المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

البداية والنهاية «301 هـ - 400 هـ»   تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء - البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - جـ ١٢

[ابن كثير]

فهرس الكتاب

البداية والنهاية

«301 هـ - 400 هـ»

تأليف

الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير

[701 - 774 هـ]

حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه

إبراهيم الزيبق

راجعه

الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف

الجزء الثاني عشر

ص: 1

‌ثم دخلت سنة إحدي وثلاثمئة من الهجرة النبوية

فيها غزا الحسينُ بن حَمْدان

(1)

الصَّائفة، ففتح حصونًا كثيرة من بلاد الرَّوم، وقَتَلَ [منها]

(2)

أممًا لا يُحْصون كثرة.

وفيها عزل المقتدر محمدَ بنَ عبيد الله

(3)

عن وزارته، وقلَّدها عيسى [بنَ علي]

(4)

، فكان من خيار الوزراء، وأقصدِهم للعَدْل والإحسان، واتَّباع الحقِّ.

وفيها كَثُرَتِ الأمراض الدَّمويَّة ببغداد في تموز وآب؛ فمات من ذلك خَلْق كثير وجمٌّ غفير من أهلها.

وفيها وصلتْ هدايا صاحب عُمَان، وفيها ببغة

(5)

بيضاء وغزالٌ أسود.

وفي شعبان منها ركب المقتدر إلى باب الشَّمَّاسِيَّة

(6)

على الخيل، ثم انحدر إلى داره في دِجْلَة، فكانت أول رِكْبَةٍ رَكِبَهَا جَهْرَة للعامة.

وفيها استأْذَنَ الوزير عليُّ بن عيسى المقتدر بالله في مكاتبة رأس القرامطة أبي سعيد الحسن بن بَهْرام الجَنَّابي فأذِنَ له، فكتب إليه كتابًا طويلًا يدعوه فيه إلى السمع والطاعة، ويوبِّخُه على ما يتعاطاه أصحابه من ترك الصَّلوات والزكوات، وارتكاب المنكرات، وإنكارهم على منْ يذكر الله ويسبِّحه ويحمَدُه، واستهزائهم بالدِّين، واسترقاقهم الحرائر، ثم توعَّده بالحَرْب وتهدَّده، فلما سار الكتاب نحوه قُتِلَ أبو سعيد قبل أن يصِلَه؛ قتله بعضُ خَدَمه، وعَهِدَ بالأمر من بعده لولده سعيد، فَغَلَبهُ على ذلك أخوه أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد

(7)

، فلما قرؤوا كتابَ الوزير إليهم أجابوه بما حاصله: إن هذا الذي نُسِبَ إلينا مما ذكرتم لم يثبت عندكم إلا من طريق من يشنِّع علينا، وإذا كان الخليفة يَنْسُبنا إلى الكفر بالله، فكيف يدعونا إلى السَّمْع والطاعة له؟

(1)

أحد الأمراء الحمدانيين الشجعان، وهو عم سيف الدولة، كان من أنصار ابن المعتز في فتنة خلع المقتدر، قتل سنة (306 هـ)، وأخباره مبثوثة في كتب التاريخ، انظر الكامل لابن الأثير (8/ 92 - 94).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ب) و (ط) عبد الله، وهو تصحيف، وأخباره في تحفة الوزراء (261 - 280)، الفخري في الآداب السلطانية (196 - 197).

(4)

سترد ترجمته في وفيات سنة (335 هـ) من هذا الجزء، وما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

في (ط) بغلة، وهو تحريف.

(6)

محلة كانت في أعلى الجانب الشرقي من بغداد. معجم البلدان (3/ 361).

(7)

سترد ترجمته في وفيات سنة (332 هـ).

ص: 5

وفيها جيء بالحسين بن منصور الحلَّاج إلى بغداد، وهو مشهورٌ على جَمَل، وغلام له راكب جملًا آخر، يُنادى عليه: هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس، ثم أُحضر إلى مجلس الوزير، فناظره، فإذا هو لا يقرأ القرآن، ولا يعرف من الحديث ولا الفِقْه ولا اللغة ولا الأخبار ولا الشِّعْر شيئًا، وكان الذي نُقِمَ عليه أنه وجدت له رِقاع يدعو فيها الناس إلى الضَّلالة والجهاد بأنواع من الرموز، يقول في مكاتباته كثيرًا: تبارك ذو النور الشَّعْشَعاني. فقال له الوزير علي بن عيسى رحمه الله: تعلُّمك الطهور والفروض أجْدَى عليك من رسائلَ لا تدري ما تقول فيها، وما أحوجك إلى الأدب. ثم أمَرَ به فَصُلِبَ حيًا صَلْبَ الاشتهار لا القتل، ثم أُنزل فحبس في دار الخلافة، فجعل يُظْهر لهم أنه على السُّنَّة، وأنه زاهد، حتى اغترَّ به كثير من الخُدَّام وغيرهم من أهل دار الخلافة من الجهلة الطَّغَام، حتى صاروا يتبركون به ويتمسَّحون بثيابه. وسيأتي ما صار إليه أمرُه حتى قُتِلَ بإجماع الفقهاء وأكثر الصوفية

(1)

.

ووقع في آخر هذه السنة ببغداد وباءٌ شديد جدًّا حتى مات بشر كثير، ولا سيما بالحربيَّة؛ غُلِّقت عامَّة دورها. وحجَّ بالناس الفَضْلُ بنُ عبد الملك الهاشمي

(2)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن خالد الشَّافعي

(3)

، جمع العِلْم والزُّهْد، من تلاميذه

(4)

أبو بكر الإسماعيلي.

جعفر بن محمَّد

(5)

بن الحسن

(6)

بن المستفاض، أبو بكر، الفِرْيابي، قاضي الدِّيْنَور، طاف البلاد في طلب العِلْم وسَمعَ الكثير من المشايخ الكثيرين، مثل قتيبة، وأبي كُرَيْب، وعلي بن المديني، وبُنْدَار، وعنه: أبو الحسين بن المنادي، والنَّجَّاد، وأبو بكر الشَّافعي، وخَلْقٌ. واستوطن بغداد، وكان ثِقَةً حافظًا حُجَّةً، وكان عِدَّة من يحضر مجلسه نحوًا من ثلاثين ألفًا، والمستملون عنه منهم فوق الثلاثمئة، وأصحاب المحابر نحو من عشرة آلاف. وكانت وفاته في المحرَّم من هذه السنة عن أربع

(1)

سترد أخباره مفصلة في أحداث سنة 309 هـ من هذا الجزء.

(2)

أمير، من أعيان العباسيين، كان صاحب الصلاة بمكة والمدينة، توفي سنة (307 هـ) تاريخ بغداد (12/ 375).

(3)

المنتظم (6/ 123).

(4)

في (ح) و (ط) من تلاميذ أبي بكر الإسماعيلي، وهو تحريف، والمثبت من (ب) و (ظا)، وسترد ترجمة أبي بكر في وفيات سنة (371 هـ).

(5)

تاريخ بغداد (7/ 199 - 202) ترتيب المدارك (3/ 187 - 188) الأنساب (9/ 291) المنتظم (6/ 124 - 125) معجم البلدان (4/ 259) تذكرة الحفاظ (2/ 692 - 694) سير أعلام النبلاء (14/ 96 - 111).

(6)

في النسخ الخطية و (ط): الحسين، وهو تصحيف، والمثبت ما أجمعت عليه مصادر ترجمته.

ص: 6

وتسعين سنة، وكان قد حفر لنفسه قبرًا قبل وفاته بخمس سنين، فكان يمرُّ نحوه فيقف عنده، ثم لم يقيض له أنه دفن فيه، بل [دفن]

(1)

في مكانٍ آخر، رحمه الله حيثُ كان.

أبو سعيد الجَنَّابى

(2)

القِرْمِطىي

(3)

وهو الحسن

(4)

بن بَهْرام - قبَّحه الله - وهو رأس القرامطة، والذي يعوِّلون عليه في بلاد البحرين وما والاها

(5)

.

علي بن أحمد الرَّاسبي

(6)

كان يلي بلاد واسط إلى شَهْرَزُور

(7)

وغيرها، وقد خَلَّف من الأموال شيئًا كثيرًا؛ من ذلك ألف ألف دينار، ومن آنية الذهب والفِضَّة ونحو ذلك ما يعادل مئة ألف دينار، ومن الخَزِّ ألف ثوب

(8)

، ومن الخيل والبغال والجمال ألف رأس.

محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب

(9)

يعرف بالأحنف، كان قد ولي قضاء مدينة المنصور نيابةً عن أبيه حين فُلِج؛ فمات في جمادى الأولى من هذه السنة. وتوفي أبوه بعده في رجب

(10)

، وبينهما ثلاثة وسبعون يومًا، ودفنا في موضعٍ واحد، رحمهما الله تعالى.

وممن توفي فيها:

أبو بكر أحمد

(11)

بن هارون البَرْدَعي

(12)

الحافظ.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

نسبة إلى جنابة، وهي بلدة من أعمال فارس متصلة بالبحرين عند سيراف، وقد وَهَمَ السمعاني في قوله: إنها بلدة بالبحرين، وضبطها بضم الجيم، وتابعه في وهمه ابن الأثير في اللباب. معجم البلدان (2/ 165 - 166) ووفيات الأعيان (2/ 150).

(3)

الأنساب (3/ 308) معجم البلدان (2/ 166) اللباب (1/ 238) الكامل (7/ 493 - 495) وما بعدها و (8/ 83 - 84) وفيات الأعيان (2/ 147 - 148) العبر (2/ 117) مرآة الجنان (2/ 238) شذرات الذهب (2/ 237).

(4)

في (ح) الحسين، وهو تصحيف.

(5)

على هامش (ح): قتل في الحمام.

(6)

المنتظم (6/ 125 - 126) العبر (2/ 120 - 121) دول الإسلام (1/ 144) النجوم الزاهرة (3/ 183) شذرات الذهب (2/ 237).

(7)

كورة واسعة في الجبال بين إربل وهمذان. معجم البلدان (3/ 375).

(8)

في (ط) ومن البقر ألف ثور، وهو تحريف.

(9)

المنتظم (6/ 127).

(10)

في رواية أنه توفي سنة (298 هـ)، انظر ترجمته في تاريخ بغداد (10/ 10).

(11)

في النسخ الخطية و (ط): محمد، وهو تحريف.

(12)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 122 - 124).

ص: 7

وابن ناجية

(1)

.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثمئة

فيها وَرَدَ كتابُ بِشْر

(2)

الخادم بأنه قد أوقع بالرُّوم بأسًا شديدًا، وأنه قد أسر منهم مئة وخمسين بطريقًا

(3)

؛ ففرح المسلمون بذلك.

وفيها خَتَنَ الخليفة المقتدر خمسةً من أولاده، فَغَرِمَ على هذا الخِتَان ستمئة ألف دينار، من ذلك خمسة آلاف نثار، ومئة ألف دِرْهم، وقد ختن معهم بل قبلهم خَلْقًا من الأولاد اليتامى، وأحسن إليهم

(4)

، وهذا صنيع حسنٌ، رحمه الله.

وفيها صادر الخليفة أبا عبد الله بن الجَصَّاص

(5)

بستة عشر ألف ألف دينار غير الآنية والثياب الثمينة.

وفيها أرسل الخليفة المقتدر أولاده إلى المكتب فكان يومًا مشهودًا.

وفيها بنى الوزير

(6)

المارَسْتان بالحربية من بغداد، وأنفق عليه أموالًا جزيلة جدًّا، جزاه الله خيرًا.

وحجَّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك

(7)

.

وقطعت الأعراب وطائفة من القرامطة الطريق على الراجعين من الحجيج

(8)

، فقتلوا منهم خَلْقًا، وأسروا أكثر من مئتي امرأةٍ حُرَّة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

بِشْر بن نَصْر بن منصور

(9)

، أبو القاسم، الفقيه، الشافعي، من أهل مصر

(10)

، يُعرف بغلام

(1)

في (ط) الحافظ ابن ناجية، بإسقاط الواو العاطفة، وهو وهم. وترجمة ابن ناجية في سير أعلام النبلاء (14/ 146 - 165).

(2)

في النسخ الخطية و (ط): مؤنس، وهو تحريف، وكان بشر والي طَرصَوس؛ وهي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. تاريخ الطبري (10/ 150) المنتظم (6/ 127) ومعجم البلدان (4/ 28) والكامل (8/ 90).

(3)

في (ط) أي أميرًا.

(4)

في (ط) بالمال والكساوي.

(5)

في النسخ الخطية و (ط) أبا علي، وهو تحريف، وسترد ترجمته في وفيات سنة (315 هـ).

(6)

هو علي بن عيسى، سترد ترجمته في وفيات سنة (335 هـ).

(7)

انظر أحداث سنة 301 هـ من هذا الجزء.

(8)

في (ط): وأخذوا منهم أموالًا كثيرة.

(9)

تاريخ بغداد (7/ 88). المنتظم (6/ 128 - 129) رفع الإصر (394).

(10)

الأصح أن يقال إنه سكن مصر، كما في تاريخ بغداد (7/ 88).

ص: 8

عِرْق، وعِرْق خادم من خُدَّام السُّلْطان، كان يلي البريد، فَقَدِمَ معه بهذا الرجل [مصر]

(1)

، فأقام بها حتى كانت وفاته فيها، رحمه الله.

بِدْعة جارية عُرَيب

(2)

المغنِّية، بُذِلَ لسيدتها فيها مئة ألف دينار وعشرون ألف دينار من بعض من رَغِبَ فيها، فعَرَضتْ ذلك عليها، فكرهت مُفَارقة سيدَتِها، فأعتقتها سيدَتُها في يومها

(3)

ذاك، وتأَخَّرَتْ وفاتها إلى هذه السنة

(4)

، وقد تركتْ من المال العين والأملاك ما لم يملكه رجل.

القاضي أبو زُرْعة محمد بن عثمان الشَّافعي

(5)

، قاضي مِصْر ثم دمشق، وهو أول من حكم بمذهب الشَّافعي بالشَّام وأشاعه به

(6)

، وكان ثِقَةً عَدْلًا من سادات القضاة، وكان أصله من أهل الكِتاب اليهود

(7)

، قد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشَّافعية".

‌ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثمئة

فيها وقف المقتدر بالله أموالًا جزيلة وضياعًا على الحرمين الشَّريفين، واستدعى القضاة والأعيان وأشهدهم على نفسه بما وقفه من ذلك.

وفيها قُدِمَ إلى بغداد بجماعة من الأسارى من الأعراب الذين كانوا عدوا على الحجيج في تلك السنة، فلم تتمالك العامة أن عَدَتْ عليهم فقتلوهم، فأُخِذ بعضهم فعوقب لكونه افتأت على السُّلطان.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط)، والعبارة ملبسة المعنى، أوضح منها ما ورد في تاريخ بغداد (7/ 88) والمنتظم (6/ 129). فقدم في جملة من قدم من بغداد.

(2)

المنتظم (6/ 129) الكامل (8/ 90، 506) جهات الأئمة الخلفاء (63 - 66) المستظرف من أخبار الجواري (13 - 15) الأغاني (22/ 181 - 183).

وفي (ح) و (ظا) غريبة، وفي (ط) غريب، وكلاهما خطأ، والمثبت من (ب)، وقد ضبط في المشتبه (2/ 455) بضم العين، وأخبارها في الأغاني (21/ 54 - 91).

(3)

في (ط) موتها، وهو تصحيف.

(4)

أورد ابن الأثير خبر وفاتها في هذه السنه، وفي سنة (342 هـ)، وذكر أنها توفيت عن اثنتين وتسعين سنة، الكامل (90/ 8، 506)

(5)

تاريخ ابن عساكر (خ)(س)(15/ 329/ أ) سير أعلام النبلاء (14/ 231 - 233) العبر (2/ 123) الوافي بالوفيات (4/ 82 - 83) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 196 - 198) النجوم الزاهرة (3/ 183 - 184) قضاة دمشق (22/ 23) شذرات الذهب (2/ 239).

(6)

في (ط): وقد كان أهل الشام على مذهب الأوزاعي من حين مات إلى هذه السنة، وثبت على مذهب الأوزاعي بقايا كثيرة لم يفارقوه.

(7)

في (ط): ثم أسلم، وصار إلى ما صار إليه.

ص: 9

وفيها وقع حريق شديد في سوق النجارين في بغداد فاحترق السوق بكماله.

وفي ذي الحِجَّة من هذه السنة مرض المقتدر بالله ثلاثة عشر يومًا، ولم يمرض في مدة خلافته - مع طولها - سوى هذه المرضة.

وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك.

ولما خاف الوزير على الحُجَّاج من شأن القرامطة في رجعتهم كتب إليهم رسالة لِيَشْغَلَهُمْ بها عن أمر الحجيج، فاتهمه بعض الكبار بمراسلة القرامطة، فلما انكشف أمره وما قصده حظي عند النَّاس بذلك جدًّا.

‌وممن توفي في هذه السَّنة من الأعيان:

النَّسَائي رحمه الله

(1)

، أحمد بن علي

(2)

بن شُعيب بن علي بن سِنَان بن بَحْر بن دِينار، أبو عبد الرحمن، النَّسائي، صاحب "السنن"، الإمام في عصره، والمقدَّم على أضرابه وأشكاله وفُضلاء دهره، رحل إلى الآفاق، واشتغل بسماع الحديث والاجتماع بالأئمة الحُذَّاق، ومشايخه الذين روى عنهم مشافهة قد ذكرناهم في كتابنا "التكميل" ولله الحمد والمنة، وترجمناه أيضًا هناك، وروى عنه خَلْق كثير وجم غفير، وقد جمع "السنن الكبير"، وانتخَبَ منه

(3)

ما هو أقل حجمًا منه بمرَّات، وقد وقع لنا سماع كلٍّ منهما. وقد أبان في تصنيفه عن حفظٍ وإتقان وصِدْق وإيمان وعِلْم وعِرْفان.

قال الحاكم عن الدَّارَقُطْني: أبو عبد الرحمن النَّسائي مقدَّمٌ على كلَّ منْ يُذْكر بهذا العِلْم من أهل عَصْره، وكان يسمَّى كتابه الصحيح.

وقال أبو علي الحافظ: للنسائي شرط في الرِّجال أشدُّ من شرط مسلم بن الحجَّاج، وكان من أئمة المسلمين.

وقال أيضًا: هو الإمام في الحديث بلا مدافعة.

وقال أبو الحسين محمد بن المُظَفَّر الحافظ: سمعت مشايخَنا بمصر يعترفون له بالتقدُّم

(1)

المنتظم (6/ 131 - 132) وفيات الأعيان (1/ 77 - 78) تهذيب الكمال (1/ 23 - 25) سير أعلام النبلاء (14/ 125 - 135) تذكرة الحفاظ (2/ 698 - 701) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 14 - 16).

(2)

كذا في الأصول، ومثله في وفيات الأعيان (1/ 77) وأجمعت بقية المصادر على أنه أحمد بن شعيب، وهو المشهور.

(3)

المختصر هو المجتبى أو المجتنى، وكلاهما بمعنى، وهو المطبوع والمتداول بين الناس، وفي نسبة اختصاره إلى النسائي خلاف بين العلماء، إذ إن بعضهم يقول إنه من اختصار تلميذه ابن السني المتوفى سنة (364 هـ).

ص: 10

والإمامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار ومواظبته على الحج والاجتهاد

(1)

.

وقال غيره: كان يصوم يومًا ويُفْطِرُ يومًا، وكان له أربع زوجات وسَرِيَّتان، وكان كثير الجِمَاع، حسنَ الوجه، مشرق اللَّوْن. قالوا: وكان يَقْسِم للإماء كما يقسم للحرائر.

وقال الدَّارَقُطْني: كان أبو بكر بن الحدَّاد كثير الحديث ولم يحدِّثْ عن أحدٍ سوى النَّسائي. وقال رضيتُ به حُجَّةً بيني وبين الله عز وجل.

وقال ابن يونس: كان إمامًا في الحديث ثِقَةً ثَبْتًا حافظًا، وكان خروجه من مِصْر في سنة ثنتين وثلاثمئة.

وقال ابن عدي: سمعت منصورًا الفقيه وأحمد بن محمد بن سلامة الطَّحَاوي يقولان: أبو عبد الرحمن النَّسائي إمامٌ من أئمة المسلمين، وكذلك أثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة، وشهدوا له بالفَضْل والتقدُّم في هذا الشأن والحِفْظ والمعرفة.

وقد ولي الحكم بمدينة حِمْص، سمعته من شيخنا الحافظ أبي الحجَّاج المزِيِّ رحمة الله عليه عن رواية الطبراني في "معجمه الأوسط" حيث قال: حدثنا أحمد بن شعيب الحاكم بحِمْص، وذكروا أنه كان له من النِّساء أربع نسوة، وكان في غاية الحسن، وجهه كأنه قِنْديل، وكان يأكل في كل يوم ديكًا، ويشرب عليه من نقيع الزَّبيب الحلال.

وقد قيل: إنه كان يُنْسَبُ إليه شيء من التشيُّع.

قالوا: دخل إلى دمشق، فسأله أهلُها أن يحدِّثهم بشيء من فضائل معاوية فقال: أما يكفي معاوية أن يذهب رأسًا برأس حتى تُرْوى له فضائل! فجعلوا يطعنون

(2)

في خُصْيَتَيْه حتى أُخرج من المسجد الجامع، فسار من عندهم فَقَصَد مكة، فمات بها في هذه السَّنة، وقبره بها، هكذا حكاه الحاكم عن محمد بن إسحاق الأصبهاني عن مشايخه.

وقال الدَّارَقُطْني: كان أفقه مشايخ مِصْر في عَصْره، وأعرفهم بالصَّحيح والسَّقيم من الآثار، وأعرفهم بالرِّجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه، فخرج إلى الرَّمْلة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه، فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل، فتوفِّي بمكة مقتولًا شهيدًا.

وقال الحاكم: مع ما رزق النَّسائي من الفضائل رُزِقَ الشَّهادة في آخر عمره، مات بمكة سنة ثلاث وثلاثمئة.

(1)

في (ط) الجهاد، وهو تحريف.

(2)

في المنتظم (6/ 131): يدفعون؛ وهو الأشبه.

ص: 11

وقال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نُقْطة في "تقييده": ونقلت من خَطِّ أبي عامر محمد بن سعدون العَبْدَري الحافظ: مات أبو عبد الرحمن النَّسائي بالرَّملة

(1)

مدينة فِلَسْطين يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من صفر سنة ثلاث وثلاثمئة، ودفن ببيت المقدس.

وحكى ابن خَلِّكان في "الوفيات" أنه توفِّي في شعبان من هذه السنة، وأنه إنما صنَّف "الخصائص" في فضل علي وأهل البيت؛ لأنه رأى أهل دمشق حين قدمها في سنة ثنتين وثلاثمئة عندهم نُفْرة من علي، وسألوه عن معاوية فقال ما قال، فدفعوا في خُصْيتيه فمات

(2)

.

وهكذا ذكر ابن يونس وأبو جعفر الطَّحاوي: أنه توفي بفلسطين في صفر من هذه السنة.

وكان مولد النَّسَائي في سنة خمس عشرة أو أربع عشرة ومئتين تقريبًا عن قوله رحمه الله، فكان عمره ثمانيًا وثمانين سنة

(3)

.

الحسن بن سُفْيان

(4)

بن عامر بن عبد العزيز بن النُّعمان بن عطاء، أبو العبَّاس، الشَّيْباني النَّسَوي، محدِّث خُراسان، والذي كان يضرب آباط الإبل إليه في معرفة الحديث والفِقْه. رَحَلَ إلى الآفاق، وتفَقَّه على أبي ثَوْر

(5)

، وكان يُفْتي بمذهبه، وأخذ الأدبَ عن أصحاب النَّضْر بن شُمَيْل

(6)

، وكانت إليه الرَّحْلة بخراسان.

ومن غريب ما اتَّفَقَ له: أنه كان هو وجماعة من أصحابه بمصْر في رحلتهم لطلب الحديث؛ فضاف عليهم الحال حتى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون فيها شيئًا، ولا يجدون ما يبيعونه للقوت، واضطرَّهُمُ الحال إلى تجشُّمِ السؤال، وأنِفَتْ أنفسُهم من ذلك، وعزَّتْ عليهم، وامتنعت كلَّ الامتناع، والحاجة تضطرهم إلى تعاطي ذلك، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يقوم بأعباء هذا الأمر، فوقعت القُرْعة على الحسن بن سُفْيان،

(1)

وهو ما صححه الذهبي، انظر سير أعلام النبلاء (14/ 132 - 133).

(2)

وفيات الأعيان (1 - 77 - 78).

(3)

انفرد الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال (6) أنه توفي سنة (304 هـ)، وليس بشيء.

(4)

الجرح والتعديل (مج 1 / ق 2/ 16) الأنساب (2/ 58 - 59) المنتظم (6/ 132 - 136) معجم البلدان (1/ 329 - 330) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (6/ 337 - 341) سير أعلام النبلاء (14/ 157 - 162) ميزان الاعتدال (1/ 492 - 493) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 263 - 265) تهذيب ابن عساكر (4/ 178 - 182).

(5)

هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان البغدادي، أحد الأئمة فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا، وعلى الرغم من أنه كان صاحب مذهب في الفقه إلا أنه أكثر ميلًا للشافعي، توفي سنة (240 هـ) وقد مر ذكره عرضًا في وفياتها في هذا الكتاب. وترجمته مفصلة في طبقات الشافعية للسبكي (2/ 74 - 80).

(6)

من أصحاب الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكان أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة، توفي سنة (204 هـ) وترجمته في وفيات الأعيان (5/ 397 - 405).

ص: 12

فقام عنهم، فاختلى في زاوية المسجد الذي هُمْ فيه، فصلَّى رَكْعَتين أطال فيهما، واستغاث بالله، وسأله بأسمائه العِظام، فما انصرف من الصَّلاة حتى دخل المسجد شابٌّ حسن الهيئة، مليح الوجه فقال: أين الحسن بن سفيان؟ فقلت: أنا. فقال: الأمير طولون

(1)

يقرأ عليكم السَّلام، ويعتذر إليكم في تقصيره، وهذه مئة دينار لكلِّ واحدٍ منكم. فقلنا له: ما الحامل له على هذا؟ فقال: إنه أحبَّ أن يختلي اليوم بنفسه، فبينا هو الآن نائم إذ جاءه فارس في الهواء بيده رمح، فدخل عليه المنزل ووضع عَقِبَ الرُّمح في خاصرته، فوكزه به وقال: قُمْ فأَدْرِكِ الحسنَ بنَ سفيان وأصحابه، قُمْ فأدْرِكْهُمْ، قُمْ فأدْرِكْهُمْ؛ فإنهم منذ ثلاثة أيام جياعٌ في المسجد الفلاني. فقال له: مَنْ أنت؟ فقال: أنا رِضْوان خازن الجنَّة. فاستيقظ الأمير وخاصرته تؤلمه ألمًا شديدًا، فبعثَ بالنففة في الحال إليهم، ثم جاء لزيارتهم، واشترى ما حول ذلك المسجد

(2)

، ووقفه على الواردين إليه من أهل الحديث، جزاه الله خيرًا.

وقد كان الحسن بن سفيان رحمه الله من أئمة هذا الشَّأْن وفرسانه وحُفَّاظه، وقد اجتمع عنده جماعة من الحفاظ منهم ابن خُزَيمة

(3)

وغيره، فقرؤوا عليه شيئًا من الحديث، وجعلوا يقلبون الأسانيد ليستعلموا

(4)

ما عند الشيخ، فما قلبوا شيئًا إلا ردَّهم فيه إلى الصواب، وعمره إذ ذاك تسعون

(5)

سنة، وهو في هذا السِّن حافظٌ ضابط، لا يَشِذُّ عنه شيء من حديثه، ومن فوائده: العَبْسي كوفي، والعَيْشي بَصْري، والعَنْسي مِصْري

(6)

.

(1)

كذا ورد الاسم في أكثر المصادر التي ساقت الخبر، ومن المعروف أن طولون لم يل مصر، مما دعا الإمام الذهبي إلى أن يشكك في صحة الحكاية، وفي مختصر ابن منظور وتهذيب ابن عساكر ورد باسم ابن طولون، وهو أحمد الذي ولي مصر سنة (254 هـ)، وكان عمر الحسن بن سفيان وقتئذٍ قد جاوز سن الطلب، ومن ثم قال الإمام الذهبي: وأما ابنه أحمد بن طولون فيصغر عن الحكاية. سير أعلام النبلاء (14/ 162) ومختصر ابن منظور (6/ 340) وسيرد خبر قريب من هذا الخبر في ترجمة محمد بن جرير الطبري في وفيات سنة (310 هـ).

(2)

في (ط) المجلس، وهو تحريف.

(3)

في (ط) ابن جرير الطبري، وهو تحريف، وابن خزيمة سترد ترجمته في وفيات سنة (311 هـ).

(4)

في (ح) و (ب) و (ط) ليستعملوا، وهو تصحيف، والمثبت من (ظا).

(5)

في (ط) سبعون، وهو تصحيف، ولم تذكر المصادر سنة ولادته خلا الذهبي الذي قال: ولد سنة بضع وثمانين ومئة. تحرفت في المطبوع إلى مئتين. وعلى ذلك يكون عمره حين توفي قد جاوز المئة بكثير. سير أعلام النبلاء (14/ 157).

(6)

قال ابن حجر في (تبصير المنتبه) 3/ 988: "ومن ضوابط هذا الفن أن من كان من أهل الكوفة فهو بالموحدة، ومن كان من أهل الشام فهو بالنون، ومن كان من أهل البصرة فهو بالشين المعجمة".

ص: 13

رُوَيْم بن أحمد

(1)

، ويقال ابن محمد بن رُويم بن يزيد

(2)

، أبو الحسن، ويقال: أبو الحسين، ويقال أبو محمد، أحد أئمة الصُّوفية، كان عالمًا بالقرآن ومعانيه، وكان يتفقَّه على مذهب داود بن علي الظَّاهري

(3)

.

قال بعضهم: كان رويم يكتم حُبَّ الدنيا أربعين سنة، وذلك أنه تصوَّف أربعين سنة، ثم لما وَليَ إسماعيل بن إسحاق

(4)

القضاء ببغداد جعله وكيلًا في بابه، فترك التصوُّف، ولبس الخَزَّ والقَصَب

(5)

والدَّبيقي

(6)

، وركب الخيل وأكل الطيبات وبنى الدُّور.

زهير بن صالح بن الإمام أحمد بن حَنْبل

(7)

. روى عن أبيه. وعنه أبو بكر أحمد بن سَلْمان

(8)

النَّجَّاد، كان ثقةً، مات وهو شابٌّ، قاله الدَّارَقُطني.

أبو علي الجُبَّائي

(9)

، شيخ المعتزلة، هو محمد بن عبد الوهَّاب، أبو علي الجُبَّائي، شيخ طائفة المعتزلة في زمانه، وعليه اشتغل أبو الحسن الأشْعري

(10)

، ثم رجع عنه، وللجُبَّائي تفسير حافل مطوَّل، له فيه اختيارات غريبة في التفسير، وقد ردَّ عليه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيه وقال: كان القرآن نزل بلغة أهل جُبَّاء

(11)

.

كان مولد الشيخ أبي علي في سنة خمس وثلاثين ومئتين.

(1)

طبقات الصوفية (180 - 184) حلية الأولياء (10/ 296 - 302) تاريخ بغداد (8/ 430 - 432) الرسالة القشيرية (20 - 21) المنتظم (6/ 136 - 137) صفة الصفوة (2/ 442 - 443) سير أعلام النبلاء (14/ 234 - 235) طبقات الأولياء (228 - 231) طبقات الشعراني (1/ 116).

(2)

في تاريخ بغداد (8/ 430) ابن محمد بن يزيد بن رويم بن يزيد، ومثله في سير أعلام النبلاء (14/ 235).

(3)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (270 هـ) من هذا الكتاب.

(4)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (282 هـ) من هذا الكتاب.

(5)

القصب: ثياب تتخذ من كتان، رقاق ناعمة. اللسان (قصب).

(6)

في (ط) الديبقي، وهو تصحيف. والدبيقي نسبة إلى دبيق، بليدة كانت بين الفرما وتنيس من أعمال مصر، تنسب إليها الثياب الدبيقية. معجم البلدان (2/ 438).

(7)

المنتظم (6/ 137).

(8)

في (ط) سليمان، وهو تصحيف، وسترد ترجمته في وفيات سنة (348 هـ).

(9)

مقالات الإسلاميِّين (522) وما بعدها، الفَرْق بين الفِرَقْ (167 - 169) الملل والنحل (1/ 78 - 85) الأنساب (3/ 176) المنتظم (6/ 137) وفيات الأعيان (4/ 267 - 269) سير أعلام النبلاء (14/ 183 - 184) طبقات المعتزلة (80 - 85) طبقات المفسرين للداودي (2/ 189 - 190).

(10)

سترد ترجمته في وفيات سنة (330 هـ).

(11)

كذا في الأصول، وفي معجم البلدان (2/ 97)"جُبَّى" بالضم ثم التشديد والقصر

بلد في طرف من البصرة والأهواز

وجبى في الأصل أعجمي، وكان القياس أن ينسب إليها جُبَّوي، فنسبوا إليها جُبَّائي على غير قياس.

ص: 14

ومات في هذه السنة:

ابن بسَّام الشَّاعر

(1)

، أبو الحسن

(2)

، علي بن أحمد

(3)

بن منصور بن نصر

(4)

بن بسَّام، البَسَّامي، الشَّاعر المطَبِّق الهَجَّاء، لم يترك أحدًا حتى هجاه، حتى أباه، وأُمُّه أُمامة بنت حَمْدون النَّديم

(5)

.

وقد أورد له ابنُ خَلِّكان أشياءَ كثيرة من شعره؛ من ذلك قوله في تخريب المتوكل قَبْرَ الحسينِ بن علي، وأمْرِهِ بأن يُزْرَعَ ويُمْحى رَسْمُه، وكان شديدَ التحامل على عليٍّ وولدِه، فلما وقع ما ذكرناه وكان ذلك سنة ست وثلاثين ومئتين

(6)

. قال ابن بَسَّام هذا:

تالله إنْ كانَتْ أُميَّةُ قد أتَتْ

قَتْلَ ابنِ بنتِ نبيِّها مَظْلُوما

فَلَقَدْ أتاهُ بنُو أبيهِ بمثلِهِ

هذا لَعَمْرُكَ قَبْرُهُ مَهْدُوما

أسِفُوا على أنْ لا يكونوا شاركوا

في قَتْلِهِ فَتَتَبَّعُوهُ رَمِيْما

(7)

‌ثم دخلت سنة أربع وثلاثمئة

فيها عزل الخليفة المقتدر بالله وزيره أبا الحسن عليَّ بنَ عيسى بن الجَرَّاح؛ وذلك لأنه وقعت بينه وبين أم موسى القَهْرَمانة نُفْرةٌ شديدة، فسأل الوزير أن يُعْفى من الوِزَارة فعُزِلَ، ولم يتعرَّض لشيءٍ منْ أملاكه.

وطُلِب أبو الحسن علي بن محمد بن الفُرَات

(8)

فأعيد إلى الوزارة بعد عزله عنها خمس سنين، وخَلَعَ عليه الخليفة يوم التَّرْوية سَبْعَ خِلَع، وأطلق له ثلاثمئة ألف دِرْهم، وعشرة تخوت ثياب، ومن الخيل

(1)

مروج الذهب (4/ 297 - 304) تاريخ بغداد (12/ 63) معجم الأدباء (14/ 139 - 152) وفيات الأعيان (3/ 363 - 366) فوات الوفيات (3/ 92 - 93) سير أعلام النبلاء (14/ 112 - 113) النجوم الزاهرة (3/ 189 - 190) مفتاح السعادة (1/ 191) وقد نسب إليه فيه تأليفه "الذخيرة"، وهو وهم منه.

(2)

في النجوم الزاهرة (3/ 189): أبو جعفر، وهو خلاف المشهور.

(3)

في المصادر: بن محمد، وهو المشهور.

(4)

اضطربت مصادر ترجمته في تقديم أحدهما على الآخر، والأشبه بالصواب أنه علي بن محمد بن نصر بن منصور.

(5)

كان نديم المتوكل، وتوفي سنة (254 هـ)، ترجمته في مختصر ابن منظور (7/ 249 - 250).

(6)

انظر حوادث تلك السنة في هذا الكتاب.

(7)

وفيات الأعيان (3/ 365) وقد أوردت أغلب المصادر وفاته سنة (302 هـ) وذكره اليافعي في مرآة الجنان (2/ 239) في وفيات سنة (301 هـ).

(8)

سترد ترجمته في وفيات سنة (312 هـ).

ص: 15

والبغال والجمال شيء كثير، وأُقطع الدَّار التي بالمُخَرَّم

(1)

فسكنها، فعمل فيها ضيافة تلك الليلة، فسقى فيها أربعين ألف رطل من الثَّلْج.

وفي الصيف

(2)

من هذه السنة اشتُهِرَ ببغداد أن حيوانًا يقال له الزبزب يطوف باللَّيل يأكل الأطفالَ من الأسرَّة، ويعدو على النيام فربما قطع يد الرَّجُل وثَدْي المرأة وهو نائم، فجعل الناس يضربون على أسطحتهم بالنُّحاس من الهواوين والطُّوس

(3)

وغير ذلك؛ ينفِّرونه عنهم، حتى كانت بغداد بالليل ترتجُّ من شرقيّها وغربيّها، واصطنع الناس لأولادهم مكبَّات من السَّعَف وغير ذلك، واغتنمت اللصوص هذه الشوشة؛ فكَثُرَتِ النُّقوب وأُخذت الأموال، فأمر الخليفة بأن يؤخذ حيوان من كلاب الماء فيصلبَ على الجسر لِيَسْكُنَ الناس بذلك، فَفُعِلَ، فسكن أمر الناس ورجعوا إلى أنفسهم، واستراح الناس من ذلك.

وقُلِّدَ ثابتُ بنُ سِنَان الطَّبيب المؤرخ

(4)

أمر المارَستانات ببغداد في هذه السنة، وكانت خمسةً.

وورد الخبر من خُراسان بأنهم وجدوا قبورَ شهداء قتلوا في سنة سبعين من الهجرة مكتوبةً أسماؤهم في رقاع مربوطة بآذانهم، وأجسادُهُمْ طريَّة كما هي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

محمد بن أحمد بن الهيثم بن صالح

(5)

بن عبد الله بن الحُصَين بن عَلْقمة بن لبيد بن نعيم بن عُطارد بن حاجب بن زُرَارة، أبو الحسن التميمي، الملقب فَرُّوجة

(6)

.

قَدِمَ بغداد، وحدَّث بها، وكان ثِقَةً حافظًا.

يوسف بن الحسين بن علي

(7)

أبو يعقوب الرَّازي.

سمع أحمدَ بنَ حنبل، وصحب ذا النُّون المصري

(8)

، وروى عنه أبو بكر النَّجَّاد.

(1)

في (ط) بالحريم، وهو تحريف. والمخرَّم: محلة كانت ببغداد منسوبة إلى مخرم بن يزيد. معجم البلدان (5/ 71).

(2)

في (ط) نصف، وهو تصحيف.

(3)

مفردها طاس، وهو إناء من نحاس ونحوه يشرب فيه، والعامة يقولون طاسة. المعجم الوسيط (2/ 576).

(4)

سيرد ذكره في وفيات سنة (331 هـ) من هذا الجزء.

(5)

تاريخ بغداد (1/ 370 - 371) والمنتظم (6/ 141).

(6)

في النسخ الخطية: فورجة، وهو تصحيف، والمثبت من (ط) وتبصير المنتبه (3/ 1087).

(7)

طبقات الصوفية (185/ 191) حلية الأولياء (10/ 238 - 243) تاريخ بغداد (14/ 314 - 319) الرسالة القشيرية (22) طبقات الحنابلة (1/ 418 - 420) صفة الصفوة (4/ 102 - 103) المنتظم (6/ 141 - 143) سير أعلام البلاء (14/ 248 - 251) طبقات الأولياء (379 - 384) طبقات الشعراني (1/ 119 - 120).

(8)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (245 هـ) من هذا الكتاب.

ص: 16

روى الخطيب بسنده إليه أنه بلغه أن ذا النون يحفظ اسم الله الأعظم، فقصده ليعلّمه إياه قال: فلما وردتُ عليه استهان بي، وكانت لي لحية طويلة، ومعي رِكْوَة

(1)

طويلة

(2)

، فجاءه يومًا رجل فناظر ذا النون، فأسْكَتَ ذا النُّون، فناظرت أنا الرَّجُلَ فأسْكتُهُ، فقام ذو النون فجلس بين يديَّ، وهو شيخ وأنا شابٌّ، واعتذر إلي، فخدمْتُه سنة، ثم سألته أن يعلِّمَني الاسم الأعظم، فلم يبعد مني ووعدني، فمكثت بعد ذلك ستةَ أشهر، ثم أخرج إلي طبقًا عليه مَكَبَّةٌ مشدودًا

(3)

بمنديل، وقال لي: اذهب بهذا إلى صاحبنا فلان. قال: فجعلت أفكر في الطريق: ما هذا الذي قد أرسلني به؟ فلما وصلتُ الجسر فتحته فإذا فيه فأرة، فقفزتْ وذهبت، فاغتظتُ غيظًا شديدًا، وقلت: ذو النُّون يسخر بي؟! فرجعت إليه وأنا حَنِقٌ فقال لي: ويحك، إنما اختبرتك، فإذا لم تكن أمينًا على فأرة فأَنْ لا تكون أمينًا على الاسم الأعظم بطريق الأَوْلى، اذهب عني، فلا أراك بعدها

(4)

.

وقد رؤي ابن

(5)

الحسين الرَّازي هذا في المنام بعد موته فقيل له: ما فَعَلِ الله بك؟ فقال: غفر لي بقولي عند الموت: اللهم، إني نصحت للنَّاس قولًا وخُنْتُ نفسي فِعْلًا، فهَبْ لي خيانة فِعْلي لنصح قولي.

يموت بن المُزَرِّع بن يموت

(6)

، أبو بكر العَبْدي من عبد القَيْس، وهو بَصْري

(7)

، وكان ابنَ أُخت الجاحظ.

قَدِمَ بغداد، وحدَّث بها عن أبي عُثْمان المازني، وأبي حاتِم السَّجِسْتاني، وأبي الفضل الرِّياشي، وكان صاحب أخبار وآدابٍ ومُلَحٍ، وقد كان غَيَّر اسمه بمحمد، فلم يَغْلِبْ عليه إلا الأول، وكان إذا ذهب يعود مريضًا فدقّ الباب فقيل: من؟ فيقول: ابن المُزَرِّع، ولا يذكر اسمه لئلا يتطيروا

(8)

به.

(1)

إناء صغير من جلد يُشرب فيه الماء. اللسان (ركا).

(2)

كأنه استشنع منظره، فلم يلتفت إليه.

(3)

في (ط) مستورًا.

(4)

تاريخ بغداد (14/ 316 - 317) وقد بسط الخبر ثمة.

(5)

في النسخ الخطية و (ط) أبو الحسين، وهو وهم.

(6)

طبقات النحويين واللغويين (235 - 236) معجم الشعراء للمرزباني (510) جمهرة أنساب العرب (2/ 298) تاريخ بغداد (3/ 308، 14/ 358 - 360) نزهة الألباء (163 - 164) المنتظم (6/ 143) معجم الأدباء (20/ 57 - 58) إنباه الرواة (4/ 74) وفيات الأعيان (7/ 53 - 59) سير أعلام النبلاء (14/ 247 - 248) غاية النهاية (2/ 392).

(7)

في النسخ الخطية و (ط) ثوري، ولم أر لها وجهًا، والمثبت مما ذكرته مصادر ترجمته.

(8)

في النسخ الخطية و (ط) يتفاءلوا، ولا وجه لها، والمثبت من وفيات الأعيان (7/ 54).

ص: 17

‌ثم دخلت سنة خمس وثلاثمئة

فيها قَدِمَ رسول ملك الرُّوم في طلب المفاداة والهُدْنة، وهو شابٌّ حَدَث السن، ومعه شيخ منهم وعشرون غلامًا، فلما وَرَد بغداد شاهد أمرًا هائلًا جدًّا، وذلك أن الخليفة المقتدر بالله أمر بالاحتفال بذلك ليشاهد ما فيه إرهاب الأعداء؛ ركب الجيش بكماله يومئذٍ وكان مئة ألف وستين ألفًا، ما بين فارس وراجل

(1)

، في الأسلحة التَّامة، وغِلْمان الخليفة سبعة آلاف؛ أربعة آلاف أبيض، وثلاثة آلاف أسود، في غاية الملابس والعُدَد والحِلْية، والحَجَبَة يومئذٍ سبعمئة حاجب، وأما الطَّيَّارات التي بدِجْلة والزَّبازب والسُّمَيْرِيَّات

(2)

فشيء كثير، مزينة، وحين دخل الرَّسول دارَ الخلافة شاهد أمرًا أدهشه، ورأى من الحِشْمة والزَّينة والحُرْمة ما يُبْهر الأبصار، وحين اجتاز بالحاجب ظَنَّ أنه الخليفة فقيل له: هذا الحاجب الكبير، فَمَرَّ بالوزير في أُبهته فظنَّه الخليفة فقيل: هذا الوزير. وقد زينت دار الخلافة بزينة لم يُسمع بمثلها، كان فيها يومئذ من الستور ثمانية وثلاثون ألف سِتر؛ منها اثنا عشر ألف سترٍ وخمسمئة مُذْهَبة، وقد بُسط فيها اثنان وعشرون ألف بساط، وفيها من الوحوش قُطعان متآنسة بالنَّاس، بحيث تأكل من أيديهم ومئة سَبُعٍ من السَّباع، ثم أدخل إلى دار الشجرة، وهي عبارة عن بِرْكة فيها ماء صافٍ، وفي وسط ذلك الماء شجرة من ذهب وفِضَّة لها ثمانية عشر غُصنًا أكثرها من ذهب، وفيها الشماريخ

(3)

والأوراق الملونة، عليها طيور مصنوعة من الذهب والفِضَّة واللآلئ تصوِّتُ بأنواع الأصوات من الماء المسلَّط عليها، والشجرة بكمالها تتمايل كما تتمايل الأشجار بحركاتٍ عجيبة تُدْهش من يراها وينظر إليها، ثم أُدخل إلى مكان يسمونه الفِرْدَوْس، فيه أنواع المفارش والآلات ما لا يحدُّ ولا يوصف كثرة وحُسْنًا، وفي دَهاليزه ثمانية عشر ألف جَوْشَن

(4)

مُذْهَب، وما زال كلَّما مَرَّ على مكان أدْهَشّه وأَخَذَ ببصره حتى انتهى إلى الخليفة المقتدر باللّه، وهو جالس على سريرٍ من آبَنُوس، قد فُرش بالدَّبيقي المطرَّز

(5)

، وعن يمين السرير تسعة عقود

(6)

معلَّقة، وعن يساره تسعة أخرى من أفخر الجواهر، يعلو ضوؤها على ضوء

(1)

في (ط): غير العساكر الخارجة في سائر البلاد مع نوابها، فركبوا.

(2)

الطيارات والزبازب والسميريات؛ أنواع من السفن.

(3)

مفرد شمراخ وشمروخ: وهو غصن دقيق رَخْصٌ ينبت في أعلى الغصن الغليظ خرج في سنَتِه رَخْصًا. اللسان (شمروخ).

(4)

الدرع. اللسان (جشن).

(5)

في (ط): بالذهب وانظر عن الدبيقي حاشيتنا وفيات سنة (303 هـ) من هذا الجزء.

(6)

في (ط) سبعة عشر عنقود معلقة، وهي تحريف.

ص: 18

النَّهار

(1)

، فأُوقف الرسول والذي معه بين يدي الخليفة على نحو مئة ذراع، والوزير عليُّ بن محمَّد بن الفُرَات واقفٌ بين يدي الخليفة والتُّرْجُمان دون الوزير، فجعل الخليفة يخاطب الوزير والوزير يخاطب التُّرْجُمان، والتُّرْجمان يخاطبهما، ثم خَلَع عليهما

(2)

، وأطلق لهما خمسين سقرقًا، في كل سقرق خمسة آلاف دِرْهم، وأُخرجا من بين يديه، وطيف بهما في بقية دار الخلافة، وعلى حافَات دِجْلة الفيلة والزَّرَافة والسِّبَاع والفُهود وغير ذلك، وهذا من أغرب ما وقع من الحوادث في هذه السَّنة.

وحجَّ بالنَّاس فيها الفَضْل الهاشمي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

سليمان بن محمد بن أحمد أبو موسى

(3)

، النَّحْوي الكوفي، المعروف بالحامض

(4)

.

صَحِبَ ثَعْلبًا

(5)

أربعين سنة، وخَلَفَه في حَلْقَته.

وصنَّف "غريب الحديث"، و "خَلْق الإنسان"، و "الوحوش" و "النَّبات"، وكان دَيِّنًا صالحًا.

روى عنه أبو عمر الزَّاهد

(6)

.

توفي ببغداد في ذي الحِجَّة منها، ودُفِنَ بباب التِّبْن

(7)

.

وعبد الله بن شِيْرَوَيْه الحافظ

(8)

، وعِمْران بن مُجَاشِع

(9)

، وأبو خليفة الفَضْل بن الحُباب

(10)

.

(1)

في (ط): ليس لواحدة منها قيمة ولا يستطاع ثمنها.

(2)

في ط: فلما فرغ منهما خلع عليهما.

(3)

طبقات النحويين واللغويين (170) وفيه محمد بن سليمان، وهو خلاف المشهور. تاريخ بغداد (9/ 61) الأنساب (4/ 30) نزهة الألباء (165 - 166) المنتظم (6/ 145) معجم الأدباء (11/ 253 - 255) اللباب (1/ 271) وفيات الأعيان (2/ 406) النجوم الزاهرة (3/ 193).

(4)

في (ط) الجاحظ، وهو تحريف. وإنما قيل له الحامض لأن أخلاقه كانت شرسة. وفيات الأعيان (2/ 406).

(5)

سلفت ترجمة ثعلب في وفيات سنة (291 هـ) من هذا الكتاب.

(6)

سترد ترجمته في وفيات سنة (345 هـ).

(7)

في (ط) التين، وهو تصحيف. والتبن - بالموحدة التحتية - اسم محلة كبيرة كانت ببغداد، معجم البلدان (1/ 306 - 307).

(8)

في (ط) عبد الله بشرويه، وهو تحريف، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه. ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 166 - 168).

(9)

عمران بن موسى بن مجاشع، محدث جرجان في زمانه، ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 136 - 137).

(10)

إمام، علامة، محدث، أديب، إخباري، عاش مئة عام سوى أشهر. ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 7 - 11).

ص: 19

وقاسم بن زكريا بن يحيى المُطَرِّز المقرئ

(1)

.

أحد الثِّقات الأثبات.

سَمِعَ أبا كُرَيْب، وسُوَيْد بن سعيد.

وعنه: الخُلْدي، وابن الجِعَابي

(2)

.

توفي ببغداد في هذه السَّنة.

‌ثم دخلت سنة ست وثلاثمئة

في أوَّل يوم من المُحرَّم وهو مستهل هذه السنة فُتح المارَسْتان الذي بنته السَّيِّدة أمُّ المقتدر، وجلس فيه سِنَان بن ثابت الطبيب، ورُتِّبت فيه الأطباء والخَدَم والقوَمة، وكانت نفقَتُه في كل شهر ستمئة دينار، وأشار سنان بن ثابت على الخليفة ببناء مارَسْتان، فقبل منه وبني، وسُمِّيَ المُقْتدري.

وفيها وردت الأخبار عن أمراء الصَّوائف بما فتح الله عليهم من الحصون في بلاد الرُّوم.

وفيها شَغَبَ العامة وأرجفوا بموت المقتدر بالله، فركب في الجحافل حتى بلغ الثُّريا، ورجع من باب العامة، ووقف طويلًا ليراه الناس، ثم ركب إلى الشَّمَّاسية، وانحدر إلى دار الخلافة في دِجْلة، فَسَكَنتِ الفِتَن.

وفيها قلَّد المقتدر حامدَ بنَ العبَّاس الوِزارة، وخَلَعَ عليه، وخرج من عنده وخَلْفَه أربعمئة غلام لنفسه، [فمكث أيامًا](3) ثم تبين عجزُه [عن القيام بالأمور]

(3)

فأخرج علي بن عيسى وجُعل معه لينفذ الأمور، وينظر معه في الأعمال، وكان أبو علي بن مُقْلة ممن يكتب أيضًا بحضرة حامد بن العباس الوزير، ثم صارت المنزلة كلها لعلي بن عيسى، واستقلَّ بالوزارة في السنة الآتية.

وفيها أمرت السيدة أم المقتدر قَهْرمانةً لها تعرف بمثل أن تجلس في التُّرْبة التي بنتها بالرُّصافة في كل يوم جمُعة، وأن تنظرَ في المظالم التي ترفع إليها في القِصَص، وحَضَرَ في مجلسها القُضاة والفقهاء.

وحجَّ بالنَّاس فيها الفَضْل بن عبد الملك الهاشمي.

(1)

تاريخ بغداد (12/ 441) المنتظم (6/ 146) سير أعلام النبلاء (14/ 149 - 150) معرفة القراء (1/ 240).

(2)

في (ط) أبو الجعابي، وهو تحريف، وسترد ترجمته في وفيات سنة (355 هـ).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 20

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن أحمد بن الحارث

(1)

، أبو القاسم الكِلابي، الشَّافعي.

سمع الحارث بن مسكين

(2)

، وغيره، وكان رجلًا صالحًا، تفقَّه

(3)

على مذهب الشَّافعي، [وكان]

(4)

يحبُّ الخَلْوة والانقباض، توفِّيَ في شعبان منها.

أحمد بن الحسن الصوفي

(5)

.

أحد مشايخ الحديث المكثرين المعمَّرين.

أحمد بن عمر بن سُرَيج

(6)

أبو العبَّاس، القاضي بشيراز، وله

(7)

نحو أربعمئة مصنَّف.

[وكان]

(8)

أحد أئمة الشَّافعية، ويلقب بالباز الأشْهب، وكان قد أخذ الفِقْه عن أبي القاسم الأنْماطيِّ

(9)

، وعن أصحاب الشَّافعي: كالمُزني

(10)

وغيره، وعنه انتشر مذهب الشَّافعي في الآفاق، وقد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشافعية" بما فيه مقنع.

توفي في جُمادى الأولى منها عن سَبْعٍ وخمسين سنة وستة أشهر، رحمه الله.

وقال ابن خَلِّكان: توفي يوم الإثنين الخامس والعشرين من ربيع الأوَّل، وعمره سبع وخمسون سنة وستة أشهر

(11)

، وقبره يزار، رحمه الله

(12)

.

(1)

المنتظم (6/ 148).

(2)

قاضي مصر، ثقة فقيه، توفي سنة (250 هـ) ملحق قضاة مصر (502 - 505).

(3)

في النسخ الخطية: ثقة، والمثبت من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

تاريخ بغداد (4/ 82 - 86) طبقات الحنابلة (1/ 36 - 37) والمنتظم (6/ 149) سير أعلام النبلاء (14/ 152 - 153) ميزان الاعتدال (1/ 91) الوافي بالوفيات (6/ 305) لسان الميزان (1/ 151 - 153) شذرات الذهب (2/ 247).

(6)

تاريخ بغداد (4/ 287 - 290) طبقات الفقهاء للشيرازي (108 - 109) المنتظم (6/ 149 - 150) وفيات الأعيان (1/ 66 - 67) سير أعلام النبلاء (14/ 201 - 204) تذكرة الحفاظ (3/ 811 - 813). طبقات الشافعية للسبكي (3/ 39 - 21).

(7)

في (ط): وصنف.

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (288 هـ) من هذا الكتاب.

(10)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (264 هـ) من هذا الكتاب.

(11)

في (ط) ثلاثة أشهر، وهو تحريف.

(12)

وفيات الأعيان (1/ 67).

ص: 21

أحمد بن يحيي

(1)

أبو عبد الله الجَلَّاء

(2)

.

بغدادي، سكن الشَّام، وصَحبَ أبا تراب النَّخْشَبي

(3)

، وذا النُّون المِصْري.

روى أبو نُعَيْم بسنده عنه قال: قلت لأبويَّ وأنا شاب: إني أحبُّ أن تَهباني لله عز وجل [فقالا: قد وهبناك لله]

(4)

، فغِبْتُ عنهما مُدَّة طويلة، ثم رَجَعْتُ إلى بلدنا عِشاءً في ليلة مطيرة، فانتهيت إلى الباب فدققته

(5)

فقالا: منْ هذا؟ فقلت: أنا فلان ولدكما، فقالا: إنه قد كان لنا ولد وَوَهَبْناه لله عز وجل، إنَّا من العرب

(6)

، لا نَرْجِعُ فيما وهبنا. ولم يفتحا لي الباب

(7)

.

الحسن بن يوسف بن [يعقوب بن]

(8)

إسماعيل بن حمَّاد بن زيد

(9)

: القاضي أبو يعلي، وهو أخو القاضي أبي عمر محمد بن يوسف

(10)

، وكان إليه ولاية القَضاء بالأُرْدُنّ.

عبد الله بنُ أحمد بن موسى بن زياد

(11)

: أبو محمد، الجَوَاليقي، القاضي، المعروف بعَبْدان، الأهْوازي.

ولد سنة ست عشرة ومئتين.

وكان أحدَ الحُفَّاظ الأثبات، يحفظ مئةَ ألفِ حديث، جَمَعَ المشايخ والأبواب.

روى عن هُدْبة، وكامل بن طلحة، وغيرهما.

وعنه: ابن صاعد، والمحاملي، وغيرهما.

(1)

طبقات الصوفية (176 - 179) حلية الأولياء (10/ 314 - 315) تاريخ بغداد (5/ 213 - 215) الرسالة القشيرية (20) الأنساب (3/ 397 - 398) المنتظم (6/ 148 - 149) صفوة الصفوة (2/ 443 - 444) سير أعلام النبلاء (14/ 251 - 252) مختصر ابن منظور (3/ 322 - 325) طبقات الأولياء (81 - 83) طبقات الشعراني (1/ 116).

(2)

في (ط) الجلاد، وهو تصحيف.

(3)

هو عسكر بن حصين، مشهور بكنيته، شيخ عصره في الزهد والتصوف، توفي سنة (245 هـ). ترجمته في طبقات الصوفية (146 - 151).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

في (ط) فدفعته.

(6)

في (ط) ونحن من العرب.

(7)

حلية الأولياء (10/ 315).

(8)

ما بين حاصرتين من تاريخ بغداد (8/ 147).

(9)

تاريخ بغداد (8/ 147) وفيه الحسين. والمنتظم (6/ 150).

(10)

سترد ترجمته في وفيات عام (320 هـ).

(11)

تاريخ بغداد (9/ 378 - 379) الأنساب (3/ 335) المنتظم (6/ 150 - 151) سير أعلام النبلاء (14/ 168 - 173) تذكرة الحفاظ (2/ 688 - 689) تهذيب ابن عساكر (7/ 287 - 288).

ص: 22

محمد بن بابشاذ أبو عبيد الله البَصْري

(1)

: سكن بغداد، وحدَّث بها عن عبيد الله بن معاذ العَنْبري

(2)

، وبِشْر بن معاذ العَقَدي، وغيرهما.

وفي حديثه غرائب ومناكير

(3)

.

توفي في شوَّال من هذه السنة.

محمد بن الحسين بن شهريار

(4)

: أبو بكر، القَطَّان، بَلْخي الأصل.

روى عن الفَلَّاس، وبشر بن معاذ.

وعنه أبو بكر الشَّافعي، وابن الجِعابي.

كذَّبه ابن ناجية، وقال الدَّارقُطْني: ليس به بأس.

محمد بن خَلَف بن حَيَّان

(5)

بن صَدَقة بن زياد

(6)

: أبو بكر الضَّبي، القاضي المعروف بوكيع.

كان عالمًا فاضلًا عارفًا بأيام النَّاس، فقيهًا قارئًا نَحْويًا، له مصنَّفات؛ منها: كتاب "العَدَد"

(7)

، وولي القضاء بالأهْواز.

وحدَّث عن الحسن بن عَرَفة، والزبير بن بَكَّار وغيرهما.

وعنه: أحمد بن كامل، وأبو علي الصَّوَّاف، وغيرهما.

ومن شعره قوله:

إذا ما غَدتْ طلَّابةُ العِلْم تَبْتَغي

مِنَ العِلْم يومًا ما يخلَّدُ في الكُتْبِ

غَدَوْتُ بِتَشْميرٍ وجِدٍّ عليهمُ

وَمِحْبَرَتِي أُذْني

(8)

ودَفْتَرُها قَلْبي

(1)

تاريخ بغداد (2/ 105 - 107) المنتظم (6/ 151) ميزان الاعتدال (3/ 448 - 489).

(2)

في النسخ الخطية: معاذ العنبري، وهو تحريف والمثبت من (ط)، وتهذيب التهذيب (7/ 48 - 49).

(3)

هذه عبارة الخطيب في تاريخه، وقد ساق له من غرائبه ومناكيره.

(4)

تاريخ بغداد (2/ 232 - 233) المنتظم (6/ 151).

(5)

انفرد السمعاني (8/ 146) بأنه جيان - بالجيم والياء آخر الحروف - ووهم المعلق على تاريخ بغداد في نسبة هذا الرسم إلى المشتبه، فالمذكور فيه غير هذا، انظر المشتبه (1/ 131).

(6)

تاريخ بغداد (5/ 236 - 237) الأنساب (8/ 146 - 147) المنتظم (6/ 152) وفيات الأعيان (2/ 106 - 107) سير أعلام النبلاء (14/ 237) ميزان الاعتدال (3/ 538) الوافي بالوفيات (3/ 43 - 44).

(7)

في (ط) عدد آي القرآن.

(8)

في (ح) نطقي.

ص: 23

منصور بن إسماعيل بن عمر

(1)

: أبو الحسن الفقيه

(2)

، أحد أئمة الشَّافعية، وله مصنَّفات في المذهب، وله الشعر الحسن.

قال ابن الجَوْزي: ويظهرُ في شِعْره التشيع، وكان جُنْديًا، ثم كُفَّ بصره، وسكن الرَّمْلة، ثم قَدِم مصر حتى كانت وفاته بها

(3)

.

أبو نصر المحب

(4)

: أحد مشايخ الصُّوفية، كان له كرمٌ وسخاء ومروءة

(5)

.

‌ثمَّ دخلت سنة سبع وثلاثمئة

في صفر منها وقع حريق بالكَرْخ في الباقلائيين، هلك فيه خَلْقٌ كثير من النَّاس.

وفي ربيع الآخر منها دخل بأسارى من الكُرْج

(6)

نحو من مئة وخمسين أسيرًا أنقذهم الأمير بدر الحَمَامي

(7)

.

وفي ذي القَعْدة [منها]

(8)

انقضَّ كوكب عظيم غالب الضوء، وتقطع ثلاث قِطَع، وسُمِعَ بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غَيْم؛ ذكره ابن الجَوْزي

(9)

.

وفيها دخلتِ القرامطة إلى البَصْرة؛ فأكثروا فيها الفساد.

وفيها عُزِلَ حامد بن العَبَّاس عن الوزارة، وأُعيد إليها أبو الحسن علي بن عيسى

(10)

.

(1)

طبقات الفقهاء للشيرازي (107 - 108) المنتظم (6/ 152) معجم الأدباء (19/ 185 - 190) وفيات الأعيان (5/ 289 - 292) نكت الهميان (297 - 298) طبقات الشافعيه للسبكى (3/ 478 - 483).

(2)

في (ط) الفقير، وهو تصحيف.

(3)

المنتظم (6/ 152) ولوفاته قصة ذكرها السبكي في طبقاته (3/ 479 - 481).

(4)

المنتظم (6/ 152 - 153).

(5)

في (ط): ومر بسائل سأل، وهو يقول: شفيعي إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق أبو نصر إزاره وأعطاه نصفه، ثم مشى خطوتين، ثم رجع إليه، فأعطاه النصف الآخر، وقال: هذا نذالة.

(6)

في (ب) و (ظا) و (ط) الكرخ، وهو تصحيف. والكرج: جيل من الناس نصارى استولوا من بعد على تفليس. معجم البلدان (4/ 446).

(7)

في (ط) الحماني، وهو تصحيف، وسترد ترجمته في وفيات سنة (311 هـ).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

المنتظم (6/ 153).

(10)

في الأصول الخطية و (ط) أبو الحسن بن الفرات المرة الثالثة وهو وهم تابع فيه المؤلف ابن الجوزي في المنتظم (6/ 153) فابن الفرات كان مسجونًا في هذا الوقت انظر تاريخ الأمراء للصابي (33) والكامل لابن الأثير (8/ 117).

ص: 24

وفيها كسرتِ العامَّة أبوابَ السُجون؛ فأخرجوا من كان بها: فأدركتِ الشُّرَط الذين أُخرجوا من السَّجن، فلم يفتهم أحدٌ منهم، بل ردُّوا كلهم إلى السجون.

وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة أحمد بن العبَّاس أخو أُم موسى القَهْرمانة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن علي بن المثنَّى

(1)

أبو يعلى المَوْصلى: صاحب "المسند" المشهور.

سَمِعَ الإمام أحمد بن حنبل وطبقته، وكان حافظا كثيرًا

(2)

، حسن التصنيف، عَدْلًا فيما يرويه، ضابطًا لما يحدِّث به.

إسحاق بن عبد الله بن إبراهم بن عبد الله بن سَلَمة

(3)

: أبو يعقوب، البزَّاز، الكُوفي.

رحل إلى الشَّام ومصر، وكتب الكثير، وصنَّف "المسند"، واستوطن بغداد، وكان من الثِّقات.

وروى عنه: ابن المُظَفَّر الحافظ.

وكانت وفاته في شوالها.

جعفر بن محمد بن موسى

(4)

أبو محمد الأعرج: النَّيْسابوري الحافظ.

قدم بغداد، وروى عنه: الطبراني، والأَزْدي، وغيرهما من الحُفَّاظ، وكان ثقة، حافظًا، عارفًا.

توفي بحلب في هذه السَّنة.

زكريا بن يحيى السَّاجي

(5)

: الفقيه المحدِّث، شيخ أبي الحسن الأشْعري

(6)

في السُّنَّة والحديث.

علي بن سهل بن الأَزْهر

(7)

أبو الحسن: الأصْبهاني.

(1)

سير أعلام النبلاء (14/ 174 - 182) تذكرة الحفاظ (2/ 707 - 708) الوافي بالوفيات (7/ 241).

(2)

في (ط) خيرًا.

(3)

المنتظم (6/ 154).

(4)

تاريخ بغداد (7/ 203 - 204) المنتظم (6/ 154) سير أعلام النبلاء (14/ 265) تذكرة الحفاظ (2/ 750 - 751).

وهذه الترجمة سقط بعضها من (ط)، مما جعلها تدرج في الترجمة السالفة.

(5)

طبقات الفقهاء للشيرازي (104) سير أعلام النبلاء (14/ 197 - 200) تذكرة الحفاظ (2/ 709 - 710) ميزان الاعتدال (2/ 79) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 299 - 301).

(6)

سترد ترجمته في وفيات سنة (324 هـ).

(7)

طبقات الصوفية (233 - 236) حلية الأولياء (10/ 404 - 405) تاريخ أصبهان (2/ 14) الرسالة القشيرية (23) المنتظم (6/ 155) طبقات الشعراني (1/ 124).

ص: 25

كان أولًا مترفًا، ثم صار

(1)

زاهدًا عابدًا، يبقى الأيام لا يأكل [فيها]

(2)

شيئًا، وكان يقول: ألهاني الشوق [إلى الله]

(3)

عن الطَّعام والشَّراب، وكان يقول: أنا لا أموت كما يموتون بالأعلال والأسقام، إنما هو دعاء وإجابة، أُدعي فأُجيب. فكان كما قال؛ بينما هو جالسٌ في جماعة إذ قال: لبيك، ووقع مَيْتًا.

محمد بن هارون الرُّوياني: صاحب "المسند"

(4)

. وابن ذَرِيح

(5)

العُكْبَرِي. والهيثم بن خَلَف

(6)

.

‌ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمئة

غلتِ الأسعار في هذه السنة ببغداد، فاضطربتِ العامة، وقصدوا دار حامد بن العَبَّاس الذي ضمن قرايا

(7)

من الخليفة، فغلت الأسعار بسبب ذلك، وعَدَوا في ذلك اليوم - وكان يوم الجمعة - على الخطيب، فمنعُوه الخُطْبة، وكسروا المنابر ودكك

(8)

الشُّرَط، وحرقوا جسورًا كثيرة، وأمر الخليفة بقتال العامة، ثم نَقَضَ الضَّمان الذي كان حامد بن العَبَّاس ضَمِنَه؛ فانحطتِ الأسعار، وأبيع الكُر

(9)

بناقص خمسة دنانير؛ فطابت أنفس العامة بذلك وسكنوا.

وفي تموز من هذه السنة وقع برد شديد جدًّا بحيث إن الناس نزلوا من الأسطحة، وتدثَّروا باللُّحُف والأكسية، ووقع في شتاء هذه السنة ثلج

(10)

عظيم، وكان فيها برد شديد جدًّا بحيث أضرَّ ذلك ببعض النخيل.

وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة أحمد بن العَبَّاس أخو القَهْرمانة.

(1)

في النسخ الخطية: كان، والمثبت من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 507 - 510).

(5)

في (ط) دريج، وهو تصحيف، وهو محمد بن صالح بن ذريح، أبو جعفر، ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 259 - 260).

(6)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 261 - 262).

(7)

كذا في (ب) و (ظا)، وهو جمع قرية، ولكن لا يصح. وفي (ح) سرايا وفي (ط) براثى، وفي المنتظم (6/ 156) بلدانًا، وهو الأشبه، وفي تاريخ الإسلام للذهبي (7/ 15) أنه ضمن السواد.

(8)

في (ط) وقتلوا، وهو تحريف.

(9)

مكيال لأهل العراق. اللسان (كرر).

(10)

في (ط) بلغم، وهو تحريف.

ص: 26

‌وتوفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن سفيان الفقيه

(1)

: راوي "صحيح مسلم" عنه.

أحمد بن الصَّلْت

(2)

بن المُغَلِّس، أبو العباس الحِمَّاني: أحد الوضَّاعين للأحاديث.

روى عن عمِّه

(3)

جُبَارة بن المُغَلِّس، وأبي نُعَيْم، ومسلم بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي عُبيد القاسم بن سلَّام، وغيرِهم أحاديث كلها وضعها هو في مناقب أبي حنيفة وغير ذلك.

وحكى عن يحيى بن مَعين، وعلي بن المديني، وبشر بن الحارث أخبارًا كلها كذب.

قال أبو الفرج بن الجَوْزي: قال لي محمد بن أبي الفَوارس: كان أحمد بن الصَّلْت يضع الحديث

(4)

.

إسحاق بن أحمد الخُزاعي

(5)

. والمُفَضَّل الجَنَدي

(6)

. وعبد الله بن محمد بن وَهْب الدِّينوري

(7)

.

وعبد الله بن ثابت بن يعقوب

(8)

أبو محمد: المقوئ النَّحْوي، التَّوَّزِي.

سكن بغداد، وروى عن عمر

(9)

بن شَبَّة. وعنه أبو عمرو السَّمَّاك.

ومن شِعْره

(10)

:

إذا لم تكنْ حافظًا واعيًا

فعِلْمُكَ في البيتِ لا ينفَعُ

وتحضُرُ بالجَهْلِ في مَجْلسٍ

وعِلْمُكَ في الكُتْبِ مُسْتَوْدَعُ

ومَنْ يكُ في دَهْره هكذا

يكنْ دَهرهُ القَهْقَرَى يَرْجعُ

* * *

(1)

الكامل (8/ 123) سير أعلام النبلاء (14/ 311 - 313).

(2)

تاريخ بغداد (4/ 207 - 210) المنتظم (6/ 156 - 157) ميزان الاعتدال (1/ 105).

(3)

في النسخ الخطية و (ط) خاله، وهو وهم، انظر تاريخ بغداد (4/ 207).

(4)

المنتظم (6/ 157).

(5)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 289).

(6)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 257 - 258).

(7)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 400 - 402).

(8)

تاريخ بغداد (9/ 426 - 427) المنتظم (6/ 158).

(9)

في (ط) عمرو، وهو تحريف.

(10)

في (ط): الجيد.

ص: 27

‌ثم دخلت سنة تسع وثلاثمئة

فيها وقع حريقٌ كثير في نواحي بغداد؛ وذلك بسبب زِنْديق قُتِلَ؛ فألقى منْ كان منْ جهته الحريق في أماكن كثيرة، فهلك بسب ذلك خَلْقٌ كثير من النَّاس.

وفيها في جمادى الأولى قلَّد المقتدر بالله مؤنسًا الخادمَ بلاد مِصْر والشَام، ولقَّبه المُظَفَّر، وكتب بذلك

(1)

في المراسلات إلى الآفاق.

وفي ذي القَعْدة [منها]

(2)

أُحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطُّبري رحمه الله إلى دار الوزير عيسى بن علي لمناظرة الحنابلة في أشياءَ نقموها عليه، فلم يحضروا ولا واحدٌ منهم.

وقدَّم الوزير حامد بن العَبَّاس للخليفة بستانًا بناه وسمَّاه النَّاعورة قيمتُهُ مئة ألف دينار، وفَرَشَ مساكنه بأنواع المفارش المفتخرة.

وفي هذه السنة كان مقتل الحسين بن منصور الحَلَّاج، ولنذكر شيئًا منْ ترجمته وسيرته، وكيفية مقتله على وجه الإيجاز وبيان المقصود

(3)

، وهذه نُبْذة من سيرته وأحواله، وكشف سريرته وأقواله

(4)

.

الحسين بن منصور

(5)

بن مَحْمِي، الحَلَّاج، أبو مغيث: ويقال: أبو عبد الله، كان جده مجوسيًا اسمه مَحْمِي من أهل فارس

(6)

، نشأ بواسط، ويقال بتُسْتر، ودخل بغداد، وتردد إلى مكة مرارًا للحج وجاور بها

(7)

سنوات متفرقة، وكان يُصابر نفسَه ويجاهدُها، فلا يجلس إلا تحت السماء في وسط المسجد في البرد والحرِّ، ولا يأكل إلا بعض قرص، ويشرب قليلًا من الماء معه، وذلك وفت الفُطور مدة سنة كاملة، ويجلس على صخرة في قتَاله

(8)

الحَرِّ في جبل أبي قُبَيْس.

(1)

في (ط) وأمر بكتب ذلك.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ط): بطريق الإنصاف والعدل من غير تحمل ولا هوى ولا جور.

(4)

في (ط): ترجمة الحلاج، ونحن نعوذ باللّه أن نقول عليه ما لم يكن قاله، أو نتحمل عليه في أقواله وأفعاله، فنقول هو!

(5)

طبقات الصوفية (307 - 311) تاريخ بغداد (8/ 112 - 141) المنتظم (6/ 160 - 164) وفيات الأعيان (2/ 140 - 146) سير أعلام النبلاء (14/ 313 - 354).

(6)

في (ط): من بلدة يقال لها البيضاء.

(7)

في (ط) تقديم وتأخير في العبارة، والفحوى واحد.

(8)

في (ب) و (ظا) قبالة الحرم، وفي (ط) شدة الحر، وفي تاريخ بغداد (8/ 119): جالس على صخرة من أبي قيس في الشمس والعرق يسيل منه. والمثبت من (ح) وهو الأشبه.

ص: 28

وقد صحب جماعة من سادات مشايخ الصُّوفية، كالجُنيد بن محمد، وعمرو بن عُثْمان المكِّي، وأبي الحسين النُّوري.

قال الخطيب البغدادي: والصُّوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن يكون الحلَّاج منهم، وأبى أن يعدَّه فيهم، وقَبِلَهُ من متقدِّميهم: أبو العَبَّاس بن عطاء البغدادي، ومحمد بن خفيف الشِّيْرازي، وإبراهيم بن محمد النَّصْرَأباذي النَّيْسابوري، وصحَّحُوا له حاله، ودوَّنوا كلامه، حتى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالمٌ ربَّاني

(1)

.

وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي - واسمه محمد بن الحسين - سَمِعْتُ إبراهيم بن محمد النَّصْرَ أباذي وعُوتب في شيء حُكي عن الحلاج في الرُّوح فقال لمن

(2)

عاتبه: إن كان بعد النَّبيين والصدِّيقين موحِّدٌ فهو الحلَّاج.

قال أبو عبد الرحمن: وسمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الشِّبلي يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئًا واحدًا، إلا أنه أظهر وكتمتُ. وقد رُوي عن الشِّبْلي من وجه آخر أنه قال، وقد رأى الحلاج مصلوبًا: ألم ننهك عن العالمين

(3)

؟

قال الخطيب: والذين نفوه من الصُّوفية نسبوه إلى الشَّعبذة في فعله، وإلى الزَّندقة في عقد

(4)

. قال: وله إلى الآن أصحابٌ ينسبون إليه ويَغْلُون فيه

(5)

، وقد كان الحلاج حسن العبارة، حلو المنطق

(6)

، وله شِعْر على طريقة التصوف

(7)

.

قلت: لم يزل النَّاس منذ قُتل الحلاج مختلفين في أمره، فأما الفقهاء فقد حُكي عن غير واحد من الأئمة

(8)

اجتماعهم على قتله، وأنه

(9)

كان كافرًا ممخرقًا، مموِّهًا مشعبذًا، وكذلك قول أكثر الصُّوفية فيه، ومنهم طائفة - كما تقدَّم - أجملوا القول فيه، وغرَّهم ظاهرُه، ولم يطَّلعوا على باطنه، وكأنه قد

(1)

تاريخ بغداد (8/ 112).

(2)

في (ط) للذي.

(3)

ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (19) وفي كلمة الشبلي إشارة إلى الآية الكريمة (70) من سورة الحجر: {قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} .

(4)

في (ط) في عقيدته وعقده.

(5)

في (ط) ويغالون فيه ويغلون.

(6)

في (ط) وقد كان الحلاج في عبارته حلو المنطق.

(7)

في (ط) الصوفية. وانظر تاريخ بغداد 8/ 112، وما في نسخنا المخطوطة يوافق عبارة الخطيب.

(8)

في (ط): من العلماء والأئمة.

(9)

في (ط): وأنه قتل كافرًا، وكان كافرًا.

ص: 29

كان في ابتداء أمره فيه تعبُّد وتألُّه وسلوكٌ، ولكن لم يكن له عِلْم يَسْلُك به في عبادته، فدخل عليه الداخل بسبب ذلك كما قال بعض السَّلف: منْ عَبَد الله بغير عِلْم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه

(1)

وعن سُفْيان بن عُيينة أنه قال: مَنْ فسد من علمائنا كان فيه شَبَه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا كان فيه شبهٌ من النَّصارى. ولهذا دخل على الحلَّاج باب الحلول والاتحاد، فصار من أهل الانحلال والإلحاد

(2)

.

وقد ورد من غير وجه أنه تقلَّبت به الأحوال وتردَّد إلى البُلْدان، وأقام ببلدان شتى، وهو في ذلك كلِّه يُظهر للناس أنه من الدُّعاة إلى الله عز وجل. وصحَّ أنه دخل الهند ليتعلَّم السِّحْر وقال: أدعو به إلى الله. وكان أهل الهند يكاتبونه بالمغيث

(3)

، ويكاتبه أهل تُرْكِسْتَان

(4)

بالمقيت، ويكاتبه أهل خُرَاسان بالمميز، وأهل فارس بأبي عبد الله الزَّاهد، وأهل خُوزستان بأبي عبد الله الزَّاهد حلَّاج الأسرار. وكان بعض البغاددة حين كان عندهم يقولون له: المصطلم. وأهل البصرة يقولون له: المحبر

(5)

.

ويقال: إنما سمَّاه الحلاج أهلُ الأهواز لأنه كان يكاشفهم عمَّا في ضمائرهم، وقيل: إنه قال لحلاج: اذهبْ لي في حاجة كذا وكذا، فقال: إني مشغول [بالحلج]

(6)

، فقال: اذهَبْ، أنا أسُدُّ عنلك

(7)

، فَذَهبَ ورجع سريعًا فإذا جميع ما في ذلك المخزن قد حلجه، يقال إنه أشار بالمرود. فانماز الحبُّ عن القُطْن، وفي صحَّة هذا

(8)

نظر

(9)

. وقيل: لأن أباه كان حَلَّاجًا. ومما يدُلُّ على أنه قد كان ذا حلول

(10)

في بَدْءِ أمره أشياءُ كثيرة، منها شِعْرُه

(11)

، فمن ذلك قوله:

جُبلَتْ رُوحكَ في روحي كما

يُجْبلُ العَنْبَرُ بالمِسْكِ الفَتِق

(12)

(1)

في (ط) فإنه كان في ابتداء أمره فيه تعبد وتأله وسلوك، ولكن لم يكن له علم. ولا بنى أمره وحاله على تقوى من الله ورضوان. فلهذا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.

(2)

في (ط) والانحراف.

(3)

في (ط): أي أنه من رجال الغيث.

(4)

في (ط) سركسان، وهو تحريف.

(5)

في (ط) المحير، وكذلك في تاريخ بغداد (8/ 114) وفي المنتظم (6/ 161): المخير، وفي إحدى نسخه في الهامش: المجير، وهي الأشبه.

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

في (ط) أنا أحلج عنك.

(8)

في (ط): ونسبته إليه.

(9)

في (ط): وإن كان قد جرى مثل هذا، فالشياطين تعين أصحابها ويستخدمونهم.

(10)

في النسخ الخطية: سلوك، والمثبت من (ط).

(11)

في (ط): منها شعر في ذلك.

(12)

في (ط) الفنق - بالنون - وهو تصحيف. وفَتقُ المسك بغيره: استخراج رائحته بشيء تدخله عليه، ومنه أن تفتق المسك بالعنبر. اللسان (فتق).

ص: 30

فإذا مَسَّكَ شيءٌ مسَّني

فإذا أنتَ أنا لا نفترقْ

(1)

وقوله أيضًا:

مُزِجَتْ رُوحُكَ في روحي كما

تُمزجُ الخَمْرةُ بالماءِ الزُّلالْ

فإذا مَسَّكَ شيءٌ مَسَّني

فإذا أنتَ أنا في كُلِّ حالْ

(2)

وله أيضًا:

قد تحقَّقْتُكَ في سِرِّ (م)

ي فناجاك

(3)

لساني

فاجْتَمَعْنا لمعانٍ

(4)

وافْتَرَقْنا لمعانِ

إن يكن غَيَّبَكَ التَّعْـ

ـظيمُ عن لحظِ العِيَانِ

فلقد صَيَّركَ الوَجْـ

ـدُ منَ الأَحْشَاءِ دانِ

وقد أُنشد لابنِ عطاء قولُ الحلَّاج.

أُريدكَ لا أُريدكَ للثوابِ

ولكنِّي أُريدكَ للعِقابِ

وكل مآربي قد نِلْتُ منها

سوى ملذوذِ وَجْدي بالعَذَابِ

(5)

فقال ابن عطاء: هذا مما يتزايد به عذاب الشَّغَف، وهيام الكَلَف، واحتراق الأسف، فإذا صفا ووفى علا إلى مشرب عَذْب، وهَطْلٍ من الحَقِّ دائمٍ سَكْبٍ.

وقد أُنشد أبو عبد الله بن خفيف قولَ الحلَّاج:

سُبْحانَ منْ أظهر ناسوتَه

سِرُّ سَنا لاهوتِهِ الثَّاقبِ

ثُمَّ بدا في خَلْقه ظاهرًا

في صورةِ الآكلِ والشَّارِبِ

حتَّى لقدْ عايَنَهُ خَلْقُهُ

كلَحْظةِ الحاجبِ بالحاجبِ

(6)

فقال ابن خفيف: على من يقول هذا لعنة الله. فقيل له: إن هذا من شِعْر الحسين بن منصور.

فقال: ربما يكون مقولًا عليه

(7)

.

(1)

ديوان الحلاج (77).

(2)

ديوانه (82).

(3)

في (ب) و (ح) و (ظا) يخاطبك، وفي الديوان (116) فتناجاك. وفي (ط) وتاريخ بغداد (8/ 115) فخاطبك، وما أثبتناه هو الأشبه.

(4)

في الديوان (116) بمعان.

(5)

ديوان الحلاج (43).

(6)

ديوان الحلاج (41).

(7)

انظر بداية الحلاج لابن باكويه في الأصول الأربعة (44) وتاريخ بغداد (8/ 129).

ص: 31

ومما ينسب إليه من الشعر قوله:

أرْسَلْتَ

(1)

تسألُ عنّي كيفَ كنتُ وما

لاقيتُ بَعْدَك منْ هَمٍّ ومن

(2)

حَزَنِ

لا كنتُ إن كنتُ أدري كيف كنتُ ولا

لا كنتُ إن كنت

(3)

أدري كيف لم أكنِ

(4)

قال القاضي ابن خَلِّكان: ويُروى لسَمْنُون لا للحَلَّاج

(5)

.

ومن شعره أيضًا فوله:

متى سَهِرتْ عيني لغيركَ أو بَكَتْ

فلا أُعْطيتْ ما مُنِّيَتْ وَتَمنَّتِ

(6)

وإن أضْمَرَتْ نفسي سِواكَ فلارَعَتْ

رياضَ المُنى منْ وَجْنَتيكَ وجُنَّتِ

(7)

ومن شِعْره أيضًا:

دُنيا تُغَالِطُني كأنِّـ

ـي لستُ أعرفُ حالَها

حَظَرَ المليكُ حَرَامها

وأنا احتميتُ حلالَها

وَوَجَدْتُها محتاجةً

فوهَبْتُ لذَّتها لها

(8)

وقد كان [الحلاج]

(9)

يتلوَّن في ملابسه، فتارةً يَلْبَسُ لباسَ الصُّوفيَّة، وتارةً يتجرَّد في ملابس مُزْرية، وتارة يلبس لباس الأجناد، ويعاشر أبناء الدُّنْيا

(10)

، وقد رآه بعضُهم

(11)

في لباس رثٍّ وبيده رَكْوة وعُكَّاز، وهو سائحٌ، فقال له: ما هذه الحال

(12)

؟ فأنشأ يقول:

لئن أمسيتُ في ثَوْبي عديمٍ

لقد بَلِيا على حُرٍّ كريمِ

فلا يَغْرُرْكَ إن أبْصَرْتَ حالًا

مغيَّرةً عن الحالِ القديمِ

(1)

في (ط): أوشكت، وهو تحريف.

(2)

ساقطة من (ط).

(3)

ساقطة من (ط).

(4)

ديوانه (118).

(5)

وفيات الأعيان (2/ 144).

(6)

على هامش (ح) و (ب): فلا بلغت ما أملت وتمنت. وفي (ط): فلا أعطيت ما أملت.

(7)

ديوانه (117).

(8)

ديوانه (80) مع اختلاف في اللفظ.

(9)

ما بين حاصرتين من (ط).

(10)

في (ط) ويعاشر أبناء الأغنياء والملوك والأجناد.

(11)

في (ط) بعض أصحابه.

(12)

في (ط): يا حلاج.

ص: 32

فلي نَفْسٌ ستتلفُ أو سترقى

- لَعَمْرُك

(1)

- بي إلى أمرٍ جسيمِ

(2)

ومن مستجاد كلامه قوله وقَدْ سأَله رجلٌ أن يوصيه بشيء ينفعُه

(3)

. فقال: عليك بنفسك، إن لم تَشْغَلْها بالحقِّ شغلتك

(4)

عن الحقِّ.

وقال له رجلٌ: عظني. فقال: كُن مع الحقِّ بحكم ما أوجب.

وروى الخطيب بسنده إليه أنه قال: عِلْم الأوَّلين والآخرين مرجعُه إلى أربع كلمات: حُب الجليل وبُغْض القليل، واتباع التنزيل، وخوف التحويل

(5)

.

قلت: وقد أُصيب

(6)

الحلَّاج في المقامين الأخيرين، فلم يتبعِ التنزيل، ولم يبق على الاستقامة، بل تحوَّل عنها إلى الاعوجاج والبِدْعة [والضلالة]

(7)

، نسأل الله العافية.

وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: حُكي

(8)

عن عمرو بن عُثْمان المكِّي أنه قال: كنتُ أُماشي الحَلَّاج في بعض أزِقَّة مكَّة وكنت أقرأُ القرآن، فسمع قراءتي فقال: يُمكنني أن أقول مثل هذا. ففارقته

(9)

.

وقال الخطيب: حدثني مسعود بن ناصر، أنبأنا ابن باكُوية الشِّيْرازي [قال]: سمعت أبا زُرْعة الطَّبري يقول: الناس فيه - يعني الحسين بن منصور - بين قَبُولٍ وردٍّ، ولكن سمعت محمد بنَ يحيى الرازي يقول: سمعت عمرو بن عثمان يلعنه ويقول: لو قَدَرْتُ عليه لقتلته بيدي. فقلت: أيش الذي وجد الشَّيْخ عليه؟ قال: قرأت آيةً من كتاب الله، فقال: يُمكنني أن أؤلِّفَ مِثْلَه وأتكلَّم به

(10)

.

قال أبو زُرْعة الطَّبري: وسَمِعْتُ أبا يعقوب الأقْطع، يقول: زوَّجت ابنتي من الحسين بن منصور لمَا رأيتُ من حُسْن طريقته واجتهاده، فبان لي [منه]

(11)

بعد مُدَّة يسيرة أنه ساحر محتال، خبيثٌ كافر

(12)

.

(1)

في الديوان (118) لعمر أبي، وهو تحريف.

(2)

الأبيات في ديوانه (117 - 118) مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(3)

في (ط): ينفعه الله به.

(4)

في (ط) وإلا شغلتك.

(5)

تاريخ بغداد (8/ 114 - 115).

(6)

في (ط) أخطأ.

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

ساقطة من (ط).

(9)

ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (19).

(10)

تاريخ بغداد (8/ 121) وما بين حاصرتين منه، وانظر بداية الحلاج لابن باكويه في الأصول الأربعة (36).

(11)

ما بين حاصرتين من (ط).

(12)

تاريخ بغداد (8/ 121) وانظر بداية الحلاج (36).

ص: 33

قلت: كان تزويجه بها بمكة، وهي أُم الحسين بنت أبي يعقوب الأقطع، فأولدَها ولده حَمْد

(1)

بن الحسين بن منصور، وقد ذكر سيرة أبيه كما ساقها من طريقه الخطيب

(2)

.

وقد ذكر أبو القاسم القُشَيْري في كتاب "الرسالة" في باب حِفْظ قلوب المشايخ: أن عمرو بن عثمان دخل على الحلاج وهو بمكة وهو يكتب شيئًا في أوراق، فقال له: ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القُرْآن. قال: فدعا عليه فلم يفلح بعدها

(3)

. وأنكر على أبي يعقوب الأقطع تزويجه إياه ابنته. وكتبَ

(4)

إلى الآفاق كتبًا كثيرة يلعنه فيها ويحذر النَّاس منه، فَشَرَدَ الحلَّاج في البلاد، فعاث يمينًا وعاث شمالًا، وجعل يُظهر للناس أنه يدعو إلى الله عز وجل، ويستعين بأنواع من الحيل والمحال، ولم يزل ذلك دأبُه وشأنه حتى أحلَّ الله به بأسه الذي لا يُرَدُّ عن القوم المجرمين، فقتله بسيف الشَّرْع الذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق، واللّه أكرم

(5)

من أن يسلِّطه على صدِّيق، كيف وقد تهجَّم

(6)

على القرآن العظيم، وأراد معارضته في البلد الحرام الكريم

(7)

، وقد قال الله تعالى:{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25]، ولا إلحاد أعظم من هذا. وقد أشبه في حاله هذا كفار قريش ومعانديهم الذين قال الله تعالى فيهم:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31].

‌ذكر أشياء من حيل الحلَّاج

روى الخطيب البغدادي أن الحلاج أنفذ رجلًا بين يديه إلى بعض بلاد الجبل، فأقام بتلك البلدة يُظهر لهم الصَّلاح والنُّسُك، ويقرئ القرآن، فأقام مدة على ذلك، ثم أظهر لهم أنه قد عَمِيَ، فمكث حينًا على ذلك، ثم أظهر أنه قد زَمِنَ، فكان أولًا يقاد إلى المسجد، ثم صار يُحمل، فمكث سنة كذلك، ثم قال لهم: إني رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مع في المنام، وهو يقول لي: سيرد إلى هذه البلدة رجل صالح يكون شفاؤك على يديه. فما كان عن قريب حتى حان الوقت الذي واعده فيه الحلاج، ودخل الحلَّاج البلدة مختفيًا وعليه ثياب صوف بيض، فلزم ساريةً من المسجد يتعبد فيها لا يلتفت إلى أحد، فابتدر النَّاس إلى

(1)

في (ط) وبعض المصادر: أحمد، وهو تحريف.

(2)

تاريخ بغداد (8/ 112 - 114).

(3)

الرسالة القشيرية (151).

(4)

في (ط): وكتب عمرو بن عثمان.

(5)

في (ط) أعدل.

(6)

في (ب) و (ح) و (ظا) تجهرم، وهو تحريف، والمثبت من (ط).

(7)

في (ط): حيث نزل به جبريل.

ص: 34

ذلك المتعافي المتزامن، فقيل له: قدم رجل صالح، فهلمَّ إليه. فحملوه حتى وضعوه بين يديه، فكلَّمه فعرفه، فقال له: يا عبد الله، إني رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يقول لي كذا وكذا، فعسى أن تكون أنت إياه. فرفع يديه ودعا الله عر وجلَّ له، والناس حضور متكاثرون ينظرون ماذا يكون من أمره، ففتح الرجل عينيه، وقام قائمًا على قدميه، فضجَّ الناس، وعظَّموا الحلاج تعظيمًا زائدًا - وليس ذلك بحقٍّ - فأقام عندهم مُدَّة، ثم خرج من بين أظهرهم، وبقي ذلك الرجل عندهم مدة شهور، ثم قال: إن من نعمة الله عليَّ أن ردَّ عليَّ بصري، وينبغي أن أجاهد في سبيله بثغر طَرَسُوس. فعزم على ذلك، فجمعوا له من بينهم مالًا جزيلًا، ألوفًا من الذهب، والفضة، ثم ودَّعهم وودَّعوه، فذهب إلى الحلَّاج، فاقتسما ذلك المال

(1)

.

(1)

تاريخ بغداد (8/ 122 - 123) وما في نسختنا المخطوطة أقرب إلى عبارة الخطيب. ووردت القصة في (ط) بأطول من هذا، ومن المعروف أن ابن كثير لا ينقل نقلًا حرفيًا، وإنما يصوغ ما ينقله بأسلوبه، وها نحن ننقل القصة كما وردت في (ط): روى الخطيب البغدادي أن الحلاج بعث رجلًا من خاصة أصحابه، وأمره أن يذهب بين يديه إلى بلد من بلاد الجبل، وأن يظهر لهم العبادة والصلاح والزهد، فإذا رآهم قد أقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمي، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح، فإذا سعوا في مداواته، قال لهم: يا جماعة الخير: إنه لا ينفعني شيء مما تفعلون. ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يقول له: إن شفاءك لا يكون إلا على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وصفته كذا وكذا. وقال له الحلاج: إني سأقدم عليك في ذلك الوقت. فذهب ذلك الرجل إلى تلك البلاد، فأقام بها يتعبد ويظهر الصلاح والتنسك ويقرأ القرآن، فأقام مدة على ذلك، فاعتقدوه وأحبوه، ثم أظهر لهم أنه قد عمي، فمكث حينًا على ذلك، ثم أظهر لهم أنه قد زَمِنَ، فسعوا بمداواته بكل ممكن، فلم ينتج فيه شيء، فقال لهم: ياجماعة الخير، هذا الذي تفعلونه معي لا ينتج شيئًا، وأنا قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يقول لي: إن عافيتك وشفاءك إنما هو على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني. وكانوا أولًا يقودونه إلى المسجد، ثم صاروا يحملونه ويكرمونه كان (كذا) في الوقت الذي ذكر لهم، واتفق هو والحلاج عليه، أقبل الحلاج حتى دخل البلد مختفيًا، وعليه ثياب صوف بيض، فدخل المسجد، ولزم سارية يتعبد فيه، لا يلتفت إلى أحد، فعرفه الناس بالصفات التي وصف لهم ذلك العليل، فابتدروا إليه يسلمون عليه ويتمسحون به، ثم جاؤوا إلى ذلك الزمن المتعافي (كذا ولعلها المتعامي) فأخبروه بخبره، فقال: صفوه لي. فوصفوه له، فقال: هذا الذي أخبرني عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وأن شفائي على يديه، اذهبوا بي إليه، فحملوه حتى وضعوه بين يديه، فكلمه فعرفه، فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام. ثم ذكر له رؤياه. فرفع الحلاج يديه، فدعا له، ثم تفل من ريقه في كفه، ثم مسح بهما على عينيه، ففتحهما كأن لم يكن بهما داء قط فأبصر، ثم أخذ من ريقه، فمسح على رجليه، فقام من ساعته، فمشى كأنه لم يكن به شيء والناس حضور، وأمراء تلك البلاد وكبراؤهم عنده، فضج الناس ضجة عظيمة، وكبروا الله وسبحوه، وعظموا الحلاج تعظيمًا زائدًا على ما أظهر لهم من الباطل والزور. ثم أقام عندهم مدة يكرمونه ويعظمونه، ويودون لو طلب منهم ما عساه أن يطلب من أموالهم، فلما أراد الخروج عهم أرادوا أن يجمعوا له مالًا كثيرًا، فقال: أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا، وإنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا، ولعل صاحبكم هذا أن يكون له إخوان وأصحاب من الأبدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس، ويحجون ويتصدقون، محتاجين إلى ما يعينهم على ذلك. فقال ذلك الرجل المتزامن المتعافي: صدق الشيخ، قد رَدَّ الله =

ص: 35

وروي عن بعضهم قال: كنت أسمع أن الحلَّاج له أحوال [وكرامات]

(1)

، فأحببتُ أن أختبره فجئت، فسلَّمت عليه فقال لي: تَشَهَّ عليَّ السَّاعة

(2)

. فقلت: اْشتهي سمكًا طريًا. فدخل منزله، فغاب ساعة، ثم خرج [علي]

(3)

ومعه سمكة تضطرب ورِجلاه عليهما الطِّين فقال: دعوتُ الله فأمرني أن آتي البطائح لآتيك بهذه [السمكة]

(4)

، فخضتُ الأهواز وهذا الطِّين منها. فقلت: إن شئتَ أدخلتني منزلك لأكشف أمرك

(5)

، فإن ظهرتُ على شيء وإلا آمنتُ بك. فقال: ادخل. فدخلت

(6)

، فلم أجد في البيت منفذًا إلى غيره، فتحيَّرْتُ في أمره، ثم نظرتُ فإذا تأزير

(7)

، فكشفته، فإذا من ورائه باب، فدخلتُ، فخرجت منه إلى بُسْتان هائل

(8)

، فيه من سائر الثِّمار الجديدة والمعتقة

(9)

، قد أُحسن إبقاؤها. هاذا أشياء كثيرة مُعَدَّة للأكل، وإذا هناك بِرْكة كبيرة فيها سمك كثير [صغار]

(10)

كبار، فدخَلْتُها، فاخرجت منها واحدةً، فنال رجليَّ من الطِّين كما نال رجليه، وجئتُ إلى الباب، فقلت له: افتح فقد آمنت بك. فلما خرجت ورآني على مثل حاله جرى ورائي ليقتلني، فضربته بالسمكة في وجهه وقلت: يا عدو الله، أتعبتني في هذا اليوم. ولما خَلَصْتُ منه لقيني بعد ذلك

(11)

فضاحكني وقال: لا تُفْشِ هذا لأحد، أبعث

(12)

إليك من يقتلك وأنت على فراشك. قال

(13)

: فلم أحدَّث به [أحدًا]

(14)

حتى صُلِب

(15)

.

= عليَّ بصري، ومَنَّ الله عليَّ بالعافية، لأجعلنَّ بقية عمري في الجهاد في سبيل الله، والحج إلى بيت الله مع إخواننا الأبدال والصالحين الذين نعرفهم، ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم. ثم إن الحلاج خرج عنهم، ومكث ذلك الرجل مدة إلى أن جمعوا له مالًا كثيرًا، ألوفًا من الذهب والفضة، فلما اجتمع له ما أراد ودعهم، وخرج عنهم، فذهب إلى الحلاج، فاقتسما ذلك المال.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ط) تشتهي علي الساعة شيئًا؟.

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

في (ط) إن شئت أدخلتني منزلك حتى أنظر ليقوى يقيني بذلك.

(6)

ني (ط) فدخلت فأغلق علي الباب وجلس يراني، فدرت البيت فلم أجد.

(7)

التأزيرة: ما يلصق بالحائط من أسفله لتقويته، فيكون له كالإزار.

(8)

في (ط): ثم نظرت، فإذا أنا بتأزيرة - وكان مؤزرًا بإزار ساج - فحركتها، فانغلقت، فإذا هي باب منفذ، فدخلته، فأفضى بي إلى بستان هائل.

(9)

في (ط) العتيقة.

(10)

ما بين حاصرتين من (ط).

(11)

في (ط) بعد أيام.

(12)

في (ط): لا تغش ما رأيت لأحد وإلا بعثت.

(13)

في (ط): قال: فعرفت أنه يفعل إن أفشيت عليه، فلم أحدث ..

(14)

ما بين حاصرتين من (ط).

(15)

نشوار المحاضرة (1/ 165 - 168) وتاريخ بغداد (8/ 123 - 124).

ص: 36

وقد قال [الحلاج]

(1)

يومًا لرجلٍ: آمن بي حتى أبعث إليك بعصفورة تأخذ من ذَرْقها

(2)

وزن حبة فتضعه على كذا وكذا رطلًا من نحاسٍ فيصير ذهبًا. فقال له الرجل: آمن بي أنت حتى أبعث إليك بفيلٍ إذا استلقى على قفاه بلغت قوائمُه إلى السماء، وإذا أردت أن تخفيه وضعته في إحدي عينيك. قال: فبُهتَ وسكت

(3)

.

ولما ورد بغداد جعل يدعو إلى نفسه، ويُظهر أشياء من المخاريق

(4)

وغيرها من الأحوال الشَّيْطانية، وأكثر ما كان يَرُوج على الرافضة لقلَّة عقولهم [وضعف]

(5)

تمييزهم بين الحقِّ والباطل. فاستدعى يومًا برئيس من الرَّافضة، فدعاه إلى الإيمان به، فقال له الرجل: إني رجل أحبُّ النِّساء وإني أصلع الرَّأس، وقد شِبْتُ، فإن أنت أذهبت عني هذا وهذا آمنت

(6)

أنك الإمام المعصوم، وإن شئتَ قلتُ إنك نبيٌّ، وإن شئت قلتُ إنك أنت الله. قال: فبُهتَ الحلاج، ولم يحر إليه جوابًا

(7)

.

قال الشَّيْخ أبو الفرج بن الجَوْزي: كان [الحلاج]

(8)

متلونًا كثير التلون، وتارة يَلْبس المُسوح

(9)

، وتارة يلبس الدُّرَّاعة

(10)

، وتارة يلبس القَبَاء

(11)

، وهو مع كل قوم على مَذْهبهم: إن كانوا سُنَّة أو رافضة أو معتزلة

(12)

أو غير ذلك، ولما أقام بالأهواز وجعل يُنفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القُدْرة، فسئل الشيخ أبو علي الجُبَّائي عن ذلك فقال: إن هذا كله مما يُنال بالحيلة، ولكن أدخلوه بيتًا لا منفذ له، ثم سلوه أن يُخرج لكم جُرْزتين

(13)

منْ شوك. فلما بلغ الحلاج كلام أبي علي الجُبَّائي فيه تحول من الأهواز

(14)

.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ذرق الطائر: خرؤه. اللسان (ذرق).

(3)

تاريخ بغداد (8/ 126).

(4)

في (ط): من المخاريق والشعوذة.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ط): آمنت بك وأنك الإمام.

(7)

تاريخ بغداد (8/ 124 - 125).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

ثياب تنسج من شعر الماعز. المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب لدوزي (327 - 329).

(10)

الدراعة: لباس كان يعمل من الصوف، مفتوح من الجهة الأمامية بأعلى القلب، ومزررة بأزرار وعرى، ويبدو أنه كان لباس عامة الشعب. المرجع السابق (146 - 148).

(11)

لباس ذوي السلطان من أمراء أو قواد، وليس ثمة وصف دقيق له. رسوم دار الخلافة (91 - 92) والعجم المفصل (291 - 284).

(12)

في (ط): أو معتزلة أو صوفية أو فساقًا أو غيرهم.

(13)

الجرزة: الحزمة. "اللسان"(جرز).

(14)

المنتظم (6/ 161) لابن الجوزي كتاب جمع فيه أخبار الحلاج سماه: القاطع لمجال اللجاج القاطع بمحال الحلاج، لم يصل إلينا بعد، ولعل ابن كثير نقل هذا الخبر منه.

ص: 37

وقال الخطيب: أنبأنا إبراهيم بن مَخْلَد، أنبأنا إسماعيل بن علي الخُطَبي

(1)

في "تاريخه" قال: وظهر أمر رجل يُعرف بالحلَّاج يقال له الحسين بن منصور، وكان في حَبْس السُّلْطان بسعاية فيه، في وزارة علي بن عيسى الأولى، وذُكر عنه ضروبٌ من الزَّنْدقة ووضع الحيل على تضليل النَّاس، من جهات تشبه الشعوذة والسِّحر، وادّعاء النُّبوة، فكشفه عليُّ بنُ عيسى عند قبضه عليه، وأنهى خبره إلى السلطان - يعني

(2)

المقتدر بالله - فلم يقرَّ بما رُمي به من ذلك، فعاقبه وصلبه حيًا أيامًا متوالية في رحبة الجسر، في كل يوم غُدْوة، ويُنادى عليه بما ذُكر عنه، ثم يُنزل، ثم يُحبس، فأقام في الحَبْس سنين كثيرة، يُنقل من حبس إلى حبس

(3)

، حتى حُبس بأخَرَة في دار السُّلْطان، فاستغوى جماعةً من غِلْمان السلطان، وموَّه عليهم، واستمالهم بضروبٍ من حِيلِهِ، حتى صاروا يحمونه ويَدْفعون عنه ويرفِّهونه

(4)

، ثم راسل جماعةً من الكُتَّاب وغيرهم ببغداد وغيرها، فاستجابوا له، وتراقى به الأمر حتى ذُكر أنه ادَّعى الرّبوبية، وسُعي بجماعةٍ من أصحابه إلى السُّلْطان، فقبض عليهم، ووجد عند بعضهم كتبًا له تدل على تصديق ما ذُكر عنه، وأقرَّ بعضهم بلسانه بذلك، وانتشر خبره، وتكلَّم النَّاس في قتله، فأمر أمير المؤمنين بتسليمه إلى حامد بن العبَّاس، وأمر أن يكشفَه بحضرة القُضَاة

(5)

، ويجمع بينه وبين أصحابه، فجرى في ذلك خطوب طوال، ثم استيقن السلطانُ أمره، ووقف على ما ذكر له عنه

(6)

، فأمر بقتله وإحراقه بالنَّار، فأُحضر مجلس الشُّرطة بالجانب الغربي في يوم الثّلاثاء لسبع

(7)

بقين من ذي القَعْدة سنةَ تسعٍ وثلاثمئة، فضرب بالسِّياط نحوًا من ألف سَوْط، وقُطعت يداه ورجلاه، وضُربت عنقه، وأُحرقت جثته بالنار، ونُصب رأسه للنَّاس على سور الجسر الجديد، وعلِّقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه

(8)

.

وقال أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السُّلمي: سمعت إبراهيم بن محمد الواعظ يقول: قال أبو القاسم الرَّازي: قال أبو بكر بن مُمْشاد

(9)

: حَضَر عندنا بالدِّينور رجلٌ ومعه مخلاة فما كان يفارقها

(1)

في (ح) الحلبي، وفي (ط) الخطيب، وكلاهما تحريف.

(2)

بعد هذا في ط: الخليفة، وليست في النسخ ولا في تاريخ الخطيب الذي ينقل منه المصنف.

(3)

في (ط): "خوفًا من إضلاله أهل كل حبس إذا طالت مدته عندهم". وليست في تاريخ الخطيب.

(4)

في (ط): يرفهونه بالمآكل المطيبة، والزيادة ليست في تاريخ الخطيب.

(5)

في (ط): القضاة والعلماء.

(6)

في (ط): وثبت ذلك على يد القضاة، وأفتى به العلماء، فأمر ..

(7)

في (ط) لتسع، وهو تصحيف.

(8)

تاريخ بغداد (8/ 126 - 127) وما في نسخنا المخطوطة أقرب إلى عبارة الخطيب مما في (ط).

(9)

في تاريخ بغداد (8/ 127) حمشاذ - بالحاء المهملة - وهو تصحيف، وترجمته في حلية الأولياء 10/ 353 وتاريخ الإسلام (6/ 1058 ط. الدكتور بشار)، وقيل: إنه توفي سنة 299 هـ.

ص: 38

بالليل ولا بالنهار

(1)

، ففتشوا المخلاة، فوجدوا فيها كتابًا للحلاج عنوانه:"من الرَّحمن الرحيم إلى فلان بن فلان"

(2)

، فبُعِثَ به

(3)

إلى بغداد، فسئل الحلاج عن ذلك فأقَرَّ أنه كتبه، فقالوا: كنت تَدَّعي النبوة فصرت تدعي

(4)

الربوبية؟! فقال: لا، ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله، وأنا واليد آلة؟ فقيل له: معك على هذا أحد؟ قال: نعم، ابن عطاء، وأبو محمد الجريري

(5)

، وأبو بكر الشِّبْلي. فسئل الجَريري عن ذلك فقال: منْ يقول بهذا كافر. وسُئِلَ الشِّبْلي عن ذلك فقال: من يقول بهذا يمنع. وسئل ابن عطاء عن ذلك فقال بقَوْل الحلاج في ذلك، فعوقب حتى كان سبب هلاكه

(6)

.

ثم روى أبو عبد الرحمن السُّلَمي عن محمد بن عبد الله

(7)

الرَّازي أن الوزير حامد بن العبَّاس لما حضر الحلاج سأله عن اعتقاده فكتبه، فسأل عن ذلك فقهاء بغداد، فأنكروا ذلك

(8)

فقيل للوزير: إنَّ أبا العباس بن عطاء يقول بهذا. فطلبه إلى منزله

(9)

، فجاء فجلس في صَدْر المجلس، وسأله عن ذلك فقال: منْ لا يقول بهذا

(10)

فهو بلا اعتقاد. فقال له الوزير: ويحك، تصوِّبُ مثل هذا الاعتقاد؟! فقال [ابن عطاء]

(11)

: ما لك ولهذا، عليك بما نُصبت له من أخذ أموال النَّاس وظُلْمهم وقَتْلهم، مالك ولكلام هؤلاء السَّادة

(12)

، فأمر الوزير [عند ذلك]

(13)

بضرب شِدْقيه، ونَزْع خُفَّيه، وأن يضرب بهما رأسه

(14)

، فما زال يُفْعل ذلك به حتى سال الدَّمُ من مَنْخِريْه، وأمر بسجنه. فقيل له: أيها الوزير، إن العامة تشوَّش بهذا

(15)

. فحُمل إلى منزله، فقال ابنُ عطاء: اللهم، اقتله أخبث قتلة، واقطع يديه

(1)

في (ط): فأنكروا ذلك من حاله، ففتشوا ..

(2)

في (ط): يدعوه إلى الضلالة والإيمان به، فبعث ..

(3)

في (ط) بالكتاب.

(4)

في (ط) الألوهية والربوبية.

(5)

في (ح) و (ظا) وتاريخ بغداد: الحريري - بالحاء المهملة - وهو تصحيف.

(6)

انظر ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (19 - 20) وتاريخ بغداد (8/ 127 - 128) وسترد ترجمة ابن عطاء في وفيات سنة (309 هـ).

(7)

في (ط) عبد الرحمن، وهو تحريف، ترجمته في تاريخ بغداد (5/ 464 - 465).

(8)

في (ط): فأنكروا ذلك، وكفَّروا من اعتقده، فكتبه، فقيل للوزير ..

(9)

في (ط) فقال الوزير: إن أبا العباس بن عطاء يقول بهذا، فقالوا: من قال بهذا فهو كافر، ثم طلب الوزير ابن عطاء إلى منزله .. وما في نسخنا المخطوطة أقرب إلى عبارة الخطيب.

(10)

في (ط): بهذا القول.

(11)

ما بين حاصرتين من (ط).

(12)

في (ط): السادة من الأولياء.

(13)

ما بين حاصرتين من (ط).

(14)

في (ط): على رأسه.

(15)

في (ط) تستوحش من هذا ولا يعجبها.

ص: 39

ورجليه. فمات ابن عطاء بعد سبعة أيام، وقتل الوزير بعد ذلك شر قتلة، وقطعت يداه ورجلاه، وأُحرقت داره

(1)

.

وقد اتفق علماء بغداد على كفر الحَلَّاج وزندقته، وأجمعوا على قتله وصَلْبه

(2)

.

قال أبو بكر محمد بن داود الظَّاهري: حين أُحضر الحلاج في المرة الأولى قبل وفاة أبي بكر، وسُئِلَ عنه فقال: إن كان ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم حقًا، وما جاء به حق، فما يقوله الحلَّاج باطل. وكان شديدًا عليه

(3)

.

وقال أبو بكر الصُّولي: قد رأيتُ الحلاج وخاطبته، فرأيتُه جاهلًا يتعاقل، وغبيًا يتبالغ، وفاجرًا يتزهد

(4)

.

ولما صُلبَ في أوَّل مرة، ونودي عليه أربعة أيام سَمِعَه بعضُهم وقد جيء به ليصلب وهو راكب على بقرة [يقول]

(5)

: ما أنا بالحلاج، ألقي عليَّ شَبَهه وغاب. فلما أُدني إلى الخشبة ليصلب عليها سمعته يقول: يا معين الفَنَا عليَّ أعنِّي على الفنا

(6)

.

وقال بعضهم: سمعته وهو مصلوب يقول: إلهي، أصبحتُ في دار الرَّغائب، أنظر إلى العجائب، إلهي، إنك تتودَّد إلى من يؤذيك، فكيف بمن يُؤْذى فيك

(7)

.

‌ذكر صفة مقتل الحلَّاج

قال الخطيب البغدادي وغيره: كان الحلاج قد قَدِمَ آخر قَدْمةٍ إلى بغداد، فصحب الصُّوفية وانتسب إليهم، وكان الوزير إذ ذاك حامد بن العبَّاس، فبلغه أن الحلاج قد أضلَّ خَلْقًا من الحشم والحُجَّاب في

(1)

انظر ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (20 - 21) وتاريخ بغداد (8/ 128) وما في نسخنا الخطية أقرب إلى عبارتيهما، وسترد ترجمة حامد بن العباس في وفيات سنة (311 هـ)، والثابت عند المؤرخين أنه مات مسمومًا.

وبعد هذا في (ط): وكان العوام يرون ذلك بدعوة ابن عطاء، على عادتهم في مرائيهم فيمن أوذي ممن لهم معه هوى، بل قد قال ذلك جماعة ممن ينسب إلى العلم فيمن يؤذي ابن عربي، أو يحط على حسين الحلاج أو غيره: هذا بخطيئة فلان.

(2)

في (ط): وكان علماء بغداد إذ ذاك هم الدنيا.

(3)

تاريخ بغداد (8/ 129).

(4)

في (ط): وخبيثًا مدعيًا .. وفاجرًا يتعبد.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ح) الضنا، ومثلها في ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (23) وسير أعلام النبلاء (14/ 348)، والمثبت من (ط) وتاريخ بغداد (8/ 130) ولعله الأشبه، والخبر ليس في (ب) و (ظا).

(7)

تاريخ بغداد (8/ 131).

ص: 40

دار السُّلْطان، ومن غِلْمان نَصْر القشوري الحاجب، وزعم لهم أنه يحيي الموتى، وأن الجنَّ يخدمونه، ويحضرون له ما يختاره ويشتهيه

(1)

. وقال: إنه قد أحيا عِدَّة من الطَّير. وذُكرَ لعلي بن عيسى أن رجلًا يقال له محمد بن علي القُنَّائي

(2)

الكاتب يعبُدُ الحلَّاج، ويدعو النَّاس إلى ذلك، فطلبه وكَبَسَ منزله، [فأخذه]

(3)

فأقرَّ أنه من أصحاب الحلاج، ووجد في منزله أشياء بخطِّ الحلاج مكتتبة بماء الذهب في ورق الحرير مجلدة بأفخر الجلود. ووجد عنده سَفَطًا

(4)

فيه من رجيع

(5)

الحلاج وبوله، وأشياء من آثاره، وبقية الخبز من زاده، فطلب الوزير من الخليفة المقتدر أن يتكلَّم في أمر الحلاج، ففوَّض أمره إليه، فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلَّاج، فتهدَّدهم، فاعترفوا له أنه قد صحَّ عندهم أنه إله

(6)

، وأنه يحيي الموتى، وكاشفوا الحلاج بذلك

(7)

، فجحده

(8)

وكذَّبهم وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النُّبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله، وأُكثر

(9)

الصَّوْم والصلاة وفعل الخير، ولا أعرف غير ذلك. وجعل لا يزيد على الشَّهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول: سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءًا وظلمتُ نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وكانت عليه مِدْرعة

(10)

سوداء، وفي رجليه ثلاثة عشر قيدًا، وهي واصلة إلى ركبتيه. قالوا: وكان مع ذلك يصلِّي في كل يوم وليلة ألف ركعة

(11)

.

وكان قبل احتياط الوزير حامد بن العبَّاس عليه في حُجْرة من دار نصر القشوري الحاجب، مأذونًا لمن يدخل إليه، وكان يسمِّي نفسه تارة بالحسين بن منصور، وتارة محمد بن أحمد الفارسي، وكان نَصْر الحاجب قد افتتن به، وظنَّ أنه رجل صالح، وكان قد أدخله على المقتدر بالله فَرَقاه من وجعٍ حَصَلَ له، فاتفق زواله [عنه]

(12)

وكذلك وقع لوالدته السيدة أم المقتدر، فزالت عِلَّتها، فنَفقَ سوقه، وحظي في دار السلطان، فلما انتشر الكلام فيه سُلِّم إلى الوزير حامد بن العباس، فحبسه في قيود كثيرةٍ في رجليه،

(1)

في (ط): وجعل لهم في جملة ما أدعاه أنه يحيي الموتى، وأن الجن يخدمونه، ويحضرون له ما شاء ويختار ويشتهيه.

(2)

في (ب) و (ظ): القباني، وهو تصحيف.

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

وعاء كان يوضع فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء. المعجم الوسيط (1/ 435 - 436).

(5)

هو النجو، هو ما يخرج من البطن من غائط. اللسان (رجع) و (نجا).

(6)

في (ط): أنه إله مع الله.

(7)

في (ط): ورموه في وجهه.

(8)

في (ط): فجحد ذلك.

(9)

في (ط): له.

(10)

لباس من الصوت الغليظ كان يرتديه العبيد وفقراء العامة. المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب (149).

(11)

تاريخ بغداد (8/ 132 - 133).

(12)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 41

وجمع له الفقهاء، فأجمعوا على كفره وزندقته، وأنه ساحر ممخرق. ورجع [عنه]

(1)

رجلان صالحان ممن كان اتبعه، أحدهما: أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي

(2)

، والآخر يقال له الدَّبَّاس، فذكرا من فضائحه، وما كان يدعو النَّاسَ إليه من الكذب والفجور والمخرقة والسحر شيئًا كثيرًا، وكذلك أُحضرت زوجة ابنه سليمان، فذكرت عنه فضائح كثيرة؛ من ذلك أنه أراد أن يغشاها وهي نائمة فانتبهت فقال: قومي إلى الصَّلاة، وإنما كان يريد أن يطأها. وأمر ابنتها

(3)

بالسُّجود له، فقالت: أو يسجد بشر لبشر؟! فقال: نعم، إله في السَّماء وإله في الأرض. ثم أمرها أن تأخذ من تحت باريَّة

(4)

هنالك ما أحبت

(5)

، فوجدت تحتها دنانير كثيرة مبذورة

(6)

.

ولما كان معتقلًا في دار حامد بن العباس دخل عليه بعض الغِلْمان، ومعه طبق فيه طعام ليأكل منه، فوجده قد ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، فذعر ذلك الغلام

(7)

، وألقى ما كان في يده من ذلك الطَّبق والطعام، ورجع محمومًا، فمرض عِدَّة أيام

(8)

.

ولما كان آخر مجلس

(9)

أُحضر القاضي أبو عمر محمد بن يوسف، وجيء بالحلاج، وقد أُحضر له كتاب من دور بعض أصحابه وفيه: من أراد الحجَّ ولم يتيسر له، فليبن في داره بيتًا لا يناله شيء من النجاسات، ولا يمكِّن أحدًا من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام، وليطف به كما يُطاف بالكعبة، ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة، ثم يستدعي بثلاثين يتيمًا فيطعمهم من طعامه،

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

كان الأوارجي هذا كاتبًا، توفي سنة (344 هـ)، وهو ممدوح المتنبي بقصيدته التي مطلعها:

أمن ازديارك في الدجى الرقباء

إذ حيث كنت من الظلام ضياء

وهذه النسبة إلى الأوارجة: من كُتُب أصحاب الدواوين في الخراج ونحوه، ويقال هذا كتاب التأريج وهو معرب أواره أي الناقل. يعني بما نعرفه اليوم بدفتر الحساب الذي يسجل فيه الداخل والمصروف. تاريخ بغداد (8/ 134). ووفيات الأعيان (2/ 172) وديوان المتنبي (1/ 12 - 13) وتاج العروس (أرج) وقاموس الفارسية (أوار).

(3)

في (ح) و (ظا) وأمرتها ابنتها، وفي (ب) وأمرها ابنها، وفي تاريخ بغداد (8/ 135): وأمرتها ابنته، والمثبت من (ط) وهو الأشبه.

(4)

البارية: الحصير المنسوج، فارسي معرب. اللسان (بور).

(5)

في (ط): ما أرادت.

(6)

تاريخ بغداد (8/ 134 - 135).

(7)

في (ط): وفزع فزعًا شديدًا.

(8)

تاريخ بغداد (8/ 137 - 138).

(9)

في (ط): من مجالسه.

ص: 42

ويتولَّى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصًا قميصًا، ويعطي كل واحدٍ [منهم]

(1)

سبعة دراهم - أو قال: ثلاثة دراهم - فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج

(2)

.

وأن من صام ثلاثة أيام لا يُفْطر إلا في اليوم الرَّابع على ورقات هِنْدَبا

(3)

أجزأه ذلك عن صيام رمضان.

ومن صلَّى في ليلةٍ ركعتين من أوَّل الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك.

وأن من جاور بمقابر الشُّهداء وبمقابر قريش عشرة أيام يصلِّي ويدعو ويصوم، ثم لا يُفْطر إلا على شيء من خُبْز الشعير والملح الجريش

(4)

أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره. فقال له القاضي أبو عمر: من أين لك هذا؟ فقال: من "كتاب الإخلاص" للحسن البَصْري. فقال له: كذبت يا حلالَ الدَّم، قد سمعنا "كتاب الإخلاص" للحسن بمكة، وليس فيه شيء من هذا. فأقبل الوزير حامد بن العباس على القاضي أبي عمر فقال له: قد قلتَ يا حلالَ الدم، فاكتبْ ذلك في هذه الورقة. وألحَّ عليه، وقدَّم إليه الدَّواة، فكتب ذلك في تلك الورقة، وكتب منْ حضر خطوطهم فيها، وأنفذها الوزير إلى المقتدر، وجعل الحلاج يقول لهم: ظهري حِمَى، ودمي حَرَام، وما يحلُّ لكم أن تتأولوا عليَّ [ما يبيحه]

(5)

واعتقادي الإسلام، ومذهبي السُّنَّة، وتفضيل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزُّبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجرَّاح، ولي كتب في السُّنَّة موجودة في الورَّاقين، فاللهَ اللهَ في دمي. فلا يلتفتون

(6)

إلى شيءٍ مما يقول. وهو يكرره وهم يكتبون خُطوطهم بما كان من الأمر، ورُدَّ الحلاج إلى محبسه، وتأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظنُّ الوزير حامد بن العباس، فكتب إلى الخليفة يقول: إن الحلاج قد اشتهر أمره، ولم يختلف فيه اثنان، وقد افتتن كثير من الناس به. فجاء الجواب بأن يُسلَّم إلى محمد بن عبد الصَّمد؛ صاحب الشُّرْطة، فليضربه ألف سَوْط، فإن مات وإلا ضُربَتْ عنقه. فَفَرحَ الوزير بذلك، وطلب صاحب الشُّرْطة، فسلَّمه إليه، وبعث معه طائفةً من غِلْمانه يوصلونه معه إلى محل الشُّرْطة من الجانب الغربي خوفًا من أن يُستنقذ من أيديهم، وذلك بعد عِشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء لستٍّ بقين من ذي القَعْدة من هذه السَّنة. وركب على بغل عليه إكاف

(7)

،

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

تاريخ بغداد (8/ 138).

(3)

يمد ويقصر، وهو نبات بقلي، وله أنواع عديدة، وهو معروف عندنا بالشام اللسان (هندب) والموسوعة في علوم الطبيعة (2/ 617).

(4)

أي لم يتطيب. اللسان (جرش).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ط): فلا يلتفتون إليه ولا إلى شيء مما يقول.

(7)

برذعة: المعجم الوسيط (2/ 1067).

ص: 43

وحوله جماعة من السَّاسة

(1)

على مثل شَكْله، فاستقر منزله بدار الشُّرْطة في هذه الليلة، فَذُكر أنه بات يصلِّي في هذه الليلة، ويدعو دعاء كثيرًا

(2)

.

فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: سمعت أبا بكر الشَّاشي يقول: قال أبو الحديد - يعني المصري

(3)

-: لما كانتِ الليلة التي قُتل في صبيحتها الحسين بن منصور قام من الليل فصلَّى ما شاء الله، فلما كان آخر الليل قام قائمًا فتغطى بكسائه، ومدَّ يديه نحو القِبْلة، فتكلَّم بكلام جاز

(4)

الحِفْظ، فكان مما حفظت أن قال: نحن شواهدك، نلوذ بسنا عزك لتبدي

(5)

ما شئت من شأنك ومشيئتك، وأنت الذي في السَّماء إله وفي الأرض إله، تتجلَّى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصُّورة، والصورة فيها الرُّوح الناطقة بالعِلْم والبيان والقُدْرة، ثم أوعزت إلى شاهدك الآنيِّ في ذاتك الهُوي كيف أنت إذا مثَّلْتَ بذاتي عند عقيب كرَّاتي

(6)

، ودَعَوتَ إلى ذاتي بذاتي، وأبديتَ حقائق علومي ومعجزاتي، صاعدًا في معارجي إلى عروش أزلياتي عند القول من بريَّاتي

(7)

، إني احتُضرتُ وقُتِلْتُ وصُلبت وأحرقت واحتملت سافياتي الذَّاريات، ولججت في الجاريات، وأن ذرة من ينجوج مكان هاكول

(8)

متجلياتي لأعظم من الرَّاسيات، ثم أنشأ يقول:

أنْعَى إليك نفوسًا طاحَ شاهِدُها

فيما ورا الحيث أوْفَي شاهد القِدَم

(9)

أنعى إليك قلوبًا طالما هَطَلَتْ

سحائبُ الوَحْي فيها أبْحُرَ الحِكَمِ

أنعى إليك لسانَ الحقِّ منكَ ومَنْ

أوْدَى وتَذْكارُهُ في الوَهْمِ كالعَدَمِ

أنعى إليك بَيَانًا تستكينُ لهُ

أقوالُ كلِّ فصيحٍ مِقولٍ فَهِمِ

(1)

في (ط) أعوان السياسة. وهي تصحيف. وكان المقصود بهذه الخطة إخفاء الحلاج عن أعين أنصاره أثناء نقله من بيت الوزير إلى دار الشرطة خوفًا من محاولة تخليصه.

(2)

تاريخ بغداد (8/ 138 - 140).

(3)

كذا في النسخ الخطية و (ط)، ومثله في ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (22) وفي أخبار الحلاج (11) ذكر الخبر عن قاضي القضاة أبي بكر بن الحداد المصري، وهو الأشبه.

(4)

في (ط) جائز، وهو تصحيف.

(5)

في (ط) نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك لتبدي ما شئت .. وهي تحريف .. وفي أخبار الحلاج (11): نحن بشواهدك نلوذ، وبسنا عزتك نستضيء، لتبدي .. وهي قراءة مستقيمة أيضًا.

(6)

في (ط) عند حلول لذاتي، وهو تحريف.

(7)

في (ط) عند التولي عن برياني.

(8)

في (ب) و (ظا): هاكرك، وفي سير أعلام النبلاء (14/ 349): هيكل، وفي (ط) هالوك، والمثبت من (ح) وترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (22) وأخبار الحلاج (11).

(9)

في (ب) و (ظا) العدم، وفي (ح): فيما درى الحب أو في شاهد العدم، والمثبت من ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة:22. ورواية الديوان (24) فيما وراء الحيث يلقى شاهد القدم.

ص: 44

أنعى إليكَ إشاراتِ العقولِ معًا

لم يبقَ منهنَّ إلَّا دارسُ العَلَمِ

(1)

أنعى وحُبِّكَ أخلاقًا لطائفةٍ

كانتْ مطاياهمُ من مُكْمدِ الكظمِ

مضَى الجميعُ فلا عَيْنٌ ولا أثرٌ

مضيَّ عادٍ وفُقْدانَ الأُلى إرَمِ

وخَلَّفوا معشرًا يحذونَ لبستهمْ

أعْمَى من البُهْم بلْ أعمى من النَّعَم

(2)

قالوا: ولما أُخرج الحلاج من المنزل الذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد:

طَلَبْتُ المُسْتقرَّ بكلِّ أرضٍ

فَلَمْ أرَ لي بأَرْضٍ مستقرَّا

أطَعْتُ مطامعي فَاسْتَعْبَدتني

وَلَوْ أنِّي قَنِعْتُ لعشتُ حُرَّا

(3)

وقيل: إنه قالها حين قُدّم إلى الجذع ليصلب عليه، والمشهور ما ذكرناه.

ثم مشى

(4)

وهو يتبختر في مشيته، وفي رجليه ثلاثة عشَرَ قيدًا، وجعل ينشد:

نديمي غيْرُ مَنْسوبٍ

إلى شيءٍ من الحَيْفِ

سَقَاني مِثْلَ ما يَشْرَ

بُ فِعْلَ الضَّيْفِ بالضَّيْفِ

فلَمَّا دارتِ الخمرُ

دَعا بالنِّطْعِ والسَّيْفِ

كذا منْ يشربُ الرَّاحَ

مَعَ التِّنين في الصَّيْفِ

(5)

ثم قال: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} [الشورى: 18]، ثم ما نطق بعد ذلك حتى فُعِلَ به ما فعل

(6)

.

قالوا: ثم قُدَّمَ فَضُرِبَ ألفَ سَوْط، ثم قُطعت يداه ورِجلاه وهو في ذلك [كله]

(7)

ساكت لا ينطق بكلمة، ولم يتغيَّر لونه، ويقال: إنه جعل يقول مع كل سَوْط: أحَدٌ أحد

(8)

.

(1)

في ترجمة الحلاج للسلمي (22) العدم، وفي الديوان (25): الرحم.

(2)

الأبيات في الديوان (24 - 25) مع اختلاف في بعض الألفاظ. وأيضًا في ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (22 - 23) وأخبار الحلاج (11 - 12) وبداية الحلاج لابن باكويه في الأصول الأربعة (34) مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(3)

البيتان في ديوان أبي العتاهية (141) وفي (ط) زيادة بيت بينهما، وهو:

وذقتُ من الزمان وذاق مني

وجدت مذاقه حلوًا ومُرَّا

وهو ليس في الديوان المذكور.

(4)

في (ط): فلما أخرجوه للصلب مشى إليه وهو يتبختر.

(5)

الأبيات في ديوان الحلاج (73) وأخبار الحلاج (35) مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(6)

تاريخ بغداد (8/ 132).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

تاريخ بغداد (8/ 131).

ص: 45

قال أبو عبد الرحمن: سَمِعْتُ عبدَ الله بن علي يقول: سمعت عيسى القَصَّار يقول: آخر كلمة تكلَّم بها الحلّاج حين قُتلَ أن قال: حَسْبُ الواجد

(1)

إفراد الواحد. فما سَمِعَ بهذه الكلمة أحدٌ من المشايخ إلا رَقَّ له، واستحسن هذا الكلام منه

(2)

.

وقال السُّلمي: سمعت أبا بكر البَجَلي

(3)

يقول: سمعت أبا الفاتك البَغْدادي - وكان صاحبَ الحلاج - قال: رأيتُ في النَّوْم بعد ثلاثٍ من قَتْل الحلاج كأني واقفٌ بين يدي ربي عز وجل وأقول: يا ربّ، ما فَعَلَ الحسين بن منصور؟ فقال: كاشَفْتُه بمعنى فدعا الخَلْقَ إلى نفسه، فأنزلت به ما رأيت

(4)

.

ومنهم منْ قال: بل جَزِعَ عند ذلك

(5)

جزعًا شديدًا، وبكى بكاءً كثيرًا، فالله أعلم.

وقال الخطيب: حدثنا عبيد الله

(6)

بن أحمد بن عثمان الصَّيْرفي قال: قال لنا أبو عمر بن حيُّوية: لما أخرج الحسين

(7)

الحلاج ليقتل مضيت في جُملة النَّاس، ولم أزل أُزاحم حتى رأيته

(8)

، فقال لأصحابه: لا يَهُولنَّكُمْ هذا

(9)

، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يومًا. ثم قتل

(10)

.

وذكر الخطيب أنه قال وهو يُضرب لمحمد بن عبد الصَّمَد والي الشُّرطة: أدع بي إليك، فإن عندي نصيحة تعدِلُ فتحَ القُسْطَنْطينَّة. فقال له: قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا، وليس إلى رَفْع الضَّرْب عنك سبيل. ثم قُطِعتْ يداه ورِجْلاه، وحُزَّ راسه، وأُحرقت جثته، وأُلْقي برمادها في دِجلة، ونُصبَ الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حُملَ إلى خُراسان، وطيف به في [تلك]

(11)

النَّواحي، وجَعَلَ أصحابه يَعِدُون أنفسهم برجوعه إليهم بعد أربعين

(12)

يومًا. وزَعَمَ بعضُهم أنه رأى الحلاج من آخر ذلك اليوم وهو

(1)

في (ط) الواحد - بالحاء المهملة.

(2)

ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (25).

(3)

في (ط) المحاملي، وهو تحريف.

(4)

المصدر السابق.

(5)

في (ط) القتل.

(6)

في (ب) و (ظا) و (ط) عبد الله، وهو تصحيف، وترجمته في تاريخ بغداد (10/ 385).

(7)

في (ط): الحسين بن منصور الحلاج.

(8)

في (ط): فدنوت منه.

(9)

في (ط): هذا الأمر.

(10)

في (ط): فما عاد. والخبر في تاريخ بغداد (8/ 131) وما في نسخنا المخطوطة أقرب إلى عبارة الخطيب.

(11)

ما بين حاصرتين من (ط).

(12)

في (ط) ثلاثين، وهو تحريف.

ص: 46

راكبٌ على حمار في طريق النّهروان، فقال: لعلكم مثل هؤلاء النفر

(1)

الذين ظنوا أني أنا هو المضروب المقتول

(2)

. فكانوا بجهلهم يقولون: إنما قَتَلَ عدوًا من أعداء الحلاج

(3)

.

وقال بعض علماء ذلك الزمان: إن كان هذا الرأي صادقًا، فلعل دابة؛ يعني من الشياطين تبدَّى على صورته، ليضِلَّ به الناس

(4)

، كما ضَلَّت فرقة النَّصارى بالمصلوب.

قال الخطيب: واتفق أنَّ دِجْلَة زادت في هذا العام زيادة كبيرة، فقالوا: إنما زادت لأن رماد الحلاج

(5)

خالطَها

(6)

. ونُوديَ ببغداد ألا يشتري أحدٌ من كتب الحلاج شيئًا ولا يبيعا

(7)

.

وكان قتل الحلاج في يوم الثلاثاء لستٍّ بقين من ذي القَعْدة من سنة تسعٍ وثلاثمئة ببغداد.

وذكره القاضي ابن خلِّكان في "الوفيات"، وحكى اختلاف النَّاس فيه، ونقل عن الغزالي في "مشكاة الأنوار" أنه كان يتأول كلامه ويحمله على ما يليق

(8)

. ثم نقل

(9)

عن إمام الحَرَمين أنه كان يذمُّه، ويقول: إنه اتفق هو والجنَّابي وابن المُقَفَّع على إفساد عقائد النَّاس، وتفرَّقوا في البلاد، فكان الجَنَّابي في هَجَر والبحرين، وابن المُقَفَّع ببلاد التُّرْك، ودخل الحلاج العِراق

(10)

.

قال القاضي ابن خَلِّكان: وهذا لا ينتظم؛ فإن ابن المُقَفَّع كان قبل الحلاج بدهر؛ فإنه كان في أيام السَّفَّاح والمنصور، ومات سنة خمس وأربعين ومئة

(11)

أو قبلها. ولعل إمامَ الحرمين أراد المقنَّع

(12)

الخُرَاساني الذي ادَّعى الرُّبوبية، وأوتي القمر

(13)

، واسمُه عطاء، وقد قتل نفسه بالسُّمِّ في سنة ثلاث وستين ومئة، ولا يمكن اجتماعه مع الحلاج أيضًا، وإذا أردنا أن نصحِّحَ كلام إمام الحرمين، ونذكر

(1)

في تاريخ بغداد: البقر.

(2)

في (ط): إني لست به، وإنما ألقي شبهي على رجل، ففعل به ما رأيتم.

(3)

تاريخ بغداد (8/ 140 - 141).

(4)

في (ط) فذكر هذا لبعض علماء ذلك الزمان، فقال: إن كان هذا الرأي صادقًا فقد تبدى له شيطان على صورة الحلاج ليضل به الناس.

(5)

في (ط): جثة الحلاج.

(6)

في (ط): وللعوام في مثل هذا وأشباهه ضروب من الهذيانات قديمًا وحديثًا.

(7)

تاريخ بغداد (8/ 141) وما في نسخنا المخطوطة أقرب إلى عبارة الخطيب.

(8)

مشكاة الأنوار (57 - 58).

(9)

في (ط): ثم نقل ابن خلكان.

(10)

في (ط): فحكم صاحباه عليه بالهلكة لعدم انخداع أهل العراق بالباطل.

(11)

في (ط) ومئتين، وهو تحريف، ووفاته في أكثر المصادر سنة (142 هـ).

(12)

في (ط) ابن المقفع، وهو تصحيف.

(13)

في (ط) العمر، وهو تصحيف. وكان المقنع قد أظهر لهم من جملة تمويهاته صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين من موضعه، ثم يغيب. وفيات الأعيان (3/ 264).

ص: 47

ثلاثة قد اجتمعوا في وقتٍ على ما ذكر

(1)

، فيكون أراد بذلك الحلاج، وابن الشَّلْمَغَاني

(2)

؛ يعني أبا جعفر محمدَ بن علي، والقرمطي الجَنَّابي وهو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بَهْرام؛ الذي قتل الحُجَّاج، وأخذ الحجر الأسود، وردم زمزم بالقتلى، ونهب أستار الكعبة. كما سيأتي ذلك مبسوطًا

(3)

. ذكره ملخصًا القاضي هاهنا

(4)

.

‌وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:

أبو العبَّاس بن عَطَاء أحد أئمة الصُّوفية

(5)

: وهو أحمد بن محمد [بن سهل]

(6)

بن عطاء الأدَمي

(7)

.

حدث عن يوسف بن موسى القَطَّان، والفَضْل

(8)

بن زياد وغيرهما

(9)

.

وكان

(10)

يقرأ في كل يوم وليلة ختمة، وفي شهر رمضان يقرأ في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وكانت له ختمة يتدَبَرَّ فيها معاني القرآن، يتلوها من سَبْع عشرة سنة، ومات ولم يختِمْها.

وهذا الرجل ممن كان قد أشتبه عليه أمْرُ الحلَّاج، وأظهر موافقته، فعاقبه الوزير حامد بن العَبَّاس بالضَّرْبِ البليغ على شِدْقيه، وأمر بنَزعْ خُفَّيه وضَرْبه بهما على رأسه حتى سال الدَّمُ من مَنْخِرَيْه، ومات بعد سبعة أيام من ذلك، وكان قد دعا على الوزير بأن تُقْطع يداه ورِجْلاه ويقتل شَرَّ قِتْلة. فما مات الوزير إِلَّا كذلك

(11)

.

(1)

في (ط) فذكر ثلاثة قد اجتمعوا في وقت واحد على إضلال الناس وإفساد العقائد كما ذكر، فيكون المراد بذلك الحلاج ..

(2)

في (ط): السمعاني، وهو تحريف، وسيرد ذكره في أحداث سنة (322 هـ).

(3)

في أحداث سنة (317 هـ).

(4)

وفيات الأعيان (2/ 146 - 157).

(5)

طبقات الصوفية (265 - 272) حلية الأولياء (10/ 302 - 305) تاريخ بغداد (5/ 26 - 30) الرسالة القشيرية (23 - 24) المنتظم (6/ 160) سير اعلام النبلاء (14/ 255 - 256) طبقات الأولياء (59 - 61) طبقات الشعراني (1/ 125 - 128).

(6)

ما بين حاصرتين من طبقات الصوفية (265).

(7)

هذه النسبة إلى من يبيع الأدم. الأنساب (1/ 161).

(8)

في (ط) المفضل، وهو تصحيف، وترجمته في تاريخ بغداد (12/ 363).

(9)

في (ط): وقد كان موافقًا للحلاج في بعض اعتقاده على ضلاله.

(10)

في (ط): وكان أبو العباس هذا.

(11)

انظر صفة مقتل الحلاج من هذا الجزء.

ص: 48

وفيها توفي:

أبو إسحاق إبراهيم بن هارون الطَّبيب الحَرَّاني. وأبو محمد عبد اللّه بن حمدون النَّديم

(1)

(1)

على هامش (ح): بلغ مقابلة بالأصل المنقول منه. وقد انفردت (ب) في إيراد مسألة في الحلاج، نسوقها فيما يلي:

‌مسألة في الحلاج

سئل شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية - تغمده اللّه برحمته وأسكنه فسيح جنته - قال: أنا [كذا في الأصل ولعل الصواب من] اعتقد ما يعتقده الحلاج، ماذا يجب عليه، ويقول: إنما قتل ظلمًا كما قتل بعض الأنبياء، صلوات الله عليهم، ويقول الحلاج من أولياء اللّه تعالى، فماذا يجب عليه بهذا الكلام، وهل قتل بسيف الشرع الشريف أم لا، أفتونا مأجورين.

الحمد لله، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها، فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين، فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والاتحاد كقوله أنا الله، وقوله: إله في السماء وإله في الأرض. وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إِلَّا اللّه، وأن اللّه خالق كل شيء، فكل ما سواه مخلوق، و {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 93 - 95] وقد قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 171، 172]. وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 73 - 75].

فالنصارى الذين كفَّرهم اللّه ورسوله، واتفق المسلمون على كفرهم، كان من أعظم كفرهم دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح بن مريم، فمن قال بالحلول والاتحاد في غير عيسى كما يقول الغالية في عليّ، وكما يقوله الحلاجية في الحلاج، والحاكمية في الحاكم، وأمثال هؤلاء، فقوله شرّ من قول النصارى، لأن المسيح أفضل من هؤلاء كلهم، وهؤلاء من جنس أتباع الدجال الذي يدعي الإلهية فيتبع، مع أن الدجال يقول للسماء امطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت، وللخربة أخرجي كنوزك، فيخرج معه كنوز الذهب والفضة، ويقتل رجلًا مؤمنًا، ثم يأمر به فيقوم، ومع هذا فهو الأعور الدجال الكذاب، فمن ادَّعى الإلهية بدون مثل هذه الخوارق كان دون هذا الدجال. والحلاج كانت له مخاريق وأنواع من السحر، وله كتب منسوبة إليه في السحر، وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر أو اتحاده به، أو أن البشر يكون إلاهًا وجزءًا من الإله، فهو كافر، مباح الدم، وعلى هذا قتل الحلاج. ومن قال: إن الله نطق على لسان الحلاج، وأن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله، وأن اللّه هو القائل على لسانه فهو أيضًا كافر باتفاق المسلمين، لأن الله لا يحل في بشر، ولا يتكلم على لسان بشر .. ولكن يرسل الرسل بكلامه، فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم بقوله؛ كما قال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده. فإن المعروف في خطاب الناس أن كل واحد من الرسل والرسول يقول على لسان الآمر كما قال أحمد بن حنبل للمروذي: قل على لساني، وكما يقال: هذا يقول على =

ص: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (1) لسان السلطان كيت وكيت. فمثل هذا معناه مفهوم، وأما أن اللّه هو المتكلم على لسان البشر كما يتكلم الجني على لسان المصروع، فهذا كفر صريح. وأما إذا ظهر مِثل هذا القول عن غائب قد رفع عنه القلم لكونه مصطلمًا في حال من أحوال الفناء والسكر، فهذا تكلَّمَ به في حال دَفعَ عنه فيها القلمُ، فالقول وإن كان باطلًا لكن القائل غير مؤاخذ، ومثل هذا تعرض لمن استولى عليه سلطان الحب مع ضعف القلب، كما يقال: إن محبوبًا ألقى نفسه في اليم، فألقى المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت، فلم وقعت خلفي؟ قال: غبت بك عني، فظننت أنك أني. وقد ينتهي بعض الناس إلى مقام يغيب معبود عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، فإذا ذهب تمييز هذا، وصار غائب العقل بحيث يرفع عنه القلم لم يكن معاقبًا على ما تكلم به في هذه الحال، مع العلم بأنه خطأ وضلال، وآفة حال لا يكون لألباء الرجال.

وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله، مثل كتابة دمه أربعين كلمة، أو إظهار الفرح بالقتل، أو نحو ذلك، كله كذب. وقد جمع المسلمون أخبار الحلاج في مواضع كثيرة، كما ذكر ثابت بن سنان في "أخبار الخلفاء" وقد شهد مقتله، وكما ذكر المحسن التنوخي، وكما ذكر إسماعيل بن علي الخطبي في "تاريخ بغدادًا" وقد شهد قتله، وكما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخه"، وكما ذكر القاضي أبو يعلى في "المعتمد"، وكما ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب وأبو محمد بن حزم وغيرهما، وكما ذكر أبو يوسف القزويني وأبو الفرج بن الجوزي فيما جمعا من أخباره. وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقات الصوفية" أن أكثر المشايخ أخرجوه عن الطريق. ولم يذكره أبو القاسم القشيري في "رسالته" في المشايخ الذين عدَّهم من مشايخ الطريق، وما يعلم أحد من أئمة الإسلام ذكر الحلاج بخير لا من العلماء ولا من المشايخ، ولكن بعض الناس يقف فيه، لأنه لم يعرف أمره، فأبلغ من يحسن الظن به يقول: إنه وجب قتله في الظاهر، والقاتل مجاهد، والمقتول شهيد. وهذا أيضًا خطأ. وقول القائل: إنه قتل مظلومًا ظلمًا باطل، فإن وجوب قتله على ما أظهره من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين، لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن الإلحاد إلى أصحابه صار زنديقًا، فلما أخذ وحبس أظهر التوبة، والفقهاء متنازعون في قبول توبة المرتدين، وأكثرهم لا يقبلها، وهو مذهب مالك وأهل الحديث، ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، ووجه في مذهب الشافعي، والقول الآخر يقبل توبته. وقد اتفقوا على أنه إذا قتل قبل هذا لا يقال إنه قتل ظلمًا.

وأما قول القائل إن الحلاج من أولياء اللّه [كذا والعبارة فيها سقط] فإن ولي الله من مات على ولاية اللّه، والله يحبه ويرضى عنه، والشهادة بهذا لغير من شهد له النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بالجنة لا يجوز عند كثير من العلماء أو أكثرهم، وذهبت طائفة من السلف كأبي حنيفة وعلي المديني إلى أنه لا يشهد بذلك لغير النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وقال طائفة: بل من استفاض في المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك، لأن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا. فقال: وجبت وجبت. ومر عليه بجنازة، فأثنوا عليها شرًا فقال: وجبت وجبت. قال: يا رسول الله، ما قولك وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا، فقلت: وجبت لها الجنة. وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًا، فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء اللّه في الأرض [صحيح البخاري (1301) في الجنائز، وصحيح مسلم (949) في الجنائز].

وإذًا جوز أن يشهد لبعض الناس أنه من أولياء الله في الباطن، إما بنصٍّ، وإما بشهادة الأمة، فالحلاج ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء، فجمهور الأمة يطعن عليه، ويجعله من أهل الإلحاد، وإن قدر أنه يطلع على بعض الناس أنه ولي الله بكشف ونحو ذلك مما يختص به بعض أهل الصلاح، فهذا الذي أثنى على الحلاج، ووافقه على اعتقاده ضالٌّ من وجوه، أحدها أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أحد قتل ظلمًا وكان وليًا للّه، فقد قتل الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري ومحمد بن سعيد المصلوب وبشار بن برد الأعمى، وأمثال =

ص: 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= هؤلاء كثير، ولم يقل أهل العلم واللب في هؤلاء (كذا وكان ثمة سقط) وأما الأنبياء فقتلهم الكفار، وكذلك الصحابة الذين استشهدوا قتلهم الكفار، وعثمان وعلي والحسين ونحوهم قتلهم الخوارج البغاة، لم يقتلوا بحكم الشرع على مذاهب فقهاء أئمة الدين كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، فإن أئمة الدين متفقون على تحريم دماء هؤلاء، وهم متفقون على حل دم الحلاج وأمثاله.

الوجه الثاني: إن الاطلاع على أولياء اللّه لا يكون إِلَّا ممن يعرف طريق الولاية، وهو الإيمان والتقوى، ومن أعظم الإيمان والتقوى أن يجتنب مقالة أهل الإلحاد، كأهل الحلول والاتحاد، فمن وافق الحلاج على مثل هذه المقالة لم يكن عارفًا بالإيمان والتقوى، فلا يكون عارفًا بطريق أولياء اللّه، فلا يجوز أن يميز بين أولياء اللّه وغيرهم.

الثالث: أن هذا القائل قد أخبر أنه يوافقه على مقالته، فيكون من جنسه، فشهادته له بالولاية شهادة لنفسه، كشهادة اليهودي والنصراني والرافضي لنفسه أنه على الحق، وشهادة المرء نفسه فيما لا يعلم فيه كذبه ولا صدقه مردودة، فكيف تكون شهادته لنفسه ولطائفته الذين ثبت بالكتاب والسُّنة والإجماع أنهم أهل ضلال.

الرابع: إن ما يقال إما كون الحلاج عند الموت تاب فيما بينه وبين اللّه، أو لم يتب، فهذا غيب يعلمه اللّه. وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام، فليس كذلك، بل كان يصنف الكتب، ويقوله وهو حاضر يقظان، وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذرًا في الباطن وإن لم تكن عذرًا في الظاهر، فهذا لو فرض لم يجز أن يقال قتل ظلمًا، ولا يقال إنه موافق له على اعتقاده، ولا يشهد بما لا يعلم، فكيف إذا كان الأمر بخلاف ذلك؟ وغاية المسلم المؤمن إذا عذر الحلاج أو يدعي فيه الاصطلام أو الشبهة، فإما أن يوافقه على ما قيل عليه، فهذا حال أهل الزندقة والإلحاد، وكذلك من لم يجوِّز قتل مثله فهو مارق من دين الإسلام، ونحن إنما علينا أن نعرف التوحيد الذي أمرنا به، ونعرف طريق الله [الذي] أمرنا به، وقد علمنا بكلاهما أن ما قاله الحلاج باطل، وأنه يجب قتل مثله، وأما نفس الشخص المعين، هل كان في الباطن له أمر يغفر الله له به، من توبةٍ أو غيرها؟ فهذا أمره إلى اللّه، ولا حاجة إلى العلم بحقيقة ذلك، والله أعلم.

وسئل أيضًا رضي الله عنه عمن يعتقد أن كرامات الأولياء حق، وأن منهم من يكاشف ماضي ومستقبل، فهل هذا الاعتقاد صحيح أو لا؟.

أجاب: كرامات الأولياء حق باتفاق أئمة أهل الإسلام والسنة والجماعة، وقد دلَّ عليها القرآن في غير موضع، والأحاديث الصحيحة والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم، وإنما أنكرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم. وأما أئمة الإسلام وشيوخه المقبولون عند اللّه فلم ينكروها، لكن كثير ممن يدعيها أو تدعى له يكون كذابًا، أو ملبوسًا عليه، وأيضًا فإنها لا تدلُّ على عصمة صاحبها ولا على وجوب اتباعه في كل ما يقول، بل قد تصدر بعض الخوارق من الكشف وغيره عن بعض الكفار من المشركين وأهل الكتاب، ومن هو شر منه، كما بينت في الصحيح أن الدَّخال يقول للسماء: أمطري، فتمطر. ويقول للأرض: أنبتي، فتنبت، وأنه يقتل واحدًا، ثم يحيا، وأنه يخرج خلفه كنوز الذهب والفضة، ولهذا اتفق أئمة الدين على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على الماء، لم يغترَّ به حتى ننظر وقوفه عند الأمر والنهي الذي بعث اللّه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه جملة مختصرة مفصلة مبسوطة في غير هذا الموضع، واللّه أعلم.

‌مسألة أيضًا

سئل عنها شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله في الحلاج، هل كان صدِّيقًا أو زنديقًا؟ وهل كان من أولياء اللّه المتقين، وله حال رحماني، أو من إخوان الشياطين، وله حال شيطاني؟ وهل قتل على الزندقة بمحضر من علماء المسلمين، أو قتل ظلمًا؟ وماذا قالت العلماء في ذلك؟ =

ص: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= أجاب: الحمد للّه، الحلاج قتل على الزندقة، والزندقة هي النفاق بعينه التي ثبت عليه بإقراره وبغير إقراره، وبغير الأمر الذي ثبت عليه مما يوجب القتل باتفاق المسلمين، ومن قال إنه قتل بغير حق فهو منافق ملحد، وإما جاهل ضال. وكان قد استفاض عنه من أنواع الكفر ما يوجب بعضه القتل فضلًا عن جميعه.

ولم يكن من أولياء الله المتقين، بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات، بعضها شيطاني، وبعضها نفساني، وبعضها كان موافقًا للشريعة، فلبس الحق بالباطل، وكان قد ذهب إلى أرض الهند، وتعلم أنواعًا من السحر، وصنف كتابًا في السحر معروفًا، وهو موجود إلى اليوم، وكانت له أحوال شيطانية، ومخاريق بهتانية، وقد جمع العلماء أخباره في كتب كثيرة، أخبر بها الذين كانوا في زمانه، والذين نقلوا عن أولئك، مثل أحمد بن علي الخطيب، ذكره في "تاريخ بغداد"، وأبو يوسف القزويني صنف كتابًا مجلدًا في أخباره، وأبو الفرج بن الجوزي، له فيه مصنف سماه "رفع اللجاج في أخبار الحلاج" وسبطه ذكره في "تاريخه"، وذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب "طبقات الصوفية" أن أكثر المشايخ ذموه، وأنكروا عليه، ولم يعدوه من مشايخ الطريقة، وممن ذمه أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه، ولم يقتل في حياة الجنيد، بل قتل بعد موت الجنيد، فإن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومئتين، والحلاج قتل سنة بضع وثلاثمئة، أظنه سنة تسع وثلاثمئة، وكان قد قُدم به إلى بغداد راكبًا على جمل ينادى عليه: هذا داعي القرامطة. وأقام في الحبس مدة حتى وجد من كلامه من الكفر والزندقة ما اعترف به، مثل أنه ذكر في كتاب له أنه من فاته الحج، فإنه يبني في داره بيتًا، ويطوف به كما يطوف بالبيت، ويتصدق على ثلاثين يتيمًا بصدقة ذكرها، وقد أجزأه ذلك عن الحج. فقالوا له: أنت قلت هذا. قال: نعم. قالوا له: من أين لك هذا؟ قال: ذكره الحسن البصري في "كتاب الصلاة"، فقال له القاضي أبو عمر: تكذب يا زنديق، أنا قرأت هذا الكتاب، وليس هذا فيه. فطلب منهم الوزير أن يشهدوا بما سمعوا منه، ويفتوا بما يجب عليه، فأفتوا واتفقوا على وجوب قتله.

لكن العلماء لهم قولان في الزنديق إذا أظهر التوبة، هل تقبل منه توبته فلا يقتل، أم يقتل لأنه لا يعلم صدقه، فإنه ما زال يظهر ذلك؟ فأفتى طائفة بأنه يستتاب ولا يقتل، وأفتى الأكثرون بأنه يقتل وإن أظهر التوبة، فإن كان صادقًا في توبته نفعه ذلك عند اللّه في الآخرة، وقتل في الدنيا، وكان الحد تطهيرًا له، كما لو تاب السارق والزاني والشارب بعد أن رفعوا إلى ولي الأمر، فإنه لابد من إقامة الحد عليهم، وإذا كانوا صادقين في التوبة نفعهم ذلك في الآخرة، وقبل اللّه توبتهم، وكان قتلهم كفارة لهم، ومن كان كاذبًا في التوبة كان قتله عقوبة لهم. فإن كان الحلاج تاب وقت القتل، صادقًا في التوبة، فإن الله ينفعه بتلك التوبة، وإن كان كاذبًا في التوبة، فإنه قتل كافرًا.

ولم يظهر له وقت القتل شيء من الكرامات، وكل من ذكر أن دمه كتب على الأرض اسم الله، وأن دجلة انقطع ماؤها، أو غير ذلك من الأكاذيب التي تشبه هذا، فإنه كاذب، وهذه الأمور لا يحكيها إِلَّا جاهل أو منافق، وإنما وضعها الزنادقة أعداء الإسلام، حتى يقول القائل: إن شرع محمد بن عبد الله يقتل أولياء اللّه، وإلا فقد قتل أنبياء كثيرون، وقتل من الصحابة والتابعين وغيرهم من الصالحين ما لا يحصي عدده إِلَّا الله، قتلوا بسيوف الكفار والفجار، ولم يكتب دم أحدهم اسم الله، فهل الحلاج خير من هؤلاء كلهم؟ ولقد جزع وقت القتل، وأظهر التوبة، فلم يقبل ذلك منه، لأنه لو عاش افتتن به كثير من الجهال، لأنه كان صاحب خزعبلات بهتانية وأحوال شيطانية؛ ولهذا إنما يعظمه من يعظم الأحوال الشيطانية والنفسانية والبهتانية، وأما أولياء الله المتقون العالمون بحال الحلاج فليس فيهم أحد يعظمه، ولهذا لم يذكره القشيري في مشايخ "رسالته"، وإن كان قد ذكر من كلامه كلمات استحسنها، وكان الشيخ أبو يعقوب النهرجوري قد زوجه بابنته، فلما اطلع على زندقته نزعها منه، وكان عمرو بن عثمان المكي يذكر أنه كافر، ويقول: كنت معه، فسمع قارئًا يقرأ القرآن، فقال: أقدر أن أصنف مثل هذا =

ص: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= القرآن. أو نحو هذا الكلام، وكان يظهر عند كل قوم ما يستجلبهم به إلى تعظيمه؛ فيظهر عند أهل السنة أنه سني، وعند الشيعة أنه شيعي، ويلبس لباس الزهاد، وتارة لباس الأجناد، وكان من مخاريقه أن يبعث بعض أصحابه إلى مكان من البرية يخبئ فيه شيئًا من الفاكهة والحلواء، ثم يخرج بجماعة إلى قرب ذلك المكان، فيشتهي عليه أحدهم فاكهة أو حلاوة، فيذهب إلى ذلك، فيأخذ ما خبأ هنالك ويجيبه، فيظن الحاضرون أن هذه كرامة له، وكان صاحب سيميا وشياطين، وكانت الشياطين تخدمه أحيانًا، كانوا مرة على جبل أبي قبيس، فطلبوا منه حلاوة، فذهب إلى مكان قريب منهم، ثم جاء معه بصحن حلاوة، فكشفوا الأمر، فوجدوا ذلك قد أحضر من حانوت حلاوي في اليمن، حمله الشيطان من الحانوت إليه. ومثل هذا يجري كثيرًا لغير الحلاج ممن له حال شيطاني، ونحن نعرف كثيرًا من هؤلاء في زماننا، وفي غير زماننا، مثل شيخ أخبر عن نفسه بأنه كان يزني بالنساء، ويتلوط بالجواري ولا يصلي، وكان يقوله، قال: وكان يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان، فيقول لي: فلان بن فلان، قد نذر لك نذرًا، وغدًا يأتيك به، وأنا قضيت حاجته لأجلك، فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر، ويكاشفه هذا الشيخ الكافر بذلك. قال: وكنت إذا طلب مني تغيير مثل اللاذن أقوله حتى أغيب عن عقلي، فإذا باللاذن في يدي أو فمي، وأنا لا أدري من وضعه. قال: وكنت أمشي وبين يدي عمود أسود عليه نور، فلما تاب، وصار يصلي ويصوم، ويجتنب الفواحش ذهب الكلب الأسود، وذهب النور، وذهب التغيير من اللاذن وغيره.

وشيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس، فيأتي أصحاب الصروع إلى الشيخ يطلبون منه إبراء ذلك المصروع، وهم لا يعلمون أن شياطين الشيخ صرعته، فيرسل إلى أتباعه من الجن، فيفارقونه، ويعطون الشيخ دراهم.

وآخر كان مشتغلًا بالعلم، فجاءته الشياطين أغوته، وقالوا له: نحن نسقط عنك الصلاة، ونحضر لك كل ما تريد. فكانوا يأتونه بالحلاوة والفاكهة حتى حضر عند بعض الشيوخ العارفين، فاستتابه، وأعطى أهل الحلاوة عن حلاوتهم التي أحضرها ذلك المفتون بالشيطان.

فكل من خرج عن الكتاب والسنة، وكان له حال من مكاشفة أو تأثير، فإنه صاحب حال شيطاني أو نفساني وإن لم يكن له حال، بل هو متشبه بأصحاب الأحوال، فهو صاحب محال بهتاني.

وعامة أرباب الأحوال الشيطانية يجمعون بين الحال الشيطاني والمحال البهتاني، كما قال تعالى:{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221، 222] والحلاج كان من أئمة هؤلاء أهل الحال الشيطاني والمحال البهتاني، وهؤلاء طوائف كثيرة، وأئمة هؤلاء هم شيوخ المشركين الذين يعبدون الأصنام، مثل الكهان والسحرة الذين كانوا للعرب والمشركين بأرض الهند والغرب وغير ذلك، ومن هؤلاء من إذا مات لهم ميت يعتقدون أنه يحيا بعد الموت، فيكلمهم، ويقضي ديونه، ويرد ودائعه، ويوصيهم بوصايا، فإنه يأتيهم ما يعتقدون أنه تلك الصورة التي كانت في الحياة، وهو شيطان يتمثل في صورته، فيظنونه إياه. وكثير ممن يستغيث بالمشايخ الموتى والأحياء، فيقول: يا سيدي فلان، أو يا شيخ فلان، اقض لي حاجة كذا وكذا. فيرى صورة ذلك الشيخ، فيخاطبه، ويقول له: أنا أقضي حاجتك، أو طيب قلبك، أو يدفع عنه عدوه، أو يحضر له بعض ما يطلبه، ويكون ذلك شيطانًا قد تمثل له في صورة الشيخ لما أشرك الداعي باللّه، فدعا غير الله. وأنا أعرف من هذا وقائع متعددة، ويقولون: ما في الوجود غيره ولا سواه؛ بمعنى أن المخلوق هو الخالق، والمصنوع هو الصانع، حتى إن طائفة من أصحابي ذكروا أنهم استغاثوا بي في شدائد أصابتهم، أحدهم كان خائفًا من الأرمن، والآخر كان خائفًا من التتر، فذكر كل منهم أنه لما استغاث رآني في الهواء وقد دفعت عنه عدوه، فأخبرتهم أني لا أعلم بهذا، =

ص: 53

‌ثم دخلت سنة عشر وثلاثمئة

فيها أُطْلقَ يوسفُ بن أبي السَّاج من الضِّيق، وكان معتقلًا، وردَّتْ إليه أمواله، وأُعيد إلى عمله، وأضيف إليه بُلْدان أخرى، ووظِّف عليه في كل سنة خمسمئة ألف دينار يحملُها إلى الحَضْرة، فبعث

= ولا دفعت عنهم شيئًا، وإنما هذا شيطان تمثل لأحدهم، فأغواهم لما أشركوا بالله. وهكذا جرى لغير واحد من أصحابنا من المشايخ مع أصحابهم؛ يستغيث أحدهم بالشيخ في أمرٍ فيرى الشيخ وقد جاء وقضى حاجته، ويقول لي ذلك الشيخ: إني لم أعلم بهذا. ويتبين أن ذلك كان شيطانًا، وشيخ كان يقال له السياخ توبناه، وجدَّد إسلامه، كان له قرين من الجن يقال له عنتر، يخبره بأشياء، فيصدق تارة ويكذب أخرى، ولما ذكرت له أنك تعبد شيطانًا من دون الله اعترف بأنه يقول له: يا عنتر، لا سبحانك، إنك إله قذر. وتاب من ذلك في قصة مشهورة. وقد قتل بسيف الشرع من قتل من هؤلاء، مثل الشخص الذي قتلناه سنة خمس عشرة وسبعمئة، وكان له قرين يأتيه ويكاشفه بأشياء، فيصدق تارة، ويكذب أمره أن ذلك القرين صار يقول: أنا رسول الله. ويذكر له أشياء في حال الرسول صلى الله عليه وسلم، فشهد صلى الله عليه وسلم عليه بأنه قال: إن النَّبِيّ يأتيني، ويقول لي كذا وكذا من الأمور التي يكفر من أضافها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فذكرت لولاة الأمور أن هذا من جنى الكهان، وأن هذا الذي يأتيه شيطان، ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبي صلى الله عليه وسلم، بل في صورة منكرة. ويذكر عنه أنه يخضع له، ويبيح له أن يتناول المسكر وأمورًا أُخر، وكان كثير من الناس يظنون أنه كاذب فيما يقول ويخبر به من الرؤية، ولم يكن كاذبًا أنه رأى تلك الصورة، لكن كافرًا في اعتقاده أن ذلك رسول اللّه، ومثل هذا كثير، فمن لم ينور الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن، التبس عليه الحق بالباطل، كما التبس على كثير من الناس حال مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة وغيره من الكذابين، فاعتقدوا فيهم أنهم أنبياء، وإنما كانوا كذابين، وقد قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يخرج فيكم أقوام دجالون كذابون، كلهم يزعم أنه رسول اللّه، وأعظم الدجاجلة فتنة الدجال الكبير الذي يقتله عيسى بن مريم، فإن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: ما من خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال. وأمر المسلمين أن يقول أحدهم في الصلاة: اللهم، إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات [صحيح البخاري (1311) في الجنائز، صحيح مسلم (588) في المساجد ومواضع الصلاة].

وثبت في الصحيح عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه يقول للسماء: أمطري، فتمطر، ويقول للأرض: أنبتي، فتنبت، وأنه يقتل رجلًا مؤمنًا ثم يقول له: قم، فيقوم، فيقول: أنا ربك. فيقول: كذبت، بل أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا عنه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، والله ما ازددت فيك إِلَّا بصيرة، فيقتله مرتين، ثم يريد أن يقتله في المرة الثالثة، فلا يسلط عليه. وهو يدعي الإلهية. وقد بين النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فيه ثلاث علامات تنافي ذلك؛ أحدها: أنه أعور، وقال: إن ربكم ليس بأعور. [صحيح البخاري (4141) في المغازي والسير]. والثاني: أنه مكتوب بين عينيه: كافر ك ف ر، ويقرأه كل مؤمن من قارئ وغير قارئ. والثالث قوله صلى الله عليه وسلم: واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت.

فهذا هو الدجال الكبير، ودون هذا دجاجلة، منهم من يدعي النبوة، ومنهم من يكذب بغير دعوى النبوة كقول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم "يكون في آخر الزمان أقوام دجالون كذابون، فإياكم وإياهم" [صحيح مسلم (7/ 7) في المقدمة.

فالحلاج كان من الكذابين الدجاجلة بلا ريب، وقد قتل بحق بلا ريب، ولكن إذا قيل للرجل: هل تاب قبل الموت أو لم يتب قال: اللّه أعلم. والله أعلم.

ص: 54

حينئذٍ إلى مؤنس الخادم يطلُب منه أبا بكر بن الأَدَمي القارئ

(1)

، وكان قد قرأ بين يديه حين اعتُقِلَ وأشهر في سنة إحدى وسبعين

(2)

ومئتين {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]. فخاف القارئُ من سَطْوته واستعفى من مُؤْنس الخادم فقال له مؤنس: اذهب وأنا شريكُك في الجائزة. فلما دَخَلَ عليه قرأ بين يديه {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54]. فقال: بل أُحبُّ أن تقرأ ذلك العَشْر الذي قرأْتَه عند إشهاري

(3)

{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [هود: 102] فإنَّ ذلك كان سببَ تَوْبتي

(4)

إلى الله عز وجل، وكان ذلك على يديك. ثم أمَرَ له بمالٍ جزيل وأحْسَنَ إليه.

وفيها مَرِضَ عليُّ بنُ عيسى الوزير فجاءه هارون بن المقتدر ليعودَه

(5)

، فَبَسَطَ له الطريق، فلما اقتربَ من دارِه تحاملَ وخرج إليه، وبلَّغه سلامَ الخليفة، وجاء مُؤْنس الخادم معه، ثم جاء الخبر بأن الخليفة قد عَزَمَ على عيادته، فاستعفى من مؤنس الخادم، وركب على جَهْدٍ عظيم حتى سلَّم على الخليفة لئلا يكلفه الرّكوب إليه.

وفي هذه السنة قُبِضَ على القَهْرمانة أُمِّ موسى ومن ينتسب إليها، فكان حاصل ما حُمِلَ إلى بيت المال من جهتها ألف ألف دينار.

وفي يوم الخميس لعشر بقين من ربيع الآخر ولَّى المقتدر منصبَ القضاء أبا الحسين عمر بن الحسن

(6)

بن علي الشَّيْباني المعروف بابن الأُشْناني - وكان من حُفَّاظ الحديث وفقهاء الناس - ولكنه عُزِلَ بعد ثلاثة أيام، وكان قبل ذلك محتسبًا ببغداد.

وفيها عُزِلَ محمد بن عبد الصَّمد عن شُرْطَة بغداد، ووليها نازُوك، وخُلع عليه.

وفي جُمادَى الآخرة ظهر كوكبٌ له ذنب طوله ذِرَاعان وذلك في برج السُّنْبُلَة.

وفي هذه السنة في شعبان منها وَصلَت هدايا نائب مصر وهو الحسين بن الماذَرَائي

(7)

، وفيها بغلة معها فَلُوُّها

(8)

، وغلام يصل لسانُه إلى طرف أنفه.

(1)

سترد ترجمته في وفيات سنة (348 هـ).

(2)

في (ح) و (ط): وستين، وهو تحريف، والمثبت من (ظا) و (ب). المنتظم (5/ 80 - 81).

(3)

في (ط): عند سجني وإشهاري.

(4)

في (ط): توبتي ورجوعي.

(5)

في (ط): ويبلغه سلام أبيه عليه.

(6)

في (ح) و (ب) و (ط) الحسين، وهو تصحيف. ترجمته في سير أعلام النبلاء (15/ 406 - 407).

(7)

في النسخ الخطية و (ط): المارداني، وهو تحريف، وكان على خراج مصر، توفي سنة (314 هـ)، وقيل سنة (317 هـ)، ترجمته في معجم البلدان (5/ 34).

(8)

أي ولدها. اللسان (فلا).

ص: 55

وفي [هذا]

(1)

الشهر قُرِئَتِ الكتب على المنابر بما كان من الفتوح على المسلمين ببلاد الرُّوم.

وفي هذه السنة وَرَدَ الخبر بأنه انشقَّ بأَرْض واسطَ فُلُوع

(2)

في الأرض [في]

(3)

سبعة عشر موضعًا أكبرها طوله ألف ذِراع، وأقلها مئتا ذراع، وأنه غَرِقَ من أمهات القرى ألف وثلاثمئة قرية.

وحجَّ بالناس إسحاق بن عبد الملك الهاشمي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

محمد بن أحمد

(4)

بن حمَّاد بن سَعْاد

(5)

، أبو بِشْر الدَّولابي

(6)

، مولى الأنصار، ويعرف بالورَّاق.

أحد أئمة حُفَّاظ الحديث، وله تصانيف حسنة في التاريخ، وغير ذلك

(7)

.

وروى عن جماعةٍ كثيرة.

قال ابن يونس: وكان يُضَعَّف

(8)

، وتوفِّي وهو قاصد إلى الحج بين مكَّة والمدينة بالعَرْج في ذي القَعْدة

(9)

.

أبو جَعْفر بن جرير الطَّبري

(10)

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، الإمام أبو جعفر الطَّبري.

(1)

ما بين حاصرتين من المنتظم (6/ 167).

(2)

أي شقوق. اللسان (فلع).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

الأنساب (5/ 371 - 372) اللباب (1/ 431) المنتظم (6/ 169) وفيات الأعيان 4/ 352 - 353) تذكرة الحفاظ (2/ 759 - 760) سير أعلام النبلاء (14/ 309 - 311) المغني في الضعفاء (2/ 550).

(5)

في (ط) أبو سعيد، وهو تحريف.

(6)

قال السمعاني: الصحيح في هذه النسبة فتح الدال، ولكن الناس يضمونها .. وظني أنه نسب بعض أجداده إلى عمل الدولاب، وأصله من الري، فيمكن أن يكون من قرية الدولاب. الأنساب (5/ 369 - 371).

(7)

طبع له في جزأين كتابه "الكنى والأسماء" بمطبعة مجلس دائرة المعارف بجدر آباد سنة (1322 هـ)، وهو كتاب مشهور، متداول.

(8)

في (ط) يصعق، وفي الأنساب (5/ 371) يصنف، وكلاهما تحريف. والمثبت من (ح) و (ب).

(9)

في الأنساب واللباب ووفيات الأعيان توفي سنة (320 هـ) وهو وهم.

(10)

تاريخ بغداد (2/ 162 - 169) طبقات الفقهاء للشيرازي (93) الأنساب (8/ 205 - 207) اللباب (2/ 81) المنتظم (6/ 170 - 172) معجم الأدباء (18 - 40 - 94) إنباه الرواة (3/ 89 - 90) وفيات الأعيان (4/ 191 - 192) سير أعلام النبلاء (14/ 267 - 282) تذكرة الحفاظ (2/ 710 - 716) ميزان الاعتدال (3/ 498 - 499) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 120 - 128) طبقات المفسرين للداودي (2/ 106 - 114).

ص: 56

كان مولده في سنة أربع وعشرين ومئتين

(1)

، وكان أسمر، أعْيَنَ، مليح الجسم

(2)

، مديد القامة، فصيح اللِّسان.

روى الكثير عن الجمِّ الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وله التاريخ الحافل، والتفسير الكامل

(3)

، وغيرهما من المصنَّفَات النافعة في الأصول والفروع. ومن أحسن ذلك "تهذيب الآثار"

(4)

، لكن لم يتمَّه. وقد روي عنه أنه مكث أربعين سنة يكتب في كلِّ يوم أربعين ورقة.

قال الحافظ أبو بكر الخطيب: استوطن ابن جرير بغداد

(5)

، وكان أحد أئمة العلماء، يُحْكم بقوله

ويُرجع إليه لمعرفته وفَضله، وكان قَدْ جمع من العلوم ما لم يشارِكْه فيه أحدٌ من أهل عَصْره، وكان حافظًا لكتاب اللّه، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في الأحكام، عالمًا بالسُّننِ وطُرُقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصَّحابة والتَّابعين ومنْ بَعْدهم، عارفًا بأيام النَّاس. وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يُصنِّف أحدٌ مِثْلهُ، وكتاب سَمَّاه "تهذيب الآثار" لم أرَ سواه في معناه، إِلَّا أنه لم يتمَّه، وله في أُصول الفِقْه وفروعه كتبٌ كثيرة واختيارات، وتفرَّد بمسائل حُفِظتْ عنه

(6)

.

قال الخطيب: وبَلَغني عن الشَّيْخ أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه الإسْفَرَاييني أنه قال: لو سافر رجلٌ إلى الصِّين حتى يُحصِّلَ له

(7)

كتاب تفسير محمد بن جرير الطَّبَري لم يكن ذلك كثيرًا، أو كلامًا هذا معناه

(8)

.

وروى الخطيب عن إمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة أنه طالع كتاب التفسير لابن جرير في سنين منْ أوَّله إلى آخره، ثم قال: ما أعْلَمُ على أَدِيم

(9)

الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظَلَمَتْه

(1)

انظر الخلاف حول سنة ولادته في معجم الأدباء (18/ 47 - 48).

(2)

في (ط) مليح الوجه، وفي تاريخ بغداد (2/ 166) نحيف الجسم.

(3)

في (ط) الذي لا يوجد له نظير.

(4)

في (ط): ولو كمل لما احتيج معه إلى شيء، ولكان فيه الكفاية، قلت: وقد طبعت منه بعض المسانيد بتحقيق العلامة محمود محمد شاكر.

(5)

في (ط): وأقام بها إلى حين وفاته.

(6)

انظر تاريخ بغداد (2/ 163).

(7)

في (ط) حتى ينظر في كتاب تفسير ابن جرير، وما في نسخنا الخطية يوافق ما في "تاريخ بغداد".

(8)

المصدر السابق.

(9)

في (ح) وجه.

ص: 57

الحنابلة

(1)

. وقال

(2)

لرجلٍ رَحَلَ إلى بغداد يكتب

(3)

عن المشايخ - ولم يتفق له سماع من ابن جرير؛ لأن الحنابلة كانوا يمنعون أن يجتمع به أحد - فقال

(4)

: لو كتبتَ عنه لكان خيرًا لك من كل منْ كتبتَ عنه

(5)

.

قلت: وكان من العبادة والزَّهادة والوَرَع والقيام في الحَقِّ لا تأخذُه في ذلك لومةُ لائمٍ، وحُسْنِ القراءة

(6)

على أحسن

(7)

الصفات، وكان من كبار الصَّالحين، وهو أحد المحمَّدين

(8)

الذين اجتمعوا بمصر في أيام الأمير [ابن]

(9)

طولون، وهم: محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة إمام الأئمة، ومحمد بن نصر المَرْوزي، ومحمد بن هارون الرُّوْياني، ومحمد بن جرير الطَّبَري هذا - وقد ذكرنا ذلك في ترجمة محمد بن نَصْر المَرْوَزِي

(10)

- وكان الذي قام يصلِّي محمد بن إسحاق بن خُزَيمة، وقيل محمد بن نصر، فرزَقَهم الله ببركة صلاته

(11)

.

وقد أراد الخليفة المقتدر باللّه

(12)

في بعض الأحيان أن يكتب كتابَ وَقْف تكون شروطه متفقًا عليها بين الفقهاء، فقيل له: لا يَقْدِرُ على استحضار هذا إِلَّا محمد بن جرير

(13)

، فَطَلَبَ منه ذلك فكتبها، فاستدعاه الخليفة إليه

(14)

، وقال له: سَلْ حاجتك، فقال: لا حاجة لي. فقال: لا بُدَّ أن تسألني شيئًا

(15)

. فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يتقدَّم أمره إلى الشُّرْطة حتى يمنعوا السُّؤَّال يوم الجُمُعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع. فأمر الخليفة بذلك.

وكان ينفق على نفسه من مغل قرية تركَها له أبوه بطبرِسْتان.

(1)

تاريخ بغداد (2/ 164).

(2)

في (ط): وقال محمد. قلت: يعني ابن خزيمة.

(3)

في (ط): يكتب الحديث.

(4)

في (ط): فقال ابن خزيمة.

(5)

تاريخ بغداد (2/ 164) وتعليق السبكي في طبقات الشافعية (3/ 125).

(6)

في (ط) وكان حسن الصوت بالقراءة.

(7)

في (ط): مع المعرفة التامة بالقراءات على أحسن.

(8)

في (ط) المحدثتين، وهو تحريف.

(9)

ما بين حاصرتين من (ط)، وانظر تعليقنا في وفيات سنة (303 هـ) من هذا الجزء.

(10)

انظر ترجمة محمد بن نصر في وفيات سنة (294 هـ) من هذا الكتاب.

(11)

تاريخ بغداد (2/ 164 - 165).

(12)

في سير أعلام النبلاء (14/ 270) وطبقات الشافعية للسبكي (3/ 124): المكتفي.

(13)

في (ط) الطبري.

(14)

في (ط): وقرب منزلته عنده.

(15)

في (ط): أن تسألني حاجة أو شيئًا.

ص: 58

ومن شِعْره:

إذا أعْسَرْتُ لم يَعلمْ رفيقي

وأستَغْني فيَسْتغني صديقي

حَيَائي حافِظٌ لي ماءَ وجهي

وَرِفْقي في مُطالبتي رَفِيقي

ولو أني سَمَحْتُ بِبَذْلِ وَجْهي

لكنتُ إلى الغِنى سَهْلَ الطَّريقِ

(1)

ومن شِعره أيضًا:

خُلُقان لا أرْضَى طريقَهُما

بَطَرُ الغِنى ومَذَلَّةُ الفَقْر

فإذا غنيتَ فلا تكُنْ بَطِرًا

وإذا افْتَقَرْتَ فَتِهْ على الدَّهْر

(2)

وقد كانت وفاتُه وَقْتَ المَغْرب من عَشِيَّة يوم الأحد ليومين بقيا من شوَّال من سنة عشر وثلاثمئة، وقد جاوز الثمانين سنة بخمس سنين أو ست سنين، وفي شَعْر رأسه ولحيته سوادٌ كثير، ودفن في داره لأن بعض الرَّعاع من عوام الحنابلة منعوا من دفنه نهارًا، ونسبوه إلى الرَّفْض، ومن الجهلة منْ رماه بالإلحاد، وحاشاه من هذا ومن ذاك، بل كان أحدَ أئمة الإسلام في العلم

(3)

بكتاب اللّه وسُنَّة رسوله، وإنما تقلَّدوا ذلك عن أبي بكرٍ محمد بن داود

(4)

، حيث كان يتكلَّم فيه ويرميه بالعَظَائم وبالرَّفض.

ولما توفي اجتمع النَّاس من سائر البلد، وصلَّوا عليه بداره، ودُفنَ بها، ومكث الناس يترددون إلى قَبْره شهورًا يصلُّون عليه، رحمه الله.

قلت: وقد رأيتُ له كتابًا جَمَعَ فيه أحاديث غدير خُمّ

(5)

في مجلَّدين ضخمين، وكتابًا جمع فيه طُرُقَ حديث الطير

(6)

. ونُسِبَ إليه أنه كان يقول بجواز مَسْح القَدَمين في الوضوء، وأنه لا يوجب الغَسْلَ، وقد اشْتُهرَ عنه هذا. فمن العلماء منْ يزعمُ أن ابنَ جريرٍ اثنان: أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك، ويبرؤون أبا جعفر هذا من هذه الصِّفَات. والذي عُوِّلَ عليه كلامُه في "التفسير" أنه يوجب غَسْلَ القدمين، ويوجب مع الغَسْل دَلْكَهُما، ولكنه عَبَّر عن الدَّلْكِ بالمَسْح، فلم يَفْهم كثير من

(1)

تاريخ بغداد (2/ 165).

(2)

تاريخ بغداد (2/ 165 - 166).

(3)

في (ط) علمًا وعملًا بكتاب اللّه.

(4)

في (ط): الفقيه الظاهري.

(5)

هو قول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لعلي في غدير خم - وهو وادٍ بالجحفة - "من كنت مولاه فعلي مولاه" وهو حديث صحيح، ومتنه متواتر، أخرجه أحمد في مسنده برقم (950).

(6)

هو الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كنت أخدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقدم له فرخ مشوي، فقال: اللهم، ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير فجاء علي رضي الله عنه فأكل معه. وقد أخرجه الترمذي (3721). وضعفه.

ص: 59

النَّاس مرادَه جيدًا، فنقلوا عنه أنه يوجب الجَمْع بين الغَسْل والمَسْح

(1)

واللّه أعلم

(2)

.

وقد رثاه جماعةٌ من أهل العلم، منهم ابن الأعْرَابي

(3)

حيث يقول:

حَدَثٌ مُفْظِعٌ

(4)

وخَطْبٌ جَليلُ

دقَّ عن مِثْلِه اصْطِبَارُ الصَّبُورِ

قام ناعي العُلومِ أجمعَ لمَّا

قامَ ناعي محمد بنِ جرير

فَهَوتْ أنْجُمٌ لها زَاهراتٌ

مُؤْذِناتٌ رُسُومُها بالدُّثُورِ

وتَغَشَّى ضياءها النيِّرَ الإشـ

ـراقِ ثوبُ الدُّجُنَّةِ الدَّيْجُورِ

وغدا روضُها الأنيقُ هَشِيمًا

ثم عادتْ سهولُها كالوُعُورِ

يا أبا جَعْفَرٍ مضيتَ حَميدًا

غيرَ وانٍ في الجدِّ والتَّشمير

بينَ أجْرٍ على اجتهادِكَ مَوْفُو

رٍ وسَعْيٍ إلى التُّقَى مَشْكُورِ

مستحقًا به الخلودَ لدى جنَّ

(م) ةٍ عَدْنٍ في غِبْطةٍ وسُرورِ

(5)

ولأبي بكر بن دُرَيد رحمه الله فيه مَرْثاة طويلة طَنَّانة أوردها الخطيب

(6)

بتمامها، والله سبحانه أعلم.

‌ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمئة

فيها دخل أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي أمير القَرَامطة في ألف وسبعمئة فارسٍ إلى البَصْرة ليلًا، نصب السلالم الشَّعْر في سُورِها، فدخلها قومه

(7)

، وفتحوا أبوابها، وقتلوا من لقوه من أهلها، وهرب أكثر النَّاس، فألقوا أنفسهم في الماء، فغَرِقَ كثيرٌ منهم، ومكَثَ بها سبعة عشر يومًا يقتل ويأسر من نسائها وذراريها، ويغنم

(8)

ما يختاره من أموال أهلها، ثم عاد إلى بلده هَجَر،

(1)

في (ط)، ومن فهم مراده نقلوا عنه أنه يوجب الغسل والمسح - وهو الدلك - والله أعلم.

(2)

مدار الخلاف حول المسح أو الغسل هو وجه قراءة الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] فمن قرأ "وأرجلكم" بالنصب أوجب الغسل، ومن قرأها بالخفض أوجب المسح. وانظر "تفسير الطبري" طبعة دار المعارف (10/ 63 - 64).

(3)

سترد ترجمته في وفيات سنة (341 هـ).

(4)

مفظع: شديد، شنيع، مبرّح. اللسان (فظع).

(5)

الأبيات في تاريخ بغداد (2/ 166 - 167).

(6)

في (ط) البغدادي وقصيدة ابن دريد في تاريخ بغداد (2/ 167 - 169) وسير أعلام النبلاء (14/ 280 - 282).

(7)

في (ط) قهرًا، واخاله تحريفًا.

(8)

في (ط) ويأخذ.

ص: 60

وذلك لما بعث إليه الخليفة جُندًا منْ قِبَلِه فرَّ

(1)

وترك البلد يبابًا

(2)

، فإنَّا للّه وإنَّا إليه راجعون.

وفي هذه السنة عَزَلَ المقتدر عن الوِزارة حامدَ بنَ العَبَّاس وعليَّ بنَ عيسى، ورَدَّ إلى الوزارة أبا الحسن بن الفُرَات الولاية الثالثة، وسَلَّمَ إليه حامدًا وعليَّ بن عيسى، فأما حامدٌ فإن المُحَسِّن بن الوزير ضَمِنه من المقتدر بخمسمئة ألف ألف دينار، وتسلَّمه، فعاقبه بأنواع العقوبات، وأخذ منه أموالًا جزيلة لا تحصى كثرة

(3)

، ثم أرسل به مع موكلين عليه إلى واسط؛ ليحتاطوا على أمواله هناك وحواصله، وأمرهم أن يسقوه سمّا في الطريق، فسقوه ذلك في بَيْضٍ مشويّ كان قد طلبه منهم، فمات في رمضان من هذه السَّنة. وأما عليُّ بنُ عيسى فإنه صودر بثلاثمئة ألف دينار، وصودر قَوْمٌ آخرون من الكُتَّاب، فكان جُمْلة ما أُخذ من هؤلاء مع ما كان صودرت به القَهْرَمانة من الذهب شيئًا كثيرًا جدًّا آلاف ألف من الدنَّانير، وغير ذلك

(4)

.

وأشار الوزير ابنُ الفُرَات على الخليفة المقتدر باللّه أن يُبْعدَ عنه مُؤْنس الخادم، ويأمره بالذهاب إلى الشَّام - وكان قد قَدِمَ من بلاد الرُّوم

(5)

، وقد فتح شيئًا كثيرًا من

(6)

بُلْدانهم، وغَنِمَ مغانمَ كثيرة جدًّا - فسأل أن يُنْظَر

(7)

إلى سَلْخ رمضان، وكان

(8)

قد أعْلَمَ الخليفة بما يعتمده ابنُ الوزير من تعذيبِ الناس ومصادرتهم الأموال، فأجاب الخليفةُ الوزير إلى إبعاد مؤنس الخادم، فأخرجه إلى الشام.

وفيها كَثُرَ الجَرَاد، وأفسد كثيرًا من الغَلَّات.

وفيها في رمضانها أمر

(9)

بِرَدِّ بقية المواريث إلى ذوي الأرحام.

وفيها في النصف من رمضانها أُحْرِقَ على باب العامَّة صورة ماني

(10)

، وأربعة أعدال من كُتُب الزَّنادقة

(11)

، فسقطَ منها ذهبٌ كثير كانت محلاةً به.

(1)

في (ط): فر هاربًا.

(2)

في (ط) خاويًا.

(3)

في (ط): لا تحصى ولا تعد كثرة.

(4)

في (ط): وغير ذلك من الأثاث والأملاك والدواب والآنية من الذهب والفضة.

(5)

في (ط): من الجهاد.

(6)

في (ط): حصون الروم وبلدانهم.

(7)

في (ط): فأجابه إلى ذلك فسأل مؤنس الخليفة أن ينظر

(8)

في (ط): وكان مؤنس.

(9)

في (ط): الخليفة.

(10)

انظر عن المانوية كتاب الملل والنحل (1/ 244 - 249).

(11)

في (ط): فيها ما كان صنفه الحلاج وغيره.

ص: 61

وفيها اتخذ أبو الحسن بنُ الفُرَات الوزير مارسْتانًا في دَرْب المُفَضَّل

(1)

، [وكان]

(2)

يُنْفِق عليه من ماله في كلِّ شهر مئتي دينار.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الخلَّال أحمد بن محمد بن هارون

(3)

، أبو بكر الخلَّال: صاحب كتاب "الجامع لعلوم الإمام أحمد"

(4)

، ولم يُصنَّفْ في مذهب الإمام أحمد مثل هذا الكتاب.

وقد سمع الحديث من الحسن بن عَرَفة، وسَعْدان بن نَصْر، وغيرهما.

وكانت وفاته في يوم الجمعة قبل الصَّلاة ليومين مضيا من ربيع الأول منها.

أبو محمد الجَرِيْري

(5)

: أحد أئمة الصُّوفية. أحمد بن محمد بن الحسين، أبو محمد الجَرِيْرِي

(6)

، أحد كبار الصُّوفية.

صحب سَرِيًا السَّقَطي، وكان الجُنَيْد يُكْرِمُه ويحترمه. ولما حضرت الجنيدَ الوفاة أوصى أن يجالس الجريري.

وقد اشتبه على الجريري هذا شأن الحلاج فكان ممن أجْمَلَ القَوْلَ فيه، على أن الجريري هذا مذكور بالصَّلاح والدِّيانة وحُسْنِ الأدب مع الله عز وجل.

الزَّجَّاح صاحب معاني القُرْآن

(7)

إبراهيم بن السَّري

(8)

بن سهل، أبو إسحاق الزّجَّاج.

(1)

في الأصول الخطية و (ط) الفضل، وهو تحريف، انظر معجم البلدان (2/ 448).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

تاريخ بغداد (5/ 112 - 113) طبقات الشيرازي (171) طبقات الحنابلة (2/ 12 - 15) المنتظم (6/ 174) سير أعلام النبلاء (14/ 297 - 298).

(4)

انظر تاريخ التراث العربي لسزكين (مج 1/ ج 3/ 233 - 234).

(5)

طبقات الصوفية (259 - 264) حلية الأولياء (10/ 347 - 348) تاريخ بغداد (4/ 430 - 434) الرسالة القشيرية (23) المنتظم (6/ 174 - 176) سير أعلام النبلاء (14/ 467) الوافي بالوفيات (7/ 378) طبقات الأولياء (75 - 70).

(6)

في الأصول الخطية: الحريري - بالحاء المهملة - وهو تصحيف. وقد ضبط في المشتبه (1/ 150) بفتح الجيم، وفي الكامل لابن الأثير (8/ 145) وطبقات الأولياء (71) بضمها، نسبة إلى جرير بن عباد.

(7)

تهذيب اللغة للأزهري (1/ 27) طبقات النحويين واللغويين (121 - 122) تاريخ بغداد (6/ 89 - 93) الأنساب (6/ 257 - 258) نزهة الألباء (167 - 169) المنتظم (176 - 180) معجم الأدباء (1/ 130 - 151) إنباه الرواة (1/ 159 - 166) وفيات الأعيان (1/ 49 - 50) سير أعلام النبلاء (14/ 360).

(8)

في وفيات الأعيان والسير: إبراهيم بن محمد بن السري.

ص: 62

كان فاضلًا ديِّنًا، حَسَنَ الاعتقاد، وله المصنَّفات الحسنة، منها: كتاب "معاني القرآن"، وغيره من المصنفات العديدة المفيدة، وقد كان أول أمره يخرِطُ الزُّجاج، فأحبَّ عِلْمَ النَّحْو، فذهب إلى المُبَرِّد، فكان يُعْطي المبرد كلَّ يوم دِرْهمًا، ثم استغنى الزَّجَّاج وكَثُرَ ماله، ولم يقطع عن المبرد ذلك الدِّرْهم حتى مات المبرِّد.

وقد كان الزجَّاج مؤدِّبًا للقاسم بن عُبيد الله

(1)

، فلما ولي الوِزارة كان الناس يأتونه بالرِّقاع ليقدِّمها إلى الوزير، فَحَصَلَ له بسبب ذلك ما يزيد على أربعين ألف دينار.

وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة.

وعنه أخذ أبو علي الفارسي النَّحْوي، وأبو القاسم

(2)

عبد الرحمن بن إسحاق الزَّجَّاجي [نُسب إليه]

(3)

لأخذه عنه، وهو صاحب كتاب "الجُمل" في النحو.

بدر مولى المُعْتَضِد

(4)

، وهو بدر الحَمَامِي

(5)

: ويقال له بدر الكبير، كان في آخر وقتٍ على نيابة فارس، وولي منْ بَعْدِهِ ولده محمد.

حامد بن العَبَّاس

(6)

: استوزره

(7)

المقتدر

(8)

في سنة ست

(9)

وثلاثمئة، وكان كثير المال والغِلْمان، كثير النفقات، كريمًا سخيًا، كثير المروءة. له حكايات تدُلُّ على بَذْله وإعطائه الأموال الجزيلة، ومع هذا كان يجمع شيئًا كثيرًا، وجد له في مِطْهَرَةٍ

(10)

ألوف من الذهب، كان في كلِّ يوم إذا دخل إليها ألقى فيها ألف دينار، فلما امتلأت طمَّها، فلما صودر دَلَّ عليها، فاسْتُخْرج منها مال جزيل جدًّا.

ومن أكبر مناقبه أنه كان من أكبر السُّعاة في الحسين بن منصور الحلاج حتى قتل كما ذكرنا قبل هذا

(11)

.

(1)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (291 هـ) من هذا الكتاب.

(2)

في (ط) ابن القاسم، وهو تحريف.

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

تاريخ بغداد (7/ 105 - 107) الأنساب (4/ 208) المنتظم (6/ 180) اللباب (1/ 315) النجوم الزاهرة (3/ 205).

(5)

بالتخفيف، نسبة إلى الحمام، تقال لمن يطيره ويرسله إلى البلاد، وكان بدر هذا منهم. الأنساب (4/ 208).

(6)

ذيول تاريخ الطبري (213 - 215) نشوار المحاضرة (1/ 22 - 24) وغيرها، المنتظم (6/ 180 - 184) الكامل لابن الأثير (8/ 10 - 12، و 139 - 141) سير أعلام النبلاء (14/ 356 - 359).

(7)

في (ط): الوزير، استوزره.

(8)

في (ح) المعتضد، وهو تحريف.

(9)

في (ظا) و (ب) تسع، وهو تحريف.

(10)

في (ط) مطمورة.

(11)

سلفت ترجمة الحلاج في وفيات سنة (309 هـ).

ص: 63

ثم كانت وفاة الوزير حامد بن العَبَّاس في رمضان من هذه السنة مسمومًا.

عمر بن محمد بن بُجَيْر البُجَيْرِي

(1)

، صاحب "الصَّحيح"

(2)

.

ابن خُرَيْمة

(3)

محمد بن إسحاق بن خُزَيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السُّلَمي؛ مولى مجشر

(4)

بن مُزَاحم، الإمام أبو بكر بن خُزَيمة، الملقَّب بإمام الأئمة.

كان من أوعية العلم وبحوره، وممن طاف البُلْدان، ورَحَلَ إلى الآفاق في طلب العلم وسماع الحديث، وكتب الكثير وصنَّف وجمع، وله كتاب "الصَّحيح" من أنفع الكتب وأجلِّها، وهو من المجتهدين في دين الإسلام، حكى الشيخ أبو إسحاق الشِّيْرَازي في "طبقات الشافعية" عنه أنه قال: ما قلَّدْتُ أحدًا [في مسألة] منذ بلغت ست عشرة سنة

(5)

.

وقد ذكرنا له ترجمة مطوَّلة في كتابنا "طبقات الشافعية". بما فيه كفاية، واللّه أعلم.

وهو الذي قام يصلي حين وقعت القرعة عليه، ليسترزق اللّه في صلاته، حين أرمل

(6)

هو ومحمد بن نصر، ومحمد بن جرير، ومحمد بن هارون الرُّوياني، وقد أوردها ابن الجوزي من طريقين في ترجمته

(7)

، وذلك ببلد مصر في دولة أحمد بن طولون، فرزقهم الله على يديه

(8)

. وقد ذكرنا [ذلك]

(9)

في ترجمة الحسن بن سُفيان

(10)

، فالله أعلم.

‌وممن توفي في هذه السنة:

محمد بن زكريا الطبيب

(11)

؛ صاحب المصنَّف الكبير

(12)

في هذا الشأن.

(1)

في (ط) بحتر البحتري، وهو تصحيف.

(2)

الأنساب (2/ 89 - 90) تذكرة الحفاظ (2/ 719 - 720) سير أعلام النبلاء (14/ 402 - 404).

(3)

تاريخ جرجان (413) طبقات الشيرازي (105 - 106) المنتظم (6/ 184 - 186) سير أعلام النبلاء (14/ 365 - 382) تذكرة الحفاظ (2/ 720 - 731).

(4)

في (ط) محسن، وهو تحريف، وكذلك في باقي النسخ الخطية.

(5)

طبقات الفقهاء للشيرازي (106) وما بين حاصرتين منه.

(6)

على هامش (ح) يقال: أرمل: إذا فني زاده، ومنه "ابن سبيل مرمل" وانظر اللسان (رمل).

(7)

المنتظم (6/ 185 - 186).

(8)

انظر سنة (310 هـ).

(9)

ما بين حاصرتين من (ط).

(10)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (303 هـ).

(11)

ترجمته في تاريخ الحكماء للقفطي (271 - 277) عيون الأنباء (414 - 427) وفيات الأعيان (2/ 157 - 161) سير أعلام النبلاء (14/ 354 - 355).

(12)

هو الحاوي وهو مشهور.

ص: 64

‌ثم دخلت سنة ثنتي عشرة وثلاثمئة

في المحرَّم من هذه السنة اعترض القِرْمِطِي أبو طاهر سليمان

(1)

بن أبي سعيد الجَنَّابي - لعنه اللّه، ولعن أباه - الحجيج وهم راجعون من بيت اللّه الحرام، قد أدَّوا فَرْضَ اللّه عليهم، فقطع عليهم الطريق، فقاتلوه دفعًا عن أموالهم وأنفسهم وحريمهم، فَقَتلَ منهم خلقًا كثيرًا لا يعلمهم إِلَّا اللّه عز وجل، وأسر من نسائهم وأبنائهم ما اختاره، واصْطَفَى من أموالهم ما أراد، فكان مبلغ ما أخذه من الأموال ما يقاوم ألف ألف دينار، ومن الأمتعة والمتاجر نحو ذلك، وترك بقية الناس بعدما أخذ جِمَالهم وزادهم وأموالهم ونساءهم، وتركهم على بعد الديار في البرية بلا زادٍ ولا ماء ولا محمل. وقد حاجف

(2)

عن الناس نائبُ الكوفة أبو الهيجاء عبد اللّه بن حَمْدان فقهره وأسره، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون، وكان عِدَّة منْ مع القِرْمِطِي ثمانمئة مقاتل، وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة، قصفه

(3)

اللّه.

ولما انتهى خبرُهم إلى بغداد قام نساؤهم وأهاليهم في النِّياحة، ونَشَرْنَ شعورهن، ولَطَمْنَ خدودَهُنَّ

(4)

في الأزِقَّة، وانضاف إليهن نساء الذين نُكبوا على يدي الوزير ابن الفرات، فكان ببغداد يوم مشهود بسبب ذلك في غاية الفظاعة والشَّنَاعة، ولما سأل الخليفة عن الخبر ذُكِرَ له أن هذه نسوة الحجيج ومعهن نساء الذين صادرهم ابنُ الفُرَات، وجاءت يد

(5)

الحاجب نصر القشوري على الوزير فقال: يا أمير المؤمنين، إنما استوى هذا للقِرْمِطِي

(6)

بسبب إبعادك المظفر مؤنس الخادم، فَطَمعَ هؤلاء في الأطراف، وما أشار عليك بإبعاده إِلَّا ابنُ الفُرَات، وبعث الخليفة المقتدر إلى الوزير ابن الفرات يقول له: إن الناس يتكلمون فيك لِنُصْحكَ إياي. وأرسل يطيِّب قلبه، فركب هو وولده إلى الخليفة فدخلا عليه، فأكرمهما، وطيَّب قلوبهما، وخرجا مِنْ عنده، فنالهما أذىً كثير مِنْ نصر الحاجب وغيره من كبار الأمراء، وجلس الوزير في دَسْته، فحكم بين النَّاس على عادته، وبات ليلته تلك مفكِّرًا في أمره، وأصبح كذلك وهو ينشد:

فأصْبَحَ لا يَدْري وإنْ كان حازِمًا .... أقُدَّامُهُ خيرٌ لهُ أم وراؤه

(1)

في (ح) و (ظا) و (ب) و (ط)، الحسين، وهو تحريف.

(2)

في (ط) جاحف، وهو تصحيف، وحاجف: أي دافع. اللسان (حجف).

(3)

في (ط) قصمه.

(4)

في (ح) و (ظا): وجوههن.

(5)

في (ط): على يد.

(6)

في (ط): إنما استولى هذا القرمطي على ما استولى عليه ..

ص: 65

ثم جاءه في ذلك اليوم أميران من جهة الخليفة المقتدر، فدخلا عليه داره إلى بين حُرَمِه، وأخرجوه مكشوفًا رَأْسُه في غاية الذِّلَّة والإهانة

(1)

، فأركبوه في حَرَّاقة

(2)

إلى الجانب الآخر، وفَهِمَ النَّاس ذلك، فرجموا ابنَ الفُرَات بالآجُرِّ، وتعطلتِ الجوامع، وسخمتِ

(3)

العامَّةُ المحاريب، ولم يُصَلِّ الجمعةَ النَّاسُ فيها، وأُخذ خطُّه بألفي ألف دينار، وأخذ خط ابنه بثلاثة آلاف ألف دينار، وسلِّما إلى نازُوك؛ أمير الشُّرْطة، فاعتقلا حينًا، وخلَّص منهما الأموال، فلما قَدِمَ مؤنس الخادم سُلِّم إليه الوزير ابن الفرات، فأهانه غاية الإهانة بالضَّرْب والتقريع له ولولده المحسن المجرم الذي ليس بمحسن، ثم قتلا بعد ذلك، فكانت وزارته هذه الثالثة عشرة أشهر وأيامًا.

واستُوزرَ أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن عبيد اللّه

(4)

بن يحيى بن خاقان، وذلك في تاسع ربيعٍ الأول من هذه السنة.

وكان الخليفة قد أرسل إلى مؤنس الخادم ليحضر، فدخل بغداد في تجمُّلٍ عظيم، وسُلِّم إليه ابن الفرات كما ذكرنا، فعاقبه، وَشَفَع

(5)

إلى الخاقاني في أن يُرْسِلَ إلى علي بن عيسى - وكان قد صار إلى صنعاء من اليمن مطرودًا - فعاد إلى مكة، وبَعَثَ إليه الوزير أن ينظر في أمر الشَّام ومِصْر.

وأمر الخليفة مؤنسًا الخادم بالمسير إلى ناحية الكوفة لأجل القرامطة، وأنفق على خروجه إلى هنالك ألف ألف دينار.

وأطلق القِرْمطي منْ كان في أسْرِهِ من الحجيج، وكانوا ألفي رجل وخمسمئة امرأة، وأطلق أبا الهيجاء نائبَ الكوفة معهم أيضًا، وكتب إلى الخليفة يطلب منه البَصْرة والأهواز، فلم يجب إلى ذلك.

وركب المُظَفَّر مؤنس الخادم في جحافل إلى بلاد الكوفة، فسكن أمْرُها، ثم انحدر إلى واسط خوفًا عليها من القرامطة، واستناب على الكوفة ياقوت الخادم، فتمهدت الأمور، وانصلحت.

وفي هذه السنة ظهر رجلٌ بين الكوفة وبغداد فادَّعى أنه محمد بن إسماعيل بن جعفر

(6)

بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وصدَّقه على ذلك طائفة من الأعراب والطَّغام، والتفُّوا عليه،

(1)

في (ط): وهو في غاية الذل والصغار، والإهانة والعار، فأركبوه.

(2)

نوع من السفن.

(3)

في (ط) وخربت.

(4)

في النسخ الخطية و (ط) عبد الله بن محمد بن يحيى، وهو وهم.

(5)

أي طلب. اللسان (شفع).

(6)

في (ط) محمد، وهو تحريف.

ص: 66

وقويت شوكته في شوال، فأرسل إليه الوزير جيشًا، فقاتلوه فهزموه، وقتلوا خَلْقًا من أصحابه، وتفرَّق بقيتهم. وهذا المدَّعي المذكور هو رئيس الإسْماعيلية وأولهم.

وظفر نازُوك نائب

(1)

الشُّرْطة بثلاثة من أصحاب الحلاج، وهم: حَيْدَرة، والشَّعْراني، وابن منصور، فطالبهم بالرجوع [عن اعتقادهم فيه]

(2)

فلم يرجعوا، فضرب أعناقهم، وصلبهم في الجانب الشَّرْقي.

ولم يحجَّ أحد في هذه السنة من أهل العراق لكثرة خوف الناس من القرامطة، لعنهم اللّه.

‌وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:

إبراهيم بن خَمْش

(3)

أبو إسحاق الزَّاهد النيسابوري.

كان يعِظُ النَّاس، فكان منْ جُمْلة كلامه الحَسَن قوله: يضحك القَضاء منَ الحَذَر، ويضحك الأجَل من الأمَلَ، ويضحك التَّقْدير من التَّدْبير، وتضحك القِسْمة من الجَهْد والعَنَاء.

علي بن محمد بن الفُرَات

(4)

أبو الحسن الوزير: ولاه المقتدر الوزَارة، ثم عزله، ثم ولَّاه، ثم عزله، ثم ولَّاه، ثم قتله في هذه السَّنة [وقتل ولده]

(5)

، وكان ذا مالٍ جزيل جدًّا: ملك عشرة آلاف ألف دينار، وكان يدخله من ضياعه كل سنة ألف ألف دينار، وكان ينفق على خمسة آلاف من العلماء والعُبَّاد، يجري عليهم الأرزاق في كلِّ شهر - أثابه الله - وكان فيه كفاية ونهضة ومعرفة بالوزارة والحساب، يقال: إنه نظر يومًا في ألف كتاب، ووقَّع على ألف رُقْعة، فتعجَّب منْ حَضَرَه منْ ذلك، وكانت فيه مروءة وكرم، وحُسْن سيرة في ولاياته، غير المرة الثالثة، فإنه ظلم وغَشَم وصادر النَّاس عن أموالهم

(6)

، فأخذه اللّه أخْذَ عزيزٍ مُقْتدر

(7)

. وقد كان فيه كَرَمٌ وسَعَة في النَّفَقة؛ ذُكِرَ عنده ذات ليلة أهلُ الحديث والصُّوفية وأهل الأدب والشعراء والفقراء، فأطْلَقَ من ماله لكلِّ طائفة عشرين ألفًا.

وكتب رجلٌ على لسانه إلى نائب مِصْر كتابًا فيه الوصية به إليه، فلما وقف عليه المكتوب إليه استراب به وقال: ما هذا خطه. وأرسل به إلى الوزير، فلما وقف عليه الوزير عرف أنه كذب وزور، فاستشار

(1)

في (ط) صاحب.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ط) خميس، وهو تصحيف. وترجمته في المنتظم (6/ 190) وتبصير المنتبه (2/ 538).

(4)

تحفة الأمراء للصابي (8، 265). المنتظم (6/ 190 - 192) إعتاب الكتاب (180) وفيات الأعيان (3/ 421 - 429).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

كذا، وفي (ط): وأخذ أموالهم.

(7)

في (ط) فأخذه اللّه أخذ القرى وهي ظالمة، أخذ عزيز مقتدر.

ص: 67

الحاضرين عنده في الذي زوَّر عليه، فقال بعضهم: ينبغي أن تقطعَ يده. وقال غيره: تقطع إبهامه. وقال الآخر: يُضْرب ضربًا عنيفًا. فقال الوزير: أو خير من ذلك؟ فأخذ الكتاب، وكتب عليه: نعم، هذا خَطِّي، وهو من أخَصِّ أصحابي، فلا تترك شيئًا مما تقدِرُ عليه في الإحسان إِلَّا وَصَلْتَه به. فلما عاد الكتاب أحسنَ نائبُ مصر إلى ذلك الرجل

(1)

، ووصله بنحو من عشرين ألف دينار

(2)

.

واستدعى ابنُ الفُرات يومًا ببعض الكُتَّاب فقال له: ويحك، إن نيتي فيك سيئة، وإني في كل وقت أريد أن أقبضَ عليك وأصادِرَ مالك، فرأيت في المنام من ليالٍ أني قد أمرت بالقبض عليك، فجعلتَ تمتنع مني، فأمَرْتُ أن تُقاتل، فجعلوا كلما ضربوك بشيء من سِهام أو غيرها من السلاح تتقي الضَّرْب برغيف في يدك، فلا يصل إليك بسببه شيء، فأعْلِمْني ما قصة هذا الرَّغيف؟ فقال: أيها الوزير، إن أمي - منذ كنت صغيرًا - كانت تضع في كل ليلة تحت وسادتي رغيفًا، ثم تصبح فتتصدَّق به عني، ولم يزل ذلك دَأبُها حتى ماتت، ففعلته بعدها، فأنا أبيِّت في كلِّ ليلةٍ تحت وسادتي رغيفًا، ثم أصبح فأتصدَّق به. فَعَجِبَ الوزير منْ ذلك، وقال: واللّه لا ينالك مني سوء أبدًا، ولقد حَسُنتْ نيتي فيك، وأحببتك

(3)

.

وقد أطال ابن خَلِّكان ترجمته، وذكر بعض ما أوردناه

(4)

.

محمد بن محمد بن سليمان

(5)

بن الحارث بن عبد الرحمن: أبو بكر، الأزْدِي، الوَاسطي، المعروف بالباغَنْدي.

سَمعَ محمدَ بن عبد الله بن نُمَيْر، وابن أبي شَيْبة، وشَيْبان بن فَرُّوخ، وعليَّ بن المَدِيني، وخَلْقًا من أهل الشَّام ومصر والكوفة والبَصْرة وبغداد.

ورحل إلى الأمصار البعيدة، وعُنِيَ بهذا الشأن، واشتغِل فيه فأَفْرَط، حتى قيل: إنه كان ربما يَسْرُدُ بعضَ الأحاديث بأسانيدها في الصَّلاة

(6)

وهو لا يشعر، فيُسَبَّحُ به حتى يتذكر أنه في الصَّلاة، وكان يقول: أنا أُجيب في ثلاثمئة ألف مسألةٍ من الحديث

(7)

.

(1)

في (ط): إحسانًا بالغًا.

(2)

نشوار المحاضرة (1/ 57 - 59).

(3)

نشوار المحاضرة (3/ 273).

(4)

ترجمته في وفيات الأعيان (3/ 421 - 429).

(5)

تاريخ بغداد (3/ 209 - 213) الأنساب (2/ 45) المنتظم (6/ 193 - 194) تذكرة الحفاظ (2/ 736 - 737) سير أعلام النبلاء (14/ 383 - 388).

(6)

في (ط) في الصلاة والنوم.

(7)

تاريخ بغداد (3/ 210) المنتظم (6/ 193).

ص: 68

وقد رأى رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له: يا رسول اللّه، أيما أثْبَتُ في الحديث منصور أو الأعْمش؟ فقال له: منصور

(1)

.

وقد كان يعاب بالتَّدْليس حتى قال الدَّارَقُطْني: هو كثير التدليس، يحدِّث بما لم يسمع، وربما سرق بعضَ الأحاديث.

‌ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمئة

قال ابن الجَوْزي: لليلة بقيت من المُحَرَّم انقضَّ كوكبٌ من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءتِ الدُّنيا منه، وسُمِعَ له صوت كصوت الرَّعد الشَّديد

(2)

.

وفي صفر [منها]

(3)

بلغ الخليفة المقتدر باللّه أن جماعةً من الرَّافضة يجتمعون في مسجد براثى فينالون من الصَّحَابة ولا يصلُّون الجمعة، ويكاتبون القَرَامطة، ويَدْعُون إلى محمد بن إسماعيل الذي ظهر بين الكوفة وبغداد، ويدَّعون أنه المهدي، ويتبرؤون من المقتدر وممن يتبعه. فأمر بالاحتياط عليهم، واستفتى العلماء في المَسْجد المذكور، فأفتوا بأنه مسجد ضِرَار، يهدم كما هدم مسجد الضِّرَار

(4)

، فضرب منْ قَدَرَ عليه منهم الضَّرْب المُبَرِّح، ونودي عليهم، وأمر الخليفة بهدم المسجد المذكور كما أفتى بذلك العلماء، فهدمه نازوك، وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة، فدفِنَ فيه جماعةٌ من الموتى.

وخرج النَّاس للحجِّ في ذي القَعْدة، فاعترضهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي القِرْمِطي لعنهما اللّه، فرجع أكثر الناس إلى بُلْدانهم، ولم يمكنهم الحج عامهم هذا، ويقال: إن بعضهم سأل منه الأمان ليذهبوا فأمنهم، وفد قاتله جُنْدُ الخليفة، فلم يفد ذلك فيه شيئًا لتمرده وشدَّة بأس من معه، وانزعج أهل بغداد من ذلك، وترحَّل أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشَّرقي خوفًا من القرامطة، ودخل القِرْمِطِي إلى الكوفة، فأقام بها ستة [أيامي]

(5)

يأخذ من أموالها

(6)

ما يختاره.

(1)

تاريخ بغداد (3/ 211).

(2)

المنتظم (6/ 195).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

مسجد الضرار بناه قوم من المنافقين، وفيه نزلت الآية الكريمة {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] وسيرد خبر عن مسجد براثى في أحداث سنة (329 هـ).

(5)

في النسخ الخطية: سنة، وهي تصحيف. وفي (ط) شهرًا، والمثبت وما بين حاصرتين من الكامل (8/ 156).

(6)

في (ط): ونسائها.

ص: 69

قال ابن الجوزي: وكثر الرُّطب في هذه السنة ببغداد حتى بيع كل ثمانية أرطال بحبَّة، وعمل منه تمر وحُملَ إلى البَصْرة

(1)

.

وعزل المقتدر وزيرَه الخاقانيَّ بعد

(2)

سنة وستة أشهر ويومين، وولَّى مكانه أبا العبَّاس

(3)

أحمد بن عبيد اللّه بن أحمد بن الخَصِيب

(4)

الخَصِيبي؛ لأجل مالٍ بذله من جهة زوجة المحسن

(5)

بن الفُرَات، وكان ذلك المال سبعمئة ألف دينار، فأقرَّ

(6)

الخصيبيُّ عليَّ بنَ عيسى على الإشراف على ديار مِصْر وبلاد الشَّام، وهو مقيم بمكة يسير إليهما في بعض الأوقات، فيعمل ما ينبغي عمله من ذلك، ثم يرجع إلى مكة شرفها اللّه.

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان:

علي بن عبد الحميد

(7)

بن عبد الله بن سليمان: أبو الحسن، الغَضَائري.

سمع القَواريري، وعباسًا العَنْبَري، وكان من العُبَّاد الثقات.

قال: جئت يومًا إلى سَرِيٍّ السَّقَطي، فدققت عليه بابه، فخرج إليَّ، ووضع يده على عِضَادتيِّ الباب

(8)

وهو يقول: اللهم اشغل منْ شَغَلَني عنك بك. قال: فنالتني بركة هذه الدَّعْوة، فحججتُ على قدميَّ من حلب إلى مكة أربعين سنة ذاهبًا وآيبًا

(9)

.

أبو العبَّاس السَّرَّاج الحافظ

(10)

محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مِهرَان بن عبد اللّه: الثَّقفي مولاهم، أبو العبَّاس السَّرَّاج؛ أحد الأئمة الثِّقات الحُفَّاظ.

مولده سنة ثمان عشرة ومئتين.

(1)

المنتظم (6/ 196).

(2)

في (ط): بعد أن ولاه.

(3)

في النسخ الخطية و (ط) أبا القاسم، وهو تحريف، وستأتي كنيته على الصحيح، ترجمته في سير أعلام النبلاء (15/ 293 - 292).

(4)

في (ط) الخطيب، وهو تحريف.

(5)

في (ط) الحسين، وهو تحريف.

(6)

في (ط) فأمر، وهو تصحيف.

(7)

تاريخ بغداد (12/ 29 - 30) الأنساب (9/ 155) المنتظم (6/ 198) سير أعلام النبلاء (14/ 432 - 433).

(8)

هما الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله. اللسان (عضد).

(9)

تاريخ بغداد (12/ 30).

(10)

تاريخ بغداد (1/ 248 - 252) الأنساب (7/ 65 - 66، 3/ 134 - 135) المنتظم (6/ 199 - 200) تذكرة الحفاظ (2/ 731 - 735) سير أعلام النبلاء (14/ 388 - 398).

ص: 70

وسمع قتيبة، وإسحاق بن رَاهُويه، وخلقًا كثيرًا من أهل خُرَاسان وبغداد والكوفة والبصرة والحجاز.

وقد حدث عنه البخاري ومُسْلم - وهما أكبر منه، وأقدم ميلادًا ووفاة - وله مصنَّفات كثيرة نافعة جدًّا، وكان يُعدُّ من مجابي الدَّعوة.

وقد رأى في منامه كأنه يَرْقَى في سُلَّم، فَصَعدَ فيه تسعًا وتسعين درجةَّ، فما أوَّلها على أحد إِلَّا قال له: تعيش تسعًا وتسعين سنة، فكان كذلك. وقد ولد له ابنه أبو عمرو وعمره ثلاث وثمانون سنة. قال الحاكم: فَسَمِعْتُ أبا عمرو يقول: فكنت إذا دخلت المسجد على أبي والناس عنده يقول لهم: هذا عملته في ليلة، ولي من العمر ثلاث وثمانون سنة.

‌ثم دخلت سنة أربع عشرة وثملاثمئة

[فيها]

(1)

كتب ملك الرُّوم - وهو الدُّمُسْتُق، لعنه الله - إلى أهل السَّوَاحل أن يحملوا إليه الخَرَاج وإلا قاتلهم، فأَبَوْا عليه، فركب إليهم

(2)

في أول هذه السَّنة، فعاث في الأرض فسادًا، ودخل مَلَطْيَة، فَقَتلَ منْ أهلها كثيرًا، وأسر، وأقام بها ستة عشر يومًا، وجاء أهلها إلى بغداد يستنجدون الخليفة عليه.

ووقع ببغداد حريقٌ في مكانين، مات بسببهما خَلْقٌ كثير، واحترق في أحدهما ألف دار ودُكَّان.

وجاءتِ الكُتُب بموت الدُّمُسْتُق ملك النَّصَارى لعنه اللّه فقرئت الكتب على المنابر بذلك.

وجاءت الكتب من مكة أن أهلها في غاية الانزعاج بسبب اقتراب القِرْمِطي إليهم، وقصده إياهم، فرحلوا منها إلى الطائف وتلك النواحي.

وهبَّت ريح عظيمة بنَصيبين اقتلعت الأشجار وهدمت البيوت.

قال ابن الجَوْزِي: وفي يوم الأحد لثمانٍ مضين من شَوَّال منها - وهو سابع كانون الأوَّل - سقط ببغداد ثَلْجٌ عظيم جدًّا، وحصل بسببه بردٌ شديد، بحيث أتلف كثيرًا من النخيل والأشجار، وجَمَدتِ الأدهان حتى الأشربة، وماء الوَرْد والخَلّ، والخُلْجان الكبار، ودِجْلة، وعقد بعضُ مشايخ الحديث مجلس التحديث على متن دِجْلة من فوق الجَمْد، وكتب عنه الحديث هنالك، ثم انكسر البرد بمطرٍ وَقَعَ فأزال ذلك كلَّه، وللّه الحمد

(3)

.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ط): في جنوده.

(3)

المنتظم (6/ 201 - 202).

ص: 71

وقدم الحُجَّاح من خراسان إلى بغداد، فاعتذر إليهم مؤنس الخادم بأن القرامطة قد قصدوا حجاج مكة، فرجعوا، ولم يتهيأ الحَجُّ تلك السنة من ناحية العِراق بالكلِّية.

وفي ذي القَعْدَة عَزَلَ الخليفة وزيرَه أبا العَبَّاس الخَصِيبي بعد سنة وشهرين، وأمر بالقَبْض عليه وحَبْسه؛ وذلك لإهماله أمر الوِزارة، والنظر في المصالح؛ وذلك لاشتغاله بالخَمْر في كلِّ ليلة، فيصبح مخمورًا لا عقل له، وقد وكل الأمور إلى نوابه، فخانوه وعملوا مصالحهم، وولَّى مكانه أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكَلْوَذاني نيابةً عن عليِّ بن عيسى، حتى يَقْدَمَ، ثم أرسل في طلب عليِّ بن عيسى وهو في دمشق، فقدم بغداد في أُبهة عظيمة، فنظر في المصالح العامة والخاصة، وَرَدَّ الأمورَ إلى السَّداد، وتمهدت القواعد، واستدعى بالخَصيبي فتهدَّده ولامَه وناقَشَه على ما كان يعتمده ويفعله في خاصَّة نفسه

(1)

وفي الأمور العامة، وذلك بحَضْرَة القُضَاة والأعيان، ثم رَدَّه إلى السجن.

وفيها أخذ نَصْر بن أحمد السَّاماني الملقَّب بالسَّعيد

(2)

بلاد الرَّي وسكنها إلى سنة ست عشرة [وثلاثمئة]

(3)

.

وفيها غزتِ الصَّائفة من بلاد طَرَسُوس بلاد الرُّوم، فغنموا وسَلِموا.

ولم يحجَّ ركب العراق خوفًا من القرامطة لعنهم اللّه.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

سَعْد النُّوبي

(4)

صاحب باب النُّوبي

(5)

من دار الخلافة ببغداد.

توفي في صفر من هذه السنة، وأقيم أخوه مقامه في حِفْظ هذا الباب الذي صار يُنْسب بعده إليه.

ومحمد بن محمد الباهلي

(6)

.

ومحمد بن عمر بن لُبَابة القُرْطُبي

(7)

.

(1)

في (ط): من معاصي اللّه عز وجل.

(2)

في النسخ الخطية: السعد، وهو تصحيف. وسترد ترجمته في أحداث سنة (331 هـ).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

المنتظم (6/ 203).

(5)

كان على الجانب الشرقي من بغداد، وفيه العتبة التي كانت تقَبِّلُها الملوك والرسل. صبح الأعشى (4/ 331).

(6)

كان محدثًا ثقة زاهدًا. ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 295).

(7)

في (ط) القرمطي، وهو تحريف شنيع، وكان ابن لبابة شيخ المالكية في عصره، انتهت إليه الإمامة في المذهب. ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 495).

ص: 72

ونَصْر بن القاسم، الفَرَائضي الحَنَفي، أبو الليث

(1)

.

سمع القَوَاريري، وكان ثِقَةً، عالمًا بالفرائض على مذهب أبي حنيفة، مُقْرِئًا

(2)

جليلًا.

‌ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمئة

في صفر منها كان قدوم عليِّ بن عيسى الوزير من دمشق إلى بغداد، وقد تلقاه الناس إلى أثناء الطريق؛ فمنهم من كان قد لقيه إلى الأنبار، ومنهم دون ذلك. وحين دخل إلى الخليفة المقتدر خاطبه

(3)

المقتدر فأحسن مخاطبته، وانصرف إلى منزله، فبعث

(4)

وراءه بالفُرُش والقُماش وعشرين ألف دينار، واستدعاه من الغد، فخلع عليه، فأنشد وهو في الخِلْعة:

ما النَّاس إِلَّا مع الدُّنيا وصاحبها ..... فكيفما انَقَلَبَتْ يومًا به انقلبوا

يُعَظِّمون أخا الدُنيا فإن وَثَبَتْ .... يومًا عليه بما لا يشتهي وَثَبُوا

وجاءتِ الكتب بأن الرُّوم قد دخلوا سُمَيْسَاط

(5)

، وأخذوا جميع ما فيها، ونصبوا فيها خيمة الملك وضربوا النَّاقوس في الجامع بها، فأمر الخليفة مؤنسًا الخادم بالتجهيز للمسير إليهم، وخلع عليه خِلْعة سنية، ثم جاءتِ الكتب بأن المسلمين وثبوا على الرُّوم، فقتلوا منهم خَلْقًا كثيرًا، وغنموا غنائم كثيرة جدًّا، وللّه الحمد.

ولما تجهَّز مُؤْنس للمسير جاءه بعضُ الخدم، فأعلمه أن الخليفة يريد أن يقبض عليه إذا دخل لوداعه، وقد حُضِرَت [له]

(6)

زُبْيَةٌ في

(7)

دار الخلافة مغطاة ليتردى فيها، فأحجم عن الذهاب. وجاءت الأمراء إليه من كل جانب، ليكونوا معه على الخليفة، فبعث إليه المقتدر برقعة بخطِّه يحلف له فيها أن هذا الأمر الذي بلغه ليس بصحيح؛ فطابت نفسه، وركب إلى دار الخلافة في غِلْمانٍ قلائل، فلما دخل على الخليفة خاطبه مخاطبة عظيمة، وحلف له أنه طيِّبُ القلب عليه، وله عنده الصفاء الذي يعرفه.

(1)

تاريخ بغداد (13/ 295) الأنساب (9/ 259) اللباب (2/ 202) المنتظم (6/ 204) سير أعلام النبلاء (14/ 465 - 466).

(2)

في (ط) مقربًا، وهو تصحيف.

(3)

في (ط): الخليفة.

(4)

في (ط): الخليفة.

(5)

قلعة في بر الشام على الفرات في ناحية بلاد الروم، بين قلعة الروم وملطية. وفيات الأعيان (3/ 421).

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

في (ط) وقد حضرت له ريبة، وهو تحريف. والزُّبْية: حفرة تغطى فوهتها، إذا وطئها الأسد وقع فيها. المعجم الوسيط (1/ 390).

ص: 73

وخرج من بين يديه معظَّمًا مكرمًا، وركب العَبَّاس بن المقتدر، والوزير علي بن عيسى ونصر الحاجب في خدمته لتوديعه، وكبراء الأمراء بين يديه مثل الحجبة، وكان خروجه يومًا مشهودًا، قاصدًا بلاد الثغور لقتال الرُّوم ظفره اللّه بهم، وأيده ونصره.

وفي جمادى الأولى [منها]

(1)

قُبضَ على رجل خنَّاق قد قتل خَلْقًا من النساء، لأنه ادَّعى أنه يعرف العطف والتنجيم، فقصده النساء لذلك، فإذا انفرد بالمرأة قام إليها

(2)

فخنقها بِوَتَر - وأعانته امرأته على ذلك - ثم حفر لها في داره فدفنها، فإذا امتلأت تلك الدَّار

(3)

انتقل عنها إلى غيرها، ولما ظهر عليه وجد في داره

(4)

سبع عشرة امرأة قد خنقهن، ثم تتبعت الدور التي سكنها، فوجدوا قد قتل شيئًا كثيرًا من النساء، فَضُربَ ألف سَوْطٍ، ثم صلب حيًا حتى مات، قبحه اللّه.

‌ظهور الدَّيْلَم

وفي هذه السنة كان ظهور الدَّيْلم ببلاد الرَّي، فكان فيهم ملك غَلَبَ على أمرهم يقال له مَرداوِيج

(5)

، يجلس على سريرٍ من ذهب، وبين يديه سرير من فضَّة، ويقول: أنا سليمان بن داود، وقد سار في أهل الرَّي وقزوين وأصبهان سيرة قبيحة جدًّا؛ كان يقتل النساء والصِّبيان في المهود، ويأخذ أموال النَّاس، وهو في غاية الجبروت والشدة والجرأة على محارم الله عز وجل، فقتلته الأتراك، وأراح الله المسلمين من شَرِّه، ولله الحمد والمنة.

وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين يوسف بن أبي السَّاج وبين أبي طاهر القِرْمطي عند الكوفة؛ سبقه إليها أبو طاهر فحال بينه وبينها، فكتب إليه يوسف بن أبي الساج: اسمع وأطع وإلا فاستعد للقتال يوم السبت تاسع شوَّال من هذه السنة فقال: هلم [فسار إليه]

(6)

، فلما تراءى الجمعان استقلَّ يوسف بن أبي السَّاج - وكان معه عشرون ألفًا - جيشَ القرامطة، وكان معه ألف فارس

(7)

وخمسمئة راجل. فقال [يوسف]

(8)

: وما قيمة هؤلاء الكلاب؟ وأمَرَ الكاتبَ أن يكتب بالفتح قبل اللقاء إلى الخليفة، فلما اقتتلوا ثبت القرامطة ثباتًا عظيمًا، ونزل أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي لعنه اللّه،

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ط): قام إليها ففعل معها الفاحشة، وخنقها.

(3)

في (ط): من القتلى.

(4)

في (ط): التي هو فيها. أخيرًا.

(5)

انظر خبره في أحداث سنة (323 هـ).

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

في (ب) و (ظ) ألفا فارس، وما أثبتناه موافق لما في تاريخ الإسلام (7/ 212).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 74

فحرَّض أصحابه، وحمل بهم حملة صادقةً، فهزموا جُنْدَ الخليفة، وأسروا يوسفَ بن أبي السَّاج [أمير الجيش]

(1)

، وقتلوا خَلْقًا كثيرًا من جند الخليفة، واستحوذوا على الكوفة، وجاءتِ الأخبار بذلك إلى بغداد، وشاع بين الناس بأن القِرْمِطِي يريد أن يقصد بغداد ليأخذها، فانزعج المسلمون لذلك، وظنوا صدقه، فاجتمع الوزير بالخليفة وقال: يا أمير المؤمنين، إن الأموال إنما تدَّخر لتكون عونًا على قتال أعداء اللّه، وإن هذا الأمر لم يقع بعد زمن الصحابة أفظع منه، قد قطع هذا الكافر طريق الحج على الناس، وفتك في المسلمين مرة بعد مرة، وإن بيت المال ليس فيه شيء، فاتقِ الله يا أمير المؤمنين وخاطبِ السيدة - يعني أُمَّه - فإن كان عندها مالٌ قد ادخرته لشدَّة، فهذا وقته. فدخل على أُمِّه، فكانت هي التي ابتدأته بذلك، وبذلت له خمسمئة ألف دينار، وكان في بيت المال مثلها، فسلَّمها الخليفة إلى الوزير ليصرفها في تنفيذ الجيوش نحو القرامطة، فَجَّهَزَ الوزير جيشًا أربعين ألفًا مع أميرٍ يقال له بُلَيق

(2)

، [فسار نحوهم، فلما سمعوا به]

(3)

أخذوا عليه الطرقات، وكان يريد دخول بغداد، ثم التقوا معه، فلم يلبث جيش الخليفة أن انهزم، فإنَّا للّه وإنَّا إليه راجعون. وكان يوسف بن أبي السَّاج [معهم]

(4)

مقيَّدًا في خيمة، فجعل ينظر إلى محل الوقعة، فلما رجع القِرْمِطي قال: أردت أن تهرب؟ ثم أمر به فضربت عنقه. ورجع القرمطي من ناحية بغداد إلى الأنبار. ثم انصرف إلى هِيت، فأكثر أهل بغداد الصَّدقة، وكذلك الخليفة وأمه والوزير شكرًا له عز وجل على صرفه عنهم هذا الخبيث، ولله الحمد والمنة.

وفي هذه السنة بعث المهديُّ - المُدَّعي أنه فاطمي الذي ظهر ببلاد المغرب - ولدَه أبا القاسم في جيشٍ

(5)

، فانهزم جيشه، وقُتِلَ من أصحابه خَلْقٌ كثير. وفيها اختطَّ المهدي المذكور مدينته المُحمَّدية

(6)

.

وفيها حاصر عبد الرحمن بن الدَّاخل الأموي

(7)

مدينة طُلَيْطُلة، وكانوا مسلمين، لكنهم نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه، ففتحها قهرًا، وقتل خَلْقًا من أهلها.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

ابن الجصَّاص الجَوْهَري

(8)

الحسين بن عبد الله بن الجَصَّاص، الجَوْهَري: أبو عبد اللّه البَغْدادي.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

سيرد خبر مقتله على يد القاهر باللّه في أحداث سنة (321 هـ). وقد رسم اسمه في بعض كتب التاريخ: "يلبق".

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

في (ط): إلى بلاد منها.

(6)

معجم البلدان (5/ 64 - 65) وفيه: أن ابنه القاسم هو الذي اختطها، وسماها المحمدية باسمه.

(7)

في (ط): ابن الداخل إلى بلاد المغرب الأموي

وسترد ترجمة عبد الرحمن في وفيات سنة (350 هـ).

(8)

نشوار المحاضرة (1/ 26، 29، 36، 37، 2/ 312) الأنساب: (3/ 260) المنتظم (6/ 211 - 214) اللباب =

ص: 75

كان ذا مالٍ عظيم وثروة متسعة جدًّا، وكان أصل نعمته من بيت أحمد بن طولون؛ كان قد جعله جوهريًا له يتسوق له ما يقع من نفائس الجواهر بمصر، فاكتسب بسبب ذلك أموالًا جزيلة جدًّا.

قال ابن الجصَّاص: كنت يومًا بباب ابن طولون إذ خرجت القَهْرمانة وبيدها عِقْدٌ فيه مئة حبة من الجَوْهر، تساوي كلُّ واحدةٍ ألفي دينار. فقالت: أريد أن تأخذ هذا فتخرطه حتى يكون أصغر من هذا الحجم؛ فإن هذا نافر على ما يريدونه

(1)

. فأخذته منها، وذهبت به إلى المنزل، وحصلت جواهر أصغر منها تساوي عُشْر

(2)

قيمة تلك الجواهر بكثير، فدفعتها إليها، وفزت أنا بذلك الذي جاءت به، فكانت قيمته مئتي ألف دينار

(3)

.

وقد اتفق أنه صُودرَ في زمان المقتدر مصادرةً عظيمة، أُخذ منه [فيها] ما يقاوم ستة عشر ألف ألف دينار، وبقي معه من الأموال شيء كثير جدًّا. قال بعضهم: دخلت عليه وهو يتردَّد في منزله كأنَّه مجنون، فقلت: ما لك

(4)

؟ فقال: ويحك، أُخذ مني كذا وكذا، فأنا أحس أن روحي ستخرج. فعذرته، ثم أخذت في تسليته فقلت له: إن دارك وبساتينك وضياعك الباقية لك تساوي سبعمئة ألف دينار، واصدقني، كم بقي عندك من الجواهر والمتاع؟ فإذا هو شيء يساوي ثلاثمئة ألف دينار فقلت

(5)

: إنَّ هذا أمر لا يشاركك فيه أحدٌ من التجار ببغداد مع مالك من الوجاهة عند الدَّولة والنَّاس. قال: فسرِّيَ عنه، وتسلَّى عما فات عليه، وأكل، وكان له ثلاثة أيام لم يأكل شيئًا

(6)

.

ولما خلص من مصادرة المقتدر بشفاعة أمه السيِّدة فيه حكى عن نفسه قال: نظرت في دار الخلافة إلى مئة خيشة

(7)

، فيه متاع رَثٌّ مما حمل إليَّ من مصر، وهو عندهم بدار مَضِيعة، وكان لي في حِمْلٍ منها ألف دينار موضوعة فيه من مصر لا يشعر بها أحد، فاستوهبت ذلك من أُمِّ المقتدر، فكلَّمَتْ في ذلك ولدَها، فأطلقه لي، فتسلمته، فإذا الذَّهب لم يَنْقُصْ منه شيء

(8)

.

= (1/ 228 - 229) وفيات الأعيان (3/ 77) سير أعلام النبلاء (14/ 469 - 473) فوات الوفيات (1/ 372 - 376) الوافي بالوفيات (12/ 386 - 391).

(1)

في (ط): وأرادت خرطه وإتلافه.

(2)

في (ط): تساوي أقل من عشر.

(3)

نشوار المحاضرة (2/ 312 - 313).

(4)

في (ط): فقلت له: مالك هكذا ..

(5)

في (ط): غير ما بقي عنده من الذهب والفضة المصكوكة، فقلت له.

(6)

الخبر في المنتظم (6/ 213 - 214).

(7)

أي مئة عدل من الأعدال الخيش، وهو ما يدعى بعامية أهل دمشق بالجنفاص.

(8)

الفرج بعد الشدة (2/ 112 - 113).

ص: 76

وقد كان [ابن الجصاص]

(1)

مع ذلك مغفلًا شديدَ التغفيل في كلامه وأفعاله، وقد ذكر عنه أشياء تدُلُّ على ذلك، وقيل: إنه إنما كان يفعل ذلك ليظهر أنه مُغَفَّل، وقيل: إنه كان يقول ذلك على سبيل البسط والدُّعابة، والله تعالى أعلم.

وفيها توفي:

عبد اللّه بن محمد القَزْويني.

وعلي بن سليمان بن الفَضْل

(2)

أبو الحسن، الأخْفَش.

روى عن المبرِّد، وثعلب، واليزيدي، وغيرهم.

وعنه: المَرْزُباني

(3)

والمعافى وغيرهما.

وكان ثِقَةً في نقله، فقيرًا في ذات يده، توصَّل إلى أبي علي بن مُقْلة حتى كلَّم فيه الوزير عليَّ بن عيسى في أن يُرَتِّب له شيئًا، فلم يجبه إلى ذلك، وضاق به الحال حتى كان يأكل اللِّفْت النِّيء، فمات فجأةً من كثرة أكله، وذلك في شعبان من هذه السنة، والله أعلم، وهذا هو الأخفش الصَّغير.

والأوسط هو سعيد بن مَسْعدة

(4)

؛ تلميذ سيبويه.

وأما الأكبر فهو أبو الخَطَّاب عبد الحميد بن عبد المجيد

(5)

، من أهل هَجَر؛ وهو شيخ سيبويه، وأبي عُبَيْدة

(6)

وغيرهما.

وأبو بكر محمد بن السَّرِي السَّرَّاج النَّحْوي

(7)

، صاحب "الأصول" في النحو، قاله ابن الأثير

(8)

.

ومحمد بن المسيّب الأرْغِياني

(9)

.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ط) المفضل، وهو تحريف وترجمته في طبقات النحويين واللغويين (125 - 127) الأنساب (1/ 154) نزهة الألباء (169) المنتظم (6/ 214/ 215) معجم الأدباء (13/ 246 - 257) إنباه الرواة (2/ 276 - 278) وفيات الأعيان (3/ 301 - 303) سير أعلام النبلاء (14/ 480 - 482).

(3)

في النسخ الخطية و (ط) الروياني، وهو تحريف، وسترد ترجمة المرزباني في وفيات سنة (384 هـ).

(4)

توفي سنة (215 هـ)، ترجمته في إنباه الرواة (2/ 36 - 43).

(5)

ترجمته في إنباه الرواة (2/ 157 - 158).

(6)

في (ط) أبي عبيد، وهو تصحيف.

(7)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 483 - 484).

(8)

الكامل لابن الأثير (8/ 180) وفيه: وقيل: توفي سنة ست عشرة وثلاثمئة.

(9)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 422 - 426).

ص: 77

‌ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمئة

فيها عاث أبو طاهر القِرْمطي وهو سليمان بن أبي سعيد الجنَّابي - لعنه اللّه - في الأرض فسادًا، حاصر الرَّحْبة

(1)

، فدخلها قهرًا، وقتل من أهلها خَلْقًا، وطلب منه أهل قَرْقِيسيا الأمان فأَمَّنهم، وبعث سرايا إلى ما حَوْلها من الأعراب فقتل منهم خَلْقًا أيضًا، حتى صاروا إذا سمعوا بذكره يهربون من سماع اسمه، وقرَّر على الأعراب إتاوة

(2)

يحملونها إلى هَجَر في كل سنة، عن كل رأس ديناران. وعاث في نواحي المَوْصل وسِنْجار وتلك الدِّيار

(3)

، وقتل وسبى

(4)

ونهب، فقصده مؤنس الخادم، فلم يتواجها، ثم رجع إلى بلده [هَجَر]

(5)

فابتنى بها دارًا سَمَّاها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي الذي ببلاد المغرب باني

(6)

المَهْديَّة، وتفاقم أمره، وكَثُرَ أتباعه، وصاروا يَكْبِسُون القرية من أرض السواد، فيقتلون أهلها وينهبون أموالها، ورام في نفسه دخول الكوفة وأخْذَها فلم يقدر على ذلك، وعصمها الله منه. ولما رأى الوزير على بن عيسى ما يفعل هذا الهَجَري القِرْمِطي ببلاد الإسلام، والخليفة وجيشه ضعفاء عن مقاومته، استعفى من الوزارة، وعزل نفسه عنها، فسعى فيها أبو على بن مُقْلة؛ الكاتب المشهور

(7)

، فوليها بسفارة نَصْر الحاجب وأبي عبد اللّه البَريدي - بالباء الموحدة، من البريد، ويقال: اليزيدي؛ لخدمة جدِّه يزيد بن منصور الحِمْيَري

(8)

- ثم جهَّز الخليفة جيشًا كثيفًا مع مؤنس الخادم، فاقتتلوا مع القرامطة، فقتلوا من القرامطة خَلْقًا كثيرًا، وأسروا منهم طائفًة كثيرةً من أشرافهم، ودخلوا مع مؤنس الخادم إلى بغداد، والأسارى بين يديه، وأعلام من أعلامهم بيض منكَّسة مكتوب عليها {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5]. ففَرِحَ المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، وطابت أنْفُس أهل بغداد، وانكسر شر القرامطة الذين كانوا قد نشؤوا وكثروا وأظهروا رؤوسهم بأرض العراق، ونهبوا كثيرًا من القرايا، وفوضوا أمرهم إلى رجلٍ يقال له حريث بن مسعود - لا أسعده اللّه - ودعوا إلى المهدي الذي ظهر ببلاد المغرب وبنى المهدية جد الخلفاء الفاطميين، وهم أدعياء فيما ذكروا

(1)

رحبة مالك بن طوق، وهي بين الرقة وبغداد على شاطئ الفرات أسفل من قرقيسيا. معجم البلدان (3/ 34).

(2)

في (ط) إمارة، وهو تحريف.

(3)

في (ط) وعاث في نواحي الموصل فسادًا، وفي سنجار ونواحيها، وخرب تلك الديار.

(4)

في (ط) وسلب.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ط) بمدينة، وهو تحريف.

(7)

سترد ترجمته في وفيات سنة (328 هـ).

(8)

في (ط) الجهيري، وهو تحريف. ويزيد هذا هو خال المهدي العباسي، كان مقدمًا في دولة بني العباس، ولي للمنصور البصرة واليمن، ومات سنة (165 هـ). الأعلام للزركلي (8/ 189).

ص: 78

لهم من النسب كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء كما سيأتي تفصيله وبيانه في موضعه إن شاء اللّه

(1)

.

وفي هذه السنة وقعت وحشة بين مؤنس الخادم وبين المقتدر؛ وسبب ذلك أن نازوك أمير الشرطة وقع بينه وبين هارون بن غريب - وهو ابن خال المقتدر - فانتصر هارون على نازوك، وشاع بين العامة أن هارون سيصير أمير الأمراء، فبلغ ذلك مؤنس الخادم وهو بالرَّقَّة، فأسرع الأوبة إلى بغداد، واجتمع بالخليفة فتصالحا، ثم إن الخليفة نقل هارون إلى دار الخلافة، فقويت الوحشة بينهما، وانضمَّ إلى مؤنس جماعةٌ من الأمراء، وترددت الرسل بينهما، وانقضت هذه السنة والأمر كذلك. وهذا كلُّه من ضعف الأمور واضطرابها، وكثرة الفتن وانتشارها.

وفيها كان مقتل الحسن

(2)

بن القاسم الدَّاعي العلوي؛ صاحب الرَّي على يد صاحب الدَّيْلَم وسُلْطانهم يومئذٍ مَرداويج المجرم، قبحه الله

(3)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

بُنان بن محمد بن حَمْدَان بن سعيد

(4)

أبو الحسن: الزَّاهد، ويعرف بالحَمَّال.

روى الحديث عن الحسن بن عرفة، وكان يضرب بزهده المثل، وكانت له كرامات كثيرة. وله منزلة كبيرة عند النَّاس، وكان لا يقبل من السُّلْطان شيئًا، وقد أنكر يومًا على ابن طولون شيئًا من المنكرات، وأمره بالمعروف، فأَمَر به فألقي بين يدي الأسد، فكان يشمّه ويحجم عنه، فرفع من بين يديه، وعظَّمه النَّاس جدًّا أكثر ما كانوا يعظمونه، وقد سأله بعضُ النَّاس: كيف كان حالك وأنت بين يدي الأسد، فقال: لم يكن على بأس، وقد كنت أفكر في سُؤر السِّبَاع

(5)

، أهو طاهر أم نجس؟

قالوا: وجاءه رجل فقال له: إن لي على رجل مئة دينار، وقد ذهبت الوثيقة، وأنا أخشى أن ينكر ذلك الرجل، فأسألك الدعاء

(6)

فقال له: إني رجل قد كبرت

(7)

. وأنا أحبُّ الحلواء، فاذهب فاشترِ لي

(1)

انظر ص (113) من هذا الجزء.

(2)

في (ط) الحسين، وهو تصحيف.

(3)

في (ح) ورد خبر مقتل الحسن في وفيات السنة السالفة، والمثبت من (ب) و (ظا) و (ط)، وعلى هذا أغلب كتب التاريخ.

(4)

طبقات الصوفية (291 - 294) حلية الأولياء (10/ 324 - 325) تاريخ بغداد (7/ 100 - 102) المنتظم (6/ 217) سير أعلام النبلاء (14/ 488 - 490).

(5)

في (ط): واختلاف العلماء فيه.

(6)

في (ط) بأن يرد اللّه عليَّ الوثيقة.

(7)

في (ط) كبرت سني ورق عظمي.

ص: 79

منها رطلًا، وأْتني به حتى أدعو لك. فذهب الرجل، فاشترى، ثم جاء، ففتح الورقة، فإذا حُجَّته بالمئة دينار. فقال له الشيخ: أهذه حُجَّتك؟ قال: نعم. قال: خذها وخذ الحلواء فأطعِمْها صبيانك

(1)

.

ولما توفي خرج أهل مصر في جنازته تعظيمًا لشأنه، وإكرامًا له.

ومحمد بن خُرَيم

(2)

، ومحمد بن عقيل البَلْخي

(3)

، وأبو بكر بن أبي داود السِّجِسْتاني الحافظ بن الحافظ

(4)

. وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق

(5)

بن إبراهيم، الإسْفَرَاييني

(6)

، صاحب "الصَّحيح"

(7)

المخرَّج على مُسْلم.

وقد كان من الحُفَّاظ المكثرين، والأئمة المشهورين.

ونَصْر الحاجب للخليفة المقتدر بالله

(8)

، وكان من خيار الأمراء، دَيِّنًا عاقلًا، أنفق من ماله في حرب القرامطة مئة ألف دينار، وخرج بنفسه مُحْتسبًا، فمات في أثناء الطَّريق في هذه السنة.

‌ثم دخلا سنة سبع عشرة وثلاثمئة

فيها كان خلع المقتدر وتولية القاهر محمد بن المعتضد بالله أخي المقتدر بالله.

في المحرم من هذه السنة اشتدت الوحشة بين مؤنس الخادم والخليفة، فالتف الأمراء على مؤنس الخادم وتفاقم الحال، وآل إلى أن اجتمعوا على خلع المقتدر بالله وتولية محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة، وسلَّموا عليه بها، ولقبوه القاهر بالله، وذلك ليلة السبت للنصف من المُحَرَّم من هذه السنة، وقُلِّد أبو علي بن مُقْلة

(9)

وزارته، ونُهبت دار المقتدر بالله وأُخذَ منها شيء كثير، ووجدَ

(1)

تاريخ بغداد (7/ 102).

(2)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 428 - 429).

(3)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 415 - 416).

(4)

ترجمته في المنتظم (6/ 218 - 219).

(5)

تاريخ جرجان (448) الأنساب (1/ 235 - 236) وفيات الأعيان (6/ 393 - 394) سير أعلام النبلاء (14/ 417 - 421).

(6)

ضبطت في معجم البلدان (1/ 177) بالفتح.

(7)

طبع منه الجزء الأول والثاني والرابع والخامس بدائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن في الهند.

(8)

المنتظم (6/ 220) وأخباره مبثوثة في كتب تاريخ تلك الفترة.

(9)

في (ط) علي بن مقلة، وهو خطأ.

ص: 80

لأمِّ المقتدر بالله ستمئة ألف دينار، [وكانت]

(1)

قد دفنتها في قبر بتربتها، فحُمِلَتْ إلى بيت المال.

وأُخرج المقتدر وأمه وخالته وخواصُّ جواريه من دار الخلافة، وذلك بعد محاصرة دار الخلافة، وهَرَب منْ كان بها من الججبة والخدم منها، وولي نازوك الحجوبة مضافًا إلى ما بيده من الشرطة، وأُلزم المقتدر بأن كتب على نفسه كتابًا بالخلع من الخلافة، وأشهد على نفسه بذلك جماعة من الأمراء [والأعيان]

(2)

، وسلَّم الكتاب إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فقال لولده أبي الحسين

(3)

: احتفظ بهذا الكتاب، فلا ترينَّه أحدًا من خلق الله. ولما أُعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين ردَّه إليه، فشكره على ذلك جدًّا، وولَّاه قضاء القُضَاة.

ولما كان يوم الأحد السادس عشر من المُحرَّم جلس القاهر باللّه في منصب الخلافة، وجلس بين يديه الوزير أبو علي بن مُقْلة، وكتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر باللّه الخلافة عوضًا عن المقتدر، وأطلق عليَّ بن عيسى من السجن، وزاد في إقطاع جماعةٍ من الأمراء الذين قاموا بنصره، منهم أبو الهيجاء بن حَمْدان.

ولما كان يوم الإثنين جاء الجند، وطلبوا أرزاقهم وشغبوا، وسارعوا إلى نازوك فقتلوه، وكان مخمورًا، ثم صلبوه. وهرب الوزير والحَجَبة، ونادوا: يا مقتدر يا منصور. ولم يكن مؤنس يومئذٍ هناك، وجاءت الجنود إلى بابه يطالبونه بالمقتدر، فأغلق بابه، وحاجف

(4)

دونه خَدَمه. فلما رأى مؤنس أنه لابد من تسليم المقتدر إليهم أمره بالخروج، فخاف

(5)

أن يكون حيلة عليه، ثم تجاسر فخرج، فحمله الرجال على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة، فسأل عن أخيه القاهر وأبي الهيجاء بن حمدان ليكتب لهما أمانًا، فما كان عن قريبٍ حتى جاءه خادم ومعه رأس أبي الهيجاء قد احتَّزه وأخرجه من بين كتفيه، وجاء المقتدر باللّه فجلس في الدست، واستدعى بالقاهر، فاجلسه بين يديه واستدناه إليه، وقبَّل بين عينيه، وقال: يا أخي أنت لا ذنب لك، وقد عَلِمْتُ أنك قهرت. والقاهر يقول: اللّه اللّه! نفسي نفسي يا أمير المؤمنين. فقال: وحَقّ رسول اللّه لا جرى عليك مني سوء أبدًا. وعاد ابن مقلة فكتب إلى الآفاق يعلمهم بعود المقتدر [إلى الخلافة]

(6)

.

وتراجعت الأمور إلى حالها الأوَّل ببغداد، واستقر المقتدر في الخلافة، وحُمِلَ رأس نازوك

(1)

ما بين حاصرتين من (ط). وفيها: وأخذوا لأم المقتدر خمسمئة ألف دينار.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ط) الحسين، وهو خطأ.

(4)

أي دافع. اللسان (حجف).

(5)

في (ط): فخاف المقتدر.

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 81

وأبي الهيجاء بن حمدان فنودي عليهما: هذا رأس من عصى مولاه، وهَرَبَ أبو السَّرايا بن حَمْدان إلى المَوْصل، وكان ابن نفيس من أَشَدِّ النَّاس على المقتدر، فلما عاد إلى الخلافة خرج من بغداد متنكرًا فدخل المَوْصل، ثم صار إلى إرْمينيَة، ثم لحق بمدينة القُسْطَنْطينية، فتنصَّرَ [بها]

(1)

مع أهلها لعنه اللّه وإياهم. وأما مُؤْنس فإنه لم يكن في الباطن على المقتدر، وإنما وافق جماعة الأمراء مكرهًا، ولهذا لما أودع المقتدر في داره لم ينله منه سوء، بل كان يطيِّبُ قلبه، ولو شاء لقتله لما طُلب من داره. فلهذا لما عاد [المقتدر]

(2)

إلى الخلافة رجع إلى دار مؤنس فبات [بها]

(3)

عنده لثقته به. وقرَّر أبا علي بن مقلة على الوزارة، وولَّى محمد بن يوسف أبا عمر قضاء القضاة، وجعل محمدًا أخاه - وهو القاهر بالله - عند والدته بصفة محبوس

(4)

عندها، فكانت تحسن إليه غاية الإحسان، وتشتري له السَّراري، وتكرمه غاية الإكرام.

‌ذِكْرُ أخْذِ القرامطة الحجر الأسْود إلى بلادهم وما كان منهم إلى الحجيج، لعن الله القرامطة

خرج ركب العراق وأميرهم مَنْصور الدَّيْلَمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافت الركوب من كلِّ جانب

(5)

، فما شعروا إِلَّا بالقِرْمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم، واستباح قتالهم، فقتل النَّاس في رحاب مكة وشعابها حتى في المسجد الحرام، وفي جَوْف الكعبة، وجلس أميرهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي لعنه اللّه على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله، [والسيوف تعمل في الناس]

(6)

في المسجد الحرام في الشهر الحرام ثم في يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول:

أنا باللّه وباللّه أنا

يخلق الخَلْق وأُفنيهم أنا

فكان النَّاس يفرون [منهم]

(7)

فيتعلَّقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك عنهم شيئًا، [بل]

(8)

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

في النسخ الخطية: بصفته محتبس عندها، والمثبت من (ط).

(5)

في (ط): وتوافت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج.

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 82

يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلوه في الطَّواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذٍ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السُّيوف، فلمَّا وَجَبَ

(1)

إلى الأرض أنشد وهو كذلك:

ترى المحبّينَ صرعى في ديارِهُمُ ..... كِفِتْية الكهفِ لا يدرُونَ كم لبثوا

ثم أمر

(2)

القِرْمِطِي أن يُدْفن القتلى في بئر زمزم، ودُفن كثير منهم في أماكنهم من الحرم حتى في المسجد الحرام، ويا حَبَّذا تلك القتلة وتلك الضجعة

(3)

. ولم يُغسلوا ولم يكفنوا، ولم يُصَلَّ عليهم، لأنهم [مُحْرِمون]

(4)

شهداء في نفس الأمر ومن خيار الشهداء. وهَدَمَ قبة زمزم، وأمر بِقَلْعِ باب الكعبة، ونَزَعَ كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلًا أن يصعد على ميزاب الكعبة، فأراد ذلك الرجل أن يقتلعه من موضعه، فسقط على أُمِّ رأسه، فمات لعنه الله، وصار إلى أمه الهاوية، فانكفَّ اللعين عند ذلك عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، وجاءه رجل فضرب الحجر بمثقَّل في يده وقال: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود - شرفه اللّه وكرمه وعظمه - وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردَّوه كما سنذكره في موضعه في سنة تسعٍ وثلاثين وثلاثمئة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

ولما رجع إلى بلاده تبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده، وسأله وتشفع إليه في أن يرد الحجر [الأسود]

(5)

ليوضع في مكانه، وبذل له جميع ما عنده من الأموال، فلم يفعل، فقاتله أمير مكة، فقتله القِرْمِطِي، وقتل أكثر أهله وجُنْده، واستمر ذاهبًا إلى بلاده لعنه اللّه ومعه الحجر وأموال الحجيج. وقد ألحد [هذا اللعين]

(6)

في المسجد الحرام إلحادًا لم يسبقه إليه أحد، ولا يلحقه فيه أحد، وسيجازيه على ذلك الذي {لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} [الفجر: 25، 26]

وإنما حمل هؤلاء على هذا الصَّنيع لأنهم كانوا كفارًا زنادقة، وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنين ببلاد إفريقية من أرض المغرب، ويلقب أميرهم بالمهدي، وهو أبو محمد عُبَيد اللّه بن ميمون القَدَّاح، وقد كان صباغًا بسَلَمْيَة

(7)

، [وكان]

(8)

يهوديًا، فادعى أنه أسلم، ثم سار منها فصار

(1)

أي سقط. اللسان (وجب).

(2)

في (ط): فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره، وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة أمر ..

(3)

في (ط) وذلك المدفن والمكان.

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

قال ياقوت: وأهل الشام يقولون: سَلَميَّة، وهي بلد من أعمال حمص معجم البلدان (3/ 240 - 241) وفي (ط): صباغًا.

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 83

إلى بلاد إفريقية، فادعى أنه شريف فاطميٌّ، فصدَّقه على ذلك طائفةٌ كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة، وصارت له دولة، فملك مدينة سِجِلْمَاسة

(1)

، ثم ابتنى مدينةً وسماها المَهْدية، فكان قرار ملكه بها، وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه ويدعون إليه، ويترامون عليه، ويقال: إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة ودولة لا حقيقة له

(2)

.

وذكر ابنُ الأثير أن المهديَّ كتب إلى أبي طاهر القِرْمطي يلومه على فعله بمكة، حيث سلَّط النَّاس على الكلام في عرضهم، وانكشفت أسرارهم التي كانوا يبطنونها بما ظهر من صنيعهم هذا القبيح، وأمره برَدِّ ما أخذ منها، وعَوْده إليها. فكتب إليه بالسَّمْعِ والطاعة، وأنه قد قبل ما أشار به من ذلك

(3)

.

وقد أُسر بعض أهل الحديث في أيدي هؤلاء القرامطة لعنهم اللّه

(4)

؛ ثم فرَّج اللّه عنه، فكان يحكي

(5)

أن الذي أسره كان يستخدمه [في]

(6)

أشق الخدمة وأشدها، وأنه كان يعربد عليه إذا سكر. فقال لي ذات ليلة وهو سكران: ما تقول في محمدكم؟ فقلت: لا أدري. فقال: كان رجلًا سائسًا. ثم قال: ما تقول في أبي بكر؟ فقلت: لا أدري. فقال: كان ضعيفًا مهينا. وكان عمر فظًا غليظًا. وكان عثمان جاهلًا أحمق. وكان عليٌّ ممخرقًا، أليس

(7)

كان عنده أحد يعلمه ما ادَّعى أن في صدره من العِلْم؟ أما كان يمكنه أن يعلِّم هذا كلمة وهذا كلمة؟ ثم قال: هذا كله مخرقة. فلما كان الغد قال لي: لا تخبر بهذا الذي قلت لك أحدًا. رواه ابن الجَوْزي في "منتظمه"

(8)

.

وروي عن بعضهم [أنه]

(9)

قال: كنت في المسجد الحرام يوم اقتلع الحجر الأسود

(10)

، إذ دخل رجل وهو سكران، راكب على فرس، فصفر لها حتى بالت في المسجد الحرام في مكان الطواف، ثم حمل على رجل كان إلى جانبي فقتله، ثم نادى بأعلى صوته: يا حمير

(11)

، أليس قلتم في بيتكم هذا {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، فأين الأمن؟ فقلت له: أتسمع

(1)

مدينة في جنوب المغرب، بينها وبين فاس عشرة أيام تلقاء الجنوب. معجم البلدان (3/ 192).

(2)

سترد ترجمة المهدي في وفيات سنة (322 هـ).

(3)

الكامل (8/ 208).

(4)

في (ط): فمكث في أيديهم مدة.

(5)

في (ط): يحكى عنهم عجائب من قلة عقولهم وعدم دينهم، وأن

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

في (ط) ليس، وهو خطأ.

(8)

المنتظم (6/ 224).

(9)

ما بين حاصرتين من (ط).

(10)

في (ط) كنت في المسجد الحرام يوم التروية في مكان الطواف، فحمل على رجل كان إلى جانبي فقتله القرمطي.

(11)

في (ط): ورفع صوته بذلك.

ص: 84

جوابًا؟ قال: نعم. قلت: إنما أراد اللّه: فأمِّنوه. قال: فثنى رأس فرسه، وانصرف

(1)

.

وقد سأل بعضهم هاهنا سؤالًا، فقال: قد أحلَّ اللّه عز وجل بأصحاب الفيل - وكانوا نصارى وهؤلاء شرٌّ منهم - ما ذكره في كتابه العزيز حيث يقول: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}

(2)

[الفيل:1 - 5] ومعلوم أن القرامطة شرٌّ من اليهود والنصارى والمجوس، بل ومن عَبَدَةِ الأصنام

(3)

، فهلا عوجلوا بالعقوبة كما عوجل أصحاب الفيل؟

وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارًا لشرف البيت الحرام، لما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النَّبِيّ الكريم من البلد الذي كان هذا البيت فيه، ليُعْلَم شرف هذا الرسول الكريم الذي هو خاتم الأنبياء، فلما أراد إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها عما قريب أهلكهم اللّه، سريعًا عاجلًا غير آجل كما ذكر في كتابه

(4)

. وأما هؤلاء فكان من أمرهم ما كان بعد تقرر الشَّرائع وتمهيد القواعد، والعلم بالضرورة من دين اللّه بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمنٍ يعلم أن هؤلاء

(5)

من أكبر الملحدين الكافرين، بما تبين من كتاب الله وسنَّة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخَّرهُمُ الرَّبُّ جل جلاله ليومٍ تشخص فيه الأبصار، واللّه سبحانه وتعالى يمهل ويملي ويستدرج، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله ليملي للظَّالم حتى إذا أخذه لم يفلته"

(6)

، ثم قرأ:{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللّه، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم"

(7)

. وقال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42]، وقال تعالى:{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196، 197] وقال تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 24]. وقال: {مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 70].

وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المَرُّوذي الحَنْبلي

(8)

، وبين طائفة من العامة، اختلفوا

(1)

المنتظم (6/ 223).

(2)

في (ط): ولم يفعلوا بمكة شيئًا مما فعله هؤلاء.

(3)

في (ط): وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد.

(4)

في (ط): ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله.

(5)

في (ط): قد ألحدوا في الحرم إلحادًا بالغًا عظيمًا، وأنهم من أكبر.

(6)

هو في صحيح البخاري (4409) في التفسير، وصحيح مسلم (2583) في البر والصلة.

(7)

صحيح مسلم (2804/ 50) في صفة الجنة.

(8)

سلفت ترجمة أبي بكر في وفيات سنة (275 هـ) من هذا الكتاب.

ص: 85

في تفسير قوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]. فقال الحنابلة: يجلسه معه على العرش. وقال الآخرون: المراد بذلك الشَّفاعة العُظْمى، فاقتتلوا بسبب ذلك، وقتل بينهم قتلى، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. وقد ثبت في "صحيح" البخاري

(1)

أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى، يشفع عند اللّه عز وجل في أن يأتي لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم، حتى إبراهيم الخليل، ويغبطه به الأوَّلون والآخرون.

وفيها وقعت فتنة بالمَوْصل بين العامة فيما يتعلق بأمر المعاش، وانتشرت، وكثر أهل الشر [فيها]

(2)

واستظهروا، وجرت بينهم شرور ثم سكنت

(3)

.

وفيها وقعت فتنة ببلاد خُرَاسان بين بني سامان

(4)

وأخيهم

(5)

نصر بن أحمد الملقب السَّعيد

(6)

.

وخرج في شعبان خارجيٌّ بالمَوْصِل، وخرج آخر بالبوازيج

(7)

، فقاتلهم أهل تلك الناحية حتى سكن شَرُّهم وتفرق أصحابهم

(8)

.

وفيها التقى مفلح السَّاجي وملك الرُّوم الدُّمُسْتق، فهزمه مفلح، وطرد وراءه إلى أرض الروم، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، ولله الحمد.

وفيها هبت ريح شديدة ببغداد تحمل رمادًا أحمر يشبه رمل أرض الحجاز، فامتلأت منه البيوت.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن الحسن

(9)

[بن العباس]

(10)

بن الفرج

(11)

بن شُقَيْر

(12)

، أبو بكر النَّحْوي.

(1)

حديث الشفاعة في صحيح البخاري (4435) في التفسير، وصحيح مسلم (194) في الإيمان.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

الكامل لابن الأثير (8/ 212 - 213).

(4)

في (ط) ساسان، وهو تصحيف.

(5)

من (ط) وأميرهم، وهو تحريف.

(6)

الكامل (8/ 208 - 212).

(7)

البواريج - بالراء المهملة - وهو تصحيف. والبوازيج: بلد قرب تكريت على فم الزاب الأسفل، حيث يصب في دجلة. معجم البلدان (1/ 503).

(8)

الكامل (8/ 214) وسيأتي خبره في أحداث سنة (318 هـ).

(9)

في معجم الأدباء (3/ 11) الحسين، وهو تحريف.

(10)

ما بين حاصرتين من تاريخ بغداد (4/ 89).

(11)

تاريخ بغداد (4/ 89) نزهة الألباء (171 - 172) معجم الأدباء (3/ 11) إنباه الرواة (1/ 34 - 35) تاج العروس (شقر).

(12)

في (ط) و (ح) سفيان، وهو تحريف.

ص: 86

كان عالمًا بمذهب الكوفيين، وله فيه تصانيف.

أحمد بن مهدي بن رستم

(1)

: العابد الزَّاهد، أنفق في طلب العِلْم ثلاثمئة ألف دِرْهم، ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، وقد روى الحافظ أبو نُعَيْم بسنده عنه أنه جاءته امرأة ذات ليلة فقالت له: إني قد امتحنت بمحنة؛ أكرهت على الرِّنا وأنا حُبْلى منه، وقد تسترتُ بك، وزعمت أنك زَوْجي، وأن هذا الحَمْل منك، فاسترني سَتَرَك اللّه ولا تفضحني. فسكت عنها، فلما وضعت جاءني أهل المحلَّة وإمام مسجدهم يهنئونني بالولد، فأظهرت البِشْر، وبعثت فاشتريت بدينارين شيئًا حلوًا [وأطعمتهم]

(2)

، وجَعلت أرسل إليها مع إمام المسجد كل شهر دينارين صفة نفقة الولد، [وأقول: اقرئها مني السَّلام، فإنه قد سبق مني ما فَرَّق بيني وبينها]

(3)

. فمكثت كذلك سنتين، ثم مات المولود، فجاؤوني يعزونني فيه، فأظهرت التغمم والحزن عليه، فجاءتني المرأة بالدَّنانير التي كنت أرسل بها إليها [نفقة الولد]

(4)

، قد جمعتها [في صرة]

(5)

عندها [فقالت لي: سترك اللّه وجزاك خيرًا، وهذه الدنانير التي كنت ترسل بها]

(6)

فقلت: يا هذه إني إنما كنت أرسل بها صِلَةً للولد [وقد مات وأنت ترثينه]

(7)

، فخذيها، فافعلي بها ما شئت [فدعت، وانصرفت]

(8)

.

بَدْر بن الهَيْثم

(9)

بن خَلَف بن خالد بن راشد بن الضَّحَّاك بن النُّعْمان [بن محرق بن النعمان بن المنذر]

(10)

أبو القاسم، اللَّخْمي

(11)

، الفاضي، الكوفي.

نزل بغداد، وحدَّث بها عن أبي كُرَيب وغيره. وكان سماعُه للحديث بعدما جاوز أربعين سنة، وكان ثِقَةً نبيلًا، عاش مئة سنة وسبع عشرة سنة.

وكانت وفاته في شوال من هذه السنة بالكوفة.

(1)

في (ط) رميم، وهو تحريف وترجمته في حلية الأولياء (10/ 396 - 397) المنتظم (6/ 225 - 226) النجوم الزاهرة (3/ 226).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

تاريخ بغداد (7/ 107 - 108) المنتظم (6/ 226) سير أعلام النبلاء (14/ 530 - 531).

(10)

ما بين حاصرتين من (ط).

(11)

في (ط) البلخي، وهو تحريف.

ص: 87

عبد اللّه بن محمَّد بن عبد العزيز

(1)

بن المَرْزُبان بن سابور بن شاهِنْشاه، أبو القاسم، البَغَوي

(2)

، ويعرف بابن بنت مَنيع.

ولد سنة ثلاث عشرة، وقيل أربع عشرة ومئتين.

ورأى أبا عبيد [القاسم بن سلام]

(3)

ولم يسمع منه، وسمع من أحمد [بن حنبل]

(4)

، وعليِّ بن المَديني، ويحيى بن معين، وعلي بن الجَعْد، وخَلَف بن هشام البَزار، وخَلْق.

وكان معه جُزْءٌ فيه سماعه من ابن معين، فأخذه منه موسى بن هارون الحافظ، فرماه في دِجلة، وقال: تريد أن تجمع بين الثلاثة؟ وقد تفرَّد عن سبعة وثمانين شيخًا، وكان ثِقَةً حافظًا ضابطًا، روى عنه الحُفَّاظ، وله مصنَّفات.

قال موسى بن هارون الحافظ: كان ابن بنت منيع ثقة صدوقًا، فقيل له: إن هاهنا ناسًا يتكلَّمون فيه. فقال: يحسدونه، ابن بنت منيع لا يقول إِلَّا الحق.

وقال ابن أبي حاتم وغيره: [أحاديثه]

(5)

تدخل في الصَّحيح.

وقال الدَّارقطني: كان البغوي قلَّما يتكلَّم على الحديث، فإذا تكلَّم كان كلامه كالمِسْمار في السَّاج.

وقد ذكره ابن عديٍّ في "كامله"، فتكلَّم فيه، وقال: حَدَّث بأشياء أُنكرت عليه، وكان معه طرف من معرفة الحديث والتَّصانيف.

وقد انتدب ابن الجَوْزي للردِّ على ابن عَدِيٍّ في هذا الكلام، وذَكَرَ أنَّه توفي ليلة عيد الفِطْر من هذه السنة، وقد استكمل مئة سنة وثلاث سنين وشهورًا، وهو مع ذلك صحيح السَّمْع والبَصَر والأسنان، يطأ الإماء

(6)

.

وكانت وفاته ببغداد، ودُفِن بمقبرة باب التِّبْن، رحمه الله وأكرمَ مثواه.

(1)

تاريخ بغداد (10/ 111 - 117) طبقات الحنابلة (1/ 190 - 192) الأنساب (2/ 255) المنتظم (6/ 227 - 230) سير أعلام النبلاء (14/ 440 - 456).

(2)

قيل له البغوي لأن جده أحمد بن منيع أصله من بيع، أما هو فقد ولد ببغداد، وبها نشأ. الأنساب (2/ 255).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

المنتظم (6/ 229 - 230).

ص: 88

محمد بن أبي الحسين [أحمد]

(1)

بن محمد بن عمَّار

(2)

: الشَّهيد الحافظ، أبو الفَضْل الهَرَوي، ويُعْرَف بابن أبي سَعْد

(3)

.

قَدِمَ بغداد، وحدَّث بها عن محمد بن عبد اللّه الأنْصاري.

وحدَّث عنه ابنُ المُظَفَّر الحافظ.

وكان من الثِّقات الأثبات الحُفَّاظ المتقنين، له مناقشاتٌ على بضعة عشر حديثًا من "صحيح" مُسْلم.

قتلته القرامطة يوم التَّرْوية بمكة في هذه السَّنة في جُمْلة منْ قَتَلوا، رحمه الله وأكرم مثواه، وجعل جنات الفِرْدوس منقلبه ومثواه.

الكَعْبيُّ المُتَكَلِّم

(4)

: هو أبو القاسم، عبد الله بنُ أحمدَ بن محمود، البَلْخي، الكَعْبي، المتكلِّم

(5)

، نسبةً إلى بني كعب؛ أحد مشايخ المُعْتزلة، وهو الذي تنسب إليه الطائفة الكَعْبية منهم.

قال القاضي ابن خَلِّكان: وكان من كبار المتكلِّمين، وله اختياراتٌ في عِلْم الكلام؛ من ذلك أنه كان يزعم أن أفعال اللّه تعالى تقع بلا اختيار ولا مشيئة

(6)

.

هكذا أورده عنه.

قلب: وقد خالف الكَعْبيُّ نَصَّ القرآن في غير ما موضع منه. قال اللّه تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]. وقال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13]، وقال:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] إلى غير ذلك مما هو معلوم بالضرورة بصريح العقل وصحيح الشرع.

(1)

في النسخ الخطية محمد بن الحسين، وهو وهم، وما بين حاصرتين من سير أعلام النبلاء (14/ 539).

(2)

في (ط) عثمان، وهو تحريف. وترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 538/ 540) تذكرة الحفاظ (3/ 834 - 835) العبر (2/ 169) طبقات الحفاظ (347).

(3)

هو جده لأمه يحيى بن منصور الزاهد الهروي، المتوفى سنة (287 هـ) وقيل سنة (292 هـ) ترجمته في تاريخ بغداد (14/ 225 - 226) والعبر (2/ 80، 94) وفيه أبو سعيد، وهو تصحيف.

(4)

الفرق بين الفرق (165 - 167) تاريخ بغداد (9/ 384) الملل والنحل (1/ 76 - 78) الأنساب (10/ 444 - 445) المنتظم (6/ 238) وفيات الأعيان (3/ 45) سير أعلام النبلاء (14/ 313، 15/ 255) طبقات المعتزلة (88 - 89).

(5)

ثمة اختلاف بين المؤرخين في سنة وفاته، أغلب المصادر على أنها سنة (319 هـ)، وصححها الذهبي في سير أعلام النبلاء (14/ 313) على أنها سنة (329 هـ)، وذكر ابن خلكان وفاته سنة (317 هـ)، وتابعه على ذلك ابن كثير هنا.

(6)

وفيات الأعيان (3/ 45).

ص: 89

‌ثم دخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمئة

فيها عزل الخليفة المقتدر باللّه وزيره أبا علي بن مُقْلة، فكانت مُدَّة وزارته سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام، واستوزر مكانه سليمان بن الحسن بن مَخْلَد، وجعل على بن عيسى ناظرًا معه.

وفي جُمادى الأولى منها أُحرقت دار أبي علي بن مقلة، وكان قد أنفقَ عليها مئةَ ألفِ دينار، فانتهبَ النَّاس أخشابها وما وجدوا فيها منْ حديدٍ ورصاصٍ وغير ذلك، وصادره الخليفة بمئتي ألف دينار.

وفيها طرد الخليفة الرَّجَّالة الذين كانوا بدار الخلافة عن بغداد؛ وذلك أنهم لما ردُّوا المقتدر إلى الخلافة شرعوا يَنْفِسُون بكلامٍ كثير عليهم

(1)

، يقولون: منْ أعان ظالمًا سُلِّط عليه. ومن أصعد الحمار إلى السطح [لم]

(2)

يقدر ينزله. فأمر بإخراجهم عن بغداد، ومن أقام منهم عوقب. فأُحرقت دورٌ كثيرة من أقربائهم، واحترق بعض نسائهم وأولادهم، فخرجوا منها في غاية الإهانة، فنزلوا واسط، وتغلَّبوا عليها، وأخرجوا عامِلَها [منها]

(3)

، فركب إليهم مؤنسٌ الخادم، فأوقع بهم بأسًا شديدًا، وقتل منهم خَلْقأ كثيرًا، فلم يقم لهم بعد ذلك راية

(4)

.

وفي ربيع الأول منها عَزَلَ الخليفة ناصرَ الدَّوْلة بنَ حمدان عن المَوْصل، وولَّى عليها عمَّيْه سعيدًا ونصرًا ابني حمدان، وولَّاه ديار ربيعة: نَصِيبين وسِنْجار والخابور ورأس العين، ومعه مَيَّافارقين وأرْزَن، ضمن ذلك من الخليفة بمالٍ يحمله [إليه]

(5)

في كل سنة.

وفي جمادى الأولى خرج رجل ببلاد البوازيج يقال له صالح بن محمود، فاجتمع عليه جماعةٌ من بني مالك، ثم سار إلى سِنْجار فحاصرها، فدخلها، وأخذ شيئًا كثيرًا من أموالها، وخطب بها خطبة، وعظ وذكر وحذر، فقال في جملة ما قال: نتولَّى الشَّيْخين، ونبرأُ من الخبيثين

(6)

، ولا نرى المسحَ على الخُفَّين. ثم سار فعاث في الأرض فسادًا، فانْتُدبَ له نصر بن حمدان فقاتله، فَأُسر صالح بن محمود هذا ومعه ابنان له، فحمل إلى بغداد، فدخلها وقد أُشهر شهرة فظيعة

(7)

.

(1)

في (ط) عليه، وهو تصحيف.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

في (ط) قائمة.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في النسخ الخطية و (ط) الحسين، وهو تحريف، والمثبت من الكامل لابن الأثير (8/ 220).

(7)

سلفت نتف من أخباره في أحداث سنة (317 هـ).

ص: 90

وخرج آخر ببلاد المَوْصل، فاتَّبعه ألف رجل، فحاصر أهل نَصِيبين، فخرجوا إليه، فاقتتلوا معه، فَقَتَلَ منهم مئة وأسر ألفًا، ثم باعهم من نفوسهم، وصادر أهلها بأربعمئة ألف دِرْهم، فانْتُدبَ له ناصر الدولة بن حمدان ففاتله، فظفر به، فأسره وسيره إلى بغداد أيضًا، وللّه الحمد.

وفيها خلع الخليفة على ابنه هارون، وركب معه الوزير والجيش، وأعطاه نيابة فارس وكَرْمان وسِجِسْتان ومُكْرَان

(1)

، وخلع على ابنه أبي العَبَّاس الرَّاضي، وجَعَله نائب بلاد المغرب ومِصْر والشَّام، ويكون مؤنس الخادم يَسُدُّ عنه أمورها.

وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز الهاشمي، وخرج الحجيج بخُفَارة وبَذْرَقَةٍ

(2)

حتى سلموا في الذهاب والإياب من القرامطة، وللّه الحمد.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن إسحاق

(3)

بن البُهْلول بن حَسَّان بن سِنَان

(4)

: أبو جعفر، التَّنُوخي، القاضي، الحَنَفي، العَدْل الثقة، الرِّضى.

وكان فقيهًا ثقة نبيلًا، سمع الحديث الكثير، وورى عن أبي كُرَيب حديثًا واحدًا، وكان عالمًا بالنَّحْو، فصيحَ العِبارة، جَيدَ الشِّعْر، محمودًا في الأحكام.

اتفق أن السيدة أُمَّ المقتدر وقفت وقفًا، وجعل الحاكم هذا عنده نسخة في سلة الحكم، ثم أرادتْ أن تنقض ذلك الوقف، فطلبت الحاكم وأن يُحْضِرَ معه كتاب الوقف لتأخذه منه فتعدمه، فلما حَضَرَ من وراء الستارة فَهِمَ المقصود فقال لها: لا يمكن هذا، لأني خازن المسلمين، فإما أن تعزلوني عن القضاء وتولّوا على هذا غيري، وإما أن تتركوا هذا الذي تريدونه، فلا سبيل إليه. فشكته إلى ولدها المقتدر، فشفع عنده المقتدر بذلك، فذكر له صورة الحال. فرجع إلى أُمه فقال: إن هذا الرجل ممن يُرغب فيه، ولا سبيل إلى عزله والتلاعب به. فرضيت السيدة عنه، وبعثت تشكره على ما صنع من ذلك. فقال: من قَدَّم أمر اللّه على أمر العباد كفاه اللّه شرَّهم

(5)

، [ورزقه خيرهم]

(6)

.

(1)

في (ج) ومكرمات، وهو تحريف.

(2)

البذرقة تعني أيضًا الخفارة، فارسي معرب. اللسان (بذرق).

(3)

تاريخ بغداد (4/ 30 - 34) نزهة الألباء (172 - 175) المنتظم (6/ 231 - 234) معجم الأدباء (2/ 138 - 161) سير أعلام النبلاء (14/ 497 - 500).

(4)

في (ج) ابن أبي سنان، وهو خطأ.

(5)

المنتظم (6/ 233 - 234).

(6)

ما بين حاصرتين من (ج).

ص: 91

كانت وفاته في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين.

يحيى بن محمد بن صاعد

(1)

: أبو محمد، مولى أبي جعفر المنصور.

رحل في طلب الحديث، وكتب وَسَمعَ وحفظ، وكان من كبار الحُفَّاظ، وشيوخ الرُّواة، وكتب عنه جماعة من الأكابر، وله تصانيف تَدُلُّ على حفظه وفقهه وفهمه.

وكانت وفاته ببغداد، ودُفن بباب الكوفة في هذه السنة، وله تسعوا

(2)

سنة.

الحسن بن علي بن أحمد

(3)

بن بشَّار بن زياد: المعروف بابن العلاف، الضَّرير، النَّهْرواني، الشَّاعر المشهور.

كان أحد سُمَّار الخليفة المعتضد باللّه، وله مَرْثَاة طَنَّانة في هِرٍّ له، قتله جيرانه لأنه أكل فراخ الحمام من أبراجهم، وفيها آداب ورِقَّة، ويقال: إنه أراد بها رثاء ابن المعتز

(4)

، لكنه لم يتجاسر أن ينسبها إليه من الخليفة المقتدر باللّه حين قتله. وأولها:

يا هِرُّ فارقْتَنَا ولم تَعُدِ

وكُنْتَ عِنْدي بِمَنْزِلِ الوَلَدِ

وهي خمسة وستون بيتًا.

‌ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمئة

في المحرم من السنة دخل الحجيج إلى بغداد، وقد خرج مؤنس الخادم للحج في هذه السنة في جيشٍ كثيف، خوفًا من القرامطة، ففرح المسلمون بذلك، وزينت بغداد يومئذٍ، وضربت الخيام والقباب لمؤنس الخادم، وقد بلغ مؤنس الخادم في أثناء الطريق أن القرامطة أمامه، فعدل بالناس عن جادة

(1)

تاريخ بغداد (14/ 231 - 234) المنتظم (6/ 235 - 236) تذكرة الحفاظ (2/ 776 - 778) سير أعلام النبلاء (14/ 501 - 506).

(2)

في (ط) سبعون، وهو تصحيف.

(3)

تاريخ بغداد (7/ 379 - 380) الأنساب (9/ 95 - 96) المنتظم (6/ 237 - 238) وفيات الأعيان (2/ 107 - 111) سير أعلام النبلاء (14/ 514 - 518).

(4)

وقيل: إنما كنى بالهر عن المحسن بن الفرات أيام محنته، وذُكر أيضًا أنها في غلام أبي بكر الذي قتل لأنه هوي جارية لعلي بن عيسى. وفيات الأعيان (2/ 108 - 109) وفيه مقاطع من القصيدة، وأيضًا سير أعلام النبلاء (14/ 515 - 518) وقال الصفدي في نكت الهميان (142): وأنا شديد التعجب ممن يزعم أن هذه القصيدة رثا بها غير هر.

ص: 92

الطريق، فأخذ بهم في شعاب وأوذية، فتاهوا هنالك أيامًا، فشاهد النَّاس هنالك عجائب، وغرائب ورأَوْا عظامًا في غاية الضخامة، وشاهدوا أناسًا قد مُسخوا حجارة، ورأى بعضهم امرأةً واقفة على تَنُّور [تَخبز فيه]

(1)

قد مُسِخت حجرًا، والتَّنُّور قد صار حجرًا. وحمل مؤنسٌ من ذلك شيئًا كثيرًا إلى الحضرة ليصدق ما يخبر به من ذلك. ذكره ابنُ الجَوْزي في "منتظمه". فيقال: إنهم مِنْ قَوْمِ عاد أو ثمود

(2)

.

وفيها عزل المقتدر سليمان بن الحسن الوزير بعد سنة وشهرين وتسعة أيام، واستوزر مكانه أبا القاسم عبيد اللّه بن محمد الكَلَوْذاني، ثم عزله بعد شهرين وثلاثة أيام، واستوزر الحسين بن القاسم، ثم عزله أيضًا.

وفيها وقعت وحشة بين الخليفة ومؤنس الخادم؛ بسبب أن الخليفة ولّى الحِسْبة لرجل اسمه محمد بن ياقوت، وكان أميرًا على الشرطة أيضًا. فقال مؤنس: إن الحسبة لا يتولَّاها إِلَّا القضاة والعدول، وهذا لا يصلح لها. ولم يزل بالخليفة حتى عزل محمد بن ياقوت عن الحسبة والشرطة أيضًا، وانصلح الحال بينهما. ثم تجدَّدتِ الوحشة بينهما في ذي الحِجَّة من هذه السنة، وما زالت تتزايد حتى آل الحال إلى قتل المقتدر باللّه كما سنذكره

(3)

.

وفي هذه السنة أوقع ثَمَل متولي طَرَسُوس بالرُّوم وقعةً عظيمة جدًّا، قتل منهم خَلْقًا كثيرًا، وأسر نحوًا من ثلاثة آلاف، وغنم من الذهب والفضة والدِّيباح شيئًا كثيرًا جدًّا، ثم أوقع بهم مَرَّة ثانية كذلك. وكتب ابن الدَّيْراني الأرْمني إلى الرُّوم يحضُّهم على الدُّخول إلى بلاد الإسلام، ووعَدَهُمْ منه النَّصْر والإعانة، فدخلوا في جحافلَ كثيرة جدًّا، وانضاف إليهم الأرْمني، فركب إليهم مفلح غلام يوسف بن أبي السَّاج وهو يومئذ نائب أذْرَبيجَان، واتبعه خَلْقٌ كثير من المطَّوّعة، فقصد أولًا بلاد ابن الدَّيْراني، فقتل من الأرْمَن نحوًا من مئة ألف، وأسر خَلْقًا كثيرًا، وغنم أموالًا جزيلة جدًّا، وتحصَّن ابن الدَّيْراني بقلعة له هنالك، وكاتَب

(4)

الرُّومَ، فوصلوا إلى سُمَيْساط فحاصروها، فبعثوا يستصرخون بسعيد بن حمدان؛ نائب المَوْصل، فسار إليهم مسرعًا، فوجدَ الرُّوم قد كادوا يفتحونها، فلما عَلِموا بقدومه أجلوا عنها، واجتازوا بمَلَطْية فانتهبوها، ورجعوا خاسئين إلى بلادهم، ومعهم ابن نفيس الذي كان قد تنصر

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

المنتظم (6/ 236) وفي (ط): من قوم عاد أو من قوم شعيب أو من ثمود، فاللّه أعلم.

(3)

انظر أحداث سنة (320 هـ).

(4)

في (ح): وجاءت.

ص: 93

معهم، وقد كان من أهْلِ بغداد قبل ذلك كما ذكرناه قبل. وركب ابن حمدان في آثار الرُّوم، فدخل بلادهم، فقتل خلقًا كثيرًا منهم [وأسر]

(1)

وغَنِمَ أشياء كثيرة أيضًا.

قال ابنُ الأثير: وفي هذه السنة في شوال منها جاء سَيْلٌ [عظيم]

(2)

إلى تكريت ارتفع في أسواقها أربعة عشر شبرًا، وغرق بسببه أربعمئة دار، وخَلْقٌ لا يعلمهم إِلَّا الله، حتى كان المسلمون والنصارى يُدْفنون جميعًا، لا يعرف هذا من هذا

(3)

.

قال: وفيها هاجت بالمَوْصل ريحٌ فيها حمرة، ثم اسْوَدَّت حتى كان الإنسان لا يبصر صاحبه [نهارًا]

(4)

، وظَنَ النَّاس أن القيامة قد قامت، ثم انجلى ذلك بمطرٍ أرسله الله عليهم

(5)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسين بن الحسين بن عبد الرحمن

(6)

: أبو عبد الله الأنْطاكي، قاضي ثغور الشَّام، ويُعْرف بابن الصَّابوني، وكان ثِقَة نبيلًا، قَدِمَ بغداد، وحدَّث بها.

علي بن الحسين بن حَرْب بن عيسى

(7)

: أبو عبيد بن حَرْبَوَيْه القاضي بمصر مُدَّة طويلة جدًّا.

وكان ثِقَةً عالمًا جليلًا، من خيار القُضَاة وأعدلهم، وكان يتفقه على مذهب أبي ثور

(8)

، وقد ذكرناه في "طبقات الشافعية" بما فيه مقنع وكفاية، وقد استعفى عن القضاء، فعزل عنه في سنة إحدى عشرة وثلاثمئة، ورجع إلى بغداد، فأقام بها حتى مات بها في هذه السنة في صفر، وصلَّى عليه أبو سعيد الإصْطَخْري، ودفن بداره.

قال الدَّارَقُطْني: حدَّث عنه أبو عبد الرحمن النَّسائي في "الصحيح"، ولعله مات قبله بعشرين سنة. وذَكَرَ من جلالته وفضله

(9)

، رحمه الله.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

الكامل (8/ 235 - 236).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

الكامل (8/ 236).

(6)

تاريخ بغداد (8/ 39 - 40) المنتظم (6/ 238).

(7)

الولاة والقضاة (523 - 531) تاريخ بغداد (11/ 395 - 398) طبقات الفقهاء للشيرازي (110) الأنساب (4/ 98 - 99) المنتظم (6/ 238 - 239) سير أعلام النبلاء (14/ 536 - 538) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 446 - 455) رفع الإصر (2/ 389).

(8)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (240 هـ) من هذا الكتاب.

(9)

انظر تاريخ بغداد (11/ 397).

ص: 94

محمد بن الفَضْل بن العباس

(1)

: أبو عبد اللّه، البَلْخِي، الزَّاهد.

حُكي عنه أنه مكث أربعين سنةً لم يخط فيها خُطوة لغير اللّه، ولا نظر إلى شيء، فاستحسنه حياءً من اللّه عز وجل، وأنه مكث ثلاثين سنة لم يُمْلِ على مَلَكَيْه قبيحًا

(2)

.

محمد بن سَعْد

(3)

أبو الحسين الوَرَّاق: صاحب أبي عثمان النَّيْسابوري.

وكان فقيهًا يتكلَّم على المعاملات، ومن جَيِّد كلامه قوله: مَنْ غَضَّ بصره عن مُحرَّم أوْرَثَه اللّه بذلك حكمة على لسانه يهتدي بها سامعوه، ومن غَضَّ بَصَره عن شُبْهةٍ نوَّر اللّه قلبه بنورٍ يهتدي به إلى طُرُقِ مرضاته.

يحيى بن عبد اللّه بن موسى

(4)

. أبو زكريا الفارسي. كتب بمِصْر عن الرَّبيع بن سليمان، وكان ثِقَةً صدوقًا، حسن الصلاة، عدلًا عند الحكام

(5)

.

(1)

طبقات الصوفية (212/ 216) حلية الأولياء (10/ 232 - 233) الرسالة القشيرية (21) المنتظم (6/ 239 - 240) سير أعلام النبلاء (14/ 523 - 526).

(2)

انفرد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (14/ 225 - 226) نقلًا عن السُّلَمي وابن مندة أنه توفي (317 هـ)، وقد وهَمَ من قال: سنة تسع عشرة. والذي في مطبوع "طبقات الصوفية" يوافق ما عندنا، وكذلك كل مصادر ترجمته.

(3)

طبقات الصوفية (299 - 301) المنتظم (6/ 240) طبقات الشعراني (1/ 134 - 135) وفيه: أبو الحسن محمد بن سعيد؛ وهو تحريف.

(4)

المنتظم (6/ 240).

(5)

انفردت نسخة (ب) و (ظا) في هذه الترجمة، وهي مخالفة لأسلوب ابن كثير في إيراد تراجمه، ولمنحاه الفكري.

‌ابن مَسَرَّة المغربي

محمد بن عبد اللّه بن مسرة، أبو عبد اللّه، مولى قريش، أحد أفراد زمانه، وبلغاء أهل عصره وأوانه، له المصنفات العديدة، والفوائد في الأصول والفروع والتصوف، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والكلام على أحوال القلوب والمعاملات، وقد أطراه ابن عبد الرؤوف؛ أحد أولياء العهد بالأندلس في "طبقاته"، وذكر عنه أعاجيب، قال: وجملة القول فيه أنه عالم الدهر، وحبر العصر، وبديع البشر، ورباني الأمة، وعلم الهدى، وكهف التقى، وبحر العلم، ومعدن الحلم، والسراج المنير، والطور المنيف، ومن جعل القرآن عصمته، والسّنَّة قِبْلتَه، والآخرة همته، والزهد ذخيرته. كان كثير العلم بالأخبار والرواية للآثار، وفيلسوفًا عظيمًا، طبيبًا حكيمًا، منطقيًا جدليًا، منجمًا فلكيًا، شاعرًا مفلقًا، خطيبًا مطبقًا.

ثم أطنب فيما ذكره إلى أن قال: وقد أولع به قوم غيره جهلة من أهل مصرنا وعصرنا، فيقولون ويسبون، وينسبون إليه ما لا يعلمون. إلى أن قال: وصاحب أين كان هو الجماعة والإجماع.

وذكره محمد بن الحارث بن أسد القيرواني الفقيه، أحد أهل الشّورى بقرطبة في "تاريخ الأندلس"، فقال: الناس فيه فرقتان: فرقة تبلغ به مبلغ الإمامة في العلم والزهد، لما ظهر من براعته في العلم، وصدقه في الزهد. وفرقة =

ص: 95

‌ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمئة

(1)

فيها كان مقتل الخليفة المقتدر باللّه، وكان سبب ذلك أن مؤنسًا الخادمَ خرج من بغداد في المُحرَّم من هذه السنة مغاضبًا للخليفة في مماليكه وحشمه، متوجّهًا نحو المَوْصِل، وَرَدَّ من أثناء الطريق مولاه بشرى إلى المقتدر ليستعلم له [أمره]

(2)

، وبعث معه رسالة يخاطب بها أمير المؤمنين، [ويعاتبه في أشياء]

(3)

فلما وصل أمَرَه الوزير الحسين بن القاسم - وكان من أكبر أعداء مؤنس - بأن يؤديها إليه، فامتنع من أدائها إِلَّا إلى الخليفة، فأحضره بين يديه، فأمره أن يقولها للوزير فامتنع، وقال: ما أمرني صاحبي بهذا. فشتمه الوزير، وشتم صاحبه [مؤنسًا]

(4)

وأمر بضَرْبِهِ ومصادرته بثلاثمئة ألف دينار، وأخذ خطَّه بها، وأمر بنهب داره، ثم أمر الوزير بالقَبْض على إقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه، فحصل من ذلك مالٌ عظيم، وارتفع أمر الوزير عند المقتدر، ولقبه عميد الدَّوْلة، وضرب اسمه على الدَّرَاهم والدَّنانير، وتمكَّن من الأمور جدًّا، فَعَزل وولَّى، وقطعَ ووصل، وفرح بنفسه حينًا قليلًا. وأرسل إلى هارون بن غريب الخال

(5)

، وإلى محمد بن ياقوت يستحضرهما إلى الحَضْرة عِوَضًا عن مؤنس، فصمَّم المُظفَّر مؤنس في مسيره إلى الموصل، وجعل يقول لأمراء الأعراب: إن الخليفة قد ولَّاني المَوْصل وديار ربيعة. فالتف عليه [منهم]

(6)

خَلْقٌ كثير، وجعل ينفق فيهم الأموال الجزيلة، وله إليهم قبل ذلك أيادٍ سابغة. وقد كتب الوزير إلى آل حَمْدان - وهم ولاة المَوْصل وتلك النواحي - يأمرهم بمحاربة مؤنس الخادم، فركبوا إليه في ثلاثين ألفًا، وواجههم مؤنس في ثمان من ممالكيه وخدمه، فهزمهم، ولم يُقتل منهم سوى رجل واحد، يقال له داود، وكان من أشجعهم، وقد كان مؤنس رَبَّاه وهو صغير.

= تطعن عليه في البدع لما ظهر لها من كلامه في الوعد والوعيد، ولتأويلات يذكرها في الكتاب والسُّنَّة، ومخالفته العلوم المشهورة بالأندلس، الجارية على مذهب التقليد والتسليم.

قال: وكان محمد بن مَسَرَّة قد رحل عن حاضرة قرطبة إلى مكان من جبلها، وانقبض عن أكثر الناس، وكانت وفاته في شوال سنة تسع عشرة وثلاثمئة.

قلت: انظر ترجمته في جذوة المقتبس (58 - 59) تاريخ قضاة الأندلس للنباهي (78) تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي (ق 2/ 39 - 40) تاريخ السلكة الأندلسي (326 - 332).

(1)

في (ظا) من الهجرة النبوية.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

في (ط) الحال

بالحاء المهملة. وهو تصحيف.

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 96

ودخل مؤنس المَوْصل فقصدته العساكر من كلِّ جانب يدخلون في طاعته؛ لإحسانه إليهم قبل ذلك من أهل بغداد والشَّام ومصر ومن الأعراب، حتى صار في جحافل من الجنود.

وأما الوزير الحسين بن القاسم، فإنه ظهرت خيانته وعجزه، فعزله المقتدر في ربيع الآخر [منها]

(1)

وولّى مكانه الفَضْل بن جعفر بن محمد بن الفُرَات، فكان آخر وزراء المقتدر.

وأقام مؤنس بالمَوْصل تسعة أشهر، ثم ركب في الجيوش في شوَّال قاصدًا بغداد ليطالب المقتدر بأرزاق الأجناد وإنصافهم، فسار - وقد بَعَثَ بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشَّمَّاسيَّة من بغداد، وقابله عنده ابنُ ياقوت وهارون بن غريب عن كره منه، وأُشير على الخليفة بأن يستدين منْ والدته ما ينفق في الأجناد، فقال: لم يبق عندها شيء. وعزم الخليفة على الهرب إلى واسط، وأن يترك بغداد لمؤنس حتى يتراجع أمْرُ النَّاس، ثم يعود إليها، فردَّه عن ذلك ابنُ ياقوت، وأشار عليه بمواجهة مؤنس وأصحابه، فإنهم متى رَأَوْه كرُّوا كلُّهم إليه، وتركوا مؤنسًا. فرَكبَ وهو كارهٌ، وبين يديه الفقهاء، ومعهم المصاحف منشرةً، وعليه البُرْدة والنَّاس حَوْله، فوقف على تلٍّ عالٍ بعيدٍ من المعركة، ونُوديَ في جيشه: منْ جاء برأسٍ فله خمسة دنانيرٍ، ومن جاء بأسيرٍ فله عشرة دنانير. ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدَّم، فامتنع من التقدُّم إلى محلَّة المعركة، ثم ألحّوا عليه، فجاء بعد تمنُّع شديد، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفرُّوا راجعين، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس علي بن بُلَيق، فلما رآه ترجَّل، وقبَّل الأرض بين يديه وقال: لعن الله منْ أشار عليك بالخروج في هذا اليوم. ثم وكَّل به قومًا من المغاربة البربر، فلما تركهم وإياه شهروا عليه السلاح، فقال لهم: ويلكم، أنا الخليفة. فقالوا: قد عرفناك يا سِفْلَة، إنما أنت خليفةُ إبليس، تنادي في جيشك من جاء برأس فله خمسة دنانير؟ وضربه أحدُهم بسيفه على عاتقه

(2)

، فسقط إلى الأرض، وذبحه آخر، وتركوا جثته، وقد سلبوه كلَّ شيء كان عليه، حتى سراويله، وبقي مكشوف العورة، مجدَّلًا على وجه الأرض، حتى جاء رجلٌ فغطَّى عورته بحشيشٍ، ثم دفنه في موضعه وعفَّى أثره.

وأخذت المغاربة رأسَ المقتدر على خشبةٍ قد رفعوها وهم يلعنونه، فلما انتهوا به إلى مؤنس - ولم يكن حاضرًا الوقعة - فحين نظر إلى رأس المقتدر لطم رأسه ووجهه وقال: ويلكم، لم آمركم بهذا،

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

العاتق: ما بين المنكب والعنق. اللسان (عتق).

ص: 97

لعنكم الله، قتلتموه والله لنقتلن كلّنا. ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب، وهرب عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب، وابنا رائق إلى المدائن، وكان صنيع مؤنس هذا سببًا لطمع أصحاب الأطراف في الخلفاء، وضَعْفِ أمْرِ الخلافة جدًّا، مع ما كان المقتدر يعتمده من التبذير والتفريط في الأموال، وطاعة النساء، وعَزْلِ الوزراء؛ حتى قيل: إن جُمْلَة ما صرفه في الوجوه الفاسدة والتبذير ما يقارب ثمانين ألف ألف دينار.

‌وهذه ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين

(1)

هو جعفر أمير المؤمنين المقتدر بالله بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد المُوَفَّق بن جعفر المتوكل [على الله]

(2)

بن محمد المعتصم بن هارون الرَّشيد بن محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، يكنَّى أبا الفضل العَبَّاسي.

مولده في ليلة الجمعة لثمانٍ بقين من رمضان سنة ثنتين وثمانين ومئتين، وأمه أمُّ ولدٍ اسمها شَغَب، ولقِّبَتْ في خِلافة ولدها بالسيدة.

وبويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي، يوم الأحد لأربع عشرة مَضَتْ من ذي القَعْدة من سنة خمس وتسعين ومئتين، وهو يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام. ولهذا أراد الجُنْدُ خَلْعَه في ربيع الأول من سنة ست وتسعين محتجين بصغره وعدم بُلُوغه، وتولية عبد الله بن المعتز، فلم يتمَّ ذلك، وانتقض الأمر في ثاني يوم كما ذكرنا

(3)

. ثم لما كان شهر المحرم من سنة سبع عشرة وثلاثمئة أحضره مؤنس واجتمع الأمراء والقواد، وألزموه بخلع نفسه، وأحضروا أخاه محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة، ولقبوه القاهر، فلم يتمَّ ذلك سوى يومين، ثم رجع المقتدر إلى الخلافة كما ذكرنا

(4)

.

وقد كان المقتدر بالله رَبْعةً من الرجال، حسن الوجه والعينين، بعيد ما بين المنكبين، حسن الشَّعْر، مدوَّر الوجه، مُشْرب اللون، حَسَن الخَلْق، قد شاب رأسه وعارضاه، وقد كان كريمًا جوادًا ممدَّحًا، له عقل جيد، وفهم وافر، وذِهْنٌ صحيح، وقد كان كثيرَ التحجب والتوسُّع في النَّفقات، وزاد في رُسوم الخلافة وأمور الرياسة، وما زاد شيءٌ إلا نَقَصَ. كان في داره أحدَ عشر

(1)

مروج الذهب (2/ 501) تاريخ بغداد (7/ 213 - 219) المنتظم (6/ 243 - 244) الكامل (8/ 8) وما بعدها، النبراس (95 - 183) سير أعلام النبلاء (15/ 43 - 56) العبر (2/ 181 - 182) تاريخ الخلفاء (378 - 386).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

انظر حوادث سنة (296 هـ) من هذا الكتاب.

(4)

انظر أحداث سنة (317 هـ).

ص: 98

ألف خادمٍ خصي، غير الصَّقَالبة [وأبناء فارس]

(1)

والروم والسودان، وكان له دار يقال لها دار الشجرة، فيها من الأثاث والأمتعة شيء كثير جدًّا، كما ذكرنا ذلك في سنة خمس وثلاثمئة حين قَدِمَ رسول ملك الروم

(2)

. وقد ركب المقتدر يومًا في حرَّاقة وجعل يستعجل الطَّعام، فأبطؤوا به فقال لملاح حراقته: ويلك، أعندك شيء نأكله؟ قال: نعم. فأتاه بشيءٍ من لحم الجداية وخبز خشن وملوحات وغير ذلك. فأعجبه، ثم استدعاه فقال: هل عندك شيء من الحَلْواء، فإني لا أحسُّ بالشبع حتى آكل شيئًا من الحلواء. فقال: يا أمير المؤمنين، إن حلاوتنا التمر والكسب. فقال: هذا شيء لا أُطيقه. ثُمَّ جيء بطعامه، فأكل منه وأتي بالحلاوات، فأكل وأطعَمَ الملاحين، وأمر بترتيب حلاوة تعمل في كل يوم بنحو مئتي درهم تكون في الحراقة إن اتفق ركوبه فيها يأكل منها، [وإن لم يتفق ركوبه كانت للملاح]

(3)

. فكان الملاح يأخذ ذلك في كل يوم مدة سنين متعددة، ولم يتفق ركوب المقتدر فيهما مرة أخرى.

وقد أراد بعض خواصِّه أن يطهر ولده، فعمل أشياء هائلة، ثم طلب من أم الخليفة أن يعار القرية التي عُمِلَتْ في طهور المقتدر من فِضَّة ليراها الناس في هذا المهم، فتلطَّفَتْ أم المقتدر عنده حتى أطلقها له بالكلية، وكانت صِفَةَ قريةٍ من القرى، كلُّها من فضة؛ بيوتها وأهاليها وأبقارها وأغنامها وجمالها وخيولها، وأشجارها وزروعها وثمارها وأنهارها، وما يتبع ذلك مما يكون في القرى، الجميع من فِضَّة مصوَّر، وأمر بنقل سِمَاطه

(4)

إلى دار هذا الرَّجل، وأن لا يتكلَّف شيئًا من المطاعم سوى سمك طري. فاشترى الرجل بثلاثمئة دينار سمكًا، وكان جملة ما أنفق المقتدر على سماطه يومئذٍ ألفًا وخمسمئة دينار

(5)

.

وكان كثير الصَّدقة والإحسان إلى أهل الحرمين وأرباب الوظائف، وكان كثير التنفل بالصلاة والصَّوْم والعِبَادة، ولكنه كان مؤثرًا لشهواته، مطيعًا لحظياته

(6)

، كثير التلون والولاية والعزل، وما زال ذلك دَأْبه حتى كان هلاكه على يدي مؤنس الخادم كما ذكرنا، فقتل عند باب الشَّمَّاسية لليلتين بقيتا من شوّال من هذه السنة - أعني سنة عشرين وثلاثمئة - وله من العمر ثمانٍ وثلاثون سنة وشهر

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

انظر أحداث سنة (305 هـ).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

السماط: ما يمد ليوضع عليه الطعام في المآدب ونحوها. المعجم الوسيط (1/ 145).

(5)

في (ط): والجميع من عند المقتدر.

(6)

في (ط) لخصاياه.

ص: 99

وخمسة أيام، وكانت مدة خلافته أربعًا وعشرين سنة وأَحَدَ عشر شهرًا وأربعة عشر يومًا، فكان أكثر مدَّة من كل من تقدَّمه.

‌خِلافة القاهر

لما قُتِلَ المقتدر بالله - كما ذكرنا - عزم مؤنس الخادم على تولية أبي العبَّاس بن المقتدر

(1)

بعد أبيه ليطيب قلب أُم المقتدر، فعدل عن ذلك جمهور منْ حضر من الأمراء، فقال أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النُّوْبختي: بعد التعب والكد نبايع لخليفةٍ له أم وخالات يطيعهن ويشاورهن؟ ثم أحضر

(2)

محمدَ بنَ المعتضد - وهو أخو المقتدر - وبايعه القضاة والأمراء والوزراء، ولقبوه القاهر بالله، وذلك في سَحَر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال من سنة عشرين وثلاثمئة، واستُوزر له أبو علي بن مُقْلة، ثم أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله

(3)

، ثم أبو العباس بن الخَصيب

(4)

.

وشرع القاهر في مصادرة أصحاب المقتدر وتتبُّع أولاده، واستدعى بأم المقتدر وهي مريضة بالاستسقاء، وقد تزايد بها [الوجع]

(5)

من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتلُه، وكيف بقي مكشوفَ العورة، فبقيت أيامًا لا تأكل شيئًا، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئًا يسيرًا من الخبز والمِلْح، ومع هذا كله استدعى بها القاهر، فقرَّرها على أموالها، فذكرت له ما يكون للنساء من الحُلِيِّ والمصاغ والثياب، ولم تقرَّ بشيء من الأموال والجواهر، وقالت: لو كان عندي من هذا شيء ما سلَّمْت ولدي، فأمر بضربها، وعلقت برجلها، ومسّها بعذاب شديد من العقوبة، وأشهدت على نفسها ببيع أملاكها، فأخذه الجند مما يحاسبون به من أرزاقهم. وأرادها على بيع أوقافها، فامتنعت من ذلك، وأبت أشدَّ الإباء.

واستدعى القاهر بجماعةٍ من أولاد المقتدر، منهم: أبو العبَّاس الراضي وهارون والعَبَّاس وعلي والفَضْل وإبراهيم، فأمر بمصادرَتِهم وحَبْسهم، وسلِّمهم إلى حاجبه علي بن بُلَيق، وتمكَّن الوزير أبو علي بن مُقْلة فعزَلَ وولّى، وأخذ وأعطى، ومنع بني البَريدي من أعمالهم.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن عُمَيْر بن جَوْصَا

(6)

: أبو الحسن الدِّمَشْقي، أحد المحدِّثين الحُفَّاظ، والرواة الأيقاظ.

(1)

هو الراضي بالله، وقد ولي الخلافة بعد القاهر، انظر أحداث سنة (322 هـ).

(2)

في (ط) أحضروا، وهو تصحيف.

(3)

في (ط) عبد الله، وهو تصحيف.

(4)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (15/ 292 - 293).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

تاريخ ابن عساكر س (خ)(2/ 26 ب - 28 ب) المنتظم (6/ 242) سير أعلام النبلاء (15/ 15 - 21) تذكرة الحفاظ =

ص: 100

إبراهيم بن محمد بن علي

(1)

بن بطحاء بن علي بن مقلة

(2)

، أبو إسحاق التميمي، المحتسب ببغداد.

روى عن عباس الدُّوري، وعليِّ بن حرب وغيرهما، وكان ثِقَةً فاضلًا.

مَرَّ يومًا على باب القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، والخصوم عكوفٌ على بابه، والشمس قد ارتفعت عليهمْ، فبعث حاجبه إليه يقول له: إما أن تخرج فتفصلَ بينهم، وإما أن تبعث إليهم فتعتذر إليهم إن كان لك عذر حتى يعودوا إليك بعد هذا الوقت

(3)

.

أبو علي بن خَيْرَان

(4)

: الفقيه الشَّافعي، أحد أئمة المذهب.

هو الحسين بن صالح بن خَيْران، أبو علي، الفقيه الكبير الورع البارع، عُرِضَ عليه منصبُ القضاء فلم يفعل، فخَتم الوزير عليُّ بنُ عيسى على بابه ستة عشر يومًا، ولم يجد له أهله ماء إلا منْ بيوت الجيران، ومع هذا كله يمتنع عليه وعليهم، ولم يل لهم شيئًا. فقال الوزير: إنما أردنا أن نُعْلِمَ النَّاس أنْ ببلدنا وفي مملكتنا من عُرِضَ عليه قضاء القضاة شرقًا وغربًا فلم يقبل.

وقد كانت وفاتُهُ في ذي الحجَّة من هذه السنة، وقد ذكرنا ثرجمته في "طبقات الشَّافعية" بما فيه كفاية، رحمه الله

(5)

.

عبد الملك بن محمد بن عَدِي

(6)

: الفقيه، الإسْتِرَاباذِي، أَحدُ أئمة المسلمين والحُفَّاظ المحدِّثين، وقد ذكرناه أيضًا في "طبقات الشَّافعية"

(7)

.

= (3/ 798 - 795).

(1)

تاريخ بغداد (6/ 164) المنتظم (6/ 242).

(2)

في تاريخ بغداد (6/ 164): مستقلة؛ وإخالها تصحيفًا.

(3)

في تاريخ بغداد (6/ 164) توفي في صفر سنة (332 هـ)، وفيها ترجمه الذهبي في تاريخ الإسلام (7/ 659)، وهو الصواب.

(4)

تاريخ بغداد (8/ 53 - 54) طبقات الفقهاء للشيرازي (110) المنتظم. (6/ 244 - 245) وفيات الأعيان (2/ 133 - 134) سير أعلام النبلاء (15/ 58 - 60) الوافي بالوفيات (12/ 378 - 379) وفي (ط) خيزان، وهو تصحيف.

(5)

ثمة خلاف حول سنة وفاته بين عشر وثلاثمئة، أو عشرين وثلاثمئة. وقد ناقش المسألة السبكي في طبقات الشافعية (3/ 273 - 274).

(6)

تاريخ جرجان (235) وتاريخ بغداد (10/ 428 - 429) الأنساب (1/ 214 - 215) المنتظم (6/ 245، 280) معجم البلدان (1/ 175) اللباب (1/ 40).

(7)

في تاريخ جرجان والأنساب: توفي سنة (323 هـ).

ص: 101

القاضي أبو عمر المالكي

(1)

محمد بن يوسف [بن يعقوب]

(2)

بن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد، أبو عمر، القاضي ببغداد ومعاملاتها من سائر البلاد.

وكان من أئمة الإسلام عِلْمًا ومعرفة، وفصاحةً وبلاغةً، وعقلًا ورياسة، بحيث كان يُضْربُ بعقله وحِلْمِهِ

(3)

المثل. وقد روى الكثير عن المشايخ، وحدَّث عنه الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفَّاظ، وحمل النَّاس عنه عِلْمًا كثيرًا من الفِقْه والحديث، وقد جُمعَ له قضاء القضاة في سنة سبع عشرة وثلاثمئة وله مُصنَّفات كثيرة. وجَمَعَ مُسْندًا حافلًا، وكان إذا جلس للتحديث جلس أبو القاسم البَغوي عن يمينه وهو قريبٌ من سنِّ أبيه، وعن يساره ابنُ صاعد، وبين يديه أبو بكر النَّيْسَابوري، وسائر الحُفَّاظ حول سريره من كلِّ جانب.

قالوا: ولم يُنتقد عليه حُكْمٌ من أحكامه أخطأ فيه.

قلت: وكان من أعظم صواب أحكامه قَتْلُه الحسين بن منصور الحلاج

(4)

- قبحه الله وأخزاه - وذلك في سنة تسع وثلاثمئة كما تقدم

(5)

.

وقد كان جميلَ الأخلاق، حسنَ المعاشرة، اجتمع يومًا عنده أصحابُهُ فجيء بثوبٍ فاخرٍ ليشتريه بنحوٍ من خمسين دينارًا، فاستحسنه الحاضرون، فاستدعى بالقَلانسي وأمَرَه أنْ يقطعَ ذلك الثوبَ قلانسَ بعددِ الحاضرين. وله مناقبُ ومحاسن، رحمه الله تعالى.

وكانت وفاته في رمضان من هذه السنة عن ثمانٍ وسبعين سنة، وقد رآه بعضُهم في المنام فقيل له: ما فعل بكَ رَبُّك؟ فقال: غَفَرَ لي بدعوة الرجل الصالح إبراهيم الحَرْبي

(6)

، رحمهما الله.

‌ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة

في صفر منها أحضر الخليفه رجلًا كان يقطع الطريق بدِجْلَة، فَضُرِبَ بين يديه ألف سوط، ثم ضربت عنقه، وقُطِّعَتْ أيدي أصحابه وأرجُلُهم.

(1)

تاريخ بغداد (3/ 401 - 405) المنتظم (6/ 246 - 248) الكامل في التاريخ (8/ 213 و 247) سير أعلام النبلاء (14/ 555 - 557) الوافي بالوفيات (5/ 245 - 246).

(2)

ما بين حاصرتين من تاريخ بغداد (3/ 401).

(3)

في (ح): وحكمه.

(4)

قال بشار: الذي يفهم من النص الذي ذكره الخطيب في محاكمة الحلاج بحضور القاضي أبي عمر أنه لم يكن راغبًا في الحكم بقتله، وأن ذلك إنما كان بإلحاح من الوزير حامد، قال الخطيب:"وألح عليه حامد بالمطالبة بالكتاب إلحاحًا لم يمكنه معه المخالفة، فكتب بإحلال دمه"(8/ 718 بتحقيقنا).

(5)

انظر أحداث سنة (309 هـ).

(6)

تاريخ بغداد (3/ 404).

ص: 102

وفيها أمر القاهر بالله بإبطال الخمور والمغاني والقِيَان، وأمر ببيع الجواري المغنيات في سوق النَّخْس على أنهن سواذج.

قال ابن الأثير: وإنما فعل القاهر ذلك لأنه كان محبًا للغناء، فأراد أن يشتري الجواري المغنيات بأرخص الأثمان، نعوذ بالله من هذه الأخلاق

(1)

.

وفيها أشاعت العامة بينهم بأن الحاجب عليَّ بن بُلَيق

(2)

يريد أن يلعنَ معاويةَ على المنابر، فلما بلغَ ذلك الحاجبَ بعث إلى رئيس الحنابلةِ أبي محمد البَرْبَهاري

(3)

الواعظ ليقابلَه على ذلك، فهرب واختفى، فأمر بجماعةٍ من أصحابه، فَحَدَروا بهم إلى البصرة.

وفيها عَظَّمَ الخليفة وزيرَه أبا علي بن مُقْلة وخاطبه بالاحترام والإكرام، ثم إن الوزير ومؤنسًا الخادم وعليَّ بن بليق وجماعةً من الأمراء اشتوروا فيما بينهم على خَلْعِ القاهر بالله، وتولية أبي أحمد بن المكتفي، وبايعوه فيما بينهم سِرًّا، وضيَّقوا على القاهر بالله في رِزْقه، و [على]

(4)

من يجتمع به وأرادوا القبضَ عليه سريعًا، فبلغ ذلك الخليفة على يدي طريف السبكري

(5)

، فسعى في القبض عليهم، فوقع في مخاليبه الأمير الكبير المظفَّر مُؤْنس الخادم، وأمر بحبسه قبل أن يراه والاحتياط على دوره وأملاكه - وكانت فيه عَجَلَة وجُرْأة وهَوَج وخَرَقٌ شديد - وجعل في منزلته - إمرة الأمراء ورياسة الجيش - طريفًا السبكري، وقد كان أحدَ الأمراء

(6)

عند مؤنس الخادم قبل ذلك. وقَبَضَ على بُلَيْق، واختفى ولده علي بن بُلَيق، وكذا هرب الوزير أبو علي بن مُقْلَة، فاستوزر مكانه أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله في مستهل شعبان، وخلع عليه، وأمر بتحريق دار أبي علي بن مُقْلة، ووقع النَّهْبُ ببغداد، وهاجتِ الفتنة، وأمر القاهر بأن يجعل أبو أحمد بن المكتفي بين حائطين ويُسَدَّ عليه بالآجُرِّ والكلس، وهو حيٌّ، فمات. وأرسل إلى المختفين فنادى: إن منْ أخفاهم [قتل و]

(7)

خربت داره. فوقَعَ بعلي بن بليق فقتله؛ ذُبِحَ بين يديه كما تُذْبحُ الشاة، فأخذ رأسه في طَسْتٍ، ودخل القاهر بنفسه على أبيه بُلَيْق، فوضع الرأس بين يديه، فلما رآه بكى، وأخذ يقبله ويترشفه، فأمر بذبحه أيضًا فَذُبِحَ، ثم أخذ الرأسين في

(1)

الكامل (8/ 273).

(2)

في بعض المصادر: يلبق، وما أثبتناه هو الصواب.

(3)

سترد ترجمته وفيات سنة (329 هـ).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

في (ط) و (ظا): اليشكري.

(6)

في (ط): الأعداء؛ وهو تحريف.

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 103

طَسْتين، فدخل بهما على مُؤْنس الخادم، فلما رآهما تشهّد ولعن قاتلهما، فقال القاهر عند ذلك: جروا برجل الكلب، فأُخِذَ فَذُبِحَ أيضًا، وأُخِذَ رأسه فوضِعَ في طَسْتٍ، وطيف بالرؤوس في بغداد [ونودي عليهم]

(1)

: هذا جزاء منْ يخون الإمام، ويسعى في الدولة فسادًا. ثم أُعيدت الرؤوس إلى خزائن السِّلاح.

وفي ذي القَعْدة قَبَضَ القاهر على الوزير أبي جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله وسجنه، وكان مريضًا بالقُولَنْج، فبقي ثمانية عشر يومًا ومات، فكانت وِزَارَتُه ثلاثةَ أشهر واثني عشر يومًا. واستوزر مكانه أبا العَبَّاس أحمد بن عبيد الله بن أحمد

(2)

الخَصِيبي، ثم قبض على طريف السبكري [الذي تعاون على مؤنس وابن بليق]

(3)

وسَجَنه، [ولهذا قيل: من أعان ظالمًا سلطه الله عليه]

(4)

فلم يَزَلْ فيه حتى خُلِعَ القاهر.

وفيها جاء الخبر بموتِ تكين الخاصَّة

(5)

بديار مصر، وأن ابنه محمدًا قد قام بالأمر بعده، وسارت الخِلَع إليه من القاهر بالله تنفيذًا لولايته واستقرارها.

‌ذِكْرُ ابتداءِ أمر بني بُوَيْه وظهور دَوْلتهم في هذه السنة

وهم ثلاثة إخوة: عمادُ الدَّوْلة أبو الحسن علي، وركن الدَّوْلة أبو علي الحسن، ومعز الدولة أبو الحسين أحمد أولاد أبي شجاع بُوَيْه بن فنَّاخُسْرُو بن تَمَام بن كوهي بن شيرزيل الأصغر بن شيركنده

(6)

بن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرفنَّه بن سَسْتان

(7)

شاه بن سَسَن

(8)

فَرُو بن شَرْوزيل بن سنساذَر

(9)

بن بَهْرَام جُور الملك بن يَزْدَ جِرْد الملك [بن هُزمُز الملك]

(10)

بن سابور

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في النسخ الخطية و (ط): سليمان، وهو تحريف. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (15/ 292 - 293).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (15/ 95 - 96).

(6)

في وفيات الأعيان (1/ 175): شيركوه، وفي الإكمال لابن ماكولا (1/ 372) شيركذه.

(7)

في النسخ الخطية: سنان، وهو تحريف. والمثبت من الإكمال، وفي وفيات الأعيان: شستان.

(8)

في النسخ الخطية: سيس فيروز، والمثبت من الإكمال ووفيات الأعيان.

(9)

في النسخ الخطية: سنسا، والمثبت من الإكمال.

(10)

ما بين حاصرتين من الإكمال.

ص: 104

الملك بن سابور ذي الأكتاف الفارسي. كذا نسبهم الأمير أبو نصر بن ماكُولا في كتابه

(1)

.

وإنما قيل لهم الديالمة؛ لأنهم جاوروا الدَّيْلَم، وكانوا بين أظهرهم مُدَّة، وقد كان أبوهم أبو شجاع بُوَيْه فقيرًا مُدْقَعًا، يصطاد السَّمَك، ويحتطب بنوه الحطب على رؤوسهم، فماتت امرأته، وخلَّفت له هؤلاء الأولاد الثلاثة، فَحَزنَ عليها، فبينما هو ذات يوم عند بعض أصحابه وهو شهريار بن رستم الدَّيْلمي، إذ مَرَّ منجم فاستدعاه فقال له: إني رأيتُ منامًا غريبًا [أحب أن تفسره لي]

(2)

رأيت كأني أبول، فخرج من ذَكَري نارٌ عظيمة حتى كادت تبلغ عَنَان السماء، ثم انفرقت ثلاث شُعَب، ثم انتشرت كلُّ شعبة إلى شُعَبٍ كثيرة، فأضاءت الدنيا بتلك النَّار، ورأيت البلاد والعِبَاد قد خضعت لهذه النار. فقال له المنجِّم: هذا منامٌ عظيم لا أفسِّره لك إلا بمالٍ جزيل. فقال: والله لا شيء عندي أعطيك، ولا أملك غير فرسي هذه. فقال: هذا يدُلُّ على أنه يملك من صلبك ثلاثة ملوك، ثم يكون من سلالة كل واحد منهم ملوك عِدَّة. فقال له: ويحك، أتسخر بي؟ وأمر بنيه فصفعوه، وأعطاه عشرة دراهم. فقال لهم المنجم: اذكروا هذا إذا قَدِمْتُ عليكم وأنتم ملوك. وخرج وتركهم.

وهذا من أعجب الأشياء، وذلك أن هؤلاء الإخوة الثلاثة كانوا عند ملك يقال له ما كان بن كالي في بلاد طَبَرْستان، فتسلَّط عليه مَرْدَاويج، فَضَعُفَ ما كان، فشاوروه في مفارقته حتى يكون من أمره خير، فخرجوا عنه ومعهم جماعةٌ من الأمراء، فصاروا إلى مَرْدَاويج، فأكرمهم واستعملهم على الأعمال في البلدان، فأعطى عماد الدولة علي بن بُوَيه نيابة الكَرَج

(3)

، فأحسن فيها السِّيرة، والتفَّ عليه الناس وأحبوه، فحسده مرداويج، وبعث إليه يعزله عنها، ويستدعيه إليه، فامتنع من القدوم عليه، وصار إلى أصبهان، فحاربه نائبها فقهره عماد الدولة واستولى عليها. وإنما كان معه سبعمئة فارس، فَرَدَّ بها عشرة آلاف، وعَظُمَ في أعين الناس، فلما بلغ ذلك مرداويج قَلِق منه، وأرسل إليه جيشًا، فأخرجوه من أصبهان، وقَصَدَ أرَّجان

(4)

، فأخذها من نائبها، وحصل له من الأموال شيءٌ كثير جدًّا، ثم أخذ بلدانًا كثيرة، واشتهرَ أمره وبَعُدَ صيته، وحَسُنَتْ سيرته، [فقصده الناس محبة وتعظيمًاي]

(5)

واجتمع إليه من الجند خَلْقٌ كثير وجمٌّ غفير، وقد آل بهم الحال إلى أن ملكوا بغداد من أيدي الخلفاء العباسيين، وصار لهم [فيها] القَطْع والوصل، والولاية والعَزْل، وإليهم تجبى الأموال، ويرجع إليهم في سائر الأمور والأحوال، على ما سنذكر ذلك مبسوطًا، والله المستعان المحمود على كل حال.

(1)

انظر الإكمال (1/ 372).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ط): الكرخ؛ وهو تصحيف.

(4)

في (ط): أذربيجان؛ وهو تحريف.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 105

‌وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:

أحمد بن محمد بن سَلامة

(1)

بن سَلمة بنِ عبد الملك: أبو جعفر، الطَّحَاوي، نسبةً إلى طَحَا، وهي قرية بصعيد مصر

(2)

.

الفقيه الحَنَفي، صاحب المصنفات المفيدة والفوائد [الغزيرة]

(3)

، وهو أحد الثقات الأثبات، والحُفَّاظ الجهابذة، وطَحَا: بَلْدةٌ بديار مِصْر. وهو ابن أخت المُزَني

(4)

رحمهما الله. وكانت وفاته في مستهل ذي القَعْدة من هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة، وذكر أبو سَعْدٍ السَّمْعاني أنه ولد سنة تسع وعشرين ومئتين

(5)

، فعلى هذا يكون قد جاوز التسعين، والله أعلم.

وذكر ابن خَلِّكان في "الوَفَيات" أن سبب انتقاله إلى مَذْهب أبي حنيفة، ورجوعه عن مذهب خاله المُزَني، أنَّ خاله قال له يومًا: والله لا يجيء منك شيءٌ. فغَضِبَ، واشتغل على أبي جعفر بن أبي عِمْران الحنفي، حتى برع وفاق أهل زمانه، وصنَّف كتبًا كثيرة. منها "أحكام القرآن". و "اختلاف العلماء". و "معاني الآثار"، و "التاريخ الكبير"، وله في الشُّروط كتاب، وكان بارعًا فيها

(6)

.

وقد كتب للقاضي أبي عبيد الله محمد بن عَبْدَة

(7)

، وعدَّله القاضي أبو عُبيد بن حَرْبَويه

(8)

، وكان يقول: رحم الله المُزَني، لو كان حيًا لكفَّر عن يمينه.

وكانت وفاته في مستهل ذي القَعْدَة، ودفن بالقَرَافة، وقبره هنالك مشهور بها، رحمه الله تعالى.

وترجمه ابنُ عساكر، وذكر أنه قَدِمَ دمشق سنة ثمانٍ وستين ومئتين، وأخذ الفِقْه عن قاضيها أبي خازم.

(1)

طبقات الفقهاء للشيرازي (142) الأنساب (8/ 218) تاريخ ابن عساكر (2/ 89 أ - 90 أ) المنتظم (6/ 250) وفيات الأعيان (1/ 71 - 72) سير أعلام النبلاء (15/ 27 - 32) الوافي بالوفيات (8/ 9 - 10).

(2)

في معجم البلدان (4/ 22): وليس [أي الطحاوي] من نفس طحا، وإنما هو من قرية قريبة منها يقال لها طحطوط.

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (264 هـ).

(5)

في أصول الأنساب (8/ 218) ولد سنة (239 هـ)، ولعله في غير النسخ التي اعتمد عليها المحقق يوافق ما نقله ابن كثير وغيره عن السمعاني، أو ربما الذي ذكره السمعاني هنا كتبه في غير كتابه الأنساب.

(6)

انظر وفيات الأعيان (1/ 71) وانظر مظان بعض نسخ كتبه المذكورة في تاريخ التراث العربي لسزكين (مج 1/ ح 3/ ص 94) وما بعدها.

(7)

في (ط): أبي عبيد الله محمد بن عبد الله، وهو تصحيف وتحريف.

(8)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (319 هـ).

ص: 106

أحمد بن محمد بن موسى بن النَّضْر

(1)

: بن حكيم بن علي بن زربى، أبو بكر بن أبي حامد، صاحب بيت المال.

سمع عَبَّاسًا الدُّوري وخلقًا، وعنه: الدَّارَقُطْني وغيره. وكان ثِقَةً صدوقًا، جَوادًا ممدَّحًا، اتفق في أيامه أن رجلًا من أهل العلم كانت له جارية يحبها حُبًّا شديدًا، فَرَكِبَتْهُ ديونٌ كثيرة اقتضى الحال أن باع تلك الجارية في الدَّيْن، فلما قَبَضَ ثمنها نَدِمَ ندامةً عظيمةً جدًّا [على فراقها]

(2)

، وبقي متحيرًا في أمْرِه، وأباعها الذي كانت عنده، فبلغ سيِّدَها أن الجارية قد اشتراها ابن أبي حامد صاحب بيت المال، فتشفَّع إليه ببعض أصحابه في أنْ يردَّها إليه بثمنها. [وذكر له أنه يحبها، وأنه من أهل العلم، وإنما باعها في دين ركبه لم يجد له وفاء]

(3)

فلما قال له ذلك لم يكن عند [ابن أبي حامد]

(4)

شعور بها، وذلك أن امرأته اشترتها له ولم تعلمه بَعْدُ بأمرها حتى تحل من استبرائها، وكان ذلك اليوم آخره فألبسوها الحُليَّ والمَصَاغ، وصنعوها له، وحين شفع عنده في أمرها بُهِتَ لعدم علمه بها. ثم دخل يستكشف خبرها من منزله، فإذا بها قد هُيِّئتْ له وزخرفت، ففرح فرحًا شديدًا إذ وجدها [كذلك]

(5)

من أجل ذلك الرجل. فأخرجها معه وهو يُظْهر السرور، [وامرأته تظن أنه إنما أخذها ليطأها، فأتى بها إلى ذلك الرجل بحليها وزينتها]

(6)

فقال لسيدها: هذه جاريتك؟ فلما رآها [على تلك الصفة في ذلك الحلي والزينة مع الحسن الباهر]

(7)

اضطرب كلامه، واختلط في عقله مما رأى من حُسْن منظرها وهيئتها. قال: نعم. قال: خذها بارك الله لكَ فيها. فَفَرِحَ الفتى [بها]

(8)

فرحًا شديدًا. وقال: يا سيدي، تأمر منْ يحمل معي المال؟ فقال: ولا حاجة لي به، وأنت في حِلٍّ منه، فإني أخشى - إن لم يبق معك شيء - أن تبيعها ثانية ممن لا يردُّها عليك. فقال: يا سيدي، فهذا الحُليُّ والمَصَاغ الذي عليها؟ قال: هذا شيء وهبناه لها لا نعود فيه أبدًا. فاشتدَّ فرح الفتى، وأخذها معه. فلما وَدِّعَ ابنُ أبي حامد قال للجارية: أيما كان أحبُّ إليك نحن أو سيِّدُك هذا؟ فقالت: أما أَنْتم فأغنيتموني، فجزاكم الله خيرًا، وأما سيدي هذا فلو أني مَلَكْتُ منه ما ملك مني لم أبِعْهُ بالأموال الجزيلة. فاسْتَحْسَنَ الحاضرون ذلك منْ قولها، مع صغر سنِّها

(9)

.

(1)

تاريخ بغداد (5/ 91 - 93) المنتظم (6/ 250 - 252).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

انظر الخبر في تاريخ بغداد والمنتظم بغير هذا السياق. وكذلك في مطبوع البداية والنهاية.

ص: 107

شَنَبَ أُمّ أمير المؤمنين المقتدر بالله الملقَّبة بالسَّيِّدة

(1)

: كان دخل أملاكها في كلِّ سنة ألف ألف دينار، وكانت تتصدَّق بأكثر من ذلك على الحجيج في أشْرِبَةٍ وأزواد وأطباء يكونون معهم، و [في]

(2)

تسهيل الطُّرقات والموارد. وكانت في غاية الحِشْمَةِ والرِّياسة ونفوذ الكلمة أيام خلافة ولدها، فلما قُتلَ كانت مريضةً فزادها [قتله]

(3)

مرضًا إلى مرضها، ولما استقر أمْرُ القاهر في الخِلافة وهو ابنُ زَوْجها المُعْتضِد، أخو ابنها [المقتدر]

(4)

- وقد كانت حضنته حين توفيت أُمُّه، وخلَّصَتْهُ من ابنها لما كان مؤنس قد بايعه، ولم يتمَّ ذلك - فعاقبها

(5)

القاهر عقوبة عظيمة جدًّا، حتى كان يعلِّقها برِجْلها وَرأْسُها منكوس، فربما بالت، فينحدر على وجهها، ليقررها على الأموال التي في يدها، فلم يجد لها شيئًا سوى ثيابها ومَصَاغها وحُلِيِّها في صناديق لها، قيمتها مئة ألف وثلاثون ألف دينار، وجميع ما كان يدخلها تتصدَّق به، ووقفت شيئًا كثيرًا، ولكن كان لها أملاك أمر ببيعها وأتى بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل في بيعها، فامتنع الشُّهود من أداء الشهادة حتى يجلوها، فَرُفِعَ السِّتْر بإذن الخليفة. فقالوا لها: أنت شَغَبَ جارية المعتضد أم جعفر المقتدر؟ فبكت بكاءً طويلًا ثم قالت: نعم. وكتبوا حِلْيَتَها؛ عجوز، سمراء اللون، دقيقة الجبين. وبكى الشهود وتفكروا في تقلُّبِ الزمان وتنقل الحَدَثان، [وأن الدنيا دار بلاء لا يفي مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها، من ركن إليها أحرقته بنارها]

(6)

.

وكانت وفاتها في جُمَادى الأولى من هذه السنة، ودُفِنتْ بالرُّصَافة.

عبد السَّلام بن محمد

(7)

بن عبد الوهَّاب بن سَلام بن خالد بن حُمران بن أبَان: مولى عثمان بن عَفَّان، وهو أبو هاشم بن أبي علي الجُبَّائي المتكلِّم ابن المتكلِّم، المعتزلي ابن المعتزلي، وإليه تنسب البَهْشَمِيَّة

(8)

من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال كما لأبيه منْ قَبْلِهِ.

مولده سنة سبع وأربعين ومئتين، وتوفي في شعبان من هذه السنة.

قال القاضي ابن خَلِّكان: وكان له ابن يقال له أبو علي، فدخل يومًا على الصَّاحب بن

(1)

المنتظم (6/ 253 - 254).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

في (ط): ثم رجع ابنها إلى الخلافة، فشفعت في القاهر، وأخذته إلى عندها، فكانت تكرمه وتشتري له الجواري، فلما قتل ابنها، وتولى مكانه، طلبها وهي مريضة فعاقبها ..

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

تاريخ بغداد (11/ 55 - 56) الملل والنحل (1/ 78 - 84) الأنساب (3/ 176 - 177) المنتظم (6/ 261) وفيات الأعيان (3/ 183 - 184) سير أعلام النبلاء (15/ 63 - 64) طبقات المعتزلة لابن المرتضى (94 - 96).

(8)

في (ط) الهاشمية، وهو تحريف.

ص: 108

عَبَّاد

(1)

، فأكرمه واحترمه وسأله عن شيءٍ [من المسائل]

(2)

فقال: لا أعرف نصفُ العلم. فقال: صدقتَ، وسبقك أبوك إلى النصف الآخر

(3)

.

محمد بن الحسن بن دريد بن عَتَاهية

(4)

: أبو بكر بن دُرَيد، الأزْدِي، اللُّغوي النَّحْوي، الشَّاعر، صاحب "المقصورة"

(5)

.

ولد بالبَصْرة في سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين، وتنقَّلَ في البلاد لطلب العِلْم والأدب، وكان أبوه من ذوي اليَسَار، وقَدِمَ بغداد وقد أسَنَّ، فأقام بها إلى أن توفي.

روى عن عبد الرحمن ابن أخي الأصْمَعي، وأبي حاتم، والرِّياشي. وعنه أبو سعيد السِّيْرافي، وأبو بكر بن شَاذَان، وأبو عبيد الله المَرْزُباني، وغيرهم.

ويقال: كان أعلم الشعراء، وأشعر العلماء. وقد كان متهتِّكًا

(6)

في الشراب.

قال أبو منصور الأزْهري: دَخَلْتُ عليه فوجدْتُه سكران، فلم أعد إليه

(7)

.

وسُئِلَ عنه الدَّارَقُطْني فقال: تكلَّموا فيه.

وقال ابنُ شاهين: كنا ندخل عليه فنستحيي مما نرى من العِيْدان المعلَّقة [وآلات اللهو]

(8)

والشَّراب المصفَّى، وقد جاوز التسعين وقارب المئة

(9)

.

وكانت وفاته في يوم الأربعاء لثنتي عشرة بقيت من شعبان. وفي هذا اليوم كانت وفاة أبي هاشم بن أبي علي [الجبائي المعتزلي]

(10)

فصُلِّيَ عليهما معًا، ودُفِنا في مقبرة الخيزرانية وقال النَّاس: مات اليوم علم اللغة، وعلم الكلام. وكان ذلك يومًا مطيرًا.

(1)

سترد ترجمته في وفيات سنة (385 هـ).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ط): وسبقك أبوك إلى الجهل بالنصف الآخر. وهي زيادة مقحمة على النص لا تتفق واحترام ابن عباد لأبي هاشم. والخبر في وفيات الأعيان (3/ 183) وفيه: إلا أن أباك تقدَّم بالنصف الآخر.

(4)

في (ح) ابن عبد الله، وهو تحريف. وترجمته في مروج الذهب (2/ 518) طبقات الزبيدي (201) معجم الشعراء (425) الفهرست (91 - 92) تاريخ بغداد (2/ 195 - 197) الأنساب (5/ 305 - 306) نزهة الألباء (175 - 178) معجم الأدباء (18/ 127 - 143) إنباه الرواة (3/ 92 - 100) المنتظم (6/ 261 - 262) وفيات الأعيان (4/ 323 - 329) سير أعلام النبلاء (15/ 96 - 98).

(5)

طبعت غير مرة.

(6)

في (ظا) و (ب) منهمكًا.

(7)

مقدمة التهذيب (1/ 31).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

نزهة الألباء (176).

(10)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 109

ومن مصنَّفات أبن دريد "الجمهرة في اللغة"

(1)

نحو عشر مجلدات. وكتاب "المطر" و"المقصورة"، والقصيدة الأخرى في "المقصور والممدود"، وغير ذلك، سامحه الله.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة

فيها قصد

(2)

ملك الرُّوم مَلَطْية في خمسين ألفًا، فحاصرهم، ثم أعطاهم الأمان حتى يتمكَّنَ منهم، فقتل خلقًا كثيرًا، وأسر ما لا يحصون كثرةً، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها وردت الأخبار بأن مَرْدَاويج قد تسلَّم أصْبَهَان وانتزعها من عليِّ بن بُوَيْه، وأنَّ عليَّ بنَ بُوَيْه توجه إلى أرَّجان فأخذها، وقد أرسل ابن بويه إلى الحضرة الخليفية بالطَّاعة والمعونة، وإن أمكن أن يقبِّل العَتَبة الشريفة، ويحضُر بين يدي الخليفة إن رسم، أو يذهب إلى شِيْراز، فيكون مع ابنِ ياقوت. ثم اتفق الحال بعد ذلك أن صار إلى شيراز، وأخذها من نائبها ابن ياقوت بعد قتالِ عظيم، ظفر فيه ابنُ بويه بابن ياقوت وأصحابه، فقتل منهم خلقًا وأسر جماعة، فلما تمكن أطلقهم وأحسنَ إليهم وخَلَعَ عليهم، وعَدَلَ في النَّاس، وكانت معه أموالٌ كثيرة قد استفادها من أصبهان، وقبلها

(3)

من الكَرَج ومن هَمَذان وغيرها، إلا أنه كان كريمًا جوادًا مِعْطاءً للجيوش الذين قد التفوا عليه، ثم إنه أملق في بعض الأحيان وهو بشيراز، وطالبه الجُنْدُ بأرزاقهم، وخاف أن ينحلَّ نظامُ أمره، فاستلقى يومًا على قفاه مفكرًا في أمره، وإذا حَيَّةٌ قد خرجت من شِقٍّ في سقف المكان الذي هو فيه، ودخلت في آخر، فأمر بنَزْعِ تلك السُّقوف، فوجد هنالك مكانًا فيه من الذهب شيءٌ كثير جدًّا؛ نحو من خمسمئة ألف دينار، فأنفق في جيشه ما أراد، وبقي عنده شيء كثير.

وركب ذات يوم يتفرَّج في جوانب البلد، وينظر إلى أبنية الأوائل، ويتعظ بمن كان قبله، فانخسفت الأرض من تحت قائمة جواده، فأمر بحفر ما هنالك، فوجد من الأموال شيئًا كثيرًا أيضًا.

واستعمل عند رجلٍ خياط قماشًا ليلبسه، فاستبطأه في صنعتها، فأمر بإحضاره، فلما أُوقف بين يديه تهدَّده - وكان الرجل أصمَّ لا يسمع جيدًا فقال: والله أيها الملك ما لابن ياقوت عندي سوى اثني عشر صندوقًا لا أدري ما فيها. فأمر بإحضارها، فإذا فيها أموال عظيمة تقارب ثلاثمئة ألف دينار، واطلع على

(1)

الكتاب مشهور متداول مطبوع في حيدر آباد (1344 - 1352) في ثلاثة مجلدات مع مجلد خاص بالفهارس، بتحقيق وعناية الثيخ محمد السورتي، والمستشرق الألماني سالم كرنكو.

(2)

في النسخ الخطية: (حضر)، والمثبت من (ط).

(3)

في (ظا) و (ب): نقلها، والمثبت من (ح).

ص: 110

ودائع كانت ليعقوب وعمرو ابني اللَّيْث، فيها من الأموال ما لا يُحَدُّ ولا يوصف كثرةً، فقوي أمره، وعَظُمَ سلطانه جدًّا. وهذا كلُّه من الأمور المُقَدَّرة لما يريده الله بهم من السَّعادة الدنيوية [بعد الجوع والقلة]

(1)

{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68].

وكتب إلى الرَّاضي

(2)

ووزيره أبي علي بن مُقْلة يطلب أن يُقاطعَ على ما قبَله من البلاد على ألف ألفٍ في كلِّ سنة، فأجاب الرَّاضي إلى ذلك، وبعث إليه بالخِلع واللِّواء وأبهة الملْك.

وفيها قتل القاهر بالله أميرين كبيرين، وهما إسحاق بن إسماعيل النُّوبَخْتي، وهو الذي كان قد أشار على الدولة

(3)

بخلافة القاهر. وأبو السَّرايا بن حَمْدان أصغرُ ولد أبيه، وكان في نفس القاهر منهما بسبب أنهما زايداه من قبل أن يلي الخلافة في جاريتين مغنِّيتين، فاستدعاهما إلى المسامرة، فتطيَّبا وحضرا، فأمر بإلقائهما في جُبٍّ هنالك، فتضرَّعا إليه، فلم يرحمهما، فألقيا فيها وطينها عليهما.

‌ذِكرُ خَلعْ القاهر وسَمْلِ عينيه

وكان سبب ذلك أن الوزير أبا علي بن مُقْلة كان قد هرب من القاهر حين قَبَضَ على مؤنس الخادم، واختفى في داره، وكان يراسل الجند ويغريهم بالقاهر، ويخوِّفهم سطوته وإقدامه وسُرْعةَ بطشه، وأخبرهم أن القاهر قد أعدَّ لأكابر الأمراء أماكن يسجنهم فيها، ومهالك يلقيهم فيها، كما فعل بفلان وفلان. فَهَيَّجَهُمْ ذلك وأسهم في القبض على القاهر، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على مناجزته في هذه السَّاعة، وركبوا مع الأمير المعروف بسيما، وقصدوا دارَ الخِلافة، فأحاطوا بها، ثم هَجَمُوا على القاهر من سائر أبوابها، فخرج الوزير الخصيبي مستترًا في زي امرأة، وانهزم القاهر وهو مخمور، فاختفى في سَطْحِ حمام، فظهروا عليه، فقبضوا عليه، وحبسوه في مكان طريف السبكري، وأخرجوا طريفًا من السجن، واضطربت بغداد ونُهِبَتْ، وذلك يوم السبت لثلاثٍ خَلَوْن من جُمَادى الأولى من هذه السنة [في الشهر الذي ماتت فيه شغب، فلم يكن بين موتها والقبض عليه وسمل عينيه وعذابه بأنواع العقوبات إلا مقدار سنة واحدة، وانتقم الله منه]

(4)

، ثم أحضروه، فسملوا عينيه على خديه، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع بمثله في الإسلام، ثم أرسلوه، فكان تارة يحبس، وتارة يخلى سبيله. وقد تأخر موته إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة

(5)

، وافتقر حتى قام يومًا بجامع المنصور فسأل، فأعطاه رجل خمسمئة درهم،

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

وكانت الخلافة قد أفضت إليه كما سيأتي.

(3)

في (ط): الأمراء.

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

في (ط) والنسخ الخطية: ثلاث وثلاثين وثلاثمئة، وهو وهم، وستأتي ترجمته في وفيات سنة (339 هـ).

ص: 111

ويقال: إنه إنما أراد بهذا الصنيع التشنيع على المستكفي بالله، فالله أعلم. وستأتي ترجمته إذا ذكرنا وفاته.

‌خلافة الرَّاضي بالله أبي العَبَّاس محمد

(1)

بن المقتدر بالله

لما خلعتِ الجندُ القاهر، وسملوه، أحضروا أبا العبَّاس محمد بن المقتدر بالله، فبايعوه على الخلافة ولقبوه الرَّاضي بالله. وكان أبو بكر الصُّولي قد أشار بأن يلقب بالمرتضي بالله

(2)

فلم يقبل، وعدل إلى هذا اللقب، وذلك يوم الأربعاء لستٍّ خلون من جمادى الأولى من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وعشرين وثلاثمثة - وجاؤوا بالقاهر وهو أعمى قد سُمِلَتْ عيناه، فأوقف بين يديه، فَسَلَّم عليه بالخلافة وسلَّمها إليه، فقام الراضي بأعبائها، وكان من خيار الخلفاء على ما سنذكره. وأمر بإحضار أبي علي بن مُقْلة فولَّاه الوزارة، وجعل عليَّ بن عيسى ناظرًا عليه، وأطلق كل منْ كان في حبس القاهر، واستدعى عيسى طبيب القاهر فصادره بمئتي ألف دينار، وتسلَّم منه الوديعة التي كان القاهر أودعها عنده، وكانت جملة مستكثرة من الذهب والفِضَّة والنفائس.

وفي هذه السنة عَظُمَ أمر مَرْدَاويج بأصبهان، وتحدث الناس أنه يريد قَصْدَ بغداد، وأنه ممالئ لصَاحب البحرين

(3)

[أمير القرامطة]

(4)

وقد اتفقا على رَدّ الدَّوْلة من العرب إلى العَجَم، وأساء السيرة في رعيته، لاسيما في خواصه من الأتراك؛ فتمالؤوا على قتله فقتلوه، وكان القائم بأعباء ذلك أخص مماليكه وأحظاهم عنده، وهو بُجْكُمْ بيَّض الله وجهه، وهذا الأمير هو الذي استنقذ الحجر الأسود من أيدي القرامطة، وافتداه منهم بخمسين ألف دينار، بذلها لهم حتى ردُّوه إلى مكة، كما سيأتي

(5)

.

ولما قُتِلَ مَرْدَاويج بن زيَّار الدَّيْلَمي عَظُمَ أمر علي بن بُوَيْه، وارتفع قدرُه بين النَّاس، وعلا شأنه في الملوك، وسيأتي ما آل إليه حاله.

ولما خُلِعَ القاهر وولي الراضي طَمِعَ هارون بن غريب في الخلافة

(6)

، لكونه ابن خال المقتدر،

(1)

في بعض المصادر: أحمد.

(2)

في (ط) والنسخ الخطية: المرضي بالله، والمثبت من أخبار الراضي والمتقي للصولي (ص 2 - 4).

(3)

يعني أبا طاهر القرمطي.

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

من المعروف أن القرامطة أبوا أن يردوا الحجر الأسود لقاء ما دفعه لهم بجكم، وقالوا: أخذناه بأمر وما نرده إلا بأمر، ويعنون بذلك أنهم أخذوه بأمر صاحب مصر العبيدي، وقد ردوه سنة (339 هـ) كما سيأتي في أحداث ذلك العام.

(6)

لا يمكن أن يطمع بالخلافة لأنه ليس من نسل العباسيين، والأصح أنه طمع بإمرة الأمراء، وهي ما عبر عنه ابن الأثير بالدولة، الكامل (8/ 288 - 289).

ص: 112

وكان نائبًا على ماه والكوفة والدِّيْنور وماسَبَذَان فدعا إلى ذلك، واتبعه خَلْقٌ منَ الجُند والأُمراء، وجبى الأموال، واستفحل أمره، وقويت شوكته، وقصد بغداد، فخرج إليه محمد بن ياقوت رأس الحجبة في جميع جيش بغداد، فاقتتلوا هنالك، فخرج في بعض الأيام هارون بن غريب يتقصد لعله يعمل حيلة في أسر محمد بن ياقوت، فتقنطر به فرسه، فسقط في نهرٍ، فضربه غلامٌ له حتى قتله، وأخذ رأسه وجاء به إلى محمد بن ياقوت، فانهزم أصحاب هارون، ورجع محمد بن ياقوت فدخل بغداد ورأس هارون بن غريب يحمل بين يديه على رمح، ففرح الناس بذلك، وكان يومًا مشهودًا.

وفيها ظَهَرَ رجل ببغداد يعرف بأبي جعفر محمد بن علي الشَّلْمغاني، ويقال له ابن أبي العَزَاقر

(1)

، فذُكر عنه أنه كان يدَّعي ما كان يدَّعيه الحلاج من الإلهية، وكان قد مسك في دولة المقتدر عند حامد بن العَبَّاس، واتهم بأنه يقول بالتَّنَاسخ، فأنكر ذلك، ولما كانت هذه المرة أحضره الرَّاضي، وادعى عليه بما ذُكرَ عنه، فأنكر ثم أقر بأشياء، فأفتى قوم أن دَمَه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، [فأبى أن يتوب]

(2)

فضرب ثمانين سوطًا، ثم ضربت عنقه، وصلب وألحق بالحلاج، قبحهما الله.

وقتل معه صاحبه ابن أبي عَوْن

(3)

لعنه الله. وكان هذا اللعين من جملة طائفة ممن اتبعوه وصدَّقوه فيما يزعمه من الكفر.

وقد بسط ابن الأثير في "كامله"

(4)

مذهب هؤلاء الكفرة بسطًا جيدًا.

وادعى رجل آخر ببلاد الشَّاش النبوة، وأظهر مخاريق وأشياء كثيرة من الحيل، فجاءته الجيوش فقاتلوه فقتلوه، وانطفأ خبره، واضمحل أمره.

‌وفاة المَهدي صاحب إفريقية أول خلفاء الفاطميين فيما زعموا

وفيها مات أبو محمد بن عبيد الله - المدَّعي أنه علوي، الملقب بالمهدي، باني المهدية - بمدينته المهدية عن ثلاثٍ وستين سنة، وكانت ولايته - منذ دخل رَقَّادة

(5)

وادَّعى الإمامة - أربعًا وعشرين سنة وشهرًا وعشرين يومًا وهو أول الخلفاء الفاطميين. وقد كان شهمًا شجاعًا، ظَفِرَ بجماعةِ ممن خالفه وناوأه وفاتله وعاداه، وفد قام بأمر الخلافة من بعده ولدُه أبو القاسم الملقب بالخليفة القائم بأمر الله.

(1)

في (ط): ابن العرافة، وهو تحريف.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

انظر ترجمته في معجم الأدباء (1/ 234 - 253).

(4)

انظر الكامل (8/ 290 - 294).

(5)

بلدة كانت بإفريقية بينها وبين القيروان أربعة أيام. معجم البلدان (3/ 55).

ص: 113

وحين توفي أبوه كَتَمَ موته سنةً حتى دبَّر ما أراده من الأمور، ثم أظهر ذلك، وعزَّاه الناس فيه. وقد كان شهمًا شجاعًا كأبيه: فَتَحَ البلاد، وأرسل السرايا إلى بلاد الرُّوم، ورام أخذ الديار المِصرية فلم يتفق له ذلك، وإنما جرى ذلك على يدي ابن ابنه المُعِزّ الفاطمي الذي بنى القاهرة المعزية كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

قال القاضي ابن خَلِّكان في "الوفيات": وقد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافًا كثيرًا جدًّا، فقال صاحب "تاريخ القيروان": هو عبيد الله بن الحسن بن علي

(1)

[بن محمد بن علي]

(2)

بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وقال غيره: هو عبيد الله بن التقي وهو الحسين بن الوفي أحمد بن الرضي عبد الله، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون، لخوفهم من خلفاء بني العباس. والرضي عبد الله هذا هو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصَّادق. وقيل غير ذلك في نسبه. قال القاضي ابن خَلِّكان: والمحققون ينكرون دعواه في النسب

(3)

.

قلت: قد كتب غيرُ واحدٍ من الأئمة، منهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والقاضي الباقلاني، والقُدُوري، أن هؤلاء أدعياء ليس لهم نسب صحيح فيما يزعمونه، وأن والد عبيد الله هذا كان يهوديًا صباغًا بَسَلِميَّة، وقيل كان اسمه سعد

(4)

، وإنما لقب بعبيد الله. وكان زوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القَدَّاح، وسمِّي القَدَّاح لأنه كان كحَّالًا يقدح العيون

(5)

.

وكان الذي وطأ له الأمر بتلك البلاد أبو عبد الله الشِّيعي - كما قدمنا - ثم استدعاه، فلما قَدِمَ [عليه]

(6)

من بلاد المشرق وقع في يد صاحب سِجِلْماسة فسجنه، فلم يزل الشيعي [يحتال به]

(7)

حتى استنقذه [من يده]

(8)

وسلَّم إليه الأمر، ثم ندم الشيعي [على تسليمه الأمر]

(9)

وهمَّ بقتله، ففطن عبيد الله له، فقتله وقتل معه أخاه.

(1)

في (ط) و (ح): ابن محمد بن علي.

(2)

ما بين حاصرتين من وفيات الأعيان (3/ 117).

(3)

انظر وفيات الأعيان (3/ 117 - 118).

(4)

في أغلب المصادر سعيد.

(5)

انظر الدراسة حول نسبهم كتاب "أصول الإسماعيلية" لبرنارد لويس. وممن ثبت نسبهم ابن خلدون في تاريخه (4/ 31) قال: "ولا عبرة بمن أنكر هذا النسب". وعلق السخاوي عليه في الإعلان بالتوبيخ (94): وابن خلدون كان لانحرافه عن آل علي يثبت نسبة الفاطميين إليهم لما اشتهر من سوء معتقد الفاطميين

، وانظر أيضًا الكامل (8/ 24 - 31) ومقدمة ابن خلدون (1/ 239 - 244).

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 114

ويقال: إن الشِّيعي لما دخل السجن [الذي قد حبس فيه عبيد الله هذا]

(1)

وجد صاحب سِجِلْمَاسة قد قتله، ووجد في السجن رجلًا مجهولًا فأخرجه للناس، وقال: هذا هو المهدي. ورَوَّج به الأمر، فهؤلاء من سلالته، حكاه القاضي ابن خلكان

(2)

.

وكان مولد المهدي هذا في سنة ستين ومئتين، وقيل قبلها، وقيل بعدها، بَسَلَميَّة، وقيل بالكوفة. وأول ما دُعي له على منابر رقَّادة والقيروان يوم الجُمُعة لتسع بقين من ربيع الآخر سنة سَبْع وتسعين ومئتين، بعد رجوعه من سِجِلْماسة، وكان ظهوره بها في ذي الحِجَّة من السنة الماضية - سنة ست وتسعين - وزالت دولة بني العبَّاس عن تلك الناحية من هذا الحين إلى أن هلك

(3)

العاضد في سنة سَبْعٍ وستين وخمسمئة.

وكانت وفاته بالمهدية - التي بناها في أيامه - ليلة الثلاثاء النصف من ربيع الأول من هذه السنة، وقد جاوز الستين على المشهور، وإلى الله عاقبة الأمور، وسيفصل بين الآمر والمأمور يوم البعث والنشور.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن عبد الله بن مُسْلم

(4)

بن قتيبة: الدِّيْنَوَرِي، قاضي مصر.

حدَّث عن أبيه

(5)

بكتبه المشهورة، وتوفي وهو على قضاء الديار المصرية

(6)

في ربيع الأول من هذه السنة.

محمد بن أحمد بن القاسم أبو علي الرُّوْذْبَاري

(7)

: وقيل: اسمه أحمد بن محمد، ويقال:

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

وفيات الأعيان (3/ 118).

(3)

في (ط): ملك، وهو تحريف.

(4)

الولاة والقضاة (485، 546، 548) تاريخ بغداد (4/ 229) المنتظم (6/ 272) معجم الأدباء (3/ 103 - 104) إنباه الرواة (1/ 45 - 46) وفيات الأعيان: (3/ 43)، العبر للذهبي (2/ 193)، النجوم الزاهرة (3/ 246)، حسن المحاضرة (1/ 156)، الديباج المذهب:(35)، شذرات الذهب (2/ 170).

(5)

انظر ترجمة أبيه في وفيات سنة (270 هـ) و (276 هـ) من هذا الكتاب.

(6)

في "الولاة والقضاة": ثم صرف [عن القضاء] يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة. قلت: وهذا يعني أنه مات معزولًا من القضاء، ويبدو أن ابن كثير تابع ابن يونس كما تابعه أكثر المؤرخين في ذكره أنه مات وهو قاضٍ. انظر (الولاة والقضاة)(547 - 548).

(7)

طبقات الصوفية (354 - 360) حلية الأولياء (10/ 356 - 357) تاريخ بغداد (1/ 329 - 333) الرسالة القشيرية (26) الأنساب: (6/ 180 - 181) المنتظم (6/ 272 - 273) معجم البلدان (3/ 77) العبر للذهبي (2/ 195) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 48 - 54) طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 576 - 578) حسن المحاضرة (1/ 225) طبقات الأولياء (50 - 58) شذرات الذهب (2/ 296 - 297).

ص: 115

الحسن بن هَمَّام، والصحيح الأول

(1)

.

أصله من بغداد، وسكن مصر، وكان من أبناء الرؤساء والوزراء والكتبة، وصحب الجُنَيْد، وسمع الحديث، وحفظ منه كثيرًا، وتفقَّه بإبراهيم الحَرْبي

(2)

، وأخذ النَّحْوَ عن ثعلب، وكان كثير الصَّدَقة والبر للفقراء، وكان إذا أعطى الفقيرَ شيئًا جعله في كفِّه، ثم يتناوله الفقير؛ يريد ألا تكون يد الفقير تحت يده

(3)

.

ومن شعره:

ولو مضَى الكلُّ منّي لم يكُنْ عَجَبًا

وإنما عَجَبي في البَعْضِ كيفَ بَقِي

أدرِكْ بقيَّة روحٍ فيكَ

(4)

قد تَلِفَتْ

قَبْلَ الفِراقِ فهذا آخِرُ الرَّمَقِ

(5)

محمد بن إسماعيل: المعروف بخير النَّسَّاج

(6)

أبو الحسن الصُّوفي، من كبار المشايخ ذوي الأحوال الصالحة، والكرامات المشهورة. أدرك سَريًا السَّقَطي وغيره من مشايخ القَوْم، وعاش مئة وعشرين سنة.

ولما حضرته الوفاة نظر إلى زاوية البيت فقال: قِفْ، رحمك الله، فإنك عَبْدٌ مأمور وأنا عبد مأمور، وما أُمِرْتَ به لا يفوت، وما أمرتُ به يفوت. ثم قام فتوضأ، وصلَّى وتمدد، فمات رحمه الله.

وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: استرحنا من دنياكم الوَضِرة

(7)

.

(1)

انظر الاختلاف حول اسمه في تاريخ بغداد (1/ 330) وقد رجح السبكي في طبقات الشافعية (3/ 48) أنه أحمد بن محمد.

(2)

كذا في النسخ الخطية و (ط)، والذي في مصادر ترجمته أنه تفقه بأبي العباس بن سريج، وأخذ الحديث عن إبراهيم الحربي، انظر طبقات الصوفية (360) وفي تاريخ بغداد (1/ 331) ذكر أن أستاذه في الحديث والفقه إبراهيم الحربي.

(3)

في (ط) أقوال للروذباري منقولة عن أبي نعيم في "الحلية" ليست في النسخ الخطية. وليست هي أيضًا في النسخة المصرية، وهي بلا ريب من إضافات النساخ، لأنها لا تتفق ومنهج ابن كثير في اختصار أخبار الصوفية حين إيراد تراجمهم.

(4)

في النسخ الخطية و (ط): منك؛ والمثبت من تاريخ بغداد (1/ 332).

(5)

في تاريخ بغداد (1/ 333) عن أبي زرعة الطبري أنه توفي سنة (323 هـ)، وهذا ما اعتمده ابن الأثير في "اللباب".

(6)

طبقات الصوفية (322 - 325) حلية الأولياء (10/ 307 - 308) تاريخ بغداد (2/ 48 - 50، 8/ 345 - 347) الرسالة القشيرية (25) المنتظم (6/ 274) وفيات الأعيان (2/ 251 - 252) سير أعلام النبلاء (15/ 269 - 270) العبر (2/ 193) مرآة الجنان (2/ 285) شذرات الذهب (2/ 294).

(7)

أي الوسخة. وفي (ط) الوخيمة.

ص: 116

‌ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمئة

فيها أحضر ابنُ شَنَبُوذ المقرئ، فأنكر جماعةٌ من الفقهاء والقُرَّاء عليه حروفًا انفرد بها، فاعترف ببعضها وأنكر بعضها، فاستتيب من ذلك، واستكتب بخطه الرجوع عما نُقِمَ عليه، وضُرِبَ سبع درر بإشارة الوزير أبي علي بن مُقْلة، ونفي إلى البصرة أو غيرها، فدعا على الوزير أن تُقْطع يده ويشتَّت شملُه، فكان ذلك عما قريب.

وفيها في جمادى الآخرة منها نادى بدر الخَرْشَني

(1)

صاحبُ الشُّرْطة في الجانبين من بغداد أن لا يجتمع اثنان من أصحاب أبي محمد البَرْبَهاري الواعظ الحَنْبلي. وحبس منهم جماعة، واستتر البَرْبَهاري فلم يظهر مدة.

قال ابن الجَوْزي في "المنتظم": وفي شهر أيار تكاثفتِ الغيوم واشتد الحر جدًّا، فلما كان آخر يوم منه - وهو الخامس والعشرين من جُمادى الآخرة من هذه السنة - هَبَّتْ ريح شديدة جدًّا، وأظلمت، واسودَّتْ إلى بعد العصر، ثم خَفَّتْ

(2)

، ثم عادت إلى بعد عشاء الآخرة

(3)

.

و [فيها]

(4)

استبطأ الأجناد أرزاقهم، فقصدوا دار الوزير أبي علي بنِ مُقْلة، فنقبوها وأخذوا ما فيها.

ووقع حريقٌ عظيم في طريق البزَّازين، فاحترق بسببه للنَّاس شيء كثير، فعوَّض عليهم الراضي بالله بعضَ ما كان ذهبَ لهم. وفي رمضان اجتمع جماعةٌ من الأمراء على بيعة جعفر بن المكتفي، وظهر الوزير على أمرهم، فحبس جعفرًا، ونهب داره، وحبس جماعةً ممن كان بايعه، وانطفأت ناره.

وخرج الحُجَّاج في خَفَارة الأمير لؤلؤ، فاعترضهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي لعنه الله، فقتل أكثرهم، ورجع من انهزم منهم إلى بغداد، وبَطَلَ الحجُّ في هذه السنة من طريق العراق، وكان قتله لهم في ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة.

(1)

في (ط) الحرسي، وهو تصحيف. وبدر هذا كان من أكابر القواد، وكان صاحب الشرطة كما هو مذكور، ثم صرف عنها، ثم تولى الحجابة للخليفة المتقي لله سنة (329 هـ)، ثم قلده طريق الفرات، فهرب إلى الإخشيد مستأمنًا، فقلده إمرة دمشق، فوليها شهرين، ومات سنة (331 هـ). انظر أمراء دمشق للصفدي (17) والنجوم الزاهرة (3/ 279) وأخباره مبثوثة في "الكامل" لابن الأثير، وانظر حوادث سنة (330 هـ) من هذا الكتاب.

(2)

في (ح): صفت.

(3)

المنتظم (6/ 276).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 117

قال ابن الجَوْزي: وفي هذه الليلة بعينها تساقطت كواكب كثيرة ببغداد والكوفة على صفة لم يُر مثلها، ولا ما يقاربها، قال: وغلا السعر في هذه السنة حتى أبيع الكُرّ من الحِنْطة بمئة وعشرين دينارًا

(1)

.

وفيها - على الصحيح - كان مقتل مَرْدَاويج بن زَيَّار الدَّيْلَمي، وكان - قبحه الله - سيِّئ السيرة والسريرة، يزعم أن روح سليمان بن داود حلّت فيه - وله سرير من ذهب يجلس عليه - وأنَّ الأتراك بين يديه هم الجن الذين سُخِّروا لسليمان بن داود، فكان يسيء المعاملة لهم، ويحتقرهم غاية الاحتقار، فما زال ذلك دَأْبُه حتى أمكنهم الله منه، فقتلوه شر قتلة في حَمَّام، وكان الذي مالأ على قتله غلامه بُجْكُم التُّركي - جزاه الله عن الإسلام وأهله خيرًا - وكان رُكْنُ الدَّولة بن بُوَيْه رهينةً عنده، فلما قتل أُطلق من القيد والسجن، فذهب إلى أخيه عماد الدولة، وذهبت طائفة من الأتراك معه إلى أخيه، والتفت طائفة أخرى من الأتراك على بُجْكم، فسار بهم إلى بغداد بإذن الخليفة، ثم صُرفوا إلى البصرة فكانوا بها. وأما الدَّيْلم فإنهم بعثوا إلى أخي مَرْدَاويج وهو وشمكير، فلما قدم عليهم تلقوه إلى أثناء الطريق حفاة مشاة، فملكوه عليهم لئلا يذهب ملكهم، فانْتُدبَ لمحاربته السَّعيد نصر بن أحمد السَّاماني، صاحب خراسان وما والاها من تلك البلاد والأقاليم، فانتزع منه بلدانًا هائلة.

وفيها بعث القائم بأمر الله الفاطمي جيشًا من إفريقية في البحر إلى ناحية الفرنج، فافتتحوا مدينة جَنوه، وغنموا غنائم كثيرة وثروة، ورجعوا سالمين غانمين.

وفيها بعث عماد الدولة بن بُوَيْه أخاه ركن الدولة إلى أصبهان، فاستولى عليها وعلى بلاد الجبل، واتسعت مملكة عماد الدولة، وقويت شوكته، وعظمت منزلته.

وفيها كان غلاءٌ شديد بخراسان وفناء كثير، بحيث كان يهمهم أمر دفن الموتى.

وفيها قتلَ ناصرُ الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حَمْدان نائب المَوْصل عمَّه أبا العلاء سعيد بن حمدان؛ لأنه أراد أن ينتزعها منه، فبعث إليه الخليفة وزيره أبا علي بن مُقْلة في جيوشٍ، فهرب منه ناصر الدولة، فلما طال مقَام ابن مُقْلة بالمَوْصل [ولم يقدر على ناصر الدولة]

(2)

رجع إلى بغداد، فاستقرت يد ناصر الدولة على المَوْصل، وبعث إلى الخليفة يسأل أن يضمن تلك الناحية، فأُجيب إلى ذلك، واستمرَّ الحال على ما كان.

وخرج الحجيج فلقيهم القِرْمطي في القادسية، فقاتلوه فظفر بهم، فسألوه الأمان، فأمّنهم على أن يرجعوا إلى بغداد، فرجعوا، وتعطل الحج عامهم ذاك

(3)

.

(1)

انظر المنتظم (6/ 277).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

سبق أن مر خبر خروج القرامطة على الحجيج في حوادث هذه السنة، ويبدو أن إعادته هنا سهو من المصنف، رحمه الله.

ص: 118

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

نِفْطَوَيْه النَّحْوي

(1)

إبراهيم بن محمد بن عَرَفَة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأَزْدِي، أبو عبد الله العَتَكِيّ، المعروف بنِفْطويه النَّحْوي.

له مصنفات فيه، وقد سمع الحديث، وروى عن المشايخ، وحدَّث عنه الثقات من الناس، وكان صدوقًا، وله أشعار حسنة.

وروى الخطيب عن نِفْطَوَيْه أنه مَرَّ يومًا على بقالٍ، فقال له: أيها الشيخ، كيف الطريق إلى درب الرأَّاسين - يعني درب الروَّاسين - فالتفت البقال إلى جاره فقال له: قبح الله غلامي، أبطأ علي بالسِّلْق، فلو كان عندي لصفعت هذا بِجُرْزةٍ منه. فانصرف عنه نفطويه، ولم يردَّ عليه

(2)

.

توفي نِفْطَوَيْه عن ثلاثٍ وثمانين سنة في صفر من هذه السنة، وصلَّى عليه البَرْبَهَاري رئيس الحنابلة، ودفن بمقابر باب الكوفة.

ومما أنشده له أبو علي القالي في "الأمالي":

قلبي عليك أرَقُّ

(3)

منْ خَدَّيْكا

وقُوَاي

(4)

أوْهَى من قُوَى جَفْنَيْكا

لِمَ لا تَرِقُّ لمنْ تُعَذِّب

(5)

نفسَهُ

ظُلْمًا ويَعْطِفُهُ هواهُ عليكا

(6)

قال ابن خَلِّكان: وفي نِفْطَوَيْه يقول أبو عبد الله محمد

(7)

بن زيد بن علي بن الحسين الواسطي المتكلم المشهور صاحب "الإمامة" و"إعجاز القرآن"، وغير ذلك:

منْ سَرَّه أن لا يرى فاسقًا

فليجتهدْ أن لا يرى نفطويهْ

أحرقه الله بنصف اسمه

وصيَّرَ الباقي صُراخًا عليه

(8)

(1)

طبقات النحويين واللغويين (172) تاريخ بغداد (6/ 159 - 162) نزهة الألباء (178 - 180) المنتظم (6/ 277 - 278) معجم الأدباء (1/ 254 - 272) إنباه الرواة (1/ 176 - 182) وفيات الأعيان (1/ 47 - 49) سير أعلام النبلاء (15/ 75 - 77).

(2)

انظر تاريخ بغداد (6/ 161).

(3)

في النسخ الخطية: قلبي أرق عليك

والمثبت من "الأمالي".

(4)

في (ط): وفؤادي، وهو تحريف.

(5)

في النسخ الخطية و (ط): يعذب، والمثبت من "الأمالي".

(6)

انظر الأمالي (1/ 209).

(7)

في (ط) أبو محمد عبد الله بن زيد، وهو خطأ، انظر ترجمته في الوافي بالوفيات (3/ 82).

(8)

وفيات الأعيان (1/ 48).

ص: 119

قال الثعالبي: إنما سمي نِفْطَوَيْه لدمامته وأُدْمَتِهِ

(1)

.

وقال ابن خَالَوَيْه: لا نعرف مَن اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سواه.

عبيد الله

(2)

بن عبد الصَّمَد بن المهتدي بالله

(3)

أبو عبد الله الهاشمي العَبَّاسي: حدَّث عن سَيَّار بن نصر الحلبي وغيره. وعنه الدَّارَقُطْني وغيره، وكان ثِقَةً فاضلًا فقيهًا شافعيًا.

عبد الملك بن محمد بن عدي

(4)

، أبو نُعَيم الإسْتِراباذي.

المحدِّث الفقيه الشافعي أيضًا، توفي عن ثلاثٍ وثمانين سنة.

علي بن الفَضْل بن طاهر

(5)

بن نصرم بن محمد: أبو الحسن البَلْخي، كان من الجوَّالين في طلب الحديث، وكان ثِقَةً حافظًا، سمع أبا حاتم

(6)

الرَّازي وغيره. وعنه الدَّارَقُطْني وغيره.

محمد بن أحمد بن أسد

(7)

: أبو بكر الحافظ، ويعرف بابن البُسْتَنبان، سمع الزبير بن بكَّار وغيره، وعنه الدَّارَقُطْني وغيره. جاوز الثمانين.

‌ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمئة

فيها جاءت الجند، فأحدقوا بدار الخلافة وقالوا: ليخرج إلينا الخليفة الراضي بنفسه فيصلّي بالناس. فخرج إليهم، فصلَّى بهم وخطبهم.

وقبض الغِلْمان على الوزير أبي علي بن مقلة، وسألوا من الخليفة أن يستوزر غيره، فَرَدَّ الخِيَرَةَ إليهم، فاختاروا عليَّ بن عيسى فلم يقبل، وأشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى فاستوزره. وأحرقت دار أبي علي بن مقلة، وسُلِّم هو إلى عبد الرحمن بن عيسى، فَضُربَ ضربًا عنيفًا، وأُخذ خَطُّه باْلف ألف دينار.

(1)

لطائف المعارف (48).

(2)

تاريخ بغداد (10/ 351 - 352) المنتظم (6/ 279).

(3)

في النسخ الخطية و (ط): عبد الله، وهو تصحيف.

(4)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (320 هـ).

(5)

تاريخ بغداد (12/ 47 - 48) المنتظم (6/ 280) سير أعلام النبلاء (15/ 69 - 70) تذكرة الحفاظ (13/ 871) طبقات الحفاظ (356 - 357) شذرات الذهب (2/ 323 - 324).

(6)

في (ط): هاشم، وهو تحريف.

(7)

تاريخ بغداد (1/ 279 - 280) الإكمال (7/ 172) المنتظم: (6/ 280).

ص: 120

ثم عَجَزَ عبد الرحمن بن عيسى فعزل بعد خمسين يومًا، وقُلِّد الوزارة أبو جعفر محمد بن القاسم الكَرْخي، فصادر علي بن عيسى بمئة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بن عيسى بسبعين ألف دينار، ثم عُزِلَ بعد ثلاثة أشهر ونصف، وقُلِّدَ سليمان بن الحسن، ثم عُزلَ بأبي الفتح الفَضْل بن جعفر بن الفُرَات، ولكن في السنة الآتية. وأُحرقت دار

(1)

كما أحرقت دار ابن مقلة في اليوم الذي أحرقت تلك فيه، بينهما سنة واحدة. وهذا كله من تخبيط الأتراك والغِلْمان. ولمّا أُحرقت دار ابن مُقْلة في هذه السنة كتب بعض الناس على جُدْرانها:

أحْسَنْتَ ظنَّكَ بالأيَّامِ إذ حَسُنَتْ

ولمْ تَخَفْ سُوْءَ ما يأتي به القَدَرُ

وسالَمَتْكَ اللَّيالي فاغْتَرَرْتَ بها

وعندَ صفو اللَّيالي يحدُثُ الكَدَرُ

وضَعُفَ أمر الخلافة جدًّا، وبعث الرَّاضي إلى محمد بن رائق - وكان بواسط - يستدعيه إليه ليوليه إمرة الأمراء ببغداد، وأمْرَ الخَرَاج والمَعاون

(2)

في جميع البلاد والدواوين، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه بالخِلع. فَقَدِمَ ابنُ رائق إلى بغداد على ذلك كلِّه، ومعه الأمير بُجْكم التُّرْكي غلام مَرْدَاويج - وهو الذي ساعد على قتله وأراح المسلمين منه - واستحوذ على أمر العراق بكماله، ونقل أموال بيت المال إلى داره، ولم يبقَ للوزير تصرُّفٌ في شيء بالكلية، ووهى أمر الخلافة جدًّا، واستقل نواب الأطراف بالتصرُّفِ فيها، ولم يبق للخليفة حكم في غير بغداد ومعاملاتها. ومع هذا ليس له مع ابن رائق نفوذ في شيء، [ولا تفرَّد بشيء]

(3)

، ولا كلمة تطاع، وإنما يحمل إليه ابنُ رائق ما يحتاج إليه من الأموال والنفقات وغيرها.

وهكذا صار أمر منْ جاء بعده من أمراء الأمراء [وكانوا لا يرفعون رأسًا بالخليفة]

(4)

، وأما بقية الأطراف، فالبصرة مع ابنِ رائق هذا، وأمر خُوْزِسْتان في يد أبي عبد الله البَريْدي، وقد غلب ياقوتَ في هذه السنة على ما كان بيده من مملكة تُسْتَر وغيرها، واستحوذ على حواصله وأمواله. وأمر فارس إلى عماد الدولة أبي الحسن علي بن بُوَيْه، والري وأصبهان والجبل بيد أخيه ركن الدولة بن بويه، وينازعه في ذلك وشمكير أخو مَرْدَاويج، وكرمان بيد أبي علي محمد بن إلياس بن اليسع. وبلاد الموصل والجزيرة

(1)

أي دار سليمان بن الحسن.

(2)

في (ط). المغل، وفي (ب) و (ظا): المعادن، وكلاهما تحريف، والمثبت من (ح)، وهي إحدى الوظائف؛ انظر عنها صبح الأعشى (10/ 38 - 39).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 121

وديار بكر ومضر وربيعة مع بني حَمْدان. ومِصْر والشَّام في يد محمد بن طُغْج. وبلاد إفريقية والمغرب بيد القائم بأمر الله بن المهدي المدَّعي بأنه فاطمي، وقد تلقب بأمير المؤمنين. والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد، الملقب بالنَّاصر الأموي. وخُرَاسان وما وراء النهر في يد السَّعيد نَصْر بن أحمد السَّاماني. وطَبَرستان وجُرْجَان في يد الدَّيْلَم. والبحرين واليمامة وهَجَر في يد أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي القِرْمِطي، لعنه الله.

وفيها وقع ببغداد غلاء عظيمٌ وفناء كثير بحيث عُدِمَ الخبز منها خمسة أيام، ومات من أهل البلد خلق كثير، وأكثر ذلك كان في الضعفاء، وكان الموتى يلقون في الطرقات ليس لهم من يقوم بأمرهم، ويُحْمل على الجنازة الواحدة الاثنان من الموتى، وربما يوضع بينهما صبيٌّ، وربما حُفِرَت الحفرة الواحدة، فتوسَّع حتى يوضعَ فيها جماعة. ومات من أهل أصبَهان نحوٌ من مئتي ألف إنسان.

وفيها وقع حريق بعُمَان احترق فيه من السودان ألف، ومن البيضان خَلْقٌ كثير، وكان من جملة ما احترق فيه أربعمئة حِمْل كافور.

وعزل الخليفة أحمدَ بنَ كَيْغَلَغ عن نيابة الشَّام، وأضاف ذلك إلى ابن طُغْج نائب الدِّيار المصرية.

وفيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فَنَّاخُسْرُو بن ركن الدولة بن بُوَيْه بأصبهان.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

ابن مجاهد المقرئ

(1)

أبو بكر، أحمد بن موسى بن العَبَّاس بن مجاهد: المقرئ، أحد الأئمة في هذا الشَّان.

حدَّث عن خَلْقٍ كثير، وروى عنه الدَّارَقُطْني وغِيره، وكان ثِقَةً مأمونًا، يسكن الجانب الشَّرقي من بغداد، وكان ثعلب يقول: ما بقي في عَصْرنا أحد أعلم بكتاب الله منه.

وكانت وفاته يوم الأربعاء، وأخرج يوم الخميس لعشرٍ بقين من شعبان من هذه السنة. وقد رآه بعضهم في المنام وهو يقرأ فقال له: أما متَّ؟ فقال: بلى، ولكن كنت أدعو الله عَقِبَ كلِّ ختمة أن أكون ممن يقرأ في قبره، فأنا ممن يقرأ في قبره. رحمه الله.

جَحْظَة الشَّاعر البَرْمَكي

(2)

أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن بَرْمَك: البَرْمكي،

(1)

الفهرست (47) تاريخ بغداد (5/ 144 - 148) المنتظم (6/ 282 - 283) معجم الأدباء (5/ 65 - 73) معرفة القراء (1/ 216 - 218) العبر (2/ 201) سير أعلام النبلاء (15/ 272 - 274) الوافي بالوفيات (8/ 200) مرآة الجنان (2/ 288) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 57 - 58) طبقات الشافعية للإسنوي (2/ 394) غاية النهاية (1/ 139 - 142) النجوم الزاهرة (3/ 258) شذرات الذهب (2/ 302).

(2)

الفهرست (208) تاريخ بغداد (4/ 65 - 69) الأنساب: (2/ 170 - 171) المنتظم (6/ 283 - 286) معجم الأدباء =

ص: 122

أبو الحسن، النَّديم المعروف بجَحْظة، الشَّاعر الماهر، الأديب الأخباري، ذو الفنون في العلوم والنَّوادر الحاضرة، وكان جَيِّد الغناء.

ومن شعره:

قد نادَتِ الدُّنيا على نَفْسِها

لو كانَ في العالم منْ يَسْمعُ

كم واثقٍ في العمر وارَيْتُه

وجامعٍ بدَّدْتُ ما يَجْمَعُ

(1)

وكتب له بعض الملوك رُقْعَةً على صيرفي بمالٍ أطلقه له، فلم يتحصل منها على شيء، فكتب إلى الملك يذكر له صورة الحال:

إذا كانتْ صِلاتُكُم رِقاعًا

تُخَطَّطُ بالأنامِلِ والأكُفِّ

ولم تُجْدِ الرِّقَاعُ عليَّ نَفْعًا

فها خَطِّي خُذُوه بألفِ ألفِ

(2)

ومن شعره يهجو صديقًا له ويذمه على شدَّة بخله وحِرْصه:

لنا صاحبٌ من أبرعِ النَّاسِ في البُخْل

وأفضلهم فيه وليسَ بذي فَضْلِ

(3)

دعاني كما يدعو الصَّديقُ صديقَهُ

فَجِئتُ كما يأتي إلى مِثْلِه مِثْلي

فلمَّا جَلَسْنا للغَداءِ رأيتُهُ

يرى أنَّما منْ بعضِ أعضائِهِ أكلي

ويغتاظُ أحيانًا ويشتُمُ عَبْدَهُ

وأعلمُ أنَّ الغيظَ والشَّتْمَ منْ أجلي

أمُدُّ يدي سرًّا لآكلَ لُقْمةً

فيلحظني شَزْرًا فأعْبَثُ بالبَقْلِ

إلى أنْ جَنَتْ كفِّي لحَيْني جِنايَةً

وذلكَ أنّ الجوعَ أعدَمَتي عَقْلي

فأهوتْ يميني نحوَ رِجْلِ دَجَاجَةٍ

فَجُرَّتْ - كما جَرَّتْ يدي رِجْلَها - رِجْلي

(4)

ومن قوي شِعْره وجيده قوله:

رَحَلْتُمْ فكمْ منْ أنَّةٍ بَعْدَ حنَّةٍ

مبيِّنَةٍ للنَّاسِ حُزْني عليكُمُ

= (2/ 241 - 282) وفيات الأعيان (1/ 133 - 134) العبر (2/ 201) سير أعلام النبلاء (15/ 221 - 222) الوافي بالوفيات (6/ 286 - 289) مرآة الجنان (2/ 288) لسان الميزان (1/ 146) النجوم الزاهرة (3/ 250 - 251) وللدكتور مزهر السوداني كتاب "جحظة البرمكي" طبع في النجف سنة (1977 م).

(1)

في (ط): كم آمل خيبت آماله، والبيتان في تاريخ بغداد (4/ 66) والمنتظم (6/ 284) ومعجم الأدباء (2/ 243 - 244).

(2)

البيتان في تاريخ بغداد (4/ 68) ومحاضرات الأدباء (1/ 270) والمنتظم (6/ 284) ومعجم الأدباء (2/ 244 - 245) وفيه تقديم وتأخير في صدر البيت الثاني وعجزه، مع اختلاف في اللفظ.

(3)

في (ط): يسمى بفضل وهو ليس بذي فضل.

(4)

تنسب هذه الأبيات أيضًا لأبي كشاجم، انظر جحظة البرمكي (257 - 258) وانظر المنتظم (6/ 285 - 286).

ص: 123

وقد كنتُ أعتقتُ الجُفُونَ منَ البُكا

فقد رَدَّها في الرِّقِّ شَوْقي إليكُم

(1)

ومما أورده القاضي ابن خَلِّكان من الشِّعْر الرَّائق قوله:

فقلتُ لها: بَخِلْتِ عليَّ يَقْظى

فجُودي في المنامِ لمُسْتهامِ

فقالتْ لي: وصِرْتَ تَنام أيضًا

وَتَطْمَعُ أنْ أزوركَ في المنامِ

(2)

؟!

قال: وإنما لقبه بجحظة عبد الله بنُ المعتز؛ وذلك لسوء منظره. كما قال فيه بعض منْ هجاه:

نُبِّئتُ جَحْظةَ يستعير جُحوظَهُ

منْ فيلِ شِطْرَنْجٍ ومنْ سَرَطانِ

وارحمتا لمُنادمِيْه تحمَّلوا

ألمَ العُيونِ للذَّةِ الآذان

(3)

قال ابن خَلِّكان: وكانت وفاته في سنة ست وعشرين، وقيل: سنة أربع وعشرين وثلاثمئة بواسط، وحمل إلى بغداد

(4)

.

قال الخطيب: ومولده في سنة أربع وعشرين ومئتين

(5)

.

ابن المُغَلِّس الفقيه الظَّاهري

(6)

: عبد الله بن أحمد بن محمد، المُغَلِّس، أبو الحسن، الفقيه الظاهري المشهور.

له المصنفات المفيدة في مذهبه. أخذ الفِقْه عن أبي بكر بن داود. وروى عن عبد الله بن أحمد بن حَنْبَل، وعلي بن داود القَنْطَري، وأبي قِلابة الرَّقَّاشي

(7)

، وآخرين.

وكان فقيهًا ثقة فاضلًا، وهو الذي نشر عِلْمَ داود في تلك البلاد. توفي بالسَّكْتة.

أبو بكر بن زياد النَّيْسابوري

(8)

عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون، أبو بكر، الفقيه الشَّافعي النَّيْسابوري، مولى أبَان بن عثمان.

(1)

ينسب البيتان كذلك لأبي الهيثم خالد بن يزيد الكاتب، انظر "الديارات" للشابشتي (14) مع اختلاف في ترتيب عجز البيتين، وانظر المنتظم (6/ 286).

(2)

وفيات الأعيان (1/ 133).

(3)

المصدر السالف (1/ 134).

(4)

المصدر السالف.

(5)

تاريخ بغداد (4/ 69).

(6)

أخبار الراضي للصولي (83) الفهرست (306) تاريخ بغداد (9/ 385) طبقات الفقهاء للشيرازي (177) المنتظم (6/ 286) العبر (2/ 201) سير أعلام النبلاء (15/ 77 - 78) النجوم الزاهرة (3/ 259) شذرات الذهب (2/ 302).

(7)

في (ط): الرياشي، وهو تحريف.

(8)

تاريخ بغداد (10/ 120 - 122) طبقات الفقهاء للشيرازي (133 - 114) المنتظم (6/ 286 - 287) سير أعلام النبلاء (15/ 65 - 68) تذكرة الحفاظ (3/ 819 - 820) العبر (2/ 201 - 202) مرآة الجنان (2/ 288 - 289) طبقات =

ص: 124

رحل إلى العِرَاق والشَّام ومِصْر، وسكن بغداد، وحدَّث عن محمد بن يحيى الذُّهْلي، وعَبَّاس الدُّوري، وخَلْق. وعنه الدَّارَقُطْني، وغير واحد من الحُفَّاظ.

قال الدَّارَقُطْني: لم نَرَ في مشايخنا أحفظ منه للأسانيد والمتون، وكان أفَقَه المشايخ، جالس المُزني والرَّبيع.

وقال أبو عبد الله بن بَطَّة

(1)

: كنا نحضر مجلس ابنِ زياد، فكان يحزر من يحضر المجلس من أصحاب المحابر بثلاثين ألفًا

(2)

.

وقال الخطيب: أخبرنا أبو سَعْدٍ الماليني، أخبرنا يوسف بن عمر بن مسرور [قال]: سمِعْتُ أبا بكر بن زياد النَّيْسابوري يقول: أعرف من قام الليل أربعين سنة لم ينم إلا جاثيًا، ويتقوَّت كلَّ يومٍ خمس حَبَّات، ويصلِّي صلاة الغد بطهارة العِشَاء، ثم يقول: أنا هو، هذا كلُّه قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، أيش أقول لمن زوجني! ثم قال في إثر هذا: ما أراد إلا الخير

(3)

.

توفي في هذه السنة عن ستٍّ وثمانين سنة.

عَفَّان بن سُلَيمان

(4)

بن أيوب: أبو الحسن التَّاجر.

أقام بمصر، وأوقف بها أوقافًا دارَّةً على أهل الحديث، وعلى سلالة العشرة رضي الله عنهم. وكان تاجرًا موسَّعًا عليه، مقبول الشَّهادة عند الحُكَّام، توفي في شعبان

(5)

من هذه السنة.

أبو الحسن الأشْعري

(6)

علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بُرْدة بن أبي موسى عبد الله بن قيس، الأشْعَري.

= الشافعية للسبكي (3/ 310 - 314) طبقات الشافعية للإسنوي (2/ 481) النجوم الزاهرة (3/ 259) طبقات الحفاظ (341 - 342) شذرات الذهب (3/ 302).

(1)

سترد ترجمته في وفيات سنة (387 هـ).

(2)

انظر المنتظم (6/ 287).

(3)

تاريخ بغداد (10/ 122).

(4)

تاريخ بغداد (12/ 278) المنتظم (6/ 288).

(5)

في (ح): رمضان، وهو وهم.

(6)

الفهرست (257) تاريخ بغداد (11/ 346 - 347) الملل والنحل (1/ 94 - 103) الأنساب (1/ 273 - 274) تبيين كذب المفتري لابن عساكر في الدفاع عنه، المنتظم (6/ 332 - 333) وفيات الأعيان (3/ 284 - 286) العبر (2/ 202 - 203) سير أعلام النبلاء (15/ 85 - 90) مرآة الجنان (2/ 298 - 309) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 347 - 444) الجواهر المضية (2/ 247 - 248) الديباج المذهب (193 - 196) النجوم الزاهرة (3/ 259) شذرات الذهب (2/ 303 - 305).

ص: 125

قَدِمَ بغداد، وأخذ السُّنَّة عن زكريا بن يحيى السَّاجي، وتفقه بابن سُرَيْج. وقد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشَّافعية".

وقد ذكره القاضي ابن خلِّكان في "الوَفَيات"، وأنه كان يجلس في حَلْقة الشيخ أبي إسحاق المَرْوزي، وقد كان مُعْتزليًا قبل ذلك، فتاب منه بالبَصْرَة فوق المِنْبَر، ثم أظهر فضائحهم وقبائحهم، وذكر له من التصانيف "الموجز" وغيره

(1)

.

وحُكيَ عن ابن حَزْمَ أنه صنَّف خمسة وخمسين تصنيفًا.

وذُكِرَ أن مغله كان في كلِّ سنة سبعة عشر ألف درهم

(2)

، وأنَّه كان من أكثر الناس دُعابةً، وأنه ولد سنه سبعين ومئتين، وقِيل سنة ستين ومئين، ومات في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاثين

(3)

، وقيل في سنه بِضْعٍ وثلاثين، فالله أعلم.

محمد بنُ الفَضْل بنِ عبد الله

(4)

أبو ذرّ، التَّمِيمي.

كان رئيسَ جُرْجان.

سَمِعَ الكثير وتفقَّه بمذهب الشَّافعي، وكانت دارُه مجمعَ العلماء، وله إفضالٌ كثير على طلبة العلم من أهل زمانه

(5)

.

هارون بن المُقْتَدر

(6)

: أخو الخليفة الرَّاضي، توفي في ربيعٍ الأول منها، فَحَزنَ عليه أخوه، وأمر بنفي بَخْتَيْشُوع بن يحيى

(7)

المتطيِّب إلى الأنْبار، لأنَّه اتُّهِمَ في علاجه، ثم شَفَعَتْ فيه أُمُّ الرَّاضي.

‌ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمئة

في المحرَّم منها خرَجَ الخليفة الرَّاضي وأمير الأمراء محمد بن رائق من بغداد قاصدين واسطَ لقتال أبي عبد الله البَرِيْدي؛ نائب الأهواز، الذي قد تجبَّر بها ومنع الخَرَاج، فلما صار ابنُ رائق إلى واسط خرج عليه الحجرية وقاتلوه، قسلَّطَ عليهم بُجْكُم، فطحنهم، ورجع فلُّهم إلى بغداد، فتلقِّاهم لؤلؤ أمير

(1)

انظر وفيات الأعيان (3/ 284 - 285).

(2)

في النسخ الخطية: سبعة عشر درهمًا، والمثبت من (ط).

(3)

انظر وفيات سنة (330 هـ).

(4)

تاريخ جرجان (376) المنتظم (6/ 288).

(5)

انظر تاريخ جرجان (376).

(6)

المنتظم (6/ 288).

(7)

ترجمته في عيون الأنباء في طبقات الأطباء (277).

ص: 126

الشُّرْطة، فاحتاط على أكثرهم، ونُهِبَتْ دورُهم، ولم يبق لهم رأس يرتفع، وقُطِعَتْ أرزاقهم من بيت المال بالكلِّية.

وبعث الخليفة وابنُ رائق إلى أبي عبد الله البَرِيْدي يتهدَّدانه، فأجاب إلى حمل كل سنةٍ ثلاثمئة ألف وستين ألف دينار يقوم بحمل كل شهر

(1)

على حدته، وإلى أنه يجهز جيشًا إلى قتال عماد الدولة بن بُوَيْه

(2)

. فلما رجع الخليفة وابن رائق إلى بغداد لم يحمل شيئًا، ولم يبعث أحدًا. ثم بعث ابنُ رائق بجكم وبدرًا الخَرْشني لقتال أبي عبد الله البريدي، فجرت بينهم حروبٌ وخطوب، وأمور يطول ذِكْرها. ثم لجأ البريدي إلى عماد الدولة، واستجار به، واستحوذ بُجْكم على بلاد الأهواز، وجعل إليه ابنُ رائق خَرَاجها، وكان بُجْكم هذا شجاعًا فاتكًا.

وفي ربيع الأول خَلَعَ الخليفة على بُجْكُم، وعقد له الإمارة ببغداد، وولّاه نيابة المشرق إلى خُرَاسان.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو حامد بن الشَّرْقي

(3)

أحمد بن محمد بن الحسن: أبو حامد بن الشَّرْقي.

مولده سنة أربعين ومئثين.

وكان حافظًا كبير القَدْر، كثير الحِفْظِ، كثير الحجِّ. رحل إلى الأمصار وجاب الأقطار، وسمع من الكبار، نظر إليه ابنُ خُزَيْمة يومًا فقال: حياة أبي حامد تحْجُزُ بين النَّاس وبين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عبد الله بن محمد بن سُفْيان

(4)

أبو الحسن

(5)

، الخزَّاز

(6)

، النَّحْوي.

(1)

في (ط): سنة، وهو وهم.

(2)

في النسخ الخطية و (ط): عضد الدولة، وهو وهم، إذ أن عضد الدولة ولد في السة الفائتة، وعماد الدولة هو رأس بني بويه في هذا الوقت.

(3)

تاريخ بغداد (4/ 246 - 247) الأنساب (7/ 319 - 320) المنتظم (6/ 289) تذكرة الحفاظ (3/ 821 - 823) العبر (2/ 204) سير أعلام النبلاء (15/ 37 - 40) ميزان الاعتدال (1/ 156) الوافي بالوفيات (7/ 379) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 41 - 42) طبقات الشافعية للإسنوي (2/ 90) لسان الميزان (1/ 306) النجوم الزاهرة (3/ 261) طبقات الحفاظ (342) شذرات الذهب (2/ 306).

(4)

تاريخ بغداد (10/ 123) نزهة الألباء (180) إنباه الرواة (2/ 130 - 131، 135) بغية الوعاة (287 - 288) كشف الظنون (1458، 1441، 1730).

(5)

في إنباه الرواة: أبو الحسين.

(6)

في مطبوع نزهة الألباء: الجزار، وإخالها تصحيفًا.

ص: 127

حدَّث عن المبرِّد وثعلب، وكان ثِقَةً، له مصنفات في علوم القرآن غزيرة الفوائد.

محمد بن إسحاق بن يحيى

(1)

أبو الطَّيِّب النَّحْوي، ابن الوَشَّاء، له مصنَّفات مليحة في الأخبار

(2)

، وقد حدَّث عن الحارث بن أبي أسامة، والمبرِّد، وثعلب، وغيرهم.

محمد بن أحمد بن هارون

(3)

أبو بكر العَسْكري، الفقيه على مذهب أبي ثور، روى عن الحسن بن عَرَفَة، وعبَّاس الدُّوري، وعنه: الدَّارَقُطني، والآجُرِّي، وغيرهما.

‌ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمئة

فيها ورد كتابٌ من ملك الرُّوم إلى الخليفة الرَّاضي مكتوبٌ بالرُّومية والتفسير بالعربية، فأما الرُّومي فبالذَّهب والعربي بالفِضَّة، وحاصله طلب الهُدْنة بينه وبينه، ووجَّه مع الكتاب بهدايا وألطافٍ كثيرة فاخرة، فأجابه الخليفةُ إلى ذلك، وفُوديَ من المسلمين ستة آلاف ما بين ذكر وأنثى على نهر البَذَنْدون

(4)

.

وفيها ارتحل الوزير أبو الفتح بن الفُرَات من بغداد إلى الشَّام، وتركَ الوزارة، فوليها أبو علي بن مُقْلَة، ولكن كانت ولايتُهُ ضعيفةً جدًّا، ليس له من الأمر شيء مع ابنِ رائق، وطلب من ابن رائق أن يفرغ له عن أملاكه، فجعل يماطله، فكتب إلى بُجْكم يطمعه في بغداد، وأن يكون عِوَضًا عن ابنِ رائق. وكتبَ ابنُ مُقْلَة إلى الخليفة يطلب منه أن يسلِّمَ إليه محمد بن رائق، وابن مقاتل، ويضمنهم بألفي ألف دينار، فبلغ ذلك ابنَ رائق، فأخذه فقطع يدَه، وقال: هذا أفسد في الأرض. ثم جعل يُحَسِّنُ للخليفة أن يستوزره، وأنَّ قطعَ يده لا يمنعه من الكتابة، وأنه يشدُّ القلم على يده اليمنى المفطوعة فيكتب بها، [ثم بلغ ابنَ رائق أنه قد كتب إلى بُجْكُم بما تقدَّم، وأنه يدعو عليه]

(5)

، فأخذه ابن رائق أيضًا فقطع لسانه، وسجنه في مكان ضيِّقٍ، وليس عنده من يخدمه، فكان يستقي الماءَ بنفسه؛ يتناول الحبل من البئر بيده

(1)

تاريخ بغداد (1/ 253 - 254) نزهة الألباء (207) المنتظم (6/ 290 - 291) معجم الأدباء (17/ 132 - 134) إنباه الرواة (3/ 61 - 62) الوافي بالوفيات (2/ 32 - 33) بغية الوعاة (7) كشف الظنون (723، 576، 1461) ولأحمد أمين مقالة عنه في مجلة "الثقافة" السنة الأولى، العدد 4 ص (5 - 7) وقد ورد اسمه في بعض المصادر: محمد بن أحمد بن إسحاق.

(2)

مما طبع من مصنفاته كتاب "الموشى"، وقد طبع غير مرة، آخرها في مصر (1953 م) بتحقيق كمال مصطفى.

(3)

تاريخ بغداد (1/ 369 - 370) الأنساب (8/ 456) المنتظم (6/ 291).

(4)

قرية بينها وبين طرسوس يوم، من بلاد الثغر، معجم البلدان (1/ 362).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 128

اليسرى، ثم يمسكه بفيه، [ثم يجذب باليسرى، ثم يمسك بفيه إلى أن يستقي]

(1)

، ولقي شدَّة وعناءً، ومات

(2)

في محبسه هذا وحيدًا، فدفن هناك، ثم سأل أهلُه نقلَه، فدفن في داره، ثم نقل منها إلى غيرها، فاتفقَ له أشياء غريبة: منها أنه وزر ثلاث مرات، وعُزِلَ ثلاث مرَّات، وولي لثلاثةٍ من الخلفاء، ودفن ثلاث مرات، وسافر ثلاث سفرات، مرتين منفيًا، ومرة في وزارته إلى الموصل كما تقدَّم

(3)

.

وفي هذه السنة دخل بُجْكُم إلى بغداد، فقلَّده الرَّاضي إمرة الأمراء مكان ابن رائق - وقد كان بُجْكُم هذا من غِلْمان أبي علي العارض

(4)

وزير ماكان بن كالي الدَّيْلمي، فاستوهبه ما كان من الوزير، فوهبه له، ثم فارق ما كان ولحق بمرداويج، وكان في جُمْلة منْ قتلَه في الحمَّام كما تقدَّم

(5)

- وسكن بُجْكُم في دار مُؤْنس الخادم، وعَظُمَ أمره جدًّا. وانفصل ابن رائق، وكانت أيامه سنة وعشرة أشهر وستة عشر يومًا.

وفيها بعث عماد الدولة بن بُوَيْه أخاه معز الدولة فأخذ بلاد الأهواز لأبي عبد الله البَرِيْدي، وانتزعها من يد بُجْكُم، وأعادها إليه.

وفيها استولى لشكري؛ أحد أمراء وشمكير الدَّيْلمي على بلاد أذْرَبيجان، وانتزعها من رستم بن إبراهيم الكُرْدي؛ أحد أصحاب ابن أبي السَّاج، بعد قتالٍ شديد طويل.

وفي هذه السنة اضطرب أمرُ القرامطة جدًّا، وقتلَ بعضُهم بعضًا، وانكفُّوا بسبب قتلهم عن التعرُّضِ للفساد في الأرض، ولزموا بلدَهُمْ هَجَر لا يرومون منه انتقالًا إلى غيره، ولله الحمد والمنَّة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن زياد

(6)

بن عبد الرحمن اللَّخْمي الأندلسي.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

سيأتي ذكره في وفيات سنة (328 هـ).

(3)

انظر وفيات سنة (323 هـ).

(4)

العارض رئيس ديوان الجند، يوكل إليه نفقات الجيش وأرزاق جنده، وله الحل والعقد، والإثبات والإسقاط، تاريخ البيهقي (536).

(5)

انظر أحداث سنة (323 هـ).

(6)

الديباج المذهب (33) شجرة النور الذكية (86) وفيهما: أحمد بن محمد بن زياد بن عبد الرحمن ووفاته سنة (312 هـ)، وفي المنتظم (6/ 294): أحمد بن زياد بن محمد بن زياد بن عبد الرحمن، وهو الصواب، فقد ترجمه ابن الفرضي في تاريخه (101) وذكر وفاته في هذه السنة (326)، وتابعه الذهبي في تاريخ الإسلام (7/ 518).

ص: 129

كان أبو

(1)

من أصحاب مالك، وهذا الرجل هو أولُّ منْ أدخل فقه مالك إلى الأندلس، وقد عُرِضَ عليه القضاء بها، فلم يقبل.

‌ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمئة

في المحرَّم منها خَرَجَ الرَّاضي بالله أمير المؤمنين من بغداد إلى المَوْصل لمحاربة ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حَمْدان نائبها، وبين يديه بُجْكُم أمير الأمراء، وقاضي القضاة أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف، وقد استخلف ببغداد ولدَه القاضي أبا نصر يوسف بن عمر عن أمر الخليفة له بذلك، وكان عالمًا فاضلًا. ولما انتهى بُجْكُم إلى الموصل والجزيرة وافع الحسن بن عبد الله بن حمدان فَهَزَمَ بُجْكُم الحسن بن حمدان، وقزَر الخليفة اْمر الموصل والجزيرة.

وأما محمد بن رائق فإنه اغتنم غيبة الخليفة عن بغداد، واستجاش

(2)

بألفٍ من القرامطة، وجاء فدخل بهم بغداد، فأكثر فيها الفساد، غير أنه لم يتعرَّض لدار الخلافة، ثم بعث إلى الخليفة يطلب منه المصالحة والعفو عما جنى، فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه قاضي القضاة أبا الحسين عمر بن محمد بن يوسف، وترحَّل ابنُ رائق عن بغداد، ودخلها الخليفة في جمادى الأولى من هذه السنة، ففرح المسلمون بذلك.

ونزل عند غروب الشمس أول ليلة من شهر أذار في جُمادى الأولى مَطرٌ عظيم، وبَرَدٌ كبار، كل واحدة نحو الأوقيتين، واستمرَّ، فسقط بسببه دور كثيرة من بغداد.

وظهر جَرَاد كثيرٌ في هذه السنة، وكان الحجُّ من جهة درب العراق قد تعطَّلَ من سنة سبع عشرة وثلاثمئة إلى هذه السنة، فشفع الشريف أبو علي عمر بن يحيى العَلَوي عند القرامطة، وكانوا يحبُّونه لشجاعته وكرمه، في أن يمكنوا الحجيج من الحج، وأن يكون لهم على كل جَمَل خمسة دنانير، وعلى المحمل سبعة دنانير، [فاتفقوا معه على ذلك]

(3)

، فخرج النَّاس للحجِّ هذه السنة على هذا الشَّرْط، وكان في جملة من خرج الشيخ أبو علي بن أبي هُرَيْرة

(4)

؛ أحد أئمة الشَّافعية، فلما اجتاز بهم طالبوه بالخِفارة، فثنى رأس راحلته ورجع وقال: ما رجعت شُحًّا، ولكن سقط عني وجوب الحج بطلب هذه الخِفارة.

(1)

أي زياد بن عبد الرحمن الملقب بشبطون، ترجمته في الديباج المذهب (118).

(2)

أي طلب جيشًا. اللسان (جيش).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

توفي سنة (345 هـ)، وترجمته في سير أعلام النبلاء (15/ 430).

ص: 130

وفي هذه السنة وقعت فتنةٌ بالأندلس؛ وذلك أن عبد الرحمن الأموي؛ صاحب الأندلس الملقب بالنَّاصر لدين الله، قتل وزيره أحمد، فغضب له أخوه أُمية بن إسحاق - وكان نائبًا على مدينة شَنْتَرِين

(1)

- فارتدَّ، ودخل بلاد النَّصارى، واجتمع بملكهم ردمير، ودلَّهم على عورات المسلمين، فسار إليهم في جيشٍ كثيف من الجلالقة، فخرج إليه الأموي، فأوقع بهم بأسًا شديدًا، وقتل من الجلالقة خلقًا كثيرًا، ثم كرَّ الفرنج على المسلمين، فقتلوا منهم خَلْقًا كثيرًا قريبًا ممن قتلوا منهم، ثم والى المسلمون الغارات على بلاد الجلالقة، فقتلوا منهم أممًا لا يحصون كثرةً، ثم نَدِمَ أمية بن إسحاق على ما صنع، وطلب الأمان من عبد الرحمن، فبعث إليه بالأمان، فلما قَدِمَ عليه قَبَّله واحترمه.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسن بن القاسم بن جعفر

(2)

بن دُحَيْم

(3)

: أبو علي، الدِّمَشْقي.

من أبناء المحدِّثين، وكان أخباريًا له في ذلك مصنفات.، وقد حدَّث عن العبَّاس بنِ الوليد البَيْروتي وغيره.

وكانت وفاته بمصر في محرَّم هذه السنة، وقد أناف على الثمانين سنة.

الحسين بن القاسم

(4)

بن جعفر بن محمد بن خالد بن بشر: أبو علي، الكَوْكبي الكاتب، صاحب الأخبار والآداب.

روى عن أحمد بن أبي خَيْثمة، وأبي العَيْناء، وابن أبي الدُّنيا. روى عنه الدَّارَقُطني، وغيره.

عُثْمان بن الخَطَّاب

(5)

بن عبد الله: أبو عمرو، البَلَويُّ، المَغْربي الأشَجّ، ويعرف بأبي الدُّنْيا

(6)

.

قدم هذا الرجل بغداد بعد الثلاثمئة، وزعم أنه ولد أول خلافة أبي بكر ببلاد المغرب، وأنه وَفَدَ هو وأبوه على عليِّ بن أبي طالب، فأصابهم في الطَّريق عَطَشٌ شديد، فذهب يرتاد لأبيه ماء، فرأى

(1)

مدينة غربي الأندلس، متصلة بباجه. معجم البلدان (3/ 367).

(2)

هكذا في النسخ، وعندي أن هذا الاسم مقحم فهو: الحسن بن القاسم بن دحيم، واسم دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم، كما في تاريخ الإسلام 7/ 531 وسير أعلام النبلاء 15/ 309، ولعل هذا الاسم قفز من الترجمة الآتية (بشار).

(3)

في (ط): رحيم، وهو تحريف. وترجمته في تاريخ ابن عساكر (4/ 290 أ - 291 أ) سير أعلام النبلاء (15/ 309 - 310) الوافي بالوفيات (12/ 203).

(4)

تاريخ بغداد (8/ 86 - 87) الأنساب (10/ 500) المنتظم (6/ 297) اللباب (3/ 59).

(5)

تاريخ بغداد (11/ 297 - 299) المنتظم (6/ 297 - 298) ميزان الاعتدال (3/ 33) لسان الميزان (4/ 134 - 140).

(6)

زعم أن عليًا كناه بأبي الدنيا لعلمه أنه يطول عمره. لسان الميزان (4/ 135).

ص: 131

عينًا، فشرب منها واغتسل، ثم جاء إلى أبيه ليسقيه، فمات أبوه، وقَدِمَ هو على عليِّ بن أبي طالب، فأراد أن يقبِّلَ رُكبته، فصدمه الرِّكاب، فشجَّ رأسه، فكان يعرف بالأشَجِّ.

وصدَّقه في هذا الزَّعم طائفةٌ من الناس، ورووا عنه نسخة فيها أحاديث من روايته عن علي، وممن صدَّقه في ذلك الحافظ محمد بن أحمد المفيد

(1)

، ورواها عنه، ولكن كان المفيد متهمًا بالتشيُّع، فسمح له في ذلك لانتسابه إلى عليَّ، وأما جمهور المحدِّثين قديمًا وحديثًا فكذبوه في ذلك، وردُّوا عليه كذبه، ونصُّوا على أن النسخة التي رواها موضوعة؛ منهم أبو طاهر أحمد بن محمد السِّلَفي، وأشياخُنا الذين أدركناهم، شيخ الإسلام [أبو العباس]

(2)

ابن تيميَّة، والجِهْبذُ أبو الحَجَّاج المِزِّي، والحافظ مؤرِّخ الإسلام أبو عبد الله الذَّهبي

(3)

، وقد حرَّرْتُ ذلك في كتابي "التكميل"، ولله الحمد والمنَّة.

قال المفيد: بلغني أن الأشجَّ مات سنةَ سَبْع وعشرين وثلاثمئة، وهو راجعٌ إلى بلده.

محمد بن جعفر بن محمد بن سَهْل

(4)

: أبو بكر، الخرائطي؛ صاحب المصنَّفات.

أصله من أهل سُرَّ منْ رأى، وسكن الشَّام، وحدَّث بها عن الحسنِ بن عَرَفة، وغيره.

وممن توفي فيها:

الحافظ الكبير ابن الحافظ الكبير أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم

(5)

محمد بن إدريس: الرَّازي.

صاحب كتاب "الجَرْح والتَّعْديل"

(6)

، وهو من أجل الكتب المصنَّفة في هذا الشَّأْن، وله "التفسير" الحافل الذي اشتمل على النقل الكامل، الذي يربو فيه على تفسير ابن جرير، وغيره من المفسرين [إلى

(1)

ترجمته في تاريخ بغداد (1/ 346 - 348) وسير أعلام النبلاء (16/ 269 - 271) وذكر الخطيب أن موسى بن هارون سماه المفيد، وقد علق الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ (3/ 979) على هذا بقوله: فهذه العبارة أول ما استعملت لقبًا في هذا الوقت قبل الثلاثمئة، والحافظ أعلى من المفيد في العرف، كما أن الحجة فوق الثقة.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ينظر تاريخ الإسلام 7/ 536 - 537.

(4)

تاريخ بغداد (2/ 139 - 140) الأنساب (5/ 71 - 72) معجم الأدباء (18/ 98) سير أعلام النبلاء (15/ 267 - 268) العبر (2/ 209) الوافي بالوفيات (2/ 296 - 297) مرآة الجنان (2/ 289) النجوم الزاهرة (3/ 265) شذرات الذهب (2/ 309).

(5)

طبقات الحنابلة (2/ 55) الأنساب (4/ 252 - 253) معجم البلدان (2/ 311، 3/ 120 - 121) تذكرة الحفاظ (3/ 829 - 832) العبر (2/ 208) ميزان الاعتدال (2/ 587 - 588) فوات الوفيات (2/ 287 - 288) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 324 - 328) طبقات الشافعية للإسنوي (3/ 432 - 433) لسان الميزان (3/ 432 - 433) طبقات الحفاظ (345 - 346) طبقات المفسرين للداودي (1/ 279 - 281) شذرات الذهب (2/ 308 - 309).

(6)

كتاب مشهور متداول، طبع في حيدرآباد سنة (1953 م).

ص: 132

زماننا]

(1)

، وله كتاب "العِلل"

(2)

المصنَّفة المرتبة على أبواب الفِقْه، وغير ذلك من المصنَّفات النافعة.

وكان من العبادة والزهادة والورع والحِفْظ والكرامات الكثيرة المشهورة على جانبٍ كبير، رحمه الله وأكرم مثواه.

صلَّى مرَّة، فلما سلَّم قال له بعض منْ صلَّى معه: لقد أطلت علينا، ولقد سبَّحتُ في سجودي سبعين مرَّة. فقال عبد الرحمن: لكني والله ما سبَّحْتُ إلا ثلاث مرَّات.

وتهدَّم سور [بلدفي]

(3)

بعضِ بلاد الثُّغور، فتكلَّم عبد الرحمن بن أبي حاتم على الناس، وحثَّهُمْ على عِمارته، وقال: من يعمره وأضمن له على الله الجنة؟ فقام رجل من التُّجَّار فقال: اكتب في خَطِّكَ هذا الضَّمان، وهذه ألف دينار لِعمارته. فكتب له رُقْعةً بذلك، وعمِّرَ ذلك السُّور، ثم اتفق موتُ الرجل عما قريب، فلما حضر الناسُ جِنازته طارت من كفنه رُقْعة، وهي التي كان كتبها له ابنُ أبي حاتم، ثم عادت وقد كتب في ظهرها: قد أمضينا لك هذا الضَّمان، ولا تعد إلى ذلك.

‌ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة

قال ابنُ الجوزي في "منتظمه": في غُرَّة المُحرَّم منها ظهرت في الجو حُمْرةٌ شديدة من ناحية الشمال والمغرب، وفيه أعمدة بيضٌ عظيمة كثيرة العدد

(4)

.

وفيها وصل الخبر بأن ركنَ الدولة أبا علي الحسن بن بُوَيْه الدَّيْلمي وصل إلى واسط، فركب الخليفة، وبُجْكُم لقتاله، فانصرفَ راجعًا [إلى الأهواز]

(5)

، ورجعا إلى بغداد.

وفي هذه السنة ملك ركنُ الدولة بنُ بُوَيْه مدينة أصبهان، أخذها من وشمكير أخي مَرْدَاويج؛ لقلَّةِ جيشه في ذلك الحين.

وفي شعبان زادت دِجْلَة زيادةً عظيمة، وانتشرت في الجانب الغربي، وسقطت دورٌ كثيرة، وانبثق بثقٌ من نواحي الأنبار، فغرَّق قرى كثيرة، وهلك بسببه حيوانات وسباع كثيرة في البرية.

وفيها تزوج بُجْكُم بسارة بنت أبي عبد الله البريدي؛ وهو محمد بن أحمد بن يعقوب الوَزير يومئذٍ

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

طبع في القاهرة سنة (1946 م).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

المنتظم (6/ 299).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 133

ببغداد، ثم صرف عن الوزارة بسليمان بن الحسن، وضَمِنَ البريديُّ بلادَ واسط وأعمالها بستمئة ألف دينار.

وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسين

(1)

عمر بن محمد بن يوسف، وتولَّى مكانه وَلَدُهُ أبو نَصْر يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف، وخلع عليه الخليفة الرَّاضي يوم الخميس لخمس بقين من شعبان.

ولما خرج أبو عبد الله البريدي إلى واسط كتب إلى بُجْكُم يحثُّه على الخروج إلى الجبل ليفتحها، ويساعده على أخذ الأهواز من يد معز الدولة

(2)

بن بُوَيْه، وإنّما كان مقصوده أن يستغيبه عن بغداد ليأخذها منه. فلما انفصل بجُكم بالجنود بلغه ما يؤمله أبو عبد الله البَريدي من المكيدة، فرجع سريعًا إلى بغداد، وركب في جيشٍ كثيف إليه، وأخذ الطُّرُقَ من كلِّ جانب، لئلا يشعر به إلا وهو عنده. فاتفَقَ أنه كان راكبًا في زورق، وعنده كاتبٌ له، إذ سَقَطتْ حمامةٌ في ذَنَبها كتابٌ، فأخذه بُجْكم، فقرأه، فإذا فيه كتاب من هذا الكاتب إلى بعض أصحاب البريدي، يعلمه بخبر بُجْكُم، فقال له: ويحك، أهذا خَطُّك؟ قال: نعم! ولم يقدر على الإنكار، فأمر بقتله، فَقُتلَ وألقي في دِجْلة. وحين شعر البَرِيْديُّ بقدوم بُجْكُم هرب إلى البَصْرة، ولم يقم بها أيضًا، [بل هرب منها إلى غيرها]

(3)

فاستولى بُجْكُم على واسط، وتسلَّط الدَّيْلم على جيشه الذين خلَّفهم بالجبل، ففروا سراعًا إلى بغداد.

وفي هذه السنة استولى محمد بن رائق على بلاد الشَّام، فدخل حِمْصَ أولًا فأخذها، ثم جاء إلى دمشق وعليها بدر بن عبد الله الإخْشِيذي المعروف ببُدَيْر من جهة الإخشيذ محمد بن طُغْج، فأخرجه ابنُ رائق منها قهرًا، واستولى عليها. ثم ركب [ابن رائق]

(4)

في جيشٍ إلى الرَّمْلة فأخذها، ثم قصد عريش مصر ليدخلها، فلقيه محمد بن طُغْج، فاقتتلا هناك فهزمه ابنُ رائق، واشتغل أصحابُه بالنَّهْبِ، ونزلوا في خيام المِصْريين، فكَرَّت عليهم المِصْريون، فقتلوهم قتلًا عظيمًا، وهرب محمد بن رائق في سبعين رجلًا من أصحابه، فدخل دمشق في أسوأ حالٍ وشَرِّها، وسير إليه محمد بنُ طُغْج أخاه نَصْرَ بنَ طُغْج في جيش، فاقتتلوا عند اللَّجُّون

(5)

في رابع ذي الحجَّة، فهُزِمَ المصريون، وقُتِلَ أخو الإخشيذ فيمن قُتِلَ، فغسله محمد بن رائق، وكفَّنه، وبعث به إلى أخيه بمصر، وأرسل معه ولده، وكتب إليه يحلف له أنه ما أراد قتله، وهذا ولدي فاقْتَدْ منه. فأكرم الإخشيذ ولدَ محمدِ بنِ رائق، واصطلحا على أن تكون الرَّمْلَة

(1)

في النسخ الخطية و (ط): أبو الحسن، وهو تحريف.

(2)

في النسخ. الخطية و (ط): عماد الدولة، وهو وهم، إذ إن معز الدولة هو الذي استولى على الأهواز سنة (326 هـ)، وبقيت في يده، انظر الكامل لابن الأثير (8/ 340 - 343).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

بلد بالأردن، بينه وبين طبرية عشرون ميلًا، معجم البلدان (5/ 13).

ص: 134

وما بعدها [إلى ديار مصر]

(1)

للإخشيذ، ويحمل إليه الإخشيذ في كل سنة مئة ألفِ دينار وأربعين ألف دينار، وما بعد الرَّملة [إلى دمشق]

(2)

يكون لمحمد بن رائق.

‌وممن توفي في هذه السنة:

جَعْفَر المُرْتَعش

(3)

: أبو محمد، أحد مشايخ الصُّوفية، كذا ذكره الخطيب

(4)

.

وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي: اسمه عبد الله بن محمد، أبو محمد النَّيْسابوري

(5)

. كان من ذوي الأموال فتخلَّى منها، وصَحِبَ الجُنَيْد، وأبا حفص، وأبا عثمان، وأقام ببغداد حتى صار شيخَ الصُّوفية، فكان يقال: عجائبُ بغداد ثلاث: إشارات الشِّبْلي، ونكتُ المُرْتعش، وحكايات جعفر الخَوَّاص. سَمِعْتُ أبا الفَرَج

(6)

الصَّائغ يقول: قال المرتعش: منْ ظَن أن أفعاله تُنْجيه من النَّار أو تُبلغه الرِّضْوان فقد جعل لنفسه ولفِعْله خَطَرًا، ومنِ اعتمدَ على فَضْل الله بلَّغه الله أقصى منازلِ الرِّضْوَان

(7)

.

وقيل للمُرْتعش: إن فلانًا يمشي على الماء! فقال: إن مخالفةَ الهوى أعظمُ من المشي على الماء

(8)

.

ولما حَضَرَتْهُ الوفاةُ وهو بمسجد الشُّونِيْزية

(9)

حسبوا ما عليه من الدَّيْن، فإذا عليه سبعة عشر دِرْهمًا، فقال: بيعوا خُرَيْقاتي هذه فيها، وأرجو أن يرزقني الله كفنًا. وقد سألتُ الله ثلاثًا أن يميتني وأنا فقير، وأن يجعلَ وفاتي في هذا المسجد، فإني صَحِبْتُ فيه أقوامًا، وأن يجعل عندي منْ آنس به وأحبُّه. ثم غَمَّضَ عينيه، ومات

(10)

.

أبو سعيد الإصْطَخْرِيُّ

(11)

الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفَضْل بن يَسَار، أبو سعيد الإصْطَخْري، أحد أئمة الشَّافعية.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

طبقات الصوفية (349 - 353) حلية الأولياء (10/ 355) تاريخ بغداد (7/ 221 - 222) الرسالة القشيرية (26) المنتظم (6/ 301) سير أعلام النبلاء (15/ 230 - 231) العبر (2/ 215) مرآة الجنان (2/ 295) طبقات الأولياء (141 - 144) النجوم الزاهرة (3/ 269 - 270) شذرات الذهب (2/ 317).

(4)

تاريخ بغداد (7/ 221).

(5)

طبقات الصوفية (349).

(6)

في (ط) و (ظا) و (ب): أبا جعفر، وهو تحريف.

(7)

طبقات الصوفية (352 - 353).

(8)

طبقات الصوفية (351 - 352).

(9)

مقبرة ببغداد كانت بالجانب الغربي، وفيها خانقاه للصوفية. معجم البلدان (3/ 374).

(10)

انظر تاريخ بغداد (7/ 222).

(11)

الفهرست (300) تاريخ بغداد (7/ 268 - 270) طبقات الفقهاء للشيرازي (111) الأنساب (1/ 291 - 292) المنتظم (6/ 302) وفيات الأعيان (2/ 74 - 75) سير أعلام النبلاء (13/ 250 - 252) العبر (2/ 212) مرآة الجنان =

ص: 135

وكان زاهدًا ورعًا ناسكًا عابدًا، ولي القضاء بقُمّ، ثم حِسْبَةَ بغداد، فكان يدور بها ويصلِّي على بغلته، وهو سائر بين الأزقَّة، وكان متقلِّلًا جدًّا. وقد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشَّافعية" بما فيه كفاية وله "كتاب القَضَاء" لم يصنَّف مثله في بابه، توفي وقد قارب التِّسْعين، رحمه الله.

عليُّ بنُ محمد أبو الحسن

(1)

: المُزَيِّن الصَّغير، أحد مشايخ الصُّوفية.

أصله من بغداد، صحِبَ الجنيد وسهلًا التُّسْتري، وجاور بمكة حتى توفي بها في هذه السنة.

وكان يحكي عن نفسه قال: وردتُ بئرًا في أرضِ تبوك، فلما دنوت منها زَلِقْتُ، فَسَقْطتُ في البئر، وليس أحدٌ يراني، فلما كنتُ في أسْفَلِهِ إذا فيه مصطبة، فَعَلَوْتُها وقلت: إن متُّ لا أفسد على النَّاس الماء، وسكَنَت نفسي وطابت للموت، فبينا أنا كذلك إذا أفعى قد تدلَّتْ عليَّ، فلَفَّتْ عليَّ ذنبها، ثم رفعتني حتى أخرجتني إلى وجه الأرض، وانسابت فلم أدر أين ذهبت، ولا من أين جاءت.

وفي مشايخ الصُّوفية آخر يقال له أبو جعفر المُزَيِّن الكبير

(2)

؛ جاور بمكَّة، ومات بها أيضًا، وكان من العُبَّاد.

روى الخطيب عن علي بنِ أبي علي، عن إبراهيم بن محمد الطَّبري، عن جعفر الخُلْدي قال: ودَّعْتُ في بعض حجاتي المُزيِّن الكبير فقلتُ له: زوِّدني. فقال لي: إذا فقدتَ شيئًا فقل: يا جامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بيني وبين كذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء. قال: وجئت إلى الكتَّاني فودَّعْتُه وسألته أن يزوِّدَني، فأعطاني خاتمًا على فصِّه نقش فقال: إذا اغتممت فانظر إلى هذا الفَصِّ يَزُلْ همُّك. قال: فكنتُ لا أدعو بذلك الدُّعاء إلا استجيبَ لي، ولا أنظر إلى ذلك الفَصِّ إلا زال عني ما أجده من همًّ، فبينا أنا ذات يوم في السُّمَيْرية إذ هبَّتْ ريحٌ شديدة، فأخرجت الخاتم لأنظر إليه، فلم أدرِ كيف ذَهَبَ، فجعلت أدعو بذلك الدُّعاء يومي كله [أن يجمع عليَّ

= (2/ 290) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 230 - 253) النجوم الزاهرة (3/ 267) طبقات ابن هداية الله (62) شذرات الذهب (2/ 312).

(1)

طبقات الصوفية (382 - 385) تاريخ بغداد (12/ 73) الرسالة القشيرية (27) المنتظم (6/ 304) سير أعلام النبلاء (15/ 232) العبر (2/ 215) مرآة الجنان (2/ 295) طبقات الأولياء (140 - 141) النجوم الزاهرة (3/ 269) شذرات الذهب (2/ 316).

(2)

لم أقف على ترجمة المزين الكبير فيما لدي من مصادر، وسماه الذهبي في سير أعلام النبلاء (15/ 232) أبا الحسن المزين الكبير البغدادي، وقلت: فرقهما أبو عبد الرحمن السلمي، ولم يظهر لي إلا أنهما واحد. ولم أجد في النسخة المطبوعة من "طبقات الصوفية" أي تفريق بينهما، ولعل السلمي ذكرهما في غير كتاب "الطبقات"، والله أعلم.

ص: 136

الخاتم]

(1)

، فلما رجعتُ إلى المنزل، فتشتُ المتاع الذي في المنزل، فإذا الخاتم في بعض ثيابي التي كانت بالمنزل.

صاحب كتاب العِقْد

(2)

أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حُدَير بن سالم، أبو عمر، القُرْطُبي؛ مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحَكَم الأموي.

كان من الفضلاء المكثرين، والعلماء بأخبار الأولين والمتأخِّرين، وكتابه "العِقْد" يدل على فضائلَ جمَّة، وعلومٍ كثيرة مهمة، ولكنه يدل كثير من كلامه على تشيُّعٍ وميل إلى الحطِّ على بني أُمية، وهذا عجيبٌ منه؛ لأنه أحد مواليهم، وكان الأوْلى به أن يكون ممن يواليهم لا ممن يعاديهم.

قال القاضي ابن خلِّكان: وله "ديوان شعر" حسن. ثم أورد منه أشعارًا في التغزُّلِ في المردان والنِّسوان

(3)

أيضًا.

وكان مولده في رمضان سنة ست وأربعين ومئتين، وتوفي بقُرْطبة يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة.

عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب

(4)

بن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد بن دِرْهم، أبو الحسين، الأزْدي الفقيه المالكي القاضي ابن القاضي.

ناب عن أبيه

(5)

وعمره عشرون سنة، وكان حافظًا للقرآن والحديث والفِقْه على مذهب مالك، والفرائض، والحِسَاب واللُّغة والنحو والشِّعر. وصنَّف مسندًا، ورُزِقَ قوة الفهم وجودة القريحة، وشرف الأخلاق، وله الشِّعْر الرائق الحسن، وكان مشكورَ السيرة في القضاء، عَدْلًا ثقة إمامًا.

قال الخطيب: أخبرنا أبو الطَّيِّب الطبري، سَمِعْتُ المعافى بن زكريا الجَريري يقول: كنا نجلس في

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ط): العقد الفريد، وإخالها مقحمة من الناسخ، إذ لم ترد في نسخنا المخطوطة، ولفظ "الفريد" نعت متأخر استلحق بعنوان العقد بعد عصر ابن كثير، انظر ما كتبه الدكتور جبرائيل جبور حول تسمية الكتاب في "ابن عبد ربه وعقده"(ص 47 - 50) دار الآفاق الجديدة - بيروت. وترجمة ابن عبد ربه في تاريخ علماء الأندلس (1/ 38) يتيمة الدهر (2/ 65 - 88) جذوة المقتبس (94 - 96) بغية الملتمس (148/ 151) معجم الأدباء (4/ 211 - 224) وفيات الأعيان (1/ 110 - 112) سير أعلام النبلاء (15/ 283) العبر (2/ 211 - 212) الوافي بالوفيات (8/ 10 - 14) مرآة الجنان (2/ 295 - 296) النجوم الزاهرة (3/ 266 - 267) بغية الوعاة (161) شذرات الذهب (2/ 312).

(3)

وفيات الأعيان (1/ 110).

(4)

أخبار الراضي للصولي (141/ 142) تاريخ بغداد (11/ 229 - 232) المنتظم (6/ 305 - 307).

(5)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (320 هـ).

ص: 137

حضرة القاضي أبي الحسين، فجئنا يومًا ننتظره على العادة، فجلسنا عند بابه، وإذا أعرابيٌّ جالس كأنَّ له حاجةً، إذ وقع غُرَابٌ على نخلة في الدَّار، فصرخ ثم طار. فقال الأعرابي: هذا الغراب يقول: إن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام. قال: فزبرناه، فقام وانصرف، ثم خرج الإذْن من القاضي إلينا أن هَلُمَّ فادخلوا، فدخلنا، فإذا به متغير اللون مغتمًا، فقلنا: ما الخبر؟ فقال: إني رأيت البارحة في المنام شخصًا يقول:

منازِلَ آلِ حَمَّادِ بنِ زيدٍ

على أهليكِ والنِّعَمِ السَّلامُ

وقد ضاق لذلك صَدْري. قال: فدعونا له، وانصرفنا. فلما كان اليوم السَّابع من ذلك اليوم دُفِنَ

(1)

.

وقد كانت وفاته يوم الخميس لسبع عشرة مَضَتْ من شعبان من هذه السَّنة، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وصلَّى عليه ابنه أبو نَصْر، وولي بعده القضاء.

قال الصُّولي: بلغ القاضي أبو الحسين من العِلْم مبلغًا عظيمًا مع حداثة سنه، وحين توفي كان الراضي يبكي عليه بحضرتنا ويقول: كنت أضيق بالشيء ذَرْعًا فيوسعه عليَّ، ثم يقول: والله لا بقيتُ بعدَه

(2)

.

ابنُ شَنَبُوذ المُقْرئ

(3)

محمد بن أحمد بن أيوب بن الصَّلْت: أبو الحسن، المقرئ، المعروف بابن شَنَبُوذ.

روى عن أبي مسلم الكجِّي، وبِشْر بن موسى، وخَلْقٍ.

وكان يختار حروفًا أنكرها أهل زمانه عليه، وصنَّف أبو بكر بن الأنباري كتابًا في الرَّدِّ عليه

(4)

.

وقد ذكرنا - فيما تقدَّم

(5)

- كيف عُقِدَ له مجلسٌ في دار الوزير أبي علي محمد بن علي بن مُقْلة، وأنه ضُرِبَ حتى رجع عن كثيرٍ من القراءات الشَّاذَّة التي أنكرها القراء من أهل عصره عليه.

وكانت وفاته في صفر منها.

(1)

انظر تاريخ بغداد (11/ 232).

(2)

انظر أخبار الراضي (131 - 142).

(3)

الفهرست (47 - 48) تاريخ بغداد (1/ 280 - 281) الأنساب (7/ 395 - 396) المنتظم (6/ 307 - 308) معجم الأدباء (17/ 167 - 173) وفيات الأعيان (4/ 299 - 301) سير أعلام النبلاء (15/ 264 - 266) العبر (2/ 195 - 196) معرفة القراء (6/ 221 - 225) الوافي بالوفيات (2/ 37 - 38) مرآة الجنان (2/ 286 - 290) غاية النهاية (2/ 52 - 56) النجوم الزاهرة (3/ 267) شذرات الذهب (2/ 313 - 314).

(4)

هو "الرد على من خالف مصحف عثمان بن عفان" انظر مظانه في تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (2/ 216).

(5)

انظر أحداث سنة (323 هـ).

ص: 138

وقد دعا ابن شنبوذ على ابن مقلة حين أمر بضربه، فلم يُفْلح ابن مقلة بعدها.

ابنُ مُقْلَة الوزير

(1)

: أحد الكُتَّاب المشاهير، محمد بن علي بن الحسن

(2)

بن عبد الله: أبو علي، المعروف بابن مُقْلَة الوزير.

وقد كان في أول عمره ضعيفَ الحال، [قليل المال]

(3)

ثم آل به الحال إلى أنْ ولي الوِزارة لثلاثةٍ من الخلفاء، وهم: المقتدر، والقاهر، والرَّاضي. وعزل ثلاث مرات، وقُطِعتْ يده ولسانه في آخر أمره، وحُبِسَ، فكان يستقي الماء بيده اليُسْرى وأسنانه، وكان مع ذلك يكتُبُ بيده اليُمْنى مع قَطْعها كما كان يكتب بها وهي صحيحة. وقد كان خَطُّه من أقوى الخطوط، كما هو مشهور

(4)

عنه.

وقد بنى له دارًا في زمن وزارته، فجمع عند بنائها خَلْقًا من المنجمين، فاتفقوا على أن تبنى في الوقت الفلاني، فأسَّسَ جدارها بين العِشَاءين كما أشاروا، فما لبث بعد استتمامها إلا يسيرًا حتى خَرِبَتْ، وصارت كومًا. وقد كان له بُسْتان كبير جدًّا، عدة أجْرِبَة - أي فدادين - وعليه جميعه شبكةٌ من إبْرَيْسَم

(5)

، وفيه من الطيور من القَمَارِي

(6)

والهَزَار والببغ والبلابل والطَّواويس والقَبَج

(7)

شيء كثير، وفيه من الغِزْلان وبقر الوحش وحميره والنعام والإبل شيء كثير أيضًا. ثم صار هذا كله عما قريب بعد النضرة والبهاء إلى الهلاك والفَنَاء.

وقد أنشد فيه بعضُ الشعراء حين بنى داره وما حولها من الفِنَاء:

قُلْ لابن مُقْلَة [مهلًا]

(8)

لا تكُنْ عَجِلًا

واصْبِرْ، فإنّكَ في أضْغَاثِ أحْلامِ

تبني بأنقاضِ دُورِ النَّاسِ مجتهدًا

دارًا ستُنْقَضُ أيضًا بعدَ أيامٍ

(1)

ثمار القلوب (210 - 212) المنتظم (6/ 309 - 311) الكامل لابن الأثير (8/ 183) وما بعدها، وفيات الأعيان (5/ 113 - 118) الفخري (238 - 241) سير أعلام النبلاء (15/ 224 - 229) العبر (2/ 211) الوافي بالوفيات (4/ 109 - 111) مرآة الجنان (2/ 291 - 294) النجوم الزاهرة (3/ 268) شذرات الذهب (2/ 310 - 312).

(2)

في أغلب المصادر: الحسين.

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ثمة اختلاف فيمن صاحب الخط المنسوب، هو أو أخوه الحسن، وقد رجح ابن خلكان أن أخاه هو صاحب الخط المليح، وقال الذهبي: وكانا بديعي الكتابة، والظاهر أن الحسن هو صاحب الخط. أما القلقشندي فرجح أن الوزير هو صاحب الخط، وإن كان أخوه أيضًا ممن أجاد الخط وأحسنه. انظر وفيات الأعيان (5/ 117) وسير أعلام النبلاء (15/ 229) وصبح الأعشى (3/ 17).

(5)

هو الحرير، فارسي معرب.

(6)

هو ضرب من الحمام، مطوق، حسن الصوت، مفردها قمري. المعجم الوسيط (2/ 764).

(7)

هو الحجل. المعجم الوسيط (2/ 716).

(8)

ما بين حاصرتين ليست في النسخ الخطية و (ط)، والمثبت من المنتظم (6/ 310).

ص: 139

ما زلت تختارُ سَعْدَ المُشْتريِّ لها

فلم توقَّ به من نَحْسِ بَهْرامِ

(1)

إنَّ القِرَان وبطليموس ما اجتمعا

في حالِ نَقْضٍ ولا في حالِ إبرامِ

فَعُزِلَ ابنُ مُقْلَة عن وزارته، وخُرِّبَتْ داره، وأُتلفت أشجاره، وقُطِعَتْ يده، ثم قطع لسانه، وأغرم ألف ألف دينار، ثم سُجِنَ وحدَه [ليس معه من يخدمه]

(2)

مع الكبر والضَّعْفِ والضرورة، [وانعدام بعض أعضائه]

(3)

فكان يستقي الماء بنفسه من بئرٍ عميق؛ يمدُّ الحبل بيده اليُسْرى ويمسكه بفِيْه، وقاسى جهدًا جهيدًا، بعدما ذاق عيشًا رغيدًا.

ومنْ شعره حين قطعت يده:

ما سئِمْتُ الحياةَ لكنْ توثَّقْـ

ـــــــــــتُ بأيمانهم فبانَتْ يميني

بعْتُ ديني لهم بدنيايَ حتى

حَرَمُوني دُنياهُمُ بعدَ دِيْني

ولقدْ حُطْتُ ما استطعتُ بجهدي

حِفظَ أرْوَاحِهِمْ فما حَفَظُوني

ليسَ بعدَ اليمينِ لذَّةُ عَيْشٍ

يا حياتي بانتْ يميني فَبِيْني

وكان يبكي على يده كثيرًا ويقول: بعدما خدمت بها ثلاثة من الخلفاء، وكتبتُ بها القرآن مرتين، تقطع كما تقطع أيدي اللصوص.

ثم ينشد:

إذا ما ماتَ بَعْضُكَ فابكِ بعضًا

فإنَّ البَعْضَ من بَعْضٍ قَرِيْبُ

وقد مات رحمه الله في حَبْسِهِ هذا، ودُفِنَ في دار السُّلْطان، ثم سأل ولده أبو الحسين أن يحوَّلَ، فأجيب، فنبشوه، ودفنه ولدُه عنده في داره. ثم سألت زوجته المعروفة بالدِّينارية أن يدفنَ في دارها [فأجيبت إلى ذلك]، فنبش ودفن عندها. فهذه ثلاث مرات.

مات رحمه الله وله من العمر ستٌّ وخمسون سنة.

أبو بكر بن الأنْباري

(4)

محمد بن القاسم بن محمد بن بشَّار بن الحسن بن بَيَان بن سَماعة بن فَرْوة بن

(1)

في (ط): فكم نحوس به من نحس بهرام.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

انظر المنتظم (6/ 311) ووفيات الأعيان (5/ 116).

(4)

طبقات النحويين واللغويين (171) الفهرست (112) تاريخ بغداد (3/ 181 - 186) طبقات الحنابلة (2/ 69 - 73) الأنساب (1/ 355) نزهة الألباء (181 - 188) المنتظم (6/ 311 - 315) معجم الأدباء (18/ 306 - 313) إنباه الرواة (3/ 201 - 208) وفيات الأعيان (4/ 341 - 343) سير أعلام النبلاء (15/ 274 - 279) تذكرة الحفاظ (3/ 842 - 844) معرفة القراء (1/ 225 - 227) العبر (2/ 214 - 215) الوافي بالوفيات (4/ 344 - 345) مرآة الجنان (2/ 294) غاية النهاية (2/ 230 - 232) النجوم الزاهرة (3/ 269) بغية الوعاة (91 - 92) شذرات الذهب (2/ 315 - 316).

ص: 140

قَطَن بن دِعَامة، أبو بكر الأنْباري، صاحب "كتاب الوَقْف والابتداء"

(1)

وغير ذلك من المُصنَّفات.

وكان من بحور العِلْم في اللغة والعربية، [والتفسير والحديث]

(2)

وغير ذلك.

سمع الكُدَيْميَّ، وإسماعيل القاضي، وثَعْلبًا وغيرهم، وكان ثِقَةً صدوقًا أديبًا، دَيِّنًا فاضلًا من أهل السُّنَّة، من أعلم النَّاس بالنَّحْو والأدب، وأكثرهم حِفْظًا له، كانت له من المحافيظ مجلدات عظيمة كثيرة؛ أحمال جمال، وكان لا يأكل إلا النقالى، ولا يشربُ ماءً إلى قريب العصر، مراعاةً لحفظه.

ويقال: إنه كان يحفظ مئة وعشرين تفسيرًا، وحفظَ "تعبير الرؤيا" في ليلةٍ، وكان يحفظ في كلِّ جمعة عشرة آلاف ورقة، وكانت وفاته ليلة عيد النَّحْر من هذه السنة.

أم عيسى بنت إبراهيم الحَرْبي

(3)

.

كانت عالمةً فاضلة، تفتي في الفِقْه، توفيت في رجب منها، ودُفِنَتْ إلى جانب أبيها، رحمهما الله تعالى.

‌ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمئة

في المنتصف من ربيع الأول منها كانت وفاة الخليفة الرَّاضي بالله

(4)

أمير المؤمنين أبي العَبَّاس أحمد

(5)

بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن الموفق أبي أحمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرَّشيد بن المهدي بن المنصور، العَبَّاسي.

استُخْلِفَ بعد عَمِّه القاهر لستٍّ خَلَوْنَ من جُمادى الأُولى سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة، وأمه أم ولد روميَّة تسمى ظَلُوم.

كان مولده في رجب سنة سبع وتسعين ومئتين، فكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام،

(1)

هو كتاب "إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل" طبع في دمشق سنة (1971 م) في جزأين بتحقق محيي الدين رمضان، وقد صدر ضمن مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

تاريخ بغداد (14/ 443) المنتظم (6/ 315).

(4)

أخبار الراضي والمتقي للصولي (1/ 185) مروج الذهب (2/ 519) وما بعدها، معجم الشعراء للمرزباني (430) تاريخ بغداد (2/ 142 - 145) المنتظم (6/ 265 - 271، 324 - 325) الكامل لابن الأثير (8/ 282) وما بعدها، النبراس (114 - 119) سير أعلام النبلاء (15/ 103 - 104) العبر (2/ 218 - 219) الوافي بالوفيات (2/ 375 - 377) مرآة الجنان (2/ 296) النجوم الزاهرة (3/ 271) تاريخ الخلفاء (390 - 393) شذرات الذهب (2/ 324).

(5)

في تاريخ بغداد (2/ 142) محمد، وفي سير أعلام النبلاء (15/ 103) محمد، وقيل: أحمد.

ص: 141

وعمره يوم مات إحدى وثلاثون سنة وعشرة أشهر. وكان أسْمَرَ رقيقَ السُّمْرة، دُرِّيَّ اللَّوْن، أسودَ الشعر سَبْطَه، قصيرَ القامة، نحيفَ الجسم، في وجهه طُول، وفي مقدَّم لحيته تمام، وفي شَعْرِها رِقَّة. هكذا وصفه من شاهده.

قال الخطيب البغدادي: كان للرَّاضي فضائل كثيرة، وختم الخلفاء في أمور عِدَّة، منها: أنه آخر خليفة له شِعْر، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة خَطَبَ على منبرٍ يومَ الجمعة، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وحجَّابه وأموره، كل ذلك يجري على ترتيب المتقدِّمين من الخلفاء

(1)

.

وقال غيره: كان فصيحًا بليغًا كريمًا جَوَادًا ممدَّحًا، ومن جيد كلامه الذي سمعه منه محمدُ بنُ يحيى الصُّولي: لله أقوامٌ هم مفاتيح الخير، وأقوام هم مفاتيح الشر، فمن أراد الله به خيرًا قصد به أهل الخير، وجعله الوسيلة إلينا فنقضي حاجته، فهو الشَّريك في الثَّواب والشكر. ومن أرادَ الله به شَرًّا عَدَلَ به إلى غيرنا، فهو الشَّريك في الوِزْر والإثم، والله المستعانُ على كلِّ حال

(2)

.

ومن ألطف الاعتذارات ما كتب به الرَّاضي إلى أخيه المتقي وهما في المكتب - وكان المتقي قد اعتدى على الرَّاضي والراضي هو الكبير منهما - فكتب إليه الراضي: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا معترف لك بالعبودية فرضًا، وأنت معترفٌ لي بالأخوة فَضْلًا، والعَبْدُ يذنب والمَوْلى يعفو، وقد قال الشَّاعر:

يا ذا الذي يغضبُ من غير شيّ

اعتبْ فَعَتْبَاك حبيبٌ إليّ

أنتَ - على أنَّكَ لي ظَالمٌ -

أعزُّ خَلْقِ الله طُرًّا عليّ

قال: فجاء إليه أخوه المتقي، فأكبَّ عليه يقبِّل يديه، وتعانقا واصطلحا

(3)

.

ومن لطيف شعره قوله فيما ذكره ابنُ الأثير في "الكامل":

يَصْفرُّ وَجْهي إذا تأمَّلَهُ

طَرْفي ويحمَرُّ وجهُهُ خَجَلا

حتى كأنَّ الذي بِوَجْنتهِ

منْ دَمِ جِسْمي إليه قد نُقِلا

(4)

قال: ومما رثى به أباه المقتدرَ قوله:

ولو أنَّ حَيًّا كان قَبْرًا لميِّتٍ

لَصَيَّرتُ أحشائي لأعْظُمهِ قبْرا

(1)

تاريخ بغداد (2/ 143).

(2)

المصدر السالف، والمصباح المضيء لابن الجوزي 1/ 578 - 579.

(3)

انظر تاريخ بغداد (2/ 144).

(4)

الكامل (8/ 366).

ص: 142

ولو أنَّ عُمْري كان طَوْعَ مشيئتي

وساعَدَني المِقْدارُ قاسَمْتُهُ العُمْرا

بنفسي ثرىً ضَاجَعْتَ في تُربِهِ البلى

لقد ضمَّ منكَ الغَيْثَ واللَّيْثَ والبَدْرا

(1)

ومن شعره الذي رواه الخطيب من طريق أبي بكر محمدِ بنِ يحيى الصُّولي النَّديم عنه قوله:

كلُّ صفْوٍ إلى كَدَرْ

كل أمْنٍ إلى حَذَرْ

ومصيرُ الشَّبابِ لِلْـ

ـــــــــــمَوْتِ فيه أو الكِبَرْ

دَرَّ دَرُّ المشيبِ منْ

واعِظٍ يُنْذرُ البَشَرْ

أيُّها الآمِلُ الذي

تاهَ في لُجَّةِ الغَرَرْ

أينَ منْ كانَ قَبْلَنَا؟

دَرَسَ العَيْنُ والأثَرْ

سيَرُدُّ المُعارَ منْ

عُمْرُهُ كلُّهُ خَطَرْ

رَبِّ إني ذَخَرْتُ عِنْـ

ــــــــــدَكَ أرجوكَ مُدَّخَرْ

إنني مُؤْمنٌ بما

(2)

بَيَّنَ الوَحْيُ في السُّوَرْ

واعترافي بتَرْكِ نَفْـ

ــــــــــــعي وإيثاريَ الضَّررْ

ربِّ فاغْفِرْ ليَ الخَطِيْـ

ــــــــــــــئَةَ يا خَيْرَ منْ غَفَرْ

(3)

ومما أنشده له ابنُ الجوزي في "منتظمه":

لا تعذلي كرمي

(4)

على الإسرافِ

ربحُ المحامدِ متجرُ الأشْرَافِ

أجري كآبائي الخلائفِ

(5)

سَابقًا

وأشيدُ ما قد أسَّسَتْ أَسْلافي

إني من القوم الذينَ أكفُّهمْ

معتادةُ الإخلافِ والإتْلافِ

(6)

وقد كانت وفاته بعِلَّة الاستسقاء في ليلة السادس عشر من ربيعٍ الأوَّل من هذه السنة. وكان قد أرسل إلى بجكم وهو بواسطَ ليعهد إلى ولده الأصغر أبي الفَضْل، فلم يتفق له ذلك، وبايع النَّاس أخاه المُتَّقي لله إبراهيم بن المقتدر، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

(1)

المصدر السالف.

(2)

في (ط): ربِّ إني مؤمن بما، ووزنه غير مستقيم.

(3)

تاريخ بغداد (2/ 144 - 145) وانظر أخبار الراضي (185).

(4)

في (ط): لا تكثرن لومي.

(5)

في (ط) أحوي لما يأتي المكارم سابقًا.

(6)

المنتظم (6/ 267).

ص: 143

‌خلافة المتقي لله أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله

لما مات أخوه الرَّاضي اجتمع القضاة والأعيان بدار بُجْكُم، واشتوروا فيمن يولُّون عليهم، فاتَّفقَ رأيهم كلهم على المتقي لله إبراهيم هذا، فأحضروه إلى دار الخلافة، وأرادوا بيعته، فصلَّى ركعتين صلاة الاستخارة وهو على الأرض. لم يصعد إلى الكرسي بَعْدُ، ثم صَعِدَ إلى السَّرير وبايعه الناس، وكان ذلك يوم الأربعاء لعشرٍ بقين من ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة تسع وعشرين وثلاثمئة - فلم يغيِّرْ على أحدٍ شيئًا، ولا غدر بأحد حتى ولا على سَرِيَّتِهِ لم يغيرها، ولم يتسرَّ عليها. وكان كما سمِّيَ المتقي لله، كثيرَ الصَّلاة والصِّيام والتعبُّد. وقال: لا أريد أحدًا من الجلساء، حسبي المصحف نديمي، لا أريد نديمًا غيره. فقعد عنه الجلساءُ والندماء، والتفوا على بُجكم، فكان يجالسهم فيحادثونه ويتناشدون عنده الأشعار، فكان لا يفهم كثيرَ شيء مما يقولون لعجمته، وكان في جُمْلتهم سنان بن ثابت الصَّابئ المتطبب، فكان بُجْكُم يشكو إليه قوة النفس الغضبية فيه، فكان سِنَان يهذب من أخلاقه ويسكن جَأْشَه

(1)

، ويروضها حتى سكن عن بعض ما كان يتعاطاه من سَفْكِ الدِّماء.

وكان المتقي بالله حسنَ الوجه، معتدل الخَلْق، قصيرَ الأنف، أبيضَ مُشْربًا حمرةً، في شعره شُقْرة وجُعودة، كثَّ اللحية، أشهل العينين

(2)

، أبيَّ النفس، لم يَشْرَبِ النَّبيذ قط، فالتقى فيه الاسم والفعل، ولله الحمد. ولما استقر المتقي لله في الخلافة أنفذ الرُّسل والخِلَع إلى بُجْكُم وهو بواسط، ونفذت المكاتبات إلى الآفاق بولاية المتقي لله.

وفي هذه السنة تحارب أبو عبد الله البَريدي وبُجْكم بناحية الأهواز، فَقُتلَ بُجْكم في الحرب

(3)

، واستظهر البريديُّ عليه وقوي أمره، فاحتاط الخليفةُ على حواصل بُجْكم، فكان في جملة ما أخذ من أمواله ألف ألف دينار ومئتي ألفِ دينار. وكانت أيام بُجْكم على بغداد سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام.

ثم إن البريدي حدَّثته نفسه ببغداد، فأنفق المتقي أموالًا جزيلة في الجند ليمنعوه من ذلك، فركب بنفسه، فخرج إلى أثناء الطَّريق ليمنعه من ذلك، فخالفه البريدي، ودخل بغداد في ثاني رمضان، ونزل بالشَّفيعي، فلما تحقق المتقي ذلك بعث إليه يهنئه، وأرسل إليه بالأطعمة، وخوطب بالوزير ولم يخاطبه بإمرة الأمراء. فأرسل البريدي يطلب من الخليفة خمسمئة ألف دينار، فامتنع الخليفة من ذلك، فبعث

(1)

الجأش: النفس. اللسان (جأش).

(2)

الشهلة في العين: أن يشوب سوادَها زرقة. اللسان (شهل).

(3)

انفرد ابن كثير بهذا الخبر، والمشهور أنه قتل وهو يتصيد عقب هذه المعركة التي لم يشترك بها، انظر الكامل (8/ 371) وانظر وفيات هذه السنة.

ص: 144

[إليه]

(1)

يتهدَّده ويتوعَّده ويذكره ما حَلَّ بالمعز والمستعين والمهتدي والقاهر. واختلفت الرُّسل بينهما، ثم كان آخر ذلك أن بعث الخليفة إليه بذلك قهرًا، ولم يتفق اجتماع الخليفة والبريدي ببغداد حتى خرج منها البريدي إلى واسط؛ وذلك أنه ثارت عليه الدَّيالمة، والتفوا على كبيرهم كورتكين، وراموا حريق دار البريدي حين قبضَ المال من الخليفة، ولم يعطهم شيئًا، وكانت البجكمية طائفة أخرى قد اختلفت معه أيضًا وهم والديالمة قد صاروا حزبين، فانهزم البريدي من بغداد

(2)

يوم سَلْخ رمضان، فاستولى كورتكين على الأمور ببغداد، ودخل [إلى]

(3)

المتقي، فقلَّده إمارة الأمراء، وخلع عليه، واستدعى المتقي عليَّ بنَ عيسى وأخاه عبد الرحمن، ففوَّض إلى عبد الرحمن تدبير الأمور من غير تسمية بوزارة، ثم قبض كورتكين على رئيس الأتراك تكينك غلام بُجْكُم وغَرَّقه. ثم تظلَّمتِ العامة من الدَّيْلم؛ أنهم يأخذون منهم دُورهم، فشكوا ذلك إلى كورتكين فلم يشكهم، فمنعتِ العامة الخطباء أن يصلُّوا في الجوامع، واقتتل الدَّيْلَم والعامة، فَقُتلَ من الفريقين خَلْقٌ كثير، وجمٌّ غفير.

وكان الخليفة قد كتب إلى أبي بكر محمد بن رائق؛ صاحب الشام يستدعيه إليه ليخلصه من الديلم والبريدي، فركب إلى بغداد في العشرين من رمضان ومعه جيشٌ عظيم، وقد صار إليه من الأتراك البجكمية خَلْقٌ كثير، وحين وصل إلى المَوْصل حاد عن طريقه ناصرُ الدَّوْلة بن حَمْدان، فتراسلا ثم اصطلحا، وحمل ابنُ حَمْدان مئة ألف دينار، فلما اقترب ابنُ رائق من بغداد خرج كورتكين في جيشه ليقاتله، فدخل ابن رائق بغداد من غربها، ورجع كورتكين بجيشه فدخل من شَرْقها، ثم تصافَّوا ببغداد للقتال، فساعدت العامةُ ابنَ رائق على كورتكين، فانهزم الدَّيْلم، وقُتل منهم خلْقٌ كثير، وهرب كورتكين فاختفى، واستقرَّ أمر ابن رائق على بغداد، وخلع عليه الخليفة، وركب هو وإياه في دِجْلة، وظفر ابنُ رائق بكورتكين، فأودعه السِّجْن الذي في دار الخِلافة.

قال ابن الجَوْزي: وفي يوم الجمعة الثَّاني عشر من جمادى الأولى حضر النَّاس لصلاة الجمعة بجامع براثى، وقد كان المقتدر أحرق هذا المسجد

(4)

لأنه كبس، فوجد فيه جماعةٌ من الشيعة يجتمعون فيه للسبِّ والشتم، فلم يزل خرابًا حتى عمَّره بُجْكم في أيام الرَّاضي، ثم أمر المتقي بوضع منبر فيه كان عليه اسم الرَّشيد، وصلَّى الناس فيه هذه الجمعة. قال: فلم تزل تقام فيه إلى بعد سنة خمسين وأربعمئة

(5)

.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ط): ورامو حريق دار البريدي، ونفرت عن البريدي طائفة من جيشه، يقال لهم البجكمية، لأنه لما قبض من الخليفة لم يعطهم منه شيئًا، وكانت من البجكمية طائفة أخرى قد أخلفت معه أيضًا وهم والديالمة قد صاروا حزبين، والتفوا مع الديالمة فانهزم البريدي من بغداد.

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

انظر أحداث سنة (313 هـ).

(5)

انظر المنتظم (6/ 317).

ص: 145

قال ابن الجوزي: وفي جمادى الآخرة في ليلةِ سابعه كانت ليلةَ بردٍ ورعد وبرق، فسقطت القُبَّة الخضراء من قصر المنصور، وقد كانت هذه القبة تاجَ بغداد وعلم البلد، ومأثرةً من مآثر بني العَبَّاس عظيمةً، بُنيت أوَّلَ مُلْكهم، فكان بين بنائها وسُقُوطها مئة وسبع وثمانون سنة

(1)

.

قال: وخرج التشرينان والكانونان من هذه السنة ولم تمطر بغداد فيها شيئًا سوى مطرة واحدة لم ينبلَّ منها التراب، فَغَلَتِ الأسعار ببغداد حتى بيع الكر بمئة وثلاثين دينارًا، ووقع الفَناء في الناس حتى كان الجماعة يُدْفنون في الفبر الواحد من غير غُسْل ولا صلاة، وأبيع العقار والأثاث بأرخص الأسعار؛ اشْتُري بالدِّرْهم ما يساوي الدينار

(2)

.

ورأتِ امرأةٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في منامها وهو يأمرها بخروج النَّاس إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء، فأمر الخليفةُ بامتثال ذلك، فصلَّى الناس واستسقوا، فجاءتِ الأمطارُ فزادتِ الفُرَات شيئًا لم يُرَ مثله، وغرقت العباسية، ودخل الماءُ شوارع بغداد، فسقطتِ القنطرة العتيقة والجديدة

(3)

.

وقطعتِ الأكراد على قافلةٍ من خراسان الطريق، فأخذوا منهم ما قيمته ثلاثة آلاف ألف دينار

(4)

، وكان أكثر ذلك من أموال بُجْكم التركي.

وخرج الناس للحجِّ في هذه السنة، ثم رجعوا من أثناء الطريق بسبب رجل من العلويين قد ظهر بالمدينة النبوية، ودعا إلى نفسه، وخرج عن الطاعة

(5)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن إبراهيم

(6)

بن نَوْمَرْد

(7)

: الفَقيه، أحد أصحاب ابن سُرَيج.

خرج من الحَمَّام، [إلى خارجه](8) فسقط عليه [الحِمام]

(8)

، فمات من فوره، رحمه الله.

(1)

المنتظم (6/ 317 - 318).

(2)

المنتظم (6/ 319).

(3)

انظر المنتظم (6/ 318 - 319).

(4)

في مطبوع المنتظم (6/ 318): ثلاثة آلاف دينار؛ والمثبت من (ح) و (ب) وانظر أخبار الراضي والمتقي للصولي (192).

(5)

انظر المنتظم (6/ 319).

(6)

تاريخ جرجان (49 - 50) الأنساب (12/ نومرد) اللباب: (3/ 246) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 9) طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 346).

(7)

في (ب) و (ح): مرد، وفي (ظا): برمود، وفي (ط): تزمرد، وكله تصحيف، والمثبت من الأنساب (12/ نومرد).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 146

بُجْكُم التُّرْكي

(1)

الذي تولى إمرة الأمراء ببغداد قبل بني بُوَيْه، وكان عاقلًا يفهم بالعربية ولا يتكلَّم بها، يقول: إني أخاف أن أخطئ والخطأ من الرئيس قبيح. وكان مع ذلك يحبُّ العِلْم وأهله، وكان كثير الأموال والصَّدَقات، ابتدأ بعمل البيمارَسْتان ببغداد فلم يتمَّ، فجدَّده عضد الدولة بن بُوَيْه، وكان [بُجْكُم]

(2)

يقول: العدل أربح للسُّلْطان في الدُّنيا والآخرة.

وكان يَدْفِنُ أموالًا كثيرة بالصحارى، فلما مات لم يُدْرَ أين هي، وكان ندماء الراضي قد انحدروا إلى بُجْكُم وهو بواسط، قد ضمنها بثمانمئة ألف دينار، فكانوا يسامرونه كالخليفة، وكان لا يفهم أكثر ما يقولون، وراض له مزاجه الطبيب سنان بن ثابت الصَّابئ حتى لان خلقُهُ وحَسُنَتْ سيرته، وقلَّتْ سطوته، ولكن لم يعمّر إِلَّا قليلًا بعد ذلك.

وقد دخل عليه رجلٌ فوعظه فأبكاه، فأمر له بألف دِرْهم، فلحقه بها الغلام، فقال بُجْكُم لجلسائه: ما أظنه يقبلها، هذا رجل متخرق بالعبادة، ماذا يصنع بالدَّراهم؟ فرجع الغلام وليس معه شيء، فقال: قبلها؟ قال: نعم! قال بجكم: كلُّنا صيادون ولكن الشباك تختلف.

وكانت وفاته لتسع بقين من رجب هذه السنة. وسببها أنه خرج يتصيد، فلقي طائفةً من الأكراد، فاستهان بهم، فقاتلوه، فضربه رجلٌ منهم فقتله. وكانت إمرته على بغداد سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام، وخلَّف من الأموال والحواصل ما ينيف على ألفي ألف دينار، أخذها كلها المتقي للّه.

أبو محمد البَرْبَهاري الواعظ

(3)

: الحسن بن علي بن خَلَف، أبو محمد، البَرْبَهاري العالم الزَّاهد، الفقيه الحنبلي الواعظ.

صَحِبَ المَرُّوذي، وسهلًا التُّسْتَري، وتنزَّه عن ميراث أبيه - وكان سبعين ألفًا - لأمرٍ كرهه. وكان شديدًا على أهل البِدَع والمعاصي، وكان كبيرَ القَدْرِ عند الخاصَّة والعامة، وقد عَطَسَ يومًا وهو يعظ النَّاس فشمَّته

(4)

الحاضرون، ثم شمَّته منْ سمعهم حتى شمته أهلُ بغداد، فانتهت الضَّجة إلى دار الخلافة، فغار الخليفة من ذلك، وتكلم فيه جماعةٌ من أرباب الدولة، فَطُلِبَ، فاستتر عند أُخت

(1)

أخبار الراضي للصولي (193 - 197) المنتظم (6/ 320 - 323).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

طبقات الحنابلة (2/ 18 - 45) المنتظم (6/ 323) سير أعلام النبلاء (15/ 90 - 93) العبر (2/ 216 - 217) الوافي بالوفيات (12/ 146 - 147) شذرات الذهب (2/ 319).

(4)

شمت العاطس، وسمت عليه: دعا له أن لا يكون في حال يشمت به فيها، والسين لغة. "لسان العرب"(شمت).

ص: 147

توزون

(1)

شهرًا، ثم أخذه القيام

(2)

، فمات عندها، فأمرت خادمها أن يصلِّي عليه، فصلَّى، فامتلأتِ الدار رجالًا عليهم ثياب بيض، فدفنته عندها، ثم أوْصَتْ أن تُدْفنَ عنده. وكان عمره يوم مات ستًا وتسعين سنة، رحمه الله

(3)

.

يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البُهْلول

(4)

: أبو بكر الأزْرَق - لأنه كان أزرق العينين - التَّنوخي، الكاتب.

سمع جدَّه، والزبير بن بَكَّار، والحسن

(5)

بن عَرَفة، وغيرهم، وكان خَشِنَ العيش كثير الصَّدقة؛ يقال: إنه تصدَّقَ بمئة ألف دينار، وكان أمَّارًا بالمعروف، نهاءً عن المنكر، روى عنه الدَّارقطني وغيرُه من الحُفاظ، وكان ثِقَةً عَدْلًا.

توفي في ذي الحجَّة من هذه السنة عن اثنتين وتسعين سنة.

‌ثم دخلت

(6)

سنة ثلاثين وثلاثمئة

قال ابن الجَوْزي: في المحرَّم منها ظهر كوكب بذنبٍ، رأسُه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق، وكان عظيمًا جدًّا، وذنبه منتشرٌ، وبقي ثلاثة عشر يومًا إلى أن اضمحل

(7)

.

قال: وفي نصف ربيع الأول بلغ الكُرُّ من الحِنْطة مئتي دينار وعشرة دنانير، ومن الشعير مئة وعشرين دينارًا، ثم بلغ الكر الحنطة ثلاثمئة وستة عشر دينارًا، وأكل الضُّعفاء المَيْتة، ودام الغلاء وكَثُرَ الموت،

(1)

في النسخ الخطية و (ط): بوران، وهو تحريف، والمثبت من المنتظم (6/ 323) وهو أحد القواد الأتراك، خلع عليه المتقي للّه، وجعله أميرًا للأمراء، ودامت إمارته حتى وفاته سنة (334 هـ)، وهو الذي سمل المتقي وخلعه، وبايع المستكفي، وأخباره مبثوثة في حوادث هذه السنين.

(2)

في المنتظم (6/ 323): قيام الدم.

(3)

هذه هي رواية ابن الجوزي في المنتظم، أما الذهبي فذكر في تاريخ الإسلام (7/ 573) والسير (15/ 93) أنه عاش سبعًا وسبعين سنة.

(4)

أخبار الراضي والمتقي (213) تاريخ بغداد (14/ 321 - 322) الأنساب (1/ 200 - 201) المنتظم (6/ 325) سير أعلام النبلاء (15/ 289 - 290) العبر (2/ 219) مرآة الجنان (2/ 296) الجواهر المضية (2/ 234) شذرات الذهب (2/ 324).

(5)

في (ط): الحسين، وهو تحريف.

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

المنتظم (6/ 325 - 326).

ص: 148

وتقطعتِ السُّبُل، وشُغِلَ الناسُ بالمرض والفَقْر، وترك دفن الموتى، وشغل الناس عن الملاهي واللعب

(1)

.

قال: ثم جاء مطرٌ كأفواه القُرَب، وبلغتْ زيادة دِجْلة عشرين ذراعًا وثلثًا

(2)

.

وذكر ابن الأثير في "كامله" أن محمد بنَ رائق - الذي هو أمير الأمراء ببغداد حيئنذٍ - وقعت بينه وبين أبي عبد اللّه البريدي الذي بواسط وحشة بسبب منع البريدي الخراج الذي عنده، فركب إليه ابنُ رائق ليتسلم ما عنده من المال، فوقعت مصالحة، ورجع ابن رائق [إلى بغداد]

(3)

، فطالبه الجند بأرزاقهم، وضاق عليه حالُه، وتحيَّز جماعةٌ من الأتراك إلى البريدي، فَضَعُفَ جانب ابن رائق، فكاتب البريدي بالوزارة ببغداد، ثم قَطَعَ اسم الوزارة عنه، فاشتدَّ حَنَقُ البريدي

(4)

[عليه](5)، وعزم على أخْذِ بغداد، فبعث أخاه أبا الحسين في جيشٍ [إلى بغداد]

(5)

، فتحصَّن ابنُ رائق مع الخليفة بدار الخلافة، ونُصِبَتْ فيه المجانيق والعرَّادات

(6)

، وعلى دجلة أيضًا، فاضطربت بغداد، ونهب النَّاسُ بعضَهم بعضًا ليلًا ونهارًا، وجاء أبو الحسين أخو أبي عبد اللّه البريدي بمن معه، فقاتلهم الناس في البر وفي دِجْلة، وتفاقم الحال، واشتدَّ الخطب جدًّا مع الغلاء والوباء والفَناء، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون. ثم إن الخليفة وابنَ رائق انهزما في جُمادى الآخرة، ومع الخليفة ابنه أبو منصور في عشرين فارسًا، فقصدوا نحو الموصل، واستحوذ أبو الحسين على دار الخلافة، فَقَتلَ أصحابُ البريدي منْ وجدوا بدار الخلافة من الحاشية، ونهبوها حتى وصل النَّهْبُ إلى الحريم، ولم يتعرَّضوا للقاهر وهو إذ ذاك أعمى مكفوفًا، وأخرجوا كورتكين من الحبس، فبعثه أبو الحسين إلى أخيه عبد الله البريدي، فكان آخر العهد به، ونهبوا بغدادَ جِهارًا علانية، ونزل أبو الحسين بدار مُؤْنس التي كان يسكنها ابن رائق، وكانوا يَكْبسون الدُّور، ويأخذون ما فيها من الأموال والجواري، وغلتِ الأسعار، وضرب أبو الحسين المَكْس على الحِنْطة والشَّعير، وذاق أهلُ بغداد لباسَ الجوع والخوف، وكان مع أبي الحسين في الجيش طائفة كبيرة من القرامطة، فأفسدوا في البلد فسادًا عظيمًا، فوقعت بينهم وبين الأتراك حروبٌ طويلة شديدة، فغلبهم الأتراك وأخرجوهم من بغداد، ووقعت الحرب بين العامَّة والدَّيْلم أيضًا

(7)

.

(1)

المصدر السالف.

(2)

المصدر السالف.

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

انظر الكامل (8/ 379).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ط) بين معترضين: العرادة شيء أصغر من المنجنيق.

(7)

انظر الكامل (8/ 379 - 381).

ص: 149

وفي شعبان من هذه السنة اشتدَّ الحال أيضًا، ونُهبتِ المساكنُ، وكُبِسَ أهلُها ليلًا ونهارًا، وخرج الجُنْدُ من أصحاب البريدي، فنهبوا الغلات من القرى والحيوانات، وجرى ظُلْمٌ لم يسمعْ بمثله، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون

(1)

.

قال ابن الأثير: وإنّما ذكرنا هذا لِيَعْلمَ الظَّلَمَةُ أنَّ أخبارَهُمْ تنقل وتبقى على وجه الدَّهر

(2)

، فربما تركوا الظُّلْمَ لهذا إن لم يتركوه للّه عز وجل

(3)

.

وقد كان الخليفة أرسل وهو ببغداد إلى ناصر الدولة بنِ حَمْدان؛ نائب الموصل والجزيرة يستمدُّه ويستجيش

(4)

به على البريدي، فأرسل ناصر الدولة أخاه سيف الدولة عليًا في جيش كثيف، فلما كان بتكريت إذِ الخليفة وابنُ رائق قد هربا، فرجع معهما سيفُ الدَّوْلة إلى أخيه، وقدَّمَ

(5)

سيف الدولة للخليفة المتقي للّه خدمةً عظيمة في مسيره هذا، ولما وصلوا إلى المَوْصل خرج عنها ناصرُ الدولة، فنزل شرقيها، وأرسل التُّحف والضِّيافات، ولم يجئ [إلى الخليفة]

(6)

خوفًا من الغائلة من جهة ابن رائق؛ نائب العراق وصاحب الشام، فأرسل الخليفة ولدَه أبا منصور ومعه ابن رائق للسَّلام على ناصر الدولة، فصارا إليه، فأمر [ناصر الدولة](6) أن يُنْثَرَ الذَّهب والفِضَّة على رأس ولد الخليفة، وجلسا عنده ساعة، ثم قاما ليرجعا، فركب ابنُ الخليفة، وأراد ابنُ رائق أن يركب معه، فقال له ناصر الدولة: اجلس اليوم عندي حتى نفكر فيما نصنع في أمرنا هذا. فاعتذر إليه بابن الخليفة، واستراب بالأمر، فقبض ابنُ حمدان بكمه، فَجَبَذه ابنُ رائق منه جَبْذة شديدة، فانقطع كُفُه، وركب سريعًا، فسقط عن فرسه، فأمر ناصر الدولة بقتله فَقُتِلَ، وذلك يوم الإثنين لسبعٍ بقين من رجب من هذه السنة، فأرسل الخليفةُ إلى ابنِ حمدان فاستحضره، وخلع عليه، ولقبه ناصرَ الدولة يومئذٍ، وجعله أميرَ الأُمراء، وخلع على أخيه أبي الحسن علي ولقبه سيفَ الدولة يومئذٍ أيضًا.

ولما قُتِلَ ابنُ رائق، وبلغ خبرُ قتله إلى صاحب مصر وهو الإخشيذ محمد بن طُغْج ركب إلى دمشق فتسلَّمها من محمد بن يزداد؛ نائب ابن رائق، ولم ينتطح فيها عنزان. ولما بلغ خبر مقتله إلى بغداد فارق أكثر الأتراك أبا الحسين البريدي لسوء سيرته وخبث سريرته، قبحه الله، وقصدوا الخليفة وابنَ حمدان في

(1)

المصدر السالف.

(2)

في (ط) و (ظا) و (ب): الأرض، والمثبت من (ح).

(3)

في (ط): وإنما ذكرنا هذا ليعلم الظلمة أن أخبارهم الشنيعة تنقل وتبقى بعدهم على وجه الأرض، وفي الكتب، ليذكروا بها ويذموا ويعابوا، وذلك لهم خزي في الدنيا، وأمرهم إلى الله، لعلهم أن يتركوأ الظلم لهذا إن لم يتركوه للّه. وانظر الكامل (8/ 382).

(4)

وفي (ط) يستحثه، وهو تحريف.

(5)

في (ح) و (ط): وخدم، وهو تحريف.

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 150

المَوْصل فتقوَّى بهم ناصر الدولة، وركب هو والخليفة المتقي للّه إلى بغداد، [فلما اقتربوا منها هرب عنها أبو الحسين البريدي، ودخل الخليفة المتقي للّه إلى بغداد]

(1)

ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة، وذلك في شوال من هذه السنة، ففرح به المسلمون فرحًا شديدًا، وبعث [الخليفة]

(2)

إلى أهله - وقد كان أخرجهم إلى سامرَّاء - فردَّهم، وتراجع أعيان الناس إلى بغداد بعدما كانوا قد ترحَّلوا عنها. وردَّ الخليفة أبا إسحاق القراريطي

(3)

إلى الوزارة، وولَّى توزون شرطة جانبيْ بغداد، وبعث ناصرُ الدولة أخاه سيف الدولة في جيشٍ وراء أبي الحسين البريدي، فلحقه عند المدائن، فاقتتلوا قتالًا شديدًا في أيام نحسات، ثم كان آخر الأمر أن انهزم أبو الحسين إلى أخيه بواسط، وقد ركب ناصر الدولة بنفسه، فنزل المدائن قوةً لأخيه، وقد انهزم سيفُ الدولة مَرَّة من أبي الحسين فردَّه أخوه، وزاده جيشًا آخر حتى كسر البريدي، وأسر جماعةً من أعيان أصحابه، وقُتِلَ منهم خلق كثير وجمٌّ غفير. ثم أرسل أخاه سيفَ الدولة إلى واسط لقتال أبي عبد الله البريدي، فانهزم منه البريدي وأخوه إلى البصرة، وتسلَّم سيف الدولة واسط، وسيأتي ما كان من خبره مع البريدي في السنة الآتية، إن شاء اللّه تعالى.

وأما ناصر الدولة فإنه عاد إلى بغداد، فدخلها في ثالث عشر ذي الحِجَّة، وبين يديه الأسارى على الجمال، ففرح النَّاس واطمأنوا، ونظر في المصالح العامة، وأصلح معيار الدينار؛ وذلك أنه وجده قد غُيرَ عما كان عليه، فضرب دنانيرَ سماها الإبريزية، فكانت تباع كل دينار بثلاثة عشر دِرْهمًا، وإنما كان يباع التي قبلها بعشرة.

وعزل الخليفة بدرًا الخَرْشني عن الحجابة، وولاها سلامة الطُّولوني، وجعل بدرًا على طريق الفُرَات، فسار إلى الإخشيذ، فأكرمه واستنابه على دمشق، فمات بها.

وفيها وصلتِ الرومُ إلى قريب حلب، فقتلوا خلقًا، وأسروا نحوًا من خمسة عشر ألف إنسان، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

وفيها دخل الثملي من طَرَسوس إلى بلاد الرُّوم، فقتل وسبى وغَنِم وسَلِم وأسَرَ من بطارقتهم المشهورين منهم خلقًا كثيرًا، وللّه الحمد والمنَّة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إسحاق بن محمد أبو يعقوب

(4)

النَّهْرَجُوري

(5)

: أحد مشايخ الصُّوفية.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط) و (ب).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ط): الفزاري، وهو تحريف.

(4)

في (ط): ابن يعقوب، وهو وهم.

(5)

طبقات الصوفية (378 - 381) حلية الأولياء (10/ 356) الرسالة القشيرية (27) المنتظم (6/ 326 - 327) العبر =

ص: 151

صَحِبَ الجُنَيْد بن محمد، وغيره من أئمة الصُّوفية، وجاور بمكَّة حتى مات بها في هذه السنة. ومن كلامه الحسن قوله: مفاوزُ الدُّنيا تُقْطعُ بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب

(1)

.

الحسين بن [إسماعيل بن محمد بن]

(2)

إسماعيل بن سعيد بن أبَان

(3)

: أبو عبد اللّه، الضَّبّي، القاضي، المَحاملي، الفقيه الشَّافعي، المحدّث.

سمع الكثير، وأدرك خَلْقًا من أصحاب ابن عُيينة نحوًا من سبعين رجلًا.

وروى عن جماعةٍ من الأئمة، وعنه الدَّارَقُطني وخلْق.

وكان يحضُرُ مجلسه نحوٌ من عشرة آلاف، وكان صدوقًا ديِّنًا فقيهًا محدّثًا، ولي قضاء الكوفة ستين سنة، وأضيف إليه قضاء فارس وأعمالها، ثم استعفى من ذلك كلِّه، ولزم منزله، واقتصر على إسماع الحديث.

وكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة عن خمسٍ وتسعين سنة، رحمه الله.

وقد تناظر هو وبعض الشِّيعة بحضرة بعض الأكابر، فجعل الشِّيعي يذكر مواقف علي يوم بدر وأُحُد والخندق وخيبر وحُنَيْن وشجاعته. ثم قال للمَحَاملي: أتعرفها؟ قال: نعَمْ، ولكن أتعرف أين كان الصدِّيق يوم بدر؟ كان مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في العريش بمنزلة الرئيس الذي يُحامى عنه كما يُحامى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي في مقام المبارزة، ولو فرض أنه انهزم أو قتل لم يخذل الجيش بسببه. فأُفحم الشيعي. وقال له المحاملي: وقد قدَّمه الذين رووا لنا الصَّلاة والزكاة والوضوء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثُ لا مال له ولا عبيد ولا عشيرة تمنعه وتجاحف عنه، وإنما قدَّموه لعلمهم أنَّه خَيْرُهم. فأُفحم أيضًا

(4)

.

عليُّ بن محمد بن سَهْل

(5)

: أبو الحسن الصَّائغ؛ أحد الزُّهاد العُبَّاد، أصحاب الكرامات.

= (2/ 221) سير أعلام النبلاء (15/ 232 - 233) الوافي بالوفيات (8/ 423 - 424) النجوم الزاهرة (3/ 275) شذرات الذهب (2/ 325).

(1)

انظر طبقات الصوفية (379).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

أخبار الراضي والمتقي للصولي (230) الفهرست (288) تاريخ بغداد (8/ 19 - 23) المنتظم (6/ 327 - 328) اللباب: (3/ 103 - 104) سير أعلام النبلاء (15/ 258 - 263) تذكرة الحفاظ (3/ 824 - 826) العبر (2/ 222) الوافي بالوفيات (12/ 341 - 342) مرآة الجنان (2/ 297) طبقات الحفاظ (343) شذرات الذهب (2/ 326).

(4)

انظر تاريخ بغداد (8/ 21 - 22).

(5)

طبقات الصوفية (312 - 315) حلية الأولياء (10/ 353 - 408) الرسالة القشيرية (32) المنتظم (6/ 328) صفة الصفوة (4/ 60) حسن المحاضرة (1/ 294) طبقات الشعراني (1/ 19).

ص: 152

رويَ عن مُمْشاد

(1)

أنه شاهد أبا الحسن الصَّائغ يصلّي في الصحراء في شدَّة الحر، ونسرٌ قد نشر جناحه يظلُّه من الحرِّ.

قال ابن الأثير: وفي هذه السنة توفي [أبو الحسن]

(2)

عليُّ بن إسماعيل، الأشْعريُّ المتكلِّم، صاحب المذهب المشهور، وكان مولده سنة ستين ومئتين، وهو من ولدِ أبي موسى الأشعري.

قلت: الصَّحيح أن الأشعريَّ توفي سنةَ أربع وعشرين كما تقدَّم

(3)

.

قال: وفيها توفي محمد بن يوسف بن النَّضْر، الهَرَوي، الفقيه الشَّافعي

(4)

، وكان مولده سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، أخذَ عن الربيع بن سليمان؛ صاحب الشَّافعي.

قلت: وقد توفي فيها أبو حامد بن بلال

(5)

. وزكريا بن أحمد البَلْخي

(6)

. وعبد الغافر بن سلامة الحافظ

(7)

. ومحمد بن رائق الأمير

(8)

. والشيخ أبو صالح مفلح الحنبلي واقف مسجد أبي صالح ظاهر باب شرقي من دمشق، وكانت له كرامات وأحوال ومقامات.

‌ترجمة أبي صالح الدِّمَشْقي

(9)

الذي ينسب إليه المسجد ظاهر باب شرقي بدمشق.

مفلح بن عبد اللّه، أبو صالح المتعبد، صَحِبَ الشيخ أبا بكر محمد بن سيد حَمْدويه الدِّمَشْقي، وتأدَّب به، وروى عنه الموحِّد بن إسحاق بن البَرِّي، وأبو الحسن علي بن القُجَّة؛ قيم المسجد، وأبو بكر محمد بن داود الدِّينوري الدُّقِّي.

روى الحافظ ابنُ عساكر من طريق الدُّقِّي عن الشيخ أبي صالح، قال: كنت أطوف بجبل اللُّكام أطلب الزُّهَّاد، فمررت برجل جالسٍ على صخرةٍ مطرقًا، فقلت له: ما تصنع هاهنا؟ فقال: أنظر

(1)

ترجمته في طبقات الصوفية (216).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

انظر وفيات سنة (324 هـ)، وانظر الكامل لابن الأثير (8/ 393).

(4)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (15/ 252 - 254).

(5)

هو المعروف بالخَشَّاب، ترجمته في السير (15/ 284 - 285).

(6)

ترجمته في سير أعلام النبلاء (15/ 293 - 294).

(7)

ترجمته في السير (15/ 294).

(8)

سلفت أخباره في حوادث السنة الفائتة، وله ترجمة في سير أعلام النبلاء (15/ 325 - 326).

(9)

تاريخ ابن عساكر (س)(خ)(19/ 41 أ - 41 ب) سير أعلام النبلاء (15/ 84 - 85) العبر (2/ 224) مرآة الجنان (2/ 298) النجوم الزاهرة (3/ 275) الدارس في تاريخ المدارس (2/ 102 - 103) القلائد الجوهرية (1/ 167) شذرات الذهب (2/ 328).

ص: 153

وأرعى. فقلت: لا أرى بين يديك شيئًا إِلَّا الحجارة، فقال: أنظر خواطر قلبي، وأرعى أوامر ربي، وبحق الذي أظهرك عليَّ إِلَّا جزتَ عني

(1)

. فقلت: كلِّمني بشيءٍ أنتفع به حتى أمضي. فقال لي: من لَزِمَ البابَ أُثبت في الخدم، ومن أكثر ذكر الذنوب

(2)

أكثر الندم، ومن استغنى بالله أمِنَ العدم. ثم تركني ومضى

(3)

.

وعن الشيخ أبي صالح: مكثتُ ستة أو سبعة أيام لم آكل ولم أشرب، ولحقني عطشٌ عظيم، فجئت النهرَ الذي وراء المسجد، فجلست أنظر إلى الماء، فتذكَّرْتُ قوله تعالى:{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] فذهب عني العطش، فمكثت تمام العشرة أيام

(4)

.

وعنه قال: مكثت أربعين يومًا لم أشرب ماءً، فلقيني الشيخ أبو بكر محمد بن سيد حمدويه، فأخذ بيدي فأدخلني منزله وجاء بماء، وقال لي: اشرب. فشربت، فأخذ فضلتي، وذهب إلى امرأته فقال لها: اشربي فَضْلَ رجلٍ قد مكث أربعين يومًا لم يشرب الماء. قال أبو صالح: ولم يكن اطلع على ذلك مني أحدٌ إِلَّا اللّه عز وجل

(5)

.

ومن كلام أبي صالح: الدُّنيا حرامٌ على القلوب حلال على النفوس؛ لأن كل شيء يحل لك أن تنظر [إليه] بعين رأسك، فيحرم عليك أن تنظر [إليه] بعين قلب

(6)

.

وكان يقول: البدن لباس القلب، والقلب لباسُ الفؤاد، والفؤاد لباس الضَّمير، والضَّمير لباس السِّرِّ، والسِّرُّ لباسُ المعرفة.

ولأبي صالح مناقبُ كثيرةٌ رحمه الله وأكرم مثواه، وقد كانت وفاته في جُمادى الأولى من هذه السنة.

‌ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة

في هذه السنة دخل سيف الدولة إلى واسط، وقد انهزم عنها أبو عبد الله البريدي وأخوه أبو الحسين، فاختلف التُّرْك على سيف الدولة، ومالوا إلى توزون، وهمَّ بالقيض على سيف الدولة، فهرب منهم

(1)

في (ط): وبالذي أطلعك علي إِلَّا صرفت بصرك عني.

(2)

في (ط): الموت.

(3)

تاريخ ابن عساكر" (س)(خ): 41 أ.

(4)

"تاريخ ابن عساكر"(خ): 141.

(5)

"تاريخ ابن عساكر"(خ) 41 أ - 41 ب.

(6)

المصدر السالف، وما بين حاصرتين منه.

ص: 154

قاصدًا إلى بغداد، وبلغ أخاه ناصر الدولة أبا محمد الحسن بن عبد اللّه بن حمدان

(1)

الملقب بأمير الأمراء ببغداد الخبر، فخرج من بغداد إلى المَوْصل، فنهبت داره ببغداد. فكانت إمارة ناصر الدولة على بغداد ثلاثة عشر شهرًا وخمسة أيام. وجاء أخوه سيف الدولة بعد خروجه منها، فنزل بباب حَرْب، وطلب من الخليفة أن يمدَّه بمالٍ يتقوَّى به على حرب توزون، فبعث إليه بأربعمئة ألف دِرْهم، ففرَّقها في أصحابه. وحين سمع بقدوم توزون خرج من بغداد، ودخلها توزون في الخامس والعشرين من رمضان، فخلع عليه المتقي، وجعله أمير الأمراء، واستقر أمره ببغداد.

وعند ذلك رجع أبو عبد اللّه البريدي إلى واسط، وأخرج منْ كان بها من أصحاب توزون، وكان في أسر توزون غلامٌ لسيف الدولة يقال له ثمال، فأرسله إلى مولاه، فَحَسُنَ موقع ذلك عند آل حمدان.

وفي هذه السنة كانت زَلْزلةٌ عظيمة ببلاد نسا، سقط منها عِماراتٌ كثيرة، وهَلَك بسببها خَلْقٌ كثير.

قال ابن الجوزي: وكان ببغداد في أيلول وتشرين حرٌّ شديد يأخذ بالأنفاس. وفي صفر ورد الخبر بورود الرُّوم إلى أرْزَن ومَيَّافارِقِين، وأنهم سَبَوْا وحرقُوا

(2)

.

وفي ربيع الآخر من هذه السنة عُقِدَ عقد أبي منصور إسحاق بن الخليفة المتقي للّه على علوية بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان

(3)

، على صَداق مئة ألف دينار وألف ألف دِرْهم، وولي العقد على الجارية أبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي، ولم يحضر ناصر الدولة، وضرَبَ ناصر الدولة سكَّة زاد في الكتابة عليها: عبد آل محمد

(4)

.

قال ابنُ الجوزي: وفي آذار من هذه السنة غَلَتِ الأسعار حتى أكلَ الناس الكلاب، ووقع الوباء في الناس، ووافى من الجراد شيءٌ كثير جدًّا، حتى أبيع منه كل خمسين رطلًا بدرهم، فارتفق النَّاسُ به في الغلا

(5)

.

وفيها ورد كتابُ ملكِ الرُّوم إلى الخليفة يطلب فيه منديلًا بكنيسة الرُّها، كان المسيح قد مسحَ وجهه به فصارت صورة وجهه فيه، ويعد المسلمين أنه إذا أرسل إليه يبعث من أسارى المسلمين خلقًا كثيرًا، فأحضر الخليفة العلماء، فاستشارهم في ذلك، فمن قائلٍ نحن أحق بعيسى منهم، وفي بعثه إليهم غضاضةٌ

(6)

على المسلمين وَوَهْنٌ، فقال عليُّ بنُ عيسى الوزير: يا أمير المؤمنين، إنقاذ أسارى

(1)

في (ح) و (ظا): أبا عبد اللّه الحسين بن سعيد بن حمدان، وهو وهم.

(2)

المنتظم (6/ 330).

(3)

في النسخ الخطية: ناصر الدولة بن محمد بن حمدان، وهو وهم.

(4)

انظر أخبار الراضي والمتقي (231).

(5)

المنتظم (6/ 331).

(6)

أي ذل. اللسان (غضض).

ص: 155

المسلمين من أيدي الكُفَّار أنفعُ للنَّاس من بقاء ذلك المنديل بتلك الكنيسة. فأمر الخليفة بإرسال ذلك المنديل إليهم، وتخليص الأسارى من أيديهم

(1)

.

قال الصُّولي: ووصل الخبر بأن القِرْمِطي ولد له مولود، فأهدى إليه أبو عبد اللّه البريدي هدايا عظيمة، منها مهدٌ من ذهب مرصَّع بالجوهر

(2)

.

وكثر الرَّفض ببغداد، فنودي بها: منْ ذكر أحدًا من الصحابة بسوء فقد بَرِئَتْ منه الذِّمَّة.

وبعث الخليفة إلى عماد الدولة بن بُوَيْه خِلَعًا، فقبلها ولبسها بحضرة القضاة والأعيان.

وفيها كانت وفاة السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل السَّاماني، صاحب خُرَاسان وما وراء النهر، وقد مَرِضَ قبل موته بالسل سنة وشهرًا، فاتخذ في داره بيتًا سماه بيت العِبَادة، فكان يَلْبَس ثيابًا نظافًا ويمشي [إليه] حافيًا ويصلِّي فيه، ويتضرع، وأكثر الصيام، وتجنب المنكرات والآثام إلى أن مات، رحمه الله، فقام بالأمر من بعده ولدُه نوح بن نصر السَّاماني في شعبان من هذه السنة، ولقب بالأمير الحميد، وقَتَلَ محمد بن أحمد النَّسفي البردهي - وكان قد طعن فيه عنده - وصلبه.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

سنان بن ثابت بن قُرَّة

(3)

الصَّابئ

(4)

: أبو سعيد المتطبب.

أسلم على يد القاهر باللّه ولم يُسْلم ولده ولا أحدٌ من أهل بيته، وكان مقدَّمًا في الطب، وفي علومٍ أخر كثيرة. وكانت وفاته في ذي القَعْدة من هذه السنة بعلة الذَّرَبِ

(5)

، فلم تُغنِ عنه صناعته شيئًا حين جاءه الموت.

وما أحسن ما قال بعض الشعراء في هذا المعنى:

قُلْ للذي صَنَعَ الشَّرابَ بكفِّهِ

أتَرُدُّ مَقْدورًا [عليكَ إذا] جَرَى

(6)

ماتَ المُدَاوي والمُدَاوى والذي

صنَعَ الشَّرابَ بكفِّهِ ومنِ اشْتَرى

(1)

المنتظم (6/ 331).

(2)

أخبار الراضي والمتقي (233).

(3)

في النسخ الخطية و (م): ثابت بن سنان بن قرة، وهو وهم.

(4)

عيون الأنباء في طبقات الأطباء (300 - 304).

(5)

داء يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام، ويفسد فيها ولا تمسكه. اللسان (ذرب).

(6)

في (ح): أترد مقدورًا جرى مقتدرًا، وفي (ظا) و (ب): أترد مقدورًا جرى، وأضف ما بين حاصرتين في (ط): أترد مقدورًا [عليك قد] جرى، وقد أثبتنا ما رأيناه أتمَّ للمعنى وأوفق للوزن.

ص: 156

أبو الحسن الأشعري

(1)

: وذكر ابنُ الجوزي في "المنتظم" وفاة الأشعري في هذه السنة وتكلَّم فيه، وحطَّ عليه كما جرت عادة الحنابلة؛ يتكلَّمون في الأشعرية قديمًا وحديثًا. وذكر أنه ولد سنة ستين ومئتين، وأنه توفي في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة، وأنه صَحِبَ الجُبَّائي أربعين سنة، ثم رجع عنه، وأنه توفي ببغداد، ودفن بمشرعة الرَّوايا

(2)

.

محمد بن أحمد بن يعقوب بن شَيْببَة

(3)

بن الصَّلت: السَّدُوسي مولاهم، أبو بكر.

سمع جدَّه، وعباسًا الدُّوري، وغيرهما، وعنه أبو عمر

(4)

بن مهدي.

وكان ثقةً.

روى الخطيب أن والد محمد هذا حين ولد أخذ طالعَ مولده المنجمون، فحسبوا عمره [وقالوا: إنه يعيش كذا وكذا]

(5)

، فأرصد له أبوه حُبًّا

(6)

[فكان يلقي]

(7)

فيه عن كلِّ يومٍ دينارًا، ثم أرصد له حُبًّا آخر لذلك، ثم آخر لذلك، فكان يعدل كل يوم بثلاثة دنانير، ومع هذا ما أفاده شيئًا، بل افتقر حتى صار يستعطي من الناس، ويحضر مجلس السماع عليه بلا إزار، ويتصدَّق عليه أهل المجلس بشيء يقوم بأَوَدِهِ

(8)

. والسَّعيد من أسعدَه اللّه.

محمد بن مَخْلَد بن حَفص

(9)

: أبو عمر

(10)

، الدُّوري

(11)

، العَطَّار.

كان يسكن الدُّور؛ وهي محلة بطرف بغداد.

(1)

سلفت ترجمته في وفيات (324 هـ).

(2)

انظر المنتظم (6/ 332 - 333).

(3)

تاريخ بغداد (1/ 373 - 375) الأنساب (7/ 59 - 60) المنتظم (6/ 333 - 334) سير أعلام النبلاء (15/ 312 - 313) العبر: (2/ 225 - 226) الوافي بالوفيات (2/ 39) شذرات الذهب (2/ 329).

(4)

في (ط) أبو بكر، وهو تحريف.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ح) و (ب) و (ط): جبًا، وهو تصحيف، والحُبُّ: الجرة، أو الضخمة منها.

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

انظر تاريخ بغداد (1/ 374 - 375).

(9)

في (ط): جعفر وهو تحريف.

(10)

في مصادر ترجمته: "أبو عبد الله". وهو الصواب، فكأنه اشتبه عليه بأبي عمر الدوري.

(11)

الفهرست (325) تاريخ بغداد (3/ 310 - 311) طبقات الحنابلة (2/ 73 - 74) المنتظم (6/ 334) تذكرة الحفاظ (3/ 828 - 829) سير أعلام النبلاء (15/ 256 - 257) العبر (2/ 227) طبقات الحفاظ (334 - 345) شذرات الذهب (2/ 331).

ص: 157

سمع الحسن بنَ عرفة، والزُّبير بن بكَّار، ومُسْلم بن الحَجَّاج، وغيرهم. وعنه الدَّارَقُطني، وجماعةٌ من الحفاظ.

وكان ثِقَةً، فَهِمًا، واسعَ الرِّواية، مشكورَ الدِّيانة، مشهورًا بالعبادة.

وكانت وفاته في جُمادى الآخرة من هذه السنة، وقد استكمل سبعًا وتسعين

(1)

سنة وثمانية أشهر وواحدًا وعشرين يومًا.

المجنون البغدادي

(2)

: روى ابنُ الجَوْزي من طريق أبي بكر الشِّبْلي قال: رأيت مجنونًا عند جامع الرُّصَافة وهو عُرْيان وهو يقول: أنا مجنون اللّه، أنا مجنون اللّه. فقلت له: ما لك، ألا تستتر وتدخل الجامع وتصلّي؛ فأنشأ يقول:

يقولونَ زُرْنا واقْضِ واجِبَ حَقِّنا

وقد أسْقَطَتْ حالي حُقُوقَهُمُ عنِّي

إذا هُمْ رَأوْا حالي ولم يأنفوا لها

ولم يأنفوا منها أنفتُ لهم منِّي

(3)

‌ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمئة

فيها خرج المتقي من بغداد إلى المَوْصل مغاضبًا لتوزون أمير الأمراء، وكان إذ ذاك بواسط، وقد زوَّج ابنته من أبي عبد الله البريدي، وصارا يدًا واحدةً على الخليفة. وأرسل ابنَ شيرزاد في ثلاثمئة غلام إلى بغداد، فأفسد فيها، وقَطَعَ وَوَصَل، واستقل بالأمور من غير مراجعةِ المتقي للّه، فغضب المتقي، وخرج منها مغاضبًا [له]

(4)

بأهله وأولاده ووزيره، ومن اتبعه من الأمراء وأعيان أهل بغداد، قاصدًا ابنَيْ حمدان، فتلقاه سيفُ الدولة إلى تكريت، ثم جاءه ناصرُ الدولة وهو بتكريت أيضًا، وحين خرج المتقي أكثر ابنُ شيرزاد الفساد ببغداد، وظلَمَ أهلها وصادَرَهم، وأرسل يعلم توزون، فأقبل مسرعًا نحو تكريت فتقاتل هو وسيف الدولة بن حمدان، فَهُزمَ سيفُ الدولة، وأُخذ معسكره ومعسكر أخيه ناصر الدولة، ثم كَرَّ إليه سيفُ الدولة، فهزَمه توزون أيضًا، وانهزم الخليفة المتقي وناصر الدولة وسيف الدولة من المَوْصل إلى نَصيبين، وجاء توزون فدخل إلى الموصل، وأرسل إلى الخليفة يطلب رضاه، فأرسل الخليفة يقول: لا سبيل إلى ذلك إِلَّا أن تصالح بني حمدان، فاصطلحوا، وضَمِنَ ناصرُ الدولة بلادَ الموصل بثلاثة آلاف ألف وستمئة ألف، ورجع توزون إلى بغداد، وأقام الخليفة عند بني حَمْدان.

(1)

في (ط): وسبعين، وهو تصحيف.

(2)

المنتظم (6/ 335).

(3)

المنتظم (6/ 335).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 158

وفي غيبة توزون عن واسط أقبل إليها معزُّ الدولة بن بُوَيْه في خَلْقٍ من الدَّيْلم كثيرين، فانحدر توزون مسرعًا إلى واسط، فاقتتل مع معز الدولة بضعة عشر يومًا، وكان آخرَ الأمر أن انهزم معز الدولة، ونُهِبَتْ حواصله، وقُتِلَ من جيشه خَلْقٌ كثير، وأُسر جماعة من أشراف أصحابه.

ثم عاود توزون ما كان يعتريه من مرض الصَّرْع، فشغل بنفسه، فرجع إلى بغداد.

وفي هذه السنة قَتَلَ أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف، وكان سبب ذلك أن أبا عبد الله قَلَّ ما كان عنده من الأموال، فكان يستقرض من أخيه أبي يوسف، فيفرضه القليل، ثم يشنِّع عليه، ويذُمُّ تصرُّفه، فمال الجُنْدُ إلى أبي يوسف، وأعرضوا عن أبي عبد اللّه، فخشيَ أبو عبد اللّه أن يبايعوه ويتركوه، فأرسل إليه طائفةً من غِلْمانه، فقتلوه غِيْلَةً، ثم انتقل إلى داره، وأخذ جميعَ حَوَاصله وأمواله، فكان قيمة ما استحوذ عليه من الأموال يقارب ثلاث آلاف ألف

(1)

دينار. ولم يمتَّعْ بعده إِلَّا ثمانية أشهر، مرض فيها مرضًا شديدًا بالحمَّى الحادة، حتى كانت وفاته في شوَّال من هذه السنة، فقام بالأمر بعده أخوه أبو الحسين - قبحه الله - فأساء السيرة في أصحابه، فثاروا به، فلجأ إلى القرامطة، فاستجار بهم، وقام بالأمر من بعده أبو القاسم بن أبي عبد اللّه البريدي في بلاد واسط والبصرة وتلك النواحي من الأهواز وغيرها.

وأما الخليفة المتقي لله فإنه لما أقام عند آل حَمْدان بالمَوْصل ظهر له منهم تضجُّر، وأنهم يرغبون في مفارقته، فكتب إلى توزون في الصُّلْح، فاجتمع توزون مع القضاة والأعيان ببغداد، وقرؤوا كتاب الخليفة، وقابله بالسمع والطاعة، وحلف له، ووضع خطَّة بالإقرار له، ولمن معه بالإكرام والاحترام والخضوع، فكان من الخليفة ودخوله إلى بغداد ما سيأتي في السنة الآتية.

وفي هذه السنة أقبلت طائفةٌ من الزُوس في البحر إلى نواحي أذْرَبيجان، فقصدوا برذعة، فحاصروها، فلما ظفروا بأهلها قتلوهم عن آخرهم، وغنموا أموالهم، وسَبَوْا منِ استحسنوه من نسائهم، ثم مالوا إلى مَرَاغة، فوجدوا فيها ثمارًا كثيرة، فأكلوا منها؛ فأصابهم وباءٌ شديد، فمات أكثرهم، فكان إذا مات أحدهم دفنوا معه سلاحه وماله، فيأخذه المسلمون، وأقبل إليهم المَرْزُبان بن محمد، فقاتلهم فقتل منهم خلقًا كثيرًا أيضًا مع ما أصابهم من الوباء الشديد، وطهَّرَ اللّه تلك البلاد منهم.

وفي ربيِع الأول من هذه السنة جاء الدمستق؛ ملك الرُّوم إلى رأس العين

(2)

في ثمانين ألفًا، فدخلَها، ونهَبَ ما فيها، وقتلَ أهلها وسبى منهم نحوًا من خمسة عشر ألفًا، وأقام بها ثلاثة أيام، وقصدته الأعراب من كل وجه، فقاتلوه قتالًا عظيمًا حتى انجلى عنها.

وفي جُمَادى الأولى غلتِ الأسعار ببغداد جدًّا، وكَثُرتِ الأمطار جدًّا حتى تهدَّم البناء، ومات كثير

(1)

في (ح) و (ج): ثلاثمئة ألف ألف.

(2)

من مدن الجزيرة بين حران ونصيبين ودنيسر "معجم البلدان": (3/ 14).

ص: 159

منَ الناس تحت الهَدْم، وتعطلت كثير من الحمَّامات والمساجد من قِلَّة الناس، ونقصت قيمة العقار حتى كان يباع بالدِّرْهم ما كان يساوي الدِّينار، وخَلَت أكثر الدور؛ فكان المُلاك يعطون من يسكنها أُجرة ليحفظها عليهم من الدَّاخلين إليها لتخريبها. وكَثُرَتْ الكبسات من اللصوص بالليل، حتى كان الناس يتحارسون بالبوقات والطُبول، وكثرت الفِتنُ من كل جهة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

وفي رمضان من هذه السنة كانت وفاة

(1)

:

أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجَنَّابي

(2)

الهَجَري

(3)

القِرْمِطِي: رئيس القرامطة، لعنه اللّه، وهذا هو الذي قَتَلَ الحجيج حولَ الكعبة وفيها، وسلبها كُسْوتها

(4)

وبابها وحليتها، واقتلع الحجر الأسود من ركنها، وحمله إلى بلده هَجَر، وهو في هذه المدة كلها عنده من سنة سبع عشرة كما ذكرنا

(5)

، ولم يردَّه الأخابث إلى سنة تسع وثلاثين كما سيأتي

(6)

.

ولما مات أبو طاهر هذا قام بالأمر بعده في القرامطة إخوته الثلاثة، وهم: أبو العباس الفَضْل، وأبو القاسم سعيد، وأبو يعقوب يوسف بنو أبي سعيد الجَنَّابي لعنهم الله، وكان أبو العَبَّاس ضعيفَ البدن، مقبلًا على قراءة الكتب، وكان أبو يعقوب مقبلًا على اللهو واللعب، ومع هذا [كانت]

(7)

كلمة الثلاثة واحدة لا يختلفون في شيء، وكان لهم سبعة من الوزراء متفقون أيضًا، قبحهم الله أجمعين.

وفي شوال منها توفي أبو عبد الله البَرِيْدي كما ذكرنا، فاستراح المسلمون من هذا وهذا.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو العبَّاس بن عُقْدة الحافظ

(8)

أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن، أبو العَبَّاس، الكوفي،

(1)

ذكر ابن خلكان في "وفياته": (2/ 150) أنه قتل، والصحيح أنه مات بالجدري كما ذكر كل من ترجم له.

(2)

أنظر حاشيتنا على وفيات سنة (301 هـ).

(3)

تاريخ أخبار القرامطة (36) وما بعدها، المنتظم (6/ 336) الكامل لابن الأثير (8/ 143) وما بعدها، وفيات الأعيان (2/ 148 - 150) سير أعلام النبلاء (15/ 320 - 325) العبر (2/ 167 - 168) الوافي بالوفيات (15/ 363 - 366) مرآة الجنان:(2/ 271 - 273) تاريخ ابن خلدون (3/ 377 - - 379) النجوم الزاهرة (3/ 224 - 281) شذرات الذهب (2/ 331 - 332).

(4)

في (ح): وسلبها ستورها وحليتها.

(5)

انظر أحداث سنة (317 هـ).

(6)

انظر أحداث سنة (339 هـ).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

الفهرست للطوسي (28 - 29) تاريخ بغداد (5/ 14 - 22) المنتظم (6/ 336 - 337) تذكرة الحفاظ (3/ 839 - 842) سير أعلام النبلاء (15/ 340 - 355) العبر (2/ 230) ميزان الاعتدال (1/ 136 - 138) الوافي بالوفيات =

ص: 160

المعروف بابن عُقْدة؛ لقِّب أبوه بذلك من أجل تعقيده في التصريف والنحو، وكان عقدةُ ورعًا ناسكًا، وكان أبو العباس بن عقدة من الحفاظ الكبار.

سمع الحديث الكثير، ورحل فسمع من خلائق من المشايخ.

وسمع منه الطبراني، والدَّارَقُطْني، وابنُ الجِعابي، وابن عَدِي، وابن المظفَّر، وابن شاهين.

قال الدَّارَقُطْني: أجمعَ أهلُ الكوفة أنه لم يُرَ من زمنِ ابنِ مسعود إلى زمان ابنِ عُقْدة أحفظُ منه.

ويقال إنه كان يحفظُ نحوًا من ستمئة ألف حديث؛ منها ثلاثمئة ألف في فضائل أهل البيت، بما فيها من الصِّحاح والضِّعاف، وكانت كُتُبه ستمئة حِمْل جمل، وكان يُنسبُ مع هذا كلِّه إلى التشيع. فقال الدَّارَقُطني: كان رجلَ سوء، ونسبه ابنُ عدي إلى أنه كان يسوِّي النسخ لأشياخٍ ويأمرهم بروايتها.

وقال الخطيب: حدَّثني عليُّ بنُ محمد بن نَصْر، قال: سمعت حمزة بن يوسف [يقول]: سمعت أبا عمر بن حيويه يقول: كان ابنُ عُقْدَةَ يجلس في جامع براثى

(1)

يملي مثالب الصَّحابة - أو قال: الشيخين - فتركتُ حديثه، لا أحدث عنه بشيء

(2)

.

قلتُ: وقد حَرَّرْتُ الكلامَ فيه بما فيه كفاية في كتابي "التكميل"، ولله الحمد والمنة. وكانت وفاته في ذي القَعْدة منها.

أحمد بن عامر

(3)

بن بشِر بن حامد المَرَورُّوذِي

(4)

: نسبةً إلى مَرْو الرُّوذ، والرُّوذ: النهر.

الفقيه الشافعي تلميذ الشيخ أبي إسحاق المروزي - نسبةً إلى مرو الشَّاهِجان؛ وهي أعظم من تلك - شرح مختصر المُزني، وله كتاب "الجامع في المذهب"، وصنَّف في أُصول الفِقْه، وكان إمامًا لا يُشقُّ غبارُه.

= (7/ 395 - 396) مرآة الجنان (2/ 311) لسان الميزان (1/ 263 - 266) النجوم الزاهرة (3/ 281) طبقات الحفاظ (348 - 349) شذرات الذهب (2/ 332).

(1)

انظر أحداث سنة (313 هـ).

(2)

تاريخ بغداد (5/ 22).

(3)

في أغلب المصادر: أحمد بن بشر بن عامر، وهو الصواب، فقد نص على ذلك تلميذه أبو حيان في البصائر والذخائر (مج 3/ 217) وقال السبكي في طبقاته: وعكس الشيخ أبو إسحق، فقال: ابن عامر بن بشر.

(4)

الفهرست (301) طبقات العبادي (76) طبقات الفقهاء للشيرازي (114) معجم البلدان (5/ 112) وفيات الأعيان (1/ 69 - 70) سير أعلام النبلاء (16/ 166 - 167) العبر (2/ 326) الوافي بالوفيات (6/ 265) ومرآة الجنان (2/ 375) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 12 - 13) طبقات ابن هداية الله (86 - 87) شذرات الذهب (3/ 40) وقد ذكره أبو حيان في كتابه البصائر والذخائر (مج 1/ 174، 304 - 305، 551، ومج 2/ 474 - 475، مج 3/ 217، 666).

ص: 161

توفي في هذه السنة

(1)

رحمه الله، واللّه تعالى أعلم بالصَّواب، وإليه المرجع والمآب.

‌ثم دخلت سنة ثلاثٍ وثلاثين وثلاثمئة

فيها رجع الخليفة المتقي إلى بغداد، وخُلع من الخِلافة وسُمِلَت عيناه. كان المتقي - وهو مقيم بالمَوْصل - قد أرسل إلى الإخشيذ محمد بن طُغْج؛ صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية [أن يأتيه]

(2)

، فأقبل إليه وقدم عليه في المنتصف من المحرَّم من هذه السنة، وخضع للخليفة غايةَ الخضوع، وكان يقوم بين يديه كما يقوم الغِلْمان، ويمشي والخليفةُ راكب، ثم عَرَضَ عليه أن يصيرَ معه إلى الدّيار المصرية أو يقيم ببلاد الشام، فأبى عليه ذلك، فأشار عليه بالمقام بمكانه الذي هو فيه، ولا يذهب إلى توزون ببغداد، وحذَّره من توزون ومكره وخديعته، فلم يقبل، وكذلك أشار على وزيره

(3)

أبي الحسين بن مُقْلة فلم يسمع. فأهدى إلى الخليفة هدايا كثيرة فاخرة، وكذلك إلى الأمراء والكبراء والوزير، ثم كرَّ راجعًا إلى بلاده، وقد اجتاز بحلب، فانحاز عنها صاحبها أبو عبد اللّه بن سعيد بن حمدان. وكان ابن مقاتل بها، فأرسله إلى الديار المصرية نائبًا عنه حتى يعود إليها.

وأما الخليفة فإنه ركب من الرَّقة في دِجْلة إلى بغداد، وأرسل إلى توزون، فاستوثق منه ما كان حلف من الأيمان، فأكَّدها وقرَّرها، فلما اقترب منها خرج إليه توزون ومعه العساكر، فلما رأى الخليفة قبَّل الأرض بين يديه، وأظهر له أنه قد وَفَى له بما كان حلف عليه، وأنزله في مضربه، ثم جاء، فاحتاط على من معه من الكبراء، وأمر بسَمْلِ عيني الخليفة، فَسُملتْ عيناه، فصاح صيحةً عظيمة سمعها الحُرَم، فضجَّتِ الأصواتُ بالبكاء، فأمر توزون بضرب الدَّبادب حتى لا تسمع أصوات الحُرَم، ثم انحدر من فوره إلى بغداد، فبايع المستكفي باللّه، فكانت خلافة المتقي للّه ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يومًا، وقيل: وأحد عشر شهرًا. وستأتي ترجمته عند ذكر وفاته

(4)

.

(1)

هكذا قال، متابعًا شيخه الذهبي في تاريخ الإسلام، فقد ذكره في وفيات هذه السنة وسماه:"أحمد بن عامر بن بشر" أيضًا (7/ 654)، وهو وهم في اسمه وفي سنة وفاته، فاسمه الصحيح هو "أحمد بن بشر بن عامر"، ووفاته في سنة 362، وقد ذكره الذهبي على الصواب في وفيات السنة المذكورة من تاريخه (8/ 199)، وكتبه في "السير" على الصواب أيضًا، وإنما يحدث مثل هذا بسبب اختلاف الموارد.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ط): وكذلك أشار عليه وزيره، وهو تحريف، وأبو الحسين بن مقلة، وهو ابن أبي علي بن مقلة الوزير المشهور.

(4)

انظر حوادث سنة (357 هـ).

ص: 162

‌خلافةُ المستكفي باللّه أبي القاسم عبد اللّه بن المكتفي بن المعتضد

لما رجع توزون إلى بغداد وقد خلع المتقي للّه وسمله، استدعى بعبد اللّه بن المكتفي، فبايعه على الخلافة، ولقب بالمسكتفي باللّه، وذلك في العَشْر الأواخر من صفر من هذه السنة، وجلس توزون بين يديه، وخلع عليه المستكفي خِلْعة سنية، وكان المستكفي مليحَ الشكل، رَبْعَةً، حسنَ الجِسْم والوجه، أبيضَ اللون مشربًا، أكحل، أقنى الأنف، خفيفَ العارضين، وعمره يوم بويع بالخلافة إحدى وأربعون سنة. وأُحضر المتقي بين يديه، وبايعه، وأخذ منه البُرْدة والقضيب، واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السَّامري، ولم يكن إليه من الأمر شيء، وإنما الذي يتولى الأمور ابن شيرزاد، وحُبس المتقي بالسجن. وطلب المستكفي أبا القاسم الفَضْل بن المقتدر، وهو الذي ولي الخلافة بعد ذلك، ولقِّب المطيع للّه

(1)

؛ فاختفى منه ولم يظهر مدة خلافة المستكفي، فأمر المستكفي بهدم داره التي عند دِجْلة.

‌موت القائم الفاطمي وولاية ولده المنصور

وفي رمضان من هذه السنة - والصحيح في شوال من التي بعدها

(2)

- توفي القائم بأمر اللّه أبو القاسم بن المهدي، وقد عهد بالأمر من بعده لولده المنصور إسماعيل، فكتم موت أبيه مُدَّة حتى أتقن

(3)

أمره ثم أظهره.

وقد كان أبو يزيد الخارجي قد حاربهم في هذه السنة، وأخذ منهم مُدُنًا كبارًا، وكسروه مرارًا متعددة، ثم يثور عليهم، ويجمع الرِّجال ويقاتلهم بمن قدر عليه، فانتدب المنصور لقتال أبي يزيد بنفسه، وركب في الجيوش، وجرت بينهما حروبٌ يطول ذكرُها، وقد بسطها ابن الأثير في "كامله"

(4)

. وقد انهزم في بعض الأحيان جيش المنصور عنه ولم يبق إِلَّا في عشرين نفسًا، فقاتل بنفسه قتالًا عظيمًا، فهزم أبا يزيد بعدما كاد يقتله، وثبت المنصور ثباتًا عظيمًا، فعظُم في أعين الناس، وزادت حرمته وهيبتُه، واستنقذ بلاد القيروان منه، وما زال يحاربه المنصور حتى ظفر به وقتله، ولما جيء برأسه سَجدَ شكر اللّه عز وجل.

وكان أبو يزيد هذا قبيحَ الشكل، أعرجَ، قصيرًا، خارجيًا شديدًا، يرى تكفير أهل المِلَّة، قبحه اللّه في الدنيا والآخرة.

(1)

سيأتي ذلك في حوادث سنة (334 هـ).

(2)

انظر حوادث سنة (334 هـ).

(3)

في (ب) و (ظا): استقر، وفي (ط): اتفق.

(4)

انظر الكامل (8/ 422 - 441).

ص: 163

وفي ذي الحجَّة من هذه السنة قُتِلَ أبو الحسين البريدي، وصُلِبَ، ثم أحرف؛ وذلك لأنه قَدِمَ بغداد، يستنجد بتوزون وأبي حعفر بن شيرزاد على ابن أخيه، فوعده النَّصْر، ثم شرع يفسد ما بين توزون وابن شيرزاد، فعلم بذلك ابنُ شيرزاد، فأمر بسجنه وضربه، وأحضر له بعض الفقهاء فُتيا عليها خطوط الفقهاء بإباحة دمه، فاستظهر عليه بذلك، وأمر بقتله وصلبه، ثم أحرقه، وانقضت أيام البريديهين، وزالت دولتهم، لا جمع اللّه بهم شملًا.

وفي هذه السنة أخرج المستكفي بالله القاهر من دار الخلافة - الذي كان خليفة ثم سملت عيناه - وأنزله بدار ابن طاهر، وقد افتقر، ولم يبق له من اللِّباس سوى بطن جُبَّة

(1)

يلتفُّ بها، وفي رِجْله قبقابٌ من خشب. وفي هذه السنة ركب معزُّ الدولة في رجب منها إلى واسط ليحاصرها فبلغ خبره إلى توزون، فركب هو والمستكفي بالله، فلما سمع بهم معز الدولة رجع عنها إلى بلاده، وتسلمها الخليفة، وضمنها أبو القاسم بن أبي عبد الله، فضمَّنه توزون، ثم رجع هو والخليفة إلى بغداد في شوال من هذه السنة.

وفي هذه السنة ركب سيفُ الدولة عليُّ بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب، فتسلمها من يأنس المؤنسي، ثم سار إلى حمص ليأخذها، فجاءته جيوش الإخشيذ محمد بن طُغْج مع مولاه كافور، (فاقتتلوا، فانهزم كافور الإخشيذي، واستولى سيف الدولة على حمص، ثم ركب إلى دمشق فحاصرها فلم يفتحها أهلها له، فرجع عنها، وقصده الإخشيذ بجيوش كثيفة، فالتقيا)

(2)

بقنَّسرين، فلم يظفر أحد منهما بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، ثم عاد إلى حلب، فاستقر ملكُه بها، فقصدته الروم في جحافل عظيمة، فالتقى

(3)

معهم، فظفر بهم، فقتل منهم خلقًا كثيرًا.

‌ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمئة

في المحرم منها زاد الخليفة في لقبه إمام الحق، وكتب ذلك على سكَّة المعاملة، وقاله الخطباء على المنابر أيام الجُمَع.

وفي المحرم من هذه السنة مات توزون التُّرْكي في داره ببغداد، وكانت إمارته سنتين وأربعة أشهر وعشرة أيام. وكان ابن شيرزاد كاتبه، وكان بهيت لتخليص المال، فلما بلغه الخبر أراد أن يعقد البيعة

(1)

أي بطانة، وفي الكامل (8/ 442) بقطن جبة.

(2)

ما بين القوسين ساقط من (ط).

(3)

في النسخ الخطية: فالتقيا، والمثبت من (ط).

ص: 164

لناصر الدولة بن حمدان، فاضطربت الأجناد، وعقدت الرياسة لنفسه، ودخل بغداد في مستهل صفر، وخرج إليه الأجناد كلُّهم، وحلفوا له، وحلف له الخليفة والقضاة والأعيان، ودخل على الخليفة فخاطبه بأمير الأمراء. وزاد في أرزاق الأجناد، وبعث إلى ناصر الدولة يطالبه بالخَرَاج، فبعث إليه بخمسمئة ألف دِرْهم، وبطعام ففرَّقه في الناس، وأمَرَ ونهى، وولَّى وعزل، وقطع ووصل، وفرح بنفسه ثلاثة أشهر وعشرين يومًا. ثم جاءت الأخبار بأن معزَّ الدولة بن بُوَيه قد أقبل في الجيوش قاصدًا بغداد، فاختفى ابن شيرزاد والخليفة أيضًا، وخرج أكثر الأتراك قاصدين إلى الموصل ليكونوا مع ناصر الدولة بن حمدان.

‌ذكر أول دولة بني بُوَيْه وحكمهم بمغداد

أقبل معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه في جحافل [عظيمة من الجيوش قاصدًا بغداد]

(1)

، فلما اقترب من بغداد بعث إليه الخليفة المستكفي باللّه الهدايا والإنزالات، وقال للرسول: أخبره أنِّي مسرورٌ به، وأني إنما اختفيت من شرِّ الأتراك الذين انصرفوا إلى الموصل. وبعث إليه بالخِلَع والتحف.

ودخل معز الدولة بن بويه بغداد في حادي عشر جمادى الأولى من هذه السنة، فنزل بباب الشمَّاسية، ودخل من الغد إلى الخليفة فبايعه، وخلع عليه المستكفي ولقبه بمعز الدولة، ولقب أخاه أبا الحسن عليًّا بعماد الدولة، وأخاه أبا علي الحسن بركن الدولة، وكتب ألقابهم على الدراهم والدنانير. ونزل معز الدولة بدار مُؤْنس الخادم، ونزل أصحابه من الدَّيْلم بدور الناس، فلقي الناس من ذلك كلفةً شديدة، وأمَّن معز الدولة ابنَ شيرزاد، فلما ظهر استكتبه على الخَرَاج، ورتب للخليفة بسبب نفقاته خمسة آلاف [درهم](1) في كل يوم، واستقرت الأمورُ على هذا النظام.

‌ذكر القَبْض على الخليفة المُستكفي وخَلْعِهِ

لما كان اليوم الثاني والعشرين من جمادى الآخرة حضر معز الدولة إلى الحضرة، فجلس على سرير بين يدي الخليفة، وجاء رجلان من الدَّيْلَم، فمدا أيديهما إلى الخليفة، فأنزلاه عن كرسيه، وسحباه، فتحزَّبت

(2)

عِمَامتهُ في حَلْقه، ونهض معز الدولة، واضطربت دار الخلافة حتى خلص إلى الحريم، وتفاقم الحال، وسيق الخليفة ماشيًا إلى دار معز الدولة، فاعتقل بها، وأحضر أبو القاسم بن المقتدر فبويع بالخلافة، وسُمِلَتْ عينا المستكفي، وأودع السِّجْنَ، فلم يزل به

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

أي اشتدت عليه أو ضغطته. القاموس المحيط (حزب).

ص: 165

مسجونًا حتى كانت وفاته في سنة ثمانٍ وثلاثين كما سيأتي بيانه، وذكر ترجمته هناك

(1)

.

‌خِلافة المطيع للّه

لما قدم معزُّ الدولة بغداد، وقبض على المستكفي، وسُمِلَتْ عيناه، استدعي بابي القاسم الفَضْل بن المقتدر باللّه، وقد كان مختفيًا من المستكفي وهو يحثُّ على طلبه ويجتهد، فلم يقدر عليه، ويقال: إنه اجتمع بمعز الدولة سرًا، فحرَّضه على المستكفي حتى كان من أمره ما كان، فأحضر أبو القاسم بن المقتدر فبويع بالخلافة، ولقب بالمطيع للّه، وبايعه الأمراء والأعيان ومعز الدولة والعامة، وضعف أمر الخلافة جدًّا حتى لم يبق للخليفة أمرٌ ولا نهي ولا وزير أيضًا، وإنما يكون له كاتب على إقطاعه فقط، وإنما مورد أمور المملكة ومصدرها راجعٌ إلى معز الدولة، وإنما كان ذلك لأن بني بويه ومن معهم من الدَّيْلم فيهم تشيُّعٌ

(2)

شديد، وكانوا يَرَوْن أن بني العباس قد غصبوا الأمر من العلويين، حتى عزم معز الدولة على تحويل الخلافة عنهم إلى العلويين، واستشار أصحابه في ذلك، فكلُّهم أشار عليه بذلك، إِلَّا رجلًا من أصحابه، كان سديد الرأي فيهم، فإنه قال له: لا أرى لك هذا. قال: ولمَ ذاك؟ قال: لأنَّ هذا خليفة ترى أنت وأصحابك أنه غير صحيح الإمارة، فمتى أمرت بقتله قتلَه أصحابك، ولو ولّيت رجلًا من العلويين لكنت أنت وأصحابك تعتقدون صحة ولايته فلو أمر بقتلك لقتلك أصحابك. فلما فهم ذلك صرَفَه عن رأيه الأول، [وترك ما كان عزم عليه]

(3)

للدّنيا لا للّه عز وجل.

ثم نشِبت الحربُ بين ناصر الدولة بن حمدان وبين معز الدولة بن بُوَيْه، فركب ناصر الدولة بعدما خرج معزُّ الدولة والخليفة المطيع إلى عُكْبرا، فدخل بغداد، فأخذ الجانب الشَّرْقي، ثم الغربي، وضَعُفَ أمر معز الدولة والديالمة الذين معه، ثم مكر به معز الدولة وخدعه حتى استظهر عليه وانتصر أصحابه، فنهبوا بغداد وما قدروا عليه من أموال التجار وغيرهم، فكان قيمة ما أخذ أصحابُ معز الدولة من الناس عشرة آلاف ألف دينار، ثم وقع الصُّلْح بين ناصر الدولة ومعز الدولة، ورجع ابن حمدان إلى بلده المَوْصل، واستقر معزُّ الدولة بمدينة السلام بغداد.

ثم شرع في استعمال السُّعاة ليبلِّغوا أخاه ركنَ الدولة أخبارَه، فغوي العامة في ذلك، وعلَّموا أبناءهم ذلك، حتى كان من الناس من يقطع نيفًا وثلاثين فرسخًا في يوم.

وأعجبه المصارعون والملاكمون، وغير ذلك من أرباب هذه الصِّناعات التي لا يُنْتفع بها إِلَّا قليلًا

(4)

(1)

انظر وفيات سنة (338 هـ).

(2)

في (ج): تعسف، وهو تحريف.

(3)

ما بين حاصرتين من (ج).

(4)

في (ج): التي لا ينتفع بها إِلَّا كل قليل العقل، فاسد المروة، وتعلموا السباحة ونحوها.

ص: 166

كالسِّباحة ونحوها، وكان يضرب الطبول بين يديه، ويصارع بين الرجال، والكوسات

(1)

تدق حول سور

(2)

المكان الذي هو فيه، وهذه رعونة شديدة، وسخافة عقل منه وممن يوافقه على ذلك، ثم احتاج معز الدولة إلى صرف أموال في أرزاق الأجناد، فأقطعهم البلاد عِوَضًا عن أرزاقهم، فأدَّى ذلك إلى تخريبها، وتَرْك عمارتها إِلَّا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات.

وفي هذه السنة وقع غلاءٌ شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة والكلاب والسَّنانير، وكان من النَّاس من يسرق الأولاد فيشويهم ويأكلهم، وكثر الموت في الناس حتى كان لا يدفن أحدٌ أحدًا، بل يتركون على الطُّرُقات فتأكل كثيرًا منهم الكلاب، وأبيعت الدُّور والعقار بالخبز، وانتجع الناس البصرة، فكان منهم منْ يموت في الطريق، ومن وصل منهم مات بعد مدَّة.

وفيها كانت وفاة القائم بأمر اللّه أبي القاسم محمد بن عبيد اللّه المهدي

(3)

، وولي الأمر من بعده ولده المنصور إسماعيل، وكان حازمَ الرأي شديدًا شجاعًا كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية

(4)

، وكانت وفاتُه في شوال من هذه السنة على الصَّحيح.

وفيها توفي الإخشيذ محمد بن طُغْج: صاحب الدِّيار المِصْرية والبلاد الشَّامية، كانت وفاته بدمشق، وله من العمر بضع وستون سنة، وأُقيم ولده أنُوجُور

(5)

- وكان صغيرًا - وأقيم كافور الإخشيدي أتابك

(6)

، وكان يدبِّر الممالك بالبلاد كلِّها، واستحوذ على الأمور كلها، وسار إلى مِصْر، فقصدَ سيف الدولة بنُ حمدان دمشق، فأخذها من أصحاب الإخشيذ، ففرح بها فرحًا شديدًا، واجتمع بمحمد بن محمد [أبي]

(7)

نصر الفارابي التُّرْكي الفيلسوف بها. وركب سيف الدولة يومًا مع الشَّريف العقيقي

(8)

في بعض نواحي دمشق، فنظر سيف الدولة إلى الغوطة فأعجبته وقال: ينبغي أن تكون هذه كلها لديوان السُّلْطان - كأنَّه يعرِّض بأخذها من مُلَّاكها - فأوعز ذلك العقيقي (8) إلى أهل دمشق، فكتبوا إلى كافور

(1)

هي صنوجات من نحاس شبه الترس الصغير، يدق بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص. صبح الأعشى (4/ 9).

(2)

انظر المنتظم (6/ 341).

(3)

الحلة السيراء (1/ 285 - 291) الكامل لابن الأثير (8/ 284) وما بعدها، البيان المغرب (1/ 208) وما بعدها، وفيات الأعيان (5/ 19 - 20) المختصر في أخبار البشر (2/ 80، 95) سير أعلام النبلاء (15/ 152 - 156) العبر (2/ 240) الوافي بالوفيات (4/ 4) مرآة الجنان (2/ 317) تاريخ ابن خلدون (4/ 40 - 43) اتعاظ الحنفا (107 - 120) النجوم الزاهرة (3/ 287) شذرات الذهب (2/ 337 - 338).

(4)

انظر حوادث سنة (333 هـ).

(5)

ذكر ابن خلكان في وفياته (4/ 99) أن معناه بالعربي محمود.

(6)

يعني مربي أولاد الملوك، وهي مركبة من كلمتين: أتا: الأب، وبك: الأمير. انظر وفيات الأعيان (1/ 365).

(7)

في النسخ الخطية و (ط) ابن، وهو تحريف، وفيات سنة (339 هـ).

(8)

في (ط) العقيلي، وهو تحريف، في وفيات سنة (367 هـ).

ص: 167

الإخشيذي يستنجدونه، فأقبل إليهم في جيوش كثيفة، فأجلى عنهم سيفَ الدولة، وطرده عن حلب أيضًا، واستناب عليها، ثم كرَّ راجعًا، فاستناب على دمشق بدرًا الإخشيذي - ويعرف ببُدَيْر - فلما صار كافور إلى الدِّيار المصرية رجع سيفُ الدولة إلى حلب، فأخذها كما كانت أولًا له، ولم يبقَ له في دمشق شيء. وكافور

(1)

هذا هو الذي هجاه المتنبي ومدحه أيضًا.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الخِرَقي

(2)

: صاحب المختصر المشهور في الفقه.

عمر بن الحسين بن عبد الله، أبو القاسم، الخِرَقي، صاحب المختصر في الفقه، على مذهب الإمام أحمد. وقد شَرَحه القاضي أبو يعلى بن الفَرَّاء، والشيخ موفق الدين بن قُدامة المَقْدِسِي

(3)

.

وقد كان الخرقي هذا من سادات الفقهاء والعُبَّاد، كثيرَ الفضائل والعبادة، خرج من بغداد لما كثر السبُّ بها [للصحابة]

(4)

، وأودع كتبه ببغداد، فاحترقت الدار التي هي فيها، وعَدِمت مصنفاته، وقصد دمشق، فأقام بها حتى مات في هذه السنة، وقبره بباب الصغير يزار، قريبًا من قبور الشُّهداء، وفي مصنفه هذا المختصر في كتاب الحج: ويأتي الحجرَ الأسودَ فيقبِّله إن كان هناك. وإنما قال ذلك لأن تصنيفه لهذا الكتاب كان حال [كون]

(5)

الحجر الأسود بأيدي القرامطة حين أخذوه من مكانه في سنة سبع عشرة وثلاثمئة كما ذكرنا

(6)

، ولم يردوه إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة كما سيأتي بيانه في موضعه

(7)

.

قال الخطيب: قال لي القاضي أبو يعلى: كانت له مصنفاتٌ كثيرة، وتخريجات على المذهب لم تظهر، لأنه خرج عن مدينة السلام لما ظهر سبُّ الصحابة وأودع كتبه، فاحترقت الدار التي هي فيها، واحترقت الكتب فيها، ولم تكن قد انتشرت لبُعْده عن البلد

(8)

.

ثم روى الخطيب من طريقه

(9)

عن أبي الفضل عبد السميع الهاشمي عن الفتح بن شخرف، قال:

(1)

انظر ترجمته في وفيات سنة (357 هـ).

(2)

تاريخ بغداد (11/ 234 - 235) طبقات الفقهاء للشيرازي (172) طبقات الحنابلة (2/ 75 - 118) الأنساب (5/ 92) تاريخ ابن عساكر (12/ 352 آ) المنتظم (6/ 346) وفيات الأعيان (3/ 441) سير أعلام النبلاء (15/ 363 - 364) العبر (2/ 238 - 239) شذرات الذهب (2/ 336 - 337).

(3)

هو كتاب "المغني"، وهو مطبوع، مشهور، متداول.

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ظا).

(6)

انظر حوادث سنة (317 هـ).

(7)

انظر حوادث سنة (339 هـ).

(8)

تاريخ بغداد (11/ 234) وانظر طبقات الحنابلة (2/ 75).

(9)

أي من طريق الخرقي.

ص: 168

رأيتُ أميرَ المؤمنين على بن أبي طالب في المنام، فقال لي: ما أحسنَ تواضعَ الأغنياء للفقراء، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء. قال: ورفع لي كفَّه، فإذا فيها مكتوب:

قد كنتَ مَيْتًا فَصِرْتَ حيًّا

وعن قليل تصيرُ مَيْتا

فابنِ بدارِ البَقَاءَ بَيْتًا

وَدَعْ بدارِ الفَناءَ بيتا

(1)

قال ابن بطَّة: مات الخِرَقي بدمشق سنة أربعٍ وثلاثين وثلاثمئة، وزرتُ قبره

(2)

.

محمد بن عيسى

(3)

: أبو عبد الله بن أبي موسى، الفقيه الحنفي، أحد أئمة العراقيين في زمانه.

وولي القضاء ببغداد للمتقي ثم للمستكفي، وكان ثقة فاضلًا، كبست اللصوص داره يظنون أنه ذو مالي، فضربه بعضُهم ضربةً أثخنته، فهرب منهم إلى السطوح، فألقى نفسه من شِدَّة الفزع إلى الأرض، فمات رحمه الله، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة.

محمد بن محمد بن عبد اللّه

(4)

: أبو الفَضْل السلمي الوزير الفقيه المحدث الشاعر.

سمع الكثير، وجمع وصنف، وكان يصوم الإثنين والخميس، ولا يدع صلاة الليل والتصنيف، وكان يسأل اللّه الشهادة كثيرًا. فولي الوزارة للسُّلْطان، فقصده الأجناد يطالبونه بأرزاقهم، واجتمع منهم ببابه خَلْق كثير، فاستدعى بحلاق، فحلق رأسه، وتنوَّر، وتطيب، ولبس كفنه، وقام يصلِّي، فدخلوا عليه فقتلوه رحمه الله وهو ساجد، في ربيع الآخر من هذه السنة، واللّه تعالى أعلم.

الإخشِيذ محمد بن طغْج

(5)

بن جُفّ: أبو بكر، الملقب بالإخشيذ، ومعناه ملك الملوك؛ لقبه بذلك الرَّاضي، لأنه كان ملك فرْغانة

(6)

، وكل من ملكها كان يسمى الإخشيذ، كما أن من ملك أُشْرُوسَنَة يسمى الأفشين، ومن ملك خُوارزم يسمى خُوارزم شاه، ومن ملك جُرْجان يسمى صُول، ومن ملك

(1)

انظر تاريخ بغداد (11/ 234).

(2)

المصدر السالف (11/ 235).

(3)

المنتظم (6/ 346).

(4)

المنتظم (6/ 346 - 347).

(5)

في النسخ الخطية و (ج)، والمنتظم (6/ 347): محمد بن عبد الله بن طغج، وهو وهم، وطغج يعني عبد الرحمن، انظر وفيات الأعيان، (5/ 56) وترجمة الإخشيذ في ولاة مصر (299) تاريخ ابن عساكر (س)(15/ 243 ب - 244 آ) المنتظم (6/ 347) وفيات الأعيان (5/ 56 - 63) سير أعلام النبلاء (15/ 365 - 366) العبر (2/ 239 - 240) الوافي بالوفيات (3/ 171 - 172) مرآة الجنان (2/ 314 - 316) النجوم الزاهرة (3/ 235 - 237) شذرات الذهب (2/ 237).

(6)

العبارة غير مستقيمة، والأصح منها عبارة ابن خلكان (5/ 56): أصله من أولاد ملوك فرغانة. وفي المنتظم (6/ 347): لأنه فرغاني.

ص: 169

أَذْربيجان يسمى أصبهبذ، ومن ملك طَبَرِسْتان يسمى رسلان

(1)

. قاله ابن الجوزي في "منتظمه"

(2)

.

قال السُّهَيْلي: وكانت العرب تسمي من ملك الشَّام مع الجزيرة كافرًا قيصر، ومن ملك الفُرس يسمى كسرى، ومن ملك اليَمن يسمَّى تُبَّع، ومن ملك الحبشة يسمَّى النَّجاشي، ومن ملك الهند يسمى بطليموس، ومن ملك مصر كافرًا فِرْعون، ومن ملك الإسكندرية المقوقس

(3)

. وذكر غير ذلك. وكانت وفاته بدمشق، ونقل إلى بيت المقدس، فدفن هناك، رحمه الله.

أبو بكر الشِّبْلي

(4)

: أحد مشايخ الصُّوفية، اختلفوا في اسمه على أقوالٍ، فقيل: دُلَف بن جَحْدر، وقيل: ابن جعفر بن يونس

(5)

.

أصله من قريةٍ يقال لها شِبْلية من بلاد أُشْرُوسَنَة من خراسان، وولد بسامرَّا، وكان أبوه حاجب الحُجَّاب للموفَّق

(6)

، وكان خاله نائب إسكندرية، وكانت توبة الشِّبْلي على يدي خير النَّسَّاج

(7)

، سمعه يعظ، فوقع كلامه في قلبه، فتاب من فوره [وقد كان مالكي المذهب، وكتب الحديث الكثير، ثم أقبل على العبادة والمجاهدة، وترك ذلك كله، وغسل كتبه، وقد ترك له أبوه شيئًا كثيرًا من الذهب والضياع، فأنفقها كلها على الصوفية والمحتاجين. قال الشبلي: رأيت باليمن دار الإمارة، والناس عكوف على بابها، فأشرف لهم الملك من طاقة، وأومأ إليهم بيده للسلام، فسجدوا له، ثم رأيته بعد بالشام قد اشترى لحمًا بدرهم، وأمسكه بيده. فقلت: أنت ذلك الرجل؟ فقال: نعم. ومن رأى ذلك ورأى هذا فلا يحقرن الدنيا؟!

ورأى الشبلي حجامًا يحجم بعض الصوفية، فلما فرغ ناوله الشبلي أربعين دينارًا في صرة، فردَّها عليه، وقال: إني إنما عملت ما عملت مع اللّه، لا أنقض عهدي مع اللّه من أجل هذه الدنانير، فصك الشبلي وجهه، وقال: كل إنسان خير من الشبلي حتى الحجام.

(1)

في المنتظم (6/ 347)"سالار".

(2)

انظر المصدر السالف.

(3)

انظر الروض الأُنُف (1/ 114).

(4)

طبقات الصوفية (337 - 348) حلية الأولياء (100/ 366 - 375) تاريخ بغداد (14/ 389 - 397) الرسالة القشيرية (25 - 26) الأنساب (7/ 282 - 284) المنتظم (6/ 347 - 349) وفيات الأعيان (2/ 273 - 276) سير أعلام النبلاء (15/ 367 - 369) العبر (2/ 240 - 241) مرآة الجنان (2/ 317 - 319) الديباج المذهب: (116 - 117) طبقات الأولياء (204 - 213) النجوم الزاهرة (3/ 289 - 290) شذرات الذهب (2/ 338).

(5)

انظر طبقات الصوفية (337).

(6)

في سير أعلام النبلاء (15/ 367): كان أبوه من كبار حجاب الخلافة، وولي هو حجابة أبي أحمد الموفق. قلت: ترجمة الموفق سلفت في وفيات سنة (278 هـ).

(7)

انظر وفيات سنة (322 هـ).

ص: 170

ورأى الشبلي رجلًا راكبًا، فقال الناس: هذا مسخرة الأمير. فتقدم الشبلي إليه فقبل فخذه، فترجل الرجل من دابته وقال: يا سيدي، لعلك لم تعرفني! فقال: بلى، أنت الذي يأكل الدنيا بما يساويها، وأنت خير ممن يأكل الدنيا بالدين]

(1)

.

ثم صحب الفقراء والمشايخ، ثم كان بعد ذلك من أئمة القوم.

قال الجُنَيْد: الشِّبْلي تاج هؤلاء.

وقال الخطيب: أخبرنا عليُّ بن محمود الزَّوْزني قال: سمعت عليَّ بن المثنى التَّميمي يقول: دخلت على الشِّبْلي في داره وهو يهيج ويقول:

على بُعْدِكَ لا يَصْبِـ

ــرُ منْ عادتُهُ القُرْبُ

ولا يقوى على حَجْبـ

ـك منْ تيَّمَهُ الحُبُّ

فإنْ لم تَرَكَ العينُ

فقد يُبْصرُكَ القَلْبُ

وقد ذكر له أحوال وكرامات، [فذكر الحافظ ابن عساكر قال: قلت لراهب: لمن احتبست نفسك؟ قال: للمسيح. فقلت: لِمَ أفردته بالعبادة دون اللّه؛ فقال: لأنه مكث أربعين يومًا لا يأكل ولا يشرب. فقلت: عدَّها علي. فمكثت تحت صومعته أربعين يومًا لا آكل ولا أشرب، فنزل إليَّ فقال: ما دينك؟ فقلت: محمدي. فأسلم، فجئت به إلى دمشق، فجمعوا له مالًا، وتركته مع الصوفية.

قال: وأُخذنا مرة، فجعل القطاع يعرضون على أميرهم تلك الأموال، ويأكلون بما فيها من السكر واللوز وهو لا يأكل، فقلت: لم لا تأكل مع أصحابك؟ فقال: إني صائم. فقلت: تقتل الرجال، وتأخذ الأموال وأنت صائم! فقال: يا شيخ، اجعل للصلح موضعًا. فلما كان بعد مدة رأيته متعلقًا بأستار الكعبة، وهو كالشن

(2)

البالي من العبادة، فقلت: أنت ذاك الرجل؟! فقال: ذاك الصوم هو الذي بلغ بي إلى هنا]

(3)

.

وقد ذكرنا

(4)

أنه ممن اشتبه عليه أمر الحلاج، نُسب إليه من الأقوال من غير تأمل لما تحتها، مما كان الحلاج يحاوله من الإلحاد والاتحاد.

ولما حضرته الوفاة قال لخادمه: قد كان عليَّ دِرْهم من مظلمةٍ، فتصدقت عن صاحبه بألوف، ومع هذا ما على قلبي شغل أعظم منه، ثم أمر بأن يوضئه فوضأه، وترك تخليل لحيته، [فرفع

(1)

ما بين حاصرتين ليس في (ح) و (ط)، والمثبت من (ب) و (ظا).

(2)

السن: القِرْبة الخَلق الصغيرة، جمعها: شنان. القاموس المحيط (شنن).

(3)

ما بين حاصرتين من (ح) و (ط)، والمثبت من (ب) و (ظا).

(4)

انظر حوادث سنة (309 هـ).

ص: 171

يده - وكان قد اعتقل لسانه -]

(1)

فجعل يخلل لحية نفسه، ثم مات، رحمه الله.

وذكره القاضي ابن خلكان في "الوفيات"، وحكى عنه أنه دخل يومًا على الجنيد، فوقف بين يديه، وصفَّق بيديه وأنشد:

عَوَّدوني الوصالَ والوصلُ عَذْبُ

وَرَموني بالصَّدِّ والصَّدُّ صَعْبُ

زَعَمُوا حينَ أزمعوا أنَّ ذنبي

فَرْطُ حبِّي لهم وما ذاكَ ذنبُ

لا وحَقّ الخضوعِ عندَ التَّلاقي

ما جزا منْ يُحِبُّ إِلَّا يُحَبُّ

(2)

وذَكَرَ عنه أنه قال: رأيتُ مجنونًا على باب جامع الرّصافة يوم جمعة عُريانَ وهو يقول: أنا مجنون اللّه أنا مجنون اللّه، فقلت: ألا تستتر وتدخل، فتصلي مع الناس؟ فأنشأ يقول:

يقولونَ زُرْنا واقْضِ واجِبَ حَقّنا

وقدْ أسْقَطتْ حالي حُقُوقَهُمُ عنِّي

إذا أبصَرُوا حالي ولم يأنفُوا لها

ولم يأنفُوا منها أنِفْتُ لهم منِّي

(3)

وذكر الخطيب في "تاريخه" عنه أنه أنشد لنفسه:

مَضَتِ الشَّبيبةُ والحبيبةُ فانبرى

دَمْعانِ في الأجفانِ يَزْدحمانِ

ما أنصفتني الحادثاتُ رَمَيْنني

بمُوَدَّعينِ وليسَ لي قَلْبانِ

(4)

وكانت وفاته رحمه الله ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من هذه السنة، وله سبع وثمانون سنة، ودفن في مقبرة الخيزران، رحمه الله.

‌ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة

في هذه السَّنة استقرَّ أمر الخليفة المطيع للّه في دار الخِلافة، واصطلح معز الدولة بن بُوَيْه وناصر الدولة بن حمدان على ذلك، ثم حاربَ ناصرُ الدولة تكِين التُّرْكي، فاقتتلا مَرَّاتٍ متعدِّدة، ثم ظَفِرَ ناصر الدولة بتكين، فسمله بين يديه، واستقر أمره بالمَوْصل والجزيرة.

وفيها استحوذ ركن الدولة بن بويه على الرَّي، وانتزعها من الخُرَاسانية، فاتسعت مملكة بني بويه

(1)

ما بين حاصرتين من (ظا) و (ط).

(2)

انظر وفيات الأعيان (2/ 273).

(3)

المصدر السالف (2/ 276) وقد ترجم المصنف لهذا المجنون في وفيات سنة (531 هـ)، وساق له هذين البيتين.

(4)

تاريخ بغداد (6/ 315 - 316).

ص: 172

جدًّا، فإنه صار بأيديهم أعمال الرَّي والجبل وأصْبَهان وفارس والأهواز والعراق، ويُحمل إليهم ضمان المَوْصل وديار مُضَر وربيعة من الجزيرة.

ثم اقتتل جش مُعزِّ الدولة وجيش أبي القاسم بن البريدي، فهزم أصحابَ البريدي، وأسر من أعيانهم جماعةً كثيرة.

وفيها وقع الفداء بين الرُّوم والمسلمين على يد نَصْر الثَّملي أمير الثغور لسيفِ الدولة بن حَمْدان، فكان عِدَّة الأسارى نحوًا من ألفين وخمسمئة مسلم، وللّه الحمد والمنَّة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسن بن حَمُّويه بن الحسين

(1)

: القاضي الإسْتِرَاباذي.

روى الكثير وحدَّث، وكان له مجلسٌ للإملاء، وحكم ببلده مُدَّة طويلة، وكان من المتهجدين بالأسحار، ويُضرب به المثل في مروءته ووجاهته، وقد ماث فجاة على صَدْر جاريته عند إنزاله، رحمه الله.

عبد الرحمن بن أحمد بن عبد اللّه

(2)

: أبو عبد اللّه الخُتُّلِي، سمع مع ابنَ أبي الدُّنيا وغيره.

وحدث عنه: الدَّارَقُطْني وخَلْقٌ.

وكان ثقة ثَبْتًا حافظًا، حدَّث من حفظه بخمسين ألف حديث

(3)

.

عبد السَّلام بن رَغْبان بن عبد السلام

(4)

بن حبيب بن عبد الله بن رَغبْان بن زيد بن تميم، أبو محمد الكَلْبي، الملقَّب ديك الجن، الماجن الشيعي.

ويقال: إنه من موالي بني تميم، وكانت له أشعار قوية؛ خمارية وغير خمارية، وقد استجاد أبو نواسٍ شِعْرَه في الخماريات

(5)

.

علي بن عيسى بن داود بن الجَرَّاح

(6)

: أبو الحسن، الوزير للمقتدر والقاهر.

(1)

المنتظم (6/ 350).

(2)

تاريخ بغداد (10/ 290 - 291) الإكمال (3/ 220) الأنساب: (5/ 45) المنتظم (6/ 351) سير أعلام النبلاء (15/ 436 - 437) تذكرة الحفاظ (3/ 870 - 871) طبقات الحفاظ (356).

(3)

انظر تاريخ بغداد (10 - 290 - 291).

(4)

الأغاني (14 - 51 - 67) وفيات الأعيان (3/ 184 - 188). سير أعلام النبلاء (11/ 163 - 164).

(5)

وهم ابن كثير في إيراد ترجمة ديك الجن في وفيات هذه السنة، والصواب أنه توفي سنة (235 هـ) أو سنة (236 هـ) انظر وفيات الأعيان (3/ 185).

(6)

إعتاب الكتاب (186 - 189) الفهرست (186) تحفة الأمراء (281 - 364) تاريخ بغداد (12/ 14 - 16) تاريخ ابن =

ص: 173

ولد سنة خمسٍ وأربعين ومئتين، وسمع الكثير، وعنه: الطبراني وغيره، وكان ثقة ثَبْتًا فاضلًا عفيفًا، كثير التِّلاوة والصلاة والصيام، يحب أهل العلم ويكثر مجالستهم، وكان أصله من الفُرْس، وكان من أكابر القائمين على الحلَّاج. وقد روي عنه أنه قال: ملكت سبعمئة ألف دينار أنفقت منها على وجوه الخير ستمئة ألف وثمانين ألفًا.

ولما دخل مكة حين نُفِيَ من بغداد طاف بالبيت وبالصَّفَا والمَرْوة، وكان حرٌّ شديد، فجاء المنزل، فألقى نفسه كالميت وقال: أشتهي على الله شربة ثلج. فقال له بعض أصحابه: إن هذا مما لا يتهيأ هاهنا. فقال: أعرف، ولكني استروحت إلى المُنى، فلما كان في أثناء النهار جاءت سحابةٌ فأمطرت، ثم سقط بَرَدٌ شديد كثير، فجمع له صاحبه ذاك من البَرَد شيئًا كثيرًا، وخبأه له، وكان الوزير صائمًا، فلما أمسى جاء المسجد، فأقبل إليه صاحبه بأنواع من الأشربة كلها بثلج، فجعل يسقيه منْ حوله من الصُّوفية والمجاورين، ولم يشرب هو شيئًا من ذلك. فلما رجع إلى منزله جئته بشيءٍ من ذلك الشراب كنّا قد خبأناه له، وأقسمت عليه ليشربَنَّه، فشربه بعد جهدٍ، وقال: كنت أشتهي لو كنت تمنيت المغفرة

(1)

. رحمه الله وغفر له.

ومن شعر الوزير أبي الحسن علي بن عيسى قوله:

فَمَنْ كان عنِّي سائِلًا بشَمَاتةٍ

لما نَابني أو شَامِتًا غيرَ سائلِ

فقدْ أبْرَزَتْ منِّي الخُطُوبُ ابنَ حُرَّةٍ

صَبُورًا على أهوال تلكَ الزَّلازِلِ

(2)

وقد روى أبو القاسم علي بن المُحَسِّن التَّنوخي

(3)

عن أبيه عن جماعةٍ أنَّ عطارًا من أهل الكَرْخ كان مشهورًا بالسُّنَّة، ركبه ستمئة دينار دينًا، فغلق دكَّانه، وانكسر عن كسبه، ولزم منزله، وأقبل على الدُّعاء والتضرع والصلاة ليالي كثيرة، فلما كان في بعض تلك الليالي رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له: اقصد عليَّ بن عيسى الوزير، فقد أمرته لك بأربعمئة دينار. فلما أصبح الرجل قَصَدَ باب الوزير، فلم يَعْرِفْه أحدٌ، فجلس لعل أحدًا يستأذن له عليه حتى طال عليه المجلس وهمَّ بالانصراف، ثم إنه قال لبعض الحَجبة: قل للوزير إني رجلٌ رأيتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في المنام، وأنا أريد أنْ أقُصَّه على الوزير. فقال له الحاجب: وأنت الرائي؟! إن الوزير قد أنفذ في طلبك رُسُلًا متعددة. ثم دخل، فما كان بأسرع

= عساكر (س)(12/ 244 آ - 246 آ) المنتظم (6/ 351 - 355) معجم الأدباء (14/ 68 - 73) الكامل لابن الأثير (8/ 174، 183 و 185 و 405 و 465) وما بعدها، الفخري (236) العبر (2/ 238) سير أعلام النبلاء (15/ 298 - 301) مرآة الجنان (2/ 316 - 317) النجوم الزاهرة (3/ 288 - 289) شذرات الذهب (2/ 336).

(1)

تاريخ بغداد (12/ 14 - 15).

(2)

انظر معجم الأدباء (14/ 300).

(3)

سترد ترجمته في وفيات سنة (447 هـ) من هذا الكتاب.

ص: 174

من أن أدخلني عليه، فأقبل عليه الوزير يستعلمه عن اسمه وصنعته ومنزله. فذكر ذلك له، فقال له الوزير: إني رأيت رسولَ اللّه وهو يأمرني بإعطائك أربعمئة دينار، فأصبحتُ لا أدري لمن أسأل عنك وقد أرسلت في طلبك إلى الآن عِدَّة من الرُّسُل، فجزاك اللّه خيرًا في قصدك إياي. ثم أمر بإحضار ألف دينار فقال له: هذه أربعمئة لأمر رسول اللّه، وستمئة هِبَةٌ من عندي. فقال الرجل: لا واللّه لا أزيد على ما أمرني به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فإني أرجو الخير والبركة فيه. ثم أخذ منها أربعمئة دينار. فقال الوزير: هذا هو الصدق واليقين. فخرج الرجل، فعرض على أرباب الديون أموالهم فقالوا: نحن نصبر عليك ثلاث سنين، وافتح بهذا الذهب دكانك ودُمْ على كسبك. فأبى إِلَّا أن يعطيهم من أموالهم الثلث، فدفع إليهم مئتي دينار، وفتح الدكان بالمئتين الأخرى، فما حال الحول حتى كسب ألف دينار

(1)

.

ولعلي بن عيسى الوزير أخبار كثيرة صالحة. وكانت وفاته في هذه السنة عن تسعين سنة. ويقال: في التي قبلها، واللّه أعلم.

محمد بن إسماعيل

(2)

بن إسحاق بن بحر: أبو عبد اللّه الفارسي، الفقيه الشَّافعي.

كان ثقة ثَبْتًا فاضلًا، سمع أبا زُرْعة الدِّمَشْقي وغيره، وعنه: الدَّارَقُطْني وغيره، وآخر منْ حدث عنه أبو عمر بن مهدي، وكانت وفاته في شوَّال من هذه السنة.

هارون بن محمد

(3)

بن هارون بن علي بن موسى بن عمرو بن جابر بن يزيد بن جابر بن عامر بن أسيد بن تَيْم بن صُبْح بن ذُهْل بن مالك [بن بكر]

(4)

بن سَعْد بن ضَبَّة أبو جعفر؛ والد القاضي أبي عبد اللّه الحسين بن هارون

(5)

.

كان أسلافه ملوك عُمان في قديم الزمان، ويزيد بن جابر أدركه الإسلام، فأسلم وَحَسُنَ إسلامه، وكان هارون هذا أول من انتقل من أهله من عُمان، فنزل بغداد

(6)

وحدَّث بها، وروى عنه ابنه.

وكان فاضلًا متضلعًا من كل فن، وكانت داره مجمع العلماء في سائر الفنون، ونفقاته دارَّة عليهم، وكان له منزلة عالية، ومهابة وافرة ببغداد، وقد أثنى عليه الدَّارَقُطْني ثناء كثيرًا، وقال: كان مبرِّزًا في النَّحْو واللغة والشعر، ومعاني القرآن، والكلام.

(1)

انظر نشوار المحاضرة (2/ 243 - 245) والمنتظم (6/ 353 - 355).

(2)

تاريخ بغداد (2/ 50) المنتظم (6/ 355) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 120).

(3)

تاريخ بغداد (14/ 33) المنتظم (6/ 356).

(4)

ما بين حاصرتين من المنتظم (6/ 356) وانظر نسبه في تاريخ بغداد (8/ 146).

(5)

كان قد ولي قضاء الكرخ، ثم أضيف إليه قضاء مدينة المنصور وقضاء الكوفة، توفي سنة (398 هـ)، ترجمته في سير أعلام النبلاء (17/ 96 - 97).

(6)

وذلك سنة (305 هـ)، انظر تاريخ بغداد (14/ 33).

ص: 175

قال ابن الأثير: وممن توفي فيها:

أبو بكر محمد بن [يحيى بن] بن عبد اللّه بن العبَّاس بن [محمد بن] صُول الصُّولي: وكان عالمًا بفنون الآداب والأخبار

(1)

.

وإنما ذكره ابنُ الجوزي في التي بعدها كما سيأتي

(2)

.

أبو العبَّاس بن القاص

(3)

أحمد بن أبي أحمد الطَّبري: الفقيه الشافعي، تلميذ ابن سُرَيج، له "كتاب التَّلْخيص" و"كتاب المِفْتاح"، وهو مُخْتَصَرٌ

(4)

، شَرَحه أبو عبد الله الخَتَن

(5)

، وأبو علي السِّنْجي

(6)

أيضًا.

وكان أبوه يقصُّ على الناس الأخبار والآثار، وأما هو فتولى قضاء طَرَسُوس، وكان يعظ الناس أيضًا، فحصل له خشوع، فسقط مغشيًا عليه، فمات في سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة.

‌ثم دخلت سنة ستٍّ وثلاثين وثلاثمئة

فيها خرج معز الدولة والمطيع لله من بغداد إلى البَصْرة، فاستنقذاها من يد أبي القاسم بن البَريدي، وهرب هو وأكثر أصحابه، واستولى معز الدولة على البصرة، وبعث يتهدَّد القرامطة ويتوعدهم بأخذ بلادهم. وزاد في إقطاع الخليفة ضياعًا تعمل في السنة مئتي ألف دينار، ثم سار معز الدولة لتلقي أخيه عماد الدولة بالأهواز، فقبَّل الأرض بين يدي أخيه، وقام ماثلًا أيضًا، ويأمره بالجلوس فلا يفعل. ثم عاد إلى بغداد، ورجع الخليفة إليها أيضًا، وقد تمهدت أمور جيدة.

(1)

الكامل لابن الأثير (8/ 468) وما بين حاصرتين منه.

(2)

الذي ذكر وفاته في هذه السنة هو طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد (كما في تاريخ الخطيب)، وترجمه الذهبي في وفيات هذه السنة من تاريخ الإسلام (7/ 697)، وفي "سير أعلام النبلاء" وغيرهما. أما الذي ذكر وفاته في سنة ست فهو التنوخي والمرزباني (كما في تاريخ الخطيب) وفي تابعهما (بشار).

(3)

طبقات الفقهاء للشيرازي (11) الأنساب (10/ 24 - 25) وفيات الأعيان (1/ 68 - 69) سير أعلام النبلاء (15/ 371

- 372) العبر (2/ 241) الوافي بالوفيات (6/ 227) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 59 - 63) النجوم الزاهرة (3/ 294) طبقات ابن هداية الله (65 - 66) شذرات الذهب (2/ 339).

(4)

أي "كتاب التلخيص".

(5)

في النسخ الخطية و (ط): الحسين، وهو تحريف، وأبو عبد الله الختن هو محمد بن الحسن بن إبراهيم؛ ختن الإمام أبي بكر الإسماعيلي، والختن في اللغة الصهر، انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكى (3/ 136 - 138).

(6)

هو الحسن بن محمد بن شعيب، ويقال: الحسين بن شعيب، توفي سنة (432 هـ)، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (17/ 526 - 527) وانظر وفيات الأعيان (1/ 68).

ص: 176

وفي هذه السنة استحوذ ركن الدولة على بلاد طَبَرِسْتان وجُرْجان، وانتزعها من يد وَشْمَكير أخي مَرْدَاويج ملك الدَّيْلم، فذهب وَشْمَكير إلى خُرَاسان يستنجد بصاحبها.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو الحسين بن المُنادي

(1)

أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد اللّه بن يزيد: أبو الحسين بن المُنَادي، سمع جدَّه، وعباسًا الدُّوري، ومحمد بن إسحاق الصَّاغاني. وكان ثقة أمينًا حُجَّة صادقًا، صنَّف كثيرًا وجمع علومًا جمة، ولم يسمع الناس منها إِلَّا اليسير؛ وذلك لشراسة أخلاقه. وآخر من روى عنه محمد بن فارس الغُوري

(2)

.

ونقل ابنُ الجوزي عن أبي يوسف القَزويني أنه قال: صنَّف أبو الحسين بن المُنَادي في علوم القرآن أربعمئة كتاب، ونيفًا وأربعين كتابًا، ولا يوجد في كلامه حشو، بل هو نقيُّ الكلام، جمع بين الرِّواية والدِّراية

(3)

.

وقال ابن الجَوْزي: ومن وَقَف على مصنَّفاته عَلِم فضيلته واطلاعه، ووقف على فوائد لا توجد في غير كتبه

(4)

.

كانت وفاته في محرَّم هذه السنة عن ثمانين سنة.

الصُّولي

(5)

محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن العَبَّاس بن محمد بن صُولٍ: أبو بكر الصُّولي.

كان أحد العلماء بفنون الأدب، حَسَنَ المعرفة بأخبار الملوك وأيام الخلفاء، ومآثر الأشراف وطبقات الشعراء.

(1)

الفهرست (58) تاريخ بغداد (4/ 69 - 70) طبقات الفقهاء للشيرازي (173) طبقات الحنابلة (2/ 3 - 6) المنتظم (6/ 357 - 358) سير أعلام النبلاء (15/ 361 - 363) تذكرة الحفاظ (3/ 849 - 850) العبر (2/ 242) الوافي بالوفيات (6/ 290) مرآة الجنان (2/ 325) غاية النهاية (1/ 44) النجوم الزاهرة (3/ 295) طبقات الحفاظ (351 - 352) شذرات الذهب (2/ 343).

(2)

في النسخ الخطية و (ج): اللغوي، وهو تحريف، انظر الأنساب (9/ 190).

(3)

المنتظم (6/ 358).

(4)

المصدر السالف.

(5)

معجم الشعراء (431) الفهرست (215 - 216) تاريخ بغداد (3/ 427 - 432) الأنساب (8/ 110 - 111) نزهة الألباء (188 - 190) المنتظم (6/ 359 - 361) معجم الأدباء (19/ 109 - 111) إنباه الرواة (3/ 233 - 236) وفيات الأعيان (4/ 356 - 361) سير أعلام النبلاء (15/ 301 - 302) العبر (2/ 241 - 242) الوافي بالوفيات (5/ 190 - 192) مرآة الجنان، (2/ 319 - 325) لسان الميزان (5/ 427 - 428) النجوم الزاهرة (3/ 296) شذرات الذهب (2/ 339 - 342).

ص: 177

روى عن أبي داودٍ السِّجِسْتاني، والمبرِّد، وثعلب، وأبي العَيْناء، وغيرهم، وكان واسع الرواية، جيد الحفظ، حاذقًا، بتصنيف الكتب. وله كتب كثيرة هائلة، ونادمَ جماعةً من الخلفاء، وحظي عندهم، وكان جدُّه صُول وأهله ملوكًا بجُرْجان، ثم كان أولاده من أكابر الكُتَّاب، وكان الصُّولي هذا جَيِّد الاعتقاد حسنَ الطريقة، وله شِعْرٌ حسن، وقد روى عنه الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفَّاظ.

ومن شعره قولُه:

أحْبَبْتُ منْ أجلهِ منْ كان يشْبِهُهُ

وكلُّ شيءٍ منَ المعشوقِ مَعْشُوقُ

حتَّى حكيتُ بجسمي ما بمُقْلتهِ

كأنَّ سُقْمي من عينيهِ مَسْرُوقُ

خرج الصُّولي من بغداد إلى البَصْرة لحاجةٍ لحقته، فمات بها في هذه السنة.

[ابنة أبي الحسن المكي]

(1)

: وفيها كانت وفاة ابنة الشيخ أبي الحسن الزَّاهد المكي.

وكانت من العابدات النَّاسكات المقيمات بمكة، وإنما كانت تقتات من كَسْب أبيها مما يكتسبه من عمل الخُوص في كلِّ سنة بثلاثين دِرْهمًا يرسلها إليها، فاتفق أن أرسلها مَرَّة مع بعض أصحابه، فزاد عليها ذلك الرجل عشرين درهمًا - يريد بذلك بِرَّها وزيادةً في نفقتها - فلما اختبرتها قالت: هل وضعت على هذه شيئًا؟ اصدقني بحقِّ الذي حججت له. فقال: نعم. فقالت: ارجع بها، فلا حاجة لي فيها، ولولا أنك قصدتَ الخير لدعوت عليك، فإنك أجعتني عامي هذا، ولم يبق لي رِزْق إِلَّا من المزابل إلى قابل. فقلت: ألا تأخذي منها الثلاثين درهمًا؟ فقالت: إنها قد اختلطت بمالك، ولا أدري ما هو. قال الرجل: فرجعت بها إلى أبيها، فأبى أن يقبلها وقال: شققت يا هذا علي، وضيَّقْتَ عليها، ولكن اذهب، فتصدَّق بها

(2)

.

‌ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة

فيها ركب معز الدولة من بغداد إلى المَوْصل، فانهزم منه ناصر الدولة إلى نَصيبين، فتملَّك معز الدولة بن بُوَيه المَوْصِل في رمضان من هذه السنة، فعسف أهلها، وأخذ أموالهم، وكَثُرَ الدُّعاء عليه. ثم عزم على أخذ البلاد كلِّها من يد ناصر الدولة بن حَمْدان، فجاءه خبر من أخيه ركن الدولة يستنجده على من قبله من الخراسانية، فاحتاج إلى مصالحة ناصر الدولة على أن يحمل عما تحت يده من بلاد الجزيرة

(1)

ما بين حاصرتين زيادة من عندنا للإيضاح. وترجمتها في المنتظم (6/ 361 - 362).

(2)

إلى هنا تنتهي مقابلتنا على نسخة (ظا)، وهو ما استطعنا العثور عليه من هذه النسخة.

ص: 178

والشَّام في كل سنة ثمانية آلاف [ألف]

(1)

دِرْهم، وأن يخطب له ولأخويه عماد الدولة وركن الدولة على منابر بلاده كلها، ففعل. وعاد معز الدولة إلى بغداد، وبعث إلى أخيه ركن الدولة بجيشٍ هائل، وأخذ له عهد الخليفة بولاية خُرَاسان.

وفيها دخل سيف الدولة بن حمدان؛ صاحب حلب إلى بلاد الرُّوم، فلقيه جمع كثيف من الرُّوم، فاقتتلوا قثالًا شديدًا، فانهزم سيف الدولة، وأخذت الرُّوم مَرْعش، وأوقعوا بأهل طَرَسُوس بأسًا شديدًا، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

قال ابن الجوزي: وفي رمضان [من هذه السنة]

(2)

انتهت زيادة دِجْلة إلى أحد وعشرين ذراعًا وثلث، فغرقت الضياع والدُّور التي عليها، وأشرف الجانب الشرقي على الغرق، وهمَّ الناس بالهرب منه

(3)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

عبد اللّه بن محمد بن حَمْدُويه

(4)

: ابن نُعيم بن الحَكم، أبو محمد البَيِّع؛ وهو والد الحاكم أبي عبد اللّه النَّيْسابوري

(5)

.

أذَّن ثلاثًا وثلاثين سنة، وغزا اثنتين وعشرين غزوة، وأنفق على العلماء مئة ألف، وكان يقوم الليل، كثيرَ الصَّدقة، أدرك عبد اللّه بن أحمد، ومسلم بن الحَجَّاج، وروى عن ابن خُزَيْمة وغيره، وتوفي عن ثلاثٍ وتسعين سنة.

قُدَامة الكاتب المشهور

(6)

: هو قدامة بن جعفر بن قدامة، أبو الفرج الكاتب.

له مصنَّف في "الخَراج وصناعة الكتابة"

(7)

، وبه يقتدي علماء هذا الشأن، وقد سأل ثعلبًا عن أشياء.

محمد بن علي بن عمر

(8)

: أبو علي المذكِّر الواعظ بِنَيْسابور.

(1)

ما بين حاصرتين ليس في (ح) و (ب)، والمثبت من الكامل (8/ 477).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

انظر المنتظم (6/ 362).

(4)

المنتظم (6/ 362)، وترجمه الذهبي في وفيات سنة تسع وثلاثين من تاريخ الإسلام نقلًا من تاريخ ولده الحاكم (7/ 726).

(5)

سترد ترجمته في وفيات سنة (405 هـ) من هذا الكتاب.

(6)

المنتظم (6/ 363) معجم الأدباء (6/ 203 - 205) النجوم الزاهرة (3/ 297).

(7)

وهو من الكتب النفيسة المطبوعة.

(8)

المنتظم (6/ 363) ميزان الاعتدال (3/ 651 - 652) لسان الميزان (5/ 292 - 293).

ص: 179

كان كثير التدليس عن المشايخ الذين لم يلقهم، وتوفي في هذه السنة عن مئة وسبع سنين، سامحه الله.

محمد بن مظفر بن عبيد

(1)

: أبو النَّجا الفرضي الضرير، الفقيه المالكي.

له كتاب في الفِقْه على مذهب مالك، وله مصنَّفاتٌ في الفرائض قليلة النظير، وكان أديبًا فَهِمًا فاضلًا حاذقًا، رحمه الله.

‌ثم دخلت سنة ثمانٍ وثلاثين وثلاثمئة

في ربيع الأول منها وقعت [فتنة]

(2)

بين الشِّيعة وأهل السُّنَّة، ونُهبت الكَرْخ.

وفي جمادى الآخرة تقلَّد القاضي أبو السَّائب عُتْبة بن عبيد الله الهَمَذاني قضاء القضاة.

وفيها خرج رجلٌ يقال له عِمْران بن شاهين كان قد استوجب بعض العقوبات، فهرب من السُّلْطان إلى ناحية البطائح، فكان يقتات ما يصيده من السمك والطُّيور، والتفَّ عليه خَلْقٌ من الصَّيادين وقُطَّاع الطريق، فقويت شوكته، واستعمله أبو القاسم بن البَرِيدي على جباية بعض تلك النواحي، وأرسل إليه معز الدولة بن بويه جيشًا مع وزيره أبي جعفر الصَّيْمري، فَهُزِمَ الوزيرُ، لكنه دهمه أمر اشتغل به عنه، وذلك وفاة:

عماد الدولة بن بُوَيْه

(3)

وهو أبو الحسن عليُّ بن بويه أكبر أولاد بويه، وأول من تملَّك منهم، وكان عاقلًا حازمًا، جيِّد السيرة، رئيسًا في نفسه. كان أول ظهوره في سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة كما ذكرنا

(4)

. فلما كان في هذا العام قويت عليه الأسقام، وتواترت لديه الآلام، فأحسَّ من نفسه بالهلاك، ولم يعادل ما هو فيه من الملك، وكثرة الأموال والرجال، من الدَّيالم والأتراك، ولم يحصلوا له الفكاك. ولم يكن له ولد ذكر

(5)

، فأرسل إلى أخيه ركن الدولة يستدعي إليه ولدَه عَضُدَ الدولة، ليجعله

(1)

المنتظم (6/ 363).

(2)

ما بين حاصرتين ليس في (ح)، والمثبت من (ب).

(3)

المنتظم (6/ 365) الكامل (8/ 264) وما بعدها، وفيات الأعيان (3/ 399 - 400) العبر (2/ 247) سير أعلام النبلاء (15/ 402 - 403) مرآة الجنان (2/ 326 - 327) النجوم الزاهرة (3/ 299 - 300) شذرات الذهب (2/ 346 - 347).

(4)

انظر حوادث سنة (321 هـ).

(5)

في (ط): ولم يفاده ولا دفع عنه أمر الله ما هو فيه من الأموال والملك وكثرة الرجال والأموال، ولا رد عنه جيشه من الديالم والأتراك والأعجام، مع كثرة العَدَد والعُدَد، بل تخلوا عنه أحوج ما كان إليهم، فسبحان اللّه الملك القادر القاهر العلام، ولم يكن له ولد ذكر ..

ص: 180

وليَّ عهده من بعده، فلما قَدِم عليه فرح به فرحًا شديدًا، وخرج بنفسه في جميع جيشه لتلقيه، فلما دخل به دار المملكة، أجلسه على السَّرير، وقام بين يديه كأحد الأمراء، ليرفع من شأنه عند أمرائه ووزرائه وأعوانه. ثم عقد له البيعة على ما يملكه من البُلْدان والأموال، وتدبير الملك والرجال. وفَهِمَ من بعض رؤوس الأمراء كراهية لذلك، فشرع في القبض عليهم، وقَتَلَ من شاء منهم وسجنَ آخرين، حتى تمهَّدتِ الأمور لعَضُدِ الدولة. ثم كانت وفاة عماد الدولة بشِيراز في هذه السنة عن سبعٍ وخمسين سنة، وكانت مدة ملكه ست عشرة سنة، وكان هو من خيار الملوك في زمانه، وممن حاز قصب السبق دون أقرانه، وكان هو في الحقيقة أمير الأمراء، وبذلك كان يكاتبه الخلفاء، ولكن أخوه معز الدولة كان ينوب عنه ببغداد والعراق والسَّواد.

ولما مات عماد الدولة اشتغل الوزير أبو جعفر الصَّيْمَري عن محاربة عمران بن شاهين، وكتب إليه معز الدولة أن يسير إلى شِيراز ويضبط أمورها، فقوي أمر عمران بعد ضعفه، وكان من أمره ما سيأتي بيانه في موضعه.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو جعفر النحاس النَّحْوي

(1)

أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس: أبو جعفر المُرَادي المِصْري النَّحْوي، المعروف بالنَّحَّاس، اللُّغوي المفسر الأديب، له مصنَّفات كثيرة في التفسير وغيره.

وقد سمع الحديث، ولقي أصحاب المبرِّد، وكانت وفاته في ذي الحجَّة من هذه السنة.

قال ابن خَلِّكان: لخمسٍ خلون منها يوم السبت

(2)

.

وكان سبب وفاته أنه جلس عند المقياس

(3)

يقطِّع شيئًا من العَروض، فظنَّه بعض العامة يَسْحرُ النيل لئلا يوفي، فرفسه برجله، فسقط فغرق، ولم يُدْرَ أين ذهب، رحمه الله.

وكان قد أخذ النحو عن علي بن سليمان الأخفش، وأبي بكر [بن] الأنباري، وأبي إسحاق الزَّجَّاج، ونِفْطَوَيْه وغيرهم، وله مصنَّفات كثيرة مفيدة، منها: تفسير "القرآن" و"النَّاسخ

(1)

طبقات النحويين واللغويين (239) نزهة الألباء (201 - 202) المنتظم (6/ 364) معجم الأدباء (4/ 224 - 230) إنباه الرواة (1/ 101 - 104) وفيات الأعيان (1/ 99 - 100) سير أعلام النبلاء (15/ 401 - 402) العبر (2/ 246) الوافي بالوفيات (7/ 362 - 364) مرآة الجنان (2/ 327) النجوم الزاهرة (3/ 330) بغية الوعاة (157) شذرات الذهب (2/ 346).

(2)

وفيات الأعيان (1/ 100).

(3)

المقياس: هو عمود من رخام، قائم في وسط بركة على شاطئ النيل بمصر، له طريق إلى النيل، يدخل الماء إذا زاد عليه، وفي ذلك العمود خطوط معروفة عندهم، يعرفون بوصول الماء إليها مقدار زيادته. معجم البلدان (5/ 178).

ص: 181

والمنسوخ"، و "شرح أبيات سيبويه"، ولم يُصنَّف مثله، وشرح المعلقات والدواوين العشرة، وغير ذلك. وروى الحديث عن أبي عبد الرحمن النَّسائي، وكان بخيلًا جدًّا، وانتفع الناس به، رحمه الله.

وفيها كانت وفاة الخليفة:

المُسْتكفي بالله

(1)

عبد الله بن علي المكتفي بالله: وقد ولي الخلافة سنةً وأربعة أشهر ويومين، ثم خلع وسُمِلَتْ عيناه كما تقدَّم ذكر

(2)

. وكانت وفاته في هذه السنة وهو معتقلٌ في داره، وله من العمر ست وأربعون سنةً وشهران.

علي بن حَمْشاد

(3)

بن سَخْتويه

(4)

بن نَصْر: أبو الحسن المعدَّل.

محدِّث عصره بنيسابور، رحل إلى البُلْدان، وسمع الكثير، وحدَّث، وصنّف "مسندًا" في أربعمئة جُزْء، وله غير ذلك مع شدَّة الإتقان والحفظ، وكثرة العبادة والصِّيانة والخشية لله عز وجل.

قال بعضهم

(5)

: صحبته في السَّفَر والحضر فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئةً

(6)

.

وله تفسير في مئتي جُزْء ونيِّف، دخل الحمَّام من غير مرض، فتوفي فيه فجأة، وذلك يوم الجمعة الرابع عشر من شوَّال من هذه السنة، رحمه الله.

علي بن محمد بن أحمد

(7)

بن الحسن: أبو الحسن، الواعظ البغدادي.

ثم ارتحل إلى مصر، فأقام بها حتى عُرف بالمِصْري، ثم رجع إلى بغداد وقد سمع الكثير، وروى عنه الدَّارَقُطْني وغيره، وكان له مجلس وعظ يحضره فيه الرجال والنساء، وكان يتكلم وهو متبرقع لئلا يرى النِّساء حسنه وجماله، وقد حضر وعظه أبو بكر النَّقَّاش

(8)

مستخفيًا، فلما سمع كلامه قام قائمًا وشهَرَ نفسه وقال له: القصص بعدك حرام.

(1)

مروج الذهب (540/ 2) تاريخ بغداد (10/ 10 - 11) المنتظم (6/ 339 - 364) الكامل لابن الأثير (8/ 420) وما بعدها، النبراس (120 - 121) سير أعلام النبلاء (15/ 111 - 113) العبر (2/ 245) نكت الهميان (182 - 183) النجوم الزاهرة (3/ 299) تاريخ الخلفاء (397 - 398) شذرات الذ هب (2/ 345).

(2)

انظر حوادث سنة (334 هـ).

(3)

هكذا ضبط في الأنساب (4/ 221) وفي مرآة الجنان لليافعي (2/ 237) بحاء مهملة مكسورة، وميم مكسورة مشدّدة.

(4)

المنتظم (6/ 364 - 365) سير أعلام النبلاء (15/ 398 - 400) تذكرة الحفاظ (3/ 855 - 856) العبر (2/ 248) مرآة الجنان (2/ 237) طبقات الحفاظ (358) شذرات الذهب (2/ 348).

(5)

هو أبو بكر أحمد بن إسحاق، كما نص عليه الذهبي في تاريخ الإسلام (7/ 720).

(6)

المنتظم (6/ 364 - 365).

(7)

الفهرست (263) تاريخ بغداد (12/ 75 - 76) سير أعلام النبلاء (15/ 381 - 382).

(8)

سترد ترجمته في وفيات (351 هـ).

ص: 182

قال الخطيب: وكان ثِقَةً أمينًا عرافًا، جمع حديث اللَّيث، وابن لَهيعة، وله كُتبٌ كثيرة في الزُّهْد

(1)

.

وكانت وفاته في ذي القَعْدة من هذه السنة، وله سبع وثمانون سنة.

‌ثم دخلت سنة تسعٍ وثلاثين وثلاثمئة

في هذه السنة المباركة في ذي القعدة منها رُدَّ الحجر الأسود المكي إلى مكانه، وكانت القرامطة قد أخذوه في سنة سبع عشرة وثلاثمئة كما ذكرنا

(2)

، وقتلوا من وجدوه من الحجيج ذلك العام حول الكعبة المطهرة، وكان ملكهم إذ ذاك أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجنَّابي لعنه اللّه، ولما وقع ذلك أعظم المسلمون ذلك جدًّا، وقد بذَلَ لهم الأمير بجكم التركي خمسين ألف دينار ليردُّوه إلى موضعه فلم يقبلوا، وقالوا: نحن أخذناه بأمرٍ ولا نرده إِلَّا بأمر من أخذناه بأمره. فلما كان في هذا العام حملوه إلى الكوفة، وعلَّقوه على الأسطوانة السابعة من جامعها ليراه النَّاس، وكتب أخو أبي طاهر كتابًا فيه: إنَّا أخذنا هذا الحجر بأمر، وقد رددناه بأمر من أمرنا بأخذه ليتمَّ حج الناس ومناسكهم. ثم أرسلوه إلى مكة بغير شيء على قَعُودٍ

(3)

، فوصل في ذي القعدة من هذه السنة، وللّه الحمد والمنَّة، وكان مُدَّة مقامه عندهم ثنتين وعشرين سنة، ففَرِحَ المسلمون بذلك فرحًا شديدًا. وقد ذكر غير واحد أن القرامطة حين أخذوه وحملوه على عِدَّة جمالٍ فَعَطِبَتْ تحته، ويعتري أسنمتها العَقْر

(4)

، ولما ردوه حمله قَعُود واحد ولم يصبه بأس، وللّه الحمد والمنَّة.

وفي هذه السنة دخل سيفُ الدولة بن حَمْدان بجيشٍ كثيف نحو من ثلاثين ألفًا إلى بلاد الرُّوم، فَوَغَلَ فيها، وفتح حصونًا، وقتل خلقًا وأسر أممًا، وغَنمَ شيئًا كثيرًا، ثم رجع، فأخذت الروم عليه الدَّرب الذي يخرج منه، فقتلوا عامة من معه، وأسروا بقيتهم، واستردُّوا ما كان أخذه لهم، ونجا سيف الدولة في نفرٍ يسير من أصحابه، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

وفيها مات الوزير أبو جعفر الصَّيْمري، فاستوزر معز الدولة مكانه أبا محمد الحسن بن محمد المُهَلَّبي

(5)

في جمادى الأولى، فاستفحل أمر عمران بن شاهين أيضًا، وتفاقم الحال به، وبعث إليه

(1)

تاريخ بغداد (12/ 76).

(2)

انظر حوادث سنة (317 هـ).

(3)

القعود من الإبل: هو البكر حين يركب اللسان (قعد).

(4)

أي أثر الحزِّ من الرحل. اللسان (عقر) ومعجم متن اللغة (4/ 160).

(5)

سترد ترجمته في وفيات سنة (351 هـ).

ص: 183

معز الدولة جيشًا بعد جيش، فيهزمهم مرة بعد مرة، ثم عدل معز الدولة إلى مصالحته واستعماله على بعض تلك النواحي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسن بن داود بن بابشاد

(1)

: أبو الحسن

(2)

المِصْري.

قدم بغداد، وكان من أفاضل الناس وعلمائهم بمذهب أبي حنيفة، مفرط الذكاء قوي الفهم، كتب الحديث، وكان ثِقَةً. مات ببغداد في هذه السنة، ودفن بمقبرة الشُّونِيزِيَّة

(3)

ولم يبلغ من العمر أربعين سنة.

محمد القاهر بالله أمير المؤمنين

(4)

، بن المعتضد باللّه.

ولي الخِلافة سنةً وستةَ أشْهُر وسبعةَ أيام، وكان بطَّاشًا سريعَ الانتقام، فخاف منه وزيره أبو علي بن مُقْلة، فاستتر وشَرَعَ في العمل عليه عند الأتراك، فخلعوه وسملوه وأودع دارَ الخلافة بُرْهةً من الدَّهر، ثم أُخرج في سنةِ ثلاثٍ وثلاثين إلى دار ابنِ طاهر، وقد نالَتْهُ فاقةٌ وحاجةٌ شديدة، وسألَ في بعض الأيام.

ثم كانت وفاته في هذا العام، وله ثنتان وخمسون سنة، ودُفِنَ إلى جانب أبيه المعتضد.

محمد بن عبد الله بن أحمد

(5)

: أبو عبد اللّه الصَّفَّار الأصْبَهاني.

محدِّثُ عَصْرِه بخُرَاسان، سَمِعَ الكثير، وحدَّث عن [ابن]

(6)

أبي الدُّنيا ببعضِ كُتُبه، وكان مجابَ الدَّعْوة، ومكَثَ لا يرفعُ رأسَه إلى السَّماء نيفًا وأربعين سنة، وكان يقول: اسمي محمد بن عبد الله، واسم أمي آمنة. يفرح بهذه الموافقة في الاسم واسم الأب والأم.

(1)

المنتظم (6/ 367) الجواهر المضية (1/ 192).

(2)

في المنتظم: أبو سعيد.

(3)

مقبرة ببغداد، بالجانب الغربي منها معجم البلدان (3/ 374).

(4)

مروج الذهب (2/ 513) تاريخ بغداد (1/ 339 - 340) المنتظم (6/ 241، 368) الكامل (8/ 244) وما بعدها، النبراس (113) العبر (2/ 250 - 251) سير أعلام النبلاء (15/ 98 - 102) الوافي بالوفيات (2/ 34 - 35) نكت الهميان (236 - 237) النجوم الزاهرة (3/ 303 - 304) تاريخ الخلفاء (386 - 390) شذرات الذهب (2/ 349 - 350).

(5)

ذكر أخبار أصبهان (2/ 271) الأنساب (8/ 74 - 75) المنتظم (6/ 368) العبر (2/ 250) سير أعلام النبلاء (15/ 437 - 438) الوافي بالوفيات (3/ 316) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 178 - 179) النجوم الزاهرة (3/ 304) شذرات الذهب (2/ 349).

(6)

ما بين حاصرتين ليس في (ح)، والمثبت من (ب).

ص: 184

أبو نَصْر الفارابي

(1)

محمد بن محمد: أبو نصر الفارابي، التركي الفيلسوف.

وكان من أعلمِ الناس بالموسيقى، بحيث كان يتوسل بصناعته إلى النَّاس في الحاضرين من مستمعيه، إن شاء حَرَّك ما يُبكي أو ما يُضْحك أو ما ينوِّم. وكان حاذقًا في الفلسفة، ومن كتبه تفقه ابنُ سينا فيها، وكان يقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة، وله مذاهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين، فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين. وقد كانت وفاته بدمشق فيما قاله ابن الأثير في "كامله"

(2)

، ولم أر الحافظ ابن عساكر ترجمه في "تاريخه"، فاللّه أعلم.

‌ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمئة

فيها قَصَدَ صاحب عُمان البصرةَ ليأخذها في مراكب كثيرة، وجاء لنصره أبو يعقوب الهَجَري، فمانعه عنها الوزير أبو محمد المُهَلبي فصدَّه عنها، وأسر جماعةً من أصحابه وسبى كثيرًا من مراكبه، فساقها معه في دِجْلة، ودخل بها إلى بغداد في أُبَّهة عظيمةٍ، وللّه الحمد.

وفيها رُفع إلى الوزير أبي محمد المُهلَّبي أمر رجل من أتباع أبي جعفر محمد بن علي بن أبي العَزَاقر الذي كان قُتِل على الزندقة كما قتل الحلاج

(3)

، وأن هذا يدَّعي ما كان يدعي ابن أبي العَزَاقر، وقد اتبعه جماعةٌ من الجهلة من بغداد، وصدَّقوه في دعواه الربُّوبية، وأن أرواح الأنبياء والصدِّيقين انتقلت إليهم، وَوُجدَ في منزله كُتُبٌ تدلُّ على ذلك. فلما تحقَّق أنه هالك ادعى أنه شيعي ليحظى عند معز الدولة بن بُوَيه. وقد كان يحبُّ الرَّافضة، قبَّحه اللّه. فلما اشتهر [عنه]

(4)

ذلك لم يتمكَّن الوزير منه خوفًا على نفسه [من معز الدولة] وأن تقوم عليه الشِّيعة

(5)

، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون، غير أنه احتاط على شيء من أموالهم، فكان يسميها أموال الزنادقة.

قال ابن الجوزي. وفي رمضان وقعت فِتْنةٌ عظيمة بسب المذهب.

(1)

الفهرست (367) طبقات الأمم (53 - 54) تاريخ الحكماء (277 - 280) طبقات الأطباء (603 - 609) وفيات الأعيان (5/ 153 - 157) العبر (2/ 251) سير أعلام النبلاء (15/ 416 - 418) الوافي بالوفيات (1/ 106 - 113) مرآة الجنان (2/ 328 - 331) شذرات الذهب (2/ 350 - 354).

(2)

الكامل (8/ 491).

(3)

انظر أحداث سنة (322 هـ).

(4)

ما بين حاصرتين ليس في (ح)، والمثبت من (ب).

(5)

في (ح): خوفًا على نفسه أن يقوم على الشيعة، والمثبت من (ج). وما بين حاصرتين منها.

ص: 185

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أشهب بن عبد العزيز

(1)

بن داود بن إبراهيم: أبو عمرو العامري؛ نسبةً إلى عامر بن لؤي

(2)

.

وكان أحد الفقهاء المشهورين من المالكية، وكانت وفاته في شعبان منها.

أبو الحسن الكَرْخي

(3)

عبيد اللّه بن الحسين بن دلال بن دَلهم: أبو الحسن الكرخي.

أحد أئمة الحنفية المشهورين، ولد سنة ستين ومئتين، وسكن بغداد، ودَرَسَ بها فِقْه أبي حنيفة، وانتهت إليه رياسة أصحابه، وانتشر أصحابه في البلاد

(4)

، وكان متعبِّدًا، كثيرَ الصَّوم والصَّلاة، صبورًا على الفقر، عَزُوفًا عمَّا في أيدي النَّاس، وكان مع ذلك رأسًا في الاعتزال.

وقد سَمِعَ الحديثَ من إسماعيل بن إسحاق القاضي، وروى عنه ابن حَيُّويه، وابن شاهين.

وأصابه الفالج في آخر عمره، فاجتمعَ عنده بعضُ أصحابه، واشتوروا فيما بينهم أن يكتبوا إلى سيف الدولة بن حَمْدان ليساعِده بشيء يستعين به في مرضه، فلما عَلِمَ بذلك رَفَعَ رأسه إلى السَّماء وقال: اللهم لا تجعلْ رِزْقي إِلَّا من حيثُ عَوَّدتني. فمات عقب ذلك قبل أن يصلَ إليه ما أرسلَ به سيفُ الدولة، وهو عشرة آلاف دِرْهم. فتُصِدَّق بها بعد وفاته.

وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة عن ثمانين سنة، وصلَّى عليه أبو تمام الحسن بن محمد الزينبي؛ وكان صاحبه، ودُفِنَ في دَرْب أبي زيد على نهر الواسطيين.

محمد بن صالح بن زيد

(5)

: أبو جعفر الوَرَّاق.

سَمِعَ الكثيرَ، وكان يَفْهمُ ويحفظ، وكان ثِقَةً زاهدًا لا يأكل إِلَّا من كَسْب يده، ولا يقطع صلاةَ الليل.

قال بعضُهم: صحبته سنين كثيرة، فما رأيته فعل ما لا يرضي اللّه عز وجل، ولا قال ما يسأل عنه، وكان يقوم أكثر الليل

(6)

.

(1)

كذا ذكر في المنتظم (6/ 369) وفي الأنساب (8/ 319) في وفيات هذه السنة، وهو خطأ، والصواب أنه توفي سنة (204 هـ) كما سلف في وفياتها من هذا الكتاب.

(2)

في الأنساب: منسوب إلى عامر بن صعصعة؛ وهو الصواب.

(3)

الفهرست (293) تاريخ بغداد (10/ 353 - 355) طبقات الفقهاء للشيرازي (142) الأنساب (5/ 386 - 387) المنتظم (6/ 369 - 370) العبر (2/ 255) سير أعلام النبلاء (15/ 426 - 427) الجواهر المضية (1/ 337) طبقات المعتزلة (130) لسان الميزان (4/ 98 - 99) النجوم الزاهرة (3/ 306) شذرات الذهب (2/ 258).

(4)

في (ح): واشتهر أصحابه ببغداد، والمثبت من (ب).

(5)

المنتظم (6/ 370).

(6)

المنتظم (6/ 370).

ص: 186

وفيها كانت وفاة منصور بن قراتِكِين صاحب الجيوش الخُرَاسانية من جهة الأمير نوح السَّاماني ولمرضٍ حصل له، وقيل: لأنه أدمن شرب الخمر أيامًا متتابعة، فهلك بسبب ذلك، فأقيم بعده في الجيوش أبو علي بن المحتاج.

الزجَّاجي مصنِّف "الجُمَل"

(1)

: هو أبو القاسم، عبد الرحمن بن إسحاق، النَّحْوي، البغدادي الأصل، ثم الدِّمَشقي، مصنِّف "الجُمَل"

(2)

في النحو، وهو كتابٌ نافع، كثير الفائدة، صنَّفه بمكة، وكان يطوف بعد كل بابٍ منه، ويدعو اللّه أن ينفع به.

وأخذ النحو أولًا عن محمد بن العَبَّاس اليزيدي، وأبي بكر بن دُرَيد، وابن الأنباري.

وكانت وفاته في رجب سنةَ سبعٍ، وقيل: تسع وثلاثين، وقيل سنة أربعين وثلاثمئة هذه بدمشق، وقيل: بطبرية

(3)

. وقد شُرحت "الجمل" بشروح كثيرةٍ من أحسنها وأجمعها ما وضعه ابنُ عصفور.

‌ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمئة

فيها ملكت الرُّوم سَرُوج

(4)

، وقتلوا أهلها، وخرَّبوا مساجدها.

قال ابن الأثير: فيها قصد يوسف بن وجيه صاحب عُمان البصرة، فمنعه منها المُهَلَّبي كما تقدَّم

(5)

.

قال: وفيها نقم معز الدولة على وزيره، فضربه مئةً وخمسين مقرعة، ولم يعزله بل رسم عليه

(6)

.

وفيها اختصم المصريون والعراقيون بمكة فَخُطبَ لصاحب مِصْر، ثم غلبهم العراقيون فخطبوا لركن الدولة بن بُوَيه

(7)

.

وفيها كانت وفاة:

المنصور الفاطمي

(8)

: وهو أبو طاهر، إسماعيل بن القائم بأمر اللّه [أبي] القاسم [محمد] بن

(1)

طبقات النحويين واللغويين (129) نزهة الألباء (211) الأنساب (6/ 256) تاريخ ابن عساكر (خ) 9/ 432 آ - 432 ب) إنباه الرواة (2/ 160 - 161) وفيات الأعيان (3/ 136) العبر (2/ 254) سير أعلام النبلاء (15/ 475 - 476).

(2)

كتاب مطبوع مشهور، متداول.

(3)

انظر وفيات الأعيان (3/ 136) وفيه أن الأصح في وفاته سنة (337 هـ).

(4)

بلدة قريبة من حران. معجم البلدان (3/ 216).

(5)

انظر حوادث سنة (340 هـ).

(6)

الكامل (8/ 499).

(7)

انظر المنتظم (6/ 370 - 371).

(8)

الكامل (8/ 455) وما بعدها، البيان المغرب (1/ 218) وما بعدها، وفيات الأعيان (1/ 234 - 236) العبر =

ص: 187

المهدي عبيد الله

(1)

؛ صاحب المغرب، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وكانت خلافته سبعَ سنينٍ وستةَ عَشَرَ يومًا.

وكان عاقلًا شجاعًا فاتكًا، قهر أبا يزيد الخارجي الذي كان لا يطاق شجاعةً وإقدامًا وصبرًا، وكان فصيحًا بليغًا، يرتجل الخطبة على البديهة في السَّاعة الراهنة. وكان سبب موته ضعف الحرارة الغريزية بسببٍ أوْرَده ابنُ الأثير في "كامله"

(2)

، فاختلف عليه الأطباء.

وقد عَهِدَ بالأمر من بعده لولده المعز الفاطمي؛ وهو باني القاهرة المُعِرية كما سيأتي بيان ذلك

(3)

واسمه مَعَدّ، وعمره إذ ذاك أربعٌ وعشرون سنة

(4)

، وكان شُجَاعًا، عاقلًا أيضًا، حازم الرأي، أطاعه من البَرْبَر وأهل تلك الناحية خَلْق كثير، وبَعَثَ مولاه جَوْهر القائد، فبنى له القاهرة المتاخمة لمِصْر، واتخذ له فيها دار الملك، وهما القَصْران اللذان هناك

(5)

، وذلك في سنة أربع وستين وثلاثمئة

(6)

.

قال أبو جعفر المَرْورُّذي: خرجت معه

(7)

لما كَسَرَ أبا يزيد الخارجي، فبينما أنا وهو نسير إذ سقط رمحه، فنزلت، فأخذته، وناولته إياه وذهبتُ أفاكهه

(8)

بقول الشاعر:

فألْقَتْ عصاها واستقرَّ بها النَّوى

كما قَرَّ عينًا بالإياب المسافِرُ

فقال: هلا قلت كما قال الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ

= (2/ 257) سير أعلام النبلاء (15/ 156 - 159) مرآة الجنان (4/ 333 - 334) تاريخ ابن خلدون (4/ 43 - 45) إيقاظ الحنفا: (129 - 133) خطط المقريزي (1/ 351) النجوم الزاهرة (3/ 308) شذرات الذهب (2/ 359 - 360).

(1)

في (ح) و (ب): هو أبو طاهر، إسماعيل بن القائم بأمر الله القاسم بن المهدي محمد بن عبيد الله، وهو وهم، والمثبت من (ط).

(2)

انظر الكامل (8/ 498).

(3)

انظر حوادث سنة (358 هـ).

(4)

أي حين ولايته الخلافة، والأصح أن عمره إذ ذاك ثنتان وعشرون سنة، وذلك لأن ولادته سنة (319 هـ)، كما سيرد في ترجمته في وفيات سنة (366 هـ).

(5)

في (ط) زيادة: اللذان يقال لهما بين القصرين اليوم.

(6)

كان بعث جوهر إلى مصر سنة (358 هـ)، ودخول المعز إليها سنة (362 هـ)، كما سيرد في حوادث سنة (358 هـ) و (362 هـ).

في (ح) يأتي عقب هذا ترجمة ابن الأعرابي والصفار، وفي (ط) ترجمة الصفار ثم ابن الأعرابي، ثم تعودان إلى تكملة ترجمة المنصور، وفي (ب) ترد الترجمة كاملة دون هذا الانقطاع، وهو ما أثبتناه.

(7)

أي مع المنصور.

(8)

في (ح) و (ب): أذهبت بفأله بقول الشاعر، والمثبت من (ط).

ص: 188

يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ} [الأعراف: 117 - 119] قال: فقلت له: أنت ابن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قلت كما علمت، وأنا قلت بما بلغ إليه علمي.

قال ابن خلِّكان: وهذه كما جرى لعبد الملك بن مروان حين أمر الحجَّاج أن يبنيَ بابًا ببيت المقدس، ويكتب عليه اسمه، فبنى له بابًا آخر، فوقعت صاعقة على باب عبد الملك، فأحرقته، فكتب إليه الحجَّاجُ من العراق يسليه عما أهمَّه من ذلك يقول: يا أمير المؤمنين، أنا وأنت كما قال اللّه تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ} [المائدة: 27] الآية.

وكانت وفاة المنصور هذا في هذه السنة، أصابه بَرْدٌ شديد، فمات به.

‌وممن توفي فيها أيضًا من الأعيان:

أحمد بن محمد بن زياد

(1)

بن بشر بن دِرْهم: أبو سعيد [بن]

(2)

الأعرابي، البصري.

سكن مكة، وصار شيخ الحرم، وصحب الجُنَيد بن محمد، والنُّوري وغيرهما، وأسند الحديث، وصنف كتبًا للصُّوفية.

إسماعيل بن محمد بن إسماعيل

(3)

بن صالح: أبو علي، الصَّفَّار، النَّحْوي.

لقي المبرِّد، واشتهر بصحبته، وكان مولده في سنة سبع وأربعين ومئتين.

سمع الحسن بن عَرَفَة، وعباسًا الدُّوري، وغيرهما. وروى عنه جماعة منهم الدَّارَقُطْني، وقال: صام أربعة وثمانين رمضان

(4)

.

وقد كانت وفاته في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، رحمه الله.

(1)

طبقات الصوفية (427 - 430) حلية الأولياء (10/ 375 - 376) الرسالة القشيرية (28) تاريخ ابن عساكر (2/ 86 آ - 86 ب) المنتظم (6/ 371)، تذكرة الحفاظ (3/ 852 - 853) العبر (2/ 252) سير أعلام النبلاء (15/ 407 - 411) طبقات الأولياء (77 - 78) لسان الميزان (1/ 308 - 309) النجوم الزاهرة (3/ 306 - 307) شذرات الذهب (2/ 354 - 355).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

تاريخ بغداد (6/ 302 - 304) نزهة الألباء (195 - 196) المنتظم (6/ 371 - 372) معجم الأدباء (7/ 33 - 36) إنباه الرواة (1/ 211 - 213) العبر (2/ 256) سير أعلام النبلاء (15/ 440 - 441) لسان الميزان (1/ 432) بغية الوعاة (188) شذرات الذهب (2/ 358).

(4)

المنتظم (6/ 371).

ص: 189

‌ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وثلاثمئة

فيها دخل سيف الدولة بن حَمْدان؛ صاحبُ حلب إلى بلادِ الرُّوم، فقتل منهم خَلْقًا، وأسر آخرين، وغَنِمَ أموالًا جزيلة، ورجع سالمًا غانمًا.

وفيها اختلف الحجيج بمكة، ووقعت حَرْبٌ بين أصحاب ابن طُغْج وأصحاب معز الدولة، فغلبهم العراقيون، ثم بعد انقضاء الحج اختلفوا

(1)

، فغلبهم العراقيون أيضًا.

وجرت حروبٌ كثيرة وخطوبٌ كبيرة بين ركن الدولة والخراسانية والسَّامانية، تقصَّى ذكرها ابنُ الأثير في "كامله"

(2)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

علي بن محمد بن أبي الفَهْم

(3)

: أبو القاسم، التنوخي، جدُّ القاضي أبي القاسم التَّنُوخي، شيخ الخطيب.

ولد بأنطاكية، وقَدِمَ بغداد، فتفقَّه بها على مذهب أبي حنيفة، وكان يعرف

(4)

الكلام على طريقة المعتزلة، ويعرف النجوم، ويقول الشِّعْر، وولي القضاء بالأهوازِ وغيرها، وقد سَمِعَ الحديثَ من البَغَوي وغيره.

وكان فَهِمًا ذكيًا، حفظ وهو ابن خمس عشرة سنة قصيدة لدِعْبلِ الشَّاعر في ليلة واحدة؛ وهي ستمئة بيت، وعَرَضَها على أبيه صبيحتها، فقام إليه وضمَّه، وقبَّل بين عينيه وقال: يا بني لا تخبر بهذا أحدًا لئلا تصيبك العين

(5)

.

(1)

في (ح): اتفقوا، وهو وهم، والعبارة ساقطة من (ب)، والمثبت من (ط).

(2)

انظر الكامل (8/ 500 - 505).

(3)

يتيمة الدهر (2/ 309 - 318) تاريخ بغداد (12/ 77 - 79) الأنساب (3/ 93) المنتظم (6/ 372 - 373) معجم الأدباء (14/ 162 - 191) وفيات الأعيان (3/ 366 - 369) العبر (2/ 260) ميزان الاعتدال (3/ 153) سير أعلام النبلاء (15/ 499 - 500) مرآة الجنان (2/ 334 - 335) الجواهر المضية (1/ 378) لسان الميزان (4/ 256 - 257) النجوم الزاهرة (3/ 310) شذرات الذهب (2/ 362 - 364).

(4)

في (ح): لا يعرف، وهو خطأ، والمثبت من (ب).

(5)

تاريخ بغداد (12/ 78 - 79) وقصيدة دعبل التي حفظها مطلعها:

أفيقي من ملامك يا ظعينا

كفاكِ اللَّوْمَ مَرُّ الأربعينا

ولم يصلنا منها سوى خمسة وعشرين بيتًا، انظر "شعر دعبل"(193 - 197).

ص: 190

وذكر ابنُ خَلِّكان أنه كان نديمًا للوزير المُهلَّبي، ووفدَ على سيف الدولة بن حَمْدان، فأكرمه وأحسن إليه. وأورد له من شِعْره أشياءَ حسنةً، فمن ذلك قوله في الخمر:

وراحٍ من الشَّمْسِ مخلوقةٌ

بَدَتْ لك في قَدَحٍ منْ نهارِ

هواءٌ ولكنَّهُ جامِدٌ

وماءٌ ولكنَّهُ غيرُ جارِ

كأنَّ المُدِيْرَ لها باليمين

إذا مالَ للسَّقْي أو باليسار

تدرَّعَ ثوبًا منَ الياسمينِ

لهُ فردُ كُمٍّ منَ الجُلَّنارِ

(1)

محمد بن إبراهيم

(2)

بن الحسين بن الحسن بن عبد الخلاق: أبو الفَرَج، البغدادي، الفقيه الشَّافعي يعرف بابن سُكَّرة.

سكن مِصْر، وحدَّث بها، وسَمِعَ منه أبو الفتح بن مسرور

(3)

، وذكر أن فيه لِينًا

(4)

.

محمد بن موسى بن يعقوب

(5)

بن المأمون بن الرَّشيد هارون: أبو بكر، ولي إمرة مكة في سنة ثمانٍ وستين ومئتين، وقَدِمَ مصر، فحدَّث بها عن علي بن عبد العزيز البَغَوي بموطأ مالك، وكان ثقة مأمونًا، توفي بمصر في ذي الحجة من هذه السنة.

‌ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة

فيها كانت وقعة بين سيف الدولة بن حمدان وبين الدُّمَسْتَق

(6)

، فَقُتل خَلْقٌ من أصحاب الدُّمَسْتق وأُسر جماعةٌ من رؤساء بطارقته وللّه الحمد، وكان في جملة من قتل فسطنطين بن الدُّمَسْتق، وسبى خلقًا وأسر آخرين، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة، ثم جمع الدُّمَسْتَق خلقًا كثيرًا، فالتقوا مع سيف الدولة في شعبان، فَجَرَتْ بينهم حروب عظيمة وقتال شديد، فكانت الدائرة للمسلمين، وخذل اللّه

(1)

وفيات الأعيان (3/ 337).

(2)

تاريخ بغداد (1/ 412) المنتظم (6/ 374) حسن المحاضرة (1/ 187).

(3)

في (ح) و (ب): سرور، والمثبت من (ط) وترجمته في سير أعلام النبلاء (16/ 422 - 423، 516 - 517).

(4)

في تاريخ بغداد (1/ 412): أن أبا الفتح سمع منه سنة (355 هـ)، فإذا صحَّ تاريخ هذا السماع تكون وفاة محمد بن ابراهيم بعد هذه السنة أو فيها، واللّه أعلم.

قال بشار: ذِكْره في وفيات هذه السنة متابعة منه لابن الجوزي في المنتظم؛ وابن الجوزي نقل الترجمة من الخطيب، فلا أدري من أين جاء بهذا التاريخ، وننظر بلابد تعليقي على تاريخ الخطيب (2/ 310 بتحقيقي).

(5)

المنتظم (6/ 375).

(6)

الضبط من صبح الأعشى (5/ 358).

ص: 191

الكافرين، فقُتِلَ منهم خَلْقٌ كثير، وأُسر جماعة من الرُّوس، فكان منهم صهر الدُّمَسْتق وابن ابنته أيضًا.

وفيها حصل للنَّاس أمراض كثيرة وحميات وأوجاع في الحلق.

وفيها ماتَ الأمير الحميد نوح بن نَصْر السَّاماني؛ صاحب خراسان وما وراء النهر، وقام بالأمر من بعده ولده عبد الملك.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسن بن أحمد

(1)

: أبو علي، الكاتب، المِصْري.

صَحِبَ أبا علي الرُّوذباري وغيره، وكان أبو عثمان المَغْربي يعطم أمره ويقول: أبو علي الكاتب من السَّالكين.

ومن كلامه الذي حكاه عنه أبو عبد الرحمن السُّلَمي قوله: روائح نسيم المحبة تفوحُ من المُحبِّين وإن كتموها، وتظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها، وتبدو عليهم وإن ستروها. وأنشد:

إذا ما استسرَّتْ أنفسُ الناسِ ذِكْرَهُ

تَبَيَّنْتُهُ فيهمْ ولم يتكلَّمُوا

تُطَيِّبُهُمْ أنفاسُهُمْ فتذيعها

وهل سِرُّ مسكٍ أُودعَ الرِّيحَ يُكْتَم

(2)

علي بن محمد [بن محمد]

(3)

بن عُقْبة بن هَمَّام

(4)

: أبو الحسن، الشَّيْباني الكُوفي.

قدم بغداد، فحدَّث بها عن جماعة، وروى عنه الدَّارَقُطْني. وكان ثِقَةً عَدْلًا، كثيرَ التلاوة، فقيهًا، مكَثَ يشهد على الحُكَّام ثلاثًا وسبعين سنة، [مقبولًا عندهم، وأذَّن في مسجد حمزة الزَّيَّات نيفًا وسبعين سنة]

(5)

، وكذلك أبوه من قبله.

محمد بن علي بن أحمد بن العباس

(6)

: الكَرْخي، الأديب.

كان عالمًا زاهدًا ورعًا، يختمُ القرآن كل يوم، ويديم الصَّوم، وسمع الحديث من عَبْدان وأقرانِهِ.

(1)

ترجمته في طبقات الصوفية (386 - 388) المنتظم (6/ 375 - 376) طبقات الأولياء (57 - 58).

(2)

انظر طبقات الصوفية (387 - 388) والبيتان فيه مع اختلاف في اللفظ.

(3)

ما بين حاصرتين من سير أعلام النبلاء (15/ 443).

(4)

تاريخ بغداد (12/ 79 - 81) المنتظم (6/ 376) العبر (2/ 262) سير أعلام النبلاء (15/ 443 - 444) مرآة الجنان (2/ 335) شذرات الذهب (2/ 365 - 366).

(5)

ما بين حاصرتين ساقط من (ح)، والمثبت من (ب).

(6)

المنتظم (6/ 376) وفيه: محمد بن علي بن حماد، أبو العباس الكرخي.

ص: 192

أبو الخير التِّيْنَاتي

(1)

: العابد الزَّاهد

(2)

.

أصله من المَغْرب، وكان مقيمًا بقرية يقال لها تِينات من عمل أنطاكية، ويعرف بالأقْطع؛ لأنَّه كان مقطوعَ اليد، كان قد عاهد اللّه عهدًا ثم نكثه، فاتفق أن مُسِك في جماعةٍ من اللصوص من الصَّحراء وهو هناك [سائح يتعبد]

(3)

، فأُخذ معهم، فقطعت يده معهم، وكانت له أحوال وكرامات، وكان يَنْسُجُ الخُوصَ بيده الواحدة. ودخل عليه بعضهم فشاهد منه ذلك، فأخذ عليه العهد أن لا يخبر به أحدًا ما دام حيًّا، فوفى له بذلك

(4)

.

‌ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمئة

قال ابن الجَوْزي: فيها شَمِلَ الناسَ ببغداد وواسط وأصْبَهان والأهواز داء مركَّب من دمٍ وصفراء ووباء، مات بذلك خَلْقٌ كثير، بحيث كان يموت في كلِّ يوم قريبٌ من ألف نفس

(5)

.

وجاء فيها جَرَادٌ عظيم أكل الخضروات والأشجار والثمار

(6)

.

وفي المُحرَّم عقد مُعزُّ الدولة لابنه أبي منصور بختيار الأمر من بعده بأمرة الأمراء

(7)

.

وفيها خرج رجل بأذْرَبيجان ادَّعى أنه يعلم الغيب، وكان يحرّم اللحم وما يخرج من الحيوانات، فأضافَه مرَّة رجلٌ، فجاءه بطعام كشكية بشحم فأكله، فقال له الرجل بحضرة منْ معه: إنك تدَّعي أنك تعلم الغيب، وهذا الطعام فيه شَحْمٌ وأنت تحرِّمُه، فلم لا علمته؟ قال: فتفرَّق النَّاس عنه

(8)

.

وفيها جَرَتْ حروب كثيرة بين المُعِزِّ الفاطمي وبين صاحب الأندلس عبد الرحمن الناصر الأموي، استقصاها ابنُ الأثير

(9)

.

(1)

طبقات الصوفية (370 - 372) حلية الأولياء (10/ 377 - 378) الرسالة القشيرية (26) الأنساب (3/ 121) المنتظم (6/ 376 - 377) صفة الصفوة (4/ 206) معجم البلدان (2/ 68) اللباب (1/ 234) سير أعلام النبلاء (16/ 22 - 23) طبقات الأولياء (190 - 195) طبقات الشعراني (1/ 128) نتائج الأفكار القدسية (1/ 193).

(2)

في معجم البلدان (2/ 68) واسمه عباد بن عبد اللّه، وفي السير (16/ 22) ويقال اسمه حماد.

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

في السير (16/ 23): توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمئة، وقيل: سنة تسع وأربعين.

(5)

المنتظم (6/ 377).

(6)

المصدر السالف.

(7)

المصدر السالف.

(8)

انظر الكامل (8/ 512).

(9)

الكامل (8/ 512 - 513).

ص: 193

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

عثمان بن أحمد

(1)

بن عبد اللّه بن يزيد: أبو عمرو الدَّقَّاق، ويُعرف بابن السَّمَّاك.

روى عن حنبل بن إسحاق وغيره، وعنه الدَّارَقُطْني وغيره، وكان ثِقَةً ثَبْتًا، كَتبَ المصنَّفات الكثيرة بخطِّه. توفي في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب التِّبْن، وحَضَرَ جنَازَتَه خمسون ألفًا.

محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد

(2)

: أبو جعفر القاضي، السِّمْناني.

ولد سنة إحدى وستين ومئتين

(3)

، وسكن بغداد، وحدث بها، وكان ثِقَة عالمًا سخيًا، حسن الكلام، عراقي المذهب، وكانت داره مجمعًا للعلماء، ثم ولي قضاء المَوْصل، وكانت وفاته بها في هذه السنة في ربيع الأول منها.

محمد بن أحمد بن بُطَّة بن إسحاق الأصْفهاني

(4)

: أبو عبد الله.

سكن نَيْسابور، ثم عاد إلى أصبهان.

وليس هذا بأبي عبد الله بن بَطَّة العُكْبَرِي

(5)

، هذا متقدِّمٌ على الآخر، هذا شيخ الطَّبراني، وابن بَطَّة يروي عن الطَّبراني، وهذا بضم الباء من بُطَّة، والفقيه الحَنْبلي بفتحها.

وقد كان جدُّ هذا، وهو بُطَّة بن إسحاق، أبو سعيد من المحدّثين أيضًا. ذكره ابنُ الجَوْزي في "منتظمه"

(6)

.

محمد بن محمد بن يوسف بن الحَجَّاج

(7)

: أبو النَّضْر، الفقيه، الطُّوسي.

كان فقيهًا عالمًا ثِقَةً عابدًا، يصومُ النهار ويقوم الليل، ويتصدَّق بالفاضل من قوته، ويأمر بالمعروف

(1)

تاريخ بغداد (11/ 302 - 303) الأنساب (7/ 127) المنتظم (6/ 387) العبر (2/ 264) سير أعلام النبلاء (15/ 444 - 445) ميزان الاعتدال (3/ 31) غاية النهاية (1/ 501) لسان الميزان (4/ 131 - 132) شذرات الذهب (2/ 366 - 367).

(2)

تابع ابنُ كثير ابنَ الجوزي في المنتظم (6/ 378) إذ ذكره في وفيات هذه السنة، والصواب أن وفاته سنة (444 هـ)، وسيترجم له ابن كثير في وفياته متابعًا كذلك ابن الجوزي.

(3)

الصحيح أنه ولد سنة إحدى وستين وثلائمئة، انظر تاريخ بغداد (1/ 355).

(4)

المنتظم (6/ 387 - 379).

(5)

سترد ترجمته في وفيات سنة (387 هـ).

(6)

انظر المنتظم (6/ 379).

(7)

الأنساب (8/ 264 - 265) المنتظم (6/ 379) تذكرة الحفاظ (3/ 893 - 894) العبر (2/ 264 - 265) سير أعلام النبلاء (15/ 490 - 492) الوافي بالوفيات (1/ 210) مرآة الجنان (2/ 336) النجوم الزاهرة (3/ 313 - 314) طبقات الحفاظ (365) شذرات الذهب (2/ 368).

ص: 194

وينهى عن المنكر، وقد رحل في طلب الحديث إلى الأقاليم النائية والبلدان المتباينة، وكان قد جَزَّأ الليل ثلاثة أجزاء: فثلث للنَّوْم، وثلث للتَّصْنيف، وثلث للقراءة.

وقد رآه بعضُهم [في النوم]

(1)

بعد وفاته فقال له: وصلت إلى ما طلبتَ؟ فقال: إي والله، نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عَرضْتُ مصنَّفاتي في الحديث عليه، فقبلها.

أبو بكر بن الحدَّاد

(2)

: الفقيه الشَّافعي، هو محمد بن أحمد بن محمد، أبو بكر بن الحدَّاد، أحد أئمة الشَّافعية.

روى عنه النَّسائي، وقال: رضيتُ به حُجَّة بيني وبين الله عز وجل.

وقد كان ابنُ الحدَّاد فقيهًا فروعيًا، ومحدِّثًا ونحويًّا وفصيحًا في العبارة، دقيقَ النظر في الفروع، له كتاب في ذلك غريب الشكل، وقد ولي القضاء بمصر نيابة عن أبي عبيد بن حَرْبَويه

(3)

، وذكرناه في "طبقات الشَّافعية".

أبو يعقوب الأذْرَعي

(4)

إسحاق بن إبراهيم بن هاشم بن يعقوب بن إبراهيم النَّهْدي.

قال ابنُ عساكر: من أهل أذْرِعات؛ مدينة بالبلقاء، أحد الثقات من عُبَّاد الله الصالحين، رحل وحدَّث عن جماعةٍ، وعنه آخرون. وقال غيره: كان من أجلَّة أهل دمشق وعُبَّادها وعلمائها

(5)

.

وقد روى عنه ابن عساكر أشياء تدل على صلاحه وخرق العادة له، فمن ذلك أنه قال: سألتُ الله أن يقبض بصري فعميت، فلما استضررت بالطهارة سألت الله عوده فردَّه علي

(6)

. توفي بدمشق في هذه السنة؛ سنة أربع وأربعين وثلاثمئة، وصحَّحهُ ابنُ عساكر، وقد نَيَّفَ على التسعين.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

طبقات الفقهاء للشيرازي (114) الأنساب (4/ 71 - 72) المنتظم (6/ 379) وفيات الأعيان (4/ 197 - 198) تذكرة الحفاظ (3/ 899 - 900) العبر (2/ 264) سير أعلام النبلاء (15/ 446 - 451) الوافي بالوفيات (2/ 69 ج) مرآة الجنان (2/ 336) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 79 - 98) النجوم الزاهرة (3/ 313) طبقات الحفاظ (367) طبقات ابن هداية الله (70 - 72) شذرات الذهب (2/ 367 - 368).

(3)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (319 هـ) من هذا الجزء.

(4)

تاريخ ابن عساكر (2/ 369 آ - 370 ب) العبر (2/ 263) سير أعلام النبلاء (15/ 478 - 479) الوافي بالوفيات (8/ 398) شذرات الذهب (2/ 366).

(5)

تاريخ ابن عساكر (خ)(2/ 370 آ).

(6)

المصدر السالف.

ص: 195

‌ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمئة

فيها عصى الروزبهان على مُعِزِّ الدَّولة، وانحاز إلى الأهواز، ولحق به عامَّةُ منْ كان مع المُهلَّبي الذي كان يحاربه، فلما بلغ ذلك معز الدولة لم يصدِّق؛ لأنه كان قد أحسن إليه ورفع من قدره بعد الضَّعَة والخمول، [ثم تبيَّن له أن ذلك حق]

(1)

، ثم ركب إليه لقتاله فاتَّبعه الخليفة المطيع للّه خوفًا من ناصر الدَّولة بن حَمْدان، فإنه قد بلغه أنه قد جهَّز جيشًا مع ولده أبي المرجَّى إلى بغداد ليأخذها حين بلغه أن معز الدولة قد خرج منها. فأرسل معز الدولة حاجبه سُبُكْتكين إلى بغداد ليحفظها، وصمد معز الدولة إلى روزبهان، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، فهزمه معز الدولة وفرَّق أصحابه، وأخذه أسيرًا، ودخل به أسيرًا معه إلى بغداد في أبهةٍ عظيمةٍ فسجنه، ثم أخرجه ليلًا وغَرَّقه؛ لأن الدَّيلم أرادوا إخراجه من السِّجْن قهرًا. وانطوى ذكر روزبهان وإخوته، وكان قد اشتعل اشتعال النَّار، وحظيت الأتراك عند معز الدولة، وانحطت رتبة الديلم عنده، لأنه ظهر له خيانتهم في أمر الروزبهان وإخوته.

وفيها دخل سيف الدولة إلى بلاد الرُّوم، فقتل وسبى ورجع إلى أذنة، ثم عاد إلى حلب، فحميت الرُّوم، فجمعوا وأقبلوا إلى مَيَّافارقين، فقتلوا [وسبَوْا وحرقوا ورجعوا لعنهم اللّه، وركبوا في البحر إلى طَرَسُوس، فقتلوا من أهلها ألفًا وثمانمئة]

(2)

، وسبوا وحرقوا قرى كثيرة.

وفيها زلزلت هَمَذَان زلزالًا عظيمًا؛ انهدمت البيوت، وانشقَّ قصر شيرين بصاعقة، ومات تحت الهدم خَلْقٌ كثير لا يحصون كثرة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

ووقعت فِتْنةٌ عظيمة بين أهل أصبهان وأهل قُمّ بسبب سَبِّ الصَّحابة من أهل قُمّ، فثار عليهم أهلُ أصبهان، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، ونهبوا أموال التجار، فغضب ركنُ الدولة لأهل قُمّ؛ لأنه كان شيعيًا، فصادر أهلَ أصْبهان بأموالٍ كثيرة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

غلامُ ثَعْلَب

(3)

محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر، الزَّاهد، كُلام ثعلب.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين ليس في (ح)، والمثبت من (ب).

(3)

طبقات النحويين واللغويين (239) الفهرست (113 - 114) تاريخ بغداد (2/ 356 - 359) طبقات الحنابلة (2/ 67 - 69) نزهة الألباء (190 - 195) المنتظم (6/ 380 - 382) معجم الأدباء (18 - 226 - 234) إنباه الرواة (3/ 171 - 177) وفيات الأعيان (4/ 329 - 333) تذكرة الحفاظ (3/ 873 - 876) العبر (2/ 268) سير أعلام النبلاء (15/ 508 - 513) الوافي بالوفيات (4/ 72 - 73) مرآة الجنان (2/ 337 - 339) لسان الميزان (5/ 268 - 269) =

ص: 196

روى عن الكُدَيْمي، وموسى بن سَهْل الوَشَّاء، وغيرهما، وروى عنه جماعة، وآخر من حدَّث عنه أبو علي بن شَاذَان.

وكان كثيرَ العِلْم والزُّهد، حافظًا مطيقًا، يملي من حِفْظه شيئًا كثيرًا، ضابطًا لما يحفظه، ولكثرة إغرابه اتهمه بعضهم ورماه بالكذب، وقد اتفق له مع القاضي أبي عمر

(1)

- وكان يؤدِّب ولدَه - أنه أملى من حفظه ثلاثين مسألة بشواهدها وأدلتها من لغة العرب، واستشهد على بعضها ببيتين غريبين جدًّا، فعرضها القاضي أبو عمر على ابن دُرَيد وابن الأنباري وابن مِقْسم، فلم يعرفوا منها شيئًا. حتى قال ابن دُرَيد: هذا ما وضعه أبو عمر من عنده. فلما جاء أبو عمر ذكر له القاضي ما قال ابن دريد عنه، فطلب أبو عمر من القاضي أن يحضر له من كتبه دواوين العرب. فلم يزل [أبو عمر يعمد إلى كل مسألة و]

(2)

يأتيه بشاهد لما ذكره بعد شاهدٍ حتى خرج من الثلاثين مسألة ثم قال: وأما البيتان، فإنَّ ثعلبًا أنشدناهما وأنت حاضر، فكتبتهما في دفترك. فطلب القاضي دفتره. فإذا هما فيه، فلما بلغ ذلك ابنَ دُرَيد كفَّ لسانه عن أبي عمر الزَّاهد، فلم يذكره حتى مات.

وتوفي أبو عمر هذا يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين الثالث عشر من ذي القَعْدة، ودفن في الصُّفَّة المقابلة لقبر معروف الكَرْخي ببغداد.

محمد بن علي بن [أحمد]

(3)

بن رُسْتُم

(4)

: أبو بكر المادَرَائي، الكاتب.

كان مولده في سنة سبع وخمسين ومئتين

(5)

بالعراق، ثم صار إلى مصر هو وأخوه أحمد مع أبيهما، وكان على الخَرَاج لِخُمارَوَيْه بن أحمد بن طولون، ثم صار هذا الرجل من رؤساء النَّاس وأكابرهم.

وقد سمع الحديث من أحمد بن عبد الجبَّار وطبقته. وقد روى الخطيب عنه أنه قال: كان ببابي شيخٌ كبير من الكُتَّاب قد بَطَلَ عن وظيفته، فرأيتُ والدي في المنام وهو يقول: يا بني، أما تتقي الله؟! أنت مشغولٌ بلذَّاتك، والنَّاسُ ببابك يهلكون من العُري والجوع، هذا فلان قد تقطَّع سراويله ولا يقدر على إبداله، فلا تهمل أمره. فاستيقظتُ مذعورًا وأنا ناوٍ له الإحسان، فنمت ثم استيقظت وقد أُنسيت المنام،

= بغية الوعاة (69 - 70) شذرات الذهب (2/ 370 - 371).

(1)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (320 هـ) من هذا الجزء.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

تاريخ بغداد (3/ 79 - 81) الأنساب (499) تاريخ ابن عساكر (15/ 341 ب - 342 ب) المنتظم (6/ 383) العبر (2/ 268 - 269) سير أعلام النبلاء (15/ 451 - 452) الوافي بالوفيات (4/ 115) خطط المقريزي (2/ 155 - 157) شذرات الذهب (2/ 371).

(5)

في (ط): سنة خمس وخمسين ومئتين، وهو تحريف.

ص: 197

فبينا أنا أسير إلى دار الملك، إذا بذلك الشيخ على دابة ضعيفة، فلما رآني أراد أن يترجَّل، فبدا لي فخذه، وليس عليه سراويل وقد لبس الخُفَّ بلا سراويل، فلما رأيته ذكرتُ المنام، فاستدعى به عند ذلك وأطلق له ألف دينار وثيابًا، ورتَّب له على وظيفته مئتي دينار كل شهر، ووعده بخيرٍ في الآجل أيضًا

(1)

.

أحمد بن محمد بن إسماعيل

(2)

بن إبراهيم طَبَاطَبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن [علي]

(3)

بن أبي طالب، الشَّريف الحَسَني الرَّسِّي؛ قبيلة من الأشراف، أبو القاسم، المِصْري، الشَّاعر، كان نقيب الطالبيين بمصر، ومن شعره قوله:

قالتْ لطَيْفِ خيالٍ زارني ومضى

باللّه صِفْهُ ولا تَنْقُصْ ولا تَزِدِ

فقال أبصرتُهُ لو ماتَ من ظمأٍ

وقلتِ قفْ لا تردْ للماءِ لم يردِ

قالتْ صدقتَ وفاءُ الحبِّ عادَتُهُ

يا بردَ ذاكَ الذي قالتْ على كَبِدِي

قال ابن خَلِّكان: توفي ليلة الثلاثاء لخمسٍ بقين من شعبان من هذه السنة

(4)

.

‌ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمئة

فيها كانت فتنة بين أهل الكَرْخ وأهل السُّنَّة في المذهب بسبب السبِّ، فقتل من الفريقين خَلْقٌ كثير.

وفيها نقص البحر ثمانين ذراعًا، ويقال باعًا، فبدت به جبال وجزائر لم تكن تُرَى قبل ذلك.

وفيها كان بالعراق وبلاد الرَّي والجبل وقُمّ ونحوها زلازل كثيرة مستمرة نحوًا من أربعين يومًا، تسكن ثم تعود، فتهدَّمت بسبب ذلك أبنية كثيرة وغارت مياه كثيرة، ومات خلق كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها تجهَّز مُعزُّ الدولة بن بُوَيه لقتال ناصر الدولة بن حمدان الذي بالمَوْصل، فراسله ناصر الدولة، والتزم له بأموالٍ يحملها إليه في كلِّ سنة، [فسكت عنه]

(5)

ثم إنه منع حمل ما اشترط على نفسه، فقصده معز الدولة في السَّنة الآتية كما سيأتي.

(1)

تاريخ بغداد (3/ 80 - 81).

(2)

يتيمة الدهر (1/ 369 - 370) وفيات الأعيان (1/ 129 - 131).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

انظر وفيات الأعيان (1/ 129 - 130) والأبيات فيه مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 198

وفيها وفي تشرين منها كَثُرَتْ في النَّاس أوجاع في الحلق والماشرى، وكثر موت الفُجَاءة، حتى إن لصًا نقَّب دارًا ليدخلها فمات وهو في النقب، ولبس القاضي خِلْعة القضاء ليخرج للحكم بين الناس فلبس أحد خُفَّيه، فمات قبل أن يلبس الأخرى.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن عبد اللّه بن الحسن

(1)

: أبو هريرة، العَدَوي

(2)

.

المُسْتملي على المشايخ، كتب عن أبي مسلم الكَجِّي وغيره، وكان ثقة، توفي في ربيع الأول

(3)

منها.

الحسن بن خَلَف بن شَاذَان

(4)

: أبو علي الواسِطِي.

روى عن إسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون، وغيرهما، وروى عنه البخاري في "صحيحه"، وتوفي في هذه السنة.

هكذا رأيت هذه الترجمة في هذه السَّنة من "المنتظم" لأبي الفرج بن الجَوْزي

(5)

.

أبو العَبَّاس الأَصَمّ

(6)

محمد بن يعقوب بن يوسف بن مَعْقِل بن سِنان بن عبد اللّه، الأُموي مولاهم، أبو العباس الأصم.

مولده في سنة سبع وأربعين ومئتين.

رأى الذُّهلي ولم يسمع منه، ورحل به أبوه إلى أصهبان ومكة ومِصر والشَّام والجزيرة وبغداد وغيرها من البلاد، فسمع الكثير عن الجَمِّ الغفير، ثم رجع إلى خُرَاسان وهو ابن ثلاثين سنة، وقد صار محدِّثًا كبيرًا، ثم طرأ عليه الصَّمم واستحكم حتى كان لا يسمع نهيق الحمار، وكان مؤذنًا في مسجده سبعين سنة، وحدَّث ستًا وسبعين سنة، فالحق الأحفاد بالأجداد، وكان ثقةً صادقًا ضابطًا لما سمعه ويسمعه، كُفَّ بصرُه قبل موته بشهر، وكان يحدِّث من حفظه بأربعة عشر حديثًا، وسبع حكايات، ومات وقد بقي له سنة من المئة.

(1)

الأنساب (8/ 412)، المنتظم (6/ 384).

(2)

في (ط) العذري، وهو تحريف.

(3)

في "الأنساب" و"المنتظم": ربيع الآخر.

(4)

تابع ابنُ كثير ابنَ الجوزي في إيراد ترجمة الحسن بن خلف في هذه السنة، ولكن ابن كثير توقف فقال: هكذا رأيت هذه الترجمة في هذه السنة من "المنتظم". قلت: والصحيح في وفاته أنها كانت سنة (246 هـ).

(5)

المنتظم (6/ 385).

(6)

الأنساب (1/ 294 - 297) تاريخ ابن عساكر (16/ 67 آ - 69 ب) المنتظم (6/ 386 - 387) تذكرة الحفاظ (3 - 860 - 864) العبر (2/ 273 - 274) سير أعلام النبلاء (15/ 452 - 460) الوافي بالوفيات (5/ 223) نكت الهميان (279) غاية النهاية (2/ 283) النجوم الزاهرة (3/ 317) طبقات الحفاظ (354) شذرات الذهب (2/ 373 - 374).

ص: 199

‌ثم دخلت سنة سبع وأربعين ثلاثمئة

فيها كانت زلزلة ببغداد في شهر نيسان وفي غيرها من البلاد الشَّرقية، فمات بسببها خَلْقٌ كثير، وخَرِبَتْ دور كثيرة، وظهر في آخر نيسان وشهر أيار جَرَاد عظيم أتلف الغَلَّات الصَّيفية والثمار.

ودخلت الرُّومُ آمِد، ومَيَّافارِقِين، فقتلوا ألفًا وخمسمئة إنسان، وأخذوا مدينة سُمَيْساط وأخربوها فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفي المحرَّم منها ركب معزُّ الدولة إلى المَوْصل، فأخذها من يد ناصر الدولة، وهرب منها ناصر الدولة إلى نَصِيبين، ثم إلى مَيَّافارِقِين، ثم لحقه معز الدولة، فصار إلى أخيه سيف الدولة بحلب، ثم راسل سيفُ الدولة معزَّ الدولة في المصالحة بينه وبين أخيه ناصر الدولة، فوقع الصُّلح على حمل كل سنة ألفي ألف وتسعمئة ألف [درهم]

(1)

، ورجع معز الدولة إلى بغداد بعد انعقاد الصلح

(2)

.

وفيها بعث المُعِزُّ الفاطمي مولاهم أبا الحسن جوهر القائد في جيوشٍ، ومعه زيري بن مناد الصِّنْهاجي، ففتحوا بلادًا كثيرة في أقصى المغرب، حتى انتهوا إلى البحر المحيط، فأمر جوهر بأن يُصْطاد له منه سمك، فأرسل به في قلال الماء إلى المعز الفاطمي، وحظي جوهر عنده، وعظم شأنه حتى صار بمنزلة الوزير.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الزُّبَير بن عبد الواحد

(3)

بن محمد بن زكريا بن صالح بن إبراهيم: أبو عبد الله، الأسَدَاباذي

(4)

.

رحل وسَمِعَ وطوَّف الأقاليم، سمع الحسنَ بن سفيان وابن خُزَيمة، وأبا يعلى، وخَلْقًا، وكان حافظًا مُتْقنًا صدوقًا، وصنَّف الشيوخ

(5)

والأبواب.

(1)

ما بين حاصرتين من الكامل (8/ 523).

(2)

في (ط): زيادة، وهي: وقد امتلأت البلاد رفضًا وسبًا للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين، وكل ملوك البلاد مصرًا وشامًا وعراقًا وخراسان، وغير ذلك من البلاد كانوا رفضًا، وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب، فكثر السب والتكفير منهم للصحابة.

(3)

في (ط): عبد الرحمن، وهو تحريف. وترجمته في تاريخ بغداد (8/ 472 - 473) الأنساب (1/ 224) تاريخ ابن عساكر (6/ 171 آ - 172 آ) تذكرة الحفاظ (3/ 900 - 901) سير أعلام النبلاء (15/ 570 - 571) طبقات الحفاظ (368).

(4)

في (ط): الإستراباذي، وهو تحريف.

(5)

في (ط): الشروح! وهو تحريف.

ص: 200

أبو سعيد بن يونس

(1)

: صاحب "تاريخ مِصْر"، هو عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى، الصَّدَفي

(2)

المِصْري المؤرِّخ.

كان حافظًا مكثرًا، خبيرًا بأيام النَّاس وتواريخهم، له تاريخ مفيد [جيد]

(3)

لأهل مصر ومَنْ وَرَدَ إليها، وله ولد يقال له أبو الحسن علي

(4)

، كان منجِّمًا له زِيْجٌ مفيد يرجع إليه أصحاب هذا الفن، كما يرجع المحدِّثون إلى أقوال أبيه وما يؤرِّخه وينقله ويحكيه، وُلِدَ [الصَّدَفي]

(5)

سنة إحدى وثمانين ومئتين، وتوفي في هذه السَّنة يوم الإثنين السَّادس والعشرين من جُمَادى الآخرة في القاهرة، رحمه الله.

ابنُ دَرَستَوَيه

(6)

النَّحْوي

(7)

عبد اللّه بن جعفر بن دَرَسْتَوَيه بن المَرْزُبان: أبو محمد، الفارسي، النَّحْوي.

سكن بغداد، وسمع عَبَّاسًا الدُّوري، وابن قتيبة، والمُبَرِّد، وسمع منه الدَّارَقُطني وغيره من الحُفَّاظ، وأثنى عليه غيرُ واحد، منهم أبو عبد اللّه بن مَنْده، وكانت وفاته في صفر من هذه السنة.

وذكر له القاضي ابن خَلِّكان مصنفاتٍ كثيرةً مفيدة فيما يتعلَّق باللغة والنحو وغير ذلك

(8)

.

محمد بن الحسن

(9)

بن عبد اللّه بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، أبو الحسن، القُرَشي الأموي، قاضي بغداد.

وكان حسن الأخلاق، طلَّابة للحديث، ومع هذا كان ينسب إلى أخذ الرِّشوة في الأحكام والولايات، فالله أعلم.

(1)

الأنساب (8/ 45 - 46) وفيات الأعيان (3/ 137 - 138) تذكرة الحفاظ (3/ 898 - 899) العبر (2/ 376 - 277) سير أعلام النبلاء (15/ 578 - 579) مرآة الجنان (2/ 340 - 341) حسن المحاضرة (1/ 198) شذرات الذهب (2/ 375).

(2)

هذه النسبة إلى الصدف - بكسر الدال، وفيه لغة بفتحها - وتفتح بالنسب، وهي قبيلة من حمير نزلت مصر، انظر "الأنساب: 8/ 143، و"وفيات الأعيان: 3/ 138".

(3)

ما بين حاصرتين ليس في (ح): والمثبت من (ب).

(4)

سترد ترجمته في وفيات سنة (399 هـ) من هذا الجزء.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

ويضبط أيضًا بضم الدال والراء والتاء وسكون الواو وفتح الياء، انظر وفيات الأعيان (3/ 44).

(7)

طبقات النحويين واللغويين (127) الفهرست (93 - 95) تاريخ بغداد (9/ 428 - 429) نزهة الألباء (197 - 198) المنتظم (7/ 388) إنباه الرواة (2/ 113 - 114) وفيات الأعيان (3/ 44 - 45) العبر (2/ 276) ميزان الاعتدال (2/ 400 - 401) سير أعلام النبلاء (15/ 531 - 532) لسان الميزان (3/ 267 - 268) بغية الوعاة (279 - 280) شذرات الذهب (2/ 375).

(8)

انظر وفيات الأعيان (3/ 44 - 45).

(9)

تاريخ بغداد (2/ 200 - 201) المنتظم (6/ 389 - 390).

ص: 201

محمد بن علي

(1)

: أبو عبد الله، الهاشمي، الخاطب؛ [الدمشقي. وأظنه الذي تنسب إليه حارة الخاطب من نواحي باب الصغير، كان]

(2)

خطيب دمشق في أيام الإخشيذية.

وكان شابًا حسن الوجه، مليح الشكل، كامل الخلق، توفي فجأة في يوم الجمعة السابع والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، وحضر جنازته نائب السلطنة، وخلق كثير لا يحصون كثرة، رحمه الله [هكذا أرخه](2) ابنُ عساكر، ودفن بباب الصَّغير.

‌ثم دخلت سنة ثمانٍ وأربعين وثلاثمئة

فيها كانت فتنة بين الرَّافضة وأهل السنة قتل فيها خَلْقٌ كثير، ووقع حريق بباب الطَّاق، وغرق بدِجْلة خلق كثير من الحُجَّاج من أهل المَوْصل؛ نحو من ستِّمئة نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها دخلت الرُّوم طَرسُوس والرُّها فقتلوا وسبوا وغنموا. ورجعوا سالمين، لعنهم الله.

وفيها قلَّت الأمطار وغَلَت الأسعار، واستسقى النَّاس فلم يسقوا، وظهر جَرَاد عظيم في آذار، فأكل ما نبت من الخضراوات، فاشتدَّ الأمر جدًّا [على الخلق](2)، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

وفيها عاد مُعِزُّ الدولة إلى بغداد من المَوْصل وزوَّج ابنته من ابن أخيه مُؤَيَّد الدولة بن ركن الدولة

(3)

، وسيَّرها معه إلى الرَّي

(4)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن شَيْبَان

(5)

؛ أبو إسحاق، القِرْمِيْسِيني، شيخ الصُّوفية بالجَبَل.

صَحِبَ أبا عبد الله المَغْربيَّ. ومن جيد كلامه قوله: إذا سكَنَ الخَوْفُ القَلبَ أحرقَ مواضِعَ الشَّهوات منه، وطرد عنه الرَّغْبةَ في الدُّنيا.

(1)

هذه الترجمة ليست في (ح)، ومثبتة من (ب) و (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ح) و (ط): معز الدولة، والخبر كله ساقط من (ب)، والمثبت من الكامل (8/ 527).

(4)

في (ط) بغداد، وهو تحريف.

(5)

طبقات الصوفية (402 - 405) حلية الأولياء (10/ 361) الرسالة القشيرية (27) الأنساب (10/ 110) تاريخ ابن عساكر (2/ 225 آ - 225 ب) المنتظم (6/ 390 - 391) العبر (2/ 244 - 245) سير أعلام البلاء (15/ 392 - 394) الوافي بالوفيات (6/ 20) مرآة الجنان (2/ 325) طبقات الأولياء (21 - 23) شذرات الذهب (2/ 334).

ص: 202

أبو بكر النَّجَّاد الفقيه

(1)

: أحمد بن سَلْمان

(2)

بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر، النَّجَّاد، الفقيه؛ أحد أئمة الحنابلة.

ولد سنة ثلاث وخمسين ومئتين.

سمع عبد الله بن أحمد، وأبا داود، والباغَنْدي، وابن أبي الدُّنيا، وخلقًا كثيرًا، وإنما كان يطلب الحديث ماشيًا حافيًا، وقد جمع المُسْند، وصنَّف في السُّنَن كتابًا كبيرًا، وكانت له بجامع المنصور حلقتان؛ واحدة للفقه، وأخرى لإملاء الحديث.

وحدث عنه الدَّارَقُطْني وابن رزقويه، وابنُ شاهين، وأبو بكر بن مالك القَطِيعي وغيرهم. وكان يصوم الدهر ويُفْطر كل ليلة على رغيف، ويعزل منه لقمةً، فإذا كانت ليلة الجمعة أكل تلك اللُّقَم، وتصدَّق برغيف ليلة الجمعة، وكانت وفاته ليلة الجمعة لعشرٍ بقين من ذي الحجَّة عن خمس وتسعين سنة، ودفن قريبًا من قبر بشر بن الحارث الحافي.

جعفر بن محمد بن نُصير بن القاسم

(3)

: أبو محمد الخواص المعروف بالخُلْدي.

سمع الكثير، وحدث كثيرًا، وحج ستين حجة، وكان ثِقَةَ صدوقًا ديِّنًا.

محمد بن إبراهيم بن يوسف بن محمد

(4)

: أبو عمرو، الزُّجَاجي، النَّيسَابوري.

صحب أبا عثمان، والجُنَيد، والنُّوري، والخوَّاص، وغيرهم، وأقام بمكة، وكان شيخ الصُّوفية بها، وحجَّ ستين حجةً، ويقال: إنه مكث أربعين سنة لم يتغوَّط ولم يَبُل إِلَّا خارج الحرم بالكلية.

محمد بن جعفر بن محمد بن فَضَالة

(5)

بن يزيد بن عبد الملك: أبو بكر الأَدَمي؛ صاحب الألحان.

(1)

تاريخ بغداد (4/ 189 - 192) طبقات الشيرازي (172) طبقات الحنابلة (2/ 7 - 12) الأنساب (553 آ) المنتظم (6/ 390) تذكرة الحفاظ (3/ 868 - 869) العبر (2/ 278 - 279) سير أعلام النبلاء (15/ 502 - 505) ميزان الاعتدال (1/ 101) الوافي بالوفيات (6/ 405) مرآة الجنان (2/ 342) لسان الميزان (1/ 180) شذرات الذهب (2/ 376).

(2)

في (ب) و (ط): سليمان، وهو تحريف.

(3)

طبقات الصوفية (434 - 439) حلية الأولياء (10/ 381) تاريخ بغداد (7/ 226 - 231) الرسالة القشيرية (28) الأنساب (5/ 161 - 162) المنتظم (6/ 391) معجم البدان (2/ 382) العبر (2/ 279) سير أعلام النبلاء (15/ 558 - 560) مرآة الجنان (2/ 342) طبقات الأولياء (170 - 174) غاية النهاية (1/ 197 - 198) النجوم الزاهرة (3/ 322) شذرات الذهب (2/ 378).

(4)

طبقات الصوفية (431 - 433) حلية الأولياء (10/ 376) الرسالة القشيرية (36) المنتظم (6/ 391 - 392) الوافي بالوفيات (1/ 346) طبقات الأولياء (156 - 157) طبقات الشعراني (138).

(5)

تاريخ بغداد (2/ 147 - 149) الأنساب (1/ 162 - 163) المنتظم (6/ 392 - 394).

ص: 203

وكان من أحسن الناس صوتًا بتلاوة القرآن، وربما سمع أهل كَلْوَاذي

(1)

صوته من بغداد في الليل، وحجَّ مرة مع أبي القاسم البَغَوي، فلما كانوا بالمدينة رأوا شيخًا أعمى يقُصُّ على الناس أخبارًا موضوعة فقال البغوي: ينبغي الإنكار عليه. فقال له بعض الجماعة: إنك لست ببغداد يعرفك الناس والجمع كثير هاهنا، ولكن أرى لك أن تأمر أبا بكر الأَدَمي فيقرأ لنا [هاهنا]

(2)

، فاستفتح فقرأ، فانجفل الناس إليه، وتركوا الأعمى، فلم يبق عنده أحد، فأخذ الأعمى بيد قائده وقال: اذهب بي، فهكذا تزول النعم

(3)

. وكانت وفاته يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثمانٍ وثمانين سنة.

وقد رآه بعضهم في المنام بعد موته بمدة فقال له: ما فعل بك ربك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقاسيتُ شدائد. فقلت له: فتلك الليالي والمواقف والقراءة؟ فقال: ما كان شيء أضرَّ علي منها؛ لأنها كانت للدُّنيا. فقلت: فإلى أي شيء انتهى أمرك؟ فقال: قال لي الله عز وجل: آليتُ على نفسي أن لا أعذب أبناء الثَّمانين.

أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن علي

(4)

بن الحسن بن إبراهيم طَبَاطَبا

(5)

بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، المِصْري، كان من ساداتها وكرمائها وأجوادها لا تزال الحلواء تُعقد بداره، ولا يزال رجل يكسَّر اللوز بسببها كل يوم ببابه، وللنَّاس عليه رواتب الحلواء، فمنهم من يهدي إليه كل يوم، ومنهم في الجمعة، [ومنهم]

(6)

في الشهر. وكان لكافور الإخشيذي كل يوم عليه جامان ورغيف من الحواري

(7)

.

ولما قدم المِعزُّ الفاطمي إلى القاهرة تلقاه وسأله: إلى من ينتسب من أهل البيت؟ فقال: الجواب إلى [أهل]

(8)

البلد. فلما دخل القصر جمع الأشراف وسل نصف سيفه وقال: هذا نسبي، ثم نثر عليهم الذهب فقال: وهذا حسبي. فقالوا: سمعنا وأطعنا.

والصحيح أن القائل للمعز هذا الكلام ابن هذا أو شريف آخر، والله أعلم؛ فإن وفاة هذا كانت في

(1)

ناحية قرب بغداد، معجم البلدان (4/ 477).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

القصة في تاريخ بغداد (2/ 147 - 148) وفي (ط) زيادات يضطرب بها سياق القصة، ولا تفيد معنى جديدًا.

(4)

وفيات الأعيان (3/ 81 - 83).

(5)

في (ح) و (ب) و (ط): إبراهيم بن طباطبا، وهو وهم، إذ إن طباطبا لقب إبراهيم، انظر لقب وفيات الأعيان (1/ 130).

(6)

ما بين حاصرتين ليس في (ح)، والمثبت من (ب).

(7)

هو الدقيق الأبيض المنقى.

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 204

هذا العام عن ثنتين وستين سنة، وكان قدوم المعز إلى القاهرة سنة اثنتين وستين وثلاثمئة كما سيأتي.

‌ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمئة

فيها ظهر رجل بأَذْرَبيجان من أولاد عيسى بن المكتفي باللّه، فتلقب بالمستجير باللّه، ودعا إلى الرِّضا من آل محمد، وذلك لفساد دولة المَرْزُبان في ذلك الزمان، فاقتتلوا قتالًا كثيرًا، ثم انهزم أصحابُ المستجير، وأُخذ أسيرًا فمات، واضمحلَّ أمره، وللّه الحمد.

وفيه دخل سيف الدولة بن حمدان بلادَ الرُّوم، فقتل من أهلها خلقًا كثيرًا، وفتح حصونًا وأحرق بلادًا كثيرة، وسبى وغنم وكرَّ راجعًا، فأخذت الرُّوم عليه الدَّرب، فمنعوه من الرجوع، ووضعوا السيف في أصحابه، فما نجا في ثلاثمئة فارس إِلَّا بعد جهد جهيد.

وفيها كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرَّافضة والسُّنَّة قُتل فيها خلق كثير.

وفي آخرها توفي أنوجور

(1)

بن الإخشيذ صاحب مصر، وقام بالأمر بعده أخوه [علي]

(2)

.

وفيها مات أبو القاسم عبد الله بن أبي عبد اللّه البريدي الذي كان صاحب الأهواز وواسط.

وفيها رجع حجيج مصر من مكة، فنزلوا واديًا فجاءهم سَيْل فأخذهم كلّهم، فألقاهم في البحر عن آخرهم.

وفيها أسلم من الترك مئتا ألف خَرْكاة

(3)

، فسموا تُرْك إيمان، ثم خفِّف اللفظ بذلك فقيل تركمان.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

جعفر بن حَرْب الكاتب

(4)

: كانت له نعمة وثروة عظيمة تقارب أبهة الوزراء، فاجتاز يومًا وهو راكب في موكب له عظيم، فسمع رجلًا يقرأ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16]. فصاح: اللهم بلى، فكرَّرها دفعات، ثم بكى، ثم نزل عن دابَّته ونزع ثيابه، ودخل إلى دِجْلة فاستتر بالماء، ولم يخرج منه حتى فَرَّق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه، وردَّها إلى أهلها،

(1)

ولد أنوجور في دمشق سنة (319 هـ)، ودفن في بيت المقدس عن أبيه، وأنوجور معناها محمود. وفيات الأعيان (4/ 99).

(2)

ما بين حاصرتين من الكامل (8/ 533).

(3)

خركاة: كلمة فارسية معربة، تطلق على الخيمة الكبيرة التي يتخذها أمراء الاكراد والأعراب والتركمان سكنًا لهم. انظر الألفاظ الفارسية المعربة (53 - 54).

(4)

المنتظم (6/ 395 - 396).

ص: 205

وتصدَّق بالباقي ولم يبق له شيء بالكلية، فاجتاز به رجل، فتصدَّق عليه بثوبين، فلبسهما وخرج، فانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات، رحمه الله.

أبو علي الحافظ

(1)

الحسين بن علي بن يزيد بن داود: أبو علي، الحافظ، النَّيْسابوري.

أحد الأئمة الحُفَّاظ المتقنين المكثرين المصنِّفين، قال الدَّارَقُطْني: وإن إمامًا مهذبًا، وكان ابنُ عقدة لا يتواضع لأحدٍ كتواضعه له، وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن ثنتين وسبعين

(2)

سنة، رحمه الله.

حَسَّان بن محمد بن أحمد

(3)

: ابن هارود

(4)

، أبو الوليد، القُرَشي.

الفقيه الشَّافعي، إمام أهل الحديث بخراسان في زمانه، وأزهدهم وأعبدهم، أخذ الفقه عن ابن سُرَيج، وسمع الحديث من الحسن بن سُفْيان وغيره، وله التَّصانيف المفيدة، وقد ذكرنا ترجمته في (طبقات الشافعيين)، وكانت وفاته ليلة الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثنتين وسبعين سنة.

حَمْدُ بن محمد بن إبراهيم بن الخَطَّاب

(5)

: أبو سليمان، الخَطَّابي.

سمع الكثير، وصنَّف التصانيف، منها "المعالم" شرح فيها "سُنَن أبي داود"، و"الأعلام" شرح فيه البخاري، و"غريب الحديث"، وله فهم مليح، وعلم غزير، ومعرفة باللغة والمعاني والفقه، ومن أشعاره قوله:

ما دُمْتَ حيًّا فَدَارِ النَّاسَ كلَّهُمُ

فإنَّما أنتَ في دأرِ المُدَاراةِ

منْ يدرِ دارى ومن لم يدرِ سوف يُرى

عمَّا قليلٍ نديمًا للنَّداماتِ

(1)

تاريخ بغداد (8/ 71 - 72) المنتظم (6/ 396) معجم البلدان (5/ 332 - 333) تذكرة الحفاظ (3/ 902 - 905) العبر (2/ 281 - 282) سير أعلام النبلاء (16/ 51 - 59) مرآة الجنان (2/ 343) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 276 - 280) النجوم الزاهرة (3/ 324) طبقات الحفاظ (368 - 369) شذرات الذهب (2/ 380) تهذيب تاريخ ابن عساكر (4/ 350 - 351).

(2)

في (ح) و (ب) و (ط): عن اثنين وخمسين سنة، وهو وهم، والصواب ما أثبتناه، فولادته كانت سنة (277 هـ)، انظر سير أعلام النبلاء (16/ 51).

(3)

المنتظم (6/ 396) تذكرة الحفاظ (3/ 895 - 897) العبر (2/ 281) سير أعلام النبلاء (15/ 492 - 496) مرآة الجنان (2/ 343) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 226 - 229) طبقات الحفاظ (366) شذرات الذهب (2/ 380).

(4)

في (ط): مروان، وهو تحريف.

(5)

هكذا ترجمه ابن الجوزي في "منتظمه" في وفيات هذه السنة، والصحيح أنه توفي سنة (388 هـ)، وسيورد ابن كثير ترجمته في وفياتها.

ص: 206

هكذا ترجمه أبو الفرج بن الجوزي في "منتظمه"

(1)

حرفًا بحرف.

عبد الواحد بن عمر بن محمد

(2)

بن أبي هاشم.

كان من أعلم النَّاس بحروف القرآن، ووجوه القراءات، وله في ذلك مصنَّفات، وكان من الأتقياء

(3)

الثِّقات، روى عن ابن مجاهد، وأبي بكر بن أبي داود، وعنه أبو الحسن بن الحَمَّامي، توفي في شوال منها، ودفن بمقبرة الخيزران.

أبو أحمد العَسَّال الحافظ

(4)

محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد، أبو أحمد، العَسَّال، الأصْبهاني.

أحد أئمة الحفاظ وأكابر العلماء.

سمع الحديث وحدَّث به، قال ابنُ مَنْده: كتبت عن ألف شيخٍ لم أر فيهم أتقنَ من أبي أحمد العَسَّال، توفي في رمضانها.

‌ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمئة

في المحرَّم منها مرض معزُّ الدولة بن بويه بانحصار البول، فقلق من ذلك، وجمع بين حاجبه سُبُكْتِكين ووزيره المُهَلَّبي، وأصلح بينهما، ووصاهما بولده بختيار خيرًا، وثم عوفي من ذلك، فعزم على الرحيل إلى الأهواز، واعتقد أن ما أصابه من [هذه العِلَّة بسبب]

(5)

هواء بغداد ومائها، فأُشير عليه بالمقام بها، وأن يبتني بها دارًا في أعلاها حيث الهواء أرق والماء أصفى، فبنى له دارًا غَرِمَ عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج لذلك أن يصادر بعضَ أصحابه، ويقال: أنفق على هذه الدار ألفي ألف دينار، ومات وهو يبني فيها، وقد خَرَّبَ أشياء كثيرة من معالم بغداد في بنائها، وكان مما خرب فيها

(1)

المنتظم (6/ 397).

(2)

تاريخ بغداد (11/ 7 - 8) إنباه الرواة (2/ 215) طبقات القراء للذهبي (1/ 251 - 252) العبر (2/ 282) سير أعلام النبلاء (16/ 475 - 477) النشر في القراءات العشر (1/ 123) النجوم الزاهرة (3/ 325) بغية الوعاة (2/ 121) شذرات الذهب (2/ 380).

(3)

في (ب): الأمناء.

(4)

ذكر أخبار أصبهان (2/ 283) تاريخ بغداد (1/ 270) الأنساب (8/ 447) المنتظم (6/ 398) اللباب (2/ 135) سير أعلام النبلاء (16/ 6 - 15) تذكرة الحفاظ (3/ 886 - 888) العبر (2/ 282 - 283) الوافي بالوفيات (2/ 41) النجوم الزاهرة (3/ 325) طبقات الحفاظ (361 - 362) طبقات المفسرين للداودي (2/ 51 - 53) شذرات الذهب (2/ 380 - 381).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 207

المعشوق من سرَّ من رأى، وقلع الأبواب الحديد على مدينة المنصور والرُّصافة وقَصرها، وحوَّلها إلى داره هذه، لا تمت فرحته بها.

وفيها مات القاضي أبو السَّائب عتبة بن عبد الله

(1)

، وقبضت أملاكه، وولي بعده القضاء أبو [العباس]

(2)

عبد الله [بن](1) الحسن بن أبي الشَّوارب، وضمن أن يؤدي في كل سنة إلى معز الدولة مئتي ألف درهم، وخلع عليه معز الدولة، وسار ومعه الدبادب والبوقات إلى منزله، وهو أول من ضمن القضاء. ولم يأذن له الخليفة المطيع للّه في الحضور عنده، ولا في حضور الموكب لأجل ذلك، ثم ضمَّن معز الدولة الشرطة وضمَّن الحِسْبة أيضًا.

وفيها سار قَفَلٌ من أنطاكية يريدون طَرَسُوس، وفيهم نائب أنطاكية، فثار عليهم الروم [فأخذوهم]

(3)

عَن بَكْرة أبيهم، فلم يفلت منهم سوى النائب جريحًا في أماكن من بدنه.

وفيها دخل نجا غلام سيف الدولة بلاد الرُّوم فقتل وسبى وغنم، ورجع سالمًا.

وفيها توفي:

الأمير عبد الملك بن نوح السَّاماني صاحب خراسان، سقط عن فرسه، فمات، فقام بالأمر من بعده أخوه منصور بن نوح السَّاماني.

وفيها توفي:

النَّاصر لدين الله عبد الرحمن الأُمَوي

(4)

: صاحب الأندلس من بلاد المغرب، وكانت خلافته خمسين سنة وستة أشهر، وله من العمر يوم مات ثلاث وسبعون سنة، وترك أَحدَ عشر ولدًا، كان أبيضَ حسن الوجه عظيمَ الجسم طويل الظهر قصير الساقين، وهو أول من تلقب بأمير المؤمنين من أولاد الأمويين الدَّاخلين إلى المغرب، وذلك حين بلغه ضعف الخلفاء بالعراق، وتغلُّب الفاطميين ببلاد المغرب، فتلقب بأمير المؤمنين قبل موته بثلاث وعشرين سنة. ولما توفي قام بالأمر من بعده ولده الحكم وتلقب بالمستنصر، ومن جملة أولاد الناصر عبد الله، وكان شافعيَّ المذهب، ناسكًا شاعرًا، ولا يعرف في

(1)

في بعض مصادر ترجمته: عبيد الله، وهو الأشبه.

(2)

ما بين حاصرتين من "المنتظم"(2/ 7).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب)، وهو ساقط في (ح).

(4)

العقد (4/ 498) جذوة المقتبس (13) بغية الملتمس (217) الكامل (8/ 73 - 74) الحلة السيراء (1/ 197 - 200) المغرب في حلى المغرب (1/ 176 - 181) البيان المغرب (2/ 156) وما بعدها، الحبر (2/ 287) سير أعلام النبلاء (15/ 562 - 564) نفح الطيب (1/ 353 - 371) النجوم الزاهرة (3/ 330).

ص: 208

الخلفاء أطول مُدَّة من الناصر الأموي، فإنه مكث خمسين سنة، سوى المستنصر بن [الظاهر بن]

(1)

الحاكم الفاطمي صاحب مصر، فإنه مكث ستين سنة، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه.

‌وممن توفي فيها عن الأعيان:

أبو سَهْل بن زياد القَطَّان

(2)

أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن زياد: أبو سهل، القَطَّان.

كان ثقة حافظًا، كثير التلاوة للقرآن، حسن الانتزاع للمعاني منه، فمن ذلك أنه استدل على تكفير المعتزلة بقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران: 156].

إسماعيل بن علي بن إسماعيل

(3)

بن بَيَان: [أبو محمد]

(4)

، الخُطَبي.

سمع الحارث بن أبي أسامة، وعبد اللّه بن أحمد، والكُدَيمي، وغيرهم، وعنه الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفاظ، وكان ثقةً حافظًا فاضلًا نبيلًا، عارفًا بأيام الناس والخلفاء، وله تاريخ مرتب على السنين، وكان أديبًا لبيبًا عاقلًا صدوقًا، وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة، رحمه الله.

أحمد بن محمد بن سعيد

(5)

بن عُبيد اللّه

(6)

بن أحمد بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، أبو بكر، القُرَشي، الوَرَّاق، ويعرف با بن فُطيس.

وكان حسن الكتابة مشهورًا بها، وكان يكتب الحديث لابن جَوْصا

(7)

، ترجمه ابنُ عساكر، وأرخ وفاته بثاني شوال من هذه السنة

(8)

.

(1)

ما بين حاصرتين من سير أعلام النبلاء (15/ 186).

(2)

تاريخ بغداد (5/ 45 - 46) المنتظم (7/ 3) العبر (2/ 285 - 286) سير أعلام النبلاء (15/ 521 - 522) الوافي بالوفيات (8/ 34) النجوم الزاهرة (3/ 328) شذرات الذهب (3/ 2 - 3).

(3)

تاريخ بغداد (6/ 304 - 306) طبقات الحنابلة (2/ 118 - 119) الأنساب (5/ 147 - 148) المنتظم (7/ 3 - 4) معجم الأدباء (7/ 19 - 23) سير أعلام النبلاء (15/ 522 - 523) النجوم الزاهرة (3/ 328 - 329) شذرات الذهب (3/ 3).

(4)

ما بين حاصرتين ساقط من (ح)، والمثبت من (ب).

(5)

تاريخ دمشق لابن عساكر (7/ 310 - 311)(مطبوع)، مختصره لابن منظور (3/ 262).

(6)

في (ح) عبد اللّه، والمثبت من (ب).

(7)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (320 هـ).

(8)

انظر تاريخ دمشق لابن عساكر (7/ 310 - 311).

ص: 209

تمام بن محمد

(1)

بن سليمان بن محمد بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن [على]

(2)

بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو بكر، الهاشمي، العَبَّاسي.

حدث عن عبد الله بن أحمد، وعنه ابن رزقويه، وتوفي في هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة أيضًا، رحمه الله.

الحسين

(3)

بن القاسم

(4)

: أبو علي، الطَّبري، الفقيه الشَّافعي.

أحد الأئمة، له "المحرَّر" في الخلاف، وهو أول مصنَّف فيه، وله "الإفصاح"

(5)

في المذهب، وكتاب في الجدل، وفي أصول الفقه، وغير ذلك من المُصنَّفات، وقد ذكرنا ترجمته في "الطبقات".

عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم

(6)

عيسى بن أبي جعفر

(7)

المنصور: أبو جعفر، الهاشمي، الإمام، ويعرف بابن بُرَيْه

(8)

.

ولد سنة ثلاث وستين ومئتين، روى عن ابن أبي الدُّنيا وغيره، وعنه ابن رزقويه، وكان خطيبًا بجامع المنصور مُدَّة طويلة، وقد خطب فيه سنة ثلاثين وثلاثمئة، وقبلها بمئة سنة خطب فيه الواثق في سنة ثلاثين ومئتين، وهما في النسب إلى المنصور سواء، توفي في صفر منها.

عُتْبة بن عبد الله

(9)

بن موسى بن عبيد الله: أبو السَّائب، الهَمَذاني، القاضي الشَّافعي.

كان فاضلًا بارعًا، وولي القضاء، وكان فيه تخليط في الأمور، وقد رآه بعضهم في المنام [بعد

(1)

تاريخ بغداد (7/ 139 - 140) المنتظم (7/ 4).

(2)

ما بين حاصرتين من المنتظم (7/ 4).

(3)

في بعض المصادر: الحسن انظر وفيات الأعيان (2/ 76).

(4)

طبقات الفقهاء للشيرازي (115) تاريخ بغداد (8/ 87) المنتظم (7/ 5) وفيات الأعيان (2/ 76) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 280 - 281) العبر (2/ 286) مرآة الجنان (2/ 345) النجوم الزاهرة (3/ 328) شذرات الذهب (3/ 3).

(5)

في (ح) و (ب) و (ط): الإيضاح، وإخاله وهمًا، والمثبت من "طبقات الفقهاء" للشيرازي (115) وعليه كل المصادر.

(6)

تاريخ بغداد (9/ 410 - 411) المنتظم (7/ 5) العبر (2/ 286) سير أعلام النبلاء (15/ 551 - 552) شذرات الذهب (3/ 3).

(7)

في (ح) و (ب) و (ط): ابن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، والمثبت من تاريخ بغداد (9/ 410) وهو الصواب، وعليه كل المصادر.

(8)

في (ح) و (ب) و (ط) ت بويه، وهو تحريف، والمثبت من توضيح المشتبه (1/ 481).

(9)

في بعض المصادر: عبيد اللّه، وهو الأشبه. وترجمته في تاريخ بغداد (12/ 320 - 322) المنتظم (7/ 5 - 6) سير أعلام النبلاء (16/ 47) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 343 - 344) النجوم الزاهرة (3/ 329) شذرات الذهب (3/ 5).

ص: 210

موته]

(1)

فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأمر بي إلى الجنَّة على ما كان مني من التخليط، وقال لي: آليتُ ألا أعذِّب أبناء الثمانين.

وهذا الرجل هو أول من ولي قضاء القضاة ببغداد من الشَّافعية.

محمد بن أحمد بن خَنْب

(2)

بن أحمد بن راجيان

(3)

: أبو بكر الدِّهْقَان، بغداديٌّ، سكن بُخَارى.

وحدَّث بها عن يحيى بن أبي طالب، والحسن بن مُكْرم، وغيرهما، وتوفي عن سبع وثمانين سنة

(4)

.

أبو علي الخازن

(5)

: توفي في شعبان من هذه السنة، فوجد في داره من الدفائن، وعند الناس من الودائع ما يقارب أربعمئة ألف دينار.

‌ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة

‌دخول الروم إلى حلب.

فيها دخل الدُّمَسْتَقُ ملك الرُّوم لعنه الله إلى حلب، في مئتي ألف مقاتل، وكان سبب ذلك أنه ورد إليها بغتةً، فنهض إليه سيف الدولة بنُ حمدان بمن حضر من أصحابه، فقاتله فلم يقو به لكثرة جنوده، وقَتَلَ من أصحاب سيف الدولة خلقًا كثيرًا، وكان سيف الدولة قليلَ الصَّبْر، ففر منهزمًا في نفرٍ يسير من أصحابه، فكان أول ما استفتح به [الدُّمَسْتَق قبَّحه الله]

(6)

أن استحوذ على دار سيف الدولة ظاهر البلد، فأخذ منها أموالًا عظيمة وحواصل، وعُددًا للحرب لا تحصى كثرة، ثم تدنى، فحاصر السور، فقاتل أهل البلد دونه قتالًا عظيمًا، وقتلوا خلقًا كثيرًا من الرُّوم، وثلمت الروم في السور ثلمة عظيمة، فوقف فيه الروم، فحمل المسلمون عليهم، فأزاحوهم عنها، فلما جنَّ الليل جدَّ المسلمون في عمارتها، فما أصبح الصباح إِلَّا وهي كما كانت، وحفظوا السور حفظًا عظيمًا، ثم بلغ المسلمين أن رجَّالة الشرط قد عاثوا في البلد ينهبون الدُّور، فرجع الناس إلى منازلهم يمنعونها منهم، فغلبت الروم على السور فَعَلَوْه،

(1)

ما بين حاصرتين من (ط)، وانظر "المنتظم":(7/ 6).

(2)

تاريخ بغداد (1/ 296) الإكمال (1/ 169 - 170) الأنساب (5/ 187 - 188) المنتظم (7/ 7) العبر (2/ 288) سير أعلام النبلاء (15/ 523 - 524) شذرات الذهب (3/ 7).

(3)

في (ح) حيان، وفي (ب) حبان، والمثبت من تاريخ بغداد والأنساب.

(4)

الصواب: عن أربع وثمانين سنة، إذ ولد سنة (266 هـ) كما في مصادر ترجمته.

(5)

لم أقف على مصادر ترجمته.

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 211

ودخلوا البلد يقتلون من لقوه، فقتلوا من المسلمين خلقًا كثيرًا، وانتهبوا الأموال والأولاد والنِّساء، وخلَّصوا من كان بأيدي المسلمين من أسارى الروم، وكانوا ألفًا وأربعمئة، فأخذوا السيوف فقاتلوا مع قومهم، وكانو أضرى على المسلمين [من قومهم]

(1)

، وأسروا نحوًا من بضعة عشر ألفًا ما بين صبي وصبيَّة، ومن النساء شيئًا كثيرًا، ومن الرجال ألفين، وخربوا المساجد وأحرقوها، وصبُّوا في حِباب الزيت الماء حتى فاض الزيت على وجه الأرض وهلك، وكل شيء لا يقدرون على حمله أحرقوه، وأقاموا في البلد تسعة أيام يفعلون هذه المفاسد العظيمة، ثم عزم الدُّمَسْتَق على الانصراف خوفًا من رجوع سيف الدولة، فقال له ابنُ أخيه: أتذهب وتترك القلعة وراءك؟! فقال له: إنا قد بلغنا فوق ما كُنَّا نؤمله، وإن بها مقاتلة ورجالًا غُزاةً. فقال: لابد لنا منها. فقال له: اذهب إليها. فَصَمَدَ إليها

(2)

ليحاصرها، فرموه بحجر، فقتلوه في السَّاعة الراهنة من بين الجيش كله، فغضب الدُّمَسْتَق عند ذلك، وأمر بإحضار من كان بأيديهم من أسارى المسلمين، وكانوا قريبًا من ألفين، فَضُربت أعناقهم بين يديه لعنه الله، ثم كر راجعًا قبحه اللّه.

وقد دخلوا عين زَرْبة

(3)

قبل ذلك في المحرَّم من هذه السنة أيضًا، فاستأمنهم أهلُها، فأمنهم الملك، وأمر بأن يدخلوا كلهم إلى المسجد، ومن بقي في منزله قتل، فصار أهلها كلهم في المسجد، ومن تأخر منهم قتل، ثم قال: لا يبقين أحد منكم اليوم إِلَّا ذهب حيث شاء، ومن تأخر قتل. فازدحموا في خروجهم من المسجد، فمات كثير منهم، وخرجوا على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، فمات في الطُّرقات منهم خَلْقٌ كثير. ثم هَدَمَ الجامع وكسر المِنْبر، وقطع من حول البلد أربعين ألف نخلة، وهدم سور البلد والمنازل المشار إليها منها، وأقام بها مدة، وفتح حولها أربعةً وخمسين حِصْنًا، بعضها بالسيف وبعضها بالأمان، وقتل خلقًا كثيرًا، وأسرتِ الرُّوم أبا فراس بن سعيد بن حمدان نائب مَنْبج من جهة سيف الدولة، وكان شاعرًا مطبقًا، له ديوان حسن، وكان مدة مقامه بعين زَرْبة أحدًا وعشرين يومًا، ثم سار إلى قَيْساريَّة، فلقيه أربعة آلاف من أهل طَرَسُوس مع نائبها ابن الزيَّات، فَقَتلَ أكثرهم، وأدركه صوم النَّصارى، فاشتغل به حتى فرغ منه، ثم هجم على حلب بغتة، فكان من أمره ما ذكرناه آنفًا.

وفي هذه السنة كتبت العامة من الرَّوافض

(4)

على أبواب المساجد ببغداد لعن معاوية بن أبي سُفْيان رضي الله عنه، ولعن من غَصَبَ فاطمة فَدَكًا؛ - يعنون أبا بكر رضي الله عنه ومن أخرج العباس من الشُّورى - يعنون عمر رضي الله عنه ومن نفى أبا ذر - يعنون عثمان رضي الله عنه ومن منع دفن الحسن

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

أي قصدها. اللسان (صمد).

(3)

في معجم البلدان (4/ 177): عين زربى - بألف مقصورة - بلد من نواحي المصيصة.

(4)

في هامش (ح): كثر الروافض في بغداد بهذه السنة، وأعلنوا اللعن قاتلهم اللّه.

ص: 212

عند جده - يعنون مروان بن الحكم - ولما بلغ ذلك معز الدولة لم ينكره ولم يغيره، ثم بلغه أن أهل السنة مَحَوْا ذلك، فأمر أن يكتب: لعن اللّه الظَّالمين لآل محمد من الأولين والآخرين، والتصريح باسم معاوية في اللعن. فكتب ذلك. قبح اللّه معز الدولة وشيعته من الروافض، وكذلك سيف الدولة بن حمدان بحلب، فيه تشيع وميل إلى الروافض، ولا جَرَم أن اللّه لا ينصر أمثال هؤلاء، ويديل عليهم أعداءهم لمتابعتهم أهواءهم، وتقليدهم سادتهم وكبراءهم، وآباءهم، وترك متابعتهم أنبياءهم وعلماءهم، ولهذا لما ملكت الفاطمية بلاد الشام، استحوذ على سواحلها كلها حتى بيت المقدس الفرنج، ولم يبق مع المسلمين سوى حلب وحمص وحماة ودمشق وبعض أعمالها، وجميع السواحل مع الفرنج، والنواقيس النصرانية والقسوس الإنجيلية تَنْعِرُ في الشَّواهق من الحصون والقلاع، وتكفوا في أماكن المساجد وشريف البقاع

(1)

.

وفيها وقعت فتنة بين أهل البَصْرة بسبب السبِّ، فقتل فيها خَلْقٌ كثير وجمٌّ غفير.

وفيها أعاد سيف الدولة بناء عين زَرْبة، وبعث مولاه نجا، فدخل بلاد الروم، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وسبى جَمًّا غفيرًا، وغَنِمَ وسَلِمَ. وبعث حاجبه مع جيش طرَسُوس، فدخلوا بلاد الروم، فغنموا وسبوا ورجعوا سالمين، ولله الحمد والمنة.

وفيها فتح المُعزُّ الفاطمي حِصْن طَبَرْمين

(2)

من بلاد المغرب - وكان من أحصن بلاد الفرنج - افتتحه قَسْرًا بعد محاصرة سبعة أشهر ونصف شهر، وقصدت الفرنج جزيرة أقْرِيطش، فاستنجد أهلها بالمعز، فَسَيَّر إليهم جيشًا، فانتصروا على الفرنج، وللّه الحمد.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسن بن محمد بن هارون

(3)

: أبو محمد، المُهلَّبي، الوزير لمعز الدولة بن بُوَيْه.

مكث في وزارته ثلاث عشرة سنة، وكان فيه حلم وكرم وأناة، حكى أبو إسحاق الصَّابي قال: كنت يومًا عنده وقد جيء بدواة قد صُنعتْ له ومرفع قد حليا بحليةٍ كثيرة، فقال لي أبو محمد الفضل بن

(1)

في (ط): زيادة: والناس معهم في حمر عظيم، وضيق من الدين، وأهل هذه المدن التي في يد المسلمين في خوفٍ شديد في ليلهم ونهارهم من الفرنج، فإنا للّه وإنا إليه راجعون، وكل ذلك من بعض عقوبات المعاصي والذنوب، وإظهار سب خير الخلق بعد الأنبياء.

(2)

هي قلعة بصقِلية، "معجم البلدان" 4/ 17.

(3)

تجارب الأمم (123) يتيمة الدهر (2/ 202 - 218) الفهرست (194) المنتظم (7/ 9 - 10) معجم الأدباء (9/ 118 - 152) وفيات الأعيان (2/ 124 - 127) المختصر في أخبار البشر (2/ 104) العبر (2/ 294 - 295) سير أعلام النبلاء (15/ 197 - 198) دول الإسلام (1/ 219) المستفاد من ذيل تاريخ بغداد (103 - 106) الوافي بالوفيات (12/ 223 - 227) فوات الوفيات (1/ 353 - 357) النجوم الزاهرة (3/ 333) شذرات الذهب (3/ 9 - 11).

ص: 213

عبد الرحمن الشِّيرازي سرًا بيني وبينه: ما كان أحوجني إليها لأبيعها، وأنتفع بها. قلت: وأي شيء يفعل الوزير؟ فقال: يدخل في حِرِ أمه. فسمعها الوزير - وكان مصغٍ إلينا ولا نشعر - فلما أمسى بعث بالدواة إلى أبي محمد الشيرازي ومرفعها، وعشرة ثياب وخمسة آلاف درهم. واصطنع له غيرها، فاجتمعنا يومًا آخر عنده وهو يوقع من تلك الدواة الجديدة، فنظر إلينا فقال: هي لمن منكما يريدها مع العفاء من الدخول، قال: فاستحيينا وعلمنا أنه كان سمع كلامنا يومئذٍ، وقلنا: بل يمتع الله الوزير بها، ويبقيه ليهب ألفًا مثلها.

توفي أبو محمد المُهَلَّبي في هذه السنة

(1)

عن أربع وستين سنة.

دَعْلج بن أحمد بن دَعْلَج بن عبد الرحمن

(2)

: أبو محمد، السِّجستاني، المعدَّل.

سمع بخراسان وحلوان وبغداد والبصرة والكوفة ومكة، وكان من ذوي اليسار، والمشهورين بالبر والأفضال، وله صدقات جارية، وأوقات دارَّة على أهل الحديث ببغداد ومكة وسجستان، وكانت له دار عظيمة ببغداد، فكان يقول: ليس في الدُّنيا مثلها، لأنه ليس في الدنيا مثل بغداد، ولا في بغداد مثل القطيعة، ولا في القطيعة مثل درب أبي خلف، وليس في درب أبي خلف مثل داري.

وصنف الدَّارَقُطني له مسندًا. وكان إذا شك في حديثِ تركه.

فكان الدَّارَقُطني يقول: لم أر في مشايخنا أثبتَ منه.

وقد أنفق في أهل العلم وذوي الحاجات أموالًا جزيلة كثيرة جدًّا. اقترض منه بعضُ التُّجَّار عشرة آلاف دينار، فضمن بها ضياعًا، فربح في مُدَّة ثلاث سنين ثلاثين ألف دينار، فعزل منها عشرة آلاف دينار، وجاءه بها، فأضافه دَعْلَج ضيافة حسنة، فلما فرغ من شأنها قال: ما شأنك؟ قال له: هذه الدنانير التي تفضلت بها قد حضرت. فقال: يا سبحان الله، إني لم أعطك لتردَّها، فَحلِّ بها الأهل. فقال: إني قد ربحت بها ثلاثين ألف دينار، فهذه منها. فقال له دَعْلَج: اذهب بها، بارك الله لك، فقال له: كيف يتسع مالك لهذا؟ ومن أين أفدت هذا المال؟ فقال: إني كنت في حداثة سني أطلب الحديث، فجاءني رجل تاجر من أهل البحر، فدفع إليَّ ألف ألف درهم، وقال: اتجر في هذه، فما كان من ربح فبيني وبينك؟ وما كان من خسارة فعليَّ دونك، وعليك عهد الله وميثاقه إن وجدت حاجة أو

(1)

في بعض المصادر أنه توفي سنة (352 هـ) وفيات الأعيان (2/ 127).

(2)

تاريخ بغداد (8/ 387 - 392) المنتظم (7/ 10 - 14) وفيات الأعيان (2/ 271 - 272) سير أعلام النبلاء (16 - 30/ 35) تذكرة الحفاظ (3/ 881 - 882) العبر (2/ 291) مرآة الجنان (2/ 347) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 291 - 293) النجوم الزاهرة (3/ 333) طبقات الحفاظ (360) شذرات الذهب (3/ 8) الرسالة المستطرقة (73).

ص: 214

خلة فسدَّها من مالي هذا. ثم جاءني فقال: إني ساركب في البحر، فإن هلكتُ فالمال في يدك على ما شرطت عليك. فهو في يدي على ما قال. ثم قال لي: لا تخبر بهذا أحدًا مدة حياتي. فلم أخبر به أحدًا حتى مات. وقد كانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن أربع أو خمس وتسعين سنة، رحمه الله.

عبد الباقي بن قانع

(1)

بن مرزوق: أبو الحسن

(2)

، الأُمَوي مولاهم.

سمع الحارث بن أبي أسامة، وعنه الدَّارَقُطْني وغيره، وكان من أهل الثقة والأمانة والحفظ، ولكنه تغيَّر في آخر عمره. قال الدَّارَقُطْني

(3)

: كان يخطئ ويُصرُّ على الخطأ، توفي في شوالي منها

(4)

.

أبو بكر النَّقَّاش المُفَسِّر

(5)

محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر، أبو بكر، النَّقَاش، المفسِّر، المقرئ.

مولى أبي دُجانة سِمَاك بن خَرَشة، وأصله من المَوْصل، وكان عالمًا بالتفسير والقراءات، وسمع الكثير في بلدانٍ شتى عن خلق من المشايخ، وحدث عنه أبو بكر بن مجاهد، والخُلْدي، وابن شاهين، وابن رزقويه، وخلق، وآخر من حدَّث عنه أبو علي بن شاذان، وتفرَّد بأشياء منكرة، وقد وقفه الدَّارَقُطني على كثيرٍ من أخطَائه، فرجع عن ذلك، وصرَّح بعضهم بتكذيبه، فاللّه أعلم.

وله كتاب التفسير الذي سماه "شفاء الصدور" فقال بعضهم: بل هو إشفى

(6)

الصُّدور

(7)

.

(1)

سؤالات السهمي (236) الفهرست للطوسي (122) تاريخ بغداد (11/ 88 - 89) الإكمال (7/ 91) المنتظم (7/ 14) سير أعلام النبلاء (15/ 526 - 527) تذكرة الحفاظ (3/ 883 - 884) ميزان الاعتدال (2/ 532 - 533) العبر (2/ 292) مرآة الجنان (2/ 347) الجواهر المضية (1/ 293) لسان الميزان (3/ 383 - 384) النجوم الزاهرة (3/ 333) طبقات الحفاظ (361) شذرات الذهب (3/ 8) الرسالة المستطرفة (127).

(2)

في مصادر ترجمته ما عدا المنتظم والمرآة: أبو الحسين.

(3)

سؤالات السهمي للدارقطني، رقم (334).

(4)

في الإكمال (7/ 91): أن وفاته سنة (354 هـ).

(5)

الفهرست (36) تاريخ بغداد (2/ 201 - 205) الأنساب (566 ب) تاريخ ابن عساكر (خ)(15/ 121 ب - 124 آ) المنتظم (7/ 14 - 15) معجم الأدباء (18/ 146 - 149) اللباب (3/ 234 - 235) وفيات الأعيان (4/ 298 - 299) سير أعلام النبلاء (15/ 573 - 576) تذكرة الحفاظ (3/ 908 - 909) العبر (2/ 292 - 293) ميزان الاعتدال (3/ 520) المغني في الضعفاء (2/ 570) معرفة القراء (1/ 294 - 298) الوافي بالوفيات (2/ 345 - 346) مرآة الجنان (2/ 347) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 145 - 146) طبقات الشافعية للإسنوي (2/ 483) غاية النهاية (2/ 119 - 121) لسان الميزان (5/ 132) طبقات الحفاظ (370 - 371) طبقات المفسرين للداودي (2/ 131 - 133) شذرات الذهب (3/ 8 - 9) الرسالة المستطرفة (77 - 78).

(6)

الإشفى: المثقب يخرز به، يستعمله الإسكاف. اللسان (شفي). وفي نسخة "سقام الصدور".

(7)

قال الذهبي: الذي وضح لي أن هذا الرجل مع جلالته ونقله متروك ليس بثقة (تاريخ الإسلام 8/ 37).

ص: 215

وقد كان رجلًا صالحًا في نفسه، عابدًا ناسكًا، حكى من حضره أنه يجود بنفسه وهو يدعو بدعاء ثم رفع صوته يقول:{لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61]، يرددها ثلاث مرات، ثم خرجت روحه، رحمه الله. وقد كانت وفاته يوم الثلاثاء الثاني من شوال من هذه السنة، ودفن في داره بدار القُطْن.

محمد بن سعيد

(1)

: أبو بكر الحَرْبي، الزاهد، ويعرف بابن الضَّرير.

وكان ثِقَةً عابدًا، ومن كلامه قوله: دافعتُ الشهواتِ حتى صارت شهوتي المُدَافعة.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وثلاثمئة

(2)

في عاشر المُحرَّم من هذه السنة أمر معز الدولة بن بويه أن تغلق الأسواق، وأن يَلْبسَ الناسُ المسوحَ من الشعر، وأن يخرج النساء حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن في الأسواق، يلطمن وجوههن، ينحن على الحسين بن علي، ففعل ذلك، ولم يمكن أهل السنة منع ذلك لكثرة الشيعة وكون السلطان معهم.

وفي ثامن عشر ذي الحجة منها أمر معز الدولة بإظهار الزينة ببغداد، وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الدبادب والبُوقات، وأن تشعل النيران بابواب الأمراء وعند الشرط، فرحًا بعيد الغدير، فكان وقتًا عجبًا، ويومًا مشهودًا، وبدعة ظاهرة منكرة.

وفيها أغارت الروم على الرُّها، فقتلوا وأسروا، ورجعوا موفورين لعنهم الله، وثارت الروم بملكهم فقتلوه، وولَّوْا غيره.

ومات الدُّمَسْتَق، ملك الأرمن، واسمه النقفور، وهو الذي أخذ حلب، [وولوا غيره]

(3)

، ولتكتب ترجمته في آخر الجزء

(4)

.

وفيها عُزِلَ ابنُ أبي الشوارب عن القضاء، ونقضت سجلاته، وأبطلت أحكامه مُدَّة أيامه، وولي

(1)

تاريخ بغداد (5/ 310) المنتظم (7/ 15).

(2)

في هامش (ح): بلغ مقابلة بأصله المنقول منه.

(3)

ما بين حاصرتين من (ب).

(4)

وردت ترجمة نقفور في المطبوع عقب هذه الجملة، وجاءت في (ح) و (ب) في آخر حوادث سنة (355 هـ)، وهو ما أراده ابن كثير، وقد زاد هذا الأمر تأكيدًا ما ذكره ص 261 من أن القصيدة التي بعث بها نقفور إلى المطيع قد أوردها في آخر الجزء الذي قبل هذا في سنة خمس وخمسين وثلاثمئة، لذا آثرنا إثباتها كما في نسخنا الخطية، فلتنظر هناك.

ص: 216

القضاء بدله أبو بِشْر عمر بن أكثم بلا رزق، ورفع عنه ما كان يحمله ابن أبي الشوارب في كل سنة، وللّه الحمد.

وفي ذي الحجة استسقى الناس لتأخر المطر، وذلك في كانون الثاني.

وحكى ابن الجوزي في "المنتظم" عن ثابت بن سِنَان المؤرِّخ، قال: حدَّثني جماعة من أهل المَوْصل ممن أثق به أن بعض بطارق الأرمن أنفذ في سنة ثنتين وخمسين وثلاثمئة إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين من الأرمن ملتصقَيْن، سنُّهما خمس وعشرون سنة، ملتحيين ومعهما أبوهما، ولهما سُرَّتان وبطنان ومعدتان، وجوعهما يختلف، وكان أحدهما يميل إلى النِّساء والآخر يميل إلى الغِلْمان، وكان يقع بينهما خصومةٌ وتشاجر، وربما حلف أحدهما لا يكلِّم الآخر، فيمكث كذلك أيامًا، ثم يصطلحان، فوهبهما ناصرُ الدولة ألفي درهم، وخلع عليهما ودعاهما إلى الإسلام، فيقال إنهما أسلما. وأراد أن يبعثهما إلى بغداد ليراهما الناس، ثم إنه رجع عن ذلك، ثم إنهما رجعا إلى بلدهما مع أبيهما، فاعتلَّ أحدهما ومات، وأنتنَ ريحه، وبقي الآخر لا يمكنه التخلُّص منه، وكان اتصال ما بينهما من الخاصرتين، وقد كان ناصر الدولة أراد فصل أحدهما من الآخر، وجمع الأطباء لذلك فلم يمكن، فلما مات أحدهما حار أبوهما في ذلك، فاتفق اعتلال الآخر من غمه بنتن رائحة أخيه، فمات غمًا، فدفنا جميعًا في قبرٍ واحدٍ

(1)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

عمر بن أكثم

(2)

بن أحمد بن حَيَّان

(3)

بن بشر: أبو بشر، الأسَدي، الفقيه الشافعي.

ولد سنة أربع وثمانين [ومئين]

(4)

، وولي القضاء في زمن المطيع نيابةً عن أبي السائب عتبة بن عبيد الله، ثم ولي قضاء القضاة، وهو أول من ولي قضاء القضاة من الشَّافعية سوى أبي السائب، وكان محمود السيرة في القضاء، وكانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة

(5)

.

(1)

انظر المنتظم (7/ 16 - 17).

(2)

تاريخ بغداد (11/ 249 - 250) المنتظم (7/ 17 - 18) تاريخ الإسلام (8/ 117) سير أعلام النبلاء (16/ 111) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 470) طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 78 - 79).

(3)

في تاريخ بغداد (11/ 249): حبان، وهو تصحيف، وترجمة جد أبيه حيان بن بشر في ذكر أخبار أصبهان (1/ 301) وتاريخ بغداد (8/ 284 - 286).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

تابع ابنُ كثير ابنَ الجوزي في منتظمه (7/ 17 - 18) في ذكر وفاته في هذه السنة، والذي في مصادر ترجمته أنه توفي سنة (357 هـ)، وهو الصحيح، وانظر تاريخ بغداد (11/ 250).

ص: 217

‌ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمئة

في عاشر المُحَرَّم عملت الرَّافضة عن الحسين كما تقدَّم في السنة الماضية، فاقتتل الروافض وأهل السنة في هذا اليوم قتالًا شديدًا، ونُهبت الأموال.

وفيها عصى نجا غلام سيف الدولة عليه، وذلك أنه كان في العام الماضي قد صادر أهل حَرَّان، وأخذ منهم أموالًا كثيرة. فتمرَّد بها، وذهب إلى بلاد أذربيجان

(1)

، فأخذ طائفة منها من يد رجل من الأعراب يقال [له]

(2)

أبو الورد، فقتله، وأخذ من أمواله شيئًا كثيرًا، وقويت شوكته بسبب ذلك، فسار إليه سيف الدولة، فأخذه وأمر بقتله، فقتل بين يديه، وألقيت جثته

(3)

في الأقذار ومحل الجيف والنتن.

وفيها جاء الدُّمَسْتَق إلى المَصِّيْصة في جيش كثيف، فحاصرها، ونقب سورها، فدافعه أهلها، فأحرق رستاقها وقتل ممن حولها خمسة عشر ألف إنسان، وعاثوا [في الأرض]

(4)

فسادًا في بلاد أذنه وطَرَسُوس، وكرُّوا راجعين إلى بلادهم، قبحهم الله.

وفيها قصد معز الدولة المَوْصِل وجزيرة ابن عمر، فأخذها من يد ناصر الدولة بن حمدان، ثم سار في طلب ناصر الدولة، فكرَّ ناصر الدولة في جيش قد هيأه، فاسترجع الملك من يد معز الدولة، فعاد معز الدولة، فأخذ الموصل وأقام بها، فراسله في الصُّلْح، فاصطلحا على أن يكون الحمل في كل سنة، وأن يكون أبو تغلب بن ناصر الدولة وليَّ عهد أبيه من بعده، فأجاب معز الدولة إلى ذلك، وكرَّ راجعًا إلى بغداد بعدما جرت له خُطُوب طويلة قد استقصاها ابن الأثير في "كامله"

(5)

وبسطها.

وفيها ظهر رجلٌ ببلاد الدَّيْلم، وهو أبو عبد الله

(6)

محمد بن الحسين من أولاد الحسن بن علي، ويعرف بابن الدَّاعي، فالتفَّ عليه خلق كثير، ودعا إلى نفسه وتسمَّى بالمَهْدي، وكان أصله من بغداد، وانتظم له شأن بتلك البلاد، وهرب منه ابن النَّاصر العلوي.

وفيها قصد ملك الرُّوم وفي صحبته الدُّمَسْتَق ملك الأرمن بلاد طَرَسُوس فحاصرها مُدَّة، ثم غلت

(1)

في الكامل (8/ 551) بلاد أرمينية، وهو الصواب.

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

في (ح): جيفته، والمثبت من (ب).

(4)

ما ببن حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

انظر الكامل (8/ 553 - 554).

(6)

في (ح) و (ب) أبو عبيد الله، والمثبت من (ط)، والكامل (8/ 555).

ص: 218

عليهم الأسعار، وأخذ فيهم الوباء، فمات كثير منهم، فكرُّوا راجعين كما قال الله تعالى:{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25] وكان من عزمهم أنهم يستحوذون على البلاد كلها، فرجعوا خاسئين.

وفيها كانت وقعة المجاز ببلاد صِقِليّة؛ وذلك أنه أقبل من الروم خلق كثير، ومن الفرنج ما يقارب المئة ألف، فبعث أهل صقلية إلى المعز الفاطمي يستنجدونه، فبعث إليهم بجيوشٍ كثيرة في الأسطول، فكانت بين المسلمين والمشركين وقعة عظيمة صبر فيها الفريقان من أول النهار إلى العصر، ثم قُتل أمير الرُّوم منويل، وفرَّت الروم، وانهزموا هزيمة قبيحة، فقتل المسلمون منهم خلقًا كثيرًا، وسقط الفرنج في وادٍ عميق، فهلك أكثرهم، وركب الباقون في المراكب، فبعث الأمير أحمد صاحب صِقليّة في آثارهم مراكب أخر، فقتلوا أكثر المشركين في البحر أيضًا، وغنم المسلمون في هذه الغزوة شيئًا كثيرًا من الأموال والحيوانات والأمتعة والأسلحة، فكان في جملة ذلك سيف مكتوب عليه: هذا سيف هندي، زنته مئة وسبعون مثقالًا، طالما قوتل به بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فبُعث في جملة تحف عظيمة إلى المعز الفاطمي إلى إفريقية.

وفيها قصدت القرامطة مدينة طبرية ليأخذوها من يد ابن الأخشيذ صاحب مصر والشَّام، وطلبوا من سيف الدولة أن يمدهم بحديد يتخذون منه سلاحًا، فقلع لهم أبواب الرَّقَّة - وكانت من حديد -[صامت]

(1)

[وأخذ لهم من حديد الناس]

(2)

حتى أخذ أواقي الباعة، وأرسل بذلك كله إليهم، حتى قالوا: اكتفينا.

وفيها طلب معز الدولة من الخليفة المطيع لله أن يأذن له في دخول دار الخلافة ليتفرج فيها، فبعث خادمه وحاجبه معه، فطافوا معه فيها وهو يسرع، وخرج وقد خاف من غائلة ذلك، وخشي أن يقتل في بعض الدهاليز، فتصدَّق بعشرة آلاف شكرًا للّه عز وجل على السلامة، وازداد حبًا للخليفة المطيع لله من يومئذٍ، وكان في جملة ما رأى من العجائب بها صنم من نحاس على صورة امرأة حسناء جدًّا، وحولها أصنام صغار، وكان قد أُتي به في زمن المقتدر، فأقيم هناك ليتفرج عليه الجواري والنِّساء، فهمَّ المعز أن يطلبه من الخليفة، ثم ارتأى، فترك ذلك

(3)

.

وفي ذي الحجَّة من سنة ثلاث وخمسين وثلاثمئة خرج رجل بالكوفة، فادَّعى أنه علوي، وكان يتبرقع، فسمي المبرقع، وغلظت قضيته وبَعُدَ صيته، وذلك في غيبة معز الدولة عن بغداد، واشتغاله

(1)

ما بين حاصرتين من (ب).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

انظر الخبر بتفصيل في المنتظم (7/ 20 - 21).

ص: 219

بأمر المَوْصِل وناصر الدولة بن حمدان، فلما توطأت الأمور وعاد إلى بغداد، اختفى المبرقع، وذهب في البلاد فلم يفتح له أمر بعد ذلك.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

بكَّار بن أحمد

(1)

بن بكَّار بن بُنان بن بَكَّار بن زياد بن درستويه: أبو عيسى

(2)

، المقرئ.

روى الحديث عن عبد الله بن أحمد، وعنه أبو الحسن الحمَّامي، وكان ثقة، أقرأ القرآن أكثر من ستين سنة رحمه الله، وكانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة وقد جاوز السبعين وقارب الثمانين

(3)

، ودفن بمقبرة الخيزران عند قبر أبي حنيفة، رحمه الله.

أبو إسحاق الهُجَيمي

(4)

: ولد في سنة خمسين ومئتين، وسمع الحديث، فكان إذا سئل أن يحدِّث يقسم لا يحدث حتى يجاوز المئة. فأبَرَّ اللّه قسمه، وجاوزها، فأسمع. وكانت وفاته في هذه السنة عن مئة وثلاث سنين، رحمه الله.

‌ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمئة

في عاشر المُحَرَّم عملت الشيعة المأتم على ما تقدم في السنتين الأولتين؛ غلقت الأسواق وعلَّقت المسوح، وخرجت النساء سافرات ناشرات، ينحن ويلطمن وجوههن في الأزقة والأسواق، وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه في الدين ولا في الدنيا، ولو كان هذا أثرًا محمودًا لكان صَدْرُ هذه الأمة وخيرتها أولى به، إذ لو كان خيرًا لسبقونا إليه، وأهل السنة يقتدون ولا يبتدون.

وتسلطت السُّنَّة على الروافض، فكبسوا مسجد يراثا الذي هو عش الرَّوافض، وقتلوا بعض من كان فيه من القومة.

وفيها في رجب منها جاء ملك الرُّوم بجيوشٍ كثيفة إلى المَصِّيصة، ففتحها قَسْرًا، وقَتَلَ من أهلها خَلْقًا، واستاق بقيتهم معه أسارى، وكانوا قريبًا من مئتي ألف إنسان، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وجاء إلى طَرَسُوس، فسأل أهلها منه الأمان فأمنهم، وأمرهم بالجلاء عنها والانتقال منها، فاتخذ الجامع اصطبلًا لخيوله، وحرَّق المنبر ونقل قناديله إلى كنائس بلده، وتنصَّر بعض أهلها معه لعنه اللّه، وكان أهل

(1)

تاريخ بغداد (7/ 134 - 135) معرفة القراء (1/ 306) غاية النهاية (1/ 177).

(2)

في (ح) و (ب) و (ط): ابن عيسى، والمثبت من تاريخ بغداد (7/ 134) وهو ما عليه المصادر كلها.

(3)

ولد سنة (275 هـ)، انظر تاريخ بغداد (7/ 134).

(4)

المنتظم (7/ 23).

ص: 220

طرسوس والمَصِّيصة قد أصابهم قبل هذا البلاءِ غلاءٌ عظيم، ووباء شديد، بحيث كان يموت في اليوم منهم ثلاثمئة نفس، ثم دهمهم هذا الأمر الشديد، فانتقلوا من شهادة إلى شهادة أعظم منها. وعزم ملك الروم على المقام بطرسوس ليكون أقرب إلى بلاد المسلمين، ثم عنّ له، فسار إلى القُسْطنطينية وفي خدمته الدُّمَسْتَق ملك الأرمن، لعنهما اللّه.

وجعل أمر تسفير الحجيج إلى نقيب الطالبيين، وكتب له منشور بالنقابة والحجيج وهو أبو أحمد الحسن بن موسى الموسوي

(1)

، وهو والد الرضي والمرتضى.

وفيها توفيت أخت معز الدولة، فركب الخليفة في طيَّارة

(2)

، وجاء إليه فعزَّاه، فقبَّل معز الدولة الأرض بين يديه، وشكر له سعيه إليه، وصدقاته عليه.

وفي ثامن عشر ذي الحجة منها عملت الروافض عيد غدير خم على العادة الجارية التي ذكرناها

(3)

.

وفيها تغلب على أنطاكية رجلٌ يقال له رشيق النسيمي بمساعدةٍ رجل يقال له ابن الأهوازي: كان يضمن الطَّواحين، فأعطاه أموالًا وأطمعه في أخذ أنطاكية، وأخبره أن سيف الدولة قد اشتغل بمَيَّافارِقين، وعجز عن الرجوع إلى حلب، فتمَّ لهما ما راماه من أخذ أنطاكية، ثم ركبا في جيوش منها إلى حلب، فجرت بينهما وبين نائب سيف الدولة حروبٌ عظيمة، ثم أخذ البلد، وتحصَّن النائب بالقلعة، فجاءت النجدة من سيف الدولة إلى حلب مع غلامٍ له اسمه بشارة، فانهزم رشيق، فسقط عن فرسه، فابتدره بعضُ الأعراب، فقتله وأخذ رأسه، فجاء به إلى حلب، واستقلَّ ابنُ الأهوازي سائرًا إلى أنطاكية، فأقام رجلًا من الرُّوم

(4)

اسمه وزير فسماه الأمير، وأقام آخر من العلويين ليجعله خليفه وسماه الأستاذ. فقصده نائب حلب وهو قرغويه، فاقتتلا قتالًا شديدًا، فهزمه ابنُ الأهوازي واستقر بأنطاكية، فلما عاد سيف الدولة إلى حلب لم يبت بها إِلَّا ليلة واحدة حتى سار إلى أنطاكية [فالتقاه ابن الأهوازي]

(5)

فاقتتلوا قتالًا عظيمًا ثم انهزم الوزير وابنُ الأهوازي وأُسرا، فقتلهما سيف الدولة بن حمدان

(6)

.

وفيها ثار رجل من القرامطة اسمه مروان - كان يحفظ الطُّرقات لسيف الدولة - بحمص، فملكها وما حولها، فقصده جيش من حلب مع الأمير بدر، فاقتتلوا معه، فرماه بدر بسهم مسموم فأصابه،

(1)

في (ح): الدينوري، وهو وهم والمثبت من (ب).

(2)

ضرب من السفن.

(3)

انظر حوادث سنة (352 هـ).

(4)

في "الكامل": (8/ 562) من الديلم.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

انظر الكامل (8/ 561 - 562).

ص: 221

واتفق أن أسر أصحابُ مروان بدرًا، فقتله مروان بين يديه صبرًا، ومات مروان بعد أيام، وتفرقت أصحابه، قبحهم اللّه.

وفيها عصى أهل سِجِسْتان أميرَهم خلف بن أحمد، وذلك أنه حجَّ في سنة ثلاث وخمسين، واستخلف عليهم طاهر بن الحسين، فطمع في الملك بعده، واستمال أهل البلد، فلما رجع من الحجّ لم يسلمه البلد وعصى عليه، فذهب إلى بخارى إلى الأمير منصور بن نوح السَّاماني فاستنجده، فبعث معه جيشًا فاستنقذ البلد من طاهر، وسلَّمها إلى الأمير خلف بن أحمد - وقد كان خلف عالمًا محبًا للعلماء - فذهب طاهر، فجمع جموعًا، ثم جاء فحاصر خلفًا وأخذ منه البلد، فرجع خلف إلى الأمير منصور السَّاماني، فبعث معه من استرجع له البلد ثانية وسلَّمها إليه، فلما استقرَّ خلف بها، وتمكَّن فيها؛ منع ما كان يحمله من التحف والهدايا والحمل إلى الأمير منصور ببخارى، فبعث إليه جيشًا، فتحصَّن خَلَف في حصنٍ يقال له حصن أرك، فنازله الجيش فيه تسع سنين

(1)

لم يقدروا عليه، وذلك لمناعة هذا الحصن وصعوبته وعمق خندقه وارتفاعه هو في نفسه، وسيأتي ما آل إليه أمره من بعد ذلك.

وفيها قصدت طائفة من الترك بلاد الخَزَر، فاستنجد الخَزَر بأهل خوارزم فقالوا: لو أسلمتم لنصرناكم. فأسلموا إِلَّا ملكهم، فقاتلوا معهم الترك، فأجلوهم عنهم، ثم أسلم الملك بعد ذلك، ولله الحمد والمنة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

المُتَنبِّي الشَّاعر المشهور

(2)

، أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصَّمد: أبو الطيب، الجُعْفي، الشَّاعر المعروف بالمتنبي.

وكان أبوه يعرف بعِيْدان السَّقَّاء - كان يستقي الماء لأهل الكوفة على بعيرٍ له، وهو شيخٌ كبير. وعِيْدان [هذا]

(3)

قال ابن ماكُولا والخطيب: هو بكسر العين وبعدها ياء مثناة من تحت، وقيل بفتح العين لا كسرها

(4)

، فالله أعلم.

كان مولد المتنبي بالكوفة سنة ستٍّ وثلاثمئة

(5)

، ونشأ بالشَّام بالبادية، وطلب الأدب، ففاق أهل

(1)

في الكامل (8/ 564): سبع سنين.

(2)

مصادر ترجمته أكثر من أن تحصى، ومن أمتع الدراسات عنه ما خطَّه يراع شيخ العربية محمود محمد شاكر في كتابه "المتنبي".

(3)

ما بين حاصرتين من (ب).

(4)

انظر الإكمال (6/ 99) وترجمة المتنبي لابن العديم المنشورة ضمن كتاب "المتنبي" للعلامة محمود محمد شاكر (609) وفي بعض المصادر: عبدان، وهو تصحيف.

(5)

المشهور أنه ولد سنة (303 هـ).

ص: 222

زمانه فيه، ولزم جناب سيف الدولة بن حمدان، وامتدحه وحظي عنده، ثم صار إلى مصر، فامتدح كافور الإخشيذي ثم هجاه وهرب منه، وورد بغداد، فامتدح بعض أهلها، وسمع عليه ديوانه، وقدم الكوفة، وامتدح بعض الأكابر وهو ابن العميد، فوصله من جهته ثلاثون ألف دينار، ثم سار إلى فارس فامتدح عضد الدولة بن بُوَيه، فأطلق له أموالًا جزيلة تقارب مئتي ألف دِرْهم، وقيل: بل حصل له نحو من ثلاثين ألف دينار، ثم دَسَّ إليه من يسأله: أيما أحسن، عطايا عضد الدولة بن بويه أو سيف الدولة بن حمدان؟ فقال: هذه أجزل ولكن فيها تكلُّف، وتلك أقل ولكن عن طيب نفس من معطيها؛ لأنها عن طبيعة وهذه [عن]

(1)

تكلف، فذكر ذلك لعضد الدولة فتغيظ عليه، ودسَّ إليه طائفة من الأعراب، فوقفوا له في أثناء الطريق وهو راجع إلى بغداد، ويقال: إنه كان قد هجا مقدِّمهم ضَبَّة الأسدي - وقد كانوا يقطعون الطريق - فلهذا أوعز إليهم عضد الدولة أن يتعرَّضوا له، فيقتلوه ويأخذوا لهم ما معه من الأموال، فانتهوا إليه وهم ستون راكبًا في يوم الأربعاء وقد بقي من رمضان ثلاثة أيام، وقيل: بل قتل في يوم الإثنين لخمسٍ بقين من رمضان، ويقال: بل كان ذلك في شعبان، وقد نزل عند عينٍ تحت شجرة إنجاص، وقد وضعت سفرته ليتغدَّى، ومعه ولده مُحَسَّد

(2)

وخمسة عشر غلامًا له، فلما رآهم قال: هلموا يا وجوه العرب. فلما لم يكلِّموه أحسَّ بالشر، فنهض إلى سلاحه وخيله، فتواقفوا ساعة، فقتل ابنه مُحسَّد وبعض غلمانه، وأراد هو أن ينهزم، فقال له مولى له: أين تذهب وأنت القائل:

فاللَّيْلُ والخَيْلُ والبَيْداءُ تَعْرِفُني

والحَرْبُ والضَّرْبُ والقِرْطاسُ والقَلمُ

(3)

فقال: ويحك قتلتني. ثم كرَّ راجعًا، فطعن

(4)

زعيمَ القوم برمح في عنقه فقتله، فاجتمعوا عليه فسجروه بالرِّماح حتى قتلوه، وأخذوا جميع ما كان معه من الأموال، وذلك بالقرب من النُّعْمانية، وهو آيب إلى بغداد، ودفن هناك وله من العمر ثمانٍ وأربعون سنة.

وذكر ابنُ عساكر أنه لما نزل في المنزلة التي كانت قبل منزلته هذه، سأله بعضُ الأعراب أن يعطيهم خمسين دِرْهمًا ويخفرونه، فمنعه الشحُّ والكِبْر ودعوى الشجاعة من ذلك. وقد كان المتنبي جُعْفيَّ النسب صليبة منهم، وقد ادَّعى حين كان مع بني كلب بأرض السَّماوة؛ قريبًا من حمص أنه علوي حسني، ثم ادَّعى أنه نبيٌّ، فاتبعه جماعة من جهلتهم وسفلتهم، وزعم أنه أنزل عليه قرآن فمن ذلك: والنَّجم

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

في (ح) و (ب) و (ط) محسن أينما ورد، وهو تحريف، والمثبت من وفيات الأعيان (1/ 125).

(3)

كذا ورد البيت في (ح) و (ب)، وفي "ديوانه" بشرح العكبري (3/ 369).

فالخيل والليل والبيداء تعرفني

والضرب والطعن والقرطاس والقلمُ

(4)

في (ب): فطعنه.

ص: 223

السَّيَّار، والفلك الدَّوَّار، والليل والنهار، إنَّ الكافر لفي أخطار، امض على سَننَك

(1)

، واقْفُ أثَرَ من كان قبلك من المرسلين، فإن اللّه قامعٌ بك من ألحد في دينه، وضلَّ عن سبيله.

وهذا من خِذْلانه وكثرة هَذَيانه في قرآنه، ولو لزم قافية مدحه والهجاء لكان من أشعر الشعراء، وأفصح الفصحاء، ولكن أراد بجهله وقلة عقله أن يتقول ما يشبه كلامَ رَبِّ الأرض والسماء الذي لا يشبهه شيء من الأشياء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله وأقواله، تعالى اللّه خالق الأشياء.

ولما اشتُهر خبره بأرض السَّماوة، وأنه قد التفَّ عليه جماعةٌ من أهل الغباوة، خرج إليه نائب حمص من جهة بني الأخشيذ وهو الأمير لؤلؤ - بّيَّض اللّه وجهه - فقاتله وشرَّد شمله، [وأسره]

(2)

وسجنه دهرًا طويلًا، فَمَرضَ في السِّجْن، وأشرف على التَّلف، فاستحضره واستتابه، وكتب عليه كتابًا اعترف فيه ببطلان ما ادّعاه، وأنه قد تاب من ذلك ورجع إلى دين الإسلام، وأطلق سراحه، فكان بعد ذلك إذا ذكر بهذا يجحده إن أمكنه جحده، وإلا اعتذر منه واستحيا من ذلك، وقد شهره بلفظة

(3)

تدلُّ على كذبه فيما كان ادَّعاه من الإفك والبهتان، وهي لفظة المتنبي، الدَّالة على الكذب، ولله الحمد.

وقد قال بعضهم يهجوه:

أيُّ فَضْلٍ لشاعرٍ يطلبُ الفَضْـ

ــلَ من النَّاسِ بُكْرةً وعَشِيَّا

عاشَ حينًا يبيعُ في الكوفةِ الماءَ

وحينًا يبيعُ ماءَ المُحَيَّا

وللمتنبي ديوان مشهور في الشعر، فيه أشعار رائقة ومعانٍ ليست بمسبوقة، بل مبتكرة سابقة، وهو في الشعراء المحدثين كامرئ القيس في الشعراء المتقدمين، وهو عندي بخط يده فيما ذكر من له خبرة بهذه الأشياء مع تقدُّم أمره.

وقد ذكر أبو الفرج بن الجَوْزي في "منتظمه" قطعًا رائقة استحسنها من ديوانه، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر شيخ إقليمه وحافظ زمانه، فما استملحه أستاذ الوعاظ الشيخ أبو الفرج بن الجوزي قول المتنبي:

عزيزُ أسىً منْ داؤُه الحَدَقُ النُّجْلُ

عياءٌ بهِ ماتَ المُحبُّونَ منْ قَبْلُ

فَمَنْ شاء فَلْيَنْظُرْ إليَّ فَمَنْظري

نذيرٌ إلى من ظنَّ أن الهوى سَهْلُ

جَرَى حبُّها مَجْرَى دمي في مفاصِلي

فأصبحَ لي عن كُلِّ شُغْلٍ بها شُغْلُ

ومنْ جسدي لم يَتْرُكِ السُّقْمُ شَعْرَةً

فما فوْقَها إِلَّا وفيه لهُ فِعْلُ

(1)

في (ب): سبيلك. وامض على سننك: أي وجهك وقصدك. اللسان (سنن).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

في (ح) و (ب) بصفة، والمثبت من (ط).

ص: 224

كأنَّ رَقيبًا منكِ سَدَّ مسامعي

عن العَذْلِ حتى ليس يَدْخُلُها العَذْلُ

كأنَّ سُهادَ الليل يَعْشقُ مُقْلتي

فبينهما في كلِّ هَجْرٍ لنا وَصْلُ

(1)

ومن ذلك قوله:

كَشَفَتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شَعْرِها

في ليلةٍ فَأَرَتْ لياليَ أربعا

واسْتَقْبَلَتْ قَمَرَ السَّماءَ بوجهها

فَأَرَتْني القَمَرَيْنِ في وَقْتٍ معًا

(2)

ومن ذلك قوله:

ما نالَ أهْلُ الجاهليَّة كُلُّهُمْ

شِعْرِي ولا سَمِعَتْ بِسِحْري بابلُ

وإذا أتَتْكَ مَذَمَّتي من ناقِصٍ

فَهِيَ الشَّهادةُ لي بأنِّي كاملُ

(3)

منْ لي بفَهْمِ أُهَيْلِ عَصْرٍ يَدَّعي

أن يَحْسُبَ الهِنْديَّ منهم باقِلُ

(4)

وله:

ومنْ نَكَدِ الدُّنيا على الحُرِّ أن يرى

عَدُوًّا لهُ ما منْ صَدَاقتهِ بُدُّ

(5)

وقوله:

وإذا كانَتِ النُّفُوسُ كِبارًا

تَعِبَتْ في مُرَادها الأجْسَامُ

(6)

وقوله:

ومنْ صَحِبَ الدُّنْيا طويلًا تَقَلَّبَتْ

على عَيْنِهِ حتى يَرَى صِدْقَها كِذْبا

(7)

وله:

خُذْ ما تراهُ وَدَعْ شيئًا سَمِعْتَ بهِ

في طَلْعَةِ الشَّمْسِ ما يُغنيكَ عن زُحَلٍ

(8)

وله في مدح بعض الملوك الذين كان يستمنح منهم العطاء:

(1)

انظر القصيدة بتمامها في ديوانه بشرح العكبري (3/ 180 - 191) والأبيات ليست في مطبوع المنتظم.

(2)

البيتان في "ديوانه" بشرح العكبري (2/ 260).

(3)

في (ح) و (ب): فاضل، والمثبت من (ط)، و"الديوان".

(4)

ديوانه (3/ 259 - 260).

(5)

الديوان (1/ 375).

(6)

الديوان (3/ 345).

(7)

الديوان (1/ 57).

(8)

الديوان (3/ 81).

ص: 225

تَمْضي المواكبُ

(1)

والأبصارُ شَاخِصَةٌ

منها إلى الملكِ المَيْمُونِ طَائِرُهُ

قد حِزْنَ في بَشَرٍ في تاجه قمرٌ

في دِرْعِهِ أَسَدٌ تَدْمَى أظَافِرُهُ

حُلْوٌ خلائِقُهُ شُوْسٌ حَقَائِقُهُ

تُحْصَى الحَصَى قَبْلَ أنْ تُحْصَى مآثِرُه

(2)

ومنها قوله:

يا منْ ألُوذُ به فيما أُؤَمِّلُهُ

ومنْ أعوذُ بهِ مِمَّا أُحاذِرُهُ

لا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أنتَ كاسِرُهُ

ولا يَهِيْضونَ عَظْمًا أنتَ جابِرُهُ

(3)

وقد بلغني عن شيخنا العلامة أبي العباس ابن تيمية رحمه الله أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله عز وجل.

وأخبرني العلامة شمس الدين بن القَيِّم أنه سمع الشيخ يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود.

ومما أورده الحافظ أبو القاسم ابن عساكر من شعر المتنبي في ترجمته قوله:

أبعينِ مُفْتَقرٍ إليكَ رأيتني

فهجرتني وقَذَفْتني من حَالقِ

لستَ الملومَ أنا الملومُ لأنَّني

أنْزَلْتُ حاجاتي بغيرِ الخَالِق

(4)

قال القاضي ابن خَلِّكان: وهذان البيتان ليسا في ديوانه، وقد رواهما الحافظ الكِنْدي إليه بسندٍ صحيح.

ومن ذلك قوله:

إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُوم

فلا تَقْنعْ بما دونَ النُّجومِ

فَطَعْمُ المَوْتِ في أمرٍ حقيرٍ

(5)

كَطَعْمِ الموتِ في أمرٍ عَظِيْمِ

(6)

قوله:

وما أنا بالبَاغي على الحُبِّ رِشْوةً

قبيحٌ

(7)

هَوًى يُرجى

(8)

عليه ثَوَابُ

(1)

في (ح) و (ب) و (ط): الكواكب، والمثبت من "الديوان".

(2)

الديوان (2/ 119 - 120).

(3)

الديوان (2/ 122).

(4)

انظر البيتين في وفيات الأعيان (1/ 121) مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(5)

في الديوان: صغير.

(6)

الديوان (4/ 119).

(7)

في الديوان: ضعيف.

(8)

في الديوان: يبغى.

ص: 226

إذا نِلْتُ منْكَ الوُدَّ فالمالُ هَينٌ

وكُلُّ الذي فوقَ التُّراب تُرَابُ

(1)

وقد تقدَّم أنه ولد بالكوفة سنة ست وثلاثمئة، وأنه قتل في رمضان سنة أربعٍ وخمسين وثلاثمئة.

قال ابن خَلِّكان: وقد فارق سيفَ الدولة بن حمدان سنة ستٍّ وأربعين لما كان من ابن خالويه [إليه]

(2)

ما كان من ضربه إياه بمفتاح في وجهه فأدماه، فصار إلى مصر، فامتدح كافورًا الإخشيذي، وأقام عنده أربع سنين، وكان المتنبي يركب في جماعةٍ من مماليكه فتوهَّم منه كافور، فجفاه، فخاف منه المتنبي فهرب منه، فأرسل في أثره فأعجزه، فقيل لكافور: ما قيمة هذا حتى تتوهَّم منه؟ فقال: هذا رجل أراد أن يكون نبيًا بعد محمد صلى الله عليه وسلم، أفلا يروم أن يكون ملكًا بديار مصر؟ ثم سار المتنبي إلى عضد الدولة، فامتدحه، فأعطاه كثيرًا، ثم عاد من عنده، فعرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي، فقتله وابنه مُحسَّد وغلامه مفلح يوم الأربعاء لستٍّ بقين وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان، وقيل: يوم الإثنين لثمان، وقيل: لخمس بقين منه، وذلك بسواد بغداد، وقد رثاه الشعراء، وقد شرح ديوانهُ العلماء بالشعر نحوًا من ستين شرحًا بين وجيزٍ وبسيط

(3)

.

‌وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضًا:

أبو حاتم البُسْتي

(4)

ابن حِبَّان: صاحب "الصحيح".

محمد بن حبَّان بن أحمد بن حِبَّان بن مُعاذ بن مَعْبَد، أبو حاتم، البُسْتي صاحب "الأنواع والتَّقاسيم"، وأحد الحفاظ الكبار المصنِّفين المجتهدين.

رحل إلى البُلْدان، وسمع الكثير من المشايخ، ثم ولي قضاء بلده، ومات بها في هذه السنة. وقد حاول بعضهم الكلام [عليه]

(5)

من جهة معتقده ونسبة إلى أنَّ النبوة مكتسبة، وهي نزعة فلسفية، واللّه أعلم بصحتها عنه، وقد ذكرته في "طبقات الشافعية".

(1)

الديوان (1/ 199 - 200).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط) و (ب).

(3)

انظر وفيات الأعيان (1/ 122 - 123).

(4)

الأنساب (2/ 209 - 210) معجم البلدان (1/ 415 - 419) اللباب (1/ 122 - 123) إنباه الرواة (3/ 122) سير أعلام النبلاء (16/ 92 - 104) تذكرة الحفاظ (3/ 920 - 924) العبر (2/ 300) ميزان الاعتدال (3/ 506 - 508) الوافي بالوفيات (2/ 317 - 318) مرآة الجنان (2/ 357) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 131 - 135) طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 418 - 419) لسان الميزان (5/ 112 - 115) النجوم الزاهرة (3/ 342 - 343) طبقات الحفاظ (374 - 375) شذرات الذهب (3/ 16) الرسالة المستطرفة (30 - 31).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط) و (ب).

ص: 227

محمد بن الحسن

(1)

بن يعقوب

(2)

بن الحسن بن الحسين بن مِقْسم: أبو بكر بن مِقْسم العطَّار المقرئ.

ولد سنة خمس وستين ومئتين، وسمع الكثير، وروى عنه الدَّارقُطْني وغيره، وكان من أعرف النَّاس بالقراءات، وله كتاب في النحو على طريقة الكوفيين، سماه "كتاب الأنوار".

قال ابن الجوزي: ما رأيتُ مثله، وله تصانيف أُخَر، ولكن تكلَّم الناسُ فيه بسبب تفرُّده بقراءاتٍ لا تجوز عند الجميع، وكان يذهب إلى أن كل ما لا يخالف الرَّسْم ويسوغ من حيث المعنى واللفظ يصح القراءة بها كقوله تعالى:{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: 80]، أي يتناجون. قال: لو قرئ "نُجَباء" من النَّجابة لكان قويًا. وقد ادُّعِيَ عليه، وكُتِبَ عليه مكتوب أنه قد رجع عن مثل ذلك، ومع هذا لم ينته عما كان يذهب إليه حتى مات، قاله ابن الجَوْزي

(3)

.

محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عَبْدَويه

(4)

بن موسى: أبو بكر، الشَّافعي.

ولد بِجَبُّل

(5)

سنة ستين ومئتين، وسمع الكثير، وسكن بغداد، وكان ثِقَة ثَبْتًا كثير الرواية، سمع منه الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفَّاظ، وكان يحدِّث بفضائل الصحابة - حين منعت الدَّيْلم من ذلك - جهرةً في الجامع بمدينة المنصور مخالفةً لهم، وكذلك في مسجده بباب الشَّام، وتوفي في هذه السنة عن أربعٍ وتسعين سنة، رحمه الله.

‌ثم دخلت سنة خمس وخمسين وثلاثمئة

في عاشر المحرَّم عملت الروافض ببغداد بدعتهم الشَّنْعاء، وفتنتهم الصَّلْعاء.

وفيه أخذت القرامطة الهجريون عُمان.

وفيها قصدت الرُّوم آمِد، فحاصروها فلم يقدروا عليها، ولكن قتلوا من أهلها ثلاثمئة، وأسروا منهم أربعمئة، ثم ساروا إلى نَصيبين وفيها سيف الدولة، فهمَّ بالهرب مع العرب، ثم تأخر مجيء الرُّوم، فثبت مكانه وقد كادوا يزيلون أركانه.

(1)

في (ح) الحسين، وهو تصحيف، والمثبت من (ب).

(2)

المنتظم (7/ 31).

(3)

المنتظم (7/ 31) وانظر معجم البلدان (18/ 150).

(4)

تاريخ بغداد (5/ 456 - 458) الأنساب (7/ 255 - 256) المنتظم (7/ 32) سير أعلام النبلاء (16/ 39 - 43) تذكرة الحفاظ (3/ 880 - 881) العبر (2/ 301) الوافي بالوفيات (3/ 347) مرآة الجنان (2/ 357 - 358) النجوم الزاهرة (3/ 343) طبقات الحفاظ (360) شذرات الذهب (3/ 16).

(5)

بليدة قرب واسط على الجانب الشرقي من دجلة، انظر معجم البلدان (2/ 103).

ص: 228

وفيها وردت طائفة من جيشِ خُرَاسان - في بضعة عشر ألفًا - يُظْهرون أنهم يريدون غزو الروم، فأكرمهم ركنُ الدَّولة بن بُوَيه وأمنوا إليهم، فنهضوا إليهم ليأخذوا الدَّيْلَم على غِرَّة، فقاتلهم ركن الدولة فظفر بهم، لأن البغي مصرعة، وهرب أكثرهم.

وفيها خرج معز الدولة من بغداد إلى واسط لقتال عمران بن شاهين حتى تفاقم الحال بأمره، واشتُهر في تلك النواحي صيت ذكره، فقوي المرض بمعز الدولة، فاستناب على الحرب، ورجع إلى بغداد، فكانت وفاته في السنة الآتية كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

وفيها قوي أمر أبي عبد اللّه الدَّاعي ببلاد الدَّيْلم وأظهر النُّسُك والعبادة، ولبس الصوف، وكتب إلى الآفاق حتى إلى بغداد يدعو إلى الجهاد.

وفيها تمَّ الفداء بين سيف الدولة وبين الروم، فاستنقذ منهم أسارى كثيرة، منهم ابن عمه أبو فراس بن سعيد بن حمدان، وأبو الهيثم بن حصن القاضي، وذلك في رجب منها.

وفي جُمادى الآخرة نودي برفع المواريث الحَشْرية

(1)

وأن تردَّ إلى ذوي الأرحام.

وفيها ابتدأ معز الدولة بن بُوَيه في بناء مارَسْتَان، وأرصد له أوقافًا جزيلة.

وفيها قطعت بنو سُلَيم السَّابلة

(2)

على الحجيج من أهل الشَّام ومصر والمغرب، وأخذوا منهم عشرين ألف بعير بأحمالها، وكان عليها من الأموال والأمتعة ما لا يقوَّم كثرةً، وكان لرجل يقال له ابن الخواتيمي قاضي طَرَسُوس مئة ألف دينار وعشرون ألف دينار عينًا، وذلك أنه أراد التحول من بلاد الشَّام إلى العراق بعد الحج، وكذلك وقع لكثير من النَّاس، وحين أخذت الجمال تركوهم على برد الدِّيار لا شيء لهم، فَقَلَّ منهم من سَلِمَ وما أكثر من عطب، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

وحجَّ بالناس في هذه السنة الشريف أبو أحمد نقيب الطالبيِّين من ناحية العراق.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الحسين

(3)

بن داود

(4)

بن علي [بن عيسى]

(5)

محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو عبد اللّه، العلوي الحسني.

(1)

الحشري هو الميت الذي خلف مالًا، وليس له وارث خاص بقرابة أو نكاح أو ولاء أو له وارث ذو فرض، ولكنه لا يستغرق جميع ماله الذي خلفه ولا عاصب فهذا كان ماله يعود لبيت المال على ما هو مقرر في المذهب الشافعي، أما الحنابلة فكانوا يورثون ذوي الأرحام. انظر "صبح الأعشى": 3/ 460.

(2)

السابلة: الطريق المسلوكة. معجم متن اللغة (3/ 100).

(3)

في (ح) و (ب) و (ط): الحسن، والمثبت من تاريخ بغداد (8/ 45) والمنتظم (7/ 34)، وتاريخ الإسلام (8/ 81).

(4)

تاريخ بغداد (8/ 45) المنتظم (7/ 34). تاريخ الإسلام (8/ 81).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط) و (ب).

ص: 229

قال الحاكم أبو عبد الله النَّيْسابوري: كان شيخ آل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في عصره بخُرَاسان، وسيد العلوية في زمانه، وكان [من] أكثر الناس صلاة وصدقة ومحبةً للصحابة، صحبته مدة فما سمعته ذكر عثمان إِلَّا قال: الشهيد، وبكى، وما سمعته ذكر عائشة إِلَّا قال: الصدِّيقة بنت الصِّديق، حبيبة حبيب اللّه. وبكى. وقد سمع الحديث من ابن خُزيمة وطبقته، وكان آباؤه بخراسان وفي سائر بلدانهم [سادات]

(1)

نجباء حيث كانوا:

منَ البيتِ الرَّسُول

(2)

الله منْهم

(3)

لَهمْ دانتْ رِقَابُ بني مَعَدِّ

محمد بن الحسين بن علي بن الحسن

(4)

بن يحيى بن حَسَّان بن الوضَّاح، أبو عبد اللّه، الأنْباري، الشَّاعر المعروف بالوضَّاحي.

كان يذكر أنه سمع الحديث من المَحَاملي، [وابن مَخْلَد]

(5)

وأبي روق. روى عنه الحاكم أبو عبد الله شيئًا من شعره، وكان أشعر منْ في وقته، ومن شعره

(6)

:

سَقَى اللّه بابَ الكَرْخِ رَبْعًا ومنزلًا

ومنْ حَلَّهُ صَوْبَ السَّحَابِ المُجَلْجِل

(7)

فلو أنَّ باكي دِمْنةِ الدَّار باللِّوى

وجارتها أُمَّ الرَّبابِ بمأْسَلِ

رأى عَرَصَاتِ الكَرْخِ أو حلَّ أرضَهَا

لأمسكَ عن ذِكْرِ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

أبو بكر بن الجِعابي

(8)

محمد بن عمر بن محمد بن سَالم بن البراء بن سبرة بن سَيَّار، أبو بكر بن الجِعابي، قاضي المَوْصِل.

ولد في صفر سنة أربع وثمانين ومئتين. سمع الكثير، وتخرَّج بأبي العبَّاس بن عُقْدة، وأخذ عنه

(1)

ما بين حاصرتين من "المنتظم" 7/ 34.

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

في (ط): من آل بيت رسول اللّه منهم، ولا يستقيم الوزن به. و"أل" من "الرسول" اسم موصول بمعنى الذي.

(4)

يتيمة الدهر (4/ 382) تاريخ بغداد (2/ 241 - 242) المنتظم (7/ 35 - 36) الكامل لابن الأثير (8/ 574) اللباب (3/ 369) سير أعلام النبلاء (16/ 71) الوافي بالوفيات (3/ 5) النجوم الزاهرة (4/ 13).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط) و (ب).

(6)

يعارض الوضاحي في هذه القصيدة معلقة امرئ القيس.

(7)

المجلجل من السحاب الذي فيه صوت الرعد. اللسان (جلل).

(8)

ذكر أخبار الأصبهان (2/ 287) رجال النجاشي (281) الفهرست للطوسي (151) تاريخ بغداد (3/ 26 - 31) الأنساب (3/ 263 - 265) المنتظم (7/ 36 - 38) اللباب (1/ 239) سير أعلام النبلاء (16/ 88 - 92) تذكرة الحفاظ (3/ 925 - 929) العبر (2/ 302) المغني في الضعفاء (2/ 620) ميزان الاعتدال (3/ 670 - 671) الوافي بالوفيات (4/ 240 - 241) لسان الميزان (5/ 322 - 324) النجوم الزاهرة (4/ 12) طبقات الحفاظ (375 - 376) شذرات الذهب (3/ 17) أعيان الشيعة (10/ 28 - 30).

ص: 230

علم الحديث وشيئًا من التشيع أيضًا، وكان حافظًا مكثرًا مطيقًا، يقال: إنه كان يحفظ أربعمئة ألف حديث بأسانيدها ومتونها، ويذاكر بستمئة ألف حديث، ويحفظ من المراسيل والمقاطيع والحكايات قريبًا من ذلك، ويحفظ أسماء الرجال وجرحهم وتعديلهم، وأوقات وَفَياتهم ومذاهبهم، حتى تقدَّم على أهل زمانه، وفاق على سائر أقرانه. وكان يجلس للإملاء فيزدحم الناس عند منزله، وإنما كان يملي من حفظه إسناد الحديث ومتنه محرَّرًا جيدًا صحيحًا، وقد نُسبَ إلى التشيع كأستاذه ابن عُقْدة، وكان يسكن بباب البصرة عندهم، وقد سئل الدارقطني عنه، فقال: خلَّط. وقال أبو بكر البَرْقاني: كان صاحب غرائب، ومذهبه معروف في التشيع، وقد حكي عنه قلة دين وشرب خمر، فاللّه أعلم. ولما احتُضر أوصى أن تحرق كتبه فحرقت، وحرق معها كتبُ كثيرٍ من الناس كانت عنده، فبئس ما عمل، وحين أخرج بجنازته كانت سُكينة - نائحة الرافضة - تنوح عليه في جنازته.

‌ترجمة الدُّمَسْتَق

(1)

ملك الأرمن، واسمه النقفور

الذي توفي سنة ثنتين [وقيل: خمس]

(2)

، وقيل: ست وخمسين وثلاثمئة.

كان هذا الملعون من أغلظ الملوك قلبًا، وأشدهم كفرًا، وأقواهم بأسًا، وأحدِّهم شوكةً، وأكثرهم قتالًا للمسلمين في زمانه، استحوذ في أيامه - لعنه اللّه - على كثيرٍ من السواحل أو أكثرها، وانتزعها من أيدي المسلمين قسرًا، واستمرت في يده قهرًا، وأضيفت إلى مملكة الروم قدرًا؛ وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان، وظهور البدع الشنيعة فيهم وكثرة العصيان.

وقد ورد حلب في مئتي ألف مقاتل بغتة في سنة إحدى وخمسين، وجال فيه جولة، ففرَّ من بين يديه صاحبها سيف الدولة، ففتحها اللعين عَنْوةً، وقتل من أهلها من الرجال والنساء ما لا يعلمه إِلَّا اللّه، وخرَّب دار سيف الدولة التي كانت ظاهر حلب، وأخذ أموالها وحواصلها وعُدَدها، وبدَّد شملها

(3)

، وفرَّق عددها، واستفحل جدًّا أمر الملعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبالغ في الاجتهاد في قتال الإسلام وأهله، وجدَّ في التشمير، فالحكم للّه العلي الكبير.

وقد كان - لعنه اللّه - لا يدخل بلدة إِلَّا قتل المقاتلة وبقية الرِّجال، وسبى النِّساء والأطفال، وجعل جامعها اصطبلًا لخيوله، وكسر منبرها، وأسكتَ مؤذنيها بخيله ورَجْله وطبوله، ولم يزل ذلك من دأبه وديدنه حتى سلَّط اللّه عليه زوجته، فقتلته بجواريها في وسط مسكنه، وأراح اللّه منه الإسلام وأهله،

(1)

الضبط من صبح الأعشى (5/ 358).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ج): وفرَّق، والمثبت من (ب).

ص: 231

وأزاح عنهم قَتَام ذلك الغمام، ومزَّق شمله، فلله النعمة والإفضال، والحمد للّه على كلِّ حال.

واتفق في سنة وفاته موتُ صاحب القُسْطنطينية، فتكاملت المسرَّات وحصلت الأمنيَّة، فالحمد للّه الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات وتذهب السيئات، وبرحمته تغفر الزَّلَّات.

والمقصود أن هذا اللعين - أعني النقفور الملقب بالدُّمَسْتَق ملك الأرمن - كان قد أرسل قصيدة إلى الخليفة المطيع للّه، نظمها له بعض كُتَّابه ممن كان الله قد خذله وأذلَّه، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غِشاوة، وصرفه عن الإسلام وأصله. يفتخر فيها لهذا اللعين، ويتعرَّض لسبِّ الإسلام والمسلمين، ويتوعَّد فيها أهل حوزة الإسلام بأنه سيملكها كلها حتى الحرمين الشريفين، عما قريبٍ من الأعوام، وهو أقل وأذل وأخسُّ وأضلُّ من الأنعام، ويزعم أنه ينتصر لدين المسيح عليه السلام ابن البتول. وربما تعرَّض فيها بجناب الرسول عليه من ربه التحية والإكرام، ودوام الصَّلاة مدى الأيام.

ولم يبلغني عن أحدٍ من أهل ذلك العصر أنه ردَّ عليه جوابه

(1)

، وربما أنها لم تشتهر، أو أنهم رأوا أنه أقل من أن يردُّوا خطابه، لأنه كالمعاند الجاحد، ونفس ناظمها تدلُّ على أنه شيطان مارد، وقد انتخى للجواب عنها فيما بعد ذلك أبو محمد بن حَزْم الظَّاهري، فأفاد وأجاد، وأجاب عن كل فصل باطلٍ بالصواب والسَّداد، فبلَّ الله بالرحمة ثراه، وجعل الجنة منقلبه ومثواه

(2)

.

وها أنا أذكر القصيدة الأرمنية الملعونة المخذولة، وأتبعها بالفريدة الإسلامية المنصورة الميمونة.

قال المرتد الكافر الأرمني على لسان ملكه لعنهما الله وأهل مِلَّتهم أجمعين أكْتَعين أبصعين، آمين يا ربَّ العالمين. ومن خطِّ ابنِ عساكر نقلتها، وقد كتبوها من كتاب "صِلة الصِّلة" للفَرْغاني

(3)

:

منَ المَلِكِ الطُّهْرِ المسيحيِّ مَألُكٌ

(4)

إلى خَلَفِ الأمْلاكِ من آلِ هاشمِ

إلى الملكِ الفَضْلِ المُطيعِ أخي العُلا

ومَنْ يُرْتجى للمُعْضلاتِ العَظائمِ

أمَا سَمِعَتْ أُذناك ما أنا صانع

بلى فعداك الوَهْنُ عنْ فعل حازم

فإنْ تكُ عمَّا قد تقلَّدتَ نائمًا

فإنِّي عمَّا هَمَّني غيرُ نائمِ

(1)

رد عليه الإمام محمد بن علي بن إسماعيل القفال المتوفى سنة (365 هـ)، وقد أورد قصيدته السبكي في طبقات الشافعية (3/ 209 - 213) كما أورد السبكي قصيدة ابن حزم. وقد نشر الدكتور صلاح الدين المنجد القصائد الثلاثة في كتيب صغير نشره سنة (1982 م) في بيروت.

(2)

القصيدتان ليستا في (ب).

(3)

لعبد اللّه بن أحمد الفرغاني، المتوفى سنة (312 هـ) كتاب في التاريخ هو ذيل لتاريخ الطبري، ثم ألف بعده ابنه أحمد المتوفى سنة (398 هـ) تاريخًا رصل به تاريخ أبيه، انظر معجم الأدباء (3/ 105 - 106، 18/ 44) وسير أعلام النبلاء (16/ 122 - 133).

(4)

المألك والمالكة: الرسالة، انظر اللسان (ألك).

ص: 232

ثغورُكمُ لم يبقَ فيها لوَهْنكمْ

وضعْفِكُمُ إلَّا رُسُومُ المَعالِمِ

فَتَحْنا الثُّغُورَ الأرمَنيَّةَ كُلَّها

بفتيانِ صِدْقٍ كاللُّيوثِ الضَّرَاغِمِ

ونحنُ جَلَبْنا الخيلَ تَعْلُكُ لُجْمَها

ويبلغُ منها قَضْمُها بالشَّكائمِ

إلى كلِّ ثَغْر بالجزيرةِ آهلٍ

إلى جُنْدِ قِنَّسْريْنِكُمْ فالعَوَاصمِ

مَلَطيَةْ مَعَ سْمَيْساطَ من بَعْدِ كَرْكَرٍ

وفي البَحْرِ أضعافُ الفتوحِ النَّواجمِ

وبالحَدَث الحمراءَ جالتْ عساكري

وكيْسوم بعد الجَعْفري

(1)

المعالمِ

وكمْ قد أدَلْنا من أعزَّة أهْلِها

فصاروا لنا منْ بينِ عَبْدٍ وخادِمِ

وسدّ سَرُوج إذ خَرَبْنا بجمعنا

لمئذنةٍ تعلو على كلِّ قائمِ

(2)

وأهلُ الرُّها لاذوا بنا وتحزَّموا

بمنديلِ مولىً جلَّ عن وَصْفِ آدمي

وصَبَّحَ رأسَ العينِ منَّا بطارقٌ

(3)

ببيضٍ غدَوْناها بضَرْبِ الجماجمِ

ودارا ومَيَّافارِقين وأرْزَنًا

(4)

صَبَحْناهُمُ بالخيلِ مِثْلِ الملاغمِ

(5)

وإقْريطشٍ جُرَّتْ إليها مراكبي

على ظَهْرِ بَحْر مُزْبدٍ مُتَلاطمِ

فحزْتُهُمُ أسرى وسيْقَتْ نساؤهم

ذواتِ الشُّعورِ المسْبَلاتِ الفواحمِ

هناكَ فَتَحْنا عينَ زَرْبَةَ عَنْوةً

نَعَمْ وأَبَدْنا كلَّ طاغٍ وظالمِ

إلى حلبٍ حتى استَبْحنا حريمها

وهدَّمَ منها سورَها كلُّ هادمِ

أخذنا النِّسا ثُمَّ البناتِ نسوقُهُمْ

وصبيانهمْ مِثْلُ المماليكِ خادمِ

(6)

وقد فَرَّ عنها سيفُ دَوْلَةِ دينكُمْ

وناصِرُها منَّا على رَغْمِ راغِمِ

ومِلْنا على طَرْسوسَ ميلة هائلٍ

أذَقْنا لمنْ فيها كحزِّ الحلاقِمِ

فكمْ ذاتِ عزٍّ حُرَّةٍ عَلَويَّةٍ

منعَّمَةِ الأطْرافِ رَيَّا المَعاصمِ

سَبَيْنا فسُقْنا خاضعاتٍ حَواسرًا

بغيرِ مُهورٍ لا ولا حُكْمِ حاكمِ

(1)

الجعفري قصر بناه المتوكل قرب سامراء، بموضع يسمى الماحوزة. انظر معجم البلدان (2/ 143).

(2)

هكذا ورد البيت في (ح)، وفي (ط):

وسد سروج إذ خربنا بجمعنا

لنا رتبة تعلو على كل قائم

(3)

بطارق جمع، مفردها بطريق: وهو القائد من قواد الروم، تحت يده عشرة آلاف رجل. "القاموس"(بطرق).

(4)

أرزن مدينة نواحي أرمينية قرب خلاط. انظر معجم البلدان (1/ 150) وقد تحرفت في مطبوع طبقات الشافعية إلى "وأردنًا" وعلق عليها محققاه، فقالا: والأردن كورة واسعة منها الغور وطبرية وصدر. فأبعدا، لأن الأماكن التي تذكر في هذه الأبيات هي في شمالي بلاد الشام، وهذه في جنوبيها.

(5)

كذا في (ح)، وفي "طبقات الشافعية": الضراغم.

(6)

هذا البيت ليس في (ح) وطبقات الشافعية، والمثبت من (ج).

ص: 233

وكمْ من قتيلٍ قد تَرَكْنا مُجنْدلًا

يَصُبُّ دمًا بين اللَّها واللَّهازِمِ

(1)

وكمْ وَقْعةٍ في الدَّرْبِ أفْنَتْ كُماتَكُمْ

وسُقْناهُمُ قَسْرًا كسَوْقِ البَهائمِ

ومِلْنا على أرتاحِكُمْ وحريمُها

مُدوَّخةٌ تحتَ العَجَاجِ السَّواهمِ

فَأَهْوتْ أعاليها وبُدِّلَ رَسمُها

من الأُنْسِ وَحْشًا بعد بيضٍ نواعِمِ

إذا صاحَ فيها البُومُ جاوبَهُ الصَّدى

وأتبَعَهُ في الرَّبْعِ نَوْحُ الحمائمِ

وأنْطَاكُ لم تَبْعُدْ عليَّ وإنني

سأَفْتَحُها يومًا بِهَتْكِ المَحَارِمِ

وَمَسْكنُ آبائي دِمَشْقُ فإنني

سأُرْجِعُ فيها مُلْكَنا تحتَ خاتمي

ومِصْرٌ سَأَفْتَحها

(2)

بسيفيَ عَنْوةً

وآخذُ أموالًا بها لبهائمي

وأجْزيَ كافورًا بما يَسْتَحِقُّهُ

بِمُشْطٍ ومِقْراضٍ وقصِّ مَحاجِمِ

ألا شَمِّروا يا أهلَ حَرَّان شمِّروا

أتَتْكُمْ جيوشُ الرُّومِ مِثْلَ الغَمَائمِ

فإنْ تهربُوا تَنْجُوا كِرامًا وتسلموا

من الملِكِ الصَّادي بقتلِ المسالمِ

هناك نصيبينَ ومَوْصِلها إلى

جزيرة آبائي ومُلكِ الأقادمِ

سأَفْتحُ سامَرَّا وكُوثى وعُكْبَرا

وتَكريتها مَعْ مارِدين العواصِمِ

(3)

وأقتلُ أهليها الرِّجالَ بأَسرهم

وأغنمُ أموالًا بها لكتائِم

(4)

ألا شَمِّروا يا أهلَ بغدادَ وَيْلَكُمُ

فكلُّكُمُ مَسْتَضْعفٌ غيرُ رائمِ

رَضِيْتُمْ بِحُكْمِ الدَّيْلمي خليفةً

فَصِرْتُمْ عبيدًا للعبيدِ الدَّيالمِ

ويا قاطني الرَّملاتِ وَيْلَكُمُ ارجعوا

إلى أرضِ صنعاء وأرضِ التهائمِ

وعُودوا إلى أرضِ الحجازِ أذِلَّةً

وخلُّوا بلادَ الرُّومِ أهلِ المكارِمِ

سأُلْقي جيوشي نحو بغدادَ سائرًا

إلى بابِ طاقٍ حيثُ دارُ القُمَاقمِ

وأُحْرِقُ أعلاها وأَهْدمُ سُورها

وأسْبي ذراريها على رَغْمٍ راغِمِ

وأُحرزُ أموالًا بها وأسرّةً

وأقتلُ منْ فيها بسيفِ النَّقائمِ

وأَسْري بجيشي نحو أهوازَ مُسْرعًا

لإحراز دِيْباجٍ وخَزِّ السواسمِ

وأُشْعِلُها نَهْبًا وأخربْ

(5)

قصورَها

وأسبيَ ذراريها كفِعْلِ الأقادِمِ

(1)

اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق، واللهازم: جمع لهزمة وهي لهزمتان ناتئتان تحت الأذنين. القاموس (لهو، ولهزم).

(2)

ضبطناها هكذا ليتزن البيت.

(3)

في (ح): مع جبل والنظائم! والمثبت من (ط).

(4)

في (ط): وحرائم.

(5)

في (ط): وأهدم، وضبطناها هكذا ليتزن البيت.

ص: 234

ومنها إلى شِيْرازَ والرَّيِّ فاعْلَموا

خُرَاسانُ قَصْري والجيوشُ بحارمِ

إلى شاسِ بَلْخٍ بعدها وخَواتِها

وفَرْغانةٍ معْ مَرْوها والمخارِمِ

فسابورَ أخْرِبْها

(1)

وأهدمُ حِصْنها

وأُوردها يومًا كيومِ السَّمائم

وكَرْمانَ لا أنسى سِجْستانَ كلّها

وكابُلَها النَّائي ومَلْكِ الأعاجمِ

من المشرق الأقصى إلى الغرب أنثني

إلى قيروان الأرض عُرْب الكتائم

(2)

أسيرُ بجُنْدي نحو بَصْرتها التي

لها بَحْرُ عاجٍ رائعٍ متلاومِ

إلى واسطٍ وَسْطَ العراقِ وكوفةٍ

بما كان يومًا جدِّنا ذو العَزَائمِ

وأُسرعُ منها نحوَ مكَّةً سائرًا

أجرُّ جيوشًا كاللَّيالي السَّواجمِ

فأملِكُها دهرًا غريدًا مُسلَّمًا

أقيمُ بها للحقِّ كرسيَّ عالمِ

وأحويَ نَجْدًا كلَّها وتِهامها

وسَرْواتها من مَذْحجٍ وقحاطمِ

وأغْزُو يَمانًا كلَّها وزَبيدَها

وصَنْعاءها مَعْ صَعْدَةٍ واللعائم

إلى حَضْرَموتٍ سَهْلها وجبالها

إلى هُجَرٍ أحسائها والتَّهائم

(3)

فأتركها أيضًا يبابًا بلاقِعًا

خلاءً من الأهْلينَ أرضَ نعائمِ

وأحويَ أموالَ اليمانينَ كلَّها

وما جمعَ القِرْماطُ يوم محارمِ

أعودُ إلى القُدْسِ التي شَرُفَتْ لنا

بعزٍّ مكينٍ ثابتِ الأصلِ قائمِ

وأعلو سريري للسُّجودِ فتنثني

ملوكُ بني حوّا بحمل الدَّراهم

(4)

هنالكَ تخلو الأرضُ من كل مُسْلمٍ

لكلِّ نقيِّ الدِّينِ أغلفَ ناعمِ

نُصِرْنا عليكم حين جارَ وُلاتكُمْ

وأعْلَنْتُمُ بالمُنْكرَاتِ العَظَائمِ

قضاتُكُمُ باعوا القَضَاء بدينهمْ

كبيعِ ابن يعقوبٍ ببَخْسِ الدَّرَاهمِ

عَدُوٌّ لكمْ بالزُّورِ يَشْهدُ كلهم

وبالبَزِّ والبَرْطيلِ مَعْ كلِّ قائمِ

سَأَفْتَحُ أرْض اللّهِ شَرْقًا ومَغْربًا

وأنشُرُ دين الصَّلْب نشر الغمائمِ

فعيسى علا فوقَ السَّمواتِ عَرْشُهُ

ففاز الذي والاهُ يومَ الخصائمِ

وصاحبكمْ بالتُّرب أوْدَى بهِ الثَّرى

فصارَ رُفاتًا بينَ تلكَ الرَّمائمِ

(1)

ضبطناها هكذا ليتزن البيت.

(2)

هذا البيت ليس في (ط).

(3)

هذا البيت ليس في (ط).

(4)

في (ط):

وأعلو سريري للسجود معظمًا

وتبقى ملوك الأرض مثل الخوادِمِ

ص: 235

تناوَلْتُمُ أصحابَهُ بعدَ مَوْتِهِ

بسبٍّ وقَذْفٍ وانتهاكِ محارِم

(1)

هذا آخرها لعن اللّه ناظمها وأسكنه النار {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 52] يوم يدعو ناظمها ثبورًا ويصلى سعيرًا ويباشر ذلًّا طويلًا {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29].

وهذا جوابها لأبي محمد بن حَزْم الظَّاهري الأندلسي، قالها ارتجالًا حين بلغته غضبًا لله ولرسوله كما شاهدَه من رآه، فرحمه اللّه وأكرم مثواه، وغفر له زلله وخطاياه.

مِن المُحْتمي للّه رَبِّ العَوَالمِ

ودينِ رسولِ اللّه من آل هاشمِ

محمدٍ الهادي إلى اللّه بالتُّقى

وبالرُّشْدِ والإسلِام أفضلِ قائمِ

عليه من اللّه السَّلامُ مرَدَّدًا

إلى أن يُوافي البعثَ كلُّ العوالِمِ

إلى قائل بالإفكِ جَهلًا وضِلَّةً

عنِ النِّقفُورِ المنتزي

(2)

في الأعاجمِ

دَعَوْتَ إمامًا ليسَ من أمر آله

بكفَّيْهِ إِلَّا كالرُّسومِ الطَّوَالسِمِ

دَهَتْهُ الدَّوَاهي في خِلافتِهِ كما

دَهَتْ قَبْلَهُ الأملاكَ دُهْمُ الدَّوَاهِمِ

ولا عَجَبٌ من نَكْبَةٍ أو مُلِمَّةٍ

تُصيبُ الكريمَ الحرَّ وابنَ الأكارمِ

ولو أنَّهُ في حال ماضي جُدودِهِ

لَجُزَعْتُمُ منهُ سِمَامَ الأراقمِ

عسى عَطْفةٌ للّه في أهلِ دينهِ

تُجدِّدُ منهم دارساتِ المعالمِ

فَخَرْتُمْ بما لو أنَّ فيكم يُريكمُ

حقائقَ حكمِ اللّه أحكمِ حاكم

إذن لَعَرَتْكُمْ خَجْلةٌ عندَ ذكرهِ

وأُخْرِسَ منكم كلُّ فاهٍ مُخَاصمِ

سَلَبْناكُمُ كَرًّا ففُزْتُمْ ببرَّةٍ

من الكرِّ أفعالِ الضِّعافِ العزائمِ

فَطِرْتُمْ سُرورًا عند ذاك ونَخْوةً

كفِعْلِ المَهينِ النَاقصِ المتعاظم

وما ذاك إلَّا في تضاعيفِ غَفْلةٍ

عَرَتْنا وصَرْفُ الدَّهْر جمُّ الملاحِمِ

ولمَّا تَنَازَعْنا الأُمورَ تخاذُلًا

ودانَتْ لأهلِ الجهلِ دولةُ ظالمِ

وقد شَعَلَتْ فينا الخلائفُ فِتْنةً

لعُبْدانهم مَعْ تُرْكهمْ والدَّيالمِ

بكُفْرِ أياديهم وجَحْدِ حُقُوقهم

بمن رفَعُوهُ من حضِيْضِ البَهائمِ

(1)

القصيدة في طبقات الشافعية للسبكي (3/ 205 - 209) مع اختلاف في بعض ألفاظها، وعدد أبياتها، وثمة كلمات لم أقف على معناها، أرجو من الله أن يكشف لي سترها ذات يوم.

(2)

في (ج): المفتري، وما في (ح) أشبه.

ص: 236

وَثَبْتُمْ على أطرافنا عندَ ذاكُمُ

وثُوبَ لُصوصٍ عندَ غَفْلةِ نائمِ

ألم تنتصر منكم على ضَعْفِ حالها

صِقِلِّيةٌ في بَحْرِها المُتَلاطِمِ

ألم تَنتَزِعْ منكم بأيْدٍ وقُوَّةٍ

جميعَ بلادِ الشَامِ ضَرْبةَ لازمِ

ومِصْرَ وأرض القَيْرَوانِ بأسرها

وأنْدَلُسّاَ قًسْرًا بضَرْبِ الجماجِمِ

أحلَّتْ بقسْطنطينة كل نكبةٍ

وسامتكم سوء العذاب الملازِمِ

مشاهدُ تَقْدِيساتِكُمْ وبيوتُها

لنا وبأيدينا على رَغْمِ راغِمِ

أما بيتُ لَحْمٍ والقُمامةُ بعدَها

بأيدي رجالِ المسلمينَ الأعاظمِ

وكُرْسيُّكم في أرضِ إسْكَنْدريَّةٍ

وكُرسيُّكُمْ في القُدْسِ في أورشالِمِ

ضمَمْناهُمُ قَسْرًا بِرَغْمِ أنوفكم

كما ضَمَّت السَّاقَيْن سُودُ الأداهِمِ

وكُرْسيُّ أنطاكيةٍ كان بُرْهةً

ودهرًا بأيدينا وبذل الملاغمِ

فليس سوى كرسيِّ رومةَ فيكُمُ

وكرسي قُسْطنطينةٍ في المقادمِ

ولا بُدَّ من عَوْدِ الجميعِ بأسْرِهِ

إلينا بعز قاهرٍ مُتعاظِمِ

أليسَ يَزيدٌ حَلَّ وَسْطَ ديارِكُمْ

على بابِ قُسْطنطينةٍ بالصَّوارمِ

ومَسْلمةٌ قد داسَها بعد ذاكُمُ

بجيشٍ لَهامٍ كاللُّيوث الضرَاغمِ

وأخْدَمكُمْ بالذُّلِّ مَسْجدنا الذي

بُني فيكُمُ في عَصْرِهِ المُتَقادِمِ

إلى جَنْبِ قَصْرِ المُلْك من دارِ مُلْككُمْ

ألا هذه حقًّا صَريْمةُ صارِمِ

وأدَّى لهارونَ الرَّشِيْدِ مَلِيْكُكُمْ

إتاوةَ مَغْلوبٍ وجِزْيَةَ غَارِمِ

سَلَبْناكُمُ مَسْرَى شُهُورٍ بقوَّةٍ

حَبَانا بها الرَّحمنُ أرْحمُ راحمِ

إلى سبت

(1)

يعقوبٍ وأريافِ دُومةٍ

إلى لُجَّةِ البَحْرِ البعيدِ المَحَارمِ

فَهَلْ سِرْتُمُ في أرضنا قطُ جُمْعةً

أبى اللّهُ ذاكُمْ يا بقايا الهَزَائِمِ

فما لكُمُ إِلَّا الأمانيُّ وحدَها

بضائعُ نَوْكى تلكَ أحلامُ نائمِ

رُويدًا يَعُدْ نحوَ الخلافةِ نورُها

يُسْفَرُ مُغَبرُّ الوجوهِ السَّواهمِ

وحينئذٍ تَدْرُونَ كيفَ فرارُكُمْ

ذا صَدَمَتْكُمْ خَيْلُ جَيْشٍ مُصادِمِ

على سَالِفِ العاداتِ منَّا ومنكُمُ

لياليَ أنتمْ في عِدادِ الغَنائمِ

سَبَيْتُمْ سبايا يَحصُرُ العَدُّ دونَها

وسَبْيُكُمُ فينا كقَطْرِ الغَمائِم

فلو رامَ خَلْقٌ عدَّها رامَ مُعْجزًا

وأنَى بتَعْدادٍ لريشِ الحمائمِ

بأبناءَ حمدانٍ وكافورَ صُلْتُمُ

أراذلَ أنجاسٍ قِصارِ المعاصمِ

(1)

في (ط): بيت، وفي طبقات الشافعية للسبكي: أرض.

ص: 237

دعيٌّ وحَجَّامٌ سَطَوْتُمْ عليهما

وما قَدْرُ مَصَّاصٍ دماءَ المَحاجِمِ

فهلا على دميانةٍ قبلَ ذاك أو

على ثملٍ أو يا زمان الضراغمِ

(1)

لياليَ قادوكُمْ كما اقتادَ جازِرٌ

حلائبَ أتْياسٍ لحَزِّ الحلاقِمِ

وساقوا على رِسْلٍ بناتِ مُلُوككم

سبايا كما سِيْقَتْ ظِباءُ الصَّرَائمِ

ولكنْ سَلُوا عنا هِرَقْلًا ومنْ خلا

لَكُمْ من ملوكِ مُكْرَمينَ قُماقِمِ

يُخَبِّرْكُمُ عنَّا المُتَوَّجُ منكُمُ

وَقَيْصرُكُم عن سَبْينا للكرائمِ

وعَمَّا فَتَحْنا من مَنِيْع بلادِكُمْ

وعَمَّا أقَمْنا فيكُمُ من مآتمِ

وَدَعْ كُلَّ نذلٍ مُنْتَزٍ لا تَعُدُّهُ

إمامًا ولا من مُحْكماتِ الدعائمِ

فَهَيْهاتَ سامَرَّا وَتَكْريتَ منْكُمُ

إلى جبلٍ تِلْكُمْ أمانيُّ هائِمِ

مُنىً يَتَمنَّاها الضَّعيفُ ودونَها

تطايرُ هاماتٍ وحزُّ الغَلاصِمِ

ومن دون بغدادٍ سيوفٌ حَدِيدةٌ

مسيرةَ شَهْرٍ للفَنيق القَوَاصِمِ

مَحَلَّةُ أهْلِ الزُّهْدِ والخيرِ والتُّقى

ومَنْزلةٌ يَحْتَلُّها كلُّ عالِم

دَعُوا الرَّمْلة المنياء عنكمْ فَدُونها

من المسلمين الصِّيْدِ كلُّ ضبارمِ

(2)

ودونَ دمشقِ جَمْعُ جيشٍ كأنَّه

سحائبُ طَيْرٍ تَنْتَحي بالقَوَادِمِ

وضَرْبٌ يُلَقِّي الكُفْرَ كلَّ مَذَلَّةٍ

كما ضَرَبَ السِّكِّيُّ بيضَ الدَّرَاهِمِ

ومنْ دونِ أكنافِ الحِجاز جَحَافلٌ

كقَطْرِ الغُيوثِ الهاملاتِ السَّواجمِ

بها من بني عَدْنانَ كلُّ سَمَيْدع

ومن حيٍّ قَحْطانٍ كرامُ العمائمِ

[ولو قد لقيتمْ من قُضاعَةَ عُصْبةً

لقيتم ضَرامًا في يَبيسِ الهشائمِ]

(3)

إذا صَبَّحُوكُمْ ذكَرُوكُمْ بما خلا

لهم معكم من مأزقٍ مُتْلاحمِ

زمانَ يقودُونَ الصَّوائف نحوكمْ

فجئتمْ ضمانًا أنّكُم في الغنائمِ

ستأتيكم منهمْ قريبًا عصائبٌ

تُنَسِّيكم تَذْكارَ أخذ العَواصِمِ

وأموالُكُمْ نُحْلٌ لهم ودِماؤُكم

بها يَشْتفي حَرُّ النُّفوس الحوائمِ

وأرْضُكُمُ حقًا سَيَقْتسمُونها

كما فَعَلُوا دَهْرًا بِعَدْلِ المُقَاسمِ

ولو طَرَقَتْكُمْ من خُرَاسانَ عُصْبةٌ

وشيراز والرَّيِّ القلاعِ القوائمِ

لما كان منْكُمْ عندَ ذلك غيرُ ما

عَهِدْنا لكم ذلٌّ وعَضُّ الأباهمِ

(1)

كذا في (ح) وفي (ط): على محل أرباض رماة الضراغم، ولا يتزن البيت.

(2)

الضبارم: الأسد، والرجل الجريء على الأعداء.

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 238

فقد طالما زارُوكُمُ في دياركُمْ

مسيرةَ عام بالخيولِ الصَّلادم

وأما سِجِسْتانٌ وكَرْمانُ والأُلى

بكابُلَ حَلُّوا في بلاد البَراهمِ

إلى فارسٍ والسُّوس جيشٌ عَرَمْرَمٌ

وفي أصبهانٍ كلُّ أروعَ عازمِ

فلو قد أتاكم جَمْعُهُمْ لغَدَوْتُمُ

فرائسَ كالآسادِ فوقَ البهائمِ

وبالبَصْرة الزهْراء والكُوفةِ التي

مثهت ونادي واسطٍ فالكظائم

(1)

جموعٌ تُسامي الرَّمْلَ جمٌّ عديدُها

فما أحدٌ تنويه منها بسالمِ

ومن دونِ بيتِ الله في مكَّةَ التي

حَبَاها بمجدٍ للثُّريَّا مُزاحمِ

مَحَلُّ جميعِ الأرْضِ منها تيقنًا

مَحَلَّةُ سُفْلِ الخُفِّ من فَصِّ خاتمِ

دِفاعٌ من الرحمنِ عنها بحقِّها

فما هوَ عنها كَرَّ طَرْفٍ برائمِ

بها وقعَ الأُحْبُوشُ فيها وقَبْلَهُمْ

بِحَصْباءَ طَيْرٍ في ذُرَى الجوِّ حائمِ

وجَمْعٍ كَجَمْعِ البَحْرِ ماضٍ عَرَمْرَمٍ

حَمَى سُرَّة البَطْحاءِ ذاتِ المحارمِ

ومن دونَ قَبْرِ المُصْطفى وَسْطَ طِيْبةٍ

جموعٌ كمُسْودٍّ من اللَّيْلِ فاحمِ

يقودُهُمُ جَيْشُ الملائكةِ العُلا

كِفاحًا ودفعًا عن مُصَلٍّ وصائمِ

فلو قد لقيناكُمْ لعُدْتم رمائمًا

بمن في أعالي نَجْدنا والتَّهائمِ

وباليَمَنِ المَمْنوعِ فِتْيانُ غارةٍ

إذا ما لَقُوكُمْ كُنْتُمُ كالمطاعِمِ

وفي جهلتي أرْضِ اليمامةِ عُصْبةٌ

مغاورُ أنجادٍ طِوالُ البَرَاجمِ

سَتُفْنيكُمُ والقِرْمطِيِّينَ دولةٌ

تعود لميمونِ النَّقِيبةِ حازمِ

خليفةِ حقٍّ يَنْصُرُ الدِّينَ حُكْمُهُ

ولا يَتَّقي في اللّه لومةَ لائمِ

إلى وَلَدِ العَبَّاسِ تُنْمى جُدُودُهُ

بِفَخْرٍ عميمٍ أو لِزُهْرِ العباشمِ

مُلْوكٌ جَرَى بالنَّصْرِ طائرُ سَعْدِهمْ

فأهلًا بماضٍ منهُمُ وبقادِمِ

مَحَلَّتُهُمْ في مَسْجدِ القُدْسِ أو لدى

منازِلِ بغدادٍ مَحلُّ المكارِمِ

وإنْ كانَ من عُلْيا عَدِيٍّ وَتَيْمها

ومن أسَدٍ أهْلِ الصَّلاحِ الحضَارِمِ

فأهْلًا وسَهْلًا ثم نُعْمى ومَرْحبًا

بهم من خِيارٍ سالفينَ أقادِمِ

هُمُ نَصَرُوا الإسلامَ نَصْرًا مؤزَّرًا

وهُمْ فَتَحُوا البُلْدانَ فتحَ المُراغِمِ

رُوَيْدًا فَوَعدُ اللّهِ بالصِّدْقِ وارِدٌ

بتَجْريعِ أهْلِ الكُفْرِ طَعْمَ العَلاقِمِ

وصِدْق رسالاتِ الذي جاء بالهُدى

محمدٍ الآتي بِرَفْعِ المَظالمِ

(1)

كذا في (ح)، وفي طبقات الشافعية: سمت وبأدنى واسطٍ فالكظائم.

ص: 239

سَنَفْتحُ قُسْطنْطينةً وذَواتها

وَنَجْعلكُمْ قُوتَ النُّسورِ القَشَاعمِ

ونملكُ أقْصَى أرْضِكُمْ وبلادِكُمْ

ونُلْزِمكمْ ذُلَّ الجِزَى والمغارمِ

ونَفْتَحُ أرْضَ الصِّينِ والهِنْدِ عَنْوةً

بجَيْشٍ لأرْضِ التُّرْكِ والخَزْرِ حاطِمِ

مواعيدُ للرَّحمنِ فينا صَحِيْحةٌ

وليست كأمثال العقولِ السَّقائمِ

إلى أنْ تَرَى الإسلامَ قد عَمَّ حُكْمُهُ

جميعَ البلادِ بالجيوشِ الصَّوارِمِ

أتَقْرِنُ يا مُخْذولُ دينَ مثلِّثٍ

بعيدٍ عن المعقولِ بادي المآثمِ

تَدِيْنُ لمخلوقٍ يَدِيْنُ عبادَهُ

فيا لكَ سُحْقًا ليس يَخْفى لكاتمِ

أناجِيْلُكُمْ مَصْنوعةٌ بتكاذبٍ

كلامُ الأُلى فيها أتَوْا بالعَظائمِ

وعُودُ صَليبٍ ما تزالونَ سُدَّدًا

لهُ يا عُقولَ الهاملاتِ السَّوائمِ

تدينونَ تَضْلالًا بِصَلْبِ إلهكم

بأيْدي يهودِ أرْذلينَ ألائمِ

إلى مِلَّةِ الإسلامِ توحيدِ رَبِّنا

فما دينُ ذي دينِ لها بِمُقاومِ

وأذْعنتِ الأملاكُ طَوْعًا لدِيْنِهِ

بِبُرْهانِ صِدْقٍ ظاهرٍ في المواسمِ

كما دانَ في صَنْعاءَ مالكُ دَوْلةٍ

وأهْلُ عُمَانٍ حيثُ رَهْطُ الجهاضِمِ

وسائرُ أملاكِ اليمانِيْنَ أسْلَمُوا

ومن بَلَدِ البَحْرينِ قَوْمُ اللّهازِمِ

أجابُوا لِدِيْنِ الله دونَ مخافةٍ

ولا رَغْبَةٍ تَحْظى به كفُّ عادِمِ

فحَلُّوا عُرَى التِّيجان طَوْعًا ورَغْبَةً

بحقٍّ يقينٍ بالبراهينِ ناجمِ

وحاباهُ بالنَّصْرِ المكينِ إلهُهُ

وصَبَّرَ منْ عاداهُ تحتَ المناسِمِ

فَقِيرٌ وَحِيْدٌ لم تُعِنْهُ عَشِيرةٌ

ولا دَفَعُوا عنهُ شَتِيْمةَ شاتِمِ

ولا عِنْده مالٌ عَتيدٌ لناصِرٍ

ولا دَفْعِ مَرْهُوبٍ ولا لِمُسَالمِ

ولا وَعَدَ الأنْصارَ مالًا يخصُّهُمْ

بلى كان معصومًا لأقْدَرِ عاصمِ

فلم تَمْتَهِنْهُ قطُ قُوَّةُ آسرٍ

ولا مُكِّنتْ من جِسْمِهِ يدُ لاطِمِ

كما يَفْتري إفكًا وزُورًا وضِلَّةً

على وَجْهِ عيسى منكُمُ كلُّ آثمٍ

(1)

على أنَّه قد قلتُمُ هو رَبُّكمْ

فيا لضَلالٍ في الحماقة غائمِ

أبى اللهُ أن يُدْعى له ابنٌ وصاحبٌ

سَتَلْقَى دُعاةُ الكُفْرِ حالةَ نادمِ

ولكنَّهُ عَبْدٌ نبيٌّ مُكَرَّمٌ

منَ النَّاسِ مَخْلُوقٌ ولا قول زاعمِ

أيُلْطمُ وَجْهُ الرَّبِّ تَبًّا لنَوْككُمْ

لقد فُقْتُمُ في ظُلْمكُمْ كلَّ ظالمِ

(1)

هذا البيت جاء في (ط) بعد البيت الآتي:

إلى ملة الإسلام توحيدِ ربنا

فما دينُ ذي دينٍ لها بمقاومٍ

ص: 240

وكَمْ آيةٍ أبْدى النَّبيُّ محمدٌ

وكَمْ عَلَمٍ أبداهُ للشِّرْكِ حاطِمِ

تساوَى جميعُ النَّاسِ في نَصْرِ حَقِّهِ

فَلِلْكُلِّ في إعظامهِ حالُ خادمِ

فَعُرْبٌ وأحْبُوشٌ وفُرْسٌ وبَرْبرٌ

وكُرْديُّهم قد فازَ قِدْحُ المُرَاحِمِ

وقِبْطٌ وأَنباطٌ وخَزْرٌ ودَيْلمٌ

ورُومٌ رَمَوْكُمْ دونَهُ بالقَواصمِ

أبَوْا كُفْرَ أسْلافٍ لهمْ فتحنَّفوا

فآبوا بحظٍّ في السَّعادةِ جاثمِ

به دَخَلُوا في مِلَّةِ الحقِّ كُلُّهمْ

ودانُوا لأحكامِ الإله اللَّوازِمِ

به صَحَّ تفسيرُ المنامِ الذي أتى

به دانيالُ قَبْلهُ حتم حاتمِ

وسِنْدٌ وهِنْدٌ أسْلَمُوا وتديَّنوا

بدينِ الهُدى في رَفْضِ دِيْنِ الأعاجم

وشَقَّ لنا بَدْرَ السَّمواتِ آيةً

وأشْبَعَ منْ صاعٍ له كلَّ طاعِمِ

وسالَتْ عيونُ الماءِ في وَسْطِ كَفِّه

فَأرْوى به جيشًا كثيرَ الهماهمِ

وجاء بما تَقْضي العُقُولُ بصِدْقِهِ

ولا كَدَعاوٍ غيرِ ذاتِ قوائمِ

عليه سلامُ اللّهِ ما ذرَّ شارِقٌ

تعاقبَهُ ظلماءُ أسْحم قاتمِ

بَرَاهِيْنُهُ كالشَّمْسِ لا مِثْلُ قَوْلكُمْ

وتَخْلِيْطكُمْ في جَوْهرٍ وأقانِمِ

لنا كلُّ عِلْمٍ من قديمٍ ومُحْدثٍ

وأنتم حميرٌ دامياتُ المحازمِ

أتيتم بشِعْرٍ باردٍ متخاذلٍ

ضعيف معاني النَّظْمِ جَمّ البلاغمِ

فدونكها كالعِقْد فيهِ زمرُّدٌ

ودُرٌّ وياقوتٌ بإحكام حاكمِ

(1)

‌ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمئة

استهلت والخليفة المطيع لله، والسلطان معز الدولة بن بويه الديلمي، وعملت الروافض في يوم عاشوراء عزاء الحسين [بن علي] على ما ابتدعوه من النوح.

(1)

انظر القصيدة بتمامها في طبقات الشافعية للسبكي (3/ 214 - 222) وقد غمضت عليَّ بعض كلماتها، أرجو أن تسفر لي يومًا عن نفسها.

ص: 241

[وفاة معز الدولة]

(1)

ولما كان ثالث عشر ربيع الأول

(2)

من هذه السنة توفي معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه الديلمي بعلة الذرب، وصار لا يثبت في مَعِدته شيءٌ بالكلية، ولما أحس بالموت أظهر التوبة، وأناب إلى الله عز وجل، ورَدَّ كثيرًا من المظالم، وتصدق بكثير من أمواله، وأعتق خلقًا كثيرًا من مماليكه، وعَهِدَ إلى ابنه بختيار عز الدولة بن معز الدولة، وقد اجتمع ببعض العلماء، فكلمه في السُّنَّة، وأخبره أنَّ عليًا زوَّج ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب، فقال: ما سمعت واللّه بهذا قط. ورجع إلى السنة ومتابعتها، ولما حضر وقتُ الصلاة خرج ذلك الرجل إلى الصلاة فقال له: أما تصلي هاهنا؟ قال: لا. قال: ولِمَ؟ قال: لأن دارك مغصوبة. فاستحسن منه ذلك.

وكان معز الدولة حليمًا كريمًا عاقلًا، وكانت إحدى يديه مقطوعة، وهو أول من أحدث السُّعاة بين يدي الملوك ليبعث بأخباره إلى أخيه ركن الدولة إلى شيراز سريعًا، وحظي عنده أهل هذه الصناعة، وتعلم أهل بغداد ذلك حتى كان بعضهم يجري في اليوم الواحد نيفًا وأربعين فرسخًا، وكان في البلد ساعيان ماهران، وهما فَضل ومرعوش، يتعصَّب لهذا عوام أهل السنة، ولهذا عوام الشيعة، وجرت لهما مناصف ومواقف.

ولما مات معز الدولة، ودفن بباب التبن، في مقابر قريش، وجلس ابنه للعزاء، وأصاب الناسَ مطر ثلاثة أيام متتابعًا، فبعث عزُّ الدولة إلى رؤوس الدولة في هذه الأيام بمالٍ جزيل لئلا تجتمع أمراء الدولة على مخالفته قبل استحكام مبايعته، وهذا من عقله ودهائه.

وكان عمره

(3)

ثلاثًا وخمسين سنة، ومدَّة ولايته إحدى وعشرين سنة وأحدَ عشر شهرًا ويومين، وقد كان نادى في أيامه برد المواريث إلى ذوي الأرحام قبل بيت المال، وقد سمع بعض الناس ليلة توفي معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بُوَيه هاتفًا يقول:

لمَّا بَلَغْتَ أبا الحسيـ

ـنِ مُراد نَفْسِكَ في الطَّلبْ

وأمِنْتَ من حَدَثِ اللَّيا

لي واحْتَجَبْتَ عن النُّوَبْ

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) وترجمة معز الدولة في تجارب الأمم (6/ 146) 231 وغيرها، المنتظم (7/ 38 - 39) الكامل لابن الأثير (8/ 573 - 580) وفيات الأعيان (1/ 174 - 177) المختصر في أخبار البشر (2/ 106) سير أعلام النبلاء (16/ 189 - 190) العبر (2/ 303) الوافي بالوفيات (6/ 278 - 279) النجوم الزاهرة (4/ 14 - 15) شذرات الذهب (3/ 18).

(2)

في الكامل (8/ 575): ربيع الآخر، وهو الصحيح.

(3)

أي معز الدولة.

ص: 242

مُدَّت إليكَ يدُ الرَّدَى

وأُخِذْتَ من بيتِ الذَّهَبْ

ولما مات معز الدولة قام بالأمر بعدَه ولده عز الدولة، فأقبل على اللعب واللهو والاشتغال بأمر النِّساء، فتفرَّق شمله واختلفت الكلمة عليه، وطمع الأمير منصور بن نوح السَّاماني صاحب بلاد خراسان في ملك بني بُوَيه، وأرسل الجيوش الكثيفة صحبة الملك وشمكير، فلما علم بذلك ركن الدولة بن بويه أرسل إلى ابنه عضد الدولة وابن أخيه عز الدولة يستنجدهما، فأرسل

(1)

إليه بجنود كثيرة، فركب فيها ركن الدولة، وبعث إليه وشمكير يتهدده ويتوعده، ويقول: لئن قدرت عليك لأفعلن بك ولأفعلن.

فكتب إليه ركن الدولة: لكني إن قدرت عليك لأحسنن إليك ولأصفحن عنك. فكانت العاقبة لهذا، فدفع اللّه عنه شرَّه؛ وذلك أن وشمكير ركب فرسًا صعبًا فتصيَّدَ عليها، فحمل عليه خنزير، فنفرتِ الفرس، فألقته على الأرض، فخرج الدم من أذنيه، فمات من ساعته وتفرَّقت العساكر. وبعث ابن وشمكير يطلب الأمان من ركن الدولة فأمَّنه، وأرسل إليه بالمال والرِّجال، ووفى بما قال، وصرف الله عنه كيد السَّامانية، وذلك بصدق النية وحُسن الطوية.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو الفرج

(2)

[الأصبهاني صاحب الأغاني]

(3)

، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد اللّه بن مروان بن محمد بن مروان بن الحَكم، الأموي، الأصْبهاني، صاحب كتاب "الأغاني" وكتاب "أيام العرب" ذكر فيه ألفًا وسبعمئة يومٍ من أيامهم ووقائعهم.

وقد كان شاعرًا أديبًا كاتبًا، عالمًا بالأخبار وأيام الناس إلا أنه كان يتشيع.

قال ابن الجَوْزي: ومثله لا يوثقُ به، فإنه يصرِّح في كتبه بما يوجب تفسيقه ويهوِّن شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمَّل كتاب "الأغاني" رأى كلَّ منكر وقبيح

(4)

.

وقد روى الحديث عن محمد بن عبد اللّه مُطَيَّن وخَلْق، وروى عنه الدَّارَقُطني وغيره. توفي في ذي الحِجَّة من هذه السنة.

(1)

أي عضد الدولة، انظر الكامل (8/ 578).

(2)

يتيمة الدهر (3/ 109 - 113) ذكر أخبار أصبهان (2/ 22) الفهرست (166 - 167) فهرست الطوسي (192) تاريخ بغداد (11/ 398 - 400) المنتظم (7/ 40 - 41) معجم الأدباء (13/ 94 - 136) إنباه الرواة (2/ 251 - 253) الكامل لابن الأثير (8/ 581) وفيات الأعيان (3/ 307 - 309) سير أعلام النبلاء (16/ 201 - 203) العبر (2/ 305) ميزان الاعتدال (3/ 123 - 124) النجوم الزاهرة (4/ 15 - 16) شذرات الذهب (3/ 19 - 20).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب).

(4)

المنتظم (7/ 40 - 41).

ص: 243

وقال ابن خَلِّكان: وقيل في التي بعدها، وكان مولده في سنة أربع وثمانين ومئتين، التي توفي فيها البُحْتري الشَّاعر. وقد ذَكَرَ له مصنَّفاتٍ عديدةً، منها "الأغاني" و "الديارات" و "أيام العرب" وغير ذلك

(1)

.

سَيْفُ الدَّولة

(2)

[بن حمدان صاحب حلب]

(3)

، أبو الحسن، علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان

(4)

بن حمدون، التَّغْلبي، الرَّبَعي، الملقَّب بسيف الدولة.

أحد الأمراء الشجعان، والملوك الكثيري الإحسان، على ما كان فيه من تشيُّعٍ، وقد ملك دمشق في بعض الأوقات، واتَّفقَ له أشياء غريبة، منها أن خطيبه كان مصنِّف الخُطب النباتية أحد الفصحاء البلغاء، وشاعره المتنبي، ومطربه أبو نَصْر الفارابي، وكان [كريمًا]

(5)

جوادًا ممدَّحًا، مِعْطاءً للجزيل.

ومن شعره في أخيه ناصر الدولة صاحبِ المَوْصل:

رَضِيتُ لكَ العَلْيَا

(6)

وقدْ كُنْتُ أهْلَها

وقُلْتُ لهم بيني وبينِ أخي فَرْقُ؟

وما كان لي عنها نُكُولٌ وإنَّما

تجاوزْتُ عن حَقِّي فَتمَّ لكَ الحقُّ

أما كُنْتَ تَرْضَى

(7)

أنْ أكونَ مُصَليًا

إذا كنتُ أرْضَى أن يكون لك السَّبْقُ

(8)

وله أيضًا:

قدْ جَرَى في دَمْعِهِ دمُهُ

فإلى كَمْ أنتَ تَظْلِمُهُ

رُدَّ عنهُ الطَّرْفَ منكَ فقد

جَرَحتْه

(9)

منكَ أسْهُمُهُ

كيفَ يَسْطيعُ التَّجلُدَ منْ

خَطَراتُ الوَهْمِ تُؤْلِمُهُ

(10)

وكان سببُ موته الفالج، وقيل: عُسْرَ البول، وتوفي بحلب، وحمل تابوته إلى مَيَّافارِقين فدفن

(1)

وفيات الأعيان (3/ 307 - 309).

(2)

يتيمة الدهر (1/ 15 - 34) المنتظم (7/ 41) الكامل لابن الأثير (8/ 396 - 399، 457، 458، 544 - 552) وغيرها، وفيات الأعيان (3/ 401 - 406) المختصر في أخبار البشر (2/ 107 - 108) سير أعلام النبلاء (16/ 187 - 189) النجوم الزاهرة (6/ 16 - 18) شذرات الذهب (3/ 20 - 21).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب).

(4)

في (ح): عبيد اللّه بن أحمد حمدون، وهو وهم، والمثبت من وفيات الأعيان (3/ 401، 2/ 114).

(5)

ما بين حاصرتين من (ب).

(6)

في (ب): الدنيا.

(7)

في (ب): أرضى.

(8)

الأبيات في يتيمة الدهر (1/ 26) والكامل (8/ 580 - 581) ووفيات الأعيان (2/ 116) مع اختلاف في اللفظ.

(9)

في وفيات الأعيان: خرقته.

(10)

الأبيات في يتيمة الدهر (1/ 26) والكامل (8/ 581) ووفيات الأعيان (2/ 116).

ص: 244

بها، وعمره ثلاث وخمسون سنة، وقام بملك حلب من بعده ولده سعد الدولة أبو المعالي شريف، ثم تغلَّب عليه مولى أبيه قرغويه، فأخرجه من حلب إلى أمه

(1)

بميَّافارِقين، ثم عاد إليها كما سيأتي بيانه

(2)

.

وذكر القاضي ابن خَلِّكان شيئًا كثيرًا مما قاله سيفُ الدولة، وقيل فيه، قال: ولم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من الشُّعراء، وقد أجاز لجماعةٍ من الكبار كالمتنبي والخالديَّيْن والسَّري الرَّفاء، والنامي والببغاء وغيرهم، وذكر [القاضي]

(3)

ابن خلِّكان أنه ولد سنة ثلاث، وقيل: إحدى وثلاثمئة، وأنه ملك حلب بعد الثلاثين والثلاثمئة، وكان قبل ذلك يملك واسط، ثم تنقلت به الأحوال حتى ملك حلب، انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكِلابي صاحب الأخشيذ

(4)

وملك دمشق في وقت.

وقد قال يومًا لندمائه: أيكم يجيز قولي، وما أظن أحدًا يَجيزه:

لكَ جسمي تُعِلُّهْ

فَدَمي لِمْ تُحِلُّهْ؟

فقال ابن عمه

(5)

أبو فراس بديهةً:

قال إن كنتُ مالكًا

فليَ الأمرُ كلُّه

(6)

وفيها توفي

(7)

:

كافُور الإخْشيذي

(8)

مولى محمد بن طُغْج الإخشيذ: وقد قام بالأمر من بعد مولاه لصغر أولاده، فملك مِصْر ودمشق، وناوى

(9)

سيفَ الدولة وغيره، وقد كُتبَ على قبره:

انظر إلى غِيَرِ الأيَّام ما صَنَعَتْ

أفْنَتْ أُناسًا بها كانوا وما فَنِيَتْ

(1)

في (ح): أبيه، والمثبت من (ب).

(2)

انظر حوادث سنة (367 هـ).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب).

(4)

تملك حلب سنة (333 هـ)، حوادث سنة (333 هـ).

(5)

في (خ) و (ب): أخوه، وهو وهم.

(6)

انظر يتيمة الدهر (1/ 15) ووفيات الأعيان (3/ 403).

(7)

في بعض المصادر توفي سنة (357 هـ)، وسترد ترجمته فيها. وصحح ابن خلكان وفاته في هذه السنة، انظر وفيات الأعيان (4/ 105) وذكر ابن الجوزي وفاته سنة (358 هـ) فاغرب، انظر المنتظم (7/ 50) وأحداث سنة (358 هـ).

(8)

المنتظم (7/ 50 - 51) الكامل لابن الأثير (8/ 445، 457، 580 - 584) وفيات الأعيان (4/ 99 - 105) المختصر في أخبار البشر (2/ 107) سير أعلام النبلاء (16/ 190 - 193) العبر (2/ 306) النجوم الزاهرة (4/ 1 - 10) شذرات الذهب (3/ 21 - 22).

(9)

أي ناوأ، غير مهموز. انظر اللسان (نوأ).

ص: 245

دُنْياهُمُ ضَحِكَتْ أيَّامَ دَوْلَتِهمْ

حتى إذا فَنِيَتْ ناحَتْ لهمْ وبَكَتْ

أبو علي القالي

(1)

: [صاحب الأمالي]

(2)

إسماعيل بن القاسم بن عَيْذُون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سَلْمان

(3)

، أبو علي، القالي اللُّغوي، الأُموي مولاهم؛ لأن سَلْمان هذا كان مولى لعبد الملك بن مروان، والقالي نسبة إلى قالي قَلا، ويقال إنها أرْزن الزُوم، فاللّه أعلم.

وكان مولده بمَنازْجِرْد من أرضِ الجزيرة من ديار بكر، وسمع الحديث من أبي يعلى المَوْصلي وغيره، وأخذ النَّحْو واللُّغة من ابن دُرَيد وأبي بكر بن الأنجاري ونِفْطَويه وغيرهم، وصنَّف "الأمالي" وهو مشهور

(4)

، وله كتاب "البارع"

(5)

على حروف المعجم في خمسة آلاف ورقة، وغير ذلك من المُصَنَّفات في اللغة، ودخل بغداد، وسمع بها، ثم ارتحل إلى قُرْطبة، فدخلها في سنة ثلاثين وثلاثمئة واستوطنها، وصنَّف كتبًا كثيرة فيها إلى أن توفي بها في هذه السنة عن ثمانٍ وستين سنة، قاله القاضي ابن خلِّكان

(6)

.

وفيها توفي أبو علي محمد بن إلياس صاحب بلاد كَرْمان وأرضها ومعاملاتها، فأخذ عضد الدولة بن ركن الدولة بلاد كرمان من أولاد محمد بن إلياس وهم ثلاثة: اليسع، [وإلياس]

(7)

وسليمان.

والملك الكبير وشمكير، كما قدَّمنا ذكره في هذه السنة.

وممن توفي فيها من الملوك الحسن بن الفيرزان، ومعز الدولة بن بويه الدَّيْلمي، وسيف الدولة صاحب حلب كما قدمنا ذكر ذلك

(8)

.

قال ابن الأثير: وفيها هلك النقفور ملك الروم

(9)

. يعني الدمستق صاحب بلاد الأرمن، وقد ذكرنا

(1)

طبقات النحويين واللغويين (132 و 202 - 205) تاريخ علماء الأندل (1/ 69) جذوة المقتبس (164 - 167) الأنساب (10/ 33) فهرست ابن خير (ص 395) بغية الملتمس (231 - 234) معجم الأدباء (7/ 25 - 33) معجم البلدان (4/ 300) إنباه الرواة (1/ 204 - 209) اللباب (3/ 9) وفيات الأعيان (1/ 226 - 228) سير أعلام النبلاء (16/ 45 - 47) العبر (2/ 304) مرآة الجنان (2/ 359) المزهر (2/ 420) بغية الوعاة (1/ 453) نفح الطيب (1/ 364، 368، 369) وغيرها، شذرات الذهب (3/ 18).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

في (ح): سليمان، والمثبت من (ب)، وهو ما عليه أغلب المصادر.

(4)

طبع في دار الكتب المصرية - القاهرة سنة 1344 هـ/ 1926 م.

(5)

في (ح) و (ب) و (ط): التاريخ، وهو تحريف، والمثبت من وفيات الأعيان (1/ 226).

(6)

انظر وفيات الأعيان (1/ 226 - 228).

(7)

ما بين حاصرتين من (ب).

(8)

انظر الصفحة السابقة.

(9)

الكامل (8/ 580).

ص: 246

ترجمته وما ورد عنه من الشعر، وأوردنا جوابها للإمام العلامة أبي محمد بن حزم الفقيه الظاهري

(1)

رحمه الله تعالى.

وممن توفي بها كافور الإخشيذي في قول ابن خلكان

(2)

.

‌ثم دخلت سنة سبع وخمسين وثلاثمئة

فيها شاع الخبر ببغداد وغيرها من البلاد أن رجلًا قد ظهر يقال له محمد بن عبد الله، ويلقب بالمهدي وزعم أنه الموعود به في الحديث الوارد في المهدي، وأنه يدعو إلى الخير وينهى عن الشر، ودعا إليه أُناسٌ ببغداد، فإن دعوا سنيًا قالوا: هو من سلالة العباس، هان كان المدعو شيعيًا، قالوا له: هو علوي، وكان الرجل إذ ذاك مقيمًا بمصر عند كافور الإخشيذي قبل أن يموت، وكان يكرمه، فكان من جملة المستجيبين له سُبُكْتكين الحاجب، وكان شيعيًا فظنَّه علويًا، وكتب إليه أن يقدم إلى بغداد ليأخذ له البلاد، فترحل من مصر، فلقيه سُبُكْتِكين إلى قريب الأنبار، فلما رآه عرفه، وإذا هو محمد بن المُسْتكفي بالله العَبَّاسي، فلما تحقق أنه عباسيٌّ وليس بعلوي انثنى رأيه عنه، وتفرَّق شمله وتمزَّق أصحابه كل ممزَّق، وحمل إلى عز الدولة بن معز الدولة، فأمنه، وتسلَّمه المطيع لله، فجدع أنفه واختفى أمره، فلم يعرف له خبر بالكلية بعد ذلك.

وفيها وردت طائفة من الرُّوم - لعنهم الله - إلى بلاد أنطاكية، فقتلوا خلقًا من حواضرها، وسبوا اثني عشر ألفًا من أهلها، ورجعوا إلى بلادهم، ولم يعرض لهم أحد.

وعملت الرَّوافض في عاشورها المأتم، وفي يوم غدير خُمّ الهناء والسرور.

وفيها عرض للناس في تشرين داء الماشرى، فمات به خَلْقٌ كثير فجأة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها مات أكثر جمال الحجيج في الطَّريق من العطش، ولم يصل منهم إلى مكة إلا القليل، وفات أكثر منْ وصل منهم الحج عامه ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها اقتتل أبو المعالي شريف بن سيف الدولة هو وخاله وابنُ عم أبيه أبو فراس بن سعيد بن حمدان الشاعر عند قرية يقال لها صَدَد، فقتل أبو فراس في المعركة. قال ابنُ الأثير: ولقد صدق من قال: إن المُلْك عقيم

(3)

.

(1)

انظر حوادث سنة (355 هـ).

(2)

انظر وفيات الأعيان (4/ 105).

(3)

الكامل (8/ 588).

ص: 247

وفيها أظهرت الشيعة الحزن الشديد يوم عاشوراء من المحرم، وعملوا عيد غدير خم في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، وأظهروا الفرح والسرور.

‌وممن توفي فيها أيضًا:

إبراهيم المتقي لله بن جعفر المقتدر، وكان قد ولي الخلافة، ثم ألجئ إلى أن خُلع عنها سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة كما ذكرنا

(1)

، وألزم بيته، فمات في هذه السنة، ودفن بداره عن ستين سنة، [رحمه الله]

(2)

.

عمر بن جعفر بن عبد الله

(3)

بن أبي السَّري: أبو حفص، البَصْري الحافظ.

ولد سنة ثمانين ومئتين، وكان انتخب على المشايخ، وحدَّث عن أبي خليفة الفَضْل بن الحُباب وغيره، وقد انتقد عليه مئة موضع، قال الدَّارَقُطني: فنظرت فيها، فإذا الصَّواب مع عمر بن جعفر

(4)

.

ومحمد بن أحمد بن علي بن مَخْلَد

(5)

: أبو عبد الله، الجَوْهري، المُحْتَسِب، ويعرف بابن المُحْرِم

(6)

.

وكان أحد أصحاب ابن جرير، وقد روى عن الكُدَيمي وغيره، وقد اتفق أنه تزوَّج امرأةً، فلما أُدخلت

(7)

عليه جلس يكتب الحديث، فجاءت أمها، فأخذت الدَّواة فرمت بها، وقالت: هذه أضرُّ على ابنتي من ثلاثمئة ضرَّة. وقد توفي في هذه السنة عن ثلاثٍ وتسعين سنة، وكان يضغَّف في الحديث.

وكافُور بن عبد الله الإخْشيْدِي

(8)

: كان مولى للسُّلطان محمد بن طُغْج الإخشيد. اشتراه من بعض أهل مِصر بثمانية عشر دينارًا، وقرَّبه وأدناه، واختصَّه من بين الموالي واصطفاه، ثم جعله أتابكًا حين ملك ولداه، ثم استقل بالأمور بعد موتهما في سنة خمسٍ وخمسين، واستقرَّت المملكة باسمه، فدعي له على المنابر بالدِّيار المِصْرية والشَّامية وبلاد الحجاز جميعًا، وكان شَهْمًا ذكيًا فاتكًا جيد السِّيرة، مدحه

(1)

انظر حوادث سنة (333 هـ).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

تاريخ بغداد (11/ 244 - 249) المنتظم (7/ 44 - 45) تذكرة الحفاظ (3/ 934 - 935) سير أعلام النبلاء (16/ 172 - 173) العبر (2/ 309) ميزان الاعتدال (3/ 184) لسان الميزان (4/ 287 - 289) طبقات الحفاظ (378) شذرات الذهب (3/ 26).

(4)

انظر تاريخ بغداد (11/ 244).

(5)

تاريخ بغداد (1/ 320 - 321) المنتظم (7/ 45) سير أعلام النبلاء (16/ 60 - 61) العبر (2/ 309 - 310) ميزان الاعتدال (3/ 462) مشتبه النسبة (2/ 579) لسان الميزان (5/ 51 - 52) النجوم الزاهرة (4/ 20) شذرات الذهب (3/ 26).

(6)

انظر تبصير المنتبه (4/ 1268).

(7)

في (ح): دخلت، والمثبت من (ب).

(8)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (358 هـ).

ص: 248

الشعراء، ووفد إليه المتنبي حين ذهب مغاضبًا لسيف الدولة بن حمدان، فآوى إلى كافور، وحصل له منه رِفْد، ثم تغيَّر عليه، فأبعده كافور فهجاه، ورحل عنه إلى عضد الدولة بن بويه، وكان هناك حتفه كما تقدم بيانه. وأما كافور فإنه لما توفي دفن بتربته المشهورة به، وقام بالملك بعده أبو الحسن علي بن الإخشيد

(1)

، ومنه أخذ الفاطميون الأدعياء بلادَ مِصْر كما سيأتي. وكانت مملكة كافور سنتين وثلاثة أشهر، رحمه الله.

‌ثم دخلت سنة ثمانِ وخمسين وثلاثمئة

في عاشوراء عملت الرَّوافض بدعتهم، وفي يوم غدير خُمّ عملوا الفرح المبتدع.

وحصل بالعراق غلاء عظيم حتى كاد يعدم الخبز بالكلية.

وعاثت الروم في البلاد فسادًا، وحرقوا حمص، وأفسدوا فيها فسادًا عظيمًا، وسَبَوْا من المسلمين نحوًا من مئة ألف إنسان، [فإنا لله وإنا إليه راجعون]

(2)

.

‌دخول جوهر القائد إلى الديار المصرية

وفيها دخل أبو الحسن جوهر القائد الرُّومي في جيشٍ كثيف من جهة المعز الفاطمي إلى ديار مصر يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان، فلما كان يوم الجمعة خطب للمعزِّ الفاطمي على منابر الديار المصرية وسائر أعمالها، وأمر جوهر المؤذنين بالجامع العتيق وبجامع ابن طولون أن يؤذنوا بحي على خير العمل، وأن يجهر الأئمة بالبسملة، وذلك لأنه لما توفي كافور الإخشيدي لم يبق بمصر من تجتمع القلوب عليه، وأصابهم غلاءٌ شديد أضعفهم، فلما بلغ ذلك المُعزّ وهو ببلاد إفريقية بعث جوهر القائد الرومي، مولى أبيه المنصور - في جيش كبير إلى الديار المصرية، فلما بلغ ذلك أصحابَ كافور هربوا منها قبل وصول جوهر القائد إليها، فدخلها آخذًا لها بلا ضربة ولا طعنة ولا ممانعة، ففعل ما ذكرنا من الأمور، واستقرَّت أيديهم على تلك البلاد بعد كافور الإخشيدي.

وفي هذه السنة شرع جوهرالقائد في بناء القاهرة المُعزِّية، وبناء القَصْرين عندها على ما سنذكره، وهيأ الإقامات لمولاه المعز الفاطمي.

(1)

كذا في (ح) و (ب)، والصواب أنهم أقاموا ابنه أبا الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة، وقد قرَّ في صدر الترجمة هذه أن كافورًا استقل بالأمر سنة (355 هـ)، وهي سنة وفاة علي بن الإخشيد، انظر الولاة والقضاة للكندي (297) ووفيات الأعيان (4/ 105 و 5/ 59).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

ص: 249

وأرسل جوهر [القائد]

(1)

جعفرَ بنَ فلاح في جيش كثيف إلى الشام، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي، وكان مطاعًا فيهم، فحاجف

(2)

عن العباسيين مُدَّة طويلة، ثم آل الأمر إلى أن خطب للمعز بدمشق، وحمل الشريف أبو القاسم إلى الديار المصرية، وأسر الحسن بن عبد الله بن طُغْج وجماعة من الأمراء، [فحملوا إلى الديار المصرية]

(3)

فحملهم جوهر إلى المعز بإفريقية، واستقرَّت يد الفاطميين على دمشق في سنة ستين كما سيأتي

(4)

، وأذن حي على خير العمل أكثر من مئة سنة، وكتبت لعنة الشيخين رضي الله عنهما على أبواب الجوامع، وأبواب المساجد بدمشق، [فإنا لله وإنا إليه راجعون]

(5)

. ولم يزل ذلك كذلك حتى أزالت ذلك دولة الأتراك على ما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى.

وفيها دخلت الرُّوم إلى حمص فوجدوا أكثر أهلها قد جلوا عنها وانتقلوا منها، فحرقوها، وأسروا من بقي بها ومن حولها نحوًا من ألف إنسان، [فإنا لله وإنا إليه راجعون](5).

وفي ذي الحجَّة نَقَلَ عِزُّ الدولة والدَه معز الدولة بن بُوَيْه من داره إلى تربته بمقابر قريش.

وممن توفي فيها من الأعيان وذكره ابن الجوزي في "منتظمه"

(6)

كافور الإخشيدي [وقد تقدم]. قال ابن الجوزي: وقد رأيت مدح المتنبي لكافور يحتمل الذم والمدح، وكأنه تلعب به، والله تعالى أعلم.

‌ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمئة

في عاشر المحَرَّم منها عملت الرَّوافض بدعتهم الشَّنعاء، فغلقت الأسواق، وتعطلت المعايش ودارت النِّساء سافرات عن وجوههن ينحن على الحسين بن علي، ويلطمن وجوههن، والمسوح معلَّقة في الأسواق والتبن مذرور فيها.

وفيها دخلتِ الروم الملاعين أنطاكية، فنفوا أهلها الشيوخ والعجائز، وسبوا من النِّساء والأطفال نحوًا من عشرين ألفًا، وذلك كلُّه بتدبير ملك الأرمن النقفور، لعنه الله.

قال ابن الجَوْزي: وكان قد تجبر وطغا وتمرد، وقد تزوج مع ذلك بامرأة الملك الذي كان قبله،

(1)

ما بين حاصرتين من (ب).

(2)

أي دافع عنهم، انظر اللسان (حجف).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب).

(4)

انظر أحداث سنة (359 هـ).

(5)

ما بين حاصرتين من (ب).

(6)

انظر المنتظم (7/ 50 - 51).

ص: 250

ولها منه ابنان، فأراد أن يخصيهما ويجعلهما في الكنيسة لئلا يصلحا بعد ذلك للملك، فلما فهمت أمهما ذلك عملت عليه وسلَّلت

(1)

عليه الأمراء، فقتلوه وهو نائم، وملَّكوا عليهم أكبر ولديها.

وفي ربيع [الأول]

(2)

صُرف عن القضاء أبو بكر أحمد بن سيار، وأعيد إليه أبو محمد بن معروف.

قال ابنُ الجوزي: وفي هذه السنة نقصت دجلة حتى غارت الآبار. وحجَّ بالناس الشريف أبو أحمد النقيب

(3)

.

قال: وانقضَّ كوكبٌ في ذي الحجَّة فأضاءت منه الدنيا حتى بقي له شعاعٌ كالشمس، ثم سُمِع له صوت كالرَّعد

(4)

.

قال ابنُ الأثير: وفي المحرَّم من هذه السنة خطب للمعز الفاطمي بدمشق عن أمر جعفر بن فلاح الذي سيَّره جوهر القائد من مصر إلى الشام، فقاتله أبو محمد الحسن بن عبد الله بن طُغْج بالرَّمْلة، فغلبه ابنُ فلاح، وأسر ابن طُغْج وسيَّره إلى جوهر، فأرسله جوهر إلى المعز وهو بإفريقية واستقرَّت يد الفاطميين على دمشق أيضًا بعد حروب يطول ذكرها، تطاول أمرها إلى آخر هذه السنة

(5)

.

وفي هذه السنة وقع بين ناصر الدولة بن حمدان وبين ابنه أبي تغلب، وسببه أنه لما مات معز الدولة بن بويه عزم أبو تغلب ومنْ وافقه من أهل بيته على الدخول إلى بغداد وأخذ مملكة العراق، فقال لهم أبوهم: إن معز الدولة

(6)

قد ترك لابنه أموالًا جزيلة لا تقدرون عليه ما دامت في يده، ولكن اصبروا حتى ينفقها، فإنه مبذِّر، فإذا أفلس فثوروا عليه فإنكم تغلبونه لا محالة، فحقد عليه ولده أبو تغلب بسبب ذلك، ولم يزل بأبيه حتى سجنه في القلعة، فاختلف أولاده بينهم وصاروا أحزابًا، وضعفوا عن حفظ ما بأيديهم، حتى بعث أبو تغلب إلى عز الدولة، فضمن منه بلاد المَوْصل بألف ألف درهم كل سنة يحملها إليه، واتفق موت أبيه ناصر الدولة في هذه السنة، واستقرَّ أبو تغلب بالمَوْصِل ملكها، إلا أنهم فيما بينهم مختلفين متحاربين، فهلكوا، ولو اتفقوا لملكوا

(7)

.

وفي هذه السنة دخل ملك الرُّوم إلى طرابلس، فأحرق كثيرًا منها، وملك قلعة عرفة ونهبها وسبى أهلها، وكان في قلعتها صاحب طرابلس كان لجأ إليها حين أخرجه أهل طرابلس لأجل شدَّة ظلمه،

(1)

في (ب) و (ط): وسلطت.

(2)

ما بين حاصرتين من المنتظم (7/ 51).

(3)

المنتظم (7/ 51 - 52).

(4)

المنتظم (7/ 52).

(5)

انظر الكامل (8/ 591 - 592).

(6)

في (ح): عز الدولة، وهو وهم، والخبر ساقط من (ب)، والمثبت من (ط).

(7)

انظر الكامل (8/ 579 - 580، 593 - 596).

ص: 251

فأسرته الروم، واستحوذوا على جميع حواصله وأمواله، وكانت كثيرة جدًّا، ثم مالوا على السواحل، فملكوا ثمانية عشر منبرًا

(1)

سوى القرى، وتنصَّر خَلْق كثير على أيديهم [لعنهم الله]

(2)

، وجاؤوا حمص فحرقوا ونهبوا، ومكث ملك الرُّوم شهرين، فأخذ ما شاء من البلاد، وأسر من قدر عليه من العباد، وصارت له مهابة عظيمة في قلوب النَّاس، ثم عاد إلى بلاده ومعه من السَّبي نحو من مئة ألف صبيٍّ وصبية، وكان سبب عوده إلى بلاده كثرة الأمراض في جيشه، واشتياقهم إلى أولادهم وأهليهم وأوطانهم، وبعث سريةً إلى الجزيرة، فنهبوا وسبوا، وكان قرغويه غلام سيف الدولة قد استحوذ على حلب، وأخرج منها ابنَ أستاذه أبا المعالي شريف بن سيف الدولة، فسار إلى حَرَّان وهي تحت حكمه، فأبوا أن يدخلوه إليهم، فذهب إلى أمه بميَّافارِقين، وهي ابنة سعيد بن حَمْدان، فمكث عندها حينًا، ثم سار إلى حماة فملكها، ثم عاد إلى حلب بعد سنتين كما سنذكره فيما بعد، ولما عاثتِ الروم في هذه السنة بالشَّام صانعهم قرغويه عن حلب، وبعث إليهم بأموالٍ وتحف، ثم عادوا إلى أنطاكية فملكوها وقتلوا خلقًا كثيرًا بها، وسبوا عامة أهلها، وركبوا إلى حلب وأبو المعالي محاصر غلامه قرغويه، فخافهم أبو المعالي، فهرب عنها وحاصرها الرُّوم فأخذوا البلد، وامتنعت القلعة عليهم، ثم اصطلحوا مع قرغويه على هدنة مؤبدة ومال يحمله كل سنة، وسلَّموا إليه البلد، ورجعوا عنه.

وفي هذه السنة خرج على المعز الفاطمي وهو بإفريفية رجلٌ يقال له أبو خزر، فنهض إليه المعز بنفسه وجنوده فهرب منه، فأرسل في طلبه يوسف بُلُكين

(3)

بن زيري، فردَّه وطرده، ثم عاد فاستأمن، فقبل منه المعز ذلك، وصفح عنه.

وجاء الرسول من جوهر القائد إلى المعز في هذه السنة يبشِّره بفتح الديار المصرية وإقامة الدعوة لهم فيها، وطلبه إليه، ففرح بذلك المعز الفاطمي فرحًا شديدًا وامتدحه الشعراء، فكان ممن امتدحه شاعره محمد بن هانئ في قصيدةٍ أولها:

يقول بنو العَبَّاس هل فُتِحتْ مِصْرُ

فَقُلْ لبني العَبَّاس قد قُضِيَ الأَمْرُ

وذكر ابنُ الأثير أن في هذه السنة توفي النقفور الذي كان دُمَستقًا ثم صار ملك الروم، وأراد قتل ابني الملك الذي كان قبله، فغارت أمهما له، فقتلته غيلة. قال: وقد كان هذا اللعين من أبناء المسلمين، كان أبوه من أهل طَرَسُوس من خيار المسلمين يعرف بابن الفقَّاس، فتنصَّر هذا الكلب، وحظي عند النصارى حتى صار من أمره ما صار، وكان من أشدِّ الناس على المسلمين، وقد أخذ بلادًا كثيرًا عَنْوةً؛

(1)

أي بلدًا، لأن المنبر لا يقام إلا في مسجد تقام به صلاة الجمعة.

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

في (ح): يوسف بن بلكين بن زيري، وهو وهم، والمثبت من (ب)، وانظر وفيات الأعيان (1/ 286 - 287).

ص: 252

من ذلك طرسوس وأذَنة وعين زَرْبة والمَصِّيصة وغير ذلك من البلاد، وقتل خلقًا كثيرًا لا يعلمهم إلا الله، وسبى من المسلمين والمسلمات ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، وهذا اللعين هو الذي بعث تلك القصيدة إلى المطيع لله. وقد أوردناها في آخر الجزء الذي قبل هذا في سنة خمس وخمسين وثلاثمئة، ثم انتدب لها بعدئذ الفقيه الإمام، أبو محمد بن حزم الظاهري، فأجاب عنها جوابًا شافيًا كافيًا، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا

(1)

.

وفيها رام عِزُّ الدولة صاحب بغداد محاصرة عمران بن شاهين فلم يقدر عليه، فصالحه ورجع إلى بغداد.

وفيها اصطلح قرغويه وأبو المعالي، فخطب له قرغويه بحلب، وخطبا جميعًا في معاملتيها للمعز الفاطمي، بحلب وحمص، وخطب بمكة للمطيع لله والقرامطة أيضًا، وبالمدينة للمعز الفاطمي. وخطب أبو أحمد الموسوي بظاهرها للمطيع، والله أعلم.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

محمد بن أحمد بن الحسن

(2)

بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله، أبو علي، ابن الصَوَّاف.

روى عن عبد الله بن أحمد وطبقته، وعنه خَلْق منهم الدَّارَقُطْني، وقال: ما رأت عيناي مثله في تحرُّزه ودينه، وقد بلغ تسعًا وثمانين سنة، رحمه الله تعالى.

محارب بن محمد بن محارب

(3)

: أبو العلاء القاضي الفقيه الشَّافعي من ذُرِّية محارب بن دِثار

(4)

.

وكان ثقة عالمًا فاضلًا، روى عن جعفر الفِرْيابي، وغيره.

أبو الحسين أحمد بن محمد

(5)

: المعروف بابن القَطَّان، أحد أئمة الشافعية.

تفقه بابن سُرَيج، ثم بالشيخ أبي إسحاق المَرْوزي، وتفرَّد برياسة المذهب بعد موت أبي القاسم

(1)

انظر وفيات سنة (355 هـ).

(2)

في (ح) و (ب) و (ط): الحسين، وهو تحريف، والمثبت من تاريخ بغداد (1/ 289) ومثله في مصادر ترجمته: تاريخ بغداد (1/ 289) الأنساب (8/ 99) المنتظم (7/ 52 - 53) سير أعلام النبلاء (16/ 184 - 186) الوافي بالوفيات (2/ 44) شذرات الذهب (3/ 28).

(3)

المنتظم (7/ 53) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 477).

(4)

قاضي الكوفة لخالد بن عبد الله القسري، المتوفى سنة (116 هـ)، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (5/ 217 - 219).

(5)

تاريخ بغداد (4/ 365) طبقات الفقهاء للشيرازي (113) وفيات الأعيان (1/ 70) سير أعلام النبلاء (16/ 159) الوافي بالوفيات (7/ 321) طبقات ابن هداية الله (85) شذرات الذهب (3/ 28).

ص: 253

الدَّارَكي

(1)

، وصنَّف في أصول الفِقْه وفروعه، وكانت الرحلة إليه ببغداد، ودرَّس به، وكتب شيئًا كثيرًا، وكانت وفاته رحمه الله تعالى ورضي عنه في جمادى الأولى من هذه السنة.

‌ثم دخلت سنة ستين وثلاثمئة

في عاشر محرَّمها عَمِلَتِ الرَّوافض بِدْعتهم المحرَّمة على عادتهم المتقدِّمة.

وفي ذي القَعْدة منها أخذت القرامطة دمشق، وقتلوا نائبها جَعْفر بن فَلاح

(2)

من جهة المعز الفاطمي، وكان رئيس القرامطة وأميرهم الحسن

(3)

بن أحمد بن بَهْرام، وقد أمدَّه عِزُّ الدولة من بغداد بسلاحٍ وعُدَدٍ كثيرة، ثم ساروا إلى الرَّمْلة فأخذوها، وتحصَّن منْ كان فيها من المغاربة بيافا، فتركوا عليها من يحصرها، وساروا نحو الديار المصرية في جَمْعٍ كثير من الأعراب والإخشيدية والكافُورية، فوصلوا عين شمس، فاقتتلوا هم وجنود جوهر قتالًا شديدًا، والظفر كان للقرامطة، وحصروا المغاربة حَصْرًا عظيمًا. ثم حملت المغاربة في بعض الأيام على ميمنة القرامطة فهزمتها، ورجعت القرامطة إلى الشَّام، فجدُّوا في حصار يافا، فأرسل جوهر إلى أصحابه خمسة عشر مركبًا ميرةً لأصحابه، فأخذتها مراكب القرامطة سوى مركبين أخذتهما الفرنج، وجَرَتْ خطوبٌ كثيرة.

ومن شعر الحسن بن أحمد بن بَهْرام أمير القرامطة:

زَعَمَتْ رجالُ الغَرْبِ أنّي هِبْتُها

(4)

فَدَمي إذًا ما بَيْنهُمْ مَطْلُولُ

يا مِصْرُ إن لم أسْقِ أرْضَكِ من دمٍ

يَرْوي ثَراكِ فلا سَقاني النِّيْلُ

وفيها تزوَّج أبو تغلب بن حمدان ابنة بَخْتيار عز الدولة وعمرها ثلاث سنين على صَدَاق مئة ألف دينار، ووقع العَقْد في صفرٍ.

وفيها استوزر مؤيَّد الدولة بن ركن الدولة الصَّاحب أبا القاسم بن عَبَّاد، فأصلح أموره كلها وساس دولته جيدًا.

وفيها أُذِّن بدمشق وسائر الشَّام بحي على خير العمل.

(1)

ما أدري كيف يصح هذا إذا كانت وفاة أبي القاسم الداركي سنة (375 هـ) كما سيأتي في ترجمته في وفيات سنة (375 هـ).

(2)

مَرَّ أنه دخل دمشق سنة (358 هـ)، وانظر ترجمته في وفيات الأعيان (1/ 361 - 362).

(3)

في (ح) و (ب) و (ط): الحسين، وهو تحريف، والمثبت من مصادر ترجمته التي سترد في وفيات سنة (366 هـ).

(4)

في (ح): هبتهم، والمثبت من (ب).

ص: 254

قال الحافظ ابن عساكر في ترجمة جعفر بن فَلاح نائب دمشق: أول من تأمر بها عن الفاطميين وهو الذي أمر بذلك نيابة عن المعز الفاطمي صاحب القاهرة، أخبرنا أبو محمد بن الأكْفاني

(1)

قال: قال أبو بكر أحمد بن محمد بن شرام: وفي يوم الخميس لخمسٍ خَلَون من صفر من سنة ستين وثلاثمئة أعلن المؤذنون في الجامع بدمشق وسائر منائر البلد، ومآذن المساجد بحي على خير العمل بعد حي على الفلاح، أمرهم بذلك جعفر بن فلاح، ولم يقدروا على مخالفته، ولا وجدوا من المسارعة إلى طاعته بدًا. وفي يوم الجمعة الثامن من جُمادى الآخرة منه أُمر المؤذنون أن يثنوا الأذان والتكبير في الإقامة مثنى مثنى، وأن يقولوا في الإقامة حي على خير العمل، فاستعظمَ النَّاس ذلك، وصبروا على حكم الله تعالى.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

السَّري بن أحمد بن السَّري

(2)

: أبو الحسن، الكِنْدي، الرَّفَاء، الشَّاعر المَوْصلي، أرَّخ وفاته ابنُ الأثير في هذه السنة أعني سنة ستين وثلاثمئة، وكانت وفاته ببغداد

(3)

.

وذكر ابنُ الجوزي أنه توفي سنة ثنتين وستين وثلاثمئة كما سيأتي

(4)

.

محمد بن جعفر

(5)

بن محمد بن الهيثم بن عمران بن يزيد: أبو بكر البُنْدار

(6)

، أصله أنباري.

سمع من أحمد بن الخليل البُرْجُلاني، ومحمد بن [أبي]

(7)

العَوَّام الرِّياحي، وجعفر بن محمد الصَّائغ، وأبي إسماعيل التِّرْمذي.

قال ابنُ الجوزي: وهو آخر من روى عنهم

(8)

.

(1)

هو هبة الله بن أحمد بن محمد، مفيد الشام، وأحد أئمة الحديث، ولد سنة (444 هـ)، وتوفي سنة (524 هـ)، وهو من شيوخ الحافظ ابن عساكر، سمع منه الكثير، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (19/ 576 - 578).

(2)

يتيمة الدهر (2/ 117 - 182) تاريخ بغداد (9/ 194) الأنساب (6/ 141) المنتظم (7/ 62 - 63) معجم الأدباء (11/ 182 - 189) الكامل لابن الأثير (8/ 617) وفيات الأعيان (2/ 359 - 362) سير أعلام النبلاء (16/ 218) العبر (2/ 357) النجوم الزاهرة (4/ 67) شذرات الذهب (3/ 73 - 74).

(3)

الكامل لابن الأثير (8/ 617).

(4)

المنتظم (7/ 62 - 63) وانظر وفيات سنة (362 هـ).

(5)

تاريخ بغداد (2/ 150 - 151) المنتظم (7/ 55) سير أعلام النبلاء (16/ 63 - 64) العبر (2/ 316) النجوم الزاهرة (4/ 62) شذرات الذهب (3/ 31).

(6)

البندار: لفظ فارسي معناه التاجر، ومنه البندر: وهو المرسى ومقر التجار، ومنه أيضًا الشاهبندر، انظر الألفاظ الفارسية المعربة (27 - 28).

(7)

ما بين حاصرتين من السير (13/ 4).

(8)

انظر المنتظم (7/ 55).

ص: 255

قالوا: وكانت أصوله جيادًا بخط أبيه، وسماعه صحيحًا، وقد انتقى عليه عمر البَصْري، وكانت وفاته فجأة يوم عاشوراء وقد جاوز التسعين، رحمه الله

(1)

.

محمد بن الحسين بن عبد الله

(2)

: أبو بكر الآجُرِّي.

سمع جعفر الفِرْيابي، وأبا شُعيب الحَرَّاني، وأبا مسلم الكَجِّي، وخلقًا.

وكان ثِقَةً صدوقًا دَيّنًا، وله تصانيف كثيرة مفيدة، منها "الأربعون الآجُرِّية"، وقد حدَّث ببغداد قبل سنة ثلاثين وثلاثمئة، ثم انتقل إلى مكة، فأقام بها حتى مات بعد إقامته بها ثلاثين سنة، رحمه الله تعالى.

محمد بن جعفر بن محمد بن مَطَر

(3)

: أبو عمرو الزَّاهد.

سمع الكثير، ورحل إلى الآفاق المتنائية، وسمع منه الحُفَّاظ الكبار، وكان فقيرًا متقلِّلًا، يضرب اللَّبنَ لقبور الفقراء، ويتقوَّت برغيف، بجزرة أو بصلة، ويقوم اللَّيل كله، وكانت وفاته في جُمادى الآخرة من هذه السنة عن خمسين وتسعين سنة

(4)

.

محمد بن داود، أبو بكر الصُّوفي

(5)

: ويعرف بالدُّقِّي، أصله من دِينور، وأقام ببغداد، ثم انتقل إلى دمشق، وقد قرأ على ابن مجاهد، وسمع الحديث من محمد بن جعفر الخرائطي، وصَحِبَ ابنَ الجَلَّاد، والدَّقَّاق، وكانت وفاته في هذه السنة، وقد جاوز المئة، رحمه الله تعالى.

محمد بن الفَرُّخان

(6)

بن روزبة

(7)

: [أبو]

(8)

الطَّيب الذروي

(9)

، دخل بغداد، وحدَّث بها

(1)

انظر تاريخ بغداد (2/ 151).

(2)

الفهرست (301 - 302) تاريخ بغداد (2/ 242) الأنساب (1/ 94) المنتظم (7/ 55) معجم البلدان (1/ 51) وفيات الأعيان (4/ 292 - 293) سير أعلام النبلاء (16/ 133 - 136) تذكرة الحفاظ (3/ 936) العبر (2/ 318) الوافي بالوفيات (2/ 373 - 374) مرآة الجنان (2/ 373) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 149) طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 79 - 80) العقد الثمين (2/ 3 - 5) النجوم الزاهرة (4/ 60) طبقات الحفاظ (378) شذرات الذهب (3/ 35).

(3)

في (ح) و (ب): مظفر، وهو تحريف، ومثله في المنتظم (7/ 56) والمثبت من اللباب لابن الأثير (3/ 150) وترجمته في: المنتظم (7/ 56) اللباب (3/ 150) سير أعلام النبلاء (16/ 162 - 163) العبر (2/ 316 - 317) النجوم الزاهرة (4/ 62) شذرات الذهب (3/ 31).

(4)

انظر سير أعلام النبلاء (16/ 163).

(5)

طبقات الصوفية (448 - 450) تاريخ بغداد: (5/ 266 - 267) الرسالة القشيرية (28) الأنساب (5/ 327 - 328) المنتظم (7/ 56) اللباب (1/ 505) المختصر في أخبار البشر (2/ 111) سير أعلام النبلاء (16/ 138 - 139) الوافي بالوفيات (3/ 63) طبقات الأولياء (306 - 310) طبقات الشعراني (1/ 140) نتائج الأفكار القدسية (2/ 3).

(6)

تاريخ بغداد (3/ 167) الأنساب (5/ 358 و 9/ 264) المنتظم (7/ 56) ميزان الاعتدال (4/ 4 - 5).

(7)

انظر ترجمة أبيه الفرخان بن روزبة مولى المتوكل على الله في تاريخ بغداد (12/ 399).

(8)

ما بين حاصرتين مثبت من الأنساب (9/ 264).

(9)

نسبة إلى دور سُرَّ من رأى، انظر الأنساب (5/ 358).

ص: 256

عن أبيه بأحاديث منكرة، روى عن الجُنيد وابن مسروق

(1)

.

قال ابن الجوزي: وقد كان فيه ظَرْفٌ ولباقة، غير أنهم كانوا يتهمونه بوضع الحديث

(2)

.

الطَّبَراني سليمان بن أحمد بن أيوب

(3)

: أبو القاسم، الطبراني، اللَّخْمي، الحافظ الكبير، صاحب المعجم الكبير، والأوسط، والصغير، و "كتاب السُّنَّة" وكتاب "مسند الشَّاميين"، وغير ذلك من المصنفات المفيدة.

عَمَّر مئة سنة، وكانت وفاته في هذه السنة بأصبهان، ودفن على بابها عند قبر حُمَمَة الدَّوسي الصَّحابي رضي الله عنه

(4)

، قاله أبو الفَرَج بن الجَوزي في "المنتظم"

(5)

.

وقال ابنُ خَلِّكان: سمع من ألف شيخ، قال: وكانت وفاته يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القَعْدة في هذه السنة، وقيل: في شوَّال منها.

أحمد بن محمد بن الفتح

(6)

: ويقال: ابن أبي الفتح، الخاقان، أبو العباس النَّجَّاد؛ إمام جامع دمشق.

قال ابن عساكر: كان عابدًا صالحًا، وذكر أن جماعةً جاؤوا لزيارته، فسمعوه يتأوَّه من وجعٍ كان به، فأنكروا عليه [ذلك]

(7)

، فلما خرج إليهم، قال لهم: إن آه اسمٌ من أسماء الله يستروح إليه الأعِلاء. قال: فزاد في أعينهم وعَظَّموه

(8)

.

قلت: لكن هذا الذي قاله لا يُؤخذ عنه مُسَلَّمًا بلا دليل، بل يحتاج إلى نقل صحيحٍ عن المعصوم، فإن أسماء الله تعالى توقيفية على الصَّحيح، والله تعالى أعلم بالصَّواب.

(1)

في (ح): ابن مرزوق، والمثبت من (ب)، وانظر سير أعلام النبلاء (13/ 494 - 495).

(2)

المنتظم (7/ 56).

(3)

ذكر أخبار أصبهان (1/ 335 - 336) طبقات الحنابلة (2/ 49 - 51) الأنساب (8/ 199 - 200) المنتظم (7/ 54) معجم البلدان (4/ 18 - 19) اللباب (2/ 80) وفيات الأعيان (2/ 407) سير أعلام النبلاء (16/ 119 - 130) تذكرة الحفاظ (3/ 912 - 917) ميزان الاعتدال (2/ 195) العبر (2/ 315 - 316) مرآة الجنان (2/ 372) غاية النهاية (1/ 311) لسان الميزان (3/ 73 - 75) النجوم الزاهرة (4/ 59 - 60) طبقات الحفاظ (372 - 373) طبقات المفسرين للداودي (1/ 198 - 201) شذرات الذهب (3/ 30).

(4)

انظر ترجمته في أسد الغابة (2/ 53) والإصابة (2/ 39).

(5)

المنتظم (7/ 54).

(6)

مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (3/ 280).

(7)

ما بين حاصرتين من (ب).

(8)

انظر تاريخ ابن عساكر مختصره (3/ 280).

ص: 257

‌ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمئة

في عاشرها عَمِلَتِ الرَّوافض ببغداد البدعة التي تقررت من النوح على الحسين بن علي.

وفي المحرَّم منها أغارتِ الرُّوم على الجزيرة وبلاد بكر، فقتلوا خَلْقًا كثيرًا من أهل الرُّها، وساروا [في البلاد]

(1)

كذلك يقتلون ويأسرون ويغنمون إلى [أن وصلوا]

(2)

نَصِيبين، وفعلوا كذلك ببلاد بكر، ولم يُغْنِ عن تلك النواحي [أبو تغلب]

(3)

بن حمدان متوليها شيئًا، ولم يكن عنده دفاع ولا قوة، فعند ذلك ذهب أهل الجزيرة إلى بغداد يستنصرون ويستصرخون، فرثى لهم أهلُ بغداد، وأرادوا إدخالهم على الخليفة المطيع لله فلم يمكنهم ذلك

(4)

، وكان بَخْتيار بن معزّ الدولة مشغولًا بالصَّيد، فذهبت الرُّسُل وراءه، فبعث الحاجب سُبُكْتِكين يستنفر الناس، فتجهَّز خَلْقٌ كثير من العامة، وكتب إلى أبي تغلب أن يُعدَّ الميرة والإقامات، فأظهر السُّرور بذلك والفرح والابتهاج، ولما تجهَّزت العامة للغَزاة وقعت بينهم فتنة شديدة بين الرَّوافض [وأهل]

(5)

السُّنَّة، فأحرقتِ السُّنَّة دورَ الرَّوافض في الكَرْخ، وثار

(6)

العيارون ببغداد يأخذون أموال الناس، وتنافى النقيب أبو أحمد الموسوي والوزير أبو الفَضْل الشيرازي، وأرسل بَخْتيار بن معز الدولة إلى الخليفة يطلب منه أموالًا يستعين بها في هذه الغَزاة، فبعث إليه يقول: لو كان الخَراج يجبى إليَّ لدفعت منه ما يحتاج المسلمون إليه، ولكن أنتَ تصرف منه ما للمسلمين إليه

(7)

ضرورة، وأنا فليس عندي شيء أبعث به إليك. فترددت البُرُد

(8)

بينهما، وأغلظ بختيار للخليفة في ذلك وتهدَّده، فاحتاجَ الخليفةُ أن يحصِّلَ له شيئًا، فباع بعض ثياب بدنه، وشيئًا من أثاثه، ونقض بعض سقوف دوره، وحصَّل أربعمئة ألف دِرْهم، فَصَرَفها بختيار في مصالح نفسه وأبطل تلك الغَزاة، فتغمَّم

(9)

الناس للخليفة، وساءهم ما فعل ابن بويه من أخذه مال الخليفة وتركه الجهاد في سبيل الله، فلا جزاه الله خيرًا عن المسلمين ولا عن إمامهم.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

في (ح) و (ب): لم يمكن ذلك، والمثبت من (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ح): وصارت، وفي (ب): سارت، والمثبت من (ط).

(7)

في (ح): به، والمثبت من (ب).

(8)

البرد، مفردها بريد: الرسل، انظر اللسان (برد).

(9)

كذا في (ح) و (ب): فتغم، وفي (ط): فنقم، ولعلها: فاغتمَّ.

ص: 258

وفيها تسلَّم أبو تغلب بن حمدان قلعة ماردين، فنقل حواصلها وما فيها إلى المَوْصل.

وفيها اصطلح الأمير منصور بن نوح السَّاماني صاحب خراسان هو وركن الدولة بن بُوَيه وابنه عضد الدولة على أن يحملا إليه في كل سنة مئة ألف دينار وخمسين ألف دينار، وتزوَّج بابنة ركن الدولة

(1)

، فحمل إليه من الهدايا والتُّحَف ما لا يحدُّ ولا يوصف.

وفي شوَّال منها خرج المعزُّ الفاطمي بأهله وحاشيته وجنوده من مدينة المنصورة من بلاد المغرب قاصدًا الدِّيار المِصْرية، بعد ما مهَّد له مولاه جوهر القائد أمرها وبنى له بها القصرين، واستخلف المعز الفاطمي على بلاد المغرب ونواحيها وصِقِلِّية وأعمالها نوابًا من حزبه وأنصاره من أهل تلك البلاد، واستصحب معه شاعره محمد بن هانئ الأندلسي، فتوفي في أثناء الطَّريق، على ما سنذكر

(2)

، وكان قدوم المُعزِّ إلى القاهرة في رمضان من السنة الآتية، [على ما سيأتي إن شاء الله تعالى]

(3)

.

وفيها حجَّ بالناس الشريف أبو أحمد الموسوي النقيب على الطَّالبيين كلِّهم، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصَّواب.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

سعيد بن أبي سعيد الجَنَّابي

(4)

: أبو القاسم، القِرْمطي الهَجَري، وقام بالأمر من بعده أخوه أبو يعقوب يوسف

(5)

، ولم يبق من سلالة أبي سعيد سواه.

عثمان بن عمر بن خفيف

(6)

: أبو عمرو، المقرئ، المعروف بالدَّرَّاج.

روى عن أبي بكر بن [أبي]

(7)

داود، وعنه ابن رِزْقويه، وكان من أهل القرآن والفِقْه [والدِّراية]

(8)

والديانة والسِّتر، جميل المذهب، وكان يُعدُّ من الأبدال.

توفي يوم الجمعة من رمضان هذه السنة، رحمه الله.

(1)

في الكامل (8/ 626): وتزوَّج نوح بابنة عضد الدولة. وما عندنا أشبه بالصَّواب.

(2)

انظر وفيات سنة (362 هـ).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب).

(4)

النجوم الزاهرة (4/ 63).

(5)

سترد ترجمته في وفيات سنة (366 هـ).

(6)

تاريخ مدينة السلام 13/ 195 - 196 (بتحقيق الدكتور بشار) تاريخ الإسلام 8/ 195، وذكرا وفاته في سنة 361 هذه.

(7)

ما بين حاصرتين من (ب)، وهو ابن المحدث أبي داود صاحب السنن؛ انظر سير أعلام النبلاء (13/ 203 - 237).

(8)

ما بين حاصرتين من (ب).

ص: 259

وأبو الحسين

(1)

علي بن إسحاق بن خَلَف

(2)

القَطَّان، الشَّاعر المعروف بالزَّاهي.

ومن شِعْره:

قُمْ نهنئْ عاشقينِ

أصبحا مُصْطَبحين

(3)

جُمعا بَعْدَ فِراقٍ

فُجِعا منهُ وبَيْن

ثُمَّ عادا في سُرورٍ

من صُدودٍ آمِنين

فهما رُوحٌ ولكنْ

رُكِّبَتْ في بَدَنين

(4)

[محمد بن]

(5)

حُمَيد بن سَهْل

(6)

بن شَدَّاد: أبو بكر المُخَرِّمي

(7)

.

سمع أبا خليفة، وجعفر الفِرْيابي، وابن جرير وغيرهم، وعنه الدَّارَقُطْني وابن رزْقويه وأبو نُعيم، وقد ضعَّفه البَرْقاني وابن أبي الفوارس، [وغيرهما، والله أعلم]

(8)

.

‌ثم دخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمئة

عملت الرَّوافض بدعتهم في عاشوراء من النِّياحة وتعليق المسوح وغَلْق الأسواق.

وفيها اجتمع الفقيه أبو بكر الرَّازي الحنفي، وأبو الحسن علي بن عيسى الرُّمَّاني، وابن الدقاق الحنبلي بعز الدولة بَخْتيار بن معز الدولة بن بُوَيه، وحرَّضوه على غزو الرُّوم، فبعث جيشًا لقتالهم، فأظفرهم

(9)

الله بهم، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وبعثوا برؤوسهم إلى بغداد، فسكنَتْ أنفسُ النَّاس.

(1)

تيمة الدهر (1/ 233 - 235) تاريخ بغداد (11/ 350) الأنساب (6/ 231) المنتظم (7/ 59) اللباب (2/ 55 - 56) وفيات الأعيان (3/ 371 - 373) تاريخ الإسلام (8/ 47) سير أعلام النبلاء (16/ 111) النجوم الزاهرة (4/ 63 - 64).

(2)

في تاريخ بغداد والمنتظم: أبو الحسن، وفي يتيمة الدهر ووفيات الأعيان: أبو القاسم، وفيه توفي سنة 152 هـ، وتابعه على ذلك الذهبي في تاريخ الإسلام والسير.

(3)

في تاريخ بغداد والمنتظم: مصطلحين، وفي (ب): مصطحبين.

(4)

في تاريخ بغداد: في جسدين.

(5)

ما بين حاصرتين من مصادر ترجمته وفي (ب): أحمد بن سهل، وهو وهم.

(6)

تاريخ بغداد (3/ 67 - 86)(ط - الدكتور بشار)، السمعاني في "المخرمي" من الأنساب، المنتظم (7/ 59) تاريخ الإسلام (8/ 197) ميزان الاعتدال (3/ 531).

(7)

في (ح): المخزومي، وهو تصحيف، والمثبت من (ب).

(8)

ما بين حاصرتين من (ب).

(9)

في (ح): فأظفر الله بهم، والمثبت من (ب).

ص: 260

وفيها سارتِ الرُّوم مع الدُّمَسْتق - لعنه الله - إلى حصار آمد، وعليها مرد غلام أبي الهيجاء بن حَمْدان، فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه، فبعث إليه أخاه أبا القاسم هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان، فاجتمعا لقتاله، ولقياه في [يوم من]

(1)

رمضان في مكانٍ ضيق لا مجال للخيل فيه، فاقتتلوا مع الرُّوم قتالًا شديدًا، وعزمت الرُّوم على الفِرار فلم يقدروا، فاستحرَّ فيهم القتل، وأُخذ الدُّمَسْتق أسيرًا، فأودع في السجن، فلم يزل فيه حتى مَرضَ، ومات في السنة القابلة، وقد جمع له أبو تغلب الأطباء فلم ينفعه شيء.

وفيه احترق الكرخ ببغداد، وكان سببه أن صاحب المعونة ضرب رجلًا من العامة فمات، فثار به العامة وجماعة من الأتراك، فهرب منهم، فدخل دارًا، فأخرجوه مسحوبًا وقتلوه وحرقوه، فركب الوزير أبو الفَضْل الشِّيرازي - وكان شديد التعصب للسُّنَّة - وبعث حاجبه إلى أهل الكرخ، فألقى في دورهم النار، فاحترقت طائفة كثيرة من الدور والأموال، من ذلك ثلاثمئة دكان وثلاثة وثلاثون مسجدًا، وسبعة عشر ألف إنسان، فعند ذلك عَزَلَ عز الدولة بختيار بن معز الدولة وزيره هذا عن الوزارة، وولَّاها محمد بن بقية، فتعجب النَّاس من ذلك؛ وذلك أن هذا الرجل كان وضيعًا عند الناس، لا حرمة له، كان أبوه فلاحًا بقرية أوَانا، وكان هو ممن يخدم عز الدولة، يقدِّم له الطعام ويحمل منديل الزفر على كتفه، إلى أن ولي الوزارة، ومع هذا كان أشد ظلمًا للرعية من الذي قبله، وكَثُرَ في زمانه العيّارون ببغداد، وفسدت الأمور. ووقع [الخلاف]

(2)

بين عز الدولة وبين حاجبه سُبُكْتِكين، ثم اصطلحا على دَخَن.

وفيها كان دخول المعز الفاطمي إلى الديار المصرية وصحبته توابيت آبائه، فوصل إلى الإسكندرية في شعبان منها، وقد تلقاه أعيان مصر إليها، فخطب الناسَ هنالك خطبةً بليغة ارتجالًا، ذكر فيها فضلهم وشرفهم، وقد كذب، وقال فيها: إن الله أغاث الرعايا بهم وبدولتهم. حكى ذلك عنه قاضي مصر، وكان جالسًا إلى جَنْبه فسأله: هل رأيتَ خليفةً أفضلَ مني؟ فقال: لم ارَ أحدًا من الخلائف سوى أمير المؤمنين. فقال له: أحججت؟ قال: نعم. قال: وزرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: وقبر أبي بكر وعمر؟ قال: فتحيرت ماذا أقول، ثم نظرت فإذا ابنه [العزيز قائم]

(3)

مع كبار الأمراء فقلت: شغلني عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كما شغلني أمير المؤمنين عن السلام على ولي العهد. ونهضت إليه، فسلَّمت عليه ورجعت، فانفسح المجلس إلى غيري.

ثم سار من الإسكندرية إلى مصر، فدخلها في الخامس من رمضان هذه السنة، فنزل بالقصرين،

(1)

ما بين حاصرتين من (ب).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب).

ص: 261

فيقال: إنه أول ما دخل إلى مَحَلِّ ملكه خَرَّ ساجدًا [شكرًا]

(1)

لله عز وجل، ثم كان أول حكومةٍ أنهيت إليه أن امرأة كافور الإخشيدي تقدمت إليه، فذكرت له أنها كانت أودعت رجلًا من اليهود الصواغ قَبَاء من لؤلؤ منسوجٍ بالذهب، وأنه جَحَد ذلك. فاستحضره وقرره، فجحد اليهودي ذلك وأنكره، فأمر عند ذلك المعز بأن تحفر داره ويستخرج ما فيها، فوجد القَبَاء قد جعله في جَرَّة ودفنها فيها، فَسَلَّمه المعز إليها [ووفره عليها]

(2)

، فقدَّمته إليه، وعرضته عليه، فأبى أن يقبله منها، وردَّه عليها، فاستحسن منه ذلك الحاضرون. وقد ثبت في الحديث:"إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"

(3)

.

‌وفيها توفي من الأعيان:

السَّري الرَّفَّاء الشَّاعر بن أحمد بن السَّري

(4)

: أبو الحسن، الكِنْدي، المَوْصلي، الشاعر المطبق، في جملة مُدَّاح سيف الدولة بن حمدان وغيره، وقد قدم بغداد، فاتفق موته بها في هذه السنة، قال ابن خلِّكان: وقيل: في سنةِ أربع وقيل خمس، وقيل: أربعٍ وأربعين، قال: وقد كانت بينه وبين محمد وسعيد ابْنَيْ هاشم الخالديين الموصليين معاداة، وادَّعى عليهما سرقة شعره

(5)

، وكان معتنيًا بنسخ ديوان كُشَاجم، وربما زاد فيه من شعر الخالديين ليكثر حجمه ويزينهما بالكذب، وكان قد امتدح سيف الدولة، فأحبى له رزقًا، فلم يزل به الخالديان حتى قطعا رسمه من عنده، فدخل بغداد، وامتدح الوزير المهلبي فدخلا وراءه، فلم يزالا في ثلبه عنده حتى هجره وقلاه، فركبه الدين، ومات في هذه السنة، وله ديوان شعر كبير جيد، فمن شعره قوله:

يَلْقى النَّدى برقيقِ وجهٍ مُسْفرٍ

فإذا التقى الجمعانِ عادَ صفيقا

رَحْبُ المَنَازِلِ ما أقام فإنْ سرَى

في جَحْفلٍ تركَ الفَضاءَ مَضِيْقا

(6)

وله:

ألبستني نعمًا رأيتُ بها الدُّجى

صُبْحًا وكنتُ أرى الصَّباحَ بهيما

فغدوتُ يحسدني الصديقُ وقبلها

قد كان يَلْقَاني العدو رحيما

(7)

(1)

ما بين حاصرتين من (ب).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

الحديث في صحيح البخاري (2897) في الجهاد والسير، وصحيح مسلم (111) في الإيمان.

(4)

سلفت ترجمته، وذكرت مظانها في وفيات سنة (360 هـ).

(5)

وفيات الأعيان (2/ 362).

(6)

ديوانه (185).

(7)

ديوانه (251).

ص: 262

وله:

بنفسي منْ أجودُ له بنفسي

ويَبْخلُ بالتحيَّةِ والسَّلامِ

وحتفي كامنٌ في مُقْلتيه

كمُونَ الموتِ في حد الحُسام

(1)

محمد بن هانئ

(2)

: الأندلسي، الشَّاعر، كان قد استصحبه المعز الفاطمي من بلاد القيروان حين توجَّه إلى مصر، فلما كان ببعض الطَّريق، وجد محمد بن هانئ مقتولًا مجدلًا على حافة البحر، وذلك في رجب من هذه السنة، وقد كان شاعرًا مطبقًا، قوي النظم إلا أنه قد كفَّره غير واحد من العلماء في مبالغاته في مدائحه، فمن ذلك قوله يمدح المعز، قبحهما الله تعالى:

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ

فاحْكُمْ فأنتَ الواحدُ القَهَّارُ

وهذا خطأ كبير، وكفر كثير.

وقال أيضًا:

ولطالما زاحمت تحـ

ـت ركابه جبريلا

ومن ذلك قوله: - قال ابن الأثير: ولم أجد ذلك في "ديوانه":

حَلَّ برَقَّادة

(3)

المَسِيْحُ

حَلَّ بها آدمٌ ونُوْحُ

حلَّ بها الله ذو المعالي

فكلُّ شيءٍ سواهُ ريحُ

قال ابن الأثير: وقد شرع بعض المتعصبين له في الاعتذار عنه، فالله أعلم

(4)

.

قلت: وهذا الشعر إن صح عنه، فليس عنه اعتذار، لا في الدار الآخرة ولا في هذه الدار.

وممن توفي بها:

إبراهيم بن محمد

(5)

بن سختويه بن عبد الله المُزَكِّي: أحد الحفاظ المبرِّزين، أنفق على الحديث

(1)

ديوانه (260)، وقد طبع له كذلك كتاب "المحب والمحبوب والمشروب والمشموم" وصدر ضمن مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق بتحقيق الأستاذين مصباح غلاونجي، وماجد الذهبي.

(2)

جذوة المقبس (96) بغية الملتمس (140 - 141) معجم الأدباء (19/ 92 - 105) المطرب من أشعار أهل المغرب (192) التكملة لابن الأبار (1/ 103) وفيات الأعيان (4/ 421 - 424) سير أعلام النبلاء (16/ 131 - 132) الإحاطة في أخبار غرناطة (2/ 288 - 293) شذرات الذهب (3/ 41 - 44).

(3)

رقادة: بلدة كانت بإفريقية، بينها وبين القيروان أربعة أيام، انظر معجم البلدان (3/ 55 - 56).

(4)

انظر الكامل لابن الأثير (8/ 621 - 622).

(5)

تاريخ بغداد (6/ 168 - 169) المنتظم (7/ 61 - 62) سير أعلام النبلاء (16/ 163) العبر (2/ 327) الوافي بالوفيات (6/ 123) النجوم الزاهرة (4/ 69) شذرات الذهب (3/ 40 - 41).

ص: 263

وأهله أموالًا جزيلة، وسمع النَّاس بتخريجه، وعقد له مجلس الإملاء بنيسابور، ورحل وسمع من المشايخ شرقًا وغربًا، ومن مشايخه ابن جرير

(1)

وابن أبي حاتم، وكان يحضر مجلِسَه خَلْقٌ كثير من كبار المحدِّثين، منهم أبو العباس الأصَم وأضرابه، وكانت وفاته في هذه السنة عن سبعٍ وستين سنة.

سعيد

(2)

بن القاسم بن العلاء بن خالد

(3)

: أبو عمرو

(4)

، البَرْذعي

(5)

، أحد الحُفَّاظ، روى عنه الدَّارَقُطني وغيره.

محمد

(6)

بن الحسن

(7)

بن كَوْثَر

(8)

بن علي

(9)

: أبو بَحْر، البَرْبهاري

(10)

.

روى عن إبراهيم الحَرْبي، [وتمتام]

(11)

والباغَنْدي والكُدَيمي [وغيرهم]

(12)

.

وعنه ابن رِزْقويه وأبو نُعيم، وانتخب عليه الدَّارَقُطْني، وقال: اقتصروا على [ما] خرَّجته له، فقد اختلط صحيح سماعه بفاسده.

وقد تكلَّم فيه غيرُ واحدٍ من حُفَّاظ زمانه بسبب تخليطه وغفلته، واتهمه بعضُهم بالكذب أيضًا

(13)

.

(1)

لم أر أحدًا ذكر سماعه من ابن جرير غير ابن كثير، فإن صَحَّ يكون قد سمع منه وهو في الخامسة من عمره، إذ ولد المزكي سنة (305 هـ)، وتوفي ابن جرير سنة (310 هـ).

(2)

في (ح) سعد، وهو تصحيف، والمثبت من (ب).

(3)

ذكر أخبار أصبهان (1/ 330) تاريخ بغداد (9/ 110 - 111) الأنساب (2/ 143) المنتظم (7/ 62) سير أعلام النبلاء (16/ 72 - 73) تذكرة الحفاظ (3/ 936 - 937) طبقات الحفاظ (378) شذرات الذهب (3/ 41).

(4)

في المنتظم: أبو عمر، وهو تصحيف.

(5)

نسبة إلى برذعة، بلدة أقصى أذربيجان، ويصحُّ فيها إهمال الدال، انظر الأنساب (2/ 143).

(6)

ترجمة محمد بن الحسن ساقطة من (ب).

(7)

في المنتظم (7/ 63): بن أبي الحسن، بزيادة: ابي، وهو وهم.

(8)

في (ح): كريز، وهو تصحيف، والمثبت من تاريخ بغداد (2/ 209) وباقي المصادر.

(9)

تاريخ بغداد (2/ 209 - 211) الأنساب (2/ 125 - 127) المنتظم (7/ 63 - 64) اللباب (1/ 133) سير أعلام النبلاء (16/ 141 - 143) العبر (2/ 327 - 328) ميزان الاعتدال (3/ 519) الوافى بالوفيات (2/ 338) لسان الميزان (5/ 131 - 132) شذرات الذهب (3/ 41).

(10)

هذه النسبة إلى بربهار، وهي الأدوية التي تجلب من الهند، ومن يجلبها يقال له البربهاري، انظر الأنساب (2/ 125) واللباب (1/ 107).

(11)

ما بين حاصرتين من (ط)، وفيه: تمام، وهو تصحيف، والمثبت من تاريخ بغداد (2/ 209) والمنتظم (7/ 63) وانظر سير أعلام النبلاء (13/ 390/ 391).

(12)

ما بين حاصرتين من (ط).

(13)

في (ح): أقحمت ترجمة القاضي أبي علي المروزي في وفيات هذه السنة، فقد جاء فيها: القاضي الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي المَرْوَرُّذي، أحد مشايخ المذهب في زمانه، وله "التعليقة" المشهورة. تفقه بأبي بكر القفال المروزي، وأخذ عنه جماعة منهم البغوي صاحب "التهذيب" و "التفسير" و "شرح السنة" =

ص: 264

‌ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمئة

فيها [في عاشوراء]

(1)

عُملت البِدْعة الشَّنْعاء على عادة الرَّوافض، ووقعت فتنةٌ عظيمة ببغداد بين السُّنَة والرَّوافض، وكلا الفريفين قليل عقل [أو عديمه]

(2)

بعيد عن السَّداد؛ وذلك أن جماعةً من السنة أركبوا امرأةً جملًا وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم الزبير، وقالوا: نقاتل أصحابَ علي بن أبي طالب، فقتل [بسبب ذلك]

(3)

من الفريقين خَلْقٌ كثير، وعاث العَيَّارون في البلد بالفساد، ونهبت الأموال وقتل الرجال، ثم أُخذ جماعة منهم، فقتلوا وصلبوا، فلذلك سكنت الفتنة

(4)

.

وفيها أخذ عز الدولة بَخْتِيار [بن معز الدولة]

(5)

الموصل، وزوَّج ابنته

(6)

من أبي تغلب بن حمدان.

وفيها وقعت الفتنة بالبَصْرة، بين الدَّيالم والأتراك، فقويتِ الديلمُ على التُّرك بسبب أن الملك فيهم، فقتلوا [منهم]

(7)

خلقًا كثيرًا، وحبسوا رؤوسهم، ونهبوا كثيرًا من أموالهم، وكتب عز الدولة إلى أهله: إني سأكتب إليكم أني قد مُت، فإذا جاءكم الكتاب، فأظهروا النوح واجلسوا للعزاء، فإذا جاء سبُكْتِكين للتعزية فاقبضوا عليه، فإنه ركن الأتراك ورأسهم. فلما جاء البريد إلى بغداد بذلك أظهروا [النَّوح والصراخ]

(8)

وجلسوا للعزاء ففهم سُبُكْتكين أن هذه مكيدة، فلم يقربهم، وتحقق العداوة بينه وبين عز الدولة، وركب من فوره في الأتراك، فحاصروا دار عز الدولة ببغداد يومين، ثم أنزل أهله منها، ونهب ما فيها، وأحدرهم في دِجْلة إلى واسط منفيين، وكان قد عزم على بعث الخليفة المطيع معهم، فتوسل الخليفة إليه، فعفا عنه وأقرَّه بداره، وقويت شوكة سُبُكتكين والأتراك ببغداد، ونهبت

= و "المصابيح"، وغير ذلك.

وقد ذكرته في "الطبقات" بما فيه الكفاية قال ابن خلكان: وإذا قال الإمام الغزالي: قال القاضي، فهو هذا، والله أعلم.

قلت: وليس مكان هذه الترجمة في وفيات هذه السنة، بل صوابها في وفيات سنة (462 هـ)، وهي سنة وفاة المترجم.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

في (ب): فسكنت النفوس.

(5)

ما بين حاصرتين من (ب).

(6)

في (ح): بابن أبي تغلب، وهو وهم، والمثبت من (ب)، وانظر الكامل لابن الأثير (8/ 633 - 634).

(7)

ما بين حاصرتين من (ب).

(8)

ما بين حاصرتين من (ب).

ص: 265

الأتراك دورَ الدَّيْلَم، وخَلَع سُبُكْتكين على رؤساء العامة، لأنهم كانوا معهم على الدَّيْلم، وقويت السنة على الشيعة، وأحرق الكَرْخ

(1)

حريقًا ثانيًا، وظهرت السُّنَّة على يدي الأتراك، وخلع المطيع، وولي ولده الطائع لله، على ما سنذكره إن شاء الله سبحانه وتعالى.

‌خلافة الطَّائع وخلع أبيه المطيع لله

ذكر ابنُ الأثير أنه لما كان [اليوم] الثالث عشر [من] ذي القعدة

(2)

، وقال ابن الجوزي في "منتظمه": كان ذلك يوم الثلاثاء التاسع عشر من ذي القعدة

(3)

من هذه السَّنة، خُلِع المطيع لله، وذلك لفالجٍ أصابه فَثَقُلَ لسانه، فسأله سُبُكْتِكين أن يخلع نفسه، ويولي [من]

(4)

بعده ولدَه الطَّائع، فأجاب

(5)

، فعقدت البيعة للطَّائع بدار الخلافة على يدي الحاجب سُبُكْتكين، وخُلع أبوه المطيع بعد تسع وعشرين سنة كانت له في الخلافة، ولكن تعوَّض عنها

(6)

بولاية ولده. واسم الطائع أبو بكر عبد الكريم

(7)

بن المطيع لله أبي القاسم الفضل بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد أبي العباس أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفق المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، ولم يَلِ الخلافة من اسمه عبد الكريم سواه، ولا من أبوه حي سواه

(8)

، وسوى أبي بكر الصَّدِّيق

(9)

. ولم يل الخلافة من بني العباس أسن منه حال الولاية، كان عمره ثمانيًا وأربعين سنة يوم بويع، وكانت أمه أم ولد اسمها عُتب، كانت تعيش أيضًا يوم بويع بالخلافة، ولما بويع الطائع ركب وعليه البُرْدة، وبين يديه سُبُكْتكين والجيش، ثم خَلَعَ من الغد على سُبُكْتِكين خِلَع الملوك ولقبه ناصر الدولة، وعقد له لواء الإمارة. ولما حضر الأضحى ركب الطَّائع وعليه السواد، فخطب بالناس بعد الصَّلاة خطبة خفيفة حسنة، وحكى ابن الجوزي في "المنتظم"

(10)

أن المطيع لله كان يُسمَّى بعد خلعه بالشيخ الفاضل، والله أعلم.

(1)

في (ط): لأنه محل الرافضة.

(2)

انظر الكامل (8/ 637) وما بين حاصرتين من (ب).

(3)

في مطبوع المنتظم (7/ 66): وعقد له الأمر - أي للطائع - في يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة.

(4)

ما بين حاصرتين من (ب).

(5)

في (ط): فأجاب إلى ذلك.

(6)

في (ح): منها، والمثبت من (ب).

(7)

في (ح): أبو بكر بن عبد الكريم، وهو وهم، والمثبت من (ب).

(8)

في (ط) زيادة ولا من كنيته أبو بكر سواه.

(9)

في (ط): رضي الله عنه.

(10)

انظر المنتظم (7/ 66 - 67).

ص: 266

‌ذكر الحرب بين المُعِز الفاطمي وبين الحسن

(1)

بن أحمد القِرْمِطِي

لما استقرَّ المعز الفاطمي بالدِّيار المصرية، وابتنى فيها القاهرة والقَصْرين وتأكَّد ملكه، سار إليه الحسن بن أحمد القِرْمطي من الأحساء في جمع كثيف من أصحابه، والتفَّ معه أميرُ العرب ببلاد الشام وهو حَسَّان بن الجَرَّاح الطَّائي في عرب الشَّام بكمالهم، فلما سمع بهم المعز الفاطمي أُسقط في يديه لكثرتهم، وكتب إلى القِرْمطي يستميله ويقول له: إنما دعوة آبائك إنما كانت إلى آبائي قديمًا، فدعوتنا واحدة. ويذكر فيه فَضْله وفضل آبائه، فَرَدَّ [عليه]

(2)

الجواب: وصل كتابك الذي كَثُرَ تفضيله وقلَّ تحصيله، ونحن سائرون

(3)

على إثره والسَّلام. فلما انتهوا إلى ديار مصر عاثوا فيها قتلًا ونهبًا وإفسادًا، وحار المعز ماذا يصنع لكثرة من مع القرمطي، وضعف جيشه عن مقاومتهم، فعدل إلى المكيدة والخديعة، فراسل حَسَّان بن الجَرَّاح أمير العرب، ووعده بمئة ألف دينار إن هو خذل بين النَّاس، فأرسل إليه

(4)

أن ابعث إليَّ بما التزمت وتعال بمن معك، فإذا التقينا انهزمتُ بمن معي [فلا يبقى للقِرْمطي قوة؛ فتأخذه كيف شئتَ]

(5)

. فأرسل إليه المعز بمئة ألف دينار في أكياس، ولكن زَغَل

(6)

أكثرها؛ ضَرَبَ النُّحاسَ ولبَّسه الذهب، وجعله في أسفل الأكياس، ووضع في رؤوس الأكياس الدَّنانير الخالصة، ولما بعثها إليه ركب في إثرها بجيشه، فالتقى الناس، ولما تواجه الفريقان ونشبت الحرب بينهم، انهزم حسَّان بن جراح بالعرب، فَضَعُفَ جانب القِرْمطي، وقوي عليه المعز الفاطمي فكسره، وانهزمت القرامطة بين يديه فرجعوا إلى أذْرِعات في أذلِّ حالٍ

(7)

، وأرسل المعز في آثارهم القائد أبا المحمود بن إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف فارس، ليحسم مادَّتهم

(8)

.

‌ملك المعز الفاطمي دمشق وانتزاعه إياها من يد القرامطة

لما انهزم القِرْمطي وأصحابه بعث المعز سريَّة عليهم ظالم بن مرهوب العُقيلي أميرًا على دمشق،

(1)

انظر أول حوادث سنة (360 هـ).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ط): إليك، وانظر تاريخ أخبار القرامطة (106).

(4)

في (ط): فبعث إليه حسان يقول.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

الزَّغَل - محركة - الغش. تاج العروس (زغل).

(7)

في (ط): في أذل حالٍ وأرذله.

(8)

في (ط): ويطفئ نارهم عنه.

ص: 267

فتسلَّمها من القرامطة بعد حصارٍ شديد، واعتقل متوليها أبا الهيجاء (1) القِزمِطي وابنه، واعتقل رجلًا يقال له أبو بكر من أهل نابلس

(2)

، كان يتكلَّم في الفاطميين ويقول: لو كان معي عشرة أسهم لرميتُ الرُّوم بسهم، ورميت المغاربة - يعني الفاطميين - بما بقي. فسلخ

(3)

بين يدي [الخليفة]

(4)

المعز، وحشي جلده تبنًا، وصُلبَ بعد ذلك.

ولما تفرَّغ أبو محمود القائد من قتال القرامطة أقبل نحو دمشق، فخرج إليهم ظالم بن مرهوب، فتلقَّاه إلى ظاهر البلد وأكرمه، وأنزله ظاهر دمشق، فأفسد أصحابه في الغوطة والمرج، ونهبوا الفلاحين، وقطعوا الطرقات على الناس، وتحول أهل الغوطة إلى البلد من كثرة النهب، وجيء بجماعةٍ من القتلى فألقوا في الجامع، فكثر الضجيج، وغلقت الأسواق، واجتمعت العامة للقتال، والتقوا مع المغاربة، فقتل من الفريقين جماعةٌ، وانهزمت العامة غير مَرَّة، وأحرقت المغاربة ناحية باب الفراديس، فاحترق شيء كثير من الأموال والدُّور، ولبثت الحرب بينهم إلى سنة أربع وستين، وأحرق البلد مرَّة أخرى بعد عزل ظالم بن مرهوب، وتولية جيش بن صمصامة ابن أخت أبي المحمود، قبَّحه الله، وقطعت القنوات وسائر المياه عن البلد، ومات كثيرٌ من الفقراء في الطُّرقات من كثرة الجوع والعطش، ولم يزل الحال كذلك حتى ولي عليهم الطَّواشي رَيَّان الخادم من جهة المعز

(5)

، فسكنت الأمور

(6)

، [ولله الحمد]

(7)

.

[فصل]

(8)

ولما قويت الأتراك ببغداد تحَيَّر عز الدولة بختيار [بن معز الدولة]

(9)

في أمره وما يصنع، وهو مقيم بالأهواز

(10)

، فأرسل إلى عمه ركن الدولة يستنجده، فأرسل إليه بعسكرٍ مع وزيره أبي الفتح بن

(ا) في إحدى نسخ الكامل (8/ 640) وذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي. (4) أبا المنجا.

(2)

هو محمد بن أحمد بن سهل الرملي، ويعرف بابن النابلسي، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (16/ 148 - 150) واتعاظ الحنفا (210 - 211).

(3)

في (ط): فأمر به فسلخ.

(4)

ما بين حاصرتين من (ب).

(5)

في (ط): المعز الفاطمي.

(6)

في (ط): النفوس.

(7)

ما بين حاصرتين من (ب).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

ما بين حاصرتين من (ب).

(10)

في (ط) زيادة: لا يستطيع الدخول إلى بغداد.

ص: 268

العميد

(1)

، وأرسل إلى ابن عمه عضد الدولة بن ركن الدولة، فتباطأ عليه، وأرسل إلى عمران بن شاهين فلم يجبه، وأرسل إلى أبي تغلب بن حمدان، فأظهر نصره، وإنما يريد في الباطن أخْذَ بغداد، وخرجت الأتراك من بغداد في جَحْفلٍ كثير، ومعهم الخليفة الطائع وأبوه المطيع، فلما انتهوا إلى واسط توفي المطيع لله، وبعد أيام توفي سُبُكْتِكين أيضًا، فحملا إلى بغداد، والتفَّ الأتراك على أميرٍ يقال له أفتكين، واجتمع شملهم والتقوا مع بختيار، فَضَعُفَ أمره جدًّا، وقوي عليه ابنُ عمه عضد الدولة، فأخذ منه ملك العراق وتمزَّق شمله، وتفرَّق أمره.

وفيها خطب للمعز الفاطمي بالحرمين مكة والمدينة [النبوية]

(2)

.

وفيها خرج جمعٌ من بني هلال وطائفة من العرب على الحُجَّاج، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وعَطَّلوا على من بقي منهم الحج في هذا العام، فلا جزاهم الله خيرًا.

وفي هذا العام انتهى تاريخ ثابت بن سنان بن ثابت بن قُرَّة، وأوله من أول دولة المقتدر سنة خمس وتسعين ومئتين.

وفيها كانت زلزلة شديدة بواسط.

وحجّ بالناس في هذه السنة الشريف أبو أحمد الموسوي، ولم يحصل لأحدٍ حَجٌّ في هذه السنة سوى من كان معه على درب العراق، وقد أخذ بالناس على طريق المدينة، فتمَّ حَجُّهم. ولله الحمد والمنة.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

العَبَّاس بن الحسين

(3)

: أبو الفَضْل، الشيرازي، الوزير لعِزِّ الدولة بَخْتِيار بن معز الدولة بن بُوَيه، وكان من المتعصبين للسنة

(4)

، عاكس مخدومَه، فعزله، وولى محمد بن بقيَّة البابا

(5)

كما تقدَّم

(6)

، وحُبس هذا، فقتل في محبسه في ربيع الآخر منها عن تسع وخمسين سنة، وكان فيه ظُلْمٌ وحَيْف، والله أعلم.

(1)

هو ابن أبي الفضل بن العميد، الوزير المشهور، الذي أدار التوحيدي كتابه "مثالب الوزيرين" عليه، وقد توفي سنة (360 هـ)، فرتب ركن الدين بن بويه ولده أبا الفتح هذا مكانه، فبقي في الوزارة حتى قتل سنة (366 هـ)، انظر معجم الأدباء (191 - 240) ووفيات الأعيان (5/ 110 - 111).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

تجارب الأمم (6/ 269 و 313) المنتظم (7/ 73 - 74) الكامل لابن الأثير (8/ 548، 573) وغيرها، سير أعلام النبلاء (16/ 222، 309) النجوم الزاهرة (4/ 68 - 69).

(4)

في (ط): وكان من الناصرين للسنة، المتعصبين لها.

(5)

لم أهتد إلى وجه تلقيبه بالبابا فيما بين يدي من المصادر.

(6)

انظر حوادث سنة (362 هـ)، وسيرد خبر مقتله في حوادث سنة (367 هـ).

ص: 269

أبو بكر عبد العزيز بن أحمد

(1)

بن جعفر: الفقيه الحنبلي، المعروف بغلام الخلَّال

(2)

، أحد مشاهير الحنابلة الأعيان، ممن صنف وجمع وناطر، وسمع الحديث من أبي القاسم البغوي وطبقته، وكان عمره يوم توفي فوق الثمانين

(3)

.

قال ابن الجَوْزي: وله "المقنع" في مئة جزء

(4)

، و "الشَّافي" في ثمانين جزءًا، و "زاد المسافر" و "الخلاف مع الشَّافعي" و "كتاب القولين" و "مختصر السُّنَّة"، وغير ذلك في التفسير والأصول

(5)

، رحمه الله.

علي بن محمد

(6)

: أبو الفتح البُسْتي، الشَّاعر المشهور، له ديوان شعر جيد [قوي]

(7)

، وله في المطابقة والمجانسة يد طولى، ومبتكرات أولى.

وقد ذكر ابن الجوزي له في "المنتظم" من ذلك قطعة كبيرة مرتبة على حروف المعجم، فمن ذلك قوله:

إذا رضيتُ

(8)

بميسورٍ من القُوتِ

بقيتُ في النَّاسِ حُرًّا غيرَ ممقوتِ

ياقوتَ يومي إذا ما درَّ خِلْفُك

(9)

لي

فلستُ آسى على دُرٍّ وياقوت

(10)

وله:

يا أيها السَّائلُ عن مذهبي

ليقتدي فيهِ بمنهاجي

مِنْهاجي العَدْلُ وقمعُ الهوى

فهل لمنهاجيَ من هَاجي

(1)

كذا في (ح) و (ب)، ومثله في المنتظم (7/ 71) والذي في مصادر ترجمته: عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، وهو الصواب وترجمته في تاريخ بغداد (10/ 459 - 460) طبقات الفقهاء للشيرازي (172) طبقات الحنابلة (2/ 119 - 127) المنتظم (7/ 71 - 72) تاريخ الإسلام (8/ 214) سير أعلام النبلاء (16/ 143 - 145) النجوم الزاهرة (4/ 105 - 106) طبقات المفسرين للداودي (1/ 306 - 308) شذرات الذهب (3/ 45 - 46).

(2)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (311 هـ).

(3)

توفي وله من العمر ثمان وسبعون سنة، فقد ولد سنة (285 هـ) كما في مصادر ترجمته.

(4)

في (ح): ثمانية أجزاء، والمثبت من (ب).

(5)

المنتظم (7/ 72).

(6)

توفي البستي سنة (401 هـ)، وسترد ترجمته في وفياتها، ويتابع ابن كثير في ذكر ترجمته في وفيات هذه السنة ابن الجوزي في المنتظم.

(7)

ما بين حاصرتين من (ب).

(8)

في (ط): قنعت.

(9)

الخِلْف: بكسر الخاء: الضرع. اللسان (خلف).

(10)

المنتظم (7/ 72).

ص: 270

وله:

أفِدْ طبعكَ المكدودَ بالجدِّ راحةً

يجمُّ وعلِّلْهُ بشيءٍ من المَزْحِ

ولكن إذا أعطيتَ ذلكَ فليكنْ

بمقدارِ ما تعطي الطَّعامَ منَ المِلْحِ

وله:

إذا خدمتَ الملوكَ فالبسْ

من التوقِّي أعزَّ ملبسْ

وادخُلْ عليهم وأنت أعمى

واخرجْ إذا ما خرجت أخرسْ

وله:

إذا شئتَ أن تلقى عدوَّك راغمًا

وتقتلَه هَمًّا وتحرِقَهُ غَمَّا

فسَامِ العُلا وازدَدْ من الفَضْلِ إنه

من ازداد فضلًا زاد حاسِدَه غما

وله:

إن أسيافَنا القِصار الدَّوامي

صيَّرَتْ مُلْكنا طويل الدَّوام

لم نزل نحن في سدَاد ثُغُورٍ

واصطلام الأعداء من وسْطِ لام

واقتحام الأهوال

(1)

من وقت حامٍ

واقتسام الأموال من وقت سام

وله:

يا خادِمَ الجسم كم

(2)

تشقى بخدمته

أتطلب الرِّبح مما فيه خُسرانُ

أقبل على النفس واستكمل فضائلها

فأنت بالنَّفسِ لا بالجسم إنسانُ

أبو فراس بن حمدان

(3)

الشَّاعر: له ديوان مشهور

(4)

.

استنابه أخوه

(5)

سيف الدولة على حَرَّان ومنبج، فقاتل مرة الرُّوم فأُسرَ، ثم استقذه سيفُ الدولة، واتفق موته في هذه السَّنة عن ثمان وأربعين سنة

(6)

، وله شعر رائق ومعانٍ حسنة.

(1)

في (ب) الأعداء.

(2)

في (ح) و (ب): كي، والمثبت من المنتظم (7/ 73).

(3)

هو الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان، انظر وفيات الأعيان (2/ 58) وترجمته في يتيمة الدهر (1/ 35 - 88) المنتظم (7/ 68 - 71) زبدة الحلب (1/ 157) وفيات الأعيان (2/ 58 - 64) سير أعلام النبلاء (16/ 196 - 197) الوافي بالوفيات (11/ 261 - 265) النجوم الزاهرة (4/ 19 - 20) شذرات الذهب (3/ 24 - 25).

(4)

طبع غير مرة، إحداها صدرت عن دار صادر، وعليها أحلت في تخريج الأبيات.

(5)

كذا في (ح) و (ب) و (ط)، والصواب: ابن عمه، ويتابع ابن كثير في ذلك ابن الساعي كما سيأتي.

(6)

مرَّ في أحداث سنة (357 هـ) أنه قتل فيها، وهو الصحيح، وقد تابع ابنُ كثير هنا ابنَ الجوزي فيما ذهب إليه في المنتظم (7/ 68 - 71) ومن ثمَّ يكون عمره يوم قتل سبعًا وثلاثين سنة، انظر "سير أعلام النبلاء"(16/ 197).

ص: 271

وقد رثاه أخوه سيف الدولة

(1)

فقال:

المَرْءُ نَصْبُ

(2)

مَصَائبٍ لا تنقضي

حتى يُوارى جِسْمُه في رَمْسِه

فَمُؤجَّلٌ يَلْقى الرَّدى في غيره

(3)

ومُعَجَّلٌ يَلْقى الرَّدى في نَفْسِهِ

واتفق أن كان عند سيف الدولة رجلٌ من العرب، فقال له: قل في معناهما. فقال:

من يتمنى العُمْرَ فَلْيَتَّخِذْ

صَبْرًا على فَقْدِ أحِبِائهِ

ومن يُعَمَّرْ يَلْقَ في نَفْسِهِ

ما يتمنَّاه لأعدائهِ

كذا ذكر ابن السَّاعي

(4)

هذين البيتين من شعر سيف الدولة في أخيه أبي فراس، وإنما ذكرها ابن الجوزي في "المنتظم" من شعر أبي فراس نفسه، وأن الأعرابي أجازهما بالبيتين المذكورين بعدهما

(5)

. وذكر من شعر أبي فراس أشياء حسنة، فمن ذلك قوله في قصيدة:

سيفقدني

(6)

قومي إذا جَدَّ جدُّهم

وفي اللَّيلةِ الظَّلْماءَ يُفْتقدُ البَدْرُ

ولو سَدَّ غيري ما سَدَدْتُ اكتفوا به

وما [كان] يغلو التِّبْرُ لو نَفَقَ الصُّفْرُ

(7)

ومن ذلك قوله من قصيدةٍ:

إلى الله أشكو أننا في منازلٍ

تحكَّم في آسادهِنَّ كلابُ

فليتكَ تحلو والحياةُ مَرِيْرةٌ

وليتكَ ترضى والأنامُ غِضَابُ

وليتَ الذي بيني وبينكَ عامرٌ

وبيني وبين العالمينَ خَرَابُ

(8)

(1)

هذه رواية ابن الساعي كما سيمر، وفي المنتظم (7/ 68) ورثاه سيف الدولة. قلت: والمعروف أن سيف الدولة توفي قبله بعام، يعني سنة (356 هـ) كما سلف في وفيات ذلك العام، والعبارة على الصواب: ورثى ابنَ عمه سيف الدولة فقال

والبيتان في ديوان أبي فراس (175).

(2)

في "الديوان": رهن.

(3)

في "الديوان": في أهله.

(4)

تاريخه "الجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السير"، كان يقع في خمسة وعشرين مجلدًا، لم يصل إلينا منه سوى المجلد التاسع الذي طبع في بغداد سنة 1934 بتحقيق العلامة مصطفى جواد، وتاريخه من موارد ابن كثير الرئيسة، ووصفه بأنه لم يكن بالحافظ ولا الضابط المتقن، انظر ترجمة ابن الساعي في هذا الكتاب في وفيات سنة (674 هـ).

(5)

المنتظم (7/ 68 - 69).

(6)

في الديوان (161) والمنتظم (7/ 70): سيذكرني.

(7)

في (ط): وما فعل النسر الرفيق مع الصقر، وهو تحريف، وما بين حاصرتين من "الديوان" و "المنتظم".

(8)

المنتظم (7/ 71) وديوان (25).

ص: 272

‌ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمئة

فيها جاء عضد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيه إلى واسط، ومعه وزير أبيه أبو الفتح بن العميد، فهرب منه أفتكين في جماعة الأتراك إلى بغداد، فسار وراءه إليها، فنزل في الجانب الشَّرْقي [منها]

(1)

، وأمر بَخْتيار أن ينزل على الجانب الغَرْبي، وحصر الترك حصرًا شديدًا، وأمر أمراء الأعراب أن يغيروا على الأطراف، ويقطعوا الميرة الواصلة إلى بغداد، فَغَلَتِ الأسعار، وامتنع الناس من المعاش من كثرة العَيَّارين والنهب، وكبس أفتكين البيوت لطلب الطعام، واشتدَّ الحال جدًّا، ثم التقت الأتراك وعضد الدولة فكسرهم وهربوا إلى تكريت، واستحوذ عضد الدولة على بغداد وما والاها من البلاد. وكانت الترك قد أخرجوا معهم الخليفة، فردَّه عضد الدولة وأعاده إلى دار الخلافة مكرمًا، ونزل هو بدار الملك، وضَعُفَ أمر بختيار عز الدولة جدًّا، ولم يبق معه شيء بالكلية، فأغلق بابه، وطرد الحَجَبة والكتبة عن بابه، واستعفى من الإمارة، [وكان]

(2)

ذلك بمشورة عضد الدولة، فاستعطفه عضد الدولة في الظَّاهر، وقد أشار عليه في الباطن أن لا يقبل، فلم يقبل. وتردّدت الرسائل

(3)

بينهما، فصمَّم بختيار على الامتناع ظاهرًا، فألزمه عضد الدولة بذلك، وأظهر للنَّاس أنه إنما يفعل هذا عجزًا منه

(4)

عن القيام بأعباء الملك، فأمر بالقبض على بَخْتيار وعلى أهله وإخوته، ففرح بذلك الخليفة الطائع لله وسرَّ به، وأظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان دارسًا، وجدَّد دار الخلافة حتى صار كل محل منها آنسًا، وأرسل إلى الخليفة بالأموال الكثيرة والأمتعة الحسنة [العزيزة]

(5)

، وقتل جماعةً من المفسدين من مردة الترك وشُطَّار العَيَّارين.

قال ابن الجوزي: وفي هذه السنة عَظُمَ البلاء بالعَيارين ببغداد، وأحرقوا سوق باب الشعير، وأخذوا أموالًا كثيرة، وركبوا الخيول وتلقبوا بالقواد، وأخذوا الخُفَر

(6)

من الأسواق والدُّروب، وعظمت المحنة بهم جدًّا، واستفحل أمرهم كثيرًا، حتى إن رجلًا منهم أسود كان مستضعفًا [نَجَمَ فيهم]

(7)

فكثر ماله

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

في (ط): الرسل.

(4)

في (ح): فصمم بختيار على هذا عجزًا منه، والمثبت من (ب) و (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(6)

مفردها: الخفرة، وهي الذمة والأمانة. معجم متن اللغة (2/ 305).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 273

حتى اشترى جاريةً بألف دينار، فلما حصلت عنده حاولها عن نفسها، فأبت عليه فقال [لها]

(1)

: ماذا تكرهين [مني؟]

(2)

قالت: [أكرهك]

(3)

كلك. فقال: فما تحبين؟ قالت: تبيعني. فقال: أو خير من ذلك؟ فحملها إلى القاضي، فأعتقها، وأعطاها ألف دينار، وأطلقها، فتعجَّب الناس من حلمه وكرمه مع فسقه وتمرده

(4)

.

قال: وورد الخبر في المحرَّم بأنه خطب للمعز الفاطمي بمكة والمدينة في الموسم، ولم يخطب للطائع

(5)

.

قال: وفي رجب منها غلت الأسعار ببغداد جدًّا حتى أبيع [الكر]

(6)

الدقيق الحواري بمئة ونيف وسبعين دينارًا

(7)

.

قال: وفيها اضمحلَّ أمرُ عضد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيه، وتفرَّق جُنْدُه عنه، ولم يبق معه سوى بغداد وحدها، فبعث إلى أبيه يشكو [له]

(8)

ذلك، فأرسل يلومه على الغدر بابن عمه عز الدولة، فلما بلغه ذلك خرج من بغداد إلى فارس بعدما أخرج ابن عمه بختيار من السجن، وخلع عليه، وأعاده إلى ما كان عليه، وشرط عليه أن يكون نائبًا له بالعراق يخطب له بها، وجعل معه أخاه أبا إسحاق أمير الجيوش لاستضعافه عز الدولة عن تدبير الأمور، واستمرَّ ذاهبًا إلى بلاد فارس، وذلك كله عن أمر أبيه له بذلك، وغضبه عليه بسبب كدره بابن عمه، وتكرار مكاتباته له في ذلك

(9)

.

ولما سار عضد الدولة ترك بعده وزير أبيه أبا الفتح بن العميد ليلحقه بعد ثلاث، فتشاغل بالقصف مع عز الدولة واللعب واللهو، فأوجب ذلك وحشة بين عضد الدولة وبين ابن العميد، فكان ذلك سبب هلاك ابن العميد.

ولما استقرَّ أمر عز الدولة ببغداد، ومَلَكَ العراق لم يف لابن عمه عضد الدولة بشيء مما كان عاهده عليه ولا ما كان التزم له به بين يديه، بل تمادى على ضلاله القديم، واستمر على سَننه

(10)

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

في (ب) و (ط): قوته، وانظر المنتظم (7/ 74 - 75).

(5)

المنتظم (7/ 75).

(6)

ما بين حاصرتين من (ب)، وفي (ط) السكر، وهو تحريف.

(7)

المنتظم (7/ 75).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

المنتظم (7/ 75 - 76).

(10)

في (ب و (ط): مشيه، وهو تحريف.

ص: 274

الذي هو غير مستقيم [من الرفض وغيره]

(1)

.

قال: وفي يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة تزوَّج الخليفة الطائع لله شاه ناز بنت عز الدولة على صَدَاق مئة ألف دينار

(2)

.

وفي سَلْخ ذي القعدة عُزل القاضي أبو الحسن محمد بن صالح بن أُم شيبان، وقلده أبا محمد بن معروف

(3)

.

وأقام

(4)

الحج في هذه السنة أصحاب المعز الفاطمي، وخُطب له بالحرمين الشريفين دون الخليفة الطائع

(5)

والله سبحانه أعلم

(6)

.

‌ذكر أَخْذِ دمشق من أيدي الفاطميين

ذكر ابنُ الأثير في "كامله" أن أفتِكين غلام معز الدولة الذي كان قد خرج عن طاعته كما تقدَّم

(7)

، والتفَّ عليه عساكر وجيوش من الدَّيْلم والتُّرْك والأعراب، نزل في هذه السنة على دمشق ليأخذها من أيدي الفاطميين، وكان عليها ريان الخادم من جهة المعز الفاطمي، فلما نزل بظاهرها خرج إليه كبراؤها وشيوخها وذكروا [له]

(8)

ما هم فيه من الظُّلم والغَشْم، ومخالفة الاعتقاد بسبب ملك الفاطميين عليهم، وسألوه أن يصمِّم على أخذها ليستنفذها منهم، فعند ذلك صمَّم على البلد، ولم يزل حتى أخذها وأخرج ريان الخادم منها، واستقلَّ بأمرها، وكسر أهل الشر [بها]

(9)

ورفع أهل الخير، ووضع العدل فيهم، وقمع أهل اللعب واللهو، وكفَّ أيدي الأعراب الذين قد عاثوا في الأرض فسادًا، وأخذوا عامة المرج والغوطة، ونهبوا أهلها. ولما استقامت الأمور على يديه، وصَلُحَ أمر أهل الشَّام عليه، كتب إليه المعز الفاطمي من مصر يشكر سعيه، ويطلبه إليه ليخلع عليه، ويجعله نائبًا من جهته. فلم يجبه إلى ذلك، وخاف غائلته، وقطع خطبته من الشَّام، وخطب للطائع العباسي، وقصد صيدا وبها خَلْقٌ من المغاربة عليهم ابن الشيخ، وفيهم ظالم بن مرهوب العُقَيلي - الذي كان نائبًا على دمشق للمعز الفاطمي كما

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

المنتظم (7/ 76).

(3)

المنتظم (7/ 76).

(4)

في (ط): وأمام، وهو تصحيف.

(5)

المنتظم (7/ 76).

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

(7)

انظر حوادث سنة (363 هـ).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 275

تقدَّم

(1)

، فأساء بها السيرة - فحاصرهم، ولم يزل حتى أخذ البلد منهم، وقتل منهم نحوًا من أربعة آلاف [من سراتهم]

(2)

، ثم قصد طبرية، ففعل كذلك، فعند ذلك عَزَمَ المعز الفاطمي على المسير إليه، فبينما هو يجمع له ويرتب الجيوش إذ توفي المعز بمصر في سنة خمس وستين كما سيأتي

(3)

، وقام بعده ولده العزيز، فاطمأن عند ذلك أفتكين بالشام، واستفحل أمره، وقويت شوكته، فتشاور المصريون في أمره، فاتفق رأيهم على أن يبعثوا القائد جوهرًا إليه، وذلك عن رأي الوزير يعقوب بن كِلِّس

(4)

، فلما تجهَّز جوهر القائد لقصد الشام، حلَّف أفتكين أهل دمشق على مناصرته ومناصحته، فحلفوا له بذلك

(5)

. وجاء جوهر فحصر دمشق سبعة أشهر حصرًا شديدًا، ورأى من شجاعة أفتكين أمرًا هائلًا، وحين طال الحال أشار من أشار من الدماشقة على أفتكين بأن يكتب إلى الحسن

(6)

بن أحمد القِرْمِطِي وهو بالأحساء ليجيء إليه، فلما كتب إليه أقبل لنصره، فحين سمع جوهر بقدومه لم يمكنه أن يبقى بين عدوين من داخل البلد ومن خارجها، فانقشع عن دمشق وقصد الرملة، فتبعه أفتكين والقِرْمطي في نحوٍ من خمسين ألفًا، فتواقعوا

(7)

عند نهر الطواحين على ثلاثة فراسخ من الرَّمْلة، وحصروا جوهرًا بالرملة، فضاق حاله جدًّا من [قلة]

(8)

الطعام والشراب، حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك [سريعًا]

(9)

، فسأل أن يجتمع هو وأفتكين على ظهور الخيل، [فأجابه إلى ذلك]

(10)

، فلم يزل يترقق

(11)

له أن يطلقه ليرجع بمن معه من أصحابه إلى أستاذه شاكرًا له، مثنيًا عليه الخير، ولا يسمع من القِرْمطِي رأيه فيه - وكان جوهر داهية - فأجابه إلى ذلك، فندَّمه القِرْمطي وقال: الرأي أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم، فإنه الآن يذهب إلى سيده، فيخبره، ثم يخرجه إلينا، ولا طاقة لنا به. فكان الأمر كما قال لما أطلقه، لم يكن له دأبٌ إلا أنه حثَّ العزيز على الخروج بنفسه وجيوشه، فأقبل في جحافل أمثال الجبال، وكثرة من الرَّجال والعُدَد والأثقال والأموال، وعلى مقدِّمته جوهر القائد. وجمع أفتكين والقِرْمطي

(1)

انظر حوادث سنة (363 هـ).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

انظر وفيات سنة (365 هـ).

(4)

سترد ترجمته في وفيات سنة (381 هـ).

(5)

في (ط): ثم اتفق أمر المصريين على أن يبعثوا جوهرًا القائد لقتاله، وأخذ الشام من يده، فعند ذلك حلف أهل الشام لأفتكين أنهم معه على الفاطميين، وأنهم ناصحون له غير تاركيه.

(6)

انظر حوادث سنة (360 هـ).

(7)

في (ح): فتواقفوا، والمثبت من (ب) و (ط).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

ما بين حاصرتين من (ب).

(10)

ما بين حاصرتين من (ط).

(11)

في (ط): يترفق.

ص: 276

الجيوش والأعراب وسارا إلى الرَّمْلة، فالتقوا

(1)

في محرَّم سنة سبع وستين، ولما تواجهوا رأى العزيز من شجاعة أفتكِين أمرًا عظيمًا

(2)

، فأرسل إليه يعرض عليه إن أطاعه ورجع إليه أن يجعله مقدَّم عساكره، وأن يحسن إليه غاية الإحسان. فترجَّل أفتكين عن فرسه بين الصفين، وقبَّل الأرض نحو العزيز، وأرسل [إليه]

(3)

يقول: لو كان هذا [القول سبق]

(4)

قبل هذا [الحال]

(5)

لأمكنني

(6)

[وسارعت وأطعت]

(7)

، وأما الآن فلا. ثم ركب فرسه، وحمل على الميسرة، ففرَّق شَمْلَها وبدَّد خيلها ورَجْلها، فبرز عند ذلك [العزيز]

(8)

من القلب، وأمر الميمنة فحملت حملة صادقة، فانهزم القِرْمطي، وتبعه بفية الشَّاميين، وركبت المغاربة أقفاءهم يقتلون ويأسرون من شاؤوا، وتحوَّل العزيز، فنزل خيام الشاميين بمن معه من الجيوش، وأرسل السرايا وراءهم، وجعل العزيز لا يؤتى بأسيرٍ إلا خَلَعَ على من جاءه به، وجعل لمن جاءه بأفتكين مئة ألف دينار، فاتفق أن أفتكين عَطِش وهو منهزم عطشًا شديدًا، فاجتاز بمفرج بن دغفل - وكان صاحبه - فاستسقاه، فسقاه ماء، وأنزله عنده في بيوته، وأرسل إلى العزيز يخبره بأن الذي يطلب عنده، فليحمل إليه الذهب. فأرسل إليه بمئة ألف دينار، وجاء من يسلمه إليه، فلما أحيط بأفتكين لم يشك أنه مقتول، فما هو إلا أن حضر عبد العزيز [حتى]

(9)

أكرمه غاية الإكرام واحترمه غاية الاحترام، وَرَدَّ إليه حواصله وأمواله فلم يفقد [منها]

(10)

شيئًا، وجعله من أخَصِّ أصحابه وأمرائه، وأنزله إلى جانب منزله، ورجع به إلى الديار المصرية مكرمًا معظمًا، وأقطعه هنالك إقطاعات جزيلة.

وأرسل إلى القِرْمطي يعرض عليه أن يقدم عليه، ويكرمه كما أكرم أفتكين. فامتنع، وخاف على نفسه، فأرسل إليه بعشرين ألف دينار، وجعلها له في كلِّ سنة، يكف بها شَرَّه بذلك. ولم يزل أفتكين مكرَّمًا [عند العزيز]

(11)

حتى وقع بينه وبين الوزير يعقوب بن كِلِّس، فعمل عليه حتى سقاه سُمًا فمات، وحين علم الخليفة بذلك غضب على الوزير وحبسه بضعًا وأربعين ليلة، وأخذمنه خمسمئة ألف دينار، ثم

(1)

في (ط): فاقتتلوا.

(2)

في (ط): مابهره.

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ح) و (ب): أمكنني والمثبت من (ط).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(9)

ما بين حاصرتين زيادة من عندنا يقتضيها السياق.

(10)

ما بين حاصرتين من (ط).

(11)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 277

إنه رأى أنه لا غنى به عن الوزير، فأخرجه من السجن، وأعاده إلى الوزارة، وذهب أفتكين في حال سبيله. وهذا ملخص ما ذكره ابن الأثير

(1)

.

‌وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:

سُبُكْتِكِين الحاجب التُّرْكي: مولى المعز الدَّيْلمي وحاجبه، وقد ترقَّى في المراتب حتى آل به الحال أن قلَّده الطَّائع الإمارة، وخلع عليه وأعطاه اللواء، ولقَّبه بنور الدولة

(2)

، فكانت مدة دولته في هذا المقام شهرين وثلاثة عشر يومًا، ودفن ببغداد، وداره هي دار الملك ببغداد، وهي دارٌ عظيمة جدًّا. وقد اتفق له أنه سقط يومًا عن فرسه، فانكسر ضلعه

(3)

، فداواه الطبيب حتى استقام ظهره، وقدر على الصَّلاة إلا أنه لم يستطع الركوع، فأعطاه شيئًا كثيرًا من الأموال، وكان يقول له: إذا ذكرتُ مرضي ومداواتك لي لا أقدر على مجازاتك، ولكن إذا تذكرتُ وَضْعَ قدميك على ظهري اشتد

(4)

غيظي منك.

وكانت وفاته ليلة الثلاثاء لسبعٍ بقين من المحرَّم [منها]

(5)

، وقد ترك من الأموال شيئًا كثيرًا [جدًّا]

(6)

؛ من ذلك ألف ألف دينار وعشرة آلاف ألف دِرْهم، وصندوقان من جوهر، وخمسة عشر صندوقًا من البلور، وخمسة وأربعون صندوقًا من آنية الذهب، ومثة وثلاثون مركبًا من ذهب، فيها خمسون درجًا في كل واحدٍ ألف دينار، وستمئة مركب فِضَّة، وأربعة آلاف ثوب دِيباج، وعشرة آلاف دبيقي

(7)

وَعتَابي

(8)

، وثلاثمئة عِدْل معكومة من الفُرُش، وثلاثة آلاف فرس وبغل وألف جمل وثلاثمئة غلام، وأربعون خادمًا، وذلك غير ما أودع عند أبي بكر البزاز صاحبه. والله تعالى أعلم.

‌ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمئة

فيها قسم ركن الدولة بن بُوَيه ممالكه بين أولاده عندما كَبِرَتْ سنُّه، فجعل لولده عضد الدولة بلاد فارس وكرمان وأرْجان، ولولده مُؤَيَّد الدولة الري وأصبهان، ولفخر الدولة هَمذان ودِيْنَور، وجعل ولده أبا العبَّاس في كنف عضد الدولة وأوصاه به.

(1)

انظر الكامل (8/ 656 - 661).

(2)

في المنتظم (7/ 76): نصر الدولة.

(3)

في (ط): صلبه.

(4)

في (ح): يشتد، والمثبت من (ب) و (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(7)

نسبة إلى دبيق، بليدة كانت بين الفرماوتنيس من أعمال مصر، وتنسب إليها الثياب الدبيقية. معجم البلدان (2/ 478).

(8)

العتابي: نسيج مخطط اشتهر في بغداد. انظر وفيات الأعيان (4/ 389).

ص: 278

وفيها جلس قاضي قضاة بغداد أبو محمد بن معروف في دار عز الدولة عن أمره له بذلك، لفصل الحكومات، وحكم بين الناس بين يديه.

وفيها حجَّ بالناس أمير المصريين من جهة العزيز بن المعز الفاطمي بعدما حُوْصر أهل مكة، ولقوا شِدَّة عظيمة، وغَلَت الأسعار عندهم جدًّا.

وذكر ابن الأثير أن في هذه السنة ذهب يوسف بلِّكين نائب المعز الفاطمي على [بلادي]

(1)

إفريقية إلى سَبْتة، فأشرف عليها من جبل مطل عليها، فجعل يتأمل من أين يحاصرها نصف يوم، فخافه أهلها خوفًا شديدًا، ثم انصرف عنها إلى مدينة هنالك يقال لها بصرة المغرب، فأمر بهدمها ونهبها، ثم سار إلى مدينة برغواطة، وبها رجل يقال له عيسى بن أم الأنصار، هو ملكها، وقد اشتدَّت المحنة به لسحره وشعبذته وادَّعى أنه نبيٌّ، فأطاعوه، ووضع لهم شريعةً يقتدون به فيها، فقاتلهم بلِّكين، فهزمهم وقتل هذا الفاجر، ونهب أموالهم، وسبى ذراريهم، فلم يُرَ سبيٌ أحسن أشكالًا منهم فيما ذكره أهل تلك البلاد في ذلك الزمان

(2)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن جعفر بن [محمد بن]

(3)

سَلْم: أبو بكر الخُتُّلي.

[له]

(4)

مسند كبير، روى عن عبد الله بن أحمد [بن حنبل]

(5)

وأبي مسلم

(6)

الكخي وخَلْق. [وروى]

(7)

عنه الدَّارَقُطْني وغيره، وكان ثِقَةً [وقد]

(8)

قارب التسعين.

وثابت بن سنان بن ثابت بن قرَّة الصَّابئ المؤرِّخ، فيما ذكره ابن الأثير في "الكامل"

(9)

.

الحسين بن محمد بن أحمد

(10)

: أبو علي، الماسَرْجسي، الحافظ.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط 9.

(2)

انظر الكامل (8/ 665 - 666).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط). وترجمة الخُتُّلي في تاريخ بغداد (4/ 71 - 72) المنتظم (7/ 81) سير أعلام النبلاء (16/ 82 - 83) العبر (2/ 335) غاية النهاية (1/ 44) شذرات الذهب (3/ 50).

(4)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ط): أبي محمد، وهو تحريف.

(7)

ما بين حاصرتين من (ب).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

الكامل (8/ 668).

(10)

المنتظم (7/ 81) سير أعلام النبلاء (16/ 287 - 289) العبر (2/ 336 - 337) تذكرة الحفاظ (3/ 955 - 956) النجوم الزاهرة (4/ 111) طبقات الحفاظ (383) شذرات الذهب (3/ 50) الرسالة المستطرفة (29).

ص: 279

رحل وسمع الكثير، وصنَّف مسندًا في ألف وثلاثمئة جزء

(1)

، بعِلَلِهِ وطُرُقه، وله "المغازي والقبائل"، وخَرَّج على "الصحيحين" وغيرهما.

قال ابن الجَوْزي: وفي بيته وسَلَفه تسعة عشر

(2)

محدِّثًا، توفي في رجب من هذه السنة، رحمه الله

(3)

.

الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي

(4)

بن عبد الله بن محمد بن أبي أحمد، الجُرْجاني [الحافظ]

(5)

الكبير، المفيد الإمام، العَلَم، الجَوَّال، النَّقَّال، الرَّحَّال، وله كتاب "الكامل" في الجرح والتعديل، لم يسبق إلى مثله، ولا يلحق في شكله.

قال حمزة عن الدَّارَقُطْني: فيه كفاية، لا يزاد عليه

(6)

.

ولد ابنُ عَدِيّ هذا في سنة سبع وسبعين ومئتين، وهي السنة التي توفي فيها أبو حاتم الرَّازي، وتوفي [ابن عَدِي]

(7)

في جمادى الآخرة من هذه السنة.

المُعِزُّ الفاطمي

(8)

: باني القاهرة المعزية مَعَدُّ بن إسماعيل بن سعيد بن عبد

(9)

الله، أبو تميم المدَّعي أنه فاطمي، صاحب الدِّيار المصرية، وهو أول من ملكها منهم يعني من الفاطميين، كان ملكه ببلاد

(1)

الذي بخط الذهبي: "أكثر من ثلاثة آلاف جزء" تاريخ الإسلام (8/ 240).

(2)

في المنتظم: بضع عشر محدثًا.

(3)

المنتظم (7/ 81).

(4)

تاريخ جرجان (225 - 227) الأنساب (3/ 221 - 222) اللباب (1/ 270) تذكرة الحفاظ (3/ 940 - 942) سير أعلام النبلاء (16/ 154 - 156) العبر (2/ 337 - 338) مرآة الجنان (2/ 381) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 315 - 316) النجوم الزاهرة (4/ 111) طبقات الحفاظ (380) شذرات الذهب (3/ 51).

(5)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(6)

تاريخ جرجان (226).

(7)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(8)

المنتظم (7/ 82 - 83) الكامل (8/ 498) وما بعدها، البيان المغرب (1/ 221) وما بعدها، وفيات الأعيان (5/ 224 - 228) سير أعلام النبلاء (15/ 159 - 167) العبر (2/ 339) تاريخ ابن خلدون (4/ 45 - 51) اتعاظ الحنفا (1/ 134 - 265) النجوم الزاهرة (4/ 69 - 104) شذرات الذهب (3/ 52 - 54).

(9)

كذا في الأصل و (ب) و (ط)، والصحيح: معد بن إسماعيل بن محمد القائم بن عبيد الله المهدي، وقد ورد عند من لا يقر بصحة نسبهم أن اسم المهدي هو سعيد بن أحمد، وقيل سعيد بن الحسين، وأن اسم القائم نزار، وقيل عبد الرحمن، وقيل حسن. فكأن المصنف سمى القائم سعيدًا، وسمى أباه عبيد الله المهدي بعبد الله، ولعله تصحيف له وفي هذا دليل على أن المصنف لايذهب إلى صحة نسبه كذلك. انظر سير أعلام النبلاء (15/ 141،154).

ص: 280

إفريقية وما والاها من بلاد المغرب، فلما كان سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمئة، بعث بين يديه جوهرًا القائد، فأخذ له البلاد المصرية من كافور الإخشيدي بعد حروب تقدَّم ذكرها

(1)

، واستقرَّت يد جوهر القائد عليها، فبنى القاهرة المُعِزِّية وبنى منزل الملك وهما القصران

(2)

، ثم أقيمت الخطبة للمعز في سنة ثنتين وستين وثلاثمئة، وقدم المعز - كما ذكرنا

(3)

- في جحافل عظيمة، ومعه الأمراء من المغاربة والأكابر والقواد، وحين نزل الإسكندرية تلقَّاه وجوه الناس، فخطبهم فيها خطبة بليغة، افتخر فيها بنسبه وملكه، وادَّعى أنه يعدل وينصف المظلوم من ظالمه وأن الله قد رَحِمَ الأمة بهم، واستنقذهم من أيدي الظلمة إلى عدلهم وإنصافهم، وهو مع ذلك يدَّعي ظاهر الرِّفْض، ويبطن - كما قال القاضي الباقِلَّاني

(4)

- الكفر المحض، وكذلك أهل طاعته ومن نصره ووالاه، واتبعه في مذهبهم، قبحهم الله تعالى وإياه.

أحضر إلى بين يديه الزاهد العابد [الورع النَّاسك]

(5)

التقي أبا بكر النَّابُلُسي

(6)

، فأوقف بين يديه فقال له المعز: بلغني أنك قلت: لو كان معي عشرة أسهم لرميت الرُّوم بسهم ورميت المصريين بتسعة. فقال: ما قلتُ هذا. فَظَنَّ أنه قد رجع [عن قوله]

(7)

فقال: كيف قلت؟ قال: قلتُ ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر. قال: ولم؟ قال: لأنكم غيَّرْتم [دين]

(8)

الأمة، وقتلتم الصَّالحين، وادَّعيتم

(9)

نور الإلهية، [وادعيتم ما ليس لكم]

(10)

فأمر بإشهاره في أول يوم، ثم ضرب بالسياط في اليوم الثاني ضربًا شديدًا مبرحًا، ثم أمر به فسلخ في اليوم الثالث، فجيء بيهودي، فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن. قال اليهودي: فأخذتني رِقَّة عليه، فلما بلغتُ تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات، رحمه الله تعالى، فقيل له الشهيد، وإليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس إلى اليوم، [ولم تزل فيهم بقايا خير]

(11)

.

(1)

انظر حوادث سنة (358 هـ).

(2)

في (ح): ونزل الملك المكان المسمَّى بالقصرين، وفي (ب) وبنى منزل الملك المكان الذي المسمى بالقصرين، والمثبت من (ط).

(3)

انظر حوادث سنة (362 هـ).

(4)

وذلك في كتابه "كشف الأسرار الباطنية" وهو من الكتب التي لما تصلنا بعد.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

انظر حاشيتنا على حوادث سنة (363 هـ).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

في (ط): وأطفأتم.

(10)

ما بين حاصرتين من (ط).

(11)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 281

وقد كان المعز الفاطمي ذا شهامةٍ وقوَّة [حزم]

(1)

وشدَّة عزم، وله سياسة، ويظهر أنه يعدل وينصر الحق، ولكنه مع ذلك كان منجمًا يعتمد [على]

(2)

ما يرصد من حركات النجوم، قال له منجمه: إن عليك قطعًا

(3)

في هذه السنة، فتوارَ عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المُدَّة. فَعَمِلَ له سِرْدابًا، وأحضر الأُمراء وأوصاهم بولده نزار ولقبه العزيز، وفوَّض إليه الأمر حتى يعود إليهم، فبايعوه على ذلك، ودخل ذلك السِّرْداب، فتوارى فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأى الفارس منهم سحابًا ترتجَّل عن فرسه وأومأ إليه بالسَّلام ظانين أن المُعزَّ في ذلك الغَمام، {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}

(4)

[الزخرف: 54]، ثم برز إلى الناس بعد مضي سنة، وجلس في مقام الملك، وحكم على عادته، ولكنه لم تطل مدته بعد ذلك بل عاجله القضاء المحتوم والحَين المقسوم، فكانت وفاته في هذه السنة [ولله الحمد والمنة]

(5)

، وكانت مدة أيامه في الملك

(6)

ثلاثًا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها بمصر سنتان وتسعة أشهر

(7)

، وجملة عمره كله خمس وأربعون سنة وستة أشهر، لأنه ولد بإفريقية حادي عاشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمئة، وكانت وفاته بمصر في اليوم السَّابع عشر

(8)

من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمئة، وهي هذه السنة المباركة.

‌ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمئة

فيها توفي ركن الدولة أبو علي بن بُوَيه

(9)

وقد جاوز السبعين

(10)

[سنة]

(11)

، وكانت أيامه نيفًا وأربعين سنة، وقبل موته في السنة الماضية قَسَّم ممالكه [بين أولاده]

(12)

كما

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

القطع: هو تأثير الكواكب أو النجوم على الأشخاص. انظر "تكملة المعاجم العربية" لدوزي (2/ 375).

(4)

في (ط): زيادة {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54].

(5)

ما بين حاصرتين من (ب).

(6)

في (ط): زيادة: قبل أن يملك مصر وبعدما ملكها.

(7)

في (ط) زيادة: والباقي ببلاد المغرب.

(8)

في (ح): في سابع عشرين، والمثبت من (ب) و (ط)، وهو يوافق ما في الكامل (8/ 663).

(9)

واسمه الحسين بن بويه.

(10)

في (ب) و (ط) التسعين، وكانت ولادة ركن الدولة تقديرًا في سنة (284 هـ)، فيكون عمره حين توفي نحو ثمانين سنة، انظر المنتظم (7/ 85) ووفيات الأعيان (2/ 119) وسير أعلام النبلاء (16/ 203) وانظر ترجمته في وفيات سنة (365 هـ).

(11)

ما بين حاصرتين من (ط).

(12)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

ص: 282

ذكرنا

(1)

، وقد عملت ضيافة في دار ابن العميد بأصفهان حافلة حضرها ركن الدولة وبنوه وأعيان دولته، فعهد [ركن الدولة]

(2)

في هذا اليوم إلى ابنه عضد الدولة، وخلع عضد الدولة على أخويه

(3)

وسائر الأمراء الأقبية والأكسية على عادة الدَّيْلم، وحيوة

(4)

بالرَّيحان على عادتهم أيضًا، وكان يومًا مشهودًا. ثم توفي ركن الدولة بعده

(5)

بقليل في هذه السنة، وقد كان سائسًا حليمًا، وقورًا كثير الصَّدَقات، محبًا للعلماء فيه إيثار وكرمٌ

(6)

، وحُسْنُ عشرة ورياسة، وحنو على أقاربه ودولته ورعيته. وحين تمكَّن ابن عضد الدولة قَصَدَ العراق ليأخذها من ابن عمه عز الدولة بختيار لسوء سيرته ورداءة سريرته، فالتقوا في هذه السنة بأرض الأهواز، فهزمه عضد الدولة وأخذ أثقاله وأمواله، وبعث إلى البصرة فأخذها وأصلح بين أهلها حَيَّيْ ربيعة ومُضْر، وفد كان بينهم خُلْف متقادم من نحو مئة وعشرين سنة، وكانت مُضَر تميل إليه وربيعة عليه، ثم اتفق الحَيَّان واجتمع عليه الفريقان، وقويت شوكة عضد الدولة وعزل عز الدولة، وقبض على وزيره ابن بقيَّة لأنه استحوذ على الأمور دونه، وجبى الأموال إلى خزائنه، فاستظهر عضد الدولة

(7)

بما وجده من الحواصل

(8)

لابن بقية ولم يبق له منها بقية. وكذلك أمر عضد الدولة

(9)

بالقبض على وزير أبيه أبي الفتح بن العميد لموجدة تقدَّمت منه إليه - أسلفنا ذكرها

(10)

- ولم يبق لبني العميد أيضًا في الأرض بقية، وقد كان الأكابر تتقي منهم التقية، وقد كان [ابن العميد]

(11)

من الفسوق والعصيان بأوفر مكان، فخانته المقادير، وعاجله

(12)

غضب السلطان، ونعوذ بالله من غضب الرحمن.

وفي منتصف شوَّال من هذه السنة توفي الأمير منصور بن نوح السَّاماني، صاحب بلاد خُرَاسان ببخارى، وكانت ولايته خمس عشرة سنة، وقام بالأمر [من]

(13)

بعده ولده أبو القاسم نوح، وعمره إذ ذاك ثلاث عثرة سنة، ولقب بالمنصور

(14)

.

(1)

انظر حوادث سنة (365 هـ).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ب) و (ط): إخوته، وانظر الكامل (8/ 669 - 670).

(4)

في (ط): وحفوه.

(5)

في (ط): وقد كان ركن الدين قد أسن وكبر، وتوفي بعد هذه الوليمة.

(6)

في (ط) زيادة: وبر.

(7)

في (ح) و (ب): عز الدولة، وهو تحريف، والمثبت من (ط).

(8)

في (ط): بما وجده في الخزائن والحواصل.

(9)

في (ح) و (ب) و (ط): ركن الدولة، وهو تحريف، وانظر الكامل (8/ 675).

(10)

انظر حوادث سنة (366 هـ).

(11)

ما بين حاصرتين من (ط).

(12)

في (ط): نزل به.

(13)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(14)

سترد ترجمته في وفيات سنة (387 هـ).

ص: 283

وفيها توفي الحكم، ولقبه المستنصر بالله بن النَّاصر لدين الله عبد الرحمن الأُموي، وقد كان هذا من خيار الملوك وعلمائهم، [وكان]

(1)

عالمًا بالفِقْه والخلاف والتَّواريخ، محبًا للعلماء محسنًا إليهم. وكانت وفاته وله من العمر ثلاثٌ وستون سنة وسبعة أشهر، ومدة خلافته منها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، وقام بالأمر من بعده ولده هشام وله عشر سنين ولقب بالمؤَيَّد بالله، وقد اختلف عليه في أيامه واضطربت الرعايا، وحبس مُدَّة، ثم أُخرج وأعيد إلى الخلافة، وأقام بأعباء أمره حاجبه

(2)

المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر المَعَافِرِي

(3)

، وابناه المُظَفَّر والنَّاصر، فساس الرعايا جيدًا، وعدل فيهم وغزا الأعداء، واستمرَّ لهم الحال كذلك نحوًا من ست وعشرين سنة. وقد ساق ابنُ الأثير هنا قطعة من أخبارهم، وأطال شرحها

(4)

.

وفيها رجع مُلْكُ حلب إلى أبي المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان؛ وذلك أنه لما مات أبوه، وقام من بعده تغلَّب مولاهم قرغويه عليهم، وأخرجه منها خائفًا يترقب، فسار إلى أمه بميافارفين في سنة سبع وخمسين، ثم جاء فنزل حماة، وكانت الروم قد خربت حمص، فسعى في عمارتها وترميمها وسكنها، ثم إن قرغويه استخلف على حلب مولى يقال له بكجور، فتغلب عليه وسجن مولاه قرغويه بقلعتها نحوًا من ست سنين، فكتب أهل حلب إلى أبي المعالي وهو بحمص يسألونه أن يأتي إليهم، فسار، فحاصر حلب أربعة أشهر، ففتحها، وامتنعت القلعة عليه، وقد تحصَّن بها بكجور، ثم اصطلح مع أبي المعالي على أن يؤمنه على نفسه ويستنيبه بحمص، ففعل، فتاب له بكجور بحمص، ثم انتقل في وقت

(5)

إلى نيابة دمشق، وإليه تنسب هذه المزرعة ظاهر دمشق من غربيها التي تعرف بالقصر البكجوري والله تعالى أعلم.

‌إبتداء ملك شبُكْتِكِين

والد محمود صاحب غَزْنة.

وقد كان سُبُكْتِكِين هذا مولى الأمير أبي إسحاق بن ألبتكين

(6)

صاحب جيش غَزْنة وأعمالها

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ح): وصاحبه، وهو تحريف، والمثبت من (ب) و (ط).

(3)

في (ح): العامري، وهو تحريف، والمثبت من (ب) و (ط). وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (97/ 15 - 16).

(4)

انظر الكامل (8/ 677 - 682).

(5)

انظر أخباره في الكامل (9/ 58، 85 - 88) والوافي بالوفيات (10/ 202).

(6)

في الأصل و (ب): السكين، والمثبت من (ط)، ومثله في الكامل (8/ 683) ووفيات الأعيان (5/ 175) وفي طبقات الشافعية للسبكي (5/ 316) وانظر حاشية المحقق.

ص: 284

للسَّامانية، وليس هذا بحاجب معز الدولة، ذاك توفي قبل هذه السنة كما قدَّمنا

(1)

. وأما هذا فإنه لما مات مولاه لم يترك أحدًا يصلح للملك [من]

(2)

بعده [لا]

(3)

من ولده ولا من قومه، فاصطلح الجيش على مبايعة سُبُكْتِكِين هذا خيره

(4)

وحُسْنِ سيرته، وكمال عقله وشجاعته وديانته. فاستقرَّ الملك بيده، واستمر من بعده في ولده السعيد محمود بن سُبُكتِكين.

وقد غزا سُبُكْتِكين هذا بلاد الهند، ففتح شيئًا كثيرًا من حُصُونهم، وغَنمَ أشياء كثيرة من أموالهم، وكسر من أصنامهم وبدودهم

(5)

أمرًا هائلًا، وباشر بمن معه من الجيوش حروبًا تشيب الولدان [والمَفارق، وتسر الصديق وتغم المُفَارق]

(6)

وقد قصده جيبال

(7)

ملك الهند [الأعظم]

(8)

بنفسه وجنوده التي تعمُّ السهول والجبال، فكسرهم مرتين، وَرَدَّهم إلى بلادهم في أسوأ حال وأردأ بال.

وذكر ابن الأثير في "كامله" أن سبكتكين لما التقى مع جيبال ملك الهند في بعض الغَزَوات كان بالقُرْب منهم عين في عقبة غورك، وكان من عاداتهم أنه إذا وضعت فيها نجاسة أو قذَر اكفهرَّت السماء وأرعدت وأبرقت وأمطرت، ولا تزال كذلك حتى تطهر تلك العين من ذلك الشيء الذي أُلقي فيها، وأن سُبُكْتِكِين أمر بإلقاء نجاسة في تلك العين عند ذلك - وكانت قريبًا من العدو - فلم يزالوا في رعود وبروقٍ وأمطار وصواعق حتى ألجأهم ذلك الحال إلى الهرب والرجوع إلى بلادهم خائبين هاربين، وأرسل ملك الهند يطلب من سُبُكتكين الصُّلْح، فأجابه بعد امتناعٍ من ولده محمود على مالٍ جزيل يحمله

(9)

إليه، وبلاد كثيرة يسلمها [إليه]

(10)

، وخمسين فيلًا ورهائن من رؤوس قومه يتركها عنده حتى يقوم بما التزم

(11)

له من ذلك.

(1)

انظر حوادث سنة (364 هـ).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

في (ط) زيادة: لصلاحه فيهم وخيره.

(5)

في (ط): ونذورهم، وهو تحريف، والبُدُّ: بيت فيه أصنام وتصاوير، وهي كلمة فارسية معربة. انظر اللسان (بدد).

(6)

ما بين حاصرتين من (ب).

(7)

في (ح): خيبال، والمثبت من (ب) و (ط)، ومثلهما في "الكامل" لابن الأثير.

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

(9)

في (ح): فحمله، والمثبت من (ب) و (ط).

(10)

ما بين حاصرتين من (ط).

(11)

في (ح): التزمه، والمثبت من (ب).

ص: 285

وفيها توفي:

أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجَنَّابي: صاحب هَجَر ومقدَّم القرامطة، فقام [بالأمر]

(1)

ستة من قومه، وكانوا يسمون بالسَّادة، وقد اتفقوا على تدبير الأمر من بعده [ولم يختلفوا]

(2)

حالهم

(3)

.

وفيها كانت وفاة:

الحسن

(4)

بن أحمد

(5)

بن أبي سعيد الجَنَّابي: أبو محمد القِرْمطي.

قال ابن عساكر: واسم أبي سعيد الحسن

(6)

بن بَهْرَام

(7)

، ويقال الحسن بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن كودزكار، يقال: أصلهم من الفرس. قال: ويعرف أبو محمد هذا بالأعصم. قال: وولد بالأحساء في سنة ثمان وسبعين ومئتين.

وقد تغلَّب على دمشق والشَّام في سنة سبع وخمسين وثلاثمئة، ثم عاد إلى الأحساء بعد سنة، ثم عاد إلى دمشق في سنة ستين، وكسر جيش جعفر بن فلاح، أول من ناب بالشَّام عن المعز الفاطمي وقتله، ثم توجَّه إلى مِصْر فحصرها في مستهل ربيع الأول سنة إحدى وستين، واستمر محاصرها شهورًا، وقد كان استخلف على دمشق ظالم بن مرهوب العُقيلي

(8)

ثم عاد إلى الأحساء، ثم رجع إلى الرَّملة، فتوفي بها في هذه السنة، وقد قارب التسعين، وهو يظهر طاعة عبد الكريم الطَّائع بن المطيع الخليفة.

وقد أورد له الحافظ [ابن عساكر]

(9)

أشعارًا حسنة رائقة فائقة؛ فمن ذلك ما كتب به إلى جعفر بن فلاح قبل الحرب بينهما

(10)

:

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

في (ح): الحال، والمثبت من (ب) و (ط).

(4)

في (ط): الحسين، وانظر حوادث سنة (360 هـ).

(5)

تاريخ أخبار القرامطة (95) سير أعلام النبلاء (16/ 274 - 276) العبر (2/ 340) فوات الوفيات (1/ 318 - 319) الوافي بالوفيات (11/ 373) مرآة الجنان (2/ 385) النجوم الزاهرة (4/ 128) شذرات الذهب (3/ 55).

(6)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (301 هـ).

(7)

انظر حوادث سنة (360 هـ).

(8)

مَرَّ في حوادث سنة (363 هـ) أن المُعزَّ أرسله أميرًا إلى دمشق سنة (363 هـ): وفي سير أعلام النبلاء (16/ 272): أن ظالمًا كان نائبًا عن القرمطي في دمشق، ثم استماله المعز.

(9)

ما بين حاصرتين من (ط).

(10)

في (ط) زيادة: وهي من أفحل الشعر.

ص: 286

الكُتْبُ مُعْذرةٌ والرُّسْلُ مُخْبرةٌ

والحقُّ مُتَّبعٌ والخَيْرُ موجودُ

(1)

والحَرْبُ سَاكِنةٌ والخَيْلُ صافِنةٌ

(2)

والسِّلْمُ مُبْتذلٌ والظِّل مَمْدودُ

فإنْ أنبتمْ فَمَقْبولٌ إنابَتكمْ

وإن أَبَيْتُمْ فهذا الكُورٌ

(3)

مشدودُ

على ظُهور المطايا

(4)

أو تَردْنَ بنا

دمشقَ والبابُ مهدومٌ

(5)

ومَرْدودُ

إني امرؤٌ ليس من شأني ولا أَرَبي

طَبْلٌ يَرِنُّ ولا نايٌ ولا عُودُ

ولا اعتكافٌ على خميرٍ ومجمرةٍ

وذاتِ دَلٍّ لها غُنْجٌ

(6)

وتَفْنيدُ

ولا أبيتُ بطينَ البَطْنِ من شِبَعٍ

ولي رفيقٌ خميصُ البطن

(7)

مجهودُ

ولا تسامت بي الدُّنيا إلى طَمَعٍ

يومًا ولا غَرَّني فيها المواعِيْدُ

(8)

ومن شعره أيضًا:

يا ساكنَ البَلَدِ المُنيفِ تَعَزُّزًا

بقلاعِه وحُصُونهِ وكُهُوفهِ

لا عِزَّ إلا للعزيزِ بنفسهِ

وبِخَيْلِهِ وبِرَجْلهِ وسُيُوفِهِ

وبقُيَّة بيضاء قد ضُربتْ على

شَرَفِ الخيامِ لجاره وحليفهِ

(9)

قومٌ إذا اشتدَّ الوغى أردَى العِدَى

وشَفَى النُّفُوسَ بِضَرْبِهِ ووقوفهِ

(10)

لم يَرْضَ

(11)

بالشَّرَفِ التليدِ لنفسهِ

حتى أشاذ

(12)

تلِيْدُهُ بطريفِهِ

(13)

وفيها تملك قابوس بن وشمكير بلاد جُرْجان وطَبَرِسْتان وتلك النَّواحي.

وفيها دخل الخليفة الطائع لله بشاه ناز بنت عز الدولة بن بُوَيْه، وكان عرسًا حافلًا.

(1)

في (ط): محمود، وإخاله تصحيفًا.

(2)

الصافن من الخيل القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، انظر "اللسان"(صفن).

(3)

الكور: رحل الناقة بأداته، وهو كالسرج وآلته للفرس، اللسان (كور).

(4)

في (ط): المنايا، وهو تحريف.

(5)

في (ط): مسدود.

(6)

في (ح): دَلٌّ، والأبيات ليست في (ب)، والمثبت من (ط).

(7)

خميص البطن: جائع، انظر اللسان (خمص).

(8)

انظر سير أعلام النبلاء (16/ 276).

(9)

في (ط): وضيوفه.

(10)

في (ط): وزحوفه.

(11)

في (ط): يجعل الشرف.

(12)

في (ط): أفاد.

(13)

انظر مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (6/ 312).

ص: 287

وفي هذه السنة حَجَّت جميلة بنت ناصر الدولة بن حمدان في تجمُّل عظيم، [حتى]

(1)

كان يُضْربُ المثل بحَجَّها؛ وذلك أنها عَمِلَتْ أربعمئة محمل فلا يُدْرى في أيها هي، ولما وصلت إلى الكعبة المكرَّمة نَثَرتْ عليها عشرة آلاف دينار

(2)

، وكَسَتِ المجاورين بالحرمين كلَّهم، وأنفقت أموالًا جزيلة في ذهابها وإيابها.

وحجَّ بالناس من العراق الشريف أبو عبد الله أحمد بن أبي الحسين محمد

(3)

بن عبد الله

(4)

العلوي، وكذلك حج بالناس إلى سنة ثمانين وثلاثمئة، وكانت الخطبة بالحَرَمين في هذه السَّنة للفاطميين أصحاب مصر دون العباسيين.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إسماعيل

(5)

بن نُجَيْد

(6)

بن أحمد بن يوسف بن سالم: أبو عمرو السُّلَمي.

صحب الجُنيد وغيره، وروى الحديث، وكان ثِقَةً، ومن جيد كلامه قوله: من لم تهذبك رؤيته فليس بمهذَّب.

وقد احتاج شيخه أبو عثمان

(7)

مرَّة إلى شيء، فسأل أصحابه فيه، فجاءه ابن نُجَيد بكيسٍ فيه ألفا دِرْهم، فقبضه منه، وجعل يشكره إلى أصحابه، فقال له ابن نُجيد

(8)

: يا سيدي، إن المال الذي دفعتُه إليك كان من مال أُمي وهي كارهة، فأحبُّ أن تردَّه إليها. فأعطاه تلك الدَّراهم، فلما كان الليل جاءه بها، وقال: أحب أن تصرفها في أمرك من غير أن يعلم بذلك أحد. فكان أبو عثمان يقول: أنا أخشى

(9)

من هِمَّة أبي عمرو بن نُجيد، رحمهم الله تعالى.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ط): ولما وصلت إلى الكعبة نثرت عشرة آلاف دينار على الفقراء والمجاورين.

(3)

في (ح) و (ب): أحمد بن أبي الحسين بن محمد، والمثبت من المنتظم (7/ 84).

(4)

في المنتظم (7/ 84): عبيد الله، وفي الكامل (9/ 78): عبد الله.

(5)

هكذا ذكر وفاته في هذه السنة، والمحفوظ أنه توفي في السنة الفائتة سنة 365 هـ، كما في تاريخ الإسلام (8/ 239) وسير أعلام النبلاء (16/ 148).

(6)

طبقات الصوفية (454 - 457) الرسالة القشيرية (28) المنتظم (7/ 84 - 85) سير أعلام النبلاء (16/ 146 - 148) العبر (2/ 336) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 222 - 224) النجوم الزاهرة (4/ 127) شذرات الذهب (3/ 50).

(7)

هو أبو عثمان الحيري سعيد بن إسماعيل، وسلفت ترجمته في وفيات سنة (298 هـ) من هذا الكتاب.

(8)

في (ط) زيادة بين أصحابه.

(9)

في (ط): أجتني، وهو تصحيف.

ص: 288

الحسن بن بُوَيْه

(1)

: أبو علي، ركن الدولة بن بويه عَرَضَ له قُولنج، فمات ليلةَ السبت الثَّامن والعشرين من المحرَّم [منها]

(2)

، فكانت مُدَّة إمارته أربعًا وأربعين سنة وشهرًا وتسعة أيام؛ ومدَّة عمره ثمانٍ وسبعون سنة

(3)

، وكان حليمًا كريمًا.

محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أفلح بن رافع بن إبراهيم بن أفلح بن عبد الرحمن بن عبيد بن رفاعة بن رافع، أبو الحسن، الأنْصاري الزُّرْقي

(4)

، كان نقيب الأنصار ببغداد، وقد سمع الحديث من أبي القاسم البغوي وغيره، وكان ثِقَةً يعرف أيام الأنصار ومناقبهم وأمورهم، وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة.

محمد بن الحسن

(5)

بن أحمد بن إسماعيل: أبو الحسن السَّرَّاج.

سمع يوسف بن يعقوب القاضي وغيره، وكان شديد الاجتهاد في العبادة. صلى حتى أُقعد، وبكى حتى عَمِيَ، وكانت وفاته يوم عاشوراء من هذه السنة.

القاضي منذر بن سعيد، أبو الحكم البَلُّوطي

(6)

: الظاهري مذهبًا، قاضي قضاة الأندلس، وكان إمامًا فقيهًا عالمًا فصيحًا خطيبًا شاعرًا دينًا، كثير الفَضْل، [جامعًا لصنوف من الخير والتقوى والزُّهد]

(7)

، وله مصنفات واختيارات، منها أن الجنة التي أُدخلها آدم وأخرج منها كانت في الأرض، [وليست بالجنة التي أعدَّها الله لعباده في الآخرة](7)، وله في ذلك مصنِّفٌ مفرد، له وَقْعٌ في النُّفوس [وعليه حلاوة وطلاوة](7). وله تفسير القرآن، وغير ذلك.

دخل يومًا على النَّاصر لدين الله عبد الرحمن الأموي وقد فرغ من بناء المدينة الزهراء وقصورها، وقد

(1)

المنتظم (7/ 85) وفيات الأعيان (2/ 118 - 119) سير أعلام النبلاء (16/ 203 - 204) الوافي بالوفيات (11/ 411 - 412) مرآة الجنان (3/ 93) النجوم الزاهرة (4/ 127) شذرات الذهب (3/ 55).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

انظر حاشيتنا على حوادث سنة (366 هـ).

(4)

هذه النسبة إلى بني زُريق، بطن من الأنصار من الخزرج، اللباب (2/ 65).

(5)

المنتظم (7/ 86) سير أعلام النبلاء (16/ 161) العبر (2/ 342) النجوم الزاهرة (4/ 128) شذرات الذهب (3/ 57).

(6)

طبقات النحويين واللغويين (319 - 320) تاريخ علماء الأندلس (2/ 144 - 145) جذوة المقتبس (348 - 349) بغية الملتمس (465 - 466) معجم الأدباء (19/ 174 - 185) معجم البلدان (1/ 492) إنباه الرواة (3/ 325) الكامل لابن الأثير (8/ 674 - 675) اللباب (1/ 176) سير أعلام النبلاء (16/ 173 - 178) تاريخ قضاة الأندلس (66 - 75) بغية الوعاة (2/ 301) نفح الطيب (1/ 372 - 376) شذرات الذهب (3/ 17) وقد تابع ابنُ كثير ابنَ الأثير في ذكره في وفيات هذه السنة، وقد ذكر الذهبي وفاته سنة (355 هـ).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 289

بُني له فيها قصر عظيم منيف، وزخرف بأنواع الدهانات والستور، وجلس عنده رؤوس دولته وأمراؤه، وجاء القاضي، فجلس إلى جانبه، وجعل الحاضرون يثنون على هذا البناء [ويمدحونه]

(1)

، والقاضي ساكتٌ لا يتكلم، فالتفت إليه الملك وقال: ما تقول [أنت](1) يا أبا الحَكم؟ فبكى القاضي، [وانحدرت دموعه على لحيته] (1) وقال: ما كنتُ أظن أن الشيطان أخزاه الله تعالى يبلغ منك

(2)

هذا المبلغ [المفضح المهتك المهلك لصاحبه في الدنيا والآخرة]

(3)

ولا أنك تمكنه من قيادك

(4)

هذا التمكين مع ما آثرك الله به وفضَّلك [به على كثير من الناس]

(5)

حين أنزلك منازل الكُفَّار، قال الله تعالى:{وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 33 - 35]، قال: فَوَجمَ الملك عند ذلك وبكى وقال: جَزَاك الله خيرًا، وأكثر في المسلمين مثلك

(6)

.

وقد قُحِطَ النَّاسُ في بعض السِّنين، فأمر الملك القاضي منذر بن سعيد البلُّوطي أن يستسقي بالنَّاس، فلما جاءته الرِّسالة بذلك ليخرج من الغد قال للرَّسول: كيف تركت الملك؟ وما حاله؟ فقال: رأيته أخشع ما يكون وأكثره دعاءً [وتضرُّعًا]

(7)

فقال القاضي: رُحمتم وسُقيتم والله إذا خَشَعَ جَبَّار الأرض رَحِمَ جَبَّارُ السَّماء. ثم قال لغلامه: اخرج بالمِمْطَر معك

(8)

. فلما خرج النَّاس وجاء القاضي

(9)

صَعِدَ المنبر والنَّاسُ ينظرون إليه يستمعون لما يقول، فلما أقبل عليهم كان أول ما خاطبهم به أن قال:{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54]، ثم أعادها [مرارًا]

(10)

فأخذ النَّاسُ في النحيب والبكاء [والتوبة]

(11)

والإنابة، ولم يزالوا كذلك حتى سُقوا، ورجعوا يخوضون الماء

(12)

.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

في (ح) و (ب): بك، والمثبت من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

في (ب) فؤادك.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

انظر الكامل لابن الأثير (8/ 674).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

في (ح): بالمنبر، وفي (ب) بالمنظر، وكلاهما تصحيف، والمثبت من الكامل لابن الأثير (8/ 675) والممطر والممطرة: ثوب من الصوف يلبس في المطر يتوقى به منه. اللسان (مطر).

(9)

في (ط): ثم قال لغلامه: ناد في الناس الصلاة، فجاء الناس إلى محل الاستسقاء، وجاء القاضي.

(10)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(11)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(12)

الكامل (8/ 674 - 675).

ص: 290

وقد صنَّف الحافظ أبو عمر بن عبد البَرّ مصنَّفًا في مناتبه، رحمه الله تعالى.

أبو الحسن علي بن أحمد

(1)

بن المَرْزُبان البغدادي الفقيه الشَّافعي: تفقه بأبي الحسين بن القَطَّان، وأخذ عنه الشيخ أبو حامد الإسْفراييني.

قال ابن خلَّكان: وكان ورعًا زاهدًا ليس لأحدٍ عنده مَظْلمة، وله وجه في المذهب، وكان له دَرْسٌ ببغداد، وتوفي في رجب من هذه السنة

(2)

.

‌ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمئة

في هذه السنة دخل عضد الدولة إلى بغداد، وخرج منها عِزُّ الدولة بَخْتيار بن معز الدولة، واتبعه عضد الدولة ليقاتله، وأخذ معه الخليفة الطائع، فاستعفاه الخليفة من الخروج فأعفاه، وسار عضد الدولة وراءه، فأخذه أسيرًا، ثم قتل سريعًا وتصرَّمت دولته. واستقرَّ أمر عضد الدولة ببغداد، وخلع عليه الخليفة الخِلَع السَّنية والأسْوِرَة في يديه والطوق في عنقه، وأعطاه لواءين أحدهما فضَّة والآخر من ذهب، ولم يكن هذا الثاني يصنعه إلا لأولياء العهد، وأرسل إليه الخليفة بتُحَفٍ سنية، وبعث عضد الدولة [إلى الخليفة]

(3)

بأموالٍ جزيلة من الذَّهب والفِضَّة، واستقرت يده على بغداد وما والاها من البلاد.

وزلزلت الأرض

(4)

مرارًا في هذه السنة.

وزادت دِجْلة زيادةً كثيرة وانتقضت بيوت كثيرة في البلد، وغرق خَلْقٌ كئير وجمٌّ غفير.

وقيل لعضد الدولة: إن أهل بغداد قد قَلُّوا كثيرًا بسبب الطَّاعون، وما وقع بينهم من الفِتَن بسبب الرَّفْض والسُّنَّة، وأصابهم حَريق [عظيم]

(5)

وغَرَقٌ، فقال: إنما يهيج [الشر](5) بين النَّاس في السُّنَّة والرَّفض هؤلاء القُصَّاص والوعاظ. ثم رسم أن أحدًا لا يقصُّ ولا يعظ في سائر بغداد، ولا يسأل سائل باسم أحد من الصَّحابة، وإنما يقرأ السَّائل القرآن، فمن أعطاه أخذ منه. فعمل بذلك في البلد، ثم بلغه

(1)

تاريخ بغداد (11/ 325) وفيات الأعيان (3/ 281) سير أعلام النبلاء (16/ 246) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 346) شذرات الذهب (3/ 56).

(2)

وفيات الأعيان (3/ 281).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

في (ط): بغداد، وهو تحريف، وقد ذكر ابن الجوزي في المنتظم (7/ 87) زلزلة بسيراف، وذكر ابن الأثير في الكامل (8/ 693 - 694) زلزلة في إفريقية.

(5)

ما بين حاصرتين من (ب).

ص: 291

أن أبا الحسين بن سمعون الواعظ

(1)

- وكان من الصَّالحين - قد استمرَّ يعظ الناس على عادته، فأرسل إليه من جاءه به، فأخذ من مجلسه وقيل له: إذا دخلت على الملك فقبِّل التراب وتواضع في الخطاب والجواب. فلما دخل دار الملك وجد السُّلْطان قد جلس في حجرة وحده لئلا يبدر من ابن سمعون في حَقِّه كلامٌ بحضرة الناس يؤثر عنه

(2)

. فدخل الحاجب بين يديه ليستأذن له عليه، فوجده قد دخل وراءه، فإذا الملك جالس وحده، فتنحا ابن سمعون بوجهه نحو دار عز الدولة ثم استفتح القراءة [بسم الله الرحمن الرحيم] {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]، ثم استدار نحو الملك، فقال:{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14]، ثم أخذ في مخاطبة الملك وَوَعْظِهِ، فبكى عضد الدولة بكاء كثيرًا، وجَزَّاه خيرًا. فلما خرج من عنده قال للحاجب: اذهب فَخذْ ثلاثة آلاف دِرْهم وعشرة أثواب وادفعها إليه أو لفقراء أهله، فإن قبلها جِئْني برأسه، قال الحاجب: فجئته فقلتُ: هذه أثوابٌ أرسل بها إليك الملك لتلبسها. فقال: لا حاجة لي بها، هذه ثيابي

(3)

من عهد أبي منذ أربعين سنة كلما خرجتُ إلى النَّاس لَبِسْتُها، فإذا رجعت طَويْتُها. قلت: وهذه نفقة. فقال: لا حاجة لي فيها، لي دارٌ آكل من أجرتها تَرَكها لي أبي، فأنا في غُنْية عنها

(4)

. فقلت: لفقراء أهلك. فقال: أهله أحق بها من أهلي، وأفقر إليها منهم. فرجعتُ إلى الملك لأشاوره، وأخبر بما قال: فسكتَ ساعةً ثم قال: الحمد لله الذي سلَّمنا منه وسلّمه منا.

[ثم إن عضد الدولة أخذ ابن بَقِيَّة الوزير لعز الدولة، فأمر به، فوضع بين قوائم الفِيَلة، فتخبطته بأرجلها حتى هَلَك، ثم صُلِب على رأس الجسر في شَوَّال منها، فرثاه أبو الحسين

(5)

بن الأنباري بأبياتٍ يقول فيها:

عُلُوٌ في الحَيَاةِ وفي المماتِ

لحقٌ أنتَ إحدى المُعْجزاتِ

كأنَّ النَّاسَ حَوْلَكَ حينَ قاموا

وفودُ نَدَاكَ أيامَ الصِّلاتِ

كأنَّك واقفٌ فيهم خَطيبًا

وكلُّهمُ وقوفٌ للصَّلاةِ

مددتَ يديكَ نحوهُمُ احتفاءً

كمدهما إليهم بالهِباتِ

(1)

سترد ترجمته في وفيات سنة (387 هـ).

(2)

في (ط) زيادة: وتحول عضد الدولة من مجلسه وجلس وحده لئلا يبدر من ابن سمعون إليه بين الدولة كلام يكرهه.

(3)

في (ح): هذه ثياب أبي، والمثبت من (ب) و (ط).

(4)

في (ط): زيادة، فأنا في غنية عما أرسل به الملك.

(5)

في وفيات الأعيان (5/ 120): أبو الحسن محمد بن عمر بن يعقوب الأنباري.

ص: 292

وهي قصيدة طويلة أورد كثيرًا منها ابن الأثير في "كامله"

(1)

].

‌صفة مقتل عز الدولة بَخْتيار بن معز الدولة وأخذ عضد الدولة الموصل وأعمالها

لما دخل عضد الدولة بغداد وتسلَّمها من عز الدولة وأخرجه منها ذليلًا طريدًا في قُلٍّ من النَّاس، ومن عزم بختيار أن يمضي إلى الشَّام فيأخذها، وقد حلفه عضد الدولة أن لا يتعرض لأبي تغلب صاحب الموصل وذلك لمودَّةٍ كانت بينهما ومراسلات منهما، فحلف له على ذلك، وحين خرج من بغداد كان معه حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان، فحسَّن لعز الدولة أخذ بلاد الموْصل [من أبي تغلب]

(2)

، لأنها أطيبُ وأكثر مالًا [من الشام](2) وأقرب إليه [الآن](2). وكان عِزُّ الدولة ضعيفَ العقل قليلَ الدِّين، فلما بلغ ذلك أبا تغلب أرسل إلى عز الدولة يقول له: لئن بعثت إليَّ بأخي

(3)

حمدان بن ناصر الدولة أعنتك بجيشي وبنفسي حتى أردَّك إلى ملك بغداد وأقاتل معك عضد الدولة. فأمسك حمدانَ وأرسله إلى أخيه

(4)

أبي تغلب، فسجنه في بعض القلاع، وبلغ ذلك عضد الدولة وأنهما قد اجتمعا على حربه، فركب إليهما بجيشه، وأراد إخراج الخليفة الطائع معه، فاستعفاه فأعفاه، واستمرَّ هو ذاهبًا إليهما، فالتقى معهما، فكسرهما وهزمهما، وأخذ عز الدولة أسيرًا، فلما جيء به لم يأذن له بل أرسل إليه من قتله في الحال، ثم سار من فوره، فأخذ المَوْصل ومعاملتها، وكان قد حمل معه ميرة كثيرة، وتشرَّد أبو تغلب في البلاد، وبعث وراءه السَّرايا في كلِّ جهة، وأقام عضد الدولة بالموصل، وضيَّق على أبي تغلب تلك البلاد، واستحوذ على أكثر تلك الناحية لصرامته وشجاعته وهمته وعزيمته، وأقام بالموصل إلى أواخر سنة ثمانٍ [وستين]

(5)

، وفتح مَيَّافارقين وآمِد وغيرهما من بلاد بكر وربيعة، وتسلَّم بلاد مُضَر من أيدي نواب أبي تغلب، فأخذ منها الرَّحبة، ورَدَّ بقيتها على صاحب حلب

(6)

سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، وتسلَّط سعد الدولة على بلاد عمه أبي تغلب يتسلمها بلدًا، بلدًا، وحين رجع

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط)، وأثبتنا ما في (ط) لحُسْنِ إيرادها، انظر الكامل (8/ 689 - 690) وانظر القصيدة بتمامها في وفيات الأعيان (5/ 120 - 121).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

في (ط): ابن أخي، وهو وهم.

(4)

في (ح) و (ط): عمه، وهو تحريف، انظر صدر الخبر، والكامل (8/ 691) ومعجم الأنساب لزامباور (1/ 502).

(5)

ما بين حاصرتين من (ب).

(6)

في (ح): الموصل، والمثبت من (ب) و (ط).

ص: 293

عضد الدولة من الموصل استناب عليها أبا الوفا، وعاد إلى بغداد، فتلقاه الخليفة الطائع لله ورؤوس الناس في ظاهر البلد، وكان يومًا مشهودًا.

ومما وقع من الحوادث في هذه السنة الوقعة التي كانت بين العزيز بن المعز الفاطمي وبين أفتكين غلام معز الدولة صاحب دمشق، فهزمه العزيز وأخذه معه إلى الدِّيار المصرية مكرَّمًا [معظمًا]

(1)

كما تقدم

(2)

، وتسلَّم العزيز الفاطمي دمشق وأعمالها، وقد تقدَّم في [سنة]

(3)

أربع وستين بسط هذه الكائنة بما أغنى عن إعادته

(4)

.

وفيها خُلع على القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي بقضاء قضاة الرَّي وما تحت حكم مُؤَيَّد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وله مصنَّفات حسنة، منها "دلائل النبوة"

(5)

و "عُمُد الأدِلَّة" وغيرها

(6)

.

وحجَّ بالناس في هذه السنة نائب المِصْريين وهو الأمير باديس بن زيري أخو يوسف بلِّكين، ولما دخل مكة اجتمع إليه اللصوص، وسألوا منه أن يُضمِّنهم الموسم هذا العام بما شاء من الأموال. فأظهر لهم الإجابة [إلى ما سألوا](7) وقال [لهم]

(7)

: اجتمعوا كلكم حتى أضمنكم كلكم. فاجتمع عنده بضع وثلاثون حراميًا، فقال: هل بقي منكم أحد؟ فحلفوا له إنه لم يبق منهم أحد. فعند ذلك أمر بقطع أيديهم كلهم، ونعم ما فعل. وكانت الخطبة في هذه السنة للفاطميين بمكة والمدينة دون العباسيين.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الملك عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن

(8)

بويه الدَّيْلَمي

(9)

: ملك بعد أبيه

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

انظر وفيات سنة (364 هـ).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

انظر حوادث سنة (364 هـ).

(5)

طبع باسم "تثبيت دلائل النبوة" وقد حققه الدكتور عبد الكريم عثمان.

(6)

توفي سنة (415 هـ)، وكان من أبناء التسعين، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (17/ 244 - 245) وللدكتور عبد الكريم عثمان كتاب فيه عنوانه "قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد" طبع في بيروت سنة 1967.

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

في (ح): بن معز الدولة والحسن بن أحمد بن بويه، وهو تحريف، والصواب ما هو مثبت، انظر المنتظم (7/ 89).

(9)

يتيمة الدهر (2/ 218 - 219) المنتظم (7/ 81 - 82) الكامل لابن الأثير (8/ 575 - 580) وغيرها، وفيات الأعيان (1/ 267 - 268) سير أعلام النبلاء (16/ 231 - 232) الوافي بالوفيات (10/ 84 - 86) النجوم الزاهرة (4/ 129) تاريخ الخلفاء (649) شذرات الذهب (3/ 59).

ص: 294

وعمره فوق العشرين

(1)

سنة بقليل، وكان حَسَن الجسم، شديد البطش، قوي القَلْب جدًّا، يقال: إنه كان يأخذ بقوائم الثور

(2)

الشديد فيلقيه إلى الأرض من غير أعوان، ويتقصد الأسود في أماكنها في متصيداته. ولكنه كان كثير اللهو واللَّعب والإقبال على اللَّذات، ولما كسره ابنُ عَمِّه ببلاد الأهواز كان فيما أُخذ من أمواله غلام له كان يحبه حبًا شديدًا [لا يهنأ بالعيش إلا معه]

(3)

، فبعث يترفق لابن عمه فيه حتى يردَّه، وأرسل إليه بتُحَفٍ عظيمة وأموالٍ جزيلة وجاريتين عوَّادتين لا قيمة لهما

(4)

. وبعث نقيب الأشراف في ذلك، فرُدَّ عليه الغلام المذكور، فكثُرَ تعنيف الناس لعز الدولة، وسقط من أعين الملوك، لأنه كان يقول: ذَهابُ هذا الغلام أشدُّ عليَّ مما جرى من أخذ بغداد وأرض العراق. ثم آل من أمره أنه أسره ابن عمه عضد الدولة كما ذكرنا

(5)

، وأمر بقتله سريعًا، فكانت مدّة حياته ستًا وثلاثين سنة، ومدة دولته منها إحدى عشرة

(6)

سنة وشهور

(7)

.

محمد بن عبد الرحمن

(8)

: أبو بكر، القاضي المعروف بابن قُرَيعة، ولي قضاءَ السِّنْدية

(9)

، وكان فصيحًا يأتي بالكلام المسجوع من غير تكلُّف ولا تردُّد، وكان جميلَ المعاشرة ظريف المحاضرة، ومن شعره:

لي حِيْلَةٌ فيمن يَنُمُّ (م)

وليسَ في الكذَّابِ حِيْلَهْ

مَنْ كان يَخْلُقُ ما يقو

لُ فَحِيْلتي فيه قَلِيْلهْ

وكان يقول للرجل من أصحابه إذا تماشيا

(10)

: إن تقدَّمْتُ [بين يديك]

(11)

فحاجب، وإن تأخرتُ فواجب. وكانت وفاته يوم السبت لعشر بقين من جُمادى الآخرة منها، رحمه الله تعالى، والله أعلم.

(1)

في (ح) و (ب): العشر، والمثبت من (ط)، وكان عمره نحو الخامسة والعشرين.

(2)

في (ح): بالفرس، والمثبت من (ب) و (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

أي لا تقدر قيمتها.

(5)

انظر حوادث سنة (367 هـ).

(6)

في (ح) و (ط) و (ب): إحدى وعشرين، وهو تحريف، والصواب ما هو مثبت، إذ ولي بعد وفاة أبيه سنة (356 هـ)، وانظر المنتظم (7/ 90).

(7)

في (ط) زيادة: وهو الذي أظهر الرفض في بغداد، وجرى بسبب ذلك شرور كما تقدم.

(8)

تاريخ بغداد (2/ 317 - 320) الإكمال لابن ماكولا (7/ 117) المنتظم (7/ 91 - 92) وفيات الأعيان (4/ 382 - 384) العبر (2/ 345) سير أعلام النبلاء (16/ 326) الوافي بالوفيات (3/ 227 - 229) شذرات الذهب (3/ 60 - 62).

(9)

السندية: قرية من قرى بغداد، على نهر عيسى، بين بغداد وبين الأنبار. معجم البلدان (3/ 268).

(10)

في (ح): وكان يقول لمماشيه، والمثبت من (ب) و (ط).

(11)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

ص: 295

‌ثم دخلت سنة ثمانٍ وستين وثلاثمئة

في شعبان منها أمر الخليفة الطائع لله أن يُدْعى لعضد الدولة بعد الخليفة على المنابر ببغداد، وأن تضرب الدبادب على بابه وقت الفجر وبعد المغرب والعِشاء.

قال ابنُ الجَوْزي: وهذا شيء لم يتفق لغيره من بني بُوَيْه، وقد كان مُعِزُّ الدولة سأل من المطيع لله أن تضرب الدَّبادب على بابه ببغداد، فلم يأذن له في ذلك

(1)

.

وقد افتتح عضد الدولة

(2)

في هذه السنة وهو مقيم بالمَوْصل أكثر ما كان لأبي تغلب بن حمدان، كآمِد وميافارقين والرَّحبة وغير ذلك من المدن الكبار والصغار. وحين عزم على العود إلى بغداد استناب على الموصل أبا الوفا الحاجب، ورجع إلى بغداد، فدخلها في سَلْخ ذي القعدة من هذه السنة، وتلقَّاه الخليفة والأعيان في أثناء الطريق، وكان يومًا مشهودًا، والله أعلم بالصواب.

‌ذكر ملك قَسَّام التَّرَّاب لدمشق في هذه السنة

لما اتَّقع

(3)

أفتِكين مع العزيز بأرض الرملة، وانهزم أفتكين والحسن القرمطي معه، وأسر أفتكين، فذهب العزيز إلى ديار مصر، نهض رجلٌ من أهل دمشق يقال له قَسَّام التَّرَّاب، كان أفتكين يقربه ويدنيه، ويأتمنه على أسراره، فاستحوذ على دمشق، وطاوعه أهلُها، وقصدته عساكر العزيز من مصر، فحاصروه بها، فلم يتمكنوا منه بشيء، وجاء أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان فحاصره، فلم يمكنه أن يدخل دمشق، فانصرف عنه خائبًا إلى طبرية، فوقع بينه وبين بني عقيل وغيرهم من العرب حروبٌ طويلة، آل به الحال إلى أن قُتل أبو تغلب، وكانت معه أُخته جميلة وامرأته بنت عمه سيف الدولة، فرُدَّتا إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب، فأخذ أخته، وبعث بجميلة إلى بغداد، فَحُبِسَتْ في دارٍ، وأخذ منها أموالٌ جزيلة.

وأما قسَّام وهو الحارثي، وأصله من بني الحارث بن كعب من اليمن - فأقام بالشَّام، يسُدُّ خللها، ويقوم بمصالحها مُدَّة سنين عديدة، وكان مجلِسُه بالجامع، ويجتمع النَّاس عنده، فيأمرهم وينهاهم فيمتثلون ما يرسم به.

(1)

المنتظم (7/ 92).

(2)

في (ط): عز الدولة، وهو تحريف.

(3)

في (ط). ذهب.

ص: 296

قال ابنُ عساكر: إن أصله من قرية تَلْفِيتا

(1)

، وكان تَرَّابًا.

قلت: والعامة يقولون اسمه قسيم الزبال، وإنما هو قَسَّام، ولم يكن زبالًا بل تَرَّابًا من قرية تلفيتا بالقُرْب من قرية مَنِين، وكان بدوُّ أمره أنه انتمى إلى رجلٍ من أحداث دمشق يقال له أحمد بن الجسطارة

(2)

، فكان من حِزْبه، ثم استحوذ على الأمور، وغلب الولاة والأمراء وصارت إليه أَزِمَّة الأحكام إلى أن قدم يَلْتِكين

(3)

التُّرْكي من مِصْر في يوم الخميس السَّابع عشر من المحرَّم سنة ستٍّ وسبعين وثلاثمئة، فأخذها منه ودخلها، فاختفى قَسَّام مدة، ثم ظهر، فأخذه أسيرًا، ثم أرسله [مقيدًا]

(4)

إلى الديار المِصْرية، فأطلق وأحسن إليه، وأقام بها أيضًا مكرمًا، واللَّه أعلم.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن جعفر بن حمدان

(5)

بن مالك بن شبيب بن عبد اللَّه: أبو بكر بن مالك القَطِيعي -من قطيعة الدَّقيق ببغداد- راوي "مسْند" أحمد عن ابنه عبد اللَّه، وقد روى عنه غير ذلك من مصنَّفات أحمد، وحدَّث عن غيره من المشايخ أيضًا، وكان ثِقَةً كثير الحديث.

وقد حدّث عنه الدَّارَقُطْني وابن شاهين والبَرْقاني وأبو نُعيم والحاكم، ولم يمتنع أحدٌ من الرواية عنه ولا التفتوا إلى ما شغب به بعضهم من الكلام فيه، بسبب غرق بعض كتبه حين غرقت القطيعة بالماء الأسود، فاستحدث بعضها من نسخ أُخَر، وهذا ليس بشيء، لأنها قد تكون معارضة على كتبه التي غرقت، واللَّه أعلم. ويقال: إنه تَغَيَّر في آخر عمره فكان لا يدري ما يقرأ عليه، وقد جاوز التسعين، رحمه الله.

تميم بن المعز الفاطمي

(6)

: وبه كان يكنى، وقد كان من أكابر أمراء دولة أبيه وأخيه العزيز، وفيه

(1)

من قرى جبال القلمون، انظر معجم البلدان (2/ 42 - 43).

(2)

لم تضبط المصادر اسمه: ففي معجم البلدان (2/ 42) الحطار، وفي (ط) المسطان، وفي "سير أعلام النبلاء": الجصطر، وفي تاريخ الإسلام:"الجِصطار" مجود بخط الذهبي، كما بينه الدكتور بشار في التعليق عليه (8/ 430).

(3)

أوله ياءآخر الحروف؛ ترجمه الذهبي في حرف الياء من وفيات سنة (373 هـ) من تاريخ الإسلام (8/ 396).

(4)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

تاريخ بغداد (4/ 73 - 74) الأنساب (10/ 203) طبقات الحنابلة (2/ 6 - 7) المنتظم (7/ 92 - 93) اللباب (3/ 48) سير أعلام النبلاء (16/ 210 - 213) الوافي بالوفيات (6/ 290 - 291) النجوم الزاهرة (4/ 132) شذرات الذهب (3/ 65).

(6)

الحلة السيراء (1/ 291) وفيات الأعيان (1/ 301 - 303) وقد ذكره ابن كثير في وفيات هذه السنة متابعة لابن الجوزي في "منتظمه"، وفي وفيات الأعيان (1/ 303) وتاريخ الإسلام (8/ 398) وكانت وفاته سنة (374 هـ)، ونقل ابن خلكان عن محمد بن عبد الملك الهمذاني أنه توفي سنة (375 هـ).

ص: 297

كرم وله فضيلة، وقد اتفقت له كائنة غريبة، وهي أنه أرسل إلى بغداد، فاشتريت له جارية مغنية بمبلغٍ جزيل، فلما حضرت عنده أضاف أصحابه ثم أمرها فغنت -وكانت تحبُّ شخصًا ببغداد-:

وبدا له من بعدِ ما اندمل الهَوى

بَرْقٌ تألَّقَ مُوهِنًا لمعانُهُ

يبدو كحاشيةِ الرِّداء ودونه

صَعْبُ الذُّرى مُتَمنِّعٌ أرْكانُهُ

فبدا لينظر كيفَ لاح فلم يُطِقْ

نظرًا إليه وصدَّه أشجانهُ

فالنارُ ما اشْتَمَلَت عليهِ ضلُوعهُ

والماء ما سَمَحتْ بهِ أجفانهُ

ثم غنته بأبيات أُخَر، فاشتدَّ طرب تميم وقال لها: لابد أن تسأليني حاجةً، فقالت: عافيتك. فقال: ومع هذا. وألحَّ عليها فقالت: تردُّني إلى بغداد حتى أغني بهذه الأبيات. فوجم [لذلك]

(1)

، ثم لم يجدُ بُدًا من الوفاء [لها بما سألتْ]

(2)

، فأرسلها مع بعض أصحابه، فأحَجَّها، ثم سار بها إلى بغداد على طريق العراق، فلما أمسوا الليلة التي يدخلون من صبيحتها بغداد ذهبت في الليل فلم يدرِ أين ذهبت، فلما راح الخبر إلى مولاها تألم ألمًا شديدًا، وندِمَ ندمًا [شديدًا]

(3)

حيث لا ينفعه النَّدَم.

[وقد ذكر ابن خلكان أنه لما توفي أدرج في ثمانين ثوبًا من ديباج، وأن قاضيهم هو الذي تولى ذلك منه. قلت: وهذا من الإسراف الذي سببه الجهل بالشرع]

(4)

.

العقيقي

(5)

: صاحب الحَمَّام والدَّار المنسوبتين إليه بمحلة باب البريد بدمشق أحمد بن الحسين بن أحمد بن علي بن محمد العقيقي بن جعفر بن عبد اللَّه بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف أبو القاسم الحسيني.

قال ابن عساكر: كان من وجوه أشراف دمشق، وإليه تنسب الدَّار والحَمَّام [بمحلة باب البريد]

(6)

. وذكر أنه توفي يوم الثلاثاء لأربع خلون من جُمادى الأولى من هذه السنة

(7)

، وأنه دفن من الغد، وأغلق البلد بسبب جنازته، وحضرها بكجور وأصحابه -يعني نائب البلد- ودفن خارج باب الصغير.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط) وفي (ب): كثيرًا.

(4)

ما بين حاصرتين من (ب).

(5)

تاريخ ابن عساكر (خ) س، ومختصره لابن منظور (3/ 46).

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(7)

توفي على الصحيح سنة (378 هـ) انظر مختصر تاريخ دمشق (3/ 46)، وتاريخ الإسلام للذهبي (8/ 447).

ص: 298

قلت: وقد اشترى الملك الظَّاهر بيبرس داره وبناها مدرسة ودار حديث وتربة وبها قبره

(1)

، وذلك في حدود سنة سبعين وستمئة كما سيأتي بيانه.

أبو سعيد السِّيْرَافي

(2)

: النحوي، الحسن بن عبد اللَّه بن المَرْزُبان أبو سعيد القاضي.

سكن بغداد، وولي القضاء بها نيابةً، وله "شرح كتاب سيبويه"، و"طبقات النحاة".

وروى عن أبي بكر بن دُرَيد وغيره، وكان أبوه مجوسيًّا

(3)

، وكان أبو سعيد هذا عالمًا باللغة والقراءات والنحو والعَروض والفرائض والحساب وغير ذلك من فنون العلم، وكان زاهدًا لا يأكل إلا من عمل يده، كان ينسخ كل يوم عشر ورقات بعشرة دراهم، تكون منها نفقته، وكان من أعلم النَّاس بنحو البصريين، وينتحل مذهب أهل العراق في الفقه

(4)

، وقرأ على ابن مجاهد القراءات، واللغة على ابن دريد، والنحو على ابن السَّرَّاج والمَبْرَمان

(5)

، ونسبه بعضهم إلى الاعتزال، وأنكره آخرون، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة عن أربع وثمانين سنة، ودفن بمقبرة الخيزران.

عبد اللَّه بن إبراهيم بن يوسف

(6)

: أبو القاسم الجُرْجاني

(7)

، ويعرف بالآبندُوني

(8)

.

رحل في طلب العلم والحديث إلى الآفاق، ورافق ابن عدي في بعض ذلك، ثم سكن بغداد، وحدَّث بها عن أبي يعلى، والحسن بن سفيان وابن خُزَيمة وغيرهم، وكان ثِقَةً ثبتًا مصنفًا زاهدًا.

روى عنه البَرْقاني وأثنى عليه خيرًا، وذكر أن أكثر أكله الخبز المأدوم بمرق الباقِلاء، وذكر

(1)

هي المدرسة الظاهرية، وهي مقر دار الكتب الظاهرية بدمشق.

(2)

طبقات النحويين واللغويين (129 - 130) تاريخ بغداد (7/ 341 - 342) الأنساب (7/ 218 - 219) نزهة الألباء (307 - 308) المنتظم (7/ 95) معجم الأدباء (8/ 145 - 232) إنباه الرواة (1/ 313 - 315) اللباب (2/ 165) وفيات الأعيان (2/ 78 - 79) سير أعلام النبلاء (16/ 247 - 249) الوافي بالوفيات (2/ 74) بغية الوعاة (1/ 507 - 509) شذرات الذهب (2/ 65 - 66).

(3)

في سير أعلام النبلاء (16/ 248): وكان أبوه مجوسيًا فأسلم.

(4)

في (ح): وقراءاتهم، وكأنها مقحمة، انظر تاريخ بغداد (7/ 341) والمراد بمذهب أهل العراق مذهب أبي حنيفة النعمان، رحمه الله.

(5)

في (ح) و (ط) و (ب) ابن المرزبان، وهو تحريف، والمثبت من تاريخ بغداد (7/ 342) والمنتظم (7/ 95) والمبرمان هو لقب أبي بكر محمد بن علي بن اسماعيل النحوي العسكري، أخذ النحو عن المبرد، وهو الذي لقبه به، لكثرة ملازمته له وسؤاله إياه، توفي سنة (326 هـ)، انظر ترجمته في إنباه الرواة (3/ 189 - 190).

(6)

تاريخ بغداد (9/ 407 - 408) الأنساب (1/ 91 - 92) المنتظم (7/ 95 - 96) سير أعلام النبلاء (16/ 261 - 263) النجوم الزاهرة (4/ 133) طبقات الحفاظ (380 - 381) شذرات الذهب (3/ 66).

(7)

في (ح) و (ب) و (ط): الزنجاني، وفي (ط) الريحاني، وكلاهما تحريف، وفيه متابعة لابن الجوزي في المنتظم (7/ 95) والمثبت من سير أعلام النبلاء (16/ 261).

(8)

في (ح) و (ب) و (ط): الابندري، وهو تصحيف، والمثبت من سير أعلام النبلاء (16/ 261).

ص: 299

أشياء من تقلُّله وزهده وورعه، توفي عن خمسٍ وتسعين سنة، رحمه اللَّه تعالى.

عبد اللَّه بن محمد بن وَرْقاء: الأمير أبو أحمد الشَّيباني، من أهل البيوتات والحشمة، بلغ التسعين [سنة]

(1)

روى عن ثعلب عن ابن الأعرابي أنه أنشد في صفة النِّساء:

هي الضِّلَعُ العَوْجاء لستَ تقيمها

ألا إنَّ تَقْويمَ الضُّلوعِ انكسارُها

أيجمعنَ ضعفًا واقتدارًا على الفتى

أليس عجيبًا ضَعْفُها واقتدارُها

قلت: وهذا الشاعر أخذ المعنى من الحديث الصَّحيح: "إن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج وإن أعوج شيء في الضِّلع أعلاه، فإنْ ذَهَبْتَ تقيمه كَسَرْتَهُ، وإن استمتعتَ بها استمتعت وفيها عِوَج".

محمد بن عيسى

(2)

بن عمرويه، الجُلُودي

(3)

: راوي "صحيح مسلم" عن إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه

(4)

عن مسلم بن الحَجَّاج، وكان من الزُّهَّاد، يأكل من كَسْب يده من النَّسْخ، وبلغ ثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى بمنه وكرمه.

‌ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمئة

في المحرَّم منها توفي الأمير عمر بن شاهين، صاحب بلاد البطيحة منذ أربعين سنة، تغلَّب عليها، وعَجَزَ عنه الأمراء والملوك والخلفاء، وبعثت إليه الجنود والسَّرايا والجيوش غَيْرَ مرة، فكل ذلك يغلبها

(5)

ويكسرها، وكل ما له في تمكُّنٍ وقُوَّة، ومكث كذلك هذه المدة كلها، ومع هذا كله مات على فراشه [حتف أنفه]

(6)

، فلا نامت أعْيُنُ الجبناء. وقام بالأمر من بعده ولده الحسن، فرام عضد الدولة أن ينتزع الملك من يده، فأرسل إليه سريةً فيها خلق من الجنود، فكسرهم الحسن بن عمر بن شاهين، وردَّهم خائبين، وكاد أن يتلفَهُمْ بالكلِّية، حتى أرسل إليه عضد الدولة، فصالحه على مالٍ يرسله إليه كل سنة وأخذ رهائن من عضد الدولة على ذلك، وهذا من العجائب الغريبة.

وفي صَفَر منها قبض على الشَّريف أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي؛ نقيب الطَّالبيين، [وقد

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

الأنساب (3/ 283 - 285) المنتظم (7/ 97) اللباب (1/ 288) سير أعلام النبلاء (16/ 301 - 303) الوافي بالوفيات (4/ 297) النجوم الزاهرة (4/ 133) شذرات الذهب (3/ 87).

(3)

بضم الجيم، وهو الأصح، ووهم ابن الأثير في "اللباب" حين قال: إنه بفتح الجيم لا بضمها، انظر حاشية الأنساب (3/ 283) وتبصير المنتبه (1/ 344 - 345).

(4)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (308 هـ).

(5)

في (ب) و (ط)، يغلها.

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

ص: 300

كان أمير الحج مدة سنين]

(1)

، واتهم بأنه يفشي الأسرار، وأن عِزَّ الدولة أودع عنده عقدًا ثمينًا، وأتي بكتاب أنه خطُّه في إفشاء الأسرار، فأنكر أنه خَطُّه، وكان مزورًا عليه، واعترف بالعقد، فأخذ منه، وعزل عن النَّقابة وولي غيره، وكان مظلومًا في ذلك.

وفي هذا الشهر أيضًا عَزَلَ عضدُ الدولة قاضي القضاة أبا محمد بن معروف، وولَّى غيره.

وفي شعبان ورد البريد من مصر إلى عضد الدولة بمراسلات كثيرة، فَرَدَّ الجواب بما مضمونه صدق النية وحُسْن الطَّوية.

ثم سأل عضد الدولة من الطَّائع أن يجدد عليه الخِلَع والجوهر، وأن يزيد في ألقابه تاج الدولة، فأجابه إلى ذلك كله، فخلع عليه من أنواع الملابس ما لم يتمكن من تقبيل الأرض من كثرتها

(2)

، وفوَّض إليه ما وراء بابه من الأُمور ومصالح المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وحضر ذلك الرؤساء والأمراء وأعيان الناس، وكان يومًا مشهودًا هائلًا.

وأرسل في رمضان إلى الذُّعَّار من الأعراب من بني شيبان وغيرهم، فعقرهم وكسرهم وقهرهم، وكان أميرهم ضبَّة

(3)

بن محمد الأسدي متحصِّنًا بعين التمر مدة نيف وثلاثين سنة، فأخذت ديارهم وأخذت أموالهم، وحالت أحوالهم.

وفي يوم الثلاثاء لتسعٍ

(4)

بقين من ذي القعدة تزوَّج الخليفة الطائع للَّه بنت عضد الدولة الكبرى، وعقد العقد بحضرة الأعيان والرؤساء، وكان عقدًا هائلًا حافلًا على صَدَاق مبلغه مئة ألف دينار، ويقال مئتا ألف دينار، وكان وكيل عضد الدولة الشيخ أبا علي [الحسن بن أحمد] الفارسي النحوي، صاحب "الإيضاح" و"التكملة"

(5)

، وكان الذي خطب خطبة العقد القاضي أبو علي المُحَسِّن

(6)

بن علي التَّنوخي، وكان يومًا مشهودًا.

وفيها كان مقتل أبي تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان بالشام قريبًا من نوى

(7)

وأعمالها، وكانت معه

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ط): ما لم يتمكن معه من تقبيل الأرض بين يدي الخليفة.

(3)

في (ط) منية، وهو تحريف.

(4)

في (ط): لسبع، وهو تصحيف، انظر المنتظم (7/ 101).

(5)

سترد ترجمته في وفيات سنة (397 هـ)، وما بين حاصرتين من (ب)، وفي (ط): الحسين، وهو تصحيف.

(6)

في (ح) و (ب) و (ط): الحسن، وهو تصحيف، والمثبت من المنتظم (7/ 101) وهو صاحب كتاب (الفرج بعد الشدة" و"نشوار المحاضرة" والمستجاد من فعلات الأجواد، وكلها كتب مشهورة متداولة، توفي سنة (384 هـ)، انظر ترجمته في "وفيات الأعيان"(4/ 159 - 162).

(7)

قتله كان في الرملة، انظر الكامل لابن الأثير (8/ 700).

ص: 301

أخته جميلة وزوجته بنت عمه سيف الدولة، فردتا إلى ابن عمه سعد الدولة بن سيف الدولة صاحب حلب.

قال ابنُ الأثير: وفي هذه السنة جدَّد عضد الدولة عمارة بغداد ومحاسنها، وجدَّد المساجد والمشاهد، وأجرى على الفقهاء والأئمة الأرزاق والجرايات من الفقهاء والمحدِّثين والأطباء والحُسَّاب وغيرهم، وأطلق الصِّلات لأرباب البيوتات والشرف، وألزم أصحاب الأملاك ببغداد بعمارة بيوتهم ودورهم، ومهَّد الطُّرُقات، وأطلق المكوس، وأصلحِ طريق الحُجَّاج من بغداد إلى مكَّة، وأرسل الصَّدقات والصِّلات للمجاورين بالحَرَمين. قال: وأَذِن لوزيره نَصْر بن هارون -وكان نصرانيًا- بعمارة البِيَع والدِّيَرة، وإطلاق الأموال لفقرائهم

(1)

.

وفيها توفي حسنويه بن حسين الكردي، وكان قد استحوذ على نواحي بلاد الدِّيْنور وهَمَذَان ونهاوند مدة خمسين سنة، وكان حَسَنَ السِّيرة، كثير الصدقة بالحرمين وغيرهما، فلما توفي اختلف أولاده من بعده وتمزَّق شملهم، وتمكَّن عضد الدولة من أكثر بلاده، وقويت شوكته في الأرض.

وفي هذه السنة ركب عضد الدولة في جيوش

(2)

كثيفة إلى بلاد أخيه فخر الدولة، وذلك لما كان بلغه من ممالأة عز الدولة واتفاقهما عليه، فلما تفرغ من أعدائه ركب فتسلَّم بلاد أخيه فخر الدولة هَمَذان والرَّي وما بينهما من البلاد، وسلَّم ذلك إلى أخيه مؤيد الدولة بُوَيه بن ركن الدولة

(3)

ليكون نائبه عليها، ثم سار إلى بلاد حسنويه الكردي، فتسلم بلاده وأخذ حواصله وذخائره، وكانت جليلة كثيرة، وحبس بعض أولاده، وأمَّر بعضهم، وأرسل إلى الأكراد الهكَّارية، فأخذ منهم بعض بلادهم، وعَظُمَ شأن عضد الدولة في البلاد وارتفع صيته وذِكْره، إلا أنه أصابه في هذه السفرة داء الصَّرْع، وقد كان تقدَّم له في الموصل [مثله]

(4)

فكان يكتمه، ولكنه غلب عليه كثرة النسيان فلا يذكر الشيء إلا بعد جهد جهيد، والدنيا لا تسر بقدر ما تضر.

دارٌ متى

(5)

ما أضْحَكَتْ في يَوْمِها

أبْكَتْ غدًا بُعْدًا لها مِنْ دَارِ

وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن عطاء بن أحمد

(6)

: أبو عبد اللَّه الرُّوذْبارِي -ابن أُخت أبي علي

(1)

انظر الكامل لابن الأثير (8/ 704 - 705).

(2)

في (ب) و (ط): جنود.

(3)

سترد ترجمته في وفيات سنة (373 هـ).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

في (ط): دار إذا ما أضحكت.

(6)

طبقات الصوفية (497 - 500) حلية الأولياء (10/ 383 - 384) تاريخ بغداد (4/ 336 - 337) الرسالة القشيرية (30) المنتظم: (7/ 101) معجم البلدان (3/ 77) سير أعلام النبلاء (16/ 227 - 228) النجوم الزاهرة (4/ 135) شذرات الذهب (3/ 68).

ص: 302

الرُّوذباري

(1)

- أسندَ الحديث، وكان يتكلَّم على مذهب الصُّوفية، وكان قد انتقل من بغداد فأقام بصُور، وتوفي بها في هذه السنة

(2)

.

أحمد بن زكريا

(3)

أبو الحسين اللُّغوي: صاحب كتاب "المجمل" في اللُّغة وغيره، ومن شِعْره قبل موته بيومين:

يا ربّ إنَّ ذنوبي قد أَحَطْتَ بها

عِلْمًا وبي وبإعلاني وإسراري

أنا الموحِّدُ لكنَّي المُقِرُّ بها

فَهَبْ ذنوبي لِتَوْحيدي وإقْرَاري

ذكر ذلك ابنُ الأثير.

الحسين

(4)

بن علي

(5)

: أبو عبد اللَّه، البَصْري، أحد مشايخ المعتزلة؛ ويعرف بالجُعَل، سكن بغداد وانتحل مذهب العراقيين، وصنَّف للمعتزلة، وكان اشتغاله في الفروع على أبي الحسن الكَرْخي

(6)

، وعنده دُفِنَ، وقد قارب الثمانين.

حَسْنويه بن الحسن الكردي: أمير تلك البلاد، وكان كثير الصَّدَقات كما قدمنا

(7)

، رحمه اللَّه تعالى.

(1)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (322 هـ).

(2)

في (ط) زيادة: قال: رأيت في المنام كأن قائلًا يقول: أي شيء أصح في الصلاة؟ فقلت: صحة القصد. فسمعت قائلًا يقول: رؤية المقصود بإسقاط رؤية القصد أتم، وقال: مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول، وليس كل من يصلح للمجالسة يصلح للمؤانسة، ولا كل من يصلح للمؤانسة يؤمن على الأسرار، ولا يؤمن على الأسرار إلا الأمناء فقط.

وقال: الخشوع في الصلاة علامة الفلاح، قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} وترك الخشوع في الصلاة علامة النفاق وخراب القلب، قال تعالى:{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} .

(3)

انظر الكامل (8/ 711) وقد ذكره ابن كثير كذلك في وفيات هذه السنة متابعة منه لابن الجوزي في المنتظم (7/ 103) ووفاته على الصحيح سنة (395 هـ)، وسترد ترجمته في وفيات سنة (395 هـ).

(4)

سقطت ترجمته من (ط)، وفي (ح) و (ب): الحسن، وهو تصحيف، والمثبت من المنتظم (7/ 101) وسير أعلام النبلاء (16/ 224 - 225).

(5)

الإمتاع والمؤانسة (1/ 140) تاريخ بغداد (8/ 73 - 74) طبقات الفقهاء للشيرازي (143) المنتظم (7/ 101) سير أعلام النبلاء (16/ 224 - 225) لسان الميزان (2/ 303) النجوم الزاهرة (4/ 135) شذرات الذهب (3/ 68).

(6)

في (ح) أبي الحسين، وهو تصحيف، والمثبت من (ب)، وقد سلفت ترجمته وفيات سنة (340 هـ).

(7)

انظر حوادث هذه السنة.

ص: 303

عبد اللَّه بن إبراهيم

(1)

بن أيوب بن ماسي: أبو محمد البزاز، أسند الكثير، وبلغ خمسًا وتسعين سنة، وكان ثِقَةً ثَبْتًا، توفي في رجب من هذه السنة.

محمد بن صالح

(2)

بن علي بن يحيى: أبو الحسن، الهاشمي، قاضي بغداد ويعرف بابن أُمِّ شيبان.

وكان عالمًا فاضلًا، له تصانيف، وقد ولي الحكم ببغداد قديمًا، وكان جيِّد السيرة، توفي في هذه السنة وقد جاوز السبعين، وقارب الثمانين، رحمه الله وإيانا بمنِّه.

‌ثم دخلت سنة سبعين وثلاثمئة

فيها ورد الصَّاحب بن عَبَّاد من جهة مُؤَيَّد الدولة إلى أخيه عضد الدولة، فتلقَّاه عضد الدولة إلى ظاهر البلد، وأكرمه، وأمر الدولة باحترامه، وخلع عليه، زاد في إقطاعه، ورَدَّ معه هدايا كثيرة جدًا.

وفي جمادى الآخرة منها رجع عضد الدولة إلى بغداد، فتلقاه الخليفة الطائع، وضُربت له القباب وزينت الأسواق.

وفي هذا الشهر دخل الخليفة بزوجته بنت عضد الدولة، وحمل معها من الجهاز شيء عظيم.

وفي هذا الشهر [أيضًا]

(3)

وصلت هدايا من صاحب اليمن إلى عضد الدولة، وفيها أشياء حسنة وكانت الخطبة بالحرمين في هذه السنة لصاحب مصر، وهو العزيز بن المعز الفاطمي.

وممن توفي هذه السنة من الأعيان:

أحمد بن علي

(4)

: أبو بكر، الفقيه الحنفي، الرَّازي، أحد أئمة أصحاب الرَّأي، ومن له المصنَّفات المفيدة، وله كتاب "أحكام القرآن".

وهو تلميذ أبي الحَسَن الكَرْخي، وكان عابدًا زاهدًا ورعًا، انتهت إليه رياسة الحنفية في وقته،

(1)

تاريخ بغداد (9/ 408 - 409) المنتظم (7/ 102) العبر (2/ 351) سير أعلام النبلاء (16/ 252 - 253) النجوم الزاهرة (4/ 137) شذرات الذهب (3/ 68 - 69).

(2)

الولاة والقضاة (574) تاريخ بغداد (5/ 363 - 365) المنتظم (7/ 102) سير أعلام النبلاء (16/ 226 - 227) الوافي بالوفيات (3/ 156) النجوم الزاهرة (4/ 137) شذرات الذهب (3/ 70).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

تاريخ بغداد (4/ 314 - 315) طبقات الفقهاء للشيرازي (144) المنتظم (7/ 105 - 106) سير أعلام النبلاء (16/ 340 - 341) الوافي بالوفيات (7/ 241) النجوم الزاهرة (4/ 138) الجواهر المضية (1/ 220 - 224) شذرات الذهب (3/ 71) الفوائد البهية (27 - 28).

ص: 304

ورحل إليه الطلبة من الآفاق، وقد سمع الحديث من أبي العباس الأصَم وأبي القاسم الطَّبراني وغيرهما وقد أراده الطَّائع اللَّه

(1)

على أن يوليه القضاء فلم يقبل.

كانت وفاته في ذي الحجة من هذا العام، وصلَّى عليه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي

(2)

.

محمد بن جعفر بن الحسين

(3)

بن محمد بن زكريا: أبو بكر الوَرَّاق

(4)

، ويلقب بغُنْدَر أيضًا

(5)

.

وكان جَوَّالًا رحَّالًا، سمع الحديث الكثير ببلاد فارس وخُرَاسان، وسمع الباغَنْدي، وابن صاعد، وابن دُريد، وغيرهم، وعنه الحافظ أبو نُعيم الأصْبهاني، وكان ثِقَةً حافظًا، رحمه اللَّه تعالى.

ابن خَالَوَيْه

(6)

، الحسين بن أحمد بن خالويه: أبو عبد اللَّه، النَّحْوي، اللُّغوي، صاحب المصنفات، أصله من هَمَذَان، ثم دخل بغداد، فأدرك [بها]

(7)

مشايخ هذا الشأن: كأبي بكر بن الأنباري، وابن دريد وابن مجاهد، وأبي عمر

(8)

الزَّاهد، واشتغل على أبي سعيد السِّيرافي، ثم صار إلى حلب، فكانت له مكانة عند آل حمدان، وكان سيف الدولة يكرمه وهو أحد جلسائه، وله مع المتنبي مناظرات. وقد سَرَدَ له ابن خَلِّكان مصنفات كثيرة، منها كتاب "ليس"

(9)

، لأنه كان يكثر أن يقول فيه ليس في كلام العرب كذا، وكتاب "الآل" تكلَّم فيه على أقسامه

(10)

، وترجم الأئمة الاثني عشر، وأعرب ثلاثين سورة من القرآن، وشرح "الدُّرَيْدية" وغير ذلك، وله شِعْرٌ حسن

(11)

، وكان فَرْدًا في زمانه، رحمه اللَّه تعالى.

(1)

كذا في (ح) و (ب) و (ط)، وفي تاريخ بغداد (4/ 314) أن الخليفة المطيع للَّه هو الذي أراده على القضاء.

(2)

سترد ترجمته في وفيات سنة (403 هـ) من هذا الكتاب.

(3)

في (ح) و (ب): الحسن، وهو تصحيف، والمثبت من تاريخ بغداد (2/ 152) وثمة ترجمته وأيضًا في المنتظم (7/ 107) تذكرة الحفاظ (3/ 960 - 961) سير أعلام النبلاء (16/ 214 - 215) الوافي بالوفيات (2/ 302 - 303) النجوم الزاهرة (4/ 139) طبقات الحفاظ (384 - 385) شذرات الذهب (3/ 73).

(4)

في (ح): الدقاق، وهو تحريف، والمثبت من (ب) و (ط).

(5)

أشهر من أطلق عليه هذا اللقب هو المحدّث الكبير محمد بن جعفر صاحب شعبة، وقد سلفت ترجمته في وفيات سنة (193 هـ) من هذا الكتاب.

(6)

يتيمة الدهر (1/ 123) نزهة الألباء (383) معجم الأدباء (9/ 200) إنباه الرواة (1/ 324) وفيات الأعيان (2/ 178) العبر (2/ 356) لسان الميزان (2/ 267) النجوم الزاهرة (4/ 139) شذرات الذهب (3/ 71).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

في (ح): أبي عمرو، وهو تصحيف، وقد سلفت ترجمته في وفيات سنة (345 هـ).

(9)

في (ط): كتاب "ليس في كلام العرب" بزيادة: في كلام العرب، وهي زيادة لم ترد في وفيات الأعيان (2/ 179) ولا في نسخنا الخطية.

(10)

في (ح) و (ب): أنسابه، والمثبت من (ط).

(11)

انظر وفيات الأعيان (2/ 179).

ص: 305

‌ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمئة

في ربيع الأول منها وَقَعَ حريقٌ عظيم بالكَرْخ من بغداد.

وفيها سُرِقَ شيءٌ نفيس لعضد الدولة، فعَجبَ النَّاس من ذلك مع شِدَّة هيبة عضد الدولةِ، ثم مع هذا اجتهدوا كل الاجتهاد فلم يُعرف من أخذه، ويقال: إن صاحب مِصْر بعث من فعل هذا، [واللَّه أعلم]

(1)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

[الإسماعيلي]

(2)

، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العبَّاس: أبو بكر، الإسماعيلي الجُرْجاني، الحافظُ الكبير الرَّحَّال الجَوَّال.

سمع الكثير وحدَّث وخرَّج وصنَّف، فأفاد وأجاد، وأحسن الانتقاد والاعتقاد، صنف كتابًا على "صحيح البخاري" فيه فوائد كثيرة، وعلوم غزيرة.

قال الدَّارَقُطْني: كنت عزمت غير مرة على الرِّحْلَة إليه فلم أُرْزَق.

وكانت وفاته يوم السبت عاشر

(3)

رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمئة، وهو ابنُ أربعٍ وتسعين

(4)

سنة، رحمه الله.

الحسن بن أحمد بن صالح

(5)

: أبو محمد السَّبيعي.

سمع ابنَ جرير وقاسمًا المُطرِّز وغيرهما، وعنه الدَّارَقُطْني والبَرْقاني، وكان ثِقَةً حافظًا مكثرًا، وكان عَسِرَ الرِّواية، رحمه الله.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط). وترجمة الإسماعيلي في تاريخ جرجان (69 - 77) طبقات الفقهاء للشيرازي (116) الأنساب (1/ 249) المنتظم (7/ 108) تذكرة الحفاظ (3/ 947 - 951) سير أعلام النبلاء (16/ 292 - 296) الوافي بالوفيات (6/ 213) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 7 - 8) النجوم الزاهرة (4/ 140) شذرات الذهب (3/ 72 و 75).

(3)

كذا في (ح) و (ب) و (ط)، وفي تاريخ جرجان للسهمي (ص 69) - وهو تلميذه. غرة رجب، ومثله في مصادر ترجمته.

(4)

في (ح) و (ب) و (ط): وسبعين، وهو تصحيف، وكانت ولادة الإسماعيلي سنة (277 هـ)، انظر سير أعلام النبلاء (16/ 293).

(5)

تاريخ بغداد (7/ 272 - 274) تذكرة الحفاظ (3/ 952 - 954) سير أعلام النبلاء (16/ 296 - 299) الوافي بالوفيات (11/ 379 - 380) النجوم الزاهرة (4/ 139) طبقات الحفاظ (382) شذرات الذهب (3/ 71 و 76).

ص: 306

الحسن بن علي بن الحسن بن الهيثم بن طَهْمان: أبو عبد اللَّه الشَّاهد، المعروف بالبادا.

سمع الحديث وكان ثِقَةً، عُمِّر سبعًا وتسعين سنة، منها خمس عشرة سنة مقعدًا

(1)

أعمى، رحمه الله.

عبد اللَّه بن الحسين

(2)

بن إسماعيل بن محمد: أبو بكر الضَّبِّي القاضي، ولي الحكم بعدَّة بلاد كثيرة

(3)

، وكان عفيفًا نَزِهًا صيِّنًا ديِّنًا، رحمه اللَّه تعالى.

عبد العزيز بن الحارث

(4)

بن أسد بن اللَّيث: أبو الحسن التميمي، الفقيه الحَنْبلي.

له كلام ومصنَّف في الخلاف، وسمع الحديث، وروى عن غير واحد، وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه وضع حديثًا

(5)

. وردَّ ذلك أبو الفرج بن الجَوْزي وقال: ما زال هذا دأب الخطيب في أصحاب أحمد بن حنبل. قال: وشيخ الخطيب الذي حكى عنه هذا وهو أبو القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي العُكْبَرِي

(6)

لا يُعْتمدُ على قوله، فإنه كان معتزليًا وليس من أهل الحديث، وكان يقول بأنَّ الكُفَّار لا يخلَّدون في النار.

قلت: وهذا غريبٌ، فإنهم

(7)

يقولون بوجوب تخليد أصحاب الكبائر، فكيف لا يقول هذا بتخليد الكفَّار!

قال: وعنه حكى الكلام في ابنِ بَطَّة أيضًا

(8)

.

علي بن إبراهيم

(9)

: أبو الحسن الحُصْرِي، الصُّوفي، الواعظ، شيخ الصُّوفية ببغداد، وأصله من البَصْرة.

(1)

في (ط): مقيدًا، وهو تصحيف.

(2)

المنتظم (7/ 109) وفيه عبد اللَّه بن الحسن، وهو تصحيف، وقد سلفت ترجمة أبيه الحسين بن اسماعيل في وفيات سنة (330 هـ).

(3)

في (ط): ببغداد، وهو تحريف، وفي تاريخ بغداد (9/ 441) ذكر البلدان التي تولى قضاءها.

(4)

تاريخ بغداد (10/ 461 - 462) المنتظم (7/ 110).

(5)

تاريخ بغداد (10/ 461 - 462).

(6)

في (ح) و (ط) و (ب): عبد الواحد العكبري من أسد، والمثبت من المنتظم (7/ 110) والعكبري هو عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي، اللغوي النحوي، توفي سنة (456 هـ)، وسترد ترجمة في وفياتها، وانظر (ص 217 - 218) من هذا الجزء.

(7)

أي المعتزلة.

(8)

انظر وفيات سنة (387 هـ).

(9)

المنتظم (7/ 111).

ص: 307

وكان قد صَحِبَ الشِّبْلي

(1)

وغيره، وكان يعظ النَّاس بالجامع، ثم لما كَبِرَتْ سنُّه بني له الرِّباط المقابل لجامع المنصور، ثم عُرِفَ بصاحبه الزَّوْزَني

(2)

، وكان لا يخرج إلا من الجمعة إلى الجمعة، وله كلامٌ جيد في التصوف على طريقتهم.

ومما نقله ابنُ الجوزي عنه أنه قال: ما عليَّ منّي؟ وأي شيء لي فيَّ حتى أخاف وأرجو، إنْ رَحمَ رحم ماله، وإنْ عَذَّب عذب ماله

(3)

.

توفي في ذي الحجَّة وقد نيَّف على الثمانين، ودفن بمقبرة باب حَرْب من بغداد.

علي بن محمد الأحدب المزوِّر

(4)

: كان قوي الخطِّ، له مَلَكة على التزوير لا يشاء يكتب على كتابة أحدٍ إلا فعله، فلا يَشُكُّ ذلك المزور عليه أنه خَطَّه، وبُلي النَّاس ببلاءٍ عظيم، وختم السلطان على يده مرارًا فلم يفد، ثم كانت وفاته في هذه السَّنة

(5)

.

الشيخ أبو زيد [المَرْوزي الشَّافعي]

(6)

: محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد المروزي، شيخ الشَّافعية في زمانه، وإمام أهل عَصْره في الفِقْه والزُّهْد والعبادة والورع.

سمع الحديث، ودخل بغداد، وحدَّث بها، فسمع منه الدَّارَقُطْني وغيره.

قال أبو بكر البَزَّار: عادَلْتُ

(7)

الشيخ أبا زيد في طريق الحج فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة.

وقد ذكرتُ ترجمته بتمامها في "طبقات الشَّافعية".

قال الشيخ ابن نُعيم

(8)

: توفي بمرو يوم الجمعة الثالث عشر من رجب من هذه السنة، رحمه الله.

(1)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (334 هـ).

(2)

في (ح) و (ب) و (ط): المروزي، وهو تحريف، والمثبت من المنتظم (7/ 111) وهو أبو الحسن الزوزني، تلميذ أبي الحسن الحصري، وإليه نسب الرباط، فعرف برباط الزوزني، انظر الأنساب للسمعاني (4/ 152) ودليل خارطة بغداد (251).

(3)

المنتظم (7/ 111).

(4)

المنتظم (7/ 111) الكامل لابن الأثير (9/ 8 - 9) سير أعلام النبلاء (16/ 312).

(5)

في الكامل (9/ 8) ذكر وفاته في حوادث سنة 370 هـ، ومثله في السير (16/ 302) وقال ابن الأثير: وكان عضد الدولة إذا أراد الإيقاع بين الملوك أمره أن يكتب على خط بعضهم إليه في الموافقة على من يريد إفساد الحال بينهما، ثم يتوصل المكتوب إليه، فينفسد الحال.

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط). وترجمة أبي زيد في تاريخ بغداد (1/ 314) طبقات الفقهاء للشيرازي (115) المنتظم (7/ 112) وفيات الأعيان (4/ 208 - 209) سير أعلام النبلاء (16/ 313 - 315) الوافي بالوفيات (2/ 71 - 72) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 71 - 77) طبقات الإسنوي (2/ 379 - 380) العقد الثمين (1/ 297) شذرات الذهب (3/ 76).

(7)

أي ركب معه. اللسان (عدل).

(8)

في (ح) و (ب) و (ط) والمنتظم: أبو نعيم، والمثبت من تاريخ بغداد (1/ 314) وهو المشهور بالحاكم بن =

ص: 308

محمد بن خفيف

(1)

: أبو عبد اللَّه الشِّيْرازي، أحد مشاهير الصُّوفية، صحب الجَريري وابن عَطَاء وغيرهما.

قال ابن الجوزي: وقد ذكرتُ في كتابي المسمى "تلبيس إبليس" عنه حكايات تدلُّ على أنه كان يذهب مذهب الإباحية

(2)

، واللَّه تعالى أعلم بالصَّواب

(3)

.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وثلاثمئة

قال ابن الجوزي: في المحرَّم [منها]

(4)

جرى الماء الذي ساقه عضدُ الدولة إلى داره وبستانه.

وفي صفر فُتح المارَسْتان الذي أنشأه عضد الدولة في الجانب الغربي من بغداد، وقد رتَّب فيه الأطباء والخدم، ونُقل إليه من [الأدوية]

(5)

والأشربة والعقاقير شيء كثير

(6)

.

قال: وفيها توفي عضد الدولة، فكتم أصحابه موته حتى أحضروا ولده صمصام الدولة، فولوه الأمر، وراسلوا الخليفة، فبعث إليه بالخِلَع والولاية، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.

‌ذكر شيء من أخبار عضد الدولة

أبو شجاع بن ركن الدولة

(7)

أبي علي الحسن

(8)

بن بُوَيْه الدَّيْلَمي. صاحبُ العراق وملك بغداد [وغيرها]

(9)

.

= البيع، وهو محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم، انظر ترجمته في السير (17/ 162 - 177) ومن المعروف أنَّ الخطيب البغدادي كان كثير التدليس.

(1)

طبقات الصوفية (462 - 466) حلية الأولياء (10/ 385 - 389) الرسالة القشيرية (29) الأنساب (7/ 451 - 452) المنتظم (7/ 112) معجم البلدان (3/ 381) سير أعلام النبلاء (16/ 342 - 347) الوافي بالوفيات (3/ 42 - 43) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 149 - 163) شذرات الذهب (3/ 76 - 77).

(2)

المنتظم (7/ 112) وتلبيس إبليس (369 - 370) ط المنيرية.

(3)

ما أورده ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" ربما كان قصة مختلقة، فقد وصفه الإمام الذهبي بقوله: قد كان هذا الشيخ قد جمع بين العلم والعمل وعلو السند، والتمسك بالسنن، ومتع بطول العمر في الطاعة. انظر سير أعلام النبلاء (16/ 346 - 347).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(6)

المنتظم (7/ 112 - 113).

(7)

في (ح) بويه عضد الدولة بن شجاع بن ركن الدولة، وهو خطأ، والمثبت من (ب) و (ط).

(8)

في (ط): الحسين، وهو تصحيف.

(9)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 309

وهو أول من تسمَّى شاهنشاه، ومعناه ملك الملوك. وقد ثبتَ في الصَّحيح عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أوضع اسم -وفي روايةٍ أخنع اسم- عند اللَّه عز وجل رجل تسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا اللَّه عز وجل".

وهو أول من ضُرِبَتْ له الدَّبادب ببغداد، وأول من خطب له بها مع الخليفة، وذكر [القاضي]

(1)

ابن خَلِّكان أنه امتدحه الشعراء بمدائح هائلة كالمتنبي وغيره، فمن ذلك قول أبي الحسن محمد بن عبد اللَّه السَّلامي من قصيدة [له]

(2)

:

إليكَ طَوَى عرضَ البسيطةِ جاعلٌ

قُصارى المطايا أن يلوحَ لها القَصْرُ

فَكُنْتَ وعَزْمي في الظَّلامِ وصارِمي

ثلاثةَ أشياء

(3)

كما أجْمَعَ النَّسْرُ

وَبَشَّرْتُ آمالي بِمَلْكٍ هو الوَرَى

ودارٍ هي الدُّنيا ويومٍ هو الدَّهْرُ

ثم قال ابن خلكان: وهذا هو السحر الحلال، وقد قال المتنبي:

هي الغَرَضُ الأقصى ورُؤْيَتُكَ المُنى

ومَنْزِلُك الدُّنيا وأنْتَ الخلائقُ

قال ابن خلكان: وليس في الطلاوة كقول السلامي، ولا استوفى المعنى كله، فإنه لم يذكر الدهر.

وقال أبو بكر أحمد الأَرْجَاني القاضي ناصح الدين في قصيدةٍ له بيتًا، ولم يلحق السَّلامي [أيضًا وهو قوله]

(4)

:

لقيتُه فرأيتُ النَّاسَ في رَجُلٍ

والدَّهْرَ في ساعةٍ والأرضَ في دارِ

(5)

قال ابن خلكان: وكتب إليه أفتكين مولى أخيه صاحب دمشق

(6)

، يستمدُّه بجيشٍ يقاتل به الفاطميين، فكتب إليه عضد الدولة: غَرَّكَ عِزُّك فصار قُصار ذلك ذُلُّك، فاخْشَ فاحشَ فِعْلك، فعلَّك تُهدا بهذا، والسَّلام. وقد أبدع [فيها]

(7)

كلَّ الإبداع

(8)

.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط)، وسترد ترجمته في وفيات سنة (392 هـ).

(3)

في وفيات الأعيان (4/ 52 - 407) أشباه.

(4)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

انظر وفيات الأعيان (4/ 52 - 53) والأرجاني شاعر متأخر، له شعر رائق في نهاية الحسن، وله ديوان مطبوع، سترد ترجمته في وفيات سنة (544 هـ) من هذا الكتاب.

(6)

انظر حوادث سنة (364 هـ).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

انظر وفيات الأعيان (4/ 53 - 54).

ص: 310

وقد جرى له من التعظيم من الخليفة ما لم يقع لأحدٍ ممن كان قبله، وقد ذكرنا

(1)

أنه كان ذا همة وصرامة وعزمٍ، اجتهد في عمارة بغداد والطُّرقات، وأجرى النفقات والصدقات على المجاورين بالحرمين، وأهل البيوتات، وحفر الأنهار، وبنى المارَسْتان العَضُدي، وأدار السُّور على مدينة الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وهذا كله في مدة ملكه على العراق، وكان خمس سنين.

وقد كان عاقلًا فاضلًا، حَسَنَ السياسة، شديدَ الهيبة، بعيد الهِمَّة، إلا أنه كان يتجاوز في سياسته الأمور الشَّرْعية، كان يحب جاريةً فألهته عن تدبير المملكة، فأمر بتغريقها. وبلغه أن غلامًا له أخذ لرجلٍ بطيخة، فضربه بسيف فقطعه نصفين، وهذه مبالغة.

كان سبب موته داء الصَّرْع. وحين أخذته عِلَّة موته لم يكن له كلام سوى تلاوة قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 28 - 29]. [فكان هذا هِجِّيراه حتى مات]

(2)

.

وحكى ابنُ الجوزي في "منتظمه" أنه كان يحبُّ العِلْم والفضيلة، وكان يقرأ عنده كتاب إقليدس، وكتاب النحو لأبي علي الفارسي

(3)

، وهو "الإيضاح والتكملة" الذي صنَّفه له، وغير ذلك، وذكر أن له شعرًا فمنه قوله وقد خرج إلى بستان فَودَّ لو قد جاء المطر، فنزل المطر، فأنشأ يقول:

ليس شُرْبُ الرَّاحِ إلا في المَطَرْ

وغِناءٌ منْ جَوَارٍ في السَّحَرْ

غانياتٍ سالباتٍ للنُّهى

ناغماتٍ في تضاعيفِ الوَتَرْ

راقصاتٍ زاهراتٍ نُجُلٍ

رافلاتٍ في أفانين الحِبَرْ

مطربات محسنات مُجُنٍ

رافضات الهمِّ إبان الفِكَرْ

مبرزات الكأسِ من معدنها

(4)

مسقيات الخمرِ مَنْ فاقَ

(5)

البَشَرْ

عَضُدَ الدولة وابنَ رُكْنها

مالكَ الأملاكِ غلابَ القَدَرْ

سهَّلَ اللَّه له بُغْيته

(6)

في ملوكِ الأرضِ ما دارَ

(7)

القَمَرْ

(1)

انظر حوادث سنة (369 هـ).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

انظر وفيات سنة (377 هـ).

(4)

في المنتظم (7/ 116): مخزنها، وفي وفيات الأعيان (4/ 54): مطلعها.

(5)

في (ح) و (ب): نار، والمثبت من (ط).

(6)

في (ط): نصره، وهو تصحيف.

(7)

في (ط): ما دام، وهو تصحيف.

ص: 311

وأراهُ الخيرَ في أولادِه

ليساس

(1)

الملك فيهم بالغُرَرْ

(2)

قال

(3)

: فيقال: إنه منذ قال: غلّاب القدر، لم يُفْلِحْ بعدها

(4)

.

وذكر غيره أن هذه الأبيات آخر ما أنشدت فيه بين يديه، ثم كانت وفاته عقب ذلك، وكانت وفاته في شَوَّال من هذه السنة عن سبعٍ أو ثمانٍ وأربعين سنة، وحمل إلى مشهد عليٍّ فَدُفنَ فيه، [وكان فيه تشيُّع]

(5)

، وقد كتب على قبره في التُّرْبة التي بنيت له عند مشهد علي: هذا قبر عضد الدولة، وتاج المِلَّة

(6)

، أبي شجاع بن ركن الدولة، أحبَّ مجاورة هذا الإمام المتقي؛ لطمعه في الخلاص {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} [النحل: 111] والحمد للَّه وصلواته على محمد وعِتْرته الطَّاهرة.

وقد تمثَّل عند موته بهذه الأبيات وهي للقاسم بن عبيد اللَّه

(7)

.

قَتَلْتُ صناديدَ الرِّجال فَلَمْ أدَعْ

عَدُوًّا ولم أُمْهلْ على ظِنَّةٍ خَلْقا

وأخليتُ دار المُلْكِ من كل نازلٍ

فَشَرَّدْتُهُمْ غَرْبًا وشَرَّدْتُهُمْ شَرْقا

فلمَّا بَلَغْتُ النَّجْم

(8)

عِزًّا وَرِفْعةً

وصارتْ رِقابُ الخَلْقِ أجمع لي رِقّا

رماني الرَّدى سَهْمًا فأخمدَ جَمْرَتي

(9)

فها أنا ذا في حُفْرتي عاجلًا

(10)

مُلْقى

فأَذْهَبْتُ دنياي وديني سَفَاهةً

فمنْ ذا الذي منّي بمَصْرَعِهِ أشقى؟

ثم جعل يكرِّر هذه الآية {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 28 - 29] إلى أن مات كما

(1)

في (ط): ولباس الملك، وهو تصحيف.

(2)

انظر الأبيات في المنتظم (7/ 115 - 116) ويتيمة الدهر (2/ 197)(ط الصاوي)، وفيات الأعيان (4/ 54) والكامل لابن الأثير (9/ 20).

(3)

في (ط) زيادة: قبحه اللَّه وقبح شعره، وقبح أولاده، فإنه قد اجترأ في أبياته هذه، فلم يفلح بعدها.

(4)

المنتظم (7/ 116).

(5)

ما بين حاصرتين من (ب).

(6)

في (ط): المملكة، وهو تصحيف.

(7)

القاسم بن عبيد اللَّه، وزير من الكتاب الشعراء، استوزره المعتضد العباسي بعد أبيه عبيد اللَّه سنة (288 هـ). ولما مات المعتضد سنة (289 هـ) قام القاسم بأعباء الوزارة، وعقد البيعة للمكتفي، وهو غائب بالرقة، وهو الذي دس السم للشاعر ابن الرومي خوفًا من هجوه وفلتات لسانه، وكان القاسم سفاكًا للدماء. سلفت ترجمته في وفيات سنة (291 هـ) من هذا الكتاب، وانظر ترجمته في وفيات الأعيان (3/ 361 - 362) وسير أعلام النبلاء (14/ 18 - 20).

(8)

في (ح) و (ب) البحر، وهو تصحيف، والمثبت من (ط)، والمنتظم (7/ 117).

(9)

في (ب) و (ط) و"المنتظم": عاطلًا.

(10)

في (ح) فأخلق جدتي، والمثبت من (ب) و (ط) والمنتظم.

ص: 312

ذكرنا

(1)

، وجلس ابنه صمصمام الدولة على الأرض وعليه ثياب السَّواد، وجاءه الخليفة الطائع معزيًا، وناح النساء عليه في الأسواق [حاسرات عن وجوههن]

(2)

أيامًا كثيرة، ولما انقضى العزاء ركب صمصامة إلى دار الخلافة، فخلع عليه الخليفة سَبْعَ خِلَعٍ، وطوَّقه وسوَّره وألبسه التاج، ولقبه شمس الدولة، وولَّاه ما كان يتولاه أبوه، وكان يومًا مشهودًا.

محمد بن جعفر

(3)

بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن وَهْب: أبو بكر الحريري

(4)

المعروف بزوج الحُرّةَ

(5)

.

سمع ابن جرير، والبَغَوي، وابن أبي داود، وغيرهم، وعنه ابن رِزْقويه، وابنُ شاهين، والبَرْقاني، وقال: كان جليلًا، أحد العدول الثقات

(6)

.

قال الخطيب البغدادي وابن الجوزي: سبب تسميته بزوج الحُرَّة أنه كان يدخل إلى مطبخ ابنة بَدْر مولى المعتضد

(7)

التي كانت زوجة المقتدر باللَّه، فلما توفي المقتدر بقيت هذه المرأة سالمة من النكبات

(8)

والمصادرات كثيرة الأموال، وكان هذا وهو غلاٌم شابٌّ حَدث يحمل شيئًا من حوائج الطعام على رأسه، فيدخل به إلى المطبخ الذي لها مع جملة الخدم، وكان شابًا رشيقًا حَرِكًا، فنفق على القهرمانة، فقدَّمته حتى جعلته كاتبًا على المطبخ، ثم ترقت به الحال إلى أن صار وكيلًا للست ينظر في الضياع والعقار، ثم آل به الحال حتى صارت الست تحدِّثه من وراء حجاب، فَعَلِقَتْ به وأَحَبَّته، وسألته أن يتزوَّج بها، فاستصغر نفسه وخاف من غائلة ذلك، فَشَجَّعته وأعطته مالًا جزيلًا؛ ليظهر عليه الحشمة والسعادة ما يناسبه ليتأهَّل لذلك، ثم شرعت تهادي القُضاة والأكابر، ثم عزمت على تزويجه، ورضيت به عند حضور القُضاة، واعترض أولياؤها عليها، فغلبتهم بالمكارمات والهدايا. ودخلت عليه، فمكثت معه دهرًا طويلًا، ثم توفيت قبله، فورث منها نحوًا من ثلاثمئة ألف

(1)

انظر المنتظم (7/ 116 - 117) وسنة (372 هـ).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

تاريخ بغداد (2/ 153 - 154) الأنساب (4/ 121) المنتظم (7/ 119).

(4)

نسبة إلى الحرير، وهو نوع من الثياب، انظر الأنساب (4/ 121).

(5)

إنما سميت بالحرة لأجل تزويج المقتدر بها، وكذا عادة الخلفاء لغلبة المماليك عليهم إذا كانت لهم زوجة، قيل: الحرة. تاريخ بغداد (2/ 154).

(6)

تاريخ بغداد (2/ 153).

(7)

في (ط) يدخل إلى مطبخ أبيه بدار مولاته .. وهي جملة محرفة، وقد سلفت أخبار بدر، وانظر خبر مقتله في حوادث سنة (289 هـ) من هذا الكتاب.

(8)

في (ط): الكتاب، وهو تحريف.

ص: 313

دينار، وطال عمره بعدها حتى كانت وفاته في هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى وإيانا بمنه وكرمه

(1)

.

‌ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة

فيها غلت الأسعار ببغداد حتى بلغ الكُرُّ من الطَّعام إلى أربعة آلاف وثمانمثة، ومات كثيرٌ من النَّاس من الضعف في الطرقات جوعًا

(2)

، ثم تساهل الحال في ذي الحجة منها.

وجاء الخبر بموت مُؤَيَّد الدولة بن ركن الدولة، وأن أبا القاسم بن عَبَّاد الوزير بعث إلى أخيه فخر الدولة، فولَّاه الملك مكان أخيه، فاستوزر ابنَ عباد أيضًا على ما كان عليه، وخلع عليه وأحسن إليه، ولما بلغ القرامطة موتُ عضد الدولة قصدوا البصرة ليأخذوها مع الكوفة، فلم يتمَّ لهم ذلك، ولكن صولحوا على مالٍ كثير، فأخذوه وانصرفوا.

‌وممن توفِّي فيها من الأعيان:

بويه مُؤَيَّد الدَّولة بن ركن الدولة.

كان ملكًا على بعض ما كان أبوه يملكه كما تقدَّم

(3)

، وكان الصَّاحب أبو القاسم بن عباد وزيره، وقد تزوَّج مؤيد الدولة هذا بزبيدة بنت عمه معز الدولة، فَغَرِمَ على عُرْسه بها سبعمئة ألف دينار، وهذا شَرَفٌ عظيم.

بُلُكِّين بن زِيْري بن مَناد: الحِمْيَري الصُّنهاجي، ويسمى أيضًا يوسفَ.

وكان من [أكابر]

(4)

أمراء المعز [الفاطمي]

(5)

، وقد استخلفه على بلاد إفريقية حين سار إلى القاهرة، وكان حَسَنَ السِّيرة، له أربعمئة حَظِيَّة، وقد بُشِّر في ليلةٍ واحدة بسبعةَ عَشَرَ ولدًا، وهذا غريب، وهو جدُّ باديس المَغْربي

(6)

.

سعيد بن سَلَّام

(7)

: أبو عثمان المَغْربي، أصله من بلاد القَيْروان، ودخل الشَّام، وصَحِبَ أبا الخير

(1)

انظر تاريخ بغداد (2/ 153 - 154) والمنتظم (7/ 119).

(2)

في (ط) زيادة: وجافت الطرقات من الموتى من الجوع.

(3)

انظر حوادث سنة (365 هـ) ووفيات سنة (368 هـ).

(4)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ح) و (ب): جد المعز بن باديس، والصواب ما هو مثبت من (ط) وسترد ترجمة باديس في وفيات سنة (406 هـ) من هذا الكتاب.

(7)

طبقات الصوفية (479 - 483) تاريخ بغداد (9/ 112 - 113) الرسالة القشيرية (29 - 30) المنتظم (7/ 122 - 123) العبر (2/ 365) سير أعلام النبلاء (16/ 320 - 321) طبقات الأولياء (237 - 238) النجوم الزاهرة (4/ 144) شذرات الذهب (3/ 81).

ص: 314

الأقطع

(1)

، وجاور بمكة مدة سنين، وكان لا يظهر في المواسم، وكانت له كراماتٌ، وقد أثنى عليه أبو سليمان الخطَّابي وغيره، وله أحوال

(2)

صالحة، رحمه اللَّه تعالى.

عبد اللَّه بن محمد

(3)

بن عبد اللَّه بن عُثْمان بن المختار: أبو محمد المُزَني، الواسطي، يعرف بابن السَّقَّاء.

سمع عبدان، وأبا يعلى المَوْصلي، وابن أبي داود، والبَغَوي، وكان فَهِمًا حافظًا، دخل بغداد، فحدَّث بها مجالس كثيرة من حفظه، وكان يحضره الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفَّاظ، فلم ينكروا عليه شيئًا، غير أنه حَدَّث مرة عن أبي يعلى بحديثٍ أنكروه عليه، ثم وجدوه في أصله بخطِّ الصِّبا

(4)

كما حدَّث به سواء، فَبَرئَ من عُهدته، رحمه اللَّه تعالى، واللَّه أعلم بالصَّواب.

‌ثم دخلت سنة أربع وسبعين وثلاثمئة

فيها جرى الصُّلْح بين صمصامة الملقب بشمس الدولة وبين عمه فخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وأرسل الخليفة لفخر الدولة خِلَعًا سنية وتحفًا.

قال ابن الجوزي: وفي رجب منها عمل عرس في درب رباح، فسقطت الدار على من فيها، فهلك أكثر النساء، ونبشن من تحت الهدم، فكانت المصيبة عامة

(5)

.

‌وفيها كانت وفاة:

الحافظ أبي الفتح محمد بن الحسين

(6)

بن أحمد بن الحسين: الأزْدي المَوْصلي، المصنَّف في الجرح والتعديل.

(1)

كان أصله من المغرب، وسكن تينات من أعمال حلب، وكان كبير الشأن في التصوف، مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة، انظر طبقات الصوفية (370 - 372) وسير أعلام النبلاء (16/ 22 - 23).

(2)

في (ب) و (ط): ورؤي له أحوال.

(3)

تاريخ بغداد (10 - 130 - 132) سؤالات السِّلفي لخميس الحوزي: (ص 87 - 89) الأنساب (7/ 90) المنتظم (7/ 123) العبر (2/ 365) سير أعلام النبلاء (16/ 351 - 352) تذكرة الحفاظ (3/ 965 - 966) النجوم الزاهرة (4/ 144 - 145) طبقات الحفاظ (385) شذرات الذهب (3/ 81).

(4)

انظر تاريخ بغداد (10/ 131).

(5)

المنتظم (7/ 124).

(6)

تاريخ بغداد (2/ 243 - 244) الأنساب (1/ 198 - 199) المنتظم (7/ 125 - 126) الكامل لابن الأثير (9/ 40) العبر (2/ 367 - 368) تذكرة الحفاظ (3/ 967 - 968) ميزان الأعتدال (3/ 523) سير أعلام النبلاء (16/ 347 - 348) طبقات الحفاظ (386) شذرات الذهب (3/ 84).

ص: 315

وقد سمع الحديث من أبي يعلى وطبقته، وضعَّفه كثير من حُفَّاظ زمانه، واتهمه بعضهم بوضع حديث رواه لابن بُوَيه، حين قدم عليه بغداد، فساقه بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أن جبريل كان ينزل عليه في مثل صورة ذلك الأمير. فأجازه وأعطاه دراهم كثيرة. والعَجَبُ إن كان هذا صحيحًا كيف راج هذا على أحدٍ ممن له أدنى فهم وعقل.

وقد أرَّخ ابنُ الجَوْزي وفاته في هذه السنة

(1)

، وقيل: إنه توفي سنة تسع وستين

(2)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الخطيب أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد

(3)

بن إسماعيل بن نُباتة الحُذاقي -بطن من قُضاعة، وقيل من إياد- الفارقي؛ خطيب حلب في أيام سيف الدولة بن حمدان، ولهذا أكثر ديوانه الخُطَب الجهادية، ولم يُسبق إلى مثل ديوانه هذا، ولا يلحق فيه إلا أن يشاء اللَّه.

كان فصيحًا بليغًا ذكيًا دَيِّنًا وَرِعًا، روى الشيخ تاج الدين الكِنْدي عنه أنه خطب يوم جمعةٍ بخطبة المنام، ثم رأى في ليلة السبت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في جماعةٍ من أصحابه بين المقابر، فلما أقبل عليه قال له: مَرْحبًا بخطيب الخُطَباء، ثم أومأ إلى القبور فقال لابن نُباتة: كأنَهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدُّوا في الأحياء مَرَّة، [أبادهم الذي خلقهم، وأسكتهم الذي أنطقهم، وسيجدُّهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فَرَّقهم]

(4)

، فتمم الكلامَ ابنُ نباتة حتى انتهى إلى قوله يومَ تكونون شُهداء على النَّاس -وأشار إلى الصحابة {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] وأشار إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: أحسنتَ أحسنتَ ادْنُه ادْنُه، فقبَّل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وجهه وتفل في فِيه- وقال: وفقك اللَّه. فاستيقظ وبه من السُّرور أمرٌ كبير، وعلى وجهه نورٌ وبهاء، ولم يعش بعد ذلك إلا ثمانية عشر يومًا لم يستطعم فيها بطعام، ويوجد من فيه مثل رائحة المسك حتى مات، رحمه الله.

قال ابن الأَزْرق الفارِقي: ولد ابن نُباتة في سنة خمسٍ وثلاثين وثلاثمئة، وتوفي سنةَ أربعٍ وسبعين وثلاثمئة. حكاه ابنُ خَلِّكان

(5)

.

(1)

المنتظم (7/ 125).

(2)

تاريخ بغداد (2/ 244).

(3)

وفيات الأعيان (3/ 156 - 158) سير أعلام النبلاء: (16/ 321 - 322) العبر (2/ 362) النجوم الزاهرة (4/ 146) شذرات الذهب (3/ 83 - 8).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

انظر وفيات الأعيان (3/ 157)، وقال الذهبي: فعمره تسع وثلاثون سنة، وتوفي بميافارقين، وفي ولايته خطابة حلب أيام سيف الدولة نظر؛ أو قد غلطوا في مولده، نعم غلطوا في مولده، فإنه ابتدأ سالف خطبه في سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة وهو خطيب. (تاريخ الإسلام 8/ 403).

ص: 316

‌ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمئة

فيها خلع الخليفة على صمصامة الدَّوْلة، وسَوَّره وطوَّقه وأركبه على فرسٍ بسرج ذهب، وبين يديه جنيب [مثله]

(1)

.

وفيها ورد الخبر بأن اثنين من سادة القرامطة وهما إسحاق وجعفر، دخلا الكوفة في جحفلٍ كثير، فانزعجت النفوس بسبب ذلك، وذلك لصرامتهم وشهامتهم؛ ولأن عضد الدولة مع شجاعته كان يصانعهم، وأقطعهم أراضي من واسط، وكذلك عز الدولة من قبله أيضًا. فَجُهِّز إليهم جيشٌ من بغداد، فطردهم عن تلك النَّواحي التي قد أكثروا فيها الفساد، وبطل ما كان في نفوس الناس منهم، وللَّه الحمد.

وفيها عزم صمصامة الدولة على أن يضع مكسًا على الثِّياب الإبْرَيْسَمِيَّات

(2)

، فاجتمع النَّاس بجامع المنصور، وهموا بتبطيل الجمعة، وانزعج الناس، وكادت الفتنة تقع بينهم، فأُعفوا من ذلك.

وفي ذي الحِجَّة ورد الخبر بموت ابن مُؤَيَّد الدَّوْلة

(3)

، فجلس صمصامة للعزاء، وجاء إليه الخليفة الطائع في ثياب السواد، والقراء والأولياء بين يديه، فقام إليه صمصامة الدولة، وقبَّل الأرض بين يديه، وتخاطبا في العزاء بألفاظٍ حسنة، وانصرف الخليفة راجعًا إلى داره، وكان وقتًا مشهودًا.

‌وفيها توفي الشيخ:

أبو علي بن أبي هريرة

(4)

: واسمه الحسن بن الحسين، وهو أحد مشايخ الشَّافعية، وله اختيارات كثيرة غريبة [في المذهب]

(5)

، وقد ترجمناه في "الطبقات"

(6)

بما فيه كفاية.

الحسين بن علي بن محمد بن يحيى

(7)

: أبو أحمد النَّيْسابوري المعروف بحُسَيْنَك

(8)

.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

الإبْرَيْسَم: الحرير. القاموس المحيط (برسم).

(3)

في (ط): بموت مؤيد الدولة، وهو خطأ، وقد سلفت وفاته في وفيات سنة (373 هـ).

(4)

تاريخ بغداد (7/ 298 - 299) طبقات الشيرازي (112 - 113) وفيات الأعيان (2/ 75) العبر (2/ 267) سير أعلام النبلاء (15/ 430) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 256 - 263) شذرات الذهب (2/ 370). وقد ذكر ابن كثير وفاته في هذه السنة متابعًا ابن الجوزي في منتظمه، والصواب أن وفاته سنة (345 هـ) كما في مصادر ترجمته المعتمدة.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

أي طبقات الشافعية للمصنف.

(7)

تاريخ بغداد (8/ 74 - 75) المنتظم (7/ 127 - 128) تذكرة الحفاظ (3/ 968 - 969) العبر (2/ 368 - 369) سير أعلام النبلاء (16/ 407 - 409) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 274 - 275) طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 419 - 420) النجوم الزاهرة (4/ 147) طبقات الحفاظ (386) شذرات الذهب (3/ 84).

(8)

الكاف في الفارسية للتصغير، فيكون حسينك بمعنى: حسين الصغير.

ص: 317

كان تربيةً عند ابن خُزيمة وتلميذًا له، وكان يقدِّمه على أولاده ويقرأ له وحده ما لا يقرأه لغيره، وإذا تخلَّف ابن خزيمة عن مجالس السلطان بعث حسينك مكانه. ولما توفي ابنُ خزيمة كان عمر حُسَيْنَك ثلاثًا وعشرين سنة، ثم عمَّر بعده دهرًا طويلًا، فكان من أكثر النَّاس عبادةً وقراءةً [للقرآن]

(1)

، لا يترك قيام الليل في حضر ولا سفر، ولا صيف ولا شتاء، كثير الصدقات والبر والصِّلات، وكان يحكي وضوء ابن خزيمة وصَلاته، ولم يُرَ في الأغنياء أحسن صلاة منه، رحمه الله، وصلَّى عليه الحافظ أبو أحمد النَّيْسَابوري.

أبو القاسم الدَّارَكي

(2)

، عبد العزيز بن عبد اللَّه بن محمد: أبو القاسم الدَّاركي

(3)

، أحد أئمة الشافعية في زمانه.

نزل نيسابور، ثم سكن بغداد إلى أن مات.

قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: ما رأيت أفقه منه.

وحكى الخطيب البغدادي عنه أنه كان يُسأل عن الفتوى، فيجيب بعد تفكُّرٍ طويل، فربما كانت فتواه مخالفةً لمذهب الشَّافعي وأبي حنيفة، فيقال له في ذلك فيقول: ويلكم، روى فلانٌ عن فلان عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم[كذا وكذا]

(4)

، فالأَخْذُ به أولى من القول بمذهب الشَّافعي وأبي حنيفة، ومخالفتهما أسهل من مخالفة الحديث، رضي الله عنه

(5)

.

وقال ابن خلِّكان: وله في المذْهب وجوه جَيِّدة دالَّةٌ على متانة عِلْمه، وكان متهمًا بالاعتزال، وقد أخذ الفقه عن الشيخ أبي إسحاق المَرْوزي، والحديث عن جدِّه لأمه الحسن بن محمد الدَّارَكي، وهو أحد مشايخ الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وأخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيره من أهل الآفاق

(6)

.

كانت وفاته في شوَّال، وقيل في ذي القَعْدة من هذه السنة، وقد نيَّف على السبعين

(7)

، رحمه اللَّه تعالى.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

تاريخ بغداد (10/ 463 - 465) طبقات الفقهاء للشيرازي (117 - 118) الأنساب (5/ 249) المنتظم (7/ 129 - 130) اللباب (1/ 483 - 484) وفيات الأعيان (3/ 188 - 189) العبر (2/ 370) سير أعلام النبلاء (16/ 404 - 406) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 330 - 333) طبقات الشافعية للإسنوي (508) النجوم الزاهرة (4/ 148) شذرات الذهب (3/ 85).

(3)

نسبة إلى دارَك، قال السمعاني: وظني أنها قرية من قرى أصبهان. الأنساب (5/ 298).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

انظر تاريخ بغداد (10/ 464) وللإمام الذهبي تعليق على هذا الخبر يحسن الرجوع إليه، انظر السير (16/ 405).

(6)

وفيات الأعيان (3/ 189).

(7)

قال ابن أبي الفوارس: "وله بضع وسبعون سنة"، كما في تاريخ الخطيب وتاريخ الإسلام.

ص: 318

محمد بن أحمد بن محمد بن حَسْنَوَيْه: أبو سَهْل النيْسابوري، ويعرف بالحَسْنوي، كان فقيهًا شافعيًا أديبًا محدِّثًا، مشتغلًا بنفسه عما لا يعنيه، رحمه اللَّه تعالى.

محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن صالح

(1)

: أبو بكر، الفقيه، المالكي.

سمع من أبي عَرُوبة

(2)

، والبَاغَنْدي، وأبي بكر بن أبي داود وغيرهم. وعنه البرقاني.

وله تصانيف في شرح مذهب مالك، وانتهت إليه رياسة مذهبه، وعرض عليه القضاء، فأباه، وأشار بأبي بكر الرَّازي الحنفي

(3)

، فلم يقبل الآخر أيضًا.

وكانت وفاته في شوَّال منها عن ست وثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى.

‌ثم دخلت سنة ست وسبعين وثلاثمئة

قال ابن الجوزي: في المحرم منها كَثُرَتْ الحيات

(4)

ببغداد، فهلك خَلْقٌ كثير.

ولسبع

(5)

خلون من ربيع الأول

(6)

-وكان اليوم العشرون من تموز- وَقَعَ مطر كثيرٌ ببرق.

وفي رجب غَلَتِ الأسعار جدًا ببغداد وورد الخبر فيه بأنه كانت بالمَوْصل زلزلة عظيمة سقط

(7)

منها عمران كثير، ومات من أهلها أمة عظيمة.

وفيها وقع بين صمصام الدولة وبين أخيه شرف الدولة، فاقتتلا، فغلبه شرف الدولة وأسره، ودخل بغداد، فتلقاه الخليفة وهنأه بالسلامة، ثم استدعى شرف الدولة، بفراش ليكحل صمصام الدولة فاتفق موته

(8)

، فكحل بعد موته، وهذا من غريب ما وقع.

(1)

تاريخ بغداد (5/ 462 - 463) طبقات الفقهاء للشيرازي (167) ترتيب المدارك (4/ 466 - 473) الأنساب (1/ 125) المنتظم: (7/ 131) العبر (2/ 371) سير أعلام النبلاء (16/ 332 - 333) الوافي بالوفيات (3/ 108) شذرات الذهب (3/ 85 - 86) شجرة النور الزكية (1/ 91).

(2)

في (ح) و (ط): ابن أبي عروبة، وهو وهم، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (14/ 510 - 512).

(3)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (370 هـ).

(4)

في (ط) و (ب): الحياث، وهو تصحيف.

(5)

في المنتظم (7/ 131): لتسع.

(6)

في (ب): الآخر، وقد سقطت في (ح)، والمثبت من المنتظم.

(7)

في (ح) سقطت، والمثبت من (ب) و (ط).

(8)

أي موت صمصام الدولة، وذلك سنة (379 هـ).

ص: 319

وفي ذي الحِجَّة منها قبل قاضي القضاة أبو محمد بن معروف شهادة الحافظ أبي الحسن الدَّارَقُطْني، وأبي محمد بن عقبة، فذكر أنَّ الدارقطني نَدِمَ على ذلك وقال: كان يقبل قولي على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وَحْدي، فصار لا يقبل قولي على بَقْلي إلا مع غيري. فلا حول ولا قوة

(1)

إلا باللَّه العلي العظيم.

‌ثم دخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمئة

في صفر منها عقد مجلس بحضرة الخليفة فيه القضاة وأعيان الدَّوْلة، وجُدِّدت البيعة بين الطائع للَّه وبين شرف الدولة بن عضد الدولة، وكان يومًا مشهودًا.

ثم في ربيع الأول منها ركب شرف الدولة من داره في طيَّار إلى دار الخليفة، وزينت البلد، وضربت [البوقات و]

(2)

الطُّبول والدَّبادب، فخلع عليه الخليفة وطوَّقه وسوَّره، وأعطاه لواءين، وعقد له على ما وراء داره، واستخلفه على ذلك، وكان في جملة من قَدِمَ مع شرف الدولة القاضي أبو محمد عبيد اللَّه بن أحمد بن معروف، فلما رآه الخليفة قال:

مَرْحَبًا بالأحِبَّةِ القَادِمِيْنا

أوْحَشُونا وطال ما آنسُونا

فقبَّل الأرض بين يدي الخليفة. ولما قُضِيَت البيعة دخل شرف الدولة إلى عند أخته امرأة الخليفة، فمكث عندها إلى العصر، والنَّاس ينتظرونه، ثم خرج، وسار إلى داره للتهنئة، وجاءه الخاصة والعامة يهنونه.

وفي هذه السنة اشتدَّ الغلاء جدًا، ثم لحقه فناء كثير.

وفيها توفيت أم شرف الدولة -وكانت تركية أم ولد- فجاءه الخليفة فعزَّاه.

وفيها ولد لشرف الدولة ابنان توأمان، فهني بهما معًا

(3)

، واللَّه أعلم.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن الحسين بن علي: أبو حامد المَرْوزي، ويعرف بابن الطَّبري.

كان حافظًا للحديث، مجتهدًا في العبادة، متقنًا بصيرًا بالأثر، متفننًا فقيهًا حنفيًا، دَرَس على أبي الحسن الكَرْخِي

(4)

، وصنَّف كتبًا في الفِقْه والتَّاريخ، وولِّي قضاء القضاة بخراسان، ثم دخل بغداد وقد عَلَتْ سِنُّه، فحدَّث بها، وكتب النَّاس عنه بانتخاب الدَّارَقُطْني.

(1)

انظر المنتظم (7/ 131 - 132).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

انظر المنتظم (7/ 135 - 136).

(4)

في (ط): أبي الحسين، وهو تصحيف، وقد سلفت ترجمته في وفيات سنة (340 هـ).

ص: 320

إسحاق بن المقتدر باللَّه: كانت وفاته ليلةَ الجمعة لسبع عشرة من ذي الحجَّة عن ستين سنة، وصلى عليه ابنه القادر باللَّه وهو إذ ذاك أمير، ودفن في تربة جَدَّته شغَبَ أُمِّ المقتدر، وحضر جنازته الأُمراء والأعيان من جهة الخليفة ومن جهة شرف الدولة، وأرسل شرف الدولة من عَزَّى الخليفة فيه، واعتذر إليه من عدم الحضور لوجعٍ حصل له.

جعفر بن المكتفي باللَّه: وكان فاضلًا، توفي في هذه السنة أيضًا رحمه اللَّه تعالى.

أبو علي الفارسي

(1)

، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان: أبو علي النحوي، صاحب المصنفات، منها "الإيضاح" و"التكملة".

ولد ببلده، ثم دخل بغداد وخدم الملوك، وحظي عند عضد الدولة، بحيث كان يقول: أنا غلام أبي علي في النَّحْو. وحصلت له الأموال، وقد اتهمه قومٌ بالاعتزال، وفضَّله قومٌ من أصحابه على المبرِّد، وممن أخذ عنه عثمان

(2)

بن جنّي وغيره.

وكانت وفاته في هذه السنة عن بضع وتسعين سنة، رحمه اللَّه تعالى.

سُتَيْتَة بنت القاضي أبي عبد اللَّه الحسين بن إسماعيل المَحَاملي

(3)

: وتكنى أَمَة الواحد.

قرأت القراءات، وحفظت الفِقْه والفرائض والحساب والدَّوْر والنحو وغير ذلك، وكانت من أعلم النَّاس في وقتها بمذهب الشَّافعي، وكانت تفتي به مع الشيخ أبي علي بن أبي هُريرة، وكانت فاضلةً في نفسها، كثيرة الصَّدَقة، مسارعةً إلى فعل الخيرات، وقد سمعت الحديث وحدَّثت أيضًا.

وكانت وفاتها في رمضان

(4)

عن بضع وتسعين سنة، رحمها اللَّه تعالى.

(1)

طبقات النحويين واللغويين (130) تاريخ بغداد (7/ 275 - 276) نزهة الألباء (315 - 317) المنتظم (7/ 138) معجم الأدباء (7/ 232 - 261) معجم البلدان (4/ 261) إنباه الرواة (1/ 273 - 275) وفيات الأعيان (2/ 80 - 82) سير أعلام النبلاء (16/ 379 - 380) العبر (3/ 4) ميزان الاعتدال (1/ 480 - 486) الوافي بالوفيات (11/ 376 - 379) مرآة الجنان (2/ 406 - 407) غاية النهاية (1/ 206 - 207) النجوم الزاهرة (4/ 151) لسان الميزان (2/ 195) بغية الوعاة (1/ 496 - 498) شذرات الذهب (3/ 88 - 89).

(2)

في (ح) و (ب) و (ط): أبو عثمان، وهو خطأ، وسترد ترجمته في وفيات سنة (392 هـ).

(3)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (330 هـ).

(4)

في (ط): رجب، وهو تحريف.

ص: 321

‌ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمئة

في المحرم منها كَثُرَ الغلاء والفناء ببغداد.

وفي شعبان كَثُرَت الرِّياح والعواصف؛ بحيث هدمت شيئًا كثيرًا من الأبنية، وغَرَّقت سُفُنًا كثيرة، واحتملت بعض الزَّوارق، فألقته بالأرض من ناحية جُوخى، وهذا أمر هائل [بل وخَطْبٌ شامل]

(1)

.

وفي ذلك الوقت لَحِقَ أهْلَ البَصْرةِ حَرٌّ شديد، بحيث سقط كثير من النَّاس في الطُّرقات، وماتوا من شدة الحر.

‌وفيها توفي من الأعيان:

الحسين

(2)

بن علي بن ثابت: أبو عبد اللَّه المقرئ الحافظ.

ولد أعمى، كان يحضر مجلس ابن الأنباري فيحفظ ما يمليه كله، وكان ظريفًا حسن الزّي، وقد سبق الشَّاطبيّ إلى قصيدةِ عملها في القراءات السَّبْع، وذلك في حياة النَّقَّاش المفسِّر

(3)

، وكانت تعجبه وتعجب شيوخ زمانه.

الخليل بن أحمد القاضي

(4)

: شيخ الحنفية في زمانه، كان مقدَّمًا في الفِقْه والحديث، سمع ابن خُزيمة والبَغَوي وابن صاعد وغيرهم، وهذا سَميُّ النَّحْوي المتقدم، رحمهما اللَّه.

زياد بن محمد بن زياد بن الهيثم

(5)

: أبو العَبَّاس، الخَزْخاني

(6)

-بخاءين معجمتين فوق- نسبةً إلى قرية من قرى قومس، ولهم الجُرْجاني بجيمين، وهم جماعة، ولهم الخَرْجاني أيضًا بخاء ثم جيم. وقد حرَّر هذه المواضع الشيخ أبو الفَرَج ابن الجوزي في "منتظمه"، رحمه اللَّه تعالى.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

في (ح) و (ب) و (ط): الحسن، وهو تصحيف، والمثبت من تاريخ بغداد (8/ 75) والمتظم (7/ 142).

(3)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (351 هـ).

(4)

يتيمة الدهر (4/ 338 - 339) الأنساب (7/ 45) معجم الأدباء (11/ 77 - 80) العبر (3/ 7) سير أعلام النبلاء (16/ 437 - 439) النجوم الزاهرة (4/ 153) تاج التراجم (27) الجواهر المضية (1/ 178 - 180) شذرات الذهب (3/ 91).

(5)

المنتظم (7/ 142 - 143).

(6)

كذا ضبط هنا، وضبطه ابن الجوزي في المتظم (7/ 142) الخرجاني وهو مجود بالجيم بخط الذهبي في تاريخ الإسلام (8/ 450)، وهو الصحيح، وانظر الأنساب (5/ 76) وهي نسبة إلى محلة كبيرة بأصبهان.

ص: 322

‌ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمئة

فيها كانت وفاة شرف الدولة بن عضد الدولة بن بُوَيْه الدَّيْلمي، وكان قد انتقل إلى قصر معز الدولة بإشارة الأطباء لصحة الهواء؛ وذلك [لشدة]

(1)

ما كان يجده من الدَّاء، فلما كان في جمادى الأولى تزايد به المرض، ومات في هذا الشهر، وقد عهد إلى ابنه

(2)

أبي نصر، وجاء الخليفة في طيار لتعزية أبي نصر في والده شرف الدولة، فتلقاه أبو نصر والتُّرْك والدَّيْلَم بين يديه، فقبّل الأرض بين يدي الخليفة وكذلك بقية العسكر، والخليفة في الطيار، هم يقبِّلون الأرض إلى ناحيته. وجاء الرئيس أبو الحسن علي بن عبد العزيز من عند الخليفة إلى أبي نصر، فبلغه تعزية الخليفة له، فقبَّل الأرض ثانية، وعاد الرسول إلى الخليفة، فبلَّغه شكر أبي نصر، ثم عاد الرسول من جهة الخليفة لتوديع أبي نصر، فقبَّل الأرض ثالثًا، ورجع الخليفة في طيارة إلى داره. فلما كان يوم السبت عاشر هذا الشهر ركب الأمير أبو نصر إلى حضرة الخليفة الطائع للَّه ومعه الأشراف والأعيان والقضاة والأمراء، وجلس الخليفة في الرِّواق، فلما وصل الأمير أبو نصر بن شرف الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه خلع عليه الخليفة سبع خِلَع أعلاهن السواد، وعمامة سوداء، وفي عنقه طوقٌ، وفي يده سواران، ومشى الحُجَّاب بين يديه بالسيوف والمناطق، فلما حصل بين يدي الخليفة قبَّل الأرض ثانية، ووُضِعَ له كرسيٌّ، فجلس عليه وقرأ الرئيس أبو الحسن علي بن عبد العزيز عهده، وقدم إلى الطائع لواءه، فعقده بيده، ولقبه بهاء الدولة وضياء المِلَّة، ثم خرج من بين يديه والعسكر معه حتى عاد إلى دار المملكة، وأقرَّ الوزير أبا منصور بن صالحان

(3)

على الوزارة، وخلع عليه.

وفي هذه السنة بني جامع القطيعة -قطيعة أم جعفر- بالجانب الغربي من بغداد، وكان أصل بنائه مسجدًا أنَّ أمرأةً رأت في المنام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان يصلي، ووضع يده في جدار هناك، فلما أصبحت تذكرت ذلك المنام، فوجدوا أثر الكف في ذلك الموضع، فبني مسجدًا، ثم توفيت تلك المرأة في ذلك اليوم، ثم إن الشريف أبا أحمد الموسوي جدَّد هذا المسجد، فوسعه وجعله جامعًا، واستأذن الخليفة الطائع للَّه في عقد جمعه فيه، فأذن له، فصلى الناس فيه في هذه السَّنة، رحمه اللَّه تعالى.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

كذا في الأصول الخطية و (ط)، والمنتظم (7/ 148) والصحيح أنه أخوه، وسترد ترجمته في وفيات سنة 403 من هذا الكتاب.

(3)

في (ط): منصور بن صالح، وفي (ح): صلحان، والمثبت من المنتظم (7/ 149) وسترد ترجمته في وفيات سنة (416 هـ) من هذا الكتاب.

ص: 323

‌وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:

شرف الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيْه الدَّيْلمي.

تملَّك بغداد بعد أبيه، وكان يحبُّ الخير ويبغض الشر، وأمر بترك المصادرات. وكان مرضه بالاستسقاء [فتزايد به حتى]

(1)

كانت وفاته ليلة الجمعة الثاني من جُمادى الآخرة عن ثمانٍ وعشرين سنة وخمسة أشهر، وكانت مدَّة ملكه سنتين وثمانية أشهر، وحُمل تابوته إلى تربة أبيه بمشهد علي، وكلهم فيهم تشيُّع.

محمد بن جعفر بن العَبَّاس

(2)

: أبو بكر، النَّجَّار، ويلقب غُنْدَر أيضًا، روى عن أبي بكر النيْسابوري وطبقته، وعنه الناس، وكان فَهِمًا، يحفظ القرآن [حفظًا حسنًا]

(3)

ومن ثِقَات النَّاس.

محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الكريم

(4)

بن بُدَيل: أبو الفَضْل، الخُزاعي الجُرْجاني، قَدِمَ بغداد وحدَّث بها.

قال الخطيب: كانت له عناية بالقراءات، وصنَّف أسانيدها، ثم ذُكر لي أنه كان يخلط ولم يكن مأمونًا على ما يرويه، وأنه وضع كتابًا في الحروف ونسبه إلى أبي حنيفة، فكتب الدَّارَقُطني وجماعةٌ أن هذا الكتاب موضوع لا أصْلَ له، فافتضح، خرج من بغداد إلى الجبل، فاشتهر أمره هناك وهبطت منزلته، وقد كان يسمِّي نَفْسَه أولًا كميلًا

(5)

، ثم غيَّره إلى محمد

(6)

.

محمد بن المُظَفَّر

(7)

بن موسى

(8)

بن عيسى بن محمد بن عبد اللَّه بن سلمة بن إياس، أبو الحسين

(9)

البزَّاز الحافظ، ولد في محرَّم [سنة ست وثمانين ومئتين، وأول سماعه للحديث في محرَّم]

(10)

سنة

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

تاريخ بغداد (2/ 157) شذرات الذهب (2/ 150).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب)، وانظر تاريخ بغداد (2/ 157).

(4)

في (ط) عبد الكريم بن عبد الكريم بن بديل، وهو تحريف.

(5)

في (ط): جميلًا، وهو تحريف.

(6)

انظر تاريخ بغداد (2/ 158) وقد أورده ابن كثير في وفيات هذه السنة متابعًا في ذلك بن الجوزي في المنتظم (7/ 151 - 152) ووفاته على الصحيح سنة (408 هـ)، انظر معرفة القراء (1/ 380).

(7)

في (ط): المطرف، وهو تحريف.

(8)

تاريخ بغداد (3/ 262 - 264) المنتظم (7/ 152 - 153) تذكرة الحفاظ (3/ 980 - 983) سير أعلام النبلاء (16/ 418 - 420) ميزان الاعتدال (4/ 43) شذرات الذهب (3/ 96).

(9)

في (ح) أبو الحسن، وهو تحريف.

(10)

ما بين حاصرتين من المنتظم (7/ 152) وانظر تاريخ بغداد (3/ 262).

ص: 324

ثلاثمئة، ورحل إلى بلاد شتَّى، وروى عن ابن جرير والبَغَوي وخلْق، وروى عنه جماعة من الحُفَّاظ -منهم الدَّارَقُطْني- شيئًا كثيرًا، وكان يعظِّمه ويجلُّه ولا يستند بحضرته، وكان ابن المظفر ثقة ثبتًا، وكان قديمًا ينتقي

(1)

على المشايخ، ثم كانت وفاته يوم الجمعة، ودفن يوم السبت لثلاثٍ خلون من جُمادى الأولى أو الآخرة من هذه السنة.

‌ثم استهلَّت سنة ثمانين وثلاثمئة

فيها قُلِّد الشريف أبو أحمد الحسين

(2)

بن موسى الموسوي نقابة الأشراف الطالبيين والنظر في المظالم وإمرة الحجيج، [وكتب عهده بذلك]

(3)

واستخلف ولداه المرتضى أبو القاسم

(4)

والرَّضي أبو الحسن

(5)

على النقابة وخلع عليهما من دار الخلافة.

وفيها تفاقم أمر العيَّارين ببغداد، وصار الناس أحزابًا، في كل محلةٍ أمير مقدم، واقتتل الناس، وأخذت الأموال واتصلت الكبسات وأحرقت دور الكبار، ووقع حريق بالنهار في نهر الدجاج، فاحترق بسببه شيءٌ كثير للناس.

‌وفيها توفي فيها من الأعيان:

يعقوب بن يوسف

(6)

: أبو الفتوح بن كِلِّس، وزير صاحب مصر العزيز بن المعز الفاطمي.

كان شهمًا فَهِمًا ذا هِمَّة عالية وتدبير جيد وكلمة نافذة عند مخدومه، وقد فوَّض إليه أموره في سائر مملكته، ولما مرض عاده العزيز، فوصَّاه الوزير فيما يتعلق بمملكته، ولما مات دفنه في قصره، وتولى دفنه بيده، وحزن عليه كثيرًا، وأُغلق الدِّيوان أيامًا من حزن الملك عليه.

(1)

في (ط) ينتقد، وهو تحريف.

(2)

في (ح) و (ب) و (ط) الحسن، وهو تحريف، والمثبت من المنتظم (7/ 153) وسيرد خبر عزله في حوادث سنة (384 هـ). وسترد ترجمته في وفيات سنة (400 هـ) من هذا الكتاب.

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

سترد ترجمته في وفيات سنة (436 هـ) من هذا الكتاب.

(5)

في (ح) و (ب) و (ط) أبو الحسين، وهو تحريف، والمثبت من المنتظم (7/ 153) وسترد ترجمته في وفيات سنة (406 هـ) من هذا الكتاب.

(6)

المنتظم (7/ 155 - 156) وفيات الأعيان (7/ 27 - 35) سير أعلام النبلاء (16/ 442 - 444) مرآة الجنان (2/ 250) النجوم الزاهرة (4/ 158) حسن المحاضرة (2/ 201) شذرات الذهب (3/ 97).

ص: 325

‌ثم دخلت سنة إحدى وثمانين

(1)

وثلاثمئة

فيها كان القبض على الخليفة الطائع للَّه، وخلافة القادر باللَّه أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر باللَّه، وكان ذلك في يوم السبت التاسع عشر من شعبان من هذه السنة، [وذلك أنه]

(2)

جلس الخليفة على عادته في الرِّواق، وقعد الملك بهاء الدولة على السرير، ثم أرسل من اجتذب الخليفة بحمائل سيفه عن السرير، ولفُّوه في كساء، وحملوه إلى الخزانة من دار المملكة، وتشاغل النَّاس بالنهب، ولم يدر [أكثر]

(3)

النَّاس ما الخطبُ ولا ما الخبر، حتى إن كثيرًا منهم يظن أن الملك بهاء الدولة هو الذي مسك

(4)

، فنهبت الخزائن والحواصل وشيء كثير من أثاث دار الخلافة، حتى أخذت ثياب الأعيان من القضاة

(5)

والشهود ممن كان بدار الخلافة، وجرت كائنة عظيمة جدًا، ورجع بهاء الدولة إلى داره، وكتب على الطائع كتابًا بالخَلْع

(6)

، وشهد عليه الأشراف والقضاة

(7)

أنه قد خلع نفسه عن الخلافة، وسلَّمها إلى القادر باللَّه، ونودي بذلك في الأسواق، وتشغبت الدَّيْلم والأتراك وطالبوا برسم البيعة، وراسلوا بهاء الدولة في ذلك، وتطاول الأمر إلى يوم الجمعة، فلم يمكنوا من الدُّعاء له على المنبر بصريح اسمه، بل قيل: اللهم أصْلِحْ عبدك وخليفتك القادر باللَّه، ولم يُسَمَّ، ثم أُرْضيَ وجوههم وأكابرهم، وأخذت البيعة له واتفقت الكلمة، وأَمَرَ بهاء الدولة بتحويل جميع ما في دار الخلافة من الأواني والفُرُش والأثاث وغير ذلك إلى داره، وأبيحت للعامة والخاصة، فقلعوا أبوابها وشبابيكها، وشعثوا أبنيتها، ثم بيعوا بعد ذلك، هذا كله والخليفة القادر باللَّه في أرض البطيحة قد هرب من الطائع للَّه حين كان يطلبه. ولما ركب إلى بغداد منعته الدَّيْلَم من الدخول إليها حتى يعطيهم رسم البيعة، وجَرَتْ بينهم خطوب كثيرة طويلة، ثم رضوا [عنه]

(8)

ودخل بغداد، وكان يومًا مشهودًا، وكانت مدة هربه بأرض البطيحة

(1)

في (ط): وسبعين، وهو تحريف.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط) و (ب).

(4)

في (ط): حتى أن كبير المملكة بهاء الدولة ظن الناس أنه هو الذي مسك. والعبارة مضطربة محرفة كما ترى.

(5)

في (ط) والقضاة.

(6)

في (ط) زيادة: من الخلافة.

(7)

في (ط) زيادة: وغيرهم.

(8)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 326

[قريبًا من]

(1)

ثلاث سنين. وجلس في اليوم الثاني من مقدمه جلوسًا عامًّا للتهنئة وسماع المدائح والقصائد فيه، وذلك في العشر الأخير من رمضان.

وفي العشر الأواخر من شوال اجتمع الناس لبيعة بهاء الدولة وتفويض الخليفة إليه ما وراء بابه، وكان يومًا مشهودًا.

وقد كان الخليفة القادر باللَّه من الخلفاء الأخيار، ومن سادات العلماء في أهل زمانه، كثير الصدقة، حسن الاعتقاد، صنَّف عقيدة

(2)

فيها فضائل الصحابة وغير ذلك، وكانت تقرأ بحلق أصحاب الحديث في كل جمعة في جامع المهدي، وتجتمع الناس لسماعها مدَّةَ خلافته، وكان ينشد هذه الأبيات يترنَّم بها وهي لسابق البَرْبَري

(3)

.

سَبَقَ القضاءُ بكلِّ ما هو كائنٌ

واللَّه يا هذا لرِزْقِكَ ضَامِنُ

تَعْنى بما تُكْفى وتتركُ ما بهِ

تُعنى كأنَّك للحَوَادِثِ آمِنُ

أو ما ترى الدُّنيا ومَصْرَع أهلِها

فَاعْمَلْ ليومِ فِرَاقها يا خائنُ

واعلمْ بأنَّكَ لا أبا لك في الذي

أصْبَحْتَ تَجْمَعُهُ لغيرِكَ خازِنُ

يا عامِرَ الدُّنيا أتعْمَرُ مَنْزلًا

لم يبقَ فيه مع المنيّةِ ساكِنُ

الموتُ شيءٌ أنْتَ تَعْلَمُ أنّهُ

حقٌ وأنتَ بذكرهِ متهاوِنُ

إنَّ المنيَّةَ لا تؤامرُ

(4)

من أتتْ

في نفسِه يَوْمًا ولا تستأذنُ

وفي اليوم الثَّامن عشر

(5)

من ذي الحِجة من هذه السنة -وهو يوم غدير خُمّ- جَرَت فتنة بين الرَّوافض والسُّنَّة واقتتلوا، فقتل منهم خَلْقٌ كثير، واستظهر أهل [باب]

(6)

البصرة وحرَّقوا أعلام السلطان، فقتل جماعة اتهموا بفعل ذلك، وصلبوا على القنطرة ليرتدع أمثالهم.

وفي هذه السنة ظهر أبو الفتوح الحسن بن جعفر العَلَوي أمير مكة بها، وادَّعى أنه خليفة، وسمى

(1)

ما بين حاصرتين من (ب)، وفي "المنتظم" 7/ 157: كان مقامه بالبطيحة منذ حصل فيها إلى أن أخرج عنها سنتين وأحد عشر شهرًا، وقيل سنتين وأربعة أشهر وأحد عشر يومًا.

(2)

في (ط) قصيدة، وهو تحريف.

(3)

هو أبو سعيد، سابق بن عبد اللَّه البربري، ليس نسبة إلى البربر، وإنما هو لقب له، كان شاعرًا من الزهاد، وهو من موالي بني أمية، سكن الرقة، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وله معه حكايات لطيفة، توفي نحو (100 هـ) انظر تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران (6/ 38 - 42) وخزانة الأدب للبغدادي (9/ 512 - 533).

(4)

أي لا تشاور. انظر القاموس المحيط (أمر).

(5)

في (ب): الثاني عشر، وفي (ط): الثالث عشر، وكلاهما خطأ، والمثبت من (ح).

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

ص: 327

نفسه الرَّاشد باللَّه، فمالأه أهلُ مكة، وحصل له أموال من رجلٍ أوصى له بها، فانتظم أمره بسببها، وتقلَّد سيفًا زعم أنه ذو الفقار، وأخذ في يده قضيبًا زعم أنه كان لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم قصد بلادَ الرَّملة ليستعين بعرب الشَّام، فتلقوه بالرحب، وقبَّلوا له الأرض، وسلَّموا عليه بإمرة المؤمنين، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. ثم إن [الحاكم]

(1)

صاحب مصر -وكان قد قام بالأمر من بعد أبيه العزيز في هذه السَّنة

(2)

- بعث إلى عَرَب الشام بملطفات، ووعَدَهم من الذهب بألوف وثياب

(3)

، وكذلك إلى عرب الحجاز، واستناب على مكة أميرًا، وبعث إليه بجارية وخمسين ألف دينار، فانتظم أمر الحاكم

(4)

، وتمزَّق أمر الرَّاشد باللَّه، وتسحَّب إلى بلاده كما بدأ منها، وعاد إليها وكان عوده إليها كما رَحَلَ عنها، واضمحلَّ حاله وانتقضت حباله، وتفرَّق عنه رجاله، واللَّه يفعل ما يشاء ويختار.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن الحسين

(5)

بن مهران

(6)

: أبو بكر المقرئ، كانت وفاته في شوال منها عن ستِّ وثمانين سنة، واتفق أن مات يوم موته أبو الحسن العامري الفيلسوف، فرأى بعضُ الصَّالحين أحمد بن الحسين في المنام فقال له: يا أستاذ أي شيء فعل اللَّه بك؟ فقال: أقام أبا الحسن العامري إلى جانبي، وقال: هذا فداؤك من النار.

عبيد اللَّه

(7)

بن أحمد بن معروف

(8)

: أبو محمد، قاضي القضاة ببغداد.

روى عن ابن صاعد، وعنه الخَلَّال والأزهري وغيرهما، وكان من العلماء الثقات الألباء العقلاء الفُطَناء، حسنَ الشكل، جميل المَلْبس، عفيفًا عن الأموال، [وكان]

(9)

عمره يوم توفي خمسًا وسبعين سنة، وصلَّى عليه أبو أحمد الموسوي، فكبَّر خمسًا، ثم صلى عليه ابنه بجامع المنصور فكبَّر أربعًا، ثم دفن في داره، رحمه اللَّه تعالى.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

في (ح) و (ب) من بعده ابنه العزيز، والمثبت من (ط).

(3)

في (ب) و (ط): ومئات، والمثبت من (ح).

(4)

في هامش (ح) حاشية: لم يتقدم ما يدل على هذا الحاكم الفاطمي وكيف وصلت إليه مصر.

(5)

في (ط): الحسن، وهو تحريف.

(6)

معجم الأدباء (3/ 12 - 15) سير أعلام النبلاء (16/ 406 - 407) غاية النهاية (1/ 49 - 50) النجوم الزاهرة (4/ 160) شذرات الذهب (3/ 98).

(7)

في (ط): عبد اللَّه، وهو تحريف.

(8)

يتيمة الدهر (3/ 107 - 109) تاريخ بغداد (10/ 365 - 368) المنتظم (7/ 166) سير أعلام النبلاء (16/ 426 - 427) ميزان الاعتدال (3/ 3) لسان الميزان (4/ 96) النجوم الزاهرة (4/ 16) شذرات الذهب (3/ 101).

(9)

ما بين حاصرتين من (ب).

ص: 328

جوهر بن عبد اللَّه

(1)

: القائد باني القاهرة المعزية، وأصله رومي

(2)

ويعرف بالكاتب، أرسله مولاه المعز

(3)

بن المنصور بن القائم بن المهدي المدَّعي أنه فاطمي من إفريقية لأخذ مصر عند اضطراب جيشها بعد موت كافور الإخشيدي، فأقاموا عليهم أحمد بن علي الإخشيدي، فلم يجتمعوا عليه، فأرسل بعضهم إلى المعز يستنجد به، فأرسل مولاه جوهر هذا في ربيع الأول من سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمئة فوصل إلى القاهرة في شعبان منها في مئة ألف مقاتل، ومعه من الأموال ألف ومئتا صندوق لينفقه في ذلك، فانزعج الناس، وأرسلوا يطلبون منه الأمان، فآمنهم فلم يرض الجيش بذلك، وبرزوا لقتاله فكسرهم، وجدَّد الأمان لأهلها، ودخلها يوم الثلاثاء لثمان عشرة خَلَت من شعبان، فشق مصر، ونَزل في مكان القاهرة اليوم، وأسس من ليلته القصرين، وخطب يوم الجمعة الآتية، فقطع خطبة بني العباس، وعوَّض بمولاه، وذكر الأئمة الإثني عشر، وأذن بحي على خير العمل، وكان يُظْهر الإحسان إلى الناس، ويجلس كل [يوم]

(4)

سبت مع الوزير جعفر بن الفرات والقاضي، واجتهد في تكميل القاهرة، وفرغ من جامعها سريعًا، وخطب به في سنة إحدى وستين، وهو جامع الأزهر.

وأرسل جعفر بن فلاح إلى الشَّام فأخذها للمعز، ثم قدم مولاه المعز في سنة ثنتين وستين كما تقدَّم

(5)

، ونزل بالقصرين. ولم تزل منزلته عالية عنده، ثم كانت وفاته في هذه السنة، وقام في منصبه وعظمته ابنه الحسين الذي كان يقال له قائد القواد، وهو أكبر أمراء الحاكم بن العزيز بن المعز، ثم كان قتله على يديه في سنة إحدى وأربعمئة، وقتل معه صهره زوج أخته القاضي عبد العزيز بن النعمان، وأظن هذا القاضي هو مصنف البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، الذي فيه من الكفر ما لم يصل إبليس إلى مثله، وقد ردَّ على هذا الكتاب أبو بكر الباقلَّاني، رحمه الله.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وثلاثمئة

في عاشر المحرم منها رسم الوزير أبو الحسن علي بن محمد بن الكوكبي -ويعرف بابن المعلم، وكان قد استحوذ على أمور السلطان- لأهل الكرخ وباب الطاق من الرَّافضة بأن لا يفعلوا شيئًا من تلك البدع التي كانوا يتعاطونها في عاشوراء؛ من تعليق المسوح وتغليق الأسواق، والنِّياحة على الحسين،

(1)

معجم البلدان (4/ 301) وفيات الأعيان (1/ 375 - 380) العبر (3/ 16) سير أعلام النبلاء (16/ 467 - 468) النجوم الزاهرة (4/ 28) حسن المحاضرة (1/ 599 و 2/ 201) شذرات الذهب (3/ 98 - 100).

(2)

في (ط) أرمني، وهو تحريف.

(3)

في (ط) العزيز، وهو تحريف.

(4)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

انظر حوادث سنة (361 هـ).

ص: 329

فلم يفعلوا شيئًا من ذلك [وللَّه الحمد والمِنَّة]

(1)

وكان هذا الرجل من أهل السُّنَّة إلا أنه كان طماعًا، رسم بأن لا يُقبل أحد من الشهود ممن استحدث عدالته بعد ابن معروف، وكان كثير منهم قد بذل أموالًا جزيلة في ذلك، فاحتاجوا إلى أن جمعوا له شيئًا، فوقّع لهم بالاستمرار.

ولما كان في جُمادى الآخرة سَعَتِ الدَّيْلَم والترك على ابن المعلم هذا، وخرجوا بخيامهم إلى باب الشَّمَّاسية، وراسلوا بهاء الدولة ليسلمه إليهم، لسوء معاملته لهم، فدافع عنه السُّلْطان مدافعة عظيمة مرَّاتٍ متعدِّدة، ولم يزالوا يراسلونه في أمره حتى خنق أبا الحسن بن المعلم في حبل، ومات، ودفن بالمُخرِّم.

وفي رجب [من هذه السنة]

(2)

سُلِّم الخليفة الطائع للَّه الذي خُلِعَ إلى أمير المؤمنين خليفة الوقت أبي العباس القادر باللَّه، فأمر بوضعه في حجرة من دار الخلافة، وأن تجري عليه الأرزاق والتُّحَف والألطاف، مما يستعمله الخليفة القادر من مأكل وملبس وطيب، ويوكل به من يحفظه ويخدمه، وكان يتعنّت على القادر في تقلُّله من المأكل والملبس، فرَتَّب له من يخدمه ويحضر له ما يشتهيه من سائر الأنواع، ولم يزل كذلك حتى توفي وهو في السجن.

وفي شوال منها ولد للخليفة القادر باللَّه ولد ذكر، وهو أبو الفضل [محمد بن]

(3)

القادر باللَّه، وقد ولَّاه العهد من بعده، وسماه الغالب باللَّه، فلم يتمَّ له الأمر.

وفيها غَلَتِ الأسعار ببغداد حتى أبيع رطل الخبز بأربعين درهمًا، والجزرة بدرهم.

وفي ذي القعدة قدم صاحب الأُصيفر الأعرابي، والتزم بحراسة الحُجَّاج في ذهابهم وإيابهم، وبشرط أن يخطب للقادر من اليمامة والبحرين إلى الكوفة، فأجيب إلى ذلك، وأطلقت له الخِلَع والأموال والألوية

(4)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

محمد بن العَبَّاس

(5)

بن محمد بن

(6)

زكريا بن يحيى بن معاذ: أبو عمر القَزَّاز

(7)

المعروف بابن حيوية.

(1)

ما بين حاصرين من (ب) و (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

في (ط): والأواني، وهو تحريف.

(5)

تاريخ بغداد (3/ 121 - 122) المنتظم (7/ 170 - 171) العبر (3/ 21) سير أعلام النبلاء (16/ 409 - 410) الوافي بالوفيات (3/ 199) لسان الميزان (5/ 214 - 215) النجوم الزاهرة (4/ 163) شذرات الذهب (3/ 104).

(6)

في (ح) و (ط) و (ب): ابن.

(7)

في مصادر ترجمته: الخزَّاز.

ص: 330

سمع البغوي والباغَنْدِي وابن صاعد وخَلْقًا كثيرًا، وانتقى

(1)

عليه الدَّارَقُطْني، وسمع منه الأعيان، وكان ثِقَةً دَيِّنًا متيفظًا ذا مروءة، وكتب من الكتب الكبار كثيرًا بيده، توفي في ربيع الآخر وقد قارب التسعين، رحمه الله.

[أبو أحمد العَسْكري]

(2)

: الحسن بن عبد اللَّه بن سعيد، أبو أحمد العسكري، أحد الأئمة في اللغة والأدبِ والنحو والنَّوادر، وله في ذلك تصانيف مفيدة، منها "التصحيف"

(3)

وغيره، وكان الصاحب بن عَبَّاد يودُّ الاجتماع به، فسافر إلى عسكر مكرم خلفه حتى اجتمع به، [فأكرمه وراسله بالأشعار]

(4)

. توفي فيها وله تسعون سنة. كذا أرَّخه ابن خَلِّكان

(5)

. وذكره ابن الجوزي فيمن توفي سنةَ سبعٍ وثمانين كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى

(6)

.

‌ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمئة

فيها أمر القادر باللَّه بعمارة مسجد الحربية وكسوته، وأن يجري مجرى الجوامع في الخطبة وغيرها، وذلك بعد أن استفتى العلماء في جواز ذلك، فأفتوه بالجواز.

قال الخطيب البغدادي: أدركت الجمعة تقام ببغداد في مسجد المدينة، ومسجد الرصافة، ومسجد دار الخلافة، ومسجد براثا، ومسجد قطيعة أم جعفر، ومسجد الحربية. قال: ولم يزل الأمر على هذا إلى سنة إحدى وخمسين وأربعمئة، فتعطلت في مسجد بَرَاثا

(7)

.

وفي جُمادى الأولى فرغ من الجسر الذي بناه بهاء الدولة في مشرعة القطانين، واجتاز عليه هو بنفسه، وقد زيَّنوه واحتفلوا به.

(1)

في (ط): وانتقد، وهو تحريف.

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط). وترجمة العسكري في ذكر أخبار أصبهان (1/ 272) والأنساب (8/ 452) المنتظم (7/ 191) معجم الأدباء (8/ 233 - 258) معجم البلدان (4/ 124) إنباه الرواة (1/ 310 - 312) وفيات الأعيان (2/ 83 - 85) سير أعلام النبلاء (16/ 413 - 415) الوافي بالوفيات (12/ 76 - 77) النجوم الزاهرة (4/ 163 و 196) بغية الوعاة (1/ 506) شذرات الذهب (3/ 102 - 103).

(3)

طبع في مجمع اللغة العربية بدمشق.

(4)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

انظر وفيات الأعيان (2/ 84).

(6)

انظر وفيات سنة (387 هـ).

(7)

تاريخ بغداد (1/ 111) وفيه: ولم تزل على هذا إلى أن خرجت من بغداد سنة إحدى وخمسين وأربعمئة، ثم تعطلت في مسجد براثا، فلم تكن تصلّى فيه.

ص: 331

وفي جمادى الآخرة، شغب الدَّيالم والأتراك لتأخُّرِ العطاء عنهم، وغلاء الأسعار، وراسلوا بهاء الدولة، فأزيحت أعذارهم وعللهم.

وفي يوم الخميس الثاني من ذي القَعْدة من هذه السنة تزوَّج الخليفة سكينة بنت بهاء الدولة على صَداق مئة ألف دينار، وكان وكيلَ أبيها الشريفُ أبو أحمد الموسوي، وقد توفيت هذه المرأة قبل دخول الخليفة عليها.

وفي هذه السنة ابتاع الوزير أبو نصر سابور بن أزدشير دارًا بالكَرْخ وجدَّد عمارتها، وبيَّضها، ونقل إليها كتبًا كثيرة، ووقفها على الفقهاء، وسماها دار العلم. وأظن أن هذه أول مدرسة وقفت على الفقهاء

(1)

، واللَّه أعلم.

وارتفعت الأسعار في أواخر هذه السنة، وضاق الحال [وجاع العيال، فلله الحمد والمنَّة على كل حال]

(2)

.

‌وفيها توفي من الأعيان:

أحمد بن إبراهيم

(3)

بن الحسن بن شاذان بن حَرْب بن مِهْران: أبو بكر البَزَّاز.

سمع الكثير من البَغَوي وابن صاعد وابن دريد وابن أبي داود.

وعنه الدَّارَقُطْني والبَرْقاني والأزْهَري وغيرهم، وكان ثِقَةً ثبتًا صحيحَ السَّماع، كثير الحديث، متحرِّيًا ورعًا. توفي عن خمسٍ وثمانين سنة [رحمه اللَّه تعالى]

(4)

.

‌ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمئة

فيها عَظُمَ الخَطْبُ بأمر العَيَّارين، وعاثوا ببغداد للفساد وأخذوا [الأموال و](4) العملات الثقال ليلًا ونهارًا، وحرقوا

(5)

أماكن كثيرة، وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلبهم الشُّرَط فلم يُفْد ذلك شيئًا ولا فكروا فيهم، بل استمرُّوا على ما هُمْ عليه من أخذ الأموال، وقَتْلِ الرجال، وإرعاب النِّساء

(1)

في (ط) زيادة: وكانت قبل النظامية بمدة طويلة.

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

تاريخ بغداد (4/ 18 - 20) المنتظم (7/ 172 - 173) سير أعلام النبلاء (16/ 429 - 430) النجوم الزاهرة (4/ 164) شذرات الذهب (3/ 104).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

في (ح): وخربوا، والمثبت من (ب) و (ط).

ص: 332

والأطفال، في سائر المحال. فلما تفاقم الحال بهم طلبهم السُّلْطانُ بهاء الدولة، وألحَّ في طلبهم، فهربوا من بين يديه، واستراح الناس من شرِّهم

(1)

.

وفي ذي القَعْدة عُزل الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي

(2)

، وولداه اللذان كانا وليي عهده من بعده عن نقابة الطَّالبيين.

ورجع ركب العراق في هذه السنة من أثناء الطَّريق بعدما فاتهم وقت الحج، وذلك أنَّ الأُصيفر الأعرابي الذي كان قد تكفَّل بحراستهم اعترض لهم في أثناء الطريق، وذكر لهم أن الدَّنانير التي أطلقت له من دار الخلافة كانت دراهم مطلية، وأنه يريد بدلها من الحجيج وإلا لم يتركهم يجاوزوا هذا الموضع، فمانعوه وراجعوه، فحبسهم عن المسير حتى ضاق الوقت، ولم يبق منه ما يلحقوا الحجَّ فيه، فرجعوا إلى بلادهم، ولم يحجَّ منهم أحد، وكذلك لم يحجَّ من الركب الشَّامي ولا أهل اليمن أحد، وإنما حجَّ أهل مصر والمغرب خاصةً.

وفي يوم عرفة قُلِّد الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن أبي تمام الزَّينبي نقابة العَبَّاسيين، وقرئ عهده بين يدي الخليفة بحضرة القُضاة والأعيان، وكان يومًا مشهودًا.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو إسحاق إبراهيم بن هلال

(3)

بن زَهْرُون بن حَبُّون: الحَرَّاني الكاتب الصابئ صاحب التصانيف والرَّسائل للخليفة ولمعِزِّ الدوله

(4)

بن بُويْه، كان على دين الصَّابئة إلى مماته، وكان مع هذا يصوم رمضان ويقرأ القرآن [من حفظه، وكان يحفظه]

(5)

حفظًا حسنًا، ويسعمل منه في رسائله، وكانوا يحرصون على أن يُسْلم فلم يفعل، وله شعر جيد قوي.

كانت وفاته في شوال من هذه السنة وقد جاوز السبعين، وقد رثاه الشَّريف الرَّضي

(6)

وقال: إنما رثيتُ فضائله

(7)

.

(1)

في (ط) زيادة: وأظن هذه الحكايات التي يذكرها بعض الناس عن أحمد الدنف عنهم، أو كان منهم، واللَّه أعلم.

(2)

قلد نقابة الأشراف سنة (380 هـ)، حوادث سنة (380 هـ).

(3)

يتيمة الدهر (2/ 241 - 311) الفهرست (193 - 194) معجم الأدباء (2/ 20 - 94) وفيات الأعيان (1/ 52 - 54) سير أعلام النبلاء (16/ 523 - 524) الوافي بالوفيات (6/ 158 - 163) النجوم الزاهرة (4/ 167) شذرات الذهب (3/ 106 - 109).

(4)

في (ط): لمعز الدولة، وهو تحريف.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

بقصيدة مطلعها:

أعلمت من حملوا على الأعواد

أرأيت كيف خبا ضياء النادي

انظر ديوانه (1/ 294 - 298).

(7)

في (ط) زيادة: وليس له فضائل ولا هو أهل لها ولا كرامة.

ص: 333

عبيد اللَّه

(1)

بن محمد بن نافع بن مكرم: أبو العَبَّاس البُسْتي الزَّاهد، ورث من آبائه أموالًا كثيرة، فأنفقها كلها في وجوه الخير والقُرُبات، وكان كثير العبادة، يقال: إنه مكث سبعين سنة لا يستند إلى حائطٍ ولا إلى شيء، ولا يتكئ على وسادة، وحجَّ من نيسابور ماشيًا حافيًا، ودخل الشام، وأقام ببيت المقدس شهورًا، ثم دخل مِصْر وبلاد المغرب، وحجَّ من هناك، ثم رجع إلى بلاده بُسْت، وكانت له بها بقية [أموال]

(2)

وأملاك فتصدَّق ببقيتها، ولما حضرته الوفاة جعل يتألم ويتوجَّع، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أرى بين يدي أمورًا هائلة، ولا أدري كيف أنجو منها.

وكانت وفاته في المحَّرم من هذه السنة عن خمسٍ وثمانين سنة، وليلة موته رأت امرأةٌ أمها بعد وفاتها وعليها ثياب حسان وزينة فقالت: يا أمه، ما هذا؟ فقالت: نحن في عيد من قدوم عبيد اللَّه الزاهد علينا، رحمه اللَّه تعالى.

علي بن عيسى بن علي بن عبد اللَّه

(3)

: أبو الحسن

(4)

، النَّحْوي، المعروف بالرُّمَّاني.

روى عن ابن دُريد، وكانت له يد طُولى في النَّحْو واللُّغة والمنطق والكلام، وله تفسيرٌ كبير، وشهد عند ابن معروف فَقَبِله، وروى عنه التَّنوخي والجَوْهري.

وتوفي عن ثمانٍ وثمانين سنة، ودفن في الشُّونيزية عند قبر أبي علي [الفارسي]

(5)

.

قال ابن خلِّكان: والرُّمَّاني نسبة إلى بيع الرُّمَّان أو إلى قصر الرمان بواسط

(6)

.

محمد بن العَبَّاس بن أحمد بن محمد بن الفُرَات

(7)

: أبو الحسن، الكاتب، المحدث، الثِّقة المأمون.

قال الخطيب البغدادي: كان ثِقَةً، كتب الكثير، وجمع ما لم يجمعه أحدٌ في وقته، بلغني أنه كتب

(1)

في (ب) و (ط): عبد اللَّه، وإخالها تصحيفًا.

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

في (ط): عبيد اللَّه، وهو تصحيف. وترجمته في طبقات النحويين واللغويين (86) الإمتاع والمؤانسة (1/ 133) تاريخ بغداد (12/ 16 - 17) الأنساب (6/ 160) نزهة الألباء (318 - 319) المنتظم (7/ 176) معجم الأدباء (14/ 73 - 78) إنباه الرواة (2/ 294 - 296) وفيات الأعيان (3/ 299) سير أعلام النبلاء (16/ 523 - 534) النجوم الزاهرة (4/ 168) بغية الوعاة (2/ 180 - 181) شذرات الذهب (3/ 109).

(4)

في (ح) و (ب): أبو الحسين، وهو تحريف.

(5)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(6)

انظر وفيات الأعيان (3/ 299).

(7)

في (ط) القراز، وهو تحريف. وترجمته في تاريخ بغداد (3/ 122 - 123) اللباب (2/ 414 - 415) تذكرة الحفاظ (3/ 115) سير أعلام النبلاء (1/ 495 - 496) الوافي بالوفيات (3/ 196) النجوم الزاهرة (4/ 168) طبقات الحفاظ (402) شذرات الذهب (3/ 110).

ص: 334

مئة تفسير ومئة تاريخ، وخلَّف ثمانية عشر صندوقًا مملوءة كتبًا، أكثرها بخطه سوى ما سُرقَ منه، وكان خطُّه

(1)

في غاية الصِّحة، ومع هذا كانت له جارية تعارض معه

(2)

ما يكتبه

(3)

، رحمه اللَّه تعالى.

محمد بن عمران بن موسى بن عبيد

(4)

: أبو عبيد اللَّه

(5)

الكاتب المعروف بابن المَرْزُبان.

روى عن البَغَوي وابن دُريد وغيرهما، وكان صاحب أخبار

(6)

وآداب، وصنَّف كتبًا كثيرة في فنون مستحسنة

(7)

، وكان مشايخه وغيرهم يحضُرون عنده، ويبيتون في داره في فُرُش وأطعمة وغير ذلك.

وكان عضد الدولة إذا مرَّ بداره لا يجتاز حتى يرسل إليه ليخرج، فيسلم عليه.

وكان أبو علي الفارسي يقول: هو من محاسن الدُّنيا.

وقال العتيقي

(8)

: كان ثِقَةً. وقال الأزهري: ما كان ثقة.

وقال ابنُ الجَوْزي: لم يكن من الكذابين، وإنما كان فيه تشيع واعتزال، ويخلط السماع بالإجازة

(9)

. بلغ ثمانيًا وثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى.

‌ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمئة

فيها استوزر فخر الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيْه أبا العَبَّاس أحمد بن إبراهيم الضَّبِّي، الملقب بالكافي، وذلك بعد وفاة الصَّاحب إسماعيل بن عبَّاد، وكان من مشاهير الوزراء.

(1)

في (ط) حفظه، وهو تحريف.

(2)

في (ط) زيادة: أي تقابل.

(3)

تاريخ بغداد (3/ 122 - 123).

(4)

في (ح) و (ب) و (ط) عبيد اللَّه، وكذلك في المنتظم (7/ 177) والمثبت من تاريخ بغداد (3/ 135) وهي ما عليه أغلب المصادر. ومظان ترجمته في الفهرست (190 - 193) تاريخ بغداد (3/ 135 - 136) المنتظم (7/ 177) معجم الأدباء (18/ 268 - 272) إنباه الرواة (3/ 180 - 184) اللباب (3/ 195) وفيات الأعيان (4/ 354 - 356) سير أعلام النبلاء (16/ 447 - 449) العبر (3/ 27) ميزان الاعتدال (3/ 672 - 67) الوافي بالوفيات (4/ 235 - 237) لسان الميزان (5/ 326 - 327) النجوم الزاهرة (4/ 168) شذرات الذهب (3/ 11 - 112).

(5)

في (ح) و (ب) و (ط): أبو عبد اللَّه، والمثبت من المصدر السابق.

(6)

في (ط) اختيار، وهو تحريف.

(7)

في (ط) زيادة: وهو مصنف كتاب "تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب".

قلت: المعروف أن مصنفه هو محمد بن خلف بن المرزبان، المتوفى سنة (309 هـ)، وقد نشر الكتاب بمصر سنة (1341 هـ) بمصر، وانظر الوافي بالوفيات (3/ 44 - 45).

(8)

في (ط) العقيقي، وهو تحريف، وسترد ترجمته في وفيات سنة (441 هـ) من هذا الكتاب.

(9)

المنتظم (7/ 177).

ص: 335

وفيها قبض بهاء الدولة على القاضي عبد الجبار وصادره بأموالٍ جزيلة، فكان من جملة ما بيع في المصادرة ألف طَيْلسان وألف ثوب مغربى

(1)

.

وحجَّ بالناس في هذه السنة وما قبلها وما بعدها المصريون، والخطبة في الحَرَمين لهم.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

الصَّاحب بن عَبَّاد

(2)

: وهو إسماعيل بن عباد بن عباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطَّالقَاني، أبو القاسم، الوزير الشهير بكافي الكُفاة.

وزر لمؤيَّد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيه، وقد كان من العِلْم والفضيلة والبراعة والكرم والإحسان إلى العلماء

(3)

على جانبٍ عظيمٍ، كان يبعث في كلِّ سنة إلى بغداد بخمسة آلاف دينار لتفرَّق على أهل العِلْم، وله اليد الطُّولى في الأدب، وله مصنفات في فنون من العلم، واقتنى كتبًا كثيرة كانت تحمل على أربعمئة بعير، ولم يكن في وزراء بني بويه مثله ولا قريب منه في مجموع فضائله، وقد كانت دولة بني بويه مئة وعشرين سنة، وكانت وزارته ثمانية عشر سنة وأشهرًا، وفتح خمسين قلعة لمخدومه مُؤَيَّد الدولة، وابنه فخر الدولة، بصرامته وشهامته وحسن تدبيره وجودة آرائه.

وكان يحبُّ العلوم الشَّرْعية، ويبغض الفلسفة وما يشبهها من

(4)

الآراء البدعية، وقد مرض مَرَّةً بالإسهال، فكان كلما قام عن المطهرة وضع عندها عشرة دنانير لئلا يتبرَّم به الفرَّاشون، فكانوا يودُّون لو طالت عِلَّته، ولما عُوفي أنهب داره الفقراء والمساكين، وكان قيمة ما تحتوي عليه نحوًا من خمسين ألف دينار.

وقد سمع الحديث من المشايخ [الجياد](5) العوالي الإسناد، وعقد له [في وقت]

(5)

مجلس للإملاء، فاحتفل النَّاس بحضوره، [وحضره وجوه الأمراء](3) فلما خرج [إليه]

(6)

لبس زِيَّ الفقهاء،

(1)

في (ط) معدني، وهو تحريف.

(2)

الإمتاع والمؤانسة (1/ 53) يتيمة الدهر (3/ 188 - 286) الفهرست (194) نزهة الألباء (325 - 327) المنتظم (7/ 179 - 181) معجم الأدباء (6/ 168 - 317) إنباه الرواة (1/ 201 - 203) وفيات الأعيان (1/ 228 - 233) سير أعلام النبلاء (16/ 511 - 514) العبر (3/ 28) ابن الوردي (1/ 312) مرآة الجنان (2/ 421) لسان الميزان (1/ 413 - 416) النجوم الزاهرة (4/ 169 - 171) بغية الوعاة (1/ 449 - 451) شذرات الذهب (3/ 113 - 116).

(3)

في (ط) زيادة: والفقراء.

(4)

في (ط) زيادة: من علم الكلام والآراء.

(5)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 336

وأشهد على نفسه بالتوبة والإنابة مما يعانيه من أمور السُّلْطان، وذكر للنَّاس أنه إنما يأكل من حين نشأ وإلى يومه هذا من أموال أبيه وجدِّه

(1)

، ولكن كان يخالط السُّلْطان، وهو تائب مما مارسه من شؤونه. واتخذ بيتًا في داره سمَّاه دار التوبة، ووضع العلماء خطوطهم بصحة توبته. وحين حدَّث استملى عليه جماعة لكثرة مجلسه، فكان من جملة من يكتب ذلك اليوم من الطلبة القاضي عبد الجبار الهَمَذاني

(2)

وأضرابه ومن شابهه من رؤوس الفضلاء، وسادات المحدثين والفقهاء.

وقد بعث إليه قاضي قَزْوين بهدية كتبٍ سَنيَّة، وكتب معها:

العَمِيْريُّ

(3)

عبدُ كافي الكُفَاةِ

وإن اعْتُدَّ

(4)

في وُجُوهِ القُضاةِ

خَدَمَ المجلسَ الرفيعَ، بكُتْبٍ

مُفْعَمَاتٍ من حُسْنها مُتْرَعاتِ

فلما وصلتْ إليه أخذ منها كتابًا واحدًا، ورَدَّ باقيها، وكَتَبَ تحت البيتين:

قد قَبِلْنا من الجميعِ كتابًا

وَرَدَدْنا لِوَقْتها الباقياتِ

لستُ أستغنمُ الكثير وطبْعي

قولُ خذْ، ليس مذهبي قَوْلُ هاتِ

وجلس الوزير ابن عباد مرَّة في مجلس شَرَاب، فناوله الساقي كأسًا، فلما أراد شربها قال له بعض خُدَّامه: يا سيدي، إن هذا الذي في يدك مسموم. قال: وما الشاهد على صحة قولك؟ قال تجرِّبه. قال: فيمن؟ قال في السَّاقي. قال ويحك لا أستحل ذلك، قال ففي دجاجةٍ، قال: إنَّ التمثيل بالحيوان لا يجوز. ثم أمر بصبِّ ما في [ذلك]

(5)

القدح وقال للسَّاقي: لا تدخل داري بعد هذا. ولم يقطع عنه معلومه.

وقد عَمِلَ عليه الوزير أبو الفتح بن ذي الكفايتين حتى عَزَله عن وزارة مُؤَيَّد الدولة [في وقتٍ]

(6)

وباشرها عوضه، واستمرَّ مُدَّة، فبينا هو ليلة في بعض أيامه قد اجتمع عنده أصحابه وندماؤه وهو في أتمِّ السُّرور، قد هيئ له مجلسٌ حافل بأنواع اللَّذَّات من المآكل والمشارب والملابس والتحف، وقد نَظمَ أبياتًا والمغنون يلحنونها، وهو في غاية الطَّرب والسُّرور، وهي هذه الأبيات:

دعوتُ الهنا ودعوتُ العُلا

(7)

فلما أجابا دَعَوْتُ القَدَحْ

(1)

في (ط) زيادة: مما ورثه منهم.

(2)

انظر ترجمته في تاريخ بغداد (11/ 113 - 115) وسير أعلام النبلاء (17/ 244 - 245).

(3)

هو قاضي قزوين، انظر المنتظم (7/ 180) ومعجم الأدباء (6/ 252).

(4)

في (ح) و (ب): اعتل، وفي (ط): أعقل، والمثبت من المنتظم ومعجم الأدباء.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط) و (ب).

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(7)

في إحدى نسخ المنتظم (7/ 179): الظلا.

ص: 337

وقُلْتُ لأيَّامِ شَرْخِ الشَّباب

إليَّ فهذا أوانُ الفَرَحْ

إذا بَلَغَ المَرْءُ آمالَهُ

فليسَ لهُ بعدها مُنْتَزحْ

ثم قال لندمائه: باكروني غدًا إلى الصَّبُوح، ونهض إلى بيت منامه، فما أصبح حتى قبض عليه مُؤَيَّد الدولة، وأخذ جميع ما في داره من الحواصل والأموال، وجعله مُثْلَةً في العباد، وأعاد إلى وزارته ابنَ عَبَّاد.

وقد ذكر ابنُ الجوزي أن ابن عباد [لما]

(1)

حَضَرَتْه الوفاة جاءه الملك فخرُ الدولة بن مؤيد الدولة يعوده ليوصيه في أموره فقال له: إني موصيك أن تستمرَّ بالأمور على ما تركتها عليه، ولا تغيرها، فإنك إن استمريت بها نُسبت إليك من أول الأمر إلى آخره، وإن غيَّرْتها، وسلكت غيرَها نسبت هي والخير المتقدِّم إليَّ لا إليك، وأنا أحبُّ أن تكون نسبةُ الخير إليك، وإن كنتُ أنا المشير بها عليك. فأعجبه منه ذلك، واستمرَّ بما أوصاه به من الخير، وكانت وفاته في عشية يوم الجمعة لستٍّ بقين من صفر

(2)

.

قال ابنُ خلِّكان: وهو أول من سُمِّيَ من الوزراء بالصَّاحب، ثم استعمل بعده فيهم، وإنما سُمي بذلك لكثرة صحبته الوزير أبي الفَضْل بن العميد، فكان يقال له صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه أيام وزارته. وقال الصَّابئ في كتابه "التاجي": إنما سمَّاه الصَّاحب مؤيدُ الدولة بن بويه لأنه كان صاحبه من الصِّغر، فكان يسميه الصَّاحب، فلما ملك واستوزره سمَّاه الصاحب فاستمر به، وتسمى به الوزراء بعده

(3)

.

ثم ذكر ابنُ خلِّكان قطعةً صالحة من مكارمه وفضائله وثناء الناس عليه، وعدَّد له مصنفات كثيرة، منها كتابه "المحيط" في اللغة في سبعة مجلدات، يحتوي على أكثر اللغة، وأورد من شعره أشياء منها قوله -وهو صنيع لطيف-:

رَقَّ الزُّجاجُ ورَقَّتِ الخَمْرُ

وتشابها فَتَشَاكَلَ الأمْرُ

فكأنَّما خَمْرٌ ولا قَدَحٌ

وكأنّما قَدَحٌ ولا خَمْرٌ

(1)

ما بين حاصرتين من (ب).

(2)

انظر المنتظم (7/ 181).

قلت: وحين توفي الصاحب أنفذ فخر الدولة من احتاط على ماله وداره، ونقل جميع ما فيها إليه، ثم قبض على أصحاب ابن عباد، ذكر ذلك كله ابن الأثير في كامله (9/ 110 - 111) وقال: فقبح اللَّه خدمة الملوك، هذا فعلهم مع من نصح لهم، فكيف مع غيره!

(3)

انظر وفيات الأعيان (1/ 229).

ص: 338

قال ابنُ خلّكان: وكانت وفاته بالرَّي في هذه السَّنة، وله نحو ستين سنة، ونُقِلَ إلى أصبهان، رحمه اللَّه تعالى

(1)

.

الحسن بن حامد بن الحسن بن حامد

(2)

: أبو محمد الأديب.

كان شاعرًا متمولًا

(3)

كثير المكارم، [روى عن علي بن محمد بن سعيد المَوْصلي، وعنه الصُّوري وكان صدوقًا]

(4)

. وهو الذي أنزل المتنبي في داره حين قدم بغداد، وأحسن إليه، وأجرى عليه النفقات حتى قال له المتنبي: لو كنتُ مادحًا تاجرًا لمدحتك.

وقد كان أبو محمد هذا شاعرًا ماهرًا، فمن جيد شعره قوله:

شريتُ المعالي غير مُنْتَظر بها

كسادًا ولا سوقًا تقام لها أُخرى

وما أنا منْ أهْلِ المكاسبِ

(5)

كلَّما

تَوفَّرَتِ الأثمانُ كُنْتُ لها أشْرَى

ابن شاهين الواعظ

(6)

، عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن أيوب بن زذان

(7)

: أبو حَفْص بن شاهين المشهور.

سمع الكثير، وحدَّث عن الباغَنْدي، وأبي بكر بن أبي داود، والبَغَوي، وابن صاعد، وخَلْق. وكان ثِقَةً أمينًا، يسكن الجانب الشَّرْقي من بغداد، وكانت له المصنَّفات العديدة المفيدة. ذُكر عنه أنه صنف ثلاثمئة وثلاثين مصنفًا، منها "التفسير" في ألف جُزْء، و"المُسْند" في ألف وخمسمئة جُزْء، و"التاريخ" في مئة وخمسين جُزءًا، و"الزهد" في مئة جُزْء. وكانت وفاته في ذي الحجَّة وقد قارب التسعين سنة، رحمه اللَّه تعالى.

الحافظ الدَّارَقُطْني

(8)

: أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد اللَّه

(1)

المصدر السابق.

(2)

تاريخ بغداد (3/ 304) المنتظم (7/ 181 - 182).

(3)

في (ط) متجولًا، وهو تحريف.

(4)

ما بين حاصرتين من (ط)، وانظر المنتظم (7/ 181).

(5)

في تاريخ بغداد والمنتظم: المكاس، لا يتزن البيت به.

(6)

تاريخ بغداد (11/ 265 - 268) المنتظم (7/ 182 - 183) وتاريخ الإسلام (8/ 570) تذكرة الحفاظ (3/ 987 - 990) سير أعلام النبلاء (16/ 431 - 434) العبر (3/ 29 - 30) مرآة الجنان (2/ 426) غاية النهاية (1/ 588) لسان الميزان (4/ 283 - 285) النجوم الزاهرة (4/ 172) طبقات الحفاظ (392) طبقات المفسرين للداودي (3/ 2) شذرات الذهب (3/ 117).

(7)

في تاريخ بغداد والمنتظم والسير وخط الذهبي في تاريخ الإسلام: "أزداذ".

(8)

تاريخ بغداد (12/ 34 - 247) المنتظم (7/ 183 - 184) معجم البلدان (2/ 422) الأنساب (5/ 245 - 247) اللباب (1/ 483) وفيات الأعيان (3/ 297 - 299) تذكرة الحفاظ (3/ 991 - 995) سير أعلام النبلاء (16/ 449 - 461) =

ص: 339

الدارقطني الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصِّناعة في زمانه، وقبلها بمدَّة وبعدها إلى زماننا هذا.

سمع الكثير، وجمع وصنَّف وألَّف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل والانتقاء والانتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وَحْدِه، وإمام أهل دهره في أسماء الرجال، وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحسن التصنيف والتأليف، واتِّساع الرِّواية، والاطلاع التام في الدِّراية، له كتاب "السنن" الكبير المشهور، من أحسن المصنفات في بابه، لم يسبق إلى مثله ولا يلحق في شكله إلا من استمدَّ من بحره وعمل كعمله، وله كتاب "العلل" بيَّن فيه الصَّواب من الزلل، والمتصل من المُرْسل والمنقطع والمُعْضل، وكتاب "الأفراد" الذي لا يفهمه، فضلًا عن أن ينظمه، إلا من هو من الحفَّاظ الأفراد، والأئمة النُّقَّاد، [والجهابذة الجياد]

(1)

، وله غير ذلك من المُصنَّفات التي هي كالعقود في الأجياد، وقد كان الدارقطني من صغره موصوفًا بالحفظ الباهر، [والذهن الثَّاقب الماهر]

(2)

، جلس مَرَّة في مجلس إسماعيل الصَّفَّار وهو يملي على النَّاس الأحاديث، والدَّارقُطني ينسخ في جزء حديث، فقال له بعض المحدِّثين في أثناء المجلس: إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ. فقال الدَّارقُطني: فهمي للإملاء خلاف فهمك، أتحفظ كم أملى حديثًا؟ قال: لا. فقال: إنه أملى ثمانية عشر حديثًا إلى الآن، فالحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ثم ساقها كلها بأسانيدها، فتعجَّب الناس من ذلك.

وقد قال الحاكم أبو عبد اللَّه النَّيْسابوري: لم ير الدَّارَقُطْني مثل نفسه.

وقال ابنُ الجَوزي: وقد اجتمع له مع معرفة الحديث والعلم بالقراءات والنحو والفقه والشِّعْر مع الإمامة والعدالة، وصحَّة العقيدة، وتد كانت وفاته يوم الثلاثاء سابع ذي القَعْدة من هذه السنة، وله من العمر تسع وسبعون سنة ويومان، ودفن من الغد بمقبرة معروف الكرخي

(3)

.

قال ابن خلِّكان: وقد رحل إلى الدِّيار المصرية، فأكرمه الوزير أبو الفَضْل جعفر بن الفضل بن حِنْزَابة

(4)

وزير كافور الإخشيدي، وساعده هو والحافظ عبد الغني على إكمال مسنده، فحصل للدارقطني منه مالٌ جزيل.

قال: والدَّارَقُطْني نسبة إلى دار القُطْن، وهي مَحلَّة كبيرة ببغداد، وقال عبد الغني بن سعيد

(5)

: لم

= طبقات الشافعية للسبكي (3/ 462 - 466) طبقات الإسنوي (1/ 508 - 509) غاية النهاية (1/ 558 - 559) النجوم الزاهرة (4/ 172) طبقات الحفاظ (393 - 394) شذرات الذهب (3/ 116 - 117).

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) وفي (ط): والفهم الثاقب والبحر الزاخر.

(3)

انظر المنتظم (7/ 184).

(4)

سترد ترجمته في حوادث سنة (391 هـ).

(5)

وفيات الأعيان (3/ 297 - 298) وعبد الغني بن سعيد الأزدي المصري، حافظ مصر في عصره، سترد ترجمته في وفيات سنة (409 هـ) من هذا الجزء.

ص: 340

يتكلَّم على الأحاديث مثل علي بن المَديني في زمانه، وموسى بن هارون في زمانه، والدَّارَقُطْني في زمانه. وسُئِلَ الدَّارَقُطني: هل رأى مثل نفسه؟ قال: أما في فنٍ واحدٍ فربما رأيتُ من هو أفضل مني، وأما فيما اجتمع فيَّ من الفنون

(1)

فلا.

وقد روى الخطيب البغدادي عن الأمير أبي نصر هبة اللَّه بن ماكُولا قال: رأيتُ في المنام كأني أسأل عن حال أبي الحسن الدَّارَقُطْني، وما آل إليه أمره في الآخرة، فقيل لي: ذاك يُدْعى في الجنَّة الإمام

(2)

.

عبَّاد بن عباس بن عباد: أبو الحسن الطَّالقَاني، والد الوزير [إسماعيل]

(3)

بن عباد [المتقدم ذكره]

(4)

.

سمع أبا خليفة الفَضْل بن الحُباب

(5)

وغيره من البغداديين والأصفهانيين والرَّازيين [وغيرهم]

(6)

، وحدَّث عنه ابنه الوزير أبو القاسم

(7)

، وأبو بكر بن مَرْدُويه. ولعبَّاد هذا كتابٌ في "أحكام القرآن"، وقد اتفق موته وموت ابنه في هذه السنة، رحمهما اللَّه.

عقيل بن محمد بن عبد الواحد

(8)

: أبو الحسن، الأحنف العُكْبَري، الشَّاعر المشهور، له ديوان مفرد، ومن مستجاد شعره ما ذكره الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في "المنتظم":

أقْضَى عليَّ من الأَجَلْ

عَذْلُ العَذُول إذا عَذَلْ

وأشدُّ من عَذْلِ العَذُو

لِ صُدُودُ إلفٍ قد وَصَلْ

وأشدُّ منْ هذا وذا

طَلَبُ النَّوَّالِ من السَّفَلْ

ومن شعره الجيد قوله أيضًا:

من أرادَ المُلْك

(9)

والرَّا

حَةَ منْ هَمٍّ طويلِ

فَلْيَكُنْ فَرْدًا من النَّا

سِ وَيَرْضَى بالقَلِيْلِ

(1)

وفيات الأعيان (3/ 298).

(2)

تاريخ بغداد (12/ 40).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط). وانظر وفيات سنة (383 هـ).

(5)

انظر حاشيتنا على وفيات سنة (305 هـ).

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(7)

في (ط): أبو الفضل قاسم، وهو وهم.

(8)

المنتظم (7/ 185 - 186).

(9)

في (ط) العز، وهو تحريف.

ص: 341

ويرى أنَّ قليلًا

نافعًا غيرُ قليلِ

(1)

ويرى بالحَزْمِ أنَّ الـ

ـــحزمَ في تَرْكِ الفُضُولِ

ويداوي مَرَضَ الوَحـ

ــــدةِ بالصَّبْرِ الجَمِيْلِ

لا يماري أحدًا

ما عاشَ في قالٍ وقيلِ

يلزمُ الصَّمْتَ فإنَّ الصَّـ

ــمتَ تَهْذيْبُ العُقُولِ

يَذَرُ الكِبْرَ لأهليـ

ــه وَيَرْضى بالخُمولِ

(2)

أيُّ عَيْشٍ لامرئٍ يُصْـ

ــبحُ في حالٍ ذليلِ

بينَ قَصْدٍ منْ عدُوٍ

ومداراةِ جَهُولِ

واعتلالٍ منْ صديقٍ

وتَجَنٍّ من مَلُولِ

واحْتِراسٍ منْ ظُنونِ السُّـ

ــــــوءِ مَعْ عَذْلِ العَذُولِ

ومماشاةِ بغيضٍ

ومقاساةِ ثقيلِ

(3)

أُفِّ من مَعْرِفةِ النَّا

سِ على كلِّ سبيلِ

وتمامُ الأمرِ لا تَعْـ

ـــرفُ سَمْحًا من بخيلِ

فإذا أكْمَلْتَ هذا

عِشْتَ في مُلْك جليلِ

(4)

محمد بن عبد اللَّه بن سُكَّرة

(5)

، أبو الحسن

(6)

الهاشمي: من ولد علي بن المهدي.

(1)

في (ط):

ويرى أَنْ سيرى

كافيًا عما قليلِ

(2)

في (ط):

يذر الكبر لأهل الـ

ــكبر ويرضى بالخمولِ

وهو غير متزن.

(3)

في (ط):

ومقاساة بغيضٍ

ومداراة ثقيل

(4)

في (ط):

فإذا أكمل هذا

كان في ظلٍّ ظليلِ

وفي "المنتظم":

وإذا أكمل هذا

كان في مُلْكٍ جليل

وانظر المنتظم (7/ 185 - 186).

(5)

تاريخ بغداد (5/ 465) المنتظم (7/ 186) وفيات الأعيان (4/ 410 - 413) الوافي بالوفيات (3/ 308) العبر للذهبي (3/ 30) شذرات الذهب (3/ 117).

(6)

في (ح) و (ب) و (ط): أبو الحسين، وما أثبتناه من مصادر ترجمته.

ص: 342

وكان شاعرًا أديبًا خليعًا ظريفًا، وكان ينوب في نقابة الهاشميين، فترافع إليه رجل اسمه علي وامرأة اسمها عائشة يتحاكمان في جَمَلٍ، فقال: هذه قضية لا أحكم فيها بشيء لئلا تعود الحال جذعة.

ومن مستجاد شعره ولطيف قوله:

في وجهِ إنسانةٍ كَلِفْتُ بها

أربعةٌ ما اجْتَمَعْنَ في أَحدِ

الوجهُ بَدْرٌ والصُّدْغُ غاليةٌ

(1)

والرِّيق خمرٌ والثَّغْرُ من بَرَدِ

ومن مجون شعره وقد دخل حمامًا، فسرق نعلاه، [فعاد إلى منزله وهو حافٍ]

(2)

فقال:

إليكَ أذمُّ حمَّامَ ابنِ مُوسى

وإن فاقَ المُنَى طِيْبًا وحَرّا

تَكاثَرَتِ اللُّصُوصُ عليهِ حتى

لَيَحْفَى من يطيفُ به ويَعْرَى

ولم أفْقِدْ به ثَوْبًا ولكنْ

دَخَلْتُ محمدًا

(3)

وخَرَجْتُ بِشْرا

(4)

يوسف بن عمر بن مسرور

(5)

: أبو الفتح، القَوَّاس.

سمع البغوي وابن أبي داود وابن صاعد وغيرهم، وعنه الخلال [والعُشاري]

(6)

والتَّنوخي [وغيرهم]

(7)

، وكان ثقةً نبيلًا، يُعدُّ من الأبدال. قال الدَّارَقُطني: كنا نتبرك به وهو صغير. وكانت وفاته لثلاثٍ بقين من ربيع الآخر عن خمسٍ وثمانين سنة، ودفن بباب حرب، رحمه اللَّه تعالى.

يوسف بن أبي سعيد

(8)

السِّيْرَافي: أبو محمد، النَّحْوي بن النحوي.

وهو الذي تمَّم شرح أبيه لكتاب سيبويه

(9)

، وكان يرجع إلى علْمٍ ودين، كانت وفاته في

(1)

الغالية: نوع من الطيب.

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

يعني نفسه.

(4)

هو بئر الحافي الزاهد المشهور. وقوله: من مجون شعره، ربما يعني في غير هذه الأبيات من القصيدة.

(5)

تاريخ بغداد (14/ 325 - 327) الأنساب (10/ 257 - 258) سير أعلام النبلاء (16/ 474 - 476) العبر (3/ 31) شذرات الذهب (3/ 119).

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط)، وسترد ترجمة العشاري في وفيات سنة (451 هـ) من هذا الكتاب، انظر الأنساب (8/ 459).

(7)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(8)

سلفت ترجمة أبيه أبي سعيد في وفيات سنة (368 هـ) وترجمة أبي محمد في المنتظم (7/ 187) معجم الأدباء (20/ 60).

(9)

في معجم الأدباء (20/ 60) أنه تمَّم لأبيه غير كتاب من كتبه، وقد طبع كتاب "شرح أبيات سيبويه" في مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1976 م بتحقيق الدكتور محمد علي سلطاني معزوًا إلى يوسف هذا، وقد استفاد ابن كثير هذه الترجمة من ابن الجوزي في المنتظم (7/ 187) ومن ثم لم ينفرد ابن كثير في هذه التتمة كما ذهب إلى ذلك الدكتور سلطاني في مقدمته (ص 22).

ص: 343

ربيع الأول منها عن خمسٍ وخمسين سنة. رحمه اللَّه تعالى وإيانا بمنِّه وكرمه.

‌ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمئة

في المحرم من هذه السنة كشف أهلُ البَصْرة عن قبير عتيق، إذ هُمْ بميت طَرِي عليه سيفه وثيابه، فظنُّوه الزُّبير بن العَوَّام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه، واتخذوا عند قبره مسجدًا، ووُقِفَتْ عليه أوقافٌ كثيرة، وجعل عنده خدام وقُوَّام وفُرُش وتنوير.

وفيها ملك الحاكم العُبيدي بلاد مِصْر بعد أن هلك أبوه العزيز بن المعز الفاطمي، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر، وقام بتدبير المملكة أرجوان الخادم، وأمين الدولة الحسن بن عمار شيخ كتامة، فلما تمكن الحاكم [قتلهما]

(1)

وأقام غيرهما، وقتل خلقًا حتى استقام له الأمر على ما سنذكره.

[وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة المصريون والخطبة لهم]

(2)

.

‌توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن إبراهيم

(3)

بن محمد بن يحيى بن سختويه: أبو حامد بن أبي إسحاق المُزكِّي النَّيْسابوري.

سمع الأصم وطبقته، وكان كثير العبادة من صغره إلى كبره، وصام من دَهْره سَرْدًا تسعًا وعشرين سنة.

قال الحاكم: وعندي أن الملك لم يكتب عليه خطيئة. توفي في شعبان من هذه السنة عن ثلاثٍ وستين سنة.

أبو طالب المَكِّي

(4)

: صاحب "قوت القلوب"

(5)

. محمد بن علي بن عطية، الواعظ المذكِّر، الزَّاهد المتعبد، الرَّجل الصَّالح. سمع الحديث وروى عن غير واحد.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

تاريخ بغداد (4/ 20 - 21) سير أعلام النبلاء (16/ 496 - 497).

(4)

تاريخ بغداد (3/ 89) المنتظم (7/ 189 - 190) وفيات الأعيان (4/ 302 - 304) سير أعلام النبلاء (16/ 536 - 537) العبر (3/ 33 - 34) ميزان الاعتدال (3/ 655) الوافي بالوفيات (4/ 116) مرآة الجنان (2/ 430) العقد الثمين (2/ 158 - 159) لسان الميزان (5/ 300) النجوم الزاهرة (4/ 175) شذرات الذهب (3/ 120 - 121).

(5)

الكتاب مشهور متداول، طبع غير مرة، وقد كانت طبعته الأولى بمصر سنة 1351 هـ/ 1932 م.

ص: 344

قال العتيقي: كان رجلًا صالحًا مجتهدًا في العبادة، وصنَّف كتابًا سماه "قوت القلوب"، ذكر فيه أحاديث لا أصل لها، وكان يعظ النَّاس في الجامع ببغداد.

وحكى ابنُ الجوزي أن أصله من الجبل، وأنه نشأ بمكة، وأنه دخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم، فانتمى إلى مقالته، ودخل بغداد فاجتمع عليه النَّاس، وعقد له مجلسُ الوعظ، فغلط في كلامه، وحُفِظَ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أَضَرَّ من الخالق. فبدَّعه الناس وهجروه، وامتنع من الكلام على الناس

(1)

.

وقد كان أبو طالب ممن يبيح السَّماع، فدخل عليه عبد الصَّمد بن علي، فعاتبه في ذلك، فأنشد أبو طالب:

فيا ليلُ كم فيكَ من مُتْعةٍ

(2)

ويا صُبْحُ لَيْتَكَ لم تَقْرُبِ

فخرج عبد الصمد مُغْضَبًا.

وقال أبو القاسم بن بشران: دخلت على شيخنا أبي طالب المكي وهو يموت، فقلتُ: أوص. فقال: إذا ختم لي بخيرِ، فانثر على جنازتي لَوْزًا وسُكَّرًا. فقلت: كيف أعلم ذلك؟ فقال: اجلس عندي ويدك في يدي، فإن قبضتُ على يدك فاعلم أنه قد خُتِمَ لي بخير. قال: فجلست عنده ويدي في يده، فلما حان فراقه، قبض على يدي قبضًا شديدًا، فلما رفع على جنازته نثرت اللوز والسُّكَّر على نعشه.

قال ابنُ الجوزي: توفي في جُمادى الآخرة من هذه السنة، وقبره ظاهر بالقرب من جامع الرّصافة.

العزيز بن المعز الفاطمي صاحب مِصْر

(3)

: نزار بن المعز مَعَد أبي تميم، ويكنى نزار هذا بأبي منصور، ويلقب بالعزيز، توفي عن ثنتين وأربعين سنة، منها ولايته بعد أبيه إحدى وعشرون سنة، وخمسة أشهر وعشرة أيام، وقام بالأمر من بعده ولده الحاكم -قبحه اللَّه- والحاكم هو الذي تنسب إليه الفرقة الضَّالَّة المضلة الزنادقة الحاكمية.

أما العزيز هذا فإنه كان قد استوزر رجلًا نَصْرانيًا يقال له عيسى بن نسطورس، وآخر يهوديًا اسمه ميشا، فَعَزَّ بسببهما أهل هاتين المِلَّتين في ذلك الزمان على المسلمين، حتى كتبت إليه امرأةٌ في فصة وقد

(1)

المنتظم (7/ 189).

(2)

في (ط): متعب، وهو تصحيف.

(3)

المنتظم (7/ 190) الكامل (8/ 363) وما بعدها، البيان المغرب (1/ 229) وما بعدها، وفيات الأعيان (5/ 371 - 376) سير أعلام النبلاء (15/ 167 - 173) العبر (3/ 34) خطط المقريزي (1/ 354) النجوم الزاهرة (4/ 112، 125) تاريخ ابن إياس (1/ 48 - 50) شذرات الذهب (3/ 121).

ص: 345

أحيجت في بعض الأمر تقول له

(1)

: بالذي أَعزَّ النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا وأذَلَّ المسلمين بك إلا ما كشفت عن ظُلامتي. فعند ذلك أمر بالقبض على هذين الوزيرين، وأخذ من النَّصْراني

(2)

ثلاث مئة ألف دينار

(3)

.

وفيها توفيت بنت عضد الدولة التي كانت زوجة الطائع، فَحُمِلَتْ تركتها إلى ابن أخيها بهاء الدولة، وكان فيها جواهر كثيرة وتحف ولطائف، وغير ذلك.

‌ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمئة

‌فممن توفي فيها من الأعيان:

فخر الدولة أبو الحسن، علي بن ركن الدولة بن بُوَيه، ورتِّبَ ولده رُسْتم في الملك بعده وعمره أربع سنين، وقام خواصُّ أبيه بتدبير الممالك والرعايا.

[وممن توفي فيها]

(4)

:

أبو أحمد العَسْكري اللُّغوي

(5)

: وهو الحسن بن عبد اللَّه بن سعيد.

العلامة في فَنِّه وتصانيفه المفيدة في اللُّغة وغيرها، يقال إنه كان يميل إلى الاعتزال، ولما قَدِمَ الصَّاحب بن عَبَّاد هو وفخر الدولة البلدة التي كان فيها أبو أحمد العسكري -وكان قد كبر وأسن- بعث إليه الصاحب بن عباد برقعة فيها هذه الأبيات:

ولما أَبيْتُمْ أنْ تَزُوروا وقُلْتُمُ

ضَعُفْنا فما نقوى على الوَخَدَانِ

(6)

أتيناكُم منْ بُعْدِ أرضٍ نَزُوْرُكُمْ

فكم مَنْزِلٍ بِكْرٍ لنا وَعَوانِ

نناشِدُكُمْ هلْ من قِرًى لِنَزِيْلِكُمْ

بطولِ جوارٍ لا بمِلءٍ جِفَانِ

(1)

في (ب) و (ط)،: في حاجة لها تقول له.

(2)

فى (ط) النصارى، وهو تحريف.

(3)

انظر المنتظم (7/ 190).

(4)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

ذكر أخبار أصبهان (1/ 272) الأنساب (8/ 452) المنتظم (7/ 191) معجم الأدباء (8/ 233 - 258) معجم البلدان (4/ 124) إنباه الرواة (1/ 310 - 312) اللباب (2/ 340) وفيات الأعيان (2/ 83 - 85) سير أعلام النبلاء (16/ 413 - 415) العبر (3/ 20) الوافي بالوفيات (12/ 76 - 77) مرآة الجنان (2/ 415 - 416) النجوم الزاهرة (4/ 163 و 196) بغية الوعاة (1/ 506) شذرات الذهب (3/ 102 - 103).

(6)

الوخدان: الإسراع أو سعة الخطو. القاموس (وخد).

ص: 346

فكتب العسكري الجواب في ظهرها:

أروم نهوضًا ثم يثني عزيمتي

تعوُّد أعضائي من الرجفان

فضمَّنْتُ بيتَ ابنِ الثَّريد

(1)

كأنَّما

تعمَّدَ تشبيهي

(2)

به وعَنَاني

أهُمُّ بأمْرِ الحَزْمِ لا أستطيعهُ

وقد حِيْلَ بين العَيْرِ والنَّزَوانِ

ثم تحامل وركب بغلته وسار إلى الصَّاحب، فوجده مشغولًا في خيمته بأمر الوِزارة، فصَعِدْ أكمةً، ثم نادى بأعلى صوته متمثلًا بقول أبي تمام:

ما لي أرى القُبَّةَ الفَيْحاءَ مُقْفَلَةً

دوني وقد طالما استفتحتُ مُقْفَلَها

كأنَّها جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مُعْرضةً

وليسَ لي عَملٌ زاكٍ فأدْخُلَها

(3)

فلما سمع الصاحبُ صوته ناداه: ادخلها يا أبا أحمد، فلك السابقة الأُولى. فلما صار إليه وقدم عليه أكرمه وعظَّمه وأحسن إليه.

توفي العسكري في يوم التروية من هذه السنة

(4)

.

وقال ابن خَلِّكان: ولد سنة ثنتين وتسعين ومئتين، وتوفي سنة ثنتين وثمانين [وثلاثمئة]

(5)

عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه

(6)

بن إبراهيم بن عبيد اللَّه بن زياد بن مهران: أبو القاسم الشَّاهد

(7)

، المعروف بابن الثَّلَّاج، لأن جدَّه أهدى لبعض الخلفاء ثلجًا، فوقع منه موقعًا، فَعُرِف عند الخليفة بالثَّلَّاج.

وقد سمع أبو القاسم هذا من البغوي وابن صاعد وابن أبي داود

(8)

، وحدَّث عنه التنوخي والأزهري والعتيقي

(9)

وغيرهم من الحُفَّاظ.

(1)

في (ح) و (ب) و (ط) والمنتظم: الرشيد، وهو تحريف، وابن الشريد هو صخر أخو الخنساء، والبيت له، انظر الأغاني (15/ 78 - 79).

(2)

في (ح): تضمن، والمثبت من (ب) و (ط).

(3)

انظر ديوان أبي تمام بشرح التبريزي (3/ 48).

(4)

انظر المنتظم (7/ 191 - 192).

(5)

وفيات الأعيان (5/ 84) وفيه أنه ولد سنة (293 هـ)، وما بين حاصرتين من (ب)، وقد سلفت ترجمته في وفيات سنة (382 هـ).

(6)

تاريخ بغداد (10/ 135 - 138) المنتظم (7/ 192 - 193) سير أعلام النبلاء (16/ 461 - 462) العبر (3/ 34) ميزان الاعتدال (2/ 497) لسان الميزان (3/ 350 - 351) شذرات الذهب (3/ 122).

(7)

في (ط) الشاعر، وهو تحريف.

(8)

في (ط): أبي داود، وهو خطأ.

(9)

في (ط) العقيقي، وهو تصحيف.

ص: 347

قال ابن الجَوْزي: وقد اتهمه المحدِّثون، منهم الدَّارَقُطْني ونسبوه إلى أنه كان يركب الإسناد ويضع الحديث على الرجال، فاللَّه أعلم، كانت وفاته في ربيع الأول فجأة.

ابن زُولاق

(1)

، الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد

(2)

بن راشد بن عبد اللَّه

(3)

بن سليمان بن زولاق، أبو محمد المِصْري الحافظ.

صنف كتابًا في قضاة مصر ذيَّل به على كتاب أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكِنْدي، انتهى الكندي إلى سنة ست وأربعين ومئتين، وذيل ابن زولاق من القاضي بكار إلى سنة ستٍّ وثمانين وثلاثمئة، وهي أيام محمد بن النعمان قاضي العبيديين، وأظنُّه مصنف كتاب البلاع الذي انتصر للرد عليه القاضي الباقلاني

(4)

، أو هو أخو مصنفه عبد العزيز بن النعمان، واللَّه أعلم. كانت وفاة ابن زُولاق في أواخر ذي القعدة من هذه السَّنة

(5)

عن إحدى وثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى.

ابن بطَّة عبيد اللَّه بن محمد [بن محمد]

(6)

بن حمدان

(7)

: أبو عبد اللَّه العُكْبَرِي، المعروف بابن بَطَة، أحدُ علماء الحنابلة، ومن له الكتب والتصانيف الحافلة في فنون من العلوم.

سمع الحديث من البغوي وأبي بكر النَّيْسابوري وابن صاعد وخلق في أقاليم متعادة، وعنه جماعة من الحُفاظ، منهم أبو الفتح بن أبي الفوارس، والأَزَجي والبَرْمكي، وأثنى عليه غير واحد من الأئمة، وكان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد رأى بعضُهم في المنام رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه، إنه قد اختلفت علينا المذاهب. فقال: عليك بأبي عبد اللَّه بن بَطَّة. فلما أصبح ذهب إليه ليبشره بالمنام، فحين رآه ابنُ بطة تبسَّم إليه وقال له -قبل أن يخاطبه-: صدق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثلاث مرات.

وقد تصدَّى الخطيب البغدادي للكلام في ابن بطة والطعن فيه بسبب ادعائه سماع السنن لرجاء بن

(1)

معجم الأدباء (7/ 225 - 230) وفيات الأعيان (2/ 91 - 92) سير أعلام النبلاء (16/ 462 - 463) الوافي بالوفيات (11/ 370) لسان الميزان (2/ 191) حسن المحاضرة (1/ 553 - 554).

(2)

في معجم الأدباء (7/ 225): خلف.

(3)

في (ط): عبد اللَّه، وهو تحريف.

(4)

في (ط): الذي صنف البلاغ الذي انتصب فيه للرد على القاضي الباقلاني، وهي عبارة محرَّفة.

(5)

ترجمه الذهبي في تاريخه مرتين، الأولى في وفيات سنة 386 هـ (8/ 591)، والثانية في وفيات سنة سبع وثمانين هذه (8/ 607)، وذكر في الترجمتين أنه توفي في ذي القعدة (بشار).

(6)

ما بين حاصرتين من تاريخ بغداد (10/ 371) ومظان ترجمته في تاريخ بغداد (10/ 371 - 375) طبقات الفقهاء للشيرازي (173) طبقات الحنابلة (2/ 114 - 153) سير أعلام النبلاء (16/ 529 - 533) العبر (3/ 35) ميزان الاعتدال (3/ 15) لسان الميزان (4/ 112 - 115) شذرات الذهب (3/ 122 - 124).

(7)

في (ط) حمران، وهو تصحيف.

ص: 348

مرجَّى ومعجم البغوي، وأسند بعضَ الجرح إلى شيخه عبد الواحد بن علي الأسدي المعروف بابن برهان اللُّغوي

(1)

، فانتدب ابنُ الجوزي للرّدِّ على الخطيب، والانتصار لابن بطَّة، فحكى عن أبي الوفا بن عقيل أن ابن برهان كان يرى مذهب مرجئة المعتزلة، في أنَّ الكُفَّار لا يخلدون في النار، وإنما قالوا هذا لأن دوام ذلك ممن لا يتشفى لا معنى له، هذا وقد وصف نفسه بأنه أرحم الراحمين. ثم شرع ابن عقيل فردَّ عليه.

قال ابن الجوزي: فكيف يُقبل الجَرْح من مثل هذا؟. ثم روى ابن الجوزي بسنده عن ابن بطة أنه سمع المعجم من البغوي، قال: والمثبتُ مقدَّم على النافي

(2)

.

قال الخطيب: وحدَّثني عبد الواحد بن برهان قال: قال محمد بن أبي الفوارس: روى ابنُ بطة عن البغوي عن مصعب عن مالك عن الزُّهْري عن أنس. قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم". قال الخطيب: وهذا باطلٌ من حديث مالك، والحمل فيه على ابن بطة

(3)

.

قال ابن الجوزي: والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما أنه وجد بخط ابن برهان أن ما حكاه عنه الخطيب من القدح في ابن بطة باطل، وهو شيخي أخذث عنه العلم في البداية، الثَّاني أن ابن برهان قد تقدَّم القدح فيه بما خالف فيه الإجماع، فكيف قبلت منه القول في رجل قد حكيت عن المشايخ العلماء أنه مجاب الدعوة رجل صالح، نعوذ باللَّه من الهوى

(4)

.

علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك

(5)

: أبو الحسن البَرْذعي، روى عن ابن أبي حاتم وغيره، وكان كثير المال، فترك الدُّنيا وأقبل على الاعتكاف في المسجد، وكثرة الصَّلاة والعبادة.

فخر الدوله علي بن ركن الدولة بن بُوَيْه الدَّيْلمي.

ملك بلاد الرَّي ونواحيها، وحين مات أخوه مُؤَيَّد الدولة كتب إليه الصاحب ابن عبَّاد بالإسراع إليه، فولَّاه الملك بعد أخيه، واستوزر ابن عَبَّاد على ما كان عليه في أيام أخيه مؤيد الدولة، وتوفي عن ستٍّ وأربعين سنة، منها مدة ملكه ثلاثة عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة عشر يومًا، وترك من الأموال شيئًا كثيرًا، من ذلك من الذهب ما يقارب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الجواهر نحوًا من خمسة عشر ألف قطعة، تقارب قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن أواني الذهب زنة ألف ألف دينار، ومن الفِضَّة زِنَة ثلاثة

(1)

انظر وفيات سنة (371 هـ).

(2)

المنتظم (7/ 195 و 8/ 237).

(3)

تاريخ بغداد (10/ 375).

(4)

المنتظم (7/ 196 - 197). قال بشار: لكن الحافظ الذهبي، وهو الذي ينتصر للحنابلة ويذب عنهم، يضعف ابن بطة، كما صرح به تاريخ الإسلام (8/ 614 و 617).

(5)

في (ط) مدرك، وهو تحريف.

ص: 349

آلاف ألف دِرْهم، ومن الثياب ثلاثة آلاف حمل، وخزانة السِّلاح ألفا حمل، ومن الفُرُش ألف وخمسمئة حمل، ومن الأمتعة ما يليق بالملوك، ومع هذا ليلة توفي لم يكن لهم وصول إلى شيء من المال، ولم يحصل له كفنٌ إِلَّا ثوب رجل من المجاورين في المسجد، واشتغلوا عنه بالملك، حتى تَمَّ لولده رُسْتُم من بعده، فأنتن الملك، ولم يتمكن أحدٌ من الوصول إليه، فربطوه في حبال، وجرُّوه على درج القلعة، فتقطَّع

(1)

.

ابن سَمْعُون الواعظ

(2)

: محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عَنْبس

(3)

بن إسماعيل، أبو الحسين بن سمعون الواعظ، أحد الصُّلحاء والعلماء، وكان يقال له النَّاطق بالحكمة.

روى عن أبي بكر بن أبي داود وطبقته، وكان له يد طُولى في الوعظ والتدقيق في المعاملات، وكانت له كرامات ومكاشفات، كان يومًا وهو يعظ على المنبر وتحته أبو الفتح بن القَوَّاس، وكان من الصَّالحين المشهورين، فنعس ابن القَوَّاس، فأمسك ابنُ سمعون عن الوعظ حتى استيقظ، فحين استيقظ قال ابن سمعون: رأيتَ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم في منامك هذا؟ قال نعم! قال: فلهذا أمسكت عن الوعظ حتى لا أزعجك عما كنتَ فيه.

وكان لرجلٍ بنت مريضةٌ مُدْنفة، فرأى أبوها رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له: اذهب إلى ابن سمعون ليأتي منزلك فيدعو لابنتك وهي تبرأ بإذن اللَّه. فلما أصبح ذهب إلى ابن سمعون ليأتي، فلما رآه نهض ولبس ثيابه وخرج معه، فظنَّ الرجل أنه يذهب إلى مجلس وعظه، فقال: أقول له في أثناء الطريق، فلما مرَّ بدار الرجل دخل إليها الشيخُ فاحضر إليه ابنته، فدعا لها وانصرف، فبرأت من ساعتها.

وبعث إليه الخليفة الطائع للَّه من أحضره إليه وهو مُغْضب، فخيف على ابن سمعون منه، فلما جلس بين يدي الخليفة أخذ في الوعظ، كان أكثر ما أورده من كلام أمير المؤمنين علي بن طالب، فبكى الخليفة حتى سُمعَ شهيقه، ثم خرج من بين يديه وهو مكرم، فقيل للخليفة: رأيناك طلبته وأنت غضبان، فقال: بلغني أنه ينتقص عليًّا، فأردتُ أن أعاقبه، فلما حضر لم يكن أكثر من ذكره عليًّا، فَعَلِمْتُ أنه موفق؛ قد كُوشفَ بما كان في خاطري عليه.

(1)

في (ط) زيادة: جروه على درج القلعة من نتن ريحه فتقطع جزاء وفاقًا.

(2)

تاريخ بغداد (1/ 274 - 277) الإكمال لابن ماكولا (4/ 362) طبقات الحنابلة (2/ 155 - 162) تبيين كذب المفتري (200 - 206) المنتظم (7/ 198 - 200) صفة الصفوة (2/ 266) اللباب (2/ 140) وفيات الأعيان (4/ 304 - 305) سير أعلام النبلاء (16/ 505 - 511) الوافي بالوفيات (2/ 51 - 52) النجوم الزاهرة (4/ 198) شذرات الذهب (3/ 124 - 126).

(3)

في (ح) و (ب): عثمان، وهو ساقط من (ط)، والمثبت من "تاريخ بغداد" و"المنتظم" و"وفيات الأعيان"، وهو الصحيح، وفي "طبقات الحنابلة" 2/ 155 تصحيف إلى عيسى.

ص: 350

ورأى بعضُهم في المنام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وإلى جانبه عيسى ابن مريم عليه السلام، وهو يقول: أليس من أمتي الأحبار؟ أليس من أمتي الرهبان؟ أليس من أمتي أصحاب الصوامع؟ فبينما هما كذلك إذ دخل ابن سمعون، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أفي أمتك مثل هذا؟ فسكت عيسى عليه الصلاة والسلام.

كان مولد ابن سمعون في سنة ثلاثمئة، وتوفي يوم الخميس الرابع عشر من ذي القَعْدَة من هذه السنة، ودفن بداره.

قال ابنُ الجوزي: ثم أخرج بعد سنين

(1)

إلى مقبرة أحمد، وأكفانه لم تَبْلَ، رحمه اللَّه تعالى.

آخر ملوك السَّامانية نوح بن منصور

(2)

بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل، أبو القاسم، السَّاماني، ملك خُرَاسان وغَزْنة وما وراء النهر، ولي الملك وله ثلاث عشرة سنة

(3)

، واستمرَّ في الملك إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر [وتوفي في رجب هذه السنة، فولي بعده ابنه أبو الحارث منصور، فبقي سنة وتسعة أشهر]

(4)

، ثم قبض عليه خواصه، وأجلسوا أخاه عبد الملك مكانه، فقصدهم محمود بن سُبُكْتكين، فانتزع الملك من أيديهم، وقد كان لهم في الملك مئة سنة وسنتين وشهورًا، فباد ملكهم في هذا العام، وللَّه النقض والإبرام.

أبو الطَّيِّب سهل بن محمد

(5)

بن سليمان بن محمد بن سليمان: الصُّعْلُوكي، الفقيه الشَّافعي.

إمام أهل نيسابور، وشيخ أهل تلك الناحية، كان يحضر في مجلسه خمسمئة محبرة، وكانت وفاته في هذه السنة على المشهور

(6)

.

(1)

في (ح) و (ب) سنة، وفي (ط) سنتين، والمثبت من المنتظم (7/ 200) وكان نقله سنة (426 هـ) أي بعد وفاته بتسع وثلاثين سنة.

(2)

الأنساب (7/ 14) المنتظم (7/ 201 - 202) اللباب (2/ 94) سير أعلام النبلاء (16/ 514 - 515) النجوم الزاهرة (4/ 198) شذرات الذهب (3/ 126 - 127).

(3)

انظر حوادث سنة (366 هـ).

(4)

ما بين حاصرتين من المنتظم (7/ 201 - 202) وانظر الكامل لابن الأثير: (9/ 129 - 130 و 145، 148 - 149).

(5)

طبقات الفقهاء للشيرازي (100) الأنساب (8/ 64) تبيين كذب المفتري (211 - 214) وفيات الأعيان (2/ 435 - 436) سير أعلام النبلاء (17/ 207 - 209) العبر (3/ 88) طبقات الشافعية للسبكي: 4/ 393 - 404، طبقات الشافعية للإسنوي (2/ 126 - 127) شذرات الذهب (3/ 172).

(6)

أكثر المصادر على أنه توفي سنة (404 هـ) ماعدا ابن خلكان في "وفياته" وهو الأشبه، وسيورده ابن كثير في وفيات سنة (402 هـ)، ونقل الأسنوي في طبقاته (2/ 127) عن الحاكم أنه وضع في مجلسه أكثر من خمسمئة محبرة وقت إملائه عشية الجمعة في 23 محرم سنة 387 هـ، وعقب على الخبر بقوله: وكأنه اشتبه عليه (يعني ابن خلكان) تاريخ الإملاء بتاريخ الموت.

ص: 351

وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد": مات في سنة ثنتين

(1)

وأربعمئة، فاللَّه تعالى أعلم.

‌ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمئة

قال ابنُ الجوزي: في ذي الحجَّة من هذه السنة سقط في بغداد بَرَدٌ شديد، حيث جَمَدَ الماءُ في الحمامات، وبول الدواب في الطرقات.

وفيها جاءت رسل أبي طالب رستم بن فخر الدولة، فبايعه الخليفة وأقرَّه على معاملته ببلاد الرَّي، ولقبه مجد الدولة كهف الأمة، وبعث إليه بالخِلَع والألوية، وكذلك [فعل]

(2)

لبدر بن حَسْنويه، ولقبه ناصر الدين والدولة، وكان كثير الصَّدقات.

وفيها هرب عبيد اللَّه

(3)

بن جعفر المعروف بابن الوَثَّاب، المنتسب إلى خدمة الطائع

(4)

، من السِّجْن بدار الخلافة إلى البطيحة، فآواه صاحبها مهذَّب الدولة، ثم أرسل القادر باللَّه، فجيء به مضيِّقًا عليه، فاعتقله، ثم هرب من الاعتقال أيضًا فذهب إلى بلاد كيلان، فادَّعى أنه الطائع، فصدَّقوه وبايعوه، وأدوا إليه العشر، وغير ذلك من الحقوق، ثم اتفق مجيء بعضهم إلى بغداد فسألوا عن الأمر، فإذا ليس له صحة ولا حقيقة، فرجعوا عنه، واضمحلَّ أمره وفسد حاله، فانهزم عنهم

(5)

.

وحجَّ بالناس في هذه السنة أمير المصريين، والخطبة فيها للحاكم العبيدي.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

[الخَطَّابي]

(6)

: هو أبو سليمان حَمْدُ، ويقال: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخَطَّاب الخَطَّابي، البُسْتي، أحد المشاهير الأعيان، والفقهاء المحدثين المكثرين، له من المصنَّفات "معالم السنن" و"شرح البخاري"، وغير ذلك من التصانيف النافعة المفيدة. وله شعر حسن، فمنه قوله:

(1)

في (ح) ثلاثين، وفي (ط) مشين، وكلاهما تحريف، والمثبت من (ب).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

كذا في (ح) و (ب)، وفي المنتظم (7/ 202): عبد اللَّه، وفي الكامل لابن الأثير (9/ 143): أبو عبد اللَّه، وهو الموافق لما في (ط).

(4)

في (ط) جده، وفي المنتظم (7/ 202) وكان منتسبًا إلى الطائع، وفي الكامل (9/ 143): وكان هذا الرجل يقرب بالنسب من الطائع.

(5)

انظر المنتظم (7/ 202 - 203).

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط)، وقد سلفت ترجمته في وفيات سنة (349 هـ).

ص: 352

ما دُمْتَ حيًا فَدارِ النَّاسَ كلَّهُمُ

فإنَّما أنتَ في دارِ المُدَاراةِ

من يدرِ دارَى ومن لم يدرِ سوف يُرى

عمَّا قليس نديمًا للنَّدَاماتِ

كانت وفاته بمدينة بُسْت في ربيع الأول من هذه السنة، قاله ابن خَلِّكان

(1)

.

الحسين بن أحمد بن عبد اللَّه

(2)

بن عبد الرحمن بن بُكير

(3)

: أبو عبد اللَّه الصَّيرفي، الحافظ المُطبِّق.

سمع إسماعيل الصَّفَّار، وابن السَّمَّاك، والنَّجَّاد، والخُلْدي، وأبا بكر الشَّافعي

(4)

.

وعنه ابن شاهين والأزْهري والتَّنوخي، وحكى الأزهري أنه دخل عليه وبين يديه أجزاء كبار، فجعل إذا ساق إسنادًا أورد متنه من حفظه، وإذا سرد متنًا ساق إسناده [من حفظه]

(5)

قال: وفعلتُ هذا معه مرارًا، كل ذلك يورد الحديث إسنادًا ومتنًا كما في كتابه.

قال: وكان ثِقَةً، فحسدوه وتكلَّموا فيه.

وحكى الخطيب أن ابن أبي الفوارس اتهمه بأنه يزيد في سماع الشُّيوخ، ويلحق رجالًا في الأسانيد ويصل المقاطيع.

توفي في ربيع الأول من هذه السنة عن إحدى وستين

(6)

سنة.

صمصام الدَّولة بن عضد الدولة: صاحب بلاد فارس، خرج عليه ابنُ عمه أبو نصر بن بَخْتيار، فهرب منه، ولجأ إلى جماعةٍ من الأكراد، فلما وغَّلوا به في بلادهم نهبوا ما في خزائنه وحواصله، ولحقه أصحابُ ابن بختيار فقتلوه، وحملوا رأسه في طست، فلما وضع بين يدي ابن بختيار قال: هذه سنةٌ سنَّها أبوك

(7)

. وكان ذلك في ذي الحجَّة من هذه السنة، فكان عمره يوم قُتل خمسًا وثلاثين سنة، ومدة ملكه منها تسع سنين وأشهر.

عبد العزيز بن يوسف الحكار

(8)

: أبو القاسم، كاتب الإنشاء لعضد الدولة، ثم وزر لابنه

(1)

انظر وفيات الأعيان (2/ 214 - 216).

(2)

تاريخ بغداد (8/ 13 - 14) سير أعلام النبلاء (17/ 8 - 9) العبر (3/ 38 - 39) تذكرة الحفاظ (3/ 1017) طبقات الحفاظ (403) شذرات الذهب (3/ 128).

(3)

في (ح) و (ب) و (ط): بكر، وهو تصحيف.

(4)

في (ط) الشاشي، وهو تحريف.

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

في (ح) و (ب) و (ط): إحدى وسبعين، وهو تحريف، وكانت ولادته سنة (327 هـ)، وقيل: إنه توفي سنة (383 هـ)، وانظر تاريخ بغداد (8/ 14).

(7)

قال ابن الأثير (9/ 143): يعني ما كان من قتل عضد الدولة بختيار.

(8)

في (ط): الحطان، وهو تحريف.

ص: 353

بهاء الدولة خمسة أشهر، وكان يقول شعرًا، توفي في شعبان من هذه السنة.

محمد بن أحمد بن إبراهيم: أبو الفرج

(1)

المعروف بغلام الشَّنَبُوذي، كان عالمًا بالقراءات وتفسيرها، يقال: إنه كان حفظ خمسين ألف بيت [من الشعر]

(2)

شواهد للقرآن، ومع هذا تكلَّموا فيه وفي روايته عن أبي الحسن بن شَنَبُود

(3)

، وأساء الدَّارَقُطْني القول فيه.

توفي في صفر من هذه السنة، وكان مولده سنة إحدى وثلاثمئة

(4)

.

‌ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمئة

في هذه السنة قصد محمود بن سُبُكْتِكين بلادَ خُراسان، فاستلب ملكها من أيدي السَّامانية، وواقعهم مرات متعددة في هذه السنة وما قبلها، حتى أزال اسمهم ورسمهم عن البلاد بالكلِّية، وانقرضت دولتهم على يديه، ثم صمد لقتال إيلك ملك الترك بما وراء النَّهر، وذلك بعد موت الخان الكبير الذي يقال له فائق، وجَرَت له معهم حروبٌ وخطوب.

وفيها استولى بهاء الدولة على بلاد فارس وخوزستان.

وفيها أرادت الشيعة أن تعمل ما كانوا يصنعونه من الزينة يوم غدير خُم، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجَّة فيما يزعمون، فقاتلهم جهلة آخرون من المنتسبين إلى السُّنَّة، فادَّعوا أن في مثل هذا اليوم حُصِرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه في الغار، فامتنعوا من ذلك، وهذا أيضًا جهل من هؤلاء، فإن هذا إنما كان في أوائل شهر ربيع الأول من أول سني الهجرة، فإنهما أقاما فيه ثلاثًا، وحين خرجا منه قصدا المدينة فدخلاها بعد ثمانية أيام أو نحوها، وكان دخوله عليه السلام المدينةَ في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، وهذا أمرٌ معلوم مقرر.

ولما كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتمًا يُظْهرون فيه الحزنَ على الحسين، قابلتهم طائفةٌ أخرى من جهلة أهل السُّنَّة، فادعوا أن في اليوم الثامن عشر من المحرَّم قتل مصعب بن الزُّبير، فعملوا له مأتما كما تعمل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما يزار قبر الحسين، وهذا من باب مقابلة البدعة ببدعةٍ مثلها، ولا يرفع البدعة إِلَّا السُّنَّةُ الصحيحة، وباللَّه التوفيق.

(1)

في (ب) و (ط): أبو الفتح، وهو تحريف.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

سلفت ترجمة ابن شنبوذ في وفيات سنة (328 هـ)، وإليه نسب لكثرة ملازمته له. غاية النهاية (2/ 50).

(4)

في (ط): إحدى وثلاثين وثلاثمئة، وهو تحريف. وقيل: إنه توفي سنة (387 هـ) وولادته سنة (300 هـ)، انظر تاريخ بغداد (1/ 272).

ص: 354

وفيها وقع برد شديد مع غيم مطبق، وريحٍ قوية، بحيث أتلفت شيئًا كثيرًا من النخيل ببغداد، فلم يتراجع حملها إلى عادتها إِلَّا بعد سنين

(1)

.

وحجَّ بركب العراق الشَّريفان الرضي والمرتضى، فاعتقلهما أمير الأعراب ابن الجرَّاح، فافتديا منه بتسعة آلاف دينار من أموالهما حتى أطلقهما.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

زاهر بن أحمد

(2)

بن محمد بن عيسى: السَّرْخسي [المقرئ]

(3)

الفقيه المحدّث، شيخ عصره بخُراسان.

قرأ على ابن مجاهد، وتفقَّه بأبي إسحاق المَرْوزي إمام الشَّافعية، وأخذ علم اللغة والأدب والنحو عن أبي بكر بن الأنباري.

وكانت وفاته في ربيع الآخر عن ستٍّ وتسعين سنة.

عبيد اللَّه

(4)

بن محمد بن إسحاق

(5)

: بن سليمان بن مَخْلَد بن إبراهيم بن مروان

(6)

، أبو القاسم المعروف بابن حَبَابة.

روى عن أبي القاسم البَغَوي، وأبي بكر بن أبي داود وطبقتهما، وكان ثِقَةً مأمونًا مسندًا، ولد ببغداد سنة تسع وتسعين ومئتين، وكانت وفاته في جُمادى الأولى

(7)

من هذه السنة عن تسعين سنة، وصلَّى عليه [الشيخ]

(8)

أبو حامد الإسْفَراييني شيخ الشَّافعية، ودفن في مقابر جامع المنصور، رحمه اللَّه تعالى.

(1)

في (ط): سنتين، وهو تصحيف.

(2)

في (ط): زاهد بن عبد اللَّه بن أحمد، وهو تحريف. ومظان ترجمته في تبيين كذب المفتري (206 - 207) المنتظم (7/ 206) سير أعلام النبلاء (16/ 476 - 478) العبر (3/ 43) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 293 - 294) غاية النهاية (1/ 288) النجوم الزاهرة (4/ 200) شذرات الذهب (3/ 131).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

في (ط) عبد اللَّه، وهو تحريف.

(5)

تاريخ بغداد (10/ 377) الإكمال لابن ماكولا (2/ 372) المنتظم (7/ 207) سير أعلام النبلاء (16/ 548 - 549) العبر (3/ 44) شذرات الذهب (3/ 132).

(6)

في (ط): مروز، وهو تحريف.

(7)

في تاريخ بغداد (10/ 377): لست بقين من شهر ربيع الآخر.

(8)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

ص: 355

‌ثم دخلت سنة تسعين وثلاثمئة

في هذه السنة ظهر بأرض سِجِسْتان معدنٌ من ذهب، كانوا يحفرون فيه مثل الآبار، ويخرجون منه ذهبًا أحمر.

وفيها قُتل الأمير أبو نصر بن بَخْتيار صاحب بلاد فارس، واستولى عليها بهاء الدولة.

وفيها قلد القادرُ باللَّه القضاء بواسط وأعمالها لأبي حازم محمد بن الحسن الوَاسطي، وقرئ عهده بدار الخلافة، وكتب له القادر وصيةً حسنةً طويلة، أوردها بحروفها ابنُ الجوزي في "منتظمه"

(1)

، وفيها مواعظ وأوامر ونواهٍ حسنة [جيدة]

(2)

.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أحمد بن محمد

(3)

بن أبي موسى: أبو بكر الهاشمي، الفقيه المالكي، القاضي بالمدائن وغيرها.

وخطب بجامع المنصور، وسمع الكثير، وروى عنه الجَمُّ الغفير بانتخاب الدَّارَقُطْني، وكان عفيفًا نَزِهًا ثِقَةً ديِّنًا.

توفي في محرم هذه السنة عن خمسٍ وسبعين سنة.

عبيد اللَّه بن عثمان بن يحيى: أبو القاسم الدَّقَّاق، ويعرف بابن جنيقا

(4)

.

قال العلامة القاضي أبو يعلى بن الفَرَّاء -وهذا جده

(5)

-: والصواب جليقا باللام لا بالنون.

وقد سمع الحديث سماعًا صحيحًا، وروى عنه الأزْهري والعتيقي. قال [محمد بن أبي الفوارس]

(6)

: وكان ثقة مأمونًا، حسنَ الخُلُق، ما رأينا مِثْلَه في معناه، رحمه اللَّه تعالى.

الحسين بن محمد بن خلف

(7)

بن الفَرَّاء: والد القاضي أبي يعلى، وكان صالحًا فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، أسند الحديث، وروى عنه ابنه أبو خازم

(8)

محمد بن الحسين.

(1)

انظر المنتظم (7/ 208 - 209).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

المنتظم (7/ 209).

(4)

انظر تبصير المنتبه (2/ 521) وفيه: عبد اللَّه، وهو تحريف.

(5)

أي جد القاضي أبي يعلى بن الفراء لأمه، انظر المنتظم (7/ 200).

(6)

في (ح) و (ب) قال الأزهري، وهو تحريف، والمثبت ما بين حاصرتين من تاريخ بغداد (10/ 378).

(7)

هذه الترجمة ساقطة من (ب).

(8)

في (ح) ابنه وهو أبو حازم، وفي (ط) أبو حازم -بالحاء المهملة- وهو تصحيف، انظر تبصير المنتبه (1/ 386).

ص: 356

عبد اللَّه

(1)

بن أحمد بن علي بن طالب

(2)

البغدادي: نزل مصر وحدَّث بها، فسمع منه الحافظ عبد الغني بن سعيد المِصْري.

عمر بن إبراهيم

(3)

بن أحمد: أبو حفص

(4)

، المعروف بالكتَّاني المقرئ.

ولد سنة ثلاثمئة، روى عن البغوي وابن مجاهد وابن صاعد، وعنه الأزهري وغيره، وكان ثِقَةً صالحًا.

محمد بن عبد اللَّه بن الحسين

(5)

بن عبد اللَّه بن هارون: أبو الحسين الدَّقَاق، المعروف بابن أخي ميمي.

سمع البغوي وغيره، وعنه جماعة، ولم يزل على كبر سنه يكتب الحديث إلى أن توفي وله تسعون سنة

(6)

، وكان ثِقَة مأمونًا ديِّنًا فاضلًا حسن الأخلاق.

وكانت وفاته ليلة الجمعة لثمانٍ وعشرين من شعبان من هذه السنة.

محمد بن عمر بن يحيى

(7)

: أحمد بن [عمر بن]

(8)

يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الشريف، أبو الحسن العلوي، الكوفي.

ولد سنة خمس عشرة، وسمع من أبي العبَّاس بن عُقْدة وغيره، وسكن بغداد، وكانت له أموالٌ كثيرة وضياع، [ودخل عظيم]

(9)

وحشمة وافرة، وهِمَّةٌ عالية، وكان مقدَّمًا على الطالبيين في وقته، وقد صادره عضد الدولة في وقتٍ، واستحوذ على جمهور أمواله وسَجَنه، ثم أطلقه شرف الدولة بن عضد الدولة، ثم صادره بهاء الدولة بألف ألف دينار وأكثر، ثم سجنه، ثم أطلقه واستنابه على بغداد. ويقال: إن غلاله كانت تساوى في كل سنة بألفي ألف دينار، وله وجاهة كبيرة [جدًا](9)، ورياسة باذخة.

(1)

تاريخ مدينة السلام (11/ 41 بتحقيق د. بشار)، تاريخ دمشق (27/ 37 - 39)، تاريخ الإسلام للذهبي (8/ 662).

(2)

في (ج): بن أبي طالب، وهو تحريف، وما أثبتناه من مصادر ترجمته.

(3)

تاريخ بغداد (11/ 269) الأنساب: 10/ 352 - 353، المنتظم: 7/ 211، سير أعلام النبلاء 16/ 482 - 484)، العبر 3/ 46، غاية النهاية 1/ 587 - 588، شذرات الذهب 3/ 134.

(4)

في (ط): أبو نصر، وهو تحريف.

(5)

تاريخ بغداد (5/ 469) سير أعلام النبلاء (16/ 564 - 565) العبر (3/ 47) شذرات الذهب (3/ 134).

(6)

ولد أبو الحسين الدقاق سنة (304 هـ)، انظر تاريخ بغداد (5/ 469).

(7)

تاريخ بغداد (5/ 471) المنتظم (7/ 209).

(8)

ما بين حاصرتين من تاريخ بغداد والمنتظم.

(9)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ج).

ص: 357

الأستاذ أبو الفتوح بَرْجوان

(1)

: الناظر في الأمور بالدِّيار المصرية في الدَّولة الحاكمية، وإليه تنسب حارة بَرْجوان بالقاهرة المعزية.

كان أولًا من غِلْمان العزيز بن المعز، ثم صار عند الحاكم نافذ الأمر، مطاعًا كبيرًا في الدولة، ثم أمر بقتله في القصر، فضربه الأمير رَيْدان -الذي تنسب إليه الرَّيْدانية خارج باب الفتوح- بسكينٍ في بطنه فقتله. وقد ترك شيئًا كثيرًا من الأثاث والثياب، فمن ذلك ألف سراويل [دبيقي] لها ألف تكة من حرير، قاله ابن خَلِّكان

(2)

. وولَّى الحاكم [بعده]

(3)

في منصبه الأمير حسين بن القائد جوهر.

الجَريري المعروف بابن طَرارا

(4)

: اسمه المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حماد بن داود، أبو الفرج النَّهْرواني القاضي -لأنه ناب في الحكم- المعروف بابن طَرَارا

(5)

الجريري، لاشتغاله على ابن جرير الطَّبري، وسلوكه وراءه [في]

(6)

مذهبه، [فنسب إليه]

(7)

.

وسمع [الحديث]

(8)

من البغوي وابن صاعد وخلق، وروى عنه جماعةٌ، وكان ثِقَةً عالمًا فاضلًا كثير الآداب، والتفنُّن في أصناف العلوم، وله المصنفات الكثيرة، منها كتابه المسمى "بالجليس والأنيس"، فيه فوائد جمة كثيرة، وكان الشيخ أبو محمد البافي

(9)

أحد أئمة الشَّافعية يقول: إذا حضر المعافى فقد حضرت العلوم كلُّها، ولو أوصى رجل بثلث ماله لأعلم النَّاس لوجب أن يصرف إليه.

وقال غيره: اجتمع جماعة من الفضلاء في دار بعض الرؤساء وفيهم المعافى فقالوا: هلمَّ نتذاكر في فنٍ من العلوم، فقال المعافى لصاحب المنزل -وكانت عنده كتبٌ كثيرة في خزانة عظيمة- مُرْ غلامك [هذا]

(10)

يأتي بكتابٍ من هذه الكتب، أي كتاب كان، فنتذاكر فيه. فتعجَّب الحاضرون من هذا التمكن والتبحُّر.

(1)

وفيات الأعيان (1/ 270 - 271).

(2)

انظر وفيات الأعيان (1/ 270 - 271) وما بين حاصرتين منه.

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

الفهرست (328 - 329) تاريخ بغداد (13/ 230 - 231) طبقات الفقهاء للشيرازي (93) المنتظم (7/ 213 - 214) معجم الأدباء (19/ 151 - 154) إنباه الرواة (3/ 296 - 297) وفيات الأعيان (5/ 221 - 224) تذكرة الحفاظ (3/ 1010 - 1012) سير أعلام النبلاء (16/ 544 - 546) العبر (3/ 47 - 48) غاية النهاية (2/ 302) النجوم الزاهرة (4/ 201 - 202) طبقات الحفاظ (400 - 401) بغية الوعاة (2/ 293 - 294) شذرات الذهب (3/ 134 - 135).

(5)

في (ط): طرار، وهو تصحيف.

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(7)

ما بين حاصرتين من (ط).

(8)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(9)

في (ط): الباقلاني، وهو تحريف، وسترد ترجمة البافي في وفيات سنة (398 هـ).

(10)

ما بين حاصرتين من (ب).

ص: 358

وقال الخطيب البغدادي: أنشدنا الشيخ أبو الطَّيِّب الطَّبَري قال: أنشدنا المعافى بن زكريا لنفسه:

ألا قُلْ لمنْ كان لي حَاسِدًا

أتدْري على منْ أَسَأْتَ الأدَبْ

أسَأْتَ على اللَّه في فِعْلِه

(1)

لأنَّكَ لم ترضَ

(2)

لي ما وَهَبْ

فجازاكَ عنِّي بَأَنْ زادني

وسدَّ عليكَ وجوهَ الطَّلَبْ

(3)

كانت وفاته رحمه اللَّه تعالى في ذي الحجَّة [من هذه السنة]

(4)

عن خمسٍ وثمانين سنة.

ابن فارس: صاحب "المجمل"، وقيل إنه توفي سنة خمس وتسعين كما سيأتي

(5)

.

أَمَة السَّلام

(6)

: بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن خَلَف بن شَجَرة

(7)

، أم الفتح.

سمعت من محمد بن إسماعيل البَصْلاني وغيره، وعنها الأزهري والتَّنُوخي وأبو يَعْلى بن الفَرَّاء وغيرهم، وأثنى عليها غير واحد في دينها وفضلها وسيادتها، وكان مولدها في رجب من سنة ثمان وتسعين، وتوفيت في رجب من هذه السنة عن ثنتين وتسعين سنة، رحمها اللَّه تعالى وإيانا بكرمه.

‌ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وثلاثمئة

فيها بايع الخليفة القادر باللَّه لولده أبي الفضل بولاية العهد من بعده، وخطب له [على المنابر بعد أبيه]

(8)

، ولقِّب الغالب باللَّه، وكان عمره حيئنذٍ ثماني سنين وشهورًا، ولم يتمَّ له ذلك، وكان سبب هذه العجلة أن رجلًا يقال له عبد اللَّه بن عثمان الواثقي

(9)

ذهب إلى بعض الأطراف من بلاد التُّرْك، وادَّعى أن القادر باللَّه جعله ولي عهد من بعده، فخطبوا له هناك، فلما بلغ القادر أمره بعث يتطلَّبه، فهرب في

(1)

في (ط): سبحانه، وهو خلاف ما في تاريخ بغداد.

(2)

في (ط): لا ترضى، وهو خلاف ما في تاريخ بغداد.

(3)

انظر تاريخ بغداد (13/ 230).

(4)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

انظر وفيات سنة (395 هـ)، وقد سلفت ترجمته في وفيات سنة (369 هـ)، وهذه الترجمة ليست في (ب) في هذا الموضع.

(6)

في (ط): أم السلامة، وهو تحريف. وترجمتها في تاريخ بغداد (16/ 633 ط. د. بشار)، وتاريخ الإسلام (8/ 658).

(7)

في (ط) شنخرة، وهو تصحيف، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (15/ 544 - 545).

(8)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(9)

في (ط) الواقفي، وهو تصحيف، وهو من ولد الواثق، انظر المنتظم (7/ 215) والكامل (9/ 165).

ص: 359

البلاد وتمزَّق شمله، ثم أخذه بعضُ الملوك فسجنه في قلعةٍ إلى أن مات، فلهذا بادر القادر إلى هذه البيعة.

وفي يوم الخميس الثامن عشر من ذي القَعْدة ولد الأمير أبو جعفر عبد اللَّه بن القادر باللَّه، وهذا هو الذي صارت إليه الخلافة، وهو القائم بأمر اللَّه.

وفيها قتل الأمير حسام الدولة المقلَّد بن المسيّب العُقيلي غِيْلةً ببلاد الأنبار، وكان قد عَظُمَ شأنه بتلك البلاد، ورام المملكة، فجاءه القدر المحتوم، فقتله بعض غِلْمانه الأتراك، وقام بالأمر من بعده ولده قِرْوَاش

(1)

.

وحجَّ بالنَّاس المِصْريون.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

جعفر بن الفَضْل بن جعفر

(2)

بن محمد بن الفُرَات: أبو الفَضْل، المعروف بابن حِنْزابة الوزير.

ولد سنة ثمانٍ وثلاثمئة ببغداد، ونزل الدِّيار المصرية، ووزر بها لأميرها كافور الإخشيدي، وكان أبوه وزيرًا للمقتدر وقد سمع الحديث من محمد بن هارون الحَضْرمي وطبقته من البغداديين، وكان قد سمع مجلسًا من البَغَوي، ولم يكن عنده، فكان يقول: من جاءني به أغنيتُه، وكان له مجلس لإملاء الحديث بديار مصر، وبسببه رحل الدَّارَقُطْني إلى هناك، فنزل عنده وخرَّج له مسندًا، وحصل له منه مالٌ جزيل، وحدث عنه الدارقطني. وغيره من الأكابر.

ومن مستجاد شعره قوله:

منْ أخْمَلَ النَّفْسَ أحياها ورَوَّحها

ولم يَبِتْ طاويًا منها على ضَجَرِ

إنَّ الرِّياحَ إذا اشتدَّتْ عواصِفُها

فليس ترمي سوى العالي من الشَّجَرِ

قال ابن خَلِّكان: كانت وفاته في صَفَر، وقيل في ربيع الأول من هذه السنة، عن ثنتين وثمانين سنة ودفن بالقَرَافة، وقيل بداره، وقيل: إنه كان اشترى دارًا بالمدينة النبوية فجعلها تربة له، فلما نقل إليها

(1)

انظر أخبار هؤلاء العقيليين مجتمعة في وفيات الأعيان (5/ 260 - 269).

(2)

تاريخ بغداد (7/ 234 - 235) معجم الأدباء (7/ 163 - 177) وفيات الأعيان (1/ 346 - 350) تذكرة الحفاظ (3/ 1022 - 1024) سير أعلام النبلاء (16/ 484 - 488) العبر (3/ 49 - 50) فوات الوفيات (1/ 292 - 294) الوافي بالوفيات (11/ 118 - 122) النجوم الزاهرة (4/ 203) حسن المحاضرة (1/ 352 - 353) طبقات الحفاظ (405) شذرات الذهب (3/ 135 - 136).

ص: 360

تلقته الأشراف لإحسانه إليهم، فحملوه وحجوا به وأوقفوه بعرفات، ثم أعادوه إلى المدينة، فدفنوه بتربته

(1)

.

ابن الحجَّاج الشَّاعر

(2)

الحسين بن أحمد بن الحجاج: أبو عبد اللَّه الشَّاعر الماجن، المقذع في نظمه بألفاظٍ يستنكف اللِّسان عن التلمِّظ بها، والآذان عن الاستماع لها.

وقد كان أبوه من كبار العُمَّال، وولي هو حسبة بغداد في أيام عز الدولة بن معز الدولة بن بويه، فاستخلف عليها نوابًا ستة، وتشاغل هو بالشِّعْر السخيف والرأي الضعيف، إِلَّا أن شعره جيدٌ من حيث اللفظ، وفيه قوة جيدة تدلُّ على تمكُّنٍ واقتدار على سبك المعاني القبيحة التي هي في غاية الفضيحة في الألفاظ الفصيحة، وله غير ذلك من الأشعار المستجادة، وقد امتدح [مرة]

(3)

صاحب مصر، فبعث إليه بألف دينار.

وقول القاضي ابن خلكان: ويقال إنه عزل عن حِسْبة بغداد بأبي سعيد الإصْطَخْرِي

(4)

قولٌ ضعيف لا يسامح بمثله القاضي، فإن أبا سعيد توفي سنة ثمانٍ وعشرين وثلاثمئة، فكيف يعزل به ابن الحجَّاج عن حِسْبة بغداد؟ وهو لا يمكن عادة أن يلي الحسبة بعد أبي سعيد الإصطخري، ولكبر قدر ابن خلِّكان في هذه الصناعة ناقشناه، فإنه أرخ وفاة هذا بهذه السنة، والإصْطَخري بما تقدَّم

(5)

.

وقد جمع الشريف الرضي، أشعاره الجيدة على حِدةٍ في ديوان مفرد، ورثاه حين توفي هو وغيره من الشُّعراء.

عبد العزيز بن أحمد

(6)

بن الحسن الخَرَزي

(7)

: القاضي بالمُخَرِّم

(8)

وحريم دار الخلافة وغير ذلك من الجهات، وكان ظاهريًا على مذهب داود، وكان لطيفًا ظريفًا، تحاكم إليه وكيلان، فبكى أحدهما في أثناء الخصومة، فقال له القاضي: أرني وكالتك، فناوله فقرأها، ثم قال له: لم

(1)

انظر وفيات الأعيان (1/ 349).

(2)

الإمتاع والمؤانسة (1/ 137 - 139) يتيمة الدهر (3/ 30 - 99) تاريخ بغداد (8/ 14) المنتظم (7/ 216 - 218) معجم الأدباء (9/ 206) وفيات الأعيان (2/ 168 - 172) سير أعلام النبلاء (17/ 59 - 61) العبر (3/ 50) الوافي بالوفيات (12/ 331) مرآة الجنان (2/ 444) النجوم الزاهرة (4/ 204 - 205) شذرات الذهب (3/ 136 - 137).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب)(ط).

(4)

انظر وفيات الأعيان (2/ 168 - 169).

(5)

انظر ترجمة الإصطخري في وفيات سنة (328 هـ).

(6)

تاريخ الخطيب (12/ 240 ط. د. بشار)، الخرزي من الأنساب، تاريخ الإسلام (8/ 704)، التوضيح لابن ناصر الدين (2/ 323).

(7)

في (ط) الجزري، وهو تصحيف.

(8)

المخرِّم: محلة كانت ببغداد بين الرصافة ونهر المعلى. معجم البلدان (5/ 71).

ص: 361

يجعل إليك أن تبكي عنه. فاستضحك الناس، ونهض الوكيل خَجِلًا. رحمه اللَّه تعالى.

عيسى بن الوزير علي بن عيسى

(1)

بن داود بن الجَرَّاح: أبو القاسم البغدادي.

وكان أبوه من كبار الوزراء

(2)

، وكتب هو للطَّائع أيضًا، وسمع الحديث الكثير، وكان صحيح السَّماع كثير العلوم، عارفًا بالمنطق وعلم الأوائل، فرموه بشيءٍ من مذهب الفلاسفة.

ومن جيد شِعْره قوله:

رُبَّ مَيْتٍ قد صارَ بالعِلْمِ حيًا

ومُبْقًّى قد ماتَ جَهْلًا وغيّا

فاقْتنوا العِلْمَ كي تنالوا خُلُودًا

لا تعدُّوا الحياةَ في الجَهْلِ شيّا

كان مولده في سنة ثنتين وثلاثمئة، وتوفي في هذه السنة عن تسع وثمانين سنة، ودفن في داره ببغداد.

‌ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وثلاثمئة

في المحرم منها غزا يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين بلادَ الهند، فصمد له ملكها جيبال في جيشٍ عظيم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ففتح اللَّه للمسلمين، وانهزمت الهنود، وأُسر ملكهم جيبال، وأخذ من عُنُقه قِلادة قيمتها ثمانون ألف دينار

(3)

، وغنم المسلمون منهم أموالًا عظيمة، وفتحوا بلادًا كثيرة، ثم أطلق محمود ملكَ الهند احتقارًا له واستهانةً به، ليراه أهل ملكه في لباس المذلة، فحين وصل جيبال -لعنه اللَّه- إلى بلاده ألقى نفسه في النار التي يعبدونها من دون اللَّه فاحترق، لعنه اللَّه تعالى.

وفي ربيع الآخر

(4)

منها ثارت العوام على النَّصارى ببغداد، فنهبوا كنيستهم التي بقطيعة الدَّقيق وأحرقوها، فسقطت على خَلْقٍ، فماتوا، وفيهم جماعة من المسلمين رجال ونساء وصبيان.

وفي رمضان قوي أمر العيَّارين وكثرت العملات والنَّهْب ببغداد، وانتشرت الفِتْنة.

قال ابن الجَوْزي: وفي ليلة الإثنين ثالث ذي القعدة انقضَّ كوكبٌ أضاء كضوء القمر ليلة التمام، ومضى الضّياء وبقي جُرْمه يتموَّج نحو ذراعين في ذراع برأي العين وتشقق بعد ساعة

(5)

.

(1)

الإمتاع والمؤانسة (1/ 36) الفهرست (186) تاريخ بغداد (11/ 179 - 180) سير أعلام النبلاء (16/ 549 - 551) العبر (3/ 50 - 51) ميزان الاعتدال (3/ 319) لسان الميزان (4/ 402) شذرات الذهب (3/ 137 - 138).

(2)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (335 هـ).

(3)

في الكامل لابن الأثير (9/ 169): قومت بمئتي ألف دينار.

(4)

في (ب): وفي ربيع الأول أو الآخر.

(5)

المنتظم (7/ 219).

ص: 362

وفي هذا الشهر قدم الحُجَّاج من خراسان إلى بغداد ليسيروا إلى الحج، فبلغهم عيث الأعراب [في الأرض]

(1)

بالفساد، وأنه لا قاهر

(2)

لهم ولا ناظر ينظر في أمورهم، فرجعوا إلى بلادهم، ولم يحجَّ من بلاد المشرق أحدٌ في هذه السنة.

وفي يوم عرفة ولد لبهاء الدولة ابنان توأمان، فمات أحدهما بعد سمبع سنين، وبقي الآخر حتى قام بالأمر من بعد أبيه، ولقب شرف الدولة.

وحجَّ المصريون أيضًا في هذه السنة بالناس.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

ابن جنّي

(3)

: أبو الفتح، عثمان بن جنِّي المَوْصلي، النَّحوي اللُّغوي، صاحب التصانيف الفائقة المتداولة في النحو واللغة، وكان أبوه جني عبدًا روميًا مملوكًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزْدي المَوْصلي، ومن شعره في ذلك قوله:

فإنْ أُصْبِحْ بلا نَسَبِ

فَعِلْمي في الوَرَى نسبي

على أنِّي أؤول إلى

قُرُومٍ سادةٍ نُجُبِ

قياصِرَةٍ إذا نطقُوا

أرمَّ الدَّهْر في الخُطَبِ

(4)

أولاكَ دعا النبيُّ لهم

كفى شَرَفًا دعاءُ نبي

وقد أقام ببغداد، ودرَّس بها العلم إلى أن توفي ليلة الجمعة لليلتين خلتا من صفر منها.

قال القاضي ابن خلِّكان: ويقال إنه كان أعور، وله في ذلك:

صدودُكَ عنِّي ولا ذَنْبَ لي

يَدُلُّ على نيَّةٍ فاسِدَه

فقد -وحياتِك- ممَّا بكيتُ

خشيتُ على عينيَ الواحدَة

ولولا مخافةُ أن لا أراك

لما كان في تَرْكها فائِدَة

ويقال: إن هذه الأبيات لغيره.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ط): ولا ناصر.

(3)

يتيمة الدهر (1/ 108) الفهرست (95) تاريخ بغداد (11/ 311 - 312) دمية القصر (3/ 1481 - 1485) نزهة الألباء (332 - 334) المنتظم (7/ 220 - 221) معجم الأدباء (12/ 81 - 115) إنباه الرواة (2/ 335 - 340) اللباب (1/ 299) وفيات الأعيان (3/ 246 - 248) سير أعلام النبلاء (17/ 17 - 19) مرآة الجنان (2/ 445) النجوم الزاهرة (4/ 205) بغية الوعاة (2/ 132) شذرات الذهب (3/ 140 - 141).

(4)

يعني سكت، وفي تاريخ بغداد ووفيات الأعيان: ذو الخطب.

ص: 363

وله في مملوك حسن [الصورة] أعور:

له عينٌ أصابت كلَّ عينٍ

وأخرى قد أصابَتْها العيونُ

(1)

أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجُرْجاني

(2)

: القاضي بالرَّي.

الشاعر الماهر

(3)

. سمع الحديث، وترقّى في العلوم حتى أقرَّ له الناس بالتفرد فيها، وله أشعار حِسان، من ذلك قوله:

يقولونَ لي فيكَ انقباضٌ وإنَّما

رَأَوْا رَجُلًا عن مَوْقِف الذُّلِّ أحْجَما

أرى النَّاسَ من داناهُمُ هانَ عندهمْ

ومنْ أكرمتهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكرما

ولم أقض حَقَّ العِلْم إن كانَ كلَّما

بدا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لي سُلَّما

إذا قيلَ هذا مَنهلٌ قُلتُ قد أرى

ولكنَّ نَفْسَ الحُرِّ تحتملُ الظَّما

ولم أبتذلْ في خِدْمةِ العِلْمِ مُهْجتي

لأَخْدُمَ من لاقيتُ لكنْ لأخْدَما

أأشقى به غَرْسًا وأجنيهِ ذلَّةَ

إذًا فابتياع

(4)

الجَهْلِ قد كانَ أحْزما

ولو أنَّ أهْلَ العِلْمِ صانوهُ صانَهُمْ

ولو عَظَّموهُ في النُّفوس لعَظَّما

ولكن أذلُّوه فهان ودَنَّسوا

مُحيَّاه بالأطماعِ حتى تَجَهَّما

ومن مستجاد شعره أيضًا قوله:

ما تَطَعَّمْتُ لذَّةَ العَيْشِ حتى

صِرْتُ للبيتِ والكتاب جليسا

ليس شيء عندي ألذُّ

(5)

من العِلْـ

ــم فما أبتغي سواهُ أنيسا

إنما الذلُّ في مخالطة الناسِ

فدَعْهُمْ وعِشْ عَزيزًا رئيسا

ومن شعره أيضًا رحمه الله:

إذا شِئْتَ أن تستقرضَ المالَ مُنْفقًا

على شَهَواتِ النَّفسِ في زَمنِ العُسْرِ

فَسَلْ نَفْسَكَ الإِقراض من كيس صَبْرها

عليك وإنظارًا إلى زمنِ اليُسْرِ

(1)

انظر وفيات الأعيان (3/ 246 - 247).

(2)

يتيمة الدهر (4/ 3 - 26) تاريخ جرجان (277) المنتظم (7/ 221 - 222) معجم الأدباء (14/ 14) وفيات الأعيان (3/ 278 - 281) سير أعلام النبلاء (17/ 19 - 21) مرآة الجنان (2/ 386) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 459) طبقات الإسنوي (1/ 348 - 351) النجوم الزاهرة (4/ 205) شذرات الذهب (3/ 56 - 57).

(3)

هو صاحب كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه" وهو مشهور متداول.

(4)

في بعض المصادر: فاتباع.

(5)

في المنتظم ومعجم الأدباء ووفيات الأعيان: ليس شيء أعزُّ عندي.

ص: 364

فإنْ فَعَلَت كنتَ الغنيَّ وإنْ أبَتْ

فكلُّ مَنوعٍ بعدَها واسعُ العُذْرِ

[كانت وفاته رحمه الله بالرَّي في هذه السنة، وحمل تابوته إلى جُرْجان، فدفن هناك]

(1)

.

‌ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وثلاثمئة

وفيها كانت وفاة الطائع للَّه على ما سنذكره.

وفيها منع عميد الجيوش الشيعة من النوح على الحسين في يوم عاشوراء، ومنع جهلة السُّنَّة بباب البصرة وباب الشعير من النِّياحة على مصعب بن الزُّبَير بعد ذلك بثمانية أيام، فامتنع الفريقان، [وللَّه الحمد والمنَّة]

(2)

.

وفي أواخر المحرَّم خلع بهاء الدولة وزيره أبا غالب محمد بن خلف عن الوزارة، وصادره بمئة ألف دينار قاسانية

(3)

.

وفي أوائل صفر غَلَتِ الأسعار ببغداد جدًا، وعدمت الحنطة حتى أبيع الكُرُّ منها بمئة وعشرين دينارًا.

وفيها برز عميد الجيوش إلى سُورا

(4)

، واستدعى سند الدولة

(5)

أبا الحسين علي بن مَزْيَد، وقرر عليه في كل سنة أربعين ألف دينار، فالتزم بذلك وقرَّره على بلاده.

وفيها هرب أبو العبَّاس الضَّبِّي وزير مجد الدولة بن فخر الدولة من الري إلى بدر بن حسنويه، فأكرمه، وولي بعد ذلك وزارة مجد الدولة أبو علي الخطير.

وفيها استناب الحاكم العُبيدي على دمشق وجيوش الشام أبا محمد الأسود، ثم بلغه أنه عزَّر رجلًا مغربيًا على حبه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وطاف به في البلد، فخاف من معرَّة ذلك، فبعث [إليه]

(6)

فعزله عن دمشق مكرًا وخديعة.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط)، وأرخ الحاكم وفاته فيما نقل عنه ابن خلكان في وفياته (3/ 281) في سنة (366 هـ) بنيسابور، وقال: ونَقْلُ الحاكم أثبت وأصح.

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

في (ب): السَّامانية، ولعلها أشبه.

(4)

في (ط): سر من رأى، وهو تحريف، وسورا: موضع بالعراق قريب من الحلة المزيدية، انظر معجم البلدان (3/ 278).

(5)

في (ح) و (ب) و (ط): سيد الدولة، وهو تصحيف، والمثبت من المنتظم (7/ 223) وسترد الإشارة إلى وفاته في حوادث سنة (408 هـ) من هذا الكتاب، وانظر وفيات الأعيان (2/ 491).

(6)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 365

وانقطع الحجُّ في هذه السنة من العراق بسبب الأعراب.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن أحمد بن محمد: أبو إسحاق، الطَّبري الفقيه، المالكي، مقدَّم المعدلين ببغداد، وشيخ القراءات، وسمع الكثير من الحديث، وخرَّج له الدَّارَقُطْني خمسمئة جُزْء حديث، وكان كريمًا مفضلًا على أهل العلم. رحمه اللَّه تعالى.

الطَّائع له عبد الكريم بن المطيع

(1)

: تقدم كيف خلعه

(2)

بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة، وأنه أُودع في غرفة بدار الخلافة، وأُجري عليه أرزاق كثيرة، وألطاف غزيرة إلى أن توفي ليلة عيد الفطر من هذه السنة عن ست وسبعين سنة، وقد باشر الخلافة سبع عشرة سنة وستة أشهر وخمسة أيام، وصلَّى عليه القادر باللَّه، فكبَّر عليه خمسًا، وشهد جنازَتَه الأكابر والأعيان، ودفن بالرُّصافة.

محمد بن عبد الرحمن بن العبَّاس بن زكريا

(3)

: أبو طاهر المُخَلِّص، شيخ كبير كثير الرِّواية، سمع البغوي وابن صاعد وخلقًا، وعنه البَرْقاني والأزْهري والخلال والتَّنوخي، وكان ثِقَةً من الصَّالحين. توفي في رمضان من هذه السنة عن ثمانٍ وثمانين سنة، رحمه الله.

محمد بن عبد اللَّه

(4)

: أبو الحسن السَّلامي، الشَّاعر المجيد، له شِعْر مشهور، ومدائح في عضد الدولة [وغيره]

(5)

.

ميمونة بنت ساقولة الواعظة: التي هي للقرآن حافظة، ذَكَرَتْ يومًا في وعظها أنَّ ثوبها الذي عليها -وأشارت إليه- له في صحبتها تلبسه منذ سبع وأربعين سنة وما تغيَّر، وأنه كان من غزل أمها. ثم قالت: والثوب إذا لم يعص اللَّه فيه لا يتخرَّق سريعًا.

وقال ابنها عبد الصمد: كان في دارنا حائط يريد أن ينقضَّ، فقلت لها: ألا نَدعُو البَنَّاء ليصلح هذا الجدار؟ فأخذَتْ رقعةً فكتبت فيها شيئًا، ثم أمرتني أن أضعَها في موضعٍ من الجدار، فوَضعْتُها، فمكث كذلك عشرين سنة، فلما توفيت أردتُ أن أستعلم ما كتبت في الرقعة، فحين أخذتها من الجدار سقَطَ،

(1)

تاريخ بغداد (11/ 79) المنتظم (7/ 66 - 68، 224) النبراس (124 - 127) سير أعلام النبلاء (15/ 118 - 127) العبر (3/ 55 - 56) نكت الهميان (196 - 197) تاريخ الخلفاء (405 - 411) شذرات الذهب (3/ 143).

(2)

انظر حوادث سنة (381 هـ).

(3)

تاريخ بغداد (2/ 322 - 323) المنتظم (7/ 225) اللباب (181/ 3) سير أعلام النبلاء (16/ 478 - 480) العبر (3/ 56) النجوم الزاهرة (4/ 208) شذرات الذهب (3/ 144).

(4)

في تاريخ بغداد (2/ 335): عبيد اللَّه.

(5)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط)، وانظر منتخبات من شعره في يتيمة الدهر (2/ 364 - 398). وقد مرت بعض أبياته في عضد الدولة ص 193 - 194.

ص: 366

وإذا في الرقعة {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} [فاطر: 41] بسم اللَّه ممسك السماوات والأرض أمسكه.

‌ثم دخلت سنة أربع وتسعين وثلاثمئة

وفيها ولَّى بهاء الدولة الشَّريف أبا أحمد الحسين بن أحمد بن موسى الموسوي، قضاء القُضاة والحج والمظالم، ونقابة الطالبيين، ولقب بالطاهر الأوحد، ذي المناقب، وكان التقليد له بشيراز

(1)

، فلما وصل الكتاب إلى بغداد لم يأذن له الخليفة القادر باللَّه في قضاء القضاة، فتوقف حاله بسبب ذلك.

وفيها ملك أبو العباس بن واصل بلاد البطيحة، وأخرج منها مهذب الدولة، فقصده زعيم الجيوش ليأخذها منه، فهزمه ابن واصل، ونهب أمواله وحواصله، فكان في جملة ما أصاب في خيمةِ الخزانة ثلاثون ألف دينار، وخمسون ألف درهم.

وفيها خرج الركب العراقي [إلى الحجاز]

(2)

في جَحْفلٍ كبير وتجمُّل كثير، فاعترضهم الأصيفر أمير الأعراب، لينهبهم، فبعثوا إليه بشابين قارئين مجيدين كانا معهم، يقال لهما أبو الحسين الرَّفَّاء، وأبو عبد اللَّه بن الدَّحاجي، وكانا من أحسن الناس قراءةً، ليكلماه في شيء يأخذه من الحجيج، ويطلق سراحهم ليدركوا الحج، فلما جلسا بين يديه قرأ عليه جميعًا عَشْرًا بأصواتٍ هائلة [مطربة](2) مطبوعة، فأدهشه ذلك وأعجبه جدًا، فقال لهما: كيف عيشكما ببغداد؟ فقالا: بخيرٍ لا يزال النَّاس يكرموننا، ويبعثون إلينا الذهب والدراهم والتُّحف. فقال: هل أطلق لكما أحدٌ منهم ألف

(3)

ألف دينار في يوم [واحد]

(4)

؟ فقالا: لا، ولا ألف دينار في يومٍ واحد. قال: فإني أطلق لكما ألف ألف دينار [في هذه اللحظة، أطلق لكما الحجيج كله، ولولاكما لما قنعت منهم بألف ألف دينار](4) فأطلق بسببهما الحجيج، فلم يعرض لأحدٍ منهم، وذهب النَّاس وهم سالمون شاكرون لذينك الرجلين المقرئين.

ولما وقف النَّاس بعرفات فرأ هذان الرجلان بأصوات عظيمة على جبل الرحمة، فضجَّ النَّاس [بالبكاء](4) من سائر الركوب لقراءتهما، وقالوا لأهل العراق: ما كان ينبغي لكم أن تخرجوا بهذين الرجلين في سفرة واحدة، لاحتمال أن يصابا جميعًا، بل كان ينبغي أن تخرجوا بأحدهما، فإن أصيب سَلِمَ الآخر.

(1)

في (ط): بسيراج، وهو تصحيف.

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

في (ح): مئة ألف ألف دينار، والمثبت من (ب) و (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

ص: 367

وكانت الحجة والخطبة في هذه السنة أيضًا للمصريين كما هي لهم من سنين متقدِّمة.

وقد كان أمير العراقيين عزم على العود سريعًا إلى بغداد على طريقهم التي جاؤوا منها، وأن لا يسيروا إلى المدينة النبوية خوفًا من الأعراب، وكثرة الخفارات، فشقَّ ذلك على النَّاس، فوقف هذان القارئان عدى جادة الطَريق التي منها يعدل إلى المدينة النبوية، وقرأا {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} [التوبة: 120] الآيات - فضَجَّ النَّاس بالبكاء وأمالت النوقُ أعناقها نحوهما، فمال الناسُ [بأجمعهم]

(1)

والأمير ميلةً واحدة إلى المدينة النبوية، فزاروا، وعادوا سألمين إلى بلادهم، [وللَّه الحمد والمِنَّة]

(2)

.

ولما رجع هذان القارئان رتبهما وليُّ الأمر مع أبي بكر بن البهلول -وكان مقرئًا مجيدًا أيضًا- ليصلُّوا بالناس صلاة التراويح في رمضان، فكثُرَ الجمع وراءهم لِحُسْن تلاوتهم، [وكانوا يطيلون الصَّلاة جدًا، ويتناوبون في الإمامة، يقرؤون في كلِّ ركعة بقدر ثلاثين آية، والنَّاس لا ينصرفون من التراويح إِلَّا في الثلث الأول من الليل، أو قريب النصف منه]

(3)

. وقد قرأ ابن البهلول يومًا في جامع المنصور قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16]. فنهض إليه رجلٌ صوفي وهو يتمايل فقال: كيف قلت؟ فأعاد الآية، فقال الصُّوفي: بلى واللَّه، وسقط مَيْتًا، [رحمه الله]

(4)

.

قال ابن الجوزي: وكذلك وقع لأبي الحسين بن الخَشَّاب شيخ ابن الرَّفَّاء، وكان تلميذًا لأبي بكر بن الأدمي المتقدِّم ذكره

(5)

، وكان جيد القراءة، حسنَ الصَّوتِ أيضًا، قرأ ابنُ الخَشَّاب هذا في جامع الرُّصافة في الإحياء هذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] فتواجد رجلٌ صوفي وقال: بلى، قد آن. وجلس فبكى بكاء طويلًا، ثم سكت سكتةً، فحرَّكوه، فإذا هو مَيْتٌ، رحمه اللَّه تعالى

(6)

.

‌وممن توفي فيها:

الحسن بن محمد بن إسماعيل: أبو علي الإسكافي، ويلقب بالموفَّق، وكان مقدَّمًا عند بهاء

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

انظر وفيات سنة (348 هـ).

(6)

انظر المنتظم (7/ 228).

ص: 368

الدولة، فولَّاه بغداد، فأخذ أموالًا كثيرة من اليهود، ثم هرب إلى البطيحة، فأقام بها سنتين، ثم قدم بغداد، فولَّاه بهاء الدولة الوِزارة، وكان شهمًا منصورًا في الحروب، ثم عاقبه بعد ذلك، وقتله في هذه السنة، عن تسعٍ وأربعين سنة.

‌ثم دخلت سنة خمس وتسعين وثلاثمئة

فيها عاد مهذب الدولة إلى البطيحة ولم يمانعه ابن واصل، وتقرَّر عليه في كل سنةٍ لبهاء الدولة خمسين ألف دينار.

وفيها كان غلاء وفناء عظيم ببلاد إفريقية، بحيث تعطلت المخابز والحمامات، وذهب خَلْق كثير من الفناء، وهلك آخرون من شِدَّة الغلاء، فلله الأمر من قَبْلُ ومن بَعْدُ، [وهو المسؤول المأمول أن يحسن العاقبة]

(1)

.

وفيها أصاب الحجيج في الطَّريق عَطَشٌ شديد بحيث هلك كثير منهم.

وكانت الخطبة للمصريين كما تقدَّم.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

محمد بن أحمد بن محمد بن موسى بن جعفر

(2)

: أبو نصر البُخاري، المعروف بالمَلاحِمي، أحد الحُفَّاظ.

قدم بغداد، وحدَّث بها عن محمود بن إسحاق عن البخاري، وروى عن الهيثم بن كُليب وغيره، وحدَّث عنه الدَّارَقُطْني، وكان من أعيان أصحاب الحديث، كانت وفاته ببخارى في شعبان من هذه السنة، وقد جاوز الثَّمانين.

محمد بن أبي إسماعيل

(3)

علي بن الحسين بن الحسن بن القاسم: أبو الحسن العَلَوي، ولد بهَمذان ونشأ ببغداد، وكتب الحديث عن جعفر الخُلْدي وغيره، وسمع بنيسابور من الأصمِّ وغيره، ودرس فقه الشَّافعي على [أبي]

(4)

علي بن أبي هريرة، ثم دخل الشَّام فصحب الصُّوفية حتى صار من ساداتهم وكبارهم، وحجَّ مرات على الوحدة، وكانت وفاته في محرم هذه السنة

(5)

.

(1)

ما بين حاصرتين من (ب).

(2)

المنتظم (7/ 230) اللباب (3/ 277) سير أعلام النبلاء (17/ 86 - 87) العبر (3/ 59) شذرات الذهب (3/ 145).

(3)

تاريخ بغداد (3/ 90 - 91) المنتظم (7/ 230) اللباب (3/ 368).

(4)

ما بين حاصرتين من المنتظم (7/ 230) وقد سلفت ترجمة أبي علي بن أبي هريرة في وفيات سنة (375 هـ).

(5)

ذكر الخطيب تاريخين لوفاته غير هذا التاريخ، سنة (393 هـ) وسنة (394 هـ)، انظر تاريخ بغداد (3/ 91).

ص: 369

ابن فارس

(1)

أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب: اللُّغوي، الرَّازي، صاحب "المجمل" في اللُّغة، وكان مقيمًا بهمَذَان، وله رسائل حسان، أخذ عنه البديع صاحب المقامات. ومن رائق شِعْره قوله:

مَرَّت بنا هَيْفَاءُ مَجْدُولةٌ

تُرْكيَّةٌ تُنْمى لِتُرْكيِّ

ترنو بطَرْفٍ فاترٍ فاتنٍ

أضْعَفَ من حُجَّةِ نَحْوِيِّ

ومن شعره أيضًا رحمه اللَّه تعالى:

إذا كُنْتَ في حاجةٍ مُرْسلًا

وأنتَ بها كَلِفٌ مُغْرمُ

فأرْسِلْ حكيمًا ولا توصِه

وذاكَ الحكيمُ هو الدِّرْهَمُ

قال ابنُ خَلِّكان: توفي سنة تسعين وثلاثمئة، وقيل سنة خمس وتسعين

(2)

. والأول أشهر

(3)

.

‌ثم دخلت سنة ست وتسعين وثلاثمئة

قال ابن الجوزي: في ليلة الجمعة مستهل شعبان طلع نَجْمٌ يشبه الزهْرة في كبره وضوئه عن يَسْرة القِبْلة يتموَّج، وله شعاع على الأرض كشعاع القمر، وثبت إلى النصف من ذي القَعْدة، ثم غاب.

وفيها ولي أبو محمد بن الأكفاني

(4)

قضاء جميع بغداد.

وفيها جلس القادر للأمير قِرْواش بن أبي حسَّان، وأفرده

(5)

في إمارة الكوفة

(6)

، ولقبه معتمد الدولة.

وفيها قُلِّد الشَّريف الرضي نقابة الطالبيين ببغداد، ولقب بالرضى ذي الحسبين

(7)

، ولُقِّب أخوه المرتضى ذا المجدين.

(1)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (390 هـ).

(2)

قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء (4/ 80) بعد أن نقل ما ذكره ابن الجوزي من أن وفاته سنة (369 هـ) وما ذكره الحميدي من أنه توفي في حدود سنة (360 هـ): وكل منهما لا اعتبار به، لأني وجدت خط كفه على كتاب "الفصيح" تصنيفه، وقد كتبه في سنة (391 هـ)، ثم ذكر (4/ 93) من أن وفاته سنة (395 هـ)، ونقل الذهبي في تاريخ الإسلام (8/ 747) عن سعد بن علي الزنجاني أنه توفي في صفر سنة (395 هـ)، قال: وكذا أرَّخه عبد الرحمن بن منده وغيره. وقال السيوطي في بغية الوعاة (1/ 153): وهو أصح ما قيل في وفاته.

(3)

انظر وفيات الأعيان (1/ 119) وقد تصحف فيه إلى خمس وسبعين.

(4)

سترد ترجمته في وفيات سنة (405 هـ) من هذا الكتاب.

(5)

في (ط): وأقره، وهو تحريف.

(6)

انظر المنتظم (7/ 230).

(7)

في (ط): الحسنين، وهو تصحيف.

ص: 370

وفيها غزا يمين الدولة محمود بن سُبُكْتكين بلاد الهند، فافتتح مدنًا كبارًا، وأخذ أموالًا جزيلة، وأسر بعض ملوكهم وهو ملك كراشي حين هرب منه لما افتتحها، وكسر أصنامها، فألبسه منطقةً وشدَّها على وسطه بعد تَمَنُّعٍ شديد، وقطع خِنْصره ثم أطلقه إهانةً له، وإظهارًا لعظمة الإسلام وأهله

(1)

.

وفيها كانت الخطبة بالحرمين للحاكم العبيدي، وتجدَّد في حال الخطبة أنه إذا ذكر الخطيبُ الحاكمَ يقوم الناس كلُّهم [إجلالًا له](2)، وكذلك [فعلوا]

(2)

بديار مصر مع زيادة السُّجود [له](2)، فكانوا يسجدون عند ذكره؛ منْ هو في الصَّلاة ومن هو في الأسواق يسجدون لسجودهم، لعنهم اللَّه.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو سَعْد [الإسماعيلي]

(3)

: إسماعيل بن أحمد بن

(4)

، إبراهيم بن إسماعيل، الجُرْجاني، المعروف بالإسماعيلي.

ورد بغداد والدَّارَقُطْني حيٌّ، فحدَّث عن أبيه أبي بكر الإسماعيلي

(5)

والأصَمّ وابن عدي، وحدَّث عنه الخلال والتنوخي؛ وكان ثِقَةً فاضلًا فقيهًا، على مذهب الشَّافعي، عارفًا بالعربية، سخيًا جوادًا على أهل العِلْم، وله ورع ورياسة إلى اليوم في بلده في أولاده.

قال الخطيب البغدادي: سمعت الشيخ أبا الطيب الطبري يقول: ورد أبو سعد الإسماعيلي بغداد، فعقد له الفقهاء مجلسين تولى أحدهما الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وتولى الثاني أبو محمد البافي، فبعث البافي إلى القاضي المعافى بن زكريا الجَريري يستدعيه إلى حضور المجلس ليتجمَّل بحضوره، وكانت الرِّسالة مع ولده أبي الفضل، وكتب فيها هذين البيتين:

إذا أكرمَ القاضي الجليلُ وَليَّهُ

وصاحبَهُ ألفاهُ للشُّكْرِ مَوْضِعا

ولي حاجةٌ يأتي بُنَيِّي بِذِكْرِها

ويسألُه فيها التَّطُولَ أجْمعا

فأجابه الجَرِيْري مع ولد الشيخ:

(1)

انظر الكامل لابن الأثير (9/ 186 - 187) على خلافٍ في سياق الخبر.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط)، وفي (ط) أبو سعيد، وهو تصحيف. ومظان ترجمة أبي سعد في تاريخ جرجان (106 - 109) تاريخ بغداد (6/ 309 - 310) طبقات الفقهاء للشيرازي (100) المنتظم (7/ 231) تبيين كذب المفتري (207 - 211) سير أعلام النبلاء (17 - 87 - 88) العبر (3/ 60) مرآة الجنان (2/ 448) طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 51 - 52) شذرات الذهب (3/ 147).

(4)

اسمه واسم أبيه ساقط من (ط).

(5)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (371 هـ).

ص: 371

دعا الشَّيْخُ مُطْواعًا سميعًا لأمرِه

يواتيهِ باعًا حيثُ يَرْسُمُ إصبعا

وها أنا غادٍ في غدٍ نحوَ دارهِ

أبادرُ ما قد حدَّهُ ليَ مُسْرِعا

وكانت وفاة أبي سعيد الإسماعيلي فجأة بجُرْجان فيِ ربيع الآخر وهو قائم يصلي في المحراب، في صلاة المغرب، فلما قرأ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فاضت نفسه، فمات رحمه اللَّه تعالى

(1)

.

محمد بن أحمد

(2)

بن محمد بن جعفر بن محمد بن بَحِير

(3)

: أبو عمرو المُزَكِّي، الحافظ النَّيْسابوري، ويعرف بالبحيري

(4)

، رحل إلى الآفاق في طلب العلم، وكان حافظًا جيد المذاكرة، ثِقَةً ثبتًا، حدَّث ببغداد وغيرها من البلاد، وتوفي في شعبان هذه السنة عن ثلاث وستين

(5)

سنة.

أبو عبد اللَّه بن مَنْدَه

(6)

: الحافظ محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْده، أبو عبد اللَّه الأصْفَهاني الحافظ، من بيت الحديث والحِفْظ، رحل إلى البلاد الشاسعة، وسَمعَ الكثير وصنَّف التاريخ والشيوخ.

قال أبو العباس جعفر بن محمد الحافظ: ما رأيت أحفظ من أبي عبد اللَّه بن منده، توفي بأصفهان في صفر من هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى وإيانا برحمته.

‌ثم دخلت سنة سبع وتسعين وثلاثمئة

فيها كان خروج أبي ركوة على الحاكم العُبيدي صاحب مصر.

وملخَّص أمر هذا الرجل أنه كان من سلالة هشام بن عبد الملك بن مروان الأُموي، واسمه الوليد، وإنما لقب بأبي ركوة لركوةٍ كان يستصحبها في أسفاره على طريقة الصُّوفية، وقد كان سمع الحديث بالدِّيار المِصرية، ثم أقام بمكة ثم باليمن ثم دخل الشَّام، وهو في غضون هذا كله يبايع من انقاد له، ممن

(1)

انظر تاريخ بغداد (6/ 310).

(2)

تاريخ جرجان (502) الأنساب (2/ 98) المنتظم (7/ 232) اللباب (1/ 124) سير أعلام النبلاء (17/ 90) تذكرة الحفاظ (3/ 1082) طبقات الحفاظ (420).

(3)

في (ح) و (ط): بن محمد بن محمد بن بحير، والمثبت من (ب)، وهو يوافق ما في بقية المصادر.

(4)

في (ح) و (ب) و (ط) الحيري، وهو تصحيف.

(5)

في (ط): وسبعين، وهو تحريف.

(6)

أخبار أصبهان (2/ 306) طبقات الحنابلة (2/ 167) المنتظم (7/ 232) سير أعلام النبلاء (17/ 28 - 43) العبر (3/ 59) تذكرة الحفاظ (3/ 1031) ميزان الاعتدال (3/ 479) الوافي بالوفيات (2/ 190) غاية النهاية (2/ 98) لسان الميزان (5/ 70) النجوم الزاهرة (4/ 213) طبقات الحفاظ (408) شذرات الذهب (3/ 146).

ص: 372

يرى عنده همة ونهضة للقائم من ولد هشام بن عبد الملك الأموي، ثم إنه أقام ببعض بلاد مِصر في حِلَّة من حِلال العرب، يعلِّم الصبيان ويظهر النُّسك والتقشُّفَ والعبادة والورع، ويخبر بشيء من المغيباث، حتى خضعوا له وعظَّموه جدًا، ثم دعا إلى نفسه، وذكر لهم أنه الذي يدعو إليه من الأمويين، فاستجابوا له وخضعوا وخاطبوه بأمير المؤمنين، ولقب نفسه بالثائر بأمر اللَّه المنتصر من أعداء اللَّه، ودخل بَرْقة في جَحْفلٍ [عظيم]

(1)

، فجمعَ له أهلها نحوًا من مئتي ألف دينار، وأخذ رجلًا من اليهود اتهم بشيء من الودائع، فأخذ منه مئتي ألف دينار أيضًا، ونقش الدَّراهم والدَّنانير بألقابه، وخطب بالناس يوم الجمعة، ولعن الحاكم في الخطبة -ونعما فعل- فالتفَّ على أبي ركوة من الجنود نحو من ستة عشر ألفًا، فلما بلغ الحاكم أمره وما آل إليه حاله بعث بخمسمئة ألف دينار وخمسة آلاف ثَوْبٍ من الحرير إلى مقدَّم جيوش أبي ركوة وهو الفَضْل بن عبد اللَّه

(2)

يستميله إليه ويثنيه عن أبي ركوة، فحين وصلته الأموال من الحاكم رجع عن أبي ركوة وقال له: إنا لا طاقة لنا بالحاكم، وما دمت بين أظهرنا فنحن مطلوبون بسببك، فاختر لنفسك بلدًا تكون فيها. قال: أسأل أن تبعثوا معي فارسين يوصِّلاني إلى النوبة، فإن بيني وبين ملكهما مودة وصحبة، فأرسله، ثم بعث وراءه منْ ردَّه إلى الحاكم بمصر، فلما وصل إليه أركبه جملًا وشَهَّره، ثم قتله في اليوم الثاني، وأكرم الحاكمُ الفَضْلَ، وأقطعه إقطاعات كثيرة، واتفق مرض الفضل، فعاده الحاكم مرتين، فلما عوفي قتله وألحقه بصاحبه أيضًا، وكافأه مكافأة التمساح.

وفي رمضان عُزل قِرْواش عما كان بيده، ووليه أبو الحسن علي بن مَزْيَد، ولقب سند الدَّوْلة. وفيها هَزَمَ يمينُ الدولة محمود بن سُبُكْتِكين اتلك خان ملك الترك عن بلاد خُرَاسان، وقَتَلَ من الأتراك خَلْقًا كثيرًا.

وفيها قتل أبو العباس بن واصل وحمل رأسه إلى بهاء الدولة، فطيف برأسه بخراسان وفارس.

وفيها ثارت بالحجيج وهم بالطَّريق ريحٌ سوداء مظلمة جدًا، واعترضهم ابن الجَرَّاح أمير الأعراب، فاعتاقهم عن الذهاب، ففاتهم الحج في هذا العام ورجعوا إلى بغداد، فدخلوها في يوم التَّرْوية.

وكانت الخطبة [بالحرمين]

(3)

للمصريين.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

عبد الصمد بن عمر بن محمد بن إسحاق: أبو القاسم الدِّينوري الواعظ الزَّاهد.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في المنتظم (7/ 233) والكامل (9/ 200) أن الفضل بن عبد اللَّه هو القائد الذي بعثه الحاكم لمقاتلة أبي ركوة.

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

ص: 373

قرأ القرآن، ودرس مذهب الشَّافعي على أبي سعيد الإصْطخري، وسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن سلمان النَّجَّاد، وروى عنه الأزجي والصَّيْمري، وكان ثِقَةً صالحًا يضرب به المثل في مجاهدة النَّفْس، والصِّدْق المحض

(1)

، والتعفُّف والتقشُّف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحُسْنِ وَعْظه ونفعه في القلوب.

جاءه يومًا رجل بمئة دينار فقال: أنا غنيٌّ عنها. قال: خُذْها، فَفَرِّقْها على أصحابك هؤلاء. فقال: ضَعْها على الأرض، [فوضعها]

(2)

، ثم قال للجماعة: ليأخذ كلُّ واحدٍ منكم حاجته [منها]

(3)

. فجبلوا يأخذون بقدر حاجتهم حتى أنفدوها، وجاءه ولده بعد ذلك فشكا [إليه]

(4)

حاجتهم فقال: اذهب إلى البَقَّال، فخذ عليَّ ربع رطل تمر.

ورآه رجلٌ وقد اشترى دجاجة وحلواء، فتعجَّب من ذلك فاتبعه، فانتهى إلى دارٍ فيه أيتام وأرامل فدفعها إليهم.

وقد كان يدقُّ السُّعد

(5)

للعطَّارين بالأُجرة، ويقتات منه، ولما حَضَرَتْهُ الوفاة جعل يقول:[سيدي]

(6)

لهذه السَّاعة خَبَّأْتك.

كانت وفاته يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجّة من هذه السنة، وصُلِّي عليه بجامع المنصور، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

أبو العَبَّاس بن واصل: صاحب سِيراف والبَصْرة وغيرهما من البلاد، كان أولًا يخدُم بالكَرْخ، وكان مَبْصُورًا

(7)

له أنه سيملك، فكان أصحابه يهزؤون به ويمجنون عليه، فيقول أحدهم: إذا ملكتَ فاستخدمني، ويقول الآخر: اخلع عليَّ، ويقول الآخر: عاقبني. فقدر له أنه تنقلت به الأحوال إلى أن ملك سيراف ثم البصرة، وأخذ بلاد البطيحة من مهذَّب الدولة، وأخرجه منها طريدًا، بحيث احتاج في بعض الطريق إلى أن ركب بقرةً. واستحوذ ابن واصل على ما هناك من الأموال والحواصل، وقصد الأهواز وهزم بهاء الدولة، ثم ظفر به بهاءُ الدولة، فقتله في شعبان من هذه السنة، وطيف برأسه في البلاد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

(1)

في المنتظم (7/ 235): واستعمال الجد المحض.

(2)

ما بين حاصرتين من (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

السُّعْد: طيب، وفيه منفعة عجيبة في القروح التي عَسُرَ اندمالها. القاموس (سعد).

(6)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(7)

في (ط): منصورًا. وهو تصحيف.

ص: 374

‌ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة

فيها غزا يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين بلادَ الهند، ففتح حصونًا كثيرة، وأخذ أموالًا جزيلة وجواهر نفيسة، فكان في جملة ما أخذ وهو أن وجد بيتًا طوله ثلاثون ذراعًا، وعرضه خمسة عشر ذراعًا مملوءًا فضَّة، ولما رجع إلى غَزْنة بسط هذه الحواصل كلها في صحن داره، وأذِنَ لرسل الملوك، فدخلوا عليه، فرأوا ما بهرهم وهالهم.

وفي يوم الأربعاء الحادي عشر

(1)

من ربيع الآخر وقع ببغداد ثَلْجٌ عظيم، بحيث بقي على وجه الأرض ذراعًا ونصفًا، ومكث أسبوعًا لم يَذُبْ، وبلغ سقوطه إلى تكريت والكوفة وعَبَّادان والنهروانات

(2)

.

وفي هذا الشهر كثرت العملات خفيه وجهرة، حتى من المساجد والمشاهد، ثم ظفر أصحاب الشرطة بكثيرٍ منهم، فقطعوا أيديهم وسمَّروهم

(3)

، فخمدت الفتنة، وللَّه الحمد والمنة

(4)

.

‌قصة مُصْحف عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه وتحريقه

عن فُتْيا الشَّيْخ أبي حامد الإسْفَراييني مما ذكره ابنُ الجَوْزي في المنتظم.

وفي عاشر رجب جَرَتْ فتنةٌ بين الرافضة والسنة، سببُها أنَّ بعض الهاشميين قصد أبا عبد اللَّه محمد بن النعمان المعروف بابن المعلِّم -وكان فقيه الشيعة- في مسجده بدرب رباح، فعرض له بالسَّبِّ، فثار أصحابه له، واستنفرِ أصحاب الكَرْخ، وصاروا إلى دار القاضي أبي محمد بن الأكفاني والشيخ أبي حامد الإسْفَراييني، فجَرت فتنةٌ عظيمة طويلة، وأحضرت الشيعة مُصْحفًا ذكروا أنه مصحف عبد اللَّه بن مسعود، وهو يخالف المصاحف كلها، فَجُمعَ الأشرافُ والقضاة والفقهاء في يوم جمعةٍ لليلة بقيت من رجب، وعُرِضَ المصحف عليهم، فأشار الشيخ أبو حامد الإسْفَراييني والفقهاء بتحريقه، ففعل ذلك بمحضرٍ منهم، فغضبت الشيعة من ذلك غضبًا شديدًا، وجعلوا يدعون ليلة النصف من شعبان على من فعل ذلك ويسبُّونه، وقصد جماعةٌ من أحداثهم دارَ الشيخ أبي حامد ليؤذوه، فانتقل منها إلى دار

(1)

في (ح) و (ب): الحادي والعشرين، والمثبت من (ط)، وهو يوافق ما في المنتظم لابن الجوزي (7/ 337).

(2)

في المنتظم (7/ 337): ومهرو بان. مكنا: وهي بلدة صغيرة تقع على ساحل البحر بين عبادان وسيراف. معجم البلدان (5/ 233) والنهروانات، ثلاثة: الأعلى والأوسط والأسفل، وهو كورة واصعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، وفيها عدة بلاد، انظر معجم البلدان (5/ 324) وما بعدها.

(3)

في (ب): وشهروهم، و في (ط): وكحلوهم.

(4)

انظر المنتظم (7/ 337 - 338).

ص: 375

القُطْن، وصاحوا: يا حاكم يا منصور، وبلغ ذلك الخليفة، فغضب، وبعث أعوان لنصرة أهل السُّنَّة، فحرقت دور كثيرة من دور الشيعة، وجَرَت خطوبٌ شديدة، وبعث عميد الجيوش إلى بغداد لينفي عنها ابنَ المعلم، فأخرج، ثم شفع فيه، ومنعت القُصَّاص من التعرُّض للفتن والسؤال باسم أحدٍ من الصحابة، وعاد الشيخ أبو حامد إلى داره على عادته

(1)

.

وفي شعبان زلزلت الدِّينور زلزالًا شديدًا، سقطت منها دور كثيرة وهلك تحت الهدم ستة عشر ألفًا غير من ساخت به الأرض، وهلك للنَّاس شيء كثيرٌ من الأثاث والأمتعة، وهَبَّتْ ريح سوداء شديدة بدقوقاء وتكريت وشيراز، فقلعت كثيرًا من المنازل والنخيل والزيتون، وقتلت خلقًا كثيرًا، وسقط بعض شيراز، ووقعت رجفة بشيراز غرق بسببها مراكب كثيرة في البحر. ووقع بواسط بَرَدٌ زِنةُ الواحدة مئة دِرْهم وستة دراهم.

ووقع ببغداد في رمضان -[وذلك]

(2)

في أيَّار- مَطَرٌ عظيم سألت منه المزاريب.

‌تخريب قمامة [في هذه السنة]

(3)

وفيها أمر الحاكم العُبيدي بتخريب قُمامة كنيسة البيت المقدَّس، وأباح للعامة ما كان فيها من الأموال والأمتعة وغير ذلك؛ وكان سبب ذلك ما أنهي من البهتان الذي يتعاطاه النَّصارى في يوم الفصح من النَّار التي يحتالون لها، بحيث يتوهم الأغمار من جهلتهم أنها نزلت من السماء، وإنما هي مصنوعة بدهن البلسان في خيوط رفاع مدهونة بالكبريت وغيره، بالصنعة اللطيفة التي تروج على الطَّغَام منهم والعوام، وهم إلى الآن يستعملونها في ذلك المكان بعينه. وكذلك أمر بهدم عِدَّة كنائس في هذه السنة ببلاد مصر، ونودي في النَّصارى [بمصر]

(4)

: من أحبَّ الدُّخول في دين الإسلام دخل

(5)

، ومن لا يدخل فليرجع

(1)

لما رأى عثمان رضي الله عنه حَرْقَ المصاحف ما عدا المصحف الذي بعث بنسخه إلى الآفاق، ووافقه على ذلك الصحابة امتنع ابن مسعود من تسليم مصحفه، وقال لأصحابه: غُلوا مصاحفكم. ثم قال على سبيل الإنكار: من هو الذي تأمرونني أن آخذ بقراءته وأترك مصحفي الذي أخذته من في رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ وكان هذا رأيًا منه انفرد به عن الصحابة، وخفي عليه الوجه الذي ظهر لهم من المصلحة التي هي أعظم ما حفظ اللَّه به القرآن الكريم من الاختلاف المخل به والتغيير بالزيادة والنقص.

ويبدو أن حادثة الحرق وقعت غير مرة، فقد ذكر القرطبي في المفهم (خ) 4/ 39/ 2) أن مصحف ابن مسعود وجد في خزائن بني عبيد بمصر عند انقراض دولتهم، فأمر صدر الدين قاضي الجماعة بإحراقه، وهذا يفسر تعدد النسخ التي أخفيت منه. وانظر شرح مسلم للنووي (5/ 325).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ب).

(5)

في (ح): ونادى أنه من أحب الدخول في بلاد الإسلام، فليدخل في دين الإسلام، والمثبت من (ب) و (ط).

ص: 376

إلى بلاد الرُّوم آمنا، ومن أقام منهم على دينه، فليلتزم بما شرط عليهم من الشُّروط التي زاد فيها على العُمَرية، من تعليق الصُّلْبان على صدورهم من خشب زِنة الصليب منهم أربعة أرطال، وعلى اليهود تعليق رأس العِجْل زنة ستة أرطال. وفي الحمام يكون في عنقه قرمية زنة خمسة أرطال، أجراس، وأن لا يركبوا خيلًا. ثم بعد هذا كلِّه أمر بإعادة بناء الكنائس التي هدمها، وأذن لمن أسلم منهم في الارتداد إلى دينه. وقال: ننزه مساجدَنا أن يدخلها من لا نيَّة له، [ولا يعرف باطنه]

(1)

، قبحه اللَّه.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

[أبو محمد البافي]

(2)

: [سبق ذكره

(3)

، اسمه]

(4)

عبد اللَّه بن محمد البافي البخاري الخوارزمي، أحد أئمة الشَّافعية في وقته، تفقه على أبي القاسم الدَّاركي ودرَّس مكانه، وله معرفة جيدة بالأدب والفصاحة والشِّعْر، جاء مرةً ليزور بعض أصحابه فلم يجده [في المنزل]

(5)

، فكتب:

قد حَضَرْنا وليسَ يُقْضى التلاقي

نسألُ اللَّهَ خيرَ هذا الفِرَاق

إن نَغِبْ لم تَغِبْ وإنْ لَمْ نَغِبْ غِبْـ

ــتَ كأنَّ افتراقَنا باتِّفاقِ

(6)

وقد كانت وفاته في محرَّم هذه السنة، وقد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشَّافعية".

عبد اللَّه بن أحمد بن علي بن الحسين: أبو القاسم المقرئ المعروف بالصَّيْدلاني، وهو آخر من حدَّث عن ابن صاعد من الثقات، وروى عنه الأزْهري، وكان ثِقَةً مأمونًا صالحًا.

توفي في رجب من هذه السنة وقد جاوز التسعين

(7)

، رحمه اللَّه تعالى.

البَبَّغاء [الشَّاعر]

(8)

عبد الواحد بن نصر بن محمد: أبو الفَرَج المخزومي، الشاعر، الملقب بالبَبَّغاء.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

في (ط) الباجي: أينما مَرَّ، وهو تصحيف، وما بين حاصرتين من (ب). وترجمته في يتيمة الدهر (3/ 122 - 123) تاريخ بغداد (10/ 139 - 140) طبقات الفقهاء للشيرازي (102) الأنساب (2/ 47) المنتظم (7/ 240) معجم البلدان (1/ 326) اللباب (1/ 112) سير أعلام النبلاء (17/ 68 - 69) العبر (3/ 68) طبقات الشافعية للسبكي (3/ 317) النجوم الزاهرة (4/ 219) شذرات الذهب (3/ 152).

(3)

انظر وفيات سنة (390 هـ).

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ب).

(6)

في (ب) و (ط):

إن تغب لم أغب وإن لم تغب غبـ

ــت كأنَّ افتراقنا باتفاقِ

(7)

في المنتظم (7/ 241) ولد سنة (309 هـ)، فيكون عمره يوم توفي تسعًا وثمانين سنة.

(8)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط)، وترجمة الببغاء في يتيمة الدهر (1/ 236 - 270) تاريخ بغداد (11/ 11) الأنساب (2/ 70) المنتظم (7/ 241) اللباب (1/ 117) وفيات الأعيان (3/ 199 - 202) سير أعلام النبلاء =

ص: 377

توفي في شعبان من هذه السنة، وكان أديبًا فاضلًا مترسلًا شاعرًا مجيدًا، فمن شعره قوله:

يا من تشابه منه الخَلْقُ والخُلُقُ

فما تسافرُ إِلَّا نحوهُ الحَدَقُ

توريد دمعيَ من خَدَّيك مُخْتَلسٌ

وسُقْمُ جسميَ من جَفْنيكَ مُسْترَقُ

لم يبقَ لي رَمَقٌ أشكو هواكَ بهِ

وإنَّما يَتَشكَّى منْ بهِ رَمَقُ

محمد بن يحيى: أبو عبد اللَّه الجُرْجاني، أحد العلماء الزُّهَّاد العُبَّاد، المناظرين لأبي بكر الرَّازي، وكان يدرِّس في قطيعة الربيع، وقد فُلِج في آخر عُمره، وحين مات دفن مع أبي حنيفة، رحمه اللَّه تعالى.

[بديع الزَّمان]

(1)

أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد: أبو الفَضْل، الهَمَذَاني، الحافظ المعروف ببديع الزمان، صاحب الرَّسائل الرائقة، والمقامات الفائقة، وعلى منواله نسج الحَريري، واقتفى أثره وشكر تقدُّمه، واعترف بفضله، وكان قد أخذ عن ابن فارس في اللغة ثم برز، وكان أحد الفصحاء الفضلاء، ويذكر أنه سُمَّ وأخذته سكتة، فدفن سريعًا، ثم عاش في قبره، وسُمعَ صراخه، فنبشوا عنه، فإذا هو قد مات وهو آخذٌ على لحيته من هَوْل القبر، وذلك يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى، وعفا عنه، وسامحه وإيانا بمنِّه.

‌ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلاثمئة

فيها قُتل أبو علي بن ثمال نائب الرحبة من جهة الحاكم العُبيدي، قتله عيسى بن خلاط العُقيلي، وملكها، فأخرجه منها عَبَّاس بن مِرْداس صاحب حلب وملكها.

وفيها صرف أبو عمر

(2)

بن عبد الواحد عن قضاء البصرة ووليه أبو الحسن بن أبي الشوارب، فذهب الناس يهنون هذا ويعزُّون هذا، فقال في ذلك العُصْفُري:

عِنْدي حَديثٌ ظَريفٌ

بمثْلِهِ يُتَغَنَّى

= (17/ 91) العبر (3/ 68 - 69) النجوم الزاهرة (4/ 219) شذرات الذهب (3/ 152 - 153) نزهة الجليس (2/ 319).

(1)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط). وترجمة الهمذاني في يتيمة الدهر (4/ 256 - 301) معجم الأدباء (2/ 161 - 202) اللباب (3/ 392) وفيات الأعيان (1/ 127 - 129) سير أعلام النبلاء (17/ 67 - 68) العبر (3/ 67) الوافي بالوفيات (6/ 355 - 358) النجوم الزاهرة (4/ 218 - 219) شذرات الذهب (3/ 150 - 151).

(2)

في (ح) و (ب) و (ط): عمرو بن عبد الواحد، وهو تحريف، وسيرد اسمه على المواب فى ترجمة وفيات سنة (414 هـ) من هذا الكتاب.

ص: 378

منْ قاضِيَيْنِ يُعَزَّى

هذا وهذا يُهنَّا

فذا يقولُ اكرهونا

وذا يقولُ اسْتَرَحْنا

ويكذبانِ جميعًا

(1)

ومن يُصَدِّقُ مِنَا

وفي شعبان من هذه السنة عصَفَتْ ريحٌ شديدة، فألقت رملًا أحمر في طرقات بغداد.

وفيها هَبَّتْ على الحُجَّاج ريحٌ سوداء مظلمة، واعترضهم الأعراب، فصدُّوهم عن السبيل، واعتاقوهم حتى فاتهم الحج في هذه السنة أيضًا، فرجعوا، وأخذت بنو هلال طائفةً من حجيج البَصْرة نحوًا من ستمئة، وأخذوا منهم نحوًا من ألف ألف دينار.

والخطبة بالحرمين للمِصْريين.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

عبد اللَّه بن بكر

(2)

بن محمد بن الحسين

(3)

: أبو أحمد الطَّبَراني.

سمع ببغداد ومكة وغيرهما من البلاد، وكان مكثرًا، سمع منه الدَّارَقُطني وعبد الغني بن سعيد، ثم أقام بالشَّام بالقرب من جبلٍ عند بانياس يعبد اللَّه تعالى هناك إلى أن مات في ربيع الأول من هذه السنة.

محمد بن [أحمد بن] علي بن الحسين

(4)

: أبو مسلم، كاتب الوزير ابن حِنْزَابة

(5)

.

روى عن البغوي، وابن صاعد، وابن دُريد، وابن أبي داود، وابن عَرَفة، وابن مجاهد، وغيرهم، وكان آخر من بقي من أصحاب البغوي، وكان من أهل العلم والحديث والمعرفة والفهم، وقد تكلَّم بعضهم في روايته عن البغوي؛ لأن أصوله كان غالبها مفسودًا. وذكر الصُّوري أنه خلَّط في آخر عمره.

أبو الحسن علي بن أبي سعيد

(6)

: عبد الرحمن

(7)

بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي

(1)

في المنتظم (7/ 244) والكامل (9/ 211): ونهذي.

(2)

في تاريخ بغداد (9/ 106) ومعجم البلدان (1/ 241): ابن أبي بكر. وما هنا موافق لما في تاريخ دمشق لابن عساكر (27/ 169) وخط الذهبي في تاريخ الإسلام (8/ 800) فالظاهر أن المؤلف نقله من تاريخ دمشق.

(3)

تاريخ بغداد (9/ 423 - 424) معجم البلدان (1/ 241) سير أعلام النبلاء (17/ 106 - 107).

(4)

تاريخ بغداد (1/ 323) والمنتظم (4/ 45) وما بين حاصرتين منهما.

(5)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (391 هـ).

(6)

تاريخ الحكماء (230 - 231) الأنساب (8/ 46) وفيات الأعيان (3/ 429 - 431) سير أعلام النبلاء (17/ 109 - 110) ميزان الاعتدال (3/ 132) الوافي بالوفيات (12/ 95) مرآة الجنان (2/ 451 - 452) لسان الميزان (4/ 232 - 233) حسن المحاضرة (1/ 539) شذرات الذهب (3/ 156 - 157).

(7)

في (ط): عبد الواحد، وهو تحريف.

ص: 379

المصْري، صاحب كتاب "الزِّيج الحاكمي" في أربع مجلَّدات، كان أبوه من كبار المحدِّثين الحُفَّاظ

(1)

، أرخ لمصر تاريخًا نافعًا يرجع إليه العلماء.

وأما هذا فإنه اشتغل بعلم النُّجوم، فنال [من شأوه]

(2)

منالًا جيدًا، وكان شديد الاعتناء بعلم الرصد، وكان مع هذا مغفلًا سيئ الحال، رَثَّ الثياب، طويلًا يتعمم على طرطور طويل، ويتطيلس فوقه، ويركب حمارًا، فمن رآه ضحك منه، وكان يدخل على الحاكم صاحب مصر فيكرمه، ويذكر من تغفله ما يدلُّ على عدم اعتنائه بأمر نفسه، وكان شاهدًا معدلًا، وله شعر جيد، فمنه قوله فيما ذكره ابن خَلِّكان في "الوفيات":

أُحمِّلُ نَشْرَ الرِّيح عند هبوبه

رسالة مشتاقٍ لوجه حبيبه

بنفسيَ من تحيا القلوبُ بقُرْبه

ومن طابت الدنيا به وبطيبه

وجدَّد وَجْدي طائفٌ منه في الكَرَى

سَرَى مَوْهنًا في خُفْيةٍ من رقيبهِ

لَعَمْري لقد عَطَّلْتُ كأسيَ بَعدَهُ

وغيَّبتُها عنِّي لطولِ مغيبهِ

(3)

تعني أم أمير المؤمنين القادر باللَّه: مولاة عبد الواحد بن المقتدر.

كانت من العابدات الصَّالحات، ومن أهل الفَضْل والدِّين، توفيت ليلة الخميس الثاني والعشرين من شعبان من هذه السنة، وصلَّى عليها ابنها القادر، وحُملت بعد العِشاء إلى الرُّصافة.

‌ثم دخلت سنة أربعمئة

من الهجرة النَّبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام

في ربيع الآخر [منها]

(4)

نقصت دِجْلة نقصًا كثيرًا، حتى ظهرت جزائر لم تكن تعرف، وامتنع سير السفن في أماكنها من أوَانا والرَّاشدية، فأمر بكري تلك الأماكن ولم تكر قبل ذلك.

وفيها كمل السُّور على المشهد بالحائر

(5)

، وكان الذي بناه أبو محمد بن الفضل بن سهلان عن نذر نذره

(6)

.

(1)

سلفت ترجمته في وفيات سنة (347 هـ).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب).

(3)

انظر وفيات الأعيان (3/ 430) مع اختلاف في ترتيب البيتين الأخيرين.

(4)

ما بين حاصرتين من (ط).

(5)

الحائر: اسم موضع قبر الحسين بن علي رضي الله عنه، معجم البلدان (2/ 208).

(6)

في (ط): وفيها كمل السور على مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي بناه أبو إسحاق الأرجاني، وذلك أن أبا محمد بن سهلان مرض، فنذر إن عوفي ليبنينَّه، فعوفي، والذي في (ح) و (ب) يوافق ما في المنتظم.

ص: 380

وفي رمضان أرجف النَّاس بالخليفة القادر باللَّه [بأنه مات]

(1)

، فجلس للنَّاس يوم جمعة بعد الصَّلاة، وعليه البُرْدَة وبيده القضيب، وجاء الشيخ أبو حامد الإسْفَرَاييني، فَقَبَّل الأرض بين يديه وقرأ {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60 - 61] فتباكى الناس ودعوا وانصرفوا [وهم فراحا]

(2)

.

وفي هذه السنة ورد الخبر بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر بن محمد الصَّادق بالمدينة، فأخذ منها مُصْحفًا وآلات كانت بها، وهذه الدار لم تفتح بعد موت صاحبها إلى هذه المدَّة، وكان مع المُصْحف قَعْبٌ خشب مطوَّق بحديد ودرفة خيزران وحربة وسرير، حمل ذلك كلَّه جماعةٌ من العلويين إلى الديار المصرية، فأطلق لهم [الحاكم]

(3)

أنعامًا كثيرة ونفقات زائدة، ورد السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به. فردوا وهم ذامُّون له [داعون عليه]

(4)

.

وبنى الحاكم في هذه السنة دارًا للعلم وأجلس فيها الفقهاء، ثم بعد ثلاث سنين هدمها، وقتل خلقًا كثيرًا ممن كان بها من الفقهاء والمحدِّثين وأهل الخير والدِّيانة.

وعمَّر الجامع المنسوب إليه بالديار المصرية وهو جامع الحاكم، وتأنق في بنائه.

وفي هذه السنة وفي ذي الحجَّة منها أعيد المُؤَيَّد هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الأموي إلى ملكه بعد خلعه وحبسه مدة طويلة.

وكانت الخطبة بالحرمين هذه السنة للحاكم العُبيدي صاحب مصر والشَّام.

‌وممن توفي فيها من الأعيان:

[أبو أحمد الموسوي النقيب]

(5)

الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر: أبو أحمد الموسوي النقيب، والد الرَّضي والمرتضى.

ولي نقابة الطالبيين مرَّات ببغداد نحوًا من خمس مرات، يعزل ويعاد، ثم أقرَّ في آخر عمره، وتوفي عن سبعٍ وتسعين سنة

(6)

، وصلى عليه اللَّه المرتضى، ودفن في مشهد الحسين.

(1)

ما بين حاصرتين من (ط).

(2)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(3)

ما بين حاصرتين من (ط).

(4)

ما بين حاصرتين من (ب) و (ط).

(5)

ما بين حاصرتين من (ط).

(6)

ذكر ابن خلكان في وفياته (4/ 420): أنه ولد سنة (307 هـ) وعلى هذا تكون سِنُّهُ يوم توفي ثلاثًا وتسعين سنة. قال بشار: لكن الذهبي ذكر أنه ولد سنة (304 هـ) كما هو بخطه في تاريخ الإسلام (8/ 814).

ص: 381

وقد رثاه ابنه المرتضى بقصيدةٍ حسنةٍ قوية المنزع والمطلع، منها قوله:

سلامُ اللَّهِ تنقلُه الليالي

ويهديهِ الغُدُوُّ إلى الرَّوَاحِ

عَلَى جَدَثٍ تَشَبَّث

(1)

من لُؤَيٍّ

بيَنْبوعِ العِبادةِ والصَّلاحِ

فتًى لم يَرْوَ إِلَّا منْ حلالٍ

ولمْ يكُ زادُهُ غَيْرَ

(2)

المُباحِ

ولا دَنِسَتْ له أُزُرٌ بِوِزْرٍ

ولا عَلِقَتْ له راحٌ براحِ

خَفيفُ الظَّهْرِ من ثِقْل الخطايا

وعُرْيانُ الجوارح من جُناح

مسوقٌ

(3)

في الأُمورِ إلى عُلاها

ومَدْلُولٌ على بابِ النَّجَاحِ

منَ القومِ الذينَ لهم قُلُوبٌ .... بذكرِ اللَّهِ عامرةُ النَّواحي

بأجسامٍ من التَّقوى مِرَاضٍ

لمبصرها

(4)

وأديانٍ صِحَاحِ

(5)

الحَجَّاج بن هرمز، أبو جعفر: نائب بهاء الدولة على العراق، وكان ينتدبه لقتال الأعراب والأكراد، وكان من المقدِّمين على عهد عضد الدولة، وكانت له خِبْرة تامة بالحرب، وحرمة شديدة، وشجاعة وافرة، وهِمَّة عالية وآراء سديدة.

ولما خرج من بغداد في سنة ثنتين وتسعين

(6)

وثلاثمئة كَثُرَتْ بها الفتن والشرور، وكانت وفاته بالأهواز في هذه السنة، وله من العمر مئة سنة وخمس سنين.

أبو عبد اللَّه القُمِّي المِصْري التَّاجر: كان ذا مال جزيل جدًا، اشتملت تركته على أزيد من ألف ألف دينار من سائر أنواع الأموال، وكانت وفاته بأرض الحجاز، ودفن بالمدينة النبوية عند قبر الحسن بن علي، رضي الله عنه.

أبو الحسين ابن الرَّفَّاء المقرئ: المتقدم ذكره

(7)

، كان من أحسن الناس صوتًا وأحلاهم أداءً،

(1)

في (ط): حسيب، وهو تصحيف.

(2)

في (ح) و (ب) و (ط): إِلَّا، والمثبت من المنتظم (7/ 247) وديوانه (1/ 202).

(3)

في (ط): مشوق وهو تصحيف.

(4)

في (ط): نصرتها، وهو تصحيف.

(5)

انظر القصيدة بتمامها مع اختلاف في بعض ألفاظها في ديوانه (1/ 200 - 203) طبعة عيسى البابي الحلبي سنة (1958) تحقيق رشيد الصفار.

(6)

في (ط): وسبعين، وهو تصحيف.

(7)

انظر حوادث سنة (394 هـ).

ص: 382

رحمه اللَّه تعالى، وقد تقدم ذكره في سنة أربع وتسعين بما أغنى عن إعادته هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب

(1)

.

(1)

وقد كان الفراغ من تحقيقه والتعليق عليه في ظهيرة يوم السبت الثامن والعشرين من جمادى الأولى من عام ألف وأربعمئة وثمانية من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم الموافق للتاسع عشر من شهر كانون الأول من عام ألف وتسعمئة وسبع وثمانين للميلاد، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصَّالحات.

ص: 383