المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

البداية والنهاية «201 هـ - 300 هـ»   تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء - البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - جـ ١١

[ابن كثير]

فهرس الكتاب

البداية والنهاية

«201 هـ - 300 هـ»

تأليف

الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير

[701 هـ - 774 هـ]

حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه

ياسين محمد السواس

راجعه

الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف

الجزء الحادي عشر

ص: 1

‌ثم دخلت سنة إحدى ومئتين

فيها: راود أهل بغداد منصور بن المهدي على الخلافة فامتنع من ذلك، فراودوه على أن يكون نائبًا للمأمون يدعو له في الخطبة، فأجابهم إلى ذلك، وذلك بعد إخراج أهل بغداد عليَّ بن هشام نائب الحسن بن سهل من بين أظهرهم، فجرت حروب كثيرة بسبب ذلك.

وفي هذه السنة عمَّ البلاء بالعيّارين، والشطّار والفسّاق ببغداد وما حولها من القرى، فكانوا يأتون الرجل يسألونه مالًا يقرضهم أو يصلهم به، فيمتنع عليهم فيأخذون جميع ما في منزله، وربما تعرَّضوا للغلمان والنسوان، ويأتون أهل القرية فيستاقون من الأنعام والمواشي، ويأخذون ما شاؤوا من الغلمان والنسوان، وانتهبوا أهلَ قُطْرُبُّلَ

(1)

ولم يَدعوا لهم شيئًا أصلًا، فانتُدِب رجلٌ يقال له: خالد الدريوش، وآخر يقال له: سهل بن سلامة، أبو حاتم الأنصاري، من أهل خراسان. والتفَّ عليهما جماعة من العامة

(2)

فردُّوا شرهم وقاتلوهم وقووا عليهم ومنعوهم من العيث في الأرض فسادًا، واستقرَّت الأمور كما كانت، وذلك في شعبان ورمضان، وللَّه الحمد والمنَّة

(3)

.

وفي هذه السنة في شوال منها رجَعَ الحسنُ بن سهل إلى بغداد وصالَحَ الجندَ، وانفصل منصور بن المهدي ومن التفَّ معه من الأمراء.

وفي هذه السنة بايع المأمون لعلي الرِّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب أن يكون وليَّ العهد من بعده، وسمَّاه الرِّضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وطَرَحَ لبسَ السواد ولبِسَ الخُضْرَةَ، وألزم جنده بذلك، وكت به إلى الآفاق والأقاليم. وكانت مبايعتُه له يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان من سنة إحدى ومئتين، وذلك أن المأمون رأى أنَّ عليًا الرِّضا خيرُ أهلِ البيتِ، وليس في بني العباس مثلُه في علمه

(4)

ودينه، فجعله وليَّ عهدِهِ من بعده.

(1)

في أ: قرطبل، والمثبت من ظا، ط. و"قُطْرُبُّل": اسم قرية بين بغداد وعُكْبَرا، ينسب إليها الخمر، وما زالت متنزهًا للبطالين وحانة للخمارين، وقد أكثر الشعراء من ذكرها. ياقوت.

(2)

في أ: من الأعيان.

(3)

الخبر في تاريخ الطبري (8/ 551) والكامل لابن الأثير (6/ 324).

(4)

في أ، ط: عمله، والمثبت من ظا، ب.

ص: 5

‌بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي

لما جاء الخبر إلى بغداد: أنَّ المأمون بايع لعلي الرِّضا بن موسى بولاية العهد من بعده اختلفوا فيما بينهم؛ فمن مجيبٍ، ومن مانعٍ، وجمهور العباسيين على الامتناع. وكان الباعث لهم والقائم في ذلك إبراهيم ومنصور ابنا المهدي.

فلما كان يوم الثلاثاء لخمسٍ بقين من ذي الحجة أظهر العباسيون البيعة لإبراهيم بن المهدي ولقبوه: المبارك -وكان أسود اللون- ومِن بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدي، وخلعوا المأمون.

فلما كان يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة أرادوا أن يدعوا للمأمون ثم من بعده لإبراهيم فقالت العامة: لا نرضى إلا بإبراهيم فقط، واختلف الناس واضطربوا فيما بينهم، ولم يصلّوا الجمعةَ، وصلَّى الناس فُرَادى أربع ركعات

(1)

.

وفي هذه السنة افتتح نائبُ طَبَرِسْتان جبالَها وبلادَ اللارز

(2)

والشَّيزر. وذكر ابن جرير

(3)

: أن سَلْمًا الخاسِرَ قال في ذلك شعرًا.

وقد ذكر ابنُ الجوزي وغيرُه أن سَلْمًا

(4)

توفي قبل ذلك بسنين

(5)

، فاللَّه أعلم.

وفي هذه السنة أصاب أهلَ خراسان والرَّيِّ وأصبهان مجاعةٌ شديدة، وعزَّ الطعام جدًّا.

وفي هذه السنة تحرَّك بابَكُ الخُرَّمِيُ واتَّبعه طوائفُ من السّفَلة والجهلة، وكان يقول بالتناسخ قبَّحه اللَّه ولعنه. وسيأتي

(6)

ما آل أمره إليه.

(1)

الخبر في الطبري (8/ 555)، والكامل لابن الأثير (6/ 327)، وسير أعلام النبلاء (10/ 557).

(2)

في أ، ظا: البلاذر. وأثبت ما جاء في ط والطبري.

(3)

في أ، ط: ابن حزم، تحريف. والخبر في تاريخ الطبري (9/ 556).

(4)

في أ: سالمًا، وفي ظا سليمان. وعند الطبري: سلام، وهو سَلْم بن عمرو بن حماد، شاعر، خليع، ماجن، من أهل البصرة، من الموالي، سكن بغداد. له مدائح في المهدي والرشيد، وأخبار مع بشار بن برد وأبي العتاهية. قيل: سمي الخاسر؛ لأنه باع مصحفًا واشترى بثمنه طنبورًا، توفي سنة 186 هـ، أي قبل هذا الفتح بسنين، كما قال ابن الجوزي. الأعلام (3/ 110). وذكر الطبري (8/ 556) أن والي طبرستان كان عبد اللَّه بن خُرْداذبه، وفيه قال سَلْم الخاسر:

إنا لنأمُلُ فتح الروم والصِّين

بمن أدال لنا من مُلك شَرْوينِ

فاشْدُدْ يديكَ بعبد اللَّه إنَّ له

مع الأمانةِ رأيٌ غيرُ مَوْهُونِ

(5)

ذكره ابن كثير فيمن توفي سنة 16 هـ

(6)

سيأتي في حوادث سنة 221 و 222 و 223 هـ.

ص: 6

وفيها: حجَّ بالناس إسحاقُ بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس.

‌وفيها توفي من الأعيان:

أبو أسامة حمّاد بن أسامة

(1)

.

وحمّاد بن مَسْعَدة

(2)

.

وحَرَميّ بن عُمارة

(3)

.

وعلي بن عاصم

(4)

.

ومحمد بن محمد صاحب أبي السَّرايا، الذي كان قد بايعه أهلُ الكوفة بعد ابن طباطبا

(5)

.

‌ثم دخلت سنة ثنتين ومئتين

في أوَّل يوم منها بُويع لإبراهيمَ بن المهديّ بالخلافة ببغداد وخُلع المأمون، فلمَّا كان يوم الجمعة خامسُ المحرم صعِدَ إبراهيمُ بن المهدي المنبرَ فبايعه الناسُ ولُقِّب بالمبارك، وغلب على الكوفة وأرض السَّواد، وطلب منه الجندُ أرزاقهم فماطلهم، ثم أعطاهم مئتي درهم لكل واحدٍ، وكتب لهم بتعويضٍ من أرض السَّواد، فخرجوا لا يمرُّون بشيء إلا انتهبوه، وأخذوا حاصل الفلاح والسلطان، واستناب إبراهيمُ على الجانب الشرقيِّ العبَّاسَ بن موسى الهادي، وعلى [الجانب]

(6)

الغربيِّ إسحاقَ بن موسى الهادي.

[وفيها]

(7)

: خرج خارجيٌّ يقال له: مَهدي بن عُلوان، فبعث إليه إبراهيمُ جيشًا عليهم أبو إسحاق المعتصم بن الرشيد في جماعة من القُوَّاد، فكسره وردَّ كيده، وللَّه الحمد.

(1)

أبو أسامة، حماد بن أسامة بن زيد، الكوفي. الحافظ الثبت. كان من أئمة العلم. مات وله نحو ثمانين سنة. طبقات خليفة (ترجمة 1315)، سير أعلام النبلاء (9/ 277).

(2)

حمَّاد بن مَسْعَدَة، أبو سعيد التميمي، ويقال: الباهلي، مولاهم البصري. الحافظ الحجة. طبقات ابن سعد (7/ 294)، سير أعلام النبلاء (9/ 356).

(3)

في أ: محمري بن عمارة، وفي ظا: حماد بن عمارة، وفي ط حرسي بن عمارة، وما أثبته من تهذيب التهذيب (2/ 232). وهو حَرَمي بن عمارة بن أبي حفصة، أبو روح البصري.

(4)

هو علي بن عاصم بن صُهيب، أبو الحسن الواسطيّ القرشي التيمي. الإمام العالم، شيخ المحدثين، مسند العراق. ولد سنة 207 هـ، وكان من ذوي الأموال والاتساع في الدنيا، ولم يزل ينفق في طلب العلم ويُفضل على أهله قديمًا وحديثًا. طبقات ابن سعد (7/ 313)، سير أعلام النبلاء (9/ 249).

(5)

حوادث سنة 199 وتاريخ الطبري (8/ 528)، والكامل لابن الأثير (6/ 302).

(6)

زيادة من ط.

(7)

زيادة من ط.

ص: 7

وفي هذه السنة خرج

(1)

أخو أبي السَّرايا بالكوفة، فبيّض

(2)

، فأرسل إليه إبراهيمُ بن المهدي مَن قاتله فقتل أخو أبي السرايا وأرسل برأسه إلى إبراهيم.

ولما كان ليلة أربعَ عشرةَ من ربيع الآخر من هذه السنة ظهرت في السماء حُمرةٌ ثم ذهبت، وبقي بعدها عمودان أحمران في السماء إلى آخر الليل. وجرت بالكوفة حروب بين أصحاب إبراهيم وأصحاب المأمون، واقتتلوا قتالًا شديدًا. وعلى أصحاب إبراهيمَ السَّوادُ، وعلى أصحاب المأمون الخُضْرَةُ، واستمرَّ القتالُ بينهم إلى أواخر رجب.

وفي هذه السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطَّوّعي فسجنه، وذلك لأنه التف عليه جماعةٌ من الناس يقومون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن [كانوا]

(3)

قد جاوزوا الحدَّ، وأنكروا على السلطان، ودعوا إلى القيام بالكتاب والسنة، وصار بابُ داره كأنَّه بابُ سلطان، عليه السلاح والرجال وغيرُ ذلك من أُبَّهة الملك، فقاتله الجند فكسروا أصحابه، فألقى السلاح وصار بين النساء والنظارة، ثم اختفى في بعض الدروب، فأُخذ وجِيء به إلى إبراهيم فسجنه سنة كاملة.

وفي هذه السنة أقبل المأمون من خراسان قاصدًا العراق، وذلك أنَّ عليَّ بن موسى بن جعفر العلوي أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتن والاختلاف بأرض العراق، وأنَّ الهاشميين يتهمون المأمون بأنه مسحور ومجنون

(4)

، وأنهم قد ينقمون عليك ببيعتك إليَّ من بعدك، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وبين إبراهيم بن المهدي. فاستدعى المأمون بجماعة من أمرائه وقراباته

(5)

فسألهم عما أخبر

(6)

به علي الرِّضا، فصدَقوه الأمرَ بعد أخذهم الأمان منه، وقالوا له: إنَّ الفضل بن سهل حسَّن لك قتل هَرْثَمَة

(7)

، وقد كان ناصحًا لك، فعاجله بقتله، وإن طاهرَ بن الحسين مهَّد لك الأمور حتى قاد لك

(1)

في أ، ظا: خروج أبو السرايا وأثبت ما جاء في ط، وقد قتل أبو السرايا في سنة 199 هـ.

(2)

"بيّض": أي أمر بلبس الخضرة، مخالفًا بذلك ما عليه بنو العباس من لبس السواد، وهو شعارهم.

(3)

زيادة من ط.

(4)

كذا في ظا والطبري: مجنون، وفي ط مسجون، تحريف.

(5)

في ط: وأقربائه. وقرابة الرجل، على المصدر.

(6)

في أ، ط: أخبرهم، وأثبت ما جاء في ظا.

(7)

هو هَرْثَمَة بن أعْيَن، أمير، من القادة الشجعان، ولاه الرشيد مصر، ووجهه إلى إفريقية، وعقد له على خراسان. ولما بدأت الفتنة بين الأمين والمأمون انحاز إلى المأمون، فقاد جيوشه وأخلص له الخدمة حتى سكنت الفتنة بمقتل الأمين. ونقم المأمون عليه أمرًا، قيل: اتهمه بممالأة إبراهيم بن المهدي أو بالتراخي في قتال الطالبيين وأبي السرايا، فدعاه إليه وشتمه وضربه وحبسه. وكان الفضل بن سهل (الوزير) يبغضه، فدس إليه من قتله في الحبس سرًا. ترجمته في الأعلام (8/ 81).

ص: 8

الخلافة بزمامها فطردْتَه إلى الرقة، وقعد لا عَمَل له ولا تستنهضه في أمرٍ، وإنَّ الأرض قد تفتَّقت من أقطارها، وكثرت الفتن، وانثشرت الشرور بين الناس.

فلما تحقَّق ذلك المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد، وقد فطِنَ الفضلُ بن سهل بما تمالأ عليه أولئك الناصحون للمأمون، فضرب قومًا ونتف لحى بعضهم. وسار المأمون، فلمَّا كان بسَرَخْس

(1)

عدا قومٌ على الفضل بن سهل وزير المأمون وهو في الحمام بالسيوف فقتلوه، وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان وله ستون سنة

(2)

. فبعث المأمون في آثارهم فجيء بهم وهم أربعة من المماليك فقتلهم، وكتب إلى أخيه الحسن بن سهل يعزِّيه فيه، وولاه مكانه الوزارة، وارتحل المأمون من سَرَخْس يوم عيد الفطر نحو العراق وإبراهيمُ بن المهدي بالمدائن، وفي مقابلته جيش يقاتلونه من جهة المأمون.

وفي هذه السنة تزوج المأمون بُوران

(3)

بنتَ الحسن بن سهل، وزوَّج عليَّ بن موسى الرِّضا بابنته أُمِّ حبيب، وزوَّج ابنه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بابنته الأخرى أمِّ الفضل.

وحجَّ بالناس في هذه السنة إبراهيمُ بن موسى بن جعفر أخو علي الرِّضا، ودعا لأخيه بعد المأمون. ثم انصرف من بعد الحج إلى اليمن، وقد كان تغلب عليها حَمْدَوَيْه بن علي بن موسى بن ماهان

(4)

.

‌وفيها توفي من الأعيان:

أيّوبُ بن سُوَيد

(5)

.

وضَمْرَة

(6)

.

وعمر بن حبيب

(7)

.

(1)

"سَرَخْس": مدينة قديمة من نواحي خراسان، كبيرة واسعة، وهي بين نيسابور ومَرْو، في وسط الطريق. ياقوت.

(2)

قتل الفضل بن سهل عن ثمان وأربعين سنة، فقد ولد سنة 154 هـ. وقيل: إن المأمون قد دسَّ إليه من قتله بعد أن ثقل عليه أمره.

وهو الفضل بن سهل السَّرَخسي، أبو العباس، وكان مجوسيًا، اتصل بالمأمون في صباه، وأسلم على يديه سنة 190 وقبل أن يلي الخلافة، فلما وليها جعل له الوزارة وقيادة الجيش معًا، فكان لقب بذي الرياستين، الحرب والسياسة. وخبر مقتله عن ستين سنة غير صحيح، وقع فيه الطبري وتابعه في ذلك المؤلف وابن الأثير في كامله. ترجمته في سير أعلام النبلاء (10/ 99) وشذرات الذهب (2/ 4)، والأعلام (5/ 149).

(3)

بنى المأمون على بوران سنة 210 هـ وسيورد ابن كثير خبر عرسها في تلك السنة.

(4)

ينظر تاريخ الطبري (8/ 566 - 567).

(5)

أيوب بن سُوَيد الرَّمْلي، أبو مسعود الحِمْيَري السَّيباني، نسبة إلى صيبان، بطن من حمير. كان سيء الحفظ، ليِّن الحديث. سير أعلام النبلاء (9/ 430).

(6)

هو ضمْرَةُ بن ربيعة، أبو عبد اللَّه الرَّمْلي. الإمام الحافظ القدوة، محدِّث فلسطين. سير أعلام النبلاء (9/ 325).

(7)

في ط: عمرو بن حبيب. وهو عمر بن حبيب العَدَوي البصري، القاضي، ضعيف الحديث. نقل غير واحد أنه =

ص: 9

والفضلُ بن سهل الوزير

(1)

.

وأبو يحيى الحِمّاني

(2)

.

‌ثم دخلت سنة ثلاث ومئتين

فيها: وصل المأمون في سيره من خراسان إلى العراق إلى مدينة طُوس

(3)

، فأقام [بها]

(4)

عند قبر أبيه أيامًا من شهر صفر. فلما كان في أواخر الشهر أكل عليُّ بنُ موسى الرِّضا عنبًا فمات فجأة، فصلَّى عليه المأمون ودفنه إلى جانب أبيه الرشيد، وأسف عليه أسفًا كبيرًا فيما ظهر، واللَّه أعلم. وكتب إلى الحسن بن سهل يعزِّيه في عليِّ الرِّضا ويخبره بما حصل له من الحزن عليه، وكتب إلى بني العباس ببغداد يقول لهم: إنَّكم إنما نقَمْتُم عليَّ بسبب توليتي العهدَ مِن بعدي لعليٍّ الرِّضا، وها هو قد مات فارجعوا إلى السمع والطاعة. فأجابوه بأغلظِ جوابٍ كُتب به إلى أحدٍ.

وفي هذه السنة غلبت السوداءُ

(5)

على الحسن بن سهل حتى قُيِّد بالحديد وأُودع في بيتٍ، فكتب الأمراء بذلك إلى المأمون، فكتب إليهم: إنِّي واصلٌ على إثر كتابي هذا.

ثم جرت حروب كثيرة بين إبراهيم وأهل بغداد، وتنكَّروا عليه وأبغضوه. وظهرت الفتنُ والشطَّار والفسّاق ببغداد، وتفاقم الحال، وصلَّوا يومَ الجمعة ظهرًا، أمَّهم المؤذنون من غير خطبة، بأربع ركعات، واشتدَّ الأمرُ، واختلف الناسُ فيما بينهم في إبراهيمَ والمأمون، ثم غلبت المأمونية عليهم.

‌ذكر خلع أهل بغداد إبراهيم [بن المهدي]

(6)

ودعائهم للمأمون

لمَّا كان يومُ الجمعة المقبلة دعا الناس للمأمون وخلعوا إبراهيم، وأقبل حُمَيد بن عبد الحميد في

= مات بالبصرة سنة سبع ومئتين. ترجمته في سير أعلام النبلاء (9/ 490).

(1)

مضت ترجمته قبل قليل.

(2)

أبو يحيى الحِمَّاني، أصله من خوارزم، ولقبه بشَمْين. من علماء الحديث. قال أبو داود: كان داعية إلى الإرجاء.

(3)

"طُوس": مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ. ياقوت.

(4)

زيادة من ظا.

(5)

في ظا، ب: غلبت السواد. وفي ط: تغلبت الثوار وهو تحريف. وقد أصيب الحسن بن سهل بمرض السوداء بعد مقتل أخيه الفضل، فتغير عقله حتى شُدَّ في الحديد. ثم شفي منه قبل زواج المأمون بابنته بوران سنة 210، وعاش إلى أن توفي سنة 236 هـ.

(6)

زيادة من ط.

ص: 10

جيشٍ من جهة المأمون فحاصر بغداد، وأطمع

(1)

جندها في العطاء فطاوعوه على السمع والطاعة [للمأمون]

(2)

.

وقد قاتل عيسى بن محمد بن أبي خالد في جماعة من جهة إبراهيمَ بن المهدي، ثم احتال عيسى حتى صار في أيدي المأمونية أسيرًا، ثم آل الحال إلى أن اختفى إبراهيمُ بنُ المهدي في آخر هذه السنة.

وكانت أيامه سنةً وأحدَ عشرَ شهرًا واثني عشرَ يومًا. وقد وصل في هذا الوقت المأمون إلى همذان، وجيوشُه قد استعادوا بغداد إلى طاعته.

وحجَّ بالناس في هذه السنة سليمانُ بنُ عبد الملك بن سليمان بن علي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

عليّ بن موسى

(3)

: ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، القرشي الهاشمي العلوي، الملقب بالرِّضَا، كان المأمون قد همَّ أن ينزل له عن الخلافة فأبى عليه ذلك، فجعله وليَّ العهد من بعده كما قدمنا ذلك، فتوفي في صفر من هذه السنة بطوس.

وقد رَوى الحديثَ عن أبيه وغيره.

وعنه: جماعةٌ، منهم المأمون، وأبو الصلت الهرويّ، وأبو عثمان المازني النحوي.

قد

(4)

سمعته يقول: اللَّهُ أعدلُ من أن يكلِّف العباد ما لا يطيقون، وهم أعجز من أن يفعلوا ما يريدون. ومن شعره:

كُلُّنا يأمُلُ مدًّا في الأجَلْ

(5)

والمنايا هى

(6)

آفاتُ الأملْ

لا تغرّنْكَ أباطيلُ المُنى

والزَمِ القَصْدَ ودَعْ عنكَ العلل

(7)

إنَّما الدُّنيا كظلٍّ زائلٍ

حَلَّ فيهِ راكبٌ ثمَّ ارْتَحَلْ

(1)

في أ: وطمع، والمثبت من ظا، ب.

(2)

زيادة من ظا، ب، ط.

(3)

تاريخ الطبري (8/ 554، 568)، الكامل لابن الأثير (6/ 326، 351)، وفيات الأعيان (3/ 269)، سير أعلام النبلاء (9/ 387)، تهذيب التهذيب (7/ 387)، خلاصة تذهيب الكمال (278)، شذرات الذهب (2/ 652).

(4)

في ظا، ب: قال.

(5)

في أ: كلنا نأمل بتداني الأجل، والمثبت من ظا، ب، ط.

(6)

في ط: هُنَّ.

(7)

"القَصْدُ": استقامة الطريق، وهو خلاف الإفراط.

ص: 11

‌ثم دخلت سنة أربع ومئتين

فيها: كان قدومُ المأمون أرضَ العراق، وذلك أنه مرَّ بجرجان فأقام بها شهرًا، ثم سار منها [وكان]

(1)

ينزل في المنزلة يومًا أو يومين، ثم جاء إلى النّهروان فأقام بها ثمانية أيام، وقد كان كتب إلى طاهر بن الحسين وهو بالرقّة أن يوافيه إلى النهروان، فوافاه بها، وتلقاه رؤوس أهل بيته والقُوَّادُ وجمهورُ الجيشِ، فلما كان السبت الآخر دخل بغداد ارتفاعَ النهار لأربعَ عشرة ليلةً بقيت من صفر، في أُبّهة عظيمةٍ، وجيشٍ عظيمٍ، وعليه وعلى جميع أصحابه وفتيانهم وجميع لباسهم الخُضْرَةُ، فلبس أهلُ بغداد وبنو هاشم أجمعون الخُضْرَةَ.

ونزل المأمون بالرَّصافة، ثم تحوَّل إلى قصره على دجلة، وجعل الأمراءُ ووجوه الدولة يترددون إلى داره على العادة، وقد تحوَّل لباسُ البغاددة إلى الخُضْرَة، وجعلوا يحرقون كلَّ ما يجدونه من السواد، فمكث بذلك ثمانية أيام. ثم استعرض حوائجَ طاهر بن الحسين فكان أوَّل حاجةٍ سألها أن يرجع إلى لباس السَّواد، فإنَّه لباسُ آبائه من دولةِ ورثة الأنبياء.

فلما كان السبت الآخر، وهو الثالث والعشرون من صفر، جلس المأمون للناس وعليه الخُضْرَةُ، ثم إنَّه أمر بخِلْعةٍ

(2)

سوداء وَألبسها طاهر بن الحسين، ثم ألبس

(3)

بعده جماعةً من الأمراء السواد، فلبس الناسُ السواد وعادوا إلى ذلك، بعدما علم منهم الطاعة والموافقة. وقد قيل: إنَّ المأمون مكث يلبَسُ الخُضْرة بعد قدومه بغداد تسعًا وعشرين ليلة، واللَّه أعلم.

ولما جاء إليه عمُّه إبراهيمُ بنُ المهدي بعد اختفائه ست سنين وشهورًا، قال له المأمون: أنت الخليفةُ الأسود، فأخذ في الاعتذار والاستغفار، وقال له: أنا الذي مننتَ عليه بالعفو، وأنشد المأمونَ عند ذلك:

ليسَ يُزْري السَّوادُ بالرَّجُلِ الشَّهْـ

ـم ولا بالفتى الأديبِ الأريبِ

إن يكنْ للسَّوادِ منكَ نصيبٌ

(4)

فبياضُ الأخلاقِ منكَ نصيبي

قال القاضي ابن خلكان

(5)

: وقد نظم هذا المعنى بعضُ المتأخرين وهو نصر اللَّه

(6)

بن قلاقس الإسكندري فقال:

(1)

زيادة من ط.

(2)

"الخِلْعَةُ": ما تخعله من الثِّياب ونحوها. ويقال: خَلَعَ عليه خِلْعَة: أعطاه أو ألبسه إياها.

(3)

في ظ، ب: لبس.

(4)

في أ: إن يكن السواد منك نصيبًا، وما أثبته من: ظا، ب، ط.

(5)

وفيات الأعيان (1/ 41) والأبيات جميعًا فيه.

(6)

هو نصر بن عبد اللَّه بن مخلوف اللخمي، أبو الفتوح، المعروف بابن قلاقس الإسكندري. شاعر، نبيل، من كبار الكتاب المترسلين، وديوانه مشهور. مات سنة 567 هـ.

ص: 12

ربَّ سوداءَ وهي بيضاءُ فِعْلٍ

حَسَدَ المسكَ عندها الكافُورُ

مثلُ حبِّ العيونِ يحسَبُهُ النَّا

سُ سَوادًا وإنَّما هُوَ نورُ

وكان المأمون قد شاور في قتل عمه إبراهيم بن المهدي، فقال له أحمد بن أبي خالد، الوزير الأحول: يا أمير المؤمنين، إنْ قتلْتَه فَلَكَ نُظراء، وإنْ عفوْتَ عنه فما لَكَ نظيرٌ.

ثمَّ شرع المأمون في بناء قصورٍ على دجلة إلى جانب قصره بها، وسكنت الفتن وانزاحت الشرور، وأمر بمقاسمة أهل سواد العراق على الخُمسين، وكانوا يقاسَمون على النصف. واتخذ القفيز

(1)

الملحم، وهو عشرة مكاكي بالمَكُّوك

(2)

الهاروني، ووضَعَ شيئًا كثيرًا من خَراجات بلاد شتى، ورفق بالناس في مواضعَ كثيرةٍ، وولَّى أخاه أبا عيسى بنَ الرشيد الكوفةَ، وولَّى أخاه صالحًا البصرةَ، وولَّى عبيد اللَّه بنَ الحسن بن عُبيد اللَّه

(3)

بن العباس بن علي بن أبي طالب نيابةَ الحرَمين، وهو الذي حجَّ بالناس في هذه السنة.

وفيها: واقع يحيى بن معاذ بابَك الخُرَّمي فلم يظفر به.

‌فيها: توفي جماعة من الأعيان، منهم:

أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي

(4)

: وقد أفردنا له ترجمةً مطولة في أوَّل كتابنا "طبقات الشافعيين"، ولنذكر هاهنا ملخصًا من ذلك، وباللَّه المستعان.

هو الإمام العالم أبو عبد اللَّه بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السَّائب بن عُبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المُطَّلب بن عبد مَنَاف بن قُصَيّ، القرشي المطلبي، والسَّائب بن يزيد أسلم يوم بدر، وابنه شافع بن السَّائب من صغار الصحابة، وأمُّه أزدية. وقد رأت حين حملت بالشافعي كأنَّ المشتري خرج من فرجها حتى انقضَّ بمصر، ثم وقع في كل بلدٍ [منه]

(5)

شَظِيَّةٌ.

= معجم الأدباء (19/ 226)، وسير أعلام النبلاء (20/ 546)، حوادث سنة 567 والأعلام (8/ 24)، وفي الأخير ترجمة مطولة له.

(1)

"القَفيز": مكيال، وهو ثمانية مكاكيك عند أهل العراق، والجمع أقفزة.

(2)

"المَكُّوك": مكيال، صاع ونصف، والجمع مكاكيك، وربَّما قيل: مَكَاكيُّ، على البدل كراهية التضعيف، ومنعه ابن الأنباري. المصباح المنير، واللسان.

(3)

في ط: "عبيد اللَّه بن الحسين بن عبد اللَّه"، تحريف، وما أثبتناه كما في تاريخ الطبري (8/ 576).

(4)

ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء (10/ 5 - 99). وترجمه الفاسي في العقد الثمين مرتين (5/ 305) فسمى أباه "الحسن" مرة، و"الحسين" مرة أخرى، وهو ينقل من تاريخ الطبري، وسيأتي اسم أبيه "الحسن" في أحداث زيادة سنة 205 هـ.

(5)

زيادة في ب، ظا.

ص: 13

وقد ولد الشافعي بغزة، وقيل: بعَسْقَلان، وقيل: باليمن سنة خمسين ومئة، ومات أبوه وهو صغير، فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبُه، فنشأ بها، وقرأ القرآن وهو ابنُ سبع [سنين]

(1)

، وحفظ "الموطأ" وهو ابنُ عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. وقيل: ابن ثماني عشرة سنة، أذِنَ له شيخهُ مسلم بن خالد الزَّنجيُّ

(2)

، وعُني باللغة والشعر، وأقام في هذيل نحوًا من عشر سنين، وقيل: عشرين سنة، فتعلَّم منهم لغاتِ العربِ وفصاحتها، وسمع الحديث الكثير على جماعة من المشايخ والأئمة، وقرأ بنفسه "الموطَّأ" على مالك من حفظه، وأعجبته قراءته وهِمَّته، [وأخذ عنه علم الحجاز من بعد أخذه عن مسلم بن خالد]

(3)

.

وأخذ عنه خلقٌ كثيرٌ قد ذكرنا

(4)

أسماءهم مرتبين على حروف المعجم.

وقرأ القرآن على إسماعيل بن قُسْطَنطين، عن شِبْلٍ، عن ابن كثير، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاس، عن أُبَيّ بن كعبٍ، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، عن جبريلَ، عن اللَّه عز وجل.

وأخذ الشافعيُّ الفقه عن مسلم بن خالد، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما، عن جماعة من الصحابة؛ منهم: عمر وعلي

(5)

وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وغيرهم. وكلُّهم عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وتفقَّه أيضًا على مالك عن مشايخه.

وتفقَّه به جماعةٌ قد ذكرناهم ومَن بعدهم إلى زماننا في تصنيفٍ مفردٍ، وللَّه الحمد والمنَّة.

وقد روى ابنُ أبي حاتم، عن أبي بشر الدولابي، عن محمد بن إدريس ورَّاقِ الحُميدي، عن الحُميدي، عن الشافعيِّ: أنَّه ولي الحكم بنجران من أرض اليمن، ثم تعصَّبوا عليه ووشَوْا به إلى الرشيد هارون أنه يَرُومُ الخلافة، فحُمِلَ على بغلٍ في قيدٍ إلى بغداد، فدخلها في سنة أربعٍ وثمانين وعمرُه ثلاثون سنةً، فاجتمع بالرشيد، فتناظر هو ومحمد بن الحسن

(6)

بين يديه، وأحسن القولَ فيه محمد بن

(1)

زيادة في ب، ظا.

(2)

مسلم بن خالد بن مسلم بن سعيد، المخزوميّ مولاهم، الزَّنجيّ، المكّي، فقيه صدوق، كثير الأوهام في الحديث. كان أبيض بحمرة، ولقب بالزَّنجي لحبه للتمر. قالت له جاريته: ما أنت إلا زنجيّ. وبه تفقه الإمام الشافعي قبل أن يلقى مالكًا، وقد أذِن له بالإفتاء. توفي سنة 179 هـ. سير أعلام النبلاء (8/ 158)، والأعلام (7/ 222).

(3)

زيادة في ب، ظا.

(4)

في ظا، ب: سردنا.

(5)

في ط: عمرو بن علي وهو تصحيف.

(6)

هو محمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبد اللَّه الشيباني، فقيه العراق، صاحب أبي حنيفة. ترجم له المؤلف في حوادث سنة 189.

ص: 14

الحسن، وتبين للرشيد براءته مما نُسب إليه، وأنزله محمد بن الحسن عنده. وكان أبو يوسف

(1)

قد مات قبل ذلك بسنة، وقيل: بسنتين. وأكرمه

(2)

محمد بن الحسن وكتب عنه الشافعيُّ وِقْرَ بعيرٍ، ثم أطلق له الرشيدُ ألفي دينارٍ، وقيل: خمسة آلاف دينار.

وعاد الشافعيُّ إلى مكَّةَ، ففرَّق عامة ما حصل له في أهله وذوي رَحِمِهِ من بني عمِّه.

ثم عاد الشافعيُّ إلى بغداد في سنة خمس وتسعين ومئة، فاجتمع به جماعةٌ من العلماء هذه المرة، منهم: أحمد بن حنبل، وأبو ثور

(3)

، والحسين بن علي الكَرابيسي، والحارث بن سُريج النَّقَّال

(4)

، وأبو عبد الرحمن الشافعي، والزَّعفراني، وغيرهم.

ثم رجع إلى مكة، ورجع إلى بغداد أيضًا، سنة ثمان وتسعين ومئة، ثم انتقل منها إلى مصر فأقام بها إلى أن مات في سنة أربع ومئتين، كما سيأتي.

وصنف بها كتابه "الأم" فهو من كتبه الجديدة؛ لأنَّها من رواية الرَّبيع بن سليمان، وهو مصري. وقد زعم إمام الحرمين

(5)

وغيرُه أنَّها من القديم، وهذا بعيدٌ وعجيب من مثله، واللَّه أعلم.

وقد أثنى على الشافعي غيرُ واحدٍ من كبار الأئمة، منهم: عبدُ الرحمن بن مهدي

(6)

، وسأله أن يكتب له كتابًا في الأصول فكتب له "الرسالة"

(7)

، فكان يدعو له في صلاته دائمًا، وشيخُه مالك بن

(1)

هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي، القاضي أبو يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة. ترجم له المؤلف في حوادث سنة 182.

(2)

في أ وأدبه.

(3)

هو إبراهيم بن خالد الكلبي، أبو ثور، الفقيه المشهور، ت 240 هـ.

(4)

في أ: الحارث بن شريح القفال وفي ظا، ط البقال، وهو الحارث بن سريج النقّال، أبو عمر، خوارزمي الأصل، أحد الفقهاء، متهم في الحديث. تاريخ بغداد (18/ 209)، ميزان الاعتدال (1/ 433).

(5)

هو عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني، الملقب بإمام الحرمين؛ لمجاورته بمكة أربع سنين. أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، توفي سنة 478 هـ.

(6)

عبد الرحمن بن مهدي بن حسان، أبو سعيد العنبري، اللؤلؤي. من كبار حفاظ الحديث؛ قال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في هذا الشأن. توفي سنة 198 هـ. سير أعلام النبلاء (9/ 192 - 209).

(7)

في الأصول: بالرسالة، وأثبت ما في ط. وكتاب "الرسالة" في أصول الفقه، مطبوع. وكتب الذهبي في سير أعلام النبلاء (10/ 44) ما نصه: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي، وهو شاب، أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار، وحُجّة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ، فوضع له كتاب الرسالة.

وفي هامش التحقيق: وهي الرسالة القديمة التي كتبت عنه بالعراق، وأرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي مع الحارث بن سُريج النقّال الخوارزمي، ثم البغدادي، وبسبب ذلك سمي النقّال. وهذه الرسالة القديمة غير معروفة، وليس في أيدي الناس الآن غير الرسالة الجديدة المطبوعة طبعة جيدة بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله.

ص: 15

أنس، وقتيبةُ بن سعيد

(1)

؛ وقال: هو إمام [سنّة]

(2)

، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطّان، وكان يدعو له في صلاته، وأبو عُبَيد

(3)

؛ وقال: ما رأيت أفصحَ ولا أعقلَ، ولا أورَعَ من الشافعي، ويحيى بن أكثم القاضي، وإسحاق بن رَاهَوَيه، ومحمد بن الحسن، وغيرُ واحد ممن يطولُ ذِكرهم وشرح أقوالهم

(4)

.

وكان أحمدُ بن حنبل يدعو له في صلاته نحوًا من أربعين سنة، وكان أحمدُ يقولُ في الحديث الذي رواه أبو داود

(5)

من طريق عبد اللَّه بن وَهْب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أِبي علقمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لهذه الأُمَّةِ على رأسِ كُلِّ مئة سَنَةٍ من يُجدِّدُ لها أمْرَ دِينِها"

(6)

. قال: فعُمَرُ بنُ عبد العزيز على رأسِ المئة، والشافعيُّ على رأس المئتين.

وقال أبو داود الطيالسيُّ

(7)

: حدثنا جعفرُ بن سليمان، عن النَّضر بن معبد

(8)

الكندي -أو العبدي- عن الجارود

(9)

، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا تَسُبُّوا قُريشًا، فإنَّ عالِمَها يملأ الأرضَ علمًا، اللهم إنَّك أذقْتَ أوَّلَهَا عَذَابًا، أو وبالًا، فأذِقْ آخرَها نَوالًا". هذا غريبٌ من هذا الوجه

(10)

.

(1)

قتيبة بن سعيد بن جميل الثقفي أبو رجاء البغلاني. شيخ الإملام، المحدث الإمام، الثقة، مات سنة 240 هـ. سير أعلام النبلاء (11/ 13 - 24).

(2)

زيادة من ظا، ب.

(3)

أبو عبيد، القاسم بن ملام الهروي، أحد أئمة اللغة والفقه والحديث والقرآن وغيرها. مات سنة 224 هـ.

(4)

كثيرون هم الذين ترجموا للإمام الشافعي وكتبوا عنه ذاكرين مناقبه وسيرته رحمه الله؛ منهم على سبيل المثال: البيهقي وله "مناقب الشافعي"، والرازي وله أيضًا "مناقب الشافعي"، والسبكي في "طبقات الشافعية" وابن الجوزي في "صفة الصفوة"، ولابن حجر العسقلاني "توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس". وغير ذلك.

(5)

سنن أبي داود (4291) في الملاحم، باب ما يذكر في قرن المئة، وهو حديث صحيح.

(6)

وأخرجه أيضًا ابن عدي في الكامل (1/ 123)، والحاكم (4/ 522)، والبيهقي في المعرفة 52، والخطيب في تاريخ مدينة السلام (ط. د. بشار) من طريق سعيد بن أبي أيوب، به. وإسناده حسن، وشرح معناه في جامع الأصول (11/ 320)(بشار).

(7)

مسند الطيالسي (310).

(8)

هكذا في النسخ، وهو كذلك في مسند الطيالسي، وحلية الأولياء، وتاريخ الخطيب، وتاريخ دمشق، وتهذيب الكمال. ووقع في ضعفاء العقيلي (4/ 289) والجرح والتعديل (8/ الترجمة 2184)، وميزان الاعتدال (4/ الترجمة 9060)"حميد"، ومهما يكن فهو متروك لا يفرح به (بشار).

(9)

هكذا ورد اسمه في النسخ كافة، وفي عدد من مصادر التخريج، وهو وهم من بعض رواة الحديث حيث أسقط لفظة "أبي" منه، والصواب "أبو الجارود" وهو زياد بن المنذر الكوفي، كذبه يحيى بن معين، كما في التقريب لابن حجر.

(10)

وأخرجه أيضًا العقيلي في الضعفاء (4/ 289)؛ وأبو نعيم في الحلية (6/ 259)؛ و (9/ 65) والخطيب البغدادي في =

ص: 16

وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه

(1)

.

قال أبو نُعيم عبد الملك بن محمد الإسفراييني: لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعيِّ؛ حكاه الخطيب.

وقال يحيى بن مُعين: صدوقٌ لا بأس به

(2)

.

وقال مرَّةً: لو كان الكذبُ له مطلقًا لكانت مروءته تمنعه من أن يكذبَ

(3)

.

وقال

(4)

ابنُ أبي حاتم: سمعتُ أبي يقولُ: الشافعيُّ فقيه البدن، صدوقُ اللسان.

وحكى بعضُهم عن أبي زُرْعَة، أنَّه قال: ما عندَ الشافعيِّ حديثٌ غَلِطَ فيه

(5)

.

وحُكي عن أبي داود نحوه

(6)

.

وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خُزَيمة -وقد سئل: هل سنة لم تبلغ الشافعيَّ؟ - فقال لا

(7)

.

ومعنى هذا: أنها تبلغه تارة بسندها، وتارة مرسلةً، وتارة منقطعةً، كما هو الموجود في كتبه، واللَّه أعلم.

وقال حَرْمَلةُ: سمعتُ الشافعيَّ يقول: سُمِّيتُ ببغداد ناصِرَ السنة

(8)

.

= تاريخه (2/ 398)(ط. د. بشار)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (51/ 326)، والمزي في تهذيب الكمال (24/ 363) من طريق النضر الكندي، به وإسناده ضعيف جدًا، لكن قوله في آخر الحديث:"اللهم، إنك أذقت أولها عذابًا أو وبالا، فأذق آخرها نوالا"، رواه الترمذي رقم (3908) وأحمد في المسند (1/ 242) من حديث ابن عباس. وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وله شاهد من حديث ابن عمر في مسند الشهاب للقضاعي (2/ 341)، فهذه الزيادة ثابتة، ولكن أول الحديث "لا تسبوا قريشًا، فإن عالمها يملأ الأرض علمًا" ضعيف جدًا كما تقدم.

(1)

لم أجده عند الحاكم.

(2)

الحلية (9/ 97)، سير أعلام النبلاء (10/ 47).

(3)

في أ: من الكذب. معجم الأدباء (17/ 314).

(4)

من هنا حتى قوله: صدوق اللسان لم يرد في ظا، ب.

(5)

سير أعلام النبلاء (10/ 47).

(6)

سير أعلام النبلاء (10/ 47)

(7)

ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (10/ 54) أن يحيى بن منصور القاضي، قال: سمعت إمامَ الأئمة ابنَ خزيمة يقول، وقلت له: هل تعرف سنةً لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام لم يُودعها الشافعيُّ كتبَه؟ قال: لا.

(8)

تاريخ بغداد (2/ 68)، سير أعلام النبلاء (10/ 47).

ص: 17

وقال أبو ثَوْرٍ: ما رأينا مثلَ الشافعيِّ، ولا رأى هو مثلَ نفسِهِ

(1)

. وكذا قال الزَّعْفَرَانيُّ وغيرُ واحد.

وقال داود بن علي الظاهريُّ

(2)

في كتابٍ جَمعه في فضائل الشافعي: للشافعيِّ من الفضائل ما لم يجتمع لغيره؛ من شرفِ نسبِهِ، وصحة دِينه ومعتقده

(3)

، وسخاوةِ نفسِه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه، وناسخه ومنسوخه، وحفظِه الكتابَ والسنَّةَ وسيرةَ الخلفاءِ، وحسنِ التصنيف، وجودةِ الأصحابِ والتلامذة، مثلِ أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة. ثم سَرَد أعيانَ أصحابه من البغاددة والمصريين. وكذا عدَّ أبو داود في جملة تلامذته في الفقه: أحمد بن حنبل.

وقد كان الشافعيُّ رحمه الله من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة، وأشدِّ النَّاس انتزاعًا للدلائل منهما.

وكان من أحسن النَّاس قصدًا وإخلاصًا، كان يقولُ: وددْتُ: أنَّ النَّاس تعلموا هذا العلمَ ولا يُنسبُ إليَّ منه شيءٌ أبدًا، فأُوْجَرُ عليه ولا يَحمدوني

(4)

.

وقد قال غيرُ واحدٍ عنه: إذا صحَّ عندكم الحديثُ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا قولي، فإني أقولُ به، وإن لم تسمعوه منِّي

(5)

.

وفي رواية: فلا تقلِّدُوني.

وفي رواية: فلا تلتفتوا إلى قولي.

[وفي رواية: فاضْرِبُوا بقولي عُرْضَ الحائطِ، فلا قولَ لي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم]

(6)

.

وقال: لأنْ يَلقى اللَّهَ المرْءُ

(7)

بكل ذنبٍ ما خلا الشرك باللَّهِ، خيرٌ له من أن يَلْقَاه بشيءٍ من الأهواء.

وفي رواية: خيرٌ له من أن يلقاه بعلمِ الكلام.

وقال: لو علِمَ النَّاس ما في الكلام من الأهواء لفرُّوا منه كما يُفَرُّ مِنَ الأسدِ.

(1)

تاريخ ابن عساكر (14/ 411)، سير أعلام النبلاء (10/ 46).

(2)

أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام، تنسب إليه الطائفة الظاهرية، سميت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنة، وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس. توفي سنة 270 هـ، وسيترجم له المؤلف في تلك السنة.

(3)

في ب، ظا: ومعرفته. والخبر في معجم الأدباء (17/ 315).

(4)

سير أعلام النبلاء (10/ 55)

(5)

المصدر السابق.

(6)

ما بين قوسين زيادة من ط فقط. سير أعلام النبلاء (10/ 33 - 35).

(7)

في ط وسير أعلام النبلاء (10/ 16): العبد.

ص: 18

وقال أيضًا: حكمي في أهلِ الكلام أن [يُضربوا بالجَريد]

(1)

، ويُطافَ بهم في القبائل، ويُنادى عليهم: هذا جزاءُ من ترك الكتاب والسنة، وأقبلَ على الكلام.

وقال البُوَيْطيُّ: سمعت الشافعيَّ يقولُ: عليكم بأصحاب الحديث فإنَّهم أكثرُ الناس صوابًا.

وكان يقول: إذا رأيتُ رجلًا من أصحاب الحديث فكأنَّما رأيتُ رجلًا من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وجزاهم اللَّه خيرًا، حفظوا لنا الأصلَ، فلهم علينا الفضل

(2)

. ومن شعره في هذا المعنى قولُه

(3)

:

كُلُّ العُلومِ سِوَى القرآنِ مَشغلةٌ

إلا الحديثَ وإلا الفقهَ في الدِّينِ

العلمُ ما كانَ فيهِ قالَ حدَّثنا

وما سِوى ذاكَ وَسواسُ الشَّياطينِ

وكان يقول: القرآنُ كلامُ اللَّه غيرُ مخلوقٍ، ومَن قال مخلوقٌ فهو كافر

(4)

. وقد روى عنه الربيعُ وغيرُ واحدٍ من رؤوس أصحابه ما يدُلُّ على أنه كان يُمرُّ آياتِ الصِّفات وأحاديثَها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف، على طريقة السَّلف.

وقال ابنُ خُزيمة: أنشدني المُزنيُّ، قال: أنشدنا الشافعيُّ لنفسه

(5)

:

فما شئتَ كانَ وإنْ لم أشأْ

وما شئتُ إنْ لم تَشَأْ لم يكنْ

خَلَقْتَ العِبادَ على ما علمْتَ

ففي العلم يجري الفَتَى والمُسِنّ

فمنهم شقيٌّ ومنهمْ سعيدٌ

ومنهم قبيحٌ ومنهمْ حَسَنْ

على ذا مَنَنْتَ وهذا خذَلْتَ

وهذا أعنْتَ وذا لم تُعِنْ

وقال الربيعُ: سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: أفضلُ الناس بعدَ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.

وعن الربيع، قال: أنشدنا الشافعيُّ

(6)

:

قد نفَّرَ

(7)

الناس حتَّى أحدثوا بِدَعًا

في الدِّينِ بالرأي لم تُبعَث بها الرُّسُلُ

(1)

زيادة من ط وسير أعلام النبلاء (10/ 29). و"الجَريد": جمع جريدة، وهي السَّعَفَة التي تقشر من خوصها.

(2)

حلية الأولياء (9/ 109)، سير أعلام النبلاء (10/ 60).

(3)

طبقات الشافعية للسبكي (1/ 297).

(4)

سير أعلام النبلاء (10/ 18 - 30).

(5)

طبقات الشافعية للسبكي (1/ 295)، وابن عساكر (14/ 406 - 407)، ومناقب الشافعي للبيهقي (1/ 412 و 2/ 109).

(6)

ابن عساكر (10/ 190)، ومناقب الشافعي للبيهقي (2/ 71) وفي الأخير: لم يبرح الناس.

(7)

في ط: عوج.

ص: 19

حتَّى استخَفَّ بحقِّ اللَّهِ أكثرُهمْ

وفي الذي حُمِّلُوا من حقِّهِ شُغُلُ

وقد ذكرنا من شعره في السُّنّة وكلامه فيها وفي الحِكم والمواعظ طرفًا صالحًا في الذي كتبناه في أول "طبقات الشافعية".

وقد كانت وفاتُه بمصرَ يومَ الخميس، وقيل: يوم الجمعة، في آخر يومٍ من رجبَ سنة أربعٍ ومئتين، عن أربع وخمسين سنة.

وكان أبيضَ جميلًا، طويلًا، مَهيبًا، يخضِبُ بالحِنَّاء، مخالفًا للشيعة، رحمه الله، وأكرَمَ مثواه

(1)

.

‌وممن توفي فيها أيضًا:

إسحاق بن الفُرات

(2)

.

وأشْهَبُ بن عبد العزيز المصريُّ المالكيُّ

(3)

.

والحسنُ بن زياد اللؤلؤي الكوفي الحنفي

(4)

.

وأبو داود سليمان بن داود الطَّيالسي صاحبُ المسند

(5)

، أحد الحفاظ.

وأبو بدر شُجاع بن الوليد

(6)

.

وأبو بكر الحنفي، عبدُ الكبير

(7)

.

(1)

وفيات الأعيان (4/ 165).

(2)

إسحاق بن الفُرات بن الجَعْد، أبو نُعَيم التُّجيبيُّ، فقيه الديار المصرية وقاضيها، تلميذ الإمام مالك. سير أعلام النبلاء (9/ 503).

(3)

أشهب بن عبد العزيز بن داود، أبو عمرو القيسي، يقال: اسمه، مِسكين، وأشهب لقبٌ له. مفتي مصر، فقيه، ثقة. سير أعلام النبلاء (9/ 500).

(4)

هو أبو علي الأنصاري، صاحب أبي حنيفة، فقيه العراق، أحد الأذكياء البارعين في الرأي. تاريخ بغداد (7/ 314)، سير أعلام النبلاء (9/ 543).

(5)

سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصري، ثقة حافظ، غلط في أحاديث. سير أعلام النبلاء (9/ 378)، وتقريب التهذيب (1/ 323).

(6)

شجاع بن الوليد بن قيس السَّكوني، أبو بدر الكوفي، نزيل بغداد، كثير الصلاة والورع، صدوق، له أوهام.

(7)

في ط وعبد الكريم، خطأ. وهو عبد الكبير بن عبد المجيد البصري، من أئمة الحديث. وثقه أحمد بن حنبل وغيره. سير أعلام النبلاء (9/ 489).

ص: 20

وعبد الوهَّاب بن عطاء الخفَّاف

(1)

.

والنَّضْر بن شُمَيل، أحدُ أئمة اللغة

(2)

.

وهشامُ بن محمد بن السَّائب الكلبي، أحدُ علماء التاريخ

(3)

.

‌ثم دخلت سنة خمس ومئتين

فيها: ولَّى المأمون طاهر بن الحسين بن مصعب نيابةَ بغداد والعراق وخراسان إلى أقصى عملِ المشرق، ورضي عنه، ورفَعَ منزلته جدًا، وذلك لمرض الحسن بن سهل بالسَّوداء. وولَّى المأمون مكان طاهر على الرقة والجزيرة يحيى بن معاذ.

فقد عبدُ اللَّه

(4)

بن طاهر بن الحسين إلى بغداد في هذه السنة، وكان أبوه قد استخلفه على الرقة وأمره بمقاتلة نَصْر بن شَبَث

(5)

.

وولَّى عيسى بن محمد بن أبي خالد أذربيجان وأرمينية، وأمره بمحاربة بابَك الخرّمي.

وولَّى عيسى بن يزيد الجُلوديَّ مقاتلة الزُّطّ.

ومات نائبُ مصر السَّريُّ بن الحكم بها، ونائبُ السند داودُ بن يزيد، فولَّى مكانه بشرَ بن داود، على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم.

(1)

هو أبو نصر البصري الخفَّاف، مولى بني عجل، إمام، صدوق، عابد، محدِّث، ربما أخطأ. سكن بغداد. سير أعلام النبلاء (9/ 451)، تقريب التهذيب (1/ 528).

(2)

النَّضْر بن شُمَيْل بن خَرَشة بن يزيد المازني التميمي، أبو الحسن. أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة، اتصل بالمأمون العبَّاسي فأكرمه، وقرَّبه، توفي بمرو. إنباه الرواة (3/ 348)، وسير أعلام النبلاء (9/ 328)،

(3)

هو هشام بن محمد بن السَّائب بن بشر الكلبي، أبو المنذر. مؤرخ، عالم بالأنساب وأخبار العرب وأيامها، كأبيه محمد بن السّائب. وتصانيفه جمّة، يقال: بلغت مئة وخمسين مصنفًا، ذكر منها ابن النديم في فهرسه مئة وأربعة وأربعين كتابًا. من كتبه: جمهرة الأنساب، والأصنام، ونسب الخيل، وغير ذلك.

القهرست (108)، وتاريخ بغداد (14/ 45)، وسير أعلام النبلاء (10/ 101).

(4)

في أ: طاهر بن عبد اللَّه بن الحسين، وهو تحريف.

(5)

في أ: ظا: شيب، خطأ. وهو نصر بن شَبَث العقيلي، ثائر للعصبية العربية، من بني عقيل، وكانت إقامته في كَيْسوم بشمالي حلب، وحاصره عبد اللَّه بن طاهر، وانتهى أمره بالاستسلام، وسير إلى بغداد سنة 210 هـ، ولا يعلم ما آل إليه أمره بعد ذلك. الطبري (8/ 580، 598) والأعلام (8/ 23).

ص: 21

وحجَّ بالناس في هذه السنة عبيدُ اللَّه بن الحسن

(1)

، نائب الحرمين الشريفين.

‌وتوفي فيها من الأعيان:

إسحاق بن منصور السَّلُوليُّ

(2)

.

وَبِشْرُ بن بكر الدِّمشقيُّ

(3)

.

وأبو عامر العَقَديّ

(4)

.

ومحمد بن عُبيد الطَّنافسيّ

(5)

.

ويعقوب الحضرميُّ

(6)

.

وأبو سليمان الدَّاراني

(7)

: عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، وقيل: عبد الرحمن بن عَطِيَّة، وقيل: عبد الرحمن بن عَسْكَر، أبو سليمان الدَّارانيُّ، أحدُ أئمة العلماء العاملين، أصله من واسط، وسكن قرية غربي دمشق يُقال لها: داريَّا.

وقد سمع الحديثَ من سفيان الثوريِّ وغيره، ورَوى عنه أحمدُ بن أبي الحواري وجماعة.

وأسند الحافظُ ابنُ عساكر من طريقه، قال: سمعت عليَّ بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد، يقول: سمعت إبراهيمَ بنَ أدهم، يقول: سمعت ابنَ عجلانَ يذكُرُ عن القَعْقَاع بن حكيم، [عن أبي صالح]

(8)

(1)

في أ: الحسين، وأثبت ما جاء في ظا، ب والطبري.

(2)

إسحاق بن منصور السَّلُوليُّ، أبو عبد الرحمن الكوفيُّ. صدوق، تكلم فيه للتشيع. تهذيب الكمال (2/ 478) وتقريب التهذيب (1/ 61).

(3)

بِشر بن بكر، أبو عبد اللَّه البَجَليّ الدِّمشقي، التِّنِّيسي، الإمام الحجّة، سير أعلام النبلاء (9/ 507).

(4)

هو عبد الملك بن عمرو القيسي العَقَديّ، البصري، أبو عامر. محدِّث البصرة، الحافظ، ثقة مأمون. سير أعلام النبلاء (9/ 469).

(5)

محمد بن عبيد بن أبي أُميَّة الطَّنافِسيّ، الكوفي، الأحدب، ثقة، يحفظ. تقريب التهذيب (2/ 188).

(6)

في ط: يعقوب الحضري، تحريف. وهو يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي، أبو محمد المقرئ، صدوق. تقريب التهذيب (2/ 375).

(7)

له ترجمة في تاريخ داريا للقاضي عبد الجبار الخولاني ص 51 وطبقات الصوفية (ص 75)، وحلية الأولياء (9/ 254)، وتاريخ بغداد (10/ 248)، وصفة الصفوة (4/ 223)، وسير أعلام النبلاء (10/ 182)، وشذرات الذهب (2/ 13)، وقد اختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة 215، وقيل: سنة 205، وقيل غير ذلك.

(8)

ما بين قوسين لم يرد في أ، ط وأثبت من ظا، ب و"ابن عساكر"، وهو أبو صالح السمَّان، واسمه ذكوان، المدني، الزيات، ثقة، ثبت مات سنة 101 هـ. تقريب التهذيب (1/ 238). ابن عساكر المجلد الأربعون (ص 77).

ص: 22

عن أنسِ بن مالك، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صلَّى قبلَ الظهر أربعًا غُفِرَت ذنوبُه يومَه ذلكَ"

(1)

.

وقال أبو القاسم القشيريُّ: حُكي عن أبي سليمان الداراني، قال: اختلفْتُ إلى مجلسِ قاصٍّ، فأثَّر كلامُه في قلبي، فلمَّا قمتُ لم يبقَ في قلبي شيءٌ، فعدت إليه ثانيةً، فأثَّر كلامُه في قلبي بعدما قُمْتُ وفي الطريق؛ ثم عُدْت ثالثةً، فبقي أثرُ كلامِه في قلبي حتَّى رجعت إلى منزلي، فكسرْتُ آلات المخالفات، ولزمت الطريق

(2)

.

فحُكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ، فقال: عصفورٌ اصطادَ كُرْكِيًّا

(3)

، يعني بالعصفور: القاصَّ، وبالكُرْكيِّ: أبا سليمان الداراني

(4)

.

وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان، يقول: ليس لمن أُلهمَ شيئًا من الخير أن يعملَ به حتى يسمَعَهُ من الأثَرَ، فإذا سمعه من الأثر عمِل به، وحمدَ اللَّهَ حين وافق ما في قلبه

(5)

.

وقال الجُنَيْد: قال أبو سليمان الدّارانيُّ: ربَّما يَقَعُ في قلبي النُّكْتةُ مِن نُكَتِ القومِ أيامًا، فلا أقْبَلُ منه إلا بشاهدين عَدْلين: الكتابِ والسُّنَّة

(6)

.

قال: وقال أبو سليمان: أفضلُ الأعمال خلافُ هوى النَّفْس

(7)

.

وقال: لِكُلِّ شيء عَلَمٌ، وَعَلَمُ الخِذْلانِ تركُ البكاء

(8)

.

وقال: لِكُلِّ شيء صَدَأٌ، وصَدَأ نورِ القلب شِبَعُ البَطْنِ

(9)

.

(1)

وأخرجه أيضًا الخطيب البغدادي (10/ 248).

وفي سنده (محمد بن عمر بن الفضل) قال الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال"(3/ 671) عنه: اتهم بالكذب، قال: وقال ابن أبي الفوارس: وكان كذابًا وانظر "زوائد تاريخ بغداد" رقم (1525) ويغني عنه حديث "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها، حرَّمه اللَّه على النار" رواه أبو داود رقم (1269) والترمذي (428) من حديث أم حبيبة وقال الترمذي: حديث صحيح.

(2)

تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، المجلد الأربعون (ص 80) وطبقات الأولياء (388).

(3)

"الكرْكيّ" طائر كبير، أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنَب، قليل اللحم، يأوي إلى الماء أحيانًا. جمع كَراكيّ.

(4)

تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، المجلد الأربعون ص (80)، وطبقات الأولياء (388).

(5)

في ط عمل به، فكان نورًا على نور. والخبر في تاريخ ابن عساكر المجلد الأربعون (ص 82)، وسير أعلام النبلاء (10/ 183).

(6)

تاريخ ابن عساكر المجلد الأربعون (ص 82)، وسير أعلام النبلاء (10/ 183)، والحاشية (3).

(7)

ابن عساكر المجلد 40 (ص 82)، وسير أعلام النبلاء (10/ 183).

(8)

ابن عساكر المجلد 40 (ص 82)، وسير أعلام النبلاء (10/ 183).

(9)

المصدر السابق.

ص: 23

وقال: كُلُّ ما شَغَلَكَ عن اللَّه من أهلٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ، فهو عليك مشؤومٌ

(1)

.

وقال: كنتُ ليلةً في المحراب أدعو ويداي ممدودتان، فغلبني البَرْدُ، فضممْتُ إحداهما ولقيت الأخرى مبسوطةً أدعو بها، وغلبتْني عيني فنمت، فَهَثفَ بي هاتفٌ: يا أبا سليمان: قد وضَعْنا في هذه ما أصَابَها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها. قال: فآليْتُ على نفسي ألا أدعوَ إلا ويداي خارجتان، حَرًّا كان أو بردًا

(2)

.

وقال أبو سليمان: نمت ليلةً عن وِرْدِي، فإذا أنا بحوراءَ تقولُ لي: تنام وأنا أُرَبَّى لكَ في الخُدورِ منذ خمسمئة عام

(3)

؟

وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان، يقول: إنَّ في الجنة أنهارًا على شاطئيها خيامٌ فيهن الحُور، ينشئ اللَّه خلق إحداهن

(4)

إنشاءً فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيامَ، جالسة

(5)

على كرسي ميل في ميل، قد خرج

(6)

عَجيزتُها من جوانب الكرسيّ، فيجيء أهلُ الجنة من قصورهم يتنزهون ما شاؤوا، ثم يخلو كلُّ رجلٍ منهم بواحدة منهن. قال أبو سليمان: كيف يكونُ في الدنيا حالُ منْ يُريد يفتضُّ

(7)

الأبكار على شاطئ الأنهار في الجنة

(8)

؟.

وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: ربَّما مكثت خمس ليالٍ لا أقرأ بعد الفاتحة إلا بآيةٍ واحدةٍ أتفكَّر في معانيها، ولربما جاءت الآية من القرآن فيطير العقل، فسبحان مَن يردُّه بعدُ

(9)

.

وسمعته يقول: أصلُ كُلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة الخوفُ من اللَّه عز وجل، ومفتاحُ الدنيا الشِّبَعُ، ومفتاحُ الآخرة الجوعُ

(10)

.

(1)

ابن عساكر المجلد 40 (ص 82، 85)، وصفة الصفوة (4/ 224)، حلية الأولياء (9/ 264).

(2)

حلية الأولياء (9/ 259)، وتاريخ ابن عساكر المجلد 40 (ص 83)، وصفة الصفوة (4/ 224).

(3)

المصدر السابق.

(4)

في ط: الحوراء.

(5)

في ط: الواحدة منهن جالسة.

(6)

في ط: وابن عساكر: خرجت.

(7)

في ط: افتضاض.

(8)

تاريخ ابن عساكر، المجلد 40، (ص 92).

(9)

حلية الأولياء (9/ 262). وتاريخ ابن عساكر (المجلد 40)، (ص 83).

(10)

تاريخ ابن عساكر، المجلد 40 (ص 84).

ص: 24

وقال لي يومًا: يا أحمدُ، جوعٌ قليلٌ، وذلٌّ قليلٌ، وعُرْيٌ قليلٌ، وفقرٌ قليلٌ، وصبرٌ قليلٌ، وقد انقضت عنك أيامُ الدنيا

(1)

.

قال: واشتهى يومًا

(2)

رغيفًا حارًّا بملحٍ. قال: فجئته به، فعضَّ منه عضَّةً ثم طرَحَه، وأقبل يبكي، ويقولُ: يا ربّ، عجّلتَ لي شهوتي، لقد أطلت جهدي وشِقْوتي، وأنا تائب [فاقبل توبتي]

(3)

. فلم يذق الملح حتَّى لحق باللَّه عز وجل

(4)

.

قال: وسمعته يقول: ما رضيتُ عن نفسي طرفة عينن، ولو أنَّ أهلَ الأرض اجتمعوا على أن يَضَعوني كاتِّضاعي

(5)

عند نفسي ما أحسنوا

(6)

.

وسمعته يقول: مَن رأى لنفسه قيمةً لم يَذُقْ حلاوةَ الخِدْمة

(7)

.

[وسمعته يقول: إذا تكلَّفَ المتعبِّدون ألا يتكلموا إلا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم]

(8)

.

[وسمعته يقول: مَنْ حَسُنَ ظنُّه باللَّه ثم لا يخافُ، فهو مَخْدوعٌ

(9)

.

وقال: ينبغي للخوف أن يكونَ أغلبَ من الرجاء، فإذا غلب الرجاء على الخوف فَسَدَ القلب

(10)

.

وقال لي يومًا: هل فوقَ الصبر منزلة؟ فقلت: نعم -يعني: الرضا- فصرخ صرخةً غشي عليه، ثم أفاق، فقال: إذا كان الصابرون يوفون أجرهم بغير حساب، فما ظنك بالأخرى

(11)

، وهم الذين رضي عنهم.

وقال أبو سليمان: ما يسرّني أن لي الدنيا من أولها إلى آخرها أنفقه في وجوه البِرِّ، وأنِّي أغفلُ عن اللَّه طرفة عين

(12)

.

(1)

في أ: جوعّ قلبك، وذلل قلبك، وعز قلبك، وفقر قلبك، وصبر قلبك، واثبت ما جاء في ظا، ب، وابن عساكر المجلد 40، (ص 86).

(2)

في ظا، ب: مرة.

(3)

زيادة من ظا، ب وابن عساكر.

(4)

تاريخ ابن عساكر، المجلد الأربعون (ص 86).

(5)

وَضُعَ الرجل يَوْضُع ضَعة بفتح الضاد وكسرها: صار وضيعًا.

(6)

تاريخ ابن عساكر، المجلد 40 (ص 87)، وصفة الصفوة (4/ 229).

(7)

تاريخ ابن عساكر المجلد 40 (ص 87)، وسير أعلام النبلاء (10/ 184).

(8)

زيادة من ظا، ب وابن عساكر (ص 87)، وسير أعلام النبلاء (10/ 184).

(9)

تاريخ ابن عساكر، المجلد 40 (ص 88)، وصفة الصفوة (4/ 226).

(10)

ابن عساكر المجلد 40 (ص 91).

(11)

تاريخ ابن عساكر، المجلد 40 (ص 88).

(12)

ذكره ابن عساكر في تاريخه، المجلد 40 (ص 89) من طريق ابن أبي الدنيا، عن موسى بن عمران، وصفة الصفوة (4/ 225).

ص: 25

وقال أبو سليمان: قال زاهدٌ لزاهدٍ: أوْصِني، فقال: لا يراكَ اللَّهُ حيثُ نهاكَ، ولا يفقِدُكَ حيث أمرَكَ. فقال: زِدْني. فقال: ما عندي زيادة

(1)

.

وقال أيضًا: مَنْ أحسَنَ في نهاره كوفئ في ليله، ومَنْ أحسَنَ في ليله كوفئ في نهاره، ومَنْ صَدَقَ في ترك شَهْوةٍ ذَهب

(2)

اللَّهُ بها من قلبه، واللَّه أكرمُ من أن يعذِّب قلبًا في

(3)

شهوةٍ تُركت له

(4)

.

وقال: إذا سكنت الدنيا القلبَ ترحَّلَتْ منه الآخرة

(5)

.

وقال: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تَزْحَمُها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تَزْحَمْها الآخرة؛ إنَّ الآخرة كريمةٌ، والدنيا لئيمةٌ

(6)

.

وقال أحمد بن أبي الحواري: بِتُّ ليلةً عند أبي سليمان، فسمعته يقول: وعزَّتِك وجلالِك، لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنَّك بعفوك، ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنك بسخائك، ولئن أمرتَ بي إلى النار لأخبرنَّهم أنِّي كنت أحبُّك

(7)

.

وكان أبو سليمان يقول: لو شكَّ النَّاسُ كلُّهم في الحق ما شككتُ فيه وحدي

(8)

.

وكان يقول: ما خَلق اللَّهُ خَلْقًا أهونَ عليَّ

(9)

من إبليس، ولولا أنَّ اللَّه أمرني أن أتعوَّذ منه ما تعوذت منه أبدًا، ولو بدا لي ما لطمت إلا صفحةَ وجهه

(10)

.

وكان يقول: إنَّ اللص لا يجيء إلى خربة ينقب حيطانها وهو قادر على الدخول إليها من أي مكان شاء، وإنما يجيء إلى بيت معمورٍ، وكذلك إبليسُ لا يجيء إلا إلى كُلِّ قلبٍ عامر ليستنزله

(11)

عن شيءٍ

(12)

.

(1)

ابن عساكر، المجلد 40 (ص 89).

(2)

في أ، ب: ذهب بها من قلبه، وأثبت ما جاء في ظا وابن عساكر.

(3)

في ط وابن عساكر: بشهوة.

(4)

ابن عساكر، المجلد (40/ 91)، وصفة الصفوة (4/ 229).

(5)

ابن عساكر (المجلد 40/ 92).

(6)

بعدها في ط: وما ينبغي لكريم أن يزاحم لئيمًا. ابن عساكر (المجلد 40/ 92)، وصفة الصفوة (4/ 225).

(7)

ابن عساكر (المجلد 40/ 95). وفي ط: لأخبرن أهل النار أني أحبك.

(8)

ابن عساكر (المجلد 50/ 95).

(9)

في أ: عليه.

(10)

ابن عساكر (المجلد 40/ 96).

(11)

في ط: ليستنزله وينزله عن كرسيه ويسلبه أعزَّ شيء.

(12)

الحلية (9/ 257)، وابن عساكر (المجلد 40/ 96).

ص: 26

وكان يقول: إذا أخلص العبدُ انقطع عنه كثرةُ الوسواس والرّياء، أو الرؤيا

(1)

.

قال: ومكثت عشرين سنةً لم أحتلم، فدخلْتُ مكة ففاتتني صلاةُ العشاء في جماعة، فاحتلمت تلك الليلة

(2)

.

وقال: إن من خلق اللَّه قومًا لا يَشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه، فكيف يُشغلون بالدنيا

(3)

؟.

وقال: الدنيا عند اللَّهِ أقلُّ من جناح بعوضةٍ، فما الزهد فيها، إنَّما الزهد في الجنان والحور العين، حتَّى لا يرى اللَّهُ في قلبكَ غيرَه

(4)

.

وقال الجُنيد: شيء يُروى عن أبي سليمان أنا استحسنْتُه كثيرًا، قوله: من اشثغل بنفسه شُغل عن الناس، ومن اشتغل بربِّه شُغل عن نفسه وعن الناس

(5)

.

وقال غيره: كان أبو سليمان يقول: خيرُ السَّخاء ما وافق الحاجة

(6)

.

وقال أبو سليمان: من طلب الدنيا حلالًا واستعفافًا عن المسألة، واستغناءً عن الناس، لقي اللَّه عز وجل يومَ يلقاه ووجهُهُ كالقمر ليلةَ البدر، ومن طلب الدنيا حلالًا مكاثِرًا مفاخرًا لقي اللَّه عز وجل يوم يلقاه وهو عليه غضبان

(7)

.

وقال أبو سليمان: إنَّ قومًا طلبوا الغنى فحسبوا أنَّه في جمع المال، ألا وإنَّما الغنى في القناعة. وطلبوا الراحة في الكَثْرة، ألا وإنَّما الراحةُ في القِلَّة. وطلبوا الكرامة من الخلق، ألا وإنَّما هي في التقوى. وطلبوا النعمة في اللباس الرقيق اللين، وفي طعامٍ طيبٍ، والنعمة في الإسلام والسِّترِ والعافيةِ

(8)

.

وكان يقول: لولا قيامُ الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وما أحبُّ البقاء لتشقيق الأنهار ولا لغرس الأشجار

(9)

.

(1)

بعدها في ط: يعني الجنابة، ابن عساكر (المجلد 40/ 96، 97).

(2)

ابن عساكر (المجلد 40/ 97).

(3)

تاريخ داريا (117)، وابن عساكر (المجلد 40/ 99).

(4)

ابن عساكر (المجلد 40/ 99).

(5)

ابن عساكر (المجلد 40/ 98).

(6)

ابن عساكر (المجلد 40/ 98).

(7)

ابن عساكر (المجلد 40/ 100).

(8)

ابن عساكر (المجلد 40/ 101).

(9)

بعدها في ط: وإنما أحبها لصيام الهواجر وقيام الليل. ابن عساكر (المجلد 40/ 103)، وصفة الصفوة (4/ 223).

ص: 27

وقال: أهلُ الطاعة في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو بلهوهم، وربَّما استقبلني الفرح في جوف الليل، وربَّما رأيت القلْبَ يضحك ضحكًا

(1)

.

وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: بينا أنا ساجد إذ ذَهب بي النَّوْم

(2)

، فإذا أنا بها -يعني: الحوراء- قد ركَضَتْني برجلها، فقالت: حبيبي، أترقدُ عيناك والمَلِكُ يَقْظَان ينظر إلى المتهجّدين في تهجُّدِهم؟ بؤسًا لعين آثرت لَذَّةَ نومةٍ على لَذَّةِ مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضُهم بعضًا، فما هذا الرُّقاد؟! حبيبي وقرَّةَ عيني، أترقدُ عيناك وأنا أُربَّى لك في الخُدور منذ كذا وكذا؟ فوثبْتُ فزِعًا وقد عَرِقْتُ استحياءً من توبيخها إيَّاي، وإنَّ حلاوة منطِقها لفي سمعي وقلبي

(3)

.

وقال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان فإذا هو يبكي، فقلت: ما لك؟ فقال: زُجِرْتُ البارحةَ في منامي. قلت: ما الذي حلَّ بك

(4)

؟ قال: بينا أنا قد غفوت في محرابي إذ وقفْتُ على جاريةٍ تفوق الدنيا حسنًا، وبيدها ورفة، وهي تقول: أتنام يا شيخ؟ فقلت: من غلبثه عينُه نام. فقالت: كلا، إنَّ طالب الجنة لا ينام، فقالت: أتقرأ؟ فأخذت الورقة من يدها، فإذا فيها مكتوب

(5)

:

لَهَتْ بكَ لَذَّةٌ عنْ حسنِ عيشٍ

معَ الخيراتِ في غُرفِ الجنانِ

تعيشُ مخلّدًا لا موتَ فيها

وتنعمُ في الجنانِ معَ الحسانِ

تيقَّظْ من منامِكَ إنَّ خيرًا

منَ النومِ التهجّد بالقرانِ

وقال أبو سليمان: أما يستحي أحدهم أن يلبَسَ عباءةً بثلاثة دراهم وفي قلبه شهوة بخمسة دراهم

(6)

؟!

وقال أيضًا: لا يجوز لأحدٍ أن يُظهر للناس الزهدَ والشهواتُ في قلبه، فإذا لم يبقَ في قلبه شيءٌ من شهواتِ الدنيا جاز له أن يظهر للناس الزُّهدَ بلبس العَبَاء

(7)

، فإنَّها عَلَمٌ من أعلام الزُّهاد، ولو لبس ثوبين أبيضين ليسترَ بها أبصار الناس عنه كان أسلم لزهده

(8)

.

(1)

ابن عساكر (المجلد 40/ 103).

وبعدها في ط: وقال: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا، فأقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيشٍ طيبٍ.

(2)

في أ: الليل.

(3)

ابن عساكر (المجلد 40/ 104)، وصفة الصفوة (4/ 225).

(4)

في ظا، ب: رأيت، وفي ط: زجرك.

(5)

الخبر والأبيات في ابن عساكر (المجلد 40/ 104).

(6)

حلية الأولياء (9/ 268)، وابن عساكر (المجلد 40/ 104).

(7)

"العَبَاء": ضرب من الأكسية، الواحدة عباءة وعباية، وقد تقع على الواحد؛ لأنه جنس. وقد تكرّر في الحديث. النهاية لابن الأثير (3/ 175).

(8)

ابن عساكر (المجلد 40/ 105).

ص: 28

وكان يقول: إذا رأيتَ الصوفيَّ يتنوَّق

(1)

في الصوف فليس بصوفيٍّ

(2)

.

وخيارُ هذه الأمة أصحابُ القُطنِ؛ أبو بكر الصدِّيق وأصحابة

(3)

.

وقال أبو سليمان: إنَّما الأخ الذي يعظك برؤيته قبلَ كلامِهِ، وقد كنتُ أنظر إلى الأخ من أصحابي بالعراق فأنتفع

(4)

برؤيته شهرًا.

وقال أبو سليمان: قال اللَّه تعالى: عبدي، إنك ما استحييتَ مني أنسيْتُ النَّاسَ عيوبَكَ، وأنسيْتُ بقاعَ الأرض ذنوبَك، ومحوْتُ زلاتِك من أُمِّ الكتاب، ولا أناقشك في الحساب يومَ القيامة

(5)

.

وقال أحمد بن أبي الحواري: سألت أبا سليمان عن الصبر، فقال: واللَّه إنَّك لا تقدرُ عليه في الذي تحبُّ، فكيفَ فيما تكره

(6)

؟.

وقال أحمد: تنهدْتُ عنده يومًا، فقال: إنَّك مسؤولٌ عنها يوم القيامة، فإنْ كانت على ذنبٍ سَلَفَ فطُوبى لك، وإن كانت على الدنيا فويلٌ لك

(7)

.

وقال: إنَّما رَجَعَ مَن رَجَع من الطريق قبلَ الوصول، ولو وصلوا إلى اللَّه ما رَجَعوا

(8)

.

وقال: إنَّما عَصَى اللَّهَ من عصاه لهوانهم عليه، ولو كرموا [عليه]

(9)

لحجزهم عن معاصيه

(10)

.

وقال: جُلَسَاءُ الرحمن يومَ القيامة مَنْ جعل فيهم خصالًا: الكرَم، والحلم، والحكمة، والرَّحمة، والرِّقَّة، والفضل، والصفح، والإحسان، والبرَّ، والعفو، واللطف

(11)

.

وذكر أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ في كثاب "محن المشايخ": أنَّ أبا سليمان الدارانيَّ أُخرج من

(1)

"تنوَّق في الأمر": أي تأنَّق فيه.

(2)

ابن عساكر (المجلد 40/ 105).

(3)

ابن عساكر (المجلد 40/ 106) وبعدها في ط، وقال غيره: إذا رأيت ضوء الفقير في لباسه فاغسل يديك من لافحه.

(4)

في ابن عساكر: فأعمل على رؤيته شهرًا، وكذا في صفة الصفوة (5/ 226).

(5)

ابن عساكر (المجلد 40/ 106).

(6)

ابن عساكر (المجلد 40/ 106).

(7)

ابن عساكر (المجلد 40/ 107).

(8)

ابن عساكر (المجلد 40/ 107).

(9)

من ظا، ب.

(10)

ابن عساكر (المجلد 40/ 108).

(11)

ابن عساكر (المجلد 40/ 109).

ص: 29

دمشق، وقالوا: إنه يزعم أنَّه يرى الملائكة ويكلّمونه، فخرج إلى بعض الثغور، فرأى بعضُ أهل دمشق: أنه إن لم يرجع إليكم هلكتم. فخرجوا في طلبه وتشفَّعُوا إليه حتَّى ردُّوه

(1)

.

وقد اختلف الناس في وفاته على أقوال، فقيل: سنة أربع ومئتين، وقيل: سنة خمس ومئتين، وقيل: سنة خمس عشرة، وقيل: سنة خمس وثلاثين، واللَّه أعلم.

وقد قال مروان الطَّاطَريُّ

(2)

يوم مات أبو سليمان: لقد أصيبَ به أهلُ الإسلام كلُّهم

(3)

.

قلت: وقد دفن في قرية دارَيَّا، وقبره بها مشهور وعليه بناءٌ، وقبلته مسجد بناه الأمير ناهض الدين عمر المهراني، ووقف على المقيمين عنده وقفًا يدخل عليهم منه غلة، وقد جُدد مزارُه في زماننا هذا، ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرَّض لموضع دفنه بالكلية، وهذا عجيب منه.

وروى ابنُ عساكر، عن أحمد بن أبي الحواري، قال: كنت أشتهي ان أرى أبا سليمان في المنام، فرأيتُه بعد سنة، فقلت: ما فعلَ اللَّهُ بك يا معلّم؟ فقال: يا أحمدُ، دخلت يومًا من باب الصَّغير فرأيت حِمْلَ شِيحٍ

(4)

، فأخذتُ منه عودًا، فما أدري تخلَّلتُ به أو رميته، فأنا في حسابه إلى الآن

(5)

.

وقد توفي ابنه سليمان بعده بنحوٍ من سنتين، رحمهما اللَّه تعالى.

‌ثم دخلت سنة ست ومئتين

فيها: ولَّى المأمون داودَ بن ماسجور بلاد البصرة، وكُور

(6)

دِجْلَة، واليمامة، والبحرين، وأمره بمحاربة الزُّطّ.

وفيها: جاء مدٌّ كثير فغرق بلاد أرض السواد، وأهلك للناس شيئًا كثيرًا.

وفيها: ولَّى المأمون عبدَ اللَّه بن طاهر بن الحسين الرَّقَّة، وأمره بمحاربة نَصْر بن شَبَثٍ، وذلك أن

(1)

ابن عساكر (المجلد 40/ 110).

(2)

يقال لمن يبيع الثياب البيض بدمشق ومصر: طاطري.

وهو مروان بن محمد بن حسَّان، أبو بكر، الإمام القدوة الحافظ، مات سنة 210 هـ.

اللباب (2/ 268)، وسير أعلام النبلاء (9/ 510).

(3)

ابن عساكر (المجلد 40/ 112)

(4)

في ظا، ط: حمل شيخ. وفي ابن عساكر وسير أعلام النبلاء: وَسْقَ شيح. و"الوَسْق": حمل بعير. و"الشِّيح": نبتٌ سهلي رائحته طيّبة قوية. و"باب الصغير": مقبرة في دمشق.

(5)

ابن عساكر (المجلد 40/ 114)، وسير أعلام النبلاء (10/ 185).

(6)

قال ياقوت: إذا أطلق هذا الاسم فإنما يراد به أعمال البصرة ما بين مَيْسان إلى البحر، كلمة يقال له: كُور دِجْلَة.

ص: 30

نائبها يحيى بن معاذ مات، وقد كان استخلَفَ مكانه ابنَه أحمد، فلم يمض ذلك المأمون، واستناب عليها عبدَ اللَّه بن طاهر، لشهامته وبصَرِه بالأمور، وحثَّه على قتال نَصْر بن شَبَث، وقد كَتَبَ إليه أبوه من خراسان بكتابٍ فيه الأمر له بالمعروف والنهي عن المنكر، واتباع الكتاب والسنة.

وقد ذكره ابنُ جرير

(1)

بطوله، وقد تداوله الناسُ بينهم واستحسنوه وتهادَوه بينهم، حتى بلغ أمرُه إلى المأمون، فأمر فقرئ بين يديه، فاستجاده جدًا، وأمر أن يكتب به نسخٌ إلى سائر العمال في الأقاليم.

وحجَّ بالناس في هذه السنة عبيد اللَّه بن الحسن نائب الحرمين.

‌وفيها توفي من الأعيان:

إسحاق بن بشر الكاهلي أبو حذيفة صاحب كتاب "المبتدأ"

(2)

.

وحجَّاج بن محمد الأعور

(3)

.

وداود بن المُحَبَّر الذي وضع "كتاب العقل"

(4)

.

وشَبَابة بن سَوَّار

(5)

.

ومحاضر بن المُوَرِّع

(6)

.

وقُطْرُب صاحب "المثلَّث" في اللغة

(7)

.

(1)

أي ذكر كتاب طاهر بن الحسين إلى ابنه عبد اللَّه. تاريخ الطبري (8/ 582 - 591)، والكامل لابن الأثير (6/ 364 - 377).

(2)

هو إسحاق بن بشر بن محمد القرشي البخاري، أبو حذيفة. اشتغل بالحديث فوصم بالكذب. وقد خلط ابن حبان ترجمة هذا بترجمة إسحاق بن بشر الكاهلي الكوفي. وكتابه المبتدأ مخطوط، منه الجزء الرابع، في المجموع 71 بالظاهرية. سير أعلام النبلاء (9/ 477)، والأعلام (1/ 294).

(3)

حجَّاج بن محمد الأعور، أبو محمد المِصِّيصي، ثقة، ثبت، مات في بغداد.

(4)

داود بن المُحَبَّر، ابن قَحْذَم الثقفي، البَكراوي، أبو سليمان البصري، نزيل بغداد، متروك الحديث، وأكثر كتاب العقل الذي صنفه موضوعات، كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب (1/ 234).

(5)

شَبَابة بن سَوَّار المدائني، أبو عمرو الفزاريّ، الإمام الحافظ الحجّة. ثقة، حافظ، رمي بالإرجاء. سير أعلام النبلاء (9/ 513)، وتقريب التهذيب (1/ 345).

(6)

في ط: المورد، خطأ. وهو محاضر بن المُوَرِّع الكوفي، صدوق، له أوهام. التقريب (2/ 230).

(7)

هو محمد بن المُسْتَنير بن أحمد، أبو علي، الشهير بقُطرب، وهو لقب دعاه به أستاذه سيبويه فلزمه. وهو أول من وضع "المثلث" في اللغة، وهو أحد أئمة النحو واللغة. معجم الأدباء (19/ 52)، وبغية الوعاة (104)، والأعلام (7/ 95).

ص: 31

ووَهْب بن جَرير

(1)

.

ويزيد بن هارون شيخ الإمام أحمد

(2)

.

‌ثم دخلت سنة سبع ومئتين

فيها خَرَجَ عبدُ الرحمن بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ببلاد عَكّ، في اليمن، يدعو إلى الرِّضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك أنَّ العمال باليمن أساؤوا السيرة إلى الرعايا، فلما ظهر عبد الرحمن هذا بايعه الناس، فلمَّا بلغ أمره إلى المأمون بعث إليه دينارَ بنَ عبد اللَّه في جيشٍ كثيفٍ، ومعه كتابُ أمانٍ لعبد الرحمن إن هو سمعَ وأطاع، فحضروا الموسمَ، ثمَّ ساروا إلى اليمن، فلمَّا انتهَوا إلى عبد الرحمن بعث إليه دينار بكتاب الأمان، فقبله وسمع وأطاع، وجاء حتَّى وَضَعَ يدَه في يد دينار، فسار معه إلى بغداد ولَبِسَ السَّوادَ.

وفيها: توفي طاهر بن الحسين بن مصعب نائب العراق بكمالها وخراسان، وُجد في فراشه ميتًا بعدَما صلَّى عشاءَ الآخرة، والتفَّ في الفراش، فاستبطأ أهلُه خروجَه لصلاة الفجر، فدخل عليه أخوه وعمُّه فوجداه ميتًا، فلمَّا بلغ موتُه المأمونَ قال: لليدين وللفم، [الحمدُ اللَّه الذي قدَّمه وأخَّرنا]

(3)

.

وذلك أنَّه بلَغه أنَّه خطب يومًا فلم يدعُ له فوق المنبر، ومع هذا ولَّى ولدَه عبدَ اللَّه مكانَه، مع إضافة الجزيرة والشام إلى نيابته، فاستخلف عبدُ اللَّه على خراسان أخاه طلحة بن طاهر سبعَ سنين، ثم توفي طلحة فاستقلَّ عبدُ اللَّه بجميع تلك البلاد. وكان نائب عبد اللَّه بن طاهر على بغداد إسحاق بن إبراهيم.

وقد كان طاهر بن الحسين هذا هو الذي انتزع بغداد وأرض العراق بكمالها من يد الأمين بن الرشيد وقتله أيضًا. واستوسق الأمر للمأمون كما ذكرنا في سنة خمس وتسعين، وقد دخل يومًا طاهر هذا على المأمون فسأله حاجة فقضاها له، ثم نظر إليه المأمونُ واغرورقت عيناه، فقال له: ما يبكيك يا أميرَ المؤمنين؟! فلم يخبره، فأعطَى طاهرٌ حسينًا الخادمَ مئتي ألف درهم حتَّى استعلَم له ما كان خبر بكائه، فقال له: لا تخبر به أحدًا، أقتلك، ذكرت مقتل أخي وما ناله من الإهانة على يدي طاهر، وواللَّه لا يفوته مني ما يكره.

(1)

وَهْب بن جرير بن حازم بن زيد، أبو العباس الأزدي البصري، الحافظ، الصدوق. سير أعلام النبلاء (9/ 442)، والتقريب (2/ 338).

(2)

يزيد بن هارون بن زاذي (أو زاذان)، أبو خالد السُّلمي الواسطي، الإمام القدوة، شيخ الإسلام، كان رأسًا في العلم والعمل، ثقة حجّة، كبير الشأن. سير أعلام النبلاء (9/ 258).

(3)

زيادة من ط والطبري.

ص: 32

فلما تحقق طاهر ذلك سعَى في النقلة من بين يديه، ولم يزل حتَّى ولاه المأمون خراسان، وأطلق له خادمًا من خدامه، وعهد إلى الخادم إن رأى منه شيئًا يريبه أن يسمَّه

(1)

.

فلما خطب يوم الجمعة ولم يَدْعُ للمأمون سمَّه الخادمُ في كامَخٍ

(2)

فمات من ليلته.

وقد كان طاهرٌ هذا يقال له: ذو اليمينين، وكان بفرد عين. فقال فيه عمرو بن بانة

(3)

.

يا ذا اليمينينِ وعَينٍ واحِدَهْ

نُقْصَانُ عَيْنٍ ويَمينٌ زائدَهْ

واختلف في معنى كونه ذا اليمينين، فقيل: لأنه ضَرَبَ رجلًا بشماله فقدَّه نصفين، ويحتمل أنَّه لُقِّبَ بذلك؛ لأنَّه وُلِّي العراقَ وخراسانَ. وقد كان كريمًا ممدّحًا، يحبُّ الشعر

(4)

ويجزي عليهْ الجزيلَ؛ ركب يومًا في حرَّاقةٍ، فقال فيه شاعرٌ

(5)

:

عجبتُ لحرَّاقةِ

(6)

ابنِ الحسينِ

لا غرقَتْ كيفَ لا تَغْرَقُ

وبَحْرانِ من فوقها واحدٌ

وآخَرُ مِن تحتِها مُطبِقُ

وأعجبُ مِن ذاك أعْوادُها

وقد مسَّها كيفَ لا تُورِقُ

فأجازَهُ بثلاثة آلاف دينار. وقال: إن زدتنا زدناك. قال ابن خلّكان

(7)

: وما أحسَنَ ما قاله بعضُ الشعراء في بعضِ الرؤساء وقد ركب البحرَ:

ولمَّا امْتَطَى البَحْرَ ابْتَهَلْتُ تضرُّعًا

إلى اللَّهِ يا مُجرِي الرِّياحِ بلطفِهِ

جعلْتَ النَّدَى مِنْ كفِّهِ مثلَ مَوْجِهِ

فسلِّمْه واجْعَلْ مَوْجَهُ مثلَ كَفِّهِ

(1)

بعده في ط: ودفع إليه سمًا لا يطاق.

(2)

"الكامَخُ": ما يؤتدم به، أو المُخَلَّلات المُشَهِّيَة، جمع كوامِخ، معرّب.

(3)

في ط: عمرو بن نباتة، تحريف. وهو عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد، وبانة أمه، نسب إليها. نديم، من الشعراء العلماء بالغناء، وكان خصيصًا بالمتوكل العباسي، توفي سنة 278 هـ.

الأغاني (15/ 269)(دار الكتب)، وفيات الأعيان (3/ 479)، الأعلام (5/ 85)، والشعر في وفيات الأعيان (2/ 520)، والكامل لابن الأثير (6/ 382).

(4)

في أ، ط: الشعراء، وأثبت ما جاء في ظا، ب.

(5)

الأبيات في وفيات الأعيان (2/ 519) قالها مُقدِّس من صيفي الخلوقي الشاعر. وهي في طبقات الشعراء (189) منسوبة إلى عوف بن ملحم.

(6)

"الحَرَّاقة": ضرب من السفن فيها مرامي نيران يُرمى بها العدوُّ في البحر. وسفينة خفيفة المرِّ.

(7)

وفيات الأعيان (2/ 519) وقد ذكر البيتين.

ص: 33

قال القاضي ابن خلكان: مات طاهر بن الحسين هذا يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع

(1)

ومئتين، وكان مولده سنة تسع

(2)

وخمسين ومئة. وكان الذي سار إلى عبد اللَّه بن طاهر وهو بأرض الرقّة يعزِّيه في أبيه ويهنِّئه بولاية تلك البلاد، القاضي يحيى بن أكثم عن أمر المأمون.

وفي هذه السنة غلا السعر ببغداد والكوفة والبصرة، حتَّى بلغ سعرُ القفيز من الحنطة أربعين درهمًا

(3)

.

وحجَّ بالناس في هذه السنة أبو علي

(4)

بن الرشيد هارون أخو المأمون.

‌وفيها توفي من الأعيان:

بِشْر بن عمر الزهرانيُّ

(5)

.

وجعفر بن عَوْن

(6)

.

وعبد الصَّمد بن عبد الوارث

(7)

.

وقُرَاد أبو نوح

(8)

.

وكثير بن هشام

(9)

.

ومحمد بن كُنَاسَة

(10)

.

(1)

في أ، ظا: تسع ومئتين، وأثبت ما جاء في ط وكذلك وفيات الأعيان (2/ 521).

(2)

في أ، ظا، ط: سبع، وأثبت ما جاء في ب، وابن خلكان.

(3)

بعدها في ب: إلى خمسين درهمًا.

(4)

في الطبري وابن الأثير: أبو عيسى بن الرشيد. وقد ذكر الطبري جميع ولده في تاريخه (8/ 360)، وابن الأثير في كامله (6/ 216)، وابن كثير في البداية والنهاية (10/ 222).

(5)

بشر بن عمر الزّهراني البصري، أبو محمد. الإمام الحافظ الثَّبْت. سير أعلام النبلاء (9/ 417).

(6)

جعفر بن عَوْن بن جعفر بن عمرو، أبو عَوْن المخزومي العَمْريّ، نسبة إلى عمرو بن حُريث الصحابي. الإمام الحافظ، محدِّث الكوفة. سير أعلام النبلاء (9/ 439).

(7)

عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذَكْوان، أبو سهل التَّميميّ العَنْبري، الإمام الحافظ الثقة. سير أعلام النبلاء (9/ 516).

(8)

في أ، ظا: قراد بن نوح، وأثبت ما جاء في ب ومصادر ترجمته. وهو عبد الرحمن بن غَزْوان الخزاعي. ويقال: الضبيّ، أبو نوح، الملقب بقُراد. نزيل بغداد، ومن علماء الحديث، له ما يُنكر. سير أعلام النبلاء (9/ 518).

(9)

كثير بن هشام الكلابي، أبو سهل الرّقيّ، نزيل بغداد، ثقة. تقريب التهذيب (2/ 134).

(10)

محمد بن عبد اللَّه بن عبد الأعلى، الأسدي الكوفي، أبو عبد اللَّه وأبو يحيى، وكُناسة لقبٌ لجدِّه عبد الأعلى، وقيل: لأبيه، ثقة، صالح الحديث، له علم بالعربية والشعر وأيام الناس. سير أعلام النبلاء (9/ 508).

ص: 34

ومحمد بن عمر الواقِديّ قاضي بغداد وصاحبُ السير والمغازي

(1)

.

وأبو النَّضْر هاشم بن القاسم

(2)

.

والهيثم بن عَديّ صاحب التصانيف

(3)

.

ويحيى بن زياد بن عبد اللَّه بن منظور

(4)

: أبو زكريا الكوفيُّ، نزيل بغداد، مولى بني سعد المشهور بالفرَّاء، شيخُ النحاة واللغويين والقرَّاء، وكان يقال له: أميرُ المؤمنين في النحو.

روى الحديث عن خازم بن الحسين

(5)

البصري، عن مالك بن دينار، عن أنس بن مالك، قال:"قرأ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعثمان: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] بالألف"

(6)

. رواه الخطيبُ، قال وكان ثقةً إمامًا.

وذكر

(7)

أنَّ المأمون أمره بوضع كتابٍ في النحو، فأملاه، وكتبَهُ الناسُ عنه، وأمر المأمونُ بكَتْبه في الخزائن. وأنَّه كان يؤدِّبُ ولديه وليي العهد، فقام يومًا، فابتدراه أيُّهما يقدِّم نعليه، فتنازعا في ذلك، ثم اصطلحا على أن يقدِّمَ كلُّ واحدٍ نعلًا، فأطلق لهما أبوهما عشرين ألفَ دينارٍ، وللفرَّاء عشرةَ آلافِ درهم. وقال له: لا أعزَّ منك إذ يقدِّم نعليك وليَّا العهدِ

(8)

.

ورُوي أنَّ بِشرًا المَرِيسيَّ، أو محمد بن الحسن، سألَ الفرَّاء عن رجلٍ سَهَا في سجدتي السهو، فقال: لا شيءَ عليه. قال: ولم؟ قال: لأنَّ أصحابنا قالوا: المصغَّر لا يُصغَّر. فقال: ما ظننتُ أنَّ

(1)

محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد اللَّه. من أقدم المؤرخين في الإسلام، ومن أشهرهم، ومن حفاظ الحديث. ولد بالمدينة، وانتقل إلى بغداد. وأشهر من روى عنه كاتبه محمد بن سعد صاحب كتاب الطبقات الكبير. المجروحين والضعفاء (2/ 290)، تاريخ بغداد (3/ 3)، سير أعلام النبلاء (9/ 454)، الأعلام (6/ 311).

(2)

هو هاشم بن القاسم اللَّيثي الخراساني البغدادي، أبو النَّضْر، يلقب بقيصر، شيخ المحدثين، ثقة، ثبت، أملى ببغداد أربعة آلاف حديث. سير أعلام النبلاء (9/ 545)، تهذيب التهذيب (11/ 18).

(3)

الهيثم بن عديّ بن عبد الرحمن الثعلي، الطائي الكوفي، أبو عبد الرحمن: مؤرخ، عالم بالأدب والنسب، وهو من غير الثقات في الحديث. معجم الأدباء (19/ 304)، سير أعلام النبلاء (10/ 103)، الأعلام (8/ 104).

(4)

له ترجمة في طبقات الزبيدي (143)، أخبار النحويين البصريين للسيرافي (51)، تاريخ بغداد (14/ 149)، نزهة الألباء (98)، معجم الأدباء (20/ 9)، وفيات الأعيان (6/ 176)، سير أعلام النبلاء (9/ 118) وغير ذلك.

(5)

في الأصل "حازم بن الحسن"، مصحف في اسمه ومحرف في اسم أبيه وصوابه "خازم -بالخاء المعجمة- بن الحسين"، وهو من رجال التهذيب، وخازم قيده الحافظ ابن حجر في التقريب وقال: ضعيف.

(6)

وقد قرأ بالألف من {مالك} : عاصم والكسائي ويعقوب وخلف، وقرأ الباقون بغير ألف. النشر في القراءات العشر (1/ 271)، ومشكل إعراب القرآن (1/ 9)، تاريخ بغداد (14/ 149).

(7)

تاريخ بغداد (14/ 149).

(8)

المصدر السابق.

ص: 35

امراةً تلِدُ مثلَك

(1)

. والمشهور: أنَّ محمدًا [هو الذي]

(2)

سأله عن ذلك، كان ابنَ خالة الفرَّاء

(3)

.

وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصُّوليُّ: توفي الفرَّاءُ سنة سبع ومئتين

(4)

.

قال الخطيب

(5)

: وكانت وفاته ببغداد، وقيل: بطريق مكة، وقد امتدحوه وأثنوا عليه في مصنّفاته.

‌ثم دخلت سنة ثمان ومئتين

فيها: ذَهَبَ الحسنُ بن الحسين بن مُصْعَب أخو طاهرٍ فارًّا من خُراسان إلى كَرْمان، فعصَى بها، فسار إليه أحمدُ بن أبي خالد، فحاصره حتَّى نزَل قهرًا، فذهب به إلى المأمون فعفا عنه، فاستحسن ذلك منه

(6)

.

وفيها: استعفَى محمد بن سَماعَة من القضاء، فأعفاه المأمونُ وولَّى مكانه إسماعيلَ بنَ حَمَّاد بن أبي حنيفة

(7)

.

وفيها: ولَّى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزوميَّ القضاءَ بعسكر المهدي في شهر المحرم، ثم عزله عن قريب، وولَّى مكانه بِشرَ بن الوليد

(8)

الكنديّ في شهر ربيع الأول منها

(9)

. فقال المخزوميُّ في ذلك

(10)

:

يا أيُّها

(11)

الملِكُ المُوحِّدُ رَبَّهُ

قَاضِيكَ بِشْرُ بنُ الوليدِ حِمارُ

يَنفي شَهَادَةَ مَنْ يَدينُ بما بِهِ

نَطَقَ الكِتابُ وجاءَتِ الآثار

(12)

(1)

تهذب التهذيب (11/ 212).

(2)

زيادة من ط.

(3)

تاريخ بغداد (14/ 152).

(4)

تاريخ بغداد (14/ 155).

(5)

المصدر السابق.

(6)

تاريخ الطبري (8/ 597)، وتاريخ بغداد (5/ 342).

(7)

المصدر السابق.

(8)

في ط: "بشر بن سعيد بن الوليد"، خطأ. وتنظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (10/ 673).

(9)

تاريخ الطبري (8/ 597).

(10)

تاريخ الطبري (8/ 597)، والكامل لابن الأثير (6/ 386).

(11)

في أ، ظا: أيها، وفي ط: ألا يا أيها، وأثبت ما جاء في ب والطبري وابن الأثير.

(12)

في ط والطبري: الأخبار.

ص: 36

ويَعُدُّ عَدْلًا مَنْ يَقُولُ بأنَّهُ

شيخٌ تحيطُ بجسمِهِ الأقطارُ

وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن هارون الرشيد عن أمر أخيه المأمون.

‌وتوفي فيها من الأعيان:

الأسود بن عامر

(1)

.

وسعيد بن عامر

(2)

.

وعبد اللَّه بن بكر أحد مشايخ الحديث

(3)

.

والفضل بن الربيع الحاجب

(4)

.

ومحمد بن مُصْعَب

(5)

.

وموسى بن محمد الأمين، الذي كان قد ولَّاه العهدَ من بعده، ولقَّبه بالناطق بالحقِّ، ولم يتمّ له أمره حتَّى قتل أبوه وكان ما كان.

ويحيى بن أبي بُكَيْر

(6)

.

ويحيى بن حَسَّان

(7)

.

ويعقوب بن إبراهيم الزُّهريّ

(8)

.

(1)

أسود بن عامر شاذان، الشَّامي، أبو عبد الرحمن، نزيل بغداد، ثقة، روى له الجماعة. تهذيب الكمال (3/ 226).

(2)

سعيد بن عامر الضُّبعي البصري الزَّاهد، أبو محمد. ثقة، صالح. وقال أبو حاتم: ربما وهم. تقريب التهذيب (1/ 299).

(3)

عبد اللَّه بن بكر بن حبيب السهمي الباهلي، أبو وَهْب البصري، تزيل بغداد. وثَّقه أحمد بن حنبل وجماعة، وكان أحد الفقهاء وأصحاب الحديث. سير أعلام النبلاء (9/ 450).

(4)

سيترجم له المؤلف بعد قليل.

(5)

محمد بن مصعب بن صَدَقة القَرْقَساني، أبو عبد اللَّه، وقيل: أبو الحسن. نزيل بغداد، صدوق، كثير الغلط. تهذيب التهذيب (9/ 458)، والتقريب (2/ 208).

(6)

في الأصول والمطبوع: يحيى بن أبي بكر، وصحح من سير أعلام النبلاء (9/ 497) ومصادر ترجمته. وهو يحيى بن أبي بُكَير بن نَسْر العَبْديّ القيسيّ مولاهم، الكوفي، ثقة، روى له الجماعة.

(7)

يحيى بن حسَّان بن حيَّان، أبو زكريا البكري، البصري، نزيل تِنِّس، حافظ، قدوة، ثقة، عالم بالحديث. سير أعلام النبلاء (10/ 127).

(8)

يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، ابن صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف، أبو يوسف الزُّهريّ المدني، نزيل بغداد، ثقة، فاضل. سير أعلام النبلاء (9/ 491)، تقريب التهذيب (2/ 374).

ص: 37

ويونس بن محمد المؤدِّب

(1)

.

وفاة السيدة نَفيسَة

(2)

: فيها: كانت وفاة السيّدة نَفيسة بنت أبي محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، القرشية الهاشمية، كان أبوها نائبًا للمنصور على المدينة النبويّة خمس سنين، ثم غضب أبو جعفر المنصور [عليه] فعزله عنها، وأخذ منه كُلَّ ما كان جمعه منها، وأودَعَه السّجنَ ببغداد. فلم يزل به حتَّى توفي المنصور، فأطلقه المهديُّ، وأطلَقَ له كُلَّ ما كان أُخذ منه، وخرج معه إلى الحج في سنة ثمان وستين ومئة، فلمَّا كان بالحاجِر

(3)

توفي الحسن بن زيد عن خمس وثمانين سنة.

وقد روى له النسائي حديثًا عن عِكْرمة، عن ابن عباس:"أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم احتجَمَ وهو مُحرِمٌ"

(4)

.

وقد ضعَّفَه ابنُ معين وابن عدي، ووثَّقه ابنُ حبان. وذكره الزبيرُ بنُ بكار وأثنى عليه في رِياسته وشهامته

(5)

.

والمقصود أنَّ ابنته الست نَفيسةَ دخلت إلى الديار المصرية مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر [الصادق]

(6)

، فأقامت بها، وكانت ذاتَ مالٍ وإحسان إلى الجذمى

(7)

والزَّمْنى

(8)

والمَرْضَى وعمومِ الناس، وكانت عابدةً زاهدةً كثيرةَ الخير.

ولمَّا وَرَدَ الشافعيُّ الدّيار المصريّة كانت تحسن إليه، وربَّما صلَّى بها في شهر رمضان. وحين توفي أمرت بجنازته فأُدخلت إلها المنزلَ فصلّت عليه.

(1)

أبو محمد البغداديّ، واسم جده مُسلم. إمام حافظ ثقة. سير أعلام النبلاء (9/ 473).

(2)

فوات الوفيات (2/ 310)، وفيات الأعيان (5/ 423)، العبر (1/ 355)، سير أعلام النبلاء (10/ 106)، شذرات الذهب (2/ 21)، الأعلام (8/ 44).

(3)

"الحاجِر": موضع قبل معدِن النَّقرة، على طريق مكة، منزل للحاج. ياقوت والقاموس.

(4)

رواه في السنن الكبرى (3215) من طريق الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن عكرمة عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، وينظر تحفة الأشراف للمزي (5/ 120) رقم (6020) وهو حديث صحيح؛ وقد جاء الحديث برواية "احتجم وهو محرم" و"احتجم وهو صائم". وقد رواه بلفظ:"احتجم وهو محرم" أيضًا البخاري (4/ 43) في الحج، باب الحجامة للمحرم؛ ومسلم رقم (839)؛ والنسائي في المجتبى (5/ 193)؛ وابن ماجه رقم (3081)؛ والدارمي (2/ 37)؛ وأحمد في المسند، وغيرهم من طريق طاووس وعطاء عن عكرمة عن ابن عباس.

(5)

قال ابن حجر في تقريب التهذيب (1/ 166): صدوق، يهم. قال بشار: هو ضعيف يعتبر به في المتابعات والشواهد، كما بيناه في تحرير التقريب (1/ 273).

(6)

زيادة من ظا، ب.

(7)

"الأجذم": المقطوع اليد. وقيل: الذي ذهبت أنامله.

(8)

"الزَّمنَى": مفردها زَمين، وهو المصاب بالزَّمانة.

ص: 38

ولمَّا توفيت عزم زوجُها إسحاق بن جعفر أن ينقلَها إلى المدينة النبويّة، فمنعه أهلُ مصر من ذلك، وسألوه أن يتركها

(1)

عندهم، فدُفنت في المنزل الذي كانت تسكنه في محلةٍ كانت تُعرف قديمًا بدَرْبِ السّباع، بين مصر والقاهرة اليوم، وقد بادت تلك المحلة فلم يبق هناك سوى قبرها.

وكانت وفاتُها في شهر رمضان من هذه السنة فيما ذكره القاضي شمس الدين ابن خلكان في "وفيات الأعيان"

(2)

. قال: ولأهل مصر فيها اعتقاد، وإلى الآن، وقد بالغ العامة في أمرها كثيرًا جدًا، ويطلقون فيها عبارات فيها مجازفة وألفاظ كثيرة ينبغي أن يعرفوا بأنَّها لا يجوز إطلاقها في مثل أمرها.

وربَّما نسبَها بعضُهم إلى زَيْن العابدين

(3)

، وليست من سلالته.

والذي ينبغي أن يعتقد فيها من الصلاح ما يليق بأمثالها من النساء الصالحات

(4)

، رحمها اللَّه وأكرمها، وجعل الجنَّة منزلها.

الفَضْلُ بنُ الرَّبيع

(5)

: ابن يونس بن محمد بن عبد اللَّه بن أبي فَرْوة كيسان، ولي عثمان بن عفان، الذي كان زوال دولة البرامكة على يديه، وقد وُزِّر [بعدهم]

(6)

للرشيد، وقد كان متمكِّنًا من الرشيد، وكان شديدَ التشبُّه بالبرامكة، وكانوا يتشبَّهون

(7)

به، فلم يزل يعمل جهده فيهم حتى هلكوا كما تقدَّم

(8)

.

وذكر القاضي ابنُ خلكان

(9)

أنَّه دخل يومًا على يحيى بن خَالدٍ وابنُهُ جعفر يوقِّعُ بين يديه، ومع الفضل بن الربيع عَشرُ قِصَصٍ، فلم يقضِ له [منها]

(10)

واحدة، بل يتعلل عليه في كلِّ واحدةٍ منها، فجمعهنَّ الفضلُ بن الرَّبيع، وقال: ارجِعْنَ خائباتٍ خاسئات، ثم نهض وهو يقول:

(1)

في ط: أن يدفنها.

(2)

وفيات الأعيان (5/ 424).

(3)

هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي القرشي، أبو الحسن، الملقب بزين العابدين، رابع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، يضرب به المثل في الحلم والورع. توفي سنة 94 هـ. وترجم له المؤلف مطولًا في حوادث سنة 94 هـ.

(4)

بعدها في ط: وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمِّها، والمغالاة في البشر حرام. ومن زعم أنها تفك من الخشب أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة اللَّه فهو مشرك.

(5)

تاريخ بغداد (12/ 343)، الكامل لابن الأثير (6/ 386)، وفيات الأعيان (4/ 37)، العبر (1/ 355)، سير أعلام النبلاء (10/ 109)، النجوم الزاهرة (2/ 185)، شذرات الذهب (2/ 20).

(6)

زيادة من ب.

(7)

في ط: يتشبون به، وفي ب: يستهينون به.

(8)

في سنة 187 هـ.

(9)

وفيات الأعيان (4/ 37)، والفرج بعد الشدة (1/ 307 - 309).

(10)

زيادة من ظا، ب.

ص: 39

عَسَى وعَسَى يَثني الزمانُ عِنانَهُ

بتصريفِ حالٍ والزمانُ عَثُورُ

فتُقضَى لُبانَاتٌ وتشفى حسائفٌ

(1)

وتَحدُثُ مِن بعدِ الأمورِ أمورُ

فسمعه الوزير يحيى بن خالد، فقال له: أقسمْتُ عليك لمَا رجعتَ، وأخذ من يده القِصَص فوقَّع عليها.

ثم لم يزل يحفِرُ خلفهم حتَّى تمكَّن منهم، وتولَّى الوزارةَ بعدهم، وفي ذلك يقول أبو نواس

(2)

:

ما رعَى الدّهرُ آلَ بَرْمَكَ لمَّا

أنْ رَمَى مُلكَهُمْ بأمرٍ فظيعِ

إنَّ دهرًا لم يَرْعَ عهدًا لِيحيى

غيرُ راعٍ ذِمَامَ آلِ الرَّبيعِ

ثم وُزِّر من بعد الرشيد لابنه الأمين، فلمَّا دخل المأمونُ بغدادَ اخْتَفَى، فأرسل له ذِمامًا

(3)

. فخرج، ولم يزل خاملًا حتَّى مات في هذه السنة، وله ثمان وستون سنة، رحمه الله.

‌ثم دخلت سنة تسع ومئتين

فيها: حصر عبدُ اللَّه بن طاهر نَصْرَ بنَ شَبَث

(4)

بعدما حاربَه خمسَ سنين، فلمَّا حصره في هذه السنة، ضيَّق عليه جدًا حتى ألجأه إلى أن طلب من عبد اللَّه بن طاهر الأمانَ، فكتبَ ابنُ طاهر إلى المأمون يعلمه بذلك، فبعث إليه المأمون يأمره بكتابة أمانٍ لنَصْر بن شَبَثَ عن أمير المؤمنين. فكتب له عبد اللَّه بن طاهر كتابَ أمانٍ، فنزل فأمر عبدُ اللَّه بتخريب المدينة التي كان متحصّنًا بها، وذَهَبَ شرُّه.

وفيها: جرت حروبٌ مع بَابَكَ الخُرَّمِي فأسرَ بابك بعضَ أمراء الإسلام، أحد مقدَّمي العساكر، فكان ذلك شديدًا على المسلمين.

وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس وهو والي مكة.

وفيها توفي ملك الروم ميخائيل بن نقفور (جورجيس) وكان له عليهم تسع سنين، فملَّكوا عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل.

(1)

في ظا، ب: حشاشة. يقال: رجع بحسيفة نفسه: أي رجع ولم يقض حاجة نفسه، جمع حسائف. واللُّبانة: الحاجة.

(2)

وفيات الأعيان (4/ 38).

(3)

في ط: فأرسل له المأمون أمانًا، فخرج فدخل على المأمون بعد اختفاء مدة فأمنه، ثم لم يزل. . . و"الذِّمام": العهد والأمان.

(4)

نَصْر بن شَبَث العُقيلي، ثائر للعصبية العربية، امتنع عن البيعة للمأمون، وثار في كيسوم، وانتهى أمره بالاستسلام إلى عبد اللَّه بن طاهر، فسيره إلى المأمون في سنة 210، ولم يعرف خبره بعد ذلك.

الكامل لابن الأثير (6/ 101، 104، 123، 131، 132).

ص: 40

‌وفيها توفي من مشايخ الحديث:

الحىت بن موسى الأشْيَبُ

(1)

.

وأبو علي الحنفيّ

(2)

.

وحفص بن عبد اللَّه، قاضي نيسابور

(3)

.

وعثمان بن عُمر بن فارس

(4)

.

ويَعْلى بن عُبَيد الطَّنافِسي

(5)

.

[ثم دخلت] سنة عشر ومئتين

في صفر منها دخل نَصْر بن شَبَث إلى بغداد، بعثه عبد اللَّه بن طاهر من الرقة، فدخلها ولم يتلقَّاه أحدٌ من الجند، بل دخل وحدَه، فأنزل في مدينة أبي جعفر، ثم حوِّل إلى موضعٍ آخر.

وفي هذا الشهر ظفر المأمونُ بجماعةٍ من كبراء مَن كان بايع إبراهيمَ بنَ المهدِيّ، فعاقبهم وحبسهم في المطبق.

ظهور ايراهيم بن المهدي بعد اختفائه: لمَّا كان ليلة الأحد لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر منها، اجتاز إبراهيم بن المهديّ -وله مدّة ست سنين وشهور مختفٍ من المأمون، وهو متنقِّبٌ في زي امرأة، ومعه امرأتان- في بعض الدروب في أثناء الليل، فقام الحارسُ، فقال: إلى أين هذه الساعة؟ ومن أين؟ ثم أراد أن يمسكهنَّ، فأعطاه إبراهيمُ خاتمًا كان في يده من ياقوت، فلمَّا نظر إليه الحارس استراب، وقال: إنّما هذا خاتم رجلٍ كبير الشأن، فذهب بهنَّ إلى متولي الليل، فأمرهُنَّ أن يُسفرن عن وجوههن، فتمنَّع إبراهيمُ، فكشفوا عن وجهه فإذا هو هو، فعرفه، فذهب به إلى صاحب الجسر، فسلَّمه إليه،

(1)

الحسن بن موسى البغدادي، الأشيب، أبو علي. حافظ، ثقة، قاضي الموصل، سير أعلام النبلاء (9/ 559).

(2)

هو عُبيد اللَّه بن عبد المجيد، الإمام الصدوق، أخو أبي بكر الحنفي. سير أعلام النبلاء (9/ 487).

(3)

حفص بن عبد اللَّه بن راشد السُّلمي، أبو عمرو النيسابوري، قاضيها، صدوق. تقريب التهذيب (1/ 186).

(4)

عثمان بن عمر بن فارس العَبْديّ، البصري. أصله من بُخارى. ثقة. كان يحيى بن سعيد لا يرضاه. تقريب التهذيب (2/ 13).

(5)

يَعْلَى بن عُبيد بن أبي أميَّة، أبو يوسف الطَّنافِسيّ الكوفيّ. الحافظ، الثقة. سير أعلام النبلاء (9/ 476).

ص: 41

فرفعه الآخر إلى نائب

(1)

المأمون، فأصبح في دار الخلافة ونقابُه على رأسه، والمِلْحَفَةُ

(2)

في صدره، ليراه الناسُ، وليعلموا كيفَ أُخِذ. فأمر المأمون بالاحتفاظ به والاحتراسِ عليه مدَّةً، ثم أطلقه ورضي عنه

(3)

.

هذا وقد صلب جماعة ممن كان سجنهم بسببه، لكنَّهم أرادوا الفَتْكَ بالموكّلين بالسجن، ويهربون منه، فصلَبَ منهم أربعةً.

وقد ذكروا: أنَّ إبراهيم بن المهدي لمَّا أُوقف بين يدي المأمون شرع في تأنيبه، فترقَّق له عمُّه إبراهيمُ كثيرًا، وقال: يا أميرَ المؤمنين! إنْ تعاقبْ فبحقِّك، وإن تعفُ فبفضلِكَ. فقال: بل أعفو يا إبراهيمُ! إنَّ القدرة تذهب بالحفيظة

(4)

، والندم توبة، وبينهما عفو اللَّه عز وجل، وهو أكبر ما تسأله، فكبَّر إبراهيمُ وسجَدَ شكرًا للَّه عز وجل.

وقد امتدح إبراهيمُ بنُ المهدي ابن أخيه المأمون بقصيدة بالَغَ فيها، فلمَّا سمعها المأمونُ، قال: أقولُ كما قال يوسف لإخوته: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92].

وذكر الحافظ ابنُ عساكر

(5)

: أنَّ المأمون لمَّا عفا عنه أَمَرَه أن يغنّيه شيئًا، فقال: إنِّي تركته. فأَمَرَه، فأخَذَ العُودَ في حجره، وقال:

هذا مقام مشرَّدٍ

خربَتْ منازلُهُ ودورُهْ

نمَّتْ عليه عداتُهُ

كذِبًا فعاقَبَهُ أميرُهْ

ثم عاد فقال

(6)

:

ذهبْتُ مِن الدُّنيا وقد ذهبَتْ منِّي

لَوى الدَّهْرُ بي عنها ووَلَّى بها عَنِّي

فإنْ أبكِ نفسِي أبْكِ نَفسًا عَزِيزةَ

وإنْ أحتقِرْها أحتقِرْها على رَصْنِ

(7)

(1)

في ط والطبري: باب المأمون.

(2)

"المِلْحَفة": الملاءة التي تلتحف بها المرأة.

(3)

تاريخ الطبري (8/ 603).

(4)

"الحفيظة": الغضب.

(5)

تاريخ ابن عساكر (2/ 262 أ).

(6)

الأول والثاني في الأغاني (10/ 136)، وأشعار أولاد الخلفاء (ص 22).

(7)

في ط: على ضفن. وفي الأغاني: وأشعار أولاد الخلفاء: وإن احتسِبْها أحتسِبْها على ضَنِّ.

ص: 42

وإنِّي وإنْ كنتُ المسيءَ

(1)

بِعَيْنِهِ

فإنِّي بربِّي مُوقنٌ حَسَنُ الظنِّ

(2)

عَدَوْتُ على نفسي فعادَ بعفوِهِ

عليَّ فعادَ العفوُ مَنًّا على مَنِّ

فقال المأمون: أحسنتَ يا أميرَ المؤمنين حقًّا. فرمَى العودَ من حجره ووثَبَ قائمًا فزعًا من هذا الكلام، فقال له المأمون: اقعد واسكن، مرحبًا بك، لم يكن ذلك لشيءٍ تتوهّمه، وواللَّه لا رأيتَ

(3)

طولَ أيامي شيئًا تكرهه وتغتمُّ به. ثم أمر له بردِّ جميع ما كان له من الأموال والضياع والدُّور، فردَّت إليه، وأمر له بعشرة آلاف دينار وخلَع عليه، وخرج من عنده مكرَّمًا معظّمًا.

عرس بُوران

(4)

: وفي رمضان منها بنى المأمونُ ببوران بنت الحسن بن سهل، وقيل: إنه خرج من بغداد في رمضان إلى معسكر الحسن بن سهل بفَم الصِّلْح

(5)

، وكان [الحسن] قد عوفي من مرضه ذلك، فنزل المأمون عنده بمن معه من وجوه الأمراء والرؤساء وأكابر بني هاشم، فدخل ببوران في شوَّال من هذه السنة في ليلةٍ عظيمة، وقد أُشعلت بين يديه شموع العنبر، ونُثر على رأسه الدرُّ والجوهر، فوق حصر منسوجة بالذهب الأحمر. وقد كان عددُ الجوهر منه ألفَ درّةٍ، فأمر به فجمع في صينيته التي كان فيها من الذهب، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنَّما نثرناه لتلتقطه الجواري، فقال: لا أنا أعوّض من ذلك، فجمع ذلك كله.

فلمَّا جاءت العروسُ ومعها جَدّتها

(6)

، وزُبيدة أمّ الأمين -من جملة من جاء معها- فأُجلست إلى جانبه، فصبَّ في حِجْرها ذلك الجوهرَ، وقال: هذا نِحْلةٌ منّي لك، وسلي حاجتك، فأطرقت حياءً. فقالت جدَّتُها: تكلمي وسلي من سيدك ما أمرك به. فقالت: يا أمير المؤمنين، أسألك أنْ ترضَى عن عمِّك إبراهيمَ بنِ المهدي. وأن تردَّه إلى منزلته التي كان فيها قبل ذلك. فقال: نعم! قالت: وأمّ جَعفر -تعني: زُبيدة- تأذن لها في الحجّ. قال: نعم! فخلعت عليها زبيدة بذلتها

(7)

الأميرية، وأطلقت لها قرية مقوَّرة.

وأمَّا والدُ العروس الحسنُ بن سهل فإنَّه كتب أسماء قُراه

(8)

وضياعه وأملاكه في رقاع ونثرها على

(1)

في أ، ظا: المسمّى وأثبت ما جاء في ب، ط.

(2)

في الأصول المخطوطة: فإني بربي تعالى جدّه حسن الظن، وهو تحريف.

(3)

ابن عساكر: لا رأيت مني.

(4)

ترجم لها المؤلف في حوادث سنة 271 هـ.

(5)

"فمُ الصِّلْح" نهر كبير فوق واسط، وفيه كانت دار الحسن بن سهل وزير المأمون. (ياقوت).

(6)

في أ، ب: جدّته، وأثبت ما جاء في ظا والطبري.

(7)

في الطبري: البَدَنة الأموية، ولعله الصواب. و"البَدَنة": الثوب يُشق فتلبسه المرأة من غير جيب ولا كُمَّيْن.

(8)

في الأصول: قراياه، وأثبت ما جاء في ط. وجمع القرية: القُرى، على غير قياس.

ص: 43

الأمراء ووجوه الناس، فمن وقعت في يده منها رقعة بعث إلى القرية التي فيها نوابه، فتسلَّمها

(1)

ملكًا خالصًا. وأنفق على المأمون، ومن معه من الجيشِ في مدة مقامه عنده سبعة عشر يومًا ما يعادل خمسين ألفَ ألفِ درهمٍ.

ولمَّا أراد المأمونُ الانصراف من عنده أطلق له عشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه البلده التي هو نازل بها، وهو إقليم فم الصِّلْح، مضافًا إلى ما بيده من الإقطاعات. ورجع المأمون إلى بغداد في أواخر شوال من هذه السنة.

وفي هذه السنة ركبَ عبدُ اللَّه بن طاهر إلى الديار المصرية فاستنقذها بأمر المأمون من يدي عُبَيْد

(2)

اللَّه بن السَّرِي بن الحكم المتغلب بها

(3)

، واستعادها منه بعد حروب يطول ذكرها

(4)

.

‌وفيها: توفي من الأعيان:

أبو عمرو الشَّيْباني اللغوي، واسمُه إسحاق بن مِرار

(5)

.

ومَروان بن محمد الطَّاطَريُّ

(6)

.

ويحيى بن إسحاق

(7)

.

‌ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومئتين

‌وفيها توفي من الأعيان:

أبو الجوَّاب

(8)

.

(1)

في أ، ب: فسلموها، وأثبت ما جاء في ظا.

(2)

في الأصول: عبد اللَّه، وصححت من الطبري.

(3)

في ط: عليها.

(4)

تاريخ الطبري (8/ 610 - 617).

(5)

في ظا، ب: نزار. وهو إسحاق بن مرار الشيباني بالولاء، أبو عمرو. أديب، لغوي. من رمادة الكوفة، سكن بغداد ومات بها. واختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة 206، وقيل: سنة 210. وقيل: سنة 213 هـ. وفيات الأعيان (1/ 65)، والأعلام (1/ 296).

(6)

بن محمد بن حسّان، أبو بكر، ويقال: أبو عبد الرحمن الأسدّي الدمشقي الطَّاطريّ. الإمام القدوة، الحافظ. ثقة. سير أعلام النبلاء (9/ 510).

(7)

يحيى بن إسحاق، أبو زكريا السِّيْلَحِيني. و"السَّالِحين": من قرى العراق. صدوق. سير أعلام النبلاء (9/ 505).

(8)

هو أحْوَصُ بن جَوَّاب الضَّبِّيُّ، أبو الجَوَّاب الكوفيُّ. صدوق. تهذيب الكمال (2/ 288).

ص: 44

وطَلْقُ بنُ غَنَّام

(1)

.

وعبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعاني صاحب "المصنّف" و"المسند"

(2)

.

وعبد اللَّه بن صالح العِجليّ

(3)

.

وأبو العتاهية الشاهر المُفْلِق المشهور

(4)

: واسمه إسماعيل بن القاسم بن سُويد بن كيسان، أصلُه من الحجاز، وسكن بغداد، وكان يبيع الجرار أولًا، ثم حظي عند الخلفاء

(5)

، لا سيما المهدي. وقد كان مع هذا يتعشّق جارية للمهدي اسمها عُتْبةُ، وقد طلبها من الخليفة غير مرة، فإذا سمح بها لا تريده الجاريةُ، وتقول للخليفة: أتعطيني لرجل دميم الخلق كان يبيع الجِرار؟ فكان يُكثر التغزّل فيها، وشاع أمره واشتهر بها، وكان المهديُّ يفهم ذلك. وقد اتفق في بعض الأحيان أن استدعى الخليفة المهدي الشعراء إلى مجلسه فاجتمعوا، وكان فيهم بشار بن برد الأعمى، فسمع صوتَ أبي العتاهية، فقال لجليسه: أثَمَّ هاهنا أبو العتاهية؟ [قال: نعم]

(6)

. فانطلق ينشده قصيدته فيها التي أولها

(7)

:

ألا ما لِسَيِّدَتي ما لَها

أدَلَّتْ فأحْمِلَ إدْلالَها

فقال بشار لجليسه: ما رأيتُ أجسَرَ من هذا، حتى انتهى أبو العتاهية إلى قوله:

أتَتْهُ الخِلافَةُ مُنْقَادَةً

إليهِ تُجَرِّرُ أذْيَالَها

فَلَمْ تَكُ تَصْلُحُ إلا لَهُ

وَلَمْ يَكُ يَصْلُحُ إلا لَها

ولو رامَها أحَدٌ غَيْرُهُ

لَزُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَها

وَلَوْ لَمْ تُطِعْهُ بَناتُ القُلُوبِ

لَما قَبِلَ اللَّهُ أعمْالَها

فقال بشارٌ لجليسه: انظر ويحك! أطارَ الخليفةُ عن فراشه؟ قال: فواللَّه ما خَرَجَ أحدٌ من الشعراء يومئذٍ بجائزةٍ غيره.

(1)

طَلْق بن غَنَّام بن طَلْق بن معاوية، المحدِّث الحافظ. ثقة، صدوق. سير أعلام النبلاء (10/ 240).

(2)

عبد الرزاق بن همَّام بن نافع الحِمْيري، أبو بكر الصَّنعاني. الحافظ الكبير، عالم اليمن. من حفاظ الحديث الثقات. مصنف، شهير، كان يتشيع. سير أعلام النبلاء (9/ 563 - 580) ومصادر ترجمته فيه.

(3)

عبد اللَّه بن صالح بن مسلم بن صالح، أبو أحمد العِجلي، الكوفي. صدوق. نزل بغداد، وأقرأ بها القرآن. سير أعلام النبلاء (10/ 403).

(4)

له ترجمة في الشعر والشعراء (2/ 491 - 795)، الأغاني (4/ 1 - 112)، تاريخ بغداد (6/ 250 - 260)، وفيات الأعيان (1/ 219 - 226)، سير أعلام النبلاء (10/ 195) وغير ذلك.

(5)

في أ: الخليفة.

(6)

زيادة من ظا، ب، ط.

(7)

ديوان أبي العتاهية (609)، ووفيات الأعيان (1/ 221 - 222).

ص: 45

قال ابنُ خلكان

(1)

: اجتمع أبو العتاهية بأبي نواس -وكان في طبقته وطبقةِ بشار بن برد- فقال أبو العتاهية لأبي نواس: كم تعملُ في اليوم من الشعر؟ قال: بيتًا أو بيتين. فقال: لكنّي أعمَلُ المئة والمئتين. فقال أبو نواس: لأنك تعملُ

(2)

مثلَ قولك

(3)

:

يا عُتْبُ مالي ولَكِ

يا لَيْتَنِي لَمْ أرَكِ

ولو أردْتُ مثلَ هذا الألفَ والألفين لقدرتُ عليه وأنا أعمل مثل قولي

(4)

:

من كفِّ ذاتِ حِرٍ في زيِّ ذي ذَكَرٍ

لها مُحِبَّانِ: لوطيٌّ وَزَنَّاءُ

ولو أردْتَ مثلَ هذا لأعجزكَ الدَّهْرَ.

قال ابنُ خلكان

(5)

: ومن لطيف شعر أبي العتاهية

(6)

:

وَلَقَدْ

(7)

صَبَوْتُ إليكِ حتّى

صارَ مِن فَرْطِ التَّصابي

يَجِدُ الجَلِيسُ إذا دَنا

رِيحَ التَّصابي في ثِيابي

قال ابن خلكان

(8)

: وأشعاره كثيرة ومولده سنة ثلاثين ومئة. وتوفي يوم الإثنين ثالث جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة، وقيل: سنة ثلاثَ عشرة [ومئتين]، وأوصى أن يكتب على قبره ببغداد

(9)

:

إنَّ عَيْشًا يكونُ آخرَهُ المَوْ

تُ لَعَيْشٌ مُعَجَّلُ التَّنْغِيصِ

‌ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومئتين

فيها: وجَّه المأمونُ محمد بن حُميد الطوسيَّ على طريق الموصل لمحارلة بابك الخُرّميّ في أرض أذْرَبيجان، فأخذ جماعة من المتغلبين فيها، فبعث بهم إلى المأمون أسراء إلى بغداد.

وفي ربيع الأول من هذه السنة أظهر المأمون في الناس بدعتين فظيعتين، إحداهما أطَمُّ من الأخرى،

(1)

وفيات الأعيان (1/ 222).

(2)

قوله: لأنك تعمل، لم يرد في ظا، ب. وفي ط: لعلك تعمل. وما أثبته موافق لما جاء في وفيات الأعيان ونسخة (أ).

(3)

ديوانه (595).

(4)

وفيات الأعيان (1/ 223).

(5)

وفيات الأعيان (1/ 223).

(6)

ديوانه (490).

(7)

في أ، ب: ولو. وأثبت ما جاء في ظا والديوان وابن خلكان.

(8)

وفيات الأعيان (1/ 222).

(9)

البيت في هامش الديوان (ص 199)، وابن خلكان (1/ 222).

ص: 46

وهي: القولُ بخلق القرآن، والأخرى: تفضيل عليّ بن أبي طالب على الناس بعد رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم. وقد أخطأ في كلٍّ من هذين المذهبين خطأ كبيرًا، وأثم إثمًا عظيمًا، [ومن العلماء من يكفّر من يقول بخلق القرآن، كما سيأتي ذلك في موضعه]

(1)

.

وحجَّ بالناس عبدُ اللَّه بن عبيد اللَّه بن العباس بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس.

‌وفيها توفي من الأعيان:

أسد بن موسى، الذي يقال له أسدُ السُّنَّة

(2)

.

والحسين بن حَفص

(3)

.

وأبو عاصم النَّبيل، الضَّحَّاك بن مَخْلَد

(4)

.

وأبو المُغيرة، عبدُ القدُّوس بن الحجَّاج الشامي الحمصي

(5)

.

ومحمد بن يوسف

(6)

الفِريابيّ، شيخ البخاري.

‌ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئتين

فيها: ثار رجلان بمصر، وهما: عبدُ السلام، وابن جَليس، فخلعا المأمون واستحوذا على الديار المصرية، وتابعها طائفة من القيسيّة واليمانية، فولَّى المأمون أخاه أبا إسحاق نيابة الشام [ومصر]

(7)

،

(1)

زيادة من ظا، ب.

(2)

هو أسد بن موسى بن إبراهيم بن الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان، القرشي، الأموي، أبو سعيد، الحافظ الثقة، ذو التصانيف. سير أعلام النبلاء (10/ 162).

(3)

في ط: الحسن بن جعفر، تحريف. وهو الحسين بن حَفص بن الفضل بن يحيى بن ذكوان الهَمْداني، أبو محمد الأصبهاني. الإمام الثقة الجليل الفقيه. كانت إليه رئاسة أصبهان وقضاؤها وأمر الفتاوى. سير أعلام النبلاء (10/ 356).

(4)

الضَّحَّاك بن مَخْلَد بن الضَّحَّاك بن مسلم، أبو عاصم النبيل الشيباني، البصري. شيخ حفَّاظ الحديث في عصره. صدوق. تهذيب التهذيب (4/ 450).

(5)

عبد القُدُّوس بن الحجّاج الخَوْلاني الحمصي، أبو المغيرة، المحدّث الصادق، مسند حمص. روى له جماعة. سير أعلام النبلاء (10/ 223).

(6)

في أ، ط: يونس. وهو محمد بن يوسف بن واقد الفِريابيّ، أبو عبد اللَّه الضَّبِّي، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، ثقة صدوق. سير أعلام النبلاء (10/ 114).

(7)

زيادة من ب، ظا.

ص: 47

وولَّى ابنَه العبَّاس نيابةَ الجزيرة والثغور والعواصم، وأطلق لكلِّ منهما ولعبد اللَّه بن طاهر في ذلك اليوم خمسمئة ألف دينار. فلم يُرَ يومٌ أكثر إطلاقًا منه، أطلق فيه لهؤلاء الأمراء الثلاثة ألفَ ألف دينارٍ وخمسمئة ألف دينار.

وفيها: ولَّى السند غسّان بن عباد.

وحجَّ بالناس فيها أميرُ السنة الماضية.

‌وفيها توفي من الأعيان:

عبد اللَّه بن داود الخُرَيبي

(1)

.

وعبدُ اللَّه بن يزيد المُقرئ البصريّ

(2)

.

وعُبيد اللَّه بن موسى العَبْسيّ

(3)

.

وعمرو بن أبي سَلَمة الدِّمشقي

(4)

.

وحكى ابنُ خلكان

(5)

في "الوفيات" عن بعضهم: أنَّ في هذه السنة توفي إبراهيم بن مَاهان المَوْصِلي النَّديم

(6)

. وأبو العتاهية

(7)

. وأبو عمرو الشيباني النحوي

(8)

، في يوم واحدٍ ببغداد، ولكنه صحَّح أن إبراهيم النَّديم توفي سنة ثمان وثمانين ومئة.

قال السُّهيلي: وفي هذه السنة تُوفي عبدُ الملك بن هشام راوي السيرة، حكاه ابن خلِّكان

(9)

عنه.

(1)

عبد اللَّه بن داود بن عامر، أبو عبد الرحمن الهمداني، الشعبي، الكوفي، ثم البصري. المشهور بالخُرَيبي لنزوله محلَّة الخُرَيْبَة بالبصرة. إمام، حافظ، قدوة. كان ثقة عابدًا ناسكًا. سير أعلام النبلاء (9/ 346).

(2)

في الأصول: "المصري"، وأثبت ما جاء في المصادر. وهو: عبد اللَّه بن يزيد بن عبد الرحمن الأهوازي الأصل، البصري، ثم المكي. إمام كبير في الحديث، ثقة، مشهور في القراءات، لقن القرآن سبعين سنة؛ أقرأ القرآن بالبصرة ستًا وثلاثين سنة، وبمكة خمسًا وثلاثين سنة. سير أعلام النبلاء (10/ 166)، طبقات القراء (1/ 463).

(3)

عُبيد اللَّه بن موسى بن أبي المختار، بأذام، أبو محمد العَبْسيّ مولاهم، الكوفي. الإمام الحافظ العابد، أول من صنّف المسند على ترتيب الصّحابة بالكوفة. ثقة، صدوق. سير أعلام النبلاء (9/ 553). .

(4)

عمرو بن أبي سَلمة، أبو حفص التِّنّيسي، من موالي بني هاشم، الدمشقي، إمام، صدوق. سير أعلام النبلاء (10/ 213).

(5)

وفيات الأعيان (1/ 43).

(6)

ترجم له المؤلف في حوادث سنة 188.

(7)

ذكره المؤلف في حوادث سنة 211.

(8)

هو إسحاق بن مرار الشيباني، أبو عمرو، ذكره المؤلف فيمن توفي سنة 210 هـ.

(9)

وفيات الأعيان (3/ 177).

ص: 48

والصحيح أنَّه توفي في سنة ثماني عشرة، كما نص عليه أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر"

(1)

.

والعَكَوَّك الشاعر

(2)

: أبو الحسن علي بن جبلة بن المسلم بن عبد الرحمن، الخراساني، ويلقَّب بالعَكَوَّك؛ لقصره وسمنه، وكان من الموالي، وولد أعمى، وقيل: بل أصابَه جدري وهو ابنُ سبع سنين، فعمي، وكان أسودَ أبرصَ، وكان شاعرًا مطبقًا فصيحًا بليغًا، وقد أئنى عليه في الشعر الجاحظُ فمن بعده. قال الجاحظُ: ما رأيت بدويًا ولا حضريًا أحسنَ إنشادًا منه

(3)

. فمن ذلك قوله

(4)

:

بأبي مَنْ زارَني مُتَكتِّمًا

خائفًا مِنْ كُلِّ شيءٍ جَزِعا

زَائرٌ ثَمَّ عليهِ حُسْنُهُ

كَيْفَ يُخفي اللَّيْلُ بَدْرًا طَلَعا

رَصَدَ الغَفْلَةَ حتَّى أمكَنَتْ

وَرَعَى السَّامرَ حتَّى هَجَعا

(5)

رَكِبَ الأهوالَ في زَوْرَتِه

ثمَّ ما سَلَّم حتَّى وَدَّعا

وهو القائلُ في أبي دُلف الفاسم بن عيسى العجلي يمتدحه

(6)

:

إنَّما الدُّنيا أبُو دُلَفٍ

بَيْنَ مَغْزَاهُ وَمُحْتَضَرِهْ

فإذا وَلَّى أبُو دُلَفٍ

وَلَّتِ الدُّنيا عَلَى أثَرِهْ

كلُّ مَنْ في الأرض من عَرَبٍ

بين بَادِيهِ إلى حَضَرِهْ

مستعيرٌ منكَ مَكْرُمَةً

يَلْبَسُها

(7)

يَوْمَ مُفْتَخَرِهْ

ولما بلغت المأمون هذه الأبياتُ -وهي في قصيدة طويلةٍ عارض فيها أبا نواس

(8)

الحسنَ بن هانئ- فتطلَّبه المأمونُ فهَرب منه كلَّ مهرب، ثم أحضر بين يديه، فقال له: ويحك! فضَّلْت القاسمَ بن عيسى

(1)

انظر وفيات الأعيان (3/ 177).

وهو: عبد الملك بن هشام بن أيوب، أبو محمد الذُّهلي السَّدوسي، العلامة النحوي الأخباري، نزيل مصر. هذَّب السيرة النبوية، رواها عن ابن إسحاق، وتعرف بسيرة ابن هشام.

(2)

ترجمته في الشعر والشعراء (864 - 868)، الأغاني (20/ 14 - 43)، تاريخ بغداد (11/ 359)، وفيات الأعيان (3/ 350) سير أعلام النبلاء (10/ 192)، الأعلام للزركلي (4/ 268). و"العَكَوَّك": القصير السمين مع صلابة.

(3)

وفيات الأعيان (3/ 350)، سير أعلام النبلاء (10/ 192).

(4)

وفيات الأعيان (3/ 350).

(5)

"السّمر" المتسامرون. و"هجع": نام.

(6)

الأغاني (20/ 15)، الشعر والشعراء (864)، وفيات الأعيان (3/ 351).

(7)

في ط: يأتيها، وفي رواية: يكتسيها.

(8)

قصيدة أبي نواس في ديوانه (308 - 311)، وأخبار أبي نواس لابن منظور (134) وهي:

أيها المُنْتابُ عن عُفُرِه

لستَ مِن لَيْلي ولا سَمَرِه

ص: 49

علينا. فقال: يا أمير المؤمنين، أنتم أهلُ بيتٍ اصطفاكم اللَّهُ من بين عباده، وآتاكم ملكًا عظيمًا، وإنَّما مدحته

(1)

على أشكاله وأقرانه. فقال: واللَّه ما أبقيت أحدًا ولا تركت، وقد أدخلتنا في الكلّ، حيث تقول:

كلُّ منْ في الأرضِ مِنْ عَرَبٍ

. . . . . . . . . البيتين

ومع هذا فلا أستحِلُّ قتلك بهذا، ولكن بكُفْرِكَ وشِرْكِكَ، حيثُ تقولُ في عبدٍ ذليل:

أنْتَ الذي تُنْزلُ الأيَّامَ مَنْزِلَها

وَتَنْقُلُ الدَّهْرَ مِنْ حَالٍ إلى حالِ

وَمَا مَدَدْتُ مَدَى طَرْفٍ إلى أحَدٍ

إلا قَضَيْتَ بأرْزَاقٍ وآجالِ

ذاك اللَّهُ يفعلُه، أخرجوا لِسانَه مِنْ قَفاه. فأخرَجُوا لسانه مِن قفاه، فمات في هذه السنة، سامحه اللَّه

(2)

.

ومن قوله يمتدح حُمَيْدَ بن عبد الحميد الطُّوسيَّ

(3)

:

إنَّما الدُّنيا حُمَيدٌ

وأيادِيهِ الجسام

(4)

فإذا وَلَّى حُمَيدٌ

فعلَى الدُّنيا السَّلامُ

وقوله

(5)

:

تكفَّلَ ساكِني الدُّنيا حُمَيد

فقد أضحَوْا له فيها عِيالا

كأن أباه آدمَ كان أوْصَى

إليه أن يَعُولَهُمُ فَعَالا

ولما مات حُمَيْد هذا في سنة عشر مع المأمون، بِفَم الصِّلح، قال العَكَوَّك يرثيه، قصيدة، منها قوله

(6)

:

فأدَّبَنا ما أدَّب النَّاسَ قبلنا

ولكنَّه لم يَبْقَ للصَّبر موضِعُ

(1)

في ط: فضَّلته.

(2)

الأبيات والخبر في الشعر والشعراء (866)، وطبقات الشعراء، لابن المعتز (172)، والأغاني (20/ 41 - 42)، وسير أعلام النبلاء (10/ 193 - 194)، ووفيات الأعيان (3/ 353).

(3)

الأغاني (20/ 37)، ووفيات الأعيان (3/ 352).

(4)

في الأصول بغير إعجام، وأثبت ما جاء في الأغاني.

(5)

وفيات الأعيان (3/ 353).

(6)

الأغاني (20/ 27) من قصيدة مطولة مشهورة، أولها:

ألِلدهر تبكي أم على الدهر تجزع؟

وما صاحبُ الأيام إلا مفجّعُ

البيت والخبر في وفيات الأعيان (7/ 354).

ص: 50

وقال أبو العتاهية يرثي حُميدًا هذا

(1)

:

أبا غانِم أمَّا ذراكَ فَواسِعٌ

وَقَبْرُكَ مَعْمُورُ الْجَوَانِبِ مُحْكَمُ

وما يَنْفَعُ المَقْبُورَ عُمْرانُ قَبْرِهِ

إذا كانَ فيهِ جِسْمُهُ يَتَهَدَّمُ

وقد أورد ابنُ خلكان

(2)

لِعَكَوَّك هذا أشعارًا جيدة تركناها اختصارًا.

‌ثم دخلت سنة أربع عشرة ومئتين

في يوم السبت لخمسٍ بفين من ربيع الأول منها التقى محمد بن حُمَيد وبابَك الخُرّمي، لعنه اللَّه، فقَتَلَ الخُرَّمِيُّ خلقًا كثيرًا من جيشه، وقتلَه أيضًا، وانهزم بقيَّةُ أصحاب ابنِ حُمَيْد، فإنَّا للَّه وإنا إليه راجعون. فبعث المأمون إسحاق بنَ إبراهيمَ ويحيى بن أكثم إلى عبد اللَّه بن طاهر، يخيّرانه بين خراسان، ونيابة الجبال وأذربيجان وأرمينية؛ لمحاربة

(3)

بابك الخُرّمي، فاختار الإقامة بخراسان، لكثرة احتياجها إلى الضبط، وللخوف من ظهور الخوارج بها.

وفيها دخل أبو إسحاق بن الرشيد الدِّيارَ المصرية، فافتتحها، واستعادها إلى السمع والطاعة، وظفر بعبد السلام، وبابن جليس فقتلهما.

وفيها: خرج رجلٌ يقال له: بلال الضَّبابيّ الشّاري، فبعث إليه المأمون ابنَه العبَّاسَ في جماعةٍ من الأمراء، فقتلوا بلالًا وعادوا سالمين.

وفيها: ولَّى المأمون عليَّ بن هشام الجَبَل، وقُمَّ، وأصبهان، وأذربيجان.

وفيها: حجَّ بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد اللَّه بن عباس.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمدُ بن خالد الوَهْبيُّ

(4)

.

وأحمد بن يوسف بن القاسم بن صَبيح

(5)

: أبو جعفر الكاتب، وَلي ديوان الرسائل للمأمون.

(1)

ديوانه (ص 635)، ووفيات الأعيان (3/ 354).

(2)

وفيات الأعيان (3/ 350 - 354).

(3)

في ط والطبري: ومحاربة بابك.

(4)

هو أحمد بن خالد بن موسى، الوَهْبي، الكِنْديّ، ويقال له: الذهبي أيضًا، أبو سعيد. صدوق. رَاوي المغازي عن ابن إسحاق، وكان مكثرًا، حسن الحديث. العبر (1/ 288)، وتهذيب الكمال (1/ 299).

(5)

ترجمته في تاريخ بغداد (5/ 216)، ومعجم الأدباء (5/ 161)، والنجوم الزاهرة (2/ 206)، وتاريخ ابن عساكر =

ص: 51

ترجمه ابنُ عساكر وأورد من شعره قوله

(1)

:

قد يُرْزَقُ المرءُ لا مِن حسن

(2)

حيلتِهِ

ويُصْرَفُ الرِّزْقُ عن ذي الحيلةِ الدَّاهي

ما مَسَّني مِن غنى يومًا ولا عدمٍ

إلا وقولي عليهِ الحمدُ للَّهِ

وله

(3)

:

إذا قلتَ في شيءٍ نَعَمْ فأتمَّهُ

فإنَّ نَعَمْ دَيْنٌ على الحرِّ واجبُ

وإلا فَقُلْ: لا، فاسْتَرِحْ وأرحْ بها

لئلا يَقُولَ النَّاسُ إنَّكَ كاذِبُ

وله

(4)

:

إذا المرءُ أفْشَى سِرَّهُ بلسانِهِ

فَلامَ عَلَيْهِ غيرَهُ فهوَ أحْمَقُ

إذا ضَاقَ صَدْرُ المرءِ عن سِرِّ نَفسِهِ

فَصَدْرُ الَّذي اسْتَوْدَعْتَهُ السَرَّ أضْيَق

وحسين

(5)

بن محمد المرُّوذيّ، شيخُ الإمام أحمد.

وعبدُ اللَّه بن عبد الحكم المصريّ

(6)

.

ومعاوية بن عمرو

(7)

.

أبو محمد عبد اللَّه بن [عبد الحكم بن]

(8)

أعْيَن بن لَيْث بن رافع المصريّ

(9)

: أحدُ من قرأ "الموطأ" على الإمام مالك، وتفقَّه لمذهبه، وكان معظَّمًا ببلاد مصرَ، له بها ثَروةٌ وأموالٌ وافرةٌ. وحين قدِمَ الشافعيُّ مصرَ أعطاه ألفَ دينار، وجمع له من أصحابه ألفي دينارٍ أخرى.

= (نسخة كامبرج)(1/ 97)، ومختصره لابن منظور (3/ 330 - 332).

(1)

تاريخ ابن عساكر (97/ أ)، ومختصره (3/ 331).

(2)

لفظة حسن سقطت من أ.

(3)

تاريخ ابن عساكر (97/ أ) ومختصره (3/ 331).

(4)

المصدر السابق.

(5)

في أ، ط: حسن. وهو حسين بن محمد بن بَهْرام التَّميمي المرُّوذي، أبو أحمد المؤدِّب، نزيل بغداد. إمام حافظ ثقة. روى له الجماعة. تهذيب الكمال (6/ 471)، وسير أعلام النبلاء (10/ 216).

(6)

سيفرده بالترجمة بعد قليل، ولعل الاسمين قد اختلطا عنده.

(7)

معاوية بن عمرو بني المهلَّب بن عمرو، أبو عمرو الأزديّ البغدادي. الإمام، الحافظ، الصادق. حدث عنه الجماعة. كان بطلًا مقدامًا، معروفًا بالإقدام والرباط. العبر (1/ 288)، سير أعلام النبلاء (10/ 214).

(8)

ما بين الحاصرتين سقط من ط، ولا يصح إلا بها.

(9)

التاريخ الكبير (5/ 142)، الجرح والتعديل (5/ 105)، وفيات الأعيان (3/ 34)، العبر (1/ 368)، سير أعلام النبلاء (10/ 220)، تهذيب التهذيب (5/ 289).

ص: 52

وهو والد محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، الذي صحبَ الشافعيَّ.

ولمَّا توفي في هذه السنة دُفِن إلى جانب قبر الشافعي. وحين تُوفي ابنُه عبدُ الرحمن دُفِنَ إلى جانب أبيه من القبلة

(1)

.

قال ابنُ خلكان

(2)

: فهي ثلاثةُ أقبرٍ؛ الشافعيُّ شاميها، وهما قبلتُه، رحمهم الله.

‌ثم دخلت سنة خمس عشرة ومئتين

في أواخر المحرم من هذه السنة ركب المأمونُ في العساكر من بغدادَ قاصدًا بلاد الروم لغزوهم. واستخلف على بغداد وأعمالها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلمَّا كان بتَكريتَ تلقَّاه محمدُ بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من المدينة النبوية، فأذِنَ له المأمونُ في الدخول على ابنته أمِّ الفضل بنت المأمون؛ وكان معقودَ العقد عليها في حياة أبيه [علي بن موسى]

(3)

، فدخل بها، وأخذها معه إلى بلاد الحجاز.

وتلقَّاه أخوه أبو إسحاق بن الرشيد من الديار المصرية قبل وصوله إلى الموصل.

وسار المأمون في جحافل كثيرةٍ إلى بلاد طَرَسُوسَ في جمادى الأولى منها، وفتح حصنًا

(4)

هناك عَنْوَةً، وأمر بهدمِهِ.

ثم رجع المأمون من بلاد الروم إلى دمشق، فنزلها، وعمَّر دَير مُرَّان

(5)

بسفح قاسيون، وأقام بها مدَّة.

وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ اللَّه بنُ عبيد اللَّه بن العباس بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو زيد الأنصاريّ.

ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ

(6)

(1)

في أ: من القبلي.

(2)

وفيات الأعيان (3/ 35).

(3)

زيادة من ط.

(4)

في الكامل: حصن قُرَّة.

(5)

هذا الدير بالقرب من دمشق، على تل مشرف على مزارع الزَّعفران، ورياض حسنة، وبناؤه بالجصّ، وأكثر فرشه بالبلاط الملوّن، وهو دير كبير، وفيه رهبان كثيرة، في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني. ياقوت.

(6)

أبو عبد اللَّه، قاضي البصرة وعالمها ومسندها. عاش سبعًا وتسعين سنة، وهو من كبار شيوخ البخاري. العبر (1/ 368).

ص: 53

ومحمد بن المبارك الصُّوريُّ

(1)

.

وقَبيصَةُ بنُ عُقْبَة

(2)

.

وعليُّ بن الحسن بن شقيق

(3)

.

ومكِّيّ بن إبراهيم

(4)

.

فأمَّا أبو زيد الأنصاري

(5)

: فهو سعيدُ بنُ أوس بن ثابت البصريُّ اللغويُّ، أحدُ الثِّقات الأثبات، ويقال: إنه كان يَرَى ليلة القَدْر.

قال أبو عثمان المازنيُّ: رأيت الأصمعيَّ جاء إلى مجلس أبي زَيْد الأنصاريِّ، فقبَّلَ رأسَه، وجلَس بين يديه، وقال: رئيسنا وسيدنا منذ خمسين سنة

(6)

.

قال القاضي ابنُ خلكان

(7)

: وله مصنفات كثيرة؛ منها: "خلق الإنسان"، و"كتاب الإبل"، و"كتاب المياه"، وكتاب "القوس والترس"، وغير ذلك.

وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل: في التي قبلها أو التي بعدها، وقد جاوز التسعين، وقيل: إنه قارب المئة

(8)

.

= وقبلها في أ: وأبو سليمان الداراني، وقد ترجم له المؤلف في حوادث سنة 205 هـ.

(1)

أبو عبد اللَّه، الحافظ، صاحب سعيد بن عبد العزيز. فقيه، مفتي دمشق. ثقة. خرّجوا له في الدواوين الستة. العبر (1/ 367)، وسير أعلام النبلاء (10/ 390).

(2)

قَبيصة بن عقبة السُّوائي الكوفي العابد، أبو عامر. أحد الحفّاظ، كان يقال له: زاهد الكوفة، والرجل الصالح. العبر (1/ 290) ط. بيروت.

(3)

علي بن الحسن بن شقيق بن دينار بن مِشْعب، أبو عبد الرحمن العبدي مولاهم، المروزي، وكان جدّه شقيق بصريًا، فقدِم خراسان. كان حافظًا، كثير العلم، من كبار الأئمة بخراسان. سير أعلام النبلاء (10/ 349)، والعبر (1/ 368).

(4)

مَكّي بن إبراهيم بن بثير بن فَرْقد، التّميمي، الحنظليّ، البَلْخي، أبو السَّكن، الإمام الحافظ.، مسند خراسان، صدوق. سير أعلام النبلاء (9/ 549).

(5)

تاريخ خليفة (97)، الجرح والتعديل (4/ 4)، تاريخ بغداد (9/ 77)، نزهة الألباء (173)، معجم الأدباء (11/ 212)، وفيات الأعيان (2/ 378)، سير أعلام النبلاء (9/ 494)، طبقات القراء (1/ 305)، شذرات الذهب (2/ 34).

(6)

في تاريخ بغداد (9/ 77)، وسير أعلام النبلاء (9/ 495): منذ ثلاثين سنة. وفي معجم الأدباء (11/ 216): منذ عشرين سنة، وفي وفيات الأعيان (2/ 379): منذ خمسين سنة.

(7)

وفيات الأعيان (2/ 379).

(8)

بعدها في ط: وأما أبو سليمان فقد قدمنا ترجمته.

ص: 54

‌ثم دخلت سنة ست عشرة ومئتين

في هذه السنة عدا ملك الروم، وهو توفيل بن ميخائيل، فقتل جماعة من المسلمين في أرض طَرَسُوس نحوًا من ألف وستمئة إنسان. ويقال: إنه كتب أيضًا إلى المأمون فبدأ بنفسه، فلمَّا قرأ المأمون ذلك نهض من فوره، فركب في الجيوش إلى بلاد الروم عَودًا على بدءٍ، وصحبته أخوه أبو إسحاق بن الرشيد نائب الشام ومصر، فافتتح بلدانًا كثيرة، صلحًا وعَنْوَةً، وافتتح أخوه ثلاثين حصنًا، وبعث المأمون يحيى بن أكثم في سَرِيَّة إلى طُوانة

(1)

فافتتح بلادًا كثيرة، وأسر خلقًا من الذراري وغيرهم. وقتل خلقًا من الروم، وحَرَق حصونًا عدة، ثم عاد سالمًا مؤيدًا منصورًا إلى العسكر. وأقام المأمون ببلاد الروم من منتصف جمادى الآخرة إلى النصف من شعبان، ثم عاد إلى دمشق. وقد وثب رجلٌ يقال له: عَبْدُوس الفِهريّ في شعبان من هذه السنة ببلاد مصر، فتغلب على نواب أبي إسحاق بن الرشيد، وقويت شوكته، واتَّبَعه خلقٌ كثيرٌ منهم، فركب المأمون من دمشق يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة منها إلى الديار المصرية، فكان من أمره بها ما سنذكره.

وفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد وما والاها من البلاد، يأمره أن يأمرَ النَّاسَ بالتكبير عقب الصّلوات، فكان أول شيء بُدئ به في جامع المدينة والرّصافة يوم الجمعة لأربعَ عشرَة ليلة خلت من شهر رمضان من هذه السنة، أنهم لمَّا قضوا الصَّلاةَ قام الناس قيامًا، فكبَّروا ثلاث تكبيراتٍ، ثم استمروا على ذلك بقيةَ الصّلوات.

وهذه بِدْعَة أحدثها المأمونُ بلا مستندٍ ولا دليلٍ، ولا معتمدٍ، فإنَّ هذا لم يفعله من قبله أحدٌ.

ولكن ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنَّ رَفْعَ الصَّوت بالذكرِ كان على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حين ينصرفُ الناسُ من المكتوبة

(2)

، وقد استحبَّ هذا طائفةٌ من العلماء، كابن حزم وغيره.

وقال أبو الحسن بن بَطَّال

(3)

: المذاهبُ الأربعة وغيرهم على عدم استحباب ذلك.

(1)

"طُوَانة": بلد بثغور المَصِّيصة، بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس. ياقوت.

(2)

روى البخاري في صحيحه (2/ 269) في الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، ومسلم رقم (583) في المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، من حديث عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. أقول: ولكن لم يكن جماعيًا، بل كان فرديًا (ع).

(3)

هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بَطَّال، أبو الحسن. من أهل قرطبة، عالم بالحديث. توفي سنة 449 هـ. شذرات الذهب (3/ 283)، والأعلام للزركلي (4/ 285).

ص: 55

قال النووي: وقد رُوي عن الشافعي أنَّه قال: إنما كان ذلك ليعلَم النَّاسُ أن الذِّكرَ بعد الصَّلوات مشروعٌ، فلمَّا عُلم ذلك لم يبقَ للجهر معنًى.

وهذا كما رُوي عن ابن عباس أنه كان يجهر بالفاتحة في صلاة الجنازة، ليعلم الناس أنها سنة، ولهذا نظائر، واللَّه أعلم.

[وأما هذه البِدْعَةُ التي أمر بها المأمونُ فإنَّها بِدْعَةٌ محدثة لم يعملْ بها أحدٌ من السَّلف.

وفيها: وَقَعَ بَرْدٌ شديدٌ جدًا.

وفيها: حجَّ بالناس الذي حَجَّ بهم في العام الماضي، وقيل: غيرُه، واللَّه أعلم]

(1)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

حَبَّان بن هِلال

(2)

.

وعبد الملك بن قُرَيب الأصْمَعي، صاحبُ اللغة والنحو والشعر وغير ذلك

(3)

.

ومحمد بن بكَّار بن هلال

(4)

.

وهَوْذَة بنُ خَلِيفة

(5)

.

وَزُبَيْدَة امرأة هارون الرشيد وابنةُ عمّه

(6)

: وهي أم جَعْفَر أمَةُ العزيز، الملقَّبة زُبَيْدَة بنت جَعْفَر بن المنصور، أبي جعفر، عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب، القرشية

(1)

ما بين قوسين زيادة من ط فقط، ولم ترد في الأصول المعتمدة.

(2)

حَبَّان بن هِلال، الباهلي، أبو حبيب البصريّ. ثقة، ثبت، حجة، امتنع من التحديث قبل موته. تهذيب الكمال (5/ 328).

(3)

عبد الملك بن قُريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي. أحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان والأخبار. كان كثير التطواف في البوادي، يقتبس علومها ويتلقى أخبارها، ويتحف بها الخلفاء، فيكافأ عليها بالعطايا الوافرة. وكان الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة. وله تصانيف كثيرة.

أخبار النحويين البصريين ص 58، تاريخ بغداد (10/ 410)، تاريخ ابن عساكر (10/ ورقة 239/ أ - 247/ أ)، وفيات الأعيان (3/ 170)، سير أعلام النبلاء (10/ 175)، الأعلام للزركلي (4/ 162).

(4)

كذا في الأصول والمطبوع. والصحيح: بلال. وهو محمد بن بكَّار بن بلال العامليّ، أبو عبد اللَّه الدمشقي، القاضي. صدوق. مات في هذه السنة وله أربع وسبعون سنة.

انظر: سير أعلام النبلاء (11/ 114)، وتقريب التهذيب (2/ 147).

(5)

هَوْذة بن خليفة بن عبد اللَّه الثقفي البَكْراوي، أبو الأشهب البصري، الأصمّ، نزيل بغداد، صدوق. تقريب التهذيب (2/ 322).

(6)

تاريخ بغداد (1/ 433)، وفيات الأعيان (2/ 314)، سير أعلام النبلاء (10/ 241)، النجوم الزاهرة (2/ 213)، الدر المنثور في طبقات ربات الخدور (215).

ص: 56

الهاشمية، العباسية. امرأة هارون الرشيد، وأحبُّ الناس إليه في زمانها، مع ما كان معها من الحظايا والزوجات، كما ذكرنا في ترجمته

(1)

.

وإنما لقِّبت بزُبَيْدَة؛ لأنَّ جدَّها أبا جعفر المنصور كان يلاعبها، ويرقصها وهي صغيرة، ويقول لها: إنما أنت زُبْدَ زُبَيْدَة، فغلب ذلك عليها، فلا تعرف إلا به. وأصلُ اسمها أمة العزيز. وكانت من الجمال والمال والخير والديانة على جانب، ولها من الصدقات والأوقاف ووجوه القربات شيء كثير جدًا.

وروى الخطيب البغدادي: أنها حجَّت فبلَغت نفقتُها في ستين يومًا أربعةً وخمسين ألف ألف درهم

(2)

.

وأنَّها لمَّا هنَّأت المأمون بالخلافة حين دخل بغداد قالت له: لقد هنّأت نفسي بها عنك

(3)

قبلَ أن أراك، ولئن كنتُ فقدْتُ ابنًا خليفةً، لقد عُوِّضت ابنًا خليفةً لم ألده، وما خسِرَ من اعْتَاضَ مثلك، ولا ثُكلت أمٌّ ملأت يدَها منك، وأنا أسأل اللَّه أجرًا على ما أخَذ، وإمتاعًا بما عوَّض

(4)

. وذكر

(5)

أنّها تُوفيت ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومئتين.

ثم قال الخطيب: حدّثني الحسن

(6)

بن محمد الخلال لفظًا، قال: وجدت

(7)

بخط أبي الفتح القواس، [قال]: حدثنا صدقة بن هبيرة الموصلي، حدثنا محمد بن عبد اللَّه الواسطي، قال: قال عبدُ اللَّه بن المبارك: رأيت زُبَيْدَة في المنام، فقلت: ما فعل اللَّه بكِ؟ فقالت: غفَر لي في أوَّل معْوَلٍ ضربت في طريق مكة. قلت: فما هذه الصُّفرة؟ قالت: دُفن بين ظهرانينا رجلٌ يقال له: بِشْر المَرِيسي

(8)

زفَرت عليه جهنّم زفرة، فاقشعرَّ لها جسدي، فهذه الصُّفْرة من تلك الزَّفرة

(9)

.

وذكر القاضي ابن خلكان أنه كان لها مئة جارية، كلهن يحفظْن القرآن العظيم، وَوِرْدُ كُلِّ واحدةٍ عُشْرُ القرآن، وكان يُسمَعُ لهنَّ في القصر دويٌّ كدويّ النحل

(10)

.

(1)

ترجم له المؤلف في حوادث سنة 193.

(2)

تاريخ بغداد (14/ 433).

(3)

في ظا، ب: بك عنها.

(4)

تاريخ بغداد (14/ 434).

(5)

المصدر السابق.

(6)

في أ، ط: الحسين. وهو الحسن بن محمد بن الحسن بن علي الخلال، أبو محمد، فاضل، من أهل بغداد، توفي سنة 439 هـ. تاريخ بغداد (7/ 425).

(7)

في أ: وجدت أبا الفتح القواس.

(8)

من كبار المعتزلة، وسترد ترجمته في حوادث سنة 218 هـ.

(9)

تاريخ بغداد (14/ 434).

(10)

وفيات الأعيان (2/ 314). وبعدها في ط ما نصه: وورد أنها رؤيت في المنام، فسئلت عما كانت تصنعه من المعروف والصدقات، وما عملته في طريق الحج، فقالت: ذهب ثواب ذلك كله إلى أهله، وما نفعنا إلا ركعات =

ص: 57

‌ثم دخلت سنة سبع عشرة ومئتين

في المحرم منها دخل المأمونُ الديار المصرية، ظفر بعَبْدُوس الفِهْري، فأمر فضربتْ عنقه. ثم كرَّ المأمون راجعًا إلى الشام.

وفي هذه السنة ركب المأمون إلى بلاد الروم أيضًا، فحاصر لؤلؤة

(1)

مئةَ يوم، ثم ارتحل عنها واستخلف على حصارها عُجَيفًا، فخدعته الروم، فأسروه، فأقام في أيديهم ثمانية أيام، ثم انفلت من أيديهم، واستمر محاصِرًا لهم، فجاء ملك الروم بنفسه فأحاط بجيشه من ورائه، فبلغ المأمون فسار إليه، فلما أحسَّ توفيل بقدومه انصرف هاربًا من وجهه، وبعث إليه الوزير، الذي يقال له: الصنفل، فسأله الأمان والمصالحة والمهادنة، لكنه بدأ بنفسه في كتابه إلى المأمون، فردَّ عليه المأمون كتابًا بليغًا، مضمونُه التقريعُ والتوبيخ، وإني إنَّما أقبلُ منك الدخول في الحنيفيّة، وإلا فالسيفُ والقتل. والسلام على من اتبع الهدى

(2)

.

وحجَّ بالناس فيها سليمان بن عبد اللَّه بن سليمان بن علي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

حَجَّاج بن مِنْهال

(3)

.

وسُرَيْج بن النُّعمان

(4)

.

وموسى بن داود الضَّبِّيّ

(5)

.

= كنت أركعهن في السحر. وفيها جرت حوادث وأمور يطول ذكرها.

(1)

"لؤلؤة": قلعة قرب طَرَسوس. ياقوت.

(2)

راجع نص الرسالتين المتبادلتين بين توفيل والمأمون في تاريخ الطبري (8/ 629).

(3)

حجَّاج بن مِنهال البصريّ، أبو محمد الأنماطي. كان دلالًا في الأنماط. ثقة، صاحب سنّة. العبر (1/ 371).

(4)

سُرَيْج بن النُّعمان الجوهريّ البغدادي الحافظ، كان ثقة مبرّزًا. تهذيب الكمال (10/ 218)، وسير أعلام النبلاء (10/ 219).

(5)

أبو عبد اللَّه الكوفيّ الطّرسوسي، نزيل بغداد. كان مصنفًا مكثرًا مأمونًا، وكان ثقة زاهدًا صاحب حديث. ولي قضاء طرسوس حتى مات. العبر (1/ 371)، سير أعلام النبلاء (10/ 136).

ص: 58

‌ثم دخلت سنة ثمان

(1)

عشرة ومئتين

في أول يوم من جمادى الأولى منها وجَّه المأمونُ ابنَه العبَّاسَ إلى بلاد الروم لبناء الطُّوانة، وتجديد عمارتها. وبعث إلى سائر الأقاليم والآفاق في تجهيز الفَعَلَةِ

(2)

من كلّ بلدٍ إليها، من مصر والشام والعراق وغير ذلك، فاجتمع خلقٌ كثير لا يعلمهم إلا اللَّه عز وجل. وأمره أن يجعلها ميلًا في ميلٍ، وأن يجعل سورَها ثلاثة فراسِخَ، وأن يجعل لها ثلاثة أبواب، عند كُلِّ بابٍ حِصْنٌ.

‌ذكر أوَّل المحنة

(3)

:

في هذه السنة كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة والمحدّثين بالقول بخلق القرآن، وأن يرسل إليه جماعة منهم إلى الرّقة. ونسخة كتاب المأمون إلى نائبه مطولة، قد سردها ابنُ جرير

(4)

؛ ومضمونها الاحتجاجُ على أنَّ القرآن محدث وليس بقديم، وعنده أن كلَّ محدث فهو مخلوق، وهذا أمرٌ لا يوافقه عليه كثيرٌ من المتكلمين ولا المحدثين، فإنَّ القائلين بأنه تعالى تقوم به الأفعال الاختيارية، لا يقولون بأنَّ فعله تعالى القائم بذاته المقدسه

(5)

بعد أن لم يكن مخلوقًا

(6)

، بل يقولون: هو محدَثٌ وليس بمخلوق، بل هو كلام اللَّه تعالى القائم بذاته المقدسة، وما كان قائمًا بالذات لا يكون مخلوقًا، وقد قال اللَّه تعالى:{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2]

(7)

. وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11]. فالأمر منه بالسجود صدرَ منه تعالى بعد خلقه آدم، فالكلام القائم بالذات ليس بمخلوق، وهذا له موضع آخر.

وقد صنف البخاريُّ كتابًا في هذا المعنى سمَّاه "خلق أفعال العباد".

والمقصود أن الكتاب

(8)

لمَّا ورد بغداد قُرئ على الناس. وقد عيَّن المأمونُ جماعةً من المحدّثين

(1)

في الأصول: ثماني عشرة بإثبات الياء، كالاسم المنقوص المضاف. وأثبت ما جاء في ط.

(2)

"الفَعَلَة": صفة غالبة على عَمَلةِ الطين والحفر ونحوهما؛ لأنَّهم يفعلون. اللسان: فعل.

(3)

في ط: ذكر أوَّل المحنة والفتنة.

(4)

تاريخ الطبري (8/ 631).

(5)

في ط: المقدسة مخلوق، بل لم يكن مخلوقًا.

(6)

في ظا، ب: محدثًا.

(7)

وفي الأصول: من الرحمن محدث وهي الآية (5) من سورة الشعراء. وقد أثبت ما جاء في ط.

(8)

في ط: أن كتاب المأمون.

ص: 59

ليحضرهم إليه؛ وهم: محمد بن سعد كاتب الواقديّ، وأبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون

(1)

، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدّورقيّ

(2)

.

فبعث بهم إلى المأمون، إلى الرقة، فامتحنهم بالقول بخلق القرآن، فأجابوه إلى ذلك، وأظهروا موافقتَه وهم كارهون. فردَّهم إلى بغداد، وأمرَ بإشهار أمرهم بين الفقهاء، ففعل إسحاق بن إبراهيم ذلك.

وأحضر خلقًا من مشايخ الحديث والفقهاء والقضاة وأئمة المساجد وغيرهم، فدعاهم إلى ذلك عن أمر المأمون، وذكر لهم موافقة أولئك المحدّثين في ذلك، فأجابوا بمثل جواب أولئك. ووقعت بين الناس فتنةٌ عظيمةٌ، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون.

ثم كتب المأمون كتابًا ثانيًا إلى إسحاق بن إبراهيم يستدلّ فيه على القول بخلق القرآن بشُبهِ من الدلائل لا تحقيق فيها، ولا حاصلَ لها، بل هي من المتشابهات، وأورد من القرآن آياتٍ هي حجة عليه لا له؛ أورده ابنُ جرير

(3)

بطوله. وأمر

(4)

أن يقرأ ذلك على أناس وأن يدعوهم إليه والقول به. فأحضر إسحاق بن إبراهيم جماعةً من الأئمة، وهم: أحمد بن حنبل، وقُتَيْبة، وأبو حسّان الزِّياديُّ، وبشر بن الوليد الكِندي، وعليّ بن أبي مُقاتل، وسَعْدُويه الواسطيّ، وعليّ بن الجَعْد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهِرْش، وابن عُلَيَّة الأكبر، ويحيى بن عبد الرحمن

(5)

العمري، وشيخ آخر من سلالة عمر، كان قاضيًا على الرقة، وأبو نَصر التَّمَّار، وأبو مَعْمَر القَطيعيّ، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن نوح الجنديسابوري المضروب، وابن الفَرُّخان، [والنَّضْر بن شميل، وأبو علي بن عاصم، وأبو العوام الجزَّار

(6)

، وابن شجاع]

(7)

، وعبد الرحمن بن إسحاق، وجماعة

(8)

.

فلمَّا دخلوا على إسحاق بن إبراهيم قرأ عليهم كتاب المأمون، فلما فهموه قال لبشر بن الوليد: ما تقولُ في القرآن؟ فقال: هو كلام اللَّه. قال: ليس عن هذا أسألك، إنما أسألك أهو مخلوقٌ؟ قال:

(1)

في ط وأبو مسلم المستملي، ويزيد بن هارون، وهو تحريف.

(2)

الطبري (8/ 634).

(3)

تاريخ الطبري (8/ 632).

(4)

في ط: وأمر نائبه.

(5)

في ط: "عبد الحميد" محرف.

(6)

تحرفت نسبته في النسخ التي بين أيدينا على وجوه مختلفة، وما أثبتناه من كتب الرجال، وهو فائد بن كيسان الباهلي أبو العوام الجزار (ع).

(7)

ما بين قوسين من ظا، ب. وابن شجاع: هو محمد بن شجاع المرُّوذي، من رجال التهذيب.

(8)

تاريخ الطبري (8/ 637)، والكامل لابن الأثير (6/ 423).

ص: 60

ليس بخالق. قال: ولا عن هذا أسألك. فقال: ما أُحسن غيرَ هذا. وصمَّم على ذلك. فقال: أتشهد أن لا إلَه إلا اللَّه أحدًا فردًا، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجهٍ من الوجوه؟ قال: نعم! فقال للكاتب: اكتب بما قال. فكتب.

ثم امتحنهم رجلًا رجلًا، فأكثرُهم امتنَعَ من القول بخلق القرآن، وإذا مانع الرجل منهم يمتحنه بالرقعة

(1)

التي وافق عليها بِشْرُ بن الوليد الكِنديّ؛ من أنه تعالى لا يشبهه شيء من خلقه في معنًى من المعاني ولا وجهٍ من الوجوه، فيقول: نعم، كما قال [بِشر].

ولما انتهت النوبةُ إلى امتحان أحمد بن حنبل، قال له: أتقولُ إن القرآن مخلوق؟ فقال: القرآن كلامُ اللَّه، لا أزيد على هذا. قال: فما تقول في هذه الرقعة؟ فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. فقال رجلٌ من المعتزلة: إنه يقول: سميع بأُذن، بصير بعين. فقال له [إسحاق]: ما أردْتَ بقولك: سميع بصيرٌ؟ فقال: أردت منها ما أرادَه اللَّهُ منها، وهو كما وَصَفَ نفسَه، ولا أزيدُ على ذلك.

فكُتبتْ جواباتُ القوم، رجل

(2)

رجل، وبعث بها إلى المأمون.

‌فصل

قد تقدَّم: أن إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد لمَّا امتحن الجماعة في القول بخلق القرآن، ونفي التشبيه، فأجابوا كلُّهم إلى نفي المماثلة. وأما القولُ بخلق القرآن فامتنعوا من ذلك، وقالوا كلهم: القرآن كلام اللَّه. قال الإمام أحمد: ولا أزيدُ على هذا حَرْفًا أبدًا، وقرأ في نفي المماثلة:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، فقالوا: ما أردْتَ بقولك: السَّميع البصير؟ فقال: أردْتُ منها ما أراد اللَّه منها.

وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مُصانعة مكرهًا؛ لأنَّهم كانوا يعزِلون مَن لا يجيبُ عن وظائفه، وإن كان له رِزْقٌ على بيت المال قُطِعَ، وإن كان مفتيًا مُنع من الإفتاء، وإن كان شيخَ حديثٍ، رُدِعَ عن الإسماع والأداء. ووقعت فتنة صمَّاء، ومحنة شنعاء، وداهية دهياء، فلا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه العلي العظيم، العزيز الحكيم.

وأمر النائبُ إسحاق بن إبراهيم للكاتب فكتب عن كُلِّ واحدٍ منهم جوابه بعينه، وبعث به إلى

(1)

ظا، ب: بما في الرقعة.

(2)

في ط: رجلًا رجلًا.

ص: 61

المأمون، فجاء الجواب يمدح النائب على ما فعل، والرد على كل فردٍ فردٍ فيما قال. وأمر نائبه أن يمتحنهم أيضًا، فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس، ومن لم يجب منهم إلى القول بخلق القرآن فابعث به إلى عسكر أمير المؤمنين مقيَّدًا محتفظًا به حتَّى يصل إلى أمير المؤمنين، فيرى به رأيه، ومن مذهبه

(1)

أن يضرب عنق من لم يقل بخلق القرآن. فعقد الأميرُ ببغداد مجلسًا آخر، وأحضر أولئك وفيهم إبراهيم بن المهديّ، وكان صاحبًا لبشر بن الوليد الكِنديّ، وقد نصَّ المأمون على قتلهما إن لم يجيبا على الفور، فلمَّا امتحنهم إسحاق بن إبراهيم ثانيًا بعد قراءة كتاب الخليفة أجابوا كلهم مكرهين متأوِّلين قولَه تعالى:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106]، إلَّا أربعةً، [وهم]: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والحسن بن حمّاد سَجَّادة، وعُبَيد اللَّه بن عمر القَوَاريري. فقيَّدهم وأرصدهم ليبعث بهم إلى الخليفة، ثم استدعَى بهم في اليوم الثاني فامتحنهم، فأجاب سَجَّادة إلى القول بخلق القرآن، فأطلق قيده وأطلقه. ثم امتحنهم في اليوم الثالث، فأجاب القَواريريُّ إلى ذلك أيضًا فأطلق قيدَه أيضًا وأطلقه. وأصرَّ أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجنديسابوري على الامتناع من ذلك، فأكَّد قيودَهما، وجمعهما في الحديد، وبعث بهما إلى الخليفة وهو بطَرَسُوسَ، وكتب معهما كتابًا بإرسالهما إليه فسارا مقيَّدين في محارة على جمل متعادلين، رضي الله عنهما.

وجعل الإمام أحمد يدعو اللَّه عز وجل ألا يجمعَ بينهم

(2)

وبين المأمون، وألا يرياه ولا يراهما. وجاء كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم، وفيه: أنه قد بلغني أن القوم إنما أجابوا مكرَهين متأولين قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]. وقد أخطؤوا في ذلك خطأً كبيرًا، فأرسلهم كلهم إلى أمير المؤمنين.

فاستدعاهم إسحاق بن إبراهيم، وألزمهم بالمسير إلى طَرَسُوس، فساروا إليها، فلمَّا كانوا ببعض الطريق بلغهم وفاة المأمون، فرُدُّوا إلى الرّقَّة، ثم أذن لهم بالرجوع إلى بغداد. وكان أحمد بن حنبل، وصاحبه محمد بن نوح قد سبقا الناس، ولكن لم يجتمعا به حتى مات، واستجاب اللَّه من عبده ووليه أحمد بن حنبل، رحمه الله، فلم يجتمعوا بالمأمون، ورُدُّوا إلى بغداد.

وسيأتي تمام ما وقع من الأمر الفظيع في أول ولاية المعتصم بن الرشيد، وتمام الكلام فيها في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومئتين، وباللَّه المستعان.

(1)

في ط: ومن رأيه.

(2)

في ط: بينهما.

ص: 62

‌وهذه ترجمة المأمون

(1)

:

هو عبد اللَّه المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس القرشي الهاشمي العباسي، أبو جعفر أمير المؤمنين [المأمون]

(2)

، وأمُّه أمُّ ولدٍ اسمها: مَراجل الباذغيسيّة

(3)

، وكان مولده في ربيع الأول سنة سبعين ومئة ليلةَ توفي عمُّه الهادي، وولي أبوه هارون الرشيد، وكان ذلك ليلة جمعة كما تقدَّم.

قال ابن عساكر

(4)

: رَوَى الحديث عن أبيه، وهُشَيم بن بشير، وأبي مُعاوية الضَّرير، ويوسف بن عطيّة، وعبَّاد بن العوام، وإسماعيل بن عُلية، وحجاج بن محمد الأعور.

وروى عنه: أبو حذيفة إسحاق بن بشر -وهو أسن منه- ويحيى بن أكثم القاضي، وابنه الفضل بن المأمون، ومعمر بن شبيب، وأبو يوسف القاضي، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي، وأحمد بن الحارث الشيعي، واليزيدي، وعمرو بن مسعدة، وعبد اللَّه بن طاهر بن الحسين، ومحمد بن إبراهيم السُّلَميّ، ودِعْبِل بن عليّ الخُزَاعيُّ. قال

(5)

: وقدِمَ دمشقَ دفعات، وأقام بها مدة.

ثم روى [ابنُ عساكر]

(6)

من طريق أبي القاسم البَغوي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، قال: سمعت المأمون في الشَّمَّاسِيَّة

(7)

وقد أجرى الحَلْبة

(8)

، فجعل ينظر إلى كثرة الناس، فقال ليحيى بن أكثم: أما ترى؟ ثم قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "الخَلْقُ كلُّهم عيال اللَّه فأحبُّهم إليه

(9)

أنفعُهم لعياله"

(10)

.

(1)

المعارف، لابن قتيبة (ص 387)، وتاريخ الطبري (8/ 428 و 645)، تاريخ بغداد (10/ 183)، وابن عساكر (الجزء 39، 222)، الكامل لابن الأثير (6/ 282 و 428)، سير أعلام النبلاء (10/ 272)، شذرات الذهب (2/ 39).

(2)

زيادة من ب، ظا.

(3)

نسبة إلى باذَغِيس، وهي بليدات وقُرى كثيرة ومزارع بنواحي هراة. اللباب (1/ 105).

(4)

ابن عساكر الجزء (39/ 222).

(5)

أي ابن عساكر.

(6)

زيادة من ط.

(7)

"الشَّمَّاسِيَّة": بفتح أوله وتشديد ثانيه، ثم سين مهملة، منسوبة إلى بعض شمَّاسي النصارى، وهي مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد. ياقوت.

(8)

"الحَلْبة": خيل تجمع للسباق من كل أوْب، جمع حلائب.

(9)

تاريخ ابن عساكر: في رواية: فأحب خلقه إليه، وفي الجزء 39/ 224.

(10)

وفي سنده يوسف بن عطية بن ثابت الصفار البصري، أبو سهل، وهو متروك، كما قال الحافظ في التقريب. ورواه أيضًا من حديث أنس أبو يعلى والبزار، كما في مجمع الزوائد (8/ 191)، وقال الحافظ الهيثمي: وفيه =

ص: 63

ومن حديث أبي بكر المَيَانَجِيّ

(1)

عن الحسين بن أحمد المالكي، عن يحيى بن أكثم القاضي، عن المأمون، عن هُشَيم، عن منصور عن الحسن، عن أبي بكرة: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "الحياء من الإيمان"

(2)

.

ومن حديث جعفر [بن محمد] بن أبي عثمان الطيالسي، أنه صلَّى العصر يوم عرفة خلف المأمون بالرصافة، فلمَّا سلَّم كبَّر النَّاسُ، فجعل يقول: لا يا غوغاء، لا يا غوغاء، غدًا سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. فلما كان الغدُ صعِدَ المنبرَ، فكبَّر. ثم قال: أنبأ هُشَيم بن بشير، حدَّثنا ابن شُبْرُمة، عن الشَّعبيّ، عن البَراء بن عازب، عنِ أبي بُرْدَة بن نيار، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ذَبَح قَبْلَ أنْ يُصَلِّي فإنَّما هو لحمٌ قدَّمه لأهله، ومَنْ ذبَح بعد أن يُصَلِّي الغداة فقد أصاب السُّنَّة"

(3)

. اللَّه أكبر كبيرًا. والحمد للَّه كَثيرًا، وسبحان اللَّه بُكرةً وأصيلًا، اللهم أصلحني واسْتَصْلِحني، وأصلحْ على يديّ.

وكان مولد المأمون ليلة مات عمه الهادي، وولي أبوه الرشيد، وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومئة، وولي الخلافة في المحرم لخمس بقين منه بعد مقتل أخيه سنة ثمان وتسعين ومئة، واستمرَّ في الخلافة عشرين سنة وخمسة أشهر.

وقد كان فيه تشيع واعتزالٌ وجهلٌ بالسُّنَّة الصحيحة، وقد بايع في سنة إحدى ومئتين بولاية العهد من

= يوسف بن عطية الصفار، وهو متروك. وذكره الهيثمي من حديث ابن مسعود، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمير، وهو أبو هارون القرشي، متروك.

وقد رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر بلفظ: "أحب الناس إلى اللَّه تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى اللَّه عز وجل سرورٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا. . ".

وإسناده ضعيف، ولكن له طريق آخر، رواه ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عساكر من طرقٍ عن ابن عمر، فهو حديث حسن (ع).

وفي رواية: أحب العباد إلى اللَّه أنفعهم لعياله. رواه عبد اللَّه بن الإمام أحمد في زوائد الزهد لأبيه، عن الحسن مرسلًا، وهو ضعيف، لكن له شواهد، يكون بها حسنًا لغيره.

(1)

انظر غرائب حديث الميانجي (خ حديث 279 ق 123 ظاهرية)، وتاريخ ابن عساكر، الجزء 39، ص 325.

(2)

وإسناده ضعيف، ولكن رواه البخاري (10/ 433) في الأدب، باب الحياء؛ ومسلم رقم (36) في الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، وفضيلة الحياء؛ وأبو داود رقم (4795) في الأدب، باب في الحياء؛ والترمذي رقم (2615) في الإيمان، باب ما جاء أن الحياء من الإيمان؛ وابن ماجه رقم (58) في المقدمة، باب في الإيمان، كلهم من حديث عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ورواه الترمذي رقم (2009) في البر والصلة، باب ما جاء في الحياء، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فالحديث صحيح.

(3)

وهو في صحيح البخاري (10/ 2 و 3) في الأضاحي، باب سنة الأضحية؛ ومسلم رقم (1961)(7)؛ والنسائي (3/ 182) في العيدين؛ والبيهقي في سننه (10/ 276) في الأضاحي؛ باب وقت الأضحية؛ من حديث البراء بن عازب، رضي الله عنه.

ص: 64

بعده لعلي الرِّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد البافر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب، وخلّع السّوادَ ولبس الخُضْرَةَ كما قدَّمنا

(1)

، فأعظَمَ ذلك العبّاسيون من البغاددة وغيرهم، وخلعوا المأمون وولَّوا عليهم إبراهيم بن المهدي، كما تقدَّم، ثم ظفر المأمون بهم واستقام أمره في الخلافة، وذلك بعد موت عليّ الرِّضا بطُوس، وعفا عن عمِّه إبراهيم بن المهدي، كما تقدّم بسطُ ذلك في موضعه

(2)

.

وأمَّا كونه على مذهب الاعتزال فإنَّه اجتمع بجماعة؛ منهم: بِشْرُ بن غياث المَريسي، فأخذ عنهم هذا المذهب الباطل. وكان يحبُّ العلم، ولم يكن له بصيرةٌ نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخلُ، وراج عنده الباطلُ؛ ودعا إليه وحَمَل الناس قهرًا عليه؛ وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته.

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: كان المأمون أبيضَ ربعةً، حسنَ الوجه، قد وخَطَهُ الشَّيبُ، تعلُوه صُفْرَةٌ، أعينَ، طويلَ اللّحية، رقيقَها، ضيِّقَ الجَبينِ، على خَدِّه خالٌ؛ أمُّه أمُّ ولدٍ يقالُ لها: مَراجل

(3)

.

وروى الخطيب البغدادي عن القاسم بن محمد بن عباد، قال: لم يحفظ القرآنَ أحدٌ مِن الخلفاء غيرُ عثمانَ بن عفان والمأمون

(4)

؛ وهذا غريبٌ جدًّا

(5)

.

قالوا: وكان يتلو في شهر رمضان ثلاثًا وثلاثين ختمةً، وجلس يومًا لإملاء الحديث فاجتمع حوله القاضي ابن أكثم وجماعة، فأملى عليهم من حفظه ثلاثين حديثًا. وكانت له بصيرة بعلوم متعددة، من فقهٍ، وطبٍّ، وشعرٍ، وفرائضَ، وكلامٍ، ونحوٍ، وعربية، وغريبٍ، وعلم النجوم؛ وإليه يُنسب الزِّيج

(6)

المأموني. وقد اختبر مقدار الدرجة في وطأة سنجار، فاختلف عملُه وعمل الأوائل من القدماء.

وروى ابن عساكر

(7)

أنَّ المأمون جلس يومًا للناس، وفي مجلسه الأمراء والعلماء، فجاءت امرأة تتظلَّم إليه، فذكرت أن أخاها توفي وترك ستمئة دينار، فلم يحصل لها سوى دينار واحد. فقال لها على البديهة: قد وصل إليك حقُّكِ، كأن أخاك قد ترك بنتين

(8)

، وأمَّا، وزوجة، واثني عشر أخًا، وأختًا

(1)

تقدَّم في حوادث سنة 204 هـ.

(2)

المصدر السابق.

(3)

تاريخ بغداد (10/ 184)، تاريخ ابن عساكر (الجزء 39/ 229)، سير أعلام النبلاء (10/ 273).

(4)

تاريخ بغداد (10/ 190)، وتاريخ ابن عساكر (الجزء 39/ 234).

(5)

بعدها في ط: لا يوافق عليه، فقد كان يحفظ القرآن عدة من الخلفاء.

(6)

"الزِّيج": كتاب أو جدول يعرف منه سير الكواكب، ومنه يستخرج التقويم. فارسي معرب.

(7)

تاريخ ابن عساكر (الجزء 39/ 236). والخبر في سير أعلام النبلاء (10/ 277)، والوافي بالوفيات (17/ 657)، وفوات الوفيات (1/ 240)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (331).

(8)

في ابن عساكر: أربع بنات.

ص: 65

واحدة وهي أنت؟ قالت: نعم يا أميرَ المؤمنين. فقال: للبنتين الثلثان أربعمئة دينار، وللأم السدسُ مئةُ دينار، وللزوجة الثمن خمسة وسبعون دينارًا، ويبقى خمسة وعشرون دينارًا، لكلّ أخٍ ديناران [ديناران]

(1)

، ولك دينار واحدٌ.

فعجب الناس من فطنته [وِحدَّةِ ذِهنه]

(2)

وسرعة جوابه. وقد رُويت هذه الحكاية عن علي بن أبي طالب.

ودخل بعضُ الشعراء على المأمون وقد قال فيه بيتًا يراه عظيمًا، فلما أنشده إياه لم يقع منه موقعًا طائلًا، فخرج من عنده، فلقيه شاعر آخر فقال: ألا أعجبك؟ أنشدْتُ المأمون هذا البيت فلم يرفع به رأسًا. فقال: وما هو؟ قال: قلت في

(3)

:

أضحى إمامُ الهُدَى المأمونُ مُشْتَغلًا

بالدِّينِ والنَّاسُ بالدنيا مَشَاغِيلُ

فقال له ذلك الشاعر: ما زِدْتَ على أن جعلْتَه عجوزًا في محرابها. فهلا قلت كما قال جريرٌ في عبد العزيز بن الوليد

(4)

:

فَلا هُوَ في الدَّنيا مُضيعٌ نَصِيبَهُ

ولا عَرَضُ الدُّنيا عن الدِّينِ شاغِلُهْ

وقال المأمون يومًا لبعض جلسائه: بيتان لاثنين ما لحقهما أحدٌ، قولُ أبي نواس

(5)

:

إذا اختبَرَ الدُّنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ

لَهُ عن عَدوٍّ في ثيابِ صديقِ

وقولُ شريح

(6)

:

تهونُ على الدُّنيا الملامةُ إنَّهُ

حريصٌ على اسْتِصْلاحها مَنْ يَلُومُها

قال [المأمون]

(7)

: وقد ألجأني الزّحام يومًا وأنا في الموكب حتى خالطت السوق

(8)

فرأيت رجلًا

(1)

زيادة من ابن عساكر وط.

(2)

ما بين حاصرتين زيادة من ط (ع).

(3)

البيت في الطبري (8/ 663)، وابن عساكر (الجزء 39/ 238)، والصناعتين (119)، وسر الفصاحة (248)، وشعر مروان بن أبي حفصة (ص 117، 133).

(4)

الطبري (8/ 663)، وابن عساكر (الجزء 39/ 239) وديوان جرير (435) وفي ط (عبد العزيز بن مروان)(ع).

(5)

ابن عساكر (الجزء 39/ 239) وديوان أبى نواس (287).

(6)

ابن عساكر (الجزء 39/ 239).

(7)

زيادة من ط.

(8)

في ط: السوقة.

ص: 66

في دكان عليه أثواب خَلقة

(1)

، فنظر إليَّ نظرَ مَن يرحمُني أو يتعجَّبُ من أمري، فقال

(2)

:

أرَى كلَّ مَغْرُورٍ تُمَنِّيهِ نفسُهُ

إذا ما مَضَى عامٌ سلامةَ قابِلِ

وقال يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يوم عيد خطب الناس؛ حمد اللَّه وأثنى عليه، وصلَّى على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثم قال: عبادَ اللَّه! عظم أمرُ الدارين، وارتفع جزاءُ العاملين، وطالت مدَّة الفريقين، فواللَّه إنه للجِدُّ لا اللعبُ، وإنَّه للحَق لا الكذِب، وما هو إلَّا الموت، والبعث، والحساب، والفَصْل، والصّراط، ثم العقاب، والثواب. فمن نجا يومئذ فقد فاز، ومن هَوَى يومئذ فقد خاب. الخيرُ كُلُّه في الجنة، والشرُّ كلُّه في النار

(3)

.

وروى ابن عساكر

(4)

من طريق النَّضْر بن شُميل، قال: دخلْتُ على المأمون، فقال: كيف أصبحْتَ يا نَضْر؟! قلت: بخير يا أمير المؤمنين! فقال: ما الإرجاء

(5)

؟ فقلْتُ: دين يوافق الملوكَ؛ يصيبون به من دنياهم وينقصون من دينهم. قال: صدقْتَ. ثم قال: يا نَضْر! أثدري ما قلْتُ في صبيحة هذا اليوم؟ قلت: إني لم أعلم الغيب. فقال: قلت

(6)

:

أصْبَحَ ديني الَّذي أدِينُ بهِ

وَلَسْتُ منهُ الغَدَاةَ مُعْتَذِرا

حبُّ عليٍّ بعدَ النَّبيِّ ولا

أشتِمُ صِدِّيقنا ولا عُمَرا

ثم ابن عفَّان في الجِنَانِ مَعَ الـ

أبْرارِ ذاكَ القتيلُ مُصْطَبِرا

لا، لا، ولا أشتمُ الزُّبيرَ ولا

طلحةَ إنْ قالَ قائلٌ غدرَا

وعائشُ الأمُّ لستُ أشْتِمُها

مَن يَفْتَرِيها فنَحْنُ منهُ برا

وهذا المذهب ثاني مراتب التشيّع، وفيه

(7)

تفضيل عليٍّ على عثمان

(8)

. وقد قال بعضُ السَّلف والدارقطني: مَن فضَّل عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار -يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام، ثم اتفقوا على تقديم عثمان على علي بعد مقتل عُمَرَ، رضي الله عنهم وبعد ذلك ستَّ عشرةَ مرتبةً في التشيّع، على ما ذكره صاحبُ كتاب "البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم"، ينتهي إلى أكفر الكفر.

(1)

يقال: ثوب خَلَق: بالٍ، والجمع خُلْقان وأخْلاق.

(2)

ابن عساكر (الجزء 39/ 239).

(3)

ابن عساكر (الجزء 39/ 248).

(4)

ابن عساكر (الجزء 39/ 248 - 249).

(5)

في ابن عساكر: أتدري بالإرجاء؟.

(6)

الأبيات في ابن عساكر (الجزء 39/ 249)، وسير أعلام النبلاء (10/ 282)، ووفيات الأعيان (2/ 238).

(7)

في ب، ظا: وقبله.

(8)

في ط: الصحابة.

ص: 67

وقد روَينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال: لا أُوتى بأحدٍ فضَّلني على أبي بكرٍ وعُمَر إلا جَلَدتُه جَلْدَ المُفْتَري. وتواتر عنه أنه قال: خيرُ الناس بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان

(1)

.

فقد خالف المأمون بن الرشيد في مذهبه الصحابة كلَّهم حتى علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم.

وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى فيها على المهاجرين والأنصار، وخالفهم في ذلك، البدعةَ الأخرى والطَّامة العظمى، وهي القولُ بِخَلْقِ القرآن، مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكِر وغير ذلك من الأفعال التي يعذر فيها المنكِر.

ولكن كان فيه شهامة عظيمة، وقوة جسيمة، وله همة في القتال، وحصار الأعداء، ومصابرة الروم وحصرهم في بلدانهم، وقتل فرسانهم، وأسر ذراريهم وولدانهم.

وكان يقول: [معاوية] بعَمْرِه، وعبد الملك بحجَّاجِهِ، وأنا بنفسي

(2)

.

وكان يقصد العدل، ويتوَّلى بنفسه بين الناس الفصلَ؛ جاءته امرأة ضعيفة فتظلَّمت على ابنه العباسِ وهو واقف على رأسه، فأمرَ الحاجبَ فأخذ بيده فأجلَسَه معها بين يديه، فادَّعَتْ عليه أنه أخذ ضيعةً لها واستحوذ عليها، فتناظرا ساعةً فجعل صوتُها يعلو على صوته، فزجرها بعضُ الحاضرين، فقال له المأمون: اسكت، فإنَّ الحقَّ أنطقها والباطلَ أسكته، ثم حكم لها بحقها، وأغرم لها ولَدَه بعشرة آلاف درهم

(3)

.

وكتب إلى بحض الأمراء: ليس من المروءة أن تكون آنيتك من ذهب وفضَّة، وغريمك عارٍ، وجارك طاوٍ

(4)

.

ووقف رجلٌ بين يدي المأمون، فقال له المأمون: واللَّه لأقتلنَّك! فقال: يا أميرَ المؤمنين، تأنَّ عَليَّ، فإنَّ الرِّفْقَ نِصفُ العَفْو، فقال: ويحك! وقد حلفت لأقتلنَّكَ! فقال: يا أميرَ المؤمنين، لأنْ تلقى اللَّه عز وجل حانِثًا خيرٌ لك من أن تلقاه قاتلًا. فعفا عنه

(5)

.

وكان يقول: ليت أهلَ الجرائم يعرفون مذهبي في العفو حتى يذهبَ الخوفُ عنهم، ويدخلَ السُّرورُ إلى قلوبهم

(6)

.

(1)

قوله: ثم عثمان لم يرد في ب، ط.

(2)

تاريخ بغداد (10/ 190)، وابن عساكر (الجزء 39/ 255)، والوافي بالوفيات (17/ 656).

(3)

العقد الفريد (1/ 22)، وابن عساكر (الجزء 39/ 256).

(4)

العقد الفريد (4/ 303)، وابن عساكر (الجزء 39/ 258).

(5)

تاريخ بغداد (10/ 191)، وابن عساكر (الجزء 39/ 259).

(6)

ابن عساكر (الجزء 39/ 259)، والوافي بالوفيات (17/ 657)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (ص 325).

ص: 68

وركبَ يومًا في حرَّاقة، فسمع ملاحًا يقول: أترون هذا المأمونَ ينبُلُ في عيني، وقد قتلَ أخاه الأمين؟ وهو لا يشعر بمكان الخليفة، فجعَلَ المأمون يتبَّسم ويقولُ: كيف ترون الحيلةَ حتَّى أنبُلَ في عينِ هذا الرجل الجَلِيل

(1)

؟ وحضر عنده هُدْبَةُ بن خالد يومًا، فتغدَّى عنده، فلمَّا رُفعت المائدة جعلَ هُدَبَةُ يلتقطُ ما تناثر منها، فقال له المأمون: أما شبعْتَ يا شيخُ؟! فقال: بلى، ولكن حدَّثني حمَّاد بنُ سلمة، عن ثابتٍ، عن أنس، أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ أكَلَ ما تحتَ مائدتِهِ أمِنَ منَ الفقر"

(2)

قال: فأمر له المأمون بألف دينارٍ

(3)

.

وروى ابن عساكر

(4)

أن المأمون قال يومًا لمحمد بن عبَّاد بن المهلب: يا أبا عبد اللَّه! قد أعطيتُكَ ألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وإنَّ عليك دينًا! فقال: يا أميرَ المؤمنين: إنَّ منع الموجود سوءُ ظَنٍّ بالمعبود. فقال: أحسنت يا أبا عبد اللَّه! أعطوه ألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ.

ولمَّا أراد المأمون أن يدخلَ ببوران

(5)

بنت الحسن بن سهل جعل الناس يهدون لأبيها الأشياء النفيسة، وكان من جملة من يعتزُّ به رجلٌ من الأدباء؛ فأهدى إليه مِزْوَدًا

(6)

فيه ملح طيب، ومِزْودًا فيه أشنان

(7)

جيد، وكتب إليه: إني كرهت أن تُطوى صحيفة أهل البِرّ ولا أذكر فيها، فوجَّهت إليك بالمبتدأ به لِيُمنه وبركته، وبالمختوم به لطيبه ونظافته. وكتب إليه

(8)

:

(1)

تاريخ بغداد (10/ 189)، ابن عساكر (الجزء 39/ 260)، سير أعلام النبلاء (10/ 279)، الوافي بالوفيات (17/ 657)، فوات الوفيات (2/ 236)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (326).

(2)

ذكره الحافظ السيوطي في تاريخ الخلفاء صفحة (322) فقال: وأخرج الخطيب، أي البغدادي، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر".

وذكر الحديث أيضًا المتقي الهندي في كنز العمال (15/ 252) رقم (40821) من حديث هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، وقال: قال ابن حجر في أطراف المختارة: سنده من هدبة على شرط مسلم، والمتن منكر. فلينظر فيمن دون هدبة.

وفي رواية: "من أكل ما يسقط من المائدة لم يزل في سعة من رزق" رواه الدارقطني في الغرائب من حديث أبي هريرة. قال ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة (2/ 262) وفيه أحمد بن سليمان الحراني. قال الذهبي: ليس بعمدة.

وفي رواية من حديث ابن عباس: "من أكل ما يسقط من المائدة نفي عنه الفقر" عند الديلمي، وفيه يوسف بن أبي يوسف القاضي، وهو مجهول.

(3)

ابن عساكر (الجزء 39/ 266)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (327).

(4)

ابن عساكر (الجزء 39/ 267)، وعيون الأخبار (3/ 175)، والعقد الفريد (1/ 172)، والمستجاد (179).

(5)

تقدم الحديث عن عرس بوران في حوادث سنة 210 هـ.

(6)

"المِزْوَد": وعاء الزاد، جمع مَزاود.

(7)

"الأشنان والإشنان": شجر ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو أو رماده في غسل الثياب والأيدي.

(8)

البيتان والخبر في ابن عساكر (الجزء 39/ 267 - 268).

ص: 69

بِضاعتي تقصُرُ عن هِمَّتي

وهِمَّتي تقصُرُ عن مالي

فالمِلْحُ والأشْنَانُ يا سيدي

أحسَنُ ما يُهديهِ أمثالي

قال: فدخل بهما الحسنُ بن سهل على المأمون فأعجبَهُ ذلك، وأمر بالمِزْوَدَين ففرّغا وملئا دنانيرَ، وبعث بهما إلى ذلك الأديب.

وولد للمأمون ابنُه جعفر، فدخل الناس عليه يهنئونه بصنوفِ التهاني، ودخل بعضُ الشعراء

(1)

، فقال: يهنِّيه بولده:

مدَّ لكَ اللَّهُ الحياةَ مَدًّا

حتى ترى ابنَكَ هذا جَدَّا

ثمَّ يُفْدَى مثلَ ما تُفَدَّى

كأنَّهُ أنتَ إذا تَبَدَّى

أشبهُ منكَ قامةً وقَدًّا

مؤزَّرًا بمجدِه مُردَّا

(2)

قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم.

وقدِمَ عليه وهو بدمشق مالٌ جزيل بعدما كان قد أفْلَسَ، وشكا إلى أخيه المعتصم ذلك، فورد عليه خزائن من خراسان ثلاثون ألف ألف درهمٍ، فخرج يستعرضها وقد زينت الجمال والأحمال، ومعه يحيى بن أكثم القاضي، فلما دخلت البلد قال: ليس من المروءة أن نحوزَ نحن هذا كلَّه والناسُ ينظرون، ثم فرَّق منه أربعة وعشرين ألفَ ألفِ درهم، ورِجلُه في الركاب لم ينزل عن فرسه

(3)

.

ومن لطيف شعره قوله

(4)

:

لِساني كَتُومٌ لأسرارِكمْ

ودمعِي ثمومٌ لِسرِّي مُذِيعُ

فلولا دُموعي كَتَمْتُ الهوَى

ولولا الهوى لَمْ يمُنْ لي دُموعُ

وقد بَعث خادمًا ليلة من الليالي ليأتيه بجارية، فأطال [الخادم]

(5)

عندها المُكْث، وتمنَّعت الجارية من المجيء إليه حتى يأتي إليها الخليفة بنفسه، فأنشأ المأمون يقولُ

(6)

:

(1)

هو العباس بن الأحنف، تاريخ بغداد (10/ 189)، وابن عساكر (الجزء 39/ 276) والأبيات أيضًا في الأغاني (5/ 323)(دار الكتب) منسوبة إلى إسحاق بن إبراهيم برواية ومناسبة مختلفتين.

(2)

"مؤزر": من الإزار؛ و"مردّى": من الرداء.

(3)

تاريخ الطبري (8/ 652)، والكامل لابن الأثير (6/ 433).

(4)

ابن عساكر (الجزء 39/ 280)، والمحاسن والمساوئ (377)، والوافي (17/ 659)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (333).

(5)

زيادة من ط.

(6)

الطبري (8/ 658)، وابن عساكر (الجزء 39/ 279، 280)، والكامل لابن الأثير (6/ 436).

ص: 70

بعثتكَ مُشْتاقًا ففُزْتَ بنَظْرةٍ

وأغفَلْتَني حتَّى أسأْتُ بكَ الظَّنَّا

وناجيْتَ مَنْ أهْوَى فَكُنْتَ مُقَرَّبًا

فياليتَ شعري عن دُنوِّك ما أغْنَى

وردَّدْتَ طَرفًا في محاسِنِ وجْهها

ومَتَعْتَ باستمتاع نغْمَتِها أذْنا

أرى أثرًا في صحن خدِّك لم يكن

(1)

لقد سرقَتْ عيناكَ من حُسْنِها حُسْنا

ولما ابتدَعَ المأمونُ ما ابتدع من التشيُّع والاعتزال، فرح بذلك بِشْر المَرِيسي

(2)

-وكان شيخَ المأمون ذلك- فأنشأ المَرِيِسيّ يقول

(3)

:

قد قالَ مأمُونُنا وسيِّدُنا

قَولًا له في الكتابِ تَصديقُ

إنَّ عليًّا أعني أبا حَسَنٍ

أفضلُ من أرقلَتْ به النُّوقٌ

(4)

بَعْدَ نبيِّ الهُدَى وإنَّ لنا

أعمالَنا، والقرانُ مخلوقُ

فأجابه بعضُ الشعراء من أهل السنة فقال

(5)

:

يا أيُّها النَّاسُ لا قولٌ ولا عملٌ

لِمَنْ يقولُ: كلامُ اللَّه مخلوقُ

ما قالَ ذاكَ أبو بكرٍ ولا عُمَرٌ

ولا النبيُّ ولم يذكرْهُ صِدّيقُ

ولم يقلْ ذاكَ إلا كُلُّ مبتدِعٍ

على الإله وعندَ اللَّه زنديقُ

عَمْدًا أرادَ بهِ إمحاقَ دينكمُ

لأنَّ دينهُم واللَّهِ ممحوقُ

أصبَحَ يا قوم عقلًا من خليفتكمْ

يُمسي ويُصبح في الأغلالِ موثوقٌ

(6)

وقد سأل بشر من المأمون أن يطلب قائلَ هذا فيؤدِّبه على ذلك، فقال: ويحك! لو كان فقيهًا لأدَّبته، ولكنه شاعر فلست أعرِضُ له.

ولما تجهز المأمون للغزو في آخر سفرة سافرها إلى طَرَسُوسَ، استَدْعَى بجاريةٍ كان يحبُّها وقد

(1)

في ط والطبري وابن الأثير: أرى أثرًا منه بعينك بينًا.

(2)

من كبار الفقهاء، قال بخلق القرآن، ودعا إليه. وسيورد المؤلف ترجمته بعد قليل.

(3)

ابن عساكر (الجزء 39/ 282).

(4)

"أرْقَلت به النوق": أسرعت.

(5)

ابن عساكر (الجزء 39/ 282).

(6)

روايته في ط:

يا قوم أصبح عقل من خليفتكم

مقيَّدًا وهو في الأغلال موثوق

ص: 71

اشتراها في آخر عمره، فضمَّها إليه، فبكت الجارية وقالت: قتلْتَنِي يا أميرَ المؤمنين بسفرك! ثم أنشأتْ تقول

(1)

:

سأدعو دَعْوَةَ المضطر ربًّا

يُثيبُ على الدُّعاءَ ويستجيبُ

لعلَّ اللَّهَ أن يكفيكَ حَرْبا

ويَجْمَعَنا كما تهوى القُلوبُ

فضَّمها إليه وأنشا يقول: متمثِّلًا

(2)

:

فيا حُسْنَها إذ يغسِل الدَّمْعُ كُحْلَها

وإذ هي تَذْري الدمعَ منها الأناملُ

صبيحةَ قالت في العتابِ قتلْتَني

وقتلي بما قالتْ هناكَ تحاوِلُ

ثم أمر الخادم مسرورًا بالإحسان إليها، والاحتفاظ عليها حتَّى يرجعَ، ثم قال: نحنُ كما قال الأخطلُ

(3)

:

قومٌ إذا حارَبوا شَدُّوا مآزِرَهم

دُونَ النساءِ ولو باتَتْ بأطهارِ

ثم ودَّعها وسار فمرضت الجارية في غيبته هذه، ومات المأمون أيضًا، فلمَّا جاء نعيُه إليها تنفَّست الصُّعَداء وحضرتها الوفاة، وأنشأت تقول وهي

(4)

في السِّياق

(5)

:

إنَّ الزَّمانَ سقانا مِنْ مَرارَتِهِ

بعدَ الحلاوةِ أنفاسًا فأروانا

أبدَى لنا تارةً منه فأضحكنا

ثمَّ انثنى تارةً أُخرى فأبْكانا

إنَّا إلى اللَّه فيما لا يزالُ لنا

من القضاءِ ومن تلوينِ ديانا

دنيا نراها تُرينا مِنْ تصرُّفها

ما لا يدومُ مصافاةً وأحزانا

ونحنُ فيها كأنَّا لا يُزايلنا

للعيشِ أحياؤنا

(6)

يبكونَ موتانا

كانت وفاة المأمون بطَرَسُوس في يوم الخميس وقتَ الظهر، وقيل: بعد العصر، لثلاث عشرة بقيت من رجب من سنة ثماني عشرة ومئتين، وله نحو من ثمان وأربعين سنة. وكانت مدَّة خلافته

(7)

عشرين سنة وأشهرًا، وصلَّى عليه أخوه المعتصم وهو وليُّ العهد من بعده، ودُفن بطَرَسُوس في دار خاقان

(1)

ابن عساكر (الجزء 39/ 283)، وشذرات الذهب (2/ 39).

(2)

المصدر السابق.

(3)

ديوانه (120)، وابن عساكر (الجزء 39/ 284).

(4)

هي في السِّياق: أي في النَّزْع. و"السِّياق": نزع الروح.

(5)

ابن عساكر (الجزء 39/ 284).

(6)

في أ، ط: أحيا وما: وأثبت ما جاء في ب وابن عساكر.

(7)

في ابن عساكر: وكانت ولايته التي استقامت له عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يومًا.

ص: 72

الخادم. وقيل: كانت وفاته يوم الثلاثاء. وقيل: يوم الأربعاء، لثمان بقين من رجب من هذه السنة. وقيل: إنه مات خارج طَرَسُوسَ بأربع مراحل، فحُمِلَ إليها حتى دُفن بها. وقيل: إنه نُقِلَ بعد ذلك في رمضان إلى أذَنَة، فدفن بها، واللَّه أعلم.

وقد قال أبو سعيد المخزومي

(1)

:

ما رأيتُ

(2)

النُّجومَ أغنَتْ عن المأْ

مونِ في عزِّ مُلْكِه

(3)

المأسُوسِ

خَلَّفوهُ بِعَرْصَتَيْ طَرَسُوسٍ

مثلما خلَّفوا أباهُ بطُوسِ

وقد كان أوصى إلى أخيه المعتصم، وكتبَ وصيتَه بحضرة ابنه العباس وجماعة القضاة والأمراء والوزراء والكُتَّاب.

وفيها القولُ بخلق القرآن، ولم يتبْ من ذلك حتَّى أدركه أجلُه، وانقضى عَملُه، وهو على ذلك لم يرجع عنه ولم يتبْ منه. وأوْصَى أن يكبِّر عليه الذي يصلِّي عليه خمسًا. وأوْصَى أخاه أبا إسحاق المعتصم بتقوى اللَّه عز وجل والرِّفقِ بالرعيَّة، وأن يعتقدَ ما كان يعتقده أخوه في القرآن، والدعاء إلى ذلك. وأوصاه بعبد اللَّه بن طاهر، وإسحاق

(4)

بن إبراهيم، وأحمد بن أبي دواد

(5)

، قال: شاوره في أمورك ولا تفارقه، وحذَّره من يحيى بن أكثم، ونهاه عنه وذمَّه، وقال: خانني ونفَّر النَّاسَ عنِّي، ففارقته غيرَ راضٍ عنه. ثم أوصاه بالعلويين خيرًا؛ أن يقبلَ من محسنهم، ويتجاوزَ عن مسيئهم، وأن يواصلهم بصلاتهم في كل سنة.

وقد ذكر ابن جرير

(6)

للمأمون ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة لم يذكرها الحافظ ابن عساكر مع كثرة ما يورده، وفوق كل ذي علم عليم.

(1)

تاريخ الطبري (8/ 655)، ابن عساكر (الجزء 39/ 292)، معجم البلدان (طرسوس)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (319).

(2)

في ب، ط، والطبري، ومعجم البلدان وتاريخ الخلفاء: هل رأيتَ.

(3)

في ط والطبري: شيئًا أو ملكه.

(4)

في أ، ط: أحمد بن إبراهيم، واثبت ما جاء في ظا، ب. وهو إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب الخزاعي الأمير، ابن عم طاهر بن الحسين، ولي بغداد أكثر من عشرين سنة، وكان صارمًا سائسًا حازمًا، وهو الذي كان يطلب الفقهاء ويمتحنهم بأمر المأمون. مات في بغداد سنة 235 هـ. وسيترجم له المؤلف في أحداث سنة 235 هـ، وترجمته أيضًا في العبر (1/ 420)، وشذرات الذهب (2/ 84).

(5)

في أ، ب: أحمد بن داود، وأثبت ما جاء في ظ، ط، وهو: أحمد بن أبي دواد الإيادي، أحد القضاة المشهورين من المعتزلة، ورأس فتنة القول بخلق القرآن، وسيترجم له المؤلف في أحداث سنة 240 هـ.

(6)

تاريخ الطبري (8/ 478 - 666)، وتاريخ ابن عساكر (الجزء 39/ 222 - 293).

ص: 73

‌خلافة المعتصم باللَّه أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد:

بُويع له بالخلافة يوم مات أخوه المأمون بطَرَسُوس يوم الخميس الثاني عشر من رجب من سنة ثماني عشرة ومئتين، وكان إذ ذاك مريضًا، وهو الذي صلَّى على أخيه المأمون، وقد شغب بعض الجند، فأرادوا أن يولّوا العباس بن المأمون، فخرج عليهم العباس بن المأمون، فقال لهم: ما هذا الحبّ البارد؟ أنا قد بايعتُ عمَّي المعتصم، فسكن الناس، وخمدت الفتن وركبت البرد بالبيعة إلى الآفاق، وبالتعزية بالمأمون، وولاية المعتصم.

فأمر المعتصم بهدم ما كان بناه المأمون في مدينة طُوَانة، وأمر بإبطال ذلك، ونقل ما كان حوِّل إليها من السلاح وغير ذلك، وأذن للفعول

(1)

بالانصراف إلى بلدانهم وأقاليمهم، ثم ركب المعتصم في الجنود قاصدًا بغداد وصحبتُه العباس بن المأمون، فدخلها يوم السبت مستهل رمضان في أبَّهة عظيمة وتجمّل تام.

وفي هذه السنة دخل خلق كثير من أهل هَمَذان، وأصْبَهَان، وماسَبَذان، ومِهْرِجَان في دين الخُرَّمية، فتجمَّع منهم بشر كثير، فجهز إليهم المعتصمُ جيوشًا كثيرة، آخر من جهَّز إليهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب في جيش عظيم، وعقد له على الجبال، فخرج من بغداد في ذي القعدة، وقرئ كتابه بالفتح يوم التَّروية، وأنَّه قهر الخرَّمية، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وهرب بقيتهم إلى بلاد الروم، وللَّه الحمد والمنَّة.

وعلى يديه

(2)

جرت فتنة الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، وضُرب بين يديه، كما سيأتي بسطُ ذلك في ترجمة أحمد عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومئتين.

‌وممن توفي فيها من المشاهير والأعيان:

[بِشْر المَرِيسيّ]

(3)

: [وهو] بِشْرُ بن غِياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المَرِيسيّ المتكلم، شيخُ المعتزلة، وأحدُ مَن أضَلَّ المأمون.

وقد كان هذا الرجل نظَرَ في شيء من الفقه، وأخذ عن القاضي أبي يوسُف، ورَوَى الحديث عنه، وعن حمَّاد بن سَلَمة، وسُفيان بن عُيينة، وغيرهم.

(1)

كذا في الأصول، وفي ط: الفَعَلَة، وهي صفة غالبة على عَمَلَة الطين والحفر ونحوهما، لأنهم يفعلون.

(2)

في ط: وعلى يدي هذا.

(3)

ترجمته في الفَرق بين الفِرَق (192)، وتاريخ العبر (7/ 56)، ووفيات الأعيان (1/ 277)، والعبر (1/ 373)، وسير أعلام النبلاء (10/ 199)، وشذرات الذهب (2/ 44).

ص: 74

ثم غَلَبَ عليه علمُ الكلام، وقد نهاه الشافعيُّ عن تعاطي ذلك فلم يقبل منه، وقال الشافعيُّ: لأن يلقى اللَّهَ العبدُ بكل ذنبٍ ما عدا الشرك أحبُّ إليَّ

(1)

من أن يلقاه بعلم الكلام.

وقد اجتمع بِشْرٌ بالشافعي عندما قدِمَ الشافعيُّ بغداد.

قال القاضي ابن خلكان

(2)

: جرَّد القَوْلَ بخلق القرآن، وحُكي عنه أقوالٌ شنيعة، وكان مرجئًا، وإليه تُنْسب الطائفة المَرِيسيَّةُ من المرجئة، وكان يقول: إنَّ السُّجود للشمس والقمر ليس بكفر، وإنَّما هو علامة الكفر، وكان يناظر الإمام الشافعي، وكان لا يحسن النَّحو، وكان يَلحنُ لحنًا فاحشًا.

قال

(3)

: ويقال: إنَّ أباه كان يهوديًا صبّاغًا بالكوفة، وكان يسكن درب المَرِيس

(4)

ببغداد. والمَريسُ عندهم هو الخبزُ الرّقاق يُمرس بالسمن والتمر. قال: ومَرِيس

(5)

ناحية ببلاد النوبة تأتي من نحوها في الشتاء ريحٌ باردة.

قلت

(6)

: ثم راج بِشْر المَرِيسيّ عند المأمون، وحظي عنده، وقدّم في حضرته، ونفق سوقه الكاسد، واستجيد ذهنه البارد.

ولمّا توفي في ذي الحجة من هذا العام، أو الذي قبله في قولٍ

(7)

، صلَّى عليه رجلٌ من المحدّثين يقال له: عبيد الشُّونيزي، فلامه بعضُ المحدّثين، فقال لهم: ألا تسمعون كيف دعوت له في صلاتي عليه؛ قلت: اللهم، إنَّ عبدك هذا كان ينكر عذاب القبر، اللهم! فأذقه من عذاب القبر؛ وكان ينكر شفاعة نبيّك، فلا تجعله من أهلها؛ وكان ينكر رؤيتك في الدار الآخرة، فاحجبْ وجهك الكريمَ عنه. فقالوا له: أصبت.

وهذا الذي نطق به بعض السَّلف، حيث قالوا: من كذَّب بكرامة لم ينلها.

‌وتوفي في هذا العام:

عبدُ اللَّه بن يوسُف التَّنِّيسيّ

(8)

.

(1)

في ب، ظا: إليه.

(2)

وفيات الأعيان (1/ 277).

(3)

في اللباب (3/ 200): المَريسي: نسبة إلى مَرِيس، وهي قرية بمصر.

(4)

المصدر السابق.

(5)

في معجم البلدان (5/ 118)؛ المَريسة: جزيرة في بلاد النوبة كبيرة يُجلب منها الرقيق.

(6)

لفظة: قلت: لم ترد في ب، ظا. ومن هنا حتى قوله: من كذب بكرامة لم ينلها ساقط في ط.

(7)

لفظة قول لم ترد في أ.

(8)

أبو محمد الكلاعي الدمشقي، ثقة متقن، من أثبت الناس في الموطأ. إمام حافظ. =

ص: 75

وأبو مُسْهِر عبدُ الأعلى بن مُسْهِر الغسَّاني الدمشقيّ

(1)

.

ويحيى بن عبد اللَّه البَابْلُتِّي

(2)

.

وأبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحِمْيَري المَعَافِريّ

(3)

: راوي السِّيرة عن زياد بن عبد اللَّه البَكَّائي، عن محمد بن إسحاق مصنفها، وإنما نسبت إليه فيقال:"سيرة ابن هشام"؛ لأنه هذَّبها وزاد فيها ونقص منها، وحرَّر أماكن واستدرك أشياء.

وقد كان إمامًا في اللغة والنحو والعربية. وكان مقيمًا بديار مصر، واجتمع به الشافعيُّ حين وردها، وتناشدا من أشعار العرب أشياء كثيرة.

وكانت وفاته بمصر لثلاثَ عشرة خلَتْ من ربيع الآخر من هذه السنة؛ قاله ابن يونُس في "تاريخ مصر"

(4)

. وزعم السُّهَيلي

(5)

أنه توفي في سنة ثلاث عشرة، واللَّه أعلم.

‌ثم دخلت سنة تسع عشرة ومئتين

فيها: ظهر محمد بن القاسم بن عليّ

(6)

بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطَّالَقان

(7)

من خراسان، يدعو إلى الرِّضا من آل محمد، واجتمَعَ عليه خلقٌ كثير، وقاتلَه قوَّادُ عبد اللَّه بن طاهر مرات متعددة، ثم ظهروا عليه وهرب، فأُخذ ثم بعث به إلى عبد اللَّه بن طاهر، فبعثه إلى المعتصم، فدخل عليه في المنتصف من ربيع الآخر [من هذه السنة]

(8)

فأمر به فحُبِس في مكان

= سير أعلام النبلاء (10/ 357)، وتقريب التهذيب (1/ 463).

(1)

أحد شيوخ دمشق، روى القراءة عنه أبو عبيد القاسم بن سلام، وسمع منه أبو زرعة الدمشقي. مات محبوسًا بسبب الفتنة بخلق القرآن بالعراق، ثقة فاضل، روى له الجماعة. سير أعلام النبلاء (10/ 228)، وطبقات القراء لابن الجزري (1/ 355).

(2)

يحيى بن عبد اللَّه بن الضَّحَّاك بن بابْلُت الأموي، مولاهم البَابْلُتِّي، نسبة إلى بَابْلُت موضع بالجزيرة، أبو سعيد الحراني. ضعيف في الحديث. سير أعلام النبلاء (10/ 318)، واللباب (1/ 101).

(3)

وفيات الأعيان (3/ 177)، سير أعلام النبلاء (10/ 428)، الوافي بالوفيات (6/ 26)، بغية الوعاة (2/ 115).

(4)

وفيات الأعيان (3/ 177).

(5)

الروض الأنف (1/ 7).

(6)

في ط: "محمد" بدل "علي"، وهو تحريف. وينظر ترجمته في مقاتل الطالبين (ص 577)، وسير أعلام النبلاء (10/ 191).

(7)

بلدتان، إحداهما بخراسان، بين مرو الرّوذ وبلخ. ياقوت.

(8)

زيادة من ظا، ب.

ص: 76

ضيق، طولُه

(1)

ثلاثة أذرع في ذراعين، فمكث فيه ثلاثًا، ثم حُوِّلَ إلى أوسَعَ منه، وأجري عليه رزقٌ، ومن يخدمُه، فلم يَزَلْ محبوسًا هنالك إلى ليلة عيد الفطر، فاشتغل الناسُ بالعيد، فدُلِّيَ له حبلٌ من كُوَّة كان يأتيه الضّوء منها، فذهَبَ فلم يدر كيف ذهب، ولا إلى أين صار من الأرض

(2)

.

وفي يوم الأحد لإحدى عشرة ليلةً خلَتْ من جمادى الأولى دخل إسحاق بن إبراهيمَ إلى بغداد راجعًا من قتال الخُرَّميَّة، ومعه الأسْرى منهم، وقد قتل في حربه هذا من الخرَّميَّة مئة ألف مقاتل منهم

(3)

، وللَّه الحمد والمنَّة.

وفيها: بعث المعتصم عُجَيْفًا في جيشٍ كثيفٍ لقتال الزُّطّ الذين عاثوا في بلاد البصرة، وقطعوا الطريق، ونهبُوا الغلات، فمكث في قتالهم تسعةَ أشهرٍ، فقهرهم، وقمعَ شرَّهم، وأباد خضراءهم. وكان القائم بأمرهم رجلٌ يقال له: محمد بن عثمان، ومعه إنسان يقال له: سملق، هو داهيتهم وشيطانهم، فأراح اللَّه المسلمين منهم ومن شرهم

(4)

.

‌وفيها توفي من الأعيان:

سليمان بن داود الهاشميّ

(5)

، شيخ الإمام أحمد.

وعبد اللَّه بن الزُّبير الحُمَيديّ

(6)

، صاحب "المسند"

(7)

، وتلميذ الشافعيّ.

وعلي بن عَيَّاش

(8)

.

وأبو نُعَيْم الفضلُ بن دُكَيْن، شيخ البخاري

(9)

.

(1)

في أ، ب: طول.

(2)

الطبري (9/ 7)، وابن الأثير (6/ 442).

(3)

الطبري (9/ 8)، وابن الأثير (6/ 445).

(4)

الطبري (9/ 8)، وابن الأثير (6/ 443).

(5)

سليمان بن داود بن الأمير داود بن علي الهاشمي العباسي، أبو أيوب، من كبار الأئمة، روي أن الإمام أحمد بن حنبل أثنى عليه وقال: يصلح للخلافة. سير أعلام النبلاء (10/ 655)، تهذيب التهذيب (4/ 187).

(6)

عبد اللَّه بن الزُّبير بن عيسى، أبو بكر القرشي الأسدي الحُميدي المكي، شيخ الحرم، إمام في الحديث، ثقة حافظ فقيه. سير أعلام النبلاء (10/ 616)، والعبر (1/ 377).

(7)

طبع في جزأين بتحقيق المحدث حبيب اللَّه الأعظمي، ثم طبع مرة أخرى بدمشق بتحقيق الأستاذ حسين الأسد (ع).

(8)

علي بن عيَّاش بن مسلم، أبو الحسن الألْهانيُّ الحمصي، محدّث حمص وعابدها، ثقة، ثبت. سير أعلام النبلاء (10/ 338)، وتقريب التهذيب (2/ 42).

(9)

الفَضْل بن دُكَين الكوفي، واسم دُكَيْن: عمرو بن حماد بن زهير، التيمي مولاهم، الأحول، أبو نُعَيم المُلائي، ثقة، ثبت، من كبار شيوخ البخاري، الحافظ الكبير. سير أعلام النبلاء (10/ 142)، وتقريب التهذيب (2/ 110).

ص: 77

وأبو غسَّان النَّهْدِي

(1)

.

‌[ثم دخلت

(2)

سنة عشرين ومئتين من الهجرة

في يوم عاشوراء دخل عُجَيْف في السُّفن إلى بغدادَ ومعه من الزُّطّ سبعة وعشرون ألفًا قد جاؤوا بالأمان إلى الخليفة، فأُنزلوا في الجانب الشرقي، ثم نفاهم الخليفة إلى عَين زَرْبة

(3)

، فأغارت الرّوم فاجتاحوهم عن آخرهم، فلم يفلت منهم أحدٌ، وكان آخر العهد بهم

(4)

.

وفيها: عقد المعتصمُ للأفشين، واسمُه: حَيْدر بن كاوس، على جيشٍ عظيمٍ؛ لقتال بابَك الخُرَّمي، لعنه اللَّه. وكان قد استفحَلَ أمره جدًا، وقويت شوكته، وانتشرت أتباعه في بلاد أذْرَبيجان وما والاها، وكان أوَّل ظهوره في سنة إحدى ومئتين، وكان زنديقًا كبيرًا، وشيطانًا رَجيمًا

(5)

. فسار الأفشين، وأحكم صناعة الحرب في الأرصاد، وعمارة الحصون، واتصال

(6)

المَدَدِ. وأرسل إليه المعصتم مع بُغا الكبير أموالًا جزيلة نفقةً لمن معه من الجند والأتباع، وقد التقى هو وبابَك في هذه السنة، فاقتتلا قتالًا عظيمًا، فقتل الأفشين من أصحاب بَابك خلقًا كثيرًا أزيدً

(7)

من ألف، وانهزم هو إلى مدينته، فأوى إليها مكسورًا، فكان هذا أول ما تضعضع من أمر بابَك، لعنه اللَّه. وجرت بينهما حروبٌ يطول ذكرها وبسطها، وقد استقصاها الإمام أبو جعفر بن جرير

(8)

، رحمه الله.

وفي هذه السنة خرج المعتصم من بغداد، فنزل القَاطُولَ فأقام بها.

وفيها: غضب المعتصم على الفضل بن مروان بعد المكانة العظيمة، وعزله عن الوزارة وحبسَه وأخذ أمواله، وجعل مكانه محمد بن عبد الملك الزيّات.

(1)

في أ: أبو محمار النهدي، وفي ط: أبو بحار الهندي. واثبت ما جاء في ب، ظا.

وهو مالك بن إسماعيل بن دِرْهم، أبو غسّان النَّهدي مولاهم، الكوفي. ثقة، متقن، عابد، صحيح الكتاب. روى له الجماعة. سير أعلام النبلاء (10/ 430)، وتقريب التهذيب (2/ 223).

(2)

زيادة من ط.

(3)

بلد بالثغر من نواحي المصيصة. ياقوت.

(4)

الطبري (9/ 10)، وابن الأثير (6/ 446).

(5)

في ب، ظا: شيطانًا مَريدًا.

(6)

في ب، ظا: وإيصال المدد.

(7)

في ط: أزيد من مئة ألف، وما هنا من النسخ وتاريخ الطبري.

(8)

الطبري (9/ 11 - 55)، وابن الأثير (6/ 447 - 478).

ص: 78

وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن عباس

(1)

بن محمد أمير السنة الماضية.

‌وفيها: توفي من الأعيان:

آدم بن أبي إياس

(2)

.

وعبد اللَّه بن رَجاء

(3)

.

وعَفَّان بن مُسلم

(4)

.

وقَالُون

(5)

، أحد مشاهير القرّاء.

وأبو حُذَيفة النَّهْدِيّ

(6)

.

‌ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومئتين

فيها: كانت وقعة هائلة بين بُغا الكبير وبابَك الخُرَّميّ، فهزم بَابَك بُغَا، وقَتَلَ خَلْقًا من أصحابه، فإنَّا للَّه وإنَّا إليه راجعون.

ثم اقتتل الأفشين وبابَك فهزَمَه أفشين وقَتَل خَلْقًا من أصحابه بعدَ حروبٍ طويلةٍ قد استقصاها ابنُ جرير

(7)

في "تاريخه".

وحجَّ بالناس نائبُ مكَّة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس.

(1)

في النسخ والمطبوع: "صالح بن علي بن محمد"، ولعله سهو من النساخ، وقد صححت من الطبري وابن الأثير. وهو صالح بن عباس بن محمد بن علي، أمير مكة.

(2)

أبو الحسن الخراساني البغدادي نزيل عَسْقلان ومحدِّثها، واسم أبيه ناهية بن شعيب، وقيل: عبد الرحمن شيخ الشام، روى الكثير، وكان صالحًا قانتًا. سير أعلام النبلاء (10/ 335)، العبر (1/ 379).

(3)

أبو عمر الغُدّانيّ البصري، ويقال: كنيته: أبو عمرو، صدوق، يهم قليلًا. سير أعلام النبلاء (10/ 376)، وتقريب التهذيب (1/ 414).

(4)

عَفَّان بن مسلم بن عبد اللَّه الصفَّار، أبو عمان، الحافظ البصري، أحد أركان الحديث. نزل بغداد ونشر بها علمه. روى له الجماعة، وهو من حفاظ الحديث الثقات. سير أعلام النبلاء (10/ 242)، والعبر (1/ 380).

(5)

هو عيسى بن مِينا بن وردان، أبو موسى، الملقب بقالون، قارئ المدينة ونحويُّها، الإمام المجوِّد، تلميذ نافع. وكان أصمّ يُقرأ عليه القرآن، وكان ينظر إلى شفتي القارئ، فيرد عليه اللحن والخطأ. سير أعلام النبلاء (10/ 326)، وطبقات القراء لابن الجزري (1/ 615).

(6)

هو موسى بن مسعود النَّهديّ البصري، أبو حُذيْفَة، المحدّث الحافظ. صدوق، سيء الحفظ. مات في هذه السنة، أو بعدها، وقد جاوز التسعين. سير أعلام النبلاء (10/ 137)، وتقريب التهذيب (2/ 288).

(7)

في أ: أبو جعفر رحمه الله في تاريخه. وانظر الطبري (9/ 23 وما بعدها).

ص: 79

‌وفيها توفي من الأعيان:

عاصم بن عليّ

(1)

.

وعبد اللَّه بن مَسْلَمَة

(2)

القَعْنَبِيّ.

وعَبْدَان

(3)

.

وهشام بن عُبيد اللَّه الرازيّ

(4)

.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومئتين

فيها: وجَّه المعتصم جيشًا كثيفًا مددًا للأفشين على محاربة الخُرَّميّة، وبعث إليه ثلاثين ألف ألف درهم نفقةً للجند والأتباع.

وفيها: اقتتل الأفشين والخرَّميَّة قتالًا عظيمًا، وافتتح الأفشين البَذّ

(5)

، مدينة بابَك، واستباحَ ما فيها، وللَّه الحمد. وذلك يوم الجمعة لعشرٍ بقين من رمضان. وذلك بعد محاصرةٍ عظيمة، وحروبٍ هائلة، وقتالِ شديد، وجهدٍ جهيد، وقد أطال أبو جعفر

(6)

بسطه جدًا. وحاصلُ الأمر أنه افتتح البلد، وأخذ جميع ما احتوى عليه من الأموال.

‌ذكرُ مسك بابَك الخُرَّميّ وأَسْره وقتله

لما احتوى المسلمون على بلده المُسمَّى بالبَذّ، وهي دارُ ملكه، ومَقرُّ سلطانه هَرَبَ بمن معه من أهله وولده، ومعه أمُّه وامرأته، فانفرد في شِرْذِمَةٍ قليلة من خدمِهِ، ولم يبقَ معهم طعام، فاجتاز بحَرَّاثٍ،

(1)

عاصم بن علي بن عاصم الواسطيّ، أبو الحسين، أو أبو الحسن التيمي. حافظ صدوق، من أصحاب شعبة، قدم بغداد فازدحموا عليه من كل مكان، حتى حُزر مجلسُه بمئة ألف. سير أعلام النبلاء (9/ 262)، وتهذيب التهذيب (5/ 49).

(2)

في الأصول والمطبوع: مسلم، وأثبت ما جاء في المصادر. وهو عبد اللَّه بن مَسْلَمة بن قَعْنَب الحارثي المدنيّ القَعْنَبيّ، أبو عبد الرحمن، الإمام الثبت القدوة، شيخ الإسلام، نزيل البصرة، ثم مكة، وهو أوثق من روى الموطأ. سير أعلام النبلاء (10/ 257)، والعبر (1/ 382)، وتقريب التهذيب (1/ 451).

(3)

هو عبد اللَّه بن عثمان بن جَبَلة بن أبي رَوّاد، العَتَكي، أبو عبد الرحمن المَروزي، الملقب عَبْدان، الإمام الحافظ، محدّث مرو، ثقة. سير أعلام النبلاء (10/ 270)، وتقريب التهذيب (1/ 432).

(4)

الفقيه السُّنِّي، أحد أئمة السُّنَّة. كان من بحور العلم، صدوق. سير أعلام النبلاء (10/ 446).

(5)

"البَذّ": كورة بين أذربيجان وأرَّان، بها كان مخرج بابَك الخُرَّمي في أيام المعتصم. ياقوت.

(6)

ابن جرير الطبري في تاريخه (9/ 29 - 51).

ص: 80

فبعث غلامَه إليه ومعه ذهب، فقال: أعطِه الذهب، وخذ ما معه من الخبز، [فجاء إليه، فدفع إليه الدنانير، وناوله الحَرَّاث ما معه من الخبز]

(1)

، فنظر شَريكُ الحَرَّاث إليه من بعيد وهو يأخذ من الخبز، فظنَّ أنه قد اغتصبه منه، فذهب إلى حصنٍ هناك فيه نائبٌ للخليفة يقال له: سهل بن سنباط، ليستعدي على ذلك الغلام، فركب بنفسه وجاء فوجد الغلام، فقال: ما خبرُك؟ فقال: لا شيء، إنما أعطيته دنانير وأخذت منه هذا الخبز. فقال: ومن أنت؟ فأراد أن يعمِّي عليه الخبر، فألَحَّ عليه، فقال: من غلمان بابَك، فقال: وأين هو؟ فقال: ها هو ذا جالس يريد الغداء. فسار إليه سهل بن سنباط، فلمَّا رآه ترجَّل وجاءه فقبَّل يده، وقال: يا سيديّ أين تريد؟ قال: أريدُ أن أدخلَ بلاد الروم، فقال: إلى عند مَن تذهب أحرز من حصني وأنا غلامُك وفي خدمتك؟ وما زال به حتى خدَعه وأخذه معه إلى الحصن، فأنزله عنده، وأجرى عليه النفقاتِ الكثيرةَ والتّحفَ وغير ذلك، وكتب إلى الأفشين يعلمه بذلك، فأرسل إليه أميرين لقبضه، فنزلا قريبًا من الحصن، وكتبا إلى ابن سنباط، فقال: أقيما مكانكما حتى يأتيكما أمري. وقال لبابك: إنَّك قد حصل لك غمّ وضِيق من هذا الحصن، وقد عزمْتُ على الخروج اليومَ إلى الصَّيد ومعنا بُزاةٌ وكلاب، فإنْ أحببت أن تخرج معنا لتنشرح؟ قال: نعم! فخرجوا وبعثَ ابنُ سنباط إلى الأميرين: أن كونا بمكان كذا وكذا، في وقت كذا وكذا من النهار، فلما كانوا بذلك الموضع أقبلَ الأميران بِمَنْ معهما من الجنود، فأحاطوا ببابَك

(2)

وبابن سنباط، فلما رأوه جاؤوا إليه فقالوا: ترجَّلْ عن دابتك، فقال: ومن أنتما؟ فذكرا له أنهما من عند الأفشين، فترجَّل حينئذ عن دابته وعليه دُرَّاعة بيضاء، وعمامة بيضاء

(3)

، وخُفّ قصير، وفي يده باز، فنظر إلى ابن سنباط، وقال: قبَّحك اللَّه! فهلا طلبْتَ منِّي من المال فكنت أعطيتك أكثرَ ممَّا يعطيك هؤلاء! ثم أركبوه وأخذوه معهما إلى الأفشين، فلما اقتربوا من بلد الأفشين فرح

(4)

، فتلقاه وأمَر الناس أن يصطفُّوا صفين، وأن يترجّل بَابَك: فيدخل بين الناس وهو ماشٍ، ففعل ذلك، وكان يومًا مشهودًا جدًا. وكان ذلك في شوال من هذه السنة، ثم احتفظ به وهو في السجن عنده.

ثم كتب الأفشين إلى المعتصم يخبره بأنَّ بابَك في أسره، وقد استحضره وأخاه عبد اللَّه أيضًا. فكتب إليه المعتصم يأمره أن يقدم بهما عليه إلى بغداد، فتجهَّز بهما إلى بغداد في تمام هذه السنة.

وحجَّ بالناس فيها محمد بن داود المتقدِّم ذكره.

(1)

ما بين قوسين زيادة من ظا، ب.

(2)

في أ، ط: ببابك، وهرب ابن سنباط، وأثبت ما جاء في ب، ظا والطبري (9/ 49).

(3)

قوله: وعمامة بيضاء لم ترد في أ، ط، وأثبت من ب، ظا والطبري. . و"الدُّرَّاعة": ثوب من صوف.

(4)

في ط: خرج.

ص: 81

‌وفيها توفي:

أبو اليَمَان، الحَكَمُ بن نافع

(1)

.

وعُمَر بن حَفْص بن غِياث

(2)

.

ومُسلم بن إبراهيم

(3)

.

ويحيى بن صالح الوُحَاظيّ

(4)

.

‌ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومئتين

في يوم الخميس ثالث صفر من هذه السنة دخل الأفشين على المعتصم سامَرّاء، ومعه بابَك الخُرَّميّ وأخوه عبد اللَّه، في تجمّل عظيم، وقد أمر المعتصم ابنَه هارون الواثق أن يتلقَّى الأفشين، وكانت أخباره تَفِدُ إلى المعتصم في كلِّ يومٍ من شدَّة اعتناء المعتصم بأمر بابَك، وقد ركب المعتصم قبل وصول بابَك بيومين على البريد حتَّى دخل إلى بابَك وهو لا يعرفه، فنظر إليه ثم رجع، فلما كان يوم دخوله عليه تأهَّب المعتصم، واصطفَّ الناس سِماطين

(5)

، وأمر ببابَك أن يركبَ على فيل ليشهر أمره وسرفوه، وعليه قَبَاء ديباج وقَلَنْسَوة سمّور مدوَّرة، وقد هيئ الفيل، وخضّبت أطرافه، وألبس من الحرير والأمتعة التي تليق به شيئًا كثيرًا، وقد قال فيه بعضُهم

(6)

:

قد خُضِبَ الفيلُ كعاداتِهِ

يَحمِلُ شَيْطانَ خُراسانِ

والفيلُ لا تُخْضَبُ أعضاؤه

إلا لذِي شأْنٍ مِنَ الشان

ولما أحضر بين يدي الخليفة أمر بقطع يديه ورجليه، وحزّ رأسه، وشقّ بطنه، ثم أمر بحمل رأسه إلى

(1)

الحكم بن نافع البَهْراني، أبو اليَمَان الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت. سير أعلام النبلاء (10/ 319)، وتقريب التهذيب (1/ 193).

(2)

يكنى أبا حفص الكوفي، من العلماء الأثبات. ثقة، ربما وهم. سير أعلام النبلاء (10/ 639)، وتقريب التهذيب (2/ 53).

(3)

مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، أبو عمرو البصري، القَصَّاب. محدّث البصرة. وكان ثقة حجّة. أضرَّ بأخرة. وكان يقول: ما أتيت حرامًا ولا حلالًا قطّ. سير أعلام النبلاء (10/ 314)، والعبر (1/ 385).

(4)

أبو زكريا الوُحَاظي، الدمشقي، وقيل: الحمصي، صدوق، من أهل الري. سير أعلام النبلاء (10/ 453)، وتقريب التهذيب (2/ 349).

(5)

في أ: صفين، وهما بمعنى.

(6)

قالهما محمد بن عبد الملك الزيات، كما في الطبري (9/ 53)، وابن الأثير (6/ 477).

ص: 82

خراسان، وصلب جثته على خشبة بسامَرّا. وكان بابَك -لعنه اللَّه- قد شرب الخمر في ليلة أسفَرَ صباحها عن قتله، وذلك ليلة الخميس لثلاث عشرة خلَتْ من ربيع الآخر من هذه السنة.

وكان هذا الملعون قد قتل من المسلمين في مدة ظهوره، لعنه اللَّه -وهي عشرون سنة- مئتي ألف وخمسة وخمسين ألفًا وخمسمئة [إنسان]

(1)

؛ قاله ابنُ جرير

(2)

، وأسَرَ خَلْقًا لا يُحصوا

(3)

كثرةً، وكان من جملة من استنقذه الأفشين من أسره نحو من سبعة آلاف وستمئة إنسان، وأسر من أولاده سبعةَ عشَرَ رجلًا، ومن حلائله وحلائل أبنائه ثلاثًا وعشرين امرأة من الخواتين

(4)

. وقد كان أصلُ بابَك -لعنه اللَّه- ابن جارية زريّة الشكل جدًّا، فآل به الحالُ إلى هذه الحال، ثم أراح اللَّه المسلمين من شرِّه بعدما افتَتَن به خَلْقٌ كثيرٌ وجَمٌّ غفيرٌ من الطَّغام

(5)

.

ولما قتله المعتصم

(6)

توَّج الأفشين وقلَّده وِشاحين من جوهر، وأطلَق له عشرين ألف ألف درهم، وكتب له بولاية السِّند، وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه فيمدحوه على ما فعل من الخير إلى المسلمين، وعلى تخريبه بلد بابَك التي يقال لها البَذّ، وتركه إياها يبابا

(7)

خرابًا. فقالوا في ذلك فأحسنوا، وكان من جملتهم أبو تمام الطائيّ، وقد أورد قصيدته بتمامها الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله في "تاريخه"

(8)

، وهي قوله:

بَذَّ الجِلادُ البَذَّ

(9)

وهي

(10)

قَطِينُ

ما إنْ بها

(11)

إلا الوُحُوشَ دَفينُ

(12)

لم يُقْرَ هذا السيفُ هَذا الصَّبرَ في

هَيْجَاءَ إلا عَزَّ هذا الدِّينُ

(1)

زيادة من ط والطبري.

(2)

الطبري (9/ 54).

(3)

في أ: لا يحصرون.

(4)

الخواتين: جمع خاتون، وهي لفظة تركية معناها السيدة العريقة الأصل، وهي مستعملة في العراق إلى عهد قريب (بشار).

(5)

"الطَّغام": أوغاد الناس، الواحد والجمع فيه سواء.

(6)

لفظة: المعتصم سقطت من أ.

(7)

ليس بها ساكن، في جوف الليل. وفي ط: قيعانًا.

(8)

الطبري (9/ 55) ولم ترد القصيدة فيه بتمامها كما أشار المؤلف رحمه الله، وإنما وردت الأبيات نفسها في البداية. وهي مطلع قصيدة طويلة بلغت ستة وثلاثين بيتًا في ديوانه (3/ 316 - 322).

(9)

في أ: إليك.

(10)

في ط والديوان والطبري: فهو دفين.

(11)

الديوان: به، والطبري: بها.

(12)

في ط والديوان والطبري: قطين. و"بَذَّ": سَبَقَ وغَلَب. و"القطين": أهل الدار، أي غلب الضِّراب هذا المكان، وهو موضع بابَك الخُرَّميّ.

ص: 83

قد كان عُذْرَةَ سُوددٍ فافْتَضَّها

بالسّيفِ فَحْلُ المَشْرِقِ الأفشِينُ

(1)

فأعادَها تَعْوِي الثَّعَالِبُ وسْطَها

ولَقَدْ تُرى بالأمس وَهْيَ عَرِينُ

هَطَلَتْ عليها من جَمَاجِمِ أهلِها

(2)

دِيَمٌ أمَارَتُها طُلًى وشُؤونُ

كَانتْ مِنَ الهَيْجاء قبلُ مفازة

(3)

عشرًا فأضحَتْ وهي منهُ مَعينُ

وفي هذه السنة، أعني سنة ثلاث وعشرين ومئتين، أوقَعَ ملك الروم توفيل بن ميخائيل -لعنه اللَّه- بأهل مَلَطْيَة

(4)

من المسلمين وما والاها ملحمةً عظيمةً، قتل فيها منهم خلقًا كثيرًا، وأسر ما لا يحصون كثرةً، وكان من جملة من أسر ألفُ امرأة من المسلمات. ومثَّل بمن وقَعَ في أسره من المسلمين، فقطع آذانهم وآنافهم، وسَمَلَ أعينهم، قبَّحه اللَّه

(5)

.

وكان سبب ذلك أن بَابَك -لعنه اللَّه- لمَّا أحيط به في مدينة البَذّ، واستوسقت الجنود حوله، كتب إلى ملك الروم يقولُ له: إنَّ ملك العرب قد جهَّز إليَّ جمهور جيثه، ولم يبقَ في أطراف بلاده من يحفظها، فإن كنتَ تريدُ الغنيمة فانهَضْ سريعًا إلى ما حولك من بلاده فخذها، فإنَّك لا تجد أحدًا يمانعك عنها

(6)

.

فركب توفيل -لعنه اللَّه- في مئة ألف، وانضافَ إليه المحمّرة الذين كانوا قد خرجوا في الجبال، وقاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب، فلم يقدر عليهم، وتحصَّنوا بتلك الجبال، فلمَّا قدِمَ ملك الروم صاروا معه على المسلمين، فوصلوا إلى زِبَطْرَة، فقتلوا من رجالها خلقًا، وأسروا من حريمها أمَّةً كثيرة، فبلغ ذلك المعتصم فانزعج لذلك جدًّا، وصرخ في قصره بالنفير، ونهض من فوره فأمر بتعبئة الجيوش، واستدعى بالقاضي والعدول، فأشهدهم أن ما يملكه من الضّياع ثلثه للَّه

(7)

، وثلثه لولده، وثلثه لمواليه

(8)

.

وخرج من بغداد، فعسكر غربيّ دجلة يوم الإثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى، ووجَّه بين يديه عُجَيْفًا وطائفةً من الأمراء، ومعهم

(9)

خَلْق من الجيش إعانةً لأهل زِبَطْرَة. فأسرعوا السيرَ، فوجدوا ملك

(1)

أي كان محصَّنًا محروسًا ففتحه الأفشين.

(2)

في الديوان: جادت عليها.

(3)

في الطبري وط: كانت من المهجات، وفي الديوان: كانت من الدَّم قبلَ ذاك مفازةً.

(4)

بلدة من بلاد الروم مشهورة، تتاخم الشام.

(5)

الطبري (9/ 55).

(6)

الطبري (9/ 56)، وابن الأثير (6/ 479).

(7)

في ط: صدقة.

(8)

الطبري (9/ 56).

(9)

في أ: معه، وفي ب، ظا: معهم، بلا واو، وأثبت ما جاء في ط.

ص: 84

الروم قد فَعَلَ ما فَعَلَ، وانْشَمَر

(1)

راجعًا إلى بلاده، وتفارطَ الحالُ ولم يمكن الاستدراك فيه، فرجعوا إلى الخليفة لإعلامه بما وقع من الأمر، فقال للأمراء: أيُّ بلاد الروم أمنعُ؟ قالوا: عَمّورية، لم يعرِض لها أحدٌ منذ كان الإسلام، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية

(2)

.

‌ذكر فتح عَمُّوريَّة على يَدِ المعتصم

لما تفرَّغ المعتصم من شأن بابَك، لعنه اللَّه، وقتَلَه، وأخَذَ بلادَه، استدعى بالجيوش إلى بين يديه، وتجهَّز جَهازًا لم يتجهَّزهُ أحدٌ كان قبله من الخلفاء، وأخذ معه من آلات الحرب والأحمال والجمال والقِرَبِ والدّوابّ والنفط والخيل والبغال شيئًا لم يُسمع بمثله، وسار إليها

(3)

في جحافلَ كالجبال، وبعث الأفشينَ حيدرَ بن كاوس

(4)

من ناحية سَرُوج، وعَبَّى الخليفة جيشه تعبئة لم يسمع بمثلها، وقدَّم بين يديه الأمراء المعروفين بالحرب وخبرته، فانتهى في سيره إلى نهر اللس

(5)

، وهو قريب من طرَسوس، وذلك في رجب من هذه السنة المباركة.

وقد ركب ملك الروم في جيشه، فقصد نحو المعتصم، فتقاربا حتى كان بين الجيشين نحو من أربعة فراسخ، ودخل الأفشين بلاد الروم من ناحية أخرى [فجاء من وراء ملك الروم]

(6)

فحار في أمره، وضاق ذرعه بسبب ذلك، إن هو ناجز الخليفةَ جاءه الأفشين من خلفه فالتقيا عليه فيهلك، وإن سار إلى أحدهما وترك الآخر أخذه من ورائه. ثم اقترب منه الأفشين فسار

(7)

في شِرْذِمَةٍ من الجيش إليه، واستخلف على بقيته قريبًا له، فالتقى هو والأفشين في يوم الخميس لخمس بقين من شعبان من هذه السنة، فثبت الأفشين في ثاني الحال وقَتَل من الروم خلقًا وجرح آخرين، وتغلب فيه

(8)

ملك الروم، وبلغه أن بقيَّة الجيش قد شردوا عن قرابته وذهبوا عنه وتفرقوا عليه، فأسرع الأوبةَ فإذا نظام الجيش قد انحلَّ، فغضب على قرابته وضرب عنقه.

وجاءت الأخبار بذلك كلِّه إلى المعتصم فسرَّه ذلك جدًا، فركب من فوره وجاء إلى أنقرة، ووافاه الأفشين بمن معه إلى هنالك، فوجدوا أهلها قد هربوا منها وتفرَّقوا عنها، فتقوّوا منها بطعام وعلوفةٍ

(1)

"انشمر للأمر وتشمَّر": أي تهئَّأ.

(2)

الطبري (9/ 57).

(3)

في ط: إلى عَمُّوريَّة.

(4)

في أ، ظا: داوس، والمثبت من الطبري، وفي هذا الأخير: خَيْذَر بن كاوس.

(5)

في الكامل لابن الأثير (6/ 481): نهر السنّ.

(6)

زيادة في ب، ظا.

(7)

في ط: فسار إليه ملك الروم في شرذمة.

(8)

في ط: على.

ص: 85

كثيرةٍ. ثم فرَّق المعتصم جيشَه ثلاث فرق؛ فالميمنة عليها الأفشين، والميسرة عليها أشناس، والمعتصم في القلب، وبين كل عسكرين فرسخان، وأمر كلَّ أميرٍ من الأفشين وأشناس أن يجعل لجيشه ميمنةً وميسرةً وقلبًا ومقدِّمة وساقة، وأنهم مهما مرُّوا عليه من القُرى حرقوا وخرَّبوا وأسروا وغنموا، وسار بهم كذلك قاصدًا إلى عمُّوريَّة، وكان بينها وبين أنقرة سبعُ مراحلَ، فأوَّل من وصل إليها من الجيوش أشناس أمير الميسرة ضَحْوة يوم الخميس لخمس خلون من رمضان من هذه السنة، فدار حولها دَوْرَةً، ثم نزل على ميلين منها. ثم جاء المعتصم صبيحة يوم الجمعة بعدَه، فدار حولَها دَوْرَة، ثم نزل قريبًا منها. ثم قدم الأفشين يوم السبت، فدار حولها دَوْرَة، ثم نزل قريبًا منها. وقد تحصَّن أهلها وملؤوا أبراجها بالرجال والسّلاح، وهي مدينة عظيمة جدًّا، ذاتُ سور منيعٍ وأبراجٍ عالية كبيرةٍ.

وقسَّم المعتصم الأبراج على الأمراء، فنزل كلُّ أميرٍ تجاه الموضع الذي أقطعه وعيَّنه له، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشده إليه بعضُ مَن كان فيها من المسلمين الأسراء، وكان قد تنصَّر عندهم وتزوج منهم، فلما رأى أميرَ المؤمنين، والمسلمين معه، رجع إلى الإسلام وخرج إلى الخليفة فأسلَم وأعلَمه بمكانٍ في السور كان قد هدمه السيلُ، وبُني بناءً فاسدًا بلا أساس، فنصب المعتصمُ المجانيقَ حول عَمُّوريَّة، فكان أوّل موضع انهدَم [من سورها]

(1)

ذلك الموضع الذي نصح فيه ذلك الأسير، فبادر أهل البلد فسدّوه بالخشب الكبار المتلاصقة، فألحَّ عليها المنجنيق فكسرها، فجعلوا فوقها البراذع

(2)

ليردَّوا حدَّة الحجر.

فلمَّا ألحَّ عليها المنجنيق لم تغنِ شيئًا، وانهدَمَ السّور من ذلك الجانب وتفسَّخ فكتب نائب البَلَد

(3)

إلى ملك الروم يعلمه بذلك، وبعث ذلك مع غلامين من قومهم، فلمَّا اجتازوا بالجيش في طريقهم أنكروا

(4)

أمرهما، فسألوهما: من أنتما؟ فقالا: من أصحاب فلان؛ لرجل من المسلمين، فحملا إلى المعتصم، فقررهما فإذا معهما كتابُ ياطس نائب عَمُّوريَّة إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار، وأنَّه عازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتةً، فيناجز المسلمين بمن معه، كائنًا في ذلك

(5)

ما كان.

فلما وقف المعتصم على ذلك أمَرَ بالغلامين فخُلع عليهما، وأن يُعطى كلُّ واحدٍ منهما بَدْرَةً

(6)

،

(1)

زيادة في ط.

(2)

"البَرْذَعة" أو "البَرْدَعة": ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه، كالسرح للفرس. جمع بَرَاذع أو بَرَادع.

(3)

في أ: البَلَدة، وهما بمعنى.

(4)

في ط: أنكر المسلمون.

(5)

في أ: في ذلك الوقت ما كان.

(6)

"البَدْرَة": عشرة آلاف درهم.

ص: 86

فأسلما من فورهما، فأمر بهما الخليفة أن يطاف بهما حول البَلَد وعليهما الخِلَعُ، وأن يوقفا تحت الحِصن الذي فيه ياطس

(1)

فينثرَ عليهما الدراهم والخِلَع، ومعهما الكتاب الذي كتب به ياطس إلى ملك الروم، فجعلت الروم تلعنهما وتسبُّهما.

وأمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتفاظ فيه من خروج الروم بغتةً، فضاقت الروم ذَرْعًا بذلك، وألحَّ عليهم المسلمون في الحصار، وقد أعد المعتصم عليها المجانيق الكثيرة والدبابات وغير ذلك من الآلات الحربية.

ولمَّا رأى المعتصم عمقَ خندقها وارتفاع سورها، عمل المجانيق في مقاومة سورها، وكان قد غنم من الطريق غَنَمًا كثيرًا جدًّا، ففرقها في الناس، وقال: ليأكل الرجل الرأس وليجيء بملء جلده ترابًا فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك، فتساوى الخندقُ بوجه الأرض من كثرة ما طُرح فيه من جلود الأغنام، ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقًا ممهدًا، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج اللَّهُ إلى ذلك. وبينما الناس في الجسر [المردوم]

(2)

إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب من السور، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدَّةً عظيمة، فظنَّها من لم يرها أنَّ الروم قد خرجوا على الناس بغتةً، فبعث المعتصم من ينادي في الناس: إنما ذلك سقوطُ السور. ففرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، لكن لم يتسع أن يدخل منه الجيش لضيقه عنهم، فأمر المعتصم بالمجانيق المتفرقة، فجمعت هنالك ونصب حول ذلك الموضع الذي سقط؛ ليضرب بها ما حوله؛ ليتسع لدخول الخيل والرجال.

وقوي الحصار هنالك، وقد وكلت الروم بكل برجٍ من أبراج السور أميرًا يحفظه، واتفق أن ذلك الأمير الذي انهدم ما عنده من السور، ضعف عن مقاومة ما يلقاه من المسلمين، فذهب إلى ياطس فسأله النجدة فامتنع أحدٌ من الروم أن ينجده، وقالوا: لا نترك ما نحن بصدده من حفظ أماكننا التي قد عيِّنت لنا.

فلمَّا يئس منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به، فلمَّا وصل إليه، أمر الخليفة المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد انهدمت وخلت من المقاتلة، فركب المسلمون نحوها، فجعلت الروم يشيرون إليهم؛ لا يجيؤون، ولا يقدرون على دفاعهم، فلم يلتفت إليهم المسلمون، ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهرًا، وتتابع المسلمون إليها يكبِّرون، وتفرَّقت الروم عن أماكنها فجعلوا

(3)

يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم وأين ثقفوهم، وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلةٍ ففتحوها قَسْرًا، وقتلوا من

(1)

في الكامل لابن الأثير: ناطس، وما أثبتناه كما في تاريخ الطبري.

(2)

زيادة من ط.

(3)

في ط: فجعل المسلمون.

ص: 87

فيها، وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فأحرقوا عن آخرهم، ولم يبق فيها موضعٌ محصَّن سوى المكان الذي فيه النائب، وهو ياطس في حصن منيع، فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الذي فيه ياطس فناداه المنادي: ويحك يا ياطس! هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك. فقال: ليس ياطس هاهنا، مرتين. فغضب المعتصم من ذلك وولى، فنادى

(1)

ياطس: هذا ياطس، هذا ياطس! فرجع الخليفة ونصبَ السلالم على الحصن، وطلعت الرسل إليه، فقالوا له: ويحك! انزل على حكم أمير المؤمنين. فتمنَّع، ثم نزل متقلِّدًا سيفًا، فوضع السيف من عنقه، ثم جيء به حتى أوقف بين يدي المعتصم فضرب

(2)

بالسوط على رأسه، ثم أمر به أن يمشي إلى مِضْرَب الخليفة، فمشى مهانًا إلى الوطاق الذي فيه الخليفة نازل، فأوثق هناك.

وأخذ المسلمون من عَمُّوريَّة أموالًا عظيمة وغنائم لا تحدُّ ولا تُوصف، فحملوا ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب، لئلا يتقوَّى بها الروم على شيء من حرب المسلمين. وانصرف [المعتصم]

(3)

راجعًا إلى ناحية طَرَسوس في آخر شوال من هذه السنة. وكانت إقامته على عَمُّوريَّة خمسة

(4)

وخمسين يومًا

(5)

.

‌ذكر مقتل العباس بن المأمون

كان العباس بن المأمون مع عمِّه المعتصم في غَزاة عَمُّوريَّة، وكان عُجَيف بن عَنبسة قد ندَّمه إذ لم يأخذ الخلافة بعد أبيه المأمون حين مات بطَرَسُوس، ولامه على مبايعته عمه المعتصم، ولم يزل به حتى أجابه إلى الفتك بعمه المعتصم وأخذ البيعة من الأمراء له، وجهَّز رجلًا يقال له: الحارث السمرقندي، كان نديمًا للعباس، فأخذ له البيعة من جماعة من الأمراء في الباطن، واستوثق منهم، وتقدَّم إليهم أنَّه متى

(6)

ما فتك بعمِّه فليقتل كلُّ واحد منهم من يقدر عليه من رؤوس أصحاب المعتصم، كالأفشين وأشناس وغيرهم من الكبار. فلمَّا كانوا بدرب الروم وهم قاصدون إلى أنقرة ومنها إلى عَمُّوريَّة، أشار عُجَيْف على العباس أن يقتلَ عمَّه في هذا المضيق ويأخذَ له البيعة ويرجعَ إلى بغداد، فقال العباس: إنِّي أكره أن أعطِّل على الناس هذه الغزوةَ، فلمَّا فتحوا عَمُّوريَّة، واشتغل الناس بالمغانم، أشار عليه أن يفتك

(1)

في الطبري: صالح الروم.

(2)

في ك: فضربه، وفي الطبري: فقنَّعه سوطًا.

(3)

زيادة من ط.

(4)

في أ، ط: خمسة وعشرين يومًا، وأثبت ما جاء في ب، ظا، والطبري، وابن الأثير.

(5)

أخبار فتح عَمَّورية في تاريخ الطبري (9/ 57 - 70)، والكامل لابن الأثير (6/ 480 - 488).

(6)

في أ: أنه يلي ما قبل عمِّه، فليسل، وأثبت ما جاء في ب، ظا.

ص: 88

به، فوعده مضِيق الدّرب إذا رجعوا، فلما رجعوا فطن المعتصم بالخبر، فأمر بالاحتفاظ وقوَّةِ الحرس، وأخذ بالحزم، واجتهد في العزم، واستدعى بالحارث السمرقنديّ فاستقره فأقرَّ له بجليَّة الأمر، وأنَّه أخذ البيعة للعباس بن المأمون من جماعةٍ من الأمراء سمَّاهم له، فاستكثرهم المعتصم، واستدعى بابن أخيه العباس بن المأمون فقيَّده وغضب عليه وأهانه، ثم أظهر له أنه قد رضي عنه وعفا عنه، فأرسلَه من القيد وأطلق سراحه، فلمَّا كان من الليل استدعاه إلى حضرته في مجلسِ شرابه واستخلاه حتَّى سقاه، واستحكاه عن الذي كان قد دبَّره من الأمر، فشرح له القضية، وأنهى له القصة، فإذا الأمرُ كما ذَكَرَ الحارثُ السمرقنديّ.

فلمَّا أصبح استدعى بالحارث فأخلاه وسأله عن القضية ثانيًا، فذكرها له كما ذكرها أول مرة، فقال له: ويحك! إنِّي كنت حريصًا على ذلك، فلم أجد إلى ذلك سبيلًا بصدقك إياي في هذه القصة. ثم أمر المعتصم حينئذ بابن أخيه العباس فقيد وسُلِّم إلى الأفشين، وأمر بعُجَيْف وبقيّة من ذكر من الأمراء فاحتيط عليهم، فأحيط بهم، ثم أخذ في أنواع النقمات يقترحها لهم، فقتل كلَّ إنسانٍ منهم بنوعٍ من القتلات، ومات العباس بن المأمون بمَنْبج فدفن هناك، وكان سبب موته أنه جاع جوعًا شديدًا، ثم جيء بأكل كثير فأكل، وطلب الماء، فمنع منه حتى مات. وأمر المعتصم بلعنه على المنابر وسمَّاه اللعين. وقتل جماعةً من ولد المأمون أيضًا

(1)

.

وفتحت فيها عَمُّوريَّة كما تقدَّم.

وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

بابَك الخُرَّمي، قُتِلَ وصُلِبَ كما قدَّمنا ذلك مبسوطًا.

وخالد بن خِدَاش

(2)

.

وعبد اللَّه بن صالح، كاتب الليث [بن سعد]

(3)

.

(1)

خبر خروج العباس بن المأمون وموته في الطبري (9/ 71 - 79)، وابن الأثير (6/ 489 - 493).

(2)

خالد بن خِدَاش بن عَجلان، أبو الهيثم المُهلَّبي البصريّ، الإمام الحافظ الصدوق، نزيل بغداد، عالم أهل مرو ومحدَّثهم. سير أعلام النبلاء (10/ 488)، العبر (1/ 386).

(3)

زيادة من ط. وهو عبد اللَّه بن صالح بن محمد بن مسلم، أبو صالح الجُهنيّ المصري، المحدّث، شيخ المصريين، كاتب الليث بن سعد. صدوق، وكانت فيه غفلة. سير أعلام النبلاء (10/ 405) تقريب التهذيب (1/ 423).

ص: 89

ومحمد بن سِنان العَوَقِيّ

(1)

.

وموسى بن إسماعيل

(2)

.

‌ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومئتين

فيها: خرج رجل بآمُل

(3)

طَبَرِستان يقال له: مازيار بن قارن بن وندا هُرْمُز، وكان لا يرضى أن يرفع الحمل

(4)

إلى نائب خراسان عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين، بل يبعثه إلى الخليفة ليقبضه منه، فبعث الخليفة من يتلقى الحمل إلى بعض البلاد فيقبضه منه، ثم يدفعه إلى عبد اللَّه بن طاهر، ثم وثب

(5)

على تلك البلاد وأظهر المخالفة للمعتصم.

وقد كان المازيار هذا ممن يكاتب بابَك الخُرَّمِيّ ويعِدُه بالنصر. ويقال: إن الذي قوَّى رأس المازيار هو الأفشين، ليعجز عبدُ اللَّه بن طاهر فيولِّيه المعتصم بلادَ خراسان مكانه، فبعث إليه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب، أخا إسحاق بن إبراهيم، في جيشٍ كثيف، فجرَتْ بينهم حرولب طويلة استقصاها ابن جرير

(6)

، وكان آخر ذلك أسر المازيار، وحمل إلى عبد اللَّه بن طاهر، فاستقرَّه عن الكتب التي بعثها إليه الأفشين فأقرَّ بها، فأرسله نحو أمير المؤمنين ومعه من أمواله التي اصطفيت أشياء كثيرة جدًا؛ من الذهب والجواهر والثياب. فلما أوقف بين يدي الخليفة سأله عن كتب الأفشين إليه فأنكرها، فأمر به فضرب بالسّياط حتَّى مات، وصلب إلى جانب بابَك الخُزَميّ على جسر بغداد، وقتل عيون أصحابه وأتباعه.

وفي هذه السنة تزوَّج الحسن بن الأفشين بأتْرُجَّة بنت أشناس ودخل بها في قصر المعتصم بسامرّاء في جمادى، وكان عرسًا عظيمًا، وليه أمير المؤمنين المعتصم بنفسه، حتى قيل: إنهم كانوا يخضِبُون لحى العامة بالغالية

(7)

.

(1)

محمد بن سنان العَوَقي، أبو بكر البصري. و"العَوَقة": حيٌّ نزل فيهم، وهم بطن من الأزد. أحد الأثبات. سير أعلام النبلاء (10/ 385)، العبر (1/ 388).

(2)

أبو سَلَمة التَّبَوذكِيُّ، المِنْقَريّ، الإمام الحجَّة، كان من بحور العلم، ثقة ثبت، كثير الحديث. قال عباس الدوري: كتبت عنه خمسة وثلاثين ألف حديث. سير أعلام النبلاء (10/ 360)، العبر (1/ 388).

(3)

في الأصول: من بابل، وأثبت ما جاء في ط. و"آمُلُ": اسم أكبر مدينة بطبرستان في السهل، ومنها المؤرخ أبو جعفر الطبري، رحمه الله. ياقوت.

(4)

في ط: الخراج.

(5)

في ط: ثم آل أمره إلى أن وثب.

(6)

الطبري (9/ 80 - 101).

(7)

"الغالية": نوع من الطيب.

ص: 90

وفيها خرج مَنكجور قرابة الأفشين بأرض أذْرَبيجان، وخلع الطاعة، وذلك أنه كان الأفشين قد استنابه على بلاد أذْرَبيجان حين فَرَغَ من أمر بابَك، فظفر مَنكجور بمالٍ عظيم مخزون لبابَك في بعض البلدان، فاحتجبه لنفسه وأخفاه عن الخليفة، وظهر على ذلك رجلٌ يقال له: عبد اللَّه بن عبد الرحمن، فكاتب الخليفة بذلك، فكتب مَنكجور يكذِّبه في ذلك، وهمَّ به ليقتله فامتنع منه أهل أرْدَبيل. فلمَّا تحقَّق الخليفة كذب مَنكجور بعث إليه بُغا الكبير فحاربه وأخذه بالأمان وجاء به إلى الخليفة.

وفي هذه السنة مات ياطس الرومي الذي كان نائبًا على عَمُّوريَّة حين فتحها المعتصم، ونزل من حصنه على حكم المعتصم، فأخذه معه أسيرًا فاعتقله بسامرّاء حتى توفي في هذا العام.

‌وفي رمضان منها توفي:

إبراهيم بن المهديّ بن المنصور: عم الخليفة، ويعرف بابن شَكْلَة

(1)

، وكان أسودَ اللون ضخمًا فصيحًا فاضلًا، قال ابن ماكولا

(2)

: وكان يقال له: التِّنِّين، يعني لسواده، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه"

(3)

ترجمة حافلةً، وذكر أنه ولي إمرة دمشق نيابة عن أخيه الرشيد مدة سنتين، ثم عزل عنها ثم أعيد إليها الثانية فأقام بها أربع سنين. وذكر من عدله وصرامته أشياءً حسنةً، وأنَّه أقام للناس الحجَّ سنة أربع وثمانين، ثم عاد إلى دمشق، وكان قد بايعه أهل بغداد في أول خلافة المأمون سنة ثنتين ومئتين كما ذكرنا، وقد قاتله الحسن بن سهل نائبُ بغداد، فهزمه إبراهيمُ هذا، فقصده حُمَيد الطُّوسيّ فهزم إبراهيم، واختفى إبراهيمُ ببغداد حين قدمها المأمون مدة طويلة، ثم ظفر به المأمون سنة عشر فعفا عنه وأكرمه.

وكانت مدة ولايته على بغداد ومعاملتها سنة وأحَدَ عشرَ شهرًا واثني عشر يومًا [وقيل: وخمسة أيّام]

(4)

. وكان بدء اختفائه في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث ومئتين، وكانت مدة اختفائه ست سنين وأربعة أشهر وعشرًا، وكان الظفر به في ثالث عشر ربيع الأول من سنة عشر ومئتين. وقد جرت له في اختفائه هذا أمور عجيبة يطول بسطها.

(1)

بالفتح والكسر، وهي أمُّه، مولَّدة، كان أبوها من أصحاب المازيار، فقتل معه، سُبيت بنته شَكْلَة، فحملت إلى المنصور، فوهبها إلى محيَّاة أم ولده فربَّتها. فلما كبرت رآها المهدي فأعجبته، فطلبها من مُحَياة فأعطته إيَّاها فولدت منه إبراهيم. وترجمة إبراهيم بن المهدي في الأغاني (10/ 95 - 150)، وتاريخ بغداد (6/ 142)، ووفيات الأعيان (1/ 39)، وسير أعلام النبلاء (10/ 557).

(2)

الإكمال (1/ 518).

(3)

تهذب تاريخ ابن عساكر (2/ 226 - 228) ومختصره (4/ 126 - 148).

(4)

زيادة في ب، ظا.

ص: 91

قال الخطيب البغدادي

(1)

: وقد كان إبراهيم بن المهدي وافرَ الفَضْل، غزيرَ الأدبِ، واسعَ النفس، سخيَّ الكف، وكان معروفًا بصنعة الغناء، حاذقًا بها.

وذكر الخطيب

(2)

أنَّه قلَّ المال على إبراهيم بن المهدي في أيام خلافته ببغداد، فألحَّ الأعرابُ عليه في أخذ أعطياتهم، فجعل يُسَوف بهم، فخرج إليهم رسوله يقول: إنه لا مالَ عنده اليومَ، فقال بعضهم: فَلْيَخرج الخليفةُ إلينا فَلْيُغَنِّ لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، وللجانب الآخر ثلاثة أصوات. فقال في ذلك دِعْبِلُ بن عليٍّ شاعرُ المأمون يذمُّ إبراهيمَ بن المهدي في ذلك

(3)

:

يا مَعْشَرَ الأعرابِ لا تغلَطوا

خُذُوا عَطاياكُمْ ولا تَسْخَطُوا

فَسَوْفَ يُعطيكُمْ حُنَيْنِيَّةْ

(4)

لا تَدْخُلُ الكِيسَ ولا تُرْبَطُ

والمَعْبدِيَّاتُ لِقُوَّادكُمْ

وما بهذا أحدٌ يُغبَطُ

(5)

فهكذا يَرْزُقُ أصحابَهُ

خَليفَةٌ مُصْحَفُه البَرْبَطُ

(6)

وكتب إبراهيم بن المهدي إلى ابن أخيه المأمون حين طال عليه الاختفاء: وليُّ الثَّأْرِ مُحَكَمٌ في القصاص، والعفو أقربُ للتقوى، وقد جعل اللَّهُ أميرَ المؤمنين فوقَ كُل ذي عفوٍ، كما جَعَلَ كلَّ ذي ذنْبٍ دونه، فإن عفا فبفضله، وإن عاقب فبحقِّه

(7)

.

فوقَّع المأمون في جواب ذلك: القدرةُ تُذهِبُ الحفيظةَ، وكفَى بالنَّدم إنابةً، وعفو اللَّهِ أوسَعُ من كُلِّ شيءٍ

(8)

.

ولمَّا دخل إبراهيم عليه، أنشأ يقولُ

(9)

:

إن أكن مُذْنِبًا فحظِّيَ أخطأ

تُ فَدَعْ عَنْكَ كَثْرَةَ التَّأْنِيبِ

قلْ كما قالَ يُوسف لِبَني يَعْـ

ـقُوبَ لمَّا أتَوْهُ: لا تَثْرِيب

فقال المأمون: لا تثريب.

(1)

تاريخ بغداد (6/ 144).

(2)

تاريخ بغداد (6/ 144).

(3)

ديوانه (ص 175) مع اختلاف يسير في الرواية.

(4)

"حنينيّة": نسبة إلى حُنين الحيري المغنِّي.

(5)

"المَعبديات": نسبة إلى معبد اليقطني المغنِّي. و"يُغبط": يُسَرُّ.

(6)

"البَربط": العُودُ، معرب. والعرب تسميه: المِزهر.

(7)

تاريخ بغداد (6/ 144)، ومختصر ابن عساكر (4/ 126).

(8)

المصدر السابق.

(9)

البيتان في تاريخ بغداد (6/ 145)، ومختصر ابن عساكر (4/ 133).

ص: 92

وروى الخطيب

(1)

البغدادي: أنَّ إبراهيم بن المهديّ لمَّا أُوقف بين يدي المأمون شرَعَ يؤنِّبُه على ما فعل، فقال: يا أمير المؤمنين، حضرْتُ أبي، وهو جدُّك، وقد أُتي برجل ذنبُه أعظمُ من ذنبي، فأمر بقتله، فقال مُبَارك بن فَضَالة

(2)

: يا أميرَ المؤمنين، إنْ رأيتَ أن تؤخّرَ قَتْلَ هذا الرجل حتى أحدِّثك حديثًا، فقال: قل. قال: حدثني الحسن البصريُّ، عن عمران بن حُصَين: أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يوم القيامة نادَى منادٍ من بُطْنَانِ

(3)

العَرْشِ: ألا لِيَقُم العافون من الخُلفاء إلى أكرم الجزاء، فلا يقوم إلا مَنْ عَفَا"

(4)

.

فقال المأمون: قد قبلت هذا الحديث بقبوله، وعفَوْتُ عنكَ يا عم.

وقد ذكرنا في سنة أربع ومئتين زيادة على هذا. وقد كانت له أشعار جيدة بليغة، سامحه اللَّه. وقد ساق من ذلك الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" أشياء حسنة كثيرة

(5)

.

كان مولد إبراهيم بن المهدي في مستهل ذي القعدة سنة ثنتين وستين ومئة، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من رمضان من هذه السنة عن ثنتين وستين سنة، رحمه الله.

‌وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضًا:

سعيد بن أبي مَريم المصريّ

(6)

.

وسليمان بن حرب

(7)

.

وأبو مَعْمَر المُقْعَد

(8)

.

(1)

تاريخ بغداد (6/ 145).

(2)

مبارك بن فَضَالة بن أبي أميّة، أبو فَضَالة القرشي العدوي، من كبار علماء البصرة، ولد في أيام الصحابة، وصحب الحسن البصري. صدوق، فيه ضعف. توفي سنة 165 هـ. سير أعلام النبلاء (7/ 281)، تهذيب التهذيب (10/ 28).

(3)

"بُطْنان العرش": وسَطه، وقيل: أصْله. وقيل: البُطنان: جمع بَطْن، وهو الغامض من الأرض؛ يريد: من دواخل العرش. النهاية (1/ 137).

(4)

أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (6/ 145)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه، وهو في مختصر تاريخ ابن عساكر (4/ 126) من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه، وإسناده ضعيف.

(5)

مختصر تاريخ ابن عساكر (4/ 126 - 148).

(6)

هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم الجمحي المصري، أبو محمد. حافظ فقيه، من أئمة الحديث، خرج له أصحاب الكتب الستة. سير أعلام النبلاء (10/ 327).

(7)

سليمان بن حرب بن بَجيل، أبو أيوب الواشحيّ الأزدي البصري، إمام حافظ ثقة، قاضي مكة، وتوفي في البصرة. سير أعلام النبلاء (10/ 330).

(8)

هو عبد اللَّه بن عمرو بن أبي الحَجَّاج، أبو مَعْمَر المِنْقَري البصري، المُقْعَد، واسم جدِّه أبي الحجَّاج ميسرة. حافظ، مجوّد، ثقة، رمي بالقَدَر. سير أعلام النبلاء (10/ 622)، تقريب التهذيب (1/ 436).

ص: 93

وعليّ بن محمد المَدَائنيّ الأخباري

(1)

، أحد أئمة هذا الشأن في زمانه.

وعمرو بن مَرزُوق، شيخ البخاري

(2)

، وقد تزوج هذا الرجل ألف امرأةٍ.

وأبو عبيد القاسم بن سلَّام البغدادي

(3)

: أحد أئمة اللغة والفقه والحديث والقراءات والأخبار وأيام الناس. وله المصنَّفات المشهورة المنتشرة بين العلماء، حتى يقال: إن الإمام أحمد كتب كتابه في "الغريب" بيده، ولمَّا وقف عليه عبدُ اللَّه بن طاهر رتَّب له في كُل شهر خمسمئة درهم، وأجراها على ذريته من بعده

(4)

.

وذكر ابن خلكان أن ابن طاهر

(5)

استحسنه، وقال: ما ينبغي لعقل بعثَ

(6)

صاحبه على تصنيف هذا الكتاب، حقيق ألا يُحْوَج صاحبه إلى طلبِ المعاش، وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر

(7)

.

وقال محمد بن وهب المسعري: سمعت أبا عبيد يقول مكثت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة

(8)

.

وقال هِلال بنُ العلاء الرَّقِّي: مَن اللَّه على المسلمين بهؤلاء الأربعة: بالشَّافعي، تفقَّه في الحديث؛ وبأحمد بن حنبل، ثَبَت في المحنة؛ وبيحيى بن مَعين. نَفَى الكَذِبَ عن الحديث؛ وبأبي عُبَيد، فسَّرَ غريبَ الحديث. ولولا ذلك لاقتحم الناسُ في الخطأ

(9)

.

(1)

أبو الحسن، نزل بغداد، وصنَّف التصانيف، وكان عجبًا في معرفة السير والمغازي والأنساب وأيام العرب، مصدَّقًا فيما ينقله، عالي الإسناد. مات في دار إسحاق الموصلي، وكان منقطعًا إليه. وذكر كتبه ابن النديم في الفهرست (113 - 117)، وياقوت في معجم الأدباء (1/ 129 - 139). سير أعلام النبلاء (10/ 400)، والأعلام (4/ 323).

(2)

أبو عثمان الباهلي، مسند البصرة، ثقه له أوهام، حدث عنه البخاري في صحيحه مقرونًا بآخر. سير أعلام النبلاء (10/ 417)، وتقريب التهذيب (2/ 78).

(3)

طبقات ابن سعد (7/ 355)، المعارف لابن قتيبة (549)، الفهرست لابن النديم (78)، تاريخ بغداد (12/ 403)، معجم الأدباء (16/ 254)، وفيات الأعيان (4/ 60)، سير أعلام النبلاء (10/ 490)، معرفة القراء (1/ 141)، بغية الوعاة (2/ 253)، شذرات الذهب (2/ 54) وغيرها.

(4)

تاريخ بغداد (12/ 406)، وسير أعلام النبلاء (10/ 495).

(5)

في أ: ابن طاهر بن الحسين.

(6)

في أ، ب: تعب، وأثبت ما جاء في ظا، ط. وفي معجم الأدباء: إن عقلًا بعث صاحبه. . لحقيق.

(7)

وفيات الأعيان (4/ 61)، ومعجم الأدباء (16/ 255).

(8)

وفيات الأعيان (4/ 61).

(9)

تاريخ بغداد (12/ 410)، ووفيات الأعيان (4/ 61)، وسير أعلام النبلاء (10/ 499).

ص: 94

وذكر ابن خلكان أنَّه ولي القضاءَ بطَرَسُوسَ ثماني عشرة سنة، وذكر له من العبادة والاجتهاد في العبادة شيئًا كثيرًا

(1)

.

وقد روى العربية عن أبي زيد الأنصاري، والأصمعي، وأبي عُبَيدة [مَعْمَر بن المثنى]

(2)

، وابن الأعرابي، والفرَّاء والكسائي وغيرهم

(3)

.

وقال إسحاق بن راهويه: نحن نحتاج إليه وهو لا يحتاج إلينا

(4)

.

وقدم بغداد وسمع الناس منه، من تصانيفه

(5)

.

وقال إبراهيم الحَرْبيُّ: كان كأنه جبلٌ نُفخ فيه روحٌ، يُحسِنُ كُلَّ شيء

(6)

.

وقال أحمدُ بن كامل القاضي: كان أبو عُبَيد فاضلًا، ديِّنًا، رَبَّانيًا، متقنًا في أصناف علوم الإسلام: من القرآن والفقه والعربية والأخبار، حَسَنَ الروايةِ، صَحيح النَّقْلِ، لا أعلمُ أحدًا طَعَنَ عليه في شيءٍ من علمه وكتبة

(7)

.

وله: كتاب "الأموال"، وكتاب "فضائل القرآن" و"معانيه" وغير ذلك من الكتب المنتفع بها، رحمه الله

(8)

.

توفي في هذه السنة قاله البخاري

(9)

. وقيل: في التي قبلها بمكة وقيل: بالمدينة، وله سبع وستون سنة

(10)

، رحمه الله. وقيل: جاوز السبعين، واللَّه أعلم.

محمد بن عثمان أبو الجُماهر الدمشقي الكَفْرسُوسي

(11)

، أحد مشايخ الحديث

(12)

.

(1)

وفيات الأعيان (4/ 61 - 62).

(2)

زيادة من ط.

(3)

تاريخ بغداد (10/ 493)، ووفيات الأعيان (4/ 61)، وسير أعلام النبلاء (10/ 493).

(4)

تاريخ بغداد (12/ 411)، ووفيات الأعيان (4/ 61).

(5)

سير أعلام النبلاء (10/ 492).

(6)

تاريخ بغداد (12/ 412)، وسير أعلام النبلاء (10/ 501).

(7)

تاريخ بغداد (12/ 411)، وسير أعلام النبلاء (10/ 501).

(8)

معجم الأدباء (16/ 260)، والأعلام للزركلي (5/ 176).

(9)

التاريخ الكبير (7/ 172).

(10)

تاريخ بغداد (10/ 507).

(11)

نسبة إلى كَفْرسُوسية، قرية بغوطة دمشق. اللباب (3/ 103).

(12)

إمام محدّث حافظ ثبت. قال أبو حاتم: ما رأيت أحدًا أفصح منه. سير أعلام النبلاء (10/ 448).

ص: 95

ومحمد بن الفضل، أبو النُّعمان السَّدُوسي، الملقب بعارِم، شيخ البخاري

(1)

.

ومحمد بن عيسى بن الطبَّاع

(2)

.

ويزيد بن عَبد رَبّه الجُرْجُسيّ الحمصيّ، شيخها في زمانه

(3)

.

‌ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومئتين

فيها: دخل بُغا الكبير ومعه مَنكجور قد أعْطَى الطاعةَ بالأمان.

وفيها: عزل المعتصم جعفر بن دينار عن نيابة اليمن وتغضَّبَ

(4)

عليه وولَّى على اليمن إيتاخ.

وفيها: وجَّه عبد اللَّه بن طاهر بالمازيار، فدخل بغداد على بغلٍ بإكاف

(5)

لخمس خلون من ذي القعدة؛ فضربه المعتصم بين يديه أربعمئة وخمسين سوطًا، ثم سُقيَ الماء حتى مات

(6)

. وأمر بصلبه إلى جانب بابَك الخُرَّميّ، وأقرَّ في ضربه أن الأفشين كان يكاتبه ويحسِّنُ له خَلْعَ الطاعة، فغضب المعتصم على الأفشين وأمر بسجنه، فبني له مكان كالمنارة من دار الخلافة تسمَّى لؤلؤة، إنَّما يسع مكانه فقط. وذلك حين تحقق الخليفةُ أنه كان يريد مخالفته والخروجَ عليه، وأنه يعزِمُ على الذهاب إلى بلاد الخَزَر

(7)

ليستجيش بهم على المسلمين، فعاجلَه الخليفةُ بالقبض عليه قبل ذلك كلَّه، وعقد له المعتصم مجلسًا فيه قاضيه أحمد بن دُوَاد

(8)

المعتزلي، ووزيره محمد بن عبد الملك بن الزيَّات، ونائبه إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب، فاتّهم الأفشين في هذا المجلس بأشياءَ تدلُّ على أنَّه باقٍ على دين أجداده من الفرس؛ وذلك أنَّه غيرُ مختون، فاعتذر بأنه يخافُ من ألم ذلك، فقال له الوزير، وهو الذي كان يتولَّى مناظرته من بين القوم: فأنت تطاعنُ بالرماح في الحروب ولا تخاف من وقعها، وأنت تزعم أنك تخاف من قطع قلفة

(1)

إمام حافظ ثقة ثبت، تغيّر في آخر عمره. قال الذهلي: كان بعيدًا من العَرَامة. و"العرامة": الشدة والقوة والشراسة. سير أعلام النبلاء (10/ 265)، وتقريب التهذيب (2/ 200).

(2)

محمد بن عيسى بن نَجِيح، أبو جعفر بن الطبَّاع، البغدادي، تحوَّل إلى الشام، ورابط بأذَنَة من بلاد الثغور، ثقة، فقيه، ذكره أحمد بن حنبل، فقال: لبيب كَيِّس. سير أعلام النبلاء (10/ 386)، وتقريب التهذيب (2/ 198).

(3)

أبو الفضل الزُّبَيدي المؤذِّن، كان سكن عند كنيسة جُرجس بحمص، فغلبت عليه النِّسبة إليها. إمام حافظ ثبت، ثقة. سير أعلام النبلاء (10/ 667).

(4)

في ط: وغضِب، وهما بمعنى.

(5)

"الإكاف": البَرْذَعَة، جمع أكُف.

(6)

في الطبري (9/ 104): وطلب ماء فسُقي، فمات من ساعته.

(7)

أي بلاد الترك.

(8)

في الأصول وط: داود، وأثبت ما جاء في الطبري وابن الأثير. وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة 240 هـ.

ص: 96

ببدنك؟! وأنه ضرب رجلين؛ إمامًا ومؤذنًا، كلّ واحدٍ ألفَ سوطٍ؛ لكونهما هدما بيتَ أصنامٍ، فاتخذاه مسجدًا. وأنَّه عنده كتاب "كليلة ودمنة"، وفيه الكفر، وهو محلّى بالجواهر والذهب، فاعتذر بأنه ورثه من أبيه. واتُّهم بأنَّ الأعاجم يكاتبونه

(1)

فتقول: إلى إله الآلهة من عبيده، وأنَّه يقرُّهم على ذلك. فجعل يعتذر بأنه إنما أجراهم على ما كانوا يكاتبون به آباءه وأجداده، وخاف أن يأمرهم بترك ذلك فيتَّضع عندهم.

فقال له الوزير: ويحك! فإذا أبقيتَ لفرعون

(2)

حين قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] وأنه كان يكاتب المازيار بأن يخرجَ عن الطاعة وأنه حئقه حتى ينصر دينَ المجوس الذي كان قديمًا، ويظهره على العرب والمغاربة والأتراك، وأنه كان يستطيب المخنوقة على المذبوحة، وأنه كان في كلّ يوم أربعاء يستدعي بشاة سوداء فيضربها بالسيف نصفين، ويمشي بينهما، ثم يأكلهما. فعند ذلك كُلِّه أمر المعتصم بُغا الكبير فسحبه

(3)

إلى سجنه مهانًا ذليلًا، فجعل يقول: أما

(4)

كنتُ أتوقع منكم ذلك.

وفي هذه السنة حمل عبد اللَّه بن طاهر الحسن بن الأفشين وزوجته أُتُرجَّة بنت أشناس إلى سامرَّاء.

وحجَّ بالناس فيها محمد بن داود.

‌وفيها توفي من الأعيان:

أصْبَغُ بن الفَرَج

(5)

.

وسَعْدُويَه

(6)

.

ومحمد بن سَلام البيكَنْديّ

(7)

.

(1)

في ط: يكاتبونه، وتكتب إليه في كتبها: أنت إله الآلهة. .

(2)

في أ: لقارون.

(3)

تقرأ في الأصول: فسجنه، ولعل ما أثبته الصواب.

(4)

في ب، ظا: ما كنت، وفي ط: إني كنت.

(5)

أصْبَغ بن الفَرَج بن سعيد بن نافع، أبو عبد اللَّه الأموي المصري المالكي، الإمام الكبير، مفتي الديار المصرية وعالمها. ذكر ابن معين أنه كان من أعلم خلق اللَّه برأي مالك. طلبه المعتصم في المحنة، فهرب واختفى بحُلوان. سير أعلام النبلاء (10/ 658).

(6)

"وهو سعيد بن سليمان، أبو عثمان الضَّبِّيُّ الواسطيُّ البزَّاز، الملقب بسعدويه. سكن بغداد، ونشر بها العلم. وكان من أهل السنة، وقد أجاب في المحنة، وحين سئل قال: كفرنا ورجعنا. ثقة. حافظ. مات وله مئة سنة. سير أعلام النبلاء (10/ 481)، وتقريب التهذيب (1/ 298).

(7)

محمد بن سَلام بن الفَرَج، أبو عبد اللَّه السُّلمي البخاري البيكَنْدي. كان من أوعية العلم، وأئمة الأثر. ثقة، ثبت. سير أعلام النبلاء (10/ 628)، وتقريب التهذيب (2/ 168).

ص: 97

وأبو عُمَر الجَرْمي

(1)

.

[وأبو عمر الحَوْضيّ]

(2)

.

[وأبو دُلَف العِجْلي التّميميّ، الأميرُ، أحدُ الأجواد]

(3)

.

وسعيد بن مَسْعَدَة

(4)

: أبو الحسن الأخْفَش الأوسط البلخيُّ، ثم البصريّ النَّحويُّ، أخذ النحو عن سِيبويه، وصنَّف كتبًا كثيرة؛ منها كتاب في "معاني القرآن"، وكتاب "الأوسط" في النحو، وغير ذلك. وله كتاب في العَروض زاد فيه بحرَ "الخَبب" على الخليل

(5)

.

وسُمِّيَ "الأخفش" لصغر عينيه وضعف بصره، وكان أيضًا أجْلَعَ، وهو الذي لا يضم

(6)

شفتيه على أسنانه، وكان أولًا يقال له:"الأخفش الصغير" بالنسبة إلى الأخفش الكبير، أبي الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الهَجري، شيخ سيبويه وأبي عبيدة، فلمَّا ظهر عليُّ بنُ سليمان ولُقِّب بالأخفش أيضًا، صار سعيدُ بن مَسْعَدَة هو الأوسط، والهَجري الأكبر، وعليُّ بن سليمان الأصغر.

وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل: سنة إحدى وعشرين ومئتين

(7)

.

الجَرْفي النَّحويّ

(8)

: هو صالحُ بن إسحاق البَصْريّ، قدِمَ بغداد وناظر بها الفرَّاء

(9)

.

وكان قد أخذ النَّحو عن أبي عُبَيدة، وأبي زيدٍ، والأصمعي

(10)

. وصنف كتبًا منها: "الفرخ"،

(1)

هو صالح بن إسحاق الجَرْمي البصريّ النحوي، إمام الربية، صاحب التصانيف، عالم بالنحو واللغة، من أهل البصرة، سكن بغداد. سير أعلام النبلاء (10/ 561)، وبغية الوعاة (2/ 8).

(2)

ما بين قوسين زيادة من ظا فقط، وهو حفص بن عمر بن الحارث بن سَخْبَرة، أبو عمر الأزدي، المشهور بالحَوضي، إمام حافظ، متقن، صدوق، أعرابي فصيح. سير أعلام النبلاء (10/ 354).

(3)

ما بين قوسين لم يرد في ظا، ب، وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة 226 هـ.

(4)

المعارف (545)، أخبار النحويين البصريين (50)، الفهرست (58)، معجم الأدباء (11/ 224)، وفيات الأعيان (2/ 380)، سير أعلام النبلاء (10/ 206)، بغية الوعاة (1/ 590)، شذرات الذهب (2/ 36) وغيرها.

(5)

كان الخليل بن أحمد الفراهيدي قد جعل البحور خمسة عشر، فأصبحت ببحر الخبب ستة عشر.

(6)

في ب، ظا: لا تنضم شفتاه.

(7)

وفيات الأعيان (2/ 381).

(8)

طبقات الزبيدي (46)، أخبار البصريين (72)، تاريخ بغداد (9/ 313)، معجم الأدباء (12/ 5)، وفيات الأعيان (2/ 485)، سير أعلام النبلاء (1/ 561)، طبقات القراء (1/ 332)، بغية الوعاة (2/ 8)، شذرات الذهب (2/ 57).

(9)

معجم الأدباء (12/ 6)، سير أعلام النبلاء (10/ 563).

(10)

معجم الأدباء (12/ 5) وفيه: أخذ عن هؤلاء اللغة، وأخذ عن يونس بن حبيب الربية، وعن أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، وقرأ عليه كتاب سيبويه. وفيات الأعيان (2/ 485).

ص: 98

يعني فرخ كتاب سيبويه، وكان فقيهًا، فاضلًا، نحويًا، بارعًا، عالمًا باللغة، حافظًا لها، دينًا ورعًا حسَنَ المذهب، صحيحَ الاعتقاد، روى الحديث. قاله كلَّه ابنُ خلكان

(1)

.

وروى عنه المبرّد

(2)

.

وذكره أبو نُعيم في "تاريخ أصبهان"

(3)

.

‌ثم دخلت سنة ست وعشرين ومئتين

في شعبان منها توفي الأفشين في الحبس، فأمر به المعتصم فصُلِبَ، ثم أحرق وذُرِّي رماده في دجلة، واحتيط على أمواله وحواصله، فَوُجِدَ

(4)

فيها أصنام مكللة بذهبٍ وجواهر، وكتب عن دين المجوس، وأشياء كثيرة مما يتَّهم بها، ويتحقَّق بسببها ما ذكر عنه من الانتماء إلى دين آبائه المجوس، لعنهم اللَّه.

وفيها توفي: محمد بن عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين.

وحجَّ بالناس محمد بن داود.

وفيها توفي من سادات المحدّثين:

إسحاق الفَرْوي

(5)

.

وإسماعيل بن أبي أُوَيْس

(6)

.

وسُنَيد بن داود، صاحبُ التفسير

(7)

.

(1)

وفيات الأعيان (2/ 485 - 486).

(2)

سير أعلام النبلاء (10/ 562).

(3)

تاريخ أصبهان (1/ 346).

(4)

في أ: فوجدوا فيها أصنامًا. . . وأثبت ما جاء في ب، ظا.

(5)

إسحاق بن محمد بن إسماعيل الأموي الفَروي المَدني، أبو يعقوب. الإمام المحدّث العالم. صدوق، كُفّ، فَسَاء حفظه. سير أعلام النبلاء (10/ 649)، وتقريب التهذيب (1/ 60).

(6)

إسماعيل بن أبي أُوَيْس عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس بن مالك بن أبي عامر، أبو عبد اللَّه الأصبحي المدني. صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه. قرأ القرآن وجوَّده على نافع. سير أعلام النبلاء (10/ 391)، وتقريب التهذيب (1/ 71).

(7)

في أ، ظ: محمد بن داود. وأثبت ما جاء في ب، ظا. وهو حسين بن داود، أبو علي، ولقبه سُنَيْد، المصيصي، المحتسب، صاحب التفسير الكبير، الإمام الحافظ، محدُث الثَّغْر. ضعيف مع إمامته ومعرفته. خرج له ابن ماجه حديثًا واحدًا. سير أعلام النبلاء (10/ 627)، وتقريب التهذيب (1/ 335).

ص: 99

وغسان بن الرّبيع

(1)

.

ويحيى بن يحيى التَّمِيميّ، شيخُ مسلم بن الحجاج

(2)

.

أبو دُلَف العِجْلِيّ

(3)

: القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية بن خزاعي بن عبد العزّى

(4)

بن دُلَف بن جشم بن قيس بن سعد بن عِجْل بن لجيم، الأمير، أبو دُلَف العِجْلِي. أحدُ قواد المأمون والمعتصم، وإليه يُنسب الأميرُ أبو نصر بن ماكولا، صاحب كتاب "الإكمال".

وكان القاضي جلال الدين القزويني [خطيب دمشق]

(5)

يزعم أنه من سلالته، ويذكر نسبه إليه. وكان أبو دُلَف هذا كريمًا جوادًا ممدّحًا، قصده الشعراء من كُلِّ أوب، وكان أبو تمام الطائيّ من جملة من يَغشاه ويستمنحُ نداه، وكانت لديه فضيلة في الأدب والغناء، وصنَّف كتبًا منها "سياسة الملوك"، ومنها في الصيد والبزاة، وفي السلاح، وغير ذلك. وما أحسَنَ ما قال فيه يَكْر بن النَّطَّاح

(6)

الشاعر:

يا طالبًا لِلْكِيمياءَ وعِلْمِهِ

مَدْحُ ابنِ عيسى الكيمياءُ الأعْظَمُ

لو لم يكُنْ في الأرضِ إلا دِرهَمٌ

ومدحْتَهُ لأتَاكَ ذاكَ الدِّرْهَمُ

فيقال: إنَّه أعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم.

وكان شجاعًا فاتكًا، ومعطاءً لا يملُّ من العطاء، ويستدين على ذمته ويعطي، وكان أبوه قد شرع في بناء مدينة الكَرَج

(7)

فمات ولم يتمها، فأتمها أبو دُلَف هذا.

وكان فيه تشيّعٌ، وكان يقول: من لم يكن مغاليًا في التشيّع فهو ولد زِنَى. فقال له ابنه دُلَف:

(1)

غسّان بن الربيع الأزدي، محدّث الموصل، كان ورعًا، كبير القدر، لكن ليس بحجّة. العبر (1/ 311).

(2)

هو يحيى بن بكر بن عبد الرحمن، أبو زكريا التَّميمي المِنْقَريّ النيسابوري، شيخ الإسلام، عالم خراسان. وكان يشبَّه بابن المبارك في وقته. ثقة، ثبت. قال ابن راهويه: مات وهو إمام أهل الدنيا. سير أعلام النبلاء (10/ 512)، والعبر (1/ 397).

(3)

مروج الذهب (4/ 5)، الأغاني (8/ 248)، تاريخ بغداد (12/ 416)، وفيات الأعيان (4/ 73)، سير أعلام النبلاء (10/ 563)، شذرات الذهب (2/ 57).

(4)

في ط: "عبد العزيز"، وهو تحريف.

(5)

تكملة من ب، ظا، ط.

(6)

في أ، ط: النَّطَّاع، وأثبت ما جاء في ب، ظا. وهو بكر بن النَّطَّاح الحنفي، أبو وائل. اتصل بأبي دُلَف العجلي، فجعل له رزقًا إلى أن توفي. مات سنة 192 هـ. ترجم له المؤلف في (حوادث سنة 192). والبيتان في وفيات الأعيان (4/ 74).

(7)

جاء في معجم البلدان (4/ 446): الكَرَج: مدينة بين همذان وأصبهان في نصف الطريق، وإلى همذان أقرب، وأول من مصَّرها أبو دُلَف القاسم بن عيسى العِجلي، وجعلها وطنه. ووقع في الأصول وط:"لكرخ" وهو خطأ.

ص: 100

لست على مذهبك يا أبت! فقال له: واللَّه لقد وطئت أمَّك قبل أن أشتريها، فهذا من ذاك

(1)

.

فذكر القاضي ابنُ خلكان

(2)

: أنَّ ولده رأى في المنام بعد وفاة أبيه أن آتيًا أتاه، فقال: أجب الأمير! قال: فقمت معه، فأدخلني دارًا وَحْشَةً، وَعْرَةً، سوداءَ الحيطان، مغلَّقة السقوف والأبواب، وأصعدني في درجٍ منها، ثم أدخلني غرفة، في حيطانها أثرُ النيران، وفي أرضها أثرُ الزماد، وإذا بأبي فيها وهو عُرْيان، واضعٌ رأسَه بين ركبتيه، فقال لي كالمستفهم: دُلَف؟ فقلت: دُلَف. فأنشأ يقول:

أبْلِغَنْ أهْلَنا ولا تُخْفِ عَنْهُمْ

ما لَقِينا في البَرْزَخِ الخَنّاقِ

قد سُئِلْنا عن كلِّ ما قدْ فَعَلْنا

فارْحَمُوا وَحْشَتي وَمَا قَدْ ألاقِي

ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم! فأنشَدَ:

فَلَوْ أنَّا إذا متنا تُرِكْنَا

لَكَانَ المَوْتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ

ولكنَّا إذا متْنا بُعِثْنا

ونُسْألُ بَعْدَهُ عَنْ كُلِّ شَيِّ

ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم. وانتبهت.

‌ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومئتين

فيها: خرَج رجلٌ من أهل الغَور بالشام يقال له: أبو حَزب المُبَرْقَع اليَماني، فخلع الطاعة، ودعا إلى نفسه، [وسُمِّي السفياني]

(3)

.

وكان سبب خروجه أن رجلًا من الجند أراد أن ينزلَ في منزله، وذلك في غيبة أبي حَرْب، فمانَعَتْه المرأة، فضربَها الجنديّ في يدها، فأثَّرت الضربة في معصمها.

فلمَّا جاء بعلها أخبرته، فذهب إلى الجندي وهو غافل فضربه، فقتله، ثم تحصَّن في رؤوس الجبال وهو مُبَرْقَعٌ، فإذا جاء أحدٌ دعاه إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذمُّ من السلطان، فاتبعه خلق كثير من الحرَّاثين وغيرهم، وقالوا: هذا هو السُّفياني المذكور أنه يملك الشامَ، واستفحل أمره جدًا، واتبعه نحو من مئة ألف مقاتل، فنفذ إليه الخليفةُ المعتصم وهو في مرض موته جيشًا نحوًا من ألفِ مقاتل.

فلمَّا قدم الأميرُ وجَدَ أمَّة كثيرةً قد اجتمعوا حوله، فخشي أن يناجزه والحالة هذه، فانتظر حتى جاء وقت حَرْث الأراضي فتصرَّم محنه الناس إلى أراضيهم، وبقي في شِرْذمةٍ قليلة من أصحابه، فناهضه فأسره

(1)

وفيات الأعيان (4/ 78).

(2)

وفيات الأعيان (4/ 78) وفيه الأبيات.

(3)

زيادة من ب، ظا.

ص: 101

جيش الخليفة، وتفرَّق عنه أصحابه، وحمله أمير السرية، وهو رَجَاء بنُ أيُّوبَ، حتَّى قدِمَ به على المعتصم، فلامه المعتصم في تأخُّره، فاعتذر بأنَّه كان معه مئة ألف أو يزيدون، فلم يزل يطاوله حتى أمكنه ذلك منه، فشكره على ذلك

(1)

.

[وقد ذكر قصته مبسوطة الحافظ ابن عساكر في ترجمته من الكنى]

(2)

.

‌ذكر وفاة المعتصم

وفي يوم الخميس لساعتين مضتا منه، الثامن عشر من ربيع الأول من هذه السنة، كانت وفاة أبي إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور.

وهذه ترجمة الخليفة المعتصم

(3)

: هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن أمير المؤمنين هارون الرشيد بن أمير المؤمنين محمد بن أمير المؤمنين أبي جعفر عبد اللَّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس، ويقال له: المثمَّن؛ لوجوهٍ، منها: أنه ثامن ولد العباس؛ ومنها: أنه ثامن الخلفاء من ذريته؛ ومنها: أنه فتح ثمان فتوحات؛ [بلاد بابك، على يدي الأفشين، وعَمُّوريَّة بنفسه، والزُّطّ بعُجَيف، وبَحر البصرة، وقلعة الأجراف، وأعراب ديار ربيعة، والشارك، وفتح مصر بعد عصيانها. وقيل: ثمانية أعداء؛ بابك، ومازيار، وياطى الرومي، والأفشين، ورئيس الزنادقة، وعُجَيف، وقارن، وقائد الرافضة]

(4)

: ومنها: أنه أقام في الخلافة ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وقيل: ويومين؛ وأنه ولد سنة ثمانين ومئة في شعبان، وهو الشهر الثامن؛ ومنها: أنه توفي وله من العمر ثمانية

(5)

وأربعون سنة؛ ومنها: أنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات؛ ومنها: أنه دخل بغداد من الشام وهو خليفة في مستهل رمضان سنة ثماني عشرة ومئتين، بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة، بعد موت أخيه المأمون بطَرَطُوس، كما تقدَّم.

قالوا: وكان أُمِّيًا لا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك أنه كان يتردد معه إلى الكتَّاب غلامٌ، فمات، فقال لأبيه: مات فلان واستراح من الكتّاب، فقال له أبوه الرشيد: لا تذهب إلى الكتَّاب

(1)

تاريخ الطبري (9/ 116 - 118) وابن الأثير (6/ 522 - 523).

(2)

زيادة من ب، ظا. تاريخ ابن عساكر (ج 19/ ورقة 15/ ب).

(3)

تاريخ الطبري (9/ 118 - 123)، تاريخ بغداد (3/ 342)، الكامل لابن الأثير (6/ 439 و 523)، سير أعلام النبلاء (10/ 290)، فوات الوفيات (4/ 48)، الوافي بالوفيات (5/ 139)، تاريخ الخلفاء (339 - 345)، شذرات الذهب (2/ 63).

(4)

ما بين قوسين زيادة من (ب، ظا) والخبر في تاريخ بغداد (3/ 343) وسير أعلام النبلاء (10/ 302).

(5)

كذا في الأصول، وحقها: ثمان وأربعون.

ص: 102

بعدها، فتركوه فكان أميًّا. وقيل: بل كان يكتب كتابةً ضعيفةً

(1)

.

وقد أسند الخطيب

(2)

البغداديّ من طريقه عن آبائه حديثين منكرين؛

أحدهما: في ذم بني أمية ومدح بني العباس من الخلفاء.

والثاني: في النهي عن الحِجامة يومَ الخميس.

وذكر بسنده

(3)

عن المعتصم: أنَّ ملك الروم كتب إليه كتابًا يتهدَّدُه فيه، فقال للكاتب: اكْتُبْ: "قد قرأتُ كتابَك وسمعت خطابَكَ، والجوابُ ما تَرى لا ما تسمَعُ {وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 42] ".

قال الخطيب

(4)

: غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومئتين، فأنْكَى نكايةً عظيمة في العدوِّ، ونصب على عَمُّوريّة المجانيق، وأقام عليها حتى فتحها ودخلها، فقتل فيها: ثلاثين ألفًا، وسبَى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقًا، وطرح النار في عَمُّوريَّة من سائر نواحيها، فأحرقها، وجاء ببابها إلى العراق، وهو باقٍ حتى الآن، منصوب على أحد أبواب دار الخلافة مما يلي المسجد الجامع في القصر.

وروى عن أحمد بن أبي دُواد القاضي أنه قال: ربَّما أخرج المعتصمُ ساعدَه إليَّ، وقال لي: عضَّ يا أبا عبد اللَّه بكل ما تقدر عليه، فأقول: إنه لا تطيبُ نفسي يا أميرَ المؤمنين! فيقول: إنه لا يضرُّني. فأكْدِم

(5)

بكلِّ ما أقدرُ عليه فلا يؤثِّر ذلك في يده

(6)

.

وقال: مَرَّ يومًا في خلافة أخيه بمخيَّم الجندِ، فإذا امرأة تقول: ابني ابني فقال: ما شأنُكِ؟ فقالت: أخذه صاحبُ هذه الخيمة، فجاء إليه المعتصم، فقال له: أطلق هذا الصبي! فامتنع عليه، فقبض على

(1)

تاريخ بغداد (3/ 343)، وتاريخ الخلفاء (339).

(2)

ذكر حديث ذم بني أميّة الخطيب البغدادي في تاريخه (3/ 343) والحافظ السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص 339) في ترجمة المعتصم، وقال في آخره: قلت: الحديث موضوع، وآفته الغلابي. في تاريخ الخلفاء العلائي، وهو تصحيف. والغلابي هذا هو: محمد بن زكريا الغلابي البصري الأخباري، وهو ضعيف وقال الدارقطني: يضع الحديث. والحديث الآخر: من احتجم يوم الخميس، فمرض فيه مات فيه. ذكره الحافظ السيوطي في الجامع الصغير من رواية ابن عساكر عن ابن عباس، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء صفحة (339) عن ابن عساكر بسنده، وإسناده ضعيف.

(3)

تاريخ بغداد (3/ 344).

(4)

تاريخ بغداد (3/ 344).

(5)

الكدم: العضُّ، وفي تاريخ بغداد: فأروم ذلك.

(6)

تاريخ بغداد (3/ 346)، سير أعلام النبلاء (10/ 303).

ص: 103

جسده بيده، فسُمع صوتُ عظامه من تحت يده، ثم أرسلَه، فسقَطَ ميتًا، وأمر بإخراج الصبيّ إلى أمة

(1)

.

ولمَّا ولي الخلافة كان شَهْمًا في أيامه، له همة عالية، ومهابة عظيمة جدًا. وقال بعضهم: إنما كانت همته [في الإنفاق]

(2)

في الحرب لا في البناء ولا في غيره.

وقال القاضي أحمد بن أبي دُواد: تصدَّقَ المعتصم على يديَّ، وهب ما قيمته مئة ألف ألف درهم

(3)

.

وقال غيره: كان المعتصم إذا غضبَ لا يبالي مَنْ قَتَل ولا ما فعل

(4)

.

وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلتُ يومًا على المعتصم وعنده قَيْنةٌ له تغنيه، فقال لي: كيف تراها؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! أراها تقهَرُه بحِذْقٍ، وتختله برِفقٍ، ولا تخرُجُ من شيء إلا إلى أحسنَ منه، وفي صوتها قطع شُذُور أحسنُ من نظم الدُّرِّ على النُّحور. فقال: واللَّه لَصِفَتُكَ لها أحسنُ منها ومن غنائها، ثم قال لابنه هارون الواثق وليّ عهده من بعده: اسمع هذا الكلام

(5)

.

وقد استخدم من الأتراك خَلْقًا عظيمًا، كان له من المماليك قريبٌ من عشرين ألفًا. وتمَّ له من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره.

ولمَّا حضرته الوفاةُ جعل يقول: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام: 44]. وقال: لو علمت أن عمري قصيرٌ ما فعلْتُ ما فعلْتُ. وقال: إني أوخذ من بين هذا الخلق. وجعل يقول: ذهبَت الحيل، فليست حيلة.

ورُوي عنه أنه قال في مرض موته: اللَّهُمَّ إني أخافُكَ مِنْ قِبَلى ولا أخافُكَ مِن قِبَلِك، وأرجوك من قِبَلِك، ولا أرجُوكَ مِن قِبَلِي

(6)

.

وكانت وفاته "بسرَّ مَنْ رأى" في يوم الخميس ضحّى لسبعَ عشرةَ خَلَتْ من ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة سبعٍ وعشرين ومئتين، وكان مولده يوم الإثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين ومئة، وولي الخلافة في رجب سنة ثماني عشرة ومئتين.

(1)

المصدر السابق.

(2)

زيادة في ب، ظا، ط.

(3)

تاريخ الطبري (9/ 123).

(4)

الطبري (9/ 121)، وابن الأثير (6/ 526).

(5)

تاريخ الطبري (9/ 122)، وسير أعلام النبلاء (10/ 313).

(6)

تاريخ بغداد (3/ 346)، سير أعلام النبلاء (10/ 306).

ص: 104

وكان المعتصم أبيضَ، أصهبَ

(1)

اللحية طويلها، مربوعًا، مُشْرَبَ اللون.

أمُّه أمُّ ولد اسمُها مارِدة. وهو أحدُ أولاد ستةٍ من أولاد الرشيد، كلٌّ منهم اسمُه محمد، وهم: أبو إسحاق المعتصم، وأبو العباس الأمين، وأبو عيسى، وأبو أحمد، وأبو يعقوب، وأبو أيوب؛ قاله هشام بن الكلبي

(2)

.

وقد قام بالخلافة بعدَه ولدُه هارون الواثق.

ذكر ابن جرير أن وزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات رثاه، فقال

(3)

:

قَد قُلْتُ إذْ غَيَّبُوكَ واصطَفَقَتْ

عَلَيْكَ أيدي

(4)

التُّراب والطِّينِ

اذهَبْ فنِعمَ الحفيظُ كنْتَ على الـ

ـدُّنْيا ونِعْمَ الظهيرُ للدِّينِ

لا جَبَرَ اللَّهُ أُمَّةً فَقَدَتْ

مِثلَكَ إلا بمِثْلِ هارُونِ

وقال مَرْوان بن أبي الجنوب، وهو ابن أخي مروان ابن أبي حَفْصة

(5)

:

أبو إسحاقَ ماتَ ضُحًى فمِتْنا

وأمْسَيْنا بهارُونٍ حَيينا

لئنْ جاءَ الخميسُ بما كرهنا

لقَدْ جَاءَ الخميسُ بما هَوِينا

‌خلافة هارون الواثق باللَّه بن المعتصم

بُويع له بالخلافة قبل أن يموت أبوه المعتصم يوم الأربعاء لثمانٍ خلَوْن من ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة سبع وعشرين ومئتين. ويكنى بأبي جعفر، وأُمُّه أمُّ ولدٍ رُوميَّة، يقال لها: قراطيس، وقد خرجَتْ في هذه السنة قاصدةً الحجَّ، فماتت بالحيرة، ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى، وذلك لأربع خَلَوْن من ذي القعدة من هذه السنة

(6)

.

وكان الذي أقام للناس الحجَّ في هذه السنة جعفر بن المعتصم

(7)

.

(1)

"الأصْهَب": ذو اللون الأصفر الضارب إلى شيء من الحمرة والبياض.

(2)

جمهرة أنساب العرب لابن حزم (23).

(3)

تاريخ الطبري (9/ 119)، والكامل لابن الأثير (6/ 525).

(4)

في الطبري وابن الأثير: أيْدٍ بالتُّرب.

(5)

تاريخ الطبري (9/ 120).

(6)

تاريخ الطبري (9/ 123).

(7)

المصدر السابق.

ص: 105

‌وممن توفي في هذه السنة من المشاهير:

ملك الروم توفيل بن ميخائيل، وكانت مدَّة ملكه ثنتي عشرة سنة، فملكَتْ بعده امرأته تدورة، وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغيرًا

(1)

.

‌وفيها توفي:

بِشْر الحافِي الزاهد المشهور

(2)

: وهو بِشْر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد اللَّه المَرْوَزيّ، أبو نَصْر الزاهد، المعروف بالحَافي، نزيلُ بغداد.

قال ابن خلكان

(3)

: وكان اسمُ جدِّه عبد اللَّه الغيور، أسلم على يدي عليّ بن أبي طالب.

قلت: وكان مولدُه ببغداد سنة خمسين ومئة، وسمع بها شيئًا كثيرًا من حمَّاد بن زيد، وعبد اللَّه بن المُبَارك، وابن مهدِيّ، ومالكٍ، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم.

وعنه جماعة، منهم: أبو خَيْثمة زهير بن حرب، وسَرِيٌّ السَّقَطِيُّ، والعباس بن عبد العظيم، ومحمد بن حاتِم.

قال محمد بن سعد

(4)

: سمع كثيرًا، ثم اشتغل بالعبادة، واعتزل الناس، ولم يُحدِّثْ.

وأثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة في عبادته وزهده وورعه ونسكه وتقشُّفه.

قال [الإمام أحمد يوم بلغه موتُه: لم يكن له نظيرٌ إلا عامر بن عبد قيس، ولو تزوَّج لكان قد تمَّ أمرُه

(5)

.

وقال إبراهيم الحربيُّ: ما أخرجَتْ بغدادُ أتمَّ عقلًا، ولا أحفَظَ للسانه منه، ما عُرِفَ له غِيبةٌ لمسلمٍ، وكان في كل شعرة

(6)

منه عقل. ولو قُسم عقلُه على أهل بغدادَ لصاروا عقلاءَ وما نقص من عقله شيء

(7)

.

(1)

المصدر السابق.

(2)

حلية الأولياء (8/ 336)، تاريخ بغداد (7/ 67)، تهذيب ابن عساكر (3/ 231)، مختصر ابن عساكر (5/ 191)، صفة الصفوة (2/ 325)، وفيات الأعيان (1/ 274)، سير أعلام النبلاء (10/ 469)، تهذيب الكمال (4/ 99)، طبقات الأولياء (109) شذرات الذهب (2/ 60).

(3)

وفيات الأعيان (1/ 274)، واسم جدِّه فيه: بعبور. وفي تاريخ بغداد: يعفور، ولم ترد في ب، ظا.

(4)

طبقات ابن سعد (7/ 342).

(5)

تاريخ بغداد (7/ 73)، تاريخ ابن عساكر، المجلدة العاشرة، صفحة (49)، سير أعلام النبلاء (10/ 472 - 474)، تهذيب الكمال (4/ 105)، وبعدها في المطبوع؛ وفي رواية عنه أنه قال: ما ترك بعده مثله.

(6)

في النسخ: شعره عقل، والمثبت من ط.

(7)

تاريخ بغداد (7/ 73)، وابن عساكر (المجلدة العاشرة/ 51)، وسير أعلام النبلاء (10/ 472، 475).

ص: 106

وذُكِر عن غير واحدٍ أنَّه كان شاطرًا

(1)

في بدء أمره، وأنَّ سبب توبته أنه وجد رُقْعَة فيها اسمُ اللَّه عز وجل في أتُونِ حمَّامٍ، فرفعها، ورفعَ طَرْفَه إلى السّماء، وقال: سيّدي! اسمُك هاهنا ملقًى! ثم ذَهَبَ إلى عطّار فاشترى بدرهم غاليه

(2)

وضمَّخ تلك الرُّقْعَة منها، ووضعها حيث لا تُنال، فأحْيَى اللَّهُ قلبَه، وألهمه رشدَه، وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة

(3)

.

ومن كلامه: مَنْ أحبَّ الدنيا فليتهيَّأ للذُّلِّ. وكان يأكلُ الخبزَ وحدَهُ، فقيل له: بماذا تأتدم؟ فقال: أذكر العافيةَ فأجعلها أدْمًا.

وكان لا يلبَسُ نعلًا بل يمشي حافيًا، طرق يومًا بابًا، فقيل: من؟ فقال: بِشر الحافي. فقالت جارية أما وجَدَ دانقين

(4)

يشتري له بها نعلًا ويستريح من هذا الاسم؟ قالوا: وكان سببُ تركه النعلَ: أنَّه جاء إلى حَذَّاء فطلب منه شِراكًا

(5)

لنعله، فقال له: ما أكثرَ كلفتكم

(6)

على الناس؟ فطرح النَّعلَ من يده، وخَلَعَ الأخرى من رجله، وحلَفَ لا يلبَسُ نعلًا أبدًا

(7)

.

قال ابن خلكان

(8)

: وكانت وفاته يومَ عاشوراء، وقيل: في رمضان ببغداد، وقيل: بمرو. قلت: الصحيح ببغداد في هذه السنة، وقيل: في سنة ستٍّ وعشرين، والأول أصحُّ، واللَّه أعلم.

وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد على

(9)

بَكْرَةِ أبيهم، فأُخرج من بعد صلاة الفجر، فلم يستقرَّ في قبره إلا بعدَ العَتَمَةِ؛ وكان عليّ بن المدينيّ وغيرُه من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة: هذا واللَّه شرفُ الدنيا قبل شَرَفِ الآخرة

(10)

.

ورُوي: أنَّ الجِنَّ كانت تنوحُ عليه في بيته الذي كان يسكن فيه. وأنَّه رآه بعضهم في المنام، فقال له: ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟ فقال: غفَرَ لي ولكلِّ من شهد جنازتي، ولكل مَن أحبَّني إلى يوم القيامة

(11)

.

(1)

"الشاطر": الخبيث الفاجر، وجمعها شُطَّار.

(2)

"الغالية": الطيب.

(3)

تاريِخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ 39)، ومختصره (5/ 191)، وتهذيب الكمال (4/ 103).

(4)

في أ: دانقًا. و"الدَّانق": سُدُسُ دِرْهم، معرَّب.

(5)

"شِراك النعل": سيرُها الذي على ظهر القدم.

(6)

بعد هذا في ط: "يافقراء"، وليست في النسخ ولا وفيات الأعيان (1/ 275).

(7)

تاريخ بغداد (7/ 69)، وتاريخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ 41)، ومختصره لابن منظور (5/ 192)، وتهذيب الكمال (4/ 102).

(8)

وفيات الأعيان (1/ 276).

(9)

في النسخ: عن بكرة.

(10)

ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ 79)، ومختصره (5/ 204)، وتهذيب الكمال (4/ 108).

(11)

ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ 80، 82)، ومختصره (5/ 204، 206)، وتهذيب الكمال (4/ 109).

ص: 107

وذكر الخطيبُ البغداديّ

(1)

أنه كان له أخواثٌ ثلاثٌ، وهنَّ: مُخَّة، ومُضْغة، وزُبْدة؛ وكلهنَّ عابدة زاهدة مثله، وأشدّ ورعًا أيضًا؛ ذهبت إحداهن فاستأذنَتْ على أحمد بن حنبل رحمه الله، فقالت: إنِّي ربَّما طُفئ السّراج عليَّ وأنا أغزِلُ، فإذا كان ضوء قمرٍ غزلْتُ فيه، فعليَّ عند البيع أن أميزَ بين هذا وهذا؟ فقال لها: إنْ كان بينهما فرقٌ فأعلمي به المشتري. وقالت

(2)

له: مرَّ الحرَسُ ليلة بمشعلٍ، فغَزَلْتُ في ضوئه طاقات، فخلّصني من ذلك. فأمرَها أن تتصدَّق بذلك الغَزْلِ كلِّه لِما اشْتبه عليه معرفةُ [عين] ذلك المقدار. وسألته عن أنين المريض: أفيه شكْوَى؟ قال: لا، إنَّما هو شكوى إلى اللَّه عز وجل. ثم خرجت، فقال [لابنه عبد اللَّه]

(3)

: يا بني، اذهبْ فاعلم لي مَن هذه المرأة؟ قال عبدُ اللَّه: فذهبتُ وراءها، فإذا هي قد دخلَتْ دارَ بِشْر الحافي، وإذا هي أخته، وفي رواية: مُخَّة.

وروى الخطيب

(4)

البغدادي عن زُبْدَة، قالت: جاء ليلة أخي بِشْر، فدخل برجلِه في الدار، وبقيت الأخرَى من خارج، فاستمرَّ كذلك ليلَته حتَّى أصبَحَ، فقيل له: فيمَ تفكَّرْتَ ليلتَكَ؟ قال: تفكَّرْتُ في بِشْر النصرانيّ، وبِشْر اليهوديّ، وبِشر المجوسيّ، وفي نفسي، واسمي بِشْرٌ، فقلْتُ في نفسي: ما الذي سبَقَ منك [إليه] حتى خصَّكَ بالإسلام من بينهم؟ فتفكَّرْتُ في تَفضُّلِه عليَّ، وحمِدْتُه على أن جعلني من خاصته، وألبَسَني لباسَ أحبابه.

وقد ترجمه ابنُ عساكر

(5)

فأطنب، وأطيب، وأطال من غير مَلال. وقد ذكر ابن عساكر أشعارًا حسنة، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات

(6)

:

تعافُ القَذَى في الماءَ لا تستطيعُهُ

وتكرَعُ في حَوْضِ الذنوب فتشربُ

وتؤثرُ من أكلِ الطَّعامِ ألَذَّهُ

ولا تذكرُ المختارَ من أينَ يُكسبُ

(7)

وترقُدُ يا مسكين فوقَ نَمَارقي

(8)

وفي حشوها نارٌ عليك تَلَهَّبُ

فحتى متى لا تَستفِيقُ جهالةً

وأنتَ ابنُ سبعينَ بدينكَ تلعَبُ

(1)

تاريخ بغداد (14/ 436).

(2)

في ط: وقالت له مرة إحداهن: ربما تمرّ بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل، فنغزل الطاق والطاقين والطاقات، فخلصني. .

(3)

زيادة من ط.

(4)

تاريخ بغداد (14/ 438)، تاريخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ 61)، ومختصره (5/ 197)، وصفة الصفوة (2/ 331)، وما بين قوسين زيادة من تاريخ بغداد.

(5)

تاريخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ 35 - 86)، ومختصره لابن منظور (5/ 191 - 207).

(6)

تاريخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ 75).

(7)

في ب، ظا: ولا تذكر المجنى ومن أين تكسب.

(8)

"النَّمارق": مفردها نمْرُق، وهي الوسادة الصغيرة.

ص: 108

‌وممن توفي فيها:

أحمد بن يونُس اليَربوعيّ

(1)

.

وإسماعيل بن عَمرو البَجَليّ

(2)

.

وسعيد بن منصور، صاحب "السُّنن" المشهورة التي لا يشاركه في مثلها إلا القليل

(3)

.

ومحمد بن الصَّبَّاح الدُّولابي، وله "سُنن" أيضًا

(4)

.

وأبو الوليد الطَّيالسيّ

(5)

.

وأبو الهُذَيل العلاف، المتكلِّم المعتزليّ

(6)

.

‌ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئتين

في رمضانها خلَعَ الخليفة الواثق على أشناس الأمير، وتوجَّه، وألبَسَهُ وِشاحَين من جوهرٍ.

وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود الأمير.

وغَلا السعر على الناس في طريق مكة جدًا، وأصابهم حرٌّ شديد وهم بعرفة، ثم برد شديد ومطر عظيم في ساعةٍ واحدةٍ، ونزل عليهم وهم بمِنًى مطرٌ لم يُرَ مثله، وسقطت قطعةٌ من الجبل عند جمرة العقبة فقتلَتْ جماعةً من الحجَّاج.

(1)

هو أحمد بن عبد اللَّه بن يونس التميمي اليَربُوعيّ الكوفي، أبو عبد اللَّه. ينسب إلى جدّه تخفيفًا. إمام، حجّة، ثقة، متقن. سير أعلام النبلاء (10/ 457).

(2)

إسماعيل بن عمرو بن نَجيح البَجَلي الكوفيّ، شيخ أصبهان ومسندها. ذكره ابن عدي في الضعفاء، وهو من أبناء التسعين. سير أعلام النبلاء (10/ 435).

(3)

سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخراسانيّ المروزيّ، ويقال: الطالقاني، ثم البلخي، ثم المكي المجاور، ثقة، متقن، وهو ممن جمع وصنَّف، شيخ الحرم. وهو من أبناء الثمانين. سير أعلام النبلاء (10/ 586).

(4)

هو أبو جعفر المزني، البغدادي. ثقة، صاحب حديث. كان أحمد بن حنبل يجلُّه ويعظِّمه. مات بالكَرْخ عن سبع وسبعين سنة. سير أعلام النبلاء (10/ 670).

(5)

هو هشام بن عبد الملك، أبو الوليد الباهلي، البصري، الطيالسي، الإمام الحافظ الناقد، شيخ الإسلام، أمير المحدثين، ثقة، ثبت. مات عن أربع وتسعين سنة. سير أعلام النبلاء (10/ 341)، وتقريب التهذيب (2/ 319).

(6)

هو محمد بن الهُذيل البصري العلاف، أبو الهُذيل، صاحب التصانيف، ورأس المعتزلة. لم يكن بالتَّقيّ، وكان قد أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل تلميذ واصل بن عطاء. وقد طال عمره، وجاوز التسعين. سير أعلام النبلاء (10/ 542).

ص: 109

قال ابنُ جرير

(1)

: وفيها مات أبو الحسن المدائنيّ في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، وحَبيب بن أوس الطائيّ أبو تمام الشاعر.

قلت: أمَّا أبو الحسن، عليّ بن محمد المدائنيّ، أحدُ أئمة هذا الشأن، وإمام الأخباريين في زمانه، فتقدَّم

(2)

ذكرُ وفاته قبل هذه السنة، واللَّه أعلم.

وأمَّا أبو تمَّام الطائي الشاعر

(3)

: صاحبُ الحماسة التي جمعها في فصل الشتاء بهَمَذان، في دار وزيرها، فهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشَج بن يحيى بن مرينا بن سهم بن خلجان بن مروان بن دُفافة بن مرّ بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عَدي بن عمرو بن الحارث بن طيِّئ، وهو جُلْهُمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عَريب بن زيد بن كَهْلان بن سَبَأ بن يَشْجُب بن يعرب بن قحطان

(4)

، أبو تمَّام الطائي الشاعر الأديب المشهور.

ونقل الخطيب

(5)

عن محمد بن يحيى الصولي: أنه حكي عن بعض الناس أنهم قالوا: أبو تمَّام حبيب بن تدوس النصراني، فسماه أبو تمام

(6)

أوس بدل تدوس.

قال ابن خلكان

(7)

: وأصله من قرية جاسم من عمل الجَيْدور بالقرب من طَبَريَّةَ. وكان بدمشق يعمل عند حائك. ثم صار

(8)

إلى مصر في شبيبته.

وابن خلكان أخذ ذلك من تاريخ الحافظ ابن عساكر

(9)

، وقد ترجم أبا تمام ترجمة حسنة.

وقال الخطيب

(10)

البغدادي: وهو شامي الأصل، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس الأدباء فأخذ عنهم، وتعلَّم منهم. وكان فطنًا فهمًا، وكان يحبُّ الشعر، فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد، وشاع ذكره، وسار شعره، وبلغ المعتصم خبره، فحمله إليه، وهو بسرَّ مَن رأى، فعمل فيه قصائدَ، فأجازه المعتصم، وقدَّمه على شعراء وقته، فقدم بغدادَ فجالس الأدباءَ،

(1)

تاريخ الطبري (9/ 124).

(2)

تقدم في وفيات سنة (224 هـ).

(3)

الأغاني (16/ 383)، تاريخ بغداد (8/ 248)، مختصر ابن عساكر (6/ 178)، وفيات الأعيان (2/ 11)، سير أعلام النبلاء (11/ 63)، شذرات الذهب (2/ 72)، تهذيب ابن عساكر (4/ 18)، معاهد التنصيص (1/ 38).

(4)

الجمهرة لابن حزم (ص 399)، ووفيات الأعيان (2/ 11).

(5)

تاريِخ بغداد (8/ 249) وفيه: حبيب بن بدوس.

(6)

في أ: أبو حبيب، وما أثبته من ب، ظا.

(7)

وفيات الأعيان (2/ 11، 17) مع اختلاف في العبارة.

(8)

في أ: سار، وفي ط: سار به، وأثبت ما جاء في ب، ظا. وفي الوفيات: ونشأ بمصر.

(9)

تاريخ ابن عساكر (4/ 77 أ) وما بعدها (نسخة الظاهرية)، ومختصره لابن منظور (6/ 178 - 182).

(10)

تاريخ بغداد (8/ 248)، ومختصر ابن عساكر (6/ 178).

ص: 110

وعاشر العلماء، وكان موصوفًا بالظَّرْف، وحسن الأخلاق، وكرم النفس. وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر وغيره أخبارًا مسندة.

قال القاضي ابن خلكان

(1)

: كان يحفظ أربعة

(2)

عشر ألف أرجوزة للعرب، غير القصائد والمقاطيع وغير ذلك.

وكان يقال: في طيِّئ ثلاثة: حاتِمٌ في كرمه، وداود الطائيُّ

(3)

في زهده، وأبو تمَّام في شعره.

قلْتُ: وقد كان الشعراء في زمانه جماعةً، فمن مشاهيرهم: أبو الشِّيص

(4)

، ودِعْبِل بن علي، وابن أبي فنن

(5)

، وقد كان أبو تمام من خيارهم دينًا وأدبًا وأخلاقًا. ومن رقيق شعر

(6)

:

ياحَليفَ النَّدى ويا مَعدِنَ

(7)

الجُو

دِ ويا خَيْرَ مَن حَويتَ

(8)

القَريضا

ليتَ حُمَّاكَ بي وكانَ لكَ الأجْـ

ـرُ فلا تشتكي وكنتُ المريضا

وقد ذكر الخطيب

(9)

عن إبراهيم بن محمد بن عرفة: أنَّ أبا تمام توفي سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين، وكذا قال ابن جرير

(10)

.

وحكي عن بعضهم أنه قال: توفي في سنة إحدى وثلاثين

(11)

.

وقيل: سنة ثنتين وثلاثين

(12)

ومئتين، اللَّه أعلم.

(1)

وفيات الأعيان (2/ 12).

(2)

في النسخ ووفيات الأعيان: أربع عشرة.

(3)

هو داود بن نُصير الطائي الكوفي، أبو سليمان. الإمام الفقيه، القدوة الزاهد، أحد الأولياء، من أئمة المتصوفة. مات سنة 165 هـ. حلية الأولياء (7/ 335)، وسير أعلام النبلاء (7/ 422).

(4)

وهو محمد بن علي بن عبد اللَّه بن رَزين الخزاعي، ابن عم دعبل، شاعر مطبوع، من أهل الكوفة، غلبه على الشهرة صاحباه صريع الغواني وأبو نواس، قتله خادم عقبة بن جعفر في الرقة سنة 196 هـ. طبقات الشعراء لابن المعتز (72)، والأعلام (7/ 154).

(5)

أبو عبد اللَّه، أحمد بن صالح، شاعر مفلق مطبوع، اتصل بمحمد بن عبد اللَّه بن طاهر ومدحه. طبقات ابن المعتز (396).

(6)

ابن عساكر (4/ 80)، تاريخ بغداد (8/ 252).

(7)

في تاريخ بغداد وابن عساكر: يا تؤم.

(8)

في تاريخ بغداد وابن عساكر: حبوتُ.

(9)

تاريخ بغداد (8/ 252).

(10)

تاريخ الطبري (9/ 124).

(11)

سير أعلام النبلاء (11/ 67).

(12)

قاله مَخلد الموصلي، كما في سير أعلام النبلاء (11/ 67).

ص: 111

وكانت وفاته بالموصل، وبنيت على قبره قبة. وحكى الصولي عن الوزير محمد بن عبد الملك بن الزتات أنّه قال يرثيه

(1)

:

نَبَأٌ أتَى مِن أعظم الأنباءِ

لمَّا ألَمَّ مُقَلْقِل الأحْشَاءِ

قَالُوا حَبيبٌ قَدْ ثَوَى فأَجَبْتُهم

نَاشَدْتُكُم لا تَجْعَلُوهُ الطَّائي

وقال غيره

(2)

:

فُجِعَ القَريضُ بخَاتَمِ الشُّعَراءِ

وَغَديرِ رَوْضتِها حَبيبِ الطائي

مَاتا مَعًا فَتَجاوَرا في حُفْرَةٍ

وكذاكَ كانا قَبْل في الأحْياءِ

وقد جمع الصُّولي شعرَ أبي تمام على حروف المعجم. قال القاضي ابن خلكان

(3)

: وقد امتدح أحمدَ بن المعتصم، ويقال: أيَّنَ المأمون، بقصيدته التي يقول فيها:

إقْدامُ عَمْرٍو في سَمَاحَةِ حَاتِمٍ

في حِلْمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إياسِ

فقال له بعضُ الحاضرين

(4)

: أتقول هذا للأمير وهو أكبرُ قدرًا من هؤلاء

(5)

؟ فأطرق ساعةً، ثم قال:

لا تُنْكروا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَهُ

مَثلًا شَرُودًا في النَّدى والبَاسِ

فاللَّهُ قَدْ ضَرَبَ الأقَلَّ لِنُورِهِ

مَثلًا مِنَ المِشْكَاةِ والنِّبْرَاسِ

فلَّما أخذوا منه القصيدة لم يجدوا فيها هذين البيتين، وإنَّما قالهما ارتجالًا. فقال [بعضهم]: لا يعيش هذا بعد هذا إلا قليلًا، فكان كذلك.

قال القاضي ابن خلكان

(6)

: وقد زعم بعضهم أنَّ هذه القصيدة امتدح بها بعضَ الخلفاء، فأقطعه الموصل، فأقام بها أربعين يومًا، وليس هذا بصحيح، ولا أصلَ له، وإن كان قد لهِج به بعضُ الناس، كالزمخشري وغيره.

(1)

تاريخ بغداد (8/ 253)، وفيات الأعيان (2/ 18)، وسير أعلام النبلاء (11/ 67) ونسبا أيضًا لغيره.

(2)

هو الحسن بن وهب الوزير، والبيتان في وفيات الأعيان (2/ 18)، ومختصر ابن عساكر (6/ 182)، وسير أعلام النبلاء (11/ 67).

(3)

وفيات الأعيان (2/ 15)، وفيه الأبيات الثلاثة، وهي في ديوانه (2/ 249).

(4)

هو يعقوب بن إسحاق الكندي، كما في ديوانه (2/ 250).

(5)

بعدها في ط: فإنك ما زدت على أن شبهته بأجلافٍ من العرب البوادي.

(6)

وفيات الأعيان (2/ 15).

ص: 112

وقد أورد له الحافظ ابن عساكر

(1)

أشياء مستظرفة من شعره الرائق ونظمه الفائق، فمن ذلك قوله

(2)

:

ولَوْ كانَتِ الأرْزَاقُ تُجْرَى على الحِجَا

هَلَكْنَ إذًا من جَهْلِهنَّ البَهَائِمُ

ولَمْ يَجْتَمِعْ شَرْقٌ وغَرْبٌ لِقَاصِدٍ

ولا المَجْدُ في كفِّ امرئٍ والدَّراهِمُ

ومنه قوله

(3)

:

وما أنا بالعراقِ مِن دُونِ عُرْسِه

(4)

إذا أنا لم أُصْبعْ غَيُورًا على العِلْمِ

طَبيبُ فؤادي مُذْ ثلاثون حجَّةً

(5)

ومُذهِبُ همِّي والمُفَرِّجُ للغَمَ

(6)

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو نَصر التَّمَّار

(7)

.

والعَيْشي

(8)

.

وأبو الجَهْم

(9)

.

ومُسَدَّد

(10)

.

وداودُ بن عَمرو الضَّبِّي

(11)

.

(1)

تاريخ ابن عساكر (4/ 80/ أ) نسخة الظاهرية.

(2)

ديوانه (3/ 178).

(3)

ديوانه (4/ 495) من قصيدة يعاتب فيها أبا القاسم بن الحسن بن سهل.

(4)

في الديوان: وما أنا بالغيران من دُون جاره، وفي ط وابن عساكر: وما أنا بالغيران من دون عرسه.

(5)

في الديوان: لصيق فؤادي مُذْ ثلاثون حجّة، وفي ط: طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجة.

(6)

في الديوان: وصَيقل ذهني والمروِّحُ عن همِّي.

(7)

هو عبد الملك بن عبد العزيز بن ذكوان. إمام ثقة زاهد. نزيل بغداد. امتحن بمسالة خلق القرآن فأجاب تقية وخوفًا من النَّكال، وهو ثقة بحاله. سير أعلام النبلاء (10/ 571).

(8)

في النسخ بغير إعجام، وفي ط: العبسي، وهو عبيد اللَّه بن محمد بن حفص بن عمر، أبو عبد الرحمن القرشي التيمي البصري، ويعرف بابن عائشة، وبالعَيْشي، لأنه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد اللَّه. وهو إمام ثقة، أخباري صادق، كان طلابًا للحديث، عالمًا بالعربية وأيام الناس، كريمًا سخيًا.

تاريخ بغداد (10/ 314)، اللباب (2/ 369)، سير أعلام النبلاء (10/ 564).

(9)

هو العلاء بن موسى بن عطية الباهليّ البغدادي، أبو الجَهم. الشيخ المحدث الثقة. صدوق، من أبناء الثمانين. تاريخ بغداد (12/ 240)، سير أعلام النبلاء (10/ 525).

(10)

هو مُسَدَّد بن مُسَرْهَد بن مُسَرْبَل، السدي، البصري، أبو الحسن. أحد أعلام الحديث. ثقة، حافظ. يقال: إنه أول من صنّف المسند بالبصرة. سير أعلام النبلاء (10/ 591)، تقريب التهذيب (2/ 242).

(11)

داود بن عَمرو بن زهير بن عمرو، أبو سليمان الضَّبِّي البغدادي، ثقة، من كبار شيوخ مسلم. سير أعلام النبلاء (11/ 130)، تقريب التهذيب (1/ 233).

ص: 113

ويحيى بن عبد الحَميد الحِمَّانيّ

(1)

.

‌ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومئتين

في هذه السنة أمر الواثق باللَّه بضرب الدَّوَاوين

(2)

واستخلاص الأموال منهم

(3)

، فمنهم مَن ضُرب ألف سوط، ومنهم من أخذ منه ألف ألف دينار، ودون ذلك. وجاهر الوزير محمد بن عبد الملك لسائر ولاة الشُّرَط بالعَداوة، فكُشفوا وحُبسوا ولقوا جهدًا عظيمًا. وجلس إسحاق بن إبراهيم للنظر في أمرهم، وأقيموا للناس، وافتضحوا فضيحة بليغة.

وكان سببُ ذلك أنَّ الواثق جلس ليلةً في دار الخلافة يُسمَر عنده، فقال: هل منكم أحدٌ يعلم سبب عقوبة جدّي الرشيد للبرامكة؟ فقال بعض الحاضرين: نعم يا أميرَ المؤمنين! كان سبب ذلك: أنَّ الرشيد عُرضت عليه جارية، فأعجبه جمالُها، فساوم سيدَها فيها، فقال: يا أميرَ ألمؤمنين! إني أقسمت [بكل يمين]

(4)

ألا أبيعَها بأقلَّ من مئة ألف دينار، فاشتراها منه بها، وبعث إلى يحيى بن خالد الوزير ليبعث بها إليه من بيت المال، فاعتلَّ بأنها ليست عنده، فأرسل الرشيد يؤنِّبُه، ويقولُ: أليس في بيت مالي مئة ألف دينار؟ وألحَّ في طلبها، فقال يحيى بن خالد: أرسلوها إليه دراهِمَ ليستكثر ذلك، ولعلَّه يردُّ الجارية، فبعثوا بمئة ألف دينار دراهمَ، فقال: ما هذا؟ قالوا: ثمن الجارية، فاستكثر ذلك، وأمرَ بخزنها عند بعض خدمه في دار الخلافة، وأعجبَه جمعُ المال في حواصله.

ثم شَرَعَ في تتبُّع أموال بيت المال، فإذا البرامكة قد استهلكوه، فجعل يهمُّ بأخذهم تارة، ويحجم أخرى، حتى كان في بعض الليالي سمر عنده رجلٌ يقال له: أبو العود، فأطلق له ثلاثين ألف درهم، فذهب إلى الوزير يحيى بن خالد بن برمك، فماطله بها مدة طويلة. فلمَّا كان في بعض الليالي عرض أبو العود ذلك للرشيد بقول عمر بن أبي ربيعة

(5)

:

وَعَدَتْ هِنْدٌ وما كانتْ تَعِدْ

لَيْتَ هِنْدًا أنْجَزَتْنا ما تَعِدْ

واسْتَبَدَّتْ مَرَّة واحِدَةً

إنَّما العاجِزُ مَن لا يَسْتَبِدّ

(1)

يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن ميمون بن عبد الرحمن، أبو زكريا الحِمَّاني الكوفي. حافظ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث. سير أعلام النبلاء (10/ 526)، تقريب التهذيب (2/ 352).

(2)

في الطبري وابن الأثير: الكتَّاب.

(3)

بعده في ط: لظهور خيانتهم وإسرافهم في أمورهم.

(4)

زيادة في ب، ظا، ط.

(5)

ديوانه (ص 101) ط. صادر، مع خلاف في الرواية.

ص: 114

فجعل الرشيدُ يكرِّر قولَه: إنَّما العاجزُ من لا يستبدّ، ويعجبُه ذلك. فلما كان الصباح دخل عليه يحيى بن خالد فأنشده الرشيدُ هذين البيتين وهو يستحسنهما، ففهم ذلك يحيى بنُ خالد وخافَ وسأل عمن أنشد ذلك للرشيد؟ فقيل له: أبو العود. فبعث إليه فأنجز له الثلاثين ألفًا، وأعطاه من عنده عشرين ألفًا، وكذلك ولداه الفضل وجعفر، فما كان عن قريبٍ حتى أخذ الرشيدُ البرامكة، وكان من أمره وأمرهم ما كان.

فلمَّا سمِعَ ذلك كلّه الواثقُ أعجبه ذلك وجعلَ يكرِّر قولَ الشاعر: إنَّما العاجزُ من لا يستبدّ، ثم بطش بالكتَّاب على إثر ذلك، وأخذ منهم أموالًا عظيمة جدًا

(1)

.

وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود أمير الحجيج في السنين الماضية.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

خلف بن هشام البزَّار، أحد مشاهير القرَّاء

(2)

.

وعبد اللَّه بن محمد المُسْنَديّ

(3)

ونُعَيْم بن حمَّاد الخُزاعيّ، أحد أئمة السُّنَّة بعدَ أن كان من أكابر الجَهْمية، وله المصنَّفات المشهورة في الفتن وغيرها

(4)

.

وممن توفي في هذه السنة دينار بن عبد اللَّه

(5)

، المنسوب إليه النسخة المكذوبة عنه أو منه، ولكنها عالية الإسناد إليه، ولكنها موضوعة.

(1)

تاريخ الطبري (9/ 125 - 128)، والكامل لابن الأثير (7/ 10 - 11).

(2)

خلف بن هشام بن ثعلب، أبو محمد البغدادي البزَّار، المقرئ، الحافظ، الحجة، شيخ الإسلام، أحد القراء العشرة، حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين. كان ثقة كبيرًا زاهدًا عابدًا عالمًا. سير أعلام النبلاء (10/ 576)، غاية النهاية (1/ 272).

(3)

عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن جعفر بن يمان الجُعفي، أبو جعفر، المعروف بالمُسندي، لكثره اعتنائه بالأحاديث المسندة. قال الحاكم: إمام الحديث في عصره بما وراء النهر، وهو أستاذ البخاري. وهو من أبناء التسعين. سير أعلام النبلاء (10/ 658).

(4)

وهو أحد علماء الأثر، وله غلطات ومناكير مغمورة في كثرة ما روى، وامتحن بخلق القرآن فلم يجب، فحبس وقيِّد ومات في الحبس. سير أعلام النبلاء (10/ 595)، العبر (1/ 405).

(5)

هو دينار بن عبد اللَّه، أبو مِكْيَس الحبشي الأسود المعمّر. منكر الحديث. كان يزعم أنه خادم أنس بن مالك. كتاب المجروحين والضعفاء (1/ 295)، وتاريخ بغداد (8/ 381)، وميزان الاعتدال (2/ 30).

ص: 115

‌سنة ثلاثين ومئتين

في جمادى

(1)

منها خرجت بنو سُليم حول المدينة النبوية، فعاثوا في الأرض فَسَادًا، وأخافوا السبيل، وقاتلهم أهلُ المدينة، فهزموا أهلَها، واستحوذوا على ما بين المدينة ومكّة وتلك المناهل والقُرى.

فبعث إليهم الواثقُ بُغا الكبيرَ أبا موسى التركيّ في جيشٍ، فقاتلهم في شعبان، فقتَلَ منهم خمسين فارسًا، وأسر مثلهم، وانهزم بقيتُهم، فدعاهم إلى الأمان وأن يكونوا على حكم أميرِ المؤمنين، فاجتمع إليه منهم خلقٌ كثيرٌ، فدخل بهم المدينة، وسجن رؤوسهم في دار يزيد بن معاوية. وخرج إلى الحجِّ في هذه السنة، وشهد معه الموسم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعب نائبُ العراق.

وحجَّ بالناس محمد بن داود الأمير.

‌وفي هذه السنة توفي:

عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين

(2)

: نائبُ خراسان وما والاها من البلدان. وكان خراج ما تحت يده ثمانية وأربعين ألفَ ألف درهم، فولَّى الخليفةُ ابنه طاهرًا مكانه. وكانت وفاة عبد اللَّه بن طاهر الأمير بعد موت أشناس التركي بتسعة أيام، وذلك يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلَتْ من شهر ربيع الأول من هذه السنة.

وقد حكى القاضي ابن خلكان

(3)

: أنه توفي سنة ثمان وعشرين بمَرْو، وقيل: بنيسابور. وكان كريمًا جوادًا ممدَّحًا، له شعر حسنٌ، أورد له منه.

قال

(4)

: وقد ولي نيابة مصرَ بعد العشرين ومئتين.

وذكر الوزير أبو القاسم بن المغربي: أن البطيخ العَبْدَلاوي الذي بمصرَ منسوبٌ إلى عبد اللَّه بن طاهر هذا.

قال القاضي ابن خلكان

(5)

: إما أنه كان يستطيبه، أو لأنَّه أوَّلُ مَن زرعه هناك، واللَّه أعلم. ومن شعره

(6)

:

اغتفِرْ زَلَّتي لِتُحْرِزَ فَضْلَ الشُّـ

ــكْرِ مِنَّي ولا يفوتَكَ أجْرِي

(1)

الطبري: في جمادى الآخرة.

(2)

تاريخ بغداد (9/ 483)، ابن عساكر (3/ 205 - 227)، الكامل لابن الأثير (7/ 14)، وفيات الأعيان (3/ 83)، سير أعلام النبلاء (10/ 684)، النجوم الزاهرة (2/ 258).

(3)

وفيات الأعيان (3/ 88) وحكى أيضًا أنه توفي سنة ثلاثين ومئتين ورجح ذلك، ولذلك ذكره المصنف هنا.

(4)

وفيات الأعيان (3/ 87) وفيه: كان دخوله إليها سنة إحدى عشرة ومئتين.

(5)

وفيات الأعيان (3/ 88).

(6)

وفيات الأعيان (3/ 86).

ص: 116

لا تَكِلْنِي إلى التَّوسُّلِ بالعُذْ

رِ لَعَلّي ألَّا أقُوم

(1)

بِعُذْرِي

ومن شعره أيضًا

(2)

:

نحنُ قومٌ تُلِينُنا الحَدَقُ النُّجْـ

ــلُ علَى أنَّا نُلينُ الحَدِيدا

طَوعَ أيدي الظِّبا تَصَيَّدنا

(3)

العِيـ

ـــنُ ونقتادُ بالطِّعانِ الأسودا

(4)

نملكُ الصَّيدَ ثم تملِكُنا البيـ

ـــضُ المضيئات

(5)

أعيُنًا وخُدودا

تتَّقي سُخْطنا الأسودُ ونخشى

سَخَطَ الخِشْفِ

(6)

حين تُبدي الصُّدودا

فترانا يومَ الكريهةِ أحرا

رًا وفي السِّلم للغواني عَبيدا

قال ابن خلكان

(7)

: وكان خُزاعيًا من موالي طَلْحة الطَّلَحات الخُزَاعيّ

(8)

، وقد كان أبو تمام يمدحه، فرحل مرةً إليه، فأضافه الثلج بهَمَذَان، فصنَّف كتاب "الحماسة" عند بعض رؤسائها. وروى الحافظ ابن عساكر

(9)

أنَّه لمَّا ولاه المأمونُ نيابة بلاد الشام وديار مصر، سار إليها، وقد رسم له بما في ديار مصر من الحواصل، فحمل إليه وهو في أثناء الطريق ثلاثة آلاف ألف دينار، ففرَّقها كلَّها في مجلس واحد. وأنه لمَّا واجه مصرَ نظرَ إليها فاحتقَرَها، وقال: قبَّحَ اللَّهُ فرعون! ما كان أخسَّه وأضعفَ همَّته حين مَلَكَ هذه القريةَ، وقال: أنا ربُّكُم الأعْلَى! [ثم قال عبد اللَّه بن طاهر: واللَّه لا أدخلها

(10)

]

(11)

.

‌وممن توفي فيها:

عليُّ بن الجَعْد الجوهريُّ

(12)

.

(1)

في النسخ: لا أقوم، وأثبت ما جاء في (ط) والوفيات.

(2)

وفيات الأعيان (3/ 85 - 86) وفيه: وقيل: إنها لأصرم بن حميد، ممدوح أبي تمام؛ وكذلك في الوافي بالوفيات (17/ 220).

(3)

في الوفيات: تقتادنا.

(4)

في ط: ومن شأننا نصيد الأسودا.

(5)

في الوفيات: المصونات.

(6)

الخِشف: الظبي التي نفرت من أولادها وتشرَّدت. القاموس.

(7)

وفيات الأعيان (3/ 88).

(8)

هو طَلْحَة بن عبد اللَّه بن خلف الخزاعي، أحد الأجواد المقدَّمين، كان أجود أهل البصرة في زمانه. مات نحو 65 هـ. الأعلام (3/ 229).

(9)

تاريخ ابن عساكر (34/ 208)، تاريخ بغداد (9/ 483).

(10)

في ب: لأدخلها، وابن عساكر: لادخلتها.

(11)

زيادة من نسختي ب، ظا.

(12)

علي بن الجعد بن عبيد، أبو الحسن البغدادي الجوهريّ، مولى بني هاشم. شيخ بغداد في عصره. ثقة، ثبت، رمي بالتشيع. مات عن ست وتسعين سنة. سير أعلام النبلاء (10/ 459)، تقريب التهذيب (2/ 33).

ص: 117

ومحمد بن سعد

(1)

، كاتبُ الواقديّ، وله كتاب "الطبقات" وغيرها من المصنفات.

وسعيد بن محمد الجَرْميّ

(2)

.

‌ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومئتين

فيها: وقعت مفاداةٌ لجماعةٍ من المسلمين كانوا بأيدي الروم، على يدي الأمير خاقان الخادم، وذلك في المحرّم من هذه السنة، وكان عدة الأسارى الذين استُنقذوا من أيدي الكفار أربعة آلاف وثلاثمئة واثنين وستين أسيرًا، وللَّه الحمد والمنة.

‌وفيها كان مقتل:

أحمد بن نَصْر الخُزَاعي

(3)

: رحمه الله وأكرم مثواه.

وكان سبب ذلك أنَّ هذا الرجلَ، وهو أحمد بن نَصْر بن مالك بن الهَيْثم الخُزَاعيّ؛ وجدُّه مالك بن الهَيْثم من أكبر الدعاة في الناس إلى دولة بني العبّاس

(4)

، وكانت له وجاهة ورياسة؛ وكان أبوه نَصْر بن مالك يَغْشاه أهلُ الحديث، وقد بايعه العامّة في سنة إحدى ومئتين على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين كثرت الدُّعّار والشُّطّار

(5)

في أرجاء بغداد في زمان غيبة المأمون عن بغداد، كما قدَّمنا بسط ذلك، وبه تُعرف سُوَيْقَهُ

(6)

نَصْرٍ ببغداد.

وكان أحمد هذا من أهل العلم والديانة والعمل والاجتهاد في الخير، ومن أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلامُ اللَّه، منزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ،

(1)

محمد بن سعد بن منيع، أبو عبد اللَّه البغدادي. مؤرخ ثقة، من حفاظ الحديث، ولد في البصرة، وسكن بغداد، وتوفي فيها. صحب الواقدي المؤرخ، وكتب له وروى عنه، وعرف بكاتب الواقدي. من أشهر مؤلفاته كتاب طبقات الصحابة، ويعرف بطبقات ابن سعد. سير أعلام النبلاء (10/ 664)، الأعلام (6/ 136).

(2)

سعيد بن محمد بن سعيد الجَرْمي الكوفي، أبو عُبيد اللَّه. محدّث، صدوق، رمي بالتشيّع، حدّث عنه البخاري ومسلم. سير أعلام النبلاء (10/ 637).

(3)

تاريخ الطبري (9/ 135 - 139 و 190)، تاريخ بغداد (5/ 173 - 176)، طبقات الحنابلة (1/ 80)، الكامل لابن الأثير (7/ 20)، سير أعلام النبلاء (11/ 166)، تهذيب الكمال (1/ 505 - 514)، الوافى بالوفيات (8/ 211)، شذرات الذهب (2/ 69).

(4)

بعده في ط: الذين قتلوا ولده هذا، وكان أحمد بن نصر هذا له وجاهة ورياسة. .

(5)

"الدعّار": مفرده الداعر، وهو الخبيث المفسد. و"الشطّار": مفرده الشاطر، وهو الخبيث الماكر.

(6)

"سُوَيْقَة": تصغير ساق، وهي مواضع كثيرة. و"سُوَيْقَة نَصر": بشرقي بغداد أقطعه إياها المهدي. معجم البلدان.

ص: 118

وكان الواثقُ هارون من أشدّ الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، اعتمادًا على ما كان عليه أبوه المعتصم وعمه المأمون في ذلك، من غير دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولا سنة ولا قرآن

(1)

. فاجتمع على هذا الرجل أحمد بن نصر جماعة من أهل بغداد، والتفَّ عليه من الألوف أعدادٌ. وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نَصْر هذا رجلان، وهما أبو هارون السرَّاج يدعو أهل الجانب الشرقيّ، وطالب

(2)

يدعو أهلَ الجانب الغربي. ولمَّا كان شعبان من هذه السنة انتظمَت البيعةُ لأحمدَ بن نَصْر الخُزاعيّ في السرّ على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان، لِبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن

(3)

. . فتواعدوا على أنَّه في الليلة الثالثة من شعبان، وهي ليلة الجمعة، يُضْرَبُ طبلٌ في الليل، فيجتمع الناس الذين بايعوا في مكانٍ اتفقوا عليه، وأنفَقَ طالبٌ وأبو هارون في أصحابه دينارًا دينارًا، فكان في جملة مَن أعطوه رجلان من بني أشْرس، وكانا يتعاطيان الشرابَ، فلمَّا كانت ليلة الخميس شرِبا في قومٍ من أصحابهم، واعتقدا أنَّ تلك الليلة هي ليلةُ الوعْدِ، وكان ذلك قبلَه بليلةٍ، فقاما يضربان على طبلٍ في الليل؛ ليجتمعَ إليهما الناسُ، فلم يجيءْ أحدٌ، وانخرَمَ النّظام، وسمِعَ الحرسُ في الليل، فأعلموا نائبَ السلطنة، وهو محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب، نائب أخيه إسحاق بن إبراهيم؛ لغيبته عن بغدادَ، فأصبح الناس متخبِّطينَ، واجتهد نائبُ السلطنة على إحضار ذينك الرجلين، فعاقبهما، فأقرَّا عليه في الحال، فتطلب أحمد بن نصر، وأخذ خادمًا له فاستقرّه فأقرَّ بما أفرَّ به الرجلان، فجمع جماعةً من رؤوس أصحاب أحمد بن نَصْر معه، وأرسَلَ بهم إلى الخليفة بسُرَّ مَن رأى، وذلك في آخر [يوم من]

(4)

شعبان من هذه السنة.

فأحضر له جماعة من الأعيان، وحضر القاضي أحمد بن أبي دواد المعتزليّ، ولم يظهر منه على أحمد بن نَصْر عتب.

فلمَّا أوقف أحمد بن نَصْر بين يدي الخليفة الواثق فلم يعاتبْه على شيء ممَّا كان منه في أمر مبايعة العامة له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعرض عن ذلك، وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلامُ اللَّه. قال: أمخلوقٌ هو؟ قال: هو كلامُ اللَّه. وكان أحمد بن نصر قد استقبل

(5)

وحضر، وقد تحنَّط وتنوَّرَ

(6)

فقال له الواثق: فما تقولُ في ربِّك، أتَراه يوم القيامة؟ فقال: يا أميرَ

(1)

بعدها في ط: فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى اللَّه، وإلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقول بأن القرآن كلام اللَّه منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها.

(2)

في ط: وآخر يقال له: طالب. .

(3)

بعدها في ط: ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها.

(4)

زيادة من ب، ظا.

(5)

في أ: استقل. وفي ط: استقتل وباع نفسه وحضر.

(6)

بعدها في ط: وشد على عورته ما يسترها.

ص: 119

المؤمنين

(1)

! جاءت الأخبار عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تَرَوْنَ ربَّكُم يومَ القيامة كما تَرَوْنَ هذا القمرَ لا تُضامُّون في رؤيته"

(2)

؛ فنحن على الخبر.

زاد الخطيبُ

(3)

في إيراده؛ فقال الواثق: وَيْحَك! أيُرَى كما يُرى المحدودُ المتجسّم؟ ويحويه مكان ويحصُره الناظرُ؟ أنا أكفُرُ بربٍّ هذه صفته.

قلت: وهذا الذي قاله الخليفة الواثق لا يرد، ولا يلزم، ولا يرد به مثل هذا الخبر الصحيح، واللَّه أعلم.

ثم قال أحمد بن نَصْر الخُزَاعيّ للواثق: وحدثني سفيان بحديثٍ يرفعه: "إن قلب ابن آدم بين إصبعَين من أصابع اللَّه يقلِّبُه كيف يشاء". وكان النبيُّ يقول: "يا مقلِّبَ القلوب، ثبِّت قلبي على دينك"

(4)

فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويلك! انظر ما تقول؟ فقال: أنت أمرتني بذلك. فأشفق إسحاق من ذلك، وقال: أنا أمرتك بذلك؟! قال: نعم، أنت أمرتني أن أنصَحَ له.

فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون في هذا؟ فأكثروا القولَ فيه. فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيًا على الجانب الغربي فعزِلَ، وكان موادًّا لأحمد بن نَصْر قبل ذلك: يا أميرَ المؤمنين، هو حلالُ الدّم!

وقال أبو عبد اللَّه الأرمنيّ، صاحبُ أحمد بن أبي دواد: اسقني دمَه يا أمير المؤمنين! فقال الواثق: تأتي

(5)

على ما تريد.

وقال القاضي أحمد بن أبي دواد: يا أمير المؤمنين، هو كافر يُستتاب، لعلَّ به عاهةً أو نقصَ عقل!

فقال الواثق: إذا رأيتموني قمْت إليه فلا يقومَنَّ أحدٌ معي، فإنِّي أحتسب خُطاي. ثم نهض إليه بالصَّمصامة -وقد كانت سيفًا لعمرو بن معديكرب الزّبيدي، أُهديت لموسى الهادي في أيام خلافته،

(1)

بعدها في ط: قد جاء القرآن والأخبار بذلك، قال اللَّه تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إنكم ترون. . ".

(2)

رواه البخاري (2/ 27) في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، وباب فضل صلاة الفجر، وفي تفسير سورة ق، وفي التوحيد، باب قول اللَّه تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} ؛ ومسلم رقم (633) في المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما؛ وأبو داود رقم (4729) في السنة، باب في الرؤية؛ والترمذي رقم (2554) في صفة الجنة، باب ما جاء في رؤية اللَّه تبارك وتعالى.

(3)

تاريخ بغداد (5/ 176).

(4)

رواه أحمد في المسند (6/ 251) من حديث عائشة رضي الله عنها و (6/ 315) من حديث أم سلمة رضي الله عنها، ورواه الترمذي رقم (2140) من حديث أنس رضي الله عنه، وابن ماجه رقم (199) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، وهو حديث صحيح (ع).

(5)

في ط: لا بد أن يأتي ما تريد، وفي الطبري: القتل يأتي على ما تريد.

ص: 120

وكانت صفيحة موصولة في أسفلها مسمورة بثلاثة

(1)

مسامير- فلمَّا انتهى إليه ضربه بها على عاتقه، وهو مربوطٌ بحبْلٍ قد أوقف على نطعٍ، ثم ضربه أخرى على رأسه، ثم طعنَه بالصَّمصامة في بطنه، فسقط رحمه الله صريعًا على النّطع ميتًا، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. ثم انْتَضَى سِيمَا الدّمشقي سيفَه فضرب عنقَه، وحزَّ رأسه، وحُمل معترضًا حتى أُتِيَ [به] الحظيرة التي فيها بابَك الخُزَّميّ، فصلب فيها، وفي رجليه زَوْج قُيود، وعليه سَرَاويل وقميص، وحُمل رأسُه إلى بغدادَ، فنُصبَ في الجانب الشرقيّ أيامًا، وفي الجانب الغربيّ أيامًا، وعنده الحرسُ في الليل والنهار، وفي أذنه رقعة مكتوبٌ فيها: هذا رأسُ الكافر المشرك الضّال أحمد بن نَصْر، ممن قُتل على يدي عبدِ اللَّه هارون الإمام الواثق باللَّه أميرِ المؤمنين، بعد أن أقام عليه الحجّة في خَلْق الفرآن، ونفي التشبيه، وعَرَضَ عليه التوبةَ، ومكَّنه من الرجوع إلى الحق، فأبَى إلَّا المعاندة والتصريح، فالحمدُ للَّه الذي عجَّله إلى ناره وأليم عقابه بالكُفْر، فاستحلَّ بذلك أميرُ المؤمنين دَمَهُ، ولعْنَه.

ثم أمر الخليفة بتتبع رؤوس أصحابه، فأخذ منهم نحوًا من سبعة وعشرين رجلًا، فأودعوا في السجون، وسُمُّوا الظلمة، ومُنعوا أن يزورَهم أحد، وقيّدوا بالحديد، ولم يُجرَ عليهم شيء من الأرزاق التي كانت تجري على المحبوسين، وهذا ظلمٌ عظيمٌ.

[هذا ملخص ما أورده ابن جرير، رحمه الله]

(2)

وقد كان أحمد بن نَصْر هذا رحمه الله من أكابر العلماء العاملين، وممن كان قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسمع الحديث من حمّاد بن زيد، وسفيان بن عُيينة، وهُشَيم بن بشير، وكانت عندَه مصنَّفاته كلُّها، وسمع من الإمام مالك بن أنس أحاديثَ جيدة، ولم يحدِّث بكثير من حديثه.

وحدث عنه أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقيُّ، وأخوه يعقوب بن إبراهيم، ويحيى بن مَعين؛ وذكره يومًا فترحَّم عليه، وقال: قد خَتَم اللَّهُ له بالشهادة، وقد كان لا يحدِّث؛ يقول: إني لست أهلَ ذاك. وأحسن يحيى بن معين الثناء عليه

(3)

.

وذكره الإمام أحمد بن حنبل يومًا، فقال: رحمه الله! ما كان أسخاه! لقد جاد بنفسه للَّه عز وجل

(4)

.

(1)

في أ، ظا غير مقروءة، وأثبت ما جاء في ب والطبري.

(2)

زيادة في ب، ظا، وكذلك في تاريخ الطبري (9/ 135 - 139).

(3)

تهذيب الكمال (1/ 507).

(4)

سير أعلام النبلاء (11/ 168)، وتهذيب الكمال (1/ 510).

ص: 121

وقال جعفر بن محمد الصائغ: بَصَرُ عينيَّ وإلا فعَميتا، وسَمْعُ أذنيَّ وإلا فصمَّتا، أحمدُ بن نَصْر الخُزَاعيُّ حين ضُرِبَتْ عنقُهُ يقولُ رأسُه: لا إله إلا اللَّه

(1)

.

وقد سمعه بعضُ الناس ورأسُه مصلوبٌ على الجِذْع يقرأ: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 1 - 2]، قال: فاقشعرَّ جلدي

(2)

.

ورآه بعضُهم في النوم فقال له: ما فعلَ بك ربُّك؟ فقال: ما كانت إلا غفْوةً حتَّى لقيتُ اللَّه عز وجل، فضحك إليَّ. ورأى بعض الناس في المنام رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر، وقد مرُّوا على الجِذْع الذي عليه رأس أحمد بن نَصْر، فلما جاوزه أعرضَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بوجهه الكريم عنه، فقيل له: يا رسولَ اللَّه! ما لك أعرضتَ عن أحمدَ بن نَصْر؟ فقال: استحياءً منه حين قتله رجلٌ من أهل بيتي

(3)

.

ولم يزل رأس أحمد بن نَصْر منصوبًا ببغداد من يوم الخميس الثامن

(4)

والعشرين من شعبان من هذه السنة، أعني سنة إحدى وثلاثين ومئتين، إلى بعد عيد الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومئتين، فجُمع بين رأسه وجثته، ودُفِنَ بالجانب الشرقيّ من بغداد، بالمقبرة المعروفة بالمالكية

(5)

، رحمه الله. وذلك بأمر المتوكل على اللَّه الذي ولي الخلافة بعد أخيه الواثق باللَّه.

وقد دخل عبد العزيز بن يحيى الكِنَاني

(6)

، صاحب كتاب الحَيْدة، على أمير المؤمنين المتوكل على اللَّه، وكان من خيار الخلفاء، وأحسن صنيعًا إلى أهل السُّنَّة، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمِّه المأمون

(7)

. وكان يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكرامًا زائدًا جدًا، كما سيأتي بيانه في موضعه.

والمقصود أنَّ عبد العزيز الكِناني قال للمتوكل: يا أميرَ المؤمنين! ما رُئيَ أعجَب من أمر الواثق، قَتَلَ أحمد بن نَصْر وكان لسانُهُ يقرأ القرآن إلى أن دُفِنَ. فوجد المتوكل من ذلك وساءَه ما سمع في أخيه الواثق، فلمَّا دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزَّيات، قال له: في قلبي شيء من قَتْل أحمد بن

(1)

تهذيب الكمال (1/ 509).

(2)

صفة الصفوة (2/ 364)، تهذيب الكمال (1/ 512).

(3)

تاريخ بغداد (5/ 179)، تهذيب الكمال (1/ 512).

(4)

في ب، ظا: الثاني والعشرين.

(5)

تاريخ بغداد (5/ 180)، وتهذيب الكمال (1/ 513).

(6)

فقيه مناظر، من تلاميذ الإمام الشافعي. قدم بغداد أيام المأمون، فجرت بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القرآن، له تصانيف عديدة، قيل: منها "الحَيْدة"، رسالة في مناظرة لبثر المريسي، ونفى صاحب ميزان الاعتدال (2/ 141) نسبته إليه. الأعلام (4/ 29).

(7)

بعده في ط: فإنهم أساؤوا إلى أهل السنة، وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم، فأمره أن ينزل جثة محمد بن نصر ويدفنه ففعل، وقد كان المتوكل يكرم. .

ص: 122

نَصْر، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أحْرَقني اللَّه بالنار، إنْ قَتَلَه أميرُ المؤمنين الواثق إلا كافرًا! ودخل عليه هَرْثَمَة، فقال له في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، قطعني اللَّه إرْبًا إرْبًا، إنْ قَتَلَهُ الواثق إلا كافرًا! ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دواد، فقال له مثل ذلك، فقال: ضربني اللَّه بالفالج، إنْ قَتَله الواثق إلا كافرًا!

قال المتوِكِّلُ: فأمَّا ابنُ الزَّيَّات فأنا أحرقْتُه بالنَّار. وأمَّا هَرْثَمة فإنَّه هرب وتَبَدَّى، فاجتاز بقبيلة خُزَاعَةَ، فعرفه رجلٌ من الحيِّ، فقال: يا معشَرَ خُزَاعَةَ، هذا الذي قتل ابنَ عمِّكم أحمد بن نَصْر، فقَطَّعُوه إرْبًا إرْبًا. وأمَّا ابنُ أبي دواد، فقد سَجَنه اللَّهُ في جِلْدِه، يعني بالفالج، ضَرَبهُ اللَّهُ به قبل مَوْتِه بأربع سنين، وصُودر من صلب ماله بمال جزيل جدًا كما سيأتي بيان ذلك في موضعه

(1)

.

وروى أبو داود في كتاب "المسائل" عن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقيِّ، عن أحمد بن نَصْر، قال: سألتُ سفيانَ بن عُيَينَةَ: "القلوبُ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ"

(2)

، و"إنَّ اللَّه يضحَكُ مِمَّن يذكرُه في الأسواق"

(3)

. فقال: ارووها كما جاءت بلا كيف

(4)

.

وفي هذه كان الواثق قد عزم على الحج، واستعدَّ لذلك، فذُكر له أنَّ الماء بالطريق قليلٌ، فترك الحجَّ عامئذ.

وفيها: تولَّى

(5)

جعفر بن دينار

(6)

نيابة اليمن فسار إليها في أربعة آلاف فارس.

وفيها: عدا قوم من العامّة على بيت المال، فأخذوا منه شيئًا من الذهب والفضة، فأُخِذُوا وسُجنوا.

وفيها: ظهر خارجيٌّ ببلاد ربيعة، فقاتلَهُ نائبُ المَوْصِل فكسره، وانْهَزَم بقيَّةُ أصحابه.

(1)

تاريخ بغداد (5/ 177)، تهذيب الكمال (1/ 510).

(2)

رواه بنحوه أحمد في المسند (2/ 168)، ومسلم رقم (2654) في القدر من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص بلفظ:"إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، وبنحوه عن الترمذي رقم (2140) من حديث أنس، وعند ابن ماجه رقم (199) من حديث النواس بن سمعان، وعن أم سلمة عند الترمذي رقم (3522) وأحمد (6/ 302 و 315) وعن عائشة عند أحمد (6/ 250 و 251).

(3)

ذكره بهذا اللفظ أبو عمر بن عبد البر، في "التمهيد"(7/ 149) ولم أجده عند غيره، وقد ورد إسناد الضحك إلى اللَّه تعالى في غير ما حديث صحيح، منها ما رواه البخاري (6/ 29 و 30) في الجهاد، ومسلم رقم (1890) في الإمارة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"يضحك اللَّه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل اللَّه فيقتل، ثم يتوب اللَّه على القاتل فيستشهد" ولكن نكل علمه إلى اللَّه تعالى (ع).

(4)

تهذيب الكمال (1/ 514).

(5)

في أ، ب: توفي، وأثبت ما جاء في ظا والطبري وابن الأثير.

(6)

في أ: نائب، وأثبت ما جاء في ب، ظا.

ص: 123

وفيها: قدم وصيف الخادم بجماعةٍ من الأكراد نحو من خمسمئة في القيود، كانوا قد أفسدوا في الطرقات وقطعوها، فأطلق الخليفةُ لوصيف خمسةً وسبعينَ ألفَ دينار، وخلع عليه.

وفي هذه السنة قدم خاقان الخادمُ من بلاد الروم، وقد تمَّ الصلح والمفاداة بينه وبين الروم، وقدم معه جماعة من رؤوس أهل الثغور، فأمر الواثق بامتحانهم في القول بخَلْق القرآن، وأنَّ اللَّه لا يُرى في الآخرة، فأجابوا، إلَّا أربعةً، فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يجيبوا بمثل ما أجاب به بقيتهم. وأمر الواثق أيضًا بامتحان الأسارى المسلمين الذين فودي عنهم بذلك، فمن أجاب إلى القول بخَلْقِ القرآن وأنَّ اللَّه لا يُرى في الآخرة فُودِيَ، وإلا تُرِكَ في أيدي الكُفَّار. وهذه بِدْعَة صَلْعاء

(1)

، شَنعاء، عَمياء، صمَّاء، لا مستند لها من كتاب ولا سنَّة، ولا عقلٍ صحيح، [ولا نقلٍ صريح]

(2)

، بل الكتابُ والسُّنَّةُ والعقلُ الصَّحيحُ بخلافها، كما هو مقرَّرٌ في موضعه، وباللَّه المستعان.

وكان وقوع المفاداة عند نهر يقال له: اللامِس، عند سَلُوقيَة بالقرب من طَرَسُوسَ، بدل كل مسلمٍ أو مسلمة في أيدي الروم، أو ذميّ أو ذميّة كان تحت عقد المسلمين أسير من الروم كان بأيدي المسلمين ممن لم يسلم، فنصبوا جسرين على النهر، فإذا أرسَلَ الروم رجلًا أو امرأةً في جسرهم فانتهى إلى المسلمين كبَّر وكبَّر المسلمون، ويرسل المسلمون أسيرًا من الروم على جسرهم، فإذا انتهى إليهم تكلَّم بكلام يشبه التكبير أيضًا. ولم يزالوا كذلك مدَّة أربعة أيامٍ بدل كلّ نفس نفس، ثم بقي مع خاقان جماعة من الأسارى فأطلقهم للروم حتَّى يكونَ له الفضلُ عليهم.

قال ابنُ جرير

(3)

: وفي هذه السنة مات الحسن بن الحسين أخو طاهر بن الحسين بطَبرِستان في شهر رمضان.

وفيها: مات الخطاب بن وجه الفُلْس.

وفيها: مات أبو عبد اللَّه ابن الأعرابي

(4)

الراويةُ، يوم الأربعاء لثلاثَ عشرة خلَتْ من شعبان، وهو ابن ثمانين سنة.

وفيها: ماتت

(5)

أم أبيها بنت موسى أخت علي بن موسى الرّضا.

(1)

"الصَّلعاء": الداهية والأمر الشديد.

(2)

زيادة من ب، ظا.

(3)

تاريخ الطبري (9/ 145).

(4)

هو محمد بن زياد بن الأعرابي، أبو عبد اللَّه، إمام اللغة، وإليه كان المنتهى في معرفة لسان العرب وله عددٌ من المصنفات. معجم الأدباء (18/ 189)، سير أعلام النبلاء (10/ 687).

(5)

في أ: مات أم أمها، وفي ب، ظا: مات أم ابنها، وأثبت ما جاء في ط والطبري وابن الأثير.

ص: 124

وفيها: مات مُخَارق المغنِّي

(1)

.

وأبو نصر أحمد بن حاتم، راوية الأصمعي

(2)

.

وعمرو بن أبي عمرو الشيباني

(3)

.

ومحمد بن سَعْدان النَّحوي

(4)

.

قلت: وممن توفي فيها من الأعيان أيضًا:

أحمد بن نَصْر الخُزَاعيّ، كما تقدَّم.

وإبراهيم بن محمّد بن عَرْعَرَة

(5)

.

وأُميَّة بن بِسْطَام

(6)

.

وأبو تمام الطائي الشاعر، في قولٍ، والمشهور ما تقدَّم

(7)

.

وكاملُ بنُ طلحة

(8)

.

ومحمّد بن سَلام الجُمحيّ

(9)

. وأخوه عبد الرحمن

(10)

.

(1)

مخارق، أبو المهنَّأ، ابن يحيى الجزار، إمام عصره في فن الغناء، ومن أطيب الناس صوتًا. كان الرشيد يعجب به حتى أقعده مرة على السرير معه، وأعطاه ثلاثين ألف درهم. وكان لحانًا، لا يقيم الإعراب. الأعلام (7/ 191).

(2)

أديب، من أهل البصرة. روى عن الأصمعي كتبه كلها، له عدة كتب، منها:"شرح ديوان ذي الرُّمة" مطبوع في ثلاثة أجزاء، برواية أبي العباس ثعلب. تاريخ بغداد (4/ 114)، الأعلام (1/ 109).

(3)

روى عن أبيه أبي عمرو الشيباني.

(4)

محمد بن سَعْدان الكوفي، أبو جعفر. نحوي مقرئ ضرير، له كتب في النحو والقراءات. نَكْتُ الهميان (252)، وتاريخ بغداد (5/ 324)، والأعلام (6/ 137).

(5)

أبو إسحاق القرشي الشامي البصري، الحافظ الكبير المجوِّد، نزل بغداد، ونشر بها العلم، وهو من أولاد المحدّثين؛ كان والده من شيوخ البخارى القدماء. صدوق. سير أعلام النبلاء (11/ 479)، والعبر (1/ 408).

(6)

أميَّة بن بسْطام بن المنتشر، أبو بكر العيشيّ البصري، الحافظ الثقة. سير أعلام النبلاء (9/ 11)، العبر (1/ 409).

(7)

تقدمت ترجمته ووفاته في حوادث سنة 228 هـ.

(8)

أبو يحيى الجَحْدري، شيخ البصرة في وقته، نزيل بغداد. إمام صدوق، ذكره ابن حبان في الثقات. سير أعلام النبلاء (11/ 107).

(9)

أبو عبد اللَّه، إمام في الأدب، من أهل البصرة، مات ببغداد. كان عالمًا أخباريًا، أديبًا بارعًا، له كتب، منها: طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين. سير أعلام النبلاء (10/ 651)، الأعلام (6/ 146).

(10)

أبو حرب، أخو محمد بن سلام الجمحي. إمام ثقة صدوق، مات بالبصرة، وهو من أبناء التسعين كأخيه. سير أعلام النبلاء (10/ 650).

ص: 125

ومحمَّد بن مِنهال الضَّرير

(1)

.

ومحمد بن مِنهال، أخو حجَّاج

(2)

.

وهارون بن معروف

(3)

.

والبُوَيْطيّ

(4)

، صاحب الشافعي، مات في السجن مقيّدًا حتى يقولَ بخلْق القرآن، فامتنع من ذلك، رحمه الله.

ويحيى بن بُكَيرْ

(5)

، راوي "الموطّأ" عن مالك.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومئتين

فيها: عاثت قبيلة يقال لهم: بنو نُمَيْر باليمامة في الأرض فسادًا، فكتب الواثق إلى بُغا الكبير وهو مقيمٌ بأرض الحجاز، فحاربَهم فقتَل منهم جماعةً، وأسرَ منهم آخرين، وهزم بقيتهم، ثم التقى مع بني تميم وهو في ألف

(6)

فارس وهم في ثلاثة آلاف، فكانت بينهم حروب طويلة، ثم كان الظفَر له عليهم آخرًا، وذلك في النصف من جمادى الآخرة.

ثم عاد بعد ذلك كله إلى بغداد ومعه من أعيان رؤوس العرب في الأسر والقيود، وقد قتل من أشرافهم في الوقائع المتقدم ذكرها ما ينيف على

(7)

ألفي رجل من بني سليم، ونُمَير، وكِلاب، ومُرَّة، وفَزارة، وثَعلبة، وطّيئ، وتميم وغيرهم.

(1)

أبو جعفر، وقيل: أبو عبد اللَّه التَّميميّ البصري، صاحب يزيد بن زُريع وراويته. حافظ، مجوِّد ثقة، لم يرحل، ولا كتب، بل كان يحفظ. سير أعلام النبلاء (10/ 642).

(2)

محمد بن المِنهال البَصريّ العطَّار، أخو الحافظ الثقة حجَّاج بن منهال الأنماطي، وهو كسَمِيِّه محمد بن المنهال ثقة، والضرير أحفظ وأكيس، ومات مثله في السنة نفسها. سير أعلام النبلاء (10/ 645).

(3)

أبو علي المَرْوَزيّ البغدادي الخزَّاز الضرير، الإمام القدوة، من حفاظ الوقت، صاحب سنة. سير أعلام النبلاء (11/ 129)، العبر (1/ 410).

(4)

هو يوسف بن يحيى البُوَيْطيّ، أبو يعقوب، صاحب الإمام الشافعي، لزمه مدة، وتخرَّج به، كان عابدًا مجتهدًا، دائم الذكر، كبير القدر، إمامًا في العلم والفقه. ثقة صاحب سنة. سير أعلام النبلاء (12/ 85)، العبر (1/ 411).

(5)

هو يحيى بن عبد اللَّه بن بُكير، أبو زكريا القرشي المخزومي، المِصري، الإمام المحدِّث الحافظ ثقة في الليث، وتكلموا في سماعه من مالك. سمع الموطّأ من الإمام مالك سبع عشرة مرة. سير أعلام النبلاء (10/ 612)، تقريب التهذيب (2/ 351).

(6)

في أ، ط: ألفي فارس، وأثبت ما جاء في ب، ظا والطبري وابن الأثير.

(7)

في النسخ: عن، وأثبت ما جاء في ط.

ص: 126

وفي هذه السنة أصاب الحجيج في الرجوع عطشٌ شديد حتى بيعت الشَّرْبةُ بالدَّنانير الكثيرة، ومات خَلْق كثير من العطش، رحمهم الله.

وفيها: أمر الواثق بترْك جباية أعشار سفن البحر.

‌وفاة الخليفة أبي جعفر هارون الواثق بن محمد المعتصم

ابن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد اللَّه ذي البينات بن محمد الإمام بن علي السجَّاد بن عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي. كان هلاكه في ذي الحجة من هذه السنة بعلة الاستسقاء، فلم يقدر على حضور العيد عامئذ، فاستناب في الصلاة بالناس قاضيه أحمد بن أبي دواد الإياديّ المعتزليّ. وكانت وفاته لست بقين من الشهر، وذلك أنه قوي به الاستسقاء، فأُقعِدَ في تنّور قد أُحمي له بحيث يمكن إجلاسه فيه ليسكنَ وجعُه، فلان عليه أمره بعض الشيء، فلمَّا كان من الغد أمر بأن يُحمى أكثر من العادة، فأُجلس فيه، ثم أُخرج فوضع في مِحَفَّةٍ، فحُمِلَ فيها وحولَه أمراؤه ووزراؤه وقاضيه، [فمات وهو محمول، فما شعروا حتى سقط جبينُه على المِحَفَّة]

(1)

وهو ميت، فغمَّضَ القاضي عينيه بعد ذلك، وهو الذي ولي غسلَه والصَّلاةَ عليه ودفنه في القصر الهاروني.

وكان أبيضَ اللون، مشربًا حُمرةً، جَميلًا رَبْعَةً، حسنَ الجسم، قائمَ العين اليسرى، فيها نُكتة بياض.

وكان مولده سنة ست وتسعين ومئة بطريق مكة، فمات وهو ابن ستٍّ وثلاثين سنة، وكانت مدة خلافته خمسَ سنين، وتسعة أشهر، وخمسة أيام، وقيل: وسبعة أيام واثنتي عشرة ساعة

(2)

.

وقد كان جمع أصحابَ النُّجوم [في زمانه]

(3)

حين اشتدَّتْ علَّته

(4)

، لينظروا في مولده، وما تقتضيه صناعةُ النجوم كم تدوم أيامُ دولته، فاجتمَعَ عنده من رؤوسهم جماعة؛ منهم: الحسن بن سهل، والفضلُ بن إسحاق الهاشميّ، وإسماعيل بن نُوبَخت، ومحمد بن موسى الخُوارزميّ والمجوسيّ القُطْرُبُّليّ، وسند صاحب محمد بن الهيثم، وعامَّة مَنْ ينظر في النجوم. فنظروا في مولده وما يقتضيه الحال عندهم

(5)

، ثم أجمَعُوا على أنه يعيش دهرًا طويلًا، وقدَّروا له خمسين سنة مستقبلة، فلم

(1)

تكملة من نسخة ب.

(2)

بعدها في ط: فهكذا أيام أهل الظلم والفساد والبدع قليلة قصيرة.

(3)

زيادة في ب، ظا، ط.

(4)

بعدها في ط: وإنما اشتدت بعد قتله أحمد بن نصر الخزاعي، ليلحقه إلى بين يدي اللَّه. فلمَّا جمعهم أمرهم أن ينظروا. .

(5)

في أ: عنده.

ص: 127

يلبث بعد قولهم إلا عشرة أيام حتى مات. ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري

(1)

، رحمه الله.

قال ابن جرير

(2)

: وذكر الحسين بن الضحَّاك أنَّه شهد الواثقَ بعد أن مات المعتصم بأيام، وقد قعد مجلسًا كان أوَّل مجلس قعده. وكان أوّل من تغنَّى في ذلك المجلس أن تغنَّت

(3)

شارية جارية إبراهيم بن المهديّ:

ما دَرَى الحامِلونَ يومَ استقلُّوا

نَعْشَهُ للثَّراءِ أمْ للِّقاءِ

(4)

فلْيقُلْ فيكَ باكِياتُكَ ما شِئْـ

ـــــنَ صَباحًا وعندَ كُلِّ مَسَاءِ

قال: فبكى وبكينا حتَّى شَغَلَنا البكاء عن جميع ما كنَّا فيه. ثم اندفع بعضهم يغنِّي

(5)

:

وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ

وَهَلْ تُطيقُ وَدَاعا أيُّها الرَّجُلُ!

فازداد واللَّه بكاؤه، وقال: ما سمعْتُ كاليوم قطّ تعزية باب ونعيّ نفس، ثم ارفضَّ ذلك المجلس.

وروى الخطيب

(6)

البغدادي: أنَّ دِعْبِلَ بنَ عليّ الشاعر لمَّا تولَّى الواثقُ عَمَدَ إلى طُومَارٍ

(7)

فكتب فيه أبياتَ شعرٍ، ثم جاء إلى الحاجب فدفعه إليه، وقال: أقرئ أميرَ المؤمنين السلام، وقل: هذه أبيات امتدَحَكَ بها دِعْبِل، فلمَّا فضَّها الواثق إذا فيها

(8)

:

الحَمْدُ للَّهِ لا صَبْرٌ ولا جَلَدٌ

ولا رُقَادٌ إذا أهلُ الهَوَى رَقَدُوا

(9)

خليفةٌ ماتَ لم يَحْزَنْ لَهُ أحَدٌ

وآخرٌ قامَ لم يَفْرَحْ بهِ أحَدُ

فَمَرَّ هذا ومَرَّ الشُّؤْمُ يَتبعُهُ

وقامَ هذا فقامَ الويلُ والنَّكَدُ

قال: فتطلَّبه الخليفة بكلِّ ما يمكنه، فلم يقدر عليه حتى مات الواثق.

وروى

(10)

أيضًا: أنَّه لمَّا استخلَفَ الواثق ابنَ أبي دوادَ على الصَّلاة في يوم العيد فرجع إليه، فقال:

(1)

تاريخ الطبري (9/ 150 - 151).

(2)

تاريخ الطبري (9/ 151)، ابن الأثير (7/ 31).

(3)

في النسخ غير واضحة، وأثبت ما جاء في الطبري.

(4)

في الطبري: للغناء.

(5)

للأعشى: ديوانه (144) ط. صادر.

(6)

تاريخ بغداد (14/ 16).

(7)

"الطُّومار": الطامور، وهي الصحيفة، وجمعها طوامير.

(8)

ديوانه ص (115)، وتاريخ بغداد (14/ 17).

(9)

الديوان ولا عَزاء إذا أهل البَلا رقدوا.

(10)

تاريخ بغداد (14/ 18).

ص: 128

كيف كان عيدكُم يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: كنَّا في نهارٍ لا شمسَ فيه. فضحك، وقال: يا أبا عبد اللَّه، أنا مؤيَّد بك.

قال الخطيب

(1)

: وكان ابن أبي دواد قد اسْتَولى على الواثق، وحمَلَه على التشديد في المِحنة، ودعا النَّاسَ إلى القَوْل بخَلْقِ القرآن. قال: ويقال: إنَّ الواثق رجع عن ذلك قبل موته فأخبرني عبيد اللَّه بن أبي الفتح، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، حدَّثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، حدّثني حامد بن العباس، عن رجل، عن المهدي، أنَّ الواثق مات وقد تاب عن القول بخَلْق القرآن.

وروى

(2)

أن الواثق دخل عليه يومًا مؤدِّبُه فأكرمه إكرامًا كثيرًا، فقيل له في ذلك، فقال: هذا أوَّلُ من فتق لساني بذكر اللَّه، وأدناني من رحمة اللَّه.

وكتب إليه بعض الشعراء

(3)

:

جَذَبْتُ دَوَاعي النَّفْسِ عن طَلَبِ الغِنَى

وقلْتُ لها عفّي عنِ الطَّلبِ النَّزْرِ

فإنَّ أميرَ المؤمنينَ بكفِّهِ

مَدَارُ رَحَى الأرْزَاقِ دائبة تجري

فوقَّع له في رُقْعَته: جَذَبَتْكَ نفسُك عن امْتِهانها، ودَعَتْكَ إلى صَوْبِها، فخُذْ ما طلبته هيِّنًا، وأجْزَلَ له العطاء.

ومن شعره قوله

(4)

:

هَيَ المقاديرُ تَجْرِي في أعِنَّتِها

فاصْبِرْ فليسَ لها صَبْرٌ عَلَى حَالِ

ومن شعر الواثق [قوله]

(5)

:

تنحَّ عنِ القَبيحِ ولا تُرِدهُ

ومَنْ أوْلَيْتَهُ حُسنًا فَزِدْهُ

ستُكْفَى من عدوِّك كلَّ كيدٍ

إذا كادَ العَدُوُّ ولَمْ تَكِدْهُ

وقال القاضي يحيى بنُ أكثم

(6)

: ما أحسَنَ أحدٌ من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسَنَ إليهم الواثق: ما مات وفيهم فقيرٌ.

(1)

المصدر السابق.

(2)

تاريخ بغداد (14/ 17)، ومؤدبه هو هارون بن زياد، كما في تاريخ بغداد، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (ص 349).

(3)

هو محمد بن حماد، والبيتان في تاريخ بغداد (14/ 17).

(4)

تاريخ بغداد (14/ 18).

(5)

المصدر السابق.

(6)

تاريخ بغداد (14/ 19)، سير أعلام النبلاء (10/ 307).

ص: 129

ولما احتُضِرَ الواثق جعلَ يردِّد هذين البيتين

(1)

:

المَوْتُ فيهِ جَميعُ الخَلْقِ مشترِكٌ

لا سُوقَةٌ مِنْهُمُ يَبْقَى ولا مَلِكُ

ما ضَرَّ أهلَ قليلٍ في تفاقُرِهمْ

وليسَ يُغني عن الأمْلاكِ ما مَلَكُوا

ثم أمر بالبُسُطِ فطُويت، ثم ألْصَقَ خدَّهُ بالأرض، وجعل يقول: يا مَن لا يَزُول ملكُه، ارْحَمْ مَن قد زالَ مُلْكُهُ.

وقال بعضهِم: لما احتُضِرَ الواثق ونحن حولَه، غشي عليه، فقال بعضُنا لبعض: انظروا هل قضى نحبه؟ قال: فدنَوْتُ من بينهم إليه لأنظرَ هَلْ هدأ نَفَسُه، فأفاق فَلَحَظَ إليَّ بعينه، فرجعْتُ القَهْقَرى خوفًا منه، فتعلَّقَتْ قائمة سيفي بشيء، فكدت أن أهلك، فما كان عن قريب حتى مات، وأُغلِقَ عليه الباب الذي هو فيه، وبقي فيه وحدَه، واشتغَلُوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل، وجلسْتُ أنا أحرُسُ البابَ، فسمعْتُ حركةً من داخل البيت، فدخلْتُ، فإذا جُرَذٌ قد أكل عينَه التي لَحَظَ إليَّ بها، وما كان بين الحالين إلا اليسير

(2)

.

وكانت وفاته بسرَّ مَن رأى التي كان يسكنها في القصر الهاروني، في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة -أعني سنة ثنتين وثلاثين ومئتين- عن ست وثلاثين سنة، وقيل: عن ثنتين وثلاثين سنة. وكانت مدة خلافته خمسَ سنين، وتسعةَ أشهرٍ، وخمسة أيام. وقيل: خمس سنين، وشهران، وأحد وعشرون يومًا، وصلَّى عليه أخوه جعفر المتوكِّل.

‌خلافة المتوكِّل على اللَّه جعفر بن المعتصم باللَّه

بُويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق هارون، وكانت بيعته وقت زوال الشمس من يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة، وكانت الأتراك قد عزموا على تولية محمد بن الواثق فاستصغروه فتركوه وعدلوا إلى جعفر هذا، وكان عمره إذ ذاك ستًا وعشرين سنة، وكان الذي ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبي دواد القاضي، وهو أوَّلُ من سلَّم عليه بالخلافة، وبايعه الخاصّة ثمّ العامّة. وكانوا قد اتفقوا على تسميته بالمنتصر إلى صبيحة يوم الجمعة، فقال أحمد بن أبي دواد: رأيت أن يلقَّبَ أمير المؤمنين بالمتوكِّل على اللَّه، فاتفقوا على ذلك، وكتب به إلى الآفاق، وأمر بإعطاء الشاكريّة من الجند ثمانية شهور، وللمغاربة أربعة شهور، ولغيرهم ثلاثة شهور، واستبشر الناس به.

(1)

تاريخ بغداد (14/ 19)، الكامل لابن الأثير (7/ 29)، سير أعلام النبلاء (10/ 313).

(2)

تاريخ بغداد (14/ 19)، الكامل لابن الأثير (7/ 30)، سير أعلام النبلاء (10/ 313).

ص: 130

وقد كان المتوكل رأى في منامه في حياة أخيه الواثق كأنَّ شيئًا نزل

(1)

عليه من السماء مكتوب فيه "جعفر المتوكِّل على اللَّه"، فعبَّرها، فقيل له: هي الخلافة، فبلَّغ ذلك أخاه الواثق فسجنه حينًا ثم أرسله

(2)

.

وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود، أمير مكّة، شرَّفها اللَّه.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحَكَمُ بن موسى

(3)

.

وعمرو بن محمد النَّاقد

(4)

.

‌ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئتين

في يوم الأربعاء سابع صفر منها أمر الخليفة المتوكِّلُ على اللَّه بالقبض على محمد بن عبد الملك بن الزيات، وزير الواثق، وكان المتوكِّلُ يبغضه لأمورٍ، منها أنَّ أخاه الواثق تغَضَّبَ عليه في بعض الأوقات، وكان ابنُ الزَّيَّات يزيد الواثق غضَبًا على أخيه، فبقي ذلك في نفسه منه، ثم كان الذي استرضى الواثقَ عليه أحمد بن أبي دواد، فحظي بذلك عنده في أيام مُلْكه؛ ومن ذلك أنَّ ابن الزيات كان قد أشار بخلافة محمد بن الواثق بعد أبيه، ولَفَّ عليه الناس، وجعفر المتوكِّل في جنب دار الخلافة، فلم يتمّ الأمر إلا لجعفر المتوكل، على رغم أنف ابن الزيات. فلهذا أمر بالقبض عليه سريعًا، فطلبه

(5)

فركب بعد غدائه يظنُّ أن الخليفة بعث إليه، فأتت به الرسل إلى دار إيتاخ أمير الشرطة، فاحتيط عليه، وقُيِّد، وبعثوا في الحال إلى داره فأُخِذَ جميعُ ما كان فيها من الأموال والجواري والجواهر والحواصل والأثاث، ووجدوا في مجلسه الخاص به آلات الشراب.

وبعث الخليفة إلى حواصله وضياعه بسائر الأماكن فاحتيط عليها، وأمر به أن يعذَّبَ؛ فمنع من

(1)

في ب، ظا: دلّي عليه.

(2)

في ب، ظا: أطلقه.

(3)

أبو صالح البغدادي القَنْطَريّ الزاهد، أحد العبّاد، الإمام المحدّث القدوة الحجّة، وثقه ابن معين. سير أعلام النبلاء (11/ 5).

(4)

عمرو بن محمد بن بُكَير بن سابور البغدادي الناقد، أبو عثمان، نزيل الرقة. ثقة، صاحب حديث، من الحفاظ المعدودين. سير أعلام النبلاء (11/ 147).

(5)

في أ: فطلب.

ص: 131

الكلام

(1)

، وجعلوا يساهرونه كلما أراد الرُّقاد نُخِسَ بالحديد، ثم وُضِعَ بعد ذلك كلّه في تنّور من خشب فيه مساميرُ قائمة في أسفله، فأقيمَ عليها، ووكِّلَ به من يمنعه من الرُّقاد، فمكث كذلك أيامًا حتى مات وهو كذلك.

ويقال: إنه أخرج من التنوّر وفيه رَمَقٌ، فضُرِبَ على بطنه، ثم على ظهره حتى مات وهو تحت الضرْبِ.

ويقال: إنه أُحرِق، ثم دُفعت جثته إلى أولاده فدفنوه، فنبشت عليه الكلاب، فأكلت لحمه وجلده، سامحه اللَّه.

وكانت وفاته لإحدى عشرة من ربيع الأول منها.

وكان قيمة ما وُجد له من الحواصل نحوًا من تسعين ألف ألف دينار، وقد قدَّمنا أنَّ المتوكِّلَ سأله عن قتل أخيه الواثق أحمد بن نَصْر، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، أحرقني اللَّه بالنار إن كان الواثق قتله يوم قتلَه إلا وهو كافر.

وفي جمادى الأولى منها فُلِجَ أحمدُ بن أبي دواد القاضي المعتزلي، فلم يزل كذلك حتى مات بعد أربع سنين وهو كذلك، كما دعا على نفسه كما تقدَّم.

ثم غضبَ المتوكِّلُ على جماعة من الكتّاب والعمّال، وأخذ منهم أموالًا جزيلة جدًا.

وفيها: ولَّى [المتوكلُ]

(2)

ابنه محمدًا المنتصر الحجاز واليمن، وعقَدَ له على ذلك كلِّه في رمضان منها.

وفيها: عَمَدَ ملكُ الروم ميخائيل بن توفيل إلى أمِّه تدُورَةَ فأقامها في الشمس

(3)

، وألزمها الدّير، وقتل الرجل الذي اتَّهمها به، وكان ملْكُها ستَّ سنين.

وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود أمير مكّة، حرسها اللَّه تعالى وشرَّفها.

‌وفيها توفي:

إبراهيم بن الحجّاج السَّامي

(4)

.

(1)

في ب، ظا: الطعام.

(2)

زيادة في ط.

(3)

الطبري: فشمَّسها.

(4)

في النسخ والمطبوع: الشامي، وأثبت ما جاء في تهذيب الكمال (2/ 69)، وسير أعلام النبلاء (11/ 39). والسَّامي، بالسين المهملة: نسبة إلى سامَة بن لؤي. وهو إبراهيم بن الحجّاج بن زيد السَّامي الناجي، أبو إسحاق البَصريّ، المحدّث، ذكره ابن حبان في الثقات.

ص: 132

وحِبَّان بن موسى العربي

(1)

.

وسُليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ

(2)

.

وسهل بن عثمان العسكريّ

(3)

.

ومحمد بن سَماعة القاضي

(4)

.

ومحمّد بن عائذ الدِّمشقيُّ، صاحبُ المغازي

(5)

.

ويحيى المَقابريّ

(6)

.

ويحيى بن مَعين

(7)

، أحد أئمة الجرح والتعديل، وأستاذ أهل صناعة الحديث في زمانه.

‌ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومئتين

فيها: خرج محمّد بن البعِيث بن الجليس

(8)

عن الطاعة في بلاده، في أذْربيجان، وأظهر أنَّ المتوكِّلَ مات، والتفَّ عليه جماعة من أهل تلك الرَّسَاتيق

(9)

، ولجأ إلى مدينة مَرَنْد

(10)

فحصَّنها،

(1)

كذا في أ، ط: العربي. وفي ب، ظا: المغربي. وهو حِبَّان بن موسى بن سَوَّار السُّلَميّ، أبو محمد المَروزي الكُشْمِيهَنِيّ. محدّث مشهور، ذكره ابن حبّان في الثقات. تهذيب الكمال (5/ 344).

(2)

سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى بن ميمون، أبو أيوب التميمي الدمشقي، ابن بنت شُرَحْبيل، جدّه شُرَحبيل بن مسلم الخولاني. محدّث دمشق، حافظ ثقة. سير أعلام النبلاء (11/ 136).

(3)

أبو مسعود، الحافظ المجوّد الثبت، أحد الأئمة. توفي في هذه السنة، أو في حدودها. سير أعلام النبلاء (11/ 454)، والعبر (1/ 414).

(4)

أبو عبد اللَّه، قاضي بغداد، صنف التصانيف، ولي القضاء للرشيد، تفقّه على أبي يوسف، ومحمد، وقد جاوز المئة. سير أعلام النبلاء (10/ 646).

(5)

أبو عبد اللَّه الدمشقي الكاتب، صاحب المغازي والفتوح، والصوائف، وغير ذلك من المصنفات المفيدة، تولى ديوان الخراج بالشام زمن المأمون، مؤرخ صادق. سير أعلام النبلاء (11/ 104)، العبر (1/ 414).

(6)

هو يحيى بن أيوب المقابري، أبو زكريا البغدادي العابد، أحد أئمة الحديث والسُّنّة، ثقة، مات وله ست وسبعون سنة. سير أعلام النبلاء (11/ 386)، العبر (1/ 415).

(7)

أبو زكريا البغدادي، أحد الأعلام، وحجة الإسلام، شيخ المحدثين. نعته الذهبي بسيد الحفاظ، له كتاب التاريخ والعلل في الرجال. توفي بالمدينة حاجًا. سير أعلام النبلاء (11/ 71)، الأعلام (8/ 172).

(8)

في ط والطبري: حَلْبَس. وما هنا كما في الكامل لابن الأثير (7/ 41).

(9)

"الرُّسْتاق": قرىً، أو بيوت مجتمعة، وجمعها رساتيق، معرّب. وفي المصباح المنير: الرُّستاق: معرّب، ويستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم.

(10)

"مَرَنْد": من مشاهير مدن أذربيجان، بينها وبين تبريز يومان. ياقوت.

ص: 133

وجاءته البعوثُ من كلِّ جانب، وأرسل إليه المتوكِّلُ جيوشًا يتبَعُ بعضُها بعضًا، فنصَبُوا على بلده المجانيق من كلِّ جانب، وحاصروه محاصرةً عظيمة جدًّا، وقاتلهم مقاتلة هائلة، وصبَرَ هو وأصحابُه صَبرًا بليغًا.

وقدِمَ بُغا الشرابيّ لمحاصرته، فلم يزل به حتى أسره

(1)

واستباح أموالَه وحرمَه، وقتل خلْقًا من رؤوس أصحابه، وأسر سائرهم، وانحسمت مادة ابن البعيث، وللَّه الحمد.

وفي هذه السنة في جمادى الأولى منها خرج المتوكِّل على اللَّه إلى المدائن.

وفيها: حجَّ إيتاخ أحدُ الأمراء الكبار، وهو والي مكة والمدينة والموسم، ودُعي له على المنابر.

وقد كان إيتاخ هذا غلامًا خَزَريًّا طبَّاخًا، وكان لرجلٍ يقال له: سلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسعٍ وتسعين ومئة، فرفع منزلته وحظي عنده، وكذلك الواثقُ من بعد أبيه، ضمَّ إليه أعمالًا كثيرة، وكذلك عامله المتوكِّل على اللَّه أيضًا، وذلك لرُجْلة

(2)

إيتاخ وشهامته ونهضته. ولمَّا كان في هذه السنة شرب ليلةً مع المتوكِّل، فعربَدَ عليه المتوكِّلُ، فهمَّ إيتاخ بقتله، فلمَّا كان الصباح اعتذر المتوكِّلُ إليه، وقال: أنتَ أبي، وأنت ربَّيتني، ثم دسَّ إليه من يُشير عليه بأنْ يستأذن للحجِّ، فاستأذن، فأذن له، وأمَّره على كل بلْدة يحلُّ بها، وخرج القوَّادُ في خدمته إلى طريق الحجِّ حين خرج، وولَّى المتوكِّلُ الحِجابة لوصيف الخادم عوضًا عن إيتاخ.

وحجَّ بالناس فيها محمد بن داود أميرُ مكة، وهو أمير الحجيج من سنين متقدمة.

‌وفيها توفي من الأعيان:

أبو خَيثَمة، زُهَيْر بن حَرْب

(3)

.

وسليمان بن داود الشَّاذَكوني، أحدُ الحفاظ

(4)

.

وعبد اللَّه بن محمد النُّفَيْليّ

(5)

.

(1)

في أ: حصره، وأثبت ما جاء فى ب، ظا.

(2)

"الرجلة": الرجولية.

(3)

زهير بن حرب بن شداد الحَرَشي البغدادي، الحافظ، الحجة، أحد أعلام الحديث، ثقة، ثبت، متقن. سير أعلام النبلاء (11/ 489).

(4)

سليمان بن داود بن بشر المنقري البصري الشاذَكوني، أبو أيوب، كان آية في كثرة الحفظ، ولكنه متروك الحديث. سير أعلام النبلاء (10/ 679)، العبر (1/ 416).

(5)

عبد اللَّه بن محمد بن علي بن نُفَيْل، أبو جعفر القُضاعي ثم النُّفَيْلي الحرَّاني، أحد الأعلام. قال أبو داود: لم أر أحفظ منه، ثقة، مأمون، من أبناء التسعين. سير أعلام النبلاء (10/ 634).

ص: 134

وأبو الرَّبيع الزَّهْرَانيُّ

(1)

.

وعليُّ بن عبد اللَّه بن جعفر المَدِينيّ

(2)

، شيخ البخاري في صناعة الحديث.

ومحمد بن عبد اللَّه بن نُمَيْر

(3)

.

ومحمد بن أبي بكر المُقَدَّمي

(4)

.

والمُعَافَى الرَّسْعَنِي

(5)

.

ويحيى بن يحيى الليثي، راوي "الموطَّأ" للمغاربة عن الإمام مالك بن أنس

(6)

.

‌ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئتن

في جمادى الآخرة منها كان هلاك إيتاخ في السجن، وذلك أنَّه رجع من الحجّ فتلقته هدايا الخليفة، ولمَّا اقترب يريد دخول سامرّا التي فيها أمير المؤمنين، بعث إليه إسحاق بن إبراهيم نائبَ بغداد عن أمر الخليفة يستدعيه إليها ليتلقاه وجوه بني هاشم، فدخلها في أُبّهة عظيمة، فقبض عليه إسحاق بن إبراهيم، وعلى ابنيه مظفر ومنصور، وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد النصراني، فأسلم تحت العقوبة، وكان هلاكه بالعطش، وذلك أنه أكل شيئًا كثيرًا بعد جوعٍ شديدٍ، ثم استسقى الماء فلم يُسق، فمات ليلة الأربعاء لخمس خلون من جمادى الآخرة منها، ومكث ولداه في السجن مدة خلافة المتوكِّل، فلمَّا ولي المنتصر ولدُه أخرجهما.

(1)

سليمان بن داود الأزدي العتكي، أبو الربيع الزَّهراني البصري، الحافظ المقرئ، أحد الثقات، المحدث الكبير. سير أعلام النبلاء (10/ 676)، طبقات القراء (1/ 313).

(2)

أبو الحسن، أمير المؤمنين في الحديث، صاحب التصانيف. قال البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند عليّ بن المديني. وكان أعلم من الإمام أحمد باختلاف الحديث. سير أعلام النبلاء (11/ 41)، والأعلام (4/ 303).

(3)

أبو عبد الرحمن الهمذاني الكوفي، أحد الأئمة. حدث عنه الجماعة. وكان رأسًا في العلم والعمل. ثقة، يحتج بحديثه. سير أعلام النبلاء (11/ 455)، والعبر (1/ 418).

(4)

محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدَّم الثقفي، أبو عبد اللَّه المقدَّمي البصريّ. وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة من أبناء الثمانين. سير أعلام النبلاء (10/ 660).

(5)

المعافى بن سليمان الرَّسْعَني، محدِّث رأس العين، حافظ صدوق. سير أعلام النبلاء (11/ 121).

(6)

يحيى بن يحيى بن كثير، أبو محمد الليثي البربري، الفقيه الأندلسي القرطبي. ارتحل إلى المشرق في أواخر أيام مالك الإمام، فسمع منه "الموطّأ" سوى أبواب. كان كبير الشأن، وافر الجلالة، عظيم الهيبة، نال من الرئاسة والحُرمة ما لم يبلغه أحد. سير أعلام النبلاء (10/ 519).

ص: 135

وفي شوال منها قدم بُغا سامُرَّاء ومعه محمد بن البعيث، وأخواه صقْر وخالد، ونائبه العلاء، ومعه من رؤوس أصحابه نحو من مئة وثمانين إنسانًا، فأدخلوا على الجِمال ليراهم الناس، فلمَّا أوقف ابن البعيث بين يدي المتوكِّل أمر بضرب عنقه، فأحضر السيف والنطع، وجاء السيَّافون فوقفوا حوله، فقال له المتوكل: ويلك! ما دعاك إلى ما صنعتَ؟ فقال: الشِّقْوة، يا أمير المؤمنين! وأنتَ الحَبْلُ الممدودُ بين اللَّه وبين خلْقه، وإنَّ لي فيك لَظَنَّيْن؛ أسبقهما إلى قلبي، أوْلاهما بك، وهو العفو. ثم اندفع يقولُ [فيه] بديهة

(1)

:

أبَى النَّاسُ إلا أنَّك اليومَ قاتِلي

إمامَ الهُدَى والصَّفحُ بالمرء أجمَلُ

وهَلْ أنا إلا جُبْلةٌ من خَطيئيةٍ

وعَفوُك من نُورِ النُّبُوَّةِ يُجْبَلُ

فإنَّك خيرُ السَّابقين إلى العُلا

ولا شَكَّ أنْ خَيْرَ الفِعَالَيْنِ تَفْعَلُ

فقال المتوكِّلُ: إنَّ معه لأدبًا، ثم عفا عنه. ويقال: بل شَفَعَ فيه المعتزُّ بنُ المتوكِّل فشفَّعه فيه، ويقال: بل أودع في السجن في قيود ثقيلةٍ

(2)

، فلم يزل فيه حتَّى هرب بعد ذلك، وقد قال حين هرب

(3)

:

كَمْ قد قضيْتُ أمورًا كانَ أهمَلَها

غَيرِي وقد أخَذَ الإفلاسُ بالكرم

(4)

لا تَعْذُلِينيَ فيما ليسَ يَنْفَعُنِي

إليكِ عني جَرَى المِقدارُ بالقَلَمِ

سأتلِفُ المَالَ في عُسْرٍ وفي يُسْيرٍ

إنَّ الجَوادَ الَّذي يُعطِي عَلى العَدَمِ

وفي هذه السنة أمر المتوكل على اللَّه أهلَ الذِّمَّة بأن يتميَّزوا عن المسلمين في لباسهم، في عمائمهم وثيابهم، وأن يتطيلسوا بالمصبوغ بالقِلْي

(5)

، وأن يكون على غلمانهم رِقاع مخالفة للون ثيابهم من خلفهم وبين أيديهم، وأن يلزموا بالزَّنانير الخاصرة ثيابهم كزنانير الفلاحين اليوم، وأن يحملوا في رقابهم كُراتٍ، من خشب كثيرة، وألا يركبوا خيلًا، ولتكن رُكبهم من خشبٍ، إلى غير ذلك من الأمور الفظيعة

(6)

لهم، قبَّحهم اللَّه، وألا يُستعملوا في شيء من الدواوين التي يكون لهم فيها حكمٌ على مسلم؛ وأمَر بتخريب كنائسهم المحدثة، وبتضييق منازلهم المتسعة، فيؤخذ منها العشر، وأن يعمل ما كان من

(1)

تاريخ الطبري (9/ 170)، وابن الأثير (7/ 48).

(2)

في أ: في قيوده قبله، وأثبت ما جاء في ب، ظا.

(3)

تاريخ الطبري (9/ 171)، وابنِ الأثير (7/ 48).

(4)

في ط والطبري وابن الأثير: بالكظَمِ، وهو السكوت واجتراع الغيظ.

(5)

في ب، ظا: بالعلي. والقِلْي لغة فَي القِلْو، وهو الذي يستعمله الصباغ في العصفر.

(6)

في ط: المذلة لهم، المهينة لنفوسهم، وألا يستعملوا. . .

ص: 136

ذلك متسعًا كبيرًا مسجدًا، وأمَر بتسوية قبورهم بالأرض، وكَتَبَ بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق، وإلى كل بلد ورُسْتاق

(1)

.

وفيها: خرج رجل يقال له: محمود بن الفرج النيسابوريّ، ممن كان يتردد إلى جِذْع

(2)

بابَك

(3)

فيقعد قريبًا منه، وذلك بقرب دار الخلافة بسرَّ مَن رأى، فادَّعى أنه نبيّ، وأنه ذو القرنين، وقد اتبعه على هذه الضلالة ووافقه في هذه الجهالة جماعة أقلُّون

(4)

، وهم سبعة

(5)

وعشرون رجلًا، وقد نَظَم لهم كلامًا في مصحف له، قبَّحه اللَّه؛ زعم -لعنه اللَّه- أنَّ جبريل عليه السلام جاءه به من اللَّه، فأُخِذَ، فرُفع أمره إلى المتوكِّل فأمر به فضُرِبَ بين يديه بالسِّياط، فاعترف بما نُسب إليه وما هو معوّل عليه، وأظهر التوبة من ذلك، والرجوع عن ذلك، فأمر الخليفة كلَّ واحدٍ من أتباعه بصفعه

(6)

عشر صفعات، فعليه وعليهم لعنة ربِّ الأرض والسماوات. ثم اتفق موته في يوم الأربعاء لثلاث خَلَوْن من ذي الحجة من هذه السنة.

وفي يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة من هذه السنة المباركة، أخذ الخليفة المتوكِّل على اللَّه العهدَ لأولاده الثلاثة من بعده، وهم: محمد المنتصر، ثم أبو عبد اللَّه المعتز باللَّه، واسمه محمد، وقيل: الزّبير، ثم لإبراهيم، وسمَّاه المؤيَّد باللَّه، ولم ينل هذا الخلافة. وأعطى كلَّ واحد منهم طائفةً من البلاد يكون نائبًا عليها، ونوابه

(7)

فيها، ويضرب له السكّة بها. وقد عيَّن ابنُ جرير

(8)

ما لكل واحد منهم من البلدان والأقاليم والرساتيق، وعقد لكل واحد منهم لواءَين، لواءً أسودَ للعهد، ولواءً أبيض للعمالة. وكُتب بينهم كتاب بالرِّضا منهم وبمبايعة الأمراء والكبراء لهم على ذلك، وكان يومًا مشهودًا.

وفي شهر ذي الحجة تغيَّر ماءُ دجلةَ إلى الصُّفْرة ثلاثة أيام، ثم صار في لون ماء المدود، ففزع

(9)

الناس لذلك.

وفي هذه السنة أُتي المتوكِّل بيحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب

(1)

تفصيل ذلك في تاريخ الطبري (9/ 171 - 175).

(2)

في ط والطبري: خشبة.

(3)

بعدها في ط: وهو مصلوب.

(4)

في ط: قليلون.

(5)

في أ، ط: تسعة، وأثبت ما جاء في ب، ظا والطبري وابن الأثير.

(6)

في أ: فصفعه صفعات.

(7)

في ط: ويستنيب.

(8)

تاريخ الطبري (9/ 176) وما بعدها.

(9)

قوله: ففزع الناس لذلك، تقدم في الطبري وابن الأثير على قوله: ثم صار في لون ماء المدود. وفي عبارة المؤلف رحمه الله بعد.

ص: 137

من بعض النواحي، وكان قد اجتمع إليه قوم من الشيعة، فأمر بضربه فضُرب ثماني عشرة مِقْرَعةً، ثم حبس في المطبَق.

وحجَّ بالناس محمد بن داود.

قال ابن جرير

(1)

: وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم، صاحبُ الجسر، يعني نائب بغداد، في يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة وصيِّر ابنُه محمد مكانه، وخلع عليه خمسَ خلع، وقلَّده سيفًا.

قلت: وقد كان له في نيابة بغداد والعراق من زمن المأمون، وهو من [أكبر]

(2)

الدعاة تبعًا لسادته وكبرائه إلى القول بخَلْق القرآن

(3)

.

‌وفيها توفي:

إسحاق بن إبراهيم بن ماهان

(4)

: الموصليّ النديم الأديب ابن الأديب النادر الشكل في وقته، المجموع الفضائل من كلِّ فن يعرفه أبناء عصره؛ في الفقه والحديث والجدل والكلام واللغة والشعر، وإنما اشتهر بالغناء لأنَّه لم يكن له في الدنيا نظيرٌ فيه.

قال المعتصم: كان إسحاق إذا غنَّاني تخيَّل إليَّ أنَّه قد زيد في ملكي

(5)

.

وقال المأمون: لولا اشتهارُه بالغناء لولَّيته القضاءَ، لما أعلَمُ من عفَّته ونزاهته وأمانته.

وله شعر حسن وديوان كبير، وكانت عنده كتبٌ كثيرة

(6)

.

وتوفي في هذه السنة، قال ابن خلكان

(7)

: وقيل: في التي قبلها، [وقيل: في التي بعدها]

(8)

، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر

(9)

ترجمة حافلة، وذكر عنه أشياء حسنة، وأشعارًا بديعة، رائقة،

(1)

تاريخ الطبري (9/ 181).

(2)

زيادة من ب، ظا.

(3)

بعده في ط: الذي قال اللَّه تعالى فيهم: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} الآية. وهو الذي كان يمتحن الناس ويرسلهم إلى المأمون.

(4)

ترجمته في تاريخ الطبري الجزء التاسع، والكامل لابن الأثير الجزء السابع، وسير أعلام النبلاء (11/ 171)، والوافي بالوفيات (8/ 396)، وشذرات الذهب (2/ 84)، والأغاني (ط. دار الكتب)(5/ 268 - 435)، وتاريخ بغداد (6/ 338)، ووفيات الأعيان (1/ 202).

(5)

في ب، ظا: قلبى. وفيات الأعيان (1/ 204).

(6)

بعدها في ط: من كل فن. وفيات الأعيان (1/ 203 - 204).

(7)

وفيات الأعيان (1/ 204) وقد رجح وفاته سنة 235 هـ، ولم يذكر ما قبلها.

(8)

زيادة في ب، ظا، ولم ترد فيهما عبارة: وقيل: فى التي قبلها.

(9)

مختصر ابن عساكر (4/ 273 - 281).

ص: 138

وحكايات مدهشة يطول استقصاؤها، فمن غريب ذلك: أنَّه غنَّى يومًا ليحيى بن خالد بن بَرمك فوقَّع له بألف ألفٍ، ووقَّع له ابنُه جعفر بمثلها، والفضل بمثلها، في حكاية طويلة.

‌وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضًا:

سُرَيْج بن يُونس

(1)

.

وشَيْبان بن فَرُّوخ

(2)

.

وعبيد اللَّه بن عمر القواريرِيّ

(3)

.

وأبو بكر بن أبي شيبة

(4)

، أحد الأعلام وأئمة الإسلام، وصاحبُ "المصنف" الذي لم يصنِّف أحدٌ مثلَه قطُّ لا قبلَه ولا بعدَه.

‌ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئتين

فيها: أمر المتوكل بهدْم قبر الحسين بن عليّ، وما حوله من المنازل والدّور، ونودي في الناس: من وُجِدَ هاهنا بعد ثلاثة أيام [رفع] إلى المطبَق؛ فلم يبقَ هناك بشرٌ، واتُّخِذ ذلك الموضع مزرعةً تُحرث وتستغل.

وفيها: حجَّ بالناس محمد المنتصر

(5)

بن المتوكل.

وفيها: توفي محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب، سمَّه ابنُ أخيه محمد بن إسحاق بن إبراهيم، وكان محمد بن إبراهيم هذا من الأمراء الكبار.

(1)

صحف في المطبوع إلى شريح، وهو سريج بن يونس بن إبراهيم، أبو الحارث المروزي البغدادي، من الأئمة العابدين، وكان رأسًا في السنة، صدوق. سير أعلام النبلاء (11/ 146).

(2)

هو شيبان بن أبي شَيبة، أبو محمد الحَبطي مولاهم الأبُلِّي البصري، الحافظ الصدوق، مسند عصره، كان يرى القدرَ، غير أنه تفرد بالأسانيد العالية. سير أعلام النبلاء (11/ 101).

(3)

عبيد اللَّه بن عمر بن مَيْسَرة، أبو سعيد الجشمي مولاهم البصري القواريري الزجاج، نزيل بغداد. محدّث الإسلام. ثقة كثير الحديث. سير أعلام النبلاء (11/ 442).

(4)

هو عبد اللَّه بن محمد بن القاضي أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، أبو بكر العبسي الكوفي، وهو من أقران أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني في السن والمولد والحفظ. الإمام العلم، سيّد الحفاظ، صاحب الكتب الكبار. والمسند والمصنف والتفسير والأحكام. سير أعلام النبلاء (11/ 122).

(5)

في ط: "محمد بن المنتصر" خطأ.

ص: 139

وفيها: توفي الحسن بن سهل الوزير والد بوران زوجة المأمون التي تقدَّم ذكرها، وكان من سادات

(1)

الناس ورؤسائهم.

ويقال: إن إسحاق بن إبراهيم توفي في هذه السنة، واللَّه أعلم.

وفيها: توفي أبو سعيد محمد بن يوسف المروزيّ فجأة، فولَّى ابنَه يوسفَ مكانه على نيابة أرمينية.

وفيها: توفي إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ

(2)

.

ومُصْعَب بن عبد اللَّه الزبيريّ

(3)

.

وهُدْبَةُ بن خالد القَيْسيّ

(4)

.

وأبو الصَّلت الهرويّ، أحد الضعفاء

(5)

.

‌ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئتين

فيها: قبض يوسف بن محمد بن يوسف نائب أرمينيّة على البطريق الكبير بها، وبعثه إلى نائب الخليفة، واتفق بعد بعثه إياه أن سقط ثلجٌ عظيم على تلك البلاد، فتحزَّب أهلُ ذلك البطريق، وجاؤوا فحاصروا البلدة التي فيها يوسف بن محمد، فخرج إليهم ليقاتلهم، فقتلوه وطائفةً كثيرةً من المسلمين الذين معه، وهلك كثير من الناس في الثلج من شدّة البرد. ولمَّا بلغ المتوكّلَ ما وقع من هذا الأمر الفظيع أرسل إلى أهل تلك الناحية بُغا الكبير في جيش كثيف جدًا، فقتل بُغا من أهل تلك الناحية ممن حاصر المدينة

(6)

وقتل الأمير نحوًا من ثلاثين

(7)

ألفًا، وأسر منهم طائفة كثيرة، ثم سار إلى بلاد الباق من كُور البسفرجان

(8)

، وسلك إلى مدن كثيرة كبار، ومهَّد الممالك، ووطد البلادَ والنَّواحي.

(1)

في ب، ظا: سَراة.

(2)

أبو إسحاق القرشي الأسدي الحِزامي المدني، الحافظ، محدِّث المدينة، صدوق. سير أعلام النبلاء (10/ 689)، والعبر (1/ 422).

(3)

أبو عبد اللَّه، ابن أمير اليمن القرشي الأسدي الزبيري المدني، نزيل بغداد، النسّابة الإخباري، من نبلاء الرجال وأفرادهم، كان نسابة قريش، عاش ثمانين سنة. سير أعلام النبلاء (11/ 30)، والعبر (1/ 423).

(4)

هُدْبة بن خالد بن أسود بن هُدْبة، أبو خالد القيسي البصري. مسند وقته، صدوق. سير أعلام النبلاء (11/ 97)، والعبر (1/ 423).

(5)

هو عبد السلام بن صالح الهروي، الشيخ العالم العابد، شيخ الشيعة، له فضل وجلالة. قال أبو حاتم: لم يكن عندي بصدوق، وله عدة أحاديث منكرة. سير أعلام النبلاء (11/ 446).

(6)

في ب، ظا: البلد.

(7)

في أ: ثلاثين ألف رأس.

(8)

في النسخ: كورة السيرجان، وأثبت ما جاء في ط، والطبري، وابن الأثير.

ص: 140

وفي صفر من هذه السنة غضبَ المتوكِّلُ على أحمد بن أبي دواد القاضي، وكان على المظالم، فعزله عنها، واستدعى بيحيى بن أكثم فولاه قضاء القضاة، والمظالم أيضًا.

وفي ربيع الأول أمر الخليفة بالاحتياط على ضياع ابن أبي دواد، وأخذ ابنَه أبا الوليد محمد بن أحمد بن أبي دواد، فحبسه في يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الآخر، وأمر بمصادرته فحمل مئة ألف دينار وعشرين ألف دينار، ومن الجواهر النفيسة ما يقاوم عشرين ألف دينار، ثم صُولح على ستةَ عشرَ ألف ألف درهم.

وكان ابن أبي دواد قد أصابه الفالج كما ذكرنا، ثم نفي أهله من سامرّاء إلى بغداد مهانين. قال ابنُ جرير

(1)

: فقال في ذلك أبو العتاهية:

لو كنتَ في الرأي منسُوبًا إلى رَشَدٍ

وكان عَزْمُكَ عَزْمًا فيه توفيقُ

لكانَ في الفقهِ شغلٌ لو قَنِعْتَ به

عنْ أنْ تَقُولَ: كتابُ اللَّهِ مَخْلُوقُ

ماذا عليكَ وأصْلُ الدَّينِ يجمَعُهُمْ

ما كانَ في الفرعِ لولا الجهلُ والمُوقُ

(2)

وفي عيد الفطر أمر المتوكِّلُ بإنزال رأس

(3)

أحمد بن نَصْر الخُزاعيِّ، والجمع بينه وبين جسده، وأن يسلّم إلى أوليائه، ففرح الناس بذلك، واجتمع من العامة خلق كثير في جنازته، وجعلوا يتمسَّحون بأعواده للبركة، وبالجذْع الذي كان مصلوبًا فوقه، وأرهج

(4)

العامة في ذلك، فكتب [المتوكل]

(5)

إلى النائب يأمره بردعهم عن تعاطي مثل ذلك، وكتب به إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام، والكفّ عن القول بخلْق القرآن

(6)

.

وأظهر إكرام الإمام أحمد بن حنبل واستدعاه من بغداد إليه، فاجتمع به وأكرمه، وأمر له بجائزة سنيَّة فلم يقبل منها شيئًا، وخلع عليه خلعة سنيةً من ملابسه، فاستحيا منه كثيرًا فلبسها إلى الموضع الذي كان نازلًا فيه، ثم نزعها نزعًا عنيفًا وهو يبكي، رحمه الله.

وجعل [المتوكل]

(7)

في كل يوم يرسل إليه من طعامه الخاص، يظنُّ أنه يأكل منه. وكان الإمام

(1)

الطبري (9/ 189).

(2)

"الموق": الحمق في غباوة.

(3)

في أ، ب: جُثَّة، وأثبت ما جاء في ظا.

(4)

"الرَّهج": الشغب.

(5)

زيادة من (ط).

(6)

بعده في ط: وأن من تعلم علم الكلام، لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت. وأمر الناس ألا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير.

(7)

زيادة من (ط).

ص: 141

أحمد لا يأكل لهم طعامًا، بل كان صائمًا مواصلًا يطوي تلك الأيام كلها؛ لأنه لا يتيسّر له شيء يرضى أكله، ولكن كان ابنه

(1)

صالح وعبد اللَّه يقبلان تلك الجوائز وهو لا يشعر بشيء من ذلك. [قال صالح]

(2)

: فلولا أسرعنا الأوبة إلى بغداد لخشيت أن يموت الشيخ من الجوع

(3)

.

وارتفعت السُّنَّة جدًا في أيام المتوكل، وكان لا يولّي أحدًا إلا بعد مشورة الإمام أحمد بن حنبل؛ وكانت ولاية يحيى بن أكثم قضاء القضاة

(4)

عن مشورته، وقد كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السُّنَّة، وعلماء الناس، ومن المعظّمين للكتاب والسنّة وللفقه والحديث واتباع الأثر، وكان قد ولَّى من جهته حيّان بن بشر قضاء الشرقية، وسَوَّار بن عبد اللَّه العنبري قضاءَ الجانب الغربيّ

(5)

، كلاهما كان أعور، فقال في ذلك بعض أصحاب ابن أبي دواد

(6)

:

رَأيتُ مِنَ الكبائرِ قَاضِيَيْنِ

هما أُحْدُوثَةٌ في الخافِقَيْنِ

هُمَا اقْتَسَما العَمَى نِصْفَينِ قَدًّا

كما اقْتَسَما قَضاءَ الجانِبَيْنِ

وتَحسَبُ منهما مَنْ هزَّ رأسًا

ليَنظرَ في مَواريثٍ ودَيْنِ

كأنَّكَ قد وضَعْتَ عليه دَنًّا

فَتَحْتَ بُزَالَهُ

(7)

من فَرْدِ عَيْنِ

هما فَألُ الزَّمانِ بهُلْكِ يحيى

إذ افْتَتَحَ القضاءَ بأعْوَرَيْنِ

وغزا الصائفةَ في هذه السنة عليُّ بن يحيى الأرمنيّ.

وحجَّ بالناس فيها علي بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، أمير الحجاز.

‌وفيها توفي:

حاتِم الأصمُّ

(8)

.

(1)

في ب. ظا: ابناه.

(2)

زيادة من ب، ظا.

(3)

قوله: من الجوع، لم يرد في ب، ظا.

(4)

بعدها في ط: موضع ابن أبي دواد.

(5)

في أ، ب: الجانب الشرقي، والمثبت من ظا والطبري وابن الأثير.

(6)

الأبيات في تاريخ الطبري (9/ 189)، والكامل لابن الأثير (7/ 60)، ونسبت فيهما إلى الجمّاز.

(7)

"البُزال": موضع الثقب من الإناء.

(8)

هو حاتم بن عنوان بن يوسف البلخي الأصمّ، أبو عبد الرحمن، الواعظ الزاهد الربَّاني، الناطق بالحكمة، له كلام جليل في الزهد والمواعظ والحكم، كان يقال له: لقمان هذه الأمة. حلية الأولياء (8/ 73)، سير أعلام النبلاء (11/ 484).

ص: 142

وعبد الأعلى بن حمَّاد

(1)

.

وعُبيد اللَّه بن معاذ العَنبريّ

(2)

.

وأبو كامل، الفضيل بن الحسين الجَحْدَريّ

(3)

.

‌ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومئتين

في ربيع الأول منها حاصر بُغا مدينة تَفْلِيس

(4)

وعلى مقدمته زيرك التركي، فخرج صاحبُ تَفْليس إسحاق بن إسماعيل فقاتله فأسر إسحاق، فأمر بُغا بضرب عنقه وصلبه، وأمر بإلقاء النار في النفط إلى نحو المدينة، وكان أكثر بنائها من خشب الصَّنَوْبَر، فأحرق أكثَرها، وأحرَق من أهلها نحوًا من خمسين ألف إنسانٍ، وطفئت النار بعد يومين؛ لأنَّ نار الصنوبر لا بقاءَ لها.

ودخل الجند فأسروا من بقي من أهلها واستلبوهم، حتى استلبوا الموتى

(5)

.

ثم سار بُغا إلى مدن أخرى ممن كان يمالئ أهلها مع من قتل نائب أرمينية يوسف بن محمد بن يوسف، آخذًا بثاره وعقوبة لمن تجرَّأ عليه.

وفي هذه السنة جاءت الفرنج في نحو من ثلاثمئة مركب قاصدين ديار مصر من ناحية دمياط، فدخلوها فجأة فقتلوا من أهلها خلقًا كثيرًا، وحرقوا المسجد الجامع والمنبرَ، وأسروا من النساء نحوًا من ستمئة امرأة؛ من المسلمات مئة وخمس وعشرون امرأة، والباقيات من نساء القِبْط، وأخذوا من الأمتعة والأسلحة والمغانم شيئًا كثيرًا جدًا، وفرَّ الناس منهم في كل جهة، فكان من غرِقَ في بحيرة تِنِّيس أكثرَ ممن أسروه، ثم رجعوا على حَمِيَّةٍ

(6)

، ولم يعرض لهم أحد حتى عادوا إلى بلادهم، لعنهم اللَّه وقبّحهم.

وفي هذه السنة غزا الصائفة عليّ بن يحيى الأرمنيّ.

(1)

أبو يحيى النَّرسي البصري، الحافظ المحدث. وثقه أبو حاتم وغيره. كان ممن قدم على المتوكل فوصله بمال. سير أعلام النبلاء (11/ 28)، والعبر (1/ 424).

(2)

أبو عمرو العنبري البصري، الحافظ، الثقة. كان يحفظ نحوًا من عشرة آلاف حديث. سير أعلام النبلاء (11/ 384).

(3)

سمع حمّاد بن سلمة والكبار، وكان له حفظ ومعرفة. تهذيب الكمال (23/ 269) والعبر (1/ 425).

(4)

"تَفْليس": بلد بأرمينية الأولى، وبعض يقول: بأرّان، وهي مدينة قديمة أزلية. ياقوت.

(5)

في أ، ط: المواشي، وأثبت ما جاء في ب، ظا والطبري وابن الأثير.

(6)

أي بشدة وسرعة.

ص: 143

وحجَّ بالناس أمير السنة التي قبلها.

وفيها توفي الإمام إسحاق بن رَاهَوَيه

(1)

، أحدُ الأعلام وعلماء الإسلام، والمجتهدين من الأنام.

وبشر بن الوليد، الفقيه الحنفي

(2)

.

وطالوت بن عبَّاد

(3)

.

ومحمد بن بكار بن الريان

(4)

.

ومحمد بن البُرْجُلانيّ

(5)

.

ومحمّد بن أبي السّريّ العسقلانيّ

(6)

.

‌ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئتين

في المحرم منها زاد المتوكِّلُ في التغليظ على أهل الذِّمَّة في التمييز في اللباس عن المسلمين، وأكَّد الأمر بتخريب الكنائس المُحدَثة في الإسلام.

وفيها: نَفَى المتوكِّلُ عليَّ بن الجهم إلى خراسان.

وفيها: اتفق شعانين النَّصارى والنَّوروز

(7)

في يوم واحد، وذلك يوم الأحد، العشرين من ذي

(1)

أبو يعقوب، الحنظلي المروزي، سيّد الحفاظ، وشيخ المشرق. صاحب التصانيف. قال الإمام أحمد: لا أعلم بالعراق له نظيرًا، عاش سبعًا وسبعين منة. سير أعلام النبلاء (11/ 358)، والعبر (1/ 426).

(2)

بشر بن الوليد الكندي، أبو الوليد، قاضي العراق. تفقّه على أبي يوسف، وسمع من مالك وطبقته. كان محمود الأحكام، كثير العبادة والنوافل، محدّثًا صادقًا، مات وله سبع وتسعون سنة. سير أعلام النبلاء (10/ 673)، العبر (1/ 427).

(3)

أبو عثمان الصَّيرفيّ البصريّ، المعمّر، الثقة، له مشيخة عالية مشهورة. روى عن حمّاد بن سلمة وطبقته. سير أعلام النبلاء (11/ 25)، والعبر (1/ 427).

(4)

في أ، ظا، ط: الزيات، وأثبت ما جاء في ب والمصادر. وهو محمد بن بكار بن الريان، أبو عبد اللَّه البغدادي الرُّصافي، مولى بني هاشم، محدّث حافظ صدوق. عاش ثلاثًا وتسعين منة. سير أعلام النبلاء (11/ 112)، العبر (1/ 428).

(5)

نسبة إلى قرية بُرجُلان، قرية من قرى واسط، أو نسبة إلى محلة البُرجلانية. وهو محمد بن الحسين بن أبي شيخ البرجلاني، صاحب التواليف في الرقائق، وعنه ابن أبي الدنيا كثيرًا. سير أعلام النبلاء (11/ 112)، العبر (1/ 428)، اللباب (1/ 134).

(6)

أبو عبد اللَّه، الحافظ العالم الصادق، من أوعية الحديث.

قال ابن عدي: كان كثير الغلط. سير أعلام النبلاء (11/ 161)، العبر (1/ 429).

(7)

في ظا: والنَّيروز. وفي ط: يوم النيروز. ومعناهما بالفارسية اليوم الجديد، وهو أول يوم من السنة الشمسيّة =

ص: 144

القَعْدَة، وزعمت النَّصارى أنَّ هذا شيء لم يتفق مثلُه في الإسلام إلا في هذا العام.

وغزا الصائفة عليُّ بن يحيى المذكور

(1)

. وحجَّ بالناس عبدُ اللَّه بن محمّد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وهو والي مكّة.

قال ابنُ جرير

(2)

: وفيها توفي أبو الوليد محمد بن القاضي أحمد بن أبي دواد الإيادي المعتزليّ.

‌قلت: وممن توفي فيها من الأعيان:

داود بن رُشَيد

(3)

.

وَصَفْوان بن صالح

(4)

مؤذن أهل دمشق.

وعبد الملك بن حَبيب

(5)

، الفقيه المالكي، أحد المشاهير.

وعثمان بن أبي شيبة، صاحب "التفسير" و"المسند" المشهور

(6)

.

ومحمد بن مِهْران الرازي

(7)

.

ومحمود بن غَيْلان

(8)

.

ووَهْب بن بَقيَّة

(9)

.

= الإيرانية، ويوافق اليوم الحادي والعشرين من شهر آذار من السنة الميلادية. وعيد النَّوْروز أو النَّيْروز أكبر أعياد الفرس.

(1)

في الطبري: علي بن يحيى الأرمني.

(2)

تاريخ الطبري (9/ 196).

(3)

أبو الفضل الخوارزمي البغدادي، مولى بني هاشم، رحَّال جوَّال، صاحب حديث، حافظ، ثقة، من أبناء الثمانين. سير أعلام النبلاء (11/ 133)، والعبر (1/ 429).

(4)

أبو عبد الملك الثقفي الدمشقي، مؤذن جامع دمشق، كان حنفي المذهب، الحافظ المحدث الثقة. سير أعلام النبلاء (11/ 475)، العبر (1/ 430).

(5)

أبو مروان، الأندلسي القرطبي المالكى، فقيه الأندلس، وأحد الأعلام. كان موصوفًا بالحِذق في الفقه، كبير الشأن، بعيد الصيت، كثير التصانيف، إلا أنه لم يكن له علم بالحديث، وليس فيه بحجة. من مصنفاته كتاب الواضحة وغير ذلك. سير أعلام النبلاء (12/ 102)، العبر (1/ 427).

(6)

هو عثمان بن محمد بن القاضي أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، أبو الحسن العبسيّ الكوفي، رحل، وطوّف، وصنف التفسير والمسند، وكان ثقة مأمونًا، صاحب دعابة. سير أعلام النبلاء (11/ 151)، العبر (1/ 430).

(7)

أبو جعفر الجمّال الرازي، ثقة حافظ، جوّال، روى عن فضيل بن عياض وخلق كثير. سير أعلام النبلاء (11/ 143)، العبر (1/ 430).

(8)

أبو أحمد المروزي، محدّث مرو، الحافظ الحجّة، صاحب سنة. وثقه النسائي. سير أعلام النبلاء (12/ 223)، العبر (1/ 431).

(9)

وهب بن بَقِيّة بن عثمان بن سابور، أبو محمد الواسطي، ويقال له: وَهْبان. كان ثقة، قدم بغداد وحدّث بها. سير أعلام النبلاء (11/ 462)، العبر (1/ 431).

ص: 145

أحمد بن عاصم الأنطاكيّ

(1)

: أبو علي الواعظ الزاهد أحد العبَّاد، له كلام حسنٌ في الزُّهد ومعاملات القلوب، قال أبو عبد الرحمن السلميّ، كان من طبقة الحارث المحاسبي، وبِشر الحافي. وكان أبو سليمان الدارانيّ يسميه جاسوسَ القلوب، لحدَّة فِراسته.

روى عن أبي معاوية الضَّرير وطبقته.

وعنه: أحمد بن أبي الحَواري، ومحمود بن خالد، وأبو زُرْعَة الدِّمشقيّ، وغيرهم.

وروى عنه أحمد بن أبي الحَواري، عن مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، قال: مررت بالحسن البصري وهو جالس وقت السحر، فقلت: يا أبا سعيد، مثلك يجلس في هذا الوقت؟ قال: إني قد توضأت، فأردتها

(2)

أن تقوم فتصلي، فأبت عليَّ، وأرادتني

(3)

على أن تنام فأبَيْتُ عليها.

ومن مستجاد كلامه: إذا أردتَ صلاح قلبك فاستعِنْ عليه بحفظ لسانك

(4)

.

وقال: من الغنيمة الباردة أن تصلحَ ما بقي من عمرك فيغفرَ لك ما مضى منه.

وقال أيضًا: يَسيرُ اليقين يُخرج الشَّكَّ كلَّه من القلب، ويَسيرُ الشَّكِّ يُخرجُ اليقين كلَّه منه.

وقال: من كان باللَّه أعرفَ كان منه أخْوَفَ.

وقال: خيرُ صاحبٍ لك في دنياك الهمُّ، يقطعُكَ عن الدُّنيا ويُوصلك إلى الآخرة

(5)

.

ومن شعره

(6)

رحمه الله:

هَمَمْتُ ولَمْ أعزِمْ ولو كنتُ صَادقًا

عَزَمْتُ ولكنَّ الفِطَامَ شَديدُ

ولو كانَ لي عَقْلٌ وايقانُ مُوقنٍ

لَمَا كَنْتُ عَنْ قَصْدِ الطَّريقِ أحِيدُ

ولا كانَ في شَكِّ اليقينِ

(7)

مَطَامِعي

ولكنْ عنِ الأقدارِ كيفَ أحِيدُ

ومن شعره أيضًا:

(1)

ترجمته في حلية الأولياء (9/ 280)، صفة الصفوة (4/ 277)، مختصر ابن عساكر (3/ 127)، سير أعلام النبلاء (10/ 487 و 11/ 401).

(2)

في ط: وأردت نفسي على الصلاة.

(3)

في أ: وأرادت.

(4)

في ط: جوارحك.

(5)

الأقوال في مختصر ابن عساكر (3/ 127 - 129).

(6)

مختصر ابن عساكر (3/ 130).

(7)

في أ: الطريق.

ص: 146

داعياتُ الهَوَى تخفُّ علينا

وخلافُ الهوَى عَلْينا ثَقِيلُ

فُقِدَ الصِّدْقُ

(1)

في الأماكنِ حتَّى

وَصْفُه اليَوْمَ ما عليه دَليلُ

لا نَرَى خائِفًا

(2)

فيلزمُنا الخَوْ

فُ ولا صَادِقًا بما قد يقولُ

فَبَقيْنا مُذَبْذَبين حَيارَى

نطلبُ الصِّدْقَ ما إليه وُصُولُ

(3)

وله أيضًا:

هَوِّنْ عليْكَ فكُلُّ الأمْرِ يَنْقَطِعُ

وخَلِّ عنْكَ عِنانَ

(4)

الهَمِّ يندَفِعُ

فَكُلُّ همٍّ له مِنْ بعده فَرَجٌ

وكلُّ كَرْبٍ إذا ما ضَاقَ يتَّسِعُ

إنَّ البَلاءَ وإنْ طالَ الزَّمانُ بِهِ

الْمَوْتُ يقْطَعُهُ أوْ سَوْفَ يَنْقَطِعُ

وقد أطال الحافظ ابنُ عساكر

(5)

ترجمته ولم يؤرِّخْ وفاته، وإنما ذكرته هاهنا تقريبًا، واللَّه أعلم.

‌سنة أربعين ومئتين من الهجرة النبوية

فيها: عدا أهلُ حمصَ على عاملهم أبي المُغِيث

(6)

موسى بن إبراهيم الرَّافقي

(7)

، وكان قد قتل رجلًا من أشرافهم، فقتلوا جماعة من أصحابه، وأخرجوه من بين أظهرهم، فبعث إليهم المتوكِّل أميرًا عليهم، وقال للسفير معه: إن قبلوه

(8)

وإلا فأعلمني، فقبلوه، فعمل فيهم الأعاجيبَ، وأهانهم غاية الإهانة.

وفيها: عزل المتوكِّلُ القاضي يحيى بن أكثم عن قضاء القضاة

(9)

، وصادره بما مبلغه ثمانون ألفَ دينار، وأخذ منه أراضيَ كثيرةً في أرض البصرة، وولَّى مكانه جعفرَ بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي على قضاء القضاة

(10)

.

(1)

في أ: الصبر.

(2)

في أ: الخوف.

(3)

في ب، ظا، ط: سبيل.

(4)

في ط: ضباب.

(5)

ترجمته في ابن عساكر ناقصة في نسخ دار الكتب الظاهرية، وهي في مختصر ابن عساكر لابن منظور (3/ 127) وما بعد.

(6)

في ط: "الغيث" خطأ. وتنظر ترجمته في تاريخ دمشق (60/ 388).

(7)

في الطبري وابن الأثير: الرافعي، خطأ.

(8)

في أ: قتلوه. . فقتلوه.

(9)

في أ: البصرة.

(10)

في أ: البصرة.

ص: 147

قال ابن جرير

(1)

: وفي المحرّم منها توفي أحمد بن أبي دواد بعد ابنه بعشرين يومًا.

وهذه ترجمة أحمد بن أبي دُوَاد القاضي

(2)

: أحمد بن أبي دُواد -واسمه الفرج، وقيل: دُعْمَيّ، والصحيح أن اسمه كنيته- بن جرير القاضي، أبو عبد اللَّه الإياديّ المعتزليّ.

قال ابن خلكان

(3)

في نسبه: هو أبو عبد اللَّه أحمد بن أبي دُوَاد فرج بن جرير بن مالك بن عبد اللَّه بن عَبَّاد بن سَلام [بن مالك] بن عبد هند بن عبد لَخْم بن مالك بن قَنَص بن مَنَعة بن برجان بن دَوْس بن الدُّئِل

(4)

بن أُميَّة بن حذافة بن زُهر بن إياد بن نِزار بن معدّ بن عدنان.

قال الخطيب

(5)

البغدادي: ولي ابنُ أبي دُوَاد قضاء القضاة للمعتصم، ثم للواثق، وكان موصوفًا بالجود والسَّخاء، وحسن الخلق، ووفور الأدب، غير أنَّه أعلن بمذهب الجَهْميّة، وحمل السلطان

(6)

على امتحان الناس بخلْق القرآن

(7)

.

قال الصّولي

(8)

: لم يكن بعد البرامكة أكرم منه، فلولا ما وضع من نفسه من محبة المِحْنة لاجتمعت عليه الألسن.

قالوا: وكان مولده في سنة ستين ومئة، وكان أسنَّ من يحيى بن أكثم بعشرين

(9)

سنة.

قال ابن خلكان

(10)

: وأصله من بلاد قِنَّسْرين

(11)

، وكان أبوه تاجرًا يفدُ إلى الشام، ثم أخذ ولدَه معه

(1)

تاريخ الطبري (9/ 197).

(2)

ترجمته في تاريخ بغداد (4/ 141)، وفيات الأعيان (1/ 81)، مختصر ابن عساكر (3/ 66)، سير أعلام النبلاء (11/ 169)، الوافي بالوفيات (7/ 281)، شذرات الذهب (2/ 93).

(3)

وفيات الأعيان (1/ 81).

(4)

في النسخ غير مقروءة، وأثبت ما جاء في الجمهرة (328)، ووفيات الأعيان.

(5)

تاريخ بغداد (4/ 142)، ومختصر ابن عساكر (3/ 66).

(6)

في ب، ظا: الخليفة.

(7)

بعدها في ط: وأن اللَّه لا يُرى في الآخرة.

(8)

تاريخ بغداد (4/ 142)، ومختصر ابن عساكر (3/ 70).

(9)

تاريخ بغداد (4/ 142) وهو مخالف لما ذكر عن ولادة يحيى بن أكثم، إذ أجمعت المصادر أنه ولد أيضًا نحو سنة 159 هـ. وفيات الأعيان (1/ 89).

(10)

وفيات الأعيان (1/ 81).

(11)

"قِنَّسرين": بكسر أوله، وفتح ثانيه وتشديده. وقد كسره قوم، ثم سين مهملة. كانت وحمص شيئًا واحدًا، فتحت على يد أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه سنة 17 هـ. ياقوت.

ص: 148

إلى العراق، فاشتغل بالعلم، وصحب هَيّاج بن العلاء السّلمي، أحد أصحاب واصل بن عطاء، فأخذ عنه الاعتزال.

وذكر

(1)

أنه كان يصحب يحيى بن أكثم القاضي ويأخذ عنه العلم. ثم سرد له ترجمة طويلة في كتاب الوفيات

(2)

. وقد امتدحه بعض الشعراء فقال

(3)

:

رَسُولُ

(4)

اللَّهِ والخلفاءُ مِنَّا

ومنَّا أحمَدُ بنُ أبي دُوَادِ

فردَّ عليه بعضُ الشعراء

(5)

فقال:

فَقُلْ للفاخرينَ على نِزارٍ

وَهُمْ في الأرضِ ساداتُ العِبادِ

رَسُولُ اللَّهِ والخلفاءُ مِنَّا

ونَبْرَأ من دَعِيّ بني إيادِ

وما مِنَّا إيادٌ إذ أقرَّتْ

بدَعْوَةِ أحمَدَ بنِ أبي دُوَادِ

فلمَّا بلغ ذلك أحمد بن أبي دُوَاد، قال: لولا أني أكره العقوبة لعاقبْتُ هذا الشاعر عقوبةً ما فعلَها أحدٌ، وعفا عنه.

قال الخطيب

(6)

: حدثني الأزهري، حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا عمر بن الحسن بن علي بن مالك، حدثني جرير بن أحمد أبو مالك، قال: كان أبي -يعني أحمد بن أبي دُوَاد- إذا صلَّى رفَعَ يديه

(7)

إلى السَّماء وخاطَبَ ربَّه، وأنشأ يقولُ

(8)

:

ما أنتَ بالسَّبَبِ الضَّعِيفِ وإنَّما

نُجْحُ الأمورِ بقوَّةِ الأسبابِ

واليومَ حاجَتُنا إليكَ وإنَّما

يُدْعَى الطَّبيبُ لِسَاعَةِ الأوصابِ

(9)

(1)

وفيات الأعيان (1/ 84).

(2)

وفيات الأعيان (1/ 81 - 91).

(3)

وفيات الأعيان (1/ 86) ضمن أبيات خمسة قالها مروان بن أبي الجنوب، تاريخ بغداد (4/ 143)، مختصر ابن عساكر (3/ 67).

(4)

حتى قوله: سادات العباد ساقط في أ.

(5)

هو أبو هِفان المَهْزَميّ، كما في وفيات الأعيان (1/ 87)، وتاريخ بغداد (4/ 143)، ومختصر ابن عساكر (3/ 67).

(6)

تاريخ بغداد (4/ 143).

(7)

في ب، ظا وتاريخ بغداد: يده.

(8)

تاريخ بغداد (4/ 143)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 70).

(9)

الأوصاب: الأمراض، مفردها: الوصب.

ص: 149

ثم روى الخطيب

(1)

: أنَّ أبا تمام دخل يومًا على ابن أبي دُوَاد، فقال له: أحسبك عاتبًا [يا أبا تمام]

(2)

؟ فقال: إنَّما يُعْتَبُ على واحدٍ وأنتَ النَّاسُ جميعًا. فقال له: أنَّى لك هذه؟ فقال: من

(3)

قول أبي نواس:

وليسَ للَّه

(4)

بِمُسْتَنْكَرٍ

أن يَجْمَعَ العالَم في واحدِ

وامتدَحه أبو تمام يومًا فقال

(5)

:

لقد أنْسَتْ مَسَاوِئَ كُلِّ دَهْرٍ

مَحَاسِنُ أحمَدَ بنِ أبي دُوَاد

وما سافَرْتُ في الآفاقِ إلا

وَمِنْ جَدْوَاكَ راحِلَتي وَزَادِي

يُقيمُ الظَنُّ عِنْدَكَ والأمانِي

وإنْ قَلِقَتْ رِكابي في البلادِ

فقال له: هذا المعنى تفردت به أو أخذتَه من غيرك؟ فقال: هو لي، غير أني ألممت

(6)

بقول أبي نواس

(7)

:

وإنْ جَرَتِ الألْفَاظُ يَوْمًا بمدْحةٍ

لِغَيْرِكَ إنسانًا فأنْتَ الَّذي نَعْنِي

وقال محمد بن يحيى الصولي: ومن مختار مديح أبي تمام لأحمدَ بن أبي دُوَاد قولُه

(8)

:

أأحْمَدُ إنَّ الحاسِدينَ كَثيرُ

ومَا لَكَ إنْ عُدَّ الكِرامُ نَظيرُ

حَلَلْتَ مَحَلًّا فاضِلًا

(9)

متقادمًا

(10)

مِنَ المَجدِ، والفَخْرُ القديمُ فَخُورُ

(11)

(1)

تاريخ بغداد (4/ 144)، مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 70).

(2)

زيادة من تاريخ بغداد ومختصر تاريخ ابن عساكر.

(3)

في تاريخ بغداد ومختصر ابن عساكر: من قول الحاذق -يعني أبا نواس- للفضل بن الربيع.

(4)

في ط: "وليس على اللَّه"، وما هنا من النسخ، وهو الموافق لجميع النسخ الخطية من تاريخ الخطيب، كما يظهر من تعليق الدكتور بشار عواد على طبعته منه (5/ 237) والبيت من السريع، والمصنف ينقل من تاريخ الخطيب.

(5)

ديوانه (1/ 374)، وتاريخ بغداد (4/ 145)، ومختصر ابن عساكر (3/ 71).

(6)

في ط: ألمحت، وفي ب، ظا: أتممت قول.

(7)

تاريخ بغداد (4/ 145).

(8)

ديوانه (2/ 218)، تاريخ بغداد (4/ 145).

(9)

في النسخ: قاضيًا، وأثبت ما جاء في ط والديوان.

(10)

الديوان: متقدِّمًا.

(11)

ويروى فُخور، بضم الفاء، ومعناه: أن الفخر القديم يقوم مقام الفخور الكثيرة، ومن فتحها أراد أن الإنسان إذا كان له شرف قديم فكأنه يفخر، لأنه لا اختلاف في أن ما قدم من المآثر أفضل من المحدثات. الديوان (2/ 218) حاشية (3).

ص: 150

فَكُلُّ غَنِيٍّ أو فَقِيرٍ فإنَّهُ

(1)

إليكَ وإنْ نالَ السَّماءَ فَقِيرُ

إليكَ تَنَاهَى المَجْدُ مِنْ كُلِّ وِجْهَةٍ

يَصيرُ فما يَعْدُوكَ حَيْثُ يَصِيرُ

(2)

وبَدْرُ إيادٍ أنْتَ لا يُنْكِرُونَهُ

كذاكَ إيادٌ للأنامِ بُدورُ

تَجَّنَبْتَ أنْ تُدْعَى الأمِيرَ تَوَاضُعًا

وأنْتَ لِمَنْ يُدْعَى الأميرَ أمِيرُ

(3)

فَمَا مِنْ نَدًى إلا إليْكَ مَحَلُّهُ

وما رِفْعَةٌ إلا إليكَ تَشيرُ

(4)

قلت: وقد أخطأ الشاعر في هذا خطأ كبيرًا، وأفحَشَ في المبالغة كثيرًا

(5)

.

وقال أحمد بن أبي دُوَاد يومًا لبعضهم: لِم لا تسألني؟ فقال له: لأني لو سألتك أعطيتُك ثمن

(6)

ما تعطيني، فقال له: صدقْتَ، وأرسَلَ إليه بخمسة آلاف درهم

(7)

.

وقال ابنُ الأعرابي: سأل رجلٌ من [أصحاب]

(8)

ابن أبي دُوَاد أن يحمله على عَيْر

(9)

، فقال: يا غلام، أعطه عيْرًا وبَغْلًا وبِرْذَونًا

(10)

وفرسًا وجاريةً، ثم قال له: لو أعلم مركوبًا غيرَ هذا لأعطيتك

(11)

. ثم أورد الخطيبُ

(12)

بأسانيده عن جماعة من الناس في أخبارٍ تدُلُّ على كرمه، وفصاحته، وأدبه، وحلمه، ومبادرته إلى قضاء الحاجات، وعظم

(13)

منزلته عند الخلفاء.

وذكر

(14)

عن محمد المهتدي بن الواثق: أنَّ شيخًا دخل يومًا على الواثق، فسلَّم، فلم يردَّ عليه الخليفة، بل قال: لا سلَّمَ اللَّهُ عليك. فقال: يا أميرَ المؤمنين! بئس ما أدَّبك معلِّمُك، قال اللَّه تعالى:{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] فلا حيَّيتني بأحسَنَ منها ولا رددتَّها. فقال

(1)

الديوان: فكلُّ قويٍّ أو غنيٍّ فإنَّه.

(2)

الديوان: حين تصير، وقال التبريزي في شرحه: تقديره: يصير حين تصير فما يعدوك.

(3)

سقط هذا البيت من نسخة أ واستدرك من ب، ظا، وقد تأخر في الديوان عمايليه. وترتيبه هنا كما ورد في تاريخ بغداد.

(4)

في أ وتاريخ بغداد: تشير، وأثبت ما جاء في ب، ظا والديوان.

(5)

بعده في ط: ولعله إن اعتقد هذا في مخلوق ضعيف مسكين ضال مضل، أن يكون له جهنم وساءت مصيرًا.

(6)

في ط: ثمن صلتك.

(7)

تاريخ بغداد (4/ 145)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 71).

(8)

تكملة من ب، ظا.

(9)

"العَيْرِ": الحمار.

(10)

"البِرْذون": ضرب من الدواب يخالف الخيل العراب، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، وجمعها بَرَاذين.

(11)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 73).

(12)

تاريخ بغداد (4/ 146).

(13)

في ب، ظا: عظمة، وفي ط: عظيم.

(14)

تاريخ بغداد (4/ 151 - 152)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 77).

ص: 151

القاضي أحمد بن أبي دُوَاد: يا أميرَ المؤمنين، الرجلُ متكلِّم. فقال: ناظره. فقال له القاضي: ما تقولُ يا شيخُ في القرآن، أمخلوق هو؟ فقال له الشيخ: لم

(1)

تنصفني، المسألة لي. فقال: قل. فقال: هذا الذي تقوله علمَه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ أو ما علموه؟ فقال: لم يعلموه. قال: فأنتَ علمت ما لَمْ يعلَموا؟ فخجل وسكت. ثم قال: أقلني، بل علموه، قال: فلم لا دعوا إليه النَّاسَ كما دعوتهم أنتَ، أمَا وسعَكَ ما وسعهم؟ فسكت ابن أبي دُوَاد. وأمر الواثق له بجائزة نحو من أربعمئة دينار.

قال المهتدي: فدخل أبي المنزل واستلقى على قفاه

(2)

، وجعل يكرِّرُ قولَ الشيخ على نفسه، ويقول: أمَا وسِعَكَ ما وسعهم؟ ثم أطلق

(3)

الرجلَ وأعطاه أربعمئة دينار، وردَّه إلى بلاده، وسقط من عينه أحمد بنُ أبي دُوَاد، ولم يمتحن بعدَه أحدًا. رواه الخطيب

(4)

البغدادي في "تاريخه" بإسنادٍ فيه بعضُ من لا أعرفه، وساقها مطوَّلةً وفيها نكارة.

وقد أنشد ثعلبٌ عن أبي الحجَّاج الأعرابي، أنَّه قال في ابن أبي دُوَاد:

نَكَسْتَ الدِّينَ يا بْنَ أبي دُوَاد

فأصْبَحَ مَنْ أطَاعَكَ في ارْتِدَادِ

زَعَمْتَ كلامَ ربِّكَ كان خَلْقًا

أمَا لَكَ عندَ ربِّكَ مِنْ مَعادِ

كلامُ اللَّهِ أنزلَهُ بعلمٍ

وأنزَلَهُ على خَيْرِ العبادِ

ومَنْ أمْسَى ببابِكَ مستَضيفًا

كَمَنْ حَلَّ الفَلاةَ بغيرِ زَادِ

لقدْ أطرفْتَ يا بْنَ أبي دُوادٍ

بقَوْلِكَ إنَّني رَجُلٌ إيادِي

ثم قال الخطيب

(5)

: أنبأ القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد اللَّه الطبري، قال: أنشدنا المعافَى بن زكريا الجريري، عن محمد بن يحيى الصّولي لبعضهم، يهجو أحمد بن أبي دُوَاد:

لو كُنْتَ في الرأي منسُوبًا إلى رَشَدِ

وكَان عَزْمُكَ عَزْمًا فيه توفيقُ

لكان في الفقه شغلٌ لو قَنِعْتَ به

عن أن تقولَ: كتابُ اللَّه مخلُوقُ

ماذا عَلَيْكَ وأصلُ الدِّين يجمَعُهُمْ

ما كان في الفرع، لولا الجهلُ والمُوقُ

وقد تقدمت

(6)

هذه الأبيات.

(1)

في أ: لِم لا تنصفني.

(2)

في ط: "ظهره"، وما هنا من ب، ظا، وتاريخ الخطيب.

(3)

في ب، ظا: ثم أمر بإطلاق الرجل وإعطائه.

(4)

تاريخ بغداد (4/ 152).

(5)

المصدر السابق.

(6)

تقدمت في حوادث سنة (237)، رواها ابن جرير الطبري ونسبها إلى أبي العتاهية.

ص: 152

وروى الخطيب

(1)

عن يحيى الجلاء أو أحمد بن الموفَّق أنه قال: ناظَرني رجلٌ من الواقِفيّة

(2)

في خَلْق القرآن، فنالني منه ما أكرَه، فلما أمْسَيْتُ أتيْتُ امرأتي، فوضعَتْ ليَ العشاء فلم أقدرْ أن أنالَ منه شيئًا. ونمت فرأيتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم في المسجد الجامع، وهناك حَلْقة فيها أحمدُ بن حنبل وأصحابه، [وحَلْقَة فيها أحمد بن أبي دُوَاد وأصحابه]

(3)

، فجعل رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية:{فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} ويشير إلى حلقة ابن أبي دُوَاد، {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89]. ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه، رحمهم الله.

وقال بعضهم: رأيت في المنام [ليلة مات أحمد بن أبي دُوَاد]

(4)

، كأنَّ قائلًا يقول: هَلَكَ الليلةَ أحمدُ بن أبي دُوَاد. فقلت: وما سببُ هلاكه؟ فقال: أغضَبَ اللَّهَ عليه فغضِبَ عليه من فوق سبع سماوات.

وقال بعضهم: رأيت في تلك الليلة كأنَّ النَّار زفرت زفرةً عظيمةً فخرج منها اللهب، فقلت: ما هذا؟ فقيل: هذه أُعِدَّت لابن أبي دُوَاد.

وقد كان موته في يوم السبت لسبع

(5)

بقيت من المحرم من هذه السنة، وصلَّى عليه ابنه العباس، ودفن في داره ببغداد وعمره يومئذ ثمانون سنة. وكان قد فلج، قبل موته بأربع سنين، وبقي طريحًا في فراشه لا يقدر أن يحرِّكَ شيئًا من جسده

(6)

.

وقد دخل عليه بعضهم فقال له: واللَّه ما جئتك عائدًا، ولكن جئتك لأحمدَ اللَّه عز وجل على أن سجنك في جسدك

(7)

.

وقد صودر في العام الماضي بأموال جزيلة جدًا

(8)

، كما تقدَّم

(9)

بيانه.

قال ابن خلكان

(10)

: وقد كان مولده في سنة ستين ومئة.

(1)

تاريخ بغداد (4/ 153)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 76). وفيهما: علي بن الموفق بخلاف الأصول.

(2)

"الواقفية": فرقة من المتصوفة والمبْطلة.

(3)

زيادة في ب، ظا.

(4)

زيادة من ب، ظا.

(5)

في ظا: لتسع، وفيات الأعيان (1/ 90).

(6)

بعدها في ط: وحرم لذة الطعام والشراب والنكاح وغير ذلك.

(7)

بعدها في ط: الذي هو أشد عليك عقوبة من كل سجن، ثم خرج عنه داعيًا عليه بأن يزيده اللَّه ولا ينقصه مما هو فيه، فازداد مرضًا إلى مرضه.

(8)

بعدها في ط: ولو كان يحمل العقوبة لوضعها عليه المتوكل.

(9)

تقدم في حوادث سنة (237).

(10)

وفيات الأعيان (1/ 89).

ص: 153

قلت: فعلى هذا يكونُ أسنَّ من أحمد بن حنبل، ومن يحيى بن أكثم الذي ذكر ابنُ خلكان أنّه كان سبب اتصاله بالمأمون على يديه، فحظي عنده بحيث إنه أوصَى به إلى أخيه المعتصم، فولاه المعتصم القضاء، وعزل ابن أكثم. وكان لا يقطع أمرًا دونه، فكان عنده خصيصًا، ولاه القضاء والمظالم. وكان ابنُ الزيات الوزيرُ يبغضه، وبينهما منافسات وهجو

(1)

كما تقدَّم.

وقد بالغ ابن خلكان

(2)

في ترجمته ومدحه وقرَّظه وذكره من مآثره ومحاسنه، فأطنَبَ وأكثر، وما أطيب. ولم يذكر شيئًا من مساوئه، بل ذكر امتحانه للإمام أحمد بن حنبل ذِكرًا موجزًا بأطراف الأنامل؛ وهي المحنة التي هي أسُّ

(3)

ما بعدها من المحن، والفتنة التي فتحت على الناس أبواب الفتن.

وذكر [ابن خلكان]

(4)

ما ضُرب به من الفالج، وما صُودِرَ به من المال، وأن ابنَه أبا الوليد محمدًا صُودِرَ بألف ألف دينارٍ ومئتي ألف دينار، وأنَّه مات قبل أبيه بشهر.

وأما الحافظ ابنُ عساكر

(5)

فإنَّه بسَطَ القول في ترجمته وشرحها شرحًا مليحًا.

وقد كان الرجل أديبًا فصيحًا كريمًا جوادًا ممدَّحًا، يؤثر العطاء على المنع، والتفرقة على الجمع، وقد روى [ابن عساكر]

(6)

بإسناده: أنَّه جلس يومًا مع أصحابه ينتظرون خروجَ الواثق، فقال

(7)

القاضي: إنَّه ليعجبني هذان البيتان:

ولي نَظْرَةٌ لَوْ كانَ يُحْبِلُ نَاظِرٌ

بِنَظْرَتِهِ أنْثَى لَقَدْ حَبِلَتْ مِنِّي

فإنْ وَلَدَتْ ما بَيْنَ

(8)

تِسْعَةِ أشْهُرٍ

إلى نَظَري إبْنًا فإنَّ ابنَها مِنِّي

(9)

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:

أبو ثور، إبراهيم بن خالد الكلبيّ

(10)

، أحدُ الفقهاء المشاهير؛ قال الإمام أحمد: هو عندنا في

(1)

في ب، ظا: هجر.

(2)

وفيات الأعيان (1/ 81 - 91).

(3)

في ب، ظا: رأس. وأسُّ الشيء: أصله.

(4)

زيادة من (ط): وفيات الأعيان (1/ 89 - 90).

(5)

مختصر ابن عساكر لابن منظور (3/ 66 - 78).

(6)

زيادة من ط، مختصر ابن عساكر (3/ 75) وفيه البيتان.

(7)

في ط: فقال ابن أبي دواد.

(8)

في ب، ظا: من بعد.

(9)

في أ: إلى نظرٍ، وفي مختصر ابن عساكر: إلى نظري أنثى فإن ابنها ابني.

(10)

ويكنى أيضًا أبا عبد اللَّه البغدادي، مفتي العراق، أحد الأعلام، تفقه بالشافعي، وبرع بالعلم ولم يقلِّد أحدًا. سمع من سفيان بن عيينة وغيره. سير أعلام النبلاء (12/ 72)، العبر (1/ 431).

ص: 154

مِسْلاخ

(1)

الثوريّ.

وخليفةُ بنُ خَيَّاط، أحدُ أئمة التاريخ

(2)

.

وسُوَيد بنُ سعيد الحَدَثانيّ

(3)

.

وسُوَيد بنُ نَصْر

(4)

.

وعبد السلام بن سعيد، الملقب بسُحْنُون، أحدُ فقهاء المالكية المشهورين.

وعبد الواحد بن غِياث

(5)

.

وقتيبة بن سعيد، شيخ الأئمة الستة

(6)

.

وأبو العَمَيْثَل

(7)

: عبد اللَّه بن خُلَيْد

(8)

، كاتب عبد اللَّه بن طاهر وشاعره، كان عالمًا باللغة وله فيها مصنفات عديدة أورد منها القاضي ابن خلكان جملة. ومن شعره يمدَحُ عبدَ اللَّه بن طاهر

(9)

:

يا مَنْ يُحاوِلُ أنْ تَكُونَ صِفاتُهُ

كصفاتِ عبدِ اللَّهِ أنصِتْ واسْمَعِ

فلأنْصَحَنَّكَ في خِصالٍ والَّذي

حَجَّ الحَجيجُ إليه فاسْمَعْ أو دَعِ

(1)

أي على هيئته وهديه وطريقته. والمِسْلاخ: الجلد. وفي حديث عائشة: ما رأيت امرأة أحبَّ إليَّ أن أكون في مِسلاخها من سَوْدَةَ، تمنَّت أن تكون في مثل هديها وطريقتها. التاج: سلخ. والنهاية (2/ 389).

(2)

أبو عمرو العُصْفُريُّ البصريّ، المعروف بشَباب، صاحب التاريخ والطبقات وغير ذلك. وعُصْفُر: فخذ من العرب. كان عالمًا بالنسب والسِّير وأيام الناس، من أبناء الثمانين. تهذيب الكمال (8/ 314)، والعبر (1/ 432).

(3)

سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار، أبو محمد الهَرَوي الحَدَثاني، نزيل حديثة الفرات (حديثة النورة)، بليدة تحت عانة، وفوق الأنبار. محدّث مكثر، صاحب حديث وعناية بهذا الشأن، رحّال جوّال، قال أبو حاتم: صدوق، كثير التدليس. بلغ مئة سنة. سير أعلام النبلاء (11/ 410)، والعبر (1/ 432).

(4)

أبو الفضل المروزيّ، ويعرف بالشاه، إمام، محدّث، حدث عن ابن المبارك وابن عيينة. سير أعلام النبلاء (11/ 408)، والعبر (1/ 432).

(5)

عبد الواحد بن غياث المِربديّ البصري، أبو بحر الصيرفي. ذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب (6/ 438).

(6)

في أ: أئمة السنة، وفي ط: الأئمة والسنة، وما أثبته من ب، ظا. وهو قُتَيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي، البلخي، البَغلاني، أبو رجاء. اسمه يحيى: وقيل: علي، وقتيبة لقبه. سمع مالكًا والليث والكبار، ورحل العلماء إليه من الأوطان. وكان محدِّث خراسان، ثقة. سير أعلام النبلاء (11/ 13)، والعبر (1/ 433).

(7)

ترجمته في وفيات الأعيان (3/ 89)، وسمط اللآلي (308)، والأعلام للزركلي (4/ 240).

(8)

في ط: "خالد"، محرف.

(9)

وفيات الأعيان (3/ 89)، ومرآة الجنان (2/ 130).

ص: 155

أصْدُقْ وَعِفَّ وبرَّ واصْبِرْ واحْتَمِلْ

واصْفَحْ وكافِ ودارِ

(1)

واحْلُمْ واشجعِ

والْطُفْ ولِنْ وتأنَّ وارْفُقْ وائتِدْ

(2)

واحْزُمْ وجدّ وحَامِ واحمِلْ وادْفَعِ

فلقد محضْتُكَ إن قبلْتَ نَصِيحَتي

وهُديتَ للنَّهجِ الأسَدِّ المَهْيَعِ

(3)

سُحْنُون المالكي صاحبُ المُدَوَّنة

(4)

: هو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة التَّنُوخيّ، أصلُه من مدينة حمص، فدخل به أبوه مع جندها بلادَ المغرب فأقام هنالك، وانتهت إليه رياسة مذهب مالك هنالك.

وكان قد تفقَّه على ابن القاسم، وسببه أنَّه قدم أسدُ بنُ الفرات المالكيُّ من بلاد العراق إلى بلاد مصر، فسأل عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك عن أسئلة كثيرة فأجابه عنها، فعَقَلَها عنه، ودخل فيها بلادَ المغرب فانتسخها منه سُحْنون، ثم قدمَ على ابن القاسم مصرَ فأعاد سُؤْلَه عنها، فزاد فيها ونقص، ورجع عن أشياء منها، ورتَّبها سُحْنون، ورجع بها إلى بلاد المغرب، وكتب معه ابنُ القاسم إلى أسَد بن الفرات أن يعرض نسخته

(5)

على نسخة سُحْنون ويصلحَها بها فلم يقبَلْ، فدعا

(6)

عليه ابنُ القاسم، فلم ينتفع به ولا بكتابه، وصارت الرحلة إلى سُحْنون، وانتشرت عنه "المُدوَّنةُ"، وساد أهلَ ذلك الزمان؛ وتولَّى القضاء بالقيروان إلى أن توفي في هذه السنة عن ثمانين عامًا، رحمه الله.

‌ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومئتين

في جمادى الآخرة من هذه السنة وثبَ أهلُ حمصَ أيضًا على عاملهم محمد بن عبدَوَيْه، فأرادوا قتله، وساعدهم نصارى أهلِه أيضًا عليه، فكتب إلى الخليفة يُعلمه بذلك، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وكتب إلى متولّي دمشق أن يمدَّه بجيشٍ من عنده؛ ليساعده على أهل حِمْصَ، وكتب إليه أن يضربَ ثلاثةً منهم معروفين بالشرِّ بالسّياط حتى يموتوا، ثم يصلُبهم على أبواب البلد، وأن يضربَ

(1)

في ط: وكافئ دار.

(2)

"اتَّئِد": تمهل.

(3)

"المَهْيَع": الواضح البيِّن.

(4)

ترجمته في وفيات الأعيان (3/ 180)، وسير أعلام النبلاء (12/ 63)، والعبر (1/ 432)، وترتيب المدارك (2/ 585)، والديباج المذهب (2/ 30)، رياض النفوس (1/ 249)، مرآة الجنان (2/ 131).

وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء تفسير"سحنون" بأنه اسم طائرٍ بالمغرب، يوصف بالفطنة والتحرُّز، وهو بفتح السين وضمِّها.

(5)

وهي المسماة الأسديّة.

(6)

في سير أعلام النبلاء (10/ 226): قال: اللهم لا تُبارك في الأسديّة، فهي مرفوضة عند المالكية، وخبر المسائل الأسدية في ترتيب المدارك للقاضي عياض (2/ 469) وما بعدها.

ص: 156

عشرين آخرين منهم، كلّ واحدٍ منهم ثلاثمئة ثلاثمئة، وأن يرسلهم إلى سامرّا مقيَّدين في الحديد، وأن يخرج كل نصرانيٍّ بها، وأن يهدمَ كنيستها العظمى التي إلى جانب المسجد الجامع، ويضيفها إليه، وأمر له بخمسين ألف درهم، وللأمراء الذين ساعدوه بصِلات سنيَّة، فامتثل ما أمره به الخليفةُ في أهل حمصَ.

وفي هذه السنة ضُرب رجلٌ ببغداد يقال له: عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم

(1)

، ضربًا شديدًا مبرِّحًا، يقال: إنه ضرب ألف سوط حتى مات، وذلك لأنه شهدَ عليه سبعةَ عشرَ رجلًا عند قاضي الشرقية أبي حسّان الزيادي أنه يشتم

(2)

أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة، رضي الله عنهم أجمعين. فرفع أمره إلى الخليفة، فجاء كتابُ الخليفة إلى محمد بن عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين نائب بغداد يأمره أن يضرب هذا الرجل بين الناس حدَّ السّب، ويضرب بالسّياط حتَّى يموت، ويلقى في دجلة ولا يصلّى عليه، ليرتدع بذلك أهلُ الإلحاد والمعاندة، ففعل معه ذلك، قبَّحه اللَّه ولعنه. ومثل هذا يكفّر إن كان قد قذف عائشة أمّ المؤمنين بالإجماع، ومن

(3)

قذف من سواها من أمهات المؤمنين قولان، والصحيح أنَّه يكفّر أيضًا، لأنهن أزواج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

قال ابن جرير

(4)

: وفي هذه السنة انقضّت الكواكب ببغداد وتناثرت، وذلك ليلة الخميس لليلة خلت من جمادى الآخرة.

قال

(5)

: وفيها: مُطِر الناس في آب مطرًا

(6)

شديدًا جدًا.

قال

(7)

: وفيها مات شيء كثير من الدّواب والبقر.

قال

(8)

: وفيها أغارت الرّوم على عَين زَرْبى

(9)

فأسَروا مَنْ بها من الزّطّ، وأخذوا نساءهم وذراريّهم ودوابهم.

(1)

أضاف الطبري بعده: صاحب خاقان عاصم ببغداد.

(2)

في ب، ظا والطبري: شتم.

(3)

في ب، ظا: وفي قذف، وفي ط: وفيمن.

(4)

تاريخ الطبري (9/ 201).

(5)

تاريخ الطبري (9/ 200).

(6)

في أ، ظا: مطر شديد.

(7)

تاريخ الطبري (9/ 201) ونصه فيه: وفيها وقع بها الصدام فنفقت الدواب والبقر.

(8)

الطبري (9/ 201).

(9)

عين زربى: بلد بالثغر من نواحي المصيصة. ياقوت.

ص: 157

قال

(1)

: وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، وكان ذلك ببلاد طَرَسُوسَ بحضرة قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد، عن إذن الخليفة له في ذلك، واستنابته ابن أبي الشوارب. فكان عدة الأسرى من المسلمين سبعمئة وخمسة وثمانين رجلًا، ومن النساء مئة وخمسًا وعشرين امرأة، وقد كانت أم الملك تَدُورة -لعنها اللَّه- عرضت النصرانية على من كان في يدها من الأسرى، وكانوا نحوًا من عشرين ألفًا، فمن أجابها إلى النصرانية وإلا قتلته، فقتلت اثني عشر ألفًا وتنصَّر بعضهم، وبقي منهم هؤلاء الذين ذكرناهم، وهم قريبٌ من التسعمئة رجالًا ونساءً.

وفيها: أغارت البُجَة على حرسٍ من أرض مصر، وقد كانت البُجَة لا يغزون المسلمين قبل هذا، لهدنة كانت لهم من المسلمين. فنقضوا الهدنة وصارحوا بالمخالفة. والبُجَة طائفة من سودان بلاد المغرب، وكذا النوبة والفرويّة وثنيون وزعرير وبكسوم، وأمم كثيرون لا يعلمهم إلا الذي خلقهم. وفي بلاد هؤلاء معادن الذهب والجوهر، وكان عليهم حمل في كلِّ سنة إلى ديار مصر من هذه المعادن.

فلما كانت دولة المتوكِّل امتنعوا من أداء ما عليهم سنين متعددة، فكتب نائب مصر -وهو يعقوب بن إبراهيم الباذغيسيّ مولى الهادي، وهو المعروف بقوصرة- بذلك كله إلى المتوكِّل، فغضب الخليفة من ذلك غضبًا شديدًا، وشاور في أمر البُجَة، فقيل له: يا أمير المؤمنين! إنهم قوم أهل إبلٍ وبادية، وإنَّ بلادهم بعيدة ومعطشة، ويحتاج الجيش الذاهبون إليها أن يتزوَّدوا لمقامهم بها طعامًا وماءً؛ فصدَّه ذلك عن البعث إليهم.

ثم بلغه أنهم يغيرون على أطراف الصعيد، وخشيَ أهلُ مصرَ على أنفسهم منهم، فجهَّز لحربهم محمد بن عبد اللَّه القُمِّيّ، وجعل إليه نيابة تلك البلاد كلّها المتاخمة لأرضهم، وكتب إلى عمال مصر أن يعينوه بجميع ما يحتاج إليه من الطعام وغير ذلك، فتخلص معه من الجيوش الذين انضافوا إليه من تلك البلاد حتى دخل بلادهم في عشرين ألفَ فارسٍ وراجلٍ، وحمل معه الطعام والإدام في مراكبَ سبعةٍ، وأمر الذين هم بها أن يلجُّوا بها في البحر، ثم يوافوه بها إذا توسط بلاد البُجَة، ثم سار حتَّى دخل بلادهم، وجاوز معادنهم، وأقبل إليه ملك البُجَى -واسمه علي بابا- في جمع عظيم أضعاف مَن مع محمد بن عبد اللَّه القُمِّيّ، وهم قوم مشركون يعبدون الأصنام، فجعل الملك يطاول المسلمين في القتال، لعله تنفَدُ أزوادُهم فيأخذونهم بالأيدي، فلمَّا نفِدَ ما عند المسلمين، وطمع فيهم السودان يسَّر اللَّه وله الحمد بوصول تلك المراكب، وفيها من الطعام والتمر والزيت وغير ذلك ممَّا يحتاجون إليه شيء كثير جدًا، فقسَّمه الأمير بين المسلمين بحسب حاجاتهم، فيئس السودان من هلاك المسلمين بالجوع،

(1)

الطبري (9/ 202 - 203).

ص: 158

فشرعوا في التأهُّب لقتال المسلمين، وكانوا يركبون على إبل شبيهة بالهُجُنِ، زَعِرة

(1)

جدًا، كثيرة النِّفار، لا تكاد ترى شيئًا [ولا تسمع شيئًا]

(2)

إلا جفلت منه.

فلما كان يوم الحرب عمد الأميرُ إلى جميعِ الأجراس التي معهم في الجيش فجعلَها في رقاب الخيل، فلمَّا كانت الوقعة حمل المسلمون حملةَ رجلٍ واحدٍ

(3)

، ونفرت إبلهم من أصوات تلك الأجراس في كلِّ وجهٍ، وتفرَّقوا شذَر مذَرَ، وأتبعهم المسلمون يقتلون من شاؤوا، لا يمتنع منهم أحد، فلا يعلم عدد من قتلوا منهم إلا اللَّه عز وجل. ثم أصبحوا وقد اجتمعوا رجَّالة فكبسهم القُمِّيّ من حيث لا يشعرون، فقتل عامَّة مَن بقي، وأخذ الملِكَ بالأمان، وأدَّى ما كان عليه من الحمل، وأخذه معه أسيرًا إلى الخليفة.

وكانت هذه الوقعة في أوَّل يوم من هذه السنة، وكان وصوله إلى الخليفة في أواخر هذه السنة، فولاه الخليفة على بلاده كما كان، وجعل إلى ابن القُمِّيّ أمْرَ تلك الناحية، والنَّظَر في أمرها، وللَّه الحمدُ والمنة.

قال ابن جرير

(4)

: ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم المعروف بقَوْصَرَة في جمادى الآخرة.

قلت: وهذا الرجل كان نائبًا على الديار المصرية من جهة المتوكل على اللَّه.

قال

(5)

: وحجَّ بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن محمد بن داود، وحجَّ جعفر بن دينار فيها، وهو والي طريق مكة وأحداث الموسم.

ولم يتعرَّض ابنُ جرير لوفاةِ أحدٍ من المحدّثين في هذه السنة.

‌وقد توفي فيها من الأعيان:

الإمام أحمد بن حنبل.

وجُبَارة بن المُغَلِّس الحِمَّانيّ

(6)

.

وأبو تَوْبَة الحَلبي

(7)

.

(1)

"الهِجان من الإبل": البيضاء الخالصة اللون، من نوق هُجُن. و"زَعِرة": قليلة الشعر.

(2)

زيادة من ط.

(3)

بعدها في ب، ظا: وهرب السودان فرار رجل واحد.

(4)

تاريخ الطبري (9/ 206).

(5)

المصدر السابق.

(6)

أبو محمد الحِمّاني، الكوفي، الشيخ المعمَّر المحدّث، قال البخاري: حديثه مضطرب. سير أعلام النبلاء (11/ 150)، وتهذيب الكمال (4/ 489).

(7)

واسمه الربيع بن نافع، نزيل طَرَسوس، ثقة، حافظ، سمع معاوية بن سلام وشريكًا القاضي والكبار. وهو من أبناء التسعين. سير أعلام النبلاء (10/ 653)، والعبر (1/ 436).

ص: 159

والحسن

(1)

بن حمَّاد سَجَّادَة.

ويعقوب بن حُميد بن كاسِب

(2)

.

ولنذكر شيئًا من أخبار:

‌الإمام أحمد بن حنبل

(3)

رحمه الله

[فضائله، ومناقبه، ومآثره، على سبيل الاختصار]

(4)

: فنقول وباللَّه المستعان: أحمد بن محمد بن حَنْبَل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد اللَّه بن حَيَّان بن عبد اللَّه بن أنس بن عَوْف بن قاسِط بن مازن بن شَيْبان بن ذُهْل بن ثعلبة بن عُكابة بن صَعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط به هِنْب بن أفْصَى بن دُعْمِيّ بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان بن أُدِّ بن أُدَد بن الهَمَيْسَعَ

(5)

بن النبت

(6)

بن قَيْذار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل [عليهما السلام]

(7)

، أبو عبد اللَّه الشيباني المروزيّ ثم البغدادي، هكذا ساق نسبه الحافظُ الكبير أبو بكر البيهقي، رحمه الله في الكتاب الذي جمعه في مناقب الإمام أحمد عن شيخه الحافظ أبي عبد اللَّه الحاكم، صاحب "المستدرك"

(8)

.

(1)

في النسخ: عيسى، وفي ظا: عيسى بن حمَّاد وسَجَّادة، ولعله سهو من النساخ. وهو الحسن بن حمَّاد بن كُسَيْب الحَضْرميّ، أبو علي البغدادي، المعروف بسَجَّادَة، كان ثقة وصاحب سنة. كان من جِلة العلماء وثقاتهم في زمانهم. سير أعلام النبلاء (11/ 392)، والعبر (1/ 435)، وتهذيب الكمال (6/ 129). وأما عيسى بن حمّاد، فهو المعروف بزُغْبَة، وقد توفي سنة ثمان وأربعين ومئتين.

(2)

أبو الفضل المدني، نزيل مكة، المحدّث الكبير، صدوق، ربما وهم. سير أعلام النبلاء (11/ 158)، وتقريب التهذيب (2/ 375)، حلية الأولياء (9/ 161).

(3)

ترجم له عدد كبير من مؤلفي كتب التراجم، وتاريخ بغداد (4/ 412)، وتاريخ دمشق لابن عساكر، الجزء السابع ص (218 - 296)، ومختصره لابن منظور (3/ 240 - 257)، وسير أعلام النبلاء (11/ 177)، والأعلام (1/ 203).

(4)

زيادة من ب، ظا.

(5)

بعد هذا في ط: "بن حمل"، وليس في شيء من النسخ، ولا فيما نقله الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق (5/ 256)، وجاء ذكره في غير هذا الطريق، وفي عمود نسبه اختلاف ينظر في مصادر ترجمته.

(6)

في النسخ: ثابت، وأثبت ما جاء في ط والمصادر.

(7)

زيادة من ط.

(8)

تاريخ بغداد (4/ 413)، تاريخ دمشق لابن عساكر، الجزء السابع (ص 218) وما بعدها، وسير أعلام النبلاء (11/ 178).

ص: 160

وروي عن صالح ابن الإمام أحمد قال: رأى أبي هذا النسب في كتاب لي، فقال: وما يصنع بهذا؟ ولم يُنكر النسب

(1)

.

قالوا: وقدم به أبوه من مَرْو وهو حَمْل، فوضعته أمُّه ببغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومئة، وتوفي أبوه وهو ابنُ ثلاث سنين، فكفلته أمُّه.

قال صالح عن أبيه: فثقبَثْ أذنيّ وجعلَتْ فيها

(2)

لؤلؤتين، فلمَّا كبِرْتُ دفعتهما إليَّ فبعتهما بثلاثين درهمًا.

وتوفي أبو عبد اللَّه أحمد بن حَنْبل في يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين

(3)

، وله من العمر سبع وسبعون سنة، رحمه الله.

وقد كان في حداثته

(4)

يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك ذلك وأقبلَ على سماع الحديث، فكان أوّل طلبه الحديث وأوّل سماعه من مشايخه في سنة تسع وسبعين ومئة، وله من العمر ست عشرة [سنة]، وحجَّ أوّل حجة حجَّها في سنة سبع وثمانين ومئة، ثم في سنة إحدى وتسعين؛ وفيها حجَّ الوليد بن مُسلم، ثم في سنة ست وتسعين، وجاور في سنة سبعِ وتسعين، ثم حجَّ في سنة ثمان وتسعين وجاور إلى سنة تسع وتسعين عند عبد الرزاق باليمن، فكتب عنه هو ويحيى بن معين. وإسحاق بن رَاهَوَيْه.

قال الإمام أحمد

(5)

: حججت خمس حجج، منها ثلاث راجلًا، أنفقتُ في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا.

قال: وقد ضللْتُ في بعض هذه الحجج عن الطريق وأنا ماشٍ، فجعلت أقول: يا عبادَ اللَّه دلّونا على الطريق، فلم أزل أقولُ ذلك حتى وقفت

(6)

على الطريق.

قال: وخرجْتُ إلى الكوفة، فكنتُ في بيتٍ تحت رأسي لَبِنةٌ، ولو كان عندي خمسون

(7)

درهمًا

(1)

ابن عساكر (الجزء السابع/ 221).

(2)

في أ: فيه، وفي سير أعلام النبلاء: فيهما، وهو الصواب (ع).

(3)

بعده في ابن عساكر: صلّى عليه محمد بن عبد اللَّه بن طاهر، أمير بغداد، ودُفن بباب حرب.

(4)

في أ: بدايته.

(5)

تاريخ ابن عساكر (الجزء السابق/ 229 - 230).

(6)

في ب، ظا: وقعت، لم يكن من عادة الإمام أحمد، أن ينادي عباد اللَّه، وإنما ينادي اللَّه فقط. قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه (ع).

(7)

في أ: تسعين، وفي ط: تسعون.

ص: 161

كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الريّ، وخرج بعضُ أصحابنا ولم يُمكنِّي الخروج؛ لأنَّه لم يكن عندي.

وقال ابن ابن حاتم، عن أبيه، عن حَرْمَلة، قال: سمعت الشافعي يقول: وعدني أحمدُ بن حَنْبل أن يقدمَ على مصر.

قال ابن أبي حاتم: يشبه أن تكون خِفَّةُ ذاتِ اليد حالت بينه وبين الوفاء بالعدة.

وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلُّونه، ويحترمونه في حال سماعه منهم، وقد سرد شيخُنا فى "تهذيبه"

(1)

أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم، وكذلك الرواة عنه.

قال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد: وقد أكثر أحمد بن حنبل في "المسند" وغيره الرواية عن الشافعي، وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي القديمة والجديدة

(2)

.

قلت: قد أفرد ما رواه الإمام أحمد عن الشافعيّ، وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثًا؛ ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد

(3)

، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك بن أنس، عن الزُّهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "نَسَمَةُ المُؤمِنِ طائرٌ يَعْلُق في شجر الجنَّة حتى يرجعَه اللَّه إلى جَسَدِه يوم يَبْعَثُهُ"

(4)

. وقد قال له الشافعي لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد بعد سنة تسعين ومئة، وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة؛ قال له: يا أبا عبد اللَّه، إذا صحَّ عندكم الحديثُ فأعلِمْني أذهب إليه، حجازيًا كان، أو شاميًا أو عراقيًا، أو يمنيًّا. يعني أنه لا يقول بقول فقهاء الحجاز الذين لا يقبلون إلا رواية الحجازيين، ويُنزلون أحاديث مَن سواهم منزلةَ أحاديث أهل الكتاب. وقول الشافعيّ له هذه المقالة تعظيمٌ لأحمدَ وإجلالٌ له، وأنه عنده بهذه المثابة إذا صحَّح أو ضعَّف يرجع إليه في ذلك.

وقد كان الإمام أحمد بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء، كما سيأتي ثناء الأئمة عليه، واعترافهم له

(1)

تهذيب الكمال للحافظ المِزّي (1/ 437 - 442).

(2)

مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 486) وما بعدها.

(3)

في مسنده (3/ 455).

(4)

رواه النسائي في الجنائز، باب أرواح المؤمنين (4/ 108)، والإمام أحمد في مسنده (6/ 386)، وفي الموطأ (1/ 240) في الجنائز، باب جامع الجنائز. ورواه أيضًا ابن ماجه رقم (4271) في الزهد، باب ذكر القبر والبلى، وهو حديث صحيح.

ص: 162

بعلوّ المكانة وارتفاع المنزلة في العلم، رحمهم الله. وقد بعُد صيتُه في زمانه، واشتهر اسمُه في شبيبته في الآفاق.

ثم حكى البيهقي كلام أحمد في الإيمان وأنه قول وعمل يزيد وينقص، وكلامه في أنَّ القرآن كلامُ اللَّه غيرُ مخلوق، وإنكاره على من يقول: إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن.

قال: وفيها

(1)

حكى أبو عمارة وأبو جعفر، أنبأ

(2)

أحمد شيخنا السراج عن أحمد أنه قال: اللفظ محدَث، واستدلَّ بقوله:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]. قال: فاللفظ كلام الآدميين.

وروى غيرهما عن أحمد أنه قال: القرآن كيف ما تصرف غيرُ مخلوق، وأمَّا أفعالنا فهي مخلوقة.

قلت: وقد قرر البخاريُّ هذا المعنى في "أفعال العباد" وذكره أيضًا في الصحيح، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم:"زينوا القرآن بأصواتكم"

(3)

، ولهذا قال غيرُ واحد من الأئمة: الصوت صوت القاري، والكلام كلام الباري. وقد قرر البيهقيّ ذلك أيضًا

(4)

.

ثم ذكر البيهقيُّ كلامَ الإمام أحمد في إثبات رؤية اللَّه في الدَّار الآخرة، واحتجَّ بحديث صُهيب الرومي في الرؤية

(5)

وهي الزيادة، وكلامه في نفي التشبيه، وترك الخَوْض في الكلام، والتمسّك بما ورد في الكتاب والسنة من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

(1)

كذا في ط، وفي ظا: وفيما.

(2)

في ب، ظا: حكاه.

(3)

أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص 33 و 34) وأبو داود رقم (1468) في الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، والنسائي (2/ 179، 180) في الصلاة، باب تزيين القرآن بالصوت، والدارمي (2/ 474)، وأحمد (4/ 283، 285، 296، 304)، وابن ماجه رقم (1342) وصححه ابن حبان والحاكم، وهو حديث صحيح من حديث البراء بن عازب (ع).

قال الخطابي في قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" قد فسّره غير واحد من أئمة الحديث: زينوا أصواتكم بالقرآن، وقالوا: هذا من باب المقلوب.

(4)

زِيدَ في المطبوع عن البيهقي ما نصه:

وروى البيهقي من طريق إسماعيل بن محمد بن إسماعيل السلمي، عن أحمد أنه قال: من قال: القرآن محدث فهو كافر. ومن طريق أبي الحسن الميموني عن أحمد أنه أجاب الجهميّة حين احتجوا عليه بقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]. قال: يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث. وعن حنبل، عن أحمد، أنه قال: يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن، وهو ذكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أو وعظه إياهم.

(5)

رواه أحمد في مسنده (4/ 332 و 6/ 15)، ومسلم في صحيحه رقم (181):"إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول اللَّه تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل".

ص: 163

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر بن عياش، حدَّثنا عاصم، عن زرّ، عن عبد اللَّه -وهو ابن مسعود- قال: ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند اللَّه سيئ

(1)

. وقد رأى الصحابة جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر، رضي الله عنه، إسناد صحيح

(2)

.

قلت: وهذا الأثر فيه حكاية إجماعٍ عن الصحابة في تقديم الصِّدِّيق، رضي الله عنه. والأمر كما قاله ابنُ مسعود، رضي الله عنه، وقد نصَّ على ذلك غيرُ واحد من الأئمة.

قال الإمام أحمد بن حنبل حين اجتاز بحمصَ، وقد حُمل إلى المأمون في زمن المحنة، ودخل عليه عمرو بن عثمان الحمصي، فقال له: ما تقولُ في الخلافة؟ فقال الإمام أحمد: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن قدَّم عليًا على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى، لأنهم قدَّموا عثمان رضي الله عنه

(3)

.

‌فصل في ورعه وزهده وتقشفه رحمه الله ورضي عنه

روى البيهقي من طريق المُزني، عن الشافعي، أنه قال للرشيد: إن اليمن تحتاج إلى قاضٍ، فقال له: اختَرْ من نولِّه إياه. وأنَّ الشافعي قال لأحمد بن حنبل وهو يتردد إليه في جملة من يأخذ عنه

(4)

، فامتنع من ذلك شديدًا، وقال: إنِّي إنَّما أختلِفُ إليك للعلم، أفتأمرني أن أليَ القضاء؟ فاستحيا الشافعي

(5)

.

وروى أنه كان لا يصلي خلفَ عمِّه إسحاق بن حنبل، ولا خلف بنيه، ولا يكلِّمهم أيضًا؛ لأنَّهم أخذوا جائزة السلطان.

ومكث مرة ثلاثة أيام لم يحصل له ما يأكله، حتى بعث إلى بعض أصحابه فاستقرض منه دقيقًا، فعرف أهله حاجته إلى الطعام، فعجَّلوا وعجنوا وخبزوا له سريعًا، فقال: ما هذه العجلة! كيف خبزتم سريعًا؟ فقالوا: وجدنا تنُّور بيتِ صالح

(6)

مسجورًا، فخبزنا لك فيه. فقال: ارفعوا، ولم يأكل، وأمر بسدّ بابه إلى دار صالح.

(1)

رواه أحمد في المسند (1/ 379)، رقم (3600) وأبو داود الطيالسي صفحة (33) ورواه البزار والطبراني وأبو نعيم في الحلية، موقوفًا على ابن مسعود رضي الله عنه، (ع).

(2)

هذا اجتهاده رحمه الله، لكن عاصم بن أبي النجود حسن الحديث لا يرتقي حديثه إلى مراتب الصحيح (بشار).

(3)

ب، ظا: عنهم.

(4)

بعده في ط: ألا تقبل قضاء اليمن؟.

(5)

تاريخ ابن عساكر (الجزء السابع/ 237).

(6)

زاد ابن عساكر في تاريخه (الجزء السابع/ 261): ابنِه.

ص: 164

قال البيهقي: لأن صالحًا أخذ جائزة المتوكل على اللَّه.

وقال عبد اللَّه: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يومًا لم يأكل فيها إلا ربع مدّ سويقًا، يفطر بعد كل ثلاث ليال على سُفة

(1)

منه حتى رجع إلى بيته، ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، رأيت موقيه دخلا

(2)

في حدقتيه.

قال البيهقي: وقد كان الخليفة يبعث من مائدته

(3)

شيئًا كثيرًا، وكان أحمد لا يتناول من طعامه شيئًا. وبعث الخليفة المأمون مرة ذهبًا ليقسم على أصحاب الحديث، فما بقي منهم أحدٌ إلا أحمدَ بن حنبل، فإنَّه أبَى.

وقال سُلَيمان الشَّاذَكوني: حضرت أحمد وقد رهن سطلًا له عند فامِيٍّ

(4)

باليمن، فلمَّا جاءه بفكاكه أخرج إليه سطلين، فقال: خذ متاعك، فاشتبه عليه أيُّهما الذي له، فقال له: أنت في حِلٍّ منه ومن الفِكاك، وتركه

(5)

.

وحكى عبد اللَّه، قال: كنا في زمن الواثق في ضِيقٍ شديد، فكتب رجل إلى أبي: إنَّ عندي أربعة آلاف درهم ورثتها من أبي، وليست صدقة ولا زكاة، فإن رأيت أن تقبلها مني؟ فامتنع من ذلك، وكرَّر عليه فأبَى، فلمَّا كان بعد حين ذكرنا ذلك فقال: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت

(6)

.

وعرض عليه بعضُ التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة جعلَها باسمه، فأبَى عن أن يقبلها، وقال: نحن في كفايةٍ، وجزاكَ اللَّهُ عن قَصْدِك خيرًا.

وعرض عليه تاجر آخرُ ثلاثة آلاف دينار، فامتنع من قبولها، وقام وتركه.

ونفِدَتْ نفقة أحمدَ وهو في اليمن فعرض عليه شيخُه عبدُ الرَّزَّاق ملءَ كفِّه دنانير، فقال: نحن في كفاية، ولم يقبلْها.

وسُرقت ثيابه وهو باليمن، فجلس في بيته، ورَدَّ عليه الباب، وفقده أصحابه فجاؤوا إليه فسألوه فأخبرهم، فعرضوا عليه ذهبًا فلم يقبلْه ولم يأخذ منهم إلا دينارًا واحدًا؛ ليكتبَ لهم به، فكَتَبَ لهم بالأجر، رحمه الله.

(1)

"سُفَّة من سويق": أي حبَّة وقبضة منه.

(2)

في أ: دخلتا، وفي ظ: دخل. والمثبت من ب، ط. تاريخ ابن عساكر (الجزء السابع/ 260).

(3)

في أ: لمائدته.

(4)

"الفامِيّ": بائع الفُوم، مغيّر عن فُومي. وهو بائع الحِمّص، لغة شامية. اللسان (فوم).

(5)

تاريخ ابن عساكر (الجزء السابع/ 261)، سير أعلام النبلاء (11/ 203).

(6)

في ط: ذهبت وأكلناها.

ص: 165

وقال أبو داود: كانت مجالس

(1)

أحمدَ مجالسَ الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قطّ.

وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه سئل عن التوكّل، فقال: هو قطعُ الاستشرافِ باليأس من الناس، فقيل: هل من حجَّةِ على هذا؟ قال: نعم! إن إبراهيم لمَّا رُمِيَ

(2)

به من المنجنيق عَرَضَ له جبريل، فقال: هل لكَ من حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا

(3)

، قال: فَسَلْ من لك إليه الحاجة؛ قال: أحَبُّ الأمْرَيْنِ إليَّ أحبُّهما إليه

(4)

.

وعن أبي جعفر محمد بن يعقوب الصفَّار، قال: كنَّا مع أحمد بن حنبل بِسُرَّ مَن رأى، فقلنا: ادعُ اللَّه لنا، فقال: اللهم، إنَّك تعلم أنَّا نعلم أنك لنا على أكثر مما نحبُّ، فاجعلنا على ما تحبُّ دائمًا، ثم سكت. فقلنا: زِدْنا، فقال: اللهم، إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض:{ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]. اللهم، وفقنا لمرضاتك، اللهم، إنَّا نعوذُ بكَ من الفقر إلا إليك، ونعوذُ بك من الذلِّ إلا لك، اللهم، لا تكثر فنطغَى ولا تقلّ علينا فننسَى، وهَبْ لنا من رحمتك وسَعَةِ رزقك ما يكونُ بلاغًا في دنياك

(5)

، وغنًى من فضلك.

قال البيهقي: وفي حكاية أبي الفضل التَّميميّ، عن أحمد: وكان دعاؤه في السجود: اللهم، من كان من هذه الأئمة على غير الحقِّ وهو يظنُ أنَّه على الحقِّ فَرُدَّه إلى الحقِّ؛ ليكون من أهل الحقِّ. وكان يقول: اللهم، إن قبلت من عصاة أمَّةِ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم فداءً، فاجعلني فداءً لهم.

وقال صالح بن الإمام أحمد: كان أبي لا يدع أحدًا يستقي له الماء للوضوء، بل كان يلي ذلك بنفسه، فإذا خرج الدَّلْو ملًا

(6)

، قال: الحمدُ للَّه. فقلْتُ: يا أبة، ما الفائدةُ في ذلك؟ فقال: يا بنيَّ، أمَا سمعْتَ قولَ اللَّهِ عز وجل:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30]. والأخبار عنه في هذا الباب كثيرة جدًا.

وقد صنف أحمد في الزهد كتابًا حافلًا عظيمًا لم يسبق إلى مثله، ولم يلحقه أحدٌ فيه. والمظنون،

(1)

في أ، بك مجالسة أحمد مجالسة، وأثبت ما جاء في ط.

(2)

في ط: رمي به في النار في المنجنيق.

(3)

لقد ذكر هذا المعنى البغوي في تفسير سورة الأنبياء وضعفه، وروي مثله عن كعب الأحبار، وهو من الإسرائيليات، وليس له أصل في السنة بل هو مخالف، لأن الدعاء مشروع، وفيه عبودية للَّه تعالى (ع).

(4)

تاريخ ابن عساكر (الجزء السابع/ 267).

(5)

في ط: دنيانا.

(6)

أراد مَلآن فخفَّف.

ص: 166

بل المقطوعُ به: أنَّه يأخذ بما أمكنه من ذلك رحمه الله، وأكرم مثواه، وجعل جئات الفردوس منقلبه ومأواه.

وقال إسماعيل بن إسحاق السرّاج: قال لي أحمد بن حنبل: هل تستطيع أن تريني الحارث المُحَاسبي إذا جاء منزلك؟ فقلت: نعم! وفرحت بذلك، ثم ذهبت إلى الحارث، فقلت له: إني أحبُّ أن تحضر الليلة أنت وأصحابك. فقال: إنهم كثير فاحضرْ لهم التمر والكُسْب

(1)

. فلما كان بين العشاءين جاؤوا، وكان الإمام أحمد قد سبقهم، فجلس في غرفةٍ

(2)

، فلمَّا صلَّوا العشاء لم يصلُّوا بعدها شيئًا، حتَّى جاؤوا فجلسوا بين يدي الحارث سكوتًا

(3)

كأنَّما على رؤوسهم الطير، حتى كان قريبًا

(4)

من نصف الليل، ثم سأله رجل عن مسألةٍ، فشرع الحارث يتكلم فيما يتعلَّق بالزهد والوعظ، فجعل هذا يبكي، وهذا يئنُّ، وهذا يَزْعَقُ. قال: فصعِدت الغرفة، فإذا الإمام أحمد بن حنبل يبكي، حتَّى كاد يغشى عليه، ثم لم يزالوا كذلك حتَّى الصباح. فلمَّا أراد الانصراف قلتُ: كيف رأيْتَ هؤلاء يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: ما رأيت أحدًا يتكلَّمُ في الزهد مثل هذا الرجل، وما رأيت مثلَ هؤلاء، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمعَ بهم.

قال البيهقي: يحتمل أنه كره له صحبتهم؛ لأن الحارث بن أسد، وإن كان زاهدًا، لكنه كان عنده شيء من علم الكلام، وكان أحمد يكره ذلك. أو لعله كره له أن يصحبهم ولا يدرك شأوهم، واللَّه أعلم.

قلت: بل إنَّما كره ذلك لأن في كلام بعض هؤلاء من التقشُّف الذي لم يرد به الشرعُ والتدقيق والتنقير

(5)

والمحاسبة البليغة ما لم يأت به أمرٌ، ولهذا لمَّا وقف أبو زرعة الرازي على كتاب الحارث بن أسد المسقَى بـ "الرعاية"، قال: هذا بِدعة، ثم قال للرجل الذي جاء به: عليك بما كان عليه مالكٌ والثوريُّ والأوزاعيّ والليث بن سعد، وَدَعْ هذا، فإنَّه بِدْعَةٌ.

وقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد يقول: إن أحببت أن يدومَ اللَّه لك على ما تححب فدُمْ له على ما يحبُّ. كان يقول: الصَّبرُ على الفقر مرتبةٌ لا ينالها إلا الأكابر.

وكان يقول: الفقر أشرفُ من الغنى، فإنَّ الصبر عليه أعظم مرارةً، وانزعاجه أعظمُ حالًا من الشكر

(6)

.

(1)

"الكُسْب": عصارة الدهن، وثُفل بزور القطن والكتان والسمسم بعد عصرها.

(2)

بعدها في ط: بحيث يراهم ويسمع كلامهم ولا يرونه.

(3)

بعدها في ط: مطرقى الرؤوس.

(4)

في أ، ب: قريب، وأثبت ما جاء في ظا، ط.

(5)

"التنقير عن الأمر": البحث عنه.

(6)

بعده في ط: وقال: لا أعدل بفضل الفقر شيئًا.

ص: 167

وكان يقول: على العبد أن يقبلَ الرِّزقَ بعد اليأس، ولا يقبله إذا تقدَّمه طمع

(1)

. وكان يحب التقلُّل طلبًا

(2)

لخفَّة الحساب.

وقال إبراهيم: قال رجل لأحمد: هذا العلم تعلَّمْتَه للَّه؟ فقال: هذا شرطٌ شديدٌ، ولكن حُبِّبَ إليَّ شيءٌ فجمعته

(3)

.

وروى البيهقيُّ: أنَّ رجلًا جاء إلى أحمد، فقال: إنَّ أُمِّيَ زَمِنَةٌ

(4)

مُقْعَدَةٌ منذ عشرين سنة، وقد بعثتني إليك لتدعو اللَّهَ لها. فكأنَّه غضب من ذلك، وقال: نحن أحوجُ أن تدعوَ هي لنا، ثم دعا اللَّه عز وجل لها. فرجع الرجل إلى أمِّه فدق الباب فخرجت إليه على رجليها، وقالت: قد وهبني اللَّهُ العافية

(5)

.

وروى: أن سائلًا سأل، فأعطاه الإمام أحمدُ قطعةً، فقام رجلٌ إلى السائل، فقال: هَبني هذه القطعةَ حتَّى أعطيك عِوَضَها، ما يساوي درهمًا، فأبَى، فرقَّاه إلى خمسين، وهو يأْبَى، وقال: إنِّي أرجو من بركتها ما ترجوه أنتَ من بركتها

(6)

.

قال البيهقي رحمه الله:

‌باب ذكر ما جاء في محنة أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل، رحمه الله

في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق بسبب القرآن، وما أصابَه من الحبس الطويل، والضَّرْب الشَّديد، والتهديد بالقتل بسوء العذاب وأليم العقاب، وقلة مبالاته بما كان منهم من ذلك إليه، وصبره عليه، وتمسّكه بما كان عليه من الدِّين القويم والصراط المستقيم، وكان رحمه الله قد سمع ما ورد في مثل حاله من الآيات المتلوَّة، والآثار

(7)

المأثورة، وبلغه ما أوصي به في المنام واليقظة فرضي وسلَّم إيمانًا واحتسابًا، وفاز بخير الدُّنيا ونعيم الآخرة، هنَّاه اللَّه بما آتاه من ذلك ببلوغ أعلى منازل أهل البلاء في اللَّه من أولياء اللَّه، وألحق به محبيه فيما نال من كرامة اللَّه تعالى إن شاء اللَّهُ من غير بلية، وباللَّه التوفيق والعِصْمة.

(1)

في ط: طمع أو استشراف.

(2)

في أ: لطلب خفة الحساب، وفي ط: من الدنيا لأجل خفة الحساب، والمثبت من ب.

(3)

بعده في ط: وفي رواية أنه قال: أما للَّه فعزيز، ولكن حُبب إليَّ شيء فجمعته.

(4)

أي مبتلاة بعلة دائمة.

(5)

الحلية (9/ 186)، وتاريخ ابن عساكر (الجزء السابع/ 259)، وصفة الصفوة (2/ 349).

(6)

تاريخ ابن عساكر (الجزء السابع/ 258).

(7)

في ط: والأخبار.

ص: 168

قال اللَّه تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 - 3]. وقال اللَّه تعالى في وصية لقمان لابنه: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]. في آي سواها في معنى ما كتبنا.

وقد روى الإمام أحمد الممتحَنُ في "مسنده"

(1)

قائلًا فيه: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عاصم بن بَهْدَلة [قال]: سمعْتُ مُصْعَب بن سعد يحدِّثُ عن سعد، قال: سألتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ فقال: "الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثلُ، يُبتلَى الرَّجُلُ على حسب دينه، فإنْ كان رقيقَ الدِّين ابتُلِي على حسب ذلك، وإن كان صُلْبَ الدِّين ابْتُلِيَ على حسب ذلك، وما يزال البلاءُ بالرَّجل حتى يمشيَ على الأرض وما عليه خطيئة".

وقد رواه مسلم في "صحيحه"

(2)

.

وقال

(3)

: حدثنا عبد الوهَّاب الثَّقفيّ، حدَّثنا أيُّوب، عن أبي قِلابَة، عن أنس، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه فقد وَجَدَ حلاوَةَ الإيمان: مَن كان اللَّهُ ورسُولُه أحبَّ إليه مِمَّا سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحِبُّه إلا للَّه، وأن يقذف في النار أحبُّ إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذَه اللَّه منه".

وأخرجاه في الصحيحين

(4)

.

وقال أبو القاسم البغوي:

حدثنا أحمد بن حنبل، حدَّثنا أبو المُغيرة، حدَّثنا صفوان بن عمرو السَّكْسَكِيّ، حدَّثنا عمرو بن قيس السَّكُوني، حدَّثنا عاصم بن حميد، قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: "إنكم لن تروا من الدنيا إلا بلاءً وفتنةً، ولن يزداد الأمر إلا شِدَّة، [ولا الأنفس إلا شحًا]

(5)

".

(1)

رواه أحمد في المسند (1/ 174)، وأخرجه أحمد أيضًا (1/ 172 و 180 و 185)، والدارمي (2/ 320) والترمذي (2398)، وابن ماجه رقم (4023) وغيرهم، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.

(2)

لم أقف عليه في صحيحه، ولا ذكر المزي أن مسلمًا أخرجه، كما في مسند مصعب بن سعد عن أبيه من تحفة الأشراف 3/ 285 حديث (3934) من طبعتنا (بشار).

(3)

أي أحمد، وهو في مسنده (3/ 103).

(4)

رواه البخاري (1/ 56)، في الإيمان، باب حلاوة الإيمان، وباب من كره أن يعود في الكفر، وفي الأدب، باب الحب في اللَّه، وفي الإكراه، باب من اختار القتل والضرب والهوان على الكفر.

ورواه مسلم رقم (43) في الإيمان، باب خصال الإيمان، من حديث أنس رضي الله عنه.

(5)

زيادة من ط.

ص: 169

وبه قال معاذ: "لن تروا من الأئمة إلا غلظة، ولن تروا أمرًا يهولكم

(1)

ويشتد عليكم إلا حضر بعده ما هو أشدُّ منه".

قال البغوي: سمعت أحمد يقول: اللهم رضينا [يمدُّ بها صوته]

(2)

.

وروى البيهقىّ، عن الربيع، قال: بعثني الشافعيُّ بكتاب من مصرَ إلى أحمد بن حنبل، فأتيته وقد انفتل من صلاة الفجر فدفعت إليه الكتاب، فقال: أقرأته؟ فقلت: لا! فأخذه فقرأه فدمعت عيناه، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، وما فيه؟ فقال: يَذكرُ أنَّه رأى رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال [له]: اكتب إلى أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل واقرأ عليه منِّي السلام، ويقول: إنَّك ستمتَحَنُ، وتُدْعَى إلى القول بخلْق القرآن، فلا تجبهم، فسيرفع اللَّه لك علمًا إلى يوم القيامة.

قال الرَّبيع: فقلت: البشارة. فخلع قميصه الذي يلي جلده فأعطانيه، فلمَّا رجعت إلى الشافعيّ أخبرته، فقال: إني لست أفجعك فيه، ولكن بلَّه بالماء وأعطنيه حتى أتبرَّك به.

‌ذكر ملخص الفتنة والمحنة مجموعًا من كلام أئمة السُّنَّة رحمهم الله وأثابهم الجنة

قد ذكرنا فيما تقدَّم: أن المأمون كان قد اجتمع به واستحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحقِّ إلى الباطل، وزيَّنوا له القولَ بخلْق القرآن ونفي الصِّفات عن اللَّه عز وجل.

قال الحافظ البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله؛ لا من بني أمية ولا من بني العباس خليفةٌ إلا على منهج السَّلف، حتى وَلِيَ هو الخلافة، فاجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك. قالوا: واتفق خروجُه إلى طَرَسُوسَ لغزو بلاد الروم، فعنَّ له أن يكتب إلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب يأمره أن يدعوَ النَّاس إلى القول بخلق القرآن، واتفق ذلك في آخر عمره، قبل موته بشهورٍ، من سنة ثماني عشرة ومئتين.

فلمَّا وصل الكتاب -كما ذكرنا- استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهدَّدهم بالضَّرْب وقَطْعِ الأرزاق، فأجاب أكثرُهم مكرهين. واستمرَّ على الامتناع في ذلك أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجُنْدَيْسابوريّ، فحُملا على بعير وسيَّرهما

(3)

إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما

(1)

في ب، ظا: يهولنكم.

(2)

ما بين قوسين لم يرد في أ، ط.

(3)

في ط: وسيرا.

ص: 170

مقيَّدان متعادلان في محمل على بعيرٍ واحدٍ، فلمَّا كانوا ببلاد الرَّحْبَة

(1)

جاء رجلٌ من الأعراب من عبّادهم، يقال له: جابر بن عامر، فسلَّم على الإمام أحمد، وقال له: يا هذا، إنَّك وافدُ النَّاسِ، فلا تكن مَشْؤُومًا عليهم، وإنَّك رأسُ الناس اليومَ، فإياك أن تجيبَ

(2)

فيجيبوا، وإن كنت تحبُّ اللَّه فاصبر على ما أنت فيه، فإنَّما بينك وبين الجنة أن تقتَلَ، وإنَّك إنْ لم تقتلْ تمت، وإنْ عِشْتَ عِشْتَ حَميدًا.

قال الإمام أحمد: فكان ذلك مما قوَّى عَزْمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك.

فلمَّا اقتربوا من جيش المأمون، ونزلوا دونه بمرحلةٍ، جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف قِبائه، وهو يقول: يعزُّ عليَّ يا أبا عبد اللَّه أنَّ المأمون قد سلَّ سيفًا لم يسلَّه قبل ذلك

(3)

، وأنه يُقسِمُ بقرابته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبْه إلى القول بخلْق القرآن ليقتلنَّك بذلك السيف.

قال: فجثَى الإمام أحمد على ركبتيه، ورَمَقَ بطَرْفه إلى السَّماء، ثم قال: سيدي! غرَّ هذا الفاجرَ حِلْمُك حتى تجرَّأ

(4)

على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآنُ كلامك غيرَ مخلوقٍ فاكْفنا مؤونته. قال: فجاءهم الصَّريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل. قال الإمام أحمد: ففرحت بذلك، ثم جاء الخبر بأنَّ المعتصم قد ولِيَ الخلافة، وقد انضمَّ إليه أحمد بن أبي دُواد، وأنَّ الأمر شديدٌ، فردُّونا إلى بغداد في سفينةٍ مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذًى كثير، وكان في رجليه القيودُ، ومات صاحبُه محمد بن نوح في الطريق، وصلَّى عليه أحمد، فلمَّا رجع أحمد إلى بغداد دخلها وهو مريض، وذلك في رمضان، فأودع السجنَ نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل: نيفًا وثلاثين شهرًا، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثقة. وقد كان الإمام أحمد هو الذي يصلي في أهل السجن وعليه قيوده في رجليه.

‌ذكرُ ضَرْبه رضي الله عنه بين يدي المعتصم

لمَّا أحضره المعتصمُ من السجن زيد في قيوده، قال أحمد: فلم أستطع أن أمشيَ بها، فربطتها في التِّكَّة وحملتها بيدي، ثم جاؤوني بدابَّة فحُمِلْتُ عليها، فكدت أن أسقطَ على وجهي من ثِقَلِ القيود، وليس معي أحدٌ يمسكني، فسلَّم اللَّهُ حتَّى جئنا دار الخلافة، فأدْخِلت في بيتٍ وأغْلِق عليَّ وليس عندي سراجٌ، فأردت الوضوء، فمددْتُ يدي فإذا إناءٌ فيه ماء فتوضأْتُ منه، ثم قمت ولا أعرف القِبلة، فلمَّا أصبحت إذا أنا على القِبلة، وللَّه الحمد.

(1)

هي رَحْبةُ مالك بن طَوْق، وهي بين الرقة وبغداد على شاطئ الفرات. ياقوت.

(2)

في ط: أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه، فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة.

(3)

بعده في ب، ظا: وبسط نطعًا لم يبسطه قبل ذلك.

(4)

في أ: تجبَّر.

ص: 171

قال: ثم دعيتُ فأدخلت على المعتصِم، فلمَّا نظر إليَّ وعنده ابن أبي دُوَاد، قال: أليس قد زعمتم أنَّه حدَثُ السنِّ وهذا شيخٌ مكتهل؟ فلمَّا دَنوْتُ منه وسلَّمْتُ، قال لي: ادنه، فلم يزل يدنيني حتَّى قَرُبْتُ منه، ثم قال: اجلس! فجلست وقد أثقلني الحديد، فمكثْتُ ساعةً، ثم قلت: يا أميرَ المؤمنين! إلام دَعَا إليه ابنُ عمِّكَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه. قلْتُ: فإنِّي أشهدُ أن لا إله إلا اللَّه. قال: ثم ذكرت له حديثَ ابن عباس في وَفْدِ عبد القيس

(1)

، ثم قلت: فهذا الذي دعا إليه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم.

قال: ثم تكلَّم ابنُ أبي دُوَاد بكلامٍ لم أفهمه، وذلك لأني لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم: لولا أنك كنت في يدِ مَنْ كان قبلي لم أعرض لك، ثم قال: يا عبدَ الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال: فقلت: اللَّه أكبرُ، هذا فرجٌ للمسلمين. ثم قال: ناظروه، يا عبدَ الرحمن، كلمْه. فقال لي عبد الرحمن: ما تقولُ في الفرآن؟ فلم أجبه، فقال المعتصم: أجبْه، فقلت: ما تقولُ في العلم؟ فسكت، فقلْتُ: القرآن من علم اللَّه، ومَنْ زَعَمَ أنَّ علم اللَّه مخلوقٌ فقد كفر باللَّه، فسكت، فقالوا فيما بينهم: يا أميرَ المؤمنين، أكْفَرك وأكفرنا، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال عبد الرحمن: كان اللَّهُ ولا قرآنَ، فقلْتُ: أكان اللَّهُ ولا علمَ؟ فسكت. فجعلوا يتكلمون من هاهنا وهاهنا، فقلْتُ: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب اللَّه أو سُنَّةِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أقولَ به. فقال ابنُ أبي دُوَاد: وأنتَ لا تقولُ إلا بهذا وهذا؟ فقلْتُ: وهل يقوم الإسلام إلا بهما. وجرت بينهما مناظراتٌ طويلة، واحتجوا عليه بقوله:{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2]، وبقوله:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16]. وأجاب

(2)

بما حاصله أنه عام مخصوص بقوله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25]. فقال ابن أبي دُوَاد: هو واللَّه يا أمير المؤمنين ضالٌّ مضلٌّ مبتدعٌ، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم، فقال لهم: ما تقولون فيه؟ فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دُوَاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني، فناظروه أيضًا، ثم في اليوم الثالث فناظروه أيضًا، وفي ذلك كله يعلُو صوتُه وحجته عليهم.

قال: فإذا سكتوا فتحَ الكلامَ عليهم ابنُ أبي دُوَاد، وكان من أجهل الناس بالعلم والكلام، وقد تنوَّعت بهم المسائل

(3)

في المجادلة، ولا علمَ لهم بالنقل، فجعلوا يُنكرون الآثارَ ويَرُدُّون الاحتجاجَ بها.

(1)

حديث وفد عبد القيس هذا، رواه البخاري في الإيمان، باب أداء الخمس (1/ 120 - 125) وهو عنده أيضًا في العلم، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان، وفي المغازي، باب وفد عبد القيس؛ وأخرجه مسلم في الإيمان، باب الأمر بالإيمان باللَّه تعالى رقم (17) من حديث عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما.

(2)

في ب: وعنه في ذلك يحدث إنزاله، أو ذكر غير القرآن محدث، كما تقدم. ورشح هذا بقوله:{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1]. يعني به القرآن، بخلاف النكرة، فإنه غير القرآن.

(3)

في ب، ظا: المسالك.

ص: 172

قال أحمد: وسمعت منهم مقالاتٍ لم أكن أظنُّ أنَّ أحدًا يقولها. وقد تكلَّم معي برغوث

(1)

بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيرَه بما لا فائدة فيه، فقلْتُ: لا أدري ما تقولُ، إلا أني أعلم أن اللَّه أحدٌ صمَدٌ، ليس كمثله شيء، فسكت عنه. وقد أوردت لهم حديث الرؤية

(2)

في الدَّار الآخرة، فحاولوا أن يضعفوا إسناده ويلفِّقوا عن بعض المحدِّثين كلامًا يتسلَّقون به إلى الطعن فيه، وهيهات، {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}

(3)

[سبأ: 52]، وفي غُبُون

(4)

ذلك كلِّه يتلطَّفُ به الخليفة، ويقولُ: يا أحمد، أجبْني إلى هذا حتَّى أجعلَكَ من خاصَّتي وممن يطأ بساطي. فأقولُ: يا أميرَ المؤمنين، يأتوني

(5)

بآية من كتاب اللَّه أو سنَّةٍ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتَّى أجيبهم إليها.

واحتجَّ أحمد عليهم حين أنكروا الاحتجاج بالآثار، بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم:{يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42]، وبقوله:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وبقوله:{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14]، وبقوله:{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] إلى غير ذلك من الآيات. فلمَّا لم يقمْ لهم معه حجة، عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة في ذلك، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، هذا كافرٌ ضالٌّ مضِلٌّ. وقال له إسحاق بن إبراهيم نائبُ بغداد: يا أميرَ المؤمنين! ليس من تدبير الخلافة أن تخلِّيَ سبيله ويغلبَ خليفتين، فعند ذلك حَمِيَ [الخليفة]

(6)

واشتدَّ غضبُه، وكان ألينَهم عريكةً، وهو يظنُّ أنَّهم على شيء. قال أحمد: فعند ذلك قال لي: لَعنَكَ اللَّه! طمعتُ فيك أن تجيبني. ثم قال: خذوه، خلِّعوه، اسحبوه. قال: فأُخْذْتُ وسُحِبْتُ وجيء بالعُقابين

(7)

والسياط وأنا أنظر.

وكان معي شَعْر من شَعْر النبي صلى الله عليه وسلم مصرورٌ في ثوبي، فجرَّدوني منه وصرْتُ بين العُقَابين، فقلْتُ:

(1)

في أ، ط: ابن غوث، وأثبت ما جاء في ب، ظا.

وهو محمد بن عيسى الجهمي، أبو عبد اللَّه، رأس البدعة، وأحد من كان يناظر الإمام أحمد وقت المحنة. له عدد من المصنفات. قيل: توفي سنة 240 أو 241 هـ. سير أعلام النبلاء (10/ 554).

(2)

حديث الرؤية، أي رؤية اللَّه تعالى في الآخرة، رواه البخاري (2/ 27)، في الصلاة، باب فضل صلاة العصر، و (2/ 43) باب فضل الفجر، وفي التوحيد (13/ 357) باب قول اللَّه تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ؛ ومسلم رقم (633) في المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، من حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي، رضي الله عنه.

(3)

"التناوش": التناول. وأراد: كيف لهم أن يتناولوا ما بعد عنهم من الإيمان وامتنع بعد أن كان مبذولًا لهم مقبولًا منهم.

(4)

كذا في النسخ والمطبوع. والمستعمل: غضون، يقال: جاء في غضون ذلك، أي في أثنائه.

(5)

في أ: تأمرني.

(6)

زيادة من ب، ظا.

(7)

هما خشبتان يشبح بينهما الرجل ليجلد.

ص: 173

يا أميرَ المؤمنين، اللَّه اللَّه، إنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:"لا يَحِلُّ دَمُ امْرئٍ مسلمٍ يشهَدُ أنْ لا إله إلا اللَّه إلا بإحدى ثلاث" وتَلَوْتُ الحديثَ

(1)

، وأنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:"أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاسَ حتَّى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عَصَمُوا منِّي دماءَهم وأموالَهم"

(2)

. ففِيمَ تستحلُّ دَمِي ولم آت شيئًا من هذا؟ يا أميرَ المؤمنين، اذكرْ وقوفَكَ بين يدي اللَّه تعالى كوقوفي بين يديك؛ فكأنه أمسَكَ. ثم لم يزالوا يقولون له: يا أميرَ المؤمنين، إنَّه ضالٌّ مضِلٌّ كافرٌ، فأمر بي فأقمْتُ بين العُقَابين، وجيء بالضرَّابين ومعهم السِّياط، فجعَلَ أحدُهم يضربني سوطين ويقول له: شُدَّ، قطَعَ اللَّه يديك! ويجيء الآخر فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك، فضربوني أسواطًا، فأغمي عليَّ، وذهب عقلي مرارًا، فإذا سكَنَ الضَّرْبُ يعود عليَّ عقلي، وقام المعتصم إليَّ يدعوني إلى قولهم، فلم أجبْهُ، وجعلوا يقولون: ويحك! الخليفةُ على رأسك، فلم أقبل، وأعادوا الضرب، ثم عاد إليّ فلم أجبْهُ، فأعاد الضرب، ثم جاء إليَّ الثالثة، فدعاني فلم أعقِلْ ما قال من شدَّة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس به، وأرعبه ذلك من أمري، وأمَرَ بي فأطلقت، ولم أشعر إلَّا وأنا في بيت من حجرة، وقد أطلقت الأقياد من رجلي، وكان ذلك في اليوم الخاص والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومئتين. ثم أمر الخليفةُ بإطلاقه إلى أهله. وكان جملة ما ضُرب نيفًا وثلاثين سوطًا، وقيل: ثمانين سوطًا، لكن كان ضربًا مبرحًا شديدًا جدًا. وقد كان الإمام أحمد رجلًا طوالًا رقيقًا، أسمرَ اللون، كثيرَ التواضع، رحمه الله ورضي عنه وأكرم مثواه.

ولمَّا حُمِلَ من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائمٌ، أتوه بسَويق وماءً ليفطر من الضعف، فامتنع من ذلك وأتمَّ صومَه، وحين حضرت صلاةُ الظهر صلَّى معهم، فقال له ابنُ سَمَاعَةَ القاضي: صليتَ في دمك! فقال له أحمد: قد صلَّى عمرُ وجُرْحُه يَثْعَبُ دَمًا

(3)

، فسكتَ.

(1)

حديث: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث. . " رواه البخاري (12/ 176) في الديات، ومسلم رقم (1676) في القسامة، من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه.

ورواه أبو داود رقم (2159) في الفتن، والنسائي (7/ 92) في تحريم الدم، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.

(2)

رواه البخاري (1/ 70 و 71) في الإيمان، ومسلم رقم (22) في الإيمان، من حديث ابن عمر، ورواه البخاري (3/ 211) في الزكاة؛ ومسلم رقم (21) في الايمان، من حديث أبي هريرة، والبخاري (1/ 417) في الصلاة؛ والترمذي رقم (2608) في الايمان، والنسائي (7/ 75) من حديث أنس رضي الله عنه.

(3)

أخرجه مالك في "الموطأ" رقم (79)، باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: أنَّ المِسْوَر بن مَخْرَمة أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طعن بيها، فأيقظ عمر لصلاة الصبح، فقال عمر: نعم، ولا حَط في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلَّى عمر وجرحه يَثعَبُ دمًا، أي: يجري ويتفجر منه الدم، وهو حديث صحيح.

ص: 174

ويُروى أنَّه لمَّا أقيم ليضربَ انقطعت تِكَّةُ سَراويله، فخشي أن تسقط فتتكشَّف عورتُه، فحرَّك شفتيه بدعاءٍ، فعاد سراويله كما كان. ويُروى أنه قال: يا غياثَ المستغيثين، يا إله العالمين، إن كنتَ تعلم أنِّي قائمٌ لك بحقٍّ فلا تهتِكْ لي عورةٌ

(1)

.

ولمَّا رجع إلى منزله جاءه الجرائحيُّ

(2)

فقطع لحمًا ميتًا من جسده، وجعلَ يداويه، والنائبُ [يبعث كثيرًا]

(3)

في كلِّ وقتٍ يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندِمَ على ما كان منه إلى أحمد نَدَمًا كثيرًا، وجعل يسأل النائبَ عنه، والنائب يستعلم خبرَه، فلمَّا عُوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك.

ولمَّا شفاه اللَّه بالعافية بقي مدّةً وإبهاماه يؤذيهما البرْدُ، وجعلَ كلَّ من سَعَى في أمره في حِلٍّ إلا أهل البِدْعة، وكان يتلو في ذلك قولَه تعالى:{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22].

ويقول: ماذا ينفعك أن يعذَّب أخوك المسلمُ بسببك؟ وقد قال اللَّه تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}

(4)

[الشورى: 40]. وينادي يوم القيامة: ليقم مَنْ أجرُه على اللَّه فلا يقومُ إلَّا مَنْ عَفَا.

وفي صحيح مسلم

(5)

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وما زادَ اللَّهُ عبدًا بعَفْوٍ إلا عِزًّا، ومَنْ تَوَاضَعَ للَّه رفعَهُ اللَّهُ".

(1)

روي الخبر بأطول من هذا في سير أعلام النبلاء (11/ 255)، من طريق داود بن عرفة.

وعلق الذهبي على ذلك بقوله: هذه حكاية منكرة، أخاف أن يكون داود وضعها.

(2)

"الجرائحي": الطبيب الذي يعالج الجراحة.

(3)

زيادة من ب، ظا.

(4)

في سير أعلام النبلاء (11/ 257): عن عبد اللَّه بن أحمد، قال:"سمعت أبي يقول: لقد جعلت الميّت في حِل من ضربه إياي. ثم قال: مررت بهذه الآية: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، فنظرت في تفسيره، فإذا هو ما أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا المبارك بن فضالة، قال: أخبرني من سمع الحسن، يقول: إذا كان يوم القيامة جَثَت الأمم كُلُّها بين يدي اللَّه ربِّ العالمين، ثم نُودي ألا يقوم إلا في أجرُهُ على اللَّه، فلا يقوم إلا مَنْ عَفَا في الدنيا. قال: فجعلت الميِّت في حِلٍّ. ثم قال: وما على رجل ألا يعذب اللَّه بسببه أحدًا". تاريخ ابن عساكر (الجزء السابع/ 2772).

(5)

لفظه في صحيح مسلم رقم (2588) في البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد اللَّه عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد للَّه إلا رفعه اللَّه". ورواه كذلك الترمذي رقم (2029) في البر والصلة، باب ما جاء في التواضع، وأما باللفظ الذي ذكره المؤلف رحمه الله:"ثلاث أقسم عليهن" فقد رواه الترمذي رقم (2325)، وأحمد في المسند (4/ 230) من حديث أبي كبشة الأنماري بلفظ:"ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عنها إلا زادهُ اللَّه عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح اللَّه عليه باب فقر. . " الحديث.

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال.

ص: 175

وكان الذين ثبتوا على المحنة فلم يُجيبوا بالكلِّيّة أربعة

(1)

:

أحمد بن حنبل، وهو رئيسهم ومقدَّمهم.

ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوريّ، ومات في الطريق حين ذهب هو وأحمد إلى المأمون. ونُعَيم بن حمَّاد الخُزَاعي، وقد مات في السجن.

وكذلك أبو يعقوب البُوَيْطيّ، مات في سجن الواثق على القول بخَلْق القرآن، لم يجبْهم إليه، وكان مثقلًا بالحديد، وأوْصَى أن يدفن فيها.

وأحمد بن نَصْر الخُزَاعيّ وقد ذكرنا كيفية مقتله

(2)

رحمه الله في أيام الواثق.

‌ذكر ثناء الأئمة على الإمام أحمد بن حنبل

(3)

قال البُخاريّ: لمَّا ضُرب أحمدُ بن حنبل كنَّا بالبصرة، فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان هذا في بني إسرائيل لكان أحدوثة.

وقال إسماعيل بن الخليل: لو كان أحمد بن حنبل في بني إسرائيل لكان عجبًا.

وقال المزنيُّ: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يومَ الرِّدَّة، وعُمَرُ يومَ السَّقيفة، وعثمانُ يومَ الدَّار، وعليٌّ يومَ صفّين.

وقال حَرْمَلَةُ: سمعت الشافعيَّ يقولُ: خرجت من العراق فما رأيت

(4)

بها رجلًا أفضلَ ولا أعلمَ ولا أورعَ ولا أتقى من أحمد بن حنبل.

وقال شيخه يحيى بن سعيد القطَّان: ما قدِمَ عليَّ من بغداد أحدٌ أحبُّ إليَّ من أحمد بن حنبل.

وقال قتيبة: مات سفيات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السُّنَنُ، ويموتُ أحمدُ بن حنبل وتظهر البِدَعُ.

وفي رواية: قال قتيبة: إنَّ أحمد بن حنبل قام في الأمَّة مقام النُّبوَّة. قال البيهقي: يعني في صبره على ما أصابَه من الأذى في ذات اللَّه عز وجل.

(1)

هم خمسة كما سيأتي.

(2)

في أ: قتله، وسقط قوله: رحمه الله في أيام الواثق من ط. كما سقط قوله: وأحمد بن نصر. . في أيام الواثق من نسختي ب، ظا، فيكون عدد من ثبت في المحنة على ذلك أربعة، كما ذكر أولًا.

(3)

بعدها في أ: المعظّم المبجّل.

(4)

في ب، ظا: خلفت بها، وفي ط: تركت.

ص: 176

وقال أبو عمر بن النحاس وذكر أحمد يومًا، فقال: رحمه الله، في الدِّين ما كان أصبره

(1)

، وبالصالحين ما [كان] ألحقه، وبالماضين ما كان أشبهه، عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها.

وقال بشر بن الحارث الحافي بعدما ضُرب أحمد بن حنبل: أدخل الكير فخرج ذهبًا أحمرَ.

وقال الميموني: قال لي عليّ بن المديني بعدما امتحن أحمد وقبل أن يمتحن: يا ميموني، ما قام أحدٌ في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل. فعجبت من هذا عجبًا شديدًا، وذهبْتُ إلى أبي عُبيد القاسم بن سلام، فحكيت له مقالةَ عليّ بن المديني، فقل: صدَقَ، إنَّ أبا بكر الصِّدّيق وجَدَ يومَ الرِّدَّة أنصارًا وأعوانًا، وإنَّ أحمد بن حنبل لم يجدْ أعوانًا ولا أنصارًا. ثم أخذ أبو عبيد يُطري أحمد، ويقول: لستُ أعلمُ في الإسلام مثلَه.

وقال إسحاق بن رَاهَوَيْه: أحمد بن حنبل حجَّةٌ بين اللَّه وبين عبيده في أرضه.

وقال عليُّ بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمدُ بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربِّي كيفَ كانَ.

وقال علي أيضًا: اتخذت أحمدَ حجَّةً فيما بيني وبين اللَّه عز وجل. ثم قال: ومن يَقْوَى على ما يقوى عليه أبو عبد اللَّه؟.

وقال يحيى بن مَعين: كان في أحمدَ بن حنبل خصالٌ ما رأيتها في عالم قطّ، كان محدِّثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورِعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا.

وقال يحيى بن مَعين أيضًا: أراد النَّاس منَّا أن نكونَ مثلَ أحمد بن حنبل، واللَّه ما نقوى أن نكونَ مثلَ أحمد، ولا في طريق أحمد.

وقال [محمد بن يحيى]

(2)

الذهليّ: اتخذت أحمد بن حنبل حجَّة فيما بيني وبين اللَّه عز وجل.

وقال هلال بن الملك الرقى

(3)

: مَنَّ اللَّهُ على هذه الأمة بأربعة: بالشافعيِّ؛ فهم الأحاديثَ وفسَّرها للناس، وبيَّن المجمل من المفسَّر

(4)

، والخاصّ والعامّ، والناسخ من المنسوخ؛ وبأبي عُبَيد عرف الغريب وفسَّر؛ وبيحيى بن مَعين، نَفَى الكذِبَ من الأحاديث؛ وبأحمد بن حنبل، ثبت في المحنة؛ لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس.

وقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد بن حنبل مقدَّم على كُلِّ من حمل بيده قلمًا ومحبرة، يعني: في عصره.

(1)

بعدها في ط: وعن الدنيا ما كان أصبره، وفي الزهد ما كان أخبره.

(2)

زيادة من ب، ظا. وفي أ: وقال عن الذهلي.

(3)

في ط: هلال بن المعلى الرقي.

(4)

في ط: مجملها من مفصّلها.

ص: 177

وقال أبو بكر محمد بن رجاء

(1)

: ما رأيتُ مثلَ أحمد بن حنبل، ولا رأيتُ من رأى مثله.

وقال أبو زرعة الرازيُّ: ما أعرف في أصحابنا أسودَ الرأس أفقه منه.

وروى البيهقيُّ عن الحاكم، عن يحيى بن محمد العنبريّ، قال: أنشدنا أبو عبد اللَّه البوشنجيّ في أحمدَ بن حنبل رحمه الله

(2)

:

إن ابنَ حَنْبَلَ إنْ سألْتَ إمامُنا

وبهِ الأئمةُ في الأنامِ تمسَّكُوا

خلَفَ النَّبيَّ محمّدًا بَعْدَ الألى

كانوا الخلائفَ بعدَهُ واستهلكوا

حَذْوَ الشِّراكِ

(3)

على الشِّراكِ وإنَّما

يَحذو المثالَ مثالُهُ المتمسَّكُ

وقد ثبت في الصحيح عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقِّ لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم، ولا من خالَفَهُم، حتَّى يأتيَ أمْرُ اللَّه وهم كذلك"

(4)

.

قال عبد اللَّه بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: هم أهل الحديث.

وروى البيهقيُّ، عن أبي سعد المالينيّ

(5)

، عن ابن عديٍّ، عن أبي القاسم البَغويّ، عن أبي الرَّبيع الزهرانيّ، عن حمَّاد بن زيد، عن بقية بن الوليد، عن معان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ح. قال البغوي: وحدثني زياد بن أيوب، حدثنا مبشر، عن معان، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذريّ، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كُل خلف عُدُولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانْتِحَالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين"

(6)

.

(1)

في ب، ظا: محمد بن محمد بن رجاء.

(2)

تاريخ ابن عساكر (الجزء السابع/ 280).

(3)

"الشِّراك": سير النعل على ظهر القدم.

(4)

رواه مسلم في صحيحه رقم (1925)(170) في الإمارة، من حديث ثوبان رضي الله عنه بلفظ:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر اللَّه وهم كذلك".

ورواه البخاري (123/ 250) في الاعتصام، ومسلم رقم (1037) (174) في الإمارة من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بلفظ:"لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر اللَّه لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر اللَّه وهم ظاهرون على الناس".

(5)

في ط وبقية النسخ: أبو سعيد الماليني، وهو خطأ، والصحيح أبو سعد الماليني، وهو أحمد بن محمد الماليني الهروي المتوفى سنة (412) هـ (ع).

(6)

هذا الحديث مشهور، رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" صفحة (29)، وابن وضاح في "البدع والنهي عنها" صفحة (1)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (2/ 17) والعقيلي في الضعفاء (4/ 256)، وابن عدي في الكامل (1/ 153)، من حديث إبراهم بن عبد الرحمن العذري، وقال العقيلي:"وقد رواه قوم مرفوعًا من جهة لا تثبت". والمصنف على تضعيف هذا الحديث مرفوعًا، وهو الصواب إن شاء اللَّه تعالى (بشار). =

ص: 178

وهذا الحديث مرسلٌ وإسنادُه فيه ضعف. والعجب أنَّ ابن عبد البر صحَّحه واحتجَّ به على عدالة كُلِّ مَن نسب إلى حَمْل العلم، والإمام أحمد من أئمة أهل العلم، رحمه الله وأكرمَ مثواه.

‌ذكر ما كان من أمر الإمام أحمد بعد المِحْنة

حين خرج من دار الخلافة بعد الضرب صار إلى منزله فَدُووي حتى برأ، وللَّه الحمد والمنّة، ولزم منزلَه فلا يخرج منه، لا إلى جماعة ولا جمعة، وامتنع من التحديث، كانت غلّتُه مِن ملْكٍ له في كلِّ شهر سبعة عشر درهمًا ينفقها على عياله ويتقنّع

(1)

بذلك رحمه الله صابرًا محتسبًا. ولم يزَلْ كذلك مدَّة خلافة المعتصم، وكذلك في أيام ابنه محمد الواثق، فلما وليَ المتوكِّلُ على اللَّه جعفر بن المعتصم باللَّه استبشر الناس بولايته، فإنَّه كان محبًّا للسُّنَّة وأهلها، ورفع المِحْنَة عن الناس، وكتب إلى الآفاق ألا يتكلَّمَ أحدٌ في القَوْل بخلْق القرآن، ثم كتب إلى نائبه ببغداد، وهو إسحاق بن إبراهيم، أن يبعثَ بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعى بالإمام إليه فأكرمه إسحاق وعظّمه، لما يعلم من إعظام الخليفة له وإجلاله، وسأله فيما بينه وبينه عن القرآن، فقال له الإمام أحمد: سؤال تعنّت أو استرشاد؟ فقال: بل سؤال استرشاد. [فقال: هو كلام اللَّه منزلٌ غير مخلوق]

(2)

، فسكن إلى قوله في ذلك، ثم جهَّزه إلى الخليفة بِسُرَّ مَن رأى، وسبقه إليه.

وبلغه أن أحمد بن حنبل اجتاز بابنه

(3)

محمد بن إسحاق فلم يأته ولم يسلِّم عليه، فغضب إسحاقُ بن إبراهيم من ذلك وشكاه إلى الخليفة، فقال المتوكِّلُ: يُرَدُّ وإنْ كان قد وطِيء بساطي، فرجع الإمام أحمد من الطريق إلى بغداد. وقد كان الإمام أحمد متكرّهًا لذلك؛ ولكن لم يهنْ ذلك على كثيرٍ من الناس؛ وإنَّما كان رجوعُه عن قول إسحاق بن إبراهيم الذي كان هو السبب في ضربه.

ثم إن رجلًا من المبتدعة، يقال له: ابن الثَّلْجِيّ

(4)

، وشَى إلى الخليفة شيئًا، وهو أنَّه يزعم

= وانظر "العواصم والقواصم" لمحمد بن إبراهيم الوزير اليماني (1/ 308 - 313) فإنه جمع طرقه وشواهده، وقد يصل الحديث إلى درجة الحسن لغيره بطرقه وشواهده موقوفًا مرفوعًا. (ع).

(1)

في ب، ظا: يقتنع. ومعنى يتقنَّع: يتكلَّف القناعة.

(2)

ما بين قوسين لم يرد في أ.

(3)

في أ: بنائبه.

(4)

في أ، ط: ابن البلخي، والمثبت من (ب، ظا).

وهو محمد بن شجاع، أبو عبد اللَّه، يعرف بابن الثَّلْجِي، فقيه العراق، وشيخ الحنفية، صنف واشتغل، ووصفه الذهبي بأنه كان صاحب تعبُّد وتهجُّد وتلاوة، إلا أنَّه كان يقف في مسألة القرآن، فلا يقول: القرآن مخلوق أو غير مخلوق، وقد ترك حديثه. توفي وهو ساجد سنة 266 هـ عن خمس وثمانين سنة.

ترجم في العبر (2/ 33)، وسير أعلام النبلاء (11/ 267) و (12/ 379)، وتهذيب التهذيب (9/ 220).

ص: 179

أنَّ رجلًا من العلويين قد ضَوَى

(1)

إلى منزل أحمد بن حنبل وهو يبايع له الناس في الباطن.

فأمر الخليفة نائبَ بغداد أن يكبس منزل الإمام أحمد من الليل، فلم يشعروا إلا بالمشاعل قد أحاطَتْ بالدار من كُلِّ مكان حتَّى من فوق الأسطحة، فوجدوا الإمام أحمد جالسًا في داره مع عياله، فسألوه عمَّا ذُكر عنه، فقال: ليس عندي من هذا علمٌ، وليس من هذا شيء، وإنِّي لأرَى طاعة أمير المؤمنين في السِّرِّ والعلانية، وفي عُسْري ويُسْري، ومَنْشَطي

(2)

ومَكْرَهي، وأثَرةٍ عليَّ، وإنِّي لأدعو اللَّه له بالتَّسْديد والتَّوفيق؛ في الليل والنهار، في كلام كثير. قال: ففتَّشوا منزله، حتَّى مكان الكتب، وبيوت النساء، والأسطحة، فلم يروا شيئًا

(3)

.

فلمَّا بلغ المتوكِّلَ ذلك، وعلم براءته مما نُسب إليه، علم أنهم يكذبون عليه كثيرًا، فبعث إليه يعقوب بن إبراهيم المعروف بقَوْصَرة -وهو أحد الحجبة- بعشرة آلاف درهم من الخليفة، وقال: هو يقرأ عليك السلام، ويقول: انتفق

(4)

هذه، فامتنع من قبولها. فقال: يا أبا عبد اللَّه، إنِّي أخشى من رَدِّك إياها أن يقعَ وَحْشَةٌ بينك وبينه، والمصلحةُ لك قبولها، فوضَعَها عنده ثم ذهب، فلمَّا كان من آخر الليل استدعى الإمام أحمد أهلَه وبني عمه وعياله، وقال: لم أنَمْ هذه الليلة، فجلسوه وكتبوا أسماءَ جماعةٍ من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة، ثم أصبح ففرَّقها في الناس ما بين الخمسين إلى المئة والمئتين، فلم يُبق منها درهمًا، وأعطى منها لأبي كُرَيْب

(5)

، وأبي سعيد الأشج، وتصدَّق بالكيس الذي

(6)

كانت فيه، ولم يُعطِ منها لأهله شيئًا وهم في غاية الفقر والحاجة، وجاء بني ابنه، فقال: أعطني درهمًا. فنظر أحمد إلى ابنه صالح، فتناول صالح قطعةً فأعطاها الصبيَّ، فسكت أحمدُ، رحمه الله. وبلغ الخليفةَ أنه تصدَّق بالجائزة كلِّها حتى لم يبق منها شيئًا، وأنه قد تصدَّق بكيسها، فقال عليّ بن الجَهْم: يا أميرَ المؤمنين، إنه قد قبلها منك وتصدَّق بها عنك، وماذا يصنع أحمدُ بالمال؟ إنما يكفيه رغيفٌ. فقال: صدقْتَ.

فلمَّا مات إسحاق بن إبراهيم وابنُه محمد، ولم يكن بينهما إلا القريب، وتولَّى نيابةَ بغدادَ عبدُ اللَّه بن إسحاق، كتبَ المتوكِّلُ إليه أن يحمل إليه الإمامَ أحمدَ، فقال لأحمد في ذلك، فقال: إني شيخٌ كبيرٌ

(1)

في ط: أوى.

(2)

"المَنْشَط": ما يُخَفُّ إليه ويؤثر فعله. و"المَكْرَه": ما يكرهه الإنسان ويشق عليه. ومن حديث عُبادة: بايعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على المَنْشَط والمَكرَه، يعني المحبوب والمكروه، وهما مصدران. النهاية (4/ 168).

(3)

سير أعلام النبلاء (11/ 265 - 267).

(4)

في أ: انتفق من هذه. وفي ط: استنفق هذه، والمثبت من ب، ظا.

(5)

في أ، ط: أيوب، والمثبت من ب، ظا. وهو محمد بن العلاء بن كُرَيب الهمداني الكوفي، شيخ المحدثين. مات نحو سنة 248 هـ. سير أعلام النبلاء (11/ 394).

(6)

في النسخ: التي.

ص: 180

وضعيف، فردَّ الجوابَ على الخليفة بذلك، فأرسل يعزم عليه لَيأتيَنَّ، وكتب إلى أحمد يقول له: إنِّي أحبّ أن آنس بقربك

(1)

، ويحصلَ لي بركةُ دعائك.

فسار الإمام أحمد -وهو عليلٌ- في

(2)

بنيه وبعض أهله، فلمَّا قارب العسكر تلقَّاه وصيف الخادم في موكبٍ عظيمٍ، فسلَّم على الإمام أحمد فردَّ السَّلام، ثم قال له وصيف: قد أمكنك اللَّه من عدوِّك ابن أبي دُوَاد، فلم يردَّ عليه جوابًا، وجعل ابنه يدعو اللَّه للخليفة ولوصيف. فلمَّا وصلوا إلى العسكر بسُرَّ من رأى، أنزل في دار إيتاخ، فلمَّا علم بذلك ارتحلَ منها، وأمر أن يُستكرى له دار غيرها.

وكانت رؤوس الأمراء في كلِّ يوم يحضرون عنده ويبلغونه عن الخليفة السَّلام، ولا يدخلون عليه حتى يقلعوا

(3)

ما عليهم من الزينة والسلاح. وبعث إليه الخليفةُ بالمفارش الطرية وغيرها من الآلات التي تليق بتلك الدار العظيمة، وأراد منه الخليفة أن يقيمَ هناك ليحدِّث الناس عوضًا عمَّا فاتهم منه في أيام المحنة وما بعدَها من السنين المتطاولة وهو محجوب في داره لا يخرج إلى جماعة، ولا جمعة أيضًا، فاعتذر إليهم بأنَّه عليل، وأسنانُه تتحرَّك وهو ضعيفٌ.

ويبعث إليه الخليفة في كُلِّ يوم مائدة فيها ألوان الأطعمة والفاكهة والثلج، ما يقاوم مئة وعشرين درهمًا في كُلِّ يوم، والخليفة يحسب أنَّ أحمد يأكلُ من ذلك، ولم يكن أحمدُ يطعم من ذلك شيئًا بالكلية، بل كان صائمًا يطوي، فمكث ثماينة أيام لم يستطعم بطعام، ومع ذلك هو عليلٌ. ثم أقسم عليه ولده حتَّى شرب قليلًا من السَّويق بعد ثمانية أيام.

وجاءه عُبيد اللَّه بن يحيى بن خاقان بمالٍ جزيل من الخليفة جائزةً له، فامتنع من قبولها، فألحَّ عليه الأميرُ فلم يقبل. فأخذَها الأميرُ ففرَّقها على بنيه وأهله، وقال: إنه لا يمكن أن تُرَدَّ على الخليفة جائزته. وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كلِّ شهر بأربعة آلاف درهم، فمانَع أبو عبد اللَّه في ذلك، فقال الخليفة: لا بُدَّ من ذلك، وما هذا إلا لولدك. فأمسك أبو عبد اللَّه، ثم أخذ يلوم أهله وبني عمه، وقال: إنما بقي لنا أيام قلائل، وكأننا وقد نزل بنا الموت؛ فإمَّا إلى جنة وإمَّا إلى نارٍ

(4)

؛ في كلام طويل يعظهم به. فاحتجُّوا عليه بالحديث الصحيح: "مَن جاءَهُ من هذا المالِ شيء وهو غير سائلٍ ولا مستشرفٍ فليقبله"

(5)

. وبأن ابنَ عمر وابنَ عباس قبلا جوائز السلطان. فقال: ما هذا

(1)

بعده في ط: وبالنظر إليك.

(2)

في أ: في بعض بنيه وأهله.

(3)

في ب، ظا: ط: يقلعون.

(4)

بعدها في ط: فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء.

(5)

هذا الحديث رواه البخاري (13/ 134) في الأحكام، ومسلم رقم (1045) في الزكاة، من حديث عبد اللَّه بن عمر أن عمر قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُعطيني العطاء، فأقول: أعطِهِ من هو أفقر إليه منّي، قال: فقال: خُذْه، وإذا =

ص: 181

وذاك سواء، ولو أعلم أنَّ هذا المال أخذ من حقِّه وليس فيه ظلم ولا جور لم أبالِ

(1)

.

ولما استمر ضعف أبي عبد اللَّه جعل المتوكِّل يبعث إليه ابن ماسَوَيْه المتطبِّب لينظرَ في مرضه، فرجع إليه فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ أحمد بن حنبل ليس به عِلَّةٌ في بدنه، إنَّما علته من قلّة الطعام وكثرة الصيام والعبادة، فسكت المتوكل.

ثم سألت أمُّ الخليفة منه أن ترى الإمام أحمد بن حنبل، فبعث المتوكّلُ إليه يسأله أن يجتمعَ بابنه المعتز ويدعُوَ له، ويكون في حجره. فتمنَّع من ذلك، ثم أجاب إليه رجاء أن يعجِّل

(2)

برجوعه إلى أهله ببغداد.

وبعث الخليفة إليه بخِلْعَة سنيَّةٍ، ومَرْكُوب

(3)

من مراكبه، فامتنع من ركوبه لكون عليه مِيثَرَة

(4)

نُمُورٍ. فجاء ببغل لبعض التجار، فركبه، وجاء إلى مجلس المعتز، وقد جلس الخليفة وأمُّه في ناحية من ذلك المجلس، من وراء سِتر رقيق. فلمَّا جاء أحمد، قال: السَّلامُ عليكم، وجَلَس، ولم يسلِّم عليه بالإمْرَةِ، فقالت أمُّ الخليفة: اللَّه اللَّه يا بني في هذا الرجل، تردُّه إلى أهله، فإنَّ هذا ليس ممن يريد ما أنتم فيه. وحين رأى المتوكل أحمد قال لأمه: يا أمَّه، قد أنارت الدار. وجاء الخادم ومعه خِلْعة سنِيَّة مبطَّنة وثوبٌ وقَلَنْسُوة وطَيْلَسان، فألبسَها الإمام أحمدَ بيده، وأحمدُ لا يتحرَّك بالكلية.

قال الإمام أحمد: لمَّا جلست إلى المعتزِّ قال مؤدِّبُه: أصلَحَ اللَّه الأمير! هذا الذي أمر الخليفة أن يكون مؤدِّبك. فقال: إنْ عَلَّمَني شيئًا تعلَّمْتُه. قال أحمد: فتعجبت من ذكائه في صغره. ثم خرج أحمد وهو يستغفرُ اللَّه

(5)

، ثم بعد أيام أذن له الخليفة في الانصراف، وهَيَّأ له حَرَّاقة

(6)

فلم يفعلْ أن ينحدرَ فيها، بل ركب في زورقٍ، ودخل بغداد مختفيًا، وأمَر أن تباع تلك الخِلْعَةُ وأن يُتصدَّقَ بثمنها على الفقراء والمساكين.

وجعل يتألَّم من اجتماعه بهم، ويقول: سَلِمْتُ منهم طولَ عمري، ثم ابتُليت بهم في آخره، وكاد يهلك من الجوع.

= جاءك شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموَّلْه، فإن شئت كله، وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تُتْبعْه نفسك، وله روايات أخرى بهذا المعنى.

(1)

سير أعلام النبلاء (11/ 269 - 271).

(2)

سير أعلام النبلاء: أن يُطْلَق.

(3)

في ب، ظا: ومركب.

(4)

"الميثرة": جلد يكون في السرج.

(5)

بعدها في ط: ويستعيذ باللَّه من مقلته وغضبه.

(6)

"الحَرَّاقة": سفينة خفيفة المرِّ، جمع حَرَّاقات.

ص: 182

وقد قال بعضُ الأمراء للمتوكّل على اللَّه الخليفة: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ أحمد بن حنبل لا يأكلُ لك طعامًا، ولا يشرب لك شرابًا، ولا يجلس على فرشكَ، ويحرِّم ما تشربه. فقال لهم: واللَّه لو نُشر المعتصم وكلَّمني في أحمد لم أقبَلْ منه.

وجعلت رسلُ المتوكّل تفدُ إليه في كُلِّ يوم تستعلم عن أخباره وكيف حاله. وجعل يستفتيه في أموال ابن أبي دُواد ولا يجيب بشيء. ثم أحدر ابن أبي دُوَاد من سامَرّاء إلى بغداد بعدما أشهدَ على نفسه ببيع ضياعه، وأخذت أمواله كلّها.

قال عبد اللَّه: وحين رجع أبي من سامَرّاء إلى بغداد دخلت عيناه في موقيه، وما رجعت إليه نفسُه إلا بعد ستة أشهر، وامتنع

(1)

من أن يستقرّ ببيت قرابته، أو ينتفعَ بشيءٍ ممَّا هم فيه، لأجل قبولهم أموال السلطان

(2)

.

وكان مسيرُ أحمدَ إلى المتوكّل في سنة سبع وثلاثين ومئتين، ثم مكث إلى سنة وفاته، قَلَّ يومٌ إلا ورسالة المتوكّل تفدُ إليه في أمورٍ يشاوره فيها، ويستشيره.

ولمَّا قدم المتوكِّل بغدادَ بعثَ إليه ابنَ خاقان ومعه ألفُ دينار ليفرِّقها على مَنْ يرى، فامتنع من قبولها، وقال: إنَّ أميرَ المؤمنين قد أعفاني ممَّا أكره، فردَّها.

وكتب رجلٌ رُقْعَةً إلى المتوكّل، يقولُ فيها: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ أحمد بن حنبل يشتم آباءَكَ ويرميهم بالزَّندقة.

فكتبَ فيها المتوكّلُ: أمَّا المأمون فإنَّه خلَطَ، فسلَّطَ الناس على نفسه؛ وأمَّا أبي المعتصم فإنَّه كان رجلَ حربٍ ولم يكن له بَصَرٌ بالكلام؛ وأمَّا أخي الواثق فإنه استحقَّ ما قيل فيه. ثم أمر أن يضرب هذا الرجل الرافع

(3)

الرُّقْعَةَ مئتي سوط، فأخذه عبد اللَّه بن إسحاق بن إبراهيم فضَرَبه خمسمئة سوط، فقال له الخليفة: لِمَ ضربته خمسمئة سوط؟ فقال: مئتين لطاعتك، ومئتين لطاعةِ اللَّه ورسوله، ومئة لكونه قذف هذا الشيخَ، الرّجلَ الصالح أحمدَ بن حنبل.

وقد كتب الخليفةُ إلى الإمام أحمد يسأله عن القول في القرآن سؤالَ استرشاد لا تعنّت ولا امتحان ولا عناد. فكتب إليه أحمدُ رحمه الله رسالةَ حسنة فيها آثارٌ عن الصحابة وغيرهم، وأحاديث مرفوعة. وقد أوردها ابنه صالح في المحنة التي ساقها، وهي مروية عنه، ونقلها غير واحد من الحفَّاظ.

(1)

في ط: وامتنع أن يدخل بيت قرابته أو يدخل بيتًا هم فيه، أو ينتفع.

(2)

في ب، ظا: قبولهم الأموال.

(3)

في ط: الذي ربع إليه الرقعة.

ص: 183

‌ذكر وفاة الإمام أحمد رحمه الله

قال ابنُه صالح: كان مرضه في أول شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين، دخلتُ عليه يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصُّعَداء، وهو ضعيف، فقلت: يا أبت، ما كان غداؤك؟ فقال: ماء الباقلا. ثم ذكر كثرة مجيء الناس من الأكابر وعموم الناس لعيادته، وكثرة جزع

(1)

الناس عليه، وكان معه خُرَيْقة فيها قُطَيعات يُنفق على نفسه منها، وقد أمر ولدَه عبدَ اللَّه أن يطالب سكان ملكه، وأن يكفرِّ عنه كفَّارة يمين. فأخذ شيئًا من الأجرة فاشترى تمرًا، وكفَّر عن أبيه، وفضل من ذلك ثلاثة

(2)

دراهم.

وكتب الإمام أحمد وصيَّته:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به

(3)

أحمد بن محمد بن حنبل؛ أوصى أنَّه يشهدُ أنْ لا إلَه إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهرَه على الدِّين كلِّه ولو كره المشركون. وأوصى مَنْ أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا اللَّه في العابدين، وأن يحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين. وأوصى أني قد رضيت باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّدٍ نبيًا. وأوصى أنَّ لعبد اللَّه بن محمد المعروف بفوران

(4)

عليَّ نحوًا من خمسين دينارًا، وهو مُصَدَّق

(5)

فيما قال، فيُقْضى ماله عليّ من غلّة الدَّار، إن شاء اللَّه. فإذا استوفَى أعطِيَ ولدُ

(6)

صالح، كُلُّ ذكرٍ وأنثى عشرة دراهم، عشرة دراهم.

ثم استدعى بالصبيان من ورثته

(7)

، فجعل يدعو لهم، وكان قد ولد له صَبيّ قبلَ موته بخمسين يومًا، فسمَّاه سعيدًا، وكان له ولد آخر اسمه محمد قد مشى حين مرض الإمام أحمد، فدعاه فالتزمه وقبَّله، ثم قال: ما كنت أصنعُ بالولد على كبر السنّ؟ فقيل له: ذرية تكون بعدك يدعون لك، قال: وذاك، وجعل يحمَدُ اللَّه عز وجل.

(1)

في أ، ط: حرج.

(2)

في النسخ: ثلاث.

(3)

به من ط.

(4)

في أ، ط: ببوران، والمثبت من ب، ظا، وسير أعلام النبلاء (11/ 281).

(5)

في أ، ط: مصدَّق فيها، قال: يقضي، والمثبت من ب، ظا.

(6)

في سير أعلام النبلاء: ولد عبد اللَّه وصالح.

(7)

في ب، ظا: ذريته.

ص: 184

وقد بلغه في مرضه

(1)

عن طاووس أنه كره الأنين في المرض، فترك الأنينَ، فلم يئنّ حتّى كانت الليلة التي توفي في صبيحتها، وكانت ليلة الجمعة، الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة، فأنَّ حين اشتد عليه الوجع.

وقد رُوِيَ عن ابنه عبد اللَّه، ويُروى عن صالح أيضًا، أنه قال: لمَّا احتُضر بي رحمه الله جعل يكثر أن يقولَ: لا، بعدُ، لا، بعدُ، فقلْتُ: يا أبة، ما هذه اللفظة التي لهجت بها في هذه الساعة؟ فقال: يا بنيّ، إنَّ إبليسَ واقفٌ في زاوية البيت، وهو عاضّ على أصبعه، وهو يقول: فُتَّنِي يا أحمد؟ فأقولُ: لا، بعدُ، لا، بعد. يعني لا يفوته حتَّى تخرجَ روحه من جسده على التوحيد. كما جاء في بعض الأحاديث، قال إبليس: يا ربّ، وعزَّتِك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحُهم في أجسادهم. فقال: وعزَّتي وجَلالي، ولا أزال أغفِرُ لهم ما استغفروني

(2)

.

وأحسن ما كان من أمره أنه أشار إلى أهله أن يوضِّئوه، فجعلوا يوضئونه وهو يُشيرُ إليهم أن خلِّلوا أصابعي وهو يذكر اللَّه عز وجل في جميع ذلك، فلمَّا أكملوا الوضوء توفي، رحمه الله، ورضي عنه.

وقد كانت وفاة الإمام أحمد رحمه الله صبيحة يوم الجمعة، حين مضى نحو من ساعتين من النهار. فاجتمع الناس في الشوارع، وبعث محمد بن عبد اللَّه بن طاهر حاجبَه ومعه غلمان يحملون مناديل فيها أكفان، وأرسل يقولُ: هذا نيابة عن الخليفة، فإنَّه لو كان حاضرًا لبعث بهذا. فأرسل أولاده يقولون: إن أمير المؤمنين كان قد أعفاه في حياته مما يكره، وهذا مما يكرهه، وأبوا أن يكفّنوه في تلك الأثواب، وأتَوا بثوب كان قد غزلته جاريته فكفَّنوه فيه، واشتروا معه عَوَز لُفافة وحَنُوطًا، واشتروا له راوية ماءٍ، وامتنعوا أن يغسلوه بماء من بيوتهم؛ لأنَّه كان قد هجَر بيوتهم، فلا يأكل منها، ولا يستعير من أمتعتهم، وكان لا يزال متغضِّبًا عليهم، لكونهم كانوا يتناولون ما رُتِّب لهم على بيت المال؛ في كُلِّ شهر أربعةُ آلاف درهم. وكانوا عالةً

(3)

وفقراء. وحضر غسله نحو مئة من بيت الخلافة من بني هاشم، فجعلوا يقبّلون بين عينيه، ويدعون له، ويترحَّمون عليه، [ويترضَّون عنه]

(4)

.

وخرج الناس بنعشه، والخلائق حوله من الرجال والنساء ما لا يعلم عددهم إلا اللَّه، ونائب البلدة

(1)

في ب، ظا: مرض موته.

(2)

رواه أحمد في المسند (3/ 29 و 41) رقم (11178)، والحاكم في المستدرك (4/ 261) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسامهم، فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" وإسناده ضعيف، ولكن له طرقه، فهو بها حسن.

(3)

العالة: الفقراء، جمع عائل.

(4)

الزيادة من ب، ظا.

ص: 185

محمد بن عبد اللَّه بن طاهر واقفٌ في الناس، وتقدَّم خطوات فعزَّى أولاد الإمام أحمد فيه، وكان هو الذي أمَّ الناس في الصلاة عليه، وقد أعاد جماعة من الناس الصلاة على القبر بعد الدفن من أجل ذلك، ولم يستقرَّ في قبره رحمه الله إلا بعد صلاة العصر، وذلك لكثرة الخلق.

وقد روى البيهقيُّ وغيرُ واحدٍ: أنَّ الأمير محمد بن عبد اللَّه بن طاهر أمر بحزر الناس فوجدوا ألفَ ألفٍ وثلثمئة ألف، وفي رواية: وسبعمئة [ألف] إنسان، سوى من كان في السُّفُن

(1)

. وأقل ما قيل: سبعمئة ألف.

وقال ابنُ أبي حاتم: سمعتُ أبا زُرْعة، يقول: بلغني أنَّ المتوكِّل أمَرَ أنْ يُمْسَحَ الموضعُ الذي وقفَ الناس عليه حيث صُلِّي على أحمد بن حنبل، فبلغ مقام ألفي ألفٍ وخمسمئة ألف

(2)

.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ عن الحاكم: سمعْتُ أبا بكر أحمد بن كامل القاضي، يقول: سمعت محمد بن يحيى الزنجاني سمعت عبد الوهاب الورَّاق، يقول: ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية والإسلام كان أكثر من الجمع على جنازة أبي عبد اللَّه.

وقال أبو محمد، عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثني محمد بن العبَّاس المكيّ، سمعت الوَرْكاني، جارَ أحمد بن حنبل، قال: أسلم يوم مات أحمدُ عشرون ألفًا من اليهود، والنصارى، والمجوس. [ووقع المأتم في المسلمين واليهود والنصارى والمجوس]

(3)

. وفي بعض النسخ: أسلم عشرة آلاف بدل عشرين ألفًا، واللَّه أعلم

(4)

.

وقال الدَّارَقُطني: سمعتُ أبا سهل بن زياد، يقول: سمعت عبد اللَّه بن أحمد، يقول: سمعت أبي، يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز. وقد صدَّق اللَّه قوله في هذا، فإنه رحمه الله كان إمامَ السُّنَّة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دُوَاد القاضي

(5)

لم يحتفل أحدٌ بموته، ولا شيَّعه من الناس إلا القليل. وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي، مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته نفسه

(1)

سير أعلام النبلاء (11/ 340).

(2)

المصدر السابق.

(3)

زيادة من ب، ظا.

(4)

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (11/ 343): هذه حكاية منكرة، تفرَّد بنقلها هذا المكي عن هذا الوَرْكاني، ولا يُعْرَف، وماذا بالوركاني المشهور محمد بن جعفر الذي مات قبل أحمد بن حنبل بثلاث عشرة سنة، وهو الذي قال فيه أبو زرعة: كان جارًا لأحمد بن حنبل. ثم العادة والعقل تحيل وقوع مثل هذا؟ وهو إسلام ألوف لموت وليٍّ للَّه، ولا ينقل ذلك إلا مجهول لا يُعرف؛ ولو وقع ذلك لاشتهر ولتواتر؛ لتوفر الهمم؛ والدواعي على نقل مثله. بل لو أسلم لموته مئة نفسٍ لقُضي من ذلك العجب، فما ظنك؟!.

(5)

في ط: وهو قاضي قضاة الدنيا.

ص: 186

في خطراته وحركاته، لم يصلِّ عليه إلا ثلاثة أو أربعة من الناس

(1)

. فلله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ.

وقد روى البيهقيُّ، عن حجاج بن محمد الشاعر: أنه قال: ما كنتُ أحبُّ أن أقتَلَ في سبيل اللَّه ولم أصلِّ على الإمام أحمد.

وروى عن رجل من أهل العلم: أنه قال يوم دُفِنَ أحمد: دُفِنَ اليومَ سادسُ خمسةٍ، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعمر بن عبد العزيز، رحمهم الله. وكان عمره يوم توفي رحمه الله سبعًا وسبعين سنة وأيامًا أقلّ من شهر.

‌ذكر ما رُئي من المنامات الصالحة التي رآها الإمام أحمد ورئيت له

وقد صحَّ في الحديث: "لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلا المُبَشِّرات"

(2)

[وفي رواية: "إلا الرؤيا الصالحة]

(3)

يراها المؤمن أو تُرَى له".

وروى البيهقيُّ عن الحاكم، سمعتُ علي بن حَمْشاذ، سمعت جعفر بن محمد بن الحسين، سمعتُ سلمة بن شبيب، يقول: كنَّا عند أحمد بن حنبل، وجاءه شيخ ومعه عُكَّازة فسلَّم وجَلَسَ، فقال: من منكم أحمد بن حنبل؟ فقال أحمد: أنا، ما حاجتك؟ قال: ضربْتُ

(4)

إليك من أربع مئة فرسخٍ، أريت الخضِرَ في المنام، فقال: سر

(5)

إلى أحمد بن حنبل، وسَلْ عنه، وقل له: إنَّ ساكن العرش والملائكة راضون عنك بما صبرت نفسك للَّه عز وجل

(6)

.

وعن أبي عبد اللَّه محمد بن خزيمة الإسكندراني، قال: لمَّا مات أحمد اغتممْتُ غمًّا شديدًا، فرأيته في المنام وهو يَتَبَخْتَرُ في مشيته، فقلْتُ له: يا أبا عبد اللَّه، أيُّ مشيةٍ هذه؟ فقال: مِشْيَةُ الخُدَّام في دار

(1)

بعدها في ط: وكذلك بشر بن غياث المريسي، لم يصلِّ عليه إلا طائفة يسيرة جدًا.

(2)

رواه البخاري في صحيحه (12/ 331) في التعبير، باب المبشرات، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤية الصالحة".

قال الحافظ في الفتح: كذا ذكره باللفظ الدال على المضي تحقيقًا لوقوعه، والمراد الاستقبال، أي: لا يبقى. والمعنى: لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا.

وجاء الحديث من حديث ابن عباس عند أحمد (1/ 219)، ومسلم رقم (479)، وأبي داود رقم (876)، وابن ماجه رقم (3899) بلفظ:"أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له". وهو جزء من حديث طويل قاله في مرض موته صلى الله عليه وسلم.

(3)

زيادة من ط.

(4)

في سير أعلام النبلاء (11/ 351): صِرْتُ إليك.

(5)

في ب، ظا: قُمْ وصِرْ.

(6)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه (الجزء السابع/ 274 و 275).

ص: 187

السلام، فقلْتُ: ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟ قال: غَفَرَ لي، وتوَّجني، وألْبَسَني نعلَيْن مِنْ ذَهبٍ، وقال لي: يا أحمدُ، هذا بقولك: القرآنُ كلامي، ثم قال: يا أحمدُ، ادعُني بتلك الدَّعَوات التي بَلَغَتْكَ عن سفيان الثَّوْري، كنتَ تدعو بهنَّ في دار الدنيا. قال: قلت: يا ربِّ كلِّ شيءٍ، بقدرتك على كلِّ شيءٍ، اغفرْ لي كُلَّ شيءٍ، حتَّى لا تسألني عن شيء. فقال لي: يا أحمدُ، هذه الجنة قُم ادخلْ إليها، فدخلْتُ فإذا أنا بسفيان الثوريّ وله جناحان أخضران، يطيرُ بهما من نخلةٍ إلى نخلةٍ، وهو يقول:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر: 74]. قال: فقلت له: ما فَعَلَ بِشْرٌ الحافيّ؟ فقال: بَخٍ بَخٍ! ومَنْ مثلُ بِشْر؟! تركته بين يدي الجليل، وبين يديه مائدةٌ من الطَّعام، والجليلُ مقْبِلٌ عليه، وهو يقول: كُلْ يا مَنْ

(1)

لم يأكل، اشربْ يا مَن لم يشرب، وانْعَمْ يا مَنْ لم ينعَمْ، أو كَما قال

(2)

.

وقال أبو محمد بن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم بن وَارة، قال: لمَّا مات أبو زُرعة رأيته في المنام، فقلت: ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟ فقال: قال لي الجبَّار: ألحقوه بأبي عبد اللَّه، وأبي عبد اللَّه، وأبي عبد اللَّه؛ مالك والشافعي وأحمد بن حنبل.

وقال عثمان

(3)

بن خُرَّزاد الأنطاكي: رأيت في المنام كأنَّ القيامة قد قامت وقد برز الربُّ لفصل القضاء، وكأنَّ مناديًا ينادي من تحت بطنان العرش: أدخلوا أبا عبد اللَّه، وأبا عبد اللَّه، وأبا عبد اللَّه، [وأبا عبد اللَّه]

(4)

الجنّة. قال: فقلْتُ لفلك إلى جانبي: من هؤلاء؟ فقال: مالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل.

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن أيّوب المقدسيّ، قال: رأيت رسولَ اللَّه في النوم وهو نائمٌ وعليه ثوب مغطى، وأحمد بن حنبل ويحيى بن مَعين يذبَّان عنه.

وقد تقدَّم

(5)

في ترجمة أحمد بن أبي دُواد عن يحيى الجلاء، أنه رأى كأنَّ أحمد بن حنبل في حَلْقةٍ بالمسجد الجامع وأحمد بن أبي دُوَاد في حَلْقةٍ أخرى، وكأنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم واقفٌ بين الحلقتين وهو يتلو هذه الآية:{أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} [الأنعام: 89] ويشير إلى حَلْقة ابن

(1)

أ، ب: يا من لا أكل، والمثبت من ظا، ط.

(2)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه (الجزء السابع/ 290 و 291). والمجلدة العاشرة (ترجمة بشر الحافي) ص (85)، وفي مختصره لابن منظور (3/ 255 و 5/ 206) وبعضه في صفة الصفوة (2/ 335)، وسير أعلام النبلاء (11/ 348).

(3)

تحرفت في المطبوع إلى: أحمد.

(4)

ما بين قوسين لم يرد في أ.

(5)

تقدم في حوادث سنة (240).

ص: 188

أبي دُوَاد وأصحابه، {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89]، ويُشير إلى أحمدَ بن حنبل وأصحابِه.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين ومئتين

فيها: كانت زلازلُ هائلة في البلاد؛ فمن ذلك ما كان بمدينة قُوْمِس

(1)

، تهدَّم منها دورٌ كثيرةٌ، ومات من أهلها نحو من خمسة وأربعين ألفًا وستة وتسعين

(2)

نفسًا.

وكانت باليمن وخراسان وفارس والشام وغيرها من البلاد زلازلُ منكرةٌ.

وفيها: أغارت الروم على بلاد الجزيرة، فانتهبوا شيئًا كثيرًا، وأسروا نحوًا من عشرة آلاف من الذراري؛ فإنا للَّه وإنا إليه راجعون.

وحجَّ بالناس فيها عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن عليّ، نائب مكة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسن بن عليّ بن الجَعْد، قاضي مدينة المنصور

(3)

.

وأبو حسَّان الزِّياديّ

(4)

: قاضي الشرقيّة، واسمه

(5)

الحسن بن عثمان بن حمَّاد بن حسَّان بن عبد الرحمن بن يزيد البغدادي. سمع الوليد بن مسلم، ووكيع بن الجرَّاح، والواقديّ، وخلْقًا سواهم.

وعنه: أبو بكر بن أبي الدنيا، وعليّ بن عبد اللَّه الفَرْغَاني الحافظ المعروف بطفك، وجماعة.

ترجمه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه"

(6)

قال: وليس هو من سلالة زياب بن أبيه، إنَّما تزوج بعضُ أجداده بأمِّ وَلَدٍ لزيادٍ، فقيل له: الزِّياديّ.

(1)

"قُوْمِس": كورة كبيرة تشتمل على مدن وقرى ومزارع، وهي في ذيل جبال طبرستان، وقصبتها المشهورة دامغان، وهي بين الري ونيسابور. (ياقوت).

(2)

في النسخ: وتسعون.

(3)

الحسن بن علي بن الجَعْد بن عبيد الجوهري. ولي قضاء مدينة المنصور. وكان من العلماء بمذهب أهل العراق، أخذ عن أبيه، وولي القضاء في حياة أبيه. تاريخ بغداد (7/ 364).

(4)

معجم الأدباء (9/ 18)، وتاريخ بغداد (7/ 356)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (6/ 347)، والعبر (1/ 437)، وسير أعلام النبلاء (11/ 496).

(5)

في أ، ب: واسم أبي حسان الزيادي الحسن. .، والمثبت من ط.

(6)

تاريخ ابن عساكر (4/ 236 أ)، ومختصر ابن عساكر (6/ 347).

ص: 189

ثم أورد من حديثه بسنده عن جابرٍ: "الحلالُ بيِّن، والحَرَامُ بيِّنٌ"

(1)

. . . الحديث.

وروي عن الخطيب

(2)

أنه قال: كان من العلماء الأفاضل، من أهل المعرفة والثقة والأمانة، وليَ قضاءَ الشّرقية في خلافة المتوكل؛ وله تاريخٌ على السنين، وله حديثٌ كثير.

وقال غيره

(3)

: كان صالحًا دينًا قد عمل الكتب، وكانت له معرفة جيدة بأيَّام الناس، وله تاريخٌ حسن، وكان كريمًا مفضالًا.

وقد ذكر ابن عساكر

(4)

عنه أشياء حسنة؛ منها: أنَّه أنفَذَ إليه بعضُ أصحابه يذكر أنَّه قد أصابته ضائقة في عيدٍ من الأعياد، ولم يكنْ عنده غيرُ مئة دينار، فأرسلها بصُرّتها إليه، ثم سأل ذلك الرجلَ صاحبٌ له أيضًا يشكو مثل تلك الحال، فأرسل بها إليه، وكتب أبو حسَّان إلى ذلك الرجل الذي أخذ المئة يستقرضُ منه شيئًا وهو لا يشعر بالأمر، فأرسل إليه بالمئة في صرّتها، فلمَّا رآها تعجَّبَ مِنْ أمرها، وركبَ إليه يسأله عن ذلك، فذكر أنَّ فلانًا أرسلها إليه؛ فاجتمع الثلاثة، واقتسموا المئة دينار؛ رحمهم الله وجزاهم عن مروءتهم خيرًا.

وفيها توفي أبو مُصْعَب الزُّهريّ، أحدُ رواة "الموطَّأ" عن مالك

(5)

.

وعبد اللَّه بن ذَكْوان، أحد القرَّاء المشاهير

(6)

.

(1)

حديث جابر هذا رواه ابن عساكر في تاريخه، وهو في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (6/ 347).

وقد رواه البخاري في صحيحه (1/ 117) في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، وفي البيوع، باب الحلال بين والحرام بين؛ ومسلم في صحيحه رقم (1599) في المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات؛ وأبو داود رقم (3329) و (3330) والترمذي رقم (1205)، والنسائي (7/ 241) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما؛ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم" صفحة (63): هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية النعمان بن بشير.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد اللَّه، وابن مسعود، وابن عباس، وحديث النعمان أصح أحاديث الباب.

وقد ألف الشوكاني إمام القطر اليماني رسالة حول هذا الحديث، سماها كشف الشبهات عن المشتبهات، فانظرها.

(2)

تاريخ بغداد (7/ 356)، ومختصر ابن عساكر (6/ 347).

(3)

مختصر ابن عساكر (6/ 347).

(4)

مختصر تاريخ ابن عساكر (6/ 349)، سير أعلام النبلاء (11/ 497).

(5)

هو أحمد بن أبي بكر الزُّهريّ، القاسم بن الحارث، الفقيه، قاضي المدينة ومفتيها. تفقَّه على مالك، وسمع منه الموطأ، ولزمه مدّة. قال الزبير بن بكار: مات وهو فقيه المدينة غير مدافع، عن اثنتين وتسعين سنة. سير أعلام النبلاء (11/ 436)، والعبر (1/ 436).

(6)

هو عبد اللَّه بن أحمد بن بشير بن ذكوان، أبو عمرو، ويقال: أبو محمد، المقرئ، شيخ الاقراء بالشام، وإمام جامع دمشق، قرأ على أيّوب بن تميم. غاية النهاية (1/ 404).

ص: 190

ومحمد بن أسْلَم الطّوسيّ

(1)

.

ومحمّد بن رُمْح

(2)

.

ومحمد بن عبد اللَّه بن عمَّار الموصليّ، أحد أئمة الجرح والتعديل

(3)

.

والقاضي يحيى بن أكْثَم

(4)

.

‌ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومئتين

في ذي القعدة منها توجَّه المتوكِّلُ على اللَّه من العراق قاصدًا مدينة دمشق، ليجعلَها دارَ إقامته، ومحل إمامته، فأدركه عيدُ الأضحى وهو بمدينة بَلَد، فضحَّى بها، وتأسَّفَ أهلُ العراق على ذلك، فقال في ذلك يزيد بن محمد المهلّبيُّ

(5)

:

أظنُّ الشَّامَ تَشْمَتُ بالعِراقِ

إذا عَزَمَ الإِمامُ على انْطِلاقِ

فإنْ تَدَعِ العِراقَ وساكِنيها

فقدْ تُبْلى المليحةُ بالطَّلاق

وحجَّ بالناس عبد الصمد، المذكور في التي قبلَها، وهو نائب مكّة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

قال ابنُ جرير: وفيها توفي:

إبراهيم بن العبَّاس

(6)

: متولِّي

(7)

ديوان الضِّياع. قلت: إبراهيم بن العبَّاس بن محمد بن صُول تكين

(1)

أبو الحسن، صاحب المسند والأربعين، كان يشبه في وقته بابن المبارك. روى عن إمام الأئمة ابن خزيمة، إمام حافظ ثقة. سير أعلام النبلاء (12/ 195)، والعبر (1/ 437).

(2)

أبو عبد اللَّه التُّجيجي مولاهم، المصريّ، الحافظ الثبت. قال النسائي: ما أخطأ في حديث واحد. وكان معروفًا بالإتقان الزائد والحفظ، ولم يرحل. سير أعلام النبلاء (11/ 498)، والعبر (1/ 438).

(3)

هو أبو جعفر، صاحب التاريخ وعلل الحديث. ثقة، حافظ حجة، محدِّث الموصل. سير أعلام النبلاء (11/ 469)، العبر (1/ 438).

(4)

يحيى بن أكثم بن محمد بن قَطَن، أبو محمد المروزيّ، البغدادي، قاضي القضاة، وأحد الأعلام. ولاه المأمون قضاء بغداد، وأخذ بمجامع قلبه، فكانت الوزراء لا تعمل شيئًا إلا بعد مطالعته. وجعله المتوكل في مرتبة أحمد بن أبي دُواد، ثم غضب عليه. سير أعلام النبلاء (12/ 5)، العبر (1/ 439).

(5)

تاريخ الطبري (9/ 209)، وابن الأثير (7/ 83).

(6)

الأغاني (10/ 43 - 68)، وتاريخ بغداد (6/ 117)، ومعجم الأدباء (1/ 164 - 198)، ووفيات الأعيان (1/ 44).

(7)

حتى قوله: العباس لم يرد في ب، ظا.

ص: 191

الصُّوليّ، الشاعر الكاتب، وهو عمّ محمّد بن يحيى الصُّولي

(1)

. وكان جدُّه صُول تكين ملك جُرْجان، وكان أصله منها، ثم تمجّس، ثم أسلَمَ على يدي يزيدَ بن المهلّب بن أبي صُفْرة.

ولإبراهيم هذا ديوان شعرٍ ذكره ابنُ خلكان واستجادَ من شعره أشياء؛ منها قولُه

(2)

:

وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بها

(3)

الفَتَى

ذَرْعًا وعِنْدَ اللَّهِ منها مَخْرَجُ

كَمَلَتْ

(4)

فلمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُها

فُرِجَتْ وكُنْتُ أظُنُّها لا تُفْرَجُ

ومنها قوله

(5)

:

كُنْتَ السَّوادَ لِمُقْلَتي

فَبَكَى عَلَيْكَ النَّاظِرُ

مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ

فعلَيْكَ كُنْتُ أحاذِرُ

ومن ذلك ما كَتَبَ به إلى الوزير المعتصم محمد بن عبد الملك بن الزيات

(6)

:

وَكُنْتَ أخِي بإخاءَ الزَّمانِ

فلمَّا نَبَا

(7)

صِرْتَ حَرْبًا عَوَانَا

وَكُنْتُ أذُمُّ إليكَ الزَّمَانَ

فأصْبَحْتُ منكَ أذُمُّ الزَّمَانَا

وَكُنْتُ أعِدُّكَ لِلنَّائباتِ

فَهَا أنا أطْلُبُ مِنْكَ الأمَانَا

وله أيضًا

(8)

:

لا يَمْنَعَتكَ خَفْضُ العَيْشِ في دَعَةٍ

نُزُوعُ نَفْسٍ إلى أهْلٍ وأوطانِ

تَلْقَى بِكُلِّ بِلادٍ إنْ حَلَلْتَ بِهَا

أهْلًا بأهْلٍ

(9)

وجيرانًا بجِيرانِ

(10)

وكانت وفاته بمنتصف شعبان من هذه السنة بِسُرَّ مَن رأى؛ رحمه الله.

(1)

في الوفيات (1/ 45) وهو عم والد أبي بكر محمد بن يحيى بن عبد اللَّه بن العباس الصولي، صاحب كتاب الوزراء وغيره من المصنفات.

(2)

الطرائق الأدبية ديوانه 171، ومعجم الأدباء (1/ 187)، ووفيات الأعيان (1/ 46).

(3)

في النسخ: لها، والمثبت من ط ومصادر الشعر.

(4)

في الوفيات: ضاقت.

(5)

يرثي ابنه، الطرائف الأدبية ديوانه (169)، والأغاني (10/ 49)، ومعجم الأدباء (1/ 177)، ووفيات الأعيان (1/ 47).

(6)

الطرائف الأدبية ديوانه (166)، معجم الأدباء (1/ 171)، ووفيات الأعيان (1/ 46)، والأغاني (10/ 57).

(7)

في ظا، ط: ثنى.

(8)

الطرائف الأدبية ديوانه (151)، ومعجم الأدباء (1/ 192)، ووفيات الأعيان (1/ 46).

(9)

معجم الأدباء: أرضًا بأرضٍ، وفي الديوان: دارًا بدار.

(10)

في ط: وأوطانًا بأوطان.

ص: 192

[والحسن بن مَخْلَد بن الجرَّاح، خليفة إبراهيم، في شعبان]

(1)

.

قال

(2)

: ومات هاشم بن بَنجور في ذي الحجّة.

قلت أنا: وتوفي فيها:

أحمد بن سعيد الرِّباطيُّ

(3)

.

والحارث بن أسد المُحَاسبيٌّ

(4)

، أحد أئمة الصّوفية.

وحَرْمَلة بن يحيى التُّجِيبيُّ

(5)

، صاحب الشافعيّ.

وعبد اللَّه بن معاوية الجُمَحيُّ

(6)

.

ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني

(7)

.

وهارون بن عبد اللَّه الحمَّال

(8)

.

(1)

ما بين قوسين زيادة في أ، ط، ولم ترد في نسختي ب، ظا.

وعبارة الطبري: وفيها مات إبرِاهيم بن العباس، فولي ديوان الضياع الحسنُ بن مخلَد بن الجرَّاح، خليفةُ إبراهيم، في شعبان وهو الحسن بن مَخْلد، أبو محمد البغدادي، الوزير الأكمل، من الكتاب، له علم بالأدب، كان يتولى ديوان الضياع للمتوكل العباسي، واستوزره المعتمد سنة 263 هـ، ثم عزله، وأعاده، وعزله سنة 265 هـ، ومازال على غير استقرار حتى طلبه أحمد بن طولون إلى مصر، وجعل إليه نظر الإقليم، ثم غضب عليه فحبسه بأنطاكية فمات فيها نحو سنة 269 هـ. سير أعلام النبلاء (13/ 7)، والأعلام للزركلي (2/ 223).

(2)

ابن جرير الطبري (9/ 209) وفي ابن الأثير: منجور.

(3)

أبو عبد اللَّه، أمير الرِّباط، المروزي، نزيل نيسابور، الحافظ، الحجّة، المتقن، الئقة. سمع وكيعًا وعبد الرزاق. تاريخ بغداد (4/ 165)، سير أعلام النبلاء (12/ 207).

(4)

أبو عبد اللَّه، الزاهد العارف، شيخ الصوفية، كان عالمًا بالأصول والمعاملات، واعظًا مبكيًا. له تصانيف في الزهد، وأصول الديانة، والردّ على المعتزلة والرافضة. حلية الأولياء (10/ 73)، وسير أعلام النبلاء (12/ 110)، والأعلام (2/ 153).

(5)

حَرْمَلة بن يحيى بن عبد اللَّه، أبو حفص التُّجيبيُّ، المصري. حدث عن ابن وهب، فأكثر جدًا، وعن الشافعي فلزمه، وتفقَّه به، صنف المختصر والمبسوط. سير أعلام النبلاء (11/ 389)، والعبر (1/ 440).

(6)

أبو جعفر، مسند البصرة، عاش مئة عام، كان ثقةً صاحب حديث. سير أعلام النبلاء (11/ 435)، والعبر (1/ 440).

(7)

في النسخ والمطبوع: "محمد بن عمر العدني" والمثبت من سير أعلام النبلاء وغيره. وهو محمد بن يحيى بن عمر، أبو عبد اللَّه العَدَنيّ الحافظ، صاحب المسند، شيخ الحرم، كان عبدًا صالحًا خيرًا. سير أعلام النبلاء (12/ 96)، والعبر (1/ 441).

(8)

أبو موسى البغدادي البزّار، المعروف بالحمَّال، قيل: إنه تزهَّد وصار يحمل بأجرة يتقوَّت بها. وقيل: إنه لقب بالحمال؛ لكثرة ما حمل من العلم. سير أعلام النبلاء (12/ 115)، والعبر (1/ 441).

ص: 193

وهنَّاد بن السَّرِيّ

(1)

.

‌ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومئتين

في صفر منها دخل الخليفة المتوكّلُ إلى مدينة دمشق في أُبَّهَةِ الخلافة، وكان يومًا مشهودًا، فعزم على الإقامة بها، وأمَر بنقل دواوين الملك إليها، وأمر ببناء القصور بها، وهي التي بطريق داريًّا، ثم إنَّه استوخَمها، ورأى أنَّ هواءها باردٌ نَدِيّ، وماءها ثقيلٌ بالنسبة إلى هواء العراق ومائه، ورأى الهواء يتحرَّك من بعد الزوال في زمن الصيف، فلا يزالُ في اشْتِداد وغبارٍ إلى قريبٍ من ثلث الليل، ورأى كثرة البراغيث بها. ودخل عليه فصلُ الشتاء، فرأى من كثرة الأمطار والثلوج أمرًا عجيبًا، وغلَت الأسعار وهو بها، وانقطعت الأجلاب بسبب كثرة الشتاء والثلوج، فضجر منها.

فجهَّز بُغا إلى بلاد الروم، ثم رجع من آخر السَّنة إلى سامُرّاء بعدما أقام بدمشق شهرين وعشرة أيام، واللَّه أعلم.

وفي هذه السنة أتي المتوكل بالحربة التي كانت تُحمل بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم العيد وغيره، وقد كانت للنجاشيّ، فوهبها للزُّبير بن العوّام، فوهبها الزُّبيرُ من النَّبيّ صلى الله عليه وسلم

(2)

، فلمَّا صارت للمتوكل على اللَّه، فرح بها فرحًا شديدًا، وأمَر صاحبَ الشرطة أن يحملَها بين يديه كما كانت تحمل بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

وفيها: غضبَ المتوكّلُ على الطبيب بَخْتَيشُوع

(3)

ونفاه، وأخذ ماله.

وحجَّ بالناس فيها عبدُ الصمد المذكور قبلها.

واتفق في هذه السنة يومُ عيد الأضحى وعيد الفطير

(4)

لليهود، وشعانين النصارى، وهذا عجيب

(5)

غريب.

_________

(1)

هنَّاد بن السَّريِّ بن مصعب، أبو السّريّ التميمي الكوفيّ، صاحب كتاب الزهد وغير ذلك. صدوق، كان كثير البكاء، وما تزوج، ولا تسرَّى، وكان يقال له: راهب الكوفة. سير أعلام النبلاء (11/ 465)، والعبر (1/ 441).

(2)

في ط: للنبي.

(3)

هو بختيشوع بن جبرئيل بن بختيشوع بن جرجس، طبيب سرياني الأصل مستعرب. قربه الخلفاء العباسيون ولا سيما المتوكل العباسي، فعلت مكانته، وأثرى حتى كان يضاهي المتوكل في الفرش واللباس. صنف كتابًا في الحجامة، مات ببغداد سنة 256 هـ. الأعلام للزركلي (2/ 44).

(4)

في ط: وخميس فطر اليهود.

(5)

في أ: أمر عجيب.

ص: 194

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن مَنِيع

(1)

.

وإسحاق بن موسى الخَطْمي

(2)

.

وحميد بن مَسْعَدَة

(3)

.

وعبد الحميد بن بيان

(4)

.

وعلَيّ بن حُجْر

(5)

.

والوزير محمد بن عبد الملك بن الزَّيَّات

(6)

.

ويعقوب بن السكيت

(7)

، صاحب "إصلاح المنطق".

(1)

أحمد بن مَنيع بن عبد الرحمن، أبو جعفر البَغَوِيّ، ثم البغدادي. حافظ قفة، رحل، وجمع، وصنَّف المسند. سير أعلام النبلاء (11/ 483).

(2)

إسحاق بن موسى بن عبد اللَّه، أبو موسى الخَطْمي، المدني ثم الكوفي، نزيل سامراء، قاضي نَيْسابور، الفقيه. ثقة، أطنب أبو حاتم في الثناء عليه، وكان كثير الأسفار فتوفي بجوسية من أعمال حمص. سير أعلام النبلاء (11/ 554)، والعبر (1/ 442).

(3)

حميدة بن مَسْعَدَة بن المبارك الباهلي، أبو علي، ويقال: أبو العباس البصري. روى عن حماد بن زيد وطبقته، وكان صدوقًا. العبر (1/ 443)، وتهذيب التهذيب (3/ 49).

(4)

عبد الحميد بن بيان بن زكرياء الواسطيّ، أبو الحسن. روى عن خالد الطحان وهشيم فأكثر. ذكره ابن حبان في الثقات. (1/ 443)، وتهذيب التهذيب (6/ 111).

(5)

عليّ بن حُجْر بن إياس، أبو الحسن السعدي المَرْوزي، نزيل نيسابور، نزل بغداد قديمًا، ثم انتقل إلى مرو، واشتهر حديثه بها. وكان صادقًا متقنًا حافظًا. سير أعلام النبلاء (11/ 507)، العبر (1/ 443).

(6)

هذا وهم من ابن كثير رحمه الله، إذ أن ابن الزيات توفي مقتولًا على يد المتوكل في عام 233 هـ، وذكر مقتله في حوادث تلك السنة، قال بشار: ولعله اشتبه عليه بمحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب البصري المحدث المشهور، فإنه توفي في هذه السنة. وتنظر ترجمته في تاريخ الخطيب (3/ 596) وتهذيب الكمال (26/ 19).

(7)

هو يعقوب بن إسحاق بن السِّكِّيت، أبو يوسف، إمام في اللغة والأدب، النحوي المؤدِّب. أصله من خوزستان، تعلم ببغداد، واتصل بالمتوكل العباسي، فعهد إليه بتأديب أولاده، وجعله في عداد ندمائه، ثم قتله. وكتابه "إصلاح المنطق" كتاب في اللغة مشهور.

طبقات النحويين واللغويين (202)، معجم الأدباء (20/ 50)، وفيات الأعيان (6/ 395)، سير أعلام النبلاء (12/ 16).

ص: 195

‌ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئتين

فيها: أمر المتوكّلُ ببناء مدينة الماحُوزَة وحفر نهرٍ لها، فيقال: إنه أنفق على بنائها وبناء قصر الخلافة فيها الذي يقال له: "اللؤلؤة" ألفي ألف دينار.

وفي هذه السنة وقعت زلازل كثيرة ببلاد شتّى؛ فمن ذلك بمدينة أنطاكية، سقط فيها ألف وخمسمئة دار، وانهدَمَ من سورها نيّفٌ وتسعون بُرْجًا، وسُمعت من كُوى دورها أصواتٌ مزعجة جدًّا، فخرجوا من منازلهم سراعًا يهرعون، وسقط الجبل الذي إلى جانبها الذي يقال له "الأقرع"، فساخ في البحر، فهاجَ البحرُ عند ذلك، وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار نهر على فرسخ منها، فلا يُدْرَى أين ذهب بالكلية.

أورده الإمام أبو جعفر

(1)

بن جرير.

قال

(2)

: وسمُع بتِنيِّس صيحة دائمة طويلة، مات منها خلق كثير.

قال

(3)

: وزلزلت فيها السِّن

(4)

والرَّقَّة وحَرَّان ورأسُ العين وحمص ودمشق والرُّها وطَرَسُوس والمصِّيصة وأذنة وسواحل الشام، ورجفت اللاذقية، فما بقي منها منزل، ولا بقي من أهلها إلا اليَسير، وذهبت جَبَلَة بأهلها.

وفيها: غارت مُشاش -عين مكة- حتَّى بلغ ثمن القربة بمكّة درهمًا

(5)

، حتى بعث المتوكّلُ فانفقَ عليها.

قال

(6)

: وفيها مات إسحاق بن أبي إسرائيل

(7)

، وسوّار بن عبد اللَّه القاضى

(8)

، وهلال الرَّأْي

(9)

.

(1)

تاريخ الطبري (9/ 212 - 213).

(2)

تاريخ الطبري (9/ 213) وفيه: وسمع فيها -كما قيل- أهل تِنيِّس ضخة. . .

(3)

تاريخ الطبري (9/ 213).

(4)

في الطبري: بالس، وهي بلد بالشام بين حلب والرقة. أما السِّنُّ فاسم لعدد من الأماكن، منها قلعة بالجزيرة قرب سميساط، وتعرف بسن ابن عُطَير. ياقوت.

(5)

في تاريخ الطبري: ثمانين درهما، فبعثت أم المتوكل فأنفقت عليها.

(6)

تاريخ الطبري (9/ 213).

(7)

من كبار المحدّثين، سمع حمّاد بن زيد وطبقته. أعرضوا عن الأخذ عنه، لأنه أظهر الوقف في مسألة القرآن، فقال: القرآن كلام اللَّه، ووقف. مات ببغداد وله خمس وتسعون سنة. سير أعلام النبلاء (11/ 476)، والعبر (1/ 444).

(8)

سوّار بن عبد اللَّه بن سوّار بن قُدامة، أبو عبد اللَّه التميمي العنبري البصريّ، قاضي الرّصافة ببغداد، وهو من بيت العلم والقضاء، كان جدّه قاضي البصرة. وكان من فحول الشعراء، فصيحًا مفوّهًا سير أعلام النبلاء (11/ 543) والعبر (1/ 444).

(9)

تحرفت في المطبوع والطبري وابن الأثير إلى: الرازي، وهو هلال بن يحيى بن مسلم البصري. فقيه من أعيان الحنفية، من أهل البصرة. لقب بالرأي؛ لسعة علمه وكثره أخذه بالقياس، له عدة مصنفات. الجواهر المضية في طبقات الحنفية (2/ 207)، والأعلام (8/ 92).

ص: 196

‌وفيها هلك:

نجاح بن سلمة: وكان على ديوان التوقيع، وقد كان حظيًّا عند المتوكِّل، ثمَّ جرَتْ له كائنة اقتضت أنْ يأمر المتوكِّلُ بأخذ أمواله وأملاكه وحواصله، وقد أورد قصَّته مطوّلة أبو جعفر بن جرير

(1)

، رحمه الله.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن عَبْدَة الضَّبِّيّ

(2)

.

وأبو الحسن القَوَّاس، مقرئ مكة

(3)

.

وأحمد بن نَصْر النَّيسابوريّ

(4)

.

وإسحاق بن أبي إسرائيل

(5)

.

وإسماعيل بن موسى، ابن بنت السُّدِّيّ

(6)

.

وذو النُّون المِصريّ

(7)

.

وسوّار القاضي

(8)

.

وعبد الرحمن بن إبراهيم، دُحَيْم

(9)

.

(1)

تاريخ الطبري (9/ 214 - 217) وابن الأثير (7/ 88).

(2)

أحمد بن عَبْدَة بن موسى الضَّبِّي، أبو عبد اللَّه البصريّ. سمع حمَّاد بن زيد والكبار، وروى الكثير. ثقة. تهذيب الكمال (1/ 397)، والعبر (1/ 444).

(3)

هو أحمد بن محمد بن عَوْن القَوَّاس النَّبَّال، أبو الحسن، المكي، إمام مكة في القراءة، قرأ على وهب بن واضح، وقرأ عليه قُنبل. تهذيب الكمال (1/ 482)، وغاية النهاية (1/ 123).

(4)

أحمد بن نَصْر بن زياد، الشيخ أبو عبد اللَّه القرشي النيسابوري، شيخ نيسابور ومقرئها ومفتيها وزاهدها، كان فقيه أهل الحديث في عصره، كثير الرحلة والحديث. سير أعلام النبلاء (12/ 239)، وغاية النهاية (1/ 145).

(5)

سقط في ب، ظا، وقد تقدم قبل قليل.

(6)

أبو محمد، ويقال: أبو إسحاق الكوفي، الفَزَاريّ، الشيعي، المحدّث. روى عن مالك وطبقته. ذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال: كان يخطئ. تهذيب الكمال (3/ 210)، والعبر (1/ 444).

(7)

واسمه: ثوبان بن إبراهيم الإخميمي، نسبة إلى بلدة إخميم من ديار مصر بالصعيد، أبو الفيَّاض، أبو الفيض. وستأتي ترجمته مطولة بعد قليل.

(8)

سقط في (ط)، وقد تقدم قبل قليل.

(9)

عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون الدمشقي، أبو سعيد دُحَيْم، قاضي فلسطين والأردن، محدّث الشام. كان يعرف بدُحَيْم اليتيم، ثقة، لم يكن في زمانه مثله. سير أعلام النبلاء (11/ 515)، والعبر (1/ 445).

ص: 197

ومحمّد بن رافع

(1)

.

وهشام بن عمَّار

(2)

.

وأبو تراب النَّخْشَبيُّ

(3)

.

وابن الرَّاوَنْدي

(4)

: الزِّنديق، أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين بن الرَّاوَنْدِي، نسبة إلى قرية ببلاد قاشان، كان ببغداد يصنف كتبًا في الزَّنْدَقة، وكانت لديه فَضيلةٌ، لكنَّه استعملها فيما يضرُّه في الدّنيا والآخرة. وقد ذكرنا له ترجمةً مطوَّلة حسب ما اذكرها ابنُ الجَوزي

(5)

[في سنة ثمان وتسعين ومئتين]

(6)

، وإنما ذكرناه هاهنا لأنَّ القاضي ابنَ خلكان

(7)

ذكر أنه توفي في هذه السنة. وقد تلبَّس عليه، ولم يجرِّحْه بشيء أصلًا، بل مدحه، فقال: أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرَّاونديُّ، العالم المشهور، له مقالة في علم الكلام، وكان من الفُضلاء في عصره، وله من الكتب المصنَّفة نحو من مئة وأربعة عشر كتابًا؛ منها كتاب "فضيحة المعتزلة"، وكتاب "التاج"، وكتاب "الزُّمُرُّدَة"

(8)

، وكتاب "القصب"

(9)

وغير ذلك. وله محاسن

(10)

ومحاضرات مع جماعة من علماء الكلام، وقد انفرد بمذاهب نقلها عنه أهل الكلام في كتبهم.

توفي سنة خمس وأربعين ومئتين، برحبة مالك بن طَوْق التَّغلِبيّ، وقيل: ببغداد، [وتقدير عمره

(1)

أبو عبد اللَّه القشيريّ، مولاهم النيسابوريّ. شيخ عصره بخراسان في الصدق والرحلة. كان زاهدًا عابدًا صالحًا. أرسل إليه ابن طاهر خمسة آلاف درهم، فردَّها، ولم يكن لأهله يومئذ خبز. سير أعلام النبلاء (12/ 215)، والعبر (1/ 445).

(2)

أبو الوليد السّلميّ، خطيب دمشىّ وقارئها وفقيهها ومحدّثها. قرأ القرآن على أيوب بن تميم وعراك عن قراءتهما على يحيى الذماري صاحب ابن عامر. ثقة صدوق. سير أعلام النبلاء (11/ 420)، العبر (1/ 445)، غاية النهاية (2/ 354).

(3)

هو عسكر بن الحُصين النَّخْشَبيّ، من كبار مشايخ القوم، صحب حاتمًا الأصمَّ وغيرَه. كتب العلم، وتفقَّه ثم تألَّه وتعبَّد، وساح وتجرد. مات بالبادية، قيل: نهشته السباع. سير أعلام النبلاء (11/ 545)، العبر (1/ 445).

(4)

سيترجم له المؤلف في حوادث سنة 298 هـ، وإنما ذكره هنا اقتداءً بابن خلكان، الذي جعل وفاته في سنة 245 هـ، فوقع في خطأ فاحش، كما قال ابن الأثير.

(5)

المنتظم (6/ 99 - 105).

(6)

زيادة من ط.

(7)

وفيات الأعيان (1/ 95).

(8)

وفيات الأعيان والمنتظم وهدية العارفين والأعلام: الزمرد.

(9)

في ب، ظا: النصب، ولعل الصواب كتاب قضيب الذهب كما ورد في المصادر والوفيات (1/ 94) وحاشية (1).

(10)

في وفيات الأعيان: مجالس ومناظرات.

ص: 198

أربعون سنة. وذكره في البستان أنه توفي سنة خمسين، فاللَّه أعلم. هذا لفظه]

(1)

بحروفه. وإنَّما أرَّخَ ابنُ الجَوزيّ وفاته في سنة ثمان وتسعين ومئتين، وسيأتي.

ذو النُّون المِصْريّ

(2)

: ثَوبان بن إبراهيم، وقيل: ابن الفيض بن إبراهيم، أبو الفيض المِصريّ، أحدُ المشايخ المشهورين، وقد ترجمه القاضي ابن خلكان في "الوفيات"، وذكر شيئًا من فضائله وأحواله، وأرَّخ وفاته في هذه السنة، وقيل: في التي بعدها، وقيل: في سنة ثمان وأربعين ومئتين، واللَّه أعلم.

وهو معدودٌ في جملة من رَوى "الموطأ" عن مالك. وذكره ابنُ يونس في "تاريخ مصر"، وقال: كان أبوه نُوبيًا، وقيل: إنه كان من أهل إخْمِيم. وكان حليمًا فصيحًا.

قال

(3)

: وسئل عن سبب توبته، فذكر أنَّه رأى قُنْبَرَة

(4)

عمياءَ نزلت من وَكْرِها، فانشقَّت لها الأرض عن سُكُرُّجَتَيْن

(5)

من ذهب وفضةٍ، في إحداهما سِمْسِم، وفي الأخرى ماء، [فأكلَتْ من هذه وشربَتْ من هذه]

(6)

.

وقد شُكي مرةً إلى المتوكّل، فأحضره

(7)

، فلمَّا دخل عليه وعظه، فأبكاه، فرَدَّه مكرَّمًا إلى بلده. فكان إذا ذكر عنده يثني

(8)

عليه.

‌ثم دخلت سنة ست وأربعين ومئتين

في يوم عاشوراء منها دخل المتوكِّلُ إلى الماحوزة، فنزل بقصر الخلافة منها، واستدعى بالقرّاء، ثم بالمطربين، وأعطَى وأطلَقَ، وكان يومًا مشهودًا.

(1)

زيادة من ب، ظا. وأراد بلفظه ابن خلكان (1/ 94).

(2)

له ترجمة في حلية الأولياء (9/ 331 و 10/ 3)، وتاريخ بغداد (8/ 393)، ومختصر ابن عساكر (8/ 246)، ووفيات الأعيان (1/ 315)، وسير أعلام النبلاء (11/ 532)، والرسالة القشيرية (211).

(3)

وفيات الأعيان (1/ 316).

(4)

"القُنْبُرَة والقُبَّرَة": عصفور من فصيلة القُبَّرِيَّات، ورتبة الجواثم المخروطية المناقير، سُمْرٌ في أعلاها، ضاربة إلى بياض في أسفلها، وعلى صدرها بقعة سوداء. وجمعها: القُبَّرُ.

(5)

"السُّكُرّجة": إناء صغير، يؤكل فيه القليل من الأدم، وهي فارسية.

(6)

زيادة من ط، ويوافق ذلك الوفيات. .

(7)

بعده في ط: من مصر إلى العراق، وفي الوفيات: من مصر.

(8)

في سير أعلام النبلاء (11/ 534): كان يقول: إذا ذُكر الصالحون، فحيَّ هلا بذي النون.

ص: 199

وفي صفر منها وقَعَ الفداءُ بين المسلمين والروم، ففودي من المسلمين نحو من أربعة

(1)

آلاف أسير.

وفي شعبان منا مُطرت بغداد مطرًا عظيمًا استمر نحوًا من أحدٍ وعشرين يومًا.

ووقع بأرض بَلْخ مطرٌ، إنَّما هو دمٌ عَبيط

(2)

.

وحجَّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزينبيّ.

وحجَّ فيها من الأعيان مجمد بن عبد اللَّه بن طاهر، وولي هو أمرَ المَوْسِم.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن إبراهيم الدَّورقيُّ

(3)

.

والحسين بن الحسن المروزيّ

(4)

.

وأبو عمر الدُّوريّ

(5)

، أحد القراء المشاهير.

ومحمد بن مُصَفَّى الحِمْصيُّ

(6)

.

ودِعْبِل بن عليّ

(7)

: ابن رَزِين بن سليمان الخُزَاعيُّ، مولاهم، الشاعر الماجن، البليغُ في المدح، وفي الهجاء أكثر. قال: حضر يومًا عند سهل بن هارون الكاتب، وكان بخيلًا، فاسْتَدْعَى بغدائه، فإذا ديكٌ في قصعة، وإذا هو قاس لا يقطعه سكين، ولا يعمل فيه ضِرْسٌ. ففقد الرأس، فقال للطباخ: ويلك! ماذا صنعت به؟، قال: حسبت أنَّك لا تأكله، فألقيتُه، فقال: ويحك! واللَّه لأعيبُ على من يُلقي الرِّجْلَيْن، فكيف بالرأس، وفيه الحواس الأربع، ومنه يصوّت وبه فضل، وعيناه، وبهما يُضْرَبُ المثلُ، وعُرْفُه وله يتبرّك، وعظمُه أهشّ العظام؛ فإن كنتَ رغبتَ عن أكله

(1)

في الطبري وابن الأثير: ففودي بألفين وثلاثمئة وسبعة وستين نفسًا.

(2)

"العَبيط من الدَّم": الخالص الطري.

(3)

أحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقي، أبو عبد اللَّه العبدي، وهذه النسبة إلى بيع القلانس الدَّوْرَقيَّة. حافظ مجوِّد مصنِّف، صدوق. سير أعلام النبلاء (12/ 130)، والعبر (1/ 446).

(4)

الحسين بن الحسن بن حَرْب، أبو عبد اللَّه المروزيّ، صاحب ابن المبارك، جاور بمكة، وجمع وصنَّف. وهو راوي كتاب "الزهد" لأحمد بن حنبل. صدوق، سير أعلام النبلاء (12/ 190)، تقريب التهذيب (1/ 175).

(5)

حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صُهْبان الدُّوريّ الضرير، نزيل سامُرّاء، شيخ المقرئين، قرأ على الكسائي وغيره، وجمع القراءات وصنَّفها، وكان صدوقًا. قرأ عليه خلق كثير. سير أعلام النبلاء (11/ 541)، العبر (1/ 446)، غاية النهاية (1/ 255).

(6)

أبو عبد اللَّه، العبد الصالح، حدث عن الوليد بن مسلم وطائفة، صدوق. سير أعلام النبلاء (12/ 94).

(7)

طبقات الشعراء (264)، الشعر والشعراء (539)، الأغاني (20/ 120 - 186)، تاريخ بغداد (8/ 382)، معجم الأدباء (11/ 99)، مختصر تاريخ ابن عساكر (8/ 172)، سير أعلام النبلاء (11/ 519).

ص: 200

فأحضِرْه. فقال: لا أدري أين هو؟ فقال: بل أنا أدري، هو في بطنك، قاتلك اللَّه

(1)

!

أحمد بن أبي الحواري

(2)

: واسمه

(3)

عبد اللَّه بن مَيْمون بن عياش بن الحارث، أبو الحسن التغلبيّ الغَطَفانيُّ، أحد الزهَّاد المشهورين، والعبَّاد المذكورين، والأبرار المشكورين

(4)

، ذوي الأحوال الصالحة، والكرامات الصادقة، أصلُه من الكوفة، وسكن دمشق، وتَلْمَذَ للشيخ أبي سليمان الدَّارانيِّ، رحمهما اللَّه.

وروى الحديث عن سُفيان بن عُيَيْنَةَ، ووكيع، وأبي أسامة، وخلقٍ.

وعنه: أبو داود، وابنُ ماجه، وأبو حاتِم، وأبو زُرْعَةَ الدِّمشقي، وأبو زُرْعَة

(5)

الرَّازيُّ، وخلق كثيرون.

ذكره أبو حاتم، فأثنى عليه.

وقال يحيى بن معين: إني لأظنُّ أنَّ اللَّه يَسقي أهلَ الشَّام به.

وكان الجُنَيْد بن محمد يقولُ: هو رَيْحَانةُ الشَّامِ.

وقد روى الحافظ ابن عساكر

(6)

أنَّه كان قد عاهد أبا سليمان الدَّارانيَّ ألا يغضبَه [ولا يخالفه]

(7)

، فجاءه يومًا وهو يحدِّث الناس، فقال: يا سيدي، هذا قد سجروا التنور فماذا تأمُرُ؟ فلم يردَّ عليه أبو سليمان؛ لشغله بالناس، ثم أعادها أحمدُ ثانية، وثالثة، فقال له في الثالثة: اذهبْ فاقعد فيه. ثم اشتغل أبو سليمان بحديث الناس، ثم استفالتى، فقال لمن حَضَره: إنِّي قلتُ لأحمد: اذهب فاقعدْ في التَّنُور، وإني أخشى أن يكون قد فعل ذلك، فقوموا بنا إليه. فذهبوا فوجدوه جالسًا في التَّنُور ولم يحترِقْ منه شعرةٌ واحدة.

وروي

(8)

: أن أحمد بن أبي الحَواريّ أصبحَ ذاتَ يومٍ وقد وُلدَ له ولدٌ ولا يملك شيئًا يصلح به الولد، فقال لخادمه: اذهبْ فاستدن لنا وزنةً من دقيق، فبينما هو في ذلك إذ جاءه رجل بمئتي درهم، فوضعها

(1)

بعده في ط: فهجاه بأبيات ذكر فيها بخله ومسكه.

(2)

حلية الأولياء (10/ 5)، الرسالة القشيرية (21)، صفة الصفوة (4/ 237)، مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 142)، تهذيب الكمال (1/ 369) سير أعلام النبلاء (12/ 85).

(3)

أي اسم أبي الحواري.

(4)

في أ: المشهورين.

(5)

في النسخ: والرازي، والزيادة من ط.

(6)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 143).

(7)

زيادة في ط. وعبارة المختصر: عقد ألا يخالفه.

(8)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 144) مع اختلاف في الرواية.

ص: 201

بين يديه، فدخل عليه رجل في تلك الساعة فقال: يا أحمد، إنه قد وُلِدَ لي الليلةَ ولدٌ ولا أملك شيئًا، فرفع أحمد طرفه إلى السماء، وقال: يا مولاي، هكذا بالعجلة، وقال للرجل: خُذْ هذه الدراهم لك، فلم يُبق له منها درهمًا، واستدان لأهله دقيقًا.

وروي

(1)

عنه خادمُه: أنه خرج إلى الثغر للرباط

(2)

، فمازالت الهدايا تفد

(3)

إليه من بُكْرَة النَّهار إلى الزوال، ثم فرَّقها إلى الغروب، ثم قال لي: كُنْ هكذا لا تردَّ على اللَّه شيئًا، ولا تدَّخر عنه شيئًا.

ولما جاءت المحنة في زمن المأمون إلى دمشق، وعيّن فيها أحمد بن أبي الحَواريّ، وهشام بن عمَّار، وسليمان بن عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن ذَكْوان؛ فكلُّهم أجابوا إلا أحمد بن أبي الحَواريّ، فحبس بدار الحِجارة، ثم هُدِّد فأجاب توريةً مكرَهًا، ثم أطلق، رحمه الله.

وقد قام ليلة بالثَّغْر يُكرِّر هذه الآية: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، حتَّى أصبح.

وقد ألقى كتبَه في البحر، وقال: نعم

(4)

الكتب دليل إلى اللَّه عز وجل، ولكن الاشتغال بالدليل بعدَ الوصول إليه محالٌ

(5)

.

ومن كلامه: لا دليلَ على اللَّه سواه، وإنَّما يُطلب العلم لآداب الخدمة

(6)

.

وقال: من عَرَف الدُّنيا زَهِدَ فيها، ومن عَرَفَ الآخرة رغِبَ فيها، ومن عرَفَ اللَّهَ آثر رضاه

(7)

.

وقال: مَنْ نَظَر إلى الدنيا نظر إرادة وحُبٍّ لها، أخرَجَ اللَّهُ نورَ اليقين والزُّهْدِ من قلبه

(8)

.

وقال أيضًا: قلت لأبي سليمان الدَّارانيّ في ابتداء أمري: أوصني. فقال: أمستوصٍ أنت؟ قلت: نعم، إن شاء اللَّه تعالى. فقال: خالف نفسك في كُلِّ مراداتها، فإنَّها الأمَّارة بالسوء، وإياك أن تحقر

(9)

أحدًا من المسلمين، واجْعَلْ طاعة اللَّهِ دثارًا، والخوفَ منه شعارًا، والإخلاصَ زادًا، والصِّدْقَ جُنَّةً، واقْبَلْ منِّي هذه الكلمة الواحدة ولا تفارقها ولا تغفُل عنها: إنَّه من استحيا من اللَّه في كُلِّ أوقاته وأحواله

(1)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 145).

(2)

ابن عساكر: رباط بيروت.

(3)

في أ: تنقل.

(4)

في ط: نعم الدليل كنتِ لي على اللَّه وإليه.

(5)

حلية الأولياء (10/ 6).

(6)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 145).

(7)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 146).

(8)

المصدر السابق.

(9)

في أ: أن تحقر إخوانك المسلمين.

ص: 202

وأفعاله، بلغه إلى مقام الأولياء من عباده. قال: فجعلْتُ هذه الكلمات أمامي، ففي كُلِّ وقتٍ أذكرها وأطالبُ نفسي بها

(1)

.

والصحيح أنَّه توفي في هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاثين ومئتين، وقيل غير ذلك.

‌ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومئتين

في شوال منها كان مقتل الخليفة المتوكِّلِ على اللَّه على يدي ولده المنتصِر، وكان سبب ذلك أنَّه أمر ابنه أبا عبد اللَّه المعتز، الذي هو وليُّ العهد من بعده، أن يخطبَ بالناس في يوم جمعةٍ، فأدَّاها أداءً عظيمًا بليغًا، فبلغ ذلك من المنتصر كلَّ مبلغ، وحنِقَ على أبيه وأخيه، ثم اتفق أن أحضره أبوه بين يديه فأهانه، وأمر بضربه في رأسه وصَفَعَه، وصرَّح بعزله عن ولاية العهد، فاشتد أيضًا حَنَقُه أكثرَ ممَّا كان.

فلمَّا كان يوم عيد الفطر خطب الخليفة المتوكل على اللَّه بالناس، وعنده بعضُ التشكّي من علَّةٍ به، ثم عدل إلى خيامٍ قد ضُربت له، أربعة أميال في مثلها، فنزل هناك، ثم استدعى في يوم ثالث الشهر بندمائه، وكان على عادته في سَمَرِه وحضرته وشربه، ثم تمالأ ولدُه المنتصِرُ وجماعةٌ من الأمراء على الفَتْكِ به، فدخلوا عليه ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال

(2)

، [ويقال: من شعبان]

(3)

من هذه السنة، وهو على السِّماط، فابتدروه بالسيوف فقتلوه، ثم ولّوا بعده ولده المنتصر، على ما سنذكره.

وهذه ترجمة المتوكِّل على اللَّه

(4)

جعفر بن المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس، أبو الفضل، المتوكِّل، وأمُّه أمُّ ولدٍ يقال لها: شجاع، وكانت من سَرَوات النّساء سخاءً وحزمًا. كان مولده بفَمِ الصلح سنة سبع ومئتين

(5)

، وبويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق في يوم الأربعاء لستٍّ بقين من ذي الحجّة سنة ثنتين وثلاثين ومئتين، كما تقدَّم.

وروى الخطيبُ

(6)

من طريقه عن يحيى بن أكثم، عن محمد بن عبد الوهاب، عن سفيان، عن الأعمش، عن موسى بن عبد اللَّه بن يزيد، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير بن عبد اللَّه،

(1)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 145).

(2)

في النسخ: من شعبان، والمثبت من ط والطبري.

(3)

زيادة من ط، وفي أ: ويقال من شوال، وهي ساقطة في ب، ظا.

(4)

تاريخ الطبري (9/ 222 - 234)، تاريخ بغداد (7/ 165)، وفيات الأعيان (1/ 350)، الكامل لابن الأثير (7/ 95) وما بعدها، سير أعلام النبلاء (12/ 30)، تاريخ الخلفاء (352 - 364).

(5)

وقيل: سنة خمس ومئتين.

(6)

تاريخ بغداد (7/ 166)، مختصر ابن عساكر (6/ 86).

ص: 203

عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ حُرِمَ الرِّفْق حُرِمَ الخَيْر"

(1)

، ثم أنشأ المتوكِّلُ يقول:

الرِّفْقُ يُمْنٌ والأناةُ سَعادَةٌ

فاسْتَأْنِ في رِفْقٍ تُلاقٍ نَجَاحَا

لا خَيْرَ في حَزْمٍ بغَيْرِ رَوِيَّةٍ

والشَّكُّ وَهْنٌ إن أرَدْتَ سَرَاحَا

وقال الحافظ ابن عساكر في "تاريخه": وحدَّث عن أبيه المعتصم، ويحيى بن أكثم الفاضي. وروى عنه عليُّ بن الجهم الشاعر، وهشام بن عمَّار الدمشقيّ.

وقدِمَ دمشقَ في خلافته، وابتنَى بها قصرًا بأرض داريَّا.

وقال يومًا لبعضهم

(2)

: إنَّ الخلفاء كانت تتصعَّبُ

(3)

على الرعيَّةِ لتطيعَها، وإني

(4)

ألينُ لهم لِيُحبُّوني ويُطيعوني.

وقال أحمد بن مروان المالكي: حدثنا أحمد بن علي البصري، قال: وجَّه المتوكِّلُ إلى أحمد بن المُعَذَّل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم، فقام الناس كلُّهم [له] غير أحمد بن المُعذَّل. فقال المتوكِّلُ لعُبيد اللَّه: إنَّ هذا لا يرى بيعتنا؟ فقال له: بلى، يا أميرَ المؤمنين ولكن في بصره سوء. فقال أحمد بن المُعَذَّل: يا أميرَ المؤمنين، ما في بصري سوء، ولكن نزَّهتُكَ من عذاب اللَّه. قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَحَبَّ أن يَتَمَثَّلَ له الرِّجالُ قيامًا، فليتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ من النار"

(5)

.

(1)

رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (7/ 166) من حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي رضي الله عنه.

ورواه مسلم في صحيحه رقم (2592) في البر، باب فضل الرفق، وأبو داود رقم (4809) في الأدب، باب في الرفق، من حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي رضي الله عنه، بلفظ:"من حرم الرفق حرم الخير، أو من يحرم الرفق يحرم الخير". ولفظ أبي داود: "يحرم الخير كله".

(2)

ليزيد بن محمد المهلبيّ، كما في سير أعلام النبلاء (12/ 32).

(3)

في ط: تتغضب، وفي فوات الوفيات (1/ 290): تغضب.

(4)

في ب، ظا: وأنا.

(5)

رواه الترمذي رقم (2755) في الأدب، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل، وأبو داود رقم (5229) في الأدب، باب في قيام الرجل للرجل، من حديث معاوية رضي الله عنه، وهو حديث صحيح، ولفظه عند أبي داود:"من أحب أن يَمْثُلَ له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار"، ولفظه عند الترمذي:"من سَرَّه أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (1/ 374): لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه صلى الله عليه وسلم، كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس رضي الله عنه: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من كراهيته للقيام، ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيًا له، قال: وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيًا له، فحسن، ثم قال: وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام، ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه، ولم يعلم العادة الموافقة للسنة، فالأصلح أن يقام له، لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء. وأما من عرف عادة القوم الموافقة =

ص: 204

فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه

(1)

.

وروى الخطيب

(2)

البغدادي: أنَّ عليَّ بن الجَهم دخَلَ على المتوكِّل وفي يده دُرَّتان يقلِّبُهما، فأنشده قصيدتَه التي يقولُ فيها:

وإذا مَرَرْتَ بِبِئرِ عُرْ

وَةَ فاسْتَقِي من مائها

(3)

فأعطاه التي في يمينه وكانت تساوي مئة ألف. ثم أنشد

(4)

:

بِسُرَّ مَنْ رأى أميرُ عَدْلٍ

تَغْرِفُ مِنْ بَحْرِهِ البِحارُ

يُرْجَى ويُخْشَى لِكُلِّ خَطْبٍ

كَأنَّهُ جَنَةٌ وَنَارُ

المُلْكُ فِيهِ وفي بَنِيهِ

ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهَارُ

يَدَاهُ في الجُودِ ضَرَّتانِ

عَلَيْهِ كِلْتَاهُما تَغَارُ

لَمْ تَأْتِ مِنهُ اليَمينُ شَيئًا

إلا أتَتْ مِثْلَهُ اليَسَارُ

قال: فأعطاه التي في يساره أيضًا.

قال الخطيب

(5)

: وقد رويت

(6)

هذه الأبيات للبُحتري في المتوكل.

وروى ابنُ عساكر

(7)

، عن عليِّ بن الجهم، قال: وقفت قبيحة حظيّةُ المتوكِّل بين يديه وقد

= للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له، وليس هذا القيام المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم:"من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار"؛ فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد، ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء، ولهذا فرقوا بين أن يقال: قمت له، وقمت إليه، والقائم للقادم ساواه في القيام، بخلاف القائم للقاعد. اهـ.

(1)

انظر مختصر ابن عساكر (6/ 88).

(2)

تاريخ بغداد (7/ 167)، مختصر ابن عساكر (6/ 89)، وسير أعلام النبلاء (12/ 32)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (356).

(3)

ديوان علي بن الجهم صفحة (37)، وبئر عروة بالمدينة المنورة، ماؤه أطيب المياه، كان يحمل منه لهارون الرشيد في القوارير.

(4)

تاريخ بغداد (7/ 167).

(5)

المصدر السابق.

(6)

في الأصول: وقد رويت هذه الأبيات لعلي بن هارون البحتري في المتوكل، والتصحيح من تاريخ بغداد (7/ 167). وعلي بن هارون هذا راوية للشعر، ومن ندماء الخلفاء، توفي سنة 352 هـ، وقد ذكره الخطيب بعد ذلك على أنه أنشد الأبيات للبحتري، قال: أخبرنا علي بن أيوب القمي، أخبرنا محمد بن عمران المرزباني، قال: أنشدني علي بن هارون للبحتري. . وذكر الأبيات.

(7)

مختصر ابن عساكر (6/ 90). والأبيات الثلاثة الأولى في الأغاني (19/ 311) منسوبة إلى فضل الشاعرة. والأول والثاني في سير أعلام النبلاء (12/ 33)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (356).

ص: 205

كتبتْ على خدِّها بالغالية

(1)

"جعفر"، فتأمَّل ذلك، ثم أنشأ يقول:

وكاتِبةٍ في الخدِّ بالمِسْكِ جَعْفَرًا

بِنَفْسي مَحَطُّ

(2)

المِسْكِ مِنْ حَيْثُ أثَّرا

لَئِنْ أوْدَعَتْ سَطْرًا مِنَ المِسْكِ خدَّها

لَقَدْ أوْدَعَتْ قَلْبِي مِنَ الحُبِّ أسْطُرا

فيا مَنْ مُناها في السَّرِيرةِ جَعْفَرٌ

سقَى اللَّهُ مِن سُقيا ثَنَايَاكِ جَعْفَرا

ويا مَنْ لِمَمْلُوكٍ لِمُلكِ يَمِينهِ

مُطِيعٍ لَهُ فيما أسَرَّ وأظْهَرا

قال ثم أمر المتوكِّلُ عَريبًا

(3)

فغنَّتْ به.

وقال الفتح بن خاقان

(4)

: دخلت يومًا على المتوكِّلِ فإذا هو مطرِق مفكّر، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما لك مفكرًا؟ فواللَّه ما على الأرض أطيب منك عيشًا، ولا أنعم منك بالًا. فقال: أطيبُ منِّي [عيشًا]

(5)

رجلٌ له دارٌ واسعةٌ، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه.

وقد كان محبّبًا إلى رعيته، قائمًا بالسُّنَّة فيهم، وقد شبَّهه بعضُهم بالصِّدِّيق في ردِّه على أهل الرِّدَّة، حتى رجعوا إلى الدِّين؛ وبعمرَ بن عبد العزيز حين رَدَّ مظالم بني أمية؛ وقد أظهر السُّنَّة بعدَ البِدْعَةِ، وأخْمَدَ البِدْعَة بعد انتشارها واشتهارها، فرحمه اللَّه

(6)

.

وقد رآه بعضُهم في المنام بعد موته وهو جالس في نور، فقال: المتوكل؟ فقال: المتوكل. قال: فما فعلَ اللَّه بكَ؟ قال: غفر لي. قلْتُ: بماذا؟ قال: بقليل من السُّنَّة أحْيَيْتُها.

وروى الخطيب

(7)

عن صالح بن أحمد، أنَّه رأى في منامه ليلةَ مات المتوكِّلُ كأنَّ رجلًا يُصعَدُ به إلى السَّماء، وقائلًا يقول:

ملكٌ يُقادُ إلى مليكٍ عادلٍ

متفضِّلٍ في العَفْوِ ليسَ بجائرِ

وروى عن عمرو بن شيبان الحلبيّ، قال: رأيت ليلة قتل المتوكل قائلًا يقول:

(1)

"الغالية": أخلاط من الطيب.

(2)

الأغاني: سواد المسك.

(3)

وهي عَريب المأْمُونيَّة، من أعلام العارفات بصنعة الغناء، وسيترجم لها المؤلف في حوادث سنة 277 هـ.

(4)

مختصر تاريخ ابن عساكر (6/ 90)، وتاريخ الخلفاء (360).

(5)

زيادة من ط.

(6)

روي عن قاضي البصرة إبراهيم بن محمد التيمي أنه كان يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق، قاتل أهل الرِّدَّة، حتى استجابوا له، وعمر بن عبد العزيز ردَّ مظالم بني أميَّة، والمتوكل محا البِدع، وأظهر السُّنَّة. مختصر تاريخ ابن عساكر (6/ 87)، وسير أعلام النبلاء (12/ 32).

(7)

تاريخ بغداد (7/ 171) وتاريخ الخلفاء (361) وتاريخ الطبري (9/ 230) وابن الأثير (7/ 100).

ص: 206

يا نائمَ العينِ في أقطارِ

(1)

جُثْمانِ

أفضْ دموعَكَ يا عَمْرو بن شَيبان

أما ترى الفتية الأرْجَاسَ ما فَعَلُوا

بالهاشميِّ وبالفتحِ بنِ خاقانِ

وافَى إلى اللَّه مظْلومًا فَضَجَّ لهُ

أهْلُ السماواتِ من مثنًى ووحْدَانِ

وسَوْفَ يَأْتِيكُمُ أخْرَى مُسوَّمة

تَوَقَعُوها لَها شَانٌ مِنَ الشَّانِ

فابْكُوا على جَعْفَرٍ وابْكُوا خَلِيفَتَكُمْ

فَقَدْ بَكَاهُ جَمِيعُ الإنْسِ والجانِ

(2)

قال: فأصبحتُ

(3)

فأخبرت النَّاسَ، فجاء نعيُه أنَّه قد قُتِلَ في تلك الليلة.

قال: ثم رأيته بعد هذا بشهرٍ وهو واقفٌ بين يدي اللَّه عز وجل، فقلْتُ: ما فعل بك ربُّك؟ قال: غفر لي، قلْتُ: بماذا؟ قال: بقليل من السُّنَّةِ أحْيَيْتُها

(4)

. قلْتُ: فما تصنَعُ هاهنا؟ قال: أنتظر ابني محمّدأ أخاصِمُه إلى اللَّه الحليم العظيم الكريم

(5)

.

وقد ذكرنا قريبًا كيفيَّة مقتلِه وأن ابنه محمدًا المنتصر مالأ جماعةً من الأمراء على قتله، فقتل في ليلة الأربعاء أوَّل الليل لأربع خَلَتْ من شوال من هذه السنة -أعني سنة سبع وأربعين ومئتين- بالمتوكِّلية

(6)

هي الماحوزة، وصُلّي عليه يوم الأربعاء، ودُفِنَ بالجعفري وله من العمر أربعون سنة، وكانت مدة خلافته أربعَ عشرةَ سنةً وعشرة أشهرٍ وثلاثة أيام.

وكان أسمر، حسَنَ العينين، نحيفَ الجسم، خفيفَ العارضين، أقربَ إلى القِصَر.

‌خلافة محمد بن المنتصر بن المتوكِّل

قد تقدَّم: أنه تمالأ هو وجماعةٌ من الأمراء على قتل أبيه، فحين قُتِلَ الخليفة المتوكّل بُويع له في الليل، فلمَّا كان الصَّباح من يوم الأربعاء رابع شوال، أُخِذَتْ له البيعةُ من العامَّة، وكان أوَّل ما تكلَّم به أن اتَّهَم الفتح بن خاقان على قتل أبيه، وقتله أيضًا.

وبعث إلى أخيه المعتز فأحضره إليه، فبايعه أخوه المعتز، وقد كان وليَّ العهد قبله، ولكن أكرهه فسلَّم وبايع. وبعث البيعة إلى الآفاق.

(1)

في ط: في أوطان.

(2)

تاريخ بغداد (7/ 171).

(3)

في تاريخ بغداد: فأصبحت فإذا الناس يخبرون أن جعفرًا قد قتل في هذه الليلة.

(4)

في تاريخ بغداد: تمسكت بها.

(5)

تاريخ بغداد (7/ 171).

(6)

"المتوكلية": مدينة بناها المتوكل قرب سامُرّا بنى فيه قصرًا وسماه الجعفري. و"الماحوز": ضرب من الرياحين.

ص: 207

وفي ثاني يوم من خلافته ولَّى المظالمَ لأبي عَمْرَة أحمد بن سعيد مولى بني هاشم، فقال الشاعر

(1)

:

يا ضَيْعَةَ الإِسلامِ لمَّا وَلِي

مَظَالِمَ النَّاسِ أبو عَمْرَهْ

صُيِّر مَأْمُونًا على أمَّةٍ

ولَيْسَ مأْمونًا على بَعْرَهْ

وكانت البيعة له بالمتوكِّليَّة، وهي الماحوزة، فأقام بها عشرة أيام، ثم تحوَّلَ هو وجميعُ قُوَّاده وحشمه منها إلى سامرَّاء.

وفي ذي الحجة من هذه السنة أخرج المنتصر عمَّه عليّ بن المعتصم من سامرَّا إلى بغداد ووكَّل به.

وحجَّ بالناس محمد بن سليمان الزينبيّ.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن سعيد الجَوْهَريّ

(2)

.

وسفيان بن وكيع بن الجرَّاح

(3)

.

وسَلَمَةُ بن شَبيب

(4)

.

وأبو عثمانَ المازِني النَّحويُّ

(5)

: واسمه بَكْرُ بنُ محمّد بن عثمان البَصرِيّ، شيخُ النُّحاة في زمانه. أخَذَ عن أبي عُبَيْدَة، والأصمعيِّ، وأبي زيد الأنصاريِّ وغيرهم. وأخذ عنه أبو العبَّاس المبردُ وأكثَرَ عنه.

وللمازنيِّ مصنَّفات كثيرة في هذا الشأن. وكان شبيهًا بالفقهاء، وَرِعًا، زاهدًا، ثقةً، مأمونًا.

روى عنه المبرِّدُ

(6)

أنَّ رجلًا من أهل الذِّمَّة طلبَ منه أن يقرأ عليه كتابَ سيبويه ويعطيه مئة دينارٍ،

(1)

تاريخ الطبري (9/ 239)، وابن الأثير (7/ 109).

(2)

أبو إسحاق البغدادي، الحافظ، صاحب المسند. وكان من أركان الحديث، خرَّج مسند أبي بكر الصديق في نيف وعشرين جزءًا. مات مرابطًا بعين زَرْبة. سير أعلام النبلاء (12/ 149)، والعبر (1/ 448).

(3)

أبو محمد، الرُّؤاسي، محدّث الكوفة، كان من أوعية العلم على لين لحقه. وكان شيخًا فاضلًا صدوقًا، إلا أنه ابتلي بورَّاق سوء، كان يدخل عليه الحديث. سير أعلام النبلاء (12/ 152).

(4)

أبو عبد الرحمن الحَجْري المِسْمَعي النيسابوري، نزيل مكة. سمع يزيد بن هارون وطبقته، وحدّث عنه من الكبار الإمام أحمد بن حنبل. صدوق. توفي من أكلة فالوذج. سير أعلام النبلاء (12/ 256).

(5)

أخبار النحويين البصريين (74)، طبقات النحويين واللغويين (87)، معجم الأدباء (7/ 107)، وفيات الأعيان (1/ 283)، سير أعلام النبلاء (12/ 270)، العبر (1/ 448).

(6)

معجم الأدباء (7/ 111).

ص: 208

فامْتَنَعَ من ذلك، فلامَهُ بعضُ النَّاس في ذلك فقال: تركت هذا لِما فيه من آيات اللَّه تعالى. فاتفق بعد هذا أنَّ جارية غنَّتْ بحضرة الواثق:

أظَلُومُ إنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلًا

ردُّ السَّلامِ تَحِيَّةً ظُلْمُ

فاختلف مَن بحضرة الواثق في إعراب هذا البيت، وهل يكون "رجلًا" مرفوعًا أو منصوبًا، وبم نصَبَ؟ أهو اسم "إنَّ" أم ماذا؟ وأصزَت الجارية على أنَّ المازنيَّ حفظها هكذا. قال: فأرسلَ الخليفة إليه، فلمَّا مَثَل بين يديه، قال له: أنتَ المازنيُّ؟ قال: نعم. قال: من مازن تميم، أم من مازن ربيعة؟ أم من مازن قيس؟ قلت: من مازن ربيعة. قال: فأخذ يكلِّمُني بلغتي، فقال: باسْمُك؟ وهم يقولون

(1)

الباء ميمًا والميم باءً، فكرهت أنْ أقولَ مكر، فقلت: بكر، فأعجبه إعراضي عن المَكْرِ، وعرَفَ ما أردْتُ. فقال: على

(2)

ما انتصبَ رجلًا؟ فقلت: لأنَّه معمولُ المصدر "مصابكم". فأخذ اليزيديُّ يعارضه، فعلاه المازني بالحُجَّةِ، فأطلق له الخليفةُ ألفَ دينارٍ وردَّه إلى أهله مكرَّمًا، وعوَّضه اللَّه عن المئة الدينار.

وروى المبرِّدُ عنه، قال: أقرأتُ رجلًا كتابَ سيبويه إلى آخره، فلمَّا انتهى، قال لي: أمَّا أنت فجزاكَ اللَّهُ خيرًا، وأمَّا أنا فواللَّه ما فهِمْتُ منه حرفًا.

توفي المازنيُّ في هذه السنة، وقيل: في سنة ثمان وأربعين ومئتين. [وأغرب من قال: سنة ست وثلاثين، فاللَّه أعلم]

(3)

.

‌ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومئتين

فيها: أغزى المنتصرُ وصيفًا التركيّ غزو الصائفة لقتال الروم، وذلك أنَّ ملك الروم قصدَ بلاد الشام، وجهز معه جيشًا كثيفًا ورجالًا وعددًا، وأمر له بنفقاتٍ كثيرة، وأمره إذا فرغ من قتال الروم أن يقيمَ بالثَّغْر أربعَ سنين، وكتب له إلى محمد بن عبد اللَّه بن طاهر نائب العراق كتابًا عظيمًا

(4)

، فيه آيات كثيرة، في التَّحريض على القتال والترغيب فيه.

وفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر من هذه السنة المباركة خلع أبو عبد اللَّه محمد المعتز، والمؤيد إبراهيم أخوا أمير المؤمنين وليا العهد، أنفسَهما من الخلافة، وأشهدا عليهما بذلك، وأنَّهما عاجزان عن

(1)

كذا في النسخ، وفي ط: يقلبون.

(2)

سقطت من ب، ظا.

(3)

زيادة من ب، ظا.

(4)

نصه في الطبري (9/ 241 - 243).

ص: 209

الخلافة، وأن المسلمين في حلٍّ من بيعتهما، وذلك بعدما تهدَّدهما أخوهما المنتصرُ وتوعَّدهما بالقتل، ليفعلا ذلك، ومقصودُه توليةُ ابنه عبد الوهاب عن إشارة أمراء الأتراك بذلك. وخطبا

(1)

بذلك على رؤوس الأشهاد بحضرة القّواد والقضاة وأعيان بني هاشم والناس عامة.

وكتب بذلك إلى الآفاف والأقاليم ليعلموا بذلك ويخطبوا بذلك على المنابر، ويزال اسماهما عن محل الكتابة، واللَّه غالبٌ على أمره، فأراد أن يسلبَهما الملْكَ ويجعلَه في عقبه، والأقدارُ تكذبه وتخالفه، وذلك أنَّه لم يستكمِلْ بعدَ قتل أبيه سوى ستة أشهر، ففي أواخر صفر عرضَتْ له عِلَّةٌ كان فيها حتفُه على ما سنذكره.

وقد كان المنتصر رأى في منامه كأنَّه يصعد سلّمًا، فبلغ إلى آخر خمس وعشرين درجة. فقصَّها على بعض المعبرين، فقال له: هذه خمس وعشرون سنة تلي فيها الخلافة، وإذا بها مدّة عمره، وقد استكملها في هذه السنة.

وقال بعضهم: دخلنا عليه يومًا فإذا هو يبكي وينتحب شديدًا، فسأله بعضُ أصحابه، فقال: رأيتُ أبي المتوكِّلَ في منامي هذا، وهو يقولُ: ويلك يا محمّد! قتلْتَني، وظلمْتَني وغصبْتَني خلافتي، واللَّه لا مُتِّعْتَ بها بعدي إلا أيامًا يسيرة، ثم مصيرُك إلى النار! قال: فما أملك عيني ولا جَزَعي. فقال له بعضُ أصحابه

(2)

: هذه رؤيا، وهي تصدَّق وتكذب، فقم بنا إلى الشراب! فأحضر الشراب والندماء، فأخذ فيه وهو منكسرُ الهمَّةِ، وما زال كذلك مكسورًا حتَّى مات.

وقد اختلفوا في علته التي كانت فيها وفاته؛ فقيل: إنه أصابه داء في رأسه، فقطر في أذنه دهن، فلمَّا انتهى إِلى دماغه عُوجل بالموت. وقيل: بل ورِمَتْ معدتُه، فانتهى الوَرَمُ إلى قلبه فمات. وقيل: بل أصابته ذبْحَةٌ فاستمرَّت به عثرة أيام. فمات. وقيل: بل فَصَده الحجَّام بمِبْضَعٍ مسموم فمات من يومه.

قال ابن جرير

(3)

: فأخبرني بعضُ أصحابنا: أن ذلك الحجّامَ رجع إلى منزله وهو محمومٌ، فدعا أجيرًا

(4)

له ليفصده، فأخذ مباضعَ أستاذه، فاختار منها أجودها، فإذا له ذلك المِبضع المسموم الذي فُصِد به الخليفة، ففصَد أستاذه به وهو لا يشعرُ، وأنسَى اللَّهُ سبحانه الحجَّام، فما ذكر حتى رآه قد فَصَدَه به، وتحكَّم فيه السُّمُّ، فأوصى عند ذلك، ومات من يومه.

(1)

في أ، ط: وخطب، والمثبت من ب، ظا. وفي الطبري: ثم قاما بذلك على رؤوس الأشهاد.

(2)

بعده في ط: من الغرارين الذين يغرون الناس ويفتنونهم.

(3)

تاريخ الطبري (9/ 251) بتصرف يسير.

(4)

في ط والطبري: تلميذًا.

ص: 210

وذكر ابنُ جرير

(1)

: أنَّه دخلت عليه أمُّه وهو في المرض الذي مات فيه، فقالت له: كيف حالك؟ فقال: ذهبَتْ مني الدنيا والآخرة.

ويقال: إنه أنشد لمَّا أحيط به ويئس من الحياة وهو في السّياق

(2)

:

فما فَرِحَتْ نفسِي بِدُنيا أصَبْتُها

ولكنْ إلى الرَّبِّ الكَريمِ أصيرُ

ومات يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، وقتَ صلاة العصر، عن خمسٍ وعشرين سنة، وقيل: وستة أشهر. ولا خلاف أنه إنما ولي الخلافة ستة أشهر، لا أزيدَ منها.

وذكر ابنُ جرير

(3)

عن بعض أصحابه: أنه لم يزل يسمع الناس يقولون؛ العامَّةُ وغيرهم، حين ولي المنتصر: إنه لا يمكث في الخلافة سوى ستة أشهر، كما مكث شيرويه بن كسرى حين قتل أباه؛ وكذلك وقع سواء.

وقد كان المنتصرُ أعيَنَ، أقنى

(4)

، قصيرًا، مَهيبًا، جيد البدن، وهو أوَّل خليفة من بني العباس أبرِزَ

(5)

قبرُه، وذلك بإشارة أمِّه حبشيّة الرّومية.

ومن جيِّد كلامه قولُه: واللَّهِ ما عزَّ ذو باطلٍ قطّ، ولو طلَعَ القمرُ من جبينه؛ ولا ذلَّ ذو حقٍّ قطّ، ولو أصفقَ العالَمُ عليه

(6)

.

‌خلافة المستعين باللَّه

وهو أبو العبَّاس أحمد بن محمد بن المعتصم. بُويع له بالخلافة يوم مات المنتصِرُ، بايعَهُ عمومُ النَّاس، ثم خرجت عليه شِرْذِمةٌ من الأتراك يقولون: يا معتز، يا منصور؛ فالتفَّ عليهم خلق. وقام بنصر المستعين جمهورُ الجيش، فاقتتلوا قتالًا شديدًا أيامًا، فقتل خلْقٌ من الفريقين، وانتُهبت أماكنُ كثيرة من بغداد، وجرت فتن كثيرة جدًا، ثم استقرَّ الأمر للمستعين، فَعَزَلَ وَوَلَّى، وقَطَعَ وَوَصَلَ، وأمَر ونَهَى

(7)

.

(1)

تاريخ الطبري (9/ 252).

(2)

تاريخ الطبري (9/ 254)، والكامل لابن الأثير (7/ 115).

(3)

تاريخ الطبري (9/ 252).

(4)

"القَنَا": احديداب في الأنف.

(5)

الطبري وابن الأثير: عرف قبره.

(6)

الكامل لابن الأثير (7/ 116).

(7)

بعده في ط: أيامًا ومدة غير طويلة.

ص: 211

ومات بُغا الكبير في جمادى الآخرة، فولَّى الخليفةُ مكانَه ولَدَه: موسى بن بُغا. وقد كانت له همم

(1)

عالية، وآثار سامية، وغزوات في المشارق والمغارب متوالية.

وفي هذه السنة ابتاع المستعين من أبي عبد اللَّه المعتز شيئًا كثيرًا من المتاع والأثاث والضياع بما قيمته عشرة آلاف ألف دينار، وعشر حبَّات جوهر. ومن إبراهيم بما قيمته ثلاثة آلاف ألف دينار

(2)

وثلاث حبّات.

وفيها: عَدَا أهلُ حمصَ على عاملهم

(3)

فأخرجوه من بين أظهرهم، فبعث إليهم المستعين فأخذ منهم مئة رجلٍ من سَرَاتهم، وأمر بهدْمِ سورهم.

وحجَّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزَّينبيّ.

‌وتوفي فيها من الأعيان:

أحمد بن صالح

(4)

.

والحسين بن علي الكَرَابسيُّ

(5)

.

وعبد الجبَّار بن العلاء

(6)

.

وعبد الملك بن شُعيب

(7)

.

(1)

في ب، ظا: همة.

(2)

في الطبري (9/ 259): درهم.

(3)

هو كيدر بن عبيد اللَّه، كما في الطبري (9/ 259).

(4)

أبو جعفر المصري، المعروف بابن الطبري. حافظ زمانه بالديار المصرية، ثقة، مقرئ، عالم بالحديث وعلله. كان أبوه من أجناد طبرستان، وولد له أحمد بمصر. رحل إلى بغداد واجتمع بالإمام أحمد بن حنبل، وأخذ كل منهما عن الآخر. توفي بمصر.

سير أعلام النبلاء (12/ 160)، غاية النهاية فى طبقات القراء (1/ 62).

(5)

الحسين بن علي بن يزيد البغدادي الكَرَابيسي، أبو علي، الفقيه المتكلّم. تفقَّه على الشافعيّ، وسمع من إسحاق الأزرق وجماعة، وصنف التصانيف. كان متضلعًا في الفقه والأصول والحديث ومعرفة الرجال. والكرابيس: الثياب الغلاظ، كان أبو علي يبعيها فنسب إليها. سير أعلام النبلاء (2/ 79)، والعبر (1/ 450).

(6)

أبو بكر البصري، ثم المكي المجاور. روى عن سفيان بن عيينة وطبقته، ثقة، صاحب حديث. سير أعلام النبلاء (11/ 401)، والعبر (1/ 51).

(7)

عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد الفَهْمي مولاهم المصري أبو عبد اللَّه. سمع أباه وابنَ وَهْب. ثقة. كان فقيًا محدثًا. تهذيب التهذيب (6/ 398).

ص: 212

وعيسى بن حمَّاد

(1)

.

ومحمد بن حُمَيْد الرَّازي

(2)

.

ومحمد بن زُنبور

(3)

.

ومحمد بن العلاء أَبو كُرَيب

(4)

.

ومحمد بن يزيد أبو هشام الرِّفاعيُّ

(5)

.

وأبو حاتم السِّجِسْتانيُّ

(6)

: واسمه سهلُ بن محمد بن عثمان بن يزيد الجُشَميُّ، أبو حاتم، النَّحويُّ، اللّغويُّ، صاحبُ المصنَّفات الكثيرة

(7)

. وكان بارعًا في اللغة؛ اشتغل فيها على أبي عُبَيْدة، والأصمعيِّ، وأكثَرَ الرِّواية عن أبي زيدٍ الأنصاريِّ.

وأخذ عنه المبرّد، وابنُ دُرَيد، وغيرهما.

وكان صالحًا، كثيرَ الصَّدَقة والتلاوة، وكان يتصدَّق كلَّ يومٍ بدينارٍ، ويقرأ في كُلِّ أسبوعٍ ختمة، وله شعر كثير؛ من

(8)

ذلك قولُه:

أبرزوا وَجْهَهُ الجميـ

ـــلَ ولامُوا مَنِ افْتَتَنْ

(1)

عيسى بن حمَّاد بن مسلم، التُّجيبي المصري، أبو موسى، لقبه زُغْبَة وهو لقب أبيه أيضًا. ثقة. وهو آخر من حدّث عن الليث بن سعد من الثقات. سير أعلام النبلاء (11/ 506)، وتقريب التهذيب (2/ 97).

(2)

أبو عبد اللَّه. حافظ كبير، كان من أوعية العلم. وهو مع إمامته منكر الحديث. سير أعلام النبلاء (11/ 503).

(3)

محمد بن زنبور بن أبي الأزهر، واسم زنبور جعفر، أبو صالح المكي. صدوق، له أوهام. تقريب التهذيب (2/ 161).

(4)

محمد بن العلاء بن كُرَيب الهَمْداني، أبو كُرَيب، الكوفي. الحافظ، شيخ المحدثين. صدوق. سير أعلام النبلاء (11/ 394).

(5)

العلامة، الفقيه، المقرئ، قاضي بغداد. أخذ القراءة عن جماعة، وصنَّف كتابًا في القراءات فيه شذوذ كثير، وهو صاحب غرائب في الحديث. سير أعلام النبلاء (12/ 153)، غاية النهاية (2/ 280).

(6)

الجرح والتعديل (4/ 204)، أخبار النحويين البصريين (93)، طبقات النحويين واللغويين (94)، نزهة الألباء (189)، معجم الأدباء (11/ 263)، وفيات الأعيان (2/ 430)، سير أعلام النبلاء (12/ 268)، إنباه الرواة (2/ 58)، غاية النهاية في طبقات القراء (1/ 320).

(7)

ذكر له القفطي في إنباه الرواة (2/ 62) ط يقرب من ثلاثة وثلاثين كتابًا.

(8)

في أ: فمن قوله، وأثبت ما جاء في (ب). والبيتان في وفيات الأعيان (2/ 431)، وبغية الوعاة للسيوطي (1/ 607)، قالهما في المبرّد، وكان غلامًا وسيمًا يحضر حَلْقته ويلازم القراءة عليه.

ص: 213

لَوْ أرادُوا صِيانَتي

سَتَرُوا وَجْهَهُ الحَسَنْ

قال ابن خلكان

(1)

: وكانت وفاته في المحرم، وقيل: في رجب من هذه السنة.

‌ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومئتين

في يوم الجمعة النصف من رجب منها التقى جمعٌ من المسلمين وخلْقٌ من الروم بالقرب من مَلَطيَة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا

(2)

، قُتل من الفريقين خلْق كثير، وقُتل أميرُ المسلمين عمرُ بن عُبَيد

(3)

اللَّه بن الأقطع، وقُتل معه ألفا رجلٍ من المسلمين، كذلك قُتل الأمير عليّ بن يحيى الأرمنيّ في طائفة من المسلمين أيضًا، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وقد كان هذان الأميران من أكبر أنصار الإسلام.

ووقعت فتنةٌ عظيمة ببغداد في أول

(4)

صفر من هذه السنة، وذلك أنَّ العامّة كرهوا جماعةً من الأمراء الذين قد تغلَّبوا على أمر الخلافة وقتلوا المتوكِّلَ، واستضعفوا المنتصر والمستعين بعده، فنهضوا إلى السّجن، فاخرجوا مَنْ فيه، وجاؤوا

(5)

إلى أحد الجسرين فقطعوه وضربوا الآخر بالنار، فأحرقوا ونادَوا بالنَفير، فاجتمع خلْقٌ كثير وجَمٌّ غفير، ونهبوا أماكنَ متعددةً، وذلك بالجانب الشرقيّ من بغداد.

ثم جمع أهلُ اليسار أموالًا كثيرة [من أهل بغداد]

(6)

لتُصرفَ إلى من ينهض

(7)

إلى ثغور الروم لقتالهم عوضًا عمن قُتل من المسلمين هناك، فأقبل خلْق كثير من نواحي الجبال، والأهواز، وفارس، وغيرها لغزو الروم، وذلك أنَّ الخليفة والجيش تأخروا عن النهوض إلى بلاد الروم، فغضبت العاقة من ذلك، وفعلوا ما ذكرنا.

ولتسعٍ بقين من ربيع الأول نهض عامة أهل سامُرَّاء إلى السجن، فأخرجوا مَنْ فيه. وجاءهم قومٌ من الجيش يقال لهم الزرافة فهزمتهم العامة، فركب عند ذلك وصيفٌ، وبُغَا الصغير، وعامّة الأتراك، فقتلوا من العاقة خلْقًا كثيرًا، وجرت فتن طويلة كثيرة، ثم سكنت.

وفي المنتصف من ربيع الآخر وقعت فتنةٌ بين الأتراك، وذلك أن الخليفة المستعين قد فوَّض أمر

(1)

وفيات الأعيان (2/ 433).

(2)

في أ، ب: عظيمًا.

(3)

في أ، ط: عبد اللَّه.

(4)

في ب، ظا: أول يوم من صفر.

(5)

في الأول: وجاؤوا إلى الجسر، والمثبت من ط والطبري.

(6)

زيادة في ط: وفي الطبري: من أهل بغداد وسامرا.

(7)

في ب، ظا: نهض.

ص: 214

الخلافة والتصرف في أموال بيت المال إلى ثلاثة؛ وهم: أتامش التركي، وكان أخص مَن عنده، وهو بمنزلة الوزير، وفي حِجْره العباس بن المستعين يربّيه ويعلِّمه الفروسية؛ وإلى شَاهك الخادم؛ وإلى أم الخليفة؛ كان لا يمنعها شيئًا تريده، وكان لها كاتب يقال له: سلمة بن سعيد النصرانيّ.

فأقبل أتامش فأسرف في أخذ الأموال حتى لم يُبقِ ببيت المال شيئًا، فغضبت الأتراك من ذلك، وغارت منه، فعند ذلك اجتمعوا عليه، وركبوا إليه، فأحاطوا بقصر الخلافة وهو عند المستعين، فلم يمكنه منعه منهم، ولا دفعهم عنه، فأنزلوه صاغرًا فقتلوه، وانتهبوا أمواله وحواصله ودوره، واستوزر الخليفةُ بعده أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وولَّى بُغا الصغيرَ فلسطين، وولَّى وصيفًا لأهوازَ، وجرى خَبْطٌ

(1)

كثير، ووهنٌ كبير من أمر الخليفة، وتحركت المغاربة بسامُرّا في يوم الخميس لثلاثٍ خلون من جمادى الآخرة، وكانوا يجتمعون فيركبون ثم يتفرَّقون.

وفي يوم الجمعة لخمسٍ بقين من جمادى الأولى، وهو اليوم السادس عشر من تفُوز، مُطِرَ أهلُ سامُرّا مطرًا

(2)

عظيمًا برعدٍ وبرقٍ، والغيم مطبق، والمطر مستهل كثير، من أوَّل النَّهار إلى اصفِرار الشمس.

وفي ذي الحجة أصاب أهلَ الريّ زلزلةٌ شديدة جدًّا، ورَجْفة هائلة تهدَّمت منها الدور، ومات منها خلْق كثير، وخرج بقيّة أهلها إلى الصحراء.

وحجَّ بالناس في هذه السنة: عبدُ الصّمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهو والي مكة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أيّوب بن محمد الوَزَّان

(3)

.

والحسن بن الصَّبَّاح البَزَّار

(4)

، صاحب "كتاب السنن".

وَرَجَاء بنُ مَرَجّى الحافظ

(5)

.

(1)

"الخَبْط": الفوضى.

(2)

في ب، ظا: مطر عظيم.

(3)

أيوب بن محمد بن زياد بن فَرّوخ الوَزَّان، أبو محمد الرَّقِّيّ، كان يزن القطن في الوادي. ذكره ابن حبَّان في الثقات. تهذيب الكمال (3/ 489).

(4)

الحسن بن الصَّبَّاح بن محمد، أبو علي الواسطي، البغدادي، البزَّار، ويعرف بابن البزَّار. سمع سفيان بن عُيينة وطبقته. وكان الإمام أحمد بن حنبل يرفع قدره ويجلّه ويحترمه، وكانت له جلالة عجيبة ببغداد. سير أعلام النبلاء (12/ 192).

(5)

رجاء بن مُرَجّى بن رجاء بن رافع، أبو محمد السمرقنديّ. روى عن النَّضْر بن شُمَيل فمن بعده. قال الخطيب البغدادي: كان ثقة ثَبْتًا إمامًا في الحفظ والمعرفة.

سير أعلام النبلاء (12/ 98)، والعبر (1/ 454).

ص: 215

وعَبْدُ بنُ حَميد، صاحب "التفسير" الحافل

(1)

.

وعمرو بن علي الفَلَّاس

(2)

.

وعلى بن الجَهْم

(3)

: ابن بَدْر بن الجَهْم بن مسعود بن أسيد القرشي السَّامي، من وَلَد سَامَةَ بن لُؤيّ الخراسانيّ، ثم البغدادي، أحد الشعراء المشهورين وأهل الديانة المعتبرين.

وله ديوان شعر فيه أشياء حسنة، وكان فيه تحامل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان له خصوصية بالمتوكِّل، ثم غضِبَ عليه فنفاه إلى خراسانَ، وأمر نائبَه بها أن ينصبَه

(4)

يومًا مجردًا ففعل به ذلك.

ومن مستجاد شعره قوله

(5)

:

بَلاءٌ لَيْسَ يَعْدِلُهُ بَلاءُ

عَدَاوةُ غيرِ ذِي حَسَبٍ وَدِينِ

يبيحكَ منه عِرْضًا لم يَصُنْهُ

ويرْتَعُ مِنْكَ في عِرْضٍ مَصُونِ

وإنَّما قال ذلك في مروان بن أبي حَفْصَة حين هجاه، فقال في هجائه له

(6)

:

لَعَمْرُكَ ما الْجَهْمُ بْنُ بَدْرٍ بشاعرٍ

وهذا عَلِيٌّ بَعْدَهُ يَدَّعِي الشِّعرا

ولكنْ أبي قَدْ كانَ جَارًا لأمِّهِ

فلمَّا ادَّعَى الأشْعارَ أوْهَمني أمْرَا

كان علي بن الجَهْم قد قدِمَ الشَام ثم عاد قاصدًا العراق، فلمَّا جاوز حلبَ ثار عليه أناسٌ من بني كَلْب، فقاتلهم، فجرح، فكان فيه حتْفُه، فوجد

(7)

بين ثيابه رقعة فيها مكتوب

(8)

:

(1)

عبد بن حُميد بن نصر، أبو محمد الكِسِّي، ويقال له الكَشِّي، بالفتح والإعجام. صاحب "المسند " و"التفسير". سمع يزيد بن هارون وابن أبي فديك وطبقتهما.

سير أعلام النبلاء (12/ 235)، والعبر (1/ 454).

(2)

عمرو بن علي بن بحر، أبو حفص الباهليّ الصيرفي الفلَّاس، الحافظ المجوّد الناقد، أحد الأعلام، ثقة. سير أعلام النبلاء (11/ 470)، والعبر (1/ 454).

(3)

الأغاني، ط، الدار (10/ 203)، وفيات الأعيان (3/ 355)، تاريخ الطبري (9/ 264)، معجم الشعراء للمرزباني (140)، تاريخ بغداد (11/ 367).

(4)

في ط: أن يضربه. وفي الأغاني: أن يصلب.

(5)

ديوانه (187)، ووفيات الأعيان (3/ 356).

(6)

ليسا في ديوان مروان بن أبي حفصة، ويبعد أن يكون قد قالهما فيه، إذ توفي مروان سنة 182 هـ. وهما في وفيات الأعيان (3/ 357)، ترجمة علي بن الجهم.

(7)

في ا: فوجد ثوبًا به رقعة فيها مكتوب والمثبت من ب، ظا.

(8)

ديوانه (154)، ووفيات الأعيان (3/ 356).

ص: 216

يا رَحْمَتا للغريبِ في البلد النَّا

زحِ ماذا بنفسِهِ صَنَعا

فارَقَ أحبابَهُ فما أنتفَعُوا

بالعَيشِ مِنْ بعدِهِ وما أنْتَفَعَا

وكانت وفاته بهذا السبب في هذه السنة، رحمه الله

(1)

.

‌سنة خمسين ومئتين من الهجرة

فيها كان ظهور أبي الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين

(2)

بن يزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالكوفة، وأمّه فاطمة بنت الحسين بن عبد اللّه بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وذلك أنَّه أصابته فاقةٌ شديدة فرحل إلى سامُرّاء، فسأل وصيفًا أن يجريَ عليه رزقًا، فأغلظ له القولَ.

فرجع إلى أرض الكوفة، فاجتمع عليه خلْق من الأعراب، وخرج إليه خلْق من أهل الكوفة، فنزل على الفَلُّوجَة

(3)

وقد كثر الجمع معه، فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق إلى عامل الكوفة - وهو أيوب

(4)

بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان - يأمره بمقاتلته.

ودخل يحيى بن عمر قبل ذلك في طائفة من أصحابه إلى الكوفة، فاحْتوى على بيت ماله، فلم يجدْ فيه سوى ألفي دينار وسبعين ألف درهم، وظهر أمرُه بالكوفة وفَتَحَ السِّجنَيْن وأطلق منْ فيهما، وأخرَجَ نوَّاب الخليفة منها، وأخذ أموالهم واستحوذ عليها، واستحكم أمرُه بها، والتفَّ عليه خلْقٌ من الزَّيديّة وغيرهم.

ثم خرج من الكوفة إلى سوادها، ثم كَرَّ راجعًا إليها، فتلقاه عبد الرحمن بن الخطاب الملقَّب وَجْه الفَلْس، فقاتله قتالًا شديدًا، فانهزم وَجْهُ الفَلْس. ودخل يحيى بن عمر الكوفة، ودعا إلى الرضا من آل محمد، وقوي أمره جدًّا، وصار إليه جماعة من الناس من أهل الكوفة وغيرها، وتولاه أهل بغداد من العامّة وغيرهم ممن ينسب إلى التشيّع، وأحبّوه أكثر مما كانوا يحبُّون أحدًا من الخارجين من أهل البيت.

(1)

قوله: رحمه الله، لم يرد في ب، ظا، ط.

(2)

في الأصول: حسن والمثبت من ط والطبري وابن الأثير على الصواب. وتنظر ترجمته في مقاتل الطالبيين (ص 453).

(3)

"فلاليج السواد": قراها، واحدها الفلُّوجة. والفلُّوجة الكبرى والفلُّوجة الصغرى: قريتان كبيرتان من سواد بغداد والكوفة قرب عين التمر. ياقوت. وهذه التسمية مستعملة إلى هذا الوقت في بلاد العراق.

(4)

في آ، ط: أبو أيوب.

ص: 217

وشرع في تحصيل السلاح وطبعه

(1)

، وإعداد آلات العدد، وجمع الرجال. وقد خرج نائب الكوفة منها - وهو الحسين بن إسماعيل - إلى ظاهرها، واجتمع إليه أمدادٌ كثيرة من جهة الخليفة ومحمد بن عبد اللّه بن طاهر، واستراحوا وجمّت

(2)

خيولهم.

فلمَّا كان اليوم الثالث عشر من رجب أشار من أشار على يحيى بن عمر ممن لا رأي له، أنْ يركبَ ويناجز الحسين بن إسماعيل، ويكبسَ جيشه، فركب في جيش كثير، فيه خلْق من الفرسان والمشاة أيضًا من عامّة أهل الكوفة بغير أسلحة، فساروا، فلمَّا انتهوا

(3)

إليهم نهضوا إليهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا في ظلمة آخر الليل، فما طلَعَ الفجرُ إلا وقد انكشف أصحابُ يحيى بن عمر، [وداستهم الخيل، ووجدوا يحيى بن عمر]

(4)

، وقد تقنطر به فرسه، وطعن في ظهره، فحزُّوا رأسَه، وحمله إلى الأمير فبعثه إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر، فأرسله من الغد إلى الخليفة مع رجلٍ، يقال له: عمر بن الخطاب، أخي عبد الرحمن بن الخطاب، فنُصب بسامُرّا ساعةً من النهار، ثم بعث

(5)

إلى بغداد، فنصب عند الجسر، فلم يمكن ذلك من كثرة

(6)

العامّة، فجعل في خزائن السلاح.

ولمَّا جيء برأس يحيى بن عمر إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر، دخل الناسُ يهنونه بالفتح والظفر، فدخَلَ عليه أبو هاشم داود بن الهيثم الجعفريّ، فقال له: أيها الأمير! إنك لَتُهنّأ بقتْل رجل لو كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حيًا لَعُزِّيَ به. فما ردَّ عليه شيئًا، ثم خرج أبو هاشم الجعفريّ، وهو يقول

(7)

:

يا بَني طاهرٍ كُلُوهُ وَبِيًّا

إنَّ لَحْمَ النَّبيّ غيرُ مَريِّ

إنَّ وِترًا يكونُ طالِبَهُ الـ

ـهُ لَوِتْرٌ نجاحُهُ بالحَرِيِّ

وكان الخليفة المستعين قد وجَّه أميرًا

(8)

إلى الحسين بن إسماعيل نائب الكوفة، فلما قتل يحيى بن عمر، ودخلوا الكوفة، أراد ذلك الأمير أن يضَعَ في أهلها السيفَ، فمنعه الحسين بن إسماعيل، وآمن الأسود والأبيض، وأطفأ اللّهُ هذه الفتنة.

(1)

لفظة وطبعه لم ترد في ب، ظا، ط.

(2)

في ط: وجمعوا. ومعنى "وجمت": تركت تستريح فلم تركب.

(3)

في ب، ظا: انتهى.

(4)

زيادة في ب، ظا.

(5)

في ب، ظا: بعثه، وفي ط: بعث به.

(6)

في ب، ظا: من جهة.

(7)

تاريخ الطبري (9/ 270)، والكامل لابن الأثير (7/ 129).

(8)

هو كلباتكين، كما في الطبري (9/ 270).

ص: 218

‌ثم خرج آخر من أهل البيت أيضًا

فلمَّا كان رمضان من هذه السنة، خرج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب بناحية طَبَرِستان.

وكان سببُ ذلك أنَّه لما قُتل يحيى بن عمر أقطع المستعينُ لمحمد بن عبد اللّه بن طاهر طائفةً من أرض تلك الناحية، فبعث كاتبًا له يقال له: جابر بن هارون، وكان نصرانيًّا، ليتسلَّم تلك الأراضي، فلمَّا انتهى إليهم كرهوا ذلك جدًّا، وأرسلوا إلى الحسن بن زيد هذا، فجاء إليهم، فبايعوه والتفَّت عليه كلمة الدَّيلم وجماعة الأمراء في تلك النَّواحي، فركب فيهم ودخل آمُل طبرِستان، وأخذها قَهْرًا، وجَبَى خراجها، واستفحل أمرُه جدًّا. ثم خَرَجَ منها طالبًا لقتال سليمان بن عبد اللّه أميرِ تلك النَّواحي، فالتقيا هنالك، وكانت بينهما حروبٌ، ثم انهزم سليمان هزيمةً منكرةً، وترك أهلَه ومالَه، ولم يرجعْ دون جُرْجان. فدخل الحسنُ بن زيد "سَارية"

(1)

فأخذ ما فيها من الأموال والحواصل، وسيَّر أهل سليمان إليه على مراكب مكرمين، واجتمع للحسن بن زيد إمرة طَبرِستان بكمالها.

ثم بعث إلى الرّيّ فأخذها أيضًا وأخرج منها الطَّاهريّة، وصار له إلى جند همذان.

ولما بلغ خبرُه المستعينَ - وكان مدبِّر ملكه يومئذٍ وصيفٌ التركيّ - اغتمَّ لذلك جدًّا، واجتهد في بعث الجيوش والأمداد لقتال الحسن بن زيد هذا

(2)

.

وفي يوم عرفة من هذه السنة ظهر بالرَّيّ أحمد بن عيسى بن حسين الصغير بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وإدريس بن موسى بن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب؛ فصلَّى بالنَّاس يومَ العيد أحمدُ بن عيسى هذا، ودعا إلى الرِّضا من آل محمد؛ فحاربه محمد بن عليّ بن طاهر، فهزمه أحمد بن عيسى هذا، واستفحل أمره

(3)

.

وفي هذه السنة وثبَ أهلُ حِمْصَ على عاملهم الفَضْل بن قارن [أخي المازيار بن قارن]

(4)

، فقتلوه في رجب، فوجه إليه المستعين موسى بن بُغَا الكبير، فاقتتلوا بأرض الرَّسْتَن، فهزمهم، وقتل جماعةً من أهلها، وأحرَقَ أماكنَ كثيرةً منها، وأسر أشراف أهلها

(5)

.

(1)

سارية: مدينة بطبرستان، جعلها الحسن بن زيد ومحمد بن زيد العَلَويان دار مقامهما، وبين سارية والبحر ثلاثة فراسخ، وبين سارية وآمل ثمانية عشر فرسخًا. ياقوت.

(2)

الطبري (9/ 271 - 275)، والكامل لابن الأثير (7/ 130 - 134).

(3)

الطبري (9/ 275 - 276)، والكامل لابن الأثير (7/ 134).

(4)

زيادة من ب، ظا.

(5)

الطبري (6/ 276)، وابن الأثير (7/ 134).

ص: 219

وفيها: وثبت الشاكريّة والجُنْدُ في أرض فارس على عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، فهرب منهم، فانتهبوا دارَهُ، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن.

وفيها: غضِبَ الخليفةُ على جعفر بن عبد الواحد، ونفاه إلى البصرة

(1)

.

وفيها: أسقطت مرتبةُ جماعة من الأمويين في دار الخلافة.

وحجَّ بالناس فيها جَعْفر بن الفضل، أمير مكّة، شرَّفها الله.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن السَّرح

(2)

.

والبَزِّيّ، أحد القراء المشاهير

(3)

.

والحارث بن مسكين

(4)

.

وأبو حاتم السِّجِسْتانيُّ

(5)

، أحد أئمة اللغة.

وعبَّاد بن يعقوب الرَّوَاجِنيُّ

(6)

.

وعمرو بن بَحْر الجاحظ

(7)

، صاحب الكلام والمصنفات.

(1)

وذلك لأنه كان بعث إلى الشاكريّة، فزعم وصيفٌ أنه أفسدهم. الطبري (9/ 276)، وابن الأثير (7/ 134).

(2)

الفقيه المصري، مولى بني أميَّة. روى عن ابن عُيَينة وابن وَهْب. وكان من أبناء الثمانين. سير أعلام النبلاء (12/ 62)، والعبر (1/ 455).

(3)

هو أبو الحسن، أحمد بن محمد البَزِّي، المقرئ، مؤذن المسجد الحرام وشيخ الإقراء به. وكان ليّن الحديث، حجة في القرآن.

سير أعلام النبلاء (12/ 50)، والعبر (1/ 455)، وغاية النهاية في طبقات القراء (1/ 119).

(4)

أبو عمرو، الأموي، المصري، قاضي القضاة بمصر. أخذ في المحنة فحبس دهرًا حتى أخرجه المتوكل. وكان من كبار أئمة السنة. ثقة ثبت.

سير أعلام النبلاء (12/ 54)، العبر (1/ 455).

(5)

هو سهل بن محمد بن عثمان، أبو حاتم السِّجِسْتاني، ثم البصري، المقرئ النحوي اللغوي، صاحب المصنفات. حمل العربية عن أبي عبيدة والأصمعي، وقرأ القرآن على يعقوب، وكتب الحديث عن طائفة.

وتخرّج به أئمة، منهم: أبو العباس المبرّد. عاش ثلاثًا وثمانين سنة.

معجم الأدباء (11/ 264)، سير أعلام النبلاء (12/ 268)، العبر (1/ 455).

(6)

أبو سعيد الأسدي الرَّواجنيّ الكوفي، صدوق، محدّث الشيعة، روى عنه البخاري مقرونًا بآخر.

سير أعلام النبلاء (11/ 536)، والعبر (1/ 456).

(7)

عمرو بن بَحْر بن محبوب البصري المعتزلي، أبو عثمان الجاحظ. صاحب التصانيف الكثيرة في الفنون. كان بحرًا من بحور العلم، رأسًا في الكلام والاعتزال، عاش تسعين سنة. =

ص: 220

وكثير بن عبيد الحِمْصِيّ

(1)

.

ونَصْر بن عليّ الجَهْضَميُّ

(2)

.

‌ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومئتين

فيها اجتمع رأي المستعين وبُغَا الصغير ووصيف على قتل باغر التركيّ، وكان من القواد الكبار الذين باشروا قتل المتوكِّل، وقد اتسع إقطاعه، وكثرت أعمالة

(3)

، فقُتِلَ ونُهبت دارُ كاتبه دُلَيْل بن يعقوب النّصرانيّ، وأمواله وحواصله. وركب الخليفة في حراقة من سامُرّا إلى بغداد، فاضطربت الأمور بسبب خروجه إليها، وذلك في [خامس]

(4)

المحرم؛ فنزل الخليفة دار محمد بن عبد اللّه بن طاهر.

وفي هذه السنة وقعت فتنة شنعاء بين جند بغدادَ وجند سامُرّا، دعا أهل سامُرّا إلى بيعة المعتز، واستقرَّ أمرُ أهل بغداد على المستعين، وأخرج المعتز وأخوه المؤيد من السجن، فبايع أهلُ سامُرّا المعتز، واستحوذَ على حواصل بيت المال بها، فإذا فيها

(5)

خمس مئة ألف دينار، وفي خزانة

(6)

أمَّ المستعين ألف ألف دينار، وفي حواصل العباس بن المستعين ستمئة ألف دينار، واستفحل أمر المعتز بسامُرّا.

وأمر المستعين لمحمد بن عبد اللّه بن طاهر أن يحصِّنَ بغداد، ويعمل في السُّورَين والخندق، وغرم على ذلك ثلاث مئة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، ووكّل بكل باب أميرًا يحفظه، ونصب على السور خمسة مَجانيق؛ منها واحد كبير جدًّا، يقال له الغضبان، وست عَرَّادات

(7)

، وأعدوا آلات الحرب والعدد، وقطعت القناطر من كُل ناحية لئلا يصلَ الجيشُ إليهم.

= معجم الأدباء (16/ 74)، سير أعلام النبلاء (11/ 526)، العبر (1/ 456).

(1)

كثير بن عبيد بن نمير المَذْحِجِيّ الحذّاء، أبو الحسن الحمصي، المقرئ، إمام جامع حمص مدة ستين سنة. وكان عبدًا صالحًا.

العبر (1/ 456)، وتهذيب التهذيب (8/ 423).

(2)

أبو عمرو البصري الحافظ، أحد أوعية العلم. روى عن يزيد بن زريع وطبقته.

سير أعلام النبلاء (12/ 136)، العبر (1/ 456).

(3)

في ب، ظا: أمواله، وفي ط: عماله.

(4)

زيادة من ب، ظا.

(5)

في ب، ظا: فيه.

(6)

في ب، ظا: حواصل.

(7)

"العَرَّادة": آلة من آلات الحرب، وهي مَنْجنيق صغير.

ص: 221

وكتب المعتزّ إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر يدعوه إلى الدخول معه في أمره، ويذكِّره ما كان أخذه عليه المتوكِّلُ من العهود والمواثيق؛ أن تكون الخلافة بعد المنتصر له، فلم يلتفت إليه، بل ردَّ عليه، واحتجَّ بحججٍ يطول ذكرها.

وكتب كلُّ واحدٍ من المستعين والمعتزّ إلى موسى بن بُغَا الكبير، وهو مقيم بأطراف الشام لحرب أهل حمص، يدعوه إلى نفسه، وبعث إليه بألوية يعقِدها لمن اختار من أصحابه، وكتب إليه المستعين يأمره بالمسير إليه إلى بغداد، ويستنيب في عمله، فركب مسرعًا فسار

(1)

إلى سامُرّا، فكان مع المعتزّ على المستعين.

وكذلك هرب عبد اللّه بن بُغَا من عند أبيه من بغداد إلى سامُرّا، وكذلك غيره من الأمراء والأتراك.

وعقد المعتز لأخيه أبي أحمد بن المتوكّل على حرب المستعين، وجهَّز معه جيشًا لذلك، فسار في خمسة آلافٍ من الأتراك وغيرهم نحوَ بغداد، وصلَّى بعُكْبَرا

(2)

يوم الجمعة، ودعا لأخيه المعتر.

ثم وصل إلى بغداد في ليلة الأحد لسبعٍ خلون من صفر، فاجتمعت العساكر هنالك، وقد قال رجلٌ يقال له: باذنجانة، كان في عسكر أبي أحمد

(3)

:

يا بني طاهرٍ أتتكُمْ جُنودُ الـ

ـلَّهِ والموتُ بينها منثورُ

وجيوشٌ أمَامَهُنَّ أبو أحْـ

ـمَدَ نِعْمَ المَوْلَى ونِعْمَ النَّصِيرُ

ثم جرت بينهم حروبٌ طويلة وفتنٌ مهولة جدًّا، وقد أوردها ابنُ جرير

(4)

مطوَّلة.

ثم بعث المعتزُّ مع موسى بن أشناس ثلاثة آلافٍ مددًا لأخيه أبي أحمد بن المتوكل، فوصلوا لليلةٍ بقيت من ربيع الأول، فوقفوا في الجانب الغربي عند باب قُطْرُبُّل، وأبو أحمد وأصحابُه على باب الشَّماسية، والحرب مستعرة، والقتال كثير، والقتل واقع.

قال ابن جرير

(5)

: وذكر أن المعتزَّ كتب إلى أخيه أبي أحمد يلومُه على التقصير في قتال أهلِ بغداد، فكتب إليه أبو أحمد:

لأمْرِ المنَايا علينا طَريقُ

وللدَّهرِ فينا اتّساعٌ وضِيقُ

(1)

في ب، ظا: فصار.

(2)

"عُكْبَرا": بليدة من نواحي دُجَيل، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ، والنسبة إليها عكبري وعكبراويّ، ياقوت.

(3)

تاريخ الطبري (9/ 291)، والكامل لابن الأثير (7/ 145).

(4)

تاريخ الطبري (9/ 290 - 296).

(5)

تاريخ الطبري (9/ 316).

ص: 222

وأيَّامُنا عِبَرٌ للأنامِ

فمنها البُكُورُ ومنها الطُّروقُ

(1)

ومنها هَنَاتٌ

(2)

تُشيبُ الوليدَ

ويَخذُلُ فيها الصَّديقَ الصَّديقُ

وفتنةُ دينن لها ذُرْوَة

(3)

تَفُوتُ العيُونَ وبَحْرٌ عميقُ

قِتَالٌ متينٌ

(4)

، وسَيْفٌ عَتِيدٌ

وخَوْفٌ شديدٌ، وحِصْنٌ وَثيقُ

وطُولُ صِياحٍ لداعي الصَّباحِ الـ

ـسلاحَ السلاحَ، فما يَسْتَفيقُ

فهذا طَريحٌ، وهذا جَريحٌ

وهذا حَريقٌ، وهذا غَريقُ

وهَذا قَتِيلٌ، وهذا تَلِيلُ

(5)

وآخَرُ يَشْدَخُهُ المَنْجَنيقُ

هُناكَ اغْتِصابٌ وَثَمَّ انْتِهَابٌ

ودُورٌ خَرَابٌ وكانَتْ تَرُوقُ

إذا ما سَمَوْنا

(6)

إلى مَسْلَكٍ

وَجَدْناهُ قدْ سُدَّ عَنَّا الطريقُ

فباللّهِ نَبْلُغُ ما نَرْتَجي

(7)

وباللّهِ نَدْفَعُ ما لا نطيقُ

قال ابنُ جرير

(8)

: هذا الشعر ينشد لعليّ بن أميّة في فتنة المخلوع والمأمون.

وقد استمرَّت الفتنة والقتال ببغدادَ بين أبي أحمد أخي المعتز، وبين محمد بن عبد اللّه بن طاهر نائب المستعين، والبلد محصور، وأهله في ضيق شديد جدًّا، بقية شهور هذه السنة، وقُتل من الفريقين خلْق كثير في وقَعات متعددات، وأيام نَحْسات، فتارةً يظهرُ أصحابُ أبي أحمد ويأخذون بعضَ الأبواب، فتحملُ عليهم الطاهريّةُ فيزيحونهم عنها

(9)

، ويقتلون منهم خلْقًا، ثم يتراجعون إلى مواقفهم ويصابرونهم مصابرةً عظيمة. لكنَّ أهلَ بغداد كلَّما هم إلى ضَعفٍ بسبب قلّة الميرة، والجلب إليهم

(10)

.

ثم شاع بين العامّة أنَّ محمد بن عبد اللّه بن طاهر يريد أن يخلعَ المستعين ويبايعَ للمعتزّ، وذلك في أواخر السنة، فتنصَّل من ذلك واعتذَرَ إلى الخليفة وإلى العامّة، وحلف بالأيمان العظيمة

(11)

، فلم تبرأ

(1)

"الطُّروق": ما يطرق ليلًا.

(2)

"الهنات": الدواهي.

(3)

في ط والطبري: وسور عريض له ذروة.

(4)

في الطبري: مبيدٌ.

(5)

"التليل": الصريع.

(6)

في آ: شمرنا وابن الأثير: شرعنا.

(7)

في الطبري: نرتجيه.

(8)

تاريخ الطبري (9/ 317)، وابن الأثير (7/ 153).

(9)

في الأصول عنه، وأثبت ما جاء في ط.

(10)

في ط: إلى داخل البلد.

(11)

في ط: الغليظة.

ص: 223

ساحتُه من ذلك حقَّ البرَاءة عند العامّة. واجتمعت العامّة والغَوغاء إلى دار ابن طاهر والخليفة نازلٌ بها، فسألوا أن يبرزَ لهم الخليفة ليرو

(1)

ويسألوه عن ابن طاهر أهو راضٍ عنه أم لا. وما زالت الضجَّة والأصواتُ حتَّى برزَ لهم الخليفة من فوق المكان الذي هم فيه، وعليه السَّواد، ومن فوقه البُردة النبويَّة، وبيده القضيبُ. وقال لهم فيما خاطبهم به: أقسمْتُ عليكم بحق صاحب هذه البُردة والقضيب لَما رجعتم إلى منازلكم ورضيتم عن ابن طاهر، فإنه غير متَّهم لديَّ. فسكت الغَوغاء وتراجعوا إلى منازلهم.

ثم انتقل الخليفة من دار ابن طاهر إلى دار رزق الخادم، وذلك في أوائل شهر ذي الحجة، وصلَّى بهم العيد يوم الأضحى في الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، وبرز الخليفةُ للناس يومئذ وبين يديه الحربة وعليه البُردة، وبيده القضيب، وكان يومًا مشهودًا ببغداد على ما بأهلها من الحصار وغلاء الأسعار المترجمين عن لباس الجوع والخوف، نسأل اللّه العافية في الدنيا والآخرة.

ولمّا تفاقم الأمر، واشتدَّ الحال، وضاق المجالُ، وجهد الرجال، وجاعِ العيال، شرع ابنُ طاهر يُظهر ما كان كامنًا في نفسه من خلْع المستعين، فجعل يعرِضُ له بذلك، ثم كاشفَهُ به، وناظره فيه، وقال له: إنَّ المصلحة تقتضي أن تصالحَ عن الخلافه

(2)

على مال تأخذه سلفًا وتعجيلًا، ويكون لك من الخراج في كُلِّ عامٍ ما تختاره وتحتاجه؛ ولم يَزَلْ يَفْتِلُ في الذرْوَة والغَاربِ

(3)

حتى أجاب إلى ذلك وأناب. فكُتب بما اشترطه المستعين في خلعه نفسه من الخلافة كتاب.

ولمَّا كان يوم السَّبْت لعشر بقين من ذي الحجَّة ركب محمد بن [عبد اللّه بن] طاهر إلى الرُّصافة، وجمع القضاة والفقهاء، وأدخلهم على المستعين فوجًا فوجًا، وأشهدهم عليه أنه قد صيَّر أمره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وكذلك جماعة الحجّاب والخدَم، ثم تسلَّم منه جوهر الخلافة، وأقام عند المستعين إلى هُويٍّ

(4)

من الليل. وأصبح الناس يَدوكون

(5)

ويتنوعون فيما يقولون من الأراجيف.

وأمَّا ابنُ طاهر فإنَّه أرسل بالكتاب مع جماعةٍ من الأمراء إلى المعتزّ بسامُرّا، فلمَّا قدِمُوا عليه بذلك

(1)

في آ: ليرده.

(2)

في آ: الخليفة.

(3)

في حديث الزبير: فما زال يَفْتِلُ في الذِّروة والغارب حتى أجابته عائشة إلى الخروج "الغارب": مقدَّم السَّنام، و"الذِّروة": أعلاه. أراد أنه ما زال يخادعها ويتلطفها حتى أجابته، والأصل فيه: أن الرجل إذا أراد أن يؤنس البعير الصَّعْب، ليزمَّه وينقاد له، جَعَل يُمِرُّ يده عليه، ويمسح غاربه، ويفتِلُ وَبَرُه حتى يستأنِسَ، ويضع فيه الزِّمام. اللسان (غرب).

(4)

"الهويّ": الساعة الممتدّة من الليل. ومضى هويٌّ من الليل: أي هزيع منه.

(5)

في ط: يذكرون وهو تحريف. وجاء في حديث خيبر: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح اللّه على يديه، فبات الناس يَدوكون تلك الليلة فيمن يدفعها إليه. أي يخوضون ويموجون ويختلفون فيه. اللسان (دوك).

ص: 224

أكرمَهُم وخَلَعَ عليهم، وأجازهم فأسنى جوائزهم. وسيأتي ما كان من الأمر في أوّل السنة الداخلة.

وفي هذه السنة في ربيع الأول منها كان ظهور رجل من أهل البيت أيضًا بأرض قزوين وزَنجان، وهو الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ويعرف الحسين بن أحمد هذا بالكوكبي. وسيأتي ما كان من أمره هناك.

وفيها: خرج إسماعيل بن يوسف العلوي، وهو ابن أخت موسى بن عبيد اللّه الحسني، وسيأتي ما كان من أمره أيضًا.

وفيها: خرج بالكوفة أيضًا رجل من الطالبيين، وهو الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد اللّه بن حسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، فوجَّه إليه المستعين مزاحم بن خاقان فاقتتلا، فهزم العلويّ، وقُتل من أصحابه بشرٌ كثير. ولما دخل مزاحم الكوفة حرق بها ألفَ دار ونهبَ أموالَ الذين خرجوا معه، وباع بعض جواري الحسين بن محمد هذا، وكان معتقه على باب المسجد الجامع.

وفيها: ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن

(1)

بن علي بن أبي طالب بمكّة، فهرب منه نائبُها جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى، فانتهب إسماعيل بن يوسف منزله ومنازلَ أصحابه، وقتلَ جماعةً من الجند وغيرهم من أهل مكّة، وأخذ ما في الكعبة من الذهبِ والفِضَة والطّيب وكُسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوًا من مئتي ألف دينار، ثم خرج إلى المدينة النبويّة، فهرب منه عاملُها عليّ بن الحسين بن إسماعيل، ثم رجع إسماعيل بن يوسف إلى مكّة في رجب، فحصرَ أهلَها حتَّى هلكوا جوعًا وعطشًا، وبيع الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم الرطل بأربعة، وشربة الماء بثلاثة دراهم، ولقيَ منه أهلُ مكّة كُل بلاءٍ، ثم ترحَّل عنهم إلى جُدّة، بعد مقام سبعة وخمسين يومًا، فانتهب أموال التجار

(2)

هنالك، وأخذَ المراكبَ، وقطع الميرةَ عن أهل مكّة حتّى جلبت إليها من اليمن، ثم عاد لا جزاه اللّه خير عن المسلمين إلى مكَّة.

فلمَّا كان يوم عرفة لم يمكن الناس من الوقوف نهارًا ولا ليلًا، وقتل من الحجيج ألفًا ومئة، وسلب أموالهم، ولم يقف بعرفة عامئذ سواه ومَنْ معه من أصحابه، لا تقبَّل الله منهم صَرْفًا ولا عَدْلًا

(3)

.

‌وفيها: توفي من الأعيان:

إسحاق بن منصور الكَوْسَج

(4)

.

(1)

في ط: "الحسين"، خطأ. وتنظر ترجمته في العقد الثمين (3/ 311).

(2)

في آ: الكبار.

(3)

أي لا تقبَّل الله منهم توبة ولا فِدية.

(4)

أبو يعقوب المَرْوَزي، نزيل نيسابور. سمع سفيان بن عيينة وطائفة. وهو أحد الأئمة من أصحاب الحديث من =

ص: 225

وحُمَيْد بن زَنْجَوَيه

(1)

.

وعمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي

(2)

.

وأبو التَّقيِّ هشام بن عبد الملك اليَزَنيُّ

(3)

.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ومئتين

‌ذكر خلافة المعتزّ بعد خلع المستعين نفسه

استهلّت وقد استقرَّت الخلافةُ باسم أبي عبد الله المعتزّ، محمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور. وقيل: إنَّ اسم المعتزّ أحمد، وقيل: الزبير، وهو الذي عوَّل عليه الحافظ ابنُ عساكر وترجمه في "تاريخه"

(4)

.

وقد خلع المستعين أحمد بن محمد المعتصم نفسَه من الخلافة، وبايع للمعتزّ.

ولمَّا كان يوم الجمعة رابع المحرم دعا الخطباء بجوامع

(5)

بغداد على المنابر للخليفة المعتزّ بالله، وانتقل المستعين من الرُّصافة إلى قصر الحسن بن سهل هو وعيالُه وولَدُه وجواريه، ووكَّل بهم سعيد بن رجاء في جماعة معه، وأخذ من المستعين البُرْدة، والقضيب، والخاتم، وبعث بذلك إلى المعتزّ، ثم أرسل إليه المعتز يطلب منه خاتمين من جوهرٍ بقيا

(6)

عنده، يقال لأحدهما بُرْج، والآخر جَبَل، فأرسلهما.

وطلب المستعين أن يسير إلى مكة فلم يمكن، فطلب البصرةَ، فقيل: إنها وبيّة. فقال: إنَّ تَرْكَ الخلافة أوبأُ منها.

= الزُّهَّاد والمتمسكين بالسُّنة. وهو صاحب المسائل عن أحمد بن حنبل.

سير أعلام النبلاء (12/ 258)، والعبر (2/ 1).

(1)

أبو أحمد النَّسائي، صاحب المصنفات. روى عن النَّضْر بن شُميل وخلق بعده. ثقة.

سير أعلام النبلاء (12/ 19)، والعبر (2/ 1).

(2)

أبو حفص، حافظ ثبت، محدّث حمص. روى عن إسماعيل بن عيّاش وجماعة.

سير أعلام النبلاء (12/ 305)، والعبر (2/ 1).

(3)

حافظ متقن، حدّث عن إسماعيل بن عيَّاش، وبقيَّة بن الوليد، وعدة. ثقة. سير أعلام النبلاء (12/ 303)، والعبر (2/ 1).

(4)

مختصره لابن منظور (9/ 5).

(5)

في ب، ظا: في البلدان مع بغداد.

(6)

في آ: ثمينًا.

ص: 226

ثم أذن له في المسير إلى واسط، فخرج ومعه حرسٌ يوصلوه إليها نحوًا

(1)

من أربعئمة.

واستَوزر المعتز أحمد بن إسرائيل

(2)

، وخلَعَ عليه، وألبَسَه تاجًا على رأسه. ولمَّا تمهَّد أمرُ بغدادَ واستقرَّت البيعة للمعتزّ بها، ودان له أهلُها، واجتمع شملُها، وقدمتها الميرةُ من كُلِّ جانب، واتَّسَعَ الئاس في الأرزاق والأطعمة، ركبَ أبو أحمد منها في يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرّم إلى سامُرّا، وشيَّعه محمد بن عبد اللّه بن طاهر في وجوه القواد، فخلع أبو أحمد على ابن طاهر خمسَ خلع وسيفًا، وردَّه من الرُّوذَبار

(3)

.

وقد ذكر ابنُ جرير

(4)

مدائحَ الشعراء في المعتزِّ وتشفّيهم بخلْعِ المستعين، فأكثَرَ من ذلك جدًّا. فمن ذلك قولُ محمد بن مروان بن أبي الجَنوب بن مروان في مدح المعتزِّ وذمِّ المستعين، كما جرت عادة الشعراء

(5)

:

إنَّ الأمورَ إلى المعتزِّ قد رَجَعتْ

والمُستعين

(6)

إلى حالاتِهِ رَجَعا

وكانَ يَعلَمُ أنَّ المُلْكَ ليسَ لَهُ

وَأنَّهُ لَكَ لكنْ نفسَهُ خَدَعا

ومالكُ المُلْكِ مُؤتِيهِ ونازِعُهُ

آتاكَ مُلْكًا ومنهُ الملكَ قَدْ نَزَعا

إنَّ الخِلافَةَ كانتْ لا تُلائِمُهُ

كانَتْ كَذَاتِ حَليلٍ زُوِّجَتْ مُتَعَا

ماكان أقبحَ عندَ النَّاسِ بَيْعَتَهُ

وكانَ أحسَنَ قَوْل النَّاسِ قد خُلِعا

[ليتَ السَّفِينَ إلى قافٍ دَفَعْنَ بهِ

نفسي الفِداءُ لملاحٍ بهِ دَفَعَا

كم سَاسَ قبلَكَ أمْرَ النَّاسِ من مَلِكٍ

لو كانَ حُمِّلَ ما حُمِّلْتَه ظَلَعا]

(7)

أمْسَى بكَ النَّاسُ بعد الضِّيقِ في سَعَةٍ

واللّهُ يَجعلُ بعدَ الضِّيقِ مُتَّسَعَا

واللّهُ يدفَعُ عنكَ السّوءَ من مَلِكٍ

فإنَّه بكَ عنَّا السوءَ قد دَفَعَا

وكتب أمير المؤمنين المعتزُّ من سامُرّاء إلى نائب بغداد محمد بن عبد اللّه بن طاهر أن يُسقِطَ اسْمَ

(1)

في آ: نحو.

(2)

في ط: "أحمد بن أبي إسرائيل" خطأ. وتنظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (12/ 332).

(3)

تحرفت في ط إلى: وردّه من الطريق إلى بغداد. و "الرُّوذَبار": لفظة لمواضع عدة عند الأنهار، منها قرية قرب بغداد. ياقوت.

(4)

انظر تاريخ الطري (9/ 350 - 353).

(5)

تاريخ الطبري (9/ 351).

(6)

الطبري: والمستعان.

(7)

ما بين قوسين زيادة من ط والطبري. و "ظَلع في مشيه": عَرَجَ.

ص: 227

وصيفٍ وبُغَا ما

(1)

كان من رسومهما في الدواوين، وعزم على قتلهما، ثم استُرضي عنهما فرضي عنهما.

وفي رجب من هذه السنة خلع المعتزُّ أخاه إبراهيم الملقب بالمؤيد من ولاية العهد وحبَسَه، وأخاه أبا أحمد، بعدما ضرب المؤيدَ أربعين مِقْرَعةً.

ولمَّا كان يوم الجمعة سابعه خطب بخلْعه، وقرا

(2)

كتابه على نفسه بذلك.

وكانت وفاته بعد ذلك بخمسة عشر يومًا، فقيل: إنه أدرجَ في لحاف سَمّور

(3)

، وأمسِكَ طرفاه حتَّى مات غمًّا. وقيل: بل ضُرِب بحجارةٍ من ثَلْجٍ حتى ماتَ بَرْدًا، وبعد ذلك أُخرِج من السّجن ولا أثَرَ به، فأحضر القضاةُ والأعيان فأشهِدوا على موته من غير سببٍ وليس به أثر، ثم حُمِلَ على حمارٍ ومعه كفنُه إلى أُمِّه فدفنته.

‌ذكر مقتل المستعين

في شوَّال من هذه السنة كتب المعتزُّ إلى نائبه محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتجهيز جيشٍ نحو المستعين، فجهز أحمد بن طولون التركيّ فوافاه، فأخرجه لستٍّ بقين من رمضان، فقدم به القاطولَ لثلاثٍ مضيْنَ من شوَّال، ثم قتل، فقيل: ضُرِبَ حتى مات، وقيل: بل غرق في دُجَيل، وقيل: بل ضُربت عنقه.

وقد ذكر ابنُ جرير

(4)

أنَّه

(5)

سأل من سعيد بن صالح التركيّ حين أراد قتله أن يمهلَه حتَّى يصلِّيَ ركعتين، فلمَّا كان في السّجدة الأخيرة قتلَهُ وهو ساجدٌ، ودفنَ جثته في مكانها، وعفّى أثره.

وحمَلَ رأسه إلى المعتزِّ، فدخَل به عليه وهو يلعب بالشطرنج، فقيل: هذا رأس المخلوع، فقال: ضعوه حتى أفرغَ من الدَّسْت

(6)

، فلمَّا فَرَغَ نظر إليه وأمرَ بدفنه، ثم أطلق لسعيد بن صالح الذي قتله خمسين ألف درهم، وولاه معونة البصرة.

وفي هذه السنة مات إسماعيل بن يوسف العلويّ الذي فعل بمكّة ما فعل، وألحد في حرم الله ما ألْحَدَ، كما تقدم، فهلك في هذه السنة، ولم يُنظره ربُّه عز وجل.

(1)

في ب، ظا: ما كان في رسومهما، وفي الطبري: ومن كان في رسمهما من الدواوين.

(2)

في ب، ظا: وقرئ، وفي ط: وأمره أن يكتب كتابًا على نفسه بذلك.

(3)

في ب، ظا: في لحاف من سمّور.

(4)

الطبري (9/ 364).

(5)

في ب، ظا: أنَّ المستعين.

(6)

"الدّسْت": اللعبة، يقال: فلان حسن الدّست: شطرنجي ماهر.

ص: 228

وأحمد بن محمد، المستعين بالله.

وإسحاق بن بُهْلُول

(1)

.

وزياد بن أيّوب

(2)

.

ومحمد بن بشار، بُنْدار

(3)

.

ومحمد بن المُثَنَّى، الزَّمِن

(4)

.

ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيُّ

(5)

.

‌ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومئتين

في رجب منها عقد المعتزُّ لموسى بن بُغَا الكبير على جيشٍ قريبٍ من أربعة آلاف؛ ليذهبوا إلى قتال عبد العزيز بن أبي دُلَف بناحية همذان؛ وذلك لأنه خرج عن الطاعة، وهو في نحوٍ من عشرين ألفًا. فهزموا عبدَ العزيز في أواخر هذا الشهر هزيمةً فظيعة. ثم كانت بينهم وقعةٌ أخرى في رمضان عند الكَرَج، فهُزِم عبدُ العزيز أيضًا، وقُتِلَ من أصحابه بشرٌ كثير. وأسروا ذرارِي كثيرةً، حتَّى أسَروا أمَّ عبد العزيز، وبعثوا إلى الخليفة سبعين حملًا من الرؤوس، وأعلامًا كثيرة. وأخذ من عبد العزيز ما كان استحوذ عليه من بلاد الخليفة.

(1)

أبو يعقوب التَّنوخي الأنباري الحافظ، سمع ابن عيينة وطبقته. وكان من كبار الأئمة، صنَّف في القراءات وفي الحديث والفقه، وله مذاهب اختارها، وكان ثقة.

سير أعلام النبلاء (12/ 489)، العبر (2/ 3).

(2)

ابو هاشم الطُّوسيّ البغدادي، ويلقّب أيضًا: دَلَّوَيه. وكان يقال له: شُعبة الصغير؛ لإتقانه ومعرفته. صدوق. سير أعلام النبلاء (12/ 120) والعبر (2/ 3).

(3)

محمد بن بشار بن عثمان، أبو بكر العبديّ البصريّ، بُنْدَار، لُقب بذلك، لأنه كان بُنْدَار الحديث في عصره ببلده، و "البُنْدَار": الحافظ. قال أبو داود: كتبت عنه خمسين ألف حديث. سمع معتمر بن سليمان، وغُنْدَرًا وطبقتهما. روى عنه الستة في كتبهم.

سير أعلام النبلاء (12/ 144)، العبر (2/ 3).

(4)

أبو موسى العَنَزيّ البصريّ، ولد مع بُنْدار في عام وفاة حمَّاد بن سلمة، حافظ ثبت، جمع وصنف وكتب الكثير. كان صدوقًا ورِعًا.

سير أعلام النبلاء (12/ 123)، العبر (2/ 4).

(5)

أبو يوسف العَبْديّ القيسيّ مولاهم. سمع هشيمًا وإبراهيم بن سعد وطبقتهما. حدث عنه الجماعة. قال الخطيب: كان ثقة حافظًا متقنًا، صنف المسند.

سير أعلام النبلاء (12/ 141)، العبر (2/ 4).

ص: 229

وفي رمضان منها خَلَعَ المعتر على بُغَا الشرابيّ وألبَسَه التَّاجَ والوشاحين.

وفي يوم عيد الفطر كانت وقعة هائلة عند مكان يقال له: البَوازِيْج

(1)

، وذلك أنَّ رجلًا يقال له:"مُساور بن عبد الحميد" حكّم

(2)

فيها، والتفَّ عليه نحو من سبعمئة من الخوارج، فقصَدَ له رجلٌ يقال له:"بُنْدار الطبريّ" في ثلاثمئة من أصحابه، فالتقوا في هذا اليوم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتِلَ من الخوارج نحو من خمسين، وقُتِلَ من أصحاب بُنْدار مئتان وخمسون رجلًا، وقُتِلَ بُنْدَار فيمن قُتِلَ: رحمه الله.

ثم صَمَدَ

(3)

مُساور إلى حُلوان، فقاتله أهلُها، وأعانهم حُجّاج أهلِ خراسان، فقتَلَ مُساور منهم نحوًا من أربعمئة إنسانٍ؛ قبَّحه اللّه. وقُتِلَ من أصحابه جماعة كثيرون أيضًا.

ولثلاث بَقِين من شوال قُتِلَ وصيف التركيّ، وأرادت العامة أن تنتهبَ دارَه بسامُرّا ودورَ أولاده، فلم يمكنهم ذلك. جعَلَ المعتزُّ الخليفة ما كان إليه إلى بُغَا الشرابيّ.

وفي ليلة أربعَ عشرة من ذي القعدة من هذه السنة كُسِفَ

(4)

القمرُ حتَّى غاب أكثرُه وغرق نورُه، وعند انتهاء كُسُوفه مات محمد بن عبد اللّه بن طاهر نائبُ العراق ببغداد. وكانت عِلَّتُه قروحًا في رأسه وحَلْقِه فذبحته.

ولمَّا أتي به لِيُصلَّى عليه اختلف أخوه عُبيدُ اللّه وابنُه طاهر، أيُّهما يُصلّي عليه، وتنازعا حتى جُذبت السّيوف، وترامى الناس بالحجارة، وصاحت الغَوْغَاءُ: يا طاهر، يا منصور؛ فمال عُبيدُ اللّه إلى الشرقية ومعه القواد وأكابر الناس، فدخل داره وكان أخوه قد أوصى إليه. وحين بلَغَ المعتزَّ ما وقع، بعثَ بالخِلَع والولاية لِعُبيد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن طاهر، فأطلَقَ عُبيد اللّه للذي قدِمَ بالخلع خمسين ألف درهم.

وفيها: نَفَى الخليفةُ المعتزُّ أخاه أبا أحمد من سُرَّ مَنْ رأى إلى واسط، ثم إلى البصرة، ثم رُدَّ إلى بغداد، [فأنزل في الشرقية، في قصر دينار بن عبد اللّه.

(1)

بلد قرب تكريت على فم الزاب الأسفل حيث يصب في دجلة، وهي الآن من أعمال الموصل. ياقوت.

(2)

أي قال: لا حكم إلا للّه.

(3)

في الطبري: مضى.

(4)

في ط: خُسِف خسوفه، ويوافق ذلك ما جاء في الطبري. قال ابن الأثير: ورد الخسوف في الحديث كثيرًا للشمس، والمعروف لها في اللغة الكسوف لا الخسوف، وخسوف القمر: كسوفه. وأجود الكلام: كسفت الشمس وخسف القمر. اللسان: خسف.

ص: 230

وفيها: نفي عليّ بن المعتصم إلى واسط، ثم رُدَّ إلى بغداد]

(1)

أيضًا.

وفي يوم الإثنين سَلْخ ذي القعدة التقى موسى بن بُغا الكبير، هو والحسين بن أحمد الكوكبيّ الطالبي، الذي خرج في سنة إحدى وخمسين عند قزوين، فاقتتلا قتالًا شديدًا، ثم هُزِمَ الكوكبيُّ، وأخذ موسى قزوين وهَرَب الكوكبيُّ إلى الدَّيْلَم.

وذكر ابنُ جرير

(2)

عن بعضِ من حَضَرَ هذه الوقعة أنَّ الكوكبيَّ حين التقى أمر أصحابه أن يتترّسوا بالحجف

(3)

، وكانت السهام لا تعمل فيهم، فأمر موسى بن بُغَا أصحابه عند ذلك أن يطرحوا ما معهم من النفط بالأرض، ثم حاولوهم وأروهم أنَّهم قد انهزموا منهم، فتبعهم أصحابُ الكوكبيّ، فلمَّا توسَّطوا الأرضَ التي فيها النفطُ أمَرَ عند ذلك بإلقاء النار فيه، فجعلت النار تحرق أصحابَ الكوكبيِّ، ففرُّوا سراعًا هاربين، وكرَّ عليهم موسى وأصحابُه، فقتَلُوا منهم مقتلةً عظيمةً، وهربَ الكوكبيُّ إلى الدَّيْلَم، وتسلَّم موسى بن بُغا قزوين.

وفيها: حجَّ بالناس عبد اللّه بن محمد بن سليمان الزينبيُّ.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو الأشعث

(4)

.

وأحمد بن سعيد الدَّارِميُّ

(5)

.

وسَرِيّ السَّقَطِيُّ

(6)

: أحد كبار مشايخ أئمة الصّوفية. وهو السَّرِيُّ بن المُغَلِّس، أبو الحسن السَّقطيّ البغدادي، تلميذ مَعروف الكَرْخِيّ.

(1)

زيادة من ب، ظا. والطبري (9/ 377).

(2)

الطبري (9/ 378).

(3)

"الحَجَف": ضربٌ من التَّرسَة، واحدتها حَجَفة، وهي الترس إذا كان من جلود ليس فيه خَشَب ولا عَقَب.

(4)

هو أحمد بن المِقْدام بن سليمان بن الأشعث، أبو الأشعث العِجْليّ البصري. محدّث، سمع حماد بن زيد وطائفة كثيرة، ثقة، صدوق.

سير أعلام النبلاء (12/ 219)، العبر (2/ 5).

(5)

أحمد بن سعيد بن صخر الدَّارميّ السَّرَخْسي، أبو جعفر. الفقيه الحافظ الثَّبت، أحد الفقهاء والأئمة في الأثر، سمع النَّضْر بن شُميل وطبقته.

سير أعلام النبلاء (12/ 223)، العبر (2/ 4).

(6)

طبقات الصوفية 48، حلية الأولياء (10/ 116)، تاريخ بغداد (9/ 187)، صفة الصفوة (2/ 371)، سير أعلام النبلاء (12/ 185)، العبر (2/ 5)، شذرات الذهب (2/ 127).

ص: 231

حدَّث عن هُشَيم، وأبي بكر بن عيَّاش، وعليِّ بن غُراب، ويحيى بن يَمَان، ويزيدَ بنِ هارون، وغيرهم.

وعنه: ابنُ أخته الجُنَيد بن محمد، وأبو الحسين

(1)

النُّوري، ومحمد بن الفضل بن جابر السَّقَطِيّ، وجماعة.

وكانت له دكانٌ يتَّجر فيها، فمرت به جارية قد انكسَرَ إناءٌ كان معها تشتري فيه شيئًا لسادتها، فجعلتْ تبكي، فأعطاها سَرِيٌ شيئًا تشتري به بدله، فنظر معروف إليه وما صنع بتلك الجارية، فقال له: بَغَّضَ الله إليك الدنيا

(2)

.

وقال سرِيّ: مررت في يوم عيدٍ فإذا معروفٌ ومعه صبيٌّ صغير شعث الحال، فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا كان واقفًا والصّبيان يلعبون وهو منكسرٌ، فقلت: ما لك لا تلعبُ؟ فقال: أنا يتيم، لا شيءَ معي أشتري به جوزًا ألعبُ به، فأخذته لأجمع له نوى يشتري به جوزًا يفرح به. فقلت: ألا أكسوه وأعطيه شيئًا يشتري به؟ فقال: أو تفعلُ؟ قلت: نعم. فقال: خذْه، أغنى الله قلبك! قال سريّ: فسويت عندي الدّنيا أقلَّ شيء.

وكان عنده مرّة لوزٌ، فساومه رجلٌ على الكُرِّ

(3)

بثلاثة وستين دينارًا، ثم ذهب الرجل، فإذا اللوز يساوي الكُرُّ منه تسعين دينارًا، فقال له: إني أشتري منك الكُرَّ بتسعين دينارًا. فقال: إنِّي ساومتك بثلاثة وستين دينارًا، وإني لا أبيعه إلا بذلك، فقال الرجل: فأنا أشتري منك بتسعين، فقال: لا أبيعه إلا بما ساومتك عليه. فقال الرجل: إنَّ من النُّصح أن لا أشتري منك إلا بتسعين دينارًا، وذهَبَ فلم يشتر منه.

وجاءت امرأة يومًا إلى سَرِيّ، فقالت: إنَّ ابني قد أخذه الحرس، وإنِّي أحبُّ أن تبعثَ إلى صاحب الشُّرْطة لئلا يضربَ، فقام فصلَّى فطوَّل في الصلاة، وجعلت المرأة تحترقُ في نفسها، فلمَّا انصرَفَ من الصَّلاة، قالت: اللهَ اللهَ في ولدي! فقال: [ها أنا ذا في حاجتك. فما رام

(4)

من مجلسه حتَّى جاءت امرأة إلى تلك المرأة، فقال لها: أبشري، فقد أطلق المتولي ولدك، فانصرفت إليه.

وقال السَّرِيُّ: أشتهي أن آكل أكلةً ليس عليَّ فيها تَبِعَة

(5)

، ولا لأحد عليَّ فيها مِنَّة، فما أجدُ إلى ذلك سبيلًا.

(1)

في الأصول والمطبوع: أبو الحسن، وهو أحمد بن محمد الخراساني البغوي الزاهد، أبو الحسين النوري، شيخ الطائفة بالعراق، وأحذقهم بلطائف الحقائق. صحب السرِيَّ السَّقطي وغيره. وكان الجُنَيد يعظّمه.

ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء (14/ 70).

(2)

بعدها في ط: فوجد الزهد من يومه. تاريخ بغداد (9/ 188)، وسير أعلام النبلاء (12/ 186).

(3)

"الكُرُّ": مكيال لأهل العراق، أو ستون قفيزًا، أو أربعون إردبًّا.

(4)

في ب، ظا: قام.

(5)

"التَّبعة": ما فيه إثم يُتَّبع به.

ص: 232

وفي رواية: قال: إني لأشتهي البَقْلَ منذ ثلاثين سنة فما أقدِرُ عليه.

وعن السَّرِيِّ أنه قال: احترَقَ سوقُنا، فقصدْتُ المكانَ الذي فيه دُكّاني، فتلقَّاني رجل، فقال: أبشر، فإنَّ دكَّانَكَ سَلِمَتْ. فقلت: الحمدُ لله. ثم تذكَّرت ذلك التَحميد

(1)

، فأنا أستغفر اللهَ منه منذ ثلاثين سنة، رواها الخطيب

(2)

.

وقال السَّريُّ: صَلَّيْتُ وِرْدِي ذاتَ ليلةٍ، ثم مدَدْتُ رجلي في المحراب، فنُوديتُ: يا سَرِيُّ! كذا تجالسُ الملوكَ؟! قال: فضمَمْتُ رِجْلي، ثم قلْتُ: وعِزَّتِك لا مدَدْتُ رِجْلي أبدًا

(3)

.

وقال الجُنَيْد بن محمد: ما رأيت أعبَدَ [لله]

(4)

من السَّرِيّ السَّقَطِي، أتَتْ عليه ثمانٌ وتسعون سنة ما رُئي مُضطجعًا إلا في علَّةِ الموت

(5)

.

وروى الخطيب

(6)

، عن أبي نعيم، عن جعفر الخُلْديّ، عن الجُنَيْد بن محمد، قال: دخلْتُ عليه أعودُه، فقلت: كيفَ تجدُك؟ فقال:

كيف

(7)

أشكُو إلى طبيبي ما بي؟

والذي قد أصابني مِنْ طبيبي

قال: فأخذْتُ المِرْوَحَةَ أروّحه، فقال لي: كيف يجد رَوح

(8)

المِرْوَحَةِ مَنْ جَوْفُه يحترِقُ من داخل؟ ثم أنشأ يقول:

القلبُ محترِقٌ، والدَّمْعُ مُستبِقٌ

والكَرْبُ مجتمِعٌ، والصَّبرُ مُفترِقُ

كيفَ القرارُ على مَنْ لا قَرارَ لَه

ممَّا جناهُ الهَوَى والشَّوقُ والقَلَقُ

يا ربّ إنْ كان شيءٌ فيه لي فَرَجٌ

فآمْنُنْ عليَّ به ما دامَ بي رَمَقُ

قال

(9)

: وقلت له: أوصني، فقال: لا تصحَبِ الأشرارَ، ولا تشتغِلْ عن اللّه بمجالسة الأخيار.

(1)

بعدها في ط: إذ حمدت اللّه على سلامة دنياي، وأني لم أواس الناس فيما هم فيه.

(2)

تاريخ بغداد (9/ 188).

(3)

تاريخ بغداد (9/ 187)، سير أعلام النبلاء (12/ 185).

(4)

من ب.

سير أعلام النبلاء (12/ 186).

(5)

تاريخ بغداد (9/ 192).

(6)

تاريخ بغداد (9/ 191).

(7)

في آ: أنا وسقطت في ب، ظا.

(8)

في آ، ظا: ريح.

(9)

أي الجنيد، وانظر تاريخ بغداد (9/ 191)، وصفة الصفوة (2/ 385).

ص: 233

وقد ذكر الخطيب

(1)

وفاته يوم الثلاثاء لستٍّ خَلَوْنَ من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومئتين، بعد أذان الفجر، ودفن بعد العصر [قال: ودفن]

(2)

بمقبرة الشُّونيزيّ، وقبره ظاهر معروف، وإلى جنبه قبر الجُنَيْد.

وروى

(3)

عن القاضي عن أبي عبيد بن حربويه، قال: رأيت سَرِيًّا في المنام فقلت: ما فعلَ اللّه بك؟ فقال: غفَرَ لي ولكُلِّ من شهد جنازتي. فقلت: فإنِّي ممَّن حضر جنازتك وصَلَّى عليك. قال: فأخرَجَ درجًا، فنظَرَ فيه فلم يَرَ اسمي فيه، فقلت: بلى! قد حضرت [جنازتك، فنظر]

(4)

، فإذا اسْمِي في الحاشية.

وحكى ابن خلكان

(5)

قولًا: أنَّ سَرِيًّا توفي سنة إحدى وخمسين. وقيل: سنة ست وخمسين، فاللّه أعلم. قال ابن خلكان

(6)

: ومما كانَ ينشده السَّريُّ، رحمه الله:

إذا ما شكَوْتُ الحبَّ قالتْ كَذَبْتَني

فما لي أرَى الأعْضَاءَ منك كَواسيا

فلا حُبَّ حتَّى يَلْصَقَ الجِلدُ بالحَشَا

وتُذْهَلَ حتَّى لا تُجيبَ المنادِيا

‌ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومئتين

فيها أمر الخليفة المعتزُّ بقتل بُغَا الشرابيّ، ونصب رأسه بسامُرَّاء، ثم ببغداد، وحرّقت جثته [بالنار]

(7)

، وأخذت أمواله وحواصله.

وفيها: ولي أحمد بن طولون الدِّيار المصرية، وهو باني الجامع المشهور بها.

وحجَّ بالناس فيها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العبَّاس بن محمّد.

‌وتوفي فيها من الأعيان:

زياد بن أيوب الحَسَّانيّ

(8)

.

(1)

تاريخ بغداد (9/ 192).

(2)

من ب، ظا.

(3)

تاريخ بغداد (9/ 192).

(4)

من ب، ظا.

(5)

وفيات الأعيان (2/ 359).

(6)

وفيات الأعيان (2/ 359).

(7)

زيادة من ب، ظا.

(8)

كذا هو في الأصول، ولعله زياد بن يحيى بن زياد بن حسَّان بن عبد الله الحَسَّانيّ، أبو الخطاب التُّكريّ، العَدَني، البَصريّ. ذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب الكمال (9/ 523).

ص: 234

وعلي بن محمد [بن علي]

(1)

بن موسى الرضا

(2)

، يوم الإثنين لأربع بَقين من جمادى الآخرة ببغداد، وصلَّى عليه أبو أحمد بن المتوكل في الشارع المنسوب إلى أبي أحمد، ودفن بداره ببغداد.

ومحمد بن عبد الله المُخَرِّمي

(3)

.

ومُؤمّل بن إهاب

(4)

.

وأبو الحسن عليّ الهادي

(5)

: ابن محمد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن عليّ بن أبي طالب. أحدُ الأئمة الاثني عشر، وهو والد الحسن بن عليّ العسكري المنتظَر عند الفرقة الضَّالّة الجاهلة الكاذبة الخاطئة.

وقد كان عابدًا زاهدًا، نقله

(6)

المتوكِّل إلى سامُرَّا فأقام بها أزيدَ من عشرين سنةً بأشهر. ومات بها في هذه السنة.

وقد ذُكِرَ للمتوكِّل أنَّ بمنزله سلاحًا وكتبًا كثيرةً من الناس، فأرسل فكَبَسه، فوجدوه جالسًا مستقبل القِبْلَة وعليه مِدْرَعة من صوفٍ، وهو على بسيط الأرض ليس دونها حائلٌ، فأخذوه كذلك فحملوه إلى المتوكِّل وهو على شرابه، فلمَّا مَثَلَ بين يديه أجلَّه وأعظمَه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس الذي في يده، فقال: يا أميرَ المؤمنين! إنَّه لم يخالط لحمي ودمي قطّ، فاعْفِني منه، فأعفاه، ثم قال له: أنشدني شعرًا، فأنشده

(7)

:

باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرُسُهُمْ

غُلْبُ الرّجال فما أغنتهُمُ القُلَلُ

(8)

واستُنزِلوا بعدَ عِزٍّ عن مَعاقِلِهِمْ

فأودِعُوا حُفَرًا يا بئسَ ما نَزَلُوا

(1)

زيادة من ب، ظا.

(2)

سيترجم له المؤلف بعد قليل.

(3)

أبو جعفر القرشي مولاهم البغدادي المخرِّمي المدائني، قاضي حلوان. روى عن وكيع وطبقته. وكان من كبار الحفاظ. ثقة. سير أعلام النبلاء (12/ 265)، العبر (2/ 6).

(4)

مؤمَّل بن إهاب بن عبد العزيز الربعي، العجلي، أبو عبد الرحمن الكوفي. نزل الرملة ومصر، وهو كرماني الأصل، روى عن ضمرة بن ربيعة ويحيى بن آدم وطبقتهما. ذكره ابن حبان في الثقات. مات في الرملة. تهذيب التهذب (10/ 382)، العبر (2/ 7).

(5)

له ترجمة في وفيات الأعيان (3/ 272)، ومنهاج السنة (2/ 129)، وتاريخ بغداد (12/ 56)، ونزهة الجليس (2/ 82).

(6)

في آ: انتقله.

(7)

وفيات الأعيان (3/ 272)، والبصائر والذخائر (4/ 223).

(8)

"القُلل": أعالي الجبال وقلة كل شيء أعلاه.

ص: 235

نادى بهم صارخٌ مِن بعدِ ما قُبِروا

(1)

أينَ الأسِرَّةُ والتّيجانُ والحُللُ

أينَ الوجوهُ التي كانتْ منعَّمةً

من دونها تُضربُ الأستارُ والكِلَلُ

(2)

فأفصَحَ القَبْرَ عنهمْ حين ساءَلَهُمْ

تلكَ الوجُوهُ عليها الدُّودُ يَقتتِلُ

قد طالَ ما أكلوا دهرًا وماشربوا

فأصبَحُوا بعدَ طُولِ الأكْلِ قد أُكِلُوا

قال: فبكى المتوكّلُ حتَّى بلَّ الثرَى، وبكى مَنْ حولَه بحضرته، وأمَرَ برفع الشراب، وأمَر له بأربعة آلاف دينار، وحالل

(3)

منه، وردَّه إلى منز له مكرَّمًا، رحمه الله.

‌ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومئتين

فيها كانت وقعةٌ بين مُفلِح وبين الحسن بن زيد الطالبيّ، فهزمه مُفْلِحٌ ودَخَل آمُل طَبَرستان، وحرق منازل الحسن بن زيد، ثم سار وراءه إلى الدَّيْلَم.

وفيها: كانت محاربةٌ شديدةٌ بين يعقوب بن الليث وبين عليّ بن الحسين بن قُرَيش بن شِبْل، فبعث عليّ بن الحسين رجلًا من جهته يقال له: طَوْق بن المغلِّس، فصابره أكثرَ من شهر ثم ظفر يعقوب بطَوْقٍ، فأسرَهُ وأسَرَ وجوه أصحابه.

ثم سار إلى عليّ بن الحسين هذا، فأسَره أيضًا وأخذ بلاده، وهي كِرْمان، فأضافَها إلى ما بيده من مملكة سِجِسْتان.

ثم بعث يعقوب بن الليث بهديّةٍ سنيَّة إلى المعتزّ بالله؛ دوابّ، وبُزَاة، وثيابٍ فاخرة.

وفيها: ولَّى الخليفةُ سليمانَ بن عبد اللّه بن طاهر نيابة بغداد والسّواد في ربيع الأوّل منها.

وفيها: أخذ صالحُ بن وصيف أحمدَ بن إسرائيل كاتبَ المعتزِّ، والحسنَ بن مخْلد كاتبَ قَبيحة أُمّ المعتزّ، وأبا نوح عيسى بن إبراهيم، وكانوا قد تمالؤوا على أكل أموال بيت المال، فضربهم، وأخذ خطوطهُم بأموالٍ جزيلةٍ يحملونها، وذلك بغير رضىً من المعتزِّ في الباطن. واحتيط على أموالهم وحواصلهم وضياعهم، وسُمُّوا الكتَاب الخونة، وولَّى الخليفةُ عن قهرٍ غيرَهم.

وفي رجب من هذه السنة ظهر عيسى بن جعفر، وعليّ بن زيد الحسنيّان بالكوفة، وقتلا بها عبدَ اللّه بن محمد بن داود بن عيسى، واستفحل أمرهما بها.

(1)

في ظ: دفنوا.

(2)

الكلل: مفردها كِلَّة وهي الشيء الرقيق.

(3)

قوله: وحالل منه لم يرد في ب، ظا. وفي ط: وتحلل منه.

ص: 236

موت الخليفة المعتز بالله: ولثلاث بَقِين من رجب من هذه السنة خُلِعَ الخليفةُ المعتزُّ بالله، ولليلتين [مضتا]

(1)

من شعبان أظهِرَ موتُه.

وكان سببُ خلْعه أنَّ الجند اجتمعوا، فطلبوا منه أرزاقهم، فلم يكن عنده ما يعطيهم، فسأل من أمِّه أن تقرضَه مالًا يدفعهم عنه، فلم تعطِهِ، وأظهرَتْ أنَّه لا شيءَ عندها. فاجتمع الأتراك على خلْعه، فأرسلوا إليه ليخرجَ إليهم، فاعتذر بأنَّه قد شرِبَ دواءً، وأن عنده ضعفًا، ولكن ليدخلْ إليَّ بعضُكم، فدخَلَ إليه بعضُ الأمراء، فتناولوه بالدَّبابيس يضرِبونه، وجرّوا بِرِجْلِه، وأخرجوه وعليه قميص مخرّق متلطخ بالدَّم، فأقاموه في وسط دار الخلافة في حَرٍّ شديدٍ، حتَّى جَعَلَ يراوح

(2)

بين قدميه من شدَّة الحرّ، وجعَلَ بعضُهم يلطِمُه وهو يتقي

(3)

، ويقول له الضاربُ: اخلعْها والناس مجتمعون، ثم أدخلوه حجرَةً مضيّقًا عليه فيها. وما زالوا عليه بأنواع العذاب حتَّى خلَعَ نفسه من الخلافة، فولِّي بعدَه المهتدي باللّه، كما سيأتي.

ثم سلَّموه إلى من يسومُه سوءَ العذاب بأنواع المَثُلات

(4)

، ومُنع من الطعام والشراب ثلاثة أيامٍ حتَّى جعل يطلب شَرْبةً من ماء البئر فلم يُسْقَ، ثم أدخلوه سَرَبا

(5)

فيه جِصّ ثخين، فدسُّوه فيه، فأصبح ميتًا. فاستلّوه من الجِصّ سليمَ الجسَدِ، فأشهدوا عليه جماعةً من الأعيان أنَّه مات وليس به أثرٌ.

وكان ذلك في اليوم الثاني من شعبان من هذه السنة، وكان يوم السبت. وصلَّى عليه المهتدي باللّه، ودفن عند أخيه المنتصر إلى جانب قصر الصّوامع، عن أربع وعشرين سنة.

وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا. وكان طويلًا، جسيمًا، وسيمًا، أقنى الأنف، مدوَّر الوجه، حسنَ الضحك

(6)

، أبيضَ، أسودَ الشعر جَعْده كثيفه، كثيفَ اللحية، حسن العينَيْن والوجه، ضيّق الجبين، أحمر الوجنتين؛ رحمه الله.

وقد أثنى الإمام أحمد بن حنبل على جودة ذهنه وحسن فهمِه وأدبه حين دخلَ عليه في حياة أبيه المتوكِّل، كما قدمنا

(7)

في ترجمة الإمام أحمد.

(1)

زيادة من ب.

(2)

في آ، ظا: يراوح. وراوح بين قدميه: قام على كُلّ منهما مرَّةً.

(3)

في آ، ط: يبكي، والمثبت من ب، ظا. وفي الطبري: يتقي بيده.

(4)

أي بأنواع العقوبات.

(5)

"السَّرَب": بفتحتين: بيت في الأرض.

(6)

في ب، ظا: المضحك.

(7)

تقدم في حوادث سنة 241 هـ.

ص: 237

وروى الخطيبُ البغداديّ

(1)

عن عليّ بن حرب، قال: دخلت على المعتزِّ بالله، فما رأيت خليفة أحسن وَجْهًا منه، فلما رأيتُه سجدْتُ، فقال: يا شيخ، تسجد لأحدٍ من دون الله؟.

فقلت: حدَّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النَّبيل، حدثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بَكْرة، عن أبيه، عن جده: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يفرحُ به، أو بُشِّرَ بما يُسرُّ به، سجَدَ شكرًا للّه عز وجل

(2)

.

وقال الزّبير بن بكار: سرتُ إلى المعتز وهو أمير، فلمَّا سمع بقدومي خرج مستعجلًا إليَّ فعثر، فأنشأ يقول

(3)

:

يَمُوتُ الفَتَى مِنْ عَثْرةٍ بِلسَانِهِ

وليسَ يموتُ المرءُ مِنْ عَثْرةِ الرِّجْلِ

فَعَثرَتُه مِنْ فيهِ تَرْمِي برأسِهِ

وعَثْرَتُه بالرِّجْلِ تُبْرَا على مَهْلِ

وذكر الحافظُ ابنُ عساكر

(4)

: أنَّ المعتزَّ لمَّا حَذَقَ القرآنَ في حياة أبيه المتوكِّل، اهتمَّ أبوه لذلك، واجتمعت الكبراء والأمراء والرؤساء بسُرَّ مَنْ رأى، واحتفلوا لذلك أيامًا عديدة، وجرَتْ أحوالٌ عظيمة. ولمَّا جلس الصَّبيُّ على المنبر، وسلَّم على أبيه بالخلافة، وخَطَبَ الناسَ، نُثِرَت الجواهرُ في الصواني والذَّهب والدَّراهم على الخواصّ والعوامّ بدار الخلافة، فكان قيمةُ ما نُثِرَ من الجوهر ما يساوي مئة ألف دينار، ومثلها ذهبًا، وألف ألف درهم، غير ما كان من خِلَع وأسمطة وأقمشة مما يفوت الحصر، وكان وقتًا مشهودًا لم يكن سرور بدار الخلافة أبهَجَ منه ولا أحسَنَ. وخلع الخليفةُ على أُمِّ ولده المعتزِّ، وهي: قبيحة، خلعًا سنية، وأعطاها وأجزل العطاء، وكذلك على مؤدِّب المعتزّ، وهو محمد بن عمران، من الجوهر والذَّهب وغير ذلك شيئًا كثيرًا جدًّا.

(1)

تاريخ بغداد (2/ 124)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه، ومختصره لابن منظور (9/ 8).

(2)

ورواه أيضًا أبو داود في سننه رقم (2774) في الجهاد، باب في سجود الشكر، والترمذي في سننه رقم (1578) في الجهاد باب ما جاء في سجدة الشكر، من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه، ورواه ابن ماجه في سننه رقم (1392) في إقامة الصلاة، باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر، من حديث أنس بن مالك.

وفي الباب أحاديث كثيرة عن جابر، وابن عمر، وجرير، وأبي جحيفة، وقال المنذري: وقد جاء حديث سجدة الشكر من حديث البراء بن عازب، ومن حديث كعب بن مالك وغير ذلك. فالحديث صحيح بطرقه وشواهده.

قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا سجدة الشكر.

(3)

الأول في تاريخ بغداد (2/ 125)، وهما في وفيات الأعيان (6/ 399)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (9/ 9)، مع اختلاف في الرواية.

(4)

مختصر تاريخ ابن عساكر (9/ 7).

ص: 238

‌خلافة المهتدي باللّه

أبي عبد اللّه محمد بن الواثق بن المعتصم، وكانت بيعته يوم الأربعاء لليلة

(1)

بقيت من رجب من هذه السنة بعد خلْع المعتزِّ نفسه بين يديه وإشهاده على نفسه بأنه عاجز عن القيام بأمر الخلافة، وأنَّه قد رغِبَ إلى من يقوم بأعبائها: محمد بن الواثق باللّه، ثم مَدَّ يده فبايعه قبلَ الناس كلِّهم، ثم بايعه الخاصّة، ثم كانت بيعة العامّة. وكتب على المعتزِّ كتابًا أشهد عليه فيه بالخلْع والعجز والمبايعة للمهتدي.

وفي آخر يوم من رجب هذا وقع ببغداد فتنة هائلة؛ وثبت العامّة على نائبها سليمان بن عبد اللّه بن طاهر، ودعوا إلى بيعة أبي أحمد بن المتوكِّل، وذلك لعدم علم أهل بغداد بما وقع بسامُرّا من بيعة المهتدي باللّه بن الواثق، وقُتل من أهل بغداد وغَرِق منهم خلْق كثير، ثم لمَّا بايع الناس بيعة العامّة للمهتدي باللّه في سابع شعبان، وبلغ أهلَ بغداد ذلك، سكتوا واستقرَّت الأمور واستقل المهتدي بالخلافة، وللّه الحمد.

وفي رمضان من هذه السنة ظهر عند قبيحة أُمِّ المعتزِّ أموالٌ عظيمة، وجواهرُ نفيسة؛ كان من جملة ذلك ما يقارب ألفي ألف دينار، ومن الزمرّد الذي لم يُرَ مثله مقدار مَكُّوك

(2)

، ومن الحبّ الكبار مكُّوك، وكَيْلَجَة ياقوت أحمر مما لم يُرَ مثله أيضًا.

وقد كانت قبل ذلك مختفية عند صالح بن وصيف، ثم نزعت

(3)

عنه، فكانت تدعو عليه؛ تقول: اللهم! اخز صالح بن وصيف كما هتك ستري، وقتل ولدي، وبدّد شملي، وأخذ مالي، زغرّبني عن بلدي، وركب الفاحشة مني.

هذا وقد كان الأتراك قد طلبوا من ابنها المعتزِّ خمسين ألفَ دينار تُصرف في أرزاقهم، وضمِنوا له أن يقتلوا صالحَ بن وصيف، فلم يكن عنده من ذلك شيء، فطلب من أمِّه قَبيحة - قَبَّحها اللّه - فامتنعت أن تقرضه ذلك، فأظهرت أنَّه لا شيء عندها. ثمَّ ظهر عندها من الأموال ما ذكرنا. وكان لها من الغلات في كُلِّ سنة ما يعدل عشرة آلاف ألف دينار.

واستقرَّت الخلافة للمهتدي باللّه. وكان - وللّه الحمد - خليفة صالحًا؛ قال يومًا للأمراء: إنّي ليست لي أمٌّ لها من الغلات

(4)

ما يقاوم عشرة آلاف ألف دينار، ولست أريد إلا القوت فقط، لا أريد فضلًا على ذلك إلَّا لإخوتي، فإنَّهم قد مسَّتْهم الحاجة.

(1)

في آ: لليلتين بقيتا، وفي ب، ظا: لثلاث بقيت، وأثبت ما جاء في ط والطبري وابن الأثير.

(2)

"المكُّوك": مكيال، وهو ثلاث كَيْلجات، والجمع مكاكيك وهو يعادل (4) ليترات تقريبًا.

(3)

في ب، ظا: نزحت، وفي ط: تزوجت به.

(4)

في ب، ظا: الغلة.

ص: 239

وفي يوم الخميس لثلاث بَقِين من رمضان أمَرَ صالح بن وصيف بضرب أحمد بن إسرائيل الذي كان وزيرًا، وأبي نجوح عيسى بن إبراهيم الذي كان نصرانيًا فأظهر الإسلام، وكان كاتبَ قَبيحةَ، فضربَ كلّ واحدٍ منهما خمسمئة سوطٍ، بعد استخلاص أموالهما، ثم طِيفَ بهما على بغْلَين منكسين، فماتا وهما كذلك. ولم يكن ذلك عن رضى المهتدي بالله، ولكنه لا يقدر على الإنكار على صالح بن وصيف في بادئ الأمر.

وفي رمضان هذا وقعت فتنةٌ ببغداد أيضًا، بين محمد بن أوس ومن تبعه من الشاكرية والجند وغيرهم، وبين العامّة والرَّعاع، فاجتمع من العامَّة نحو من مئة ألفِ، وكان بين الناس قتال بالنّبال والرماح والسيوف، وقتل خلْق كثير، ثم انهزم محمد بن أوس وأصحابُه، فنَهبت العامَّةُ ما وجدوا من أمواله، فكان منه شيء يعدل ألفي ألف [درهم]

(1)

أو نحو ذلك. ثم اتفق الحال على إخراج محمد بن أوس من بغداد إلى أينما أراد من سائر البلاد، فخرج منها خائفًا طريدًا؛ وذلك لأنَّه لم يكن عند النَّاس مرضيَّ السّيرة، بل كان جبّارًا عنيدًا، وشيطانًا مريدًا.

وأمر الخليفةُ المهتدي بالله بإخراج

(2)

القيان والمغنين من سامُرّا، وأمر بقتْل السّباع التي في دار السلطان، والكلاب

(3)

المعدّة للصيد أيضًا، وإبطال الملاهي، وردِّ المظالم، وجلس للعامة. وكانت ولايته والدّنيا كلُّها من أرض الشام

(4)

مفتونة.

ثم استدعى الخليفة المهتدي موسى بن بُغَا الكبير ليتقوَّى به على مَنْ عنده من الأتراك؛ لتجتمع كلمة الخلافة، واعتذر من استدعى به بما هو فيه من الجهاد بتلك البلاد.

‌ذكر خارجيّ آخر آدَّعى أنَّه من أهل البيت بالبصرة

وفي النصف من شوَّال من هذه السنة ظهر رجلٌ بظاهر البصرة، زعم أنَّه عليّ بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولم يكن صادقًا في دعواه هذا النسب، وإنما كان عبقسيًا من عبد القيس، واسمُه عليّ بن محمد بن عبد الرحيم، وأمُّه قرَّة

(5)

بنت على بن رحيب بن محمد بن حكيم، من بني أسد بن خُزَيمة، وأصله من قرية من قرى الرَّيّ؛ قاله ابنُ جرير

(6)

.

(1)

من الطبري.

(2)

في آ: أن تنفى القينات والمغنيين وفي ب، ظا: أن ينفى القيان والمغنون، وأثبتت عبارة الطبري.

(3)

في الطبري وابن الأثير: وطرد الكلاب.

(4)

في الطبري: الإسلام. وعبارة ابن الأثير: ولمَّا ولي كانت الدنيا كلها بالفتن منسوخة، وفي نسخ منه مشحونة.

(5)

في آ: فروة.

(6)

الطبري (9/ 410)، وفيه: قرية من قرى الرَّي يقال لها: وَرْزَنين.

ص: 240

قال

(1)

: وقد خرج في سنة تسع وأربعين ومئتين، فادَّعى أنَّه عليّ بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عُبيد اللّه

(2)

بن عباس بن عليّ بن أبي طالب، فدعا الناس بهَجَر إلى طاعته، فاتبعه جماعة من أهلها، فوقع بسببه قتالٌ كثير، وفتن كبار، وحروب كثيرة منتشرة.

ولمَّا خرج خَرْجتَه هذه

(3)

التفَّ عليه خلْق من الزَّنج الذين كانوا يكسَحُون السِّباخَ

(4)

، فعبر بهم دِجلة، فنزل الدِّيناريّ. وكان يزعم لبعض الجهلة من أتباعه: أنه يحيى بن عمو أبو الحسين المقتول بناحية الكوفة، وكان يدَّعي أنه حفظ سورًا من القرآن في ساعة واحدةٍ جرى بها لسانه لا يحفظها غيرُه في مدة، وهنّ سبحان والكهف وص. وزعم أنه فكَّر يومًا وهو في البادية إلى أي البلاد يسير

(5)

، فخوطب من سحابة أن يقصد إلى البصرة فقصدها، ولمَّا اقترب منها وجَدَ أهلها مفترقين على شعبتين؛ سعديّة، وبلالية، فطَمِع أن ينضمَّ إلى إحداهما، فيستعين بها على الأخرى، فلم يقدر على ذلك، فارتحل إلى بغداد، فأقام بها سنةً، انتسب بها إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد، وكان يزعم بها أنَّه يعلم بما في ضمائر أصحابه، وأنَّ الله يعلمه بذلك، فتبعه على ذلك جَهَلَةٌ من الطّغام، وطائفة من رَعاع العوام.

ثم عاد إلى أرض البصرة في رمضان من هذه السنة، فاجتمع معه بشر كثير، ولكن لم يكن معهم عُدد، يقال: إنه تقدَّم إليهم جيش من ناحية البصرة فالتقوا جميعًا، فلم يكن في جيش هذا الخارجيّ سوى ثلاثة أسياف، ومع هذا هزموا عدوَّهم، وكانوا في أربعة آلاف مقاتل.

ثم مضى نحو البصرة بمن معه، فأهدى له رجل من أهل جُبَّى فرسًا فلم يجد لها سَرْجًا ولا لجامًا، فألقى

(6)

عليها حبلًا وركبها، وشنق حنكها بليف. ثم صادر رجلًا فتهدَّده بالقتل، فأخذ منه مئة

(7)

وخمسين دينارًا وألف درهم، فكان هذا أوَّلَ مالٍ غنمه من هذه البلاد، وأخذ من آخر ثلاثة بَرَاذين

(8)

، وأخذ من موضع آخر شيئًا من الأسلحة والأمتعة، ثم سار في جيشٍ قليل بلا سلاح وخيول، ثم جرت بينه وبين جيوش من جهة نائب البصرة وقَعات متعددة، يهزمهم

(9)

فيها، وكلما لاموه يقوى، ويتزايد أصحابه، ويعظم جيشه، وهو مع ذلك لا يتعرَّض لأموال الناس، وإنَّما يريد أخذ أموال السّلطان.

(1)

المصدر السابق.

(2)

في ط: "عبد الله"، خطأ.

(3)

بعدها في ط: الثانية بظاهر البصِرة.

(4)

"السَّبَخة": أرض ذات ملح ونَزٍّ، وجمعها سِباخ.

(5)

في آ: أسير، وفي ب، ظا: يصيِر، والمثبت من (ط).

(6)

عبارة الطبري: فركبه بحبل، وسَنفه بليف.

(7)

في الطبري (9/ 417): فأتاه بمئتي دينار وخمسين دينارًا وألف درهم.

(8)

"البَراذين": جمع بِرْذوْن، وهو ضرب من الدوابّ يخالف الخيل العِراب، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء.

(9)

في آ: يهزموهم.

ص: 241

وقد انهزم أصحابه في بعض تلك الحروب هزيمة فظيعة، ثم تراجعوا إليه، واجتمعوا عليه، ثم كرُّوا على أهل البصرة، فهزموهم، وقتلوا منهم خلْقًا وأسروا آخرين، فكان لا يؤتى بأحدٍ من الأسرى إلا قتله. ثمَّ قوي أمره بعد ذلك وخافه أهل البصرة، وبعث الخليفة إليها مددًا يكونون لهم على صاحب الزَّنج هذا الخارجيّ، قبَّحه اللّه. ثم أشار عليه رؤوس أصحابه أن يهجم بهم على أهل البصرة فيدخلوها عَنْوَةً، فهجَّن آراءهم، وقال: بل نكون منها قريبًا حتَّى يكونوا هم الذين يطلبوننا إليها، ويخطبوننا عليها.

وسيأتي ما كان من أمره وأمر أهل البصرة في السنة المستقبلة إن شاء اللّه تعالى.

وحجَّ بالناس في هذه السنة عليّ بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس.

‌وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:

الجاحظ المتكلِّم المعتزليّ

(1)

: وإليه تُنسَبُ الفرقة الجاحظيّة. وهو أبو عثمان عَمرو بن بَحْر بن مَحْبُوب الكِنانيّ الليثي، المعروف بالجاحظ؛ لجحوظ

(2)

عينيه، ويقال له الحَدقيّ، وكان شنيعَ المنظر، سيء المخبر، رديء الاعتقاد، ينسب إلى البدعة، وربما جاز

(3)

به بعضهم إلى الانحلال حتى يقال في المثل: يا ويحَ من كفره ككفرِ الجاحظ، واللّه أعلم بحاله.

وكان بارعًا فاضلًا قد أتقن علومًا كثيرةً، وصنَّف كتبًا جمَّة تدل على قوَّة ذهنه وجودة تصرُّفه. ومن أجلِّ كتبه: كتاب "الحيوان"، وكتاب "البيان والتبيين".

قال ابن خلكان

(4)

: وهما أحسن مصنفاته وأمتعها. وقد أطال ترجمته بحكايات ذكرها عنه. وذكر أنه أصابه الفالج في آخر عمره، وحكى أنه قال: أنا من جانبي الأيسر مفلوجٌ، لو قُرِضَ بالمقاريض ما علِمْتُ به، ومن جانبي الأيمن مُنَقْرسٌ

(5)

لو مرَّت به الذُّبابة لألِمْتُ، وبي حصاةٌ، وأشدُّ ما عليَّ ستٌّ وتسعون سنةَ. وكان ينشد

(6)

:

أتَرْجُو أنْ تَكُونَ وَأنْتَ شَيْخٌ

كَما قَدْ كُنْتَ أيَّامَ الشَّبابِ

(1)

له ترجمة في الفهرست (208)، أمالي المرتضى (1/ 194)، تاريخ بغداد (12/ 212)، نزهة الألباء (132)، معجم الأدباء (16/ 74)، وفيات الأعيان (3/ 470)، سير أعلام النبلاء (11/ 526).

(2)

في بعض النسخ: لسوء.

(3)

في ب، ظا: جاوز.

(4)

وفيات الأعيان (3/ 471).

(5)

"منقرس": مصاب بالنقرس.

(6)

تاريخ بغداد (12/ 219)، ومعجم الأدباء (16/ 113)، ووفيات الأعيان (3/ 473).

ص: 242

لَقَدْ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ لَيْسَ ثَوْبٌ

دَريسٌ

(1)

كالجَديدِ من الثِّيابِ

وعبد اللّه بن عبد الرحمن أبو محمد الدَّارِميّ

(2)

، صاحب الكتاب المشهور، وقد سمعناه بعلو.

وعبد الله بن هاشم الطُّوسيُّ

(3)

.

والخليفة أبو عبد اللّه محمد المعتزِّ باللّه بن جعفر المتوكِّل على اللّه، في رجب، كما تقدَّم.

ومحمد بن عبد الرحيم، الملقب: صَاعِقَة

(4)

.

ومحمّد بن كَرَّام

(5)

: المتكلِّم الذي تنسب إليه الفرقة الكَرَّاميَّة. وقد نُسب إليهم

(6)

جواز وضع الأحاديث. وهو محمد بن كَرَّام - بفتح الكاف وتشديد الراء، على وزن جَمَّال - بن عراق [ابن حزابة]

(7)

بن البراء، أبو عبد اللّه السِّجِسْتانيّ العابد، يقال: إنه من بني تراب

(8)

. ومنهم من يقول: محمد بن كِرَام، بكسر الكاف وتخفيف الراء، كمجع كريم.

وفرَّق البيهقي بينهما، فجعل الذي تنسب إليه الكرّاميّة، بفتح الكاف وتشديد الراء، وهو الذي سكن بيت المقدس إلى أن مات [بها]

(9)

. وجعل الآخر شيخًا من أهل نيسابور.

والصحيح الذي يظهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ، والحافظ ابن عساكر أنهما واحد.

روى ابن كَرَّام عن عليّ بن حجر، وعليّ بن إسحاق الحنظليّ السَّمرقنديّ؛ سمع منه التفسير عن محمد بن مروان عن الكلبي، وإبراهيم بن يوسف الماكيانيّ، ومالك بن سليمان الهرويّ، وأحمد بن

(1)

"الدَّريس من الثياب": البالي.

(2)

أبو محمد التّميمي، ثم الدَّارمي السمرقندي، أحد الأعلام، صاحب المسند المشهور، رَحَل وطوَّف، وسمع النَّضْر بن شُميل وزيد بن هارون وطبقتهما. أظهر علم الحديث بسمرقند.

سير أعلام النبلاء (12/ 224)، العبر (2/ 8).

(3)

أبو عبد الرحمن الطوسي المولد، النيسابوري الوطن. سمع سفيان بن عيينَة، ووكيعًا، وعدة. حافظ متقن ثقة.

سير أعلام النبلاء (12/ 328)، تهذيب الكمال (لوحة 750).

(4)

أبو يحيى، العدويّ العمريّ مولاهم، الفارسي ثم البغدادي، البزّاز. قيل: سمي صاعقة؛ لأنه كان جيّد الحفظ. قال الخطيب: كان متقنًا ضابطًا عالمًا حافظًا.

سير أعلام النبلاء (12/ 295) العبر (2/ 10).

(5)

له ترجمة في الملل والنحل (1/ 158) وتاريخ دمشق (55/ 127)، اللباب (3/ 89)، ميزان الاعتدال (4/ 21)، سير أعلام النبلاء (11/ 523)، الوافي بالوفيات (4/ 375).

(6)

في ط: إليه.

(7)

زيادة من ب، ظا.

(8)

في ب، ظا: نزار.

(9)

زيادة من ب، ظا.

ص: 243

حرب، وعُتَيْق بن محمد الحَرَشي

(1)

، وأحمد بن الأزهر النَّيْسَابوريّ، وأحمد بن عبد اللّه الجُويْباري

(2)

، ومحمد بن تميم الفاريابي، وكانا كذابين وضاعَين - وغيرهم.

وعنه: محمد بن إسماعيل بن إسحاق، وأبو إسحاق إبراهيم بن سفيان، وعبد الله بن محمد القيراطي، وإبراهيم بن الحجاج النيسابوري.

ذكر الحاكم أنه حبسه محمد بن طاهر بن عبد اللّه، وطال حبسه فكان يتأهبُ لصلاة الجمعة

(3)

، فيمنعه السجَّان، فيقول: اللهم! إنك تعلم أنَّ المنع من غيري.

وقال غيره: أقام ببيت المقدس أربع سنين، وكان يجلس للوعظ عند العمود

(4)

الذي عند مشهد

(5)

عيسى عليه السلام، واجتمع عليه خلْق كثيرٌ، ثم تبيِّن لهم أنه يقولُ: إنَّ الإيمان قول، فترَكَهُ أهلُها، ونفاه متولّيها إلى غور زغر، فمات بها، ونقل إلى بيت المقدس. وكانت وفاته في صفر من هذه السنة.

وقال الحاكم: توفي ببيت المقدس ليلًا، ودفن بباب أريحا عند قبور الأنبياء عليهم السلام، وله ببيت المقدس من الأصحاب نحو من عشرين ألفًا.

‌ثم دخلت سنة ست وخمسين ومئتين

في صبيحة يوم الإثنين الثاني عشر من المحرّم قدم موسى بن بُغَا الكبير إلى سامُرَّا، فدخلها في جيشٍ هائلٍ قد عبَّأه ميمنةً وميسرة وقلبًا وجناحين، فقصد

(6)

دار الخلافة التي فيها المهتدي جالس

(7)

للعامّة؛ لكشف المظالم، فاستأذنوا

(8)

عليه، فتمادى الإذن ساعةً، وتأخَّر عنهم، فظنُّوا في أنفسهم أنَّ الخليفة إنَّما طلبهم خديعة منه؛ ليسلِّط عليهم صالحَ بن وصيف، فدخلوا عليه هجمًا فجعلوا يتراطنون

(9)

(1)

في ط: "الجسري"، محرف. وتنظر ترجمته في إكمال ابن ماكولا (6/ 112)، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين (6/ 175).

(2)

نسبة إلى قرية من قرى هراة واسمها جُويبار، وهو الكذاب الخبيث أبو علي، أحمد بن عبد اللّه بن خالد التميمي الجويباري الهروي، يروي عن ابن عيينة ووكيع، ويضع عليهما الكثير. اللباب (1/ 313).

(3)

بعدها في ط: ويأتي إلى السجان فيقول: دعني أخرج إلى الجمعة، فيمنعه

(4)

في النسخ: العامود.

(5)

في ب، ظا: مهد.

(6)

في ط: فأتوا.

(7)

في ب، ظا: والخليفة جالس للعامّة.

(8)

في ب، ظا: فاستأذنوه.

(9)

في آ: يراطنوهم وفي ظ: يتراطنون عليه، وأثبت ما جاء في (ب). و "التراطن": التخاطب بالأعجمية.

ص: 244

بالتركي، ثم عزموا فأقاموه من مجلسه، وانتهبوا ما كان فيه، ثم أخذوه مهانًا إلى دارٍ أخرى، فجعل يقول لموسى بن بُغَا: ما لك ويحك! إنِّي إنما جئت بك لأتقوَّى بك على صالح بن وصيف. فقال [له موسى]

(1)

: لا بأس عليك، احلفْ لي أنك لا تريد لي خلافَ ما أظهرت. فحلَفَ له الخليفة، فطابت أنفسهم، وبايعوه بيعةً ثانيةً مشافهةً، وأخذوا عليه العهودَ والمواثيقَ أن لا يمالئَ صالحًا عليهم، واصطلحوا على ذلك.

ثم بعثوا إلى صالح بن وصيف ليحضرهم للمناظرة في أمر المعتزِّ ومَنْ قَتَلَه صالحُ بن وصيف من الكتَّاب وغيرهم، فوعدهم أن يأتيهم، ثم اجتمع بجماعةٍ من الأمراء من أصحابه، وأخذ يتأهَّبُ لجمع الجيوش عليه، ثم اختفى من ليلته فلم يدرِ أحدٌ أين ذهب في تلك الساعة، فبعثت المنادية عليه في أرجاء البلد، وتُهدِّدَ من أخفَاه، فلم يزل في خفاءٍ إلى أواخر صفر على ما سنذكر.

ورُدَّ سليمان بن عبد الله بن طاهر إلى نيابة بغداد.

وسُلِّم الوزير عبد اللّه بن محمد بن يَزداد إلى الحسن بن مَخْلَد الذي كان أراد صالح بن وصيف قَتْلَه مع ذينك الرجلين، فبقي في السِّجن حتى رجع إلى الوزارة.

ولما أبطأ خبرُ صالح بن وصيف على موسى بن بُغَا وأصحابه قال بعضُهم لبعض: اخلعوا هذا الرجل، يعني الخليفة، فقال بعضهم: أتقتلون رجلًا صوَّامًا قوَّاما، لا يشرب الخمر

(2)

، ولا يأتي الفواحش؟ والله إن هذا ليس كغيره، ولا يطاوعكم الناس عليه. وبلغ ذلك الخليفة، فخرج إلى الناس وهو متقلِّد سيفًا، فجلس على السرير، واستدعى بموسى بن بُغَا وأصحابه، فقال: قد بلغني ما تَمَالأتم عليه من أمري، وإنِّي والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنِّط وقد أوصيت إلى أخي بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربنَّ به ما استمسك قائمُه بيدي؛ والله لئن سقط من شعري شعرة ليهلكنَّ أو ليذهبنَّ بها أكثركم. أمَا دِين؟ أمَا حياء؟! أما رِعة؟! كم يكون هذا الإقدام على الخلفاء والجرأة على اللهِ عز وجل؟! سواء عندكم

(3)

مَنْ قصد الإبقاءَ عليكم ومن كان إذا بلغه هذا عنكم، دعا بأرطال الشراب فشربها سرورًا بمكروهكم، واذهبوا فانظروا منزلي ومنازل إخوتي ومَنْ يتصل بي هل فيها من آلات الخلافة أو فرشها شيء غير ما يكون في بيوت آحاد الناس! ويقولون: إني أعلم علم صالح، وهل هو إلا كواحدٍ منكم؟ فاذهبوا فاعلموا علمه، فابلغوا شفاء نفوسكم منه، وأمَّا أنا فلست أعلم علمه.

(1)

زيادة من (ط).

(2)

في آ: النبيذ.

(3)

في ب، ظا والطبري: عليكم.

ص: 245

قالوا: فاحلف لنا على ذلك. قال: أمَّا اليمين فإنِّي أبذُلها [لكم]

(1)

، ولكنِّي أدَّخرها حتَّى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة والمعدّلين وأصحاب المراتب في غدٍ إذا صلَّيت صلاة الجمعة. قال: فكأنهم لانوا لذلك قليلًا

(2)

.

ولمَّا كان يوم الأحد لثمانٍ بَقين من صفر ظفروا بصالح بن وصيف، فقتل وجيء برأسه إلى المهتدي باللّه وقد انفتَلَ من صلاة المغرب، فلم يزِدْ على أن قال: واروه، ثم أخذ في تسبيحه وذكره. ولما أصبح الصباح يوم الإثنين رُفع الرأس على رمح ونودي عليه في أرجاء البلد: هذا جزاء مَنْ قتل مولاه. وما زال الأمر مضطربًا حتى تفاقم الأمر وعظم الخطب.

‌ذكر خلْع المهتدي وولاية المعتمد أحمد بن المتوكل وإيراد شيء من فضائل المهتدي

لمَّا بلغ موسى بن بُغا أن مساور الشاري قد عاث بتلك الناحية، ركب إليه في جيشٍ كثيفٍ ومعه مُفْلِح وبايكباك

(3)

التركي، فاقتتلوا هم ومساور الخارجي، فلم يظفروا منه بشيء، فعجزهم وهرب منهم وأعجزهم، وقد فعل قبل مجيئهم الأفاعيل المنكرة. والمقصود أنَّ الخليفة المهتدي باللّه أراد أن يخالف بين كلمة الأتراك، فكتب إلى بايكباك: أن يتسلم الجيش من موسى بن بُغا، ويكون هو الأميرَ على الناس، وأن يقبلَ بهم إلى سامُرّاء. فلما وصل إليه الكتاب أقرأه موسى بن بُغا، فاشتدَّ غضبه على المهتدي، واتفقا عليه، وقصدا إليه إلى سامُرّا، وتركا ما كانا فيه. فلمَّا بلغ ذلك المهتدي استخدم من فوره جندًا من المغاربة والفراعنة والأشروسْنيَّة والأرزكشيّة والأتراك أيضًا، وركب في جيشٍ كثيفٍ، فلمَّا سمعوا به رجع موسى بن بُغا إلى طريق خراسان وأظهر بايكباك السمع والطاعة، فدخل في ثاني عشر رجب إلى الخليفة سامعًا مطيعًا، فلمَّا أوقف بين يديه وحوله الأمراء والسادة من بني هاشم شاورهم فيه، فقال له صالح بن عليّ بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور: يا أمير المؤمنين! لم يبلغ أحدٌ من الخلفاء في الشجاعة والإقدام ما بلغْتَ، وقد كان أبو مسلم الخراساني شرًّا من هذا وأكثرَ جندًا، ولما قتله أبو جعفر المنصور سكنت الفتنة، وخَمَدَ صوتُ أصحابه. فأمر عند ذلك المهتدي بالله بضرب عنق بايكباك، ثم ألقى رأسه إلى الأتراك، فلما رأوا ذلك أعظموه، وأصبحوا من الغد مجتمعين على أخيه طغوتيا، فخرج إليه الخليفة فيمن معه، فلمَّا التقوا خامرت الأتراك الذين كانوا مع الخليفة إلى أصحابهم، وصاروا إلبًا

(1)

زيادة من ط والطبري.

(2)

انظر تاريخ الطبري (9/ 441 - 443).

(3)

في ب، ظا والنجوم الزاهرة: باكباك، وفي الكامل لابن الأثير: بابكيال. وفي سير أعلام النبلاء وتاريخ الخلفاء: باكيال.

ص: 246

واحدًا على الخليفة وأصحابه، فقتل منهم نحو من أربعة آلاف، ثم حملوا عليهم فهزموهم، وانهزم المهتدي باللّه وبيده السيف صلتًا وهو ينادي: يا أيها الناس! انصروا خليفتكم. فدخل دار أحمد بن جُمَيل صاحب المعونة، فوضع فيها سلاحه، ولبس البياض، وأراد أن يذهب فيختفي، فعاجله أحمد بن خاقان فيها، فأخذه قبل أن يذهب، ورُمي بسهم، وطعن في خاصرته وحمل على دابّةٍ وخلفَهُ سائسٌ، وعليه قميصٌ وسراويلُ حتى حصل

(1)

في دار أحمد بن خاقان، فجعل مَنْ هناك يصفَعُونه ويبزُقون في وجهه، وأخذوا خطَّه بستمئة ألف دينار، وسلَّموه إلى رجل، فلم يزل يطأ خصييه حتى مات؛ رحمه الله. وذلك يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلةً بقيت من رجب.

وكانت خلافته أقلَّ من سنةٍ بخمسة أيام، وولد في سنة تسع عشرة، وقيل: سنة خمس عشرة ومئتين. وصلَّى عليه جعفر بن عبد الواحد ودفن بمقبرة المنتصر بن المتوكِّل.

وكان أسمر رقيقًا، أجْلَى

(2)

، حسن اللحية، أشهب

(3)

، حسن العينين، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيرًا، طويل اللحية، يكنى أبا عبد اللّه.

قال الخطيب

(4)

: وكان من أحسن الخلفاء مذهبًا، وأجملهم طريقة، وأظهرهم ورعًا، وأكثرهم عبادة. وإنَّما روى حديثًا واحدًا، ثم أسند عنه. قال: حدَّثني عليّ بن أبي هاشم بن طِبْرَاخ

(5)

، عن محمد بن الحسن الفقيه، عن ابن أبي ليلى، عن داود بن عليّ، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال العباس: يا رسولَ اللّه! ما لنا في هذا الأمر؟ قال: "لي النبوة ولكم الخلافة، بكم يفتح هذا الأمر وبكم يختم". وقال للعباس: "من أحبك نالته شفاعتي، ومن أبغضك لا نالته شفاعتي"

(6)

.

(1)

في ظا: صار.

(2)

"الأجلى": الحسن الوجه.

(3)

الأشهب: الذي حال لونه وتلوَّح من برد أو حرّ. وفي الطبري: أشْهَل، وهو الذي شهلت عينه، وهو اختلاط أحد اللونين بالآخر. و "الشَّهل": أن يثوب إنسانَ العين حمرةٌ.

(4)

تاريخ بغداد (3/ 348).

(5)

في آ: علي بن هاشم بن طراح، وفي ب، ظا: علي بن هاشم طباخ، وفي تاريخ بغداد علي بن هاشم بن طَبْراخ. وهو علي بن أبي هاشم عبيد اللّه بن طِبْرَاخ البغدادي، صدوق، تكلم فيه للوقف في القرآن. وتقريب التهذيب (2/ 45). كما في تهذيب التهذيب (7/ 393).

(6)

هو في تاريخ بغداد (3/ 348 - 349). قال بشار: وهو خبر باطل وإسناد تالف، وسيماء الوضع ظاهرة عليه، داود بن علي بن عبد اللّه بن عباس ضعيف، ومحمد بن عمر الجعابي، كان فاسقًا رقيق الدين لا يتورع. وقد تفرد الخطيب برواية هذا الحديث من طريق الجعابي.

ص: 247

وروى الخطيب

(1)

: أنَّ رجلًا استعدى المهتدي على خصمه

(2)

، فحكم بينهما بالعَدْلِ، فأنشأ الرجلُ يقولُ:

حَكَّمْتُمُوه فقضى بينكُمْ

(3)

أبْلَجُ مثلُ القَمَرِ الزَّاهرِ

لا يقبَلُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ

ولا يُبَالي غَبَنَ الخاسرِ

فقال له المهتدي بالله: أمَّا أنت أيُّها الرَّجُلُ فأحسَنَ اللّهُ مقالتك، وأمَّا أنا فإنِّي ما جلست حتَّى قرأت قوله تعالى:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)} [الأنبياء: 47]. قال: فبكَى الناس حوله، فما رؤي أكثر باكيًا من ذلك اليوم.

وقال بعضُهم: سَرَدَ

(4)

المهتدي الصَّوْمَ منذ ولي إلى أن قتل، رحمه الله.

وكان يحب الاقتداء بما سلكه عمرُ بن عبد العزيز الأموي في أيام خلافته، من الورع والتقشّف وكثرة العبادة وشدة الاحتياط

(5)

.

وقال أحمد بن سعيد الأمويّ: كنا جلوسًا بمكَّة وعندي جماعة يبحثون في النَّحو وأشعار العرب، إذ وقف علينا رجلٌ نظنه مجنونًا، فأنشأ يقول

(6)

:

أمَا تَسْتَحُونَ اللّهَ يا مَعْدِنَ الحِلْم

(7)

شُغِلْتُمْ بذا والنَّاسُ في أعظمِ الشغْلِ

إمامُكُم أضْحَى قتيلًا مجدَّلًا

(8)

وقد أصبحَ الإسلامُ مفترِقَ الشَّمْلِ

وأنتمْ على الأشعارِ والنَّحوِ عُكَّفٌ

(9)

تصيحونَ بالأصواتِ في أحسنِ السُّبْلِ

(10)

(1)

تاريخ بغداد (3/ 349)، وفيه البيتان، وهما في الكامل لابن الأثير (7/ 234).

(2)

في آ: حقه. وفي تاريخ بغداد عن عبد الله بن إبراهيم الإسكافي قال: حضرت مجلس المهتدي وقد جلس للمظالم، فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره، فأحضر، وأقامه إلى جنب الرجل، فسأله عمّا ادعاه عليه فأقرَّ به، فأمره بالخروج له عن حقه، فكتب له بذلك كتابًا، فلما فرغ، قال له الرجل: واللّه يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قال الشاعر:

(3)

في ب، ظا: عليكم.

(4)

"سرد الصوم": أي تابعه. تاريخ بغداد (3/ 350).

(5)

بعدها في ط: ولو عاش ووجد ناصرًا لسار سيرته ما أمكنه، وكان من عزمه أن يبيد الأتراك الذين أهانوا الخلفاء وأذلوهم، وانتهكوا منصب الخلافة.

(6)

تاريخ بغداد (3/ 351).

(7)

في تاريخ بغداد: الجهل، وفي ط: النحو.

(8)

في ظا: مجندلا، وهما بمعنى.

(9)

في ب، ظا وتاريخ بغداد: عكّفًا.

(10)

في ظا: في أنسب السبل، وفي ب: في العقل. وفي تاريخ بغداد: في است أم ذا العقل.

ص: 248

قال: فنظرنا، وأرَّخنا ذلك اليوم، فإذا المهتدي باللّه قد قُتِلَ في ذلك اليوم، وكان يوم الإثنين لأربع عشرة بقيت من رجب سنة ستٍّ وخمسين ومئتين.

‌خلافة المعتمد على اللّه

أحمد بن المتوكِّل على اللّه، ويعرف بابن فِتيان

(1)

، بويع بالخلافهَ يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب من سنة ست وخمسين ومئتين في دار الأمير بارجوخ

(2)

وذلك قبل خلع المهتدي بأيام. ثم كانت بيعة العامة يوم الإثنين لثمان بقين من رجب.

ولعشر بقين من رجب دخل موسى بن بُغَا ومُفْلِح إلى سُرَّ مَنْ رأى، فنزل موسى في داره، وسكن الناس؛ وخَمَدَت الفتن هنالك.

وأمَّا صاحبُ الزَّنْج المدَّعي أنه علويّ، فهو محاصِر للبصرة، والجيوش

(3)

الخليفية في وجهه دونها، وهو في كُلِّ وقت يقهرها، ويغنم ما يفد إليهم في المراكب من الأطعمة وغيرها، واستحوذَ بعد ذلك على الأبُلَّة وعبّادان وغيرهما من البلاد، وخاف منه أهلُ البصرة خوفًا شديدًا، وكل ما لأمره يقوى، ولجيوشه تكثر، ولعدده ينَرايد، ولم يزل ذلك دأبه إلى انسلاخها.

وفي هذه السنة خرج رجل آخر بالكوفة يقال له: عليّ بن زيد الطالبيّ، وجاءه جيشٌ من جهة الخليفة فكسره الطالبيُّ، واستفحل أمره بالكوفة وقويت شوكته، وتفاقم أمره.

وفيها: وثَبَ محمّد بن واصل [بن إبراهيم]

(4)

التميمي على نائب الأهواز الحارث بن سيما الشرابيّ

(5)

، فقتله واستحوذ على بلاد الأهواز.

وفي رمضان منها تغلَّب الحسن بن زيد الطالبيّ على بلاد الرَّيّ، فتوجَّه إليه موسى بن بُغَا في شوال من عند المعتمد، وخرج لتوديعه.

وفيها: كانت وقعة عظيمة على باب دمشق بين أماجور نائب دمشق - ولم يكن معه إلا قريب من أربعمئة فارس - وبين ابن لعيسى بن الشيخ، وهو في قريب من عشرين ألفًا، فهزمه أماجور وجاءت من الخليفة ولاية لابن الشيخ على بلادِ أرمينية على أن يترك أهل الشام، فقبل ذلك وانصرف عنهم.

(1)

في آ: قينان، وفي ب، ظا: عينان، والمثبت من الطبري ومصادر أخرى. وفتيان أمه، وهي رومية.

(2)

في الأصل غير معجمة، وفي الكامل لابن الأثير: ياركوج. وما أثبته يوافق ما جاء في ط والطبري.

(3)

في آ: وجيوش الخليفة.

(4)

من ب، ظا والطبري.

(5)

في الأصول: الشارباني، وأثبت ما جاء في ط والطبري.

ص: 249

وحجَّ بالناس في هذه السنة محمّد بن أحمد بن عيسى بن أبي جعفر المنصور.

وكان في جملة الحجاج أبو أحمد بن المتوكّل، فتعجَّل وعجّل السيرَ إلى سامُرّاء، فدخلها ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الخليفة المهتدي باللّه، في رجب منها، كما تقدّم.

والزُّبَير بن بَكَّرا

(1)

: ابن عبد اللّه بن مُصْعَب بن ثابِت بن عبد اللّه بن الزُّبَيْر بن العَوَّام القُرَشيُّ الزُّبَيْريُّ، قاضي مكة. قدم بغداد وحدث بها. وله كتاب "أنساب قريش"، وكان

(2)

من أهل العلم بذلك، وكتابه في ذلك حافل جدًّا، وقد روى عنه ابنُ ماجَه وغيرُه.

وقد وثقه الدَّارَقُطْنِيُّ والخطيب

(3)

وأثنى عليه وعلى كتابه.

وتوفي بمكّة عن أربع وثمانين سنة في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن بمكة، رحمه الله.

البُخَاريُّ صاحبُ الصَّحيح

(4)

: وقد ذكرنا له ترجمةً حافلةً في أول شرحنا "لصحيحه"، ولنذكر هاهنا نُبْذَةً من ذلك، فنقول وباللّه المستعان:

هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه

(5)

الجُعْفِيّ مولاهم، أبو عبد الله البخاري الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدَى به في أوانه

(6)

، والمقدَّم على سائر أضرابه وأقرانه، وكتابه الصحيح يُسْتَسْقَى بقراءته الغمام، وأجمع على قبوله وصحة ما فيه أهلُ الإسلام.

ولد البخاريّ رحمه الله في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومئة، ومات أبوه وهو

(1)

له ترجمة في الأغاني (9/ 41)، الفهرست (123)، تاريخ بغداد (8/ 467)، معجم الأدباء (11/ 161)، وفيات الأعيان (2/ 311)، سير أعلام النبلاء (12/ 311)، تهذيب الكمال (9/ 293)، ومقدمة كتابه جمهرة نسب قريش بقلم محمود محمد شاكر.

(2)

في ب، ظا: وكان من أعلم الناس بذلك.

(3)

المصدر السابق (7/ 468)، وجاء فيه: وكان ثقة ثبتًا عالمًا بالنسب، عارفًا بأخبار المتقدِّمين ومآثر (أو سائر) الماضين، وله الكتاب المصنَّف في نسب قريش وأخبارها.

(4)

له ترجمة في طبقات الحنابلة (1/ 271)، تاريخ بغداد (2/ 4)، تهذيب الأسماء واللغات (1/ 67)، وفيات الأعيان (4/ 188)، طبقات الشافعية للسبكي (2/ 212)، سير أعلام النبلاء (12/ 391)، شذرات الذهب (2/ 134)، وغيرها كثير.

(5)

"بَرْدِزْبَة": بباء موحدة مفتوحة، وراء ساكنة، ودال مهملة مكسورة، ثم زاي ساكنة، ثم باء موحدة، ثم هاء. هكذا قيده ابن ماكولا، وقال: هو بالبخارية، ومعناه بالعربية: الزرّاع. تهذيب الأسماء واللغات (1/ 67).

(6)

في آ: آدابه.

ص: 250

صغير، فنشأ في حجر أُمِّه، فألهم حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابنُ ستَّ عشرةَ سنة حتى قيل: إنه كان يحفظ وهو صبيٌّ سبعين ألفَ حديثٍ سردًا.

وحجَّ وعمرُه ثماني عشرةَ سنةً، فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم ارتحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنه

(1)

الرحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ.

وروى عنه خلائق وأمم، وقد روى الخطيب البغدادي

(2)

عن الفِرَبْرِيّ

(3)

، أنَّه قال: سمع الصحيح من البخاري معي نحو من تسعين

(4)

ألفًا لم يبقَ منهم أحد غيري.

وقد روي

(5)

البخاريُّ من طريق الفِرَبْريّ كما هي رواية الناس اليوم من طريقه، وحَمَّاد بن شاكر، وإبراهيم بن مَعْقِل، وطاهر بن محمد بن مَخْلَد.

وآخر من حدَّث عنه أبو طلحة منصورُ بن محمد بن عليّ البَزْدَوِيّ

(6)

النَّسَفِيّ، وقد توفي النَّسَفِيُّ هذا في سنة تسع وعشرين وثلاثمئة، وثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا

(7)

.

وممن روى عن البخاريِّ مسلمٌ في غير "الصحيح"، وكان يتّلْمَذُ له ويعظِّمُه، وروى عنه الترمذيُّ في جامعه، والنَّسائيُّ في "سننه" في قول بعضِهم

(8)

.

وقد دَخَلَ بغدادَ ثمان مرات، وفي كُلٍّ منها يجتمع بالإمام أحمد بن حنبل، فيحثُّه أحمدُ على المقام ببغداد، ويلومُه على الإقامة بخراسان

(9)

.

وقد كان يستيقظُ في الليلة الواحدة من نومه، فيُورِي السّراجَ فيكتب الفائدةَ تمرُّ بخاطره، ثم يُطفئ سراجَه، ثم يقومُ مرَّة أخرى، حثَى كان يتعدَّد ذلك منه قريبًا من عشرين مرة

(10)

.

وقد كان أصيبَ بصرُه وهو صغيرٌ، فرأت أمُّه إبراهيمَ الخليلَ؛ عليه السلام، فقال: يا هذه!

(1)

في ظا: أمكنه، وفي ط: أمكنته.

(2)

تاريخ بغداد (2/ 9)، سير أعلام النبلاء (12/ 398).

(3)

هو محمد بن يوسف الفِرَبْريّ.

(4)

في ب، ظا، ط: سبعين.

(5)

في سير أعلام النبلاء (12/ 398): روى صحيح البخاري جماعة، منهم: الفِرَبْريُّ

(6)

ويقال: البَزْدِيّ النَّسَفي، دِعْقَان قرية بَزْدَة، وهي قلعة على ستة فراسخ من نسف. كان آخر من حدَّث بـ الجامع الصحيح عن البخاري.

(7)

الإكمال (7/ 243)، سير أعلام النبلاء (12/ 398)، و (15/ 279).

(8)

سير أعلام النبلاء (12/ 397).

(9)

تاريخ بغداد (2/ 22)، سير أعلام النبلاء (12/ 403).

(10)

تاريخ بغداد (2/ 13)، سير أعلام النبلاء (12/ 404).

ص: 251

قد ردَّ اللّهُ على ولدك بصرَهُ بكثرة دُعائِكِ، أو قال: بكائِكِ، فأصبح وهو بَصيرٌ

(1)

.

وقال البخاري: فكَّرت البارحة فإذا أنا قد كتبت في مصنفاتي نحوًا من مئتي ألف حديث مسندة، وكان يحفظها كلَّها

(2)

.

ودخل مرَّةً إلى سمرقند فاجتمع أربع مئةٍ من علماء الحديث بها، فركّبوا له أسانيد، وأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد أهل العراق، وخلطوا الرجال في الأسانيد، وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، ثم قرأوها على البخاريَّ، فردَّ كلَّ حديثٍ إلى إسناده، وقوَّم تلك الأسانيد كلّها، وما تعلَّقوا عليه بسقطة في إسنادٍ ولا في متنٍ

(3)

. وكذلك صنع بمئة محدِّثٍ من أهل بغداد.

وذكروا أنَّه كان ينظر في الكتاب مرَّةً واحدة فيحفظ ما فيه من نظرة واحدة؛ والأخبار عنه في هذا المعنى كثيرة

(4)

.

وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه. فقال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثلَه

(5)

.

وقال إسحاق بن راهَوَيْه: لو كان في زمن الحسنِ لاحتاجَ الناسُ إليه؛ لمعرفته بالحديث وفِقهِه

(6)

.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد اللّه بن نُمَير: [ما رأينا]

(7)

مثله

(8)

.

وقال عليّ بن المدينيّ: لم يَرَ مِثْلَ نفسِه

(9)

.

وقال عليّ بن حُجْر: لا أعلَمُ مِثْلَه

(10)

.

وقال محمود بن النضر بن سهل الشافعي: دخلْتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت علماءها، كلَّما جرى ذكرُ محمد بن إسماعيل البخاريّ فَضَّلُوه على أنفسهم

(11)

. وقال أبو العباس

(1)

تهذيب الكمال (1170)، سير أعلام النبلاء (12/ 393).

(2)

سير أعلام النبلاء (12/ 412).

(3)

سير أعلام النبلاء (12/ 411).

(4)

سير أعلام النبلاء (12/ 408) وما بعدها.

(5)

تاريخ بغداد (2/ 21)، سير أعلام النبلاء (12/ 421).

(6)

سير أعلام النبلاء (12/ 421).

(7)

زيادة من ب، ظا.

(8)

تهذيب الكمال (اللوحة 1171)، سير أعلام النبلاء (12/ 421).

(9)

تهذيب الكمال (اللوحة 1170)، سير أعلام النبلاء (12/ 421). وفي المطبوع: لم يَرَ البخاريّ مثل نفسه.

(10)

سير أعلام النبلاء (12/ 421).

(11)

تاريخ بغداد (2/ 19)، تهذيب الكمال (لوحة 1171)، سير أعلام النبلاء (12/ 422).

ص: 252

الدَّغُوليُّ

(1)

: كتب أهلُ بغداد إلى البخاريّ

(2)

:

المُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ ما حييتَ لَهُم

وليسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حينَ تُفْتَقَدُ

وقال الفلَّاس

(3)

: كُلُّ حديثٍ لا يعرفه البخاريُّ فليس بحديثٍ. وقال نُعَيْمُ بن حمَّاد: هو فقيه هذه الأمة

(4)

. وكذا قال يعقوبُ بن إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ

(5)

. ومنه من فضله في الفقه والحديث على الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه

(6)

.

وقال قُتيبة بن سعيد: رُحِلَ إليَّ من شرق الأرض وغربها، فما رحل إليَّ مثلُ محمّد بن إسماعيل البخاري

(7)

.

وقال مُرَجَّى بن رجاء

(8)

: فَضْلُ البخاريّ على العلماء - يعني في زمانه - كفضل الرجال على النساء، وقال: هو آية من آيات اللّه يمشي على الأرض.

وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارِميّ: محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا، وأعلمنا، وأغْوَصُنا، وأكثرنا طلبًا

(9)

.

وقال إسحاق بن راهويه: هو أبصرُ منّي

(10)

.

وقال أبو حاتم الرَّازي: محمد بن إسماعيل أعلَمُ مَنْ دَخَلَ العراق

(11)

.

وقال عُبيد العجلي

(12)

: رأيت أبا حاتم وأبا زرعة يجلسان إليه يستمعان ما يقول، ولم يكن مُسلم يبلغه، وكان أعلَمَ من محمد بن يحيى الذّهلي بكذا وكذا، وكان ديِّنًا فاضلًا يُحسِنُ كُلَّ شيءٍ.

وقال غيره: رأيت محمد بن يحيى الذّهلي يسأل البخاري عن الأسامي والكُنى والعِلل،

(1)

هو محمد بن عبد الرحمن الفقيه الدَّغولي، أبو العباس.

(2)

تاريخ بغداد (2/ 22)، تهذيب الكمال (لوحة 1171)، سير أعلام النبلاء (12/ 434).

(3)

هو عمرو بن علي بن بحر، أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي الفلاس، حافظ مجوِّد ناقد، ثقة، صاحب حديث. مات سنة 249 هـ. والخبر في تاريخ بغداد (2/ 18)، وسير أعلام النبلاء (12/ 420).

(4)

تاريخ بغداد (2/ 22)، تهذيب الكمال (لوحة 1171)، سير أعلام النبلاء (12/ 419).

(5)

سير أعلام النبلاء (12/ 424)، ومقدمة الفتح (483).

(6)

سير أعلام النبلاء (12/ 420 و 429 و 431).

(7)

نفس المصدر السابق.

(8)

كذا في الأصول، ولعل صوابه: رجاء بن مُرَجَّى، كما في تاريخ بغداد (2/ 25)، وسير أعلام النبلاء (12/ 427)، ومقدمة الفتح (484). ومرجّى بن رجاء متقدم على البخاري، وقد التقى رجاء بن مرجّى بالبخاري رحمه الله في بخارى وتذاكرا. مات رجاء سنة 249 هـ.

(9)

سير أعلام النبلاء (12/ 426).

(10)

سير أعلام النبلاء (12/ 429).

(11)

المصدر السابق (12/ 431).

(12)

سير أعلام النبلاء (12/ 436): الحسين بن محمد المعروف بعُبيد العجل. تاريخ بغداد (2/ 29).

ص: 253

وهو يمرُّ فيها كالسَّهم، كأنه يقرأ:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

(1)

.

وقال أحمدُ بن حمدون القصَّار: رأيت مُسلمَ بنَ الحجَّاج جاء إلى البخاري، فقبَّل بين عينيه، وقال: دعني حتى أَقَبِّلَ رجليك يا أستاذ الأستاذِين، وسَيِّدَ المُحدِّثين، وطبيبَ الحديثِ في عِلَلِه

(2)

. ثم سأله عن حديث كَفَّارة المجلس

(3)

، فذكر له علَّته. فلمَّا فرغ قال مسلم: لا يبغضُكَ إلا حاسدٌ، وأشهدُ أنَّه ليس في الدنيا مثلُك

(4)

.

وقال الترمذي: لم أرَ بالعراق ولا بخراسان في معنى العِلل والتاريخ ومعرفةِ الأسانيد أعلَمَ مِنَ البخاريّ

(5)

. وكنَّا يومًا عند عبد اللّه بن منير فقال للبخاري: جَعَلَكَ اللهُ زَيْنَ هذه الأمَّة. قال الترمذي: فاستجيب له فيه

(6)

. وقال ابنُ خَزَيْمة: ما رأيْتُ تحتَ أديمِ السَّماء أعلَمَ بحديثِ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأحفَظَ له من محمّدِ بن إسماعيل البخاري

(7)

. ولو ذهبنا نسطّر ما أثنى عليه الأئمة في حفظه وإتقانه وعلمه وفقهه

(1)

تاريخ بغداد (2/ 31)، سير أعلام النبلاء (12/ 432 و 436).

(2)

طبقات السبكي (2/ 223)، سير أعلام النبلاء (12/ 432 و 436).

(3)

رواه أحمد في مسنده (2/ 494) والترمذي في سننه رقم (3433). قال الحافظ العراقي في (تخريج الإحياء)(2/ 193) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه ورواه الحاكم في مستدركه (1/ 537) من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولكن أعله البخاري بحديث وهيب عن ابن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب قوله. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)(13/ 544) كذا قال الحاكم، ووهم في ذلك فليس في هذا السند ذكر لوالد سهيل ولا كعب، والصواب عن سهيل عن عون وكذا ذكره على الصواب في (علوم الحديث). قال الحافظ: وأخرجه البيهقي في (المدخل) عن الحاكم بسنده المذكور في (علوم الحديث) عن البخاري فقال: عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين كلاهما عن حجاج بن محمد، وساق كلام البخاري، لكن قال: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا الحديث وهو المنقول عن البخاري، لا قوله: لا أعلم في الدنيا في هذا الباب، فإن في الباب عدة أحاديث لا تخفى على البخاري. وكأن الحاكم وهم في هذه اللفظة، وهي قوله: في هذا الباب وإنما هي بهذا الإسناد، وهو كما قال. قال الحافظ: وأما من صححه، فإنه لا يرى هذا الاختلاف علة قادحة .. قال الحاكم (1/ 537) بعدما ذكر حديث أبي هريرة. ولهذا الحديث شواهد عن جبير بن مطعم، وأبي برزة الأسلمي، ورافع بن خديج. فذكرها، وصحح حديث جبير بن مطعم، ووافقه الذهبي. قال الحافظ: وذكر شيخنا شيخ الإسلام أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي في النكت التي جمعها على علوم الحديث لابن الصلاح: أن هذا الحديث ورد من رواية جماعة من الصحابة، عدتهم سبعة زائدة على ما ذكره الترمذي. قال الحافظ: وقد تتبعت طرقه فوجدته من رواية خمسة آخرين، فكملوا خمسة عثر نفسًا.، ووقد خرجت طرقه فيما كتبته على علوم الحديث، فذكرها وقال: ووقع لي مع ذلك من مراسيل جماعة من التابعين، وقال: وأسانيد هذه المراسيل جياد، وفي بعض هذا ما يدل على أن للحديث أصلًا. وقد استوعبت طرقها وبنيت اختلاف أسانيدها، وألفاظ متونها. ورأيت ختم هذا الفتح يعني (فتح الباري) بطريقة من طرق هذا الحديث مناسبة للختم أسوقها بالسند المتصل العالي بالسماع والإجازة إلى متنها، فذكره بطوله سندًا ومتنًا، وختم الحديث بقوله (سبحانك اللهم وبحمد، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك). أقول: فالحديث صحيح مرفوعًا وموقوفًا بطرقه وشواهده الكثيرة، والحمد للّه وانظر (فتح الباري)(13/ 544 - 546)(ع).

(4)

سير أعلام النبلاء (12/ 436).

(5)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 70)، سير أعلام النبلاء (12/ 432).

(6)

تاريخ بغداد (2/ 26)، طبقات السبكي (2/ 221)، سير أعلام النبلاء (12/ 433).

(7)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 70)، طبقات السبكي (2/ 218)، سير أعلام النبلاء (12/ 431).

ص: 254

وورعه وزهده لطال علينا، ونحن على عجلٍ من أجل الحوادث. وقد ذكرنا ذلك مبسوطًا في أول شرح الصحيح. واللّه سبحانه وتعالى هو المستعان.

وقد كان رحمه الله في غاية الحياء والشجاعة والسَّخاء والورع والزهد في الدنيا دارِ الفَنَاء، والرغبة في الآخرة دارِ البقاء. قال: أرجو أن ألقى اللّه وليس أحد يطالبني أنِّي اغتبتُه. فذُكر له "التاريخ" وما ذَكَرَ فيه من جرحٍ وتعديلٍ وغير ذلك، فقال: ليس هذا من هذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ائذنوا له ولبئسَ أخو العَشِيرة"

(1)

ونحن روينا ذلك رواية ولم نقلْهُ من عند أنفسنا.

وقد كان رحمه الله يصلِّي في كُلِّ ليلةٍ ثلاثَ عشرةَ ركعةً، وكان يختمُ في كُلِّ يومٍ من رمضان خَتْمة، وكانت له جدة ومال جيدٌ يُنفِقُ منه سرًّا وجهرًا، ويكثر الصَّدَقة بالليل والنهار سرًا وعلانية.

وكان مستجاب الدعوة، مسدَّد الرمية، شريف النفس، بَعَثَ إليه بعضُ السلاطين ليأتيه حتى يسمَعَ أولادُه عليه، فأرسل إليه:"في بيته يُؤتى الحَكَم"

(2)

، يعني إن كنتم تريدون ذلك فهلمُّوا إليَّ، وأبَى أن يذهَبَ إليهم. وهو

(3)

خالد بن أحمد الذّهلي، نائب الظاهريّة ببخارى.

فبقي في نفس الأمير من ذلك، فاتفق أن جاء كتابٌ من محمد بن يحيى الذّهلي من نيسابور بأن البخاري يقول بأنّ لفظَه بالقرآن مخلوق. وكان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلامٌ، وصنَّف البخاري في ذلك كتابه "خلْق أفعال العباد"، فأراد الأميرُ أن يصرفَ النَّاسَ عن السَّماع من البخاري، وقد كانوا يعظّمونه جدًّا؛ حين رجع إليهم نثروا على رأسه الذَّهَب والفضة يوم دخل بُخارى عائدًا إلى أهله، وكان له مجلس للإملاء بجامعها، فلم يَقبلوا من الأمير، فأمر عند ذلك بنفيه من البلاد

(4)

، فخرج منها، ودعا على خالد بن أحمد، فلم يمضِ شهرٌ حتى أمر ابنُ طاهر بأن ينادَى على خالد بن أحمد على أتان، وزال ملكه، وسُجن ببغداد حتى مات، ولم يبقَ أحدٌ ساعدَه على ذلك إلا ابتُلي ببلاء شديد

(5)

.

(1)

أخرجه البخاري (10/ 378، 379) في الأدب، باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا؛ ومسلم (2591) في البر والصلة، باب مداراة من يتَّقي فحشه؛ وأبو داود (4791)، والترمذي (1996)؛ وأحمد (6/ 38) عن عائشة: أنَّ رجلًا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: الذي له، بش أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما دخل عليه ألان له القول، قالت عائشة: فقلت: يا رسول اللّه! قلتَ له الذي قلت،. ثم ألنت القول؟ قال: يا عائشة! إنَّ شرَّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة مَنْ تركه الناس اتقاء شرِّه.

(2)

سير أعلام النبلاء (12/ 406). وقوله: في بيته يؤتى الحَكَم، أي: الحاكم، وهو مثل، قصته في كتاب الأمثال لابن سلام (54)، والعسكري (2/ 101)، وأمثال الميداني (2/ 72)، واللسان (حكم).

(3)

في ط: والسلطان.

(4)

في ب، ظا: البلد.

(5)

تاريخ بغداد (2/ 33)، تهذيب الكمال (لوحة 1172)، سير أعلام النبلاء (12/ 464).

ص: 255

فنزح البخاري إلى بلدة يقال لها: خَرْتَنْك، على فرسخين من سَمَرْقَنْد، فنزل عند أقارب له، وجعل يدعو اللّه أن يقبضَه إليه حين رأى الفِتَن، كما جاء في الحديث:"وإذا أردْتَ بقومٍ فتنةٌ فتوفَّنا إليكَ غيرَ مفتونين"

(1)

.

ثم اتفق مرضُه على إثر ذلك، وكانت وفاته ليلة عيد الفطر، وكانت ليلة السبت عند صلاة العشاء، وصلّي عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة، أعني سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، وكُفِّنَ في ثلاثة أثواب بيضٍ، ليس فيها قميص ولا عمامة. وَفْقَ ما أوصى. وحين دُفن فاحت من قبره رائحةُ غالية

(2)

أطيب من المسك، فدام ذلك أيامًا، ثم علت سواري بيض بحذاء قبره. وكان عمره يوم مات، رحمه الله، اثنتين وستين سنة.

وقد ترك بعده رحمه الله علمًا نافعًا لجميع المسلمين، فعمله فيه لم ينقطع، بل هو موصول بما أسداه من الصَّالحات في الحياة؛ وقد قال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطَعَ عَمَلُه إلا من ثلاث؛ من علم ينتفع به" الحديث، رواه مسلم

(3)

.

وشرطه في "صحيحه" هذا أعزُّ من شرط كُلِّ كتابٍ صُنِّفَ في الصحيح، لا يوازيه فيه غيرُه، لا صحيح مسلم ولا غيره. وما أحسَنَ ما قال بعضُ الفصحاء من الشعراء

(4)

:

صحيحُ البُخَاريِّ لَوْ أنْصَفُوهُ

لَمَا خُطَّ إلا بماءَ الذَّهَبْ

هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ الهُدَى والعَمَى

هو السّدُ بين الفَتَى والعَطَبْ

أسانيدُ مِثلُ نُجومِ السَّماءِ

أمامَ مُتونٍ لها كالشُّهُبْ

(5)

به قامَ ميزانُ دِينِ الرَّسُولِ

ودانَ بِهِ العُجمُ بعدَ العَرَبْ

حِجابٌ مِنَ النَّارِ لا شَكَّ فيهِ

يميزُ بينَ الرِّضا والغَضَبْ

(1)

هو جزء من حديث طويل رواه أحمد (5/ 243) والترمذي رقم (3235) في تفسير القرآن، من سورة (ص) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أحمد (1/ 368) والترمذي رقم (3233) من حديث ابن عباس، وهو حديث صحيح، وهو حديث المنام الطويل المشهور بـ (حديث اختصام الملأ الأعلى)، وقد شرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي شرحًا جيدًا في رسالة سماها (اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى).

(2)

"الغالية": أخلاط من الطيِّب، كالمسك والعنبر.

(3)

رواه مسلم رقم (1631) في الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، وأخرجه أحمد في المسند (2/ 372)، وأبو داود رقم (2880) في الوصايا، باب ما جاء في الصدقة عن الميت، والترمذي رقم (1376) في الأحكام، باب في الوقف، والنسائي (6/ 251)؛ كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ولفظه عند مسلم: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة؛ إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له.

(4)

الأبيات في سير أعلام النبلاء (12/ 471).

(5)

في ب، ظا وسير أعلام النبلاء: كمثل الشُّهب.

ص: 256

وسِتْرٌ رَقيق إلى المُصْطَفَى

ونَصٌّ مُبينٌ لِكَشْفِ الرِّيبْ

فيا عالمًا أجمعَ العالِمو

نَ على فَضْلِ رتبتهِ في الرّتَبْ

سَبَقْتَ الأئِمةَ فيما جَمَعْتَ

وفُزْتَ غلى رَغْمِهِم

(1)

بالقَصَبْ

نَفَيْتَ الضَّعِيفَ مِنَ النَّاقِلينَ

ومَنْ كَانَ مُتَّهمًا بالكَذِبْ

وأبْرَزْتَ في حُسْنِ تَرتيبهِ

وتبويِبهِ عَجَبًا لِلْعَجَبْ

فأعطاكَ مَوْلاكَ ما تَشْتَهيه

وأجْزَلَ حَظَّكَ فيما وَهَبْ

‌ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومئتين

فيها ولي الخليفة المعتمد على اللّه ليعقوب بن الليث بَلْخ وطَخارستان وما يلي ذلك من كَرْمان وسِجِسْتان والسِّند وغيرها.

وفي صفر منها عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على الكوفة وطريق مكّة والحرمين واليمن وأضاف إليه في رمضان نيابة بغداد والسّواد وواسط وكُور دِجلة والبصرة والأهواز وفارس، وأذن له أن يستنيبَ في ذلك.

وفيها: تواقع سعيد الحاجب وصاحب الزَّنج في أراضي البصرة، فهزمه سعيد واستنقَذَ من يده خلْقًا من النساء والذرّية، واسترجع منه أموالًا جزيلة، وأهان الزَّنْجَ غايةَ الإهانة والمذلَّة.

ثم إنَّ الزَّنج بيَّتوا سعيدًا وجيشَه، فقتلوا منهم خلْقًا كثيرًا، ويقال: إن سعيدَ بن صالح قُتل أيضًا. ثم

(2)

التقى مع منصور بن جعفر الخيَّاط في جيشٍ كثيفٍ، فهزمهم هذا الخارجي المدَّعي أنَّه طالبيّ، وهو كاذب.

قال ابنُ جرير

(3)

: وفيها ظُفِر

(4)

ببغداد بموضعٍ يقال له: بِرْكةُ زلزلٍ برجلٍ خنّاق، قد قتل خلْقًا من النساء

(5)

، فحمل إلى المعتمد، فضُرِب بين يديه ألفي سوط وأربعمئة أرْزن

(6)

، فلم يمتْ حتَّى ضربَه الجلادون على أنثييه بخشب العقابين، فمات، فَرُدَّ إلى بغدادَ، وصُلِبَ هناك، ثم أحرقت جثته.

وفي ليلة الرابع عشر [من شوال]

(7)

من هذه السنة كُسِفَ القمر وغابَ أكثره.

(1)

في الأصل بغير إعجام، وفي ظا، ط،: زعمهم والمثبت من ب وسير أعلام النبلاء.

(2)

في ط: ثم إنَّ الزَّنج التقواهم ومنصور.

(3)

الطبري (9/ 479).

(4)

الطبري: ظُهِر.

(5)

بعدها في ط: كان يؤلف المرأة ثم يخنقها ويأخذ ما عليها، فحمل ..

(6)

"الأرْزَن": شجر صُلْب تتخذ منه عِصِيّ صُلْبة.

(7)

من ب، ظا، ط.

ص: 257

وفي صبيحة هذا اليوم دخل جيشُ الخبيث إلى البصرة قَهْرا، فقتَلَ من أهلها خلْقًا كثيرًا، وهرب نائبها بُغراج ومَن معه، وحرقت الزَّنجُ جامعَ البصرة ودورًا كثيرة، وانتهبوها، ثم نادى فيهم إبراهيم بن يحيى المهلبي أحدُ أصحاب الخارجي: مَنْ أراد الأمان فليحضر. فاجتمع خلْق كثير من أهلها، فرأى أنَّه قد أصاب فرصةً، فغدَرَ بهم، وأمر بقتلهم، فلم يفلت منهم إلا الشاذ. كانت الزَّنج تحيط بالجماعة من أهل البصرة، ثم يقول بعضهم لبعض: كيلوا، وهي الإشارة بينهم إذا أرادوا قتلَ أحدٍ، فيحملون عليه بالسيوف، فلا تسمع إلا

(1)

تشهّد أولئك، وضجيجهم عند القتل، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون.

وهكذا [يفعلون في]

(2)

كُلّ مَحَلَّةٍ من محال البصرة في عدة أيام، وهرب الناس منهم كُلَّ مهربٍ، وأحرقوا الكلأ من الجبل إلى الجبل، فحرقت

(3)

النار ما وجدت من شيءٍ؛ من إنسان، أو بهيمة، أو أثاث أو غير ذلك؛ وأحرقوا المسجد الجامع أيضًا. [وقد قتل في هؤلاء جماعةٌ كثيرة من الأعيان والأدباء والفضلاء والمحدّثين والعلماء؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون]

(4)

.

وكان هذا الخبيث قد أوقع بأهل فارس وقعةً عظيمة

(5)

، ثم بلَغَه أنَّ أهلَ البصرة قد جاءهم من الميرة شيءٌ كثيرٌ، وقد اتسعوا بعد الضّيق، فحسدهم على ذلك، فروى ابنُ جرير

(6)

عمَّن سمعه يقول: دَعَوْتُ اللهَ على أهل البصرة. فخوطبْتُ، فقيل لي: إنَّما أهلُ البصرة خُبْزَةٌ [لك]

(7)

تأكلها من جوانبها؛ فإذا انكسر نصْفُ الرَّغيف خربت البصرة، فأوَّلتُ ذلك بانكساف القمر. وقد كان هذا شائعًا في أصحابه، حتَّى وقَعَ الأمرُ طِبْقَ ذلك.

ولا شك أنَّ هذا كان مع شيطان يخاطبه، كما كان يأتي شيطان مسيلمة إلى مسيلمة، [والله أعلم]

(8)

.

ولما أوقَعَ أصحابه من الزَّنْج وغيرهم ما أوقعوا بأهل البصرة، قال لمن معه؛ أي: صبيحة ذلك اليوم: دَعَوْتُ اللهَ على أهل البصرة، فرُفعت لي [البصرة]

(9)

بين السَّماء والأرض، ورأيْتُ أهلَها

(1)

في ط: إلا قول أشهد أن لا إله إلا الله من أولئك المقتولين، وضجيجهم عند القتل، أي صراخ الزنج وضحكهم، فإنا لله

(2)

من ب، ظا، ط.

(3)

في آ: تحرق.

(4)

زيادة من ب، ظا والنسخة المصرية من المطبوع.

(5)

في آ: كبيرة.

(6)

الطبري (9/ 481).

(7)

زيادة من ط والطبري.

(8)

من ب، ظا.

(9)

من ط والطبري.

ص: 258

يُقتَلُون، ورأيْتُ الملائكة تقاتل مع أصحابي، وإني لمنصور على الناس، والملائكة تقاتل معي، وتثبِّت

(1)

جيوشي، وتؤيدني في حروبي

(2)

.

ولمَّا صار إليه العلويّة الذين كانوا بالبصرة، انتسب حينئذ إلى يحيى بن زيد، وهو كاذب في ذلك بالإجماع، لأن يحيى بن زيد لم يعقِب إلا بنتًا ماتت وهي ترضع

(3)

؛ فقبَّح اللّه هذا اللعين ما أكذبَهَ وأَفجَرَه وأغدَرَه.

وفي مستهل ذي القَعْدَة وجَّه الخليفةُ من سامُرًّا جيشًا كثيفًا مع الأمير محمد، المعروف بالمولَّد، لقتال صاحب الزَّنْج، فقبض في طريقه على سعيد

(4)

بن أحمد الباهليّ، الذي كان قد تغلَّب على أرض البطائح، وأخاف السبيل.

وفيها: خالف محمد بن واصل السلطانَ بأرض فارس، وتغلَّب عليها.

وفيها: وثَبَ رجلٌ من الروم يقال له: بسيل الصّقلبيّ، على ملِكِ الروم ميخائيل بن توفيل، فقتله، واستحوذ على مملكة الروم، وقد كان ميخائيل

(5)

في ملك الروم أربعًا وعشرين سنة.

وحجَّ بالناس في هذه السنة: الفضلُ بن إسحاق بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسَنُ بنُ عَرَفَةَ بن يَزيد

(6)

: صاحبُ الجزء المشهور المرويّ، وقد جاوز المئة بعشر سنين، وقيل: بسبع، وكان له عشرة من الولد، سمَّاهم بأسماء العشرة

(7)

رضي الله عنهم.

وقد وثقه يحيى بن معين وغيرُه، وكان يتردَّد إلى الإمام أحمد.

وكان مولده في سنة خمسين ومئة، وتوفي في هذه السنة عن مئةٍ وسبع سنين.

(1)

في الطبري: وتثبِّت مَن ضعف قلبه من أصحابي.

(2)

تاريخ الطبري (9/ 487) مع شيء من الاختلاف.

(3)

تاريخ الطبري (9/ 487).

(4)

في ط: "سعد"، وما أثبتناه من ب وتاريخ الطبري.

(5)

في الأصول: لميخائيل.

(6)

تاريخ بغداد (7/ 394)، طبقات الحنابلة (1/ 140)، المنتظم (5/ 3)، تهذيب الكمال (6/ 201)، سير أعلام النبلاء (11/ 547)، العبر (1/ 280)، شذرات الذهب (2/ 136).

(7)

أي أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عُبَيدة بن الجراح.

ص: 259

وزَيْد

(1)

بن أخْرم الطائيّ، والرِّياشي

(2)

: ذبحهما الزَّنْج في جملة مَن قتلوا من أهل البصرة، كما قدمنا قصتهم فبَّحهم الله، وما قتلوا من المسلمين، رحمهم الله.

وعليّ بن خَشْرَمَ

(3)

.

وأبو سعيد الأشَجُّ

(4)

، أحد مشايخ مسلم الذي يكثر عنهم الرواية.

والعبَّاس بن الفَرَج: أبو الفضل الرِّياشي النَّحويّ اللغويّ

(5)

.

كان عالمًا بأيام العرب والسير، وكان كثير الاطلاع، ثقةً، عالمًا.

روى عن الأصمعيّ، وأبي عبيدة وغيرهما.

وعنه إبراهيم الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهما. قُتِل الرِّياشي

(6)

في البصرة في هذه السنة، قَتَلَه الزَّنجْ فيمن قتلوا.

ذكره القاضي ابن خلكان

(7)

في "الوفيات".

وحكي عنه [عن]

(8)

الأصمعي، أنه قال: مرَّ بنا أعرابيٌّ يَنْشُدُ ابْنَه، فقلنا له: صفه لنا، فقال: كأنه دنينير، فقلنا: لم نره، فلم يلبث أن جاء يحمله على عنقه أُسَيِّد

(9)

كأنه سفل

(10)

، فقلنا له: لو

(1)

في آ، ط: يزيد. وهو زيد بن أخْزَم، بمعجمتين، الطائي، النبهاني، أبو طالب البصري. ثقة، حافظ، استشهد في كائنة الزَّنج بالبصرة.

سير أعلام النبلاء (12/ 260)، وتقريب التهذيب (1/ 271).

(2)

في آ، ط: الرقاشي، وهو تحريف. وهو عبَّاس بن الفرج الرِّياشي، أبو الفضل البصري النحوي، شيخ الأدب. قتلته الزَّنج بالبصرة وله ثمانون سنة. وكان إمامًا في اللغة والنحو، أخباريًا، علامة، ثقة.

مراتب النحويين (75)، تاريخ بغداد (12/ 138)، معجم الأدباء (12/ 44)، وفيات الأعيان (3/ 27)، سير أعلام النبلاء (12/ 372)، معجم الأدباء (12/ 44)، وفيات الأعيان (3/ 27).

(3)

عليّ بن خَشْرم بن عبد الرحمن، أبو الحسن المروزي، ابن أخت بشر الحافي. الإمام الحافظ الصدوق. حدث عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وطائفة. قال أبو رجاء: سمعته يقول: صُمت ثمانية وثمانين رمضانًا.

سير أعلام النبلاء (11/ 552).

(4)

عبد اللّه بن سعيد الكندي الكوفي الحافظ المفسِّر، صاحب التصانيف. صدوق، توفي في هذه السنة وقد نيف على التسعين. سير أعلام النبلاء (12/ 182)، العبر (2/ 15).

(5)

تقدمت ترجمته قبل قليل. وفي آ: الرقاشي.

(6)

في آ: الرقاشي.

(7)

وفيات الأعيان (3/ 27).

(8)

زيادة من ب، ظا. وفيات الأعيان (3/ 27).

(9)

"أسَيِّد": تصغير أسود، ويقال: أسَيْود، أي: قارب السَّواد.

(10)

في ط: سفل القدر. وفي الوفيات: كأنه جُعَلٌ قد حمله على عنقه.

ص: 260

سألتنا عن هذا لأرشدناك إليه، إنه منذ اليوم هاهنا يلعب مع الغلمان. ثم أنشد الأصمعيُّ

(1)

:

نِعْمَ ضجيعُ الفَتَى إذا بَرَدَ اللـ

ـيلُ سُحيرًا وقَرْقَفَ الصَّرَدُ

زَيَّنَها اللّهُ في الفؤادِ كَمَا

زُيِّنَ في عَيْنِ وَالدٍ وَلَدُ

‌ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومئتين

في يوم الإثنين لعشرٍ بَقين من ربيع الأول عقد الخليفة المعتمد على الله لأخيه أبي أحمد على ديار مصر وقنَّسرين والعواصم، وجلس يوم الخميس مستهلّ ربيع الآخر، فخلع على أخيه وعلى مُفْلِح، وركبا نحو البصرة في جيشٍ كثيف في عَدد وعُدد، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتِلَ مُفْلِح للنصف من جمادى الأولى، أصابه سهمٌ بلا نصْلٍ في صدره فأصبح ميتًا، وحملت جثته إلى سامُرّا ودُفن بها.

وفيها: أُسِرَ يحيى بن محمد البحرانيّ، أحدُ أمراء صاحب الزَّنْج الكبار، وحُمِلَ إلى سامُرّا، فضرب بين يدي المعتمد مئتي سوط، ثم قُطعت يداه ورجلاه من خلاف، ثم خُبط بالسيوف، ثم ذُبح، ثم أحرِقَ.

وكان الذي أسروه جيش أبي أحمد في وقعةٍ هائلةٍ مع الزَّنْج؛ قبَّحهم اللّه. ولمَّا بلغ خبرُه صاحبَ الزَّنْج أسِفَ على ذلك، ثم قال: لقد خوطبت فيه ففيل لي: قَتْلُه كان خيرًا لك؛ لأنه كان شرِهًا يخفي من المغانم خيارها.

وقد كان هذا اللعين، أعني صاحب الزَّنْج، المدّعي إلى غير أبيه، يقول: لقد عُرِضَتْ عليَّ النبوَّة فخفْتُ أن لا أقومَ بأعبائها، فلم أقبلْها.

وفي ربيع الآخر وصل سعيد بن أحمد الباهليُّ إلى باب السلطان، فضرب سبعمئة سوط حتَّى مات، ثم صُلِبَ.

وفيها: قتل قاضٍ وأربعة وعشرون رجلًا من أصحاب صاحب الزَّنْج عند باب العامة بسامُرَّا.

وفيها: رجع محمد بن واصل إلى طاعة السلطان، وحمل خراج فارس، وتمهَّدت الأمور هناك، واستقلَّت على السّداد.

وفي أواخر رجب كانت بين أبي أحمد وبين الزَّنْج وقعةٌ هائلةٌ، قتل فيها خلْق من الفريقين.

ثم استرخَمَ أبو أحمد منزله، فتحيَّز إلى واسط، فنزلها في أوائل شعبان، فوقعت هناك زلزلة

(1)

وفيات الأعيان (3/ 27).

ص: 261

شديدة وهدَّة عظيمة، تهدَّمت بسبب ذلك دور كثيرة، ومات من الناس نحو من عشرين ألفًا.

وفي هذه السنة وقع في الناس وباءٌ شديد ببغداد وسامُرَّا وواسط وغيرها من البلاد، وحصل للناس ببغداد داءٌ يقال له: القُفّاع

(1)

؛ فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

وفي يوم الخميس لسبعٍ خلون من رمضان أخِذ رجلٌ

(2)

من باب العامّة بسامرَّا، ذُكر عنه أنه يسبُّ السلف، فضُرب ألف سوط وخمسين سوطًا حتى مات.

وفي يوم الجمعة ثامنه توفي الأمير يارجُوخ فصلَّى عليه أخو الخليفة أبو عيسى، وحضره جعفر بن المعتمد على الله.

وفيها: كانت وقْعَةٌ هائلة بين موسى بن بُغَا وبين أصحاب الحسن بن زيد ببلاد خراسان، فهزمهم موسى بن بُغَا هزيمة فظيعة.

وفيها: كانت وَقْعَة بين مسرور البلخيّ وبين مُساور الخارجيّ، فكسره مسرور، فأسر من أصحابه جماعة كثيرة.

وحجَّ بالناس الفضل بن إسحاق المتقدم ذكره.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن بُدَيْل

(3)

.

وأحمد بن حَفْص

(4)

.

وأحمد بن سنَان القَطَّان

(5)

.

(1)

"القُفّاع": داء تتقبَّض منه الأصابع.

(2)

في الطبري: يعرف بأبي فَقْعَس.

(3)

أبو جعفر اليَامِي الكوفي، قاضي الكوفة، ثم قاضي همذان. وكان صالحًا لما تقلد القضاء، عادلًا في أحكامه، وكان يسمى راهب الكوفة لعبادته. ذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن عدي: روى أحاديث أنكرت عليه، وهو ممن يُكتب حديثه على ضعفه.

سير أعلام النبلاء (12/ 331)، العبر (2/ 22)، تهذيب التهذيب (1/ 17).

(4)

أحمد بن حَفْص بن عبد الله بن راشد، أبو علي النيسابوري، قاضي نيسابور. روى عن أبيه وجماعة. إمام ثقة.

سير أعلام النبلاء (12/ 383)، العبر (2/ 22).

(5)

أحمد بن سِنان بن أسد بن حبَّان، أبو جعفر الواسطيّ القطَّان، الحافظ المجوّد. سمع أبا معاوية وطبقته، وصنف المسند، كتب عنه ابن أبي حاتم، وقال: هو إمام أهل زمانه. سير أعلام النبلاء (12/ 244)، العبر (2/ 22)، تهذيب الكمال (1/ 322).

ص: 262

وأحمد بن الفُرات

(1)

.

وحُمَيد بن الرَّبيع

(2)

.

ومحمد بن سنجر

(3)

، صاحب المسند.

ومحمد بن يحيى الذُّهْليُّ

(4)

.

ويحيى بن مُعاذ الرَّازي

(5)

.

‌ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومئتين

في يوم الجمعة لأربعِ بَقِين من ربيع الآخر رجع أبو أحمد بن المتوكل من واسط إلى سامُرَّاء، وقد استخلف على حرب الخبيث صاحبِ الزَّنْج محمّدًا الملقب بالمولَّد، وكان شجاعًا شهمًا.

وفيها: بعث الخليفة إلى كَنْجور نائب الكوفة جماعةً من القواد، فذبحو

(6)

، وأخذوا ما كان معه من المال، فإذا هو أربعون ألف دينار.

(1)

أحمد بن الفُرات بن خالد الضَّبِّيُّ، أبو مسعود الرازي، نزيل أصبهان. حافظ كبير حجّة، طلب العلم في الصغر، وعُدَّ من الحفَّاظ وهو شاب أمرد، طوَّف النواحي، سمع أبا أسامة وطبقته، صنف المسند والتفسير، وقال: كتبت ألف ألف وخمسمئة ألف حديث.

سير أعلام النبلاء (12/ 480)، العبر (2/ 22)، تهذيب الكمال (1/ 422).

(2)

حُمَيْد بن الربيع بن مالك، أبو الحسن اللخمي الكوفي، قدم بغداد وحدَّث بها عن هشيم وابن عيينة وابن إدريس وغيرهم. قال عثمان بن أبي شيبة: أنا أعلم الناس به، هو ثقة، ولكنه شره مدلس. توفي بسُرَّ منْ رأى. تاريخ بغداد (8/ 162)، والمنتظم (5/ 12).

(3)

أبو عبد الله الجرجاني. رحل في طلب العلم، وسكن قرية من قرى مصر، وصنف مسندًا، سمع أبا نعيم وطبقته. المنتظم (5/ 15)، العبر (2/ 23).

(4)

أبو عبد الله الذُّهْليّ، مولاهم، النيسابوري، أحد الأئمة الأعلام، وإمام أهل الحديث بخراسان. كان الإمام أحمد يجلُّه ويعظِّمه. وقال أبو بكر بن أبي داود: هو أمير المؤمنين في الحديث. أكثر من الترحال، وصنف التصانيف. عاش ستًا وثمانين سنة.

سير أعلام النبلاء (12/ 273)، العبر (2/ 23).

(5)

الزاهد العارف، حكيم زمانه، وواعظ عصره. دخل بلاد خراسان ثم انصرف إلى نيسابور، فسكنها إلى أن توفي بها. وكتب على قبره: مات حكيم الزمان يحيى بن معاذ. ومن أقواله: الدرجات سبع: التوبة، ثم الزّهد، ثم الرِّضا، ثم الخوف، ثم الشوق، ثم المحبَّة، ثم المعرفة. حلية الأولياء (10/ 51)، المنتظم (5/ 16)، سير أعلام النبلاء (12/ 15).

(6)

في آ: فدعوه، وهو تحريف.

ص: 263

وفيها: تغلَّب رجل جمَّال يقال له: "شركب" على مدينة مرْو، فانتهبها مَنْ كان معه مِن أتباعه، وتفاقم أمره هناك.

ولثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة توجه موسى بن بُغا الكبير من سامرَّا لحرب الخبيث، وخرج الخليفة المعتمد لتوديعه، وخلَعَ عليه عند مفارقته.

وخَرَج عبدُ الرحمن بن مُفْلِح إلى بلاد الأهواز نائبًا عليها؛ ليكون عونًا لموسى بن بُغَا على حرب صاحب الزَّنْح الخبيث؛ لعنه اللّه، فهزم عبدُ الرحمن بن مُفْلِح جيشًا للخبيث، وقتَلَ مِن الزَّنْج خلْقًا كثيرًا، وأسَرَ طائفةً كبيرةً منهم، وأرعبهم إرعابًا بليغًا، بحيث لم يتجاسروا على موافقته مرَّةً ثانية، وقد حرَّضهم الخبيثُ كُلَّ التحريض فلم ينجعْ فيهم.

ثم تواقع عبدُ الرحمن بن مُفْلِح وعليُّ بن أبان المهلبيُّ؛ وهو مقدَّمُ جُيوشِ صاحبِ الزَّنْج، فجرت بينهما حروب يطول شرحُها، ثم كانت الدائرة على الزَّنْج، ولله الحمد والمنَّة. فرجع عليٌّ بن أبان إلى الخبيث مغلولًا

(1)

مقهورًا، مذمومًا مدحورًا، وبعث عبد الرحمن بن مفلح بالأسارى إلى سامُرَّا، فبادر إليهم العامَّة فقتلوا أكثرهم، وسلبوهم.

وفيها: تدنى

(2)

ملك الروم - لعنه اللّه - إلى بلاد سُمَيساط، ثم إلى مَلَطْية، فقاتله أهلُها فهزموه، وقتلوا بطريق البطارقة الذي كان معه، ورجع إلى بلاده خاسئًا وهو حسير.

وفيها: دخل يعقوب بن الليث إلى نيسابور، فظفر بالخارجي الذي كان بهَرَاة

(3)

ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة، فقتله وحمل رأسَه على رمحٍ، وطيف به في الآفاق والأقاليم، ومعه رقعة مكتوبٌ فيها ذلك

(4)

.

وحجَّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس

(5)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن يعقوب

(6)

[بن إسحاق]

(7)

[أبو إسحاق]

(8)

الجُوْزَجَانيّ، خطيب دمشق، له المصنفات المفيدة، منها "المترجم" فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة.

(1)

في الأصول: مغلولًا، وفي ط: مغلوبًا، وأثبت ما جاء في الطبري (9/ 506).

(2)

الطبري: غلب صاحب الروم على سُمَيساط

(3)

"هَرَاة": مدينة عظيمة مشهورة، من أمهات مدن خراسان. ياقوت.

(4)

ذكر الطبري أنه كتب فيها: هذا رأس عدوّ الله عبد الرحمن الخارجي بهَرَاة، ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة، قتله يعقوب بن الليث.

(5)

زاد الطبري: المعروف ببُرَيه.

(6)

تهذيب الكمال (2/ 244)، العبر (2/ 24)، تهذيب التهذيب (1/ 181)، تقريب التهذيب (1/ 46).

(7)

من ط.

(8)

من ب، ظا.

ص: 264

وأحمد بن إسماعيل السَّهْميّ

(1)

.

وحَجَّاج بن يوسف الشاعر

(2)

.

ومحمود بن آدم

(3)

.

‌سنة ستين ومئتين من الهجرة

فيها وقَعَ غلاءٌ عظيم ببلاد الإسلام كلِّها حتى أجلى أكثرُ أهلِ البلدان منها ينتجعون غيرها، ولم يبقَ بمكة أحدٌ من المجاورين ومن يشبههم، حتى ارتحلوا إلى المدينة وغيرها من البلاد، وخرج نائبُ مكة منها، وبَلَغَ كُرُّ

(4)

الحنطة ببغداد مئة وعشرين دينارًا، واستمرَّ ذلك شهورًا.

وفيها: قَتْلُ صاحب الزَّنْج المستحوذ على البصرة لعليِّ بن زيدٍ صاحبِ الكوفة.

وفيها: أخذت الروم من المسلمين حصنَ لؤلؤة.

وحجَّ بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل المذكور قبلها.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسن بن محمد الزَّعْفَرَانيُّ

(5)

.

(1)

أحمد بن إسماعيل بن محمد بن نُبَيْه، أبو حذَافة السَّهْمِيّ القرشيُّ المدني، نزيل بغداد، بقية المسندين. ضعَّفه الدارقطني وغيره، وهو آخر من حدَّث عن مالك.

سير أعلام النبلاء (12/ 14)، العبر (2/ 24)، تهذيب الكمال (1/ 266).

(2)

حَجَّاج بن يوسف بن حجَّاج الثَّقفي، أبو محمد بن أبي يعقوب البغدادي، المعروف بابن الشَّاعر. كان أبوه شاعرًا، صحب أبا نواس وأخذ عنه، وكان يلقَّب لَقْوة، وكان منشؤه بالكوفة، وأما ابنه حجاج هذا فبغداديّ المولد والمنشأ، وفيها طلب العلم. ثقة، من الحفاظ، وممن يحسن الحديث.

سير أعلام النبلاء (12/ 301)، تهذيب الكمال (5/ 466).

(3)

أبو أحمد، ويقال: أبو عبد الرحمن المروزي، صدوق ذكره ابن عدي في شيوخ البخاري، وابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب (10/ 61).

(4)

"الكرُّ": مكيال لأهل العراق، أو ستون قفيزًا، أو أربعون إردبًّا ويعادل (1560) كغ.

(5)

أبو علي البغدادي الزَّعفراني، يسكن محلة الزّعفراني. قرأ على الشافعي كتابه القديم، وكان مقدمًا في الفقه والحديث، ثقة جليلًا، عالي الرواية، كبير المحل. روى عن سفيان بن عيينة وطبقته، وكان من أذكياء العلماء. سير أعلام النبلاء (12/ 262)، العبر (2/ 20).

ص: 265

وعبد الرحمن بن بشر

(1)

.

ومالك بن طَوْق

(2)

، الذي تنسب إليه رَحْبَة مالك بن طَوْق.

وحُنَيْن بن إسحاق العِبَاديّ

(3)

، الطبيب المشهور، الذي عرَّب كتاب إقليدس وحرره بعدَه ثابت بن قُرَّة

(4)

. وعرَّب حنين كتاب المجسطي أيضًا، وغير ذلك من كتب الطب من لغة اليونان إلى لغة العرب. وكان المأمون شديدَ الاعتناء بذلك جدًّا، وكذلك جعفر البرمكي قبله. ولحنين مصنَّفات كثيرةٌ في الطب، وإليه تنسب "مسائل حنين"، وكان بارعًا في فنه جدًّا.

وكانت وفاته يوم الثلاثاء لست خلون من صفر من هذه السنة؛ قاله ابن خلكان

(5)

.

‌ثم دخلت سنة إحدى وستين ومئتين

فيها انصرف الحسن بن زيد من بلاد الدَّيْلَم إلى طَبَرِسْتان، وأحرق مدينة شالُوس

(6)

؛ لممالأتهم يعقوب بن الليث عليه.

(1)

عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، أبو محمد، ابن الإمام أبي عبد الرحمن العَبْدي النيسابوري. محدّث، ثقة، جواد. حدث عنه البخاري ومسلم وطائفة.

سير أعلام النبلاء (12/ 340)، تهذيب التهذيب (6/ 144).

(2)

هو مالك بن طَوْق بن عتاب التغلبي، أبو كلثوم، أمير عرب الشام، من الأشراف الفرسان الأجواد. ولي إمرة دمشق والأردنّ، وفيها توفي، بنى بمساعدة الرشيد بلدة الرحبة التى على الفرات بين الرقة وبغداد، وتعرف برحبة مالك، نسبة إليه، وكثر سكانها في أيامه، وكان فصيحًا، له شعر.

معجم البلدان (3/ 34)، فوات الوفيات (3/ 231)، النجوم الزاهرة (3/ 32).

(3)

أبو زيد، طبيب، مؤرخ، مترجم. كان أبوه صيدلانيًا، من أهل الحيرة، وسافر حنين إلى البصرة فأخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وانتقل إلى بغداد فأخذ الطبَّ عن يوحنا بن ماسويه وغيره، وتمكن من اللغات اليونانية والسريانية والفارسية. واتصل بالمأمون فجعله رئيسًا لديوان الترجمة، ولخص كثيرًا من كتب أبقراط وجالينوس، وأوضح معانيها. وكان المأمون يعطيه من الذهب زنة ما ينقله إلى العربية من الكتب.

له ترجمة في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة (1/ 184)، ووفيات الأعيان (2/ 217)، والعبر (2/ 20)، وسير أعلام النبلاء (12/ 492)، والأعلام للزركلي (2/ 277).

(4)

هو ثابت بن قرَّة بن زهرون الحرَّاني، أبو الحسن، الصَّابئ، طبب، حاسب، فيلسوف. لم يكن في زمانه من يماثله في صناعة الطب ولا في غيره من جمغ أجزاء الفلسفة. صنف نحو (150) كتابًا، منها الذخيرة في علم الطب. مات سنة 288 هـ.

له ترجمة في طبقات الأطباء (1/ 215)، ووفيات الأعيان (1/ 313)، والأعلام للزركلي (2/ 98).

(5)

وفيات الأعيان (2/ 218).

(6)

"شالوس": مدينة بجبال طبرستان، وهي أحد ثغورهم. ياقوت.

ص: 266

وفيها: قَتْلُ مُساور الخارجي ليحيى

(1)

بن جعفر الذي كان يلي طريق خراسان في جمادى الآخرة، فشخص إليه مسرور البلخى، ثم تبعه أبو أحمد بن المتوكل، فتنحَّى مساور فلم يلحَقْ.

وفيها كانت وقعة بين ابن واصل الذي تغلَّب على فارس، وبين عبد الرحمن بن مُفْلِح، فكسره ابنُ واصل، وأسره، وقتل طاشتمر، واصطلم

(2)

الجيش الذين

(3)

كانوا معه، فلم يفلت منهم إلا اليسير.

ثم سار ابنُ واصل إلى واسط يريد حرب موسى بن بُغَا، فرجع موسى بن بُغَا إلى باب السلطان، وسأل أن يعفى من نيابة بلاد المشرق؛ لما رأى من كثرة المتغلبين بها، فعُزل عنها، وولي ذلك أبو أحمد أخو الخليفة المعتمد.

وسار أبو الساج لحرب الزَّنْج، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فكسرتهم الزَّنْج، ودخلوا الأهواز فقتلوا خلقًا كثيرًا من أهلها، وأحرقوا منازلهم.

ثم صُرِف أبو الساج عن نيابة الأهواز وحَرْبِ الزَّنْج، وولِّي ذلك إبراهيم بن سيما.

وتجهَّز مسرور البلخيّ في جيش لقتال الزنج أيضًا.

وفيها: ولّي نصر بن أحمد بن أسد الساماني ما وراء نهر بلخ، وكتب إليه بذلك في شهر رمضان منها.

وفي شوَّال من هذه السنة قصد يعقوب بن الليث إلى ابن واصل، فالتقيا في ذي القعدة، فهزمه يعقوب وفلَّ عسكره، وأسر خاله

(4)

وطائفة من حرمه، وأخذ من أمواله ما قيمته أربعون ألف ألف درهم، وقتل من كان يمالئه وينصره من أهل تلك البلاد، وأطَّد

(5)

تلك الناحية، جزاه الله خيرًا.

ولاثنتي عشرة ليلة خلَتْ من شوَّال من هذه السنة ولَّى المعتمدُ على الله ولدَه جعفرًا العهدَ من بعده، وسمَّاه المفوّض إلى الله، وولاه المغرب، وضمَّ إليه موسى بن بُغَا، وولاه إفريقيةَ، ومصر، والشام، والجزيرة، والموصل، وإرمينية، وطريق خُراسان وغير ذلك، وجعل الأمر من بعد جعفر إلى أبي أحمد بن المتوكل، ولقَبه الموفَّق بالله، وولاه المشرق، وضمَّ إليه مسرورًا البلخيَّ، وولاه بغداد، والسواد، والكوفة، وطريق مكّة والمدينة، واليمن، وكَسْكر، وكُور دجلة، والأهواز وفارس، وأصبهان، وقُمَّ، والكرخ، والدِّينَوَر، والرَّيّ، وزِنجان

(6)

، والسِّند، وكُتب بذلك مكاتبات وقرئت في الآفاق، وعُلِّق منها نسخةٌ بالكعبة المعظمة.

(1)

في ط والطبري: يحيى بن حفص. وما هنا موافق لما في الكامل (7/ 288).

(2)

"اصطلم": استاصل وأباد.

(3)

في ب، ظا: الذي كان معهما.

(4)

في ط: رجاله، وفي الطبري: وأسر مرداسًا خال ابن واصل.

(5)

يقال: وطَّدَ الله للسلطان ملكه وأطَّدَه إذا ثبته (اللسان).

(6)

زاد في الطبري (9/ 514): وقزوين وخراسان وطبرستان وجرجان وكرمان وسجستان والسند.

ص: 267

وحجَّ بالناس فيها الفضلُ بن إسحاق.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن سليمان الرُّهاوِيُ

(1)

.

وأحمد بن عبد الله العِجْليُّ

(2)

.

والحسن بن أبي الشَّوارب، بمكّة

(3)

وداود بن سليمان

(4)

الجعفريّ.

وشعيب بن أيُّوب

(5)

.

وعبد الله بن الواثق، أخو المهتدي بالله.

وأبو شعيب السوسي

(6)

.

(1)

أحمد بن سليمان بن عبد الملك الرُّهاوي، أبو الحسين، الحافظ، محدّث الجزيرة، سمع زيد بن الحُبَاب وطبقته. قال النسائي: ثقة مأمون، صاحب حديث.

سير أعلام النبلاء (12/ 475)، تهذيب الكمال (1/ 420).

(2)

أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم، أبو الحسن العِجْلي الكوفي، نزيل مدينة اطرابلس المغرب، الحافظ الزاهد، صاحب التاريخ، والجَرْح والتعديل. نزح إلى المغرب أيام محنة القرآن، وسكنها، وقبره هناك على الساحل، وقبر ولده صالح إلى جنبه. مات وله ثمانون سنة.

سير أعلام النبلاء (12/ 505)، العبر (2/ 27).

(3)

هو الحسن بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أبو محمد، قاضي قضاة الخليفة المعتمد، وأحد العلماء الأجواد الممدَّحين.

سير أعلام النبلاء (12/ 518)، العبر (2/ 28).

(4)

كذا في الأصول، ولعل صوابه: أبو سليمان، وهو داود بن عبد الله بن أبي الكرم الجعفريّ، أبو سليمان المدني. ذكره ابن حبَّان في كتاب"الثقات"، وقال: يخطئ.

تهذيب الكمال (8/ 409).

(5)

شعيب بن أيوب بن زُريق الصّريفيني القاضي، أصله من واسط، وسكن صريفين بلدة بالقرب من بغداد. صدوق يدلس، ذكره ابن حبَّان في الثقات. مقرئ واسط وعالمها.

تهذيب التهذيب (4/ 348)، وتقريب التهذيب (1/ 351)، وطبقات القراء (1/ 327) وفيه رزيق.

(6)

هو صالح بن زياد بن عبد الله، الرُّسبي السُّوسي الرّقّي، مقرئ أهل الرقة وعالمهم، صدوق، صاحب سنّة. مات وقد قارب التسعين.

سير أعلام النبلاء (12/ 380)، العبر (2/ 28)، طبقات القراء (1/ 332).

ص: 268

وأبو يزيد البِسْطَاميُّ، أحد أئمة الصوفية

(1)

.

وعليُّ بن إشكاب

(2)

، وأخوه محمد

(3)

.

ومسلم بن الحجَّاج، صاحب الصحيح؛ رحمهم الله تعالى.

‌وهذا ذكر شيء من أخبار مسلم بن الحجَّاج

(4)

، على سبيل الاختصار، رحمه الله وأكرم مثواه

مسلم بن الحجَّاج بن مسلم، أبو الحسين القشيري النيسابوري، أحدُ الأئمة، من حفاظ الحديث، صاحبُ الصحيح الذي هو تلو الصحيح للبخاريّ عند أكثر العلماء.

وذهب المغاربة وأبو علي النيسابوريّ، شيخ الحاكم النيسابوري من المشارقة، إلى تفضيل "صحيح مسلم" على "صحيح البخاري"؛ فإن أرادوا تقديمه عليه في كونه ليس فيه شيء من التعليقات إلا القليل، وأنَّه يسوق الأحاديث بتمامها في موضعٍ واحدٍ، ولا يقطِّعها كتقطيع البخاري لها في الأبواب، فهذا القدر لا يوازي قوَّة أسانيد البخاري واختياره في الصحيح

(5)

ما أورده في جامعه معاصرةَ الرَّاوي لشيخه، وسماعه منه في الجملة، فإنَّ مسلمًا لا يشترط في كتابه الشرط الثاني، كما هو مقرر في علوم الحديث

(6)

، وقد بسطت ذلك في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنّة، في ترجمة الإمام البخاري، رحمه الله.

(1)

طيفور بن عيسى، أحدُ الزُّهَّاد، له شطحات، نسبته إلى بسطام، بلدة بين خراسان والعراق، أصله منها، وتوفي فيها. له أخبار كثيرة؛ كان يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء، فلا تغترُّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الشريعة. ويعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية.

حلية الأولياء (10/ 33)، صفة الصفوة (4/ 107)، العبر (2/ 29)، سير أعلام النبلاء (13/ 86).

(2)

هو أبو الحسن، محدث فاضل متقن. طال عمره، وتزاحم عليه الطلاب. وثقه النسائي وغيره. مات وله بضع وثمانون سنة. سير أعلام النبلاء (12/ 352).

(3)

محمد بن إشكاب، أبو جعفر، أخو علي بن إشكاب، ومحمد هو الأصغر والأحفظ. إمام حافظ ثقة، صدوق. سير أعلام النبلاء (12/ 352).

(4)

له ترجمة في تاريخ بغداد (13/ 100)، طبقات الحنابلة (1/ 337)، وفيات الأعيان (5/ 194)، تذكرة الحفاظ (2/ 588)، العبر (2/ 23)، سير أعلام النبلاء (12/ 557)، شذرات الذهب (2/ 144).

(5)

في ب: تصحيح.

(6)

قال الإمام النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم (ص 14): اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان: البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أنَّ مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث. وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار.

ص: 269

والمقصود الآن أن مسلمًا رحَلَ إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وسمع من جماعةٍ كثيرين قد أوردهم شيخنا الحافظ المِزِّيُّ في تهذيبه

(1)

، مرتبين على حروف المعجم.

وروى عنه جماعة كثيرون؛ منهم الترمذيُّ في "جامعه" حديثًا واحدًا وهو حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال

(2)

: "أحصوا هلال شعبان لرمضان".

وصالحُ بن محمد جَزَرَة، وعبدُ الرحمن بن أبي حاتم، وابنُ خُزَيْمة، وابنُ صاعد، وأبو عَوَانَة الإسفراييني.

وقال الخطيب البغدادي

(3)

: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن نعيم الضَّبِّيُّ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، [قال]: سمعت أحمد بن سَلَمة، يقول: رأيت أبا زُرْعة وأبا حاتم يقدِّمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.

وأخبرني ابن يعقوب، أخبرنا محمد بن نعيم، [قال]: سمعت الحسين بن محمد الماسرْجِسِيّ، يقول: سمعت أبي يقول: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج يقول: صنَّفت هذا "المسند الصحيح" من ثلاثمئة ألف حديث مسموعة

(4)

.

وروى الخطيب

(5)

قائلًا: حدثني أبو القاسم عبد الله

(6)

بن أحمد بن علي السُّوذَرجاني بأصبهان، سمعت محمد بن إسحاق بن مَنْدَه، سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوريّ يقول: ما تحتَ أديم السَّماء أصحُّ من كتاب ابن الحجَّاج في علم الحديث.

وقد ذُكِرَ مسلمٌ عند إسحاق بن راهَوَيْه فقال بالعجمية ما معناه: أيَّ رجل كان هذا

(7)

؟!.

وقال إسحاق بن منصور لمسلم: لن يَعْدَمَ الخيرُ ما أبقاكَ اللهُ للمسلمين

(8)

.

(1)

تهذيب الكمال (27/ 499 - 504).

(2)

أخرجه الترمذيّ في جامعه رقم (687) في الصوم: باب ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان، عن مسلم، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وقال: حديث غريب. يعنى ضعيف.

(3)

تاريخ بغداد (13/ 101)، وسير أعلام النبلاء (12/ 563).

(4)

تاريخ بغداد (13/ 101)، سير أعلام النبلاء (12/ 565).

(5)

تاريخ بغداد (13/ 101)، ووفيات الأعيان (5/ 194)، سير أعلام النبلاء (12/ 566).

(6)

في ط: "عبيد الله"، خطأ، وهو شيخ للخطيب معروت، توفي سنة 425 هـ. تنظر ترجمته في تاريخ الإسلام للذهبي (وفيات 425 هـ).

(7)

تاريخ بغداد (13/ 102)، سير أعلام النبلاء (12/ 563).

(8)

في سير أعلام النبلاء (12/ 563): قال أبو عمرو المستملي: أملى علينا إسحاقُ الكَوْسَج سنة إحدى وخمسين، ومسلم ينتخِب عليه، وأنا أستملي، فنظر إليه إسحاق. وقال: لن نَعْدَمَ الخير ما أبقاك الله للمسلمين.

ص: 270

وقد أثنى عليه جماعة من علماء أهل الحديث وغيرهم.

وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم: قلَّ ما يفوتُ البخاريَّ ومُسْلمًا مما يثبتُ في الحديث

(1)

.

وروى الخطيب

(2)

، عن أبي عمرو محمد بن حَمدان الحيريّ، قال: سألْتُ أبا العباس أحمد بن سعيد بن عُقْدَة الحافظ عن البُخاريِّ ومسلم: أيَّهما أعلمُ؟ فقال: كان البخاريُّ عالمًا، ومسلمٌ عالمًا، فكرَّرْتُ ذلك مرارًا وهو يردّ على هذا الجواب، ثم قال لي: يا أبا عمرو! قد يقَعُ للبخاري الغَلَطُ في أهل الشام، وذلك أنَّه أخَذَ كتبهم، فَنَظَر فيها، فربَّما ذكَرَ الواحدَ منهم بكُنْيَتِهِ، ويذكره في موضعٍ آخرَ باسْمِهِ، ويتوهَّم أنَّهما اثنان. وأمَّا مُسْلمٌ فقَلَّما يقَع

(3)

له الغلَطُ؛ لأنه كتب المقاطيع والمراسيل.

قال الخطيب

(4)

: إنما قفا مسلم طريقَ البخاري، ونظر في علمه، وحذا حَذْوَه. ولما ورد البخاريُّ نيسابورَ في آخر أمره، لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه

(5)

.

وقد حدثني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفيُّ، قال: سمعت أبا الحسن الدَّارقُطني يقول: لولا البخاريُّ ما ذَهَبَ مسلمٌ ولا جاء

(6)

.

قال الخطيب

(7)

: وأخبرني أبو بكر المنكَدِر

(8)

، حدثنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثني أبو نصر

(9)

بن محمد الزراد، سمعت أبا حامد أحمد بن حمدون القصّار، سمعتُ مُسلمَ بن الحجَّاج، وجاء إلى محمّد بن إسماعيل البخاريّ، فقبَّل بين عينيه، وقال: دَعْني حتى أقبِّل رجليك يا أستاذَ الأستاذِين، وسيِّدَ المُحدِّثين، وطبيبَ الحديث في علله؛ حدثك محمد بن سلام، حدثنا مَخْلَدُ بن يزيد الحراني، حدثنا ابنُ جُرَيْج، عن موسى بن عُقبة، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

جامع الأصول (1/ 188)، وسير أعلام النبلاء (12/ 565)، وفي حاشية هذا الأخير رقم (2) ما نصه: إن كان يُراد من هذا الخبر ما دوَّناه في صحيحيهما ففيه نظر، لأنه قد فاتهما كثير من الأحاديث الصحيحة استدركها عليهما مَنْ ألَّف في الصحيح، كابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما.

(2)

تاريخ بغداد (13/ 102)، وسير أعلام النبلاء (12/ 565).

(3)

كذا في الأصول. وفي سير أعلام النبلاء: يقع له من الغلط في العلل، لأنه كتب المسانيد، ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل.

(4)

تاريخ بغداد (13/ 102).

(5)

تاريخ بغداد (13/ 102)، سير أعلام النبلاء (12/ 572).

(6)

تاريخ بغداد (13/ 102)، جامع الأصول (1/ 188)، سير أعلام النبلاء (12/ 570).

(7)

تاريخ بغداد (13/ 102)، سير أعلام النبلاء (12/ 436).

(8)

هو أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن المنكدِر، القرشي، التيمي، المدني، المنكدري، نزيل خراسان، توفي سنة 314 هـ عن نيف وثمانين سنة. سير أعلام النبلاء (14/ 532).

(9)

في تاريخ بغداد: أحمد بن محمد الوراق.

ص: 271

في كَفَّارة المجلس

(1)

، فما عِلَّتُه؟ فقال البخاري: هذا حديثٌ مَلِيح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غيرَ هذا الحديث

(2)

، إلا أنَّه معلولُ

(3)

؛ حدثنا به موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهَيْب، عن سُهَيْل، عن عون بن عبد الله قَوْلَه، قال البخاري: وهذا أولى، فإنَّه لا يُعرف لموسى بن عقبة سماعٌ من سُهيل.

قلت: وقد أفردت لهذا الحديث جزءًا على حدة، وأوردت فيه طرقه وألفاظه ومتنه وعلله، ولله الحمد والمنة.

قال الخطيب

(4)

: وقد كان مسلم يناضل عن البخاري، ثم ذكر ما وقع بين البخاري ومحمد بن يحيى الذهليَّ في مسألة اللفظ بالقرآن في نيسابور، وكيف نُودي على البخاري بسبب ذلك بنيسابور، وأنَّ الذُّهْليَّ قال يومًا لأهل مجلسه وفيهم مُسلم بن الحجَّاج: ألا مَنْ كان يقول بقول البخاري [في مسألة اللفظ]

(5)

فليعتزِلْ مجلسنا؛ فنهض مسلم من فوره إلى منزله، وجمع ما كان سمعه من الذُّهلي جميعَه وأرسل به إليه؛ وترك الرواية عن الذُّهْليِّ بالكلية، فلم يَرْوِ عنه شيئًا؛ لا في صحيحه ولا في غيره، واستحكمت الوحشة بينهما. هذا ولم يتركه البخاريُّ، بل روى عنه في صحيحه، وعَذَرَه، رحمه الله.

وقد ذكر الخطيب

(6)

سبب موت مسلم رحمه الله أنَّهُ عُقد له مجلس للمذاكرة، فسئل يومًا عن حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، فأوقَدَ الشراج، وقال لأهله: لا يدخل أحدٌ الليلة عليُّ، وقد أهدِيَتْ له سلَّة من تمرٍ، فهي عنده يأكل تمرة ويكشف عن حديث، ثم يأكل أخرى ويكشف عن حديثٍ آخر، ولم يزل ذلك دأبه حتَّى أصبحَ وقد أكل تلك السلَّة وهو لا يشعر.

فحصل له بسبب ذلك ثقلٌ ومرضٌ من ذلك حتى كانت وفاته عشية يوم الأحد، ودُفن يوم الإثنين لخمس بَقِين من رجب سنة إحدى وستين ومئتين، وذلك بنيسابور، وكان مولده في السنة التي توفي فيها الشافعيُّ، سنة أربع ومئتين، وكان عمره سبعًا وخمسين سنة؛ رحمه الله تعالى.

أبو يزيد البَسْطَامي

(7)

: طيفور بن عيسى بن آدم بن عيسى بن على، أحدُ مشايخ الصوفية، وكان جده

(1)

مضى تخريج الحديث في وفيات سنة 256 هـ.

(2)

صوابه: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا الحديث، وهو المنقول عن البخاري لا قوله: لا أعلم في الدنيا في هذا الباب. فإن في الباب عدة أحاديث لا تخفى على البخاري، وانظر (فتح الباري) للحافظ ابن حجر (13/ 544)(ع).

(3)

انظر التعليق عليه في الصفحة (254).

(4)

تاريخ بغداد (2/ 30 - 32 و 13/ 103)، وفيات الأعيان (5/ 194)، سير أعلام النبلاء (12/ 453 - 460 و 572).

(5)

زيادة من ظا، ط.

(6)

تاريخ بغداد (13/ 103)، تهذيب الكمال (لوحة 1325)، سير أعلام النبلاء (12/ 564).

(7)

طبقات الصوفية (67)، حلية الأولياء (10/ 33)، صفة الصفوة (4/ 107)، المنتظم (5/ 18)، وفيات الأعيان (2/ 531)، سير أعلام النبلاء (3/ 86)، شذرات الذهب (2/ 143).

ص: 272

مجوسيًا فأسلم، وكان لأبي يزيد أخوان صالحان عابدان، وهو أجلُّ منهما؛ وقد قيل له: بأيِّ شيءَ وصلتَ إلى هذه المعرفة؟ فقال: ببطنٍ جائع، وبدنٍ عارٍ.

وكان يقول: دعوْتُ نفسي إلى طاعة الله فلم تجبْني، فمنعتها الماء سنةً.

وقال أيضًا: إذا نَظَرْتُم إلى الرجل قد أُعطِي من الكَرَامات حتَّى يرتفع في الهواء، فلا تغْترُّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنَّهْي وحفظ الحدود وأداء الشريعة

(1)

.

قال القاضي ابن خلكان

(2)

: وله مقامات كثيرة، ومجاهدات مشهورة، وكرامات ظاهرة. وكانت وفاته سنة إحدى وستين ومئتين؛ رحمه الله.

قلت: وقد حُكِي

(3)

عنه كلمات فيها شطح، وقد تكلَّم كثير من العلماء من الصوفيّة والفقهاء عليها؛ فمِن متأوَّل على المحامِل البعيدة، أو قائل: إن هذا قاله في حال الاصطلام

(4)

والشُّكر؛ ومن مبتدعٍ ومخطئ، والله أعلم.

‌ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومئتين

فيها قدم يعقوب بن الليث في جحافِل، فدخل واسط قهرًا، فخرج الخليفة المعتمد بنفسه من سامُرَّا لقتاله، فتوسَّط بين بغداد وواسطَ، فانتدب له أبو أحمد الموفّق بالله أخو الخليفة، في جيشٍ عظييم، على ميمنته موسى بن بُغا، وعلى ميسرته مسرور البلخيُّ، فاقتتلوا في رجب من هذه السنة أيامًا قتالًا عظيمًا هائلًا، ثم كانت الغلبة على يعقوب وأصحابه، وذلك يوم عيد الشعانين، فقتل منهم خلق كثيرون، وغنم منهم أبو أحمد شيئًا كثيرًا من الذهب والفضة والمسك والدواب. ويقال: إنهم وجدوا في جيش يعقوب هذا راياتٍ عليها صلبان.

ثم انصرف المعتمد إلى المدائن، ورَدَّ محمد بن طاهر إلى نيابة بغداد، وأمر له بخمسمئة ألف درهم.

(1)

حلية الأولياء (10/ 40)، سير أعلام النبلاء (13/ 88).

(2)

وفيات الأعيان (2/ 531)، وجاء فيه: وكانت وفاته سنة إحدى وستين، وقيل أربع وستين ومئتين.

(3)

في ط: وقد حكي عنه شطحات ناقصات، وقد تأملها كثير من الفقهاء والصوفية، وحملوها على محامل بعيدة.

وقد قال بعضهم: إنه قال ذلك في حال الاصطلام والغيبة. ومن العلماء من بدَّعه وخطّأه، وجعل ذلك من أكبر البدع، وأنها تدل على اعتقادٍ فاسدٍ كامنٍ في القلب، ظهر في أوقاته، والله أعلم.

(4)

"الاصطلام": الموت والانقطاع، وهو هناك الغيبة.

ص: 273

وفيها: غلب يعقوب بن الليث على بلاد فارس، وهرب ابنُ واصل منها.

وفيها: كانت حروب كثيرة بين صاحب الزَّنْج وجيش الخليفة.

وفيها: ولي القضاءَ عليُّ بن محمد بن أبي الشوارب.

وفيها: جمع للقاضي إسماعيل بن إسحاق قضاء جانبي بغداد.

وحَجَّ بالناس الفضلُ بن إسحاق العباسيّ.

قال ابن جرير

(1)

: وفيها وقع بين الحنَّاطين والخرَّازين

(2)

بمكة قتال، فاقتتلوا يوم التَّروية أو قبلها بيوم، فقتل منهم سبعة عشر نفسًا، وخاف الناس أن يفوتهم الحجُّ بسببهم، ثم توادعوا إلى ما بعد الحجّ.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

صالح بن عليّ بن يعقوب بن المنصور

(3)

، في ربيع الآخر منها.

وعُمَرُ بنُ شَبَّة النُّميريّ

(4)

.

ومحمد بن عاصم

(5)

.

ويعقوب بن شَيْبة

(6)

، صاحب المسند الحافل المشهور.

‌ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومئتين

فيها جرت حروبٌ كثيرة منتشرة في بلادٍ شتَّى؛ فمن ذلك مقتلةٌ عظيمةٌ في الزَّنْج، قبَّحهم الله، حصرهم في بعض المواقف بعضُ الأمراء من جهة الخليفة، فقتَلَ الموجودين عنده عن آخرهم، ولله الحمدُ والمنة.

(1)

الطبري (9/ 526).

(2)

في الطبري وابن الأثير: والجزارين.

(3)

له ذكر في الكامل لابن الأثير (7/ 229، 305).

(4)

أبو زيد النميري البصري النحوي، نزيل بغداد. الإخباري الحافظ الحجة، صاحب التصانيف، مستقيم الحديث، صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بأيام الناس. سير أعلام النبلاء (12/ 369)، تاريخ بغداد (11/ 208).

(5)

محمد بن عاصم بن عبد الله، أبو جعفر، الأصبهاني، العابد القدوة، سمع سفيان بن عيينة وأبا أسامة وطبقتهما. سير أعلام النبلاء (12/ 377)، العبر (2/ 25).

(6)

أبو يوسف السدوسي البصري ثم البغدادي، صاحب المسند الكبير، العديم النظير، المعلل، الذي ما صنف أحد أكبر منه، ولم يتمه، تم من مسانيده نحو من ثلاثين مجلدًا، ولو كمُل لجاء في مئة مجلد. علامة ثقة. تاريخ بغداد (14/ 281)، سير أعلام النبلاء (12/ 476).

ص: 274

وفيها: سلَّمت الصقالبةُ حصنَ لؤلؤة إلى طاغية الروم، لعنه الله.

وفيها: تغلَّب أخو شركب الجمّال على نيسابور، وأخرج منها عاملها الحسين بن طاهر، وأخذ من أهلها ثلث أموالها مصادرةً، قبَّحه الله.

وحجَّ بالناس فيها الفضلُ بن إسحاق العباسي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

مُسَاور بن عبد الحميد الشاري الخارجي

(1)

: وقد كان من الأبطال المذكورين والشجعان المشهورين، والتفَّ عليه خلق من الأعراب وغيرهم، وطالت مدَّتُه حتَّى قصمه الله.

ووزير الخلافة عبيد الله بن يحيى بن خاقان

(2)

: صدمه في الميدان خادم، يقال له: رشيق، فسقط عن دابته على أمِّ رأسه، فخرج دماغه من أذنيه وأنفه، فمات بعد ثلاث ساعات، وصلَّى عليه أبو أحمد الموفَّق بن المتوكل، ومشى في جنازته، وذلك يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من ذي القعدة من هذه السنة. واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، فلمَّا قدم موسى بن بُغَا سامُرَّا عزلَه واستوزر مكانه سليمان بن وهب، وسلَّمت دار عُبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الأمير المعروف بكَيْغَلَغ.

وأحمد بن الأزْهر

(3)

.

والحسن بن أبي الرَّبيع

(4)

.

ومعاوية بن صالح الأشعريّ

(5)

.

‌ثم دخلت سنة أربع وستين ومئتين

في المحرم منها عسكر أبو أحمد وموسى بن بُغَا بسامُرَّا، وخرجا منها لليلتين مضتا من صفر، وخرج

(1)

الطبري (9/ 532) وما قبلها، والكامل لابن الأثير (7/ 309) وأماكن أخرى.

(2)

الطبري (9/ 532)، والكامل لابن الأثير (7/ 310)، ومختصر ابن عساكر (16/ 11)، وسير أعلام النبلاء (9/ 13).

(3)

أحمد بن الأزهر بن منيع بن سليط، أبو الأزهر العَبْدي النيسابوري، محدث خراسان في زمانه. صدوق. تاريخ بغداد (4/ 39)، سير أعلام النبلاء (12/ 363).

(4)

الحسن بن يحيى بن الجعد العبدي الجرجاني، نزيل بغداد، حافظ صدوق.

سير أعلام النبلاء (12/ 356).

(5)

معاوية بن صالح بن الوزير بن يسار الأشعري، أبو عبيد الله الأشعري الدمشقي، حافظ مجوِّد. سأل يحيى بن معين وتخرج به. سير أعلام النبلاء (13/ 23)، العبر (2/ 27).

ص: 275

المعتمد لتوديعهما، وسارا، فلما سارا

(1)

إلى بغداد، توفي الأمير موسى بن بُغَا بها، وحُمِلَ إلى سامُرَّا، ودُفِنَ بها.

وفيها: وُلِّي

(2)

محمّد المولَّد واسطًا؛ فحاربه سليمان بن جامع نائبُها من جهة الخبيث صاحبِ الزَّنْج، فهزمه محمّد المولّد بعد حروب طويلة بينهما.

وفيها سار ابنُ الدَّيْراني إلى مدينة الدِّينَوَر، فاجتمع عليه دُلَف بن عبد العزيز بن أبي دُلَف وابنُ عياض، فهزماه ونهبا أمواله، ورجع

(3)

مفلولًا.

ولما توفي موسى بن بُغا عزل الخليفة المعتمد الوزيرَ الذي كان من جهته وهو سليمان بن وهب

(4)

، وحبسه مقيّدًا، وأمر بنهب دوره ودور أقربائه، وردَّ الحسن بن مخلد إلى الوزارة، فبلغ ذلك أبا أحمد وهو ببغداد، فسار بمن معه إلى سامُرَّا، فتحصَّن منه أخوه المعتمد بجانبها الغربيّ، فلمَّا كان يوم التروية عبر جيش أبي أحمد إلى الجانب الذي فيه المعتمد، فلم يكن بينهم قتالٌ، بل اصطلحوا على ردَّ سليمان بن وهب إلى الوزارة، وهَرَبَ الحسنُ بن مخلد، فنهبت أمواله وحواصله، واختفى أبو موسى بن المتوكِّل، ثم ظهر. وهرب جماعة من الأمراء إلى الموصل خوفًا من أبي أحمد

(5)

.

وحجَّ بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشميّ الكوفيّ.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن عبد الرحمن بن وَهْب

(6)

.

وإسماعيل بن يحيى المُزَنيّ

(7)

، أحد رواة الحديث

(8)

عن الشافعي، من أهل مصر، وقد ترجمناه في

(1)

في ب: صارا وفي ط: وصلا.

(2)

في آ: وَلَّى المعتمد المولَّد واسطًا.

(3)

في الطبري: ورجع إلى حُلوان مفلولًا. وتقرأ في ط والأصول مغلولًا.

(4)

في آ، ط: سليمان بن حرب.

(5)

تاريخ الطبري (9/ 540 - 541).

(6)

أبو عبيد الله المصري القرشيّ، ولقبه بَحْشَل، ابن أخي عالم مصر عبد الله بن وهب. حافظ محدث، أكثر عن عمِّه جدًّا، وعن الشافعي وجماعة. صدوق، له أحاديث مناكير، وقد احتجَّ به مسلم. سير أعلام النبلاء (12/ 317)، العبر (2/ 34).

(7)

أبو إبراهيم، تلميذ الشافعي، فقيه المِلّة. كان زاهدًا عابدًا يغسّل الموتى حِسبة، وصنَّف الجامع الكبير، والجامع الصغير، وتفقه عليه خلق. سير أعلام النبلاء (12/ 492)، العبر (2/ 28).

(8)

في آ، ب: الجديد.

ص: 276

طبقات الشافعيين

(1)

، وترجمه ابن خلكان

(2)

في الوفيات أيضًا، فأحسن وأطنب وأطيب.

وأبو زُرْعَة

(3)

: عُبَيْد الله بن عبد الكريم الرَّازي، أحد الحفاظ المشهورين، قيل: إنه كان يحفظ سبعمئة ألف حديث، وكان فقيهًا ورعًا زاهدًا عابدًا خاشعًا متواضعًا، أثنى عليه أهل

(4)

زمانه، وشهدوا له بالتقدّم على أقرانه.

وكان في حال شبيبته إذا اجتمع بأحمد بن حنبل للمذاكرة، يقتصر أحمد على الصَّلوات المكتوبات، ولا يفعل المندوبات، اكتفاءً بالمذاكرة.

وكانت وفاته يوم الإثنين سلخ ذي الحجة من هذه السنة، وكان مولده سنة مئتين، وقيل: سنة تسعين ومئة، وقد ذكرنا ترجمته مبسوطة في التكميل.

ومحمد بن إسماعيل بن عُلَيَّة، قاضي دمشق

(5)

.

ويُونس بن عبد الأعْلى الصَّدَفي المصريّ

(6)

، ممن روى عن الشافعيّ أيضًا؛ وقد ذكرناه في "التكميل" وفي "الطبقات".

وقبيحة أمُّ المعتز

(7)

: إحدى حظايا المتوكل على الله، جمعت من الجواهر واللآلئ والذهب والمصاغ ما لم يعهد لمثلها. ثم سُلِبت ذلك كلّه، وقتل ولدها المعتزّ، وشحَّتْ عليه بخمسين ألف دينار تداري بها عنه، وكانت وفاتها في ربيع الأول من هذه السنة.

‌ثم دخلت سنة خمس وستين ومئتين

فيها كانت وقعة بين ابن لَيثَوَيْهِ عامل أبي أحمد على جُنْبُلاء

(8)

، وبين سليمان بن جامع، ظفر فيها ابنُ ليثَوَيْهِ بابن جامع الذي من جهة الخبيث صاحبِ الزَّنْج، فقتل خلقًا من أصحابه، وأصاب منهم

(1)

في ب، ظا: الشافعية.

(2)

وفيات الأعيان (1/ 217 - 219).

(3)

تاريخ بغداد (10/ 326)، طبقات الحنابلة (1/ 199)، المنتظم (5/ 47)، سير أعلام النبلاء (13/ 65)، العبر (2/ 34)، تهذيب التهذيب (7/ 30)، شذرات الذهب (2/ 147).

(4)

في ب، ظا: أئمة.

(5)

أبو بكر، وأبو عبد الله، قاضي دمشق ومفتيها ومحدثها، حافظ ثقة. سير أعلام النبلاء (12/ 294).

(6)

أبو موسى، المقرئ الحافظ المحدث، قرأ القرآن على وَرْش صاحب نافع، وكان من كبار العلماء في زمانه بمصر. تفقه على الشافعي، ووثقه النسائي. سير أعلام النبلاء (12/ 348)، العبر (2/ 35).

(7)

الطبري (9/ 393)، والمنتظم (5/ 48).

(8)

"جُنْبلاء": كورة وبليد، وهو منزل بين واسط والكوفة. ياقوت.

ص: 277

سبعة وأربعين أميرًا، وحرف له مراكبَ كثيرة، وغنم منهم أموالًا جزيلة، ولله الحمد والمنة.

وفي المحرم من هذه السنة حاصر أحمد بن طولون نائبُ الديار المصرية مدينة أنطاكية، وفيها سيما الطويل؛ فأخذها فلم يزل [حتى افتتحها بعد حروب يطول ذكرها، وقتل سيما المذكور، وأقام بها حتى]

(1)

جاءته هدايا ملك الروم، وفيها جماعة أسارى من المسلمين، مع كل أسيرٍ مصحف، ومنهم عبد الله بن رشيد بن كاوس الذي كان عامل الثغور، فاجتمع لأحمد بن طولون مُلْكُ الشام بكماله مع الدّيار المصرية، لأنه لما مات نائبُ دمشق أماخور

(2)

ركب ابن طولون من مصر فتلقاه ابن أماخور إلى الرملة، فأقره عليه، وسار إلى دمشق، فدخلها، ثم إلى حمص فتسلمها، ثم إلى حلب فاستحوذ عليها، ثم ركب إلى أنطاكية فكان من أمره ما فرغ من ذكره.

وكان أحمد بن طولون قد استخلف على الديار المصرية ابنَه العباس، فلما بلغه قدومُ أبيه عليه، أخذ ما كان في بيت المال من الحواصل، ووازره جماعة على ذلك، فصاروا إلى بَرْقة، خارجًا عن طاعة أبيه، فبعث إليه من أخذه ذليلًا حقيرًا، وردُّوه إلى مصرَ، فحبسه، وقتلَ جماعة من أصحابه

(3)

.

وفيها: خرج

(4)

رجل يقال له: القاسم بن مهاة على دُلَف بن عبد العزيز بن أبي دُلَف العجلي، فقتله، واستحوذ على أصبهان. فانتصر أصحاب دُلَف له، فقتلوا القاسم هذا، ورأسوا عليهم أحمد بن عبد العزيز.

وفيها: لحق محمد المولَّد بيعقوب بن الليث، فصار إليه في المحرم منها، فأمر السلطان بنهب أمواله وحواصله وأملاكه وضياعه.

وفيها: دخل صاحبُ الزَّنج إلى النُّعْمَانِيَّة

(5)

، فقتل وحرف، ثم سار إلى جَرْجَرَايا

(6)

، فانزعج الناس، ودخل أهلُ السَّواد إلى بغداد، فلجؤوا إليها محصورين.

وفيها: ولَّى أبو أحمد عمرو بن الليث خراسان وفارس وأصبهان وسِجستان وكرمان والسند، ووجّه إليها بذلك، وبالخلع والتُّحف.

(1)

من ب، ظا.

(2)

في ب، ظا: أباجور.

(3)

الكامل لابن الأثير (7/ 324 - 325).

(4)

في ب، ظا: وثب.

(5)

"النُعْمانية": بليدة بين واسط وبغداد في نصف الطريق على ضفة دجلة، معدودة من أعمال الزاب الأعلى. ياقوت.

(6)

"جَرْجَرَايا": بلد من أعمال النهروان الأسفل، بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي. ياقوت.

ص: 278

وفيها: حاصرت الزَّنْج تُسْتَر

(1)

حتى كادوا يفتحونها، فوافاهم تكين البخاريّ، فلم يضع ثياب سفره حتَّى ناجز الزَّنْج فهزمهم هزيمة فظيعة منكرة جدًّا، وقتل منهم خلقًا لا يحصون كثرة، وهرب أميرُهم عليُّ بن أبان المهلبيّ مفْلولًا

(2)

مخذولًا مدحورًا؛ قال ابنُ جرير

(3)

: وهذه وقعة مادمودك

(4)

المشهورة.

ثم إن عليّ بن أبان المهلبيّ أخذ في مكاتبة تكين واستمالته إليه، وإلى صاحب الزَّنج، فشرع تكين في الإجابة إلى ذلك، فبلغ مسرورًا البلخيّ، فسار نحوه، وأظهر له الأمان حتى أخذه، فقيَّده، وتفرَّق جيشه عنه، ففرقة صارت إلى الزَّنج، وفرقة إلى محمد بن عبيد الله الكردفي، وفرقة انضافت إلى مسرور البلخيّ بعد إعطائه إياهم الأمان، وولَّى مكانه على عمالته أميرًا آخر يقال له: أغرتمش.

وحجَّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى العباسيّ.

‌توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن منصور الرَّماديّ

(5)

، راوية عبد الرزاق، وقد صحب الإمام أحمد، كان يُعدُّ من الأبدال، عن ثلاث وثمانين سنة.

وسَعْدان بن نصر

(6)

.

وعبد الله بن محمد المُخَرِّمِيّ

(7)

.

وعليّ بن حرب الطائي الموصليّ

(8)

.

وأبو حفص النَّيسابوريّ

(9)

.

(1)

"تُسْتَر": مدينة كبيرة بخوزستان. ياقوت ..

(2)

في الأصول مغلولًا، والمثبت من الطبري.

(3)

الطبري (9/ 546).

(4)

في الطبري: باب كودك، وفي الكامل لابن الأثير: باب كورك.

(5)

أحمد بن منصور بن سيّار بن المبارك البغدادي، أبو بكر، المعروف بالرَّمادي. حافظ ثقة. تهذيب الكمال (1/ 492).

(6)

سعدان بن نصر بن منصور، أبو عثمان الثقفي البغدادي البزَّاز، اسمه سعيد، ولقب بسَعْدان، محدّث صدوق، من أبناء التسعين. سير أعلام النبلاء (12/ 357).

(7)

أبو محمد، المحدّث الفقيه الورع. صدوق. سير أعلام النبلاء (12/ 359).

(8)

أبو الحسن، المحدث الثقة الأديب، مسند وقته. من أبناء التسعين. سير أعلام النبلاء (12/ 251).

(9)

عمرو بن سلم، وقيل: عمر. وقيل: عمرو بن سلمة، الزاهد، شيخ خراسان. كان حدادًا، وهو أول من أظهر طريقة التصوف بنيسابور. سير أعلام النبلاء (12/ 510).

ص: 279

وعليّ بن موفق الزاهد

(1)

.

ومحمد بن سَحْنون

(2)

.

قال ابن الأثير في كاملة

(3)

:

وفيها: قُتِلَ أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي، صاحبُ أبي عبيدة والأصمعيّ، قتلته الزَّنْج بالبصرة.

ويعقوب بن الليث الصَّفَّار

(4)

: أحد الملوك العقلاء الأبطال، فتح بلادًا كثيرة؛ ومن ذلك بلد الرُّخَّج

(5)

التي كان بها ملكٌ يُحمل في سرير من ذهب على رؤوس اثني عشر رجلًا، وكان له بيت في رأس جبل عالٍ سمَّاه مكة، فما زال حتَّى قتله وأخذ بلده، وأسلم أهلُها على يديه، ولكن كان قد خرج عن طاعة الخليفة وقاتله أبو أحمد الموفق كما تقدم.

ولما مات ولّوا أخاه عمرو بن الليث ما كان يليه أخوه يعقوب، مع [شرطة]

(6)

بغداد وسامُرّا، كما سيأتي.

‌ثم دخلت سنة ست وستين ومئتين

في صفر منها تغلَّب أساتكين على بلد الرَّيّ، وأخرج عاملَها منها، ثم مضى إلى قَزْوين، فصالحه أهلُها [فدخلها]

(7)

وأخذ منها أموالًا جزيلة، ثم عاد إلى الرّيّ، فمانعه أهلُها عن الدخول إليها، فقاتلهم ودخلها قهرًا.

وفيها: أغارت سريّة من الرّوم على ناحية دِيار ربيعة، فقتلوا ومثّلوا، وسلبوا نحوًا من مئتين وخمسين

(1)

علي بن الموفق العابد، أبو الحسن. حدث عن منصور بن عمار وأحمد بن أبي الحواري، وكان ثقة. المنتظم (5/ 53).

(2)

أبو عبد الله، ابن فقيه المغرب عبد السلام سَحنون، القيرواني، شيخ المالكية. تفقَّه بابيه. كان محدثًا بصيرًا بالآثار، واسع العلم، متحرّيًا متقنًا، علَّامة كبير القدر وكان يناظر أباه. سير أعلام النبلاء (13/ 60).

(3)

الكامل لابن الأثير (7/ 328).

(4)

وفيات الأعيان (6/ 402)، العبر (2/ 19)، سير أعلام النبلاء (12/ 513)، شذرات الذهب (2/ 150)، الكامل لابن الأثير (7/ 184 و 191).

(5)

في آ، ظا: الزنج، وفي ط: الرجح، وأثبت ما جاء في الكامل لابن الأثير (7/ 326). وهي كورة ومدينة من نواحي كابل، كما في معجم البدان لياقوت.

(6)

زيادة من ب، ظا، ط.

(7)

زيادة من ب، ط، وفي ظا: فدخل.

ص: 280

أسيرًا، فنفر إليهم أهلُ نَصيبين وأهلُ الموصل، فهربت منهم الرّوم ورجعوا إلى بلادهم، لعنهم الله.

وفيها: ولّى عمرو بن الليث شرطة بغداد وسامُرَّا لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وبعث إليه أبو أحمد بالخلعة، وخلع عليه عمرو بن الليث أيضًا، وأهدى إليه عمودين من ذهب، وذلك مضافًا إلى ما كان أخوه يليه من البلدان.

وفيها: سار أغرتمش لقتال عليّ بن أبان المهلبي، فاجتاز

(1)

بِتُسْتَر، فأخذ من كان في السّجن من أصحاب عليّ بن أبان المهلبي من الأمراء، فقتلهم عن آخرهم، ثم سار إلى علي بن أبان، فاقتتلا قتالًا شديدًا في مرّات عديدة، كانت آخرًا لعليّ بن أبان المهلبيّ، قتل خلْقًا من أصحاب أغرتمش، وأسر بعضهم فقتلهم، وبعث برؤوسهم إلى الخبيث صاحب الزّنج، فنصب رؤوسهم على سور مدينته، قبّحه الله.

وفيها: وثب أهلُ حمص على عاملهم عيسى الكرخيّ، فقتلوه في شوّال منها.

وفيها: دعا الحسنُ بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن حسن الأصغر العقيقيُّ أهلَ طبرستان إلى نفسه، وأظهر لهم أن الحسن بن زيد قد أُسِر، ولم يبقَ مَنْ يقوم بهذا الأمر غيرُه، فبايعوه.

فلمَّا بلغ ذلك الحسن بن زيد قصده، فقاتله فقتله، ونهب أموال من اتَّبعه وحرق دورهم.

وفيها: وقعت فتنة بالمدينة ونواحيها بين الجعفريّة والعَلويّة، وتغلب عليها رجل

(2)

، من أهل البيت من سلالة الحسن بن زيد الذي تغلَّب على طَبَرستان، وجرت شرور كثيرة هنالك بسبب قتل

(3)

الجعفريّة والعَلَويّة، يطول ذكرها

(4)

.

وفيها: وثبت طائفة من الأعراب على كُسوة الكعبة، فانتهبوها. وصار

(5)

بعضها إلى صاحب الزّنج، وأصاب الحجيجَ منهم شدَّة عظيمةٌ، وبلاءٌ شديد.

وفيها: أغارت الروم أيضًا على ديار ربيعة.

وفيها: دخل أصحابُ صاحب الزّنج إلى رَامَهُرْمُز، فافتتحوها بعد قتال طويل.

وفيها: دخل ابنُ أبي الساج مكّة، فقاتله ابن المخزومي

(6)

، فقهره ابنُ أبي الساج، وحرق داره، واستباح أمواله، وذلك يوم التروية من هذه السنة.

وقد جعل إلى ابن أبي الساج إمرة الحرمين من جهة الخليفة.

(1)

في آ: فأجاز تستر.

(2)

هو أبو القاسم أحمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد، ابن عم الحسن بن زيد صاحب طبرستان. الطبري (9/ 553).

(3)

في ب، ظا: قتال.

(4)

انظر تاريخ الطبري (9/ 552 - 553).

(5)

في آ، ط: وسار.

(6)

في آ: المخرمي.

ص: 281

وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد المتقدّم ذكره قبلها.

وفي هذه السنة عمل محمد بن عبد الرحمن الداخل - خليفةُ الأندلس وبلاد المغرب - مراكبَ في نهر قُرطُبة؛ ليدخل بها إلى البحر المحيط، لتسير الجيوش في أطرافه إلى بعض البلدان ليقاتلوهم، فلمَّا دخلت المراكبُ البحرَ المحيط تكسَّرت وتقطعت ولم ينجُ من أهلها إلا اليسير، وغرق أكثرهم

(1)

.

وفيها: التقى أسطول المسلمين وأسطول الروم ببلاد صِقِلِّيَة، فاقتتلوا، فقتل من المسلمين خلق كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها: حارب لؤلؤ غلام أحمد بن طولون لموسى بن أتامش فكسر جيشه، وأسره لؤلؤ، وبعث به إلى مولاه أحمد بن طولون نائب الشام ومصر وإفريقية من جهة الخليفة. ثم اقتتل لؤلؤ هذا وطائفة من الزوم فقتَلَ من العدوّ خلقًا كثيرًا.

قال ابن الأثير

(2)

: وفيها: اشتدَّ الحال وضاق الناس ذرعًا بكثرة الهيج، وتغلَّب القواد والأجناد على كثير من البلاد بسبب ضعف الخليفة المعتمد على الله، واشتغال أخيه أبي أحمد بقتال الزّنج.

قال

(3)

: وفيها: اشتدَّ الحرُّ في تشرين الثاني جدًّا، ثم قوي به البرد حتَّى جَمَدَ الماء.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن أورمَة

(4)

.

وصالح ابن الإمام أحمد

(5)

، قاضي أصبهان.

ومحمد بن شُجَاع الثَّلْجي

(6)

، أحدُ [عبَّاد]

(7)

الجهميّة.

(1)

الكامل لابن الأثير (7/ 334).

(2)

الكامل لابن الأثير (7/ 336).

(3)

الكامل لابن الأثير (7/ 336).

(4)

أبو إسحاق الأصبهاني، الحافظ البارع، أحد الأذكياء المحدّثين. روى عنه ابن أبي الدنيا وآخرون. ثقة نبيل.

سير أعلام النبلاء (13/ 145)، والعبر (2/ 32).

(5)

صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، أبو الفضل الشيباني البغدادي، قاضي أصبهان، المحدث الحافظ الفقيه، سمع أباه، وتفقَّه عليه. صدوق، ثقة. وهو أكبر إخوته.

سير أعلام النبلاء (12/ 529)، طبقات الحنابلة (1/ 173).

(6)

في الأصول: البلخي، وهو محمد بن شجاع، أبو عبد الله، البغدادي الحنفي، ويعرف بابن الثَّلْجي. من بحور العلم، كان صاحب تعبد وتهجّد وتلاوة. قال أحمد بن حنبل: الثلجي متبوع صاحب هوى. متروك الحديث، مات وله خمس وثمانون سنة. المنتظم (5/ 57)، سير أعلام النبلاء (12/ 379) ..

(7)

من ب، ظا، ط.

ص: 282

ومحمد بن عبد الملك الدَّقِيقيُّ

(1)

.

‌ثم دخلت سنة سبع وستين ومئتين

فيها وجَّه أبو أحمد الموفّق ولده أبا العباس في نحوٍ من عشرة آلاف فارس وراجل في أحسن هيئة وأكمل تجمّل؛ لقتال الزَّنج، فساروا نحوهم، فكان بينهم من القتال والنزال في أوقات متعددات ووقَعات مشهورات ما يطول بسطه، وقد استقصاه الإمام أبو جعفر بنُ جرير، رحمه الله، في "تاريخه"

(2)

مبسوطًا.

وحاصل ذلك: أنه آل الحال وانتهى الحرب والجدال إلى أن استحوذ أبو العباس بن الموفّق على ما كان استولى عليه الزّنج ببلاد واسط وأراضي دِجْلة، هذا وهو شاب حَدَث لا خبرة له بالحرب، ولكن سلَّمه الله وغنَّمه وأعلى كلمته، وسدَّد رميته، وأجاب دعوته، وفتح على يديه، وأسبغ نعمه عليه، وهذا الشاب هو الذي ولي الخلافة بعد عمِّه المعتمد، ولقب بالمعتضد، كما سيأتي.

ثم ركب أبو أحمد الموفّق ناصرُ دين الله من بغداد في صفر من هذه السنة في جيوش كثيفة، فدخل واسط في ربيع الأول منها، فتلقاه ابنه فأخبره عن الجيوش

(3)

الذين معه، وما تحمَّلوا من أعباء الجهاد، فخلع عليه وعلى الأمراء كفهم خِلَعًا سنيّةً، ثم سار بجميع الجيوش إلى صاحب الزَّنج وهو بالمدينة التي أنشأها وسمَّاها المنيعة، فقاتلوا دونها قتالًا شديدًا

(4)

، فقهرهم، ودخلها عنوةً، وهربوا منها، فبعث

(5)

في آثارهم جيشًا، فلحقوهم إلى البطائح يقتلون ويأسرون. وغنم أبو أحمد من المدينة شيئًا كثيرًا، واستنقذ من النساء المسلمات خمسةَ آلاف امرأةٍ، وأمر بإرسالهن إلى أهاليهن

(6)

بواسط، ثم أمر بهدم سور البلد، وطمِّ خندقها وجعلها بَلْقَعًا

(7)

بعدما كانت للبشر

(8)

مجمعًا، وعادت يبابًا

(9)

بعدما كانت للخبيث جَنَابًا.

(1)

أبو جعفر الواسطي الدَّقيقي، محدّث حجة، سمع يزيد بن هارون وغيره. سير أعلام النبلاء (12/ 582)، العبر (2/ 34).

(2)

الطبري (9/ 557) وما بعدها.

(3)

في ب، ظا: الجيش الذي.

(4)

في آ: عظيمًا.

(5)

في آ: فبعثوا.

(6)

في ب، ظا: أماكنهن.

(7)

أي قفرًا.

(8)

في ط: للشر.

(9)

"اليباب": الخراب. و"الجَنَاب": الكَنَف والمحلة.

ص: 283

ثم سار الموفّق إلى المدينة التي يقال لها: المنصورة، من إنشاء الزَّنج أيضًا، بها سليمان بن جامع، فحاصرها، وقاتلوه دونها، فقُتِلَ خلْقٌ كثير من الفريقين، ورَمَى أبو العباس بن الموفّق أحمد بن هندي بسهمٍ، فأصابه في دماغه فقتله، وكان من أكابر أمراء صاحب الزَّنج، فشقَّ ذلك عليه جدًّا، وأصبح الناس هحاصرين مدينة الزَّنْج، وذلك يوم السبت لثلاث بقين من ربيع الآخر، والجيوش الموفَّقيَّة مرتَّبة أحسن الترتيب، فتقدَّم الموفق، فصلَّى أربع ركعات، وابتهل إلى الله في الدعاء، واجتهد في حصارها، فهزم اللهُ مقاتلتها، وانتهى إلى خندقها فإذا هو قد حُضن غاية التحصين، وإذا قد جعلوا حول البلد خمسة خنادق وخمسة أسوار، فجعل كلما جاوز سورًا قاتلوه دون الآخر، فيقهرهم ويجوز إلى الذي يليه، حتى انتهى إلى البلد فقتل منهم خلْقًا كثيرًا، وهرب بقيَّتُهم، وأسر من نساء الزنج ومن حلائل سليمان بن جامع وذويه نساء

(1)

كثيرًا وصبيانًا، واستنقذ من أيديهم من النساء المسلمات والصبيان من أهل البصرة والكوفة [وواسط]

(2)

نحوًا من عشرة آلاف نسمة، فسيَّرهم إلى أهاليهم، جزاه

(3)

الله خيرًا.

ثم أمر بهدم فنادقها وأسوارها وردم خنادقها وأنهارها، وأقام بها سبعة عشر يومًا، وبعث في آثار من انهزم من الزنج، فكان لا يؤتى بأحدٍ منهم إلا استماله إلى الخير برفقٍ ولينٍ وصفحٍ، وأضافه إلى بعض الأمراء، وكان مقصوده رجوعهم إلى الحقّ.

ثم ركب إلى الأهواز، فأجلاهم عنها، وطردهم منها، وقتل خلْقًا كثيرًا من أشرافهم؛ منهم: أبو عيسى محمد بن إبراهيم البصري، وكان رئيسًا فيهم مطاعًا. وغنم شيئًا كثيرًا من أموالهم، وكتب الموفّق إلى صاحب الزَّنج - قبَّحه الله - كتابًا يدعوه إلى التوبة والإنابة مما ارتكبه من المآثم والمظالم والمحارم ودعوى النبوّة والرسالة وخراب البلدان واستحلال الفروج والأموال، ويبذل له الأمان إن هو رجع إلى الحقّ، فلم يردّ عليه صاحبُ الزّنج جوابًا.

‌ذكر مسيرة أبي أحمد الموفّق إلى المدينة التي فيها صاحب الزَّنج وهي المختارة ليحاصرها

لمَّا كتب أبو أحمد إلى صاحب الزَّنْج يدعوه إلى الحقِّ فلم يجبه، استهانة به، ركب في جيوشٍ عظيةٍ قريب من خمسين ألف مقاتل، قاصدًا إلى مدينته التي أنشأها وسمَّاها المختارة، فلما انتهى إليها وجدها في غاية الإحكام، وقد حوط عليها من آلات الحصار شيئًا كثيرًا، وقد التفَّ على صاحب الزَّنج

(1)

في آ: شيئًا كثيرًا.

(2)

زيادة من ب، ظا.

(3)

في آ: جزاهم.

ص: 284

نحو من ثلاثمئة ألف مقاتل بسيفٍ ورمح ومقلاع، ومن يكثر سوادهم، فقدَّم الموفّق ولدَه أبا العباس بين يديه، فتقدَّم حتى وقف تحت قصر الملك، فحاصره محاصرة لم ير مثلها، وتعجبت الزَّنج من إقدامه وجرأته مع صغر سنه وحداثة عمره، فتراكمت الزنوج عليه من كلِّ مكان، فهزمهم، وأثبت بهبوذ أكبر أمرائه بالسهام والحجارة، ثم خامرت

(1)

جماعة من أمراء صاحب الزَّنج وأجناده إلى الموفّق، فأكرمهم وأعطاهم خِلَعًا سنية، فرغب إلى ذلك جماعة كثيرون منها، فصاروا إليه.

وركب أبو أحمد في يوم النصف من شعبان ونادى في الناس كلِّهم بالأمان إلا صاحب الزَّنج، فتحوَّل خلْق من جيشه إلى أبي أحمد، ولله الحمد.

وابتنى الموفّق تجاه مدينة صاحب الزَّنج مدينة سمَّاها الموفَّقيَّة، وأمر بحمل الأمتعة والتجارات إليها، فاجتمع بها من أنواع الأشياء وصنوفها ما لم يجتمع في بلدٍ قبلها، وعظم شأنها. وإنَّما بناها ليستعين بها على قتال صاحب الزَّنج، ثم جرت بينهم حروب عظيمة، وما زالت الحرب ناشبةً بينهم حتَّى انسلخت هذه السنة وهم محاصرون [لبلد]

(2)

الخبيث ومن فيه، وقد تحول منهم خلْق كثير فصاروا على صاحب الزَّنج بعد أن كانوا معه، بلغ عددهم قريبًا من خمسين ألفًا من الأمراء الخواص والأجناد، والموفَّق وأصحابه ولله الحمد في ازدياد وقوة وظفر ونصر.

وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إسماعيل بن سَمُّويَه

(3)

.

وإسحاق بن إبراهيم، شاذان

(4)

.

وبحر

(5)

بن نَصْر الخَوْلانيّ.

وعباس التُّرْقُفيّ

(6)

.

(1)

"خامرت": خالطت وقاربت.

(2)

من ب، ظا.

(3)

إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، أبو بشْر العَبْدي الأصبهاني، سَمُّويَه، صاحب الأجزاء الفوائد التي تنبئ بحفظه وسعة علمه، ثقة صدوق. سير أعلام النبلاء (10/ 13)، العبر (2/ 35).

(4)

أبو بكر، النهشلي، الفارسي، شاذان، محدث، وثقه ابن حِبَّان. سير أعلام النبلاء (12/ 382)، العبر (2/ 35).

(5)

في الأصول والمطبوع: يحيى. وهو بحر بن نَصْر بن سابق الخولاني مو لاهم المصري، أبو عبد الله. محدّث ثقة.

تهذيب الكمال (4/ 16)، سير أعلام النبلاء (12/ 502).

(6)

عباس بن عبد الله بن أبي عيسى الباكُسائي التُّرْقُفي، محدث حجة أحد الرحَّالين في السُّنن، ثقة صالح عابد. سير أعلام النبلاء (13/ 12)، واللباب (1/ 112).

ص: 285

ومحمد بن حماد بن بكر بن حماد أبو بكر المقرئ

(1)

، صاحب خلف بن هشام البزَّار، ببغداد، في ربيع الأول.

ومحمد بن عُزَيز الأيلي

(2)

.

ويحيى بن محمد بن يحيى الذُّهْليّ، حَيْكان

(3)

.

ويونُس بن حَبيب

(4)

، راوي مسند أبي داود الطيالسيّ عنه.

‌ثم خلت سنة ثمان وستين ومئتين

في المحرم منها استأمن جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجَّان - وكان من أكابر أمراء صاحب الزَّنج وثقاتهم في أنفسهم - ففرح به الموفّق، وخلع عليه وأمَّره، فركب في سمريه، فوقف تجاه قصر الملك، فنادى في الناس وأعلمهم بكذب صاحب الزَّنج وفجوره، وأنه في غرورٍ هو ومَن اتبعه، فاستأمن بسبب ذلك بشرٌ كثيرٌ منهم، وبرد قتال الزَّنج إلى ربيع الآخر، فعند ذلك أمر الموفّق أصحابَه بمحاصرة السور، وأمرهم إذا نقبوه أن لا يدخلوا البلد حتى يأمرهم، فنقبوا البلد، وانثلم السور، وعجلوا فدخلوا، فقاتلهم الزَّنج فهزمهم المسلمون، وتقدَّموا إلى وسط المدينة، فجاءتهم الزَّنج من كلِّ جانب، وخرجت الكمناء من أماكن لا يهتدون إليها، فقتلوا من المسلمين خلْقًا واستلبوهم، وفرَّ الباقون، فلامهم أبو أحمد على مخالفته في

(5)

العجلة، وأجرى الأرزاقَ على ذريَّة مَن قُتِلَ منهم، فحسن ذلك عند الناس جدًّا.

(1)

سمع يزيد بن هارون وغيره. وكان أحد القراء المجودين ومن العباد الصالحين، وكان أحمد بن حنبل يجلّه ويكرمه ويصلي خلفه شهر رمضان وغيره. المنتظم (5/ 61).

(2)

محمد بن عُزَيز بن عبد الله بن زياد، الأيلي، أبو عبد الله العقيلي. روى عنه النسائي وابن ماجه وأبو داود في غير السنن. قال ابن أبي حاتم: كان صدوقًا. توفي بأيلة. تهذيب التهذيب (9/ 344).

(3)

أبو زكريا، الحافظ المجوّد الشهير، إمام أهل الحديث بنيسابور. قال الحاكم: هو إمام نيسابور في الفتوى والرئاسة، وابن إمامها، وأمير المطَّوِّعة المجاهدين بخراسان بلا مدافعة. قتله احمد الخُجُسْتاني ظلمًا لكونه قام عليه، وحاربه لاعتدائه وخسفه. سير أعلام النبلاء (12/ 285)، تهذيب التهذيب (11/ 276).

(4)

أبو بشر العجليّ، مولاهم، الأصبهاني. روى عن أبي داود الطيالسي "مسندًا" في مجلد كبير. قال بعضهم: كان يونس محتشمًا، عظيم القدر بأصبهان، موصوفًا بالدّين والصيانة والصلاح. سير أعلام النبلاء (12/ 596)، العبر (2/ 37).

(5)

في آ: من.

ص: 286

وظفر أبو العباس بجماعةٍ من الأعراب وغيرهم كانوا يجلبون الطعام إلى الزَّنج فقتلهم، وظفر ببهبوذ بن عبد الوهاب فقتله، وكان ذلك من أكبر الفتح عند المسلمين، وأعظم الرزايا عند الزَّنج، ولله الحمد.

وبعث عمرو بن الليث إلى أبي أحمد الموفّق ثلاثمئة ألف دينار وخمسين مَنَّا

(1)

من مسكٍ، وخمسين مَنًّا مَن عنبر، ومئتي مَنٍّ عودًا، وفضة بقيمة مئة ألف دينار، وثيابًا من وشي، وغلمانًا كثيرة جدًّا

(2)

.

وخرج ملك الروم المعروف بابن الصّقْلبيّة، فحاصر أهل مَلَطْيَة، فأعانهم أهلُ مَرْعش

(3)

، ففرَّ الخبيث خاسئًا.

وغزا الصائفة من ناحية الثغور

(4)

عاملُ ابن طولون، فقتل من الرّوم سبعة

(5)

عشر ألفًا.

وحجَّ بالناس فيها هارون بن محمد الهاشمي.

وقتل أحمد بن عبد الله الخُجُسْتانيّ

(6)

.

‌وتوفي فيها من الأعيان:

أحمد بن سيَّار

(7)

.

وأحمد بن شَيبان

(8)

.

وأحمد بن يونس الضَّبِّيّ

(9)

.

(1)

"المَنّ": مكيال بوزن فيه رطلان بغداديان. ويعادل: 816 غرامًا.

(2)

تاريخ الطبري (9/ 606).

(3)

في الطبري: أهل مرعش والحَدَث.

(4)

الطبري: الثغور الشامية.

(5)

الطبري: بضعة عشر.

(6)

قتله غلام له في ذي الحجة، كما في تاريخ الطبري (9/ 612).

(7)

أحمد بن سيَّار بن أيوب بن عبد الرحمن المَرْوَزيّ، أبو الحسن. إمام أهل الحديث في بلده علمًا وأدبًا وزهدًا وورعًا، وكان يقاس بعبد الله بن المبارك في عصره. وهو أحد من أدخل فقه الشافعي على خراسان، أخذه عن الربيع وغيره.

تهذيب الكمال (1/ 323)، سير أعلام النبلاء (12/ 609)، تهذيب التهذيب (1/ 35).

(8)

أحمد بن شيبان بن الوليد بن حيَّان، أبو عبد المؤمن الرَّملي، المحدّث الكبير الصدوق، وثقه الحاكم. سير أعلام النبلاء (12/ 346).

(9)

أحمد بن يونس بن المسيّب بن زهير بن عمرو، أبو العباس الضَّبِّي الكوفي، المحدّث القدوة. مات بأصبهان، وكان من جلّة المسندين بها. سير أعلام النبلاء (12/ 595).

ص: 287

وعيسى بن أحمد البَلْخيّ

(1)

.

ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصريّ

(2)

، الفقيه المالكي، وقد صحب الشافعيُّ وروى عنه.

‌ثم دخلت سنة تسع وستين ومئتين

في هذه السنة اجتهد الموفق وفقه الله، في تخريب سور مدينة صاحب الزَّنْج، فخرب منه

(3)

شيئًا كثيرًا، وتمكن الجيوش من العبور إلى البلد، ولكن جاءه في أثناء هذه الحالة سهمٌ في صدره من يد رجلٍ رومي يقال له: قرطاس، فكاد يقتله، ولكن اضطرب لذلك وهو يتجلّد، ويحضر القتال مع ذلك، وأقام ببلده الموفّقية أيامًا يتداوى، واضطربت الأحوال وخاف الناس جدًّا من صاحب الزَّنْج، وأشاروا على الموفق بالمسير إلى بغداد، فلم يقبل، وقويت علَّته، ثم منَ الله عليه بالعافية في شعبان، ففرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، فنهض مسرعًا إلى الحصار، فوجد الخبيثَ قد رمَّم كثيرًا مما كان هدم الموققُ، فأمر بتخريبه وما حوله وما قرب منه، ثم لازم الحصار، وما انفك حتَّى فتح المدينة الغربية، وخرّب قصور صاحب الزَّنج ودورَ أمرائه، واستلب من أموالهم شيئًا كثيرًا مما لا يُحدُّ ولا يوصف كثرة، وأسر من نساء الزَّنج، واستنقذ من نساء المسلمين وصبيانهم خلْقًا كثيرًا، فأمر بردّهم إلى أهاليهم مكرمين، وقد تحوَّل صاحبُ الزَّنج إلى الجانب الشرقي، وعمل الجسر والقناطر الحائلة بينه وبين وصول السمريات إليه، فأمر الموفّقُ بتخريبها وقطع الجسور، واستمرَّ الحصار في هذه السنة، وما برح حتَّى تسلَّم الجانب الشرقيّ، واستحوذ على حواصله وأمواله، وفرَّ الخبيثُ ذاهبًا وكرَّ هاربًا، وترك حلائله وأولاده وحواصله، فأخذها الموفق ولله الحمد والمنة، وشرحُ ذلك كلّه يطول جدًّا؛ وقد حرره مبسوطًا ابنُ جرير

(4)

، ولخصه ابنُ الأثير

(5)

، واختصره ابن كثير

(6)

، والله الموفّق للصواب وإليه المرجع والمآب.

ولما رأى الخليفة المعتمد أن أخاه قد استحوذ على أمور الخلافة وصار هو الحاكم الآمر الناهي،

(1)

عيسى بن أحمد بن عيسى بن وردان، أبو يحيى البغدادي، ثم البَلْخي العسقلاني، المحدّث الثقة. سير أعلام النبلاء (12/ 381).

(2)

أبو عبد الله، عالم الديار المصرية في عصره مع المزني، من أصحاب مالك، تفقَّه به، ولزمه مدَّة. له تصانيف كثيرة، منها كتاب في البرد على الشافعي. سير أعلام النبلاء (12/ 497).

(3)

في آ: منها.

(4)

انظر تاريخ الطبري (9/ 614 - 620 و 9/ 622 - 652).

(5)

الكامل (7/ 374 - 393).

(6)

يعني نفسه.

ص: 288

الذي إليه تجلب الأموال ويحمل الخراج، وهو الذي يولِّي ويعزل، كتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه ذلك، فكتب إليه أن يتحوَّل إلى عنده ببلاد مصر، ووعده النصر والقيام معه. فاستغنم غيبة أخيه الموفّق، وركب في جمادى الأولى ومعه جماعة من القواد، وقد أرصد له أحمد بن طولون جيشًا بالرقة يتلقَّونه، فلمَّا اجتاز الخليفةُ بإسحاق بن كنداج نائب الموصل وعامة الجزيرة اعتقله عنده عن المسير، وقيَّد أعيان الأمراء الذين معه، وعاتَبَ الخليفة ولامَهُ على هذا الضنيع أشدَّ اللوم، ثم ألزمه العَودَ إلى سامُرّا ومَنْ معه من الأمراء، فرجعوا إليها في غاية الإهانة والمذلَّة.

ولمَّا بلغ ذلك الموفّق شكر سعي إسحاق، وولاه جميعَ أعمال أحمد بن طولون إلى أقصى بلاد إفريقية، وكتب إلى أخيه أن يلعن ابن طولون في دار العامّة، فلم يمكن المعتمد إلا إجابته إلى ذلك، وهو كاره، وكان ابن طولون قد قطع من الخطبة ذكر الموفّق، وأسقط اسمه عن الطرازات.

وفي ذي القعدة وقعت فتنة بمكّة بين أصحاب الموفّق وأصحاب ابن طولون، فقُتِلَ من أصحاب ابن طولون مئتان وهرب بقيتهم، واستلبهم أصحاب الموفّق شيئًا كثيرًا

(1)

.

وفي هذه السنة قطع الأعراب على الحجيج الطريقَ وأخذوا منهم خمسةَ آلاف بعير بأحمالها.

وفيها توفي:

إبواهيم بن مُنْقِذ الكِناني

(2)

.

وأحمد بن خلاد

(3)

، مولى المعتصم، وكان من دعاة المعتزلة، أخذ الكلام عن جعفر بن معشر المعتزلي.

وسليمان بن حفص المعتزليّ

(4)

، صاحب بشر المَرِيسيّ، وأبي الهُذَيل العلاف.

وعيسى بن الشيخ بن السّليل الشيباني

(5)

، نائب إرمينية، وديار بكر.

وأبو فروة يزيد بن محمد الرُّهاوي، أحد الضعفاء

(6)

.

(1)

تفصيل ذلك في الطبري (9/ 652)، والكامل لابن الأثير (7/ 394).

(2)

أبو إسحاق الخولاني مولاهم، المصري العُصْفري، من أصحاب ابن وهب، وكانت كتبه قد احترقت وبقيت منها بقية، فحدث بما بقي. وهو ثقة. المنتظم (5/ 67)، سير أعلام النبلاء (12/ 503).

(3)

الكامل لابن الأثير (7/ 398) وفيه: أحمد بن مخالد أخذ الكلام عن جعفر بن مبشر.

(4)

الكامل لابن الأثير (7/ 398)، وفيه: سلمان بن حفص بن أبي عصفور الإفريقي، وكان معتزليًا يقول بخلق القرآن، وأراد أهل القيروان، فسلم ذلك، وصحب بشرًا المَرِيسي وأبا الهُذيل وغيرهما من المعتزلة.

(5)

كان غلب على دمشق أيام المهتدي وأوّل أيام المعتمد، فجاء عسكر المعتمد، فالتقاهم ابنه ووزيره فهزموا، وقتل ابنه وصلب وزيره، وهرب عيسى، ثم استولى على آمد وديار بكر مدة. العبر (2/ 47).

(6)

هو يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان، المحدث، سمع أباه والحسن بن موسى الأشيب وطائفة. قال ابن =

ص: 289

‌سنة سبعين ومئتين من الهجرة

فيها كان مقتل صاحب الزَّنج قبَّحه الله؛ وذلك أن الموفَّق لمَّا فَرَغَ من شأن مدينة صاحب الزَّنج المختارة، واحتاز ما كان بها من الأموال، وقتل من كان بها من الرجال، وسبَى مَن وجد فيها من النساء والأطفال، وقد هرب الخبيث عن حومة الجلاد والنزال، وسار إلى بعض البلاد طريدًا شريدًا بشرِّ حال، عاد الموفَّق وفقه الله، إلى مدينته الموفّقية مؤيدًا منصورًا، وقدم عليه لؤلؤ غلامُ أحمد بن طولون منابذًا لسيده، سامعًا مطيعًا لأبي أحمد الموفّق، فكان وروده عليه في ثالث المحرم من هذه السنة، فأكرمه وعظَّمه، وأعطاه وخلع عليه وأحسن إليه، وبعثه طليعة بين يديه لقتال صاحب الزَّنج، وركب هو في الجيوش الكثيفة الهائلة وراءه، فقصد الخبيثَ وقد تحصَّن ببلدة أخرى، فلم يزل به محاصرًا له حتى أخرجه منها ذليلًا وهو صاغر، واستحوذ هو على ما كان بها من الأموال والمغانم، ثم بعث السّرايا وراءه، فأسروا عامّةَ مَنْ كان قد صحبه من خاصته وجماعتهم؛ منهم سليمان بن جامع، فاستبشر الناس بأسره، وكبَّروا فرحًا بالنصر والفتح، وحمل الموفَّق بمن معه حملة واحدة على أصحاب الخبيث، فاستحرَّ. فيهم القتل، وما انجلت الحرب حتى جاءه البشير بقتل الخبيث صاحبِ الزَّنج في المعركة، وأتي برأس الخبيث مع غلام للؤلؤ؛ فتى أحمد بن طولون، فلمَّا تحقق الموفق أنه رأسه، بعد شهادة الأمراء الذين كانوا من أصحابه بذلك، خرَّ لله عز وجل ساجدًا، ثم انكفأ راجعًا إلى الموفَّقية، ورأسُ الخبيث يُحمل بين يديه، وسليمانُ معه أسير، فدخل البلدَ وهو كذلك، فكان يومًا مشهودًا، وفرح المسلمون بذلك في المشارق والمغارب، ثم جيء بأنكلاي ولدِ صاحب الزَّنج، وأبان بن عليّ المهلبيّ، مسعر حربهم، مأسورين، ومعهما قريبٌ من خمسة آلاف أسير، فتمَّ السرورُ، وهرب قرطاس الذي رمى الموفَّق في صدره بذلك السهم، إلى رامهرمز، فأخِذَ، وبُعث به إلى الموفَّق، فقتله أبو العباس ولدُ الموفّق. واستأمن مَنْ بقي من جيوش الزَّنج، فأمَّنهم الموفَّق، وفَّقه الله، ونادى في الناس بالأمان، وأن يرجع الناس الذين أخرجوا من ديارهم بسبب فتنة الزَّنج إلى أوطانهم وبلدانهم. ثم قدَّم ولده أبا العباس بين يديه إلى بغداد، ومعه رأسُ الخبيث يُحمل ليراه أهل بغداد، فدخلها لثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، وكان يومًا مشهودًا ببغداد، وانتهت أيامُ صاحب الزَّنج المدّعي الكذاب، قبحه الله تعالى.

= أبي حاتم: سألت أبي عن يزيد بن سنان، فقال: محله الصدق، والغالب عليه الغفلة، يكتب حديثه، ولا يُحتج به وسئل علي بن المديني عنه، فقال: ضعيف الحديث. الجرح والتعديل (9/ 266)، وسير أعلام النبلاء (12/ 555).

ص: 290

وقد كان ظهوره في يوم الأربعاء لأربع بَقِين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومئتين، وقتل في يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومئتين. وكانت دولته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، ولله الحمد والمنة.

وقد قيل في انقضاء دولة الزَّنج وما كان من النصر عليهم أشعارٌ كثير

(1)

؛ من ذلك قولُ يحيى بن محمّد الأسلميّ

(2)

.

أقولُ وقد جاءَ البشيرُ بوقعةٍ

أعزَّتْ مِنَ الإسلامِ ما كان واهيا

جَزَى اللهُ خيرَ النَّاسِ للناسِ بَعْدَما

أبيحَ حِماهُمْ خيرَ ما كانَ جازيا

تَفَرَّدَ إذْ لم ينصرِ اللهَ ناصرٌ

بتجديدِ دينٍ كانَ أصبحَ باليا

وتجديدِ

(3)

مُلْكٍ قد وَهَى بعدَ عِزِّهِ

وأخذٍ بثارات تُبيرُ الأعاديا

وَرَدَّ عِماراتٍ أزيلَتْ وأخْربتْ

ليرجعَ فيءٌ قدْ تُخُرِّمَ وافِيا

وتَرجِعَ أمصارٌ أبيحتْ وأحرِقَتْ

مِرارًا فقد أمْسَتْ قِوَاءً عَوافِيا

ويَشفِي صدورَ المسلمينَ بوقعةٍ

يُقرُّ بها منَّا العيونَ البواكيا

ويُتلَى كتابُ اللهِ في كلِّ مسجدٍ

ويُلفى

(4)

دعيّ الطالبيين خاسيا

فأعرَضَ عن أحبابهِ ونعيمه

وعنْ لذَّة الدنيا وأصبحَ غازيا

[وهي قصيدة طويلة هذا طرف منها]

(5)

.

وفي هذه السنة أقبلت الروم في مئة ألف مقاتل، فنزلوا قريبًا من طَرَسُوسَ، فخرج إليهم المسلمون فبيَّتوهم، فقتلوا منهم في ليلةٍ واحدةٍ حتَّى الصباح نحوًا من سبعين ألفًا من المقاتلة، ولله الحمد والمنة. وقُتل المقدَّم الَّذي عليهم وهو بطريق البطارقة، وجرح أكثر الباقين، وغنم المسلمون منهم غنيمةً عظيمة؛ من ذلك سبعة صلبان من ذهب وفضة، وصليبهم الأعظم عندهم، وهو من ذهب، صامت مكلَّل بالجواهر، وأربعة كراسي من ذهب، ومئتا كرسي من فضة، وآنية كثيرة من الفضة، وعشرة آلاف علَم من ديباج، وغنموا حريرًا كثيرًا، وخمسة عشر ألف دابَّة، وسروجًا وسلاحًا وسيوفًا محلاةً، وشيئًا كثيرًا جدًّا، ولله الحمد والمنة [أولًا وآخرًا]

(6)

.

(1)

ذكر الطبري قسمًا منها في تاريخه (9/ 663 - 665).

(2)

الطبري (9/ 663)، والكامل لابن الأثير (7/ 405).

(3)

في ط والطبري: وتشديد.

(4)

في ظا والطبري وابن الأثير: ويلقى دعاء.

(5)

من ب، ظا.

(6)

من ب، ظا.

ص: 291

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن طُولون

(1)

: أبو العبّاس أميرُ الديار المصرية وباني الجامع بها المنسوب إليه، وقد ملك دمشق، والعواصم، والثغور، مدَّة طويلة. وقد كان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح بن أسد بن سامان السامانيّ عامل بُخَارى إلى المأمون في سنة مئتين، ويقال: إلى الرشيد في سنة تسعين ومئة.

وولد أحمد هذا في سنة أربع عشرة، وقيل

(2)

: في سنة عشرين ومئتين، ومات أبوه طولون في سنة ثلاثين، وقيل: في سنة أربعين ومئتين.

وحكى ابنُ خلِّكان

(3)

أنه لم يكن ابنه وإنما تبنَّاه، والله أعلم.

وحكى ابنُ عساكر

(4)

أنه من جارية تركية اسمها هاشم.

ونشأ أحمد هذا في صيانةٍ وعفافٍ ودراسة للقرآن العظيم، مع حسن الصَّوت. وكان يعيب على أولاد الترك ما يرتكبونه من المحرَّمات والأشياء المنكرات

(5)

.

وحكى الحافظ ابن عساكر في "تاريخه"

(6)

عن بعض مشايخ مصرَ: أن طولون لم يكن أباه، وإنما كان قد تبنَّاه، وأنه كان ظاهر النجابة من صغره، وأنَّه اتفق أنه بعثه طولون في حاجةٍ ليأتيه بها من قصر دار الإمارة، فذهب فإذا حظيَّة من حظايا أبيه مع بعض الخدم في فاحشةٍ، فأخذ حاجته التي أمره بها [أبوه]

(7)

، وكر راجعًا إليه سريعًا، ولم يخبره بشيء مما رأى من ذلك، فتوهَّمت الحظئة أن يكون قد أخبره [بما رأى]

(8)

، فجاءت إلى طولون، فقالت: إن أحمد جاءني الآن إلى المكان الفلاني وراودني عن نفسي، وانصرفت إلى قصرها، فوقع في نفسه صدقُها، فاستدعى أحمد، وكتب معه في كتاب، وختمه إلى بعض الأمراء: أن إذا وصل إليك حامل هذا الكتاب فاضرب عنقه، وابعث برأسه سريعًا إليَّ.

(1)

مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (3/ 122)، الطبري (9/ 666)، المنتظم (5/ 71)، الكامل لابن الأثير (7/ 408)، وفيات الأعيان (1/ 173)، سير أعلام النبلاء (13/ 94)، العبر (2/ 43)، الوافي بالوفيات (6/ 430)، النجوم الزاهرة (3/ 1 - 21)، شذرات الذهب (2/ 157).

(2)

قوله: وقيل: في سنة عشرين لم يرد في ب، ظا، ط.

(3)

وفيات الأعيان (1/ 174).

(4)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 125).

(5)

بعدها في آ، ط: وكانت أمه جارية اسمها هاشم ولم ترد في ب، ظا.

(6)

مختصره لابن منظور (3/ 122).

(7)

من ب، ظا.

(8)

من ب، ظا.

ص: 292

فذهب أحمد وهو لا يدري ما في الكتاب، فاجتاز في طريقه بتلك الحظية، فاستدعته إليها، فقال: إني مشغول بهذا الكتاب لأوصله إلى فلان. فقالت: هلمَّ، فلي إليك حاجة، وأرادت أن تحبسه عندها ليكتب لها كتابًا؛ لتحقق في ذهن الملك ما ذكرته من أمره، وأرسلت بذلك الكتاب مع الخادم الذي كانت هي وإياه على الفاحشة. وجلس أحمد يكتب لها، وذهب ذلك الخادم إلى ذلك الأمير بالكتاب.

فلما قرأه أمر بضرب عنقه، وأرسل برأسه إلى الملك طُولون. فتعجب الملك، وقال: أين أحمد؟ فطُلِبَ له، فقال: ويحك! أخبرني كيف صنعت منذ خرجت من بين يدي؟ فأخبره بما جرى من الأمر. ولمَّا سمعت تلك الحظيَّة بأنَّ رأسَ الخادم قد أُتِيَ به إلى الملك أسقط في يدها، وتوهَّمت أنَّ الملك قد تحقَّق الحال، فقامت إليه تعتذر وتستغفر مما وقع منها مع الخادم، واعترفت بالحقِّ، وبرّأت ساحة أحمد، فحظي عنده، وأوصى له بالملك من بعد

(1)

.

ثم ولي نيابة الديار المصرية للمعتزّ، فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقِين من رمضان سنة أربع وخمسين ومئتين، فأحسن إلى أهلها إحسانًا كثيرًا، وأنفق فيهم من بيت المال ومن صدقاته. واستغل الديار المصرية في بعض السنين أربعة آلاف ألف دينار [وثلاثمئة ألف دينار]

(2)

، وبنى بها الجامع، وغرم عليه مئة ألف دينار وعشرين ألف دينار، وكان فراغه في سنة تسع وخمسين، وقيل: في سنة ستٍّ وستين. وكانت له مائدة في كلِّ يومٍ يحضرها الخاصّ والعامّ، وكان يتصدَّق في كلِّ شهرٍ من خالص ماله بألف دينار. وقال له وكيله يومًا: إنه تأتيني المرأة وعليها إزار وبذلة وهيئة، فتسألني، أفأعطيها؟ فقال: من مدَّ يده إليك فأعطه. وكان من أحفظ الناس لتلاوة القرآن، ومن أطيبهم صوتًا به.

وقد قيل فيما حكاه ابن خلِّكان

(3)

: إنه قتل صبرًا نحوًا من ثمانية عشر ألف نفسٍ، والله أعلم.

وبنى البيمارستان فغرم عليه ستين ألفَ دينار، على المَيْدان

(4)

مئة وخمسين ألفًا، وكان له صدقات كثيرة جدًّا، وإحسان زائد.

ثم ملك دمشق بعد أميرها أماخور في سنة أربع وستين ومئتين، فأحسن إليهم أيضًا، واتفقَ أن وقع بها حريق عند كنيسة مريم، فنهض بنفسه إليه ومعه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الحافظ الدمشقي، وكاتبه أبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطيّ. ثم أمر كاتبه أن يخرج من مال الأمير سبعين ألف دينار تصرف إلى أهل الدُّور والأموال التي أحرقت، فصرف إليهم جميع قيمة ما ذكروه، وبقي أربعة عشر ألف

(1)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 123)، والنجوم الزاهرة (3/ 2).

(2)

من ب، ظا.

(3)

وفيات الأعيان (1/ 173).

(4)

في النجوم الزاهرة (3/ 12): وعلى المَيْدان خمسين ألف دينار.

ص: 293

دينار، فأمر بها أن توزَّع عليهم على قدر حصصهم، ثم أمر بمالٍ عظيم يفرَّق على فقراء دمشق وغوطتها، فأقل ما حصل للفقير دينار

(1)

. رحمه الله.

ثم خرج إلى أنطاكية، فحاصر بها صاحبها سيما حتَّى قتله وتسلَّم البلد، كما ذكرنا ذلك فيما تقدَّم.

ثم كانت وفاته بمصر في أوائل ذي القعدة من هذه السنة من علَّة أصابته من أكل لبن الجواميس، فأصابه ذَرَبٌ

(2)

، فداواه الأطباء [وأمروه أن يحتمي منه]

(3)

فلم يقبل منهم، فكان يأكل منه في الخفية، فمات رحمه الله.

وقد ترك من الأموال والأثاث والدّواب شيئًا كثيرًا جدًّا؛ من ذلك عشرة آلاف ألف دينار. وكان له ثلاثة وثلاثون ولدًا، منهم سبعة عشر ذكرًا، فقام بالأمر من بعده ولدُه خُمَارَوَيْه، وسيأتي

(4)

ما كان من أمره.

وكان له من الغلمان أربعة وعشرون ألف غلام، ومن الموالي سبعة آلاف مولى، ومن البغال والخيل والجمال شيء كثير جدًّا.

قال ابن خلِّكان

(5)

: وإنما تغلَّب على البلاد لاشتغال الموفّق طلحة بن المتوكل بحرب صاحب الزَّنج، وقد كان الموفّق نائبَ أخيه المعتمد

(6)

على الله، وهو والد المعتضد، رحمهم الله.

وأحمد بن محمد بن عبد الكريم بن سَهْل الكاتب، صاحب كتاب "الخراج"؛ قاله ابن خلكان

(7)

.

وأحمد بن عبد الله بن البَرْقيّ

(8)

.

وأسيدُ بن عاصم الجَمَّال

(9)

.

(1)

مختصر ابن عساكر (3/ 126)، النجوم الزاهرة (3/ 13 - 14).

(2)

"الذَّرَبُ": داء يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام، ويفسد فيها ولا تمسكه.

(3)

زيادة من ط.

(4)

سيأتي في وفيات سنة 282 هـ.

(5)

وفيات الأعيان (1/ 173).

(6)

في آ: "المعتمد على أخيه، وهو والد المعتمد، رحمهم الله" وصححت من ب، ظا.

(7)

وفيات الأعيان (1/ 101).

(8)

أبو بكر، المحدّث، الصادق. له كتاب في معرفة الصحابة وأنسابهم، وكان من أئمة الأثر، وكان يمشي في سوق الدواب فضربته دابة فمات من يومه، وهو من أبناء الثمانين. المنتظم (5/ 71)، سير أعلام النبلاء (13/ 47).

(9)

أسيد بن عاصم الثقفي الأصبهاني، أبو الحسين. المحدّث الحافظ. وثقه ابن أبي حاتم. والجمَّال لقب لأسيد بن زيد بن نجيح الجمَّال القرشي الهاشمي، فلعله اختلط في ذهن المؤلف، رحمه الله. سير أعلام النبلاء (12/ 378)، وتهذيب الكمال (3/ 338).

ص: 294

وبكَّار بن قُتيبة المصريّ

(1)

، في ذي الحجة من هذه السنة.

والحسن بن زيد العلويّ

(2)

: صاحب طَبَرستان في رجب من هذه السنة، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام، وقام من بعده [بالأمر]

(3)

أخوه محمّد بن زيد

(4)

.

وكان الحسن بن زيد كريمًا جوادًا ممدّحًا، يعرف الفقه والعربية، قال له شاعر في جملة قصيدة: الله فردٌ، وابن زيد فردٌ، فقال له: بفيك

(5)

الإثلِبُ، هلا قلت: اللهُ فردٌ، وابن زيد عبدٌ. ثم نزل عن سريره وخرَّ ساجدًا لله، وألصق خدَّه بالتراب ولم يعطِ ذلك الشاعرَ شيئًا.

وامتدحه بعضهم، فقال في أول قصيدته

(6)

:

لا تَقُلْ بُشرى ولكن بُشْريَان

عِزَّةُ الدَّاعي وَيوْمُ المِهْرَجانِ

فقال له الحسن بن زيد: لو ابتدأت بالمصراع الثاني لكان أحسن، وأبعد ذلك أن تبتدئَ شعرك بحرف "لا". فقال له الشاعر: ليس في الدنيا كلمة أجل من قول: لا إله إلا الله. فقال: أصبت، وأمر له بجائزة سنية.

والحسن بن عليّ بن عفَّان العامريّ

(7)

.

وداود بن عليّ

(8)

الأصبهاني ثم البغدادي، الفقيه الظاهري: إمام أهل الظاهر، روى عن أبي ثور

(9)

إبراهيم بن خالد، وإسحاق بن راهَوَيْه، وسليمان بن حَرْب، وعبد الله بن مَسْلمة القَعْنَبيّ، ومُسَدَّد بن مسَرْهَدٍ

(10)

، وغيرِ واحدٍ.

(1)

بكَّار بن قتيبة الثقفي البَكْراوي، أبو بَكْرة، العلامة المحدّث، قاضي الديار المصرية، الفقيه الحنفي. له أخبار في العدل والعفة والنزاهة والورع. ولاه المتوكل القضاء. وكان أحمد بن طولون أراد بكارًا على لعن الموفّق، وليّ عهد المعتمد، فامتنع، فسجنه، إلى أن مات ابن طولون. سير أعلام النبلاء (12/ 599)، والعبر (2/ 44).

(2)

تاريخ الطبري (9/ 271 - 276 و 666)، الكامل لابن الأثير (7/ 130 - 134 و 407)، سير أعلام النبلاء 130/ 136). وتحدث المؤلف عن خروجه في حوادث سنة 250.

(3)

من ب، ظا، ط.

(4)

الكامل لابن الأثير (7/ 407).

(5)

لفظة بفيك سقطت من آ. و"الإثلب": التراب والحجارة.

(6)

الكامل لابن الأثير (7/ 408).

(7)

أبو محمد الكوفيّ. المحدّث الثقة، المسند. ذكره ابن حبَّان في الثقات. سير أعلام النبلاء (13/ 24)، تهذيب الكمال (6/ 257).

(8)

تاريخ بغداد (8/ 369)، المنتظم (5/ 75)، وفيات الأعيان (2/ 255)، ميزان الاعتدال (2/ 14)، العبر (2/ 45)، طبقات السبكي (2/ 284)، النجوم الزاهرة (3/ 47)، شذرات الذهب (2/ 158).

(9)

هو أبو ثور الكلبي.

(10)

في آ، ط: مسهر.

ص: 295

وروى عنه ابنه الفقيه أبو بكر بن داود، وزكريّا بن يحيى السَّاجي.

قال الخطيب

(1)

: وكان فقيهًا زاهدًا، وفي كُتُبِه حديثٌ كثيرٌ، والرواية عنه عزيزة جدًّا.

وكانت وفاته ببغداد في هذه السنة، وكان مولده في سنة مئتين.

وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "طبقاته"

(2)

: أن أصله من أصبهان، وولد بالكوفة، ومنشَؤُه ببغداد، وأنه انتهت إليه رئاسة العلم بها، وكان يحضر مجلسه أربعُمئة طَيْلسان أخْضَر، وكان من المتعصِّبين للشَّافعي، وصنَّف

(3)

مناقبه. وقال غيره: كان حسن الصلاة والتواضع. وقد قال الأزدي: تُرك حديثه. ولم يتابع

(4)

الأزدي على ذلك. لكن روي عن الإمام أحمد أنَّه تكلَّم فيه بسبب كلامه في القرآن وأنَّ لفظه به مخلوق، كما نسب إلى الإمام البخاري، رحمه الله.

قلت: وقد كان من الفقهاء المشهورين، ولكن حصر نفسه بنفيه القياس الصحيح، فضاق بذلك ذرعه في أماكنَ كثيرةٍ من الفقه، فلزمه القول بأشياء فظيعة صار إليها بسبب اتباعه الظاهر المجرد من غير تفهُّم لمعنى النص. وقد اختلف [الفقهاء]

(5)

القياسيُّون بعده في الاعتداد بخلافه؛ هل ينعقد الإجماع بدونه مع خلافه أم لا؟ على أقوالٍ ليس هذا موضع بسطها.

وممن توفي فيها:

الرَّبيع بن سليمان المُرادي

(6)

، صاحب الشافعيّ وقد ترجمناه في "طبقات الشافعية".

والقاضي بكَّار بن قتيبة، الحاكم بالدِّيار المصرية من سنة ستٍّ وأربعين ومئتين إلى أن توفي بها مسجونًا في حبس أحمد بن طُولون؛ لكونه لم يخلع الموفَّق في سنة سبعين، رحمه الله. وكان عالمًا عابدًا زاهدًا كثيرَ التلاوة والمحاسبة لنفسه، وقد شَغرَ منصبُ القضاء بعدَه بمصر ثلاث سنين. وقد بسط ابن خلكان

(7)

ترجمته في الوفيات، رحمه الله.

(1)

تاريخ بغداد (8/ 369).

(2)

طبقات الفقهاء (92)، سير أعلام النبلاء (13/ 102).

(3)

صنَّف كتابين في فضائله والثناء عليه. طبقات الفقهاء (92)، سير أعلام النبلاء (13/ 103).

(4)

في آ: يتابعه.

(5)

من ب، ظا.

(6)

أبو محمد، المصري المؤذن، صاحب الإمام الشافعي وناقل علمه، وشيخ المؤذنين بجامع الفسطاط، ومستملي مشايخ وقته. المحدث الفقيه الكبير. أفنى عمره في العلم ونشره. سير أعلام النبلاء (12/ 517)، طبقات الشافعية للسبكي (2/ 132).

(7)

وفيات الأعيان (1/ 280 - 282). سير أعلام النبلاء (12/ 599 - 605).

ص: 296

ابن قُتَيْبَةَ الدَّيْنَوَرِيّ

(1)

عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّيْنَوَريّ: قاضيها، النحويّ، اللغويّ، صاحبُ المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة نافعة.

اشتغل ببغداد وسمع بها الحديث على إسحاق بن رَاهَوَيْه، وطبقته، وأخذ اللغة عن أبي حاتم السجستانيّ وذويه، وصنَّف وجمَعَ وألَّف الكتب المشهورة الكثيرة، فمن ذلك: كتاب "المعارف"، و "أدب الكاتب" الذي شرحه أبو محمد بن السيد البطليوسي، وكتاب "مشكل القرآن والحديث"، و "غريب القرآن والحديث"، و "عيون الأخبار"، و "إصلاح الغلط"، وكتاب "الخيل"، وكتاب "الأنوار"، وكتاب "المسائل والجوابات" وكتاب "الميسر والقداح"، وغير ذلك.

كانت وفاته في هذه السنة، وقيل في التي بعدها

(2)

. ومولده في سنة ثلاث عشرة ومئتين، ولم يجاوز الستين، رحمه الله.

وروى عنه ولدُه أحمد جميعَ مصنّفاته. وقد ولي ولده أحمد قضاء مصر سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة، وتوفي بها بعد سنة، رحمه الله.

ومحمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني

(3)

.

ومحمد بن مُسلم بن وَارَة

(4)

.

ومُصعب بن أحمد بن مُصعب، أبو أحمد الصّوفي

(5)

، كان من أقران الجُنَيْد.

وفيها: توفي ملك الروم: ابن الصَّقلبيَّة، لعنه الله.

(1)

طبقات النحويين واللغويين للزبيدي (116)، الفهرست: المقالة الثانية، الفن الثالث، تاريخ بغداد (10/ 170)، المنتظم (5/ 102)، إنباه الرواة (2/ 143)، وفيات الأعيان (3/ 42)، تذكرة الحفاظ (2/ 633)، سير أعلام النبلاء (13/ 296)، النجوم الزاهرة (3/ 75)، بغية الوعاة (2/ 63)، شذرات الذهب (2/ 169).

(2)

جعلها الذهبي في سير أعلام النبلاء سنة (276 هـ)، وسيذكر المؤلف ترجمته في هذه السنة أيضًا.

(3)

في آ، ط: الصفار والمثبت من ب، ظا. وهو أبو بكر. حافظ مجوَّد حجة، ثقة. أحد الأثبات المتقنين، مع صلابة في الدين، واشتهار بالسنة، واتساع في الرواية. تاريخ بغداد (1/ 240)، سير أعلام النبلاء (12/ 592).

(4)

محمد بن مُسلم بن عثمان بن عبد الله، أبو عبد الله، ابن وارة الرَّازي. أحد الأعلام. كان يضرب به المثل في الحفظ، على حُمْق فيه وَتِيه. قال النسائي: هو ثقة، صاحب حديث. سير أعلام النبلاء (13/ 28)، العبر (2/ 46).

(5)

هو أبو أحمد القلانِسي، البغدادي، شيخ الصوفيّة، كان مقدمًا على جميع مريدي بغداد؛ لما كان فيه من السخاء والأخلاق، ومراعاته مذاهب النسك، مع طيب القلب. تاريخ بغداد (13/ 114)، سير أعلام النبلاء (13/ 170).

ص: 297

وفيها: ابتدأ إسماعيل بن موسى ببناء مدينة لارِدَة

(1)

من الأندلس

(2)

.

‌ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومئتين

فيها عزل الخليفةُ عمرَو بن الليث عن ولاية خراسان، وأمر بلعنه على المنابر، وفوَّض أمرَ خراسان إلى محمد بن طاهر، وبعث إلى عمرو جيشًا، فهُزِم

(3)

عمرو.

وفيها: كانت وقعة بين أبي العباس المعتضد بن الموفّق أبي أحمد وبين خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون، وذلك أن خُمَارَوَيْه لمَّا ملك بعد أبيه بلادَ مصر والشام، جاءه جيشٌ من جهة الخليفة عليهم إسحاق بن كنداجيق، نائب الجزيرة، وابن أبي السَّاج، فقاتلوه بأرض شِيرَز

(4)

، فامتنع من تسليم الشام إليهم، فاستنجدوا بأبي العباس، فقدِمَ إليهم، فكسَرَ جيشَ خُمَارَوَيْه بن أحمد، وتسلَّمَ دمشقَ واحتازها، ثم سار نحو خُمَارَوَيْهِ لا إلى بلاد الرَّملة عند ماءٍ عليه طواحين، فاقتتلوا هنالك، فبذلك تسمَّى وقعة الطواحين، ثم كانت النوبة أولًا لأبي العبَّاس على خُمَارَوَيْه، فهزمه حتَّى هرب خُمَارَوَيْه لا يلوي على شيء، فلم يرجعْ حتَّى دخل الدِّيار المصرية، فأقبل أبو العبَّاس وأصحابُه على نَهْب معسكرهم، فبينما هم كذلك إذْ أقبل كمينٌ لجيشِ خُمَارَوَيْه، وهم مشغولون بالغنيمة، فوضعت المصريون فيهم السيوفَ، فقُتِلَ خلْقٌ كثير، وانهزم الجيش، وهرب أبو العبَّاس المعتضدُ، فلم يرجعْ حتَّى وصَل إلى دمشق، فلم يفتحْ له أهلُها بابها، فانصرف حتَّى وصل إلى طَرَسُوسَ.

وبقي الجيشان المصري والعراقي يقتتلان، وليس في واحدٍ منهما أمير، ثم كان الظَّفَرُ للمصريين؛ لأنَّهم أقاموا أبا العشائر أخا خُمَارَوَيْه عليهم أميرًا، فغَلَبوا بسبب ذلك، واستقرَّت أيديهم على دمشقَ وسائر الشام، وهذه

(5)

من أعجب الوقعات.

وفيها: جرت حروب كثيرة بأرض الأندلس من بلاد المغرب

(6)

.

وفيها: دخل إلى المدينة النبويّة محمّد وعليٌّ ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمّد بن

(1)

"لارِدَة": مدينة مشهورة بالأندلس شرقي قرطبة. ياقوت.

(2)

وتتمة الخبر في الكامل لابن الأثير (7/ 411): وكان مخالفًا لمحمد صاحب الأندلس، ثم صالحه في العام الماضي، فلما سمع صاحب برشلونه الفرنجيّ، جمع وحشد وسار يريد منعه من ذلك، فسمع به إسماعيل، فقصده وقاتله، فانهزم المشركون، وقتل أكثرهم، وبقي أكثر القتلى في تلك الأرض دهرًا طويلًا.

(3)

في ظ: فهزمه عمرو.

(4)

تحرفت من ط إلى ويترز. وشِيْرَز: من قرى سَرَخْس، شبيهة بالمدينة، على طرف من طريق هراة. ياقوت.

(5)

في آ: وهذا.

(6)

الكامل لابن الأثير (7/ 416 - 417).

ص: 298

عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، فقتلا خلْقًا كثيرًا من أهلها، وأخذا أموالًا جزيلة، وتعطَّلت الصلوات في المسجد النبويّ أربعَ جمَع، لم يحضر الناس فيه جمعة ولا جماعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون

(1)

.

وجرت بمكَّة فتنة أخرى، واقتتل الناس على باب المسجد الحرام أيضًا

(2)

.

وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن إسحاق العباسي

(3)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

عبَّاس بن محمّد الدُّوريُّ

(4)

، تلميذ ابن مَعين وغيره من أئمة الجرح والتعديل.

وعبد الرحمن بن محمد بن منصور البصريّ

(5)

.

ومحمد بن حمَّاد الطَّهْراني

(6)

.

ومحمد بن سِنان القزَّاز

(7)

.

ويوسف بن مُسَلَّم

(8)

.

بوران بنت الحسن بن سهل زوجة المأمون

(9)

: ويقال: إن اسمها خديجة، وبوران لقب، والصحيح الأول.

(1)

الطبري (10/ 7)، ابن الأثير (7/ 413).

(2)

تفصيل ذلك في الطبري (10/ 8).

(3)

في آ: هارون بن موسى بن إسحاق، والمثبت من (ب، ظا). وفي الطبري: هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى العباسي.

(4)

أبو الفضل الدُّوريّ ثم البغدادي، مولى بني هاشم، أحد الأثبات المصنفين، من حفاظ وقته. سير أعلام النبلاء (12/ 522).

(5)

أبو سعيد الحارث، البصري، ثم البغدادي، ولقبه كُرْبُزَان، محدِّث، معمّر، ليس بالقوي. سير أعلام النبلاء (13/ 138)، العبر (2/ 48).

(6)

أبو عبد الله الرازيّ الطِّهراني. أحد من رحل إلى عبد الرزاق، وحدّث بمصر والشام والعراق، وكان ثقة. توفي بعَسْقَلان وله نيف وثمانون سنة. سير أعلام النبلاء (12/ 628)، العبر (2/ 48).

(7)

في الأصول: العوفي، خطأ، وهو محمد بن سنان القزَّاز، أبو الحسن، أخو يزيد بن سنان القزَّاز. اتهمه أبو داود وكذَّبه، وأما الدارقطني فقال: لا بأس به.

وهناك محمد بن سنان الباهلي، أبو بكر البصري، المعروف بالعَوَقي، المتوفى نحو سنة 223 هـ.

سير أعلام النبلاء (12/ 554)، وتهذيب التهذيب (9/ 205).

(8)

هو يوسف بن سعيد بن مُسَلَّم، أبو يعقوب المِصِّيصيّ، الحافظ الحجة المصنِّف، محدِّث المصّيصة. قال النسائي: ثقة حافظ. سير أعلام النبلاء (12/ 622)، العبر (2/ 48).

(9)

وفيات الأعيان (1/ 287)، مروج الذهب (4/ 30).

ص: 299

عقد عليها المأمون بفم الصلح سنة ثنتين ومئتين، ولها عشر سنين، فنثر أبوها على الناس يومئذٍ بنادقَ المسك، مكتوبٌ في ورقة وسط كُلِّ بندقة اسمُ قريةٍ، أو مُلْكٌ، أو جارية، أو غلام، أو فرس، فمن التقط من ذلك شيئًا ملكه، ونثر على عامَّة الناس الدنانير ونَوافج

(1)

المسك وبَيْض العنبر. وأنفق على المأمون وعسكره مدة مقامه تلك الأيام خمسين ألف ألف درهم. فلما ترحَّل [المأمون]

(2)

عنه أطلق له عشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه فم الصلح.

وبنى بها في سنة عشر

(3)

.

فلما جلس المأمون فرشوا له حصيرًا من ذهبٍ، ونثروا على قدميه ألفَ حبّةِ جوهر، وهناك تَوْرٌ

(4)

من ذهب فيه شمعة من عنبرٍ، زنة أربعين مَنًّا من عنبر، فقال: هذا سَرَفٌ، ونظر إلى ذلك الحب على الحصر يضيء، فقال: قاتَلَ اللهُ أبا نُوَاس حيث يقول في صفة الخمر

(5)

:

كأنَّ صُغْرَى وكُبْرَى مِنْ فَقاقِعِها

حَصْباءُ دُرٍّ على أرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ

ثم أمر بالدُّرِّ فجُمع فوضع في حجرها، وقال: هذا نِحْلَةٌ

(6)

منِّي لكِ، وسلي حاجتك.

فقالت لها جدتها: سلي سيدك، فقد استنطقك.

فقالت: أسألُ أميرَ المؤمنين أن يرضى عن إبراهيم بن المهديّ، فرضي عنه.

ثم أراد الاجتماع بها فإذا هي حائض، وكان ذلك في شهر رمضان. ثم توفي المأمون في سنة ثماني عشرة ومئتين، وتأخَّرت هي بعده حتى كانت وفاتها في هذه السنة، ولها ثمانون سنة.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومئتين

في جُمادى الأولى منها سار نائب قزوين وهو أذكوتكين في أربعة آلاف مقاتل، إلى محمد بن زيد العلويّ، صاحب طَبَرستان بعد أخيه الحسن بن زيد، وهو بالرَّيّ، في جيشٍ عظيم من الدَّيلم وغيرهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزمه أذكوتكين

(7)

، وغنم ما في معسكره، وقتَلَ من أصحابه ستة

(1)

"النوافج": جمع نافِجة، وهي وعاء المسك في جسم الظبي.

(2)

زيادة من ط.

(3)

راجع حوادث سنة (202) وسنة (210).

(4)

"التَّوْر": إناء يشرب فيه.

(5)

ديوان أبي نواس، المطبعة العمومية ص (243).

(6)

"النِّحْلَة": العطية.

(7)

في آ: أزلرتكين.

ص: 300

آلاف، ودخل الرَّيّ، فأخذ من أهلها مئة ألف ألف دينار، وفرَّق عمَّاله في نواحي الرَّيّ

(1)

.

وفيها: وقع بين أبي العباس بن الموفّق وبين صاحب ثغر طَرَسوس وهو بازما

(2)

الخادم فثار أهلُ طَرَسوس على أبي العباس، فأخرجوه عنهم، فرجع إلى بغداد.

وفيها: دخل حَمدان بن حمدون، وهارون الشاري، مدينة الموصل، وصلَّى بهم الشاري في جامعها الأعظم.

وفيها: عاثت بنو شيبان في أرض الموصل، وسعَوا في الأرض فسادًا.

وفيها: تحرَّكت بفيَّة الزَّنج في أرض البصرة، ونادوا: يا أنكلاي

(3)

، يا منصور، - وكان أنكلاي ابن صاحب الزَّنج - وسليمان بن جامع، وأبان بن علي المهلّبيّ، وجماعة من وجوه أمرائهم، في جيش الموفَّق، فبعث إليهم، فقُتلوا، وحُمِلَت رؤوسهم إليه، وصُلبت أبدانهم ببغداد، وسكنت الشرور.

وفيها: صلَح أمر المدينة النبوية وتراجع الناس إليها، ولله الحمد.

وفيها: جرت حروبٌ كثيرة ببلاد الأندلس، وتسلَّمت الروم من المسلمين بلدين عظيمين من الأندلس، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها: قدم صاعد بن مخلد الكاتب من فارس إلى واسط، فأمر الموفَّقُ القوَّاد أن يتلقَّوه، فدخل في أُبَّهة عظيمة، ولكن ظهر منه تِيهٌ وعجب شديد، فأمر الموفَّق عمَّا قريب بالقبض عليه وعلى أهله وأمواله وحواصله، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بُلبل.

وحجَّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق العباسي، أمير الحج منذ دهر.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن الوليد الجَشَّاش

(4)

.

وأحمد بن عبد الجبَّار بن محمد بن عُطارد العُطَارديّ التميمي

(5)

، راوي السيرة عن يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق بن يسار وغير ذلك.

(1)

ابن الأثير (7/ 418).

(2)

في ط والطبري: يا زمان.

(3)

في ب، ظا: يا أنكالي.

(4)

في ط: "بن الحسحاس" وفي الكامل "بن الخشخاش" وكلاهما خطأ، وما أثبتناه من كتب المشتبه ومنها توضيح ابن ناصر الدين (2/ 361) وهو إبراهيم بن الوليد بن أيوب أبو إسحاق الجشاش. سمع أبا نعيم والقعنبي وغيرهم كان ثقة - تنظر ترجمته في تاريخ بغداد للخطيب (6/ 199) والمنتظم (5/ 85)، وابن الأثير (7/ 421).

(5)

أبو عمرو الكوفي، الشيخ المعمّر المحدِّث، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح. مات بالكوفة وله خمس وتسعون سنة. سير أعلام النبلاء (13/ 55)، تقريب التهذيب (1/ 19).

ص: 301

وأبو عُتْبةَ الحِجازيّ

(1)

.

وسليمان بن سَيْف

(2)

.

وسليمان بن وَهْب الوزير

(3)

، في حبس الموفَّق.

وشعيب بن بكَّار

(4)

، يَروي عن أبي عاصم النبيل.

ومحمد بن صالح بن عبد الرحمن الأَنماطي، ويلقب بكَيْلَجة

(5)

، وهو من تلاميذ يحيى بن معين.

ومحمد بن عبد الوهاب الفرَّاء

(6)

.

ومحمد بن عُبَيد الله، ابن المُنَاديّ

(7)

.

ومحمد بن عَوْف الحمصيّ

(8)

.

وأبو مَعْشَر المنجِّم

(9)

: واسمه جعفر بن محمد بن عمر البلخي، أستاذ عصره في صناعة التنجيم،

(1)

هو أحمد بن الفرج بن سليمان، أبو عُتْبَة الكِندي الحمصي، الملقب بالحجازي المؤذن. كانت له رحلة وعناية بالحديث، وعُمِّر دهرًا، واحتح إليه. وهو وسط ليس بالحجة. سير أعلام النبلاء (12/ 584)، العبر (2/ 49).

(2)

سليمان بن سَيْف بن يحيى بن درهم، أبو داود الحَرَّاني، الطائي مولاهم، محدِّث حرَّان وشيخها. روى عنه النسائي كثيرًا، وقال: ثقة. سير أعلام النبلاء (13/ 147)، العبر (2/ 50).

(3)

أبو أيوب الحارثي، وزير، من كبار الكتَّاب، من بيت كتابة وإنشاءٍ في الشام والعراق. كتب للمأمون وهو حَدَث، وولي الوزارة للمهتدي بالله، ثم للمعتمد على الله، ونقم عليه الموفَّق بالله، فحبسه، فمات في حبسه. له "ديوان رسائل". وفيات الأعيان (2/ 415)، سير أعلام النبلاء (13/ 127).

(4)

الكامل لابن الأثير (7/ 421)، وفي آ، ط: شعبة.

(5)

في الأصول والمطبوع: "ويلقب بمكحلة"، وصححت من مصادر الترجمة. وهو أبو بكر الأنماطي البغدادي، محدّث جوال، حافظ متقن ثقة. توفي بمكة وكيلجة لقب. لقبه إياه يحيى بن معين.

تاريخ بغداد (4/ 203)، سير أعلام النبلاء (12/ 606)، العبر (2/ 50).

(6)

محمد بن عبد الوهاب بن حبيب بن مهران، العَبْدي الفرَّاء النيسابوري، ويعرف أيضًا بحَمَك، أبو أحمد. العلامة الحافظ الأديب. كان وجه مشايخ نيسابور عقلًا وعلمًا وجلالة وحشمة. قال الحاكم: كان يفتي في الفقه والحديث والعربية، ويرجع إليه فيها. مات عن نيّف وتسعين سنة. سير أعلام النبلاء (12/ 606)، العبر (2/ 50).

(7)

محمد بن عبيد الله بن يزيد، أبو جعفر، ابن المنادي البغدادي، المحدث الثقة. مات وله مئة سنة وسنة وأربعة أشهر. سير أعلام النبلاء (12/ 555)، العبر (2/ 50).

(8)

أبو جعفر الطائي، محدّث حمص، حافظ مجوِّد، من أئمة الحديث. سير أعلام النبلاء (12/ 613)، العبر (2/ 50).

(9)

الفهرست (1/ 277)، وفيات الأعيان (1/ 358)، سير أعلام النبلاء (13/ 161)، شذرات الذهب (2/ 161)، الأعلام للزركلي (2/ 127).

ص: 302

وله فيه التصانيف المشهورة، كـ "المدخل"

(1)

و "الزِّيج"

(2)

، و "الألوف"

(3)

وغيرها؛ ويتكلَّم على ما يتعلق بالتيسير وكذلك بالأحكام.

قال ابن خلكان

(4)

: وله إصابات عجيبة. ثم حكى: أنَّ بعض الملوك تطلَّب رجلًا، فذهب ذلك الرجل فاختفى، وخاف من أبي مَعْشر المنجّم، أن يدلَّ عليه الملكَ بصنعته، فعمَدَ إلى طَسْت، فملأه دمًا، ووضع أسفله هاونًا، وجلس على ذلك الهاون. فاستدعى الملك أبا مَعْشَر، فضرب رمله، وحرَّر

(5)

أمره، ثم قال: هذا عجيبٌ، أجدُ هذا الرجل جالسًا على جبلٍ من ذهب في وسط بحر من دمٍ، ولكن ليس هذا في الدنيا. ثم أعاد الضرْبَ فوجده كذلك، فتعجَّب الملك أيضًا، ونادى في البلد بأمان المذكور، فظهر، فلمَّا مثل بين يدي الملك سأله أين اختفى؟ فأخبره بأمره، فتعجَّب الناس من ذلك.

قلت: والظاهر أنَّ الذي ينسب إلى جعفر بن محمد الصادق من علم الزجر، والطرق، واختلاج الأعضاء، ونحو ذلك، إنما هو منسوب إلى جعفر بن محمد هذا، وليس بالصادق، والله أعلم.

‌ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئتين

فيها وقع بين إسحاق بن كنداجيق نائب الموصل والجزيرة، وبين صاحب ابن أبي الساج نائب قِنَّسرين وغيرها، بعدما كانا متّفقين، وكاتب ابن أبي الساج خُمَارَوَيْه صاحب مصر، وخطب له ببلاده، وقدم خُمَارَوَيْه إلى الشام، فاجتمع به ابنُ أبي الساج، ثم سار إلى إسحاق بن كنداجيق، فتواقعا، فانهزم ابن كنداجيق، وهرب إلى قلعة ماردين، فحاصره بها.

ثم ظهر أمر ابن أبي الساج، واستحوذ على الموصل وبلاد الجزيرة، وخطب بها لخُمَارَوَيْه، واستفحل أمره جدًّا.

وفيها: قبض الموفَّق على لؤلؤ غلام أحمد بن طولون، وصادره بأربعمئة ألف دينار، وسجنه؛ فكان يقول: ليس لي ذَنْبٌ إلا كثرة مالي. ثم أخرج بعد ذلك من السجن وهو فقير ذليل، فعاد إلى الديار المصرية في أيام هارون بن خُمَارَوَيْه، ومعه غلامٌ واحد. وهذا جزاء كفر نعمة سيِّده عليه.

وفيها: عدا أولاد ملك الروم على أبيهم فقتلوه، وتملَّك بعده أحد أولاده.

(1)

في الأعلام: المدخل الكبير، وهو مخطوط، ترجم إلى اللاتينية ونشر بها.

(2)

"الزِّيج": كتاب يُعرف منه سير الكواكب ومنه يستخرج التقويم.

(3)

في الأعلام: الألوف في بيوت العبادات، وهو مطبوع مع ترجمة إنكليزية.

(4)

وفيات الأعيان (1/ 358).

(5)

في آ: وحرَّر رمله، وفي ط: وحرره.

ص: 303

وفيها: كانت وفاة:

محمد بن عبد الرحمن بن الحَكم الأمويّ

(1)

: صاحب الأندلس عن خمس وستين سنة. وكانت ولايته أربعًا وثلاثين سنة وأحد عشر شهرًا. وكان أبيض مُشربًا بحمرة، رَبعة، أوقص، يخضب بالحنَّاء والكتَم، وكان عاقلًا لبيبًا، وكان يدرك الأشياء المشتبهة. وخلَّف ثلاثة وثلاثين ذكرًا.

وقام بالأمر بعده ولدُه المنذور، فأحسن إلى الناس وأحبّوه.

وفيها كانت وفاة:

خلف بن أحمد بن خالد: الذي كان أمير خراسان في حبس المعتمد على الله. وهذا الرجل هو الذي أخرج البخاري من بخارى، فدعا عليه، فلم يفلحْ بعدها، ولم يبقَ في الإمرة إلا أقل من شهرٍ، حتى احتيط عليه وعلى أمواله وحواصله، وأركب حمارًا ونودي عليه في بلده، ثم سجن، فمات فيه في هذه السنة؛ وهذا جزاء مَنْ تعرَّض لأهل السنة وأئمة الحديث.

‌وممن توفي فيها أيضًا من الأعيان:

إسحاق بن سيَّار

(2)

.

وحنبل بن إسحاق

(3)

، ابن عم الإمام أحمد بن حنبل، وأحد الرواة المشهورين عنه، على أنه قد اتُّهم في بعض ما يرويه ويحكيه، والله أعلم.

وأبو أُميَّة الطَّرَسُوسي

(4)

.

والفتح

(5)

بن شُخْرُف، أحد مشايخ الصوفية، ذوي الأحوال والكرامات والمقامات والكلمات النافعات.

(1)

الكامل لابن الأثير (7/ 424)، البيان المغرب (2/ 141)، سير أعلام النبلاء (13/ 171)، الوافي بالوفيات (3/ 224)، شذرات الذهب (2/ 164).

(2)

إسحاق بن سيَّار بن محمد، أبو يعقوب النصيبي، محدِّث نَصيبين، حافظ، ثقة.

سير أعلام النبلاء (13/ 194)، العبر (2/ 51).

(3)

أبو علي الشيباني، حافظ، محدِّث، صدوق، مصنف. قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. وقال الذهبي: له مسائل كثيرة عن أحمد، ويتفرَّد، ويغرب. من أبناء الثمانين. سير أعلام النبلاء (13/ 51)، العبر (2/ 51).

(4)

هو محمد بن إبراهيم بن مسلم البغدادي، الطرسوسي، نزيل طرسوس، ومحدِّثها، وصاحب المسند والتصانيف. حافظ مجوِّد رحَّال. سير أعلام النبلاء (13/ 91)، العبر (2/ 51).

(5)

في آ، ب، ط:"أبو الفتح". وهو الفتح بن شُخرف بن داود بن مزاحم، أبو نصر الكشي. قال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل فتح بن شخرف. كان رجلًا صالحًا زاهدًا، ذا أخلاق حسنة.

المنتظم (5/ 89)، صفة الصفوة (2/ 402)، مختصر ابن عساكر (20/ 257)، تاريخ بغداد (12/ 384).

ص: 304

ووهم ابنُ الأثير في قوله في كامله

(1)

: إن أبا داود صاحبَ السُّنن، توفي هذه السنة، بل في سنة خمس وسبعين كما سيأتي.

وابن ماجه القزوينيّ

(2)

: صاحب السُّنن، وهو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القَزويني، مولى ربيعة، صاحب كتاب "السُّنن" المشهورة، وهي دالَّة على علمه وتبحَّره واطِّلاعه واتّباعه للسنة النبوية في الأصول والفروع؛ ويشتمل على اثنين وثلاثين كتابًا؛ وألف

(3)

وخمسمئة باب. ويحتوي على أربعة آلاف حديث كلّها جياد سوى اليسير.

وقد حُكي عن أبي زُرعة الرَّازي أنه انتقد منها بضعةَ عشرَ حديثًا؛ ربَّما يقال: إنها موضوعة أو منكرة جدًّا

(4)

.

وله تفسير حافل، وتاريخ كامل من لدن الصحابة إلى عصره.

قال أبو يَعلى الخليل بن عبد الله الخليلي القزوينيّ: أبو عبد الله، محمد بن يزيد ويُعرف بمَاجَه، مولى ربيعة، عالم بهذا الشأن، صاحب التصانيف، في "التاريخ" و "السُّنن"، ارتحل إلى العراقين

(5)

، ومصر والشام، ثم ذكر طرفًا من مشايخه؛ وقد ترجمناهم في كتابنا "التكميل"، ولله الحمد والمنة.

قال: وقد روى عنه الكبار القدماء: ابن سيبويه، ومحمد بن عيسى الصفَّار، وإسحاق بن محمد، وعلي بن إبراهيم بن سلمة القَطَّان، وجدي أحمد بن إبراهيم، وسليمان بن يزيد.

وقال غير

(6)

: كانت وفاته يوم الإثنين، ودُفِنَ يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومئتين عن أربع وستين سنة. وصلَّى عليه أخوه أبو بكر، وتولَّى دَفْنَه مع أخيه أبي عبد الله وابنه عبد الله بن محمد بن يزيد، رحمه الله.

(1)

الكامل لابن الأثير (7/ 425).

(2)

المنتظم (5/ 90)، وفيات الأعيان (4/ 279)، سير أعلام النبلاء (13/ 277)، تذكرة الحفاظ (2/ 636)، شذرات الذهب (2/ 164).

(3)

في الأصول: وأربعًا.

(4)

روى الذهبي في سير أعلام النبلاء (13/ 278) عن ابن ماجه، قال: عرضت هذه السُّنن على أبي زُرعة الرازي، فنظر فيه، وقال: أظنُّ إن وقع هذا في أيدي الناس تعطَّلت هذه الجوامع، أو أكثرها. ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا، مما في إسناده ضعف، أو نحو ذا.

قال الذهبي: قد كان ابن ماجه حافظًا ناقدًا صادقًا، واسع العلم، وإنَّما غضَّ من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات. وقول أبي زُرْعة - إن صَحَّ - فإنما عنى بثلاثين حديثًا الأحاديث المطَّرحة السَّاقطة، وأمَّا الأحاديث التي لا تقوم بها حجَّة، فكثيرة، لعلها نحو الألف.

(5)

في آ: العراق.

(6)

هو الحافظ محمد بن طاهر، كما في سير أعلام النبلاء (13/ 279).

ص: 305

‌ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئتين

فيها نشبت

(1)

الحرب بين أبي أحمد الموفَّق وبين عمرو بن الليث بفارس، فقصده أبو أحمد، فهرب منه عمرو من بلدٍ إلى بلدٍ، وهو يتبعه، ثم لم يقع بينهما قتال ولا مواجهة، وقد تحيَّز إلى أبي أحمد الموفق مقدَّمُ جيشِ عمرو بن الليث، وهو أبو طلحة شركب الجمَّال، ثم أراد العَود، فقبض عليه أبو أحمد، وأباح ماله لولده أبي العباس المعتضد، وذلك بالقرب من شِيراز.

وفيها: غزا بازمار الخادم، نائب طَرَسُوس، بلاد الروم، فأوغل فيها، فقتل وغنم وسلم.

وفيها: دخل صدِّيق الفرغانيّ سامُرّا، فنهب دور التجّار بها، وكرَّ راجعًا. وقد كان هذا الرجل ممن يحرس الطرقات، فترك ذلك وأقبل يقطع الطرقات، وضعف الجند بسامُرَّا عن مقاومته.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن أحمد بن يحيى الأصم: أبو إسحاق، قال ابنُ الجوزي في "المنتظم"

(2)

: كان حافظًا فاضلًا، روى عن حرملة وغيره. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.

إسحاق بن إبراهيم بن زياد: أبو يعقوب المقرئ. عن هُدبة. وعنه ابن مخلد

(3)

. توفي في ربيع الأول منها.

أيوب بن سليمان

(4)

: ابن داود الصفدي. عن آدم بن أبي إياس، وأبي اليمان، وعلي بن الجَعْد.

وعنه ابن صاعد، وابن السماك، وكان ثقة، توفي في رمضان منها.

الحسن بن مُكْرَم

(5)

: ابن حسان أبو علي البزاز.

سمع عفَّانًا، وأبا النَّضْر

(6)

، ويزيد بن هارون، وغيرهم.

وعنه المَحَاملي، وابن مخلد، والنَّجَّاد.

(1)

في آ: شبت.

(2)

المنتظم (5/ 92).

(3)

المنتظم (5/ 92) وفيه: عن هدبة بن خالد، روى عنه ابن خالد.

(4)

المنتظم (5/ 93).

(5)

المنتظم (5/ 93)، تاريخ بغداد (7/ 432)، سير أعلام النبلاء (13/ 192).

(6)

هما عفان بن مسلم، وهاشم بن القاسم، أبو النَّضر.

ص: 306

وكان ثقة. وتوفي في رمضان منها عن ثلاث

(1)

وتسعين سنة.

خلف بن محمد

(2)

: ابن عيسى، أبو الحسين الواسطى، الملقب بكُرْدُوس، روى عن يزيد بن هارون وغيره. وعنه المَحَاملي، وابن مخلد.

قال ابن أبي حاتم

(3)

: صدوق.

وقال الدَّارَقُطنيُّ

(4)

: ثقة.

توفي في ذي الحجة منها، وقد نيَّف على الثمانين.

عبد الله بن رَوْح

(5)

بن عبد الله: أبو محمد المدائني المعروف بِعَبْدوس.

روى عن شَبَابة، ويزيد بن هارون.

وعنه المَحَاملي، وابن السماك، وأبو بكر الشافعي.

وكان من الثقات. توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.

عبد الله بن أبي سعد

(6)

: أبو محمد الورَّاق

(7)

، أصله من بَلْخ، وسكن بغداد.

روى عن سُرَيج بن يونس، وعفَّان، وعلى بن الجَعْد، وغيرهم.

وعنه ابنُ أبي الدنيا، والبغويّ، والمَحَاملي.

وكان ثقة، صاحب أخبار وآداب وملح. وتوفي بواسط في جمادى الآخرة منها عن سبع وسبعين سنة.

محمد بن إسماعيل

(8)

: ابن زياد أبو عبد الله، وقيل: أبو بكر الدولابيّ. سمع أبا النَّضْر، وأبا اليمان، وأبا مسهر. وعنه أبو الحسين بن المنادي، ومحمد بن مَخْلد، وابن السَّمَاك. وكان ثقة.

(1)

في ب، ظا، ط: ثلاث وسبعين.

(2)

المنتظم (5/ 93)، تاريخ بغداد (8/ 330)، تهذيب الكمال (8/ 294)، سير أعلام النبلاء (13/ 199).

(3)

الجرح والتعديل (7/ الترجمة 997).

(4)

سؤالات البرقاني للدارقطني (131)، وتاريخ بغداد (8/ 330).

(5)

تاريخ بغداد (9/ 454)، المنتظم (5/ 93)، سير أعلام النبلاء (13/ 5).

(6)

المنتظم (5/ 93)، تاريخ بغداد (10/ 25).

(7)

زاد في تاريخ بغداد: وهو عبد الله بن عمرو بن عبد الرحمن بن بشر بن هلال الأنصاري.

(8)

المنتظم (5/ 94)، تاريخ بغداد (2/ 38).

ص: 307

‌ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئتين

في المحرم منها وقع الخُلْف بين ابن أبي الساج وبين خُمَارَوَيه، واقتتلا عند ثَنِيَّة العُقاب

(1)

شرقي دمشق، فغُلِبَ ابن أبي الساج وانهزم، وكانت حواصله بحمص، فبعث خُمَارَوَيْه مَنْ سبقه إليها فأخذها، ومنع منه حمصَ، فذهب إلى حلب، فتبعه

(2)

خُمَارَوَيْه، فسار إلى الرَّقَة، فاتبعه، فذهب إلى الموصل، ثم انهزم منها خوفًا من خُمَارَوَيْه، ووصل خُمَارَوَيْه إلى بَلَد، واتخذ له بها سريرًا طويل القوائم، فكان يجلس عليه في الفرات.

وعند ذلك طمع

(3)

فيه إسحاق بن كنداجيق، فسار وراءه ليظفر منه بشيء فلم يقدر، وقد التقيا في بعض الأيام فصبر ابنُ أبي الساج صبرًا عظيمًا، فسلِمَ، وانصرف إلى أبي أحمد ببغداد، فأكرمه وخلع عليه واستصحبه معه إلى الجبل، ورجع إسحاق بن كنداج إلى ديار بكر ومضر من الجزيرة.

وفي هذه السنة، في شوَّال منها، سجَن أبو أحمد الموفَّق ابنَه أبا العباس المعتضد في دار الإمارة.

وكان سبب ذلك أنه أمره بالمسير إلى بعض الوجوه، فامتنع أن يسير إلا إلى الشام التي كان عمه المعتمد ولاه إياها، فغضب عليه، وأمر بسجنه، فثارت الأمراء واختبطت بغداد، وركب الموفَّق إلى الميداد

(4)

، وقال للناس: أتظنون أنكم أشفق على ولدي مني؟ فسكن الناس عند ذلك وتراجعوا إلى منازلهم، ثم أفرج عنه، ولله الحمد والمنة.

وفي هذه السنة سار رافع

(5)

إلى محمد بن زيد، أخي الحسن بن زيد العلوي، فأخذ منه مدينة جُرجان، فهرب منه إلى إستراباذ، فحصره بها سنتين، فغلا بها السعر حتَّى بيع الملح بها وزن الدرهم بدرهمين، فهرب محمد بن زيد منها ليلًا إلى سارية، فأخذ منه رافع بلادًا كثيرة بعد ذلك في مدة متطاولة

(6)

.

وفي المحرّم منها أو في صفر كانت وفاة المنذر بن محمد بن عبد الرحمن [الأموي]

(7)

، صاحب الأندلس، عن ستٍّ وأربعين سنة. وكانت ولايته سنةً وأحدَ عشر شهرًا، وعشرة أيام.

(1)

"ثنيّة العقاب": ثنية مشرفة على غوطة دمشق، يطؤها القاصد من دمشق إلى حمص.

(2)

في ط: "فمنعه"، وما أثبتناه من ب، ظا، وابن الأثير (7/ 429).

(3)

أي طمع في ابن أبي الساج. وتفصيل ذلك في الكامل لابن الأثير (7/ 430).

(4)

في آ، ط: بغداد.

(5)

هو رافع بن هَرْثَمة.

(6)

الكامل لابن الأثير (7/ 434).

(7)

زيادة من ط وابن الأثير.

ص: 308

وكان أسمر طويلًا، بوجهه أثر جُدَري، جوادًا ممدّحًا، يحبّ الشعراء ويصلهم بمال كثير، وخلَّف من الأولاد ستة ذكور.

وقام بالأمر من بعده أخوه عبد الله بن محمد، فامتلأت بلاد الأندلس في أيامه فتنًا وشرورًا حتَّى هلك، كما سيأتي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجَّاج

(1)

المَرُّوذي: صاحب الإمام أحمد. وكان من الأئمة الأذكياء، كان أحمد يقدّمه على جميع أصحابه، ويأنس به، ويبعثه في الحاجة، فيقول: قل ما شئت.

وهو الذي أغمض الإمام أحمد، وكان فيمن غسّله أيضًا.

وقد نقل عن أحمد مسائل كثيرة، وحصلت رفعة عظيمة [بعده]

(2)

؛ تتبعه إلى سامُرّا حين أراد الغزو خمسون ألفًا.

أحمد بن محمد بن غالب

(3)

: ابن خالد بن مِرْداس، أبو عبد الله الباهليّ البصريّ، المعروف بغُلام خليل، وقد سكن بغداد.

روى عن سليمان بن داود الشَّاذَكُوني، وشَيْبان بن فروخ، وقُرَّة بن حبيب، وغيرهم.

وعنه ابن السَّمَاك، وابن مَخْلَد، وغيرهما.

وقد أنكر عليه أبو حاتم وغيره أحاديثَ رواها منكرة عن شيوخ مجهولين.

قال أبو حاتم

(4)

: ولم يكن ممن يفتعل الأحاديث، كان رجلًا صالحًا.

وكذبه أبو داود

(5)

وغيرُ واحد.

وروى ابن عَدِيّ عنه أنه اعترف بوضع الحديث ليرقِّقَ به قلوبَ الناس

(6)

.

(1)

المنتظم (5/ 94)، الكامل لابن الأثير (7/ 435)، العبر (2/ 54).

(2)

من ب، ظا.

(3)

الجرح والتعديل (2/ 73)، كتاب المجروحين والضعفاء (1/ 150)، تاريخ بغداد (5/ 78)، المنتظم (5/ 95)، سير أعلام النبلاء (13/ 282).

(4)

الجرح والتعديل (2/ 73).

(5)

في سير أعلام النبلاء (13/ 283): وروي عن أبي داود السِّجستاني أنه قال: ذاك دجَّال بغداد، نظرت في أربعمئة حديث له، عُرِضَتْ عليَّ، كلّها كذب، متونها وأسانيدها.

(6)

الكامل في الضعفاء (1/ 198)، وتاريخ بغداد (5/ 79).

ص: 309

وقد كان عابدًا زاهدًا يقتات الباقلاء الصرف. وحين مات أغلقت

(1)

أسواق بغداد، وحضر الناس للصلاة عليه، ثم حُمِلَ في زورق

(2)

إلى البصرة، فدفن بها، وكان ذلك في رجب من هذه السند

(3)

.

وأحمد بن مُلاعب

(4)

. روَى عن يحيى بن معين وغيره. وكان ثقة دينًا عالمًا فاضلًا، انتشر به علمٌ كثير.

وأبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الله السُّكَّريّ، النَّحوي، اللغوي، صاحب التصانيف

(5)

.

وإسحاق بن إبراهيم بن هانئ، أبو يعقوب النَّبْسابوري

(6)

، كان من أخِصَّاء أصحاب الإمام أحمد، وعنده اختفى في زمن المحنة.

وعبد الله بن يعقوب بن إسحاق التَّميميّ العطَّار الموصلي. قال ابن الأثير

(7)

: وكان كثير الحديث معدَّلًا عند الحُكَّام.

ويحيى بن أبي طالب

(8)

.

وأبو داود السِّجستاني

(9)

: صاحب السنن، وهو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بَشير بن شَدَّاد بن عمرو بن عِمران، أبو داود السِّجِسْتاني، أحد الأئمة الراحلين الجوَّالين في الآفاق والأقاليم. جمع وصنَّف وخرَّج وألَّف وسمع الكثير عن مشايخ البلدان في الشام ومصر والجزيرة والعراق وخراسان وغير ذلك. وله:"السُّنَن" المشهورة المتداولة بين العلماء، التي قال فيها أبو حامد الغزالي: يكفي المجتهدَ معرفتُها من الأحاديث النبوية.

(1)

في ب، ظا: غلقت.

(2)

في تاريخ بغداد وغيره: تابوت.

(3)

تاريخ بغداد (5/ 80)، سير أعلام النبلاء (13/ 285).

(4)

أبو الفضل المخرّمي. المحدِّث، الحافظ، ثقة. تاريخ بغداد (5/ 168)، تذكرة الحفاط (2/ 595)، سير أعلام النبلاء (42/ 13).

(5)

قال الخطيب البغدادي: كان ثقة دينًا فاضلًا، يقرئ القرآن، وانتشر عنه شيء كثير من كتب الأدب. كان عجبًا في معرفة أشعار العرب، ألف لجماعة منهم دواوين.

تاريخ بغداد (7/ 296)، المنتظم (5/ 97)، معجم الأدباء (8/ 94)، سير أعلام النبلاء (13/ 129).

(6)

المنتظم (5/ 96)، سير أعلام النبلاء (13/ 19).

(7)

الكامل (7/ 435).

(8)

هو يحيى بن جعفر بن عبد الله بن الزِّبرقان، أبو بكر البغدادي، المحدِّث. صحح الدارقطني حديثه.

تاريخ بغداد (14/ 220)، سير أعلام النبلاء (12/ 619).

(9)

تاريخ بغداد (9/ 55)، طبقات الحنابلة (1/ 159)، المنتظم (5/ 97)، وفيات الأعيان (2/ 404)، تذكرة الحفاظ (2/ 591)، طبقات السبكي (2/ 293)، شذرات الذهب (22/ 167)، سير أعلام النبلاء (13/ 203).

ص: 310

حدث عنه جماعة؛ منهم: ابنه أبو بكر عبد الله، وأبو عبد الرحمن النَّسائي، وأحمد بن سلمان النَّجَّاد، وهو آخر من روى عنه في الدنيا.

سكن البصرة، وقدم بغداد غيرَ مرة، وحدَّث بكتابه "السُّنن" بها، ويقال: إنه صنَّفه بها

(1)

وعرضه على الإمام أحمد، فاستجاده واستحسنه.

وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي

(2)

: حدَّثني أبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم القارئ الدَّينوريّ بلفظه، قال: سمعت أبا الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن الفَرَضي، قال: سمعت أبا بكر بن دَاسَة يقول، سمعت أبا داود يقول:

كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمئة ألف حديثٍ، انتخبتُ منها ما ضمَّنتُه الكتاب يعني "السُّنَن"، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمئة حديث

(3)

، ذكرت الصَّحيح، وما يشبهُهُ ويقاربُه، ويكفي الإنسانَ لدينه من ذلك أربعةُ أحاديث

(4)

، أحدها: قولُه عليه الصلاة والسلام: "الأعمالُ بالنيَّاتِ"

(5)

. الثاني: قوله: "مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيه"

(6)

. والثالث: قوله: "لا يكونُ المؤمِنُ مؤمِنًا حتَّى يَرْضى لأخِيه ما يَرْضى لِنَفْسِهِ"

(7)

. الرَّابع: قوله: "الحَلالُ بيِّن والحرامُ بين وبين ذلك أمورٌ مشتبهاتٌ

(8)

.

(1)

في ب، ظا: صنفه قديمًا.

(2)

تاريخ بغداد (9/ 57).

(3)

عددها في المطبوع برواية اللؤلؤي (5274).

(4)

علق الذهبي على ذلك بقوله: يكفي الإنسان لدينه، ممنوع، بل يحتاج المسلم إلى عدد كثير من السُّنن الصحيحة مع القرآن. سير أعلام النبلاء (13/ 210).

(5)

رواه أحمد في المسند (1/ 25 و 43)، والبخاري في صحيحه (1/ 7 و 15)، في بدء الوحي وفي الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية، وفي فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم رقم (1907) في الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنية، وأبو داود رقم (2201) في الطلاق، والترمذي رقم (1647)، والنسائي (1/ 59 و 60)، وابن ماجه رقم (4227) كلهم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.

(6)

رواه الترمذيّ رقم (2317) في الزهد، وابن ماجه رقم (3976) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه مالك في "الموطأ" في كتاب حسن الخلق (2/ 903)، والترمذي رقم (2318) من حديث علي بن الحسين مرسلًا، وهو ضعيف من هذا الوجه، لكن روي الحديث عن عدد من الصحابة كما في الجامع الصغير فيتحسن الحديث، وهو أصل عظيم من أصول الأدب في الإسلام.

(7)

أقول: لم أقف عليه بهذا اللفظ في سنن أبي داود، وقد ساقه ابن الأثير في جامع الأصول الذي حققته (1/ 190) والحافظ المزي في تهذيب الكمال المخطوط (1/ 531) والذهبي في سير أعلام النبلاء (13/ 210)، في معرض خبر نسبوه إلى أبي بكر بن داسة.

والمحفوظ ما رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ: لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه.

(8)

رواه البخاري في الإيمان، رقم (52)، ومسلم رقم (1599) في المساقاة، وأبو داود رقم (3330)، والترمذي =

ص: 311

وحدثت عن عبد العزيز بن جعفر الحنبلي، أن أبا بكر الخلال قال: أبو داود سليمانُ بن الأشعث السِّجِسْتاني الإمام المقدَّم في زمانه، رجلٌ لم يسبقه إلى معرفة تخريج العلوم وبصره بمواضعه أحد من أهل زمانه، رجل وَرعٌ مقدَّم، وقد سمع منه أحمد بن حنبل حديثًا واحدًا، كان أبو داود يذكر

(1)

.

وكان إبراهيم الأصبهاني، وأبو بكر بن صدَقَة يرفعون من قدره، ويذكرونه بما لا يذكرون أحدًا في زمانه مثله

(2)

.

قلت: الحديثُ الذي كتبه عنه وسمعه منه الإمامُ أحمد، هو ما رواه [أبو داود]

(3)

من حديث حمَّاد بن سَلَمة، عن أبي العُشَراء

(4)

الدَّارمي، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن العَتيرَةِ، فحَسَّنها

(5)

.

وقال إبراهيم الحَرْبيّ وغيرُه: ألينَ لأبي داود الحديث، كما ألينَ لداود الحديدٌ

(6)

. وقال غيره

(7)

: كان أحدَ حفاظ الإسلام للحديث وعلله وسَنَده، في أعلى درجة النُّسْك والعفاف والصلاح والورع، من فرسان الحديث.

وقال غيره: كان ابن مسعود يُشَبَّه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هَدْيه وَدَلِّه وسَمْته، وكان عَلْقَمَةُ يشبهه، [وكان إبراهيم يشبهه]

(8)

، وكان منصور يشبهه، وكان سفيان الثوري يشبهه، وكان وكيعٌ يشبهه، وكان أحمد يشبهه، وكان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل

(9)

.

= رقم (1205)، وابن ماجه رقم (3984) في الفتن، والدارمي (2/ 245)، وأحمد في المسند (4/ 267 و 269) كلهم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. وللشوكاني رسالة في شرح هذا الحديث سماها كشف الشبهات عن المشتبهات مطبوعة وجديرة بأن تحقق وتخرج في ثوب جديد. سير أعلام النبلاء (13/ 211).

(1)

تاريخ بغداد (9/ 57)، سير أعلام البلاء (13/ 211).

(2)

زيادة من ط.

(3)

زيادة من ط.

(4)

في الأصول العشر، وأثبت ما جاء في سير أعلام النبلاء، وتاريخ بغداد، وكتب التراجم.

(5)

قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (211/ 13) عن هذا الحديث: هذا حديث منكر، تُكلم في عبد الرحمن بن قيس - وهو الراوي عن حماد بن سلمة - وإنما المحفوظ عن حماد بهذا السند حديث "أما تكون الذّكاة إلا من اللَّبَّة". أقول: وقد أخرجه بهذا اللفظ أبو داود رقم (2825) والترمذي رقم (1481) وابن ماجه رقم (3184)، وأبو العشراء مجهول.

(6)

سير أعلام النبلاء (13/ 212).

(7)

هو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي. ورد ذلك في سير أعلام النبلاء (13/ 211)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (110/ 10).

(8)

زيادة من ظا، ط، وهو إبراهيم النخعي، وباقي الفقرة من (ب). وهي ناقصة في نسخة (آ).

(9)

سير أعلام النبلاء (13/ 216).

ص: 312

وقال محمد بن بكر بن عبد الرزاق: كان لأبي داود كُمٌّ واسع، وكُمٌّ ضيقٌ، فقيل له: ما هذا يرحمك الله؟ فقال: هذا الواسع للكتب، والآخر لا يُحتاج إليه

(1)

.

وقد كان مولد أبي داود في سنة ثنتين ومئتين، وتوفي بالبصرة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شوَّال سنة خمس وسبعين ومئتين عن ثلاث وسبعين سنة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري. وقد ذكرنا ترجمته في كتابنا "التكميل" وذكرنا ثناء الأئمة عليه.

ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم

(2)

: أبو العَنْبَس الصَّيمريّ

(3)

الشاعر، كان مجيدًا في شعره ديّنًا، كثيرَ الملح، وكان هجَّاءً، ومن جيد شعره قوله

(4)

:

كم مريضٍ قَدْ عاشَ مِنْ بَعْدِ يأنَّسٍ

بَعْدَ موتِ الطَّبيبِ والعُوَّادِ

قد يُصَادُ القطا فينجو سليمًا

ويَحِلُّ القَضَاءُ بالصَّيَّادِ

‌ثم دخلت سنة ست وسبعين ومئتين

في المحرم منها أعيد عمرو بن الليث إلى شرطة بغداد، وكُتِبَ اسمُه على الفرش والمقاعد والستور، ثم أسقط اسمه في شوال منها، وعزل عن ذلك، وولي عبيد الله بن [بن عبد الله]

(5)

بن طاهر.

وفيها: ولَّى الموفَّقُ ابنَ أبي الساج نيابةَ أذْرَبيجان.

وفيها: قصد هارون الشاري الخارجي مدينة الموصل، فنزل شرقيّ دجلتها، فحاصرها، فخرج إليه أشراف أهلها، فاستأمنوه فأمَّنَهم، ورجع عنه.

وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد العباسي، أمير الحرمين والطائف.

ولمَّا رجع حُجَّاج اليمن نزلوا في بعض الأماكن، فجاءهم سَيْل ولم يشعروا به حتى غرَّقهم كلَّهم، فلم يفلت منهم أحدٌ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

(1)

مختصر تاريخ ابن عساكر (10/ 111)، سير أعلام النبلاء (13/ 217).

(2)

نديم المتوكل والمعتمد العباسيين، كان أديبًا ظريفًا عارفًا بالنجوم، وهو من أهل الكوفة، وقبره فيها. ولي قضاء الصيمرة فنسب إليها، له مناظرة مع البحتري، وهجاه أكثر شعراء زمانه.

له ترجمة في تاريخ بغداد (1/ 238)، ومعجم الأدباء (18/ 8)، والأعلام للزركلي (6/ 28)، ومعجم البلدان (صَيْمَرة)، والمنتظم (5/ 99).

(3)

في آ، ط: الضيمري.

(4)

البيتان في تاريخ بغداد (1/ 238)، ومعجم الأدباء (18/ 9)، ومعجم البلدان (3/ 439)، والمنتظم (5/ 99).

(5)

من ب، ظا.

ص: 313

وذكر ابن الجوزي في "منتظمه"

(1)

، وابن الأثير في "كامله"

(2)

: أن في هذه السنة انفرج تلٌّ في أرض البصرة يعرف بتل شقيق عن سبعة أقبر في مثل الحوض، وفيها سبعة أبدانهم صحيحة، وأكفانهم يفوح منها ريح المسك، أحدهم شاب له جُمّة، وعلى شفتيه بلل كأنه قد شرب ماءً، وكأن عينيه مكحَّلتان، وبه ضربة في خاصرته. وأراد بعض من حضره أن يأخذ من شعره شيئًا، فإذا هو قويّ كشعر الحيّ.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة

(3)

، الحافظ، صاحب المسند المشهور، له حديث كثير ورواية عالية.

بَقِيُّ بنُ مَخْلَد

(4)

: أبو عبد الرحمن الأندلسي، الحافظ الكبير، [صاحب]

(5)

"المُسْنَد" المبوَّب على الفقه؛ روى فيه عن ألف وستمئة صحابي، وقد فضَّله ابنُ حزم على مسند الإمام أحمد، وعندي في ذلك نظر، والظاهر أن مسند أحمد أجود منه وأجمع؛ [فإنه ليس هو ببلادهم، ولا وقع لهم روايته، ولو اطلع عليه ووقف على ما فيه، لما فضّل عليه مسندًا من المسندات، اللهم إلا أن يكون بَقِيّ قد سمع من أحمد جميع المسند وزاد عليه، كما قد يسَّرَ الله من الزيادات التي ألحقناها بمسند الإمام أحمد، ولله الحمد والمنة أبدًا]

(6)

.

وقد رحل بَقِيّ إلى العراق، فسمع من الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث بالعراق وغيرها يزيدون على المئتين بأربعة وثلاثين شيخًا، وله تصانيف أخر.

وكان مع ذلك رجلًا صالحًا عابدًا زاهدًا، مجابَ الدعوة؛ ذكر القشيريُّ: أنَّ امرأة جاءته، فقالت: إنَّ ابني أسرته الإفرنج، وإنِّي لا أنام الليل من شوقي إليه، ولي دُوَيرة أريدُ أن أبيعها لأستفكَّه

(7)

؛ فإن رأيت أن تشير إلى أحدٍ يأخذها لأسعى في فكاكه بثمنها، فليس لي ليل ولا نهار، [ولا نوم]

(8)

ولا صبر، ولا قرار. فقال: نعم، انصرفي حتى ننظر في ذلك، إن شاء الله.

(1)

المنتظم (5/ 100).

(2)

الكامل لابن الأثير (7/ 437)، وهو في تاريخ الطبري أيضًا (10/ 16).

(3)

أبو عمرو الغِفاري الكوفي، كان حافظًا متقنًا، ذكره ابن حبان في الثقات. سير أعلام النبلاء (13/ 239)، العبر (2/ 55).

(4)

معجم الأدباء (7/ 75)، المنتظم (5/ 100)، تذكرة الحفاظ (2/ 629)، سير أعلام النبلاء (13/ 285)، شذرات الذهب (2/ 169).

(5)

من ب، ظا.

(6)

ما بين قوسين زيادة من ب، ظا.

(7)

في ب، ظا: لأن أستفكه بها.

(8)

زيادة من ب، ظا.

ص: 314

وأطرق الشيخ وحرَّك شفتيه يدعو الله عز وجل لولدها بالخلاص، فذهبت، فما كان إلا عن قليلٍ حتَّى جاءت، وابنُها معها، فقالت: اسمعْ خبَره، يرحمك الله! فقال: كيف كان أمرك؟ فقال: إنِّي كنت فيمن يخدُمُ الملك ونحن في القيود، فبينا أنا ذات يوم أمشي إذ سقط القيدُ من رجلي، فأقبل عليَّ الموكَّل بنا، فشتمني، وقال: فككتَ القيد من رجليك

(1)

؟ فقلت: لا واللّه، ولكنه سقط ولم أشعر، فجاؤوا بالحداد فأعادوه، وشدّ مسماره وأيَّد، ثم قمت فسقط أيضًا، فأعادوه وأكَّدُوه، فسقط أيضًا، فسألوا رهبانهم، فقالوا: له والدة؟ فقلت: نعم، فقالوا: إنَّه قد استجيب دعاؤها له، أطلقوه، فأطلقوني، وخَفَروني حتَّى وصلْت إلى بلاد الإسلام. فسأله بَقيُّ عن الساعة التي سقط القيد من رجليه، فإذا هي الساعة التي دعا اللّهَ له فيها

(2)

.

صاعد بن مَخْلَد

(3)

: الكاتب، كان كثير الصدقة والصلاة، وقد أثنى عليه أبو الفرج بن الجوزي في "منتظمه"

(4)

، وتكلم فيه ابن الأثير في "كامله"

(5)

. وذكر أنه كان فيه تيه وحمق، وقد يمكن الجمع بين القولين وهاتين الصفتين.

ابن قتيبة

(6)

: عبد الله بن مسلم بن قتَيبة، أبو محمد الدِّينَوَريّ، ثم البغدادي، أحد العلماء والأدباء والحفاظ الأذكياء. روى عن إسحاق بن راهَوَيْه، وغير واحد، وله التصانيف المفيدة المشهورة الأنيقة، كغريب القرآن، ومشكله، والمعارف، وأدب الكاتب، وعيون الأخبار، وغير ذلك.

وكان ثقة جليلًا نبيلًا، وكان أهل [العلم]

(7)

يتَهمون من لم يكن في منزله من تصنيف ابن قُتيبة شيء.

وكان سبب وفاته أنه أكل لقمة من هريسةٍ، فإذا هي حارَّة، فصاح صيحة شديدة، ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر، فأفاق، ثم لم يزل يتشهَّد إلى أن مات وقت السحر، أوَّل ليلة من رجب من هذه السنة، وقيل: إنه توفي في سنة سبعين ومئتين، والصحيح في هذه السنة.

(1)

في آ: رجلك.

(2)

معجم الأدباء (7/ 84)، المنتظم (5/ 100)، سير أعلام النبلاء (13/ 290).

(3)

تاريخ الطبري (انظر الفهرس)، والكامل لابن الأثير (انظر الفهرس)، والمنتظم (5/ 101)، سير أعلام النبلاء (13/ 326).

(4)

المنتظم (5/ 101).

(5)

الكامل لابن الأثير (7/ 419).

(6)

تقدمت ترجمته في حوادث سنة 270 هـ. وسقطت هنا في ب، ظا، غير أن نسخة ب أوردت اسمه فقط عبد الله بن مسلم بن قتيبة.

(7)

زيادة من ط.

ص: 315

عبد الملك بن محمد بن عبد الله أبو قِلابة الرَّقَاشي

(1)

: أحد الحفاظ، وكان يكنى بأبي محمد، ولكن غلب عليه لقب أبو قِلابة.

سمع يزيد بن هارون، ورَوْح بن عُبَادة، وأبا داود الطيالسي، وغيرهم.

وعنه ابن صاعد، والمَحَاملى، والنَّجَّاد، وأبو بكر الشَّافعي، وغيرهم.

وكان صدوقًا، عابدًا، يصلِّي في كل يوم أربعمئة ركعة. وروى من حفظه ستين ألف حديث، غلط في بعضها، وعلى سبيل العمد. وكانت وفاته في شوَّال من هذه السنة عن ست وثمانين سنة.

ومحمد بن أحمد بن أبي العَوَّام

(2)

.

ومحمد بن إسماعيل الصائغ

(3)

.

ويزيد بن عبد الصَّمد

(4)

.

وأبو الرَّدَّاد: عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله بن الرَّدَّاد، المؤذن، صاحب "المقياس"[بمصر]، الذي هو مسلَّم إليه وإلى ذريته إلى يومنا هذا. قاله القاضي ابن خلكان في "الوفيات"

(5)

.

‌ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومئتين

فيها دعا بازمار نائب طَرَسُوسَ لِخُمَارَوَيْه، وذلك لأنه هاداه بذهبٍ كثير وتُحف هائلة؛ من حرير وغير ذلك.

وفيها: قدِم قائد عظيم من أصحاب خُمَارَوَيْه إلى بغداد.

وفيها: ولي المظالمَ ببغداد يوسفُ بن يعقوب، ونودي في الناس: مَنْ كانت له مظلمة ولو عند

(1)

تاريخ بغداد (10/ 425)، المنتظم (5/ 102)، سير أعلام النبلاء (13/ 177)، شذرات الذهب (2/ 170).

(2)

محمد بن أحمد بن يزيد بن أبي العَوَّام الزياحي، أبو بكر، وأبو جعفر. المحدِّث. صدوق. المنتظم (5/ 103)، سير أعلام النبلاء (13/ 7).

(3)

محمد بن إسماعيل بن سالم، أبو جعفر الصَّائغ، القرشي، العباسي، مولى المهدي، المحدّث، شيخ الحرم المكي، صدوق، من أبناء التسعين. المنتظم (5/ 104)، سير أعلام النبلاء (13/ 161).

(4)

هو يزيد بن محمد بن عبد الصَّمد الدمشقي، أبو القاسم، المحدِّث المتقن. كان ثقة بصيرًا بالحديث. توفي بدمشق. سير أعلام النبلاء (13/ 151)، العبر (2/ 58).

(5)

وفيات الأعيان (3/ 112)، والأعلام للزركلي (4/ 98).

ص: 316

الأمير الناصر لدين الله أبي أحمد الموفَّق، أو عند أحدٍ من الناس فليحضر. وسار في الناس سيرة حسنة، وأظهر صرامة لم يُرَ مثلها.

[وحجَّ بالناس هارون بن محمّد الهاشمي]

(1)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن إسحاق بن أبي العَنْبَس

(2)

، أبو إسحاق الكوفي، قاضي بغداد بعد ابن سَماعة، سمع يَعْلَى

(3)

بن عبيد وغيره، وحدَّث عنه ابن أبي الدنيا وغيره. وتوفي عن ثلاث وتسعين سنة، وكان ثقة فاضلًا دينًا صالحًا.

أحمد بن عيسى

(4)

: أبو سعيد الخرَّاز، أحد مشاهير الصوفية بالعبادة والمجاهدة والورع والمراقبة، وله تصانيف في ذلك، وله كرامات وأحوال وصبر على الشدائد وضيق الحال.

روى عن إبراهيم بن بشَّار، صاحب إبراهيم بن أدهم، وغيره.

وعنه: عليّ بن محمد المصري، وجماعة.

ومن جيد كلامه قوله رحمه الله: إذا بكت أعينُ الخائفين فقد كاتبوا الله بدموعهم

(5)

.

وقوله رحمه الله: العافية تستر البَرَّ والفاجر، فإذا جاءت البلوى تبين عندها الرجال

(6)

.

وقوله: كلُّ باطنٍ يخالفه ظاهرٌ، فهو باطلٌ

(7)

.

وقوله: الاشتغال بوقتٍ ماضي تضييع وقت ثانٍ

(8)

.

وقوله: ذنوب المقرَّبين حسنات الأبرار

(9)

.

(1)

زيادة من ب، ظا.

(2)

في الأصول والمطبوع: ابن أبي العينين، وأثبت ما جاء في المصادر: تاريخ بغداد (6/ 25)، والمنتظم (5/ 105)، وسير أعلام النبلاء (13/ 198).

(3)

في آ، ط: معلى، وهو يعلى بن عبيد الطنافسي.

(4)

طبقات الصوفية (223 - 228)، حلية الأولياء (10/ 246)، تاريخ بغداد (4/ 276)، صفة الصفوة (2/ 435)، مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 204)، المنتظم (5/ 105)، سير أعلام النبلاء (13/ 419)، شذرات الذهب (2/ 192).

(5)

المنتظم (5/ 105)، صفة الصفوة (2/ 437).

(6)

المنتظم (5/ 105)، صفة الصفوة (2/ 437).

(7)

سير أعلام النبلاء (13/ 420).

(8)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 205).

(9)

صفة الصفوة (2/ 437).

ص: 317

وقوله: الرّضا قبل القضاء تفويض، والرّضا مع القضاء تسليم

(1)

.

وقد روى البيهقيّ بسنده إليه أنه سئل عن قوله عليه الصلاة والسلام: "جُبلَت القلوبُ على حُبِّ مَنْ أحْسَنَ إليها"، فقال: يا عجبًا لمن لم يَرَ محسنًا غير الله كيف لا يميل بكليته إليه

(2)

؟.

قلت: وهذا الحديث ليس بصحيح، ولكن كلامه عليه حَسَنٌ

(3)

.

وقال ابنه سعيد: طلبت من أبي دانقَ فضةٍ، فقال: يا بنى، اصبر، فلو أحبَّ أبوك أن يركَبَ الملوكُ إلى بابه ما تأبَّوا عليه

(4)

.

وروى الحافظ ابن عساكر

(5)

عنه قال: أصابني

(6)

مرّة جوع شديد، فهممت أن أسأل الله طعامًا، ثم قلت: هذا ينافي التوكل، فهممت أن أسأله صبرًا، فهتف بي هاتف:

ويَزْعُمُ أنَّهُ منَّا قرِيبٌ

وَأنَّا لا نُضيِّعُ مَنْ أتانا

وَيَسَألُنا القِرى جهدًا وصَبْرًا

كأنَّا لا نَرَاهُ ولا يَرانا

قال: فقمت ومشيت فراسخ بلا زادٍ.

وقال أبو سعيد الخرّاز: المحبُّ يتعلل إلى محبوبه بكل شيء، ولا يتسلَّى عنه بشيء، يتبع آثاره ولا يدع استخباره، ثم أنشد

(7)

:

أسائلُكُمْ عنها فَهَلْ مِنْ مخبِّرِ

فما لي بِنُعْمَى بَعْدَ مكَّتِنا عِلْمُ

فلوْ كُنْتُ أدْري أينَ خَيَّم أهلُها

وأيّ بلادِ اللهِ إذْ ظَعَنُوا أمُّوا

(8)

إذًا لسلَكنا مسلكَ الرِّيحِ خَلْفَها

ولو أصبحَتْ نُعْمَى ومِن دُونها النَّجْمُ

(1)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 208).

(2)

صفة الصفوة (2/ 437).

(3)

رواه البيهقي في شعب الإيمان، قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة صفحة (172) ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية وهو باطل مرفوعًا وموقوفًا، ورواه أبو نعيم في الحلية (4/ 121)، وأبو الشيخ وابن حبان في روضة العقلاء، وآخرون كلهم من طريق إسماعيل بن أبان الخياط، قال: بلغ الحسن بن عمارة أن الأعمش وقع فيه، فبعث إليه بكسوة، فمدحه الأعمش، فقيل للأعمش: ذممته ثم مدحته، فقال: إن خيثمة حدثني عن ابن مسعودٍ قال: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وهكذا رواه ابن عدي في الكامل (2/ 701). وإسماعيل بن أبان الخياط متروك، رمي بالوضع، كما قال الحافظ في تقريب التهذيب.

(4)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 208).

(5)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 208).

(6)

في تاريخ ابن عساكر: كنت في البادية فنالني جوع ..

(7)

الأبيات في طبقات الصوفية ص 228، وحلية الأولياء (10/ 248).

(8)

"ظعنو": ساروا، و "أمّوا": قصدوا.

ص: 318

وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل: في سنة سبع وأربعين

(1)

، وقيل: في سنة ست وثمانين والأول أصح.

عيسى بن عبد الله بن سِنان بن دَلَّوَيْه

(2)

: أبو موسى الطَّيالسيّ، الحافظ، يلقب زَغَاث

(3)

، سمع عفَّان وأبا نُعَيم، وعنه أبو بكر الشافعي وغير واحد. وثقه الدَّارقطني. وكانت وفاته في شوال من هذه السنة عن أربع وثمانين سنة.

أبو حاتم الرَّازيّ

(4)

: محمد بن إدريس بن المُنْذر بن داود بن مِهْران، أبو حاتم الحَنْظَلي الرَّازي، أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، العارفين بعلل الحديث والجرح والتعديل، وهو قرين أبي زُرْعَة الرَّازي، تغمدهما الله برحمته.

سمع الكثير، وطاف الأقطار والأمصار، وروى عن خلق من الكبار، وحدَّث عنه: الرَّبيع بن سليمان، ويونس بن عبد الأعلى، وهما أكبر منه، وقدم بغداد فحدَّث بها، وروى عنه من أهلها إبراهيمُ الحَرْبي، وابنُ أبي الدنيا، والمَحَاملي، وغيرهم.

قال لابنه عبد الرحمن

(5)

: يا بُنَيَّ، مشَيْتُ على قدمي في طلب الحديث أكثَر من ألف فَرْسَخ، وذكر أنه لم يكن له شيء ينفق عليه في بعض الأحيان، وأنَّه مكث ثلاثًا لا يأكل شيئًا حتى استقرضَ من بعض أصحابه نصفَ دينار.

وقد أثنى عليه غيرُ واحد من العلماء والفقهاء.

وكان يتحدَّى مَنْ حضَر عنده من الحفَّاظ وغيرهم؛ فيقول: مَنْ أغْرَبَ عليَّ بحديثٍ واحدٍ صحيح فله عليَّ درهمٌ أتصدَّق به. قال: ومرادي أن أسمعَ ما ليس عندي، فلم يأتِ أحد بشيء من ذلك، وكان في جملة من حضر ذلك أبو زُرْعَة الرازي

(6)

. كانت وفاة أبي حاتم في شعبان من هذه السنة.

محمد بن الحسين بن موسى

(7)

: ابن الحسن أبو جعفر الكوفي الخرَّاز، المعروف بالحُنَيْني، له مسندٌ كبير.

(1)

بعده عند ابن عساكر: وهو باطل.

(2)

تاريخ بغداد (11/ 170)، تذكرة الحفاظ (2/ 610)، سير أعلام النبلاء (12/ 618)، طبقات الحفاظ (272).

(3)

في ب: رغاب، وفي ظا: رعاث.

(4)

الجرح والتعديل (1/ 349)، تاريخ بغداد (2/ 73)، طقات الحنابلة (1/ 384)، المنتظم (5/ 107)، تذكرة الحفاظ (2/ 567)، سير أعلام النبلاء (13/ 247)، العبر (2/ 58)، شذرات الذهب (2/ 171).

(5)

المنتظم (5/ 108).

(6)

المنتظم (5/ 108)، الجرح والتعديل (1/ 355).

(7)

الجرح والتعديل (7/ 230)، تاريخ بغداد (2/ 225)، المنتظم (5/ 109)، سير إعلام النبلاء (13/ 243).

ص: 319

روى عن: عُبَيْد الله بن موسى، والقَعْنَبيِّ، وأبي نُعَيْم، وغيرهم، وعنه: ابن صَاعد، والمَحَاملي، وابن السَّمَّاك. كان ثقة، صدوقًا.

محمد بن سعدان

(1)

، أبو جعفر البَزَّاز، سمع من أكثر من خمسمئة شيخ، ولكن لم يحدَّث إلا باليسير، وتوفي في شعبان منها.

قال ابن الجوزيّ

(2)

: وثمَّ محمد بن سعدان البزاز، عن القَعْنَبي، وهو غير مشهور. ومحمد بن سعدان، النَّحوي، مشهور؛ توفي في سنة إحدى [وثلاثين]

(3)

ومئتين.

قال ابن الأثير في كاملة

(4)

: وتوفي فيها:

يعقوب بن سفيان بن جُوَان

(5)

، الإمام الفسوي، وكان يتشيع.

ويعقوب بن يوسف بن معقل الأمويّ، مولاهم، والد أبي العباس أحمد الأصم.

وعَريب، المغنّية المأمونية، قيل: إنَّها ابنة جعفر بن يحيى البرمكيّ، فأما:

يعقوب بن سفيان بن جُوَان

(6)

: فهو أبو يوسف بن أبي معاوية الفارسي الفَسَوي، سمع الحديث الكثير، وروى عن أكثر من ألف شيخ من الثقات

(7)

؛ منهم: هشام بن عمَّار، ودحيم، وأبو الجماهر، وسليمان بن عبد الرحمن، الدمشقيون، وسعيد بن منصور، وأبو عاصم، ومكي بن إبراهيم، وسليمان بن حَرْب، ومحمد بن كثير، وعبيد الله بن موسى، والقَعْنَبي.

روى عنه: النسائي في "سننه"، وأبو بكر بن أبي داود، والحسن بن سفيان، وابن خراش، وابن خزيمة، وأبو عَوانة الاسفراييني، وخلق سواهم، وصنَّف كتاب "التاريخ" و "المعرفة" وغيره من الكتب المفيدة النافعة.

وقد رحل في طلب الحديث إلى البلدان النائية، وتغرَّب عن وطنه في ذلك نحو ثلاثين سنة.

(1)

المنتظم (5/ 109)، تاريخ بغداد (5/ 325).

(2)

المنتظم (5/ 109).

(3)

من ب، ظا، والمنتظم ومن ترجمته في تاريخ بغداد (5/ 324).

(4)

الكامل لابن الأثير (7/ 440).

(5)

في آ، ط: حِران.

(6)

الجرح والتعديل (9/ 208)، تذكرة الحفاظ (2/ 582)، سير أعلام النبلاء (13/ 180)، العبر (2/ 58)، تهذيب الكمال (لوحة 1550)، تهذيب التهذيب (11/ 385)، شذرات الذهب (2/ 171).

(7)

علَّق الذهبي على ذلك في سير أعلام النبلاء، فقال: ليس في مشيخته إلا نحو من ثلاثمئة شيخ، فأين الباقي؟ ثم في المذكورين جماعة قد ضُعِّفوا.

ص: 320

وروى ابن عساكر

(1)

عنه أنَّه قال: كنتُ أكتب في الليل على ضوء السِّراج في زمن الرحلة، فبينا أنا ذات ليلة إذ وقع شيء على بصري، فلم أبصر معه السِّراجَ، فجعلت أبكي على ما فاتني من ذهاب بصري، وما يفوتني بسبب ذلك من كتابة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أنا فيه من الغربة، ثم غلبتني عيني فنمت، فرأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال: ما لك

(2)

؟ فشكوت إليه ما أنا فيه من الغربة، وما فاتني من كتابة السنة. فقال: ادْنُ منِّي، فدنوت منه، فوضع يده على عيني، وجعل كأنه يقرأ شيئًا من القرآن. ثم استيقظت فأبصرت، وجلست أنسخ.

وقد أثنى عليه أبو زُرْعة الدمسقيّ، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وقال: هو إمام أهل الحديث بفارس، وقدم نيسابور وسمع منه مشايخنا، وقد نسبه بعضهم إلى التشيّع.

وذكر ابن عساكر

(3)

: أن يعقوب بن الليث صاحب فارس بلغه عنه أنه يتكلم في عثمان بن عفان، فأمر بإحضاره، فقال له وزيره: أيها الأمير، إنه لا يتكلَّم في شيخنا عثمان بن عفان السِّجزي، وإنما يتكلم في عثمان بن عفان الصحابي، فقال: دعوه، ما لي وللصحابي

(4)

، إني حسبته يتكلَّم في شيخنا [عثمان بن عفان السِّجزي]

(5)

.

قلت: وما أظنُّ هذا صحيحًا عن يعقوب بن سفيان؛ فإنَّه إمام محدِّث كبيرُ القدر، وقد كانت وفاته قبل أبي حاتم الرَّازي بشهر في رجب من هذه السنة بالبصرة، رحمه الله.

ولّد رآه بعضهم في المنام، فقال له: ما فعل بك ربُّك؟ قال: غفر لي وأمرني أن أمليَ الحديث في السَّماء كما كنت أمليه في الأرض، فجلَسْتُ للإملاء في السماء الرابعة، وجلس حولي جماعة من الملائكة؛ منهم جبريل، يكتبون ما أمليه من الحديث بأقلام الذهب.

وأما عَريب المأمونيَّة

(6)

: فقد ترجمها الحافظ ابن عساكر في "تاريخه"، وحكى قولًا لبعضهم أنها ابنة جعفر بن يحيى بن خالد البَرْمكي، سُرِقَتْ وهي صغيرة عند ذهاب دولة البرامكة، وبِيعتْ،

(1)

حرف الياء من تاريخ ابن عساكر ساقط في النسخ المخطوطة المتوفرة منه. سير أعلام النبلاء (413/ 181)، وتهذيب التهذيب (11/ 387)، وتهذيب الكمال (لوحة 1551).

(2)

في ب، ظا؛ مالك كثيبًا.

(3)

سير أعلام النبلاء (13/ 182).

(4)

في ب، ظا: وللصحابة.

(5)

زيادة من ظ.

(6)

الأغاني (21/ 54 - 91)، تاريخ ابن عساكر تراجم النساء (ص 229 - 239)، وابن الأثير (7/ 440).

ص: 321

فاشتراها

(1)

المأمون بن الرشيد. ثم روى

(2)

عن حمَّاد بن إسحاق، عن أبيه أنه قال: ما رأيت امرأةً قطّ أحسنَ وَجْهًا، وأدَبًا، وغناءٍ، وضَرْبًا، وشِعرًا، ولَعِبًا بالشِّطْرنج والنَّرْد منها؛ وما تشاء أن تجدَ خَصْلَة حسنة ظريفةً بارعةً في امرأةٍ إلا وجدتَها فيها.

وقد كانت شاعرة مطيفة فصيحةً بليغةً؛ كان المأمون يتعشَّقُها، ثم أحبَّها بعده المعتصم، وكانت هي تتعشَّق لرجل يقال له: محمد بن حامد

(3)

، وربما أدخلته إليها في دار الخلافة، قبَّحها الله، على ما ذكره ابن عساكر عنها.

ثم تعشَّقت صالحًا المنذريّ، وتزوجته سرًا، وكانت تقول فيه الشعر، وربما غنَّته بين يدي المتوكِّل وهو لا يشعر فيمن هو، فيضحك جواريه من ذلك، فتقول لهن: يا سحّاقات، هذا خيرٌ من عملكن

(4)

.

وقد أورد ابن عساكر شيئًا كثيرًا من شعرها، فمن ذلك أنَها لمَّا دخلت على المتوكِّل تعودُه من مرض أصابه، أنشدته من شعرها وغنَّته به

(5)

:

أتَوْني فَقَالوا: بالخليفةِ عِلَّةٌ

فقلْتُ ونارُ الشَّوقِ تُوقدُ في صدري

ألا لَيْتَ بي حُمَّى الخليفةِ جعفرٍ

فكانتْ بيَ الحمَّى وكانَ له أجْري

كفى حَزَنًا أن قيلَ حُمّ فلم أمُتْ

مِنَ الحُزْنِ إني بعدَ هذا لَذُو صَبْري

جُعِلْتُ فِداءً للخليفةِ جعفرٍ

وذاكَ قليلٌ للخليفةِ مِنْ شكري

ولمَّا عُوفي دخلت عليه، فغنَّته من قبلها

(6)

:

شكرًا لأنْعُم مَنْ عافاكَ مِنْ سَقَمٍ

دُمْتَ المعافَى من الآلام والسَّقَمِ

عادَتْ بنُوركَ للأيَّامِ بهجَتُها

واهتزَّ نَبْتُ رياضِ الجُودِ والكَرَمِ

ما قامَ للدِّينِ بعدَ المصطفى مَلِكٌ

أعَفُّ منكَ ولا أرعى على الذِّمَمِ

فعمَّرَ اللّهُ فينا جعفَرًا ونفى

بِنُورِ سنَّتِهِ عنَّا دُجَى الظُّلَمِ

ولها في عافيته أيضًا

(7)

:

(1)

في تاريخ ابن عساكر: واشتراها الأمين، ثم اشتراها المأمون.

(2)

ابن عساكر (تراجم النساء)(ص 229)، الأغاني (21/ 54).

(3)

في الأغاني: محمد بن حامد الخاقاني المعروف بالخشن، أحد قواد خراسان، وكان أشقر أصهب الشعر أزرق العينين.

(4)

الأغاني (21/ 72)، ابن عساكر تراجم النساء (ص 235).

(5)

تاريخ ابن عساكر تراجم النساء (ص 233)

(6)

تاريخ ابن عساكر تراجم النساء (ص 233).

(7)

تاريخ ابن عساكر تراجم النساء (ص 234).

ص: 322

حَمِدنا الذي عافَى الخليفةَ جَعْفرًا

على رُغْمِ أشياخِ الضّلالةِ والكُفْرِ

وما كانَ إلا مثلَ بَدْرٍ أصابهُ

كُسُوفٌ قليلٌ ثم أجْلَى عنِ البَدْرِ

سلامَتُهُ للدِّينِ عِزٌّ وقُوَّةٌ

وعِلَّتُه للدِّينِ قاصمةُ الظَّهرِ

مَرِضْتَ فأمرضْتَ البَريَّةَ كلَّها

وأظلَمَتِ الأمصارُ من شدَّةِ الذُّعرِ

فلما استبانَ الناسُ مِنْكَ إفاقةً

أفاقوا وكانوا كالنِّيام

(1)

على الجَمْرِ

سلامةُ دنيانا سلامةُ جَعْفَرٍ

فدامَ معافًا سالمًا آخِرَ الدَّهرِ

إمامٌ يعمُّ الناسَ بالفضل

(2)

والتُّقى

قريبًا مِنَ التَّقوى بَعِيدًا مِنَ الوِزْرِ

ولها من الأشعار الرائقة الفائقة شيء كثير، وفيما ذكرنا كفاية، واللّه الموفق للصواب.

قال ابن عساكر

(3)

: بلغني أن مولدها في سنة إحدى وثمانين ومئة، وتوفيت سنة سبع وسبعين ومئتين بسُرَّ من رأى، ولها ستٌّ وتسعون سنة.

‌ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومئتين

قال ابن الجوزي

(4)

: في المحرم من هذه السنة طلع نجم ذو جُمَّةٍ

(5)

ثم صارت الجُمَّةُ ذؤابة

(6)

.

قال

(7)

: وفي هذه السنة غار ماء النيل، وهذا شيء لم يعهد مثله، ولا بلغنا في الأخبار السابقة، فغلت الأسعار بمصر بسبب ذلك جدًّا.

قال

(8)

: وخلع على عبيد الله بن سليمان بن وهب بالوزارة.

قال

(9)

: وفي المحرم منها قدم الموفَّق أبو أحمد من الغزو فتلقاه الناس إلى النهروان، فدخل بغداد وهو مريض بالنقرس، فاستقرَّ في داره في أوائل صفر، ومات بعد أيام، كما سيأتي في ترجمته في هذه السنة.

(1)

تاريخ ابن عساكر: كالقيام.

(2)

في ب، ظا: بالعقل، وفي تاريخ ابن عساكر بالعدل.

(3)

تاريخ دمشق تراجم النساء (ص 239).

(4)

المنتظم (5/ 109)، الطبري (10/ 19).

(5)

"الجُمَّة": مجتمع شعر الرأس.

(6)

"الذؤابة": الشعر المضفور من شعر الرأس.

(7)

المنتظم (5/ 110).

(8)

المنتظم (5/ 109).

(9)

المنتظم (5/ 109).

ص: 323

[أول ظهور القرامطة في سنة ثمان وسبعين ومئتين]

(1)

قال ابن الجوزي

(2)

: وفي هذه السنة تحركت القرامطة، قبَّحهم الله، وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوَّة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات. ثم [هم]

(3)

بعد ذلك أتباعُ كلِّ ناعقٍ إلى باطلٍ، وأكثر ما يدخلون من جهة الرافضة

(4)

؛ لأنَّهم أقلُّ الناس عندهم وعند غيرهم عقولًا.

ويقال لهم: الإسماعيلية؛ لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق.

ويقال لهم: القرامطة؛ قيل: نسبة إلى قِرْمِط بن الأشعث البقار

(5)

.

وقيل: إن رئيسهم كان في أول دعوته يأمر مَن اتبعه بخمسين

(6)

صلاة في كُلِّ يوم وليلة؛ ليشغلهم بذلك عمَّا يريد تدبيره من المكيدة. ثم اتخذ نقباء اثني عشر، وأسس لأتباعه دعوة ومسلكًا، ودعا إلى إمام من أهل البيت.

ويقال لهم: الباطنية؛ لأنهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحضَ، والخُرَّميَّة، والبابكيَّة نسبة إلى بابَك الخرَّميّ الذي ظهر في أيام المعتصم، فلم يزل يبعث خلفه الجيوش حتى جيء به أسيرًا فقتله، كما ذكرنا فيما سبق

(7)

.

ويقال لهم: المُحَمرة نسبة إلى صبغ الحمرة شعارًا، مضاهاة لسواد بني العباس.

والتعليمية، نسبة إلى التعلم

(8)

من الإمام المعصوم، وترك الرأي ومقتضى

(9)

العقل.

ويقال لهم: السبعية، نسبة إلى القول بأن الكواكب السبعة المتحيَّزة السيَّارة مدبِّرة لهذا العالم فيما يزعمون، لعنهم الله. وهي القمر في الأولى، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمرِّيخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة.

(1)

زيادة من ب، ظا.

(2)

المنتظم (5/ 110).

(3)

من ب، ط.

(4)

في ب، ظا: القرامطة.

(5)

في المنتظم: قرمط بن الأشعب، البقال.

(6)

في آ: بخمس صلوات.

(7)

حوادث سنة 222 و 223.

(8)

في ب، ظا: التعليم.

(9)

في المنتظم: وإفساد تصرف العقل.

ص: 324

قال ابن الجوزي

(1)

: وقد بقي من البابكيَّة جماعةٌ يقال: إنهم يجتمعون في كلِّ سنة ليلة هم ونساؤهم، ثم يطفئون المصابيح، وينتهبون النساء، فمن وقع في يده امرأة حلت له؛ ويقولون: هذا اصطياد مباحٌ، لعنهم الله. وقد بسط أبو الفرج بن الجوزي في هذا الموضع من تاريخه المسمَّى "بالمنتظم" تفصيل قولهم، لعنهم الله.

وقد سبقه إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلانيّ

(2)

المتكلِّم المشهور في كتابه "هتك الأستار وكشف الأسرار" في الردِّ على الباطنية، في الكتاب الذي جمعه بعض قضاتهم بديار مصر في أيام الفاطميين الذي سماه "البلاغ الأعظم والناموس الأكبر" جعله ست عشرة درجة، أول درجة: أن يدعوَ من يجتمع به أولًا إن كان من أهل السُّنَّة إلى القول بتفضيل علي على عثمان، ثم ينتقل به إذا وافقه على ذلك إلى تفضيله على الشيخين أبي بكر وعمر، ثم يترقَّى من ذلك إلى سبِّهما؛ لأنهما ظلما عليًا وأهلَ البيت الحقّ، ثم يترقَّى بعد ذلك إلى تجهيل الأمة وتخطئتها في موافقة أكثرهم على ذلك، ثم يشرع في القدْح في دين الإسلام من حيث هو.

وقد ذكر لمخاطبتة

(3)

شبهًا وضلالات لا تروج إلا على كل غبيٍّ جاهل شقيٍّ؛ كما قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 7 - 9]، أي يضلّ به من هو ضال. وقال تعالى:{فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 161 - 163]. وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112 - 113]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومضمونها أنَّ الجهلَ والضلال لا ينقاد له إلَّا شرار الرجال، كما قال بعضُ الشعراء:

إنْ هو مستحوذًا على أحدٍ

إلا على أضْعَفِ المَجَانينِ

ثم بعد هذا كله لهم مقامات في الكفر والجهل والسخافة والرُّعونة ما لا ينبغي لضعيف عقل أو دينٍ، أو تصور سماعه، مما فتَح عليهم إبليس من أبواب وأنواع الجهالات، وربما أفاد بعضهم إبليس أشياء لم تكن عنده، كما قال بعضهم:

وكنتُ أمرأً من جندِ إبليسَ بُرهةً

مِنَ الدَّهرِ حتَّى صَارَ إبليسُ مِنْ جُندي

(1)

المنتظم (5/ 114).

(2)

هو محمد بن الطيب بن محمد، من كبار علماء الكلام، انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة. ولد في البصرة وسكن بغداد، وتوفي فيها سنة 403 هـ.

(3)

بعدها في ط: لمن يريد أن يخاطبه بذلك.

ص: 325

والمقصود: أنَّ هذه الطائفة تحرَّكت في هذه السنة، ثم استفحل أمرهم، وتفاقم الحال بهم، على ما سنذكره، حتى آل الحال إلى أن دخلوا المسجد الحرام، فسفكوا فيه دماء الحجيج في وسط المسجد حول الكعبة المكرمة، وكسروا الحجر الأسود، واقتلعوه من موضعه، وذهبوا به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة وثلاثمئة، ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة، فمكث غائبًا عن موضعه ثنتين وعشرين سنة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون

(1)

.

واتفق في هذه السنة شيئان؛ أحدهما: ظهور هؤلاء، والثاني: موتُ حسام الإسلام وناصر الدين أبي أحمد الموفَّق، تغمده الله برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته، بكرمه ومنّه. لكن أبقى الله للمسلمين بعده ولده أبا العباس أحمد بن أبي أحمد الموفَّق، الملقب بالمعتضد. وقد كان [الموفَّق أبو أحمد]

(2)

شهمًا شجاعًا فاتكًا جوادًا ممدَّحًا.

وهذه ترجمة أبي أحمد الموفَّق

(3)

، رحمه الله: هو الأمير الناصر لدين الله، الموفَّق بالله، أبو أحمد، محمد، ويقال: طلحة بن المتوكّل على الله جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد.

كان مولده في يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومئتين، وكان أخوه المعتمد حين صارت إليه الخلافة قد عهد إليه بالولاية بعد ابنه جعفر، ولقَّبه الموفَّق باللّه، ثم لمَّا قُتِل صاحب الزّنج وكسر جيشه تلقَّب بناصر دين الله، وصار إليه العقد والحل والولاية والعزل، وإليه يُجبى الخراج، وكان يخطب له على المنابر، فيقال: اللهم أصلح الأمير الناصر لدين الله، أبا أحمد الموفَّق باللّه، ولي عهد المسلمين، أخا أمير المؤمنين.

ثم اتفق موته قبل أخيه المعتمد بستة أشهر، رحمه الله، وكان غزير العقل، حسن التدبير، [كريمًا، جوادًا، ممدّحًا، شجاعًا، مقدامًا، رئيسًا، حسن المحادثة والمجالسة، عادلًا، حسن السيرة]

(4)

، يجلس للمظالم، وعنده القضاة، فينصف المظلوم من الظالم، وكان عالمًا بالأدب، والنسب، والفقه، وسياسة الملك وغير ذلك، وله محاسن ومآثر كثيرة جدًّا.

وكان سبب موته: أنَّه أصابه مرض النِّقْرس في السَّفر، ثم قدم إلى بغداد وهو عليل، فاستقرَّ في داره

(1)

بعده في المطبوع ما نصه: "وكل ذلك من ضعف الخليفة وتلاعب الترك بمنصب الخلافة واستيلائهم على البلاد وتشتت الأمر.

(2)

من ب، ظا.

(3)

له ترجمة في تاريخ الطبري، وتاريخ بغداد (2/ 127)، المنتظم (5/ 121)، الكامل لابن الأثير (7/ 441)، سير أعلام النبلاء (13/ 169)، العبر (2/ 39، 43، 47، 59 - 60)، الوافي بالوفيات (2/ 294)، شذرات الذهب (2/ 172).

(4)

زيادة من ب، ظا.

ص: 326

في أوائل صفر وقد تزايد به المرض، وتورَّمت رجله حتى عظمت جدًّا، وكان يوضع عليها الأشياء المبرّدة كالثلج ونحوه، فكان يحمل سريره أربعون رجلًا بالنوبة، عشرون، عشرون. فقال لهم ذات يوم: ما أظنكم إلا قد مللتم، فيا ليتني كواحدٍ منكم، آكل كما تاكلون، وأشرب كما تشربون في عافية.

وقال أيضًا: في ديواني مئة ألف مرتزق ليس فيهم أسوأ حالًا مني.

ثم كانت وفاته في القصر الحسيني ليلة الخميس لثمان بقين.

قال ابن الجوزي

(1)

: من هذه السنة.

وقال ابن الأثير

(2)

: في صفر من هذه السنة.

قال ابن الجوزي

(3)

: وله سبع وأربعون سنة تنقص شهرًا وأيامًا.

ولما توفي أبو أحمد الموفَّق اجتمع الأمراء على أخذ البيعة بولاية العهد من بعده لولده أبي العباس أحمد، فبايع له المعتمد بولاية العهد بعد ابنه المفوّض، وخطب له على المنابر بعد المفوّض، وجعل إليه ما كان إلى أبيه من الولاية والعزل والقطع والوصل، والعقد والحل، ولقّب المعتضد باللّه.

‌وممن توفي فيها أيضًا:

إدريس بن سُليم القَعْنبي

(4)

الموصلي، قال ابن الأثير

(5)

: وكان كثير الحديث والصلاح.

وإسحاق بن كنداجيق

(6)

، نائب الجزيرة، وكان من ذوي الرأي، وقام

(7)

بما كان إليه ولدُه محمد.

ويا زمان

(8)

، نائب طَرَسُوس، جاءه حجر مِنْجنيق من بلدة كان يحاصرها ببلاد الروم، فمات منه، وذلك في رجب من هذه السنة، ودفن بطَرَسوس، فولّي نيابة الثغر بعده أحمد العُجيفيّ بأمر خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون، ثم عزله عن قريب بابن عمه محمد بن موسى بن طولون.

وعبدة بن عبد الرحيم، قبَّحه الله. ذكر ابن الجوزي في "المنتظم"

(9)

: أن هذا الشقيَّ كان من

(1)

المنتظم (5/ 122) وفيه: من صفر هذه السنة.

(2)

الكامل لابن الأثير (7/ 443).

(3)

المنتظم (5/ 122).

(4)

في المطبوع وابن الأثير الفَقْعَسيّ.

(5)

الكامل لابن الأثير (7/ 451).

(6)

في ط: كنداج.

(7)

عبارة ابن الأثير (7/ 451): وولي ما كان إليه من أعمال الموصل وديار ربيعة ابنه محمد.

(8)

في ب، ظا: مازيار.

(9)

المنتظم (5/ 120).

ص: 327

المجاهدين كثيرًا في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون محاصرون لبلدة من بلاد الروم إذ نظر إلى امرأة في ذلك الحصن فهويها، فراسلها: ما السبيلُ إليك؟ فقالت: أن تتنصَّرَ وتصعدَ إليَّ، فأجابها إلى ذلك، قبَّحه الله، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتمَّ المسلمون بسبب ذلك غمًّا شديدًا، وشق عليهم مشقة عظيمةً. فلمَّا كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن، فقالوا له: يا فلان، ما فعل قرآنُك؟ ما فعل [عملك]

(1)

؟ ما فعل صيامك وصلاتك؟ فقال: اعلموا أني أنسيت القرآن كلَّه إلا قوله: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 2 - 3].

‌ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومئتين

في أواخر المحرم منها خلع جعفر المفوّض من ولاية العهد، واستقل بولاية العهد من بعد المعتمد أبو العباس بن الموفق، ولقب بالمعتضد، وجعل إليه السلطنة، كما كان أبوه، وخطب بذلك المعتمدُ على رؤوس الأشهاد، وكان يومًا مشهودًا. ففي ذلك يقول يحيى بن علي يهنِّئ المعتضد

(2)

:

ليهنكَ عقدٌ أنتَ فيهِ المقدَّمُ

حباكَ بهِ ربٌّ بفضلِكَ أعلمُ

فإنْ كنْتَ قد أصبحْتَ واليَ عهدِنا

فأنتَ غدًا فينا الأمامُ المعظَّمُ

ولازال من والاكَ فيك مبلَّغًا

مُناهُ ومَن عاداكَ يخزى ويندمُ

وكانَ عمودُ الدينِ فيه تأوُّدٌ

فعادَ بهذا العهدِ وهوَ مقوَّمُ

وأصبحَ وجهُ المُلكِ جذلانَ ضاحكًا

يضئُ لنا منهُ الذي كانَ يُظلِمُ

فدونكَ فاشددْ عَقْدَ ما قَدْ حويتَهُ

فإنَّكَ دونَ الناسِ فيهِ المُحَكَّمُ

وفيها: نودي ببغداد أن لا يمكَّن القصّاصُ الطرقية والمنجمون ومن أشبههم من الجلوس في المساجد ولا في الطرقات، وأن لا تباع كتبُ الكلام والفلسفة والجدل بين الناس، وذلك بهمَّة أبي العباس المعتضد سلطان الإسلام.

وفي هذه السنة وقعت حروبٌ بين هارون الشاري وبين بني شيبان في أرض الموصل، وقد بسط ذلك ابنُ الأثير

(3)

في "كامله".

(1)

زيادة من ب، ظا. وفي المطبوع والمنتظم: علمك.

(2)

الكامل لابن الأثير (7/ 452).

(3)

الكامل لابن الأثير (7/ 453 - 454).

ص: 328

وفي رجب منها كانت وفاة المعتمد على الله ليلة الإثنين لتسع

(1)

عشرة خلت منه.

وهذه ترجمة المعتمد

(2)

: هو أمير المؤمنين المعتمد على الله بن المتوكل على الله بن المعتصم بن الرشيد، واسمه أحمد بن جعفر بن محمد بن هارون الرشيد بن المهدي محمد بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. استمرت أيامه في الخلافة ثلاثًا وعشرين سنة وستة أيام، وكان عمره يوم مات خمسين سنة وستة أشهر، كان أسنَّ من أخيه أبي أحمد الموفق بستة أشهر، وتأخَّر بعده أقل من سنة، ولم يكن إليه من الأمر شيء، وإنَّما كان الأمر كلَّه فيما يتعلّق بتدبير الخلافة إلى الموفّق، وقد اتفق أنَّ المعتمد طلب في بعض الأيام ثلاثمئة دينار فلم يحصل له، فقال في ذلك

(3)

:

أليسَ مِنَ العجائبِ أنَّ مثلي

يَرَى ما قَلَّ ممتنِعًا عليهِ

وتؤخَذُ باسْمِهِ الدُّنيا جميعًا

وما مِن ذاكَ شيءٌ في يَدَيْهِ

إليه تُحمَّلُ الأموالُ طُرًّا

ويُمنَعُ بعض ما يُجْبَى إليهِ

وكان أول خليفة انتقل من سامُرَّا إلى بغداد بعدما بنيت سامُرَّا، ثم لم يعد إليها أحد من الخلفاء، بل جعلوا دار إقامتهم ببغداد، وكان سبب هلاكه فيما ذكر ابن الأثير

(4)

أنه شرب تلك الليلة شرابًا كثيرًا، وتعشَّى عشاءً كثيرًا. وكانت وفاته في القصر الحَسَني من بغداد، وحين مات أحضر المعتضدُ القضاة والأعيان وأشهدهم أنه مات حتف أنفه، ثم غسَّل وكفّن، وصلَّى عليه، ثم حمل فدفن بسامُرَّا.

وفي صبيحة العزاء بُويع للمعتضد بالله.

البلاذري المؤرِّخ، أحد المشاهير

(5)

: أحمد بن يحيى بن جابر بن داود أبو الحسن، ويقال: أبو جعفر، ويقال: أبو بكر البغدادي البَلاذُرِي، صاحب التاريخ المنسوب إليه.

سمع هشام بن عمَّار، وأبا عُبَيْد القاسم بن سلام، وأبا الرَّبيع الزهراني وجماعة.

(1)

في ب، ظا: لسبع عشرة. مصحف، وما أثبتناه موافق لمصادر ترجمته.

(2)

في الأصول: وهذه ترجمته. وترجمته في تاريخ الطبري (9/ 474)، تاريخ بغداد (4/ 60)، الكامل لابن الأثير، الجزء السابع، في أماكن متفرقة، فوات الوفيات (1/ 64)، الوافي بالوفيات (6/ 292)، سير أعلام النبلاء (12/ 540)، شذرات الذهب (2/ 173).

(3)

الكامل لابن الأثير (7/ 455)، فوات الوفيات (1/ 66)، سير أعلام النبلاء (12/ 548 و 652)، الوافي بالوفيات (6/ 293)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (375).

(4)

الكامل لابن الأثير (7/ 455).

(5)

تأخرت ترجمة البلاذري في (آ) ووردت بعد ترجمة المعتضد. وترجمته في الفهرست لابن النديم، المقالة الثالثة، الفن الأول، مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 319)، معجم الأدباء (5/ 89)، فوات الوفيات (10/ 155)، الوافي بالوفيات (8/ 239)، سير أعلام النبلاء (13/ 162)، لسان الميزان (1/ 322).

ص: 329

وعنه: يحيى بن النَّديم، وأحمد بن عمَّار، وأبو يوسُف يعقوب بن نعيم بن قَرْقَارة الأزدي.

قال ابن عساكر

(1)

: كان أديبًا، راوية، له كتبٌ جيادٌ، ومدَحَ المأمون بمدائحَ، وجالس المتوكِّل، وتوفي أيام المعتضد، وَوُسوس في آخر عمره.

وروى ابن عساكر

(2)

عن البَلاذُري قال: قال لي محمود الوراق: قُلْ من الشعر ما يبقى ذلك ذكره، ويزول عنك إثمه، فقلت:

استعدّي يا نفسُ للموتِ واسعَي

لنجَاةٍ فالحَازِمُ المُسْتَعِدُّ

قد تبيَّنْتُ أنَّه ليس للحـ

يِّ خُلودٌ ولا مِنَ الموتِ بُدُّ

إنَّما أنتِ مستعيرةٌ ما سَوْ

فَ تَرُدِّينَ والعَوَاري تُرَدُّ

(3)

أنْتِ تَسْهِينَ والحوادِثُ لا تَسْ

هُو وَتَلْهِينَ والمَنَايا تَعُدُّ

(4)

أيُّ مُلْكٍ في الأرْضِ أيُّ حَظٍّ

لامرئٍ حظُّهُ مِنَ الأرْضِ لَحْدُ

لا تُرَجِّي البَقَاءَ في مَعْدِنِ المَوْ

ت ودَارٍ حتوفُها لكِ وِرْدُ

كيفَ يَهْوَى امْرُؤٌ لَذَاذَةَ أيَّا

مٍ عليه الأنفاسُ فيها تُعَدُّ

‌خلافة المعتضد بالله

(5)

أمير المؤمنين أبي العباس أحمد [ابن الأمير أبي أحمد الموفّق بن جعفر المتوكِّل]

(6)

. وكان من خيار خلفاء بني العباس ورجالهم. كانت البيعة له صبيحة موت المعتمد لعشرٍ بقِين من رجب من هذه السنة، أعني سنة تسع وسبعين ومثتين، وقد كان أمر الخلافة داثرًا فأحياه بهمَّته وعدله وشهامته وصرامته وشجاعته، استوزر عبيد الله بن سليمان بن وَهْب، وولَّى مولاه بَدْرًا الشُرْطَة ببغداد، وجاءته هدايا عمرو بن الليث، ويسأل منه أن يولِّيه إمرةَ خراسان، فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه بالخِلَع واللواء، فنصبه عمرو بن الليث في داره ثلاثة أيام فرحًا وسرورًا بذلك

(7)

.

وعزل رافعَ بن هَرْثَمة عن إمرة خراسان، ودخلها عمرو بن الليث، فلم يزَلْ يتبع رافعًا من بلدٍ إلى بلدٍ

(1)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 319)، ومعجم الأدباء (5/ 99)، والوافي بالوفيات (8/ 239).

(2)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 319)، ومعجم الأدباء (5/ 97 - 98).

(3)

"العارة والعارية": ما تعطيه غيرك على أن يعيده إليك، يقال: عارية مستردة، والجمع العواري.

(4)

في مختصر تاريخ ابن عساكر ومعجم الأدباء: تَجِدُّ.

(5)

سترد ترجمته مفصلة في حوادث سنة (288 هـ).

(6)

زيادة من ب، ظا، ط.

(7)

الكامل لابن الأثير (7/ 456).

ص: 330

حتَّى قتَلَه في سنة ثلاث وثمانين كما سيأتي، وبعث برأسه إلى المعتضد، وصَفَتْ إمرةُ خراسان لعمرو بن الليث

(1)

.

وفي هذه السنة قَدِمَ الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصَّاص من الدِّيار المصرية، بهدايا عظيمة من خُمَارَوَيْه صاحب مصر إلى المعتضد باللّه، فتزوَّج المعتضدُ بابنة خُمَارَوَيْه، فجهَّزها أبوها بجهازٍ لم يُسْمَعْ بمثله، حتَّى قيل: إنه كان فيه من الهواوين الذهب مئة هاون، فحمل ذلك كلّه من الدِّيار المصرية إلى بغداد صحبة العروس، وكان وقتًا مشهودًا.

وفي هذه السنة تملَّك أحمد بن عيسى بن الشيخ قَلْعة ماردين، وكانت قبل ذلك لإسحاق بن كنداجيق

(2)

.

وفيها: حجَّ بالناس هارون بن محمد العبَّاسي، وهي آخر حجة حجَّها، وكان أوَّل حجَّة حجَّها بالناس سنة أربع وستين ومئتين [إلى هذه السنة]

(3)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد

(4)

أمير المؤمنين المعتمد، كما تقدَّم في ترجمته قريبًا.

أبو بكر بن أبي خَيْثمة

(5)

: واسمه: أحمد بن زهير بن خيثمة، صاحب التاريخ وغيره. سمع أبا نعيم، وعفَّان. وأخذ علمَ الحديث عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين؛ وعلمَ النسب عن مصعب الزبيري؛ وأيامَ الناس عن أبي الحسن علي بن محمد المدائني، وأخذ علمَ الأدب عن محمد بن سلام الجمحي.

وكان ثقة حافظًا ضابطًا مشهورًا، وفي تاريخه هذا فوائد كثيرة وفرائد غزيرة.

وقد روى عنه البغوي، وابنُ صاعد، وابن أبي داود، وابن المنادي. وقد كاتّ وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، رحمه الله.

خاقان أبو عبد الله الصوفي

(6)

، كانت له أحوال وكرامات.

(1)

انظر الكامل لابن الأثير (7/ 457 - 459).

(2)

في ط والطبري: كنداج.

(3)

تكملة من الطبري وابن الأثير.

(4)

حتى قوله: قريبًا لم يرد في ب، ظا.

(5)

تاريخ بغداد (4/ 162)، المنتظم (5/ 139)، تذكرة الحفاظ (2/ 596)، شذرات الذهب (2/ 174).

(6)

كان من كبار الصوفية البغداديين، له أخبار في المنتظم (5/ 140).

ص: 331

[نصر بن أحمد بن أسد بن سامان]

(1)

: الساماني، أحد ملوكهم الأكابر، وقد كانوا من سلالة الأكاسرة، كان جدهم سامان من أصحاب أبي مسلم الخراساني، وأصله من ذرية بهرام بن أزدشير بن سابور، ثم كان ابنه أسد من عقلاء الرجال. وخلَّف نوحًا وأحمد ويحيى وإلياس، وقد ولي كل واحد من هؤلاء مملكة، ناحية من النواحي؛ وهم السامانية]

(2)

.

التَرْمِذيّ

(3)

: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضَّحَّاك، وقيل: محمد بن عيسى بن يزيد بن سَوْرة بن السَّكَن، ويقال: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن شدَّاد أبو عيسى السّلمي التِّرمذيّ الضرير، ويقال: إنه ولد أكْمَه

(4)

.

وهو أحد أئمة هذا الشأن في زمانه، وله المصنفات المشهورة:"جامعه"، و "الشمائل"، و "أسماء الصحابة" وغير ذلك. وقد صار كتابه هذا من الكتب الستة التي يرجع إليها العلماء في سائر الآفاق والأرجاء، وجهالة ابن حزم لأبي عيسى حيث قال في محلاه

(5)

: ومَن محمد بن عيسى بن سَوْرة؟ لا تضرُّه في دينه ودنياه، ولا تضع من قدره عند أهل العلم، بل تحط من منزلة ابن حزم عند الحفاظ:

وكيفَ يَصِحُّ في الأذهانِ شيءٌ

إذا احْتَاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلِ

وقد ذكرنا مشايخه في كتابنا "التكميل".

وروى عنه غيرُ واحد من العلماء؛ منهم: محمد بن إسماعيل البخاري في غير "الصحيح"؛ والهَيْثَم بن كُلَيْب الشَّاشي، صاحب "المسند"؛ ومحمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي، راوي "الجامع" عنه؛ ومحمد بن المنذر شَكَّر.

قال الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليليّ القَزْويني في كتابه "علوم الحديث"

(6)

: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن شدَّاد، الحافظ، متفق عليه، وله كتاب في السنن، وكلام في الجرح والتعديل،

(1)

المنتظم (5/ 141)، وابن الأثير (أماكن متفرقة) والنجوم الزاهرة (3/ 83).

(2)

ما بين قوسين لم يرد في آ، ط.

(3)

وفيات الأعيان (4/ 278)، تهذيب الكمال (خ 1254)، سير أعلام النبلاء (13/ 270)، تذكرة الحفاظ (2/ 633)، العبر (2/ 62)، الوافي بالوفيات (4/ 294)، تهذيب التهذيب (9/ 387)، شذرات الذهب (2/ 174).

(4)

"الأكْمَه": الذي يولد أعمى. واستبعد الذهبي ذلك وقال في السير: والصحيح أنه أضرَّ في كبره، بعد رحلته وكتابته العِلم.

(5)

أي كتابه المحلى في الفقه.

(6)

اسم كتابه: الإرشاد في معرفة المحدّثين وهو فيه (3/ 904 - 905).

وكان الخليلي ثقة حافظًا، عارفًا بالرجال والعلل، كبير الشأن، توفي بقزوين في آخر سنة ست وأربعين وأربعمئة، وكان من أبناء الثمانين. سير أعلام النبلاء (17/ 666).

ص: 332

روى عنه ابن مَحْبُوب والأجلاء، وهو مشهور بالأمانة والعلم، مات بعد الثمانين ومئتين؛ كذا قال في تاريخ وفاته.

وقد قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الغُنْجَار

(1)

في "تاريخ بخارى": محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضَّحَّاك السّلميّ التِّرمذيّ، الحافظ، دخل بُخَارَى وحدَّث بها، وهو صاحب "الجامع" و "التاريخ"؛ توفي بالتِّرْمِذ

(2)

ليلة الإثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين.

وذكره الحافظ أبو حاتم بن حبَّان في "الثِّقات"

(3)

، فقال: كان ممن جَمَعَ، وصنَّف، وحفِظَ، وذاكر.

قال التِّرْمذيُّ: كتب عنِّي البخاري حديثَ عَطِيَّة، عن أبي سعيد، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال

(4)

: "لا يَحِلُّ لأحدٍ [أنْ] يُجنبَ في هذا المسجد غيري وغيرُك"

(5)

.

وروى ابن نقطة

(6)

في "تقييده"

(7)

عن الترمذي، أنه قال: صنفت هذا المسند الصحيح فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنَّما في بيته نبيٌّ يتكلَّم.

قالوا: وجملة المسند الجامع الذي صنفه الترمذي مئة وأحد وخمسون كتابًا، وكتاب "العلل" صنفه بسمَرْقَند، وكان فراغه منه في يوم عيد الأضحى سنة سبعين ومئتين.

(1)

الإمام الحافظ، محدّث بخاري، وصاحب "تاريخها"، توفي سنة 412 هـ وقد شاخ. سير أعلام النبلاء (17/ 304).

(2)

اختلف في كيفية هذه النسبة، بعضهم يقول بفتح التاء، وبعضهم يقول بضمها، وبعضهم يقول بكسرها. وهي مدينة مشهورة من أمهات المدن على نهر جيحون من جانبه الشرقي. (ياقوت).

(3)

ثقات ابن حبان (9/ 153).

(4)

في ط: قال لعلي.

(5)

رواه الترمذي في جامعه رقم (3727)، في مناقب علي بن أبي طالب رضي للّه عنه، وفي سنده عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث واستغربه.

(6)

في آ: ابن عطية، والمثبت من ب. وهو محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع بن أبي نصر البغدادي الحنبلي، أبو بكر، معين الدين، ابن نقطة. عالم بالأنساب، حافظ للحديث، من أهل بغداد، ثقة، ديّن، توفي سنة 629 هـ.

(7)

التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد (ص 97 - 98).

ص: 333

قال ابن نقطة

(1)

: [أنبأنا عبد القادر بن عبد الله الفهمي، قال: حدثنا عبد الرحيم بن أبي الوفاء الحاجي بأصبهان، قال:]

(2)

سمعت محمد بن طاهر المقدسي، سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري يقول: كتاب الترمذي عندي أفيدٌ

(3)

من كتابَي البخاري ومسلم. قلت: ولمَ؟ قال: لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا مَنْ هو من أهل المعرفة التامة، وهذا الكتاب قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إليه كل أحدٍ من الناس؛ من الفقهاء والمحدّثين وغيرهما.

قلت: والذي يظهر من حاله أنه طرأ عليه العَمَى بعد أن رحلَ وسمعَ وكتبَ وذاكرَ وناظرَ وصنَّف، ثم اتفق موتُه في بلده في رجب من هذه السنة على الصحيح المشهور، واللّه أعلم.

‌ثم دخلت سنة ثمانين ومئتين [من الهجرة النبوية]

(4)

في المحرم منها قتل المعتضدُ رجلًا من أمراء الزّنج كان قد لجأ إليه بالأمان ويعرف بِشَيْلَمة

(5)

، ذكر له أنه كان يدعو إلى رجل لا يعرف من هو، وقد أفسد جماعةً، فاستدعى به فقرَّره فلم يقرّ، وقال: لو كان تحت قدميَّ ما أقررت

(6)

به، فأمر به فشُدَّ على عمود خيمةٍ، ثم لوّحه على النار حتى تساقط جلده عن عظامه، ثم أمر بضَرْب عنقه، وصلبه، لسبع ليال خلون من المحرم.

وفي أول صفر ركب الخليفة المعتضد بالله من بغداد قاصدًا بني شيبان من أرض المَوْصِل، فأوقع بهم بأسًا شديدًا عند جبل يقال له: نوباد

(7)

. وكان مع المعتضد حادٍ جيد الحداء، فقال في بعض تلك الليالي يحدو بالمعتضد

(8)

:

(1)

التقييد (ص 98).

(2)

ما بين حاصرتين إضافة من "التقييد" لا يستقيم النص من غيرها.

(3)

في سير أعلام النبلاء: أنفع، وفي ط: أنور.

(4)

زيادة من ب، ظا.

(5)

في الطبري: محمد بن الحسن بن سهل، المعروف بشيلمة. وفي آ: بشيملة، وفي ط: بسلمة.

(6)

في الطبري وابن الأثير: ما رفعتهما عنه.

(7)

في المنتظم: نوباذ. وفي معجم البلدان: تَوْباذ بفتح التاء ثم السكون، آخره ذال معجمة، جبل بنجد، ثم ذكر الأبيات الثلاثة مع بيت رابع بعدها، وهو:

إني لأبكي اليوم من حذري غدًا

وأقلق والحيّان مؤتلفان

(8)

المنتظم (5/ 142)، ومعجم البلدان (2/ 55): توباذ.

ص: 334

فأجْهَشْتُ للنَّوْبادِ حِينَ رأيتُهُ

وهلَّلتُ

(1)

للرحمنِ حينَ رآني

وقلتُ له أينَ الَّذين عَهدتُهُمْ

بظلّكَ في

(2)

أمن وأين زماني

فقالَ مضوا واستخْلَفُوني مكانَهُم

ومَن ذا الَّذي يَبْقَى على الحَدَثانِ

(3)

قال: فتغرغرت عينا المعتضد، وقال: من ذا الذي يبقى على الحَدَثان!؟.

وفي هذه السنة أمر المعتضد بتسهيل عقبة حُلْوان، فغُرم عليها عشرون ألف دينار، وكان الناس يلقون منها شدة عظيمة

(4)

.

وفيها: وسَّع المعتضد جامع المنصور بإضافة دار المنصور إليه، وغُرم عليه عشرون ألف دينار، وكانت الدارُ قبلتَه، فبناها مسجدًا على حدة وفتح بينهما سبعة عشر بابًا

(5)

، وحوَّل المنبر والمحراب

(6)

إلى المسجد، ليكون في قبلة الجامع على عادة الخطب

(7)

. قال الخطيب البغدادي

(8)

: وزاد بَدْر مولى المعتضد المسقطات من قصر المنصور المعروفة بالبدرية في هذا الوقت.

‌ذكر بناء دار الخلافة ببغداد

أول من بناها المعتضد في هذه السنة. وكان أول من سكنها من الخلفاء إلى آخر دولتهم، وكانت أولًا دارًا للحسن بن سهل تعرف بالقصر الحسني، ثم صارت بعد ذلك لابنته بوران التي تزوج بها المأمون، فعمَّرت فيها حتى استنزلها المعتضد عنها، فأجابته إلى ذلك، ثم أصلحت ما وَهَى منها ورمَّمت ما كان قد تشعَّث فيها، وفرشَتْ في كُلِّ موضع منها ما يليق به من المفارش، وأسكنت فيه ما يليق به من الجواري والخدم، وأعدت بها المآكل الشهية، وما يحسن ادِّخاره في ذلك الزمان، ثم أرسلت بمفاتيحها إلى المعتضد، فلما دخلها أذهله ما رأى فيها من الخيرات، ثم وسَّعها وزاد فيها، وجعل لها سورًا حولها، فكانت قدر مدينة شيراز، وبنى الميدان

(9)

، ثم بنى قصرًا مشرفًا على دجلة. ثم

(1)

في المنتظم: وهلَّل، وفي معجم البلدان: وسبَّح.

(2)

في ط: في أمنٍ ولين زمان، وفي المنتظم: في خفض وأمن زمان، وفي معجم البلدان: في خفض وعيسى ليان.

(3)

"الحَدَثان": الليل والنهار. وحَدَثان الدهر: نوائبه ومصائبه.

(4)

المنتظم (5/ 143)، وانظر في حلوان ونخلتيها معجم البلدان.

(5)

في المنتظم: طاقًا.

(6)

بعدها في المنتظم: والمقصورة.

(7)

تاريخ بغداد (5/ 61)، المنتظم (5/ 143). وفي ب، ظا: على عادة الخطيب.

(8)

المنتظم (5/ 143).

(9)

في ب، ظا: الميدان والثريا.

ص: 335

بنى فيها المكتفي التاج، ثم كانت أيام المقتدر فزاد فيها زيادات

(1)

عظيمة جدًّا. تأخرت آثارها إلى أيام التتار الذين خربوها وسبَوا من كان بها من الحرائر الآمنات، كما سيأتي بيانه في موضعه - إن شاء الله تعالى - من سنة ست وخمسين وستمئة.

قال الخطيب البغدادي

(2)

: والذي يشبه أن تكون بوران سلمت دار الخلافة إلى المعتمد: فإنها لم تعش

(3)

إلى أيام المعتضد.

وفيها: زُلزلزت أرْدَبيل

(4)

ست مرات، فتهدَّمت دورها فلم يبقَ منها مئةُ دارٍ، ومات تحت الردم مئة ألف وخمسون ألفًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها: غارت المياه ببلاد الرَّيِّ وطَبَرِستان حتَّى بيعَ الماءُ كل ثلاثة أرطال بدرهم، وغلت الأسعار هنالك جدًّا

(5)

.

وفيها: غزا إسماعيل بن أحمد السامانيُّ بلادَ الترك، ففتح مدينة ملكهم، وأسر امرأته الخاتون وأباه ونحوًا من عشرة آلات أسير، وغنم من الدّوابّ والأمتعة والأموال شيئًا كثيرًا، أصاب الفارس ألف درهم

(6)

.

وحجَّ بالناس في هذه السنة أبو بكر محمَّد بن هارون بن إسحاق العباسي

(7)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن سيار بن أيوب، الفقيه الشافعي المشهور بالعبادة والزهادة

(8)

.

وأحمد بن أبي عِمران

(9)

: موسى بن عيسى، أبو جعفر البغدادي، كان من أكابر الحنفية، تفقَّه على

(1)

في المطبوع: زيادات أخر كبارًا كثيرة جدًّا، ثم بعد هذا كله خربت حتى كأن لم يكن موضعها عمارة، وتأخرت

(2)

تاريخ بغداد (1/ 99)، والمنتظم (5/ 144).

(3)

ماتت بوران سنة (271)، وقد تقدمت ترجمتها في حوادث تلك السنة.

(4)

عند الطبري وابن الأثير: دَبيل.

(5)

الكامل لابن الأثير (7/ 465).

(6)

الكامل لابن الأثير (7/ 465).

(7)

في الطبري وابن الأثير: المعروف بابن تُرُنجة.

(8)

وهو أبو الحسن المَرْوزي، إمام أهل الحديث في بلده علمًا وأدبًا وزهدًا وورعًا، وكان يقاس بعبد الله بن المبارك في عصره، وكان حافظًا ثقة. توفي سنة 268 هـ. وليس في هذه السنة كما ذكر المؤلف نقلًا عن ابن الأثير في تاريخه.

تهذيب الكمال (1/ 323)، وسير أعلام النبلاء (12/ 609)، وحوادث سنة 268 هـ (11/ 42).

(9)

طبقات الفقهاء (140)، المنتظم (5/ 146)، سير أعلام النبلاء (13/ 334)، شذرات الذهب (2/ 175).

ص: 336

محمد بن سَمَاعة، وهو أستاذ أبي جَعْفَر الطَّحاوي. وكان ضريرًا، سمع الحديث من عليّ بن الجَعْد وغيره، وقدِمَ مصرَ فحدَّث بها من حفظه، وتوفي بها في المحرم من هذه السنة، وقد وثقه ابن يونس في تاريخ مصر.

أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر

(1)

: أبو العباس البِرْتي

(2)

، القاضي بواسط، صاحب المسند.

روى عن مسلم بن إبراهيم، وأبي سلمة التَّبوذكيّ، وأبي نعيم، وأبي الوليد، وخَلْق. وكان ثقة ثبتًا، تفقه بأبي سليمان الجُوزجاني، صاحب محمد بن الحسن. وقد حكم بالجانب الشرقيّ من بغداد في أيام المعتز

(3)

، فلما كان أيام الموفق طلب منه ومن إسماعيل القاضي أن يعطياه ما بأيديهما من أموال اليتامى الموقوفة؛ فبادَرَ إلى ذلك إسماعيل القاضي، واستنظره أبو العباس البِرْتي هذا، ثم بادر إلى كلِّ من أنس منه رشدًا فدفع إليه ماله، فلمَّا طولب به قال: ليس عندي منه شيء، دفعْتُه إلى أهله، فعزل عن القضاء ولزم بيته، فتعبَّد إلى أن توفي في ذي الحجة من هذه السنة.

وقد رآه بعضهم في المنام وقد دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إليه وصافحه وقبَّل بين عينيه، وقال: مرحبًا بمن يعمل بسنتي وأثري.

وفيها توفي:

جعفر بن المعتمد، وكان يسامر

(4)

المعتضد.

وراشد مولى الموفق بمدينة الدِّينور، فحمل إلى بغداد

(5)

.

وعثمان بن سعيد الدَّارِمي

(6)

، مصنف "الرد على بِشْر المَرِيسيِّ" فيما ابتدعه من التأويل لمذهب الجَهْميّة، وقد ذكرناه في "طَبَقات الشافعية".

(1)

تاريخ بغداد (5/ 61)، طبقات الفقهاء (140)، المنتظم (5/ 145)، تذكرة الحفاظ (2/ 596)، سير أعلام النبلاء (13/ 407)، شذرات الذهب (2/ 175).

(2)

في الأصول: البرقي.

(3)

في المنتظم: المعتمد. وفي تاريخ بغداد (5/ 62): ولي قضاء بغداد بعد أبي هشام الرّفاعي لما توفي في سنة تسع وأربعين ومئتين. قلت: وكانت خلافة المعتز من سنة 252 إلى سنة 255 هـ، والمعتمد بعده.

(4)

في الأصول: جعفر بن المعتضد، وكان يسامر أباه وصححت من الطبري وابن الأثير.

وعبارة الطبري: وذكر أن جعفر بن المعتمد توفي في يوم الأحد لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الآخر منها، وأنه كان مقامه في دار المعتضد لا يخرج ولا يظهر، وقد كان المعتضد نادمه مرارًا.

(5)

الطبري (10/ 34)، وابن الأثير (7/ 465).

(6)

وهو أبو سعيد التميمي الدارمي، صاحب "المسند" الكبير والتصانيف، وكان إمامًا يقتدى به. سير أعلام النبلاء (13/ 319)، العبر (2/ 64).

ص: 337

ومسرور الخادم

(1)

، وكان من أكابر الأمراء.

ومحمد بن إسماعيل بن يوسف أبو إسماعيل التَّرْمذيّ، صاحب التصانيف الحسنة في رمضان من هذه السنة؛ قاله ابن الأثير

(2)

، وشيخنا الذهبيّ

(3)

.

وهلال بن العلاء

(4)

، المحدِّث المشهور، وقد وقع

(5)

لنا من حديثه طرف

(6)

.

‌ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومئتين

فيها: دخل المسلمون بلاد الروم فغنموا وسلموا، ولله الحمد.

وفيها: تكامل غور المياه ببلاد الرَّيّ وطَبَرِستان، وغلت الأسعار جدًّا، وجهد الناس وقحطوا، حتى أكل بعضهم بعضًا، وكان

(7)

الرجل يأكل ابنته، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

وفيها: حاصر المعتضد قلعة ماردين، وكانت بيد حَمدان بن حمدون ففتحها قسرًا، وأخذ ما كان فيها، ثم أمر بتخريبها فهدمت.

وفي هذه السنة وصلت قطر النَّدى بنت خُمَارَوَيْه نائب الدِّيار المصرية إلى بغداد في تجمّل عظيم، ومعها من الجهاز شيء عظيم، حتى قيل: إنه كان في الجهاز مئة هاون من ذهب، ثم بعد كلّ حساب معها مئة ألف دينارٍ ليشترى بها من العراق ما قد تحتاج إليه، مما لا يتهيأ مثله بالديار المصرية

(8)

.

وفيها: خرج المعتضد إلى بلاد الجبل، وولَّى ولده عليًّا المكتفي نيابة الرَّيّ، وقَزوين، وزَنْجان وقُم، وهَمْذان، والدِّينَوَر، وجعل على كتابته أحمد بن الأصْبَع، وولَّى عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلَف نيابةَ أصبهان، ونَهَاوند، والكَرَج، ثم عاد راجعًا إلى بغداد.

(1)

إنما هو مسرور البلخي الأمير، وليس مسرورًا خادم الرشيد. وانظر أخباره في فهارس الطبري وابن الأثير.

(2)

ابن الأثير (7/ 465).

(3)

سير أعلام النبلاء (13/ 242)، والعبر (2/ 64)، وتذكرة الحفاظ (2/ 605).

(4)

هلال بن العلاء بن هلال بن عمر، أبو عمر الباهلي، مولى قتيبة بن مسلم، الأمير الرّقيّ. قال النسائي: ليس به بأس، روى أحاديث منكرة عن أبيه، ولا أدري: الريب منه، أو من أبيه، وله شعر رائق، من أبناء التسعين.

(5)

في آ: وقع لنا حديثه من طرق. والمثبت من ب، ط.

(6)

تأتي بعد هذا في ب، ظا، ط ترجمة سيبويه إمام النحاة المتقدمة ترجمته في وفيات سنة (180) من هذا الكتاب، ولم ترد في "أ" وهو الصواب حيث أقحمت هنا بلا معنى، وابن كثير لا يمكن أن يتوهم مثل هذا الوهم الفاحش، فهي بلا شك من زيادات بعض جهلة النساخ، لذلك حذفناها.

(7)

في المنتظم (5/ 147): وأكل إنسان منهم ابنته.

(8)

المنتظم (5/ 147).

ص: 338

وحجَّ بالناس محمد بن هارون بن إسحاقٍ.

وأصاب الحجّاج في الأجْفُر

(1)

مطر عظيم، فغرق منهم بشر كثير، كان الرجل يغرق في الرمل

(2)

فلا يضدر أحد على خلاصه.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن الحسين بن دِيْزِيل

(3)

، الحافظ، صاحب كتاب

(4)

المصنفات، منها في "صفين" مجلدٌ كبير.

أحمد بن محمد الطائيّ، بالكوفة، في جمادى، منها

(5)

.

إسحاق بن إبراهيم

(6)

: المعروف بابن الجَبُّلي، سمع وكان يفتي الناس بالحديث، وكان يوصف بالفهم والحفظ.

ابن أبي الدُّنيا

(7)

: عبد الله بن محمد بن عُبَيد بن سفيان بن قَيْس القرشيّ، مولى بني أمية. أبو بكر بن أبي الدُّنيا، الحافظ، المصنّف، المشهور، له التصانيف النَّافعة الشائعة الذائعة في الرقائق وغيرها، تزيد على مئة مصنف، رحمه الله. [وقيل: إنها نحو ثلاثمئة مصنَّف، وقيل: أكثر، وقيل: أقل]

(8)

.

سمع إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ، وخالد بن خِداش، وعليّ بن الجَعْد، وخلقًا. وكان مؤدّب المعتضد وابنه علي بن المعتضد الملقَّب بالمكتفي، وكان له عليه في كل شهر خمسة عشر دينارًا. وكان ثقة صدوقًا حافظًا ذا مروءة، لكن قال صالح بن محمد جزرة: إلا أنه كان يروي عن رجل يقال له:

(1)

"الأجْفر": بضم الفاء، جمع جَفر، وهو البئر الواسعة لم تطو، وهو موضع بين فَيْد والخُزَيمية، بينه وبين فَيْد ستة وثلاثون فرسخًا نحو مكة. ياقوت.

(2)

في المنتظم: الوحل.

(3)

أبو إسحاق، الهمذاني، الكسائي، وكان يلقَّب بدابَّة عفَّان لملازمته له، ويلقَّب بسيْفَنة، و "سيفنة": طائر ببلاد مصر، لا يكاد يحط على شجرة إلا أكل ورقها، فكذلك كان إبراهيم، إذا ورد على شيخ لم يفارقه حتى يستوعب ما عنده. قال الحاكم: ثقة مأمون. سير أعلام النبلاء (13/ 184).

(4)

لفظة كتاب لم ترد في ب، ظا.

(5)

الطبري (10/ 36)، وابن الأثير (7/ 467).

(6)

تاريخ بغداد (6/ 378)، طبقات الحنابلة (1/ 110)، المنتظم (5/ 148)، سير أعلام النبلاء (13/ 343). و "جَبُّل": بُلَيدة من سواد العراق.

(7)

ترجمته في تاريخ بغداد (10/ 89)، طبقات الحنابلة (1/ 192)، المنتظم (5/ 148)، سير أعلام النبلاء (13/ 397)، طبقات الحفاظ (294).

(8)

ما بين قوسين زيادة من المطبوع. وأحصيتُ مؤلفاته في مقدمة كتاب الشكر فبلغت أزيد من مئتي مؤلف.

ص: 339

محمد بن إسحاقٍ البلخي، وكان هذا الرجل كذابًا يضع للكلام إسنادًا، ويروي أحاديث منكرة.

ومن شعر ابن أبي الدنيا أنه جلس أصحاب له ينتظرونه ليخرج إليهم، فجاء المطر فحال بينه وبينهم، فكتب إليهم رقعة فيها مكتوب

(1)

:

أنا مشتاقٌ إلي رُؤيتكُمْ

يا أخِلائي وسَمْعي والبصَرْ

كيفَ أنساكُمْ وقلبي عندَكُمْ

حالَ فيما بيننا هذا المَطَرْ

توفي ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة عن سبعين سنة، وصلَّى عليه يوسف بن يعقوب القاضي، ودفن بالشونيزية، رحمه الله.

عبد الرحمن بن عمرو

(2)

، أبو زُرْعَة الدّمشقيّ، الحافظ الكبير، الشهير بين أهل العلم.

محمد بن إبراهيم

(3)

، ابن الموَّاز، الفقيه المالكي، له اختيارات في مذهب الإمام مالك؛ فمن ذلك وجوب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصَّلاة.

‌ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومئتين

في خامس ربيع الأول يوم الثلاثاء دخل المعتضد بالله بزوجته ابنة خُمَارَوَيْه، وكان قدومها إلى بغداد صحبة عمِّها وصحبة ابن الجصَّاص، وكان الخليفة غائبًا، وكان دخولها إليه يومًا مشهودًا، ومُنع النَّاسُ من المرور في الطرقات.

وفيها: نهى الخليفة المعتضد أن يعمل للناس في يوم النيروز

(4)

ما كانوا يتعاطَونه؛ من إيقاد النيران، وصبّ الماء، وغير ذلك من الأفعال المشابهة للمجوس، ومنع من حمل هدايا الفلاحين إلى المنقطعين

(5)

في هذا اليوم، وأمر بتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران، وسمى النوروز المعتضدي، كتب بذلك إلى الآفاق وسائر العمال.

وفي ذي الحجّة من هذه السنة قدم إبراهيم بن أحمد الماذرائيّ من دمشق على البريد، فأخبر

(1)

المنتظم (5/ 149).

(2)

في الأصول: عمر، وهو عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله النصري، الدمشقي، وكانت داره عند باب الجابية. وله تاريخ مفيد، طبع في مجمع اللغة العربية بدمشق. سير أعلام النبلاء (13/ 311).

(3)

أبو عبد الله، فقيه الديار المصرية، صاحب التصانيف، انتهت إليه رئاسة المذهب. قدم دمشق في صحبة السلطان أحمد بن طولون. وجعل بعضهم وفاته سنة 269 هـ. سير أعلام النبلاء (13/ 6).

(4)

في ب، ظا: النوروز. وفي القاموس: النيروز: أول يوم من السنة، معرَّب نوروز.

(5)

في المنتظم: المتغلبين.

ص: 340

المعتضدَ باللّه أنَّ خُمَارَوَيْه ذبحه بعضُ خدمه على فراشه، وولّوا بعدَه ولده جيشًا، ثم قتلوه ونهبوا داره، وولّوا هارون بن خُمَارَوَيْه. وقد التزم في كلِّ سنة بألف ألف دينار وخمسمئة ألف دينار، تحمل إلى نائب الخليفة. فأقرَّه المعتضد على ذلك، فلمَّا كان المكتفي عَزَلَه وولَّى مكانه محمد بن سليمان الواثقيّ، فاصطفى أموال آل طولون، وكان ذلك آخر العهد بهم.

وفيها: أطلِقَ لؤلؤ غلام أحمد بن طولون من السجن، فعاد إلى مصر في أذل حال

(1)

.

وحجَّ بالناس الأمير المتقدِّم ذكره.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن داود، أبو حنيفة الدِّينوَريّ

(2)

اللغويّ، صاحب "كتاب النبات".

إسماعيل بن إسحاق

(3)

: ابن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد، أبو إسحاق الأزدي القاضي، أصلُه من البصرة، ونشأ ببغداد، وسمع مسلم بن إبراهيم، ومحمّد بن عبد الله الأنصاريّ، والقَعْنَبيّ، وعليّ بن المَديني. وكان حافظًا فقيهًا مالكيًا، جمع وصنَّف، وشرح في المذهب عدة مصنفات في التفسير والحديث والفقه، وغير ذلك.

وقد ولي القضاء في أيام المتوكّل بعد سوَّار بن عبد الله ببغداد، ثم عزل، ثم ولي وصار مقدَّم القضاة.

وكانت وفاته فجأة ليلة الأربعاء لثمانٍ بقين من ذي الحجة من هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، رحمه الله.

الحارث بن محمّد بن أبي أسامة، صاحب "المسند" المشهور

(4)

.

خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون

(5)

: صاحب الدِّيار المصرية بويع له بملك الديار المصرية [بعد أبيه

(1)

بعده في المطبوع: بعد أن كان من أكثر الناس مالًا وعزًا وجاهًا.

(2)

كان نحويًا لغويًا، مهندسًا منجمًا حاسبًا، راوية ثقة فيما يرويه ويحكيه، أخذ عن البصريين والكوفيين، وأكثر أخذه عن ابن السكيت. معجم الأدباء (3/ 26)، سير أعلام النبلاء (13/ 422).

(3)

تاريخ بغداد (6/ 284)، طبقات الفقهاء (164)، المنتظم (5/ 151)، معجم الأدباء (6/ 129)، سير أعلام النبلاء (13/ 339)، شذرات الذهب (2/ 178).

(4)

أبو محمد التميمي، البغدادي، الخَصيب، الحافظ، الصدوق، مسند العراق. ذكره ابن حبَّان في الثقات. المنتظم (5/ 155)، سير أعلام النبلاء (13/ 388).

(5)

تاريخ الطبري (10/ 8، 18، 30، 42)، المنتظم (5/ 155)، الكامل لابن الأثير (7/ 409، 429 - 430، 477، 478)، سير أعلام النبلاء (13/ 446)، النجوم الزاهرة (3/ 49 - 87)، شذرات الذهب (2/ 178).

ص: 341

سنة إحدى وسبعين ومئتين، ففصده المعتضد أبو العباس أحمد بن الموفق في حياة أبيه]

(1)

، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، في أرض الرملة، وقيل: في أرض الصعيد. فانهزم

(2)

خُمَارَوَيْه هاربًا على حمار، وكرَّ جيشه على المعتضد، فهرب كما قدَّمنا. ثم تزوَّج ابنته وتصافيا بعد ذلك.

فلما كان في ذي الحجّة من هذه السنة عَدَا الخدم من الخصيان على خُمَارَوَيْه، فذبحوه وهو على فراشه، وذلك لأنه اتَّهمهم بجواريه، فمات عن ثنتين وثلاثين سنة، فقام بالأمر من بعده ولدُه هارون بن خُمَارَوَيْه، وهو آخر الطولونية.

وذكر ابن الأثير

(3)

فيمن توفي في هذه السنة:

عثمان بن سعيد بن خالد، أبو سعيد الدَّارمي، الفقيه الشافعي.

أخذ الفقه عن البويطيّ، صاحب الشافعي

(4)

.

الفضل بن محمَّد بن المسيّب

(5)

: ابن موسى بن زهير بن يزيد بن كَيْسان بن بَاذَان ملك اليمن، وقد أسلم

(6)

بَاذَان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو محمد الشَّعْراني

(7)

الأديب الفقيه العابد الحافظ الرحَّال، تلميذ ليحيى بن مَعين، وروى عنه الفوائد في الجرح والتعديل وغير ذلك، وكذلك أخذ عن أحمد بن حنبل، وعليّ بن المديني؛ وقرأ على خَلَف بن هشام البزار؛ وتعلم اللغة من ابن الأعرابي، وكان ثقة كبير القدر.

[أبو العَيْنَاء]

(8)

: محمّد بن القاسم بن خَلاد، أبو العَيْنَاء البَصْريّ، الضرير، الشاعر الأديب البليغ اللغويّ، تلميذ الأصمعي. وكنيته أبو عبد الله، وإنما لُقِّب بأبي العَيْنَاء؛ لأنه سئل عن تصغير عيناء

(9)

فقال: عُيَيْناء، وله معرفة تامّة بالأدب والحكايات والمُلَح؛ فأمَّا الحديثُ فليس له منه إلا القليل.

(1)

ما بين قوسين ساقط في آ.

(2)

في ب، ظا: فانهزم كما قدمنا.

(3)

الكامل لابن الأثير (7/ 475).

(4)

زاد ابن الأثير: والأدب عن ابن الأعرابي.

(5)

المنتظم (5/ 155)، اللباب (2/ 199)، تذكرة الحفاظ (2/ 626)، سير أعلام النبلاء (13/ 317)، شذرات الذهب (2/ 179).

(6)

قصة إسلامه في سيرة ابن هشام (1/ 69).

(7)

عُرف بذلك لكونه كان يرسِل شعْرَه.

(8)

طبقات الشعراء لابن المعتز (415)، تاريخ بغداد (3/ 170)، المنتظم (5/ 156)، معجم الأدباء (18/ 286)، وفيات الأعيان (4/ 343)، سير أعلام النبلاء (13/ 308)، شذرات الذهب (2/ 180).

(9)

في آ: عينه.

ص: 342

‌ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومئتين

في المحرم منها خرج المعتضد من بغداد قاصدًا بلادَ المَوْصل؛ لقتال هارون الشاري الخارجيّ، فظفر به، وهزم أصحابه، وكتب بذلك إلى بغداد، ولمَّا رَجَعَ الخليفة إلى بغداد أمر بصلب هارون الخارجيّ، وكان صُفْريًا

(1)

. فلمَّا صُلِبَ، قال: لا حكم إلا للّه ولو كَرِه المشركون.

وكان الحسين بن حَمدان بن حمدون قد قاتل الخوارج في هذه الغزوة قتالًا عظيمًا، فأطلق الخليفةُ أباه حمدان بن حمدون من القيود بعدما كان قد سجنه حين أخذ قلعة ماردين من يده، وهدمها عليه، فأطلقه، وخلع عليهما، وأحسن إليه.

وفيها: كتب المعتضد إلى الآفاق بردِّ ما فضل عن سهام ذوي الفروض إذا لم يكن عصبة إلى ذوي الأرحام، وذلك عن فتيا أبي حازم القاضي، وقد قال في فتياه: إن هذا اتفاق من الصحابة إلا زيدَ بن ثابت، فإنَّه تفرَّد بردِّ ما فضل والحالة هذه إلى بيت المال. ووافق علي بن محمد بن أبي الشوارب لأبي حازم، وأفتى القاضي يوسف بن يعقوب بقول زيدٍ، فلم يلتفت إليه المعتضد، وأمضى فتيا أبي حازم

(2)

. ومع هذا ولَّى القاضي يوسف بن يعقوب قضاء الجانب الشرقيّ، وخلع عليه خلعة سنية أيضًا، وقلَّد أبا حازم قضاء أماكن كثيرة، وكذلك لابن أبي الشوارب، وخلع عليهما خلعًا سنية أيضًا.

وفيها: كان الفداء بين المسلمين والروم، فاستنقذ من أيديهم من المسلمين ألفان وخمسمئة وأربعة أنفس، وللّه الحمد والمنة.

وفيها: حاصرت الصّقالبة الروم، فاستنقذ من أيديهم من المسلمين ألفان وخمسمئة وأربعة أنفس، وللّه الحمد والمنة.

وفيها: حاصرت الصّقالبة الروم في القسطنطينية، فاستعان ملك الروم بمن عنده من أسارى المسلمين، وأعطاهم سلاحًا كثيرًا، فخرجوا معهم فهزموا الصقالبة، ثم خاف ملك الروم من غائلة المسلمين، ففرَّقهم في البلاد.

وفيها: خرج عمرو بن الليث من نيسابور لبعض أشغاله، فخلفه فيها رافع بن هَرْثَمة، ودعا على منابرها لمحمد بن زيد المطَّلبي ولولد

(3)

من بعده، فرجع إليه عمرو وحاصره فيها، ولم يزل به حتى أخرجه منها وقتله على بابها.

(1)

"الصُّفْرية": طائفة من الخوارج، وهم أصحاب زياد بن الأصفر، ويقال لهم الزيادية أيضًا.

(2)

المنتظم (5/ 161).

(3)

في الطبري والمنتظم: لمحمد بن زيد الطالبي وأبيه.

ص: 343

وفيها: بعث الخليفة المعتضد وزيره عبد الله بن سليمان بن وَهْب، لقتال عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلَف، فلما وصل إليه طلب منه عمر الأمان فأمَّنه، وأخذه معه إلى الخليفة، فتلقاه الأمراء عن أمر الخليفة، وخلع عليه وأحسن إليه.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران

(1)

: أبو إسحاق الثقفي السزاج النيسابوري. كان الإمام أحمد بن حنبل يدخل إلى منزله، وكان بقطيعة الربيع في الجانب الغربي من بغداد، وينبسط فيه ويفطر عنده. وكان من الثقات العلماء العبَّاد، توفي في صفر منها.

إسحاق بن إبراهيم بن محمد

(2)

: ابن خازم بن سُنَيْن، أبو القاسم الختلي، وليس هو بالذي تقدَّم ذكره في السنين المتقدمة. سمع داود بن عمرو، وعلي بن الجَعْد، وخلقًا كثيرًا.

وقد ليَّنه الدَّارَقطني، فقال: ليس بالقوي. توفي في هذه السنة عن نحو ثمانين سنة.

سهل بن عبد الله بن يونس التُّسْتَري

(3)

: أبو محمد، أحد أئمة الصوفية، لقي ذا النون المصري. ومن كلام سهل الحسن قوله: أمسِ قد مات، واليوم في النَزْع، وغدا

(4)

لم يولد؛ وهكذا كما قال بعض الشعراء:

ما مَضى فاتَ والمؤمَّلُ غيبٌ

ولكَ السَّاعةُ التي أنتَ فيها

قال القاضي ابن خلكان

(5)

: وكان سلوكه على يدي خاله محمد بن سوّار، وقيل: إنَّه توفي سنة ثلاث وسبعين [ومئتين]، فالله أعلم.

عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خِراش

(6)

: أبو محمد الحافظ المروزي، أحد الجوَّالين الرحَّالين حفاظِ الحديث، والمتكلمين في الجرح والتعديل، وقد كان يُنْبَز

(7)

بشيء من التشيع، فالله أعلم.

(1)

المنتظم (5/ 162)، وتاريخ بغداد (6/ 26).

(2)

المنتظم (5/ 163)، الوافي بالوفيات (8/ 386)، لسان الميزان (1/ 348)، سير أعلام النبلاء (13/ 342).

(3)

طبقات الصوفية (206)، حلية الأولياء (10/ 189)، المنتظم (5/ 163)، صفة الصفوة (4/ 64)، وفيات الأعيان (2/ 429)، سير أعلام النبلاء (13/ 330)، شذرات الذهب (2/ 182).

(4)

في ط: "وغد"، وما أثبتناه من ظا، والمنتظم (5/ 163)، الذي ينقل منه المصنف.

(5)

وفيات الأعيان (2/ 429)، والعبارة فيه: وكان سبب سلوكه هذا الطريق خاله محمد بن سوَّار.

(6)

ترجمته في تاريخ بغداد (10/ 280)، المنتظم (5/ 164)، سير أعلام النبلاء (13/ 508).

(7)

"يُنْبَز": يعاب ويلقَّب من التنابز.

ص: 344

روى الخطيب

(1)

عنه أنه قال: شربت بَوْلي في هذا الشأن خمس مرات، يعني أنه اضطر إلى ذلك في الأسفار في طلب الحديث.

علي بن محمد بن أبي الشَّوارب

(2)

: عبد الملك الأموي البصري، قاضي سامُرّا. وقد ولي في بعض الأحيان قضاء القضاة، كان من الثِّقات.

سمع أبا الوليد وأبا عمر الحَوْضي. وعنه: النَّجَّاد، وابنُ صاعد، وابن قانِع. وحمل الناس عنه علمًا كثيرًا.

ابن الرّومي الشاعر

(3)

: صاحب الدلوان في الشعر على بن العبَّاس بن جريج، أبو الحسن، المعروف بابن الرُّومي، وهو مولى عبيد الله بن جعفر، وكان شاعرًا مشهورًا مطيفًا؛ فمن ذلك قولُه

(4)

:

إذا ما مدحتَ الباخلينَ فإنَّما

تُذكِّرهم ما في سواهُمْ مِنَ الفضلِ

وتهدي لهم غمًّا طويلًا وحسرةً

فإن منعوا منكَ النَّوالَ فبالعدلِ

ومن ذلك قوله

(5)

:

إذا ما كساكَ الدَّهْرُ سربالَ صحةٍ

ولم تخلُ من قوتٍ يلذُّ وَيعذبُ

فلا تَغْبِطنَّ المترفينَ فإنَّه

(6)

على قدرِ ما يكوسهُمُ الدَّهرُ يَسْلُبُ

وقوله

(7)

:

عدوُّك من صديقكَ مستفادٌ

فلا تستكثرنَّ مِنَ الصِّحابِ

فإنَّ الدَّاءَ أكثر ما تراهُ

يكونُ من الطَّعامِ أو الشَّرابِ

إذا انقلبَ الصَّديقُ غدًا عدوًّا

مُبينًا والأمورُ إلى انقلابِ

ولو كانَ الكثيرُ يطيبُ كانَتْ

مُصَاحَبةُ الكثيرِ من الصَّوابِ

ولكن قلَّما استكثرتَ إلا

وقفْتَ على ذئابٍ في ثيابِ

(1)

تاريخ بغداد (10/ 280).

(2)

اسم أبي الشوارب عبد الملك. وترجمته في تاريخ بغداد (12/ 59)، المنتظم (5/ 164)، سير أعلام النبلاء (13/ 412)، شذرات الذهب (2/ 185).

(3)

تاريخ بغداد (12/ 23)، المنتظم (5/ 165)، وفيات الأعيان (3/ 358)، سير أعلام النبلاء (13/ 495)، معاهد التنصيص (1/ 108)، شذرات الذهب (2/ 188).

(4)

الديوان (ج 5/ 2022).

(5)

الديوان (ج 1/ 187).

(6)

الديوان، فإنهم، وما هنا كما في المنتظم (5/ 166).

(7)

الديوان (ج 1/ 231).

ص: 345

فدَعْ عنكَ الكثيرَ فكمْ كثيرٍ

يُعافُ وكم قليلٍ مستطابِ

وما اللُّجَجُ المِلاحُ بمُروياتٍ

وتلقى الرَّيَّ في النُّطفِ العِذابِ

وقوله

(1)

:

وما الحسبُ الموروثُ لا دَرَّ دَرُّهُ

بمحتَسَبٍ إلا بآخَرَ مُكتسَبْ

فلا تَتَّكِلْ إلا على ما فعلْتَهُ

ولا تحسَبنَ المجْدَ يُورثُ كالنَّسَبْ

فليسَ يسُودُ المرءُ إلا بنفسِهِ

وإنْ عَدَّ آباء كِرامًا ذوي حسَبْ

إذا العُودُ لم يُثمِرْ وإن كان شُعبةً

من المثمراتِ اعتدَّهُ النَّاسُ في الحَطَبْ

وللمِجْدِ قومٌ ساوَرُوه بأنفُسٍ

كِرامٍ ولم يُعْنَوْا

(2)

بألم ولا بأبْ

ومن لطيف شعره قوله

(3)

:

قلبي من الطَّرفِ السَّقيمِ سقيمُ

لو أنَّ منْ أشكو إليهِ رَحيمُ

مِنْ وجهها أبدًا نهارٌ واضِحٌ

من فَرْعِها ليلٌ عليه بَهيمُ

إنْ أقبلَتْ فالبَدْرُ لاحَ وإن فَشَتْ

فالغُصْنُ راحَ وإنْ رَنَتْ فالرِّيمُ

نَعِمَت بها عيني فطَالَ عذابُها

ولَكَمْ عَذابٌ قد جَناهُ نعيمُ

نظرَتْ فأقصدَتِ الفؤادَ بسَهْمِها

ثم انْثَنَت نَحْوي فكِدْتُ أهيمُ

وَيْلاهُ إنْ نَظَرَتْ وإنْ هي أعْرَضَتْ

وَقْعُ السِّهامِ ونَزْعُهُنَّ أليمُ

يا مستحِلَّ دَمي مُحرِّمَ رحمتي

ما أنصَفَ التحليلُ والتحريمُ

وذكر له ابنُ خلكان أشياء كثيرة غير ما أوردناه، من ذلك قوله

(4)

- وكان يزعم أنَّه لم يسبقْ إليه -:

آراؤُكمْ ووجُوهُكُمْ وسُيُوفُكُمْ

في الحادثاتِ إذا دَجَوْنَ نُجُومُ

منها مَعَالِمُ لِلهُدَى ومَصَابحٌ

تجلو الدُّجَى والأخْرَياتُ رُجومُ

وذكر

(5)

أنه ولد سنة إحدى وعشرين ومئتين، وأنه مات في هذه السنة، [وقيل: في التي بعدها]

(6)

وقيل: في سنة ست وسبعين.

(1)

الديوان (ج 1/ 150).

(2)

في الديوان: ولم يرضَوْا.

(3)

الديوان (ج 6/ 2397).

(4)

الديوان (ج 6/ 2345)، ووفيات الأعيان (3/ 359).

(5)

وفيات الأعيان (3/ 360).

(6)

ما بين قوسين لم يرد في آ، والخبر في وفيات الأعيان (3/ 361).

ص: 346

وذكر

(1)

أن سبب وفاته أنَّ وزيز المعتضد القاسم بن عُبَيد الله كان يخاف من هَجْوه [وفلَتات] لسانه، فدسَّ إليه مَنْ أطعمه وهو بحضرته خَشكُنانة

(2)

مسمومة، فلما أحسّ بالسمِّ قام، فقال له الوزير: إلى أين؟ قال: إلى المكان الذي بعثتني [إليه]

(3)

. قال: سلِّم على والدي. فقال: لست أجتاز على النَّار.

محمد بن سليمان بن الحارث: أبو بكر البَاغَنْدي الواسطيّ

(4)

، كان من الحفَّاظ، وقد ذكر أنَّ أبا داود كان يسأله عن الحديث، مع هذا تكلَّموا فيه وضعَّفوه.

محمد بن غالب بن حَرْب: أبو جعفر الضَّبِّي، المعروف بتَمْتَام

(5)

. سمع عَفَّان، وَقَبيصة، والقَعْنَبي، وكان من الثقات.

قال الدَّارَقُطْني: وربما أخطأ. توفي في رمضان عن تسعين سنة.

البُحْتُريّ الشاعر

(6)

: صاحب الديوان المشهور، الوليد بن عُبادة، ويقال: ابن عُبَيد الله بن يحيى، أبو عُبَادة

(7)

الطائيّ البحتريّ، الشاعر، أصله من مَنْبج، وقدم بغداد ومدح المتوكِّل والرؤساء، وكان شعره في المديح خيرًا منه في المراثي، فقيل له في ذلك، فقال: المديحُ للرَّجاء، والمراثي للوفاء، وبينهما بُعْدٌ.

وقد روى شعرَه المبرّد، وابنُ دُرُسْتُوَيْه، وابن المَرْزُبان. وقيل له: إنهم يقولون: أنت أشعر من أبي تمام. فقال: لولا أبو تمام ما أكلت الخبز، كان أبو تمام أستاذنا.

وقد كان البحتري شاعرًا مطيفًا فصيحًا بليغًا، رجع إلى بلده فمات به في هذه السنة، وقيل: في التي بعدها، عن ثمانين سنة.

(1)

وفيات الأعيان (3/ 361)، وما بين قوسين زيادة منه.

(2)

"الخَشْكنان": خبزة تصنع من خالص دقيق الحنطة، وتملأ بالسكّر واللوز، أو الفستق، وتُقْلى. وهو فارسي: المعجم الوسيط.

(3)

من ط.

(4)

المنتظم (5/ 169)، سير أعلام النبلاء (13/ 386).

(5)

تاريخ بغداد (3/ 143)، المنتظم (5/ 169)، سير أعلام النبلاء (13/ 390).

(6)

الأغاني (21/ 39)، تاريخ بغداد (13/ 476)، المنتظم (6/ 11)، معجم الأدباء (9/ 248)، سير أعلام النبلاء (13/ 486)، شذرات الذهب (2/ 186).

(7)

في الأصول: أبو عباد، وأثبت ما جاء في المصادر.

ص: 347

‌ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومئتين

في المحرّم منها دخل رأس رافع بن هَرْثَمة إلى بغداد، فامو الخليفة بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر، ثم بالجانب الغربي إلى الليل.

وفي ربيع الأول منها خُلع على محمد بن يوسف بن يعقوب بالقضاء بمدينة [أبي جعفر]

(1)

المنصور عوضًا عن ابن أبي الشَّوارب، بعد موته بخمسة أشهر وأيام، وهي

(2)

شاغرة.

وفي ربيع الآخر ظهرت بمصرَ ظلمة شديدة، وحُمرة في الأفُق، حتَّى صار الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمرَ اللون جدًّا، وكذلك الجدران. فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل؛ فخرجوا إلى الصحراء يدعون الله ويتضرَّعون إليه، حتى كشف عنهم.

وفي هذه السنة عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، فحذَّره وزيرُه عبيد الله بن سليمان بن وَهْب من ذلك؛ فإنَّ العامة تنكر قلوبهم، وهم يترحَّمون عليه [ويترضون عنه]

(3)

في أسواقهم ومجامعهم، فلم يلتفت إليه، وأمر بذلك وأمضاه، وكتبت

(4)

نسخ بلعن معاوية، وذكر فيها ذمّه وذمّ ابنه يزيد، وجماعة من بني أمية، وأورد فيها أحاديث باطلة في ذمِّ معاوية، وقرئت في الجانبين من بغداد، ونهيت العامة عن الترحُّم عليه والترضي عنه.

فلم يزل به الوزير حتَّى قال له فيما قال: يا أميرَ المؤمنين! إنَّ هذا الصنيع ممَّا يرغِّب العامّة في الطالبيين وقبول الدعوة إليهم. فوَجَم لذلك المعتضد وترك ما كان عزم عليه من ذلك؛ لخوفه على الملك، وقدَّر الله أنَّ هذا الوزير كان ناصِبيًّا يبغض عليًا؛ فكان هذا من هفوات المعتضد؛ سامحه الله.

ونودي في البلدان: لا تجتمع العامّة على قاصٍّ، ولا كاهنٍ، ولا منجِّمٍ، ولا جَدليٍّ، ولا غير ذلك، وأن لا يهتمُّوا لأمر النوروز. ثم أطلق لهم أمر النوروز؛ وكانوا يصبّون المياه على المارة، فتوسعت العامّة في ذلك، وغلوا فيه، حتى جعلوا يصبّون الماء على الجند وعلى الشُّرَط وغيرهم، وهذا أيضًا من هفواته.

قال ابن الجوزي

(5)

:

(1)

زيادة من ط.

(2)

في ط: وهي شاغرة تلك المدة.

(3)

زيادة من ط.

(4)

في ط: وكتب به نسخًا إلى الخطباء بلعن معاوية. كتاب المعتضد في الطبري (10/ 54 - 62).

(5)

المنتظم (5/ 172).

ص: 348

وفي هذه السنة وعد المنجمون النَّاس: أنَّ أكثر الأقاليم ستغرق في زمن الشتاء من كثرة الأمطار والسيول وزيادة الأنهار، فأكذبهم الله في قولهم هذا، فلم تكن سنة أقلَّ مطرًا منها، وقلَّت العيون جدًّا، وقحط الناس في كلِّ بقعة، حتى استسقى الناس ببغداد وغيرها من البلاد مرارًا كثيرة، فلله الأمر من قبلُ ومن بعدُ.

قال

(1)

: وفي هذه السنة كان يتبدَّى بالليل في دار الخلافة شخص بيده سيف، فإذا أرادوا أخذه انهزم منهم، فدخل في بعض الأماكن، أو الزروع والأشجار، أو العطفات التي بدار الخلافة، فلا يطلع له على خبر؛ ففلق من ذلك المعتضد قلقًا شديدًا، وأمر بتجديد سور دار الخلافة والاحتفاظ به، وأمر الحرس من كُلِّ جانب بشدة الاحتراس، فلم يفد ذاك شيئًا؛ واستدعى بالمعزِّمين ومن يعاني علم السحر وأمر المجانين، فعزَّموا واجتهدوا فلم يفد ذلك شيئًا، فأعياهم أمره.

ثم كان بعد مدة اطلع على جلية خبره وحقيقة أمره؛ أنَّه كان خادمًا خصيًّا يتعشَّق بعض الجواري من خواص الحظايا اللائي لا يصل النظر إليها مثله، فكان قد اتخذ لِحىً مختَلفة الألوان، فيلبَسُ الواحدة، ويتبدَّى في الليل في شكلٍ مزعجٍ، فينزعج الجواري والخدم، ويثورون من كُلِّ جانبٍ، ويقصدون فيدخل في بعض العطفات، ويخلعها ويجعلها في كمه، ثم يظهر أنه من جملة الخدم المتطلبين لكشف هذا الأمر، ويسأل هذا وهذا ما الخبر؟ والسيف في يده صفة أنه من جملة من رهب من هذا الأمر، وإذا اجتمع الجواري يتمكن من النظر إلى تلك المعشوقة، وملاحظتها والإشارة إليها بما يريده منها، فلم يزل هذا دأبه إلى زمن المقتدر، فبُعث في سرية إلى طرسوس

(2)

، فنمَّت عليه تلك الجارية، وانكشف زيفه ومحاله، وأهلكه الله عز وجل.

وفي هذه السنة اضطرب الجيش على هارون بن خُمَارَوَيْه بمصر، فأقاموا له بعض أمراء أبيه يدبّر الأمور ويصلح الأحوال، وهو أبو جعفر بن أبان، فبعث إلى دمشق، وكانت قد منعت بيعة جيش بن خُمَارَوَيْه في مدة ولايته تسعة أشهر بعد أبيه، واضطربت أحوالها، فبعث إليهم جيشًا كثيفًا مع بدر الحمّامي والحسين بن المادَرائي

(3)

، فأصلحا أمرها، واستعملا على نيابتها طُغْج

(4)

بن جفّ، ورجعا إلى الدِّيار المصرية والأمور مختلّة جدًّا.

(1)

المنتظم (5/ 171 - 172).

(2)

في المنتظم: طوس.

(3)

تنظر ترجمته في تاريخ دمشق (14/ 15)، و "المادرائي" من أنساب السمعاني.

(4)

في ط: "طفج": بالفاء، خطأ. تنظر ترجمته في تاريخ دمشق (25/ 4).

ص: 349

وهكذا يكون انقضاء الدول في أواخرها، {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11].

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن المبارك أبو عمرو المُسْتملي

(1)

: الزاهد النَّيْسابوريّ، يلقَّب بحكمويه، العابد. سمع قُتَيبة، وأحمد، وإسحاق، وغيرَهم. واستملى الزاهد النِّيْسابوريّ على المشايخ ستًا وخمسين سنة.

وكان فقيرًا رثَّ الهيئة زاهدًا؛ دخل يومًا على أبي عثمان سعيد بن إسماعيل، وهو في مجلس التذكير، فبكى أبو عثمان، وقال للناس: إنَّما أبكاني رثاثة ثياب رجلٍ كبيرٍ من أهل العلم، أنا أجِلُّه عن أن أسفيه في هذا المجلس، فجعل الناس يُلقون الخواتم والدَّراهم والثياب، حتَّى اجتمع من ذلك شيء كثير بين يدي الشيخ أبي عثمان، فنهض عند ذلك أبو عَمرو المُسْتَملي، فقال: أيُّها النَّاس، أنا الذي قَصَدني الشيخُ بكلامه، ولولا أنِّي كرِهْتُ أن يُتَّهم بإثم لسترْتُ ما ستره. فتعجَّب أبو عثمان من إخلاصه، ثم أخذ أبو عمرو ذلك المجتمعَ بين يدي الشيخ، فما خرج من باب المسجد حتَّى تصدَّق بجميعه على الفقراء والمحاويج

(2)

، رحمه الله.

كانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة.

إسحاق بن الحسن

(3)

: ابن ميمون بن سعد، أبو يعقوب الحَرْبي. سمع عفَّان، وأبا نُعَيْم، وغيرهما.

وكان أسنَّ من إبراهيم الحَرْبي بثلاث سنين

(4)

.

ولما توفي إسحاقٍ الحَرْبي نودي عليه بالبلد فقصد الناس داره للصلاة عليه، واعتقد بعض العامة أنه إبراهيم الحَرْبي، فجعلوا يقصدون داره فيقول له إبراهيم: ليس إلى هذا الموضع قصدتم، وغدًا تأتونه أيضًا، فما عمّر بعده إلا دون السنة، رحمهما الله.

إسحاق بن محمد، أبو يعقوب الزّهري، عمّر تسعين سنة، وكان ثقة صالحًا

(5)

.

(1)

المنتظم (5/ 173)، سير أعلام النبلاء (13/ 373)، تذكرة الحفاظ (2/ 644)، الوافي بالوفيات (7/ 302)، شذرات الذهب (2/ 186).

(2)

المنتظم (5/ 173)، وسير أعلام النبلاء (13/ 374).

(3)

المنتظم (5/ 174)، سير أعلام النبلاء (13/ 410)، العبر (2/ 73)، شذرات الذهب (2/ 186).

(4)

سير أعلام النبلاء (13/ 411).

(5)

المنتظم (5/ 174).

ص: 350

إسحاق بن موسى بن عمران، الفقيه، أبو يعقوب الإسفراييني، الشافعي

(1)

.

عبيد الله بن عليّ بن الحسن بن إسماعيل، أبو العبَّاس الهاشمي

(2)

؛ كانت إليه الحسبة ببغداد، وإمامة جامع الرصافة.

عبد العزيز بن معاوية العَتَّابي، من ولد عَتَّاب بن أسِيد

(3)

، بصري، قدم بغداد، وحدَّث عن أزهر السَّمَّان، وأبي عاصم النَّبيل.

يزيد بن الهيثم بن طهمان، أبو خالد الدقَّاق، ويعرف بالباد.

قال ابن الجوزي

(4)

: والصواب أن يقال: البادِي، لأنه ولد توأمًا، وكان هو الأول في الميلاد. روى عن يحيى بن مَعين، وغيره. وكان ثقةً صالحًا.

‌ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومئتين

فيها خرج صالح بن مُدرك الطائيّ على الحاجّ بالأجفُر، فأخذ أموالهم ونساءهم وخدمهم، يقال: إنه أخذ منهم ما قيمته ألفا ألف دينار.

وفي ربيع الأول منها يوم الأحد لعشر بَقِين منه، ارتفعت بنواحي الكُوفة ظلمة شديدة جدًّا، ثم سقطت أمطار بِرُعودٍ وبرُوقٍ لم يُرَ مثلُها، وسقط في بعض القرى مع المطر حجارةٌ بيضٌ، وسودٌ، وسقط بَرَدٌ كِبار، وزن البردة مئة وخمسون درهمًا، واقتلعت الرياحُ شيئًا كثيرًا من النخيل والأشجار مما حولَ دجلة، وزادت دِجْلَة زيادة عظيمة، حتى خيف على بغداد من الغرق.

وغزا راغبٌ الخادم، مولى الموفَّق، بلادَ الرُّوم، ففتح حصونًا كثيرة، وأسر ذراري كثيرة جدًّا، وقتل من أسارى الرجال الذين تحصَّلوا معه ثلاثة آلاف رقبة، وعاد سالمًا مؤيّدًا منصورًا.

وحجَّ بالناس فيها محمد بن عبد الله بن داود الهاشميّ.

وفيها: توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ، صاحب آمِد، فقام بأمرها من بعده ولدُه محمّد، فقصده المعتضدُ ومعه ابنُه أبو محمّد المكتفي، فحاصره بها، فخرج إليه سامعًا مطيعًا، فتسلَّمها منه، وخلَع عليه، وأكرم أهله، وأحسن إليه، واستخلف عليها ولده المكتفي.

(1)

شيخ خراسان، أحد أئمة الشافعية والرحّالة في طلب الحديث، وله مصنفات كثيرة. سير أعلام النبلاء (13/ 456).

(2)

المنتظم (5/ 174).

(3)

أمير مكة، وترجمته في سير أعلام النبلاء (13/ 382).

(4)

المنتظم (5/ 175).

ص: 351

ثم سار إلى قِنَّسرين والعواصم، فتسلَّمها عن كتاب هارون بن خُمَارَوَيْه، وإذنه له في ذلك، ومصالحته له على ذلك

(1)

.

وفيها: غزا ابن الإخشيد بأهل طَرَسُوس بلادَ الروم، ففتح الله على يديه، وللّه الحمد.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن إسحاق

(2)

: ابن بشير بن عبد الله بن دَيْسَم، أبو إسحاق الحَرْبي، أحد الأئمة في الفقه والحديث وغير ذلك، [وكان]

(3)

زاهدًا عابدًا، تخرّج بأحمد بن حنبل، وروى عنه كثيرًا.

قال الدَّارَقُطني: إبراهيم الحَرْبي إمام، مصنف، عالم بكل شيء، بارع في كلّ علم، صدوق، كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه.

وقال إبراهيم الحَرْبي: أجْمَعَ عقلاءُ كُلِّ أمةٍ انَ مَنْ لم يجرِ مَعَ القَدَرِ لم يتهنَّأ بعيشه

(4)

.

وكان يقول: الرجل [هو]

(5)

الذي يدخل غمَّه على نفسه ولا يدخله على عياله؛ وقد كان بي شقيقة منذ خمس وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدًا قط؛ ولي عشر سنين أبصر بفرد عين، ما أخبرت بها أحدًا. وذكر أنه مكث نيفًا وسبعين سنة من عمره ما يسأل أهله غداءٍ ولا عشاءٍ، بل إن جاؤوه بشيء أكله، وإلا طَوَى إلى الليلة القابلة.

وذكر أنه أنفق في بعض الرمضانات على نفسه وعياله درهمًا واحدًا وأربعة دوانيق ونصف؛ وما كنَّا نعرف من هذه الطبائخ شيئًا، إنَّما هو باذنجان مشوي، أو باقة فجل، أو نحو هذا.

وقد بعث إليه أمير المؤمنين المعتضد في بعض الأحيان بعشرة آلاف درهم، فأبَى أن يقبلَها وردَّها؛ فرجع الرسول، وقال: يقول لك الخليفة: فرّقها على مَنْ تعرف من فقراء جيرانك، فقال: هذا شيء لم نجمعه ولا نُسألُ عن جمعه، فلا نُسألُ عن تفريقه، قلْ لأمير المؤمنين: إمَّا يتركنا وإلا نتحوَّل من بلده.

ولما حضرته الوفاة، دخل عليه بعضُ أصحابه يعوده، فقامت ابنته تشكو إليه ما هم فيه من الجهد،

(1)

الكامل لابن الأثير (7/ 491)، وجاء فيه: وفيها وجَّه هارون بن خمارويه إلى المعتضد ليسأله أن يقاطعه على ما في يده ويد نوّابه من مصر والشام، وسلم أعمال قِنّسرين إلى المعتضد، ويحمل كل سنة أربع مئة ألف وخمسين ألف دينار، فأجابه إلى ذلك ..

(2)

تاريخ بغداد (6/ 28)، طبقات الحنابلة (1/ 86)، المنتظم (6/ 3)، معجم الأدباء (1/ 112)، إنباه الرواة (1/ 155)، تذكرة الحفاظ (2/ 584)، سير أعلام النبلاء (13/ 356)، شذرات الذهب (2/ 190).

(3)

زيادة من ط.

(4)

المنتظم (6/ 4)، وسير أعلام النبلاء (13/ 367).

(5)

من المنتظم، وفي ط: الرجل كل الرجل الذي

ص: 352

وأنه لا طعام لهم إلا الخبز اليابس بالملح، وربما عدموا الملحَ في بعض الأحيان. فقال لها إبراهيم: يا بُنية، تخافين الفقر؟ انظري إلى تلك الزاوية ففيها اثنا عشر ألف جزء قد كتبتها في العلم، ففي كل يوم بيعي منها جزءًا بدرهم، فَمَن عنده اثنا عشر ألفَ درهمٍ فليس بفقير.

ثم كانت وفاته لسبع بقين من ذي الحجّة، وصلَّى عليه يوسف بن يعقوب القاضي عند باب الأنبار، وكان الجمع كثيرًا جدًّا.

المبرّد النَّحويّ

(1)

: محمد بن يزيد بن عبد الأكْبر، أبو العبَّاس الأزْدِيُّ الثُّماليُّ، المعروف بالمُبرّد، النَّحويّ، البصريّ، إمام في اللغة والعربية، أخذ ذلك عن المازني، وأبي حاتم السِّجِسْتاني. وكان ثقة ثبتًا فيما ينقله، وكان مناوئًا لثعلب، وله كتاب "الكامل" في الأدب. وإنَّما سمِّي بالمبرّد؛ لأنَّه اختبأ من الوالي عند أبي حاتم تحت المُزَمَّلة

(2)

. قال المبرّد

(3)

: دخلنا يومًا على المجانين نزورهم أنا وأصحابٌ معي بالرَّقَّة، فإذا فيهم شاب قريب عهد بالمكان، عليه ثياب ناعمة، فلمَّا بَصُر بنا، قال؛ حيَّاكم الله، ممن أنتم؟ قلنا: من أهل العراف. فقال: بأبي العراق وأهلها! أنشدوني أو أنشدكم؟ قال المبرّد: فقلت: بل أنشدنا أنت، فأنشأ يقول:

اللهُ يعلَمُ أنَّني كمِدٌ

لا أستطيعُ بثَّ ما أجدُ

روحانِ لي روحٌ تضمَّنها

بلدٌ وأخرى حَازَهَا بلَدُ

وأرى المقيمةَ ليس ينفعها

صبرٌ ولا يَقْوَى لها جلدٌ

وأظنُّ غائبتي كشاهدتي

(4)

بمكانها تجدُ الذي أجِدُ

قال المبرّد: فقلتُ: واللّه إن هذا لظريف، فزِدْنا منه، فأنشأ يقول:

لمَّا أناخُوا قُبَيْلَ الصُّبْحِ عِيرَهُمُ

ورحَّلُوها

(5)

فثارَت

(6)

بالهوى الإبلُ

وأبرزَتْ من خِلالِ السَّجْفِ ناظِرَها

تَرْنُو إليَّ وَدَمْعُ العَيْنِ يَنْهَمِلُ

وودَّعَتْ ببَنَانٍ عَقْدُها عَنَمٌ

نادَيْتُ: لا حَمَلَتْ رِجلاكَ يا جَمَلُ

(1)

طبقات النحويين واللغويين (101)، تاريخ بغداد (3/ 380)، المنتظم (6/ 9)، معجم الأدباء (19/ 111)، إنباه الرواة (3/ 241)، وفيات الأعيان (4/ 313)، سير أعلام النبلاء (13/ 576)، شذرات الذهب (2/ 190).

(2)

المنتظم (6/ 9). والمزملة: التي يبرّد فيها الماء، لفظه عراقية، كما في القاموس المحيط (زمل). ويلاحظ أن هنالك أقوالًا أخرى في سبب تلقيبه بهذا اللقب، منها أن شيخه أبا عثمان المازني هو الذي لقبه به، وقيل غير ذلك.

(3)

المنتظم (6/ 11).

(4)

في ط: كحاضرتي، وما هنا كما في المنتظم (6/ 11) الذي ينقل منه المصنف.

(5)

في ط: وحمَّلوها، وما هنا كما في المنتظم.

(6)

في بهجة المجالس: وسارت بالدُّمى الإبل، وما هنا كما في المنتظم.

ص: 353

وَيْلي من البَيْنِ ماذا حَلَّ بي وبِهِمْ

مِنْ نازِلِ البَيْنِ حانَ البَيْنُ وارْتَحَلُوا

يا راحِلَ العِيسِ عَجِّلْ كي أودِّعَهُمْ

يا راحِلَ العِيسِ في تَرْحَالِكَ الأَجَلُ

إنِّي على العهدِ لم أنقُضْ مودَّتكم

فليْتَ شِعْري! أطال

(1)

العهد ما فَعَلُوا

(2)

فقال رجل من البغضاء الذين معي: ماتوا. فقال الشاب: إذًا أموتُ، فقال: إن شئتَ. فتمطَّى، واستند إلى سارية عنده، ومات، وما برحنا حتى دفنَّاه، رحمه الله.

ومات المبرّد وقد جاوز السبعين.

‌ثم دخلت سنة ست وثمانين ومئتين

فيها: وقع تسلم آمِد من ابن الشيخ في ربيع الآخر، ووصل كتاب هارون بن [خُمَارَوَيْه بن]

(3)

أحمد بن طولون من مصر إلى المعتضد وهو مخيم بآمِد؛ أن يسلم إليه قِنَّسرين والعواصم، على أن يقرَّه على إمارة الدِّيار المصرية، فأجابه إلى ذلك، ثم ترحَّل عن آمِد قاصِدًا العراق، وأمر بهدْمِ سور آمِد فهُدِم

(4)

البعض ولم يقدر على ذلك، فقال ابن المعتز يهنئه بفتح آمِد

(5)

:

اِسْلَمْ أميرَ المؤمنينَ ودُمْ

في غِبطةٍ وَلْيَهْنِكَ النَّصْرُ

فلربَّ حادثةٍ نهضْتَ لها

متقدِّمًا فتأخَّرَ الدَّهْرُ

ليثٌ فرائسُهُ الليوثُ فَمَا

يبيضُّ مِنْ دمِها له ظفْرُ

ولمَّا رجع الخليفة إلى بغداد جاءته هدية عمرو بن الليث من نيسابور، فكان وصولها بغداد يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الاخرة، وكان مبلغها ما قيمته أربعة آلاف ألف درهم، خارجًا عن دوابّ وسروجٍ وغير ذلك

(6)

.

وفيها

(7)

: تحارب إسماعيل بن أحمد السَّامانيّ وعمرو بن الليث، وذلك أن عمرو بن الليث لما قتل رافع بن هَرْثَمة، وبعث برأسه إلى الخليفة، سأل منه أن يعطيه ما وراء النهر، [مضافًا إلى ما بيده من

(1)

في ط: لطول العهد، وفي بهجة المجالس: لطول البين، وما هنا كما في المنتظم.

(2)

المنتطم (6/ 11)، العقد الفريد (6/ 168)، بهجة المجالس (1/ 249)، المستطرف (2/ 49)، نهاية الأرب (2/ 191).

(3)

زيادة من ب، ظا.

(4)

في المنتظم: فهدم بعضهم، ولم يقدر على هدم الباقي.

(5)

المنتظم (6/ 15).

(6)

الطبري (10/ 71).

(7)

ذكر ذلك الطبري وابن الأثير في حوادث السنة التالية، بينما تابع المؤلف رحمه الله ابن الجوزي في المنتظم.

ص: 354

ولاية خراسان، فأجابه إلى ذلك، فانزعج لذلك إسماعيل بن أحمد السَّامانيّ نائب ما وراء النهر]

(1)

، وكتب إليه: إنَّك قد ولّيتَ دنيا عريضة، فاقتنع بها عمَّا في يدي من هذه البلاد. فلم يقبل، فأقبل إليه إسماعيل في جيوش عظيمةٍ جدًّا، فالتقيا عند بَلْخ، فهُزم أصحاب عمرو، وأسِر عمرو. فلمَّا جيء به إلى إسماعيل بن أحمد قام إليه، وقبَّل بين عينيه، وغسل وجهه، وخلع عليه وأمَّنه، وكتب إلى الخليفة في أمره، يذكر أن أهل تلك البلاد قد ملّوه، وضجروا من ولايته عليهم. فجاء كتابُ الخليفة بأن يتسلّم حواصله وأمواله، فسلبه إياها، فآل به الحالُ بعد أن كان مطبخُه يحمل على ستمئة جمل إلى القيد والسجن

(2)

. [ومن العجائب أن عَمْرًا كان معه خمسون ألفًا، فلم يصبْ أحد منهم ولا أسِرَ سواه وحده]

(3)

.

‌ظهور أبي سعيد الجنَّابيّ رأس القرامطة، قبَّحهم الله ولعنهم وهو

(4)

أخبث من الزّنج وأشدّ فسادًا

كان ظهوره في جمادى الآخرة من هذه السنة بنواحي البصرة، فالتفَّ عليه من الأعراب وغيرهم بشر كثير، وقويت شوكته جدًّا، وقتل مَن حوله من أهل القرى، ثم صار إلى القَطِيف قريبًا من البصرة، ورام دخولها، فكتب الخليفة المعتضد إلى نائبها يأمره بتحصين سورها، فعمروه وجدَّدوا معالمه بنحو من أربعه

(5)

آلاف دينار، فامتنعت البصرة من القرامطة بسبب ذلك.

وتغلَّب أبو سعيد الجنَّابيُّ ومَن معه من القرامطة على هَجَر وما حولها من البلاد، وأكثروا في الأرض الفساد.

وكان أصل أبي سعيد الجنَّابيّ هذا أنه كان سمسارًا في الطعام يبيعه ويحسب للناس الأثمان، فقدم رجل يقال له: يحيى بن المهدي في سنهَ إحدى وثمانين ومئتين، فدعا أهل القَطيف إلى بيعة المهديّ، فاستجاب له رجلٌ يقال له: عليّ

(6)

بن العلاء بن حمدان الزياديّ، وساعده في الدعوة إلى المهديّ، وجمع الشيعة الذين كانوا بالقَطِيف، فاستجابوا له، فكان في جملة من استجابوا أبو سعيد الجنَّابي هذا

(1)

ما بين قوسين لم يرد في آ.

(2)

المنتظم (6/ 17 - 18).

(3)

ما بين قوسين لم يرد في آ. وبعده في المطبوع: وهذا جزاء من غلب عليه الطمع، وقاده الحرص، حتى أوقعه في ذل الفقر، وهذه سنة الله في كل طامع فيما ليس له، وفي كل طالب للزيادة في الدنيا.

(4)

في آ: وهذا، وفي ط: وهم.

(5)

في الطبري والمنتظم وابن الأثير: أربعة عشر ألف دينار.

(6)

في الكامل لابن الأثير: عليّ بن المعلّى بن حمدان، مولى الزياديين.

ص: 355

قبَّحه الله. ثم تغلَّب على [أمرهم وأظهر فيهم القرامطة، فاستجابوا له والتفُّوا عليه، فتأمَّر عليهم، وصار هو]

(1)

المشار إليه فيهم. وأصله من بلدة هناك يقال لها: جَنَّابة، وسيأتي ما يكون من أمره وأمر أصحابه.

قال ابن الجوزي في "المنتظم"

(2)

: ومن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة، ثم روى بسنده أنَّ امرأةً جاءت إلى قاضي الرَّيّ، فادَّعَتْ على زوجها بصَداقها خمسمئة دينار، فأنكره، فجاءت ببيِّنةٍ تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفرَ لنا عن وجهها حتَّى يعلم أنها الزوجة أم لا، فلمَّا صمَّموا على ذلك، قال الزوج: لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدَّعيه؛ فأقرَّ بما ادَّعت؛ ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها. فقالت المرأة: وإذ قد أراد ذلك، فهو في حلٍّ من صداقي عليه في الدنيا والآخرة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان والمشاهير:

أحمد بن عيسى، أبو سعيد الخَرَّاز، فيما ذكره شيخنا الذَّهبيّ

(3)

.

وقد أرَّخه ابنُ الجوزي

(4)

في سنة سبع وسبعين ومئتين، فاللّه أعلم.

إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان

(5)

: أبو يعقوب النّخعي الأحمر، وإليه تنسب الطائفة "الإسحاقية" من الشيعة. وقد ذكر ابنُ النّوبَخْتِيّ

(6)

والخطيبُ وابنُ الجوزي: أن هذا الرجل كان يعتقد إلهية علي بن أبي طالب، وأنه انتقل إلى الحسن ثم إلى الحسين، وأنه كان يظهر في كل وقت، وقد اتبعه على هذا الكفر خلْقٌ من الحمير، قبَّحه الله وقبَّحهم.

وإنَّما قيل له: الأحمر لأنه كان أبرص، فكان يطلي برصه بما يغيِّر لونه، وقد أورد له النوبَخْتي أقوالًا عظيمة في الكفر؛ لعنه الله. وقد روى شيئًا من الحكايات والملح عن المازني وطبقته، ومثل هذا أقلُّ وأذلُّ أن يُروى عنه.

(1)

ما بين قوسين لم يرد في آ.

(2)

المنتظم (6/ 18).

(3)

تاريخ الإسلام (وفيات 286 هـ) وسير أعلام النبلاء (13/ 419)، والعبر (2/ 77)، وتاريخ بغداد (4/ 276)، وحلية الأولياء (10/ 246)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 204).

وأبو سعيد هذا كان شيخ الصوفية، وهو أول من تكلم في علم الفناء والبقاء. صحب سريًا السقطي، وذا النون المصري وغيرهما.

(4)

المنتظم (5/ 105).

(5)

تاريخ بغداد (6/ 378)، المنتظم (6/ 19)، ميزان الاعتدال (1/ 92 و 93)، ولسان الميزان (1/ 370).

(6)

هو الحسن بن موسى، كانت تدعيه المعتزلة والشيعة. له: فرق الشيعة، والآراء والديانة. توفي سنة 310 هـ.

ص: 356

بقيّ بن مَخْلَد

(1)

بن يزيد: أبو عبد الرحمن الأندلسي، الحافظ، أحد علماء الغرب، له "التفسير" و "المسند"، و "السنن"، والآثار التي فضلها ابن حزم على تفسير ابن جرير ومسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة، وفيما زعم ابنُ حزم نظر. وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه"

(2)

فاثنى عليه خيرًا

(3)

، ووصفه بالحفظ والإتقان، وذكر أنه كان مجاب الدعوة رحمه الله، وأرَّخ وفاته بهذه السنة عن خمس وسبعين سنة

(4)

.

والحسين بن بشار بن موسى

(5)

: أبو علي الخيَّاط، روى عن أبي بلال الأشعري، وعنه أبو بكر الشافعيّ، وكان ثقة.

رأى في منامه - وكان به علّة - قائلًا يقول له: كُلْ لا واشرب لا، ففسره بقوله تعالى:{زيْتُونَةٍ لَا شَرقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} [النور: 35]، فأكل زيتونًا وشرب زيتًا فبرأ من علته تلك

(6)

.

محمد بن إبراهيم

(7)

، أبو جعفر الأنماطيّ، المعروف بمربّع، تلميذ يحيى بن مَعين، كان ثقة حافظًا.

عبد الرَّحيم بن البَرْقى

(8)

.

وعليّ بن عبد العزيز البَغَويّ

(9)

، صاحب "المسند".

ومحمد بن وضَّاح

(10)

، المصنف.

(1)

صوابه أنه توفي سنة 276 هـ، وقد ترجم له المؤلف هناك.

(2)

مختصر تاريخ ابن عساكر (5/ 235).

(3)

في ب، ظا: جدًّا.

(4)

هكذا قال المصنف، وهو وهم منه رحمه الله، فإن الذي أورده ابن عساكر في تاريخ دمشق: أنه توفي سنة 276 هـ، وقيل سنة 273 هـ، ولم يقل أنه توفي في هذه السنة كما زعم المصنف، وقد تقدمت ترجمته له في وفيات سنة 276 هـ.

(5)

في الأصول: الحسن بن بشار والتصحيح من المنتظم (6/ 21)، وتاريخ بغداد (7/ 24).

(6)

روى ذلك ابن الجوزي مفصلًا، وذكر أن الذي اعتلَّ ورأى الرؤيا، إنما هو والد أبي عمر محمد بن يوسف القاضي، ثم إن أبا علي الخياط أوّلها له، تاريخ بغداد (8/ 25).

(7)

تاريخ بغداد (1/ 388)، والكامل لابن الأثير (7/ 496).

(8)

أبو سعيد، راوي السيرة عن عبد الملك بن هشام، وكان صدوقًا، مسنًّا، من أهل العلم. سير أعلام النبلاء (13/ 48).

(9)

أبو الحسن البغوي، نزيل مكّة، الحافظ الصدوق. صنف المسند الكبير، وأخذ القراءات عن أبي عُبَيد وغيره. وكان حسن الحديث، وثقه الدَّارقطني.

سير أعلام النبلاء (13/ 348).

(10)

في آ: محمد بن موسى بن وضّاح وأثبت ما جاء في (ط)، ولم ترد الترجمة في ب، ظا.

ص: 357

محمد بن يونس

(1)

: ابن موسى بن سُليمان بن عُبَيد بن رَبيعة بن كُدَيم، أبو العبَّاس القرشي، البصري الكُدَيْمي، وهو ابنُ امرأة رَوْح بن عُبَادة، ولد سنة ثلاث وثمانين ومئة.

وسمع عبد الله بن داود الخُرَيْبي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبا داود الطَّيَالسيّ، والأصْمعيّ، وخلقًا.

وعنه ابن السمَّاك، والنَّجَّاد. وآخر من حدَّث عنه أبو بكر بن مالك القَطِيعيّ. وقد كان حافظًا مكثرًا مغربًا، وقد تكلم فيه الناس لإغرابه في الروايات.

وقد سقنا ترجمته في كتابنا "التكميل" بما فيه كفاية، وللّه الحمد والمنة.

ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة، وقد جاوز المئة سنة، وصلى عليه [يوسف بن]

(2)

يعقوب القاضي؛ رحمه الله.

يعقوب بن إسحاق بن تحيّة

(3)

: أبو يوسف الواسطيّ. سمع من يزيد بن هارون، وقدِمَ بغداد، وحدَّث بها بأربعة أحاديث، ووعد الناس أن يحدِّثهم من الغد، فمات من ليلته عن مئة واثنتي

(4)

عشرة سنة، رحمه الله.

والوليد أبو عُبَادة البُحْتُريّ، فيما ذكره شيخنا الذهبيّ

(5)

، وقد تقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين، كما ذكره ابنُ الجوزي

(6)

.

= وهو محمد بن وضَّاح بن بَزيع المرواني، أبو عبد الله، مولى صاحب الأندلس عبد الرحمن بن معاوية الدّاخل. ارتحل إلى العراق والشام ومصر، وجمع فأوعى. وكان عالمًا بالحديث، بصيرًا بطرقه وعلله، كثير الحكاية عن العبّاد، ورِعًا. زاهدًا، صبورًا على نشر العلم. سير أعلام النبلاء (13/ 445)، تذكرة الحفاظ (2/ 646).

(1)

كتاب المجروحين والضعفاء (2/ 312)، تاريخ بغداد (3/ 435)، المنتظم (6/ 22)، تذكرة الحفاظ (2/ 618)، سير أعلام النبلاء (13/ 302)، شذرات الذهب (2/ 194).

(2)

زيادة من ط.

(3)

المنتظم (6/ 24).

(4)

في الأصول: واثني عشر.

(5)

في تاريخ الإسلام (وفيات 286 هـ)، وأورده أيضًا في سير أعلام النبلاء (13/ 487)، لكن قال فيه: مات بمنبج، وقيل: بحلب، سنة ثلاث، أو أربع وثمانين ومئتين، وفي العبر (2/ 73)، سنة أربع وثمانين، بينما ذكر الذهبي وفاته في آخر ترجمة محمد بن عبد السلام بن بشار. السير (13/ 461) سنة 286 هـ.

(6)

المنتظم (6/ 11).

ص: 358

‌ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومئتين

في ربيع الأول منها تفاقم أمْر القَرامطة صحبةَ أبي سعيد الجنَّابي، فقتلوا وسَبَوْا وأفسدوا في بلاد هَجَر، فجهَّز الخليفة إليهم جيشًا كثيفًا وأمَّر عليهم العباس بن عمرو الغَنَوي، وأمَّره على اليمامة والبحرين ليحارب أبا سعيد، فالتقوا هنالك والعبَّاسُ في عشرة آلاف مقاتل، فأسرهم أبو سعيد كلَّهم

(1)

، فنجا من بينهم كلّهم الأمير وحده، وقتل الباقون عن آخرهم صبرًا بين يدي أبي سعيد، قبَّحه الله، وهذا عجيب جدًّا، وهو عكس واقعة عمرو بن الليث؛ فإنَّه أسِرَ من بين أصحابه وحدَه، ونجوا كلُّهم، وكانوا خمسين ألفًا.

ويقال: إن العبَّاس لمَّا قَتَل أبو سعيد أصحابَه صبرًا بين يديه والعباس ينظر، أقام العبّاس عند أبي سعيد أيامًا، ثم أطلقه، وحمله على رواحل، وقال: ارجعْ إلى صاحبك فأخبره بما رأيت. وقد كانت هذه الواقعة في أواخر شعبان من هذه السنة.

ولما وقع هذا انزعج الناس لذلك انزعاجًا عظيمًا جدًّا؛ وهمَّ أهلُ البصرة بالجلاء منها، فمنعهم من ذلك نائبها أحمد الواثقي؛ فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون.

وفيها: أغارت الرُّوم على بلاد طَرَسُوس، وكان نائبها ابن الإخشاد

(2)

قد توفي في العام الماضي، واستخلف على الثغر أبا ثابت، فطمعت الرُّوم في تلك الناحية، وحشدوا في عساكرهم إلى هنالك، فالتقاهم أبو ثابت، فلم يقدر على مقاومتهم، فقتلوا من أصحابه جماعة وأسروه فيمن أسروا، فاجتمع أهلُ الثغر على ابن الأعرابيّ، فولّوه أمرهم، وذلك في ربيع الآخر.

وفيها: قتل:

محمد بن زيد العلويّ

(3)

: أمير طَبَرِستان والدَّيلم. وكان سبب ذلك أنَّه لما ظفر إسماعيل بن أحمد السَّامانيّ بعمرو بن الليث نائب خراسان، ظن أنَّ إسماعيل لا يجاوز عمله، وأن خراسان قد حلت له، فارتحل من بلده يريدها، وسبقه إلى خراسان إسماعيل بن أحمد، وكتب إليه: أن الزم عملك ولا تجاوزه إلى غيره، فلم يقبل، فبعث إليه جيشًا مع محمد بن هارون الذي كان ينوب عن رافع بن هَرْثمة، فلمَّا التقيا هرب منه محمد بن هارون خديعةً، فسار الجيش وراءه للطلب

(4)

، فكرَّ عليهم راجعًا،

(1)

في الطبري (10/ 78)، وأسر من أصحاب العباس زهاء سبعمئة رجل.

(2)

في ب، ظا، ط: ابن الإخشيد.

(3)

تاريخ الطبري (10/ 81)، الكامل لابن الأثير (7/ 504).

(4)

في ط: في الطلب.

ص: 359

فانهزموا منه، واجتاز ما في معسكرهم، وجرح محمد بن زيد جراحات شديدة، مات بسببها بعد أيام، وأسر ولده زيد فبعث به إلى إسماعيل بن أحمد، فأكرمه وأنزله بخارى.

وقد كان محمد بن زيد هذا فاضلًا، أديبًا، حسن السيرة فيما وليه من تلك البلاد، وكان فيه تشيع، فتقدم إليه يومًا خصمان، اسم أحدهما معاوية، واسم الآخر عليٌّ، فقال محمد بن زيد: إن الحكم بينكما ظاهر، فقال معاوية: أيُّها الأمير، لا تغترن بنا؛ فإنَّ أبي كان من كبار الشيعة، وإنما سمَّاني معاوية مداراة لمن ببلدنا من السنة، وهذا كان أبوه من كبار النواصِب فسمَّاه عليًّا تُقاةً لكم، فتبسَّم محمد بن زيد وأحسن إليه

(1)

؛ رحمه الله.

قال ابن الأثير في "كامله"

(2)

: وممن توفي في هذه السنة:

إسحاق بن أيّوب بن عمر بن الخطّاب العدويّ، عديّ ربيعة. وكان أميرًا على ديار ربيعة من الجزيرة، فوُلِّيَ مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر.

وعلي بن عبد العزيز البَغَويّ، صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام.

وفهد بن أحمد بن فهد الأزدي الموصلى، وكان من الأعيان.

وذكر هو وأبو الفرج بن الجوزي

(3)

أن قطر النَّدى بنت خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون، امرأة المعتضد بالله، توفيت في هذه السنة. قال ابن الجوزي: لسبع خلون من رجب منها، ودفنت داخل قصر الرصافة.

يعقوب بن يوسف بن أيّوب، أبو بكر المطوِّعي

(4)

. سمع أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني. وعنه النَّجَّاد، والخلدي، وكان وِرْدُه في كل يومٍ قراءة:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إحدى وثلاثون ألف مرة، أو إحدى وأربعون ألف مرة.

قلت: وممن توفي فيها: أبو بكر

(5)

بن أبي عاصم، صاحب السنة، والمصنفات، وهو:

أحمد بن عَمْرو بن أبي عاصم الضَّحَّاك

(6)

: ابن مَخْلَد النَّبيل. له مصنَّفات في الحديث كثيرة، منها

(1)

في ط: إليهما.

(2)

الكامل لابن الأثير (7/ 508).

(3)

المنتظم (6/ 26).

(4)

المنتظم (6/ 26).

(5)

حتى قوله: وهو لم يرد في ب، ظا.

(6)

الجرح والتعديل (2/ 67)، ذكر أخبار أصبهان (1/ 100)، سير أعلام النبلاء (13/ 430)، تذكرة الحفاظ (2/ 640)، العبر (2/ 79)، مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 197)، وتهذيبه (1/ 418)، شذرات الذهب (2/ 195).

ص: 360

كتاب "السُّنَّة" في أحاديث الصفات على طريقة السلف، وكان حافظًا كبيرًا جليلًا، وقد ولي قضاء أصبهان بعد صالح بن الإمام أحمد، وكان قد طاف البلاد في طلب الحديث، وصحب أبا تراب النَّخْشَبي، وغيرَه من مشايخ الصوفية.

وقد اتفق له مرة كرامة هائلة، وهو أنه كان هو واثنان من كبار الصالحين في سفر فنزلوا يومًا على رمل أبيض، فجعل أبو بكر هذا يقلبه بيده، ويقول: اللهم ارزقنا خبيصًا

(1)

يكون بلون هذا. فلم يكن بأسرع من أن أقبل أعرابي وبيده قصعة فيها خَبيص بلون ذلك الرمل في بياضه، فأكلوا منه

(2)

؛ رحمه الله.

وكان يقول: لا أحبُّ أن يحضر مجلسي مُبتدع ولا طعَّان ولا لعَّان ولا فاحش ولا بذيء، ولا منحرف عن الشافعيّ وأصحاب الحديث

(3)

.

وكانت وفاته في هذه السنة بأصبهان. وقد رآه بعضهم [في المنام]

(4)

بعد وفاته وهو يصلِّي، فلما انصرف قال له: ما فعل بك ربُّك؟ قال: يؤنسني ربِّي عز وجل.

‌ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومئتين

اتفق في هذه السنة مصائب عديدة.

منها: أنَّ الروم قصدوا بلاد الرَّقَّة في جحافلَ من البر والبحر، فقتلوا خلقًا، وأسروا نحوًا من خمسة عشر ألفًا من الذرية.

ومنها: أن بلاد أذْرَبيجان أصاب أهلَها وباءٌ شديد، حتَّى لم يبقَ أحدٌ يقدر على دفن الموتى، فتركوا بالطرقات لا يوارَون.

ومنها: أن بلاد أردبيل أصابتها ريح شديدة من بعد العصر إلى ثلث الليل، ثم زُلزلوا زِلزالًا شديدًا، واستمرَّ ذلك عليهم أيامًا، فتهدَّمت الدور والمنازل، وخسف بآخرين منهم، فكان جملة من مات تحت الهدم مئة ألف وخمسين ألفًا

(5)

؛ فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

(1)

"الخَبيص": الحلواء المخبوصة من التّمر والسّمن، جمع أخبصة.

(2)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 198)، وسير أعلام النبلاء (13/ 432)، وأضاف الذهبي: كان الثلاثة: عثمان بن صخر الزَّاهد. وأبو تراب. وابن أبي عاصم، وكان هو الذي دعا.

(3)

مختصر تاريخ ابن عساكر (3/ 198).

(4)

من ب، ظا.

(5)

ذكر الخبر في المنتظم (6/ 27)، ولم يرد عند الطبري وابن الأثير.

ص: 361

وفيها: اقترب القرامطة من البصرة، فخاف أهلها منهم خوفا شديدًا، وهمُّوا بالرحيل منها فمنعهم واليها.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

بِشْر بن موسى بن صالح أبو علي الأسَدي

(1)

: ولد سنة تسعين ومئة. وسمع من رَوْح بن عُبَادة حديثًا واحدًا، وسمع الكثير من هَوْذَةَ بن خَليفة، والحسن بن موسى الأشْيَب، وأبي نُعَيم، وعليّ بن الجَعْد، والأصمعي، وغيرهم.

وعنه ابن المنادي، وابن مَخْلد، وابن صاعد، والنَّجَّاد، وأبو عمرو الزَّاهد، والخلدي، والسلمي، وأبو بكر الشافعي، وابن الصَّوَّاف، وغيرهم.

وكان ثقة أمينًا نبيلًا حافظًا، وهو من أهل البيوتات، وكان أحمد يُكْرِمه. ومن شعر

(2)

:

ضعفتُ ومن جازَ الثمانينَ يضعُفُ

وينكرُ منه كل ما كانَ يعرفُ

ويمشي رويدًا كالأسير مقيَّدًا

يداني خطاهُ في الحديدِ ويرسِفُ

(3)

ثابت بن قُرَّة

(4)

: ابن هارون، ويقال: ابن زهرون بن ثابت بن كرايا

(5)

بن إبراهيم الصابئ، الفيلسوف، الحرَّاني، صاحب التصانيف؛ ومنها: أنَّه حرَّر كتاب إقليدس الذي عرَّبه حنين بن إسحاق العبادي. وكان أصله صيرفيًا بحرّان، فترك ذلك واشتغل بعلم الأوائل، فنال منه رتبة سامية عند أهله، ثم صار إلى بغداد فعظم شأنه بها، وكان يدخل مع المنجّمين على الخليفة وهو باقٍ على دين الصابئة.

وحفيده ثابت بن سنان له تاريخ أجاد فيه وأحسن، وكان بليغًا ماهرًا حاذقًا بالغًا.

وعمه إبراهيم بن ثابت بن قُرَّة، كان طبيبًا عارفًا أيضًا.

سردهم كلَّهم في هذه الترجمة القاضي ابن خلكان، رحمه الله.

الحسن بن عمرو بن الجهم

(6)

، أبو الحُسين الشيعي، من شيعة المنصور لا من الروافض.

(1)

تاريخ بغداد (7/ 86)، طبقات الحنابلة (1/ 121)، المنتظم (6/ 28)، سير أعلام النبلاء (13/ 352)، تذكرة الحفاظ (2/ 611)، العبر (2/ 80)، شذرات الذهب (2/ 196).

(2)

المنتظم (6/ 28).

(3)

"رَسَف في القيد": مشى فيه رويدًا.

(4)

المنتظم (29/ 6)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء (295)، وفيات الأعيان (1/ 313)، سير أعلام النبلاء (13/ 485)، شذرات الذهب (2/ 196).

(5)

في ط: "كدام"، محرف.

(6)

تاريخ بغداد (7/ 396)، والمنتظم (6/ 29)، ووقع في ط:"أبو الحسن"، محرف.

ص: 362

حدَّث عن عليّ بن المديني، وحكى عن بشر الحافي. وعنه أبو عمرو بن السماك.

عبَيْد الله بن سليمان بن وَهْب

(1)

، وزير المعتضد، كان حظيًّا عنده، وقد عز عليه وفاته، وتألَّم لفقده، وأهمَّه من يجعله من بعده، فعقد لولده القاسم بن عُبَيد الله الوزارة من بعد أبيه؛ جبرًا لمصابه به.

وأبو القاسم، عثمان بن سعيد بن بشَّار، المعروف بالأنْماطي، أحد كبار الشَّافعيَّة؛ وقد ذكرناه في طبقاتهم

(2)

.

هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى، أبو موسى الهاشمي، إمام الناس في الحجّ. سمع وحدَّث، وتوفي بمصر في رمضان من هذه السنة

(3)

.

‌ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومئتين

فيها عاثت القرامطة بسَواد الكوفة، فظفر بعض العمّال بطائفة منهم، فبعث برئيسهم إلى المعتضد، وكان يقال له: أبو الفوارس

(4)

، فنال من العبَّاس بين يدي الخليفة، فأمر به، فقُلِعَتْ أضراسُه، وخُلِعَتْ يداه، ثم قُطعتا مع رجليه، ثم قتل وصلب ببغداد، واشتهر أمره.

وفيها: قصدت القرامطة دمشقَ في جحفل عظيم؛ فقاتلهم نائبها طغج بن جُفّ من جهة هارون بن خُمَارَوَيْه، فهزموه مراتٍ متعددة، وتفاقم الحال بهم، وكان ذلك بسفارة يحيى بن زَكروَيْه بن مَهروَيْه، الذي ادَّعى عند القرامطة أنَّه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وقد كذب في ذلك. وزعم لهم أنَّه قد اتبعه على أمره مئة ألف، وأنَّ ناقته مأمورة، حيثما توجَّهَتْ به نُصِرَ على أهل تلك الناحية. فراج ذلك عندهم، ولقَّبوه الشيخ، واتبعه طائفة من بني الأصبغ، وسُمُّوا بالفاطميين.

وقد بعث الخليفة إليهم جيشًا كثيفًا فهزموه، ثم اجتازوا بالرُّصافة، فأحرقوا جامعها، لم يجتازوا بقرية إلَّا انتهبوها، ولم يزل ذلك دأبهم حتى وصلوا إلى دمشقَ، فقاتلهم نائبها فهزموه مراتٍ، وقتلوا من أهلها خلقًا كثيرًا، وانتهبوا من أموالها شيئًا كثيرًا

(5)

؛ فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

(1)

الكامل لابن الأثير (7/ 510)، سير أعلام النبلاء (13/ 497).

(2)

وذكر الذهبي في السير عن أبي إسحاق قوله: إنه كان السبب في نشاط الناس ببغداد لكتب فقه الشافعي وتحفُّظه.

سير أعلام النبلاء (13/ 429)، طبقات الشافعية للسبكي (2/ 301).

(3)

المنتظم (6/ 30)، وأضاف: وكان ثقة عدلًا، رحمه الله.

(4)

في الطبري: ابن أبي الفوارس.

(5)

الكامل لابن الأثير (7/ 511 - 512).

ص: 363

وفي هذه الحال الشديدة اتفق موت الخليفة المعتضد بالله، في ربيع الأول من هذه السنة، أحسن الله خاتمتها.

وهذه ترجمة المعتضِد بالله

(1)

: أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفَّق الملقب بناصر دين الله، واسم أبي أحمد محمد، وقيل: طلحة بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرَّشيد، أبو العباس، أمير المؤمنين، الخليفة، المعتضد بالله.

ولد في سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وأربعين ومئتين، وأمه أم ولد.

وكان أسمر، نحيفَ الجسم، معتدل القامة، قد وخَطه

(2)

الشيب، في مقدم لحيته طول، وفي رأسه شامة بيضاء. وبويع له بالخلافة صبيحة يوم الإثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين، فاستوزر عبيد الله بن سليمان بن وَهْب، وولَّى القضاء إسماعيل بن إسحاق، ويوسف بن يعقوب، وابن أبي الشَّوارب.

وكان أمر الخلافة قد ضعف في أيام عمِّه المعتمد على الله، فحين وليها المعتضد أقام شعارها، ورفع منارها، وشتد دعائمها، وحيطانها، وأطَّر أركانها. وكان شجاعًا فاضلًا، من رجالات قريش حزمًا وجرأة وغزوًا وعزًّا، وإقدامًا وحرمة؛ وكذلك كان أبوه من قبله.

وقد أورد ابن الجوزي

(3)

بإسناده أن المعتضد اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها مَقْثَأة، فوقف صاحبُها صائحًا مستصرخًا بالخليفة، فاستدعى به فسأله عن أمره، فقال: إنَّ بعض الجيش أخذوا لي شيئًا من القِثَّاء وهم من غلمانك. فقال: أتعرفهم؟ قال: نعم، فعرضهم عليه، فعرف منهم ثلاثة، فأمر الخليفة بتقييدهم وحبسهم، فلمَّا كان الصباح نظر الناس إلى ثلاثة أنفس مصلّبين على جادة الطريق

(4)

، فاستعظم الناس ذلك وأنكروه، وعاب كثير من الناس ذلك على الخليفة، وقالوا: قتل ثلاثةً بسبب قِثاء أخذوه؟ فلما كان بعد قليل أمر الخواص من مسامره أن ينكر عليه ذلك وليتلطف في مخاطبته بذلك، فدخل عليه ذات ليلة وهو عازم على المفاوضة معه في ذلك، ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه، فقال له: إني أفهم أنَّ في نفسك كلامًا، فما هو؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، وأنا آمن؟ قال: نعم. قلت له: فإن

(1)

مروج الذهب (2/ 462)، تاريخ بغداد (4/ 403)، المنتظم (5/ 123 - 138)، سير أعلام النبلاء (13/ 463)، الوافي بالوفيات (6/ 428)، شذرات الذهب (2/ 199).

(2)

في الأصول: وخط الشيب، والمثبت من المطبوع والمنتظم.

(3)

المنتظم (5/ 123 - 124).

(4)

"جادة الطريق": وسطه.

ص: 364

الناس ينكرون عليك تسرّعك في سفك الدماء. فقال: واللّه ما سفكْتُ دمًا حرامًا منذ وُلِّيت إِلَّا بحقِّه. فقلت له: فعلام قتلْتَ أحمد بن الطَّيِّب

(1)

، وقد كان خادمك ولم يظهر لك

(2)

جناية؟ فقال: ويحك! إنه دعاني إلى الإلحاد والكفر بالله فيما بيني وبينه، فقلت له: يا هذا! أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا منتصب في منصبه، فأكفر حتى أكون مَن

(3)

؟ فقتلته

(4)

.

فقلت له: فما بال الثلاثة الذين قتلتهم على القِثَّاء؟ فقال: واللّه ما كان أولئك الذين أخذوا القِثَّاء، وإنَّما كانوا لصوصًا قد

(5)

وجب قتلهم؛ بعثت فجئت بهم من السجون فقتلتهم أنهم الذين أخذوا القِثّاء، وأردت أن أهول على الجيش لئلا يُفسِدوا في الأرض.

ثم أمر بإخراج أولئك الذين كان حبسهم بسب القِثّاء، فأطلقهم بعدما استتابهم، وخلع عليهم، وردَّهم إلى أرزاقهم التي كانت لهم.

قال ابن الجوزي

(6)

: وخرج المعتضد يومًا فعسكرَ بباب الشماسية، ونهى أن يأخذ أحدٌ من بستان أحدٍ شيئًا، فأتى بأسود قد أخذ عِذْقًا من بُسْر

(7)

، فتأمَّله طويلًا، ثم أمر بضرْب عنقه، ثم التفت إلى أصحابه وقال: إنَّ العامة ينكرون هذا، ويقولون: إنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ"

(8)

.

ولم يكفه أن يقطع يده حتى قتله، وإني لم أقتل هذا على سرقته، وإنَّما هذا الأسود له خبر عجيب؛ هذا رجلٌ من الزّنج كان قد استأمن في حياة أبي، وإنه تقاول هو ورجل من المسلمين، فضرب المسلمَ فقطع يده، فمات الرجل، فأهدر أبي دمَ الرجل تأليفًا للزّنج، فآليت على نفسي إن أنا قدرت عليه لأقتلنَّه، فما وقعت عيني عليه إِلَّا هذه الساعة، فقتلته بذلك الرجل

(9)

.

(1)

هو الفيلسوف أحمد بن الطَّيِّب السَّرَخْسي، من بحور العلم الذي لا ينفد، وكان مؤدب المعتضد، ثم صار نديمه وصاحب سرّه ومشورته، وقتله المعتضد لفلسفته وخبث معتقده سنة 286 هـ. سير أعلام النبلاء (13/ 448).

(2)

في ب، ظا، ط: له.

(3)

في آ: من قوم وفي ط: من غير قبيلته، والمثبت من ب، ظا والمنتظم.

(4)

بعدها في ط: على الكفر والزندقة.

(5)

في ط: قد قتلوا وأخذوا المال فوجب قتلهم.

(6)

المنتظم (5/ 136).

(7)

"العِذْق": كل غصن له شُعَب، وقنو النخلة. والبُسْر: ثمر النخل قبل أن يُرْطِب.

(8)

رواه أحمد في مسنده (3/ 463)، وأبو داود في الحدود رقم (4388)، والترمذي رقم (1449)، في الحدود، والنسائي (8/ 87)، وابن ماجة رقم (2593)، ومالك في الموطأ (2/ 839)، والدارمي (2/ 174). وهو حديث صحيح، ويروى هذا الحديث موصولًا ومنقطعًا كما بينه الإمام الترمذي، وقد قال الطحاوي: هذا الحديث تلقت العلماء متنه بالقبول.

و "الكَثَرُ": جُمَّر النَّخْل، وهو شحمه الذي وسط النَّخْلة. النهاية.

(9)

هذه القصة وردت في ب، ظا بعد الفقرة التالية.

ص: 365

وقال أبو بكر الخطيب

(1)

: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حَدَّثَنَا محمد بن نعيم الضَّبِّي، سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه، يقول: سمعت أبا العبَّاس بن سُرَيج، يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي، يقول: دخلتُ على المعتضد وعلى رأسه أحداثٌ رُومٌ، صباحُ الوجوه، فنظرت إليهم، فرآني المعتضد وأنا أتأملهم، فلمَّا أردت القيام أشار إليَّ، فمكثت ساعة، فلمَّا خلا، قال لي: أيُها القاضي! واللّه ما حَلَلْتُ سَراويلي على حرامٍ قَطُّ.

وروى البيهقيُّ، عن الحاكم، عن حسَّان بن محمد، عن ابن سُرَيْج القاضي، عن إسماعيل بن إسحاق، قال: دخلت يومًا على المعتضد، فدفَعَ إليَّ كتابًا، فقرأته، فإذا قد جمع له الرُّخص من زَلل العلماء، فقلت: يا أميرَ المؤمنين إنَّما جمع هذا زِنْديق. فقال: فكيف؟ فقلت: إنَّ من أباح النبيذ لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح النبينذ

(2)

، ومن جمع زَلَل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه؛ فأمر بتحريق ذلك الكتاب

(3)

.

وروى الخطيب

(4)

بسنده عن صافي الحرمي الخادم، قال: انتهى المعتضد وأنا بين يديه إلى منزل شغَب

(5)

وابنُه المقتدر جعفر جالس فيه

(6)

، وحوله نحو من عشر من الوصائف، والصبيان من أصحابه في سنه، وبين يديه طبقٌ من فضة، فيه عنقود عِنب، وكان العِنبُ إذ ذاك عزيزًا جدًّا، وهو يأكل عِنَبةً واحدة، ثم يفرّق على كل واحد من جلسائه عِنَبة عِنَبة، فتركه المعتضد وجلس في بيت مهمومًا. فقلت له: ما لكَ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: ويحك! والله لولا النار والعار لأقتلَنَّ هذا الغلام، فإنَّ في قتله صلاحًا للأمة. فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين! العن الشيطان، فقال: ويحك يا صافي! إنَّ هذا الغلام في غاية السَّخاء، فإنَّ طباع الصبيان تأبى الكرم، وهذا في غاية الكرم، وإن الناس من بعدي لا يولون عليهم إلَّا مَن هو من ولدي، فَسَيلي عليهم المكتفي، ثم لا تطول أيامه للعلة التي به، وهي داء الخنازير، ثم يموت فيولّى على الناس جعفر هذا، فيصرف جميع أموال بيت المال إلى الحظايا؛ لشغفه بهنَّ، وقرب عهده من بيتهن، فتضيع أمور المسلمين، وتعطل الثغور، وتكثر الفتن والخوارج والشرور.

(1)

تاريخ بغداد (4/ 404)، وسير أعلام النبلاء (13/ 465).

(2)

في آ: العلماء، وفي السير: الغناء، والمثبت من ب، ظا. وأضاف في السير: وما من عالم إِلَّا وله زَلَّة. وعبارة ط: إن من أباح المتعة لم يبح الغناء، ومن أباح الغناء لم يبح إضافته إلى آلات اللهو.

(3)

سير أعلام النبلاء (13/ 465).

(4)

تاريخ بغداد (7/ 216).

(5)

في ط: شعث وهو تحريف. وهي شغب زوجه وأم المقتدر.

(6)

في تاريخ بغداد: وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها.

ص: 366

قال صافي: فواللّه لقد شاهدت ما قاله سواء سواء.

وروى ابن الجوزمي

(1)

عن بعض خدم المعتضد، قال: كان الخليفة يومًا نائمًا وقت القيلولة، ونحن حول سريره، فاستيقظ مذعورًا، فصرخ بنا، فجئنا فقال: ويحكم! اذهبوا إلى دجلة، فأول سفينة تجدونها فارغةً منحدرةً فأتوني بملاحها واحتفظوا بها. فذهبنا سراعًا، فوجدنا ملاحًا في سُمَيْريَّة

(2)

فارغة منحدرًا، فأتينا به الخليفة، فلما رأى الخليفةَ كاد يتلَفُ، فصاح به الخليفة صيحةً عظيمة، فكادت روح الملاح تخرج، فقال له الخليفة: ويحك يا ملعون! اصدقني عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربْتُ عنقك. قال: فتلعثم، ثم قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، كنت اليوم سَحَرًا في مشرعتي الفلانية، فنزلت امرأة لم أرَ مثلها، وعليها ثياب فاخرة وحُليّ كثير وجوهر، فطمِعْتُ فيها، واحتَلتُ عليها حتى سددت فاها، وغزقتها، وأخذْتُ جميع ما كان عليها من الحلي والثياب، وخشيت أن أرجع به إلى منزلي فيشتهر خبرها، فأردت الذهاب إلى واسطَ، فلقيني هؤلاء الخدم. فقال له: وأين حليُّها؟ قال: في صدر السفينة تحت البواري

(3)

.

فأمر الخليفة بإحضار الحُليِّ، فجيء به، فأمر عند ذلك بتغريق الملاح في المكان الذي غرَّق فيه المرأة، وأمر أن ينادَى على أهل المرأة ليحضروا حتى يتسلَّموا مال وليَّتهم، فحضروا بعد ثلاثة أيام، فسلّم إليهم ما كان مع تلك المرأة من الحليِّ والثياب. فقال له خدمه: يا أميرَ المؤمنين! من أين علمت هذا؟ قال: رأيت في نومي ذلك كأنَّ شيخًا أبيضَ الرأس واللحية والثياب وهو ينادي صلى الله عليه وسلم: يا أحمد! يا أحمد! خذ أوَّل ملاح ينحدِرُ الشَاعةَ فاقبض عليه، وقرِّره عن خبر المرأة التي قتلها اليوم وسلبها، فأقم عليه الحد، فكان ما شاهدتم.

وعن خفيف

(4)

السَّمَرْقَنْديّ الحاجب، قال: كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيِّداته، وقد انقطع عن العسكر وليس معه غيري، إذ خرج علينا أسد فقصدنا، فقال لي المعتضد: يا خفيف، أفيك خير؟ قلت: لا واللّه يا مولاي! فقال: ولا حتى تمسك فرسي وأنزل أنا؟ فقلت: بلى. قال: فنزل عن فرسه، فأمسكتُها، وغرز أطراف ثيابه في منطقته، واستلَّ سيفه، ورمى بقُرابه إليَّ، ثم تقدَّم إلى الأسد، فوثب الأسدُ عليه، فضربه المعتضد بالسيف فأطار يده، فاشتغل الأسد بيده، فضربه ثانية على هامته ففلقها، فخرَّ الأسد صريعًا، فدنا منه فمسح سيفه في صوفه، ثم أقبل إليَّ فأغمد سيفه، وركب فرسه، ثم عدنا إلى العسكر. قال: وصحبته إلى أن مات، فواللّه ما سمعته ذكر ذلك لأحدٍ، فما أدري

(1)

المنتظم (5/ 127).

(2)

"السُّمَيْريَّة": ضرب من السفن.

(3)

"البُوري": الحصير المنسوج من القصب، فارسي معرب.

(4)

في آ: حنيف وفي ط: جعيف.

ص: 367

من أي شيء أعجب؟ أمن شجاعته أم من عدم احتفاله بذلك حيث لم يذكره لأحد؟ أم من عدم عَتْبه عليَّ حيث ضننت بنفسي عنه؟ واللّه ما عاتبني في ذلك قطُّ

(1)

.

وروى الحافظ ابن عساكر

(2)

عن أبي الحسين النوري أنه اجتاز بزورق فيه خمر مع ملاح، فقال: ما هذه؟ ولمن هذه؟ فقال له: هذه خمر للمعتضد. فصعد أبو الحسين إليها، فجعل يضرب الدِّنان بعمود في يده حتى كسرها كلَّها سوى واحدٍ تركه، واستغاث الملاح، فجاءت الشُّرَط فأخذوه، فأوقفوه بين يدي المعتضد، فقال له: ما أنت

(3)

؟ فقال: أنا محتسب. فقال: ومن ولَّاك الحِسْبة؟ فقال: الذي ولَّاك الإمامة ولَّاني الحِسبة يا أمير المؤمنين. فأطرق رأسه ثم رفعه، فقال: ما الذي حملك على ما فعلتَ؟ قال: شفقة عليك؛ لدفع الضرر عنك. فأطرق رأسه ثم رفعه فقال: ولم تركت من الدِّنان واحدًا؟ فقال: إني أقدمت عليها فكسرتها إجلالًا لعظمة الله، ولم أبال أحدًا من الناس حتى انتهيت إلى هذا الدَّنِّ، دخل نفسي إعجاب من قبيل أني أقدمت

(4)

على مثلك، فتركته، فقال له المعتضد: اذهب، فقد أطلقت يدك، فغيِّر ما أحببت أن تغيِّرَه من المنكر. فقال له النوري: الآن نقمن

(5)

التغيير، فقال: ولمَ؟ قال: لأني كنت أغيِّر عن الله، وأنا الآن أغيَّر عن شرطي. فقال: سَل حاجتك. فقال: أحبُّ أن تخرجني من بين يديك سألمًا. فأمر به فأخرج، فصار إلى البصرة، فأقام بها مختفيًا خشية أن يشقَّ عليه أحدٌ في حاجةٍ عند المعتضد. فلمَّا توفي المعتضد رجع إلى بغداد.

وذكر القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي، عن شيخ من التجار، قال: كان لي على بعض الأمراء مال كثير، فماطلني ومنعني حقي، وجعل كلَّما جاء ليطالبه حجبه عنه ويأمر غلمانه يؤذونه، فاستعدى عليه إلى الوزير، فلم يفد فيه شيئًا، وإلى أولياء الأمر، فلم يقطع عنده، وما زاده ذلك إِلَّا منعًا وجحودًا، فدلَّ

(6)

ذلك الرجل على رجل خياط أمام مسجدٍ هناك، فقصده، فقام معه، فحين عاينه

(1)

المنتظم (5/ 129)، سير أعلام النبلاء (13/ 466).

(2)

سقطت ترجمته من المخطوط.

(3)

في آ: من أنت.

(4)

في ب: فحزنت على نفسي كثيرًا أني قد أقدمت.

(5)

في ط: انتقض عزمي عن التغيير.

(6)

في ط: فأيست من المال الذي عليه، ودخلني هم من جهته، فبينما أنا كذلك وأنا حائر إلى من أشتكي، إذ قال لي رجل: ألا تأتي فلانًا الخياط، إمام مسجد هناك؟ فقلت: وما عسى أن يصنع خياط مع هذا الظالم، وأعيان الدولة لم يقطعوا فيه؟ فقال لي: هو أقطع وأخوف عنده من جميع من اشتكيت إليه، فاذهب إليه لعلك أن تجد عنده فرجًا. قال: فقصدته غير محتفل في أمره، فذكرت له حاجتي ومالي وما لقيت من هذا الظالم، فقام معي، فحين عاينه الأمير، قام إليه وأكرمه واحترمه وبادر إلى قضاء حقي الذي عليه، فأعطانيه كاملًا من غير أن يكون منه إلى الأمير كبير أمر، غير أنه قال له: ادفع إلى هذا الرجل حقه وإلا أذّنت، فتغيّر لون الأمير ودفع إليَّ حقي. قال التاجر: فعجبت من ذلك الخياط ..

ص: 368

الأمير أكرمه واحترمه، وبادر إلى إعطائه حقّه والخلاص من أمره، فتعجب ذلك التاجر من ذلك الخياط مع رثاثة حاله وضعفه كيف انطاع ذلك الأمير له، فعرض عليه شيئًا من المال الذي قبضه من الأمير، فلم يقبل منه شيئًا. فسأله عن خبره، وذكر له تعجبه من ذلك وألحَّ عليه، فقال: إن سبب ذلك أنه كان عندنا هاهنا رجل تركي، شاب حسن، أمير، فلما كان ذات يوم، أقبلت امرأة حسناء قد خرجت من حمامٍ، وعليها ثياب مرتفعة، فعلق بها وهو سكران يريدها على نفسها ليدخلها منزله، وهي تأبى عليه وتصرخ بأعلى صوتها: يا معشر المسلمين! أنا امرأة ذات زوج، وهذا يريدني على نفسي ليدخلني منزله، وقد حلف زوجي بالطلاق ألا أبيتَ في غير منزله، ومتى بتُّ هاهنا طلقت من زوجي، ولحقني بسبب ذلك عار لا تدحضه الأيام.

قال: فقمت إليه فأنكرت عليه، فضربني بدبوس في يده فشجَّ رأسي، وغلب المرأة على نفسها وأدخلها منزله قهرًا، فرجعت أنا، فغسلت الدَّم عني، وعصبت رأسي، وصلَّيت بالناس العشاء وقلت لهم: إن هذا قد فعل ما قد علمتم فقوموا بنا إليه لننكر عليه، فقام الناس معي، فهجمنا عليه داره، فثار إلينا في جماعة من غلمانه بأيديهم العصي والدبابيس يضربون الناس، وقصدني هو من بين الناس، فضربني ضربًا شديدًا مبرِّحًا، وأخرجنا من منزله ونحن في غاية الإهانة، فرجعت إلى منزلي وأنا لا أهتدي من الوجع، فنمت على فراشي وأنا لا يأخذني نوم، وحرت ماذا أصنع حتى أنقذ هذه المرأة من يده في هذه الليلة، حتَّى لا يقع على زوجها الطلاق، فتروَّيت أن أؤذن للصبح في أئناء الليل؛ لكي يخرجها من منزله. فقمت إلى المنارة، فأذنت، وجعلت أنظر إلى باب داره لكي يخرج المرأة، وصمَّمت إن لم تخرج أن أقيم للصلاة حتى يتحقق الصباح.

فبينا أنا أنظر، إذ امتلأ الطريق فرسانًا، ورجَّالة، وهم يقولون: أين الذي أذن [هذه الساعة]

(1)

؟ فقلت: ها أنا ذا، وأنا أريد أن يعينوني عليه، فقالوا: انزل، فنزلت، فأخذوني وذهبوا بي لا أملك من نفسي شيئًا، وما زالوا بي حتى أدخلوني على الخليفة المعتضد باللّه، فلما رأيته جالسًا في مقام الخلافة أرعدت

(2)

من الفرق، فقال لي: ليسكن جأشك، ثم قال: أنت الذي أذنّت؟ قلت: نعم، يا أميرَ المؤمنين، فقال: ما حملكَ على أن أذّنت، وقد بقي من الليل كثير، فيغترّ بذلك الصوَّام [والمسافرون]

(3)

؟ فقلت: يؤمنني أمير المؤمنين حتى أقصَّ عليه

(4)

خبري؟ فقال: أنت آمن. فذكرت

(1)

زيادة من ط.

(2)

في ط: ارتعدت من الخوف، وفزعت فزعًا شديدًا، فقال: ادن، فدنوت، فقال لي: ليسكن روعك، وليهدأ قلبك. وما زال يلاطفني حتى اطمأننت وذهب خوفي، فقال: أنت الذي

(3)

زيادة من ب، ظا، وهي فيهما والمسافرين.

(4)

في آ: عليك.

ص: 369

له سبب أذاني في هذه الساعة، فغضب غضبًا شديدًا، وأمر بإحضار ذلك الرجل والمرأة التي في منزله، فأحضرا سريعًا، فبعث المرأة إلى زوجها مع ثقة من جهته، وأمره أن يأمر زوجها بالعفو عنها، والصفح والإحسان إليه؛ فإنها مكرهة ومعذورة. ثم أقبل على ذلك الشاب، فقال: ما رزقُك؟ وكم لك من المال؟ وكم عندك من الجواري والزوجات؟ فذكر له شيئًا كثيرًا. فقال له: ويحك! ما كفاك ما أنعم اللّه به عليك حتى انتهكت حرمة اللّه، وتجرأت على السلطان، وتعدَّيْتَ حدود اللّه، وما كفاك ذلك حتى عمدت إلى رجلٍ أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فضربته وأهنته؟ فلم يكن له جواب. فأمر به فجعل في قيدٍ، وفي عنقه غِلّ، وأدخل في جُوالق

(1)

، وضُرب ضربًا شديدًا حتى خَفَتَ صوته، ثم ألقاه في دجلة، وأمر بدرًا صاحبَ الشرطة أن يحتاط على ما في داره من الحواصل والأموال التي كان يتناولها من بيت المال بغير حلّها، ثم قال لذلك الرجل الصالح: كلَّما شاهدت منكرًا صغيرًا كان أو كبيرًا ولو على هذا، وأشار إلى صاحب الشرطة، فأعلمني به؛ فإن اتفق اجتماعك بي، وإلا فعلامة ما بيني وبينك أن تؤذن في مثل وقت أذانك هذا.

قال: فبهذا السبب لا آمر أحدًا من هؤلاء الدولة بشيء من الخير أو أنهى عن الشر، إِلَّا بادر إلى امتثاله وقبوله؛ خوفًا من المعتمد، وما احتجت أن أؤذن في مثل تلك السَّاعة إلى الآن.

وذكر الوزير عُبَيد اللّه بن سليمان بن وَهْب، قال: كنتُ يومًا عند المعتضد وخادم واقف على رأسه يذبُّ عنه بمذبَّة في يده، إذ حرَّكها فجاءت في قَلَنْسُوة الخليفة، فسقطت، فأعظمتُ ذلك جدًّا، وخفت من هول ما وقع، ولم يكترث الخليفة بذلك، بل أخذ قَلَنْسُوَته فلبسها، ثم قال لبعض الخدم: مُرْ هذا فليذهب لراحته؛ فإنَّه قد نعس، وزيدوا في عدَّة من يذبُّ بالنوبة

(2)

.

قال الوزير: فأخذت في الشكر للخليفة على حلمه، فقال: إنَّ هذا البائس لم يتعمَّدْ هذا، وإنَّما نعس، وليس العقاب والمعاتبة إِلَّا على المتعمِّد لا على المخطئ والسَّاهي.

وقال خفيف السَّمَرْقَنْدي الحاجب: لمَّا جاء الخبر إلى المعتضد بموت وزيره عُبَيد اللّه بن سليمان وتحقق ذلك، خَرَّ ساجدًا طويلًا، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين! لقد كان يخدمك وينصحك

(3)

، فقال: إنَّما سجدت شكرًا للّه أني لم أعزله ولم أؤذه. ثم استشار الحاضرين فيمن يستوزره من بعده، وذكر هو رجلين، أحدهما: جرادة، وكان حازم الرأي قويًا، والآخر: أحمد بن محمد بن الفرات، فعدل به بدر صاحب الشرطة عنهما، وأشار عليه بالقاسم بن عبيد اللّه، فسفَّه رأيه في ذلك، فألحَّ عليه، فولاه

(1)

"الجُوالِق": وعاء من الأوعية، معروف، معرّب.

(2)

في آ: بالمذَّبة.

(3)

في ب، ظا: لقد كان تكفل بخدمتك وبنصحك. وفي ط: لقد كان عبيد الله يخدمك وينصح لك.

ص: 370

وبعث إليه يعزِّيه في أبيه، ويهنِّيه بالوزارة. فما لبث القاسم بن عبيد اللّه حتَّى ولي المكتفي الخلافة من بعد أبيه المعتضد، حتى قتل بدرًا. وكان المعتضد ينظر إلى ما بينهما من العداوة من وراء ستر رقيق، وهذه فراسة عظيمة وتوسّم قوي

(1)

.

وقد رفع إلى المعتضد أنَّ أقوامًا يجتمعون على معصية

(2)

فاستشار وزيره في أمرهم، فقال: ينبغي أن يصلب بعضُهم ويحرَّقَ بعضهم. فقال: ويحك! لقد برَّدتَ لهب غضبي عليهم بقسوتك هذه، أما علمت أنَّ الرعيَّة وديعة اللّه عند سلطانها، وأنه سائله عنها؟ ولم يقابلهم بما قال الوزير فيهم

(3)

.

وبهذه النيَّة لمَا ولي الخلافة كان بيتُ المال صفرًا من المال، والأحوال فاسدة، والأعراب تعيث في الأرض فسادًا في كل جهةٍ، فلم يزل برأيه وتدبيره حتى كثرت الأموال في بيت المال، وصلحت الأحوال في سائر الأقاليم والآفاق والمحال.

ومن شعره في جارية له توفيت فوجد عليها وجدًا عظيمًا، فقال

(4)

:

يا حَبيبًا لم يَكُنْ يَعْ

ــدلُهُ عندي حبيبُ

أنتَ عَنْ عيني بَعيدٌ

ومِنَ القلبِ قريبُ

ليسَ لي بعدك في شـ

ــيءٍ مِنَ اللَّهوِ نصيبُ

لكَ مِنْ قلبي على قلبي

وإنْ بِنْتَ رَقيبُ

وخيالي منكَ مُذْ غِبْـ

ـتَ خيالٌ ما يَغيبُ

لو تَرَاني كيفَ لي بَعْـ

ـــدَكَ عَوْلٌ ونَحِيبُ

وفؤادي حَشْوُهُ مِنْ

حَرَقِ الحزنِ لَهيبُ

لتَيَقَّنْتَ بأنِّي

بكَ محزون كئيبُ

ما أرى نَفْسي وإن طيَّـ

ــبْتُها عنكَ تَطيبُ

(5)

ليسَ دمعٌ ليَ يَعصيـ

ــني وصَبري ما يُجيبُ

وقال فيها أيضًا

(6)

:

لم أبْكِ للدَّارِ ولكن لِمَنْ

قَدْ كانَ فيها مرَّةً ساكنا

(1)

المنتظم (5/ 134 - 135).

(2)

في آ: عصبية.

(3)

المنتظم (5/ 136 - 137).

(4)

المنتظم (5/ 137)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (382).

(5)

في آ: تغيب.

(6)

المنتظم (5/ 137).

ص: 371

فخانني الدَّهْرُ بفقدانِهِ

وكنتُ مِنْ قبلُ لَهُ آمنا

وَدَّعتُ صبري عند توديعه

وبانَ

(1)

قلبي معهُ ظاعنا

وقد بعث إليه ابن المعتز يعزِّيه ويسلِّيه عن مصيبته

(2)

فيها

(3)

:

يا إمامَ الهُدَى بنا لا بكَ الغـ

ــمُّ أفنيتنا وعِشْتَ سليما

أنتَ علَّمتنا على النِّعَمِ الشُكْـ

ـر وعندَ المصائبِ التَّسليما

فاسل عمَّا مَضَى فإنَّ التي كا

نتْ سُرورًا صَارَتْ ثوابًا عظيما

قدْ رَضينا بأن نموتَ وتحيى

إنَّ عندي في ذاكَ حظًّا جسيما

مَنْ يمُت طائعًا لديك فقدْ

أعطي فوزًا وماتَ موتًا كريما

وقد اجتمع ليلة عند المعتضد ندماؤه، فلمَّا انقضى السَّمَرُ وصار إلى حظاياه، ونام القوم، أهبهم خادم من عند الخليفة، وقال: يقول لكم: إنه قد أصابه أرق بعدكم، وقد عمل بيتًا أعياه ثانيه، فمن أجازه فله جائزة، وهو هذا البيت:

ولمَّا انتبَهْنَا

(4)

لِلخيالِ الَّذِي سَرَى

إذا الدَّارُ قَفْرَى والمَزَارُ بَعِيدُ

فجلس القوم من فرشهم يفكِّرون في ثانيه، فبدر واحدٌ منهم، فقال:

فقلتُ لِعَيْني عاوِدي النَّوْمَ واهْجَعي

لَعَلَّ خَيَالًا طارقًا سَيَعُودُ

فلمَّا رجع به الخادم إلى الخليفة وَقَعَ منه موقعًا جيدًا وأمر له بجائزة سنية.

واستعظم

(5)

المعتضد يومًا من بعض الشعراء قول الحسن بن منير المازنيّ البصريّ:

لَهْفي عَلَى مَنْ أطارَ النَوْمَ فامْتَنَعا

وَزَادَ قَلْبي على أوْجَاعِهِ وَجَعا

كأنَّما الشَمْسُ من أعطافِهِ لَمَعَتْ

حُسْنًا أو البَدْرُ مِن أردانِه

(6)

طَلَعا

مستقبلٌ بالذي يَهوى وإن عظُمت

منه الأساءةُ معذورٌ بما صَنَعا

في وَجْهِهِ شافعٌ يمحو إساءتهُ

من القلوب وجيه حيثما شفعا

ولما كان ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة تسع وثمانين ومئتين - اشتد وجع الخليفة المعتضد

(1)

في المنتظم: وسار.

(2)

في ب، ظا: مصابه.

(3)

المنتظم (5/ 138).

(4)

في آ، ظا: انتهينا.

(5)

في ب، ظا: واستطعم.

(6)

في ب، ظا: أزراره.

ص: 372

بالله، فاجتمع رؤساء القوَّاد، منهم مؤنس

(1)

الخادم، إلى الوزير القاسم بن عبيد اللّه، وأشاروا بأن يجتمع الناس لتجديد البيعة للمكتفي باللّه عليّ بن المعتضد باللّه، ففعل ذلك، وتأكد العهد، وكان في ذلك خيرٌ كثير.

وحين حضرت المعتضد الوفاة أنشد لنفسه

(2)

:

تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنيا فإنَّكَ لا تَبْقَى

وَخُذْ صَفْوَها ما إن صَفَتْ وَدَعِ الرَّنقا

(3)

ولا تأمنَنَّ الدَّهْرَ إنِّي أمِنْتُهُ

فلم يُبْقِ لي حالًا ولم يَرْعَ لي حقَّا

قَتَلْتُ صنادِيدَ الرِّجالِ فلَمْ أدَعْ

عَدُوًّا ولم أُمْهِلْ على خُلُقٍ

(4)

خَلْقا

وأخْلَيْتُ دارَ الملكِ من كلِّ نازعٍ

(5)

فشرَّدْتُهُمْ غَرْبًا وَمَزَّقتُهُمْ شَرْقا

فلمّا بَلغْتُ النَّجْم

(6)

عِزًّا وَرِفعةً

وصارَتْ رقابُ الخَلْقِ أجمع لي رِقَّا

رَمَاني الرَّدَى سَهْمًا فأخمَدَ جَمْرَتي

فها أنا ذا في حُفْرَتي عاجلًا أُلقَى

ولم يغنِ عنِّي ما جمعْتُ ولم أجدْ

لدى ملك الأجاء في حُبّها رِفقا

(7)

وأفسَدْتُ دُنْيايَ وَدِيني سَفَاهةً

فَمَنْ ذا الذي مِنِّي بمصْرَعِهِ أشْقَى؟

فيا لَيْتَ شِعْرِي بعدَ مَوْتي ما ألقى

إلَى نعمةٍ للّهِ أمْ نارِهِ ألْقَى؟

وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - ليلة الإثنين لثمان بَقِين من ربيع الأول من هذه السنة، ولم يبلغ الخمسين. فكانت خلافته تسعَ سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا.

وخلَّف من الأولاد الذكور: عليًّا المكتفي، وجعفر المقتدر، وهارون. ومن البنات إحدى عشرة بنتًا، ويقال: سبعَ عشرة بنتًا. وترك في بيت المال سبعة عشر ألف ألف دينار. وكان ماسكًا

(8)

عن صرف الأموال في غير وجهها، فلهذا كان بعض الناس يبخِّله. ومن الناس من يجعله من الخلفاء الراشدين

المذكورين في الحديث الاثني عشر المنصوص عليهم في حديث جابر بن سمره

(9)

، فالله أعلم.

(1)

في آ، ط: يونس.

(2)

الكامل لابن الأثير (7/ 514)، سير أعلام النبلاء (13/ 477)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (595).

(3)

"الرّنق": الكدر.

(4)

في السير وتاريخ الخلفاء: على ظِنَّة.

(5)

في السير: وأخليت دور الملك من كل بازل.

(6)

في ب، ظا: المجد.

(7)

لم يرد هذا البيت في الكامل والسير وتاريخ الخلفاء.

(8)

في ب، ظا: ماسك اليد، وفي ط: يمسك.

(9)

حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، رواه أحمد في المسند (5/ 87)، والبخاري (13/ 181)، في الأحكام، باب في الاستخلاف، ومسلم رقم (1821) في الإمارة، باب الناس تبع لقريش، والترمذي رقم (2223) في =

ص: 373

وقد عمل أبو العبَّاس عبد اللّه بن المعتزّ العبّاسيّ في ابن عمه المعتضد مرثاةً حسنةً، يقول فيها

(1)

:

يا دَهْرُ وَيْحَكَ ما أبقيتَ لي أحَدا

وأنتَ والدُ سوء تأكلُ الوَلَدا

أستغفِرُ اللّهَ بَلْ ذا كُلُّهُ قَدَرٌ

رَضِيتُ بالله ربًّا واحدًا صَمَدا

يا سَاكنَ القَبْرِ في غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ

بالطَّاهريَّةِ

(2)

مُقْصَى الدَّارِ منفردا

أينَ الجُيوشُ التي قد كُنْتَ تشحنها

(3)

أينَ الكُنُوزُ التي أحْصَيْتَها عَدَدا

أينَ السَّريرُ الَّذي قد كُنْتَ تَمْلَؤُهُ

مَهابةً مَنْ رأتْهُ عَيْنُةُ ارْتَعَدا

أينَ القُصُورُ التي شيَّدْتَها فعلَتْ

وَلاحَ فيها سَنَا الإبريزِ فاتَّقَدَا

قدْ أتعبوا كل مرقالٍ مذكِّرةٍ

وجناءَ تنثرُ منْ أشداقها الزَّبدا

أينَ الأعادي الألى ذَلَّلْتَ صعبهم

(4)

أينَ اللُّيُوثُ التي صَيَّرْتَها نُقَدا

(5)

أينَ الوفودُ على الأبواب عاكفةً

وردَ القطا صفرًا ما جالَ واطَّردا

أينَ الرَّجالُ قِيامًا في مراتبهِمْ

مَنْ رَاحَ منهمْ ولم يقتل فقدْ سعدا

أينَ الجيادُ التي حَجَّلْتَها بدَمٍ

وَكُنَّ يحمِلْنَ منكَ الضَّيْغَمَ الأسَدَا

أينَ الرِّماحُ التي غَذَّيْتَها مُهَجًا

مُذْ مِتَّ ما وَرَدَتْ قَلْبًا ولا كَبِدا

أين السيوفُ وأينَ النَّبْلُ مرسلةً

يصبْنَ ما شئتَ مِن قَرْنٍ وإن بعدا

أينَ المجانيقُ أمثالُ الفيولِ إذا

رمينَ حائط حصنن قائمٍ قعدا

أينَ الفعالُ التي قدْ كنتَ تبدعها

ولا ترى أن عفوًا نافعًا أبدا

أينَ الجِنانُ التي تجري جَدَاوِلُها

وتَسْتَجِبُّ إليها الطائرَ الغردا

= الفتن، باب ما جاء في الخلفاء، من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، ولفظه عند مسلم: لا يزال الإسلام عزيزًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا"، وله ألفاظ أخر بمعناه، وكلهم من قريش.

قال الحافظ في الفتح (13/ 185): فإن جميع من ولي الخلافة من الصدّيق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفسًا، منهم اثنان لم تصح ولايتهما، ولم تطل مدتهما، وهما: معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفسًا على الولاء، كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومئة، وتغيرت الأحوال بعده. وانقضى القرن الأول الذي هو خير القرون. تاريخ الخلفاء للسيوطي صفحة (10 - 12).

(1)

لم ترد الأبيات في ديوانه (ط. صادر)، وورد أكثرها في سير أعلام النبلاء (13/ 478)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (597).

(2)

في ظا، ط: بالظاهرية. والطاهرية: قرية ببغداد. (ياقوت).

(3)

في ب والسير: تسحبها.

(4)

في السير والتاريخ: مصعبهم.

(5)

في ب، ظا والسير: بُعَدا، وفي تاريخ الخلفاء بددا. و "النقد": بضم النون وكسرها: القليل اللحم، وأراد أنها أصبحت ضعيفة هزيلة.

ص: 374

أينَ الوصَائفُ كالغِزلانِ رائحةً

يَسْحَبْنَ مِنْ حُلَلٍ موشِيَّةٍ جُدُدَا

أين الملاهي وأينَ الرَّاحُ تَحسَبُها

ياقُوتةً كُسِيَتْ مِنْ فِضةٍ زَرَدا

أينَ الوثوبُ إلى الأعداءَ متَّبعًا

(1)

صلاحَ مُلكِ بَني العبَّاسِ إذْ فسَدا

ما زِلْتَ تقسِرُ مِنْهُمْ كلَّ قَسْوَرةٍ

وتَخْبِطُ العاتيَ

(2)

الجَبَّارَ مُعْتَمِدا

ثم انقضَيْتَ فلا عَيْنٌ ولا أثَرٌ

حتَّى كأنَّك يومًا لَمْ تكُنْ أحدا

لا شيءَ يبقى سوى خيرٍ تُقدّمُهُ

ما دامَ مُلكٌ لإنسانٍ ولا خَلُدا

ورواها ابن عساكر في "تاريخه" الكبير

(3)

.

‌خلافة المكتفي باللّه أبي محمد

(4)

عليّ بن المعتضد باللّه أمير المؤمنين. بويع له بالخلافة بعد موت أبيه في ربيع الأول من هذه السَّنة، وليس في الخلفاء من اسمه عليّ سوى هذا، وعليّ بن أبي طالب، وليس فيهم من يُكنى بأبي محمّد إِلَّا هذا، والحسن بن علي بن أبي طالب، والهادي، والمستضيء بأمر الله.

وحين ولِّي المكتفي باللّه بعد أبيه، كثرت الفتن وانتشرت في البلاد.

وفي رجب زُلزلت الأرض زلزلةً عظيمة جدًّا.

وفي رمضان تساقط وقتَ السَّحر من السَّماء نجومٌ كثيرة، ولم يزل الأمر كذلك حتى طلعت الشمس.

ولما أفضت الخلافة إليه كان بالرَّقَّة، فكتب إليه الوزيرُ وأعيانُ الأمراء، فركب ودخل بغداد في يومٍ مشهود، وذلك يوم الإثنين لثمانٍ خلون من جمادى الأولى من هذه السنة.

وفيها في هذا اليوم أمر بقتل عمرو بن الليث الصَّفَّار، وكان معتَقلًا في سجن أبيه، وأمر بتخريب المَطَامير التي كان اتخذها أبوه للسجن، وأمر ببناء جامع مكانها.

وخلع في هذا اليوم على الوزير القاسم بن عُبَيد الله بن سليمان بن وَهْب ست خِلَع، وقلَّده سيفًا.

وكان عمره يومئذٍ خمسًا وعشرين سنة، وبضع أشهرٍ.

(1)

في ط والسير وتاريخ الخلفاء: مبتغيًا.

(2)

في ظا: العاند، وفي السير وتاريخ الخلفاء: العالي.

(3)

سقطت مع ترجمة المعتضد من مخطوطة تاريخ ابن عساكر.

(4)

تاريخ بغداد (66/ 316)، المنتظم (6/ 31 - 33)، و (79 - 80)، الكامل لابن الأثير (7/ 516) و (8/ 8)، سير أعلام النبلاء (3/ 479)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (600)، شذرات الذهب (2/ 219).

وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة (295).

ص: 375

وفي هذه السنة: انتشرت القرامطة بعد موت المعتضد في الآفاق، وقطعوا الطريق على الحجيج، وتسمَّى بعضُهم بأمير المؤمنين. فبعث المكتفي إليهم جيوشًا كثيرة، وأنفق أموالًا غزيرة، حتَّى أطفا الله بعض شرَّهم؛ قبَّحهم الله.

وفي هذه السنة: خرج محمد بن هارون عن طاعة إسماعيل بن أحمد السَّاماني، وكاتبه أهل الرَّيّ بعد قتله محمد بن زيد الطالبيّ، فصار إليهم، فسلَّموا إليه البلد، فاستحوذ عليها، فقصده إسماعيل بن أحمد بالجيوش، فقهره وأخرجه منها مذمومًا مدحورًا.

قال ابن الجوزي في "المنتظم"

(1)

: وفي يوم التاسع من ذي الحجَّة صلَّى الناس العصر في زمن الصيف، وطيهم ثياب الصيف، فهبَّت ريح باردة جدًّا، حتى احتاج الناس مع ذلك إلى الاصطلاء بالنار، ولبسوا الفراء والمحشوات، وجمد الماء كفصل الشتاء.

قال ابن الأثير

(2)

: وكذا وقع بمدينة حمص.

قال

(3)

: وهبت ريح عاصف بالبصرة، فاقتلعت شيئًا كثيرًا من نخيلها، وخسف بموضع منها، فمات تحته ستة آلاف نسمة.

قال ابن الأثير

(4)

وابن الجوزي

(5)

: وزلزلت بغداد في رجب من هذه السنة مرّات متعددة، ثم سكنت.

وحجَّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، أحد الصُّوفية الكبار. قال ابن الأثير

(6)

: وهو من أقران السَّرِيّ السَّقَطي. [قال: لأن ترد إلى الله ذرة من همك خير لك مما طلعت عليه الشمس]

(7)

.

أحمد بن محمّد المعتضد باللّه، غلب عليه سوء المزاج والجفاف لكثرة الجماع، وكان الأدباء

(1)

المنتظم (6/ 33).

(2)

الكامل لابن الأثير (7/ 522).

(3)

المصدر السابق (7/ 522).

(4)

المنتظم (6/ 33)، والكامل لابن الأثير (7/ 522).

(5)

المنتظم (6/ 33)، والكامل لابن الأثير (7/ 522).

(6)

الكامل (7/ 522) وفيه: أبو حمزة بن محمد بن إبراهيم الصوفيّ، وقد اختلف في سنة وفاته فقيل: سنة 269، وقيل سنة 289، سير أعلام النبلاء (13/ 165 - 168)، ومصادر ترجمته.

(7)

ما بين قوسين زيادة من (ط) فقط.

ص: 376

يصفون له ما يرطّب بدنه، فيستعمل ضدَّ ذلك حتى سقطت قوته، وقد ذكرنا كيفية وفاته في ترجمته آنفًا.

بدر غلام المعتضد ورأس الجيش

(1)

: كان القاسم بن عبيد اللّه الوزير قد عزم في حياة المعتضد على أن يصرف الخلافة عن أولاد المعتضد، وفاوض في ذلك بدرًا هذا، فامتنع عليه وأبى إِلَّا البيعة لأولاد مولاه. فلمَّا ولي المكتفي خاف الوزير من غائلة ما كان أسرَّ به إلى بدر، فعمل عليه في الباطن عند المكتفي، ولم يزل حتى احتاط الخليفة على حواصله وأمواله وهو بواسط، ثم بعث إليه بالأمان، فقدم، فأمر الوزير مَنْ قتله، فقتل يوم الجمعة لستٍّ خلون من رمضان من هذه السنة، وحمل رأسه، وبقيت جثته فأخذها أهله، ثم بعثوها في تابوت إلى مكة، فدفن بها، وذلك أنَّه أوصى بذلك، وكان قد أعتق كلَّ مملوك له قبل وفاته. وحين أريد قتله صلَّى ركعتين دته عز وجل، ثم قتلوه.

الحسين بن محمد

(2)

: ابن عبد الرحمن بن الفَهْم بن مُحْرز بن إبراهيم، أبو علي، الحافظ البغدادي.

سمع خَلَف بن هشام، ويحيى بن مَعين، ومحمد بن سَعد، وغيرهم.

وعنه: الخُطَبيّ، والطُّوماري. وكان عِسرًا في التحديث إِلَّا لمن لازمه، وكانت له معرفة جيدة بالأخبار والنسب والشعر وأسماء الرجال، يميل إلى مذهب العراقيين في الفقه. مات عن ثمان وسبعين سنة. وقد قال الدَّارقُطني

(3)

: ليس بالقوي.

عمارة بن وثيمة بن موسى، أبو رفاعة الفارسي

(4)

، صاحب "التاريخ" على السنين، وقد ولد بمصر، وحدث عن أبي صالح كاتب الليث؛ وغيره.

عمرو بن الليث الصَّفَّا

(5)

، أحد الأمراء الكبار، قُتِلَ في السجن أوّل ما قدِمَ المكتفي بغداد.

[ثمَّ دخلت] سنة تسعين ومئتين من الهجرة النبوية

فيها: أقبل يحيى بن زَكْرَوَيْه بن مهرويه، أبو القاسم القرمطيّ، المعروف بالشيخ، في جحافل من القرامطة، فعاث بناحية الرَّقَّة فسادًا، فجهز إليه الخليفة جيشًا كثيفًا في نحو عشرة آلاف فارس.

(1)

تاريخ الطبري (10/ 89)، والمنتظم (6/ 34)، والكامل لابن الأثير (7/ 517).

(2)

تاريخ بغداد (8/ 92)، المنتظم (6/ 36)، سير أعلام النبلاء (13/ 427)، طبقات الحفاظ (295)، شذرات الذهب (2/ 201).

(3)

سؤالات الحاكم للدارقطني (85)، وتاريخ بغداد (8/ 92).

(4)

المنتظم (6/ 37).

(5)

تاريخ الطبري (10/ 88)، والكامل لابن الأثير (7/ 516).

ص: 377

وفيها: ركب الخليفة المكتفي باللّه من بغداد إلى سامُرّا يريد الإقامة بها، فثنى رأيه عن ذلك الوزير القاسم بن عبيد اللّه، ورجع به إلى بغداد.

وفيها: قتل يحيى بن زَكْرَوَيْه بن مهرويه على باب دمشق، قتله جيش المصريين، زرقه رجل من المغاربة بمزراق من نار فحرقه، وذلك بعدما كان قتل خلقًا كثيرًا من جيشها، من أصحاب طغج بن جفّ، نائبها، ثم مَنَّ اللّه على الناس بقتله، ففرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، فقام بأمر القرامطة من بعده أخوه الحسين، وتسمَّى بأحمد، وتكنَّى بأبي العبَّاس، تلقب بأمير المؤمنين، وأطاعته القرامطة، فحاصر دمشق، فصالحه أهلها على مالٍ، ثم سار إلى حمص فافتتحها، وخُطِبَ له على منابرها، ثم سار إلى حَماة ومعرَّة النعمان، فقهر أهلَ تلك النواحي واستباح أموالهم وحريمهم، فكان يقتل الدَّوابّ والصبيان في المكاتب، ويبيح لمن معه وطء النساء، فربما وطئ الواحدةَ الجماعةُ الكثيرة من الرجال، فإذا ولدت هنّئ به كلُّ واحدٍ منهم، فكتب أهل الشام إلى الخليفة يشكون إليه ما يلقون من هذا اللعين، فجهز المكتفي جيوشًا كثيفة، وأنفق أموالًا جزيلة لحربه، وركب في رمضان، فنزل الرَّقَّة، وبثَّ الجيوش في كل جانبٍ لقتال القُرْمُطيّ، وكان القُرْمُطيُّ يكتب إلى أصحابه: من عبد اللّه أحمد بن عبد الله المهدي المنصور باللّه، الناصر لدين الله، القائم بأمر اللّه، الحاكم بحكم اللّه، الدَّاعي إلى كتاب اللّه، الذابّ عن حريم اللّه، المختار من ولد رسول اللّه. وكان يدَّعي أنه من سلالة عليّ بن أبي طالب من فاطمة، وهو كاذب أفك [في ذلك]

(1)

؛ قبَّحه اللّه، فإنه كان من أشدّ الناس عداوةً لقريش، ثم لبني هاشم؛ دخل سَلَمِيّة

(2)

فلم يَدَعْ بها أحدًا من بني هاشم حتى قتله، وقتل أولاده، واستباح نساءه.

وفيه: ولي ثغر طَرَسُوس أبو العشائر أحمد بن نصر، عوضًا عن مظفّر بن حاج؛ لشكوى أهل الثغر منه.

وحجَّ بالناس الفضل بن محمد العباسي

(3)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

عبد اللّه بن الإمام أحمد بن حنبل

(4)

: أبو عبد الرَّحمن الشَّيْبانيّ. كان إمامًا حافظًا ثقة ثبتًا، مكثرًا عن أبيه وغيره.

(1)

من ب، ظا.

(2)

"سَلمية": بليدة تعدّ من أعمال حمص.

(3)

في الطبري وابن الأثير والمنتظم: "الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد".

(4)

تاريخ بغداد (9/ 375)، طبقات الحنابلة (1/ 180)، المنتظم (6/ 39)، سير أعلام النبلاء (13/ 516)، تهذيب الكمال (14/ 285)، تهذيب التهذيب (5/ 141)، شذرات الذهب (2/ 203).

ص: 378

قال ابن المنادي

(1)

: لم يكن أحد أروى عن أبيه منه؛ سمع منه "المُسْنَد" ثلاثين ألفًا، و "التفسير" مئة ألف حديث وعشرون ألفًا؛ من ذلك سماع، ومن ذلك وجَادة

(2)

؛ ومن ذلك "النَّاسخ والمنسوخ"، و"المقدَّم والمؤخر في كتاب اللّه" و "التاريخ"، و "حديث شعبة" و "جوابات القرآن"، و "المناسك الكبير"، و "الصّغير"، وغير ذلك من التَّصانيف، وحديث الشُّيوخ.

قال

(3)

: وما زلنا نرى أكابرَ شيوخنا يَشهدون له بمعرفة الرِّجال، وعلل الحديث، والأسماء والكُنى، والمواظَبة على طلب الحديث في العراق وغيرها، ويذكرون عن أسلافهم الإقرار له بذلك، حتَّى إنَّ بعضَهم أسرَفَ في تقريظه إيَّاه بالمعرفة، وزيادة السَّماع للحديث على أبيه.

ولمَّا مرض، قيل له: أين تُدفن؟ فقال: صحَّ عندي أنَّ بالقطيعة

(4)

نبيًّا مدفونًا، ولأنْ أكونَ في جوار نبيٍّ أحبُّ إليَّ من أن أكون في جوار أبي

(5)

.

فمات في جمادى الآخرة في هذه السنة عن سبع وسبعين سنة، كما مات لها أبوه، وكان الجمع كثيرًا جدًّا، وصلَّى عليه زهير ابن أخيه، ودفن في مقابر التِّبن، رحمه الله.

عبد اللّه بن أحمد بن سعيد، أبو بحر الرباطي المروزي، صحب أبا تراب النَّخشبي، وكان الجنيد يمدحه ويثني عليه

(6)

.

عمر بن إبراهيم، أبو بكر، الحافظ، المعروف بأبي الآذان، وكان ثقة ثبتًا

(7)

.

محمد بن الحسين بن الفرج، أبو ميسرة الهمداني، صاحب "المسند"، وكان أحد الثقات المشهورين، والمصنفين المنصفين

(8)

.

محمد بن عبد اللّه أبو بكر الزَّقَّاق

(9)

: أحد أئمة الصوفية وعبَّادهم. رُوي عن الجنيد أنه قال: رأيتُ

(1)

سير أعلام النبلاء (13/ 521)، وابن المنادي هو: أبو الحسين، أحمد بن جعفر بن المنادي.

(2)

في ب، ظا، ط: إجازة، ويوافق ما أثبته ما جاء في السير، الحاشية رقم (2) منه. وقد ردَّ الحافظ الذهبي هذه الحكاية التي قالها ابن المنادي، وبين عدم وجود مثل هذا التفسير الكبير للإمام أحمد (السير 13/ 522).

(3)

أي ابن المنادي، سير أعلام النبلاء (13/ 521).

(4)

هي قطيعة أم جعفر، وبإزائها باب التبن حيث دفن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل.

(5)

سير أعلام النبلاء (13/ 523).

(6)

المنتظم (6/ 40)، وزاد بعدها: ويقول: هو رأس فتيان خراسان، وكان كريمًا حسن الخلق.

(7)

المنتظم (6/ 41) وفيه: سكن سُرَّ من رأى، وتوفي بها في هذه السنة، وله ثلاث وستون سنة.

(8)

المنتظم (6/ 42).

(9)

في آ، ب، ط: الدقاق وأثبت ما جاء في ظا، وهو يوافق ما في المنتظم (42/ 6)، نقلًا عن السمعاني في الأنساب. وفي صفة الصفوة (2/ 415): الرقاق.

ص: 379

إبليس في المنام وكأنه

(1)

عريان، فقلت: ألا تستحي من الناس؟ فقال: وهؤلاء أناس؛ وأنا ألعب بهم كما يلعب الصبيان بالكرة! إنَّما الناس جماعة في مسجد الشُّونِيزيّ قد أضنوا قلبي، و [وأتعبوا جسدي]

(2)

، كلَّما هممت بهم أشاروا إلى الله عر وجل، فأكاد أحترق! [قال]

(3)

: فلمَّا انتبهت لبست ثيابي وقصدت مسجد الشُّونيزي، فإذا فيه ثلاثة جُلوسٌ ورؤوسهم في مرقعاتهم، فرفع أحدهم رأسه من جيبه، فقال: يا أبا القاسم! أنت كلَّما قيل لك شيء تقبل؟ فإذا هم: أبو بكر الزَّقَّاق

(4)

، وأبو الحسين النّوري، وأبو حمزة

(5)

.

محمد بن عليّ بن علَّويه بن عبد اللّه الجرجانيّ، الفقيه الشافعي، تلميذ المُزني، ذكره ابن الأثير

(6)

.

‌ثمّ دخلت سنة إحدى وتسعين ومئتين

فيها: جرت وقعة عظيمة هائلة بين القرامطة وجند الخليفة، فهُزمت القرامطة هزيمة عظيمة، وأسر رئيسهم الحسين بن زَكْرَوَيْه، الملقب بأمير المؤمنين، الذي يقال له: ذو الشامة، وقد تسمَّى كما ذكرنا بأحمد، وتكنى بأبي العباس، والتف عليه خلائق من الأعراب وغيرهم، واستفحل أمره جدًّا. فلما أُسِرَ حُمِلَ إلى الخليفة في جماعة كثيرة من رؤوس أصحابه، وأدخل بغداد على فيل مشهور للناس، فأمر الخليفة بعمل دفَّةٍ مرتفعةٍ، فأجلس عليها القُرمطي، وجيء بأصحابه، فجعل يضرب أعناقهم بين يديه وهو ينظر، وقد جعل في فمه خشبة معترضة مشدودة إلى قفاه، ثم أنزل فضرب مئتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوي، ثم أحرق، وحُمِلَ رأسه على خشبة وطيف به في أرجاء بغداد، وذلك في شهر ربيع الأول

(7)

.

وفيها: قصدت الأتراك بلاد ما وراء النهر في جحافلَ عظيمة، فبثتهم المسلمون فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وجمًّا غفيرًا [لا يحصون]

(8)

، وسبَوا منهم ما لا يحصون كثرة {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا} [الأحزاب: 25].

(1)

في آ، ظا: وكان عريانًا، وما أثبته من ب والمنتظم وصفة الصفوة.

(2)

زيادة من ط.

(3)

زيادة من ط.

(4)

في آ، ب، ط: الدقاق.

(5)

المنتظم (6/ 42)، وصفة الصفوة (2/ 415).

(6)

الكامل (7/ 529).

(7)

المنتظم (6/ 43).

(8)

من ب، ظا.

ص: 380

وفيها: بعث ملك الروم عشرة صلبان، مع كل صليب عشرة آلاف، فأغاروا على أطراف البلاد، وقتلوا خَلْقًا، وسبَوا ناسًا من الذرية.

وفيها: دخل نائب طَرَسُوس بلاد الروم، ففتح مدينة أنطاكية، وهي مدينة عظيمة على ساحل البحر تعادل عندهم القسطنطينية، وخلص

(1)

من المسلمين خمسة آلاف أسير، وأخذ للروم ستين مركبًا، وغنم شيئًا عظيمًا جدًّا، وبلغ نصيب كل من الغزاة ألف دينار.

وحجَّ بالناس في هذه السنة: الفضلُ بن عبد الملك.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن يحيى بن زيد بن سيَّار

(2)

: أبو العباس الشيباني مولاهم، الملقَّب بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة، مولده سنة مئتين.

سمع محمد بن زياد بن الأعرابي، والزبير بن بكَّار، والقَواريري، وغيرهم.

وعنه: ابنُ الأنباري، وابن عرفة، وأبو عمر

(3)

الزاهد.

وكان ثقة حجَّة، دينًا صالحًا، مشهورًا بالصدق والحفظ، وذكر أنه سمع من القواريري مئة ألف حديث.

وكانت وفاته يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، عن إحدى وتسعين سنة.

قال ابن خلكان

(4)

: وكان سبب موته أنه خرج من الجامع وفي يده كتاب ينظر فيه، وكان قد أصابه صممٌ شديدٌ، فصدمته فرس فألقته في هُوَّةٍ فاضطرب دماغه، فمات من اليوم الثاني.

قال

(5)

: وهو مصنّف كتاب "الفصيح"، وهو صغير الحجم، كبير الفائدة، وله كتاب

(1)

في آ: وظفر.

(2)

طبقات اللغويين والنحويين (141)، تاريخ بغداد (5/ 204)، نزهة الألباء (228)، المنتظم (6/ 44)، معجم الأدباء (5/ 102)، إنباه الرواة (1/ 138)، وفيات الأعيان (1/ 102)، سير أعلام النبلاء (14/ 5)، بغية الوعاة (1/ 396)، شذرات الذهب (2/ 207).

(3)

في آ، ب، ط: أبو عمرو، وأثبت ما جاء في ظا. وهو محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، توفي سنة 345 هـ.

(4)

وفيات الأعيان (1/ 104).

(5)

وفيات الأعيان (1/ 103، 104).

ص: 381

"المصون"، و"اختلاف النحويين"، و"معاني القرآن"، وكتاب القراءات"، و"معاني الشعر" و"ما يلحن فيه العامّة"، وذكر أشياء كثيرة أيضًا.

وممّا نسب إليه من الشعر [قوله]

(1)

:

إذا كنْتَ قُوتَ النَّفْسِ ثمَّ هَجَرْتَها

فكم تَلبَثُ النَّفْسُ التي أنتَ قُوتُها

ستبقَى بقاءَ الضَّبِّ في الماءً أوْ كما

أقامَ لدى دَيْمُومَةِ

(2)

النبت حُوتُها

أغَرَّكَ أنِّي قدْ تَصبَّرْتُ جاهدًا

وفي النَّفْسِ مِنِّي منكَ ما سَيُمِيتُها

فلوْ كانَ ما بي بالصُّخُورِ لَهَدَّها

وبِالرِّيحِ ما هَبَّتْ وطالَ خُفُوتُها

فَصَبْرًا لعلَّ اللهَ يجمَعُ بيننا

فأشكُو هُمومًا مِنْكَ فيكَ

(3)

لَقِيتُها

القاسم بن عُبَيد اللّه

(4)

: ابن سليمان بن وَهْب الوزير، تولَّى بعد أبيه الوِزارة في آخر أيام المعتضد، ثم وزر لولده المكتفي من بعده، فلمَّا كان رمضان من هذه السنة مرض فبعث إلى السجون فأطلق من فيها من المظلَّمين، ثم كانت وفاته في ذي القعدة منها، وقد قارب ثلاثًا وثلاثين سنة، وقد كان حظيًا عند الخليفة جدًّا، وخلَّف من الأملاك ما يعدل سبعمئة ألف ديار.

محمد بن محمد بن إسماعيل بن شدَّاد

(5)

: أبو عبد اللّه البصري، القاضي بواسط، المعروف بالجذوعي.

حدَّث عن مسدَّد، وعن علي بن المَديني، وابن نمير، وغيرهم، وكان من الثقات والقضاة الأجواد العدول الأمناء.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

محمد بن إبراهيم البُوشَنجيّ

(6)

.

(1)

من (ط). الشعر في معجم الأدباء (5/ 145)، ووفيات الأعيان (1/ 103).

(2)

في معجم الأدباء: ديمومة البيد حوتها، وفي المطبوع: ديمومة الماء صوتها، وفي الوفيات: يعيش ببيداء المهامه حوتُها، و"الديمومة": الفلاة الواسعة.

(3)

في معجم الأدباء: كنتُ لقيتُها. في ب، ظا: فيك منك.

(4)

مروج الذهب (2/ 494)، المنتظم (6/ 46)، إعتاب الكتاب (182)، وفيات الأعيان (3/ 361)، سير أعلام النبلاء (14/ 18).

(5)

المنتظم (6/ 48).

(6)

أبو عبد الله العبدي البوشنجي، شيخ أهل الحديث في عصره، سمع بمصر وبالحجاز والكوفة والبصرة وبغداد والشام، روى عنه البخاري ومحمد بن إسحاق الصغاني. توفي في هذه السنة ودفن في نيسابور.

المنتظم (6/ 48)، سير أعلام النبلاء (13/ 581).

ص: 382

ومحمد بن علي الصَّائغ

(1)

.

وقُنْبُل

(2)

، أحد مشاهير القرَّاء، وأئمة العلماء.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومئتين

فيها: دخل محمد بن سليمان في نحو من عشرة آلاف مقاتل من جهة الخليفة المكتفي إلى الدِّيار المصرية لقتال هارون بن خُمَارَوَيْه، فبرز إليه هارون فاقتتلا، فقهره محمد بن سليمان؛ وجمع آلَ طولون فكانوا سبعة

(3)

عشر رجلًا، فقتلهم

(4)

، واستحوذ على أموالهم وأملاكهم. وانقضت دولة الطولونية عن الدِّيار المصرية؛ وكتب بالفتح إلى المكتفي.

وحجَّ بالناس الفضلُ بن عبد الملك الهاشمي، أمير الحجاج في السنين المتقدِّمة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن عبد اللّه بن مُسْلم، أبو مسلم الكَجِّيَّ

(5)

: أحد المشايخ المعمّرين، كان يحضر مجلسه خمسون

(6)

ألفًا ممن معه مِحْبَرة، سوى النَّظَّارة، ويستملي عليه سبعة مُسْتَملين؛ كلٌّ يبلِّغ صاحبه، ويكتب بعضُ الناس وهم قيام. وكان كلما حدَّث بعشرة آلاف حديث تصدَّق بصدقة.

ولمَّا فرغ من قراءة السُّنن عليه عَمِلَ مأْدُبةً غرم عليها ألف دينار، وقال: شهدت اليومَ على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقبلت شهادتي وحدي، أفلا أعمل شكرًا للّه عز وجل؟.

وروى ابن الجوزي

(7)

والخطيب

(8)

عن أبي مسلم الكَجِّيّ، قال: خرجت ذات ليلة من المنزل بليل، فمررت بحمَّام وعليَّ جنابة، فدخلته، فقلت للحمَّامي: أدَخَلَ حمَّامَكَ أحدٌ بعدُ؟ فقال: لا، فدخلْتُ، فلمَّا فتحت باب الحمام الداخل إذ قائل يقولُ: أبا مسلم! أسلم تسلم. ثم أنشأ يقولُ:

(1)

هو محمد بن علي بن زيد المكي، الصَّائغ، أبو عبد اللّه، المحدّث الثقة. سير أعلام النبلاء (13/ 428).

(2)

هو محمد بن عبد الرحمن بن خالد المخزومي، مولاهم، المكي، الملقب بقُنْبل، شيخ القراء بالحجاز. مات عن ست وتسعين سنة. سير أعلام النبلاء (14/ 84)، غاية النهاية في طبقات القراء (2/ 165).

(3)

في الطبري وغيره: بضعة عشر رجلًا.

(4)

في الطبري وابن الأثير: فقيَّدهم، وفي المنتظم: فقتلهم.

(5)

في آ: البلخي، وهو تحريف. وترجمته في تاريخ بغداد (6/ 120)، المنتظم (2/ 92)، سير أعلام النبلاء (13/ 423)، الوافي بالوفيات (6/ 29)، شذرات الذهب (2/ 210).

(6)

في آ: خمسين، وفي ب، ظا: نحوًا من خمسين، وأثبت ما جاء في ط.

(7)

المنتظم (6/ 51).

(8)

تاريخ بغداد (6/ 122).

ص: 383

لَكَ الحمدُ إمَّا على نِعْمَةٍ

وإمَّا على نقمةٍ تُدْفَعُ

(1)

تشاءُ فتفعَلُ ما شِئْتَهُ

وتسمَعُ مِنْ حَيْثُ لا تسمَعُ

قال: فبادرت فخرجت فقلت للحمَّامي: أنتَ زعمْتَ أنَّه لم يدخل حمامك أحدٌ؟ فقال: نعم! وما ذاك؛ فقلت: إنِّي سمعْتُ قائلًا يقول كذا. فقال: أو سمعته؟ قلت: نعم. فقال: يا سيدي! هذا رجل من الجان يتبدَّى لنا في بعض الأحيان، فينشد أشعارًا، ويتكلَّم بكلام حسن فيه مواعظ. فقلت: هل حفظت من شعره شيئًا؟ فقال: نعم. ثم أنشدني من شعره، فقال:

أيُّها المذنبُ المفرِطُ مَهْلًا

كم تَمَادى وتركب الذَّنْبَ جَهْلا

كَمْ وكَمْ تُسْخِط الجليلَ بفِعْلٍ

سَمِجٍ وهو يُحْسِنُ الصُّنْعَ فِعلا

كيف تَهْدَى جُفونُ مَنْ ليسَ يدري

أرَضي عنهُ مَنْ على العرشِ أمْ لا

عبد الحميد بن عبد العزيز: أبو خازم

(2)

، القاضي الحنفي، كان من خيار القضاة وأعيان الفقهاء ومن أئمة العلماء، ورِعًا نزهًا، كثيرَ الصيانة والديانة والأمانة. وقد ذكر له ابن الجوزي في "المنتظم"

(3)

آثارًا حسنة وأفعالًا جميلة، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

‌ثمَّ دخلت سنة ثلاث وتسعين ومئتين

فيها: التفَّ على أخي الحسين القُرمطيّ، المعروف بذي الشامة، الذي قدَّمنا ذكر مقتله في السنة الماضية، خلائقُ من القرامطة والأعراب واللصوص وأهل البوادي بطريق الفرات، فعاث بهم في الأرض فسادًا، ثم قصد طبريَّة، فامتنعوا من إيوائه، فدخلها قَهْرًا، فقتل بها خلْقًا كثيرًا من الرجال، وأخذ شيئًا كثيرًا من الأموال، ثم كرَّ راجعًا إلى البادية.

ودخلت فرقة أخرى من القرامطة إلى هِيت

(4)

، فقتلوا أهلها إِلَّا القليل، وأخذوا منها أموالًا جزيلة حملوها على ثلاثة آلاف بعير معهم، فبعث إليهم الخليفة المكتفي جيشًا فقاتلوهم وأخذوا رئيسهم فضُربت عنقه.

ونبغ رجل من القرامطة يقال له: الداعية باليمن، فحاصر صنعاء، فدخلها قَهْرًا، وقتل خلْقا من

(1)

في آ: نقفل.

(2)

في الأصول: أبو حازم، وترجمت في المنتظم (6/ 52)، وسير أعلام النبلاء (13/ 539).

(3)

المنتظم (6/ 53).

(4)

"هيت": بلدة على الفرات من نواحي بغداد، وبها قبر عبد الله بن المبارك (ياقوت)، ولا تزال تعرف بهذه التسمية في بلاد العراق.

ص: 384

أهلها، ثم سار إلى بقية مدن اليمن، فأكثر فيها الفساد، وقتل خلْقًا من العباد، ثم قاتله أهلُ صنعاء فظفروا به وهزموه، فانحاز إلى بعض مدنها، وبعث الخليفة إليها المظفّر بن حاج نائبًا، وخلع عليه، فسار إليها فلم يزل بها

(1)

حتى مات.

وفي يوم عيد الأضحى دخلت طائفة من القرامطة نحو من ثمانمئة إلى الكوفة، والناس في عيدهم، فنادوا: يا ثارات الحسين، يعنون المصلوب ببغداد، [وهو ابن زكروَيْه، وشعارهم يومئذ: يا أحمد، يا محمّد، يعنوا

(2)

اللَّذين قتلا معه ببغداد]

(3)

، فبادر الناس الدخول إلى الكوفة، فوَلَجَ خلفهم القرامطة، فرمتهم العامة بالحجارة وغير ذلك، فقتلوا منهم نحوًا من عشرين، ورجع الباقون خاسئين، وللّه الحمد والمنة.

وفي هذه السنة: ظهر رجل بمصر يقال له: الخلنجيّ، فخلع الطاعة، واجتمع إليه طائفة من الجند، فأمر الخليفة أحمد بن كَيْغَلَغ نائبَ دمشق وأعمالها، فركب إليه، فاقتتلا بظاهر مصر فهزمه الخلنجيّ هزيمة منكرة، فبعث الخليفة إليه جيشًا آخر، فهزموا الخلنجيَّ وهرب، فاستتر بمصر، فأحضر وسلَّم إلى الأمير الخليفة، وانطفأ خبره، ولله الحمد.

ولمَّا اشتغل الجيش بأمر الدِّيار المصرية، بعث زكروَيْه بن مهروَيْه. بعد مقتل أبيه الحسين ببغداد، جيشًا صحبة رجلٍ كان يعلّم الصبيان، يقال له: عبد اللّه بن سعيد، فقصد بُصرى وأذرِعاتَ والبثنية، فحاربه

(4)

أهلها، ثم أمَّنهم، فلمَّا أن تمكن منهم قتل المقاتلة [وسبَى الذرية]

(5)

.

ورام الدخول إلى دمشق، فقاتله نائب أحمد بن كَيْغَلغ، وهو صالح بن الفضل، فهزمه القُرمطيُّ، وقتل صالح فيمن قتل، وحاصر دمشق، فلم يمكنه فتحها، فانصرف إلى طَبَريَّة، فقتلوا أكثر أهلها كما ذكرنا، ونهبوا منها شيئًا كثيرًا.

ثم صاروا إلى هيت ففعلوا كذلك، ثم جَهز الخليفة إليهم جيشًا، فاخذ رئيسهم من بينهم، ونجا بقيَّتُهم. ثم صاروا إلى الكوفة في يوم عيد الأضحى كما ذكرنا، فلم ينتج لهم أمر، وللّه الحمد والمنة. وكُلُّ ذلك بإشارة زكروَيْه بن مهروَيْه وهو مختفٍ في بلده بين ظهراني قومٍ من القرامطة، إذا ألحَّ في طلبه نزل إلى بئر قد اتخذه، وعلى بابه تنُّور، فتقوم امرأة تسجره وتخبز فيه، فلا يشعر أحد بأمره أصلًا، فبعث الخليفة إليه جيشًا كثيفًا، فقاتلهم زكروَيْه بنفسه ومَن أطاعه، فهزم جيش الخليفة، وغنم من

(1)

في آ، ب: به.

(2)

في الكامل: يعنون: ابني زكرويه المقتولين.

(3)

ما بين قوسين لم يرد في آ، وأثبته من ب، ظا.

(4)

في الكامل لابن الأثير: فحارب.

(5)

زيادة من ط.

ص: 385

أموالهم شيئًا كثيرًا جدًّا، فتقوى به، واشتدَّ أمره، فندب الخليفة إليهم جيشًا كثيفًا آخر، فكان من أمره وأمرهم ما نذكره.

وفيها: افتتح إسماعيل بن أحمد السامانئ نائبُ خراسان وما وراء النهر طائفةً من بلاد الأتراك.

وفيها: أغارت الروم على بعض أعمال حلب، [فقتلوا ونهبوا وسبَوا]

(1)

.

وفيها: حجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميّ.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

عبد الله بن محمد أبو العبَّاس النَّاشِئ

(2)

: الشاعر، المعتزلي، أصله من الأنبار، وأقام ببغداد مدَّة، ثم انتقل إلى مصر فمات فيها.

وكان [جيِّد الذّهن]

(3)

يعاكس الشعراء، ويردُّ على المنطقيين والعَرُوضيين

(4)

، وكان شاعرًا مطبقًا، إِلَّا أنه كان فيه هَوَسٌ

(5)

. وله قصيدة حسنة في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرناها في السيرة

(6)

.

قال القاضي ابن خلكان

(7)

: كان متبحّرًا في عدَّة علومٍ؛ من جملتها علم المنطق، كان ذكيًا فطنًا، وله قصيدة في فنون من العلوم على رويٍّ واحدٍ تبلغ أربعة آلاف بيت، وله عدة تصانيف جميلة، وأشعار كثيرة.

قال

(8)

: وأمَّا النَّاشئ الأصغر فسيأتي.

عبيد الله بن محمد بن خلف: أبو محمد البزَّار

(9)

، أحد الفقهاء من أصحاب أبي ثَوْر، وكان عنده فقه

(10)

، وكان من الثقات النبلاء.

(1)

زيادة من ط.

(2)

تاريخ بغداد (10/ 92)، المنتظم (6/ 57)، وفيات الأعيان (3/ 91)، سير أعلام النبلاء (14/ 40)، شذرات الذهب (2/ 214).

(3)

زيادة من ط.

(4)

قال الذهبي في السير: كان قويّ العربيّة والعروض، أدخل على قواعد الخليل شُبَهًا ومثَّلَها بغير أمثلة الخليل.

(5)

بعدها في آ: وقد ارتحل إلى مصر، فمات بها في هذه السنة. وهي عبارة مكررة لم ترد في ب، ظا، ط.

(6)

السيرة النبوية للمؤلف (1/ 77 - 81)، والبداية والنهاية (2/ 195 - 198)، وهي قصيدة طويلة مطلعها:

مدحتُ رسول الله أبغي بمدحه

وُفُور حُظُوظي من كريمِ المآرب

(7)

وفيات الأعيان (3/ 91).

(8)

وفيات الأعيان (3/ 91، 369 - 371).

(9)

المنتظم (6/ 58).

(10)

في ط والمنتظم: فقه أبي ثور.

ص: 386

نصر بن أحمد بن عبد العزيز

(1)

: أبو محمد الكِنْديّ، الحافظ، المعروف بنَصْرَك، كان أحد حفَّاظ الحديث المشهورين، وكان الأمير خالد بن أحمد الذُّهْليّ نائبُ بُخارى قد أخذه إليه، وصنف له "المسند"، وكانت وفاته ببخارى في هذه السنة.

‌ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومئتين

في المحرم من هذه السنة اعترض زكروَيْه - لعنه اللّه - وأصحابه الحجَّاج من أهل خراسان وهم قافلون من مكة، فقتلهم عن آخرهم، وأخذ أموالهم، وسبَى نساءهم؛ وكان قيمة ما أخذه منهم ألفَيّ ألف دينار، وعدَّة من قتل عشرين ألف إنسان، وكانت نساء القرامطة يَطُفْنَ بين القتلى من الحجَّاج بالماء، صفة أنهنَّ يسقين الجرحى، فمن كلَّمهن من الجرحى قتلْنَه وأجهزْنَ عليه، لعنهن اللّه وقبَّح أزواجهن.

‌ذكر مقتل زَكروَيْه، لعنه اللّه

لمَّا بلغ الخليفةَ خبرُ الحجيج وما أوقع بهم الخبيثُ زَكروَيْه، جهز إليه جيشًا كثيفًا، فالتقوا معه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا جدًّا؛ قُتل من القرامطة

(2)

خلْقٌ كثير، ولم يبقَ منهم إِلَّا القليل، وذلك في أول ربيع الأول منها.

وضُرب زكرَوْيه - لعنه اللّه - بالسيف في رأسه، فوصلت الضربة إلى دماغه، وأخذ أسيرًا فمات بعد خمسة أيام، ففتحوا عن بطنه وصبروه، وحمل وجماعة من رؤوس أصحابه إلى بغداد، واحتوى العسكر على ما كان بأيدي القرامطة من الأموال والحواصل، ولله الحمد والمنة.

وأمر الخليفة بقتل أصحاب القرمُطيّ، وأن يطاف برأس القرمطي في سائر بلاد خراسان، لئلا يمتنعَ الناس عن الحجِّ؛ وأطلق من كان بأيدي القرامطة من النساء والصبيان الذين أسروهم.

وفيها: غزا أحمد بن كَيْغَلَغ نائبُ دمشق بلاد الروم من ناحية طَرَسُوس، فقتل منهم نحوًا من أربعة آلاف، وأسر من ذراريهم نحوًا من خمسين ألفًا.

وأسلَم بعضُ البطارقة من الروم، وجاء معه بنحوٍ من مئتي أسير

(3)

كانوا في حصنه، فأرسل ملك الروم جيشًا في طلبه، فركب هو في جماعة من المسلمين، فكبس الروم فقتلهم، وغنم منهم غنيمة كثيرة جدًّا. ولمَّا قدم على الخليفة أكرمه وأحسن إليه وأعطاه ما تمنَّاه عليه.

(1)

تارييخ بغداد (13/ 293)، والمنتظم (6/ 59)، وهو نصر بن أحمد بن نصر بن عبد العزيز.

(2)

في آ: فقتل من الفريقين.

(3)

في الكامل لابن الأثير: فخرج ومعه مئتي أسير من المسلمين كانوا في حصته.

ص: 387

وفيها: ظهر بالشام رجل، فادَّعى أنَّه السّفيانيُّ، فأخِذَ وبُعث به إلى بغداد، فادعى أنه مُوَسْوِسٌ.

وحجَّ بالناس الفضلُ بن عبد الملك الهاشميّ.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسين بن محمد بن حاتم: ابن يزيد بن عليّ بن مروان، أبو عليّ، المعروف بعُبَيْد العِجْل

(1)

. كان حافظًا مكثرًا، متقِنًا، ثقةً، مقدّمًا في حفظ المسندات

(2)

، توفي في صفر منها.

صالح بن محمَّد بن عمرو بن حَبيب

(3)

: أبو علي الأسدي، أسد خُزَيْمة، المعروف بجَزَرة؛ لأنه قرأ على بعض المشايخ أنَّ أبا أُمامة كانت له خَرزةٌ يرقي بها المريض، فقرأها جَزَرة، تصحيًفا منه، فلقِّب بذلك. وقد كان حافظًا مكثرًا جوَّالًا رحَّالًا، طاف الشام ومصر وخراسان، وانتقل من بغداد فسكن بخارى، وكان ثقةً صدوقًا أمينًا، وله رواية كثيرة عن يحيى بن معين، وسؤالات كثيرة. كان مولده بالكوفة

(4)

سنة عشر ومئتين.

‌وتوفي في هذه السنة:

محمّد بن عيسى بن محمّد

(5)

: ابن عبد الله بن عليّ بن عبد اللّه بن العبَّاس، المعروف بالبياضي، لأنه

(6)

حضر مجلس الخليفة وعليه ثيابُ البياض، فقال الخليفة: من ذاك البياضي؟ فعرف به. وكان ثقة، روى عن ابن الأنباري، وابن مقسم. قتلته القرامطة في هذه السنة.

محمد بن الإمام إسحاق بن راهَوَيْه

(7)

: سمع أباه، وأحمد بن حنبل، وغيرهما. وكان عالمًا بالفقه والحديث، جميل الطريقة. وقدم بغداد، فحدَّث بها، وقتلته القرامطة فيمن قتلوا من الحجيج في هذه السنة.

محمَّد بن نَصْر المَروزيّ

(8)

: أحد أئمة الفقهاء، أبو عبد الله المروزي، الفقيه. ولد ببغداد، ونشأ

(1)

في الأصول: العجلي. وترجمته في المنتظم (6/ 61)، وسير أعلام النبلاء (14/ 90).

(2)

في السير وغيره: في حفظ المسند خاصة؛ قاله أحمد بن المنادي.

(3)

تاريخ بغداد (9/ 322)، المنتظم (6/ 62)، سير أعلام النبلاء (14/ 23)، شذرات الذهب (2/ 216).

(4)

ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (14/ 24) وتذكرة الحفاظ (2/ 642)، أنه ولد ببغداد سنة خمس ومئتين.

(5)

المنتظم (6/ 62)، اللباب (1/ 195).

(6)

في اللباب: لأن جدَّه حضر مجلس بعض الخلفاء .. وهو وهم من مؤلفه ..

(7)

المنتظم (6/ 63)، سير أعلام النبلاء (13/ 544)، لسان الميزان (5/ 65).

(8)

تاريخ بغداد (3/ 315)، المنتظم (6/ 63)، سير أعلام النبلاء (14/ 33)، طبقات الشافعية للسبكي (2/ 246)، شذرات الذ هب (2/ 216).

ص: 388

بنيسابور، واستوطن سَمَرْقَنْد. وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من أئمة الإسلام بالأحكام. وقد رحل إلى الآفاق وسمع من المشايخ الكثير النافع، وصنَّف الكتب المفيدة الحافلة النافعة، وكان من أحسن الناس صلاة وأكثرهم فيها خشوعًا، وقد صنَّف كتابًا عظيمًا في الصلاة.

روى الخطيب البغدادي

(1)

عنه أنه قال: خرجت من مصر قاصدًا إلى مكَّة، فركبت البحر، ومعي جارية لي، فغرقَت السفينة، فذَهَبَ لي في الماء ألفا جزءٍ، وسلمْتُ أنا والجارية، فلجأنا إلى جزيرة، فطلبنا بها ماءً فلم نجد، فوضعت رأسي على فخذ الجارية، ويئست من الحياة، فبينا أنا كذلك إذا رجل قد أقبل وفي يده كُوز، فقال: هاه! فأخذته، فشربت منه وسقيت الجارية، ثم ذهب فلم أدرِ من أين أقبَلَ ولا إلى أين ذهب

(2)

.

وقد كان من أكرم الناس وأسخاهم نفسًا. وكان إسماعيل بن أحمد

(3)

يصله في كل سنة بأربعة آلاف، [ويصلُه أخوه إسحاق بن أحمد بأربعة آلاف، ويصله أهلُ سَمَرْقَند بأربعة آلاف]

(4)

، فينفق ذلك كلَّه، فقيل له: لو ادَّخَرْتَ منها شيئًا لنائبةٍ؟ فقال: يا سبحانَ اللّه! - أنا مكثت في مصر مدّة أنفق فيها في كلِّ سنةٍ عشرين درهمًا، أفرأيت إذا لم يحصل لي شيء من هذا لا يتهيَّأ لي في السنة عشرون درهمًا

(5)

!.

وكان محمد بن نَصْر المَرْوَزيّ إذا دخل على إسماعيل بن أحمد السَّامانيّ ينهض له ويكرمه، فعاتبه يومًا أخوه إسحاق بن أحمد، فقال له: تقوم لرجلٍ في مجلس حكمك وأنت ملك خراسان؟ قال إسماعيل: فبتُّ تلك الليلة وأنا متقسِّم

(6)

القلب

(7)

، فرأيْتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يقول: يا إسماعيل! ثبتَ ملكُكَ وملكُ بنيك بتعظيمك محمّد بن نَصْر، وذَهَبَ ملكُ أخيك باستخفافه بمحمّد بن نَصْر

(8)

.

وقد روي أنه اجتمع بالدِّيار المصرية محمّد بن نَصْر، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن المنذر، فجلسوا في بيتٍ يكتبون الحديث ولم يكن عندهم في ذلك اليوم شيء يقتاتونه، فاقترعوا فيما بينهم مَن يسعى لهم في شيء يأكلونه؛ ليدفعوا عنهم ضرورتهم، فجاءت

(9)

القُرعة على أحدهم، فنهض

(1)

تاريخ بغداد (3/ 317)، المنتظم (6/ 64).

(2)

بعدها في ط: ثم إن اللّه سبحانه أغاثنا فنجانا من ذلك الغم.

(3)

هو إسماعيل بن أحمد السَّاماني، صاحب خراسان، وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة 295 هـ.

(4)

ما بين قوسين ساقط في آ.

(5)

المنتظم (6/ 65)، سير أعلام النبلاء (14/ 37).

(6)

في ب، ظا: منزعج، وفي ط: مشتت، وأثبت ما جاء في آ والمنتظم والسير.

(7)

بعدها في ط: من قول أخي، وكانوا هم ملوك خراسان وما وراء النهر، قال.

(8)

المنتظم (6/ 65)، سير أعلام النبلاء (14/ 38 - 39).

(9)

في ط: فوقعت القرعة على محمد بن نصر هذا، فقام إلى الصلاة.

ص: 389

إلى الصلاة، فجعل يصلِّي ويدعو اللّه عز وجل، وذلك وقت القيلولة، فرأى نائبُ مصرَ، وأظنه أحمدَ بن طولون، وهو نائم وقت القيلولة، رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: أنت هاهنا والمحمَّدون ليس عندهم شيء يقتاتونه! فانتبه الأمير من منامه، فسأل: من هاهنا من المحدّثين؛ فذكر له هؤلاء الثلاثة، فأرسل إليهم في الساعة الراهنة بألف دينار، فدخل بها عليهم، وأزال اللّه ضرورتهم، ويسَّر عليهم

(1)

.

وقد بلغ محمّد بن نَصْر سنًا عاليًا، وكان يسألُ اللهَ ولدًا، فأتاه يومًا إنسان فبشَّره بولد ذكر قد وُلدَ له، فرفع يديه فحمد الله وأثنى عليه، وقال:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ} [إبراهيم: 39]، فاستفاد الحاضرون من ذلك فوائدَ: منها أنه قد وُلدَ له على كبر السن ولدٌ ذكرٌ بعدَما كان يسأل اللّه في ذلك؛ ومنها أنه سمَّاه في يوم مولده كما سمَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولدَه إبراهيم قبلَ السابع؛ ومن ذلك اقتداؤه بالخليل في تسميته أول ولدٍ له إسماعيل.

موسى بن هارون بن عبد اللّه

(2)

أبو عمران: المعروف والده بالجمَّال، ولد سنة أربع عشرة ومئتين، وسمع أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعين، وغيرهما.

وكان إمام أهل عصره في حفظ الحديث ومعرفة الرجال والإتقان. وكان ثقة، شديد الورع، عظيم الهيبة.

قال عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري: كان أحسن الناس كلامًا على الحديث عليّ بن المَديني، ثم موسى بن هارون، ثم الدَّارَقطنيّ

(3)

.

‌ثمَّ دخلت سنة خمس وتسعين ومئتين

فيها: كانت المفاداة بين المسلمين والروم، فكان من جملة من استنقذ من المسلمين من رجال ونساء نحوًا من ثلاثة آلاف نسمة، وللّه الحمد.

وفي المنتصف من صفر منها كانت وفاة إسماعيل بن أحمد السّامانيّ، أمير خراسان [وما وراء النهر]

(4)

، وقد كان عاقلًا عادلًا، حسن السيرة في رعيته، حليمًا حكيمًا، جوادًا، ممدَّحًا، وهو الذي كان يحسن إلى محمّد بن نَصْر المَرْوزي ويعظِّمه ويكرمه ويحترمه، ويقوم له في مجلس ملكه.

(1)

بعدها في ط: واشترى طولون تلك الدار وبناها مسجدًا، وجعلها على أهل الحديث، وأوقف عليها أوقافًا جزيلة.

(2)

المنتظم (6/ 66)، تاريخ بغداد (1/ 50).

(3)

تاريخ بغداد (13/ 51).

(4)

زيادة من ط. وانظر ترجمته في المنتظم (6/ 77)، ووفيات الأعيان (5/ 161)، وسير أعلام النبلاء (14/ 154). وشذرات الذهب (2/ 219).

ص: 390

وقد ولي بعدَه ولده أحمد بن إسماعيل، وبعث إليه الخليفة المكتفي باللّه بالولاية والتشريف. وقد تذاكر الناس عند إسماعيل بن أحمد ذات ليلة الفخر بالأنساب، فقال: ينبغي أن يكون الإنسان عصاميًا لا عظاميًا. يعني: ينبغي أن يفتخر بنفسه لا بنسبه، وبكدِّه وجِدِّه لا بأبيه وجَدِّه. كما قال بعضهم:

وبجِديِّ سَمَوْتُ لا بجدودي

وقال آخر:

حسبي فخارًا وشيمتي

(1)

أدبي

ولسْتُ مِن هاشمٍ ولا العَرَبِ

إنَّ الفتى مَن يقولُ ها أنا ذا

ليسَ الفتى مَنْ يقولُ كانَ أبي

وفي ذي القعدة من هذه السنة كانت:

‌وفاة الخليفة المُكتفي باللّه أبو محمّد عليّ بن المعتضد. وهذه ترجمته وذكر وفاته

(2)

:

هو [الخليفة أمير المؤمنين المكتفي باللّه]

(3)

، أبو محمّد، عليّ بن أمير المؤمنين المعتضد باللّه أبي العبَّاس أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفّق بن المتوكِّل بن المعتصم بن الرشيد هارون بن المهدي بن منصور، رحمهم الله. وقد ذكرنا

(4)

أنه ليس من الخلفاء من اسمه سواه بعد عليّ بن أبي طالب؛ رضي الله عنه، ولم يكن في الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن عليّ، وموسى الهادي، وهو، والمستضيء بأمر اللّه.

وكان مولده في رجب من سنة أربع وستين ومئتين، وبُويع له بالخلافة بعد أبيه في حياته يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر من سنة تسعٍ وثمانين ومئتين، وعمره نحو من خمس وعشرين سنة، وكان رَبْعَة من الرجال جميلًا، رقيق اللون، حسن الشعر، وافر اللحية عريضها.

ولما مات أبوه المعتضد، وباشر هو منصب الخلافة، دخل عليه بعضُ الشعراء فأنشده

(5)

:

أجَلُّ الرَّزايا أن يموتَ إمامُ

وأسْنَى العطايا أن يقومَ إمامُ

فأسقى الذي ماتَ الغمامُ وجادهُ

ودامت تحياتٌ لهُ وسلامُ

(1)

في بعض النسخ: وشيمة.

(2)

تاريخ بغداد (11/ 316)، المنتظم (6/ 31 - 33 و 79)، سير أعلام النبلاء (13/ 479)، تاريخ الخلفاء (600)، شذرات الذهب (2/ 219).

(3)

زيادة من ب.

(4)

حوادث سنة 289 هـ.

(5)

المنتظم (6/ 32).

ص: 391

وأبقى الذي قام الإلهُ وزادَهُ

مواهب لا يفنى لهنَّ دوامُ

وتمَّتْ له الآمالُ واتصلتْ بها

فوائدُ موصولٌ بهنَّ تمامُ

هو المكتفي بالله يكفيه كلَّما

عناهُ بركنٍ منهُ ليسَ يُرامُ

وقد كان يقول الشعر، فمن ذلك قولُه

(1)

:

مَنْ لي بأنْ يعلمَ ما ألقى

فيعرف الصَّبوة والعشقا

ما زالَ لي عبدًا وحبِّي لهُ

صيَّرني عَبْدًا لهُ رِقَّا

العتقُ مِن شأني ولكنَّني

مِن حبِّهِ لا أملكُ العِتقا

وكان نقش خاتمه: "علي يتوكَّل

(2)

على ربه".

وكان له من الولد محمّد، وجعفر، وعبد الصَّمد، وموسى، عبد اللّه، وهارون، والفضل، وعيسى، والعبَّاس، وعبد الملك

(3)

.

وفي أيَّامه فتحت أنطاكية، واستُنقذت من أيدي الروم، وكان فيها من أسارى المسلمين بشرٌ كثيرٌ وجمٌّ غفير، وأخذ المسلمون من غنائمهم شيئًا كثيرًا جدًّا، كما تقدَّم.

ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتضد، فصحَّ عنده أنه بالغ، فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة، وأحضر القضاة، وأشهدهم على نفسه بأنه قد جعل الخلافة إليه من بعده، ولقَّبه بالمقتدر بالله.

وتوفي المكتفي بالله بعد ثلاثة أيامٍ، رحمه الله. وقيل: في آخر يوم السبت بين الظهر والعصر. وقيل: بعد المغرب، ليلة الأحد، لاثنتي عشرة ليلة خلَتْ من ذي القعدة، ودفن في دار محمد بن عبد اللّه بن طاهر، عن ثنتين، وقيل: ثلاث وثلاثين سنة، وكانت خلافته ستَّ سنين وستة أشهر وتسعة عشر يومًا. وكان قد أوصى بصدقةٍ من خالص ماله، ستمئة ألف دينار؛ كان جمعها وهو صغير. وكان مرضه بداء الخنازيز

(4)

، رحمه الله تعالى.

(1)

المصدر السابق.

(2)

في ب، ظا: متوكل، وفي ط: المتوكل.

(3)

المنتظم (6/ 33)، جمهرة الأنساب (ص 29)، ولم يذكر هارون.

(4)

داء الخنازير: علة معروفة، وهي قروح صلبة تحدث في الرقبة.

ص: 392

‌خلافة المُقتدر باللّه أمير المؤمنين، [أبي الفَضْل جَعْفر بن المعتضِد]

(1)

جُدِّدت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر، لأربع عشرة ليلة خلَتْ من ذي القعدة من هذه السنة، أعني سنة خمس وتسعين ومئتين، وعمره إذ ذاك ثلاثَ عشرةَ سنةً وشهر وأحد عشرَ

(2)

يومًا، ولم يل الخلافة أحدٌ قبلَه أصغر سنًا منه.

ولمَّا جلس في منصب الخلافة صلَّى أربع رَكعات، ثم سلَّم، ورفع صوته بالدُّعاء والاستخارة، ثم بايعه الناس بيعة العامّة، وكُتب اسمه على الرُّقوم، وغيرها:"المقتدر بالله".

وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، وفي بيت مال العامة ستمئة ألف دينار ونيف. وكانت الجواهر الثمينة من الحواصل من لدن بني أمية وأيام بني العبَّاس قد تَنَاهى جمعها، فما زال يفرِّقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفذها

(3)

.

وقد استوزر جماعة من الكتَّاب يكثر تعدادهم، منهم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، ولاه ثم عزله بغيره، ثم أعاده ثم عزله بغيره، ثم أعاده، ثم عزله، ثم قتله؛ وقد تقصّى ذكرهم أبو الفرج بن الجوزيّ

(4)

.

وكان له من الخدم والحجّاب والحشمة التامة شيء كثير جدًّا.

وكان كريمًا جدًّا، وفيه عبادة مع هذا كلِّه، وكثرة صلاة، وصيام تطوّع.

وفي يوم عرفة أول ولايته فرَّق من الأغنام والأبقار ثلاثين ألف رأس، ومن الإبل ألفي بعير. وردَّ الرسوم والكلف والأرزاق إلى ما كانت عليه في أوائل

(5)

العباسيين، وأطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم، ووكَّل أمر ذلك إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف.

وكان قد بنيت أبنية في الرحبة، دخلُها

(6)

كلّ شهر ألف دينار، فأمر بهدمها ليوسِّع على المسلمين

(1)

زيادة من ب، ظا. وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة 320 هـ.

(2)

في المنتظم: وعشرين يومًا.

(3)

بعدها في ط: وهذا حال الصبيان وسفهاء الولاة.

(4)

المنتظم (6/ 67 - 68).

(5)

في ب، ظا، ط: زمن.

(6)

كذا في آ، وفي ب، ظا: وعليها في كل شهر، وفي ط: صرف عليها في كل شهر.

ص: 393

الطرقات. وسيأتي

(1)

ذكر شيء من أيامه وترجمته إن شاء الله تعالى.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

[أبو إسحاق المُزَكّي]

(2)

: إبراهيم ين محمد بن نوح بن عبد اللّه، أبو إسحاق المزكي، الحافظ، الزاهد، إمام أهل عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرجال والعلل، وقد سمع خلْقًا من المشايخ الكبار، ودخل على الإمام أحمد وذاكره، وكان مجلسه مهيبًا، ويقال: إنه كان مجاب الدعوة، وكان لا يملك إِلَّا داره التي يسكنها، وحانوتًا يستغلّه كلَّ شهر سبعة عشر درهما ينفقها على نفسه وعياله، وكان لا يقبل من أحدٍ شيئًا، وكان يطبخ له الجزر بالخل فيتأدَّم به طول الشتاء. وقال أبو علي الحسين بن علي الحافظ النيسابوري: لم تر عيناي مثله.

أبو الحسين النُّوري أحد أئمة الصوفية

(3)

: أحمد بن محمد، ويقال: محمّد بن محمّد، والأوَّل أصحُّ، أبو الحسين النُّوري. ويعرف بابن البَغَويّ، وأصله من خراسان، وحدَّث عن سَرِيّ السَّقَطيّ، ثم صار هو من أكابر أئمة القوم.

قال أبو أحمد المَغَازلي: ما رأيت أحدًا قطُّ أعبدَ من أبي الحسين النّوري. قيل له: ولا الجُنَيد؟ قال: ولا الجنيد.

وقال غيره

(4)

: صام عشرين سنة لا يعلم به أحدٌ لا من أهله ولا من غيرهم.

وكانت وفاته في مسجدٍ وهو مقنّع، فلم يعلم به أحد إِلَّا بعد أربعة أيام.

إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سَامان السّاماني

(5)

: أحد ملوك خراسان للخلفاء، وهو الذي قتل عمرو بن الليث الصفَّار الخارجيّ، وكتب بذلك إلى الخليفة المعتضِد، فولاه خراسان، ثم ولاه المكتفي الرَّيَّ وما وراء النهر، وبلادَ الترك، فأوقع بهم باسًا شديدًا. وبنى الرُّبط في الطرقات يسَعُ الرِّباطُ منها ألفَ فارس، وأوقف عليها أوقافًا جزيلة.

وقد أهدى إليه طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث هدايا عظيمة؛ منها ثلاث عشرة جوهرة، زنة كلِّ واحدةٍ منها ما بين السبعة مثاقيل إلى العشرة، وبعضها أحمر، وبعضها أزرق، قيمتها مئة ألف دينار، فبعث بها إلى الخليفة المعتضد، وشفع في طاهر فشفَّعَه فيه.

(1)

سيأتي ذلك كما ذكرنا في حوادث سنة 320 هـ.

(2)

زيادة من ط، وترجمته في المنتظم (6/ 76).

(3)

حلية الأولياء (10/ 249)، تاريخ بغداد (5/ 130)، صفة الصفوة (2/ 439)، المنتظم (6/ 77)، سير أعلام النبلاء (14/ 70)، طبقات الأولياء (62).

(4)

هو أبو جعفر الفرغاني، كما في المنتظم (6/ 77)، وصفة الصفوة (2/ 439).

(5)

المنتظم (6/ 77)، وفيات الأعيان (5/ 161)، سير أعلام النبلاء (4/ 154)، شذرات الذهب (2/ 219).

ص: 394

ولما مات إسماعيل بن أحمد، وبلغ المكتفيَ موتُه تمثل بقول أبي نواس

(1)

:

لنْ يُخلفَ الدَّهرُ مثلهمْ أبدًا

هَيهَاتَ هَيهاتَ شأنهُمْ عَجَبُ

المَعْمَريّ الحافظ

(2)

: صاحب"عمل اليوم والليلة". الحسن بن عليّ بن شَبيب، أبو علي المَعْمَريّ، الحافظ. رحل وسمع من الشيوخ وأدرك خلْقًا، منهم: عليّ بن المديني، ويحيى بن مَعين. وعنه: ابنُ صاعد، والنَّجَّاد، والخلدي. وكان من بحور العلم وحفاظ الحديث، صدوقًا، ثبتًا، يشبِّك أسنانه بالذهب من الكبر؛ لأنه جاوز الثمانين، وكان يكنى أولًا بأبي القاسم، ثم بأبي عليّ. وقد ولي القضاء للبِرْتي على القصر

(3)

وأعمالها.

وإنما قيل له المَعْمَريّ بأُمِّه؛ أمِّ الحسن بنت سفيان بن أبي سفيان صاحب مَعْمَر بن راشد. وكانت وفاته ليلة الجمعة لإحدى عشرة بقيت من محرم هذه السنة.

عبد اللّه بن الحسن بن أحمد بن أبي شُعَيب

(4)

: [واسم أبي شُعَيْب]

(5)

عبد اللّه بن الحسن، أبو شعيب الأموي الحَرَّاني المؤدّب، المحدّث ابن المحدّث. ولد سنة ست ومئتين، وسمع أباه، وجدَّه، وعفَّان بن مُسلم، وأبا خيثمة. وكان صدوقًا ثقة مأمونًا. توفي في ذي الحجة من هذه السنة.

عليّ بن أحمد المكتفي باللّه بن المعتضد، تقدم ذكر ترجمته قريبًا من هذه السنة.

أبو جَعْفر التِّرْمذيّ

(6)

: محمّد بن أحمد بن نَصْر أبو جعفر التِّرْمِذيّ، الفقيه الشافعي. وكان من أهل العلم والزُّهد.

قال الدَّارَقُطني

(7)

: هو ثقةٌ مأمونٌ ناسكٌ.

وقال القاضي أحمد بن كامل

(8)

: لم يكن لأصحاب الشافعيّ بالعراق أرأس منه، ولا أوْرَع.

(1)

المنتظم (6/ 78).

(2)

تاريخ بغداد (7/ 369)، المنتظم (6/ 78)، اللباب (3/ 236)، سير أعلام النبلاء (13/ 510)، شذرات الذهب (2/ 218).

(3)

في المنتظم: على البصرة، وما هنا كما في تاريخ بغداد والسير.

(4)

تاريخ بغداد (9/ 435)، المنتظم (6/ 79)، سير أعلام النبلاء (13/ 536)، شذرات الذهب (2/ 218).

(5)

زيادة من ط.

(6)

تاريخ بغداد (1/ 365)، المنتظم (6/ 80)، وفيات الأعيان (4/ 195)، سير أعلام النبلاء (13/ 545)، طبقات السبكي (2/ 187)، شذرات الذهب (2/ 220).

(7)

سير أعلام النبلاء (13/ 546).

(8)

سير أعلام النبلاء (13/ 547).

ص: 395

كان متقلّلًا في المطعم على حال

(1)

عظيمة فقرًا وورعًا وصبرًا، وكان ينفق عليه في كلِّ شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدًا شيئًا، وكان قد اختُلط في آخر عمره. وتوفي في المحرم من هذه السنة.

‌ثم دخلت سنة ست وتسعين ومئتين

في ربيع الأول منها اجتمع جماعة من القوَّاد والجند على خلْع المقتدر باللّه وتولية عبد اللّه بن المعتز الخلافة عوضًا عنه، فأجابهم على أنه لا يُسفك بسببه دم. وكان المقتدر قد خرج للعب بالصوالجة، فقصد إليه الحسين بن حمدان [يريد أن]

(2)

يفتك به، فلمَّا سمع المقتدر الضّجَّة بادر إلى دار الخلافة فأغلقها دون الجيش. واجتمع القوّاد والأعيان والقضاة في دار المخرم

(3)

، فبايعوا عبد اللّه بن المعتز، وخوطب بالخلافة، ولُقِّب بالمرتضي باللّه. وقال الصولي: إنما لقبوه: المنتصف باللّه. واستوزر أبا عبد الله محمد بن داود، وبعث إلى المقتدر يأمره بالتحوّل من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر لينتقل هو إليها، فأجيب بالسمع والطاعة، فركب الحسين بن حمدان من الغد إلى دار الخلافة ليتسلَّمها، فقاتله الخدم ومَن فيها، ولم يسلموها إليه، فلم يقدر على تخليص أهله وبعض ماله إِلَّا بالجهد الجهيد. فلما قدر عليهم ارتحل من فوره إلى الموصل، فتفرَّق نظام الجماعة.

وأراد ابن المعتزّ أن يتحوَّل إلى سامُرَّا لينزلها، فلم يتبعه أحد من الأمراء، فدخل إلى دار ابن الجصاص فاستجار به. ووقع النهب بالبلد، واختبط الناس، وبعث المقتدر إلى أصحاب ابن المعتز فقبض عليهم، وقتل أكثرهم، وأعاد ابنَ الفرات إلى الوزارة، فجددت البيعة للمقتدر، وأرسل إلى دار ابن الجصاص فكبسها، وأحضر ابن المعتز وابن الجصّاص، فصادر ابنَ الجصَّاص بمالٍ جزيلٍ جدًّا، يقال: إنه وزن ستة عشر ألف ألف درهم مصادرة، ثم أطلقه واعتقل ابن المعتز، فلمَّا دخل في ربيع آخر ليلتان ظهر للناس موتُه، وأخرجت جثته فسلِّمت إلى أهله فدفن، وصفح المقتدر عن بقية من سعى في هذه الفتنة حتى لا تفسد نيات الناس.

قال ابن الجوزي

(4)

: ولا يُعرف خليفة خُلع ثم أعيد سوى الأمين والمقتدر.

وفي يوم السبت لأربع بقين من ربيع الأول سقط ببغداد ثلج عظيم حتى اجتمع على الأسطحة منه نحو من أربع أصابع، وهذا مستغرب في بغداد جدًّا.

(1)

في آ، ظا، ط: حالة، وأثبت ما جاء في ب، وهو الموافق لما في تاريخ بغداد.

(2)

زيادة من ط.

(3)

في آ: في دارة الخلافة.

(4)

المنتظم (6/ 82).

ص: 396

ولم تخرج السنة حتى خرج الناس للاستسقاء من تأخُّر المطر عن أيَّامه

(1)

.

وفي شعبان خُلع على مؤنس الخادم، وأمر بالمصير إلى طَرَسُوس لغزو الروم.

وفي هذه السنة أمر المقتدر بألَّا يُستخدم أحد من اليهود ولا النصارى في الدواوين، وألزموا بيوتهم، وأمروا

(2)

بلبس العسلي وجعل الرّقاع بين أظهرهم ليعرفوا بها.

وحجَّ بالناس في هذه السنة الفضلُ بن عبد الملك الهاشميّ، ورجع كثير من الناس من قلة الماء بالطريق، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن محمد بن زكريا بن أبي عتَّاب

(3)

: أبو بكر البغدادي الحافظ، ويعرف بأخي ميمون. روى عن نَصْر بن عليّ الجهضمي وغيره، وروى عنه الطَّبَرانيّ، وكان يمتنع أن يحدِّثَ، وإنَّما

(4)

يسمع منه في المذاكرات. توفي

(5)

في شوَّال منها.

أبو بكر الأثْرَم

(6)

: أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر الطائي الأثرم، تلميذ الإمام أحمد. وقد سمع عفَّان، وأبا الوليد القَعْنبيّ، وأبا نُعيم، وخلْقًا كثيرًا. وكان حافظًا صادقًا قويّ المذاكرة. كان ابن مَعين يقول: كان أحد أبويه جنيًّا؛ لسرعة فهمه وحفظه وحذقه. وله كتب مصنفة في العلل والناسخ والمنسوخ، وكان من بحور العلم.

خلف بن عمرو بن عبد الرحمن بن عيسى

(7)

: أبو محمد العُكْبَري

(8)

. سمع الحديث، وكان ظريفًا، له ثلاثون خاتمًا وثلاثون عكَّازًا، يَلْبَسُ في كُلِّ يومٍ من الشهر خاتمًا، ويأخذ في يده عكَّازًا، ثم يستأنف ذلك في الشهر الثاني، وكان له سوط معلَّق في منزله، فإذا سئل عن ذلك يقول: ليرهب العيال منه.

ابن المعتزّ الشاعر الذي بُويع له بالخلافة

(9)

: عبد اللّه بن المعتزّ باللّه محمد بن المتوكِّل على اللّه

(1)

في ط: عن إبَّانه.

(2)

في ب، ظا: وأخذوا.

(3)

المنتظم (6/ 82).

(4)

في ب، ظا: وأنا أسمع.

(5)

في المنتظم: توفي بمصر.

(6)

لم يرد العنوان في آ. وترجمته في المنتظم (6/ 83)، وتهذيب الكمال (1/ 476).

(7)

تاريخ بغداد (8/ 331)، والمنتظم (6/ 84)، سير أعلام النبلاء (13/ 577).

(8)

في آ: العسكري، وهو تحريف.

(9)

تاريخ الطبري (10/ 140)، أشعار أولاد الخلفاء (107)، الأغاني (10/ 286)، تاريخ بغداد (10/ 95)، المنتظم (6/ 84)، وفيات الأعيان (3/ 76)، سير أعلام النبلاء (14/ 42)، شذرات الذهب (2/ 221).

ص: 397

جعفر بن المعتصم محمّد بن الرشيد هارون، ويكنى ابن المعتز، الشاعر أبو العبّاس الهاشميّ العباسيّ، الفصيح

(1)

البليغ المطبق. وقريش قادة الناس في الخير والشر. وقد سمع المبرِّدَ، وثعلبًا.

وقد رُوي عنه من الحكم والآداب شيء كثير؛ فمن ذلك قوله:

أنفاس الحيِّ خطاه [إلى أجله]

(2)

. أهلُ الدُّنيا ركْبٌ يُسار بهم وهم نيام. ربَّما أوردَ الطَّمِعُ ولم يصدُرْ. ربَّما شرِقَ شاربُ الماء قبلَ رِيِّه. مَنْ تجاوز الكفَافَ لم يغنِه الإكثارُ. كلَّما عظم قدر المنافسِ فيه عظُمتِ الفَجيعةُ به. من ارْتَحَله

(3)

الحِرصُ أضناه

(4)

الطَّلَبُ. الحرصُ يُنقص من قدر الإنسان ولا يزيد في حظِّه. أشقى النَّاس أقربُهُم من السُّلطان، كما أنَّ أقربَ الأشياء إلى النار أسرعُها احتِراقًا. مَن شارك السُّلطان في عزِّ الدُّنيا شاركه في ذُلِّ الآخرة. يكفيك

(5)

من الحاسد أنه يغتمُّ وقتَ سرورك. الفرصة سريعة الفَوْتِ بعيدةُ العَوْد. الأسرار إذا كثُر خُزَّانُها ازدادت ضياعًا. [ذلُّ]

(6)

العَزْل يضحك من تيه الولاية. الجَزَعُ أتعبُ من الصَّبر. لا تشِنْ وَجْهَ العَفْو بالتَّقريع. تَرِكةُ الميت عِزٌّ

(7)

للورثة.

ومن شعره في الحكم مما يناسب المعنى الأخير قوله:

سابِقْ إلى مالِكَ وُرَّاثَهُ

ما المرءُ في الدُّنيا بِلَبَّاثِ

كَمْ صامِتٍ

(8)

تُخنَقُ أكياسُهُ

قدْ صاح في ميزانِ مِيراثِ

(9)

وله

(10)

:

يا ذا الغنَى والسَّطْوةِ القاهِرَهْ

والدَّولةِ النَّاهيةِ الآمِرَه

ويا شياطينَ بني آدمٍ

ويا عَبيدَ الشَّهوةِ الفاجِرَهْ

(1)

في ط: كان شاعرًا مطيقًا فصيحًا بليغًا مطبقًا.

(2)

تكملة من المنتظم. وفي آ: خطاياه، وفي ظا: خطأ.

(3)

المنتظم: أرحله. و: ارتحل الحرص: جعله راحلة يركبها، كوسيلة إلى غرضه.

(4)

في ب، ظا: أقصاه الطلب، وفي المنتظم: أنضاه الطلب. وبعدها في ط: وروي: أنضاه الطلب، أي أضعفه، والأول معناه أمرضه.

(5)

في المنتظم: يشفيك.

(6)

زيادة من المنتظم.

(7)

في ب والمنتظم: عزاء. والمنتظم (6/ 84 - 85).

(8)

في ط: جامع يخنق، وليس بشيء. وفي آ: يخنق. و"الصامِت": الذهب والفضة.

(9)

البيتان في المنتظم (6/ 87)، ومعاهد التنصيص (2/ 46).

(10)

في آ، ظا: قوله. والأبيات في المنتظم (6/ 87).

ص: 398

انْتَظِروا الدّنيا فقد

(1)

اقتربَتْ

وعن قَليل تَلِدُ الآخِرَهْ

وله أيضًا

(2)

:

أعط يا نفْسُ وهاتي

توبةً قَبْلَ المَمَات

قَبْلَ أن يفجَعَنا الدَّهْـ

ـرُ بِبينٍ وشَتات

لا تخونيني إذا متُّ

وقامَتْ بي نُعاتي

(3)

إنَّما الوافي بعَهْدي

مَنْ وَفَى بَعْدَ وَفَاتي

(4)

وقال الصُّوفي: نظر ابن المعتزّ في حياة أبيه الخليفة إلى جاريةٍ فأعجبته، فمرض من حبِّها، فدخل أبوه عليه عائدًا، فقال له: كيف تجدُك؟ فأنشأ يقول:

أيُّها العاذِلون لا تعذُلوني

وانظروا حُسْنَ وَجْهِها تعذروني

وانظروا هل تَرَوْنَ أحسَنَ منها

إنْ رأيْتُم شبيهَها فاعذُلُوني

ففحص أبوه عن القضية، واستعمل خبرَ الجارية، ثم بعث إلى سيّدها فاشتراها بسبعة آلاف دينار، وبعثها إليه

(5)

.

وقد ذكرنا أنَّ في ربيع الأول من هذه السنة اجتمع القوّاد والأعيان والقضاة على خلْعِ المقتدر وتولية عبد اللّه بن المعتزّ هذا، ولقّب بالمرتضى، أو المنتصف باللّه. فما مكث في الخلافة إلا يومًا أو بعض يوم، ثم غلب المقتدر، وقتل عامَّةَ مَن خرج معه، واعتقله في دار السلطان عند مؤنس الخادم، فقُتِلَ في أوائل ربيع الآخر لليلتين خلتا منه.

ويقال: إنه أنشد في آخر يوم من حياته [وهو معتقل]

(6)

:

يا نفْسُ صَبْرًا لعلَّ الخيرَ عُقْبَاكِ

خانتكِ مِنْ بَعْدِ طُولِ الأمْنِ دنياكِ

مَرَّتْ بنا سَحَرًا طيرٌ فقلْتُ لها:

طُوبَاكِ يا ليتني إيَّاكِ طُوباكِ

إنْ كان قَصْدُكِ شَرْقًا فالسَّلامُ على

شاطِي الصّراةِ

(7)

ابلغي إنْ كانَ مسراكِ

(1)

في ط: وقد أدبرت، وفي المنتظم: فقد أقربت، وهما أصح في الوزن.

(2)

المنتظم (6/ 86).

(3)

في ب، ظا: نعياتي.

(4)

في آ: مماتي.

(5)

المنتظم (6/ 85) وفيه البيتان.

(6)

زيادة من ب، ظا. والأبيات في المنتظم (6/ 88)، ومعاهد التنصيص (2/ 45).

(7)

في معاهد التنصيص: الفرات .. مثواك.

ص: 399

مِن مُوثَقٍ بالمنايا لا فَكَاكَ لَهُ

يبكي الدِّماءَ على إلفٍ لهُ باكي

فرُبَّ آمنةٍ جاءتْ منيَّتُها

وَرُبَّ مُفْلتةٍ مِنْ بين أشراكِ

أظنُّهُ آخرَ الأيَّامِ من عُمُرِي

وأوشَكَ اليوم أن يبكي لِيَ الباكي

ولما قُدَّم ليقتل أنشأ يقول

(1)

:

فَقُلْ للشَّامِتينَ بنا رُوَيْدًا

أمَامَكمُ المصَائبُ والخُطُوبُ

هُوَ الدَّهْرُ الذي لا بُدَّ مِنْ أنْ

يَكُونَ إليكُمُ منهُ ذُنوبُ

ثم كان ظهور قتله لليلتين خلتا من ربيع الأول من هذه السنة.

وقد ذكر له القاضي ابن خلكان

(2)

مصنفات كثيرة؛ منها: "طبقات الشعراء" وكتاب"أشعار الملوك"، وكتاب "الآداب" وكتاب "البديع"، وكتاب "في

(3)

الغناء" وغير ذلك.

وذكر

(4)

أن طائفة من الأمراء خلعوا المقتدر وبايعوه يومًا وليلة، ثم تمزَّق

(5)

شمله، واختفى في بيت ابن الجصَّاص الجوهري، ثم ظهر عليه فقُتِلَ، وصُودر ابن الجصَّاص بألفي ألف دينار، وبقي معه سبعمئة ألف دينار.

وكان [ابن المعتز] أسمَرَ اللون، مدوَّر الوجه، يخضِبُ بالسَّواد، عاش خمسين سنة. وذكر

(6)

شيئًا من كلامه وأشعاره، رحمه الله.

محمد بن الحسين بن حبيب

(7)

: أبو حَصين الوادِعي القاضي، صاحب المسند، من أهالي الكوفة، وقدم بغداد، وحدَّث بها عن أحمد بن يونس [اليربوعيّ]

(8)

، ويحيى بن عبد الحميد، وجندل بن والق. وعنه: ابنُ صاعد، والنَّجَّاد، والمحاملي.

قال الدَّارَقُطْني: كان ثقة. توفي بالكوفة في هذه السنة.

محمد بن داود بن الجراح

(9)

: أبو عبد الله الكاتب، عم الوزير عليّ بن عيسى. كان من أعلم الناس

(1)

المنتظم (6/ 88).

(2)

وفيات الأعيان (3/ 77).

(3)

هو الجامع في الغناء كما في وفيات الأعيان، وشذرات الذهب.

(4)

وفيات الأعيان (3/ 76) مع اختلاف في اللفظ.

(5)

في ب، ظا: تفرَّق.

(6)

وفيات الأعيان (3/ 77 - 80).

(7)

المنتظم (6/ 88)، واللباب (3/ 344)، وشذرات الذهب (2/ 225).

(8)

زيادة من ط والمنتظم.

(9)

المنتظم (6/ 89)، العبر (2/ 114)، شذرات الذهب (2/ 225).

ص: 400

بالأخبار وأيام الخلفاء، له مصنفات في ذلك. روى عن عمر بن شَبَّة وغيره، وكانت وفاته في ربيع الأول منها، عن ثلاث وخمسين سنة.

‌ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومئتين

فيها: غزا القاسم بن سيما الصائفة، وفادى مؤنس الخادم الأسارى الذين بأيدي الروم.

وحكى ابن الجوزي

(1)

عن ثابت بن سنان: أنه رأى في أيام المقتدر ببغداد امرأةً بلا ذراعين ولا عضدين، وإنما كفاها ملصفان بكتفيها، لكن لا تعمل بهما شيئًا، وكانت تعمل برجليها

(2)

ما تعمله النساء بأيديهن؛ من الغزل ومشط الرأس وغير ذلك.

وتأخرت الأمطار عن بغداد في هذه السنة، وارتفعت الأسعار بها، وجاءت الأخبار بأن مكَّة - شرَّفها اللّه - جاءها سيل عظيم بحيث إن أركان البيت غرقت من السيول وإنَّ زمزم فاضت، ولم ير ذلك قبل هذه السنة.

وحجَّ بالناس الفضلُ بن عبد الملك الهاشميّ.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

محمّد بن داود بن علي

(3)

: أبو بكر الفقيه ابن الفقيه الظَّاهري، ابن الظَّاهري. كان عالمًا بارعًا أديبًا شاعرًا فقيهًا ماهرًا، وهو مصنف كتاب "الزّهرة".

اشتغل على أبيه، وتبعه في مذهبه، وما كان يسلكه ويختاره من الطريق ويرتضيه. وكان أبوه يحبُّه ويقرِّبه ويدنيه.

قال رويم بن محمد

(4)

: كنا يومًا عند داود إذ دخل عليه ابنه محمد باكيًا، فقال: ما لك؟ قال: إنَّ الصّبيان يلقِّبونني عصفورَ الشوك. فضحك أبوه، فاشتدَّ غضبُ ولده، وقال لأبيه: أنت أضرُّ عليَّ منهم، فضمَّه أبوه إليه، وقال: لا إله إلَّا اللّه! ما الألقاب إلَّا من السَّماء، ما أنت يا بنيَّ إلَّا عصفور الشوك.

ولما توفي أبوه جلس ابنه محمد هذا مكانه في الحلقة، فاستصغره الناس عن ذلك، فسأله سائل يومًا

(1)

المنتظم (6/ 89).

(2)

في المنتظم: برجليها ورأسها.

(3)

تاريخ بغداد (5/ 256)، المنتظم (6/ 93)، وفيات الأعيان (2/ 259)، سير أعلام النبلاء (13/ 109)، شذرات الذهب (2/ 226).

(4)

المنتظم (6/ 93).

ص: 401

عن حدِّ السُّكْر، فقال: إذا عَزَبَتْ عنه الهموم، وباح بسِرِّه المكتوم. فاستُحسن ذلك منه، وعظم في أعين الناس

(1)

.

قال ابنُ الجوزي في "المنتظم"

(2)

: وقد ابتُليَ بحبِّ صبيٍّ اسمه محمّد بن جامع، ويقال: محمد بن زخرف، فاستعمل العفافَ والدِّين، ولم يزل ذلك دأبه فيه حتى كان سبب وفاته من ذلك.

قلت: فدخل في الحديث المرويِّ عن ابن عباس موقوفًا عليه، ومرفوعًا عنه:"مَنْ عَشِقَ فكتَمَ فعَفَّ فماتَ ماتَ شهيدًا"

(3)

.

وقد قيل عنه: إنَّه كان يبيح العِشقَ، يعني: بشرط العفاف.

وحكى هو عن نفسه أنه لم يزل يتعشَّق منذ كان في الكتَّاب، وأنه صنف كتاب "الزَّهرة" في ذلك من صغره، وربَّما وقف أبوه داود على بعض ذلك.

وكان يتناظر هو وأبو العبَّاس بن سُرَيج كثيرًا بحضرة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فيتعجّب الناس من مناظرتهما وحسنهما. وقد قال له ابن سُرَيج يومًا في مناظرته: أنت بكتاب "الزّهرة" أشهر

(4)

منك بهذا. فقال له: تعيِّرني بكتاب "الزّهرة" وأنتَ لا تحسن تستتمُّ قراءته؛ وهو كتاب جمعناه هزلًا، فاجمع أنتَ مثلَه جدًّا.

وقال القاضي أبو عمر محمد بن يوسف: كنت يومًا أنا وأبو بكر بن داود راكبين فماذا جارية تغنِّي بشئ من شعره

(5)

:

أشْكُو غَلِيلَ فؤادٍ أنتَ مُتْلِفُهُ

شَكْوَى عَليلٍ إلى إلْفٍ يُعلِّلهُ

سُقْمي تَزيدُ على الأيَّامِ كَثْرَتُهُ

وأنْتَ في عُظْم مما ألْقَى تُقلِّلهُ

(1)

المنتظم (6/ 93)، سير أعلام النبلاء (13/ 109).

(2)

المنتظم (6/ 94)، وسير أعلام النبلاء (13/ 112).

(3)

هذا الحديث أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (5/ 156 و 262 و 6/ 50 و 51 و 13/ 184)، وابن عساكر وغيرهما، من طريق عن سويد بن سعيد الحدثاني، حَدَّثَنَا عليُّ بن مسهر، عن أبي يحيى القتات، واتفق الأئمة المتقدمون من أهل الحديث على تضعيف هذا الحديث، وأعلوه بسويد بن سعيد.

وله طريق آخر عن الخرائطي في اعتلال القلوب، وهي من رواية يعقوب بن عيسى، وهو ضعيف أيضًا، ضعفه أهل الحديث ونسبوه إلى الكذب.

قال السخاوي في المقاصد الحسنة صفحة (430): ورواه ابن المرزبان عن أبي بكر الأزرق، حَدَّثَنَا سويد به موقوفًا. وقال ابن المرزبان: إن شيخه كان حديثه مرفوعًا فعاتبه فيه، فأسقط الرفع، ثم صار بعد يرويه موقوفًا، وهو مما أنكره ابن معين وغيره على سويد. أقول: لم يصح مرفوعًا، ولا موقوفًا (ع).

(4)

في سير أعلام النبلاء: أمْهَرُ منك بهذه الطريقة.

(5)

الأبيات في المنتظم (6/ 94)، وسير أعلام النبلاء (13/ 112)، والوافي بالوفيات (3/ 58).

ص: 402

اللّهُ حَرَّمَ قتلي في الهَوَى أسَفًا

وأنْتَ يا قاتِلي ظُلْمًا تُحلِّلهُ

فقال أبو بكر محمد بن داود: كيفَ السَّبيل إلى استرجاع هذا؟ فقلت: هيهات! سارت به الركبان

(1)

.

كانت وفاة محمد بن داود رحمه اللّه تعالى في رمضان من هذه السنة. وجلس ابن سُرَيج لعزاه، وقال: ما آسى إِلَّا على التراب الذي أكل لسان محمد بن داود، رحمه اللّه تعالى

(2)

.

محمد بن عثمان بن أبي شَيْبَة

(3)

: أبو جعفر، حدَّث عن يحيى بن مَعين، وعلي بن المَديني، وخَلْقٍ. وعنه: ابنُ صاعد، والخُلْدي، والبَاغَنْدِيّ، وغيرهم. وله كتاب في التاريخ وغيره من المصنفات، وقد وثَّقَه صالح بن محمد جَزَرة وغيره. وكذَّبه عبد اللّه بن الإمام أحمد، فقال: هو كذاب بيِّن

(4)

الأمر، وتعجَّب ممن يروي عنه. كانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة.

محمد بن طاهر بن عبد الله بن الحسين بن مُصْعَب

(5)

: من بيت الإمارة والحشمة، باشَرَ نيابة العراق مدة [ثم خراسان]

(6)

، ثم ظفر به يعقوب بن الليث في سنة ثمان وخمسين، فأسره وبقي معه يطوف به في الآفاق أربع سنين، ثم نجا في بعض الوقَعات

(7)

بنفسه، ولم يزل مقيمًا ببغداد إلى أن توفي في هذه السنة.

موسى بن إسحاق

(8)

: ابن موسى بن عبد اللّه أبو بكر الأنصاري الخَطْمِي، مولده سنة عشر ومئتين، سمع أباه، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الجَعْد، وغيرهم. وحدَّث عنه النَّاس وهو شاب وقرؤوا عليه القرآن. وكان ينتحِلُ مَذهَب الشافعي، وولي قضاء الزيّ والأهواز. وكان ثقة فاضلًا نبيلًا عفيفًا فصيحًا، كثير الحديث. وتوفي في المحرم من هذه السنة.

يوسف بن يعقوب

(9)

: ابن إسماعيل بن حمّاد بن زيد، والد القاضي أبي عمرو محمد بن يوسف،

(1)

تاريخ بغداد (5/ 258).

(2)

تاريخ بغداد (5/ 259)، سير أعلام النبلاء (13/ 112).

(3)

تاريخ بغداد (3/ 42)، المنتظم (6/ 95)، تذكرة الحفاظ (2/ 661)، سير أعلام النبلاء (14/ 21)، الوافي بالوفيات (4/ 82)، طبقات الحفاظ (287)، شذرات الذهب (2/ 226).

(4)

قوله: بيِّن الأمر لم يرد في آ، وأثبته من ط والمنتظم. وهو في ب، ظا: سيئ الأمر.

(5)

تاريخ بغداد (5/ 377)، المنتظم (6/ 96)، الوافي بالوفيات (3/ 165).

(6)

زيادة من ط.

(7)

في آ: الأوقات.

(8)

تاريخ بغداد (13/ 52)، المنتظم (6/ 96)، تذكرة الحفاظ (2/ 668)، سير أعلام النبلاء (13/ 579)، طبقات الحفاظ (291)، شذرات الذهب (2/ 226).

(9)

تاريخ بغداد (14/ 310)، المنتظم (6/ 96)، سير أعلام النبلاء (14/ 85)، طبقات الحفاظ (287)، شذرات الذهب (2/ 227).

ص: 403

قاتل الحلاج، وكان يوسف بن يعقوب هذا أيضًا من أكابر القضاة وأعيان العلماء. ولد سنة ثمان ومئتين. وسمع سليمان بن حَرْب، وعمرو بن مَرزوق، وهُدْبَة، ومُسَدّدًا، وغيرهم.

وكان ثقة، قد ولي قضاء البصرة وواسط والجانب الشرقي من بغداد، وكان ثقة، نزهًا، عفيفًا، شديد الحرمة، جاءه يومًا بعضُ خدم الخليفة المعتضد فترفَّع

(1)

في المجلس [على خصمه]

(2)

، فأمره حاجب القاضي أن يساويَ خصمَه، فامتنع إدلالًا بجاهه عند الخليفة، فنهره

(3)

القاضي، وقال: ائتوني بدلال النخس حتى أبيعَ هذا العبدَ وأبعثَ بثمنه إلى الخليفة، وجاء حاجب القاضي فأخذه بيده وأجلسه مع خصمه، فلمَّا انقضت الحكومة رجع الخادم إلى المعتضد فبكى بين يديه، وأخبره بما قال القاضي.

فقال: واللّهِ لو باعك لأجزْتُ بيعه، ولما استرجعتك أبدًا، فليس خصوصيتك عندي تزيل مرتبة الحكم؛ فإنَّه عمود السُّلطان وقوام الأديان

(4)

. كانت وفاته في رمضان من هذه السنة.

‌ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومئتين

فيها: قدم القاسم بن سيما من بلاد الروم، فدخل بغداد ومعه الأسارى والعُلُوجْ

(5)

بأيديهم أعلام عليها صلبان من ذهب، وخلق من الأسارى.

وفيها: قدمت [على الخليفة المقتدر باللّه]

(6)

هدايا من نائب خراسان أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني؛ من ذلك: مئة وعشرون غلامًا بمراكبهم وأسلحتهم وما يحتاجون إليه، وخمسون بازيًا، وخمسون جملًا تحمل مرتفع الثياب، وخمسون رطلًا من مسك.

وفيها: فلج القاضي عبد اللّه بن عليّ بن محمّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، فقُلّد مكانه على الجانب الشرقي والكَرْخ ابنه محمد.

وفي شعبان منها أخذ رجلان يقال لأحدهما: أبو كبيرة

(7)

والآخر يعرف بالشمري. فذكرا أنهما من أصحاب رجل يقال له: محمد بن بشر، وأنه يدَّعي الربوبية، لعنهم الله تعالى.

(1)

في آ: فرفع، وفي المنتظم: فارتفع.

(2)

زيادة من ط.

(3)

في آ: فزبره.

(4)

المنتظم (6/ 96 - 97).

(5)

"العُلوج": جمع عِلْج، وهو الواحد من الكفار.

(6)

زيادة من ب، ظا.

(7)

في الأصول غير معجمة، وفي المنتظم: أبو كثيرة، والمثبت من ط.

ص: 404

وفيها: وردت الأخبار أنَّ الروم قصدت اللاذقية.

وفيها: وردت الأخبار بأن ريحًا صفراء هبَّت بحديثة الموصل، فمات من حرِّها خَلْق كثير.

وحجَّ بالناس الفضل الهاشميّ.

‌وممن توفي فيها من الأعيان المشاهير:

ابن الرَّاوَنْديّ

(1)

: أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسين، المعروف بابن الرَّاوندي، أحد مشاهير الزَّنادقة الملحدين، عليه اللعنة من رب العالمين. كان أبوه يهوديًا فأظهر الإسلام، فيقال: إنه حرَّف في التوارة، كما عادَى ابنُه القرآن وألحَدَ فيه، وصنَّف كتابًا في الرَّدِّ على القرآن سمَّاه "الدامغ"، وكتابًا في الرَّدِّ على الشريعة والاعتراض عليها سمَّاه "الزُّمرّد"

(2)

، وله كتاب "التاج" في معنى ذلك، وكتاب "الفريد"، وكتاب "إمامة المفضول".

وقد انتصب للردِّ عليه في كتبه هذه جماعة؛ منهم: الشيخ أبو علي محمّد بن عبد الوهاب الجُبَّائي، شيخ المعتزلة في زمانه، وقد أجاد

(3)

في ذلك. وكذلك ولده أبو هاشم عبد السَّلام بن أبي علي.

قال الشيخ أبو علي الجُبَّائي: قرأت كتاب الملحد الجاهل السفيه ابن الرَّاونديّ، فلم أجد فيه إِلَّا السفَهَ والكذبَ والافتراءَ، قال: وقد وضع كتابًا في قِدَم العالَم ونفي الصانع، وتصحيح مذهب الدَّهر، والرَّدِّ على أهل التوحيد. ووضع كتابًا في الرَّدِّ على محمد صلى الله عليه وسلم في سبعة عشر موضعًا من كتابه، ونسبه إلى الكذب، وطعن على القرآن، ووضع كتابًا لليهود والنصارى على المسلمين، يحتجُّ لهم فيها على إبطال نبوَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الكتب التي يتبين بها خروجه عن الإسلام؛ نقله ابنُ الجوزيّ

(4)

.

وقد أورد الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في "منتظمه"

(5)

طرفًا من كلامه الملعون في الطعن على الآيات والشريعة؛ وردَّ عليه في ذلك، وهو أقلُّ وأخسُّ من أن يلتفت إلى شيء من جهله وهذيانه وسفهه وخذلانه وتمويهه وترويجه وطغيانه. وقد أسند إليه حكايات من المسخرة

(6)

والاستهتار والكفريات الكبار؛ منها ما هو صحيح عنه، ومنها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثله، وعلى مسلكه في الكفر والتستر

(1)

المنتظم (6/ 99)، وفيات الأعيان (1/ 94)، سير أعلام النبلاء (14/ 59)، الوافي بالوفيات (8/ 232)، النجوم الزاهرة (3/ 175)، شذرات الذهب (2/ 235).

(2)

في ط والسير: الزُّمرُّدَة.

(3)

في آ: صنف.

(4)

المنتظم (6/ 101).

(5)

المنتظم (6/ 101 - 105).

(6)

تقرأ في الأصول: المرعزة، وأثبت ما جاء في ط.

ص: 405

بالمسخرة

(1)

، وقد قال الله تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 65، 66]. الآية.

وقد كان أبو عيسى الورَّاق مصاحبًا لابن الرَّاوندي هذا، بَّحهما اللّه، فلمَّا علم الناس بأمرهما طلب السُّلطانُ أبا عيسى فأودِعَ السجن إلى أن مات. وأمَّا ابنُ الرَّاوندي فهرب ولجأ إلى ابن لاوي اليهودي، وصنَّف له كتابه الذي سماه "الدامغ للقرآن"، فلم يلبث إِلَّا أيامًا يسيرة حتى مات، لعنه اللّه. ويقال: إنه أخذ وصُلب.

قال أبو الوفاء بن عَقيل

(2)

: ورأيت في كتاب محقَّق أنه عاش ستًا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغّل في المخازي، لعنه الله وقبَّحه، ولا رحم عظامه.

وقد ذكره القاضي ابن خلكان في "الوفيات"

(3)

ودلّس عليه

(4)

، ولم يخرجه بشيء

(5)

، وأرَّخ وفاته في سنة خمس وأربعين ومئتين.

الجُنَيْد شيخ الصوفية، رحمه الله

(6)

: الجُنَيْد بن محمد بن الجُنَيْد، أبو القاسم الخزَّاز، ويقال: القَوارِيري، أصله من نَهاوَنْد، ولد ببغداد ونشأ بها. وسمع الحديث من الحسن

(7)

بن عَرَفَة. وتفقَه بأبي ثَور إبراهيم بن خالد الكلبي، وكان يفتي بحضرته وعمره عشرون سنة، وقد ذكرناه في "طبقات الشافعية"، واشتهر بصحبة الحارث بن أسد المُحاسبي، وخاله سَرِيَّ السَّقطي، ولازم التعبُّد

(8)

، وتكلم على طريقة التصوف.

(1)

بعدها في ط: يخرجونها في قوالب مسخرة وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة، وهذا كثير موجود فيمن يدعي الإسلام وهو منافق، يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم

(2)

المنتظم (6/ 105).

(3)

وفيات الأعيان (1/ 94 - 95).

(4)

في ب، ظا، ط: قلس. و "التدليس": كتمان العيب.

(5)

بعدها في ط: ولا كأن الكلب أكل له عجينًا، على عادته في العلماء والشعراء؛ فالشعراء يطيل تراجمهم، والعلماء يذكر بهم ترجمة يسيرة، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم. وأرخ ابن خلكان تاريخ وفاته سنة خمس وأربعين ومئتين، وقد وهم وهمًا فاحشًا، والصحيح أنه توفي في هذه السنة، كما أرخه ابن الجوزي وغيره.

(6)

حلية الأولياء (10/ 255)، تاريخ بغداد (7/ 241)، المنتظم (6/ 105)، صفة الصفوة (2/ 416)، وفيات الأعيان (1/ 373)، سير أعلام النبلاء (14/ 66)، طبقات الشافعية للسبكي (2/ 260)، شذرات الذهب (2/ 228).

(7)

في ط: "الحسين" محرف، وهو من رجال التهذيب، وصاحب الجزء المشهور.

(8)

بعدها في ط: ففتح اللّه عليه بسبب ذلك علومًا كثيرة.

ص: 406

وكان ورده في كلِّ يوم ثلاثمئة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة

(1)

. ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، وكان مع ذلك يعرف سائر فنون العلم

(2)

، رحمه الله.

ولما حضرته الوفاة جعل يتلو القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك؟ فقال: ما أحدٌ أحوج إلى ذلك منّي الآن، وهذا أوان طيّ صحيفتي.

قال القاضي ابن خلكان

(3)

: أخذ الفقه عن أبي ثَور، صاحب الشافعي، ويقال: كان يتفقه على مذهب الثوري، وكان ابن سُرَيج يصحبه ويلازمه، [وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال، ويقال: إنه سأله مرة عن مسألة، فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم! لم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت، فأعِدْها عليَّ، فأعادها بجوابات أخرى كثيرة. فقال: واللّه ما سمعت هذا قبل اليوم، فأعده. فأعاده بجوابات أخرى غير ذلك، فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمْلِهِ عليَّ حتى أكتبه. فقال الجُنَيْد: لئن كنت أجريه فأنا أمليه، أي إن اللّه هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به لساني، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلُّم، وإنما هذا من فضل اللّه عز وجل يلهمنيه ويجريه على لساني. فقال: فمن أين استفدت هذا العلم؟ قال: من جلوسي بين يدي اللّه أربعين سنة. والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه، واللّه أعلم]

(4)

.

قبل

(5)

: وسئل الجُنَيْد عن العارف؟ فقال: مَنْ نطق بسرّك وأنت ساكت. كان يقول: مذهبنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنة، [فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يُقْتَدَى به في مذهبنا وطريقتنا]

(6)

.

ورأى بعضهم معه مِسْبَحَة، فقيل له: أتتخذ مِسْبَحَة مع شرفك؟ فقال: طريقٌ وصلت به إلى اللّه لا أفارقه.

وقال له خاله سَرِيُّ الشَقَطي: تكلم على الناس، فلم ير نفسه لذلك أهلًا

(7)

. فرأى في النوم رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: تكلم على الناس. فغدا على خاله، فقال له خاله

(8)

: لم تصدقنا حتى قيل

(1)

المنتظم (6/ 106).

(2)

بعدها في ط، وإذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوهًا كثيرة لم تخطر للعلماء ببال، وكذلك التصوف وغيره.

(3)

وفيات الأعيان (1/ 373).

(4)

ما بين قوسين لم يرد في الأصول ولا في الوفيات، وهي من زيادات المطبوع.

(5)

وفيات الأعيان (1/ 373).

(6)

زيادة من ط.

(7)

في ب، ظا، ط: موضعًا.

(8)

لفظة خاله لم ترد في ب، ظا، ط.

ص: 407

لك. قال: فتكلم على الناس، فجاءه يومًا شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: ما معنى قول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا فَرَاسَة المُؤْمِنِ فإنَّه يَنْظُرُ بِنُورِ اللّهِ"

(1)

؟ قال: فأطرقت، ثم رفعت رأسي إليه، فقلت له: أسلِمْ، فقد آن وقت إسلامك. قال: فأسلَمَ الغلام

(2)

.

وقال الجُنَيْد: ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها من جاريةِ تغنِّي بها في غرفة، وهي تقول

(3)

:

إذا قُلْتُ أهْدَى الهَجْرُ لي حُلَلَ البِلى

تَقُولينَ لولا الهَجْرُ لم يَطِبِ الحُبُّ

وإن قلْتُ هذا القلبُ أحرَقَهُ الجَوَى

تقولي بنيرانِ الجَوَى شَرُفَ القَلْبُ

وإن قلْتُ ما أذنبْتُ، قالَتْ مُجيبةً

حياتُكَ ذَنْبٌ لا يُقاسُ به ذَنْبُ

قال: فصعقْتُ وصحْتُ، فخرَجَ صاحبُ الدَّار، فقال: يا سيدي، ما لَكَ؟ قلت: مما سمعت. قال: هي هبة منّي إليك. فقلت: قد قبلْتُها، وهي حُرَّة لوجه الله. ثم زوَّجتُها لرجل، فأولدها ولدًا صالحًا، حجَّ على قدميه ثلاثين حجة.

سعيد بن إسماعيل

(4)

: ابن سعيد بن منصور، أبو عثمان الواعظ. ولد بالرَّيِّ، ونشأ بها، ثم انتقل إلى نَيْسَابور فسكنها إلى أن مات، وقد دخل بغداد. وكان يقال: إنه مجاب الدعوة.

قال الخطيب

(5)

: أخبرنا عبد الكريم بن هوازن، قال: سمعت أبا عثمان يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حالٍ كرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته.

وكان أبو عثمان ينشد

(6)

:

أسأتُ ولم أحسِنْ، وجئتُكَ هاربًا

وأينَ لِعَبْدٍ من مَوَالِيهِ مَهربُ؟

يؤمِّلُ غُفرانًا، فإنْ خَابَ ظنُّه

فما أحَدٌ منهُ على الأرضِ أخْيَبُ

(1)

رواه الترمذي في سننه رقم (3127) في التفسير، تفسير سورة الحجر، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفي سنده عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف، ورواه أيضًا البخاري في تاريخه عن عطية أيضًا، ورواه الطبراني وابن عدي عن أبي أمامة، وابن جرير عن ابن عمر، وكلها ضعيفة، وهو في المقاصد الحسنة صفحة (19).

(2)

شذرات الذهب (3/ 416 - 417).

(3)

شذرات الذهب (3/ 417 - 418)، وفيات الأعيان (1/ 374).

(4)

طبقات الصوفية (170)، حلية الأولياء (10/ 244)، تاريخ بغداد (9/ 99)، المنتظم (6/ 106)، صفة الصفوة (4/ 103)، وفيات الأعيان (2/ 369)، سير أعلام النبلاء (14/ 62)، شذرات الذهب (2/ 230).

(5)

تاريخ بغداد (9/ 101)، المنتظم (6/ 107).

(6)

المنتظم (6/ 107).

ص: 408

وروى الخطيب

(1)

عنه أنه سئل: أي أعمالك أرجى عندك؟ فقال: إنِّي لمَّا ترعرعْتُ وأنا بالرَّيِّ وكانوا يريدونني على التزويج فأمتنع، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبًّا أذهب نومي وقراري، وأنا أسألك بمقلِّب القلوب [وأتوسَّل به إليك]

(2)

لما تزوجتني. فقلت: ألكِ والد؟ قالت: نعم. فأحضرته، فاستدعى بالشهود فتزوجتها، فلما خلوْتُ بها إذا هي عوراء عَرْجاء، مشوَّهة الخَلْق، فقلت: اللهم لك الحمدُ على ما قدَّرته لي، وكان أهلي

(3)

يلومونني على تزويجي بها، فكنت أزيدها [بِرًّا و]

(4)

إكرامًا، وربما احتبستني عندها ومنعتني من الحضور في بعض المجالس، وكأني في بعض أوقاتي على الجمر، وأنا لا أبدي لها من ذلك شيئًا. فمكثتُ كذلك خمس عشرة سنة، فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.

سمنون بن حَمزة

(5)

: ويقال: ابن عبد اللّه، أحد مشايخ الصوفية، كان وِرْدُه في كلِّ يومٍ وليلة خمسمئة ركعة، وسمَّى نفسه الكذَّاب، لدعواه في قوله

(6)

:

فليس لي في سِوَاك حَظٌ

فكيفما شئتَ فامتَحِنِّي

فابتلي بحصار

(7)

البول فكان يدور على المكاتب ويقول للصبيان: ادعوا لعمّكم الكذَّاب، وكان له كلام متين في المحئة، وقد وُسوِسَ في آخر عمره، وكلامه في المحبة مستقيم كما كان.

صافي الحرمي

(8)

: من أكابر أمراء الدولة العباسية ورؤوس الدولة المقتدرية. أوصى في مرضه أن ليس له عند غلامه القاسم شيء، فلمَّا توفي حَمَلَ غلامُه القاسمُ إلى الوزير مئة ألف دينار وسبعمئة وعشرين منطقة من ذهب مكلَّلة، فاستمرَّ غلامُه على إمرته ومنزلته.

إسحاق بن حُنَيْن بن إسحاق

(9)

: أبو يعقوب العِبَادي، نسبة إلى قبائل الجزيرة. الطبيب بن الطبيب، له ولأبيه مصنَّفات كثيرة في هذا الشان، وكان أبوه يعرب كلام أرسطاطاليس وغيره من حكماء اليونان. توفي في هذه السنة.

(1)

تاريخ بغداد (9/ 101)، والمنتظم (6/ 107).

(2)

زيادة من ط.

(3)

في ط: أهل بيتي.

(4)

زيادة من ط.

(5)

حلية الأولياء (10/ 309)، تاريخ بغداد (9/ 234)، المنتظم (6/ 108)، صفة الصفوة (2/ 426).

(6)

المنتظم (6/ 108)، حلية الأولياء (10/ 310)، تاريخ بغداد (9/ 235).

(7)

في ب، ط: بعسر البول.

(8)

المنتظم (6/ 108).

(9)

طبقات الأطباء (1/ 201)، والفهرست (1/ 298)، ووفيات الأعيان (1/ 205).

ص: 409

الحسين بن أحمد بن محمّد بن زكريّا

(1)

: أبو عبد اللّه الشِّيعي، الذي أقام الدعوة للمهديّ، عُبَيْد اللّه بن مَيْمون الذي يزعم أنه فاطميّ، وقد زعم غيرُ واحد من أهل التاريخ أنه كان يهوديًا صبّاغًا بسلمية.

والمقصود الآن: أن أبا عبد اللّه الشيعيّ هذا دخل بلاد إفريقية وحدَه لا مال معه ولا رجال، فلم يزل يعمل الحيلة حتى انتزع الملك من يدي أبي نَصْر زيادة اللّه، آخر ملوك بني الأغلب على بلاد إفريقية، واستدعى حينئذ مخدومَه المهديَّ من بلاد الشرق، فقدِمَ، فلم يخلص إليه إِلَّا بعد شدائدَ طوال، وحُبس في أثناء الطريق، فاستنقذه الشِّيعي وسفَمه المملكة، فندّمه أخوه أحمد، وقال له: ماذا صنعتَ؟ وهلا

(2)

كنت أنا استبددت بالأمر دون هذا؟ فندم، وشَرَعَ يعمل الحيلة على المهديّ، فاستشعر المهديُّ بذلك، فدسَّ إليهما مَنْ قتلهما في هذه السنة. وكان قَتْلُهما بمدينة رَقَّادة من بلاد القَيْروان، من إقليم إفريقية. هذا ملخص من كلام ابن خلكان

(3)

.

‌ثمّ دخلت سنة تسع وتسعين ومئتين

قال ابن الجوزي

(4)

: فيها ظهرت ثلاثة كواكب مذنبة؛ أحدها في رمضان، واثنان

(5)

في ذي القعدة، تبقى أيامًا ثم تضمحل.

ووقع طاعون بأرض فارس مات بسببه سبعة آلاف إنسان.

وغضب الخليفة على الوزير عليّ بن محمّد بن الفرات، وعزله عن الوزارة، وأمر بنهب دوره

(6)

، فنهبت أقبح نهب. واستُوزر أبو علي محمّد بن عُبيد الله

(7)

بن يحيى بن خاقان، وكان قد التزم لأم المقتدر

(8)

بمئة ألف دينار، حتى سعت في ولايته.

(1)

وفيات الأعيان (2/ 192)، سير أعلام النبلاء (14/ 58)، العبر (2/ 110)، الوافي بالوفيات (12/ 328)، شذرات الذهب (2/ 227).

(2)

في آ: وهلا كنت ذلك، فدس

(3)

وفيات الأعيان (2/ 192 - 194). و "رقَاده": مدينة من أعمال القيروان.

(4)

المنتظم (6/ 109).

(5)

في آ: والثاني.

(6)

في آ، ط: داره، والمثبت من ب، ظا، والمنتظم.

(7)

في "عبد الله" محرف. وينظر سير أعلام النبلاء (14/ 474).

(8)

في آ، ط والمنتظم: لأم ولد المعتضد، وهو تحريف، وصححت من ب، ظا. وهي: شغب، أم جعفر، المقتدر باللّه، كانت من جواري المعتضد بالله، وأعتقها وتزوجها، ولما آلت الخلافة إلى ابنها المقتدر سنة 295 هـ، وعمره ثلاث عشرة سنة، قامت بتوجيهه، واستولت على أمور الخلافة.

ص: 410

وفيها: وردت هدايا كثيرة من الأقاليم من ديار مصر وخراسان وغيرها؛ من ذلك خمسمئة ألف دينار من الديار المصرية استخرجت من كنز وجد هنالك من غير موانع، كما يدَّعيه كثير من جهلة بني آدم، حيلة ومكرًا وخديعة؛ ليأكلوا أموال العوام

(1)

والجهلة الطغام من قليلي العقول والأحلام، وقد وجد في هذا الكنز ضلع إنسان طوله أربعة

(2)

عشر شبرًا، وعرضه شبر، وذكر أنه من قوم عاد، فاللّه أعلم.

وكان من جملة هدية مصر تيس له ضرع يحلب لبنًا. ومن ذلك بساط أرسله ابن أبي السَّاج [في جملة هداياه]

(3)

، طوله سبعون ذراعًا وعرضه ستون ذراعًا، عُمِل في عشر سنين لا قيمة له. وهدايا فاخرة أرسلها أحمد بن إسماعيل بن أحمد السَّاماني من بلاد خراسان كثيرة جدًّا.

وحجَّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي، أمير الحجيج من مدة سنين متطاولة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن نَصْر بن إبراهيم أبو عمرو الخَفَّاف

(4)

: الحافظ. كان يذاكر بمئة ألف حديث، سمع إسحاق بن رَاهَوَيْه وطبقته، وكان كثير الصّيام، سرده نيفًا وثلاثين سنة، وكثير الصدقة، سأله سائل فأعطاه درهمين، فحمد اللّه فجعلها خمسةً، فحمد اللّه فجعلها عشرة، ثم ما زال يزيده حتى بلغ مئة. فقال: جَعَلَ اللّه عليك واقيةً باقية! فقال للسائل: والله لو لزمت الحمدَ لأزيدنَّك، ولو إلى عشرة آلاف درهم.

بُهْلُول بن إسحاق بن بهلُول

(5)

: ابن حسَّان بن سنان، أبو محمّد التَّنُوخيّ. سمع إسماعيل بن أبي أُوَيْس، وسعيد بن منصور، ومصعبًا الزبيري وغيرهم. وعنه جماعة آخرهم أبو بكر [الإسماعيلي]

(6)

الجرجاني الحافظ، وكان ثقة، ضابطًا، بليغًا، فصيحًا في خطبته. توفي في هذه السنة عن خمس وتسعين سنة، رحمه الله، آمين.

الحسين

(7)

بن عبد اللّه أحمد أبو علي الخِرَقي

(8)

: صاحب المختصر في الفقه على مذهب الإمام

(1)

في آ: الأغشام.

(2)

في ط: أربعة أشبار.

(3)

ما بين قوسين لم يرد في آ.

(4)

المنتظم (6/ 110)، تذكرة الحفاظ (2/ 654)، سير أعلام النبلاء (13/ 560)، شذرات الذهب (2/ 231).

(5)

تاريخ بغداد (7/ 109)، المنتظم (6/ 110)، سير أعلام النبلاء (13/ 535)، شذرات الذهب (2/ 228).

(6)

زيادة من ط والمنتظم.

(7)

من هنا وحتى بداية ترجمة الصنوبري بعد أربع صفحات ساقط من نسخة آ، وهو موجود في ب، ظا، ط.

(8)

المنتظم (6/ 111)، اللباب (1/ 435)، وفيهما: أبو علي الخرقي، والد عمر صاحب المختصر.

ص: 411

أحمد بن حنبل. وكان خليفة المروذيّ. توفي يوم عيد الفطر، ودفن عند قبر [الإمام]

(1)

أحمد [بن حنبل]

(2)

.

محمد بن إسماعيل أبو عبد الله المغربيّ

(3)

: تلميذ علي بن رزين، وهو أستاذ إبراهيم الخوّاص، كانت له أحوال صالحة جدًّا، وقد عمّر هو وشيخه كل واحد منهما عشرين ومئة سنة.

وحجّ أبو عبد الله المغربيّ على قدميه سبعًا وتسعين حجّة، وكان يمشي في الليل المظلم حافيًا كما يمشي الرجل في ضوء النهار، وكان المشاة يأتمُّون به فيرشدهم إلى الطريق، وقال: ما رأيت ظلمة منذ سنين كثيرة، وكانت قدماه مع كثرة مشيه كأنهما قدما عروس مترفة، وله كلامٌ مليحٌ نافع. ولما مات أوصى أن يُدفن إلى جانب شيخه على بن رزين، [فهما]

(4)

على جبل الطور.

[قال أبو نعيم

(5)

: كان أبو عبد اللّه المغربيّ من المعمّرين، توفي عن مئة وعشرين سنة، وقبره بجبل طور سيناء، عند قبر أستاذه عليّ بن رزين. قال أبو عبد الله: أفضلُ الأعمال عمارة الأوقات [بالموافقات]. وقال: الفقيرُ هو الذي لا يرجع إلى مستند في الكون غير الالتجاء إلى من إليه فقرُه؛ ليعينه بالاستعانة

(6)

، كما عزره بالافتقار إليه. وقال: أعظمُ النَّاس ذلًا فقيرٌ داهَنَ غنيًا وتواضع له، وأعظمُ النَّاس عزًّا غنيٌّ تذلَّلَ لفقيرٍ أو حفظ حرمته]

(7)

.

محمد بن أبي بكر بن أبي خَيْثَمة

(8)

: أبو عبد اللّه الحافظ، ابن الحافظ. كان أبوه يستعين به في جمع التاريخ، وكان فهمًا حاذقًا عارفًا حافظًا، توفي في ذي القعدة من هذه السنة.

ابن كيْسان النَّحويّ

(9)

: محمد بن أحمد بن كيْسان النّحويّ. أحد حفاظه والمكثرين فيه، كان يحفظ طريقة البصريين والكوفيين معًا. قال ابن مجاهد المقرئ: كان ابن كيْسان أنحى من الشيخين؛ المبرّد وثعلب.

(1)

زيادة من ط، وفي المنتظم: دفن بباب حرب عند قبر الإمام أحمد بن حنبل.

(2)

زيادة من (ط)

(3)

المنتظم (6/ 113)، وطبقات الصوفية (238)، وحلية الأولياء (10/ 335).

(4)

زيادة من ط.

(5)

حلية الأولياء (10/ 335) والزيادة منه. وطبقات الصوفية للسلمي (240 - 241).

(6)

في الحلية: بالاستغناء به.

(7)

ما بين قوسين زيد في المطبوع نقلًا عن النسخة المصرية.

(8)

المنتظم (6/ 113)، تذكرة الحفاظ (2/ 742).

(9)

المنتظم (6/ 114)، معجم الأدباء (17/ 137)، العبر (2/ 113).

ص: 412

محمد بن يحيى

(1)

: أبو سعيد، سكن دمشق، روى عن إبراهيم بن سعيد الجَوهريّ، وأحمد بن منيع، وابن أبي شيبة وغيرهم. روى عنه أبو بكرة النقَّاش وغيره. وكان يُعرف محمد بن يحيى هذا بحامل كفنه، وسبب ذلك ما ذكره الخطيب

(2)

البغدادي، قال:

بلغني: أنَّه تُوفِّي فغسِّل وكُفِّن وصُلِّيَ عليه ودُفن، فلمَّا كان الليل جاءه نبَّاش، ففتح عليه قبره. فلمَّا حلَّ عنه كفنه استوى جالسًا، وفرَّ النبَّاش [هاربًا من الفزع]

(3)

، ونهض محمد بن يحيى هذا، وأخذ معه كفنه وخرج من القبر، وقصد منزله، فوجد أهله وهم يبكون عليه، فدقَّ عليهم الباب، فقالوا: من هذا؟ فقال: أنا فلان. فقالوا: يا هذا، لا يحلُّ لك أن تزيدنا حزنًا إلى حزننا. فقال: افتحوا، فواللّه أنا فلان، فعرفوا صوته، وفتحوا له، فلما رأوه فرحوا به فرحًا شديدًا [وأبدل اللّه حزنهم سرورًا]

(4)

، وذكر لهم ما كان من أمره. وكأنه كان قد أصابته سكتة، ولم يكن قد مات حقيقة، فقدَّر اللّه بحوله وقدرته وقوَّته له هذا النبَّاش، ففتح عليه قبره، فكان ذلك سبب حياته بعد ذلك مدة، ثم كانت وفاته في هذه السنة.

فاطمة القهرمانة

(5)

: غضب عليها المقتدِرُ مرَّة فصادرها، فكان في جملة ما أخذ منها مئتا ألف دينار، ثم غرقت في طيارة

(6)

لها في هذه السنة.

‌ثم دخلت سنة ثلثمئة من الهجرة النبوية

فيها: كثر ماء دجلة وتراكمت الأمطار ببغداد، وتناثرت نجومٌ كثيرة في ليلة الأربعاء لسبعٍ بقين من جمادى الآخرة.

وفيه: كثرت الأمراض ببغداد والأسقام والآلام، وكلِبَت الكلاب، حتى الذّئاب بالبادية، وكانت تقصد الناس والبهائم، فمن عضَّته أهلكته.

وفيها: انحسر جبلٌ بالدِّينَور يعرف بالتل، فخرج من تحته ماء عظيم غرّق عِدَّةً من القرى.

وفيها: سقطت شِرْذِمة من جبل لبنان إلى البحر.

(1)

تاريخ بغداد (3/ 423)، والمنتظم (6/ 114).

(2)

تاريخ بغداد (3/ 424).

(3)

زيادة من ط، وفي تاريخ بغداد هاربًا منه وعاد حزنهم فرحًا.

(4)

زيادة من ط.

(5)

هذه الترجمة سقطت من ظا، وهي ساقطة من نسخة (آ)، وهي في ب، ط. المنتظم (6/ 112).

(6)

في المنتظم: ركبت في طيارها في آخر شعبان، فغرقت تحت الجسر في يوم ريح عاصف، وأخرجت بعد يومين.

ص: 413

وفيها: حملت بَغْلَةٌ ووضعَتْ مُهْرَة.

وفيها: صُلب الحسين بن منصور الحلاج

(1)

وهو حي أربعة أيام؛ يومين في الجانب الشرقي، ويومين في الجانب الغربي، وذلك في ربيع الأول منها.

وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميّ العباسيّ، أثابه اللّه وتقبَّل منه.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الأحوص بن المفضّل

(2)

: ابن غسان بن المفضل بن معاوية بن خالد بن غلاب، أبو أمية الغلابي، القاضي بالبصرة وغيرها، روى عن أبيه "التاريخ". استتر عنده مرّة ابنُ الفرات، فلمَّا أعيد إلى الوزارة ولاه قضاءَ البصرة والأهواز وواسط.

وكان عفيفًا نزهًا، فلمَّا نُكب ابنُ الفرات قبض عليه نائبُ البصرة فأودعه السجن، فلم يزل به حتى مات فيه.

قال ابن الجوزي

(3)

: ولا نعلم قاضيًا مات في السجن سواه.

عُبَيْد الله بن عبد اللّه بن طاهر

(4)

: ابن الحسين بن مصعب، أبو أحمد الخُزَاعي، ولي إمرة بغداد. وحدَّث عن الزُّبير بن بكَّار. وعنه: الصّولي، والطَّبرانيّ، وكان أديبًا فاضلًا، شاعرًا، ومن شعره

(5)

:

حقُّ التنائي بينَ أهلِ الهوى

تَكَاتُبٌ يُسْخِنُ عَيْنَ النَّوَى

وفي التَّدَاني - لا انقضَى عُمْرُهُ -

تَزَاورٌ يَشْفِي غَليلَ الجَوَى

وقد اتفق أنَّ جارية له كانت حظية عنده جدًّا، مرضت فاشتهت ثلجًا، فلم يوجد إِلَّا عند رجلٍ، فساومه الوكيل على رطلٍ منه، فامتنع من بيعه إِلَّا كُلّ رطلٍ بخمسة آلاف درهم، وذلك لعلم صاحب البضاعة بالحال. فرجع الوكيل ليشاوره، فقال: ويلك! اشتره

(6)

ولو بما كان، فرجع، فقال له صاحبُ الثلج: لا أبيعه إِلَّا بعشرة آلاف، فاشتراه بعشرة آلاف. ثم اشتهت الجارية ثلجًا أيضًا، وذلك

(1)

قتل الحلاج سنة 309 هـ، وترجمته في حوادث تلك السنة.

(2)

تاريخ بغداد (7/ 50)، المنتظم (6/ 116).

(3)

المنتظم (6/ 116).

(4)

الأغاني (9/ 40)، تاريخ بغداد (10/ 340)، المنتظم (6/ 117)، وفيات الأعيان (3/ 120)، سير أعلام النبلاء (14/ 62).

(5)

تاريخ بغداد (10/ 342)، المنتظم (6/ 117).

(6)

في المنتظم: اشتره بأي ثمن كان.

ص: 414

لموافقته لها، فرجع فاشترى منه رطلًا آخر بعشرة آلاف. ثمّ رطلًا آخر بعشرة أخري

(1)

. وبقي عند صاحب الثلج رطلان، فنطَفَت نفسُه إلى أكل رطل منه؛ ليقول: أكلتُ الرطل من الثلج بعشرة آلاف، فأكله. وبقي عنده آخر، فجاءه الوكيل، فامتنع أن يبيعه الرطلَ إلا بثلاثين

(2)

ألفًا، فاشتراه منه، فشفيت الجارية، وتصدَّقت

(3)

بمال جزيل. فاستُدعي الرجل فأعطي من تلك الصدقة مالًا جزيلًا جدًّا، وصار من أغنى الناس بعد ذلك وأكثرهم مالًا، واستخدمه

(4)

ابنُ طاهر عنده.

‌[ظهورُ

(5)

أمر العبيديين الذين يزعمون أنهم فاطميون

كان أول ظهور أمرهم وشأنهم - بتقدير الله تعالى - قبيل سنة ثلاثمئة بقليل على يدي أبي عبد الله الشِّيعي، واسمه الحسين بن أحمد بن زكريا المغربي البربري المتشيِّع

(6)

.

وملخص خبره أنه كان فقيرًا لا مال له ولا شيء، فأقام رجلًا شريفًا من بيت النبوَّة، وسمَّاه المهديَّ، ولفَّ عليه خلقًا من البربر ببلاد المغرب، وحارب له صاحب سجلماسة، وهو أبو نصر زيادة الله، وكان آخر ملوك بني الأغلب ببلاد إفريقية، فكان بينهما حروب يطول بسطها، لكن ظفر صاحب سجلماسة به في بعضها، فأسر منه الشريف، وسجنه عنده في قلعة، فرجع الشِّيعي فحشد وجمع، وجاء فحاصر البلد فظفر بها، ثم حاصر القلعة، فعمد الملك إلى الشريف فقتله في السجن وافتتح الشِّيعي القلعة قهرًا، وجاء إلى السجن فوجد الشريفَ قد قضى نحبه ووجد معه في السجن رجلًا يهوديًا سمه عبد الله بن ميمون من أهل سلمية الشام، كان صبَّاغًا بها، فأقامه مكان الشريف، وقال: قل لهم: أنا المهدي، فراج ذلك على أولئك العوام، واستبدَّ بالمملكة، وبنَى المهديَّة، وانتشرت أعلامه، وطالت أيامه.

ثم إن أبا عبد الله الشِّيعي ندم حيث لا ينفعه الندم، وأحاطت به خطيئته، وعمل على إزالة المملكة عن المهدي، وصرفها إلى أخيه أحمد، ففهم ذلك المهدي، وبعث من قتلهما برَقَّا في سنة ثمان وتسعين ومئتين.

هذا ما وقفت عليه من تواريخهم، وهو أولى ما يذكر هاهنا، واللّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(1)

في ط: ثم آخر بعشرة آلاف.

(2)

بعدها في المنتظم: فقال: خذ، فاستحييت من الله أن أبيع رطل ثلج بثلاثين ألفًا، فقلت: هات عشرين.

(3)

في المنتظم: وتصدق عبيد الله بمال عظيم.

(4)

في المنتظم: فاستخدمني في شرابه وثلجه وكثير من أمر داره، فكانت تلك الدراهم أصل نعمتي.

(5)

ما بين قوسين زيادة من نسختي ب، ظا ولم ترد في النسخة الأحمدية المعتمدة والمطبوع.

(6)

ترجم له المؤلف في حوادث سنة 298 هـ.

ص: 415

وسنبيِّنه مستقصىً في حدود سنة أربعمئة

(1)

حين وضعت كبار أئمة العلماء خطوطهم بأنهم أدعياء كذبة في قولهم: إنهم فاطميون، وغالب ملوكهم كانوا زنادقة، ومنهم "الحاكم" لعنه الله؛ رام أن يدّعي الإلَهية كفرعون، فما تجاسر على إظهار ذلك صريحًا، وما زال حتى قتل - لعنه الله - شرَّ قتلة تحت أديم السماء

(2)

. وكانت عوامهم يظهرون الرفض تبعًا لهم وخيفة منهم، ويؤذَّن في نحو مئة سنة أو أزيد بدمشق بـ "حيَّ على خير العمل"، وأما بديار مصر فإلى آخر تاريخ. وأما أخذاتهم وما يطلع على جلية أمرهم، فكما قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه الذي صنفه في الرَّدِّ على بعض قضاتهم في كتابه الذي سماه "الناموس الأعظم والبلاغ الأكبر"، وقد كفر فيه كفرًا لم يصل إلى شم رائحته إبليس، بل ربما استفاد منه ما لم يخطر بباله، فردَّ عليه القاضي أبو بكر رحمه الله في كتاب الذي سمَّاه:"كشف الأسرار وهتك الأستار" مجلدان كبيران مفيدان عظيمان؛ قال فيه: فهؤلاء قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض].

‌وممن توفي في حدود الثلثمئة ثقريبًا.

الصَّنَوْبَريّ الشاعر

(3)

: وهو أحمد بن محمّد بن مزَّار، أبو بكر الضَّبَّي الصَّنَوْبَري الحلبي.

قال الحافظ ابن عساكر: كان شاعرًا محسنًا. وقد حكى عن عليّ بن سليمان الأخفش، ثم ذكر أشياء من لطائف شعره؛ فمن ذلك قوله

(4)

:

لا النَّومُ أدري بهِ ولا الأرَقُ

يدري بهذينِ مَنْ بهِ رَمَقُ

إنَّ دُموعي من طولِ ما استبقَتْ

كلَّت فما تستطيعُ تَسْتَبِقُ

ولي مَلِكٌ لم صورتُهُ

مُذ كانَ إلا صَلَّتْ له الحَدقُ

نويْتُ تقبيلَ نَارِ وَجْنَتِهِ

وخِفْتُ أدنُو منها فأَحْتَرِقُ

وله أيضًا

(5)

:

(1)

حوادث سنة 402 هـ.

(2)

مات الحاكم بأمر الله سنة 411 هـ. وترجمته وصفة مقتله في حوادث تلك السنة.

(3)

هذه الترجمة لم ترد في ب، ظا، وهي من زيادات آ والنسخة المصرية في المطبوع.

وتوفي الصنوبري سنة 334 هـ، وترجمته في تهذيب تاريخ ابن عساكر (1/ 456)، ومختصره لابن منظور (3/ 237)، وفوات الوفيات (1/ 61)، والعبر (2/ 237)، واللباب (2/ 248)، وأعيان الشيعة (9/ 356)، وشذرات الذهب (2/ 335).

(4)

الديوان (436)، وتهذيب ابن عساكر (1/ 457)، والنجوم الزاهرة (3/ 288).

(5)

تهذيب ابن عساكر (1/ 458)، وفوات الوفيات (1/ 112)، وملحقات الديوان (475).

ص: 416

شمسٌ

(1)

غدا يشبه شمسًا غَدَتْ

وخدُّها في النور

(2)

منْ خدِّهِ

تغيبُ في فيهِ ولكنَّها

من بَعْدِ ذا تطلعُ في خدِّهِ

وقد روى الحافظ البيهقي، عن شيخه الحاكم، عن أبي الفضل نَصْر بن محمد الطوسيّ، قال أنشدنا أبو بكر الصَّنَوْبَري، فقال

(3)

:

هدَمَ الشيبُ ما بناهُ الشَّبابُ

والغَوَاني ما عصيْنَ غِضابُ

قلب الآبنوسُ عاجًا فللأعـ

ـينِ منه وللقلوبِ انقلابُ

وضلالٌ في الرأي أن يُشنأ البا

زي، على حسنهِ، ويُهْوَى الغرابُ

(4)

وله أيضًا، وقد أورده ابنُ عساكر في ابنٍ له فُطم فجعل يبكي على ثديه

(5)

:

منعوهُ أحبَّ شيءٍ إليهِ

من جميعِ الوَرَى ومِنْ والديهِ

منعُوهُ غِذاهُ وقَدْ كانَ

مباحًا لَهُ وبينَ يديهِ

عَجبًا له على صغرِ السَّ

نِّ هوى فاهتدى الفراقُ إليهِ

وممن توفي بهذا العصر أيضًا:

إبراهيم بن أحمد بن محمّد

(6)

: ابن المُوَلَّد، أبو إسحاق الصُّوفي الواعظ الرَّقِّي، أحد مشايخها، روى الحديث، وصحب أبا عبد الله بن الجلاد الدِّمشقي، والجُنَيد، وغير واحدٍ. وروى عنه: تمَّام بن محمد، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي. وقد أورد ابن عساكر من شعره قوله

(7)

:

لكَ منِّي على البعادِ نَصيبُ

لم يَنلْهُ على الدُّنُوِّ حَبيبُ

وعلى الطَّرْفِ مِن سواكَ حجابٌ

وعلى القلبِ من هَواكَ رقيبُ

زِينَ في ناظري هواكَ وقلبي

والهَوَى فيهِ زائِغٌ ومَشُوبُ

كيفَ يُغني قرْبُ الطَّبيبِ عَليلًا

أنتَ أسقمتَهُ وأنتَ الطَّبيبُ

(1)

في المصادر: بدر غدا يشرب. وفي ط: شمس غدا يشبه.

(2)

في المصادر: في الوصف.

(3)

الأبيات الثلاثة في تهذيب ابن عساكر (1/ 459)، وملحقات الديوان (459).

(4)

"يشنأ": يبغض.

(5)

تهذيب ابن عساكر (1/ 460)، وديوانه (512).

(6)

توفي ابن المولَّد هذا سنة 342 هـ، وليس موضعه هنا. وترجمته في حلية الأولياء (10/ 364)، وتاريخ دمشق لابن عساكر، ومختصره لابن منظور (4/ 13)، وطبقات الصوفية (ص 412)، وشذرات الذهب (2/ 362).

(7)

تاريخ دمشق لابن عساكر (المجلد 5/ الورقة 184). ومختصره لابن منظور (4/ 14).

ص: 417

وقوله

(1)

:

الصَّمْتُ أمْنٌ مِنْ كُلِّ نازلةٍ

مَنْ نالَهُ نَالَ أفْضَلَ القِسَمِ

ما نزلَتْ بالرِّجالِ نازِلةٌ

أعظمُ ضُرًّا من لَفْظةٍ بِفَمِ

عثرةُ هذا اللِّسانِ مُهلكةٌ

ليسَتْ لدينا كَعَثْرةِ القَدَمِ

احفظ لسانًا يُلقيك في تَلَفٍ

فَرُبَّ قولٍ أذَلَّ ذا كَرَمِ

‌فصل

(2)

اختلف النَّاس أيُّما أفضل: الغنيُّ الشاكر، أو الفقير الصَّابر؟ على قولين مشهورين. وقيل: هما سواء. وقيل: أفضلهما أتقاهما لله فيما هو فيه، فإن استويا فهما سواء. وقد سئل أبو علي الدَّقَّاق عن هذه المسألة؟ فقال: الغنيُّ أفضلُ؛ لأنَّ الغني من صفات الله تعالى؛ قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] قال: ولكن الغنيَّ الذي يكون واثقًا بما عند الله لا بما في يديه، يعني: ما قاله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتَّفق عليه: "ليس الغِنَى عن كثرة العَرض، إنَّما الغِنى غنَى النَّفسِ"

(3)

. وما أحسن ما قال بعضهم:

غنيتُ بلا مالٍ عن النَّاسِ كلِّهم

وإنَّ الغنَى العالي عن الشيء لا بهِ

وقال الآخر:

وإذا تذلَّلَتِ الرِّقابُ تواضُعًا

منَّا إليك فعزُّها في ذُلِّها

وقال الآخر:

تقنَّعْ بما يكفيكَ واستعمل الرِّضا

فإنَّك لا تَدري أتصبحُ أمْ تمسي

فليس الغنَى عن كثرةِ المالِ إنَّما

يكون الغِنَى والفقرُ مِن قبل النَّفْسِ

(1)

تاريخ دمشق لابن عساكر (المجلد 2/ الورقة 184). ومختصره لابن منظور (4/ 14).

(2)

هذا الفصل من زيادات النسخة الأحمدية، ولعلها من الناسخ، وأثبتها حفاظًا على الأصل المعتمد.

(3)

رواه البخاري (11/ 231 و 232) في الرقاق، باب الغنى عن النفس؛ ومسلم رقم (1051) في الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض. ورواه أيضًا الترمذي رقم (2373) في الزهد، باب ما جاء أن الغنى غنى النفس.

ص: 418