المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم صلّى الله على سيّدنا محمّد وآلِهِ وصحْبه - شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي - ت عويضة - جـ ٢

[علاء الدين مغلطاي]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

صلّى الله على سيّدنا محمّد وآلِهِ وصحْبه وسلّم

وحديث أروى ابنة أنيس. ذكره الحافظ أبو زكريا، وقد تقدّم تضعيف البخاري له

من كتاب العلل الكبير الترمذي، وكلام البيهقي في المعرفة أيضا. وحديث يحيى بن

أبي كثير عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ ".

رواه الشافعي (1) عن مسلم وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن يحيى به، وإسناده

صحيح عند جماعة لتوثيقهم يحيى، وفي المعرفة للحافظ أبي بكر: أنبأنا أبو عبد

الرحمن السُّلمي، أنّ أبا الحسن محمد بن عبد الله بن محمد بن صبيح أخبرهم، أنا عبد

الله بن محمد بن شيرويه، أنا إسحاق الحنظلي، أنا محمد بن بكر البرساني، ثنا ابن

جُريج قال: وقال يحيى بن أبي كثير عن رجل من الأنصار: " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى

ثم عاد في مجلسه فتوضأ، ثم أعاد الصلاة فقال: إنّي كنت مسست ذكرى

فنسيت " (2). هذا ضعيف لضعف السلمي، وحديث سعد بن أبي وقاص وأم

سلمة زوج المصطفى صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكرهما أبو عبد الله الحاكم في

كتاب المستدرك. وحديث قيس بن طلق عن أبيه، ذكره الطبراني، وسيأتي،

وفي حديث عبد الله بن عمر وسعد وأم سلمة والرجال والرجل من الأنصار،

(1) صحيح. رواه الشافعي (12) والنسائي (1/ 100) وابن ماجة (479) وأحمد في

" المسند"(6/ 407) والبيهقي (1/ 138) والحاكم (1/ 138) والدارقطني (1/ 146 - 147)

وعبد الرزاق (412) وابن خزيمة (33) وشرح السنة (1/ 340) والخطيب (4/ 311) والحلية

(7/ 159) والخفاء (1/ 106) ومطالب (139، 141) والموطأ (42) وشفع (90) والبغوي

(1/ 535) وابن حبان (214) وابن عساكر في " التاريخ "(1/ 403) والعقيلي (1/ 274) وابن

سعد (8/ 179) وحبيب (1/ 27226)

(2)

ضعيف وتقدم من أحاديث الباب

ص: 433

وإن كان ظاهرهما الإرسال، وابن عباس وطلق ردّ لما أغفله الترمذي حين تعداده الرواة.

‌35- باب الرخصة في ذلك

حدثنا علي بن محمد بن جابر قال: سمعت قيس بن طلق الحنفي (1) عن

أبيه: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن مس الذكر فقال: ليس فيه وضوء إنما

هو منك ". هذا حديث ضعيف بضعف الإسناد؛ لأن محمد بن جابر بن

سيار بن طلق أبا عبد الله اليمامي الحنفي السحمي أخا أيوب بن جابر، قال

فيه يحيي بن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء، وسئل عنه محمد بن

جابر فقال: لا بأس به، وفي تاريخ ابن المبارك قال عبد الله بن محمد بن

جابر: هذا وهو الحديث الثاني من أبيه لا يحفظ جزئية، فقلت له: أيّها

الشيخ إنك حدثتني بكذا وكذا، قال: فوثب أولئك على المسار للحديث

فكفّهم محمّد عني قال: ثم جاءني محمد إلى رحلي ومعه كتابه فقال: انظر،

فنظرت فإذا هو صحيح على ما حدثني فقلت: رحمه الله لا أحدِّث إلا من

كتابه، ولفظ أبي داود في كتاب التفرد/عن محمد بن جابر قال في الصّلاة،

كذا رواه الثوري وربيعة وهشام بن حسان وابن عيينة وجرير عن ابن جابر،

وفي رواية عباس أنه كان أعمى واختلط حديثه، وكان كوفيا ثم انتقل إلى

اليمامة، وقال أحمد: لا يحدث عنه إلا من هو شرّ منه، وقال البخاري:

ليس بالقوي، تكلموا فيه، وقال: ذهب في آخر عمره واختلط وساء حفظه،

وكان يلقن، وقال ابن حبان: كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه

ويسرق ما ذكر فيحّدث به، وقال عبد الله بن أحمد (2) : سمعت أبي يقول:

كان محمد رُبّما ألحق في كتابه أو لحق كتابه- يعني الحديث- وربما الحق،

وهذا حديث ليس بصحيح، وهو كذب، وفي كتاب العقيلي عن عبد الله

قال الفلاس: صدوق كثير الوهم متروك الحديث، وكان ابن مهدي يحدث

عنه ثم تركه بعد، وكان يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسّماع، جيِّد

اللقاء وفي كتبه لحن، وحديثه عن حمّاد فيه اضطراب، وقال النسائي:

(1) قوله: " الحنفي " وردت " بالثانية ": " الختني "، وهو تحريف، والصحيح الأولى.

(2)

شطب " بالأصل ".

ص: 434

ضعيف، وقال ابن عدي ولمحمد بن جابر من الحديث غير ما ذكرت، وعند

إسحاق بن إسرائيل عنه أحاديث صالحة، وكان يعني ابن إسرائيل يفضله على

جماعة شيوخ هم أفضل منه وأوثق، وقد روى عنه من الكبار أيوب وابن عون

وهشام وحسان والثوري وشعبة وغيرهم، ولولا أن محمد بن جابر في ذلك

المحل لم يروه عنه هؤلاء الذين هو دونهم، وقد خالف في أحاديث، ومع ما

تكلم فيه من تكلم فكتب حديثه، وفي سؤالات الآجري: سألت أبا داود عن

محمد بن جابر اليمامي فقال: ليس بشيء، وفي موضع آخر: سمعت أبا داود

يقول: روى شعبة وسفيان عن محمد بن جابر ذاك الحديث، وسفيان أظنّه

كتب به إليه، وقال الدولابي في كتاب الكني: ضعيف، وقال العجلي:

ضعيف، وذكره أبو العز عن ابن مهدي، وذكر محمد بن جابر فجعل

يضعفه، وقال محمد بن عيسى: قال لي أخي- يعني إسحاق-: حديث

محمد بن جابر كان يحدّث لشريك عن أبي إسحاق، قال: وأبيه في كتابه

قد ألحقه ين سطرين من كتابه طري (1) ، قرأت على أبي الفنون وأبي الحسن بن

أبي بكر/الضرير- رحمهما الله تعالى- قلت للأول: أنبأك المقبري عن المدني

وابن ناصر، وقال المدني: نا وقال ابن ناصر أنبأنا ابن خلف، والثاني: أنبأك

الحافظ البكري أنا القاسم بن عبد الله الصفّار، ثنا عمه والد عائشة بنت أحمد

عن أبي بكر بن خلف، قال: أنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، أنا أبو بكر بن

إسحاق الإمام أنا أبو مسلم عبد الله بن رجاء، ثنا همام عن محمد بن جابر

عن قيس بن طلق عن أبيه: " أنّه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أو سأله رجل- فقال: بينا

أنا في الصلاة ذهبت أحك فخذي فأصابت يدي ذكري فقال: هل هو إلا

بضعة منك " (2) . قال الحاكم: هذا حديث رواه جماعة من التابعين عن

محمد بن جابر فلم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء عن

همام بن يحيي، وهما ثقتان. وفي تاريخ أصبهان (3) لأبي نعيم من حديث ابن

جابر: " إنما هو بضعة منك فأنى أعزله "، وقال ابن شاهين: هذا حديث

(1) كذا ورد هذا اللفظ " بالأصل ".

(2، 3) رواه النسائي (1/101) وأحمد (4/23) والبيهقي (1/134) وابن أبي شيبة=

ص: 435

اشتهر به محمد بن جابر، ورواه عنه الأكابر ممن هو أسنّ منه وأقدم موتا،

منهم: أيوب السختياني وعبد الله بن عون وسفيان الثوري وهشام بن حسان

وقيس بن الربيع وهمام بن يحيى وصالح المزي وحّماد بن زيد وسفيان بن عبد

الله ووكيع وابن فضيل والمفضل ابن صدقة وأخوه أيوب بن جابر، وجماعة

ذكروا في الأكابر عن الأصاغر، وذكر الحافظ أبو القاسم الطبراني لمحمد بن

جابر متابعا؛ وهو أيوب بن عتبة عن قيس بلفظ: " سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم

فقال: يا رسول الله أرأيت إذا مس أحدنا ذكره يتوضأ؟! فقال: لا، إنما هو

بضعة منك " (1) ، وفي لفظ: " سأله عن مس فرجه "، وأيوب أشُدّ من محمد،

فإنّه ممن قال فيه يحيى: ليس بشيء، وفي رواية: ليس بالقوي، وقال مرّة:

ضعيف الحديث، وكذلك قال مسلم وأبو زرعة، وقال النسائي: مضطرب

الحديث، وقال علي بن الجنيد: شبه المتروك، وقال البخاري: لا أحدث عنه،

كان لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه، وقال الترمذي: وضعّفه محمد بن

رجاء، وقال أبو داود: منكر الحديث، وقال السعدي: ضعيف، ولما ذكره

الشامي في كتاب الضعفاء قال: قال العلاء: وضعّفه يحيى، وليس هو ساقط

الحديث، وقال أحمد: ضعيف الحديث، وفي كتاب أبي العرب/قال ابن

البرقي أيوب بن النجار: والمحاملي وأيوب بن عتبة ممن نسب إلى الضعف

واحتملت روايتهما، وذكر البيهقي أنّ أيوب ومحمد ضعيفان، وكذا قاله

الحازمي وابن طاهر وابن الجوزي في العلل الساهرة، ورواه أيضا رجل آخر

يسمى أيوب بن محمد عن قيس بن طلق، في مس الذكر لا أعرفه، بل

أعرف لأبي داود شيخا يقال له أيوب بن محمد العجلي روى عن بشير له

وطعنه ابن علي، وأيوب بن محمد شيخ مصري يلقب أبا الجمل، ثنا عنه عبد

الله بن صالح بحديث عن أيوب بن موسى بن يحيى بن أبي كثير، فلعل عبد

الحميد أراد هذا إذ أيوب أخا محمد بن جابر، فقال ابن محمد: أو أراد بقول

(1/165) وتلخيص (1/125) والمشكاة (320) وابن سعد (5/402) والمعاني (1/76)

وأصفهان (2/222) .

(1)

رواه أحمد (4/22) والحلية (03/17) والفتح (1/254) والمتناهية (1/362، 363)

وأصفهان (3/353) والدارقطني (11/49) وابن عدي في " الكامل "(1/344) .

ص: 436

أيوب بن عتبة، وكان هذا أشبه من روى الحديث عمن يقال له أيوب تسعون

رجلا، وضعف هذا الحديث أيضا طلق الراوي له عن أبيه، وفي تاريخ أبي

زرعة: كان أحمد يضعف رواية أيوب عن يحيى بن أبي كثيِر قال: ذكر ابن

أبي حاتم في كتاب العلل: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه محمد بن

جابر عن قيس بن طلق عن أبيه في مس الذكر، فلم يثبتاه، وقالا: قيس بن

طلق ليس ممن تقوم به حجه ووهّناه، وفي كتاب " العلل " للخلال: قيل له-

يعني: للإِمام أحمد- حديت قيس بن طلق عن أبيه قال: قد رواه وغيره أثبت

منه (1) ، وقاله الشافعي في " القديم "، وزعم بعض من خالفنا أن قاضي اليمامة

يعني: أيوب بن عتبه- ومحمد بن جابر ذكرا عن قيس بن طلق عن أبيه عن

النبي- عليه السلام ما يدلّ على أن لا وضوء منه، قال الشّافعي: قد سألنا

عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره، وقد عارضه من وصفنا

ثقته ورجاحته في الحديث وثبته، وقال يحيى بن معين: لقد أكثر الناس في

قيس بن خلف وإنّه لا يحتج بحديثه، وأُعلّ أيضا باختلاف الرواة في ألفاظه

فيما ذكره المحاربي.

وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من هؤلاء الضعفاء، وحكم

بصحيحها جماعة؛ منهم: الإمام أبو حاتم البستي، فإنه ذكر في كتابه

الصحيح: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا نصر بن علي، ثنا ملازم بن عمرو عن عبد

الله بن بدْر/عن قيس بن طلق عن أبيه قال: " خرج وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء

رجل فقال: يا نبي الله

" الحديث ثم قال: ذكر الخبر المرخص فول من

زعم أن هذا الخبر ما رواه ثقة عن قيس بن طلق خلا ملازم بن عمرو، وأنا

محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري بمكة، ثنا محمد بن عبد الوهاب

الفراء، ثنا حسين بن الوليد عن عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق عن أبيه:

" أنّه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمس ذكره فقال: لا بأس إنه كبعض

جسدك " (2) . ولما ذكره أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، ثنا محمد بن يعقوب

(1)

قوله: " أثبت منه " سقط من " الأولى "، وأثبتناه من " الثانية ".

(2)

روى الترمذي في سننه: حدثنا هنّاد، حدثنا مُلازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن=

ص: 437

الحافظ ثنا الفراء، قال: تفّرد به الحسين بن الوليد الثقة المأخوذ عن عكرمة،

ومنهم الحافظ أبو محمد الفارسي في كتابه المحلّي، ورجحه ابن مندة على

حديث سبرة، وحكي نحو ذلك عن الفلاس وابن المديني، وقال أبو عيسى

عندما رواه في جامعه من حديث ابن بدُر عن قيس: وهذا الحديث أحسن

شيء في هذا الباب، وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر،

وقد تكلّم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة، وحديث

ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن، وأمّا قول أبي عمرو:

ملازم بن عمرو ثقة وعلى حديثه عوّل أبو داود والنسائي وكل من خرج في

الصحيح ذكر حديث سبرة في هذا الباب وحديث طلق بن علي إلا البخاري

فإنهما عنده متعارضان معلولان، وعند غيره هما صحيحان، وفيه نظر؛ لأنّ

مسلما لم يخرّج واحدا منهما، وكذا ابن خزيمة لم يخرّج حديث طلق، وهما

ممن يخرج في الصحيح، وأمّا قول البيهقي في المعرفة والخلافيات: حديث

عكرمة بن عمار عن قيس منقطع؛ لأنه قال عن قيس: إن طلقا سأل وقيس لم

يشهد سؤال طلق، وعكرمة بن عمّار أقوى من رواه عنْ نفر، وإن كان هو

أيضا يختلف في عدالته؛ فاحتج به مسلم في غير هذا الحديث وتركه

البخاري، وتبعه على ذلك الحازمي فغير الصواب منها؛ لما قدّمناه قبل من عند

ابن حبان من أنّ روايته متصلة لاشكّ فيها، وإذا صحّ للحديث طريق، وسلم

من شوائب/الطعن تعين المصير إليه، ولا عبرة باختلاف الباقين.

- قيس بن طلق بن علي- هو الحنفي- عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وهل هو إلا مضغة منه؟! " وبضعة منه؟! ". قال أبو عيسى: وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعض التابعين: أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر. وهو قول أهل الكوفة وابن مبارك. وقد روى هذا الحديث أيوب عن عتبة ومحمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه. وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة، وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر وهو أصح وأحسن.

قلت: والحديث رواه النسائي. (1/38) عن هناد شيخ الترمذي فيه، ويظهر أن الترمذي

اختصره، ولفظ النسائي: " أخبرنا هناد عن ملازم قال: حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن

طلق بن علي عن أبيه قال: خرجنا وفدا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة جاء رجل كانه بدوي، فقال: يا رسول الله، ما ترى في رجل مس ذكره

في الصلاة؟ قال: وهل هو إلا مضغة منك؟! أو بضعة منك؟! ".

ص: 438

ورجحه أيضا محمد بن يحيى الذهلي بقوله: الوضوء من مس الذكر استحبابا

لا إيجابا؛ لحديث عبد الله بن بدْر عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. حكاه

الحافظ بن خزيمة في صحيحه، وذكره أيضا ابن الجارود في كتاب المنتقى،

وكذلك الإمام أحمد بن حنبل، وسكت عنه أبو محمد الأودي، وذلك مشعر

بصحّته عنده، وتبع ذلك أبو الحسن عليه، وقال: هو حسن صحيح، وقال أبو

عمر بن عبد البر: أحسن أسانيده من جهة ملازم، وأشار الطبراني- رحمه الله

تعالى- إلى صحته، وأما تضعيف من ضعفه بقيس فغير صحيح؛ لأنه ممن

ذكره غير واحد في جملة الصحابة، وعلى تقرير لا يكون صحابيّا فقد وثقة

ابن معين فيما حكاه ابن عبد الحميد (1) وغيره، ولا معارضة بينه وبن ما

حكياه عنه من أنّه لا يحتج به؛ لاحتمال أن يكون أحد الأمرين قبل الآخر، أو

يكون الحجة عنده فوق الثقة، ووثقه أيضا أحمد بن عبد الله العجلي الحافظ،

وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات، وروى عنه جماعة؛ منهم: عبد

الله بن بدْر ومحمد بن جابر وعبد الله بن النعمان السّحيمي وابن أخيه

عجيبة بن عبد الحميد بن طلق وابنه هودة بن قيس وعكرمة بن عمار

وأيوب بن عتبة وأيوب بن محمد وموسى بن عُمير اليماني وسراج بن عقبة

وعيسى بن حيثم، وفي ذلك رد لقول من قال: قد سألنا عنه فلم نجد من

يعرفه بما يكون لنا قبول خبره؛ لأنّ هؤلاء عرفوه فرووا عنه، وأولئك عرفوا

حاله فأخبروا عنها، ولولا عرفانها لما جاز لهم تصحيح خبره، والله أعلم. ومن

كان بما وصفناه كان حديثه صحيحا لا علّة فيه، حسنا بغير شبهة تعتريه؛ أمّا

الصحة فقد تقدّم سببها، وأمّا الحسن فلعرفان مخرجه بما يأتي بعد، إن شاء

الله تعالى. حدثنا عمرو بن عثمان بن سعد بن كثير بن دينار الحمصي ثنا

مروان بن معاوية عن جعْفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامه سئل رسول الله

صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر فقال: " إنما هو جزء منك "(2) . وفي مصنف وكيع بن

الجرّاح: " إنما هو جِذْوةٌ منك ". هذا حديث معلّل بأمرين:

(1) قوله: " عبد الحميد لما وردت في " الأولى ": " الخير "، والصحيح الثاني.

(2)

الكنز (27073) والمتناهية (1/363) .

ص: 439

الأول: جعفر بن الزبير الدمشقي الباهلي وقيل: الحنفي العابد العزاء، قال

عليِ بن المديني:/سمعت يحيى وذكره فقال: لو شئت أن كتب عنه ألفا

لكتبت، كان يروي عن ابن المسيب نحوا من أربعين حديثا، وضعفه يحيى

جدا، وقال يزيد بن هارون: كان جعفر ابن الزبير وعمران بن جُرير في

مسجد واحد، وكان الزحام على جعفر وليس عند عمران أحد فكان شعبة يمرّ

بهما فيقول: عجبا! الناس اجتمعوا على أكذب الناس وتركوا أحذق الناس،

قال يزيد: فما أتى علينا إلا العلل حتى رأيت ذلك الزِّحام على عمران وتركوا

جعفرا ليس عنده واحد، وقال غندر: رأيت شعبة راكبا على حمار، قيل له:

أين تريد يا أبا بسطام فقال: أذهب وأستعدى على هذا- يعني: جعفرا-

وضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة حديث كذب، وقال يحيى بن معين:

جعفر ضعيف، وفي رواية: ليس بثقة، وقال الفلاس: متروك الحديث، كثير

الوهم، وقال أبو زرعة: اضربوا على حديثه، لا أحدّث عنه بشيء، وقال

السعدي: نبذوا حديثه، وقال البخاري: متروك الحديث، وفي التاريخ

الأوسط: أدركه وكيع ثم تركه، وقال النسائي والدارقطني وعلي بن الجنيد

والأودي: متروك الحديث، وقال أبو أحمد: وعامة أحاديثه لا يتابع عليها،

والضعف على حديثه بيّن، وتركه الإمام أحمد، وفي موضع آخر ضرب على

حديثه، وفي كتاب العلل عنه: أنّه أذهب رواية جعفر بن الزبير؛ لأنه إنّما كانت

رواية عن القاسم، وذكره القيرواني في كتاب الضعفاء وذكر العقيلي عن

محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عنه شيئا قط.

الثاني: أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى عبد

الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية ويقال: مولى جويرية بنت أبي سفيان،

قال أبو زرعة الدمشقي: وهو أحبّ القولين إلي، وقال الطبراني: مولى

معاوية بن أبي سفيان، وإن كان قد وثقة يعقوب بن سفيان وابن معين

والترمذي ويعقوب بن شيبة والحربي، وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ما

رأيت أحدا أفضل منه، وقال الجرجاني: كان خيرا فاضلا، فقد قال الإمام

أحمد

وذكر فحمل عليه، وقال: يروي عنه علي بن يزيد أعاجيب، وتكّلم

فيها، وقال: ما أدّى هذا الأمر إلا من قبل القاسم وهو منكر الحديث، وفي

ص: 440

كتاب/العقيلي: هذه الأحاديث المناكير يقولون: من قبل القاسم، وسئل عنه

أبو حاتم فقال: حدّث الثقات عنه، مستقيم، لا بأس به، وإنمّا ينكر عليه

الضعفاء، وقال ابن حبان: كان يروي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعضلات

وقال الكوفي: نكتب حديثه، وليس بالقوي، وقال إبراهيم بن عبد الحميد (1) :

سمعت ابن معين يقول: القاسم ثقة إذا روى عنه الثقات أرسلوا ما رفع هؤلاء،

وفي رواية البرقي عنه: ضعيف ذكر ثنا أبو العرب، وفي الأوسط للبخاري:

روى عنه المعلي بن الحرث وكثير بن الحرث وسليمان بن عبد الرحمن ويحيى

بن الحرث وابن جابر أحاديث مقاربة، وأمّا من تكلّم فيه مثل جعفر بن الزبير

وعلي بن يزيد وبشر بن نمير ونحوهم ففي حديثهم مناكير واضطراب، وفي

كتاب العقيلي: لما حدّث بشر بن نمير عن القاسم قال شعبة: ألحقوه به، وعن

أبي داود: هو أبو عبد الرحمن ومولى عبد الرحمن وأهل الشام ينكرون أن

يكون ابن عبد الرحمن ويقولون: هو سيء، قال أبو داود: وهم أعلم به،

وقال الآجري: وسمعت أبا داود يقول: سمعت أحمد بن صالح يقول: إنما

هو القاسم مولى وأدخل بينه وبن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثنا امامة وعمرو بن

عنبسة وعليا وجماعة لا أعرفهم، فضعف لحال هذا- والله أعلم- ذكره

الساجي والبلخي في كتاب الضعفاء. وفي الباب غير ما حديث بخلاف ما

يوهمه كلام أبي عيسى؛ من ذلك: حديث عمر بن الخطاب وعصمة بن ملك

الخظْمي- وكان من الصحابة- أنّ رجلا قال: " يا رسول الله، إنِّي أحنكم

في الصلاة فأصابت يدي فرجى فقال صلى الله عليه وسلم: وأنا أفعل ذلك". رواه الدارقطني

(2)

عن محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق قال: ثنا أحمد بن محمد بن

رشدين عن ابن غفير عن الفضل بن المختار عن الصلت بن دينار عن ابن أبي

عثمان المهدي عن عمر بن الخطاب، وعن عبد الله بن موهب عن عصمة بن

الصلت، قال أحمد وعمرو بن علي: ليس بالقوي، وفي رواية عن أحمد:

ترك الناس حديثه، وقال علي بن الجنيد: متروك، والفضل بن المختار قال ابن

عدي: له أحاديث منكرة، وغايتها لا يتابع عليها، وقال أبو حاتم الرازي:

(1) قوله: " عبد الحميد " وردت " بالأولى ": " بن الحيد "، والصحيح ما أثبتناه من الثانية.

(2)

رواه الدارقطني في " السنن ": (1/149) .

ص: 441

مجهول، وأحاديثه/مُنكرة، يُحدثُ بالأباطيل، وقال الأزدي: منكر الحديث

جذا، ولما ذكرهما البيهقي في الخلافيات ضعفهما بنحو ما قدمناه بعد فصْله

بينهما.

وحديث الحنفي: " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنّا

ربما كان ذلك أمضى في صلاتك " (1) . رواه الحافظ محمد بن إسحاق بن

مندة في كتاب معرفة الصحابة عن عبدوس بن الحسين النيسابوري عن

محمد بن المغيرة الهمداني عن القاسم بن الحكم العربي عن سلام الطويل عن

إسماعيل بن رافع بن حكيم بن سلمة عنه وسلام بن سلم وقيل: ابن سليمان

وقيل: ابن سالم أبو عبد الله السعدني الخراساني، سكن المدائن، قال فيه

يحيى: ضعيف لا نكتب حديثه، وقال مرّة: ليس بشيء، وضعفه ابن المديني

جدا، وقال الإمام أحمد: منكر الحديث، وقال البخاري والرازي: تركوه،

وقال أحمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: كذاب، وقال النسائي

وعلي بن الجنيد والأزدي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروى

عن الثقات الموضوعات كانه كان المتعّمد لها، وإسماعيل بن رافع أبو رافع

مات بالمدينة قديما، وكان كثير الحديث ضعيفا وهو الذي روى حديث الصور

بطوله. قاله ابن سعْد، وقال أحمد ويحيى: ضعيف الحديث، وفي رواية عن

يحيى: ليس بشيء، وقال الفلاس: منكر الحديث، وقال النسائي وعليِ بن

الجنيد: متروك الحديث. انتهى. ويشبه أن يكون حديثه عن الصحابة لأني لم

أر أحدا ذكر أنه سمع من الصحابة، وإنما وصف بالرواية عن التابعين، ولما

ذكره البيهقي في الخلافيات عن رجل من بني حنيفة ولم يسمعه قال: هذا

منقطع، والله أعلم.

وحديث مرثد بن الصلت عن أبيه: " إنّه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله

عن مس الذكر، فقال: إنما هو بضعة منك " (2) . رواه ابن بنت منيع الحافظ في

(1) الكنز: (ح 27179) .

(2)

تقدم من أحاديث الباب انظر ص 427.

ص: 442

معجمه عن محمد بن خلف المقري ثنا أحمد بن محمد بن شماس ثنا عبد

الرحمن بن عمرو قال: سمعت عبد الرحمن بن مرثد الجعْفي يحّدث عن أبيه

مرثْد بن الصلت، ثم قال: وهذا حديث منكر، والذي حدث به عبد الرحمن

ابن عمرو بن جبلة، وهو ضعيف الحديث جدا.

وحديث أبي أيوب الأنصاري قال: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:

مسست ذكرى وأنا في الصلاة، فقال: لا بأس ". ذكره أبو زيد في كتاب

الأسرار بغير إسناد، ويشبه أن يكون ضعيفا؛ لاعنا نعرف اختلافه قبل./

وحديث عائشة- رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سئل عن مسّ

الذكر فقال: ما أبالي مسسته أو مسست أنفى " (1) ذكره البيهقي في

الخلافيات، وقال: هذا حديث منكر، روينا خلافه عنها وحديث جاء من بني

حنيفة بنحوه ذكره أيضا ورماه بالانقطاع، وحديث ابن أبي ليلى. قد ذكره

البيهقي في السنن الكبير عن أبي بكر القاضي وأبي سعيد بن أبي عمرو قالا:

ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق

ثنا محمد بن عمران حدّثني ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي

ليلى عن أبي ليلى قال: " كنّا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الحسن، فأقبل يتمرغ

عليه، فرفع عن قميصه وقبل ربيبته ". ذكره إثر حديث طلق ثم قال: هذا

إسناد غير قوي، وليس فيه أنه مسّه بيده ثم صلى ولم يتوضأ.

اختلف أهل العلم في هذا الباب ة فذهب بعضهم إلى هذه الأحاديث،

ورأوا ترك الوضوء من مسّ الذكر. يروى ذلك عن علي بن أبي طالب

وعمار بن ياسر وابن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن

حصين وأبي الدرداء وسعد بن أبي وقّاص- في إحدى الروايتين- وعمر بن

خطاب في رواية وعمران بن حصين، وأنس بن مالك ومعاذ بن جبل وعبد

الله بن عمر وأبي بكر الصديق وأبي هريرة- في إحدى الروايتين عنه- وأبي

(1) أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/ 244) من حديث سيف بن عبد الله الحميري،

وعزاه إلى " أبي يعلى " من رواية رجل من أهل اليمامة عن حسين بن دفاع عن أبيه عن سيف

وهؤلاء مجهولون، وهو أقل ما يقال فيهم.

ص: 443

أيوب وعائشة- في إحدى الروايتين عنها- قال أبو عمران عبد البرقي:

الأسانيد عن الصحابة في إسقاط الوضوء منه أسانيد صحاح من نقل الثقات.

انتهى كلامه (1) . وفيه نظر إن أراد هؤلاء المسمين؛ لأن حديث ابن مسعود

تقدّم ردّه بأبي قيس الأودي، وحديث ابن عمر وعائشة تقدّم الكلام عليهما

قبل، وحديث حذيفة أعلّه أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه، وكذلك

حديث أبي أيوب وعمر بن الخطاب تقدم ذكرهما، وحديث عمران مشكوك

في اتصاله أنه من رواية الحسن عنه وغيره أحد زعم أنه منقطع وقال: فيه أيضا

ابن المسيب والشعبي وإبراهيم وسعيد بن جبير والحسن البصري وعكرمة وقتادة

وطاوس وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك ومكحول وأبو جعفر محمد بن

علي بن الحسين- جدّ الثوري- وأبو حنيفة وأصحابه وربيعة بن عبد الرحمن

وشريك والحسن بن حيي وعبيد الله بن الحسين، وقال/أبو عمر: وجمهور

علماء العراقيين معنى على ذلك أسلافُهم، ويحيى بن معين وابن المبارك؛

وخالفهم في ذلك آخرون؛ فذهبوا إلى إيجاب الوضوء من مسّ الذكر فممن

يروى عنه ذلك: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب وزيد بن خالد وأبو

هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وعائشة وأم حبيبة

وبُسرة بنت صفوان وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وعروة بن الزبير

وسليمان بن يسار وعطاء ابن أبي رباح وأبان بن عثمان وجابر بن زيد

والزهري ومصعب بن سعد ويحيى بن أبي كثير وسعيد بن المسيب، قال

الحازمي في أصّح الروايتين عنه: وهشام بن عروة والأوزاعي وأكثر أهل الحديث

وجماعة أهل الشام والمغرب والشّافعي وأحمد وإسحاق والمشهور من قول

مالك ومجاهد وعبد الرحمن بن القاسم وحُميد الطويل وسلمان التيمي وأبو

العالية والشعبي. قال أبو عمر بن عبد البرغي الثوري قال: دعاني ابن جريج

وبعض الأمراء فسُئلْنا عن مسّ الذكر فقال ابن جريج: يتوضأ من مسّ الذكر،

وقلت أنا: لا وضوء على/من مسّ ذكره فلما اختلفنا قلت لابن جُريج:

أرأيت لو أنّ رجلا وضع يده في مني؟! قال: يغسل يده. قلت: فأيهما نجس

(1) قلت: كذا ورد هذا القول " بالأصل "، ولعل علاء الدين مغلطاي يقصد أنه يقلب الأسانيد

عن الصحابة.

ص: 444

المني أم الذكر؟ قال: المني. قلت: فكيف هذا؟ قال: ما ألقاها على لسانك

إلا شيطان. قال أبو عمر: يقول الثوري: إذا لم يجب الوضوء من مس المني

فأجدر ألا يجب من مس الذكر، فإذا لم يجب من النجس فأحرى ألا يجب

من الطاهر، وإنما ساقت المناظرة وصارت المعارضة عنده في هذه المسألة

لاختلاف الآثار فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة رضي الله عنهم، ومن

تعلم في ذلك، ولو كان فيها أثر لا معارض له ولا مطعن فيه لسلّم الجميع له

وقالوا به، قال أبو بكر بن حازم: ومن ذهب إلى إيجاب الوضوء ادّعى أنّ

حديث طلق منسوخ، وناسخه حديث بُسرة وأبي هريرة وعبد الله بن عمر؛

لتأخّرهم في الإسلام، وقال بعض من ذهب إلى الرخصة المصير إلى حديث

طلق (1) أولى؛ لأسباب: منها: إشهار طلق بالصحبة، ومنها: طول صحبته

وكثرة روايته، ثم لو سلمنا ثبوت حديث بُسرة فمن أين لكم ادعاء النسخ في

ذلك إذ ليس في حديث بُسرة/ما يدل على النسخ؟ بل أولى الطرق أن يجمع

بين الحديثان كما حكى عن ابن عيينة، فإنه قال: تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

" من مس ذكره فليتوضأ " معناه: أن يغسل يده إذا مسّه، وردّ ذلك ابن حزْم

فقال: هذا باطل، لم يقل أحدٌ أنّ غسل اليد واجب أو مستحب من مس

الفرج، لا المتأولون لهذا التأويل الفاسد ولا غيرهم، ويقال لهم: إن كان كما

تقولون فأنتم مخالفين الأمر، وأيضا فإنه لا يطلق الوضوء في الشّريعة إّلا

الوضوء للصلاة، وقد أنكر- عليه السلام اتباع هذه اللفظة على غير الوضوء

للصلاة لما أتى من الغائط فأتى بطعام فقيل: ألا تتوضأ؟ فقال: لم أصل

فأتوضأ، وقد جاء مبينا في حديث بُسّرة:" فليتوضأ وضوءه للصلاة "، وقال

ابن حبّان: خبر طلق منسوخ؛ لأن قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم أول سنة من سنين

الهجرة، وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضُوء من مسّ الذكر، وأبو هريرة أسلم

سنة سبْع، ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بسبع سنين، ثم

قال: ذكر الخبر المصّرح برجوع طلق إلى بلده بعد قدمته، قال: أنبأنا خليفة نا

(1)

قوله: " طلق " وردت في " النسخة الأولى ": " طوق "، وهو تحريف، والصحيح " طلق "

كما في النسخة الثانية.

ص: 445

مسدد نا ملازم نا عبد الله عن قيس عن أبيه قال: " خرجنا ستة وفدا على

النبي صلى الله عليه وسلم خمسة من بني حنيفة، ورجل من بني ضبيعة من ربيعة حتى قدمنا

على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وجلسنا معه، وأخبرناه بأن بأرضنا بيعة لنا واستوهبناه

من فضل طهوره فدعا بماء فتوضأ منه وتمضمض وصبّ لنا في إداوة ثم قال:

اذهبوا هذا الماء فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها من

هذا الماء واتخذوا مكانها مسجدا، قلنا يا رسول الله، البلد بعيد، والماء ينشف

قال: فأمدوه من الماء فإنّه لا يزيده إلا طيبا، فخرجنا فتشاجرنا على حمل

الإداوة أيّنا يحملها، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك يوما لكل رجل يوما وليلة فخرجنا

بها حتى قدمنا بلدنا فعملنا الذي أمرنا، وراهب ذلك القوم رجل من طيء

فنادينا بالصلاة، فقال/الراهب: دعوة حق ثم ذهب فلم ير بعد قال أبو حاتم:

في هذا الخبر بيان واضح ان طلقا رجع إلى بلده بعد القدْمة التي ذكرنا قال:

ثم لا يُعلم له رجوع إلى المدينة بعد ذلك فمن ادعّى رجوعه بعد ذلك فعليه

أن يأتي ببينة مصرحة (1) ، ولا سبيل له إلى ذلك وبنحوه قاله البيهقي والبغوي

في شرح السنة وفيه نظر لما ذكره أبو القاسم الطبري نا الحسن بن علي

الفسوي ثنا حماد بن محمد الحنفي ثنا أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن

أبيه طلق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من مس فرجه فليتوضأ ". قال الطبراني: لم

يرد هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد وهما عندي

صحيحان يشبه أن يكون سمع الحديث الأوّل من النبي عليه السلام قبل هذا

ثم سمع هذا بعد فوافق حديث بسرة وغيرها فسمع الناسخ والمنسوخ انتهى،

وفيه إشعار برجوعه مرة أخرى فإن الإيجاب وعدمه لإثبات في أيام قليلة غالبا

لما قيل عنه: من أنّ مقامه بالمدينة كان قليلا نص على ذلك الأئمة، وإذا كان

كذلك كان حديثها ظاهرا في النسخ ولا احتياج إلى حديث أبي هريرة لتقدّمه

عليه، وممن قال ذلك إسماعيل بن سعد الفقيه والاحتياط في ذلك أبلغ يروى

عن النبي عليه السلام بإسناد صحيح أنه: " نهى أن يمس الرجل ذكره

بيمينه " (2) أفلا ترون ان الذكر لا يشبه سائر الجسد، ولو كان ذلك بمنزلة

(1) قوله: " مصرحة " وردت " بالأولى ": " مفرجة "، وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه من " الثانية ".

(2)

صحيح. رواه الترمذي (15) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحميدي (428) =

ص: 446

الإِبهام والأنف والأذن وما هو منّا لكان لا بأس علينا أن نمسّه بأيماننا فكيف

يشبه الذكر بما وصفوا من الإبهام وغير ذلك فلو كان شرعا سواء لكان سببه

في المسّ سبيل ما سمّينا، ولكن ها هنا علّة قد غابت عنا معرفتها، ولعل ذلك

أن يكون عقوبة لكي يترك الناس مس الذكر فيصير من ذلك إلى الاحتياط

انتهى كلامه، وفي استدلاله بحديث مسّ الذكر باليمين نظر؛ لإغفاله قوله

صلى الله عليه وسلم وهو يبول لما فيه من الاستهانة باليمين وخشية الاستنجاء، والله أعلم.

وقال أبو محمد/بن حزْم: خبر طلق صحيح إلا إنه لا حجة فيه لوجوده

أحدها أنّ هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من

مسّ الفرج، هذا ما لا شك فيه، وهو كذلك فحكمه منسوخ يقينا حين أمر-

عليه السلام بالوضوء منه، ولا يحل ترك ما يتيقّن أنه ناسخ والأخذ بما يتيقّن

أنّه منسوخ، وثانيها: أن كلامه- عليه السلام هل هو إلا بضعة منك؟! "

دليل على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه؛ لأنه لو كان بعده لم يقل- عليه

السلام- هذا الكلام؛ بل كان بيّن على أنّ الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا

يدل على أنه لم يكن سلف قد حكم أصلا وأنّه كسائر الأعضاء، وقال

الخطابي: وترك خبر طلق على أنه أراد اللمس ودونه حائل، واستدلوا على ذلك

برواية الثوري وشعبة وابن عيينة أنّه سأله عن مسّه في الصلاة والمصلي لا يمس

فرجه من غير حائل بينه وبينه انتهى.

وفي قوله: والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل نظر؛ لما ذكره أبو عمر من

حديث أبي الوليد الطيالسي ثنا نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة عن

عمر بن الخطاب: " أنه صلى بالناس فأهوى بيده فأصاب فرجه فأشار إليهم

كما أنتم، فخرج فتوضأ ثم رجع إليهم فأعاد "، وفي الإسرار: ومطلق المس

اسم للمس بلا حائل، وهذه المسألة وقعت في زمن عبد الملك بن مروان،

والخطيب (3/111) . وتمام لفظه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه ".

قلت: وأخرجه الشيخان بلفظ: " إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإِناء، وإذا أتى الخلاء فلا

يمسّ ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه ". وأخرجه أبو داود (1/12) من طريق أبان عن

يحيى بن أبي كثير. قال المنذري: " وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة

مطولا ومختصرا ".

ص: 447

فشاور الصحابة فأجمع من بقي من الصحابة أنه لا وضوء فيها، وقالوا: لا

ندع كتاب ربنا ولا سنة نبيّنا لقول امرأة لا تدري أصدقت أم كذبت يعْنُون

بُسرة، ومعنى قولهم: كتاب ربنا، بين الأحداث في كتابه وكانت نجسة من

دم حيض ومنى وغائط وشرع الاستنجاء بالماء بقوله: (رجال يحبون أن

يتطهروا) (1) الآية. فكانوا يتبعون الحجارة الماء والاستنجاء بالماء لا يتصور إلا

بمس الفرجين جميعا، فلما ثبت بالنص أنه من التطهير لم يجز أن يجعل حدثا

بخبر غريب تعظم به البلوى، فسقط على ما هو الأصل في خبر الواحد؛ لأنه

ورد بخلاف القياس، وقد ثبت من مذهب أبي هريرة ما يذكر أنه ليس

بحديث، والراوي إذا ذهب إلى خلاف ما روى دل على زيافة الحديث على

ما عرف في موضعه، قال أبو محمد بن حزْم: وقول من قال: تعظم به

البلوى، ولو كان لما جهله/ابن مسعود ولا غيره حماقة قد غاب عن جمهور

الصحابة الغسل من الإيلاج الذي لا إنزال معه، وهو مما تكثر به البلوى، وقد

رأى أبو حنيفة الوضوء من الرعاف، وهو مما تكثر به البلوى، ولم يعلم ذلك

جمهور العلماء، ورأى الوضوء من ملك الفم من القلس ولم يره في أقل من

ذلك، وهذا تعظم به البلوى، ولم نعلم قال ذلك قبله أحدٌ من ولد آدم- عليه

السلام- والله أعلم.

وأما الوضوء من مسّ الإبط، فقد جاء في حديث رواه الزهري عن عبد

الله بن عتبة عن عمر: أنه رأى رجلا يتوضأ من مسّ الإبط. قال البيهقي:

هذا مرسل، وقد أنكره الزهري بعد ما حدث به، ويمكن أن يكون أمره بغسل

اليد تنظفا، وروى أبو الحسن من حديث ابن عرفة: ثنا خلف بن خليفة عن

ليث عن مجاهد عن ابن عمر: " إذا توضأ الرجل ومس إبطه أعاد الوضوء ".

قال: وعن ابن عباس: ليس عليه إعادة، وروى البيهقي أن ابن عمر أدخل يده

في إبطه وهو في الصلاة ثم مضى.

وأما الوضُوء من مسّ الصنم فذكر المدائني في تفسيره من حديث محمد بن

الوليد عن يعلى بن عبيد عن صالح بن حبان عن ابن بُريدْة عن أبيه: " أن

(1) سورة التوبة آية: 108.

ص: 448

النبي صلى الله عليه وسلم أمر بريدة وقد مس بريدة صنما فتوضأ " (1) . وفي مصنف عبد

الرازق، وعن سفيان بن عيينة عن عمار الرهني عن أبي عمرو النسائي أن

علي بن أبي طالب لما استناب المستورد العجلي مسّ صليبا كان في عُنقه فلما

دخل في الصلاة قدم رجلا ثم أخبر الناس إنه لم يفعل ذلك لحدثٍ أحدثه،

ولكنّه من مس هذه الأحداث فأجبت أن أحدث وضوءا. وفي الأوسط

للطبراني: ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا

معاوية بن هشام ثنا شيبان أبو معاوية عن جابر الجعفي عن عبد الرحمن بن

الأسود عن أبيه عن ابن مسعود قال: " كنا نتوضأ من الأبرص إذا

مسسناه " (2) . لا يروى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد. تفرد به

ابن نُمير ولم يكتبه إلا عن الحضرمي، وكتبه عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل

من حديث شعبة عن عمر وابن أبي عمرو عن طاوس عن ابن عباس قال-

عليه السلام:- " الحدث حدثان: حدث اللسان وحدث الفرج، وحدث

اللسان أشد من حدث الفرج ومنهما الوضُوءُ " (3) . وقد روى عن ابن عباس

موقوفا، وروى داود بن المحبّر القائل به/ابن المديني وهب حديثه عن شعبة عن

قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان يتوضأ من الحدث وأذى المسلم "(4) ،

وقالت عائشة: " يتوضأ أحدكم من الطعام الطّيب ولا يتوضأ من الكلمة

العوراء " (5) يقولها لأخيه؟! وعن إبراهيم النخعي: إني لأصلّي الظهر والعصر

(1) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/246) وعزاه إلى " البزار " وفيه

صالح بن حبان، وهو ضعيف.

(2)

ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/246) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط "

و" الكبير "، وفيه جابر الجعفي، وثقة شعبة والثوري، وضعّفه الناس.

(3)

العلل المتناهية: (1/365) .

(4)

روى ابن ماجة في سننه: حدثنا محمد بن الصباح، قال: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن

الزهري، عن سعيد، وعباد بن تميم، عن عمه، قال: شُكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجُل يجدُ

الشيء في الصلاة فقال: " لا، حتى يجد ريحا، أو يسمع صوتا ".

1-

كتاب الطهارة، 74- باب لا وضوء إلا من حدث، (ح/513) . قلت: وهذا حديث

صحيح الإسناد.

(5)

ضعيف. رواه عبد الرزاق (470) والمطالب (120) . قلت: هذا حديث موقوف عن عائشة، مُعلل.

ص: 449

والمغرب بوضُوء واحد إلا أن أحدث، أو قول منكر، الوضوء من الحدث

وأذى المسلم، وعن عبيدة السلماني نحوه، وفي كتاب الترهيب لأبي محمد

عبد الله بن محمد الأصبهاني: ثنا محمد بن سعيد الشافعي عن محمد بن

عامر عن سعيد بن عبد الحميد بن جعفر ثنا عثمان بن مظفر عن أبي عبيدة

عن علي بن زيد عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من

فسر القرآن برأيه وهو على وضوء فليعد وضوءه " (1) ، وعن ابن مسعود: " لأن

أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب " (2) . ذكره

ابن حزم، وعلّل الجميع قال: وقد أوجب الوضوء من قرقرة البطن في الصلاة

إبراهيم النخعي، وأوجب الوضوء في الإيقاظ والتذكر والمس على الثوب بشهوة

بعض المتأخرين، وروينا إيجاب الغسل من نتف الإبط عن علي وعبد الله بن

عمرو، وعن مجاهد، الوضوء من تنقية الأنف، وقد صح عن عروة: " الوضوء

من مس الاثنين " (3) ، وروينا عن علي بن أبي طالب ومجاهد وذر والد عُمر بن

ذر الحبان: " الوضوء من قص الأظفار، وقص الشعر "،- والله تعالى أعلم-

قال ابن المنذر: وبه قال الحكم وحمّاد، ومن ارتد ثم رجع إلى الإِسلام كان

الأوزاعي يقول: يستأنف الوضوء. (4)

(1) ضعيف. إتحاف: (4/526) . قلت: هذا حديث موقوف عن ابن مسعود، مُعلل.

(2)

صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/254) ، وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "، ورجاله موثقون.

(3)

الكامل لابن عدي: (2/793) بلفظ: " الوضوء من مس الذكر ".

(4)

قوله: " الوضوء " زائدة في " الأولى " التي عليها العمل، فكذا أثبتناها.

ص: 450

‌36- باب الوضُوءِ مما غيرت النّار

حدثنا محمد بن الصباح ثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو بن

علقمة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" توضئوا مما مسّته النار "(1)، فقال ابن عباس أتوضأ من الحميم فقال: يا ابن

أخي إذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فلا تضرب له الأمثال. هذا

حديث رواه مسلم في صحيحه مرفوعا من حديث ابن شهاب. أخبرني

عمر بن عبد العزيز أنّ عبد الله/بن إبراهيم بن قارظ أخبره: " أنه وجد أبا

هريرة يتوضأ على المسجد فقال: إنما أتوضأ من ثور أقط أكلتها؛ لأني سمعت

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " توضئوا مما مسته النار ". رواه الترمذي (2) عن ابن

(1) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، ح/352، 353) وأبو داود (195) وابن ماجة

(485، 487) والطبراني (4/167، 5/107، 139) وعبد الرزاق (666، 667)

والفتح (1/311) وابن عساكر في " التاريخ "(6/127) والبيهقي (1/141، 155، 157)

والتمهيد (3/335، 338) والمشكاة (303) والمجمع (1/249) وابن أبي شيبة (1/50، 51)

وأبو عوانة (1/269) وشرح السنة (1/348) والتاريخ الكبير (2/18، 6/409) والخطيب (6/

375) وابن عدي في " الكامل "(3/883، 4/1580) .

(2)

صحيح. رواه الترمذي (79) ومسلم في (الحيض، ح/90) والنسائي في (الطهارة،

باب " 121 ") وأحمد (1/366، 2/265، 271، 389، 427، 479، 503)

وفي مسند أحمد حديث يشبهه في معناه، رواه في مسند ابن عباس (رقم 3464 ج 1

ص 236) قال: " حدثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني محمد بن

يوسف: أن سليمان بن يسار أخبره: أنه سمع ابن عباس ورأى أبا هريرة يتوضأ، فقال: أتدري

مما أتوضأ؟ قال: لا، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف لحم ثم قام إلى الصلاة وما توضأ.

قال: وسليمان حاضر ذلك جميعا ". وهذا إسناد صحيح، رواته أئمة ثقات، وهو مع رواية

الترمذي يدلان على أن الجدل في هذا كان شديدا بين ابن عباس وأبي هريرة، وأنه لم يقتنع

أحدهما بحجة الآخر. ويؤيد ذلك ما رواه أحمد في المسند (رقم 10860 ج 2 ص 529)

والنسائي (1/39) واللفظ له، من طريق يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي أنه سمع المطلب بن

عبد الله بن حنطب يقول: " قال ابن عباس: أتوضأ من أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم قال: " توضئوا مما مست النار ".

قوله: " الأقط " بفتح الهمزة وكسر القاف: لين مجفف يابس، كانه نوع من الجبن،

و" الثور ": القطعة منه.

ص: 451

عمر. ثنا سفيان بن عيينة فذكره وفيه فقال ابن عباس: أنتوضأ من الدهن؟

أنتوضأ من اللحم " (1) ؟! ولم يحكم عليه بشيء، والذي رأيت في مسند ابن

أبي عمر: ثنا الدراوردي وابن عيينة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " توضئوا مّما مسته النار، ولو من ثور أقط "، فقال له ابن

عباس: يا أبا هريرة أنتوضأ من الحميم؟ فقال له أبو هريرة

الحديث، وفي

مسند أبي العباس السراج من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال:

اجتمع أبو هريرة وابن عباس فقال ابن عباس: ليس في طعام وضوُء وقال:

آكل الطعام ولم يتوضأ، قال: فناول أبا هريرة كفا من حصباء فقال: سمعت

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عدد هذه الحصباء يقول توضئوا مما غيرت النار "(2)

وفي لفظ: " ولو من ثور أقط "، وفي لفظ:" مما أنضجت النار "(3) ، وفي

لفظ: " قال ابن عباس: أتوضأ من طعام أخذه حلالا في كتاب الله عز

وجل؛ لأن النار نجسته؟! "، وقال البيهقي في كتاب السنن الكبير: وذهب

بعض أهل العلم إلى أن حديث أبي هريرة- يعني هذا- معلول بفتواه بعد

وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بألا وضوء منه. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما علم من مذاهب

المحدثين بأنّ العبرة مما روى لا بما رأى، خلافا للحسين. حدثنا حرملة بن

يحيى بن وهب ثنا يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: " توضئوا مما مسته النار ". هذا حديث لم يسمعه ابن شهاب من

عروة بيان ذلك في كتاب مسلم وغبره، قال مسلم: ثنا عبد الملك بن شعيب

حدثني أبي عن جدّي حدّثني عقيل بن خالد قال: قال ابن شهاب: أخبرني

(1) في " العقيلي: 3/296 ": " أنتوضأ من الأطيبين: اللحم والخبز؟ ! ".

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة (485) وأبو داود (195) والنسائي في (الطهارة، باب " 121 ")

وأحمد (1/248، 249) واللآليء (1/172) والمجمع (1/248، 249) والتمهيد (3/

330، 332، 339) والحلية (7/160) ومطالب (130) والخطيب (13/100) وابن

عدي (5/1865) .

وصححه الشيخ الألباني.

(3)

صحيح. رواه النسائي (الطهارة، باب " 16 " وأحمد (2/458، 4/30) وابن عدي

في " الكامل "(1/180) .

ص: 452

عبد الملك بن عبد الرحمن بن الحرث بن شهاب أن خارجة بن زيد الأنصاري

أخبره أن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " /الوضوء

مما مسته النار ". قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن

إبراهيم بن قارط، أخبره أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد فقال. " أنا

أتوضأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضئوا

مما مست النار ". قال (1) ابن شهاب: أخبرني سعيد بن خالد بن عمرو بن

عثمان، وأنا أخترت هذا الحديث أنه سأل عروة بن الزبير عن الوضوء مما

مست النار فقال عروة: سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: " توضئوا مما مست النار ". وفي مسند السراج: ثنا محمد بن يحيى

ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب أن سعيد بن خالد

أخبره أن عروة أخبره

فذكر الحديث، وفي كتاب ابن شاهين من حديث

ثواب بن يحيى: ثنا أبي عن الزهري عن القاسم سمعتُ عائشة تقول: " ما

ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء مما مست النار حتى قبض " (2) . قال محمد بن

عمر الحافظ: روى عن الزهري عن عروة عن عائشة، وقيل: عن الزهري عن

سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان عن عروة عنها، وقيل: عن الزهري عن

خارجة بن زيد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: عن الزهري عن عبد الملك بن

أبي بكر عن خارجة بن زيد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولما ذكر الحربي حديث

الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: إن كان

معمر لم يزل عبد الملك بن أبي بكر بقدر عمدا معمر أنه رواه في كتابه، وقد

وافقه صالح وابن أبي ذئب ويونس وشعيب وعقيل وعبد الرحمن بن خالد،

وأما قول ابن لهيعة: عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه فالقول قول

ليث؛ لأنه رواه كما رووه.

حدثنا هشام بن خالد الأزرق ثنا خالد بن يزيد بن أبي ملك عن أبيه عن

(1) قوله: " قال " وردت في " الأولى ": " فلما "، وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه من

" الثانية ".

(2)

قلت: سقطت كلمتان من لفظ هذا الحديث، وصححناه من " النسخة الثانية ".

ص: 453

أنس بن مالك قال: كان يضع يديه على أذنيه ويقول: صحت إن لم أكن

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " توضئوا مما مست النار " هذا حديث قال

أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن يزيد- يعني: عن أنس- إلا ابنه خالد بن

يزيد بن أبي مالك- واسمه هانئ يكنى: أبا هاشم- وإن قال فيه العجلي:

كان ثقة، وقال أبو حاتم البستي: هو من فقهاء الشّام، وكان صدوقا في

الرواية، ولكنه كان يخطيء أكثر، وفي حديثه مناكير، قال ابن عدي: لم أر

له إلا ما يحتمل، أو يرويه/عن ضعيف، فيكون البلاء من الضعيف لا منه،

ولا يعجبني، والاحتجاج به إذا انفرد عن أبيه وما أقربه ممن ينسبه إلى التعديل،

وهو ممن استخير الله- تعالى- فيه فقد قال فيه الإمام أحمد وابن معين: ليس

بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الرازي: يروى أحاديث مناكير، وقال

الدارقطني: ضعيف، وذكره العقيلي والساجي في كتاب الضعفاء ويزيده

ضعفا وعدم حفظه؛ وذلك أن هماما رواه عن مطر عن الحسن عن أنس عن

ابن طلحة قال- عليه السلام: " الوضُوء مما غيرت النار لونه ". أنا بذلك

الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف المنجي رحمه الله

بقراءتي عليه أخبرتكم المسندة أم أحمد زينب بنت مكي بن علي بن كامل

الحرانية أنا أبو حفص بن طرزدان أن أبو غالب بن البنا أنا أبو الغنائم بن المأمون

نا أبو القاسم بن حبانة نا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني

الحافظ قال: نا محمد بن المؤمل ثنا بشر بن عمر نا همام

فذكره، وإسناده

صحيح، ورواه السراج في مسنده عن إسحاق بن إبراهيم ثنا بشر

فذكره،

ورواه عبد الرحمن، وفي الباب غير ما حديث؛ من ذلك: حديث زيد بن

ثابت خرجه مسلم في صحيحه، وقد تقّدم ذكره، وحديث أم حبيبة وشرب

عندها ابن أختها أبو سفيان بن سعيد سويقا وقالت: يا ابن أختي، توضأ فإن

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " توضئوا مما مست النار ". خرجه أبو داود (1) ،

وإسناده صحيح، وقال الحربي: رواه عن الزهري ثلاثة عشر، وقالوا: أربعة

أقاويل؛ فقال يزيد بن زريع عن معمر: دخل عليها سعيد بن سفيان بن المغيرة،

(1) حسن. رواه أبو داود في: كتاب الطهارة، 75- باب التشديد في ذلك (ح/ 195) .

ص: 454

وهذا مما أوهم فيه معمر بالبصرة، وقال عبد الرزاق عنه، فدخل عليها أبو

سفيان بن المغيرة ولم يصب أيضا، إنما هو أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن

الأخنس، وأسقط عثمان بن حكم أبا سلمة بن عبد الرحمن- يعني: شيخ

الزهري- قال الماجشون عن عبيد الله: وهذا وهم منه لا شك فيه، وليس

كقول من قال: عن أبي سلمة عن أبي سفيان بن سعيد بن المغيرة، وفي

الأوسط: لم يروه عن بكير إّلا جعفر بن ربيعة، وذكر عن الزهري أنّ أبا

سفيان ابن أخت أم حبيبة. وحديث أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري خرجه

عبد الرحمن النسائي، وإسناده جيِّد وصححه ابن حزْم. وحديث عبد الله بن

عمر قال ابن أبي حاتم: سألت أبي/عن حديث رواه عبد الرحمن بن

حميد بن سالم المهدي عن عقيل عن سالم عن أبيه يرفعه: " توضئوا مما

مست النار "، فقال أبي: هذا خطأ، ولم يبيِّن الصواب ما هو وما علّة ذلك،

والصحيح ما رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه موقوفا، ورواه شعيب

بن أبي حمزة وابن أبي ذئب وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عمر بن

عبد العزيز عن ابن قارظ عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يرفع

حميد بن سالم ذكر القشيري في تاريخ الترمذي: ثنا هلال عمرو بن عثمان

ثنا العلاء بن سليمان الرقي عن الزهري عن سالم عن أبيه به مرفوعا، ورواه

أبو القاسم في الأوسط من حديث عقيل عن ابن شهاب، وقال: لم يروه عن

عقيل إلا حال أبي عن عبد الله الطاهر- واسمه موسى بن ربيعة. وحديث

سلمة بن سلامة وكان آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إّلا أن يكون أنس بن

مالك فإنه قد بقى بعده، إلا أنهما دخلا وليمة وسلمة على وضوءٍ فأكلوا ثم

خرجوا فتوضأ سلمة فقال له: ألم تكن على وضُوء؟ قال: بلى، ولكن سنة

رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا من دعوة دعيناها ورسول الله صلى الله عليه وسلم على وضُوء فأكل

ثم توضأ فقلت: ألم تكن على وضوء يا رسول الله؟ قال: " بلى ولكن الأمر

يحدث " (1) . وهذا مما يحدث خرجه الحافظ أبو بكر بن أبي داود في سننه

(1) ضعيف. رواه الحاكم (3/418) والطبراني (7/47) والمجمع (1/249) وعزاه إلى

الطبراني في " الكبير "، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وثقة عبد الملك بن شعيب ابن

الليث، وضعفه أحمد وجماعة، واتهم بالكذب.

ص: 455

عن عبد الملك بن شُعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي حدثني زيد بن

حُبيرة بن محمود بن أبي حُبيرة الأنصاري ثم الأشهلي عن أبيه حبيرة عن

محمود عنه. وحديث عبد الله بن زيد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا وضوء إلا

مما مست النار، أو حدث، أو ريح " (1) . رواه ابن شاهين عن الحسين بن أحمد

ابن صدقه ثنا أحمد بن سعيد ثنا يوسف بن عدي ثنا ابن المبارك عن محمد بن

أبي حفصة عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه فذكرها ورواه أبو القاسم

في الأوسط عن أحمد بن رشد بن عبدُ الرحمن ثنا يوسف بن عدي ثم قال:

لا يروي هذا الحديث عن الزهري إّلا محمد ابن أبي حفصة. تفّرد به ابن

المبارك. وحديث زيد بن ثابت مرفوعا: " توضئوا مما مست النار "(2) . قال

الدارقطني: ورواه في الأفراد. تفرد به ابن المنذر بن محمد عن أبيه عن

جبارة بن مسلم عن عبد الله عن الزهري/عن عمران بن إبان عنه. وحديث

بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " توضئوا مما أنضجت النار ". وذكره

ابن عدي في كامله (3) من طريق أحمد بن عبد الله بن ميسرة عن سليمان بن

داود الشرقي عن الزهري عن ابن المسيب عنها، وضعفه بأحمد وسليمان،

وقال: إسناد غير محفوظ. وحديث ابن خزيمة في صحيحه من حديث

حماد بن زيد عن هشام عن محمد بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس ثم

قال: خبر حماد بن زيد عن هشام عن محمد بن عمرو غير متصل الإسناد،

غلطنا في إخراجه فأتت بين هشام وعروة وبين محمد بن عمرو وهب أن

إسناد ذلك رواه يحيى بن سعد وعبدة بن سليمان، ورواه وهب عن محمد بن

عمرو ولفظه: " ولم يتمضمض ولم يمس ماء ". وحديث رجل من الصحابة

قال: " كنا نتوضأ ممّا غيرت النار ونتمضمض من اللبن ولا نتمضمض من

(1) صحيح بشواهده. رواه أحمد (2/410، 435) وتغليق (110) والفتح (1/315) .

بلفظ: " لا وضوء إلا من حدث أو ريح ". قلت: وإسناد هذا الحديث ضعيف، إلا ان له

متابعات صحيحة بنحوه مرت في هذا الباب قوت إسناده.

(2)

تقدم من أحاديث الباب ص 446.

(3)

ضعيف. رواه ابن عدي في " الكامل "(1/180) والنسائي في (الطهارة، باب " 121 ") وأحمد في " المسند "(2/ 458، 4/30) . قلت: في إسناد الحديث أحمد وسليمان، وإسناده غير محفوظ.

ص: 456

التمر " (1) . رواه الكجي في سننه عن حجاج، ثنا حماد عن أيوب عن أبي

قلابة عنه. وحديث أبي سعد الخير الأنصاري. ذكره الحافظ أبو بكر أحمد بن

عبد الله بن عبد الرحيم حدثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب ثنا فراش

الشعار، سمعت أبا سعد الخير، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الوضوء مما مسته

النار " (2) . وعلت المراجل. وحديث أبي موسى الأشعري، ذكره حرب في

مسائله. وحديث أم سلمة- زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" توضئوا مما مست النار "(3) . رواه الكجي في سننه: ثنا أبو عاصم عن أبي

ذئب عن الحرث عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن عبد الله بن عبد

الله عنها، وهو مشكل بما يذكره عنها بعد- إن شاء الله تعالى- أو يكون قد

روت الأمرين الناسخ والمنسوخ جميعا، والله تعالى أعلم.

‌37- باب الرخصة في ذلك

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن

عكرمة عن ابن عباس قال: " أكل نبي الله صلى الله عليه وسلم كتفا، ثم مسح يده بمسح

كان تحته، ثم قام إلى الصلاة فصلى ". هذا حديث خرجاه (4) في صحيحيهما

من حديث ملك بن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، وقال ابن عبد البر:

وعن عطاء في هذا أيضا حديث أم سلمة أنّها أخبرته: " أنها/قد أتت

لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبنا مشويا فأكل ثم صلى ولم يتوضأ " (5) . وليس هذا

(1) صحيح. رواه الطحاوي في " شرح معاني الآثار ": (1/64) .

(2)

صحيح. رواه مسلم في (الحيض، ح/90) وأبو داود (ح/195) والترمذي (ح/79)

والبيهقي في " الكبرى "(1/155) والمجمع (1/249) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "،

ورجاله رجال الصحيح.

(3)

صحيح، متفق عليه، وتقدم من أحاديث الباب ص 446.

(4)

صحيح. رواه البخاري في (الوضوء، باب " 50 ") ومسلم في (الحيض، ح/91)

وأبو داود (189) ومالك (طهارة، ح/19) وأحمد (1/267، 281، 366، 2/

389) والتمهيد (3/329، 333، 345) والشافعي (131) .

قوله: " مسح " بكسر الميم وسكون السين، وهو كساء معروف.

(5)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 74- باب: في ترك الوضوء مما=

ص: 457

باختلاف على عطاء في إسنادها وهذان حديثان مسندان صحيحان، وفي

مسند السراج عن قتيبة عن الدراوردي عن زيد زيادة: " ولم يتمضمض". ولما

خرج أبو موسى حديث عطاء بن حبة بن جريج قال: حسن صحيح، وقال

ابن عساكر: كذا رواه روح عن ابن جريج، ورواه خالد بن الحرث وأبو

عاصم عن ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان- يعني: ابن يسار-،

وقال أبو عيسى: رواه ابن سيرين وعلى بن عبد الله بن عباس وعطاء وعكرمة

ومحمد بن عمرو بن عطاء وغير واحد عن ابن عباس. وفي مسند الإمام:

أحمد ثنا حفص بن عمر عن همام عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن ابن

عباس أن النبي- عليه السلام: " أنهش من كتف، ثم صلى ولم

يتوضأ " (1) . ورواه أيضا عن يحيى عن ابن جريج حدثنا سعيد بن الحويرث،

وفي كتاب السراج: ثنا زياد بن أيوب بن إسماعيل بن إبراهيم ثنا أيوب عن

أبي مليكة، وفي كتاب ابن شاهين: ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا الحسن بن عرفة

ثنا هُشيم عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي كلهم عن ابن عباس

بنحوه، وفي المصنف من حديث محمد بن عمرو بن عطاء: " أكل من

عظم، أو يغرف من ضلع ". وفي حديث أبي جعفر: " مر بقدر تفور فأخذ

منها عرقا- أو كتفا- فأكله ثم تمضمض ولم يتوضأ " (2) . وفي سنن أبي داود

مست النار، (ح/190) .

قوله:" انتهش " هو بالشين المعجمة: أخذ اللحم بالأضراس، وبالسين المهملة: أخذ اللحم

بمقدم الفم. وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/251) وعزاه إلى " أبي يعلى "، وفيه

حسام بن مصك، وقد أجمعوا على ضعفه. قلت: وتحسينه لوجود أكثر من طريق له.

(1)

بنحوه. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/254) من حديث أم عامر بنت يزيد بن السكن،

وكانت من المبايعات: " أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق فتعرقه وهو في مسجد بنت عبد الأشهل، ثم قام

فصلى ولم يتوضأ ". وعزاه إلى الطبراني في " الكبير " من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي خليفة عن عبد

الرحمن بن ثابت بن صامت عنها، ولم أجد من ذكر هذين.

(2)

في " مجمع الزوائد "(1 / 254) عن عمرو بن محمد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: سمعت هند

بنت سعيد بن أبي سعيد الخدري تحدث عن عمتها قالت: " جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عائدا لأبي سعيد الخدري

فقدمنا إليه ذراع شاة فأكل، وحضرت الصلاة فتمضمض ثم صلى ولم يتوضأ ". رواه الطبراني في " الكبير " عن محمد بن يوسف عنها، ولم أجد من ذكر محمدا هذا.

ص: 458

قال ابن عباس: " فرأيته يسأل على لحيته أساج من دم وماء ثم قام إلى

الصلاة " (1) . وفي مسند ابن عباس تصنيف القاضي إسماعيل بن إسحاق من

حديث حجاج عن سعد بن إبراهيم عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه

أن النبي- عليه السلام: " أكل في بيت ضباعة بنت الحرث كنفا "(2) .

وقال: هكذا رواه أبو معاوية عن حجاج، وخالفه يزيد بن هارون، ورواه عن

حجاج: " دخل على ضباعة بنت الزبير فأكل عندها كتفا من لحم

"

الحديث. وفي تاريخ بحْشلْ من حديث سعيد بن جبير: " أكل ابن عباس

لحما ثم صلى ولم يتوضأ ". ولم يتبين من/البساط شيئا.

حدثنا محمد بن الصباح، ثنا سفيان عن محمد بن المنكدر وعمرو بن

دينار وعبد الله بن محمد عقيل عن جابر بن عبد الله قال: " أكل النبي صلى الله عليه وسلم

وأبو بكر وعمر خبزا ولحما ولم يتوضئوا ". هذا حديث رواه الترمذي (3) عن

ابن عمر، ثنا ابن عيينة ثنا ابن عقيل، سمع جابرا قال سفيان: ثنا ابن المنكدر

عن جابر قال: " خرج النبي- عليه السلام وأنا معه، فدخل على امرأة من

الأنصار فذبحت له شاة وأكل، وآتته صاعا من رطب فأكل منه، ثم توضأ

للظهر وصلى ثم انصرف، فأتته بعُلالة الشاة فأكل ثم صلى العصر ولم

يتوضأ " (4) . ولم يحكم عليه بشيء، وفيه نقص عما رواه له شيخه، والذي في

(1) صحيح. تقدم من أحاديث الباب.

(2)

صحيح التمهيد (3/344، 346) والشافعي (13) بلفظ: " أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ".

وفي " مجمع الزوائد "(1/253) : " أنها وضعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لحما فانتهش منه، ثم صلْى

ولم يتوضأ " وعزاه إلى أبي يعلى وأحمد، ورجاله ثقات.

(3)

صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 66- باب الرخصة في ذلك، (ح/

489) . في الزوائد: رجال هذا الإِسناد ثقات. وصححه الشيخ الألباني.

(4)

صحيح رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، 59- باب ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت

النار: (ح/80) .

هذا حديث صحيح، ليست له علة. وقد حاول بعضهم أن يعلله؛ فنقل البيهقي في المعرفة

عن الشافعي أنه قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن

محمد بن عقيل عن جابر. وهو مردود برواية ابن جريج عن أحمد (رقم 14505 ج 3

ص 322) وأبي داود (1/75) قال: " أخبرني محمد بن المنكدر قال: سمعت=

ص: 459

مسنده: " ففرشت لنا تحت صوْر لها- والصوْر: النخلات المجتمعات- وفي

آخره: وشهدت أبا بكر دخل على أهله فقال: هل من طعام؟ قالوا: لا، قال:

فأين شاتكم الوالد؟ فأتى بها فحلها ثم أمر بلبانها فطبخ فأكل منه، ثم صلى

ولم يتوضأ، ثم شهدت عمر بن الحطاب وأتى بحفنتين فوضعت إحداهما بين

يديه والأخرى من خلفه، فأكل وأكلنا معه ثم صلى ولم يتوضأ ". وقال فيه

الجوزجاني: حديث صحيح. رواه عن ابن المنكدر جماعة، وخرجه أبو حاتم

البُستي في صحيحه (1) عن عبد الله بن محمد الأزدي، ثنا إسحاق بن

إبراهيم، ثنا أبو علقمة عبد الله بن محمد بن أبي فزوة، حدثني محمد بن

المنكدر عن جابر قال: " رأيت النبي- عليه السلام أكل طعاما مما مسته

النار ثم صلى قبل أن يتوضأ، ثم رأيت بعد النبي أبا بكر أكل طعاما مما مسته

النار ثم صلى قبل أن يتوضأ، ثم رأيت بعد أبي بكر عمر أكل طعاما مما مسته

النار ثم صلى ولم يتوضأ "، وفي لفظ: " دعت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل

هو وأصحابه، وحضرت الصلاة فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى، ثم دعا إلى

بيتها فأقبلوا فحضرت العصر فلم يتوضأ النبي، عليه السلام " (2)، وفي لفظ:

" أكل النبي- عليه السلام لحما ومعه أبو بكر وعمر، ثم قاموا إلى العصر

ولم يتوضأ " (3) . وفي صحيح ابن خزيمة: ثنا موسى بن سهْل الرملي، ثنا

علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة عن ابن المنكدر عن جابر/قال:

" آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار "(4) . أخرجه

ابن حبان في صحيحه عنه قال: هذا خبر مختصر، ثم حدّث حديثا طويلا

جابر بن عبد الله يقول: قربت للنبي صلى الله عليه وسلم خبزا ولحما فأكل ولم يتوضأ ".

قوله: " علالة " العلالة: بضم العين للمهملة: البقية، أو ما يتعلل به شيئا بعد شيء، من

العلل- بفتح العين- وهو الشرب بعد الشرب.

(1)

صحيح. رواه ابن حبان: (2/228- 230) .

(2)

للصدر السابق: (2/230- 231) .

(3)

راجع للصدر الأول " الحاشية رقم 1 ".

(4)

صحيح. التمهيد (3/347) وللعقيلي (3/4) وابن حبان، وابن خزيمة، والمنتقى (24)

وأبو داود (ح/4864) والنسائي (1/108) والبيهقي (1/106) .

ص: 460

اختصره شُعيب متوهما لنسخ إيجاب الوضوء مما مست النار مطلقا، وأما نسخ

الإيجاب بالوضوءِ مما مست النار خلا الجزور فقط، وقال أبو داود عند

تخريجه: هذا اختصار من الحديث الأول، ولفظ الحاكم في التاريخ عن ابن

عقيل عنه: " أكلت مع النبي من شاة صنعت له قبل العصر، فحضرت

الصلاة فصلى ولم يمس ماء، ثم حضرت عمر في ولايته فأتى بحفنة فيها ثريد

ولحم فأكلها مع ناس من المهاجرين، وحضرت الصلاة ولم يمس عمر ولا أحد

ممن أكل معه ماء " (1) . وقال الدارقطني في الأفراد: تفرد به شعيب عنه، ولا

أعلم رواه عنه غير علي بن عباس، ورواه في موضع آخر منه بلفظ: " بينما

نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم فأكل مما مست النار ". هكذا حديث غريب من حديث

ابن عيينة عن الثوري. تفرد به طاهر بن الفضل الحلبي عن ابن عيينة، وقال ابن

أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه علي بن عباس: " كان آخر

الأمرين

". فقال: هذا حديث مضطرب المتن، إنّما هو أن النبي صلى الله عليه وسلم: " أكل

كتفا ولم يتوضأ ". كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر، ويمكن أن

يكون شعيبا حدّث به من لفظه فوهم فيه، وقال في موضع آخر: إنّما هو أنّ

النبي- عليه السلام: " أكل كتفا ثم صلى ولم يتوضأ ". ولقائل أن يقول:

الذي سلف من عند أبي داود وابن حبان أقرب مما ذكره الرازْي؛ لتباعد لفظ

المتنين، ولعدم جواز التعبير بأحدهما عن الآخر، والانتقال من أحدهما إلى

الآخر إنما يكون عن غفلة شديدة ببعد منها شعيب، وقول أبي داود أقرب؛

لأنّه يمكن أن يعبر بهذه العبارة عن معنى الرواية الأولى، ولقائل أن يقول

أيضا: المراد بآخر الأمرين ذكره جابر أولا من أنه أكل لحما وخبزا ثم توضأ ثم

أكل فضل طعامه، أجل ثم لم يتوضأ، فكان الآخر من الفعل الأول ترك

الوضوء فصحّ إذا الاختصار كان جائزا فهم من التابع الراوي عنه أنّه عرف

روايته للحديث الأوّل، فعبر له بعبارة موجزة يفهمها السامع- والله أعلم-،

وعلى هذا لا يعلو إن ادّعى النسخ بقوله:/آخر الأمرين. وأمّا ابن حزم فزعم

بعد تصحيحه حديث آخر الأمرين أنّ من قال إنّه مختصر من الأول قول

(1) ضعيف. راجع: المجمع (1/254) .

ص: 461

بالظن، والظن أكذب الحديث، بل هما حديثان اثنان كما ورد حديث ابن

للمنكدر وحده، ولفظ ابن أبي داود في كتاب الطهارة: " أن امرأة اشترت

حائطا، فسألت النبي- عليه السلام أن يأتيه ويدعو فيه بالبركة

"

الحديث، وفي لفظ " كنّا زمان النبي- عليه السلام وما نجد من الطعام إلا

قليلا، فإذا نحن وجدنا لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا ثم

نصلي ولا نتوضأ "، وفي سنن الكجي: " جئنا امرأة في الإسراف، وهي

حبرة خارجة بن زيد بن ثابت "، وفيه عنه " أن النبي أخذ بكفه جرعا

فمضمض من غير الطعام ". انتهى. وفي الحديث علّة خفيت على من صحح.

ذكرها البخاري في التاريخ الأوسط فقال: ثنا علي، قلت لسفيان: إن أبا

علقمة الفروي قال عن ابن المنكدر عن جابر: " أكل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتوضأ "

فقال: احسبني سمعت ابن المنكدر قال: أخبرني من سمع جابرا أكل النبي

وقال بعضهم عن ابن المنكدر: سمعت جابر، ولا يصح فهذا حكم فيه

بعّدم اتصالها وإن كان قد صرح في التاريخ الكبير بسماعه من جابر، ولا

منافاة بين القولين لاحتمال أن يكون ظهر له أنه لم يسمع هذا منه بخصوصه،

وإن كان قد سمع منه غيره كما قاله، لما سأله الترمذي عن حديث ابن

عباس: " الشاهد واليمين ". قال: لم يسمع عمرو هذا الحديث عندي من

ابن عباس مع تصريحه بسماعه من ابن عباس غير ما حديث، وما ذكره

الشافعي إثر رواية له في سنن حرملة عن عبد الحميد بن عبد العزيز عن ابن

جريج مختصرا، قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنّما سمعه

من عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، قال البيهقي: وهذا الذي قاله

الشافعي محتمل؛ وذلك لأنّ صاحبا الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة

ابن المنكدر عن جابر في الصحيح مع كون إسناده من شرطهما، ولأنّ ابن

عقيل قد رواه أيضا عن جابر، ورواه عنه جماعة، إلا أنّه قد روى عن

حجاج بن محمد وعبد الرزاق ومحمد بن مكثر عن ابن جريج عن ابن

للمنكدر، وقال: سمعت جابرا، فذكروا هذا الحديث فإن لم/يكن ذكر

السماع فيه وهما من ابن جريج فالحديث صحيح على شرط صاحبي

الصحيح- والله أعلم-. انتهى كلامه. وفيه عدم رجوع لما قاله الشافعي

ص: 462

وركون إلى قول من صرح بالسماع، وذهول عن قول الجعفي- رحمهم الله

تعالى- ويزيده وضوحا أيضا: رجوع ابن المنكدر عن هذا الرأي، إلى غيره؛

ذكر أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن شعيب بن أبي حمزة: أنّ الزهري ناظر

ابن المنكدر فاحتج ابن المنكدر بحديث جابر، واحتج الزهري بحديث عمر بن

أميّة في الوضوء مما مست النار قال: فرجع ابن المنكدر عن مذهبه إلى مذهب

الزهري.

ولقائل أن يقول: لو أخذه ابن المنكدر عن جابر شفاها لما رجع عنه ولا

صاغ له ذلك، ولكن لما أخذه عنه بواسطة ضعيفة رجع عنه مسرعا، وقد

رواه عن جابر أبو الزبير ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان. ذكر ذلك الحاكم

في تاريخ نيسابور، فقال: ثنا أبو حامد الحافظ نا أبو حاتم، نا أحمد بن

يوسف السلمي، نا الجارود بن يزيد عن عبد الله بن زياد بن سمعان، حدثني

يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي يزيد عن جابر بلفظ قال لنا: " يأتيكم

رجل من أهل الجنة، فجاء عمر، ثم قال: ليأتينكم رجل من أهل الجنّة اللهم إن

شئت جعلته عليٌا فجاء علي " (1) .

ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم أبو سعيد محمد بن شاذان، ثنا بشر بن

محمد القاري ثنا ابن المبارك، ثنا الأوزاعي عن يحيى عن محمد بن عبد

الرحمن بن ثوبان عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: " أكل كتف شاة ثم صلى ولم

يتوضأ ". وقد تقدم ضرب ابن عقيل عنه، ورأيت بخط سعْد الخير: نا ابن

قداس، نا ابن بشران، أنا الحسن بن صفوان، نا ابن أبي الدنيا، نا محمد بن

يوسف بن الصباح، سمعت رشدين بن سعْد يقول: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في

المنام أربع عشرة مرة في كلها أقول له: نا ابن شهاب عنك أن توضئوا مما

مسته النار، فيقول لي: لها يا رشدين ". وذكر ابن أبي الدنيا عن محمد بن

موسى بن الصباح بن رشدين بن سعْد قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أربع

عشرة مرة في كلها أقول: يا رسول الله ثنا ابن شهاب عنك أن توضئوا مما

غيرّت النار، فيقول: لها يا رشدين ". حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم

الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، ثنا الزهري قال: حضرت/عشا

عند الوليد أبو عبد الملك، فلما حضرتني الصلاة قمت لأتوضأ، فقال جعفر بن

ص: 463

عمرو بن أمية: " أشهد على أبي أنه شهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل

طعاما مما غيرت النار، ثم صلّى ولم يتوضأ " (1) . وقال علي بن عبيد الله بن

عباس: " وأنا أشهد على أبي بمثل ذلك ". هذا حديث خرجه مسلم في

صحيحه وخرجه البخاري من حديث عمرو فقط، وفي كتاب ابن أبي داود

دائرة ثم أخبر رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسائر أزواجه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال: " توضئوا مما غيرت النار "(2) . قال ابن أبي داود: فوهنت تلك في

الناس قول الزهري: رواه عن عمرو بن عثمان، ثنا شعيب عنه، حدثنا محمد بن

الصباح، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي بن

الحسن عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم

بكتف فأكل منه وصلى ولم يمس ماء " (3) ./هذا حديث خرجه الحافظ أبو

بكر في صحيحه، ورواه النسائي في الكبير من حديث ابن جُريج: حدثني

محمد بن يوسف عن سليمان بن يسار، قال: " دخلت على أم سلمة،

فحدثتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم " (4) .

وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته أنها قربت الحديث. وأنا ابن المثنى، ثنا

يحيى، ثنا جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين، ولفظه: " أكل كتفا فجاء

بلالُ فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء "، وقد تقدّم كلام أبي عمر بأن سنده

صحيح، وتقدّم أيضا ما يعارضه.

(1) صحيح. رواه أحمد (3/380) والطبراني في " الكبير "(17/250) .

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 66- باب الرخصة في ذلك، (ح/

490) . وصححه الشيخ الألباني.

ورواه مسلم في: 3- كتاب الحيض، 24- باب نسخ الوضوء مما مست النار، (ح/93) .

(3)

صحيح. رواه ابن ماجة (486، 487) وأحمد (2/265، 271، 470، 479،

503، 529، 5/184، 188، 190، 6/89) والبيهقي (1/141، 155، 157)

والتمهيد (3/335، 338) والمشكاة (303) والمجمع (1/249) والفتح (1/311) وابن

أبي شيبة (1/50، 51) وأبو عوانة (1/269) والحلية (36315) والتاريخ الكبير (2/18،

6/409) وابن عساكر (3/19) والخطيب (6/375) وابن عدي (3/883، 4/1580) .

(4)

صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 66- باب الرخصة في ذلك (ح/491) .

وصححه الشيخ الألباني.

ص: 464

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا علي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد، عن

بشير بن يسار ثنا سويد بن المعتمر الأنصاري: " أنهم خرجوا مع رسول الله

صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانوا بالصهباءِ صلى العصر، ثم دعا بأطعمة، فلم يؤت إلا

بسويق فأكلوا وشربوا، ثم دعا بماء فمضمض فاه ثم قام فصلى بنا المغرب ".

هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه (1) من حديث ملك بن شعبة بن

سفيان عن يحيى بن سعيد، وقال مسلم في الوحدان: حدثنا محمد بن عبد

الملك بن أبي الشوارب، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا سُهيل عن أبيه عن أبي

هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكل كتف شاة فمضمض وغسل يده

وصلى " (2) . هذا حديث خرجه البخاري، والحافظ أبو بكر بن خزيمة في

صحيحه (3) عن أحمد بن عبدة، ثنا عبد العزيز- يعني: الدراوردي- عن

سُهيل عن أبيه ولفظه: " أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من ثور أقط، ثم رآه أكل

من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ ". وهو مشكل بما أتى (4) به الإمام

العلامة محمد بن محمد المغربي- رحمه الله أنبأتنا أم محمد مسندة عن

أبي روح وابن الصفاء وإسماعيل القاري وزينب الشعرية وغيرهم، قال أبو روح

وزينب: ثنا العسكري في كتابه من حديث الجعد بن عبد الرحمن عن

الحسن بن عبد الله بن عُبيد عنه. وحديث عمته هند ابنة سعيد بن أبي سعيد

الخدري، وقيل: بنت أبي سعيد، وقيل: بكرة أم عبد الرحمن: " أن النبي-

عليه السلام زارهم، فأكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ ". ذكره المديني

من حديث يعقوب بن حميد عن الدراوردي عن محمد بن أبي حميد عن

(3) مشكل الآثار: (1/225، 226) .

(1)

صحيح. رواه البخاري في (الوضوء، باب " 51، 54 " والجهاد، باب " 123 "

والأطعمة باب " 7، 51 " والمغازي، باب " 38 ") وابن ماجة (ح/492) في للزوائد:

رجال إسناده ثقات، ومالك في (الطهارة، ح/20) وأحمد (3/ 448) .

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة (ح/493) . وصححه الشيخ الألباني.

(3)

تقدّم من أحاديث الباب.

(4)

قوله: " بما أتى " وردت في " الأولى ": " بماء به "، وهو تصحيف، وفي " الثانية ":

" بما أتى به "، وهو الصحيح، وكذا أثبتناه.

ص: 465

هند عنها. وحديث عمرو بن عبد الله قال: " رأيت النبي أكل كتفا، وصلى

ولم يتوضأ ". رواه زاهر وابن الصفار والفارسي.

ثنا المسند وجيه بن ظاهر بن محمد السماحي قراءة عليه، وبنحوه وسمع

ثنا بالإسناد أبو القاسم عبد الكريم بن هواذن القشيري قراءة عليه، ثنا أبو

الحسين أحمد بن محمد الحقاف قراءة عليه، ثنا أبو العباس محمد بن

إسحاق بن إبراهيم بن مهدي بن مهران الثقفي السراج، قال: ثنا إسحاق بن

إبراهيم، ثنا وكيع، ثنا سفيان، ثنا أبو عون الثقفي عن عبد الله بن شداد قال:

" شهدت أبا هريرة يقول لمروان: توضئوا مما مست النار "، فأرسل مروان إلى

أم سلمة رسولا فسألها، فقالت: " نهش رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي من كتف ثم

قام فصلى ولم يتوضأ ". انتهى. وهو سند صحيح، وبيان إشكاله: كيف يأمر

بالوضوء بعد موته- عليه السلام مع ما شاهده من فعله الذي رآه؟! وقد

تقدّم كلام البيهقي في ذلك، والله أعلم.

وقد روى الرخصة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم غير من تقدم؛ منهم: عبد

الله بن الحرث بن حر الزبيري قال: " وضع لنا الطعام في عهد رسول الله

صلى الله عليه وسلم في الصفة فأكلنا، ثم أقيمت الصلاة فصلينا/ولم نتوضأ "، وحديث ألزم

الدارقطني الشيخين إخراجه، وأخرجه أبو ذر الهروي في كتابه، وقال ابن

عبدة: تفرد به المصريون، وأخرجه ابن حبان أيضا في صحيحه، ورواه أبو

القاسم الطبراني في المعجم الكبير عن عمر بن عبد العزيز بن مقلاص قال:

ثنا أبي قال: ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة عن عقبة بن مسلم عنه، وبالغ في

الأوسط: لم يروه عن عقبة إلا حيوة بن شريج، ولفظ أبي داود: " لقد

رأيتني سابع سبعة- أو سادس ستة- مع النبي صلى الله عليه وسلم في دار رجل، فمرّ بلال

فناداه بالصلاة فخرجنا فمررنا برجل وبرمة على النار، فقال النبي- عليه

السلام-: أطابت برمتك؟! فقال: نعم بأبي أنت وأمي، فتناول منها بضعة فلم

يزل حتى أحرم بالصلاة وأنا أنظر إليه " (1) . رواه عن أبي الظاهر أحمد بن

(1) حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 74- باب في ترك الوضوء مما مست

النار (ح/193) .

ص: 466

عمرو بن السرج ثنا عبد الملك بن أبي كُريمة، حدثني عُبيد بن ثمامة عنه،

وبنحوه ذكره أبو زكريا بن مندة في كتاب آخر من مات من الصحابة، وفيه

رد لما قاله أبو القاسم الطبراني، والله أعلم؛ لأن الحديث واحد، وإن اختلفت

ألفاظه، فكله يدور على معنى واحد؛ وهو اصطلاح المخرجين وعائشة- رضى

الله عنها- قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل خبزا وكتفا وأقام المؤذن الصلاة،

فأراد القيام فقلت له: ألا تتوضأ يا رسول الله من الأطيبين؟! فتوضأ ثم قام

فصلى ولم يتوضأ ". رواه الحافظ أبو العباس السراج في مسنده لإسناد صحيح،

وأبو رافع قال: " أشْهد أن استوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطن شْاة ثم صلى ولم

يتوضأ ". رواه مسلم (1) في صحيحه، ولفظ السراج في مسنده قال: " ذبحت

لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة، وأمرني فطبخت له من بطنها، فأكل منه، ثم قام فصلى

ولم يتوضأ ". في سنده عتاد من ولد أبي رافع- وهو مجهول- ولما رواه ابن

الأشعث من حديث سلمة بن الفضل، ثنا أبو جعفر الرازي عن داود بن أبي

هند عن شرحبيل عن أبي رافع مطولا قال: هذا حديث غريب، وأبو بكر

الصديق- رضى الله عنه- روى حديثه ابن أبي داود عن عمرو بن عثمان، ثنا

عقبة بن علقمة عن الأوزاعي قال: كان مكحول يتوضأ مما مست النار حتى

أتى عطاء بن أبي رباح فأخبره عن جابر بن عبد الله/أن أبا بكر أكل ذراعا-

أو كتفا- ثم صلى ولم يتوضأ، فقيل له: أتركت الوضوء؟ فقال: لأن يقع

أبو بكر من السماء فيتقطع أحب إليه من أن يخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

وفي لفظ عن مكحول: أخبرني ثقة عن جابر: " رأيت أبا بكر أتى بطعام

مسته النار قبل صلاة المغرب، فأكل ثم قام فصلى ولم يتوضأ

وفيه: رأيت

النبي صلى الله عليه وسلم عام الأول في مثل هذا اليوم أكل في هذا الموضع مما مست النار

قبل صلاة المغرب، ثم صلى ولم يتوضأ، ففعلت كما فعل " (2) ، قال زيد بن

واقد: فقلت: أخبرك ثقة؟ قال: نعم. ولما رواه البزار من حديث أسير الجمال

= قوله: " برمة " بضم الباء وسكون الراء هي القدر، وجمعها برام- بكسر الباء- قاله الجوهري.

(1)

صحيح. رواه مسلم في: 3- كتاب الحيض (ح/94) .

قوله: " بطن الشاة " البطن: الكبد، وما معها من حشوها.

(2)

سنن الترمذي: (1/119) .

ص: 467

حدثنا عمرو بن أبي المقدام ثنا عمرو بن أبي مسلم عن أبي عبلة عن بلال

قال: حدثني مولاي أبو بكر قال سمعت النبي يقول: " لا يتوضأ رجل من

طعام أكله حل له " (1) . قال: لا نعلمه يروي عن النبي هذا اللفظ إلا من

هذا الوجه وعمرو بن أبي المقدام هو ابن ثابت، حدث عنه أبو داود جماعة

من أهل العلم على تشيعه، ولم يترك حديثه لذلك، وأسند حديث، وأحاديث

لم يتابع عليها، وإنما ذكرنا هذا الحديث لانا لم نحفظه إلا من هذا الوجه بهذا

الإِسناد فذكرنا وبينا العلة فيه، لما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل من

حديث الأوزاعي عن حسان بن عطية عن جابر عن أبي بكر: " أنه أكل مع

النبي لحما ثم صلى ولم يتوضأ ". وقال: سمعت محمد بن عوض يقول: هذا

خطأ، إنما يرويه الناس عن عطاء عن جابر عن أبي بكر موقوفا. انتهى كلامه.

وفيه إشعار بأنه موقوف، وفي هذا رد لما قاله أبو عيسى: حديث أبو بكر لا

يصح من قبل إسناده؛ إنمّا رواه حسام بن مصار عن ابن سيرين عن ابن عباس

عن أبي بكر، والصحيح إّنما هو عن ابن عباس عن النبي. هكذا، رواه الحفاظ،

وروى عن غير وجه عن ابن سيرين عن ابن عباس، ورواه عطاء بن يسار عن

عكرمة، ثنا محمد بن عمرو عليِ بن عبد الله بن عباس وغير واحد عن ابن

عباس عن النبي، ولم يذكروا فيه عن أبي بكر، وهذا أصح وكثر رجل من

الصحابة قال: " كنا عند النبي- عليه السلام، فوضع لنا طعام فأكلنا، ثم

أقيمت الصلاة، فقمنا فصلينا ولم نتوضأ ". رواه الحافظ أبو بكر بن الأشعث

في سننه عن أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السّرح، ثنا ابن وهِب

سمعت حِيوة بن شُريح سألت/عقبه بن مسلم التجيبي عن الوضُوء مما مسته

النار فقال: إنه كثير، وكان من أصحاب النبي- عليه السلام

الحديث،

وأبو سعيد روى حديث ابن أبي داود عن أيوب بن محمد الوازن، ثنا مروان

ثنا هلال بن ميمون ثنا عطاء بن يزيد قال ورواه عن أبي سعيد قال: " تعرّق

رسول الله صلى الله عليه وسلم عظما ثم صلى ولم يتوضأ " (2) . ورواه أبو الشيخ في فوائد

(1) حبيب (1/25) وابن عدي في " الكامل "(5/781) .

(2)

صحيح. رواه ابن عدي في " الكامل (1/340) بلفظ: " تعرق رسول الله صلى الله عليه وسلم =

ص: 468

الأصفهاني من حديث الحكم بن يوسف عن زفر عن أبي حنيفة عن داود بن

عبد الرحمن عن شرحبيل عنه، وفي كتاب العلل للحربي: وذكر محمد بن

أبي حميد عن هند بنت سعيد بن أبي سعيد عن أبي سعيد به، فقال إبراهيم

في هذا الحديث عن أبي حميد: هند لم تدرك أبا سعيد، والصواب ما قال

عمرو بن محمد بن عمرو بن معاذ ومحمد بن كعب عن عمها وعنها أيضا

أخت أبي سعيد لم تدرك النبيِ، ولا نعرفها أنهّا حدثت عن أحد، وإن كان

الحديث عن عمة أمهّا أخت أبي سعيد فهي الفارغة ولها صحبة. وميمونة

زوج النبي- عليه السلام: " أن النبي- عليه السلام أكل عندها كتفا ثم

صلى ولم يتوضأ " (1) . وعثمان بن عفان قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل

خبزا ولحما وصلى ولم يتوضأ ". رواه البزار (2) عن محمد بن عبد الرحيم، ثنا

ملك بن إسماعيل ثنا عبد السلام عن إسحاق بن عبد الله عن محمد بن أبي

إمامه عن أبان بن عثمان ثم قال: وهذا الحديث فيه إسحاق بن عبد الله

وسائر أسانيده فحسن، ورواه أحمد بن القاضي في مسند عثمان عن أبي

بكر بن أبي شيبة، ثنا علي (3) بن منصور، ثنا شعيب بن زريق عن عطاء

حدثنا ليث عن ابن المسيب: " أن عثمان قعد على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى

بخبز ولحم فأكل، ثم صلى ولم يتوضأ، وقال: قعدت مقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

وأكلت طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم " (4) . وبنحوه رواه النسائي في كتاب الكُنى عنه

عن إسحاق بن موسى، ثنا الوليد عن شعيب بن أبي شيبة وابن مسعود:

= كتف شاة ". وفي التمهيد (3/343) بلفظ: " تعرّق كتفا، ثم قام فصلى ولم يتوضأ ".

قلت: ولهذا الحديث شواهد صحيحة مرت في هذا الباب.

(1)

صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1 لم 253) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير" و" الأوسط "، ورجاله موثقون.

(2)

صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/251) وعزاه إلى البزار وأحمد، ورجال

أحمد ثقات.

(3)

قوله: " علي " وردت في " الأولى ": " معلي "، وكذا أثبتناه.

(4)

أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/251) وعزاه إلى أحمد وأبي يعلى والبزار.

ص: 469

" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل اللحم ثم يقوم إلى الصلاة ولا يمس ماء "(1) .

ثنا بحديثه أبو النون السقا قراءة عليه وأن أسمع، أنباكم المقبري عن الحافظ

السلامي، ثنا أبو منصور المعمري، ثنا القاضي أبو بكر بن أبي حُصين/عن

يونس بن أبي خلْدة عنه، ثنا عمر بن عثمان ثنا عبد الله بن مطيع قال: ثنا

إسماعيل بن جعفر أخبرني عمرو بن أبي عمرو عن عبيد الله بن حمزة أبي

عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود ومحمد بن مسلمة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم:

" أكل آخر أمره لحما، ثم صلى ولم يتوضأ "(2) . رواه أبو القاسم عن عباس

الإسقاطي ثنا عبد الرحمن بن المبارك ثنا دريش بن حسان عن يونس بن أبي

خِلْدة عنه. والمغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل طعاما وأقيمت الصلاة

فقام، وقد كان يتوضأ قبل ذلك فأتيته بماء، ليتوضأ فانتهرني وقال لي: وراك

فساءني ذلك، ثم صلى فشكوت ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: يا رسول

الله، إن المغيرة بن شعبة قد شق عليه انتهارك إياه خشى أن يكون في نفسك

عليه شيء فقال: ليس في نفسي عليه شيء إلا خير، ولكنّه أتاني بماءِ لأتوضأ

وإنما أكلت طعاما، ولو فعلت ذلك فعل الناس ذلك من بعدي " (3) . أنبأ بذلك

المسند فتح الدين العسقلاني رحمه الله قراءة عليه وأنا أستمع، أنبأكم الأخوان

أبو المكارم عبد الله وأبو عبد الله الحسن بن الحسن بن منصور وقال الأول: نا،

وقال الثاني: نا الحافظ العلامة أبو بكر محمد بن موسى الهمذاني قال: قرأت

على محمد بن أبي الأزهر بواسط بالعراق: أخبرك ابن طاهر القارئ في كتابه

نا الحسن بن أحمد نا دعْلج نا محمد بن علي، ثنا سعيد نا عبيد الله بن

إياد بن لقيط عن أبيه عن سويد بن سرحان عن المغيرة وقال: هذا حديث

يروى عن سُويد من غير وجه، فمنهم من يقول فيه: كان يتوضأ قبل ذلك،

ومنهم من يقول: كان توضأ قبل ذلك ورواه أبو داود (4) في سننه عن

(1) تقدم من أحاديث الباب ص 456 (2) تقدٌم بنحوه. وراجع المجمع (1/252) .

(3)

صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/251) وعزاه إلى " أحمد " والطبراني

في " الكبير "، ورجاله ثقات.

(4)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 74- باب في ترك الوضوء مما=

ص: 470

عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري، ووكيع عن سعد عن أبي

صخرة جامع بن سواد عن المغيرة بن شعبة قال: " ضيفت النبي صلى الله عليه وسلم ذات

يوم فأمر بجنْب فشوى، وأخذ شفرته فجعل يجر لي بها/منه، قال: فجاء

بلال فأذنه، بالصّلاة فألقى الشفرة وقال: ما له ترتب يداة وقام يصلي ". وزاد

الأنباري: وكان شاري دفا فقال: أقصه لك على شراك أو قصه لي على شراك

وسيأتي بعد- إن شاء الله تعالى- في كتابه الوليمة. ورافع بن خديج قال:

" رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل ذراعا فلما فرغ أمر أصابعهُ على الجرار، ثم صلى

العصر والمغرب ولم يتوضأ ". ورواه أبو القاسم في المعجم الكبير (1) عن

الحسين بن إسحاق التستري ثنا هشام بن عمار عن صدقة بن خالد عن عمر بن

قيس عن إبراهيم بن محمد بن خالد عن ابن المسيب عنه وإحدى زوجات

النبي صلى الله عليه وسلم قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّ ليلة يأتينا إلا قلنا له فيه تكون

في المدينة فيأكل منها فيصلي ولا يتوضأ ". رواه الكجي من حجاج، ثنا

عمارة عن محمد بن المنكدر قال: " دخلت على إحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

فقلت: ألا تحدثيني: فقالت

الحديث ". وعكراش بن ذؤيب: " أنه أكل

مع النبي صلى الله عليه وسلم قصعة من ثريد ثم أتى بماء فغسل يده وفمهُ ومسح وجههُ وقال

لي: يا عكراش هذا الوُضُوءُ مما مست النار ". رواه أبو حفص في كتابه عن

هارون بن أحمد، ثنا النضر بن طاهر، ثنا عبيد الله بن عكراش عن أبيه،

ومعاذ بن جبل وقيل له: إنّ ناسا يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مما مست

النار، فقال: إنّ قوما سمعوا ولم يعُوا، كنا نُسمّي غسل اليد والفمِ وضوءا،

وليس بواجب، إنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههُم مما

مسّتِ النارُ، وليس بواجب، ورواه البيهقي (2) في كتاب السنن ثم قال: فيه

مست النار (ح/188) .

قوله: " الجنب" بفتح الجيم وسكون النون وآخره باء: للقطعة من الشيء تكون معظمه أو شيئا كثيرا منه.

(1)

ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/252) من حديثه رافع بن خديج

بنحوه، وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "، وفيه عمرو بن قيس المكي عن إبراهيم بن محمد بن خالد بن الزبير، ولم أر من ترجمهما، وله من طريق آخر، وفيه الواقدي، وهو كذاب.

(2)

قوله: " البيهقي " غير واضحة " بالأصل "، وكذا أثبتناه.

ص: 471

مطرف بِن مازن، وفيه كلام، ورواه البزار في مسنده مرفوعا: " إذا أكل

أحدنا طعاما غيرته النّار غسل يده وفاه ثلاث! ". فعد هذا وضوء من حديث

الحسين بن يحيى الخشني، وحاله مختلف فيها؛ فابن معين يوثقه، والنسائي

يأبي ذلك. وأم عامر قالت: " رأيت النبي وهو في مسجد بني عبد الأشهل

أبي يعرف فتعرفه ثم صلى ولم/يتوضأ ". كتبه ابن شيبة في كتاب أخبار

المدنية فقال: ثنا محمد بن خالد، ثنا إبراهيم بن أبي حبة عن داود وعبد

الرحمن بن عبد الرحمن عنها وعبد الله بن عمران النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من

أكل من هذا اللحم شيئا فليغسل يديه " (1) . رواه القاسم في الأوسط من

حديث الوازع بن نافع عن سالم عنه وقال: لم يروه عن سالم إلا الوازع. تفرّد

به المغيرة بن سقلاب. وأم هانئ: " أنه- تعني: النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتفا،

وصلى ولم يتوضأ " (2) . رواه أيضا، وفيه أحمد بن علي الأيار، ثنا أميّة عن

يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر قال: زعمت أم

هانئ فذكره. وضباعة: " أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتفا ثم قام إلى الصلاة

ولم يتوضأ " (3) . ورواه أيضا فيه من جهة موسى بن خلف عن قتادة عن

إسحاق بن عبد الله عن أم عطية عن أختها ضباعة وقال: لم يروه عن قتادة إلا

موسى بن خلف. تفرد به ابنه خلف العمي، وإسحاق الذي روى عنه قتادة هو

ابن عبد الله بن الحرث بن نوفل، وضباعة هي ابنة الزبير بن عبد المطلب-

رضي الله عنها. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما ذكره أبو إسحاق الحربي في

كتاب العلل: رواه قتادة عن أبي الجليل وإسحاق بن عبد الله بن الحرث، وقال

(1) موضوع. ابن القيسراني (727) والمجمع (5/30) وعزاه إلى " أبي يعلى " والطبراني في

" الأوسط "، وفيه الوازع بن نافع، وهو متروك. وتمام لفظ الهيثمي: " من أكل من هذا اللحم

شيئا فليغسل يده من ريح وضره لا يؤذي من حذاءه ".

" والوضر ": الدسم وأثر الطعام.

(2)

صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/253) وعزل إلى الطبراني في الكبير "

و" الأوسط "، ورجاله موثقون.

(3)

صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/253) وعزاه إلى " أبي يعلى "

و" أحمد "، ورجاله ثقات. ولفظه:

" أنها وضعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لحما، فانتهش منه، ثم صلى ولم يتوضأ ".

ص: 472

يزيد بن زريع: عن أبي الجليل عن عبد الله بن الحرث، وكان ينبغي أن يقول:

عن أبي الجليل وعبد الله بن الحرث وإسحاق عن أم حكيم، وليس هي أم

حكيم، إنما هي أم الحكم، وأختها ضباعة ابنتي الزبير بن عبد المطلب وهذه

جدّته من قبل أمه، والتي من قِبل أبيه قام عبد الله بن الحرث هذه بنت أبي

سفيان بن حرب وأمّها صفية بنت أبي عمرو بن أمّية، ولو قال عن أخته أم

الحكم كان أشبه؛ لأنه كان لإسحاق أختا لأبيه وأمّه تسمى أم الحكم، ولدت

لمحمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس ابنه على بن محمد، وقول سعيد بن

بشير عن جدّته وهم؛ لأنّ أمه أم عياش بن أبي ربيعة، وقال التستري: عن

إسحاق وأحسن في قوله أم الحكم، فأمّا همام فقد أحسن في قوله: أم الحكم:

" رأيت " في موافقة سعد بن بشير جدّته وأمّا موسى بن خلف فقال: عن أم

عطية، وإنمّا أراد أن يقول عن أم الحكم عن ضباعة/وكان للزبير ابنة يقال لها:

أم عطية، إنّما له ابنتان ضباعة وأم الحكم، فكيف يقول موسى أم عطية عن

أختها ضباعة؟. وصفية: " أنها قرّبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتفا يعني: فأكل ولم

يتوضأ "؟! رواه داود بن أبي هند عن إسحاق الهامشي عنها، وقال الحربي:

صفية هذه ليست ابنة حُيي، ولكنها صفية بنت أبي عمرو بن أمّية؛ لأنها

جدّته من قبل أبيه. وحديث علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان

يأكل الثريد ويشرب اللبن ويصلي ولا يتوضأ " (1) . رواه الطبراني في كتاب

تهذيب الآثار عن إبراهيم بن سعد الجوهري، ثنا أبو أحمد الزبيري عن عبد

الأعلى عن محمد بن علي عنه. وأم حكيم بنت الزبير: " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم

دخل على ضباعة بنت الزبير فأكل عندها كتفا من لحم ثم خرج إلى الصلاة

ولم يتوضأ ". رواه البغوي الكبير عن يزيد، نا ابن أبي عروبة نا قتادة عن

صالح أبي الخليل عن عبد الله بن الحرث عنها، ورواه الخطابي في غريبه من

جهة يحيى بن حكيم، ثنا مجنون بن الحسن عن داود بن أبي هند عن

إسحاق بن عبد الله بن الحرث عنها، ولفظه: " أنّها أتته بكتف، فجعلت

تسيجلها له فأكل منها، ثم صلى ولم يتوضأ ". وأصما أبي سعيد الخدري

(1) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/251) وعزاه إلى " أبي يعلى"

و" البزار "، وفيه حسام بن مصك، وقد أجمعوا على ضعفه.

ص: 473

قالت: " جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عائدا لأبي سعيد، فقدمنا إليه ذراع شاة، فأكل

منها، وحضرت الصلاة فدعا بماء فمضمض وقام فصلى " (1) . رواه النسائي في

كتاب الكنى (2) عن عبيد الله بن عبد الكريم، ثنا سعيد بن محمد الجرمي، ثنا

عمرو بن محمد بن عمرو بن معاذ الأنصاري أبو محمد، ثنا هند بنت سعيد بن

أبي سعيد الخدري عن عمتها فذكرته ثم قال: رواه عبيد الله عن سعيد، وقد

تقدّم ما قاله لطربي في هذا الحديث قبل، وأكثر ابن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم:

" أكل خبزا ولحما، وصلى ولم يتوضأ "(3) . رواه أبو عبد الله في تاريخ

نيسابور عن محمد بن حامد البزار، ثنا مكي بن عمران، ثنا أحمد بن يوسف

السلمي، ثنا سعيد بن الصباح، ثنا مكين بن معول عن أبي السفر عنه

ومعاوية بن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم./ " أكل النبأ فصلى ولم يتوضأ ". ذكره

عبد الغني بن سعيد في كتاب إيضاح الإشكال رواه عن أبي الطاهر، ثنا ابن

ناجية ثنا يوسف بن واضح، ثنا الحسن بن ندية ثنا روح بن القاسم عن

محمد بن المنكدر عنه، وهو منقطع. نبّه على ذلك الحربي؛ فقال: رواه ابن

المنكدر عن رجل غير معين وقال: يقول من قال: أكل النبأ خطأ. إنما أراد أن

يقول لنا بغير ألف قبل اللام، وهو حديث بنت أبيض: سُئل الحمصي بطيخ

فقال: للمرأة أمضيا كلّها لنا، وكان ينبغي أن يقول في الحديث أيضا مطبوخا

أو مسلوقا حتى يكون مما مست النار فأما ما لم تمسّه النار فلا معنى للحديث.

وأمّ سُليم أن النبي صلى الله عليه وسلم: " أكل جبنا مشويا ثم صلى ولم يتوضأ ". رواه ابن

عون عن محمد بن يوسف عنها، قال الحربي: إِنما أراد أن يقول: أم سلمة

لأن هذا الكلام بعينه رواه ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان بن

يسار عن أم سلمة، وابن يوسف هذا مولى عمرو بن عثمان بن عفان، حدث

عنه مكين بن الأشج وابن عجلان، قال ابن المنذر: ممن روى عنه أنه توضأ

مما مسته النار، وأمرنا بالوضُوء منه. ابن عمر وأم طلحة وأنس بن مالك وأبو

(1) قلت: " سقطت " بعض الكلمات من لفظ هذا الحديث، وأثبتناه من " الثانية ".

(2)

قوله: " الكنى " وردت " بالأولى ": " الكناية "، وهو تصحيف، والصحيح:" الكنى ".

(3)

في " الكامل " لابن عدي (3/961) بلفظ: " أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحما ولم يتوضأ ".

ص: 474

موسى الأشعري وعائشة وزيد بن ثابت وأبو هريرة، وروى مالك عن عمر بن

عبد العزيز وأبي مجلز وأبي قلابة ويحيى بن يعمر والحسن بن أبي الحسن

والزهري، وكان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي- رضي الله

عنهم- وابن مسعود وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وأبّي بن كعب

وأبو الدرداء ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي وأهل الشّام

والشّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لا يرون منه وضوءا،

وكذلك نقول، وذكره البيهقي عن أبي عبد الله الشّافعي، وإنّما قلنا: لا نتوضأ

منه؛ لأنه عندنا منسوخ؛ ألا ترى أنّ عبد الله بن عبّاس/، وإِنّما صحبه- عليه

السلام- بعد الفتح، روى عنه: " أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل من كتف شاة،

ثم صلى ولم يتوضأ " (1) . وهذا عندنا من ابن الدلالات على أن الوضوء منه

منسوخ، وأن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف، والثابت عنه- عليه السلام

أنه لم يتوضأ منه. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما تقدّم من حديث عائشة المتقدم:

" ما ترك النبي- عليه السلام الوضوء مما مست النار حتى قبض ". قال

عثمان بن سعيد الدارمي: لما رأينا هذه الأحاديث قد اختلف فيها عن النبي

عليه السلام فلم نقف على الناسخ منها فنظرنا إلى ما أجمع عليه الخلفاء

الراشدون والأعلام من الصحابة، فأخذنا بإجماعهم في الرخصة فيه، قال

الحاربي: وأكثر الناس يُطلقُون القول بأن الوضُوء منه منسوُخ ثم إجماع الخلفاءِ

الراشدين، وإجماع أئمة الأمصار بعدهم يدل على صحّة النسخ، وحديث

المغيرة- يعني المتقدّم- يدل على أنّ الرخصة كانت غير مرّة، وقال البغوي في

شرح السنّة: هو منسوخ عند عامة أهل العلم، وقال ابن عبد البر: أعلم

مالك الناظر في موطإه أنّ عمل الخلفاءِ الراشدين بترك الوضُوء سنة منه، دليلٌ

على أنّه منسوخٌ، وأنّ الآثار الوارِدة بأن لا وضُوء على من أكل شيئا مسته النار

ناسخة للآثار الموجبة له، وقد جاء هذا المعنى عن مالك بها روى محمد بن

الحسن أنه سمع مالكا يقول: إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا

(1) صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 66- باب الرخصة في ذلك (ح/488) بلفظ:" أكل النبي صلى الله عليه وسلم كتفا، ثم مسح يديه بمسح كان تحته، ثم قام إلى الصلاة، فصلى ".

وصححه الشيخ الألباني.

ص: 475

أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر، في ذلك دلالة على أن

الحق فيما عملا به، ركب عياش بن عباس إلى يحيى بن سعيد يسأله: هل

توضأ مما مسته النار؟ قلنا له: هذا مما يختلف فيه، وقد بلغنا عن أبي بكر

وعمر أنهما أكلا مما مسّت النار ثم صليا ولم يتوضئا أو في التمهيد: الأمر

بالوضُوء منسُوخْ عند أكثر العلماءِ وجماعة الفقهاءِ، وأشكل ذلك على طائفة

كثيرة من أهل العلم بالمدينة والبصرة، ولم يقفوا على الناسخ في/ذلك من

المنسُوخ، وفي مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني: ثنا عمرو بن عثمان، ثنا

سويد بن عبد العزيز عن الأوزاعي قال: سألت الزهري عن الوضوء مما غيرت

النار، فقال: توضأ، قلت: عمن؟ قال: عن زيد بن ثابت وابن عمر وأبي

هريرة وأبي موسى الأشعري وأنس وعائشة وأم سلمة، قلت: وأبو بكر؟ قال:

لم يكن يتوضأ، قلت: فعمر؟ قال: لم يكن يتوضأ، قلت: فعلي؟ قال: لم يكن

يتوضأ، قلت: فابن مسعود؟ قال: لم يكن يتوضأ، قلت: بهما رجالا مثل

رجال قلت: إذا لا أبيك، وفي كتاب الكجي لأبي عبد الرحمن: سئل سعيد

بن المسيب عن الوضوء مما مست النار، فقال: اغسل يدك وفمك.

ص: 476

‌38- باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن إدريس وأبو معاوية قال:

حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن

البراء بن عازب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل فقال:

" توضئوا منها "(1) . هذا حديث قال عبد الله: سألت أبي عن الوضوء للصلاة

من لحوم الإبل فقال: حديث البراء وجابر بن سمرة صحيحان- إن شاء الله

تعالى- وقال الأثرم عنه نحوه وصححه أيضا الإمام إسحاق بن راهويه فيما

حكاه عنه أبو عيسى وأبو محمد الفارسي بعد توثيقه عبد الله راويه، وتبع في

ذلك الإمام أحمد؛ فإنّه لما سئل عنه قال. لا أعلم إلا خيرا، وقال الأعمش:

كان ثقة لا بأس به، وقال صحاح: كان ثقة، وكذلك قاله العجلي، وقال ابن

المديني: معروف وقال العجلي: ثقة، وخرجه ابن الجارود في كتابه، وقال

الحافظ أبو بكر بن خزيمة عند تخريجه: لم نر خلافا بين علماء أهل الحديث

إن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه. حكاه البيهقي عنه. وخرجه

الحافظ البستي في صحيحه من حديث إسحاق عن عبد الرزاق، ثنا الثوري

عن الأعمش والحافظ ضياء الدين في صحيحه، وقال البيهقي في المعرفة:/هو

صحيح عند أثر أهل العلم، وقد أقام الأعمش إسناده وأفسده الحجاج (2) بن

أرطأة وعبيدة الضبي، وهما ضعيفان، وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم

(1) صحيح. رواه الترمذي (ح/81) وأبو داود (ح/184) وابن ماجة (494) وكلاهما-

أي: رواية أبي داود والذي بعده- من طريق أبي معاوية عن الأعمش. ورواه ابن

الجارود (ص 22) من طريق محاضر الهمداني عن الأعمش. وابن أبي شيبة (1/46) والتمهيد

(3/350) وشرح السنة (1/349) والكنز (27064) ونسبه الشوكاني أيضا لابن حبان وابن

خزيمة، ونقل ابن خزيمة قال: " لم أر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة

النقل لعدالة ناقليه ". قلت: وقد صحح هذا الحديث الشيخ الألباني.

(2)

رواية الحجاج بن أرطأة هذه رواها أحمد في المسند (4/352) : " ثنا محمد بن مقاتل

المروزي أنا عباد بن العوام، ثنا الحجاج عن عبد الله مولى بني هاشم، قال: وكان ثقة، قال:

وكان الحكم يأخذ عنه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن خضير ". وعبد الله بن

عبد الله مولى بني هاشم هو الرازي.

ص: 477

توضأ من لحوم الإبل، وصححه أيضا أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه،

ورواه أبو داود عن عثمان ثنا أبو معاوية عن الأعمش بزيادة: وسئل عن لحوم

الغنم فقال: لا وضوء منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: " لا

تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين "، وسئل عن الصلاة في مرابض

الغنم فقال: " صلوا فيها فإنها بركة "، ولما رواه الترمذي (1) مختصرا عن

هناد، ثنا أبو معاوية قال: وفي الباب عن جابر بن سمرة واشب بن قصير، وقد

رواه حجاج بن أرطأة عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى

عن البراء وروى عبيدة الضبي عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد

الرحمن عن ذي الغرة، ورواه حماد بن سلمة عن الحجاج فأخطأ فيه فقال:

عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه عن أسير، والصحيح: الأول، وقال في

كتاب العلل: وذو الغرة لا يدري من هو. انتهى كلامه. وفيه نظر:

الأول: قوله: وذو الغرة لا يدري من هو، وإن كان البيهقي قد وافقه على

ذلك فالمؤاخذة له أيضا؛ لأن أبا عيسى نفسه قد ذكره في كتاب الصحابة

تأليفه- الذي في أوله تسمية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذكره في الصحابة أيضا

عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي في معجمه، وسماه يعيش، ونسبه

جهنيا، وأبو الحسن بن نافع وابن أبي حاتم، وقال: له صحبة، وذكر عن أبيه

أن الحديث المشار إليه خطأ، والصحيح: عن ابن أبي ليلى عن البراء عن النبي،

وعبيدة ضعيف. ثنا عباس الدوري سمعت يحيى بن معين يقول: ذو الغرة من

أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبو القاسم بن مطير في المعجم الكبير في حرف الياء،

(1) صحيح. رواه الترمذي (ح/348، 349) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن

ماجة (ح/768، 769) وأحمد (4/86) والبيهقي (2/449) وابن أبي شيبة (1/384)

والمجمع (2/26) والتمهيد (5/303) والمعاني (1/384) . وصححه الشيخ الألباني:

(الإرواء: 1/194)

قوله: " مرابض للغنم " جمع " مربض" بفتح الميم، وسكون الراء، وكسر الباء الموحدة، وآخره

ضاد معجمة: وهو مأوى الغنم ومكان ربوضها.

قلت: والنهي عن الصلاة في مرابض الإِبل للتحريم، فلا تصح الصلاة المحرمة، وهو مذهب

أحمد والظاهرية وغيرهم، وهو نهي تعبدي. والأمر بالصلاة في مرابض الغنم أمر للإِباحة، لا

نعلم في ذلك خلافا.

ص: 478

وأفاد فائدة خرج بها عبيدة الضبي المعصوب برأسه الجنابة عند الترمذي وأبي

حاتم من الإسناد وتوبع / فقال: يعيش الجهني، وهو ذو الغرّة، ثنا محمد بن

عبد الله الحضرمي، ثنا محمد بن عمر ان بن أبيِ ليلى، ثنا أبي عمران بن أبي

ليلى عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن يعيش الجهني- يعرف

بذي الغرّة- فذكر الحديث، وذكره أبو عمر بن عبد البر بنحوهما تقدّم،

ونسبه جهنيّا قال: ويقال: كان طائيّا ويقال: هلاليا، وفي تاريخ الجعفي:

يعيش الغفاري، ويقال: الجهني، له صحبة.

ثنا المسند المعمر أبو الحسن علي بن كليب الحجازي بقراءتي عليه، أخبركم

المسند المعمر أبو العباس أحمد بن إسحاق العجمي، ثنا أبو سهل بن أبي الفرح

الهمداني، ثنا الحافظ أبو منصور بن سرويه، أنا ابن السبع، ثنا أبو عاصم بن

المأمون ثنا الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الشيرازي- رحمه الله

تعالى- قال ذو الغرّة الجهني- واسمه يعيش-: ثنا أبو عبد الله محمد بن

إسحاق بن محمد بن يحيى، ثنا عبد الرحمن بن حمدان بن المرزبان، ثنا

هلال بن العلاء، ثنا محمد بن عمران بن أبيِ ليلى، ثنا أبي عن ابن أبي ليلى

فذكر الحديث بسند الطبراني المتقدّم، وذكره الإمام أبو عبد الله في مسنده،

وذكره في الصحابة أيضا ابن أبي خيثمة في تاريخ الأوسط، والدارقطني في

المختلف والمؤتلف، وأبو جعفر الطبري في المذيل، وابن الجوزي في كتاب

الصحابة بنحوه، وقال ابن ماكولا: روى- يعني: ذا الغرّة- عن النبي صلى الله عليه وسلم،

روى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وتفرّد بروايته عبد الله الرازي، واختلف

على عبد الله فيه؛ فرواه عبيدة الضبي عبد الغني، فلم يسم ذا الغرّة، ورواه

محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الرازي وقيل: بل رواه عن أخيه

عيسى، يقال: عن عبد الرحمن عن يعمِش الجهني- وهو ذو الغرّة- وخالفه

الأعمش؛ فرواه عن الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء، قال

بعض أهل العلم: إنّ البراء هو ذو الغرّة؛ سُمي بذلك لبياض كان في وجهه،

ورواه أبو معمر عن عباد عن حجاج عن الرازي فقال: عن أسيد بن حضير لا

عن البراء شكّ في ذلك، رواه / حبيب (1) ابن أبي نائبة عن عبد الرحمن بن

(1) في " الأولى "" حبيب " وفي " الثانية " وردت: " جبير ".

ص: 479

أبي ليلى يقال: عن السليل والسليك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولما ذكر ابن أبي داود

حبيب ذي الغرّة في سننه قال: هذه سنة تفرّد بها أهل الكوفة.

الثاني: قوله: وفي الباب عن جابر وأسيد، وليس كذلك، بل في الباب جمر

هذين الحديثين سنذكرهما بعد- إن شاء الله تعالى- وأما ما ذكره أبو داود

الطيالسي في مسنده عن شعبة عن الأعمش: سمعت عبد الله مولى قريش عن

ابن أبي ليلى به فيريد: مولى قريش عبد الله بن عبد الله لا غيره، والله تعالى

أعلم.

حدّثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا زائدة وإسرائيل عن

أشعث بن أبي الشعثاء عن جعفر بن أبي مور عن جابر بن سمرة قال: " أمرنا

رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتوضأ من لحُوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم " (1) . هذا

حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي عوانة عن عثمان بن عبد

الله بن وهب عن جعفر بن أبي ثور عن جابر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم

" أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ. قال:

أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قال: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال:

نعم. قال: أأصلي في مبارك الإبل قال: لا " (2) . رواه عن أبي كامل

الجحدري عنه، وأتبعه برواية زائدة عن سماك، ورواية شيبان عن ابن وهب-

أو شعث- كلّهم عن جعفر بمثل حديث أبي كامل عن أبي عوانة قال: وقد

روى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أنبأني من سمع جابر بن سمرة

يقول: " كنا نمضمض من ألبان الإبل ولا نمضمض من ألبان الغنم، وكنا

نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم " (3) .

وفي مستخرج أبي نعيم عن أشعث، وفي المعرفة من حديث زائدة عن

(1) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، ح/97) وأحمد (5/86، 88، 92، 101، 102، 106،

108) ورواه ابن ماجة (495) وابن أبي شيبة (14/150) والكنز (27067) .

(2)

تقدم تخريجه في " الهامش السابق ".

قوله: " مبارك الإِبل ": هي مأوى الإِبل، ومكان مباركها.

(3)

انظر: المصدر السابق لمسلم.

ص: 480

سماك، كلاهما عن جعفر عن جابر قال: " أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا عنده،

فقال: يا رسول الله أتطهر من لحوم الغنم؟ قال: ان شئت فتطهر وإن شئت

فدع. قال:/أفأصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أتطهر من لحوم

الإبل؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا " (1) . وأخرجه بن

منده، وقال: هذا إسناد صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري لجعفر بن أبي ثور،

وفي قوله ذلك نظر؛ لأن هذا الحديث ليس في كتب الجماعة- خلا (2)

القشيري وابن ماجة- وقال البيهقي في المعرفة: هو صحيح عند أكثر أهل

العلم، وأمّا البخاري فإنّه لم يخرجه، ولعله إنّما لم يخرج حديث ابن وهب

وأشعث لاختلاف وقع في اسم جعفر بن أبي ثور، وقولُ عليِ بن المديني

لجعفر: هذا مجهول لا يعللّ الحديث، وذلك لأنّ سفيان الثوري وزكريا بن

أبي زائدة على روايته عن سماك عن جعفر بن أبي ثور عن جابر، وإنمّا قال:

شعبة عن أبي ثور بن عكرمة بن جابر، وشعبة أخطأ فيه، وفي العلل الترمذي:

أخطأ شعبة فيه، وجعفر بن أبي ثور رجل مشهور روى عنه سماك وابن وهب

وأشعث، وهو من خالد جابر بن سمرة، وحديث الثوري أصح، وقال ابن

خزيمة: هؤلاء الثلاثة من أجلّ رواة الحديث، وقال البيهقي: ومن روى عنه مثل

هؤلاء، خرج من أن يكون مجهولا؛ ولهذا أودعه مسلم في صحيحه، وفي

تاريخ الحرمي: جعفر هذا كوفي، والرواية عنه قليلة، ولا أدري كيف نسبته

إلى جابر بن سمرة؟! وفي تاريخ محمد بن الأوسط: جعفر بن أبي ثور بن

جابر السوائي قال: سفيان وزكريا وزائدة عن سماك عن جعفر بن أبي ثور،

وقال: سماك عن جعفر بن أبيِ ثور، وقال: عن جعفر بن سريات عن جابر

عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم في لحوم الغنم، وقال حماد بن

سلمة: عن سماك عن جعفر بن أبي ثور عن جدّه جابر، وقال النضر: عن

شعبة عن سماك سمعت أبا ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر قال:

محمدا هذا كلّه وهم الا ما قاله سفيان وزائدة بن جعفر بن أبي ثور وروى

عن جعفر بن محمد بن قيس الأسدي وابن وهب، ثنا عبد الرحمن بن شيبة،

(1) المتقدم قريبا.

(2)

كذا ورد " بالأصل ".

ص: 481

ثنا أبو أسامة عن ابن وهب عن عمه عثمان بن عبد الله بن وهب، عن رجل

بالكوفة سماه لي فلم أحفظه كان أبوُه / صحب النبي صلى الله عليه وسلم أن أباه أخبره أنه

سأل النبي صلى الله عليه وسلم: " أنتوضأ من الغنم؟ قال: لا ". ثنا موسى أبو عوانة، ثنا

عثمان بن موهب عن جعفر بن أبي ثور عن جابر مثله وبنحوه ذكره في

الكبير، وقال أبو حاتم: اسم أبي ثور: مسلم، وقال بعضهم: مسلمة، وحكى

مسلم وعبد الله في علله عن الإِمام أحمد بن جابر جده من قبل أمه، وقال

اللالكائي: نافع بن سفيان وهو ابن معاوية، وكذلك روى عثمان بن وهب،

وروى عنه أبو عوانة وشيبان بن عبد الرحمن مثله، ووافقه محمد بن قيس

وأشعث، وقال أبو أحمد الحاكم: قول شعبة غلط بكل حال، ومن قال أبو

ثور فهو مخطئ، وزعم مسلم في كتاب الكنى أن محمد بن إسماعيل قال:

اسم أبي ثور الذي روى عن جابر ابن سمرة: اسمه مسلم، وتبعه على ذلك

ابن عمر، ولا أدري كيف هذا ولا كيف يتجه هذا القول مع ما تقدم من

كتابته؟! ولما ذكره أبو حاتم في كتاب الثقات قال: جعفر بن أبي ثور- وهو

أبو ثور بن عكرمة- فمن لم يحكم صناعة الحديث يتوهم أنهما رجلان

مجهولان- والله أعلم-، ورواه أبو الحسن في الأفراد من حديث عبد

الرحمن بن أبي ليلى عن جابر، وقال: تفرد به عدي بن يونس عن الأعمش،

وأسنده عن جابر، وغيره يرويه عن الأعمش، وبسنده عن البراء، وفيه خلاف

على عبد الله الدوري عن ابن أبي ليلى.

حدثنا أبو إسحاق الهروي إبراهيم بن عبد الله بن حاتم ثنا عباد بن العوام

عن حجاج عن عبد الله بن عبد الله- مولى بنى هاشم- وكان ثقة، وكان

الحكم يأخذ عنه، ثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير قال رسول

(1)

ضعيف. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 67- باب ما جاء في الوضوء من

لحوم الإِبل (ح/496) .

في الزوائد: إسناده ضعيف؛ لضعف حجاج بن أرطأة وتدليسه، وقد خالفه غيره. والمحفوظ:

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء.

انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/109) ، وصحيح أبي داود (ح/177) ، وضعيف الجامع (ح/6279) .

ص: 482

الله صلى الله عليه وسلم: " لا تتوضئوا من ألبان الغنم وتوضؤوا من ألبان الإبل "(1) . هذا

الحديث تقدم كلام أبي عيسى عليه، وقال أبو حاتم: ليس صحيح، وقد ذكره

الحافظان الدمشقيان- ابن عساكر وأبو الحجاج- فلم يذكراه في كتاب

الأطراف، وهو باب في سنن ابن ماجة كما يروى، ورواه أبو القاسم في

الأوسط من حديث عمران القطان عن الحجاج، ولفظه: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" توضئوا من لحوم/الإبل ولا تصلوا في مناخها، ولا توضئوا من لحوم الغنم

وصلوا في مراتعها " (1) . وقال: لم يروه عن عمران إلا عمرو بن عاصم

الكلائي، وهو حديث ضعيف؛ لضعف رواية الحجاج بن أرطاة بن ثور بن

هبيرة بن إسرائيل بن كعب بن سلام بن عامر بن حارثة بن سعيد بن ملك بن

السميع، وإن كان الثوري قد قال فيه: عليكم به فإنه ما بقى أحدا عرف بما

يخرج من رأسه منه، وقال ابن أبي نجيح: ما جاء بأمثله، وقال حماد بن زيد:

كان عندنا أفهم لحديثه من الثوري، وزاد الدولابي: قال الحسن: قلت ليزيد بن

هارون: أكان الثوري أحفظ من الحجاج وأثبت؟ قال: لم يكن بأثبت منه،

ولكن كان أرضا منه، وقال العجلي: كان فقيها أخذ يفتي الكوفة وكان فيه

ثقة، وكان يقول: أهلكني حب الشرق، وولى قضاء البصرة، وكان جائز

الحديث إلا أنّه صاحب إرسال، وإنما تعب الناس من التدليس، وقال الإمام

أحمد: كان من الحفاظ، وفي حديثه زيادة على حديث الناس: ليس يكاد له

حديث إلا فيه زيادة، وقال ابن معين: صدوق، ليس بالقوي، يدلس عن

العزري عن عمرو بن شعيب، وفي رواية معاوية بن صالح عنه: ثقة، وقال أبو

زرعة: صدوق مدلس، يكتب حديثه، فإذا قال: ثنا، فهو صالح لا يرتاب في

صدقه وحفظه إذا بين السماع، وقال حماد بن زيد: قدم علينا جرير بن حازم

فقال: ثنا قيس بن سعد عن ابن أرطأة، فلبثنا ما شاء الله، ثم قدم علينا الحجاج

ابن ثلاثين- أو إحدى وثلاثين- فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على

حماد بن أبي سليمان، ورأيت غيرنا مطر الوراق، وداود بن أبي هند ثناه علي

أرجلهم يقولون: ثنا أرطأة ما يقول في كذا، وقال هشيم: سمعته يقول:

(1) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/250) وعزاه إلي الطبراني في

" الأوسط "، وفيه الحجاج بن أرطأة، وفي الاحتجاج به اختلاف.

ص: 483

استفتيت وأنا ابن ست عشرة، وقال ابن عدي: إنما عاب الناس عليه (1)

تدليسه عن الزهري وعن غيره وربما أخطأ في بعض الروايات؛ فأما أن يتعمد

الكذب فلا، وهو ممن يكتب حديثه، وقال الخطيب: كان أحد العلماء

بالحديث/والحفاظ له، وقال الحاكم في تاريخ نيسابور: وثقة شعبة وغيره من

الأئمة، وأكثر ما عيب فيه التدليس، والكلام فيه يطول، وقال أبو حاتم البستي

في ترجمة سليمان الأسدي: سيد شباب أهل العراق ابن أرطأة، وخرج حديثه

مسلم في صحيحه مقرونا بابن أبي عيينة، والبخاري في كتاب الأدب، وقال

أبو الحسن: لا بأس به، فقد قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: يروى عمن لم

يلقه، لا يحتج بحديثه، وقال يحيى: ضعيف، وقال مرة: لا يحتج به، وقال

يحيى بن سعيد القطان: هو وابن إسحاق عندي سواء- يعني: في الضعف-

فلا أحدّث عنهما، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال البخاري في التاريخ

الأوسط: متروك لا يعرف، وقال الساجي: متكلّم فيه وذكر عن ابن خزيمة:

لا أحتج به إلا فيما قال: ثنا، أو سمعت، وفي الذخيرة لابن طاهر: حجاج

متروك الحديث، وقال ابن حبان: تركه ابن المبارك ويحيى بن سعيد القطان

وابن مهدي وابن معين وأحمد، وفي كتاب العقيلي عن ابن معين والحرث

المجاري قالا: أمرنا زائدة أن نترك ابن أرطأة، وقال ابن إدريس: كنت آتيه

فأجلس على بابه حتى تطلع الشمس، فلا يخرج إلى الصلاة جماعة وتركته،

ولما ذكره أبو العرب في كتاب الضعف قال: كان يقول: ترك الصلاة في

الجماعة ابن المرورة، قال أبو العرب: وهذا من مثاله، وقال ابن سعد: كان

شريفا سريا، توفى في خلافة جعفر، وكان ضعيفا في الحديث، وبنحوه ذكره

يعقوب بن سفيان في تاريخه، وابن أبي خيثمة في الأوسط والبلخي في

كتاب الضعفاء.

الثاني: إبراهيم بن عبد الله بن حاتم القهروي وإن كان ابن معين قال: لا

بأس به، وقال صالح بن محمد: صدوق، وقال الدارقطني: عنه ثبت، وذكره

(1) قوله: " عليه " في " الأصل ": " علم "، وفي " الثانية ":" علم "، وهو تصحيف،

والصحيح ما أثبتناه.

ص: 484

ابن حبان في كتاب الثقات، فقد قال فيه أبو داود: ضعيف، وقال النسائي:

ليس بالقوي، وهما تلميذاه، وأعرف به ممن سواهما،/والله تعالى أعلم.

حدثنا محمد بن يحيي، ثنا يزيد بن عبد ربه، ثنا بقية عن خالد بن يزيد بن

عمرو بن هبيرة الفزاري عن عطاء بن السائب: سمعت محارب بن دثار.

سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " توضئوا من

لحوم الإبل، ولا توضئوا من لحوم الغنم، وتوضؤوا من ألبان الإبل، ولا توضئوا

من ألبان الغنم، وصلوا في مراح الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل " (1) . هذا

حديث قال ابن أبي حاتم: سألت أبيِ عن حديث رواه أحمد بن عبيدة عن

يحيى بن كثير عن عطاء بن السائب عن محارب الحديث فقال: إني كنت

أنكر هذا الحديث لتفرده من حديث له أصلا، ثنا ابن المصفي عن بقية،

حدثني فلان سمّاه عن عطاء عن محارب بنحوه قال: وحدثني عبد الله بن

سعد الزهري، حدثني عمي يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق، حدثني عطاء بن

السائب أنّه سمع محاربا يذكر عن ابن عمر بنحو هذا، ولم نرفعه، قال أبي:

حديث ابن إسحاق الموقوف أشبه. انتهى.

وفي الباب حديث آخر من رواية جابر بن يزيد الجعفي عن حبيب بن أبي

ثابت عن بن أبي ليلى عن سليك الغطفاني عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء من

لحوم الإبل (2) . ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل، وأشار إلى ضعفه زيد،

وتقدّم ذكره قبل. قال ابن المنذر: قال بالوضوء منه جابر بن سمرة ومحمد بن

(1) ضعيف. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 67- باب ما جاء في الوضوء من

لحوم الإِبل (ح/497) .

في الزوائد: في إسناده بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة، رجاله ثقات، خالد بن

عمر مجهول الحال.

وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع ص/367 ح/2496) .

انظر: صحيح أبي داود (ح/77) ، وضعيف ابن ماجة (110/497) .

(2)

ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/250) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "،

وفيه جابر الجعفي وثقة شعبة وسفيان وضعفه الناس. ولفظه: " توضئوا من لحوم الإبل، ولا

توضئوا من لحوم الغنم. وصلوا في مرابض للغنم، ولا تصلوا في مبارك الإِبل ".

ص: 485

إسحاق- صاحب المغازي- وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو خيثمة ويحيى بن

يحيى، وكان مالك والثوري والشافعي والنعمان لا يوجبون منه وضوء، قال

أبو بكر: والثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وفي كتاب المعرفة قال الشافعي في

بعض كتبه: إن صح الحديث في الوضوء من لحوم الإبل قلت به، وقال

علي بن الحسن الأوطس: رأيت محمد بن الحسن يتوضأ من لحوم الإبل، وقال

أبو محمد بن حزم: وأكل لحوم الإبل عند أبيه أو مطبوخة أو مشوية وهو

يدري أنه لحم جمل أو ناقة ينقض الوضوء، ولا ينقضه/أكل شحومها محضة،

ولا أكل شيء منها غير لحمها، فإن كان يقع على بطونها أو رؤوسها وأرجلها

اسم اللحم عند العرب نقض الوضوء ألا وبهذا القول يقول أبو موسى

الأشعري، زاد أبو عمر في الاستذكار وأبو ثور رحمهم الله أجمعين، وقال

الخطابي: ذهب عامة أصحاب الحديث إلى إيجاب الوضوء منه، وأما عامة

الفقهاء فمعنى الوضوء عندهم متأوّل على الوضوء الذي هو النظافة، وبقي

الزمومة كما روى: " توضئوا من اللبن فإن له دسما "(1) . كما قال: " صلوا

في مرابض الغنم، ولا تصلوا في عطبان الإبل ". وليس ذلك من أجل أن بين

الأمرين فرقا في باب الطهارة والنجاسة؛ لأن الناس إنما قائل يرى نجاسة

الأبوال كلها، أو قائل يرى طهارتها، والغنم والإِبل سواء عند الفريقين، وإنما

هي عن ذلك لنفارها، وذلك مأمون في الغنم، ومعلوم أن في لحمها من الحرارة

والزمومة ما ليس في لحم الغنم. انتهى كلامه. ولقائل أن يقول: أنّه نهى عن

الصلاة في أعطان الإبل لما يخالطها من الشياطين، وذلك بين في حديث

حمزة: " ولا تصلوا في معاطن الإبل؛ على ظهر كل منها شيطان فإذا

ركبتموهم فسموا الله، ولا تقعدوا عن حاجاتكم " (2) . وفي حديث عبد الله بن

(1) صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب للطهارة، 68- باب المضمضة من شرب اللبن،

(ح/ 498) . ولفظه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مضمضوا من اللبن فإن له دسما ".

قوله: " فإن له دسما " الدسم: هو الودك. وصححه الشيخ الألباني.

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة (768) وأحمد (4/86) وللبيهقي (2/449) وابن أبي شيبة

(1/384) والتمهيد (5/303) والكنز (19174، 19184، 19185) والمجمع (2/26)

والمعاني (1/384) والإِرواء (1/194) . وصححه الشيخ الألباني.

ص: 486

مغفل: " ولا تصلوا في معاطن الإبل؛ فإنها خلق من الشياطين "(1) .

ذكرهما أبو القاسم في معجمه، ويكون ذلك لنهيه- عليه السلام عن

الصلاة في الوادي من أجل الشيطان الذي به، والله تعالى أعلم.

وروى حديث الإبل جماعة لا واحد لها من لفظها، وكذلك الغنم قاله في

التلخيص، وفي كتاب الصحاح: وهي موثقة؛ لأنها اسم الجموع التي لا

واحد لها من لفظها إذا كانت تعبر إلا ودعت (2) والتأنيث لها اللازم، وإذا

صغرتها أدخلتها الهاء فقلت أبيلة وغنيمة ونحو ذلك، وربما قالوا للإبل: إِبْل-

بتسكين الباء للتخفيف والجمع إبال، فإذا قالوا إبلان وغنمان وإنما يريدون

قطيعين من الإبل- وأرض إبلية أي: ذات إبل، والنسبة إلى الإبل إبلي يسمون

الباء استحبابا لبوال السكرات، والمراح- بالضم- حيث تأوى إليه الإِبل والغنم

بالليل، وثالثه الموضع الذي/يروح منه القوم أو يروحون إليه كالمعدي للموضع

الذي نتعدّى منه. حكاه المنذري، والعطن، وجمعه أعطان مبرك الإبل حول

الماء. ذكره أبو عبيدة. وفي كتاب الصحاح: العطن والمعطن واحد الأعطان،

والمعاطن: وهي مبارك الإبل عند الماء ليشرب بعللٍ بعد نهل، فإذا استوفت

ردت إلى المراعي وعطنت وعطبت الإبل بالفتح تعطن عطونا إذا رويت ثم

نزلتا فهي إبل عاطنة وعواطن، وقد ضربت تعطن أي: نزلت، وكذلك نقول:

هذا عطن الغنم وتعطنها (3) لمرابطها حول الماء، والله تعالى أعلم.

(1) صحيح، وإسناده ضعيف. رواه ابن ماجةْ (769) . في الزوائد: إسناد المصنف فيه مقال.

وأصل الحديث رواه النسائي مقتصرا على النهي عن أعطان الإبل. والمجمع (2/26) وعزاه إلى

" أحمد " والطبراني في " الكبير " إلا أنه قال: " وصلْوا في مراح للغنم، فإنها بركة من

الرحمن ". وقد رواه ابن ماجة والنسائي باختصار، ورجال أحمد ثقات وصرح ابن إسحاق

بقوله: حدثني. وصحح إسناده الشيخ الألباني.

(2)

كذا ورد هذا السياق " بالأصل ".

(3)

قوله: " وتعطنها " وردت " بالأولى ": " معطنها "، والصحيح ما أثبتناه من الثانية.

ص: 487

المضمضة من شرب اللبن

حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي

عن الزهيري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال: " تمضمضوا من اللبن؛ فإن له دسما "(1) . هذا حديث خرجه الأئمة

الستة في كتبهم بغير لفظ إلا مروان، وكان المنذري قد أطلق ذلك ولم يبينه

فيشبه أن يكون وهما؛ ولما ذكره الطبري في شرح الآياد من حديث ليث عن

عقيل عن ابن شهاب قال: هذا خبر عندنا صحيح، وإن كان عند غيرنا فيه

نظر لاضطراب ناقليه في مسنده فمن قائل عن الزهري عن ابن عباس من غير

إدخال عبيد الله بينهما، ومن قائل عن الزهري عن عبيد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال (2) : " من شرب لبنا " من غير ذكر ابن عباس بعد، فليس في

مضمضته عليه السلام من اللبن وجوب مضمضة ولا وضوء على شارب

من شربه إذ كانت أفعاله غير لازمة لأمته العمل بها، إذا لم يكن بيانا عن

جملة عرض في تنزيله- انتهى كلامه- وفيه نظر من حيث ذكره لفظ الأمر

لا الفعل- والله أعلم- لكنه مشكل ما ذكره البيهقي عن ابن عباس راوي

الأمر لولا التلفظ ما/ قال إلا أمضمض.

حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد عن موسى بن يعقوب

قال: حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه عن أم سلمة زوج النبي

صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا شربتم اللبن فمضمضوا فإن له

دسما " (3) .

(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الوضوء، باب " 52 " والأشربة باب " 12 ")

ومسلم في (الحيض، ح/95) والترمذي (89) والنسائي في (الطهارة، باب " 124 ")

وابن ماجة (498) وأحمد (1/223، 227، 329، 337، 373) .

قال الحافظ في " الفتح: 1/270 ": " هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الخمسة

وهم: الشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي عن شيخ واحد؛ وهو قتيبة ".

(2)

قوله: " قال " سقط من " الأصل "، وكذا أثبتناه.

(3)

صحيح. رواه ابن ماجة (499) والكنز (41046) . وصححه الشيخ الألباني.

ص: 488

هذا حديث إسناده صحيح، موسى بن يعقوب الزمعي الأسدي أبو محمد

المدني، روى عنه جماعة؛ منهم: معن بن عيسى، وابن أبي فديك ومحمد بن

عثمة. وسعيد بن أبي مريم وثقة بن معين، ولما ذكر حديثه هذا أبو عبد

الرحمن في كتاب الكني اتبعوا التوثيق، ووثقه أيضا أبو محمد الرشاطي قال:

ووقع في كتاب ابن أبي حاتم أنه قرشي زهري، وهو وهم، اللهم إلا أن يكون

زهريا من قبل أمّه أو بوجه آخر- والله أعلم- انتهى كلامه. وكما نسبه ابن

أبي حاتم نسبه البخاري في تاريخه الكبير وأما أبو عبيدة الذي ذكر أبو عمر

أنهم اتفقوا على أنه لا اسم له فحديثه صحيح، وأبو عبد الله بن زمعة له

صحبة فيما ذكره ابن حبان.

حدثنا أبو مصعب ثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي

عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تمضمضوا من اللبن، فإن له

دسما " (1) . هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف عبد المهيمن المذكور قبل في

باب التسمية في الوضوء. حدثنا إسحاق بن إبراهيم السواق، ثنا الضحاك بن

مخلد ثنا زمعة بن صالح عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: " حلب

رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة، وشرب من لبنها، ثم دعا بماء فمضمض فاه، وقال: إن

له دسما " (2) . هذا حديث قال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة، وانتهى في

القراءة إلى حديث شبابة عن عبيد الله بن يعيش عن يونس بن بكير عن

محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك: " شرب-

عليه السلام لبنا، ثم قال: / هاتوا ماء، فمضمض" (3) . هذا وهم، إنما هو ما

(1) صحيح، وإسناده ضعيف. رواه ابن ماجة (500) في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف عبد المهيمن.

قال فيه البخاري: منكر الحديث. وابن أبي شيبة (1/57) والطبراني (6/153) .

قلت: وللحديث شواهد صحيحة. وصحح إسناده الشيخ الألباني.

(2)

ضعيف الإسناد والمتن. صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 68- باب

المضمضة من شرب اللبن (ح/501) .

وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/111) .

(3)

ضعيف جدا. العلل: (193) .

ص: 489

ثنا ابن أبي شيبة، ثنا ابن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر وعن الزهري عن

عبيد الله بن عبد الله عن النبي- عليه السلام بنحوه مرسل.

وأمّا زمعة بن صالح الجندي اليمامي ثم المكي، ولن كان مسلم قرنه في

كتابه ابن أبي حفصة، وقال الفلاس: هو جائز الحديث مع الضعف الذي

فيه. وقال ابن عدي: ربما يهم في بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه صالح لا

بأس به، فقد قال الإمام أحمد: ضعيف الحديث، وقال البخاري: مخالف في

حديثه، وتركه ابن مهدي أخيرا، وقال ابن معين: ضعيف، وفي رواية: لم

يكن بالقوي، وهو أصلح حديثا من صالح بن أبي الأصفر، وقال أبو حاتم:

ضعيف الحديث، ووهب أوثق منه، وقال ابن حبان: كان رجلا صالحاً يهم

ولا يعلم، ويخطئ ولا يفهم، فغلب في حديثه المناكير، وقال للنسائي: ليس

بالقوي الغلط عن الزهري، ولما ذكره الساجي في كتاب للضعفاء قال: لم

يكن حديثه حجة في الأحكام.

وذكره العقيلي والبلخي في كتاب الضعفاء، ويؤيد قول البخاري فيه:

مخالف في حديثه؛ ما روى أبو داود في كتاب السنن معارضا له، وبه استدل

ابن شاهين على نسخ ما تقدم بإسناد لا بأس به، فقال: ثنا عثمان بن أبي

شيبة عن زيد بن الحباب عن مطبع بن راشد عن ثوبة العنبري، سمع أنس بن

مالك: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا، فلم يمضمض ولم يتوضأ، وصلى ".

قال زيد: دلني شعبة على هذا الشيخ. ولما ذكره ابن صخر في فوائده، قال:

قال لنا أبو محمد: وهذا حديث غريب من حديث ثوبة عن أنس، لا أعلم

رواه إلا زيد بن الحباب عن مطيع بن راشد عنه. انتهى. ويشبه أن يكون مطيع

هذا هو الوال، فان كان فهو ثقة وأجدر به أن يكون؛ لأنه ممن عرف برواية

عن التابعين وبرواية وكيع والقطّان وأبي/نُعيم ويعلى بن عبيد عنه وهذه هي

طبقة ابن راشد- والله أعلم- وإن كان غيره فلا أعلم من حاله شيئا؛ لكونه

ليس يذكروا وفي كتاب البخاري وأبي حاتم الرازي وابن حبان، وثوبة حديثه

في صحيح البخاري، ويشك ما ذكره أحمد بن منيع في مسنده: ثنا

ص: 490

إسماعيل، ثنا أيوب عن ابن سيرين عن أنس أنه: " كان يمضمض من اللبن

ثلاثا " (1) . وذكر أبو عيسى أن في الباب إثر حديث ابن عباس وحديث

سهل بن سعد وأم سلمة وأغفل حديث أنس، وحديث جابر بن عبد الله

المذكور عند ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من حديث أبي عامر

العقدي، ثنا أيوب بن يسار وهو ممن اتهمه يحيى بالكذب عن محمد بن

المنكدر عنه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فمضمض من دسمه "(2) . قال

الطبري: ثنا ابن حميد، ثنا جرير عن عطاء قال: أتي عبد الرحمن بلبن

فشرب، فحضرت الصلاة فقيل له: ألا تمضمض؟! فقال: من أي شيء؟ من

اللبن الخالص الطيب، ثم صلى ولم يمضمض ". قال أبو جعفر: وبذلك قال

جماعة علماء الأمصار والسلف، رضي الله عنهم أجمعين.

‌39- باب الوضوء من القُبلة

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع ثنا

الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة: " أن رسول

الله صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي

إلا أنت؟ فضحكت ".

هذا حديث لما رواه أبو داود (3) عن عثمان: ثنا وكيع قال: وكذا رواه

(1) المطالب: (138) .

(2)

تقدم. وراجع: (الصحيحة: ح/1361) .

(3)

صحيح. رواه أبو داود (178) عن عثمان بن أبي شيبة. عن ابن ماجة (502) عن أبي

بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد. وفي الزوائد: هذا الحديث قد رواه أبو داود والنسائي

بإسناد فيه إرسال، والإرسال لا يضر عند الجمهور في الاحتجاج. وقد جاء بذلك الإسناد

موصولا. ذكره الدارقطني، ورواه البزار بإسناد حسن، ورواه المصنف بإسنادين؛ فالحديث

حجة بالاتفاق. ورواه الطبري في التفسير (5/67) عن أبي كريب، وأحمد في المسند (6/

210) كلهم عن وكيع عن الأعمش هذا الإِسناد. ورواه الدارقطني (ص 50) من طريق أبي

هشام للرفاعي وحاجب بن سليمان ويوسف بن موسى، وكلهم عن وكيع عن الأعمش. ورواه

الطبري عن إسماعيل بن مرسى السدي عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش.

ص: 491

زائدة وعبد الحميد الحماني عن الأعمش، ثنا إبراهيم بن مخلد الطائفاني ثنا

عبد الرحمن بن معن، ثنا الأعمش، ثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة

بهذا الحديث. قال أبو داود:/قال يحيى بن سعيد لرجل: احبك عني أنه

هذين- يعني: حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في

المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة- قال: حبك عني أنها سبه لا شيء وروى

عن الثوري قال: ما ثنا حبيب إلا عن عروة المزني يعني: لم يحدثهم عن

عروة بن الزبير سيء، وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير

عن عائشة، حدثنا زياد بن العبد واللؤلؤي صحيحا. انتهى كلامه. ولقائل أن

يقول: قول الأعمش ثنا أصحاب لنا لا يقدح في الإسناد الأول؛ لأمرين:

الأول: عبد الرحمن بن معن لا مقام زائدة والحماني ووكيعا، الثاني: يحتمل

أن أصحابه رووه له كما رواه له حبيب، ويكون لحبيب في هذا شيخان إذا

قلنا بصحة إسناد الثاني، قول الثوري: لم يحدثنا حبيب عن ابن الزبير لا يؤثر

ورواه الدارقطني (ص 51) من طريق إسماعيل بن موسي أيضا، ورواه كذلك من طريق

محمد بن الحجاج عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش. ورواه (ص 50) من طريق علي بن

هاشم وأبي يحيى الحماني عن الأعمش. وكل هذه الروايات لم يذكر منها نسب عروة، إلا

في رواية أحمد وابن ماجة، فإن فيهما:" عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير ".

وهذا حديث صحيح لا علْة له، وقد علله بعضهم بما لا يطعن في صحته. وقد رواه للترمذي

(ح/86) . وقال الترمذي: " وقد رُوي نحو هذا عن غير واحد من أهل للعلم من أصحاب

النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القبلة وضوء.

وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: في القبلة وضوء، وهو قول غير

واحد من أهل للعلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين. وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن

النبي صلى الله عليه وسلم في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم؛ لحال الإِسناد.

قال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني، قال: ضعف يحيى بن

سعيد القطان هذا الحدث جدا، وقال: هو شبه لا شيء.

قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم

يسمع من عروة.

وقد روي عن إبراهيم التيمي عن عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها ولم يتوضأ ". وهذا لا يصح

أيضا، ولا نعرف لإِبراهيم التيمي سماعا من عائشة. وليس يصح عن للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء.

ص: 492

في صحة هذا الحديث؛ لأنه الشيخ غالبا لا يروي لأصحابه عن جميع

مشايخه، وقد يخص قوما دون آخرين، وقال أبو عيسى. سمعنا محمد

الضعيف هذا الحديث وقال حبيب بن أبي ثابت: لم يسمع من عروة، وقد

روي عن التيمي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها ولم يتوضأ، وهذا لا يصح

أيضا ولا يعرف لإبراهيم سماعا من عائشة وليس يصح في هذا الباب شيء،

قال أبو عيسى: وسمعت أبا بكر العطار يذكر عن ابن المديني قال: ضعف

يحيى بن سعيد هذا الحديث جذا، قال أبو عيسى: وإنما ترك أصحابنا حديث

عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد، وذكر

الدارقطني عن يحيى بن سعيد أنه قال: إنما كان الثوري أعلم الناس بهذا،

وزعم أن حبيبا لم يسمع من عروة شيئا، وبنحوه ذكره الإمام أحمد بن حنبل

ويحيى بن معين والحافظان؛ أبو بكر البيهقي، وأبو الحسن بن القطان، وأبو

الفرج ابن الجوزي وابن سرور والمقدسي واستناد ابن حزم إلى عدم صحته،

وفي كتاب الخلال: سئل أبو عبد الله عن حديث عائشة/في القبلة؛ فقال: هو

غلط، وفي كتاب الميمون: قال أبو عبد الله: هذا الحديث مقلوب على

حديث عائشة قيل: وهو صائم وهو هذا الحديث بعينه، يرويه هشام بن عروة

عن أبيه عن عائشة قلت: فمن أين؟ أليس حبيب صالح الحديث؟! قال: بلى

ولكن لا أعلم أحدا روى عن حبيب عن عروة شيئا إلا هذا الحديث،

وحديث آخر يرويه الأعمش، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم: وسمعت أبي

يقول: لم يصح حديث عائشة في ترك الوضوء من القبلة- يعني: حديث

الأعمش عن حبيب عن عروة- وسئل أبو زرعة عن الوضوء من القبلة؛ فقال:

إن لم يصح حديث عائشة قلت به، وأشار البغوي في شرح السنة إلى ضعفه،

وقال الشافعي: ليس بمحفوظ من قبل أن عروة إنما روى: " أن النبي صلى الله عليه وسلم

قبلها صائما " (1) . وقال البيهقي في المعرفة: والصحيح رواية عروة والقاسم بن

(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (1/88) ومسلم في (المقدمة باب " 6 " رقم " 32 ") وأبو داود

(2386)

وأحمد (6/39، 123، 234، 280، 291، 310، 318) وأبو عوانة، والدارقطني (1/

142) والحميدي (197) وشفع، وشرح السنة (6/278) والتمهيد (5/123) ومعاني (2/90، 91)

والمشكاة (2005) والفتح (4/152) والطبري (5/68)

ص: 493

محمد وعلي بن الحسن وعلقمة والأسود ومسروق وعمرو بن ميمون عن

عائشة: " كان- عليه السلام يقبل وهو صائم ". وحديث حبيب

معلول (1) . وقال في الخلافيات: أشبه فساده على ليث ممن ليس الحديث من

بابه وقرأهُ إسنادا صحيحا، وهو فاسد من وجهين: الأول: الانقطاع، والثاني:

عروة هو ابن الزبير إنما هو شيخ يحتمل يعرف بالمدني، وقال عباس بن محمد

الدوري: قلت لابن معين: حبيب ثبت؟ قال: نعم، إنما روى حديثين أظن

يحيى يريد منكرين الحديث: " تصلي الحائض وإن قطر الدم على

الحصير " (2) ، وحديث القبلة، وفي مسائل حرب بن إسماعيل الحنظلي

الكرماني: وسمعت إسحاق- يعني: ابن راهويه- لما ذكر حديث حبيب عن

عروة- يعني هذا- قال: هذه الرواية ليست بصحيحة لما فطن أن حبيبا لم

يسمع من عروة، وإنما بلغه عنه، ويروى عن هشام عن أبيه خلاف ذلك وهذا

أعظم الدلالة في ذلك. انتهى كلامه. وفيه نظر، لما نذكر بعد من رواية هشام

عن أبيه/لرواية حبيب، والله تعالى أعلم.

وقال أبو جعفر البخاري في كتاب الناسخ والمنسوخ، وذكر حديثا فيه

حبيب هذا حديث فيه غير علله منها أن حبيب بن أبي ثابت على محلة لا

يقوم لحديثه حجة لمذهبه، وكان مذهبه أنه قال: لو حدثني رجل عنك

بحديث ثم حدثت به عنك لكنت صادقا، ومنها أنه روِى عن عروة عن

عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ "، وقال أبو

عمر بن عبد البر هذا حديث معلول (3) عندهم؛ فمنهم من قال: لم يسمع

حبيب من عروة، ومنهم من قال: ليس هو عروة بن الزبير، وضعفوا هذا

الحديث ورفعوه، قال: وصححه الكوفيون وبيّنوه لرواية الثقات من أئمة

وابن كثير (2/278) وابن عساكر في " التاريخ "(2/2299) .

(1)

قوله: " معلول " ورد " بالأصل ": " مقلوب "، وكذا أثبتناه من " الثانية ".

(2)

موضوع. رواه أحمد (6/137) ونصب الراية (1/200) وللدارقطني (1/212) بلفظ:

" تصلي المستحاضة ولو قطر الدم على الحصير ".

(3)

قوله: " معلول " ورد " بالأصل ": " مقلوب "، وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه من

" الثانية ".

ص: 494

الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة لرواية من هو أكبر من عروة وأجل

وأقدم موتا، وهو إمام ثقة من أجلة العلماء. انتهى. ما ذكره وهو مزيل

للانقطاع من صحته إمكان اللقاء فقط، ويؤيده قول أبي داود: روى حبيب

عن عروة حديثا صحيحا.

ولقائل أن يقول: ما قاله أبو داود لا يعطي سماعا؛ لاحتمال أن يكون

الحديث الذي أشار إليه- وهو قوله- عليه الصلاة والسلام: " اللهم عافني

في جسدي وعافني في بصري " (1) - صحيحا في نفس الأمر لا ضعيفا

كهذا، إذ هو معروف الصحة من خارج فيقال له إنما ذكره أبو داود في هذا

الموطن ردا على من زعم أنه لم يسمع منه، ولولا ذلك لكان كلامه لا فائدة

فيه، وفي قول أبي عمر: حبيب لا ينكر لقاؤه عروة إلى آخره نظر؛ لما علم

من حاله جماعة من الأئمة روى أحدهم عن الكبار، وأرسل عن الصغار هذا

أبو حاتم الرازي يقول في ابن شهاب: لم يسمع من أبان بن عثمان؛ لأنه لم

يدركه، وقد أدرك من هو أكبر منه، ولكن لا نثبت له السماع منه كما أن

حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة، وهو قد سمع ممن هو أكبر

منه غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل لم الحديث على

شيء يكون حجة وأما قوله: ومنهم من قال: ليس هو عروة بن الزبير ففيه

نظر، لما أبلغناه من رواية وكيع المصرح فيها بنسبه عند ابن ماجة والدارقطني،

وأيضا قال أحد من الغرباء يتجاسر على أم المؤمنين بقوله: " من هو إلا أنت؟ "

ويحكى وضوحها غالبا إلا من كان ذا محرم منها، ويزيده وضوحا رواية هشام

له عن أبيه كرواية حبيب. ذكر ذلك الدارقطني في كتاب السنن من رواية

حاجب بن سليمان عن وكيع عنه، وقال: تفرّد به حاجب عن وكيع ووهم

فيه، والصواب عن وكيع بهذا الإسناد:" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقبل وهو صائم "

وحاجب لم يكن له كتاب، إنما كان يحدّث من حفظه. انتهى.

ولقائل أن يقول: هو تفرد ثقة، وبحديثه من حفظه إن كان أوجب كثرة

(1) حسن. رواه الترمذي (3480) وقال: هذا حديث حسن غريب، والحاكم (1/530)

والخطيب (2/137) وأمالي الشحري (1/233) والأذكار (349) ونصب الراية (1/270)

وكشاف (93) وابن عدي في " الكامل "(2/815) وأحمد (5/42) والكنز (3642، 5069) .

ص: 495

أخطائه بحيث يجب ترك حديثه فلا يكون ثقة، وليس كذلك؛ لقول

النسائي، وابن حبان فيه: ثقة، وإن لم يوجب خروجه عن الثقة فلعله لم يفهم،

وكان نسبه إلى الوهم بسبب مخالفة الأكثرين له، وليس لمتابعة عاصم بن

علي أبي الحسن الواسطي- المخرّج حديثه في صحيح البخاري، والقائل فيه

أحمد بن حنبل: صدوق، وفي رواية المروزي عنه: لا أعلم إلا خيرا- كان

حديثه صحيحا له ذكر ذلك أبو الحسن في كتابه عن الحسين بن إسماعيل عن

علي بن عبد العزيز الوراق- يعني: المصنف المشهور- عنه عن أبي أويس

قال: حدثني هشام فذكره ثم قال: لا أعلم حدث به عن عاصم غير علي بن

عبد العزيز، ورواه أيضا من جهة شيبان بن عبد الرحمن عن الحسن بن الزبير

عن هشام عن أبيه عروة بن الزبير أن رجلا قال: سألت عائشة الحديث، ومن

جهة محمد بن جابر عن هشام، ومن جهة عبد الملك بن محمد عن هشام،

ورواه عن عروة كروايتهما عن الزهري قال أبو الحسن: ثنا ابن قانع عن

إسماعيل بن الفضل عن محمد بن عيسى بن يزيد الطرسوسي عن سليمان بن

عمر بن/يسار عن أبيه عن ابن أخي الزهري، أكثرهم مجهولون ولا يجوز

الاحتجاج بأخبار ترويها المجاهيل، ورواه الدارقطني أيضا من جهة إسماعيل بن

موسى ثنا عيسى بن يونس عن سر فأدخل بين الزهري وعروة رجلا- وهو

أبو سلمة- ثم قال: هذا خطأ من وجوه، قال البيهقي: إنما أراد الخطأ في

نسبه وإسناده جميعا حيث أدخل سلمة وزاد في سننه: " ثم صلى ولم

يتوضأ "، والمحفوظ ما سبق، والحمل فيه على من دون عيسى، وكيف يكون

ذلك من جهة الزهري صحيح ومذهبه بخلافه، ورواه عن عروة أيضا محمد بن

عمر، وذكره عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن معبد بن نباتة عن محمد

عن عروة به، وذكر الزعفراني عن الشافعي قال: إن ثبت حديث معبد في

القبلة لم أر به بأسا ولا في اللمس، ولا أدري كيف معبد هذا؟ فإن كان ثقة

فالحجة فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن أخاف أن يكون غلطا، قال أبو

عمر: هو مجهول لا حجة فيما رواه عندنا، وقال البيهقي نحوه وزادنا

محمد بن عمر: ولم يثبت له عن عروة شيء. انتهى.

فقد تبين لك أن عروة هذا هو ابن الزبير لا المزني لكونه مجهولا، ولم يرو

ص: 496

عنه إلا ابن أبي ثابت، أخذ من إسناد حديثه المذكور عند ابن أبي داود، ولو

روى عنه ما وصفناه يخرج عن الجهالة التي لم تزايله فيما ذكره غير واحد من

المؤرخين والله تعالى أعلم.

وأيضا فقد رواه عن عائشة جماعة غير عروة نذكر منه ما تيسر؛ فمن

ذلك: رواية عطاء عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ ".

رواه البزار (1) في مسنده عن إسماعيل بن يعقوب بن صبيح بن محمد بن

موسى بن أعين حدثني أبي عن عبد الكريم الخرزي عنه، وقال: هذا الحديث لا

نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية عائشة، ولا نعلمه يروى عن عائشة

إلا من حديث حبيب/عن عروة ومن حديث عبد الكريم عن عطاء عنها،

وقال في موضع آخر: وهذا الحديث إسناده حسن، وهو معروف من حديث

عبد الكريم، ومحمد بن موسى ليس به بأس، قد احتمل حديثه أهل العلم، ولا

نعلم فيه مطعنا يوجب التوقف عن حديثه، وسائر الرجال ليستعين بشهرتهم

عن صفاتهم، وإسماعيل أبي بيان رجل ثقة مشهور، وقد رواه خطاب بن

القاسم قاضي حران، وكان مشهورا أيضا عن عبد الكريم. انتهى كلامه. وفيه

نظر؛ لما نذكره بعد- إن شاء الله تعالى-، ولما ذكر أبو محمد الإشبيلي هذا

الحديث قال: موسى بن أعين، يعد مشهورا وابنه مشهور روى له البخاري، ولا

أعلم لهذا الحديث علّة توجب تركه، ولا أعلم فيه مهما تقدم أكثر من قول

يحيى بن معين حديث عبد الكريم عن عطاء حديث روى لأنه غير محفوظ،

قال أبو محمد: انفراد الثقة بالحديث لا يغيره فإما أن يكون قبل نزول الآية

وإما أن يكون الملامسة الجماع كما قال ابن عباس: ولما رواه الدارقطني من

جهة جندب بن والق ثنا عبيد الله عن غالب عن عطاء قال: غالب هو ابن

عبد الله، متروك. وقال صاحب الذخيرة: هذا حديث لا يصح لأنّ غالبا

يفهم بالموضع، قال أبو الحسن بن عثمان بن أحمد الدقّاق بن محمد بن

(1) بألفاظ متقاربة. رواه الدارقطني (1/135، 137، 142) وابن عساكر في " للتاريخ "

(1/397) والبزار والمجمع (1/274) من حديث أم سلمة وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط "

وفيه يزيد بن سنان الرهاوي ضعفه أحمد ويحيى وابن للديني، ووثقه البخاري وأبو حاتم، وثبته

مروان بن معاوية، وبقية رجاله موثقون.

ص: 497

غالب ثنا بن الوليد بن صالح ثنا عبيد الله بن عمر وعن عبد الكريم الخوازى

بمثله ثم قال: يقال أن الوليد وهم في قوله: عبد الكريم، إنما هو حديث

غالب، ورواه الثوري عن عبد الكريم عن عطاء من قوله وهو الصواب. ولما

ذكر أبو بكر هذا الحديث في كتاب الخلافيات لم يقل على الوليد بشيء إلا

بقول عبد الله بن أحمد قلت لأبي: لِم لم تكتب عن الوليد فقال: رأيته يصلي

في المسجد الجامع ونسي صلاته، وفي موضع آخر قال: ورواه سلمة بن

صالح منفردا به ولم يدافع عليه، قال الحاكم: عن محمد بن عبد الرحمن

الكوفي عن عطاء عن عائشة، وروي عن عبد الكريم عن عائشة مرفوعا، وهو

وهم، والصحيح: عن عطاء من قوله. انتهى.

/والذي يشبه أن يكون ابن معين أراد الطريق التي أسلفناها من عند

الدارقطني أولا، يؤيد ذلك قول ابن عدي، والحديث الذي ذكره أبو زكريا

هو ما روى عبيد الله بن عمرو عنه عن عطاء، فذكر حديث القبلة، ثم قال:

إنما أراد ابن معين هذا الحديث؛ لأنه غير محفوظ ثم قال: ولعبد الكريم

أحاديث صالحة مستقيمة يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عند الثقات فحديثه

مستقيم، وقول الدارقطني: يقال أن الوليد وهم في قوله: عن عبد الكريم؛ فقد

تنازع في ذلك على طريقة معلومة لمتأخري المحدثين والفقهاء إذا كان ثقة

ويطالب قائل ذلك بالدليل على ما حكم به من الوهم، وما تقدّم من متابعة

ابن معين تضعيف قوله ومقنعي أن للحديث أصلا من رواية عبد الكريم، وقال

ابن الحصار في كتابه تقريب المدارك: وقد طعنوا على عبد الكريم؛ لانفراده

برفع هذا الحديث وليس ذلك مطعنا، وانفراد الثقة برفع الحديث لا يقدح فيه،

وحديثه هذا مسند صحيح، وأمّا رواية الثوري له موقوفا فهي مسألة مشهورة

عند الفقهاء، والأصل فيما إذا وقف ثقة ورفع ثقة، وعبيد الله بن عمرو من

الثقات المخرج حديثهم في الصحيحين، وأيضا فعطاء قوي معروف بذلك

فيجوز أن يكون أمي بما روى كما نقل ذلك عن جماعة من الصحابة

والتابعين فلا تقوى القرينة في غلط من دفع كلّ القوة، وأما ما ذكره البيهقي

عن الوليد فليس عيبا ترد به أحاديثه؛ لاحتمال أن يكون يرى رأي العراقيين،

ص: 498

وصلاة بعضهم عند أحمد غير صحيحة، ولئن سلمنا له الطعن فيه؛ فحديث

البزار المذكور ليس فيه حرمة، والله أعلم.

ومن ذلك: رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عنها: أنا عنها القدوة المعمر

أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر بقراءتي عليه: أخبركم أبو إسحاق

إبراهيم بن خليل بن عبد الله الدمشقي قراءة عليه يوم الجمعة ثامن عشر ربيع

الأول سنة سبع وخمسين وستمائة بجامع حلب، أنا أبو محمد/عبد الرحمن بن

علي بن المسلم اللخمي المعروف بابن الخدمي بقراءة أخي سنة ست وثمانين

وخمسمائة، أنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الحضر السلمي في ربيع

الأول سنة ست وعشرين وخمسمائة، أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن

محمد الصوفي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر،

أنا خيثمة بن سليمان بن جنادة سنة أربعين وثلاثمائة، ثنا العباس بن الوليد بن

يزيد، ثنا محمد بن شعيب أخيه ابن سعيد بن سيراء ومنصور بن زادان حدثه

عن محمد بن مسلم الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: " كان

النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الصلاة، ثم يقبلني ولا يتوضأ ". قال أبو القاسم في

المعجم الأوسط، ورواه من حديث شعبة: لم يروه عن الزهري إلا منصور،

وتفرد به سعيد، وقال أبو حاتم: وسأله إنه عند هذا الحديث قيل لا أصل له

من حديث الزهري، ولا أعلم منصور أسمع من الزهري ولا روى عنه، قال أبو

محمد: وحفظي عن أبي أنه قال: إنما أراد الزهري: عن أبي سلمة عن عائشة:

" كان يقبل وهو صائم ". قلت لأبي: ممن الوهم؟ قال: من سعيد، وقال

البيهقي: تفرد به سعيد، وليس بالقوي، وقال الدارقطني: تفرد به سعيد عن

منصور عن الزهري، ولم يتابع عليه، وليس بقوي في الحديث، والمحفوظ عن

الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يقبل وهو صائم ".

كذلك رواه الثقات الحفاظ عن الزهري؛ منهم معمر وعقيل وابن أبي ذئب،

وقال مالك: عن الزهري في القبلة الوضوء، ولو كان ما رواه سعيد عن

منصور عنده صحيحا لما كان المزهري مفتي بخلافه. انتهى. وفي تعليله بفتوى

ص: 499

الزهري نظر؛ لما علم من حال جماعة ردوا أحاديث، وعملوا بغيرها إما

لذهولهم عمّا رووا لثبوت ناسخ عدهم، أو لغير ذلك كما فعل أبو هريرة حين

أفتى في ولوغ الكلب في الإناء يغسل ثلاثا، وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك/

سبعا، ومالك يروى في موطأه حديث ابن عمر:" البيعان بالخيار "(1) ، ومذهبه

إلا خيار، وأما سعيد فيحتمل رفعه لحديث تابعه عليه غيره من الثقات؛ لقول

ابن عيينة فيه. كان حافظا، وقال سعيد: كان صدوق اللسان، وقال أبو زرعة

البصري: وروايته موضعا عند أبي مسهر للحديث، وكان يقول: ليس بمصرنا

أحفظ منه قال: وسألت دحيما عن محمد بن داسة فقال: ثقة وكان يميل لما

هوى، فقلت أين هو من سعيد؟ فقدم سعيدا عليه، وفي موضع آخر كان

مشايخنا يقولون: هو ثقة، وقال عبد الرحمن: سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا:

محله عندنا الصدق، وسمعت أبي ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء،

وقال: يحول منه، وقال ابن عدي: لا أرى بما يرويه بأسا، والغالب عليه

الصدق، ومن ذلك أبو الصديق الناجي؛ ذكر ذلك ابن أبي حاتم في كتاب

العلل، وقال: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر، ومن ذلك: دبيب

السحمة إلا في حديثهما بعد، ومن ذلك: إبراهيم التيمي عنها: " أن النبي

صلى الله عليه وسلم قبّلها، ولم يتوضأ " (2) . رواه أبو داود عن محمد بن شار ثنا يحيى وعبد

الرحمن ثنا سفيان عن أبي روق عنه، وقيل: هذا مرسل؛ التيمي لم يسمع من

(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (3/76، 77، 84، 85) ومسلم في (البيوع،

باب " 47 ") والترمذي (1245، 1246، 1247) وصححه، والنسائي في (البيع، باب

" 4، 8، 9، 10) وأبو داود (3457، 3459) وابن ماجة (2182، 2183) والمنتقى

(619)

وأحمد (2/9، 73، 3/402، 403، 434، 4/425، 5/12، 17،

21، 22، 23) والدارمي (2/250) والحاكم (2/16) والبيهقي (5/269، 270،

271، 272) والقرطبي (5/153) والمشكاة (2802، 2804) وابن كثير (2/234)

وأصفهان (1/220، 2/2، 3/363) .

وصححه الشيخ الألباني. (الإِرواء: 5/124، 153) .

(2)

ضعيف. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 27- باب للوضوء من القبلة (ح/178) .

قال أبو داود: وهو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة.

ص: 500

عائشة، وقد سبق كلام البخاري فيه، وقال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم

غير أبي روق عطية بن الحرث، ولا نعلم حدث به غير الثوري وأبي حنيفة من

حديث يحيى بن نظر وصاحب عنه واختلفا فيه فأسنده الثوري عن عائشة،

وأبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله، وإبراهيم لم يسمع من عائشة ولا من

حفصة ولا أدرك زمانهما، وفيه نظر؛ لما علم أن مولده على ما ذكره البيهقي

سنة خمسين، وتوفيت حفصة سنة إحدى وأربعين على ما قاله أبو معشر وابن

أبي خيثمة، وعائشة كانت وفاتها سنة سبع- أو ثمان- وخمسين، والله أعلم.

وقال ابن حزم: هذا الخبر لا يصح؛ لضعف أبي روق/وقال أبو عمر: هو

مرسل لاختلاف فيه، وفي موضع آخر: لم يروه غير أبي روق، وليس فيما

انفرد به حجة، وقال النسائي: إبراهيم لم يسمع من عائشة، وليس في هذا

الباب أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسل، وفي الخلافيات: هو فاسد

من وجهين؛ الأول: الإرسال، والثاني: أبو روق لا يقوم به حجة. أما قول

عمر: وليس فيما انفرد به حجة ترد قوله في كتاب الاستمناء هو عندهم

صدوق ليس به بأس، صالح الحديث، وفي موضع آخر: وقال الكوفيون: هو

ثقة لم يذكره أحد يخرجه، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم الرازي:

صدوق، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات.

وأما إجماعهم على إرساله فليس كذلك؛ لما ذكره أبو الحسن في سننه

مسندا من طرق صحيحة، فقال: ورواه معاوية بن هشام- يعني: المخرج

حديثه في صحيح مسلم- عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم عن أبيه-

يعني: المخرج حديثه في الصحيحين- عنها فوصل إسناده واختلف عنه في

لفظه؛ فقال عثمان بن أبي شيب فيما ثناه البغوي عنه بهذا الإسناد: " أن

النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم "، وقال غيره: " كان يقبل ولا يتوضأ ".

ولما ذكر البيهقي هذا في المعرفة قال معاوية لي: قويا لم يُرد على ذلك، وليس

به علة ترد به هذا لما أسلفناه، والله تعالى أعلم.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا محمد بن فضيل عن حجاج عن عمرو بن

شعيب عن زينب السهمية عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان يتوضأ ثم

ص: 501

يقبل ويصلي ولا يتوضأ، وربما فعله بي " (1) . هذا حديث قال ابن أبي حاتم:

سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا: الحجاج يدلس في حديث الضعفاء، ولا يحتج

بحديثه، وقال أبو الحسن: زينب هذه مجهولة ولا يقوم بها حجة، ونحوه قاله

أبو/عمر في الاستذكار، وقال الحاكم: أبو عبد الله فيما ذكره عند البيهقي في

الخلافيات: هذا الإسناد لا يقوم به حجة؛ حجاج على جلالة قدره غير مذكور

في الصحيح، وزينب ليس لها ذكر في حديث آخر ولا أبو بكر.

وقد رواه ابن فضيل الأوزاعي عن عمرو عنها، وقد قيل: عن عمرو عن

أبيه عن جدّه مرفوعا: " كان يقبل ولا يحدث وضوءا "(2) . رواه العوفي عنه،

وهو متروك. انتهى كلامه. وفيه بيان لصحة الحديث المذكور حيث قال: ورواه

الأوزاعي عن عمر، ويخرج حجّاج من أن يكون علة له على قول من أعلّه

به، وعلى التقدير أن يكون ثقة كان حديثه عن عمرو منقطعا، قال ابن

المبارك: ولم يبق إلا النظر في حال زينب فقط؛ هل كما قيل: مجهولة، أم لا،

فنظرنا فإذا أبو حاتم البستي ذكرها في كتاب الثقات؛ فزال عنها- بحمد

الله- اسم الجهالة، وصح حديثها على هذا لما أسلفنا من متابعات وشواهد،

والله تعالى أعلم.

وأما قول البزّار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن غير عائشة، ففيه نظر؛

لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي علي الحنفي عن زفر بن

الهذيل عن ليث بن أبي سليم عن ثابت بن عبيد عن أبي مسعود الأنصاري:

أن رجلا أقبل إلى الصلاة، فاستقلب امرأته، فأكبّ عليها فناولها، فأتى النبي

صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فلم يأمره بالوضوء، ولم يروه عن زفر إلا أبو علي. ولما

(1) ضعيف. رواه ابن ماجة (ح/ 503) وأحمد في " المسند "(6/62) والكنز (17855) .

في الزوائد: في إسناده حجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة. وزينب، قال فيها

الدارقطني: لا تقوم بها حجة. قلت: فهي مجهولة.

وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/ 112) .

(2)

موضوع. جامع مسانيد أبي حنيفة (1/427) وابن القيسراني (554) بلفظ: " كان

يقبل ولا يعيد الوضوء ".

ص: 502

ذكره أبو الفرج في كتاب العلل من حديثه ذكر ابن عبد الله الشامي القائل

فيه ابن حبان: يروى عن مكحول نسخة أكثرها موضوع، ولا يحل الاحتجاج

به عن مكحول عن أبي أمامة أنه قال: " قلت: يا رسول الله الرجل يتوضأ

للصلاة ثم يقبل المرأة أو يلاعبها، أينقض ذلك وضوءه؟ قال: لا " (1) . ذكره

الإسماعيلي في جمعه من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد

للرحمن،/عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو

صائم ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءا " (2) . رواه من جهة يزيد بن سنان أبو

فروة الرهاوي قال فيه أحمد وعلي والدارقطني: ضعيف، وقال النسائي:

متروك عن الأوزاعي عن يحيى، ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط قال. لم

يروه عن الأوزاعي- إلا يزيد بن سنان. تفرد به سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه.

وقد تقدم حديث حفصة من كتاب الدارقطني، وحديث عمرو بن العاص

من عند البيهقي، وقوله؛ ولأنه لم يرو عن عائشة من حديث حبيب وعبد

للكريم أيضا نظر؛ لما أسلفناه والله تعالى أعلم.

وفي كتاب التمهيد: روى عن عمر بن الخطاب بإسناد صحيح ثابت أنه

" كان يقبل امرأته ويصلي قبل أن يتوضأ "(3) . وروى الدارقطني عن ابن أخي

ابن شهاب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن عمر قال: " القبلة من اللمم

فتوضأ منها "، وهو وهم عندهم وخطأ، لا حفاظ أصحاب ابن شهاب

يجعلونه عن ابن عمر ولا عن عمر، وذكر إسماعيل بن إسحاق أن مذهب

عمر بن للخطاب في الجنب لا يتهم (4) . ويدل على أنه كان يرى الملامسة ما

دون للجماع كمذهب ابن مسعود، فإن صح عن عمر ما قاله إسماعيل بين

الخلاف في القبلة عنه، والله أعلم، وصحح الحاكم ذلك عن عمر في مسنده

وله والبيهقي في كتاب الخلافيات قال أبو عمر: وأما ابن مسعود فإنه يختلف

عنه أن اللمس ما دون الجماع، وأن الوضوء واجب على من قبّل امرأته

كمذهب ابن عمر سواء هو ثابت عن ابن عمر من وجوه، وممن رأى الوضوء

(1) موضوع. ابن القيسراني (1059) .

(2)

تقدم من أحاديث الباب.

(3)

تقدم من أحاديث الباب.

(4)

كذا ورد " بالأصل ".

ص: 503

في القبلة من التابعين: عبيدة السلمان وابن المسيب وحماد والبيهقي في المعرفة،

وعن ابن مسعود أيضا من طريق شعبة عن مخارق عن طارق بن شهاب عنه،

قال: وهذا الإسناد/ صحيح موصول. قاله أبو عمر والنخعي ومكحول

الدمشقي وابن شهاب وزيد بن أسلم وسعيد بن عبد العزيز ويحيى الأنصاري

وسعيد بن أبي عبد الرحمن ومالك وأصحابه، وهو قول جمهور أهل المدينة

والشافعي وأحمد وإسحاق، وأما الذين ذهبوا إلى أن اللمس هو الجماع؛ فعبد

الله بن عباس وعائشة- فيما ذكره في الأسرار- ومسروق والحسن وعطاء بن

أبي رباح وطاوس اليماني وعبيد بن عمير، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه

والثوري وسائر الكوفيين إلا ابن أخي، ورووا عن علي بن أبي طالب مثل

ذلك، واختلف في ذلك عن الأوزاعي، والحجة لأصحابنا أن إطلاق الملامسة

لا يعرف العرب منها إلا اللمس باليد قال الله تعالى: (فلمسوه

بأيديهم) (1) . وقال صلى الله عليه وسلم: " اليدان تزنيان وزناهما اللمس "(2) ، وفيه مع

الملامسة، وهو لمس الثوب باليد وحديث ابن عباس:" لعلك مسست "، وفي

المستدرك عن عائشة: " كان يقبّل ما دون الوقاع ". قال أبو عمر: وقد قرنت

الآية: (أو لامستم النساء)(3) وذلك يفيد اللمس باليد، وحمل الظاهر

والعموم على التصريح على الكناية، وقد روى عبد الملك بن عمير عن ابن أبيِ

ليلى عن معاذ قال: " أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن رجل أتى امرأة لا تحل

له، فأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته إلا الجماع، فقال- عليه السلام

: توضأ وضوءا حسنا " (4) . فأمره بالوضوء لما قال منها دون الجماع- والله

أعلم- انتهى كلامه. وفي استدلاله بحديث معاذ نظر؛ لأن آخره تبين أن

(1) سورة الأنعام آية: 7.

(2)

صحيح. رواه أحمد (2/343، 411، 528. 535) والطبراني (10/192) وإتحاف

(7/434) وحبيب (2/55) .

(3)

سورة النساء آية: 43.

(4)

ضعيف. رواه البيهقي (1/125) والمنثور (3/352) ومسير (4/166) ونصب الراية

(1/70) وابن كثير (2/277، 4/288) والطبري (12/81) والدارقطني (1/134)

والحميدي (181) والترمذي (4/128- التحفة) والحاكم (1/135) .

ص: 504

المقصود بالوضوء الصلاة لأجل التكفيل لا لأجل اللمس، بين ذلك لسوقه من

كتابي الدارقطني والبيهقي قد علم أنه في كتاب المستدرك، وهو منقطع فيما

بين عبد الرحمن بن أبي ليلى ومعاذ أن رجلا قال: يا رسول الله ما تقول في

رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته/الا

قد أصابه منها، الا أنه لم يجامعها؟ فقال: " توضأ وضوءا حسنا ثم قم

فصل، فأنزل الله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل

الآية، فقال معاذ: أهي خاصة له أم للمسلمين عامة؟ فقال: " بل للمسلمين

عامة "، وأما قوله: إطلاق الملامسة لا يعرف العرب منها الا اللمس باليد ففيه

نظر؛ لما علمه أئمة اللغة أبو عمرو بن العلاء وابن السكيت والفارابي وابن دريد

والجوهري والبطليوسي والمبرد وصاعد وابن القوطية وابن القطاع وابن سبرة

والفراء وابن الأعرابي وثعلب وابن الأنباري وأبو عبيد بن سلام والعسكري

والخطابي والأزهري والهروي وابن حيي وابن قتيبة والقزاز والتبريزي وأبو عبيدة

معمر بن المثني وغيرهم، وفي كتاب الأشراف: وقال عطاء: ان قبل حلالا

فلا إعادة عليه، وإن قبل حراما أعاد الوضوء فتعين، ولما ذكر ابن حزم حديث

عائشة قال: لو صح لما كانت لهم فيه حجة؛ لأن معناه منسوخ فتعين؛ لأنه

موافق لما كان عليه الناس من قبل نزول الآية، ووردت الآية بشرع زائد لا

يجوز تركه ولا تخصيصه، فإن احتجوا بحديثها الصحيح: " التمست النبي

صلى الله عليه وسلم في الليل فوقعت يدي على باطن قدمه وهو ساجد ". فلا حجة لهم

فيه؛ لأن الوضوء إنما هو على القاصد، واللمس لا على الملموس من دون أن

يقصد هو إلى أصل الملامسة لأنه لم يلامس، فأيضا فليس فيه أنه كان في

صلاة وقد سجد المسلم من غير صلاة، وحتى لو صحّ أنه كان في صلاة،

- قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من

معاذ ابن جبل، ومعاذ مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير

ابن ست سنين، وقد روى عن عمر ورآه. وروى شعبة هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير

عن عبد للرحمن بن أبي ليلى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ".

وبهذا أعله البيهقي، فقال عقبة: " وفيه إرسال عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذ ابن

جبل ".

ص: 505

وهذا مالا يصح فليس في الخبر أنه لم ينقض وضوءه ولا أنّه صلى صلاة

مسابقة دون تجديد وضوء ثم لو صح أنه كان في صلاة وصح تأديه عليها

وأنه صلى غيرها دون تجديد وضوء- وهذا كله لا يصح أبدا- فإنه كأن

يكون في هذا الخبر موافقا للحال التي كان الناس عليها قبل الآية بلا شك،

وكذا حديث صلاته وهو حامل أمامة؛ لأنه ليس فيه نص أن يديها ورجليها

مست شيئا من بشرته- عليه السلام/إذ قد يكون موشحة بقفازين أو

جوربين أو يكون تقريبا شائعا، وهو الأولى أن يظن مثلها محضر الرجال، وإذا

لم يكن ما ذكرنا في الحديث فلا يحل لأحد أن يزيد فيه ما ليس منه؛ فيكون

كاذبا، وإذا كان ما ظنوا ليس في الخبر وما قلنا ممكنا، أو الذي لا يمكن غيره

بطل تعلّقهم به، والله تعالى أعلم.

‌40- باب الوضوء من المذي

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا هشيم عن يزيد عن أبي زياد عن

عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال:

" فيه الوضوء، وفي المني الغسل "(1) .

هذا حديث أصله في الصحيحين من حديث ابن الحنفية عن أبيه، وخرجه

أبو عيسى عن محمد بن عمرو السواق البلخي ثنا هشيم وثنا محمود بن

غيلان ثنا حسين الجعفي عن زائدة كلاهما عن يزيد بن أبي زياد وقال: هذا

حديث حسن صحيح. ورواه الطبراني في الأوسط من حديث إسماعيل بن

عمرو ثنا زائدة عن حصين بن عبد الرحمن عن حصين بن قبيصة عن علي:

(1) صحيح. رواه البخاري (ح/1/45، 56) والترمذي (ح/121) وابن ماجة (ح/504)

والنسائي (1/96، 97، 214) وأحمد في " للسند "(1/82، 108، 111) والبيهقي

في " الكبرى "(1/115) وابن خزيمة (19، 291) وعبد الرزاق (604) والمنثور (1/285)

وشرح السنة (1/330) ومشكل (3/294، 295، 296) والكنز (4252، 27055)

ومعاني (1/46، 47) .

قوله: " المذي ": ماء رقيق يخرج عند الملاعبة والتقبيل، عادة.

ص: 506

" كنت رجلا مذاء " فسألت النبي صلى الله عليه وسلم " (1)، ثم قال: لم يروه عن حصين

إلا زائدة تفرد به إسماعيل، ومن طريق زائدة رواه أبو عبد الرحمن، قال أبو

القاسم: ورواه غير إسماعيل عن أبي حصين عن حصين بن قبيصة، وخرجه

عن أبي داود الحافظان ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما من حديث

عبيدة بن حميد عن الركين بن الربيع عن حصين عنه بلفظ: " فذكر ذلك

للنبي صلى الله عليه وسلم، أو ذكر له ". وانفرد ابن حبان بحديث أبي عبد الرحمن عن

علي: " كنت رجلا مذاء فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إذا رأيت الماء فاغسل

ذكرك

" الحديث، ولما ذكر المنذري حديث أبي داود اتبعه قول الترمذي

حسن صحيح/.

وقد قدمنا ذلك في حديث الترمذي، قال ذلك في حديث يزيد لا هذا

ولم يخرجه في كتابه، إنما هو عند أبي عبد الرحمن وأبي داود فقط، وأغفل

ذكر ابن ماجة ولا ينبغي له ذلك، ولما ذكر الإشبيلي حديث حصين سكت

عنه إلا ما أبرز من ذكر حصين، ويعقب ذلك ابن القطان عليه بقوله: حصين

من أهل الكوفة، روى عن علي وابن مسعود، وروى عنه الركن والقاسم بن

عبد الرحمن ولا يعرف حاله، واعترض فيه عن عبيدة بن حميد فلم يعلمه به

ولا بين كونه من روايته، وأصاب في ذلك، وإنما أخطأ حين ضعف من أجله

حديث ابن مسعود: " كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الشتاء

" (2) الحديث

وعلى تضعيفه ذلك من أجل عبيدة كان يلزمه في هذا أن ينبه على كونه من

روايته، وإذ لم يفعل فقد أخطأ، والله أعلم. انتهى.

حصين روى عنه أيضا حصين أبو حصين المذكور، ووثقه ابن حبان تذكرة

(1) حسن. رواه أبو داود (ح/207) والنسائي (1/97) وابن ماجة (ح/505) وعبد الرزاق

(ح/600) والموطأ (ص/40، 215) وشفع (49) والكنز (27071) وأحمد في " المسند "

(4/6) والشافعي في " المسند "(ح/12) .

(2)

ضعيف. رواه أحمد في " المسند ": (3/135، 60) بلفظ: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

يصلي في الشتاء

".

ص: 507

له في كتاب الثقات، وفيما أسلفناه من توثيقه عند من صحح حديثه، وقال

أبو سعد: هو من أسد بن خزيمة بن مدركة، وروى أيضاً عن سلمان؛ فزال-

بحمد الله- ما أعله به أبو الحسن، قال الدارقطني: ورواه أبو عبيدة أيضا عن

الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي،

ولم يتابع على هذا القول وهو من الحفاظ، وقال في الأفراد: غريب من

حديث الحجاج بن حجاج عن الأعمش. تفرد به إبراهيم بن طهمان عنه، ومن

قال في هذا الحديث: عن الحجاج عن سلمان بن المنذر، فقد وهم وهما

قبيحا، وأمّا تصحيح الترمذي حديث يزيد ففيه نظر؛ لما علم من اختلاف

نظره فيه؛ فتارة يصحح حديثه وتارة يحسنه وتارة يُضعفه، وإذا صحح حديثا

استدركه عليه، اللهم إلا أن يكون تصحيحه حديثه بالنظر لما عضده من

متابعات وشواهد وغير ذلك، وقد تقدم ما للناس من الكلام في يزيد/.

حدثنا محمد بن بشار ثنا عثمان بن عمر ثنا مالك بن أنس عن سالم أبيِ

النضر عن سلمان بن يسار عن المقداد بن الأسود أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن

الرجل يدنو من امرأته فلا ينزل قال: " إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح

فرجه " (1) . يعني: يغسله ويتوضأ، هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه

فقال: ثنا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب أن مالكا حدثه، ولفظه: يسأل

عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه، فإن عندي ابنة رسول

الله صلى الله عليه وسلم وأنا أستحي أن أسأله، قال المقداد: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك

فقال: " إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة ".

ونحوه ذكره ابن الجارود في منتقاه وابن حبان في صحيحه، وقال إثره:

مات المقداد بالحرن سنة ثلاث وثلاثين، ومات سليمان بن يسار سنة تسع

وتسعين، وقد سمع سليمان من المقداد وهو ابن دون عشر سنين، وقال أبو

عمر: ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أنه سمع

(1) صحيح. رواه أبو داود (ح/207) والنسائي (1/97) وابن ماجة (ح/505) وعبد

الرزاق (ح/600) والموطأ (ص/40، 215) وشفع (49) والكنز (27071) وأحمد في

" المسند "(4/6) والشافعي في " المسند "(ح/12) .

ص: 508

عليا بالكوفة، قال: وقد خولف في ذلك عمرو، والحديث صحيح ثابت عند

أهل العلم، وله طرق شتى عن علي والمقداد وعمار، وكلّها صحاح حسان،

أحسنها ما ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قيل لعطاء: أرأيت المذي

أكنت ماسحه مسحا قال: لا، المذي أشد من البول. أخبرني عايش بن أنس

أخو بني سعد بن ليث، قال: تذاكر علي وعمار والمقداد المذي فقال علي:

إني رجل مذاء، فسلا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال عايش: فسأله أحد الرجلين-

عمارا والمقداد- وقال عطاء: قد سمع عايش ونسيته. وذكره ابن حزم

مصححا له- أعنى الحديث الأول- وأبي ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي بقوله:

هكذا رواه أبو النضر عن سليمان، ورواه بكير بن عبد الله الأشج عن سليمان

عن ابن عباس موصولا / أنبأ به أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر بن جعفر ثنا

عبد الله بن أحمد ثنا أحمد بن عيسى ثنا ابن وهب أخبرني مخرمة بن بكير

عن أبيه، فذكره. انتهى كلامه. وفيه نظر في موضعين:

الأول: حكمه على حديث مخرمة بالاتصال، وليس كذلك، وإن كان

مسلم- رحمه الله تعالى- قد خرجه في صحيحه. نص على ذلك أبو عبد

الرحمن في كتاب المراسيل فقال: ثنا عبد الله بن أحمد فيما كتب به أبي ثنا

حماد بن خالد عن مخرمة قال: لم يسمع من أبي شيئا نا محمد بن محمومة

قال: سمعت أبا طالب قال: سألته يعني: أحمد عن مخرمة قال: هو ثقة لم

يسمع من أبيه شيئا، إنما روى من كتاب أبيه ثنا علي بن الحسن ثنا سعيد بن

أبي مريم أنبأنا موسى ابن سلمة خالي قال: أتيت مخرمة بن بكير قلت:

حدثك أبوك؟ قال: لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه، وقد انتقد الحافظ أبو

الحسن البغدادي على مسلم إخراجه هذه الترجمة، والله أعلم.

الثاني: ما ذكر من انقطاع حديث سليمان، وليس هو بأبي عذرة هذا

القول، لتقدم الإمام الشافعي بذلك بقوله: سلمان عن المقداد مرسل، لا نعلم

سمع منه شيئا، وتبعه على ذلك الحافظ أبو الوليد الدمشقي وغيره، فغير

صحيح لما أسلفناه قبل، والمثبت مقدم على النافي؛ لا سيما مع بيان وجه

ذلك وسببه، وأما قول أبي عمر: رواية يحيى عن مالك في هذا الحديث:

" فلينضح فرجه وليتوضأ ". وفي رواية ابن بكير والقعنبي وابن وهب

ص: 509

وسائرهم: " فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة ". وهذا هو الصحيح،

وقد رواه عبد الرزاق عن مالك كما رواه يحيى: " ولينضح فرجه ". ولو

صحت (1) رواية يحيى ومن تابعه كانت مجملة يفسرها رواية غيره؛ لأن

النّضح يكون في لسان العرب مرة الغسل ومرة الرش انتهى ما ذكره. وفيه

نظر؛ لما تقدم من حديث الباب عن عثمان بن عمر عن مالك بلفظ:/

" ولينضح فرجه "، وكذلك رواه أبو داود (2) في سننه من حديث القعنبي،

وذكر الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ أن أبا مصعب وأحمد بن إسماعيل

المدني وابن وهب ومعن القزاز وعبد الله بن يوسف ويحيى بن بكر الشافعي

وابن القاسم وعتبة بن عبد الله وأبا علي الحنفي وإسحاق بن عيسى والقاسم بن

يزيد رووه عن مالك بلفظ: " فلينضح "، إلا ابن وهب؛ فإن في بعض

ألفاظه: " فليغسل " فلو عكس أبو عمر قوله لكان مصيبا، والله تعالى أعلم.

وفي مسند أحمد من حديث هانئ بن هانئ عن علي: " كنت رجلا

مذاء فأمر ابن المقداد، فسأل النبي، فضحك وقال: فيه وضوء " وفي رواية

لأبي داود من طريق ابن العبد نا القعنبي عن هشام بن عروة عن ابن فضالة

والثوري وابن عيينة عن هشام عن أبيه عن علي ثنا أحمد بن يونس ثنا أبي

عن هشام عن أبيه أن عليا، قال أبو داود:(3) ورواه الثوري وجماعة عن هشام

عن أبيه عن المقداد عن علي وفيه: " فليغسل ذكره وأنثييه ". ورد أبو محمد

المنذري هذا الحديث بقوله: قال أبو حاتم: عروة عن علي مرسل وفيه نظر في

موضعين:

الأول: أن هذا بعينه ذكره أبو داود نفسه في كتاب التفرّد بقوله: وحديث

هشام عن أبيه عن علي ليس بمتصل، إلا أن أبي إسحاق قال: عن عروة عن

(1) قوله: " صحت " وردت " بالأصل ": " فمعنى "، وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه.

(2)

حسن. رواه أبو داود " في: 1- كتاب الوضوء، 82- باب في المذي (ح/209) .

(3)

ضعيف. رواه أبو داود في: 1- كتاب الوضوء، 82- باب في المذي، (ح/208) . قال أبو داود: وروى الثوري وجماعة عن هشام، عن أبيه، عن المقداد، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت: إسناده منقطع، وهذه علة للضعف.

ص: 510

المقداد عن علي. انتهى. فهو وإن كان لم يسمعه من علي كان متصلا بوساطة

المقداد، كما ذكره أبو داود.

الثاني: لا حاجة ثنا أبي إلى ذكر قول أبي حاتم عن عروة عن علي مرسل؛

لكونه صحيح في نفس السند بالانقطاع بقوله: حدثه عن علي، وخرجه

الكجي عن حجاج، ثنا حماد عن قتادة عن الحسن عن المقداد أنه سأل النبي

صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال: " كل فحل يمذي، وليس فيه إلا الطهور "(1) .

وقد اختلف ألفاظ حديث علي- رضي الله عنه فذكر ابن حبان بعد

تصحيحه حديثا/ المقداد وعمار أنّ عليا أمرهما، وحديث أبي عبد الرحمن أنه

هو السائل، فقد يتوهم بعض المستمعين لهذه الأخبار أن بينها تضاربا، وليس

كذلك؛ لأنّه يحتمل أن يكون علي أمر عمار أن يسأل فسأله، ثم أمر المقداد

أن يسأل فسأله، ثم سأل هو بنفسه، والدليل على صحة ما ذكرت أن متن

كل خبر بخلاف متن الخبر الآخر؛ ففي خبر أبي عبد الرحمن: " إذا رأيت

الماء فاغسل ذكرك وتوضأ؛ وإذا رأيت المني فاغتسل " (2) ، وفي خبر إياس بن

خليفة عن عمار: " يغسل مذاكيره ويتوضأ "(3) ، ليس فيه ذكر المني، وخبر

المقداد متتابعين، وفيه أنه ليس السؤالين الذين ذكراهما؛ لأن فيه: سأل عن

الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإنّ عندي أثبته فذلك ما

(1) حسن. رواه أبو داود (ح/211) بلفظ: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا عبد الله بن وهب، ثنا

معاوية- يعني: ابن صالح- عن العلاء بن الحرث، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال:" ذاك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة" وأحمد (4/342) والموضح (1/109) والتاريخ الكبير (5/29) والمجمع (1/284) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير " من رواية عطاء بن عجلان، وقد أجمعوا على ضعفه.

(2)

صحيح. رواه النسائي (1/111) وأبو داود (206) والبيهقي (1/167، 169) وابن خزيمة (20)

وابن حبان (ح/241) . بلفظ: " إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك.... " الحديث.

وصححه الشيخ الألباني.

(3)

صحيح. رواه النسائي (1/96، 97) وابن حبان (239) والطبراني (4/340) ومشكل

(3/293) والعقيلي (1/33) ومعاني (1/45) .

ص: 511

وصفنا على أن هذه أسئلة متباينة في مواضع مختلفة لعلل موجودة- والله

تعالى أعلم- انتهى الذي قاله بطريق الاحتمال. تقدم من عند ابن عمر شيئا،

وقد ورد في بعض الألفاظ أن النبي صلى الله عليه وسلم هو السائل له. جاء ذلك مبينا في

حديث حسن الإسناد عن المسند المعتمر أبي زكريا محيي بن يوسف المقدسي

عن وكيع: أخبرنا الحافظ أبو طاهر البغوي- رحمه الله قراءة عليه وأنا أسمع

في رمضان سنة أربع وسبعين وخمسمائة. أنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار

قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا القاضي أبو عبد الله بن هرمان، أنا القاضي أبو

محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خالد والرامهرمزي ثنا الحسن بن علي قاضي

الأهواز، نا محمد بن علي الوراق، ثنا أبو نعيم، ثنا وزام الضبي قال: سألت

جوابا التيمي عن المذي فقال: سألت منه أبا إبراهيم يزيد بن شريك فألجأ

الحديث إلى علي، وألجأ علي الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " رآني النبي

صلى الله عليه وسلم وقد سحبت فقال لي: يا علي لقد سحبت، قلت: سحبت/من اغتسال

الماء، وأنا رجل مذاء، فإذا رأيت منه شيئا اغتسلت، قال: لا تغتسل منه يا

علي

" (1) الحديث.

فعلى هذا وكف يده على ما في مسند أحمد عن عبد الله قال: حدثني أبو

محمد بن شيبان ثنا عبد العزيز بن مسلم نا يزيد بين أبي زياد عن عبد الرحمن بن

أبي ليلى عن علي قال: " كنت رجلا مذاء في فسألني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: في

المذي الوضوء- وفي المني الغسل " (2) ، ويحتمل أن يكون لما بعثني ليسأل رآه-

عليه الصلاة والسلام ساحبا ونزل علي- رضي الله عنه جوابه عن ذلك بمنزلة

السؤال ابتداء على طريق التجوز، والله تعالى أعلم.

وأما رواية سعيد بن بشر عن محمد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن

يحيى بن الجرار عن علي أمر المقداد؛ فخطأ. قال ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه.

(1) صحيح. أنظر: الكنز (27341) وجرجان (174) .

(2)

صحيح. رواه أحمد (1/110، 112، 121) وابن عدي في " الكامل "(3/1122) .

ص: 512

وفي السنن الكبير من جهة ابن جريج عن عطاء: " أنّ عليّا كان يدخل في

إحليله القبلة من كثرة المذي ".

حدثنا أبو كريب ثنا عبد الله بن المبارك وعبدة بن سليمان عن محمد بن

إسحاق ثنا سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال:

كنت ألقى من المذي شدة فأكثر منه الاغتسال: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

" إنما يجزيك من ذلك الوضوء "، قلت: يا رسول الله كيف بما يصيب ثوبي؟

قال: " إنما يكفيك كف من ماء، فتنضح به عن ثوبك حيث ترى أنه أصابه ".

هذا حديث خرجه الحافظ البستي في صحيحه (1) عن أبي يعلى: ثنا إسماعيل بن

إبراهيم ثنا ابن إسحاق، وخرجه ابن خزيمة عن يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن علية وثنا

محمد بن أبان ثنا ابن أبي عدي عن ابن إسحاق، وخرجه ابن حزم مصححا له، وقال أبو

عيسى (2) : هذا حديث حسن صحيح ولا نعرفه مثل هذا إلا من حديث ابن إسحاق،

وفي مسائل حرب: " أرأيت ما يصيب ثيابي منه؟ قال: يعد إلي كف من ماء "، وفي

كتاب الأثرم: " كنت ألقى من المذي عناء/فقال: يحزنك أن تأخذ حفنة من ماء فترش

عليه؟ "، وقال: قلت لأبي عبد الله: ما تقول فيه: قال: لا أعلم شيئا يخالفه، وأخبر به

محمد بن شداد أنه سمع أبا عبد الله يقول: لو كان غير ابن إسحاق، وقال صالح: قال

أبي: حدثنا ابن إسحاق، لا أعرفه عن غيره ولا أحكم لابن إسحاق، وفي كتاب

الخلال: سئل أبو عبد الله عن المذي يصيب الثوب، كيف العمل فيه؟ قال: الغسل ليس

(1) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/506) والطبراني (6/106) وابن أبي شيبة (1/83) وابن

حبان (2/216) . وصححه الشيخ الألباني.

(2)

صحيح. رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، 84- باب ما جاء في المذي يصيب الثوب،

(ح/115) . وقال: " هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن

إسحاق في المذي مثل هذا ".

ورواه أحمد (3/485) والدارمي (1/184) وأبو داود (1/84- 85) وابن ماجة (1/94)

وفي كل هذه الروايات- ما عدا الدارمي- صرح ابن إسحاق بسماعه من سعيد بن عبيد.

وقد اختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب؛ فقال بعضهم: لا يُجزيء ألا الغسل، وهو

قول الشافعي، وإسحاق، وقال بعضهم: يجزئه النضح.

وقال أحمد: أرجو أن يجزئه النضح بالماء.

ص: 513

في القلب منه شيء، حدثنا محمد بن إسحاق. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما ذكره أبو

القاسم في الأوسط من حديث إدريس بن محمد بن أبي الريان الرملي ثنا أسباط بن عبد

الواحد بن العلاء بن هارون يعني: الذي عند أبي زرعة وابن حبان- ثنا سعيد به وقال:

لم يروه عن العلاء إلا أسباط. تفرد به إدريس. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن

بشر ثنا مسعر عن مصعب بن أبي شيبة عن أبي حبيب بن يعلى بن منبه عن ابن عباس أنّه

أتى أبي بن كعب ومعه عمر فخرج عليهما فقال: إني وجدت مذيا فغسلت ذكري

وتوضأت فقال عمر: أو يجزئ ذلك؟ قال: نعم، قال: أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال: نعم. هذا حديث قال أبو القاسم في الأوسط، لم يروه عن مسعد عن مصعب إلا

محمد بن بشر- يعني: العبدي المخرج حديثه في الصحيحين- وأبو حبيب ذكره أبو

حاتم في كتاب الثقات فصح على هذا إسناده؛ ولهذا ساغ للشيخ ضياء الدين تخريجه

في المختارة، والله أعلم.

وفى الباب غير ما حديث فمن ذلك حديث عبد الله بن سعد الأنصاري

قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء

فقال: " ذاك المذي، وكل فحل يمذي فاغسل من ذلك فرجك وأنثييك

وتوضأ وضوءك للصلاة ". رواه أبو داود (1) عن إبراهيم من موسى عن ان

وهب عن معاوية/بن صالح عن العلاء بن الحرث عن حرام بن حكيم عن

عمه عبد الله بن سعدويه، ولما ذكره في التفرد مطولا الذي تفرد به منه قوله:

" وأنثييك وروى ابن العلاء بن الحرث عند ابن ماجة (2) بهذا السند قصة

مؤاكلة الحائض في موضعين، ليس منها ذكر المذي، وكذلك الترمذي (3)

وقال: حديث حسن صحيح، وفي بعض النسخ حسن غريب، وخرجه ابن

(1) حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 82- باب في المذي (ح/211) .

(2)

قلت: ومن هذين الموضعين: هذا الموضع في سن ابن ماجة: حدثنا أبو بشر، بكر بن

خلف، ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن

حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد، قال: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مؤاكلة الحائض،

فقال: واكلها ".

(3)

في: 1- كتاب الطهارة، 130- باب في مؤاكلة الحائض (ح/651) .

ورواه الترمذي في: أبواب الطهارة، 100- باب في مؤاكلة الحائض وسؤرها (ح/133) .

وقال: هذا حديث حسن غريب، وهو قول عامة أهل العلم: لم يرو بمؤاكلة الحائض بأسا.

ص: 514

الجارود في منتقاه، واعترض الإشبيلي حين ذكره من عند أبي داود بقوله: لا

يصح غسل الأنثيين، ولا نحتج بهذا الإسناد، يعني: متابعة لابن حزم حيث

قال فيه: غريب وحرم ضعيف. قاله من عند نفسه ولم يعزه، وقال ابن

القطان: هو كما قال، ولكن بقى عليه أن يُبيّن منه موضع العلة، وهو الجهل

بحال حرام بن حكيم الدمشقي، وإذا جعلناه علة للخبر فقد ثنا قصة فيه؛

وذلك أن أبا محمد لا يزال يقبل أحاديث المسانيد الذين يروى عن أحدهم

أكثر من واحد، وحرام هذا يروى عنه مع العلاء عبد الله بن العلاء وزيد بن

واقدة. قاله أبو حاتم وترجم باسمه ابنه ابن محمد بعد ترجمة أخرى ذكر فيها

حرام بن معاوية، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وروى عن عمر فروى معمر

عن زيد بن رفيع عنه وروى عبيد الله بن عمر وعن زيد بن رفيع فقال: عن

حرام بن حكيم بن حرام قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول ذلك فجعلهما

كما ترى رجلين، وتبع في ذلك البخاري، وزعم الخطيب أنّ البخاري وهم

في ذلك ومن أنه رجل واحد يختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه،

وممن عمل فيه عمل البخاري وابن أبي حاتم الدارقطني- رحمهم الله تعالى-

انتهى كلامه. وفيه نظر في موضعين:

الأول: كونه الجنابة برأس حرام بن حكيم بن خالد بن سعد بن حكيم

الأنصاري ويقال: العسيس، ويقال: العنسي، قال ابن عساكر: روى/عن

أبي هريرة وعمه وأبي ذر وأنس بن مالك وأبي مسلم الخولاني ونافع بن

محمود بن ربيعة، وروى عنه العلاء بن الحرث وزيد بن واقد وعبد الله بن

العلاء بن زيد وبشر بن العلاء ومحمد بن عبد الله بن مهاجر وزيد بن رافع

وعتبة بن أبي الحكم، قال العجلي: هو ثقة، وذكره فيهم أيضا بن حبان،

وروى له البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام، ومن كان بهذه المثابة لا

يكون علّة لحديث، ويكون القول فيه ما قاله الترمذي الذي لم يروياه- والله

أعلم-. وأما قول أبي محمد في باب الحيض: حرام ضعيف، فلا أدري من

أين جاء تضعيفه؟! ذكر ذلك بعض الحفاظ المتأخرين، ولو رأى ما أسلفناه قبل

لم يقل ذلك، والله تعالى أعلم.

الثاني: متابعة عبد الحق في قوله: لا يصح غسل الأنثيين، وذلك أنّا ما

قدّمنا قبل من عند أبي داود مخالف في لفظه على غيره، وإن كان المنذري

ص: 515

والخزرجي قد ذكرا انقطاعه فقد قدّمنا، وأيضا معنى حديث سليمان بن حبان

عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي،

وفيه: فقال عليه السلام: " يغسل أنثييه وذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة ".

ذكره الحافظ أبو عوانة (1) يعقوب بن إسحاق- رحمه الله والحافظ ضياء

الدين المقدسي في صحيحيهما، وفيه رد لما قاله الإِمام أحمد لما سأله أبو داود

قال: غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة في حديثه، وأما الأحاديث كلها فليس

فيها هذا. وحديث حسان بن عبد الرحمن الضبعي قال عليه السلام: " لو

اغتسلتم من المذي كان أشد عليكم من الحيض ". ذكره أبو موسى في كتاب

الصحابة (2) بسند جيد. وحديث رافع بن حديج: أنّ عليا أمر عمارا أن يسأل

النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي وقال: " يغسل مذاكيره ويتوضأ ". ذكره ابن حبان في

صحيحه (3) ، وإن كان الإِمام أحمد قال- فيما ذكره البيهقي في المعرفة-

حديث المقداد/أصح، فليس فيه تضعيفه- والله أعلم-، وحديث ابن عباس:

أن رجلا قال: يا رسول الله إني كلما توضأت سال. فقال: " إذا توضأت

فسال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك ". ذكره الدارقطني (4) وقال: لا

يصح، خرجه ابن أبي كثير- يعني: مرفوعا- في غسل الفرج من المذي.

ذكره أبو القاسم في الأوسط وقال: لم يروه عن مسعر يعني عن مصعب بن

شيبة عن أبي حبيب عن يعلى بن أمية عن ابن عباس عنه إلا محمد بن بشر

الغريب. قال الآمدي: مذيت وأمذيت، وهو المذي والمني والودي مشدّدان،

قال أبو عبيد وغيره: تخفيف المذي والودي قال: والصواب عندنا أن المني

وحده بالتشديد والآخران بالتخفيف، قال ابن دريد: هو ما خرج عند

(1) صحيح. رواه أبو عوانة: (1/273) .

(2)

كتاب الصحابة بسند جيد.

(3)

صحيح. رواه ابن حبان (239) والنسائي (1/96، 97) والطبراني (4/340) ومشكل

(3/293) والعقيلي (1/33) وشرح معاني الآثار (1/45) .

(4)

ضعيف. رواه الدارقطني (1/159) والبيهقي (1/357) والعقيلي (3/35) والمجمع (1/

247) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "، وفيه عبد الملك بن مهران، قال العقيلي: صاحب

مناكير. وقد بوب لهذا الحديث الهيثمي فقال: " باب فيمن يكون به البواسير ".

ص: 516

الالتقاء، وربما شدد، واختلفت النسخ من كتاب العين في الودي ففي بعضها

مشدد، وفي بعضها مخفف، وقال صاحب الصحاح: المذي بالتسكين فقال:

كل ذكر مذي، وكل أنثى ودي، وبنحوه ذكره الفراء، وقال: ولم يسمع في

المني- يعني العين-، قال أبو الحسن: الصواب عندي أن يكون المني وحده

مشدّدا والآخران مخففين، وفي الحديث:" المذاء من الثقات "، هو أن

يكون الرجل يجمع الرجال والنساء فيماذي بعضهم مذاء ومماذأة وأمذيت

فرسى، وهو أن عليه يدعى فيجوز أن يكون المذاء من هذا كأنه تحلية الرجل

امرأته لما تريد من الحرام، قال الهروي: هو أدق ما يكون من النطفة، وفي

الاستذكار عن مالك: وهو عندنا أشد من الودي؛ لأنّ الفرج يغسل من المذي

والودي عندنا كذلك البول قال: فليس على الرجل أن يغسل منه أنثييه اللذان

يظن أنه قد أصابهما منه شيء، قال: والودي يكون من الحمام يأتي أثر البول

أبيض خائر، قال: والمذي يكون معه شهوة وهو رقيق إلى الصفرة، ويكون

عند الملاعبة وعند حدوث الشهوة. انتهى.

قد أسلفنا أن حديث غسل الأنثيين صحيح، والتصحيح هنا المراد به الرش.

جاء ذلك مبيّنا/فيما أسلفناه من حديث سهل، والله أعلم. قال ابن المنذر:

وأوجب غسله من البدن جماعة من الصحابة، وهو مذهب مالك والشافعي

وكثير من أهل العلم غير أحمد بن حنبل فإنه قال: أرجو أن يجزئه النضح،

والغسل أحب إليّ، وقال أبو جعفر في بيان المشكل: إنما أمر بغسل المذاكير

لنقائه من المذي بذلك فلا يخرج؛ لأنّ الماء يقطعه كما أمر من ساق يديه،

ولها لئن أن ينضح ضرعها بالماء حتى لا يسيل؛ لأن ذلك واجب كوجوب

وضوء الصلاة، والدليل عليه: ما تواتر من قوله فيه الوضوء، فأخبر بالواجب

فيه، والله تعالى أعلم.

‌41- باب وضوء النوم

حدثنا علي بن محمد نا وكيع قال: سمعت سفيان يقول الزائرة بن

قدامة: يا أبا الصلت هل سمعت في هذا شيئا؟ قال: ثنا سلمة بن كهيل عن

ص: 517

كريب عن ابن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الليل، فدخل الخلاء فقضى

حاجته، ثم غسل وجهه وكفيه، ثم نام " (1) .

ثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي ثنا يحيى بن سعيد ثنا شعبة ثنا سلمة ابن

كهيل أنا بكير عن كريب قال: فلقيت كريبا فحدثني عن ابن عباس عن النبي

صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه هذا حديث. خرجاه في صحيحيهما مطولا ومختصرا.

‌42- باب الوضوء لكل صلاة والصلوات كلها بوضوء واحد

حدثنا سويد بن سعيد ثنا شريك عن عمرو بن عامر عن أنس بن مالك

قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، وكُنّا نحن نصلي الصلوات

كلها بوضوء واحد ". هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه (2) ، وقال فيه

أبو عيسى: حديث حسن صحيح، وزاد:" ما لم يحدث ". ورواه أيضاً عن

محمد بن حميد/الرازي ثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن

حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان يتوضأ لكل صلاة، طاهرا أو غير

طاهر "، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: " كنا نتوضأ

وضوءا واحدا "، وقال: حديث حميد عن أنس حديث حسن (3) غريب من

هذا الوجه، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، وقال في

(1) صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 71- باب الوضوء من النوم (ح/

508) .

وصححه الشيخ الألباني.

(2)

صحيح. رواه البخاري (1/64) والترمذي (60) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وأحمد (3/132، 133، 154، 5/358) والبيهقي (1/162) وابن خزيمة (12) وأبو

عوانة (1/237) وابن أبي شيبة (1/29) وشرح السنة (1/447) والمنثور (2/261) والكنز

(17853، 1/270) والطبري (6/73) والقرطبي (6/81) وابن كثير (3/40، 42)

والتاريخ الكبير (6/356) والمنتقى (1) .

(3)

انظر، سنن الترمذي:(1/88) .

قال الشيخ أحمد شاكر: وحديث حميد عن أنس متابعة جيده لرواية عمرو بن عامر،

واستغراب الترمذي له لا أوافقه عليه، فإنّ الحديث الغريب هو الذي ينفرد به أحد الرواة، وهذا

لم ينفرد به حميد، إلا إن كان يريد غرابته عن حميد نفسه، ولذلك قيد قوله:" غريب " =

ص: 518

العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أدري ما سلمة هذا، كان

إسحاق تكلم فيه، ما أروي عنه، ولم يعرف محمد هذا من حديث حميد،

وأمّا يحيى الحازمي حديث عمرو بن عامر وعزْوِهِ إياه إلى أصحاب السنن

فذهول شديد عن ذكره من كتاب البخاري.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قال: ثنا وكيع عن سفيان

عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان

يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة صلى الصلوات كلها بوضوء

واحد " (1) . هذا حديث قال أبو عيسى إثر روايته له عن ابن بشار ثنا ابن

مهدي عن سفيان عن علقمة عن سليمان: هذا حديث حسن صحيح،

وروى هذا الحديث علي بن قادم عن الثوري وزاد فيه: " فتوضأ مرة مرة "،

وروى الثوري هذا الحديث أيضا عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة

أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يتوضأ لكل صلاة "، ورواه وكيع عن سفيان عن

محارب عن سليمان بن بريدة عن أبيه، وروى عبد الرحمن بن مهدي وغيره

عن سفيان عن محارب عن سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا (2) وهذا أصح من

- في بعض النسخ باله: " من هذا الوجه "، وفي بعضها بأنه:" من حديث حميد ". ولا

عبرة بقول الشارح: " تفرد به محمد بن إسحاق، وهو مدلس، ورواه عن حميد معنعنا " فإن

ابن إسحاق ثقة حجة جليل القدر، ومن تكلّم فيه فلم يصنع شيئا. قال شعبة: " محمد بن

إسحاق أمير المؤمنين في الحديث "، وقال أبو زرعة الدمشقي: " ابن إسحاق رجل قد أجمع

الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه، وقد أختبره أهل الحديث فرأوا صدقا وخيرا ".

(1)

رواه الترمذي (ح / 61) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال أيضا: وروى هذا

الحديث ابن قادم عن سفيان الثوري، وزاد فيه:" توضأ مرة مرة ".

ورواه مسلم (9111) وأبو داود (1/ 66- 67) والنسائي (1/ 32-33) كلهم من طريق

سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد. ورواه ابن ماجة (9511) من طريق وكيع عن الثوري عن

محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة عن أبيه.

(2)

وخلاصة البحث فيما تعرض له الترمذي من أسانيد هذا الحديث: أن سفيان الثوري رواه

عن شيخين: أحدهما علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعا موصولا، وهذا لم

يختلف فيه الرواة عن الثوري أنه موصول. والشيخ الثاني للثوري: محارب بن دثار عن

سليمان بن بريدة، ولكن الرواة عن الثوري اختلفوا فيه؛ فبعضهم يقول: عن سليمان بن بريدة

عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مرسل؛ لأن سليمان ليس صحابيا، وبعضهم يقول:=

ص: 519

حديث وكيع، وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سئل أبو زرعة عن

حديث رواه أبو نعيم عن سفيان عن محارب عن سليمان بن بريدة عن النبي

صلى الله عليه وسلم: " أنه صلى خمس صلوات بوضوء واحد "، ورواه وكيع- يعني:

مسندا- فقال أبو زرعة: حديث/أبي نعيم أصح. انتهى. وفيه أن وكيعا تفرد

برفعه، وليس كذلك لمتابعة المعتمر بن سليمان له. ذكر ذلك البزار في مسنده

إثر روايته عن سلمة بن شعيب ثنا عبيد الله بن موسى ثنا سفيان عن علقمة بن

مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه، ومن هذه الطريق رواه مسلم (1) في

صحيحه عن ابن نمير ثنا أبي ثنا سفيان ولفظه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى

الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه "، فقال له عمر: لقد

صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، قال: عمدا صنعته يا عمر ". قال البزار: ثنا

علي بن الحسين الدرهمي ثنا المعتمر بن سليمان ثنا سفيان عن محارب بن

دينار عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال الحافظ أبو علي

الجياني- رحمه الله في كتابه تقييد المهمل: وروى هذا الحديث وكيع

ومعتمر وغيرهما عن الثوري عن محارب عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي

صلى الله عليه وسلم، كما رواه علقمة بن يزيد، والله أعلم.

وأما قول الحاكم في المستدرك (2) : اتفقا على حديث علقمة عن سليمان بن

يزيد عن أبيه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة ". فقول لا أعلم له فيه

سلفا ولا رأيت أحدا، قال ابن سليمان: اتفقا على حديثه، وممن نص على

أنه من أفراد مسلم هو في كتاب المدخل قال: ذكر من اتفقا عليه فمن أبيه

سليمان فذكر جماعة ثم قال: وأخرج مسلم وحده سليمان بن بريدة، ثم ذكر

= عن سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعا، وهذا متصل، والذي رواه عن الثوري هكذا هو

وكيع، وروايته عن ابن ماجة، وهذه الرواية جعلها الترمذي مرجوحة، ورأى أن رواية من رواه عن الثوري عن محارب عن سليمان مرسلا أصح. ولسنا نوافقه على ذلك؛ لأن الحديث

معروف عن سليمان عن أبيه، ووكيع ثقة حافظ، فالظاهر أن الثوري كان تارة يروي الحديث

عن محارب موصولا، كما رواه عنه وكيع، وتارة مرسلا، كما رواه عنه غيره.

(1)

انظر: الحاشية قبل السابقة.

وراجع: ابن خزيمة (13، 14) وعبد الرزاق (157) والمشكاة (425) والكنز (27032) .

(2)

قوله: " المستدرك " وردت في " الأولى " غير واضحة، وكذا أثبتناه.

ص: 520

جماعة-. والله أعلم- اللهم إلا لو قال: اتفقا على حديث علقمة عن ابن

بريدة، لكان صوابا للاختلاف الآتي بعد في ابن بريدة هذا من هو؟ وأن

بعضهم سماه عبد الله.

حدثنا إسماعيل بن ثوبة ثنا زياد بن عبد الله ثنا الفضل بن معشر قال:

" رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد. فقلت: ما هذا؟

فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هذا، فأنا أصنع كما صنع رسول الله

صلى الله عليه وسلم ". وهذا حديث ذكره الثعلبي في تفسيره بزيادة: " فإن بال أو أحدث/

توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين "، فقلت: الحديث وإسناده صحيح على

رأي أبي حاتم بن حبان لتوثيقه الفعل، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وزياد

خرج حديثه في الصحيح، وإسماعيل قال أبو حاتم الرازي: صدوق، وفي

الباب غير ما حديث؛ منها حديث عبد الله بن حنطلة بن أبي عامر الغسل:

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا كان أو غير

طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة،

ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، فكان ابن عمر يرى أن به قوة على ذلك

ففعله حتى مات ". رواه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه (1) عن

محمد بن منصور أبو جعفر ومحمد بن شوكة البغدادين قال: ثنا يعقوب-

وهو بن إبراهيم بن سعد- ثنا أبي عن ابن إسحاق ثنا محمد بن يحيى بن

حبان الأنصاري ثم المازني عن عبيد الله بن عبد الله بن عمرو ثنا محمد بن

يحيى بن حبان عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: فلت له: أرأيت وضوء

عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر؟ عن من هو؟ فقال

حديثه: أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة فذكره، وفي

آخره: هذا حديث يعقوب بن إبراهيم غير أن محمد بن منصور قال: " فكان

يفعله حتى مات "، ولما رواه داود عن أحمد بن خالد ثنا بن إسحاق، ولما

ذكره ابن أبي حاتم (2) في كتابه حسنه به، قال إبراهيم بن سعد: رواه عن ابن

(1)

قلت: وقد سقطت بعض الكلمات من " ألفاظ " هذا الحديث، وصححناه من مصدرين:

الأول: صحيح ابن خزيمة. الثاني: من النسخة الثانية التي عليها التصحيح.

(2)

قوله: " حاتم " وردت في " الأولى، والثانية "" حبان " والصحيح " حاتم " كما أثبتناه.

ص: 521

إسحاق فقال: عبيد الله بن عبد الله. انتهى. وهو مع ذلك منقطع فيما بين

محمد بن إسحاق ومحمد بن يحيى بن حبان. نص على ذلك الحافظ أبو

القاسم بن عساكر- رحمه الله تعالى- فقوله إثر قول أبي داود المتقدم: كذا

رواه علي بن مجاهد وسلمة بن الفضل، وأدخلا بينه وبين محمد بن طلحة،

يعني أن يزيد بن ركانة بن عبد بن يزيد بن المطلب بن عبد مناف القرشي

المطلبي الموثق عند ابن/معين وغيره- والله تعالى أعلم-، وحديث عبد الله بن

عمر: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، حتى كان يوم الفتح، فإنه

صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد " (1) . رواه عبد الغني في

إيضاح الإِشكال من حديث حبان عن الحكم بن ظهير عن مسعر عن حبيب

ابن أبي ثابت عنده عنه، وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: " لولا أن

أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك ".

رواه الإِمام أحمد في مسنده (2) . قال أبو جعفر الطحاوي: فذهب قوم أن

الحاضرين يجب عليهم الوضوء لكل صلاة، واحتجوا في ذلك بحديث بريدة:

" كان يتوضأ لكل صلاة "، وخالفهم في ذلك أكثر العلماء فقالوا: لا يجب

الوضوء إلا من حدث، وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم محمول على إلتماس النّفل لا

على الوجوب، ويحتمل أن يكون هذا لما حصر فيه- عليه الصلاة والسلام

دون أمته فإن قيل: وهل وجدتم في ذلك دليلا؟ قلنا: نعم؛ حديث أنس-

يعني: المتقدم- قال: فهذا أنس قد علم ما ذكرنا من فعله صلى الله عليه وسلم، ولم ير ذلك

فرضا على غيره قال: وقد يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وهو

(1) تقدم من أحاديث الباب ص 511.

(2)

صحيح، متفق عليه. رواه ابن أبي شيبة (1/168) وابن عدي في " الكامل " (3/

1218) والبيهقي في " الكبرى "(1/35) ومعاني (1/43) وأحمد (1/221) .

وفي المتفق عليه: " لولا ان أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".

رواه البخاري (2/5، 3/40، 9/106) ومسلم في (الطهارة، باب " 15 " رقم " 42 ")

وأبو داود (46، 47) والترمذي (22، 23) والنسائي (1/12) وابن ماجة (287) وأحمد

(1/221، 366، 2/245، 250، 287، 399، 400، 410، 429) والمجمع

(1/221) والبيهقي (1/35) وإتحافات (265) والتمهيد (7/196، 197) وعبد الرزاق

(2106، 5746) وابن عدي (1/421، 4/1617، 5/1704) والمعاني (1/

33) والإِرواء (1/108، 109، 2/197) .

ص: 522

واجب، ثم نسخ؛ يدل عليه حديث عبد الله بن حنظلة، وحديث بريدة:

" وصلى- عليه الصلاة والسلام يوم الفتح الصلوات بوضوء واحد "(1) .

وقال ابن شاهين: ولم يبلغنا أن أحدا من الصحابة والتابعين كانوا يتعمدون

الوضوء لكل صلاة، والله تعالى أعلم.

(1) تقدم من أحاديث الباب ص. 511

ص: 523

‌43- باب الوضوء على الطهارة

حدثنا محمد بن يحيى بن عبد الله بن يزيد المغري، ثنا عبد الرحمن بن

زياد عن أبي غطيف الهذلي، سمعت عبد الله بن عمر بن الخطاب في مجلسه

في المسجد فلما حضرت الصلاة قام فتوضأ فصلى ثم عاد إلى مجلسه، فلما

حضرت/العصر قام فتوضأ وصلى ثم عاد إلى مجلسه، فلما حضرت المغرب

قام فتوضأ ثم صلى المغرب ثم عاد إلى مجلسه، فقلت: أصلحك الله أفريضة

أم سنة الوضوء عند كل صلاة؟ قال: أو فطنت إلي قال: هذا مني فقلت:

نعم، فقال: لا، لو توضأت لصلاة الصبح له لصليت به الصلوات كلها ما لم

أحدث، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من توضأ على طهر فله عشر

حسنات، وإنما رغبت في الحسنات " (1) . هذا حديث قال فيه أبو عيسى:

إسناد ضعيف، وقال في كتاب العلل: ورأيت محمد أثنى على الإفريقي خيرا

ويقوى أمره، وفي موضع آخر: هو مقارب الحديث، وذكر بعض الحفاظ

المتأخرين أن البخاري قال: هذا حديث منكر، وقال ابن المرى فيما ذكره

العقيلي: قال يحيى القطان: ذكر لهشام بن عروة هذا الحديث فقال: هذا

إسناد مشرقب، وفي موضع آخر: هذا إسناد ضعيف، وفى موضع آخر: دعنا

منه حديثه حديث مشرقي ابن محمد قاله لما سأله يحيى عن الأفريقي فيما

(1) ضعيف. رواه الترمذي (ح/59) وقال: حدثنا بذلك الحسين بن حريث المروزي حدثنا

محمد بن يزيد الواسطي عن الإفريقي، وهو إسناد ضعيف، وقال شارح الترمذي: أي رواة

هذا الحديث أهل المشرق، وهم أهل الكوفة والبصرة. كذا في بعض الحواشي، وهو كلام غير

مفهوم، إلا إن كان يريد أن الحديث معروف عندهم من رواية أبي غطيف، ويبعد أن يريد

رواية الإفريقي؛ لأنه أولا: مغربي، وثانيا: متأخر الوفاة بعد هشام بنحو 15 سنة. والمعاني

(1/42) والمتناهية (1/353) والدرر (159) وأبو داود (ح/62) وابن ماجة (ح/512) .

في الزوائد: مدار الحديث على عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف، ومع ضعفه كان

يدلّس. والبيهقي (1/162) واللآلىء (2/79) والحاوي (52311) وإتحاف (2/375)

وتذكرة (31) والفوائد (11) والخفاء (2/46، 336، 465) .

وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص 797 ح 5536) .

انظر: المشكاة (293) ، وضعيف أبي داود (ح/9) .

ص: 524

ذكره أبو أحمد، ونحوه قاله في شرح السنة، وفي العلل المتناهية، وسبب ذلك

ما تكلم به في حق الإفريقي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بن دري بن معد

يكرب بن أسلم بن منبه بن الثماد بن حديل بن عمرو بن أشرط بن سعد بن

ذى سبعين بن بعض بن صنيع بن شعبان بن عمرو بن معاوية بن قيس

الشجاني المعافري المصري أبي أيوب، ويقال. أبو خالد قاضي أفريقية، وأول

مولود في الإسلام بها، قال عمر: وابن علي كان يحيى بن سعيد وابن مهدى

لا يحدثان عنه إلا أنّى سمعت عبد الرحمن مرة يقول: ثنا سفيان عن

عبد الكريم الجوزي، والإفريقي جمعهما من حديث قال. وهو مليح الحديث

ليس مثل غيره في الضعف، وقال ابن عدي: ضعفه يحيى بن سعيد/وقال

كتبت عنه بالكوفة كتابا، وقال ابن مهدى: أمّا الإفريقي فما ينبغي أن يروى

عنه حديث، وقال الخليل في الإرشاد: منهم من يضعفه، ومنهم من يكتبه

ويفرد بأحاديث، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال ابن المديني: كان

أصحابنا يضعفونه وأنكروا عليه أحاديث تفرّد بها لا يعرف، وقال يحيى ابن

معين: ضعيف، وقال بن أبي حاتم عن أبيه: يكتب حديثه وإنما أنكر عليه

الغرائب التي كان يجيئ بها، وقال الساجي. فيه ضعف، وقال ابن أبي حاتم

عن أبيه: يكتب حديثه ولا يحتج به، قال: وسألت أبي وأبا زرعة عن ابن

لهيعة كثير (1) ، أمّا الإفريقي فإن أحاديثه التي تذكر عن شيوخ لا نعرفهم وعن

أهل بلده، فيحتمل أن يكون منهم ويحتمل أن لا يكون، وقال الترمذي: هو

ضعيف، ضعّفه القطان وغيره، وقال الإمام أحمد: لا أكتب حديثه، وفى

رواية أبي طالب عنه: ليس بشيء، وفى رواية المروزي: منكر الحديث، قال

المفضل بن غسان الغلاني بن أنعم: يضعفونه ويكتب حديثه، وقال النسائي:

ضعيف، وقال ابن عدى: وعامة حديثه لا يتابع عليها، وأردى النّاس عنه

الثوري، وقال الخيري في علله: غيره أوثق منه، وقال النسائي: هو واهٍ

عندهم، وقال أبو الحسن بن القطان: كان من أهل العلم والزهد بلا خلاف

بين الناس، ومن الناس من يوثقه ويرتابه عن حضيض ردّ الرواية، والحق فيه أنّه

(1) كذا ورد هذا السياق في " الأصل ".

ص: 525

ضعيف بكثرة رواياته المنكرات، وهو أمر يعتري الصالحين، وقال أبو البرى

العرب: أنكروا عليه منه أحاديث ذكرها بهلول بن راشد، قال: سمعت

الثوري يقول: جاءنا ابن أنعم بستة أحاديث مرفوعة لم أسمع أحدا من العلماء

يرفعها: حديث أمهات الأولاد، وحديث الصدائي وحديث: " إذا رفع الرجل

رأسه من آخر السجدة فقد تمت صلاته وإن أحدث " (1) وحديث: " لا خير

فيمن لم يكن عالما أو متعلما " (2)، وحديث: أعنى عالما أو متعلّما، ولا تكن/

الثالث " فتهلك " وحديث: " العلم ثلاثة "(3) . قال أبو العرب: فلهذه الغرائب

ضعف، وقال الدارقطني: ليس بالقوى، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات

عن الثقات ويدلس عن محمد بن سعيد المصلوب، وسئل عنه صالح بن

محمد فيما ذكره عنه الخطيب في تاريخه فقال: منكر الحديث، ولكنه كان

رجلا صالحا، قال عبد الرحمن بن يوسف: متروك وفى كتاب العقيلي عن

ابن معين: سألت يحيى بن سعيد عنه فقال: لا أسقط حديث، وهو ضعيف،

وقال أبو إسحاق الجوزجاني: غير محمود في الحديث، وكان صارما خشنا،

وأبي ذلك غيرهم فوثقوه وأحسنوا الثناء عليه فمنعهم يحيى بن سعيد القطان

الذي تقدم أنّه ضعّف ذكر الجرجاني في كتابه نا أحمد بن عمر بن بسطامْ ثنا

بن تمراذ سمعت إسحاق بن راهوية سمعت يحيى بن سعيد يقول: ابن العم

ثقة فلعلّ ظهر له أحد الأمرين بعد الآخر، وقال ابن معين فيما رواه عندهم

الدوري: ليس به بأس، وفيه ضعف وهو أحب إلي من أبي بكر بن أبي مريم،

وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث الإفريقي؟ قال: نعم،

فلت: هو صحيح الكتاب؟ قال: نعم، وقال أحمد بن محمد بن الحجّاج بن

(1) ضعيف. المنحة (468) والبيهقي (2/139) .

(2)

ضعيف. إفريقية: (27) .

(3)

ضعيف. رواه ابن ماجة (54) وأبو داود (2885) والحاكم (4/232) والتمهيد (4/

266) وكحال (1/119) والذهبي (102) والمشكاة (239) وشرح السنة (1/291) ولفظ

ابن ماجة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العلم ثلاثة، فما وراء ذلك فهو فضل؛ آية محكمة، أو

سُنة قائمة، أو فريضة عادلة ".

وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة.

ص: 526

رشدين: قلت لأحمد بن صالح. يحيى يجرى عندك مجرى ابن هانىء في

الثقة؟ قال: نعم، قال: وابن أنعم عندي أكبر من يحيى، ورفع بابن أنعم في

الثقة قلت لأحمد: فمن يتكلم فيه عندك جاهل، قال: من يتكلم في ابن أنعم

ليس بمقبول، ابن أنعم فمن ضعف وهو ثقة صدوق رجل صالح، وقال

يعقوب بن سفيان: ثنا أبو عبد الرحمن المقري ثنا عبد الرحمن بن زياد ليس

به بأس، وقد بيّن الحافظ أبو بكر بن أبي داود- رحمه الله السبب الموجب

للكلام فيه بقوله: إنما تكلم الناس في ابن أنعم وضعّفوه؛ لأنه روى عن/مسلم

بن يسار فقيل له: أين رأيت مسلم بن يسار؟ فقال: بإفريقية، فكذّبه الناس،

وضعفوه، وقالوا: ما دخل مسلم بن يسار إفريقية قط يعنون البصري ولم

يعلموا أن مسلم بن يسار آخر يقال له: ابن عثمان الطنبرى، وطنبر بطن من

اليمن، وعنه روى، وكان الإفريقي رجلا صالحا، ونحوه ذكره أبو العرب في

كتاب الطبقات وآدابه قول قرأت، ويزيده وضوحا ما ذكره عبد الله بن أحمد

في مسائله: سمعت أبي يقول: الإفريقي عن مسلم بن يسار ليس هو البصري

هذا رجل أراه من ناحية إفريقية يحدّث عن ابن المسيب وسفيان بن وهب

الخولاني والبصري يحدث عنه ابن سيرين وقتادة، وابنه عبد الله بن مسلم هذا

غير ذاك، ونحوه ذكره ابن معين فيما ذكره عنه محمد بن أحمد بن تميم

القيرواني قال الخطيب في كتابه المتفق والمفترق: في قول أحمد: " يحدّث عن

ابن المسيب" نظر، وما أرى الذي يروى عن ابن المسيب إلا مسلم بن أبي

مريم. انتهى كلامه. وفى قول ابن أبي داود: " وطنبر بطن من اليمن " نظر، إنما

هي قرية من قرى مصر من عمل البهنسا. قاله السمعاني والبرهانى وغيرهما،

ويزيده وضوحا ذكر ابن يونس وغيره إياه من أهل مصر، وقال الحافظ أبو بكر

عبد الله بن محمد المالكي في كتابه رياض النفوس: كان الإفريقي من جلة

المحدّثين منسوبا إلى الزهد والورع، صلبا في دينه، متفننا في علوم شتّى،

مشهورا أدخله المولعون في كتبهم، وكان سفيان الثوري: يعظمه ويعرف حقّه

وردّه مكة، ولما ولى القضاء سار بالعدل، ولم يقبل من أحد صلة ولا هدية،

نزه عن ذلك نفسه، فرفع الله قدره وأعلى منارة حتى عزل نفسه عن القضاء،

وذلك هو الصحيح، وقيل: مات وهو على القضاء، وقال العلامة أبو جعفر

ص: 527

أحمد بن إبراهيم بن خالد في كتابه التعريف تصحيح التاريخ: وفى سنة

إحدى وستين ومائة توفي أبو خالد/عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وكان قد

ولى قضاء إفريقية فكان عدلا في قضائه، وسمع من جلة التابعين، وقال الحافظ

أبو العرب في كتابه طبقات القيروان: وحدثني عيسى بن مسكين عن محمد

بن سحنون قال: قلت لسحنون: إن الفلاس قال: ما سمعت يحيى ولا

عبد الرحمن يحدثنا عن ابن أنعم، فقال سحنون: لم يصنع شي عبد الرحمن

ثقة، قال سحنون: وكان من يعرف العلم بقي في صدره ولا يسألونه- يعنى:

أهل إفريقية- فيموت به مثل ابن أنعم بقي العلم في صدره لم ينشر عنه ولا

يعرف، قال أبو العرب: إنما وجدنا كبائر فقط، وكان من أجلة التابعين عدلا

في قضائه صلبا، وفى كتاب الساجي: كان عبد الله بن وهب يطري

الإفريقي، وكان أحمد بن صالح يوثقه وينكر على من تكلّم فيه، واختلف في

وقت وفاته؛ فالذي ذكره الحافظ أبو بكر البغدادي وابن نافع: ست وخمسين

وقبلهما قاله ابن يونس، وأبي ذلك ابن خالد المذكور وأبو العرب وأبو بكر

القيروانيون فقالوا: سنة إحدى وستين، وزاد أبو العرب: في رمضان وهم بأهل

بلدهم أخبر- والله أعلم- فقد تبين بمجموع ما تقدّم رجحان قول من وثقة

على قول من ضعّفه، وإن العلّة التي هي ضعف بها حديثه زالت عنه، وأما

الأحاديث التي قيل أنه تفرّد برفعها، فلعلنا نجد متابعا نتبع فيه من تابعه على

ذلك، والله تعالى أعلم.

وأما قول أبو غطيف: فاختلف فيه على ألوان؛ فمنهم من كنّاه كما كنّاه

ابن ماجة، ومنهم من قال: عن غطيف، وهو أبو داود، ومنهم من قال: عن

ابن غطيف، ويقال: غضيف بضاد معجمة. ذكره التغلبي، ولم يختلفوا أنه

من هذيل، ولم أر له واديا غير الإفريقي إلا ما ذكره ابن يونس في تاريخه أبو

غطيف الهذلي (1) : يروى عن/حاطب ابن أبي بلتعة عن عمر في الفتن وعن

عبيد بن رفيع عن عمر، وروى عنه بكر بن سوادة، فلا أدرى أهما اثنان أم

واحد؟ وسبب ذلك أنّ أبا حاتم وغيره لم يذكروا من يكنى هذه الكنية غيره،

(1) قوله: " الهذلي " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.

ص: 528

فإن كانا واحدا- وهو اللائق بحالهما لكونهما مصرين- فالحديث جيّد

الإسناد لصيرورته في عداد من روى عنه اثنان، فخرج بذلك من جدال جهالة

الغيبة إلى الجهالة الحالية، وهي لا تضر مع جودة الإسناد وحسنه، لما تقدّم من

شواهده، وليس فيه من الكلام شيء يرد به حديثه، وعدم معرفة أبي زرعة

باسمه لا بغيره فعلى هذا يسارع إلى تضعيف هذا الحديث ولا تصحيحه إلا

بعد المعرفة بحال أبي غطيف، والله تعالى أعلم.

ص: 529

‌باب لا وضوء إلا من حدث

حدثنا محمد بن الصباح أنبأ سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد وعباد

ابن تميم عن عمّه قالا: شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يجد الشيء في الصلاة

فقال: " لا، حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا "(1) . هذا حديث خرجاه في

الصحيح (2) . حدثنا أبو كريب ثنا المحاربي عن معمر بن راشد عن الزهري أنبأ

سعيد بن المسيّب عن أبي سعيد الخدري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن

التشبيه في الصلاة فقال: " لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". هذا

حديث خرجه الحافظ البستي في صحيحه (3) عن الحسن بن سفيان. حدثنا

محمد بن المنهال الضرير، ثنا يزيد بن زريع، ثنا هشيم عن يحيى بن أبي كثير

عن عياض، عن أبي سعيد قال- عليه الصلاة والسلام: " إذا صلى أحدكم

فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا، فليسجد سجدتين وهو جالس، وإذا أتى أحدكم

الشيطان فقال: إنّك قد أحدثت، فليقل: كذبت إلا ما يسمع صوته بأذنه أو

وجد ريحه بأنفه ". أنبأ إسحاق بن إبراهيم ثنا الحلواني/ثنا عبد الرزاق أنبأ

معمر عن يحيى عن عياض عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا جاء أحدكم

الشيطان فقال: إنّك قد أحدثت، فليقل في نفسه. كذبت " (4) الحديث،

وخرجه الحافظ بن خزيمة (5) من حديث يحيى بلفظ: " إن الشيطان يأتي

(1) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/513) والخطيب (3/414) . وصححه الشّيخ الألباني.

(2)

صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (1/46، 55) ومسلم في (الحيض، ح/98) وابن ماجة

(513، 514) . في الزوائد: رجاله ثقات. إلا أنه معلل بأنّ الحفاظ من أصحاب الزهريّ رووا عنه، عن سعيد بن عبد الله بن زيد، وكان الإمام أحمد منكر حديث المجازي عن معمر، لأنه لم يسمع من معمر. لا سيما كان يدلس. والنسائي في (الطهارة، باب " 114 ") والبيهقي (2/54، 254، 7/364) وعبد الرزاق (534) والتمهيد (5/28) وابن خزيمة (25، 1018) وأبو عوانة (1/238) .

(3)

صحيح. رواه ابن حبان: (4/152- 153) من حديث أبي سعيد الخدري، (4/

154) من حديث ابن عباس.

(4)

صحيح. رواه الحاكم (1/134) وتلخيص (1/128) وأحمد (3/12، 50، 51، 54) .

(5)

صحيح. رواه ابن خزيمة (1020) وأحمد (3/96) والكنز (1269) والطبراني (11/

222) والمجمع (1/242) وعزاه إلى " أبي يعلى " ورواه ابن ماجة باختصار، وفيه-

ص: 530

أحدكم في صلاته " وقال قوله فليقل: كذبت أراد فليقل كذبت بضميره لا

ينطق لسانه، إذ المصلى غير جائز له أن يقول: كذبت نطقا باللسان. انتهى ما

قاله معها. وقد أوردنا نصا والله تعالى أعلم. وقال أبو عبد الله الحاكم (1)

وخرجه من حديث حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير جدي عياض

قال: سألت أبا سعيد الخدري فقلت. أحدنا يصلي فلا يدري كم صلى قال:

قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا صلى أحدكم فلم يدر كم صلى، فليسجد

سجدتين وهو جالس، وإذا جاء أحدكم الشيطان فقال: انك أحدثت فليقل:

كذبت إلا ما وجد ريحا بأنفه أو سمع صوتا بأذنه ". هذا حديث صحيح على

شرط الشيخين، فإنّ عياضا هذا هو ابن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد

احتجا جميعا به، ولم يخرجا هذا الحديث بخلاف من أبان بن يزيد العطار

فيه وعليّ بن يحيى بن أبي كثير فإنه لم يحفظه فقال: عن يحيى عن هلال

بن عياض أو عياض بن هلال، وهذا لا يعلله لإجماع أصحاب يحيى على

إقامة هذا الإسناد عنه ومتابعة حرب بن شداد فيه؛ لذلك رواه هشام

الدستوائي وعلي بن المبارك ومعمر بن راشد وغيرهم فقالوا: عن يحيى عن

عياض، والله تعالى أعلم.

حدثنا علي بن محمد ثنا وكيع وثنا محمد بن التمار، ثنا محمد بن جعفر

وعبد الرحمن قالا: ثنا شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا وضوء إلا من صوت أو ريح "(2) . هذا حديث خرجه/

= علي بن زيد، واختلف في الاحتجاج به.

(1)

صحيح. رواه الحاكم (1/134) وأبو داود (1029) والدارقطني (1/374، 375)

ونصب الراية (1772، 174) وابن حبان (533) والكنز (19828، 19829، 8441،

19845، 19846) .

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة (515، 516) في الزوائد، قال عقب الحديث الثاني: في

إسناده عبد العزيز، وهو ضعيف. والترمذي (75) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد

(2/471) والبيهقي (1/117، 220) وتلخيص (1/117) والمشكاة (310) وابن خزيمة

(27)

وتغليق (111) وشرح السنة (1/328، 354) وأصفهان (2/283) . وصححه

الشيخ الألباني: (الإِرواء: 1/153، 154) .

ص: 531

أبو عيسى بن قتيبة وهنا ثنا وكيع ثم قال: هو حسن صحيح، وخرجه

مسلم (1) عن زهير بن حرب ثنا جرير عن سهيل، ولفظه: " إذا وجد أحدكم

في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد

حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا "، وفي لفظ لأبي عيسى (2) : " إذ كان أحدكم

في المسجد فوجد ريحا بين إليتيه فلا يخرج " الحديث. قال ابن أبي حاتم في

كتاب العلل: سمعت أبي وذكر حديث شعبة- يعنى: المخرج في منتقى ابن

الجارود- عن سهيل- يعنى: هذا- فقال: وهم، واختصر شعبة متن هذا

الحديث، ورواه أصحاب سهيل: " إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحا من

نفسه فلا يخرج حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا "، ورواه أبو القاسم في

الأوسط من حديث يحيى بن سكن عن شعبة، ثنا إدريس الكوفي عن سهيل

وقال: لم يدخل ممن روى هذا الحديث عن شعبة إدريس الكوفي إلا ابن

السبكي، وقال في موضع آخر: ورواه من جهة أبي بلال الأشعري ثنا أبو

لذمة يحيى بن المهلب عن سهيل لم يروه عن أبي لذمة إلا أبو بلال، ورواه أبو

عبيد في الطهور من حديث ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد

عنه ولفْظه: في الرجل يجد في معصميه الشيء قال: فلا يتوضأ إلا أن يجد

ريحا يعرفها أو صوتا يسمعه "، والله أعلم.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن

عبيد الله عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: رأيت السائب بن يزيد يشم

(1) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، ح/99) والبيهقي (1/117) وابن خزيمة (2824)

وتلخيص (1/127) والفتح (1/238) .

(2)

صحيح. رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، 56- باب في الوضوء من الرّيح (ح/75) .

قال: وفي الباب عن عبد الله بن زيد، وعلي بن طلق، وعائشة، وابن عباس، وابن مسعود،

وأبو سعيد.

وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وهو قول العلماء: أن لا يجب عليه الوضوء إلا من حدث: يسمع صوتا أو يجد ريحا.

ص: 532

ثوبه قلت: م ذاك؟ قال: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا وضوء إلا

من ريح أو سماع ". هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف رواته.

الأول: إسماعيل من عياش هو سليم الشامي الحمصي أبو عتبة العتب، وإن

كان ابن معين قال: هو ثقة، وكان أحبّ إلي من أهل الشّام/من بقية، وفى

رواية ابن أبي خيثمة عنه: هو ثقة، والعراقيون يكرهون حديثه، وبنحوه ذكره

البرقي، وقال البخاري ما روى عن الشاميين أصحّ، وحكى الفلاس: إذا حدّث

عن أهل بلاده فصحيح، وإذا حدّث عن أهل المدينة مثل هشام بن عروة

ويحيى بن سعيد وسهيل فليس بشيء، وقال عبد الله بن أحمد: سئل أبي

عن إسماعيل وبقية فقال: بقية أحبّ إلى نظري، في كتاب إسماعيل عن

يحيى بن سعيد أحاديث صحاح، وفى المصنف أحاديث مضطربة وكان

حافظا، وفى رواية الترمذي عنه هو أصلح من بقية، وقال يعقوب بن سفيان:

كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الشام عند إسماعيل، والوليد بن مسلم، قال

يعقوب: وتكلّم قوم فيه، وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشّام، ولا يرفعه

رافع وأكثر ما تكلّموا يعرف عن ثقات المكيين والمدنين، وقال يزيد بن

هارون: ما رأيت أحدا أحفظ منه ولا أدرى ما الثوري، وقال الهيثم بن

خارجة لم يكن بالشّام أحد أحفظ من إسماعيل ولا الأوزاعي بعلم الشّاميين،

وسئل عنه أبو زرعة فقال: صدوق، إلا أنّه خلط في حديث الحجازيين

والعراقيين، وقال أحمد بن أبي الحواري قال: أبي وكيع: يروون عندكم عن

إسماعيل فقلت: أمّا الوليد ومروان فيرويان فيه، وأمّا الهيثم ابن خارجة

ومحمد بن إياس إنّما أصحاب البلد الوليد ومروان، وقال أبو أحمد الجرجاني:

إذا روى عن يحيى بن سعيد ومحمد بن عمرو بن علقمة وهشام ابن عروة

وابن جريج وعمر بن محمد وعبد الله الوصافي، وإن حدّث عن غيرهم فلا

يخلو من غلط يغلط فيه، وحديثه عن الشامين إذا روى عنهم ثقة فهو

مستقيم، وفى الجملة: هو ممن يكتب حديثه ويحتج/به في حديث الشّامين

خاصة، وقال فيه النسائي: هو ضعيف، وفى حديث الشّاميين صالح، فقد قال

أحمد: روى عن كلّ حرب، وقال ابن حبان: لماّ كبر تغيّر حفظه، فكثر

الخطأ في حديثه فخرج عن حد الاحتجاج به، وكان عبد الله بن المبارك ينكر

ص: 533

عليه حديثه، وفى موضع آخر: إذا اجتمع هو وبقية في حديث فبقية أحب

إلي، وقال أبو حاتم الرازي: هو يكتب حديثه، ولا أعلم أحدا ألف عنه إلا أبا

إسحاق الفزاري، وقال أبو إسحاق: لا نكتب عنه ما روى عن المعروفين ولا

غيرهم، وفى كتاب العقيلي قال أبو صالح الفراء: قلت لأبي إسحاق: إني

أريد حمص وثم رجل يقال له إسماعيل فأسمع منه؟ قال: ذاك رجل لا يدري

ما يخرج من رأسه، قال أبو صالح: وكان أبو إسحاق روى عنه ثم تركه،

وقال الفلاس: كان عبد الرحمن لا يحدّث عنه يقال له الرجل مرة ثنا أبو

داود عن أبي عتبة فقيل له: عبد الرحمن هذا ابن عياش يقال له الرجل لو

كان ابن عباس ما اكتبه، وذكر عبد الله لأبيه حديث من حديث إسماعيل

فقال: هذا باطل، قال العقيلي: يعنى أنه وهم من إسماعيل، وفى كتاب

الساجي، قال ابن معين: كان إسماعيل من أجل الشّامين إلا أنّه كان يضع،

قال الساجي: يعني أظنّه حيث انتهت، وقال الآجري سمعت أبا داود يقول:

ابن عياش ثقة متقدّم، وذكره في الضعف أبو العرب وأبو القاسم البلخي

وضعف به الإشبيلي والبيهقي وابن القطان وابن طاهر غير ما حدّث.

الثانى: عبد العزيز بن عبيد الله بن ضمرة بن مهيب وإن كان الإمام أحمد قال

فيه: كنت أظن أنه مجهول حتى سألت عنه بحمص فإذا هو عندهم معروف،

قال: قالوا: هو من ولد حرب ولم يرد عنه غير إسماعيل، قال ابن أبي حاتم عن/

ابن معين: ضعيف، وفى كتاب الآجري عن أبي داود عنه: ليس بشيء. زاد ابن

أبي حاتم: لم يحدث عنه إلا إسماعيل بن عياش، قال: وسألت أبي عنه فقال:

يروي عن أهل الكوفة وأهل المدينة، ولم يرو عنه أحد غير إسماعيل، وهو

عندي عجيب ضعيف الحديث، منكر الحديث لا يكتب حديثه يروي أحاديث

مناكير ويروي أحاديث حسانا، قال: وسألت أبا زرعة عنه فقال: مضطرب

الحديث واهي الحديث، وقال السعدي: كان غير محمود في الحديث، ورواه

أبو عبيد من حديث ابن أبي مريم وأبي الأسود عن ابن لهيعة عن محمد بن

عبد الله عن محمد بن عمرو، واختلف في راوي هذا الحديث، فقال الحافظ

عبد الغني بن سرور: هو السائب بن خباب لا السائب بن يزيد، وزعم أنّ

ذلك وهم فيه ابن عساكر، وتبعه على ذلك الحافظ المزي بقوله: هو في الأصل

ص: 534

غير منسوب- يعني: أن أصحاب الأطراف الستة من عنده-، وليس كذلك؛ بل

الوهم منتفي عن ابن عساكر لازم لهما؛ لكونه في عدة من الأصول بخط الحافظ

منسوبا كما قاله ابن عساكر، والله أعلم، اللهم إلا لو قال: إن ابن ماجة هو الواهم

في نسبته لكان قولا صحيحا، وعدم نسبته إلى أبي يزيد هو الصواب؛ لكونه ليس

موجودا من حديثه إنما هو من حديث ابن خباب. نص على ذلك الإمام أبو عبد الله

ابن أحمد بن حنبل- رحمه الله في مسندها والحافظان الفسوي وابن البرقي في

تاريخيهما، وأبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير، وأبو الحسين بن نافع-

رحمه الله وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنده، وأبو عبيد في أحد قوليه، والثاني:

السائب بن ضر، وفى الباب ما تقدّم، تقدّم غير ما حديث؛ من ذلك على ابن

طلق ذكره أبو داود وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثنا عبد/ الرزاق ثنا معمر

عن عاصم بن سليمان عن مسلم مرسلا عن عدي بن حطان عن علي بن طلق

قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا فسا أحدكم فليتوضأ "(1) . قال مهنأ:

قال أبو عبد الله: عاصم الأحول يخطىء في هذا الحديث يقول: علي بن طلق،

وإنما هو طلق بن علي، وذكره في مسنده من حديث عبد الرزاق وابن جعفر عن

شعبة وأبي مطوية عن عاصم بزيادة: " ولا تأتوا النساء في أدبارهن "(2) ، سألت

محمدا عن هذا الحديث، فقال: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي غير هذا

الحديث، وهو عندي غير طلق بن علي، ولا يعرف هذا من حديث طلق بن

علي. ثنا هناد وأحمد بن منيع ثنا أبو معاوية عن عاصم الأحول عن عيسى بن

حطان عن مسلم مرسلا عن علي بن طلق به قال: وسألت محمدا عن هذا

الحديث فقال: علي بن طلق هذا أراه غير طلق بن علي، ولا أعرف لعلي بن

(1) حسن. رواه أبو داود (ح/205) والترمذي 3/1164) قال أبو عيسى: حديث علي بن

طلق حديث حسن. وسمعت محمدا يقول: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا

الحديث الواحد، ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي السحيمي. وعبد الرزاق

(2095)

والمشكاة (314) والخطيب (10/398) وابن حبان (203) .

(2)

قلت: هذا طرف من حديث ضعيف رواه أحمد وابن حبان عن علي بن طلق. وقد

أورده الشيخ الألباني في " ضعيف الجامع، ح/607- 201، ص 86- 87) .

انظر: ضعيف أبي داود (26) .

ص: 535

طلق إلا هذا الحديث، وعيسى بن حطان الذي روى عنه هذا الحديث رجل

مجهول فقلت له: أتعرف هذا الحديث الذي روى علي بن طلق من حديث

طلق بن علي فقال: لا، وقال في الجامع، وذكره في مسند علي بن طلق: هو

حديث حسن، وسمعت محمدا يقول: لا أعرف لعلي بن طلق هذا غير هذا

الحديث، ولا أعرف هذا من حديث طلق بن علي، فكأنه رأى أنّ هذا رجل

آخر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفى كتاب أبي عبيد قال على: هذا لا أراه علىّ

ابن أبي طالب إنما هو عندنا/علي بن طلق؛ لأنه حديثه المعروف، وكان رجلا

من بني حنيفة اليمامة، وأحسبه والد طلق بن علي الذي سأل عن مسّ الذكر.

انتهى كلامه. وفيه ردّ لما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل- رحمه الله

تعالى- وتبعه على ذلك الحافظ البستي بذكره له في مسند علي بن طلق

بلفظ: " إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، ثم ليتوضأ وليعد صلاته، ولا

تأتوا النساء في أدبارهن ". قال أبو حاتم: لم يقل: وليعد من صحيحه صلاته

إلا جرير بن عبد الحميد، ولفظ أبي مسعود عن عاصم أنه يخرج من أحدنا

الرويحة وفى الماء قلة، وخالف البخاري في عيسى؛ فزعم أنه ثقة، وقال غيره:

روى عنه أيضا محمد بن مجادة ويزيد بن عياض وعلي بن زيد وعبد الملك

بن مسلم الحنفي فقد انتفت عنه الجهالتان العينية والحالية، والله أعلم.

ولما ذكر أبو جعفر بن منيع هذا في مسند علي بن طلق وصل بينهما

فجعلها حديثين، وممن ذكره أيضا في مسند علي بن طلق اليمامي؛ أبو

عبد الرحمن النسائي وأبو مسلم الكجي في سننه وأبو الحسين بن قانع-

رحمهم الله تعالى- وحديث عمر بن الخطاب، ذكر منها أنه سأل أبا عبد الله

عن قوم كانوا جلوسا فوجدوا ريحا فقال: كان عمر جالسا في أصحابه ومعه

الناس ففسي بعض القوم- يعني: أحدث- فأمرهم عمر أن يعيدوا الوضوء،

فقلت له: إنهم يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا قال: يقم صاحب هذه الريح،

فتلكأ القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" قوموا كلكم فتوضؤوا "(1) . فقال أحمد: ليس

هذا صحيحا، إنما يرويه الأوزاعي عن واصل بن أبي جميل عن مجاهد،

(1) قل: " فتوضؤوا " غير واضحة " بالأصل "، وكذا أثبتناه.

ص: 536

وواصل هذا ليس معروفا، إنما روى عنه الأوزاعي، وحديث علي ابن أبي

طالب قال: أتى أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله/إنا نكون بالبادية

فيخرج من أحدنا الرويحة، فقال- عليه الصلاة والسلام: " إن الله لا

يستحيي من الحق، إذا فعل أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن ".

رواه أحمد في مسده (1) عن وكيع؛ حدثنا عبد الله بن مسلم الحنفي عن أيه

عنده، وحديث عائشة قالت: جاءت سلمى امرأة أبي رافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم

تستعديه على أبي رافع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا رافع مالك ولها قال:

يا رسول الله، إنها تؤذيني فقال- عليه الصلاة والسلام بما آذيته؟ قلت: يا

رسول الله، إنما قلت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين أن يتوضئوا للصلاة فقام

يضربني، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إنها لم تأمرك إلا بخير ". رواه

الترمذي (2) في العلل عن عبد الله بن أبي زياد ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد

ثنا أبي عن ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عنها، وقال: سألت

محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث محمد بن إسحاق عن هشام،

وسألت أبا زرعة فقال مثله، وذكره الإمام أحمد في مسنده، فجعله من مسند

سلمى، والله أعلم. وحديث صفوان بن عسال قال: رخص لنا رسول الله

صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين: " للمسافر ثلاثة، إلا من جنابة، ولكن من غائط أو

بول أو ريح ". رواه البيهقي في السنن (3) : لم يقل في هذا الحديث أو ريح غير

وكيع عن مسعر، وقال الحاكم في تاريخ نيسابور: سمعت أبا عبد الله محمد

بن يعقوب الحافظ، وسأله محمد بن عبيد: لِم ترك الشيخان حديث صفوان

بن عسال؛ فقال: لفساد الطريق إليه، والله أعلم. وحديث عبده بن حسان

وحمزة بن حسان مرفوعا/عند أبو عبيد: "يعاد الوضوء "، وزعم بعضهم أنّ

(1) صحيح. رواه أحمد في " المسند ": (1/86، 5/213، 215)

(2)

ضعيف. علل الترمذي، وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/243) وعزاه إلى

" أحمد " و" البزار " والطبراني في " الكبير "، ورجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن فيه

محمد بن إسحاق، وقد قال: حدثني عروة، والله أعلم.

(3)

ضعيف. رواه البيهقي في " الكبرى "(1/276، 282) والدارقطني في " سننه "(1/133) .

قلت: متنه مضطرب، تبدو عليه النكارة.

ص: 537

هذه الأحاديث معارضة لما رواه أنس: قال عليه الصلاة والسلام: " لا ينقض

الوضوء أن يصيبك قدر، ولكن ينقضه الفواحش " ذكره أبو زكريا في طبقات

الموصلي من حديث إبراهيم بن سعيد ثنا سعيد ثنا غسان، ثنا أبو عمران أنّه

سمع أن أنسا يذكره وليس كذلك؛ لأنّ الساجي لم يقل أحد أنه ينقض

الوضوء، وكذا لم يقل بأنّ الفواحش تنقضه (1) .

***

(1)

كذا وردت هذه " الفقرة "" بالأصل "، وكذا أثبتناه.

ص: 538

‌44- باب مقدار الماء الذي لا ينجس من سبع كان أو حدث

حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي ثنا يزيد بن هارون نا محمد بن إسحاق

عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه قال: سمعت

رسول الله سئل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما يتربه من الدواب

والسباع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء "(1) . ثنا

محمد بن رافع ثنا عبد الله بن المبارك عن محمد بن إسحاق عن محمد بن

جعفر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. ثنا

علي ابن محمد، ثنا وكيع نا حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله

بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان الماء قلتين أو ثلاثا

لم ينجسه شيء " (2) . هذا حديث اختلف في إسناده ومتنه اختلافا كثيرا

ملحقه إن أشهر رواياته من ثلاثة أوجه:

أحدها: رواية ابن إسحاق والمبدأ بذكرها، وقد أخرجها أبو عيسى أيضا،

ولم يحكم عليها بشيء، وخرجها أبو جعفر ابن منيع في مسنده عن أبي

(1) صحيح. رواه أبو داود (63- 65) والترمذي (67) والنسائي في (الطهارة، باب " 43 "

والمياه 1/175) والدارمي (731) وأحمد (1/314، 2/12- 12) والدارقطني (1/21،

2/503) وتلخيص (1/16) والإِرواء (1/191) .

وصححه الشيخ الألباني: (صحيح الجامع: 1/173) .

قال الخطابي في المعالم (1/35) : " قد تكون القلة الإناء الصغير الذي تقله الأيدي ويتعاطى فيه الشرب، كالكيزان ونحوها. وقد تكون القلة الجرة الكبيرة التي ينقلها القوي من الرجال، إلا أن مخرج الخبر قد دل على أن المراد به ليس النوع الأول؛ لأنه إنما سئل عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض، في المصانع والوهاد

والغدران ونحوها، ومثل هذه المياه لا تحمل بالكوز والكوزين في العرف والعادة؛ لأن أدنى النجس إذا أصابه نجس، فعلم أنه ليس معنى الحديث.

قلت: وللحديث أسانيد في التلخيص والسنن والكبرى للبيهقي (1/261- 262) وعون المعبود (1/

23-

243) وشرح المباركفوري على الترمذي (1/70- 71) والمستدرك للحاكم (1/132) .

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة (ح/518) . في الزوائد: رجال إسناده ثقات. وقد رواه أبو داود والترمذي، ما خلا قوله:" أو ثلاث ". والنسائي في (المياه باب " 3 ") وأبو داود (ح/65) .

وصححه الشيخ الألباني.

ص: 539

معاوية: ثنا ابن إسحاق عن رجل أخبره عن عبيد الله بلفظ: " إنهم قالوا: يا

رسول الله إن بئر بضاعة يلقى فيها الحيض والجيف

" الحديث.

/ورواه عبيد الله بن محمد بن عائشة عن حماد بن سلمة عن ابن

إسحاق، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة وترده السباع

والكلاب قال البيهقي: كذا قال: " والكلاب"، وهو غريب، وكذلك قاله

موسى بن إسماعيل عن حماد، وقال إسماعيل بن عياش. " الكلاب والدواب "

إلا أن ابن عياش اختلف عليه في إسناده يعنى بذلك ما ذكره الدارقطني من

أن المحفوظ عنه عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله

عن أبيه، ورواه محمد بن وهب السلمي عن ابن عباس عن ابن إسحاق عن

الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن

القليب يلقى فيه الحيض وتشرب منه الكلاب والدواب قال: " ما بلغ الماء

قلتين فما فوق ذلك فلم ينجسه شيء " (1) . ورواه أيضا عن محمد بن عبد الله

بن إبراهيم عن عبد الله بن أحمد بن خزيمة عن علي بن سلمة اللبقى عن

عبد الوهاب بن عطاء عن ابن إسحاق عن الزهري عن سالم عن أبيه قال:

رواه المغيرة بن سقلاب عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر.

الثاني: رواية حماد عن عاصم بن المنذر القائل فيه أبو بكر البزار: ليس فيه بأس،

قال: ولا روى عنه غير الحمادي، ولا يعلمه حديث بغير هذا الحديث. انتهى كلامه.

وفيه نظر؛ لما نذكره بعد من رواية ابن علية عنه أيضا، وروى عنه أيضا هشام بن عروة،

ووثقه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات،

وقال ابن مندة: يعتبر بحديثه، وقد اختلف في إسنادها بلفظها، أما لفظها، فرواية وكيع

المذكورة في الباب تقدمت، ورواها موسى بن إسماعيل عد أبي داود عنه: " إذا كان

الماء قلتين فإنه لا ينجس " (2) .

واختلف على يزيد بن هارون عن حماد فقال/الحسن بن الصباح عنه: عن

(1) صحيح. رواه الدارقطني في " سننه "(1/21) ونصب الراية للزيلعي (1/108) .

(2)

صحيح. رواه للزيلعي في " نصب الراية ": (1/109) .

ص: 540

حماد عن عاصم قال: قال دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بستانا فيه مقرى

ما فيه جلد، بعيد ميت، ويقال / الزبير أنّ عبد الله بن عبد الله بن عمر

حدّثهم أنّ أباه عبد الله بن عمر حدّثهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء

وما ينوبه من الدواب والسباع فقال عليه الصلاة والسلام: " إذا كان الماء قلتين

لم ينجسه شي ". رواه الحافظ البستي في صحيحه (1) عن الحسن بن سفيان،

ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو أسامة ثنا الوليد به، ورواه أبو بكر بن خزيمة

في صحيحه أيضا عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي وموسى بن

عبد الرحمن المسروقي وأبي الأزهر جويرة بن محمد البصري قالوا: ثنا أبو

أسامة ولفظه: " لم يحمل الخبث "(2) . وقال: هذا حديث جويرة، وقال موسى

ابن عبد الرحمن: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وقال أيضا: " لم

ينجسه شيء " (3) . وأما المخرمي فإنه قال بها مختصرا، وقال: قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث "(4) . ولم يذكر مسألة النبي صلى الله عليه وسلم

عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب، وقال أبو الحسن الدارقطني: ورواه

أيضا عن أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله

جماعة؛ منهم: إسحاق بن راهويه وأحمد بن جعفر الوكيعي وأبو عبيدة بن

أبي السعد ومحمد بن عبادة وحاجب بن سليمان وهناد بن السرى والحسين

بن حريث، وروى عن أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن عبّاد بن جعفر.

قاله أبو مسعود الرازي الحافظ وعثمان بن أبي شيبة من رواية أبي داود

وعبد الله بن الزبير الحميدي ومحمد بن حسان الأودي ويعيش بن الجهم

وغيرهم، وتابعهم الشّافعي عن الثقة عنده عن الوليد عن محمد بن عباد،

وذكر ابن مندة أنّ أبا ثور رواه عن الشّافعي عن عبد الله بن الحرث المخزومي

(1) ضعيف. رواه ابن حبان: (2/274- 275) من حديث عبد الله بن عمر.

(2)

ضعيف. (شرح السنة: (2/58) . وضعفه الشيخ الألباني (ضعيف الجامع: ص 6، ح/ 419-145)

(3)

صحيح، وإسناده ضعيف. رواه الحاكم (1/132) وعبد الرزاق (266) والعلل (96) وابن حبان

(117)

والميزان (8711) ولسان (6/282) وابن عدي في " الكامل "(6/2358) .

(4)

انظر، الهامش رقم " 2 ".

ص: 541

عن الوليد بن كثير قال: ويرويه موسى بن أبي الجارود عن البويطي عن

الشافعي عن أبي أسامة وغيره عن الوليد، فدلت روايته على أن / الشافعي سمع

هذا الحديث من عبد الله بن الحارث- وهو من الحجازيين- ومن أبي

أسامة- وهو من الكوفيين- جميعا عن الوليد بن كثير، وذكر أبو داود أن

حديث محمد بن جعفر هو الصواب، وفى كتاب العلل لعبد الرحمن بن أبي

حاتم: محمد بن عباد ومحمد بن جعفر يقعان، وحديث محمد بن جعفر

أسنده، وقال ابن مندة: واختلف على أبي أسامة، ومحمد بن جعفر هو

الصواب؛ لأن عيسى بن يونس رواه عن الوليد عن محمد بن عباد، وقال

مرة: عن محمد بن جعفر قال: ورواية عيسى أشبه؛ لأن هذا الحديث رواه بن

المبارك وغيره عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله عن

أبيه مثل رواية عيسى بن يونس عن الوليد، قال: فهذا إسناد صحيح على شرط

مسلم في عبيد الله بن عبد الله ومحمد بن جعفر ومحمد بن إسحاق والوليد

بن كثير، قال: ورواه عماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن

عبد الله عن أبيه، ورواه ابن علية عن عاصم بن المنذر عن رجل عن ابن عمر،

فهذا ابن إسحاق وافق عيسى بن يونس عن الوليد بن كثير في ذكر محمد بن

جعفر وعبيد الله بن عبد الله، وروايتهما توافق رواية حماد بن سلمة وغيره عن

عاصم في ذكر عبيد الله بن عبد الله يثبت هذا الحديث باتفاق أهل المدينة

والكوفة والبصرة على حديث عبيد الله ابن عبد الله، وباتفاق ابن إسحاق

والوليد على روايتهما عن محمد بن جعفر وعبيد الله وعبد الله مقبولان

بإجماع من الجماعة في كتبهم، وكذلك محمد بن جعفر ومحمد بن عباد

بن جعفر، والوليد بن كثير في كتاب مسلم، وأبي داود والنسائي وعاصم بن

المنذر يعتبر بحديثه، ومحمد بن إسحاق أخرج عنه مسلم وأبو داود والنسائي

وعاصم بن المنذر، واستشهد به البخاري في مواضع، وقال شعبة: محمد بن

إسحاق أمير المؤمنين في الحديث /، وقال ابن المبارك: محمد بن إسحاق ثقة

ثقة، وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: لما اختلف على أبي أسامة اجتنبنا أن

يعلم من له بالصواب في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي

أسامة عن الوليد على الوجهين جمعيا عن محمد بن جعفر، وعن محمد بن

ص: 542

عباد فصح القولان جميعا عن أبي أسامة، وصح أن الوليد رواه عن محمد بن

جعفر وعن محمد بن عباد جميعا، فكان أبو أسامة يحدّث به عن الوليد عن

محمد بن جعفر، ومرّة يحدث به عن الوليد عن محمد بن عباد، وحكى

البيهقي في المعرفة عن إسناد أبي عبد الله أنه كان يقول: الحديث محفْوظ

عنهما جميعا- أعني: عن عبيد الله وعبد الله وكلاهما عن أبيه- قال: وإليه

ذهب كثير من أهل الرواية، وهو خلاف ما يقتضيه لكلام أبي زرعة فيما

حكاه عنه عبد الرحمن حين قال في العلل: سألت أبا زرعة عن حديث ابن

إسحاق عن أبي جعفر قلت: إنه يقول: عبيد الله بن عبد الله، ورواه الوليد بن

كثير عن محمد بن جعفر عن عبد الله ابن عبد الله قال ابن إسحاق: ليس

يمكن أن يقضى له فكتب: ما حال محمد ابن جعفر؟ قال: صدوق، وإلى

هذا يذكره في ترجمته فقط، وخالف ذلك إسحاق بن إبراهيم فيما حكاه أبوه

في المعرفة فيه غلط أبو أسامة في عبد الله إنّما هو عبيد الله بن عبد الله، ولما

خرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن

جعفر قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعا

بجميع رواته، ولم يخرجاه، وأظنهما- والله أعلم- لم يخرجاه بخلاف فيه

عن أبي أسامة، فذكر حديثه عن الوليد عن محمد بن عباد قال: وهكذا رواه

الشّافعي في المبسوط عن الثقة، وهو أبو أسامة بلا شك فيه، وهذا خلاف لا

يوهن هذا الحديث، وإنِّما قرنه أبو أسامة إلى محمد بن جعفر ثم حدّث به مرة

عن هذا ومرّة عن هذا، والدّليل عليه حديث شعيب بن أيوب: ثنا أبو أسامة

عن/محمد بن جعفر ومحمد بن عباد به فقد صح، ويثبت بهذه الرواية صحة

الحديث، وظهر أنّ أبا أسامة ساق الحديث عنهما جميعا فإنّ شعيب بن أيوب

ثقة مأمون، وكذلك الطريق إليه، وقد تابع الوليد على روايته عن محمد بن

جعفر محمد بن إسحاق قال: وهكذا رواه الثوري، وزائدة بن قدامة وحماد

بن سلمة وإبراهيم بن سعد وابن المبارك ويزيد بن زريع وسعيد بن زيد- أخي

حماد بن زيد- وأبو معاوية وعنده مما ذكر ما قاله البيهقي عنه، وقال

البيهقي: هذا إسناد صحيح موصول، وصححه أيضا الحافظ الفارسي، وخرجه

ابن الجارود في منتقاه من حديث محمد بن عباد ومحمد بن جعفر وعبد الله

ص: 543

بن عبد الله وعبيد الله بن عبد الله، وقال أبو سليمان الخطابي- رحمه الله

تعالى-: وطعن بعض أهل العلم في إسناده من قبل أن بعض رواته قال: عن

عبد الله بن عبد الله، وقال: عبيد الله، وليس هذا مما يوهنه؛ لأنّ الحديث قد

روياه معا، وكفى شاهدا على حجته أنّ نجوم أهل الحديث صححوه وقالوا به،

وهم القدوة، وعليهم المعول في هذا الباب، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي قال

فيه: صحيح، وقال الجوزجاني: حسن، وأبي ذلك الإمام أبو عمر؛ فذكر في

كتاب التمهيد ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين فمذهب ضعيف من

جهة النظر غير ثابت في الأثر؛ لأنه قد تكلّم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل،

وقال في الاستذكار: هو حديث معلول، وقال الدبوسي: هو خبر ضعيف

ومغرٍ بمن لم يقبله؛ لأنّ الصحابة والتابعين لم يعملوا به ولم يضيفا أشياء-

رحمهما الله- لما أسلفناه من بيان صحته وزوال نقله والله تعالى أعلم.

وقال صاحب الهداية: هذا حديث ضعفه أبو داود. انتهى. لم أر ما قاله

في كتابه نظر، وأمّا ما ورد من الاختلاف في عدد القلال ومقدارها/فلا يؤثر

في ضعفه إذا صحت طريقه، وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه من

حديث القاسم بن عبد الله العمري المتهم بالوضع عند أحمد وغيره عن محمد

بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا بلغ الماء أربعين قلة

لا تحمل الخبث " (1) . قال: كذا رواه القاسم عن ابن المنكدر عن جابر، ووهم

في إسناده، وقال الجوزجاني نحوه وقال ابن الجوزي: لا يتفرد به مرفوعا

غيره، قال الدارقطني: وخالفه روح بن القاسم والثوري ومعمر بن راشد فرووه

عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمرو موقوفا، ورواه أيوب السختياني عن ابن

المنكدر من قوله: " لم يجاوز " به ثنا أحمد بن محمد بن زياد نا إبراهيم

الحربي، ثنا هارون بن معروف ثنا بشر بن السرى عن ابن لهيعة عن يزيد بن

أبي حبيب عن سليمان بن سنان عن عبد الرحمن بن أبي هريرة عن أبيه قال:

(1) موضوع. رواه الدارقطني (1/26) ونصب الراية (1/110) والميزان (6812) وتذكرة

(33)

وتجريد (240) وفوائد (7) وتنزيه (2/69) وعقيلي (3/474) وابن عدي في

" الكامل "(6/2058) . وقال الشيخ الألباني في (ضعيف الجامع: ص 60 ح/418-

114) : " موضوع ": انظر: الضعيفة (ح/1622) .

ص: 544

" إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثا "(1) . لذا قال: وخالفه غير واحد

فقالوا عن أبي هريرة: " أربعين "، ومنهم من قال:" أربعين دلوا ".

ثنا أبو بكر النيسابوري ثنا أبو أحمد المصيح ثنا حجاج قال ابن جريج:

أخبرني محمد أنّ يحيى بن عقيل أخبره أنّ يحيى بن معمر أخبره أنّ النبي

صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ولا بأسا"(2) فقلت ليحيى بن

عقيل: فقلال هجر قال: فقلال هجر، فأظنّ أن كل قلة تأخذ فرمنى، قال ابن

جريج: وأخبرني لوط عن أبي إسحاق عن مجاهد أن ابن عباس قال: " إذا

كان الماء قلتين فصاعدا لم ينجسه شيء ". وفى كتاب المعرفة لأبي بكر الحافظ

قال ابن جريج: قد رأيت قلال هجر بقلالة تسع قرب أو قربتين وشيئا قال

الشّافعي: قرب الحجاز قديما، وحدثنا كبار العلماء بها فإذا كان الماء خمس

قرب كبار لم يحمل الخبث، وذلك قلتان بقلال هجر، وقال الإمام أحمد:

وقلال هجر كانت مشهورة/عند أهل الحجاز، ولشهرتها شبه- عليه الصلاة

والسلام- بنبق السدرة بقلالها، قال أبو بكر بن المنذر: قال أحمد مرة: القلة:

تسع قرب، وقال مرة: القلتين خمس قرب، ولم يقل بأي قرب، وقال

إسحاق: نحو ست قرب، وقال أبو ثور: خمس قرب ليس بأكبر القرب ولا

بأصغرها، قال أبو بكر: وقد يقال لذكور قلة ذكر بتبييضه أن الثوري صلى

خلفه في رمضان ثم أخذ نعله وقلّة معه ثم خرج، وقيل: إن القلة مأخوذة من

استقل فلان يحمله إذا طافه وحمله، قال: وإنما سميت الكران قلالا؛ لأنها

تنقل بالأيدي وتحمل ويشرب فيها. قال هذا بعض أهل اللغة، وفى كتاب

الأسرار لأبي زيد: القلتان أعلى الشيء فمعنى القلتين هنا القامتان، وقيل: أعلى

الجبل، وفى المحلى وقال وكيع ويحيى بن آدم: القلة: الجرة، وهو قول الحسن

البصري أي جرة كانت وهو قول مجاهد وأبي عبيد- رحمهم الله تعالى-

والله أعلم.

(1) السابق بنحوه، وانظر:(العقيلي: 3 / 473) .

(2)

راجع الحاشيتين السابقتين.

ص: 545

‌45- باب الحياض

حدثنا أبو مصعب المديني، ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن

عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين

مكة والمدينة تردها السباِع والكلاب والحمر، وعن الطهارة منها فقال: " لها ما

حملت في بطونها ما غير طهور " (1) . هذا حديث ذكره الدارقطني من مسند

أبي هريرة في كتاب السنن، وقال فيه الحافظ أبو جعفر الطحاوي في كتاب

المشكل: ليس من الأحاديث التي يحتج بها؛ لأنه إنما دار على عبد الرحمن

ابن زيد، وحديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف. كذا قاله،

وقد أبي ذلك عليه الحافظ ابن البيع فصحح في/مستدركه إسناد حديث من

روايته في فضل المصطفى صلى الله عليه وسلم وقال الحافظ أبو أحمد الجرجاني: له أحاديث

حسان، وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم، وهو ممن يكتب حديثه، ولكنه

معارض بحديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، وإن كان قد روى حديث أبي

سعيد من غير وجه ليس لها حديث ابن زيد؛ من ذلك ما ذكره أبو عيسى

الترمذي عن هناد بن السرى والحسن بن علي وغير واحد قالوا: ثنا أسامة عن

الوليد بن كثير عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن حديج عن أبي سعيد،

قيل: يا رسول الله، أيتوضأ من بئر بضاعة؟ - وهى بئر يلقى فيها الحيض ولحوم

الكلاب والنتن- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الماء طهور لا ينجسه شيء " (2) .

وقال: هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، ولم يرو أحد

(1) ضعيف. رواه ابن ماجة (519) . في الزوائد: في إسناده عبد الرحمن. قال فيه الحاكم:

روى عن أبيه أحاديث موضوعة، وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه. وعبد الرزاق

(253)

والقرطبي (3/45، 15/231) والمشكل (3/267) .

وضعفه الشيخ الألباني: (ضعيف الجامع. ص 691 ح/4789- 847) .

انظر: (الضعيفة: ح/1609) .

قوله: " ما غير " أي: ما بقي.

(2)

حسن. رواه أبو داود (ح/67) والترمذي (66) وقال: هذا حديث حسن. وأحمد (3/

86) والمنثور (5/73) وتلخيص (1/13) ومعاني (1/11) وابن أبي شيبة (1/142) =

ص: 546

حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا

الحديث من غير وجهه عن أبي سعيد، وقال أبو داود: قال بعضهم:

عبد الرحمن بن رافع ثنا أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز بن يحيى

الخراساني، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب،

عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي عن أبي سعيد:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقال له: أنه يستقى لك من بئر بضاعة، وهى

تلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعذر الناس، فقال عليه الصلاة والسلام: إن

الماء طهور لا ينجسه شيء ". قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد قال:

فسألت نمير عن بئر بضاعة عن عمقها قال: أكثر ما يكون الماء فيها قال: إلى

العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة، قال أبو داود: وقدرت أنا بئر

بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي

فتح لي باب البستان فأدخلني/إليه: هل غيّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال.

لا، ورأيت فيها ماء متغيّر اللون، وفى علل الخلال: ثنا أبو الحارث أنه سأل أبا

عبد الله عن هذا الحديث فقال: حديث بئر بضاعة صحيح، وحديث أبي

هريرة: " لا يُبال في الماء الدائم " أثبت وأصح إسنادا قال: وبئر بضاعة عند

سقيفة بني ساعدة، وقال أبو عمر في الاستذكار: بئر بضاعة محفوظ من

والمشكاة (478) والدارقطني (1/30، 31) .

قوله: " بضاعة " بضم الباء، وقد كسرها بعضهم، والأوْل أكثر، وهي دار بني ساعدة

بالمدينة، وبئرها معروفة.

وقال أبو داود في سننه: " سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت نمير: بئر بضاعة عن عمقها؟

قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة ".

قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع،

وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ فْالا: لا،

ورأيت فيها ماء متغير اللون.

قلت: والحديث نسبه ابن حجر في التلخيص (ص 3- 4) للشافعي وأحمد وأصحاب السنن

والدارقطني والحاكم والبيهقي. وقال: " صححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو

محمد بن حزم، وأطال الكلام في طرقه وتعليله، وانظر بعض طرقه في مسند أحمد (11136،

11277، 11838. ح 3 ص 15، 31، 86) .

ص: 547

حديث أبي سعيد، ولما خرج أبو عبد الله بن مندة هذا الحديث من رواية

محمد بن كعب القرظي عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع قال: هذا إسناد

مشهور أخرجه أبو داود والنسائي، وتركه البخاري ومسلم لاختلاف في

إسنادها ورواه ابن أبي ذئب عن الثقة عنده عن عبد الله بن عبد الرحمن عن

أبي سعيد، ثم ذكر رواية مطرف بن طريف عن خالد بن أبي مرّة عن سليط

عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، وقال: فإن كان عبيد الله بن

عبد الرحمن بن رافع هذا هو الأنصاري الذي روى عن جابر بن عبد الله

فقد روى عن هشام بن عروة، وهو رجل مشهور في أهل المدينة، وعبد الله

بن رافع بن حديج مشهور، وعبيد الله ابنه مجهول، فهذا حديث معلول برواية

عبيد الله بن عبد الله، وفى كتاب الإيضاح لعبد الغني. رواه مطرف بن

عبد الله عن خالد عن سليط عن ابن أبي سعيد عن أبيه، وفى بيان الوهم

والإبهام وأمر هذا الحديث إذا بين تبين منه ضعفه، وذلك أنّ مداره على أبي

أسامة عن أسامة في الوسيطة الذي بين محمد بن كعب وأبي سعيد فقوم

يقولون: عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وقوم يقولون: عبد الله بن عبد الله

بن رافع، وله طريق آخر من رواية ابن إسحاق عن سليلي واختلف على ابن

إسحاق في الواسطة الذي بين سليط وأبي سعيد فقوم يقولون: عبيد الله بن

عبد الرحمن/بن رافع، وقوم يقولون: عن عبد الرحمن بن رافع فتحصل في

هذا الرجل الراوي عن أبي سعيد خمسة أقوال، وكيف ما كان فهو من لا

يعرف حاله ولا يمنه، والأسانيد بما ذكرنا في كتب الحديث معروفة. انتهى

كلامه. وفى حديث ابن إسحاق عن سليط انقطاع. نص على ذلك ابن

(1)

صحيح. رواه النسائي (1/174) وأحمد في " المسند "(1/235، 308) والبيهقي

في " الكبرى "(1/265، 266، 279) والحاكم في " المستدرك "(1/159) وابن حبان

(116)

وأبو داود (ح/66) والطبراني في " الكبير "(8/123) وابن خزيمة (91، 901)

والدارقطني في " سننه "(1/29، 52) ومطالب ابن حجر (1) والمجمع (1/213، 214)

ونصب الراية (1/94، 95) واستذكار (1/332، 333) والقرطبي (13/50، 51)

ومعاني (1/12، 16) وأصفهان (2/344) والعلل (95) والخطب (10/423) وابن عدي

في " للكامل "(2/459، 6/2431) .

ص: 548

محمد في كتاب المراسيل، وفى قول ابن مندة: لأنّ ابن أبي ذئب رواه عن

الثقة عنده عن عبد الله نظر؛ لما ذكره الشافعي: أنبأ الثقة عن ابن أبي ذئب

عن الثقة عنده عمن حدث أو عن عبد الله. قال أبو الحسن بن القطان:

ولحديث بئر بضاعة طريق صحيحة من رواية سهل بن سعيد قال قاسم بن

منيع: ثنا ابن وضاح ثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سلمة الحلبي بحلب ثنا

عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعيد قالوا. يا رسول الله إنّك

تتوضأ من بئر بضاعة، وفيها ما ينحى الناس والمحايض والخبث، فقال رسول

الله صلى الله عليه وسلم: " الماء لا ينجسه شيء "(1) . قال قاسم: هذا من أحسن شيء في بئر

بضاعة، وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن. ثنا ابن وضاح يذكره أيضا

بإسناده ومتنه، قال أبو محمد بن حزم في كتاب الإيصال: عبد الصمد بن

أبي سكينة ثقة مشهور، وذكره الساجي، وقال ابن وضاح: لقيه بحلب،

ويروى عن سهل بن سعد في بئر بضاعة من طريق هذا خيرها- والله تعالى

أعلم- انتهى. ولما خرج أبو عمر هذا في الاستذكار عن عبد الوارث عن

قاسم قال: هذا اللفظ غريب في حديث سهل، ومحفوظ من حديث أبي

سعيد ورواه الدارقطني من حديث فضيل بن سليمان المخرج حديثه في

الصحيحين عن أبي حازم عن سهل مرفوعا: " الماء لا ينجسه شيء ". وعن

فضيل عن محمد بن أبيِ يحيى عن أبيه قال: سمعت سهلا يقول: " شرب

النبي صلى الله عليه وسلم من بئر بضاعة "، ورواه الطبراني (1) في معجمه الكبير عن موسى/

بن سهل بن أبي عمران الجوني عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل عن

محمد بن أبي يحيى عن أمه قال: دخلنا على سهل في بيته فقال: لو أنى

سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم وقال: وقد- والله- سقيت منها رسول الله

صلى الله عليه وسلم بيدي ". زاد عمر بن شيبة في كتاب أخبار المدينة تأليفه وإن النبي صلى الله عليه وسلم

بصق فيها ".

حدثنا أحمد بن شيبان ثنا يزيد بن هارون ثنا شريك عن طريق بن شهاب

(1) صحيح. التمهيد (1/332) والمجمع (4/12) من حديث سهل بن سعد، وعزاه إلى

" أحمد " و" أبي يعلى " إلا أنه قال: " لو إني سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم" والباقي

بنحوه، والطبراني في " الكبير "، ورجاله ثقات.

ص: 549

قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن جابر بن عبد الله قال: انتهينا إلى غدير

فإذا فيه جيفة حمار قال: فكففنا عنه حتى انتهى إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

فان الماء لا ينجسه شيء، فاستقينا وأروينا وحملنا ". هذا حديث إسناده

ضعيف؛ لضعف رواية أبي سفيان طريق ابن شهاب السعدي الأشهل، وقال

البخاري والعطاردي وقال أيضا: يكنى أبا معاوية طريق بن سعد ويقال:

طريف بن سفيان، قال البخاري: ليس بالقوى عندهم، وقال عمرو بن علي:

ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن أبي سفيان العطاردي بشيء،

وقال الإمام أحمد: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه، وقال ابن معين: ليس

بشيء، وفى رواية: ضعيف، ولذلك قاله أبو حاتم الرازي زاد: ليس بقوي،

وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: روى عن الثقات، وإنما أنكر

عليه في متون الأحاديث أشياء لم يأت بها غيره وأما أسانيده فهي مستقيمة،

وقال الدارقطني: ضعيف، وقال الجرمي: بصري، ليس هو أوثق النّاس، وقال

ابن حبّان: كان مغفلا يهم في الأخبار، ثم يقلبها ويروى عن الثقات ما لا

يشبه حديث الأثبات، وقال أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب الاستغناء:

أجمعوا على أنه ضعيف الحديث، وذكوه في كتاب الضعفاء الساجي وأبو

العرب والعقيلي/ويعقوب بن سفيان الفسوي، ورواه الساجي في كتاب

الضعفاء عن الربيع: ثنا الشافعي ثنا إبراهيم بن محمد ثنا داود بن حصين عن

أبيه عن جابر سئل- عليه الصلاة والسلام أيتوضأ بما أفضلت الحمر قال:

نعم وبما أفضلت السباع "، وأنبأ الشافعي: ثنا سعيد بن سالم عن ابن أبي

حبيب عن داود عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، ولم يقل عن أبيه.

حدثنا محمود بن خالد والعباس بن الوليد الدمشقيان قالا: ثنا مروان بن

محمد ثنا رشدين أنبأ معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي إمامة

الباهلي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على

ريحه وطعمه ولونه " (1) . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف رواية أبي الحجاج

(1) صحيح. رواه الترمذي (66) وقال: هذا حديث حسن. والنسائي (1/173) وابن ماجة

(520، 521) والحديث الأول من حديث جابر. قال في الزوائد: إسناد حديث جابر

ضعيف؛ لضعف طريق ابن شهاب. قال ابن عبد البر: أجمعوا على انه ضعيف.=

ص: 550

رشدين بن سعد بن مفلح بن هلال المهري، وهو رشد بن أبي رشدين القائل

فيه الإمام أحمد بن حنبل: ليس يبالي عمن روى، لكنه رجل صالح، قال

الميموني: فوثقه هيثم بن خارجة، وكان في المجلس فتبسم أبو عبد الله ثم قال

أبو عبد الله: ليس به بأس في أحاديث الرقاق، وفى رواية حرب وسئل عنه

فضعّفه وقدم ابن لهيعة وقال ابن أبي خيثمة عنه: لا نكتب حديثه، وفى رواية

البغوي عنه: أرجو أن يكون صالح الحديث، وفى رواية عبد الله عنه رشدين

كرى وكرى، وسئل عنه أبو زكريا فقال: ليس من حمال المحامل، وفى رواية

أحمد بن محمد بن حرب عنه رشدين (1) أنبأ رشدين بن كريب وابن سعد

وفى رواية بن الجنيد عنه ليس بشيء، وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث

وفيه غفلة ويحدث بالمناكير عن الثقات، ضعيف الحديث ما أقربه عن داود بن

المحبر وابن لهيعة أستر ورشدين أضعف، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث،

وقال البخاري عن قتيبة:/كان لا يبالى ما دفع إليه فيقرأه، وقال ابن عدي:

وهو مع ضعفه ممن يكتب حديثه، وقد خصّ مسلم بالضّعف حجاج أبيه

ومحمد بن حجاج وأحمد بن محمد، وقال السعدي: هو ثقة وابن لهيعة

عنده مداخيل، مناكيره كثيرة، قال: وسمعت ابن أبي مريم يثنى عليه في

دينه، فأمّا حديثه ففيه ما فيه، وفى رواية الدولابي: ففيه ما قلت، وقال ابن

سعيد بن يونس: ولد سنة عشر ومائة ومات سنة ثمان وثمانين، وكان رجلا

صالحا لا يشك في صلاحه وفضله، وأدركته غفلة الصالحين فخلط في

الحديث، وقال البستي: كان يقرأ كل ما وقع إليه سواء كان من حديثه أو لم

والحديث من حديث أبي أمامة. قال في الزوائد: الحديث بدون الاستثناء، رواه أبو داود

والنسائي والترمذي من حديث أبي سعيد. وأحمد (1 / 235، 284، 308) والبيهقي (1 /

258، 267) وابن حبان (226) والطبراني (11/274) والجوامع (5823، 5824) وشفع

(28)

وعبد الرزاق (255، 396) والكنز (27490، 27505) والمجمع (1/213) وعزاه

إلى أحمد ورجاله ثقات. والمعاني (1/12، 16) وابن عدي (4/1438) . قلت: وقد

حسّنه الترمذي بشواهده المتعددة الضعيفة. قلت: وقد رواه ابن ماجة من طريقين مختلفين،

أحدهما: من حديث جابر بن عبد الله، والثاني: من طريق أبي أمامة. فتنبه أنّ هذه شواهد

تُصحح تحسينه.

(1)

قوله: " رشدين " غير واضحة " بالأصل "، وكذا أثبتناه.

ص: 551

يكن، ولما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء ذكر عن ابن معين أنه كانت

عنده مناكير: حدثنى أحمد بن محمد ثنا الهيثم بن خالد قال: كنت مع

رشدين في غرفة له وكان لها منظرة إلى بعد، فأقبل شاب فقال رشدين: ترى

هذا المقبل؟ قلت: نعم، قال هذا ابني، وهو أعلم الناس بلعب الشطرنج ما

يلاعبه أحد قال: فرأيته فرحا بذلك، ولما ذكر أبو حاتم هذا في كتاب العلل

قال فوصله رشدين وليس بقوي، والصحيح: مرسل، وقال الخليل: ضعفوه

ولم يتفقوا عليه، وابنه حجاج أمثل منه، وذكره في الضعف أبو العرب

والعقيلي والبلخي، وقال الحربي: غيره أوثق منه، وقال البزار: لم يكن بالمعتمد،

وقال عبد الحق: هو ضعيف عندهم، وفى ما قاله نظر؛ لأنه روى عن راشد

عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا بسند. جيد ثنا بذلك الإمام أبو المحاسن بن محمد

الكردي أنبأ بن خليل أبو إسحاق إبراهيم، ثنا عبد الرحمن بن المسلم، ثنا علي

بن الحسنى الواديني، ثنا أبو عبد الله محمد بن القاسم بن جعفر المؤذن، ثنا أبو

بكر عبد الرحمن بن القاسم الهاشمي، ثنا أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، ثنا

عيسى بن يونس، ثنا الأحوص عن راشد بن سعد قال/عليه الصلاة والسلام:

" الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه ". وقال أبو الحسن

الدارقطني: إنما يصح هذا من قول رشدين بن سعد، وقال في موضع آخر: لم

يرفعه غير رشدين، وفى المعرفة: قال الشافعي: وما قلت من أنه إذا تغير طعم

الماء وريحه ولونه كان نجسا يروى عن النبي من وجه، لا يثبت أهل الحديث

مثله، وهو قول العامة لا أعلم بينهم فيه خلافا، وقال أبو القاسم في المعجم

الأوسط: لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلا رشدين. تفرد به

محمد بن يوسف، وفيه نظر؛ لما تقدّم من رواية مروان عنه به، ورواه البيهقي

عن إسناده ابن البيع عن أبي الوليد العقبة عن جعفر الحافظ عن أبي الأزهر عن

مروان بسنده أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذ كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، إلا ما

غلب على ريحه أو طعمه "، وقال: كذا أوجدته، ولفظ القلتين فيه غريب،

ورواه أيضا إسناده عن أبي الوليد عن الساماني عن عطية بن بقية بن الوليد

عن أبيه عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعدية بزيادة: " طعمه أو لونه بنجاسة

يحدث فيها "، ثم قال: والحديث غير قوى إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا

ص: 552

تغيّر بالنجاسة خلافا لما ذكره ابن عدي في كامله من طريق أحمد بن عمير

عن حفص بن عمر ثنا ثور بن يزيد عن راشد بن سعد قال: هذا ليس يرويه

عن ثور إلا حفص بن عمر. انتهى كلامه. وفيه نظر، لما أسلفناه من طريق

عطية عن أبيه عن ثور، وفيها أيضا ردّ لقول أبي الحسن والرازي: لم يرفعه غير

رشْدين، وفى الباب غير ما حديث من ذلك حديث ثوبان: قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: " الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو طعمه ". رواه الدارقطني (1) من

حديث رشدين بن سعد.

وحديث سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الماء لا ينجسه شيء "(2) .

رواه أيضا عن محمد بن الحسن الحراني ثنا علي بن أحمد الجرجاني ثنا

محمد بن إسحاق الجوسي ثنا فضيل/بن سليمان النميري عن أبي حازم عنه،

وقد تقدّم طرف منه. وحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الماء لا ينجسه

شيء". رواه أبو القاسم في معجمه الأوسط عن أحمد بن زهير ثنا أبو الربيع

عن عبد الله بن محمد الحارثي عن أبي أحمد الزبيري ثنا شريك عن المقدام

بن شُريج عن أبيه عنها، وقال: لم يروه عن المقدام إلا شريك، قال بعض

الحفاظ من مشايخنا- رحمهم الله تعالى-: ومن غريب ما يستدل به في هذا

المعنى حديث ابن ثعلبة الحسنى في الأمر بغسل أواني المشركين قبل الأكل فيها

مع حديث عمران بن حصين في وضوئه- عليه الصلاة والسلام من مزادة

شركة؛ فإن الأول يدل على نجاسة الإناء، والثاني يدل على طهارة الماء

وطهوريته، وفى القديم للشافعي. ثنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن

إبراهيم عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر ابن الخطاب خرج في

ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو لصاحب الحوض:

" يا صاحب الحوض هل يرد حوضك السباع "، فقال: عُمر بن الخطاب يا

صاحب الحوض لا تخبره فإنّا نرد على السباع وترد علينا (3) . أنبأ بن عيينة عن

(1) ضعيف. رواه الدارقطني (1/28) ونصب الراية (1/95) . قلت: في إسناده بقية بن الوليد.

(2)

تقدم من أحاديث الباب. ص 541

(3)

صحيح. رواه أحمد في " المسند "(3/421) والبيهقي في " الكبرى "(1/250) .

ص: 553

عمرو بن دينار أن عمر بن الخطاب ورد حوض مجنة فقيل له: إنما ولغ الكلب

منه فقال عمر: إنما ولغ بلسان فشرب وتوضأ ". وزعم أبو جعفر الطحاوي أن

الواقدي قال: إن بئر بضاعة كانت طريقا للماء إلى البساتين فكان الماء لا

يستقر فيها، وردّ ذلك أبو بكر في المعرفة بما لا يصلح أن يكون ردّا، وهو

الطعن على الواقدي بالضعف وهو لم يذكره رواية إنما ذكره عن مشاهدة، وإن

كان ذلك ملخصه المعارضة بالتوثيق، قال محمد بن إسحاق الصغاني وذكر

من فضله وحسن أحاديثه، أما أنا فلا أجسم أن أروى عنه، والله لولا أنه

عندي ثقة ما حدثت عنه حديث عنه أوثقة/أئمة أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو

عبيد وأبو خيثمة ورجل آخر، وقيل للدراوردي. ما تقول فيه؟ فقال: سله

عني، وفى لفظ " ذاك أمير المؤمنين في الحديث "، وكذلك قاله أبو عامر

العقدي لما سئل عنه، ولما سئل عنه معن (1) بن عيسى قال: نحن نسأل عنه؟!

إنما يُسأل هو عنّا، وقال الزبيري والمسيرى وأبو يحيى الزهري: محمد بن عمر

ثقة مأمون، وقال ابن نمير: حديثه عنّا مستوى، وقال يزيد بن هارون: هو

ثقة، وقال عباس بن عبد العظيم: هو أحبّ إلي من عبد الرزاق، وقال أبو

عبيد بن سلام: هو ثقة، وقال أبو داود: كان أحمد ينظر في كتبه كثيرا،

ولم ننكر عليه أحد سوى جمعه الأسانيد ومجيئه بالمتن واحدا، قال أبو إسحاق

المزي: وذكر له هذا القول هذا ليس بعيب، وقال محمد بن إسحاق في كتاب

الفهرست: كان حسن المذهب- رحمه الله تعالى-، وأمّا ما ذكره بعض

المتأخرين من أنّه مجمع على ضعفه؛ ففي بعض ما تقدّم ردّ عليه- والله

أعلم- ثم ننزل معه بأن يلقي قوله، وينظر هل قال ذلك غيره ممن تقدّمه فإذا

عائشة- رضى الله عنها- وهى من أفقه الصحابة، قالت: كان بئر بضاعة

قناة وكان لها منفذ إلى بساتينهم. ذكر ذلك صاحب الأسرار من غير رواية

الراوي، والعقل يشهد له لأنها متى لم تكن قناة تغيرت بالحيض لا محالة،

قال: وروى عن محمد بن الفضل البلخي أنه قال: " مسحت بئر بضاعة

(1) قوله: " معن " وردت " بالأصل ": " مضى "، وهو تصحيف، وكذا أثبتناه من

" الثانية ".

ص: 554

فوجدتها ثمانية في ثمانية "، وقد روى عن محمد بن الحسن أنه حدّد الكثرة

بها (1) ، والله أعلم.

(1) قوله: " بها " وردت " بالأصل ": " بهذا "، وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه من

" الثانية ".

ص: 555

‌46- باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن

قابوس بن أبي المخارق عن لبابة بنت الحارث قالت: " بال الحسن بن علي-

رضى الله عنهما- في حجر النبي صلى الله عليه وسلم/فقلت: يا رسول أعطني ثوبك والبس

ثوبا غيره: فقال: " إنما ينضح من بول الذكر ويغسل من بول الأنثى ". هذا

حديث خرجه ابن ماجة أيضا في كتاب الرؤيا بزيادة (1) : " يا رسول الله رأيت

كان في حجري عضوا من أعضائك "، وإسناده صحيح لذكر ابن أبي المخارق

في كتاب الثقات لأبيِ حاتم البستي، ولما ذكره أبو عبيد الله في مستدركه

حكم بصحته، ولما رواه ابن خزيمة في صحيحه (2) عن نصر بن مرزوق ثنا

أسد- يعني: بن موسى- ح وثنا محمد بن عمرو بن تمام المصري ثنا على بن

معبد ثنا بن الأحوص بلفظ: " فقلت هات ثوبك حتى أغسله، ثم قال: إنما

يغسل بول الأنثى وينضح بول الذكر "، قال وفى حديث أسد بن موسى:

" كان الحسن في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فبال عليه، فقلت: البس ثوبا وأعطني ثوبك

حتى أغسله "، وقال الدارقطني في كتاب العلل: عن سماك عن قابوس عن

أبيه عنها: قال ذلك عثمان بن سعد، وقيل: عن عثمان عن مسعر عن سماك

قال: وقال معاوية بن هشام عن على بن صالح عن سماك عن قابوس مرسلا،

وروى عن داود بن أبي هند عن سماك مرسلا عن أم الفضل، والصواب: قول

من قال: عن سماك عن قابوس عن أم الفضل. كذا ذكره عن علي، والذي

رواه البزار في مسنده يخالف ما قاله ذلك أنه رواه عن إبراهيم بن الجنيد ثنا

عثمان بن سعيد ثنا على بن صالح عن سماك عن قابوس عنها بلفظ: " فما

أخذته فاطمة بيدها فقال: أوجعت ابني رحمك الله

" الحديث، ورواه

الطبراني (3) أيضا من حديث محمد بن مصعب العيروساني الأوزاعي عن شداد

(1) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/522) وابن أبي شيبة (1/120، 4/172) والكنز

(27280)

. وصححه الشيخ الألباني.

(2)

صحيح. رواه ابن خزيمة: (282) .

(3)

ضعيف. رواه الطبراني (3/5) وابن ماجة ماجة (ح/3923) . في الزوائد:=

ص: 556

عن عمار عنها بلفظ: " وعلى ابين فإن ابني ليس بنجس، ثم دعا بماء فصبه

عليه "، ورواه الخلال في كتاب العلل عن عبد الله بن أحمد: أنبأ أبي ثنا عفان

قالا: حدثنا حماد بن سلمة أنبأ عطاء الخراساني عن لبابة بلفظ: " فرأيت البول

يسيل على بطنه، فقمت/إلى قربة لأصبها عليه ". وفى الباب عن الكجي: ثنا

حجاج ثنا حماد عن عطاء الخراساني عن لبابة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم اضطجع على

مكان من سوسي، فوضع الحسن والحسين جميعا على بطنه، فبالا على بطنه،

فرأيت البول يسيل على بطنه فقمت إلى القربة لأصبها عليه (1)، فقال: يا أم

الفضل بول الغلام يصب عليه ما لم يطعم وبول الجارية يغسل غسلا " (2) . وفى

الباب للدارقطني من حديث إبراهيم بن محمد عن داود عن عكرمة عن ابن

عباس في بول الصبي كلمة يصب عليه مثله من الماء؛ لذلك صنع رسول الله

صلى الله عليه وسلم ببول حسين بن علي، وفى مسند أحمد بن منيع ثنا بن علية ثنا عمارة

أن أبي حفصة عن أبي مخلد عن حسن بن علي قال: حدثتنا امرأة من أهلنا

بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا على ظهره يلاعب صبيا على صلاه، فبال فقامت

لتأخذه وتضربه فقال: " دعيه، ائتوني بكوز من ماء، فنضح الماء على البول حتى

تقابض الماء على البول فقال: هكذا يصنع بالبول ينضح من الذكر ويغسل من

الأنثى " (3) .

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: ثنا وكيع ثنا هشام بن

عروة عن أبيه عن عائشة قالت: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي، فبال عليه، فاتبعه

الماء ولم يغسله ". هذا حديث خرجاه في صحيحهما (4) ولفظ مسلم: " كان

رجال إسناده ثقات، إلا أنه منقطع، وفي التهذيب والأطراف: روى قابوس عن أبيه عن

أم الفضل، وضعفه الشيخ الألباني: انظر ضعيف ابن ماجة: (ح/850) .

(1)

ضعيف. نصب الراية (1 / 127) والمجمع (1/285) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "،

وفيه ليث بن أبي سليم، وفيه ضعف.

(2)

صحيح. رواه أحمد: (6/339) .

(3)

انظر: الحاشية السابقة.

(4)

صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (8 / 95) ومسلم في (الطهارة، باب " 31 " رقم

" 101 "، والأدب باب " 5 " رقم " 27 "(وابن أبي شيبة (7/378) والمشكاة (4150)

وللمغني عن حمل الأسفل (2/194) وأحمد (6/212، 46) وأبو داود (5106) -

ص: 557

يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأتى بصبي "، وفى لفظ: " بصبي

يرضع "، وفى لفظ لأبي نعيم في مستخرجه: " فربما أتي بالصبي فيبول عليه

فيدعوا بماء فيتبعه إياه "، وذكر أبو الحسن الدارقطني من رواية حجاج بن أرطاة

عن عائشة أن هذا الصبي ابن الزبير قالت: فأخذنه أخذا عنيفا، فقال- عليه

الصلاة والسلام-: " إنه لم يأكل الطعام فلا تضربوه "، وفى لفظ " فإنه لم

يطعم الطعام فلا مقدر بوله "، وفى المسند من رواية أبي معاوية عن هشام،

ولفظه: " صبوا عليه الماء صبا "./

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح ثنا سفيان ابن عيينة عن

الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أم قيس بنت محصن قالت: " دخلت

بابن أبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء فرش

عليه ". هذا حديث خرجاه في الصحيح (1) ، ولفظ مسلم: " فدعا بماء فنضحه

على ثوبه ولم يغسله غسلا ".

حدثنا حوثرة بن محمد ومحمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم قالا: ثنا

معاذ بن هشام ثنا أبي عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلمي عن

أبيه عن علي: " أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال في بول الرضيع: ينضح بول الغلام،

ويغسل بول الجارية " (2) . هذا حديث لما خرجه الحاكم عن أبي عمرو بن

والحميدي (164) ومعاني (1/31) وأذكار (253) .

(1)

رواه مسلم في (الطهارة، ح/103) وأبو داود (374) والترمذي (71) وابن ماجة (524) والدارمي (وضوء، باب " 105 ") ورواه أحمد في " المسند " عن سفيان بن عيينة (6/355) ورواه الطيالسي (رقم 1636) عن زعمة عن الزهري، وفيه:" فدعا بماء فنضحه عليه، ولم يغسله غسلا "، ورواه ابن سعد في الطبقات (8/176) من طريق صالح بن كيسان عن الزهري، وفيه:" فنضح عليه الماء ولم يغسله " وكذلك رواه مالك في الموطأ (1/83) عن الزهري.

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة (ح/ 525) والترمذي (ح/ 610) وقال: هذا حديث حسن

صحيح. والحاكم وصححه. وأحمد (1/137) والبيهقي (3/415) والدارقطني (1/129)

وابن حبان (247) وعبد الرزاق (1490) وابن خزيمة (284) والكنز (27268، 27291)

وشرح السنة (2/87) والحلية (9/62) وابن عدي في " الكامل"(2/493) .

قال الحافظ في التلخيص (ص 14) : " إسناده صحيح. إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي

وصله وإرساله. وقد رجح البخاري صحته، وكذا الدارقطني. وقال البزار: تفرد برفعه=

ص: 558

حمدان ثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي ثنا معاذ قال: هذا

حديث صحيح، فإن أبا الأسود الديلمي صحيح سماعه من علي وهو على

شرطهما صحيح ولم يخرجاه، وله شاهدان صحيحان: حديث قابوس عن

أمامه، وحديث كل عن أبي السمح. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لأنّ أبا الحرث

عند مسلم فقط ولما خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه أتبعه. حدثنا أبو

موسى- يعني: عن معاذ- بمثله، وزاد- قال قتادة: هذا ما لم يطعم الطعام،

فإذا طعم الطعام غسلا جميعا، وخرجه أيضا البستي في صحيحه، ولما خرجه

الترمذي قال فيه: حسن صحيح، وقال في العلل: سألت محمدا عن هذا

الحديث فقال: شعبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي حافظ، ورواه يحيى بن سعيد

القطان عن ابن عروة عن قتادة فلم يرفعه، وقال البزار: وقد روى هذا الفعل

عائشة وأبو ليلى وزينب بنت جحش، وأحسنها إسنادا حديث علي وحديث أم

قيس، وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا

الإسناد، وإنما أسنده معاذ عن أبيه، وقد رواه/غير معاذ عن هشام عن قتادة

عن أبي حرب عن أبيه عن على موقوفا: حدثنا أحمد بن موسى بن معقل ثنا

أبو اليمان المصري قال سألت الشافعي عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " يرش من بول

الغلام ويغسل من بول الجارية " (1) والماءان جميعا واحد قال: لأنّ بول الغلام

من الماء والطين وبول الجارية من اللحم والدّم، ثم قال لي: فهمت؟ قلت:

بقيت، قال: قلت: لا. قال: إن الله خلق آدم، وخلقت حواء من ضلعه

الأيسر فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم،

قال: قال لي: فهمت؟ قلت: نعم، قال: بفعل الله هكذا هذا ثابت في نسختي

التي بخط المرادي، وفى نسخة أخرى علم الحافظ المنذري عليها لا إلي وكأنه

أشبه، والله تعالى أعلم.

- معاذ بن هشام عن أبيه، وقد روى هذا الفعل من حديث جماعة من الصحابة، وأحسنها

إسنادا حديث علي ". وفي عون المعبود- نقلا عن المنذري- قال: " وقال البخاري: سعيد بن

أبي عروبة لا يرفعه، وهشام يرفعه، وهو حافظ ". فهذا ترجيح البخاري صحته. وقد مضى

في الترمذي هذا المعنى من حديث أم قيس بنت محصن (رقم 71 ج 1 ص 104- 106) .

(1)

تقدم من أحاديث الباب.

ص: 559

حدثنا عمرو بن علي ومجاهد بن موسى والعباس بن عبد العظيم قالوا: حدثنا

عبد الرحمن بن مهدي ثنا يحيى بن الوليد أنبأ محل ابن خليفة ثنا أبو السمح قال: كنت

خادم النبي صلى الله عليه وسلم فجيء بالحسن- أو الحسين- فبال على صدره فأرادوا أن يغسلوه فقال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رشه فإنه يغسل بول الجارية، ويرش من بول الغلام "(1) . هذا حديث

خرجه ابن خزيمة (2) في صحيحه من حديث عباس العنبري ولفظه: " رشوه رشا "، وقد

أسلفنا عن أبي عبد الله الحاكم تصحيحه في الشواهد، وقال البزار وأبو الفتح: لا نعلم

حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث، ولا لهذا الحديث إسناد إلا هذا، ولا يحفظ هذا

الحديث إلا من حديث ابن مهدي، وصححه أبو محمد بن حزم والإشبيلي بسكوته

عنه، وخرجه أبو أحمد العسكري في كتاب الصحابة، وشرطه في ذلك معروف، وفى

التمهيد: حديث المحل لا يقوم به حجة، والمحل ضعيف، ويشبه أن يكون لأبي/عذرة

هذا القول؛ لأني لم أره لغيره، وذلك أنه ممن خرج حديثه في صحيحه محتجّا به في

الزكاة وعلامات النبوة، وقال فيه أبو زرعة الرازي: ثقة صدوق، وقال أبو زكريا يحيى

بن معين: هو ثقة، وذكره البستي في كتاب الثقات، وسيأتي ذكره وفى كتاب

الأشراف، وقال أبو ثور: يغسل بول الغلام والجارية، وإن ثبت حديث الرش

عن النبي صلى الله عليه وسلم كان الرش جائزا في بول الغلام، ولفظ أبي داود: " كان- عليه

الصلاة والسلام- إذا أراد أن يغتسل قال: دلني، فأوليه قفاي فاستره به " (3) ،

وفيه: " فجئت أغسله "، ولفظ الدولابي في كتاب الكنى وأثر الثوب وفيه:

" ويغسل من بول النساءِ "(4) .

حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر الحنفي ثنا أسامة بن زيد وعن عمرو بن

شعيب عن أم كرز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بول الغلام ينضح، وبول الجارية

يغسل ". هذا حديث قال فيه مهنأ: سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن

(1) تقدم من أحاديث الباب.

(2)

صحيح. رواه ابن خزيمة: (283) . قلت: ولهذا الحديث شواهد صحيحة.

(3)

سقطت بعض " حروف " هذا الحديث من " الأولى "، وسقطت من " الثانية ".

(4)

صحيح. رواه أحمد (1/76) وابن ماجة (ح/527) والبيهقي (2/415) والدارقطني

(1/129) والخفاء (1/344) والإِرواء (1/188، 190) .

وصححه للشيخ الألباني.

ص: 560

جعفر بن أبي ليث حدثوني عنه قال: حدثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن

شعيِب عن أم كرز: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بغلام الحديث فقال أحمد: هو معروف

الحديث صحيحه، وهو أخو إسماعيل بن جعفر، وهو ثقة لم يزد على ذلك،

ولم يتعرض للانقطاع فيما بين عمرو وأم كرز. منصوص كليه في كتاب

تهذيب الكمال في غير ما موضع، وأخذا أيضا بعموم قول أبي بكر أبي عياش

عمرو: ليس تابعيا، وقد روى عنه جماعة من التابعين. حلّ ذلك عنه

الدارقطني، فلو سلم من هذه العلة لكان إسناده صحيحا؛ لما أسلفناه قبل في

ترجمة عمرو- والله أعلم- ورواه أبو القاسم في الكبير عن عبد الله بن

أحمد عن أبيه عن الحنفي بلفظ: " أتى النبي صلى الله عليه وسلم بغلام، فبال عليه فأمر به

فنضح، وأتى بجارية فبالت فأمر/به فغسل "، وفى الباب حديث آخر رواه أبو

جعفر البغوي عن ابن علية: ثنا عمارة بن أبي حفصة عن أبي مخلد عن

حسن بن علي أو حسين: حدثتنا امرأة من أهلنا قالت: بينا النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيا

على ظهره يُلاعب صبيا على صدره إذ بال، فقامت لتأخذه وتضربه، فقال:

دعيه، ائتوني بكوز من ماء، فنضح الماء على البول حتى يقايض الماء على

البول، فقال: هكذا يصنع بالبول؛ ينضح من الذكر، ويغسل من الأنثى " (1) .

وحديث عبد الله بن عباس قال: " أصاب النبي صلى الله عليه وسلم بول صبي وهو صغير،

فصب عليه من الماءِ بقدر البول ". ورواه الدارقطني من حديث الواقدي عن

خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت القائل فيه يحيى: ليس به

بأس، وكذلك قال ابن عدي: وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات عن داود بن

حصين عن عكرمة عنه، ورواه أيضا من طريق إبراهيم بن أبي يحيى عن داود

هذا الإسناد. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم: أتى

بصبي فبال عليه فنضحه. وأتى بجارية فبالت عليه فغسله ". رواه أبو القاسم في

الأوسط (2) عن أحمد بن يحيى الحلواني ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا عبد الله بن

مُوسى عن أسامة بن زيد عن عمرو، وقال: لم يروه عن عمرو عن أبيه عن

جده إلا أسامة. تفرد به عبد الله بن موسى. وحديث أم سلمة: قال- عليه

(1) تقدم من أحاديث الباب. ص 548

(2)

تقدم من أحاديث الباب.

ص: 561

الصلاة والسلام-: " إذا كان الغلام لم يطعم الطعام صب على بوله، وإذا

كانت الجارية غسله ". قال فيه أبو القاسم (1) : لم يروه عن الحسن عن أمه إلا

إسماعيل بن مسلم. تفرد به عبد الرحيم بن سليمان، ورواه أبو يعلى في

مسنده من حديث المبارك بن فضالة عن الحسن عن أمه عنها بلفظ: " ويصب

عليه الماء صبا ما لم يطعم، وبول الجارية يغسل غسلا طعم أو لم يطعم " /،

وفيه رد لما قاله الطبراني. ورواه أبو القاسم في الأوسط: ثنا من حديث هيثم

عن يونس عن الحسن عن أمه عنها أنّ الحسن- أو الحسين-: " بال على بطن

النبي صلى الله عليه وسلم فذهبوا ليأخذوه فقال: لا تزرموه ابني- أو لا تعجلوه- فتركوه

حتى قضى بوله فدعا بماء فصبّه عليه " (2) وقال: لم يروه عن يونس إلا هيثم.

تفرد به محمد بن ماهان. وحديث عائشة: " كان- عليه الصلاة والسلام

يبول في الموضع الذي يبول فيه الحسن والحسين ". ذكره في الأوسط من

حديث هشام عن أمه عنها وقال: لم يروه عن هيثم إلا مربع أبو الخليل.

وحديث قابوس بن المخارق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " يغسل بول الجارية

وينضح على بول الغلام " (3) . كما رواه سماك عنه ورواه شريك عن سماك

عنه عن أم الفضل، ورواه أبو الأحوص عنه عن قابوس عن أمامة بنت الحارث،

ورواه علي بن صالح عن سماك عن قابوس، فلم يقل: عن أبيه، قال الدارقطني

في العلل: والمرسل أصح، قال عبد الحق: ولا يصح هذه الصفة في بول

الصبي، ولا يصح أيضا فيه ما لم يأكل الطعام إنّما يصح من قول علي وقتادة

وأم سلمة وغيرهم، وقال أبو محمد الفارسي: وتطهير بول الذكر أي ذكر

كان في أي شيء كان، فبان برش عليه الماء رشا ويزيل أثره (4) ، وليس تحديده

بأكل الصبي الطعام من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وممن فرق بين بول الغلام والجارية أم

(1) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/285) وعزاه إلى الطبراني في

" الأوسط "، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف.

(2)

أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/285) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط "،

وإسناده حسن- إن شاء الله- لان في طريقه وجادة.

(3)

تقدم من أحاديث الباب.

(4)

كذا ورد هذا السياق " بالأصل ". وبه بعض الاضطراب، ولكن يستقيم السياق فيما بعده

من الكلام.

ص: 562

سلمة، وقال علي بن أبي طالب: ولا مخالف لها من الصحابة، وبه يقول

قتادة والزهري وقال: حضت السنة بذلك، وعطاء بن أبي رباح والحسن

البصري وإبراهيم النخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو

ثور وداود بن علىّ وابن وهب وغيرهم، إلا أنّه قد روى عن الحسن وسفيان

التسوية بين بول الغلام والجارية في الرش عليهما جميعا، وقال أبو حنيفة/

ومالك وابن حيي: يغسل بول الصبي كبول الصبيّة، وما نعلم لهم متعلقا إلا

ما ذكره بعض المتأخرين عن النخعي، والمشهور عنه خلاف ذلك، وفى كتاب

التمهيد: أجمع المسلمون أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس، وقال

الشّافعي: بول الصبي ليس بنجس، ولا تبين لي فرق ما بينه وبين الصبي لو

غسل كان أحبّ إلي قال أبو عمر: واحتج من ذهب مذهب الشافعي بحديث

هذا الباب- يعني: حديث أم قيس- ولا حجة فيه لأنّ النضح يحتمل أن

يكون أراد به صب الماء ولم يُرد به الرشّ، وهو الظاهر من معنى هذا الحديث؛

لأنّ الرش لا يزيد النجاسة إلا أثرا، ومن الدليل على أنّ النضح صب الماء

والغسل من غير عرك: قول العرب: (غسلتني السماء) ، وما روى عن النبي

صلى الله عليه وسلم: " إنى لأعلم أرضا يقال لها عيان، ينضح ثناحتها البحر بها حي من

العرب، لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر "، والقياس: لا فرق بين بول

الغلام والجارية كما أنه لا فرق بين بول الرجل والمرأة إلا أن هذه الآثار- إن

صحت-، ولم يعارضها مثلها وجب القول بها إلا أنّ رواية من روى الصبّ

على بول الصبي وأتباعه بالماء أصح وأولى، وأحسن شيء عدى في هذا الباب

ما قالته أم سلمة: بول الغلام يصب عليه الماء صبّا وبول الجارية يغسل طعم أو

لم تطعم " (1) . ذكره البغوي، وهو حديث مفسر للأحاديث كلها، مستعمل لها

حاشي حديث المحل بن خليفة ولا يقوم به حجة، وقال في الاستذكار: وقال

بعض شيوخنا قوله في حديث أم قيس: " ولم يغسله " ليس في الحديث، وزعم

أنّ آخر الحديث نقحه قال أبو عمر: ولا تبين عندي ما قاله؛ لصحة رواية

مالك هذه ولمتابعته على ذلك، وأمّا أبو السمح فاسمه أباد، وقال أبو عمر:

(1) ضعيف بنحو هذا اللفظ. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/285) وعزاه إلى

الطبراني في " الأوسط "، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف.

ص: 563

قيل: كان خادما، وقيل: مولى ذهب، فلا يدرى خبره، لم يرو عنه- فيما

علمت- غير المحل، وكذا ذكره أبو الفتح/الأزدي في الكتاب المخزون، وقد

رآه- عليه السلام جماعة في كتاب الزهر الباسم والإشارة فمنهم هند

وأسماء ثنا حارثة الأسلمي أن ذكرهما ابن سعد وربيعة بن كعب الأسلمي

وذو مخمر بن أخي النجاشي. ذكرها الإمام أحمد، وأيمن بن عبيد. ذكره ابن

إسحاق وعبد الله بن مسعود ونعيم وعقبة بن عامر الجهني ذكره النسائي

وبلال بن رباح ذكره في الإخليل، وسعد مولى أبي بكر الصديق والأسود بن

مالك الأسدي وأخوه الحدرجان وابنه خرين الحدرجاني وثعلبة بن عبد الرحمن

الأنصاري ذكرهم ابن مندة، وسالم ذكره أبو أحمد العسكري وبكير بن شُدّاخ

الليثي، ويقال: بكر، وأبو الحمراء هلال بن الحرث. ذكرهما ابن عساكر

وأسلع بن شريك الأعرجي وسابق، وقيل: هو أبو سلام الهاشمة وخولة جدة

حفص بن سعيد، ورزينة أمّ علية وسلمى أمّ رافع وحارثة جدة المثنى بن صالح.

ذكرهم ابن عبد البر، وميمونة بنت سعد. ذكرها الترمذي، وأريد. ذكره أبو

موسى المديني، وسلمى ومهاجر مولى أم سلمة وأمة الله بنت رزينة ومارية أم

الرباب وأم عياش. ذكرهم ابن الأثير وأبو عبيد ذكره البرقي وأبو ذر الغفاري.

ذكره بن سرور وغلام من الأنصار للحوانس جاء ذكره في الصحيح، وأمّا

الموالى فسنذكرهم- إن شاء الله تعالى- في الموضع اللائق بذكرهم- رضى

الله عنهم أجمعين-، وأما الصبي فهو: الغلام، والجمع صبية وصبيان، وهو من

الواو، ولم يقولوا أصبية استغناء بعلمه ويصغر صبية في القياس أصبية كانه

بصغير أصبية قال الشاعر:

ارحم اصبيتى الذين كأنهم

خجل تدرج في الشرق وقع

ويقال: صبي بين الصبا والصبي، إذا فتحت الصاد مددت، وإذا كسرت

قصرت، والجارية صبية، والجمع صبايا، مثل: مطية/ومطايا، ذكره الجوهري،

وقال الأحرائي: فإذا ولد سمى صبي إلى أن يفطم، فإذا فطم سُمّى غلاما إلى

سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج، وكذا ذكره ابن سبرة عن ثابت،

قال الزمخشري: الغلام الصغير إلى حد الالتحافان أجرى عليه بعد ما صار

ملتحيا اسم الغلام فهو مجاز، قال علي بن أبي طالب- رضي الله عنه في

ص: 564

بعض أراجيزه: أنا الغلام الهاشمي المكي، وقالت ليلى الأخيلية (1) في كلمة لها

تمدح الحجاج:

سقاها من الداء العضال الذي

لها غلام إذا نقر العناء ثناها

فقال لها الحجاج: لا تقولي غلام، ولكن قولي: همام، قال جار الله وقال

بعضهم يستحق هذا الاسم إذا ترعرع وبلغ الأحلام بشهوة النكاح كأنه يشتهيه

ذلك الوقت، ويسمى غلاما أو لافقا وبعد ذلك مجازا، وقال ابن سبرة عن

الأصمعي: هو غلام إذا طرشا، وبه في الفصيح غلام من الغلومة والغلومية،

وقال ابن دريد: وربما سميت الجارية غلامة، وأنشد:

ويركضه صرحى أبُوها تهان

لها الغلامة والغلام

وقال أبو إسحاق الحربي: لا يقال للأنثى إلا في كلام قد ذهب من ألسن

الناس، قال عبد الحق: قد جاء ذلك في الحديث والشعر، وأنشد:

فلم أرها ما كان أكثر هالكا

ووجه غلام يشترى وغلامه

وقال النّضر بن سهيل: هو غلام أول ما يولد حتى يشيب.

(1) انظر: كتاب ليلى الأخيلية تأليف الشيخ كامل عويضة. طبعة بيروت.

ص: 565

‌47- باب الأرض يُصيبُها البول كيف تُغسل

حدثنا أحمد بن عبدة ثنا حماد بن زيد ثنا ثابت عن أنس: أن أعرابيا بال

في المسجد فوثب إليه بعض القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزرموه ثم دعا

بدلو من ماء فصّب عليه ". هذا حديث خرجاه في صحيحهما (1) وسماه أبو

موسى في كتاب الصحابة ذا الخويصرة اليماني وسامة من أعلام النبوة؛ لأن

النبي صلى الله عليه وسلم/لما رآه مقبلا قال: هذا الرجل الذي بال في المسجد ولم ينسب أنه

بال. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا علي بن مسهر عن محمد بن عمرو عن

أبي سلمة عن أبي هريرة قال: " دخل أعرابي المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس

فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال: لقد اضطيرت واسعا ثم ولى حتى إذا كان في ناحية المسجد فشج يبول

فقال الأعرابي بعد أن فقه فقام إلي بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم فلم يؤثر ولم يسُبّ فقال:

إنّ هذا المسجد لا يبال فيه، وإنّما بنى لذكر الله وللصلاة ثم أمر بسجل من

ماء فأفرغ على بوله (1) . هذا حديث رواه أبو داود والترمذي من حديث

الزهري عن سعيد، وقال في آخره: قال سعيد قال سفيان: وحدثني يحيى- بن

سعيد عن أنس نحو هذا وهذا حديث حسن صحيح، وقد روى يونس هذا

(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (8/14) ومسلم في (الطهارة، باب " 30 " رقم

" 100 ") والنسائي (1/175) وابن ماجة (258) وأحمد (3/191) والبيهقي 21/413،

428، 10/103) وابن خزيمة (293، 296) وأبو عوانة (1/214) وشرح السنة (2/81)

وإتحاف (7/138) والمغني عن حمل الأسفار (2/389) وأخلاق (71، 80) .

قوله: " لا تزرموه " أي لا تقطعوا عليه البول. يقال: تزرِم البول، إذا انقطع. وأزرمه غيره.

(1)

صحيح. رواه ابن ماجة (ح/29) والترمذي (ح/147) وقال: هذا حديث حسن

صحيح. ورواه أحمد في " المسند "(رقم 7254 ج 2 ص 239) عن سفيان بن عيينة عن

الزهري. ونسبه في المنتقى (1/51 من نيل الأوطار) للجماعة إلا مسلما.

قوله: " السجل " بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: الدلو الملأى ماء، ويجمع على سجال،

بكسر السين. قال في النهاية: وقال القاضي أبو بكر بن العربي: " الدلو مؤنثة، والسجل

يذكر، فإن لم يكن فيها ماء فليست بسجل، كما أن القدح لا يقال له كأس إلا إذا كان فيه

ماء ".

ص: 566

الحديث عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة، وأصله في

صحيح الجعفي بلفظ: " قام أعرابي في المسجد قلنا وله الناس فقال لهم النبي

صلى الله عليه وسلم: " دعوه وأهريقوا على بوله سجلا من ماء أو دلوا من ماء، فإنّما بعثتم

مبشرين ولم تبعثوا معسرين " (1) وفى لفظ: " قام النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وقمنا

معه فقال أعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا فلما سلم

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد حجرت واسعا " (2) . وروى ابن صاعد عن عبد الجبار

بن العلاء عن ابن عيينة عن يحيى ابن سعيد عن أنس أنّ أعرابيا بال في

المسجد فقال عليه السلام: " احضروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء " قال

أبو الحسن البغدادي الحافظ رحمه الله تعالى: وهم عبد الجبار على ابن عيينة؛

لأنّ أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عن يحيى بن سعيد فلم يذكر منهم

الحضر، وإنّما روى ابن عيينة هذا عن عمرو بن ذبير عن/طاوس أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال: " احفروا مكانه فاختلط " على عبد الجبار المتنان، وفى علل الخلال: وقال

أبو بكر بن محمد عن أبيه أنه قال لأبي عبد الله في حديث الأعرابي في

البول في المسجد: يرويه هو لأصحاب أبي حنيفة، ويروون فيه شيئا عن أبي

بكر بن عياش عن سمعان عن أبي وائِل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" فأمر به فحفر " قال: ما أعرف سمعان هذا، وهذا حديث منكر ثم قال: كيف

تصنعون في بول الصبي أنه يرش هو عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه يرش عليه

فالسن حجتهم في هذا، وهم يزعمون إذا صب عليه أو رش عليه فهو شر مما

كان، وقال أبو زرعة: حديث سمعان في بول الأعرابي في المسجد حديث

ليس بقوي. حكاه عنه ابن أبي حاتم وحكى عنه ابن المحمدي، الحديث منكر

وسمعان ليس بالقوى، وذكره الدارقطني أنه يقال فيه أيضا: ابن سمعان أن أبا

بكر بن عياش قال: حدثنا المعلى المالكي، فذكر غير اللفظ الأولى عن شقيق

(1) صحيح. رواه البخاري (1/65، 8/37) والفتح (1/323) والنسائي (1/49،

175) والمشكاة (491) والإِرواء (1/190) .

(2)

صحيح. رواه أبو داود (380) والترمذي (147) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

والنسائي (3/24) واحمد (2/239، 283) والبيهقي (2/428) وابن خزيمة (864)

والحميدي (938) وعبد الرزاق (1658) .

ص: 567

عن عبد الله جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير فقال: " يا محمد متى

الساعة، قال: وما أعددت لها؟ قال: والذي بعثك بالحق ما أعددت لها من

كثير صلاة ولا صيام إلا أنّى أحب الله ورسوله، قال: إنك مع من أحببت "

قال: فذهب الشيخ فأخذه بوله في المسجد فمر عليه الناس فأقاموه فقال النبي

صلى الله عليه وسلم: " دعوه عسى أن يكون من أهل الجنة فصبوا على بوله الماء "(1) . رواه

عن المحاملي ثنا يوسف بن موسى ثنا أحمد بن عبد الله ثنا ابن عباس به وقال

الخطابي: وليس في حديث أبي هريرة ولا في خبر متصل ذكر الحفر مكان،

ولا ينقل التراب وإن سلم الحنفيون للإمام أحمد وغيره قوله فإن لهم حديثا

إسناده على رسم الشيخين، رواه أبو داود (2) في كتاب السنن فقال: حدثنا

موسى بن إسماعيل ثنا جرير بن حاز قال: سمعت عبد الملك بن عمير

يحدث عن عبد الله/بن معقل بن مقرن قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا

المسجد فانكشف فبال فيها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذوا ما بال عليه من التراب

فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء ". قال: هذا مرسل، وابن معقل لم يدرك النبي

صلى الله عليه وسلم وأبي ذلك عليه الحافظ ابن فتحون فذكر أنّ له صحبة في كتابه

المستدرك على ابن عبد البر ولئن سألنا لأبي داود قوله، وكذا قول ابن ميمون

فيكون مرسلا صحيحا، والمرسل معمول به عندهم، والله أعلم.

وذكره عبد الرزاق عن طاوس، وقد تقدّم كلام أبي الحسن عن ابن عينية

عن عمرو بن دينار عن طاوس مرسلا مثلا، والاصطلاح: إذا عارض مرسلان

صحيحان حديثا صحيحا مسندا كان العمل بالمرسل أولى فكيف مع عدم

المعارضة. حدثنا محمد بن يحيى: هو عندنا ابن أبي حميد ثنا أبو المليح

(1) صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 78- باب الأرض يصيبها البول،

(ح/530) .

في الزوائد: إسناد حديث وائلة بن الأسقع ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد الله الهذلي. قال

الحاكم: يروى عن أبي المليح عجائب. وقال البخاري: منكر الحديث. وصححه الشيخ

الألباني.

(2)

ضعيف. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 136- باب الأرض يصبها البول،

(ح/381) . قال أبو داود: وهو مرسل. ابن معقل لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 568

الهذلي عن وائلة بن الأسقع قال: " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم

ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتك إيانا أحدا فقال: لقد خطرت واسعا

ويحك أو ويلك قال: فسيح يبول فقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: دعوه فدعا بسجل من ماء فصبه عليه " (1) . هذا حديث إسناده ضعيف

رواه عبيد الله بن أبي حميد غالب أبي الخطاب الهذلي الكوفي، فإنه ممن قال

فيه الإمام أحمد بن حنبل- رضي الله عنه ترك الناس حديثه، وقال

البخاري: منكر الحديث، وفى علل أبي عيسى عنه: ضعيفه ذاهب الحديث لا

أروى عنه شيئا، وقال أبو عبد الرحمن: متروك الحديث، وقال ابن معين

والدارقطني: ضعيف الحديث، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد فاستحق

الترك، وقال أبو حاتم/الرازي: منكر الحديث ضعيف الحديث، وفى الكامل

لابن عدي عن ابن مثنى أنه قال: ما سمعت يحيى ولد عبد الرحمن يحدّث

بشيء قط، قال أبو أحمد: وعامة رواية عن أبي المليح، وقال أبو زكريا

الساجي: هو ضعيف، وذكر العقيلي في كتاب الضعفاء وكذلك البلخي،

وفى الأشراف: اختلفوا في موضع البول تصبه الشمس أو يجف فكان

الشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون: لا يطهره إلا الماء، وفيه قول ثاني، وهو أن

يصلى عليه إذا جفّ وذهب أثره، ولا يصلي عليه إن لم يذهب أثره ولا يجزيه

أن يصلى على بساط أصابه بول وإن ذهب أثره. هذا قول النعمان ومحمد

وقالا: الشمس تزيل النجاسة إذا ذهب الأثر عن الأرض، وروينا عن أبي قلابة

أنه قال: جفوف الأرض إذا أصابتها نجاسة فيبست وذهب أثرها جازت الصلاة

عليها، وقال أبو سليمان رحمه الله تعالى: فيه دليل على أنّ الماء إذا أورد على

النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة طهرها وإن غُسلات النجاسة طاهرة لم تبن

للنجاسة فيها لون أو ريح، ولو لم يكن ذلك الماء طاهرا لكان المصبوب منه

على البول أكثر نجسا للمسجد من البول بعينه فدلّ على طهارته، قال: وإذا

أصابت الأرض نجاسة ومطرت مطرا عاما كان ذلك مطهرا لها، وكانت في

معين صبّ الذنوب وأكثر، والله أعلم. ومن قوله إنّما بعثتم مبشرين دليل على

(1) انظر أول حديثين في الباب.

ص: 569

أن أمر الماء على التيسير والسعة في إزالة النجاسات فيه، والله أعلم. وأما قوله:

لا تزرموه أي. لا تقطعوا عليه، قال ابن دريد: الزرم القطع قال الشاعر:

فقلت لما سمعت من تحت لبها

لا يخطئنك إن البيع قد زرى

وقال الجوهري: زرم البول بالكسر إذا انقطع، وكذلك كل شيء ولى

وأزره غيره، وفى الجامع يقال زرمه يزرمه زرما إذا/قطعه، وكذا أزرمه ازراما

إذا فعل به ذلك، وزرم الشيء في نفسه إذا انقطع وإذا انقطع بول الرجل

قلت: زرم بوله وأزرمه هو إذا أقطعه، وقد ازرام الرجل إذا غضب وازرام

الشيء إذا انقطع، وازرام الشاعر ازريما إذا انقطع شعره، وازرام الشيء إذا

سلب، وازرام إذا تعبض وفيه قول الشاعر:

تمري إذا امتحنت من قبل اذرعها

وتزريم إذا ما مسه المطر

ومن السكوت قول الراجز:

الفتية غضبان مزريما

لا سبط الكف ولا خضيما

ويقول: لعن الله ما زرمت به أي: ولدته، ولذلك قال الشاعر:

ألا لعن الله التي زرمت

فقد ولدت داعله وغوايلى

ويقال: زرم السور وغيره إذا بقي جعدة في دبره، وبه سمي السؤر أزرم

ويقال: أزرمت السوق إذا انقطعت، وزرم كلامه إذا قطعه فهو زرم الكلام

أي: قليله، وكذلك قال الأخطل: والشافعون مغيبون وجوههم زرموا المقالة

بالسّواء الأبصار أي: قد قطعوا الكلام، والمزرم المضيق عليه، ويقال: زرم فلان

بأمره إذا ضاق به فلم يدر ما يصنع قوله عليه الصلاة والسلام: " لقد احتظرت

واسعا على الحظر الحجر " (1)، قال الجوهري: قال: وهو ضد الإباحة والمحظور

المخرم، وفى أساس الزمخشري حظر عليه كذا حيل معه بينه: (وما كان عطاء

ربك محظورا) (2) وهذا محظور غير مباح، وقال ابن دريد: حظرت الشيء

(1) طرف من حديث تقدم في هذا الباب.

(2)

سورة الإِسراء آية: 20.

ص: 570

حظره حظرا فهو محظور: إذا حرمته، والحظار: ما حظرته على غنم أو غيرها

بأغصان الشجر أو بما كان وهو الحظر أيضا قال الشاعر:

ترى حظرا أذوى به الحي عاضد

وقال في كتاب الأسعاف: لما أغار امرؤ القيس بن المنذر عم/النعمان بن

المنذر على النمير بن واسط فشيئا شيئا، فأتى بهم الخبرة فحفر لهم حظائر وهم

بإحراقهم فكلمه فيهم أبو حوط أخو المنذر بن امرئ القيس لأمه، واسمه مالك

ابن ربيعة فوهبهم له فسمى ذو الحظائر، وزعم ابن ماكولا في كتاب الإكمال:

أنه بخاء معجمة مضمومة قال: ذكره ابن دريد، ويشبه أن يكون وهما منه

على ابن دريد اللهم إلا أن تريدكو يذكر بن دريد سما به الحر لا الضبط،

وذلك أنّ الذي ذكره به وغراه له هو من كتاب الوشاح من تأليفه في باب

الأزداء ولم يضبطه كعادته في ذلك الكتاب، وذكره في كتاب الجمهرة في

باب الحاء المهملة والطاء والواو، وبنحوه قاله في كتاب الاشتقاق، وابن سيدة

في كتاب المحكم والوزير أبو القاسم في كتاب أدب الخواص، وسمّاه كعب

بن الحارث بن حسم بن هلال بن ربيعة بن زيد معناه بن عامر الصحيان بن

سعد الخزرج ونضر بن مزروع في كتاب العلماء من الأشراف وسمّاه الحرث

بن زيد مناة، وقد اتبعوا ذلك بشواهده في كتاب الاتصال، وفى رواية لقد

تحجرت واشيعا، قال الخطابي: أصل الحجر: المنع، ومنه الحجر على السفيه،

وهو منعه عن التصرف في ماله وقبض يده عنه يقول له: قد سبقت من رحمه

الله ما وسعه ومنعت منها ما أباحه، والسجل مذكر وهو الدلو إذا كان فيه ماء

قلّ أو كثر، ولا يقال لها: وهى فارغة سجل ولا ذنوب والجمع السجال،

والسجيلة الدلو الضخمة قال المراجز:

خذها وأعط عمك السجيلة

إن لم يكن عمك ذا حليلة

وسجلت الماء فانسجل أي: صببته فانصب وأسجلت الحوض ثلاثة قال:

وغادر الأخد والآخاد مترعه

وأسجل الماء إنها وعد مانا

وفى الجمهرة: والجمع سجول وفى الكتابة وقيل: لا يسمى سجلا حتى

يكون مملوءة ماء، وقال أبو منصور النيسابوري: حتى يكون فيها ماء قلّ أو

ص: 571

كثر، ولا يقال لها: ذنوب إلا ما دامت ملأى كما أنه لا يقال/كأس إلا إذا

كان فيها شراب وإلا فهي زجاجة، وفى الألفاظ ليعقوب: الكأس الإناء

والكأس ما فيه من الشراب، ولا يقال مائدة إلا إذا كان عليها طعام وإلا فهو

خوان، ولا يقال كوزا إلا إذا كان له عروة وإلا فهو كوب، ولا يقال قلم إلا

إذا كان مبريا فإلا هو أنبوبة، ولا يقال: خاتم إلا إذا كان فيه فض فهو فتيحة،

ولا يقال فروا إلا إذا كان عليه صوف وإلا فهو جلد ولا يقال ربطة إلا إذا لم

يكن نفقين وإلا فهي ملأه، ولا يقال أريكة إلا إذا كان عليها حجلة وإلا فهي

سرير، ولا يقال لطمة إلا إذا كان عليها طيب وإلا فهي غير، ولا يقال تفق إلا

إذا كان له منفذ وإلا فهو سرب، ولا يقال عهن إلا إذا كان مصوبغا وإلا فهو

صوف، ولا يقال لحم قديد إلا إذا كان معالجا بتوابل وإلا فهو طبيخ، ولا

يقال خدرا إلا إذا كان مشتملا عن جارية وإلا فهو ستر، ولا يقال ركية إلا

إذا كان فيها ماء قلّ أو كثر، ولا يقال محجن إلا إذا كان في طرفه عقافة

وإلا فهو عصا، ولا يقال وقود إلا إذا كانت انقدت فيه النار وإلا فهو حطب،

ولا يقال عويل إلا إذا كان قد رفع صوت وإلا فهو بكاء، ويقال مور للغبار

إلا إذا كان بالريح وإلا فهو وهج، ولا يقال معلول إلا إذا كان في جرن سوط

وإلا فهو مشتمل، ولا يقال للطين سباع إلا إذا كان فيه تبن وإلا فهو طين،

ولا يقال ثرى إلا إذا كان نديا وإلا فهو تراب، ولا يقال مأزق وما قط إلا في

الحرب وإلا فهو مضيق، ولا يقال مغلغلة إلا إذا كانت محمولة من بلد إلى

بلد وإلا فهي رسالة، ولا يقال قراح إلا إذا كانت مهيأة للزرع وإلا فهي براح،

ولا يقال للعبد ابق (1) إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا له عمل وإلا فهو

هارب ولا يقال لما في الفم رحاب إلا ما دام في الفم فإذا فارقه فهو براق،

ولا يقال للشجاع لمي إلا إذا كان نبال الصلاح/وإلا فهو بطل، ولا يقال

للطبق مهدا إلا ما دامت عليه الهدبة، ولا يقال للبعير راوية إلا ما دام عليه

الماء، ولا يقال للمرأة ظعينة إلا ما دامت راكبة في هودجها، ولا يقال

للسرحين فرث إلا ما دام في الكرش، ولا يقال للسرير نعش إلا ما دام عليه

(1) قوله: " آبق " أي هارب.

ص: 572

الميت ولا يقال للعظم عرق إلا ما دام عليه لحم، ولا يقال للخيط سمط إلا ما

دام فيه خرد، ولا يقال للثوب حلة إلا أن يكون ثوبين اثنين من جنس واحد،

ولا يقال للحبل قران إلا إذا قرن فيه بقران، ولا يقال للقوم رفقة إلا ما داموا

منضمين في مجلس واحد ومسير واحد فإذا تفرقوا ذهب عنهم اسم الرفقة

ولم يذهب عنهم اسم الرفيق، ولا يقال للبطيخ حرج إلا ما كانوا صغار

أخضرا، ولا يقال للذهب تبر إلا ما دام غير مدبوغ، ولا يقال للحجارة رصف

إلا إذا كانت محماة بالشمس أو بالنّار، ولا يقال للشمس الغدالة إلا عند

ارتفاع النهار، ولا يقال للثوب مطرف إلا إذا كان في طرفيه علمان، ولا يقال

للمجلس النادي إلا ما دام فيه أهله، ولا يقال للريح جليل إلا إذا كانت باردة

ومعها ندى، ولا يقال للمرأة عانق إلا ما دامت في بيت أبوها، ولا يقال

للبخيل شحيح إلا إذا كان مع بخله حريصا، ولا يقال للذي عد البرد مرض

إلا إذا كان مع ذلك جائعا، ولا يقال للإسراع في السير اهطاع إلا إذا كان

معه خوف، ولا اهراع إلا إذا كان معه رعدة، وقد نطق القرآن بهما، ولا يقال

للحان كع إلا إذا كان مع جيشه ضعيفا، ولا يقال للمقيم متلوم إلا إذا كان

على انبطاء، ولا يقال للفرس محجل إلا إذا كان البياض في قوائمه الأربع أو

الثلاث، ولا يقال دود إلا للقليل من أثاث الإبل. ذكره ابن الجوزي في تقويم

اللسان، والله تعالى أعلم.

ص: 573

‌48- باب/الأرض تطهر بعضها بعضا

حدثنا هشام بن عمار ثنا مالك بن أنس ثنا محمد بن عمارة بن عمير بن

حزم عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أم ولد لعبد الرحمن بن

عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إنى امرأة أطيل ذيلي وأمشى

في المكان فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يطهره ما بعده "(1) . هذا حديث لما

خرجه أبو عيسى قال آخره: وروى عبد الله بن المبارك هذا الحديث عن مالك

عن محمد بن عمارة عن محمد بن إبراهيم عن أم ولد هود بن عبد الرحمن

ابن عوف عن أم سلمة وهو وهم، وليس لعبد الرحمن بن عوف ولد يقال له:

هود إنّما هو عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة وهو

الصحيح، ورواه أبو قرة في سننه ثنا أبو حنيفة ثنا أبو قرة ذكر مالك، ورواه

أبو داود الكجي في سنه وابن وهب في مسنده عن القعنبي عن مالك فقال:

عن أم ولد لإبراهيم، وذكره ابن الجارود في منتقاه ثنا يعقوب الدوري ثنا

عبد الله بن إدريس ثنا محمد بن عمارة لرواية سليمان بن الأشعث فتبّين بما

(1) صحيح. رواه الترمذي (143) وقال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود قال: " كُنا مع

رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نتوضأ من الموطأ ". وقال: وهو قول غير واحد من أهل العلم، قالوا: إذا

وطيء الرجل على المكان القذر أنه لا يجب عليه غُسل القدم، إلا أن يكون رطبا فيغسل ما

أصابه. ورواه أبو داود (383) والدارمي (1/189) وابن ماجة (531) ثلاثتهم من طريق

مالك. ورواه مالك من طريق يحيى (1/47) ومن رواية محمد بن الحسن (ص 163) .

ثلاثتهم من طريق مالك. وعندهم جميعا: " عن أم الولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف "

كما سيصححه الترمذي في آخر هذا الباب، وهو الصواب. والحديث سكت عنه أبو داود

والمنذري. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: " هذا الحديث مما رواه مالك فصح، وإن كان

غيرِه لم يره صحيحا ".

والعلة فيه جهالة أم للولد هذه. وقال الذهبي في الميزان: " حميدة سألت أم سلمة، هي أم ولد

لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، تفرّد عنها محمد إبراهيم التيمي ". وأما ابن حجر في

التهذيب فإنه يجزم بأن حميدة هي أم الولد بل جوّز ذلك فقط، وقال في التقريب: إنها

مقبولة. وهذا هو الراجح، فإن جهالة الحال في مثل هذه التابعية لا يضر، وخصوصا مع

اختيار مالك حديثها وإخراجه في موطئه، وهو أعرف الناس بأهل المدينة، وأشدهم احتياطا في

الرواية عنهم. قلت: وللحديث شواهد صحيحه. وعلى هذه الشواهد صححه الشيخ الألباني.

ص: 574

ذكرناه صحة قول أبي عيسى وضعف قول من خالفه، ولما ذكره أبو محمد

في مسنده قيل له أنا محمد أتاخذ بهذا الحديث؟ قال: لا أدري، وقال أبو

سليمان الخطابي: في إسناد هذا الحديث يقال أم ولد إبراهيم مجهولة لا يعرف

حالها في الثقة والعدالة، وبنحوه قال الخزرجى حدثنا أبو كريب ثنا إبراهيم بن

إسماعيل اليشكري عن ابن أبي خيثمة عن داود بن الحسين عن أبي سفيان

عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يطهر بعضها بعضا "(1) ./هذا حديث معلل بأمور:

الأول: الاختلاف في حال ابن أبي حبيبة قال ابن عدي: ذكر هذا الحديث

في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة في جملة أحاديث أنكرت عليه،

ثم قال: وابن أبي حبيبة صالح في باب الرواية يكتب حديثه مع ضعفه كما

حكى عن ابن معين ولفظه: " الطرق يطهر بعضها بعضا"(2) . وقال الإمام

أحمد: كان ثقة، وقال ابن سعد: كان مصليا عابدا صام ستين سنة وكان

قليل الحديث، وقال العجلي: حجازي ثقة، وقال البخاري: منكر الحديث

وقال أبو عبد الرحمن: مدني ضعيف، وقال أبو الحسن: متروك، وقال

الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد عنه: صالح ولا

يحتج به، وقال أبو إسحاق الحربي: كان شيخا صالحا وله فضل ولا أحسبه

حافظا، وقال أبو داود فيما حكاه الآجري عنه- يعني عن ابن معين-:

ضعيف، وفى رواية معاوية بن صالح عن عبد الله بن عامر الأسلمي وخالد

بن إلياس وابن أبي حبيبة: كلّ هؤلاء ليسوا بشيء. قلت ابن أبي حبيبة مثلهم

قال: هو أصلح منه، وقال الساجي: في حديثه لين، وقال أبو جعفر العقيلي:

له غير حديث لا يتابع على شيء منه، وذكره الحافظ أبو العرب في كتاب

الضعفاء. الثاني: أبو سليمان داود بن الحصين الأموي وإن كان قد خرجا

حديثه في صحيحيهما فقد قال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولولا أنّ مالكا روى

(1) ضعيف. رواه ابن ماجه في: 1- كتاب الطهارة، 79- باب الأرض يطهر بعضها

بعضا، (ح/532) . في الزوائد: إسناده ضعيف. فإن اليشكري مجهول. قال الذهبي:

وشيخه مما اتفقوا على ضعفه. وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/118) .

(2)

ضعيف. رواه ابن عدي في " الكامل ": (1/236) .

ص: 575

حديثه لترك حديثه وقال أبو أحمد الجرجاني: صالح الحديث إذا روى عنه ثقة

إلا أن يروى عنه ضعيف فيكون البلاء به مثل ابن أبي حبيبة وابن أبي يحيى،

وقال ابن حبان: حديثه عن الثقات ما لا يشبه حديث الإثبات يجب مجانبة

روايته، وقال أبو زرعة الرازي: لين، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال:

أحاديثه عن عكرمة مناكير وأحاديثه عن شيوخه مستوفية، وفى كتاب العقيلي

ثنا محمد بن زكريا البجلي ثنا الحسن/بن شجاع، قال: سمعت علي بن

المديني يقول: مرسل الشعبي وسعيد بن المسيب أحب إلي من داود بن حصين

عن عكرمة عن ابن عباس، وقال الحافظ أبو زكريا الساجي: كان متهما برأي

الخوارج منكر الحديث، وأبوه حصين روى عن جابر وأبي رافع وحديثه ليس

بالقائم حدثنى أحمد بن محمد قال: سمعت المعيط يقول لخلف المخرمي

ويحيى بن معين وابن أبي شيبة وهم قعود كان مالك بن أنس يتكلم في سعد

بن إبراهيم سيّد من سادات قريش، ويروى عن داود بن حصين وثور الديلمي

وكانا خارجين حسن فما تكلم أحد منهم بشيء، وقال أبو عمر بن عبد البر:

كان متهما بالقدر وقد احتمل، وقال البرقي في كتاب الطبقات باب من،

تكلم فيه من الثقات لمذهبه من أهل للمدينة: ممن كان يرمى منهم بالقدر داود

بن حصين. والثالث: إبراهيم اليشكري لم أر أحدا عرف حاله، ولا ذكره

بأكثر مما في هذا السند ولا ذكر عنه راويا غير محمد بن العلاء والله أعلم.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن موسى

ابن عبد الله بن يزيد عن امرأة من بنى عبد الأشهل قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم

فقلت: إن بيني وبن المسجد بقاء قذرا قال: " فبعدها طريق أنصف منها

قلت نعم، قال: هذه بهذه " (1) انتهى. هذا حديث رواه أبو داود عن الثعلبي

وأحمد بن يونس قالا: نا زهير حدثنا عبد الله بن عيسى ولفظه: " ان لنا

طريق إلى المسجد منتنا كيف نفعل إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق أطيب

(1) صحيح. رواه أبو داود (ح/ 384) وابن ماجة (ح/ 533) وأحمد في " المسند " (6/

435) والبيهقي في " الكبرى "(2/434) وابن أبي شيبة في " المصنف "(1/56) والكنز

(27281)

. وصححه الشيخ الألباني.

ص: 576

منها؟ قالت: بلى. قال: فهذه هذه "، وإسناده صحيح، وخرجه الحافظ أبو

محمد في منتقاه عن محمد بن يحيى ثنا أبو داود ثنا زهير وشريك عن عبد

الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي/ليلى لفظ: " أن لنا طريقا منتنه ". ولما

ذكره أبو محمد الإشبيلي لم يرد على أن أبرز من سنده موسى والأشهلية كذا

هو في الأحكام، وحكي أبو الحسن بن الحصار تلميذه أنّه صحّحه وتبع

الحافظ ابن القطان على سكوته عن عبد الله بن عيسى راوية بأنه لا يعرف

قال: وليس بابن أبي ليلى فاعله. انتهي كلامه. وفيه نظر، من حيث زعمه

بغير دليل أنّ ابن عيسى هذا ليس معروفا، قال: وليس بابن أبي ليلى وليس

كما زعم كما أسلفناه قبل، ولا ما لم ير من روي عنه شريك وروي عن

موسى بن عبد الله غير ابن أبي ليلى المخرج حديثه في الصحيح ولا في هذه

الطبقة شريكا له فيما ذكره البخاري، وأبو محمد بن أبي حاتم وأبو حاتم

البستي وغيره؛ فإنّه نص عليه وعينه في بابه وباب شيخه وهو الصواب، وأمّا

قول أبي سليمان الخطاب في إسناده مقال لكونه عن امرأة من بني عبد

الأشهل مجهولة، والمجهول لا يقوم به حجة في الحديث، فمردود بما عليه

جماعة المحدثين من أنّ جهالة اسم الصحابي غير مؤثره في صحة الحديث،

قال أبو سليمان: قوله يطهرن ما بعده كان الشّافعي يقول: إنّما هذا فيما أُجر

على ما كان يابسا لا يعلّق بالثّوب منه شيء، وأمّا إذا أجر على رطب فلا

يطهره إلا الغسل. وقال الإمام أحمد: ليس معناه إذا أصابه بر (1) بعده على

الأرض أنها تطهره، ولكنه يمر بالمكان فتقذره ثم يمرّ بمكان أطيب منه فيكون

هذا بذاك ليس على أنّه يصيبه منه شيء. وقال مالك: إنّما هو أن يطأ الأرض

القذرة ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة فانّ بعضها يطهر بعضا، فأماّ النجاسة

مثل البول ونحوه تصيب الثوب أو بعض الجسد، فإنّ ذلك لا يطهره إلا

الغسل. قال: وهذا إجماع الأمة، والله تعالى أعلم.

(1) قلد كذا ورد هذا السياق " بالأصل ". ومقصد كلام المصنف: أن الثوب المبلل ببول

نجس فإن الأرض تُطهره.

ص: 577

‌49-بابُ مُصافحة الجُنب

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا إسماعيل ابن علية عن حميد عن بكر بن

عبد الله عن أبي نافع عن أبي هريرة أنه لقيه النبي صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق

المدينة وهو جنب، فانسل، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا

هريرة؟ قال: يا رسول الله لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالسك حتى

أغتسل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المؤمن لا ينجس ". (- أ) هذا حديث

أجمع على تخريج أصله الأئمة الستة (1) - رحمهم الله تعالى- إلا أن مسلما

رواه مقطوعا، وأنّ علي الإِمام بدر الدين يوسف بن عمر أخبركم الحافظ رشيد

الدين قراءة عليه قال: وقع في مسلم إسناد هذا الحديث فما رأيته من النسخ

مقطوعا حميد عن أبي رافع قال: وكذلك هو من روايتنا من طريق الجلودي،

وقد سقط من إسناده وحل من حميد وأبي رافع وهو بكر بن عبد الله المزني،

قال حميد: إنّما يروى هذا الحديث عن بكر بن أبي رافع كذلك أخرجه

البخاري وأبو داود فمن بعده في سننهم بلا خلاف أعلمه بينهم في ذلك،

وكذلك رويناه في مسند ابن أبي شيبة ولذلك هو في مسند الإِمام أحمد،

وقد ذكر أبو مسعود وخلف الواسطي أنّ مسلما أخرجه أيضا كذلك إلا أنِي

لم أره في جميع النسخ التي رأيتها من كتاب مسلم إلا مقطوعا، وكذلك

قال الحافظ أبو علي الجياني أنه وقع إسناد هذا الحديث في النسخ كلها حميد

عن أبي رافع قال: وفي هذه الرواية انقطاع إّنما يرويه حميد عن بكر عنه وقال

أبو الحسن في كتاب الوهم والإِبهام: وكذلك رواه ابن السكن من رواية عبد

الرحمن بن بشر بن الحكم عن يحيى بن سعيد عن حميد عن بكر قال: فإذن

(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (2/93) وابن ماجه (534) وتغليق (464) وإتحاف

(9/179) والمغني عن حمل الأسفار (4/146) وأبو حنيفة (33) ورواه مسلم في (الحيض،

115، 116) وأبو داود (231) والنسائي في (الطهارة، باب " 171 ") واحمد (2/

235، 382، 471، 5/384، 402) .

ص: 578

إنما يقرره/عن يحيى بن سعيد عن زهير بن حرب اسقط منه نكرا من

بيتهما. انتهي كلامه. وفيه نظر؛ من حيث زعم أنّ المقصر له هو ابن حرب-

يعني: وحده-، وليس كذلك؛ بل المقصر به مسلم أيضا عن شيخه الذي رواه

عنه أبو بكر بن أبي شيبة فإن أبا بكر رواه متصلا كرواية الجماعة كما تقدم

من عند ابن ماجة ومسلم قصر به عنه على هذا، والله أعلم. وأمّا إنكار

العطار قول أبي مسعود وخلف فكذلك هو فيما رأيت من النسخ ولكن يشبه

أن يكون قولهما صحيحا لما ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب المستخرج: حدثنا

حبيب بن الحسن ثنا يوسف بن يعقوب القاضي ثنا محمد بن أبي بكر ثنا

يحيى بن سعيد ح وثنا محمد أبو محمد بن حيان ثنا أحمد بن الحسين الحذاء

ثنا علي بن المديني ثنا يحيى بن سعيد ح وثنا محمد بن إبراهيم بن علي وعبد

الله بن محمد بن جعفر قالا: ثنا أحمد بن علي ثنا أبو خيثمة ثنا يحيى بن

سعيد ح وثنا محمد بن حسان ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ثنا أبو بكر بن أبي

- شيبة ثنا ابن علية عن حميد عن بكر عن أبي نافع عن أبي هريرة أنه لقيه النبي

صلى الله عليه وسلم في طريق.. الحديث. قال: رواه مسلم عن زهير بن جرير عن يحيى بن

سعيد وعن أبي بكر عن إسماعيل ابن علية جميعا عن حميد ح فلعل من

ذكرناه رأى ذلك في نسخة لم يقع إلى غيره، والله أعلم. وكذا فعله البغوي

في شرح السنة لما رواه عن عباس ثنا عبد الأعلى ثنا حميد عن بكر هو ابن

عبد الله المزي عن أبي رافع فقال: رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن

ابن علية عن حميد، والله أعلم. ثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ثنا أبو

الحرث الظاهري ثنا الحسن بن محمد بن حكيم ثنا البوالموجه ثنا ابن أبي شيبة

ثنا ابن علية ثنا حميد عن بكر عن أبي رافع عن أبيِ هريرة: " أنه لقي النبي

صلى الله عليه وسلم

الحديث ". قال: هذا حديث متفق (1) على صحته/أخرجه مسلم عن

أبي بكر عن إسماعيل عن حميد حدثنا علي بن محمد ثنا وكيع ح وثنا

إسحاق بن منصور ثنا يحيى بن سعيد جميعا عن مسعر عن واصل إلا حديث

(1) الحاشية السابقة.

ص: 579

عن أبي وائل عن حذيفة قال: " خرج النبي صلى الله عليه وسلم فلقيني وأنا جنب فحدث

عنه فاغتسلت ثم جئت ". قال مالك: قال: كنت جنبا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن المسلم لا ينجس ". هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ولفظ ابن

حبان (1) في صحيحه: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه

ودعا له قال: فرأيته يوما بكرة فحدّث عنه ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال:

إني رأيتك فحدث عني " الحديث (2) . وفي باب حديث ابن مسعود رواه أبو

عبد الرحمن إسناد صحيح عن إسحاق بن منصور ثنا يحيى ثنا مسعر حدثني

واصل عن أبي وائل عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه وهو جنب فأهوى إلي

فقلت: إني جنب. فقال: " إن المسلم لا ينجس ". وهو حديث ثابت في

سائر نسخ النسائي، ولم يذكره صاحبا الأطراف ابن عساكر والمزي، وقال أبو

عيسى: وفي الباب عن ابن عباس فلعل أن عبد الله هذا هو ابن عباس وليس

بابن مسعود فليعلم أن شقيقا لم يرو عن ابن عباس شيئا في كتب الأئمة،

والله أعلم. ولم نر لابن عباس حديثا فيما نعلم إلا ما ذكره البخاري معلّقا

عنه: " المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا". ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه

قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وروى الحافظ أبو بكر بن خزيمة في

صحيحه ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان عن يحيى بن سعيد

عن القاسم بن محمد قال: سألت عائشة: " عن الرجل يأتي أهله ثم يلبس

الثوب فيعرق فيه، أنجس ذلك؟ ففْالت: قد كانت المرأة تعدّ خرقة أو خرقا فإذا

كان ذلك مسح بها الرّجل الأذى عنه ولم/يرى أن ذلك ينجسه ".

(1) قوله: " ابن حبان في " وردت " بالأولى "" كان ابن حبان إذا " والصحيح " الثانية "

وكذا أثبتناه.

(2)

صحيح. رواه النسائي في: الطهارة، باب " 73 "(ص 145 ج 1) .

قوله: " لا ينجس " بفتح الجيم وضمها أي: الحدث ليس بنجاسة تمنع عن المصاحبة وتقطع عن المجالسة وأنما هو أمر تعبدي أو المؤمن لا ينجس أصلا، ونجاسة بعض الأعيان اللاصقة بأعضائه أحيانا لا توجب نجاسة الأعضاء نعم تلك الا عيان يجب الاحتراز عنها فإذا لم تكن فما بقي إلا أعضاء المؤمن إذ ليس هناك عين

نجسة لاصقة به، والمؤمن من لا ينجس هذه الصفة فلا نجاسة، والله تعالى أعلم.

ص: 580

وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قالت " ثم صليا في ثوبهما "

وسيأتي حديث معاوية عن أخيه عن أم حبيبة: " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي

في الثوب الذي يجامعها فيه " (1) . وابن علي شيخينا العلامة أبي الحسن

المكي- رحمه الله تعالى- أخبركم علامة دهره وفريد عصره شمس الدين

الخرق بقراءتكم عليه في رجب سنة تسع وستين وستمائة ثنا الفقيه رشيد الدين

زاهر بن محمد بن أحمد بن وكيع المرورزدي ثنا الإمام شيخ الإسلام أبو

محمد عبد الرحمن بن عبد الله المرورزدي ثنا محيي السنة أبو محمد الحسين

بن مسعود قال: معنى قول ابن عباس: " أربع لا ينْجُسُن الإنسان والثوب

والماء والأرض يريد الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب ولا الثوب إذا ألبسه

الجنب ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب ولا الماء ينجس إذا غمس الجنب

يده " فيه، وفي كتاب الدارقطني من حديث المتوكل بن فضل عن أم القلوص

الغاضرية عن عائشة قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى على الثوب جنابة ولا

على الأرض جنابة ولا يجنب الرجل الرجل " (2)، وقال عطاء: يحتجم الجنب

ويقلِّم أظفاره ويحلق رأسه وإن لم يتوضأ. وقال الحافظ رشيد الدين قول أبي

هريرة فأنجست منه فئة أربع روايات: فانبجست بنون ثم باء معجمة بواحدة

بعدها جيم ومعناه أنرفعت منه، وقال الترمذي: معناه تنجست عنه. الثانية:

فأنجست منه بنون بعدها خاء معجمة ثم نون ومعناها انقبضت وتأخرت عنه.

الثالثة: فاختنست بتقّدم الخاء المعجمة وبعدها تاء معجمة باثنتين من فوقها ثم

نون ومعناها معنى التي قبلها. الرابعة: فأنتجست بنون ثم تاء معجمة باثنتين من

فوقها ثم جيم ومعناها: اعتقدت لعسى أصير نجسا لا أصلح لمجالسة رسول الله

صلى الله عليه وسلم وأنا على تلك الحالة، وقد ذكر في هذه الكلمة قول خامس وهو

فانبجست بنون ثم ياء معجمة بواحدة بعدها خاء معجمة/من البخس وهو

(1) حسن. رواه أبو داود (366) والنسائي في (الطهارة باب " 183 ") وأحمد (6/

217) وابن أبي شيبة (2/482) والكنز (21706) والخطيب (7/ 407) .

(2)

صحيح. رواه الدارقطني: (1/125) .

ص: 581

النقص، فإن صحت هده الرواية فقد ذكر بعض العلماء أنّ معناها أنّه طهّر له

نقصان عن مما شاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اعتقده في نفسه من النجاسة فرأى أنّه

لا يقارنه ما دام في تلك الحال، وقال الحافظ: ومعنى هذه الأقوال يرجع إلى

شيء واحد وهو الانفصال والمزايلة على وجه التوقير والتعظيم له صلى الله عليه وسلم، وذكر

الحافظ أبو محمد المنذري فيه قولا سادسا وهو فانتجشت بنون وتاء ثالث

الحروف وشين معجمة من النجش وهو الإسراع، قال الزمخشري: والأصل

فيه سفيان الوحش من مكان إلى مكان وفي الحديث: " نهي عن

النجش " (1) .

شفير النّاس من شيء إلى غيره، وذكر بعضهم قولا سابعا وهو فاحتبست

بحاء مهملة وبعد التاء باء وسين مهملة من الاحتباس، والله أعلم. قال ابن

المنذر: وأجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وثبت عن ابن

عمرو وابن عباس وعائشة أنهم قالوا ذلك، وهو مذهب الشافعي والنعماني ولا

أحفظ عن غيرهم خلاف قولها، قال أبو بكر: وعرق اليهودي والنصراني

والمجوسي عندي طاهر. وخالف قوله هذا أبو محمد بن حزم فزعم أنّه منهم

نجس تمسكا بقوله عليه الصلاة والسلام: " أن المؤمن لا ينجس " وبقوله

سبحانه: (إنّما المشركون نجس)(2) والله أعلم.

واستنبط أبو حاتم البستي من حديث أبي هريرة أنّ الجنب إذا وقع في البئر

وهو ينوي الاغتسال لا ينجس ماء البئر خلافا لمن قال ذلك وقوله سبحان الله

قال أبو بكر بن الأنباري في الكتاب الزاهر: معنى سبحانك تنزيها لك يا ربنا

من الأولاد والصحابة والشركاء أي: نزهناك من ذلك، قال الأعشى: أقول لما

جاء في فخره: سبحان من علقمة الفاخر أراد تنزيها لله من فخر علقمة.

(1) صحيح. رواه ابن ماجة (2173) وأحمد (2/63، 108، 156) وشرح السنة (8/

121) وأسرار (323) والشافعي (172) وحبيب (2/41) . وصححه الشيخ الألباني.

قوله: " النجش " هو أن يمدح السلعة ليروجها. أو يزيد في الثمن ولا يريد شراعها ليضر بذلك غيره.

(2)

سورة التوبة آية: 28.

ص: 582

وفي كتاب الإشقاق (1) للبخاري تعجب الأعشى بالتسبيح من فخره كما

يقول القائل إذا تعجب: سبحان الله/، وقال القزاز: معناه: برأة الله من السوء

قال الجوهري: إنّما لم يبنون؛ لأنه معرفة عندهم وفيه سنة التأنيث. قال ابن

الأنباري: ويكون التسبيح الاستثناء من ذلك قوله تعالى: (ألم أقل لكم لولا

تسبحون) (2) معناه: قال: أعد لهم قولا هلا تسبحون، ويكون التسبيح

الصلاة من ذلك ما روي عن الحسن أنه كان إذا فرغ من سبحه قال:

الحديث معناه إذا فرغ من صلاته وفيه قوله تعالى: (ونحن نسبح بحمدك

ونقدس لك) (3) قال أبو عبيدة: معنى نسبح لك بحمدك ونصلي لك،

ويكون التسبيح النور من ذلك لولا ذلك لأحُرقت سبحات وجهه ما أدركت

من شيء ويكون من البرية قال تعالى: (قالوا سبحانك لا علم لنا)(4) .

وقال الفراء: سبحانك منصوب على المصدر، كأنك قلت: سبحت الله

تسبيحا، فجعل السبحان في موضع التسبيح كما يقول: كفّرت عن يميني

تكفيرا، ثم نجعل الكفران في موضع التكفير فيقول: كفرت عن يميني كفرانا،

قال زيد بن عمرو بن نفيل أو ورقة بن نوفل: سبحان ذي العرش سبحانا

يدوم له رب البرية فرد واحد حمد سبحانه ثم سبحانا تعود له وقبلنا سبح

الجودي والحميري، وفي الأساس: سبّحت الله وسبّحت له وكبرت بسبحانه

وتسابيحه، ومن المجاز وسبحان من يعجب منه وأسألك بتسبيحات وجهك،

وقال أبو موسى الحافظ في كتابه المغيث. سبحان الله قائم مقام الفعل أي:

اسمه، وسبحت أي: لفظت بسبحان الله، وقيل: معنى سبحان الله: التسرع

إليه ولحقه في طاعته من قولهم قرش سابح، وذكر النضر بن شميل أنّ معناه:

الشرعة إلى هذه اللفظة؛ لأن الإنسان يبدأ فيقول: سبحان الله، وذكر أنه

(1) قوله: " الإشقاق " وردت " بالأصل "" الإشقار " وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه

من " الثانية ".

(2)

سورة القلم آية: 28.

(3)

سورة البقرة آية: 30.

(4)

سورة البقرة آية 320.

ص: 583

سأل في المنام عن هذا ففسّر له هكذا أو قوله أنّ المؤمن لا ينجس، قال أبو

نصر: يقال: نجس الشيء ينجس نجسا فهو نجس ونجس أيضاً.

وقال الفراء: إذا قالوه مع الوحي أتبعوه إيّاه قالوا رجسّ نجس بالكّسر

وأنجسه غيره ونجسه بمعنى،/وقال القزاز: النجس فيه ثلاث لغات النجس

بكسر النون وبفتحها وفتح الجيم، وكل شيء قذر فهو نجس والجمع أنجاس

يقول هو نجس وهم أنجاس، وفي بعض اللغات فقال للواحد: نجس وللجمع

نجس، وذاك إذا لم يكن على طهارة من الجنابة، وفي كتاب ابن القوطبة:

وعلى فعِل وفعُل ينج الشيء نجُس نجسا ونجاسة ضد طهر، وفي كتاب

المطالع: ينجُ بضم الجيم وفتحها، يقال: ثوب نجس ونجس وكذلك في التثنية

والجمع والذكر والأنثي. قاله الكسائي، وقال غيره: إنما يقال بفتحهما فإذا

أتبعته الرجس كسرت النون.

ص: 584

‌50- باب المني يُصيب الثوب

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبدة بن سليمان عن عمرو بن ميمون

سألت سليمان بن يسار عن الثوب يصيبه المني أتغسله أو يغسله الثوب قال

سليمان قالت عائشة: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصيب ثوبه فيغسله من ثوبه ثم

يخرج في ثوبه إلى الصلاة وأنا أرى أثر الغسل فيه ". وهذا حديث خرجه

الأئمة الستة (1) في كتبهم، وفي لفظ للبخاري: كنت أغسل الجنابة، وفي لفظ

لمسلم: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل موضع المني "، وفي لفظ: " أني كنت

لأغسله من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم "، وفي صحيح الإسماعيلي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم

كان إذا أصابه مني غسله، ثم يخرج إلى الصلاة، وأنا أنظر إلى بقعة من أثر

الغسل في ثوبه " (2) ، وفي صحيح الجوزجاني: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب

ثوبه المني غسل ما أصاب منه ثوبه، ثم خرج إلى الصلاة: وأنا أنظر إلى البقع

في ثوبه ذلك في موضع الغسل "، وفي سنن أبي الحسن: " أني كنت لأتبعه

من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فأغسله "، ولفظ أبي داود: (3) " ثم أراه فيه بقعة أو

بُقعا "، وفي البزار:/إنما يروى الغسل عن عائشة من وجه ونحوه قاله الإمام،

وقال البزار: رواه عمرو بن ميمون عن سليمان بن يسار عنها ولم يسمع

سليمان من عائشة. انتهي كلامه. وفيه نظر؛ لما ثبت في صحيح البخاري من

حديث عبد الواحد عن عمرو عن سليمان قال: سألت عائشة عن المني يصيب

الثوب، وفي رواية محمد بن بشر عد مسلم عن عمرو بن ميمون قال سألت

(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الوضوء، باب " 56 ") ومسلم في (الطهارة، باب " 32 " رقم 108، 108 مكرر) والبيهقي (2/419) وابن ماجة (ح/536) وابن أبي شيبة (1/84) والنسائي (1/156) وأبو عوانة (1/205) والمشكاة (494) والمعاني (1/50) وأحمد في " المسند "(6/47، 142، 162) والترمذي (ح/117) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(2)

صحيح. رواه أحمد (6/235) والبيهقي (2/418) وأبو عوانة (1/203) والدارقطني

(1/125) والخطيب (11/235) والمنتقى (138) .

(3)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 134- باب المني يصيب الثوب، (ح/

373) .

ص: 585

سليمان بن يسار عن المني يصيب الثوب، فقال: حدثتني عائشة

الحديث.

وأما إنكارهما الغسل إلا من وجه واحد ففيه نظر أيضا ذكره الدارقطني بإسناد

صحيح فقال: ثنا محمد بن مخلد ثنا أبو إسماعيل الرمدي ثنا الحميدي ثنا

بشر بن بكر ثنا الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن عمرة عنها قالت: " كنت

أفرك المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم إن كان يابسا، وأغسله إن كان رطبا ".

وخرجه أبو عوانة في صحيحه (1) عن محمد بن إدريس وراق الحميدي

والصائغ عن أثوب بن إسحاق عن الحميدي وفيه فأمسحه أو أغسله شك

الحميدي إذا كان رطبا، وفي صحيح ابن خزيمة، وفي حديث ابن هارون ثنا

عمرو بن سليمان قال: أخبرتني عائشة

فذكره وذكر البزار (2) من حديث

ثابت بن حماد أبي يزيد القائل فيه أبو الفتح الأزدي وغيره متروك غير علي بن

زيد عن سعيد بن المسيب عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنّما يغسل ثوبك

من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء "، قال: لا نعلم

يروي / ثابت إلا هذا الحديث، وقال أبو القاسم في الأوسط: لا يروي هذا

الحديث عن ابن المسيب إلا علي بن زيد. تفرّد به ثابت بن حمّاد، ولا بروى

عن عمار إلا بهذا الإسناد، وليس معارفيها لهذه الأحاديث، يعني: حديث

الفرك وحديث سليمان عنها.

(1، 2) صحيح. رواه أبو داود (ح/372) والنسائي (1/156) وأحمد (6/132، 133)

وأبو عوانة (1/204) والمشكاة (495) وشرح السنة (2/89) وشفع (50) والبزار، الشافعي

(345)

ومعاني (1/49، 50) والمجمع (1/279) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير " وفيه أبو

بكر الهذلي وهو ضعيف.

وصححه الشيخ الألباني. (الإِرواء: 1/196) .

ص: 586

‌51- باب فرك المني من الثوب

/حدثنا محمد بن طريف ثنا عبدة بن سليمان عن الأعمش عن إبراهيم

عن همام بن الحرث عن عائشة- رضي الله عنها قالت: " ربما فركته من

ثوب النبي صلى الله عليه وسلم بيدي ". حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو معونة عن

الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحرث قال: نزل بعائشة ضيف فأمرت له

بملحفة لها صفراء فاحتلم فيها فاستحيا أن يرسل بها، وفيها أثر الاحتلام

فغسلها في الماء ثم أرسل بها فقالت عائشة: " لِم أفْسد علينا ثوبنا إنما كان

يكفيه أن يفركه بأصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعي ". هذا

حديث خرّجه مسلم (1) - رحمه الله تعالى- في صحيحه أصله، وفي لفظ له

من حديث شعيب بن عروة عن عبد الله بن شهاب الخولاني قال: "

نازلا على عائشة فاحتلمت في ثوبي فغسلتها فرأتني جارية لعائشة فأخبرتها

فبعثت إلى عائشة فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبك

" الحديث.

وفي لقد رأتني وإنّي لأحكّه من الثوب للنبي صلى الله عليه وسلم بظفري حدّثنا أبو بكر بن

أبي شيبة ثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: " لقد

رأتني أحتّه في ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحته عنه " هـ. هذا حديث خرجه

مسلم (1) أيضا، وقال البزار: وحديث إبراهيم عن الأسود عن عائشة قد روي

من وجوه: فرواه مغيرة والأعمش وأبو معشر عن إبراهيم عن الأسود عن

عائشة، ورواه منصور والحاكم عن إبراهيم عن همام، ورواه ابن أبي نجيح

وحميد الأعرج عن مجاهد عنها، ورواه الزهري عن عروة عنها، ورواه يحيى بن

سعيد عن عروة والقاسم عنها، ورواه عنها غير من ذكرنا أيضا، وفي الكامل

من رواية أحمد بن أبي أوفى عن عباد بن منصور عن عطاء عنها قالت: " لقد

رأيتني/أفرك الجنابة من ثوبه عليه الصلاة والسلام ثم لا أغسل مكانه " وقال:

(1) صحح. رواه مسلم في: 1- كتاب الطهارة، 32- باب حكم المني، (ح/109) .

(2)

صحيح. رواه مسلم في: 1- كتاب الطهارة، 32- باب حكم المني، (ح/107) .

قوله: " الحث " هو الحك بطرف حجر أو عود.

ص: 587

هذا حديث مستقيم دائما أنكر- يعني: على أحمد بن أبي أوفى- مخالفته

أصحاب شعبة، وقد وجدناه من طريق أحمد فسلم من المخالفة كما زعم، قال

أحمد بن منيع في مسنده: أبو قطن ثنا عباد بن منصور نذكره وذكره أبو

جعفر الطحاوي في شرح الآثار من حديث الأوزاعي عن عطاء عنها، وذكره

أبو القاسم في الأوسط من حديث ابن حرب عنها، وقال: لم يروه عن سعيد

إلا جعفر بن أبي المغيرة ولا عن جعفر إلا منذر تفرد به عون بن سلام، ورواه

أيضا عن أبي شبانة النخعي عنها، وقال: لم يروه عن أبي شبانة إلا برد بن

زياد تفرد به ابن القاسم، ورواه أيضا من حديث أبي القيس سعيد بن زبير

قال: حدثني أبي عنها من حديث عائشة بنت طلحة بلفظ: " رُّبما حككت

المني ". وقال: لم يروه عن أبيه طلحة إلا كامل أبو العلاء ولا منه إلا خالد بن

يزيد تفرد به العباس بن محمد ولفظه: " أفركه من ثوبه صلى الله عليه وسلم "(1) يعني:

المني. ومن حديث ابن مجلز عن الحرث بن نوفل عنها بمثله، وفي لفظ عنده:

" كنت أفركه من مرط رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مروطنا يومئذ الصوف "،

وقال البيهقي في المعرفة: بين عائشة ومحارب منقطع ولفظ: " من ثياب النبي

صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة " (2) وقال الخلال: سئل أحمد عن حديث/جعفر عن

الزهري عن هارون عن عائشة: " كنا نراه في مرط أحدانا لم يفركه "(3) فقال

أبو عبد الله: ما أنكره، وفي لفظ لابن خزيمة في صحيحه من حديث الأسود

عنها: " لقد كنت أحك الجنابة من ثوبه كالنخامة " وفي محارب بن دثار

(1) صحيح. رواه مسلم في: 2- كتاب الطهارة، 32- باب حكم المني، (ح / 106) ،

والنسائي: (1 / 156) ، وأحمد (6 / 132، 213)، والمشكاة:(495)، وشرح السنة:

(2 / 89)، والشافعي:(345) .

وصححه الشيخ الألباني: (الإِرواء: 1 / 196) .

(2)

صحيح. رواه مسلم في صحيحه بلفظ: " كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ": 2-

كتاب الطهارة، 32- باب حكم المنى، (ح / 106) .

(3)

في سنن أبي داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع بن الجراح، ثنا طلحة بن

يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي

بالليل وأنا جنبة وأنا حائض وعلي مِرط لي وعليه بعضه.

1-

كتاب الطهارة، 133- باب في الرخصة في ذلك، (ح / 370) .

ص: 588

عنها: " أنها كانت تحتّ المني من ثوبه عليه الصلاة والسلام وهو يصلي "

وذكر الكلام عن عباد في كتاب الحلال عن أحمد، وزاد حماد بن سلمة فيه

زيادة حسنه فكان يُصلِّي فيه وقال فيها: قلت لأحمد: أي شيء ترى من

حديث عباد بن منصور؟ قال: كان يحّدث عن القاسم عن عائشة: " كنت

أفرك المني من ثوبه عليه الصلاة والسلام " (1) قلت: وهذا منكر. قال:/نعم

من وجه القاسم في كتاب ابن حزم روينا من طريق أبي عن سفيان فمرة قال

عن الأعمش ومرة قال عن منصور ثم استمر عن إبراهيم عن همام بن الحرث

عن عائشة في المني: " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بحتّه " قال: تفرّد به أبو

حذيفة موسى بن مسعود البصري وهو ضعيف مصحف كثير الخطأ يروي عن

سفيان البواطيل قال الإمام أحمد: قرشية لا شيء كان سفيان الثوري الذي

يحدّث عنه أبو حذيفة وليس سفيان الذي يحدّث عند الناس، قال ابن المنذر:

اختلفوا في طهارة المني: فممن غسله من ثوبه عمر بن الخطاب، وأمر بغسله

جابر بن سمرة وابن عمر وعائشة وابن المسيب، وقال مالك غسل الاحتلام

من الثوب أمر واجب مجتمع عليه عندنا، وعلى هذا مذهب الأوزاعي والثوري

غير أنّ الثوري مقدره بالدرهم، وفيه قول ثان وهو أنّه طاهر يفرك من الثوب.

وممن رأى أن يفرك من الثوب: سعد بن أبي وقاص وابن عمر، وقال ابن

عباس: أمسحه بخرقة ولا يغسل إن شئت. وقال ابن المسيب: إذا صلى فيه لم

يعدو المني عند الشّافعي وأبي ثور ليس بنجس. وقال أحمد: يفركه. وقال

أصحاب الرأي: إذا جف فحته بخرقة. وقال أبو بكر: والمني طاهر، واختلفوا

في المني يصيب الثوب يحتّ مكانه فكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه

يقول: يغسل وينضح ما لم يرو، وقال ابن عباس: ينضح الثوب. وفيه قال

النخعي وحماد: وقال عطاء: أرشّه. وقالت عائشة: إن رأيته فأغسله وإن تره

فانضحه. وفي مسند ابن منيع الكثير ثنا إسحاق بن يوسف ثنا محمد بن مضر

(1) حسن. رواه أبو داود (ح/372) وسكت عنه والنسائي (1/156) وأحمد (6/132،

213) والمجمع (1/279) وفيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف. والمشكاة (495) وأبو عوانة (1/

204) وشرح السنة (2/89) وشفع (50) والشافعي (345) ومعاني (1/49) .

قلت: وهو بمجموع طرقه فالحديث حسن.

ص: 589

عن محارب عنها إنّها كانت تحت المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة

وكان ابن عمر وأبو هريرة والحسن يقولون: إذا حتّ مكانه غسل الثوب كله.

وفيه قول ثالث: وهو أنّ الفرك بجزئه فإن كان لا يدري مكانه فرك الثوب

كلّه؛ هذا قول إسحاق: وفيه قول رابع: وهو أنه/طاهر؛ هذا قول الشّافعي

وأبي ثور، فعلى هذا القول يجزيه أن يفركه، وقال أبو محمد بن حزم: والمني

طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إزالته والبزاق بمثله

ولا فرق، وقد كذب من يخرص بلا علم بأن قال: كانت عائشة تفركه بالماء

لقولها: " كنت أفركه يابسا بظفري " قال أبو سليمان الخطابي في قول

عائشة: " كنت أفرك المني " دليل على طهارته ولو كانت عينه تحته لما ظهر

يابسه بالفرك كالعذِرة، والله تعالى أعلم هـ.

ص: 590

‌52- باب الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه

حدثنا محمد بن رمح أنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن

سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته

أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي

يجامع فيه؟ قالت: " نعم إذا لم يكن فيه أذى "(1) هـ. هذا حديث إسناده

صحيح سويد بن قيس النخعي المقري الأبدوي وإن كان لم يرو عنه غير

يزيد بن أبي حبيب فقد قال أبو سعيد: ابن يونس كانت له من عبد العزيز بن

مروان منزلة وكان يرسله في أموره، وذكر من ذلك انه أرسله إلى ابن عمر

بجائزة، وكتاب وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات فلذلك ساغ لابن

الجارود ذكره في منتقاه وسكت عنه أبو داود عندما رواه، ولفظ أبي جعفر بن

منيع فقالت: " نعم إذا علم أنه لم يصبه أذى "، وفي لفظ للطبراني: " إذا لم

ير فيه أذى "، وفي لفظ له دخل على أم حبيبة قال: فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم

يصلي في ثوب واحد عاقده على قفاه فقلت لأم حبيبة: أيصلي النبي- عليه

السلام- في ثوب واحد قالت: نعم وهو الذي كان فيه ما كان وقال: لم

يروه عن سعيد بن/مسلم بن مالك- يعني: عن أبيه- عن معاوية بن أبي

سفيان إلا خالد بن يزيد العمري، وذكره أيضا في موضع آخر من رواية عتبة

عن أم حبيبة وقال: لم يروه عن عتبة إلا حمزة بن حبيب تفرد به معاوية بن

صالح، والله أعلم. حدثنا هشام بن خالد الأرزق ثنا الحسن بن يحيى الحسني

ثنا زيد بن واقد عن بسر بن عبيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء

قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه تقطر ماء فصلى بنا في ثوب واحد

موشحا قد خالف بين طرفيه، فلما انصرف قال عمر بن الخطاب: يا رسول

الله أتصلي بنا في ثوب واحد؟ قال: " نعم، أصلي فيه وفيه أني قد جامعت

فيه " (2) . هذا حديث إسناده لا بأس به، ولو صح لكان بذلك جدير الماء

(1) صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 83- باب الصلاة في الثوب الذي

يجامع فيه، (ح/540) . وصححه الشيخ الألباني.

(2)

صحيح. وإسناده ضعيف. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 83- باب الصلاة=

ص: 591

عضد من الشواهد، وأما ما ذكره أبو محمد الإشبيلي أمر يخرجه البزار وفي

إسناده الحسن بن يحيى الحسني وهو ضعيف جدا ففيه نظر في موضعين:

الأول: ما عزاه لمسند البزار لم أره فيه فلعله يكون مخرجا في كتاب السنن أو

الأمالي وليس اصطلاح أبي محمد والله أعلم، ولم ينبه أبو الحسن بن القطان

على ذلك فعلى هذا يكون لازما لهما. الثاني: رواه الحسن بن عبد الملك

ويقال: أبو خالد الدمشقي البلاطي، والبلاط: قرية على نحو فرسخ من دمشق،

أصله خراساني، الحديث لا يصلح فإنه ممن ذكره الإمام أحمد بن حنبل

فقال: ليس بحديثه بأس. حكاه عنه أبو داود في كتاب الآجري وسئل عنه

دميم فقال: لا بأس به، فقال أبو حاتم الرازي: صدوق سيء الحفظ وقال أبو

أحمد بن عدي: هو ممن يحتمل رواياته، وقال ابن معين في روايته: ثقة، وقال

أبو داود: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا الحسن بن يحيى الحسني

وكان ثقة وتكلم فيه غير هؤلاء بكلام مولى، قال أبو عبد الرحمن النسائي:

ليس الدمشقي، ثنا الحسن بن يحيى الحسني وكان ثقة تكلم فيه غير هؤلاء

بكلام مولى. قال أبو عبد الرحمن النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني:

متروك. وقال ابن معين: في روايته ليس بثقة. وفي كتاب أبي العرب عنه:

ليس بشي. وقال عبد الغني بن سعيد المصري: ليس بشي. وذكره أبو جعفر

العقيلي فلم يرو على نقله كلام/ابن معين فيه وأبو زكريا في كتاب الضعفاء

كذلك ثم ذكر الساجي حكاية كلام ابن معين كلام أبي داود عن سليمان،

والله أعلم. والسر من في الإسناد حديثهم في الصحيح إلا الأرزق مفتي أهل

الشام فيما قاله أبو زرعة البصري؛ فإن أبا حاتم الرازي روي عنه في أخرى

وقال: صدوق. حدثنا محمد بن يحيى ثنا يحيى بن يوسف الدومي ح وثنا

أحمد بن عثمان عن حكيم ثنا سليمان بن عبد الله الرقي قالا: ثنا عبيد الله بن

عمر عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم:

" الرجل يصلي في الثوب الذي يأتي أهله فيه؟ قال: نعم، إلا أن برى فيه بأسا

= في الثوب الذي يجامع فيه، (ح/541) .

في الزوائد: إسناده ضعيف، لضعف الحسن بن يحيي. اتفق الجمهور على ضعفه.

وصححه الشْيخ الألباني.

ص: 592

فيغسله " (1) . هذا حديث خرجه أبو حاتم في صحيحه عن أبي يعلى ثنا

مخلد بن أبي زميل وعبد الجبار بن عاصم قالا: حدثنا عبيد الله به وخالفه أبو

الحسن البغدادي فإنه لما سئل عنه فقال: يرويه عبيد الله بن عمرو مرفوعا.

وقيل: عن ابن عيينة. ولا يصح، والصحيح ما رواه أبو عوانة وأسباط بن

محمد وعبد الحكم بن منصور وغيرهم عن عبد الملك بن عمير عن جابر

موقوفا في قوله، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كذا رواه- يعني

سليمان الرقي- عن عبيد الله مرفوعا وإنمّا هو موقوف انتهى. عبيد الله بن

عمر وحديثه في الصحيحين ووصف بالحفظ والثقة فزيادة مقبولة إجماعا وتعلُّق

بعضهم بأنه معارض بحديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يصلي

في شعارنا أو لحفنا " (2) المذكور عند أبي محمد الإشبيلي صحيحا، قال: في

آخره شكّ معاذ بن معاذ راوي الحديث وعليه فيه استذكار أكان الأول ذكره

الشكّ متبعا قول رواية عند أبي داود، وهو ليس ثابتا في كثير من طرق

الحديث هذا أبو عيسى رواه ولم يذكر شكا وقال فيه: حسن صحيح وكذلك

النسائي لكنهما لم يذكرا الشعر ذكرا اللحف فقط وأما ابن حبان فإنّه ذكره

في صحيحه بهما، وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ثنا الغواريري ثنا

معاذ بن معاذ ثنا أشعث بن عبد الملك الحمراني عن محمد يعني ابن سيرين-

عن عبد الله بن شقيق العقيلي عن عائشة قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي

في شعرنا ولا لحفنا ". الثاني: تصحيح الحديث، وهو في كتاب أبي داود

الذي نقله من عبدة فعلا بما أتبعه به وهو ثنا الحسن بن علي ثنا سليمان بن

حرب ثنا حماد عن هشام عن ابن سيرين عن عائشة: " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

كان لا يصلي في ملاحفْنا " (3) . قال حماد: وسمعت سعيد بن أبي صدقة

(1) صحيح. رواه ابن حبان: (4/37) .

(2)

صحيح. رواه الترمذي (ح/600) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأبو داود (ح/

645، 367) وأحمد (6/101) والبيهقي (2/410) والبخاري في " التاريخ الكبير " (2/

61) وشرح السنة (2/429) والتمهيد (1/379) .

(3)

ضعيف. رواه أبو داود (ح/368) قال حماد: وسمعت سعيد بن أبي صدقة قال:

سألت محمدا عنه فلم يحدثني، وقال: سمعته منذ زمان ولا أدري ممن سمعته، ولا أدري

سته من ثبت أو لا فسلوا عنه. رواه البيهقي في " الكبرى "(2/410) .

ص: 593

قال: سألت محمدا عنه فلم يحدثني به، وقال: سمعت منذ زمان ولا أدري

ممن سمعته من مقام لا تسألوا عنه، وفي كتاب الحلال عن عبد الله قال: إنِّي

سمعت من عائشة عن شعيب أنكر من هذا. قال عبد الله: وأنكره- يعني:

إيّاه- إنكارا شديدا أو هذان الاستدراكان وأراد أن علي بن الحسن بن القطان

أيضا بسكوته وأفراده ولئن سلمنا صحته فليس معارضا لما تقدّم؛ لأنّ الصلاة

في ثوب الرجل غير صلاته في ثوب زوجته؛ لأن الرجل يتحرز ولا تحترز المرأة

منه، ولئن سلمنا ذلك فيكون مبسوط بما في حديث ميمونة وعائشة أو لعذر

أوجب له ذلك أو لبيان الجواز، والله أعلم.

ص: 594

‌53- باب ما جاء في المسح على الخفين

حدثنا علي بن محمد ثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن

الحرث قال: قال جرير بن عبد الله: " ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل له:

تفعل، قال: وما يمنعني وقد رأيت رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم

يفعل " (1) . قال إبراهيم: كان يعجبهم حديث جرير؛ لأنّ إسلامه كان بعد

نزول المائدة./هذا حديث خرجه الأئمة الستة رحمهم الله تعالى، وفي

مسلم (2) قال الأعمش: قال إبراهيم: ولفظ أبي داود (3) : " وما يمنعني أن

أمسح وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، قال: إنمّا كان ذاك قبل نزول المائدة قال:

ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة "، وفي كتاب المتتابعات عليه قوم وقالوا: " إنمّا

هذا قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد ما أنزلت، وما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم

مسح إلا بعد ما نزلت " وخرجه ابن ماجة (4) بنحوها وفي المعجم الكبير

للطبراني من حديث عن أسلم بن سهل الواسطي ثنا محمد بن حسان ثنا

محمد بن يزيد الواسطي ثنا جعفر بن الحرث عن إبراهيم عن همام قال: قال

جرير: " ثم مسح فقلت له: تفعل هذا وقد قلت

" الحديث، وفي

الأوسط (5) له من حديث عبد الرزاق عن ياسين الرباب عن حماد بن أبيِ

سليمان عن ربعي بن حراش عنه قال: " وضّأت النبي صلى الله عليه وسلم فمسح على خفّيه

بعد ما نزلت سورة المائدة " رواه عن الدمري عن عبد الرزاق وقال: لم يروه

عن حماد عن ربعي إلا ياسين الرباب. تفرد به عبد الرزاق، ورواه أيضا عن

(1) صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 84- باب ما جاء في المسح على

الخفين، (ح/ 543) . وصححه الشيخ الألباني.

(2)

صحيح. رواه مسلم في: كتاب الطهارة، 22- باب المسح على الخفين، (ح/ 72) .

(3)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 58- باب السح على الخفين، (ح/ 154) .

(4)

انظر الحاشية رقم " 1 ".

(5)

ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/257) وعزاه إلى الطبراني في

" الأوسط " وفيه سوار بن مصعب وهو مجمع على ضعفه.

ص: 595

محمد بن نوح بن حرث عن شيبان بن فروخ عن حرب عن شريح عن خالد

الحذاء عن محمد بن سيرين عنه: " أنّه كان مع النبي- صلى الله عليه وآله

وسلم- في حجة الوداع فذهب النبي- صلى الله عليه وآله وسلم يتبرّز

فرجع فتوضّأ ومسح على خفيه " (1) وقال: لم يروه عن ابن سرين إلا الحذّاء

ولا عن خالد إلا حرب بن شريح. تفرد به شعبان. ومن حديث عبد الكريم

الجريري عن مجاهد عنه وفيه: " ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة "، وفي

كتاب الترمذي (2) عن شهر بن حوشب قال: " رأيت جريرا توضّأ ومسح

على خُفّيه فقلت له: أقبل المائدة أو بعد المائدة؟ فقال: ما أسلمت إلا بعد

المائدة ". قال الدارقطني في الإفراد هذا حديث غريب من حديث مقاتل بن

حيان عن شهر. تفرّد به إبراهيم بن آدم/عنه، وعنه بقية بن الوليد. قال

البيهقي: وكان إبراهيم بن أدهم يقول: ما سمعت يحدّث في المسح أحسن

من هذا، وفي سنن الدارقطني من حديث حمزة بن حبيب عنه قال: " قدمت

على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول المائدة، فرأيته يمسح

الخفين " (3) .

(1) سقطت " كلمتان " من متن هذا الحديث، وأثبتناه من الثانية.

(2)

رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، 70- باب في المسح على الخفين، (ح/94) . وقال

الترمذي: حدثنا بذلك قتيبة حدثنا خالد بن زياد الترمذي عن مقاتل بن حيان عن شهر بن

حوشب عن جرير.

قال: وروى بقية عن إبراهيم بن أدهم عن مقاتل بن حبان عن شهر بن حوشب في جرير.

وهذا حديث مفسر لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن مسح النبي صلى الله عليه وسلم على

الخفِّين كان قبل نزول المائدة، وذكر جرير في حديثه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين بعد نزول المائدة.

ورواية شهر هذه إسنادها صحيح. وقد تابعه عليها أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن جده

جرير بن عبد الله البجلي، فروى أبو داود (1/59) عن أبي زرعة: " أن جريرا بال ثم توضأ

فمسح على الخفين، وقال: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة؟ قال: ما أسلمت إلا بعد نزول

المائدة ". ورواه الحاكم (1/169) وصححه ووافقه الذهبي ونقل الزيلعي في نصب الراية أن

ابن خزيمة رواه أيضا في صحيحه.

(3)

سيأتي ص 626، بلفظ: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يمسح قبل نزول المائدة وبعدها

حتى قبضه الله ". وعليه تعليق الهيثمي في " مجمع الزوائد ".

ص: 596

وفي لفظ: " توضأ من مطهرة ومسح على خفيه "(1) . وسئل أبو زرعة

عن حديث رواه عبد الله بن الأجلح عن الأعمش عن إبراهيم عن الحرب بن

سويد قال: " بال جرير ومسح ". فقال: هذا الحديث وهم فيه ابن جنح،

وسئل عن حديث رواه أبو نعيم عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن قيس بن

أبي حازم عن جرير: " رأيت النبي- صلى الله عليه وآله وسلم يمسح على

خفيه " (2) . ورواه ابن الأصبهاني عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبيه:

" أنّ النبي- صلى الله عليه وآله وسلم توضأ ومسح على خفيه ". فقال أبو

زرعة: الحديث حديث أبي نعيم، وإبراهيم هو ابن جرير ولم يلحق إيّاه، وفي

كتاب الطبراني من حديث ابن عياش عن حميد بن مالك اللّخمي عن

إبراهيم بن جرير عن أبيه: " رأيت النبي- صلى الله عليه وآله وسلم يمسح

يوم نزول المائدة ". وقال في الأوسط: لم يروه عن حميد إلا ابن عيّاش، وقد

جاء في بعض ألفاظه ذكر التوقيت بسند حسن أنبأ به المسند المعمر تقي الدين

الحمداني قراءة عليه، وأنا أسمع أنبأ أبو طاهر إسماعيل بن عبد القوي أخبرتنا

فاطمة بنت سعد الخبر أنبأت فاطمة بنت الجعد وأبيه أنبأ ابن زيد أنبأ أبو

القاسم أنبأ عبد الله بن أحمد حدثني عبد الله بن عمر بن أبان ثنا عبيدة عن

الأسود ثنا القاسم بن الوليد عن طلحة بن مصرف عن إبراهيم التيمي عن

همام بن الحرث عن جرير عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم قال:

" للمسافر ثلاثة- أو ثلاث- وللمقيم يوم في المسح على الخفين "(3) . وفي

سنن الطوسي: قال جرير: ومسح على خفيه- أو قال: جوز به- قال عيسى:

يعني: ابن يونس أنا أشُك، وقال بعده: يقال هذا حديث حسن صحيح، وقد

(1) صحيح. رواه أحمد في " المسند "(6/12) بلفظ: " ثم دعا بمطهرة أي: إداوة

"

الحديث.

(2)

تقدم من أحاديث الباب انظر: أول حديث.

(3)

صحيح. رواه الترمذي (ح/95) من حديث خزيمة بن ثابت، وقال الترمذي: هذا

حديث حسن صحيح. وكذا صححه ابن خزيمة وابن ماجه (ح/555) والطبراني في " الكبير "

(4/96، 106) والخطيب (6/377) وابن عدي في " الكامل "(3/1120، 1125)

وأحمد في " المسند "(1/96، 4/240، 5/213، 214) والبيهقي (1/276، 282)

والطبراني (2/10، 4/107، 111) والحلية (2/298) .

ص: 597

رواه شهر وقرة. حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمد قالا:

حدثنا وكيع، وحدثنا أبو/همام الوليد أنا أبي وابن عيينة وابن أبي زائدة جميعا

عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة: " أن رسول الله- صلى الله عليه وآله

وسلم- توضأ ومسح على خفيه ". هذا حديث خرجه الأئمة الستة في

كتبهم، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه الثوري

وشعبة وجرير بن حازم وأبو معاوية ويحيى القطان وابن عيينة وجماعة عن

الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة في المسح على الخفين، ورواه أحمد بن

يونس عن بكر بن عياش عن الأعمش، وصالح عن أبي وائل عن المغيرة عن

النبي صلى الله عليه وسلم فأيهما الصحيح من حديث الأعمش قال: أتى الصحيح حديث

هؤلاء النفر عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة، وهم في هذا الحديث: أبو

بكر بن عياش؛ إنما أراد الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق المغيرة قبل

غير حديث أبي وائل من حديث مسلم، قلت لأبي زرعة: أيهما الصحيح؟

قال: أخطأ أبو بكر في هذا الصحيح من حديث الأعمش عن أبي وائل عن

حذيفة، ورواه منصور عن أبي وائل عن حذيفة، ولم يذكر المسح وذكر

النبي- صلى الله عليه وآله وسلم قال: وإنما قلت فالأعمش ربما مدلس ورواه

الإسماعيلي في جمعه لحديث الأعمش من حديث عبد الرحمن بن محمد بن

طلحة عن أبيه عن الأعمش عن أبي وائل لم يقل: بالمدينة، ورواه عن قريب

من ثلاثين نفسا عن الأعمش لم يروه بالمدينة إلا من حديث محمد بن طلحة

في رواية عنه، وقال أبو عمر بن عبد البر بعد أن ذكر أن عيسى بن يونس

انفرد عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة بقوله: " كنت أمشي مع النبي-

صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة فأتى سباطة قوم فبال ثم توضأ ومسح على

خفيه " (1) . قال: ولم يقل فيه أحد بالمدينة غير عيسى بن يونس وهو ثقة

واصل إلا أنه خولف في ذلك عن الأعمش وسائر من رواه عن الأعمش لا

(1) رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 12- باب البول قائما، (ح/23) . وسكت

عنه. قلت: والسكوت كناية الحسن.

قال أبو داود: قال مسدد: قال: فذهبت أتباعد فدعاني حتى كنت عند بقية.

ص: 598

بقوله وفيه بالمدينة. انتهى، وما قدمناه عن محمد بن طلحة يردّ قوله، وفي

المعجم الصغير لأبي القاسم من حديث أحمد بن سليم، وعيسى بن يونس عن

زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن شقيق عن حذيفة قال: " كنت أمشي

مع النبي- صلى الله عليه وآله وسلم فانتهى/إلى سباطة قوم فبال قائما

ومسح ". رواه عن القاسم بن عفان عن عّمه أحمد بن سليم وقال: لم يروه

عن الشعبي إلا زكريا، ولا عنه إلا عيسى. تفرد به أحمد بن سليم، وفي

مسند أحمد ثنا أبو الوليد ثنا أبو عوانة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن

عباس قال: " قد مسح رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم مسح على

الخفين فسألوا الذين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول المائدة أو بعد المائدة

والله ما مسح بعد المائدة؛ ولأن أمسح على ظهر عامره أحبّ إليّ من أن

أمسح عليهما " والله تعالى أعلم.

حدثنا محمد بن رمح أنبأ الليث بن سعيد عن إبراهيم عن رافع بن جبير

عن عروة بن المغيرة ابن شعبة عن أبيه المغبرة بن شعبة عن رسول الله- صلى

الله عليه وآله وسلم-: " أنّه خرج لحاجته، فأتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء حتى

فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين " (1) . هذا حديث مخرّج كالذي

قبله، وفي كتاب العلل لعبد الرحمن سمعت أبي يقول: سألنا إبراهيم بن

موسى- أي: حديث في المسح على الخفين أصح فسألنا، فقال: هو حديث

الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن المغيرة. فقلت: أماله عندنا حديث

حجازي؟ قال: ما هو؟ نلت: حديث يحيى بن سعيد بن إبراهيم عن نافع بن

جبير عن عروة بن المغيرة عن أبيه؟ فسكت ثم قال: إني الآن أقول حديث

الزهري عن عباد بن زياد وإسماعيل بن محمد بن سعيد عن عروة وحمزة-

أي: المغيرة- عن أبيها، وفي كتاب البخاري (2) عن أبي نعيم ومسلم عن أبي

(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الوضوء، باب " 48 ") ومسلم في (الطهارة،

ح/75) وابن ماجة (545) .

(2)

صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في: 4- كتاب الوضوء، 49- باب المسح على

الخفين، (ح/206) . ورواه مسلم في:(الطهارة، ح/274) . ورواه أبو داود في: 1-

كتاب الطهارة، 58- باب المسح على الخفين، (ح/151) .

ص: 599

نمير عن أبيه قالا: يذاكرنا ابن أبيِ زائدة عن الشعبي عن عروة عن أبيه قال:

" كنت مع النبي- صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة في سفر فقال:

أمعك ماء؟ قلت: نعم. فنزل عن راحلته فمشي حتى توارى في سواد الليل،

ثم جاء، وأفرغت ماء من إداوة فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف فلم

يستطع أن يخرج ذراعيه/ومسح برأسه ثم هويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما،

فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما ". ورواه الطبراني في الأوسط (1) من

حديث موسى بن أعن عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي به ولفظه:

" كنت مع النبي في سفر ليلا فقال من هذا؟ فقلت: أنا المغيرة. فقال:

أمسك فأمسكت له ناقته وانطلق حتى ما رأيته، ثم جاء

فذكره " وقال: لم

يحرّده عن إسماعيل إلا ابن أعين. تفرد به المعافي بن سليمان، ورواه المعافي

أيضا عن القاسم بن معن عن إسماعيل عن الشعبي، وقال الدارقطني: ورواه

غير بن القاسم وزفر بن الهذيل وخالد بن عبد الله الواسطي وسليمان بن كثير

عن حصين عن الشعبي وسعيد بن عبيدة عن المغيرة، ورواه إبراهيم بن طهمان

ومحمد بن فضيل، وورقاء وسويد بن عبد العزيز عن حصين عن الشعبي

وحده عن المغيرة، وخالفهم ابن عيينة فرواه عن حصين عن الشعبي عن عروة

عن أبيه، وقال الحميدي والقاسم بن بشير عن ابن عيينة عن حصين وزكريا بن

يونس عن أبي إسحاق عن الشعبي عن عروة عن أبيه، وكذلك رواه عيسى بن

يونس ونبأ به أبو نعيم والفزاري وابن قتيبة عن يونس عن أبي إسحاق عن

الشعبي عن عروة عن أبيه، وكذلك رواه زكريا بن أبي زائدة من رواية أبي

نعيم وجعفر بن عون وابن عيينة ويحيى بن سعيد الآمدي عنه عن الشعبي عن

عروة عن أبيه، وكذلك رواه عبد الله بن أبي السفر وعمر بن أبي زائدة

وداود بن يزيد الأودي وسليم مولى الشعبي عن الشعبي عن عروة بن المغيرة

عن أبيه، وكذلك رواه أبو إسحاق الشعبي من رواية إسرائيل عنه، ورواه

أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن عروة لم يذكر فيه الشعبي، ورواه

(1) صحيح أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/259) وعزاه إلى الطبرانِي في " الأوسط "

قال: " وفي الصحيح طرف منه " وفيه داود بن يزيد الأودي وقد ضعفوه إلا ابن عدي فقال:

لم أر له حديثا منكرا.

ص: 600

عبد الله بن عون عن الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه واختلف عنه فقال:

أبو جابر عن ابن عون عن الشّعبي وابن سرين عن ابن المغيرة عن أبيه، ووهم

وإنّما روى هذا الحديث ابن عون عن الشعبي عن عروة وحده، وعن ابن سيرين

عن عمرو بن وهب عن المغيرة، واختلف عن إسماعيل/بن أبي خالد، فرواه

موسى بن أعين عن إسماعيل عن الشعبي عن عروة عن أبيه، وخالفه القاسم بن

معن؛ فرواه عن إسماعيل عن الشعبي عن المغيرة لم يذكر بينهما أحد،

وكذلك رواه الهيثم بن حبيب الصيرفي ومخالد بن سعيد وأبو إسحاق

الشيباني عن الشعبي عن المغيرة، وزاد أبو إسحاق الشيباني عن الشعبي قال:

قيل للمغيرة: ومن أين كان للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم خفان فقال:

أهداهما له دحية بن خليفة الكلبي، وخالفه الجعفي في هذا اللفظ، فرواه عن

الشعبي عن دحية ولم يذكر فيه المغيرة، ورواه عريث بن مطر عن الشعبي عن

مسروق عن المغيرة، وتابعه زكريا بن أبي زائدة من رواية سعيد الأموي عن أبيه

عن زكريا عن الشعبي عن مسروق عن المغيرة، وقيل أنّ ابن الأموي أخلط

عليه أحاديث أبيه عن زكريا بأحاديثه عن حديث أبي مطر، وهذا يشبه أن

يكون منها، ورواه حماد بن أبي سليمان ومنصور بن المعتمر وجابر الجعفي

والسري بن إسماعيل عن الشعبي عن إبراهيم بن أبي موسى الأشعري عن

المغيرة، وأحسنها إسنادا حديث الشعبي عن عروة عن أبيه وأبى ذلك أبو

محمد بن أبي حاتم فقال: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه ابن فضيل

عن حصين عن الشعبي عن عروة في المسح على الخفين، ورواه ابن عيينة عن

حصين عن الشّعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه عن النبي- صلى الله عليه

وآله وسلم- ورواه زائدة بن قدامة عن حصين عن سعيد بن عبيدة سمع

المغيرة وقال غيره: عن حصين عن أبي سفيان عن المغيرة، ورواه عنه عن

حصين عن الشعبي وسعيد بن عبيدة عن المغيرة بلا عروة، قال أبي: وليس

لأبي سفيان معنى قال: ليّن، ورواه هشيم عن حصين عن سالم بن أبي الجعد

وأبي سفيان سمعا المغيرة قلت لأبي زرعة: فأيهما الصحيح عندك؟ قال: أنا

أبي حديث الشعبي بلا عروة أصل إذا كان أصل في المسح، قال: وسئل أبو

زرعة عن حديث رواه سليمان بن عبد الرحمن/الدّمشقي عن إسماعيل بن

ص: 601

عياش عن أبي شعبة يحيى بن يزيد الرهاوي عن زيد بن أبي أنيسة عن حماد

عن عامر الشّعبي عن إبراهيم بن أبي موسى عن المغيرة في المسح، فقال أبو

زرعة: وهم فيه حماد وخالفه السبيعي وابن أبي خالد وحصين، قال أبو

محمد: يعني أنّهم رووا الحديث عن الشعبي عن عروة، وليس لإِبراهيم بن أبي

موسى هنا معنى، والله تعالى أعلم. ولفظ أبي داود (1) : " كنا مع النبي-

صلى الله عليه وآله وسلم وفي ركبه ومعي إداوة فخرج لحاجته ثم أقبل

فتلقيته بالإداوة قال: فأفرغت عليه فغسل كفيه ووجهه ثم أراد أن يخرج

ذراعيه وعليه جبة من صوف من جناب الروم، وفيه: دع الخفين فإني أدخلت

القدمين الخفين وهي طاهرتان فمسح عليها ". قال الشعبي: شهد لي عروة

على أبيه وشهد أبوه على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم وفي لفظ

مسلم (2) : عن ابن مثني ثنا عبد الوهاب سمعت يحيى بن سعيد هذا الإِسناد

قال: " فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه "، ولفظ مسروق عن المغيرة " بعد:

ثم مسح على خفيه ثم على ناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه ثم ركب

وركبنا فانتهينا إلى القوم وقد قاموا إلى الصلاة، فصلي بهم عبد الرحمن بن

عوف، وقد ركع هم ركعة فلما أحسّ بالنبي- صلى الله عليه واله وسلم-

ذهب يتأخرّ (3) فأومأ إليه ليصلي هم فلمّا سلّم قام النبي- صلى الله عليه وآله

وسلم-: وقمت فركعت الركعة التي سبقتنا ". وفي رواية المقيم عن أبيه

حدّثني له: " مسح على الخفين ومقدّم رأسه وعلى عمامة "، وثنا محمد بن

عبد الأعلى ثنا المعتمر عن أبيه عن بكرة بن الحسن عن ابن المغيرة عن أبيه عن

النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، وثنا ابن بشار ومحمد بن حاتم جميعا عن يحيى القطّان

قال: ثنا ابن حاتم ثنا يحيى بن سعيد عن التيمي عن بكر عن الحسن عن ابن

المغيرة بن شعبة عن أبيه قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة: " أنّ النبي

(1) حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 58- باب المسح على الخفين، (ح/

151) .

(2)

صحيح. رواه مسلم في: 2- كتاب الطهارة، 23- باب المسح على الناصية والعمامة،

(ح/81) .

(3)

قوله: " ذهب يتأخر " أي: شرع في التأخير عن موضعه ليتقدم النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 602

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلي الخفين " (1)، وقال أبو عيسى:

وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة: ذكر بعضهم المسح على

الناصية والعمامة، ولم يذكر بعضهم الناصية،/سمعت أحمد بن الحسن،

سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت- يعني: مثل يحيى بن سعيد القطان-

وقال: وحديث المغيرة حسن صحيح، واختلف من ابن المغيرة هذا ومن هو

ففي كتاب البيع لأبي الحسن وأخرج مسلم عن ابن مرتع- يعني: عن يزيد بن

زريع- عن حميد ثنا بكر عن عروة قال: وخالفه غيره عن يزيد فرواه عنه

على الصواب عن حمزة المغيرة رواه كذلك حميد بن سعدة وعمرو بن علي،

وكذا قال ابن أبي عروة: عن حميد، وفي صحيح أبي عوانة: أنبا يوسف

القاضي أنبا نا مسدد وأنبأ يزيد به، وكلام الدارقطني ينفي تشبه الوهم فيه إلى

محمد بن يزيد وأبو مسعود الدمشقي مخالفة، ويقول: هكذا يقول مسلم،

وفي حديث ابن بزيغ عن يزيد عن عروة وخالفه النّاس فقالوا: حمزة بدل

عروة. حكاه أبو علي في التقييد، وقال أبو الحسن في العلل: يروه بكر

واختلف عنه، فرواه حميد عن بكر عن حمزة، وقال سليمان التيمي عن بكر

عن ابن المغيرة: قال ذلك خالد الواسطي ويزيد بن زريع ويزيد بن هارون،

واختلف في معتمر؛ فذاك نصر بن علي وأبو نعيم الحلبي عن معتمر عن أبيه

(1) صحيح. رواه الترمذي (ح/100) قال الترمذي: وذكر محمد بن بشار هذا الحديث في

موضع آخر: " أنه مسح على ناصيته وعمامته ". وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن

المغيرة بن شبة: ذكر بعضهم " المسح على للناصية والعمامة "، ولم يذكر بعضهم " الناصية ".

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

ورواه مسلم (1/90- 91) عن محمد بن عبد الله بن بزيع عن يزيد بن زريع عن حميد

الطويل عن بكر المزني عن عروة عن المغيرة عن أبيه. قال النووي (3/171) : " قال الحافظ

أبو علي الغساني: قال أبو مسعود الدمشقي: هكذا يقول مسلم في حديث ابن بزيع عن

يزيد بن زريع: عن عروة بن المغيرة، وخالفه الناس، فقالوا فيه: حمزة بن المغيرة، بدل عروة.

وأما أبو الحسن الدارقطني فنسب الوهم فيه إلى محمد بن عبد الله بن بزيع، لا إلى مسلم ".

والظاهر أن رأي الدارقطني أرجح؛ لأن النسائي رواه (1/30) عن عمرو بن علي وحميد بن

مسعدة عن يزيد بن زريع، ورواه البيهقي (1/60) من طريق حميد بن مسعدة أيضا (1/

58) ومن طريق مسدد بن يزيد بن زريع، وقالوا كلهم:" عن حمزة بن المغيرة "، فخالفوا

محمد بن عبد الله بن بزيع.

ص: 603

عن بكر عن ابن المغيرة، وكذلك قال علي بن الحسن الدرهمي: عن معتمر

إلا أنه قال: عن ضمرة بن المغيرة، وقال أبو الأشعث: عن معتمر عن أبيه عن

بكر والحسن عن ابن المغيرة عن أبيه، وقال الثوري: عن القاسم عن أبي بكر

عن الحسن. قال ذلك عبد الكريم بن روح عن الثوري، ورواه عاصم الأحول

عن بكر مرسلا عن المغيرة بن مسهر عن ابن عروبة عن عاصم الأحول عن

بكر، واختلف عن ابن عروبة، فرواه زفر عنه عن قتادة/عن بكر عن المغيرة،

وخالفه منيع بن عبد الرحمن، فرواه عن سعيد بن مطر عن بكر عن المغيرة،

وكلاهما وهم؛ لأن هذا الحديث سمعه ابن أبي عروبة عن بكر ليس بينهما

فيه قتادة ولا مطر. قال ذلك ابن زريع وغندر وابن مسهر، وروي عن داود بن

أبي هند عن بكر عن المغيرة مرسلا أيضاً، ورواه الحسن البصري عن المغيرة

حدّث به قتادة واختلف عنه، فرواه زفر عنه عن قتادة عن الحسن ومحمد عن

المغيرة، وقال هدبة بن خالد: عن همام عن قتادة عن الحسن وزراره بن أوفى

عن المغيرة، ورواه الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن خالد بن كثير عن أبي

حفص العمري عن الحسن عن المغيرة، والحسن لم يسمعه من المغيرة، وإنّما

سمعه من حمزة ابنه، وذلك بّين في رواية القطّان عن التيمي روي أيضاً عن

عبيد الله بن عمر عن حمزة بن المغيرة. قاله عبد الله بن نافع الصانع عن أبي

معشر عنه، وخالفه يحيى بن عبد الله بن سالم، فرواه عن عبيد الله عن

حميد الطويل عن ابن المغيرة عن أبيه، وحميد لم يسمعه من ابن المغيرة؛ إنّما

رواه عن بكر عنه، ولفظ أبي داود:" ثم ذكر فوق العمامة " وفي لفظ:

" قال: فصليت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم فصلى الركعة التي سبق لها ولم يزد عليها

شيئا " قال أبو داود (1) : أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر يقولون: من

أدرك الفرد من الصلاة عليه سجدتا السهو، وفي لفظ يونس عن ابن شهاب

حدثني عبّاد بن زياد أنّ عروة بن المغيرة سمع أباه وفيه: " قد ركع لهم " -

يعني: ابن عوف- ركعة من صلاة الفجر، وفيه: " ثم سلّم عبد الرحمن، فقام

النبي في صلاته ففرغ المسلمون فأكثروا التسبيح؛ لأنهم سبقوا النبي صلى الله عليه وسلم فلمّا

(1) تقدّم، وهو الحديث برقم:(152) .

ص: 604

سلّم النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: " قد أصبتم أو قد أحسنتم "(1) . ولفظ النسائي في

كتاب شيوخ الزهري في غزوة تبوك، وذكره مالك في موطئه بما استوجب

رواه أنبأ بذلك المسند المعمر شرف الدين بن أبي الفتوح الشّامي- رحمه الله

تعالى- أنبأ ابن رواح أنا الحافظ البغوي- رحمه الله في خامس عشر ربيع

الأول سنة إحدى وثلاثين أنبأ أبو الحسن المبارك بن عبد/الجبار بقراءتي عليه

ببغداد في جماد الأوّل سنة خمس وتسعين وأربعمائة أنبأ أبو طالب محمد بن

الحربي الزاهد أنبأ الحافظ أبو الحسن علي لن مهدي في كتابه قال: روي مالك

في الموطأ عن ابن شهاب عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة عن المغيرة

، فذكر قصة المسح قال: وخالفه صالح بن كيسان، ومعمر، وابن جريج،

ويونس، وعمرو بن الحرث، وعقيل بن خالد، وعبد الرحمن بن خالد بن

مسافر وغيرهم، فرواه عن الزهري عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة عن

أبيه، فزاد: وعلى مالك في الإسناد عروة بن المغيرة وبعضهم قال: عن ابن

شهاب عن عباد بن زياد عن عروة وحمزة بن المغيرة عن أبيهما، قال ذلك

- عقيل وعبد الرحمن بن خالد ويونس بن يزيد بن أبي سفيان قال ذلك مصعب

الزبيري، وقاله علي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم، فخولف مالك-

رحمه الله تعالى- في إسناده في موضعين: أحدهما: قوله عباد بن زياد من

ولد المغيرة، والآخر: إسقاطه من الإسناد عروة وحمزة بن المغيرة والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في كتاب العلل: وهم في هذا الحديث في عباد،

فزعم أنه من ولد المغيرة، وإنّما هو ابن زياد بن أبي سفيان، وقال عن المغيرة:

وإنّما هو عن عروة وحمزة بن المغيرة عن أبيهما، والله تعالى أعلم- وبنحوه قاله

الشّافعي فيما حكاه البيهقي عنه ومحمد بن إسماعيل البخاري، وقال ابن أبي

حاتم في موضع آخر: سألت أبي عن حديث شبابة محمد بن عوف الحمصي

عن أبي لقي عبد الحميد بن إبراهيم عن عبد الله بن سالم عن الترمذي عن

الزهري عن عباد بن زياد عن عروة بن الغيرة بن محمد بن إسماعيل أخبره

عن حمزة بن المغيرة: الحديث، فقال أبي: هذا خطأ؛ إنّما هو إسماعيل بن

(1) رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 58- باب المسح على الخفين، (ح/149) .

ص: 605

محمد بن سعد بدل محمد بن إسماعيل، وزعم/ابن عقدة أنه حديث تفرّد

به أهل الكوفة وفيه نظر، وفي لفظ له- أعنى أبا داود- من حديث بكير بن

عامر الجبلي عن عبد الرحمن بن أبي نُعم عن المغيرة فقلت: " يا رسول الله:

نسيت. قال: بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي " (1) ، ولما ذكر أبو القاسم هذا

في معجمه الكبير عن عمر بن عبد العزيز عن علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم

ثنا بكير قال: زعم ابن أبي نعم المغيرة حدثه: " أنه مشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في

المدينة، فأتى بعض الأودية قد خلها، فقضى حاجته ثم خرج فتوضأ وخلع

الخفين، فلما لبس خفيه وجد بعد ذلك رّيما فعاد ثم خرج فتوضأ ومسح على

الخفين فقلت: أنسيت يا رسول الله؟ فقال: بل أنت نسيت بهذا أمرني ربي عز

وجل ". قال الحافظ القشيري: وبلغني أنّ أحمد بن خالد الأندلسي الحافظ

رواه عن علي وقال بعد تمامه: ما أحسنه وخرجه أبو عبد الله في مستدركه من

حديث الحسن بن صالح عن بكير وقال: إسناده صحيح، وقال أبو الحسن في

كتاب العلل: يرويه بكير البجلي عن عبد الرحمن حدّث به عن الحسن بن

صالح ووكيع والفضيل بن موسى وعبد الله بن موسى وعبد الله بن داود

وعلي بن عراب، ورواه عامر بن مدرك عن الحسن بن صالح فقال: عن أكيل

عن ابن أبي نعم، وإنّما أراد بكير بن عامر.

ورواه سعيد (2) بن المسيب فقال: عن أبي بكير عن عبد الرحمن بن أبي

ليلي عن المغيرة حدّث به عنه بكير بن خداش ووهم فيه في موضعين: في قوله

عن أبي بكير، وفي قوله: عن ابن أبي ليلى، وإنما أراد ابن أبي نعم ثناه المحاملي

ثنا عبدان الأهوازي ثنا معمر بن سهل من عامر بن مدرك عن الحسن بن

صالح به ورواه عن المغيرة أيضا عمرو بن وهب الثقفي، قال أبو الحسن:

يرويه محمد بن سيرين، واختلف عنه، فرواه أيوب السختياني، وقتادة

(1) حسن. رواه أبو داود (ح/156) وأحمد في " المسند "(4/246، 253) والبيهقي في

" الكبرى "(1/272) ونصب الراية (1/163، 166) والمشكاة (524) والحلية لأبي نعيم

(7/335) .

(2)

قوله: " سعيد " وردت " بالأصل "" عيسى "، والصحيح ما أثبتناه.

ص: 606

وحبيب بن الشهيد، وهشام بن حسان، وعوف الأعرابي، وأشعث بن عبد

الملك، وأبو حرّة عنه عن عمرو عن المغيرة، واختلف عن يونس بن/عبيد،

فرواه هشيم عن يونس عن عمرو عن المغيرة، وتابعه الفرياني عن الثوري فقال:

عن يونس بن سيرين عن المغيرة أسقط عمرا، ورواه حماد بن زيد عن أيوب

عن بن سيرين عن المغيرة عن عمرو بن وهب، وتابعه جرير بن حازم في ذكره

رجلا بين ابن سيرين وبين عمرو بن وهب إلا أنه لم يُكنِّه.

وقال يزيد القشيري عن ابن سيرين عن بعض أصحابه عن المغيرة: وقال

حسام بن الفضل، وأبو سهل محمد بن عمرو الأنصاري، وعبد الأعلى بن أبيِ

المنادي عن ابن سيرين عن المغيرة: لم يذكر بينهما عمرا، فالقول قول أيوب

وقتادة، ومن تابعهما، وأبي ذلك عليه أبو زرعة بقوله: ورواه بعض أصحاب

ابن عون عن محمد عن عمرو بن وهب عن رجل عن آخر عن المغيرة عن

النبي صلى الله عليه وسلم قلت لأبي زرعة: أيهما الصحيح؟ قال: عمرو عن رجل عن آخر

عن المغيرة. ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل، ورواه أبو وائل عن المغيرة.

قاله أبو الحسن يرويه عاصم بن أبي الجود، وحماد بن أبي سليمان عنه عن

المغيرة ووهما فيه على أبي وائل عن حذيفة وهو الصواب، وسئل عن حديث

أبي وائل عن المغيرة: " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على النعلين "(1)، فقال:

يرويه عبد الرزاق عن الثوري عن منصور، وحصين بن أبي وائل عن المغيرة،

وخالفه هشيم في إسناده ومتنه، فرواه عن حصين عن سالم بن أبي الجعد،

وأبي سفيان عن المغيرة، وقال فيه:" ومسح على خفيه " ولم يذكر: النعلين،

وخالفه زائدة بن قدامة، فرواه عن حصين عن سعد بن عبيدة عن المغيرة،

ورواه عبثر القاسم، وزفر، وخالد الواسطي وسليمان بن كثير عن حصين عن

الشعبي وسعد بن عبيدة عن المغيرة، ورواه الأسود بن يزيد عن المغيرة، قال

(1) صحيح. رواه الترمذي (ح/99) وقال: هذا حديث حسن صحيح. بلفظ: " توضْأ

النبي صلى الله عليه وسلم ومسح على الجوربين والنعلين ". وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود

(1/61- 62) والنسائي في رواية ابن الأحمر، وابن ماجة (1/102) كلهم من طريق وكيع

عن الثوري. ورواه البيهقي (1/383- 284) بإسنادين من طريق أبي عاصم عن الثوري.

ونسبه الزيلعي في نصب الراية (1/96) إلى صحيح ابن حبان.

ص: 607

الطبراني في الأوسط: / لم يروه عن حماد عن الأسود إلا عبد الله بن محيرز،

ورواه عبد الله بن بريدة عن المغيرة: أنه توضأ ومسح على الخفين وصلى بنا

فأقامني عن يمينه ". قال أبو القاسم في الأوسط (1) أيضا: لم يقل أحد ممن

روى هذا الحديث عن المغيرة: " وصلى بنا فأقامني عن يمينه " إلا ابن بريدة.

تفرد به عنه عبد المؤمن بن خالد، ورواه أبو السائب مولى هشام بن زهرة عن

المغيرة بزيادة: " وفي الإداوة ماء عذب ". قاله القشيري، حدّثنا عمران بن

موسى الليثي ثنا محمد بن سيرين ثنا سعيد بن أبي عروبة عن نافع عن ابن

عمر: " أنه رأي سعد بن مالك وهو يمسح على الخفين فقال: إنكم تغفلون

ذلك، فاجتمعنا عند عمر فقال سعد لعمر: افت عن المسح على الخفين، فقال

عمر: كنّا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نمسح خفافنا لا نرى بذلك بأسا، فقال

ابن عمر: وإن جاء من الغائط؟ قال: نعم ". هذا حديث رواه (2) البخاري

من حديث أبي سلمة عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن النبي

صلى الله عليه وسلم: " أنه مسح على الخفين وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك،

فقال: نعم، فقال: إذا حدثك سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تسأل عنه غيره ".

قال البخاري: وقال موسى بن عقبة: أخبرني أبو النضر أنّ أبا سلمة أخبره

أن سعدا قال عمر لعبد الله: نحوه، وأشار البخاري إلى رواية أبي سلمة عن

سعد، وقال الترمذي في العلل: قال محمد: حديث أبي سلمة عن ابن عمر

في المسح صحيح، وحديث محمد بن سعد في المسح أرجو أن يكون

صحيحا، ورواه الإسماعيلي في مستخرجه من حديث الفضيل بن سليمان عن

(1) صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(2/95) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط "

ورجاله ثقات.

(2)

صحيح. رواه البخاري في: 4- كتاب الوضوء، 48- باب المسح على الخفين، (ح/

202) . وفتح الباري: (1/365) . ورواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 84- باب

ما جاء في المسح على الخفين، (ح/546) .

في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وهو في صحيح البخاري بغير هذا السياق، إلا أن

سعيد بن أبي عروبة كان يدلس. ورواه بالعنعنة، وأيضا قد اختلط بآخرة.

ص: 608

موسى بن عقبة أخبرني أبو النضر أن أبا سلمة أخبره أن سعدا حدثه: " أن

رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ".

وعنده أيضا من رواية عبد العزيز أنّ المختار عن ابن عقبة قال: حدثني أبو

النضر عن أبي سلمة عن سعد/حدثنا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء على

الخفين: " أنه لا بأس بالوضوء على الخفين "(1) . قال: وحديث أبو سلمة أن

عبد الله بن عمر حدثه سعد أن عمر قال لعبد الله: " كان يلزمه إذا حدثك

عن النبي صلى الله عليه وسلم وراء حديثه شيئا ".

وفي تاريخ ابن أبي خيثمة من حديث عاصم عن سالم عن ابن عمر قال:

" رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين بالماء في السفر ". وفي كتاب الإِمارات

لأبي بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ثنا أحمد بن شيبان ثنا

سفيان عن عبد الله بن دينار سمعت ابن عمر سألت عمر بن الخطاب: أيتوضأ

أحدنا ورجلاه في الخفين؟ قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان " (2) . وفي

حديث سالم عن ابن عمر أن سعدا سأل عمر عن المسح، فقال عمر:

" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالمسح على ظهر الخف للمسافر ثلاثة أيام

والمقيم يوم وليلة " (3) . وفي مسند مسدد ثنا خالد بن عبد الله ثنا يزيد بن أبي

زياد عن عاصم بن عبيد الله عن أبيه أو عمه عن عمر: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم

بعد الحدث توضأ ومسح على الخفين " (4) . زاد النيسابوري من حديث الزهري

عن حميد عن ابن عمر قال: " قدمت الكوفة فرأيت سعدا يتوضأ على الخفين

(1) صحيح. رواه ابن عساكر: (6/115) .

(2)

صحيح. رواه الشافعي في " المسند "(ح/17) والحميدي في " المسند "(ح/758) والفتح

(1/309) .

(3)

صحيح. رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، 71- باب المسح على الخفين للمسافر

والمقيم، (ح/75) من حديث خزيمة بن ثابت مرفوعا، ولفظه: " أنه سُئل عن المسح على

الخفين؟ فقال: للمسافر ثلاثة، وللمقيم يوم ". وفي بعض النسخ: " وللمسافر ثلاثة أيام،

وللمقيم يوما وليلة ". والحديث حسن صحيح.

(4)

راجع، مجمع الزوائد:(1/255، 257) .

ص: 609

فنهيته عن ذلك، فقال: إذا رجعت إلى أمير المؤمنين فسله عن ذلك، فسألته

عن ذلك حين قدم سعد حاجا، فقال عمر: نعم وإن جئت من الغائط " (1) .

ولفظ شيبان عن يحيى عن أبي سلمة: " إذا توضأ أحدكم ثم يخفف

فليمسح على الخفين، وإن جاء من الغائط "، ولفظ النعمان بن سالم: " أصاب

سعد "، وفي حديث أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن عمر قال لأبيه:

فإنه- يعني سعدا- قد أصاب وأخطأت، وإن زعم أنفك من لبس خفيه

ورجلاه طاهرتان فله يوم إلى الليل حتى ينزعهما على فراشه، وللمسافر/ثلاثة

أيام. وفي لفظ: فقال عمر: " عمك أعلم بالسنة منك "، وفي لفظ: " سعد

يأبي أنفه عنك ". وقال أبو الحسن الدارقطني: وسئل عنه فقال: هو حديث

رواه أبو النضر عن أبي سلمة، واختلف عنه، فرواه أبو أيوب الأفريقي وابن

علاء عن أبي النّضر عن أبي سلمة عن ابن عمرو أسنداه عن عمر وسعد عن

النبي، ورواه عمرو بن الحرث عن أبي النضر عن أبي سلمة عن ابن عمر عن

سعد وحده أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأنّ ابن عمر سأل إياه فقال: " إذا حدثك سعد

فلا تسل عنه غيره ". ورواه موسى بن عقبة، واختلف عنه فقال: عبد

العزيز بن المختار، وعبد العزيز بن أبي حازم عن موسى بن عقبة عن أبي النّضر

عن أبي سلمة عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف على ابن أبي حازم فقال:

سهل بن صغير عنه عن موسى عن أبي النضر عن أبي سلمة عن ابن عمر عن

سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا قال ابن لهيعة عن أبي النضر، وقال وهيب:

(1) راجع، سنن ابن ماجة:(ح/ 546) بلفظ: " عن ابن عمر، أنه رأى سعد بن مالك

وهو يمسح على الخفين، فقال: إنكم لتفعلون ذلك؟ فاجتمعنا عند عمر. فقال سعد لعمر:

افت ابن أخي في المسح على الخفين. فقال عمر: كُما ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نمسح على

خفافنا، لا نرى بذلك بأسا، فقال ابن عمر: وإن جاء من الغائط؟ قال: نعم ".

في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وهو في صحيح البخاري بغير هذا السياق. إلا أن

سعيد بن أبي عروبة كان يدلس. ورواه بالعنعنة، وأيضا قد اختلط بآخرة. وبلفظه: رواه

سالك في: 2- كتاب الطهارة، باب " 8 "، (ح/ 42) .

قلت: وهذا حديث صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني.

ص: 610

وفضل بن سليمان، وإسماعيل بن جعفر والدراوردي عن موسى بن عقبة عن

أبي النصر عن أبي سلمة عن سعد ولم يذكروا ابن عمر، وقال الحماني: عن

الدراوردي عن موسى بن عقبة عن أبي النضر عن أبي سلمة عن بسر بن

سعيد عن سعد، ووهم في ذكر بسر، وقال كريم بن موسى: فضل بن

سليمان عن موسى بن عقبة عن أبي النّضر عن عامر بن سعد، والصواب من

ذلك قول عمرو بن الحرث، ومن تابعه عن أبي النّضر، قال: ورواه عن ابن

عمر جماعة فرفعه بعضهم ووقفه آخرون، فرواه نافع عن ابن عمر فممن رفعه

عنه أيوب من رواية ابن أبي عروبة ومعمر وعبد الله بن الزبير الباهلي، ووثقه

غيرهم عن أيوب، ورواه شريك عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر

عن النبي صلى الله عليه وسلم حدّث به عبد العزيز بن أبان عن/شريك ولم يأت به غيره،

وأسنده أيضا عكرمة عن عمار عن نافع من رواية عنبسة بن عبد الواحد،

وخالفه النّضر بن محمد، فرواه عن عكرمة بن عمار ولم يصرّح برفعه، وقال

فيه: فإنه من السنة، ورواه عبد الله بن عمر العمري وأيوب عن نافع عن ابن

عمر موقوفا، وتابعهم محمد بن أبي حميد المدني عن نافع فرفعه أيضا إلى

النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أبو بكر بن أبي الجهم عن ابن عمر عن عمر عن النبي-

عليه السلام حدّث به أبو حنيفة عنه وأبو بكر النخشلي، ورواه سالم بن

عبد الله عن أبيه عن عمر موقوفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حدّث به عنه كذلك

عاصم بن عبد الله بن عمر. قال ذلك الحسن بن صالح عن عاصم، وخالفه

يزيد بن أبي زياد واختلف عن يزيد فقال: خالد بن عبد الله الواسطي عنه

عن عاصم بن عبد الله عن أبيه عن جدّه عن عمر قال ابن فضيل: عن

يزيد بن أبي زياد عن عاصم عن أبيه عن جدّه عمر، وقال شريك: عن

عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، أو عن عمر، واختلف عن

شريك فقال عنه أبو داود الطيالسي قولا أخر عن عاصم عن أبيه عن عمر،

والاضطراب في هذا من عاصم؛ لأنه كان سيء الحفظ، ورواه أشرس بن

عبيد عن سالم عن أبيه عن عمر موقوفا غير مرفوع، ورواه خالد بن أبي بكر بن

عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن سالم عن أبيه عن عمر، وأعرف فيه بألفاظ

ص: 611

لم يأت بها غيره ذكر فيه المسح، وقال فيه: على ظهر الخف، وذكر فيه الوقت

ثلاثا للمسافر، يوما وليلة للمقيم. وخالد بن أبي بكر العمري هذا ليس بقوي،

قاله زيد بن الحباب عنه، وفي علل الخلال علي بن حجير وأحمد بن حنبل

عن المسح على أعلى الخف وأسفله، فقال:- يعني: نوح بن حبيب- لأحمد:

يأخذ بحديث عمر قال أبي: حديث هو قلت: حدثنا زيد بن الحباب عن

خالد بن أبي بكير وذكرت هذا الحديث فضحك- يعني: أبا عبد الله- ثم

قال: أعد. فأعدت، فقال: أعد، وقال: لم أسمع منه هذا الحديث.

وقال زياد بن أيوب: سألت أحمد عن المسح على الخفين،/فقال: إّنما هو

أعلاه وأكثر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح أعلاه وأسفله، وليس ذلك

ثابت عنه، قال الدارقطني: ولفظه في الإفراد: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا

أحصيه يمسح على الخفين، وذكر شراك النعل " (1) .

وقال: تفرد به معاوية بن عطاء عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عنه،

يعني: عن ابن عمر غيره، ورواه حصين بن عبد الرحمن عن محارب بن دثار

عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قاله سويد بن عبد العزيز عن حصين

وخالفه هشيم، فرواه عن حصين موقوفا، ورواه أبو سلمة عن عبد الرحمن عن

ابن عمر، واختلف عنه خرجاه أبو النضر سالم عن أبي سلمة عن ابن عمر عن

عمر، وسعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك أبو أيوب الإفريقي، وابن لهيعة عن أبي

النّضر، واختلف عنه فقال: عبد العزيز بن المختار عن موسى عن أبي النّضر عن

أبي سلمة عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عمر موقوفا، وقال وهب: عن

موسى عن أبي النّضر عن أبي سلمة عن ابن عمر قال: قال عمر: " إذا

حدثك سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تشكّ فيه ". وقال له الفضيل بن سليمان:

(1) أورده العقيلي في الضعفاء الكبير: (4/185) . في ترجمة معاوية بن عطاء البصري. قال

العقيلي: كان يرى القدر. عن الثوري وغيره في حديثه مناكير وما لا يُتابع على أكثره. وقال

بعد رواية هذا الحديث: " وهذه كلها بواطيل لا أصول لها ".

ص: 612

عن موسى (1) عن أبي النّضر عن أبي سلمة قال: حدث سعد ولم يذكر فيه

ابن عمر، وقال عمرو بن الحرث، وابن لهيعة: عن أبي النّضر عن أبي سلمة

عن ابن عمر عن سعد، وقيل: عن ابن لهيعة عن أبي النّضر عن بسر بن

سعيد، وقال أبو إسحاق السبيعي: عن أبي سلمة عن ابن عمر عن عمر،

وسعد موقوفا عليها غير مرفوع. قال ذلك يونس بن أبي إسحاق وأبو

الأحوص، وقال شعبة: عن أبي إسحاق عن أبي سلمة عن ابن عمر قوله لم

يجاوز به ابن عمر، ورواه الزهري عن حميد بن عبد الرحمن وسالم بن عبد

الله عن ابن عمر وسعد وقولهما غير مرفوع، ورواه عبد الله بن دينار

وأصحاب نافع عمن تقدّم ذكره، والحكم بن الأعرج، وأبو حازم الأشجعي عن

الشعبي، وخيثمة بن عبد الرحمن، والنعمان بن سالم، وميمون بن مهران عن

ابن عمر عن عمر، وسعد وقولهما غير مرفوع، والله تعالى أعلم.

حدثنا أبو مصعب المدني ثنا عبد المهيمن بن إلياس بن سهل الساعدي عن

أبيه عن جدّه: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين. وأمرنا بالمسح على

الخفين ". هذا حديث إسناده ضعيف بعبد المهيمن المذكور، قيل: وقد يقع لنا

هذا الحديث من طريق صحيحة ذكرها الحافظ أبو علي بن السكن فقال:

حدثنا أبو عبد الله القاسم بن إسماعيل، ويحيى بن محمد بن صاعد،

ومحمد بن محمد بن بدر، والحسن بن محمد قالوا: ثنا يعقوب بن إبراهيم

الدورقي ثنا عبد العزيز بن أبي حاتم عن أبيه قال: رأيت سهل بن سعد يبول

بول الشيخ الكبير، فكاد أن يسبقه، وإنّما توضأ ومسح على خفيه فقلت: ألا

تنزع هذا؟! فقال: لا، رأيت خيرا مني ومنك يفعل هذا، رأيت رسول الله

صلى الله عليه وسلم يفعله. ومن طريق أخرى جيّدة ذكرها القاضي أبو الطاهر الذهلي في

التاسع عشر من حديثه فقال: حدثنا موسى بن هارون عن قتيبة عن شعبة عن

يعقوب عن أبي حازم أنه رأى سهل بن سعد

فذكر الحديث، وطريق أخرى

ذكرها أبو جعفر البغوي في مسنده عن حسين بن محمد عن أبي غسان عن

(1) قوله: " موسى " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه من " الثانية ".

ص: 613

أبي حازم أنه نظر إلى سهل بن سعد يبول قائما فمسح على خفيه

الحديث،

ورواه أيضاً الطبراني من حديث عبد الله بن عمر بن أبان ويحيى الحماني ثنا

عبد العزيز بن أبي حازم سمعت أبي يقول: رأيت سهلا يذكره رواه عن

الفضيل بن أبي روح عن ابن أبان وعن أبي جعفر القاضي عن الحماني، ورواه

أبو بكر النيسابوري في كتاب الإمارات عن أحمد بن منصور ثنا ابن أبي/

مريم وابن الصباح قالا: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن حدّثني أبو حازم قال:

رأيت سهل بن سعد يبول قائما وقد كان كبير حتى لا يكاد قال: يبعد منه،

قال: ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على خفيه. قال: قلت: ألا تنزع خفيك؟! قال:

قد رأيت من هو خير منك يصنع ذلك. واللفظ لابن مريم، وثنا أحمد ثنا

سعيد بن سليمان ثنا عبد الحميد بن سليمان سمعت أبا حازم به ولفظه: " من

هو خير مني ومنك يصنع.

حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا عمر بن عبيد الطنافسي ثنا عمر بن

المثني عن عطاء الخراساني عن أنس بن مالك قال: " كنت مع رسول الله

صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: هل من ماء فتوضأ ومسح على خفيه ثم لحق بالجيش

فأمهم " (1) . هذا حديث في إسناده ثلاث علل: الأولى: ضعف رواية أبي

أيوب، وقال أبو عثمان: ويقال أبو محمد، ويقال: أبو صالح، ويقال: أبو سعيد

عطاء بن أبي مسلم عبد الله، ويقال: ميسرة الخراساني الأمردي البلخي الشامي

المهلبي لنسيه لولا أن أبي سفره وهو وإن كان مسلم قد روي حديثه، ووثقه

ابن معين، وأبو حاتم الرازي، والدارقطني فقد كذبه سعيد بن المسيب، وقال

ابن حبان: كان سيء الحفظ، يخطيء، ولا يعلم، فبطل الاحتجاج به، وذكره

الباجي والفضيل في كتاب الضعفاء. الثانية: الانقطاع ما بين عطاء وأنس بن

مالك. قاله أبو زرعة الرازي فيما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل، وقيل

(1) ضعيف. رواه ابن ماجة (ح/548) . في الزوائد: هذا إسناد ضعيف منقطع. قال أبو

زرعة: عطاء الخراساني لم يسمع من أنس. وقال العقيلي: عمر بن المثنى حديثه غير محفوظ.

وأحمد (4/246، 5/302) ومشكل (3/179) والكنز (17617) .

وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/119) .

ص: 614

لابن معين،: لقى عطاء أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال لا أعلمه. الثالثة:

الجهالة بحال عمر فإني لم أر أحداً ذكرها، والله أعلم.

وقد وقع لنا هذا الحديث إسناد صحيح لا يطعن في أحد من رجاله ذكره

أبو عبد الرحمن النسائي، فقال: أنبأ قتيبة أبنا أبو عوانة عن أبي يعفور زياد بن

عبد الله أنبأ أنس بن مالك قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على

الخفين " (1) . ثنا محمد بن إسحاق ثنا نعيم بن الجهم ثنا أبو عوانة عن أبي

يعفور فذكر مرفوعا قال: سألت أنسأ عن المسح على الخفين فقال: " كان

رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عليهما "، ورواه أبو القاسم في الأوسط بإسناد لا بأس

به، ولما ذكره البزار قال: لا يعلم روي أبو يعفور عن أنس غير هذا الحديث،

وأما قول البخاري: وسأله عنه الترمذي. أخطأ فيه قتيبة والصحيح عن أنس

موقوفا فيه وجدنا لقتيبة تابعا، ولحديثه شاهدا، وهو ما ذكره بحشل في

تاريخه: ثنا على بن يونس ثنا عبد الحميد بن أبي داود ثنا سفيان الزيات عن

الأعمش عن أنس: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين ".

عن أبي زرعة ثنا علي بن عباس ثنا علي بن الفضل بن عبد العزيز ثنا

سليمان اليمني عن أنس: " وضأت النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر فمسح على

الخفين والعمامة "، وقال: لم يروه عن سليمان إلا علي، رواه النيسابوري في

كتاب الأبواب عن محمد بن أحمد بن الجنيد ثنا العلاء بن عبد الجبار ثنا

وهيب ثنا يحيى به، وثنا أحمد بن منصور، وثنا سليمان بن عبد الرحمن

الدمشقي ثنا مروان بن معاوية، ورواه الساجي في فوائده، ويخرج أبو النّضر

الوائلي من طريق العباس بن محمد بن العباس النصري ثنا أحمد بن صالح ثنا

يحيى بن محمد ثنا إسماعيل بن ثابت بن مجمع عن يحيى بن سعيد عن

أنس: أنه مسح على الخفين، وذكر أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين،

قال الوائلي: وهذا غريب جدا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس

لم يسده عنه فما قيل غير إسماعيل هذا أو أبي ذلك الحافظ أبو بكر البزار؛

فإنّه لما رواه عن أحمد بن الوليد البزار أنبأ يحيى بن محمد الجاري ثنا

(1) تقدّم من أحاديث الباب ص 609.

ص: 615

يعقوب بن إسماعيل عن يحيى بن سعيد عن أنس قال: وهذا الحديث لا نعلم

رواه غير يحيى بن سعيد عن أنس إلا يعقوب، ورواه الدراوردي عن يحيى بن

سعيد/عن سعيد بن رقيش عن أنس، والله أعلم. ورواه أبو القاسم عبد الله

محمد بن يحيى بن أبي عمر العدي في مسنده عن مروان بن معاوية الفزاري

ثنا زياد بن عبيدة ثنا أنس بن مالك قال: " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم أسير في

غلس، فقال لي: هل في إداوتك من ماء؟ فقلت: نعم. قال: فتنحّى عن

الطريق، ثم توضأ ومسح على خفيه، فلما أراد أن يمسح عليهما طأطأت رأسي

لأنظر فقال: هو ما رأيت، ومسح على خفّيه " (1) .

وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله- يعني: أحمد بن حنبل- حدثوني عن

الحسن بن الربيع عن أبي شهاب الحافظ عن عاصم الأحول عن أنس قال:

" مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين "، فقال: ليس بصحيح إنّما هو عن أنس

أنّه كان يمسح وكان يقول: ثنا أصحابنا، وقال: هو عن عاصم عن أنس موقوفا

قلت: يخاف أن يكون من الحسن بن الربيع قال: نعم. قلت: ابن شهاب.

قال: ثبت وليس هذا من ابن شهاب. قلت لأحمد: ثنا شاذان ثنا زهير أبو

خيثمة عن وهب بن عقبة عن محمد بن سعيد الأنصاري عن شعبة: " أنّ

أنسا أتى المهراس فبال قائما، ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم توجه إلى الصلاة

أو أتى المسجد فقلت: فعلت شيئا منكر. فقال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم

تسع سنين يفعل ذلك " (2) . فقال أحمد: ليس بصحيح، وهذا كذب وسألته

عن وهب بن عقبة فقال: ليس به بأس، وسألته عن محمد بن سعيد الأنصاري

فقال: لا يعرف. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الحسن بن

الربيع عن ابن شهاب عن عاصم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح فقال:

هذا خطأ؛ إنّما هو عاصم عن رشدين يحتج قال: رأيت الماسح على الخفين

(1) رواه ابن ماجة مختصرا، وتقدّم من أحاديث الباب.

(2)

انظر الكامل: 6/2142. في " الموطأ " (ص 37، ح/44 من كتاب الطهارة) وجدته

بلفظ: " رأيت أنس بن مالك أتى قباء فبال، ثم أتى بوضوء فتوضأ، فغسل وجهه ويديه إلى

المرفقين، ومسح برأسه، ومسح على الخفين، ثم جاء المسجد فصلْى ".

ص: 616

فعله. انتهي. ورواه مالك في موطئه (1) عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش

قال: " رأيت أنسا فذكره من فعله عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسح على

الخفين للمسافر ثلاث وللمقيم يوم وليلة ". أنبأ بذلك الإمام/المسند المعمر أبو

الحسن علي بن إسماعيل بن إبراهيم قراءة عليه وأنا أسمع أنبأ الإمام الحافظ أبو

الحسين يحيى بن عبد الله القرشي أنبأ أبو الطاهر إسماعيل بن صالح بن ياسين

الشعبي قراءة عليه أبنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي الفارسي أبنا أبو

أحمد عبد الله بن الناصح ثنا أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد العافر المروزي

ثنا الهيثم بن خارجة ثنا سعيد بن ميسرة، فذكره، ورواه حميد عن أنس من

جهة عنبس بن ميمون، قال: الخيري غيره أوثق منه وحديثه هذا منكر.

حدّثنا علي بن محمد ثنا وكيع ثنا دلهم بن صالح الكندي عن حجير بن

عبد الله الكندي عن ابن بريدة عن أبيه: " أنّ النجاشي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم

خفين ساذجين أسودين، فلبسهما ثم مسح عليهما ". هذا حديث خرجه ابن

ماجة (2) أيضاً في كتاب اللباس، وقد سبق ذكرنا له، وعند مسلم (3) في باب

الصلاة بوضوء واحد من حديث سفيان عن علقمة عن سليمان، عن أبيه وأنّ

ابن مندة قال: هذا إسناد صحيح على رسم الجماعة إلا البخاري لسليمان،

انتهى كلامه. وفيه نظر؛ من حيث أنّ ابن بريدة هذا قيل أنّه عبد الله لما رواه

(1) رواه مالك في: 2- كتاب الطهارة، 8- باب ما جاء في المسح على الخفين، (ح/

44) ولفظه: وحدثني عن مالك، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقيش؛ أنه قال: رأيت

أنس بن مالك أتى قبا فبال، ثم أتى بوضوء فتوضأ، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح

برأسه، ومسح على الخفين، ثم جاء المسجد فصلى.

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 84- باب ما جاء في المسح على

الخفين، (ح/549) . وصححه الشيخ الألباني.

قوله: " ساذجين " في المعرب. والساذج فارسي معرب. وفي حاشية؛ في القاموس " الساذج معرب سادة "

وفي اللسان: حجة ساذِجة وساذجة، غير بالغة. قال ابن سيده: أراها غير عربية؛ إنّما يستعملها أهل الكلام

فيما ليس ببرهان قاطع. وقد يستعمل في غير الكلام والبرهان. وعسى أن يكون أصلها (سادة) فعربت

كما اعتيد مثل هذا في نظيره من الكلام المعرب.

(3)

صحيح. رواه مسلم في: 2- كتاب الطهارة، 25- باب جواز الصلوات كلّها بوضوء

واحد، (ح/86) .

ص: 617

أبو داود (1) من حديث مسدد وأحمد بن أبي شعيب ثنا وكيع ثنا دلهم به

قال: هذا مما تفرد أهل البصرة إسناده، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن إنّما

نعرفه من حديث دلهم، ورواه محمد بن ربيعة عن دلهم، وخرّجه الإمام

أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، وخالف

ذلك حين سأله الميموني عنه فقال: هذا حديث منكر، قال ابن عبد الله: لا

أعرفه في غير هذا ودلهم بن صالح كوفي منكر الحديث، وقال: يقول في

حديث ابن بريدة حجر، ثم قال: حجير، وقال أبو الحسن الدارقطني حين

ذكره في باب عبد الله: تفرد به حجير بن عبد الله عن ابن بريدة ولم يروه

عنهم غير دلهم، وفي بابه خرجه أبو القاسم بن عساكر،/وذكر الحافظ أبو

بكر البيهقي له شاهدا من حديث المغيرة بن شعبة: " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم توضأ

ومسح على خفيه، فقال له رجل: يا مغيرة ومن أين كان للنبي صلى الله عليه وسلم خفان؟

فقال المغيرة: أهداها له النجاشي ". وفي علل الدارقطني دحية بن خليفة

وسيأتي الكلام عليه معولا في كتاب اللباس، إن شاء الله تعالى. وقول أبي

عيسى: ورواه محمد بن ربيعة عن دلهم- يعني: بذلك ما أنبا به الإمام

المسند أحمد بن منصور بن إبراهيم- أبنا العلامة أبو العباس بن شيبان الشيباني

وغيره أبنا المعمر عمر بن معمر أبنا أبو الحسن محمد بن محمد بن أحمد

الصائغ أبنا أبو القاسم عبد الله بن الحسن الخلال قال: قرئ على أبي القاسم

عبد الله بن أحمد بن علي بن الحسن الصيدلاني أخبركم أبو بكر عبد الله بن

محمد بن زياد النيسابوري- رحمه الله تعالى- ثنا علي بن إسكاب ثنا

محمد بن ربيعة ثنا دلهم بن صالح عن حجير، فذكره بزيادة ومسح عليها

وصلى قال النيسابوري: وثنا محمد بن علي الوراق ثنا عبيد الله بن موسى ثنا

دلهم بن صالح به.

(1)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 65- باب الرجل يصلى الصلوات

بوضوء واحد، (ح/172) .

ص: 618

‌54- باب في مسح أعلى الخف وأسفله

حدثنا هشام بن عمار ثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد عن رجاء بن

حيوة عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة: " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح أعلى

الخف وأسفله " (1) . هذا حديث قال أبو داود في تخريجه: وبلغني أنّ ثوراً لم

يسمع هذا الحديث من رجاء، وقال أبو عيسى في كتاب العلل: وسألت

محمدا عن هذا الحديث فقال: لا يصح هذا روي عن ابن المبارك عن ثور بن

(1)

رواه الترمذي (ح/97) وقال الترمذي: وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا

الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا الحديث عن ثور عن رجاء بن حيوة

قال: حُدثت عن كاتب المغيرة: مُرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيه المغيرة.

ورواه الشافعي في مختصر المزني (1/50) عن ابن أبي يحيى عن ثور بن يزيد، ورواه أبو داود

(ح/165) وابن ماجة (ح/550) وفي الزوائد: الوليد مدلس، وثور ما سمع من رجاء بن

حيوة. وكاتب المغيرة أرسله، وهو مجهول. أجيب عنه بأن الوليد قال: حدثنا ثور، فلا

تدليس. وسماع ثور قد أثبته البيهقي، وصرح بان ثورا قال: حدثنا يرجاء، وكاتب المغيرة وذكر

المغيرة، فلا إرسال، وكاتب المغيرة اسمه وراد، كما صرح به ابن ماجة، وكنيته أبو سعد.

روى عنه الشعبي وغيره. ورواه ابن الجارود (ص 48) والدارقطني (ص 71) والبيهقي (1/

290) كلهم من طريق الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد، وقال أبو داود: " بلغني أنه لم يسمع

ثور هذا الحديث من رجاء ". وقال الدارقطني: " رواه ابن المبارك عن ثور قال: حدثت عن

ثور عن كاتب المغيرة ". وكذلك نقل البيهقي عن الدارقطني. وقال ابن حجر في التلخيص

(ص 58) : " قال الأثرم عن أحمد: إنّه كان يضعفه ويقول: ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي

فقال عن ابن المبارك عن ثور: حدثت عن رجاء عن كاتب المغيرة، ولم يذكر المغيرة. قال

أحمد: وقد كان نعيم بن حماد حدثني به عن ابن المبارك كما حدثني الوليد بن مسلم به عن ثور، فقلت له: إنما يقول هذا الوليد، فأما ابن المبارك فيقول: حدثت عن رجاء، ولا يذكر

المغيرة؟ فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أسأل عنه، فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق فإذا

فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم عن المغيرة، فأوقفْته عليه وأخبرته أن هذه زيادة في

الإِسناد لا أصل لها، فجعل يقول للناس بعد، وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث ".

فكلام أحمد وأبي داود والدارقطني يدل على أن العلة أن ثورا لم يسمعه من رجاء، وهو ينافي

ما نقله الترمذي هنا عن البخاري وأبا زرعة: أن العلة أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة.

قلت: وقد ضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/120) ، وضعيف أبي داود

(ح/22) .

ص: 619

يزيد قال: ثنا عن رجاء بن حيوة كاتب المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وضعّف

هذا، وسألت أبا زرعة فقال: نحوا مما قال محمد، وقال في الجامع: هذا

حديث معلول لم يسنده عن ثور غير الوليد بن مسلم وكذلك ذكره الإمام

أحمد/فيما حكاه عنه إلا يزيد. قال: وسمعت أبا عبد الله يضعف وذكر أنّه

ذكره لابن مهدي بذكره كذلك مسندا من وجهين حديث عن رجاء وأرسله

فلم يسنده، قال: وقد كان نعيم بن حماد حدثني هذا عن ابن المبارك حدّث

به الوليد، فقال: عن ثور عن رجاء عن كاتب المغيرة عنه. فقلت له: إنّما يقول

الوليد هذا: أنا ابن المبارك. فيقول: حدثت عن رجاء ولا يذكر المغيرة. فقال:

هذا حدّثني الذي أنقل عنه، وأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق، وإذا فيه

ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم عن المغيرة فوثّقه عليه، وأخبرنه بأنّ هذه

زيادة في الإسناد لا أصل لها، فجعل يقول للناس بعد: اضربوا على هذا

الحديث وقال أبو الحسن: وحديث رجاء الذي ذكر فيه أعلى الخف وأسفله لا

يثبت؛ لأنّ ابن المبارك رواه عن ثور مرسلا، وضعّف الإمام الشّافعي هذا

الحديث فيما حكاه في المعرفة يكون رجاء لم يسم كاتب المغيرة، قال

البيهقي: وفيه نوع آخر من التضعيف وهو أنّ الحفاظ يقولون: لم يسمع ثور

هذا من رجاء، وفي رواية محمد بن العباس النسائي عنه لم يلق رجاء ورادا،

وقال أبو علي الطوسي في الأحكام: يقال: هذا حديث لا يصح، وقال

البخاري في الأوسط: وزاد كاتب المغيرة يقال: مولاه ثنا إبراهيم بن موسى عن

الوليد عن ثور عن رجاء عن كاتب المغيرة عن المغيرة، وقال أحمد بن حنبل

أنبأ ابن مهدي ثنا ابن المبارك عن ثور حديث عن رجاء عن كاتب المغيرة-

ليس فيه المغيرة- ثنا محمد بن الصباح ثنا ابن أبي الزياد عن أبيه عن عروة بن

الزبير عن المغيرة: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه ظاهرهما "(1) ،

(1) ضعيف. المنتقى (ح/ 85) . وفي سنن ابن ماجة: 1- كتاب الطهارة، 85- باب في

مسح أعلى الخف وأسفله، (ح/ 550) بلفظ:

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله ". من طريق الوليد بن مسلم، وفي الزوائد: الوليد مدلس، وثور ما سمع من رجاء بن حيوة، وكاتب المغيرة أرسله وهو مجهول. أجيب

عنه با الوليد قال: حدثنا ثور، فلا تدليس، وسماع ثور قد أثبته البيهقي وصرح بأن ثورا قال:

حدثنا رجاء. وكاتب المغيرة ذكر المغيرة، فلا إرسال، وكاتب المغيرة اسمه وراد، كما=

620

ص: 620

وهذا أصح، ولما ذكره أبو محمد بن حزم ضعفه، وقال: أخطأ فيه الوليد في

موضعين، ثم ذكر ما تقدّم من كلام الأئمة ثم قال: فصح أن ثورا لم يسمعه

عن رجاء وأنه مرسل لم يذكر فيه المغيرة، وقال أبو عمر بن عبد البرّ: لم

يسمع ثور هذا الحديث من رجاء،/وقد ذكر ابن الجوزي في كتاب التحقيق

أن الوليد دلّس هذا مجموع ما أعلّ به، ولقائل أن يقول الحديث الذي

ذكره الدارقطني يرد قول من قال عن ثور حديث عن رجاء؛ لكونه صرح به

وهو ثقة، بسماعه لهذا الحديث من رجاء وهو قوله: ثنا عبد الله بن محمد ثنا

داود بن رشيد عن الوليد عن ثور ثنا رجاء به، وبما عضده من قول العلماء أنه

سمع منه، وأمّا من أعله بالتدليس فقوله مردود بما رواه أبو داود في سننه: ثنا

موسى بن مروان ومحمد بن خالد الدمشقي المعنى قال: ثنا الوليد قال

محمود: أنبأ ثور بن يزيد عن رجاء به، وكذا صرّح به أيضاً الترمذي في

كتاب العلل، وأمّا من أعله بالجهالة بكاتب المغيرة واسمه فليس بشيء أيضاً؛ لما

في كتاب ابن ماجة من تصريحه باسمه، ولما أسلفناه من عند البخاري، وأيضا

وليس معروفا بكتابته غيره وهو ممن لا يسأل عن حاله، وأمّا قول الحافظ

القشيري بأنّ هذه العلّة أثارها بعض المتأخرين: فنسبه أنه لم ير كلام الشّافعي؛

لأن أبا نعيم ذكره في بابه ومن أسلفناه من المتقدمين، والله أعلم، فعلى هذا

يكون حديثا لا بأس به؛ بل لو صحح إسناده لكان بذلك جديرا على أنا قد

رأينا لنا في ذلك سلفا وقدوه، وهو أبو محمد بن الجارود يذكره له في منتقاه،

وقد ذكر الشيخ جمال الدين المزي له إسنادا آخر فقال: ورواه إسماعيل بن

إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك عمير عن وراد، وفي باب كيفية المسح

أحاديث فمن ذلك حديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان يمسح على ظهر

الخفين ". ذكره الترمذي (1) وحسنه، وفي حديث علي: " لو كان الدين

صرح به ابن ماجة، وكنيته أبو سعيد. روى عنه الشعبي وغيره.

وضعفه الشّيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/120) ، وأبو داود (ح/22) ، والمشكاة (521) .

(1)

حسن. رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، 73- باب ما جاء في المسح على أعلى

الخفين وظاهرهما. (ح/98) وقال: " حديث المغيرة حديث حسن ".

ويؤيد ذلك النووي في المجموع (1/157) وابن العربي في شرح الترمذي (1/146) =

ص: 621

بالرأي لكان باطن القدمين أجدر بالمسح " (1) ، وقد مسح النبي صلى الله عليه وسلم على ظهر

خفيه، ذكره ابن حرب محتجا به، وحديث عمر مرفوعا: " أمر بالمسح على

ظهر الخفين إذا لبسا وهما طاهرتان ". ذكره أبو بكر بن أبي شيبة في

مسنده (2) بإسناد حسن وحديث أنس: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم/بال ثم جاء حتى

توضأ ومسح على خفيه ورفع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على

خفه الأيسر ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابعه على

الخفين ". ذكره (3) البيهقي من حديث أبي أسامة عن أشعث عن الحسن عنه،

وحديث جابر: " مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يتوضأ وهو يغسل خفّه، فمسحه بيده

وقال: " إنما أمرنا بهذا، ثم أراه بيده من مقدم الخفين إلى أصل الشاق وفرّج

بين أصابعه " ذكره الطبراني في الأوسط (4) من حديث بقية عن جرير بن يزيد

= والمنذري فيما حكاه في عون المعبود (1/63) والمجدد ابن تيمية في المنتقى (1/232)

ومن نيل الأوطار: نقلوا عن الترمذي أنه قال: " حديث حسن ". قلت: الحديث رواه

البخاري في التاريخ الأوسط فيما نقله عن ابن حجر في التلخيص (ص 59) ورواه أبو داود (1/

63) كلاهما عن محمد بن الصباح عن عبد للرحمن بن أبي الزناد وعندهما كما عند الترمذي

هنا: " عن عروة بن الزبير ". ورواه الطيالسي (رقم 292) عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن

عروة بن المغيرة عن المغيرة بن شعبة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ظاهر خفْيه ". ورواه البيهقي

(1/291) من طريق الطيالسي. فاختلفت الرواية على ابن أبي الزناد عن أبيه كما ترى فقال

بعضهم: " عن عروة بن الزبير ". وقال بعضهم: " عن عروة بن المغيرة " قال البيهقي بعد

ذكر رواية الطيالسي: " كذا رواه أبو داود الطيالسي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وكذلك

رواه إسماعيل بن موسى عن أبي الزناد. ورواه سليمان بن داود الهاشمي ومحمد بن الصباح

وعلي بن حجر عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير بن المغيرة "؛ فان كانت الروايتان محفوظتين، وإلا كانت إحداهما وهما والأخرى صوابا، ولا ضرر في ذلك؛ لأنه تردد بين روايتين ثقتين: عروة بن الزبير وعروة بن المغيرة.

(1)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 62- باب كيف المسح، (ح/164) .

(2)

صحيح. الكنز: (27587) . وعزاه إليه. وصححه.

(3)

ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/256-257) وعزاه إلى الطبراني في

" الكبير " من حديث عوسجة وقال: وعوسجة بن مسلم لم أجد من ذكره إلا أن الذهبي قال:

عوسجة بن أقرم روى عن يحيى بن عوسجة حديثه في المسح على الخفين لم يصح. قاله

البخاري.

(4)

حسن. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/256) وعزاه إلى الطبراني في=

ص: 622

الحموي عن لبيد بن المنكدر عنه وقال: لا يروي هذا عن جابر إلا بهذا

الإسناد. تفرد به بقية. انتهى، وفيه نظر؛ لما ذكره حرب في سؤالاته لأحمد

ثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الجرزي ثنا زياد بن عبد الله عن الفضيل بن

ميسرة قال: " رأيت جابرا

فذكره "، وحديث أبي أمامة الباهلي وعبادة بن

الصامت: " أنهما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم يمسح أسفل الخفين وأعلاهما "(1) . ذكره

ابن وهب في مسنده عن رجل عن آخر عن رجل من رعين عن أشياخ لهم

عنهما، وفي باب مسح الخفين غير ما حدث حتى قال الإمام أحمد في رواية

الميموني عنه: فيه سبعة وثلاثون حديثا، وفي رواية الحسن بن محمد عنه ليس

في ثلثين من المسح شيء فيه أربعون حديثا عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما رفعوا

إلى النبي وما وقفوا، وقال ابن أبي حاتم: روي المسح على الخفين أحد وأربعون

صحابيا، وفي كتاب ابن المنذر: روينا عن الحسن قال: حدثني سبعون صحابيا

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين. انتهى كلامه، وفيه نظر، وقال البزار

أربعون صحابيا من ذلك حديث عمرو بن أمية الضمري المذكور عند البخاري

من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو عن أبيه أنه

أخبره: " أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين ". وحديث جابر بن عبد

الله المذكور عند أبي عيسى من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي

عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: سألت جابرا عن المسح على الخفين،

فقال: السنة يا ابن أخي، وسألته عن المسح على العمامة. فقال: أمس الشعر،

وخرجه أبو القاسم في الأوسط من حديث بقية عن جرير بن زيد الكندي عنه

بلفظ: " مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يتوضأ وهو يغسل خفيه، فنخسه بيده وقال:

إنما أمرنا بهذا ثم أزاله بيده من مقدم الخف إلى أصل الساق " (2)، وقال: لا

يروى هذا الحديث إلا هذا الإِسناد عن جابر. تفرد به بقية، وقد سبق التنبيه

عليه قبل، والله تعالى أعلم. وحديث أسامة بن شريك قال: " كنا نكون مع

رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنكون معه ثلاثة أيام ولياليها لا ننزع خفافنا ليس من

= " الأوسط " وإسناده حسن إن شاء الله.

(1)

تقدم. وراجع الترمذي (ح/97) وابن ماجة (ح/550) وكلاهما في السنن.

(2)

تقدم من أحاديث الباب.

ص: 623

جنابة، ونكون معه في الحضر يوما وليلة ونمسح خفافنا " (1) . رواه القاضي أبو

الطاهر الذهلي عن محمد بن عبدوس عن ابن حميد عن الصباح بن محارب

عن عمر بن عبيد الله بن يعلى بن مرّة عن أبيه عن جده وعن زياد بن علاثة

عنه، وسيأتي أيضا في باب التوقيت. وحديث سلمان الفارسي قال: " رأيت

رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين والعمامة " (2) . خرجه الحافظ أبو

حاتم البستي في صحيحه عن عبد الله بن أحمد بن موسى عن زيد بن الحرث

الأهوازي ثنا عبد الله بن الزبير بن معبد ثنا أيوب السختياني عن داود بن أبي

الفرات عن محمد بن زيد عن أبي شريح عن أبي مسلم عنه، وأبنا أبو خليفة

أبنا أبو الوليد الطيالسي ثنا أبو داود بن أبي الفرات عن محمد بن زيد عن أبي

شريح عن أبي مسلم مولي زيد بن صوحان قال: " كنت مع سلمان فرأى

رجلا قد أحدث وهو يريد أن ينزع خُفيه للوضوء فقال له سلمان: " امسح

عليهما وعلى عمامتك فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على خماره وعلى خفيه "،

ثم قال:/في هذا دحض لقول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمرو الضمري،

وسأل أبو عيسى محمدا عن هذا الحديث قلت: أبو شريح ما اسمه؟ قالا: ما

أدري لا أعرف اسمه ولا أعرف اسم أبي مسلم مولى زيد بن صوحان ولا

أعرف له غير هذا الحديث. ورواه عبد السلام بن حرب عن سعيد عن قتادة

وقلت: فقال عن أبي مسلم عن أبي شريح، وبنحوه قال أبو زرعة فيما حكاه

ابن أبي حاتم عنه، ولفظه في المصنف (3) : " امسح على خفيك وعلى خمارك

وبناصيتك " وأما ما زعمه المزي من أن ابن ماجة خرج هذا الحديث في سننه

(1) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/260) مختصرا، وعزاه إلى الطبراني

في " الكبير " وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى وهو مجمع على ضعفه.

(2)

صحيح. رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، 74- باب ما جاء في المسح على العمامة،

(ح/ 100) . من حديث المغيرة، وقال: وفي الباب عن عمر وابن أمية، وسلمان، وثوبان،

وأبي أمامة، وقال:" حديث للغيرة حديث حسن صحيح ".

(3)

رواه عبد الرزاق في " مصنفه "(737) والطبراني (1/336) وأحمد (6/12، 13،

14) . بلفظ: " امسحوا على الخفين والخمار ".

ص: 624

فيشبه أن يكون وهما لم أره فيما رأيت من النسخ، والله تعالى أعلم.

وحديث عبد الله بن عمر: " أنه كان يمسح على الخفين، ويقول أن رسول

الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك. رواه أبو القاسم في معجمه الأوسط (1) بإسناد صحيح عن

محمد بن عبد الرحمن بن الأردني ثنا محمد بن محمد بن إدريس الشّافعي

ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن سالم عنه وقال: لم يرو هذا الحديث

عن الزهري إلا معمر، وقال عن معمر: إلا عبد الرزاق. لفرد به محمد بن

محمد بن إدريس وقال أبو عيسى في كتاب العلل. ثنا أبو كريب ثنا محمد بن

الفضل عن الفراء بن أحنف عن عقبة بن حريث قال: سأل رجل ابن عمر عن

المسح على الخفين فقال: " أمسح، فكان ذلك نقل عن الرجل فقال: وإن بال

وإن دخلت (2) الخلاء: قال: نعم " ورفعه ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت

محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال الميموني: قلت:- يعني: لأبي عبد

الله حدثني عن سويد بن عبد العزيز عن حصين عن محارب بن زياد عن ابن

عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح فقال: ليس بصحيح أن عمر ينكر على سعد المسح

على الخفين، ولا يعرف من حديث حصين هذا من قبل سويد بن عبد العزيز

قلت: حدثوني عن الحسن بن صالح عن عاصم بن عبد الله عن سالم عن ابن

عمر أنّ النبي/صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين فقال: ليس بصحيح هذا من قبل

عاصم، ورواه أبو بكر النيسابوري في كتاب الأبواب موقوفا عليه من طريق

صحيحة ثنا الجرجاني ثنا الربيع بن وهب قال: أخبرني أسامة عن نافع أنّ عبد

الله بن عمر قال: " المسح على الخفين ظاهرهما وباطنهما بمسحة واحدة ".

ثنا الجرجاني ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريح قال: قال لي نافع: " رأيت عبد

الله بن عمر مسح عليهما بواحدة مسحة بيده كلتيهما ببطونهما وظهورهما

(1) صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/258) من حديث ابن عمر، وعزاه

إلى أحمد وأبي يعلي والبزار والطبراني في " الكبير " و" الأوسط " ورجال للبزار وأبي يعلى

ثقات. وتمام لفظه:

" عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين: للمقيم يوم وليلة وللمسافر

ثلاثة أيام ولياليهن ".

(2)

قوله: " دخلت " وردت " بالأصل "" حرمت " وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه من

الثانية.

ص: 625

وقد أهراق قبل ذلك الماء فتوضأ "، وهو في الموطأ (1) من رواية مالك عن نافع

عنه، وحديث البراء بن عازب: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يمسح قبل نزول

المائدة وبعدها حتى قبضه الله تعالى ". رواه أبو القاسم في الأوسط (2) عن

محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا سوار بن مصعب عن

مطرف بن طريف عن أبي الجهم عنه، وقال: لم يروه عن مطرف إلا سوار

ذكر أيضا حديث أبي إمامة الباهلي بنحوه، وقال: لم يروه عن سليمان بن

عامِر إلا عبيد بن معدان. تفرد به أبو جعفر العقيلي وسيأتي ذكره أيضا في

التوقيت. عن محمد بن إسحاق ثنا أبو ياسر عمار بن نصر حدثني أبو الأسود

شيخ من أهل خراسان عن عبد المؤمن- يعني: ابن خالد- عن أبي سهل-

يعني عبد الله بن بريدة- عن ابن عمر قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على

الخفين "، وحديث عبادة بن الصامت قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ

ومسح على خفيه ". رواه أبو القاسم في المعجم الكبير (3) عن محمد بن عبد

الله الحضرمي عن أحمد بن راشد عن عنبر بن القاسم عن عبيدة بن أبي عتبة

عن الحسن عنه، والحسن لم يسمع من عبادة. ذكر ذلك عبد الله بن المبارك

في تاريخه الذي قرأته على ابن أبي الفتوح المصري- رحمه الله عن ابن

الحميري أنبأ السلفي الحافظ أنبأ الشيخ أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار/

الصوفي بقراءتي عليه ببغداد أبنا أبو يعلي أحمد بن عبد الواحد بن محمد

العدل أبنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المقبري النقاش أبنا أبو العباس أحمد بن

الحصر المروزي ثنا أحمد بن عبدة ثنا أبو عبد الله بن وهب بن زمعة ثنا

سفيان بن عبد الله قال: قال عبد الله: وجاءني المعلم الذي كان في مسجد

البصريين الخفيف الشعر بكتاب، وإذا فيه حديث يبلغ به الحسن عن تسعة من

(1) صحيح. رواه مالك في: 2- كتاب الطهارة، 8- باب ما جاء في المسح على الخفين،

(ح/ 42) .

(2)

ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/257) وعزاه إلى الطبراني في

" الأوسط " وفيه سوار بن مصعب وهو مجمع على ضعفه.

(3)

ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/257) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "

من رواية أبي عتبة عن الحسن، ولم أجد من ذكره.

ص: 626

الصحابة منهم: عبادة، قال عبد الله: ومتى لقي الحسن عبادة فعلمت أنّه

باطل، وذكره عبد الله بن وهب في مسنده عن رجل من أعين عن أشياخ لهم

عن أبي أمامة الباهلي وعبادة: " أنهما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم مسح أسفل الخف

وأعلاه " (1) ، وحديث أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري- رضي الله عنه

ذكره أبو بكر بن زياد النيسابوري في كتاب الأبواب، فقال: ثنا أحمد بن

منصور ثنا محمد بن عبيد ثنا الأعمش عن علي بن مدرك عن المسيب بن

رافع قال: " رأيت أبا أيوب ينزع خفيه فنظروا إليه فقال: أمّا إني قد رأيت

رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عليهما ولكن حُبب إلي الوضوء ". هذا إسناد ظاهره

صحيح، ورواه بعضهم عن الأعمش عن المسيب عن علي بن مدرك قال:

رأيت أبا داود أيوب وليس بشيء؛ لأن عليا لم يحل أحد رؤيته للصحابة

المتأخرين فضلا عن غيرهم، ولهذا إنّ في بعض النسخ علاقة التقديم على

المسّيب، والتأخير على ابن مدرك، ورواه يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش

عن المسيب عن على بن الصلت قال: رأيت أبا أيوب وكاله اشتبه بعلي بن

مدرك، ولئن كان صحيحا فحبذا يعلى بن الصلت المذكور عند البستي في

كتاب الثقات ورواه ابن زياد أيضا عن سعدان بن نصر ثنا يزيد بن هارون

أنبأ هشام بن حسان ثنا أشعث بن سوار عن محمد بن سيرين: أن أبا أيوب

كان يأمر/بالمسح على الخفين، ويخلع فقيل له: تأمر بالمسح على الخفين،

وتخلع أنت فقال: لو أنه كان به بأس لم أمركم به فيكون لكم المسمي وعلي

المأثم لكن حُبب إلي الطهور، هذا وإن كان موقوفا ففيه علتان: الأولى:

ضعف ابن سوار، والثانية: انقطاع ما بين ابن سيرين وأبي داود نص على ذلك

هشيم، فرواه عن منصور بن زاذان عن ابن سيرين عن أفلح مولى أبي أيوب

عنه، وزاد عبدان علّة أخرى، فرواه عن المسيب عن المعتمر بن سليمان عن أبي

شعيب- يعني: الصلت بن زبير المجنون المتروك الحديث- عن ابن سرين ثنا

أفلح، وحديث سعيد بن أبي مريم عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في

الرجل يمسح على خفيه ثم يبدو له فينزعهما قال: " يغسل قدميه ". رواه

(1) تقدّم من أحاديث الباب ص 623.

ص: 627

البيهقي (1) من حديث الدالاني من حديث يحيى بن إسحاق عن سعيد، وقال

البخاري: ولا يعرف أن يحيى بن إسحاق سمع من سعيد أم لا، ولا سعيد

من صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص،

وعبد الرحمن، وقيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن الحرث ذكرهم

البيهقي- رحمه الله كذا، وحديث أبي مسعود الأنصاري: " أنّ النبي

صلى الله عليه وسلم مسح فقيل له أقبل نزول المائدة أم بعده؟ فسكت أبو مسعود " (2) ،

وحديث هزيل بن ورقاء قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين ". ذكره

العاني في كتاب الصحابة من حديث رشدين عن موسى بن علي عن أبيه عنه

وقال: لا أدري هو بديل الخزاعي أو غيره، وحديث عثمان بن عفان، وأبي

عبيدة بن الجراح، وابن عوف، وأبي الدرداء، ويزيد بن ثابت، وفضالة بن عبيد

ذكرهم ابن عبد البر، وحديث عبد الرحمن بن خالد بن سعيد بن العاص

مرفوعا ذكره النيسابوري في الأبواب. وحديث / عروة بن الزبير عن أبيه

مرفوعا رواه في الأوسط وقال: لم يروه عن القاسم بن الوليد ومجالد إلا

عبيدة بن الأسود، وتفرد به عبد الله بن عمر بن أبان، وحديث عائشة-

رضي الله عنها قالت: " ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح منذ أنزلت عليه

سورة المائدة حتى لحق الله عز وجل " (3) ، وذكره الدارقطني في سننه عن

الحسين ثنا ابن حسان ثنا بقية ثنا أبو بكر بن أبي مريم ثنا عبدة بن أبي لبابة

عن محمد الخزاعي عنها، ورواه النيسابوري في كتابه عن أحمد بن منصور ثنا

سليمان بن عبد الرحمن- يعني: المخرج- حديثه في الصحيح عن أبي بكر بن

أبي مريم، وأمّا كراهتها لذلك فحديث لا أصل له باطل. قاله الجوزجاني

وغيره، وحديث أم سعد بنت زيد بن ثابت قالت: دخلت على رسول الله

صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فمسح على خفيه فقلت: نسيت يا رسول الله؟ قال: " ولكن

أمرني ربي عز وجل بذلك " (4) . أنبا به الإمام المسند المعمر أبو العباس بن

(1) رواه البيهقي: (1/289) . (2) تقدم من أحاديث الباب.

(3)

ضعيف. رواه الحاكم (1/194) والمجمع (1/257) من حديث البراء، وعزاه إلى

الطبراني في " الأوسط " وفيه سوار بن مصعب وهو مجمع على ضعفه.

(4)

رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 58- باب المسح على الخفين، (ح/156) .=

ص: 628

إبراهيم أنبأ به شيبان- رحمه الله تعالى- ثنا عمر بن محمد أنبأ أبو الحسن

الصانع ثنا أبو القاسم الخلال ثنا أبو القاسم الصيدلاني أخبركم أبو عبد الله

محمد بن زياد النيسابوري- رحمه الله تعالى- ثنا أحمد بن ملاعب ثنا خالد

بن يزيد القرني ثنا الصباح بن بسطام عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن

زادان عنها، وبه إلى النيسابوري قال: حدثنا الزعفراني ثنا سعيد بن زكريا

المدائني عن عنبسة به، وفي كتاب ابن الأثير أن زادان لم يسمع منها بينها

عبد الله بن ماجة، وحديث عبد الله بن رواحة وأسامة بن زيد: " أنّ رسول

الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين ". خرجه أبو القاسم في الأكبر (1) من

حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عنهما،

وخرجه ابن مانع في معجم/الصحابة عن إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا أبو

مصعب عن عبد الرحمن بن زيد عن زيد عن عطاء عن أسامة وابن رواحة:

" أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل دار حمل هو وبلال فخرج إليهما بلال فأخبرهما أنّ

رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين "، وذكره تمام بن محمد في فوائده

عن أحمد بن سليمان بن أبي حازم وأبي القاسم علي بن يعقوب إبراهيم بن

أبي العقيب علي أبي الحسن بن جرير الصوري عن يعقوب بن حميد بن

كاسب قال: سمعت عبد الرحمن، فذكره عن عطاء عن أسامة عن بلال

وعبد الله زيادة والحمار، وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: حدثوني عن

عبد الرحمن عن أبيه عن عطاء عن أسامة؛ فذكر المسح، فقال: ليس بصحيح،

ولم يكن عبد الرحمن يصحح الأحاديث وهو متروك الحديث، وخّرج الحافظ

أبو بكر بن خزيمة عن ابن نافع عبد الله عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم

عن عطاء عن أسامة دخل عليه الصلاة والسلام الأسواق فذهب لحاجته ثم

خرج قال أسامة: فسألت بلالا: " ما صنع عليه السلام؟ قال بلال: ذهب

النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على

= من حديث المغيرة بن شعبة، وسكت عنه أبو داود.

قلت: وسكوت أبي داود يعني: تحسينه.

(1)

ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/257) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "

وفيه عبد الرحمن بن زيد بن سلم وهو ضعيف وعطاء بن يسار لم يدرك ابن رواحة.

ص: 629

الخفين "، قال: وسمعت يونس يقول: ليس على النبي مسح على الخفين في

الحضر عن ذلك، هذا، ولما خرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث

داود بن قيس بن مالك قال: هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجا،

وفيه فائدة من الفوائد الكبيرة وهي أنهما لم يخرجا حديث صفوان في المسح

في الحضر وذكر التوقيت فيه، والحديث مشهور بداود بن قيس وهو ممن احتج

به مسلم وحديث عوف ابن مالك قال: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسح"(1) .

ذكره أبو عيسى في كتاب العلل فقال: سألته- يعني: محمدا- عن حديث

هشيم/عن داود بن عمرو عن بشر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عنه

فقال: هذا حديث حسن، وحديث أبي بردة بن زياد النيسابوري ثنا الدمشقي

ثنا يزيد بن هارون ثنا عبد السلام بن صالح بن كثير الدارمي أبو عمرو قال:

ثنا الأزرق بن قيس الحارثي أنّه كان على شاطئ نهر بالأهواز وأنّ فيهم من

قومه رجل يرمونه برأي الخوارج، قال في رجل: عليه قباء وموزجان حتى دخل

بين حرفين من شاطئ النهر فدخل النهر فتوضأ ومسح على معروضة قال فيه

ذلك الرجل الذي كان فينا، والخوارج لا يرون المسح فقلنا: ويلك ويحك

أسمعت الرجل؟ أرأيت الرجل؟ فخرج فقام يصلي ومعه بردونة قال: فرجعت

البردونة فرجعٍ يمشي على عقبه حتى حبس البردونة، فلما رأى صاحبنا ذلك

ازداد له سباقا فقلنا له: ويحك آذيت الرجل أسمعت الرجل؟ ونحن لا نعرفه

وإذا هو أبو برزة الأسلمي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: فجاء حتى قام علينا فسلم

علي فقال: إنِّي سمعت ما قال هذا الرجل ثم حدثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم في

الرخصة في المسح على الخفين، وذكر حديثا طويلا، وحديث أبي أمامة قال:

أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر فقال: أشربها يا رسول الله؟ قال: نعم.

فشربها. قال أبو غالب: ورأيت أبا أمامة يمسح على العمامة والخفين ذكره في

الأبواب أيضا: ثنا زاج ثنا الحسين بن واقد ثنا أبو غالب به وحدثنا المرقادي

حدثنا يزيد بن هارون ثنا سليم بن حيان عن أبي غالب عن أبي أمامة قال:

" رأيته يمسح على الجوربين والعمامة "(2) ، وحديث عبد الله بن عباس- رضي

(1) تقدم من أحاديث الباب.

(2)

صحيح. راجع تعليق الإِمام الترمذي على (ح/100) ، 1- كتاب الطهارة، 74-=

ص: 630

الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح. ذكر الميموني أنه سأل أبا عبد الله فقلت:

حدثوني عن عتاب بن بشير عن خصيف عن سعيد بن جبير. قال:/ليس

بصحيح؛ إنما روي هذا خصيف عن مقسم عن ابن عباس قال: " مسح عليه

السلام ولا أدري قبل المائدة أو بعدها "، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة

وأبي عن حديث رواه عبيد بن الأسود عن القاسم بن الوليد عن قتادة عن

سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح فقال: هو خطأ؛ إنما

هو موسى بن سلمة عن ابن عباس موقوف، وقال أبو الحسن في الأفراد: تفرد

به محمد بن مسكان عن إبراهيم بن الحسن المقتسمي عن حجاج عنه عن

عطاء عنه، وفيما أوردناه قبل يرد قوله، اللهم إلا إن أراد التفرد بالنسبة إلى

طريق عطاء. وحديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على

الخفين ذكر الميموني: أنه سأل أبا عبد الله فقلت: حدثوني عن الحسن بن

عمارة عن عطية عنه، فقال: وينبغي لأحد أن يحدّث عن الحسن بن عمارة

ليس بصحيح. وحديث مسلم أبي عوسجة قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

بال ثم توضأ ومسح على خفيه ". رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب معرفة

الصحابة (1) عن سليم بن أحمد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن محمد بن

جعفر الوركاني ثنا أبو الأحوص عن سليمان ابن قرم عن عوسجة بن مسلم

عن أبيه، ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن إسحاق ثنا مهدي بن

حفص ثنا أبو الأحوص، ولفظه قالت: " سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان

يمسح على الخفين ". قال البزار: وهذا الحديث إنما يروي عن عوسجة عن أبيه

عن علي قال: " سافرت مع النبي صلى الله عليه وسلم "، وأخطأ فيه ابن مهدي فجعله

سافرت مع النبي- عليه السلام وإنّما سافر مع علي. انتهى. وما أسلفناه من

= باب ما جاء في المسح على العمامة.

ورواه البخاري في: كتاب الوضوء، 48- باب المسح على الخفين، (ح/204، 205) .

والنسائي في: كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين (1/81) .

ورواه الدارمي في: 1- كتاب الطهارة، 38- باب المسح على العمامة، (ح/710) . واللفظ له.

(1)

تقدم من أحاديث الباب ص 626.

ص: 631

عند أبي نعيم فيرى مهديا، والله تعالى أعلم (1) . وحديث أبي هريرة: " قال لي

رسول الله صلى الله عليه وسلم وضئني. فأتيته بوضوء فاستنجى ثم أدخل يده في التراب

فمسحها به، ثم/غسلها ثم توضأ، ومسح على خُفيه فقلت: يا رسول الله،

رجليك لم تغسلها! قال: " إني أدخلتهما وهما طاهرتان "(2) . رواه ابن زياد

النيسابوري عن الرقادي وابن الجنيد قالا: ثنا أبو أحمد ثنا أبان بن عبد الله

العجلي حدثني مولى لأبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يذكره ثنا علي بن

سهل ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا الرمحي بن خالد عن ابن أبيِ ذئب

عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة به مختصرا وقال: مسلم في كتاب

التمييز، وهذه الرواية عنه ليست بمحفوظة، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح

عن النبي صلى الله عليه وسلم لثبوت الرواية عنه بإنكار المسح من رواية أبي زرعة وأبي رزين

عنه، وأنّ ممن أسند ذلك عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم واهي الرواية أخطأ فيه إما سهو

وإما يتعمد. وحديث ابن غالب الكندي ذكره أبو نعيم في كتاب الصحابة

تأليفه. وحديث أبي بن العشر الدارمي رواه ابنه، وقال: ثم توضأ ومسح على

خفيه فقلت له في ذلك فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعله. ذكره ابن عساكر في

ترجمة علي بن أحمد من حديث محمد بن عبد الله السوسي. ثنا أبو عمر

الضرير ثنا حماد بن سلمة عنه قال: أبو عمر روى عن أبي هريرة إنكار المسح

قال: وقد جاء عنه بإسناد حسن خلاف ذلك وموافقة غيره، قال ابن المنذر:

قال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين عندنا خلاف، وإنّ الرجل يسألني

عن المسح فأرتاب منه أن يكون صاحب هوى قال أبو بكر في ذلك: أن كل

من روي عنه من الصحابة كراهة المسح فقد روي عنه غير ذلك، قال البيهقي:

وإنما بلغنا كراهة ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة، فأمّا الرواية

عن علي سبق الكتاب المسح على/ الخفين، فلم يرو ذلك عنه بإسناد موصول

(1) بياض " بالأصل ".

(2)

ضعيف جدا. رواه الدارقطني (1/149) والمجمع (1/254) وعزاه إلى أحمد، وفيه رجل

لم يسم.

قلت: وعلى هذا الرجل الذي لم يُسم فالحديث ضعيف جدا. حيث الرجل الذي لم يُسم ليس

بصحابيا ولا من الجيل الأول من التابعين. حيث جهالة الصحابي لا تضر.

ص: 632

يثبت مثله، وأمّا عائشة؛ فإنها كرهت ذلك ثم ثبت عنها أنّها أحالت بعلم

ذلك على علي فأخبر علي بالرخصة في ذلك، وأمّا ابن عباس؛ فإنما كرهه

حين لم يثبت مسح النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول المائدة، فلما ثبت له رجع إليه. انتهى

كلامه. وقد أسلفنا عن أبي هريرة أيضا إنكاره وأما ما روي عن عائشة

فضعيف أيضا في غاية الضعف نص عليه ابن الجوزي في كتاب العلل المتناهية

في الأخبار الواهية، قال أبو عمر: ولا أعلم أحدا من الفقهاء روي عنه إنكار

المسح إلا مالكا والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك، وقال الألوسي: المسح

جائز عند جمهور العلماء، وقال بعض الناس: لا يجوز؛ لأنّ الله تعالى ذكر

الأرجل دون الخفاف فلا يزاد على الكتاب بخبر الواحد. ونحن نقول: إنّما

أردنا بسنة جاءت لغو ليمس لذلك. قاله أبو حنيفة قال: وهي مشتهرة مثل

التواتر، وفي نسخة أخرى قريبة من التواتر حتى قال أبو يوسف: يجوز نسخ

القرآن بمثل خبر المسح على الخفين ولكنّا لم ننقلها؛ لأنّ الإجماع المنعقد اليوم

أغنانا عن الاحتجاج بالأخبار، وأمّا قول أبي عمر لا أعلم أحدا من الفقهاء

روى في إنكار المسح إلا مالكا؛ ففيه نظر إن أراد من كان فقيها من التابعين

فمن بعدهم؛ لما ذكره ابن أبي شيبة من أنّ مجاهد كان يكره ذلك، وسعيد بن

جبير، وعكرمة، وفي كتاب الآجري عن أبي داود: جاء زيد بن أسلم إلى

ربيعة بن أبي عند الرحمن فقال: أمسح على الجوربين فقال ربيعة ما صح عن

النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين يلفّ على خرقتين ومن آداب لبس الخف

نفضه لقوله عليه الصلاة والسلام: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا

يلبس خفه حتى ينفضه " (1) . ذكره النيسابوري في كتاب شرف المصطفى،

وقال: إنّما قال ذلك لأنه دعا بخفه ليلبسه فلبس أحدهما ثم جاء/غراب

فاحتمل الآخر فخرجت منه حّية، وكان له عليه الصلاة والسلام أربعة أزواج

(1) رواه الطبراني (8/162) والكنز (41612) والمغني عن حمل الأسفار (2/157) وإتحاف

(6/423) والمجمع (5/140) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير " وفيه هاشم بن عمرو ولم

أعرفه إلا أن ابن حبان ذكر في الثقات هاشم بن عمر في طبقته، والظاهر أنه هو إلا أنه لم

يذكر روايته عن إسماعيل بن عياش وشيخ إسماعيل في هذا الحديث شامي فرواته ثقات وهو

صحيح إن شاء الله.

ص: 633

خفاف أصابها من خيبر. ذكره نعيم بن حماد وخفان ساذجان أهداهما له

النجاشي كما تقدّم، ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عكرمة عن

ابن عباس قال: لم يروه عن عكرمة إلا سعيد بن طريف الإسكافي. تفرّد به

حبان بن عليّ ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإِسناد.

ص: 634

‌55- باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر

حدثنا محمد بن يسار حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم قال:

سمعت القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة عن المسح

فقالت: ائت عليا فإنه أعلم بذلك مني فأتيت عليا- رضي الله عنه فسألته

عن المسح فقال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن يمسح المقيم يوما وليلة

وللمسافر ثلاثة أيام ". هذا حديث رواه مسلم (1) في صحيحه مرفوعا، ورواه

أبو عبد الرحمن النسائي موقوفا عن يعقوب بن إبراهيم ثنا شعبة عن الحكم به

قال: فسألته فقال: " ثلاث ليال للمسافر ويوما وليله للمقيم "، ولما رواه ابن

حبان (2) في صحيحه من حديث محمد بن يحيى بن سعيد حديث أبي

حدثني شعبة به موقوفا، قال: ما رفعه عن شعبة إلا القطان وأبو الوليد

الطيالسي، وخرجه ابن منده من حديث أبي معاوية عن الأعمش وفيه فقال:

" كان النبي يأمرنا أن نمسح "(3) . ورواه البيهقي من جهته أيضا وفيه: " كنا

نمسح على عهد النبي صلى الله عليه وسلم " (4) ، وقد وقع لنا حديث أبي معاوية عاليا، ثنا

الإمام تاج الدين أحمد بن علي القشيري- رحمه الله تعالى- قراءة عليه وأنا

أسمع أنبأ الإمام أبو الحسن على بن هبة الله ثنا الإِمام الحافظ أبو طاهر السلفي

قراءة عليه ثنا أبو عبد الله القاسم بن الفضل ثنا أبو سعيد محمد/بن موسى بن

الفضل الصيرفي ثنا محمد بن يعقوب الأصم ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا أبو

معاوية به مرفوعا وقال ابن مندة: هذا حديث مشهور عن الأعمش، ورواه

(1) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة، ح/85) والبيهقي (1/272) والنسائي (1/84)

وشرح السنة (1/461) وأبن أبي شيبة (1/177) وابن عساكر في " التاريخ "(6/318)

والكنز (27610) وابن ماجة (552) .

(2)

صحيح. رواه ابن حبان: (2/311) من حديث خزيمة بن ثابت.

(3)

صحيح. رواه أحمد (1/113) والحلية (6/83) .

(4)

ضعيف. المطالب (106) والمجمع (1/258) من حديث ابن مسعود، وفيه سليمان بن

بشير وهو ضعيف.

ص: 635

زيد بن أبي أنيسة عن الحكم ويحيى بن سعيد عن شعبة جميعا عن الحكم

بإسناده نحوه مرفوعاً، وأخرجه مسلم والجماعة، وتركه البخاري، وقد روي

من حديث أبي إسحاق البيهقي عن القاسم مرفوعا وموقوفاً وقد رفعه جماعة

منهم سوى من تقدّم، وفي علل الخلال قيل لغندر: كان شعبة رفعه وقال:

كان يرى أنّه مرفوع ولكنه كان يهابه، وقال يحيى: حديث القاسم في المسح

صحيح، وهو ثقة شامي، وشريح ثقة كوفي انتقل إلى الشام، ولما ذكر الحربي

الاختلاف في رفعه ووقفه قال: والقول قول شعبة والأعمش ومن وافقهما،

وروي من حديث أبي ظبيان عن علي مرفوعاً وموقوفاً وقد رفعه من قول النبي

صلى الله عليه وسلم ورواه تمام بن محمد الرازي في فوائده من حديث بسرة ابنة صفوان ثنا

أبو عمرو البزار حفص بن سليمان عن أبي حصين عن أبي ظبيان عنه قال

الحافظ أبو الحسن في كتاب العلل: وسئل عنه تفرّد به القاسم والمقدام بن

شريح كلاهما عن شريح، فأمّا القاسم؛ فرواه عنه الحكم واختلف عنه فأسنده

عنه عمرو بن قيس الخلاله وزيد بن أبي أنيسة، وعبد الملك بن حميد بن أبي

عتبة، وأبو خالد الدالاني، والقاسم بن الوليد الحمداني، وإدريس بن يزيد

الأودي، واختلف عن الأعمش؛ فرواه أبو معاوية الضرير، وعمرو بن عبد

الغفار عن الأعمش عن الحكم، ورفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وخالفهما زائدة بن

قدامة وعلي بن غراب وأحمد بن بشير عن الأعمش فوقفوه على علي ولم

يرفعوه، وروي عن أزهر السّمّاك عن ابن عوف وعن سليمان التيمي عن

الأعمش مرسلا وموقوفاً أيضاً، ورواه ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومحمد بن

عبيد الله العروقي، وحجاج بن أرطاة عن الحكم رفعوه/إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورواه

الأصلح ومالك بن مغول وأبو حنيفة عن الحكم موقوفاً، واختلف عن شعبة؛

فرواه يحيى بن سعيد القطان عنه مرفوعا، وتابعه أبو الوليد من رواية أبي حنيفة

عنه، وقال غندر عن شعبة: أنه كان برفعه ثم شك فيه وأما أصحاب شعبة

الباقون فرووه عن شعبة موقوفاً، ورواه ليث بن أبي سليم عن الحكم فأسقط

منه القاسم بن مخيمرة، واختلف عن ليث؛ فرواه سنان عنه عن الحكم عن

شريح عن عليّ عن هلال، وخالفه معتمر؛ فرواه ليث عن الحكم وحبيب

وشريح عن هلال لم يذكر عليا، وذكر هلال في حديث شريح وهم من

ص: 636

ليث باتفاق أصحاب الحكم على ترك ذكره، ولموافقة أصحاب شريح لترك

ذكره، وروي هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي، واختلف عنه؛ فرواه الثوري

عن أبي إسحاق عن القاسم عن شريح عن علي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه

حماد بن شعيب عن أبي إسحاق وتابعهما أيضا محمد بن مصعب القرضاني

ولم يكن حافظا، فرووه عن مالك بن مغول وإسرائيل وزهير وأبي عوانة عن

أبي إسحاق نرفعه أيضا، وخالفه أصحاب زهير وإسرائيل فرووه عنهما عن أبي

إسحاق موقوفا، وكذلك رواه أبو الأحوص ويونس بن أبي إسحاق والحسن بن

صالح ويزيد بن أبي زياد عن أبي إسحاق موقوفا، وقد سمعه أيضاً يزيد عن

أبي زياد من القاسم من مخيمرة موقوفاً أيضاً، ورفعه ابن عيينة بن يزيد بن أبي

زياد ووقفه غيره أيضا عنه، ورواه الحسن بن الحسن عن القاسم فرفعه عنه

محمد بن أبان ووقفه زهير، ورواه عبدة بن أبي لبابة عن القاسم عن شريح

عن علي موقوفا، ورواه المقدام بن. شريح بن هانئ عن أبيه عن علي فاختلف

عنه فرفعه عنه شريك وشعبة من رواية أبي قتادة الحراني وحده عنه، ووثقه عنه

مسعر ورواه عبد/الملك بن أبي سليمان عن ابن شريح بن هانئ ولم يسمعه

عن أبيه عن علي مرفوعاً، وقيل: إن الذي روي عنه عبد الملك هو محمد بن

شريح بن هانئ أخو المقدام، ورواه العباس بن ذريح عن شريح عن علي موقوفا

أيضا، ورفعه صحيح؛ لاتفاق أصحاب الحكم الحفاظ الذين قدمنا ذكرهم من

الحكم على رفعه، والله تعالى أعلم.

حدّثنا علي بن محمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبيه عن إبراهيم التيمي عن

عمرو بن ميمون عن خزيمة بن ثابت قال: " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر

ثلاثا، ولو مضى السائل على مسألة لجعلها خمسا " (1) . ثنا محمد بن يسار

وثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة بن كهيل سمعت إبراهيم التيمي يحدّث عن

الحرث بن سويد عن عمرو بن ميمون عن خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" ثلاثة أيام أحسبه قال: ولياليهن للمسافر في المسح على الخفين ". هذا

حديث خرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه (2) عن أبي يعلى ثنا أبو خيثمة

(1) قلت: وقد سقطت بعض ألفاظ هذا الحديث من " الأصل " وأثبتناه من " الثانية ".

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 86- باب ما جاء في التوقيت=

ص: 637

عن جرير عن منصور عن إبراهيم عن عمرو عن أبى عبد الله الجدالي عن

خزيمة قال: " رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسح ثلاثا ولو استزدناه لزادنا ".

وفي حديث أبي نعيم ثنا سفيان عن أبيه عن إبراهيم: " جعل عليه الصلاة

والسلام المسح على الخفّين ثلاثة أيام للمسافر ويوما وليلة للمقيم ولو مضى

السائل على مسألة لجعلها خمسا ". وفي حديث أبي عوانة عن سعيد بن

مسروق عن إبراهيم أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسح فقال: " للمسافر

ثلاثا وللمقيم يوما وليلة " (1) . وفي مسند البغوي الكبير ثنا أبو معاوية ثنا

الحجاج عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن هرم- أو قال: هرمي- عن

خزيمة العنسي مرفوعا: " يمسح المسافر على خفيه ثلاثة أيام والمقيم يوما

وليلة " (2) . ولا رواه أبو الحسن في الأفراد، ومن حديث أبي عبد الله الجدلي

عن خزيمة قال: غريب من حديث أبي بشر جعفر بن أياس عن أبي معشر.

تفرد به روح/بن عطاء بن أبي ميمونة، وغريب من حديث القاسم بن الوليد

عن الحرب. تفرد به عبيدة بن الأسود بن سعيد عنه، ورواه الشعبي، وتفرد به

أبو حاتم سويد بن إبراهيم عن حماد عنه، وتفرد به الكرماني بن عمر وعبدة

يرويه عن حماد عن إبراهيم والداخل عن الشعبي، ورواه داود ابن علية عن

مطرق عن الشعبي عنه، وتفرّد به داود عن مطرف، ورواه عمر بن صالح عن

حماد، وهو غريب من حديث هشام بن حسان عنه. تفرّد به عنه عمرو بن

حمدان، ورواه عمرو ابن ميمونة عن الجدلي، وتفرّد به ابن عينية عن عمر بن

سعيد الثوري عن أبيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي عن عمرو، ورواه

حماد عن إبراهيم، وتفرّد به أبو حمزة السكري عن رقية عنه، ورواه عبد

الرحمن بن أبي ليلى عن خزيمة من حديث الحكم عنه، وهو غريب من

حديث. تفرّد به عبد العزيز بن المطلب عن ابن أبي ليلى عن الحكم عنه، وقال

= في المسح للمقيم والمسافر، (ح/555) . وصححه الشيخ الألباني.

(1)

صحيح. رواه ابن ماجة (555) والترمذي (95) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

والطبراني (4/96، 106) والخطيب (6/377) وابن عدي في " الكامل " (3/1120،

1125) وأصفهان (1/120، 164، 2/274) وأحمد (1/96، 4/240، 5/213،

214) والبيهقي (1/276، 282) والحلية (2/298) وابن عدي (2/656، 3/908) .

(2)

صحيح. رواه أحمد (5/213) وصححه الشيخ الألباني، وعبد الرزاق في " المصنف "(798)

وأخبار أصفهان (1/124) والطبراني في " الكبير "(8/69) والبيهقي في " الكبرى "(1/278) .

ص: 638

أبو عيسى: وخرجه من حديث أبي عوانة عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم،

وهذا حديث حسن صحيح، وذكر عن يحيى بن معين أنه صحيح حديث

خزيمة في المسح قال: وروي الحكم بن عيينة وحماد عن إبراهيم عن أبي

عبد الله الجدلي عن خزيمة ولا يصح، قال ابن المديني: قال يحيى: قال شعبة:

لم يسمع إبراهيم من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح، وقال زائدة عن

منصور: كنا في حجرة إبراهيم التيمي أيضاً وإبراهيم النخعي يحدّث عن

التيمي عن عمرو بن ميمون عن الجدلي عن خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في

المسح، وقال في كتاب العلل: سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: لا

يصح عندي حديث خزيمة في المسح؛ لأنه لا يعرف لأبي عبد الله الجدلي

سماع من خزيمة بن ثابت، وحديث عمرو بن ميمون عن الجدلي هو أصح

وأحسن. ثنا القاسم بن محمد ثنا مالك بن إسماعيل ثنا داود ابن علية عن

مطرف عن الشعبي عن الجدلي عن خزيمة عن النبي صلى الله عليه وسلم

/الحديث. سألت

محمداً عن هذا الحديث فقال: إنّما روي هذا الحديث داود عن مطرف عن

الشّعبي ولا أرى هذا الحديث محفوظا ولم يعرفْه إلا من هذا الوجه، ورواه

الإِمام أحمد عن وكيع عن سفيان عن حماد، ومنصور عن إبراهيم عن الجدلي

عن خزيمة، قال عبد الله: قال أبي: هذا خطأ؛ كانه أراد الخطأ في رواية

منصور عن إبراهيم على هذا الوجه لا في رواية حماد؛ فإن الصحيح في

حديث منصور رواية عمرو بن ميمون- يعني: ما قدّمناه- وزاد الخلاّل: قال

أبو عبد الله: فلم يستزيدوه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يزد، وخرّجه ابن الجارود في

كتاب المنتقى من حديث الحكم وحماد عن إبراهيم، وقال الطوسي في كتاب

الأحكام: ورواه من حديث المبارك بن سعيد أخي سفيان عن إبراهيم عن أبي

عبد الله فقال: هذا حديث حسن صحيح، وأعلّ ابن حزم خبر خزيمة بالجدلي

قال: كان حامل راية المختار ولا يعتمد على روايته، ثم لو صح لم يكن لهم

فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أباح المسح أكثر من ثلاث، ولكن في

الخبر من قول الرازي، ولو تمادى السائل لزادنا ولم يتمادى فلم يزدهم شيئا،

وبنحوه قال البيهقي، والخطابي، وفي موضع آخر قال البيهقي: إسناده

مضطرب، وفي علل ابن أبي حاتم رواه سعيد بن مسروق، وسلمة بن كهيل

ومنصور، والحسن بن عبيد الله عن إبراهيم عن عمرو بن ميمون، ورواه

ص: 639

الحكم بن عيينة، وحماد بن أبي سليمان، وأبو معشر، وشعيب بن الحجاب،

والحرث العكلي عن النخعي عن الجدلي، فقال أبو زرعة: الصحيح من حديث

إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن الجدلي، والصحيح من حديث النخعي

عن الجدلي بلا عمرو بن ميمون، وفي معجم الطبراني الأصغر: ما يعلو هذا

القول وذلك أنه رواه من حديث أسيد بن زيد ثنا عبد الله بن رجاء الغداني

ثنا شعبة عن الحسن، وحماد ومغيرة ومنصور عن إبراهيم/النخعي عن الجدلي

وقال: لم يروه- يعني: هكذا- إلا أن رجاء. تفرد به أسيد. وفي كتاب

الأحاديث المعللة يعلي المديني رواية الساعدي ثنا سفيان منصور عن إبراهيم

التيمي عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة: " رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

" الحديث.

قال علي: ذهب عني هذه المرة رفع هذا الحديث ولكن سفيان قال فيه: ثنا

منصور قال علي: قيل لسفيان فيه: والمقيم يوم وليلة قال: هكذا أنبأ منصور

قال علي: فروى هذا الحديث سفيان وحرم وعبد العزيز كلهم عن منصور عن

إبراهيم، فأسندوا إسنادا واحدا، وتابع سعيد بن مسروق منصورا على إسناده

وزاد فيه: " وللمقيم يوما وليلة ". ثنا سلمة بن كهيل عن إبراهيم فأدخل بين

عمرو، وإبراهيم بن الحرث بن سويد وترك بين عمرو وبن خزيمة أبا عبد الله

الجدلي، وروي سفيان هذا الحديث عن سلمة بن كهيل مخالف شعبة وإسناد

منصور وسعيد بن مسروق عن سلمة بن كهيل عن التيمي عن الحرث بن

سويد عن عبد الله قال: " يمسح المسافر ثلاثا ".

وقال الحرث بن سويد: ما أخلع حتى آتي فِراشي. قال علي: وزاد الأعمش

كلام الحرث هذا فأخبره في آخر الحديث: ثنا حماد بن أسامة قال الأعمش

عن إبراهيم: سألت الحرث بن سويد عن المسح على الخفين فقال: أمسح قال:

قلت: وإن دخل الخلاء؟ قال: وإن دخل الخلاء في يوم عشر مرات. قال: على

خفت أنا أن لا يكون الأعمش سمع هذا من التيمي؛ لأنه يروى أحاديث عن

عن رجال ثم يدخل بينهم وبينه سلمة بن كهيل فأردت أن أعلم أسمع هذا

من التيمي أم لا؛ فحدّثنا يحيى بن آدم ثنا يزيد بن عبد العزيز ثنا إبراهيم قال:

سمعت الحرث، قال علي: وروى هذا الحديث يزيد بن أبي زياد فخالفهم فيه

ص: 640

جميعا. انتهى. وكذا قاله الطبراني في الأوسط والبيهقي، وهو إسناد مضطرب

رجع ثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن الحرث/

ابن سويد عن عمر قال: " يمسح المسافر على الخفين ثلاثا ". قال علي: فلما

اضطرب هذا الحديث من حديث التيمي واختلفوا عنه في إسناده أردت أن

أعلم من رواه من طريق خزيمة؛ لأنه أصل من الأصول. ثنا يحيى بن سعيد ثنا

سفيان حدثني حماد عن إبراهيم عن الجدلي عنه؛ فلما روي هذا حماد بن أبي

سليمان عن إبراهيم النخعي، وسقط عن منصور والأعمش وهما صاحبا إبراهيم

فأحببت أن أعلم هل وعاه أحد من إبراهيم النخعي، فوجدته عن الحكم بن

عيينة وأبي معشر، ووجدناه من حديث الشّعبي عن الجدلي ثنا به شهاب بن

عباد ثنا داود ابن علية عن مطرف عنه، ورواه أبو بكر وعثمان أنبأ أبي شيبة

عن وكيع ثنا سفيان عن منصور والأعمش ومغيرة عن إبراهيم عن الجدلي عن

خزيمة قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على خفيه ". وفي حديث

الملائي عن حماد: " أمر النبي- عليه السلام بالمسح على الخفين "(1) ، ثم

نظرنا فإذا هشام بن حسان يحدّث به عن عمرو بن صالح عن حماد عن

إبراهيم عن الجدلي، ثم نظرنا فإذا علي بن الحكم يُحدِّث به عن حمّاد، ثم

نظرنا فإذا هشام يحدث به عن شعيب بن الحباب عن إبراهيم، ثم نظرنا فإذا

قتادة يحدّث به عن الجدلي، وأنكرنا أن يكون قتادة سمع من الجدلي ثنا

محمد بن مرزوق ثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن الجدلي وحدثني

محمد بن حرب ثنا عاصم بن علي ثنا همام عن قتادة أن الجدلي حدّث عن

خزيمة فعلمنا أنّ قتادة لمم يسمع من الجدلي؛ لأن هماما قال عن قتادة أن

الجدلي: ثم أحببت أن أعلم أن قتادة حدّث به عن أحد فنظرنا، فإذا قتادة

يحدّث به عن أبي معشر عن إبراهيم ثم أحببت أن أعلم أنّ أحدا وافق

عمرو بن عاصم عن همام، فنظرنا فإذا ابن أبي عروبة قد وافقه، وأحببت أن

أعلم هل أحد رواه عن أبي معشر عن قتادة، فنظرنا فإذا قد رواه أبو بشر عن

أبي معشر عن إبراهيم، ثم نظرنا فإذا الحرث العكلي يحدّث عن إبراهيم عن

الجدلي/. انتهى. وقال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن العكلي إلا القاسم

(1) رواه أحمد (6/27) والبيهقي (1/275) والكنز (27683) وا لإِرواء (1/138) .

ص: 641

بن الوليد ولا عن القاسم إلا عبيدة. تفّرد به عبد الله بن عمر بن أبان رجع،

ثم نظرنا فإذا سفيان قد حدّث به عن منصور عن إبراهيم، وإنما حدِّث به

سفيان عن أبيه، ثم نظرنا فإذا الحسن بن عبيد الله يحدّث به عن التيمي عن

عمرو عن الجدلي، ثم نظرنا فإذا عمرو بن ميمون يحدّث به عن أبي بردة ثنا

علي بن مسلم المؤدب ثنا يحيى بن يعلي المخاربي ثنا زائدة قال منصور: كنّا

في حجرة إبراهيم ومعنا التيمي ثنا عمرو بن ميمون عن أبي بردة بهذا الحديث

عن أبيه، قال:" جعل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ولو استزدناه لزادنا "، ثم

نظرنا فإذا عمرو بن ميمون يحدّث به علي بن ربيعة الأسدي عن الجدلي، ثم

نظرنا فإذا الحكم يحدّث به عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن خزيمة ثنا عبد

الله بن سعد بن إبراهيم الزهري ثنا يعقوب ابن إبراهيم بن سعد ثنا عبد

العزيز بن المطلب عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتبة عن عبد الرحمن به

فأحببت أن أعلم أن أحدا- يعني: عبد العزيز بن المطلب- غير يعقوب،

فنظرنا فإذا سليمان بن بلال يحدّث به عن عبد العزيز، وكفي بسليمان بن

بلال، قال- يعني: الباعندي-: حدّثني محمد بن المطلب بن عبد الله بن

سالم ثنا أحمد بن سفر ثنا حماد بن زيد عن عمرو بن صالح عن حماد عن

إبراهيم عن الجدلي حدثني محمد بن إسماعيل البخاري ثنا أيوب بن

سليمان بن بلال ثنا أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن عبد

العزيز بن المطلب عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عيينة

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن خزيمة قال- يعني: ابن المديني-: ثم

أحببت أن أعلم أنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى يحدّث عن خزيمة بن ثابت

بشيء، فنظرنا فإذا السدى قد حدّث عن عبد الرحمن عن خزيمة قال- يعني:

الباغندي- ثنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي ثنا عمر بن

طلحة العباد ثنا أسباط/بن نصر السدي عن عبد الرحمن قال: كنت بصفين

فرأيت رجلا راكبا متلثما قد أخرج لحيته من تحت عمامته فرأيته يقاتل الناس

قتالا شديدا يمينا وشمالا، فمر يده على عمامته ثم قال: سمعت رسول الله

صلى الله عليه وسلم يقول: " قاتل مع من قاتل عليا وأنا خزيمة بن ثابت "(1) ، ورواه النسائي

من الأبواب عن أحمد بن منصور ثنا يزيد بن أبي حكيم عن سفيان عن سلمة

عن التيمي عن الحرث بن سويد عن عبد الله بن مسعود قال: " ثلاثة أيام

ص: 642

للمسافر ويوم وليله للمقيم "، ورواه في الأوسط (1) من حديث أبي معشر عن

جعفر بن أبي وحشية عن إبراهيم لم يروه عن معشر إلا روح بن عطاء بن أبي

ميمونة. تفرّد به أزهر بن مروان. ومن حديث عمرو بن عبيد عن أبي معشر

عن إبراهيم وقال: لم يروه عن عمرو إلا عمر بن أبي عثمان الواسطي، وروى

الحسن بن رشيق عن علي بن سعيد عن أبي كريب عن بكر بن عبد الرحمن

عن ابن عيسى بن المختار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي

الزبير عن جابر عن خزيمة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح: " إذا أدخل قدميه وهما

طاهران ". وقال في الأوسط (2) : لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن مسروق

عن إبراهيم التيمي إلا عمار بن زريق، ورواه الثوري وأخوه عمر بن سعيد وأبو

عوانة وأبو الأحوِص وغيرهم عن سعيد بن مسروق عن عمرو بن ميمون عن

الجدلي. انتهى. أمّا ما أعلّه به أبو محمد بن حزم فليس بعلّة؛ لأنّ أبا عبد الله

الجدلي معروف بالثقة والعدالة، فممن وثّقه الإِمام أحمد وابن معين والبستي،

ولم أر فيه طعنا لمتقدم وكونه كان حاملا راية المختار لا ضرر عليه فيه؛ لأنه

قد ذكر مثل ذلك عن أبي الطفيل ولم يضره أيضا، وسببه أنّ المختار كان أوّل

خروجه يظهر إلا حدثنا الحسين- رضي الله عنه فلهذا تبعه من القراء

الكبار، وقد حكى الطبري أن من جملة من كان قائما بأمره أخته (3) صفية

زوج عبد الله بن عمرو أن عبد الله كان يشفع/له عند الأمراء، وكذلك

(1) الموضح: (1/277) .

(1)

راجع: مجمع الزوائد (1/258) لابن مسعود روايتان:

الأولى: عزاه للبزار والطبراني في " الكبير " موقوف، وفيه يوسف بن عطية الكوفي ونسب إلى الكذب. الثاني: عزاه للبزار وفيه سليمان بن بشير وهو ضعيف.

وفي (ص 259 ج 1) عزاه للطبراني في " الأوسط " وفيه أيوب بن سويد وهو ضعيف، ولكن

ذكره ابن حبان في الثقات وقال رديء الحفظ يخطئ.

(2)

أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/260) وعزاه للطبراني في " الكبير " وفيه ابن

أبي ليلى محمد وهو سيء الحفظ.

ورواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 59- باب للتوقيت في المسح، (ح/157) .

(3)

قوله: " أخته " وردت " بالأصل "" أخيه " وهو تصحيف، والصحيح ما ورد في

" الثانية " وكذا أثبتناه.

ص: 643

الشعبي، وأما زيادة من زاد عمرو بن ميمون، والحرث بن سويد فالحكم لهم،

وأمّا سقوطهما فلا يضر أيضا لمعرفتنا بأنهما هما؛ لثقتهما وعدالتهما؛ لأنّ

مقتضى المشهور من حكم المحدّثين أن يحكم بالزيادة ويجعل ما بين إبراهيم

وعمرو منقطعا؛ لأن الظّاهر أنّ الإنسان لا يروي حديثا عن رجل عن ثالث

وقد رواه هو عن ذلك والثالث لقدرته على إسقاط أواسطه، ولكن إذا عارض

هذا الظاهر دليل أقوى منه عمل به كما فعل في أحاديث حكم فيها بأنّ

الراوي علا وترك في حديث واحد، فرواه على الوجهين، وفي هذا الحديث قد

ذكرنا زيادة زائدة وهي أنّ التيمي قال: ثنا عمرو بن ميمون فصرح بالتحدّيث

فمقتضي هذا التصريح لقائل أن يقول: لعلّ إبراهيم سمعه من عمرو ومن

الحرث بن سويد عنه، ووجه أخر: وهو أن يقال إن كان متصلا فيما بين

التيمي وعمرو فذلك وإن كان منقطعا فقد تبيّن الواسطة وهو من أكبر الثقات،

وأمّا من أعله برواية يزيد بن أبي زياد فتعليل ضعيف؛ لأنه إنّما تعليل رواية إذا

اتحدا في الصحة حديث يزيد ليس كذلك لضعفه، وأمّا تعليل البخاري

الحديث بانقطاع ما بين أبي عبد الله وخزيمة؛ فهي طريقة له مشهورة وهي

بثوت السماع للراوي من المروي عنه ولو مرة، وقد أطنب مسلم في ردِّ هذه

المقالة واكتفي بإمكان اللقاء، وإلى هذا نجا البستي ومن تابعه في تصحيحه،

وذلك أنّ خزيمة توفي بصفين وسن الجدلي إذ ذاك سن الرجل على ما ذكره

الطبري وغيره، ولما عضد حديث التيمي عن الحرث بن سويد من شواهد

ومتابعات، والله تعالى أعلم. من ذلك حديث عوف بن مالك الأشجعي أنّ

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيّام ولياليهن

للمسافر ويوما وليلة للمقيم " (1) . ثنا به ابن دقيق العيد- رحمه الله تعالى-

قراءة عليه وأنا أسمع قال: أخبرنا العلامة/أبو الحسن علي بن هبة الله الشافعي

ثنا الحافظ أبو طاهر السلفي قراءة عليه ثنا الرئيس أبو عبد الله ثنا هلال بن

محمد بن جعفر ببغداد ثنا الحسين بن يحيى بن عباس ثنا إبراهيم بن معشر ثنا

هشيم عن داود بن عمرو عن يسير بن عبيد الله عن أبي إدريس ثنا عوف بن

مالك به قال عبد الله: سمعت أبي حين حدّث بحديث عوف وهو من أجود

حديث في المسح على الخفين؛ لأنه في غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها النبي

(1) تقدم من أحاديث الباب.

ص: 644

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخر فعله وسبق تحسين البخاري له، وقال الطبراني في الأوسط: لا

يروي هذا الحديث عن عوف إلا بهذا الإسناد. تفرد به هشيم. وحديث أبي

هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " في المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن

وللمقيم يوما وليلة " (1) . رواه أبو عيسى في كتاب العلل عن محمد بن

حميد ثنا زيد بن حبان عن عمر بن عبد الله بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي

كثير عن أبي سلمة عنه وقال: سألت محمدا عنه فقال: عمر بن أبي خثعم

منكر الحديث ذاهب وضعف حديث أبي هريرة في المسح، وقد تقدّم ذكره

في الباب قبل، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ثنا وكيع عن جرير بن أيوب

عن أبي زرعة بن عمرو عنه ولفظه: " إذا أدخل أحدكم رجليه في خفيه

وهما طاهرتان فليمسح عليهما ثلاثا للمسافر ويوم للمقيم "، وجرير متروك

الحديث نكره، وحديث عمر بن الخطاب قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يأمر

بالمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة ". رواه أبو

يعلى (2) الموصلي عن أبي كريب ثنا زيد بن حباب ثنا خالد بن أبي بكر هو

العمري ثنا سالم عن ابن عمر عنه، وبنحوه رواه الدارقطني وحديث أبي بكرة

نسخ عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنّه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما

وليلة إذا تطّهر ولبس خفيه فليمسح عليهما " (3) . رواه ابن الجارود في منتقاه

وابن حبان في صحيحه عن الخليل بن محمد الواسطي ثنا محمد بن عبد

الوهاب ثنا عبد/الوهاب الثقفي بن المهاجر بن مخلد عن عبد الرحمن بن أبي

بكرة عن أبيه وقال الترمذي (4) . عن محمد، وحديث أبي بكرة حسن

صحيح، وخرجه البيهقي في سننه عن أبي عبد الله الحافظ وأبي سعيد بن أبي

عمرو عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن الحسن بن علي بن عفان عن

زيد بن حباب عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن

أبهما بكرة عن أبيه، وهو أجل إسنادا من سند ابن حباب لمكان الحذاء بدل

(1) شرح السنة: (1/183، 179) .

(2)

تقدم من أحاديث الباب.

(3)

كما في الحاشية السابقة.

(4)

انظر سنن الترمذي: (1/195 تحت ح/95 وتعليق الترمذي عليه) .

ص: 645

المهاجر إلا أنّ البيهقي قال: وهذا الحديث رواه الجماعة عن عبد الوهاب

الثقفي عن المهاجر، ورواه زيد بن حباب عنه عن خالد؛ فإمّا أن يكون غلطا

منه أو من الحسن/بن علي، وإمّا أن يكون عبد الوهاب رواه على الوجهين

جميعا، ورواية الجماعة أولى أن يكون محفوظا وحديث صفوان بن عسال

المرادي قال ابن حبان: ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة بخبر غريب ثنا

محمد بن يحيى ومحمد بن رافع قالا: ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن عاصم عن

زر قال: أتيت صفوان بن عسال فقال: ما جاء بك؟ فقلت: جئت أنبط

العلم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من خارج يخرج من

بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا له بما صنع " (1) . قال:

جئت أسألك عن المسح على الخفين. قال: نعم:" كنا في الجيش الذين

بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على

طهر ثلاثا إذا سافرنا ولا نخلعهما من غائط ولا بول "، وفي كتاب الأفراد:

وذكره مُطوّلا، ولفظه- يعني: النبي صلى الله عليه وسلم على جيش فأمرني أن أجعل

للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وفي الرابع من إسناد الدارقطني

على أبي الظاهر الذهلي ثنا أبو أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم الأموي الأروي ثنا

أشعث بن عبد الرحمن بن زيد ثنا أبي عن جدّي عن زر فذكره/بلفظ:

" للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة من بول أو غائط إلا من

جنابة "، وقال أبو علي الحسن بن علي بن سفر بن منصور الطوسي في كتاب

الأحكام من تأليفه فقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال أبو نعيم: ورواه من

حديث أبي حباب الكلبي عن طلحة بن مصرف أنّ زِرْ بن حبيش أتى صفوان

فقال: ما غدايك الحديث. رواه الجمع الغفير عن عاصم عن زر، وحديث

طلحة تفرّد به يحيى بن فضيل عن الحسن بن صالح، وقال الدارقطني في

كتاب السنن: " ثلاثا إذا سافرنا ويوما وليلة إذا أقمنا " قال: وحدثني علي بن

إبراهيم بن عيسى سمعت ابن خزيمة يقول: ذكرت للمزني خبر عبد الرزاق

(1) صحيح، وإسناده ضعيف. رواه ابن ماجة (226) وأحمد (4/240) والبيهقي (1/

282) والطبراني (8/67) والدارقطني (1/197) والترغيب (1/104) وإتحاف (1/96)

وعبد الرزاق (793) والكنز (28748) . في الزوائد: رجال إسناده ثقات. إلا ان عاصم بن

أبي النجود اختلط بآخره. وصححه الشيخ الألباني. انظر: صحيح ابن ماجة.

ص: 646

هذا فقال: حدث به أصحابنا؛ فإنه ليس للشافعي حجة أقوى من هذا،

يعني: قوله: " أدخلناهما على طهر ".

وقال الترمذي: سألت محمدا فقلت: أي الحديث عندك أصح في

التوقيت في المسح؟ قال: حديث صفوان. وأشار عمر بن عبد البرّ إلى

حسنه، ورواه النيسابوري عن محمد ثنا عفان ثنا عبد الواحد بن زياد وثنا

محمد ثنا عبيد الله ابن عائشة ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا أبو روق عطية بن

الحارث ثنا أبو العريف عبد الله بن خليفة عن صفوان به وثنا محمد بن

إسماعيل الصايغ بمكة ثنا أبو أسامة ثنا أبو روق به، وذكر ابن السكن أن

الصعق بن حزن رواه عن علّى بن الحكم عن المنهال بن عمرو عن زر عن ابن

مسعود قال: جاء رجل من مراد يقال له: صفوان ذكر هذا الحديث ولم يتابع

عليه، ورواه أبو القاسم في الأوسط (1) من حديث عمرو بن مرة عن صفوان

ثم قال: لم يروه عن عمرو إلا أبو كثير أنّ الحسن بن عقبة الرازي تفردّ به

عبد المجيد، ومن حديث. حذيفة بن أبي حذيفة الأودي عن صفوان، وقال: لم

يروه عن حذيفة إلا الوليد بن عقبة بن بزار العبسي. تفردّ به زيد بن الحباب.

وحديث ابن عباس ذكره النيسابوري في كتاب/الأبواب ثنا إبراهيم بن

مرزوق ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا شعبة ثنا قتادة عن موسى بن سلمة

قال: " سألت ابن عباس قلت: أكون بمكة ثم أصلي قال: ركعتين سنة أبي

القاسم صلى الله عليه وسلم وسألته عن صيام ثلاثة أيام كل شهر، فقال: البيض، كان عمر

يصومها، وسألته عن المسح على الخفين، فقال: ثلاثة أيام للمسافر ويوم وليلة

للمقيم فذكرت ذلك لعكرمة، فقلت: أنا نصيب السبايا أنا عتق عن أمي فقال:

نعم. قال: فسألته عن ماء البحر فقال: هو أحد البحرين ". قال النيسابوري:

هذا حديث تام حسن ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا مكي بن إبراهيم ثنا

موسى بن عبيدة عن محمد بن عمر عن عطاء عن ابن عباس، فذكر المسح

فقط، وقد سبق ذكره مرفوعا في الباب قبيله، وتقدّم أيضا في باب الوضوء

(1) تقدم من أحاديث الباب.

ص: 647

بماء البحر وأن الحاكم صححه، وقال الدارقطني: الصواب وقفه وحدث يعلى

بن مرّة قال: " كنا إذا سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ننزع خفافنا ثلاثا وإذا

أقمنا يوم وليلة " (1) . رواه ابن زياد عن أحمد بن منصور ثنا سليمان بن

عبد الرحمن بن بنت شرحبيل ثنا مروان بن معاوية ثنا عمر بن عبد الله بن

يعلى بن مرة الثقفي عن أبيه عن جدّه، ورواه الطبراني في الكبير عن عبدان

عن عمرو بن عثمان عن الحمصي عن مروان حدثنى عمرون عبد الله بن

يعلى بن مرّة الثقفي عن أبيه عن جدّه به وقال عقبة: ثنا محمد بن عبد الله

الحضرمي ثنا سهل بن ريحلة ثنا الصباح بن محارب عن عمرو بن عبد الله بن

يعلى بن مرّة عن أبيه عن جدّه وعن زياد بن علاثة عن أسامة بن شريك أن

النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في المسح على الخفين للمسافر ثلاث وللمقيم يوم وليلة "(2) .

ولفظ عبد الغني بن سعيد في كتاب الإيضاح: " كُنا إذا سافرنا مع النبي

صلى الله عليه وسلم لا ننزع خفافنا ثلاثا فإذا شهدنا فيوم وليلة " (3) /وحديث عمرو الضمري

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن

وللمقيم يوم وليلة ". ذكره صاحب الأبواب عن محمد بن إسحاق الصنعاني

ثنا محمد بن عمر ثنا قدامة بن موسى عن الزبرقان عن عبد الله بن عمرو بن

أمية عن أبيه، وقد تقدّم من حديثه في الصحيح من غير ذكر التوقيت (4) .

وحديث ابن عمر بن الخطاب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " في المسح على الخفين

(1) ضعيف أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/260) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "

وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى وهو مجمع على ضعفه.

(2)

ضعيف أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/260) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "

وفيه عمر بن عبد الله بن يعلي وهو مجمع على ضعفه.

(3)

ضعيف المصدر السابق. من حديث يعلى بن مرة، وعزاه إلى الطبراني في " الكبير " وفيه

عمر بن عبد الله بن يعلي وهو مجمع على ضعفه.

(4)

بياض " بالأصل ".

ص: 648

للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ". رواه أبو القاسم في الأوسط (1)

عن عبدان بن محمد المروزي ثنا قتيبة بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن

عن الحسن القصاب عن نافع عنه، وقال: لم يروه عن نافع إلا الحسن.

وحديث البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن

وللمقيم يوم وليلة في المسح على الخفين " (2) . ثنا به المشايخ المسندون أبو

عبد الله محمد بن عبد الحميد وأبو بكر عبد الله بن علي وأبو العباس أحمد

بن عبد المحسن العدوي قال الأولان: ثنا أبو الطاهر إسماعيل بن عبد القوي

بن داود قال الآخر: ثنا فاطمة بنت سعد الخير ثنا فاطمة الجوز وابنه أنبأ ابن

زيدة أنبأ أبو القاسم أنبأ محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا موسى بن الحسن

السلولي ثنا العبسي بن الأشعث عن أبي إسحاق عنه، ولما خرجه الطبراني في

الأوسط قال: لم يروه عن أبي إسحاق إلا الصبي بن الأشعث. تفرد به لسلولي

وحديث أبي مريم قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على خفيه وقال:

للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوما وليلة". رواه الحافظ (3) أبو نعيم في كتاب

معرفة (4) الصحابة عن إبراهيم بن محمد بن يحيى عن محمد بن المسيب عن

عاصم بن المغيرة عن عبد الرحمن بن عمرو- يعني بن جبلة- عن خالد بن

عاصم ثنا يزيد بن أبي مريم عن أبيه ثم قال: مالك بن ربيعة السلولي يكنى أبا

مريم/والد يزيد شهد الشجرة وسكن الرقة. وحديث مالك بن سعد أنه سمع

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من صلى الصبح في جماعة فكأنما قام ليلة "(5) وسألته عن

المسح على الخفين فقال: " ثلاثة أيام للمسافر ويوم وليلة للمقيم ". رواه أبو نعيم

(1) صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/258) وعزاه إلى أحمد وأبي يعدي

والبزار والطبراني في " الكبير " و" الأوسط " ورجال البزار والطبراني ثقات.

(2)

صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/259) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "

و" الأوسط " وفيه الضبي بن الأشعث له مناكير.

(3، 4) سقطت كلمة " الحافظ "، و" معرفة الصحابة " من " الأصل " وأثبتناهما من

" الثانية ".

(5)

صحيح. رواه أبو عوانة (2/4) والبغوي (5/108) .

ص: 649

عن محمد بن سعد البارودي ثنا عبد الله بن محمد البصري الحمري ثنا

عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة حدثتنا مليكة بنت الحارث المالكية من بنى

مالك بن سعد قالت: حدثني أبي عن جدّي مالك بن سعد وقال أبو نعيم:

مالك مجهول وعداده في أعراب البصرة، وحديث يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم:

" رخص للمسافر في المسح على الخفين والعمامة للمقيم يوم وليلة وللمسافر

ثلاثة أيام وأنه نهى عن الصرف " (1) . ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل

فقال: سألت أبي عن حديث رواه عبد الصمد بن عبد الوارث عن الهيثم بن

قيس عن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه عن جدّه فقال أبي: هذا منكر

ثنا به قرة بن حبيب فلم يذكر العمامة وليس ليسار صحبة، وحديث أنس بن

مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المسح على الخفين للمسافر ثلاث وللمقيم يوم

وليلة " (2) أنبأ به الإمام المسند المعمر أبو الحسن علي بن إبراهيم- رحمه الله

تعالى- قراءة عليه وأنا أسمع أنبأ الإمام العلامة أبو الحسين المصري أنبأ أبو

الطاهر الشقيقى قراءة عليه أنبأ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم

الشافعي قراءة عليه أنبأ أبو القاسم علي بن محمد بن عليّ الفارسي أنبأ أبو

أحمد عبد الله بن الناصح ثنا أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي

المروزي ثنا الهيثم بن خارجة ثنا سعيد بن ميسرة به وأنبأ به المسند المعمر عبد

المحسن بن الصابوني- رحمه الله تعالى- قراءة عليه وأنا أسمع أنبأ جدي أبو

حامد أنا أبو القاسم الأنصاري أنبأ أبو الحسن علي بن المسلم أنبأ أبو نصر بن

طلاب أنبأ بن جميع القتباني أنبأ عدي الآدمي أنبأ أحمد أنبأ عمي يحيى بن

عبد الباقي ثنا العباس بن أبي طالب/ثنا حفص بن عمر ثنا مالك عن الزهري

عنه به في كتاب طبقات الموصل من حديث غسّان بن الربيع ثنا حماد بن

(1) منكر. العلل لابن أبي حاتم. والعقيلي (4/208) وكذا ذكر الشارح نقلا عن أبي حاتم.

قال العقيلي: والمتن معروف من غير هذا الوجه، ولا يتابع مهاجر على هذه الرواية.

(2)

ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/259) وعزاه إلى الطبراني في

" الأوسط " وفيه القاسم بن عثمان البصري، قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها.

ص: 650

سلمة عن ثابت عن أنس قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم من الخلاء وعليه خفان

أبيضان من جلود إيضاء فتوضأ ومسح عليهما والله أعلم " (1) .

وحديث ابن مسعود: " مازلنا نمسح مع النبي صلى الله عليه وسلم على الخفين للمسافر

ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة ". ورواه ابن أبي شيبة موقوفا بإسناد

صحيح عن ابن مهدي عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن إبراهيم التيمي عن

الحرب بن سويد عنه، وحديث المغيرة بن شعبة قال: " آخر غزاة غزونا مع النبي

صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نمسح على خفافنا للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة

ما لم نخلع ". رواه الطبراني في الكبير (3) عن الحسن بن علي عن إبراهيم بن

مهدي المصيصي عن عمر بن زريع عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي بردة

عنه، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم: وسألت أبي عن حديث رواه هشيم

عن داود بن عمرو عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس عن عوف بن مالك

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نقول المسح للمسافر ثلاثا وللمقيم يوم وليلة "(4) .

ورواه الوليد بن مسلم عن إسحاق بن يسار عن يونس بن جليس عن أبي

إدريس قال: سألت المغيرة عما حضر من النبي فقال: حضرته ومسح على

خفيه قال أبو داود بن عمر: ليس بالمشهور، وكذلك إسحاق ولم يرو عنه غير

الوليد، ولا نعلم روى أبو إدريس عن المغيرة شيئا سوى هذا الحديث، ويحتمل

(1)

بياض " بالأصل ".

(2)

ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/258) وعزاه إلى البزار، وفيه

سليمان بن بشير وهو ضعيف. وأورده بلفظ: " كنا نمسح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخفين للمسافر

ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة ".

(3)

بنحوه. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/259) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط "

- وفي الصحيح طرف منه- فيه يزيد بن داود الأودي وقد ضعفوه إلا ابن عدي فقال: لم أر

له حديثا منكرا جاوز الحد إذا روى عنه ثقة، وإن كان ليس بالقوي في الحديث فإنه يكتب

حديثه ويقبل إذا روى عنه ثقة، وهذا روى عنه مكي بن إبراهيم وهو من رجال الصحيح فهو

مقبول على ما قاله ابن عدي، والله أعلم.

(4)

صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/259) وعزاه إلى البزار والطبراني في

" الأوسط " ورجاله رجال الصحيح.

ص: 651

أن يكون سمع من عوف ومن المغيرة فإنّه مر من تابعي أهل الشّام وله إدراك

حسن. وحديث أبي زيد رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده لا بأس به أنّ

النبي صلى الله عليه وسلم قال (1) : " يمسح المسافر على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن/وللمقيم يوم

وليلة "، ثنا به المسندة المعمرة أم عبد الرحمن رقية ابنة القشيري الحافظ ثنا

عبد العزيز الحراني عن أبي محمد عبد البر بن الحافظ أبي العلاء الهمذاني ثنا

أبي قراءة عليه وأنا أسمع أنبا أبو علي الجراد أنبأ أبو نعيم أنبا أبو حفص

الخطابي أنبا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله ثنا حجاج بن منهال ثنا حماد بن

سلمة عن سعيد بن مطين عنه. وحديث جابر بن سمرة قال: ما أبالي لو لم

أنزع خفي ثلاثا. رواه هكذا موقوفا ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي داود عن

شعبة عن سماك، قال: سمعت جابرا، وذكره البيهقي مسندا. وحديث أبي

مسعود البدري وعما ذكرهما البيهقي وأبو عمر بن عبد البر.

(1) صحيح. رواه أحمد (5/213) وحنف (1/281) وعبد الرزاق (798) وحنيفة (32)

وأصفهان (1/124) والطبراني (8/9) والبيهقي (1/278) .

ص: 652

‌56- باب ما جاء في المسح بغير توقيت

حدثنا حرملة بن يحيى، وعمرو بن سواد المصريان قالا: ثنا عبد الله بن

وهب أنبأ يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد بن

أبي زياد عن أيوب بن قطن عن عبادة بن نسي عن أبي بن عمارة: " وكان

رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيته الصلاتين كليهما أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: يوما، قال: ويومين قال: وثلاثا حتى بلغ

سبعا قال له: وما بدا لك ". هذا حديث لما رواه (1) أبو داود عن يحيى بن

معين ثنا عمرو بن الربيع بل، طارق ثنا يحيى بن أيوب عن ابن رزين عن

محمد بن يزيد عن أيوب عن أبي بلفظ: " أمسح على الخفين؟ قال: نعم قال:

يوما؟ قال: ويومين؟ قال: وثلاثة؟ قال: نعم. وما شئت " قال: ورواه ابن أبي

مريم عن، يحيى عن عبد الرحمن عن محمد عن عبادة عنه قال فيه: حتى بلغ

سبعا قال النبي صلى الله عليه وسلم: وما بدا لك قال: وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي

كذا هي في روايتنا من طريق اللؤلؤي، وفي كتاب ابن العبد وقد اختلف على

يحيى/بن أيوب، فذكره ومعناه قاله البخاري، وفي موضع آخر إسناده ليس

بالقوي، وفي كتاب العلل للخلال قال أبو زرعة: سألت أحمد عن هذا

الحديث أيجب العمل به قال: يعني: رجاله لا يعرفون، وفي تاريخ دمشق

للبصري سمعت أبا عبد الله يقول: حديث أبي بن عمارة ليس بمعروف

الإسناد، قال أبو زرعة: فناظرت أبا عبد الله في حديثه- يعني: حديث أبي-

فلم يقنع به، وقال ابن حبان: وذكر أمثالا إلا أني لست أعتمد على إسناد

خبره، وقال أبو الفتح الأزدي: لا يحفظ أن أحدا روى عن أبي إلا أيوب بن

قطن، وحديثه ليس بالقائم وفي متنه نظر وفي إسناده نظر. انتهى كلامه، وفيه

(1) ضعيف. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 59- باب التوقيت في المسح، (ح/

158) .

قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده وليس هو بالقوي، ورواه ابن أبي مريم ويحيى بن

إسحاق الشليخِي عن يحيى بن أيوب، وقد اختلف في إسناده.

ص: 653

نظر لما يأتي من أنّ عبادة بن نسى روى عنه أيضا وقال ابن بنت منيع- وذكر

هذا الحديث-: لا أعلمه روى غيرها وقال غيره: ابن أبي مريم بن عبادة، وقال

في موضع آخر: وقد اختلف في اسمه، وقال أبو الحسن الدارقطني: وهذا

إسناد لا يثبت وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافا كثيرا وعبد الرحمن

ومحمد بن يزيد وأيوب مجهولون كلهم، وقد بينته في موضع آخر، وذلك

الموضع لم أر له ذكرا في العلل وذكره في كتاب المختلف فقال: كان النبي

صلى الله عليه وسلم يصلي في بيت عمارة القبلتين وقال أبو محمد بن حزم: هذا آخر ساقط

لا يصح فيه يحيى بن أيوب الكوفي وآخر وهما مجهولان، ولا يصح خلاف

التوقيت أيضا عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر فقط، وقال أبو الفرج

في العلل المتناهية: هذا حديث لا يصح، وقال ابن الأثير: لأبي حديث واحد

وهو معلول وفي إسناده اضطراب وهو غير مشهور، وقال عبد الغنى بن سرور:

في إسناد حديثه جرح له واضطراب، وقد اختلف في اسم أبيه فقيل: عمارة

وقيل: عبادة وعداده في المدنين وسكن مصر، ولما ذكره الجوزجاني قال: هذا

حديث باطل منكر ومداره/على يحيى بن أيوب، ولما ذكره أبو الحسن بن

القطان قال علّته: هي أنّ هؤلاء الثلاثة- يعني: عبد الرحمن بن رزين فمن

بعده- مجهولون، وقال الموصلي أيضا: أيوب بن قطن مجهول، وذكر حديثه

هذا والاختلاف فيه، وقال: كلّ لا يصح ومحمد بن يزيد هو ابن أبي زياد

صاحب حديث الصور، وقال فيه أبو حاتم: مجهول وعبد الرحمن أيضا لا

يُعرف له حال، فهو مجهول، ويحيى مختلف فيه وهو ممن عيب على مسلم

إخراج حديثه، وأما الاختلاف عليه الذي أشار إليه أبو داود والدارقطني،

فيتحصل منه أربعة أقوال: فذكرها مجملة، وذلك أنه روى عنه عن ابن رزين

عن محمد عن أيوب عن أبي، ويروي عنه عن ابن رزين عن محمد بن عبادة

عن أبي، ويروي عنه عن ابن رزين عن محمد عن أيوب عن عبادة عن أبي،

ويروى عنه وهكذا أبي عبادة بن نسى ثم لا يذكر أنبأ؛ لأنّه يرسله عن النبي

صلى الله عليه وسلم وفيه قول خامس لكنه لم يتصل إلى سنده فلم اجعله ممّا تحصّل فيه، وهو

ما أشار إليه ابن السكن ولم يوصل به إسناده إّنما قال: ويقال أيضا: عن يحيى

عن عبد الرحمن عن محمد عن وهب بن قطن عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.

ص: 654

وقال ابن عبد البر في كتاب الاستذكار: حديث أبي لا يثبت وليس له إسناد

قائم، رواه أبو أحمد العسكري عن علي بن سعدان ثنا محمد بن إسحاق ثنا

يحيى بن معين ثنا عمرو بن الربيع أنبأ يحيى بن أيوب ثنا ابن رزين الغافقي

عن محمد بن يزيد، أو يزيد، فذكره ثم قال: وقال بعضهم: ليس يصح له

صحبة، وقال الطحاوي: والآثار قد تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتوقيت في المسح،

فليس ينبغي لأحد أن يترك مثل هذه الآثار المتواترة إلى مثل حديث أبي بن

عمارة، وقال الخزرجي في كتابه التقريب: في إسناده اختلاف واضطراب،

وقال أبو القاسم بن عساكر: ورواه يحيى بن إسحاق السيليخي (1) عن يحيى

بن أيوب مثل رواية عمرو بن الربيع،/ وقال أيوب بن قطن الكندي: ورواه

سعيد بن كثير بن عفير عن يحيى بن أيوب مثل رواية ابن وهب، ورواه

إسحاق بن الفرات عن يحيى بن أيوب عن وهب بن قطن عن أبي. انتهى.

وهو فول سادس لم يذكره ابن القطان، وأما قول الطبراني في الأوسط: رواه

جماعة عن يحيى بن أيوب فلم يذكر عبادة بن نسى إلا سعيد بن عفير فإن

جوده ففيه نظر لما أسلفناه من رواية غيره الرواية، وزعم ابن عقدة في كتاب

التفرد انه مما تفرّد به أهل مصر وأبي ذلك الحافظ ابن يونس بقوله في تاريخه:

ليس له في أهل مصر حديثه، ويشبه أن يكون وهما لما ذكره الإمام العلامة

عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في فتوح مصر من تأليفه في باب من

دخل مصر من الصحابة ممن روى عنه أهلها أبي بن عمارة ولهم حديث

واحد، وهو يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن محمد بن يزيد عن أيوب بن

قطن عنه فذكر لفظ حديث أبي داود ثم قال: ثناه سعيد بن عفير، وثنا عمرو

بن سويد عن ابن وهب عن يحيى عن عبد الرحمن عن محمد عن أيوب عن

عبادة، ولم يذكر ابن عفير عبادة، وأما ما ذكره أبو الحسن بن القطان من أن

مسلما عيب عليه إخراج حديث يحيى بن أيوب، فكلام يفهم منه تفرده

بحديثه دون شيخه البخاري وليس كذلك؛ لأن أبا الوليد الباجي ذكره في

كتاب التعديل والتخريج فقال: أخرج البخاري في الصلاة وتفسير سورة

(1) قوله: " السيليخي " وردت " بالأولى "" السيلحي " وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه

من " الثانية ".

ص: 655

الأحزاب عن ابن جريج، وسعيد بن أبي مريم عنه عن حميد ويزيد بن أبي

حبيب ثم قال: وقال أبو عبد الله هو البخاري في الاستشهاد: ولمسلم في

الرواية. انتهى. وبنحوه ما قاله أبو عبد الله: ذكره الكلاباذي في كتاب

الإرشاد ولئن كان كذلك فهو في اصطلاح الحاكم في المستدرك وغيره يصدق

عليه التخريج عنه لا سيّما العنبري، وأما قوله: أنّ عبد الرحمن فمن بعده

مجهول فيشبه أن يكون وهما وذلك أنّ عبد الرحمن/بن رزين ويقال: ابن

يزيد بن عبد الله البروقي مولى قريش روى عنه يحيى بن أيوب وعبد الله بن

المبارك وابن وهب ونافع ويزيد وعبد الله بن يحيى البرلسي. ذكره ابن يونس

في كتاب الغرباء، وقال: توفي خمس وخمسين ومائة، وقال ابن أبي حاتم:

عبد الرحمن بن رزين مولى قريش روى عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت

النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه العطاف بن خالد ويحيى بن أيوب، وروى عن محمد

بن يزيد صاحب حديث الصور، ولما ذكره ابن حبان في كتاب الثقات قال:

عداده في أهل الشام روى عنه أهله والعطاف، وقال الحاكم: لم ينسب إلى

ضعف وعلى شرط أبي أحمد الجرجاني يكون ثقة لكونه لم يذكره في كامله،

ومحمد بن يزيد لم أر أحدا نسبه إلى ضعف كما قاله أبو عبد الله بن البيع،

وغاية ما قال فيه البخاري روى عنه إسماعيل بن رافع حديث الصور مرسل

ولم يصح، وقال ابن يونس في الغرباء: روى عنه يزيد بن أبي حبيب وكان

يجالسه (1) وحرملة بن عمران، ومن أهل الكوفة أبو بكر بن عيّاش فهذا كما

ترى قد خرج من الجهالة العينية، وأما الجهالة الحالية فيمكن أن تكون منتفية بما

ذكره الحاكم فإنّه لما خرج هذا الحديث قال فيه: صحيح ولم يخرجاه وأبي

صحابي معروف وهو إسناد مصري، ولم ينسب واحد من رواته إلى جرح،

وأمّا أيوب بن قطن فذكر عبد الرحمن أنه ابن ابن امرأة عبادة بن الصامت،

أبو أبي بن أم حرام، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقد أسلفنا رواية

سادسة زائدة على ما ذكره ابن القطان وتابعه ذكرها النيسابوري عن محمد

بن أيوب عن ابن عبادة الأنصاري وكان النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت جدّه

(1) كذا ورد " بالأصل ".

ص: 656

القبلتين، وبنحوه ذكره في المصنف وقد ورد لهذا الحديث شواهد عديدة فمن

ذلك:/حديث عقبة بن عامر قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة

فدخلت المدينة يوم الجمعة فدخلت على عمر فقال لي: " متى أولجت خفّك

في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة. قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا. قال: أصبت

السنة ". خرّجه أبو الحسن الدارقطني (1) وهو في معنى المرفوع لا سيّما من أبي

حفص الفاروق، وقال أبو بكر النيسابوري: هذا حديث غريب، وقال

الدارقطني: وهو غريب صحيح الإسناد، وقال في العلل: وخالفهم عمرو بن

الحرث والليث بن سعد ويحيى بن أيوب فقالوا فيه: قال عمر: أصبت. ولم

يقولوا: السنة كما قال من تقدّمهم وهو المحفوظ، ولما خرجه ابن البيّع في

مستدركه فذكر السنّة قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد،

وقال ابن مندة: رواه أبو شُجاع وعمرو بن الحرث فلم يذكر السنة، وقوله

أصبت السنة زيادة مقبولة؛ لأنّ حيوة والفضل مقبولان عند الجماعة قال: وقد

روى من جهة موسى بن علي عن أبيه نحوه وقال: أصبت السنة، قال: فهذا

موافق لرواية من تقدّم وسبيله سبيل الصحة قال الدارقطني، ورواه أيضا من

طريق أسد بن موسى ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن ربيعة بن

الصلت سمعت عمر يقول: " إذا توضأ أحدكم وليس خفيه فليمسح عليهما

وليصل فيهما ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة " (2) . قال: وثنا حماد بن

سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر وثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، قال ابن

صاعد: ما علمت أحدا جاء به إلا أسد بن موسى، ولماّ خرجه الحاكم في

مستدركه (3) قال: وقد روى عن أنس مرفوعا إسناد صحيح رواته عن آخرهم

ثقات إلا أنه شاذ عنه وهو على شرط مسلم ثم ذكره من جهة المقدام بن داود

الرعيني عن عبد الغفار بن داود الحراني عن حمّاد قال: وعبد الغفار ثقة غير

(1) صحيح. رواه الدارقطني (1/196) والحاكم (1/181) والبيهقي (1/280) .

(2)

صحيح. رواه الحاكم (1/181) والدارقطني (1/204) ونصب الراية (1/179)

والبيهقي (1/279) .

(3)

منكر. رواه الدارقطني: (1/204) .

ص: 657

أنّه ليس عند أهل البصرة من حمّاد زاد الدارقطني: وليس بمشهور، واعترض

أبو محمد الفارسي على هذا الحديث بأن قال: وأسد بن موسى/منكر الحديث

لا يحتج به، ولم يروه أحد من الثقات أصحاب حماد وهو قول لم يقله غيره

في أسد، إنما رأيت العلماء أثنوا عليه ووثقوه ذكر ذلك جماعة منهم البزار

والكوفي والنسائي وأبو العرب في كتاب الطبقات، ولعل ابن حزم رأى قول

ابن يونس في كتاب الغرباء ذكره حديث بأحاديث منكرة وكان رجلا صالحا

ثقة فيما روى واحتسب الأمة من غيرها وهذا كما ترى فرق ما بين الكلامين،

وقوله لم يروه أحد من ثقات أصحاب حماد وفيه نظر؛ لما أسلفناه من حديث

عبد الغفار، وأمّا قول المزِّي أنّ ابن ماجة خرّج حديث عقبة هذا في كتاب

الطهارة عن أحمد بن يوسف عن أبي عاصم عن حيوة عن يزيد عن الحكم

بن عبد الله البلوى عن علي بن رياح فيشبه أن يكون وهما؛ لأنّي نظرت في

عدة نسخ من كتاب السنن فلم أره، والله أعلم. وكذا قول الحافظ القشيري

بأن النسائي خرجه قال: وهو حجة لمذهب مالك فإني لم أره في كتاب السنن

الكبير ولا الصغير فلينتظر، وزاد الجوزجاني بأن قال: هذا حديث باطل منكر

وليس يصح عن عمرو، والصحيح عن عمر مرفوعا التوقيت، وحديث ميمونة

وسألها عطاء عن المسح فقالت: قلت: يا رسول الله، كل ساعة يمسح الإنسان

على الخفين ولا يخلعها، قال: نعم ". رواه الدارقطني بإسناد صحيح لا علة فيه

عن محمد بن مخلد ثنا جعفر بن مكرم ثنا أبو بكر الحنفي ثنا أبو بكر

النيسابوري ثنا عبد الله بن أحمد حدثنى أبي ثنا الحنفي أبو بكر ثنا عمر بن

إسحاق بن يسار أخو محمد بن إسحاق قال: قرأت كتابا العطاء مع عطاء بن

يسار قال: سألت ميمونة، وفي هذا ردّ لما قاله أبو زرعة الدمشقي قلت له:-

يعني: لأحمد- فحديث عطاء بن يسار عن ميمونة قال: من كتاب لتصريحه

بقراءته الكتاب معه فدلّ على سماعه له مه والله أعلم.

وذكر أبو عمر بن عبد البر أنّ أبا حنيفة وأصحابه، وسفيان، والأوزاعي،

والشافعي/وأصحابه، وأحمد، وداود، والطبري قالوا: بالتوقيت، وقد روى عن

مالك التوقيت في رسالته لبعض الخلفاء، وأنكر ذلك أصحابه، وروى التوقيت

في المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وروى عن عمر من طرق أكثرها:

ص: 658

من حديث أهل العراق بأسانيد حسان، وثبت ذلك عن علي، وابن مسعود،

وسعد على اختلاف عنه، وعمار، وأبي مسعود، والمغيرة، وغيرهم وعلى

جمهور التابعين وأكثر الفقهاء وهو الاحتياط عندي، وقال الطحاوي: يحتمل

أن يكود عمر قال ذلك؛ لأنه علم أنّ طريق عقبة الذي جاء منها طريقا لا ماء

فيها كان حكمها أن يتيمم فسأله متى عهدك بخلع خفيك إذا كان حكمك

هو التيمم؟ فأخبره بما أخبره، وهذا الوجه أولى ما يحمل عليه هذا الحديث

ليوافق في روى عن عمر بالأخبار المتواترة ولا يضاره، وقد روينا عن غيره ما

يوافق ما قلنا قال أبو محمد بن حزم: وتعلّق مقلّد وأملك بأخبار ساقطة لا

يصح مضها شيء وبآثار عن الصحابة لا يصح منها أثر، ولا يصح خلاف

التوقيت فيه عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر فقط ولا حجة فيه؛ لأن

ابن عمر لم يكن عنده المسح ولا عرفه؛ بل أنكره حتى أعلمه به سعد فلم

يكن في علم المسح كغيره، وعلى ذلك فقد روى عنه التوقيت. انتهى كلامه.

وقد أسلفنا قبل ما صح في الباب من الحديث وغيره، والله أعلم وبما يحتج به

المالكيون قول الحسن وقيل له: أن يزيد سار إلى السند فلم يخلع له خفا حتى

قدمها فلم ير به بأسا ذكره النيسابوري في الأبواب عن أبي الأزهر ثنا روح ثنا

أشعث عنه، وثنا أبو الأزهر ثنا روح ثنا أشعث عن الحسن قال: المقيم والمسافر

في المسح سواء، وعن الشعبي أنه كان لا يوقِّت في ذلك وقتا، وعن سعد بن

أبي وقاص أنّه كان لا يُوقِّت فيما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه وكذلك أبو

سلمة.

ص: 659

‌57-/باب المسح على الجوربين والنّعلين

حدثنا على بن محمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبي قيس الأودي عن هزيل

ابن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على

الجوربين والنعلين " (1) . هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فمن

المصححين له أبو حاتم البستي، فذكره له في كتابه: الصحيح، وأبو عيسى

(1) صحيح. رواه الترمذي (ح/99) من حديث المغيرة بن شعبة وقال الترمذي: هذا حديث

حسن صحيح. ورواه أبو داود (ح/159) والنسائي (1/32) وابن ماجة (ح/559) كلهم

من طرين وكيع عن الثوري. ورواه البيهقي (1/283- 284) بإسنادين من طريق أبي عاصم

عن الثوري. ونسبه الزيلعي في نصب الراية (1/96) إلى صحيح ابن حبان.

قلت: وهو في صحيح ابن حبان (2/314) من حديث المغيرة بن شعبة.

هكذا صحح الترمذي هذا الحديث، وقد صححه غيره أيضا، وهو الحق. وقد أعله بعضهم بما

لا يدفع في صحته، فقال أبو داود: " كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث هذا الحديث؛

لأن المعروف ظن المغيرة النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفّين "، وقال النسائي: " ما نعلم أحدا

تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ". ونقل البيهقي عن علي بن المديني قال:" حديث المغيرة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل عن الميرة، إلا أنه قال: ومسح على الجوربين، وخالف الناس ". ونقل البيهقي تضعيفه أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي وأحمد وابن معين ومسلم بن الحجاج. وغلا النووي غلوا شديدا، فقال في المجموع (1/500) بعد نقل ذلك:" وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث، وإن كان الترمذي قال: حديث حسن، فهؤلاء مقدمون عليه؛ بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة!! ".

وليس الأمر كما قال هؤلاء الأئمة، والصواب صحيح الترمذي في تصحيح هذا الحديث، وهو

حديث آخر، غير حديث المسح على الخفين. وقد روى الناس عن المغيرة أحاديث المسح في

الوضوء، فمنهم من روى المسح على الخفين، ومنهم من روى المسح على العمامة، ومنهم من

روى المسح على الجوربين، وليس شيء منها بمخالف للآخرة، إذ هي أحاديث متعددة،

وروايات عن حوادث مختلفة، والمغيرة صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحو خمس سنين، فمن المعقول أن

يشهد مع النبي وقائع متعددة في وضوئه ويحكيها، فيسمع بعض الرواة منه شيئا، ويسمع غيره

شيئا آخر، وهذا واضح بديهي.

ص: 660

الترمذي بقوله: هو حسن صحيح، وذكره ابن حزم مصححا له ومحتجا به،

وكذلك أبو الفرح في كتاب التحقيق، وقال الطوسي في أحكامه: يقال هذا

حديث حسن صحيح. ومن المضعفين أبو داود؛ فإنّه قال: أبو روايته (1) ، وكان

عبد الرحمن بن مهدى لا يحدّث بهذا الحديث لا المعروف عن المغيرة أن

النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين وليس بالمتصل ولا بالقوى ومسح على الجوربين:

علي، وابن مسعود،، والبراء، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد،

وعمر،، وابن حرث، وروى ذلك عن عمرو بن عباس- رضي الله عنهم،

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّث أبي هذا الحديث فقال: ليس يروى

إلا من حديث أبي قيس وأبي عبد الرحمن بن مهدى أن يحدّث به يقول هذا

حديث منكر. وقال مهنأ: سألت أحمد عن حديث سفيان عن أبي قيس

عبد الرحمن بن مروان عن هزيل، فقال: أحاديث أبي قيس ليست صحيحة

المعروف عن المغيرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين. وفي كتاب العلل للخلال

أنبأ المروزي أنّ أبا عبد الله ذكر أبا قيس في المسح، فأمّا ابن مهدى فأبي أن

يحدّثاه وأمّا وكيع فحدّث به. وفي كتاب التمييز لمسلم ذكر خبر ليس

بمحفوظ المتن، ثنا يحيى بن يحيى وثنا/وكيع فذكره، ثم ذكر الذين رووا عن

المغيرة مسح الخفين ثم قال: قد بيّنا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح بخلاف

ما روى أبو قيس عن هزيل عن المغيرة مما قد اقتضيناه وهم من التابعين الخلة،

وكلّهم قد اتفق على خلاف رواية أبي قيس، ومن خالف بعضهم ليس من

أهل الفهم والحفظ في نقل هذا الخبر والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه

أولى منه بهزيل؛ لأنّ أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارا غير هذا

الخبر سنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى. قال مسلم: وأخبرني محمد بن

عبد الله بن فهران عن على ابن الحسن بن شقيق قال: قال عبد الله بن

المبارك: عرضت هذا الحديث- يعني: حديث المغيرة من رواية أبي قيس-

على الثوري فقال: لم يجيء به غيره فعسى أن يكون وهما، وفي كتاب

السنن للبيهقي قال أبو محمد- يعني: يحيى بن منصور-: ورأيت مسلم بن

(1) كذا ورد هذا السياق " بالأصل ".

ص: 661

الحجاج ضعّف هذا الخبر وقال أبو قيس وهزيل: لا يحتملان هذا مع

مخالفتهما للأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: يمسح على الخفين

وقالوا: لا نترك ظاهر الكتاب لمثل أبي قيس وهزيل، فذكرت هذه الحكاية عن

مسلم لأبي العباس الدعولي فسمعته يقول: سمعت علي بن محمد بن شيبان

سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال ابن مهدي: قلت للثوري: لو حدثتني

بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيف- أو

واه أو كلمة نحوها- وقال على بن المديني: هذا حديث منكر ضعّفه الثوري،

وابن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني ومسلم،

والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، وسئل عنه الدارقطني فقال:

يرويه الثوري عن أبي قيس عن هزيل، ورواه كليب بن وائل عن أبي قيس

عمن أخبره عن المغيرة وهو هزيل ولكنه لم يسمّه ولم يروه غير أبي قيس، وهو

مما يغمر عليه لم لأنّ المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين، ولما ذكر العقيلي

هذا الحديث فيما أنكر على أبي قير قال: الرواية في الجوربين فيها لين، وقال

أبو عبد الرحمن النسائي: لم نتابع هزيل على هذه الرواية والصحيح عن المغيرة

مسح على الخفين، وقال ابن الحمار في كلامه على الموطأ: اضطراب لا ينكر

قد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه مسح على النعلين وعلى القدمين، ولقائل أن يقول:

أبو قيس عبد الرحمن بن مروان وهزيل حديثهما في صحيح البخاري وثّقهما

غير واحد، وما روياه هنا ليس مخالفا لرواية الجمهور عن المغيرة مخالفة

معارضة؛ بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه لكونه طريقا مستقلا على

حده لم يشارك المشهورين في سندها، فيترجح قول المصححين لهذه العلة،

والله أعلم. وأمّا قول أبي داود: وروي هذا الحديث عن أبي موسى إلى آخره-

يعني: المخرج عند ابن ماجة- وليس ثابتا في روايتنا وهو كما قال: ضعيف

ومنقطع ويفهم منه إلا مشارك له، وليس كذلك لما ذكره الطبراني في المعجم

الكبير (1) من حديث يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة

عن بلال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والجوربين".

(1) ضعيف. رواه الطبراني (1/334، 349) وأحمد (6/14، 15) وابن عساكر في

" التاريخ "(3/462) وحنيف (1/282) . قلت: فيه ابن أبي ليلى.

ص: 662

ولما ذْكره المخرمي في كتاب العلل من حديث أنس بن مالك: " أنه توضأ

ومسح على جوربيه ونعليه " (1) ، ثنا علي بن مسلم ثنا محمد بن القاسم ثنا أبو

طاهر قال: رأيت أنسا قال الحربي: أبو طاهر رجل يتولى الحسن حدّث عنه

شهر بحديث منكر، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق جيدة رواها النسائي

في كتاب الكنى عن عمرو بن علي ثنا سهل بن زياد أبو زياد الطحان ثنا

الأزرق بن ميسرة قال: رأيت أنسا، فذكره فسلم مما أعلّه به الحربي. وحديث

جرير بن عبد الله، وقد تقدّم ذكره. وحديث أبي موسى ذكره في الأوسط،/

وقال: لا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد. تفرد به عيسى بن سنان،

وقال البيهقي في سننه: وذكر حديث أنس وقد رفعه بعض الضعفاء وليس

بشيء، وإنما تعداده في الصحابة فقد أغفل ابن عمر وأنا مسعود وسعد بن أبي

وقاص، وذكرهم ابن حزم وقال: لا نعلم لهم مخالفا. قال: وهو قول ابن

المسيب، وعطاء، والنخعي، والأعمش، والحسن، وحلاس زاد في المصنف،

وإبراهيم، والضحاك، وسعيد، وجبير، ونافع، وفي كتاب الإسراف: وابن

المبارك، وزفر، والثوري والحسن بن صالح، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن،

وأبي ثور، وأحمد: وإسحاق، وداود بن علي وغيرهم، وقال أبو حنيفة: لا

يمسح عليهما، وقال: مالك لا يمسح عليهما إلا أن يكونا مجلدين. انتهى

كلامه، وفيما حكاه عن أبي حنيفة؛ نظر؛ لأن مذهبه جواز المسح عليهما إذا

كان مجلدين ومنعلين، كذا هو في المنافع وغيره، وحكى أبو عيسى في جامعه

عن صالح بن محمد الترمذي سمعت أبا مقاتل السمرقندي (2) يقول: دخلت

على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه فدعا بماء فتوضأ وعليه جوربان

فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئا لم أكن أفعله مسحت على الجوربين

وهما غير منعلين قال أبو عيسى: وبه يقول الشافعي: انتهى كلامه. والحنفيون

يذكرون أنّ الشّافعي لا يجوز المسح عليهما، وكذا ذكره أبو سليمان الخطابي

قال: إلا أن يكونا منعلين يمكن متابعة المشي عليهما. وقال ابن المنذر: فكرة

(1) تقدّم أول حديث من هذا الباب، وعليه تعليقا مطولا.

(2)

قوله: " السمرقندي " وردت " بالأولى "" التيمي أفندي " والصحيح ما أثبتناه من

" الثانية ".

ص: 663

المسح عليهما مالك والشافعي وروى أباحية عن تسعة من الصحابة: علي،

وعمار، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والبراء، وبلال، وأبو أمامة، وسهل بن

سعد، وأبو سعيد الخدري، وبه قال عطاء: والحسن بن صالح، وابن المبارك،

وأحمد، وإسحاق، وزفر وأما صاحبا (1) أبي حنيفة/فقالا: يمسح عليهما إذا

كانا نجسين لا يشفّان. والجورب. قال أبو نصر: معرب لفافة الرجل والجمع

جواربه والهاء للعجمة. ويقال: الجوارب أيضا كما قالوا في جمع الكيلج

الكيالج، ويقول: جوربه فتجورب أي: ألبسه الجورب فلبسه، وقال الجواليقي:

كثر حتى صار كالعربي قال رجل من بنى تميم لعمر بن عبيد الله بن معمر،

وكانت تحته رملة أخت طلحة الطلحات وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله:

أنبذ برجله نبذ الجورب الخلق وعش بعيشة عيشا غير ذى رنق وضرب العرب

المثل بعيشة، وقال نافع بن لقيط الأسرى:

وما ولق أنصحت كية رأسه

فتركته وفرا كى الجورب

وقال مسكين الدارمي:

أثنى على بما علمت فإنني

مثن عليك بمثل ريح الجورب

وأما الأحاديث الواردة في المسح على النعلين فمنها ما رواه أبو داود عن

أوس بن أبي أوس الثقفي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم: " توضأ ومسح على نعليه

وقدميه " (2)، وقال الجرجاني: هذا حديث منكر، ولما ذكره عبد الحق سألت

عنه- يعني: مصححا له- ومع ذلك الخزرجي وأعترض عليه ابن القطان بأن

ما مثله صحح؛ لأنه من رواية هيثم عن يعلى ابن عطاء عن أبيه أخبرني أوس،

فذكره، وعطاء العامري والد يعلى مجهول الحال لا يعرف له رواية إلا هذه،

وأخزى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ولا يعرف روى عنه غير يعلى وإن

كان ابنه ثقة فروايته غير كافية في المتبقي من بقية، وللحديث علة أخرى

وذلك أن منهم من يقول فيه: عن أوس بن أوس- أو ابن أبي أوس- عن أبيه

(1) المراد هما: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني.

(2)

تقدم بنحوه وبألفاظ فيها " خفيه وعمامته " و" خفيه ونعليه ".

ص: 664

عن النبي صلى الله عليه وسلم فزيادة عن أبيه عادت بنقص فإنّا إنما كنّا نقبل الأولى، ولا

نضع منها نظرا باعتقاد أنّ أوس بن أوس أو ابن أبي أوس صحابي على رأى

من يقبل أمثال هؤلاء الذين يدّعون لأنفسهم الصحبة ولا تكون معلومة لهم إلا

من أقوالهم، فأمّا إذا كان إنمّا برويه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم/فقد صار هو ممن

يجب النظر فيه كسائر من بعد في زمن التابعين، وإذا كان ذلك كذلك فإنّه

حينئذ يكون مجهول الحال غير ثابت العدالة، وفي أنّه أوس بن أوس أو ابن

أبي أوس خلاف معروف، واختصاره هو أنه أوتيت عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة

أحاديث: أحدها: هذا، والثاني: من غسل واغتسل برويه أبو الأشعث عن أوس

بن أوس، والثالث: غريب القرآن يرويه عثمان بن عبد الله بن أوس عن جدّه

أنس بن حذيفة، والرابع: في الصوم فقيل في هذا كلّه أنّه واحد هو أوس بن

أوس وابن أبي أوس، وابن حذيفة، وذكر أبو عمر بن عبد البر قول ابن معين:

أوس بن أوس وأوس بن أبي أوس واحد فخطأه فيه، وقال: أنّ أوس بن أوس

بن أبي أوس هو ابن حذيفة جدّ عثمان بن عبد الله بن أوس، وله أحاديث

منها: في المسح على القدمين وفي إسناده ضعف، يعني: حديث المبدي يذكره،

قال: ورواه الطحاوي فأسقط عطاء والد يعلي وجعله من حديث يعلى عن

أوس وهو غير صواب وفيه نظر من وجوه: الأوّل: قوله معترضا على أبي

محمد وما مثله صحيح، وأبو محمد- رحمه الله ليس هو ثاني عذره

بصحيحه فقد سبقه إلى ذلك الحافظ أبو بكر الحازمي بقوله: لا يعرف مجردا

متّصلا إلا من حديث يعلى، وعلى تقدير قولهم ذهب بعضهم إلى نسخه،

وهذا وإن كان لا يعطي تصحيحا فقد صحّحه أبو حاتم البستي بعد توثيقه

عطاء ثم قال: وهذا من الأخبار التي رويت مجملة، ويفسرها في أخبار أخر

ثم قال: ذكر البيان بأن مسح المصطفي على النعلين كان ذلك في وضوء النفل

دون الوضوء الذي يجب من حدث معلوم فذكر حديث البزار عن علي،

وذكر وضوءه فمضمض واستنشق ومسح وجهه وذراعيه ومسح رأسه ومسح

رجليه، ثم قال: فشرب فضل مائه، ثم قال: أتى حديث: " أنّ رجالا يكرهون

ص: 665

أن يشرب أحدهم وهو قائم وإنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت " (1) ،

وهذا وضوء من لم يحدث، وفي الأوسط عن علي بنحوه رواه عن ابن

أحمد/ابن حنبل حدثنى أبو عبيدة بن فضيل بن عياض ثنا مالك بن سعيد ثنا

فرات بن أحنف حدثنى أبي عن ربعي عنه وقال: لم يروه عن ربعي إلا أحنف

بن فرات. تفرّد به أبو عبيده بن عياض، وفي كلام ابن حبان نظر ومن حيث

أنّ عليا صلى بهذا الوضوء، أمّا ما ذكر ذلك البيهقي من حديث سفيان عن

حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن وهب. ومن حديث ابن بحر عن سفيان عن

الأعمش عن أبي طيبان أنه قال: " رأيت عليا بالرحبة بال قائما حتى أرغى فأتى

بكوز من ماء ثم أخذ كفا من ماء فوصف وضوءه ثم قال: ومسح على نعليه

ثم أقيمت الصلاة فخلع نعليه ثم تقدّم فأمّ الناس " (2) . قال الأعمش: فحدثت

إيراهيم به فقال: إذا رأيت أبا طيبان فأخبرني فرأيته قائما في الكناسة فقلت:

هذا أبو طيبان فأتاه فسأله عن الحديث، وقال: حديث أبي طيبان ثابت زاد في

كتاب الأبواب أنّ عليا مسح عليهما ثم خلعهما فجعلهما في كمّه ثم صلى

هما الفريضة، وذكره عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يزيد بن أبي زياد

عن أبي طيبان به، قال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن

ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل صنيع علي هذا قال البيهقي: ورواه الثوري عن

قابوس بن أبي طيبان، وعبد العزيز بن رفيع، وسلمة بن كهيل، والزبير بن

جري، وورقاء بن إياس كلّهم عن أبي طيبان به، قال ثاني قوله أنّ الطحاوي

رواه عن أوس بن أوس فأسقط عطاء فكذلك هو، ولكن الخرائطي ذكر في

كتاب اعتلال القلوب ثبوته في هذه الرواية من حديث عمر بن شيبة ثنا يحيى

بن سعيد عن شعبة عن يعلى عن عطاء عن أبيه عن أوس بن أوس عن أبيه،

وكذا رواه أبو القاسم الطبراني من حديث يحيى بن سعيد، ولما رواه بحشل

(1) صحيح أورده الهيثمي. في " مجمع الزوائد "(5/79) من حديث أنس: " أن النبي

صلى الله عليه وسلم شرب وهو قائم " وعزاه الهيثمي إلي أبي يعلى والبزار ورجاله رجال الصحيح.

(2)

بنحوه. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/256) من حديث عوسجة.

ص: 666

في تاريخه عن هيثم بن إسحاق ثنا شريك عن يعلى عن أوس به قال: هذا

غلط. وحديث هشيم يعني- الذي فيه عن- أبيه أصح والله أعلم./الثالث:

سكوته عن علة ذكرها الإمام أحمد فهي أولى بالذكر مما تقدم، وهو قوله لم

يسمع هشيم هذا الحديث من يعلى ذكره الجوزجاني عنه، وقال: كان هشيم

يدلس فلعله سمعه من بعض الضعفاء ثم أسقطه فلئن كان ما قالاه صحيحا

فهو أجدر بأن يكون علّة لا سيما على ما ثنا قيس به أنا محمد كونه يقبل

أخبار المدلسين والمتصرحون بالسماع، وليس لقائل أن يقول لعلّه لم يعتد هذه

علّة؛ لأنه لو كان كذلك لرأيته كعادته والله أعلم. ثم نظرنا هل هو كذلك أم

لا فوجدنا هشيما صرح فيه بالتحديث المزيل للشبهة المذكورة هنا أنبأ المسند

المعمر فتح الدين الجودري قراءة عليه وأنا أسمع عن أبي الحسن البغدادي أنبأ

الحافظ السلامي أنبأ الإمام أبو منصور محمد بن أحمد بن علي المعمري أنبأ

القاضي أبو بكر محمد بن عمر أنبأ الحافظ أبو حفص بن شاهين ثنا أحمد بن

سليمان الفقيه ثنا بشر بن موسى ثنا سعيد بن منصور ثنا هشيم أنبأ يعلى بن

عطاء عن أبيه أخبرني أوس به ثم قال: قال هشيم: هذا كان في مبدأ الإسلام

وأنبأ الشيخ أبو الفتح القاهري- رحمه الله قراءة عليه وأنا أسمع قال: أنبأنا

الأخوان أبو المكارم عبد الله وأبو عبد الله الحسين أنبأ الحسن بن منصور وقال

الأول: ثنا، وقال الثاني: ثنا الحافظ أبو بكر محمد بن حازم الهمداني قراءة

على محمد بن أحمد بن القاضي أخبرك أبو طاهر أحمد بن الحسن الكرخي

في كتابه ثنا الحسن بن أحمد ثنا دعلج بن أحمد أنبأ محمد بن على ثنا سعيد

ابن منصور أنبأ هشيم أنبأ يعلى بن عطاء عن أبيه فذكره، وعن علّة (1) أخرى

ذكرها الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ حديث يعلى من ترك لأنّ بعضهم

رواه عنه عن أوس ولم يقل عن أبيه، وقال بعضهم: عن رجل- يعني:

مجهولا- والله أعلم. وأما تخطيئه أبي عمر بن معين فغير جيد؛ لأنه قول قاله

(1) قوله: " علْة " وردت " بالأصل "" عسلة " وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه عن

" الثانية ".

ص: 667

جماعة/من العلماء، منهم: أبو جعفر بن منيع، وعبد الله بن محمد البغويان،

وأبو بكر أحمد بن عبد الله البرقي في تاريخه، وأبو إسحاق الحربي في كتابه

العلل، وأبو القاسم الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو حاتم البستي في كتاب

الصحابة قال: وهو ابن حذيفة أيضا، وأبو عيسى الترمذي في كتاب التاريخ،

وأبو أحمد العسكري في كتاب الصحابة- رضي الله عنهم أجمعين- وأبو

داود الطيالسي- رحمه الله تعالى-، وفي تاريخ الجعفي (1) الكبير أوس بن

حذيفة والد عمرو بن أوس، ويقال: أوس بن أبي أوس، ويقال: أوس بن أوس

له صحبة، وفي معجم ابن نافع أوس بن أوس بن ربيعة بن مالك بن كعب بن

عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف روى عنه عبد الملك بن المغيرة وأبو

الأشعث وعبادة بن نسى وابن عمرو بن أوس عنه فقالوا: ابن أوس ومن قال

ابن أبي أوس: المعمر بن سالم قال: سمعت رجلا، وفي رواية أخرى اسمه

عمرو جدّه أوس بن أبي أوس، وفي رواية أبوه ويعلى بن عطاء في كتاب

الصحابة لأبي مُوسى: اسم أبي أوس هذا جابر بن عوف شيعي، وروى حديثه

هذا من طريق محمد بن إدريس عن عنان عن حماد بن سلمة عن يعلى عن

أبيه عن أوس بن أبي أوس واسمه جابر، ثم قال: وكذلك رواه حجاج عن

حماد إلا أنه لم يسمه جابرا قال: ولأبيه أيضا صحبة، وهو جد عمرو بن أوس

ذكره أبو عثمان سعيد السراج القرشي الأصبهاني في الأفراد، وكتبه عنه

عبد الله بن مردويه (2) ، رحمهم الله تعالى. وحديث ابن عمر أنّه كان يتوضأ

ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ويقول كذلك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل،

رواه البزار عن إبراهيم بن سعيد ثنا روح بن عبادة عن ابن أبي ذئب عن نافع

عنه وقال: وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن نافع إلا ابن أبي ذئب، ولا نعلم

رواه/عنه إلا روح بن عبادة، وإنما كان يمسح عليهما؛ لأنه توضأ من غير

حدث، وكان يتوضأ لكل صلاة من غير حدث فهذا معناه عندنا، ولما ذكره

(1) أي: تاريخ البخاري.

(2)

قوله: " مردويه " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.

ص: 668

أبو الحسن بن القطان. انتهى. وفيه نظر؛ لأنّ ابن عمر وإن كان مذهبه الوضوء

لكلّ صلاة فليس ذلك من مذهبه عليه الصلاة والسلام. وقد قال كذلك: كان

النبي صلى الله عليه وسلم يفعل على خفية؛ لأنه حديث منكر الإسناد والخبر جميعه خرّجه

البيهقي من حديث داود، ولما ذكره أبو الحسن بن القطان صححه، وحديث

ابن عباس وتوضأ وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثم قبض قبضة من الماء فرشّ على

رجله اليمنى، وفيها النعل ثمّ مسحها بيده يد فوق القدم ويد تحت القدم ثم

صنع باليسرى مثل ذلك خرّجه أبو داود من رواية هشام بن سعد، وحديثه في

صحيح مسلم وتكلّم فيه بعضهم، وفي لفظ عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم:

" توضأ مرة مرة ومسح على نعليه ". ذكره الحربي من حديث عبد الرزاق عن

معمر قال: لو شئت حدثتكم أنّ زيد بن أسلم حدثنى عن عطاء عن ابن

عباس فذكره ثم قال: الحمد لله الذي لم يقدر على لسان معمر أن يحدث به

ابن الجراح عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء عنه، وقال: هكذا رواه داود

وهو منفرد عن الثوري مناكير هذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذه

اللفظة، وقد روى عن زيد بن الحباب عن سفيان هكذا وليس بمحفوظ،

والصحيح رواية الجماعة، ورواه الدراوردي وهشام بن سعد عن زيد فحكا في

الحديث ورشّ على الرجل وفيها النعل، قال: وذلك يحتمل أن يكون غسلها

في النعل، فقد رواه سليمان بن بلال، وابن عجلان، وورقاء، ومحمد بن

جعفر، وابن أبي كثير عن زيد بن أسلم فحكوا في الحديث غسله رجليه

والحديث واحد، والعدد الكبير أولى بالحفظ من العدد اليسير مع فضل حفظ

من حفظ فيه الغسل بعد الرش على من لم يحفظه./انتهى كلامه. وفيه نظر

من وجوه: الأول: ما قاله من حديث زيد بن حباب ليس صحيحا لأمرين:

الأول كونه ثقة وما قاله ابن معين من أنّ أحاديثه عن الثوري مقلوبة اعتذر عن

ذلك أبو أحمد بن عدي بقوله: زيد من أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في

صدقه، والذي قاله ابن معين إنما له عن الثوري أحاديث تستغرب بذلك

الإسناد يرفع بعضها ولا برفع ذلك غيره، والباقي عن الثوري وغيره مستقيمة

ص: 669

كلّها، ثم ذكر له أحاديث لم يذكر هذا منها فنلخص مما قاله أبو أحمد أنّه

ثقة تفرّد به، وتفرّد الثقة مقبول عند الجمهور. الثاني: قوله ليس محفوظ يشعر

أنه لم يأت به غيره، وقد سبق مجيئه من حديث رواد المرفق عند ابن معين أنّه

لم يأت به غيره وأحمد وغيرهما، ومن مصنف عبد الرزاق بسند كالشمس

على شرط الشيخين، وذكره ابن خزيمة في صحيحه من حديث سفيان عن ابن

عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن أسلم وقال بعده: والدليل على أنّ

النبي صلى الله عليه وسلم مسح على النعلين كان في وضوء تطوع لا في وضوء واجب عليه

ثم ذكر حديث سفيان عن الثوري عن عبد خير عن علي، وفيه: هكذا وضوء

النبي صلى الله عليه وسلم للطاهر ما لم يحدث، وخرجه أحمد بن عبيد الصفار في مسنده

بزيادة هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يحدث، ولما ذكره أبو داود في كتاب

التفرد قال: الذي تفرد هذا الحديث مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما

مع الرأس. قال: وحديث عبد خير عن علي ليس بالبين. انتهى. قد أسلفنا ما

برفع هذا قبل والله أعلم، وقد أسلفنا بخبر زيد بن حباب شواهد ومتابعات

دلّت على أنّ لحديثه أصلا، وأنّ الثقات رووه عن سفيان بهذه اللفظة لا كما

زعم. الثالث: قوله فأما المسح على الرجلين فهو محمول على غسلهما؛ لأنّ

المسح سنة لمن تغطت رجلاه بالخفين فلا يعد بها موضوعها والأصل وجوب

غسل/الرجلين إلا ما خصّته سنة ثابتة أو إجماع لا يختلف فيه، وليس على

النعلين ولا على الجوربين واحد منهما. انتهى. وعليه فيه اعتراضات: الأول:

مقتضى صناعة الحديث النظر في الإسناد بصحة أو غيره، وأمّا التأويلات

وغيرها فمن نظر الفقيه. الثاني: قوله: وليس عليهما سنة ثابتة، وقد أسلفنا

أحاديث صحيحة وحسنة في هذا الباب وغيره ولله الحمد والمنة.

ص: 670

‌58- باب المسح على العمامة

حدثنا هشام بن عمّار ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن الحكم عن

عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

مسح على الخفين والخمار ". هذا حديث خرجه مسلم- رحمه الله تعالى-

في صحيحه، وقال ابن حزم: لا مطعن فيه، وفيما قاله نظر؛ لما ذكره الحافظ

أبو الفضل الهروي في كتاب العلل زادوا على مسلم (1) إخراجه من حديث

سليمان وهو حديث قد اختلف فيه على الأعمش، فرواه أبو معاوية، وعيسى

بن فضيل، وعلي بن مسهر وجماعة هكذا، ورواه زائدة بن قدامة، وعمار بن

رزيق عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء عن

بلال وزائدة مثبت متين، ورواه الثوري عن الأعمش عن الحكم عن

عبد الرحمن عن بلال لم يذكر بينهما لا كعبا ولا البراء، وروايته أثبت

الروايات، وقد رواه عن الحكم غير الأعمش شعبة ومنصور بن المعتمر وأبان بن

ثعلب، وزيد بن أبيِ أنيسة، وجماعة عن الحكم عن عبد الرحمن عن بلال

كما رواه الثوري عن الأعمش. وحديث الثوري عندنا أصح من حديث غيره

وابن أبي ليلى لم يلق بلالا، وإلى هذا نجا الإمام أحمد وقال الأثرم: قلت لأبي

عبد الله: أي شيء أثبت فيه؟ قال: فيه أحاديث فبدأ بحديث بلال. قلت:

حديث كعب بن عجرة عن بلال. قال: رواه شعبة/وزيد بن أبي أنيسة وغير

واحد ليس فيه كعب، والأعمش يختلف عنه زائدة بقوله عن البراء عن بلال

وغيره يقول: كعب بن عجرة عن بلال، وفي سؤالات مهنأ قال أبو عبد الله:

أظنّ الأعمش غلط فيه إّنما قال الناس: عن ابن أبي ليلى عن بلالا، وزاد

الأعمش كعبا، ولفظ أحمد في مسنده: مسح على خفيه وعلى خمار العمامة،

وفي رواية فيمسح على العمامة وعلى الخفين، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(1) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة، ح/82- 83) والنسائي (1/82) وابن أبي شيبة

(14/162) والمجمع (1/256- 257) من حديث بلال، وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط "

وفيه غسان بن عوف، قال الأزدي: ضعيف.

ص: 671

" امسحوا على الخفين والخمار "(1)، وفي رواية: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح

على الموقين والخمار " (2) ، ورواه ابن عيينة عن ابن أبي ليلى وأبان بن ثعلب عن

الحكم فيما رواه الكجي في سننه عن الزيادي كرواية الثوري، وقال أبو على

الجياني: هو حديث مختلف فيه من رواية الأعمش عن الحكم، ويقال: إن ابن

أبي ليلى لم يسمع من بلالا فهو مرسل، والله أعلم. قال الحربي: وأجمع شعبة

ومنصور وحجاج وأبان بن ثعلب وابن أبي ليلى أنه عن ابن أبي ليلى عن

بلال، واختلف أصحاب الأعمش فقائل عن ابن أبي ليلى عن كعب عن

بلال، ومنهم قائل عن البراء عن بلال، وقال سفيان: عن ابن أبي ليلى عن

بلال كما قاله شعبة وأصحابه، وهذا عندي- والله أعلم- هو القول لعلم

شعبة بحديث الحكم وكره مجالسة أبيه وثبت منصور وعلة الاختلاف عنه

ولكثرة من وافقهما؛ ولأنه لم يوافق الأعمش من ينتفع به ثم اختلف أصحابه

فكان ما روى سفْيان أحب إلي وليس من قال كعب بن عجرة بأثبت ممن

قال البزار من سفيان حين لم يذكر كعبا ولا البزار. وأما رواية ليث عن الحكم

عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال فأحسبه سمعه من الأعمش موافقا لرواية

عيسى ابن فضيل، وقال غيره: أبي المحياة وهو معتمر عن ليث عن الحكم عن

حبيب عن شريح عن بلال، فلو اتفق أصحاب ليث لجاز أن يكون هذا

حديث آخر، لكن شيبان رواه عن الحكم عن شريح عن بلال، وزاد: وما أقف

على رأيه/وأرسله عن ابن عينية فلا حجة عليه ولا له. ورواه عن بلال جماعة

منهم علي بن أبي طالب، ورواه الطبراني في الكبير من حديث ليث بن أبي

سليم عن الحكم عن شريح بن هانئ عنه قال: زعم بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان

يمسح على الموقين والخمار، وأبو سعيد الخدري بلفظ: " إن النبي- عليه الصلاة

والسلام- لم ناداه امسح على الخفين والحمار ". رواه أبو القاسم في

الأوسط (3) وقال لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، ونعيم بن حماد من

(1) ضعيف الجوامع: (4452) .

(2)

ضعيف مرسل. الجوامع (4453) والطبراني (1/346) وابن عساكر في " التاريخ " (3/

462) بلفظ: " امسحوا على الموق والخمار ".

(3)

تقدّم من أحاديث الباب انظر هامش رقم (1) السابق.

ص: 672

حديث محمد بن راشد عن مكحول عنه عن بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" امسحوا على الخفين والخمار ". وشريح بن هانئ من حديث ابن أبي سليم

عن الحكم عن حبيب بن أبي ثابت عنه عن بلال، وقال في الأوسط: لم يروه

عن حبيب بن أبي ثابت إلا ابن أبي سليم. تفرد به معتمر بن سليمان

وعبد الرحمن بن عوف من حديث أبي عبد الله مولى بنى تميم عنه بلفظ:

" الخمار والموقين " قال أبو داود: هو أبو عبد الله مولى بنى تميم بن مرّة، وزعم

الحافظ أبو القاسم بن عساكر أن أبا داود تفرد به، وكذلك الحافظ المنذري

تبعه والشيخ جمال الدين المزي وليس كما زعموا لثبوته في كتاب السنن لأبي

عبد الرحمن النسائي رواه أبي الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا ثنا عمرو

بن علي ثنا محمد ثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص عن أبي عبد الله، فذكرها

قال ابن عساكر: ورواه أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي بكر بن حفص

عن أبي عبد الرحمن عن أبي عبد الله فعليه، وقال أبو عمر بن عبد البر في

كتاب الاستغناء: هذا إسناد مضطرب مقلوب مرة يقولون عن أبي عبد الله عن

أبى عبد الرحمن، ومرة عن أبي عبد الرحمن عن أبي عبد الله، وكلاهما

مجهول لا يعرف والعجب أنّه من حديث شعبة وهو إمام عن أبي بكر بن

حفص وهو ثقة. انتهى كلامه، وهو مردود بما ذكره أبو عبد الله في

مستدركه، وخرجّه من حديث شعبة عن أبي بكر سمع أبا عبد الله يُحدِّث

عن أبي عبد الرحمن / وقال: هذا حديث صحيح، فإن أبا عبد الله مولى

اليمنى معروف بالصحة والقبول، وهو موافق لما ذكره أبو داود، والله أعلم.

ويؤيده ما ذكره الدارقطني في كتاب العلل، ورواه عبد الملك بن أبحر عن أبي

بكر بن حفص عن أبي عبد الرحمن مسلم بن يسار، ويذكره قيل له: أبو

عبد الرحمن عن أبي عبد الله من هما فقال: ما سماهما أحمد إلا ابن أبحر،

وليس عندي كما قال: انتهى. فيشبه أن يكون الحاكم اعتمد هذه التسمية،

ولهذا نبه على أبي عبد الله واعترض على أبي عبد الرحمن لجلالته وثقته، وفي

كتاب الكنى للنسائي عن أبيِ جرير بن سهيل والجرير بن معاوية قالا: مر بنا

بلال فعلما بأنا عبد الرحمن فقال: كيف سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في نزع

الخفين

الحديث، وحكيم بن حزام عنه أنه: " توضأ ومسح على خمار

ص: 673

وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ هكذا "، وذكره النيسابوري في كتاب الأبواب

ثنا يزيد بن سنان ثنا أبو عاصم عن ابن جريج أخبرني أبو بكر بن عبد الله عن

عبد الملك بن سعيد عنه، والحكم بن منبه قال: " رأيت بلال يتوضأ ومسح

على الخفين والخمار ". رواه أيضا عن علي بن حرب ثنا زيد بن حباب حدثنى

الضحاك بن عثمان عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن شبيب بن الحكم

عن أبيه به وأبو جندل بن سهيل بن عمرو من حديث يحيى بن حمزة عن

العلاء بن الحرث عن مكحول عن الحرث بن معاوية عنه والحرث بن معاوية

من حديث مكحول عنه، وأبو إدريس الخولاني من حديث أبي قلابة عنه،

وقيل: عن أبي قلابة عن بلال بإسقاط عبد الله، وزعم البخاري أن حماد بن

سلمة أخطأ فيه؛ لأن أصحاب أبي قلابة رووه عن بلال لم يذكروا فيه عن أبي

إدريس وأبي ذلك أبو محمد الفارسي فصحح حديث أبي إدريس، وقال ابن

أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه زهير عن حميد الطويل عن أبي رجاء

عن عمه عن أبي إدريس عن بلال في المسح،/فقال أبي: هذا خطأ إنما هو

حميد عن أبي رجاء مولى لأبي قلابة عن أبي قلابة عن أبي إدريس قلت:

الخطأ ممن هو؟ قال: لا ندري، قال: ورواه الخزاعي عن أبي قلابة عن أبي

إدريس، ولا أعلم أحدا تابع مخلدا، ويروونه عن أبي قلابة عن بلال وأبو

الأشعث الصاغاني من حديث الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن مطر

عن أبي قلابة عنه، وفي كتاب أبي الحسن البغدادي: ورواه عنه أيضا سويد بن

غفلة والحسن وابن سيرين ومكحول مرسلا وأسامة بن زيد، ولفظ سعيد بن

منصور في سننه قال عليه السلام: " امسحوا على الخفِّ والخمار "(1) . وفي

المصنف لابن أبي شيبة: ثنا يحيى بن يعلى عن ليث عن الحكم عن ابن أبي

ليلى عن كعب عن بلال: " أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمسحون على

الخفين والخمار ". وقد وقع لنا في الباب أحاديث منها حديث ثوبان قال:

" بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله

صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساحي ". خرجه الحاكم (2) من

(1) مرسل الجوامع: (4455) .

(2)

صحيح. رواه الحاكم (1/169) وأبو داود (146) وأحمد (5/277) والبيهقي=

ص: 674

حديث ثور عن راشد بن سعد عنه وقال: صحيح على شرط مسلم ولم

يخرجاه بهذا اللفظ، إنّما اتفقا على المسح على العمامة بغير هذا اللفظ وله

شاهد فاسد. انتهى كلامه. وليس بوارد علّة قول الإمام أحمد فيما رواه عنه

المروزي، وخرجه في تاريخ بلده من حديث خارجة عن يزيد عن راشد عنه،

ولفظه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعثا فقدموا عليه فشكوا إليه ما أصابهم من شدّة

البرد، فقال لهم: إذا أصابكم البرد فامسحوا. الحديث لا ينبغي أن يسمع من

ثوبان؛ لأنه مات قديما، وبنحوه قاله عند ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل،

وقال الحربي في كتاب العلل: راشد لم يسمع من ثوبان؛ لأنّ ثوبان توفي سنة

أربع وخمسين وراشد توفي سنة ثلاثة عشرة ومائة وبن موتهما تسع وخمسون

سنة، ويجيب عنه بأمرين: الأول: تصريح الجعفي لسماع راشد منه وهو مثبت

مقدّم على الباقي./الثاني: إذا نظرنا في مولده ووفاة ثوبان وجدنا الأمر ما قاله

البخاري لا ما قاله أحمد، وذلك أنّه ممن شهد صفين وبها ذهب عيينة فيما

ذكره غير واحد من الأئمة وثوبان توفي سنة خمس وأربعين، وقيل: أربع

وخمسين بسماعه على هذا متن لا شك فيه لا سيمّا، وقد جمعهما بلد

واحد، وأمّا قول أبي إسحاق؛ فقد كفانا مئونة الردّ عليه بردّه هو على نفسه،

ورواه أبو القاسم في كتابه الكبير عن بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح

عن معاوية بن صالح عن عتبة بن أبي أمية الدمشقي عن أبي سلام الأسود عنه

وهو في المسند للبغوي الكبير من حديث الليث يعني: ابن سعد- عن معاوية،

ولفظ أبي بكر بن زياد، وخرجه من حديث معاوية بن أبي أمية الدمشقي عن

أبي سلام وأبيه قال عليه الصلاة والسلام: " يتوضأ ويمسح على الخفين

والخمار "، يعني: العمامة. وحديث سليمان المذكور قبل من صحيح ابن حبان،

وحديث عمرو بن أمية الضمري قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين

والعمامة ". رواه البخاري (1) في صحيحه من حديث الأوزاعي عن يحيى بن

أبي كثير عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه، وقد سبق ذكره

في كتاب العلل للخلال قال محمد بن عوف الحمصي: وكان أبو المغيرة نبأ

- (1/62) وشرح السنة (1/452) .

(1)

تقدم من أحاديث الباب.

ص: 675

به عن يحيى بن أبي قلابة عن جعفر عن عمر فردّه أحمد بن حنبل، ورواه

محمد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي فأسقط جعفرا فيما ذكره ابن أبي حاتم

قال ابن بطال: لم يسمع أبو سلمة من عمرو، وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن

معين أنّ حديث عمرو بن أمية مرسل وأبي ذلك الحافظ أبو محمد الفارسي

بقوله: هذا قول للخذلان أبا سلمة سمعه من عمرو سماعا، وسمع أيضا من

جعفر عنه، وقال الأصيلي: ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي؛

لأنّ شيبان رواه عن يحيى فلم يذكر العمامة، وتابعه حرب بن شدّاد وأبان

العطار فهؤلاء ثلاثة خالفوه فوجب/تغليب الجماعة على الواحد، وأما متابعة

معمر له فمرسل وليس فيها ذكر العمامة، ورواه عبد الرزاق مسح على خفيه

ولم يذكر العمامة، وحديث أنس بن مالك قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان

يمسح على الموقين والخمار " (1) . ذكره أبو بكر الحافظ في سننه بإسناد صحيح

من حديثه عن علي بن عبد العزيز- رحمه الله ثنا الحسن بن الربيع عن ابن

شهاب الحناط عن عاصم الأحول عنه. ورواه أبو القاسم في الأوسط عن

أحمد بن يحيى الحلواني ثنا الفضل ثنا عيسى بن ميمون عن حميد عنه بلفظ:

" رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الموقين ". وقد تقدم ذكره من عنده أيضا في باب

المسح أنّ ذلك قبل موته عليه السلام بشهر، وحديث عبد الصمد بن

عبد الوارث عن الهيثم بن قيس عن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه عن

جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه رخص للمسافر في المسح على الخفين والعمامة

للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام " (2) . ذكر أنّ ابن أبي حاتم أنّه سأل أباه

عنه فقال: هذا حديث منكر. ثنا به قرة، ولم يذكر فيه العمامة وليس ليسار

صحبة، وحديث المغيرة بن شعبة: " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ومقدم

رأسه وعلى عمامته " (3) . وفي رواية: " ومسح بناصيته وعلى العمامة " رواه

مسلم (4) في صحيحه وقد تقدم طرف منه، وفي كتاب الطوسي: " أنه صبّ

على النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى الحاجة وغسل يديه قال: وأحسبه بالتراب فتوضأ

(1- 3) تقدمت من أحاديث الباب.

(4)

صحيح. رواه مسلم في: 2- كتاب الطهارة، 23- باب السح على الناصية والعمامة،

(ح/83) .

ص: 676

ومسح على ناصيته والعمامة ومسح على الخفين ". ثم قال: يقال حديث المغيرة

حسن صحيح. وحديث أبي أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يمسح المسافر على

الخفين والخمار ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة ". رواه (1) أحمد فيما

ذكره حرب بن إسماعيل عن محمد بن أبي بكر ثنا عبد الصمد ثنا مروان أبو

سلمة ثنا مسهر عنه، وقال مهنأ: سألت/أحمد عن حديث يحيى بن أبي

سمينة ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا مروان أبو سلمة عن شهر بن

حوشب عنه، فقال: ليس بصحيح. وحديث أبي ذر قال: " رأيت رسول الله

صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الموقين والخمار ". ذكره ابن حزم مصححا له من طريق

مخلد بن الحسن عن هشام بن حسان عن حميد بن هلال عن عبد الله بن

الصامت عنه. وحديث أبي هريرة (2) : " أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين

والخمار- يعني: العمامة- ". ذكره أبو القاسم في الأوسط (3) من حديث

عبد الحميد بن جعفر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه وقال: لم

يروه عن عبد الحميد إلا يعلى بن عبد الرحمن الواسطي، وحديث أبي طلحة:

"أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين والخمار "(4) . أنبأ به الشيخ الإمام

شمس الدين أبو البركات محمد الشرابيني- رحمه الله أنبأ الإمامان أبو

محمد السكرى وعبد العزيز الحراني قالا: أنبأتنا أم هانئ الفارقانية أبنا فاطمة

الجوزدانية أبنا أبو بكر محمد ابن عبد الله أبنا الإمام أبو القاسم اللخمي قال:

أبنا علي بن عبد العزيز أبنا عمر بن شيبة النميري أنبأ جرمي بن عمارة عن

شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الرحمن بن عبد الباري

عنه، ولم يروه عن شعبة إلا جرمي تفرد به عمر بن شيبة، وحديث كعب بن

عجرة ذكره أبو محمد الأموي مصححا له وقال: وهو قول جمهور الصحابة

والتابعين وسواء في ذلك الرجل أو المرأة لعلّة أو لغير علّة، وسواء أكان على

خمار أو قلنسوة أو بيضة أو مغفرا وغير ذلك؛ فإنّه يجزئ، وقال ابن المنذر:

" وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على العمامة "، وفيه يقول: واختلفوا في

(1) تقدم. ورواه أحمد في " المسند "(5/213) وحنف (1/281) وعبد الرزاق في " المصنف "

(798)

وحنيفة (32) وأصفهان (1/124) والطبراني (8/69) والبيهقي (1/278) .

(2- 4) تقدمت من أحاديث الباب

ص: 677

المسح عليها فممن مسح: أبو بكر وعمر وأنس/وأبو أمامة، وروى ذلك عن

سعد بن أبي وقاص وأبي الدرداء وعمر بن عبد العزيز ومكحول والحسن

وقتادة، وفيه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: وممن كان لا يرى المسح

عليها: على بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وابن عمر، وفيه قال عروة

والنخعي والشعبي والقاسم ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، واختلفوا في

مسح المرأة على خمارها: فمِفن قال تمسح على رأسها ولا تمسح على

خمارها: نافع والنخعي وعطاء وابن أبي ليلى، وبه قال أحمد وابن أبي سليمان

ومالك والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والشافعي، وقد روينا عن أم سلمة أنها

كانت تمسح على الخمار، وروى ذلك عن الحسن وهو قول أبي ثور وروينا

عن أنس: " أنه مسح على قلنسوته "، ولا يعلم أحدا قال به، وكان الأوزاعي

وسعيد بن عبد العزيز ومالك والشافعي والنعمان وإسحاق لا يرون ذلك، وإن

مسح على عمامته ثم نزعها ففي قول الأوزاعي يمسح على رأسه، وقال أحمد:

يعيد الوضوء وقاس قول من يقول إذا خلع خفيه إنه على طهارته أن يكون

كذلك من نزع عمامته، وقال مكحول: المسح على الخفين والعمامة سواء إذا

مسح عليهما ثم نزعهما فعليه إعادة الوضوء. انتهى. وفي قوله عن أنس، ولا

نعلم أحدا قال: فيه نظر إن أراد متابعته؛ لما ذكره أبو بكر في مصنفه عن

يحيى بن سعيد القطان عن ابن أبي عروبة عن أشعث عن أبيه أنّ أبا موسى

خرج من الخلاء فمسح على قلنسوته، وإن أراد الفقهاء فيرد عليه ما أسلفناه

عن ابن حزم قال وهو قول الثوري، وأمّا ما حكاه عن على مردّه معا حكاه أبو

محمد مستدلا به إنّ عليا سئل عن المسح على الخفين. فقال: نعم وعلى

النعلين والخمار. وروى ابن زياد عن ابن أسكب ثنا محمد بن ربيعة ثنا ابن

جريج عن عطاء: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح العمامة ومسح مقدّم

رأسه " (1) ./ثنا أبو الأزهر ثنا روح ثنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل بلغك

(1) ضعيف. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 89- باب ما جاء في المسح على

العمامة، (ح/ 564) . بلفظ: " توضأ وعليه عمامة قطرية. فأدخل يده من تحت العمامة،

فمسح مقدْم رأسه، ولم ينقض العمامة ".

وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/ 124) ، وضعيف أبي داود (ح/ 18) .

ص: 678

من رخصة في المسح على العمامة؟ قال: لم أسمعه من أحد إلا من أبي سعد

الأعمى قال ابن جريج: وأنا أيضا قد سمعته من أبي سعد، قال أبو سليمان:

شرط من جوّز المسح على العمامة أن يتيمم أي: يمسح عليها بعد كمال

الطهارة كما يفعله من يريد المسح على الخفين، ومن أتى من المسح ورأى أنه

كان يقتصر على مسح بعض الرأس فلا يمسحه كلّه مقدّمه ومؤخّره، ولا ينزع

عمامته عن رأسه ولا ينقضها، وجعلوا خبر المغيرة كالمفسر حيث قال: مسح

ناصيته وعلى عمامته فوصل مسح الناصية بالعمامة، وإنّما وقع إذا الواجب من

مسح الرأس بمسح الناصية إذ هي جزء من الرأس وصارت العمامة تبعا له كما

روى له مسح أسفل الخف وأعلاه، ثم كان الواجب في ذلك مسح أعلاه

وصار مسح أسفله كالتبع له والأصل المتيقّن وجوبه بالحديث المحتمل، وبنحوه

قاله الثقفي في نصرة الصحاح إلا أنه قال: خبر علي تركه المغيرة، وقال: وفي

السنن والإجماع ثبت عندنا أكثر من ثبوته بالرواية؛ إمّا لأنه فعل في حال

ضرورة أو من طريق النسخ، وقد أجمع الفقهاء على تركه ولم يختلفوا في

المسح على الخفين. انتهى كلامه، وفيه نظر، لما أسلفناه قول من قال فيه من

الفقهاء، قال أبو سليمان: ومن قاسه على مسح الخفين فقد أبعد؛ لأنّ الخفّ

يشق نزعه ونزع العمامة لا يشق ويشهد لنا، ولهم في حديث ثوبان حديث

أنس: " فأدخل يده من تحت العمامة ". انتهى. وفي قوله وشرط من جوز المسح

الطهارة يردُّه قول أبي محمد، وسواء لبسها على طهارة أو غير طهارة وبه قال

أصحابنا، قال: ولها توفيت في المسح عليها، وقد جاء التوقيت في ذلك ثابتا

عن عمر ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى كلامه، وليس

بوارد عليه ما تقدّم من الحديثين اللذين فيهما التوقيت للطعن في سندها، والله

أعلم./قال: فلو كان تحت ما لبس على الرأس خضاب أو رداء جاز المسح

عليهما متعمدا كان أو غير متعمد، وقولنا: بالمسح في الوضوء خاصة، وأما في

كل غسل واجب فلا ولا بُدّ من غسل الرأس، والله تعالى أعلم.

ص: 679

‌59- باب التيمّم

حدثنا محمد بن رمح ثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن

عبد الله عن عمار بن ياسر أنه قال: " سقط عقد لعائشة، فتخلّفت لالتماسه،

فانطلق أبو بكر إلى عائشة فيغبط عليها في حبسها الناس، فأنزل الله تعالى

الرخصة في التيمم، قال: فمسحنا يومئذ إلى المناكب، قال: فانطلق أبو بكر

إلى عائشة فقال: ما علمت أنك لمباركة " (1) . هذا حديث إسناده منقطع؛ لأن

عبيد الله بن عبد الله لا يدرك عمارا يدل عليه ما رواه ابن ماجة بعد هذا. أنبأ

محمد بن أبي عمر العدني ثنا سفيان عن عمرو عن الزهري عن عبيد الله عن

أبيه عن عمار قال: " تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المناكب "(2) - وفي كتاب

المعرفة لأبي بكر رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري ثم سمعه من

الزهري فرواه عنه فكان يقول أحيانا: عن أبيه عن عمار، وأحيانا لا يقول عن

أبيه قال على بن المديني: قلت لسفيان: عن أبيه عن عمار قال: أشكّ في أبيه؟

قال علي: كان إذا أنبأ لم يجعل عن أبيه. ورواه الشافعي عن الثقة عن معمر

عن الزهري، فذكر أباه، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر فلم يذكره،

واختلف فيه على الزهري فقيل: عنه عن أبيه، وقيل: عنه دون ذكر أبيه ورواه

صالح بن كيسان عند أبي (3) داود عن الزهري حدثني عبيد الله عن ابن

عباس عن عمار: " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه عائشة،

فانقطع عقد لها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى/أمّنا

الفجر، وليس مع الناس ماء فيغيط عليها أبو بكر وقد حبست الناس، وليس

(1) صحيح. رواه ابن ماجه في: 90- باب ما جاء في السبب " أبواب التيمم " من " كتاب

الطهارة "، (ح/565) . وصححه الشيخ الألباني.

(2)

المصدر السابق، (ح/566) .

(3)

حسن. رواه أبو داود (320) والنسائي (الطهارة، باب " 196 ") وأحمد (4/264) .

قوله: " عرس " نزل ليلا ليستريح، و" الجزع " - بفتح الجيم وسكون الزاي- خرز يمني،

و" ظفار " - بكسر الظل أو فتحها- مدينة بسواحل اليمن.

ص: 680

معهم ماء؛ فأنزل الله تعالى رخصة التطهير بالصعيد الطيّب، فقام المسلمون مع

رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم ينفضوا من

التراب شيئا فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى

الأباط ". قال أبو داود: زاد ابن يحيى في حديثه عن ابن شهاب ولا يعتبر

الناس هذا، قال أبو داود: وكذلك رواه ابن إسحاق- يعني: عن الزهري-

قال فيه: عن ابن عباس، وذكر ضربتين كما ذكره يونس ورواه معمر ضربتين،

وقال مالك: عن الزهري عن عبيد الله عن أبيه عن عمار، وكذلك قال أبو

أوس وشك فيه ابن عيينة قال مرة: عن عبيد الله عن أبيه أو عن عبد الله بن

عباس: اضطرب فيه. ومرة قال: عن أبيه. ومرة قال: عن ابن عباس اضطرب

فيه وفي سماعه من الزهري شك، ولم يذكر أحد منهم الضربتين من جهة

يونس عن ابن شهاب عن عبد الله عن عمار بلفظ: " فأمر المسلمين فضربوا

بأكفهم التراب ولم ينقضوا من التراب شيئا فمسحوا وجوههم مسحة واحدة،

ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا أيدهم ". وفي قول أبي

داود: ولم يذكر أحد منهم- يعني: من الرواة عن الزهري- إلا من سمت

نظر؛ لأن ابن أبي ذئب رواه عنه، كذلك أنبأ بحديثه أبو العباس أحمد بن

وهب الشافعي أنبأ أبو الحسن بن سلامة أنبأ أحمد بن محمد البصري أنبأ

القاسم بن أحمد الأصبهاني أنبأ الحافظ أبو بكر بن مردويه ثنا عبد الله بن

إسحاق البغوي ثنا أحمد بن ملاعب ثنا عبد الصمد بن النعمان ثنا ابن أبي

ذئب به، وفي كتاب اللخمي قال سفيان: فرأيت إسماعيل بن أمية جاء

إلى الزهري فسأله عن هذا الحديث فأبا أن يحدثه، وقال: لم أسمعه إلا من

عبيد الله بن عبد الله فانظروا هل تجدونه من جانب آخر، ولما سأل ابن أبي

حاتم أباه وأبا زرعة عن حديث صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق

عن الزهري عن عبد الله عن ابن عباس عن عمار/في التيمم فقالا: هذا خطأ

رواه مالك وابن عيينة عن الزهري عن عبد الله عن أبيه عن عمار وهو

الصحيح، وهما أحفظ، قلت: قد رواه يونس وعقيل وابن أبي ذئب عن

الزهري عن عبيد الله عن عمار وهم أصحاب الكتب فقال مالك: صاحب

كتاب وصاحب حفظ، وأما ما زعمه ابن عساكر والمزي من أن ابن ماجة

ص: 681

خرج في سننه عن محمد بن أبي عمر عن سفيان عن عمرو عن الزهري عن

عبيد الله عن أنس عن عمّار به فغير صحيح؛ لأني لم أجده في كتابه، وفي

التمهيد كل ما يروى عن عمّار في هذا مضطرب مختلف فيه وأكثر الآثار

المرفوعة عنه ضربه واحدة للوجه واليدين، وفي سؤالات أحمد بن أبي عبدة

قال أحمد في حديث عمّار: هذا أثبت عندي، وقال عبد الحق: الصحيح

المشهور في صفة التيمم من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم إنّما هو للوجه والكفين. وأقرّه

على ذلك أبو الحسن؛ بل نظرته، وكذا قاله ابن الجهار في المدارك، وقال

إسحاق فيما ذكره أبو عيسى (1) : حديث عمار الوجه والكفين حديث صحيح

وحديثه: " تيممنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المناكب والآباط "(2) ليس هو بمخالف

لحديث الوجه والكفين؛ لأنّ عمارا لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك، وإّنما

قال: فعلنا كذا وكذا فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوجه والكفين، ففي هذا

دلالة أنه انتهى إلى ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم وقال الإمام الشّافعي: ولا يجوز على

عمار إذ ذكر تيممهم مع (3) النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية إلى المناكب إن كان

عن أمره عليه السلام إلا أنه منسوخ عنده إذ روى عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه أمر

(1) صحيح. رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، 110- باب ما جاء في التيمم، (ح/

144) وقال: " حديث عمار حديث حسن صحيح ".

ورواه للدارمي (1/190) وأحمد في المسند (4/263) وأبو داود (1/128) وابن الجارود

) ص 67) والبيهقي (1/210) كلهم من طريق قتادة. قال الدارمي بعد روايته: " صح

إسناده ".

وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن أبزي قال: " جاء رجل إلى

عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب:

أما تذكر ألا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت

ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض

ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه ". اللفظ للبخاري، وانظر فتح الباري (1/375-

377) .

(2)

انظر: سن الترمذي) ص 270 ج 1 بعد الحديث السابق. ورواية التيمم إلى المناكب

والآباط عند أبي داود والنسائي وابن ماجة. وانظر نصب الراية (1/81) .

(3)

قوله: " مع " وردت " بالأصل "" وسعى " وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه من

" الثانية ".

ص: 682

بالتيمم على الوجه والكفين " أو يكون لم يرو عنه إلا تيمما واحدا فاختلف

رواية عنه فيكون رواية ابن الصمة التي لم يختلف أثبت، وإذا لم يختلف

فأولى أن يؤخذ بها؛ لأنها أوفق لكتاب الله تعالى من الروايتين اللتين رويتا

مختلفتين أو يكون إنما سمعوا آية التيمّم عند حضور صلاة فتيمموا فاحتاطوا

على غاية ما يقع عليه اسم اليد؛ لأنّ ذلك لا يضرهم كما لا يضرهم لو/

فعلوه في الوضوء فلما صاروا إلى سؤاله عليه السلام أخبرهم أنّهم يجزيهم من

التيمم أقلّ ما فعلوه وهذا أولى المعاني عندي برواية ابن شهاب من حديث

عمار ما وصفت من الدلائل، والله تعالى أعلم. وقال ابن أبي حاتم سألت أبي

عن اختلاف حديث عمار في التيمم وما الصحيح منها فقال: رواه الثوري عن

سلمة عن أبي مالك الغفاري عن عبد الرحمن بن أبزى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم،

ورواه مسعد عن الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار

عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه شعبة عن سلمة عن ذر عن عبد الرحمن عن أبيه عن

عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه حصين عن أبي مالك سمعت عمارا يذكر التيمم

موقوفا قال: أتى الثوري أحفظ بن شعبة قلت لأبي: فحديث حصين عن أبي

مالك قال الثوري: أحفظ، ويحتمل أن يكون سمع أبو مالك من عمّار كلاما

غير مرفوع، وسمع مرفوعا من عبد الرحمن بن أبزى عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم

القصة، وفي كتاب ابن أبي حازم حديث عمار لا يخلوا إمّا أن يكون عن

أمره عليه السلام أو لا، فإن لم يكن عن أمره فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه،

ولا حجة لأحد مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم والحق أحق أن يتبع فإن كان عن أمره

فهو منسوخ وناسخه أيضا حديث عمار- يعني: المذكور في الصحيح،

مرفوعا: " إنما كان يجزيك.. وضرب عليه الصلاة والسلام بيده الأرض إلى

التراب، ثم قال: هكذا يتضح منها فمسح وجهه ويديه إلى المفصل " (1) ، وليس

فيه الذراعان، وهذا الحديث ظاهر الدلالة في النسخ لتأخّره عن الحديث الأوّل،

فإن قيل: فلو كان عمار حفظ التيمم في أوّل الأمر، وكان الثّاني بعد الأوّل

(1) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، ح/112) وأبو داود (326) وابن خزيمة (269،

270) والفتح (1/444) والدارقطني (1/180) وأبو عوانة (1/305) والنسائي (1/

170) وأحمد (4/264، 265، 396) ومعاني (1/112) .

ص: 683

كما زعمتم لما اضطر عمار إلى التمرغ في التراب، قلت: إنّما أشكل الأمر على

عمر وعمار لحصول الجنابة فاعتزل عمر وتمعك عمار ظنّا منه أنّ حالة الجناية

يخالف حالة الحدث الأصغر، إذ ليس في الحديث الأوّل ما يدلّ على أنّ القوم

كانوا قد أصابتهم جنابة وهم على غير ماء فاحتاجوا إلى الوضوء فأمروا

بالوضوء،/ولفظ الدارقطني (1) في حديثه، إذ سأل النبي صلى الله عليه وسلم لما تمرغ في

الصعيد كالدابة وضرب بكفه ضربة إلى الأرض ثم نفضها وقال: " تمسح بها

وجهك وكفيك إلى الرسغين "، وقال: لم يروي عن حصين مرفوعا غير إبراهيم

ابن طهمان وأوقفه شعبة وزائدة وغيرهما، ورواه أبو بكر الأثرم ثم يمسح

بوجهك وكفيك إلى الرسغين من رواية إبراهيم عن حصين، وفي لفظ

لمسلم (2) : " ثم تمسح بهما وجهك وكفيك". وفي لفظ لابن ماجة (3) : " فضربوا

بأكفهم التراب ولم يقبضوا من التراب شيئا فمسحوا وجوههم مسحة واحدة،

ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصّعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم ". وفي لفظ

لأبي (4) داود: " ثم مسح وجهه والذراعين لما نصف الساعد ولم يبلغ المرفقين

ضربة واحدة ". وفي رواية شكّ سلمة بن كهيل فقال: لا أدرى فيه إلى

المرفقين يعني: أو إلى الكعبين. وقال شعبة: كان سلمة يقول: الكفين والوجه

والذراعين، فقال لهما منصور ذات يوم: انظر ما يقول؛ فإنّه لا يذكر الذراعين

غيرك. وقال الطبراني في الأوسط (5) : لم يروه عن الحكم ابن علية إلا سليمان

ابن أبي داود. تفرد به محمد بن سليمان فرجع إلى أبي داود، وفي رواية؛ لأنه

لم ينفع وفي رواية: " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التيمم فأمرني به واحدة للوجه

والكفين ". وفي كتاب الدارقطني إلى المرفقين قال الحربي: فذكرته لأحمد بن

(1) صحيح. رواه الدارقطني: (1/180) .

(2)

صحيح. رواه مسلم في: 3- كتاب الحيض، 28- باب التيمم، (ح/112) .

(3)

صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 92- باب في التيمم ضربتين، (ح/ 571) .

وصححه الشيخ الألباني.

(4)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 121- باب التيمم، (ح/ 322) .

(5)

قوله: في " الأوسط" غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.

ص: 684

حنبل فعجب منه وقال: ما أحسنه. وفي رواية لأبي داود قال: المرفقين، وفي

إسناد هذه الرواية رجل مجهول، قال أبو القاسم في الأوسط: لم يرو هذا

الحديث عن أبان بن يزيد العطار إلا عفّان، وقال أبو محمد بن حزم: والأخبار

الثابتة كلها عن عمار خلاف هذا فسقط هذا الجزء. وفي لفظ النسائي: " ثم

ضرب بيده على الأرض ضربة واحدة فمسح كفيه ثم نفضهما.، ثم ضرب

بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله، وعلى وجهه وكفيه " (1) . وفي المعرفة

قال الشافعي: ولو أعلمه رأينا- يعني: الوجه والكفين- لم أعده ولم أشك

فيه، وفي الأوسط لابن مطير: ثنا محمد بن نوح بن حرب ثنا يحيي بن غيلان

ثنا إبراهيم بن محمد الأسلمي عن عتبة/بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن

سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أمه عن عمار أنه

أصابته جنابة وليس معه ماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما يكفيك أن تمسح

وجهك وكفيك بالتراب ضربة للوجه وضربة للكفين ". وقال: لم يروه عن ابن

عميس عتبة بن عبد الله إلا إبراهيم بن محمد: وفي المعجم الكبير له: وضربة

لليدين إلى المنكبين ظهرا وبطنا، وفي لفظ:" ومن بطون أيديهم إلى الآباط "،

وفي لفظ: " إلى المناكب والآباط "، وفي لفظ: " إنما كان يكفيك من ذلك

التيمم " فإذا قدرت على الماء اغتسلت (2) .. وفي لفظ غريب في الإبل:

" فأجنبت فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتيمّم، وكنت تمعكت في التراب حتى

أجنبت ". رواه عن أحمد بن الخضر المروزي ثنا محمد بن منده المروزي ثنا أبو

معاذ النحوي الفضل بن خالد ثنا أبو حمزة السكرى عن رقبة عن أبي إسحاق

عن ناجية بن كعب عنه وهو غير حديثه الذي في الصحيح؛ لأنّ ذاك وهو في

غزاة والله أعلم. وفي كتاب الكنى للنسائي أنه قال لعمر: " أما تذكر أنا كنّا

نتناوب رعية الإبل فأجنبت. " (3) الحديث. وفي كتاب البيهقي: " أجنبت في

الرمل فتمعكت

" (4) الحديث. وفي حديث عبد الله بن عمر: " سلّم رجل

(1) راجع الحديث الأول من هذا الباب ص 681.

(2)

رواه البيهقي في " الكبرى ": (1/220) .

(3)

رواه أبو داود: (ح/322) .

(4)

رواه البيهقي في " الكبرى ": (1/216) .

ص: 685

على النبي صلى الله عليه وسلم سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه فلم

يرد عليه حتى إذا كاد أن يتوارى ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه

ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل السلام ". رواه أبو

داود (1) من حديث محمد بن ثابت العبدي عن نافع عنه، وقال في كتاب

التفرّد: لم يتابع أحد محمد ابن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي-

عليه السلام ورووه عن ابن عمر، ورواية أبي الجهم نحو حديث ابن الهادي

عن نافع عن ابن عمر ورواه أيوب بن مالك، وعبيد الله، وقيس بن سعد،

ويونس، وابن أبي داود عن نافع عن ابن عمر:" أنه يتيمم ضربتين للوجه "، قال

أبو داود:/جعلوه يقل ابن عمر، وسمعت أحمد يقول: روى محمد بن ثابت

حديثا منكرا في التيمم أثر كلامه وفيه نظر؛ من حيث أنّ حديث ابن أبي

داود مرفوع لا موقوف ذكره الشيرازي في الألباب فقال: ثنا أبو عمرو ثنا

محمد بن إبراهيم ثنا موسى بن سعيد بن النعمان بن حسان الدرداني ثنا أبو

حذيفة موسى بن مسعود ثنا ابن أبي رواد به بلفظ: " التيمم ضربتان ضربة

للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ". وقال الطبراني في الأوسط: لم يروه بهذا

التمام عن نافع إلا العبدي. وقال أبو أحمد بن عدي: خالف العبدي عبيد الله

وأيوب والناس فقالوا: عن نافع عن ابن عمر فعله. وقال الخطابي: هذا حديث

لا يصح؛ لأن محمدا ضعيف جدا لا يحتج بحديثه. وقال أبو بكر في كتاب

المعرفة: رواه جماعة من الأئمة عن العبدي منهم يحيى بن يحيى ومعلى بن

منصور وسعيد بن منصور وغيرهم. وقال مسلم بن إبراهيم في رواية موسى بن

الحسن بن عباد عنه: ثنا محمد بن ثابت العبدي وكان صدوقا وابن معين لم

ير به بأسا في رواية عثمان الدارمي عنه، وأنكر البخاري رفع هذا الحديث

ورفعه غير منكر فقد روى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر- يعني:

الذي في صحيح مسلم- قصة السلام مرفوعة إلا أنه قصر ثنا مسلم بذكر

(1) حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 122- باب التيمم في الحضر، (ح/

330) . ورواه الحاكم (1/179) والمجمع (1/262) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير " وفيه

علي بن ظبيان ضعفه يحيي بن معين فقال: كذاب خبيث وجماعة، وقال أبو علي النيسابوري:

لا بأس به. والدارقطني (1/180) .

ص: 686

التيمم، ورواه يزيد بن عبد الله بن الهاد عن نافع عن ابن عمر فذكر قصة

السلام، وذكر قصة التيمم إلا أنّه قال: ثم مسح وجهه ويديه كما روى يحيى

بن بكير عن الليث في حديث ابن عبد الصمد وإنّما تفرد العبدي من هذا

الحديث فذكر الذراعين فيه دون غير، وتيمم ابن عمر ورضاه بذلك يؤكد

رواية العبدي، وشهد له بالصحة فقد صار هذه الشواهد معلوما أنه روى قصة

السلام والتيمم، وهؤلاء يخالف النبي فيما يروى عنه فتيمّمه على الوجه

والذراعين إلى المرفقين يدلّ على أنّه حفظه من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ العبدي حفظه

من نافع، أنبأ أبو سعيد أنبأ أبو العباس أنبأ الربيع أنبأ الشافعي أنبأ مالك عن

نافع أنه أقبل هو وابن عمر من الجرف حتى إذا كان بالمربد نزل فتيمّم

متعبدا،/فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى. وروى عُبيد الله ويونس

عن نافع عن ابن عمر أنّه كان يقول: " التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة

للكفين إلى المرفقين " (1) . قال: ورويناه أيضا عن جابر مرفوعا: " التيمم ضربة

للوجه وضربة للكفين إلى المرفقين " (2) انتهى كلامه. وفيه نظر من وجوه:

الأوّل: حديث العبدي الذي بآداب نفسه في تقويته بما لم يجد شيئا وإن كان

له من وثّقه، وأبو الحسن البصري فيما ذكره أبو الغرب، وقال ابن بريدة: قد

صحّ معنى ذلك من حديث ابن عباس وغيره لما ذكره أبو حاتم وسأله ابنه عن

حديثه فقال: هذا خطأ إنّما هو موقوف. وقال أبو محمد الفارسي: إنّما رواه-

يعني: حديث ابن عمر العبدي- وضعيف هو لا يحتج به. وسأل أبو طالب

الإمام أحمد عنه فقال: هو رجل بصرى سمعت له نحو عشرين حديثا منكر.

(1) ضعيف جدا. رواه الحاكم (1/179) والمجمع (1/262) وتلخيص (1/151) والمنثور

(2/167) وابن كثير (2/280) والدارقطني (1/180) والعلل (136، 137) وضعفه

الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص 370، ح/2519) 0 انظر: ضعيف أبي داود

(58)

، والضعيفة (ح/3427) .

(2)

ضعيف جدا. رواه البيهقي (1/207) والطبراني (8/297) والمجمع (1/262) والمسير

(2/95) ونصب الراية (1/15، 151، 155) والدارقطني (1/181، 183) .

وضعفه الشيخ الألباني: (ضعيف الجامع: ص 370، 2518- 703) . وانظر: (الضعيفة،

ح/3427) .

ص: 687

وقال مهنأ: سألت أحمد عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح إنما هو عن ابن

عمر فعله، قال: وسألته عن العبدي فقال: كان يخرط في حديث عن ابن

عمرو، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول العبدي ليس به بأس ولكن روى

حديثا منكرا في التيمم لا يتابعه عليه أحد. وقال معاوية بن صالح: سمعت

يحيى يقول: العبدي ليس به بأس منكر عليه حديث ابن عمر في التيمم لا

غير، وفي رواية ابن أبي خيثمة عنه: ليس بالقوى وفي رواية: ضعيف، قال

الدوري: قلت: أليس قلت مرة: ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط. وقال

العقيلي: هذه الرواية- يعني: الموقوف- أولى وهو الصواب. وحدثني الحسن

قال: سمعت أبا داود السجستاني قال ابن ثابت: ليس بشيء هو الذي يحدّث

بحديث نافع في التيمم. وقال الساجي: روى عن نافع حديث التيمم وخالفه

أيوب وعبد الله قالوا: من فعل ابن عمر، وقال أبو الوليد الداعنى: العبدي

متروك، ولما ذكره أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب الكنى أتبعه رفع حديث

ابن عمر هذا لا غير. وقال أبو زرعة: هذا حديث باطل. الثاني: قوله إنما ينفرد

العبدي من هذا الحديث- يعني: حديث ابن عمر-/فذكر الذراعين صحيح

لما يذكره بعد من رواية الشافعي من شرح السنة البغوي، ولما ذكره أبو عبد الله

في مستدركه شاهدا ثنا أبو جعفر عبد الله ابن إبراهيم ثنا الهيثم بن خالد ثنا

أبو نعيم ثنا سليمان بن الأرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: تيممنا مع

النبي صلى الله عليه وسلم فضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها

وجوهنا ثم ضربنا ضربة أخرى ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بأيدينا من المرفق إلى

الكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن "، ثم قال: هذا حديث مفسر، وإنما

ذكرته شاهدا؛ لأن سليمان ليس من شرط هذا الكتاب، وقد اشترطنا إخراج

مثله في الشواهد، ولفظ الدارقطني في سنه:" وضربة للذراعين إلى المرفقين ".

قال الحاكم: أنبأ حمزة بن العباس العقبى ببغداد ثنا محمد بن عيسى المرايني

ثنا شبابة بن سوار ثنا سليمان بن أبي داود الحراني عن سالم ونافع عن ابن

عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى

المرفقين ". نا سليمان بن أبي داود، وإنّما ذكرناه في الشواهد، ثنا علي بن

عيسى ثنا محمد بن عمرو الحرشي ثنا محمد بن يحيى ثنا علي بن طيبان عن

ص: 688

عبد الله بن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " التيمم ضربتان ضربة

للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ". ورأوا للشيخان على حديث الحكم عن ذر

عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمر في التيمم ولم يخرجاه

بهذا اللفظ، ولا أعلم أحدا أسنده عن عبيد الله غير علي بن طيبان، وهو

صدوق وقد وثقة يحيى بن سعيد وهشيم وغيرهما، وقد أوقفه مالك في الموطأ

بغير هذا اللفظ غير أنّ شرطي في سند الصدوق الحديث يخرجه، ولما ذكره

الجرجاني في كامله قال: ابن طيبان ضعيف عندهم، وإنّما رواه الثقات موقوفا

على ابن عمر. وقال ابن نمير: بن طيبان يخطئ في حديثه كلّه، وقال يحيى

بن سعيد وابن معين وأبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي وأبو حاتم والأزدي:

متروك. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن

حبان: سقط الاحتجاج بأخباره./الثالث: قوله ورويناه أيضا عن جابر من غير

تعرّض من الكلام عليه لعادته حتى نظر من سمعه ضعفه، وعدم بلوغه مرتبة

حديث العبدي لا سيّما من ذكره بعده ولو صدر بذكره لكان أولى من

حديث العبدي لصحبته وعدالة رواته، ورواه الحاكم في مستدركه عن ابن

حماد وابن ماكولا ثنا إسحاق الحربي ثنا أبو نعيم ثنا عروة بن ثابت عن أبي

الزبير عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أصابتني جنابة وإنى

تمعكت في التراب " فقال: " اضرب فضرب بيديه الأرض فمسح وجهه ثم

ضرب بيديه فمسح بهما إلى المرفقين ". وثنا ابن حماد وابن مالويه ثنا الجري

ثنا عثمان بن محمد الأنماطي ثنا حرمي بن عمارة عن عروة بن ثابت بلفظ:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: " التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين "(1) . وقال:

هذا إسناد صحيح ورواه أبو بكر في مصنفه عن وكيع عن عروة موقوفا، واتبع

ما ذكره عن ابن عمر موقوفا ووقع ذكره عنده في موضع آخر مرفوعا، وقال

أبو عبد الله النيسابوري: رواه عن محمد بن يعقوب ثنا محمد بن سنان الفزار

ثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين ثنا هشام بن حسان عن عبيد الله بن عمر

عن نافع عن ابن عمر قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بموضع يقال له: مربد النعم

يتيمم وهو يرى بيوت المدينة ". وقال: هذا حديث تفرد به ابن أبي رزين وهو

(1) تقدم من أحاديث الباب ص 687.

ص: 689

صدوق ولم يخرجاه، وقد أوقفه الأنصاري وغيره عن نافع عن ابن عمر، وأما

قول أبي القاسم الطبراني لم يروه هذا التمام غير العبدي، ففيه نظر؛ لما أسلفناه

من أنّ يزيد بن الهاد ذكره كذلك، وكذا رواه أبو الحسن وفي الباب غير

حديث من ذلك حديث أبي هريرة: " أن ناسا من أهل البادية أتوا النبي صلى الله عليه وسلم،

فقالوا: إنّا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة والأربعة، ويكون فينا الحائض والجنب

والنفساء ولسنا نجد الماء: فقال عليكم بالأرض ". رواه أبو القاسم في

الأوسط (1) من حديث المثنى بن الصباح عن الزهري/عن سعيد عنه وقال: لم

يروه عن الزهري إلا المثنى ولا رواه عن المثنى إلا حفص. تفرّد به إبراهيِم

الشافعي، ورواه الثوري وعبد الرزاق وغيرهما عن المثنى عن عمرو بن شعيب

عن سعيد بن المسيب، وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: ورواه عن شيخه

أحمد بن محمد البزار ثنا الحسن بن حمّاد ثنا وكيع عن إبراهيم بن يزيد عن

سليمان الأحول عن سعيد به لا نعلم الأحول عن سعيد غير هذا ولم يروه إلا

وكيع بن إبراهيم بن يزيد، وقال البيهقي: هذا حديث يعرف فالمثنى عن عمرو

والمثنى غير قوى، وقد رواه الحجاج بن أرطأة عن عمرو إلا أنه خالفه في

الانتهاء، فرواه عن عمرو عن أبيه عن جدّه واختصر المتن فجعل السؤال عن

الرجل لا يقدر على الماء الجامع أهله، قال: نعم. ورواه أبو الربيع السكاك عن

عمرو بن دينار عن ابن المسيب عن أبي هريرة أن أعرابيا

وأبو الربيع

ضعيف، قال ابن المديني: قلت لسفيان أنّ أبا الربيع قوي عن عمرو عن سعيد

عن أبي هريرة في الرجل يعرف عن أصله فقال سفيان: إنما جاء بهذا المثنى

عن عمرو بن شعيب وإنّما قال عمرو بن مرثد: سمعت لجابر بن زيد بقوله قال

علي: قلت لسفيان: أنّ شعبة رواه هكذا عن جابر فقال: كان شعبة من أهل

الحفظ والصدق ولم يكن عن يزيد الباطل، وقد روى عن ابن أبيِ عروبة عن

عمرو وابن أبي عمرو به إنّما سمعه في من أتى الربيع عن عمر، وروى من

وجه آخر ضعيف من حديث عبد الله بن سلمة الأفطس عن الأعمش عن

(1) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/261) وعزاه إلى الطبراني في

" الأوسط " وفيه المثنى بن الصباح والأكثر تضعيفه، وروى عياش عن ابن معين توثيقه.

قلت: وعلى هذا فأكثر الظن ان الحديث حسن.

ص: 690

عمرو والأفطس ضعيف، ولفظ أبي الفرح في التحقيق: ثم ضرب بيده على

الأرض لوجهه ضربة واحدة، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح على يديه إلى

المرفقين، وهو معارض بما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه عن عباد بن العوّام

عن بريدة عن سليمان بن موسى عن أبي هريرة قال: " لما نزلت آية التيمم لم

أدر كيف أصنع، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجده، فانطلقت أطلبه، فلما رآني

عرف الذي جئت له عليله فبال ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه

وكفيه " (1) . وحديث الربيع بن بدر عن أبيه عن جده عن الأسلع ووصف

كيف علمه النبي/صلى الله عليه وسلم التيمم قال: " فضرب بكفيه الأرض ثم نفضها ثم

مسح بهما وجهه ثم أمر على لحيته ثم أعادهما إلى الأرض، فمسح بهما

الأرض ثم ذلك إحداهما على الأخرى ثم مسح ذراعيه ". ذكره أبو الحسن

المقري في سنه، وضعفه أبو حاتم الرازي في كتاب العلل، ذكر البارودي أن

بسببه نزلت آية التيمم، وقال ابن حزم: هذا الحديث في غاية السقوط وفيه

إشكال؛ لأن (2) التيمم نزل قبل إسلامه وفي تاريخ البرقي أصابتني جنابة فنزل

عليه جبريل بالتيمم فذكره وهو مشكل أيضا. وحديث أبي أمامة عن النبي

صلى الله عليه وسلم اّنه قال: " في التيمم ضربة للوجه وأخرى للذراعين "(3) . ذكره عبد الله بن

وهب في مسنده عن محمد بن عمرو الشافعي عن رجل حدثه عن جعفر بن

الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عنه قال ابن حزم: فيه علّتان: إحداهما:

ضعف القاسم، الثانية: أن محمد بن عمرو لم يسم من أخبره عن جعفر، وقد

دلسه بعض الناس عليه فقال: عن محمد بن عمرو عن جعفر، ومحمد لم

يدرك جعفرا فسقط هذا الخبر. وحديث (4) أبي ذر قال: " وضع رسول الله

صلى الله عليه وسلم يديه على الأرض ثم نفضها ثم مسح وجهه ويديه إلى المرفقين ". ذكره

(1) انظر: تفسير آية التيمم من كتب التفاسير.

(2)

كذا ورد هذا السياق " بالأصل ".

(3)

ضعيف جدا أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/262) وعزاه إلى الطبراني في

" الكبير " وفيه جعفر بن الزبير، قال شعبة فيه: وضع أربعمائة حديث.

(4)

قوله: " وحديث أبي " غير واضحة " بالأولى " وأثْبتناه من " الثانية ".

ص: 691

أبو محمد الفارسي من طريق ابن جريج عن عطاء حدثنى رجل أنّ أبا ذر به،

وقال: هذا خبر ساقط، قال ابن حزم: وقد روى من حديث عائشة وابن عمر

أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تيمم للوجه والكفين بضربتين وليسا صحيحين أمّا الأول: فرواه

الحربي ابن الجرمي وهو ضعيف، والثاني: فيه سليمان بن داود الحراني وهو

مثله. وحديث ابن الصمة: " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح بوجهه وذراعيه ". رواه

الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية عن

الأعرج عنه قال البيهقي: هو منقطع والأعرج لم يسمعه من ابن الصمة إنّما

سمعه من غير مولى ابن عباس. وحديث ابن الحمامة السلمي: " أنه أتى النبي

صلى الله عليه وسلم/وهو في المسجد، فذكر حديثا فيه: ثم أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد

فوضع يده على حائط المسجد فمسح به وجهه وذراعيه ثم دخل ". رواه أبو

القاسم البغوي عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن محمد بن إسحاق عن

يعقوب بن عتبة عن الحرث بن عبد الرحمن بن هشام عن أبيه قال: إنّ ابن

الحمامة يذكره. وحديث عمار: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم (1) إلى المرفقين ".

ذكره البيهقي من حديث قتادة، قال: حدثني محدب عن الشيخين عن

عبد الرحمن بن أبزى عنه، والله أعلم.

حدثنا يعقوب بن حميد بن كاتب ثنا عبد العزيز بن أبي حازم وثنا أبو

إسحاق الهروي ثنا إسماعيل بن جعفر جميعا عن العلاء عن أبيه عن أبي

هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ". هذا

حديث خرجه مسلم (2) بلفظ: " فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع

الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا

وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون ". ورواه (3) الشافعي عن

(1) قوله: " تيمم إلى " سقطت من " الأصل " وكذا أثبتناه من سياق الكلام.

(2، 3) صحيح، متفق عليه. رواه مسلم في (المساجد، ح/3، 4) والبخاري (1/91،

119) وأبو داود (489) والترمذي (317) والنسائي (2/56) وابن ماجة (567) وأحمد (1/

250، 2/240، 250، 412، 442، 501، 5/145) والبيهقي (2/433، 434)

والطبراني (11/61، 73، 12، 413) والتمهيد (5/222، 223) وأبو عوانة (1/

395، 396) وابن أبي شيبة (2/402، 11/432) والشافعي، وشرح السنة (2/412)

وابن كثير (2/112، 281، 3/489، 4/34) والطبراني (10/34) .

ص: 692

سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة قال: " ثم جلست إلى سفيان

"

فذكر هذا الحديث فقال الزهري: عن أبي سلمة- أو سعيد- عن أبي هريرة،

ولفظ ابن الجارود: وخرجه من حديث أنس بن مالك: " جعلت لي كل أرض

طيبة مسجدا وطهورا "، فرواه عن محمد بن يحيى ثنا حجاج الأنماطي ثنا

حماد عن ثابت وحميد عنه، وفي البخاري (1) من حديث جابر: " أعطيت

خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض

مسجدا وطهورا.. " الحديث أنبأ الإمام تاج الدين أحمد بن علي بن وهب

العنبري- رحمه الله أنبأ ابن بنت الحميري قراءة عليه وأنا أسمع أنبأ الحافظ

أبو طاهر أنبأ أبو عبد الله الثقفي أنبأ أبو الفتح هلال بن محمد ثنا أبو عبد الله

الحسين بن يحيى القطان ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام ثنا يزيد بن زريع ثنا

سليمان التيمي عن يسار عن أبي أمامة/أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى قد

فضلني على الأنبياء- أو قال- فضلت أمتي على الأمم بأربع: أرسلني إلى

الناس كافة، وجعل الأرض كلها لي ولأمتي طهورا ومسجدا، فأينما أدركت

الرجل من أي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره، ونصرت بالرعب مسيرة

شهر فقذف في قلوب أعدائي، وأحلّت لي الغنائم " (2) . وفي كتاب أبي نعيم

الأصبهاني- رحمه الله قال: " كنا نحرس النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مفارقه

فجئت ذات ليلة إلى المكان الذي يكون فيه، فلم أجده في مضجعه فعلمت

أنه إِنما أقامته الصلاة فتلفت ورميت ببصرى يمينا وشمالا، فإذا به قائما يصل

إلى شجرة، فهويت نحوه فإذا رجل قبلي أخرجه الذي أخرجني، فقمت أنا

وهو خلف النبي صلى الله عليه وسلم نصلى بصلاته فصلى ما شاء الله أن نصلي، حتى إذا

كان بين ظهري صلاته سجد سجدة فظننت أنّه قد قبض فيها فابتدرناه

(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (1/119) ومسلم في (المساجد، ح/3) والنسائي

في (النحل، باب " 46 ") وأحمد (3/304، 5/148) والدارمي (2/224) والبيهقي

(1/212، 2/329، 433، 6/291، 4/9) والمجمع (8/59) وشفع (122،

1817) والحلية (8/316) والمنثور (5/237) والكنز (32058، 32063، 32064،

32065) وابن أبي شيبة (11/433) والحميدي (945) .

(2)

صحيح. رواه البيهقي (1/222) والمشكاة (4001) والجوامع (4888) والكنز

(31951، 32070) ونصب الراية (2/325) .

ص: 693

فجلسنا بين يديه أنا وصاحبي فسألناه، فقال: هل التزمتم من صلاتي الليلة

شيئا؟ قلنا: نعم. سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة حتى ظننا أنّك قد

قبضت فيها. فقال: إنى أعطيت فيها خمسا لم يعطهن نبي/قبلي

" فذكر

الحديث وفيه: " وأعطيت دعوة ادخرتها شفاعة لأمتي "(1) .

رواه من حديث حازم بن خزيمة عن مجاهد عنه، قال: وتابعه على هذا

مزاحم بن زفر عن مجاهد عنه مختصرا، ورواه أيضا من حديث ابن أحمد بن

زفر عن مجاهد عن أبي سعيد بنحوه مختصرا، وذكر أيضا حديث حذيفة قال

عليه الصلاة والسلام: " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض مسجدا

وجعلت تربتها لنا طهورا "، رواه مسلم (2) في صحيحه وحديث ابن عباس

ولفظه "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأوتيت الكوثر"، رواه أبو

داود (3)، وذكر أيضا حديث ابن عمر بنحوه ذكره أبو نعيم. وحديث علي:

قال عليه الصلاة والسلام: " أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء فقلنا ما هو يا

رسول الله؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض،/وسميت أحمد،

وجعل لي التراب طهورا، وجُعلت أمتي خير الأمم ". ذكره أحمد في مسنده (4)

من حديث ابن عقيل عن محمد بن علي عنه. وحديث عمرو بن شعيب عن

أبيه عن جدّه: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي "،

فذكر حديثا فيه: " لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي

"

فذكر حديثا وفيه: " وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة

(1) صحيح بشواهده مشكل (2/264) والعقيلي (2/27) والحلية (8/316) .

(2، 3) تقدما من أحاديث الباب ص 692.

(4)

حسن. رواه أحمد (1/98) والبيهقي (1/213) والمجمع (1/260) وعزاه إلى أحمد

وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيء الحفظ، قال الترمذي: صدوق وقد تكلم فيه

بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كان أحمد بن

حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قلت: فالحديث حسن والله

أعلم. وابن كثير (2/78) ونصب الراية (1/159) والمنثور (6/214) والكنز (21416)

وابن أبي شيبة (11/434) .

ص: 694

تمسّحت وصلّيت ". رواه أحمد بن حنبل في مسنده (1) ، وكذلك حديث أبي

موسى بنحوه أيضا وحديث ابن مسعود عن البيهقي بنحوه، وفي حديث

عائشة المذكور عند ابن ماجة (2) بعد وهو مخرج عند الشيخين (3) : " خرجنا

مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع

عقد لي

" وفيه: " فقال أسيد بن الحصيب: ما هي بارك تركتكم يا آل أبي

بكر " وفي لفظ: " جزاك الله خيرا، فوالله ما يزل بك أمر قط إلا جعل الله لك

منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة ". وفي كتاب التفرّد لأبي داود:

" فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وذكروا ذلك فأنزلت آية

التيمم " قال أبو داود: الذي تفرد به من هذا الحديث أنّهم لم يتركوا الصلاة

حين لم يجدوا الماء، فصلُّوا بغير وضوء؛ لأنّ بعض الناس يقول: إذا لم يجد

الماء لا تصل، قال أبو عمر: وهو أصح حديث روى في هذا الباب قال:

والسفر المذكور، يقال إنه كان في غزوة بنى المصطلق، وتسمى: المريسيع. وهو

ماء لخزاعة، قال الواقدي: كانت سنة خمس. وقال ابن إسحاق: سنة ست.

وقال ابن عقبة: أربع من الهجرة. وكذا ذكره ابن الجعدي عن ابن حبيب عند

النسائي (4) . ورواه هشام عن أبيه عن عائشة: " أنها استعارت قلادة من أبيها

فانسلّت منها، وكان ذلك المكان يقال له الضلضل ". كذا ضبطه البكري

بضادين معجمتين قال: وهو صحيح. وزعم الجوهري إنه بالمهملتين فأتاه أبو

(1) صحيح. رواه أحمد (2/222) والمجمع (10/367) وعزاه إلى " أحمد " ورجاله

ثقات. والترغيب (4/432) والشجري (1/218) والكنز (32066) وابن كثير في

" التفسير "(3/489) . وصححه الشيخ الألباني: (الإِرواء: 1/317) .

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، " أبواب التيمم " 90- باب ما جاء

في السبب، (ح/568) . وصححه الشيخ الألباني.

(3)

صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في: 7- كتاب التيمم، 2- باب إذا لم يجد ماء ولا

ترابا، (ح/336) . ورواه مسلم في: 3- كتاب الإِيمان، 28- باب التيمم، (ح/108) .

قوله: " البيداء أو بذات الجيش " موضعان بين المدينة وخيبر.

(4)

راجع حاشية الحديث الأوْل من هذا الباب. قوله: " انسلت " أي وقعت منها في خفية.

ص: 695

عبيد، وفي رواية هشام قلادة، وقد سبق أنه عقد لها. وفي كتاب الترمذي/

عن الحميدي عن سفيان ثنا هشام به وفيه أنّ القلادة سقطت ليلة الأبواء في

معجم الطبراني إسناد لا بأس به؛ بل لو حسن لم ينكر ذلك ما يدلّ على أنّ

عقدها سقط مرّتين وأنّ التيمم (1) نزل بعد الإفك وكان الأول في سنة خمس

فيترجح قول من قال: كان التيمم سنة ست، وفيه بيان لقول أسيد ما هي

بأوّل تركتكم، قال: ثنا القاسم بن عباد ثنا محمد بن حميد الرازي ثنا سلمة

بن الفضل وإبراهيم بن المختار عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن

عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: " لما كان من أمر عقدي ما كان

وقال أهل الإفك ما قالوا وخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزورة أخرى

فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على التماسه، وطلع الفجر فلقيت من

أبي بكر ما شاء الله، وقال ما تنبّه في كل سفر يكون عناء وليس مع الناس

ماء، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: ما تبيّنه أنك ما

علمت لمباركة ". وذكر الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره

أنّ القائل لها ما أنزل قلائدك النبي صلى الله عليه وسلم يرجع إلى قوله: وفي الباب أحاديث

منها حديث عبد الله بن أبي أوفى. ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل.

وحديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تمسحوا بالأرض فإنها منكم " (2) . قال

(1) قال ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء؛ لانا لا نعلم أي الآتيتين عنه عن

عائشة. وقال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة. وقال القرطبي: هي آية النساء.

ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء فيتجه تخصيصها بآية التيمم. وأورد الواحدي في أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا، وخفْي على الجمع ما ظهر للبخاري من ان المراد بها آية المائدة بغير تردد لرواية عمرو بن الحارث إذ صرح فيها بقوله:" فنزلت (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة..) الآية ".

(2)

صحيح. رواه أبو الشيخ في " تاريخ أصفهان "(ص 238) ورواه الطبراني في " المعجم الصغير "(83)

وقال: لم يروه عن سفيان إلا الفريابي. وهو ثقة من رجال الشيخين وكذا من فوقه. وابن أبي شيبة في "المصنف "(1/62/2) عن عوف عن أبي عثمان النهدي. وصححه الشيخ الألباني.

قوله: " لا تمسحوا " أراد به التيمم، وقيل: أراد مباشرة ترابها بالجباه في السجود من غير

حائل، ويكون هذا أمر تأديب واستحباب، لا وجوب.

ص: 696

الطبراني في الأصغر: لم يروه عن الثوري عن عروة عن أبي عثمان إلا

الفريابي، وقال البيهقي في هذا: حديث غريب الإسناد والمتن. وحديث معاذ:

" بال النبي فتيمم بالصعيد فلم أره يمسح يديه ووجهه إلا مرّة ". وأخرجه

الطبراني في الكبير (1) من حديث محمد بن سعيد المصلوب، والتيمم في اللغة:

القصد، قال الفراء: قال الله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث) معناه: ولا تقصدوا

وفيه قول الشاعر:

تيممتها من أذرعات وأهلها

يثرب أدنا دارها نظر عالي

يريد قصدتها ويروى سورتها أي: نظرت إلى دارها وهو أصوب، وقال

خفاف:/فإن يك صلى قد أصب صحيحها فعمدا على عيني يمّمت مالكا

أي: قصدته، وقال تعالى:" فتيمموا صعيدا طيبا " قالوا: معناه أقصدوا الصعيد

بالتمسح، وقال الخليل: التيمم يجرى مجرى التوخي بقول تيمم أطيب ما

عندك فأطعمنا منه أي: توضأه، وعلى هذا فسّر ما ذكرنا وأجاز أن يكون

التيمم التعمد والقصد، وكثر هذا الاسم حتى صار اسما للتمسح بالتراب

والعرب تقول: تيممت الشيء تيمما وتممته تيمما واتممته، وأما قول الفراء: ولم

أسمع فيها يممت بالتخفيف، ويقولون: يممت فلانا سيفي ورمحي قصدته

وترخيته دون من سواه وأنشد الخليل:

يممت بالرمح شذراء ثم قلت له

هذى الروة لها لعب الزحاليق

قال: ومن أنشده أممت فقد أخطأ؛ لأنه قال: شذراء والسن لا لكون إلا

من ناحية ولم يقصد به إمامه، وفي الصحاح: يممتك وتاممتك وأنشد أبو بكر

في الكتاب الزاهر:

وفي الأطعان أنسبه العرب

يتمم أهلها نجلدا فساروا

في المائدة آية وفي النساء آية، وقال القرطبي: أولات التي في النساء؛ لأنها

لا ذكر فيها الوضوء، والتي في المائدة ذكر فيها الوضوء، وفي كتاب الحميدي

(1) ضعيف جدا. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/262) وعزاه إلى الطبراني في

" الكبير " وفيه محمد بن سعيد المصلوب وقيل فيه: كذاب يضع الحديث.

ص: 697

عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: فنزلت: (إذا قمتم إلى

الصلاة. وقال أمية بن أبي الصلت: ليطلب الوتر أمثال ابن ذى بزر تيمم

البحر للأعداء أحوالا. وقال تعالى: (ولا آمين البيت الحرام) معناه: ولا

قاصدين قال الشاعر:

إنى كذلك إذا ما شأني بلد

يممت صدر بعيري غيره بلدا

وقال غيره:

سل الرمح إنّى يممت أم أسلا

وهل عادة للربع أن يتكلّما

وقال الجاحظ في كتاب الرصان تأليفه: ومنهم ثم من بنى الأعرج الأسلع

الذي قال منهم رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له يوما: إنى جنب وليس عندي ماء

فأنزل الله تعالى آية التيمم. انتهى. وهو قول غريب،/وأما قول ابن الجوزي

ظاهر حديث عائشة يدل على أنهما كانا مرتين حيث قالت: سقط عقدي،

وفي الآخر: لا شيء، وليس لذلك معارض ما أسلفناه من عند الطبراني لما

كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا " خرجت مع النبي

صلى الله عليه وسلم في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي

" الحديث. قال القاضي أبو بكر

قول عائشة فنزلت آية التيمم: لا أدرى أي آية أرادت؛ لأن في المائدة آية وفي

النساء آية. وقال القرطبي: أولات إلي في النساء؛ لأنه لا ذكر فيها للوضوء

والتي في المائدة ذكر فيها الوضوء، وفي كتاب الحميدي عن عبد الرحمن بن

القاسم عن أبيه عن عائشة فنزلت: (إذا قمتم إلى الصلاة) ، وقال المازوري-

رحمه الله تعالى-: قال بعض أصحابنا: يباح السفر للتجارة وإن أدى التيمم،

ويحتج له بهذا الحديث؛ لأنّ إقامتهم على التماس العقد ضرب في مصلحة

المال وتيممه، وقال أبو عمر في كتاب التمهيد: فيه من الفقه خروج النساء مع

الرجال في الأسفار وفي الغزوات، وذلك مباح إذا كان العسكر كثيرا ويؤمن

عليه الغلبة روى أبو داود عن أنس: " كان عليه الصلاة والسلام يخرج بأم

سليم ونسوة من الأنصار يسقين الجرحى ". وأجمع علماء الأمصار بالمشرق

والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور لكل مسلم مريض

ص: 698

أو مسافر وسواء كان جُنبا أو على غير وضوء لا يختلفون في ذلك، وقد كان

عمر بن الخطاب وابن مسعود يقولان: الجنب لا يطهره إلا الماء، ولا يستفتح

بالتيمم صلاة؛ لقوله تعالى: وإن كنتم جنبا فاطهروا (1) وقوله: (ولا جنبا

إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (2) . وذهب إلى أن الجنب لم يدخل في

المعنى المراد بقوله: (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من

الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا) (3) . ولم يتعلّق

بقولهما في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي وحملة الآثار.

انتهى كلامه. وفي شرح المهذب للثوري: قد ذكروا رجوع عمر وابن مسعود

عن ذلك، قال أبو عمر: واختلف العلماء/في كيفية التيمم فقال مالك

والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وابن أبي سلمة والليث: ضربتان

ضربة للوجه وضربة يمسح بهما إلى المرفقين يمسح اليمنى باليسرى واليسرى

باليمنى، والفرض عند مالك إلى الكوعين والاختيار إلى المرفقين، وسائر من

ذكرنا معه يرون بلوغ المرفقين بالتيمم فرضا واجبا، وقال الأوزاعي: التيمم

ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين وهما الرسغان، وروى ذلك

عن علي، وقد روى عن الأوزاعي وهو أشهر أنّ التيمم ضربة واحدة يمسح بها

وجهه ويديه إلى الكوعين وهو قول عطاء والشعبي في رواية وفيه قال: أحمد

وإسحاق وداود بن علي والطبري: وهو أثبت ما روى في ذلك عن عمّار،

ورواه سفيان عن أبي موسى عن عمار، ولم يختلف في حديث أبي وائل هذا

وسائر أحاديث عمار مختلف فيها، وقال الحسن بن حيي وابن أبي ليلى:

التيمم ضربتان، يمسح بكلّ ضربة منهما وجههه وذراعيه ومرفقيه. ولم يقل

ذلك أحد من أهل العلم غيرهما في علمي. وقال الزهري يبلغ بالتيمم الآباط

ولم يقله غيره. وفي بعض ألفاظ أبي داود (4) : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مسح إلى أنصاف

(1) سورة المائدة آية: 6 (2) سورة النساء آية: 43 (3) الآية السابقة.

(4)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 121- باب التيمم، (ح/323) ولفظه:

" يا عمار إنما كان يكفيك هكذا " ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما على=

ص: 699

ذراعيه. قال ابن عطية: لم يقل أحد بهذا الحديث فيما خطب، وفي شرح

الأحكام لابن بريزة: وقالت طائفة من العلماء: أربع ضربات ضربتان للوجه

وضربتان لليدين، قال: وليس له أصل من السنة. قال: وقال بعض العلماء:

تيمم الجنب إلى المنكب وعنه إلى الكوعين، قال: وهو قول ضعيف. وفي

كتاب ابن رشد رواية عن مالك الاستحباب إلى المرفقين والفرض الكفان. قال

أبو عمر: واختلفوا في الصعيد: فقال مالك وأصحابه: الصعيد وجه الأرض.

قال ابن أخو شدّاد: الصعيد عندنا وجه الأرض وكل أرض جائز التيمم عليها

صحراء كانت أو معدنا أو ترابا، قال: وبذلك قال أبو حنيفة والأوزاعي

والطبري، قال: ويجوز عند مالك على الحشيش إذا كان دون الأرض،

واختلفت الرواية عنه في التيمم على البلح فأجازه مرة ومنعه/أخرى، قال:

وكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد، والحجة في ذلك قوله تعالى:

(صعيدا جرزا)(1) يعني: أرضا غليظة لا تنبت شيئا، وصعيدا زلقا. وقال عليه

الصلاة والسلام: " يحشر الناس على صعيد واحد "(2) أي: أرض واحدة، وفي

الصحيح: الصعيد التراب، وقال ثعلبة: وجه الأرض والجمع صعد وصعدان.

وفي الجمهرة: هو التراب الذي لا يخالطه رمل ولا سبخ هذا قول أبي عبيدة.

وقيل: هو الظاهر من وجه الأرض، وكذا فسّر قوله صعيدا طيبا. وفي الجامع:

جمع الصعيد صعد وجمع الصعد صعدات وفي الزاهر لابن القاسم الصعيد

وجه الأرض قال الشاعر:

صلى حنوطهم الصعيد وغسلهم

نجع الترائب والرءوس يقطف

وقال الشافعي وأبو يوسف وداود فيما ذكره أبو عمر: الصعيد التراب؛ لأنه

= الأخرى، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين، ولم يبلغ المرفقين، ضربة واحدة، قال أبو داود: ورواه وكيع عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن أبزي، ورواه جرير عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، يعني: عن أبيه.

(1)

سورة الكهف آية: 8.

(2)

صحيح الترغيب (1/425) والمشكاة (5565) .

ص: 700

يجرى عندهم التيمّم بغيره، قال الشّافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب ذي

غبار فأمّا الصخر الغليظة والرقيقة والكثيب الغليظ لا يقع عليه اسم صعيد.

انتهى. وما أسلفناه يرد هذا، قال: وأجمع العلماء على أنّ التيمم بالتراب ذي

الغبار جائز، وقال عليه الصلاة والسلام في الأرض وتربتها:" لنا طهور " وهو

مخرج في صحيح أبي عوانة (1) الإسفرايني وهو يقضى على قوله " مسجدا

وطهورا وتفسيره " وسُئل ابن عباس أي الصعيد أطيب؟ فقال الحرث وجماعة

العلماء على إجازة التيمم بالسباخ إلا إسحاق. انتهى. وهو محجوج مما يذكره

من عند ابن خزيمة بعد، قال أبو عمر: وقال الثوري وأحمد: يجوز التيمم بغبار

اللبد والثوب خلافا لمالك. وفي تفسير إلياس جوّز ابن علية وابن كيسان التيمم

بالمسك والزعفران. وفي حلية الشّاشي: ولا يجوز التيمم بتراب خالطه دقيق أو

جص. وقيل يجوز إذا كان التراب غالبا. وأجمع العلماء على أنّ التيمّم لا

يرفع الجنابة ولا الحدث إذا وجد الماء وأنّ المتيمّم للجنابة أو للحدث إذا وجد

الماء عاد جنبا أو محدثا كما كان،/واختلفوا إذا رأى الماء بعد دخوله في

الصلاة فقال مالك: يتمادى في صلاته، وقال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد

والمزني وغيرهم: تقطع تلك الصلاة ويخرج إلى استعمال الماء، واختلفوا في

التيمم في الحضر فذهب مالك وأصحابه إلى أنّ التيمم في الحضر والسفر سواء

إذا عدم الماء أو تعذّر استعماله، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقال الشّافعي:

لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف، وفيه قال الطبري

وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف خروج

الوقت. وقال عطاء: لا يتيمّم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء؛ لأنّ الله

تعالى قال: (فلم تجدوا ماء) فلم يصح التيمم إلا عند فقد الماء. قال أبو

عمر: ولولا قول الجمهور وما روى من الأثر لكان قوله صحيحا، واختلفوا

أيضا في التيمم هل تقبل (2) به الصلوات أم يلزم التيمم لكل صلاة وفرض؟

فقال شريك القاضي: يتيمم لكل صلاة فرض فقال شريك القاضي: يتيمم لكل

صلاة نافلة وفريضة. ولم يختلف قول مالك وأصحابه فيمن يتيمم لصلاة

(1) تقدم من أحاديث الباب.

(2)

قوله: " تقبل " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.

ص: 701

فصلاها فلما سلم منها ذكر صلاة نسيها أنّه تيمّم لها. واختلفوا فيمن صلى

صلاة فرض بتيمم واحد، فروى يحيى عن أبي القاسم فيمن صلى صلوات

كثيرة بتيمم واحد ثم يعيد على ما زاد على واحدة في الوقت، واستحب أن

يعيد أبدا، وروى ابن أبي زيد عنه أنه يعيد أبدا، وقال أصبع: إنّ الجمع بين

صلاتين بتيمم واحد فيه نظر، فإن كانتا مشتركتين أعاد الثانية أبدا. وقال أبو

حنيفة والثوري والليث والحسن بن حيي وداود: يصلى ما شاء بتيمم واحد ما

لم يحدث ما لم يجد الماء وليس عليه طلب الماء إذا يئس منه، والله تعالى

أعلم.

ص: 702

‌60- باب في المجرُوح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه إن اغتسل

حدثنا هشام بن عمار ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين ثنا

الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح سمعت ابن عباس: يخبر أن رجلا أصابه

جرح في رأسه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أصابه احتلام/فأمر بالاغتسال،

فاغتسل فكز فمات، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " قتلوه قتلهم الله أولم يكن

شفاء العي السؤال ". قال عطاء: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو غسل

جسده وترك رأسه حيث أصابه الجراح ". هذا حديث خرجه أبو داود (1) نهى

أنه منقطع عن ظفر بن عاصم ثنا محمد بن شعيب أنبأ الأوزاعي أنه بلغه عن

عطاء أنه سمع ابن عبان به وقال عبد الرحمن: سألت أبي وأبا زرعة عنه

فقالا: رواه ابن أبي العشرين عن الأوزاعي عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء

راوي الحديث، وخرجه أبو الحسن عن الفارسي ثنا إبراهيم بن إسحاق بن

إبراهيم ثنا عبد الرزاق ثنا الأوزاعي عن رجل عن عطاء وقال عبد الحق: ولا

بروى من وجه قوى، وسيأتي خلاف قوله: وأما قول الحافظ المنذري أخرجه-

يعني: أبا داود- منقطعا وابن ماجة (2) موصولا فلم يضع شيئا كلاهما منقطع

لكن أحدهما قال: بلغه والآخر قال: عن فلو كان في ابن ماجة بحديث أو

شبهه كما سنذكره بعد سماع له قوله، والله تعالى يغفر له، لكن المتصل ما

ذكره الحافظان أبو بكر بن خزيمة وابن حبان في صحيحهما وابن الجارود في

(1، 2) ضعيف. رواه أبو داود (ح/337) وابن ماجة (ح/572) في الزوائد: إسناده

منقطع. وأحمد (1/330) والطبراني (11/194) وابن أبي شيبة (1/101) والبخاري في

" التاريخ الكبير "(8/ 288) وحبيب (1/36) والدارمي (1/192) والبيهقي (1/226،

227) وتلخيص (1/174) والدارقطني (1/190) والمنثور (2/263) والبغوي (1/532)

والكنز (27578) والحلية (3/317) والإرواء (1/142) .

قلت: ولفظه: " قتلوه قتلهم الله، أولم يكن شفاء العي السؤال ". قال عطاء: وبلغنا أنّ رسول الله

صلى الله عليه وسلم قال: " لو غسل جسده وترك رأسه، حيث أصابه الجراح ".

وهو حديث حسن، دون بلاغ عطاء. انظر: ضيف ابن ماجة (ح/ 126) ، وصحيح أبي داود

(ح/ 364) .

ص: 703

منتقاه من حديث الذهلي ثنا عمر ابن حفص بن غياث ثنا أبي أخبرني الوليد

بن عبيد الله بن أبي رباح أن عطاء حدثه عن ابن عباس بلفظ: " قتلهم الله

ثلاثا قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهورا ". قال: شكّ ابن عباس ثم انتبه

بعد، قال أبو بكر: ثنا يوسف بن موسى ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن

سعيد بن جرير عن ابن عباس رفعه في قوله: (لن كنتم مرضى أو على

سفر) (1) قال: إذا كان بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو الهذري

فيجنب فخاف إذا اغتسل أن يموت فليتيمم. وخرجه ابن الجارود أيضا، وفي

ذلك نظر؛ لما ذكره أبو أحمد من أنّ جريرا سمع من عطاء بعد الاختلاط، ولما

خرج أبو عبد الله في مستدركه/حديث الوليد قال: هذا حديث صحيح فإن

الوليد بن عبيد الله هذا ابن أخي عطاء بن أبي رباح وهو قليل الحديث جدا،

وقد رواه الأوزاعي عن عطاء مخرج بعدوله شاهد آخر عن ابن عباس فذكر

الحديث الذي أسلفناه من عند ابن خزيمة ثم ذكر حديث محمد بن يعقوب

ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان التنوخي ثنا بشر بن بكر حدثنى الأوزاعي ثنا

عطاء، فذكره ثم قال: بشر بن بكر ثقة مأمون وقد أقام إسناده وهو صحيح

على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وثنا أبو العباس ثنا العباس بن الوليد بن يزيد

أنبأ أبي سمعت الأوزاعي يقول: بلغني عن عطاء، ورواه أيضا الفضل بن زياد

وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي فلم يذكر سماع الأوزاعي من عطاء إنّما قال:

عطاء عن ابن عباس، ورواه أيضا محمد بن كثير المصيصي فقال: ثنا الأوزاعي

عن عطاء بن أبي رباح أنبأ بذلك الإمام ضياء الدين موسى القطبي- رحمه

الله تعالى- أنبأ عبد اللطيف البغدادي قراءة عليه وأنا أسمع أنبأنا الشيخان

اللبان الجمال أنبأ أبو علي أنبأ الحافظ أبو نعيم ثنا محمد بن أحمد بن علي نبأ

إبراهيم بن الهيثم البلدي ثنا محمد بن كثير، فذكره وقال: هذا حديث

غريب لا تحفظ هذه اللفظة- يعني: ألم يكن شفاء العي السؤال- من أحد

من الصحابة إلا من حديث ابن عباس ولا عنه إلا من رواية عطاء حدث به

الوليد بن مسلم والأعلام عن الأوزاعي، وقال ابن عساكر: ورواه أيوب بن

(1) سورة النساء آية: 43.

ص: 704

سويد عن الأوزاعي كرواية ابن أبي العشرين، ولما خرّج البيهقي حديث الوليد

قال: هذا حديث موصول وتمام هذه القصة في الحديث الذي أرسله الأوزاعي

عن عطاء، ومن أوجب الجمع بينهما يقول: لا ينافي بين الروايتين إلا أنّ

إحداهما مرسلة وبنحوه ذكره قاسم في الدلائل، فكان أبو عبيد الله لم يعد

هذه علّة وإلا أصبحت له طريقه الحرث، فكأنه يقول: سمعه أولا عبد الله ثم

سمعه آخرا منه، ورواه أيضا في تاريخ نيسابور بإسناد ضعيف عن أبي الفضل

المسلمي ثنا محمد بن حاتم بن يونس ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن الأشعث

ثنا بشر بن يحيى من ثقات/أصحاب عبد الله ثنا أبو عصمة عن إبراهيم

الصائغ عن عطاء عن ابن العباس، ورواه أيضا عطاء عن جابر بن عبد الله

قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا معنا حجر فشجّه في رأسه، فاحتلم، فسأل

أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت

تقدر على الماء فاغتسل فمات. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك

فقال: " قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما

كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب". شك الراوي على جرحه خرقة ثم

يمسح عليها ويغسل سائر جسده. رواه أبو داود (1) من وجهه الزبير بن خريق،

قال أبو بكر بن أبي داود: هذه سنة تفرد بها أهل مكة وحملها أهل الجزيرة

ولم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير وليس بالقوى وخالفه الأوزاعي، فرواه

عن عطاء عن ابن عباس: واختلف عن الأوزاعي فقيل عنه عن عطاء وقيل عنه

بلغني عن عطاء وأرسل الأوزاعي أخبره عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو

الصواب، وقال البيهقي في الخلافيات: هذا إسناد مختلف فيه. وصحّ عن ابن

عمر أنّه: " كان يمسح على العصابة ". وقال في السنن الكبير: هذه رواية

موصولة. وفي مسند الدارمي (2) قال عطاء: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل بعد

(1) حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 125- باب في المجروح يتيمم، (ح/336) .

(2)

صحيح. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم، (ح/337) .

ورواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 92- باب في المجروح تصيبه الجنابة، (ح/572) .

ورواه الحاكم في: (1/165- 178) . ورواه ابن حبان في: كتاب الطهارة، باب التيمم،

(ح/201) . وموارد الظمآن (ص 76) .

ص: 705

ذلك فقال: " لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح ". وقال عبد الحق:

لم يروه عن عطاء غيره وليس بالقوي، ورواه الأوزاعي عن عطاء عن ابن

عباس، واختلف على الأوزاعي ولا يروى الحديث من وجه قوي، ويتبع ذلك

علة أبو الحسن بقوله هكذا ساقه في التيمم، وهذا لا يحتمل إلا أنّ التيمم في

حق المريض من رواية ابن عباس أيضا كما هو من رواية جابر وذلك باطل،

وإنّما اعتراه هذا من كتاب الدارقطني الذي نقله منه؛ فإنّه أجمل القول كما

ذكر ثم فسره بإيراد الأحاديث فيخلص، فكتب أبو محمد الإجمال ولم يكتب

التفسير فوقع في الخطأ. وحديث ابن عباس لا ذكر فيه للتيمم، ولا يعرف

ذكر التيمم فيها إلا من رواية ابن خريق كما تقدّم أو من رواية أبي/سعيد

الخدري بإسناد بالغ إلى الغاية في الضعف، ورواه ابن عدي عن محمد بن

الحسن بن موسى الكوفي بمصر ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن حماد ثنا

عبد الرحمن بن أبي حماد عن عمرو بن شمس عمرو بن أنس عن عطية

عن أبي سعيد قال: أجنب رجل مريض في يوم بارد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم

فغسله أصحابه فمات، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما لهم قتلوه قتلهم الله،

إنما كان عزى من ذلك التيمم " (1) انتهى كلامه، وفيه نظر؛ من حيث زعمه

أنّ حديث ابن عباس لا ذكر فيه للتيمم؛ لما أسلفناه قبل من كتاب ابن حبان

وابن خزيمة، ولما في كتاب العلل لعبد الرحمن سألت أبي وأبا زرعة عن

حديث رواه علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن

عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فالمريض إذا خاف على نفسه تيمم، قال أبو

زرعة: ورواه جرير أيضا؛ فقال: عن عطاء به مرفوعا في المجروح وهو خطأ

أخطأ فيه على بن عاصم، ورواه أبو عوانة وورقاء وغيرهما عن عطاء بن

السائب عن سعيد عن ابن عباس موقوفا وهو الصحيح. انتهى كلامه، وفيه

نظر؛ من حيث عقد التيمم أيضا على متابعة جرير، وإن كان سماعه منه بآخره

ورواه الدارمي في: الوضوء، 70- باب المجروح تصيبه الجنابة، (ح/752) . والحديث

حسن بشواهده. وتقدّم ذكره بلفظه وسبب تضعيفه، وكيف يتم تحسينه:(ص/265) .

(1)

صحيح. رواه الحاكم (1/165) وتلخيص (1/147) وابن خزيمة (273) وابن حبان

(201)

والبيهقي (1/226) .

ص: 706

فلابدّ من ذكره بهذين الأمرين أو بأحدهما، وفي كتاب الدارقطني: ثنا برز بن

الهيثم ثنا أبو سعيد الأشج ثنا عبدة بن سليمان عن عاصم الأحول عن عطاء

عن سعيد عن ابن عباس قال: رخص التيمم للمريض والتيمم بالصعيد فهذا

كما ترى في كتاب الدارقطني الذي زعم أنّه بخصوصه ليس فيه ذكر التيمم

في حديث ابن عباس، اللهم إلا أن يحمل كلامه على المرفوع صحاب

بأمرين: الأول: قوله بعض- بضم الباء- غالبا إنما عزى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

لقوله أمر بلال؛ لأنه ليس لأحد أن يبيّن أو يرخص غيره، وعلى تقدير

المشاححة (1) في هذه اللفظة فيقال له: قد قال أبو الحسن بعده ورواه علي بن

عاصم عن عطاء فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في اعتذارك عن هذا يا أبا الحسن وأظن

الموقع له في هذا عدم رؤيته إيّاه في مصيبته، وليس/بين الموضعين الأيسر، وقد

وقع لنا حديث عبد الحميد متصلة فقال: ثنا الأوزاعي ثنا عطاء بن أبي رباح

قال: سمعت ابن عباس، فذكره، ذكره أبو عمر في جامع بيان العلم، والله

أعلم. وأمّا تيمم الجنب ففيه أحاديث منها: حديث عمران بن حصين رأى

النبي صلى الله عليه وسلم رجلا لم يصل مع القوم قال ما منعك يا فلان أن تصل مع القوم؟

قال: أصابتني جنابة ولا ماء؟ قال: " عليك بالصعيد فإنه يكفيك"(2) . خرجاه

في كتابيهما. وحديث أبي ذر: كانت تصيبني الجنابة- يعني: وهو بالبريدة-

فامكث الخميس والسبت، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم: فقال أبو ذر: فسألت فقال:

" ثكلتك أمك يا أبا ذر، فدعا لي بجارية سوداء وفيه الصعيد الطيب وضوء

المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ". خرجه أبو عيسى (3) وقال به في السنن،

وهو حديث صحيح وخرجه البستي في صحيحه (4) من حديث خالد الحذاء

(1) كذا ورد هذا السياق هذا اللفظ.

(2)

صحيح. رواه النسائي (1/171) وأحمد (4/434) والبيهقي (1/178، 216،

218) والطبراني (18/133) وأبو عوانة (1/308) وابن خزيمة (271) وابن أبي شيبة (1/

156) ونصب الراية (1/156، 161) والنبوة (4/277) والفتح (1/447، 457، 4/

446) وابن كثير (2/279) والقرطبي (5/237، 6/104، 106) .

(3- 3) صحيح. رواه الترمذي (124) وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أحمد (5/

180) عن أبي أحمد الزبيري هذا الإسناد، وفيه " وضوء المسلم " كرواية محمود بن غيلان

ورواه أبو داود (1/129- 130) والحاكم (1/176- 177) والبيهقي (1/220) من=

ص: 707

عن أبي قلابة عن عمرو بن بجران سمعت أبا ذر به ثم قال ذكر الخبر المريض

قول من زعم أنّ هذا الخبر تفرد به خالد، فذكر حديث الثوري عن أيوب

وخالد به، ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه (5) قال: هذا حديث صحيح

ولم يخرجاه إذ لم يجد لعمرو راويا غير أبي قلابة وهذا مما شرطت فيه وثبت

أنهما قد أخرجا مثل هذا في مواضع من الكتابين، ولما ذكره الجوزجاني قال:

هذا حديث صحيح، ولما ذكره أبو داود في كتاب التفرد قال الذي تفرد به

من هذا الحديث: أنه رخص له أن يصيب أهله، ورواه حماد بن زيد فلم يذكر

أبواها، ولما ذكره الاشبيلي اتبعه قول الترمذي فيه حسن، وتتبع ذلك عليه أبو

الحسين بقوله فهو عنده غير صحيح ولم يبين لم لا يصح ذلك؛ وذلك لأنه لا

طريق خالد الواسطي عن خالد الحذاء. ورواه الدارقطني (ص 68) والبيهقي (1/212،

220) من طريق يزيد بن زريع عن خالد الحذاء، كلهم يقول: " عن خالد الحذاء عن أبي

قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر " كرواية الترمذي. ورواية أبي داود والحاكم والبيهقي

أطول من هذه الرواية.

ورواه النسائي (1/61) عن عمرو بن هشام عن مخلد بن يزيد عن الثوري عن أيوب

السختياني عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر. ورواه الدارقطني (ص 68) من

طريق عبد الحميد بن محمد بن المستام- بضم الميم وإسكان السين المهملة وفتح التاء المثناة

الفوقية- وهو ثقة، ورواه البيهقي (1/212) من طريق عمرو بن هشام وأحمد بن بكار،

ثلاثتهم عن مخلد بن يزيد عن الثوري عن أيوب السختياني وخالد الحذاء معا عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر.

وقال البيهقي: " تفرد به مخلد هكذا، وغيره يرويه عن الثوري عن أيوب عن أبي قلابة عن

رجل عن أبي ذر، وعن خالد عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر، كما رواه سائر

الناس ".

وقد صحح الحاكم في المستدرك هذا الحديث من رواية خالد الحذاء، كما صححه الترمذي،

ووافقه الذهبي على تصحيحه، وهو يقول في الميزان (2/282) في ترجمة عمرو بن بجدان

في الكلام على هذا الحديث نفسه: " حسنه الترمذي، ولم يرقه إلى صحة للجهالة بحال

عمرو، روى عنه أبو قلابة وما قال: سمعت، ورواه أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني

عامر، ومرة جاء أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني قشير، وقيل غير ذلك، وقد وثق

عمرو مع جهالته "!! ونقل الذهبي عن الترمذي تصحيحه، ويناقض الذهبي نفسه في إقرار هذا

مع إقراره تصحيح الحاكم إياه.

ونقل الزيلعي في نصب الراية (1/77- 78) أن ابن حبان رواه أيضا.

ص: 708

يعرف لابن بجدان هذا حال وإنما روى عنه أبو قلابة، واختلف عنه خالد

الحذاء يقول عن عمرو بن بجدان، ولا يختلف عن خالد في ذلك، فأما

أيوب؛ فإنّه رواه عن أبي قلابة فاختلف عليه، فمنهم من يقول فيه: عن أبي

قلابة عن رجل من بني عامر. ومنهم من يقول: عن رجل فقط. ومنهم من

يقول: عن رجاء بن عامر. ومنهم من يقول:/عن عمرو بن بجدان كقول

خالد. ومنهم من يقول: عن أبي المهلب. ومنهم من لا يجعل عنهما أحدا

فيجعله عن أبي قلابة عن أبي ذر. ومنهم من يقول: عن أبي قلابة أنّ رجلا

من بنى قشير قال: يا نبي الله، وهو حديث ضعيف لا شك فيه؛ لأنّه لابد فيه

عن عمرو بن مجدان، ولهذا المعنى إسناد صحيح من رواية أبي هريرة قال عليه

الصلاة والسلام: " الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ". رواه

البزار (1) عن مقدم بن محمد ثنا عمى القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم ثنا

هشام بن حسان عن ابن سيرين عنه. انتهى كلامه. وفيه نظر من وجوه:

الأول: تقريره قول أبي محمد عن الترمذي حسن، والذي رأيته في عدّة من

نسخه حسن صحيح كما قدمته أولا، وكذا ذكره ابن عساكر في الأطراف

والشيخان ضياء الديّن المقدسي في أحكامه والمنذري في مختصره. الثاني:

عصبة الجهالة برأس بن بجدان وهو فيه أمر عجيب؛ وذلك أنّه كثير النظر في

كتاب العجلي وهو قد قال في تاريخه: بصري تابعي ثقة، وكذلك ذكره أبو

حاتم البستي، وأمّا قول الإمام أحمد فيه وسأله عنه ابنه عبد الله: عمرو

معروف؟ قال: لا، فليس تضعيفا له. الثالث: ما ذكره من الاختلاف في اسمه

ونسبه كلّه يرجع إلى شيء واحد، والله أعلم وفيه أيضا خلاف لم يذكره وهو

عمرو بن محجن- أو محجل- وقيل: عن محجن أو أبي محجز فيما ذكره

الخطيب في كتاب الفصل والوصل. وأما ما قال عن أبي المهلب فحذائه لو

(1) صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/261) وعزاه إلى البزار وقال: لا نعلمه

يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، قلت: ورجاله رجال الصحيح. وأبو داود (333)

والبيهقي (1/7، 8، 220، 7/84، 212) والبغوي (1/540) والقرطبي (5/133)

والدارقطني (1/186) والمنثور (2/168) والفتح (1/235) وابن كثير (2/274، 280)

والتاريخ الكبير (6/317) .

ص: 709

كان صحيحا لكان الآتي به هو مُوسى بن خلف أبو خلف العمي القائل فيه

أبو حاتم كثرت روايته للمناكير. فاستحق الترك، ولما روى أبو القاسم حديث

مقدم في الأوسط قال لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا هشام ولا

عن هشام إلا القاسم بن يحيى- تفرد به مقدم- وحديث حكيم بن معاوية

عن عمه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنّى أغرب عن الماء ومعى (1) أهلي أفأصيب

منهم؟ قال: نعم./قال: إني أغيب شهرا. قال: وإن مكثت ثلاث سنين ".

ذكره البرقي في تاريخه من جهة بقية ثنا سعيد بن بشير ثنا قتادة عن معاوية

بن حكيم أو حكيم بن معاوية عن عمه. ورواه الوليد عن سعيد فقال: عن

معاوية بن حكيم، ولم يشكّ وعمه عبد الله بن سعيد، ولما ذكره البيهقي في

السنن الكبير من حديث معاوية بن حكيم قال: فقال عمه حكيم بن معاوية

غيره، وحديث زيد بن أبي أنيسة أنّ رجلا: أصيب فغسل فمات فقال النبي

صلى الله عليه وسلم " لو تيمموه قتلهم الله "! قال النعمان: فجلب فيه الزهري أنه بعد أن

يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم فقلت من حدثك؟ فقال: أنت حدثتني عمن حدثك.

قلت: عن رجل من أهل الكوفة؟ قال أفسدته في حديث الكوفة وعليك ذكره

البخاري في الأوسط (2) . وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال:

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله نغيب لا نقدر على الماء أيجامع

أهلنا قال: نعم ". رواه الإمام أحمد (3) من حديث ابن أرطأة وفي السنن لأبي

داود (4) من حديث عمرو بن العاص- رضي الله عنه قال: احتلمت في ليلة

باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت أن أغتسل فأهلك فتيممت ثم صليت

بأصحابي. فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت

جنب " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إنِّي سمعت الله يقول:

(ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) قال: " فضحك رسول الله

(1) قوله: " ومعي أهلي " سقط من " الأصل " وأثبتناه من " الثانية " وكذا أثبتناه.

(2)

ضعيف. رواه البخاري في " التاريخ الصغير ": (2/68) . قلت: وعلته الرجل الذي لم يُسم.

(3)

ضعيف. رواه أحمد: (2/225) . قلت: وعلّته ابن ارطأة فهو مدلس، وإن كان قد وثق.

(4)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 124- باب إذا خاف الجنب البرد

أيتيمم؟ (ح/ 334) .

ص: 710

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يقل شيئا ". رواه عن ابن مثنى ثنا وهب بن جرير ثنا أبي سمعت

يحيي بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنيس عن

عبد الرحمن بن جبير بن نصر ثنا محمد بن سلمة ثنا بن وهب عنه ثم قال:

ابن جبير هذا مصري مولى خارجة بن حذافة وليس هو ابن جبير بن نفير ثنا

محمد بن سلمة ثنا ابن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحرث عن زيد عن

عمران عن / ابن جبير عن ابن قيس مولى عمر وإن عمرا كان على سرية،

وذكر الحديث نحوه قال: يغسل مغابنة ويتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم

فذكر نحوه ولم يذكر التيمم، قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي

عن حسان بن عطية قال فيه: فتيمم وبنحوه، ذكره في كتاب التفرد. ولما

ذكره أبو عبد الله من حديث أبي قيس بلفظ: " إنّ عمرا كان على سرية

وإنهم أصابهم برد شديد لم ير مثله، فخرج لصلاة الصبح فقال: وإنِّي قد

احتلمت البارحة، ولكن والله ما رأيت بردا مثله هذا، هل مر على وجوهكم

مثله؟ قالوا: لا يغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم فلما قدم

على النبي صلى الله عليه وسلم سأل كيف وجدتم عمرا وصحابته فأثنوا عليه خيرا وقالوا: يا

رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بنا وهو جنب فأرسل إلى عمرو، فسأله فأخبره بذلك

وبالذي يلقى من البرد فقال: يا رسول الله إن الله قال: (ولا تقتلوا

أنفسكم) ولو اغتسلت مت فضحك النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو " (1) . قال: هذا

حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما عللا

بحديث جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب ثم ذكر

الحديث المتقدّم، وقال: حديث جري لا يعلّل حديث عمرو الذي فيه ذكر أبي

قيس؛ فإن أهل مصر عرفوه بحديثهم من أهل البصرة، ولما ذكره البيهقي قال:

يحتمل أن يكون عمرو فعل ما قيل في الروايتين جميعا: غسل ما قدر على

غسله، وتيمم للباقي. وقال أبو طالب: سألت الإمام أحمد، يؤم المتوضئين؟

قال: نعم قدام ابن عباس- يعني: أصحابه- وهو جنب فتيمم وعمرو بن

العاص صلى بأصحابه وهو جنب فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فتبسم. قلت: حسان بن

(1) صحيح. رواه الحاكم: (1/176- 177) .

ص: 711

عطية سمع من عمرو قال: لا، ولكن يقوى لحديث ابن عباس وقال: نهى عنه

إنه ذكر ما روى عن عمرو فقال: ليس بمتصل الإسناد، قال: وذكرت له عن

علي لا يؤم المتيمم المتوضئين فلم يعرفه. انتهى. إنّما أنكره؛ لأنه من رواية

الحرث عنه عمّا ذكره البيهقي. ولما ذكره عبد الحق الأشبيلي- رحمه الله

تعالى- في الأحكام الكبير هذا الإسناد/أعلى من الأول عمرو بن الحرث لا

يقاس بيحيى بن أيوب وعبد الرحمن بن جبير المصري أدرك عمرو بن العاص،

وعمران بن أبي أنس ثقة مشهور، وأمّا قول أبي الحسن بن القطان وزاد-

يعني: الأشبيلي- فيه لفظا آخر من رواية عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن

أبيِ قيس مولى عمرو عن عمرو ثم قال: هذا أوصل من الأوّل. كانه يفهم أنّ

الأول أيضا موصول وليس كذلك؛ بل معنى قوله أوصل: أنّ هذا متصل دون

الأوّل فإنه منقطع. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ من حيث إن عبد الحق لم يقل

جبير بن نفير كما قاله عنه، ونص ما عنده عبد الرحمن بن جبير المصري عن

أبي قيس وأبي متبوع لأبي محمد هذا القول، ومن عد أبي داود فعل الحديث

وأبو داود قد نص على أنه ليس بأنه جبير بن نفير، ولكن قوله هذا يتجه على

ما ذكره في الكبرى من أنه أدرك عمرا فصار هذا موصولا أيضا فيسار في

الاتصال وأصله في تعليق (1) البخاري بلفظ: " إنه أجنب في ليلة باردة فتيمم،

وتلا قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحميا) ، فذكر ذلك

للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنّفه. ووقع في أنساب بنى سهم أصابتني جنابة وأنا مريض

شديد المرض، فخفت إن اغتسلت أن أقتل نفسي

" الحديث. وحديث أبي

هريرة وقد تقدّم. وحديث طارق بن شهاب قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم

فقال: يا رسول الله، إنى أجنبت فلم أصل قال: أحسنت وجاء آخر فقال: إنى

(1) صحيح. رواه البخاري " تعليقا " في: 7- كتاب التيمم، 7- باب إذا خاف العطش

تيمم) فتح الباري: 1/541) .

قوله: " فلم يعنف " حذف المفعول للعلم به، أي: لم يلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا، كان ذلك

تقريرا دالا على الجواز.

وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك، سواء كان لأجل برد أو

غيره.

ص: 712

أجنب فتيممت وصليت. قال: أصبت ". ذكره أبو محمد الأموي وصححه

بعد شهادته لطارق، وفي سنن البيهقي وأمّا فعل ابن عمر قال البيهقي:

محمول على الاستحباب، وحديث جابر مرفوعا: " لا يؤم المتيمم

المتوضئين " (1) : إسناده ضعيف فيما قال الدارقطني. وحديث الزهري عن سعيد

عن عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يؤم المتيمم المتوضئين ". ذكره ابن

شاهين وذكر بعده حديث عمرو بن العاص ثم قال: يحتمل أن يكون هذا

الحديث ناسخا للأول، وهذا الحديث مأخوذ إسنادا من حديث الزهري./وإن

صحّ فيحتمل أن يكون النهى في ذلك لضرورة وقعت مع وجود الماء، فان قال

قائل: فيجوز أن يكون هذا رخصة لعمرو إذا لم ينهه ولم يأمر بالإعادة، قيل لو

كان رخصة له دون غيره لم يقل له. أحسنت وضحك في وجهه، ولقال له:

كما قال لأبي بردة بن يسار وغيره، والله أعلم. وأمّا إذا تيمم الرجل وصلّى

ثم وجد الماء ففيه حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال: " خرج رجلان

في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا ثم وجدا

الماء في الوقت وأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر ثم أتيا النبي

صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال للذي/يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك.

وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين ". ذكره أبو عبد الله في

مستدركه (2) من حديث ابن نافع عن الليث عن بكر عنه وقال: هذا حديث

صحيح على شرط الشيخين، قال ابن نافع: ثقة. وقد وصل هذا الإسناد عن

الليث، وقد أرسله غيره أنبأ أبو بكر بن إسحاق أنبأ أحمد بن إبراهيم بن

ملحان نا يحيى بن بكير ثنا الليث بن سعد عن عمرة بن أبي ناجية عن بكر

بن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. انتهى كلامه. وفيه نظر؛

(1) ضعيف. رواه البيهقي (1/234) والدارقطني (1/185) والكنز (20439) والمتناهية

(1/381) .

(2)

صحيح. رواه الحاكم (1/178، 181) وأبو داود (ح/338) والنسائي في (الغسل،

باب " 27 ") والبيهقي (1/231) ونصب الراية (1/160) وتلخيص (1/155) والكنز

(31846)

والدارمي (744) . وسنده حسن، ورواه ابن السكن بإسناد متصل صحيح، وله

شاهد من حديث ابن عباس.

ص: 713

لما ذكره أبو داود من أنّ ذكر أبي سعيد في هذا الحديث وهم، وليس محفوظ

وهو مرسل ثنا النعمان ثنا ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي عبد الله مولى

إسماعيل بن عبيد عن عطاء بن يسار أنّ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه

وقال الطبراني في الأوسط: ورواه من حديث الليث عن بكر بن سوادة عن

عطاء عن أبي سعيد قال: لم يروه عن الليث متصلا إلا عبد الله بن نافع تفرد

به المثنى. وقال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن نافع. عن الليث هذا الإسناد

متصلا وخالفه ابن المبارك وغيره فلم يذكروا أبا سعيد. وعاب أبو الحسن على

الأشبيلي كونه دعاه بالإرسال وأعقل كونه منقطعا فيما بين الليث وبكر، قال:

قلت: هو قد منع به مرسلا، والمرسل متصل إلى عطاء بزيادة عمير (1) /فلعله

الذي أورد فإيّاه قصد فالجواب أن يقول: هو إذن قد ترك أن تبيّن أنه مرسل

في إسناده رجل مجهول، وذلك أنّ عميرة ابن أبي ناجية مجهول الحال فإذا

لم يبيِّن ذلك فقد أوهم أنه لا عيب له إلا الإرسال وألا ظهر انه لم يرد شيئا

من ذلك ولا أعتقد فيه إلا أنه إذا سقط منه ذكر أبي سعيد- يعني: من رواية

الليث- عن بكر عن عطاء مرسلا على نحو ما رواه ابن المبارك عن الليث

ذكر روايته الدارقطني فقال: ثنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا

عبد الرزاق عن ابن المبارك عن كثير عن بكر عن عطاء: أن رجلين أصابتهما

جنابة فتيمما

نحوه، وإذا كان هذا هو الذي اعتقد فلم يعتمد إلا منقطعا

فيما بين كثير وبكر ولكنه لم يبيّنه، ولا أيضا شيء له على نحو ينفعه؛ فإنّ

المنقطع الذي اعتمدنا وصّله أبو داود عن رجل مجهول وهو عميرة، وأقول بعد

هذا أنّه قد جاء من رواية أبي الوليد الطيالسي ثنا الليث عن عمرو بن الحرث

وعميرة عن بكر عن عطاء عن أبي سعيد ذكره أبو على بن السكن فقال: ثنا

أبو بكر الواسطي ثنا عباس بن محمد ثنا أبو الوليد فذكره. وأمّا الانقطاع

الذي زاده ابن لهيعة فيما بين بكر وعطاء فلا يلتفت إليه؛ لضعف ابن لهيعة.

انتهى كلامه. وفيه نظر؛ من حيث عصبة الجنابة برأس عميرة وأظنّه أبا عذرة

هذا القول، وليس كما زعم أنه ممن قال فيه الحافظ أبو سعيد بن يونس: هو

مولى حجر بن ذى رعني ثم مدر يكنى أبا يحيى وكان ناسكا متعبدا، فقال:

(1) قوله: " بزيادة عمير " سقطت من " الأولى " وأثبتناه من " الثانية ".

ص: 714

إن أباه ناجية كان روميا يدّعى حريثا روى عنه عبد الرحمن بن شريح وحيوة

بن شريح والليث وبكر بن مضر ويحيى بن أيوب ورشدين بن سعد وعبد الله

بن وهب، قال ابن دريد: توفي سنة ثلاثٍ وخمسين ومائة، فنحر مصرحا من

الحج وكانت له عبادة وفضل، وقال أحمد بن وزير: سمعت ابن وهب يقول:

كان عميرة من العباد وكان بمنزلة النائحة إذا قرأ يبكي، وإذا سجد يبكي، وإذا

سكت عن القراءة، وفرغ من الصلاة/ جلس يبكى وكان يزيد بن حاتم الأمير

سئل عنه فيقول: ما فعلت الكلا، وقال أبو نصر بن ماكولا: وروى عن يزيد

بن أبي حبيب وأبي الأسود ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقال النسائي: وابن

بكر كان ثقة. وقال المسحالي عن أحمد بن محمد بن رشدين: سمعت أحمد

بن صالح وسئل عن عميرة وأبي شريح فقال: هما متقاربان في الفضل وذكره

البستي في كتاب الثقات وقال: توفي سنة إحدى وخمسين. وكذلك ذكره

ابن نافع. وأمّا التيمم لردّ السلام ففيه حديث أبي الجهيم بن الحرث بن الصمة

قال: " أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلِّم عليه فلم يرد

عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ثم ردّ عليه

السلام ". أنبأ به المسند المعمر أبو الحسن بن الصلاح- رحمه الله أنبأ العلامة

أبو علي الحسن بن محمد بن محمد البكري وأبو عبد الله المرسى قالا: أنبأ

المؤيد الطوسي أنبأ الفراوي أنبأ الفارسي أنبأ أبو أحمد بن عمرو به ثنا أبو

إسحاق بن سفيان سمعت أبا الحسين القشيري قال: وروى الليث بن سعد عن

جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن عون عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه

يقول: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حتى

دخلنا على أبي الجهيم، فقال

الحديث. كذا ذكره مسلم (1) بن الحجاج في

صحيحه مقطوعا، وفيه مع ذلك وهم: وهو قوله: عبد الرحمن بن يسار، وقد

ذكره أبو عبد الله في صحيحه متصلا سالما من هذا الوهم أنبأ بذلك مسندا،

وفيه الشيخ أبو العباس الصالحي- رحمه الله أنبأ ابن الزبيدي أنبأ أبو الوقت

(1) صحيح. رواه مسلم في: 3- كتاب الحيض، 28- باب التيمم، (ح/114) .

قوله: " من نحو بئر جمل " أي: من جانب ذلك الموضع. وبئر جمل موضع بقرب المدينة.

ص: 715

أنبأ الراودي أنبأ السرخسي أنبأ الفربري أنبأ محمد بن إسماعيل- رحمه الله

ثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج قال: سمعت

عميرا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة حتى

دخلنا على أبي جهيم، فذكره ورواه أبو داود (1) وأبو عبد الرحمن من رواية

شعيب بن أينب عن أبيه فثبت اتصاله وصح الاحتجاج به، ووقع في هذا

الحديث زيادة حسنه أنبأ بها المسند المعمر علي/بن موسى الحجازي أنبأ شيخ

الإسلام شمس الدين الخردقي قراءة عليه في شهور سنة تسع وستين وستمائة،

ثنا الفقيه رشد الدين زاهد بن محمد المروزي أنبأ شيخ الإسلام أبو محمد

التميمي أنبأ الحافظ أبو محمد الحسين بن مسعود، أنبا عبد الوهاب بن محمد

الكناني، أنبأ عبد العزيز بن أحمد الخلال، ثنا أبو العباس الأصم، قال البغوي:

وأنبأ أحمد بن عبد الله الصالحي ومحمد بن أحمد العارف قالا: أنبأ أبو بكر

الحيري ثنا الأصم أنبأ الربيع أنبأ الشّافعي أنبأ إبراهيم بن محمد عن أبي

الحويرث عن الأعرج عن ابن الصمة قال: " مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول،

فسلمت عليه فلم يردّ علي حتى قام إلى جدار فحثّه بعصا كانت معه، ثم

وضع يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم ردّ علي " (2) . قال: هذا

حديث حسن وفيه فوائد منها: وجوب مسح اليدين إلى المرفقين، ومنها: أنّ

التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار التراب؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم حثّ الجدار

بالعصا ولو كان مجرد الضرب كافيا لكان لا يحثّه. وحديث أبي هريرة تقدّم

ْذكره من عند ابن ماجة. وحديث عبد الله بن عمر تقدم أيضا. وحديث

عبد الله بن حنظلة بن الراهب: " أن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بال فلم

يرد عليه حتى قام بيده إلى الحائط، يعني: أنه تيمم- ". رواه أحمد في

مسنده (3) وفي طريقه رجل لم يسم. وحديث سليمان بن يسار " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم

(1) حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 122- باب التيمم في الحضر، (ح/ 329) .

قلت: وإسناده صحيح متصل.

(2)

حسن. رواه البيهقي: (1/205) .

(3)

ضعيف. رواه أحمد: (5/225) . قلت فيه رجل لم يُسم.

ص: 716

ذهب إلى مرحل حاجته ثم أقبل فسلم عليه رجل فلم يرد عليه حتى مسح يده

بجدار ثم رد عليه السلام ". ذكره أبو بكر في كتاب المعرفة. وأما التيمم

بالسباخ ففيه: حديث عائشة قال عليه الصلاة والسلام: " قد أريت دار

هجرتكم أرأيت مسبخة ذات نخل

" الحديث خرجه ابن خزيمة في

صحيحه (1) وقال فيه: إن التيمم بالسباخ جائز، وأما التيمم للجنازة ففيه حديث

رواه ابن عدى (2) من جهة مغيرة بن زياد عن عطاء عن ابن عباس قال النبي

صلى الله عليه وسلم: " إذا فجئتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمي "./قال ابن عدي: هذا

غير محفوظ وإنما هو موقوف عن ابن عباس. وفي كتاب العلل لعبد الله بن

أحمد، وروى الليث عن نافع عن ابن عمر أنه قال: " لا يصل على الجنازة إلا

وهو طاهر ". قال البيهقي: وكذلك رواه مالك عن نافع. والذي روى عنه

في التيمم لصلاة الجنازة يحتمل أن يكون في السفر عند عدم الماء، وفي إِسناد

حديث ابن عمر في التيمم ضعف، وأما التيمم لكل فريضة فقد صح عن ابن

عمر وروى عن علي وعمرو بن العاص وابن عباس فيما قاله البيهقي: واستدل

على جد طلب الماء بحديث ابن عمر: " أنه تيمم مريد (3) النعم وصلى وبينه

وبين المدينة ثلاثة أميال وبمرية أيضا أن كان يكون في السفر فحضره الصلاة،

والماء منه على غلوة أو غلوتين ". ونحو ذلك ثم لا يعدل إليه، وسئل ابن

المسيب عن راعى في غنمه أوراعى تصيبه الجنابة وبينه وبن الماء ميلان أو

ثلاثة، قال: يتيمم صعيدا طيبا. وعن علي: " اطلب الماء حتى يكون أخر

الوقت، فإذا لم تجد ماء تيمم ثم صل " قال أبو بكر: وهذا لم يصح عن علي

والثابت عن ابن عمر يقول ومعه طاهر القرآن، والله تعالى أعلم.

(1) صحيح. رواه ابن خزيمة (265) والبخاري (3/128) وتلخيص (1/149) والنبوة (2/

459) والمنثور (3/243) وابن عساكر في " التاريخ "(7/139) وطبقات ابن سعد (1/1/

152) والبداية (3/168) .

(2)

ضعيف. رواه ابن عدي في " الكامل "(7/2640) ونصب الراية (1/157) والمتناهية

(1/381) .

قلت: الحديث غير محفوظ.

(3)

قوله: " مريد " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.

ص: 717

‌61- باب ما جاء في الغسل من الجنابة

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ثنا وكيع عن الأعمش عن

سالم بن أبي الجعد عن كريب مولى ابن عباس ثنا ابن عباس عن خالته ميمونة

قالت: " وصفت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا، فاغتسل من الجنابة، فأكفأ الإناء بشماله

على يمينه، فغسل كفيه ثلاثا، ثم أفاض على فرجه بالأرض ثم دلك يده

بالأرض، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثلاثا ثم أفاض على

سائر جسده، ثم تنحى فغسل رجليه ". هذا حديث خرجه أصحاب الكتب

الستة (1)، وفي لفظ للبخاري: " ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكا شديدا،

ثم توضأ وِضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات على كفيه وفي

آخره ثم أهِيثُهُ (2) بالمنديل/فرده ". وفي رواية: " وجعل يقول بالماء هكذا،

ينفضه "، وفي لفظ: " ثم غسل فرجه، ثم مال بيده إلى الأرض فمسحها

بالتراب ثم غسلها "، وفي لفظ: " فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا "، وفي لفظ لمسلم:

" يغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح يده بالحائط أو الأرض "، وفي صحيح

الإسماعيلي: " مسح يده في الجدار، وحين قضى غسله غسل رجليه ". وفي

لفظ: فلما فرغ من غسل فرجه دلك يده بالحائط ثم غسلها، فلما فرغ من

غسلها غسل قدميه "، وفي لفظ للبخاري: " وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم فسترته بثوب ".

وفي لفظ: " فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثا ثم غسل فرجه ثم ضرب

بيده الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثا "، وفي لفظ: " ثم أفرغ بيمينه على شماله

فغسل مذاكيره "، وفيه: " ثم غسل رأسه ثلاثا ". وفي لفظ: " فلما فرغ من

غسله، غسل رجليه لم يزِد" قال الإسماعيلي: قدمين زائدة أن من الجنابة ليس

(1) صحيح. متفق عليه. رواه البخاري (266) ومسلم في (الحيض، ح/37) وأبو داود

(ح/ 245) والترمذي (103) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (1/163) وابن

ماجة (ح/573) والبيهقي (1/177، 184) والدارقطني في " السنن "(1/114) والدارمي

(ح/747) ومالك في الموطأ (الطهارة، ح/89) .

(2)

كذا ورد في السياق " بالأصل ".

ص: 718

من قول ميمونة ولا ابن عباس وإنّما هو عن سالم، وفي صحيح ابن خزيمة: " ثم

أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه ". وفي لفظ: " فأتى بمنديل فأبي أن

يقبله وجعل ينفض الماء عنه ". ولفظ أبي علي الطوسي في كتاب أحكامه

وحكم عليه بالصحة فأتيته بثوب فقال بيده: هكذا. وعند الدارقطني: " ثم

غسل سائر جسده قبل كفيه ". وفي مسد الدارمي: " فأعطيته ملحفة فأبي ".

ولما ذكر بعده حديث عائشة قال: هذا أحب إلي من حديث سالم- يعني:

حديث ميمونة- وقد أشار إلى هذا قبل. حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي

الشوارب بن عبد الواحد بن زياد ثنا صدقة بن سعيد الجعفي ثنا جميع بن

عمير التيمي قال: " انطلقت مع عمتي وخالتي فدخلنا على عائشة فسألناها:

كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع عند غسله من الجنابة؟ قالت: كان يفيض

على كفّيه ثلاث مرات، ثم يدخلها الإناء، ثم يغسل رأسه ثلاث مرّات، ثم

يفيض على جسده، ثم يقوم إلى الصلاة. وإنا نحن فإنا نغسل رءوسنا خمس

مرات من أجل الضفر ". هذا حديث رواه البيهقي في/الكبير (1) بلفظ:

" دخلت مع عمتي وخالتي على عائشة، فسألها إحداهما كيف كنتم

تصنعون

" الحديث. ولما ذكره أبو محمد الأشبيلي سكت عنه إلا أنّه أبرز

من إسناده جميعا وذلك مشعر بصحته عنده، وتتبع ذلك عليه ابن القطان

بكونه لهوى ذكر راويه عن جميع وهو صدقة بن سعيد والد الفضل بن صدقة

وهو علّة الخبر، قال البخاري: عنده عجائب. وقال فيه الساجي: ليس بشيء.

وقال ابن وضاح: ضعيف. وقال فيه أبو حاتم: شيخ وبالجملة فلم يثبت عدالته،

أو لم يثبت فيه جرح مفسد وإلى هذا فإن جميعا وإن كان قد روى عنه

جماعة وقالوا إنه صالح الحديث فقد قال أبو حاتم فيه: من عنق الشيعة، وقال

أبو أحمد بن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه غيره عليه. وأحسن أحوال هذا

الحديث أن يقال فيه: حسن. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ من حيث عصبة الجنابة

برأس صدقة وبترميه جميعا وهو ممن قال فيه ابن نمير: كان من أكذب الناس.

وقال البخاري في الأوسط: حديثه ليس بشيء. وقال في الكبير: سكتوا عنه

(1) ضعيف. رواه البيهقي: (1/180) .

ص: 719

وهو قد أخبر عن اصطلاحه في هذه اللفظة فيما ذكره الدولابي عنه: بأنهم

تركوا حديثه، وقال الخفّاف عنه: لا أروى عنه. وفي لفظ: لا يحل الرواية

عنه. وقال الساجي: في أحاديثه مناكير وفيه نظر، وهو صدوق. ولما ذكره

البلخي في كتاب الضعفاء قال: هذا يضع الحديث لا يحتمل. وقال العجلي:

لا بأس به يكتب حديثه وليس بالقوي. وذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء،

فقال: كان يضع الحديث. وذكره في كتاب الثقات سهوا منه أو لترجيح أحد

الأمرين على الآخر ويشبه أن يكون ذكره إياه في الضّعفاء آخر الاحتمال

اطلاعه بعد على كلام القدماء، فنظره ثابتا وسر أحاديثه فترجح الضعف على

غيره. وقال المنذري: لا يحتج بحديثه. ولما ذكره أبو العرب كلام أبي الحسن

فيه كوفي تابعي ثقة. وقال أبو العرب: لا يتابع على هذا، والله أعلم. فظهر

من هذا أنّ سكوت أبي محمد عن ذكر صدقة كان صوابا؛ لكونه ممن ذكره

البستي في كتاب الثقات. ولما ذكره/ابن القطان من عدم سرد جرح مفسد

فيه، وأمّا إبرازه جمعيا فليس لقائل أن يقول إنما أبرزه لطعن فيه سبق ذكره

أو ليكل الناظر فيه إلى علمه؛ لأنه لم يتقدم له فيه ما يشعر بذلك كعادته في

الحوالة أو يقول: كتبته حتى أنظره، وأمّا كلام الدارقطني إذ سئل عن هذا

الحديث خالف الرقيقي العلاء بن صالح، فرواه عن جميع بن عمير عن عائشة

موقوفا. وحديث صدقة أشبه بالصواب فليس فيه تعرض للتصحيح وعدمه، إنّما

فيه ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى على ما فيهما ومن المستغرب في هذا

الحديث هو قولها: فأمّا نحن فنغسل رءوسنا خمس مرات من أجل الضفر لما

أثبت في صحيح البخاري (1) عنها أنها قالت: " كنا إذا أصابت إحدانا جنابة،

أخذت بيديها ثلاثا فوق رأسها ". وفي صحيح مسلم (2) : " وما أريد أن أفرغ

على رأسي ثلاث إفراغات ". وفي صحيح ابن خزيمة " ثلاث حثيات " أو قال:

(1) صحيح. رواه البخاري في: 5- كتاب الغسل، 19 باب من بدأ بشق رأسه الأيمن في

الغسل، (ح/227) .

(2)

صحيح. رواه مسلم في: 3- كتاب الحيض، 12- باب حكم ضفائر المغتسلة، (ح/59)

ص: 720

" ثلاث غرفات " وفي الموطأ (1) : " أن مالكا بلغه عن عائشة عن غسل المرأة من

الجنابة ولتضغث رأسها بيدها " - يعني: تضمه وتجمعه وتغمره بيدها ليدخله

الماء- وليس لقائل أن يقول لعلّ الحديث الأوّل يكون محمولا على أنّ شعرها

كان مضفورا والثاني: غير مضفور لما ذكره أبو عبد الرحمن النسائي عنها:

فأفيض على رأسي ثلاث مرات وما انقض لي شعرا، وفي حديث جبير بن

نفير عن ثوبان عد أبي داود وأمّا المرأة فلا عليها أن تنقصه لتغرف على رأسها

ثلاث غرفات بكفيها، وزعم بعضهم أن هذا معارض قوله عليه السلام لعائشة

في حجة الوداع: " نقضى رأسك وامتشطي عن عمرتك "، وهو مخرج في

الصحيح (2) . وفي كتاب الأفراد لأبي الحسن من حديث مسلم بن صبيح عن

حماد عن ثابت عن أنس قال عليه السلام: " إذا اغتسلت المرأة من حيضها

نقضت شعرها نقضا وغسلته بخطمى وأشنان فإذا اغتسلت من الجنابة صبّت

على رأسها الماء وعصرته " (3) وفيه أخذ أهل الظاهر. وحديث جابر مرفوعا:

(1) صحيح. رواه مالك في: 2- كتاب الطهارة، 17- باب العمل في غسل الجنابة، (ح/

70) .

قوله: " ولتضغث " قال ابن الأثير: الضغث معالجة شعر الرأس باليد عند الغسل، كأنها

تخلط بعضه ببعض، ليدخل فيه الغسول والماء.

(2)

صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (1/86، 2/172، 3/4، 5، 5/221)

ومسلم في (الحج، ح/111، 113) وأبو داود في (المناسك باب " 23 ") والنسائي (5/

166) وأحمد (6/64 ظ، 246) والبيهقي (1/182، 4/346، 353، 5/105)

وشرح السنة (7/81) وتجريد (41) وحبيب (2) وبداية (5/138) والموطأ (411) وتمهيد

(8/198، 203، 204، 215، 225) وابن خزيمة (2788) .

(3)

ضعيف. رواه الخطيب في " تلخيص المتشابه "(2/ 34/1) والبيهقي في " السنن

الكبرى " (1/182) من طريقين عن مسلم بن صُبيح: ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أن

مرفوعا. قال الدارقطني: " هذا حديث غريب من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أن.

تفرد به مسلم بن صبيح عن حماد، ولم نكتبه إلا من هذا الوجه ".

وأخرجه الضياء في " المختارة "(ق 2/23- مسند أنس) من طريق الطبراني وهذا في " المعجم الكبير "(1/2/37) وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/273) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "، وفيه سلمة بن صبيح اليحمدي ولم أجد من ذكره.

ص: 721

" في المرأة تغسل من حيضة أو جنابة لا تنقض شعرها "(1) /ذكره أبو محمد بن

جرير (2) وضعفه بابن حبيب وابن لهيعة، وقد وقع لنا من غير حديثهما رواه

ابن أبي داود عن أحمد بن عضل وثنا أبو بكر الحنفي ثنا سفيان الثوري عن

أبي الزبير عنه وهو سند صحيح وقد جاء في كيفية غسله عليه السلام

أحاديث منها حديث جابر: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ ثلاثة أكف فيفيضها

على رأسه ثم يفيض على سائر جسده ". خرجاه في الصحيح (3) من حديث

أبي جعفر محمد بن علي عنه ورواه أبو سفيان عنه أنّ وفد ثقيف سألوا النبي

صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن أرضنا باردة فكيف نفعل بالغسل فقال: " أمّا أنا فأفرغ على

رأسي ثلاثا " (4) . أنبأ به المسند المعمر أبو زكريا المقدسي- رحمه الله قراءة

عليه وأنا أسمع عن الفقيه بهاء الدين المصري أنبأ شهرة الزيدية قراءة عليها أنبأ

أبو منصور قراءة عليه أنبأ الحافظ أبو بكر الخوارزمي ثنا الحافظ أبو بكر أحمد

بن إبراهيم بن إسماعيل ثنا طلحة بن أبي طلحة كتبت عنه وأنا صغير وهو

مغمور عليه لم أخرج عنه فيما صنعت شيئا أنبأ يحيى بن يحيى أنبأ هشيم عن

أبي بشر عن أبي سفيان به. وحديث جبير بن مطعم عند البخاري (5) : " أما

أنا فأفيض على رأسي ثلاثا وأشار بيده كلتاهما "، وخرجه مسلم (6) ولم يذكر

بالإشارة وقال ابن أبي حاتم في علله عن أبي زرعة الصحيح موقوف. وفي

مسند (7) أحمد: " فأخذ مِليءُ كفي ثلاثا ثلاثا فأصب على رأسي ثم أفيض بعد

(1) قال الترمذي عقب (ح/105) : " والعمل على هذا عند بعض أهل العلم: أن المرأة إذا

اغتسلت من الجنابة فلم تنقض شعرها أن ذلك يجزئها بعد أن تفيض الماء على رأسها ".

قلت: والحديث ضعيف، وذكره ابن جرير محمد.

(2)

قوله: " أبو محمد بن جرير " سقط من " الأولى " وأثبتناه من " الثانية ".

(3)

صحيح. رواه البخاري (1/73) وإتحاف (2/378) وأصفهان (2/282) .

(4)

رواه أحمد (3/304، 4/85) والبيهقي (1/187) والكنز (27251، 27381)

والمنحة (224) وجرجان (238) .

(5، 6) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (1/73) ومسلم (259) وأبو داود (239) وابن

ماجة (575) وأحمد (4/84) والبيهقي (1/176، 177) وعبد الرزاق (995) والمنحة

(223)

والجوامع (4309) والطبراني (2/112، 113) وابن السني (1/64) .

(7)

صحيح. رواه أحمد: (4/84) .

ص: 722

على سائر جسدي ". وحديث أبي هريرة عند أحمد (1) : " كان عليه السلام

يصب بيده على رأسه ثلاثا ". وحديث ثوبان عند أبي داود (2) : " أما الرجل

فلينثر رأسه، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر ". وحديث ابن عباس أنه: " كان

إذا اغتسل من الجنابة، يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرات، ثم

يغسل فرجه، فنسى مرة". قال شعبة لمولاه: فسألني كم أفرغت؟ قلت: لا

أدري قال: لا أدراك، وما يمنعك أن تدري؟ ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم

أفاض على جلده الماء ثم قال: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطهر ". رواه أبو

داود (3) من حديث شعبة، وفيه كلام وخرج أيضا حديث أبي عاصم/عن ابن

عمر: " كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل البول

من الثوب سبع مرات، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة

خمسا، والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة " (4) .

عبد الله بن عاصم وثقة ابن معين وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو

حاتم: شيخ والراوي عنه أيوب بن جابر تكلم فيه جماعة. وقال فيه الفلاس:

صالح. وقال أحمد: حديثه يشبه حديث أهل الصدق وقال ابن عدي: أحاديثه

صالحة متقاربة يحمل بعضها بعضا، وهو ممن يكتب حديثه. وقال الطبراني في

الأوسط: لم يروه عن ابن عمر إلا ابن عاصم. تفرد به أيوب. وحديث عائشة:

" كان عليه الصلاة والسلام إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ

بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوء للصلاة، ثم يأخذ الماء

فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أنه قد استبرأ حفن على رأسه

ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه ". رواه في

(1) صحيح. رواه أحمد (3/292) وأبو عوانة (1/232) .

(2)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 99- باب في المرأة هل تنقض شعرها

عند الغسل، (ح/255) .

(3)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 97- باب الغسل من الجنابة، (ح/ 246)

(446)

صحيح. رواه أحمد (2/109) والمشكاة (450) والإِرواء (1/186) .

ص: 723

الصحيح (1) وفي لفظ وعابش نحو الحلاب، زاد البزار: من حديث الطفاوي

عن أيوب عن هشام عن أبيه عنها: " كان يخلل رأسه مرتين فيغسل الجنابة ".

وفي سنن أبو داود (2) من حديث: رجل من سواه عنها: " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان

يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب يجتزئ بذلك ولا يصعب عليه الماء". وفي

لفظ: " حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة، أو أبقى بشرة، أفرغ على رأسه

ثلاثا وإذا فصلت فصله صبها عليه ". وفي أحكام الطوسي وصححه: " ثم

يشرب شعره الماء، ثم يحثى على رأسه ثلاث حثيات ". وفي لفظ: " ثم غسل

مرافقه وأفاض عليه الماء إذا أنقاهما أهوى إلى حائط، ثم يستقبل الوضوء ثم

يفيض الماء على رأسه ". وفي لفظ: قالت عائشة: " إن شئتم لأرينكم أين يد

النبي صلى الله عليه وسلم في الحائط حيث كان يغتسل من الجنابة ". وفي الأوسط لأبي

القاسم: ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا أبي ثنا مؤمل بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة

عن عطاء بن السائب وعلي بن زيد عن أبي سلمة عنها أن النبي/صلى الله عليه وسلم: " كان

إذا اغتسل من جنابة غسل كفيه ثلاثا، ووصفت المضمضة والاستنشاق وغسل

الوجه والذراعين ثلاثا ثلاثا، ثم يصب الماء على رأسه واحدا واحدا. فإذا فرغ

من مغتسله غسل يديه ". قال: لم يروه عن حماد عن عطاء عن أبي

عبد الرحمن إلا مؤمل. وحديث عمر مرفوعا: "تفرغ بيمينك على شمالك، ثم

تدخل يدك في الإناء فتغسل فرجك وما أصابك، ثم توضأ وضوءك للصلاة ثم

تفرغ على رأسك ثلاث مرات تدلك رأسك كل مرّة ". ذكره الطبراني في

الأوسط مطولا من حديث أبي إسحاق عن عاصم بن عمرو عن عمير مولى

(1) صحيح. رواه البخاري (1/73، 74) ومسلم في (الحيض باب " 9 " رقم " 35، 36 " مكرر،

39) وأبو داود في (الطهارة، باب " 97 ") والنسائي في (النسل، باب " 15، 16، 19، 149،

153 ") وأحمد (1/307، 6/237، 330) وتجريد (62) والمشكاة (435) وشفع (104) وشرح

السنة (2/10) والدارقطني (1/113) والشافعي (19) وعبد الرزاق (999) وإتحاف (2/337)

ومطالب (178) والنسائي (1/134) .

(2)

حسن. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 100- باب في الجنب يغسل رأسه

بخطمى، (ح/256) .

ص: 724

عمر عنه، غريبه: قال أبو زيد الأنصاري: الغسل بالفتح: الاسم وبالضم: اسم

الماء وقيل: فهما معا اسم الفعل وهو قول ابن قريب. وفي الجمهرة: الغسل

مصدر غسلت الشيء أغسله غسلا، والغسل الاسم والغسل ما غسلت به

رأسك، وبنحوه قاله في الصحاح الجامع، وفي المغيث: المغتسل والغسول اسم

الماء الذي يغتسل به، والمغتسل مصدر اغتسل؛ لأنّ مصدر افتعل مفتعل،

فيحتمل أن يكون إنّما سُمِّى بالمصدر، والمغتسل الموضع الذي يغتسل منه وفيه،

وفي الصحيح وضعت له غسلا من الجنابة بضم الغين وهو الماء الذي يغتسل

به كالأكل لما يؤكل.

ص: 725

‌62- باب الوضوء بعد الغسل

(1)

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن

موسى السدّى قالوا: أنبأ شريك عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت:

" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة ". هذا حديث لما خرجه

أبو عيسى (2) من حديث شريك قال فيه: صحيح. وعاب ابن القطان على أبي

محمد اتباع في ذلك لأجل شريك لأنه دائما يضعف به الأحاديث قال

وطريقه الجيدة ما ذكرها النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم ثنا أبي ثنا

حسن بن صالح بن حيي عن أبي إسحاق، وكأنه نزل بطريق أبي داود لأجل

زهير؛ فإنّ أبا محمد وأبا الحسن يضعفان حديثه، وخرجه/ابن شاهين من

حديث حبان العبري عن الأعمش عن أبي إسحاق عن الأسود ولفظ أبي

داود (3) وخرجه من حديث زهير أنبأ أبو إسحاق بلفظ: " كان النبي صلى الله عليه وسلم

يغتسل ويصلى الركعتين صلاة الغداة، ولا أراه يحدث وضوءا بعد الغسل ".

ولما خرجه أبو عبد الله من حديث أيضا قال فيه: صحيح على شرط الشيخين

ولم يخرجاه وله شاهد على شرط مسلم ملخص تفسيره. ولم يشك فيه

الراوي فذكر حديث شريك المتقدّم ثم قال: وله شاهد صحيح عن ابن عمر

ثناه عمر ابن جعفر البصري ثنا محمد بن الحسن بن مكرم ثنا محمد بن

عبد الله بن مربع ثنا عبد الأعلى ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر:

أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء بعد الغسل فقال: " وأي وضوء أفضل من

الغسل ". محمد بن مربع ثقة وقد أوقفه غيره، وفي الأوسط لأبي القاسم: ثنا

(1) سقط هذا العنوان من " الأولى " وأثبتناه من " الثانية ".

(2)

صحيح. رواه الترمذي (ح/107) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (ح/

209) وابن ماجة (ح/579) وأحمد (6/19، 68، 192، 253، 258) والبيهقي (1/

179) وشرح السنة (2/14) والمشكاة (445) والكنز (17864، 27415) وأبن أبي شيبة

(1/68) . وصححه الشيخ الألباني.

(3)

صحيح. رواه أبو داود في: 1- كتاب الطهارة، 98- باب في الوضوء بعد الغسل،

(ح/250) .

ص: 726

أسلم بن سهل الواسطي ثنا سليمان بن أحمد بن مسلم عن سعيد بن بشير

عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من توضأ

بعد الغسل فليس منا " (1) . وقال: لم يروه عن أبان إلا سعيد، ولا عن سعيد إلا

الوليد. تفرد به سليمان بن أحمد الجرشي الشامي سكن واسط، ولما ذكره أبو

أحمد سليمان هذا ضعيف؛ بل متروك. وروى ابن أبي شيبة عن علقمة وقيل

له أن قلابة توضأ بعد الغسل، فقال: أما لو كانت عندنا لم تفعل ذلك، وأي

وضوء أعمر من الغسل، وروى نحوه عن جابر بن زيد وسعيد بن جبير

وعكرمة وحذيفة وإبراهيم وعبد الله بن مسعود، وأما ما روى عن علي أنه

كان يتوضأ بعد الغسل فمن طريق أبي البختري عنه ولم يسمع منه شيئا، ولو

ثبت كان مجهولا عن انتفاض عارض كما حكى عن ابن عمر: " أنه توضأ

بعد الغسل، فسئل فقال: خيل إلي أنه خرج من ذكرى شيء فتوضأت".

كذلك أو يكون متعلقا بحديث قتادة عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم:

" كان إذا اغتسل من الجنابة توضأ وضوءه للصلاة "(2) . قال ابن شاهين: وهو

حديث غريب/صحيح، ولقائل أن يقول هذا محمول على الوضوء المسنون

عند الاغتسال لا بعده كما في حديث ميمونة وغيرها، ويحتمل أنه منسوخ

كما ذكره ابن شاهين، ويحتمل أن يكون محمولا على أنه لا يجزئ الغسل

فقد لا ينوب عن الوضوء، ويحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم:" ليس منا ". أي: ليس

مثلنا، إلا أن يحدث بعد الغسل حادث فوجب الوضوء.

كما قدّمناه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(1) ضعيف. رواه الطبراني (11/267) والحلية (8/52) وابن عدي في " الكامل " (3/

1140، 7/2618) والمجمع (1/273) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير والأوسط والصغير "

وفي إسناد الأوسط سليمان بن أحمد كذبه ابن معين وضعفه غيره ووثقه عبدان.

وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص 797 ح/5535) .

(2)

تقدم من أحاديث الباب.

ص: 727

باب في الجنب يستدفئ امرأته بعد أن يغتسل (1)

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا شريك عن حريث عن الشعبي عن مسروق

عن عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من الجنابة، ثم جاء فاستدفأنى

فضممته إلي ولم اغتسل " (2) . وقال: ليس بإسناده بأس. ولما ذكره أبو علي

الطوسي في أحكامه عن القاسم بن يزيد الوراق ثنا وكيع ثنا حريث بن أبي

مطرد ثنا يعقوب الدورقي ثنا يحيى بن زكريا بن زائدة حدثني حريث بن أبي

مطر، وهذا حديثه ربما اغتسل النبي ثم باشرني قبل أن أغتسل أو فيه ثم قال:

فقال في هذا الحديث أنه ليس بإسناده بأس، ولفظ ابن وهب في مسنده: " ثم

يأتي وأنا جنب فيسدفئ بي ". ولما خرجه أبو عبد الله الحاكم من حديث

شريك وإسماعيل بن زكريا ثنا حريث بلفظ: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستدفئ

بها بعد الغسل ". قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه

وشواهده عن سعيد بن المسيب وعنده عن عائشة، والطريق إليهما فاسد. انتهى

كلامه. وله فيه نظر من حيث أن حريث الفزاري أبا عمر والخيّاط الكوفي لم

يخرج له مسلم في كتابه شيئا، وأنى له ذلك مع قول البخاري فيه نظر! وفي

رواية ليس عندهم بالقوي. وقال الفلاس: لم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن

يحدثان عنه بشيء قط وهو حديث بن عمرو وهو ضعيف الحديث نابه عبيدة

الضبي وعبد الأعلى/الجزار ونظراؤه، وقال ابن معين: لا شيء. وقال مرّة:

ضعيف. وكذلك قاله أبو حاتم الرازي وأبو أحمد بن عدي. وقال النسائي

وعلي بن الجنيد وأبو الفتح الأزدي: متروك. وقال الحربي: ليس هو بحجة،

وفي تاريخ أبي زرعة البصري يضعون حديثه. ولما روى حديثه هذا أبو بكر في

سننه الكبير قال: تفرد به حريث وفيه نظر. وروى من وجه آخر ضعيف عن

(1) سقط هذا العنوان من " الأولى " وأثبتناه من " الثانية ".

(2)

ضعيف الإسناد والمتن صحيح. رواه ابن ماجة (حبر 580) وأحمد (6/111) وابن أبي

شيبة (1/77) والكنز (27443) . وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/

128) وضعيف أبي داود (ح/44) والمشكاة (459) .

ص: 728

علقمة عن عائشة مختصرا. وذكره أبو جعفر العقيلي في كتاب الضعفاء ولما

ذكره أبو زكريا الساجي قال: ضعيف الحديث عنده مناكير. ثم ذكر له هذا

الحديث فقط، ولما ذكره الطبراني في الأوسط قال: لم يروه عن الشعبي إلا

ابن أبي مطر وكلامه أوضح من كلام البيهقي؛ لأنّ كلامه يقتضى تفرّد

حريث بالحديث نفسه، وليس كذلك لما أسلفناه من كتاب المستدرك، وكان

أبو عبد الله لمح كذب شريك في الإسناد وأنه ممن يخرج مسلم حديثه،

فاعتمده وسهى عمن عداه، وممن كان يستدفئ بزوجته عمر بن الخطاب من

رواية النخعي عنه وأبو الدرداء من رواية عطاء الخراساني عن أم الدرداء

وعبد الله بن عمر من حديث مسعر عن جبلة، وابن عباس من حديث إبراهيم

بن المهاجر عن عبد الله بن شدّاد، وأبو هريرة، والأسود، وعلقمة، وعلي بن

أبي طالب من حديث أبي إسحاق عن الحرث، وسعيد بن المسيب، والحسن

البصري، ذكر ذلك في مصنفه ابن أبي شيبة، قال: وكرهه حماد حين رواه

عن وكيع عن مسعر. وفي كتاب أبي داود من حديث الأفريقي عن عمارة بن

عراب أن عمّة له حدّثته وأنها سألت عائشة؛ فذكرت حديثا فيه: " دخل النبي

صلى الله عليه وسلم إلى مسجده. قال أبو داود: يعني: مسجد بيته، فلم ينصرف حتى غلبتني

عيني وأوجعه البرد، فقال: ادن منّى فقلت: إني حائض، فقال: وأن اكشفي

عن فخذيك فكشفت فخذي فوضع خدّه وصدره على فخذي وحنيت عليه

حتى دفيء ونام صلى الله عليه وسلم " (1) .

ويعارض هذا على تقدم صحته ما في التمهيد من حديث ابن لهيعة، قال

أبو عمر: ولا يعرف/إلا من طريقه إن فرط بن عوف سأل عائشة: أكان النبي

صلى الله عليه وسلم يضاجعك وأنت حائض؟ قالت: نعم، إذا شددت على إزاري وذلك إذا

لم يكن لنا إلا فراش واحد فلما رزقنا الله فراشين اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم. وما في

السنن أيضا عن أبي اليمان عن أم درة وهي مجهولة فيما قاله ابن حزم عن

(1) حسن. رواه أبو داود (ح/270) وابن كثير (1/378) والبخاري في الأدب للفرد (ح/

120) والمنثور (1/259) والتمهيد (3/175) .

ص: 729

عائشة أنها قالت: " كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير فلم يقرب

النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدن منه حتى نطهر " (1) 0 الغريب قال ابن القطاع: يقال: دفيء

دفأ ودِفْاء ودفأة: ذهب عنه البرد. وقال ابن درستويه: والمصدر الدفأ ممدود

والدفأة ومنه رجل دفان وامرأة دفأني إذا كان سخنا من حرارة أو مرض أو

عليل القلب من الحب. وفي نوادر الترمذي: دفؤه فاه مثل توضوء وضأه ودفأ

يزيه دفعا وفي شرح الترمذي وقوله يعني: يعلما من الرجل فهو دفآن وامرأة

دفأة أي: كثير لحمها وسمنها. وقال ابن قريب: يقال رجل دفأ بكسر الدال

مع الهمز وكذلك الكسائي، وقال ابن سيده: إنّما إذا أستدفي فدفيء في

مكسور لا غبر ورجل دفان وبلده وفيه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(1) حسن. رواه أبو داود (ح/271) والمشكاة (ح/556) .

قوله: " المثال " - بكسر الميم بعدها ثاء مثلثة- قال الجوهري: هو الفراش.

ص: 730

‌63- باب في الجنب ينام لهيئته لا يمس ماء

حدثنا محمد بن الصباح ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي

إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجنب، ثم ينام

ولا ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل " (1) .

وذكره أيضا من حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق بلفظ: " إن كانت

له حاجه إلى أهله فقضاها ثم ينام كهيئته لا يمس ماء ": من حديث سفيان عنه

بلفظ: " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يجنب، ثم ينام كهيئته لا يمس ماء "(2) . قال

سفيان: فذكرت الحديث يوما فقال لي إسماعيل: يا فتى يشدّ هذا الحديث

بشيء، هذا حديث اختلف فيه فصححه قوم وضعفه آخرون فمن الضعفاء

يزيد بن هارون قال أبو داود: ثنا الحسين بن علي الواسطي سمعت يزيد بن/

هارون يقول هذا الحديث، وهو يعني حديث أبي إسحاق، وفي كتاب ابن

العبد ليس بالصحيح وفي موضع آخر وهم أبو إسحاق في هذا الحديث، وفي

كتاب العلل لابن أبي حاتم: قال شعبة: قد سمعت حديث أبي إسحاق أن

النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام جنبا ولكنني أبعثه. وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عنه

فقال: ليس صحيحا، قلت: لم؟ قال: لأن شعبة روى عن الحكم عن إبراهيم

عن الأسود عن عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ

وضوء للصلاة " (3) . قلت: من قبل من جاء بهذا الاختلاف؟ قال: من قبل أبي

إسحاق، ثم قال: وسمعت يزيد بن هارون يقول: حرموا أبو إسحاق في هذا

الحديث. ثم قال: وسألت أحمد بن صالح عن هذا الحديث فقال: لا يحل أن

يروى هذا الحديث. قال أبو عبد الله: الحاكم يرويه مثل قصة أبي إسحاق ليس

(1) صحيح الإسناد. رواه ابن ماجة (581) وأحمد (6/43) والمعاني (1/125) وصححه

الشيخ الألباني.

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة (583) وأحمد (6/111) والمشكاة (468) والمجمع (1/275)

وعزاه إلى أحمد ورجاله رجال الصحيح. وصححه الشيخ الألباني.

(3)

صحيح. رواه أبو عوانة (1/278) وأحمد (6/192) والمعاني (1/125) .

ص: 731

عن الأسود: " الجنب يأكل ". ورواه في مسنده بألفاظ منها: " إذا كانت له إلى

أهله حاجة أتاهم ثم يعود ولا يمس ماء ". وفي لفظ: " كان يصيب أهله من

أول الليل ثم قام ولا يمس ماء، فإذا استيقظ من آخر الليل عاد إلى أهله

واغتسل " (1) . ولفظه في الأوسط. ورواه من حديث حمزة الريان عن أبي

إسحاق: " كان يجامع (2) المرأة من نسائه ولا يمس ماء، فإن أصبح فأراد أن

يعاودها عاود وإن لم يرد اغتسل " (3) . وقال: لم يروه عن حمزة إلا زياد أبو

حمزة. تفرد به عامر بن إبراهيم، وفي كتاب الأثرم فلو لم يخالف أبا إسحاق

في هذا إلا إبراهيم وحده كان أثبت وأعلم بالأسود، ثم وافق إبراهيم

عبد الرحمن بن الأسود، ثم وافقهما فيما رواه أبو سلمة وعروة عن عائشة، ثم

وافق ما صح من ذلك عن عائشة رواية ابن عمر عن عمرو ما روي عن عمار

وأبي سعيد فتبين أنّ حديث أبي إسحاق إنّما هو وهم، وروى هشيم عن

عبد الملك- يعني: ابن عمير- عن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما

رواه أبو إسحاق عن الأسود قال: ورواية عطاء عن عائشة ما لا يحتج به إلا

أن يقول: سمعت، ولو قال: في هذا سمعت،/كانت تلك الأحاديث أقوى

وقال أبو عيسى: وقد روى غير واحد عن الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم

" إنّه كان يتوضأ قبل أن ينام "(4) . وهذا أصح من حديث أبي إسحاق وقال:

وكانوا يرون إن هذا غلطا من أبي إسحاق، وقال القشيري في كتاب التمييز:

ذكر الأحاديث التي نقلت على الغلط في متونها ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير

ثنا أبو إسحاق به قال: فهذه الرواية عن أبي إسحاق خاصة، وقد جاء النخعي

وعبد الرحمن خلاف ذلك، وقال الطوسي في الأحكام: وحديث: " كان

يتوضأ قبل أن ينام ": صح من حديث الشعبي، وقد رواه عنه شعبة والثوري

وغير واحد، ويرون هذا غلطا من أبي إسحاق، وقال ابن الحصار في كتابه

(1) رواه أبو حنيفة (33) وأحمد في " المسند "(6/107) .

(2)

قوله: " يجامع " سقطت من " الأولى " وأثبتناه من " الثانية ".

(3)

المعاني (1/127) وأصفهان (1/318) .

(4)

حسن. رواه أبو داود (ح/241) وأحمد في " المسند "(6/ 188، 273) والدارقطني في

" السنن "(1/144) .

ص: 732

تقريب المدارك: هذا مما يكاد يتفق عليه المحدثون إلا القليل- يعني: أنّ أبا

إسحاق غلط- وقال عبد الحق: وحديث أبي إسحاق عندهم غلط. وقال أبو

عمر: حديث الثوري عن أبي إسحاق لم يمس ما خطأ ونحن نقول به. وقال

الحربي: لم يزل المتفقهة من أصحاب الحديث يتكلم في حديث أبي إسحاق

يقولون: كيف حكا عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته من أهله ثم ينام

ولا يمس ماء؟! قال: وإبراهيم وعبد الرحمن بن الأسود يحكون عنه عن

عائشة: " كان يتوضأ وضوءه للصلاة"، ووافق إبراهيم وعبد الرحمن على

روايتهما أبو سلمة وعروة وأبو عمر وذكوان، وقوى هذا القول عمر فيما سأل

النبي صلى الله عليه وسلم وأبو سعيد وعمار وابن عباس وجابر وأم سلمة، وكان أحسن

الوضوء في ذلك إن صح حديث أبي إسحاق فيما رواه ووافقه عطاء والقاسم

وكريب والسوائي أن تكون عائشة أخرت الأسود أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ربما توضأ

وربما أخّر الوضوء والغسل حتى يصبح، فأخبر الأسود إبراهيم: " أنّه كان

يتوضأ ". وأخبر أبا إسحاق أنه: " ان يؤخر الغسل ". وقد حكى مثل ذلك

عصيب عن عائشة وعبد الله بن أبي قيس ويحيي بن يعمر والصنابحي وهذا

أحسن وجوهه، والله أعلم. وأمّا المصححون: فأبو الحسن الدارقطني بقوله يشبه

أن يكون/الخبران صحيحين؛ لأن عائشة قالت: ربما كان النبي صلى الله عليه وسلم قدم

الغسل وربما أخّره كما حكى ذلك عصيف وعبد الله بن أبي متين وغيرهما

عن عائشة وأن الأسود حفظ ذلك عنها فحفظ أبو إسحاق عنه فأخبر الوضوء

والغسل، وحفظ عبد الرحمن وإبراهيم يقدم الوضوء على الغسل. ولما ذكر أبو

بكر البيهقي في سننه حديث أبي إسحاق قال: سألت الأسود بن يزيد وكان

أبي جار أو صديقا عما حدّثته عائشة عن صلاة النبي: قالت: " كان ينام أول

الليل ويحيى آخره، ثم إن كانت له إلى أهله حاجة قضى حاجته، ثم نام قبل

أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأوّل قالت: وثب فلا والله ما قالت: قام

وأخذ الماء، ولا والله ما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما يريد وإن لم يكن له

حاجة توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى ركعتين ". أخرجه مسلم (1) في

(1) صحيح، متفق عليه. رواه مسلم في (صلاة المسافرين، باب " 17 " رقم " 139 ")

والبخاري (2/66) والنسائي في (قيام الليل، باب " 17 ") وابن ماجة (1365) =

ص: 733

الصحيح عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس ثنا زهير عن أبي إسحاق دون

قوله قبل أن يمس ماء؛ وذاك لأنّ الحفاظ طعنوا في هذه اللفظة، وتوهموها

مأخوذة من غير الأسود، وأنّ أبا إسحاق رّبما دلس فرواها من تدليساته،

واحتجوا على ذلك برواية النخعي وعبد الرحمن بن الأسود بخلاف رواية

إسحاق قال: وحديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية؛ وذلك أنّه بيّن فيه

سماعه من الأسود في رواية زهير عنه، والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه

وكان ثقة، فلا وجه لردّه ووجه الجمع بين الروايتين على وجه يحتمل، وقد

جمع بينهما أبو العباس بن شريح فأحسن الجمع وذلك فيما أنبأ أبو عبد الله

الحافظ: قال: سألت أبا الوليد الفقيه، فقلت: أيّ الإسناد قد صح عندنا

حديث الثوري عن أبي إسحاق عن الأسود قال: " كان ينام ولا يمس ماء ".

كذلك صح حديث نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر: يا رسول

الله أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: " نعم إذا توضأ "(1) . فقال ابن الوليد: سألت

ابن شريح عن الحديثين فقال الحكم: لهما جمعيا أم حديث عائشة فإنّما أرادت

أنّه كان لا يمس ماء للغسل. وأمّا حديث عمر فمفسّر ذكر فيه الوضوء/وبه

يأخذ. انتهى كلامه. ولو حمل الأمر على الاستحباب والفعل على الجواز لكان

حسنا إذ الفعل لا يدلّ على الوجوب بمجرده، ويمكن أنّ يكون الأمران جميعا

وقعا فالفعل لبيان الاستحباب والترك لبيان الجواز، وقد صرّح ابن قتيبة في

كتاب مختلف الحديث به في قوله إنّ هذا كلّه جائز فمن شاء أن يتوضأ

وضوءه للصلاة بعد الجماع ثم نام، ومن شاء غسل يديه وذكره ثم نام ومن

شاء نام من غير أن يمس ماء غير أنّ الوضوء أفضل، وكان عليه الصلاة

والسلام يفعل هذا مرّة وهذا مرّة ليدلّ على الفضيلة وهذا مرة ليدل على

الرخصة، واستعمل النّاس ذلك، فمن أحبّ أن يأخذ بالأفضل أخذ، ومن

وأحمد (6/102، 253) والبيهقي (1/202) وشرح السنة (4/62) والمعاني (1/

125) .

(1)

صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 103- باب في الجنب يأكل

ويشرب، (ح/592) . وصححه الشيخ الألباني.

ص: 734

أحبّ أن يأخذ بالرخصة أخذ. ولماّ ذكره أبو محمد ابن حزم مصححا له من

حديث سفيان عنه قال: هذا لفظ يدل على مداومته عليه الصلاة والسلام

كذلك وهى أحدث الناس عهدا بمبيته ونومه جنبا وطاهرا، فإن قيل: إن هذا

الحديث أخطأ فيه سفيان؛ لأنّ زهيرا خالفه فيه قلنا. بل أخطأ بلا شك من

خطأ سفيان بلا دليل، وسفيان أحفظ من زهير بلا شك وقد تابع سفيان على

روايتهما أبو الأحوص والأعمش من حديث أبي بكر بن عياش عنه ولفظهما:

" كان يجنب ثم ينام ولا يمس ماء "(1) . وإسماعيل بن أبي خالد من حديث

هشيم عنه ذكره الطحاوي في شرح الآثار وحمزة الزيات ذكره أبو القاسم في

الأوسط وقال: لم يروه عن حمزة إلا زياد أبو حمزة. تفرد به عامر بن إبراهيم،

وقال الخزرجى في كلامه على الموطأ: وقد رواه عن أبي إسحاق أئمة عدول،

وهذه رخصة ورفق من الله تعالى، لا ينبغي أن نطرح مثل هذا الحديث لأجل

انفراد رواية العدل برواية لا تعارض زيادة من زاد عن الأسود وذكر الوضوء؛

إذ قد يصح أن يفعل الأمرين في وقتين، والله أعلم.

وفي كتاب ابن شاهين: يجامع ثم يعود ولا يتوضأ وينام ولا يغتسل،

وسيأتي ذكره فنبيّن مجموع ما سبق تكافؤ القولان المضعف والمصحح، ولم

يبق إلا الترجيح بأمر زائد على ما يتفرع فيه وهو متابعة عطاء المذكورة عند

الأثرم وما ذكره جرير من/التابعين وليس لتضعيفه رواية عن عائشة وجه

لأمرين: الأول: تصريح جماعة العلماء بسماعه منها. وقد خرج الشيخان في

صحيحهما أربعة أحاديث رواها عنها صرّح في بعضها بالسماع. الثاني: لم

يك تدليسا حتى يتوقّف في روايته إذا لم يبيّن سماعه، وقد وجدنا أيضا له

شاهدا من حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد جيّد خرجه الإمام أحمد

في مسنده (2) قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يجنب ثم ينام ثم ينتبه ثم ينام ".

وحديث ابن عباس: " إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فأتى بطعام فقالوا: ألا

نأتيك بطهر؟ فقال: أأصلي فأتطهر! " وبعضهم يقول فيه: ألا تتوضأ؟ قال: ما

(1) تقدم من أحاديث الباب ص 731.

(2)

صحيح. رواه أحمد في " المسند "(6/111، 298) وله شاهد إسناده جيد.

ص: 735

أردت الصلاة فأتوضأ! ثم تناول عرقا، فأكل منه ولم يمسّ ماء " (1) . قال أبو

عمر: هو حديث صحيح وفيه دلالة: أنّ الوضوء لا يكون إلا لمن أراد الصلاة،

وذلك رفع للوضوء عند النوم والأكل. وحديث يحيى بن معمر عن عمار بن

ياسر المصحح عند الترمذي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للجنب إذا أكل أو شرب

أو نام أن يتوضأ " (2) . قال أبو عمر: احتج به الكوفيون على أن الجنب لا بأس

أن ينام قبل أن يتوضأ. قالوا: ومعناه: أن لا يتوضأ؛ لأنه في ذلك وردت

الرخصة. قال أبو عمر: وهو محتمل للتأويل ولا حجة فيه. وحديث ضعيف

وعبيد الله بن أبي قيس عن عائشة رّبما اغتسل من أوّل الليل وربما اغتسل في

آخره وهو مصحح عند أبي عبد الله في مستدركه، وفي فوائد ابن صخر. هذا

حديث شامي الطريق المحفوظ من حديث برد بن سنان عال من حديث قيس

بن المفضل من هذا الوجه عن برد وهو غريب في الأصل، قال الحاكم:

تابعه- يعني: سفيان- كهمس بن الحسين عن برد. انتهى كلامه. وفيه نظر؛

لأنّ جماعة قالوا: الصواب كهمس بن المنهال منهم المزي وغيرها والله تعالى

أعلم. وصح عن حذيفة أنه قال: نومه قبل الغسل أوعب لخروجه وفي لفظ:

نومه بعد الجنابة أوعبّ للغسل، ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه/ثم قال: ثنا

شريك عن إبراهيم عن مجاهد عن ابن عباس قال: " إذا جامع الرجل، ثم أراد

أن يعود فلا بأس أن يؤخّر الغسل ". وحديث أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على

نسائه في غسل واحد ". خرجه مسلم (3) ، وفيه دلالة على تأخير استعمال الماء.

وحديث عمر حين سأل عن نوم الجنب فقال عليه السلام: " يتوضأ إن

(1) صحيح. رواه أحمد في " المسند "(1/284) .

(2)

ضعيف. رواه أبو داود (ح / 225) وقال أبو داود: بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر في هذا الحديث رجل، وقال علي بن أبي طالب وابن عمر وعبد الله بن عمرو:" الجنب إذا أراد أن يأكل يتوضأ ". وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(1/274) وعزاه إلى " الطبراني " وفيه يوسف بن خالد السمتي قال فيه ابن معين: كذاب خبيث عدو الله، قلت: فيه رجل لم يسم.

(3)

صحيح. رواه مسلم في (3- كتاب الحيض، باب " 6 "، ح/28) ورواه أبو داود (ح/

218) قال أبو داود: وهكذا رواه هشام بن زيد عن أنس ومعمر عن قتادة عن أنس وصالح بن

أبي الأخضر عن الزهيري كلهم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. والنسائي (1/143) .

ص: 736

شاء " (1) . وحديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم: " نام على أثر الجنابة حتى أصبح ".

ذكره ابن أبي داود في كتاب السنن وقال: أخطأ فيه داود بن الجراح، وإنما هو

عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة. انتهى. ولقائل أن يقول: رواد ثقة وقد

ساق بلفظ أو إسنادٍ فلا مشتبها إلا على معضل، والله أعلم إلا لوروده

تضعيف رواية الحديث وبانقطاع ما بين أبي إسحاق وبينه لكان صوابا، والله

أعلم بالصواب.

(1) الزفاف: (27، 39) .

ص: 737

‌64- باب من قال لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة

(1)

حدثنا محمد بن رمح المصري أنبأ الليث بن سعد الزهري عن أبي سلمة

عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه

للصلاة". هذا حديث خرجه البخاري (2) بلفظ: " غسل فرجه وتوضأ ".

ولمسلم (3) : " إذا كان جنبا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه". ولم يذكر

المنذري أن البخاري رواه ويشبه أن يكون وهما، ولفظ الحاكم في تاريخ بلده:

ورواه من جهة يحيى بن أبي كثير عن الزهري عن أبي سلمة عنها أن النبي

صلى الله عليه وسلم: " كان يرقد وهو جنب ويتوضأ وضوءه للصلاة، وفي السنن للكجي:

" يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يرقد ". وفي الأوسط من حديث بقية عن إسماعيل

بن عباس عن هشام عن أبيه عنها: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا واقع بعض أهله

يكسل أن يقوم ضرب يده على الحائط فتيمم " (4) . وقال: لم يروه عن هشام

إلا إسماعيل. وفي كتاب البيهقي من حديث/أبي أسامة الكلبي ثنا الحسن بن

الربيع ثنا هشام بن علي عن هشام بلفظ: " فأراد أن ينام توضأ أو تيمم ". ورواه

أبو القاسم أيضا في الأوسط من حديث أبي حمزة عن إبراهيم عن الأسود

وقال: لم يرو عن أبي حمزة إلا ابن علية. تفرّد به زياد. حدثنا نصر بن على

الجهضمي ثنا عبد الأعلى ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بن

الخطاب قال: " يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ ".

(1) سقط هذا العنوان من " الأصل " وأثبتناه من " الثانية ".

(2،) تقدم من أحاديث الباب ص 732.

(4)

روى أبو داود في سننه: 1- كتاب الطهارة، 83- باب في الاغتسال، (ح/214) .

حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو- يعني ابن الحرث- عن ابن شهاب، حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن ابن بن كعب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإِسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل ونهي عن ذلك، قال أبو داود: يعني: الماء من الماء.

ص: 738

هذا حديث خرجاه في صحيحهما (1) ، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي أردفه

برواية الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قوله عليه الصلاة والسلام:

" إنه يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة". ذكره أبو عمر وعاب ابن القطان

ذلك عليه بقوله هو في كتاب البزار من حديث ابن عمر من ثلاثة طرق:

أحدها: من رواية معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر أنّه سأل النبي

صلى الله عليه وسلم: " أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ وضوءه للصلاة"(2) .

قال: وهو من أحسن ما يروى عن عمر من الطرق، والثاني، والثالث: من

رواية وهب عن أيوب عن نافع عن ابن عمرو في مسند الحميدي بسند

صحيح عن سفيان ثنا عبد الله بن دينار سمع ابن عمر سأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم

أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: " نعم، إذا توضأ، ويطعم إن شاء ". وهو في

صحيح ابن حبان (3) بمعناه.

وفي صحيح ابن خزيمة (4) : " ويتوضأ إن شاء ". وفي كتاب رواه الموطأ للدارقطني

رواه أبو مصعب ومعنى بن خالد بن مخلد وعبد الله بن يوسف والشعبي وروح ويحيى

بن أبي بكير وأيوب بن صالح وابن القاسم وعبد الله بن حسين بن عطاء بن يسارعن

مالك بلفظ: " توضأ ثم اغسل ذكرك ونم "(5) . فقال خالد بن مخلد: قصة الجنابة فقال:

" توضأ ثم اغسل ذكرك ثم نم ".

(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (1/80) ومسلم (248) والترمذي (ح/ 120) وقال:

حديث عمر أحسن شيء في هذا الباب وأصح. والبيهقي (1/200، 202) وابن ماجة (ح/

585) وأحمد في " المسند "(1/17، 35، 2/17، 102) وأبو عوانة (1/277) وزفاف

(37)

وإتحاف (5/378) والمغني عن حمل الأسفار (2/52) .

(2)

المصدر السابق.

(3)

صحيح. رواه ابن حبان: (2/260) .

(4)

تقدم من أحاديث الباب ص 738.

(5)

صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (1/76، 80) ومسلم في (الحيض، ح/25)

والنسائي في (الطهارة باب " 164 ") وأبو داود (ح/ 221) والموطأ (ح/ 47) وأحمد (2/

64) والبيهقي (1/199، 7/193) والمشكاة (452، 453) وتلخيص (1/117) وشرح

السنة (1/ 329، 2/32) والحلية (7/332) والكنز (41328) .

ص: 739

وفي التمييز: وكذا رواه الثوري وسعيد عن ابن دينار وقال ابن أبي داود

في كتاب السنن: وأما كيفية الوضوء فهو ما/ ذكره مالك في الموطأ (1) عن

نافع أن ابن عمر: " كان إذا أراد أن ينام أو يطعم وهو جنب غسل وجهه

ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ثم طعم أو نام ". ورواه من حديث مروان أنبأ

مالك حدثنى عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر لم يرو هذا عن مالك

إلا مروان ثنا عمرو بن علي ثنا عبد الرحمن بن عثمان ثنا شعبة عن عبد الله بن

دينار عن ابن عمر عن عمر فذكره.

حدثنا أبو مروان العثماني محمد بن عثمان ثنا عبد العزيز بن محمد عن

يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري: " أنه

كان تصيبه الجنابة بالليل فيريد أن ينام فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ثم

ينام " (2) . هذا حديث رواه الإمام أحمد في مسنده (3) بلفظ: " أنه ذكر للنبي

صلى الله عليه وسلم أنّه تصيبه الجنابة فيريد أن ينام، فأمره أن يتوضأ ثم ينام ". ولفظ

الطحاوي (4) : " توضأ وارقد ". وإسناده صحيح وأبو مروان محمد بن عثمان بن

خالد بن عمر ابن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان الأموي وروى عنه

أبو حاتم الرازي وقال: ثقة، وسئل عنه صالح بن محمد فقال: هو ثقة صدوق

إلا أنه يروي عن أبيه المناكير ورجاله الباقون حديثهم في الصحيح، ولما ذكره

البزار في مسنده لم يرد على قوله وهذا الحديث لا يعلمه يروى عن أبي سعيد

إلا بهذا الإسناد، وقد وردت في هذا الباب أحاديث منها حديث ابن عباس

المذكور عند ابن حبان وقد تقدّم طرف منه قالت: جئت ميمونة فرأيت النبي

صلى الله عليه وسلم بال ثم غسل وجهه وكفّيه ثم نام؟ ولفظ أبي القاسم في الأوسط: " ثلاثة

لا تقربهم الملائكة الجنب والكافر والمتضمخ بالزعفران ". وحديث أبي هريرة

(1) صحيح. رواه مالك في: 2- كتاب الطهارة، 19- باب وضوء الجنب إذا أراد أن ينام

أو يطعم قبل أن يغتسل: (ح/78) .

(2)

صحيح. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، باب (99) ، (ح/586) . وصححه

الشيخ الألباني.

(3)

صحيح. رواه أحمد: (3/55) .

(4)

صحيح. الكنز (41332) وأبو عوانة (1/278) .

ص: 740

قال عليه السلام: " لا أحب أن يبيت المسلم وهو جنب، أخاف أن يزرو ولا

تحضره الملائكة " (1) . ذكره ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ عن البغوي ثنا

شيبان بن فروخ ثنا يزيد بن عياض بن جعدية عن الأعرج عنه. وحديث/عمار

بن ياسر قال: قدمت من سفر فضمخني أهلي بصفرة قال: ثم جئت فسلّمت

على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " وعليك السلام اذهب فاغتسل "، قال: فذهبت

فاغتسلت، ثم رجعت ولي صفرة فقلت: السلام عليكم، فقال: " وعليك

السلام، اذهب فاغتسل " فذهبت فأخذت نشفة فدلّكت بها جلدي حتى

ظننت أنى قد أنقيت ثم أتيته، فقلت: السلام عليكم، قال: " وعليك السلام،

اجلس، ثم قال: إن الملائكة لا تحضر جنازة كافر نجس ولا جنبا حتى يغتسل

أو يتوضأ وضوءه للصلاة ولا مُتضمخا بصفرة " (2) .

رواه الطحاوي في شرحه من جهة حماد بن سلمة عن عطاء، ورواه

(1) صحيح. رواه أبو داود (ح/4180) والبيهقي (5/36) والبزار (ص 164- زوائد ابن

حجر) : حدثنا العباس بن أبي طالب ثنا أبو سلمة ثنا أبان عن قتادة عن ابن بريدة عن يحيى بن

يعمر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكره، وقال: " رواه غير العباس مرسلا، ولا يعلم

يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه ".

وإسناد صحيح كما قاله المنذري في " الترغيب "(1/91) ، ورجاله ثقات رجال الشيخين،

غير العباس هذا وهو ابن جعفر بن عبد الله بن للزبرقان البغدادي أبو محمد بن أبي طالب أخو

يحيى، وهو مصدوق.

ورواه البخاري في " التاريخ "(3/1/74) من طريق أبي عوانة عن قتادة به.

ورواه الطبراني في " الأوسط "(5536) وقال: " لم يروه عن كثير مولى سمرة إلا هشام،

ولا عن هشام إلا المغيرة بن مسلم. تفرد به شبابة " وهو مصدوق من رجال الشيخين، وشيخه

المغيرة حسن الحديث كما قال الذهبي في " الكاشف ".

وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "(5/156) وقال: " رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن

حكيم وهو ضعيف ".

(2)

صحيح. رواه عبد الرزاق (7936) والكنز (17463) والجوامع (5924) والطبراني (11/

361) والحبائك (126) وأبو داود في (الترجل باب " 80 ") وأحمد (4/320) والبيهقي

(1/203، 5/36) .

ص: 741

الكجي في سننه من طريق حماد بزيادة قدمت على أهلي من سفر وقد

شققت يدي فخلوني بزعفران، وذكره قاسم بن أصبع فلم يقل للصلاة، وذكره

عبد الرزاق (1) كذلك منقطعا في غير قوله رخص فما بعده، ورواه أبو عيسى

الترمذي في جامعه مختصرا وقال فيه: حسن صحيح، وفيما قاله نظر؛ وذلك

أنّ الصحة ملازمة للاتصال وهذا الحيث عدتها ذكر ذلك أبو داود (2) أنه

يخرجه له فقال: بين يحيى وحماد في هذا الحديث رجل، وتبعه على ذلك

الإشبيلي. ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث شعبة عن إسحاق بن

سويد عن رجل فقال: له حسن عن رجل أحسبه عمارا، وقال: لم يروه عن

شعبة إلا سويد. تفرّد به أحمد بن عمر، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(1) ، (2) صحيح. رواه عبد الرزاق (7936) والكنز (17463) والجوامع (5924) والطبراني

(11/361) والحبائك (126) وأبو داود في (الترجل باب " 80 ") واحمد (4/320)

والبيهقي (1/203، 5/36) .

قلت: وتفرد الثقة جائزة عند عامة أهل العلم.

ص: 742

‌65- باب في الجنب إذا أراد أن يعود توضأ

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا

عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أتى

أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ ". هذا حديث خرجه مسلم (1) في

صحيحه فمن بعده ورواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث سعيد بن

عبد الرحمن المخزومي عن سفيان/عن عاصم بزيادة: " إذا أراد أن يعود فليتوضأ

وضوءه للصلاة". ومن جهة شعبة عن عاصم: " إذا أراد أحدكم العود فليتوضأ

فإنه أنشط له في العود ". وبنحوه خرجه أبو حاتم في صحيحه (2) وأبو عوانة

وخرج الحاكم هذه الزيادة وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم

يخرجاه بهذا اللفظ، وهذه لفظة تفرد بها شعبة عن عاصم والتفرد من مثله

مقبول عندهما، ولما ذكره أبو محمد الفارسي مصحّحا له من جهة ابن عتاب:

" إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود ". هذا لفظ حفص ولفظ ابن عيينة إذا

أراد أن يعود فلا يعود حتى يتوضأ ثم قال: لم يجد هذا الخبر ما يخصصه ولا

ما يخرجه إلى الندب الأخير أضعف من رواية يحيى بن أيوب- يعني: المخرج

عند أبي شاهين- عن موسى بن عقبة وأبي حنيفة عن أبي إسحاق عن الأسود

عنها: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يجامع ثم يعود، ولا يتوضأ وينام ولا يغتسل "(3) . قال:

وما يجاب الوضوء، ويقول: عطاء وعكرمة وإبراهيم والحسن وابن سيرين.

انتهى كلامه. وفي قوله هذا لفظ حفص نظر؛ فإنّ أبا داود رواه عن عمرو بن

عون أنبأ حفص بن غياث، ولفظه: " إذا أتى أحدكم أهله، ثم بدا له أن يعود

فليتوضأ بينهما وضوءا " (4) . وعند الترمذي عنه: " ثم أراد أن يعود فليتوضأ "

(1) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، ح 27) وأبو داود (220) والترمذي (141) وقال:

هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة (587) والبيهقي (1/203، 204، 7/192)

والحاكم (1/152) والخطيب (3/239) والمجمع (4/295) والكنز (44855) .

(2)

رواه ابن حبان: (2/359) .

(3)

معاني: (1/127) .

(4)

تلخيص: (1/141) .

ص: 743

وعند مسلم: " ثم أراد أن يعود ". وما حكاه من الوجوب فمردود بقول أبي

عمر، وما أعلم أحدا من أهل العلم أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر وأما ما

شاء من الفقهاء بالأمصار فلا يوجبوه وأكثرهم يأمرون به ويِستحبونه بخلاف

الحائض، والذي يشبه أن يكون أبو محمد أخلط عليه الوضوء المطلق الجنب

بهذا، والله أعلم. وقال أبو عاونة في صحيحه: تعارض هذه الأخبار في

إيجاب الوضوء حديث أيوب عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس: " أن النبي

صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فأتى بطعام فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: إنما أمرت بالوضوء

إذا قمت إلى الصلاة". كان صحيحا عند أهل التمييز، وقال ابن المنذر: إن

توضأ فحسن (1) ،/وليس ذلك بواجب. انتهى. وفي الباب حديث ذكره في

كتاب العلل عن عبد الرحمن وسألت أبي عن حديث رواه ليث بن أبي سليم

عن عاصم عن أبي المستهل عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا أتى أحدكم

أهله فأراد أن يعود فليغسل فرجه ". قال أبي: هذا يرون أنّه عاصم عن أبي

المتوكل عن أبي سعيد وهو أنثييه، وفي كتاب العلل لأبي عيسى ثنا عبد الله

بن الصباح الهاشمي البصري ثنا محمد بن سليمان سمعت أبي عن عاصم

عن أبي المستهل عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أتى أحدكم أهله

"

الحديث. سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو خطأ ولا أدرى من أبو

المستهل، وإنما روى عاصم عن أبي عثمان عن سليمان بن ربيعة عن عمر قوله

وهو الصحيح، قال الثقفي: هذا كله جائز ومشروع من شاء أخذ بالأول، ومن

شاء أخذ هذا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا مرة ليدلّ على الفضيلة، وهذا مرة

ليدلّ على الرخصة، والله تعالى أعلم.

(1) قوله: " إن توضأ وحسن " سقط من " الأولى " وأثبتناه من " الثانية ".

ص: 744

‌66- باب ما جاء فيمن يغتسل من نسائه

حدثنا محمد بن مثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدى وأبو أحمد عن سفيان

عن معمر عن قتادة عن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في

غسل واحد ". هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه (1) ، وفي صحيح ابن

إسماعيل: " كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن

إحدى عشرة " (2) قال: قلت لأنس: وكان يطيقه؟ قال: كذا يحدّث أنّه أعطى

قوة ثلاثين وفي لفظ: " تسع نسوة"، وفي صحيح ابن حبان: حكى أنس هذا

الفعل منه عليه السلام في أوّل قدومه المدينة حيث كان عنده تسع نسوة؛ لأنّ

لهذا الفعل منه عليه السلام كان مرارا إلا مرة واحدة لم إلا في آخر أمره حيث

اجتمع عنده تسع نسوة وجاريتان وريحانة ومارية، فإنا لا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم

اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة بالتزويج، فإنّه دخل بإحدى عشرة أولهن

خديجة ولم يتزوج بغيرها حتى ماتت. وفي سنن السجستاني: هكذا رواه

هشام بن زيد عن أنس ومعمر عن قتادة عن أنس وقال صالح بن أبي

الأخضر: عن الزهري كلّهم عن أنس، ورواه أيضا ثابت عن أنس، قال أبو

القاسم في الأوسط: لم يروه عن معمر عن ثابت إلا ابن عينية، ورواه الثوري

والناس عن معمر عن قتادة ورواه أيضا من جهة مصعب وزاد في الأصغر تفرد

به عبد الله بن أبي غسان وكان ثقة، وقال ابن خزيمة: لم يقل أحد من

أصحاب قتادة إحدى عشرة إلا معاذ بن هشام عن أبيه، ثم رواه من جهة

سفيان عن معمر عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يطوف "، وفي لفظ

" يطيف على نسائه في غسل واحد "، وقال: هذا حديث غريب، والمشهور

معمر عن قتادة ورواه الإسماعيلي في صحيحه من جهة معاذ بن هشام وفيه

قوة أربعين، ولما رواه ابن أبي داود في سننه من حديث بقية عن شعبة حدثني

(1) تقدم من أحاديث الباب.

(2)

صحيح. رواه البخاري (1/76) وأحمد (3/291) وابن سعد (2/2/30) وشرح

السنة (2/37) والكنز (18344) وأخلاق (231، 232) .

ص: 745

عاصم بن زيد بن أنس قال: سمعت أنسا فذكره قال: لم يرو هذا الحديث

عن شعبة إلا بقية وسكين بن بكير، ورواه أيضا من جهة ابن حماد، عن قتادة

عن أنس بلفظ: " يطوف على نسائه بغسل واحد، هذه ثم هذه"(1) وقال:

هذه سنة تفرد بها أهل البصرة، ولم يروه عن سفيان إلا يوسف بن أسباط،

وكذا قاله أبو نعيم في الحلية قال ابن أبي داود: والناس يخالفونه عن سفيان

يقولون: عن معمر عن قتادة ومن جهة حبان عن صالح بن أبي الأخضر عن

الزهري وقال: لم يروه عن الزهري إلا صالح. وقال الترمذي: وقد روى محمد

بن يوسف هذا عن سفيان فقال: عن أبي عروة عن أبي الخطاب عن أنس وأبو

عروة ومعمر وأبو الخطاب قتادة، ورواه بعضهم عن محمد بن يوسف عن أبي

عروة عن أبي الخطاب وهو خطأ والصحيح أبي عروة،/وفي الباب عن أبي

رافع. انتهى. وفيه نظر؛ لأن حديث أبي رافع لفظه: " يغتسل عند هذه، وعند

هذه وسيأتي وهو مخالف لما رواه قبل عن أنس، والله أعلم.

(1) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، باب " 6 "، ح/28) وأحمد (3/225) وأبو

عوانة (1/280) وإتحاف (5/369) وشرح السنة (2/37) وأخلاق (232) والحلية (7/

100، 232، 8/247، 10/170) .

ص: 746

‌67- باب فيمن يغتسل عند كل صلاة غسلا

حدثنا إسحاق بن منصور أنبأ عبد الصمد ثنا حماد ثنا عبد الرحمن بن

أبي رافع عن عمته سلمى عن أبي رافع: " أنّ النبيِ صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في

ليلة، وكان يغتسل عند كل واحدة منهن: فقيل له: يا رسول الله ألا تجعله

غسلها واحد فقال: هو أذكى وأطيب وأطهر ". هذا حديث لما خرجه أبو

داود (1) قال: وحديث أنس أصح من هذا ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي من

عند النسائي سكت عند وكيع وذلك أبو الحسن عليه بقوله: لا يصح فإنّه من

رواية يقولون عن معمر عن قتادة، ومن جهة صالح بن أبي الأخضر عن

الزهري وقال: لم يروه عن الزهري إلا صالح عن حمّاد أنبأ عبد الرحمن هذا

فمنهم من يقول: ما ذكرناه ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن أبي رافع

كذلك ذكره أبو داود من رواية موسى بن إسماعيل عن حماد وموسى والناس

بحماد وتعرفه بحديثه، وهكذا ذكره البخاري في تاريخه قال عبد الرحمن بن

أبي رافع عن عمته عن أبي رافع: " طاف النبي صلى الله عليه وسلم على نسائه في ليلة "(2) .

قال شهاب: عن حماد بن سلمة وقال عبد الله ابن محمد: عن عارم عن

حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن أبى رافع عن عمته سلمى عن أبي رافع

قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ناوليني الذراع "(3) . وقاّل عفان ويزيد بن هارون وحماد: ثنا

ابن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان عبد الله بن جعفر يتختم في يمينه،

وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه حديثه في البصريين، وقال بن أبي

حاتم: عبد الرحمن بن أبي رافع روى عن عبد الله بن جعفر وعن عمته سلمى

وروى عنه حماد بن سلمة ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن

(1) حسن. رواه أبو داود: الطهارة، باب " 85 "، (ح/219) .

(2)

صحيح. رواه النسائي: (1/143) . وأبو داود (ح/218) بلفظ: " طاف على نسائه

في غسل واحد ".

(3)

رواه ابن سعد (7/45) ، وأحمد (3/484، 485) والمجمع (8/311) والبداية بلفظ:

" ناولني ذراعها ".

ص: 747

معين قال عبد الرحمن بن أبي رافع الذي بروى عنه حماد صالح فإن كان

الأمر هكذا أعني أنّه عبد الرحمن/بن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم كما قال

عفان ويزيد فإن عمته سلمى أخت لأبي رافع وهى لا تعرف له وإن كانت

غيرها فخالها لا يعرف، وإن كان الأمر عاما وقع في السند عند النسائي من

أنّه حفيد لأبي رافع وسلمى بخت لأبي رافع، ويكون حالها حينئذ أخفى وما

من ذلك شيء يعرف فإنّ أبا رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم احتوشته امرأتان كلّ

واحدة منهما اسمها سلمى، إحداهما: أمة. والأخرى: زوجه فأُمّه سلمى مولاة

صفية بنت عبد المطلب روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت لأمر فيه يرويه حارثة بن

محمد عن عبيد الله بن أبي رافع عن جدّته، وكانت خادما للنبي صلى الله عليه وسلم ذكرها

هذا ابن السكن، وأمّا زوجه فسلمى مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن أبي خيثمة:

زوّجه النبي صلى الله عليه وسلم مولاته وشهدت سلمى هذه خيبر وولدت له عبيد الله بن

أبي رافع كاتب علي فما من هاتين من يكون عمّه لعبد الرحمن بن أبي رافع

ولا لحفيد أبي رافع إذ إحداهما أم لأبي رافع والأخرى زوجه، وقد كنت أظنّ

أن أبا محمد عثر في هذا على مزيد حتى رأيته كتب في كتابه الكبير بخطّه

أثر هذا الحديث بعد أن أورده من عند النسائي سلمى مولاة النبي صلى الله عليه وسلم لا

يصح أن تكون عمة لأحد من ولد أبي رافع؛ بل أما وأما جدّه. انتهى كلامه.

وفيه نظر من وجوه: الأوّل: قوله في أبي رافع أختيه امرأتان، وأغفل ثالثة

ذكرها أبو حاتم البستي في كتاب الثقات من التابعين روى عنها القعقاع بن

حكيم وقال: هي امرأة أبي رافع. روت عن أبي رافع، الثاني: قوله لا يصح

مردود بتصحيح ابن حزم له من الطريق التي خرجها أبو داود. الثالث: ما

ذكره عن أبي محمد أنه اتبعه بخطّه في الكبير لم أره ولا شيئا منه في

الكتاب المشار إليه، والله تعالى أعلم. وفي كتاب البيهقي طاف على نسائه

أجمع في ليلة يغتسل لكل واحدة منهن غسلا. وقال الحافظ ضياء الدين: ليس

بين هذا الحديث وحديث أنس اختلاف؛ بل كان يفعل هذا مرّة وذلك أجزى،

والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

ص: 748