحظ؛ لأنه احتج بها على تكفير العاصي، قال الحافظ: وليس لإنكار القاضي معنى؛ لأنها وردت بسند صحيح، وذكر الْبَرْقاني في "مستخرجه" أن مسلمًا أخرجها، وردّه الحميدي، والجمع بينهما أن مسلمًا خرّج سندها، ولم يَسُق لفظها، وإذا ثبت فلعله أطلق الكفر، وأراد به كفر النعمة، كما أَطلق النفاق، وأراد به نفاق المعصية، وفيه نظر؛ لأنه استأذن في ضرب عنقه، فأشعر بأنه ظن أنه نافق نفاق كفر، ولذلك أطلق أنه كفر، ولكن مع ذلك لا يلزم منه أن يكون عمر يرى تكفير من ارتكب معصية، ولو كَبُرت كما يقوله المبتدعة، ولكنه غلب على ظنه ذلك في حق حاطب، فلمّا بَيَّن له النبيّ صلى الله عليه وسلم عُذر حاطب رجع. انتهى

(1)

.

(1)

"الفتح" 16/ 205، كتاب "الاستئذان" رقم (6939).

ص: 603

(عُنُقَ) بضمّتين، وبضمّ، فسكون، قال الفيّوميّ رحمه الله: الْعُنُقُ: الرقبةُ، وهو مذكّرٌ، والحجاز تؤنّثه، فيقال: هي العُنُق، والنون مضمومة للإتباع في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع أعناق. انتهى

(1)

.

(عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ) إنما قال ذلك عمر رضي الله عنه مع تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب فيما اعتذر به؛ لِمَا كان عند عمر من القوّة في الدين، وبُغض من يُنسب إلى النفاق، وظَنّ أن من خالف ما أَمَره به رسول الله صلى الله عليه وسلم استَحَقّ القتل، لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قَتْله، وأَطلق عليه منافقًا؛ لكونه أبْطَن خلاف ما أظهر، وعُذْر حاطب ما ذَكَره، فإنه صَنَع ذلك متأوِّلًا أن لا ضرر فيه.

وعند الطبريّ من طريق الحارث، عن عليّ رضي الله عنه في هذه القصة:"فقال: أليس قد شَهِدَ بدرًا؟، قال: بلى، ولكنه نكث، وظاهَر أعداءك عليك"

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: إنما أطلق عليه عمر رضي الله عنه اسم النفاق؛ لأنَّ ما صدر منه يُشبه فعل المنافقين؛ لأنَّه والى كفار قريش، وباطَنَهم، وهمَّ بأن يُطلعهم على ما عزم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوهم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان دعا، فقال:"اللَّهُمَّ أَخْفِ أخبارنا عن قريش"، لكن حاطبًا لم ينافق بقلبه، ولا ارتدّ عن دينه، وإنما تأوَّل فيما فَعَل من ذلك أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخوِّف قريشًا. ويُحكى: أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم لا طاقة لهم به، يخوِّفهم بذلك ليخرجوا عن مكة، ويفرُّوا منها، وحسَّن له هذا التأويل تَعلُّق خاطره بأهله، ووَلَدِه؛ إذ هُمْ قطعة من كبده، ولقد أبلغ من قال: قلَّما يُفلح من كان له عيال، لكن لَطَفَ الله تعالى به، فنجَّاه بما عَلِم من صحَّة إيمانه، وصدقه، وغفر له بسابقة بدر، وسَبْقه. انتهى

(3)

.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا) أرشد النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى علة ترك قَتْله بأنه

(1)

"المصباح المنير" 2/ 432.

(2)

"الفتح" 10/ 684، كتاب "التفسير" رقم (4890).

(3)

"المفهم" 6/ 440.

ص: 604

شهد بدرًا، فكأنه قيل: وهل يُسقط عنه شهوده بدرًا هذا الذنب العظيم؟ فأجاب بقوله: "وما يدريك. . . إلخ".

(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ) قال القرطبيّ رحمه الله: معنى "يُدريك": يُعْلِمك، و"لعلّ": للتراخي، لكن هذا الرجاء محقَّق للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ بدليل ما ذَكَره الله تعالى في قصة أهل بدر في "آل عمران"، و"الأنفال"، من ثنائه عليهم، وعَفْوه عنهم، وبدليل قوله صلى الله عليه وسلم للذي قال في حاطب:"إنه يدخل النار"، وأقسم عليه:"كذبت، لا يدخلها، فإنَّه شهد بدرًا"، فهذا إخبار محقَّق، لا احتمال فيه، ولا تجوُّز. انتهى

(1)

.

وقال في "الفتح": قوله: "لعلّ الله. . . إلخ" هكذا في أكثر الروايات بصيغة الترجي، لكن قال العلماء: إن الترجي في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم للتحقيق والوقوع، وعند أحمد، وأبي داود، وابن أبي شيبة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بالجزم، ولفظه:"إن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، وعند أحمد بإسناد على شرط مسلم، من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا:"لن يدخل النار أحدٌ شهد بدرًا"

(2)

.

(فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ") قال النوويّ: قال العلماء: معناه: الغفران لهم في الآخرة، وإلا فإن توجَّه على أحد منهم حدّ، أو غيره أقيم عليه في الدنيا، ونَقَل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحدّ، وأقامه عمر رضي الله عنه على بعضهم، قال: وضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم مِسْطَحًا الحدّ، وكان بدريًّا. انتهى

(3)

.

وقال في "الفتح": قد استُشكل هذا، فإن ظاهره أنه للإباحة، وهو خلاف عَقْد الشرع.

وأجيب بأنه إخبار عن الماضي؛ أي: كل عمل كان لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لِمَا يستقبلونه من العمل، لم يقع بلفظ الماضي، ولقال: فسأغفره لكم.

(1)

"المفهم" 6/ 440.

(2)

"الفتح" 9/ 46، كتاب "المغازي" رقم (3983).

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 56 - 57.

ص: 605

وتُعُقِّب بأنه لو كان للماضي لَمَا حسن الاستدلال به في قصة حاطب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خاطب به عمر منكِرًا عليه ما قال في أمر حاطب، وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين، فدلّ على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغةً في تحقيقه.

وقيل: إن صيغة الأمر في قوله: "اعملوا" للتشريف والتكريم، والمراد: عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك، وأنهم خُصُّوا بذلك؛ لِمَا حَصَل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم السابقة، وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة، إن وقعت؛ أي: كل ما عملتموه بعد هذه الواقعة من أيّ عمل كان، فهو مغفور.

وقيل: إن المراد أن ذنوبهم تقع إذا وقعت مغفورةً، وقيل: هي بشارة بعدم وقوع الذنوب منهم، وفيه نَظَر ظاهر؛ لِمَا في قصة قُدامة بن مظعون حين شرب الخمر في أيام عمر، وحدّه عمر، فهاجر بسبب ذلك، فرأى عمر في المنام من يأمره بمصالحته، وكان قدامة بدريًّا، والذي يُفهم من سياق القصة الاحتمال الثاني، وهو الذي فهمه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ التابعيّ الكبير، حيث قال لحيان بن عطية: قد علمتُ الذي جرّأ صاحبك

(1)

على الدماء، وذَكَر له هذا الحديث، واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة، لا بأحكام الدنيا، من إقامة الحدود وغيرها، والله أعلم. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر: قوله: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" كذا في معظم الطرق، وعند الطبريّ من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عروة:"فإني غافر لكم"، وهذا يدلّ على أن المراد بقوله:"غفرت"؛ أي: أغفر على طريق التعبير عن الآتي بالواقع؛ مبالغةً في تحققه، وفي "مغازي ابن عائذ" من مرسل عروة:"اعملوا ما شئتم، فسأغفر لكم"، والمراد: غفران ذنوبهم في الآخرة، وإلا فلو وجب على أحدهم حدّ مثلًا لم يَسْقُط في الدنيا.

(1)

يعني: عليًّا رضي الله عنه.

(2)

"الفتح" 9/ 46 - 47، كتاب "المغازي" رقم (3983).

ص: 606

وقال ابن الجوزيّ: ليس هذا على الاستقبال، وإنما هو على الماضي، تقديره: اعملوا ما شئتم، أَيُّ عملٍ كان لكم فقد غُفِر، قال: لأنه لو كان للمستقبَل كان جوابه: فسأغفر لكم، ولو كان كذلك لكان إطلاقًا في الذنوب، ولا يصحّ، ويبطله أن القوم خافوا من العقوبة بعدُ حتى كان عمر يقول: يا حذيفة! بالله هل أنا منهم؟

وتعقبه القرطبيّ بأن "اعملوا" صيغة أمر، وهي موضوعة للاستقبال، ولم تضع العرب صيغة الأمر للماضي، لا بقرينة، ولا بغيرها؛ لأنهما بمعنى الإنشاء، والابتداء، وقوله:"اعملوا ما شئتم" يُحْمَل على طلب الفعل، ولا يصحّ أن يكون بمعنى الماضي، ولا يمكن أن يُحْمَل على الإيجاب، فتعيَّن للإباحة، قال: وقد ظهر لي أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف، تضمَّن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غُفرت بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا أن يُغفر لهم ما يُستأنف من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية للشيء وقوعه، وقد أظهر الله صِدْق رسوله صلى الله عليه وسلم في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قُدِّر صدور شيء من أحدهم لبادر إلى التوبة، ولازم الطريق المثلى، ويَعْلَم ذلك من أحوالهم بالقطع مَن اطَّلع على سِيَرهم. انتهى.

ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: "فقد غفرت لكم"؛ أي: ذنوبُكُم تقع مغفورةً، لا أن المراد أنه لا يصدر منهم ذنب، وقد شَهِد مِسطح بدرًا، ووقع في حقّ عائشة، كما تقدم قريبًا، فكأن الله لكرامتهم عليه بشَّرهم على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم أنهم مغفور لهم، ولو وقع منهم ما وقع. انتهى ما في "الفتح"

(1)

، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.

وعبارة القرطبيّ رحمه الله بطولها: وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "اعملوا ما شئتم" إباحة كل الأعمال، والتخيير فيما شاؤوا من الأفعال، وذلك في الشريعة محال؛ إذ المعلوم من قواعدها: أن التكليف بالأوامر، والنواهي، متوجهة على كل من كان موصوفًا بشرطها إلى موته، ولمّا لم يصح ذلك الظاهر اضطُرّ إلى تأويله،

(1)

"الفتح" 10/ 685 - 686، كتاب "التفسير" رقم (4890).

ص: 607

فقال أبو الفرج ابن الجوزي: ليس قوله: "اعملوا ما شئتم" للاستقبال؛ وإنَّما هي للماضي، وتقديره: أي عمل كان لكم فقد غفرته، قال: ويدلّ على ذلك شيئان:

أحدهما: أنه لو كان للمستقبَل كان جوابه: سأغفر.

والثاني: أنه كان يكون إطلاقًا في الذنوب، ولا وجه لذلك، ويوضح هذا: أن القوم خافوا من العقوبة مما بعدُ، فقال عمر: يا حذيفة! هل أنا منهم؟ -يعني: المنافقين-.

قال القرطبيّ: وهذا التأويل، وإن كان حَسَنًا غير أن فيه بُعدًا؛ يبيّنه: أنَّ "اعملوا" صيغته صيغة الأمر، وهي موضوعة للاستقبال، ولم تضع العرب قط صيغة الأمر موضع الماضي، لا بقرينة، ولا بغير قرينة، هكذا نص عليه النحويون، وصيغة الأمر إذا وردت بمعنى الإباحة: إنما هي بمعنى الإنشاء، والابتداء، لا بمعنى الماضي، فتدبَّر هذا؛ فإنه حَسَن، وقد بيّنته في الأصول بأشبع من هذا، واستدلاله على ذلك بقوله:"فقد غفرت لكم"، ليس بصحيح؛ لأنَّ:"اعملوا ما شئتم" يستحيل أن يُحْمَل على طَلَب الفعل، ولا يصح أن يكون بمعنى الماضي؛ لِمَا ذكرناه، فتعيَّن حَمْله على الإباحة والإطلاق، وحينئذ يكون خطابَ إنشاء، فيكون كقول القائل: أنت وكيلي، وقد جعلت لك التصرف كيف شئت، فإنَّ ذلك إنما يقتضي إطلاق التصرف في وقت التوكيل، لا قبل ذلك.

قال: وقد ظهر لي وجه آخر، وأنا أستخير الله فيه، وهو: أن الخطاب خطاب إكرام وتشريف تضمَّن: أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غُفرت لهم بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا بها لِأَنْ يُغْفَر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم، لا أنهم نُجِّزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل: لهم صلاحية أن يُغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيءٍ ما وجود ذلك الشيء؛ إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له أهليتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأْمَن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب، وعلى هذا يخرج حال كل من بشَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه مغفورٌ له، وأنه من أهل الجنة، فيتضمَّن ذلك مغفرة ما مضى، وثبوت الصلاحية للمغفرة والجنة بالنسبة لِمَا يستقبل،

ص: 608

ولذلك لم يُزَل عن أحد ممن بُشِّر بالمغفرة، أو بالجنة خوف التبديل والتغيير من المؤاخذة على الذنوب، ولا ملازمة التوبة منها، والاستغفار دائمًا، ثم إن الله تعالى أظهر صدق رسوله صلى الله عليه وسلم للعيان في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك؛ فإنَّهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة من أمور الدين، ومراعاة أحواله، والتمسك بأعمال البر والخير إلى أن تُوُفُّوا على ذلك، ومن وقع منهم في معصية، أو مخالفة لجأ إلى التوبة، ولازَمَها حتى لقي الله تعالى عليها، يَعْلَم ذلك قطعًا من أحوالهم من طالع سِيَرهم، وأخبارهم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله

(1)

، وإنما نقلت كلامه بطوله، وإن كان سبق في كلام الحافظ؛ لغزارة فوائده، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الآية [الممتحنة: 1]).

وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَزُهَيْرٍ ذِكْرُ الآيَةِ)؛ يعني: أن رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب ليس فيها ذكر الآية الكريمة، وإنما هو لعمرو الناقد، وابن أبي عمر.

وقوله: (وَجَعَلَهَا إِسْحَاقُ في رِوَايَتِهِ مِنْ تِلَاوَةِ سُفْيَانَ)؛ يعني: أن إسحاق بن راهوية جعل تلاوة الآية الكريمة من سفيان بن عيينة، وليس مرفوعًا.

[تنبيه]: زاد البخاريّ في آخر هذا الحديث ما نصّه: "قال عمرو: ونزلت فيه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} قال: لا أدري الآيةَ في الحديث، أو قول عمرو.

ثم قال: حدّثنا عليّ، قال: قيل لسفيان في هذا، فنزلت:{لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الآية، قال سفيان: هذا في حديث الناس، حفِظته من عمرو، ما تركت منه حرفًا، وما أدري أحدًا حَفِظه غيري". انتهى.

قال في "الفتح": قوله: "قال عمرو" هو ابن دينار، وهو موصول بالإسناد المذكور.

(1)

"المفهم" 6/ 441 - 442.

ص: 609

وقوله: "قال: لا أدري الآية في الحديث أو قول عمرو" هذا الشك من سفيان بن عيينة، كما سأوضحه.

وقوله: حدّثنا "عليّ" هو ابن المدينيّ، قال:"قيل لسفيان: في هذا فنزلت: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الآية، قال سفيان: هذا في حديث الناس"؛ يعني: هذه الزيادة، يريد: الجزم برفع هذا القَدْر.

وقوله: "حفظته من عمرو، ما تركت منه حرفًا، وما أرى أحدًا حفظه غيري"، وهذا يدلّ على أن هذه الزيادة لم يكن سفيان يجزم برفعها، وقد أدرجها عنه ابن أبي عمر، أخرجه الإسماعيليّ من طريقه، فقال في آخر الحديث: قال: وفيه نزلت هذه الآية، وكذا أخرجه مسلم، عن ابن أبي عمر، وعمرو الناقد، وكذا أخرجه الطبريّ عن عُبيد بن إسماعيل، والفضل بن الصباح، والنسائيُّ عن محمد بن منصور، كلهم عن سفيان.

وأخرجه مسلم أيضًا عن إسحاق بن راهويه، عن سفيان، وبيَّن أن تلاوة الآية من قول سفيان.

ووقع عند الطبريّ من طريق أخرى عن عليّ الجزم بذلك، لكنه من أحد رواة الحديث حبيب بن أبي ثابت الكوفيّ أحد التابعين، وبه جزم إسحاق في روايته عن محمد بن جعفر، عن عروة في هذه القصّة، وكذا جزم به معمر عن الزهريّ، عن عروة، وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، قال:"لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مشركي قريش، كتب إليهم حاطب بن أبي بلتعة يُحَذِّرهم. . ."، فذكر الحديث إلى أن قال:"فأنزل الله فيه القرآن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الآية"، قال الإسماعيليّ في آخر الحديث أيضًا:"قال عمرو؛ أي: ابن دينار: وقد رأيت ابن أبي رافع، وكان كاتبًا لعليّ". انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عليّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(1)

"الفتح" 10/ 686 - 687، كتاب "التفسير" رقم (4890).

ص: 610

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [36/ 6381 و 6382](2494)، و (البخاريّ) في "الجهاد"(3007 و 3081) و"المغازي"(3983 و 4274) و"التفسير"(4890) و"الاستئذان"(6259)، و (أبو داود) في "الجهاد"(2651)، و (الترمذيّ) في "التفسير"(3305)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(6/ 487)، و (الشافعيّ) في "مسنده"(1/ 316)، و (أحمد) في "مسنده"(1/ 79)، و (الحميديّ) في "مسنده"(49)، و (عبد بن حميد) في "مسنده"(1/ 56)، و (الطبريّ) في "تفسيره"(28/ 58)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(394 و 398)، و (البزّار) في "مسنده"(2/ 163)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(6499 و 7119)، و (الحاكم) في "المستدرك"(4/ 87)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(9/ 146) و"دلائل النبوّة"(5/ 17) و"شُعَب الإيمان"(7/ 38)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعَلَم من أعلام نبوّته، وذلك إعلام الله تعالى له بخبر المرأة الحاملة كتاب حاطب إلى قريش، ومكانها الذي هي به، ووجده عليّ ومعه كما قال، وذلك كله بالوحي من الله عز وجل.

2 -

(ومنها): هَتْك أستار الجواسيس بقراءة كتبهم، سواء كان رجلًا، أو امرأةً.

3 -

(ومنها): هتك سِتْر المفسدة إذا كان فيه مصلحة، أو كان في الستر مفسدة، وإنما يُندب الستر إذا لم يكن فيه مفسدة، ولا يفوت به مصلحة، وعلى هذا تُحمل الأحاديث الواردة في الندب إلى الستر.

4 -

(ومنها): أن الجاسوس وغيره من أصحاب الذنوب الكبائر لا يُكَفَّرون بذلك، وهذا الجنس كبيرة قطعًا؛ لأنه يتضمن إيذاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو كبيرة بلا شكّ؛ لقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)} [الأحزاب: 57].

5 -

(ومنها): أنه لا يُحدّ العاصي، ولا يعزّر إلا بإذن الإمام.

6 -

(ومنها): أن فيه إشارةَ جلساء الإمام والحاكم بما يرَوْنه، كما أشار

ص: 611

عمر رضي الله عنه بضرب عنق حاطب، ومذهب الشافعي، وطائفة: أن الجاسوس المسلم يعزّر، ولا يجوز قَتْله، وقال بعض المالكية: يُقتل، إلا أن يتوب، وبعضهم: يُقتل وإن تاب، وقال مالك: يجتهد فيه الإمام. انتهى

(1)

.

7 -

(ومنها): بيان فضل أهل بدر، حيث قال صلى الله عليه وسلم:"لعلّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، ولعلّ هنا للتحقيق، وهذه بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم، ووقع الخبر بألفاظ منها:"فقد غفرت لكم"، ومنها:"فقد وجبت لكم الجنة"، ومنها:"لعل الله اطلع"، لكن قال العلماء: إن الترجّي في كلام الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم للوقوع، وقد جاء صريحًا عند أحمد، وغيره بلفظ:"إن الله اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا. . ." الحديث.

8 -

(ومنها): أنه استُدِلّ باستئذان عمر على قَتْل حاطب لمشروعية قتل الجاسوس، ولو كان مسلمًا، وهو قول مالك، ومن وافقه، ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم أقرّ عمر على إرادة القتل لولا المانع، وبَيَّن المانع، وهو كون حاطب شهد بدرًا، وهذا مُنتفٍ في غير حاطب، فلو كان الإسلام مانعًا من قَتْله لَمَا عَلَّل بأخصّ منه، قاله في "الفتح".

وقال في "العمدة": فيه هَتْك سرّ الجاسوس رجلًا كان، أو امرأةً؛ إذا كانت في ذلك مصلحة، أو كان في الستر مفسدة، وقال الداوديّ: الجاسوس يُقتل، وإنما نفى القتل عن حاطب لِمَا عَلِم النبيّ صلى الله عليه وسلم منه، ولكن مذهب الشافعيّ وطائفة أن الجاسوس المسلم يعزّر، ولا يجوز قتله، وإن كان ذا هيئة عُفي عنه؛ لهذا الحديث، وعن أبي حنيفة، والأوزاعيّ: يوجَع عقوبةً، ويطال حبسه، وقال ابن وهب من المالكية: يُقتل إلا أن يتوب، وعن بعضهم: أنه يُقتل إذا كانت عادته ذلك، وبه قال ابن الماجشون، وقال ابن القاسم: يُضرب عنقه؛ لأنه لا تُعرف توبته، وبه قال سحنون، ومن قال بقتله، فقد خالف الحديث، وأقوال المتقدمين، وقال الأوزاعيّ: فإن كان كافرًا يكون ناقضًا للعهد، وقال أصبغ: الجاسوس الحربي يُقتل، والمسلم، والذمي يعاقبان، إلا أن يُظاهِرا على الإسلام، فيُقتلان. انتهى.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 55 - 56.

ص: 612

9 -

(ومنها): أن فيه كما قال الطبريّ: إذا ظهر للإمام رجل من أهل الستر أنه قد كاتب عدوًّا من المشركين، يُنذره مما أسرّه المسلمون فيهم من عَزْم، ولم يكن معروفًا بالغش للإسلام وأهله، وكان ذلك مِن فِعله هفوةً وزلةً من غير أن يكون لها أخوات يجوز العفو عنه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحاطب، مِنْ عَفْوه عن جُرمه بعدما اطّلع عليه مِن فِعله.

10 -

(ومنها): هتك ستر المريب، وكشف المرأة العاصية.

11 -

(ومنها): أن الجاسوس لا يخرجه تجسسه من الإيمان.

12 -

(ومنها): أن فيه الحجةَ لترك إنفاذ الوعيد من الله تعالى لمن شاء ذلك؛ لقوله: "لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".

13 -

(ومنها): جواز غفران ما تأخر من الذنوب قبل وقوعه.

14 -

(ومنها): جواز تجريد العورة عن السترة عند الحاجة، قاله ابن العربيّ.

15 -

(ومنها): أن فيه دلالةً على أن حُكْم المتأوِّل في استباحة المحظور خلاف حُكم المتعمِّد لاستحلاله من غير تأويل، قاله ابن الجوزيّ.

16 -

(ومنها): أن من أتى محظورًا، وادَّعَى في ذلك ما يَحتمل التأويل كان القول قوله في ذلك، وإن كان غالب الظن خلافه.

17 -

(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله، وهو وإن كان سَبَق، إلا أنه ملخّص في موضع واحد، فيكون كالْفَذْلكة لِمَا سبق، فلذا أحببت إيراده، قال رحمه الله: وفي حديث حاطب هذا أبواب من الفقه، وأدلَّة على صحة نبوء نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى فضائل أهل بدر، وحاطب بن أبي بلتعة، فمن جملة ما فيه من الفقه: أن ارتكاب الكبيرة لا يكون كفرًا، وأن المتأوِّل أعذر من العامد، وقبول عذر الصادق، وجواز الاطلاع من عورة المرأة على ما تدعو إليه الضرورة، ففي بعض رواياته: أنهم فتشوا من المرأة كل شيء حتى قُبُلها. وفيه ما يدلُّ على أن الجاسوس حُكمه بحَسَب ما يجتهد فيه الإمام على ما يقوله مالك، وقال الأوزاعيّ: يعاقَب، وينفى إلى غير أرضه، وقال أصحاب الرأي: يعاقَب، ويُسجن، وقال الشافعيّ: إن كان من ذوي الهيئات كحاطب عُفي عنه، وإلا عُزِّر.

قال: وجميع أهل بدر ثلاثمئة وسبعة عشر رجلًا باتفاق أئمة السِّيَر

ص: 613

والتواريخ، واختُلف في طائفة نحو الخمسة، هل شهدوها، أم لا؟ وتفصيل ذلك في كتب السِّير. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله

(1)

، والله تعالى أعلم.

وقد جمع الفوائد، وساقها في "الفتح" في "كتاب الاستئذان"، أحببت إيرادها؛ لغزارة فوائده أيضًا، قال رحمه الله:

وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: أن المؤمن، ولو بلغ بالصلاح أن يُقطع له بالجنة لا يُعْصَم من الوقوع في الذنب؛ لأن حاطبًا دخل فيمن أوجب الله لهم الجنة، ووقع منه ما وقع.

وفيه: تعقُّب على من تأوّل أن المراد بقوله: "اعملوا ما شئتم" أنهم حُفِظوا من الوقوع في شيء من الذنوب.

وفيه: الردّ على من كفّر المسلم بارتكاب الذنب، وعلى من جزم بتخليده في النار، وعلى من قَطَع بأنه لا بدّ، وأن يعذَّب.

وفيه: أن من وقع منه الخطأ لا ينبغي له أن يجحده، بل يعترف، ويعتذر؛ لئلا يَجمع بين ذنبين.

وفيه: جواز التشديد في استخلاص الحقّ، والتهديد بما لا يفعله المهدِّد تخويفًا لمن يُستخرج منه الحق.

وفيه: هَتْك ستر الجاسوس، وقد استَدَلَّ به من يرى قَتْله من المالكية؛ لاستئذان عمر في قَتْله، ولم يردّه النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلا لكونه من أهل بدر، ومنهم من قيَّده بأن يتكرر ذلك منه، والمعروف عن مالك: يجتهد فيه الإمام، وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه، وقال الشافعية، والأكثر: يعزَّر، وإن كان من أهل الهيئات يُعْفَى عنه، وكذا قال الأوزاعيّ، وأبو حنيفة: يوجع عقوبةً، ويطال حبسه.

وفيه: العفو عن زلة ذوي الهيئة، وأجاب الطبريّ عن قصة حاطب، واحتجاج من احتج بأنه إنما صفح عنه لِمَا أطلعه الله عليه من صِدْقه في اعتذاره، فلا يكون غيره كذلك.

قال القرطبيّ: وهو ظنّ خطأ؛ لأن أحكام الله في عباده إنما تجري على

(1)

"المفهم" 6/ 443.

ص: 614

ما ظهر منهم، وقد أخبر الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم عن المنافقين الذين كانوا بحضرته، ولم يُبِح له قتلهم مع ذلك؛ لإظهارهم الإسلام، وكذلك الحكم في كل من أظهر الإسلام تجري عليه أحكام الإسلام.

وفيه: من أعلام النبوة: إطلاع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على قصة حاطب مع المرأة، كما تقدم بيانه من الروايات في ذلك.

وفيه: إشارة الكبير على الإمام بما يظهر له من الرأي العائد نَفْعه على المسلمين، ويتخير الإمام في ذلك.

وفيه: جواز العفو عن العاصي.

وفيه: أن العاصي لا حرمة له، وقد أجمعوا على أن الأجنبية يحرم النظر إليها مؤمنة كانت أو كافرة، ولولا أنها لعصيانها سقطت حُرْمتها ما هددها عليّ بتجريدها، قاله ابن بطال.

وفيه: جواز غفران جميع الذنوب الجائزة الوقوع عمن شاء الله، خلافًا لمن أبي ذلك، من أهل البدع.

وقد استُشكلت إقامة الحدّ على مِسطح بقذف عائشة رضي الله عنها كما تقدم، مع أنه من أهل بدر، فلم يسامَح بما ارتكبه من الكبيرة، وسومح حاطب، وعُلِّل بكونه من أهل بدر.

ويجاب بأن محل العفو عن البدريّ في الأمور التي لا حدّ فيها.

وفيه: جواز غفران ما تأخر من الذنوب، ويدل على ذلك الدعاء به في عدّة أخبار.

وفيه: تأدّب عمر رضي الله عنه، وأنه لا ينبغي إقامة الحدّ، والتأديب بحضرة الإمام إلا بعد استئذانه.

وفيه: منقبة لعمر ولأهل بدر رضي الله عنهم كلهم.

وفيه: البكاء عند السرور، فقد بكى عمر رضي الله عنه في هذه القصّة، ويَحْتَمِل أن يكون عمر رضي الله عنه بكى حينئذ لِمَا لَحِقه من الخشوع والندم على ما قاله في حقّ حاطب. انتهى ما في "الفتح"

(1)

، وقد أجاد، وأفاد، والله تعالى أعلم.

(1)

"الفتح" 16/ 208 - 210، كتاب "الاستئذان" رقم (6939).

ص: 615

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6382]

(. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ (ح) وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ- كُلُّهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، فَقَالَ:"انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ"، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ).

رجال هذا الإسناد: عشرة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غَزْوان -بفتح المعجمة، وسكون الزاي- الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمِي بالتشيع [9](ت 195)(ع) تقدم في "الإيمان" 63/ 358.

2 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [8](ت 192) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.

3 -

(رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ) أبو سعيد، مقبولٌ [10](م) من أفراد المصنّف، تقدم في "الجمعة" 13/ 1999.

4 -

(خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 182) وكان مولده سنة عشر ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 78/ 407.

5 -

(حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السُّلَميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير حِفظه في الآخر [5](ت 136) وله ثلاث وتسعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 43/ 285.

6 -

(سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السُّلَميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [3] مات في ولاية عُمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في "الإيمان" 5/ 120.

7 -

(أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ) عبد الله بن حَبِيب بن رُبَيِّعة -بضمّ الراء، وفتح الموحدة، وتشديد الياء- الكوفيّ المقرئ، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقةٌ ثبتٌ [21] مات بعد السبعين (ع) تقدم في "الرضاع" 3/ 3581.

ص: 616

والباقون ذُكروا قبله.

وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: محمد بن فُضيل، وعبد الله بن إدريس، وخالد بن عبد الله الطحّان، رووا هذا الحديث عن حُصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ، عن عليّ رضي الله عنه.

وقوله: (وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ. . . إلخ) في الرواية السابقة: "المقداد"، بدل أبي مرثد، ولا منافاة، بل بعث الأربعة: عليًّا، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد، قاله النوويّ رحمه الله

(1)

.

وأبو مرْثَد: هو بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح المثلّثة، اسمه كنّاز -بفتح الكاف، وتشديد النون، آخره زاي- ابن الحصين بن يربوع الْغَنَويّ، صحابيّ مشهور بكنيته، ومات سنة اثنتي عشرة من الهجرة، تقدّمت ترجمته في "الجنائز" 31/ 2250.

وقال في "الفتح": قوله: "والزبير وأبا مرثد" تقدم في غزوة الفتح من طريق عبد الله بن أبي رافع عن عليّ ذِكر المقداد بدل أبي مرثد، وجُمِع بأن الثلاثة كانوا مع عليّ، ووقع عند الطبريّ في "تهذيب الآثار" من طريق أعشى ثقيف عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ في هذا الحديث:"ومعي الزبير بن العوّام، ورجل من الأنصار"، وليس المقداد، ولا أبو مرثد من الأنصار، إلا إن كان بالمعنى الأعم، ووقع في "الأسباب" للواحدي: أن عُمر، وعمارًا، وطلحة كانوا معهم، ولم يَذْكر له مستندًا، قال الحافظ: وكأنه من تفسير ابن الكلبي، فإني لم أره في سِيَر الواقديّ، ووجدت ذَكَر فيه عمر من وجه آخر، أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" من طريق الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس، في قصة المرأة المذكورة، فأخبر جبريل النبيّ صلى الله عليه وسلم بخبرها، فبعث في أثرها عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب. انتهى

(2)

.

وقوله: (وَكُلُّنَا فَارِسٌ)؛ أي: راكب، قال الفيّوميّ رحمه الله: الفَارِسُ: الراكب على الحافر فرسًا كان، أو بغلًا، أو حمارًا، قاله ابن السكيت، يقال: مرّ بنا فَارِسٌ على بغل، وفَارِسٌ على حمار، وفي "التهذيب": فَارِسٌ على الدابة بَيِّن الفُرُوسية، قال الشاعر [من الطويل]:

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 57.

(2)

"الفتح" 16/ 201 - 202.

ص: 617

وإني امْرُؤٌ لِلْخَيْلِ عِنْدِي مَزِيَّةٌ

عَلى فَارِسِ البِرْذَوْنِ أَو فَارِس البَغْل

وقال أبو زيد: لا أقول لصاحب البغل والحمار: فَارِسٌ، ولكن أقول: بغّال، وحمّار، وجمع الفَارِسِ: فُرْسَانٌ، وفَوَارِسُ، وهو شاذّ؛ لأن فواعل إنما هو جمع فاعلة، مثل ضَارِبَةٍ وضَوَارِبَ، وصَاحِبَة وصَوَاحِبَ، أو جمع فاعل، صفة لمؤنث، مثل حائِض وحَوَائِضَ، أو كان جَمْع ما لا يعقل، نحو جَمَل بَازِلٍ وبَوَازِلَ، وحائط وحَوَائِطَ، وأما مذكَّر من يعقل، فقالوا: لم يأتِ فيه فَوَاعلُ إلّا فَوَارِسُ، وَنَواكِسُ، جَمْع ناكس الرأس، وهوالك، ونواكص، وسوابق، وخوالف جَمْع خالف وخالفة، وهو القاعد المتخلف، وقوم ناجعة ونواجع، وعن ابن القطان: ويُجمع الصاحب على صواحب. انتهى

(1)

.

وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير أبي عبد الرحمن السُّلميّ.

[تنبيه]: رواية أبي عبد الرحمن السُّلميّ عن عليّ رضي الله عنه هذه ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:

(3762)

- حدّثني إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن إدريس، قال: سمعت حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا مرثد الغَنَويّ، والزبير بن العوّام، وكلنا فارس، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: الكتابَ، فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها، فالتمسنا، فلم نر كتابًا، فقلنا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتُخرِجَنّ الكتاب، أو لنجرّدنك، فلما رأت الجدّ أهوت إلى حُجزتها، وهي محتجزة بكساء، فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله، قد خان الله، ورسوله، والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"ما حَمَلك على ما صنعت؟ " قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، أردت أن يكون لي عند القوم يدٌ يدفع الله

(1)

"المصباح المنير" 2/ 467.

ص: 618

بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"صدق، ولا تقولوا له إلا خيرًا"، فقال عمر: إنه قد خان الله، ورسوله، والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال:"أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله اطَّلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم"، فدَمَعَت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم. انتهى.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6383]

(2495) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَالْحُدَيْبِيَةَ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.

2 -

(مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 242)(م ق) تقدم في "الإيمان" 16/ 168.

3 -

(اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور المصريّ، تقدّم قبل باب.

4 -

(أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، إلا أنه يُدَلِّس [4](126)(ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 119.

5 -

(جَابِرُ) بن عبد الله رضي الله عنهما، تقدّم قريبًا.

[تنبيه]: من لطائف الإسناد:

أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله وهو (491)، وفيه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما من المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا.

شرح الحديث:

(عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه (أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِب) بن أبي بَلْتَعة رضي الله عنهما، قال صاحب

"التنبيه": هو سعد، قاله ابن بشكوال، وكذا قاله ابن سيّد الناس في "حاشيته

ص: 619

على الاستيعاب". انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: نصّ ابن بشكوال في "غوامض الأسماء": العبد المذكور في الحديث اسمه سعد، ثم أخرج بسنده عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعد مولى حاطب، قال: قلت: يا رسول الله حاطب من أهل النار، قال:"لن يلج النار أحدٌ شهد بدرًا، والرضوان". انتهى

(2)

.

(جَاءَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَشْكُو حَاطِبًا)؛ أي: يشكو سوء معاملته له، فقد زاد في رواية أبي نعيم في "الحلية":"وكان حاطب شديدًا على الرقيق"

(3)

. (فَقَالَ) ذلك العبد في جملة شكواه: (يَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ)؛ أي: بسبب معاملته له، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) ردًّا على العبد في دعواه دخول حاطب النار:("كَذَبْتَ) فيما قلته، فإنه (لَا يَدْخُلُهَا)؛ أي: النار، ثم علّل عدم دخوله النار بقوله:(فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن حاطبًا (شَهِدَ بَدْرًا)؛ أي: غزوة بدر (وَ) شَهِد أيضًا (الْحُدَيْبِيَةَ")؛ أي: غَزْوَتها؛ أي: ومن شهدهما لا يدخل النار، وقد جاء مصرّحًا به، فقد روى جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة"، رواه الترمذيّ، وقال: حسنٌ صحيح، وصححه ابن حبّان

(4)

، ورواه مسلم من حديث جابر عن أمّ مبشّر في الباب التالي.

وأخرج أحمد عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن لا يدخل النار -إن شاء الله- أحد شهد بدرًا، والحديبية"، قالت: فقلت: أليس الله يقول: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71]؟ قالت: فسمعته يقول: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)} [مريم: 72]. انتهى

(5)

، والله تعالى اعلم.

(1)

"تنبيه المعلم" ص 419.

(2)

"غوامض الأسماء المبهمة" 1/ 250.

(3)

"حلية الأولياء" 3/ 73.

(4)

"جامع الترمذيّ" 5/ 695، و"صحيح ابن حبان" 11/ 127.

(5)

"مسند الإمام أحمد بن حنبل" 6/ 285.

ص: 620

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

[تنبيه]: إن قيل: كيف أخرج مسلم حديث جابر رضي الله عنه هذا من طريق أبي الزبير بالعنعنة، وهو مدلّس؟.

[قلت]: لا تضرّ عنعنته هنا؛ لأنه من رواية الليث عنه، وهو لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر رضي الله عنه، وقد تقدّم بيان ذلك غير مرّة، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [36/ 6383](2495)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3864)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 80 و 314)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 325 و 349 و 350 و 6/ 362 و 420)، و (الحاكم) في "المستدرك"(3/ 340)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(4799 و 7120)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(12/ 155)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(3064)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضيلة أهل بدر، والحديبية، وأنهم مقطوع لهم بالجنّة بنصّ هذا الحديث وغيره.

2 -

(ومنها): بيان فضيلة الصحابيّ الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه؛ لكونه من أهل بدر، والحديبية.

3 -

(ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله: فيه أن لفظة الكذب هي الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمدًا كان أو سهوًا، سواء كان الإخبار عن ماضٍ، أو مستقبلٍ، وخصّته المعتزلة بالعمد، وهذا يردّ عليهم، وسبقت المسألة في "كتاب الإيمان"، وقال بعض أهل اللغة: لا يُستعمل الكذب إلا في الإخبار عن الماضي، بخلاف ما هو مستقبلٌ، وهذا الحديث يردّ عليه

(1)

. انتهى، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 57.

ص: 621

(37) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ رضي الله عنهم

-)

قال القرطبيّ رحمه الله: هذه الشجرة هي شجرة بيعة الرضوان التي قال الله تعالى فيها: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، وكانت بالحديبية التي تقدم ذِكرها، والمبايعون تحتها: كانوا ألفًا وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، كانوا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، أو على ألا يفرُّوا، على خلاف بين الرواة، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة، وكفى الله المؤمنين القتال، وأحرز لهم الثواب، وأثابهم فتحًا قريبًا، ورضوانًا عظيمًا. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم ذكر بيعة الرضوان في "باب صُلح الحديبية" من "كتاب الجهاد" برقم [32/ 4629](1786) فراجعه تستفد علْمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6384]

(2496) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا"، قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} الآية [مريم: 71]، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ قَالَ اللهُ عز وجل: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)} [مريم: 72] ").

رجال هذا الإسناد: ستّة:

1 -

(هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان البغداديّ، أبو موسى الحمال البزاز، ثقةٌ [10](ت 243) وقد ناهز الثمانين (م 4) تقدم في "الإيمان" 64/ 361.

(1)

"المفهم" 6/ 443 - 444.

ص: 622

2 -

(حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، أبو محمد ترمذيّ الأصلِ، نزل بغداد، ثم المصيصة، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه اختَلَط في آخر عمره لَمَّا قَدِم بغداد قبل موته [9](ت 206)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 94.

3 -

(ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، تقدّم قريبًا.

4 -

(أُمُّ مُبَشِّرٍ) الأنصارية امرأة زيد بن حارثة، يقال: اسمها جُهينة

(1)

بنت صيفيّ بن صخر، صحابية مشهورة (م س ق) تقدّمت في "البيوع" 24/ 3962.

والباقيان ذُكرا في السند الماضي.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والقول، والسماع، وقد صرّح كل من ابن جريج، وأبي الزبير بالسماع والإخبار، فزالت تهمة التدليس عنهما، وفيه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما تقدّم القول فيه قبله.

شرح الحديث:

(عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم، (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنهما (يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ) رضي الله عنها (أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ) بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنها ("لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، (يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللهُ) قال النوويّ رحمه الله: قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعًا، كما صَرَّح به في حديثِ حاطب رضي الله عنه المذكور قبله، وإنما قال:"إن شاء الله" للتبرّك، لا للشكّ. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: استثناؤه صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: "إن شاء الله" استثناء في

واجب قد أعلمه الله تعالى بحصوله بقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ}

(1)

كذا في بعض نُسخ "التقريب"، و"تت"، وفي نسخة أبي الأشبال من "التقريب":"جهيمة"، وفي "الإصابة" 4/ 267: حُميمة -بالحاء والتصغير- بنت صيفيّ بن صخر.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 58.

ص: 623

[الفتح: 18]، وبغير ذلك، وصار هذا الاستثناء؛ كقوله تعالى:{لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27]. انتهى

(1)

.

وقوله: (مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ) بيان مقدّم لقوله: (أَحَدٌ) فهو متعلّق بحال مقدّر على قاعدة: نعتُ النكرة إذا قُدّم عليها أُعرب حالًا، كما في قول الشاعر:

لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ

يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ

(الَّذِينَ بَايَعُوا) النبيّ صلى الله عليه وسلم (تَحْتَهَا) قد تقدّمت قصّة البيعة في "كتاب الجهاد" برقم [32/ 4629](1786) فراجعها تستفد. (قَالَتْ) حفصة رضي الله عنها: (بَلَى)؛ أي: لا بدّ من أن يدخلوها؛ للآية الآتية، (يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْتَهَرَهَا)؛ أي: زجرها النبيّ صلى الله عليه وسلم، (فَقَالَتْ حَفْصَةُ) مُحتَجّة لقولها:"بلى"، قال الله تعالى مخبرًا عن ورود الناس جميعًا النار:({وَإِنْ}) نافية؛ أي: ما ({مِنْكُمْ}) خبر مقدّم لقوله: ({إِلَّا وَارِدُهَا})؛ أي: وارد النار، غَرَضُها بذلك أن تحتجّ بعموم الآية على أن أصحاب الشجرة سَيَرِدُون النار مع سائر الناس، فبيّن لها صلى الله عليه وسلم أن عموم أول الآية مخصوص بآخرها.

قال النوويّ: والصحيح أن المراد بالورود في الآية: المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقعُ فيها أهلها، وينجو الآخرون. انتهى

(2)

.

وقال النسفيّ رحمه الله في "تفسيره": {وَإِنْ مِنْكُمْ} أحد {إِلَّا وَارِدُهَا} داخِلُها، والمراد: النار، والورود: الدخول، عند عليّ، وابن عباس رضي الله عنهم، وعليه جمهور أهل السُّنَّة؛ لقوله تعالى:{فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود: 98]، ولقوله تعالى:{لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} [الأنبياء: 99]، ولقوله:{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} ؛ إذ النجاة إنما تكون بعد الدخول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الورود الدخول، لا يبقى بَرّ، ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم، وتقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمن، فإن نورك أطفأ لَهَبي"، وقيل: الورود بمعنى الدخول، لكنه يختص بالكفار؛ لقراءة ابن عباس:{وإِنْ مِنْهُمْ} ، وتُحمل القراءة المشهورة على الالتفات، وعن عبد الله: الورود الحضور؛ لقوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} [القصص: 23]، وقوله: {أُولَئِكَ

(1)

"المفهم" 6/ 443 - 444.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 58.

ص: 624

عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]، وأجيب عنه بأن المراد: عن عذابها. وعن الحسن، وقتادة: الورود: المرور على الصراط؛ لأن الصراط ممدود عليها، فيَسْلَم أهل الجنة، ويتقاذف أهل النار. وعن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مسّ الحمى جسده في الدنيا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الحمّى حظ كل مؤمن من النار"، وقال رجل من الصحابة لآخر: أيقنت بالورود؟ قال: نعم. قال: وأيقنت بالصدر؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك؟ وفيم التثاقل؟، وقوله:{كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} ؛ أي: كان ورودهم واجبًا كائنًا محتومًا، والحتم مصدر حَتَمَ الأمرَ: إذا أوجبه، فسُمّي به الموجَب؛ كقولهم:"ضرب الأمير". انتهى

(1)

.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ قَالَ اللهُ عز وجل) بعد إخباره بعموم ورود الناس النار: ({ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا}) عن الشرك، وهم المؤمنون، {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} فيه دليل على دخول الكل؛ لأنه قال:{وَنَذَرُ} ولم يقل: ونُدخل، والمذهب أن صاحب الكبيرة قد يعاقَب بقَدْر ذنبه، ثم ينجو، لا محالةَ. وقالت المرجئة الخبيثة: لا يعاقَب؛ لأن المعصية لا تضرّ مع الإسلام عندهم. وقالت المعتزلة: يخلد. انتهى

(2)

.

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} ؛ أي: إذا مرَّ الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار، والعصاة ذوي المعاصي، بحَسَبهم، نجّى الله تعالى المؤمنين المتّقين منها بحَسَب أعمالهم، فجوازهم على الصراط، وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة، والنبيّون، والمؤمنون، فيُخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم، وهي مواضع السجود، وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيُخرِجون أوّلًا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، حتى يُخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يُخرِج الله من النار من قال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله، وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت

(1)

"تفسير النسفي" 2/ 280.

(2)

"تفسير النسفي" 2/ 281.

ص: 625

بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال تعالى:{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)} . انتهى

(1)

.

({وَنَذَرُ})؛ أي: نترك ({الظَّالِمِينَ})؛ أي: الكافرين ({فِيهَا})؛ أي: في النار، حال كونهم ({جِثِيًّا})؛ أي: باركين على الرُّكَب، والمراد أنهم يُعذَّبون فيها دائمًا وأبدًا.

وقال القرطبيّ رحمه الله: المتقي: هو الحَذِر من المكروه الذي يتحرز منه بإعداد ما يتقيه به. {وَنَذَرُ} : نترك، والظالم هنا: هو الكافر؛ لأنَّه وضع الإلهية والعبادة في غير موضعهما، و {جِثِيًّا}: جمع جاث، وأصله: الجالس على ركبتيه، والمراد به ها هنا: المكبوب على وجهه، وهو: المكردس المذكور في الحديث، والله تعالى أعلم.

قال: وقول حفصة رضي الله عنها: "بلى" قول أخرجه منها الشهامة النفسية، والقوة العُمَرية، فإنَّها كانت بنت أبيها، وهذا من نحو قول عمر رضي الله عنه للنبيّ صلى الله عليه وسلم في المنافقين: أتصلّي عليهم؟ وتمسُّكها بعموم قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} دليلٌ على أن {مِنْكُمْ} للعموم عندهم، وأن ذلك معروف من لغتهم، وانتهار النبيّ صلى الله عليه وسلم لها تأديب لها وزجر عن بادرة المعارضة، وترك الحرمة، ولمّا حصل الإنكار صرّحت بالاعتذار، فذكرت الآية. وحاصل ما فَهِمتْ منها: أن الورود فيها بمعنى الدخول، وأنها قابلت عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل النار أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة" بعموم قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} ، وكأنها رجَّحت عموم القرآن، فتمسكت به، فأجابها النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن آخر الآية يبيِّن المقصود، فقرأ قوله تعالى:{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)} .

وحاصل الجواب: تسليم أن الورود دخول، لكنه دخول عبور، فينجو من اتقى، ويُترك فيها من ظَلَم، وبيان ذلك: أن جهنم -أعاذنا الله منها- محيطة بأرض المحشر، وحائلة بين الناس وبين الجنة، ولا طريق للجنة إلا الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم، فلا بدَّ لكل من ضمَّه المحشر من

(1)

"تفسير ابن كثير" 3/ 134 - 135.

ص: 626

العبور عليه، فناج مُسَلَّم، ومخدوش مرسل، ومُكَرْدَسٌ في نار جهنم، كما تقدَّم، وهذا قول الحسن، وقتادة، وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة، والنظر المستقيم.

والورود في أصل اللغة: الوصول إلى الماء؛ وإنَّما عبَّر به عن العبور؛ لأنَّ جهنم تتراءى للكفار كأنها سراب، فيحسبونه ماء، فيقال لهم: ألا تَرِدُون؟ كما صحَّ في الأحاديث المتقدمة. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أم مبشّر رضي الله عنها هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [37/ 6384](2496)، و (أحمد) في "مسنده"(6/ 285 و 362)، و (ابن راهويه) في "مسنده"(4/ 196)، و (هنّاد بن السريّ) في "الزهد"(1/ 165)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(12/ 472)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(23/ 208)، و (الطبريّ) في "تفسيره"(16/ 112)، و (ابن المبارك) في "الزهد"(1/ 498)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل أهل أصحاب الشجرة رضي الله عنهم، وهم أهل بيعة الرضوان، حيث شهد لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن لا يدخلوا النار.

2 -

(ومنها): بيان جواز مراجعة العالم على جهة المباحثة، قال النوويّ رحمه الله: وأما قول حفصة رضي الله عنها: "بلى"، وانتهار النبيّ صلى الله عليه وسلم لها، فقالت:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد قال:{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} فيه دليل للمناظرة، والاعتراض، والجواب على وجه الاسترشاد، وهو مقصود حفصة رضي الله عنها؛ لا أنها أرادت ردّ مقالته صلى الله عليه وسلم. انتهى

(2)

.

3 -

(ومنها): التمسك بالعمومات فيما ليس طريقه العمل، بل الاعتقاد، ومقابلة عموم بعموم، والجواب بذكر المخصَّص.

(1)

"المفهم" 6/ 444 - 445.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 58.

ص: 627

4 -

(ومنها): تأديب الطالب عند مجاوزة حدِّ الأدب في المباحثة، والله تعالى أعلم.

(38) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيَّيْنِ رضي الله عنهما

-)

أما أبو موسى: فهو عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار بن حرب بن عامر بن غنم بن بكر بن عامر بن عَذَر بن وائل بن ناجية بن الْجُماهر بن الأشعر الأشعريّ مشهور باسمه وكنيته معًا، وأمه ظبية بنت وهب بن عَكّ أسلمت، وماتت بالمدينة، وكان هو سكن مكّة، وحالف سعيد بن العاص، ثم أسلم، وهاجر إلى الحبشة، وقيل: بل رجع إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى الحبشة، وهذا قول الأكثر، فإن موسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقديّ لم يذكروه في مهاجرة الحبشة، وقدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب، فقدموا جميعًا، واستعمله النبيّ صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن؛ كزَبِيد، وعدن، وأعمالهما، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة، فافتتح الأهواز، ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الْحَكَمين بصِفِّين، ثم اعتزل الفريقين.

وأخرج ابن سعد، والطبريّ من طريق عبد الله بن بريدة، أنه وصف أبا موسى، فقال: كان خفيف الجسم، قصيرًا، أَثَطّ

(1)

.

قال مجاهد عن الشعبيّ: كَتب عمر رضي الله عنه في وصيته: لا يُقَرّ لي عامل أكثر من سنة، وأقرّوا الأشعريّ أربع سنين، وكان حَسَن الصوت بالقرآن، وفي الصحيح المرفوع:"لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود"، وقال أبو عثمان النهديّ: ما سمعت صوت صَنْج، ولا بَرْبَط، ولا ناي أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن، وكان عمر إذا رآه قال: ذَكِّرنا ربنا يا أَبا موسى، وفي رواية: شَوِّقنا إلى ربنا، فيقرأ عنده، وكان أبو موسى هو الذي فقَّه أهل البصرة،

(1)

"الأثطّ": الذي ليس على عارضيه شعرٌ، وقيل: قليل شعر اللحية. قاله في "اللسان" 3/ 565.

ص: 628

وأقرأهم، وقال الشعبيّ: انتهى العلم إلى ستة، فذكره فيهم، وذكره البخاري من طريق الشعبي بلفظ: العلماء، وقال ابن المدينيّ: قضاة الأمة أربعة: عمر، وعليّ، وأبو موسى، وزيد بن ثابت، وأخرج البخاري من طريق أبي التياح عن الحسن، قال: ما أتاها -يعني: البصرة- راكب خير لأهلها منه؛ يعني: من أبي موسى.

وقال أصحاب الفتوح: كان عامل النبيّ صلى الله عليه وسلم على زَبِيد، وعدن، وغيرهما من اليمن، وسواحلها، ولمّا مات النبيّ صلى الله عليه وسلم قَدِم المدينة، وشهد فتوح الشام، ووفاة أبي عبيدة، واستعمله عمر على إمرة البصرة، بعد أن عزل المغيرة، وهو الذي افتتح الأهواز، وأصبهان، وأقرّه عثمان على عمله قليلًا، ثم صرفه، واستعمل عبد الله بن عامر، فسكن الكوفة، وتفقه به أهلها، حتى استعمله عثمان عليهم بعد عزل سعيد بن العاص.

قال البغويّ: بلغني أن أبا موسى مات سنة اثنتين، وقيل: أربع وأربعين، وهو ابن نيف وستين. قال الحافظ: وبالأول جزم ابن نمير، وغيره، وبالثاني أبو نعيم، وغيره.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: عاش ثلاثًا وستين، وقال الهيثم وغيره: مات سنة خمسين، زاد خليفة: ويقال: سنة إحدى، وقال المدائنيّ: سنة ثلاث وخمسين، واختلفوا هل مات بالكوفة، أو بمكة؟ انتهى مختصرًا من "الإصابة"

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: روى أبو موسى رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستمائة وستين حديثًا، أخرجا له في "الصحيحين" ثمانية وستّين حديثًا. انتهى

(2)

.

وأما أبو عامر الأشعريّ، فهو عم أبي موسى الأشعريّ، اسمه عُبيد بن سُليم بن حَضّار، وباقي نسبه مضى في نَسَب أبي موسى، ذكره ابن قتيبة فيمن هاجر إلى الحبشة، فكأنه قَدِم قديمًا، فأسلم، وذكر أنه كان عَمِي، ثم أبصر، وثبت ذِكره في "الصحيحين" في قصة حنين، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه على سرية، كما يأتي في الباب عند مسلم.

(1)

"الإصابة" 4/ 211.

(2)

"المفهم" 6/ 447.

ص: 629

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6385]

(2497) - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَبْشِرْ"، فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابِيُّ: أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ "أَبْشِرْ"، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ، كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى، فَاقْبَلَا أَنْتُمَا"، فَقَالَا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا، وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا"، فَأَخَذَا الْقَدَحَ، فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: أَفْضِلَا لأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا، فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، صدوق [10](خت م) تقدم في "المقدمة" 6/ 51، من أفراد المصنّف، وعلّق عنه البخاريّ.

2 -

(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

3 -

(أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة الكوفيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.

4 -

(بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقة يخطئ قليلًا [6](ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 171.

5 -

(أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [3](ت 104) وقيل غير ذلك، وقد جاز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 171.

6 -

(أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ المشهور، تقدّم أول الباب.

ص: 630

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، وأن صحابيّه من كبار علماء الصحابة رضي الله عنهم.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) الجعرانة بكسر الجيم، وسكون العين المهملة، وتخفيف الراء، وقد تُكْسَر العين، وتُشدّد الراء، وهي بين الطائف ومكة، وإلى مكة أقرب، قاله عياض، وقال الفاكهيّ: بينها وبين مكة بَريد، وقال الباجيّ: ثمانية عشر ميلًا، وقد أنكر الداوديّ الشارح قوله:"إن الجعرانة بين مكة والمدينة"، وقال: إنما هي بين مكة والطائف، وكذا جزم النوويّ بأن الجعرانة بين الطائف ومكة، وهو مقتضى ما تقدم نَقْله عن الفاكهي وغيره، قاله في "الفتح"

(1)

.

وقوله: (وَمَعَهُ بِلَالٌ) جملة حاليّة، (فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ) لم يُعرف اسمه، كما قال الحافظ. (فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي) يَحْتَمِل أن الوعد كان خاصًّا به، ويَحْتَمِل أن يكون عامًّا، وكان طلبه أن يعجّل له نصيبه من الغنيمة، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أمر أن تُجمع غنائم حُنين بالجعرانة، وتَوَجَّه هو بالعساكر إلى الطائف، فلما رجع منها قَسَم الغنائم حينئذ بالجعرانة، فلهذا وقع في كثير ممن كان حديث عهد بالإسلام استبطاءُ الغنيمة، واستنجاز قسمتها

(2)

.

(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَبْشِرْ") بهمزة قطع؛ يعني: أبشر أيها الأعرابيّ بقرب القسمة، أو الثواب الجزيل على الصبر

(3)

. قال القرطبيّ رحمه الله: وقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "أبشر"، ولم يذكر له عين ما بشّره به؛ لأنَّه -والله أعلم- قَصَد تبشيره بالخير على العموم الذي يصلح لخير الدنيا والآخرة، ولمّا جَهِل ذلك

(1)

"الفتح" 9/ 454، كتاب "المغازي" رقم (4328)، و"عمدة القاري" 17/ 306.

(2)

"الفتح" 9/ 454، كتاب "المغازي" رقم (4328).

(3)

"عمدة القاري" 17/ 306.

ص: 631

ردَّه لحرمانه وشقوته، ولمّا عَرَض ذلك على من عَرَف قَدْره بادر إليه وقَبِله، فنال من البشارة الخير الأكبر، والحظَّ الأوفر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. انتهى

(1)

.

(فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابِيُّ: أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ "أَبْشِرْ) قال القاضي عياض رحمه الله: قول الأعرابيّ هذا قول من لم يتمكّن الإيمان من قلبه، ممن كان يستألفه النبيّ صلى الله عليه وسلم من أشراف العرب، يستألف بهم قومهم وأمثالهم، وقد جاء أنه من بني تميم، وهو -والله أعلم- من الذين نادوه من وراء الحجرات وأمثالهم، وقد قال الله تعالى في حقّهم:{أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات: 4]، ولو صدر مثل هذا الكلام من مسلم لكان قوله هذا كفرًا، وردّةً؛ لأن فيه تهمة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، واستخفافًا بصدق قوله ووعده. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ: قول الأعرابيّ هذا قول جِلْف جاهل بحال النبيّ صلى الله عليه وسلم وبقَدْر البشرى التي بشَّره بها النبيّ لو قبلها، لكنها عُرضت عليه فحُرمها، وقُضِيَت لغيره فقَبِلها.

والبشرى: خبر بما يَسُرّ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تُظهر السُّرور في بشرة المبشَّر، وأصله في الخير، وقد يقال في الشرّ توسُّعًا، كما قال الله تعالى:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)} [التوبة: 34]، وفيه ثلاث لغات: أبشر -رباعيًّا- فتقول: أبشرته أُبشره إبشارًا، ومنه:{وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فُصّلت: 30]، وبشَّر -مشددًا- يُبشِّر تبشيرًا، ومنه قوله تعالى:{فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} [الزمر: 17، 18]، والثالثة: بَشَرْتُ الرجل -ثلاثيًّا، مفتوح العين- أَبشُره بالضم بُشرًا بالسكون وبُشُورًا، والاسم: البشارة -بكسر الباء، وضمّها-، والبشرى: تقتضي مُبَشَّرًا به، فإذا ذُكر تعيَّن، وإذا سُكت عنه، صلح أن يراد به العموم. انتهى

(3)

.

(فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ) رضي الله عنهما (كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا)؛ يعني: الأعرابيّ، (قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى، فَاقْبَلَا أَنْتُمَا) تأكيد للفاعل،

(1)

"المفهم" 6/ 447.

(2)

"إكمال المعلم" 7/ 548.

(3)

"المفهم" 6/ 447.

ص: 632

(فَقَالَا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ الله، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ) بفتحتين هو الذي يؤكل فيه، قاله ابن الأثير، قال العينيّ رحمه الله: القدح في استعمال الناس اليوم الذي يُشرب

(1)

(فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ)؛ أي: صبّ ما تناوله من الماء بفيه في الإناء، وقال ابن الاثير: مج لعابه: إذا قذفه، وقيل: لا يكون مَجًّا حتى تباعد به

(2)

. وقال القرطبيّ رحمه الله: كونه صلى الله عليه وسلم غسل وجهه في الماء، وبصق فيه، وأمَره بشُرب ذلك، والتمسح به مبالغة في إيصال الخير والبركة لهما؛ إذ قد ظهرت بركته فيما لَمَسه، أو باشره، أو اتصل به منه شيء، ولمّا تحققت أم سلمة ذلك سألتهما أن يتركا لها فضلة من ذلك؛ ليصيبها من تلك البشرى، ومن تلك البركة حظٌّ

(3)

.

(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم، زاد في رواية البخاري:"لهما"؛ أي: لأبي موسى وبلال رضي الله عنهما: ("اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا) من الإفراغ، (عَلَى وُجُوهِكُمَا، وَنُحُورِكُمَا) بالنون جمع نَحْر، وهو الصدر، (وَأَبْشِرَا")؛ أي: بحصول البركة، والأجر العظيم. (فَأَخَذَا الْقَدَحَ، فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: من الشُّرب والإفراغ، (فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ) زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين، ولهذا قالت:"أفْضِلا لأمكما". (مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ) متعلّق بحال مقدّر، و"الستر" بكسر، فسكون: ما يُستر به، وجمعه سُتُور

(4)

. (أَفْضِلَا) من الإفضال؛ أي: أبقيا (لأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا)؛ أي: من الماء، (فَأَفْضَلَا)؛ أي: أبقيا (لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً)؛ أي: بقية، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [38/ 6385](2497)، و (البخاريّ) في "الوضوء"(196) و"المغازي"(4328)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(558)، و (أبو يعلى)

(1)

"عمدة القاري" 17/ 306.

(2)

"عمدة القاري" 17/ 306.

(3)

"المفهم" 6/ 447.

(4)

"المصباح المنير" 1/ 266.

ص: 633

في "مسنده"(13/ 301)، و (الفاكهيّ) في "أخبار مكة"(5/ 64)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(32/ 40 و 41)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل أبي موسى الأشعريّ، وبلال، وأم سلمة رضي الله عنهم.

2 -

(ومنها): الدلالة على طهارة الماء المستعمل، ومن ادّعى الخصوصيّة لم يُصِب؛ لأنها لا تثبت إلا بنصّ صريح.

3 -

(ومنها): جواز مَجّ الريق في الماء، قاله الكرمانيّ، قال في "العمدة": هذا في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن لعابه أطيب من المسك، ومن غيره يُستقذر، ولهذا كرهه العلماء، والنبيّ صلى الله عليه وسلم مقامه أعظم، وكانوا يتدافعون على نُخامته، ويدلكون بها وجوههم لبركتها، وطيبها، وخُلُوفُهُ ما كان يشابه خُلوف غيره، وذلك لمناجاته الملائكة، فطيَّب الله نكهته، وخلوف فمه، وجميع رائحته.

4 -

(ومنها): جواز الاستشفاء بآثار النبيّ صلى الله عليه وسلم وبكلماته، ودعواته.

5 -

(ومنها): جواز النشرة بالماء الذي يُرقى بأسماء الله تعالى، وبكلامه، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذِكر الخلاف في النشرة في "كتاب الطبّ".

6 -

(ومنها): ما قاله ابن بطال: فيه دليل على أن لعاب البشر ليس بنجس، ولا بقية شربه، وذلك يدلّ على أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الطعام والشراب ليس على سبيل أن ما تطاير فيه من اللعاب نجس، وإنما هو خشية أن يتقذره الآكل منه، فأمر بالتأدب في ذلك.

وقال أيضًا: وحديث أبي موسى يَحْتَمِل أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالشرب من الذي مَجّ فيه، والإفراغ على الوجوه والنحور من أجل مرض، أو شيء أصابهما، قال الكرمانيّ: لم يكن ذلك من أجل ما ذكره، بل كان لمجرد التيمّن. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

(1)

"عمدة القاري" 3/ 75.

ص: 634

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6386]

(2498) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ -وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْدٌ، وَهَزَمَ اللهُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَني مَعَ أَبِي عَامِرٍ، قَالَ: فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ بِسَهْمٍ، فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِي تَرَاهُ ذَلِكَ الَّذِي رَمَانِي، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَقَصَدْتُ لَهُ، فَاعْتَمَدْتُهُ، فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا، فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحْيِي؟ أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟ أَلَا تَثْبُتُ؟ فَكَفَّ، فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ، فَاخْتَلَفْنَا أَنَا وَهُوَ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، وَمَكَثَ يَسِيرًا، ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ، وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ، وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا، وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: قُلْ لَهُ: يَسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ"، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ، أَو مِنَ النَّاسِ"، فَقُلْتُ: وَلِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا"، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحْدَاهُمَا لأَبِي عَامِرٍ، وَالأُخْرَى لأَبِي مُوسَى).

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، فلا حاجة إلى شرحه.

ص: 635

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) تقدّم أن الأصحّ أن اسمه كنيته، وقيل: عامر، وقيل: الحارث. (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريّ عبد الله بن قيس رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ حُنَيْنٍ)؛ أي: من غزوة حُنين، وهو مُصَغّرٌ: وادٍ بين مكة والطائف، وهو مذكّر منصرف، وقد يؤنث على معنى البقعة

(1)

.

وقصة حنين: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثم خرج منها لقتال هوازن وثقيف، وقد بقيت أيام من رمضان، فسار إلى حُنين، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون، ثم أمدّهم الله بنصره، فعطفوا، وقاتلوا المشركين، فهزموهم، وغَنِموا أموالهم، وعيالهم، ثم صار المشركون إلى أوطاس، فمنهم من سار على نخلة اليمانية، ومنهم من سلك الثنايا، وتَبِعَت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك نخلة، ويقال: إنه صلى الله عليه وسلم أقام عليها يومًا وليلةً، ثم صار إلى أوطاس، فاقتتلوا، وانهزم المشركون إلى الطائف، وغَنِم المسلمون منها أيضًا أموالهم وعيالهم، ثم صار إلى الطائف، فقاتلهم بقية شوال، فلما أهلّ ذو القعدة ترك القتال؛ لأنه شهر حرام، ورحل راجعًا، فنزل الجعرانة، وقسم بها غنائم أوطاس، وحُنينٍ، ويقال: كانت ستة آلاف سبي، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب الجهاد" في "بابٌ في غزوة حُنين" برقم [28/ 4603](1775) فراجعه تستفد علْمًاَ جَمًّا، وبالله تعالى التوفيق.

(بَعَثَ) بالبناء للفاعل؛ أي: بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم (أَبَا عَامِرٍ) هو عُبيد بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ، وهو عمّ أبي موسى، وقال ابن إسحاق: هو ابن عمه، والأول أشهر، قاله في "الفتح"

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: بعثُ أبي عامر إنما كان لتتبّع مُنهزِمة هوازن بحُنين، ويُسمَّى خيله: خيل الطلب، وكان أبو عامر هذا من كبار الصحابة رضي الله عنهم، عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواءً يوم ولّاه على هذا الجيش، وختم الله تعالى له بالشهادة،

(1)

"المصباح المنير" 1/ 154.

(2)

"الفتح" 9/ 447، كتاب "المغازي" رقم (4323).

ص: 636

وبدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمغفرة. انتهى

(1)

.

(عَلَى جَيْشٍ)؛ أي: أميرًا على جيش، وذلك أن هوازن بعد الهزيمة اجتمع بعضهم في أوطاس، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم استئصالهم، فبعثه إليهم

(2)

.

وقوله: (إِلَى أَوْطَاسٍ) بفتح الهمزة، قال القاضي عياض رحمه الله: هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين. انتهى، قال الحافظ رحمه الله: وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السِّيَر، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضّح ذلك ما ذَكَر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لمّا انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بَجِيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم عسكرًا، مقدّمهم أبو عامر الأشعريّ إلى من مضى إلى أوطاس، كما يدلّ عليه حديث الباب، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف، وقال أبو عبيدة البكريّ: أوطاس وادٍ في ديار هوازن، وهناك عسكروا هم وثقيف، ثم التقوا بحنين. انتهى

(3)

.

(فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ)"دُريد" بضم الدال، مصغَّر الدرد بالمهملتين، والراء، و"الصمة" -بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم- ابن بكر بن علقمة، ويقال: ابن الحارث بن علقمة الْجُشَميّ -بضم الجيم، وفتح الشين المعجمة- من بني جُشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، والصمّة لقب لأبيه، واسمه الحارث، ودريد شاعر مشهور

(4)

.

(فَقُتِلَ دُرَيْدٌ) قال الحافظ: رَوَيناه على البناء للمجهول، واختُلِف في قاتله، فجزم محمد بن إسحاق بأنه ربيعة بن رُفيع -بفاء مصغرًا- ابن وهبان بن ثعلبة بن ربيعة السَّلميّ، وكان يقال له: ابن الذّعِنَة -بمعجمة، ثم مهملة، ويقال: بمهملة، ثم معجمة- وهي أمه، وقال ابن هشام: يقال: اسمه عبد الله بن قبيع بن أهبان، وساق بقية نَسَبه، ويقال له أيضًا: ابن الدغنة، وليس هو ابن الدغنة المذكور في قصة أبي بكر في الهجرة.

(1)

"المفهم" 6/ 33448.

(2)

"عمدة القاري" 17/ 302.

(3)

"الفتح" 9/ 447، كتاب "المغازي" رقم (4323).

(4)

"عمدة القاري" 17/ 302.

ص: 637

وروى البزار في مسند أنس بإسناد حسن ما يُشعر بأن قاتل دُريد بن الصمة هو الزبير بن العوّام، ولفظه:"لمّا انهزم المشركون انحاز دُريد بن الصمة في ستمائة نفس على أكمة، فرأوا كتيبة، فقال: خلّوهم لي، فخلّوهم، فقال: هذه قُضاعة، ولا بأس عليكم، ثم رأوا كتيبة مثل ذلك، فقال: هذه سُليم، ثم رأوا فارسًا وحده، فقال: خلّوه لي، فقالوا: معتجر بعمامة سوداء، فقال: هذا الزبير بن العوّام، وهو قاتِلكم، ومُخرجكم من مكانكم هذا، قال: فالتفت الزبير، فرآهم، فقال: علام هؤلاء ها هنا؟ فمضى إليهم، وتبعه جماعة، فقتلوا منهم ثلاثمائة، فحَزَّ رأس دريد بن الصمة، فجعله بين يديه".

ويَحْتَمِل أن يكون ابن الدغنة كان في جماعة الزبير، فباشر قَتْله، فنُسب إلى الزبير مجازًا، وكان دُريد من الشعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية، ويقال: إنه كان لَمّا قُتل ابن عشرين، ويقال: ابن ستين ومائة سنة

(1)

.

(وَهَزَمَ اللهُ أَصْحَابَهُ)؛ أي: كَسَر أصحاب دُريد، يقال: هَزَمتُ الجيش هَزْمًا، من باب ضَرَبَ: كسرتُهُ، والاسم: الهزيمة

(2)

.

(فَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ رضي الله عنه: (وَبَعَثَنِي)؛ أي: النبيّ صلى الله عليه وسلم (مَعَ أَبِي عَامِرٍ)؛ أي: إلى من التجأ من جيش المشركين إلى أوطاس، وقال ابن إسحاق: بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأشعري في آثار مَن توجه إلى أوطاس، فأدرك بعضَ من انهزم، فناوشوه القتال. (قَالَ: فَرُمِيَ) بالبناء للمفعول، (أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ) بضمّ الجيم، وفتح الشين المعجمة، كصُرَدٍ قال المجد رحمه الله: أحياء من مضر، ومن تَغْلِب، وفي ثقيف. انتهى

(3)

.

قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا كونه من ثقيف، والله تعالى أعلم.

وقال في "الفتح": قوله: "رماه جُشَمي" بضم الجيم، وفتح المعجمة؛ أي: رجل من بني جُشَم، واختُلِف في اسم هذا الجشميّ، فقال ابن إسحاق: زعموا أن سلمة بن دريد بن الصِّمّة هو الذي رمى أبا عامر بسهم، فأصاب ركبته، فقتله، وأخذ الراية أبو موسى الأشعريّ، فقاتَلهم، ففتح الله عليه.

(1)

"الفتح" 9/ 447، كتاب "المغازي" رقم (4323).

(2)

"المصباح المنير" 2/ 638.

(3)

"القاموس المحيط" ص 218.

ص: 638

وقال ابن هشام: حدّثني من أثق به أن الذي رمى أبا عامر أخوان من بني جُشَم، وهما أوفي، والعلاء، "ابنا الحارث، وفي نسخة: "وافي" بدل "أوفى"، فأصاب أحدهما ركبته، وقتلهما أبو موسى الأشعريّ.

وعند ابن عائذ، والطبرانيّ في "الأوسط" من وجه آخر عن أبي موسى الأشعريّ بإسناد حسن:"لمّا هزم الله المشركين يوم حنين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل الطلب أبا عامر الأشعريّ، وأنا معه، فقَتَل ابن دُريد أبا عامر، فعدلت إليه، فقتلته، وأخذت اللواء. . ." الحديث.

فهذا يؤيد ما ذكره ابن إسحاق، وذَكَر ابن إسحاق في "المغازي" أيضًا أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة من المشركين إخوة، فقتلهم واحدًا بعد واحد، حتى كان العاشر، فحَمَل عليه، وهو يدعوه إلى الإسلام، وهو يقول: اللَّهُمَّ اشهد عليه، فقال الرجل: اللَّهُمَّ لا تشهد عليّ، فكفّ عنه أبو عامر ظنّا منه أنه أسلم، فقتله العاشر، ثم أسلم بعدُ، فحَسُن إسلامه، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يسمّيه شهيد أبي عامر، وهذا يخالف الحديث الصحيح في أن أبا موسى قَتَل قاتل أبي عامر، وما في "الصحيح" أَولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن إسحاق شارك في قَتْله، قاله في "الفتح"

(1)

.

(بِسَهْمٍ) متعلّق بـ "رماه"، (فَأَثْبَتَهُ)؛ أي: أثبت السهم (فِي رُكْبَتِهِ)؛ أي: ركبة أبي عامر رضي الله عنه. قال أبو موسى: (فَانْتَهَيْتُ)؛ أي: وصلت (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى أبي عامر، (فَقُلْتُ: يَا عَمِّ) هذا يردّ قول ابن إسحاق المتقدّم أنه ابن عمّه، فتنبّه.

[تنبيه]: قوله: "يا عمّ " تقدّم أن فيه تسع لغات، أشار ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة" إلى خمسة منها، فقال:

وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا

كَـ "عَبْدِ""عَبْدِي""عَبْدَ""عَبَدَا""عَبْدِيَا"

فيجوز في "عَمّ" هنا هذه الأوجه الخمسة، ويزيد الضمّ، وهو أضعفها

(2)

، والله تعالى أعلم.

(مَنْ رَمَاكَ؟)"من" استفهاميّة؛ أي: أي شخص رماك؟ (فَأَشَارَ

(1)

"الفتح" 9/ 448، كتاب "المغازي" رقم (4323).

(2)

راجع: "شرح ابن عقيل"، و "حاشية الخضريّ" عليه 2/ 78.

ص: 639

أَبُو عَامِرٍ) رضي الله عنه (إِلَى أَبِي مُوسَى) رضي الله عنه (فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ) مشيرًا إلى رجل، (قَاتِلِي)، وقوله:(تَرَاهُ) بتقدير همز الاستفهام؛ أي: أتراه؟ وقوله: (ذَلِكَ الَّذِي رَمَانِي) مؤكّد لقوله: "إن ذاك قاتلي".

وقال القرطبيّ رحمه الله: وقول أبي عامر: "إن ذلك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني"؛ كذا الرواية الصحيحة، تراه: بالتاء باثنتين من فوقها، والكلام كله لأبي عامر، وكأن الذي رمى أبا عامر كان قريبًا منهما، فأشار إليه بذلك مرتين تقريبًا له، وأكد ذلك بقوله: تراه، فكأنه قال: الذي تراه، ووقع في بعض النُّسخ ذلك بلام البعد، وفيه بُعد، وقرأه بالفاء، فكأنه من قول الراوي خبرًا عن أبي موسى أنه رأى القاتل، والأول أصح. انتهى

(1)

.

(قَالَ أَبُو مُوسَى) رضي الله عنه: (فَقَصَدْتُ لَهُ)؛ أي: لذلك الرجل، يقال: قَصَدتُ الشيءَ، وله، وإليه، قصدًا، من باب ضَرَبَ: طلبته بعينه، قاله الفيّوميّ

(2)

، وقوله:(فَاعْتَمَدْتُهُ) بمعنى قصدت له، فهو مؤكّد له، (فَلَحِقْتُهُ) بكسر الحاء المهملة، يقال: لحِقته، ولحقت به ألحَقُ، من باب تَعِبَ لَحَاقًا بالفتح: أدركته، والحقته بالألف مثله

(3)

. (فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى)؛ أي: أدبر (عَنِّي ذَاهِبًا) حال مؤكّد لـ "ولّى"، كما في "الخلاصة":

وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا

فِي نَحْوِ "لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدًا"

(فَاتَّبَعْتُهُ) قال في "العمدة": ضُبط بقطع الألف، وصوابه بوصلها، وتشديد التاء؛ لأنَّ معناه: سِرْتُ في أثره، ومعنى أتبعته -بقطع الألف-: لحقته، والمراد هنا: سِرْت في أثره. انتهى

(4)

.

(وَجَعَلْتُ)؛ أي: شرعت، وأخذت (أَقُولُ لَهُ: أَلَا) أداة تحضيض، (تَسْتَحْيِي؟) بياءين، ويجوز بياء واحدة، من استحى يستحي، لغة في استحيا يستحيي. (أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟) إنما قال له ذلك؛ لأنَّ العرب لفرط شجاعتها تعيب الفرار من الأقران أشدَّ عيب، وقوله:(أَلَا تَثْبُتُ؟) تأكيد لِمَا قبله.

(فَكَفَّ)؛ أي: توقّف، أو كفّ نفسه، يتعدّي، ولا يتعدّى. (فَالْتَقَيْتُ أَنَا

(1)

"المفهم" 6/ 448 - 449.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 504.

(3)

"المصباح المنير" 2/ 550.

(4)

"عمدة القاري" 17/ 302.

ص: 640

وَهُوَ، فَاخْتَلَفْنَا أَنَا وَهُوَ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ)؛ أي: انصبّ الماء من موضع السهم، وقال القرطبيّ؛ أي: خرج الماء بسرعة إثر خروج السهم، وأصل النزو: الارتفاع والوثب. انتهى

(1)

.

(فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي) هذا أيضًا يردّ ما تقدّم عن ابن إسحاق أنه ابن عمّه، قال في "الفتح": ويَحْتَمِل إن كان ضَبَطه أن يكون قال له ذلك؛ لكونه كان أسنّ منه. (انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو عَامِرِ عَلَى النَّاسِ، وَمَكَثَ يَسِيرًا، ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ) وفي رواية ابن عائذ: "فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، معي اللواء، قال: "يا أبا موسى قُتل أبو عامر؟ ". (وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ) براء مهملة، ثم ميم ثقيلة؛ أي: معمول بالرِّمَال، وهي حِبَال الحصر التي تُضَفَّر بها الأسرّة.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "فوجدته على حصير مُرْمل. . . إلخ" صحيح الرواية فيه: مُرْمَل بضم الميم الأولى، مُسكَّن الراء، مفتوح الميم الثانية، وهو من أرملت الحصيرَ؛ أي: شققته ونسجته بشريط، أو غيره، قال الشاعر [من الكامل]:

إِذْ لَا يَزالُ عَلَى طَرِيقٍ لَاحِب

وَكَأَنَّ صَفحَتَه حَصِيرٌ مُرْمَلُ

ويقال: رملت الحصير أيضًا -ثلاثيًّا-، ورمال الحصير: هو ما يؤثر منه في جنب المضطجع عليه. انتهى

(2)

.

(وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ) قال ابن التين: أنكره الشيخ أبو الحسن، وقال: الصواب: "ما عليه فراش"، فسقطت"ما". انتهى.

وتعقّبه الحافظ، فقال: وهو إنكار عجيب، فلا يلزم من كونه رَقَد على غير فراش، كما في قصة عمر أن لا يكون على سريره دائمًا فراش. انتهى

(3)

.

وقال القرطبيّ: قوله: "وعليه فراش" كذا صحَّت الرواية بإثبات الفراش، وقال القابسيّ: الذي أعرف: وما عليه فراش.

(1)

"المفهم" 6/ 449.

(2)

"المفهم" 6/ 449.

(3)

"الفتح" 9/ 448 - 449، كتاب "المغازي" رقم (4323).

ص: 641

قال القرطبيّ: واستبعَدَ أن يكون عليه فراش، ويؤثِّر في ظهره؛ وإنَّما يستبعد ذلك إذا كان الفراش كثيفًا، وثيرًا، ولم يكن فراش النبيّ صلى الله عليه وسلم كذلك، فلا يستبعد. انتهى

(1)

.

(وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا، وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: قُلْ لَهُ: يَسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ). قال القرطبيّ رحمه الله: ظاهر هذا الوضوء: أنه كان للدُّعاء؛ إذ لَمْ يذكر أنه صلى الله عليه وسلم صلى في ذلك الوقت بذلك الوضوء، ففيه ما يدلّ على مشروعية الوضوء للدُّعاء، ولذِكر الله، كما تقدَّم من قوله صلى الله عليه وسلم:"إني كرهت أن أذكر الله إلَّا على طهارة". انتهى

(2)

.

(ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ)؛ أي: إلى السماء، (ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ") تصغير عبد تصغير تلطّف، وحنان، وقوله:(أَبِي عَامِرٍ) بدل من "عبيد"، أو عطف بيان. (حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) فيه المبالغة في رفع اليدين عند الدعاء، (ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ)؛ أي: أبا عامر، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ)؛ أي: في المرتبة، وفي رواية ابن عائذ: "في الأكثرين يوم القيامة". (أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (مِنَ النَّاسِ") بدل من "خلقك"، قال أبو موسى:(فَقُلْتُ: وَلِي)؛ أي: متعلّق بـ "استغفر"، (يَا رَسُولَ اللهِ، فَاسْتَغْفِرْ)؛ أي: اطلب من الله تعالى أن يغفر ذنوبي، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا) بضمّ الميم، وفتحها؛ أي: محلًّا (كَرِيمًا")؛ أي: ذات كرامة، وتبجيل.

(قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) الراوي عن أبي موسى، وهو موصول بالإسناد المذكور. (إِحْدَاهُمَا)؛ أي: إحدى الدعوتين (لأَبِي عَامِرٍ، وَالأُخْرَى)؛ أي: الدعوة الأخرى (لأَبِي مُوسَى) المعنى: أن أبا بُردة تيقّن بالدعوتين المذكورتين، لكنه شكّ أيهما لأيّهما؟، وهذا لا يضرّ؛ لأنَّ معناهما متقاربان، والله تعالى أعلم.

(1)

"المفهم" 6/ 449.

(2)

"المفهم" 6/ 50.

ص: 642

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [38/ 6386](2498)، و (البخاريّ) في "الجهاد"(2884) و"المغازي"(4323) و"الدعوات"(6383)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 240)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(13/ 300)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7198)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(1398)، و (ابن عساكر) في "تاريخ دمشق"(32/ 37 و 39)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل أبي عامر، وأبي موسى الأشعريين رضي الله عنهما.

2 -

(ومنها): أن الوالي إذا عَرَض له أمر جاز أن يستنيب غيره، فإنه صلى الله عليه وسلم أقرّ ما فعله أبو عامر رضي الله عنه حيث ولّى على الجيش أبا موسى رضي الله عنه.

3 -

(ومنها): استحباب الطهارة عند إرادة الدعاء.

4 -

(ومنها): استحباب رفع اليدين في الدعاء خلافًا لمن خَصّ ذلك بالاستسقاء، وقد رُوي كراهته عن مالك، ويمكن أن يقال: إنما كره أن يُتَّخذ ذلك سُنَّة راتبة على أصله في هذا الباب.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل لمالك ليس بشيء؛ لأن القول بكراهيته منابذ للسُّنَّة الصحيحة الكثيرة في "الصحيحين"، وفي غيرهما، وإنما يُعتذر عن مالك رحمه الله: أن يقال: إنه لم تبلغه السُّنَّة في ذلك.

وقال النوويّ رحمه الله في شرحه: فيه استحباب الدعاء، واستحباب رفع اليدين فيه، وأن الحديث الذي رواه أنس أنه لَمْ يرفع يديه إلَّا في ثلاثة مواطن محمول على أنه لَمْ يره، وإلا فقد ثبت الرفع في مواطن كثيرة فوق ثلاثين موطنًا. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 60.

ص: 643

(39) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الأَشْعَرِيِّينَ رضي الله عنهم

-)

قال الجامع عفا الله عنه: الأشعريّون بفتح الهمزة: جمع أشعر، وهي قبيلة مشهورة باليمن، قال في "اللباب": والأشعر هو نبت بن أُدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وإنما قيل له: الأشعر؛ لأن أمه ولدته، والشعر على بدنه. انتهى

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6387]

(2499) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ، حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ، وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ، أَوْ قَالَ: الْعَدُوَّ، قَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ").

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم بعينه قبل حديث، فلا حاجة إلى شرحه.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي) بكسر الهمزة، لوقوعها في جملة مقول القول، (لأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الأَشْعَرِيِّينَ) الرُّفقة: الجماعة المترافقون، والراء مثلثة، والأشهر ضمّها، قاله في "الفتح"

(2)

.

وقال الفيّوميّ رحمه الله: الرّفْقَةُ: الجماعة، تُرَافِقُهُمْ في سفرك، فإذا تفرقتم زال اسم الرُّفْقَةُ، وهي بضم الراء في لغة بني تميم، والجمع: رِفَاقٌ، مثل بُرْمة وبِرَام، وبكسرها في لغة قيس، والجمع: رِفَق، مثل سِدْرة وسِدَرٍ،

(1)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 1/ 64.

(2)

"الفتح" 9/ 330، كتاب "المغازي" رقم (4232).

ص: 644

والرَّفِيقُ: الذي يُرَافِقُكَ، قال الخليل: ولا يذهب اسم الرَّفِيقِ بالتفرق. انتهى

(1)

.

وقال المجد رحمه الله: الرُّفْقَةُ مُثَلَّثَةً، وكثُمامةٍ: جَماعةٌ تُرافِقُهُم، جمْعه ككِتابٍ، وأصحابٍ، وصُرَدٍ، والرَّفِيقُ: المُرافِقُ، جَمْعه: رُفَقاءُ، فإذا تَفَرَّقوا: ذَهبَ اسمُ الرُّفْقَةِ، لا اسمُ الرَّفِيقِ: للواحدِ، والجَميعِ، والمَصْدَرُ: الرَّفاقةُ، كالسَّماحَةِ، والرُّفْقَةُ: اسمٌ للجَمْعِ، جَمْعه: كعِنَبٍ، وصُرَدٍ، وحِبالٍ. انتهى

(2)

.

وقوله: (بِالْقُرْآنِ) متعلّق بـ "أصواتهم"، وفيه أن رفع الصوت بالقرآن بالليل مستحسَن، لكن محله إذا لَمْ يؤذ أحدًا، وأَمِن من الرياء. (حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ) قال في "الفتح": بالدال، والخاء المعجمة، لجميع رواة البخاريّ ومسلم، وحَكَى عياض عن بعض رواة مسلم بالراء، والحاء المهملة، وصوّبَها الدمياطيّ في البخاريّ، وهو عجيب منه، فان الرواية بالدال، والمعجمة، والمعنى صحيح، فلا معنى للتغيير، وقد نقل عياض عن بعض الناس اختيار الرواية التي بالراء والمهملة، قال النوويّ: والرواية الأُولى صحيحة، أو أصحّ، والمراد: يدخلون منازلهم إذا خرجوا إلى المسجد، أو إلى شغل ما، ثم رجعوا. انتهى.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل"؛ كذا صحَّت الرواية فيه بالدال المهملة، والخاء المعجمة، من الدخول، وقد رواه بعضهم: يرحلون بالراء، والحاء المهملة، من الرحيل، قال بعض علمائنا: وهو الصواب، يشير إلى أنهم كانوا يلازمون قراءة القرآن في حال رحيلهم، وفي حالة نزولهم، وكأنّ الأشعريين كثيرٌ فيهم قراءةُ القرآن بسبب أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه، فإنَّه كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، فكان يقرأ لهم، فتطيب لهم قراءته، فتعلموا منه القرآن، وأحبُّوه فلازموه، والله تعالى أعلم. انتهى

(3)

.

(وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ) بالفتح: جمع منزل؛ أي: محلّ نزولهم، (مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ)؛ يعني: أنه صلى الله عليه وسلم

(1)

"المصباح المنير" 1/ 234.

(2)

"القاموس المحيط" 1/ 1145.

(3)

"المفهم" 6/ 451.

ص: 645

يعرف محل نزول الأشعريين في الليل برفع أصواتهم في قراءة القرآن، وإن لَمْ يرهم في النهار حين ينزلون تلك المنازل، والله تعالى أعلم.

(وَمِنْهُمْ)؛ أي: من الرفقة الأشعريين، (حَكِيمٌ) قال القاضي عياض: قال أبو عليّ الصَّدَفيّ: هو صفة لرجل منهم، وقال أبو عليّ الجيانيّ: هو اسم عَلَمٌ على رَجُل من الأشعريين، واستدركه على صاحب "الاستيعاب"، قاله في "الفتح".

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "ومنهم حكيم. . . إلخ" حكيم: بمعنى مُحْكِم، ويعني به هنا: أنه مُحْكِم لأمور الفروسية والشجاعة، ولذلك سبق قومه إلى العدو، كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم حين ركب فرس أبي طلحة، واستبرأ خبر العدو، ثم رجع، فلقي أصحابه خارجين، فأخبرهم بأنهم لا رَوْع عليهم، وقد يجوز أن يكون ذلك الحكيم هو أبا موسى، أو أبا عامر، ويكون النبيّ صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل قَتْله، والله تعالى أعلم. انتهى

(1)

.

(إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ، أَوْ) للشكّ من الراوي، (قَالَ) إذا لقي (الْعَدُوَّ، قَالَ لَهُمْ)؛ أي: للعدوّ، وإنما جَمَع الضمير؛ لأنَّ العدوّ يُطلق على الواحد، والجمع، قال الفيّوميّ رحمه الله: العَدُوُّ: خلاف الصَّدِيق الموالي، والجمع: أَعْدَاءٌ، وعِدًى، بالكسر، والقصر، قالوا: ولا نظير له في النعوت؛ لأن باب فِعَل وزانُ عنب مختصّ بالأسماء، ولم يأت منه في الصفات إلا قوم عِدّي، وضمّ العين لغة، ومثله سِوي، وسُوي، وطِوي، وطُوي، وتثبت الهاء مع الضم، فيقال: عُدَاةٌ، ويُجمع الأَعْدَاءُ على الأَعَادِي، وقال في "مختصر العين": يقع العَدُوُّ بلفظ واحد على الواحد المذكّر، والمؤنث، والمجموع، قال أبو زيد: سمعت بعض بني عُقيل يقولون: هنّ وليات الله، وعَدُوَّاتُ الله، وأولياؤه، وأَعْدَاؤُهُ، قال الأزهريّ: إذا أُرِيدَ الصفة قيل: عدوَّةٌ. انتهى

(2)

.

(إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ")؛ أي: تنتظروهم، من الانتظار، قال النوويّ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم"؛ أي: تنتظروهم، ومنه قوله تعالى:{انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13]، قال

(1)

"المفهم" 6/ 451 - 452.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 398.

ص: 646

القاضي: واختَلَف شيوخنا في المراد بحكيم هنا، فقال أبو علي الجيانيّ: هو اسم عَلَمٌ لرجل، وقال أبو عليّ الصدفيّ: هو صفة من الحكمة. انتهى

(1)

.

وقال في "الفتح": معناه: أنه لفَرْط شجاعته كان لا يفرّ من العدوّ، بل يواجههم، ويقول لهم إذا أرادوا الانصراف مثلًا: انتظروا الفرسان حتى يأتوكم؛ ليثبّتهم على القتال، هذا بالنسبة إلى الشق الثاني، وهو قوله:"أو قال العدو"، وأما على الشق الأول، وهو قوله:"إذا لقي الخيل" فَيَحْتَمِل أن يريد بها خيل المسلمين، ويشير بذلك إلى أن أصحابه كانوا رَجّالة

(2)

، فكان هو يأمر الفرسان أن ينتظروهم؛ ليسيروا إلى العدوّ جميعًا، وهذا أشبه بالصواب، قال ابن التين: معنى كلامه: أن أصحابه يحبون القتال في سبيل الله، ولا يبالون بما يصيبهم. انتهى

(3)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه؛ هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [39/ 6387](2499)، و (البخاريّ) في "المغازي"(4232)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(13/ 305)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(32/ 56)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضيلة الأشعريين.

2 -

(ومنها): بيان أن الجهر بالقرآن في الليل فضيلة؛ إذا لَمْ يكن فيه إيذاء لنائم، أو لمصلّ، أو غيرهما، ولا رياء، ولا سمعة.

3 -

(ومنها): بيان فضيلة الرجل، وهو حكيم، من الأشعريين، وفرط شجاعته، والله تعالى أعلم.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 61.

(2)

بفتح الراء، وتشديد الجيم: جمع راجل.

(3)

"الفتح" 9/ 331، كتاب "المغازي" رقم (4232).

ص: 647

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6388]

(2500) - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوَّيةِ، فَهُمْ مِنِّي، وَأنَا مِنْهُمْ").

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل حديثين في الباب الماضي، فلا حاجة إلى شرحه.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رضي الله عنه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ) جمع أشعريّ، بتشديد الياء، نسبة إلى الأشعر قبيلة من اليمن، ويروى: إن الأشعرين، بدون ياء النسبة، وتقول العرب: جاءك الأشعرون بحذف الياء، قاله في "العمدة"

(1)

.

(إِذَا أَرْمَلُوا)؛ أي: إذا فَنِي زادهم، من الإرمال بكسر الهمزة، وهو فَنَاء الزاد، وإعواز الطعام، وأصله من الرَّمْل، كأنهم لَصِقوا بالرمل من القلة، كما في قوله تعالى:{ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16]

(2)

.

وقوله: (فِي الْغَزْوِ)؛ أي: في حال سفرهم في الجهاد في سبيل الله تعالى، (أَو قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ)؛ أي: في حال كونهم في الحضر، (جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ)؛ أي: بالتسوية بينهم، (فَهُمْ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُمْ")؛ أي: متّصلون بي، وكلمة "مِنْ" هذه تسمى اتصالية، نحو:"لا أنا من الدَّدِ، ولا الدَّد مني"، وقال النوويّ: معناه: المبالغة في اتحاد طريقهما، واتفاقهما في طاعة الله تعالى،

(1)

"عمدة القاري" 13/ 44.

(2)

"عمدة القاري" 13/ 44.

ص: 648

وقيل: المراد: فَعَلوا فِعلي في المواساة

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [39/ 6388](2500)، و (البخاريّ) في "الشركة"(24886)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 245)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(13/ 293)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(10/ 132)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(32/ 54)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان منقبة عظيمة للأشعريين، من إيثارهم، ومواساتهم، بشهادة النبيّ صلى الله عليه وسلم لهم بذلك، وأعظم ما شُرِّفوا به كونه صلى الله عليه وسلم أضافهم إليه.

2 -

(ومنها): جواز تحديث الرجل بمناقبه، إذا لَمْ يُخش عليه من الفتنة، كالإعجاب بنفسه.

3 -

(ومنها): جواز هبة المجهول، هكذا قال الحافظ، وتعقّبه العينيّ على مقتضى مذهبه، وفيه نَظَر لا يخفي، فتأمل.

4 -

(ومنها): بيان فضيلة الإيثار، والمواساة.

5 -

(ومنها): استحباب خلط الزاد في السفر، وفي الحضر أيضًا، قيل: وليس المراد بالقسمة هنا: القسمة المعروفة عند الفقهاء، وإنما المراد هنا: إباحة بعضهم بعضًا بموجوده

(2)

.

6 -

(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: هذا الحديث يدل على أن الغالب على الأشعريين الإيثار، والمواساة عند الحاجة، كما دلَّ الحديث المتقدِّم على أن الغالب عليهم القراءة والعبادة، فثبت لهم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّهم علماء عاملون، كرماء مُؤْثِرون، ثم إنه صلى الله عليه وسلم شرَّفهم بإضافتهم إليه، ثم زاد في

(1)

"الفتح" 6/ 311، كتاب "الشركة" رقم (2486).

(2)

راجع: "عمدة القاري" 13/ 44.

ص: 649

التشريف بأن أضاف نفسه إليهم، ويمكن أن يكون معنى:"هم مني": فعلوا فِعلي من القراءة، والعبادة، والكرم، و"أنا منهم"؛ أي: أفعل من ذلك مثل ما يفعلون، كما قال بعض الشعراء [من الطويل]:

وَقُلْتُ أَخِي قالُوا أَخٌ وكرامةٌ

فَقُلتُ لَهُم إنَّ الشُّكُولَ أقارِبُ

نَسِيبيَ في رَأيي وعَزمِي ومَذهَبي

وإن خالفَتنا في الأمُورِ المَناسِبُ

انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(40) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ رضي الله عنه

-)

هو: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّ الأُمويّ، مشهور باسمه وكنيته، وكان يُكنى أيضًا أبا حنظلة، وأمه صفية بنت حَزْن الهلالية، عمة ميمونة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان أسنّ من النبيّ صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وقيل غير ذلك بحسب الاختلاف في سنة موته، وهو والد معاوية رضي الله عنهما.

أسلم عام الفتح، وشَهِد حُنينًا، والطائف، كان من المؤلَّفة، وكان قبل ذلك رأس المشركين يوم أُحد، ويوم الأحزاب، ويقال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم استعمله على نجران، ولا يثبت، قال الواقديّ: أصحابنا يُنكرون ذلك، ويقولون: كان أبو سفيان بمكة وقت وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان عامِلها حينئذ عمرُو بن حزم.

وذكر ابن إسحاق: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم وجّهه إلى مناة، فهدمها، وتزوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ابنته أم حبيبة قبل أن يُسلم، وكانت أسلمت قديمًا، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، فمات هناك.

وروى ابن سعد بإسناد صحيح عن عكرمة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أهدى إلى أبي سفيان بن حرب تمر عَجْوة، وكتب إليه يستهديه أَدَمًا مع عمرو بن أمية، فنزل

(1)

"المفهم" 6/ 452.

ص: 650

عمرو على إحدى امرأتَيْ أبي سفيان، فقامت دونه، وقبل أبو سفيان الهدية، وأهدى إليه أَدَمًا.

وروى ابن سعد من طريق أبي السفر قال: لما رأى أبو سفيان الناس يطئون عقب رسول الله صلى الله عليه وسلم حسده، فقال في نفسه: لو عاودت الجمع لهذا الرجل، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، ثم قال: إذًا يُخزيك الله، فقال: أستغفر الله، وأتوب إليه، والله ما تفوّهت به، ما هو إلا شيء حدّثت به نفسي.

ومن طريق أبي إسحاق السَّبِيعيّ نحوه، وقال: ما أيقنت أنك رسول الله حتى الساعة.

ومن طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قال أبو سفيان في نفسه: ما أدري، يغلبنا محمد، فضرب في ظهره، وقال: بالله يغلبك، فقال: أشهد أنك رسول الله.

وروى الزبير من طريق سعيد بن عبيد الثقفيّ قال: رميت أبا سفيان يوم الطائف، فأصبت عينه، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: هذه عيني، أصيبت في سبيل الله، قال:"إن شئت دعوت، فردّت عليك، وإن شئت فالجنة"، قال: الجَنَّة.

وروى يعقوب بن سفيان، وابن سعد، بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه، قال: فقدت الأصوات يوم اليرموك، إلا صوت رجل يقول: يا نصر الله اقترب، قال: فنظرت، فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد، ويقال: فُقئت عينه يومئذ.

قال عليّ ابن المدينيّ: مات أبو سفيان لست خلون من خلافة عثمان، وقال الهيثم: لتسع خلون، وقال الزبير: في آخر خلافة عثمان، وقال المدائنيّ: مات سنة أربع وثلاثين، وقيل: مات سنة إحدي، وقيل: اثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان، وقيل: مات سنة أربع وثلاثين، قيل: عاش ثلاثًا وتسعين سنة، وقال الواقديّ: وهو ابن ثمان وثمانين، وقيل غير ذلك. انتهى ملخّصًا من "الإصابة"

(1)

.

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 3/ 413.

ص: 651

وقال القرطبيّ رحمه الله: كان أبو سفيان من أشراف قريش، وساداتها، وذوي رأيها في الجاهلية، أسلم يوم فتح مكة، وقد تقدَّم خبر إسلامه، وشهد حنينًا، وأعطاه النبيّ صلى الله عليه وسلم من غنائمها مائة بعير، وأربعين أوقية وَزَنها له بلال.

قال أبو عمر: واختُلف في حسن إسلامه، فطائفة تروي: أنه لما أسلم حسن إسلامه، وذكروا عن سعيد بن المسيِّب عن أبيه، قال: رأيت أبا سفيان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل، يقول: يا نصر الله اقترب. ورُوي عنه أنه قال: فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل واحد يقول: يا نصر الله اقترب، قال المسيِّب: فذهبت أنظر، فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه. وقد رُوي: أن أبا سفيان كان يوم اليرموك يقف على الكراديس، فيقول للناس: اللهَ! اللهَ! إنكم ذادةُ العرب

(1)

، وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم، وأنصار المشركين، اللَّهُمَّ! هذا يوم من أيامك، اللَّهُمَّ! أنزل نصرك على عبادك.

وطائفة تروي: أنه كان كهفًا للمنافقين منذ أسلم، وكان في الجاهلية يُنسب إلى الزندقة، وكان إسلامه يوم الفتح كَرْهًا كما تقدَّم من حديثه، ومن قوله في كلمَتَي الشهادة حين عُرضت عليه: أما هذه ففي النفس منها شيء. وفي خبر ابن الزبير أنه رآه يوم اليرموك قال: فكانت الروم إذا ظهرت قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر!. انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن أبا سفيان رضي الله عنه من أفاضل الصحابة، وأنه حَسُن إسلامه، فلا ينبغي لمسلم شحيح على دينه أن يشكّ في ذلك، ولا يرتاب فيه، فإن الوقيعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتهامهم بالنفاق خطر عظيم، ومهواة بعيدة، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)} [آل عمران: 8]، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6389]

(2501) - (حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ -وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ

(3)

- حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ،

(1)

جمع ذائد، وهو المدافع عن قومه.

(2)

"المفهم" 6/ 453.

(3)

وفي نسخة: "اليمانيّ".

ص: 652

حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ، وَلَا يُقَاعِدُونَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يَا نَبِيَّ اللهِ، ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ، قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ، وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، أُزَوِّجُكَهَا، قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ، كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ أبُو زُمَيْلٍ: وَلَوْلَا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْئَلُ شَيْئًا إِلَّا قَالَ: "نَعَمْ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) أبو الفضل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [11](ت 240)(خت م 4) تقدم في "الإيمان" 34/ 241.

2 -

(أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ)

(1)

نزيل مكة، مقبول [11](ت 255)(م) من أفراد المصنّف تقدم في "الصلاة" 11/ 886.

3 -

(النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ) هو: النضر بن محمد بن موسى الْجُرَشيّ -بالجيم المضمومة، والشين المعجمة- أبو محمد، مولى بني أمية، ثقةٌ، له أفراد [9](خ م د ت ق) تقدم في "الإيمان" 34/ 241.

4 -

(عِكْرِمَةُ) بن عَمّار العجليّ اليماميّ، تقدّم قريبًا.

5 -

(أَبُو زُمَيْلٍ) -بالزاي مصغرًا- سِمَاك بن الوليد الحنفيّ اليماميّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ

(2)

[3](خ م 4) تقدم في "الإيمان" 34/ 241.

6 -

(ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر رضي الله عنهما، تقدّم قريبًا.

شرح الحديث:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ أنه (قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ،

(1)

بفتح الميم، وسكون العين، وكسر القاف: نسبة إلى ناحية باليمن.

(2)

هذا أَولى من قوله في "التقريب": لا بأس به؛ لأن ابن عبد البرّ قال: أجمعوا على أنه ثقةٌ، ووثّقه أحمد، وابن معين، وغيرهما. راجع ترجمته في:"تهذيب التهذيب".

ص: 653

وَلَا يُقَاعِدُونَهُ)؛ أي: لا يقعدون معه، قال القرطبيّ رحمه الله: إنما كان ذلك لِمَا كان من أبي سفيان من صنيعه بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين في شركه؛ إذ لم يصنع أحدٌ بهم مثل صنيعه، ثم إنه أسلم يوم الفتح مكرهًا، وكان من المؤلَّفة قلوبهم، وكأنهم ما كانوا يثقون بإسلامه، وقد ذكرنا اختلاف العلماء في نفاقه. انتهى

(1)

.

(فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يَا نَبِيَّ اللهِ، ثَلَاثٌ)؛ أي: ثلاث خصال (أَعْطِنِيهِنَّ)؛ أي: ليكون لي عندك جاه ومنزلة، فيعرف الناس ذلك. (قَالَ) صلى الله عليه وسلم:("نَعَمْ")، ثم ذكر إحدى الثلاث، فـ (قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ، وَأَجْمَلُهُ) قياسه أن يقول: عندي أحسن العرب، وأجملهم، ولكنه جارٍ على خلاف القياس على أساس السماع من أهل العرب، فإنهم إنما يتكلّمون به مفردًا، وأوّله النحويّون بأن معناه: أجمل مَنْ هناك

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: الضمير في "أجمله" عائد على الجنس الذي دلَّ عليه العرب، وأم حبيبة هذه اسمها رملة، وقيل: هند، والأول هو المعروف والصحيح؛ وإنَّما هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، وأم معاوية. انتهى

(3)

.

وقال في "الفتح": قال أبو حاتم السجستانيّ: لا يكادون يتكلمون به إلا مفردًا. انتهى

(4)

.

وقال النوويّ رحمه الله: وأما قوله: "أحسن العرب، وأجمله" فهو كقوله: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلْقًا"، وقد سبق شرحه في "فضائل النبيّ صلى الله عليه وسلم"، ومثله الحديث بعده في نساء قريش:"أحناه على ولد، وأرعاه لزوج"، قال أبو حاتم السجستانيّ وغيره: أي: وأجملهم، وأحسنهم، وأرعاهم، لكن لا يتكلمون به إلا مفردًا، قال النحويون: معناه: وأجمل مَن هناك. انتهى

(5)

.

(أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ) واسمها رملة، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها،

(1)

"المفهم" 6/ 453 - 454.

(2)

"تكملة فتح الملهم" 5/ 271.

(3)

"المفهم" 6/ 454.

(4)

"الفتح" 9/ 125.

(5)

"شرح النوويّ" 16/ 63.

ص: 654

ماتت سنة اثنتين، أو أربع، وقيل: تسع وأربعين، وقيل: خمسين، تقدّمت ترجمتها في "المساجد ومواضع الصلاة" 3/ 1186. (أُزَوِّجُكَهَا) سيأتي الكلام عليه، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("نَعَمْ")؛ أي: زوِّجنيها.

هذا الجزء من الحديث مشكلٌ جدًّا؛ لأنَّ ظاهره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تزوّج أم حبيبة رضي الله عنها بعد إسلام أبي سفيان، وبعد فتح مكة، مع أن الثابت بالروايات المتظاهرة أنه صلى الله عليه وسلم تزوّجها قبل ذلك بزمان طويل، وإنما تزوّجها، وهي بأرض الحبشة، وقد صحّ أن أبا سفيان قَدِم إلى المدينة لتجديد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على أم حبيبة، وأراد أن يجلس على بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزعته من تحته، وهذا كلّه قبل إسلامه.

ومن أجل هذا ادّعى ابن حزم أن هذا الحديث موضوع، وأن آفته عكرمة بن عمّار.

وردّ عليه آخرون في تسارعه إلى الحكم بالوضع، وذهبوا إلى أن الحديث صحيح، ولكن وَهِم عكرمة بن عمّار في هذا الجزء من الحديث.

وأوّله بعضهم بأن أبا سفيان إنما أراد بعد إسلامه أن يُجدّد رسول الله صلى الله عليه وسلم العقد مع أم حبيبة، ويتزوّجها من جديد بولاية أبيها أبي سفيان، وذلك لأن النكاح السابق كان بغير وساطته، فزعم أبو سفيان أنه عيب له، فأراد أن يزيل هذا العار.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "نعم" فليس المراد منه أنه أقرّ بتجديد العقد، فإنه لم يثبت ذلك منه صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد أن المقصود حاصلٌ بالنِّكَاح السابق.

وهذا لا يستسيغه ظاهر لفظ الحديث، ولكنه يحتمل أن يكون قد وَهِمَ فيه أحد الرواة عند الرواية بالمعني، قاله في "التكملة"

(1)

، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى-.

ثم ذكر الثانية، فـ (قَالَ) أبو سفيان:(وَمُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان ولده، أبو عبد الرَّحمن الخليفة الصحابيّ، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب المائة، تقدّمت ترجمته في "الصلاة" 8/ 858.

(1)

"تكملة فتح الملهم" 5/ 271 - 272.

ص: 655

(تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ)؛ أي: يكتب الوحي لك أمامك، (قَالَ صلى الله عليه وسلم:("نَعَمْ").

ثم ذكر الثالثة، فـ (قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي) من التأمير؛ أي: تجعلني أميرًا على جيش (حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ، كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم " (نَعَمْ") استُشكل هذا أيضًا بأنه لَمْ يثبُت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَمَّر أبا سفيان بعد ذلك في حرب من الحروب، وهذا هو السبب الثانيا لردّ ابن حزم هذا الحديث، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُتصوّر منه أن يُخلف في وعده.

ولكن الحقّ أنه لا يكفي دليلًا لكون هذا الحديث موضوعًا، فإن هناك احتمالات مختلفة؛ منها: أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّره على بعض السرايا الصغيرة، ولم يُنقل إلينا.

ومنها: أن يكون صلى الله عليه وسلم يرتقب فرصة مناسبة لتأميره، ولم يجد ذلك حتى سَبَقه الأجل.

ومنها: أنه ظهر له مانع شرعيّ حال دون تأميره، وفي مثل هذه الحالة لا يجب الوفاء بالوعد، والله تعالى أعلم

(1)

.

(قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ) سماك بن الوليد، وهو موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا، فتنبّه. (وَلَوْلَا أَنَّهُ)؛ أي: أبا سفيان (طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا أَعْطَاهُ) صلى الله عليه وسلم (ذَلِكَ)، وإنما أعطاه (لأَنَّهُ) صلى الله عليه وسلم (لَمْ يَكُنْ يُسْئَلُ) بالبناء للمفعول، (شَيْئًا إِلَّا قَالَ:"نَعَمْ")؛ يعني: من شِيَم النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه لا يردّ سائلًا، فلذا أعطى أبا سفيان ما سأله، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [40/ 6389](2501)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(12/ 199)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7209)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(1/ 364 و 5/ 418)، و (اللالكائيّ) في "اعتقاد أهل السُّنَّة"

(1)

"تكملة فتح الملهم" 5/ 272.

ص: 656

(8/ 1443)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(7/ 140)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(13/ 459 و 69/ 147)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في الكلام على هذا الحديث:

قال القرطبيّ رحمه الله؛ ظاهر هذا الحديث أن أبا سفيان أنكح ابنته النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه، وهو مخالف للمعلوم عند أهل التواريخ والأخبار، فإنَّهم متفقون على أنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تزوَّج بأمِّ حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وقبل إسلام أبيها، وإنَّ أبا سفيان قَدِم قبل الفتح المدينة طالبًا تجديد العهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه دخل بيت أم حبيبة ابنته، فأراد أن يجلس على بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزعته من تحته، فكلَّمها في ذلك، فقالت: إنَّه بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت مشرك! فقال لها: يا بنية لقد أصابك بعدي شرّ، ثم طلب من عليّ، ومن فاطمة، ومن غيرهما أن يكلموا النبيّ صلى الله عليه وسلم في الصلح، فأبوا عليه، فرجع إلى مكة من غير مقصود حاصل، وكل ذلك معلوم لا شك فيه، ثم إن الأكثر من الروايات والأصح منها: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة، وهي بأرض الحبشة، وذلك أنها كانت تحت عُبيد الله

(1)

بن جحش الأسديّ، أسد خزيمة، فولدت له حبيبة التي كنيت بها، وأنها أسلمت وأسلم زوجها عبد الله بن جحش، وهاجر بها إلى أرض الحبشة، ثم إن زوجها تنصَّر هناك، ومات نصرانيًّا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها، وهي بأرض الحبشة، فبعث شُرَحبيل بن حسنة إلى النجاشيّ في ذلك.

روى الزبير بن بكار عن إسماعيل بن عمرو: أن أم حبيبة قالت: ما شَعَرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشيّ جارية يقال لها: أبرهة، كانت تقوم على ثيابه ودُهنه، فاستأذنت عليَّ، فأذِنْت لها، فقالت: إن الملِك يقول لك: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب أن أزوِّجَكِه، فقلت: بارك الله بخير، وقالت: يقول لك الملِك: وكّلي من يزوجك، فأرسلتُ إلى خالد بن سعيد، فوكّلته،

(1)

وقع في النسخة "عبد الله" مكبرًا، وهو غلط، فإن عبد الله المكبّر أخ لعبيد الله المصغّر، وكان من أفاضل الصحابة، ولم يتنصّر، وإنما الذي تنصّر، ومات نصرانيًّا في الحبشة، فهو عبيد الله المصغّر، فتنبّه.

ص: 657

وأعطيتُ أبرهة سوارين من فضة كانتا عليّ، وخواتم فضة، كانت في أصابعي سرورًا بما بشَّرَتْني به، فلما كان العشيّ أمر النجاشيّ جعفر بن أبي طالب، ومن هناك من المسلمين يحضرون، وخطب النجاشيّ، فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم، أما بعد: فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليّ أن أزوِّجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصدقتها أربعمئة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد، فقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدي، ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوّجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، ودفع النجاشيّ الدنانير إلى خالد بن سعيد، فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا، فقال: اجلسوا، فإنَّ سُنَّة الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام، فأكلوا، ثم تفرَّقوا.

قال الزبير: قَدِم خالد بن سعيد، وعمرو بن العاص بأم حبيبة من أرض الحبشة عام الهدنة.

وقال بعض الرواة: إنما أصدقها أربعة آلاف درهم، وأن عثمان بن عفان هو الذي أَوْلَمَ عليها، وأنه هو الذي زوَّجها إياه، وقيل: زوَّجها النجاشيّ.

قال القرطبيّ: ويصح الجمع بين هذه الروايات، فتكون الأربعمئة دينار صُرِفت، أو قوِّمت بأربعة آلاف درهم، وأن النجاشيّ هو الخاطب، وعثمان هو العاقد، وسعيد الوكيل، فصحَّت نسبة التزويج لكلهم، وهذا هو المعروف عند جمهور أهل التواريخ والسِّير؛ كابن شهاب، وابن إسحاق، وقتادة، ومصعب، والزبير وغيرهم.

وقد رُوي عن قتادة قول آخر: أن عثمان بن عفان زوَّجها من النبيّ صلى الله عليه وسلم في المدينة بعدما قَدِمت من أرض الحبشة، قال أبو عمر: والصحيح الأول، وروي أن أبا سفيان قيل له وهو يحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن محمدًا قد نكح

ص: 658

ابنتك! فقال: ذلك الفحل الذي لا يُقدَعُ أنفه

(1)

.

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة سنة ست من التاريخ، وقال غيره: سنة سبع، قال أبو عمر: توفيت أم حبيبة سنةَ أربع وأربعين.

قال القرطبيّ: فقد ظهر أنه لا خلاف بين أهل النقل أن تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة متقدِّم على إسلام أبيها أبي سفيان، وعلى يوم الفتح، ولمّا ثبت هذا تعيَّن أن يكون طلب أبي سفيان تزويج أم حبيبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه خطأ ووَهَمًا، وقد بحث النقاد عمن وقع منه ذلك الوهم، فوجدوه قد وقع من عكرمة بن عمار. قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: اتهموا به عكرمة بن عمار، وقد ضعّف أحاديثه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ولذلك لَمْ يُخرِج عنه البخاريُّ، إنَّما أخرج عنه مسلم؛ لأنَّه قد قال فيه يحيى بن معين: هو ثقةٌ. وقال أبو محمد عليّ بن أحمد الحافظ: هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، قال بعضهم: ومما يحقق الوهم في هذا الحديث قول أبي سفيان للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أريد أن تؤمِّرني، فقال له:"نعم". ولم يُسمع قط أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمَّر أبا سفيان على أحد إلى أن توفي، فكيف يخلف النبيّ صلى الله عليه وسلم الوعد؟ هذا ما لا يجوز عليه.

قال القرطبيّ: قد تأوَّل بعض من صحَّ عنده ذلك الحديث، بأن قال: إن أبا سفيان إنما طلب من النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجدد معه عقدًا على ابنته المذكورة ظنًّا منه: أن ذلك يصح، لعدم معرفته بالأحكام الشرعية، لحداثة عهده بالإسلام، واعتذر عن عدم تأميره مع وَعْده له بذلك؛ لأنَّ الوعد لَمْ يكن مؤقتًا، وكان يرتقب إمكان ذلك فلم يتيسَّر له ذلك إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لعلَّه ظهر له مانع شرعي منعه من توليته الشرعية؛ وإنَّما وعده بإمارة شرعية فتخلَّف

(1)

معناه: لا يُضرب أنفه، وذلك إذا كان كريمًا، وأصله للفحل إذا كان غير كريم، وأراد ركوب الناقة الكريمة، فيضربون أنفه بالرمح وغيره ليرتاع، يريد أبو سفيان أنه كفءٌ كريم لا يُردّ.

ص: 659

لتخلُّف شرطها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله

(1)

.

وقال الإمام ابن القيّم رحمه الله في "حاشية السنن": وقد ردّ هذا الحديث جماعة من الحفاظ، وعدُّوه من الأغلاط في "كتاب مسلم"، قال ابن حزم: هذا حديث موضوع

(2)

، لا شكّ في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، فإنه لم يُخْتَلَف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها قبل الفتح بدهر، وأبوها كافر.

وقال أبو الفرج ابن الجوزيّ في "كتاب الكشف" له: هذا الحديث وَهَمٌ من بعض الرواة، لا شكّ فيه، ولا تردّد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راويه، وقد ضعّف أحاديثه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وقال: ليست بصحاح، وكذلك قال أحمد بن حنبل: هي أحاديث ضعاف، وكذلك لم يُخرِج عنه البخاريّ، إنما أخرج عنه مسلم؛ لقول يحيى بن معين: ثقة، قال: وإنما قلنا: إن هذا وَهَمٌ؛ لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش، وولدت له، وهاجر بها، وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصَّر، وثبتت أم حبيبة على دينها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوّجه إياها، وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم، وذلك سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة، فدخل عليها، فنَحّت بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يجلس عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، ولا يُعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَّر أبا سفيان.

وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث؛ كقول بعضهم: إنه

(1)

"المفهم" 6/ 454 - 456.

(2)

أنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على ابن حزم هذه العبارة، وبالغ في الشناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته، فإنه كان هَجُومًا على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم، قال: ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع، ويحيى بن معين، وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة. انتهى. "شرح النوويّ على مسلم" 16/ 63.

قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ أن إطلاق الوضع على الحديث الذي أخرجه مسلم من الجسارة بمكان، ولكن لا يخفى كون هذا الحديث منكَرًا، فتأمّل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق.

ص: 660

سأله تجديد النكاح عليها، وقول بعضهم: إنه ظنّ أن النِّكَاح بغير إذنه، وتزويجه غير تام، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه إياها نكاحًا تامًّا، فسلّم له النبيّ صلى الله عليه وسلم حاله، وطيّب قلبه بإجابته، وقول بعضهم: إنه ظن أن التخيير كان طلاقًا، فسأل رَجْعتها، وابتداء النِّكَاح عليها، وقول بعضهم: إنه استشعر كراهة النبيّ صلى الله عليه وسلم لها، وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها، لا ابتداءه، وقول بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون وقع طلاق، فسأل تجديد النِّكَاح، وقول بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل إسلامه؛ كالمشترط له في إسلامه، ويكون التقدير: ثلاث إن أسلمت تعطينيهنّ، وعلى هذا اعتمد المحبّ الطبريّ في جواباته للمسائل الواردة عليه، وطوّل في تقريره.

وقال بعضهم: إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى، وهي أختها، وخَفِي عليه تحريم الجمع بين الأختين؛ لِقُرب عهده بالإسلام، فقد خَفِي ذلك على ابنته أم حبيبة، حتى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وغَلِط الراوي في اسمها.

وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان، وأئمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها، ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات الفاسدة، والتأويلات الباردة، التي يكفي في العلم بفسادها تصوّرها، وتأمل الحديث، وهذا التأويل الأخير، وإن كان في الظاهر أقلّ فسادًا، فهو أكذبها، وأبطلها، وصريح الحديث يردّه، فإنه قال: أم حبيبة أزوجكها، قال:"نعم"، فلو كان المسؤول تزويج أختها لَمَا أنعم له بذلك صلى الله عليه وسلم، فالحديث غلطٌ، لا ينبغي التردّد فيه، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيِّم رحمه الله

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن القيّم رحمه الله تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وقال أيضًا في "جلاء الأفهام" بعد أن فصّل القول فيه. والصواب: أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه تخليط. انتهى

(2)

.

وقال القاضي عياض: والذي وقع في مسلم من هذا غريبٌ جدًّا عند أهل

(1)

"حاشية السنن" لابن القيّم 6/ 75 - 76.

(2)

"جلاء الأفهام" ص 135.

ص: 661

الخبر، وخبرها مع أبي سفيان عند وروده المدينة بسبب تجديد الصلح في حال كفره مشهور. انتهى.

وقال الذهبيّ في "الميزان": وفي "صحيح مسلم" قد ساق له أصلًا منكرًا عن سماك الحنفيّ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما في الثلاث التي طلبها أبو سفيان. انتهى

(1)

.

والحاصل: أن نكارة الحديث ظاهرة لا تخفي، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(41) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَأَهْلِ سَفِينَتِهِمْ رضي الله عنهم

-)

أما جعفر: فهو ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ، أبو عبد الله ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأخو عليّ شقيقه، قال ابن إسحاق: أسلم بعد خمسة وعشرين رجلًا، وقيل: بعد واحد وثلاثين، قالوا: وآخى النبيّ صلى الله عليه وسلم بينه وبين معاذ بن جبل، كان أبو هريرة يقول: إنه أفضل الناس بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي البخاريّ عنه قال: كان جعفر خير الناس للمساكين، وقال خالد الحذاء عن عكرمة: سمعت أبا هريرة يقول: ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب، رواه الترمذيّ، والنسائيّ، وإسناده صحيح.

وروى البغويّ من طريق المقبريّ عن أبي هريرة قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويخدمهم، ويخدمونه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه أبا المساكين، وقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أشبهت خَلْقي وخُلُقي"، رواه البخاريّ ومسلم، من حديث البراء رضي الله عنه.

وفي "المسند" من حديث عليّ رفعه: "أُعطيت رُفقاء نُجباء. . ." فذكره منهم.

(1)

"ميزان الاعتدال" 3/ 93.

ص: 662

وهاجر إلى الحبشة، فأسلم النجاشيّ، ومن تبعه على يديه، وأقام جعفر عنده، ثم هاجر منها إلى المدينة، فقَدِم، والنبيّ صلى الله عليه وسلم بخيبر، وكل ذلك مشهور في المغازي، بروايات متعددة صحيحة.

وروى البغويّ، وابن السكن، من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، قالت: لَمّا قَدِم جعفر، وأصحابه استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَبَّل ما بين عينيه، وروى ابن السكن من طريق مجالد، عن الشعبيّ، عن عبد الله بن جعفر، قال: ما سألت عليًّا فامتنع، فقلت له: بحقّ جعفر إلا أعطاني.

استُشهِد بمؤتة من أرض الشام مقبلًا غير مُدْبِر، مجاهدًا للروم في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم سنة ثمان في جمادى الأولى، وكان أسنّ من عليّ بعشر سنين، فاستوفى أربعين سنة، وزاد عليها على الصحيح.

قال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، حدّثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مُرّة بن عوف، قال: والله لكأني انظر إلى جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة اقتَحَم عن فرس له شقراء، فعقرها، ثم تقدّم فقاتل حتى قُتل، أخرجه أبو داود من هذا الوجه.

وقال ابن إسحاق: هو أول من عَقَر في الإسلام، وروى الطبرانيّ من حديث نافع، عن ابن عمر قال: كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفرًا، فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعًا وتسعين، بين طعنة ورَمْية، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"رأيت جعفرًا يطير في الجَنَّة مع الملائكة"، رَوَى ذلك الطبرانيّ من حديث ابن عباس، وفي الطبرانيّ أيضًا من طريق سالم بن أبي الجعد قال: أُري النبيّ صلى الله عليه وسلم جعفرًا ملَكًا ذا جناحين مضَرَّجين بالدماء، وذلك لأنه قاتل حتى قُطعت يداه.

وفي "الصحيح" عن ابن عمر؛ أنه كان إذا سَلَّم على عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.

وروى الدارقطنيّ في "الغرائب" لمالك بإسناد ضعيف عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه إلى السماء، فقال:"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، فقال الناس: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ قال: "مَرّ بي جعفر بن أبي طالب في ملإ من الملائكة، فسَلَّم عليّ".

ص: 663

وفي الجزء الرابع من فوائد أبي سهل بن زياد القطان، من طريق سعدان بن الوليد، عن عطاء، عن ابن عباس: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، وأسماء بنت عميس قريبة منه، إذ قال:"يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب، قد مَرّ مع جبرائيل وميكائيل، فردّي عليه السلام. . ." الحديث، وفيه:"فعوّضه الله من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء".

وقال ابن إسحاق في "المغازي": حدّثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لمّا أتى وفاة جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن.

وقال حسان بن ثابت لمّا بلغة قتل عبد الله بن رواحة، يرثي أهل مؤتة من قصيدة [من الطويل]:

رَأَيْتُ خِيَارَ الْمُؤمِنِينَ تَوَارَدُوا

شُعُوبًا وَقَدْ خُلِّفْتُ فِيمَنْ يُؤَخَّرُ

فَلَا يُبْعِدَنّ اللهُ قَتْلَى تَتَابَعُوا

بِمُؤْتَةَ مِنْهُمْ ذُو الْجَنَاحَيْنِ جَعْفَرُ

وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ حَينَ تَتَابَعُوا

جَمِيعًا وَأَسْبَابُ الْمَنِيَّةِ تَخْطُرُ

ويقول فيها:

وَكُنَّا نَرَى فِي جَعْفَرٍ مِنْ مُحَمَّدٍ

وَفَاءً وَأَمْرًا حَازِمًا حَيْثُ يُؤْمَرُ

فَلَا زَالَ فِي الإِسْلَامِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ

دَعَائِمُ عِزٍّ لَا تَزُولُ وَمَفْخَرُ

(1)

.

وأما أسماءُ: فهي بنت عميس بن مَعْد -بوزن سَعْد، أوله ميم، قيّده ابن حبيب، ووقع في "الاستيعاب": مَعَد، بفتح العين، وتُعُقِّب- ابن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن غانم بن معاوية بن زيد الخثعمية، وقيل: عميس هو ابن النعمان بن كعب، والباقي سواء، كانت أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم لأمها، وأخت جماعة من الصحابيات لأب، أو أم، أو لأب وأم، يقال: إن عدّتهنّ تسع، وقيل: عشر لأم، وست لأم وأب، وأمها خولة بنت عوف بن زهير، ووقع عند أبي عمر هند بدل خولة، قال أبو عمر: كانت من المهاجرات إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له هناك أولاده، فلما قُتل جعفر تزوجها أبو بكر،

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 485 - 487.

ص: 664

فولدت له محمدًا، ثم تزوجها عليّ، فيقال: ولدت له ابنه عونًا، قال أبو عمر: تفرَّد بذلك ابن الكلبيّ، كذا قال، وقد ذكر ابن سعد عن الواقديّ أنَّها ولدت لعليّ عونًا، ويحيى، وقال ابن سعد عن الواقديّ عن محمد بن صالح، عن يزيد بن رُومان: أسلمت أسماء قبل دخول دار الأرقم، وبايعت، ثم هاجرت مع جعفر إلى الحبشة، فولدت له هناك: عبد الله، ومحمدًا، وعونًا، ثم تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر، وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، وقال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم زوَّج أبا بكر أسماء بنت عميس يوم حنين، أخرجه عُمر بن شَبّة في "كتاب مكة"، وهو مرسل جيّد الإسناد.

وكان عمر يسألها عن تفسير المنام، ونُقل عنها أشياء من ذلك، ومن غيره. ويقال: إنها لمّا بلغها قتْل ولدها محمد بمصر قامت إلى مسجد بيتها، وكظمت غيظها حتى شخب ثدياها دمًا.

وفي "الصحيحين" عن أبي بردة، عن أسماء؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها:"لكم هجرتان، وللناس هجرة واحدة"، وأخرجه ابن سعد من مرسل الشعبيّ قالت أسماء: يا رسول الله إن رجالًا يفخرون علينا، ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين، فقال:"بل لكم هجرتان. . ." ثم ذكر من عدّة أوجه أن أبا بكر الصديق أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، وأخرجه ابن السكن بسند صحيح عن الشعبيّ، قال: تزوج عليّ أسماء بنت عميس، فتفاخر ابناها محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، فقال: كل منهما أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك، فقال لها عليّ: اقضي بينهما، فقالت: ما رأيت شابًّا خيرًا من جعفر، ولا كهلًا خيرًا من أبي بكر، فقال لها عليّ: فما أبقيت لنا؟

(1)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6390]

(2502) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدٌ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى،

(1)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 7/ 489.

ص: 665

قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ، أَنَا، وَأَخَوَانِ لِي، أَنَا أَصْغَرُهُمَا، أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ، وَالآخَرُ أَبُو رُهْمٍ، إِمَّا قَالَ: بِضْعًا، وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، قَالَ: فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَنَا هَا هُنَا، وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا، قَالَ: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا، أَوْ قَالَ: أَعْطَانَا مِنْهَا، وَمَا قَسَمَ لأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ، إِلَّا لأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا، مَعَ جَعْفَرٍ، وَأَصْحَابِه، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ، قَالَ: فَكَانَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا -يَعْنِي: لأَهْلِ السَّفِينَةِ-: نَحْنُ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ، قَالَ: فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ -وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ

(1)

مَعَنَا- عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم زَائِرَةً، وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ، وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، قَالَ عُمَرُ: الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ، الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْكُمْ، فَغَضِبَتْ، وَقَالَتْ كَلِمَةً: كَذَبْتَ يَا عُمَرُ، كَلَّا، وَاللهِ كنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي دَارِ، أَوْ فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ، فِي الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللهِ، وَفِي رَسُولِهِ، وَايْمُ اللهِ، لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا، حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَي، وَنُخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَسْأَلُهُ، وَوَاللهِ لَا أَكْذِبُ، وَلَا أَزِيغُ، وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ"، قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ

(1)

ووقع في بعض النسخ بلفظ: "وهنّ ممن قدمت"، والظاهر أنه غلط، فليُتنبّه؟؟؟

ص: 666

يَأْتُونِي

(1)

أَرْسَالًا، يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ، وَلَا أعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ، مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي).

قال الجامع عفا الله عنه: إسناد هذا الحديث هو الإسناد الذي تقدّم قبل حديث، فلا حاجة إلى شرحه.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) لفظ "مخرج" مصدر ميميّ بمعنى الخروج، مرفوعٌ؛ لأنه فاعل "بلغنا"، وهو بفتح الغين، وقوله:(وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ) الواو للحال، وقال في "الفتح": ظاهره أنهم لَمْ يبلغهم شأن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا بعد الهجرة بمدة طويلة، وهذا إن كان أراد بالمخرج البعثة، وإن أراد الهجرة، فَيَحْتَمِل أن تكون بَلَغتهم الدعوة، فأسلموا، وأقاموا ببلادهم إلى أن عرفوا بالهجرة، فعزموا عليها، وإنما تأخروا هذه المدة، إما لعدم بلوغ الخبر إليهم بذلك، وإما لعِلمهم بما كان المسلمون فيه من المحاربة مع الكفار، فلمّا بلغتهم المهادنة آمنوا، وطلبوا الوصول إليه.

وقد روى ابن منده من وجه آخر عن أبي بردة، عن أبيه:"خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جئنا مكة أنا وأخوك، وأبو عامر بن قيس، وأبو رُهْم، ومحمد بن قيس، وأبو بردة، وخمسون من الأشعريين، وستة من عكّ، ثم خرجنا في البحر حتى أتينا المدينة"، وصححه ابن حبان من هذا الوجه.

ويُجمَع بينه وبين ما في "الصحيح" أنهم مرّوا بمكة في حال مجيئهم إلى المدينة، ويجوز أن يكونوا دخلوا مكة؛ لأن ذلك كان في الْهُدْنة. انتهى

(2)

.

(فَخَرَجْنَا) حال كوننا (مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم، وقوله:(أَنَا) أتى به ليمكنه عَطْف ما بعده على الضمير المرفوع المتّصل، كما قال في "الخلاصة":

(1)

وفي نسخة: "يأتونني".

(2)

"الفتح" 9/ 328، كتاب "المغازي" رقم (4330).

ص: 667

وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ

عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصلْ

(وَأَخَوَانِ لِي، أَنَا أَصْغَرُهُمَا) قال النوويّ رحمه الله: هكذا في النسخ: "أصغرهما"، والوجه:"أصغر منهما". (أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ) بضم الباء الموحّدة، واسمه عامر بن قيس الأشعريّ، وقال أبو عمر: حديثه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اجعل فناء أمتي بالطعن، والطاعون"

(1)

. (وَالآخَرُ أَبُو رُهْمٍ) بضم الراء، ابن قيس الأشعريّ، وقال أبو عمر: كانوا أربع إخوة: أبو موسى، وأبو بُردة، وأبو رُهم، ومجديّ، وقيل: أبو رُهْم اسمه مجديّ، بنو قيس بن سُليم بن حَضّار بن حرب بن غنم بن عديّ بن وائل بن ناجية بن جماهر بن الأشعر بن أُدَد بن زيد

(2)

.

وقال في "الفتح": أما أبو بردة فاسمه عامر، وله حديث عند أحمد، والحاكم، من طريق كريب بن الحارث بن أبي موسى، وهو ابن أخيه عنه، وأما أبو رُهْم فهو بضم الراء، وسكون الهاء، واسمه مَجْدي، بفتح الميم، وسكون الجيم، وكسر المهملة، وتشديد التحتانية، قاله ابن عبد البر، وجزم ابن حبان في "الصحابة" بأن اسمه محمد، ويعكُر عليه ما تقدم قبلُ من المغايرة بين أبي رُهْم ومحمد بن قيس، وذكر ابن قانع، أن جماعة من الأشعريين أخبروه، وحققوا له، وكتبوا خطوطهم أن اسم أبي رُهْم: مَجِيلة بكسر الجيم، بعدها تحتانية خفيفة، ثم لام، ثم هاء. انتهى

(3)

.

(إِمَّا قَالَ: بِضْعًا) بكسر الباء الموحّدة، وسكون الضاد المعجمة، وقال ابن الأثير: وقد تُفتح الباء، وهو ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة؛ لأنه قطعة من العدد، قال العينيّ رحمه الله:

[فإن قلت]: "في بضع" يتعلق بماذا؟ وما محله من الإعراب؟.

[قلت]: يتعلق بقوله: "فخرجنا"، ومحله النصب على الحال. انتهى

(4)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "إما قال بضعة. . . إلخ" كذا صواب الرواية فيه بإثبات هاء التأنيث في "بضعة"؛ لأنه عدد مذكّر، وبالنصب على الحال من

(1)

"عمدة القاري" 15/ 60.

(2)

"عمدة القاري" 15/ 60.

(3)

"الفتح" 9/ 328، كتاب "المغازي" رقم (4330).

(4)

"عمدة القاري" 17/ 252.

ص: 668

"خرجنا" المذكور، و"إمّا" موطئة للشكّ، وما بعدها معطوف عليها مشكوك فيه، وقد وقع في بعض النسخ:"إما قال: بضع" بإسقاط الهاء، وبالرفع مع نصب "وخمسين"، وذلك لَحْن واضح، والأول الصواب. انتهى

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادعاه القرطبيّ من أن الصواب "بضعةً"، وأن "بضعًا" بدون الهاء لحن، ليس كما قال، بل الوجهان صحيحان مستعملان، فقد ذكر النحاة أن لبضع، وبضعة حكم تسع، وتسعة في التذكير والتأنيث، وتسع وتسعة إذا لَمْ يُذْكَر المعدود بعدهما تمييزًا يجوز فيهما التذكير والتأنيث، فكذا هنا، على أنَّ نُسخ مسلم التي بين يديّ كلها "بضعًا" بلا هاء.

والحاصل: أن "بضعًا"، و"بضعة" هنا صحيح الاستعمال، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.

(وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي) قال في "الفتح": وفي رواية المستملي: "من قومه"، وقد بيَّن في الرواية الأخرى: أنهم كانوا خمسين من الأشعريين، وهم قومه، فلعل الزائد على ذلك هو وإخوته، فمن قال: اثنين أراد مَنْ ذَكَرهما في حديث الباب، وهما أبو بردة، وأبو رُهم، ومن قال: ثلاثة، أو أكثر فعلى الخلاف في عدد من كان معه من إخوته.

وأخرج البلاذريّ بسند له عن ابن عباس أنهم كانوا أربعين رجلًا.

والجمع بينه وبين ما قبله بالحمل على الأصول، والأتباع، وأما ابن إسحاق فقال: كانوا ستة عشر رجلًا، وقيل: أقلّ. انتهى

(2)

.

(قَالَ: فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا) بالرفع على الفاعليّة، (إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ) النجاشيّ بفتح النون، وتشديد الياء، وتخفيفها، وهو اسم مَن مَلَك الحبشة

(3)

. (فَوَافَقْنَا)؛ أي: صادفنا بأرض الحبشة (جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِب) رضي الله عنه (وَأَصْحَابَهُ)؛ أي: الصحابة الذين هاجروا مع جعفر رضي الله عنهم إلى الحبشة (عِنْدَهُ)؛ أي: عند النَّجاشيّ، (فَقَالَ جَعْفَرٌ) به:(إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَنَا هَا هُنا)؛ أي:

(1)

"المفهم" 6/ 459.

(2)

"الفتح" 9/ 328، كتاب "المغازي" رقم (4330).

(3)

"عمدة القاري" 17/ 252.

ص: 669

أرسلنا إلى هذا البلد الحبشة، (وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا) ذكر ابن إسحاق: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أُمية إلى النجاشيّ أن يُجَهِّز إليه جعفر بن أبي طالب، ومن معه، فجهّزهم، وأكرمهم، وقَدِم بهم عمرو بن أمية، وهو بخيبر، وسَمَّى ابن إسحاق مَن قَدِم مع جعفر، فسرد أسماءهم، وهم ستة عشر رجلًا، فمنهم امرأته أسماء بنت عميس، وخالد بن سعيد بن العاص، وامرأته، وأخوه عمرو بن سعيد، ومعيقيب بن أبي فاطمة

(1)

.

(قَالَ: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا)؛ أي: أعطانا سهامًا مع الجيش الغازين، (أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو (قَالَ: أَعْطَانَا مِنْهَا) من غنائم خيبر، قال النوويّ رحمه الله: هذا الإعطاء محمول على أنه برضا الغانمين، وقد جاء في "صحيح البخاريّ" ما يؤيده، وفي رواية البيهقيّ التصريح بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كَلَّم المسلمين، فشرّكوهم في سهمانهم. انتهى

(2)

.

(وَمَا قَسَمَ لأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ)؛ أي: لكون الغنيمة لمن شهد الوقعة، (إِلَّا لأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا) استثناء من الاستثناء، (مَعَ جَعْفَرٍ، وَأَصْحَابِهِ، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ) ووقع عند البيهقيّ: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يَقْسِم لهم كَلَّم المسلمين، فأشركوهم". (قَالَ) أبو موسى: (فَكَانَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ) سمّى منهم عمر رضي الله عنه كما سيأتي، (يَقُولُونَ لَنَا -يَعْنِي: لأَهْلِ السَّفِينَةِ-: نَحْنُ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ)؛ أي: حيث هاجروا إلى المدينة قبل قدُوم جعفر وأصحابه من الحبشة. (قَالَ) أبو موسى: (فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ) زوج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، وقوله:(وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا) من كلام أبي موسى رضي الله عنه، ووقع في بعض النسخ بلفظ:"وهنّ"، وهو تصحيف، فتنبّه.

(عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر رضي الله عنهما (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)، حال كونها (زَائِرَةً) لحفصة رضي الله عنهما، (وَقَدْ كَانَتْ)؛ أي: أسماء، (هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ)؛ أي: مع زوجها جعفر وأصحابه رضي الله عنهم، (فَدَخَلَ عُمَرُ) بن الخطّاب (عَلَى) ابنته (حَفْصَةَ)، وقوله:(وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا) جملة في محل نصب على الحال؛ أي:

(1)

"الفتح" 9/ 328، كتاب "المغازي" رقم (4330).

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 64.

ص: 670

والحال أن أسماء بنت عميس عند حفصة رضي الله عنهما، (فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟) لعلها كانت من وراء الحجاب، أو نسيها لبُعد العهد بها. (قَالَتْ) حفصة: هي (أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه: (الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ، الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ) بتقدير همزة الاستفهام فيهما، وفي رواية البخاريّ: قال عمر: "آلحبشية هذه، آلبحيرية هذه"، بتصغير الثاني، قال في "الفتح": كذا لأبي ذرّ بالتصغير، ولغيره "آلبحرية" بغير تصغير، وكذا في رواية أبي يعلى، ووقع في الموضعين بهمزة الاستفهام، ونَسَبها إلى الحبشة؛ لسُكناها فيهم، وإلى البحر؛ لركوبها إياه

(1)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قول عمر رضي الله عنه: "الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ " نَسَبها إلى الحبشة لمقامها فيهم، وللبحر لمجيئها فيه، وهو استفهامٌ قُصد به المطايبة، والمباسطة، فإنه كان قد عَلِم مَن هي حين رآها. انتهى

(2)

.

(فَقَالَتْ أَسْمَاءُ) بنت عُميس رضي الله عنها: (نَعَمْ) أنا الحبشيّة، البحريّة، (فَقَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه:(سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ)؛ أي: إلى المدينة، (فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْكُمْ) لِنُصرتنا له في دار هجرته دونكم.

وقال القرطبيّ رحمه الله: صدر هذا القول من عمر رضي الله عنه على جهة الفرح بنعمة الله، والتحدُّث بها، لِمَا عَلِم من عظيم أجر السَّابق للهجرة، ورَفْعه درجته على اللاحق، لا على جهة الفخر والترفع، فإنَّ عمر رضي الله عنه منزَّه عن ذلك، ولمّا سمعت أسماء ذلك، غضبت غضبَ منافسة في الأجر وغيره على جهة السَّبق، فقالت: كذبت يا عمر! أي: أخطأت في ظنك، لا أنَّها نَسَبَته إلى الكذب الذي يأثم قائله، وكثيرًا ما يُطلق الكذب بمعنى الخطأ، كما قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: كذب أبو محمد؛ لَمّا زَعَم أن الوتر واجب. انتهى

(3)

.

(فَغَضِبَتْ) أسماء من قول عمر هذا، (وَقَالَتْ كَلِمَةً)؛ أي: تكلّمت بكلمة مُفادها: (كَذَبْتَ يَا عُمَرُ)؛ أي: أخطأت، وقد استعملوا كذب بمعنى أخطأ كثيرًا. (كَلَّا)؛ أي: انزجر، وارتدع مما قلت، وقال القرطبيّ:"كلا والله"؛ أي: لا يكون ذلك، فهي نفيٌ لِمَا قال، وزجْر عنه، وهذا أصل كلا، وقد تأتي

(1)

"الفتح" 9/ 329، كتاب "المغازي" رقم (4330).

(2)

"المفهم" 6/ 460.

(3)

"المفهم" 6/ 460.

ص: 671

للاستفتاح، بمعنى "إلا"

(1)

. (وَاللهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ)؛ أي: فما لكم بخروجكم من وطنكم شيء تَشْكُون منه بخلافنا، كما قالت:(وَكُنَّا) معاشر المهاجرين إلى الحبشة (فِي دَارِ، أَوْ) شكّ من الراوي؛ أي: أو قالت: (فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ) جَمْع بعيد، (الْبُغَضَاءِ) جمع بغيض؛ كظريف وظرفاء، وشريف وشرفاء؛ أي: في أرض الكفّار؛ إذ أهل الحبشة كانوا نصاري، وإنما أسلم ملِكهم النجاشيّ رحمه الله، وقال النوويّ رحمه الله: قال العلماء: البعداء في النسب، البغضاء في الدين؛ لأنهم كفار إلا النجاشيّ، وكان يستخفي بإسلامه عن قومه، ويوَرّي لهم. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح": قوله: "البعداء البغضاء" كذا للأكثر، جمع بغيض، وبعيد، وفي رواية أبي يعلى بالشك:"البعداء، أو البغضاء"، وللنسفيّ:"الْبُعُد" بضمتين، وللقابسيّ:"الْبُعُد البعداء البغضاء" جَمَع بينهما، فلعله فسَّر الأُولى بالثانية، وعند ابن سعيد من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ:"فقالت: أي لَعَمري، لقد صدقتَ، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم، ويُعَلِّم جاهلكم، وكنا البعداء، والطرداء"

(3)

.

وقولها: (فِي الْحَبَشَةِ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، (وَذَلِكَ)؛ أي: غربتنا إلى تلك الدار (فِي اللهِ)؛ أي: في طلب مرضاته، (وَفي رَسُولهِ)؛ أي: في المحافظة على دينه صلى الله عليه وسلم؛ لعدم تمكّننا منه في بلدنا مكة، (وَايْمُ اللهِ) مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: يمين الله قَسَمي، ويجوز العكس.

وقال في "العمدة": قوله: "وايم الله" همزته همزة وصل، وقيل: همزة قطع، بفتح الهمزة، وقيل: بكسرها، يقال: أيم الله، وأيمن الله، ومُنُ الله، وقيل: أيمن جَمْع يمين، ولمّا كَثُر في كلامهم حذفوا النون، كما قالوا في لَمْ يكن: لَمْ يك. انتهى

(4)

.

وجوب القسم قولها: (لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا، حَتَّى أَذْكُرَ مَا

(1)

"المفهم" 6/ 460.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 65.

(3)

"الفتح" 9/ 329، كتاب "المغازي" رقم (4330).

(4)

"عمدة القاري" 17/ 253.

ص: 672

قُلْتَ) بفتح التاء خطابًا لعمر رضي الله عنه، (لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَنَحْنُ كنَّا نُؤْذَى) بالبناء للمفعول، وكذا قولها:(وَنُخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَسْأَلُهُ، وَوَاللهِ لَا أَكْذِبُ، وَلَا أَزِيغُ)؛ أي: لا أميل (وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ) أبو موسى: (فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ) أسماء: (يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا)؛ أي: قوله: "سبقناكم. . . إلخ"، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ) قال القرطبيّ رحمه الله: يعني: في الهجرة، لا مطلقًا، وإلا فمرتبة عمر رضي الله عنه، وخصوصية صحبته للنبيّ صلى الله عليه وسلم معروفة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أهل السفينة هجرتان"، وسبب ذلك أن عمر وأصحابه رضي الله عنهم هاجروا من مكة إلى المدينة هجرة واحدة في طريق واحد، وهاجر جعفر وأصحابه رضي الله عنهم إلى أرض الحبشة، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم إنهم لما سمعوا بهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ابتدؤوا هجرة أخرى إليه، فتكرر الأجر بحسب تكرار العمل، والمشقة في ذلك. انتهى

(1)

.

(وَلَهُ وَلأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أنتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ) بنصب "أهلَ" على الاختصاص، أَو على حذف حرف النداء، ويجوز الجر على البدل من الضمير. (هِجْرَتَانِ") زاد أبو يعلى:"هاجرتم مرتين: هاجرتم إلى النجاشيّ، وهاجرتم إليّ"، ولابن سعد بإسناد صحيحٍ، عن الشعبيّ:"قال: قالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إن رجالًا يفخرون علينا، ويزعمون أنّا لسنا من المهاجرين الأولين، فقال: بل لكم هجرتان: هاجرتم إلى أرض الحبشة، ثم هاجرتم بعد ذلك"، ومن وجه آخر عن الشعبيّ نحوه، وقال فيه:"كَذَب من يقول ذلك"، ومن وجه آخر عنه:"قال: يقول: للناس هجرة واحدة".

قال في "الفتح": وظاهره تفضيلهم على غيرهم من المهاجرين، لكن لا يلزم منه تفضيلهم على الإطلاق، بل من الحيثية المذكورة، وهذا القَدْر المرفوع من الحديث ظاهر هذا السياق أنه من رواية أسماء بنت عميس، وقد تقدم في "الهجرة" بهذا الإسناد، من رواية أبي موسى، لا ذِكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم فيه، وكذلك

(1)

"المفهم" 6/ 460.

ص: 673

أخرجه ابن حبان، ومن وجه آخر، عن أبي بردة، عن أبي موسى. انتهى

(1)

.

(قَالَتْ) أسماء، وهذا يَحْتَمِل أن يكون من رواية أبي موسى عنها، فيكون من رواية صحابيّ عن مثله، ويَحْتَمِل أن يكون من رواية أبي بردة عنها، ويؤيده قوله بعد هذا:"قال أبو بردة: قالت أسماء": (فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى) الأشعريّ (وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ)؛ أي: جعفرًا ومن معه، (يَأْتُونِي) بحذف إحدى النونين؛ للتخفيف، وفي بعض النُّسخ:"يأتونني" بالنونين، الأُولى نون الرفع، والثانية نون الوقاية. (أَرْسَالًا) بفتح الهمزة؛ أي: أفواجًا، يتبع بعضهم بعضًا، والواحد رَسَلٌ بفتحتين

(2)

.

وقال النوويّ رحمه الله: أرسالًا بفتح الهمزة؛ أي: فوجًا بعد فوج، يقال: أورد إبله أَرسالًا؛ أي: متقطعة، متتابعة، وأوردها عِرَاكًا؛ أي: مجتمعة، والله أعلم. انتهى

(3)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قولها: "يأتوني أرسالًا"؛ أي: متتابعين جماعةً بعد جماعة، وواحد الأرسال: رَسَلٌ، مثلُ سبب وأسباب، يقال: جاءت الخيل أرسالًا؛ أي: قطعة قطعة. انتهى

(4)

.

(يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ) المراد قوله صلى الله عليه وسلم: "ليسوا بأحقّ بي منكم، لهم هجرة واحدة، ولكم هجرتان"، (مَا) نافية، (مِنَ الدُّنْيَا) بيان مقدّم لقولها "شيءٌ"، فهو متعلّق بحال، على قاعدة: نعتُ النكرة إذا قُدّم أُعرب حالًا. (شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ) جملة في محل رفع صفة لـ "شيء"، (وَلَا أَعْظَمُ) بالرفع عطفًا على "أفرحُ"، (فِي أَنْفُسِهِمْ، مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)"ما" مصدريّة؛ أي: من قوله صلى الله عليه وسلم المذكور، ويَحتَمل أن تكون موصولة، بتقدبر العائد؛ أي: من القول الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال القرطبيّ رحمه الله: تعني: ما من الدنيا شيء يحصل به ثواب عند الله تعالى هو في نفوسهم أعظم قدرًا، ولا أكثر أجرًا، مما تضمَّنه هذا القول؛ لأنَّ

(1)

"الفتح" 9/ 329، كتاب "المغازي" رقم (4330).

(2)

عمدة القاري" 17/ 253.

(3)

"شرح النوويّ" 16/ 65 - 66.

(4)

"المفهم" 6/ 461، و"المصباح المنير" 1/ 226.

ص: 674

أصل "أفعل" أن تضاف إلى جنسها، وأعراض الدنيا ليست من جنس ثواب الآخرة، فتعيَّن ذلك التأويل، والله تعالى أعلم. انتهى

(1)

.

(قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى راويًا عن أسماء: (فَقَالَتْ أَسْمَاءُ) رضي الله عنها: (فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى) الأشعريّ (وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ)؛ أي: يطلب أن أُعيد (هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي) متعلّق بـ "يستعيد"، وإنما استعادها تعجّبًا من عِظَمه، واستحلاءً لعذوبته وحلاوته، فإن الهجرة درجة رفيعة، وخصلة بديعة، فإنها تهدم ما قبلها من الذنوب، كما في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أما علمت أن الإسلام يَهْدم ما كان قبله، وأن الهجرة تَهْدم ما كان قبلها، وأن الحجّ يَهدم ما كان قبله؟ "، رواه مسلم، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [41/ 6390](2502)، و (البخاريّ) في "فرض الخمس"(3136) و"مناقب الأنصار"(3876) و"المغازي"(4230 و 4233)، و (أبو داود) في "الجهاد"(2725)، و (الترمذيّ) في "السير"(1559)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(12/ 410)، و (أحمد) في "مسنده"(4/ 405 - 406)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(4813)، و (ابن الجارود) في "المنتقى"(1089)، و (أبو عوانة) في "مسنده"(4/ 332)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(13/ 206 و 303)، و (البزّار) في "مسنده"(8/ 164)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(2/ 74)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(6/ 333)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(2721)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(32/ 30)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضيلة جعفر بن أبي طالب، وزوجته أسماء بنت عُميس، وأهل سفينتهم.

(1)

"المفهم" 6/ 461.

ص: 675

2 -

(ومنها): بيان فضل السبق في الهجرة.

3 -

(ومنها): بيان أن كثرة الثواب على قدر النصب والتعب، فإن ثواب الهجرتين من أصحاب السفينة على هجرة عمر وأصحابه إنما كَثُر بسبب كثرة المشقّة التي لحقتهم بسبب الهجرتين.

4 -

(ومنها): أن فيه قبول أخبار الآحاد، وإن كان خبر امرأة، وفيما ليس طريقًا للعمل، واستفاد بخبر الواحد المفيد لغلبة الظن مع التمكن من الوصول إلى اليقين؛ فإنَّ الصحابة رضي الله عنهم اكتفوا بخبر أسماء، ولم يراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذلك، وخبرها يُفيد ظنّ صِدقها، لا العلم بصدقها، فافهم هذا، قاله القرطبيّ

(1)

.

5 -

(ومنها): أنه استَدَلّ به من قال: إنه يُسْهم لمن حضر بعد الفتح قبل قسمة الغنيمة، قال ابن التين رحمه الله: يَحْتَمِل أن يكون إنما أعطاهم من جميع الغنيمة؛ لكونهم وصلوا قبل القسمة، وبعد حَوْزها، وهوأحد الأقوال للشافعيّ.

وقال ابن بطال رحمه الله: لَمْ يَقسم النبيّ صلى الله عليه وسلم في غير من شهد الوقعة إلا في خيبر، فهي مستثناة من ذلك، فلا تُجعل أصلًا يقاس عليه، فإنه قَسَمَ لأصحاب السفينة؛ لشدة حاجتهم، وكذلك أعطى الأنصار عِوَضَ ما كانوا أَعْطَوُا المهاجرين عند قدومهم عليهم.

وقال الطحاويّ رحمه الله: يَحْتَمِل أن يكون استطاب أنفس أهل الغنيمة بما أعطى الأشعريين وغيرهم.

ومما يؤيد أنه لا نصيب لمن جاء بعد الفراغ من القتال، ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، وابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه:"قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة"، وأخرجه الطبرانيّ، والبيهقيّ مرفوعًا، وموقوفًا، وقال: الصحيح موقوف، وأخرجه ابن عديّ من طريق أخرى عن عليّ، موقوفًا، ورواه الشافعيّ من قول أبي بكر، وفيه انقطاع، كذا في "النيل"

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أنه صلى الله عليه وسلم استطاب الغانمين في إشراك أهل

(1)

"المفهم" 6/ 461.

(2)

"تحفة الأحوذيّ" 5/ 144.

ص: 676

السفينة في الغنيمة، فعلى هذا فهو ليس خاصًّا بأهل السفينة، فللإمام إذا رأى حاجة فيمن لحق بعد الوقعة، أن يستطيب أنفس الغانمين، ويشركهم معهم، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(42) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ سَلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ رضي الله عنهم

-)

أما سلمان

(1)

رضي الله عنه، فيكنى: أبا عبد الله، وكان ينتسب إلى الإسلام، فيقول: أنا سلمان ابن الإسلام، ويُعَدُّ من موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه أعانه بما كوتب عليه، فكان سبب عتقه، وكان يُعرف بسلمان الخير، وقد نسبه النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أهل بيته، فقال:"سلمان منّا أهل البيت" رواه الترمذيّ

(2)

، وأصله فارسيّ من رام هرمز، من قرية يقال لها: جَي

(3)

. ويقال: بل من أصبهان، وكان أبوه مجوسيًّا من قوم مجوس، فنبّهه الله لِقُبْح ما كان عليه أبوه وقومه، وجعل في قلبه التشوُّف إلى طلب الحقّ، فهرب بنفسه، وفرَّ من أرضه إلى أن وصل إلى الشام، فلم يزل يجول في البلدان، ويختبر الأديان، ويستكشف الأحبار والرُّهبان، إلى أن دُلَّ على راهب الوجود، فوصل إلى المقصود، وذلك بعد مكابدة عظيم المشقات، والصبر على مكاره الحالات، من: الرق، والإذلال، والأسر، والأغلال، كما هو منقول في إسلامه في كتاب السِّير وغيرها.

وروى أبو عثمان النَّهديّ عن سلمان؛ أنه قال: تداوله في ذلك بضعة عشر ربًّا، من ربٍّ إلى ربٍّ حتى أفضى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقال غيره: فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم للعتق من قوم من اليهود بكذا وكذا درهمًا، وعلى أن يَغرس لهم كذا وكذا من النخل، يعمل فيها سلمان حتى تُدرك، فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل كلها بيده، فأطعمت النخل من عامها.

(1)

تقدّمت ترجمته في هذا الشرح في "الطهارة" 17/ 612، وإنما أعدته هنا لطول العهد به، فتنبّه.

(2)

رواه الترمذيّ (3718)، وابن ماجه (149) وهو حديث ضعيف.

(3)

في حاشية "أسد الغابة" 2/ 417: جيّ: اسم مدينة أصبهان القديم.

ص: 677

وأوَّل مشاهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، ولم يَفُته بعد ذلك مشهد معه. وقد قيل: إنه شهد بدرًا وأُحدًا، والأوَّل أعرف. وكان خيِّرًا فاضلًا حَبرًا عالِمًا زاهدًا متقشفًا. رُوي عن الحسن أنه قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تصدّق به، ويأكل من عَمل يده، وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها.

وذكر ابن وهب، وابن نافع عن مالك قال: كان سلمان يعمل الخوص بيده فيعيش منه، ولا يقبل من أحد شيئًا، قال: ولم يكن له بيت؛ إنما كان يستظل بالجُدُر والشجر، وإن رجلًا قال له: ألا أبني لك بيتًا تسكن فيه؟ فقال: ما لي به حاجة، فما زال به الرجل حتى قال له: إني أعرف البيت الذي يوافقك، قال: فصِفْه لي. فقال: أبني لك بيتًا إذا أنت قمت فيه أصاب رأسك سقفه، وإذا أنت مددت رجليك أصابك الجدار. قال: نعم، فبنى له.

وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء"

(1)

، وفي رواية:"رجال من الفرس"، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان لسلمان مجلسٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفردُ به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمرني أن أحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: عليّ، وأبو ذرّ، والمقداد، وسلمان"

(2)

، وقال أبو هريرة: سلمانُ صاحب الكتابين، وقال عليٌّ: سلمان عَلِمَ العلمَ الأول والآخر، بحر لا ينزف، هو منَّا أهل البيت. وقال عليٌّ رضي الله عنه أيضًا: سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم. وله أخبار حِسان، وفضائلُ جَمَّة.

توفي سلمان رضي الله عنه في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه سنة خمس وثلاثين، وقيل: مات بل سَنةَ ستٍّ في أولها، وقد قيل: توفي في خلافة عمر، والأوَّلُ أكثر. قال الشعبيُّ: توفي بالمدائن، وكان من المعمَّرين، أدرك وصيَّ عيسى ابن مريم، وعاش مئتين وخمسين سنة، وقيل: ثلاثمئة وخمسين سنة. قال أبو الفرج: والأول أصح، وجملةُ ما حُفِظَ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستون حديثًا،

(1)

متّفقٌ عليه.

(2)

ضعيف، أخرجه الترمذيّ (3718)، وابن ماجه (149).

ص: 678

أخرجا له منها في "الصحيحين" سبعة، ذكره القرطبيّ رحمه الله

(1)

.

وأما صُهيب رضي الله عنه: فهو ابنُ سنان بن خالد بن عبد عمرو -من العرب- ابن النمر بن قاسط، كان أبوه عاملًا لكسرى على الأُبُلَّة، وكانت منازلُهم بأرض الموصل في قرية على شطِّ الفرات، مما يلي الجزيرة والموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبتْ صُهيبًا، وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن، فابتاعته منه كلب، ثم قدمتْ به مكة، فاشتراه عبد الله بن جُدعان، فأعتقه، فأقام بمكة حتى هلك ابن جُدعان، وبُعِث النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحدٍ بعد بضعة وثلاثين رجلًا، فلما هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لَحِقه صُهيب، فقالت له قريش حين خرج يريدُ الهجرة: أتفجعنا بنفسك ومالك؟ فدلَّهم على ماله، فتركوه، فلما رآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال له:"ربح البيعُ أبا يحيى"، فأنزل الله عز وجل، في أمره:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207].

وروي عنه أنه قال: صحبتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يُوحى إليه.

ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحبَّ صهيبًا حُبَّ الوالدة ولدَها"

(2)

.

وقال صلى الله عليه وسلم: "صهيب سابقُ الروم، وسلمان سابقُ فارس، وبلال سابقُ الحبشة"

(3)

.

وإنما نسبه النبيُّ صلى الله عليه وسلم للروم؛ لِمَا ذُكر أنه نشأ فيهم صغيرًا، وتلقَّف لسانهم. وقد تقدَّم ذِكرُ نسبه.

وقال له عمر: ما لك يا صهيب تُكنى أبا يحيى، وليس لك ولد، وتزعم أنك من العرب، وتطعم الطعام الكثير، وذلك سرف؟ فقال: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كنَّاني بأبي يحيى، وإني من النمر بن قاسط من أنفسهم، ولكني سُبيت صغيرًا

(1)

"المفهم" 6/ 463 - 464.

(2)

رواه ابن عديّ في "الكامل في الضعفاء" 7/ 2626.

(3)

ضعيف، رواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه"(12/ 148 و 152)، وعبد الرزّاق في "مصنّفه" 11/ 242.

ص: 679

أعقل أهلي وقومي، ولو انفلقت عني روثة لانتميتُ إليها، وأما إطعام الطعام؟ فإن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:"خيارُكم مَن أطعم الطعام، وردَّ السلام"

(1)

.

تُوُفّي صهيب رضي الله عنه بالمدينة سنة ثمانٍ وثلاثين في شوّالها، وقيل: سنة تسع، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، ودُفِن بالبقيع

(2)

.

وأما بلال رضي الله عنه: فهو ابن رَبَاح الحبشيّ المؤذن، وهو بلال بن حمامة، وهي أمّه، اشتراه أبو بكر الصديق رضي الله عنه من المشركين لمّا كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأذّن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبيّ صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، ثم خرج بلال بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم مجاهدًا إلى أن مات بالشام، قال أبو نعيم: كان تِرْبَ أبي بكر رضي الله عنهما، وكان خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى أبو إسحاق الجوزجاني في "تاريخه" من طريق منصور، عن مجاهد، قال: قال عمار: كلٌّ قد قال ما أرادوا؛ يعني: المشركين غير بلال، ومناقبه كثيرة مشهورة.

قال ابن إسحاق: كان لبعض بني جُمَح مولَّدٌ من مولّديهم، واسم أمه حمامة، وكان أمية بن خلف يُخرجه إذا حَمِيت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول: لا يزال على ذلك حتى يموت، أو يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيقول وهو في ذلك: أحدٌ أحدٌ، فمرّ به أبو بكر، فاشتراه منه بعبد له أسود جَلْد.

قال البخاريّ: مات بالشام زمن عمر، وقال ابن بكير: مات في طاعون عمواس، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة عشرين، وقال ابن زبر: مات بداريا، وفي "المعرفة" لابن منده: أنه دُفِن بحلب. انتهى من "الإصابة"

(3)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6391]

(2504) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى

(1)

حديث صحيح. راجع: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ رحمه الله 1/ 109.

(2)

"المفهم" 6/ 464 - 465.

(3)

"الإصابة في تمييز الصحابة" 1/ 326.

ص: 680

عَلَى سَلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا أَخَذَتْ

(1)

سُيُوفُ اللهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأْخَذَهَا، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ، وَسَيِّدِهِمْ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ:"يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ"، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أُخِي).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(بَهْزُ) بن أسد العمّيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

4 -

(ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

5 -

(مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بن إياس بن هلال المزنيّ، أبو إياس البصريّ، ثقةٌ [3](ت 113) وهو ابن ست وسبعين سنةً (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" 36/ 1853.

6 -

(عَائِذُ بْنُ عَمْرِو) بن هلال المزنيّ، أبو هبيرة البصريّ الصحابي، شَهِد الحديبية، ومات رضي الله عنه في ولاية عبيد الله بن زياد، سنة إحدى وستين (خ م س) تقدم في "الإمارة" 5/ 4724.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو) المزنيّ رضي الله عنه؛ (أنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حرب الذي سبقت ترجمته قبل باب، (أَتَى عَلَى سَلْمَانَ) الفارسيّ رضي الله عنه (وَصُهَيْبٍ) الروميّ رضي الله عنه (وَبِلَالٍ) المؤذن الحبشيّ رضي الله عنه (فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا) هؤلاء الثلاثة: (وَاللهِ مَا أَخَذَتْ) وفي نسخة بحذف القَسَم، (سُيُوَفُ اللهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ)

(1)

وفي نسخة: "فقالوا: ما أخذت".

ص: 681

يعنون: أبا سفيان (مَأخَذَهَا) قال النوويّ رحمه الله؛ ضبطوه بوجهين: أحدهما: بالقصر، وفتح الخاء، والثاني: بالمدّ، وكسْرها، وكلاهما صحيح، وهذا الإتيان لأبي سفيان كان، وهو كافر، في الهُدْنة بعد صلح الحديبية. انتهى

(1)

.

(قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق رضي الله عنه: (أَتَقُولُونَ هَذَا) استفهام إنكاريّ، (لِشَيْخِ قُرَيْشٍ)؛ يعني: أبا سفيان (وَسَيِّدِهِمْ، فَأَتَى) أبو بكر رضي الله عنه (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَهُ)؛ أي: بما قال هؤلاء، ولعل إخباره لِيُنْكِر عليهم كما أنكر هو، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم:("يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ)؛ أي: سلمان، وصهيبًا، وبلالًا رضي الله عنهم، (لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ")؛ أي: لكونك أغضبت أولياءه، فمن أغضبهم فقد أغضب الله عز وجل، فقد أخرج البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب. . ." الحديث.

(فَأَتَاهُمْ)؛ أي: هؤلاء الثلاثة (أَبُو بَكْرِ) رضي الله عنه (فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟) بحذف همزة الاستفهام؛ أي: أأغضبتكم بما قلت لكم؟ (قَالُوا: لَا)؛ أي: لم تُغضبنا بذلك، (يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أُخَيّ) قال النوويّ رحمه الله: أما قولهم: "يا أخي" فضبطوه بضم الهمزة، على التصغير، وهو تصغير تحبيب، وترقيق، وملاطفة، وفي بعض النُّسخ بفتحها.

وقال القاضي عياض رحمه الله: قولهم: "لا، يغفر الله لك"، كذا جاء في هذا الحديث، وقد رُوي عن أبي بكر رضي الله عنه؛ أنه نَهَى عن مثل هذه الصيغة، وقال: قل: عافاك الله، رحمك الله، لا تزد؛ أي: لا تقل قبل الدعاء: "لا"؛ لاقتضائها نفيه في الظاهر، ولأنه قد يكون هذا ذريعة للمجّان وغيرهم من قَصْدهم هذا في صورة الدعاء، وقد قال بعضهم: قل: لا، ويغفر لك الله، فيزول الإبهام والاحتمال. انتهى

(2)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث عائذ بن عمرو رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 66.

(2)

"إكمال المعلم" 7/ 549.

ص: 682

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [42/ 6391](2504)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 75)، و (أحمد) في "مسنده"(5/ 64)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(18/ 18)، و (الرويانيّ) في "مسنده"(2/ 35)، و (أبو نعيم) في "الحلية"(1/ 346)، و (ابن عساكر) في "تاريخه"(10/ 463)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضيلة هؤلاء الصحابة الأجلّاء: سلمان، وصُهيب، وبلال رضي الله عنهم، ورفعة منازلهم عند الله سبحانه وتعالى.

2 -

(ومنها): أن فيه مراعاةَ قلوب الضعفاء، وأهل الدِّين، وإكرامهم، وملاطفتهم.

3 -

(ومنها): أنه ينبغي البعد عما يُغضب الصالحين، ويؤذيهم؛ لأنه يُغضب الرّب سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(43) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الأَنْصَارِ رضي الله عنهم

-)

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أَوّلَ الكتاب قال:

[6392]

(2505) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ -وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} الآية [آل عمران: 122]، بَنُو سَلِمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ، وَمَا نُحِبُّ أنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ؛ لِقَوْلِ اللهِ عز وجل: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا}).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [10](ت 245)(م 4) تقدم في "الإيمان" 1/ 103.

والباقون تقدّموا قبل خمسة أبواب، و"سفيان" هو: ابن عيينة، و"عمرو" هو: ابن دينار.

ص: 683

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (492) من رباعيّات الكتاب، وفيه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما تقدّم القول فيه.

شرح الحديث:

(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنهما؛ أنه (قَالَ: فِينَا)؛ أي: في قومه بني سَلِمة، وهم من الخزرج، وفي أقاربهم بني حارثة، وهم من الأوس

(1)

. (نَزَلَتْ) وقوله: ({إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ}) فاعل "نَزَلَتْ" محكيّ؛ لقصد لفظه، ({أَن تَفْشَلَا}) الْفَشَل بالفاء، والمعجمة: الْجُبْن، وقيل: الفشل في الرأي: العَجْز، وفي البَدَن: الإعياء، وفي الحرب: الجُبْن

(2)

، وقوله:({وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا})، جملة حاليّة؛ أي: ناصِرهما.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ} الآية؛ يعني بذلك: يوم أُحُدٍ، وذلك أنه لمَّا خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم للقاء المشركين رجع عنه عبد الله بن أُبَيّ بجَمْع كثيرٍ فشلًا عن الحرب ونكولًا، وإسلامًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه للعدوّ، وهمَّت بنو سلمة، وبنو حارثة بالرُّجوع، فحماهم اللهُ تعالى من ذلك، مما يضرُّهم من قِبَل ذلك، وعظيم إثمه، فلَحِقوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وبالمسلمين إلى أن شاهدوا الحرب، وكان من أمر أُحُد ما قد ذُكر. انتهى

(3)

.

وقال في "العمدة": {إِذْ هَمَّتْ} بدل من "إذ غدوت"، قال الزمخشريّ: أو عَمِل فيه معنى {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، والطائفتان: حيان من الأنصار، بنو سلمة -بفتح السين، وكسر اللام- من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم أُحد في ألف، وقيل: في تسعماية وخمسين، والمشركون في ثلاثة آلاف، ووعدهم الفتح إن صبروا، فانخذل عبد الله بن أُبَيّ بثلث الناس، وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا، وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاريّ، فقال: أنشدكم الله في نبيكم،

(1)

"الفتح" 9/ 128، كتاب "المغازي" رقم (4051).

(2)

"الفتح" 9/ 128، كتاب "المغازي" رقم (4051).

(3)

"المفهم" 6/ 466.

ص: 684

وأنفسكم، فقال عبد الله: لو نعلم قتالًا لاتّبعناكم، ثم هاتان الطائفتان هَمّتا أن تفشلا؛ أي: تجبُنا، ويتخلفا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويذهبا مع عبد الله بن أُبَيّ، ولكن الله عَصَمهما، فلم ينصرفوا، ومضوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذَكّرهم الله تعالى نعمته بعصمته، فقال:{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ} [آل عمران: 122]، والْهَمّ: تعلّق الخاطر بما له قَدْر، والفشل: الجُبْن، والْخَوَر، ولكن لَمْ يكن همّهما عزمًا، فلذلك قال الله:{وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ؛ أي: ناصرهما، قال الزمخشريّ: الله ناصرهما، ومتولي أمرهما، فما لهما يفشلان، ولا يتوكلان على الله؟. انتهى

(1)

.

وقوله: (بَنُو سَلِمَةَ) خبر لمحذوف؛ أي: هم بنو سلِمة بفتح السين المهملة، وكسر اللام: قبيلة من الأنصار، (وَبَنُو حَارِثَةَ) قبيلة من الأنصار أيضًا.

وفي رواية للبخاريّ: "بني سَلِمة، وبني الحارث"، قال في "العمدة": قوله: "بني سلمة" بالجر على أنه بدل من قوله: "فينا"، و"بني حارثة" عطف عليه.

وقوله: "وما أحب أنها -أي: أن الآية- لم تنزل"، والحال أن الله تعالى يقول:{وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} . وحاصل المعنى: أن ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن ذلك الهمّ غير مآخذ به؛ لأنه لَمْ يكن عن عزم وتصميم. انتهى

(2)

.

(وَمَا) نافية، (نُحِبُّ أَنَّهَا)؛ أي: الآية المذكورة، (لَمْ تَنْزِلْ؛ لِقَوْلِ اللهِ عز وجل:{وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ) قال في "الفتح"؛ أي: وإن الآية، وإن كان في ظاهرها غَضّ منهم، لكن في آخرها غاية الشرف لهم، قال ابن إسحاق: قوله: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ؛ أي: الدافع عنهما ما هَمّوا به من الْفَشَل؛ لأنَّ ذلك كان من وسوسة الشيطان من غير وَهْنٍ منهم. انتهى

(3)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: قول جابر رضي الله عنه: "ما نحب ألا تنزل" إنما قال ذلك؛

(1)

"عمدة القاري" 17/ 147.

(2)

"عمدة القاري" 17/ 147.

(3)

"الفتح" 9/ 128، كتاب "المغازي" رقم (4051).

ص: 685

لِمَا في آخرها من تولّي الله تعالى لِتِيْنَك الطَّائفتين مِن لُطْفه بهما، وعصمته إياهما، مما حَلّ بعبد الله بن أُبَيّ، من الإثم، والعار، والذَّم، وذلك قوله تعالى:{وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ؛ أي: متولي حِفظهما، وناصرهما. انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [43/ 6392](2505)، و (البخاريّ) في "المغازي"(4051) و"التفسير"(4558)، و (الحميديّ) في "مسنده"(2/ 528)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7288)، و (الطبريّ) في "تفسيره"(7728 و 7729)، و (البيهقيّ) في "الدلائل"(3/ 221)، و (البغوي) في "تفسيره"(1/ 347)، و (سعيد بن منصور) في "سننه"(2/ 362)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(2/ 148)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الأنصار، ولا سيّما الحيّان، بني سلِمة، وبني حارثة؛ إذ أخبر الله عز وجل أنه وليّهما.

2 -

(ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة.

3 -

(ومنها): بيان حرص الطائفتين المذكورتين على حصول الكرامة عند الله، وإن كان فيه غضاضة منهم، إذ أحبّوا نزول الآية، وإن كان أولها غضًّا منهم، إلَّا أن آخرها سَتَر ذلك، وأخفاه، وأظهر الشرف المؤبّد لهم، فلذلك قالوا:"وما نحبّ أنَّها لَمْ تنزل؛ لقول الله عز وجل: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} "، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6393]

(2506) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ

(1)

"المفهم" 6/ 467.

ص: 686

زيدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ، وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأنصَارِ").

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ) بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، ثقةٌ [3] مات سنة بضع ومائة (ع) تقدم في "العتق" 2/ 3767.

2 -

(زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي المشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في "سورة المنافقين"، نزل الكوفة، ومات بها سنة ستّ، أو ثمان وستين (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 7/ 1208.

والباقون تقدّموا قريبًا.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، فكوفيّ، وأن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من أفاضل الصحابة رضي الله عنهم، فقد أنزل الله عز وجل في تصديقه سورة كاملة، كما أسلفناه آنفًا.

شرح الحديث:

(عَنْ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ) رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ، وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ") وفي نسخة: "ولأبناء أبناء الأنصار"، ولهذا الحديث سبب، بيّنه البخاريّ في "صحيحه"، فقد أخرج من طريق موسى بن عقبة قال: حدّثني عبد الله بن الفضل؛ أنه سمع أنس بن مالك يقول: حَزِنت على من أصيب بالحرّة، فكتب إليّ زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"اللَّهُمَّ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار"، وشك ابن الفضل في: أبناء أبناء الأنصار، فسأل أنسًا بعض من كان عنده، فقال: هو الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا الذي أوفى الله له بأُذُنه". انتهى

(1)

.

(1)

"صحيح البخاريّ" 4/ 1862.

ص: 687

قال القرطبيّ رحمه الله: ظاهر هذا الحديث الانتهاءُ بالاستغفار إلى البطن الثالث، فيمكن أن يكون ذلك؛ لأنهم من القرون التي قال فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم:"خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"

(1)

، ويمكن أن تشملَ بركةُ هذا الاستغفار المؤمنين من الأنصار إلى يوم القيامة؛ مبالغة في إكرام الأنصار، لا سيما إذا كانت نية الأولاد فعلَ مثال ما سبق إليه الأجداد، ويُؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى:"ولذراريّ الأنصار". انتهى

(2)

.

قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الاحتمال الثاني هو الأظهر؛ للرواية المذكورة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

[تنبيه]: نقل المناويّ عن الذهبيّ أنه قال: أبناء الأنصار ليسوا من الأنصار، كما أن أبناء المهاجرين ليسوا من المهاجرين، ولا أولاد الأنبياء بأنبياء، ويوضحه حديث:"اللَّهُمَّ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار"، قال: وبُغض الأنصار من الكبائر. انتهى

(3)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [43/ 6393 و 6394](2506)، و (البخاريّ) في "التفسير"(4906)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3909)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(6/ 86)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(19914)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(680 و 683)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 139 و 156 و 162 و 213 و 216 - 217)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(12/ 160)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(5/ 376)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7280 و 7281)، و (ابن الجعد) في "مسنده"(1/ 86)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(5104 و 5105)،

(1)

متّفقٌ عليه.

(2)

"المفهم" 6/ 469.

(3)

"فيض القدير" للمناويّ 1/ 62.

ص: 688

و (أبو القاسم البغويّ) في "الجعديّات"(3316)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3968)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6394]

(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).

رجال هذا الإسناد: ثلاثة:

1 -

(يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [10] (ت 248) وقيل: بعدها (م 4) تقدم في "الإيمَان" 14/ 165.

2 -

(خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [10](186)(ع) تقدم في "الإيمان" 35/ 243.

و"شعبة" ذُكر قبله.

[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فلْيُنْظَر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6395]

(2507) - (حَدَّثَنِي أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ -وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ-؛ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَغْفَرَ لِلأَنْصَارِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: "وَلِذَرَارِيِّ الأَنْصَارِ، وَلِمَوَالِي الأَنْصَارِ"، لَا أَشُكُّ فِيهِ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ) زيد بن يزيد البصريّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) الحنفيّ اليماميّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) اليماميّ، تقدّم قبل بابين.

4 -

(إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم قريبًا.

5 -

(أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا.

شرح الحديث:

عن (إسحاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ؛ (أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ

ص: 689

رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَغْفَرَ للِأَنْصَارِ، قَالَ) إسحاق:(وَأَحْسِبُهُ)؛ أي: أظنّ أنسًا (قَالَ: "وَلِذَرَارِيِّ الأَنْصَارِ)؛ أي: واستغفر أيضًا لذراريّ الأنصار، وهو جَمْع ذُرّيّة -مثلّثة الذال-: النسل.

وأخرج الترمذيّ من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، حدّثنا النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم؛ أنه كتب إلى أنس بن مالك يُعَزِّيه، فيمن أصيب من أهله، وبني عمه، يوم الحرّة، فكتب إليه: إني أبشّرك ببشرى من الله، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"اللَّهُمَّ اغفر للأنصار، ولذراريّ الأنصار، ولذراريّ ذراريّهم"، قال الترمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى

(1)

.

وأخرج ابن حبّان في "صحيحه" عن معاذ بن رفاعة الزُّرَقيّ، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اغفر للأنصار، ولذراريّ الأنصار، ولذراريّ ذراريّهم، ولمواليهم، ولجيرانهم". انتهى.

وأخرج ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" من طريق عبد الله بن المنيب بن أبي أمامة الأنصاريّ، عن أبيه، قال: سمعت أنسًا رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللَّهُمَّ اغفر لأزواج الأنصار، ولذراريّ الأنصار". انتهى

(2)

.

(وَلِمَوَالِي الأَنْصَارِ")؛ أي: واستغفر أيضًا لموالي الأنصار، وهو جَمْع مولى، والمراد: من والاهم بالعتق، أو بالحِلْف، أو بالإسلام، وقوله:(لَا أَشُكُّ فِيهِ)؛ أي: لست أشكّ في ذِكره في الحديث: "ولموالي الأنصار"، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [43/ 6395](2507)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 156)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7282)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط"

(1)

"جامع الترمذيّ " 5/ 713.

(2)

"الآحاد والمثاني" 3/ 359.

ص: 690

(2/ 342)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(3/ 357 و 359)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6396]

(2508) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ -وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ -وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى صِبْيَانًا، وَنِسَاءً مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُمْثِلًا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ"؛ يَعْنى: الأَنْصَارَ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، المعروف بابن عُلَيّة، ثقةٌ حافظٌ [8](ت 193) وهو ابن ثلاث وثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.

2 -

(عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ -بموحّدة، ونونين- البصريّ، ثقةٌ [4](ت 130)(ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 3.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ستّة أبواب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (493) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني بغداديّ، وفيه أنس رضي الله عنه، وقد تقدّم القول فيه.

شرح الحديث:

(عَنْ أنسٍ) رضي الله عنه؛ (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى صِبْيَانًا) بكسر الصاد، وضمّها: جمع صبيّ، وهو الصغير. (وَنِسَاءً)، وقوله:(مُقْبِلِينَ) نَعْت لـ "صبيانًا"، حُذف نظيره لـ "نساءً"، أو هو نَعْت لهما على تغليب الذكور، وقوله:(مِنْ عُرْسٍ) متعلّق بـ "مقبلين"، وهو بضمّ العين والمهملة، وسكون الراء: الزفاف

(1)

، أَو

(1)

"الزِّفاف" ككتاب: إهداء العروس إلى زوجها. اهـ. "المصباح" 1/ 254.

ص: 691

طعامه، قال الفيّوميّ رحمه الله: العُرْسُ بالضم: الزِّفَاف، ويُذَكَّر، ويؤنَّث، فيقال: هو العُرْسُ، والجمع: أَعْرَاسٌ، مثلُ قُفْل وأَقْفَال، وهي العُرْسُ، والجمع: عُرْسَاتٌ، ومنهم من يقتصر على إيراد التأنيث، والعُرْسُ أيضًا: طعامُ الزِّفَاف، وهو مذكَّرٌ؛ لأنه اسم للطعام. انتهى

(1)

.

(فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُمْثِلًا) قال في "العمدة": هو بضم الميم الأولى، وفتح الثانية، وكسر الثاء المثلثة المشدّدة، من باب التفعيل؛ أي: منتصبًا قائمًا، قال ابن التين: كذا وقع رباعيًّا، والذي ذكره أهل اللغة: مَثُلَ الرجلُ بفتح الميم، وضم المثلثة، مُثُولًا: إذا انتصب قائمًا، ثلاثيّ. انتهى.

وتعقّبه العينيّ، فقال: كأن غرضه الإنكار على الذي وقع هنا، وليس بموجَّه؛ لأن "مُمَثِّلًا" معناه هنا: مُكَلِّفًا نفسه ذلك، وطالبًا ذلك، فلذلك عَدَّى فِعله، وأما مَثُل الذي هو ثلاثيّ، فهو لازم غير متعدّ، قال: وفي رواية "النكاح": "مُمْتَنًّا" بفتح التاء المثناة، من فوقُ، وبالنون، من المنّة؛ أي: متفضلًا عليهم. انتهى

(2)

.

وقال في "الفتح" بعد نقل كلام ابن التين المذكور ما نصّه: وفي رواية تأتي في "النكاح": "مُمَثِّلًا" بالتشديد؛ أي: مكَلِّفًا نفسه ذلك، فلذلك عُدِّي فِعله، قاله عياض، ووقع في "النكاح" بلفظ:"مُمْتِنًا" بضم أوله، وسكون ثانية، وكسر المثناة، بعدها نون؛ أي: طويلًا، أو هو من الْمِنّة؛ أي: عليهم، فيكون بالتشديد. انتهى

(3)

.

وقال في "كتاب النكاح": قوله: "فقام مُمْتَنًّا" بضم الميم، بعدها ميم ساكنة، ومثناة مفتوحة، ونون ثقيلة، بعدها ألف؛ أي: قام قيامًا قويًّا، مأخوذ من الْمُنَّة، بضم الميم، وهي القوّة؛ أي: قام إليهم مسرعًا، مشتدًّا في ذلك، فَرَحًا بهم.

وقال أبو مروان بن سراج، ورجحه القرطبيّ أنه من الامتنان؛ لأن من قام له النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأكرمه بذلك، فقد امْتَنّ عليه بشيء لا أعظم منه، قال: ويؤيده قوله بعد ذلك: "أنتم أحبّ الناس إليّ".

(1)

"المصباح المنير" 2/ 402.

(2)

"عمدة القاري" 16/ 258.

(3)

"الفتح" 8/ 488، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3785).

ص: 692

ونقل ابن بطال عن القابسيّ قال: قوله: "ممتنًا"؛ يعني: متفضلًا عليهم بذلك، فكأنه قال: يمتن عليهم بمحبته.

ووقع في رواية أخرى: "مَتِينًا" بوزن عظيم؛ أي: قام قيامًا مستويًا منتصبًا طويلًا.

ووقع في رواية ابن السكن: "فقام يمشي"، قال عياض: وهو تصحيف.

قال الحافظ: ويؤيد التأويل الأول ما تقدم في "فضائل الأنصار" بلفظ: "فقام مُمْثِلًا" بضم أوله، وسكون الميم الثانية، بعدها مثلّثة مكسورة، وقد تفتح، وضُبط أيضًا بفتح الميم الثانية، وتشديد المثلّثة، والمعنى: منتصبًا قائمًا، قال ابن التين: كذا وقع في البخاريّ، والذي في اللغة مَثُل، بفتح أوله، وضمّ المثلثة، وبفتحها قائمًا يَمْثُل، بضم المثلثة مُثُولًا، فهو ماثل: إذا انتصب قائمًا، قال عياض: وجاء هنا مُمَثِّلًا؛ يعني: بالتشديد؛ أي: مكلفًا نفسه ذلك. انتهى.

ووقع في رواية الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان، عن إبراهيم بن الحجاج، عن عبد الوارث:"فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم لهم مَثِيلًا" بوزن عظيم، وهو فَعِيل، من ماثل، وعن إبراهيم بن هاشم، عن إبراهيم بن الحجاج مثله، وزاد: يعني: ماثلًا. انتهى

(1)

.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("اللَّهُمَّ) قدّم ذِكره إشارة إلى تأكيد الأمر، فكأنه يستشهد الله عز وجل على أنهم من أحبّ الناس إليه.

وقال في "الفتح": وتقديم لفظ "اللَّهُمَّ " يقع للتبرك، أو للاستشهاد بالله في صدقه. انتهى

(2)

.

(أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ") كرّره للتأكيد، ولفظ البخاريّ:"اللَّهُمَّ أنتم من أحبّ الناس إليّ، قالها ثلاث مرار"، وقوله:(يَعْنِي: الأَنْصَارَ) العناية من بعض الرواة، من أنس، أو غيره، والله تعالى أعلم.

(1)

"الفتح" 11/ 549، كتاب "النكاح" رقم (5180).

(2)

"الفتح" 11/ 549، كتاب "النكاح" رقم (5180).

ص: 693

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [43/ 6396](2508)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3785) و"النكاح"(5180)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(6/ 398)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 175)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(3/ 330 و 347)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة) في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الأنصار، حيث كانوا من أحبّ الناس إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.

2 -

(ومنها): بيان جواز شهود النساء، والصبيان للأعراس؛ لأنها شهادة لهم عليها، ومبالغة في الإعلان بالنكاح.

3 -

(ومنها): بيان جواز القيام للترحيب بالقادم.

4 -

(ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من التواضع وحُسْن العِشرة، وكونه لا يميّز بين الكبير والصغير، والرجال والنساء، فيحترم كلًّا بما يليق به، ويؤانسهم، ويتودّد إليهم، ففيه مصداق قوله عز وجل:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4]، وقوله:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128]، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6397]

(2509) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَخَلَا بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ"، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).

ص: 694

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قريبًا.

2 -

(هِشَامُ بْنُ زَيْدِ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [5](ع) تقدم في "الحيض" 6/ 714.

والباقون ذُكروا في الباب.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية الراوي عن جدّه، فأنس رضي الله عنه جدّ هشام، وفيه أنس رضي الله عنه، وقد سبق القول فيه.

شرح الحديث:

(عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ) بن أنس الأنصاريّ المدنيّ؛ أنه قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يُعرف اسمها، زاد في رواية البخاريّ:"ومعها صبيّ لها"، (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ) أنس: (فَخَلَا)؛ أي: انفرد (بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) قال النوويّ رحمه الله: هذه المرأة إما مَحْرم له صلى الله عليه وسلم؛ كأم سُليم، وأختها، وإما المراد بالخلوة أنها سألته سؤالًا خفيًّا بحضرة ناس، ولم تكن خلوة مطلقة، وهي الخلوة المنهيّ عنها. انتهى

(1)

.

وفي رواية البخاريّ: "فكلّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال في "الفتح"؛ أي: أجابها عما سألته، أو ابتدأها بالكلام تأنيسًا

(2)

. (وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: ("وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ) معاشر الأنصار (لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ") قال ابن حبّان في "صحيحه" بعد إخراج الحديث ما نصّه: مُعَوّل هذه الأخبار كلِّها على "من"، فحُذف "من" منها. انتهى

(3)

.

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 68.

(2)

"الفتح" 8/ 488، كتاب "النكاح" رقم (3786).

(3)

"صحيح ابن حبّان" 16/ 261.

ص: 695

وقال في "الفتح": هذا على طريق الإجمال؛ أي: مجموعكم أحب اليّ من مجموع غيركم، فلا يعارض قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الماضي، في جواب: مَن أحب الناس إليك؟ قال: "أبو بكر. . ." الحديث، وقوله:(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)؛ أي: كرّر هذا الكلام للتأكيد ثلاث مرّات، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [43/ 6397 و 6398](2509)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3785) و"النكاح"(5180)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 88) و"فضائل الصحابة"(1/ 67)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(5/ 87)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 129)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان منقبة عظيمة للأنصار رضي الله عنهم.

2 -

(ومنها): أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرًّا لا يقدح في الدِّين عند أَمْن الفتنة، قال الإمام البخاريّ رحمه الله في "صحيحه":"باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس"، قال في "العمدة": أي: هذا باب في بيان ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة، حاصله: أن الرجل الأمين ليس عليه بأس إذا خلا بامرأة في ناحية من الناس لِمَا تسأله عن بواطن أمرها في دينها، وغير ذلك من أمورها، وليس المراد من قوله:"أن يخلو الرجل" أن يغيب عن أبصار الناس، فلذلك قيّده بقوله:"عند الناس"، وإنما يخلو بها حيث لا يَسمع الذي بالحضرة كلامَها، ولا شكواها إليه.

[فإن قلت]: ليس في حديث الباب أنه خلا بها عند الناس.

[قلت]: قول أنس في الحديث: "فخلا بها" يدل على أنه كان مع الناس، فتنحى بها ناحيةً؛ لأن أنسًا الذي هو راوي الحديث كان هناك، وجاء في بعض طرقه أنه كان معها صبيّ أيضًا، فصحّ أنه كان عند الناس، ولا سيما

ص: 696

أنهم سمعوا قوله صلى الله عليه وسلم: "أنتم أحبّ الناس إليّ" يريد بهم الأنصار، وهم قوم المرأة. انتهى

(1)

.

وقال في "الفتح" عند شرح الترجمة المذكورة: أي: لا يخلو بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، بل بحيث لا يسمعون كلامهما، إذا كان بما يخافَت به؛ كالشيء الذي تستحي المرأة من ذِكره بين الناس، وأَخَذ المصنّف قوله في الترجمة:"عند الناس" من قوله في بعض طرق الحديث: "فخلا بها في بعض الطرق، أو في بعض السِّكَك"، وهي الطرق المسلوكة التي لا تنفك عن مرور الناس غالبًا. انتهى

(2)

.

3 -

(ومنها): بيان سَعَة حلم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتواضعه، وصبره على قضاء حوائج الصغير والكبير.

4 -

(ومنها): بيان تعليم الأمّة في كيفية الخلوة بالمرأة، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6398]

(. . .) - (حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا. حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قبل باب.

2 -

(ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس الأوديّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب.

وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لخالد بن الحارث، وعبد الله بن إدريس.

[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث عن شعبة ساقها النسائيّ رحمه الله في "الكبرى"، فقال:

(1)

"عمدة القاري" 20/ 214.

(2)

"الفتح" 9/ 333.

ص: 697

(8329)

- أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا خالد، قال: أنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس؛ أن امرأة أتته

(1)

، ومعها صبيّ لها، تكلّمه، فقال:"والذي نفسي بيده، إنكم لأحبّ الناس إليّ" ثلاث مرات، كأنه يعني نفسه. انتهى

(2)

.

ورواية عبد الله بن إدريس ساقها النسائيّ في "الكبرى" أيضًا، ولكنه قاله:"عن هشام"، بدل شعبة، فقال:

(8330)

- أخبرنا محمد بن العلاء، قال: أنا ابن إدريس، قال: أنا هشام عن هشام بن زيد بن أنس، عن جدّه أنس، قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"والذي نفسي بيده إنكم من أحبّ الناس إليّ، مَنْ أحبهم فبي أحبهم، ومن أبغضهم فبي أبغضهم". انتهى

(3)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هكذا رواية النسائيّ، "عن هشام" بدل شعبة، والظاهر أنه هشام الدستوائيّ، ولعل الحديث مروي عنهما جميعًا، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6399]

(2510) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الأَنْصَارَ كَرِشِي، وَعَيْبَتِي، وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرُونَ، وَيَقِلُّونَ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

وكلهم ذُكروا في الباب.

شرح الحديث:

(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الأَنْصَارَ

(1)

الضمير للنبيّ صلى الله عليه وسلم، لا لأنس، وكذا قوله:"كأنه يعني نفسه".

(2)

"السنن الكبرى" 5/ 87.

(3)

"السنن الكبرى" 5/ 88.

ص: 698

كَرِشِي) -بفتح الكاف، وكسر الراء-؛ أي: بطانتي، وخاصتي، قال القزّاز: ضرب المثل بالكَرِش؛ لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، ويقال لفلان: كَرِش منثورة؛ أي: عيال كثيرة. (وَعَيْبَتِي) -بفتح العين المهملة، وسكون المثناة، بعدها موحّدة- ما يَحْرُز فيه الرجل نفيس ما عنده، يريد أنهم موضع سرّه، وأمانته، قال ابن دريد: هذا من كلامه صلى الله عليه وسلم الموجَز الذي لم يُسْبَق إليه، وقال غيره: الكرش بمنزلة المعدة للإنسان، والعيبة مُستودَع الثياب، والأول أمر باطن، والثاني أمر ظاهر، فكأنه ضَرَب المَثَل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الباطنة والظاهرة، والأول أَولى، وكلّ من الأمرين مستودَع لِمَا يخفى فيه، ذَكَره في "الفتح"

(1)

.

وقال النوويّ رحمه الله: "كريشي، وعيبتي" قال العلماء: معناه: جماعتي، وخاصّتي الذين أَثِقُ بهم، وأعتمدهم في أموري، قال الخطابيّ: ضَرَب مثلًا بالكرش؛ لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون به بقاؤه، والعيبة: وعاءٌ معروف، أكبر من الْمِخلاة، يحفظ الإنسان فيها ثيابه، وفاخر متاعه، ويصونها، ضَرَبها مَثَلًا؛ لأنهم أهل سرّه، وخفيّ أحواله. انتهى

(2)

.

وقال القرطبيّ رحمه الله: "كَرِشي، وعيبتي"؛ أي: جماعتي التي أنضمُّ إليها، وخاصتي التي أُفضي بأسراري إليها، والكَرِش لِمَا يجترّ؛ كالمعدة للإنسان، والْحَوْصلة للطائر، والكرش مؤنثة، وفيها لغتان: كَرِش -بفتح الكاف، وكسر الراء-. وكِرْش -بكسر الكاف وسكون الراء-: مثل كَبِد وكِبْد، وكرشُ الرجل: عيالُه، وصغارُ وَلَده، والكرش: الجماعة، وهي الْمَعْنِيّةُ بالحديث، وأصلُ العيبة: ما تُجعل فيه الثياب الرفيعة، والجمع عِيَب، كَبَذرَةٍ وبِدَر، وتُجمع أيضًا: عِيابًا وعَيبات. انتهى

(3)

.

(وَإِنَّ النَّاسَ)؛ أي: غير الأنصار (سَيَكْثُرُونَ، وَيَقِلُّونَ)؛ أي: الأنصار، (فَاقْبَلُوا) بوصل الهمزة، أمْر من قَبِل، من تعِبَ، ومفعوله محذوف دلّ عليه

(1)

"الفتح" 8/ 500 رقم (3801)، و"عمدة القاري" 16/ 266.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 68.

(3)

"المفهم" 6/ 467 - 468.

ص: 699

قوله: (مِنْ مُحْسِنِهِمْ)؛ أي: اقبلوا الإحسان ممن أحسن منهم، (وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ"). وفي بعض النسخ:"عن سيّئاتهم"؛ أي: تجاوزوا عن إساءة من أساء منهم؛ لأنهم أهل ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى وَعَد المؤمنين أن يقبل منهم الإحسان، وتجاوزوا عن السيّئات، فقال عز وجل:{أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)} [الأحقاف: 16]، فينبغي للمسلمين، ولا سيّما ولاة الأمور أن يعاملوا الأنصار، بل وغيرهم من المسلمين هذه المعاملة، وهذا لا يقتضي أن يعفوا عما يوجب الحدود، بل هو قاصر على ما لم يبلغ الحدود، وحقوق الناس، من المخالفات.

4 -

(ومنها): إقالة عثرات ذوي الهيئات؛ إذا لم يبلغ الحدود، أو يتعلّق بحقوق الناس، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [43/ 6399](2510)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3799 و 3801)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3907)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 87 و 91)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(6/ 371)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(6/ 399 و 7/ 418)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 176 و 272)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(332)، و (الحميديّ) في "مسنده"(2/ 505)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط"(2/ 119) و"الصغير"(2/ 221) و"الكبير"(1/ 204)، و (أبو يعلى) في "مسنده"(5/ 351 و 476)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الأنصار رضي الله عنهم حيث جعلهم النبيّ صلى الله عليه وسلم من خواصّه، ومواضع سرّه.

2 -

(ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، وذلك حيث أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقلّة الأنصار، وكثرة الناس، فوقع كما أخبر.

ص: 700

3 -

(ومنها): بيان جواز خلوة الرجل بالمرأة الأجنبيّة إذا كان الناس يشاهدونهما، كأن يكونا في الطريق، كما يقع في ركوب السيّارات، ونحو ذلك، وإنما يُمنع الخلوة بها إذا انفرد بها بحيث لا يراهما أحد، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(44) - (بَابٌ فِي خَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ رضي الله عنهم

-)

وبالسند المتصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6400]

(2511) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ"، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا، فَقِيلَ: قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ).

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي قبله، غير واحد، وهو:

1 -

(أَبُو أُسَيْدٍ) مالك بن ربيعة بن الْبَدَن الأنصاريّ الساعديّ مشهور بكنيته، وهي بصيغة التصغير، حَكَى البغويّ فيه خلافًا في فتح الهمزة، قال الدُّوريّ عن ابن معين: الضم أصوب، شَهِد بدرًا وأُحُدًا، وما بعدها، وكان معه راية بني ساعدة يوم الفتح، ومات سنة ستين، وهو ابن ثمان، وقيل: خمس وسبعين، وقيل: ثمانين، وهو آخر البدريين موتًا، وقيل: مات سنة أربعين، وقيل: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، قال أبو عمر: هذا خلاف متباين جدًّا، تقدّمت ترجمته في "كتاب صلاة المسافرين" برقم [11/ 1652](713)، ولطائف الإسناد تقدّمت.

ص: 701

شرح الحديث:

(عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وفي رواية معلّقة عند البخاريّ: "سمعت أنسًا"، (عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) بالتصغير، وقيل: بالتكبير، مالك بن ربيعة رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ)؛ أي: خير قبائلهم.

قال القرطبيّ رحمه الله: أصلُ الدار: المنزل الذي يُقام فيه، ويُجمع في القلّة: أدوُر، بواو مضمومة، وقد أبدلوا من الضمة همزة؛ استثقالًا للضمَّة على الواو، ويُجمع في الكثرة على ديار، ودُور، والدار مؤنثة، ثم قد يُعبَّر بالدار عن ساكنها، كما جاء في هذا الحديث، فإنه أراد بالديار: القبائل، وخير؛ يعني: أخْيَر؛ أي: أكثر خيرًا، وتفضيل بعض هذه القبائل على بعض إنما هو بحسب سَبْقهم للإسلام، وأفعالهم فيه، وتفضيلُهم خبر من الشارع عمّا لهم عند الله تعالى من المنازل والمراتب، فلا يُقدَّمُ من أخّر، ولا يؤخَّر من قدَّم.

وقد اختلفت الرواياتُ في بني النَّجار، وبني عبد الأشهل، ففي رواية أبي أُسيد: تقديم بني النَّجّار علي بني عبد الأشهل، ومَن بعدهم، وفي رواية أبي هريرة: تقديم بني عبد الأشهل علي بني النجار، ومَن بَعدَهم، وهذا تعارضٌ مُشكِل، غير أن الأَولى رواية أبي أُسَيد لقرابة بني النجار من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم، فإنهم أخوالُه، كما قدَّمنا، ولاختصاص نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وكونه عندهم، وهذه مزيَّة لا يلحقهم أحدٌ فيها، وغَضَبُ سعدِ بن عبادة لَمّا ذُكرتْ دارُه آخر الديار بادرةٌ أصدرها عنه منافستُه في الخير، وحرصُه على تحصيل الثواب والأجر؛ فلما نُبّه على ما ينبغي له سلَّم السَّبق لأهله، وشكرَ الله تعالى على ما آتاه مِن فضله. انتهى

(1)

.

وقال النوويّ رحمه الله: قوله: "خير دور الأنصار"؛ أي: خير قبائلهم، وكانت كل قبيلة منها تسكن محلة، فتسمى تلك المحلة دار بني فلان، ولهذا جاء في كثير من الروايات: بنو فلان من غير ذِكر الدار. انتهى

(2)

.

(بَنُو النَّجَّارِ) -بفتح النون، وتشديد الجيم- وهذا من باب إطلاق المحلّ وإرادة الحالّ، أو خَيْريتها بسبب خيرية أهلها، والنجّار هو: تيم الله بن ثعلبة بن

(1)

"المفهم" 6/ 470 - 472.

(2)

"شرح النوويّ" 16/ 69.

ص: 702

عمرو بن الخزرج، والخزرج أخو الأوس ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقيا بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن، وهو جماع غسان بن الأزد بن الغوث بن يشجب بن ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام والأزد يقال له: الأَسْد أيضًا بالسين.

وقحطان فعلان من القحط، وهو الشدّة، ويقال: شيء قحيط؛ أي: شديد. وسمّي تيم الله بالنجار؛ لأنه اختتن بقدوم، وقيل: جَرَح رجلًا بالقدوم، فسمّي النجار، وبنو النجار هم رهط سعد بن معاذ، وأبي أيوب، ومنهم أبو قيس صِرْمة بن مالك بن عديّ بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجار النجاريّ ترهّب في الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، وهَمَّ بالنصرانية، ثم أمسك عنها، وقال: أعبد رب إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلما قَدِمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم، فحَسُن إسلامه.

وأما الطائفة النجارية، فتُنسب إلى حسين النجار، أخذ عن بشر بن غياث المريسي القائل بخلق القرآن، ذَكَره في "العمدة"

(1)

.

(ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ) هم من الأوس، وعبد الأشهل بن جشم بن الحرث بن الخزرج الأصغر بن عمرو، وهو النبيت بن مالك بن أوس بن حارثة، وبقية النسب قد مرّت الآن، وقال ابن دريد: زعموا أن الأشهل صنم، والنسبة إليه أشهليّ، منهم أُسيد بن حُضير بن سماك بن عتيك بن إمرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، قاله في "العمدة"

(2)

.

وقال في "الفتح": قوله: "ثم بنو عبد الأشهل" هم من الأوس، وهو عبد الأشهل بن جُشم بن الحارث بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة، كذا وقع في هذه الطريق، ولكن وقع في رواية معمر عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال

(1)

"عمدة القاري" 16/ 259 - 260.

(2)

"عمدة القاري" 16/ 260.

ص: 703

رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ "، قالوا: بلى، قال: بنو عبد الأشهل، وهم رهط سعد بن معاذ" قالوا، ثم من يا رسول الله؟ قال: "ثم بنو النجار. . ." فذكر الحديث، وفي آخره: قال معمر: وأخبرني ثابت، وقتادة؛ أنهما سمعا أنس بن مالك يذكر هذا الحديث، إلا أنه قال: "بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل"، أخرجه أحمد، وأخرجه مسلم من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ دون ما بعده، من رواية معمر، عن ثابت، وقتادة، وأخرج مسلم أيضًا من طريق أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن أبي أُسيد مثل رواية أنس، عن أبي أُسيد.

فقد اختُلِف على أبي سلمة في إسناده، هل شيخه فيه أبو أُسيد، أو أبو هريرة؟ ومتنه هل قَدَّم عبد الأشهل علي بني النجار، أو بالعكس؟

وأما رواية أنس في تقديم بني النجار، فلم يُختلف عليه فيها، ويؤيدها رواية إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن أبي أُسيد، وهي عند مسلم أيضًا، وفيها تقديم بني النجار علي بني عبد الأشهل.

وبنو النجار هم أخوال جد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل لمّا قَدِم المدينة، فلهم مزية على غيرهم، وكان أنس منهم، فله مزيد عناية بحفظ فضائلهم. انتهى

(1)

.

(ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ)؛ أي: الأكبر؛ أي: ابن عمرو بن مالك بن الأوس المذكور ابن حارثة

(2)

، منهم رافع بن خَدِيج بن رافع بن عديّ بن زيد بن عمرو بن زيد بن جُشم بن الحارث بن الخزرج المذكور

(3)

.

(ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ) هم من الخزرج المذكور أيضًا، وساعدة هو: ابن كعب بن الخزرج، قال ابن دريد: ساعدة اسم من أسماء الأسد، منهم سعد بن عُبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الأنصاريّ الخزرجيّ الشاعر.

(1)

"الفتح" 8/ 491، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3789).

(2)

"الفتح" 8/ 491، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3789).

(3)

"عمدة القاري" 16/ 260.

ص: 704

وأبو حزيمة بفتح الحاء المهملة، وكسر الزاي، كذا قاله الدارقطنيّ، وقال أبو عمر: حليمة باللام موضع الزاي، وقال الخطيب: خُزيمة بضم الخاء المعجمة، وفتح الزاي، ويقال: خَزِيمة بكسر الزاي، قاله في "العمدة"

(1)

.

(وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ") قال في "الفتح": "خير" الأُولى بمعنى أفضل، والثانية اسم؛ أي: الفضل حاصل في جميع الأنصار، وإن تفاوتت مراتبه. انتهى

(2)

.

وقال في "العمدة": قوله: "وفي كل دور الأنصار خير" المذكور هنا لفظ "خير" في الموضعين، الأول قوله:"خير دور الأنصار"، ولفظ خير فيه بمعنى أفعل التفضيل؛ أي: أفضل دور الأنصار؛ أي: قبائلهم، كما ذكرنا، والثاني: قوله: "وفي كل دور الأنصار خير"، ولفظ خير فيه على أصله؛ أي: في كل دور الأنصار؛ أي: في قبائلهم خير، وإن تفاوتت مراتبهم. انتهى

(3)

.

(فَقَالَ سَعْدٌ)؛ أي: ابن عبادة -بضم العين المهملة، وتخفيف الباء الموحدة- وهو من بني ساعدة أيضًا، وكان كبيرهم يومئذ، (مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) بفتح الهمزة، من الرؤية، وهي من إطلاقها على المسموع، ويَحْتَمِل أن يكون من الاعتقاد، ويجوز ضمها، بمعنى الظنّ، ووقع في رواية أبي الزناد:"فوجد سعد بن عبادة في نفسه، فقال: خُلِّفنا، فكنّا آخر الأربعة، وأراد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال له ابن أخيه سهل: أتذهب لتردّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم؟ أوَ ليس حسبك أن تكون رابع أربعة؟ فرجع"

(4)

.

(إِلَّا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا)؛ أي: قد فضّل النبيّ صلى الله عليه وسلم علينا بعض القبائل، وإنما كان ذلك؛ لأنه من بني ساعدة، ولم يذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم بني ساعدة إلا بكلمة "ثُمّ" بعد ذِكره القبائل الثلاثة

(5)

.

(1)

"عمدة القاري" 16/ 260.

(2)

"الفتح" 8/ 491، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3789).

(3)

"عمدة القاري" 16/ 260.

(4)

"الفتح" 8/ 491، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (3789).

(5)

"عمدة القاري" 16/ 260.

ص: 705

(فَقِيلَ) قال الحافظ: لم أقف على اسم الذي قال له ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون هو ابن أخيه المذكور قبلُ. انتهى. (قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ)؛ أي: على كثير من القبائل غير المذكورين من الأنصار، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أُسيد الساعديّ رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [44/ 6400 و 6401 و 6402 و 6403 و 6404 و 6405](2511)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار"(3789 و 3790 و 3807) و"الأدب"(6053)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3907)، و (النسائيّ) في "الكبرى"(5/ 90) و"فضائل الصحابة"(1/ 70)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1/ 193)، و (أحمد) في "مسنده"(3/ 496) وفي "فضائل الصحابة"(2/ 805)، و (البيهقيّ) في "الكبرى"(6/ 371)، و (ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني"(3/ 383 و 453)، و (الطبرانيّ) في "الكبير"(19/ 261)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل قبيلة الأنصار، وإثبات الخيريّة لهم.

2 -

(ومنها): بيان تفاوت فضل القبائل فيما بينهم، قال العلماء: وتفضيلهم على قَدْر سَبْقهم إلى الإسلام، ومآثرهم فيه.

3 -

(ومنها): أن فيه جوازَ تفضيل القبائل، والأشخاص بغير مجازفة، ولا هَوًى، ولا يكون هذا غيبة، قاله النوويّ رحمه الله

(1)

.

وقال ابن التين رحمه الله: فيه دليلٌ على جواز المفاضلة بين الناس لمن يكون عالِمًا بأحوالهم؛ لينبّه على فضل الفاضل، ومن لا يُلحق بدرجته في الفضل، فيُمتثلَ أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيل الناس منازلهم، وليس ذلك بغيبة، ذكره في "الفتح"

(2)

.

وقال الحافظ رحمه الله ما حاصله: إن مثل هذا يستثنى من عموم قوله:

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 69.

(2)

"الفتح" 13/ 609، كتاب "الأدب" رقم (6053).

ص: 706

"ذِكرك أخاك بما يكره"، ويكون محل الزجر إذا لم يترتب عليه حكم شرعيّ، فأما ما يترتب عليه حكم شرعيّ، فلا يدخل في الغيبة، ولو كرهه المحدَّث عنه، ويدخل في ذلك ما يُذكر لقصد النصيحة من بيان غلط من يُخْشَى أن يُقَلَّد، أو يغتر به في أمرٍ ما، فلا يدخل ذكره بما يَكره من ذلك في الغيبة المحرمة. انتهى

(1)

، وهو بحث مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6401]

(. . .) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيِ أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ؛ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ).

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، غير واحد، وهو:

1 -

(أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.

[تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ عن شعبة هذه ساقها هو في "مسنده"، فقال:

(1355)

- حدّثنا

(2)

يونس، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يحدّث عن أبي أُسيد الأنصاريّ، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، وبنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير"، قال: وقيل: فَضَّل علينا، قال: فقيل: فضَّلكم على كثير. انتهى

(3)

.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6402]

(. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَ سَعْدٍ).

(1)

"الفتح" 13/ 609، كتاب "الأدب" رقم (6053).

(2)

قائل "حدّثنا" هو: الراوي عن يونس بن حبيب تلميذ أبي داود.

(3)

"مسند الطيالسيّ" 1/ 193.

ص: 707

رجال هذا الإسناد: تسعة:

1 -

(قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمح المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المصريّ الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا.

4 -

(عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عبيد الدّراوَرْديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يُحَدِّث من كُتُب غيره، فيخطئ، قال النسائيّ: حديثه عن عبيد الله العُمريّ منكر [8](ت 6 أو 187)(ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 135.

5 -

(ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثمّ المكّيّ، تقدّم قريبًا.

6 -

(عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [8](ت 194) عن نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" 17/ 173.

7 -

(يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، أبو سعيد القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [5](ت 144) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 36.

والباقيان ذُكرا قبله.

وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ يعني: أن حديث يحيى بن سعيد عن أنس رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل حديث قتادة عن أنس، عن أبي أُسيد، والفرق بين روايتيهما أن قتادة جعله من مسند أبي أُسيد رضي الله عنه، وأما يحيى فجعله من مسند أنس رضي الله عنه، ويُجمع بينهما أن أنسًا رضي الله عنه سمعه من أبي أُسيد، ثمّ سمعه من النبيّ رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.

وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَ سَعْدٍ)؛ يعني: أن يحيى بن سعيد لا يذكر في حديثه قول سعد عُبادة: "ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فضّل علينا. . . إلخ".

[تنبيه]: رواية الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه" بسند المصنّف، فقال:

(4994)

- حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ؛ أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير دور

ص: 708

الأنصار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "بنو النجار، ثم الذين يلونهم بنو عبد الأشهل، ثم الذين يلونهم بنو الحارث بن الخزرج، ثم الذين يلونهم بنو ساعدة"، ثم قال بيده، فقبض أصابعه، ثم بسطهنّ كالرامي بيده، ثم قال: "وفي كل دور الأنصار خير". انتهى

(1)

.

وأما روايتا عبد العزيز الدراورديّ، وعبد الوهّاب الثقفيّ، فلم أجد من ساقهما، فليُنظرا، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6403]

(. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ- حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ خَطِيبًا عِنْدَ ابْنِ عُتْبَةَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، وَدَارُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، وَدَارُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَدَارُ بَنِي سَاعِدَةَ"، وَاللهِ لَوْ كنْتُ مُؤثِرًا بِهَا أَحَدًا لآثَرْتُ بِهَا عَشَيرَتِي).

رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [10](ت 234)(خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 4/ 19.

2 -

(مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) -بكسر الميم، وسكون الهاء- أبو جعفر الْجَمّال -بالجيم- ثقةٌ حافظٌ [10](ت 239) أو في التي قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" 26/ 212.

3 -

(حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المدنىّ، أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، أصله من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوقٌ، يَهِمُ [8](ت 6 أو 187)(ع) تقدم في "الصلاة" 42/ 1086.

4 -

(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ،

ثقةٌ [6](ت 137)(ع) تقدم في "الحج" 78/ 3298.

(1)

"صحيح البخاري" 5/ 2031.

ص: 709

5 -

(إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو إسحاق المدنيّ، وقيل: الكوفيّ، ثقةٌ [3].

رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمرو بن العاص، وابن عباس، وغيرهم.

وروى عنه ابن أخيه لأمه عبد الله بن حسن بن حسن، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، وعبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، وآخرون.

قال العجليّ، ويعقوب بن شيبة: ثقةٌ، زاد العجليّ: رجل صالحٌ، وقال مصعب الزبيريّ: استعمله ابن الزبير على خراج الكوفة، وبقي حتى أدرك هشام بن عبد الملك، وذكر هشام بن الكلبيّ أن أمه خولة بنت منظور بن زَبّان تزوجها أبوه، وقُتل يوم الجمل، وهي حامل بإبراهيم هذا، فيكون مولده سنة (36) وتكون روايته عن عمر مرسلة بلا شكّ، ووَهِمَ ابن حبان في "صحيحه" في ذلك وَهَمًا فاحشًا، وقال ابن سعد: كان شريفًا صارمًا، له عارضة، وإقدام، وكان قليل الحديث، وقال النسائيّ: كان أحد النبلاء، وذكره ابن حبان في "الثقات".

قال ابن المدينيّ، وأبو عبيد، وخليفة: مات سنة (110).

أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.

و"أبو أُسيد رضي الله عنه" ذُكر قبل حديث.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خُماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخيه، فالأول بغداديّ، والثاني رازيّ.

شرح الحديث:

(عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ) مالك بن ربيعة الساعديّ رضي الله عنه، حال كونه (خَطِيبًا عِنْدَ ابْنِ عُتْبَةَ) هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، عامل عمّه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما على المدينة، قاله النوويّ رحمه الله

(1)

. (فَقَالَ) أبو أُسيد رضي الله عنه: (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ

(1)

شرح النوويّ" 16/ 69 - 70.

ص: 710

دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، وَدَارُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) الظاهر أن الواوات في هذه الرواية تكون بمعنى "ثُمّ" بدليل الروايات الأخرى، والله تعالى أعلم. (وَدَارُ بَني الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَدَارُ بَنِي سَاعِدَةَ") قال أبو أُسيد رضي الله عنه: (وَاللهِ لَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا بِهَا)؛ أي: بهذه الفضيلة (أَحَدًا لآثَرْتُ بِهَا عَشِيرَتِي)؛ أي: أقاربي، وهم بنو ساعدة، كما يأتي مصرّحًا في الرواية التالية، والله تعالى أعلم.

والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف رحمه الله، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6404]

(. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: شَهِدَ أَبُو سَلَمَةَ لَسَمِعَ

(1)

أَبَا أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ يَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ"، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أُتَّهَمُ

(2)

أَنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَوْ كنْتُ كَاذِبًا لَبَدَأْتُ بِقَوْمِي بَنِي سَاعِدَةَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: خُلِّفْنَا، فَكُنَّا آخِرَ الأَرْبَعِ، أَسْرِجُوا لِي حِمَارِي، آتِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَلَّمَهُ ابْنُ أَخِيهِ سَهْلٌ، فَقَالَ: أَتَذْهَبُ لِتَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمُ؟ أَوَ لَيْسَ حَسْبُكَ أَنْ تَكُونَ رَابِعَ أَرْبَعٍ؟ فَرَجَعَ، وَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَأَمَرَ بِحِمَارِهِ، فَحُلَّ عَنْهُ).

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابورّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام -بمهملة، وزاي- الحزاميّ المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ، له غرائب [7] قال أبو داود: كان قد نزل عسقلان (ع) تقدم في "الطهارة" 26/ 653.

3 -

(أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [5] (ت 130) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 30.

(1)

وفي نسخة: "فسمع" بالفاء، وهو تصحيف، والله تعالى أعلم.

(2)

وفي نسخة: "أَأُتَّهَمُ؟ ".

ص: 711

4 -

(أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [3](ت 94) أو (104)(ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 423.

و"أبو أُسيد" رضي الله عنه ذُكر قبله.

وقوله: (قَالَ: شَهِدَ) القائل هو أبو الزناد، و"شهد" بمعنى أقسم؛ أي: أقسم أَبُو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عوف.

وقوله: (لَسَمِعَ) جواب القسم، ووقع في بعض النسخ:"فسمع" بالفاء بدل اللام، وهو تصحيف.

وقوله: (قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أُتَّهَمُ) بضم الهمزة، وتشديد التاء، وهو تقدير همزة الاستفهام، ووقع في بعض النسخ بذكرها:"أَأُتّهم"، والاستفهام للإنكار؛ أي: أنا أتّهم بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وقوله: (وَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ)؛ أي: بلغة تقديم النبيّ صلى الله عليه وسلم غير قومه على قومه بني ساعدة.

وقوله: (فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ) بكسر الجيم؛ أي: غضب.

وقوله: (وَقَالَ: خُلِّفْنَا)؛ أي: تُركنا خلف الناس، حيث جعلنا آخر الأربع.

وقوله: (أَسْرِجُوا لِي حِمَارِي)؛ أي: اجعلوا عليه سَرْجًا حتى أركبه لمراجعة النبيّ صلى الله عليه وسلم في تأخيرنا عن القوم.

وقوله: (وَكَلَّمَهُ ابْنُ أَخِيهِ سَهْلٌ) لم يُسمَّ أخو سعد.

والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف رحمه الله.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6405]

(. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "خَيْرُ الأَنْصَارِ، أَو خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ"، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ فِي ذِكْرِ الدُّورِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رضي الله عنه).

ص: 712

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرِ) بن كَنِيز -بفتح الكاف، وكسر النون، وزاي- أبو حفص الفلّاس الصيرفيّ الباهليّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [10](ت 249)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 38.

2 -

(حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ) اليشكريّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ [7](ت 161)(خ م د ت س) تقدم في "الحج" 83/ 3339.

3 -

(يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس، ويرسل [5] (ت 132) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 424.

والباقون ذُكروا في الباب، و"أبو داود" هو سليمان بن داود الطيالسيّ المذكور قبل ثلاثة أحاديث.

وقوله: (خَيْرُ الأَنْصَارِ، أَو خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ)"أو" هنا للشكّ من الراوي.

وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ فِي ذِكْرِ الدُّورِ) كان الأَولى أن يقول: بمثل حديثه؛ يعني: أن يحيى بن أبي كثير ساق الحديث عن أبي سلمة مثل سياق أبي الزناد عنه.

وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رضي الله عنه)؛ أي: لم يذكر يحيى قصة سعد بن عبادة المتقدّمة، وهي قوله:"وَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: خُلِّفْنَا، فَكُنَّا آخِرَ الأَرْبَعِ، أَسْرِجُوا لِي حِمَارِي". . . إلى آخره.

[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن هذه ساقها النسائيّ رحمه الله في "الكبرى"، فقال:

(8340)

- أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: أنا أبو داود، قال: أنا حرب بن شدّاد، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سلمة؛ أن أبا أُسيد الأنصاريّ حدّثه؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الأنصار، أو خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث، ثم بنو ساعدة". انتهى

(1)

، والله تعالى أعلم.

(1)

"السنن الكبرى" للنسائيّ 5/ 90.

ص: 713

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6406]

(2512) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ عَظِيمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: "أُحَدِّثُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو النَّجَّارِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ فِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ"، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مُغْضَبًا، فَقَالَ: أَنَحْنُ آخِرُ الأَرْبَعِ؟ حِينَ سَمَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَارَهُمْ، فَأَرَادَ كَلَامَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ: اجْلِسْ، أَلَا تَرْضَى أَنْ سَمَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَارَكُمْ فِي الأَرْبَعِ الدُّورِ الَّتي سَمَّى؟، فَمَنْ تَرَكَ، فَلَمْ يُسَمِّ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَمَّى، فَانْتَهَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم).

رجال هذا الإسناد: تسعة:

1 -

(عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا.

2 -

(عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

3 -

(يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [9](ت 208)(ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 141.

4 -

(أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [8](ت 185)(ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 141.

5 -

(صَالِحُ) بن كيسان المدنيّ، أبو محمد، أو أبو الحارث الغفاريّ، مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [4] مات بعد سنة ثلاثين، أو بعد الأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 141.

ص: 714

6 -

(ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قريبًا.

7 -

(أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه مكثر [3](ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ 2 ص 423.

8 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ، فقيهٌ، ثبتٌ [3] (ت 94) وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 14.

9 -

(أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه تقدّم قريبًا.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من يعقوب، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن تابعيَّين، وفيه أبو سلمة، وعبيد الله من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا.

شرح الحديث:

(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، (وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْنَا)، وفي بعض النُّسخ:"سمعا"، وعليه فيكون من باب الالتفات؛ إذ الظاهر أن يقولا: سمعنا (أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه صلى الله عليه وسلم جالس (فِي مَجْلِسٍ عَظِيمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: "أُحَدِّثُكُمْ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأُحدّثكم (بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ)؛ أي: حدّثنا به (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ" هذا يخالف حديث أبي أُسيد حيث إنه قدّم دور بني النجار، وقد تقدّم أن حديثه أرجح. (قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو النَّجَّارِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "ثُمَّ فِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ"، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) رضي الله عنه حال كونه (مُغْضَبًا، فَقَالَ: أَنَحْنُ)؛ يعني: نفسه، وقومه بني ساعدة (آخِرُ الأَرْبَعِ، حِينَ سَمَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَارَهُمْ، فَأَرَادَ كَلَامَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: تكليمه في تأخير دار

ص: 715

قومه عن الدور الثلاث، (فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ) بني ساعدة، ولم يسمّ أحد منهم، ويَحْتَمل أن يكون ابن أخيه سهل المتقدّم ذكره منهم.

(اجْلِسْ، أَلَا تَرْضَى أَنْ) بفتح الهمزة مصدريّة، (سَمَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَارَكُمْ فِي الأَرْبَعِ الدُّورِ الَّتِي سَمَّى؟)؛ أي: سمَّاها النبيّ صلى الله عليه وسلم (فَمَنْ تَرَكَ، فَلَمْ يُسَمِّ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَمَّى، فَانْتَهَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ يعني: أنه لم يكلّمه، وهذا يعارضه ما في حديث أبي حميد الساعديّ رضي الله عنه عند البخاريّ، ولفظه:"فأدرك سعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله خُيِّر دور الأنصار، فجُعلنا آخرًا، فقال: أوَ ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار"، ويمكن الجمع بأنه انتهى عن قصد رسول الله لذلك خاصّةً، ثم إنه لمّا لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت آخر ذَكَر له ذلك، أو الذي رجع عنه وتركه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار، والذي صدر منه ورد مورد المعاتبة المتلطفة، ولهذا قال له ابن أخيه في الأول: أتردّ على رسول الله أمره؟، أفاده في "الفتح"

(1)

، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [44/ 6406](2512)، و (النسائيّ) في "فضائل الصحابة"(238)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه"(11/ 61)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 267)، و (الطبرانيّ) في "مسند الشاميين"(4/ 178)، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(45) - (بَابٌ فِي حُسْنِ صُحْبَةِ الأَنْصَارِ رضي الله عنهم

-)

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6407]

(2513) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عَرْعَرَةَ -وَاللَّفْظُ لِلْجَهْضَمِيِّ- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،

(1)

"الفتح" 8/ 492.

ص: 716

قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي، فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَفْعَلْ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الأَنْصَارَ تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا، آلَيْتُ أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدَمْتُهُ، زَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِمَا: وَكَانَ جَرِيرٌ أَكْبَرَ مِنْ أَنَسٍ، وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: أَسَنَّ مِنْ أَنَسٍ).

رجال هذا الإسناد: تسعة:

1 -

(نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ الجهضميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ طُلب للقضاء فامتنع [10](ت 250) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" 5/ 30.

2 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن الْبِرِند -بكسر الموحّدة، والراء، وسكون النون- الساميّ -بالمهملة- أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو البصريّ الناجيّ، ثقةٌ، من صغار [9].

رَوَى عن جرير بن حازم، وأبي الأشهب العطارديّ، وداود بن أبي الفرات، وابن عون، وشعبة، وعمر بن أبي زائدة، ومبارك بن فَضالة، وغيرهم.

ورَوَى عنه البخاريّ، وروى مسلم، وأبو داود بواسطة محمد بن المثنى، وبندار، ونصر بن عليّ الجهضمي، ومحمد بن عبد الرحيم البزاز، وغيرهم.

قال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو وابن سعد وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، قال ابن حبان: وله خمس وسبعون سنةً، قلت: وقال ابن سعد: وله ست وسبعون، وقال الحاكم، وابن قانع: ثقةٌ، وفي "الزهرة": روى عنه البخاري عشرين حديثًا.

أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.

3 -

(يُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ) بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ ورعٌ [5](ت 139)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 73.

4 -

(ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) ابن أسلم البصريّ، تقدّم قبل بابين.

ص: 717

والباقون ذُكروا في الباب الماضي.

من لطائف هذا الإسناد:

أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن شيوخه الثلاثة من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.

شرح الحديث:

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ) بمهملتين، وقد ذكر الطبرانيّ في "الأوسط" أنه تفرَّد به عن شعبة، وهو من كبار شيوخ البخاريّ، ممن روى عنه الباقون بواسطة، قاله في "الفتح"

(1)

.

(حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ) العبديّ البصريّ (عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الصحابيّ المشهور، المتوفّى سنة (51) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" 25/ 207.

وفي رواية البخاريّ: "صَحِبت جرير بن عبد الله"(الْبَجَلِيِّ) بفتح الموحّدة، والجيم: نسبة إلى قبيلة بَجِيلة، وهو ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث، وقيل: إن بَجِيلة اسم أمهم، وهي من سعد العشيرة، وأختها باهلة، ولدتا قبيلتين عظيمتين، نزلت الكوفة، قاله في "اللباب"

(2)

.

(فِي سَفَرٍ) لم يُعيّن هذا السفر، فيَحتمل أن يكون سفر جهاد، أو حجّ، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم.

(فَكَانَ) جرير رضي الله عنه (يَخْدُمُنِي) بكسر الدال، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، كما تقدّم غير مرّة.

وفي رواية البخاريّ: "فكان يخدمني، وهو أكبر من أنس"، قال في "الفتح": فيه التفات، أو تجريد؛ لأنه قال:"من أنس"، ولم يقل: مني، وفي رواية مسلم، عن محمد بن المثنى، عن ابن عرعرة: "وكان جرير أكبر من

(1)

"الفتح" 7/ 166، كتاب "الجهاد" رقم (2888).

(2)

"اللباب في تهذيب الأنساب" 1/ 121.

ص: 718

أنس"، ولعل هذه الجملة من قول ثابت. انتهى

(1)

.

قال أنس رضي الله عنه: (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: لجرير، (لَا تَفْعَلْ) هذه الخدمة لي؛ لأنك أكبر منّي، (فَقَالَ) جرير رضي الله عنه:(إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الأَنْصَارَ)؛ أي: القبيلة المشهورة، وهي قبيلة أنس، (تَصْنَعُ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا)؛ أي: من خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ينبغي، ومن تعظيمهم إياه غاية ما يكون، وأبهم ذلك مبالغةً في تكثير ذلك. (آلَيْتُ) بالمدّ؛ أي: حلفت (أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ)؛ أي: من الأنصار (إِلَّا خَدَمْتُهُ)؛ أي: إكرامًا لأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل النصرة له صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية البخاريّ: "لا أجد أحدًا منهم، إلا أكرمته"، وفي رواية للإسماعيليّ من وجه آخر، عن ابن عرعرة:"لا أزال أُحبّ الأنصار".

وقوله: (زَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِمَا)؛ يعني: أن شيخيه الثاني، والثالث زاد في روايتهما على رواية نصر بن عليّ، وقوله:(وَكَانَ جَرِيرٌ أَكْبَرَ مِنْ أَنَسٍ) مفعول به لـ "زاد" محكيّ؛ لِقَصْد لفظه.

وقوله: (وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ) هو شيخه الثالث: (أَسَنَّ مِنْ أنسٍ)؛ أي: بدل قول ابن المثنّى: "أكبر من أنس".

وحاصل ما أشار إليه: أن ابن المثنّى، وابن بشّار زادا في روايتهما على رواية نصر قوله:"وكان جرير. . . إلخ"، إلا أنهما أيضًا اختلفا فيما بينهما، فقال ابن المثنّى:"أكبر من أنس"، وقال ابن بشّار:"أسنّ من أنس"، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [45/ 6407](2513)، و (البخاريّ) في "الجهاد"(2888)، و (ابن الجعد) في "مسنده"(1/ 206)، و (البيهقيّ) في "شُعَب

(1)

"الفتح" 7/ 166، كتاب "الجهاد" رقم (2888).

ص: 719

الإيمان" (7/ 462) وفي "الأربعين الصغرى" (1/ 144)، و (ابن عساكر) في "تاريخه" (9/ 371)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل الأنصار، وإنما حصل لهم ذلك ببذلهم نفوسهم، وأموالهم في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه المهاجرين.

2 -

(ومنها): فضل جرير رضي الله عنه، وتواضعه، ومحبته للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنه ما حصل له محبّة الأنصار، وخدمتهم إلا بمحبّته صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الطبرانيّ عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم".

قال الهيثميّ: رواه الطبرانيّ، ورجاله رجال الصحيح غير النعمان بن مرّة، وهو ثقة.

وعن زيد بن ثابت؛ أنه كان جالسًا في نفر من الأنصار، فخرج عليهم معاوية، فسألهم عن حديثهم، فقالوا: لنا في حديث الأنصار، فقال معاوية: ألا أزيدكم حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه".

قال الحافظ الهيثميّ: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ في "الكبير"، و"الأوسط"، ورجال أحمد رجال الصحيح.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله".

قال الهيثميّ: رواه أبو يعلى، وإسناده جيّد، ورواه البزار، وفيه محمد بن عمرو، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى

(1)

.

3 -

(ومنها): أن فيه خدمةَ أهل الفضل، والعلم، ومحبّتهم، وإكرامهم، والتودّد إليهم، والله تعالى أعلم.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

"مجمع الزوائد" 10/ 39.

ص: 720

(46) - (بَاب دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِغِفَارَ، وَأَسْلَمَ)

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6408]

(2514) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) بفتح الهاء، وتشديد الدال، بعدها موحّدة - ويقال له: هدبة -بضم أوله، وسكون الدال- ابن خالد بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ تفرَّد النسائي بتليينه، من صغار [9] مات سنة بضع وثلاثين ومائتين (خ م د) تقدم في "الإيمان" 11/ 151

2 -

(سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثقةٌ قاله يحيى بن معين [7] أخرج له البخاريّ مقرونًا، وتعليقًا. مات سنة خمس وستين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" 3/ 111.

3 -

(حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ عالمٌ، توقف فيه ابن سيرين؛ لدخوله في عمل السلطان [3](ع) تقدم في "الحيض" 21/ 791.

4 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغفاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ، ثقةٌ [3] مات بعد السبعين (خت م 4) تقدم في "الصلاة" 52/ 1142.

5 -

(أَبُو ذَرٍّ) الغِفاريّ الصحابي المشهور، اسمه جُندب بن جُنادة على الأصح، وقيل: بُرير -بموحّدة مصغرًا، أو مكبرًا- واختلف في أبيه، فقيل: جندب، أو عشرقة، أو عبد الله، أو السكن، تقدّم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، ومناقبه كثيرة جدًّا، مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنهما (ع) تقدم في "الإيمان" 29/ 224.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه رواية الراوي عن عمه.

ص: 721

شرح الحديث:

(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ)؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ) الغِفاريّ رضي الله عنه: (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي الرواية التالية: "قَالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائْتِ قَوْمَكَ، فَقُلْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ". ("غِفَارُ) -بكسر الغين المعجمة- يُصْرَف باعتبار الحيّ، ولا يصرف باعتبار القبيلة

(1)

، وهم بنو غفار بن مُليل -بميم، ولامين مصغرًا- ابن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وسبق منهم إلى الإسلام أبو ذرّ الغفاريّ، وأخوه أُنيس كما سبق بيان ذلك مطوّلًا، ورجع أبو ذرّ إلى قومه، فأسلم الكثير منهم. (غَفَرَ اللهُ لَهَا) هو لفظ خبر يراد به الدعاء، ويَحْتَمِل أن يكون خبرًا على بابه، ويؤيده قوله في آخر الرواية الآتية:"وعُصَيّة عصت الله ورسوله"

(2)

.

(وَأَسْلَمُ) أسلم بن أفصى -بفتح الهمزة، وسكون الفاء، بعدها مهملة، مقصورًا- ابن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، قال الرشاطيّ: الأزد جُرثومة من جراثيم قحطان، وفيهم قبائل، فمنهم الأنصار، وخُزاعة، وغَسّان، وبارق، وغامد، والعتيك، وغيرهم، وهو الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان

(3)

.

(سَالَمَهَا اللهُ") قال النوويّ: قال العلماء: هو من المسالمة، وتَرْك الحرب، قيل: هو دعاء، وقيل: خبر، قال القاضي في "المشارق": هو من أحسن الكلام، مأخوذ من سَالَمْته: إذا لم تَر منه مكروهًا، فكأنه دعا لهم بأن يَصنع الله بهم ما يوافقهم، فيكون "سالمها" بمعنى: سَلَّمها، وقد جاء فاعل بمعنى فَعَلَ، كقاتله الله؛ أي: قتله. انتهى

(4)

.

وقال ابن الأثير رضي الله عنه: "غِفار غفر الله لها": يَحْتَمِل أن يكون دعاء لها

(1)

"عمدة القاري" 16/ 82.

(2)

"الفتح" 8/ 169، كتاب "المناقب" رقم (3513).

(3)

"الفتح" 8/ 169، كتاب "المناقب" رقم (3513).

(4)

"شرح النوويّ" 16/ 72.

ص: 722

بالمغفرة، أو إخبارًا بأن الله تعالى قد غفر لها، وكذلك معنى "أسلم سالمها الله": يَحتمِل أن يكون دعاء لها أن يسالمها الله تعالى، ولا يأمر بحربها، أو يكون إخبارًا بأن الله قد سالمها، ومَنَع من حربها، وإنما خُصَّت هاتان القبيلتان بالدعاء؛ لأن غفارًا أسلموا قديمًا، وأسلم سالموا النبيّ صلى الله عليه وسلم

(1)

.

وقال في "العمدة": قوله: "وأسلم سالمها الله" من المسالمة، وتَرْك الحرب، أو هو دعاء بأن الله يصنع بهم ما يوافقهم، أو "سالمها" بمعنى: سَلّمها الله، نحو: قاتله الله بمعنى: قتله الله، وفيهما من جناس الاشتقاق ما يَلِذّ على السمع؛ لسهولته، وهو من الاتفاقات اللطيفة.

وقال الخطابيّ: يقال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا لهاتين القبيلتين؛ لأن دخولهما في الإسلام كان من غير حرب، وكانت غفار تُتَّهَم بسرقة الحاجّ، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمحو عنهم تلك المسبّة، وأن يُعْلِم أن ما سلف منهم مغفور لهم. انتهى

(2)

، والله تعالى أعلم.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [46/ 6408 و 6409 و 6410](2514)، و (الدارميّ) في "سننه"(2/ 316)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): بيان فضل هاتين القبيلتين: غفار، وأسلم.

2 -

(ومنها): بيان مشروعيّة الدعاء بما يشتق من الاسم كما يقال لأحمد: أحمد اللهُ عاقِبَتَك، ولعليّ: أعلاك الله، وهو من جناس الاشتقاق، ولا يُختص بالدعاء، بل يأتي مثله في الخبر، ومنه قوله تعالى:{وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} الآية [النمل: 44]، وسيأتي في الباب حديث:"وعُصيّة عَصَتِ الله ورسوله".

(1)

"عمدة القاري" 7/ 27.

(2)

"عمدة القاري" 16/ 82.

ص: 723

3 -

(ومنها): مشروعيّة الدعاء على الظالم بالهلاك، والدعاء للمؤمنين بالنجاة، وقال بعضهم: إن كانوا منتهكين لحرمة الدِّين يُدعى عليهم بالهلاك، وإلا يدعى لهم بالتوبة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وأْتِ بهم"، ورُوي أن أبا بكر وزوجته رضي الله عنهما كانا يدعوان على عبد الرحمن ابنهما يوم بدر بالهلاك إذا حَمَل على المسلمين، وإذا أدبر يدعوان له بالتوبة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6409]

(. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ائْتِ قَوْمَكَ، فَقُلْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا").

رجال هذا الإسناد: ثمانية:

1 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [10](ت 235) على الأصح، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" 6/ 75.

2 -

(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) البصريّ الإمام، تقدّم قبل بابين.

3 -

(أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ، أو الكنديّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ، من كبار [4] (ت 128) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 86/ 455.

والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين.

والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6410]

(. . .) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ).

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، غير أبي داود، وهو سليمان بن داود الطيالسيّ، وقد تقدّم قبل باب.

ص: 724

[تنبيه]: رواية أبي داود عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6411]

(2515) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَسُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، كُلُّهُمْ قَالَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا").

رجال هذا الإسناد: تسعة وعشرون:

1 -

(سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدِ) بن سهل الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ -بفتح الحاء المهملة، والمثلثة-، ويقال له: الأنباريّ -بنون، ثم موحّدة- أبو محمد، صدوق في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قدماء [10](ت 240) وله مائة سنة (م ق) تقدم في "المقدمة" 6/ 87.

2 -

(أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان، تقدّم قريبًا.

3 -

(مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

4 -

(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

5 -

(أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

6 -

(مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربما أرسل [3](ع) تقدم في "الإيمان" 92/ 500.

7 -

(مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريبًا.

ص: 725

8 -

(شَبَابَةُ) بن سوّار المدائنيّ، أصله من خُراسان، يقال: كان اسمه مروان، مولى بني فَزَارة، ثقةٌ حافظٌ رُمي بالإرجاء [9](ت 4 أو 5 أو 206)(ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 40.

9 -

(وَرْقَاءُ) بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ في حديثه عن منصور لِيْن [7](ع) تقدم في "الصلاة" 31/ 999.

10 -

(الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدنيّ، تقدّم قريبًا.

11 -

(رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

12 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

13 -

(أَبُو عَاصِمٍ) الضحاك بن مَخْلَد بن الضحاك بن مسلم الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [9](ت 212) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" 6/ 129.

14 -

(ابْنُ جُرَيْجِ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكيّ، تقدّم قريبًا.

15 -

(أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرس المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.

16 -

(سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [11] مات سنة بضع وأربعين ومائتين (م 4) تقدم في "المقدمة" 6/ 60.

17 -

(الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الحراني، أبو عليّ، نُسب إلى جدّه، صدوقٌ [9](ت 210)(خ م س) تقدم في "الإيمان" 4/ 119.

18 -

(مَعْقِلُ) بن عبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ -بالموحّدة- مولاهم، صدوقٌ يخطئ [8](ت 166)(م د س) تقدم في "الإيمان" 4/ 119.

والباقون ذُكروا في الباب، وفي البابين الماضيين، وشرح الحديث تقدّم قبل حديثين.

وقوله: (كُلُّهُمْ قَالَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: كلّ من رواة أبي هريرة رضي الله عنه، وهم: محمد بن سيرين، ومحمد بن زياد، والأعرج، وكذا الراوي عن جابر رضي الله عنه، وهو أبو الزبير قالوا:"عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم"، ولو قال:"كلاهما"؛ يعني: أبا هريرة، وجابرًا رضي الله عنهما، لكان أوضح، والله تعالى أعلم.

ص: 726

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه، وأما حديث جابر رضي الله عنه فمن أفراد المصنّف رحمه الله.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [46/ 6411](2515)، و (البخاريّ) في "الاستسقاء"(1006) و"المناقب"(3514)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 417 و 469) و (3/ 383) و"فضائل الصحابة"(2/ 882)، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6412]

(2516) - (وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، أَمَا إِنِّي لَمْ أَقُلْهَا، وَلَكِنْ قَالَهَا اللهُ عز وجل").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) الْخُزَاعيّ مولاهم، أبو عمار المروزيّ، ثقةٌ [10](ت 244)(خ م د ت س) تقدم في "الصيام" 17/ 2619.

2 -

(الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ -بمهملة مكسورة، ونونين- أبو عبد الله المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [9](ت 192) في ربيع الأول (ع) تقدم في "الجنائز" 26/ 2236.

3 -

(خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ) بن مالك الْغِفَاريّ المدنيّ، ثقةٌ [6](خ م س) تقدم في "الزكاة" 3/ 2275.

4 -

(أَبُوهُ) عِرَاك بن مالك الغِفَاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [3] مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" 29/ 225.

و"أبو هريرة رضي الله عنه" ذُكر قبله.

والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله لم يُخرجه غيره، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6413]

(2517) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءَ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةٍ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ، وَرِعْلًا،

ص: 727

وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا الله").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح -بمهملات- المصريّ، ثقةٌ [10](ت 250)(م د س ق) تقدم في "المقدمة" 3/ 10.

2 -

(ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب الحافظ المصريّ، تقدّم قريبًا.

3 -

(اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم قبل باب.

4 -

(عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أنَسٍ) القرشيّ العامريّ المدنيّ، نزل الإسكندرية، ثقةٌ [5](ت 117) بالمدينة (بَخ م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 56/ 1557.

5 -

(حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيِّ) بن الأسقع الأسلميّ المدنيّ، ثقةٌ [3](بخ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 56/ 1557.

6 -

(خُفَافُ بْنُ إِيمَاءَ الْغِفَارِيُّ) هو: خُفَاف -بضم أوله، وفاءين، الأولى خفيفة- ابن إيماء -بكسر الهمزة، بعدها تحتانية ساكنة- الْغِفَاريّ الصحابيّ، مات في خلافة عمر رضي الله عنهما (م) من أفراد المصنّف، تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" 56/ 1557.

وقوله: (اللَّهُمَّ الْعَنْ)؛ أي: اطرد، وأبعد (بَني لِحْيَانَ) بكسر اللام، وتُفتح، وهم بطن من هُذيل، (وَرِعْلًا) بكسر الراء، وإسكان العين المهملة، (وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ) -بضم العين المهملة، وتشديد الياء-، بصيغة التصغير: وهي قبيلة.

وفيه جواز لعن الكفار جملةً، أو الطائفة منهم، بخلاف الواحد بعينه، قاله النوويّ

(1)

.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف رحمه الله وقد تقدّم في "كتاب المساجد ومواضع الصلاة" سندًا ومتنًا برقم [56/ 1557](679) وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6414]

(2518) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ،

(1)

"شرح النوويّ" 16/ 73 - 74.

ص: 728

وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ").

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابري -بفتح الميم، والقاف، ثم موحّدة مكسورة- البغداديّ العابد، ثقةٌ [10](ت 234) وله سبع وسبعون سنةً (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" 2/ 110.

2 -

(ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر بن إياس السعدي المروزيّ، أبو الحسن نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ من صغار [9](ت 244) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 2/ 6.

3 -

(إِسمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [8](ت 180)(ع) تقدم في "الإيمان" 2/ 110.

4 -

(عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ [4](ت 127)(ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160.

5 -

(ابْنَ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما، تقدّم قريبًا.

والباقيان ذُكرا قبل باب.

وقوله: (وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ) قال الطيبيّ: هو إخبار، ولا يجوز حمله على الدعاء، لكن فيه أن إظهار الشكاية منهم تستلزم الدعاء عليهم بالخذلان، لا بالعصيان. انتهى

(1)

.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من رُباعيّات المصنّف رحمه الله، وهو (494) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيوخه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ، والثالث بغلانيّ، والرابع مروزيّ، وفيه ابن عمر رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (2630) حديثًا.

(1)

"الكاشف عن حقائق السنن" 12/ 3832.

ص: 729

شرح الحديث:

(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم المدنيّ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي الرواية التالية: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ": ("غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ) تقدّم أن هذا لفظ خبر يراد به الدعاء، ويَحْتَمِل أن يكون خبرًا على بابه، ويؤيده قوله في آخره:"وعُصية عصت الله ورسوله". (وَعُصَيَّةُ) هم بطن من بني سُليم ينسبون إلى عُصية -بمهملتين، مصغرًا- ابن خُفَاف -بضم المعجمة، وفاءين مخففين- ابن امرئ القيس بن بُهْثة -بضم الموحّدة، وسكون الهاء، بعدها مثلثة- ابن سُليم، (عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ")؛ لأنهم عاهدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فغدروا، وقصّتهم مشهورة في قتلهم أصحاب بئر معونة، وذلك ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رِعْلًا، وذَكْوان، وعُصيّة، وبني لِحَيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدوّ، فأمدّهم بسبعين من الأنصار، كنا نسمّيهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلّون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم، وغدروا بهم، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقنت شهرًا، يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رِعْل، وذكوان، وعُصية، وبني لحيان، قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنًا، ثم إن ذلك رُفع:"بَلّغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا، فرضي عنّا، وأرضانا"، والله تعالى أعلم.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [46/ 6414 و 6415 و 6416](2518)، و (البخاريّ) في "المناقب"(3513)، و (الترمذيّ) في "المناقب"(3941 و 3948)، و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1854 و 1915 و 1953)، و (أحمد) في "مسنده"(2/ 20 و 50 و 60 و 107 و 116 و 136 و 153)، و (الدارميّ) في "سننه"(2/ 243)، و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7289)، و (البغويّ) في "شرح السُّنَّة"(3851 و 3852)، والله تعالى أعلم.

ص: 730

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6415]

(. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَالْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ، وَأُسَامَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ).

رجال هذا الإسناد: أربعة عشر:

1 -

(عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) بتشديد الواو -ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [11](ت 245)(م د س ق) تقدم في "الإيمان" 34/ 239.

2 -

(أُسَامَةُ) بن زيد الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [7](ت 153) وهو ابن بضع وسبعين سنةً (خت م 4) تقدم في "الصلاة" 42/ 1085.

3 -

(زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.

4 -

(الْحُلْوَانِيُّ) -بضم الحاء المهملة- الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو علي الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [11](ت 242)(خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" 4/ 24.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"عبيد الله" هو: ابن عمر الْعُمَريّ، و"صالح" هو: ابن كيسان الغفاريّ المدنيّ، ونافع مولى ابن عمر.

قوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: عبيد الله بن عمر العمريّ، وأسامة بن زيد الليثيّ، وصالح بن كيسان رووه عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما.

وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ يعني: أنه حدّث هؤلاء الثلاثة عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، بمثل حديث إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما.

ويَحتمل أن يكون قوله: "بمثله"؛ أي: بمثل حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ يعني: أن نافعًا حدّث عن ابن عمر بمثل حديث عبد الله بن دينار عنه.

ص: 731

[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن نافع ساقها البخاريّ رحمه الله في "صحيحه"، فقال:

(3322)

- حدّثني محمد بن غُرير الزهريّ، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، حدّثنا نافع؛ أن عبد الله، أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال على المنبر:"غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعُصَيّة عصت الله ورسوله" انتهى

(1)

.

وأما رواية عبيد الله بن عمر عن نافع، وكذا رواية أسامة بن زيد عنه، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله أوّلَ الكتاب قال:

[6416]

(. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، مِثْلَ حَدِيثِ هَؤُلَاءِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: ابن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، تقدّم قريبًا.

والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"يحيى" هو: ابن أبي كثير.

[تنبيه]: وقع هنا غلط لبعض الشرّاح

(2)

، حيث ترجم ليحيى بن سعيد الأنصاريّ، والصواب: يحيى بن أبي كثير، كما صرّح به الحافظ المزيّ رحمه الله في "تحفته"

(3)

، ومن الغريب أن نحو هذا السند تقدّم قبل باب، وقد وقع فيه التصريح بأنه يحيى بن أبي كثير، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِ هَؤُلَاءِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ)؛ يعني: حديث عبد الله بن

(1)

"صحيح البخاريّ" 3/ 1293.

(2)

هو: الشيخ الهرري، راجع:"شرحه" 24/ 170 - 171.

(3)

راجع: "تحفة الأشراف" 6/ 272.

ص: 732

دينار، وحديث نافع كلاهما عنه

(1)

، وإنما ذكره بلفظ "هؤلاء"، وإن كان المرجع اثنين؛ على مذهب من يقول: إن أقلّ الجمع اثنان، وهو مذهب صحيح، كما أسلفناه غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة -عفا الله عنه وعن والديه-:

قد انتهيتُ من كتابة الجزء التاسع والثلاثين من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله وقت الضحى من يوم الخميس المبارك، وهو اليوم الخامس والعشرون من شهر صفر المبارك

(2)

، (25/ 2/ 1433 هـ الموافق 19 يناير 2012 م).

أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم، لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.

وآخر دعوانا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10].

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} الآية [الأعراف: 43].

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)} [الصافات: 180 - 182].

(1)

ذكر الشيخ الهرري أن "هؤلاء" يرجع للأربعة، ومشى على هذا، وفيه نَظَر لا يخفى، فتنبّه.

(2)

قال الجامع عفا الله عنه: مدّة ما بينه وبين الجزء الذي قبله في الكتابة شهران، و (26) يومًا، وهذا من فضل ربي، وله الحمد، والفضل، والمنّة، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43].

ص: 733

"اللَّهُمَّ صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".

"السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته".

ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الأربعون مفتتحًا بـ (47) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ غِفَارَ، وَأَسْلَمَ، وَجُهَيْنَةَ، وَأَشْجَعَ، وَمُزَيْنَةَ، وَتَمِيمٍ، وَدَوْسٍ، وَطَيِّءٍ)[6417](2519).

"سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".

ص: 734