الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 -
باب وقت الصلاة في العذر والضرورة
1 -
حدثنا محمد بن الصباح، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، أخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، عن الأعرج يحدثونه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها.
هذا حديث خرجه الشيخان في صحيحهما.
2 -
حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، وحرملة بن يحيى المصريان قالا: ثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها.
هذا حديث خرجه مسلم - رحمه الله تعالى - بزيادة: والسجدة إنما هي الركعة.
3 -
حدثنا جميل بن الحسن، أنبأ عبد الأعلى، ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يعني فذكر نحوه.
هذا قطعة من الحديث الأول، يدل على ذلك: أن أبا العباس الطرقي ذكرهما في ترجمة واحدة، وأما البخاري ففرق بينهما كما فعل ابن ماجه، وزعم ابن عساكر: أن ابن ماجه خرجه عن جميل، عن عبد الأعلى، عن معمر، وعن أبي بكر بن أبي
شيبة، وهشام بن عمار، عن سفيان، عن الزهري به، وأقره على ذلك المزي، ويشبه أن يكون وهما، فإن ابن ماجه ليس فيه إلا ما رأيت، واستظهرت بنسخة أخرى، - والله تعالى أعلم -.
ولفظ البخاري: من أدرك من الصبح ركعة. وفي لفظ لمسلم: من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة كلها. ولفظ النسائي: فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته. وفي لفظ لأبي داود: إذا أدرك أحدكم أول السجدة من صلاة العصر. وفي مسند السراج من حديث أبي غسان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: من صلى سجدة واحدة من العصر قبل غروب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس، فلم يفته العصر، ومن صلى سجدة واحدة من الصبح قبل طلوع الشمس، ثم صلى ما بقي بعد طلوع الشمس لم يفته الصبح. وفي لفظ: من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعد ما تطلع فقد أدرك. وفي لفظ: من صلى ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس فليتم صلاته. وفي لفظ: من أدرك ركعة من الجمعة فليصل معها أخرى. وفي لفظ: من صلى سجدة واحدة من العصر قبل غروب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس فلم يفته العصر. وفي لفظ: من أدرك قبل طلوع الشمس سجدة فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك قبل غروب الشمس سجدة فقد أدرك الصلاة، وفي حديث محمد بن
عمرو، عن أبي سلمة: من أدرك ركعة، أو ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها.، نا يوسف بن موسى، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (موقوف) قال: من أدرك ركعتين. هكذا قال: من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة. وعند ابن أبي عمر من حديث إسماعيل بن عياش، عن زيد بن أسلم، عن الأعرج: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، وصلى الأخرى بعد طلوع الشمس فقد أدرك، ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، وصلى أخرى بعدما غربت الشمس فقد أدرك. ولفظه في المنتقى: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها. وفي كتاب ابن خزيمة من حديث معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن أبي هريرة: من أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، أو ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك. وخرجه أيضا من حديث سهيل، عن أبيه، وفي لفظ للنسائي: من أدرك من صلاة العصر ركعة فقد أدركها. وفي لفظ: من أدرك من الجمعة، أو من غيرها فقد تمت صلاته. وفي لفظ: إذا أدرك أحدكم أول السجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإن أدرك أول السجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس [فليتم صلاته، ولفظ أحمد وخرجه في مسنده: من أدرك منكم أول ركعة من صلاة العصر] قبل أن تغرب
الشمس فليتم صلاته. ولفظ الدارقطني: من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدركها. وروى سليمان بن بلال، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها إلا أنه يقضي ما فاته.
وفي كتاب ابن عدي من حديث نوح بن أبي مريم، عن الزهري: من أدرك الإمام جالسا قبل أن يسلم فقد أدرك الصلاة، وفضلها. ورواه بكر بن بكار، عن ياسين الزيات، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة عنه يرفعه: من أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، فإن أدركهم جلوسا صلى الظهر أربعا، وفي رواية قال عليه السلام من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا، أو قال الظهر. وفي لفظ لعلي بن ظبيان: ومن نام عن صلاة فليصلها إذا ذكرها. ولفظ يحيى بن حميد البصري، عن قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عنه: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه. ثم قال: وهذا زاد في متنه: قبل أن يقيم صلبه، وهذه الزيادة يقولها يحيى، ولا أعرف له غيره، وروى يزيد بن عياض، وهو متروك، عن أبي حازم، عن ابن المسيب: من أدرك سجدة فقد أدرك الركعة. وفي حديث عبد الرحمن بن
ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن الزهري، ومكحول، عن أبي سلمة عنه فقد أدرك الفضيلة، ويتم ما بقي، قال: وابن ثوبان ضعيف، وفي الاستذكار: وروى عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة عنه مرفوعا: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الفضل. وهذا لا أعلم أحدا قاله عن مالك غيره، وروى عمار بن مطر، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة عنه كذلك: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ووقتها، وهذا أيضا لم يقله، عن مالك غيره، وهو مجهول لا يحتج به، وروى نافع بن يزيد، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الوهاب بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عنه مرفوعا: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وفضلها. وهذا أيضا لم يقله أحد عن ابن شهاب غيره، وليس ممن يحتج به على أصحاب ابن شهاب، وقد روى هذا الحديث الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن ابن شهاب فلم يذكر في الإسناد عبد الوهاب، ولا جاء بهذه اللفظة أعني قوله: وفضلها ولما ذكر الإشبيلي هذا في الأحكام الكبرى وثق راويه عن نافع، وهو النضر بن عبد الجبار، وفي المشكل للطحاوي: وأكثر الرواة لا يذكرون هذه اللفظة، وهو الأظهر، وفي سنن الكجي: من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها. وفي مسند البزار من حديث أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة عنه قال: من أدرك ركعة من الصلاة [فقد أدرك الصلاة] كلها إلا أنه يقضي ما فاته. وفي حديث هشام بن سعد الذي قرأته على المسند المعمر عبد الله بن علي بن شبل رحمه الله -
أخبركم الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عمران الأنصاري قراءة عليه، عن أبي جعفر محمد بن أحمد الصيدلاني، أنبأ أبو منصور محمود بن إسماعيل الصيرفي قراءة عليه، وأنا حاضر، أنبأ أبو بكر محمد بن عبد الله بن شاذان، أنبأ أبو بكر عبد الله بن محمد بن فورك، أنبأ أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد السلام التيمي، أنبأ الإمام أبو نعيم الفضل بن دكين بجميع كتاب الصلاة، عن هشام بن سعد، نا زيد بن أسلم قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدرك ركعتين قبل أن تغرب الشمس، وركعتين بعدما غابت الشمس فلم يفته العصر. قال أبو نعيم: نا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك أول سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته. وفي المستدرك على شرط الشيخين: من صلى ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس فليتم صلاته.، ثم هشام، ثم همام، وقال في موضع آخر: سألت أبي، عن حديث رواه عبثر، وجرير،
عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغيب الشمس
…
الحديث، لا يرفعه، قال أبي: ورواه شعيب بن خالد، ومحمد بن عياش العامري، وعمرو بن أبي قيس، وسفيان الثوري من رواية النعمان بن عبد السلام عنه فقالوا كلهم: عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبي: والصحيح عندي موقوف، وفي موضع آخر رواه الثوري، وجرير بن عبد الحميد، وأبو بكر بن عياش، عن الأعمش فوقفوه، وفي الباب حديث عمر بن الخطاب، وأبي سعيد الخدري المذكورين عند البخاري، وحديث رواه أبو داود، عن ابن معاذ، ثنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن معبد بن هرمز عن سعيد بن المسيب قال: حضر رجلا من الأنصار الموت فقال: إني محدثكم حديثا ما أحدثكموه إلا احتسابا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكر حديثا فيه: فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضا، وبقي بعض، صلى ما أدرك، وأتم ما بقي. قال عبد الحق في الكبرى: معبد لا أعلم روى عنه إلا يعلى بن عطاء، وحديث جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة. ذكره - عن عطاء عنه، وحديث عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها. ذكره أيضا في ترجمة يعيش بن الجهم، عن
عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد، عن نافع عنه، وقال: هذا بهذا لا أعلمه إلا من هذا الوجه، والحديث غير محفوظ، وذكره في باب إبراهيم بن عطية الثقفي الواسطي، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وقال: وهذا عن يحيى، عن الزهري غير محفوظ، وإنما يعرف من حديث بقية، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال:، وقال في باب بقية: خولف بقية في سنده، ومتنه، فأما الإسناد فقوله: عن سالم، وإنما هو: عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، والمتن فقوله: من صلى الجمعة. والثقات رووه عنه فلم يذكروا الجمعة، ولما سئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث، قال: هذا حديث منكر، ورواه النسائي بسند صحيح، إلى سالم قال عليه السلام: من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدرك إلا أنه يقضي ما فاته. وزعم ابن الأثير: في شرح المسند أن النسائي رواه، عن ابن عمر مرفوعا، ويشبه أن يكون وهما، قال الشافعي: إذا أدرك المصلي من وقت الصلاة ركعة أتم ما بقي منها، وإن خرج الوقت، وإليه ذهب مالك، وأحمد، وإسحاق، وكان أبو ثور يقول: إنما ذلك لمن نام، أو سها، ولو تعمد ذلك أحد كان مخطئا مذموما بتفريطه، وقد روي ذلك، عن الشافعي، وقال أبو حنيفة: يصح ذلك في العصر دون الصبح، وأما حد الركعة التي يكون بها مدركا؛ فعند أبي حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق: إذا أدرك الإمام راكعا فكبر، وركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك، وهو
قول علي، وابن مسعود، وزيد، وابن عمر، إلا أشهب فإنه قال: لا يكون مدركا إلا أن يحرم قبل ركوع الإمام، وقبل تمكن يديه من ركبتيه، وإن أدركه راكعا فاتته الركعة، ولا يعتد بها سواء كبر قبل أن يرفع رأسه أم لا، وهو قول أبي هريرة، وقال الليث بن سعيد: إذا جاء والناس ركوع أجْزأه، وإن لم يدرك الركوع، إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه، ويركع بعد ذلك كيف ما أمكنه، ويتبع الإمام، ويعتد بالركعة، وقال الشعبي: إذا انتهيت إلى الصف المؤخر، ولم يرفعوا رؤوسهم، أو بقي واحد منهم لم يرفع رأسه، وقد رفع الإمام رأسه فقد أدركت؛ لأن بعضهم أئمة بعض، وذكر ابن بزيزة أن ابن أبي ليلى، والثوري، وزفر قالوا: إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه، فقد أدرك الصلاة، وليركع قبل أن يرفع الإمام رأسه، وقال قتادة، وحميد: إذا وضع يديه على ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك، وإن رفع الإمام رأسه قبل أن يضع يديه عل ركبتيه فإنه لا يعتد بها، وقال ابن سيرين: إذا أدركت تكبيرة تدخل بها في الصلاة، وتكبيرة للركوع فقد أدركت تلك الركعة، وتأول أبو حنيفة هذا الحديث على من صار أهلا للوجوب كالصبي إذا بلغ وشبهه، أو أنه منسوخ بالنهي عن الصلاة في هذين الوضعين، قال: لأن النهي أبدا يطرأ على الأصل الثابت، [قال أبو حنيفة في المشكل: ومن الحجة لأهل العراق الذين يوجبون بإدراك تكبيرة الإحرام ما فوق ذلك من الوقت ما روي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن المسلم إذا توضأ ثم عمد إلى المسجد قال: فإن أدرك الجماعة غفر له ما تقدم من ذنبه، وإن أدرك منها بعضها، وسبق ببعض فقضى ما فاته فأحسن ركوعه، وسجوده، كان كذلك، فإن جاء والقوم قعود كان كذلك. وهذا الذي ذكرناه هو وجه النصفة في هذا الباب، وإذا لم يعلم المتأخر من الحديث فيجعل ناسخا للآخر كان الأولى أن يجعل هذا الحديث الذي احتج به العراقيون ناسخا للحديث الآخر، لأن فيه زيادة فضل فلا يصح أن يكون هو المنسوخ؛ لأن الله تعالى إذا تفضل على عباده بثواب يبنيه على عمل يعملونه لم ينسخه بقطع ذلك الثواب عنهم، ولا ينقصهم منه
إلا بذنب يستحقونه كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} . - والله تعالى أعلم -]، قال أبو محمد بن حزم: هذا الحديث متأخر عن خبر النهي؛ لأن أبا هريرة متأخر الصحبة، وأخبار النهي رواها عمر بن الخطاب، وعمرو بن عبسة، وإسلامهما قديم، انتهى كلامه. وفيه نظر، من حيث إن الغالب ورود النهي على الإباحة، وأيضا تقدم إسلام هذين، وتأخر إسلام أبي هريرة لا يثبت نسخا لاحتمال أن يكون قال ذلك صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر أو شبهه، فلما تعذر التاريخ طلبنا شيئا يستأنس به في أحد الجانبين فوجدنا عمر بن الخطاب، وإن كان قديم الصحبة فإنه صحبه إلى وفاته، فيحتمل أن يكون سمعه بأخرة، وعمرو بن عبسة كذلك في قدم الإسلام، لكنه سار إلى بلاد قومه قبل فرض الصلاة، فكان يقول: أنا ربع الإسلام، ثم قدم قبل فتح مكة، فتبين أن رواية النهي كانت بعد صحبته ثانيا، فإذا كان كذلك كان متأخرا عن إسلام أبي هريرة يقينا، ثم إن جماعة من السلف قالوا به منهم: كعب بن عجرة، ونام ابن له عن الفجر حتى طلعت الشمس، قال: فقمت أصلي فدعاني كعب فأجلسني حتى ارتفعت الشمس، وابيضت ثم قال: قم فصل، ذكره أبو محمد بن حزم من جهة الثوري، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عنه، وأبو بكرة نفيع بن الحارث، فيما حكاه ابن المنذر، وأما قوله: وأحاديث النهي رواها هذان فغير صحيح؛ لأن جماعة غيرهم رووها، يأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى في الموضع اللائق بهذا الكتاب.
2 -
باب النهي عن النوم قبل صلاة العشاء، وعن الحديث بعدها
4 -
حدثنا محمد بن بشار يعني، فذكر حديث أبي برزة المتقدم الذكر في الصحيح قال:
5 -
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو نعيم، وثنا محمد بن بشار، ثنا أبو عامر قالا: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: ما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل العشاء، ولا سمر بعدها.
هذا حديث إسناده صحيح، عبد الله بن عبد الرحمن قال فيه ابن معين: صالح، ووثقه ابن حبان، وخرج مسلم حديثه في المتابعات، وخرجه ابن حبان في صحيحه، عن الحسن بن سفيان، عن حميد بن مسعدة، عن جعفر بن سليمان، عن هشام، عن أبيه قال: سمعتني عائشة، وأنا أتكلم بعد العشاء فقالت: يا عروة ألا تريح كاتبيك؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ينام قبلها، ولا يتحدث بعدها. وخرجه ابن وهب في مسنده بسند صحيح، عن مخرمة بن بكير، عن بكير عنها: سئل عليه السلام، عن الإنسان يرقد عن العشاء قبل أن يصلي قال: لا نامت عينه لا نامت عينه، لا نامت عينه، وفي فوائد الإمام إسماعيل بن عبد الله سمويه: ثنا عبد الله بن الزبير، ثنا ابن وهب، عن معاوية، عن أبي عبد الله عنها مرفوعا: لا سمر إلا لثلاثة: مصل، أو مسافر، أو عروس، ويشبه أن يكون اللفظ الذي ساقه ابن ماجه لفظ بندار لا لفظ أبي
نعيم؛ لأن أبا نعيم ذكر هذا الحديث في كتاب الصلاة تأليفه بهذا الإسناد، ولفظه: ما نام قبل العشاء، والله أعلم.
6 -
حدثنا عبد الله بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب، وعلي بن المنذر قالوا: ثنا محمد بن فضيل،، ثنا عطاء بن السائب، عن شقيق، عن عبد الله، قال: جدب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم السمر بعد العشاء.
هذا حديث خرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى، ثنا هدبة، ثنا همام، عن عطاء، وذكره ابن خزيمة في صحيحه أيضا عن إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، ثنا محمد بن فضيل، ح، وثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير كلاهما عن عطاء به، قال: وسمعت محمد بن معمر يقول: قال عبد الصمد يعني بالجدب الزجر، وذكره الطوسي في باب الرخصة في السمر بعد العشاء، ويشبه أن يكون وهما، وفي كتاب الكجي من حديث خيثمة، عن رجل، عن ابن مسعود قال صلى الله عليه وسلم: لا سمر إلا لمصل، أو مسافر. ولفظ ابن أبي حاتم في كتاب العلل: نهى عن السمر، والحديث بعد العشاء. وفي الباب حديث أبي هريرة رفعه أنه كره النوم قبل العتمة، رواه السراج في مسنده بسند صحيح، عن أبي الأحوص محمد بن الهيثم، ثنا نعيم بن حماد، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب عنه، ومرسل مجاهد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نامت عين رجل نام قبل أن يصلي العشاء، رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة، عن إسماعيل بن عبد الملك البصري عنه، [وحديث
ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن النوم قبلها، والحديث بعدها، رواه أبو الطاهر محمد بن عبد الله الذهلي في الثالث والعشرين من انتقاء الدارقطني عليه، عن محمد بن عبدوس، عن حجاج بن يوسف، وإبراهيم بن سعيد، عن أبي أحمد الزبيري، عن أبي سعيد بن عوذ، عن مجاهد عنه]، وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء، ذكره ابن بطال قال: وكان ابن عمر يسب الذي ينام قبل العشاء، وفي كتاب أبي نعيم الفضل: ثنا أبو عاصم الثقفي، حدثني يزيد الفقير قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إني أقوم فإذا انصرفت من المغرب، عمدت إلى أهلي فنمت حتى أقوم إلى صلاة العشاء، فقال: لا. قال: يا أبا عبد الرحمن، أوكل رجلا يكون في المسجد، فإذا أذن المؤذن جاء فأعلمني فتوضأت ثم شهدت الصلاة قال: ويلك تأمرني أن آمرك أن تنام قبل أن تصلي فلا.
ثنا عيسى بن قرطاس، سمعت مجاهدا يقول مثل ذلك، وزاد فيه: إذا كنت لا بد فصله قبل أن تنام، وثنا مسعر قال: سألت يزيد الفقير: أسمعت ابن عمر كره النوم قبل العشاء؟ قال: نعم، قال ابن بطال: وكتب عمر بن الخطاب: لا ينام أحد قبل أن يصليها، فمن نام فلا نامت عينه، وكره ذلك أبو هريرة، وابن عباس، وعطاء، وإبراهيم، ومجاهد، وطاوس، ومالك، والكوفيون، وحكى الترمذي، عن ابن المبارك أكثر الأحاديث على الكراهة، وسيأتي ما يخالفه لا سيما قول أبي
عيسى بعد قليل، وأكثر أهل الحديث على الرخصة، قال أبو جعفر الطحاوي: إنما كره النوم قبلها لمن خشي عليه فوات وقتها، وفوات الجماعة، وأما من وكل بنفسه من يوقظه لوقتها فمباح له النوم، واحتجوا بفعل ابن عمر، وأنه كان يرقد قبلها وأبو موسى، وعبيدة، فدل أن النهي قبلها ليس بنهي تحريم لفعل الصحابة، لكن الأخذ بظاهر الحديث أنجى وأحوط، وقال الليث: قول عمر: فمن رقد بعد المغرب فلا نامت عينه، إن ذلك بعد ثلث الليل الأول، قال أبو جعفر: تحمل الكراهة على أنها بعد دخول وقت العشاء، والإباحة قبل دخول وقتها انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما أسلفناه عن ابن عمر من منعه النوم وإن وكل من يوقظه، ولو احتج بحديث عائشة قالت: أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بالعشاء، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء، والصبيان. وبحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عنها ليلة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظا، ثم رقدنا، ثم استيقظا، فخرج علينا عليه السلام. وفيه: وكان ابن عمر لا يبالي قدمها أم أخرها إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقد كان يرقد قبلها. وبحديث ابن عباس قال: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بالعشاء، حتى رقد الناس، واستيقظوا، ورقدوا، واستيقظوا
…
الحديث ذكر ذلك البخاري، وبحديث أنس بن مالك قال: كان الصحابة ينتظرون الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيضعون جنوبهم. ذكره الطبري، ثم يقومون فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ فيصلون. وقد تقدم ذكره في كتاب الطهارة، وبحديث أبي بكر الحنفي، عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عبد الله، عن جده، عن علي: أنه كان يتعشى
ثم يلتف في ثيابه، فينام قبل أن يصلي العشاء. سأل ابن أبي حاتم أباه عنه فقال: هو عبد الله بن عبد الله الرازي عن جدته أسيلة، قال أبو نعيم: نا إسرائيل عن حجاج، عن عبد الله بن عبد الله، عن جدته، قال: وكانت تحت رجل من الصحابة أنه كان ينام قبل العشاء، فإذا قام كان أنشط له.
ثنا إسرائيل عن حجاج قال: قلت لعطاء: إن ناسا يقولون: من نام قبل العشاء فلا نامت عينه، قال: بئس ما قالوا، ثنا إسرائيل عن أبي حصين عن أصحاب عبد الله أنهم كانوا ينامون قبل العشاء.
نا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود أنه كان ينام فيما بين المغرب والعشاء يعني في رمضان لكان أصرح في الدلالة، والله تعالى أعلم.
وقد ورد في جواز السمر بعد العشاء أحاديث، منها:
حديث أم سلمة قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقال: سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ وماذا فتح من الخزائن؟ أيقظوا صواحب الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة.
وحديث ابن عمر قال: صلى لنا النبي صلى الله عليه وسلم العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام، فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد.
وحديث ابن عباس قال: بت في بيت خالتي ميمونة رضي الله تعالى عنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندها في ليلتها، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم جاء إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم قال: نام الغليم أو كلمة شبهها، ثم قام فقمت عن يساره، فجعلني عن
يمينه فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين ذكرها البخاري.
واعترض الحافظ الإسماعيلي على إدخال محمد هذا في باب السمر، قال: لأنه ليس فيه ذكر قول ولا حديث إلا قوله: نام الغليم فإذا كان أراد مبيت ابن عباس وسهره عنده ليحفظ ما يفعله صلى الله عليه وسلم فذلك سهر، لا سمر، والسمر لا يكون إلا عن تحديث، انتهى كلامه.
وفيه نظر من حيث قوله ليس فيه ذكر ولا حديث، لما ذكر البخاري في موضع آخر من طريق كريب عنه، قال: فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة، ثم رقد فيحتمل أنه أراد هذا، والله تعالى أعلم. فإنه ربما ذكر في بعض الأبواب حديثا مختصرا ولم يذكر اللفظة التي بوب لأجلها، ويكون مراده أصل الحديث، وإن لم يكن على شرطه فهذا بطريق الأولى، والله تعالى أعلم.
وحديث عمر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين، ذكره ابن خزيمة في صحيحه، ثم، قال: خبر عبد الله بن عمرو من هذا الجنس، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن بني إسرائيل حتي يصبح ما يقوم فيها إلا عظم الصلاة، ولفظ البزار: لعظم صلاة.
قال ابن خزيمة: وحديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.
قال الشيخ الحافظ أبو بكر رحمه الله تعالى: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد كان يحدثهم بعد العشاء عن بني إسرائيل ليتعظوا بما قد نالهم من العقوبة في الدنيا مع ما أعد الله لهم من العقاب في الآخرة لما عصوا رسلهم، ولم يؤمنوا، فجائز للمرء أن يحدث كل ما يعل أن السامع ينتفع به من أمر دينه بعد العشاء، إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يسمر بعد العشاء في
الأمر من أمور المسلمين، مما يرجع إلى منفعتهم عاجلا وآجلا، دنيا ودينا، وكان يحدث أصحابه عن بني إسرائيل لينتفعوا بحديثه، فدل فعله صلى الله عليه وسلم على أن كراهية الحديث بعد العشاء بما لا ينفعه فيه دينا ودنيا، ويخطر ببالي أن كراهته صلى الله عليه وسلم بالاشتغال بالسمر؛ لأن ذلك يثبط عن قيام الليل، لأنه إذا اشتغل أول الليل بالسمر ثقل عليه النوم آخر الليل فلم يستيقظ، وإن استيقظ لم ينشط للقيام، وحديث أوس بن حذيفة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا ويحدثنا - يعني بعد العشاء - وكان أكثر حديثه تشكية قريش. ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل، وزعم أن أباه قال: حديث أبي برزة أصح منه. وروى ابن بطال بسند يبلغ به أبا موسى قال: أتيت عمر أكلمه في حاجة بعد العشاء فقال: هذه الساعة؟ قلت له: شيء من الفقه. قال: نعم، فكلمته، ثم ذهبت لأقوم، فقال: اجلس. فقلت الصلاة! فقال: إنا في صلاة. فلم نزل جلوسا حتى طلع الفجر. وفي صحيح مسلم عنه قال: كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولا في بقيع بطحان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فكان يتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم، قال أبو موسى، فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في أمره، حتى أعتم بالصلاة، حتى ابْهارَّ الليل، ثم خرج فصلى بهم، فلما قضى صلاته، قال لمن حضره: على رسلكم، أعلمكم، وأبشروا أن من نعمة الله تعالى عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلي هذه الساعة غيركم، أو قال: ما صلى هذه الصلاة الساعة غيركم. وحديث أنس بن مالك: أخر النبي عليه السلام العشاء ذات ليلة إلى
شطر الليل، ثم جاء فصلى لنا ثم خطبنا، فقال: إلا إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ذكره البخاري، وحديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أن أباه تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك، قال: أوَما عشيتيهم؟! قالت: أبوا حتى تجيء، فاختبأت، فقال: يا غنثر فجدع، وسب، وقال: كلوا لا هنيئا، فوالله لا أطعمه أبدا
…
الحديث بطوله.
3 -
باب النهي أن يقال: صلاة العتمة
7 -
حدثنا هشام بن عمار، ومحمد بن الصباح، ثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم؛ فإنها العشاء، وإنهم يعتمون بالإبل.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، وفي لفظ: فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل وفي كتاب النسائي: على اسم صلاتكم هذه فإنهم يعتمون على الإبل. وفي رواية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر. فذكره. ولفظ ابن خزيمة: إنهم يعتمون على الإبل، إنها صلاة العشاء.
8 -
حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، وثنا يعقوب بن حميد، ثنا ابن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم. زاد ابن حرملة فإنما هي العشاء: وإنما يقولون: العتمة لإعتامهم بالإبل.
هذا حديث إسناده صحيح، ولفظ الطبراني في الأوسط، وخرجه من حديث محمد بن أبان، نا عمار بن خالد، نا علي بن غراب، عن ابن عجلان: لا يغلبنكم أهل
البادية على اسم صلاتكم، سماها الله العشاء، ويسمونها العتمة. وفي الباب: حديث ابن بريدة، عن عبد الله المزني يعني: ابن المغفل: أن رسول الله قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، وتقول الأعراب: هي العشاء. ذكره البخاري، وفي كتاب الإسماعيلي، وذكره من حديث أبي مسعود، أنبأ عبد الصمد، ثنا أبي، عن حسين المعلم عنه، حديث أبي مسعود يدل على أنه في صلاة العشاء الآخرة، وكذلك روي عن ابن عمر في العشاء الآخرة، قال المهلب: إنما كره ذلك؛ لأن التسمية من الله ورسوله، قال تعالى:{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} . وقال تعالى: {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} قال القرطبي: فكأنه إرشاد إلى ما هو الأولى، وليس على جهة التحريم، ولا على أن تسميتها بالعتمة لا تجوز؛ لما ثبت أنه عليه السلام أطلق عليها ذلك، يعني قوله: ولو يعلمون ما في العتمة والصبح. وغير ذلك من الأحاديث.
قال البخاري: والاختيار أن يقول: العشاء، وقد ورد تسميتها بذلك في آثار عنه صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث صحيح، وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وعائشة، وأبو موسى الأشعري، وغيرهم، وقال: وكانت الأعراب تحلب عند شدة الظلمة حلبة، وتسميها العتمة، فصار مشتركا بين خسيس؛ وهى الحلبة، ورئيس؛ وهي الصلاة فنهى عن ذلك ليرتفع الاشتراك، وحيث أمن الاشتراك جاز الإطلاق، وزعم بعض العلماء: أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بالعتمة من لا يعرف العشاء، أو استعمل لفظة العتمة؛ لأنه أشهر عندهم، ولأنهم إنما كانوا يطلقون العشاء على المغرب.
وفي المحكم: عتمت الإبل تعتِم، وتعتُم، وأعتمت، واستعتمت حلبت عشاء، وهو من الإبطاء، والتأخر، قال أبو محمد الحذلمي: فيها ضوى، قد رد من إعتامها.
والعتمة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، وأعتم القوم، وعتموا: ساروا في ذلك الوقت، أو أوردوا، أو أصدروا، أو عملوا أي عمل كان. وقيل: العتمة وقت صلاة العشاء الآخرة. سميت بذلك لاستعتامهم نعمها، والعتمة: بقية الليل، تفيق به تلك الساعة، وعتمة الليل: ظلامه، وقوله:
طيف ألم بذي سلم
…
يسر عتم بين الخيم
.
يجوز أن يكون على حذف الهاء، كقولهم: هو أبو عذرها، وقوله:
ألا ليت شعري هل تنظَّر خالد
…
عيادي على الهجران أم هو يائس؟
.
وقد يكون من البطء، أي: يسري بطيئا، وقد عتم الليل، يعتم، عتما، وأعتم: أظلم، وعتمة الإبل: رجوعها من المرعى بعدما تمسي، وقيل: ما قمر أربع؟ فقيل: عتمة ربع، أي قدر ما يحتبس في عشائه، وقول الأعشى:
نجوم الشتاء العاتمات الغوامضا
يعني: بالعاتمات التي تظلم من الغبرة التي في السماء، وذلك في الجدب؛ لأن نجوم الشتاء أشد إضاءة لنقاء السماء، والله تعالى أعلم.
4 -
أبواب الأذان والسنة فيه
باب بدء الأذان
9 -
حدثنا أبو عبيد محمد بن عبيد بن ميمون المدني، ثنا محمد بن سلمة الحراني، ثنا محمد بن إسحاق، نا محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم بالبوق، وأمر بالناقوس فنحت، فأري عبد الله بن زيد في المنام قال: رأيت رجلا عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا، فقلت له يا عبد الله: تبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ فقلت: أنادي به إلى الصلاة؟ قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟! قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فخرج عبد الله بن زيد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما رأى، قال: يا رسول الله، رأيت رجلا عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا، فقص عليه الخبر، فقال صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم قد أري رؤيا، فاخرج مع بلال إلى المسجد، فألقها عليه، وليناد بلال؛ فإنه أندى صوتا منك. قال: فخرجت مع بلال إلى المسجد فجعلت ألقيها عليه، وهو ينادي بها، فسمع عمر بن الخطاب بالصوت فخرج فقال: يا رسول الله، والله لقد رأيت مثل الذي رأى.
قال أبو عبيد: فأخبرني أبو بكر الحكمي أن عبد الله بن زيد الأنصاري قال في ذلك:
أحمد الله ذا الجلال وذا الإكـ
…
رام حمدا على الأذان كثيرا
إذ أتاني به البشير من اللـ
…
ـه فأكرم به لدي بشيرا
في ليال والى بهن ثلاث
…
كلما جاء زادني توقيرا
.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن محمد بن عيسى، ثنا سلمة يعني: ابن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلاة
…
الحديث، وفي آخره: فقال صلى الله عليه وسلم: فلله الحمد فذلك أثبت. [قال محمد بن إسحاق: حدثني بهذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبيه بهذا الحديث]، ثنا محمد بن يحيى، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، حدثني أبي عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس فعمل ليضرب به للناس في الجمع للصلاة، فذكر الحديث بطوله، بمثل حديث سلمة بن الفضل سمعت محمد بن يحيى يقول: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد، ثنا محمد بن يحيى في عقب حديثه، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: فذكر محمد بن مسلم الزهري، عن ابن المسيب، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه بهذا الخبر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه لرؤيا حق إن شاء تعالى ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك. وفي موضع آخر قال: هذا صحيح من جهة النقل، ومحمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه، ومحمد بن إسحاق قد سمعه من التيمي، وليس هو مما دلسه ابن إسحاق، وخرج أحمد حديث سعيد عنه في مسنده، وفيه كما ترى انقطاعان؛
الأول: فيما بين الزهري، وابن إسحاق.
والثاني: فيما بين سعيد، وعبد الله نص على الثاني البيهقي، وذكر الأثرم عنه أنه قال: أنا أذهب في الأذان إلى حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، وخرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى، ثنا الناقد، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي عن ابن إسحاق فذكره، وفي آخره: ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا اله الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، وذكر البيهقي أن محمد بن يحيى الذهلي قال: ليس في قصة الأذان خبر أصح من هذا لأن محمدا سمع من أبيه، وذكره أبو عيسى مختصرا بلفظه: فإنه أندى صوتا، أو أمد منك، فألق عليه ما قيل لك، وليناد بذلك، عن سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، ثنا أبي، ثنا ابن إسحاق، ثم قال: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح، وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق بأتم من هذا الحديث وأطول، فذكر فيه قصة الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة، وعبد الله بن زيد هو ابن عبد ربه، ويقال: ابن عبد رب، ولا يعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان، وفي كتاب المعرفة عنه: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو عندي حديث
صحيح، ولما ذكر الخطابي حديث ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، قال: وروي هذا الحديث، والقصة بأسانيد مختلفة، وهذا الإسناد أصحها، وقال أبو علي الطوسي الحافظ، وخرجه في أحكامه، عن الذهلي، ثنا يعقوب، ثنا أبي به مطولا، وفي آخره فكان بلال يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة قال: فجاء فدعاه ذات غداة إلى صلاة الفجر فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نائم قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال ابن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين في صلاة الفجر، فقال: حديث عبد الله بن زيد حسن صحيح، وذكره ابن الجارود في منتقاه، وقال البيهقي: هذا خبر موصول، وقال أبو محمد الإشبيلي: هو خبر صحيح، وقال أبو الخطاب: هو خبر متواتر الطرق، ولفظ أبي داود، وخرجه من حديث أبي بشر، عن أبي عمير، عن أنس، عن عمومة له من الأنصار قال: اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القنع يعني: الشبور، فلم يعجبه، وقال: هو من أمر اليهود، قال: فوصف له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو مهتم لهم النبي صلى الله عليه وسلم فأري الأذان في منامه، قال: فغدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: يا رسول الله، إني لبين نائم، ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان قال: وكان
عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما، قال: ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما منعك أن تخبرنا، فقال سبقني عبد الله، فاستحييت فقال صلى الله عليه وسلم: يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله، قال: فأذن بلال قال أبو بشر: فحدثني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله لولا أنه كان مريضا يومئذ لجعله النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنا.
قال ابن عبد البر: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قصة عبد الله بن زيد في بدأ الأذان جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة، وكلها يتفق على أمره عند ذلك، والأسانيد في ذلك متواترة من وجوه صحاح، وفي موضع آخر حسان، ونحن نذكر أحسنها، فذكر حديث أبي عمير هذا.
قال أبو داود: [هكذا] رواية الزهري، عن سعيد، عن عبد الله قال فيها ابن إسحاق: الله أكبر مرتين، وقال معمر ويونس عن الزهري: الله أكبر لم يثنيا، ونا عمرو بن مرزوق، نا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت ابن أبي ليلى قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، قال: وثنا أصحابنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين، أو المؤمنين واحدة حتى لقد هممت أن أبث رجالا في الدور ينادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالا يقومون على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة حتى نقسوا، أو كادوا أن ينقسوا.
قال: فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذن ثم قعد
قعدة، ثم قام، فقال مثلها، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة، ولولا أن يقولوا: لقلت: إني كنت يقظانا غير نائم فقال صلى الله عليه وسلم: أراك الله خيرا. وقال ابن مثنى: لقد أراك الله خيرا. وثنا ابن مثنى، عن أبي داود، وثنا نصر بن المهاجر، ثنا يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وفيه قال نصر: فجاء عبد الله بن زيد رجل من الأنصار، فقال فيه: فاستقبل القبلة فذكر التأذين، والإقامة، قال أبو عيسى: عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، وكذا قاله ابن المديني في العلل الكبير، والبيهقي، وتبعهم على ذلك أبو محمد الإشبيلي، وأبو الحسن ابن القطان، وقول عبد الرحمن، ثنا أصحابنا، قال المنذري: إن كان أراد الصحابة فهو قد سمع من جماعة منهم، فيكون الحديث مسندا، وإلا فهو مرسل، وما دري رحمه الله أن الطحاوي قال في شرح الآثار: ثنا علي بن شيبة، ثنا يحيى بن يحيى النيسابوري، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو عنه قال: حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد الأنصاري رأى الأذان في المنام فذكره، وكذا ذكره ابن خزيمة في صحيحه، وكذا هو في كتاب الأذان لأبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الحافظ، عن عبدان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو، وعن عبد الرحمن قال: ثنا أصحاب محمد أن عبد الله بن زيد به، فصح إسناده على هذا، - والله تعالى أعلم -.
ولما ذكره ابن حزم من عند ابن وضاح، ثنا موسى بن معاوية، ثنا وكيع قال: هذا إسناد في غاية الصحة من أسانيد الكوفيين، وابن أبي ليلى أخذ، عن مائة
وعشرين من الصحابة، وأدرك بلالا، وعمر رضي الله عنهما، وذكر عبد الرزاق في مصنفه، عن إبراهيم بن محمد، عن أبي جابر البياضي، عن سعيد بن المسيب عنه: أنه بينا هو نائم إذ رأى رجلا معه خشبتان قال: فقلت له في المنام: إن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يشتري هذين العودين يجعلهما ناقوسا يضرب به للصلاة. قال: فالتفت إلي صاحب العودين برأسه، وقال: أفلا أدلكم على ما هو خير من هذا؟ فبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره بالتأذين.
قال أبو عمر: لا أحفظ ذكر الخشبتين إلا في حديث أبي جابر، يعني هذا، ومرسل مالك، عن يحيى بن سعيد قال: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أراد أن يتخذ خشبتين لجمع الناس للصلاة، ولفظ أبي قرة في سننه، وخرجه من حديث أبي جابر: يا رسول الله، إني قطيع الصوت فقال: علم بلالا
…
. الحديث، ولفظ الدارقطني في سننه من حديث ابن أبي ليلى، عن معاذ: قال ابن زيد: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رجلا نزل من السماء على جذم الحائط، فأذن مثنى مثنى. وفي كتاب أبي الشيخ: فلما كان قبل الفجر غشيني النعاس، فرأيت رجلا قام على سطح المسجد، وأنا بين النائم واليقظان، فجعل إصبعيه في أذنيه، وفي المعجم الكبير لابن مطير، من حديث ابن أبي ليلى عنه ولم يسمع منه: فجاء المسلمون سراعا، لا يرون إلا أنه فزع، ثم جاء عمر فقال: والله إنه قد طاف بي ما طاف به. وذكر أبو نعيم الحافظ أن محمد بن إسحاق رواه أيضا عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن محمد بن عبد الله بن زيد، ورواه زيد بن حباب، عن محمد بن عمرو بن سهل، عن عبد الله بن محمد بن زيد، عن أبيه، أو عمه، عن عبد الله، ورواه إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، عن شعيب بن عبادة الأنصاري، عن ابن عبد الله بن زيد، عن أبيه، ولفظ العسكري في كتاب الصحابة: أمر رجالا يقومون على
الآطام فيرفعون المسوح، ويبشرون الناس بالصلاة حتى رأيت
…
. الحديث، وذكر أبو حامد الغزالي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: ألقه على بلال. قال عبد الله: يا رسول الله، ائذن لي مرة واحدة فأذنت بإذنه، فلما سمع عمر صوتي خرج يجر رداءه. زاد الفوراني: فأذنت الظهر. ولم أر له في كتب الحديث ذكرا إلا ما أسلفناه من حديث سعيد بن المسيب، عن عبد الله فبلغه النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره بالتأذين، وهو شاهد له، - والله تعالى أعلم -.
10 -
حدثني محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي، نا أبي، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس لما يجمعهم للصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى، فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، فطرق الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم[ليلا فأمر رسول الله بلالا فأتى به]. قال الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم، قال عمر: يا رسول الله، قد رأيت مثل الذي رأى، ولكنه سبقني.
هذا حديث قال فيه ابن شاهين: حديث غريب إن كان عبد الرحمن حفظه، وقد خالفه أصحاب الزهري؛ يونس، وشعيب، ومعمر، ومحمد بن إسحاق، وابن جريج، فرووه عن الزهري، عن سعيد: أن الناس كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يجتمعون إلى الصلاة قبل أن يؤمروا بالتأذين، فذكر حديث ابن زيد، وقد خرجا
أصله من حديث ابن جريج، أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اضربوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: بل بوقا مثل بوق اليهود. فقال عمر: أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال قم فناد بالصلاة.
ولما خرجه أبو عيسى قال فيه: حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر، قال ابن منده: هذا إسناد مجمع على صحته، وفي لفظ لأبي عوانة في صحيحه: فأذن بالصلاة. ولما خرجه ابن خزيمة في صحيحه أتبعه، ثنا بندار بخبر غريب، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: إن بلالا كان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، فقال له عمر: قل في إثرها: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: قل كما أمرك عمر. ورواه أبو الشيخ في كتاب الأذان، عن محمد بن يحيى، نا بندار بلفظ: كان يقول أول ما أذن: أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة. وقد ورد عنه: بلفظ آخر ذكره الطبراني في الأوسط من حديث طلحة بن زيد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم أوحى الله إليه الأذان، فنزل به فعلمه بلالا، وقال: لا يروي هذا
الحديث عن الزهري إلا يونس، تفرد به طلحة، تفرد به محمد بن ماهان الواسطي عنه، وفي الباب حديث أنس بن مالك قال: كانت الصلاة إذا حضرت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى رجل في الطريق فنادى: الصلاة الصلاة. فاشتد ذلك على الناس فقالوا: لو اتخذنا ناقوسا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك للنصارى. فقالوا: لو اتخذنا بوقا! فقال صلى الله عليه وسلم: ذاك لليهود. فقالوا: لو رفعنا نارا! فقال عليه السلام: ذاك للمجوس. فأمر بلالا أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة. رواه الطبراني، عن ابن الطهراني، ثنا عبيد الله بن يوسف الجبيري، ثنا روح، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن خالد، عن أبي قلابة عنه، وأصله في الصحيحين، وسيأتي، وحديث أبي عمير، عن عمومته من الأنصار المذكور قبل من كتاب أبي داود - رحمه الله تعالى - وكذا حديث معاذ بن جبل، وحديث زفر بن الهذيل، عن أبي حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه: أن رجلا من الأنصار مر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو حزين، فبينا هو كذلك إذ نعس، فأتي في النوم، فقال: على ما حزنت له. فذكر قصة الأذان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره: قد أخبرنا بمثل ذلك أبو بكر. فأمر بلالا أن يؤذن بمثل ذلك، وقال الطبراني: لم يروه عن علقمة إلا أبو حنيفة، وحديث عبيد الله بن زيد بن عبد ربه أخي عبد الله قال: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث في الأذان، فجاءه عبد الله فقال: إني رأيت الأذان قال: فقم فألقه على بلال. فقال يا رسول الله، إني أريتها، وأنا كنت أريد أن أؤذن قال: أقم أنت. رواه المديني في معرفة الصحابة من حديث
سهل ابن الديلمي، نا عبد السلام بن مطهر، نا أبو سلمة الأنصاري، عن عبيد الله بن محمد بن زيد عنه، وقد ورد في بدأ الأذان حديث يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه في الإسراء، أنبأ به المسند المعمر الرحلة أبو التقي صالح الأشعري - رحمه الله تعالى - قراءة عليه، وأنا أسمع أن مسند عصره أبو العباس بن عبد الدائم قراءة عليه، أنبأ يحيى بن محمد الثقفي قراءة عليه قال: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ، بجميع كتاب الترغيب والترهيب، أنبأ أبو عثمان بن حمدان، حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن، ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن، نا سلمة بن شبيب، نا يونس بن موسى السامي البصري، ثنا الحسن بن حماد الكوفي، عن زياد بن المنذر، عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، قال: لما أراد الله تبارك وتعالى أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبرائيل عليهما السلام بدابة يقال لها: البراق فاستصعب عليه، فقال: يا جبريل ائتني بدابة ألين من هذه، فأتاه بدابة يقال لها: برقة، فذهب يركبها، فاستصعب عليه أيضا، فقال لها جبريل: اسكني برقة فما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فانتهت به إلى الحجاب الذي يلي الرحمن، فخرج من وراء الحجاب ملك، فقال عليه السلام لجبريل: من هذا؟ فقال جبرائيل: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا، وما رأيت هذا الملك منذ خلقت قبل ساعتي هذه. فقال الملك: الله أكبر. الله أكبر فسمعت من وراء الحجاب صدق عبدي: أنا أكبر، أنا أكبر. فقال الملك: أشهد ألا إله إلا الله. فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا لا إله إلا أنا. ثم قال الملك:
أشهد أن محمدا رسول الله. فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أرسلت محمدا. ثم قال الملك: حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة. فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي، ودعا إلى عبادتي. ثم قال الملك: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فقيل من وراء الحجاب: لا إله إلا أنا. ثم أخذ الملك بيدي فأممت أهل السماء فيهم آدم، ونوح.
قال أبو جعفر محمد بن علي: فيومئذ أكمل الله لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أه السماء والأرض، قال أبو القاسم الجوزي: هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ورواه أبو بكر البزار في مسنده، عن محمد بن عثمان بن مخلد، ثنا أبي، وذكره أبو الشيخ في كتاب الأذان، عن زياد بن المنذر فذكره، ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن علي إلا بهذا الإسناد، وزياد بن المنذر فيه شيعية، وقد روى عنه مروان بن معاوية، وغيره، وقال أبو علي الجياني: وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحا لما يعضده، ويشاكله من أحاديث الإسراء، وبنحوه ذكره الحافظ أبو زيد السهيلي، وزاد، فبمجموعها يحصل أن معاني الصلاة كلها، أو أكثرها قد جمعها حديث الإسراء. ورواه ابن شاهين، عن أحمد بن محمد بن هارون، ثنا موسى بن يسار بن عبد الرحمن، نا يونس بن موسى، عن الحسن بن حماد، عن زياد، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن أبي رافع، عن علي بلفظ: قال عليه السلام: يا علي إن الله تعالى علمني الصلاة، وعلمني الأذان. فذكره بطوله، وأشار إلى ضعفه، قال: وثنا أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا يعقوب بن يوسف، ثنا حصين، عن منذر بن
أبي طريف، عن محمد بن بشير، عن محمد ابن الحنفية، عن علي قال: كان أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، لما كان في السماء حضرت الصلاة فأذن جبرائيل
…
الحديث، وثنا أحمد بن يونس [، ثنا إبراهيم الحربي، ثنا عبيد الله بن عمر، ثنا يونس] بن أرقم، ثنا سعيد بن دينار، عن زياد بن المنذر، حدثني العلاء، قال: قلت لابن الحنفية: كنا نتحدث أن الأذان رؤيا رآها رجل من الأنصار ففزع، وقال: وقد عمدتم إلى أحسن دينكم، فزعمتم أنه كان رؤيا، هذا والله الباطل، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج به انتهى إلى مكان من السماء، وقف، وبعث الله عز وجل ملكا ما رآه أحد في السماء قبل ذلك اليوم، فعلمه الأذان، وذكر باقي الحديث، ففي هذا رد لما ذكره البزار، وأبو القاسم، وحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أسري بي إلى السماء الدنيا أذن جبرائيل عليه السلام، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم فقدمني فصليت بهم. ذكره أبو حفص في كتاب الناسخ والمنسوخ عن جعفر بن محمد بن نصير، ثنا علي بن أحمد السواق، ثنا محمد بن حماد بن زيد الحارثي، ثنا عائذ بن حبيب الهروي، عن هشام، عن أبيه عنها، وحديث ابن عباس قال: علم النبي صلى الله عليه وسلم الأذان حين أسري به، وأريه رجل من الأنصار في منامه، ورواه أيضا عن أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا يعقوب بن يوسف الضبي، ثنا أبو جنادة حصين بن المخارق، ثنا عبد الصمد بن علي، عن أبيه عنه، وفي كتاب أبي الشيخ:
كتب إلينا، علي بن الحسن بن سلم الرازي، ثنا مسروق، ثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين: عن عكرمة عنه قال: الأذان نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فرض الصلاة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} . انتهى، وفيه إشكال؛ لأن فرض الصلاة كان بمكة، وسورة الجمعة مدنية إجماعا، حكاه أبو العباس المفسر الضرير في كتاب مقامات التنزيل، وغيره، اللهم إلا أن يريد صلاة الجمعة لا مطلق الصلوات؛ لأن فريضة الجمعة إنما كانت بالمدينة، - والله أعلم -.
وحديث سالم، عن أبيه قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أوحي إليه الأذان فنزل فعلمه بلالا، رواه أيضا عن محمد بن محمود الأنباري، ثنا محمد بن ماهان، حدثني عمي، نا أبي، ثنا طلحة بن زيد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري عنه، وهو مردود؛ بأن الإسراء الذي فرضت فيه الصلاة كان بمكة، والتأذين بالمدينة إجماعا، وحديث عبيد بن عمر الليثي قال: ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه - للاجتماع للصلاة، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى عمر في المنام أن لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا بالصلاة فذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي رأى، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك فما راع عمر إلا بلال يؤذن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره بذلك: قد سبقك بذلك الوحي، ذكره ابن إسحاق في سيره، عن ابن جريج قال: قال لي عطاء: سمعت عبيدا به، قال السهيلي: وقد عرفت رؤيا ابن زيد، ولم تعرف رؤيا عمر رضي الله عنه، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة: أول من أذن بالصلاة جبرائيل في السماء الدنيا، فسمعه عمر، وبلال فسبق عمر بلالا
إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال سبقك بها عمر، وحديث عبد الله بن الزبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم عليه السلام في الحج: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر، قال: فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو الشيخ، عن كتاب علي بن سلم، نا مسروق، نا إبراهيم بن المنذر، نا عبد العزيز بن عمران، عن ابن المؤمل، عن أبي الزبير عنه، قال السهيلي: الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل، ولم يكن بوحي؛ فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أريه ليلة الإسراء فوق سبع سماوات، وهذا أقوى من الوحي، فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة، وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رآه عليه السلام، فلذلك قال: أنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى، وعلم حينئذ أن مراد الله تعالى بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض، وقوى ذلك موافقة رؤيا عمر مع أن السكينة تنطق على لسان عمر، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على لسان غير النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من التنويه بعده، والرفع لذكره، فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه، وأفخم لشأنه، وهو معنى قوله تعالى:{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ، وهو معنى ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي، والشيخ أبو العباس القرطبي، زاد: ويحتمل أنهم لما تفاوضوا في الأذان كان عبد الله، وعمر غائبين فلما قدما، وجدا المفاوضة، فقال عبد الله ما قال، وتلاه عمر، ولما رأى عمر قبول الرؤيا، وصحتها قال: ألا تنادون إلى الصلاة: فقال صلى الله عليه وسلم لبلال: قم. وقال عياض: ظاهر قول عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها، قال النووي: وهذا الذي قاله أبو الفضل محتمل أو متعين، فقد صح في حديث ابن زيد أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره فجاء عمر فقال: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فهذا ظاهره أنه كان في
مجلس آخر، فيكون الواقع الإعلام أولا، ثم رأى ابن زيد الأذان فشرعه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إما بوحي، وإما باجتهاده على مذهب الجمهور، وليس هو عملا بمجرد المنام، هذا ما لا شك فيه انتهى، وفي هذا كله ذهول عن قول عمر: لقد رأيت مثل ما رأى، ولكنه سبقني، ويحمل قوله: ألا تناودن إلى الصلاة على الأذان الشرعي؛ لأنه قال مثل ما رأى عبد الله، وعبد الله رأى الأذان مفصلا، وأخبر به كذلك، ولأنه قد وافقهما على رؤياهما سبعة من الصحابة في تلك الليلة أيضا حكاه صاحب المبسوط، وفي كتاب الغزالي فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر رجلا من الصحابة قد رأى كلهم مثل ذلك، ولأنا قد قدمنا في صحيح أبي عوانة فأذن بالصلاة؛ ولأنه لا خلاف أنهم كانوا قبل ذلك يؤذنون بها، بقولهم: الصلاة جامعة، ذكره ابن سعد، عن ابن المسيب، أو بقولهم: الصلاة الصلاة كما قدمنا، وفي قوله: قم يا بلال حجة لمشروعية الأذان قائما، وأنه لا يجوز الأذان قاعدا، وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور، فإنه جوزه، ووافقه أبو الفرج المالكي فيما ذكره أبو الفضل، واستضعفه النووي لوجهين:
أحدهما: المراد بالنداء هنا الإعلام.
الثاني: المراد قم واذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان، قال: ومذهبنا المشهور أنه سنة فلو أذن قاعدا بغير عذر صح أذانه لكن فاتته الفضيلة، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، وفي كتاب الإشراف: أجمع كل من يحفظ عنه العلم: أن من السنة أن يؤذن المؤذن قائما، وروينا عن أبي زيد الصحابي، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله أنه أذن وهو قاعد. وفي كتاب أبي الشيخ، عن عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيه قال: حق وسنة مسنونة ألا يؤذن إلا وهو قائم طاهر، وقول الصحابي: وهو من السنة
يدخل في المسند، وأما قول أبي عمير: لولا أن ابن زيد كان مريضا لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان، فيرده ما ذكره الدارقطني، قال عبد الله: أنا رأيته، وأنا كنت أريده. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأقم أنت. وسيأتي ذكره أيضا، وفي كتاب المحيط: وإن أذن لنفسه فلا بأس بأن يؤذن قاعدا من غير الناس، فإن أذن قاعدا من غير عذر مراعاة لسنة الأذان وعدم الحاجة إلى إعلام الناس فإن أذن قاعدا لغير عذر صح أذانه، وفاتته الفضيلة، وكذا لو أذن قاعدا مع قدرته على القيام صح أذانه، فأما إذا أذن على غير وضوء فقد جوزه إبراهيم قال: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء، ثم ينزل فيتوضأ. وعن قتادة: أنه كان لا يرى بأسا أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء، فإذا أراد أن يقيم توضأ، وعن عبد الرحمن بن الأسود: أنه كان يؤذن على غير وضوء، وعن الحسن: لا بأس أن يؤذن غير طاهر، ويقيم وهو طاهر، وعن حماد: أنه كان لا يرى بأسا أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء، وكره ذلك جماعة، قال عطاء: الوضوء فرض وسنة، وفي حديث الزهري قال أبو هريرة: لا يؤذن إلا متوضئ. ولما رواه الترمذي، عن يونس، عن الزهري مرسلا قال: هذا أصح. ورواه البيهقي من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعا، وفي كتاب شرح الآثار للطبري عن عبد الله بن عباس قال لرجل: لا تؤذن إلا وأنت طاهر، ورفعه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي المصنف عن مجاهد: لا أؤذن حتى أتوضأ، واختلف في آخر الأذان،
فالصحيح ما تقدم، وفي المصنف نا محمد بن فضيل عن يزيد عن أبي صادق أنه كان يجعل آخر أذانه - لا إله إلا الله - والله أكبر - وقال: هكذا كان آخر أذان بلال، وكذا روى ابن علية عن ابن عون عن محمد قال: كان الأذان للنبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وفي آخره: لا إله إلا الله، والله أكبر.
وفي كتاب البيهقي من طريق مؤذن علي أنه إذا أذن ختمه بقوله: والله أكبر الله أكبر، وكذا فعله أبو يوسف صاحب أبي حنيفة.
وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم: ثنا إسرائيل حدثني ثوير قال: صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة، فكان مؤذننا، وكان يجعل آخر أذانه: لا إله إلا الله، والله أكبر، وثنا إسرائيل حدثني ثوير قال: سألت أبا جعفر عن آخر الأذان، فقال: لا إله إلا الله، والله أكبر وثنا زهير عن عمران بن مسلم أرسلني سيد بن غفلة إلى مؤذننا رباح فقال: قل له يختم أذانه بالله أكبر، فإنه أذان بلال، وعن إبراهيم قال: كان أبو محذورة يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وكان بلال يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله: بلال في السفر، وأبو محذورة في الحضر، يعني في آخر الأذان، رواه عن عيسى بن المسيب عنه.
وأما الناقوس فذكر الجواليقي في كتاب المعرب أنه ينظر فيه: أعرابي هو أم لا؟ وقال القزاز: ولا أراه عربيا محضا، قال: وهو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، وأما قول ابن المثنى: وفي الصحاح: كانوا ينقسون، قال وهي رواية
منكرة، لأن ظاهرها يقتضي ضربهم به، فليس صحيحا، لأن الذي في غير ما نسخة في الصحاح: الناقوس: الذي تضرب به النصارى لأوقات الصلوات، قال جرير:
لما تذكرت بالديرين أرقني
…
صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
والنقس: ضرب الناقوس، وفي الحديث: كادوا ينقسون حتى رأى عبد الله بن زيد الأذان في المنام، زاد ابن سيده في محكمه: والنقس: ضرب من النواقيس: وهو الخشبة الطويلة، والوبيلة القصيرة، وقول الأسود بن يعفر:
وقد سبأت لفتيان ذوي كرم
…
قبل الصباح ولما تقرع النقس
يجوز أن يكون جمع ناقوس على توهم حذف الألف، وأن يكون جمع نقس الذي هو ضرب منها، كرهن ورهن، وسقف وسقف، وقد نقس الناقوس بالوبيل نقسا، وزعم أبو زكريا يحيي بن علي الخطيب التبريزي في كتاب العروض الكبير أن عليا رضي الله عنه سمع صوت الناقوس، فقال لمن معه من أصحابه: أتدرون ما يقول هذا الناقوس؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، وابن عمه أعلم.
فقال: إن علمي من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الناقوس يقول:
حقا حقا حقا حقا
…
صدقا صدقا صدقا صدقا
يا ابن الدنيا جمعا جمعا
…
إن الدنيا قد غرتنا
يا ابن الدنيا مهلا مهلا
…
لسنا ندري ما فرطنا
ما من يوم يمضي عنا
…
إلا أوهى منا ركنا
ما من يوم يمضي عنا
…
إلا أمضى منا قرنا
.
قال أبو زكريا: وهذا البحر يسمى الغريب، والمتسق، وركض الخيل، وقطر الميزاب. وفي رواية:
إن الدنيا قد غرتنا
…
واستهوتنا واستلهتنا
يا ابن الدنيا مهلا مهلا
…
زن ما تأتي وزنا وزنا
.
وعبد الله بن زيد لم أر أحدا ذكره في الشعر، ولا ألم بذكره، - والله تعالى أعلم -.
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه أكتفي.
5 -
الترجيع في الأذان
11 -
حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن يحيى، ثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيريز - وكان يتيما في حجر أبي محذورة بن معير حتى جهزه إلى الشام - فقلت لأبي محذورة: أي عم، إني خارج إلى الشام، وإني أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال: خرجت في نفر فكنا ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعنا صوت المؤذن، ونحن عنده متنكبون، فصرخنا نحكيه، تهزءا، فسمع رسول الله فأرسل إلينا قومنا، فأقعدونا بين يديه، فقال: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟. فأشار إلي القوم كلهم، وصدقوا، فأرسل كلهم، وحبسني، وقال لي: قم فأذن. فقمت، ولا شيء أكره إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال: قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال لي: ارجع فمد من صوتك: أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من
فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمرها على وجهه من بين يديه على كبده، ثم بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك، وبارك عليك. فقلت: يا رسول الله، أمرتني بالتأذين بمكة؟ قال: نعم، قد أمرتك. فذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأذنت معه بالصلاة على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وأخبرني ذلك من أدرك أبا محذورة على ما أخبرني عبد الله بن محيريز.
12 -
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا همام بن يحيى، عن عامر الأحول، أن مكحولا حدثه، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة فذكره.
هذا الحديث خرجه مسلم مختصرا من حديث الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز فذكر: الله أكبر. في أوله مثنى مثنى، وأبو عوانة من حديث ابن المديني، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، وابن منده من حديث عبيد الله بن عمر عنه، وأما تخريج الحاكم له من جهة عبد الله بن سعيد، عن معاذ ففيه نظر لكونه في مسلم، قال ابن القطان: والصحيح عن عامر في هذا الحديث إنما هو تربيع التكبير في أوله، كذلك رواه عن عامر جماعة منهم عفان، وسعيد بن عامر، وحجاج، ورواه
عن هؤلاء الحسن بن علي، ذكر ذلك أبو داود عنه، وبذلك يصح، فيكون الأذان تسع عشرة كلمة، وقد قيده بذلك في نفس الحديث وقيد الإقامة بسبع عشرة كلمة، وقد وقع في بعض روايات مسلم لهذا الحديث مربعا، وهي التي ينبغي أن تعد فيه صحيحة، ذكره البيهقي في كتابه. انتهى كلامه.
وفيه نظر، وذلك أنه يسقط منه هكذا رجل، وبيانه: هو أن أبا داود إنما رواه عن الحسن بن علي، عن عفان، وسعيد بن عامر، وحجاج، عن همام، عن عامر، وكذا رواه أبو عيسى - وسيأتي - ورواه ابن سعد في كتاب الطبقات، عن سعيد بن عامر، وعفان، عن همام بن يحيى، عن عامر - والله أعلم - ولهذا فإن أبا عمر حكى عن ابن السكن تفرد همام بروايته، ورواه أبو عيسى من حديث إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أخبرني أبي، وجدي جميعا عن أبي محذورة، وعن أبي موسى، عن عفان، عن همام، عن عامر، عن مكحول به مختصرا، وقال: حسن صحيح، وكذا قاله في العلل حين ذكره بكماله، ولفظ ابن خزيمة، وخرجه من حديث مكحول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر نحوا من عشرين رجلا فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة، فعلمه الأذان، وعلمه الإقامة مثنى مثنى. وعن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك مؤذن المسجد الحرام قال: حدثني أبي، وجدي جميعا عن أبي محذورة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقعده فألقى عليه الأذان حرفا حرفا. قال بشر بن معاذ: قال لي إبراهيم: هو مثل أذاننا هذا. فقلت له: أعد علي قال أبو بكر بن خزيمة: عبد العزيز لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة، وإنما رواه عن ابن
محيريز، عن أبي محذورة.
وقال الدورقي في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر، وباقي حديثه مثل لفظ حديث بندار، عن أبي عاصم، وهكذا رواه روح، عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة عنه، قال في أول الأذان: الله أكبر، الله أكبر، لم يقله أربعا، ورواه أبو عاصم، وعبد الرزاق، عن ابن جريج، وقالا في أول الأذان: الله أكبر. أربعا.
قال الحافظ أبو بكر: خبر أبي محذورة ثابت صحيح من جهة النقل، وفي سؤالات الأثرم: قيل لأبي عبد الله: حديث أبي محذورة صحيح؟ قال: أما أنا فلا أدفعه. وذكره ابن الجارود في منتقاه، وحكى أبو عمر، عن الشافعي أنه يقول في أول الأذان: الله أكبر أربعا، وزعم أن ذلك محفوظا من رواية الحفاظ الثقات في حديث ابن زيد، وأبي محذورة، وهذه زيادة يجب قبولها، والعمل بها عندهم بمكة، في آل أبي محذورة إلى زمانه، وفي كتاب الإقناع لابن المنذر: والأذان الذي علم النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة، ولم يزل عليه أهل الحرمين قديما وحديثا إلى يومنا هذا التربيع. وقال الحافظ أبو علي الطوسي في كتاب الأحكام وذكره فقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال أحمد بن سنان: هذا الحديث أصل في هذا الباب، فأما الإقامة فلا يختلف على واحدة واحدة إذ علمها النبي عليه السلام أبا محذورة، وأمر بها بلالا، وقد روي حديث أبي محذورة من غير وجه، وعليه العمل بمكة، وقال البغوي في شرح السنة: هذا حديث صحيح، ولفظ النسائي: خرجت
عاشر عشرة، فسمعناهم يؤذنون للصلاة، فأرسل إلينا فأذنا رجلا رجلا، فكنت آخرهم، زاد الكجي: وكان ذلك في الحجرة. وقد تقدم من عند أبي داود، وابن خزيمة ما يرده - والله أعلم - ورواه أبو حاتم في صحيحه بلفظ: فكنا في بعض طريق حنين، وفي آخره، قال ابن جريج: وأخبرني غير واحد من أهلي خبر ابن محيريز هذا، وفي كتاب النسائي، وابن خزيمة قال ابن جريج: أخبرني هذا الخبر كله عثمان بن السائب، عن أبيه، وعن أم عبد الملك أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة، وزعم ابن القطان أن عثمان، وأباه، وأمه مجهولون، وهو مردود بما ذكرناه، قال ابن حبان: حدثنا الفضل بن الحباب، حدثنا مسدد، حدثنا الحارث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده، قال: قلت يا رسول الله، علمني سنة الأذان. قال: فمسح مقدم رأسي، وقال: تقول: فذكره مرجعا، ثم قال: فإن كانت صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. واعترض أبو محمد الإشبيلي على هذا الحديث بقوله: هذا يرويه الحارث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك، عن أبيه، عن جده، ولا يحتج بهذا الإسناد، وقال في الكبرى: الحارث بن عبيد يضعف، وقد روى عنه ابن مهدي، وقال: هو من شيوخنا. وهو كلام جيد، واعترض ابن القطان على الأول ذهولا عن الثاني، وأصاب؛ لأن كلامه على الوسطى لا الكبرى، ولكنه غالبا يبين الصواب وعدمه منها، قال: لأنه لم يبين علته قال: وهي الجهل بحال محمد بن عبد الملك، ولا نعلم روى عنه إلا الحارث، وهو أيضا ضعيف، قاله ابن معين.
وقال فيه أيضا: مضطرب الحديث. وكذا قاله ابن حنبل، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال عمرو بن علي: سمعت ابن مهدي يحدث عنه، وقال: كان من شيوخنا، وما رأيت إلا خيرا؛ فأما عبد الملك بن أبي محذورة فقد روى عنه جماعة منهم: ابنه محمد، والنعمان بن راشد، وابنا ابنيه: إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، وإبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك. انتهى كلامه، وفيه نظر؛ من حيث إن الحارث خرج له مسلم في صحيحه على طريق الاحتجاج، وقال الساجي: كان صدوقا. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، واستشهد به البخاري في موضعين من كتابه، وأما ما ذكره عن أحمد فقد جاء عنه خلافه، قال أحمد بن حميد: سألت أبا عبد الله عنه فقال: لا أعرفه. قلت: يروي عن هود بن شهاب؟ قال: لا أعرفه. قلت: روى عن هود، عن ابن عباد، عن أبيه، عن جده، مر عمر على أبيات بعرفات؟ فقال: نعم، هذا يروى عن عباد من غير هذا الوجه، وقد جاء هذا الحديث بهذا اللفظ من حديث غيره، رواه ابن خزيمة في صحيحه، عن يزيد بن سنان، ثنا أبو عاصم، وأشار الطحاوي في المشكل إلى ثبوته، ورواه أبو داود، عن الحسن بن علي، حدثنا أبو عاصم، وعبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عثمان بن السائب، أخبرني أبي، وأم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو هذا الحديث - يعني حديث الحارث بن عبيد - وفيه: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، في الأول من الصبح، قال أبو داود: ثنا النفيلي، ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة، سمعت جدي عبد الملك يذكر أنه سمع أبا محذورة يقول: ألقى علي النبي صلى الله عليه وسلم الأذان فذكره. وفيه: كان يقول في الفجر: الصلاة خير من النوم. وهو أيضا إسناد صحيح.
قال: ثنا محمد بن داود، حدثنا زياد - يعني ابن يونس - عن نافع بن عمر الجمحي، عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيريز عنه، فذكر مثل حديث ابن جريج، عن عبد العزيز بن عبد الملك، ومعناه.
ورواه النسائي عن عمرو بن علي، حدثنا يحيى، وعبد الرحمن، قالا: حدثنا سفيان، عن أبي جعفر، عن أبي سلمان، عن أبي محذورة قال: كنت أؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فأقول إذا كنت في الأذان الأول: حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. ثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، وعبد الرحمن قالا: ثنا سفيان بهذا الإسناد نحوه، قال عبد الرحمن بن مهدي: وليس بأبي جعفر الفراء، وأما ابن حزم فذكره في كتابه مصححا له، وقال: عن أبي جعفر المؤذن، عن أبي سليمان. كذا رأيته بالياء بعد اللام، وكأنه تصحيف من النسخة، وصوابه: سلمان، واسمه همام، وزعم المزي أن أبا جعفر هذا هو الفراء، وأنت ترى ابن مهدي نص على أنه ليس به، ولو كان الفراء لكان سندا صحيحا - والله أعلم -.
ورواه أبو الشيخ، عن إبراهيم بن محمد بن الحارث، ومحمود بن أحمد بن الفرج، ومحمد بن نصر قالوا: حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، أنبأ الثوري، وفي آخره: فدعاني عليه السلام فمسح يده على رأسي. حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا سلمة بن الخليل الكلاعي، ثنا مروان، ثنا النعمان، عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن ابن محيريز الشامي، عن أبي محذورة: أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان، وأمره أن يقول في الأذان الأول من الصبح: الصلاة خير من النوم، مرتين. وثنا الوليد بن أبان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا محمد بن راشد،
حدثني النعمان بن راشد، عن عبد الملك، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤذن لأهل مكة، وأن يدخل في أذانه في الغداة الصلاة خير من النوم. انتهى، وفي هذا أيضا رد لما تقدم من قول البيهقي في المعرفة: حديث أبي محذورة منقطع. ولما يفهم أيضا من قول أبي الشيخ في موضع آخر: إن الحرشي سأل ابن أبي محذورة، عن التثويب فقال كان في أذان بلال. وفي سنن الدارقطني بسند صحيح، حدثنا أحمد بن العباس، حدثنا عباد بن الوليد أبو بدر، ثنا الحماني، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا عبد العزيز بن رفيع، قال: سمعت أبا محذورة يقول: كنت غلاما صيتا، فأذنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين الفجر، فلما بلغت حي على الفلاح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألحق فيها: الصلاة خير من النوم. وقال ابن المنذر جاء الحديث، عن أبي محذورة أنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أذنت الصبح فقل: الصلاة خير من النوم. وأما قول الشيخ في المهذب: لم يحك أبو محذورة الترجيع. فمردود بما قدمناه - والله أعلم -.
وفي كتاب النسائي بسند صحيح: آخر أذان أبي محذورة لا إله إلا الله. ولما ذكره في الأوسط قال: لم يروه عن هشام إلا ابنه، تفرد به ابن راهويه. قال ابن عبد البر: والتثويب في أذان أبي محذورة محفوظ معروف مشهور عند العلماء، وذهب مالك، وأصحابه إلى أن التكبير في أول الأذان مرتين، قال: وقد روي ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي محذورة، وفي أذان عبد الله بن زيد، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظ إلى زمانهم.
ويؤيده ما أسلفناه من عند الترمذي، وأبي داود، وروى أبو بكر بن الجهم المالكي
من طريق عمار بن سعد القرظ، عن أبيه، أنه سمعه يقول: إن هذا الأذان أذان بلال، فذكره مثنى، قال: والإقامة واحدة واحدة، ويقول: قد قامت الصلاة واحدة.
وكذا حديث أبي أمامة بن سهل قال: سمعت معاوية يقول: إذا كبر المؤذن اثنين كبر اثنين، وإذا تشهد اثنين تشهد اثنين، ثم التفت فقال: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الأذان. وسيأتي له مزيد بيان - إن شاء الله تعالى - قال ابن المنذر في الإشراف: لم يختلف مالك، والشافعي إلا في أول الأذان. وقال سفيان، وأصحاب الرأي: الأذان على حديث عبد الله بن زيد مربعا من غير ترجيع. وقالت طائفة: الاختلاف في هذا من جهة المباح. وقال أحمد بن حنبل: إن رجع فلا بأس، وإن لم يرجع فلا بأس. وكذلك قال إسحاق.
غريبه: قوله الله أكبر. ذكر ثعلب أن أهل العربية اختلفوا في معنى أكبر؛ فقال أهل اللغة: معناه كبير، وقالوا: أكبر بمعنى كبير. واحتجوا بقول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا
…
بيتا دعائمه أعز وأطول
.
أراد دعائمه عزيزة طويلة: واحتجوا بقول الآخر:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت
…
فتلك سبيل لست فيها بأوحد
.
أراد: لست فيها بواحد. واحتجوا بقول معن بن أوس:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل
…
على أينا تعدو المنية أول
.
أراد: وإني لوجل. واحتجوا بقول الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل
…
حذر العدا وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني
…
قسما إليك مع الصدود لأميل
.
أراد: لمائل واحتجوا بقوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} . قالوا: فمعناه، وهو
هين عليه، قال ابن الأنباري في الكتاب الزاهر: قال أبو العباس: وقال النحويون - يعني الكسائي، والفراء، وهشاما - الله أكبر معناه: أكبر من كل شيء، فحذفت من؛ لأن أفعل خبر كما تقول: أبوك أفضل، وأخوك أعقل. فمعناه: أفضل، وأعقل من غيره، واحتجوا بقول الشاعر:
إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن
…
سراج لنا إلا ووجهك أنور
.
أراد: أنور من غيره. وقال معين بن أوس:
فما بلغت كف امرئ متناول بها
…
المجد إلا حيث ما نلت أطول
ولا بلغ المهدون في القول مدحة ولو
…
صدقوا إلا الذي فيك أفضل
.
أراد: أفضل من قولهم. قال: وأجاز أبو العباس: الله أكبر، الله أكبر، واحتج بأن الأذان سمع وقفا لا إعراب فيه لقولهم: حي على الصلاة حي على الفلاح، ولم يسمع على الصلاة والفلاح فكان الأصل فيه: الله أكبر بتسكين الراء، فألقوا على الراء فتحة الألف من اسم الله تعالى، وانفتحت الراء، وسقطت الألف، كما قال تعالى:{الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} . كان الأصل فيه - والله أعلم -: الم الله، بتسكين الميم، فألقيت فتحة الألف على الميم، وسقطت الألف قال: وسمعت أبا العباس يقول: (من) تحذف في مواضع الأخبار، ولا تحذف في مواضع الأسماء، من قال: أخوك أفضل لم يقل: إن أفضل أخوك. وإنما حذفت في مواضع الأخبار؛ لأن الخبر يدل على أشياء غير موجودة في اللفظ، واعترض أبو إسحاق الزجاجي على أبي بكر بأن هذا الذي حكاه عن ثعلب غير صحيح، واعتلاله غير مستقيم، وذكر كلاما طويلا أغفل فيه التنبيه على البيتين الأخيرين، وأنهما ليسا في ديوان معن، وإنما هما ثابتان في ديوان الخنساء تمدح أخاها في غير ما نسخة، حتى لقد استشهد العلماء بذلك في كلامهم، قال ابن معط في كتاب البديع المنظوم تصنيفه: براعة الاستهلال: أن تبتدئ بما يدل على المقصود بالنظم أولا، كما قالت الخنساء تطري أخاها:
ولا مدحة إلا وذا المدح أجمل
.
وما بلغت كف امرئ
.
البيتين، وقوله: أشهد ألا إله إلا الله. قال أبو بكر: معناه عند أهل العربية أعلم أنه، وأبين ألا إله إلا الله. الدليل على هذا قوله تعالى:{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} وذلك أنهم لما جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قد تبينوا على أنفسهم الضلالة، والكفر، قال حسان رضي الله عنه:
فنشهد أنك عبد المليك
…
أرْسلت نورا بدين قيم
.
ومن ذلك قولهم: شهد الشاهد عند الحاكم. معناه: قد بين له، وأعلمه الخبر الذي عنده. وقال أبو عبيدة: معناه: قضى الله تعالى. قال ابن الأنباري: وقول أبي العباس أحسن مشاكلة لكلام العرب. قال الزجاجي: ليس حقيقة الشهادة ما ذكره، ولو كان معنى الشهادة البيان والإعلام لما أكذب تعالى المنافقين في قوله:{قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} . لأن البيان، والإعلام إنما هو باللسان لا بالقلب، فقد قالوا بلسانهم، وأعلموا، فكذبهم الله تعالى؛ لأن الشهادة في هذا الموضع إنما هي تحقق الشيء، وتيقنه، فكذبهم تعالى؛ لأنهم أبطنوا خلاف ما أظهروا، فقد تكون الشهادة على ضروب، وأصلها تحقق الشيء، وتيقنه من شهادة الشيء أي: حضوره؛ لأن من شاهد شيئا فقد تيقنه علما، فاستعملت هذه اللفظة في تحقق الأشياء، ثم اتسع فيها بعد ذلك فاستعملت في موضعين آخرين؛ أحدهما: الإقرار بالشيء، والآخر البيان، والإظهار، فمن البيان والإظهار: ما ذكر في قوله تعالى: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} فأما شهادة الشاهد في الحقوق فإنما هي إخبار منه عما شاهده، وتيقنه، وأحضر للوقوف عليه معاينة وسماعا، وأما الإقرار فما كان يؤخذ به المشركون في صدر الإسلام، من الدعاء إليه، وهو أنهم كانوا يقاتلون حتى يتشهدوا فيحصن ماله، ويحقن دمه، وإنما كان يراد منهم الإقرار بهذا، ألا ترى أن المنافقين كانوا على
عهده عليه السلام يقولون هذا، ويقرون به في الظاهر فيصير لهم حكم المسلمين، ويبطنون خلافه، وأما الرسول فمعناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذ من قول العرب: قد جاءت الإبل رسلا. إذا جاءت متتابعة، قال الأعشى:
يسقي ديارا لنا قد أصبحت غرضا
…
زورا أجنف عنها القود والرسل
.
القود: الخيل، والرسل: الإبل المتتابعة، ويقال في تثنيته: رسولان، وفي جمعه: رسل. ومن العرب من يوحده في موضع التثنية، والجمع فيقول: الرجلان رسولك، والرجال رسولك. قال الله تعالى:{إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} وفي موضع آخر: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فالأول خرج الكلام فيه على الظاهر؛ لأنه إخبار عن موسى وهارون عليهما السلام والثاني قال يونس: وأبو عبيدة: وحده لأنه في معنى الرسالة، كأنه قال: إنا رسالة رب العالمين. واحتج يونس بقول الشاعر:
فأبلغ أبا بكر رسولا سريعة
…
فما لك يا ابن الحضرمي وما ليا
.
وبقول الآخر:
ألا من مبلغ عني خفافا
…
رسولا بيت أهلك منتهاها
.
أراد رسالة سريعة. واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر:
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم
…
بسر ولا أرسلتهم برسول
.
وقال الفراء: إنما وحد لأنه اكتفى بالرسول من الرسولين، واحتج بقول الشاعر:
ألكني إليها وخير الرسول
…
أعلمهم بنواحي الخبر
.
أراد: وخبر الرسل. فاكتفى بالواحد من الجمع، قال أبو بكر: وفصحاء العرب - أهل الحجاز ومن والاهم - يقولون: أشهد أن محمدا رسول الله. وجماعة من العرب يبدلون من الألف عينا فيقولون: أشهد عن محمدا رسول الله. قال أبو بكر: أنشد أبو العباس قال: أنشدنا الزبير بن بكار:
قال الوشاة لهند عن تصارمنا
…
ولست أنسى هوى هند وتنساني
.
وقال قيس بن الملوح المجنون:
أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني
…
لك اليوم من وحشية لصديق
فعيناك عيناها وجيدك جيدها
…
سوى عن عظم الساق منك دقيق
.
أراد: سوى أن. فأبدل من الألف عينا، وقال أيضا:
فما هجرتك النفس يا ليلى عن قلى
…
قلته ولا عن قل منك نصيبها
أتضرب ليلى عن ألم بأرضها
…
وما ذنب ليلى عن طوى الأرض ذيبها
.
قال أبو بكر: وفي قولهم: أشهد أن محمدا رسول الله. ثلاثة أوجه؛ الوجه المجتمع عليه: أن محمدا، ويجوز: إن محمدا لرسول الله، وإن محمدا رسول الله، على معنى أقول: ولا يجوز أن تبدل من الألف إذا انكسرت عينا، إنما يفعل ذلك بها إذا انفتحت، قال أبو إسحاق الزجاجي: ليس ما ذكره في اشتقاق الرسول صحيحا، ولو كان كذلك ما جاز لهم في أول مجيئه إليهم أن يقول: إني رسول الله إليكم؛ لأنه لم يتابع إليهم بعد بإخبار، ولا يدرى ما يكون بعد، بل كان لا يقع عليه في الحال الأولى اسم رسول، ولا تجب له حجة على تأويله هذا، ولكان من أرسل إنسانا في حاجة واحدة إلى آخر لم ينفذه قط في غيرها لم يجز للمرسل أن يقول لصاحبه المنفذ إليه: إني رسول فلان إليك. وهذا غلط بين، يدفعه استعمال الكافة ذلك غير منكرين له، وإنما الرسول بمعنى المرسل المنفذ، من أرسلت أي: أنفذت، وبعثت، وكذلك قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى} وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} ولذلك قيل في معناه: مبعوث، وإنما غلط أبو بكر؛ لأنه رآه على فعول فتوهمه مما جاء على فعول للمبالغة، ولا يكون ذلك إلا لتكرار الفعل: نحو ضروب، وشبهه من الأسماء المبنية من الأفعال للمبالغة، وليس كذلك، وإنما هو اسم لغير تكثير الفعل بمنزلة عمود، وعتود، وعجوز، فهو وإن كان مشتقا، فإنه يجري مجرى الأسماء المحضة في الاستعمال، والدليل على صحة ما قلنا: قول سيبويه وجميع النحويون من البصريين والكوفيين: أزيد أتت إليه رسول؟ قالوا: برفع زيد؛ لأن رسولا اسم لا يجري مجرى الفعل، فكأنك قلت: أزيد أتت له عجوز؟ ولو كان من تلك الأسماء الجارية مجرى الفعل للمبالغة لنصبت وأزيدًا
أتت له ضروب؟ وأزيدا أتت له شكور؟ وكذلك ما أشبهه، وهذا بين واضح، انتهى.
أنشد المبرد في كامله، وحبيب في حماسته الوسطى لبعضهم:
وما هجرتك النفس يا مي أنها
…
قلتك ولا أن قل منك نصيبها
ولكنهم يا أملح الناس أولعوا
…
بقول إذا ما جئت هذا حبيبها
.
وعزاهما الشنتمري لنصيب، قال: ويقال: هما لمعاذ.
وأما قوله: (حي على الصلاة). فذكر الفراء أن حي في كلام العرب معناها: هلم وأقبل، وفتحت الياء من حي لسكونها، وسكون الياء التي قبلها، كما قالوا: ليت، ولعل. قال أبو بكر: ومنه قول ابن مسعود: إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر. معناه: أقبلوا على ذكر عمر. وفيه ست لغات: حي هلا بالتنوين، الثاني: فتح اللام بغير تنوين، الثالث: تسكين الهاء، وفتح اللام بغير تنوين، الرابع: فتح الهاء، وسكون اللام، الخامس: حي هلن، السادس: حي هلين على عمر، قال الزجاجي: أما الوجه الخامس: بالنون فهو الأول بعينه؛ لأن التنوين، والنون سواء.
وأما الفلاح فذكر جماعة من أهل اللغة معناه: هلموا إلى الفوز، قال أبو بكر: وقالوا: يقال: قد أفلح الرجل إذا فاز، وأصاب خيرا، من ذلك الحديث الذي يروى: استفلحي برأيك. أي: فوزي برأيك. قال لبيد:
اعقلي إن كنت لما تعقلي
…
ولقد أفلح من كان عقل
.
وقال تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وقال آخرون (حي على الفلاح) معناه: هلموا إلى البقاء أي: أقبلوا إلى سبب البقاء في الجنة، قالوا: والفلح، والفلاح عند العرب البقاء، أنشدنا أبو العباس:
لكل هم من الهموم سعة
…
والمسي والصبح لا فلاح معه
.
وقال لبيد:
لو كان حي مدرك الفلاح
…
أدركه ملاعب الرماح
.
وقال عبيد:
أفلح بما شئت فقد يدرك
…
بالضعف وقد يخدع الأريب
.
فهذا من الفوز، وقال أصحاب البقاء: معنى قوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . يعني: الباقون في الجنة، والفلح والفلاح عند العرب: السحور. انتهى كلامه، ولم يتبع عليه الزجاجي شيئا، ومما ينبغي أن يتبع عليه أمور: الأول: إطلاقه أن الفلاح البقاء، وأهل اللغة يقيدونه بالبقاء في النعيم، والخير، قاله ابن سيده، وقال: وفي التنزيل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} . أي: نالوا البقاء الدائم في الخير. قال: والفلاح: الفوز بما يغبط به، وفيه صلاح الحال، الثاني: قوله من ذلك الحديث الذي يروى إلى آخره، وليس هو بحديث، إنما هو من ألفاظ الطلاق في أيام الجاهلية. قاله ابن سيده، والنجيرمي، وأما قول الهروي في الغريبين: وفي حديث ابن مسعود: إذا قال الرجل لامرأته: استفلحي برأيك. فليس حديثا مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أثر هذا هو الاصطلاح، وأيضا فيجوز أن يكون قاله حاكيا عن العرب في الجاهلية؛ إذ ليست هذه اللفظة موضوعة للكناية عن الطلاق إجماعا.
الثالث: ولئن سلمنا له قوله، فليست هذه اللفظة بالحاء، وإن كان غيره سبقه إلى ذلك، فإنما هي بالجيم، كذا ذكره الزمخشري في الأساس، وأما قوله: أنشدنا أبو العباس فذكر البيت، وفيه لا فلاح معه، فليس كذا أنشده أبو العباس بن محمد بن يزيد، وأحمد بن يحيى فيما رأيت من أماليه، إنما فيهما:(لا بقاء معه)، وكذا أنشده أبو الفرج، وأبو علي القالي، وغيرهما، وذكر الحافظ أبو القاسم الجوزي فيما رويناه عنه في كتاب الترغيب والترهيب: إن قول المؤذن الله أكبر أي: الله أعظم، وعمله أوجب، فاشتغلوا بعمله، واتركوا غيره، وقوله: أشهد ألا إله إلا الله أي: أشهد أنه واحد لا شريك له، ومعناه: إن الله يأمركم بأمر فاتبعوه فإنه لا ينفعكم أحد إلا الله، ولا ينجيكم أحد من عذابه إن لم تؤدوا أمره، وقوله: أشهد أن محمدا رسول الله أي: أشهد أن محمدا أرسله إليكم لتؤمنوا به، وتصدقوه، ومعناه: قد أمركم بالصلاة والجماعة فاتبعوا ما أمركم به، وقوله: حي على الصلاة أي: أسرعوا إلى أداء الصلاة، ومعناه: حان وقت الصلاة فلا تؤخروها عن وقتها، وقوله: حي على الفلاح أي: أسرعوا إلى النجاة، والسعادة، ومعناه: إن الله تعالى جعل الصلاة سببا لنجاتكم وسعادتكم لتنجوا من عذاب الله تعالى قال، وقوله: الله أكبر أي: الله أعظم، وأجل، وعمله أوجب فلا تؤخروا عمله، وقوله: لا إله إلا الله أي: اعلموا أنه واحد لا شريك له، ومعناه: أخلصوا، وابتغوا بصلاتكم وجه الله تعالى.
6 -
باب السنة في الأذان
13 -
حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال له: إنه أرفع لصوتك.
هذا حديث أشار إليه البخاري في صحيحه بقوله: ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه، ولما ذكر الإشبيلي حديثا بهذا الإسناد من عند أبي أحمد أتبعه بقوله: حديث أبي داود، والترمذي أصح، يعني: اللذين في معنى ذلك الحديث، وهو حديث الاستدارة في الأذان، وسيأتي إن شاء الله تعالى: قال أبو الحسن: فإن كان هذا الكلام منه تضعيفا - وهو الظن - فاعلم أن علته هي أن عبد الرحمن المذكور، وأباه، وجده كلهم لا تعرف له حال.
الثاني: عمار بن سعد، ذكره ابن منده في كتاب الصحابة، وزعم أن له رواية، وأبى ذلك أبو نعيم بقوله: إذ ذكره في كتاب الصحابة له رؤية فيما ذكره بعض المتأخرين، وأخرج له هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعد، حدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الرحمن، حدثني أبي، عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا خرج إلى العيد سلك على دار سعد بن أبي وقاص، ثم على أصحاب الفساطيط، قال الحافظ: وجده هو: سعد، وليس لعمار صحبة، ولا رواية، إلا عن أبيه سعد، وحدث به عن ابن كاسب مجودا غير واحد، منه ما ثنا سليمان، ثنا علي بن سعيد، ثنا يعقوب بن كاسب، ثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد، عن عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد، وعن عمار، وعمر بن سعد ابني حفص بن عمر بن سعد، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن سعد القرظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في المطر. انتهى، ولقائل أن يقول الذي قاله ابن منده لا يدفعه ما ذكره أبو نعيم لأنا عهدنا الصحابة المشهورين بالصحبة رووا عن التابعين، وهذا فلم يقل ابن منده له صحبة، إنما قال: له رؤية، وبينهما فرق معلوم، وإن كانت اسم الصحبة شاملة لهما فيما ذكره أبو عمر وغيره، فيجوز أن
يروي حديثا واحدا مرفوعا عن النبي عليه السلام وآخر عن التابعين، لا سيما والحديث المستشهد به على صحبته ليس هو المستشهد به على نفيها - والله أعلم - ولئن سلمنا لأبي نعيم قوله: ألا صحبة له، وأنه في عداد التابعين الذين ينظر في حالهم، فنظرنا في ذلك فوجدنا الحافظ أبا حاتم البستي ذكره في كتاب الثقات، ووصفه برواية ابنه سعد عنه، وزاد ابن سرور: عمر بن حفص أيضا، وزاد ابن أبي حاتم: عمر بن عبد الرحمن بن أسيد بن زيد بن الخطاب، وزاد البخاري في الكبير: محمد بن عمار بن حفص، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة على شرط البستي، رواها أبو الشيخ عن محمد بن عبد الله بن رستة، وابن أبي عاصم قالا: حدثنا ابن كاسب، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، عن عبد الله بن محمد، وعمر، وعمار ابني حفص، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إذا أذنت فاجعل إصبعيك في أذنيك فإنه أرفع لصوتك. وعمر بن حفص بن عمر بن سعد القرظ، وثقه وأباه ابن حبان، وذكر البيهقي في كتاب المعرفة حديثا لعمر بن حفص وحسنه، ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث هشام بن عمار، ثنا عبد الرحمن بن سعد، حدثني أبي، عن جده بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يدخل إصبعيه في أذنيه، قال: فإنه أرفع لصوتك. وإن بلالا كان يؤذن مثنى مثنى. وتشهده مضعف، وإقامته مفردة، وقد قامت الصلاة مرة واحدة، وأنه كان يؤذن للجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الفيء مثل الشراك. وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى العيد سلك على دار سعد بن أبي وقاص، ثم على أصحاب الفساطيط، ثم يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم يكبر في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة، ثم خطب على الناس، ثم انصرف من الطريق الآخر؛ من طريق بني زريق، وذبح أضحيته عند طرف الزقاق بيده بشفرة، ثم يخرج إلى دار عمار بن ياسر، ودار أبي هريرة إلى البلاط، وكان عليه السلام يذهب ماشيا، ويرجع ماشيا. وكان عليه السلام يكبر بين أضعاف الخطبة، ويكثر التكبير بين أضعاف الخطبة،
ويكثر التكبير في خطبة العيدين، وكان عليه السلام إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا، ووجدنا للحديث شاهدا صحيحا رواه أبو عبد الله في مستدركه من حديث أحمد بن حنبل، ثنا عبد الرزاق، عن سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: رأيت بلالا يؤذن، ويدور، ويتبع فاه هاهنا، وهاهنا، وأصبعيه في أذنيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء من أدم
…
الحديث.
قال: وهو صحيح على شرطهما جميعا، وهما سنتان مسنونتان، وقال الترمذي: وخرجه من حديث سفيان، عن عون: هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم، يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان، وقال بعض أهل العلم، وفي الإقامة أيضا يدخل إصبعيه في أذنيه، وهو قول الأوزاعي، وقال ابن خزيمة: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا هشيم، عن حجاج، عن عون، عن أبيه قال: رأيت بلالا يؤذن، وقد جعل إصبعيه في أذنيه. ثم قال: باب إدخال الإصبعين في الأذنين عند الأذان: إن صح الخبر فإن هذه اللفظة لست أحفظها إلا عن حجاج بن أرطأة، ولست أفهم؛ أسمع الحجاج هذا الخبر من عون أم لا؟! فأنا أشك في صحة هذا الخبر لهذه العلة، ورواه أبو عوانة الإسفرائيني، عن عمر بن شبة، حدثنا عمر بن علي بن مقدم، عن الحجاج بن أرطأة، عن عون، وكذا أخرجه أبو بكر البزار في
مسنده من حديث أبي معاوية، عن حجاج، ورواه الطوسي من حديث الدورقي، حدثنا هشيم، عن حجاج بن أرطأة، عن عون، وقال: فقال: حديث أبي جحيفة حسن صحيح، انتهى، وليس هذا منه تصحيحا لحديث حجاج، إنما أراد تصحيح حديث أبي جحيفة في نفس الأمر، وكذلك هو صحيح الأصل.
14 -
وخرجه ابن ماجه، عن أيوب، عن محمد، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن حجاج، وقال البيهقي في الكبير: الاستدارة ليست في حديث أبي جحيفة من الطرق الصحيحة، وسفيان الثوري إنما روى الاستدارة في هذا الحديث عن رجل، عن عون، ونحن نتوهمه سمعه من الحجاج، عن عون، والحجاج غير محتج به، ورواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن عون مدرجا، وعبد الرزاق وهم في إدراجه، ثم من جهة عبد الله بن محمد بن الوليد، عن سفيان، حدثني عون، عن أبيه، فذكره من غير ذكر الاستدارة، ثم قال عقبه: وبالإسناد، وحدثنا سفيان، حدثني من سمعه من عون: أنه كان يدور، ويضع يديه في أذنيه. قال العدني: يعني: بلالا. قال البيهقي: وهذه رواية ابن أرطأة، عن عون قال، وقد روينا من حديث قيس بن الربيع، عن عون: الاستدارة، ووضع الإصبعين في الأذنين، ورواه حماد بن سلمة، عن عون مرسلا، لم يذكر أباه، انتهى، ولقائل أن يقول: أما التعليل بأنها ليست في الطرق الصحيحة فليس صحيحا لما أسلفناه من عند الحاكم، والترمذي، وغيرهما، ولأن أبا نعيم رواه في مستخرجه، عن أبي أحمد، حدثنا المطرز، حدثنا بندار، ويعقوب، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن عون، فذكر استدارته، وجعل الإصبعين في أذنيه، ورواه أبو عوانة في صحيحه، عن يوسف القاضي، عن محمد بن أبي بكر، حدثنا مؤمل، عن سفيان، عن عون به، وفي هذا رد لما قاله
البيهقي أيضا: وهم عبد الرزاق في إدراجه؛ لمتابعة مؤمل، وابن مهدي، لو كان اعترض معترض بما رواه أبو عوانة أيضا، حدثنا أبو أمية، حدثنا القواريري، عن ابن مهدي، فلم يذكر هذه الزيادة. قلنا له: بندار لا يقاس بغيره، لا سيما، وقد تابعه يعقوب كما قدمناه، وقد وجدنا لسفيان متابعا من طريق حسنة عند الطبراني، رواها عن الحسن بن العباس الرازي، عن محمد بن نوح الرازي، عن زياد بن عبد الله، عن إدريس الأودي، عن عون، عن أبيه، فذكره، ورواه أبو الشيخ أيضا عن الصوفي، ثنا علي بن الجعد، ثنا حماد بن سلمة ح، وحدثنا أبو يعلى، حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا كامل، حدثنا حماد ح، وحدثنا ابن ناجية، حدثنا الربيع بن تغلب، حدثنا هشيم جميعا عن عون به، وشاهدا لجعل الإصبعين في الأذنين، رواه أبو الشيخ عن محمد بن عمرو بن شهاب حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن عمرو، حدثنا المفضل بن صدقة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد، فذكر حديثا رويناه، وفيه: وجعل إصبعيه في أذنيه، ونادى، وقد روي ذلك أيضا في حديث أبي محذورة، قاله ابن المنذر في كتاب الإشراف، زاد صاحب الغاية في شرح الهداية: إنه ضم أصابعه في الأربع، وجعلها على أذنيه، وفي سنن الدارقطني من حديث كامل بن العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: أمر أبو محذورة أن يستدير في أذانه. ففي هذا كما ترى رد لما قاله
ابن خزيمة: لا يحفظ هذه اللفظة إلا عن حجاج، ولما يزعمه الشافعيون، وغيرهم أن الاستدارة لا تجوز، وفي مصنف ابن أبي شيبة، عن ابن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: إذا أذن المؤذن استقبل القبلة، ووضع إصبعيه في أذنيه. وثنا أبو أسامة، عن هشام، عن ابن سيرين أنه كان إذا أذن استقبل القبلة، وأرسل يديه، فإذا بلغ: حي على الصلاة، والفلاح أدخل إصبعيه في أذنيه، وفي كتاب البيهقي: وروينا عن ابن سيرين: أن بلالا جعل إصبعيه في أذنيه في بعض أذانه، وفي الإقامة، وفي المستدرك عن ابن المبارك أنه كان إذا رأى المؤذن لا يدخل إصبعيه في أذنيه يصيح به، وفي كتاب أبي نعيم الفضل: حدثنا سفيان عن أبي سنان، عن سهل أبي أسد قال: من السنة أن تدخل إصبعيك في أذنيك، وحدثنا حسن بن صالح، عن أبي سعد قال: رأيت سويد بن غفلة يدخل إصبعيه في أذنيه، حدثنا حبان، عن مجالد، عن الشعبي قال: قلت: أضع إصبعي في أذني إذا أذنت؟ قال: نعم كلها، أو أحدهما يجزيك، وحدثنا مندل، عن جعفر بن أبي المغيرة قال: كان سعيد بن جبير إذا أذن جعل إصبعيه في أذنيه؟ قال: نعم، وفي كتاب الإشراف: وبه قال الحسن، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، ومحمد بن الحسن، وقال مالك: ذلك واسع.
15 -
حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، حدثنا بقية، عن مروان بن سالم، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين: صلاتهم، وصيامهم.
هذا حديث في إسناده مروان بن سالم، وهو ضعيف، متروك الحديث ماله عند أحد من الأئمة، وفي كتاب المعرفة من حديث ابن المديني: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن يونس، عن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم، وحاجتهم، أو حاجاتهم. وفي السنن للبيهقي: عن أبي محذورة، قال عليه السلام: أمناء المسلمين على صلاتهم، وسجودهم المؤذنون في سنده يحيى بن عبد الحميد، وفيه كلام، وفي صحيح أبي حاتم البستي من حديث نافع بن سليمان، عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه أنه سمع عائشة تقول: قال عليه السلام: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن ثم قال: سمع هذا الخبر أبو صالح، من عائشة على حسب ما ذكرناه، وسمعه من أبي هريرة مرفوعا، فمرة حدث به، عن عائشة، وأخرى عن أبي هريرة، وتارة وقفه عليها ولم يرفعه، فأما الأعمش فإنه سمعه من أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفا، وسمعه من سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا، وقد وهم من أدخل بين سهيل، وأبيه فيه الأعمش؛ لأن الأعمش سمعه من سهيل لا أن سهيلا سمعه من الأعمش، كذا حكم بصحة هذين الحديثين، وقد خالفه في ذلك غير واحد منهم: أبو عيسى، بقوله: رواه الثوري، وحفص بن غياث، وغير واحد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وروى أسباط، عن الأعمش قال: حدثت،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وروى نافع بن سليمان، عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي صالح، عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح، عن عائشة، وسمعت محمدا يقول: حديث أبي صالح، عن عائشة أصح، وقال ابن المديني: لم يثبت حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، ولا حديث أبي صالح، عن عائشة في هذا، انتهى.
السبب الموجب لضعف حديث، وحتى قال أحمد مما حكاه عنه الميموني: الأعمش، عن أبي صالح منقطع، وهذا ينبغي أن يؤول على حديث خاص سئل عنه أحمد: فيوضح ذلك قول عباس، عن ابن معين: قال سفيان الثوري لم يسمع هذا الحديث الأعمش من أبي صالح، وفي كتاب أبي داود: حدثنا أحمد، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، وحدثنا الحسن بن علي، حدثنا ابن نمير، عن الأعمش قال: نبئت عن أبي صالح، ولا أراني إلا قد سمعته منه، وذكر البلخي، عن محمد بن الصباح أنه لم يسمعه من أبي صالح، ولما ذكر ابن حبان في صحيحه خبر الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد: يجاء بالموت كأنه كبش أملح قال تنكبناه لأنه ليس بمتصل، قال شجاع بن الوليد، عن الأعمش: سمعتهم يذكرون عن أبي صالح، فهذا كما ترى مدلس صرح بالانقطاع، ودخول الواسطة، فلا يقبل خبره إجماعا إلا على رأي من يرى قول ابن حبان سمع مثبت مقدم على من نفى، وقال البيهقي: لم يسمعه من أبي صالح يقينا، إنما سمعه من رجل عنه، وقد رواه عن أبي صالح أيضا، محمد بن جحادة،، ورواه أحمد في مسنده، عن قتيبة، عن الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه به، وهو إسناد على شرط مسلم، ولا يعله ما رواه الطبراني، عن فضيل بن محمد الملطي، عن موسى بن داود الضبي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به؛ لضعف هذا الإسناد.
وأما سبب تضعيف حديث عائشة؛ فلأن، عن نافع، عن محمد بن أبي صالح فذكر الحديث، قال والأعمش رواه عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره قلت: فأيهما أصح؟ قال: حديث الأعمش، ونافع ليس بقوي. قلت: فمحمد هو أخو عباد وسهيل؟ قال: كذا يروونه، وذكر ابن عدي، عن ابن معين أنه قال: محمد هذا لا أعرفه. قال أبو أحمد: هذا الذي قال ابن معين: لا أعرفه، فإن كان صاحب حديث الإمام ضامن فإنه يرويه، عن أبيه، عن عائشة، فإن علل معلل هذا الحديث فإنه لا
يصح؛ لأن أهل مصر رووه، عن محمد، عن أبيه، عن عائشة، ورواه سهيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، فالذي يصححه يقول: قد اتفق محمد، وسهيل جميعا عن أبيهما، وقال سهيل، عن أبي هريرة: وهو الصحيح، وقال محمد، عن عائشة: ومن جعل محمدا أخا لسهيل فقد وهم، وليس في ولد أبي صالح من اسمه محمد، إنما هم: سهيل، وعباد، وعبد الله، ويحيى، وصالح، ليس فيهم محمد - والله أعلم - ولقائل أن يقول: هذه شهادة على النفي فلا تقبل، فيحتاج إلى ترجيح من خارج فنظرنا فإذا نحن قد وجدنا راويا عن محمد غير نافع، وهو:، حدثنيه ابن أبي مريم، حدثنا موسى بن يعقوب، حدثنا عباد بن أبي صالح، وكذا ذكره الحافظ أبو بكر بن مردويه في كتاب أسماء أولاد المحدثين تأليفه، ونسبه مدنيا، ولما ذكره الفسوي في تاريخه عرفه بـ (أخو سهيل، وعباد)، قرأت على المسند المعمر شرف الدين أبي زكريا المقدسي رحمه الله عن العلامة بهاء الدين المقرئ، عن الحافظ أبي طاهر البغوي قال: أنبأنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار في صفر سنة ست وثمانين وأربعمائة، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي قراءة عليه، أنبأنا أبو بكر محمد بن عدي بن علي بن عدي بن زحر، حدثنا أبو عبيد الآجري في شهر جمادى الأول به خمس وعشرين، حدثنا أبو داود بجميع كتاب الإخوة الذين يروى عنهم الحديث، فذكر جماعة، ثم قال: سهيل بن أبي صالح، وصالح بن أبي صالح، ومحمد بن أبي
صالح، وعباد، ويقال: عبد الله بن أبي صالح، وكذا ذكره الحافظ عبد الغني بن سعيد في كتاب كنى الآباء والأجداد الغالبة على الأسماء. وأبو زرعة الدمشقي في كتاب الإخوة من تأليفه ذكره كذلك، فيتبين لك بمجموع ما سلف صحة هذين الحديثين، وألا علة قادحة فيهما - والله تعالى أعلم - وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن
…
الحديث ذكره ابن عدي في الكامل من حديث الكديمي، عن أزهر، عن ابن عون، عن نافع عنه، وحديث أنس بن مالك مرفوعا: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن ذكره أيضا من حديث بقية، عن ثور بن يزيد، عن أبان عنه، وقال: لم يجود إسناده غير ابن مصفى، عن بقية، عن ثور، ورأيت غير ابن مصفى رواه عن بقية عمن حدثه، عن أنس، ومرسل الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن
…
الحديث ذكره البيهقي من حديث ابن أبي عدي، أنبأنا يونس عنه، وفي لفظ: المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم، وحاجتهم، وقال حاجاتهم قال: وقد روي ذلك، عن يونس، عن الحسن، عن جابر، وليس بمحفوظ، وروي في ذلك، عن أبي أمامة، بمعنى ما رواه، وهو حديث ابن المديني، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا أبو غالب: سمعت أبا أمامة فذكره بزيادة والأذان أحب إلي من الإمامة. وحديث أبي محذورة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمناء الناس على صلاتهم، وسحورهم المؤذنون رواه أيضا من حديث الحماني، عن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده، عنه وحديث ابن عمر يرفعه: من أم قوما فليتق الله، وليعلم أنه ضامن مسئول
لما ضمن، فإن أحسن كان له من الأجر مثل أجر من صلى خلفه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، وما كان من نقص فهو عليه. قال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن أبي الجوزاء إلا أبو الفضل يحيى، ولا عنه إلا المعارك بن عباد، تفرد به يوسف بن الحجاج، وحديث جابر يرفعه: الإمام ضامن فما صنع فاصنعوا ذكره أيضا، وقال: لا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به الحميدي، يعني عن موسى بن شيبة من ولد كعب بن مالك، عن محمد بن كليب عنه.
16 -
حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شريك، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان بلال لا يؤخر الأذان، عن الوقت، وربما أخر الإقامة شيئا.
هذا حديث لما رواه أبو عيسى في جامعه، عن أحمد بن منيع، عن سريج بن النعمان، عن حماد بن سلمة، عن سماك فيما ذكره ابن عساكر، والمزي، ولم أره في المكان الذي أشار إليه لم يتبعه كلاما، وهو سند صحيح على رسم مسلم، ولفظه في المستدرك، وخرجه من حديث إسرائيل، عن سماك: كان بلال يؤذن ثم يمهل، فإذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج أقام. وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه إنما ذكر مسلم حديث زهير، عن سماك: كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، ولا يقيم حتى يخرج، فإذا خرج أقام متى يراه. ولفظ أبي الشيخ، ورواه من حديث شريك: كان بلال يؤذن للظهر إذا دحضت الشمس، وربما أخر
الإقامة، ولا يؤخر الأذان عن الوقت، وشاهده: حديث علي بن أبي طالب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في المسجد حين تقام الصلاة، فإذا رآهم قليلا جلس ثم صلى، وإذا رآهم جماعة صلى. خرجه الحاكم من حديث داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع بن جبير، عن مسعود - يعني ابن الحكم الزرقي - عنه وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وفي كتاب البيهقي من حديث عبد المجيد بن عبد العزيز، وأبو عاصم، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر مرسلا، وإسناده جيد، وحديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: إذا أذنت فترسل في أذانك، وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته.، والباقون شيوخ البصرة: وهذه سنة غريبة، لا أعرف لها إسنادا غير هذا، ولم يخرجاه، وقال أبو عيسى: حديث جابر هذا لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول، وبمثله قاله أبو علي الطوسي في أحكامه، وقال البغوي: هذا حديث ضعيف الإسناد، وهو في أدب الأذان حسن،
وقال البيهقي في الكبير: في إسناده نظر. انتهى، وفي كلام الحاكم نظر في موضعين:
الأول: قوله: ليس في إسناده مطعون فيه. . وأما، وأما، ولما رواه أبو القاسم في الأوسط خرج فيه، عن
عبد المنعم بن نعيم الرياحي قال: حدثنا يحيى. فإن صحت هذه اللفظة يكون سمعه منه، وعنه - والله أعلم -.
الثاني: استغرابه هذه السنة، وقد رواها علي بن أبي طالب عند الدارقطني من طريق عمرو بن شمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نرتل الأذان، ونحدر الإقامة. ولما ذكره في الأوسط قال: لم يرو هذا الحديث، عن عمرو بن شمر إلا أبو معاوية، ولا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد، وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم، حدثنا مرحوم بن عبد العزيز، عن أبيه، عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس قال: جاءنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر. رواه الثوري، وشعبة، عن مرحوم، وحدثنا ابن أبي زرعة، عن ابن أبي جعفر، عن ابن عمر: أنه كان يرتل في أذانه، ويجزم الإقامة. وحدثنا مسعر، عن ابن أبي بكر بن حفص، قال: كان ابن عمر يجزم الإقامة. وحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أقام المؤذن، وهو يأكل لم يقم حتى يفرغ من طعامه. رواه أبو القاسم في الأوسط، عن أحمد بن محمد بن صدقة، حدثنا أحمد بن سليمان الرهاوي، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا سفيان، عن هشام، عن أبيه عنها، وقال: لم يروه عن سفيان إلا معاوية. وحديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بلال اجعل بين أذانك، وإقامتك نفسا، قدر ما يفرغ الآكل من طعامه على مهل، ويقضي المعتصر حاجته في مهل. . وقال البيهقي: وقد روي عن أبي صالح، عن أبي
هريرة مرفوعا، وليس بمحفوظ، وفي زيادات عبد الله في المسند أخبرنا حفص بن عمر الربالي، حدثنا محمد بن راشد الضرير، حدثنا معارك بن عباد، عن يحيى الباهلي، عن ابن بنت أبي الجوزاء، عن أبي بن كعب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يقضي المعتصر حاجته، ويفرغ الآكل من طعامه. وحديث سلمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: اجعل بين أذانك وإقامتك نفسا حتى يقضي المتوضئ حاجته في مهل، أو يفرغ الآكل من طعامه في مهل. ذكره أبو الشيخ من حديث المعارك بن عباد، عن يحيى بن أبي الفضل، أحسبه عن سلمان، وفي السنن الكبير للبيهقي من حديث أبي النضر نحوه، وحكم عليه بأن سنده جيد.
17 -
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص قال: كان آخر ما عهد إلي رسول الله ألا أتخذ مؤذنا يأخذ على الأذان أجرا.
هذا حديث قال فيه الترمذي: حسن. وخرجه الحاكم من جهة حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف بن عبد الله عنه أنه قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. قال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على
الأذان أجرا. ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ولما خرج مسلم حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن المسيب، عن عثمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة
…
الحديث، وسكت عنه الإشبيلي مصححا له، وثبته ابن المنذر، ولفظ فضيل بن عياض، عن أشعث بن سوار، عن أبي الشيخ: آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: صل بأصحابك صلاة أضعفهم، فإن فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة الحديث، ولما ذكره الحميدي، وابن أبي عمر العدني في مسنديهما عن فضيل لم ينسباه، ولما صححه ابن حزم نسب أشعث إلى حمران، وكأنه أشبه لضعف الأول، وثقة هذا، قال أبو الشيخ: حدثنا البغوي، حدثنا شيبان، حدثنا سلام بن مسكين، عن يحيى البكاء قال: سمعت رجلا قال لابن عمر: إني لأحبك في الله. فقال له ابن عمر: إني لأبغضك في الله. فقال: سبحان الله! أحبك في الله، وتبغضني قال: نعم إنك تسأل على أذانك أجرا. زاد أبو نعيم، وكان مؤذنا من مؤذني الكعبة، وفي كتاب الصحابة لأبي نعيم من طريق العمي، عن الحسن قال: حدثني خمسون صحابيا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإقامة، والأذان بأجر قال ابن حزم: وروينا عن وكيع، عن المسعودي، عن القاسم أن ابن مسعود قال: أربع لا يؤخذ عليهن أجر: القرآن، والأذان، والقضاء، والمقاسم،
وقد جاء في حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أجر المعلمين، والمؤذنين، والأئمة حرام. وفي حديث ابن عمر: نهى صلى الله عليه وسلم عن التعليم، والأذان بالأجرة، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين، ولكنهما غير صحيحين حتى إن ابن الجوزي بالغ حتى ذكرهما في كتاب الموضوعات، قال أبو محمد بن حزم: قال تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} . وقال صلى الله عليه وسلم: إن دماءكم، وأموالكم عليكم حرام فحرم تعالى أكل الأموال إلا بتجارة فكل مال حرام إلا ما أباحه نص، أو إجماع مستيقن، فلو لم يأت النهي، عن أخذ الأجر على الأذان لكان حراما بهذه الجملة، ولا يعرف لابن عمر في هذه القصة مخالف، قال أكثر العلماء: وجاز أن يعطى على سبيل البر، وهو قول أبي حنيفة، وغيره، وقال مالك: لا بأس بذلك قال ابن المنذر، وقال الأوزاعي: ذلك مكروه، ولا بأس بأخذ الرزق على ذلك من بيت المال. وقال الشافعي: لا يرزق المؤذن إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو بكر: وبقول أبي حنيفة أقول. وقال الخطابي: أخذ الأجرة على الأذان مكروه في مذاهب أكثر العلماء، ومنع منه ابن راهويه، وقال الحسن: أخشى ألا تكون صلاته خالصة لله تعالى، وفي مشكل أبي جعفر الطحاوي: قد قال قائل في هذا الحديث يعني حديث عثمان ما يدل على جواز أخذ الأجر على الأذان، فكان جوابنا: أنه قد رأينا الأجرة، قد تكون بالإجارات المعقودات قبل وجوب التي يستلزم المستأجر، والأجير، وقد تكون على المثوبات، والتنويلات عليها لفاعلها، وقد جاء القرآن العزيز بالمعنيين جميعا فقال في الإجارات المعقودات قبله:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} . والائتمار لا يكون إلا عند الاختلاف فيما تعقد الإجارات عليه، وأما ما
جاء بالأجر فيما سوى ذلك فقوله عز وجل: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} . وقوله تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} . فكان ذلك على المثوبات على الأفعال لا على عقود إجارات كانت قبلها فكان قوله صلى الله عليه وسلم لعثمان ما قد ذكرناه عنه في هذا الحديث قد يكون على الأجر الذي يجعل ثوابا، وتنويلا، كما يفعل الناس بمن يفعل الأفعال التي يحمدونه عليها من التأذين في مساجدهم، وعمرانها، واللزوم لها فينيلونهم على ذلك ما ينال أمثالهم ليدوموا على ذلك، وتكون قوة لهم عليه لا بإجارات متقدمات على ذلك فيكون ذلك محمودا من فاعله، ويكون من لا يقبل ذلك من المفعول ذلك بهم لعلمهم بالسبب الذي قصد من أجله بذلك إليهم أفضل من فعله، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه أن يتخذ مؤذنا أفضل المؤذنين، وأعلاهم رتبة في الثواب على الأذان، وترك التعوض عليه شيئا من الدنيا، والقياس أيضا يمنع من استحقاق الأجر بالإجارات على الأذان، وذلك أنا وجدنا الإجارات يملك بها المستأجر المنافع التي بذل الأجرة عليها للأجير ملكا تبين به منه، وكان الأذان، وما أشبهه من هذه الأشياء غير مقدور على ذلك فيها فكان القياس على ذلك ألا يجوز الإجارات عليها - والله أعلم - وتتبع ذلك عليه أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد بقوله: هذا الذي قاله الطحاوي قياس غير صحيح؛ إذ ليس من شرط صحة الإجارة، وجوازها أن يملك المستأجر منافع الأجير التي استأجره عليها أصل ذلك إجماعهم على جواز الاستئجار على بناء المسجد، والإجارة على الأذان جائزة بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: من استأجر أجيرا فليؤاجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم، ولم يخص أذانا من غيره.
18 -
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن أبي إسرائيل، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء.
هذا حديث قال فيه البزار: لا نعلمه رواه عن الحكم إلا أبو إسرائيل، وقال البيهقي في المعرفة: حديث بلال منقطع،، ورواه البزار بسند لا بأس به يصلح أن يكون شاهدا لحديث أبي إسرائيل بل هو أمتن منه، لسلامته من الانقطاع، ومن ابن عمارة، عن علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو
مسعود عبد الرحمن بن الحسن الزجاج، حدثنا أبو سعد، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، وقال: هذا الحديث لا نعلمه رواه عن أبي سعد إلا أبو مسعود يعني الراوي عنه يحيى بن آدم، ويحيى بن عبد الحميد الحماني، وعبد الله بن عمر بن أبان، وأبو هاشم محمد بن علي، وإسحاق بن عبد الواحد، ومحمد بن عبد الله بن عمار، وابن راهويه، ومحمد بن أسباط، وغيرهم، وفيما ذكره أبو زكريا غير يزيد عن محمد بن إياس بن القاسم الأزدي في طبقات أهل الموصل، ولما ذكره الخالديان في تاريخهما أحسنا عليه الثناء، وقول أبي حاتم الرازي فيه: يكتب حديثه، ولا يحتج به ليس تصريحا بضعفه،.
الثاني: انقطاع ما بين عبد الرحمن، وبلال، نص على ذلك ابن أبي حاتم، عن أبيه، وإليه أشار أيضا البزار في مسنده، وقال البيهقي: هذا حديث مرسل، ابن أبي ليلى لم يلق بلالا، وأتبعه برواية يحيى بن جعفر، عن علي بن عاصم، أنبأنا عطاء بن السائب عن ابن أبي ليلى، عن بلال، وفي سؤالات مهنأ سألت يحيى، وأبا خثيمة فقلت: حدثنا أحمد، حدثنا علي بن عاصم فذكره فقالا: ليس بصحيح، وقالا: ما روى هذا ثقة. فقلت: قال لي أحمد: هذا من السماع أعادها مرتين علي مصححا، وسألت أحمد عنه فقال: منكر، وفي سؤالات اميموني، حدثنا أحمد أبو قطن قال: ذكر لشعبة الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال الحديث فقال شعبة: لا والله ما ذكر أن ابن أبي ليلى، ولا ذكر إسنادا ضعيفا قال: أظن شعبة لست أراه رواه، عن عمران بن مسلم.
19 -
وأما حديث سعيد بن المسيب، عن بلال المذكور عند ابن ماجه بعد
فمنقطع فيما بين سعيد وبينه، وقد وقع لهذا الحديث شواهد غير ما أسلفناه، من ذلك: ما أنبأنا به المسند المعمر أبو زكريا يحيى بن يوسف المقديسي رحمه الله أنبأكم العلامة بهاء الدين المصري، عن الحافظ البغوي، أنبأنا أبو رجاء الحلقاني، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي علي أنبأنا الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، حدثنا ابن صبيح، حدثنا عبيد الله بن سعد، حدثنا عمي، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: ذكر الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن زيد قال: جاء بلال ذات غداة إلى صلاة الفجر، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم قال سعيد: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر، قال أبو الشيخ: وحدثنا عبدان، حدثنا محمد بن موسى الحرشي، عن أبي خلف الخزاز عن يحيى البكاء قال: قال ابن عمر: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الصبح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أغفى، فجاء بلال فقال: الصلاة خير من النوم فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اجعله في أذانك إذا أذنت لصلاة الصبح. وحدثنا إبراهيم بن علي الهاشمي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا عبد الله بن نافع، عن معمر بن عبد الرحمن مولى قسيط، عن ابن قسيط، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: أمر بلالا أن يجعل في أذانه في الصبح الصلاة خير من النوم، وفي لفظ: مروا أبا بكر يصلي بالناس يعني في مرض موته صلى الله عليه وسلم ولما خرجه الطبراني في الأوسط من حديث مروان بن ثوبان قاضي حمص، حدثنا النعمان بن المنذر، عن الزهري، عن سعيد عنه، قال: لم يروه عن الزهري، إلا النعمان، تفرد به مروان، قال أبو الشيخ: وحدثنا عامر بن إبراهيم بن عامر، حدثنا عمي، عن جدي، حدثنا عمرو بن صالح، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن
الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائما، فقال: الصلاة خير من النوم فأقرت في صلاة الصبح.
وفي كتاب الصحيح لابن خزيمة من حديث أبي أسامة، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك قال: من السنة إذا أذن المؤذن في أذان الفجر قال: الصلاة خير من النوم، ولما ذكره البيهقي في الكبير قال: هذا إسناد صحيح، ولفظ الدارقطني: خير من النوم مرتين.
وفي كتاب أبي نعيم الفضل بن دكين، حدثنا جعفر، عن أشعث، عن الحسن، وهشام، عن أبيه قال: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤذنه بالصلاة، فوجده نائما فقال: الصلاة خير من النوم فتركت في صلاة الفجر.
وحدثنا قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يثوب في الفجر. وحدثنا شريك، عن عمران بن مسلم، عن سويد به، وفي سنن البيهقي الكبير من حديث نعيم بن النحام: فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة خير من النوم. وفي سنن أبي الحسن البغدادي: حدثنا ابن مخلد حدثنا محمد بن إسماعيل الحساني حدثنا وكيع عن العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر، ووكيع عن سفيان عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه قال لمؤذنه: إذا بلغت حي على الفلاح في الفجر، فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، قال أبو نعيم: حدثنا كيسان مولى هشام القردوسي قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: الصلاة خير من النوم في آذان الفجر، قال أبو نعيم: وسمعت سفيان يقول في أذان الفجر بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم وحدثنا سفيان عمن سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أحدثوا بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة. انتهى، ولئن صح
هذا عن ابن أبي ليلى أشكل على الحديث الأول؛ لأنه هنا سماه بدعة، وهناك رواه حديثا، وهما لا يجتمعان، اللهم إلا أن يريد بالتثوب ما ذكره أبو علي الطوسي، عن إسحاق بن راهويه: التثويب شيء أحدثه الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح. قال ابن المنذر: وهو قول النعمان، وقال محمد بن الحسن: كان التثويب الأول بعد الأذان: الصلاة خير من النوم، فأحدث الناس هذا التثويب، وهو اختيار علماء الكوفة، وهو حسن، ويوضحه ما ذكره أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن عمران بن أبي الجعد قال: سمع الأسود مؤذنا يقول: الصلاة خير من النوم. بعدما أحث فقال: ويحك لا تزيدن في أذان الله شيئا. قال: إني سمعت الناس يقولون. قال: فلا تقول. وفي قول ابن المنذر: وهو قول النعمان. نظر لما حكاه قاض خان، عن ابن شجاع عنه: التثويب الأول في نفس الأذان، وهو: الصلاة خير من النوم، مرتين، والثاني فيما بين الأذان والإقامة، وفي المحيط: محله في أذان الفجر بعد الفلاح، قال الطحاوي: وهو قول الثلاثة. وفي المحلى: وقال الحسن بن حي: يثوب في العتمة، ولا نقول به؛ لأنه لم يأت مسند. انتهى، وقد قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وفي كتاب أبي الشيخ من حديث الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، قال صلى الله عليه وسلم: لا تثويب في شيء من الصلوات إلا الفجر. وفي حديث يعقوب بن حميد، حدثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذن، عن عبد الله بن محمد بن عمار، وعمار، وعمر ابني حفص بن عمر بن سعد، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال: أنه كان ينادي بالصبح فيقول: حي على خير العمل. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل مكانها: الصلاة خير من النوم، وترك: حي على خير العمل.
قال البيهقي: وهذا اللفظ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما علم بلالا، وأبا محذورة، ونحن نكره الزيادة فيه. وقال ابن حزم: وقد صح عن ابن عمر، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف أنهم كانوا يقولون في أذانهم: حي على خير العمل. ولا نقول به؛ لأنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.
الشارع صلى الله عليه وسلم بين في نفس الحديث نسخه، فلا حاجة بنا إلى النظر في صحته، ولا ضعفه، - والله أعلم -، وفي كتاب البيهقي: كان علي بن الحسين يقول ذلك في آذانه، ويقول: هو الأذان الأول، وزعم الشيرازي في مهذبه أن الشافعي في الجديد كره التثويب قال: لأن أبا محذورة لم يحكه. انتهى، وهو مردود بما قدمناه صحيحا من حديث أبي محذورة.
20 -
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يعلى بن عبيد، ثنا الإفريقي، عن زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأمرني فأذنت، فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم.
هذا حديث قال فيه أبو عيسى: إنما نعرفه من حديث الإفريقي، والإفريقي ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه القطان وغيره، وقال أحمد: لا أكتب حديثه. ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث. وبنحوه ذكره أبو علي الطوسي في أحكامه، ولما ذكر أبو حاتم بن حبان زيادا في كتاب الصحابة وصفه بالتابعية، ثم قال: إلا أن الإفريقي في إسناد خبره. وقال الحافظ أبو العرب في كتاب الطبقات: إن سفيان الثوري قال: لم يرفع هذا الحديث أحد
غير ابن زياد، ورده أبو محمد الإشبيلي في الكبرى بابن أنعم، وفي الوسطى وذكره عبد الرازق، عن زياد، وفيه: فأذنت على راحلتي، قال: وفيه أيضا الإفريقي، ولما ذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار قال: هذا حديث تفرد به الإفريقي، وليس بحجة عندهم، وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعد الكوفي في كتاب التفرد: إن أهل مصر تفردوا به، وكذا ذكره أبو داود في كتاب التفرد، وقال الخزرجي في كتابه تقريب المدارك، وذكره: في إسناده الإفريقي، وهو ضعيف، متفق على ضعفه، وأشار البيهقي في المعرفة إلى عدم ثبوته، وقال أبو محمد بن حزم: وجائز أن يقيم غير الذي أذن لأنه لم يأت عن ذلك نهي يصح، والأثر المروي: من أذن يقيم. إنما جاء من طريق الإفريقي، وهو هالك. انتهى، أما من زعم أنه حديث تفرد به الإفريقي، فيشبه أن يكون وهما، وكذا من قال: تفرد به أهل مصر؛ لما ذكره الحافظ أبو منصور، ومحمد بن سعد بن محمد بن سعد الباوردي في كتاب الصحابة - تأليفه - حدثني إبراهيم بن ميمون بن إبراهيم، ثنا إبراهيم بن أبي داود، حدثنا محمد بن عيسى بن جابر الرشيدي قال: وحديث في كتاب أبي بخط يده، عن عبد الله بن سليمان، عن عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن زياد الصدائي، فذكره مطولا، ولما ذكره العسكري في كتاب الصحابة: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا علي بن عبيد العسكري، حدثنا أيوب بن سليمان، حدثنا مبارك بن فضالة، عن عبد الغفار بن ميسرة، عن رجل، عن زياد الصدائي، فذكره مختصرا: إنما يقيم من أذن. وفي قول ابن حبان: إلا أن في إسناد خبره - يعني خبر صحبته الإفريقي - نظر لما أسلفناه. ولما ذكره أيضا الحافظ أبو نعيم في كتاب الصحابة: حدثنا محمد بن علي بن حبيش، حدثنا
محمد بن القاسم بن هاشم، حدثنا أبي، حدثنا قريش بن عطاء، حدثنا سفيان الثوري، عن أبيه، عن جده، عن زياد بن الحارث الصدائي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من طلب العلم تكفل الله برزقه. [ولأن بقي بن مخلد ذكر له حديثا آخر ٍ]، وأما قول ابن الحصار، وهو يعني الإفريقي: متفق على ضعفه. ففيه نظر؛ لما أسلفناه قبل من تقوية البخاري أمره، ومن السبب الموجب للكلام فيه، وبيان فساده، وأنه صادق فيما ادعاه من روايته، عن مسلم بن يسار، وقال أبو الحسن بن القطان: ومن الناس من يوثقه، ويربأ به عن حضيض رد الرواية. وقال الخليلي في الإرشاد: منهم من يضعفه، ومنهم من يلينه. وذكر الحافظ أبو عمر المنتجيلي في تاريخه: أن ابن معين قال: لا بأس به. وذكر محمد بن أحمد بن تميم في كتاب طبقات أهل إفريقية: أن سحنون وثقه، وكذلك قاله أحمد بن صالح العجلي الحافظ في تاريخه، وزاد: وينكر على من تكلم فيه. وأما قول الحازمي: هذا حديث حسن - يعني حديث الصدائي هذا - فعمدته تخريج أبي داود له من غير أن يتبعه كلاما، وخرجه الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن قديد في كتاب الصحابة مطولا، وفيه: تفجر الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. وقال المقدسي: هو خبر مشهور، وفي الباب غير ما حديث، خلافا لقول أبي عيسى: وفي الباب حديث ابن عمر. يعني بذلك ما رواه أبو الشيخ، عن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن علي العمري، حدثنا معلى بن مهدي، حدثنا سعيد بن راشد، عن عطاء، عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يقيم من يؤذن. قال مهنأ:
سألت أبا عبد الله عنه فقال: ليس بصحيح. قلت: لم؟ قال: من سعيد بن راشد. وضعف حديثه، وفي كتاب العلل للخلال: أن ابن معين قال: سعيد السماك الذي يروي: من أذن فهو يقيم ليس بشيء. ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث قال: هذا حديث منكر، وسعيد متروك الحديث. وبنحوه قاله ابن عدي في كامله، وقال البيهقي في الكبير: تفرد به سعيد، وهو ضعيف. وقال في موضع آخر - وذكر حديث الصدائي -: وله شاهد من حديث ابن عمر، وفي إسناده ضعف، وحديث عبد الله بن عباس قال: صلى الله عليه وسلم: من أذن فهو الذي يقيم. رواه أبو أحمد في كامله من حديث محمد بن الفضل بن عطية، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء عنه، وقال: هذا من هذه الطريق يرويه محمد بن الفضل، وهو متروك الحديث. وحديث حيان بن بح ذكر أبو سعيد بن يونس في تاريخه أنه مثل حديث زياد بن الحارث. قال البيهقي: وله شاهد بسند صحيح، عن عبد العزيز بن رفيع قال: رأيت أبا محذورة جاء وقد أذن إنسان قبله، فأذن ثم أقام. وقد ورد حديث يعارض هذا، ذكره أبو داود في سننه، عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا حماد بن خالد، حدثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن عبد الله، عن عمه عبد الله بن زيد، فذكر حديث رؤيا الأذان، وفيه قال عبد الله: أنا رأيته، وأنا كنت أريده قال: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأقم أنت. وحدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا ابن مهدي، نا محمد بن عمرو، سمعت عبد الله بن محمد شيخ من أهل المدينة قال: كان جدي عبد الله بن زيد بهذا الخبر، قال: فأقام جدي. قال ابن عبد البر: هذا أحسن إسنادا من حديث الإفريقي،
ومن جهة النظر ليست الإقامة مضمنة بالأذان، فجائز أن يتولاها غير متولي الأذان، وقد أسلفنا حديث عبيد الله بن زيد أخي عبد الله، أول من عند أبي موسى، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة قال: في إسناده ومتنه اختلاف، وإنه كان في أول ما شرع الأذان، وحديث الصدائي بعده. وقال في الكبير: إن البخاري قال: فيه نظر، قال: وكان أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه يضعف هذا الحديث. قال البيهقي: ولو صح هذا، وحديث الصدائي كان الحكم لحديث الصدائي؛ لكونه بعد هذا - والله أعلم - وقال الحازمي: هذا حديث حسن، وفي إسناده مقال، وحديث الصدائي أقوم إسنادا منه، وقال أبو محمد عبد الحق: إقامة عبد الله بن زيد ليست تجيء من وجه قوي فيما أعلم، قال أبو الحسن بن القطان: علة هذا الخبر ضعف محمد بن عمرو الواقفي، وإنه لا يساوي شيئا، وعبد الله بن محمد الذي اضطرب فيه، فقيل: محمد بن عبد الله، وكلاهما لا تعرف حاله، انتهى كلامه.
وفيه نظر من وجوه: الأول: عبد الله بن محمد غير مجهول لرواية أبي العميس عتبة بن عبد الله، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن عمرو الأنصاري عنه، ولذكر ابن حبان له في كتاب الثقات، الثاني: تفسيره محمد بن عمرو الراوي عنه بالواقفي، وهو بصري، وزعم غير واحد منهم: ابن سرور بأن الراوي لهذا الحديث شيخ مدني، فدل أنه غير الواقفي.
الثالث: إعراضه عن علة في هذا الحديث قادحة، وهي انقطاع ما بين عبد الله بن
محمد، وبين جده فإن ابن حبان، وأبا حاتم الرازي، وصفاه بالرواية، عن أبيه، عن جده، ولم يتعرض أحد لسماعه من جده فيما أعلم فصار الحديث لهذا منقطعا، وذكره أبو الشيخ من حديث محمد بن عبيد الله، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أول من أذن في الإسلام بلال، وأول من أقام عبد الله بن زيد
…
. الحديث.
وأما قول الحازمي فتناقضه ظاهر - والله أعلم - وفي حديث شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة. وبنحوه حديث المعارك بن عباد، عن يحيى بن أبي الفضل، عن أبي الجوزاء، عن ابن عمر، ذكرها أبو الشيخ، وقال البيهقي: حديث أبي هريرة ليس بمحفوظ. وفيهما ترجيح لحديث عبد الله بن زيد، وفي صحيح ابن خزيمة من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم. وفي حديث ابن مسعود عنده: قال صلى الله عليه وسلم: لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال، عن سحوره، فإنه يؤذن - أو ينادي - ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم. وفي حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. ولم يكن بينهما إلا قدر ما يرقى هذا، وينزل هذا. وفي حديث أنيسة بنت خبيب: قال صلى الله عليه وسلم: إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا، ولا تشربوا. فإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شيء من سحورها فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري. قال الإمام أبو بكر: هذا خبر اختلف فيه خبيب بن عبد الرحمن، رواه شعبة عنه، عن عمته أنيسة، فقال: إن ابن أم مكتوم، أو بلالا ينادي بليل فخبر أنيسة قد اختلفوا فيه في هذه اللفظة، ولكن قد روى الدراوردي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة مثل خبر منصور بن زاذان في هذه اللفظة: إن ابن أم مكتوم ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال. وكان بلال لا يؤذن
حتى يرى الفجر. وروى شبيها بهذا المعنى أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قال: قلت لها: أي ساعة توترين؟ قالت: ما أوتر حتى يؤذنوا، وما يؤذنون حتى يطلع الفجر، قال صلى الله عليه وسلم: إذا أذن عمرو فكلوا واشربوا، فإذا أذن بلال فارفعوا أيديكم، فإن بلالا لا يؤذن حتى يصبح. قال: ولكن خبر أبي إسحاق فيه نظر؛ لأني لا أقف على سماع أبي إسحاق هذا الخبر من الأسود، فأما خبر هشام بن عروة فصحيح من جهة النقل، وليس هذا الخبر يضاد خبر سالم، عن ابن عمر، وخبر القاسم، عن عائشة؛ إذ جائز أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان جعل الأذان بالليل نوبتين بين بلال، وبين ابن أم مكتوم، فأمر بلالا أن يؤذن أولا بالليل، فإذا نزل بلال صعد عمرو فأذن بعده بالنهار، فإذا جاءت نوبة عمرو بدأ ابن أم مكتوم فأذن بليل، فإذا نزل صعد بلال بعده بالنهار، وكان مقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن بلال يؤذن بليل. في الوقت الذي كانت النوبة لبلال في الأذان بالليل، وكانت مقالته صلى الله عليه وسلم: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل. في الوقت الذي كانت النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم، فكان صلى الله عليه وسلم يعلم الناس في كلا الوقتين أن أذان الأول منهما هو أذان بليل لا نهار، وأن أذان الثاني بالنهار لا بالليل، فأما خبر الأسود، عن عائشة: وما يؤذنون حتى يطلع الفجر. فإن له معنيين أحدهما: لا يؤذن جميعهم حتى يطلع الفجر، لا أنه لا يؤذن أحد منهم، ألا تراه قد قال في الخبر: إذا أذن عمرو فكلوا واشربوا. ولو كان عمرو لا يؤذن حتى يطلع الفجر لكان الأكل والشرب على الصائم بعد أذان عمرو محرمين، والمعنى الثاني: أن تكون عائشة أرادت حتى يطلع الفجر الأول، فيؤذن الثاني منهم بعد طلوع الفجر الأول لا قبله، وهو الوقت الذي يحل فيه الطعام والشراب - والله أعلم -.
وفي كتاب البيهقي، عن أبي عبد الله، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال: فإن صح رواية أنيسة فقد يجوز أن يكون الأذان نوبا بينهما، وهذا جائز صحيح، فإن لم يصح فقد صح خبر ابن عمر، وابن مسعود، وسمرة، وعائشة: أن بلالا كان
يؤذن بليل. وصحح ابن حبان الحديثين، وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل الأذان بينهما نوبا. إلى آخره، واستدرك ذلك عليه الحافظ ضياء الدين في كتاب علله بأن ابن خزيمة شيخه إنما قال: هذا من باب الجواز لا النقل، ولقائل أن يقول: لعل ابن حبان ظفر في هذا بنقل لم يظفر به غيره، فلا يحسن الإيراد عليه - والله أعلم - اللهم إلا لو عزا ذلك لابن خزيمة لحسن، وسيأتي هذا - إن شاء الله تعالى - بمزيد بيان في كتاب الصوم، وقد ذهب أبو حنيفة أنه لا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها، وتعاد في الوقت مستدلا بحديث حماد بن سلمة من عند أبي داود، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام. فرجع فنادى: إن العبد نام. قال أبو داود: ولم يروه عن أيوب إلا حماد. وذكر أبو حاتم الرازي أنه خطأ، وذكر المروذي أنه قال: في الدنيا أحد روى هذا الحديث. وكان يذكر غلط حماد هذا، ويفضحه،، والصحيح: أيوب، عن ابن سيرين، وحميد بن هلال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال هذا الكلام، وذكر الترمذي، عن علي ابن المديني أنه قال: حديث حماد بن سلمة - يعني هذا - غير محفوظ، وأخطأ فيه. انتهى، وبيان خطئه من، وجوه:
الأول: رواية أبي داود، عن أيوب بن منصور، حدثنا شعيب بن حرب، عن عبد العزيز بن أبي رواد، أنبأنا نافع، عن مؤذن لعمر يقال له: مسروح: أنه أذن قبل الصبح فأمره عمر، فذكره، قال الترمذي: وهذا لا يصح؛ لأنه منقطع فيما بين نافع،
وعمر، قال أبو داود: ورواه حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع - أو غيره - أن مؤذنا لعمر، ورواه الدراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان لعمر مؤذن يقال له: مسعود، وهذا أصح من ذلك.
الثاني: المعارضة التي أشار إليها أبو عيسى بقوله: الصحيح رواية عبيد الله، وغير واحد، عن نافع، عن ابن عمر، والزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن بلالا يؤذن بليل قال: ولو كان حديث حماد بن سلمة صحيحا لم يكن لهذا الحديث معنى، إذ قال صلى الله عليه وسلم: إن بلالا يؤذن بليل. وإنما أمرهم فيما يستقبل فقال: إن بلالا يؤذن بليل، ولو أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل: إن بلالا يؤذن بليل، وذكره أبو حاتم الرازي بنحوه، وقال الأثرم: فأما حديث حماد فإنه خطأ معروف من خطئه، وإنما أصل الحديث، عن نافع، عن ابن عمر: أن مؤذنا لعمر أذن بليل، وفي الخلافيات:، وأما مسلم فإنه اجتهد، وأخرج من أحاديثه: عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه، عن غير ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثا أخرجها في الشواهد، وإذا كان الأمر على هذا فالاحتياط لمن راقب الله تعالى ألا يحتج بما يجد في حديثه ما يخالف الثقات، وهذا من جملتها. انتهى، وقد روى الدارقطني في سننه ما يصلح أن يكون شاهدا لحديث حماد، وفيه ضعف من حديث أبي يوسف القاضي، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: أن بلالا أذن قبل الفجر، فذكره، قال أبو الحسن: أرسله غير أبي يوسف، عن سعيد، عن قتادة، والمرسل أصح، وما رواه محمد بن القاسم الأسدي، حدثنا الربيع
عن صبيح، عن الحسن، عن أنس قال: أذن بلال فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد، وقال محمد بن القاسم: ضعيف جدا، وما رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن عليه الفجر فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم إني أحمدك.
قال ابن القطان إثره: الصحيح الذي لا اختلاف فيه: إن بلالا يؤذن بليل، وصحح ابن القطان هذا الحديث، قال: ولا تعارض بينهما إلا بتقدير أن يكون قوله: إن بلالا يؤذن بليل في سائر العام. وليس كذلك، إنما كان في وقتين، يؤيده في الحديث: فكلوا، واشربوا. والذي يقال في هذا الخبر: إنه حسن، وما رواه الدبري عند الدارقطني، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب قال: أذن بلال مرة بليل ثم ما رواه عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر أن بلالا أذن قبل الفجر فغضب النبي صلى الله عليه وسلم
…
الحديث، قال أبو الحسن: وهم فيه عامر بن مدرك، عن عبد العزيز، والصواب: عن شعيب بن حرب عن عبد العزيز، عن نافع، عن مؤذن عمر عن عمر من قوله، وما رواه من جهة حميد بن هلال مرسلا بسند صحيح أن بلالا أذن ليلة بسواد، قال البيهقي في الخلافيات: رواه إسماعيل بن مسلم، عن حميد، عن أبي قتادة، وحميد لم يلق أبا قتادة فهو مرسل بكل حال، وما رواه أبو داود من حديث جعفر بن برقان، عن شداد مولى عياض بن عامر، عن بلال، عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تؤذن حتى يستبين الفجر رواه الثوري، عن جعفر، ومن جهته أخرجه ابن منده، ورواه سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن جعفر، واعترض الأثرم: بأن إسناده مجهول ومنقطع، يعني أن شدادا لم يدرك بلالا فيما قاله أبو داود، وما رواه البيهقي من طريق الحسن بن عمارة، عن طلحة بن مصرف، عن سويد بن غفلة، عن بلال قال: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ألا أؤذن حتى يطلع الفجر. قال: وابن عمارة متروك، وما رواه هارون، عن حجاج، عن عطاء، عن أبي محذورة: أنه كان لا يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يطلع الفجر، قال الأثرم: حديث ضعيف، وما رواه البيهقي من جهة أبي بكر النيسابوري: حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر: أن بلالا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ذلك؟ قال: استيقظت، وظننت أن الفجر طلع. ولما ذكر أبو حاتم هذا في علله لم يقل إثره إلا ابن أبي محذورة شيخ، وما رواه الطحاوي من حديث محمد بن بشر، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس يرفعه: لا يغرنكم أذان بلال، فإن في بصره شيئا، قال الطحاوي: فأخبر في هذا الإسناد أنه كان يؤذن بطلوع ما يرى أنه الفجر، وليس في الحقيقة بفجر، قال: وقد روينا عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن بلالا يؤذن بليل وقد روي عن السلف ما يوافق هذا، - والله أعلم -.
7 -
باب ما يقال إذا أذن المؤذن
21 -
حدثنا أبو إسحاق الشافعي إبراهيم بن محمد بن العباس، حدثنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أذن المؤذن فقولوا مثل قوله.
هذا حديث قال فيه الآجري: سمعت أبا داود يقول: سئل أحمد بن صالح عنه؟ فقال: الحديث حديث عطاء، عن أبي سعيد، ولما ذكره الترمذي قال: ورواه مالك، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الآتي بعده أصح، وقال البزار: هو الصواب، وزعم أبو أحمد بن عدي أن ابن إسحاق لم يضبط، وقال ابن عساكر: رواه غير عبد الرحمن، عن الزهري، عن عطاء، وهو المحفوظ، ولما سئل أبو حاتم عنه قال: قد اتفق ثقتان على عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، وهو أشبه، وقال أبو علي الطوسي: روى عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري هذا الحديث، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواية مالك أصح يعنون بذلك عصب الجناية برأس ابن إسحاق المعروف بعباد القرشي العامري مولى بني عامر بن ثور المدني، ويقال: الثقفي نزيل البصرة الراوي عنه جماعة منهم: ابن علية، وبشر بن المفضل، ويزيد بن زريع، وحماد بن سلمة، وخالد الطحان، ومسلم بن خالد، وابن طهمان، وهو وإن كان أحمد بن حنبل قد قال فيه: يروي عن أبي الزناد أحاديث منكرة، ليس به بأس، قال أبو طالب: فقلت له: إن يحيى بن سعيد قال: سألت عنه بالمدينة فلم يحمدوه فسكت. وقال العجلي: يكتب حديثه، وليس بالقوي. وفي كتاب
العقيلي: كان القطان لا يستمرئه، وقال ابن عدي: في حديثه بعض ما ينكر، ولا يتابع عليه، والأكثر منه صحاح، وهو صالح الحديث، فقد قال فيه ابن سعد: هو أثبت من عبد الرحمن أبي شيبة في الحديث، وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: عبد الرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه فصحيح، وفي رواية الميموني عنه: صالح، وفي رواية ابن زنجويه: مقبول. وفي كتاب العقيلي: ليس به بأس، وفي كتاب الألقاب للشيرازي، قال أبو عبد الله محمد بن حفص بن عمرو الفارسي: عباد حسن الحديث، وقال البخاري: هو مقارب الحديث، وقال يزيد بن زريع: ما جاء من المدينة أحفظ منه، وقال يحيى بن معين: هو ثقة، صالح الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: ليس به بأس. وقال ابن خزيمة: لا بأس به. وخرج أبو الحسين حديثه في صحيحه على سبيل الاحتجاج نص على ذلك عبد الغني والصريفيني، وعين ذلك في الطب، واللالكائي، والحبال خلافا لقول الحاكم لم يحتجا ولا واحد منهما به، ثم خرج حديثه، وصححه، وقال في المدخل: خرجا له في الشواهد، وهو شيء لم أره لغيره، وقال الساجي: هو مدني صدوق، وذكره البستي في كتاب الثقات، وقال: كان متقيا جدا، وقال أبو الفرج البغدادي: رواياته لا بأس بها، وصحح له أبو عيسى غير ما حديث، ثم إنا أردنا أن نعرف السبب الموجب لعدم حمد أهل المدينة له فوجدناه متهما بالقدر من غير دعاء إليه، قال علي بن المديني فيما حكاه اللالكائي: سمعت ابن عيينة يسأل عن عباد بن إسحاق فقال: كان قدريا فنفاه أهل المدينة، فحدثنا هاهنا مقتل الوليد فلم نجالسه، وقالوا: إنه قد سمع الحديث فلما وقفنا على السبب، وجدناه غير مؤثر في العدالة لاسيما مع ما ذكرناه، ولأنه لم يرم بقادح، ولا معضل، وإن عابه من تكلم فيه جاء عنه خلاف ذلك، إما في رواية أخرى، أو في نفس الكلام، وإنه ممن يحتمل التفرد لحفظه، وإتقانه، وقد وجدنا لحديثه شاهدا ذكره البستي في صحيحه من
حديث بكير بن الأشج، عن علي بن خالد الذهلي، عن النضر بن سفيان الدؤلي سمع أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بلال ينادي، فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال مثل هذا يقينا دخل الجنة. وخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه هكذا، وفي كتاب الدعاء للطبراني من حديث ابن أبي فديك، عن هارون، عن الأعرج عنه قال صلى الله عليه وسلم: من الجفاء أن تسمع المؤذن، ولا تقول مثل ما يقوله. وفي كتاب أبي الشيخ، عن إبراهيم بن محمد بن الحسن، عن أحمد بن الوليد، عن ابن أبي فديك، عن هارون بن هارون التيمي، عن الأعرج عنه مرفوعا: أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائما، أو يكثر مسح جبينه قبل أن يفرغ من صلاته، أو يسمع المؤذن يؤذن فلا يقول مثل ما يقول، أو يصلي بسبيل من يقطع صلاته يعني الطريق، ومن حديث محمد بن عوف الحمصي، حدثنا عصام بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة قال: كان مع النبي صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما لا يكاد يفارقه، ولا يعرف له كثير عمل، وكان الآخر لا يكاد يرى، ولا يعرف له كثير عمل فيه، وأما الآخر فمات فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: هل علمتم أن الله تعالى أدخل فلانا الجنة؟ قال: فعجب القوم، فإنه كان لا يكاد يرى فقام بعضهم إلى امرأته، فسألها عن عمله؟ فقالت: ما كان في ليل، ولا نهار يسمع المؤذن يقول: أشهد ألا إله إلا الله إلا قال
مثل قوله ثم قال: أقر بها، وأكفر من أبى، وإذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله قال مثل هذا فقال الرجل: بهذا دخل الجنة. وفي كتاب الفضائل لابن زنجويه من حديث الإفريقي، عن سلامان الشعباني، عن أبي عثمان الأصبحي عنه أنه قال: للمؤذن على من حضر معه الصلاة بأذانه عشرون ومائة حسنة، فإن أقام فأربعون ومائتا حسنة إلا من قال مثل ما يقول.
22 -
حدثنا شجاع بن مخلد أبو الفضل، حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر، عن أبي مليح بن أسامة، عن عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، حدثتني عمتي أم حبيبة: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان عندها في يومها وليلتها، فسمع المؤذن يؤذن قال كما يقول المؤذن.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه بلفظ: كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت، وقال فيه أبو عبد الله بن البيع: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وله شاهد بإسناد صحيح، وفي كلامه نظر من حيث إن عبد الله بن عتبة لم يخرجا له، ولا واحد منهما، ولا نعرف له راويا غير أبي المليح، ورواه النسائي، وابن أبي شيبة في مسنده من حديث أبي المليح عنها بغير واسطة، والأول هو الصواب، وفي مسند السراج: كما يقول المؤذن، ثم يسكت. وفي كتاب أبي الشيخ بن حيان: حتى يفرغ المؤذن.
23 -
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم النداء فقولوا كما يقول المؤذن
هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم من حديث مالك، وفي كتاب الذخيرة: أن المغيرة بن سقلاب رواه عن مالك، فزاد في إسناده سعيد بن المسيب، مقرونا بعطاء، قال ابن عدي: وذكر سعيد في هذا الإسناد غريب، لا أعلم يرويه عن مالك غير مغيرة، وهو ضعيف، وفي التمهيد: ورواه مسدد، عن يحيى القطان، عن مالك، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمر: وذلك خطأ من كل من رواه بهذا الإسناد عن مسدد، أو غيره. وفي كتاب الأطراف لأبي العباس أحمد بن محمد بن عيسى الداني الحافظ: ورواه عمرو بن مرزوق، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، وذلك وهم. وذكر الدارقطني في كتاب الموطآت: إن لفظ عبد الرزاق، عن مالك: فقولوا مثل ما يقول المنادي. وقال ابن مهدي، وابن المبارك: كما يقول المؤذن. وقال عثمان بن عمر: مثل ما يقول المنادي. وقال محمد بن مصعب: من سمع المؤذن، أو المنادي فليقل مثل ما قال. وأغفل رحمه الله لفظ ابن ماجه من طريق زيد بن حباب، ولفظ خالد بن مخلد القطواني عند الطوسي: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول. وخرجه أبو العباس محمد بن إسحاق السراج في مسنده من حديث عثمان بن عمر، وابن مهدي، ويحيى بن سعيد، وروح بن عبادة، عن مالك بلفظ: إذا سمعتم المؤذن
فقولوا مثل ما يقول. ورأيت حاشية بخط بعض الفضلاء على كتاب التقصي، عن ابن وضاح: ذكر المؤذن هنا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
24 -
حدثنا محمد بن رمح، أنبأنا الليث بن سعد، عن الحكيم بن عبد الله بن قيس، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا غفر الله له ذنبه.
وقال الترمذي: صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، عن الحكيم. وفي ذلك نظر؛ لأن الطحاوي رواه عن روح بن الفرج، عن سعيد بن كثير بن عفير، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن المغيرة، عن الحكيم به، وزاد من قال: حين يسمع المؤذن يتشهد. وبنحوه ذكره أبو حاتم الرازي في كتاب العلل، وأما تخريج الحاكم له في كتابه فلا يصلح لكونه في مسلم كما بيناه، ولفظ ابن خزيمة: من سمع المؤذن يتشهد فالتفت في وجهه، فقال: أشهد ألا إله إلا الله. وفي آخره غفر له ما تقدم من ذنبه.
25 -
حدثنا محمد بن يحيى، والعباس بن الوليد الدمشقي، ومحمد بن أبي الحسين، قالوا: حدثنا علي بن عياش الألهاني، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن
محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة، والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة.
هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه بلفظ: حلت له شفاعتي. وقال الترمذي فيه: حسن غريب من حديث ابن المنكدر، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب. وقال أبو القاسم في الصغير: لم يروه عن ابن المنكدر إلا شعيب، تفر به علي بن عياش، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد. وفيه نظر من حيث إنه ذكره من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير عنه في كتاب الأوسط، وقال: لم يروه عن أبي الزبير إلا ابن لهيعة، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد، ولفظ أحمد في مسنده: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صل على محمد، وارض عني رضا لا تسخط بعده، من قاله استجاب الله له. ولفظه في كتاب الألقاب للشيرازي: أسألك أن تعطي محمدا الوسيلة، وأن تبعثه المقام المحمود الذي وعدته. وفي الباب غير ما حديث من ذلك حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا قال المؤذن: أشهد ألا إله إلا
الله. قال: أشهد ألا إله إلا الله. وإذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله. قال: وأنا، ثم يسكت رواه أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفرائيني في صحيحه، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي، عن ابن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عيسى بن طلحة، وهو عمه عنه، قال: وحدثنا محمد بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد، عن حيوة، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن معاوية: أن المنادي نادى بالصلاة فقال: الله أكبر، الله أكبر. فقال معاوية: الله أكبر، الله أكبر. فقال المنادي: أشهد ألا إله إلا الله. فقال معاوية: وأنا. فقال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله فقال معاوية: وأنا، هكذا سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول إذا سمع المنادي. وفي كتاب الطحاوي من حديث هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى به، زاد: حتى بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال يحيى: وحدثني رجل أن معاوية لما قال ذلك قال: هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول. وفي كتاب الإسماعيلي الصحيح، وخرجه من حديث ابن ماجه، عن الحسن بن حماد، ويعقوب، عن ابن علية، عن هشام فلما قال: حي على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول. وكذا هو في كتاب النسائي، عن محمود بن خالد، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى من غير ذكر واسطة، وكذا خرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن يعقوب الدورقي، حدثنا ابن علية، عن هشام، وحدثنا عبد الجبار بن العلاء، حدثنا حرملة يعني: ابن عبد العزيز، حدثني أبي، عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن معاوية
مرفوعا، وحدثنا بندار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا محمد بن عمر، وحدثني أبي، عن جدي: كنت عند معاوية فذكره مرفوعا، وخرجه البخاري في صحيحه إثر حديث أبي سعيد، عن معاذ بن فضالة، حدثنا هشام، عن يحيى، عن محمد، حدثني عيسى، سمع معاوية يوما فقال مثل قوله إلى قوله: وأشهد أن محمدا رسول الله. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا هشام، عن يحيى مثله، قال يحيى: وحدثني بعض إخواننا قال: لما قال: حي على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال: هكذا سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول. انتهى. ورواه عن معاوية جماعة منهم غير من قدمنا ذكرهم: بينوا رفع هذه اللفظة منهم: ابن هبيرة: أنه كان يكلم معاوية، وأذن المؤذن فأمره أن ينصت، ثم كبر كما كبر، ثم قال المؤذن: أشهد ألا إله إلا الله. فقال، ونحن نشهد ألا إله إلا الله فقال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله فقال: ونحن نشهد أن محمدا رسول الله. فقال ابن هبيرة: فقلت له: أشيء رأيته، أم سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني في معجمه عن عمارة بن وثيمة المصري، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زبريق، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، حدثنا الحسن بن جابر عنه.
وعلقمة بن وقاص قال: إني عند معاوية فذكره مرفوعا، رواه النسائي، عن مجاهد بن موسى، وإبراهيم بن الحسن، عن حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن يحيى: أن عيسى بن عمر أخبره، عن عبد الله بن علقمة عنه، وقال ابن عساكر: ورواه
عبد الرحمن بن داود المكي، عن عمرو بن يحيى، عن عبد الله بن علقمة فلم يذكر عيسى، وأورد له سندا من طريق ابن جوصا عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب قال: وحدثني أيضا يعني: داود بن عبد الرحمن الحديث، وفي علل أبي الحسن: ورواه عمرو بن علقمة، عن أبيه، وابن يساف. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية عنه، أنه سمع معاوية: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول. فقال: أنكرت هذا الحديث إذا كان عمارة، عن ابن يساف، ولا أدري من ابن يساف هذا؟ فتفكرت فيه، فإذا إسماعيل بن جعفر قد روى هذا الحديث، عن عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن، وهو ابن يساف، عن حفص بن عاصم بن عمر، عن أبيه، عن جده عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا سمعتم المؤذن. قال أبي: أما ابن يساف أرى أنه خبيب بن عبد الرحمن بن يساف، نسبه إلى جده، لم يسمع خبيب من معاوية شيئا، فيحتمل أن يكون قد دخل لأبي عياش حديث في حديث، ومحمد بن إبراهيم قال: سمعت معاوية فذكره، قال أبو حاتم في العلل: سقط رجل، ومحمد التيمي لم يسمع من معاوية، وأبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف سمع معاوية، وهو جالس على المنبر أذن المؤذن فذكره مطولا، ثم قال: يا أيها الناس، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المنبر حين أذن يقول: ما سمعتم من مقالتي، ذكره البخاري في صحيحه، ونهشل التميمي سمع معاوية فذكره بكماله مرفوعا، رواه ابن مطير، عن أبي غسان أحمد بن سهل الأهوازي، حدثنا خالد بن يوسف السمتي، حدثنا أبي، عن أبي سنان عنه، ومحمود بن علي القرظي، رواه أيضا
من حديث ابن لهيعة عنه، وقال: لم يروه عن محمود إلا ابن لهيعة، وأبو صالح، فذكره مرفوعا، رواه أيضا عن علي بن عبد العزيز، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، وعن محمد بن يحيى، عن موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد، عن عاصم عنه، ورواه أبو الشيخ، عن ابن منيع، عن أبي عائشة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم به وإسناده صحيح، وفيما أسلفنا رد لقول أبي عمر حديث معاوية مضطرب، وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قال المؤذن الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله قال أشهد ألا إله إلا الله ثم قال: أشهد أن محمدا رسول الله قال: أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي عل الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة رواه مسلم، زاد أبو نعيم في مستخرجه وقال ذلك صادقا من قلبه دخل الجنة.
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، بهذا الإسناد: وقال الأثرم في كتاب: الناسخ والمنسوخ الكبير: هذا من الأحاديث الجياد، وهو أخص من حديث أبي سعيد،، وقد زاد عليهما وزيادة الثقة مقبولة. انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث إنه في صحيح مسلم، لا ذكر له عند البخاري، ويزيد ذلك وضوحا قوله هو في كتاب الاستدراك: وأخرج مسلم حديث إسماعيل بن جعفر فذكره، وهذا هو الصواب، والله أعلم.
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة، حلت عليه الشفاعة رواه أبو الشيخ ولفظ السراج في مسنده يا رسول الله إن المؤذنين قد فضلونا، قال قل كما يقولون، ثم سل تعطه رواه في الأوسط من حديث عمر مولى غفرة عن الحبلي عنه، وقال: لم يروه عن عمر إلا رشدين، ولفظه: إن المؤذنين يفضلوننا، قال قولوا كما يقول المؤذن، فإذا فرغتم، فسلوا تعطوا، وحديث أم سلمة قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول عند أذان المغرب اللهم إن هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك فاغفر لي خرجه أبو عيسى، وقال: حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه، يعني من حديث محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن حفصة بنت أبي كثير عن أبيها أبي كثير، قال: وحفصة لا نعرفها ولا أباها انتهى كلامه، وفيه نظر لأن الطحاوي رواه من حديث حفصة عن أمها بالميم
ورواه الحاكم من حديث القاسم عن أبي كثير مولى أم سلمة عنها، وقال فيه: صحيح، ولم يخرجاه، والقاسم بن معن بن عبد الله بن مسعود من أشراف الكوفيين وثقاتهم ممن يجمع حديثه، ولم أكتبه إلا عن شيخنا أبي عبد الله، قال البيهقي في الكبير: كذا في كتابي عن الحاكم، وقال غيره: عن القاسم بن معن، حدثنا المسعودي.
وحديث أبي أمامة، أو عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن بلالا أخذ في الإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أقامها الله وأدامها. وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، رواه أبو داود من حديث رجل من أهل الشام، عن شهر عنه، قال البيهقي في الكبير: وهذا إن صح كان شاهدا لما استحبه الشافعي من قوله: اللهم أقمها، وأدمها، واجعلنا من صالح أهلها عملا، وهذا منه رحمه الله ذهول عما رواه أبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن الحسن، حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا وكيع، عن محمد بن ثابت، عن رجل من أهل الشام، عن أبي أمامة وفي كتاب الدعاء للطبراني من حديث الوليد بن مسلم، عن عفير بن معدان، عن سليم بن عامر عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نزل به كرب، أو شدة فليتحين المنادي فإذا كبر كبر، وإذا تشهد تشهد، وإذا قال: حي على الصلاة قال: حي على الصلاة، وإذا قال: حي على الفلاح، قال: حي على الفلاح، ثم ليقل: اللهم رب هذه الدعوة الصادقة، والحق المستجاب، له دعوة الحق، وكلمة التقوى، أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها محيا ومماتا، ثم يسأل الله تعالى حاجته، ولما
خرجه الحاكم في مستدركه صحح إسناده مع ثبوت عفير فيه، وحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن قال: وأنا، وأنا خرجه أبو عبد الله من حديث حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه عنها، وقال: سنده صحيح، وزعم أبو الحسن في علله: أن الخريبي رواه عن هشام، عن أبيه مرسلا، وهو الصحيح، وفي الاستذكار: وأنا أشهد، وأنا أشهد. وقال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن هشام إلا حفص، وعلي بن مسهر، تفرد به عن حفص: سهل بن عثمان، وحديث أبي عيسى الأسواري قال: كان ابن عمر إذا سمع الأذان قال: اللهم رب هذه الدعوة المستجابة، المستجاب لها، دعوة الحق وكلمة الحق، وكلمة التقوى، توفني عليها، وأحيني عليها، واجعلني من صالح أهلها عملا يوم القيامة.
رواه البيهقي من حديث عبد الوهاب بن عطاء، أنبأنا شعبة، عن عاصم الأحول عنه، وقال الدارقطني: ورواه محبوب عن الجهم الكوفي، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: والصحيح موقوف، وأبو عيسى مذكور فيمن لا يعرف اسمه، قال أبو عمر في كتاب الاستغناء عن أحمد: لا أعلم أحدا روى عنه غير قتادة، انتهى، وقد أسلفنا حديث عاصم عنه أيضا، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذن فقال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، فإذا قال: أشهد ألا إله إلا الله، قال: أشهد ألا إله إلا الله، وإذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: أشهد أن محمدا رسول الله، ثم يسكت، ذكره أبو بكر
الأثرم من حديث الحكم بن ظهير، عن عاصم، عن زر عنه، ثم قال: حديث الحكم واهٍ، وذكره الطحاوي مستدلا به على عدم وجوب الإجابة بلفظ: لما قال المؤذن: الله أكبر. قال صلى الله عليه وسلم: على الفطرة. فلما قال: أشهد ألا إله إلا الله. قال: حرم من النار. الحديث، وحديث أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن قال كما يقول، وكان يقول إذا بلغ: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله رواه أبو الشيخ من حديث حفص بن عمار، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن عنه، وخرجه مسلم بلفظ: فسمع رجلا يقول: الله أكبر، الله أكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: على الفطرة. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: خرجت من النار. فنظروا فإذا هو راعي معزى. وفي كتاب الترمذي من حديث زيد العمي، عن معاوية بن قرة عنه مرفوعا: الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة. قالوا: فما نقول؟ قال: سلو الله العافية في الدنيا، والآخرة. وحسنه، ورواه النسائي من حديث بريد بن أبي مريم، عن أنس، ورواه أبو الشيخ في فوائد الأصبهانيين، عن إسحاق بن محمد، حدثنا أبو مسعود، حدثنا الفريابي، حدثنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن بريد عنه، يرفعه إذا قال: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة أعط محمدا سؤله،
نالته شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي شعب الإيمان للبيهقي، أنبأنا عبد الله بن يوسف، سمعت عبد الله بن محمد بن أحمد بن روزبة، سمعت أبا جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن برية الهاشمي، حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن يوسف، قال: كان لي صديق بمصر، وكان مخلطا فمات فأريته في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قلت: مع ما أعلم؟ قال: مع ما تعلم. قلت: بأي شيء؟ قال: كنت إذا سمعت المؤذن قلت كما يقول فغفر لي، لو قلت في آخر الأذان: لا إله إلا الله الملك الحق المبين ما حاسبتك. وحديث أبي الدرداء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع النداء قال: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة صل على محمد عبدك ورسولك، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة. قال أبو الدرداء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال هذا عند النداء جعله الله تعالى في شفاعتي يوم القيامة. رواه أبو القاسم في الأوسط من حديث محمد بن أبي السري، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن صدقة بن عبد الله، عن سليمان بن أبي كريمة، عن أبي قرة عطاء بن قرة، عن عبد الله بن حمزة السلولي قال: سمعت أبا الدرداء به، وقال: لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو بن أبي سلمة، وحديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الأذان قال: اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها، دعوة الحق، وكلمة التقوى، أعني عليها، وتوفني عليها، واجعلني من صالح أهلها عملا. ذكره ابن الجوزي في علله، وقال: الصحيح موقوف، وحديث المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قال حين يؤذن المؤذن مثل قوله غفر له. رواه أيضا من حديث سليمان بن داود، حدثنا
أبو محمد الحسن البجلي، عن عبد الله بن أبي المجالد، عن مجاهد، عن وراد عنه، وحديث عبد الله بن سلام قال: بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا في الوادي يقول: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أشهد، لا يشهد بها أحد إلا برئ من النفاق. رواه أيضا من حديث أحمد بن عبد المؤمن المصري، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، أن يحيى بن عبد الرحمن حدثه عن عون بن عبد الله، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، ورواه النسائي في كتاب اليوم والليلة، عن عمرو بن منصور، أنبأنا أصبغ، أخبرني ابن وهب بلفظ: إلا برئ من الشرك. وحديث أبي رافع: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذن المؤذن قال مثل ما يقول حتى إذا بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله رواه النسائي في اليوم والليلة عن علي بن حجر، عن شريك، وأحمد بن سليمان، عن أبي نعيم، عن شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن علي بن حسين عنه، وقال: خالفه سفيان؛ فرواه عن عاصم، عن ابن عبد الله بن الحارث، عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع المؤذن، نحوه، قال ابن عساكر: ورواه عمرو بن العباس، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، وكذلك قال محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان، وقال وكيع، عن سفيان عبيد الله بن عبد الله بن الحارث، وكذلك رواه أحمد بن عبد الله المنجوفي، عن ابن مهدي، وحديث عبد الله بن ربيعة: أن رسول صلى الله عليه وسلم
سمع صوت رجل يؤذن في سفر فقال: الله أكبر، الله أكبر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، الله أكبر. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد ألا إله إلا الله. فقال: أشهد أن محمدا رسول الله. قال: أشهد أن محمدا رسول الله. رواه النسائي بإسناد صحيح، عن إسحاق بن منصور، عن ابن مهدي، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى عنه، وحديث معاذ بن أنس قال رسول صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم المؤذن يثوب بالصلاة فقولوا كما يقول. رواه أبو الشيخ من حديث رشدين، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، ومن حديث ابن لهيعة، عن زبان بلفظ: إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول. ولما ذكره أبو أحمد في كامله رده برشدين، وحديث عبد الله بن الحارث تقدم في حديث أبي رافع، وحديث ابن عباس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: من سمع النداء فقال: أشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أبلغه الدرجة، والوسيلة عندك، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة إلا وجبت له الشفاعة. رواه أبو الشيخ من حديث إسحاق بن كيسان، عن أبيه، عن سعيد بن جبير عنه، وحديث صفوان بن عسال قال: بينا نحن نسير مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا نحن بصوت يقول: الله أكبر، الله أكبر فقال عليه السلام: على الفطرة فقال: أشهد ألا إله إلا الله. فقال: برئ من الشرك. قال: أشهد أن محمدا رسول الله. قال: خرج من النار. قال: حي على الصلاة. قال: إنه لراعي غنم، أو مبتدئ بأهله قال: فابتدره القوم فإذا هو رجل مبتدئ بأهله. ورواه أيضا من حديث يزيد بن أبي زياد، عن زر عنه، ومرسل عمر بن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هبط من مدراج اليمن بين مكة والمدينة، فعرس، وأذن بلال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال
مثل ما قال بلال من نفسه: حرم الله عليه النار. رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة، عن عمر بن ذر، عن أبي بكر بن حفص عنه، وموقوف عثمان: أنه كان إذا قال المؤذن: حي على الفلاح قال: مرحبا بالقائلين عدلا، وبالصلاة مرحبا وأهلا. رواه أحمد بن منيع في مسنده من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وفيه كلام، عن عبد الله القرشي، عن عبد الله بن عكيم عنه، وموقوف بلال المؤذن: أنه قدم الشام، فكان إذا أتى المسجد، فجلس فيه، فسمع المؤذن قال لمن حوله: ليس هذا المؤذن بأحق بهؤلاء الكلمات منكم، فقولوا مثل ما يقول. رواه الطبراني في كتاب الدعاء من حديث بقية، عن محمد بن زياد الألهاني، عن بعض المشيخة عنه، ومرسل حفص بن عاصم: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يؤذن للمغرب فقال صلى الله عليه وسلم مثل ما قال: فانتهى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال: قد قامت الصلاة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انزلوا فصلوا المغرب بإقامة ذلك العبد الأسود. رواه البيهقي في الكبير من حديث عمارة بن غزية، عن حبيب بن عبد الرحمن عنه، وخبر زريب بن برثملا مع نضلة، وأذن بحلوان في سفح جبل، فقال: الله أكبر، الله أكبر. فأجابه مجيب من الجبل: كبرت يا نضلة كبيرا. قال: أشهد ألا إله إلا الله. قال: كلمة الإخلاص. قال: أشهد أن محمدا رسول الله. قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم قال: حي على الصلاة. قال: البقاء لأمة
محمد صلى الله عليه وسلم، قال: حي على الفلاح. قال: كلمة مقبولة. قال: الله أكبر، الله أكبر. قال: كبرت كبيرا. قال: لا إله إلا الله. قال: كلمة حق حرمت بها على النار. فذكر حديثا طويلا ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب هواتف الجنان من حديث ابن لهيعة، عن مالك بن الأزهر، عن نافع، عن ابن عمر، قال الخطيب: وذكره في تاريخه من حديث عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي، أنبأنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، تابع أبو موسى إبراهيم بن رجاء الراسبي على روايته، عن مالك، وليس بثابت من حديثه، وقال الدارقطني في الغرائب من حديث مالك: هذا الحديث لا يثبت عن مالك، ولا عن نافع، وحديث عمرو بن العاص، ذكره ابن قدامه في كتاب المغني، وحديث عبد الرحمن بن عمرو، ذكره الطوسي في كتاب الأحكام، وأخبرني والدي - رحمه الله تعالى - أنه قال: لما سافر الملك الظاهر قاصدا قيسارية كنت في صحبته، فعبرت إلى بيت المقدس زائرا، فرأيت بها سادنا يسمى أبا إسحاق إبراهيم بن علي الحنبلي الواسطي يقول: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال حين يسمع الأذان: مرحبا بالقائلين عدلا، وبالصلاة أهلا وسهلا. بعد الله وجهه عن النار يوم القيامة.
قوله: فقولوا. ذكر ابن قدامة أن ذلك مستحب لا أعلم فيه خلافا بين أهل العلم، وفي قوله نظر؛ لما قاله أبو جعفر الطحاوي من أن الناس اختلفوا: هل هو
واجب، أو مندوب؟ قال: الصحيح الذي عليه الجمهور أنه مندوب، خالف ذلك صاحب المحيط، والبدائع، فأوجباه، ومثله في المفيد، والتحفة، والغنية، وزعم شمس الأئمة السرخسي في الذخيرة أن بعضهم قال: إن الإجابة بالقدم لا باللسان، وهو المشي إلى المسجد حتى لو كان حاضرا في المسجد، فسمع الأذان فليس عليه إجابة، فإن قال مثل ما يقول نال الثواب، وإن لم يقل فلا إثم عليه، ولا يكره له ذلك. وفي الذخيرة فإذا قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان. وفي المحيط يقول: مكان قوله حي على الصلاة، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومكان الفلاح، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وعند قوله: الصلاة خير من النوم صدقت، وبررت. وفي كتاب ابن حزم: يقول السامع كما يقول المؤذن، سواء من أول الأذان إلى آخره، وسواء أكان في صلاة فرض أو نافلة، حاشا قوله حي على الصلاة، والفلاح فإنه لا يقولهما في الصلاة، فإذا أتم الصلاة فليقلهما، وإن قال مكانهما: لا حول ولا قوة فحسن. وفي كتاب الغاية شرح الهداية: يستحب الإجابة لكل من سمعه من متطهر، ومحدث، وجنب، وحائض، وكبير، وصغير، وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة، من أسباب المنع، إلا أن يكون في الخلاء، أو جماع، أو غيرهما، قال الماوردي: فإن كان في صلاة لم يوافقه، سواء أكان نفلا أو فرضا، فلو فعله ففيه قولان للشافعي: أظهرهما يكره؛ لأنه إعراض عن الصلاة، ولكن لا تبطل، لأنه ذكْر، فلو قال: الحيعلة، أو التثويب، بطلت إن كان عالما؛ لأنه كلام آدمي، وعن مالك ثلاثة أقوال: يجيب لعموم الحديث، لا يجيب لأن في الصلاة شغلا، يقول التكبير،
والتشهد في النافلة لا الفريضة، وفي كتاب الطحاوي: المنع من ذلك فيهما، وكذا قاله أحمد فيما حكاه ابن قدامة قال: وإن قال الحيعلة بطلت الصلاة. قال صاحب المحيط: لا ينبغي للسامع أن يتكلم في حال الأذان والإقامة، ولا يشتغل بقراءة القرآن، وفي المرغيناني: لا يقطع إن كان في المسجد، ويقطع فيما سواه، ولا يرد السلام، وفي المحيط: يرد سرا، وكذا جواب العطاس، قال الطحاوي: واختلفوا: هل يقول ذلك عند سماع كل مؤذن، أو يجيب أول مؤذن فقط؟ واختلف قول مالك هل يتابع المؤذن، أو يقوله مسرعا قبل فراغه من التأذين.
وأما الوسيلة فهي القربة، قال أبو عبيد: يقال: توسلت إليه، أي تقربت، وفي الصحاح: أنها منزلة في الجنة، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هي القرب من الله تعالى، وقوله حلت له الشفاعة قال عياض: معناه غشيته، وقيل: حلت عليه. وقيل بمعنى: وجبت له قال تعالى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} . وقيل: حلت له بمعنى عليه، قال:{يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} ، يعني: على الأذقان.
8 -
فضل الأذان، وثواب المؤذنين
26 -
حدثنا محمد بن الصباح، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه - وكان أبوه في حجر أبي سعيد - قال: قال أبو سعيد: إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالأذان، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يسمعه جن، ولا إنس، ولا شجر، ولا حجر إلا شهد له.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن عبد الجبار بن العلاء، ثنا سفيان قال: حدثني عبد الله به. وفي لفظ: وكانت أمه عند أبي سعيد، وفيه: شجر، ولا مدر. وخرجه البخاري في صحيحه من حديث مالك بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة بزيادة: إني أراك تحب الغنم، والبادية. وقال: ولا إنس، ولا شيء. ولما رواه الشافعي رضي الله عنه عن سفيان قال إثرها: ويشبه أن يكون مالك أصاب اسم الرجل. قال البيهقي: وهو كما قال الشافعي - رحمه الله تعالى - وذكر الدارقطني أن مالكا لم يختلف عليه في اسمه، وكذا هو في كتاب النسائي، ومسند الشافعي، وأحمد، والأوسط، وأحمد بن منيع، وغيرهم، ورواه أبو نعيم في كتاب الصلاة، عن عبد العزيز الماجشون كرواية
مالك سواء، وفي كتاب أبي الشيخ من حديث القطان، عن مالك كرواية سفيان، فإن صح كان ردا لما قاله الدارقطني - والله أعلم -، ويوضحه قول ابن سعد عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة: روى عن أبي سعيد، وأدركه مالك، وروى أيضا عن ابنيه محمد، وعبد الرحمن بني عبد الله، وروى البزار حديث سفيان بسند آخر فقال: حدثنا إسحاق بن بهلول، ومحمد بن مسكين، قالا: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا ابن عيينة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يغفر للمؤذن مد صوته، ويصدقه ما سمعه من رطب، ويابس. وقال: لا نعلم أحدا أسنده عن ابن عيينة إلا سعيد بن منصور، ولم يتابع عليه.
27 -
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة، حدثنا شعبة، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي يحيى، عن أبي هريرة قال: سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤذن يغفر له مد صوته، ويستغفر له كل رطب، ويابس، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون حسنة، ويكفر عنه ما بينهما.
هذا حديث قال فيه المنذري - رحمه الله تعالى -: أبو يحيى ولم ينسب فيعرف حاله. وما درى أن حاله معروفة، وأنه منسوب مسمى، وأنه حديث خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، عن بندار، عن عبد الرحمن، عن شعبة، وقال: يريد ما بين الصلاتين. وخرجه البستي في صحيحه أيضا عن أبي خليفة، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة ثم قال: أبو يحيى هذا اسمه سمعان مولى أسلم من أهل المدينة، والد أنيس، ومحمد بن أبي يحيى من جلة التابعين، وموسى بن أبي
عثمان من سادات أهل الكوفة، وعبادهم، واسم أبيه: عمران، ولفظ ابن حنبل: مدى صوته، ويصدقه كل رطب، ويابس سمعه، وللشاهد عليه خمس وعشرون درجة، ورواه البيهقي في السنن الكبير من حديث عمرو بن عبد الغفار، حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن أبي هريرة به، قال: ورواه حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا أيضا، ولفظهما: ويشهد له كل رطب، ويابس سمعه، وفي كتاب أبي الشيخ من حديث أبي العنبس، عن أبيه: كل مدرة، وصخرة سمعت صوته.
28 -
حدثنا محمد بن بشار، وإسحاق بن منصور قالا: حدثنا أبو عامر، حدثنا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن عيسى بن طلحة قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث عبدة بن سليمان، وسفيان، عن طلحة.
29 -
حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا حسين بن عيسى - أخو سليم القاري - عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم قراؤكم.
هذا حديث إسناده صحيح على شرط الحافظين ابن خزيمة، والبستي لذكر ابن حبان حسينا، والحكم في كتاب الثقات، ولرواية ابن خزيمة عنهما في صحيحه،
ولئن كان فقد قيل فيه: هو حديث رواه الحسين الحنفي، وهو منكر الحديث فيما ذكره عبد الحق، وأما البخاري فقال: حسين مجهول، وحديثه: يؤمكم أقرؤكم منكر، وأنه مما تفرد به الحسين، عن الحكم فيما ذكره الدارقطني معترضا. وأما قول أبي أحمد في الكامل: لعل البلاء فيه من الحكم؛ لأنه ضعيف، ليس من الحسين الحنفي، ففيه نظر؛ لأن الحكم لا يقاس بالحسين، فبالحري ألا يفضل عليه؛ لأنه ممن قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، يروي عن الحكم أحاديث منكرة، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال ابن عدي نفسه: له حديث قليل، وغاية حديثه غرائب، وفي بعض حديثه مناكير، وأما الحكم فإن ابن عيينة قال: سألت يوسف بن يعقوب: كيف كان الحكم بن أبان؟ فقال: ذاك سيدنا. وقال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو زرعة: صالح الحديث. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة، كان إذا هدأت العيون، وقف في البحر إلى ركبتيه، يذكر الله تعالى حتى يصبح، يذكر مع حيتان البحر، ودوابه. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقال: ربما أخطأ وإنما وقعت المناكير في روايته من رواية ابنه إبراهيم بن الحكم عنه، وإبراهيم ضعيف. وقال ابن عيينة: أتيت عدن. فقلت: إما أن يكون القوم علماء كلهم، وإما أن يكونوا كلهم جهالا، فلم أر مثل الحكم بن أبان، فقد ظهر لك فرق ما بين الرجلين من غير تعصب، ولا مين، وأن الحكم بن أبان، خير من حسين بزمان، ورواه ابن عدي بلفظ: قال صلى الله عليه وسلم: لا يؤذن غلام حتى يحتلم، وليؤذن لكم خياركم من حديث إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود، عن عكرمة.
30 -
حدثنا أبو كريب، حدثنا مختار بن غسان، حدثنا حفص بن عمر الأزرق البرجمي، عن جابر عن عكرمة، وحدثنا روح بن الفرج، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا أبو حمزة، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أذن محتسبا سبع سنين كتب له براءة من النار.
هذا حديث قال فيه أبو علي الطوسي في كتاب الأحكام: غريب. انتهى، وإسناده ضعيف لمكان جابر الجعفي المذكور قبل، ورواه أبو تميلة، عن أبي حمزة: فأبدل عكرمة مجاهدا، فيما ذكره أبو عيسى، وقال: هو غريب، وضعفه بجابر أيضا.
31 -
حدثنا محمد بن يحيى، والحسن بن علي الخلال قالا: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أذن ثنتي عشرة سنة، وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه كل يوم ستون حسنة، وبكل إقامة ثلاثون حسنة.
هذا حديث خرجه الحاكم من حديث عبد الله بن صالح، وقال: هذا صحيح على شرط البخاري، وله شاهد من حديث عبد الله بن لهيعة، وقد استشهد به مسلم، حدثناه محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن مهران، حدثنا أبو الطاهر، وأبو الربيع، حدثنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع به، وعليه فيه مأخذان:
الأول: أبو صالح عبد الله بن صالح، ليس من شرط البخاري في الأصول، إنما روى عنه في الشواهد، والمتابعات، قال بعقب حديث في الركوة: وزاد عبد الله: حدثني الليث، قاله غير واحد منهم: ابن سرور، وكذا يحيى بن أيوب فيما ذكره الكلاباذي، ومن عادة الحاكم إذا كان الرجل عندهما بهذه المثابة نبه عليه ليسوغ لنفسه مقصده، ويتأتى له فيه ما اعتمده، وهاهنا أغفله، فطولب بما أهمله.
الثاني: يخدش في صحته مطلقا انقطاعه، ورواه يحيى بن المتوكل، عن ابن جريج عمن حدثه، عن نافع، قال البخاري فيما ذكره البيهقي: وهذا أشبه. وقال
البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه إلا ابن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، وقال ابن عدي: لا أعلم أحدا رواه عن ابن جريج غير يحيى، ولا عنه إلا أبو صالح. ورواه حمزة الجزري - وهو كذاب - عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: من أذن سبع سنين احتسابا كتبت له براءة من النار. ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عنه قال: هذا منكر جدا، وذكره أبو الفرج من طريق محمد بن الفضل، ورده بأنه اختلط، ورواه قيس بن الربيع عند الطبراني في الأوسط: بلفظ آخر، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير عنه يرفعه: المؤذن المحتسب كالشهيد المتشحط في دمه، يتمنى على الله ما يشتهي بين الأذان والإقامة. وقال: لم يروه عن سالم إلا قيس، تفرد به إبراهيم بن رستم، وفي كتاب أبي الشيخ زيادة من حديث قيس، عن سالم الأفطس، عن مجاهد عنه مرفوعا: وإذا مات لم يدود في قبره. قال ابن الجوزي: وروي عن ابن عمر مرفوعا، ومرسلا، ولا يصح مسندا، وفي كتاب ابن زنجويه، عن أبي معشر قال: بلغني أنه: من أذن سبع سنين عتق من النار. وفي الباب غير ما حديث، من ذلك: حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أذن خمس صلوات إيمانا، واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، أنبأنا به المسند المعمر بقية المشايخ أبو زكريا يحيى بن يوسف المقدسي - رحمه الله تعالى - عن العلامة بهاء الدين الشافعي، عن الحافظ أبي طاهر - رحمهما الله - قالا: أنبأنا أبو
رجاء بندار بن محمد بن أحمد بن جعفر الخلقاني - قراءة عليه - بأصبهان من أصل سماعه، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن أبي علي الهمداني - قراءة عليه - أنبأنا أبو محمد عبد الله بن جعفر الأصبهاني الحافظ، ثنا عبد الله بن سندة، ثنا إسماعيل بن يزيد، ثنا إبراهيم بن رستم، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عنه، وقال البيهقي في الكبير: لا أعرفه إلا من حديث ابن رستم، عن حماد. وفي الفضائل لابن شاهين عنه مرفوعا من حديث موسى الطويل: من أذن سنة بنية صادقة ما يطلب عليها أجرا دعي يوم القيامة، فيوقف على باب الجنة، وقيل له: اشفع لمن شئت زاد الحافظ أبو أحمد حميد بن مخلد بن زنجويه في كتاب فضائل الأعمال من حديث سلام بن سلم، حدثنا سليمان بن عامر، عن أبي معاذ، عن أبي عثمان عنه: ويكتب له عند أذانه أربعون ومائة حسنة، وعند الإقامة عشرون ومائة حسنة. وعن محمد بن الحنفية: المؤذن المحتسب كشاهر سيفه في سبيل الله تعالى. وعن الحسن: أول من يكسى من كسوة الجنة: المؤذنون المحتسبون. ولفظ عبد الله بن سعيد عنه عند أبي الشيخ: للإمام والمؤذن مثل أجر من صلى معهما. وحديث ابن عباس مرفوعا: من أذن تسع سنين غفر له ما تقدم من ذنبه قال الدارقطني في الأفراد: غريب من حديث الشعبي عنه، ما كتبته إلا عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن روح بن الفرج البزار، عن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبي حمزة، عن جابر عنه، والمحفوظ: عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، وقيل: عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس، وخرجه الطبراني في الكبير من
حديث أبي حمزة، عن جابر بلفظ: سبع سنين. وقال ليث بن أبي سليم: بلغني أن المؤذن من حين أذانه إلى إقامته كالشهيد المتشحط في دمه. وحديث كثير بن مرة الحضرمي، وهو مذكور في كتاب الصحابة لأبي موسى المديني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبعث هذا - يعني بلالا - يوم القيامة على ناقة من نوق الجنة، ينادي على ظهرها بالأذان محضا - أو قال حقا - فإذا سمعت الأنبياء، عليهم السلام، وأممها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. نظروا كلهم إلى بلال، فقالوا: ونحن نشهد على ذلك. قبل ذلك ممن قبل منه قبل ذلك، ورد على من رد، فإذا وافى بلال الجنة استقبل بحلة فلبسها، وأول من يكسى من حلل الجنة بعد النبيين، والشهداء بلال، وصالح المؤذنين. وحديث ثوبان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حافظ على النداء بالأذان سنة أوجب الجنة ذكره أبو بكر البيهقي في الشعب من حديث أبي معاوية، عن أبي قيس السكوني الدمشقي، عن عبادة بن نسي، عن أبي مريم السكوني عنه، وحديث بلال، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا بلال ليس عمل أفضل من عملك إلا الجهاد رواه أيضا من حديث الحفصي رجل من الأنصار، عن أبيه، عن جده عنه، وحديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثلاثة يوم القيامة على كثب من مسك أسود، لا يهولهم فزع، ولا ينالهم حساب، حتى يفرغ مما بين الناس فذكره قال: ورجل أذن، ودعا إلى الله عز وجل ابتغاء وجه الله تعالى، ذكره الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد الجوزي في كتاب الترغيب والترهيب من طريق أبي عمر زاذان الكندي عنهما، وذكره
البيهقي في الشعب من حديث عبد الواحد بن غياث، حدثنا الفضل بن ميمون السلمي، ثنا منصور بن زاذان عن أبي عمر: أنه سمعهما، وفي كتاب ابن زنجويه، ثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن النبي عليه السلام قال: ثلاثة على كثبان المسك: رجل قرأ كتاب الله فأم قوما، وهم به راضون، ورجل دعا إلى هذه الصلوات الخمس في الليل والنهار ولا يريد بها إلا وجه الله تعالى، والدار الآخرة الحديث، وفي حديث ابن عمر عند الترمذي واستغربه مرفوعا: ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة، الحديث وحديث أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يد الله تبارك وتعالى على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه، وإنه ليغفر له مد صوته أين بلغ، ذكره أبو أحمد بن عدي من حديث عمر بن حفص العبدي، وهو متروك الحديث، عن ثابت عنه، ورواه أبو الشيخ من حديث العمي بزيادة: فإذا فرغ، قال الرب تعالى: صدقت عبدي، وشهدت شهادة الحق فأبشر، ولفظ أبي الفرج في علله: يحشر المؤذنون على نوق من نوق الجنة، يخاف الناس، ولا يخافون، ويحزن الناس، ولا يحزنون. ورده بداود بن الزبرقان، وموسى بن إبراهيم المروزي، وحديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنها لحوم محرمة على النار - لحوم المؤذنين ودماؤهم -، وما من رجل يؤذن تسع سنين يصدق في ذلك بنيته إلا عتق من النار، ذكره أبو الشيخ من طريق هارون بن المغيرة، عن الرصافي، عن زياد بن كليب عنه، وفي كتاب البيهقي بسند صحيح، عن عمر: لو كنت أطيق الأذان مع
الخلِّيفى لأذنت. وفي لفظ: قدمنا على عمر فقال: من مؤذنوكم؟ فقلنا: عبيدنا، وموالينا، فقال بيده: هكذا يقلبها: عبيدنا، وموالينا إن ذلكم بكم لنقص شديد. وفي كتاب الفضل بن دكين، ثنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل عنه: لولا إني أخاف أن يكون سنة: ما تركت الأذان. وفي كتاب ابن زنجويه، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن أبي معشر قال: إن عمر بن الخطاب قال: لو كنت مؤذنا ما باليت أن لا أحج، ولا أعتمر إلا حجة الإسلام، ولو كانت الملائكة نزولا ما غلبهم أحد على الأذان. وفي حديث الوصافي عند أبي الشيخ: ما باليت ألا أنتصب لقيام نهار، وأكمل أمري، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اغفر للمؤذنين، فقلت: تركتنا يا رسول الله، ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف؟ قال: كلا يا عمر، إنه يأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم .... الحديث، قال: وقالت عائشة: ولهم هذه الآية: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ، قالت: فهو المؤذن، إذا قال: حي على الصلاة، فقد دعا إلى الله تعالى، فإذا صلى فقد عمل صالحا، وإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله فهو من المسلمين. وفي كتاب أبي نعيم: حدثنا الوصافي، حدثنا محمد بن نافع، قالت عائشة: نزلت هذه الآية في المؤذنين. وحديث أبي موسى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبعث الله الأيام على هيئتها، ويبعث يوم الجمعة زاهرا منيرا، وأهل الجنة محفوفون بها كالعروس تهدى إلى بيت
زوجها، تضيء لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج، ورائحتهم تسطع كالمسك، يخوضون في الكافور، لا يخالطهم إلا المؤذنون المحتسبون. ذكره ابن حبان في كتاب الأذان من حديث الهيثم بن حميد، عن حفص بن غيلان، عن طاووس عنه، وخرجه القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس في فوائده بسند صحيح، وحديث جابر بن عبد الله، قيل: يا رسول الله من أول الناس دخولا الجنة؟ قال: الأنبياء، ثم الشهداء، ثم مؤذنو الكعبة، ثم مؤذنو بيت المقدس، ثم مؤذنو مسجدي هذا، ثم سائر المؤذنين على قدر أعمالهم. رواه أبو الشيخ من حديث الحسن الحلواني، ثنا عبد الصمد، ثنا عبد الله بن ذكوان، عن ابن المنكدر عنه، وحديث أبي بن كعب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة فرأيت فيها جنابذ من لؤلؤ، ترابها المسك، قلت: لمن هذا يا جبريل؟ قال: للمؤذنين، والأئمة من أمتك يا محمد. رواه أيضا من حديث، ورواه أيضا من حديث إسحاق بن عمر بن سليط، عن محمد بن عيسى العبدي، ثنا محمد بن العلاء الأيلي، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس عنه، وقال الرازي في علله: هذا حديث منكر، الطويل وهو متهم بالكذب، عن عباد بن كثير، عن أبي الزبير عنه
مرفوعا: إن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم يوم القيامة، يلبي الملبي، ويؤذن المؤذن، ويغفر للمؤذن مد صوته، ويشهد له كل شيء سمع صوته من شجرة، أو مدرة، أو رطب، أو يابس، ويكتب للمؤذن بكل إنسان صلى معه في ذلك المجلس مثل حسناتهم، ولا ينقص من حسناتهم شيء، ويعطيه الله ما بين الأذان والإقامة كل شيء يسأل ربه، إما أن يعجل له في دنياهم، ويصرف عنه السوء، أو يدخر له في الآخرة، وهو فيما بين الأذان والإقامة كالمتشحط في دمه في سبيل الله عز وجل، ويكتب له بكل يوم يؤذن فيه مثل أجر خمسين ومائة شهيد
…
الحديث بطوله، قال أبو الفرج: الحمل فيه على محمد بن عيسى العبدي المنفرد به، عن ابن المنكدر، انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما أسلفناه من عدم تفرده به، وفي كتاب الطبراني الأوسط: إن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم، يلبي الملبي، ويؤذن المؤذن.
وقال: لم يروه عن أبي الزبير إلا أبو بكر الهذلي، ولا عن أبي بكر إلا أبو الوليد الضبي العباس بن بكار، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، وحديث البراء بن عازب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة. ورواه أيضا من حديث يزيد بن هارون، عن أبي أمية شيخ من أهل البصرة، حدثنا القاسم بن عوف الشيباني عنه، وخرجه النسائي من حديث أبي إسحاق عنه بلفظ: الملائكة يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له مد صوته، ويصدقه من سمعه من رطب،
ويابس، وله مثل أجر من صلى معه. وفي مسند السراج: من صلى خلفه. وحديث أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحشر المؤذنون أطول الناس أعناقا لقولهم: لا إله إلا الله رواه السراج من حديث عمر بن عبد الرحمن بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: ثنا محمد بن عمار المؤذن عنه، وفي حديث صالح بن مسمار عند أبي الشيخ، عن مسلم بن إبراهيم، ثنا فرقد بن الحجاج البصري، ثنا عقبة عنه: يجيء المؤذنون أطول الناس أعناقا، يعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة. وخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث منصور، عن عباد بن محمد بن أنيس عنه مرفوعا: المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة، ثم قال: العرب تصف باذل الشيء الكثير بطول اليد، وسائل الشيء الكبير بطول النطق كما قال عليه السلام: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا. وكانت سودة أول نسائه لحقت به، وكانت أكثرهن صدقة، فقوله: أطول، أي: من أطول الناس، انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لأن الذي في الصحيح: أنها زينب بنت جحش، وقد قال هو في كتاب الصحابة: إن سودة توفيت سنة خمس وخمسين، وإن زينب توفيت سنة عشرين بالمدينة، فهذا تناقض ظاهر - والله أعلم - ويحتمل أن يكون هذا تصحيفا على الكاتب، وقد استظهرت بنسخة أخرى، ويؤيده ما ذكره الحافظ النيسابوري في كتاب شرف المصطفى الكبير من أن سودة هي صاحبة القصة أيضا - والله أعلم - وحديث عقبة بن عامر يرفعه: المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة رواه أبو القاسم في الكبير من حديث ابن لهيعة، عن ابن أبي حبيب، عن أبي الخير عنه،
وحديث زيد بن أرقم يرفعه: نعم المرء بلال سيد المؤذنين يوم القيامة، والمؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة. رواه أبو القاسم الطبراني في الأوسط من حديث قتادة، عن القاسم بن عوف الشيباني عنه، وقال: لم يروه عن قتادة إلا حسام بن مصك. وفي كتاب ابن زنجويه من حديث عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطول الناس أعناقا يوم القيامة المؤذنون، ولا يدودون في قبورهم، وحديث بلال أنه قال: يا رسول الله الناس يتجرون، ويبيعون معايشهم، ويمكثون في بيوتهم، ولا أستطيع أن أفعل ذلك، فقال: ألا ترضى يا بلال أن المؤذنين أطول الناس أعناقا؟. رواه البيهقي في الشعب من حديث محمد بن الوليد بن عامر، ثنا أبو عمران محمد بن أبي سفيان الثقفي أن قبيصة بن ذؤيب حدثه عن بلال، وحديث ابن الزبير قال: وددت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطانا النداء قلت: لم ذلك؟ قال: إنهم أطول أهل الجنة أعناقا يوم القيامة. قال في الأوسط: لم يروه عن هشام، عن أبيه إلا عبد الله بن محمد بن يحيى، تفرد به إبراهيم بن المنذر، ولا يروى عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد، وحديث أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أقسمت لبررت، إن أحب عباد الله إلى الله لرعاة الشمس والقمر، يعني المؤذنين، وإنهم ليعرفون يوم القيامة بطول أعناقهم رواه أبو القاسم في الأوسط، عن عبيد الله بن عبد الله بن جحش، حدثنا جنادة بن مروان الأزدي الحمصي، حدثنا ابن النعمان عنه، وحديث عطاء أبي عبد الله قال عليه السلام: المؤذن فيما بين أذانه وإقامته كالمتشحط في دمه في سبيل الله عز وجل ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة من حديث أبي كامل، عن أيوب بن واقد، حدثنا عبد الله بن عطاء، عن أبيه، فذكره،
وحديث أبي الوقاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سهام المؤذنين عند الله عز وجل يوم القيامة كسهام المجاهدين، وهم فيما بين الأذان والإقامة كالمتشحط في دمه في سبيل الله الحديث، رواه أيضا من حديث عتاب بن عبد الحميد، عن مطر، عن الحسن عنه، وحديث الضحاك بن مزاحم، عن الحارث، عن علي قال: ندمت أن لا أكون طلبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنجعل الحسن والحسين مؤذنين.
قال الطبراني: لم يروه عنه إلا عامر بن إبراهيم. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا.
خرجاه في الصحيح، وعن عقبة بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن للصلاة ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة. خرجه أبو داود بسند صحيح، عن هارون بن معروف، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث أن أبا عشانة حي بن يؤمن حدثه، عن عقبة به، وعن ابن أبي أوفي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر، والأظلة لذكر الله عز وجل. ذكره ابن شاهين من حديث إبراهيم السكسكي عنه، وقال: هو حديث غريب صحيح، وعن سلمان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان الرجل بأرض قي فحانت الصلاة فليتوضأ، فإن لم يجد ماء فليتيمم، فإذا قام صلى معه ملكاه، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما
لا يرى طرفاه. ذكره عبد الرزاق، عن همام في كتاب الصلاة عن ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي عنه، وذكره في الشعب من حديث عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سليمان التيمي عن النهدي به، وعن أبي برزة الأسلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد أذن في الأرض فتبقى شجرة، ولا مدرة، ولا تراب، ولا شيء إلا استجلاه البكاء لقلة ذاكر الله في ذلك المكان. ذكره الإمام أبو بشر إسماعيل بن عبد الله سمويه الأصبهاني في فوائده، وعن ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم: تفتح أبواب السماء لخمس: الأذان، وقراءة القرآن
…
الحديث، ذكره في الأوسط. وقال: لم يروه عن عبد العزيز بن رفيع إلا حفص بن سليمان، تفرد به عمرو بن عون، وعن أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أذن في قرية أمنها الله تعالى من عذاب ذلك اليوم، أنبأنا به المسند المعمر تقي الدين محمد بن عبد الحميد قراءة عليه، وأنا أسمع، أنبأنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي العز، أنبأتنا فاطمة بنت سعد الخير، أنبأتنا فاطمة الجوزدانية، أنبأنا ابن ريذة، أنبأنا أبو القاسم، ثنا صالح بن شعيب أبو شعيب الزاهد، ثنا بكر بن محمد القرشي، ثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمارة بن سعد المؤذن، عن صفوان بن سليم عنه، وقال في الأوسط: لم يروه عن صفوان إلا عبد الرحمن بن سعد، تفرد به بكر، ورواه أيضا من حديث ثابت عنه بلفظ: يد الله فوق رأس المؤذن، وإنه ليغفر له أين بلغ. وقال: لم يروه عن ثابت إلا عمر بن حفص، وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى
إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى. خرجاه في الصحيح، ولفظ أبي القاسم في الأوسط: إذا تغولت لكم الغول فنادوا بالأذان فإن الشيطان
…
إلخ، وقال: لم يروه عن سهيل إلا عدي بن الفضل، تفرد به أبو عامر العقدي. وعن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء. قال سليمان: فسألته عن الروحاء؟ فقال: هي من المدينة ستة وثلاثون ميلا، رواه مسلم. وعن زيد بن خالد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة. وفي رواية: يؤذن بالصلاة. رواه أبو داود بسند صحيح، عن قتيبة، عن الدراوردي، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنه، وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من ثلاثة في قرية لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان. رواه النسائي بسند صحيح، عن سويد، عن ابن المبارك، عن زائدة، عن السائب بن حبيش، وهو ممن وثقة العجلي، وغيره، عن معدان بن أبي طلحة عنه، وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يغفر للمؤذن مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس يسمع صوته. رواه أحمد في مسنده، ورواه السراج بسند صحيح، عن محمد بن عقيل، حدثنا حفص بن عبد الله، حدثنا ابن طهمان، عن الأعمش، عن مجاهد عنه موقوفا، وبهذا الإسناد مرفوعا: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين. وفي شعب البيهقي من حديث سفيان، عن أبي اليقظان،
عن زاذان عنه مرفوعا: ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة: إمام قوم يبتغي به وجه الله تعالى، وهم به راضون، ورجل أذن خمس ساعات يبتغى به وجه الله تعالى
…
الحديث. ومرسل صفوان بن سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبني خطمة من الأنصار يا بني خطمة، اجعلوا مؤذنكم أفضلكم في أنفسكم رواه البيهقي في الكبير من حديث بحر بن نصر، عن ابن وهب، أنبأنا حيوة، عن بكر بن عمرو عنه، وعن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى لا يأذن لشيء من أهل الأرض إلا الأذان للمؤذنين، والصوت الحسن بالقرآن. ذكره الخطيب في تاريخه، ورده بسلام الطويل، وزيد العمي، وفي البيهقي من حديث أبي عبيد القاسم، حدثنا ابن شبرمة قال: تشاح الناس في الأذان بالقادسية، فاختصموا إلى سعد، فأقرع بينهم. وفي كتاب الطبراني: لما رجعوا من فتح القادسية، وقد حانت الظهر، وأصيب المؤذن، فتشاح الناس في الأذان، حتى كادوا يجتلدون بالسيوف. وعن عائشة في قوله تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ، قالت: هم المؤذنون. ذكره الكجي في سننه من حديث النعمان بن عبد السلام: أنبأنا عبيد الله الوصافي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير عنهما، وعن جرير بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: الله أكبر. فقال: على الفطرة. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: خرجت من النار. وكان يغير عند صلاة الفجر، فيستمع، فإن سمع أذانا، وإلا أغار. رواه أيضا من حديث الحجاج، عن رجل، عن زاذان عنه،
ومن هذا الباب الدعاء بين الأذان والإقامة.
روي عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة. رواه أبو عيسى، وحسنه، وفي كتاب ابن زنجويه: إذا أذن الأذان فتحت أبواب السماء، واستجيب الدعاء. وفي حديث الرقاشي عنه مرفوعا: إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء، وأبواب الجنة، واستجيب الدعاء. ولما ذكر ابن عدي هذه الرواية ضعفها بيزيد، وذكره أيضا في ترجمة سلام أبي المنذر، وهو ضعيف، عن ثابت، عن أنس. وأورده في ترجمة الفضل بن مختار، عن حميد عنه، وقال: لم يتابع عليه، وأورده في ترجمة أسيد الجمال، عن ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن قتادة عنه، وقال: لم يروه عن ابن المبارك غير أسيد، وروى سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء، وقل ما يرد على داع دعوته عند حضور النداء، والصف في سبيل الله تعالى. رواه أبو داود من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن رزق - أو زريق - بن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبي حازم عنه، قال البيهقي: رفعه الزمعي، ووقفه مالك بن أنس الإمام، وفي حديث ليث، عن ابن سابط، قال: تفتح أبواب السماء لخمس: لقراءة القرآن، ونزول الغيث، والتقاء الزحف، وعند الدعاء، والأذان. وفي حديث طلحة، عن عطاء قال: كان أبو هريرة يقول: إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة المكتوبة فاغتنموا الدعاء. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: المؤذنون
أطول الناس أعناقا. فذكر ابن أبي داود أن أباه قال: ليس أن أعناقهم تطول، وذلك أن الناس يعطشون يوم القيامة، وإذا عطش الإنسان انطوت عنقه، والمؤذنون لا يعطشون فأعناقهم قائمة. وفي محكم ابن سيده، قال ثعلب: هو قولهم: له عنق في الخير. أي: سابقة، وقيل: يغفر له مد صوته، وقيل: يزادون على الناس، وفي كتاب الهروي قال ابن الأعرابي: معناه أكثر الناس أعمالا، وقال غيره: هو من طول الأعناق؛ لأن الناس في الكرب يومئذ، وهم في الروح مشرئبون لأن يؤذن لهم في دخول الجنة، وقيل: إنهم يكونون رؤوسا يومئذ، والعرب تصف السادة بطول الأعناق، قال الشاعر:
يشبهون ملوكا في تجلتهم
…
وطول أنضية الأعناق واللمم
.
قال: ورواه بعضهم: إعناقا. أي: إسراعا إلى الجنة، كذا ذكره أيضا الخطابي، وقال القاضي أبو الفضل اليحصبي: هو على وجهه، وأن الناس في غرق العرق، وهم ناجون منه. انتهى، يؤيد هذا ما أسلفناه في الحديث أن ذلك سيماهم، وقول ابن الزبير: هم أطول الناس أعناقا في الجنة. ولعل هذا هو الأرجح؛ لكونه هو الظاهر، مع معاضدة الحديث، وقال المازري: يقال هو إشارة إلى قرب المنزلة من كرامة الله تعالى. وفي المشكل معناه: أن الناس يرون ثواب أعمالهم فتتطاول إلى ذلك أعناقهم، ويتفاضلون في ذلك، فيكون المؤذنون أطولهم أعناقا؛ لكثرة ما يرجونه من الثواب. وزعم ابن رشد: أن الأحسن في تأويل ذلك على المجاز؛ بمعنى أنهم آمنون، مشهورون بذلك يوم القيامة عند الناس لشهرة عملهم في الدنيا، كما يقول في وقت يستريب الناس منه بالخوف على أنفسهم بمطالبة طالب لهم ليس يأمن على نفسه، منه فلان مشى بين الناس طويل العنق، ويندرج في هذا ما ينبغي أن يكون المؤذن عليه، ففي حديث الزهري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤذن إلا متوضئ. وعنه قال: قال أبو هريرة: لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ. رواهما الترمذي، وقال: هذا أصح من الأول، وحديث أبي هريرة لم يرفعه ابن وهب،
والزهري لم يسمع من أبي هريرة، وعن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه: قال: حق، وسنة ألا يؤذن إلا وهو قائم، ولا يؤذن إلا وهو طاهر. ذكره البيهقي، ورده بالانقطاع فيما بين عبد الجبار، وأبيه، وعن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سمحا سهلا وإلا فلا تؤذن. رواه الدارقطني من حديث إسحاق بن أبي يحيى الكعبي، عن ابن جريح، عن عطاء عنه، وإسحاق هذا قال فيه ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به، هو الذي روى عن ابن جريج، فذكر هذا الحديث، وفي حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤذن لكم من يدغم الهاء. قال الدارقطني: هذا حديث منكر، وإنما مر الأعمش برجل يؤذن، ويدغم الهاء فقال، وعلي بن جميل - يعني الذي رفعه - ضعيف، وروى مجاشع، عن هارون بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤذن لكم إلا فصيح. ذكره أبو أحمد بن عدي، وقال: هارون لا يعرف. وفي حديث جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون الإمام مؤذنا. ذكره ابن عدي من حديث إسماعيل بن عمرو البجلي، ورده به، وقال: لم يتابع إسماعيل عليه، ورواه أبو الشيخ بسند آخر، ترجمته: ذكر خبر روي في نهي أن يكون المؤذن إماما إن صح ذلك: ثنا ابن الطهراني، ثنا أبو أنس كثير بن محمد التميمي، ثنا إسحاق بن إبراهيم الجعفي، حدثنا يعلى، عن محمد بن سوقة، عن ابن المنكدر، عن جابر به، وذكر أبو أحمد أيضا من حديث زيد العمي، عن قتادة،
عن أنس يرفعه: يكره للمؤذن أن يكون إماما. ويعارضه حديث عبد الله بن الأرقم وقد ذكرنا من صححه وفيه زيادة ذكرها به الإمام أبو بكر جعفر ابن محمد بن الحسن الفريابي في كتاب الصلاة تأليفه: وكان يؤذن لأصحابه، ثم يؤم بهم ..... الحديث، وفي حديث ثوير عند أبي نعيم الفضل: كان ابن عمر مؤذننا وإمامنا وعن سويد بن غفلة: لو استطعت أن أكون مؤذن الحي لفعلت، وعن عمر مثله، وعن مصعب بن سعد: من السنة أن تكون إمام مؤذنا، فإن قال قائل: قد نرى ما ذكرت من الترغيب في الأذان، فهل بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن بنفسه قط، ليجتمع له بذلك الفضيلتان؟ قلنا: نعم، روى أبو عيسى الترمذي من حديث عمر بن الرماح قاضي بلخ عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة ثنا أبي قال ثنا أبي يعلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في سفر، وصلى بأصحابه وهم على رواحلهم، السماء من فوقهم، والبلة من أسفلهم، وقال: هذا حديث غريب، تفرد به ابن الرماح، وقد روى عنه غير واحد من أهل العلم، قال أبو الحسن بن القطان غائبا على أبي محمد سكوته: الغرابة لا تقضي له بصحة ولا ضعف ولا حسن، إذ الغرابة تكون في الأنواع الثلاثة، وهذا يرويه ابن الرماح، وهو ثقة عن عمرو، ولا تعرف حاله، وكذلك أبوه عثمان، وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي أنه حديث ضعيف، وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربي انتهى كلامه، وفيه نظر، أما قول أبي الحسن: الغرابة تكون في الأنواع الثلاثة فغير صواب، إذ الحسن من شرط صفته ألا يكون غريبا وأن يروى نحوه من وجه آخر، ولا يورد قول الترمذي في كتابه: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، لأن الغرابة في ذاك بالنسبة إلى الرواة، لا إلى المتن.
، وأما قول السهيلي: إن هذا الحديث من رواية أبي هريرة عند الترمذي فغير صواب، لأن الترمذي لم يروه في جميع ما رأيته من نسخة إلا عن يعلى، وكذا حكاه عنه أصحاب الأطراف والأحكام كما بينته لك، وكذا هو في مسند أحمد، والطبراني، وأحمد بن منيع، وابن ابنته عبد الله، وتاريخ الخطيب، والناسخ والمنسوخ لأبي بكر الأثرم، ومسند العدني، وسنن الدارقطني وغيرهم، وعندهم: فقام المؤذن، فأذن.
قال السهيلي: ففرع الناس بهذا الحديث إلى أنه أذن بنفسه، والمفصل يقضي على المجمل، وقد كنت في سنة أربع عشرة وسبعمائة أفردت للكلام على هذا الحديث جزءا، سميته القدح المعلى في الكلام على حديث يعلى.
وفي مراسيل الحسن عند البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا، فأذن على راحلته وعن نافع كان ابن عمر ربما أذن على راحلته، وفي حديث أبي طلحة: أن ابن عمر كان يؤذن على راحلته، والله أعلم.
9 -
باب إفراد الإقامة
32 -
حدثنا عبد الله بن الجراح، أنبأنا المعتمر بن سليمان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: التمسوا شيئا يؤذنون به، علما للصلاة فأمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة.
33 -
أنبأ نصر بن علي، ثنا عمر بن علي، عن خالد به.
هذا حديث خرجاه في صحيحهما، زاد البخاري: قال إسماعيل: فذكرت لأيوب فقال: إلا الإقامة، وعاب الإسماعيلي ذلك عليه، إذ ذكر هذه اللفظة من قول أيوب، وقال: وترك حديث سماك بن عطية، وهو متصل بقوله: ويوتر الإقامة إلا الإقامة، وهو ما صححه، عن حماد، عن سماك، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، وفي صحيح ابن منده هذه اللفظة من قول أيوب هكذا رواه ابن المديني، عن ابن علية، فأدرجهما سليمان، عن حماد، ورواه غير واحد، عن حماد، ولم يذكروا هذه اللفظة، وفي مسند السراج، عن محمد بن رافع، وإسحاق بن إبراهيم، والحسن بن أبي الربيع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي قلابة، عن أنس قال: كان بلال يثني الأذان، ويوتر الإقامة إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإذا أقام قال: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. وفي سنن البيهقي من حديث هارون بن سليمان الأصبهاني، عن ابن مهدي، عن أبان بن يزيد، عن قتادة، عن أنس: أن بلالا كان أذانه مثنى مثنى، وإقامته مرة مرة. ورواه عبد الملك الجدي، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، أمر بلال، وهو خطأ، إنما هو شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، قاله أبو حاتم الرازي فيما حكاه
عنه ابنه في العلل، وأما اعتراض بعض العلماء بأن هذا الحديث غير مرفوع قال: ويحتمل أن يكون الآمر غير النبي صلى الله عليه وسلم فمردود من وجوه:
الأول: أكثر أهل العلم من المحدثين، والأصوليين على أن قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا مسند مرفوع؛ لأن الظاهر ينصرف إلى من له الأمر والنهي، وهو النبي صلى الله عليه وسلم سواء أضافه إلى زمنه عليه السلام، أو لم يضفه، لا سيما وقد قال في نفس الحديث عند البيهقي: ذكروا الصلاة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أوقدوا نارا، أو اضربوا ناقوسا، فأمر بلال، فهذا نص في الباب بأن الآمر النبي صلى الله عليه وسلم، لا غيره، - والله أعلم -. وفي لفظ: حتى أتاه ابن زيد بالرؤيا: أمر بلالا أن يؤذن مثنى مثنى، ويقيم فرادى فرادى. رواه من حديث العباس بن الوليد، عن محمد بن شعيب بن شابور، حدثنا حميد بن عبيد بن هلال، عن أنس.
الثاني: لو رجح قول من خالف ما أسلفناه بقوله: قد رأينا جماعة من الصحابة قالوا ذلك، وفتشنا عنه، فوجدنا الآمر غير النبي صلى الله عليه وسلم أجيب بأنه لو سلمنا لكم ما قلتم، فإن هذا لا يتأتى في هذا مطلقا؛ لأن بلالا رضي الله عنه لم يؤذن لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة لعمر، وهذا هو المشهور، فصح أن الأمر له هو النبي صلى الله عليه وسلم.
الثالث: ولئن سلمنا أن الآمر هنا يحتمل أن يكون غير النبي صلى الله عليه وسلم فيجاب بأنا وجدناه صحيحا مسندا يتبين فيه من الآمر: أنبأنا به الإمام المسند المعمر عبد الله بن شبل، أنبأنا الإمام المسند أبو محمد شاكر الله، أنبأنا الإمام عبد العزيز بن باقا، أنبأنا أبو زرعة، أنبأنا أبو محمد بن أحمد، أنبأنا القاضي أحمد بن حسين، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق، أنبأنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب، أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثني عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن
يشفع الأذان، ويوتر الإقامة وخرجه ابن حبان في صحيحه، عن محمد بن عبد الله بن الجنيد، حدثنا قتيبة، حدثنا يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة فذكره، وخرجه أبو قرة موسى بن طارق السكسكي في سننه: ذكر سفيان، عن خالد الحذاء، وخرجه أبو عبد الله في مستدركه، عن أبي العباس، حدثنا العباس بن محمد، حدثنا يحيى بن معين، أنبأنا عبد الوهاب الثقفي، فذكره، ثم قال: هذا حديث أسنده إمام أهل الحديث ومزكي الرواة بلا مدافعة، وقد تابعه عليه الثقة المأمون قتيبة بن سعيد، وهو صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه بهذه السياقة، ورواه البيهقي في الخلافيات، عن علي بن علي بن فهر، عن الحسن، عن رشيق، عن أحمد بن داود الحراني، عن العباس بن الوليد النرسي، عن وهيب بن خالد، عن أيوب، وفي آخره: وكان أيوب يفرد الإقامة، ورواه أبو الشيخ، عن أبي يعلى، حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا عبد الوهاب به، وأنبأ أبو يعلى، حدثنا الآملي، حدثنا مخلد بن محمد، حدثنا كثير بن سفيان، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا به، قال: ورواه سلمة، عن عبد الرزاق، عن معمر، ورواه عثمان بن صالح المصري، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس به، وزعم أبو زرعة حين سؤاله، عن هذا السند: هذا حديث منكر، ذكره ابن أبي حاتم عنه، وذكره أيضا من حديث محمد بن منصور الجواز، عن عبد الملك الجدي، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، وذكر عن أبيه أنه خطأ، وإنما هو شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، ورواه البيهقي في السنن الكبير من حديث يعلى بن عبيد، عن محمد بن إسحاق، عن أيوب، ورواه الدارقطني، عن عمر بن أحمد المروزي، حدثنا
محمد بن الليث الغزال، ثنا عبدان، ثنا خارجة، عن أيوب به، ومن حديث الحسن بن حماد بن كسيب، ثنا ابن علية، عن خالد به، ولما رواه أبو القاسم في الأوسط مطولا، قال: لم يروه بهذا التمام، عن خالد الحذاء إلا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، تفرد به محمد بن يحيى القطعي، ووجدنا له أيضا غير شاهد يؤكد صحته، فمن ذلك: حديث ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فإذا سمعت بذلك توضأنا، ثم خرجنا. خرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن بندار، ثنا ابن جعفر، ثنا شعبة قال: سمعت أبا جعفر يحدث، عن مسلم بن المثنى عنه، قال شعبة: لم أسمع من أبي جعفر غير هذا الحديث، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وخرجه ابن حبان في صحيحه، وسكت عنه عبد الحق مصححا له، ولفظ أبي عوانة في صحيحه كان الأذان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة. وقال الحافظ الجوزقاني: هذا حديث صحيح، وأبو جعفر محمد بن مهران المؤذن كوفي ثقة، وأبو المثنى ثقة، وخرجه أبو عوانة أيضا من حديث عيسى بن يونس، عن عبيد الله، عن نافع عنه، ولفظه: الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة. وحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه رواه البيهقي في الكبير من حديث ابن المبارك، عن يونس أنبأ الزهري أخبرني سعيد عنه بلفظ: حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله
أكبر. وفي لفظ: قد قامت الصلاة، وحديث أبي محذورة مثله ذكره أيضا، وحديث سلمة بن الأكوع قال: كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى، والإقامة مفردة. ذكره ابن أبي حاتم في علله، وحديث أبي جحيفة: كان الأذان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى، والإقامة مرة واحدة. رواه البيهقي من حديث أبي إسحاق، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه. وحديث أبي هريرة قال: أمر أبو محذورة أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة. ورواه الدارقطني من حديث عبد الصمد بن الفضل، حدثنا خالد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا كامل بن العلاء، عن أبي صالح عنه، وسيأتي عند ابن ماجه أيضا حديثان شاهدان له أيضا، - والله أعلم -. وفي البيهقي بسند صحيح عن مكحول، والزهري أنهما قالا: مضت السنة أن الأذان مثنى، والإقامة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة فإنها مرتين، قال: وروي نحوه عن الحسن.
34 -
حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني أبي، عن أبيه، عن جده: إن أذان بلال كان مثنى مثنى، وإقامته مفردة.
هذا حديث سبق الكلام على صحة إسناده في باب السنة في الأذان، زاد أبو أحمد: وقد قامت الصلاة مرة واحدة.
35 -
حدثنا أبو بدر عباد بن الوليد، حدثني معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: حدثني أبي محمد بن عبيد الله، عن أبيه عبيد الله، عن أبي
رافع قال: رأيت بلالا يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى، ويقيم واحدة.
هذا حديث سبق التنبيه على ضعفه في كتاب الطهارة، وقد وردت أحاديث تعارض ما أسلفناه، من ذلك: حديث أبي محذورة من عند ابن خزيمة، وعلمه يعني النبي صلى الله عليه وسلم الإقامة مثنى مثنى: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
رواه عن يعقوب الدورقي، ثنا روح، ثنا ابن جريج، أنبأنا عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة عنه، وثناه محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، حدثني عثمان، عن أبيه السائب، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة، وحدثنا يزيد بن سنان، ثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج، حدثني عثمان بن السائب، أخبرني أبي، وأم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة، وهذا حديث الدورقي، وقال في آخره: وقال يزيد بن سنان: الإقامة كذكر الدورقي سواء، وقال ابن رافع: وإذا أقمت فقلها مرتين، وقد تقدم عند ابن ماجه عنه صحيحا أيضا، والإقامة سبع عشرة كلمة، وخرجه ابن الجارود بنحوه، وفي كتاب الترمذي، وقال فيه: حسن صحيح: الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة، وكذا هو في صحيح البستي، وقد تقدم طرف منه مفصلا قبل - والله أعلم - وحديث عبد الله بن زيد الأنصاري قال: لما رأى الأذان أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: علمه بلالا، فقام بلال، فأذن مثنى مثنى، وقعد قعدة.
قال ابن خزيمة في صحيحه، وأما ما روى العراقيون عن ابن زيد في تثنية الإقامة فغير ثابت من جهة النقل، وقد خلطوا في أسانيدهم التي رووها، فرواه الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد ثنا سلم بن جنادة، ثنا وكيع عنه، ورواه ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد. ورواه المسعودي، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ. وكذا رواه أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عمرو، ورواه حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى مرسلا، لم يقل: عن ابن زيد، ولا عن معاذ، ولا ذكر أحدا من الصحابة. وكذا رواه شعبة، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، وسمعت محمد بن يحيى يقول: ابن أبي ليلى لم يدرك عبد الله بن زيد. قال أبو بكر: فهذا خبر العراقيين الذي احتجوا به عن ابن زيد في تثنية الأذان والإقامة، وفي أسانيدهم من التخليط ما بينت، وابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ولا من ابن زيد، فغير جائز أن نحتج بخبر غير ثابت على أخبار ثابتة. انتهى كلامه، وفيه نظر من وجوه:
الأول: حديث ابن أبي ليلى الذي سقته أنت بلفظ: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم متصل صحيح، إذ من المعلوم في الاصطلاح الحديثي، أن جهالة اسم الصحابي الذي شهد له التابعي المشهور بها لا يضر إجماعا، ولهذا قال ابن حزم: وهذا إسناد في غاية الصحة.
الثاني: ما ذكره من التخليط غير ضائر، إذ الاختلاف الضار لا بد أن يكون عن ضعيف، ومتى لم يكن كذلك فغلط الغالط، ورواية الضعيف لا تكون سببا لضعف رواية الحافظ، ولا تناقض بين قوله ثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو أصحابنا، وكذلك لا يعارضه أن يرسله مرة، أو يذكره عن معاذ مرة، لا سيما وذلك لم يتأت هنا إلا من الآخذين عنه، لا منه.
الثالث: مجيئه صحيحا من غير رواية ابن أبي ليلى، وهو ما ذكره البيهقي في
الخلافيات من حديث أبي العميس قال: سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد يحدث عن أبيه، عن جده: أنه رأى الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فقال: علمهن بلالا،، ومحمد أبوه صحح حديثه ابن خزيمة، وكذا سماعه من أبيه فيما أسلفناه، وفي صحيح أبي عوانة الإسفرائيني من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي، عن عبد الله بن زيد، قال: سمعت أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أذانه وإقامته مثنى مثنى، وأما ما ذكره البيهقي من أن عبد الله بن زيد استشهد يوم أحد، فالروايات عنه كلها واهية فغير صواب لأمرين:
الأول: تناقضه هو في هذا بقوله: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان أصح من هذا، يعني خبر محمد بن عبد الله بن زيد، قال: لأن محمدا سمع من أبيه، ومحمد لم يذكره في الصحابة أحد فيما علمت.
الثاني: قوله: إنه استشهد بأحد، واستدل على ذلك برواية إبراهيم بن حمزة، ثنا عبد العزيز، عن عبيد الله بن عمر قال: دخلت ابنة عبد الله بن زيد بن عبد ربه على عمر بن عبد العزيز فقالت: أنا ابنة عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان، وشهد بدرا، وقتل يوم أحد، فقال عمر:
تلك المكارم لا قعبان من لبن
…
شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
قال الحاكم: فهذه الرواية الصحيحة تصرح بأن أحدا من هؤلاء لم يلق عبد الله بن زيد انتهى كلام الحاكم، وفيه نظر من وجوه:
الأول: قوله: هذه الرواية الصحيحة، وليست كذلك؛ لانقطاع ما بين عبيد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز؛ لكونه ليس في طبقة من يشافه عمر بالرواية، ولا رأيت من نص عليه.
الثاني: ذهوله هو عن هذه الحكاية الصحيحة على زعمه فلم يذكر عبد الله بن زيد في المستشهدين بأحد في سائر الروايات التي ساقها في كتاب الإكليل والمستدرك.
الثالث: إجماع الرواة على أنه كان في الفتح معه راية بني الحارث حتى قال ابن سعد وابن عقبة والأموي وأبو معشر، وغيرهم: وشهد أحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ابن سعد، عن ابنه محمد بن عبد الله: أنه توفي سنة اثنتين وثلاثين بالمدينة، وهو ابن أربع وستين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان.
الرابع: المحفوظ والذي عليه المؤرخون أن عمر بن عبد العزيز قال: هذا لما وفد عليه عاصم بن عمر بن قتادة الفقيه، فسأله عمر عن نسبه؟ فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه
…
فردت بكف المصطفى أيما رد
.
وقد جاء ذلك أيضا في طرق عن بلال أنه أذن كذلك. من ذلك: رواية البكائي، عن إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، رواها الدارقطني بسند صحيح، عن محمد بن مخلد، ثنا إبراهيم بن محمد من أصله العتيق، ثنا إبراهيم بن دينار قال: وثنا ابن مخلد، ثنا أبو عون محمد بن عمرو بن عون، ومحمد بن عيسى الواسطيان قالا: ثنا زكريا بن يحيى، قال: ثنا،، وغيره، وقال في الأوسط: لم يروه عن إدريس إلا زياد، وروى معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود مثل ذلك. وكذلك رواه النخعي قال البيهقي: هما منقطعان، وروى سويد بن غفلة: أن بلالا كان يثني الأذان والإقامة. قال الحاكم: سويد بن غفلة لم يدرك بلالا، وإقامته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فإرسال الخبر بذلك ظاهر. انتهى كلامه، وفيه نظر من
حيث إن الطحاوي لما ذكره في شرحه صرح بقول سويد: سمعت بلالا يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى. وفي الأسرار لأبي زيد الدبوسي: رأيته يؤذن ببطحاء مكة، فعلى هذا يكون متصلا؛ لأنه دخل المدينة كبيرا مسلما، يوم دفن النبي صلى الله عليه وسلم، فبالضرورة سمع أذان بلال؛ لأن المشهور أن بلالا رحل إلى الشام في خلافة أبي بكر كما قدمناه، وقيل في أيام عمر، وأيا ما كان فقد سمع بلالا يؤذن بذلك يوم الوفاة، وقبل الاجتماع على أبي بكر حتى لا يقول قائل لعل أبا بكر، أو غيره أمره بذلك، وفي الخلافيات من حديث الحجاج بن أرطاة، عن حماد عن إبراهيم، عن ثوبان قال: كان يؤذن يعني بلالا مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى، قال البيهقي: وهذا لا يثبت من أوجه:
أحدها: أن إبراهيم لم يلق ثوبان.
الثاني:.
الثالث: الحجاج ضعيف، وروى أبو جحيفة ما يعضده قال: أذن بلال للنبي صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى، وأقام مثل ذلك. ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء، ورده بزياد البكائي فقط، وزياد لا يصلح أن يكون علة لحديث لا سيما وله فيه غير متابع، وموقوف علي بن أبي طالب أنه قال: الأذان مثنى مثنى، وإنه سمع مؤذنه يقيم مرة فقال: اجعلها مثنى. ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه، عن هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن الهجنع بن قيس عنه، وعن أبي هريرة قال: كان بلال إذا أراد أن يقيم،
قال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته الصلاة رحمك الله. رواه في الأوسط من حديث كامل أبي العلاء، عن أبي صالح عنه، وقال: لم يروه عن كامل إلا عبد الله بن محمد بن المغيرة عنه، وعن وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع: أن سلمة كان يثني الإقامة. وثنا عفان نا عبد الواحد بن زياد، ثنا حجاج بن أرطأة، ثنا أبو إسحاق: كان أصحاب علي، وأصحاب عبد الله يشفعون الأذان والإقامة. وفي كتاب الطحاوي، من حديث فطر بن خليفة، عن مجاهد: في الإقامة مرة مرة، إنما هو شيء استخفه الأمراء، وفي لفظ: قلت لمجاهد: الأمراء يقيمون مرة مرة، قال: إنما ذلك شيء استخفه الأمراء، الإقامة مرتان. وفي الأسرار لأبي زيد: أول من أفرد الإقامة معاوية. وعن عون بن أبي جحيفة نحوه، وفي الخلافيات من جهة حماد، عن إبراهيم: أول من نقص التكبير في الصلاة، وخطب قبل الصلاة في العيدين، وجلس على المنبر، ونقص الإقامة معاوية بن أبي سفيان. قال الحاكم: هذا دليل على إفراد الإقامة فإنه قال: نقض - بالضاد المعجمة - ونقض الإقامة تثنيتها لا إفرادها. انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما رواه يحيى بن أبي طالب، فتبين أن النقص هناك بالصاد المهملة، الذي هو ضد الزيادة، فقال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم: كان أذان بلال، وإقامته مثنى مثنى حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة. وأما قوله عن معاوية: إنه أول من قدم الخطبة على الصلاة فمردود بما في الصحيح أن مروان بن الحكم
فعل ذلك، اللهم إلا أن يحمل ما في الصحيح على أن معاوية أمر مروان بفعل ذلك إذ يبعد في العادة استقلال مروان بذلك من غير مراجعة إمامه، وحديث ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أفرد الإقامة فليس مني. ذكره الجوزقاني في كتابه، وقال: هذا حديث باطل، وفي إسناده من المجهولين غير واحد.
اختلف الناس في إفراد الإقامة وتثنيتها، فحكى البيهقي، عن الشافعي أنه قال: سمعت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يقيم فيقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. قال الشافعي: وحسبتني سمعته يحكي الإقامة خبرا كما يحكي الأذان.
قال البيهقي: وروينا عن عبد الله بن الزبير الحميدي، عن إبراهيم بن عبد العزيز قال: أدركت جدي، وأبي، وأهلي يقيمون فيقولون، فذكر هذه الإقامة. ثناه أبو سعيد الإسفرائيني، ثنا أبو بحر البربهاري، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي فذكره، أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، ثنا أبو زرعة: أن محمد بن المسيب بن إسحاق أخبرهم ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، بخسروجرد، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، أخبرني إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، أخبرني جدي عبد الملك مثله ففي بقاء أبي محذورة وأولاده على إفراد الإقامة، دلالة ظاهرة على وهم وقع فيما روي في حديث أبي محذورة من تثنية الإقامة، وأن الحديث في تثنية كلمة التكبير، وكلمة الإقامة فقط، فحملها بعض الرواة على جميع كلماتها. وفي رواية حجاج بن محمد، وعبد الرزاق، عن ابن جريج، يعني ما أسلفناه من حديثه، عن عثمان بن السائب، أخبرني أبي، وأم عبد الملك، عن أبي محذورة قال: وعلمني الإقامة مرتين، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا
إله إلا الله. ما يدل على ذلك، وإن كانت محفوظة في جميع كلماتها، ففيما ذكرنا دلالة على أن الأمر صار بعد ذلك إلى إفراد الإقامة، ولولا ذلك لم يقروا عليه في حرم الله عز وجل، ثم إن أولاد سعد القرظ في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على ذلك. قال الشافعي: فإن جاز أن يكون ذلك غلطا من جماعتهم والناس بحضرتهم، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا جاز له أن يسألنا عن عرفة، وعن منى ثم يخالفنا، ولو خالفنا في المواقيت كان أجوز له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به. وفي السنن الكبير عن ابن خزيمة: الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة من جنس الاختلاف المباح إذ قد صح كلا الأمرين، فأما تثنية الأذان، والإقامة فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، الأمر بهما، قال البيهقي: وفي صحة التثنية في كلمات الإقامة سوى التكبير، وكلمتي الإقامة نظر، وفي اختلاف الروايات ما يوهم أن يكون الأمر بالتثنية عائدا إلى كلمتي الإقامة، وفي دوام أبي محذورة وأولاده، وسعد وأولاده، ما يوجب ضعف رواية من روى تثنيتهما، أو يقتضي أن الأمر صار إلى ما بقي عليه هو وأولاده في الحرمين إلى أن وقع التغيير في أيام المصريين. وزعم الحازمي أنهم قالوا: حديث خالد الحذاء ظاهر في النسخ؛ لأن بلالا أمر بالإفراد أول ما شرع الأذان، وأما حديث أبي محذورة فكان عام حنين، وبين الوقعتين مدة مديدة، وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم، فرأوا أن الإقامة فرادى، وإلى هذا المذهب، ذهب ابن المسيب، وعروة، والزهري، ومالك، وأهل الحجاز، والشافعي، وأصحابه، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز، ومكحول، والأوزاعي، وأهل الشام، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأحمد بن حنبل، ومن تبعهم من العراقيين، ويحيى بن يحيى، وابن راهويه، ومن تبعهم من الخراسانيين، وذهبوا في ذلك إلى حديث أنس، وقالوا: أما حديث أبي محذورة فالجواب عنه من وجوه منها: أن
من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا، وأقوم قاعدة في جميع جهات الترجيحات على ما قررناه في مقدمة الكتاب، وغير مخفي على من الحديث من صناعته، أن حديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس في جهة واحدة في الترجيح فضلا عن الجهات كلها. ومنها: أن جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة، ولو قدرنا أنها محفوظة وأن الحديث ثابت، كانت منسوخة بدليل ما ذكره الأثرم، قيل لأبي عبد الله: أليس حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ فقال: أليس قد رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأقر بلالا على أذان ابن زيد؟!.
وفي لفظ: ولكن أذان بلال هو آخر الأذانين انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث إنه قال: من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا، وأقوم إلى آخره؛ لأنه ليس من شرط الناسخ ما ذكر، بل يكفي أن يكون صحيحا متأخرا معارضا غير ممكن للجمع بينه وبين معارضه، فلو فرضناهما متساويين في الصحة، ووجد ما ذكرناه من الشروط ثبت النسخ، وأما أن يشترط أن يكون أرجح من المعارض في الصحة فلا يسلم، نعم. لو كان دونه في الصحة لكان فيه نظر، وهذا الذي ذكرته هو الذي مشى عليه هو في كتابه، من ذلك ما ذكره منسوخا من عند البخاري: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم. بحديث حسنه هو، إلى غير ذلك من الأحاديث، وكذا فعله ابن شاهين، وقبله الأثرم، وتبعهم على ذلك الخرقي - والله تعالى أعلم - وأما قوله: فحملها بعض الرواة على جميع كلماتها فهو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، وإنما يقوي احتماله إذا نظر إلى لفظ عام أو مطلق في ألفاظ الإقامة كرواية من روى: مثنى، مثنى، وأما ما فيها من الروايات حكاية ألفاظ الإقامة لفظة لفظة فتبعه هذا الظن، قال أبو عمرو: كقول أبي حنيفة يقول الثوري، والحسن بن حي، وعبيد الله بن الحسن، وجماعة التابعين والفقهاء بالعراق متوارث عندهم بالعمل قرنا بعد قرن، وقال الأثرم عن أحمد: من أقام مثنى مثنى لم أعنفه، وليس
به بأس، وكذلك قاله إسحاق الحنظلي، وداود، وأبو محمد بن حزم قالوا: لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جميع ذلك، وعمل به أصحابه رضي الله عنهم ومن هذا الباب إذا كان مسافرا: هل له الاقتصار على الإقامة أم لا؟ فروى عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان لا يؤذن في شيء من الصلوات في السفر، ولا يقيم إلا الصبح، فإنه كان يؤذن ويقيم. خرجه أبو عبد الله من حديث نعيم بن حماد، عن عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه، وقال: صحيح الإسناد. فقد احتج مسلم بعبد العزيز، ومحمد بنعيم، وهو المشهور، من فعل ابن عمر، وفي سنن البيهقي الكبير: عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر أؤذن في السفر؟ قال: لمن يؤذن؟ للفأر؟! قال الشيخ: هذا الذي ذهب إليه ابن عمر يحتمل لولا حديث أبي سعيد في الأذان بالبادية. انتهى، وكذا حديث مالك بن الحويرث مثله، وأما الأذان والإقامة للمرأة، فروى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة: أنها كانت تؤذن، وتقيم، وتؤم النساء. ومن حديث عبد الله بن داود الخريبي، حدثنا الوليد بن جميع، عن ليلى بنت مالك، وعبد الرحمن بن خالد الأنصاري، عن أم ورقة الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها، وأمر أن يؤذن لها وتقام، وتؤم أهل دارها في الفرائض. قال أبو عبد الله: قد احتج مسلم بالوليد بن الجميع، وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثا مسندا غير هذا، ورواه ابن الجارود في منتقاه، ولما ذكره
الحافظ ضياء الدين رجح صحته، وقال أبو موسى في كتاب الصحابة: وروي الحديث عن عبد العزيز، عن الوليد، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم ورقة: أنها استأذنت، ورواه وكيع، عن الوليد، عن جدته، وعبد الرحمن، عن أم ورقة، ورواه جماعة عن الوليد، عن جدته، لم يذكروا عبد الرحمن. قال البيهقي: وفي حديث ابن ثوبان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كنا نصلي بغير إقامة. قال أبو بكر: وهذا إن صح مع حديث ليث، فلا يتنافيان لجواز فعلها هذا مرة، وذاك أخرى، ويذكر عن جابر أنه قيل له: أتقيم المرأة؟ قال: نعم. ومن حديث نافع، عن ابن عمر: ليس على النساء أذان ولا إقامة، ولا جمعة، ولا اغتسال جمعة. قال البيهقي:. وروينا في الأذان والإقامة، عن أنس بن مالك موقوفا، ومرفوعا، ورفعه ضعيف، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب، والنخعي، وابن سيرين.
10 -
باب إذا أذن وأنت في المسجد فلا تخرج
36 -
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي الشعثاء قال: كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن مهاجر، وفيه كلام يقتضي أن نذكر له متابعا، وهو رواية له أيضا عن ابن أبي عمر حدثنا سفيان، عن عمر بن سعيد، عن أشعث، عن أبيه به، وقال فيه أبو عيسى: حسن صحيح. ورواه أبو عبد الرحمن، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن جعفر بن عون، عن أبي عميس، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن أبي الشعثاء، وزعم بعض العلماء أنه موقوف، وخالف ذلك ابن عبد البر فقال: هو مسند عندهم، لا يختلفون في هذا، وذلك أنهما مسندان مرفوعان يعني هذا، وقول أبي هريرة: ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله، ورسوله. انتهى كلامه.
وقد وقع لنا هذا الحديث مرفوعا، من غير ما طريق بسند جيد من ذلك: ما رواه أبو الشيخ رحمه الله عن نوح بن منصور، ثنا عبد الله بن أيوب المخرمي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن أشعث بن سليم، عن أبيه: أنه رأى رجلا خارجا من المسجد، وقد نودي
بالأذان فقال: عصى هذا أبا القاسم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نودي بالأذان، أن لا نخرج من المسجد.
وثنا ابن أبي حاتم، ثنا أحمد بن محمد الأطرابلسي، ثنا موسى بن داود، ثنا شريك، عن أشعث، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال: إذا أقيمت الصلاة، وأحدكم في المسجد، فلا يخرج حتى يصلي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بذلك.
وثنا يوسف بن محمد المؤذن، ثنا محمد بن الحارث المخزومي، ثنا أبو مصعب، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، حدثني أبي، وصفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يسمع النداء في مسجدي هذا أحد، ثم يخرج إلا لحاجة ثم لا يرجع إلا منافق.
وقال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه موصولا عن أبي هريرة، عن صفوان، وأبي حازم إلا ابن أبي حازم، تفرد به أبو مصعب، وقال أبو الشيخ: وثنا عبد الله بن أحمد بن سعيد الجصاص، ثنا نهشل بن كثير النهشلي بصري ثقة، ثنا ابن أبي فديك، عن ابن حرملة، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يخرج من المسجد بعد النداء إلا منافق إلا أحد أخرجته حاجة، وهو يريد الرجعة إلى الصلاة.
وثنا الوليد بن أبان قرئ على يحيى بن عبدك، وأنا حاضر، ثنا أحمد بن أبي يزيد القطان بالري، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
37 -
حدثنا حرملة بن يحيى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عبد الجبار ابن عمر، عن ابن أبي فروة، عن محمد بن يوسف مولى عثمان بن عفان، عن عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج، لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة فهو منافق.
هذا حديث إسناده معلل بأمرين:
الأول: ضعف أبي سليمان إسحاق بنْ عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن بن الأسود بن سوادة، ويقال: الأسود بن عمرو بن رياش، ويقال: كيسان القرشي الأموي المدني، أخي إسماعيل، وصالح، وعبد الأعلى، وعبد الحكم، وعمار، ويونس، فإن أبا عيسى قال: تركه بعض أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل، وقال الجوزجاني: سمعت أحمد يقول: لا تحل الرواية عنه. فقلت: يا أبا عبد الله لا تحل؟ قال: عندي، وفي رواية: ما هو بأهل أن يحمل عنه، ولا يروى عنه. وقال أيضا: لا أكتب حديث أربعة، منهم: إسحاق، وفي الإرشاد للخليلي وذكره: ضعفوه جدا، وتكلم فيه مالك، والشافعي، وتركاه، وقال الزهري له يوما: يا أبا إسحاق تجيء بأحاديث ليست لها أزمة ولا خطم، إذا حدثت فأسند.
وقال مسلم في الكنى: مدني ضعيف الحديث، وفي كتاب الكنى لأبي بشر: ليس بذاك. وقال محمد بن عبد الله بن عمار: هو ضعيف ذاهب. وقال أبو حاتم: متروك، ذاهب الحديث. وقال أبو بكر بن خزيمة: لا أحتج بحديثه. وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: هو كذاب. وذكره أبو القاسم البلخي في كتاب الضعفاء. وقال ابن طاهر: ضعفه غير واحد. وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب التحقيق: هالك، وبنحوه قاله أبو بكر في الخلافيات. وقال أبو حاتم، والفلاس، والنسائي، وابن الجنيد، والدارقطني: متروك. زاد النسائي: ولا يكتب حديثه. وذكره أيضا في الطبقة العاشرة من أصحاب نافع المتروك حديثهم. وقال البخاري: تركوه. وقال أبو زرعة: ذاهب الحديث متروك الحديث. وقال يحيى: ليس بشي، ولا يكتب حديثه، وفي رواية ليس بشيء كذاب، وفي رواية ليس بثقة. وسئل سعدويه عن حديث يعلى بن ثابت، عن الوازع بن نافع، فقال: لا يروى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل الوازع،، وسئل عن حديث إسحاق بن أبي
فروة، فقال: شر مما قال في الوازع. وقال ابن المديني: هو منكر الحديث. وقال أبو غسان: جاءني علي فكتب عني، عن عبد السلام أحاديث ابن أبي فروة، فقلت: أيش تصنع بها؟ قال: أعرفها لا تقلب، وفي رواية قال علي: لم يدخل ذلك في كتبه ابن أبي فروة فيما ذكره ابن عساكر في تاريخه، وقال ابن سعد: كان لين الحديث ويروي أحاديث منكرة، ولا يحتجون بحديثه، وكان يرى رأي الخوارج. وقال الساجي: ضعيف الحديث ليس بحجة، وذكر البرقي في كتاب الطبقات: بأن من ترك حديثه، واتهم في روايته: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وذكره أبو العرب فقال: هو ممن ترك حديثه. قال أبو العرب: وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت محمد بن عاصم، وكان من أهل الصدق قال: قدمت المدينة، ومالك بن أنس حي، فلم أر أهل المدينة يشكون أن إسحاق بن أبي فروة متهم على الدين، وفي تاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي: وآل أبي فروة كل من حدث عنه ثقة إلا إسحاق، فلا يكتب حديثه. وقال الحافظ أبو بكر البزار في سننه: كان ضعيفا، وقال في مسنده: متروك الحديث.
الثاني: عبد الجبار بن عمر أبو عمر الأيلي الأموي القرشي؛ وإن وثقه ابن سعد فقد قال فيه أبو زرعة: واهي الحديث. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: منكر الحديث، ضعيف الحديث، ليس محله الكذب، وسمعت أبا زرعة يقول: هو ضعيف الحديث ليس بقوي، وقرأ علينا حديثه. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، ولا يكتب وقال مرة: ضعيف، وكذلك قاله السعدي، والنسائي في كتاب الضعفاء، وقال في كتاب الكنى ليس بثقة، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم؛ عنده مناكير.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه يخالف فيه، والضعف بين على رواياته.
وقال الحربي في كتاب العلل: عبد الجبار بن عمر رجل من أهل أيلة، سنه قريب من سن يزيد بن أبي سمية شيخه، وإنما روى عنه لفضله، وعبد الجبار رجل يتفقه، وغيره أثبت منه. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه؟ فقال: ضعيف، وذكره يعقوب في باب من يرغب عن الرواية عنهم. وقال الساجي: هو ضعيف. وقال العقيلي: ليس بالقوي عندهم، عنده مناكير. وقال أبو سعيد بن يونس: منكر الحديث. وفي كتاب الكنى لأبي أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقد روينا في كتاب الصلاة للفضل ما يشد هذا عن مسعر، عن ابن عون، عن شريح رجل من همدان، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: إذا كنت في المسجد، فنودي بالأذان فلا تخرج.
قال: وحدثني سفْيان، عن حرملة، عن سعيد بن المسيب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سمع المنادي فخرج فهو منافق، إلا رجل خرج في حاجة، ثم رجع.
وثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: إذا سمعت الإقامة، فلا تخرج.
وفي كتاب أبي علي الطوسي، عن إبراهيم: تخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، قال أبو علي: وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه، والذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذرٍ، أو يكون على غير وضوء. وقال ابن حزم: ومن كان في المسجد، فاندفع المؤذن في الأذان لم يحل له الخروج من المسجد إلا لضرورة - والله أعلم -.
11 -
أبواب المساجد والجماعات
ومن بنى لله عز وجل مسجدا
38 -
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يونس بن محمد، ثنا الليث بن سعد، وثنا أبو بكر، ثنا داود بن عبد الله الجعفري، ثنا عبد العزيز بن محمد - جميعا - عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة العدوي، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى لله مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة.
هذا حديث خرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، عن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة به، ورواه ابن لهيعة، عن الوليد بن أبي الوليد فقال: عن أيوب بن خالد، عن عمر بن الخطاب، قال صلى الله عليه وسلم: من بنى مسجدا لا يريد به رياء، ولا سمعة بنى الله الكريم له بيتا في الجنة.
ذكر ذلك الحافظ أبو نعيم في كتاب المساجد، عن أبي بكر الآجري، ثنا جعفر الفريابي، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة به، قال: ورواه يحيى بن بكير، عن ابن لهيعة، وقال: ويذكر اسم الله عليه، قال: ورواه يحيى بن أيوب، عن الوليد، عن عثمان، وقال عبد الله بن صالح، عن الليث: يذكر اسم الله تعالى فيه.
39 -
حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة.
هذا حديث خرجاه في صحيحيهما.
40 -
حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة أنه
قال: حدثني أبو الأسود، عن عروة، عن علي بن أبي طالب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة.
هذا حديث ضعيف معلل بأمرين:
الأول: قال فيه أبو القاسم في الأوسط: لا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة، ومع ذلك فهو ابن لهيعة، وقد سبق ذكره.
الثاني: انقطاع ما بين عروة، وعلي؛ وإن كان مولده سنة ثلاث وعشرين، وسنه يوم الجمل ثلاث عشرة سنة، فرد لاستصغارهم إياه.
وقيل: كان مولده لست سنين خلت من خلافة عثمان رضي الله عنه فقد نص أبو حاتم على أنه لم يسمع من علي فيما حكاه عنه ابنه في كتاب المراسيل، ويزيده وضوحا أن النسائي في مسند علي أدخل بينه وبين المقداد، ومحمد بن سنجر، وأحمد بن سنان القطان في مسندهما، أدخلا بينهما عبد الله بن جعفر. ورواه صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم بلفظ: من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة. رواه أبو نعيم في كتاب المساجد، عن أبي عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان عنه، وكذا رواه عبد الله بن يوسف، وابن المبارك، وابن وهب، عن ابن لهيعة وقال: ولفظهم سواء فظهر من هذا أن زيادة (من ماله) تفرد بها عباس بن عثمان، وليس بقريب من أولئك - والله أعلم -.
41 -
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا عبد الله بن وهب، عن إبراهيم بن نشيط، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من بنى مسجدا كمفحص قطاة، أو أصغر
بنى الله له بيتا في الجنة.
هذا حديث خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، عن يونس، وعيسى بن إبراهيم الغافقي، ثنا ابن وهب بلفظ: من حفر ماء لم يشرب منه كبد حي من جن، ولا إنس، ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى مسجدا كمفحص قطاة، أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة.
قال يونس: من سبع ولا طائر. وقال: كمفحص قطاة، وقال الدارقطني في الأفراد: تفرد به ابن وهب بسنده، وفي الباب غير ما حديث، من ذلك: حديث أبي ذر الغفاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة، رواه أبو نعيم الحافظ، عن محمد بن حميد، ثنا محمد بن جرير، ثنا الحسن بن خلف، ثنا إسحاق الأزرق، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه عنه، وثنا أبو بكر الطلحي، ثنا أبو حصين القاضي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، ورواه يحيى بن آدم، عن قطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش مثله.
وثنا محمد بن محمد بن أحمد المقرئ، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا سلم بن جنادة، ثنا وكيع في الدار، عن سفيان، عن الأعمش، وهذا سند لعمري ظاهره الصحة، لولا ما ذكره أبو نعيم من قوله: ثنا أبو بكر بن مالك، ثنا جعفر الفريابي، ثنا علي بن المديني قال: قال لي يحيى بن سعيد: قال لي سفيان، أو شعبة -: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من إبراهيم التيمي يعني حديث: من بنى لله مسجدا، وزعم الكرابيسي في كتاب المدلسين: أنه كان يعني الأعمش يدلس عن إبراهيم كثيرا، وذكر البيهقي في السنن الكبير علة أخرى؛ وهي أن الدوري حكى عن أحمد بن يونس أنه قال: قيل لابن عياش: إن الناس يخالفونك في هذا الحديث لا يرفعونه؟ فقال أبو بكر: سمعنا هذا من الأعمش، وهو شاب.
قال البيهقي: وكذلك روي عن شريك، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش مرفوعا، وروي عن الحكم، عن يزيد بن شريك، عن أبي ذر مرفوعا.
ورواه أبو نعيم أيضا من حديث عيسى بن يونس، عن الأعمش مرفوعا، ومن حديث محمد بن عبيد، عن أخيه يعلى عنه كذلك.
وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: رواه عدة من أصحاب شريك فلم يرفعوه، والصحيح عن أبي ذر من حديث شريك موقوف.
قال أبو حاتم: ورواه أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، ورفعه، ونفس الحديث موقوف، وهو أصح. وقال ابن مهدي: هذا الحديث ليس من صحيح حديث الأعمش، وحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى مسجدا لله، ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة، رواه أبو نعيم، عن الآجري، والحسن بن علي الوراق، حدثنا جعفر الفريابي، ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي، ثنا محمد بن طلحة الأيامي، عن أبي معمر عنه، وثناه أبو بكر الطلحي، ثنا أحمد بن حماد بن سفيان، ثنا إسحاق بن بهلول، حدثني محمد بن عبد الرحمن القرشي، عن محمد بن طلحة بن مصرف، عن أبيه مثله، وثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن نوح العسكري، ثنا وهب بن حفص الحراني، ثنا حبيب بن فروخ، ثنا ابن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن مرة الطيب، عن أبي بكر به، ثم قال: كذا قال حبيب، عن مرة الطيب.
وقال أبو حاتم الرازي في علله: هذا حديث منكر، وحديث عبد الله بن عباس
- رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة.
رواه أبو الحسن الدارقطني في كتاب الغرائب والأفراد من حديث عمران بن عبيد الله البصري، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة عنه، وزعم أن عمران تفرد به. انتهى كلامه، وهو محتمل لأمرين:
الأول: أن يريد: تفرد بهذا السند.
الثاني: تفرده بالحديث جملة، وأيا ما كان فهو مردود؛ بما ذكره الحافظ أبو نعيم من حديث يحيى بن عبد الحميد، ثنا شريك، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير عنه، وعن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا ضرار بن صرد، ثنا علي بن هاشم، عن عمار بن رزيق، عن الدهني مثله، وعن أبي مسلم، ثنا عمرو بن مرزوق، ثنا شعبة قال: لقن جابر، عن عمار الدهني بلفظ: من بنى مسجدا، ولو كمفحص قطاة .... الحديث.
وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى لله مسجدا، يذكر الله فيه، بنى الله له بيتا في الجنة، رواه أيضا من حديث حجاج بن أرطاة عنه.
وحديث ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة. رواه البزار، عن إسحاق بن شاهين، ثنا الحكم بن ظهير، ثنا ابن أبي ليلى، عن نافع عنه، وقال: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، والحكم لين الحديث، وقد روى عنه جماعة كثيرة، واحتملوا حديثه. وقال أبو نعيم الحافظ: رواه عن إسحاق، أحمد بن كعب الواسطي، وزاد فيه: ولو كمفحص قطاة.
وحديث أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من بنى لله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا، بنى الله له بيتا في الجنة.
رواه أبو عيسى من حديث نوح بن قيس، عن عبد الرحمن مولى قيس، عن زياد النميري عنه، وخرجه أبو نعيم من حديث أحمد بن علي الخزاعي، ثنا قرة بن حبيب، ثنا عبد الحكم عنه بلفظ: من بنى لله مسجدا في الدنيا يريد به وجه الله، ومن حديث إبراهيم بن مهدي المصيصي، ثنا عمر بن رديح، عن ثابت عنه، وفي لفظ قالوا: إذا نكثر يا رسول الله؟ قال: الله أكثر، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، ثنا شريك، عن الأعمش عنه بلفظ: كمفحص قطاة، وقال: لم يروه عن الأعمش إلا شريك، تفرد به إسحاق، ومن حديث حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن أبان عنه، ومن حديث يحيى بن يمان، عن الثوري، عن أبي عمارة عنه بلفظ: كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة، إلا مسجدا فإن له به قصرا في الجنة من لؤلؤة.
وحديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى بيتا يعبد الله فيه حلالا، بنى الله له بيتا في الجنة من الدر، والياقوت. رواه البيهقي في شعب الإيمان تأليفه من حديث بشر بن الوليد، وسعيد بن سليمان، عن سليمان بن داود، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنه، ورواه أبو القاسم في الأوسط، من حديث محمد بن سليمان بن عبد الله الكوفي، ثنا أبي، عن المثنى بن الصباح، عن عطاء بن أبي رباح، عن المحرر، عن أبيه، وقال: لم يروه عن المحرر إلا عطاء، تفرد به المثنى عن عطاء، ورواه أيضا من حديث سليمان بن داود اليمامي، ثنا ابن أبي كثير، عن أبي سلمة عنه قال صلى الله عليه وسلم: من بنى لله بيتا يعبد الله فيه من ما حلال، بنى الله له بيتا في الجنة من در، وياقوت،
قال: لم يروه عن يحيى إلا سليمان، تفرد به سعيد بن سليمان، ولا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد.
وقال أبو زرعة: هذا الحديث من حديث أبي هريرة وهم، قال أبو محمد: قلت: ولم يشبع الجواب ولم يبين علة الحديث، والذي عندي: أن الصحيح على ما رواه أبان العطار، عن يحيى، عن محمد بن عمرو، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن يحيى، عن محمود بن عمرو، عن أبي هريرة موقوف، وسمعت أبي يقول: هو محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن - والله تعالى أعلم - ولما ذكر أبو القاسم حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا قال: لم يروه عن يحيى بن أبي كثير إلا أبان، تفرد به موسى بن إسماعيل، ولا يروى عن أسماء إلا بهذا الإسناد، تفرد به المثنى، عن عطاء. انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما أسلفناه من عنده قبل.
وحديث معاذ بن جبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة، رواه أبو نعيم من حديث عمر بن صبح، ثنا عاصم بن سليمان، عن برد، عن مكحول، عن الوليد بن العباس عنه، وذكره ابن الجوزي في العلل بزيادة: ومن علق فيه قنديلا، صلى عليه سبعون ألف ملك، حتى يطفأ ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرا، صلى عليه سبعون ألف ملك حتى ينقطع ذلك الحصير، ومن أخرج منه قذاة كان له كفلان من الأجر، ثم رده بعاصم، وحديث أبي سعيد الخدري قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة، رواه الطبراني في الكبير، من حديث سهل بن تمام بن بزيع، ثنا عبد الحكم القسملي، عن أبي المتوكل عنه، وحديث واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى لله مسجدا يصلى فيه، بنى الله له بيتا في الجنة أفضل منه، رواه أيضا من حديث هشام بن عمار، ثنا الحسن بن يحيى الخشني، عن بشر بن حيان عنه، وحديث عمرو بن عبسة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى لله مسجدا دخل الجنة، أنبأنا به المسند أبو بكر الحميري، أنبأنا أبو الطاهر بن عبد القوي، عن فاطمة، أنبأتنا فاطمة، أنبأنا ابن ريذة، أنبأنا أبو القاسم، ثنا محمد بن النضر الأزدي، ثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني، ثنا بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة عنه، ورواه النسائي، عن عمرو بن عثمان، عن بقية، فوقع لنا موافقة عالية، ولله الحمد.
ولفظ ابن أبي حاتم الرازي في كتاب ثواب الأعمال: من بنى مسجدا لله، ذكر الله فيه بني له بيت في الجنة.
وحديث أبي إمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يبني أحد مسجدا لله، إلا بنى الله له بيتا في الجنة أوسع منه، رواه أبو نعيم من حديث صدقة بن خالد، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد عنه.
وحديث عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة، قلت: يا رسول الله، وهذه المساجد التي في طريق مكة؟ قال: وتلك.
رواه مسدد بن مسرهد في مسنده، عن ابن داود، عن كثير بن عبد الرحمن
الطحان، عن عطاء عنها، وفي لفظ الطبراني من حديث المثنى بن الصباح، عن عطاء: من بنى مسجدا لا يريد به رياء، ولا سمعة، وفي لفظ من حديث كثير بن عبد الله المؤذن، عن عطاء: ولو قدر مفحص قطاة. وقال: لم يروه عن المثنى إلا محمد بن عيسى بن سميع، تفرد به هشام بن عمار، ولم يروه عن عطاء عنها إلا كثير بن عبد الرحمن الكوفي، والمثنى بن الصباح، وحديث أبي قرصافة، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ابنوا المساجد، وأخرجوا القمامة منها؛ فمن بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة. فقال رجل: يا رسول الله، وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟. قال: نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين. وفي لفظ: ولو مفحص قطاة، رواه أبو القاسم من حديث زياد بن يسار، عن عزة بنت عياض، عن جدها أبي قرصافة، وحديث عمر بن مالك الأنصاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى لله مسجدا بنى الله تعالى له بيتا في الجنة، ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة من حديث نصر، عن علي بن زيد، عن زرارة بن أوفى عنه، ثم قال: رواه سفيان، عن علي فقال: عمرو بن مالك، أو مالك بن عمرو وقال هشيم: عن ابن عمرو بن مالك وقال حماد: مالك القشيري. وقال قتادة: عن زرارة أبي بن مالك، وهذا غير الأول.
وحديث نبيط بن شريط قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة، رواه في الأوسط من حديث إسحاق بن إبراهيم، عن أبيه، عن نبيط، وقال: لا يروى عن نبيط إلا بهذا الإسناد، تفرد به ولده عنه.
وحديث قرة بن خالد، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس يرفعه: تذهب الأرضون كلها يوم القيامة، إلا المساجد فإنها تنضم بعضها إلى بعض.
قال أبو القاسم: لم يروه عن قرة إلا أصرم بن حوشب.
وحديث أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من بنى لله بيتا، بنى الله له بيتا في الجنة، رواه أيضا من حديث شهر بن حوشب، وسليمان بن قيس، عن عنبسة بن أبي سفيان، ومن حديث شعيب بن بيان، ثنا أبو ظلال، عن أنس عنها، ذكره أبو القاسم بن مطير في معجمه الكبير.
وحديث أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة أوسع منه، رواه أيضا من حديث أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير عنها، وهو منقطع. ورواه أبو نعيم الحافظ فوصله من حديث موسى بن إسماعيل، ثنا أبان، عن يحيى، عن محمود بن عمرو عنها.
غريبه: قال ابن سيده: المسجد، والمسجد الموضع الذي يسجد فيه، وقد كان حكمه ألا يجيء على مفعِل؛ لأن حق اسم المكان، والمصدر من فعل يفعل أن يجئ على مفعَل؛ لعلة أثبتها في المخصص، ولكنه أحد الحروف التي شذت فجاء على مفعِل.
قال سيبويه: وأما المسجد فإنهم جعلوه اسما للبيت، ولم يأت على فعل يفعل، كما قالوا في المدق: إنه اسم للجلمود يعني أنه ليس على الفعل، ولو كان على الفعل، لقيل مدق؛ لأنه آلة، والآلات تجيء على مفعل كمخرز، ومكنس، ومكسح. وفي الصحاح: المسجد والمسجد، واحد المساجد.
قال الفراء: كلما كان على فعل يفعل، مثل دخل يدخل؛ فالمفعل منه بالفتح
اسما كان، أو مصدرا، ولا يقع فيه الفرق مثلا: دخل مدخلا، وهذا مدخله، إلا أحرفا من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك المسجد، والمطلع، وذكر حروفا، ثم قال: فجعلوا الكسر علامة للاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم، وسمعنا المسجد، والمسجد، والمطلع، والمطلع، قال: والفتح في كله جائز، وإن لم نسمعه، وما كان في باب فعل يفعل، مثل جلس يجلس، فالموضع بالكسر، والمصدر بالفتح للفرق بينهما، تقول نزل منزلا، بفتح الزاي تريد نزل نزولا، وهذا منزله فتكسر؛ لأنك تعني الدار. وفي الجامع للقزاز: المسجد - بفتح الجيم - هو موضع السجود، والمسجد - بكسرها - هو البيت الذي يصلى فيه، وحق الاسم، والمصدر، أن يكونا في مكان على يفعل مضموم العين، وعلى يفعل بفتحها، وإنما قالوا: مسجد بالكسر؛ ليفرقوا بين موضع السجود، وبين بيوت الصلاة، ومن العرب من يفتح فيقول: مسجد في كلا الوجهين، ويلتزم القياس، وفي جمهرة ابن دريد، والمساجد: الآراب، وقد فسر قوله تعالى:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} . وقال الزجاج: كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد.
والقطاة: قال ابن سيده: هو طائر معروف، والجمع قطوات، وقطيات، وقد كان بالمدينة مساجد ذكرها أبو داود في كتاب المراسيل، عن بكير بن الأشج قال: كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يسمع أهلها، تأذين بلال فيصلون في مساجدهم أقربها مسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبيد، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني رابح من بني عبد الأشهل، ومسجد بني زريق، ومسجد بني غفار، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة، وشك في التاسع. انتهى، وقد وقع لنا غير ما ذكر من المساجد التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها أبو زيد عمر بن شبة في أخبار المدينة عن رافع بن خديج: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد
الصغير الذي بأحد في شعب الجرار على يمينك لازقا بالجبل. وعن أسيد بن أبي أسيد، عن أشياخهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على الجبل الذي عليه مسجد الفتح، وصلى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل على الطريق حتى تصعد الجبل. وعن عمارة بن أبي اليسر قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الأسفل. وعن جابر قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد المرتفع، ورفع يديه مدا، وعن عمرو بن شرحبيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني خدارة. وعن عمر بن قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد لهم، في بني أمية من الأنصار، وكان في موضع الحرتين اللتين عند مال نهيك.
وعن الأعرج: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ذباب. وفي لفظ: كان ضرب قبته يوم الخندق عليه. وعن جابر بن أسامة قال: خط النبي صلى الله عليه وسلم مسجد جهينة ليلا. وفي لفظ: وصلى فيه. وعن سعد بن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني ساعدة، الخارج من بيوت المدينة، وفي مسجد بني بياضة، ومسجد بني الحبلي، ومسجد بني عضية. وعن العباس بن سهل: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني ساعدة في جوف المدينة. وعن يحيى بن سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يختلف إلى مسجد أبي فيصلي فيه غير مرة، ولا مرتين. وقال: لولا أن يميل الناس إليه لأكثرت الصلاة فيه. وعن يحيى بن النضر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد أبي بن كعب في بني جديلة، ومسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد بني دينار، ومسجد دار النابغة، ومسجد بني عدي، وجلس في كهف سلع.
وعن هشام بن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بلحارث بن الخزرج، ومسجد السنح، وبني خطمة، ومسجد الفضيخ، وفي صدقة الزبير، وفي بني
محمم، وفي بيت صرمة في بني عدي، وفي بيت عتبان، وعن الحارث بن سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني حارثة، وبني ظفر، وبني عبد الأشهل.
وعن إسماعيل بن أبي حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد واقم.
وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني معاوية، وعن كعب بن عجرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أول جمعة جمعها حين قدم المدينة في بني سالم فْي مسجد عاتكة، وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد الخربة، ومسجد القبلتين، ومسجد بني حرام الذي بالقاع، وعن محمد بن عتبة بن أبي مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في صدقته، وعن يحيى بن إبراهيم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مشربة أم إبراهيم، وعن خالد بن رباح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد راتج، وعن زيد بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في حائط أبي الهيثم، وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد على عينين.
وعن علي بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت امرأة من الخضر، فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة، وعن سلمة الخطمي: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت المقعدة عند مسجد بني وائل في مسجد العجوز.
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض المسلمين بالسقيا التي بالحرة متوجها إلى بدر، وصلى بها، وعن المطلب أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني ساعدة، وصلى في المسجد الذي عند الشيخين، وبات فيه، وهو الذي عند البدائع، وعن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد الشجرة بالمعرس، وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالبطحاء التي بذي حليفة، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد الشجرة، وعن ربيعة بن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت إلى جنب مسجد بني خدرة.
قال أبو غسان: قال لي غير واحد من أهل العلم: إن كل مسجد من مساجد
المدينة، ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة، فقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم سأل والناس يومئذ متوافرون، عن المساجد التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ثم بناها بالحجارة المطابقة، وعن ابن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في دار الشفاء على يمين من دخل الدار، وصلى في دار بسرة بنت صفوان، وفي دار عمرو بن أمية الضمري، ومنزل أبي بن عمارة.
قال أبو زيد: وأما المساجد التي يقال: إنه صلى فيها، ويقال: إنه لم يصل فيها، فهي دار سعد بن خيثمة بقباء، ومسجد بني زريق، ومسجد بني مازن، ومسجد بني سالم الأكبر، والمسجد الذي بغار أحد، ومسجد بني حرام الأكبر، وسقيفة بني ساعدة القصوى، والمسجد الذي ببطن الروحاء عند عرق الظبية.
وذكر الأزرقي في مكة شرفها الله تعالى مساجد منها: مسجد منى، وهو مسجد الخيف، ومسجد مزدلفة، ومسجد عرفة، ومسجد المولد، ومسجد خديجة، ومسجد الأرقم، ومسجد عند الردم، ومسجد الجن، ومسجد الشجرة، ومسجد السرر، ومسجد عن يمين الموقف بعرفة، ومسجد الكبش، ومسجد بأجياد، ومسجد إبراهيم، ومسجد بحراء، ومسجد بثور، ومسجد عند سوق الغنم، ومسجد بذي طوى، ومسجد بالجعرانة، والمسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى، ومسجد التنعيم، والمسجد الذي عند خيمة جمانة.
12 -
باب تشييد المساجد
42 -
حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن محمد بن رافع، ثنا المؤمل بن إسماعيل، ثنا حماد بلفظ: إن من أشراط الساعة، وثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، ثنا حماد، عن قتادة، وأيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال أبو نعيم: تفرد الخزاعي بذكر قتادة، وقال ابن مطير في الأوسط: لم يروه عن قتادة إلا حماد، وقال ابن خزيمة: ثنا محمد بن عمرو بن العباس، ثنا سعيد بن عامر، عن أبي عامر الخزاز قال: قال أبو قلابة: انطلقنا مع أنس نريد الزاوية يعني قصر أنس، فمررنا بمسجد، فحضرت صلاة الصبح، فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد، فقال بعض القوم: نأتي الآخر، قالوا: أي مسجد؟! قال: فذكر مسجدا، فقال أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلا، أو قال: يعمروها قليلا، وفي كتاب أبي نعيم من حديث محمد بن مصعب القرقساني، عن حماد: يتباهى الناس ببناء المساجد، وفي حديث علي بن جرير عن سعيد عن أبي عامر الخزاز: يتباهون بكثرة المساجد.
43 -
حدثنا جبارة بن المغلس، ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن البجلي، عن ليث، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستشرفون مساجدكم كما شرفت اليهود كنائسها، وكما شرفت النصارى بيعها هذا حديث لما ذكره الحافظ ضياء الدين المقدسي: رده بليث المذكور قبل، وأغفل كونه من رواية أبي محمد جبارة بن المغلس الحماني الكوفي، فإن عبد الله بن أحمد عرض على أبيه شيئا من حديثه فأنكرها، وقال في بعضها: سمعت هذه موضوعة، أو هي كذب، وقال ابن معين: هو كذاب، وكان أبو زرعة حدث عنه، ثم ترك حديثه بعد ذلك، وقال: قال لي ابن نمير: ما هو عندي ممن يكذب، كان يوضع له الحديث فيحدث به، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب، وذكر ابن عقدة، عن محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي: سألت ابن نمير عنه؟ فقال: صدوق، وقال أبو حاتم: هو مثل القاسم بن أبي شيبة، وقال ابن عدي: في بعض حديثه ما لا يتابعه أحد عليه، غير أنه كان لا يتعمد الكذب، وحديثه مضطرب كما ذكره البخاري.
وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، وقال محمد بن سعد: يضعف، وذكره أبو جعفر العقيلي، والبلخي في كتاب الضعفاء، ويعقوب في باب من يرغب عن الرواية عنهم، وقال البزار: كان رجلا كثير الخطأ، ليس يحدث عنه رجل من أهل العلم، إنما يحدث عنه قوم فاتتهم أحاديث كانت عنده، أو رجل غبي، وأغفل كونه أيضا من رواية عبد الكريم المجهول العين، والمنفرد عنه بالرواية جبارة، وقد وجدنا لهذا الحديث شاهدا، رواه أبو داود بسند صححه ابن حزم، عن محمد بن الصباح، ثنا سفيان بن عيينة، عن سفيان، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أمرت بتشييد المساجد، قال ابن
عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود، والنصارى.
ورواه أبو نعيم من حديث عبد الأعلى بن حماد، ثنا معتمر سمعت ليثا، عن أبي فزارة به.
44 -
حدثنا جبارة، ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم.
هذا حديث تقدم الكلام على سنده قبيل، وقد وردت أحاديث من هذا الباب غير ما تقدم من ذلك: حديث ليث، عن أيوب، عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابنوا المساجد، واتخذوها جما، وفي لفظ: أمرت بالمساجد جما، ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه، عن مالك بن إسماعيل، ثنا هريم عنه، ولما سأل الترمذي محمدا عنه، قال: إنما يروى عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق قوله. وقال أبو الحسن وسئل عنه: لم يتابع ليث عليه، وغيره يرويه، عن أيوب، عن ابن شقيق قوله.
وحديث مجاهد، عن ابن عمر قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي في مسجد مشرف، رواه الدارقطني، وقال: رواه إسحاق بن منصور، وأبو غسان، عن هريم، عن ليث عنه، ورواه عبد الحميد بن صالح، عن هريم، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر.
وحديث ابن عباس رضي الله عنه قال: أمرنا أن نبني المساجد جما، ذكره عبد الغافر الفارسي في كتابه مجمع الغرائب، قال: ومعناه التي لا شرف لها، وفي كتاب غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام زيادة: والمدائن شرفا.
وحديث علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ائتوا المساجد حسرا ومقنعين فإن ذلك سيما المسلمين.
رواه أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن شعيب، ثنا مبشر بن عبيد، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار عنه، وحديث جابر بن عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من زوق بيته، أو مسجده لم يمت حتى تصيبه قارعة، رواه أيضا من حديث موسى بن محمد صاحب القديدي، ثنا المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه عنه.
ورواه ابن الجوزي في علله من حديث أبي البختري، وهب بن وهب، ورده به. وفي كتاب أبي نعيم بن دكين، ثنا سفيان، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كانت المساجد تبنى جما، والمدائن تشرف، ثنا سفيان، عن أبي فزارة، عن مسلم البطين قال: كان علي بن أبي طالب إذا مر بمسجد التيم، وهو مشرف قال: هذه بيعة التيم.
غريبه: الشرفة: ما يوضع على أعالي القصور، والمدن، وشرف الحائط: جعل له شرفة، ذكره ابن سيده، وفي الجامع: وقولهم قصر مشرف: إنما معناه طويل، وإذا أرادوا له شرف قالوا: قصر مشروف، والبيعة: كنيسة النصارى، وقيل: كنيسة اليهود، فيما ذكره في المحكم، وفي الجامع: البيعة: بكسر الباء: صومعة الراهب، وقيل: كنيسة النصارى، والجمع بيع.
وقال عياض: البيعة: كنيسة أهل الكتاب،، والصلوات للصابئين، كالمساجد للمسلمين، وفي كتاب الجواليقي: البيعة والكنيسة: جعلهما بعض العلماء، فارسيين معربين، وأما البناء المشيد: فهو المعمول بالشيد، وكل ما أحكم من البناء، فقد شيد، قال أبو عبيد: البناء المشيد المطول. وقال الكسائي: المشيد للواحد، والمشيدة للجميع. حكاه أبو عبيد عنه، والكسائي يجل عن هذا. قاله ابن سيده، وفي
الجامع: أشدت الحائط، وشيدته: فهو مشاد، ومشيد إذا طولته. وقيل: لا يكون مشيدا حتى يجصص، ويطول.
والزخرف: الذهب هذا الأصل، ثم سمي كل زينة زخرفا، وزخرف البيت: زينه، وأكمله، وكل ما زوق وزين، فقد زخرف، والتزخرف: التزين، والزخارف: ما زين من السفن.
والزخرف: زينة النبات، ذكره ابن سيده، وفي الجامع: كل نفيس يسمى زخرفا، وقال الهروي: هو كمال حسن الشيء، وقال عياض: هو التزويق بالنقش، والتلوين، قال الخطابي: المعنى أن اليهود، والنصارى؛ إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا، وتركوا العمل بما في كتبهم، نقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم؛ إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص في العمل، وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد، والمباهاة بتشييدها، وزينتها، وفيه دليل على أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يجبر الصوم وغيره، وأما قول من قال: أراد بالتباهي في المساجد: التفاخر بالأنساب والأحساب، وشبهه فمردود بقوله: ببناء المساجد، وبكثرة المساجد.
13 -
باب أين يجوز بناء المساجد؟
45 -
حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي التياح الضبعي، عن أنس بن مالك قال: كان موضع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لبني النجار، وكان فيه نخل، ومقابر للمشركين، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ثامنوني به قالوا: لا نأخذ به ثمنا أبدا، قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبنيه، وهم يناولونه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل أن يبنى المسجد حيث أدركته الصلاة.
هذا حديث خرجاه في الصحيح من حديث أبي التياح مطولا: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ونزل أعلاها في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام عليه السلام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدين السيوف، فكأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه سلم - على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يصلي في مرابض الغنم، وفيه فأمر بقبور المشركين، فنشبت ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وفيه: لا خير إلا خير الآخرة، وأما قول خلف: رواه مسلم أيضا في الهجرة، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، عن أبيه، عن أبي التياح، فيشبه أن يكون وهما، وذلك أن مسلما ليس عنده كتاب هجرة، وكتاب الهجرة إنما هو عند البخاري، وكذا ذكره الطرقي، وابن أبي أحد عشر في جمعه.
ورواه الحاكم في دلائل النبوة من حديث موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة،
عن أبي التياح بزيادة: وكان المهاجرون، والأنصار ينقلون اللبن، أو التراب لبناء المسجد، وهم يقولون:
بحق الذين بايعوا محمدا
…
على الجهاد ما بقينا أبدا
.
فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إن الخير خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة.
وفي حديثه شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينقل التراب معنا، وقد وارى الغبار بياض إبطيه وهو يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولا صمنا ولا صلينا
فأنزلنْ سكينة علينا
إن الألى لقد بغوا علينا
وإن أرادوا فتنة أبينا
ومد بها صوته صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: لما بنى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال: هؤلاء ولاة الأمر من بعدي.
وفي كتاب موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: كان المسجد مربدا للتمر لغلامين سهل، وسهيل ابني عمرو وفي حجر أسعد، قال ابن شهاب: وزعموا أنه كان رجال من المسلمين يصلون في المربد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمنه، ويقال: عوض عليها أسعد نخلا له في بني بياضة ثوابا من مربدهما، فقالا: بل نعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال: بل اشتراه النبي صلى الله عليه وسلم منهما، فبناه مسجدا، فطفق هو وأصحابه ينقلون اللبن وهم يقولون:
هذا الحمال لا حمال خيبر
…
هذا أبر ربنا وأطهر
فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إن الخير خير الآخرة.
قال ابن شهاب: فتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي، ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تمثل بشعر قط غير هذه الأبيات، أنبأنا المشائخ المعمر بقية السلف عبد القادر بن عبد العزيز بن أيوب، وأبو بكر عبد الله بن علي بن عمر، وأبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن محمد - رحمهم الله تعالى - قراءة عليهم، وأنا أسمع قال الأول: أنبأنا الصالح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أبي الفتح، أنبأنا القاضي صنعة الملك أبو محمد هبة الله بن يحيى بن علي بن حيدرة، أنبأنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن رفاعة، أنبأنا أبو الحسن الخلعي، وقال الآخران: أنبأنا الشريف تاج الشرف بن السيد أبي القاسم عبد الرحمن بن علي الحسيني، أنبأنا أبو الطاهر محمد بن محمد بن بنان، أنبأنا والدي، أنبأنا أبو إسحاق الحبال، قال هو والخلعي: أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر البزاز، ثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن الورد، أنبأنا أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الله البرقي، ثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، ثنا زياد قال: قال محمد بن إسحاق: فقال أسعد بن زرارة: يا رسول الله: إني مرضيهما منه فابنه مسجدا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد، فأصيب أسعد، والمسجد يبنى أصابته الذبحة، أو الشهقة.
وفي كتاب ابن سعد: جعل قبلته للقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه، وفي الإكليل من حديث عبد الله بن عمر، عن نافع، عن مولاه: أنه أخبره أن المسجد كان على عهده صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد
فيه عمر، وبناه على بنيانه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني أريد أن أزيد في قبلتنا ما زدت، فزاد ما بين المنبر إلى موضع المقصورة، ثم غيره عثمان، وزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى: جداره بالحجارة المنقوشة، والقصة، وجعل عمده حجارة منقوشة، وسقفه بالساج، وفي حديث مالك بن مغول، عن رجاء، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز، أن يكسر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وحجراته، وكان قد اشتراها من أهلها، وأرغبهم في ثمنها، وأن يدخلها في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فجاء عمر، فقعد ناحية، وقعدت معه، ثم أمر بهدم الحجرات، فما رأيت، باكية ولا باكيا أكثر من يومئذ جزعا، حين كسرت، ثم بناه، فلما أراد أن يبني البيت على القبر، وكسر البيت الأول، الذي كان عليه فظهرت القبور الثلاثة، وكان الرمل الذي كان عليها قد انهار عنها، فأراد عمر يسويها، ثم يضعون البناء، قال رجاء: فقلت: إن قمت قام الناس معك، فوطئوا القبور، فلو أمرت رجلا أنْ يصلحها، ورجوت أن يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم، قم فأصلحها، قال رجاء: فأكرمه الله بها.
وفي حديث يزيد بن رومان قال معاوية: في منبر النبي صلى الله عليه وسلم: فجعله ست درجات، وحوله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذ، قال أبو عبد الله: وقد أحرق المنبر الذي أحدثه معاوية، ورد منبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكانه.
وفي حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي نعيم الحافظ لما بنى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد جعل سقفه جريدا، وكان إذا بسط يده لحقت السقف.
وفي كتاب الروض لأبي زيد: كان مربد التيمي في حجر معاذ بن عفراء، وعن الشفاء بنت عبد الرحمن قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمه جبريل إلى الكعبة، ويقيم له القبلة، وكانت من اللبن ويقال: بل من حجارة منضودة، بعضها على بعض، ثم إن المهدي بناه ووسعه، وزاد فيه، وذلك في سنة ستين ومائة، ثم زاد فيه المأمون
في سنة ثنتين وثمانين، وأتقن بنيانه، ثم لم يبلغنا أن أحدا غير منه شيئا، ولا أحدث فيه عملا.
وفي كتاب أخبار المدينة لأبي زيد بن شبة: أن العباس قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ألا نبني لك مقصورة، حجابا يكلمك الناس من ورائه، يكف عنك ضغاطهم، وأذاهم؟ قال: لا بل أصبر لهم فضول قدمي، وبناني حتى يريحني الله منهم، قال ابن شهاب: فكان أول من عمل المقصورة معاوية، فأما التي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم اليوم؛ فإن عمر بن عبد العزيز، عملها حين بنى المسجد بأمر الوليد، وكانت حين عملها مرتفعة عن الأرض ذراعين، فخفضها المهدي فهي على حالها إلى اليوم، وفي لفظ: أول من أحدث المقصورة مروان في عمل معاوية بحجارة منقوشة، وجعل فيها كوى، وفي لفظ: أول من عمل مقصورة بلبن عثمان بن عفان، وكانت فيها كوى ينظر الناس فيها إلى الإمام، وإن عمر بن عبد العزيز عملها بالساج، قال: والذي بلط حوالي المسجد بالحجارة معاوية، أمر بذاك مروان، وعمل له أسرابا ثلاثة تصد فيها مياه المطر، وأراد أن يبلط بقيع الزبير، فحال ابن الزبير بينه، وبين ذلك، وكان بين يدي المنبر مرمر، تطرح فيه طنفسة لعبد الله بن حسن بن حسن، فلما ولي حسن بن زيد المدينة في رمضان سنة خمسين ومائة؛ غير ذلك المرمر ووسعه من جوانبه كلها حتى ألحقه بالسواري على ما هو عليه اليوم، فلما قدم المهدي قال لمالك: إني أريد أن أعيد منبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى حاله التي كانت عليها، فقال مالك: إنه من طرفاء، وقد سمر إلى هذه العيدان، وشد فمتى نزعته، خفت أن ينهار، ويهلك فلا أرى أن تغيره، قال أبو زيد: فانصرف رأي المهدي، عن تغييره - والله أعلم -.
46 -
حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو همام الدلال، ثنا سعيد بن السائب، عن محمد بن عبد الله بن عياض، عن عثمان بن أبي العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم.
هذا حديث إسناده صحيح؛ لتوثيق البستي محمد بن عياض، وباقي من في الإسناد لا يسأل عن حاله، ولفظ أبي داود: طواغيتهم.
47 -
حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا موسى بن أعين، ثنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: وسئل، عن الحيطان تلقى فيها العذرات؟ فقال: إذا سقيت مرارا فصلوا فيها يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا حديث إسناده صحيح، عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي، مذكور في ثقات ابن حبان، ورجاله الباقون حديثهم في الصحيح.
وفي الباب: حديث طلق بن علي قال: خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ، وتمضمض، ثم صبه في إداوة، وأمرنا إذا أتيتم أرضكم، فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوه مسجدا، رواه النسائي من حديث ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق عنه، وسكت عنه عبد الحق لما ذكره، وحديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يصلي في الموضع الذي يبول فيه الحسن، والحسين، ويقول: إن العبد إذا سجد سجدة، طهر الله موضع سجوده، رواه أبو القاسم في الأوسط، وقال: لم يروه عن هشام إلا بزيع أبو الخليل يعني المتكلم فيه بكلام فيه إقذاع.
قوله: ثامنوني أي: قدروا ثمنه لأشتريه منكم فأبوا، وفي كتاب ابن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه منهما بعشرة دنانير، دفعها عنه أبو بكر رضي الله عنه فيحتمل على تقدير
الصحة أنه أعطاهما ذلك ثواب هبتهما إياه، فاعتقد رائي ذلك أنه ثمنه، وهذا هو الأليق بحاله صلى الله عليه وسلم ويبينه ما تقدم من قول ابن شهاب، وأما ارتجازه صلى الله عليه وسلم فذكر ابن التين: أن الرجز مختلف فيه هل هو شعر أم لا؟، قال: وقالوا: إنما هو كالكلام المسجع، وهى دائرة المشتبه سمي بذلك؛ لأنه يقع فيه ما يكون على ثلاثة أجزاء مأخوذ من البعير إذا شدت إحدى يديه فبقي على ثلاث قوائم، ويقال: بل هو مأخوذ من قولهم: ناقة رجزاء: إذا ارتعشت عند قيامها لضعف يلحقها، أو داء.
وفي الروض: يحتمل أن يكون من رجزت الحمل إذا عدلته.
قال ابن حبان: وهو شيء يعدل رجز حمل، وفي المحكم: الرجز اضطراب رجل البعير، إذا أراد القيام ساعة ثم ينبسط.
وقال أبو إسحاق: سمي بذلك؛ لأنه تتوالى في أوله حركة، وسكون، وقيل: لاضطراب أجزائه، وتقاربها، وقيل: هو صدور بلا أعجاز، فلما كان هذا الوزن فيه اضطراب سمي رجزا، تشبيها بذلك.
وفي الحديث: لما اجتمعت قريش في أمره عليه السلام وقالوا: نقول هو شاعر، فقال بعضهم: قد عرفنا الشعر كله: مقبوضه، ومبسوطه، ورجزه؛ فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر، وقد تقدم أيضا قول الزهري في ذلك، ولعل الملجئ له إلى ذلك؛ هروبه من إنشاد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا منه، قال: فلو كان شعرا لما علمه النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} ، وما علم أن من أنشد القليل من الشعر متمثلا على جهة الندور لم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه: إنه تعلم الشعر، ولا ينسب إليه، ولو كان كذلك للزم أن يقال: كل الناس شعراء؛ لأن كل فرد لا بد أن يتمثل بشعر، أو يتكلم به من غير قصد إذ الشعر لا يكون إلا عن قصد، والذي قاله الخليل هو الكلام الصحيح؛ لأن المنهوك عنده ليس بشعر، وهو الذي جرى على لسانه عليه السلام.
وأما الطاغية؛ فذكر أبو موسى المديني أنه ليس من الطواغيت يشبه أن يريد به من
من طغى في الكفر، وجاوز القدر في الشر أي عظماءهم، ويجوز أن يريد به الأديان، وأما من رواه الطواغيت فزعم ابن سيده أن الطاغوت: ما عبد من دون الله تعالى. وقيل: هي الأصنام. وقيل: الشيطان. وقيل: الكهنة. وقيل: مردة أهل الكتاب. وقوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} قال أبو إسحاق: قيل هاهنا حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف.
وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} يعني: إلى الكاهن، أو الشيطان، وهو يقع على الواحد، والجميع، والمذكر والمؤنث، ووزنه: فعلوت؛ لأنه من طغوت، وإنما أجريت في التقدير على طيغوت؛ لأن قلب الواو عن موضعها أكثر من قلب الياء في كلامهم، نحو شجر شاك، ولاث، وهار، وقد يكسر على طواغيت، وطواغ، الأخير عن اللحياني، وفي الجامع: العرب تسمي الكاهن، والكاهنة: طاغوتا.
وفي كتاب أبي موسى المديني: هو ما زين لهم الشيطان أن يعبدوه. وفي الصحاح: هو كل رأس في الضلال، ومعنى قوله: سقيت: أي صب عليها الماء مرة بعد أخرى، كما قال صلى الله عليه وسلم: صبوا عليه سجلا من ماء - والله أعلم -.
14 -
باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
48 -
حدثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، ثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، وحماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام.
هذا حديث خرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث عبد الواحد بن زياد، ثنا عمرو، وقال: تابعه عبد العزيز بن محمد عن عمرو، قال: وتابع عمارة بن غزية عمرو بن يحيى على روايته عن أبيه يحيى بن عمارة، ثم قال: هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري، ومسلم، ولم يخرجاه، وخرجه ابن حبان في صحيحه، عن عمران بن موسى، ثنا أبو كامل، ثنا عبد الواحد به، ولما خرجه الدارمي في مسنده الذي زعم الضياء أنه صحيح ذكر آخره، قيل لأبي محمد: تجزئ الصلاة في المقبرة؟ قال: إذا لم يكن على القبر فنعم، قال: والحديث أكثرهم أرسله، وذكره ابن حزم مصححا له، ثم قال: وقال بعض من لا يتقي عاقبة كلامه في الدين: هذا حديث أرسله الثوري، وشك في إسناده موسى بن إسماعيل، عن حماد فكان ماذا؟ وهم يقولون: إن المسند كالمرسل ولا فرق ثم أي منفعة لهم في شك موسى، ولم يشك حجاج، وإن لم يكن فوق موسى فليس دونه أو في إرسال سفيان، وقد أسند حماد، وأبو طوالة، وعبد الواحد، وابن إسحاق، وكلهم عدل.
وفي كتاب المعرفة: قال الشافعي: وحدث هذا الحديث في كتابي في
موضعين: أحدهما: منقطع، قال أبو عبد الله: وبه نقول ومعقول أنه كما جاء الحديث، ولو لم يبينه؛ لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة.
وقال أبو عيسى: حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين، منهم: من ذكره عن أبي سعيد، ومنهم من لم يذكره، وهذا حديث فيه اضطراب، روى سفيان الثوري، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ورواه حماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا، ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيه أبا سعيد، وكأن رواية الثوري، عن عمرو، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أصح وأثبت، وقال في العلل: كان الدراوردي أحيانا يذكر فيه أبا سعيد وربما لم يذكره، والصحيح: رواية الثوري وغيره، عن عمرو، عن أبيه مرسل، وبنحوه، قاله أبو علي الطوسي في أحكامه، وفي ما قالاه نظر؛ من حيث إن ابن ماجه ساق رواية الثوري بسنده قبل، - والله أعلم -.
وقال البيهقي: حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولا، وليس بشيء. انتهى كلامه، وهو غير صواب؛ لما قدمناه مسندا صحيحا، وفي قول الترمذي: إن ابن إسحاق لم يسنده نظر؛ لما تقدم من عند ابن حزم، ولما يأتي من عند البزار، ورواه أبو داود، عن موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، وثنا مسدد، ثنا عبد الواحد، عن عمرو، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال موسى في حديثه: فيما يحسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره، قال أبو الحسن بن القطان: فقد أخبر حماد في روايته أن عمرا شك في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ومنتهى الذين رووه مرفوعا إلى عمرو فإن الحديث حديثه، وعليه
يدور، فسواء شك أولا، ثم تيقن، أو تيقن ثم شك، فإنه لو تعين الواقع منهما أنه الشك بعد أن حدث به متيقنا للرفع؛ لكان مختلفا فيه، فمن يرى نسيان المحدث قادحا لا يقبله، ومن يراه غير ضائر يقبله، وإن قدرناه حدث به شاكا ثم تيقن، فهاهنا يحتمل أن يقال: عثر بعد الشك على سبب من أسباب اليقين، مثل أن يراه في مسموعاته، أو مكتوباته فيرتفع شكه فلا نبالي ما تقدم من تشككه، ومع هذا فلا ينبغي للمحدث أن يترك بمثل هذا في نقله؛ فإنه إذا فعل فقد أراد منا قبول رأيه في روايته، وهذا كله إنما يكون إذا سلم أن الدراوردي وعبد الواحد الرافعين له سمعاه منه غير مشكوك فيه، فإنه من المحتمل أن لا يكون الأمر كذلك بأن سمعاه مشكوكا فيه كما سمعه حماد، ولكنهما حدثا به، ولم يذكرا ذلك اكتفاء بحسبانه، وعلى هذا تكون علة الخبر لا شيء، فاعلم ذلك. انتهى كلامه وفيه نظر؛ من حيث قوله عن عمرو، والحديث حديثه؛ لما أسلفناه صحيحا من عند الحاكم من أن عمارة بن غزية رواه عن يحيى كرواية ابنه عمرو، ورواه البزار من حديث زياد، ثنا أبو طوالة، عن عمرو مرفوعا، وقال: رواه جماعة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقولوا عن أبي سعيد، ورواه عبد الواحد، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومحمد بن إسحاق مرفوعا، وقد أسلفنا عن ابن حزم أن حجاجا رواه عن حماد بغير شك، وكذلك يزيد بن هارون المذكور عند ابن ماجه، وهو رد؛ لما ذكره ابن القطان أيضا، وأما تعداد الرواة الذين أسندوه عن البزار؛ فقد أغفل ما ذكره أبو القاسم؛ إذ رواه من حديث حجاج بن منهال، وخارجة بن مصعب، عن عمرو مسندا، وأما قول أبي الخطاب بن دحية في كتابه المولد: حديث أبي سعيد يعني هذا لا يصح من طريق من الطرق، بين ذلك أهل التعديل والتجريح، فغير صحيح؛ لما قدمنا تصحيحه في الترجيح الذي سلم به الحديث من التجريح.
49 -
حدثنا محمد بن إبراهيم الدمشقي، ثنا عبد الله بن يزيد، عن يحيى بن
أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق الكعبة.
هذا حديث لما رواه أبو عيسى قال: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أشبه وأصح من حديث الليث، وعبد الله بن عمر العمري، ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه، قال أبو عيسى: وزيد بن جبيرة الكوفي أثبت من هذا وأقدم، فقد سمع من ابن عمر، وقال أبو محمد الإشبيلي: غير أبي عيسى يقول في هذا الإسناد أكثر من هذا، وقال أبو علي الطوسي في كتاب الأحكام: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وهو أشبه وأصح من حديث الليث، وقال أبو الفرج في العلل المتناهية: هذا خبر لا يصح، وقال أبو الخطاب بن دحية: هذا حديث باطل عندهم أنكروه على ابن جبيرة، ولا يعرف مسندا إلا برواية يحيى بن أيوب عنه، ولا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله، وقال أبو زكريا الساجي: زيد بن جبيرة الأنصاري يحدث عن داود بن حصين ثقة إلا أنه أتى بمنكر في هذا الحديث يعني حديث ابن عمر، وقال أبو جعفر العقيلي: زيد بن جبيرة منكر الحديث، من حديثه: ما حدثناه عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة، ثنا المقرئ، ثنا يحيى بن أيوب، عن زيد، عن داود فذكره، وثنا يحيى، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام نحوه، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا الحسن بن علي، ثنا ابن أبي مريم، ثنا الليث بن سعد:
قال: هذه نسخة رسالة من عبد الله بن نافع مولى ابن عمر إلى الليث بن سعد: أما بعد فإن نافعا كان يحدث عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: نهى أن يصلى في سبع مواطن: مواطن الإبل، والمجزرة، والمزبلة، وفي مصلى قبلته إلى مرحاض، وقارعة الطريق، والمقبرة، وظهر بيت الله العتيق، قال: ولا أعلم الذي حدث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل؛ فأما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره، وقد حدثني نافع أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي صلى الله عليه وسلم كان مربدا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يذهبن فيه، ثم ابتاعته حفصة رضي الله عنها منهن فاتخذته دارا.
وأما ما ذكرت من معاطن الإبل: فقد بلغنا أن ذلك يكره، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة فيصلي إليها وهي تبعر وتبول، وأما ما ذكرت من الصلاة في المقبرة؛ فإن أبي حدثني أن عبد الله بن عمر صلى على رافع بن خديج في المقبرة، وهو إمام الناس يومئذ.
وذكره أبو الفضل بن طاهر في كتاب التذكرة ورده بزيد، وذكره أبو أحمد في كامله في باب ما أنكر على زيد بن جبيرة يعني أبا جبيرة الأنصاري القائل فيه يحيى بن معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدا متروكه. وقال النسائي: متروك الحديث. وفي التمييز: ليس بثقة.
وقال الأزدي: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث.
وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير فاستحق التنكب عن روايته. وقال
أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم. وقال أبو عمر في الاستغناء: أجمعوا على أنه ضعيف الحديث. انتهى، وفيه نظر؛ لما تقدم من عند الساجي وغيره، ولما ذكر له الحاكم حديثا في مستدركه صحح إسناده.
وأما يحيى بن أيوب أبو زكريا البغدادي الزاهد المقابري، وداود بن الحصين، وإن كان فيهما كلام فحديثهما في الصحيح.
50 -
حدثنا علي بن داود، ومحمد بن أبي الحسين قالا: ثنا أبو صالح، حدثني الليث، عن عبد الله بن عمر، حدثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سبع مواطن لا يجوز فيها الصلاة: ظاهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق.
هذا حديث سبق الكلام عليه، ورده أبو علي الطوسي بعلي بن داود أيضا، - والله أعلم -.
وقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن عبد الله بن عمر إلا الليث بن سعد.
وفي الباب حديث عائشة وذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم كنيسة بالحبشة، فقال: أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل، وحديث ابن عباس قال صلى الله عليه وسلم: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا.
وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، خرجاه في صحيحيهما.
وحديث جندب: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، وحديث أبي مرثد الغنوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها، رواهما مسلم.
وحديث ابن عمر؛ قال صلى الله عليه وسلم: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا، ذكره البخاري، وقال الإسماعيلي: إن هذا الحديث يدل على النهي عن الصلاة في القبر لا في المقابر.
وفي كتاب ابن المنذر: هذا يدل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة، وللعلماء في معنى هذا الحديث قولان: أحدهما: أنه ورد في صلاة النافلة، وهو الظاهر.
الثاني: في الفريضة، يعني بذلك من لا يقدر على الخروج، وفيه بعد.
وفي كتاب ابن التين: تأول البخاري هذا مع الصلاة في المقابر، وأخذ عليه، وذلك أن جماعة أولوه على أنه عليه السلام ندب إلى الصلاة في البيوت، إذ الموتى لا يصلون في قبورهم، فقال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم، وهي في القبور.
وأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك، وحديث علي رضي الله عنه أنه مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن، فأقام، فلما فرغ قال: إن حبيبي عليه السلام نهاني أن
أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل، فإنها ملعونة.
ذكره أبو داود من حديث الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري سعيد بن عبد الرحمن عنه، وذكره أبو عبد الله الجعفي في صحيحه بلفظ: ويذكر عن علي أنه كره الصلاة بخسف بابل، وذكر ابن يونس: أبا صالح هذا، فقال: روى عن علي، وما أظنه سمع منه، وقال الإشبيلي: هذا حديث واه، وزعم ابن القطان: أن فيه رجالا لا تعرف حالهم. وقال البيهقي في المعرفة: إسناده غير قوي. وقال الخطابي: إسناد هذا الحديث فيه مقال، ولا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ويشبه إن ثبت الحديث أن يكون معناه أنه نهاه أن يتخذها وطنا، ودارا للإقامة، فتكون صلاته فيها إذا كانت إقامته بها.
ويخرج النهي فيه على الخصوص، ألا ترى إلى قوله نهاني حبيبي، أو يحتمل أن يكون أنذره ما يلقى من المحنة بالكوفة، وهى من أرض بابل، - والله أعلم -، وفي السن الكبير للبيهقي: وروينا عن عبد الله بن أبي محل العامري قال: كنا مع علي فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه، وعن حجر بن عدي الحضرمي، عن علي قال: ما كنت لأصلي في أرض خسف الله بها ثلاث مرات.
وقال أبو بكر: وهذا النهي إن ثبت مرفوعا، ليس لمعنى يرجع إلى الصلاة، فلو صلى فيها لم يعد؛، وإنما هو كما جاء [في حديث الحجر]، وحديث ابن عمر قال
صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم، أدخله البخاري في باب الصلاة، في موضع الخسف والعذاب، وفي كتاب البيهقي: وروينا عن ابن عمرو بن العاص أنه: كان يكره أن يصلي الرجل في الحمام، وروينا عن ابن عباس: أنه كره أن يصلي إلى حش، أو حمام، أو قبر، ورأى عمر أنسا يصلي وبين يديه قبر لا يشعر به، فناداه: القبر القبر، وحديث أبي سعيد مولى المهري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتخذوا بيوتكم قبورا، أنبأنا به المسند الجودري، عن أبي الحسن المحمودي، أنبأ الحافظ أبو طاهر، أنبأنا أبو مسعود محمد بن عبد الله بن أحمد السوذرجاني، أنبأ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حمدان الحبال، قال السلفي: وأنبأ أبو القاسم الفضل بن علي السكري، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الذكواني قالا: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم، ثنا جدي أبو موسى، عن عيسى بن إبراهيم، ثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني بجميع كتاب الثواب تأليفه، ثنا حبان، عن محمد بن عجلان عنه، وحديث الحسن قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم: أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش، أو حمام، أو مقبرة، ذكره أبو أحمد من حديث عباد بن كثير الثقفي، عن عثمان الأعرج عنه، ورده بضعف عباد، وزاد ابن القطان علة أخرى؛ وهي الجهالة بحال عثمان، فإنها لا تعرف.
وفي كتاب البزار من حديث الأشعث عنه، عن أنس: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة
بين القبور، وسنده صحيح، قاله عبد الحق في الكبرى.
وحديث أبي هريرة يرفعه: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، رواه مسلم، وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان عند حديث عمر إن شاء الله تعالى.
غريبه: قال ابن سيده: القبر مدفن الإنسان، وجمعه: قبور، والمقبرة، والمقبرة: موضع القبور، قال سيبويه: المقبرة ليس على الفعل، ولكنه اسم. وفي الصحاح: وقد جاء في الشعر المقبر، قال الشاعر:
لكل أناس مقبر بفنائهم
…
فهم ينقصون، والقبور تزيد
.
وهو المقبري، والمقبري، قال ابن بري: وقول أبي نصر: إن المقبر بفتح الباء قد جاء في الشعر، يقضى أنه من الشاذ، وليس كذلك؛ بل هو قياس مطرد في اسم المكان من قبر: يقبر المقبر، ومن خرج: يخرج المخرج، ومن دخل: يدخل المدخل، وهو قياس مطرد لم يشذ عنه من غير الألفاظ المعروفة، مثل المنبت، والمسقط، والمطلع، والمشرق، والمغرب، ونحوها.
قال ابن سيده: والحمام: الديماس مشتق من الحميم مذكر، وهو أحد ما جاء من الأسماء على: فعال، نحو: القذاف، والجبان، والجمع: حمامات، قال سيبويه: جمعوه بألف وتاء، وإن كان مذكرا حين لم يكسر، جعلوا ذلك عوضا من التكسير، وفي الصحاح: الحمام مشدد، واحد الحمامات المبنية. وفي الأوائل: أول من اتخذ له الحمام سليمان، قالوا: أراد أن يتذكر به الآخرة، فلما دخلها قال: أوه من عذاب الله تعالى.
وأما المجزرة فزعم الجوهري: أن المجزر بكسر الزاي: موضع جزر الجزور
يقال: جزرت الجزور أجزرها بالضم، واجتزرتها إذا نحرتها، وجلدتها.
وفي الحديث عن عمر: إياكم وهذه المجازر، فإن لها ضراوة كضراوة الخمر، قال الأصمعي: يعني ندي القوم؛ لأن الجزور إنما يذبح عند جمع الناس.
قال: المزبلة والمزبلة بالضم أيضا: موضع الزبل، وهو السرجين، قال أبو محمد بن حزم: ولا تحل الصلاة في حمام، سواء في ذلك مبدأ بابه إلى منتهى جميع حدوده، ولا على سطحه، وسقف موقده، وأعالي حيطانه خربا كان أو قائما، فإن سقط من بنيانه شيء يسقط عنه اسم حمام، جازت الصلاة في أرضه حينئذ، ولا في مقبرة لمسلم كانت أو لكافر، فإن نبشت وأخرج ما فيها من الموتى جازت الصلاة فيها، ولا إلى قبر ولا عليه، ولو أنه قبر نبي، وبهذا يقول طوائف من السلف، روينا عن نافع بن جبير، أنه قال: كان ينهى أن يصلى، وسط القبور، والحمام، والحشان، وعن ابن عباس قال: لا تصلين إلى حش، ولا حمام، ولا في مقبرة.
قال أبو محمد: ولا نعلم لابن عباس في هذا مخالفا من الصحابة.
وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاثة أبيات قبلة: الحمام، والحش، والمقبرة، وعن العلاء بن زياد، عن أبيه، وخيثمة بن عبد الرحمن أنهما قالا: لا تصل إلى حمام، ولا إلى حش، ولا وسط مقبرة. وقال أحمد: من صلى في حمام، أو مقبرة، أو إلى مقبرة أعاد أبدا. وعن علي: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد، وعن ابن عباس رفعه: لا تصلوا على قبر، ولا إلى قبر قال ابن جريج: قلت لعطاء: أيكره أن يصلى إلى قبر، أو وسط القبور؟! قال: نعم، كان ينهى عن
ذلك، فإن كان بينك وبين القبر سترة ذراع فصل.
وعن عمرو بن دينار نحوه، وكان طاوس يكره الصلاة وسط القبور كراهية شديدة. قال أبو محمد: فهؤلاء الصحابة لا نعلم لهم من الصحابة أيضا مخالفا، وكره الصلاة على القبر، وإلى القبر وفي المقبرة: أبو حنيفة، والأوزاعي، وسفيان، ولم ير مالك بذلك بأسا.
وأما الصلاة على ظهر الكعبة فسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه.
15 -
باب ما يكره في المساجد
51 -
حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، ثنا محمد بن حمير، ثنا زيد بن جبيرة الأنصاري، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص فيه من أحد، ولا يتخذ سوقا.
هذا حديث لما ذكره أبو أحمد بن عدي، وأبو الفضل في كتاب التذكرة ضعفاه بزيد وقال أبو الفرج في العلل المتناهية: هذا خبر لا يصح، ورواه أبو نعيم من حديث يحيى بن صالح الوحاظي، ثنا علي بن حوشب، عن أبي قبيل حيي ابن هانئ، عن سالم عنه بلفظ: لا تتخذوا المساجد طرقا إلا لذكر أو صلاة، ثم قال: تفرد به أبو قبيل، عن سالم.
52 -
حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والابتياع، وعن تناشد الأشعار في المساجد.
ثم كرر ذكره في باب إنشاد الضوال، وهو حديث خرجه ابن خزيمة، في صحيحه، عن عبد الله بن سعيد، ثنا أبو خالد، ولفظه: عن البيع والابتياع، وأن ينشد الضوال، وعن تناشد الأشعار، وعن التحلق للحديث يوم الجمعة قبل الصلاة يعني في
المسجد.
ولما رواه أبو عيسى، عن قتيبة، ثنا الليث، عن ابن عجلان قال فيه: حديث حسن، ولا التفات إلى قول ابن حزم: هذا خبر لا يصح؛ لأنه من طريق عمرو، عن أبيه، عن جده، وهي صحيفة، أو من طريق هي أسقط منها، زاد أحمد: وأن لا يشتري فيه، وعند البيهقي: وعن تعريف الضالة.
53 -
حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا الحارث بن نبهان، ثنا عتبة بن يقظان، عن أبي سعيد، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جنبوا مساجدنا صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع.
هذا حديث معلل بأمور منها:
.
.
.
ورواه أبو أحمد بن عدي في كامله من حديث عبد الرحمن بن هانئ، وهو متهم بالكذب، عن العلاء بن كثير، وهو ضعيف، عن مكحول، عن واثلة، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جنبوا مساجدكم فذكره بزيادة: واجعلوا على أبوابها المطاهر
وغير ذلك، ثم رده بالعلاء، وكذلك أبو الفضل بن طاهر، وأبو محمد الإشبيلي، وأما أبو الحسن ابن القطان، وصاحب العلل المتناهية فرداه بهما، وأما إغفال ابن عساكر، ومن بعده حديث ابن ماجه هذا فغير صواب، وقد استدركناه في كتابنا المسمى بـ الإطراف بتهذيب الأطراف، وفي الباب غير حديث، من ذلك: حديث حكيم بن حزام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود، وخرجه أبو داود من حديث صدقه بن خالد، عن محمد بن عبد الله الشعيثي، عن زفر بن وثيمة عنه، وزعم أبو محمد الإشبيلي: أنه حديث ضعيف، وقال ابن القطان: لم يبين أبو محمد من أمره شيئا، وعلته: الجهل بحال زفر بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان؛ فإنه لا يعرف بأكثر من رواية محمد بن عبد الله بن المهاجر الشعيثي عنه، وروايته هو عن حكيم. انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث نظر في عين موضع النظر، وذلك أن زفر لا يصلح أن يكون علة لحديث؛ فإنه ممن سأل عثمان بن سعيد الدارمي أبا زكريا يحيى بن معين عنه، فقال: ثقة، وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات، وروى له الحاكم في مستدركه حديثا صحح إسناده، وروى عن المغيرة بن شعبة، وروى عنه أيضا محمد بن عبد الله النصري فيما ذكره أبو نعيم في كتاب المساجد، وأظنهما واحدا، وعلى كل حال زالت علته التي عصب بها ابن القطان رأس زفر.
وأما الشعيثي الذي أبرزه أبو محمد عبد الحق، فهو ثقة عند جماعة منهم: دحيم، والمفضل بن غسان، فصح على هذا إذا الحديث، ولقائل أن يقول: ليس الأمر على ما ذكرت، وذلك أنه حديث منقطع، والمنقطع لا يكون صحيحا، وبيانه عدم اتصال ما بين زفر، وحكيم الذي أشار إليه ابن حبان بقوله: روى عن حكيم، إن كان سمع منه، وهذا وإن كان ظنا لا يقينا، فإنه يخدش في الاتصال؛ لكوننا لم نعرف مولده ليتضح سماعه منه، أو عدمه، ولأنا لم نره صرح بسماعه منه، وإن لم يتهم بتدليس فغير كاف وجداننا روايته عنه مع هذا الخدش، والله تعالى أعلم.
وقد وجدنا دحيما لما ذكره نبه، وأوضح ما استبهم علينا من حاله بقوله: لم يلق حكيما، وأما ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر من أن وكيع بن الجراح رواه عن الشعيثي، عن القاسم بن عبد الرحمن المزني، عن حكيم، وكذا قول الدارقطني: رواه عن حكيم: العباس بن عبد الكريم فغير مجد؛ لعدم ذكر هذين في شيء من التواريخ جملة فيما أعلم.
وحديث عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، رواه البزار، وقال: ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبد الله، وفي كتاب أبي نعيم من حديث الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه عنه مرفوعا: من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه، وفي المستدرك من حديث خارجة بن الصلت البرجمي قال: دخلت مع عبد الله، فإذا القوم ركوع، فركع فمر رجل فسلم عليه، فقال عبد الله: صدق الله، ورسوله إنه كان يقول: لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقا
…
الحديث.
وقال فيه: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه
وبين رفعه مطولا، وحديث مكحول رفعه إلى معاذ بن جبل، ومعاذ رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: جنبوا مساجدكم صبيانكم، وخصوماتكم، وشراءكم، وبيعكم، وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا على أبوابها مطاهركم.
رواه أبو نعيم في كتاب المساجد من حديث محمد بن مسلم الطائفي: عن عبد ربه بن عبد الله الشامي، عن يحيى بن العلاء عنه، وفي التفسير المنسوب للضحاك: من حديث برد، عن مكحول عنه مرفوعا بلفظ: لتنهون صبيانكم، عن اللعب في المساجد، ويهودكم، ونصاراكم أن يدخلوا المسجد، أو ليمسخنكم الله قردة، وخنازير ركعا وسجدا برد، عن مكحول، عن زيد بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، برد عن مكحول، قال صلى الله عليه وسلم: لا تقروا أهل الكفر بالله أن يدخلوا مساجدكم لما هم فيه من النجاسة، برد، عن مكحول قال صلى الله عليه وسلم: جنبوا مساجدكم مجانينكم، وصبيانكم، ورفع أصواتكم، وبيعكم، وشراءكم، وسلاحكم، وجمروها بين كل سبعة أيام، وضعوا المطاهر بأبوابها وأفنيتها، وحديث محمد بن مجيب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: صليت العصر مع عثمان فرأى خياطا في ناحية المسجد، فأمر بإخراجه، فقيل له: يا أمير المؤمنين أنه يكنس المسجد، ويغلق أبوابه، ويرش أحيانا، فقال عثمان: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جنبوا صناعكم مساجدكم، ذكره أبو أحمد، وقال: هذا حديث غير محفوظ، ورده أبو الفرج بكذب محمد بن مجيب أبي همام الثقفي البصري الصانع الدلال الراوي، عن جعفر والثوري، كذا ذكره ابن الجوزي في كتاب الضعفاء والمتروكين، وفيه نظر في ثلاثة مواضع:
الأول: تركيبهما بين ترجمتي الدلال، والثقفي.
الثاني: أن الثقفي إنما حدث عن جعفر بن محمد لا عن الثوري وقد حدث أبو همام، عن الثوري، وهشام بن سعد، وغيرهما.
الثالث: أن الضعيف الثقفي، لا الدلال ذكرهما كذلك ابن أبي حاتم، والمنتجيلي، وغيرهما، وضحنا ذلك في كتابنا الاكتفاء بتنقيح كتاب الضعفاء، وحديث أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الرجل يبيع ويشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، أخرجه ابن حبان في صحيحه.
وحديث جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسل السيف في المسجد، قال عبد الحق: رواه عمر بن هارون، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير سمع جابرا فذكره، وعمر ضعيف، والصحيح حديث عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرسل، قال ابن القطان: لم يعز أبو محمد حديث جابر، ولا أعرف له الآن موقعا. انتهى، وفيه نظر؛ من حيث أغضي على كلام أبي محمد في عمر بأنه ضعيف، وهو ليس بهذه المنزلة عند العلماء، قال ابن معين: هو كذاب خبيث، وتركه أحمد، وابن مهدي، والنسائي، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات المعضلات، ويدعي شيوخا لم يرهم، وقد رأينا لهذا الحديث موقعا، وهو ما رواه الطبراني في الأوسط بسند صحيح من حديث عمرو بن دينار عنه مرفوعا: إذا دخلتم بالسهام المساجد فامسكوا بنصالها لا تجرحوا أحدا من المسلمين، وقال: تفرد به سهل بن زنجلة، عن وكيع يعني عن الأعمش، عن ابن عيينة عنه، وحديث ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقتل الوالد بالولد، ولا تقام
الحدود في المساجد رواه أبو أحمد من حديث إسماعيل بن مسلم المكي، عن عمرو بن دينار، عن طاوس عنه.
وقال: إسماعيل ضعيف، وله أحاديث غير محفوظة هذا منها، وأشار أبو نعيم إلى تفرده به عن عمرو، ولفظه في التفسير المنسوب للضحاك: رواية جويبر عنه، عن ابن عباس مرفوعا: نزهوا المساجد فلا تتخذوها طرقا، ولا تمر فيه حائض، ولا يقعد فيه جنب إلا عابري سبيل، ولا ينثر فيه نبل، ولا يسل فيه سيف، ولا يضرب فيه حد، ولا يتخذ فيه مجلس للقضاء، ولا ينشد فيه شعر فإن أنشد فقل: فض الله فاك، ولا يباع، ولا يشترى، فإن باع فيه، أو اشترى فقل: لا أربح الله تجارتك، ولا تنشد فيه ضالة، فإن أنشدها فقل: لا ردها الله عليك، ولا يزين بالقوارير، ولا يصور بالتصاوير، ولا ينفخ فيه بالمزامير، ولا يضرب فيه بالدفوف فإنما شيدت بالأمانة، ورفعت بالكرامة، وحديث جبير بن مطعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقام الحدود في المساجد، ولا تنشد فيها الأشعار، ولا يستقاد فيها، ولا ترفع فيها الأصوات، رواه أبو نعيم من حديث بقية، قال: حدثني مقاتل، عن عمرو، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، ورواه أيضا مختصرا من حديث سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عتبة بن مسلم، أنه سمع نافع بن جبير بن مطعم، يحدث عن أبيه، قال ابن إسحاق: وحدثني أبي، عن جبير به، ورواه عمرو بن دينار، عن نافع، عن أبيه بلفظ: لا تسل السيوف، ولا تنثر النبل في المساجد، ولا تحلف بالله في المسجد، ولا تمنع القائلة في المسجد مقيما، ولا ضعيفا، ولا تبني التصاوير، ولا تزين بالقوارير، فإنما بنيت بالأمانة، وشرفت بالكرامة.
وحديث ابن عباس، وابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن أن تتخذ المساجد طرقا، أو تقام فيها الحدود، أو تنشد فيها الأشعار، أو يرفع فيها الصوت.
ذكره أبو أحمد من حديث فرات بن السائب، وهو منكر الحديث، عن ميمون بن مهران عنهما، وحديث أسيد بن عبد الرحمن: أن شاعرا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في المسجد فقال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: لا، قال: بلى، فأذن لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاخرج من المسجد فانشد، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ثوبا، وقال: هذا بدل ما مدحت به ربك.
رواه عبد الرزاق في مصنفه، عن إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي، عن ابن المنكدر عنه، وحديث أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا، فيقال لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة، ذكره ابن بنت منيع في معجم الصحابة، عن شريك، ثنا العباس بن ذريح، عن الشعبي عنه، وسئل عنه الدارقطني فقال: رواه عبد الكبير بن المعافي، عن شريك مرفوعا، وغيره يرويه عن الشعبي مرسلا، وفي كتاب أبي نعيم من حديث عبد الله بن ضرار بن عمرو الملطي، عن أبيه، عن قتادة عنه مرفوعا: جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، ورفع أصواتكم، وحديث أبو موسى الأشعري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مر أحدكم في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا بنبل، فليمسك عن نصالها بكفه لا يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء، خرجاه في الصحيح، وكذا حديث جابر قال: مر رجل في المسجد، ومعه سهام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك بنصالها.
وحديث محمد بن عبيد الله قال: كنا عند أبي سعيد الخدري فقلب رجل نبلا، فقال أبو سعيد: أما كان هذا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تقليب السلاح وسله، رواه أبو القاسم في الكبير، عن علي بن سعيد الرازي، ثنا إسحاق بن خلف الأعسم، ثنا مروان بن معاوية، ثنا أبو البلاد عنه، ورواه أبو نعيم من حديث خالد بن إلياس، ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه بلفظ قال صلى الله عليه وسلم: طيبوا مساجدكم، وجمروها، فإن المساجد بيوت الله في الأرض، ومجالس المؤمن، وجنبوها مجانينكم، وصبيانكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وسيأتي ذكره فيما بعد.
وحديث السائب بن يزيد قال: كنت قائما في المسجد فصحبني رجل فنظرت فإذا عمر فقال: اذهب فأتني بهذين فجئته بهما فقال: من أنتما، أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، رواه البخاري، وقد وردت أحاديث تعارض هذه منها: حديث أبي واقد عند البخاري: بينما النبي في المسجد أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهما فرأى فرجة فجلس في الحلقة، وكذا حديث كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث أبي قتادة: بينا نحن جلوس في المسجد خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل أمامة على عاتقه، وحديث بريدة: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل الحسن والحسين فأخذهما فصعد بهما، رواه أبو داود بسند صحيح.
وحديث عائشة عند مسلم قالت: رأيت الحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، وكذا حديث حسان، وقوله لعمر: كنت أنشد فيه الشعر، وفيه من هو خير منك.
وحديث سهل بن سعد في التلاعن وأنهما تلاعنا في المسجد إلى غير ذلك من الأحاديث المبيحة لما حظر أولا، فحملها بعضهم على الإباحة وألا منع، وأن الأولى تنزيه المساجد، وأن لا يجعل ذلك ديدنا فيها، ودفعها بعضهم جملة، لكونها معلولة، وفرق ابن خزيمة في صحيحه بين إنشاد الشعر الجائز إنشاده، وبين الممنوع من إنشاده.
غريبه: أنبض القوس: مثل: أنضبها: جذب وترها لتصوت، وأنبض بالوتر كذلك، وأنبض الوتر أيضا: جذبه بغير سهم، ثم أرسله عن يعقوب.
قال اللحياني: الإنباض: أن يمد الوتر ثم يرسله فيسمع له صوت، وفي المثل: لا تعجل بالإنباض قبل التوتير، مثل في استعجال الأمر قبل بلوغ أناه، وقال أبو حنيفة: أنبض في قوسه، ونبض أصاتها، وأنشد:
لئن نصبت لي الروقين معترضا
…
لأرمينك رميا غير تنبيض
.
أي: لا يكون ترعى تنبيضا وتنقيرا، يعني: لا يكون توعدا بل إيقاعا، ذكره ابن سيده، وأنشد بعضهم شاهدا عليه قول مهلهل:
انبضوا معجس القسي وأوعدنا
…
كما توعد الفحول الفحولا
.
وهو بيت مصنوع، حكاه الأخفش في أماليه، عن الأصمعي.
16 -
باب النوم في المسجد
54 -
حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الله بن نمير، أنبأنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا حديث خرجاه في الصحيح، وفي الباب أحاديث، منها: حديث سهل بن سعد: جاء إلى بيت فاطمة فقال: أين ابن عمك؟ فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي، فقال النبي لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مضطجع، وقد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب
…
الحديث، روياه أيضا.
وحديث أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة في المسجد ما منهم رجل عليه رداء، رواه البخاري.
وحديث عائشة: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد خيمة في المسجد يعوده من قريب، فلم يرعهم في المسجد إلا والدم يسيل، روياه في الصحيح، وحديث المرأة التي كان لها حفش في المسجد، وحديث ربط ثمامة بن أثال في المسجد، وهما في الصحيح، وحديث عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف أنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، رواه أبو داود، وحديث عبد الله بن زيد أنه رأى
النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد، عند البخاري، وفيه عن سعيد قال: كان عمر، وعثمان يفعلان ذلك، والله أعلم.
17 -
باب أي مسجد وضع أول؟
55 -
حدثنا علي بن ميمون الرقي، ثنا محمد بن عبيد، وثنا علي بن محمد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: ثم المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاما، ثم الأرض لك مصلى فصل حيث أدركتك الصلاة.
هذا حديث خرجاه في الصحيح، وفي صحيح ابن خزيمة: ثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي قال: كنت أنا وأبي نجلس في الطريق، فيعرض علي القرآن، وأعرض، قال: فتمر السجدة فنسجد، فقلت له: أيسجد في الطريق؟ قال: نعم، سمعت أبا ذر
…
فذكره.
وفي حديث عبد الأعلى، عن إبراهيم عند أبي نعيم الحافظ: قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، قلت: ثم أي؟ قال: أينما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد.
وقال ابن حبان في صحيحه: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن بين إسماعيل، وداود ألف سنة، فذكر حديث أبي ذر، وتتبع ذلك عليه الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المسمى علل التقاسم والأنواع بقوله: ظن أبو حاتم، وتوهم
أن أول وضع البيت لما بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
وقد روي أن آدم عليه السلام حج البيت، فقالت له الملائكة: قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي سنة، أو ما هذا معناه، ثم إن بين إسماعيل وداود عليهما السلام من القرون ما لا يخفى على المميز، وذلك أكثر من أربعين سنة، فإن داود كان بعد موسى عليهما السلام ووجه الحديث أن هذين المسجدين، وضعا قديما ثم خربا ثم بنيا - والله أعلم -.
وزعم القرطبي أن بين إبراهيم، وسليمان عليهما السلام آمادا طويلة، قال أهل التاريخ: أكثر من ألف سنة، قال: ويرتفع الإشكال؛ بأن يقال: إن الآية والحديث لا يدلان على أن إبراهيم، وسليمان ابتدآ وضعهما بل ذلك تجديدا لما كان أسسه غيرهما، وقد روي أن أول من بنى البيت آدم، عليه السلام وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس بعده بأربعين عاما، وبنحوه قاله ابن الجوزي في مشكله. انتهى كلامهم، وفيه نظر؛ من حيث إن ابن هشام في كتاب المغازي أن آدم عليه السلام لما بنى البيت أمره جبريل بالمسير إلى بيت المقدس وأمره بأن يبنيه فبناه، ونسك فيه. انتهى.
وقد ورد عن علي رضي الله عنه ما بيّن هذا الإشكال، ويوضحه إيضاحا لا حاجة بنا معه إلى هذا التخرص، والحسبان: أنبأنا به المسند المعمر بدر الدين يوسف بن عمر التركي رحمه الله قراءة عليه وأنا أسمع، أنبأنا المسند أبو الكرم لاحق بن عبد المنعم الأرتاحي قراءة عليه، عن الحافظ أبي محمد المبارك بن علي، أنبأنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد، أنبأنا الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، ثنا أحمد بن حيان بن ملاعب، ثنا عبيد الله بن موسى، ومحمد بن سابق قالا: ثنا إسرائيل، ثنا سماك بن حرب، عن خالد
ابن عرعرة قال: سأل رجل عليا عليه السلام عن: أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا، أهو أول بيت بني في الأرض؟ قال: لا كان نوح قبله، وكان في البيوت، وكان إبراهيم قبله، وكان في البيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس فيه البركة، والهدى، ومقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا
…
الحديث، فهذا علي رضي الله عنه بين أن المراد بالوضع غير البناء، وإذا كان هكذا فلا إشكال، إذ مفهوم حديثه يقتضي، وضع ذلك فيه من الله تعالى قبل أن يضع مثله في مكان المسجد الأقصى، وسياق الآية الكريمة يدل عليه أيضا ويزيد وضوحا بما ذكر في تاريخ بيت المقدس تأليف: محمد بن عبدك الكنجي، ومن خطه نقلت: أن أبا عمرو الشيباني، قال: قال علي بن أبي طالب: كانت الأرض ماء، فبعث الله ريحا فمسحت الأرض مسحا فطهرت على الأرض زبدة، فقسمها الله أربع قطع فخلق من قطعة مكة، ومن الثانية المدينة، ومن الثالثة بيت المقدس، ومن الرابعة مسجد الكوفة. وعن كعب قال: بنى سليمان بيت المقدس على أساس قديم كما بنى إبراهيم البيت على أساس قديم، قال: والأساس لبيت المقدس أسسه سام بن نوح عليه السلام وأما ما رد به أيضا، قول ابن حبان أن آدم عليه السلام حج البيت، وليس فيه تصريح لكونه مبنيا يومئذ، لا سيما على رواية من روى أنه كان إذ ذاك الوقت خشفة، أو ياقوتة. انتهى من وجه الدلالة من هذا أن الأيام التي خلقت فيها السموات، والموجودات كل سهم منها ألف سنة على ما رجحه ابن جرير، واحتج له فيحتمل أن يكون خلق البيت، قبل خلق المسجد الأقصى بهذا المقدار من سني الدنيا - والله أعلم -.
18 -
باب المساجد في الدور
56 -
حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع الأنصاري، وكان عقل مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من دلو في بئر لهم، عن عتبان بن مالك السالمي، وكان إمام قومه بني سالم، وكان شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني قد أنكرت من بصري، وإن السيل يأتيني فيحول بيني وبين مسجد قومي، ويشق علي اجتيازه فإن رأيت أن تأتيني فتصلي في بيتي مكانا أتخذه مصلى فافعل قال: أفعل، فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر بعد ما اشتد النهار، فاستأذن، فأذنت له فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي لك من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففنا خلفه فصلى بنا ركعتين، ثم احتبسته على خزير يصنع لهم.
هذا حديث خرجاه مطولا في الصحيح، ورواه أبو الشيخ من حديث النضر بن أنس، عن أبيه قال: لما أصيب عتبان، فجعله من مسند أنس.
57 -
حدثنا يحيى بن الفضل المقرئ، ثنا أبو عامر، ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رجلا من الأنصار أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تعال، فخط لي مسجدا في داري أصلي فيه، وذلك بعد ما عمي، فجاء ففعل.
هذا حديث إسناده صحيح، وكأنه اختصار من الحديث الأول - والله أعلم -.
58 -
حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن أنس بن سيرين، عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود، عن أنس بن مالك قال: صنع بعض عمومتي للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أحب أن تأكل في بيتي، وتصلي فيه، قال: فأتاه وفي البيت فحل من هذه الفحول، فأمر بناحية منه فكنس، ورش فصلى، وصلينا معه.
قال ابن ماجه: الفحل الحصير الذي قد اسود.
هذا حديث إسناده صحيح، وقد تقدم في كتاب الطهارة صلاته عليه السلام في بيت أم سليم، وفي كتاب الصلاة صلاته صلى الله عليه وسلم في الأماكن التي اتخذت مساجد.
غريبة: الدار مؤنثة، وإنما قال الله تعالى:{وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} فذكر على معنى المثوى، والموضع كما قال:{نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} فأنث على المعنى، وأدنى العدد: أدر، والهمزة فيه مبدلة من واو مضمومة، ولك ألا تهمز والكثير: ديار مثل: جبل، وأجبل، وجبال، ودور أيضا مثل: أسد، وأسد، ذكره الجوهري، وفي الجامع: الدور: الأرض، والدور: القبائل، وفي الحديث: ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد. وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بخير دور الأنصار.
والخزيرة: اللحم يقطع صغارا، ثم يطبخ بالماء والملح، فإذا أميت طبخا، ذر عليه الدقيق فقصر به، ثم أدم بأي أدام شيء، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم، وقيل الخزيرة: مرقة وهو أن تصفى بلالة النخالة، ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة والخزير: الحساء من الدسم، والدقيق.
قال:
فتدخل أيد في حناجر أقنعت
…
لعادتها من الخزير المعرف
.
ذكره ابن سيده، وفي الصحاح: الخزير، والخزيرة: أن ينصب القدر بلحم يقطع صغارا، فإذا أنضج ذر عليه الدقيق، وإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة.
وفي غريب ابن قتيبة: وقيل: هي حساء من دقيق ودسم، وفي البخاري، عن النضر، والتهذيب للأزهري، عن أبي الهيثم: إذا كان من دقيق فهي حريرة، وإذا كان من نخالة فهي خزيرة، وقال ابن سيده: وقيل: الحريرة هي: الدقيق الذي يطبخ بلبن.
والفحل: حصير ينسج من فحال النخل يعني ذكره، والجمع: فحول، وزعم أبو حنيفة أن أبا عمرو الشيباني قال: لا يقال فحل إلا في ذي الروح.
وكذلك قاله أبو نصر، قال أبو حنيفة: والناس على خلاف هذا، وقال أبو عبيد: هو الحصير المرمول من سعف النخل، وقال شمر: قيل له ذلك؛ لأنه مسوى من الفحل من النخيل، فتكلم به على التجوز، كما قالوا: يلبس الصوف والقطن، وإنما هي ثياب تغزل منهما، وأما منزل عتبان فكان في بني سالم بن عوف.
وفي كتاب الطبراني من حديث ابن أبي أويس، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن محمود عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه يوم السبت، ومعه أبو بكر، وعمر، وفي رواية: فأتاني، ومن شاء من أصحابه، وأما ما ورد في بعض الطرق أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إني أحب أن تأتيني. وفي بعضها: بعث إليه؛ فيحتمل أنه أرسل إليه أولا، ثم مشى إليه بعد.
وقوله: أنكرت من بصري. وفي رواية: أنا ضرير البصر. وفي رواية: أعمى. وفي رواية: أصابني في بصري بعض الشيء يحتمل أن يريد فأنكرت، وأصابني في بصري بعض الشيء ذهاب البصر كله، ويحتمل أنه ذهب معظمه، وسماه عمى لقربه منه، ومشاركته إياه في فوات بعض ما كان حاصلا في حال السلامة.
وأما قوله: السيل يحول بيني، وبين مسجد قومي حمله بعضهم على جواز الصلاة في المساجد التي حول المدينة زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي كتاب الطبراني ما يدفع هذا التأويل، وإن كان الأول جائزا لكن من غير هذا الحديث يؤخذ وهو ما رواه من طريق أبي بكر بن أنس بن مالك: فلا أستطيع أن أصلي معك في مسجدك، وفي قوله: أتخذه مصلى، إباحة له في أن يصلي في بيته لعذره، وفي تعيينه عليه السلام موضعا للصلاة إشعار بأن قوله: ولا يوطن الرجل موضعا في المسجد، محمول على من فعل ذلك رياء وسمعة - والله أعلم -.
19 -
باب تطهير المساجد وتطييبها
59 -
حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون، ثنا محمد بن صالح المدني، ثنا مسلم بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة.
هذا حديث إسناده صحيح، وقد تقدم لفظه من كتاب أبي نعيم مطولا من حديث عبد الله بن محمد بن وهب، ثنا عبد الله بن مصعب الزبيري، ثنا عيسى بن المغيرة، ثنا خالد بن إلياس، حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه.
60 -
حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وأحمد بن الأزهر، ثنا مالك بن سعير، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمساجد أن تبنى في الدور وأن تطهر.
وثنا رزق الله، ثنا يعقوب الحضرمي، ثنا زائدة، عن هشام به مرفوعا.
هذا حديث رواه ابن خزيمة في صحيحه، عن عبد الرحمن بن بشر بلفظ: أمر ببناء المساجد في الدور، وعن أحمد بن الأزهر بزيادة: وأن تطهر وتطيب، فهذا ابن ماجه كما ترى أدرج لفظ أحد شيخيه، على لفظ الآخر وأخل بلفظ أحدهما مع ذلك، ورواه ابن حبان في صحيحه، عن الحسن بن سفيان، ثنا أبو كريب، ثنا الحسين بن علي، عن زائدة، عن هشام بلفظ: وأن تطيب وتنظف، وذكره ابن حزم محتجا به، وقال أبو الحسن بن القطان: لا شك في صحة رفعه، وأبى ذلك جماعة
منهم: ابن أبي حاتم، إذ سأل أباه عنه فقال: إنما يروى عن عروة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، ولما رواه أبو عيسى، عن محمد بن حاتم، عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة أتبعه: ثنا هناد، ووكيع، وابن أبي عمر كلهم، عن سفيان، عن هشام، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وقال: هذا أصح من الأول، قرأت على المسند بقية السلف أبي العباس أحمد الخطوي، أنبأكم عبد اللطيف بن عبد المنعم، عن يوسف بن المبارك قال: أنبأنا سعد الخير قراءة عليه، وأنا أسمع في شوال سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، أنبأنا الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد العزيز الأبهري، أنبأنا الشيخان أبو بكر محمد بن الحاجب، وأبو حفص عمر بن جاباري، عن أبي سعيد القاسم بن علقمة قال سعد الخير، وأنبأنا أيضا أبو المحاسن عبد المحسن بن عبد العزيز بن عبد السلام الأبهري، أنبأنا أبو حفص، أنبأنا أبو سعيد بن علقمة، أنبأنا الحافظ أبو علي الحسن بن علي بن نصر بن منصور الطوسي، قال: وقد روى عامر الزبيري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره مرفوعا قال: وروى وكيع، وعبده جميعا عن هشام، عن أبيه مرسلا.
وهذا أصح من حديث الزبيري، وقال عبد الحق: إسناده مشهور، وإن كان قد روي مرسلا، وهذا لعمري قول إذا حقق لم يحقق؛ لأن هذا الحديث أسنده جماعة من أصحاب هشام، منهم: سفيان بن سعيد الثوري من رواية علي بن الحسن بن أبي عيسى، ثنا عبد الله بن الوليد عنه، ويحيى بن هاشم من رواية أبي بكر بن خلاد، عن الحارث بن أبي أسامة عنه فيما ذكره أبو نعيم الحافظ، وقال الفضل بن دكين: ثنا سفيان، عن هشام فذكره مرفوعا، وزعم أبو الحسن علي بن عمر أن عبد الله
ابن المبارك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عروة، ويونس، وحبان بن علي رووه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، والصحيح عن جميع من ذكرنا، وعن غيرهم: عن هشام مرسلا. انتهى كلامه.
ولو رأى حديث الثوري سفيان لأذعن له كل الإذعان؛ لأنه مسند كالشمس لا مرية في صحته ولا لبس، ولقائل أن يقول: هب أن سائر المخلوقين خالفه، ولم يتابعه أحد له عارفة فكان ماذا؟ أليس قوله أولى بالصواب؟ وإليه في الحفظ والإتقان المرجع والمآب، لا سيما، ولم يرو خلاف قوله إلا عن ابن عيينة، وقد تقدم الخلاف عليه في ذلك، وهذه مسألة اختلف فيها: هل الحكم للمسند، أو المرسل؟ وهل يعتبر فيهما الأحفظ، أو الأكثر؟، وهل الحكم للزائد، أو للناقص؟، وهل إذا تساويا يكون علة مؤثرة أم لا؟، وهنا يترجح ألا خلاف في هذا الحديث؛ لأن الذين أسندوه أكثر وأحفظ من الذين أرسلوه؛ ولأن الزيادة من الثقة الحافظ مقبولة إجماعا - والله أعلم -.
وقد روى أبو داود في سننه حديثا شاهدا له من حديث سمرة بن جندب، وكتب إلى بنيه أن رسول الله: كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا، ونصلح صنعتها، ونطهرها، ولفظ أحمد في مسنده: وأمرنا أن ننظفها، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي بعد حديث عروة قال: الأول أشهر إسنادا، قال ابن القطان: يقتضي ظاهر كلامه أن حديث سمرة يلتفت إليه بحيث يفاضل بينه وبين حديث عائشة، وهذا لا شيء؛ لأنه إسناد مجهول البتة، فيه جعفر بن سعد بن سمرة،
وخبيب بن سليمان بن سمرة، وأبوه سليمان، وما من هؤلاء من تعرف له حال، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد تروى به جملة أخبار، ذكر البزار منها نحو المائة، ولما ذكر عبد الحق حديث سمرة بهذا الإسناد فيمن نسي صلاة أو نام عنها، قال في هؤلاء: ليسوا بأقوياء انتهى كلامه، وفيه نظر؛ من حيث إن هؤلاء ليسوا كما قال؛ بل حالهم معروفة، لا مجهولة، أما جعفر، فروى عنه جماعة منهم: سليمان بن موسى، ومحمد بن إبراهيم بن خبيب، وعبد الجبار بن العباس الشبامي، وصالح بن أبي عتيقة الكاهلي، وسليمان بن سمرة روى عنه ابنه خبيب، وعلي بن ربيعة الوالبي، وخبيب بن سليمان، ذكرهم ابن حبان البستي في الثقات، وروى أبو بكر الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير، عن القاسم المطرز، ثنا العلاء بن سالم، ثنا حفص بن عمر، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي الزبير، عن جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا باتخاذ المساجد في الدور، ورواه أبو نعيم، عن عمر بن أحمد القاضي، ثنا العباس بن علي، ثنا العلاء بن سالم، فذكره، وفي علل الدارقطني روى قران بن تمام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الفرافصة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تطيب، ولا يصح، وقد قدمنا ذكر المساجد التي كانت في الدور.
61 -
حدثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو معاوية، عن خالد بن إياس، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبي سعيد الخدري قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري.
هذا أثر إسناده ضعيف؛ لضعف راويه أبي الهيثم خالد بن إياس بن صخر العدوي القرشي، ويقال: الأسلمي، وقال مسلمة بن قاسم في كتاب الصلة: كان مدنيا
روى عنه العقيلي، وفي قوله نظر، إن أراد أبا جعفر الحافظ؛ لتأخره عن إدراكه، وأظنه يريد غيره - والله تعالى أعلم - قال فيه الإمام أحمد: هو منكر الحديث، وقال عباس عن يحيى: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه.
وفي كتاب ابن البرقي عنه: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، وقال أبو حاتم الرازي: هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، قال عبد الرحمن: فقلت يكتب حديثه؟ فقال: زحفا، وسئل عنه أبو زرعة فقال: ليس بقوي سمعت أبا نعيم يقول: لا يسوي حديثه، وسكت، وذكر بعد: لا يسوي حديثه فلسين، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غرائب أفراد عمن يحدث عنهم، ومع ضعفه يكتب حديثه، وقال البخاري: ليس بشيء، وقال الساجي: منكر الحديث، وذكره العقيلي، وأبو العرب في كتاب الضعفاء، وقال الحافظ أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو بن مهدي النقاش في كتاب الضعفاء تأليفه: روى عن ابن المنكدر، وغيره أحاديث موضوعة، وفي كتاب الصحابة للمديني من حديث محمد بن الحسن هو ابن قتيبة، ثنا سعيد بن زياد بن فائد، عن أبيه، عن جده، عن أبي هند قال: حمل تميم الداري معه من الشام إلى المدينة زيتا، وقناديل، ومقطا، فلما انتهى إلى المدينة، وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلاما يقال له: أبو البراد فقام، فشد المقط، وعلق القناديل، وصب فيها الماء، والزيت، وجعل فيها الفتل، وأمر أبا البراد فأسرجها، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فإذا هو يزهر، فقال: من فعل هذا؟ قالوا: تميم، يا رسول الله، قال: نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها، فقال نوفل بن الحارث بن عبد المطلب: لي ابنة يا رسول الله تسمى أم المغيرة، فافعل فيها ما أردت، فأنكحه إياها على المكان.
62 -
حدثنا إسماعيل بن عبد الله الرقي، ثنا عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد،
عن زياد، عن أخيه عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس، فقال: ائتوه فصلوا فيه، وكانت البلاد إذ ذاك حربا، فإن لم تأتوه، وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله.
هذا حديث إسناده صحيح، عثمان روى عنه جماعة منهم: الأوزاعي، وزيد بن واقد الدمشقي، وأبو سنان عيسى بن سنان القسملي، وحماد بن واقد، وشبيب بن شيبة، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ورجاء بن أبي سلمة، وعبد الله بن حبان، وشعيب بن رزيق الطائفي، وأخوه زياد، قال صاحب تاريخ بيت المقدس: روى عنه: سعيد بن عبد العزيز، ومعاوية بن صالح، زاد ابن حبان: وزيد بن واقد، وأهل الشام حين ذكره، وأخاه في كتاب الثقات، وصحح ابن البيع حديثا روياه، وقال أبو زرعة النصري في تاريخه: حدثني هشام، ثنا مغيرة، عن رجاء بن أبي سلمة، عن عطاء الخراساني قال: كان إذا ذكر ابن محيريز، وهانئ بن كلثوم، ورجاء بن حيوة، وابن الديلمي، وابن أبي سودة نقول: قد كان في هؤلاء من هو أشد اجتهادا من هانئ، ولكنه كان يفضلهم بحسن الخلق، وثنا محمد بن المبارك، ثنا صدقة بن خالد، عن زيد بن واقد قال: قال زياد بن أبي سودة: كانت أمي مولاة لعبادة بن الصامت، وأبي مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنبأنا هشام، ثنا يحيى بن حمزة قال: قال الأوزاعي: عثمان قد أدرك عبادة، وكان مولاه، ثنا محمود بن خالد سمعت مروان بن محمد يقول: عثمان بن أبي سودة، وزياد من أهل بيت المقدس ثقتان ثبتان، وأنبأنا محمود بن خالد قال: سمعت أبا مسهر يقول: عثمان بن أبي سودة
أسن من زياد، وقد أدرك عثمان عبادة.
ولفظ الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال: أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه؛ فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قالت: أرأيت إن لم نطق أن نتحمل إليه؟ قال: فليهد له زيتا يسرج فيه، فإن من أهدى له كمن صلى فيه، ولفظ ابن أبي خيثمة في تاريخه الأوسط: ائتوه فصلوا فيه، قلت: كيف، وبيننا وبينه الروم؟ وفي آخره قال الأوزاعي: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن مر بني إسرائيل أن يكثروا في مساجدهم النور، قال: فظنوا أنه إنما يراد به المصابيح فأكثروها، وإنما يراد به العمل الصالح، ولا التفات إلى قول عبد الحق في الوسطى، وذكره من عند أبي داود من حديث عثمان بن أبي سودة عنها، ليس هذا الحديث بقوي؛ فإنه وهم من وجوه: الأول: جعله إياه، عن عثمان، فإن الحديث عند أبي داود الذي من عنده نقله هكذا: ثنا النفيلي، ثنا مسكين، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ابن أبي سودة، عن ميمونة، كذا ألفيته في رواية اللؤلؤي، وابن العبد، وابن داسة والرملي، وكذا ذكره عنه أيضا أصحاب الأطراف.
الثاني: نقضه هذا القول بغيره، وهو أنه سماه في الأحكام الكبرى زيادا، وكذلك لما ذكره من عند أبي داود بسنده إلى ابن أبي سودة، قال ابن أبي سودة: هذا هو زياد أخو عثمان بن أبي سودة، وهذا وإن كان أيضا خطأ فهو إلى الصواب أقرب؛ لأن سعيدا إنما عهدناه يحدث عن عثمان بوساطة زياد أخيه، كذا ذكره ابن أبي خيثمة، وأبو علي بن السكن، والإمام أحمد، والطبراني وغيرهم، وأما زياد فإن حديثه عن ميمونة لا يتصل إلا بوساطة أخيه عثمان كما جوده ابن ماجه، وأبو
علي بن السكن من حديث ثور بن يزيد، عن زياد، عن أخيه عثمان، ولما عرف أبو حاتم الرازي، وغيره زيادا وصفوه بالرواية عن أخيه، فإن قلت: لعل الإشبيلي قد علم أنه إنما رواه عن ميمونة عثمان لا زياد ففسره به، فالجواب أنه إنما نسب الحديث إلى أبي داود، ولم يقع عنده إلا مبهما، فإن كان علمه عن عثمان فليس له أن يعزوه كذلك إلى أبي داود، ولئن أغضضنا عما قلته فأيش تعمل بتفسيره إياه بزياد بعد، وهو تناقض ظاهر لا شك فيه - والله تعالى أعلم -.
الثالث: قوله: ليس بقوي، وقد بينا قوته، وأما قول ابن القطان: هو خبر غير صحيح؛ للجهل بحال زياد وأخيه فكذلك أيضا، وتفْسير الأوزاعي يرد عليه قوله صلى الله عليه وسلم: بزيت يسرج في قناديله ويزيده وضوحا ما رواه أبو نعيم الحافظ، عن أبي بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا إسحاق بن بشر الكاهلي، ثنا مهاجر بن كثير، عن الحكم بن مصقلة العبدي، عن أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له مادام في ذلك المسجد ضوء من ذلك السراج.
20 -
باب كراهية النخاعة في المسجد
63 -
حدثنا محمد بن عثمان العثماني أبو مروان، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري أنهما أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في جدار المسجد فتناول حصاة فحكها، ثم قال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبزق عن شماله، أو تحت قدمه اليسرى.
هذا حديث اتفقا على تخريجه، زاد أبو داود من حديث أبي سعيد بعد: فحكها بحصاة ثم أقبل على الناس مغضبا فقال: أيحب أحدكم أن يبصق في وجهه؟ إن أحدكم إذا استقبل القبلة فإنما يستقبل ربه، والملك عن يمينه فلا يتفل عن يمينه، وفيه: فإن عجل به أمره فليفعل هكذا يعني: يتفل في ثوبه، وفي لفظ البخاري من حديث أبي هريرة: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله تعالى مادام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا.
وفي لفظ لمسلم: ما بال أحدكم يقوم إذا يستقبل ربه فيتنخم أمامه، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا يعني: فيتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض، قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد ثوبه بعضه على بعض.
ولفظ الكجي من حديث سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فأمرني فحتتها، وقال مرة:
فقمت فحتتها، وفي آخره: فإن لم يستطع ففي ثوبه، وفي صحيح أبي بكر بن خزيمة: من دخل هذا المسجد فبزق فيه أو تنخم فيه، فليحفر فيه، فليبعد فليدفنه، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه ثم يخرج به، وعند أبي نعيم: ثم ليخرج به، رواه سليمان بن حرب، عن شعبة، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع عنه بلفظ: فلا يبزق عن يمينه ولا عن يساره ولا بين يديه، ولكن تحت قدمه اليسرى، قال أبو زرعة: ما روي بأن يبزق عن يساره أصح من هذا، وقال ابن أبي حاتم: أخطأ فيه سليمان بن حرب، وفي رواية الشاذكوني عند أبي نعيم: البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها.
64 -
حدثنا محمد بن طريف، ثنا عائذ بن حبيب، عن حميد، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة في المسجد فغضب حتى احمر وجهه، فجاءته امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحسن هذا.
هذا حديث اتفقا عليه، وللبخاري: فقام يحكه بيده، وقال: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا، وفي لفظ عندهما: فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه، وفي لفظ: البزاق في المسجد خطيئة
وكفارتها دفنها، وعند النسائي: بزق النبي صلى الله عليه وسلم في ثوبه، وحك بعضه ببعض، وعند ابن خزيمة: عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد.
وفي لفظ: التفل في المسجد، لما ذكره الترمذي استغربه، وفي كتاب أبي نعيم من حديث عبد الله بن ضرار بن عمرو، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس يرفعه: من ابتلع ريقه إعظاما للمسجد، ولم يمح اسما من أسماء الله تعالى ببزاق كان من ضنائن عباد الله تعالى، وفي لفظ: النخاعة في المسجد خطيئة، وفي لفظ: كفارتها أن تواريها، وفي لفظ: فإن أخرجه من المسجد كتب له حسنة.
65 -
حدثنا محمد بن رمح المصري، ثنا الليث بن سعد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي بين يدي الناس فحتها، ثم قال حين انصرف من الصلاة: إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله قبل وجهه، فلا يتنخمن أحد قبل وجهه في الصلاة.
هذا حديث خرجاه في صحيحيهما بلفظ: رأى بصاقا في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه؛ فإن الله عز وجل قبل وجهه إذا صلى، ورواه جويرية بن أسماء، ثنا نافع، عن ابن عمر عند أبي نعيم بلفظ:
بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه فرأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بيده، فلما قضى صلاته قال .... الحديث، ففي هذا أن الحك كان وهو يصلي، وتعلق بعضهم بأن هذا ليس عملا كثيرا يفسد الصلاة، فأردنا أن نعرف حقيقة ذلك، فوجدنا أبا داود بين أنه كان يخطب، وأن الراوي سمى الخطبة صلاة، هذا إذا قلنا إنها واقعة واحدة، ولفظه: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوما إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكها، قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران فلطخه به، وقال: إن الله عز وجل قبل وجهه، إذا صلى أحدكم فلا يبزقن بين يديه.
وفي مسند الدارمي: فتغيظ على أهل المسجد، وقال لا يتنخعن، ثم أمر بها فحك مكانها، وأمر بها فلطخت، قال حماد بن زيد: لا أعلم أيوب إلا قال: بزعفران، وفي صحيح ابن خزيمة من حديث عاصم بن عمر، عن ابن سوقة، عن نافع عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرفعه إلا أولئك: من تنخم في قبلة المسجد بعث وهو في وجهه، ثنا الزعفراني، ثنا شبابة، ثنا عاصم بن محمد، عن ابن سوقة، عن نافع عنه قال صلى الله عليه وسلم: يبعث صاحب النخاعة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه، قال أبو بكر: الأول: عاصم بن عمر، وهو عندي أخو عبد الله، وعبيد الله ابني عمر بن حفص بن عاصم بن عمر.
الثاني: عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلما تدبرت فإذا عاصم بن محمد غير عاصم بن عمر على ما بينت من نسبتهما، وقال البزار:
وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن ابن سوقة.
وعند ابن خزيمة: فجاء الرجل الذي تنخع فحكها، ثم طلا مكانها بالزعفران، وفي لفظ: فحكها النبي صلى الله عليه وسلم بيده، وعند أبي نعيم من حديث مسعود بن سعد، عن ابن إسحاق، عن نافع عنه: فأخذ حصاة فقام فحتها ثم قال: إذا قام أحدكم يصلي فإنما يناجي ربه، وفي لفظ: من تنخم في قبلة المسجد جاء يوم القيامة وهي في جبينه معلقة، وعند البيهقي: قال أبو الوليد: قلت لابن عمر: ما كان بدء هذه الزعفران في المسجد؟ فقال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فرأى نخامة .... الحديث، وفيه: وطلي بزعفران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا أحسن من الأول، فصنعه الناس.
66 -
حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم حك بزاقا في قبلة المسجد.
هذا حديث خرجاه في الصحيح بلفظ: رأى في جدار القبلة مخاطا، أو بزاقا، أو نخامة فحكه.
وفي الباب حديث أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عرضت علي أعمال أمتي حسنها، وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن رواه مسلم، وكذا حديث عبد الله
ابن الشخير: وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: فتنخع فدلكها بنعله اليسرى، وعند النسائي: برجله اليسرى، وحديث سعد بن أبي وقاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تنخم أحدكم في المسجد، فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه، رواه ابن خزيمة في صحيحه.
وحديث جابر بن عبد الله قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده عرجون ابن طاب، فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها بالعرجون، ثم قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله تعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا، ووضعه على فيه، أروني عبيرا، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوق في راحته فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة.
قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم، رواه مسلم.
وحديث طارق بن عبد الله المحاربي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قام الرجل إلى الصلاة، أو إذا صلى أحدكم، فلا يبزق أمامه ولا عن يمينه، ولكن عن تلقاء يساره إن كان فارغا، أو تحت قدمه اليسرى ثم ليقل به، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وحديث أبي سهلة السائب بن خلاد، وله صحبة: أن رجلا أم قوما فبصق في القبلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ: لا يصل لكم، فأراد
بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: نعم، وحسبت أنه قال: إنك آذيت الله ورسوله، رواه أبو داود بسند صحيح، عن أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن بكر بن سوادة الجذامي، عن صالح بن خيوان عنه، صالح هذا، وثقة أبو حاتم ابن حبان، وذكر أبو الحسن بن القطان: أن العجلي أيضا وثقه، ولم أره في نسختي فالله أعلم، وزعم ابن ماكولا في باب المختلف فيه: أن أبا صالح قال فيه ابن يونس: بالحاء المهملة، وقاله البخاري كذلك، ولكنه وهم، كذا ذكره عن ابن يونس، وليس هو بأبي عذرة هذا القول، بل سبقه إلى ذلك الدارقطني، ويشبه أن يكون وهما؛ لأن ابن يونس لم يقل شيئا من ذلك، ونص ما عنده: ذكر من اسمه صالح، فذكر صالح بن أصرم ثم قال: صالح بن خيوان السبائي يروي عن ابن عمر، والسائب بن خلاد، وعقبة بن عامر، روى عنه بكر بن سوادة، اللهم إلا لو نقل كلام أبي داود: هو بالحاء المهملة، ومن قاله بالخاء المنقوطة فقد أخطأ، لكان صوابا، وأما ابن أبي حاتم فذكره بالخاء المنقوطة، ويشبه أن يكون سبب الخلاف في هذا ما ذكره أبو الوليد بن الفرضي قال: سعيد بن كثير بن عفير من نسبه إلى خولان قال بالخاء المعجمة، ومن قال: السبائي فبالحاء يعني المهملة، وأما قول عبد الحق في الكبرى: صالح لا أعلمه روى عنه إلا ابن سوادة، فصحيح، وأما قوله في الوسطى: صالح هذا لا يحتج به، فيشبه أن يكون قاله من قبله، ولا أعلم له فيه سلفا.
وأما قول ابن القطان: وزعم ابن يونس أنه ليس له إلا هذا الحديث فيما علم
ويأبى ذلك عليه أن البخاري قال: إنه روى أيضا عن ابن عمر، فيشبه أن يكون وهما؛ لأن ابن يونس لم يقل شيئا سوى ما أسلفناه قبل، - والله أعلم -.
وحديث ابن عمرو بن العاص قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي بالناس صلاة الظهر فتفل في القبلة وهو يصلي، فلما كان صلاة العصر أرسل إلى آخر فأشفق الأول، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنزل في؟ قال: لا، ولكنك تفلت بين يديك، وأنت تؤم الناس فآذيت الله ورسوله، ذكره ابن القطان من عند بقي، ثنا هارون بن سعيد، ثنا ابن وهب قال: حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن عنه، وصححه.
وحديث أبي سعيد قال: رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق في البواري ثم مسحه برجله، فقيل له: لم فعلت هذا؟ قال: لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، خرجه أبو داود من حديث فرج بن فضالة عنه.
قال الإشبيلي: وهو ضعيف، وأيضا فلم يكن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حصر، والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم إنما بصق على الأرض، ودلكه بنعله اليسرى، ولعل واثلة إنما أراد هذا فحمل الحصير عليه، قال ابن القطان: وبقي عليه أن ينبه على أبي سعد فإنه لا يعرف من هو؟ ووقع في رواية ابن الأعرابي: أبو سعيد، والصواب سعد، وهو شامي مجهول الحال، وتعليل الحديث به أولى من تعليله بفرج، فإنه وإن كان ضعيفا، فإنه معروف في أهل العلم، أخذ الناس عنه، وقد روى عنه شعبة، وهو من هو، وقال يزيد بن هارون: رأيت شعبة يسأله عن حديث من حديث ابن عياش، وهو صدوق، وإنما أنكروا عليه أحاديث رواها عن يحيى بن سعيد الأنصاري مقلوبة، وقال أبو حاتم: وهو في غيره أحسن حالا، وهو بالجملة ضعيف، ورواه الساجي فلم يذكر البوري مؤيدا لما أوله أبو محمد فقال: ثنا محمد بن عبد الله
فيما كتب إلي، ثنا الحماني، ثنا فرج بلفظ: رأيت واثلة بزق، ودلك برجله.
وحديث أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: من تنخم في المسجد فلم يدفنه فسيئة، ومن دفنه فحسنة، رواه أبو نعيم من حديث أبي تميلة، عن الحسين بن واقد، ثنا أبو غالب عنه، وذكر أبو عبيد بن سلام في غريبه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المسجد ينزوي من النجاسة كما ينزوي الجلد على النار.
قال ابن سيده: النخاعة: ما تفله الإنسان كالنخامة وتنخع الرجل: رمى بنخاعته، قال: نخم الرجل نخما ونخما، وتنخم: دفع بشيء من صدره، أو أنفه، واسم ذلك الشيء: النخامة، وقال الجوهري: النخاعة بالضم: النخامة، وفى الجامع: تنخم الرجل: إذا تنخع، وقال عياض: النخامة من الصدر، وهو البلغم اللزج، وقال أبو موسى المديني: مخرجها من الخيشوم، وقال ابن الأثير: يخرج من أصل الحلق من مخرج الخاء المعجمة، وقيل: التي بالعين من الصدور، والتي بالميم من الرأس، وأما البزاق: فحكوا فيه الصاد، والسين، وهو لغة ردية، قال عياض: البزاق في المسجد: ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة.
واختلف العلماء في كيفية الدفن: فالجمهور على دفنها في أرض المسجد، إن كان ممكنا، وحكى الروياني: أن المراد إخراجها مطلقا، ويشهد له ما أسلفناه من عند ابن خزيمة، وغيره، قال القرطبي: فيه دليل يعني قوله: أيحب أحدكم أن يبصق في وجهه؟ على تحريم البصاق في القبلة، وأن الدفن لا يكفره، ويؤيده ما أسلفنا من الأحاديث - والله تعالى أعلم -.
وسمعت شيخنا قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة - تغمده الله برحمته - يسأل يوما في منزله، عن البزاق في شباك المسجد إن كان له؟ فقال: لا يجوز؛ لأنه يمر في هواء المسجد، قال: اللهم إلا أن يخرج رأسه منه فلا حرج إذا - والله أعلم -.
وفي قوله وليبصق عن يساره دليل على أن المصلي لا يكون عن يساره ملك لا يجد ما يكتب لكونه في طاعة الله تعالى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علل منع البصاق عن اليمين لكون الملك هناك، وأباحه على اليسار، ومن المعلوم أن هناك ملكا، وأما حديث: إن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا عند الخلاء والجماع، فضعيف لا يخدش في هذا الدليل - والله تعالى أعلم -.
21 -
باب النهي عن إنشاد الضوال في المسجد
67 -
حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا وجدته، إنما بنيت المساجد لما بنيت له.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، وحديث عمرو بن شعيب تقدم ذكره.
68 -
حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، أنبأنا عبد الله بن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن محمد بن عبد الرحمن الأسدي أبي الأسود، عن أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا رد الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه أيضا، زاد الترمذي: إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك.
وفي الباب: حديث جابر قال: جاء رجل ينشد ضالة له في المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وجدت. رواه النسائي، عن محمد بن وهب، ثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد، عن أبي الزبير عنه، وحديث جبير بن مطعم قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنشد في المسجد الضالة، رواه أبو نعيم من حديث سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني أبي عنه، وحديث ابن مسعود وسمع رجلا
ينشد ضالة في المسجد فغضب، وسبه فقال رجل: ما كنت فحاشا قال: إنا كنا نؤمر بذلك، رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث عاصم، عن أبي عثمان عنه، وحديث أنس بن مالك: أن رجلا دخل المسجد ينشد ضالة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا وجدت، رواه أبو قرة موسى بن طارق السكسكي في سننه عن موسى بن عقبة، عن عمرو بن أبي عمرو، عنه.
يقال: نشدت الضالة: إذا طلبتها، وأنشدتها: إذا عرفتها هذا هو الفصيح، وحكى اللحياني في نوادره: نشدت الضالة نشدة، ونشدة، ونشدانا أي: طلبتها، وأنشدتها، ونشدتها: إذا عرفتها، وأنشدت الضالة: أنشدها إنشادة، إذا عرفتها، وقال الأصمعي: في كل شيء رفعت به صوتك، فقد أنشدت به ضالة كانت أو غيرها، وفي المجرد لكراع: نشدت الضالة طلبتها، وأنشدتها بالألف عرفتها لا غير، وكذا قال أبو عبيد في الغريب المصنف، وأنشد لأبي دؤاد:
ويصيخ أحيانا كما استمع
…
المضل لصوت ناشد
.
كذا ذكره، ولم أجده في نسختي من شعر أبي دؤاد التي هي بخط ابن الطبال.
قال الأصمعي: يقال في الناشد هنا أنه المعرف، ويقال: بل الطالب؛ لأن المضل يشتهي أن يجد مضلا مثله ليتعزى به، وفي المحكم أنشدها: استرشد عنها، زاد القزاز: نشدتها أنشدتها نشدا، وأنا ناشد، وأنشدتها إنشادا، وأنا منشد.
وأما من قال في بيت أبي دؤاد أنه المعرف، فليس كذلك؛ وإنما هو الطالب، واستدل قوم على أن المنشد الطالب بقوله صلى الله عليه وسلم وذكر مكة شرفها الله تعالى: ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، قالوا: معناه: لا تحل لقطتها إلا لطالبها، وهو ربها، وهو الأفصح على ما ذكرنا؛ لأن الطالب إنما يقال له: ناشد، ولا يقال له: منشد يدل
على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم وسمع رجلا ينشد ضالة في المسجد: أيها الناشد غيرك الواجد: ومعنى الأول عند بعض اللغويين: أن لقطة مكة لا تحل أبدا، فكان قوله: لا تحل لقطتها يريد البتة فلقن إلا لمنشد، وهو يريد المعنى الأول، ومثل هذا أن يقول الرجل: والله لا أكلمك فيقول الآخر: إن شاء الله، فيقول ذلك، وهو لا يريد فينفسخ يمينه، ولكن لقن شيئا فلقنه، ومعناه: لا يحل للملتقط منها إلا إنشادها، وذكر بعضهم أن معناه: لا تحل حتى يعرف بها، والأول أحسن، وأمره صلى الله عليه وسلم بأن يقال للناشد ذلك عقوبة له على مخالفته، وعصيانه، وفعله ما نهي عنه من ذلك، والله وتعالى أعلم.