الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البداية والنهاية
«من خلافة عبد الملك بن مروان وفيات سنة 65 هـ - إلى وفيات سنة 100 هـ»
تأليف
الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير
[701 هـ - 774 هـ]
حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه
محمد حسان عبيد
راجعه
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف
الجزء التاسع
خلافة عبد الملك بن مروان
بُويعَ له بالخلافة في حياة أبيه، فلما مات أبوه في ثالث رمضان من هذه السنة أعني سنة خمس وستين
(1)
جددت له البيعة بدمشق ومصر وأعمالهما، فاستقرت يده على ما كانت يد أبيه عليه، وقد كان أبوه قبل وفاته بعث بعثين أحدهما مع عبيد اللَّه بن زياد إلى العراق لينزعها
(2)
من نواب ابن الزبير، فلقي في طريقه جيش التوابين مع سليمان بن صُرَد عند عين الوردة
(3)
، فكان من أمرهم ما قدمناه
(4)
، من ظفره بهم، وقتله أميرهم وأكثرهم. والبعث الآخر مع حُبَيش
(5)
بن دُلَجة إلى المدينة ليرتجعها من نائب ابن الزبير، فسار نحوها، فلما انتهى إليها هرب نائبها جابر بن الأسود بن عوف -وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف- فجهَّز نائب البصرة من قِبل ابن الزبير وهو الحارث بن عبد اللَّه بن ربيعة، جيشًا من البصرة إلى ابن دُلَجة ليخرجوه من المدينة، فلما سمع بذلك حُبَيش بن دُلَجة سار إليهم. وبعث ابن الزبير عباس بن سهل بن سعد نائبًا على المدينة، وأمره أن يسير في طلب حُبَيش، فسار في طلبهم حتى لحقهم بالرَّبَذة فرمى يزيد بن سياه
(6)
حُبيشًا بسهم فقتله، وقُتل بعضُ أصحابه، وهُزم الباقون، وتحصَّن منهم خمسمئة في المدينة ثم نزلوا على حكم عباس بن سهل فقتلهم صبرًا ورجع فلُّهم
(7)
إلى الشام.
قال ابن جرير
(8)
: ولما دخل يزيد بن سياه الأسواري قاتل حبيش بن دلجة إلى المدينة مع عباس بن
(1)
في ط: منها. وقد قمنا في هذا الجزء بمقابلة المطبوع (ط) مع نسخة الأحمدية (أ) ونسخة برلين (ب) وانتهجنا إثبات ما وافقت عليه الأصول الثلاثة أولًا مع التأكد من صحة الخبر في مصادر المؤلف، ثم نثبت ما وافقت عليه النسختان وإذا وجدت زيادة من ط أو إحدى النسخ وضعناها بين معقوفين أو أشرنا لذلك في الهامش.
(2)
في ط: لينتزعها، والخبر بأوسع مما هنا في تاريخ الطبري (5/ 581 - 599) وتاريخ ابن الأثير (4/ 185).
(3)
عين الوردة: بلدة تسمى حاليًا رأس العين على أحد روافد الخابور.
(4)
سبق ذكر الخبر ضمن أحداث هذه السنة 65 هجرية.
(5)
الضبط من توضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي (3/ 461 - 462) وفيه: وحبيش هذا -فيما ذكره ابن دريد- أول أمير أكل على منبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. ودُلجة: كهُمزة، قيده الزبيدي في التاج (دلج).
(6)
في الكامل لابن الأثير (4/ 191): يزيد بن سنان، وفي تاريخ الطبري (5/ 612): جاءه سهم غرب فقتله، ثم ساق رواية أخرى عن علي بن محمد قال: الذي قتل حبيش بن دُلَجة يوم الربذة يزيد بن سياه الأسواري.
(7)
في أ: أقلهم، وما أثبت موافق للطبري.
(8)
تاريخ الطبري (5/ 612).
سهل كان عليه ثياب بياض وهو راكب برذونًا
(1)
أشهب، فما لبث أن اسودَّت ثيابه ودابته
(2)
مما يتمسّح الناس به، ومن كثرة ما صَبّوا عليه من الطيب والمسك.
وقال ابن جرير
(3)
: وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة، وفيها قَتَلَ نافعُ بن الأزرق [-وهو رأس الخوارج ورأس أهل البصرة- مسلمَ بن عُبيس فارس أهل البصرة، ثم قتله ربيعة السَّلوطي وقُتل بينهما نحو خمسة أمراء، وقُتل في وقعة الخوارج قُرَّة بن إياس المزني أبو معاوية، وهو من الصَّحابة.
ولما قُتل نافع بن الأزرق رأست الخوارجُ عليهم عبيد اللَّه بن ماحوز، فسار بهم إلى المدائن فقتلوا أهلها ثم غلبوا على الأهواز وغيرها، وجبَوا الأموال وأتتهم الأمداد من اليمامة والبحرين، ثم ساروا إلى أصفهان وعليها عَتَّاب بن ورقاء الرياحي، فالتقاهم فهزمهم، ولما قتل أمير الخوارج ابنَ ماحوز كما سنذكر، أقاموا عليهم قُطريّ بن الفُجاءة أميرًا.
ثم أورد [ابن جرير]
(4)
قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له دولاب
(5)
، وكانت الدولة للخوارج على أهل البصرة، وخاف أهل البصرة من الخوارج أن يدخلوا البصرة، فبعث عبد اللَّه بن الزبير فعزل نائبها عبد اللَّه بن الحارث المعروف ببَبَّة
(6)
، بالحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المعروف بالقباع، وأرسل ابن الزبير المهلَّب بن أبي صفرة الأزدي على عمل خراسان، فلما وصل إلى البصرة قالوا له: إن قتال الخوارج لا يصلح إلا لك، فقال: إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى خراسان، ولست أعصي أمره. فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة على أن كتبوا كتابًا
(7)
على لسان ابن الزبير إلى المهلّب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة، فلما قُرئ عليه الكتاب اشترط على أهل البصرة أن يقوي جيشه من بيت مالهم، وأن يكون له ما غلب عليه من أموال الخوارج، فأجابوه إلى ذلك، ويقال إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأمضى لهم ذلك وسوّغه، فسار إليهم المهلب. وكان شجاعًا بطلًا صنديدًا، فلما التقى هو والخوارج
(8)
أقبلوا إليه يزفّون في عدَّةٍ لم يُرَ مثلها من الدروع والزرود
(1)
البرذون: دابة، وما كان من غير نتاج العِراب. اللسان (برذن).
(2)
في تاريخ الطبري: ورأيته؛ تحريف.
(3)
تاربخ الطبري (5/ 613).
(4)
تاريخ الطبري (5/ 615).
(5)
دولاب: قرية بينها وبين الأهواز أربعة فراسخ، كانت بها وقعة بين أهل البصرة وبين الخوارج. معجم البلدان (2/ 552).
(6)
قال ابن ناصر الدين: بَبَّه -بفتح الموحدتين، والثانية مشددة، تليها هاء- لقب عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل الهاشمي، تابعي. توضيح المشتبه (10/ 336).
(7)
نص الكتاب في تاريخ الطبري (5/ 615 - 616) وفي الأخبار الطوال (271): أن الحارث بن عبد اللَّه كتب إلى ابن الزبير يسأله أن يأمر المهلّب بالسير إلى الخوارج، فكتب ابن الزبير إلى المهلّب.
(8)
في ط: فلما أراد قتال الخوارج.
والخيول والسلاح، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي، وقد صار لهم تحمّل عظيم مع شجاعة لا تدانى، وإقدام لا يساوى، وقوة لا تبارى
(1)
، وسَبْق إلى حومة الوغى لا تجارى
(2)
؛ فلما تواقف الناس بمكان يقال له سلِّى أو سِلّبرى
(3)
، اقتتلوا قتالًا شديدًا عظيمًا، وصبر كل من الفريقين صبرًا باهرًا، وكان في نحو من ثلاثين ألفًا؛ ثم إن الخوارج حملوا حملة منكرة، فانهزم أصحاب المهلّب لا يلوي والد على ولد، ولا يلتفت أحد إلى أحد، ووصل إلى البصرة فُلَّالُهم.
وأما المهلَّب فإنه سبق المنهزمين فوقف لهم بمكان مرتفع، وجعل ينادي: إليَّ عباد اللَّه، فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان الشجعان، فقام فيهم خطيبًا فقال في خطبته: أما بعد أيها الناس، فإن اللَّه تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيُهزمون ويُنزل النصر على الجمع اليسير فيَظهرون، ولعمري ما بكم الآن من قلة، وأنتم فرسان المِصْرِ
(4)
وأهل النَّصر، وما أحب أن أحدًا ممن انهزموا معكم الآن:{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} [التوبة: 47] ثم قال: عزمت على كلِّ رجل منكم إلّا أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم فإنهم الآن آمنون، وقد خرجت خيولهم في طلب إخوانكم، فواللَّه إني لأرجو أن لا ترجع خيولهم حتى تستبيحوا
(5)
عسكرهم، وتقتلوا أميرهم.
ففعل الناس ذلك، فزحف بهم المهلّب بن أبي صفرة على معشر الخوارج فقتل منهم خلقًا كثيرًا نحوًا من سبعة آلاف، وقتل عبيد اللَّه
(6)
بن الماحوز في جماعة كثيرة من الأزارقة، واحتاز من أموالهم شيئًا كثيرًا، وقد أرصد المهلّب خيولًا بينه وبين الذين يرجعون من طلب أهل البصرة
(7)
، فجعلوا يقتطعون دون قومهم، وانهزم فَلّهم إلى كرمان وأرض أصبهان، وأقام المهلّب بالأهواز حتى قدم مصعب بن الزُّبير إلى البصرة، وعزل عنها الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة كما سيأتي بيانه.
قال ابن جرير
(8)
: وفي هذه السنة وجه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمدًا إلى الجزيرة، وذلك قبل مسيره إلى مصر. قلت: محمد بن مروان هذا هو والد مروان الحمار، وهو مروان بن محمد بن مروان، وهو آخر خلفاء بني أمية، ومن يده استلبت الخلافةَ العباسيون كما سيأتي.
(1)
في ط: لا تجارى.
(2)
قوله: "لا تجارى" سقط من ط، واستدركناه من م.
(3)
سِلِّى: بكسر أوله وثانيه وتشديده وقصر الألف، وقيل: بالضم وفتح اللام. وأما سلبرى، فبكسر أوله وثانيه وتشديده وباء موحدة وراء مفتوحة وألف مقصورة، وكلاهما اسم لموضع واحد، وهو من نواحي خوزستان قرب جنديسابور، وهي مناذر الصغرى، وكانت بها وقعة للخوارج مع المهلب بن أبي صفرة (معجم البلدان 3/ 232).
(4)
في ط: الصبر؛ وما أثبت عن أ وم والطبري.
(5)
في ط: إلا وقد استبحتم؛ وما أثبت عن أ وم والطبري.
(6)
في الكامل لابن الأثير (4/ 195) عبد اللَّه.
(7)
في ط: المنهزمين.
(8)
تاريخ الطبري (5/ 622).
قال ابن جرير
(1)
: وفي هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيدة
(2)
عن إمرة المدينة وولّاها أخاه مصعبًا، وذلك أن عبيدة خطب الناس فقال في خطبته: وقد رأيتم ما صنع اللَّه بقوم صالح في ناقة قيمتها خمسمئة درهم، فلما بلغت أخاه قال: إن هذا لهو التكلّف، وعزله. ويسمى عبيدة مقوِّم الناقة لذلك.
قال ابن جرير: وفي آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخَطمي، وولّى عليها عبد اللَّه بن مطيع الذي كان أمير المهاجرين يوم الحرَّة، لمَّا خلعوا يزيد
(3)
.
قال ابن جرير
(4)
: وفي هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة.
وقال ابن الجوزي في المنتظم
(5)
: كان في سنة أربع وستين، وقد قيل إنما كان في سنة تسع
(6)
وستين، وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي
(7)
وغيره، وكان معظم ذلك بالبصرة، وكان ذلك في ثلاثة أيام، فمات في أول يوم من الثلاثة من أهل البصرة سبعون ألفًا، وفي اليوم الثاني منها إحدى وسبعون ألفًا، وفي اليوم الثالث منها ثلاثة وسبعون ألفًا، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلَّا قليل من آحاد الناس، حتى ذُكر أن أم الأمير بها ماتت فلم يوجد لها من يحملها، حتى استأجروا لها أربعة أنفس.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني
(8)
: حدَّثنا عبيد اللَّه، حدثنا أحمد بن عصام، حدَّثني معدي، عن رجل يكنى أبا النفيد
(9)
-وكان قد أدرك من هذا الطاعون- قال: كنّا نطوف بالقبائل وندفن الموتى، فلما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار وقد مات أهلها فنسد بابها عليهم. قال فدخلنا دارًا ففتشناها فلم نجد فيها أحدًا حيًا فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف فنفتح تلك السدد عن الأبواب، ففتحنا سدَّة الباب الذي كنا فتشناه -أو قال الدار التي كنا سددناها- وفتشناها فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين، كأنما أُخذ ساعتئذ من حَجْر أمه، قال: فبينما نحن وقوف على الغلام نتعجب منه إذ دخلت كلبة من شق في الحائط فجعلت تلوذ بالغلام والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها، قال معدي: وأنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة وقد قبض على لحيته.
(1)
المصدر نفسه نقلًا عن الواقدي.
(2)
في أ، م، ط: عبيد اللَّه؛ وما أثبت عن ب والطبري وابن الأثير.
(3)
بعد هذه اللفظة في أ: ذكر لوفيات هذه السنة ثم إيراد للخبر عن ابن جرير، وأظنه تقديم من النساخ يخالف منهج المؤلف رحمه الله.
(4)
تاريخ الطبري (5/ 612 - 613) والخبر أيضًا في تاريخ ابن الأثير (3/ 289).
(5)
المنتظم لابن الجوزي (6/ 25 - 26) ط دار الكتب العلمية.
(6)
في أ: سبع؛ خطأ.
(7)
تاريخ الإسلام للذهبي حوادث سنة (61 - 80/ ص 66) ط دار الكتاب العربي، والخبر أيضًا في تاريخ خليفة (265).
(8)
الخبر بسنده في المنتظم لابن الجوزي (6/ 26).
(9)
في أ: النفيل؛ وما أثبت يوافق المنتظم.
قال ابن جرير
(1)
: وفي هذه السنة بنى عبد اللَّه بن الزبير الكعبة البيت الحرام، يعني أكمل بناءها وأدخل فيها الحِجْر، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر.
قال ابن جرير: حدَّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدّثني عبد العزيز بن
(2)
خالد بن رستم الصنعاني أبو محمد، حدَّثني زياد بن جبل: أنه كان بمكة يوم كان عليها ابن الزبير، فسمعته يقول: حدَّثتني أمي أسماء بنت أبي بكر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: "لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم فأزيد في الكعبة من الحِجْر": قال: فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا تلاعًا أمثال الإبل، فحركوا منها تلعة -أو قال صخرة- فبرقت برقة فقال: أقروها على أساسها، فبناها ابن الزبير وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر.
قلت: هذا الحديث له طرق متعددة عن عائشة في الصحاح والحسان والمسانيد
(3)
، وموضوع سياق طرق ذلك في كتاب "الأحكام" إن شاء اللَّه تعالى.
وذكر ابن جرير
(4)
في هذه السنة حروبًا جرت بين عبد اللَّه بن خازم بخراسان، وبين الحَريش بن هلال القُرَيعي
(5)
يطول تفصيلها.
قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير، وعلى الكوفة عبد اللَّه بن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي [قُباع].
قال الواقدي: وممن توفي فيها من الأعيان:
عبد اللَّه بن عمرو بن العاص بن وائل، أبو محمد السهمي
(6)
كان من خيار الصحابة وعلمائهم وعبَّادهم، كتب عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا، أسلم قبل أبيه، ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثنتي عشرة سنة، وكان
(1)
تاريخ الطبري (5/ 622).
(2)
في أ، ط: عن؛ خطأ، وما أثبت موافق للطبري.
(3)
الحديث أخرجه أحمد في مسنده (6/ 239) والبخاري في صحيحه رقم (1586) في الحج، ومسلم في صحيحه رقم (1333)(398) في الحج، والنسائي في سننه (5/ 216) في مناسك الحج، وابن خزيمة برقم (3021) وابن حبان في صحيحه بترتيب ابن بلبان (9/ 125) رقم (3816).
(4)
تاريخ الطبري (5/ 623 - 626) والخبر أيضًا في تاريخ ابن الأثير (3/ 287 - 288).
(5)
في ط: القزيعي -بالزاي- وما هنا عن أ والطبري وابن الأثير.
(6)
ترجمة -عبد اللَّه بن عمرو بن العاص- في طبقات ابن سعد (2/ 373) و (4/ 261 - 268) وطبقات خليفة (الترجمة رقم 149) والتاريخ الكبير (5/ 5) والمعرفة والتاريخ (1/ 251)، وأسد الغابة (3/ 249، 351) وتهذيب الكمال (15/ 357 - 363) وتاريخ الإسلام (5/ 161 - 167) وسير أعلام النبلاء (3/ 80 - 93) والإصابة (2/ 351) وشذرات الذهب (1/ 290).
واسع العلم مجتهدًا في العبادة، عاقلًا، وكان يلوم أباه في القيام مع معاوية، وكان سمينًا، وكان يقرأ الكتابين القرآن والتوراة
(1)
، وقيل إنه بكى حتى زاغت عينا
(2)
.
[وروي عنه أنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: "يا عبد اللَّه ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار"؟
قلت: إني لأفعل ذلك. فقال: "حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام" وذكر الحديث إلى قوله: "الأفضل من ذلك صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا"
(3)
.
وقد استنابه معاوية على الكوفة
(4)
ثم عزله عنها بالمغيرة بن شعبة.
توفي في هذه السنة بمصر، وقيل
(5)
بمكة، وقيل بالشام.
أُسَيد بن ظُهَير الأنصاري
(6)
، شهد الخندق وغيرها، توفي بالمدينة.
عبد اللَّه بن مسعدة الفزاري
(7)
، له صحبة، نزل دمشق وكان يدعى صاحب الجيوش لأنه كان أميرًا على غزو الروم، وقد بعثه يزيد مقدمًا على جند دمشق في جيش الحرَّة، وقيل: إنه من سبي فزارة، وأوهبه النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة فأعتقته.
سعيد بن مالك بن بحدل
(8)
، أخو حسان ولي إمرة الجزيرة وقنسرين ليزيد بن معاوية،
(1)
روى أحمد في مسنده (2/ 222) وأبو نعيم في الحلية (1/ 286) من حديث عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال له: "تقرأ الكتابين: التوراة والفرقان"، فكان يقرؤهما، وإسناده حسن، لأنه من رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة وهو ممن سمع منه قبل احتراق كتبه.
(2)
في ط: عمي، وفي تاريخ الإسلام: رسعت -أي التصقت- وفي السير: رمصت.
(3)
الحديث في مسند الإمام أحمد (2/ 200) والصحيحين البخاري (1975) و (6134)، ومسلم (1159) وقال الذهبي في السير (3/ 91): وهذا الحديث له طرق مشهورة.
(4)
في أ: وقد ولاه معاوية مصر بعد موت أبيه. . ولم أجد في مصادر المؤلف رحمه الله من ذكر أن عبد اللَّه بن عمرو تولى مصر لمعاوية، إنما ولاه الكوفة. كذا في تاريخ الإسلام والسير.
(5)
في ط: وقتل بمكة؛ تحريف.
(6)
ترجمة -أسيد بن ظهير- في طبقات ابن سعد (4/ 369) والتاريخ الكبير (2/ 47) والاستيعاب (1/ 95) وتاريخ الطبري (2/ 477 و 505) والكامل لابن الأثير (4/ 524) وأسد الغابة (1/ 94 - 95) وتهذيب الكمال (3/ 255 - 256). وتاريخ الإسلام (5/ 74) والإصابة (1/ 123).
(7)
ترجمة -عبد اللَّه بن مسعدة- في تاريخ خليفة (209) ومغازي الواقدي (565) والاستيعاب (3/ 987) وتاريخ الطبري (2/ 643 و 5/ 134 و 334) والكامل لابن الأثير (3/ 376 و 377 و 491) وأسد الغابة (3/ 367) وتاريخ الإسلام (5/ 167) والإصابة (3/ 987).
(8)
ترجمة -سعيد بن مالك بن بحدل- في تاريخ دمشق (21/ 291 - 292) ط دار الفكر، وتاريخ الإسلام للذهبي (4/ 121 - 122) وتهذيب تاريخ دمشق (6/ 173 - 174).
وكان شريفًا مطاعًا في قومه، وإليه ينسب دير بحدل من عمل بيت الآبار
(1)
خارج دمشق]
(2)
.
ثم دخلت سنة ست وستين
ففيها وثب المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب بالكوفة ليأخذ بثأر الحسين بن علي فيما يزعم، وأخرج عنها عاملها عبد اللَّه بن مطيع، وكان سبب ذلك أنه لما رجع أصحاب سليمان بن صُرد مغلولين
(3)
إلى الكوفة وجدوا المختار بن أبي عبيد مسجونًا فكتب إليهم يعزِّيهم في [سليمان بن صُرد ويقول: أنا عوضه وأنا أقتل قتلة الحسين. فكتب إليه رفاعة بن شداد. وهو الذي رجع بمن بقي من جيش التوابين: نحن على ما تحب، فشرع المختار]
(4)
يعِدهم ويمنيهم وما يعدهم الكذاب
(5)
إلا غرورًا، وقال لهم فيما كتب به إليهم خفية
(6)
: أبشروا فإني لو قد خرجت إليهم جردت فيما بين المشرق والمغرب من أعدائكم السيف فجعلتهم بإذن اللَّه ركامًا، وقتلهم فذًّا
(7)
وتؤامًا، فرحب اللَّه بمن قارب منهم واهتدى، ولا يبعد اللَّه إلا من أبى وعصى، فلما وصلهم الكتاب قرؤوه سرًا وردوا إليه: إنا كما تحب، فمتى أحببت أخرجناك من محبسك، فكره أن يخرجوه من مكانه على وجه القهر لنواب الكوفة، فتلطف فكتب إلى زوج أخته صفية، وكانت امرأة صالحة، وزوجها عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، فكتب يسأله أن يشفع في خروجه عند نائبي الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة، فكتب ابن عمر إليهما يشفع عندهما فيه، [فلم يمكنهما رده، وكان فيما كتب إليهما ابن عمر: قد علمتما ما بيني وبينكما من الودّ، وما بيني وبين المختار من القرابة والصهر، وأنا أقسم عليكما لما خليتما سبيله والسلام]
(8)
.
فاستدعيا به فضمنه جماعة من أصحابه، واستحلفه عبد اللَّه بن يزيد إن هو بغى للمسلمين غائلة فعليه ألف بدنة ينحرها تجاه الكعبة، وكل مملوك له عبد وأمة حر، فالتزم لهما بذلك، ولزم منزله، وجعل يقول: قاتلهما اللَّه، أما حلفي
(9)
باللَّه، فإني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن
(1)
بيت الآبار: قرية يضاف إليها كورة من غوطة دمشق فيها عدة قرى. معجم البلدان (1/ 615).
(2)
ما بين معكوفين ساقط بعضه من ط.
(3)
في ط: "مغلوبين"، وما أثبتناه من أ، م.
(4)
ما بين معقوفين ساقط من أ وم.
(5)
في م، ط: الشيطان.
(6)
نص الكتاب في تاريخ الطبري (6/ 7).
(7)
في ط: أفرادًا؛ وما أثبت موافق للطبري.
(8)
ما بين معكوفين ساقط من أ وم.
(9)
في ط: حلفاني.
يميني، وأتيت الذي هو خير، وأما إهدائي ألف بدنة فيسير، وأما عتقي مماليكي فوددت أنه قد استتبَّ
(1)
لي هذا الأمر ولا أملك مملوكًا واحدًا، واجتمعت الشيعة عليه وكثر أصحابه وبايعوه في السرِّ، وكان الذي يأخذ البيعة له ويحرض الناس عليه خمسة، وهم السَّائب بن مالك الأشعريّ، ويزيد بن أنس، وأحمر
(2)
بن شُمَيط، ورفاعة بن شدّاد، وعبد اللَّه بن شداد الجُشَمي. ولم يزل أمره يقوى ويشتد ويستفحل ويرتفع، حتى عزل عبد اللَّه بن الزبير عن الكوفة عبد اللَّه بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، وبعث عبد اللَّه بن مطيع على عملهما إلى الكوفة، وبعث الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة نائبًا على البصرة، فلما دخل عبد اللَّه بن مطيع المخزومي إلى الكوفة في رمضان سنة خمس وستين، خطب الناس وقال في خطبته: إن أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير أمرني أن أسير فيكم
(3)
بسيرة عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان. فقام إليه السائب
(4)
بن مالك الشيعي
(5)
فقال: لا نرضى إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا، ولا نريد سيرة عثمان -وتكلم فيه- ولا سيرة عمر وإن كان لا يريد للناس إلا خيرًا، وصدَّقه على ما قال بعض أمراء الشيعة، فسكت الأمير وقال: إني سأسير فيكم بما تحبون من ذلك، وجاء صاحب الشرطة وهو إياس بن مضارب العجلي
(6)
إلى ابن مطيع فقال: إن هذا الذي يرد عليك من رؤوس أصحاب المختار، ولست آمن من المختار، فابعث إليه فاردده إلى السجن فإن عيوني قد أخبروني أن أمره قد استجمع له، وكأنك به قد وثب في المصر. فبعث إليه عبد اللَّه بن مطيع زائدة بن قُدامة وأميرًا آخر معه
(7)
، فدخلا على المختار فقالا له: أجب الأمير. فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابته، وتهيأ للذهاب معهما، فقرأ زائدة بن قدامة:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال: 30]. فألقى المختار نفسه وأمر بقطيفة أن تلقى عليه، وأظهر أنه مريض، وقال: أخبرا الأمير بحالي، فرجعا إلى ابن مطيع فاعتذرا عنه، فصدقهما ولها عنه، فلما كان شهر المحرم من هذه السنة عزم المختار على الخروج لطلب ثأر الحسين فيما يزعم، فلما صمم على ذلك اجتمعت عليه الشيعة وثبطوه عن الخروج الآن إلى وقت آخر، ثم أنفذوا طائفة منهم إلى محمد بن الحنفية يسألونه عن أمر المختار وما دعاهم إليه
(8)
، فلما اجتمعوا به كان ملخص ما قال لهم: إنا لا نكره أن ينصرنا اللَّه بمن شاء من
(1)
في ط: "استتم" وما أثبتناه من م وهو موافق للطبري.
(2)
تحرفت في أ، ط إلى: أحمد.
(3)
في ط: فيئكم.
(4)
في أ: الثابت، تحريف.
(5)
في الطبري (6/ 8) وابن الأثير (3/ 291) الأشعري.
(6)
في ط: البجلي، وما أثبت عن أ، ب والفتوح لابن الأعثم (2/ 274) ط دار الفكر.
(7)
سماه الطبري (6/ 11) وابن الأثير (3/ 292): حسين بن عبد اللَّه البُرْسمي.
(8)
خبر خروج الشيعة إلى محمد ابن الحنفية في تاريخ الطبري (6/ 12) وابن الأثير (3/ 293) والمنتظم لابن الجوزي (6/ 51) والفتوح لابن الأعثم (2/ 275).
خلقه، وقد كان المختار بلغه مخرجهم إلى محمد بن الحنفية [فكره ذلك وخشي أن يكذِّبه فيما أخبر به عنه، فإنه لم يكن بإذن محمد ابن الحنفية]
(1)
وهمّ بالخروج قبل رجوع أولئك، وجعل يسجع لهم سجعًا من سجع الكهان بذلك، [ثم كان الأمر على ما سجع به](1) فلما رجعوا أخبروه بما قال ابن الحنفية، فعند ذلك قوي أمر الشيعة على الخروج مع المختار بن أبي عبيد.
وقد روى أبو مخنف
(2)
أن أمراء الشيعة قالوا للمختار: اعلم أن جميع أمراء الكوفة مع عبد اللَّه بن مطيع وهم إلب علينا، وإنه إن بايعك إبراهيم بن الأشتر النخعي وحده أغنانا عن جميع من سواه. فبعث إليه المختار جماعة يدعونه إلى الدخول معهم في الأخذ بثأر الحسين، وذكّروه سابقة أبيه مع علي رضي الله عنه، فقال: قد أجبتكم إلى ما سألتم، على أن أكون أنا ولي أمركم، فقالوا: إن هذا لا يمكن، لأن المهدي قد بعث لنا المختار وزيرًا له وداعيًا إليه، فسكت عنهم إبراهيم بن الأشتر، فرجعوا إلى المختار فأخبروه، فمكث ثلاثًا ثم خرج في جماعة من رؤوس أصحابه إليه، فدخل على ابن الأشتر فقام إليه واحترمه وأكرمه وجلس إليه، فدعاه إلى الدخول معهم، وأخرج له كتابًا على لسان ابن الحنفية يدعوه إلى الدخول مع أصحابه من الشيعة فيما قاموا فيه من نصرة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، والأخذ بثأر الحسين. فقال ابن الأشتر: إنه قد جاءتني كتب محمد ابن الحنفية بغير هذا النظام، فقال المختار: إن هذا زمان وهذا زمان، فقال ابن الأشتر: فمن يشهد أن هذا كتابه؟ فتقدم جماعة من أصحاب المختار فشهدوا بذلك، فقام ابن الأشتر من مجلسه وأجلس المختار فيه وبايعه، ودعا لهم بفاكهة وشراب من عسل. قال الشعبي: وكنت حاضرًا أنا وأبي أمر إبراهيم بن الأشتر. ذلك المجلس، فلما انصرف المختار قال لي إبراهيم بن الأشتر: يا شعبي ما ترى فيما شهد به هؤلاء؟ فقلت: إنهم قرَّاء وأمراء ووجوه الناس، ولا أراهم يشهدون إلا بما يعلمون، قال: وكتمته ما في نفسي من اتِّهامهم، ولكني كنت أحب أن يخرجوا للأخذ بثأر الحسين، وكنت على رأي القوم. ثم جعل إبراهيم يختلف إلى المختار في منزله هو ومن أطاعه من قومه، ثم اتفق رأي الشيعة على أن يكون خروجهم ليلة الخميس لأربع عشرة ليلة خلت [من ربيع الأول]
(3)
من هذه السنة - سنة ست وستين.
وقد بلغ ابن مطيع أمر القوم وما اشتوروا عليه، فبعث الشرط في كل جانب من جوانب الكوفة وألزم كل أمير أن يحفظ ناحيته من أن يخرج منها أحد، فلما كان ليلة الثلاثاء خرج إبراهيم بن الأشتر قاصدًا إلى دار المختار في مئة رجل من قومه، وعليهم الدروع تحت الأقبية، فلقيه إياس بن مضارب فقال له: أين تريد يابن الأشتر في هذه الساعة؟ إن أمرك لمريب، فواللَّه لا أدعك حتى أحضرك إلى الأمير فيرى فيك رأيه، فتناول ابن الأشتر رمحًا من يد رجل فطعنه في ثغرة نحره فسقط، وأمر رجلًا فاحتز رأسه، وذهب
(1)
ما بين معكوفين ساقط من أ.
(2)
تاريخ الطبري (6/ 15).
(3)
ما بين معكوفين ساقط من أ، ط، وهو في ب وموافق للطبري (6/ 18).
به إلى المختار فألقاه بين يديه، فقال له المختار: بشرك اللَّه بخير، فهذا طائر صالح. ثم طلب إبراهيم من المختار أن يخرج في هذه الليلة، فأمر المختار بالنار أن ترفع وأن يُنادى بشعار أصحابه: يا منصور أمت، يا لثارات الحسين. ثم نهض المختار فجعل يلبس درعه وسلاحه وهو يقول:
قد عَلِمَتْ بَيْضاءُ حسناءُ الطَّلَلْ
…
واضحَة الخَدَّين عَجْزاءُ الكَفَلْ
أني غَدَاة الرَّوْعِ مِقْدامٌ بطل
(1)
وخرج بين يديه إبراهيم بن الأشتر فجعل يتقصد الأمراء الموكلين بنواحي البلد فيطردهم عن أماكنهم واحدًا واحدًا. وينادي بشعار المختار، وبعث المختار أبا عثمان النَّهدي فنادى بشعار المختار، يا لثارات الحسين. فاجتمع الناس إليه من هاهنا وهاهنا، وجاء شَبَث بن ربعي فاقتتل هو والمختار عند داره وحصره حتى جاء ابن الأشتر فطرده عنه، فرجع شَبَث إلى ابن مطيع وأشار عليه بأن يجمع الأمراء إليه، وأن ينهض بنفسه، فإن أمر المختار قد قوي واستفحل، وجاءت الشيعة من كل فجٍّ عميق إلى المختار، فاجتمع إليه في أثناء اللّيل قريب من أربعة آلاف، فأصبح وقد عبّأ جيشه وصلّى بهم الصبح، فقرأ فيها:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} و {عَبَسَ وَتَوَلَّى} في الثانية. قال بعض من سمعه: فما سمعت إمامًا أفصح لهجة منه
(2)
. وقد جهّز ابن مطيع جيشه ثلاثة آلاف عليهم شَبَثَ بن ربعي، وأربعة آلاف أخرى مع راشد بن إياس بن مضارب، فوجّه المختار ابنَ الأشتر في ستمئة فارس وستمئة راجل [إلى راشد بن إياس، وبعث نعيم بن هبيرة في ثلاثمئة فارس وستمئة راجل]
(3)
إلى شَبَث بن ربعي، فأما ابن الأشتر فإنه هزم جيش قرنه راشد بن إياس وقتله، وأرسل إلى المختار يبشره، وأما نعيم بن هبيرة فإنه لقي شَبَث بن ربعي فهزمه شَبَثَ وقتله، وجاء فأحاط بالمختار وحصره. وأقبل إبراهيم بن الأشتر نحوه فاعترض له حسان بن فائد بن العبسي في نحو من ألفي فارس من جهة ابن مطيع، فاقتتلوا ساعة. فهزمه إبراهيم، ثم أقبل [نحو المختار] فوجد شبث بن ربعي قد حصر المختار وجيشه، فما زال حتى طاردهم فكرّوا راجعين، وخلص إبراهيم إلى المختار، وارتحلوا من مكانهم ذلك إلى غيره في ظاهر الكوفة، فقال له إبراهيم بن الأشتر: اعمد بنا إلى قصر الإمارة فليس دونه أحد [يرد عنه] فوضعوا ما معهم من الأثقال، وأجلسوا هنالك ضعفة المشايخ والرجال، واستخلف على من هنالك أبا عثمان النهدي، وبعث بين يديه ابن الأشتر، وعبأ المختار جيشه كما كان، وسار نحو القصر، فبعث ابن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفي رجل، فبعث إليه المختار يزيد بن أنس وسار هو وابن الأشتر أمامه حتى دخل الكوفة من باب الكناسة، وأرسل ابن مطيع شمر بن ذي الجوشن الذي قتل الحسين في ألفين آخرين، فبعث إليه المختار سعد بن
(1)
الأبيات في الطبري (6/ 20) والمنتظم لابن الجوزي (6/ 53) والفتوح لابن الأعثم (2/ 282) مع زيادة شطر في البيت الثاني: لا عاجز فيها ولا وغد فشل.
(2)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 23).
(3)
ما بين معكوفين ساقط من أ وحدها.
منقذ الهمداني، وسار المختار حتى انتهى إلى سكة شَبَثَ. وإذا نوفل بن مساحق بن عبد اللَّه بن مخرمة في خمسة آلاف وخرج ابن مطيع من القصر في الناس، واستخلف عليه شَبَث بن ربعي، فتقدم ابن الأشتر إلى الجيش الذي مع ابن مساحق، فكان بينهم قتال شديد [قُتل فيه رفاعة بن شداد أميرُ جيش التوابين الذين قدم بهم، وعبد اللَّه بن سعد وجماعة غيرهم، ثم انتصر عليهم ابن الأشتر فهزمهم]
(1)
وأخذ بلجام دابة ابن مساحق فمتَّ إليه بالقرابة، فأطلقه، وكان لا ينساها بعد لابن الأشتر. ثم تقدم المختار بجيشه إلى الكناسة وحصروا ابن مطيع بقصره ثلاثًا، ومعه أشراف الناس سوى عمرو بن حريث فإنه لزم داره، فلما ضاق الحال على ابن مطيع وأصحابه استشارهم، فأشار عليه شَبَث بن ربعي أن يأخذ له ولهم من المختار أمانًا، فقال: ما كنت لأفعل هذا وأمير المؤمنين مطاع بالحجاز وبالبصرة، فقال له: فإني رأيت أن تذهب بنفسك مختفيًا حتى تلحق بصاحبك فتخبره بما كان من الأمر وبما كان منا في نصره وإقامة
(2)
دولته، فلما كان اللّيل خرج ابن مطيع مختفيًا حتى دخل دار أبي موسى الأشعري، فلما أصبح الناس أخذ الأمراء إليهم أمانًا من ابن الأشتر فأمنهم، فخرجوا من القصر وجاؤوا إلى المختار فبايعوه، ثم دخل المختار إلى القصر فبات فيه، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، فخرج المختار إلى المسجد فصعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة ثم دعا الناس إلى البيعة وقال
(3)
: فوالذي جعل السماء سقفًا محفوظًا والأرض فجاجًا سُبُلًا، ما بايعتم بعد بيعة عليّ أهدى منها. ثم نزل فدخل الناس يبايعونه على كتاب اللَّه وسنة رسوله، والطلب بثأر الحسين وأهل البيت، وجاء رجل إلى المختار فأخبره أن ابن مطيع في دار أبي موسى، فأراه أنه لا يسمع قوله، فكرر ذلك ثلاثًا كل ذلك يريه لا يسمع
(4)
قوله فسكت الرجل، فلما كان اللّيل بعث المختار إلى ابن مطيع بمئة ألف درهم. وقال له: اذهب فقد شعرت بمكانك -وكان له صديقًا قبل ذلك- فذهب ابن مطيع إلى البصرة وكره أن يرجع إلى ابن الزبير وهو مغلوب، وشرع المختار يتحبب إلى الناس بحسن السيرة، ووجد في بيت المال تسعة آلاف ألف، فأعطى الجيش الذين حضروا معه القتال نفقات كثيرة، واستعمل على شرطته عبد اللَّه بن كامل اليشكري
(5)
، وقرّب أشراف الناس فكانوا جلساءه، فشق ذلك على الموالي الذين قاموا بنصره، وقالوا لأبي عَمرة كيسان مولى غزينة -وكان على حرسه-: قدّم واللَّه أبو إسحاق العرب وتركنا، فأنهى ذلك أبو عَمْرة إليه، فقال: بل هم مني وأنا منهم، ثم قال:{إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22] فقال لهم أبو عَمْرة: أبشروا فإنه سيقتلهم
(6)
ويقربكم، فأعجبهم ذلك وسكتوا.
(1)
ما بين معكوفين ساقط من أ وهو موافق لما جاء في المصادر.
(2)
في ط: وإقامته.
(3)
نص الخطبة في تاريخ الطبري (6/ 32) وابن الأثير (4/ 225 - 226) والفتوح لابن الأعثم (2/ 219).
(4)
من قوله: كل ذلك. . إلى هنا ساقط من ط.
(5)
في الطبري (6/ 33) وابن الأثير (4/ 227) الشاكري.
(6)
في ط: سيدنيكم، وعبارة الطبري: أبشروا، كأنكم واللَّه به قد قتلهم.
ثم إن المختار بعث الأمراء إلى النواحي والبلدان والأقاليم والرساتيق، من أرض العراق وخراسان، وعقد الألوية والرايات، وقرر الإمارة والولايات، وجعل يجلس للناس غدوة وعشية يحكم بينهم، فلما طال ذلك عليه استقضى شريحًا فتكلّم في شريح طائفة من الشيعة، وقالوا: إنه شهد على حَجْر بن عدي، وإنه لم يبلّغ عن هانئ بن عروة ما أرسله به، وقد كان علي بن أبي طالب عزله عن القضاء. فلما بلغ شريحًا ذلك تمارض ولزم بيته، فجعل المختار مكانه عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، ثم عزله وجعل مكانه عبد اللَّه بن مالك الطائي قاضيًا
(1)
.
فصل
ثم شرع المختار يتتبع قتلة الحسين من شريف ووضيع فيقتله، وكان سبب ذلك أن عبيد اللَّه بن زياد كان قد جهزه مروان من دمشق ليدخل الكوفة، فإن ظفر بهأ فليبحها ثلاثة أيام، فسار ابن زياد قاصدًا الكوفة، فلقي جيش التوابين، بعين الوردة كما ذكرنا، ثم سار
(2)
حتى انتهى إلى الجزيرة فوجد بها قيس عيلان، وهم من أنصار [ابن الزبير، وقد كان مروان أصاب منهم قتلى كثيرة يوم مرج راهط، فهم إلب عليه، وعلى ابنه عبد الملك من بعده، فتعوَّق عن المسير سنة وهو في حرب قيس عيلان بالجزيرة، ثم وصل إلى الموصل فانحاز نائبها
(3)
عنه إلى تكريت، وكتب إلى المختار يعلمه بذلك، فندب المختار يزيد بن]
(4)
أنس في ثلاثة آلاف اختارها، وقال له: إني سأمدُّك بالرجال بعد الرجال، فقال له: لا تمدني إلا بالدعاء. وخرج معه المختار إلى ظاهر الكوفة فودعه ودعا له وقال له: ليكن خبرك في كل يوم عندي، وإذا لقيت عدوك فناجزهم
(5)
، ولا تؤخر فرصة. ولما بلغ مخرجهم ابن زياد جهّز بين يديه سريّتين إحداهما مع ربيعة بن مخارق ثلاثة آلاف، والأخرى مع عبد اللَّه بن حَمْلة ثلاثة آلاف، وقال: أيكم سبق فهو الأمير، وإن سبقتما معًا فالأمير عليكم أسنُّكما. فسبق ربيعة بن مخارق إلى يزيد بن أنس فالتقيا في طرف أرض الموصل مما يلي الكوفة، فتواقفا هنالك، ويزيد بن أنس مريض مدنف، وهو مع ذلك يحرّض قومه على الجهاد ويدور على الأرباع وهو محمول مضنيٌّ [على حمار، وهو يقول لقومه: يا شرطة اللَّه اصبروا تؤجروا، وقاتلوا عدوكم تظفروا، ثم نزل فوضع له سريره بين الصفين، وقال لقومه: قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فرُّوا عنه]
(6)
وقال للناس: إن هلكت فأمير
(7)
(1)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 34 - 35) وابن الأثير (4/ 227 - 228).
(2)
في ط: فكان من أمرهم ما تقدم، ثم سار من عين وردة. .
(3)
واسمه عبد الرحمن بن سعيد بن قيس. الطبري (6/ 39).
(4)
ما بين معكوفين ساقط من أ وحدها.
(5)
في ط: فناجزك فناجزهم، وعبارة الطبري: إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم، وإذا أمكنتك الفرصة فلا تؤخرها.
(6)
من قوله: عطى حمار. . إلى هنا ساقط من ط، والخبر بتمامه في الطبري (6/ 41).
(7)
في ط: فالأمير على. .
الناس
(1)
عبد اللَّه بن ضمرة الفزاري، وهو رأس الميمنة، وإن هلك فسعر
(2)
بن أبي سعر رأس الميسرة، وكان ورقاء بن عَازَبَ
(3)
الأسدي على الخيل. وهو وهؤلاء الثلاثة أمراء الأرباع، وكان ذلك في يوم عرفة من سنة ست وستين عند إضاءة الصبح، فاقتتلوا هم والشاميون قتالًا شديدًا، واضطربت كل من الميمنتين والميسرتين، ثم حمل ورقاء على الخيل فهزمها وفرَّ الشاميون وقُتل أميرهم ربيعة بن مخارق، واحتاز جيش المختار ما في معسكر الشاميين، ورجع فرّارهم فلقوا الأمير الآخر عبد اللَّه بن حملة
(4)
، فقال: ما خبركم؟ فأخبروه فرجع بهم وسار بهم نحو يزيد بن أنس فانتهى إليهم عشاءً، فبات الناس متحاجزين، فلما أصبحوا تواقفوا على تعبئتهم، وذلك يوم الأضحى من سنة ست وستين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزم جيشُ المختار [جيشَ الشاميين] أيضًا، وقتلوا أميرهم عبد اللَّه بن حملة واحتووا على ما في معسكرهم، وأسروا منهم ثلاثمئة أسير، فجاؤوا بهم إلى يزيد بن أنس وهو على آخر رمق، فأمر بضرب أعناقهم.
ومات يزيد بن أنس من يومه ذلك وصلى عليه خليفته ورقاء بن عازب ودفنه، وسقط في أيدي أصحابه، وجعلوا يتسللون راجعين إلى الكوفة، فقال لهم ورقاء: يا قوم ماذا ترون؟ إنه قد بلغني أن ابن زياد قد أقبل في ثمانين ألفًا من الشام، ولا أرى لكم بهم طاقة، وقد هلك أميرنا، وتفرق عنا طائفة [من الجيش] من أصحابنا فلو انصرفنا راجعين إلى بلادنا ونُظهر أنّا إنّما انصرفنا حزنًا منا على أميرنا لكان خيرًا لنا من أن نلقاهم فيهزموننا ونرجع مغلوبين، فاتفق رأي الأمراء على ذلك، فرجعوا إلى الكوفة. فلما بلغ خبرهم أهل الكوفة، وأن يزيد بن أنس قد هلك، أرجف أهل الكوفة بالمختار، وقالوا: قُتل يزيد بن أنس في المعركة وانهزم جيشه، وعمّا قليل يقدَم عليكم ابن زياد فيستأصلكم ويشتف خضراءَكم، ثم تمالؤوا على الخروج على المختار وقالوا: هو كذاب، واتفقوا على حربه وقتاله وإخراجه من بين أظهرهم، واعتقدوا أنه كذاب، وقالوا: قد قدّم موالينا على أشرافنا، وزعم أن ابن الحنفية قد أمره بالأخذ بثأر الحسين وهو لم يأمره بشيء، وإنما هو متقول عليه، وانتظروا بخروجهم عليه أن يخرج من الكوفة إبراهيم بن الأشتر فإنه قد عينه المختار أن يخرج في سبعة آلاف تلقاء عبيد اللَّه بن زياد [وقال له: سر حتى ترى جيش ابن أنس فردهم معك، وسر بهم حتى تلقى عدوك عبيد اللَّه بن زياد فناجزه. فخرج الأشتر بمجموعه، فلما بلغ ساباط
(5)
جاءه كتاب المختار يأمره بالرجوع فرجع، وكان المختار قد حصَّن
(1)
في تاريخ الطبري (6/ 41) والمنتظم (6/ 56): إن هلك فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فإن هلك فأميركم عبد اللَّه بن ضمرة.
(2)
في ط: مسعر بن أبي مسعر؛ وما أثبت موافق للمصادر.
(3)
في أ، ط: ورقاء بن خالد؛ وما أثبت عن ب والمصادر.
(4)
في أ: جملة -بالجيم- وأثبت ما أجمعت عليه المصادر.
(5)
ساباط: موضع معروف بالمدائن. معجم البلدان (3/ 187).
قصر الإمارة، واستعد للقتال، وخرج أولئك الذين اتفقوا على قتاله فعسكروا بجبَّانة السَّبيع
(1)
، وهم شَبَث بن رِبْعي، وشِمْر بن ذي جَوْشن، ومحمد بن الأشعث، وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وكعب الخثعمي، وزَحْر بن قيس الجُعْفي، وإسحاق بن محمد بن الأشعث، وبشير بن جرير، وحجار بن أبجر، وعمرو بن الحجاج الزّبيدي وغيرهم]
(2)
، فلما خرج ابن الأشتر اجتمع أشراف الناس ممن كان في جيش قتلة الحسين وغيرهم في دار شَبَث بن ربعي وأجمعوا رأيهم على قتال المختار، ثم وثبوا فركبت كل قبيلة مع أميرها في ناحية من نواحي الكوفة، وقصدوا قصر الإمارة، وبعث المختار عمرو بن توبه
(3)
بريدًا إلى إبراهيم بن الأشتر ليرجع إليه سريعًا، وبعث المختار إلى أولئك يقول لهم: ماذا تنقمون؟ فإني أجيبكم إلى جميع ما تطلبون، وإنما يريد أن يثبطهم عن مناهضته حتى يقدم إبراهيم بن الأشتر، وقال: إن كنتم لا تصدقونني في أمر محمد بن الحنفية فابعثوا من جهتكم وأبعث من جهتي من يسأله عن ذلك، ولم يزل يطاولهم حتى قدم ابن الأشتر بعد ثلاث، فانقسم هو والناس فرقتين، فتكفَّل المختار بأهل اليمن، وتكفّل ابن الأشتر بمضر وعليهم شَبَث بن ربعي، وكان ذلك بإشارة المختار، حتى لا يتولى ابن الأشتر بقتال قومه من أهل اليمن فيحنو عليهم وكان المختار شديدًا عليهم.
واقتتل الناس في نواحي الكوفة قتالًا عظيمًا وكثرت القتلى بينهم من الفريقين، وجرت فصول وأحوال حربية يطول استقصاؤها، وقتل جماعة من الأشراف، منهم عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الكندي، وسبعمئة وثمانين رجلًا من قومه، وقتل من مضر بضعة عشر رجلًا، ويعرف هذا اليوم بجبَّانة السَّبيع، وكان ذلك يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجّة سنة ست وستين، ثم كانت النصرة للمختار عليهم، وأسر منهم خمسمئة أسير، فعرضوا عليه فقال: انظروا من كان منهم شهد مقتل الحسين فاقتلوه، فقتل منهم مئتان وأربعون رجلًا
(4)
، وقتل أصحابه منهم من كان يؤذيهم ويسيء إليهم بغير أمر المختار، ثم أطلق الباقين ونادى منادي المختار: من أغلق بابه فهو آمن إلا رجل أشرك في دم آل محمد صلى الله عليه وسلم
(5)
وهرب عمرو بن الحجّاج الزُّبيدي، وكان ممن شهد قتل الحسين فلا يدرى أين ذهب من الأرض.
(1)
قال ياقوت الحموي: الجبّان في الأصل الصحراء، وأهل الكوفة يسمون المقابر جبَّانة، كما يسميها أهل البصرة المقبرة، وبالكوفة محال تسمى هذا الاسم وتضاف إلى القبائل منها. جبّانة السّبيع، كان بها يوم للمختار بن عبيد. معجم البلدان (2/ 116).
(2)
من قوله: وقال له. . إلى هنا ساقط من ط وهو موافق للطبري (6/ 44 - 46).
(3)
في أ، ط: ثوبة، وما أثبت عن ب والمصادر.
(4)
في الطبري (6/ 51) وابن الأثير (4/ 235): مئتين وثمانية وأربعين قتيلًا.
(5)
من قوله: ونادى منادي. . إلى هنا ساقط من ط، ب وهو موافق للطبري.
مقتل شِمر بن ذي الجوشن أمير السَّرية التي قتلت حسينًا
وهرب أشراف الكوفة إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير، وكان ممن هرب لقصده شِمر بن ذي الجوشن قبحه اللَّه، فبعث المختار في طلبه غلامًا له يقال له زرنب
(1)
، فلما دنا منه قال شمر لأصحابه: تقدموا وذروني وراءكم بصفة أنكم قد هربتم وتركتموني حتى يطمع فيّ هذا العلج، فساقوا وتأخر شمر فأدركه زرنب فعطف عليه شمر فدق ظهره فقتله، وسار شمر [وتركه] وكتب كتابًا إلى مصعب بن الزبير وهو بالبصرة ينذره بقدومه عليه، ووفادته إليه، وكان كل من فرّ من هذه الوقعة يهرب إلى مصعب بالبصرة، وبعث شمر الكتاب مع علج من علوج قرية قد نزل عندها يقال لها الكلتانية
(2)
عند نهرٍ إلى جانب تلٍّ هناك، فذهب ذلك العلج فلقيه علج آخر فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: إلى مصعب، قال: ممن؟ قال: من شمر، فقال: اذهب معي إلى سيِّدي، وإذا سيده أبو عمرة أمير حرس المختار، وهو قد ركب في طلب شمر، فدله العلج على مكانه فقصده أبو عمرة، وقد أشار أصحاب شمر عليه أن يتحول من مكانه ذلك، فقال لهم: هذا كله فرق من الكذاب، واللَّه لا أرتحل من هاهنا إلى ثلاثة أيام حتى أملأ قلوبهم رعبًا، فلما كان الليل كابسهم أبو عمرة في الخيل فأعجلهم أن يركبوا أو يلبسوا أسلحتهم، وثار إليهم شمر بن ذي الجوشن فطاعنه برمحه وهو عريان ثم دخل خيمته فاستخرج منها سيفًا وهو يقول:
نبهتمُ ليثَ عرينٍ باسلا
(3)
…
جهمًا محيَّاهُ يدقُّ الكاهلا
لم يُرَ يومًا عن عدوٍّ ناكلا
…
إلا أكرَّ مقاتلًا أو قاتلا
(4)
يزعجهم
(5)
ضربًا ويُروي العاملا
ثم ما زال يناضل عن نفسه حتى قُتل، فلما سمع أصحابه وهم منهزمون صوت التكبير وقول أصحاب المختار: اللَّه أكبر قتل الخبيث، عرفوا أنه قد قتل قبحه اللَّه.
قال أبو مخنف: عن يونس بن أبي إسحاق قال: ولما خرج المختار من جبَّانة السَّبيع وأقبل
(1)
في الطبري (6/ 52): زربيا، وفي ابن الأثير (4/ 236) زربى، وفي ابن الأعثم (2/ 320): رزين.
(2)
في الأصول: الكلبانية بالباء تحريف، وما هنا عن الطبري، والكلتانية -بالتاء- موضع ما بين السوس والصيمرة، قريب من البصرة، وبهذه القرية قتل شمر بن ذي الجوشن الضبابي المشارك في قتل الحسين بن علي قتله أبو عمرة. معجم البدان (4/ 540).
(3)
في الفتوح لابن الأعثم (2/ 322): تيمموا ليثًا هزبرًا باسلًا.
(4)
في أ: إلا أكرَّ مقاتلًا أو ساملًا، وأثبت ما وافق المصادر.
(5)
كذا في أ، ط، وفي ب والطبري (6/ 54) وابن الأثير (4/ 236): يُبْرِحهم. والأبيات أيضًا في تاريخ دمشق (23/ 192) ط دار الفكر، وتهذيب تاريخ دمشق (6/ 342).
إلى القصر -يعني منصرفه من القتال- ناداه سُراقةُ بن مِرْداس بأعلى صوته وكان في الأسرى.
امننْ علىَّ اليومَ يا خَيْرَ مَعَدْ
…
وخَيْرَ من حَلَّ بشِحْرٍ والجَنَدْ
(1)
وخَيْرَ من لبَّى وصام وسَجَد
(2)
قال: فبعثه إلى السجن فاعتقله ليلة ثم أطلقه من الغد، فأقبل إلى المختار وهو يقول:
ألا أخبرْ
(3)
أبا إسحاقَ أنا
…
نزونا نَزْوةً كانت علينا
خَرَجْنا لا نرى الضعفاءَ شيئًا
…
وكان خُرُوجنا بَطَرًا وشَينا
(4)
نراهم في مصافِّهمُ قليلًا
…
وهم مثلُ الرُّبا
(5)
حين التقينا
برزْنا إذْ رَأيْناهُمْ فلما
…
رأينا القومَ قد برزوا إلينا
رأينا
(6)
منهمُ ضربًا وطحنًا
…
وطعنًا صائبًا حتى انثنينا
(7)
نُصِرْتَ على عدوكَ كُلَّ يومٍ
…
بكلِّ كتيبةٍ
(8)
تنعى حُسَيْنا
(9)
كنصر محمدٍ في يومِ بدرٍ
…
ويومَ الشِّعْبِ إذْ لاقى حُنَيْنا
فأَسجح
(10)
إذ ملكتَ فلو ملكنا
(11)
…
لجرنا في الحكومة واعتدينا
تقبل توبةً مني فإني
…
سأشكرُ إذْ جعلتَ النَّقدَ دينا
(12)
وجعل سراقة بن مرداس يحلف أنه رأى الملائكة تقاتل على الخيول البلق بين السماء والأرض، وأنه لم يأسره إلا واحد من أولئك الملائكة، فأمره المختار أن يصعد المنبر فيخبر الناس بذلك. فصعد المنبر فأخبر الناس بذلك، فلما نزل خلابه المختار فقال له: إني قد عرفت أنك لم تر الملائكة، وإنما أردت
(1)
في أ: كل مسح بالجند.
(2)
في الطبري: وخير من لبّى وحيّا وسجد، والأبيات أيضًا في ديوان سراقة بن مرداس (74).
(3)
في الطبري وابن الأثير: ألا أبلغ.
(4)
في الطبري وابن الأثير: وحينا.
(5)
في الطبري: الدُّبي.
(6)
في الطبري: لقينا منهم ضربًا طلحفًا.
(7)
في أ وحدها: حتى انتهينا.
(8)
في ط: كثيبة -بالثاء-.
(9)
في الفتوح لابن الأعثم (2/ 32):
زففت الخيل يا مختار زفًّا
…
بكل كتيبة قتلت حسينا
نصرت على عدوك كل يوم
…
بكل حضارم لم يلق شينا
(10)
في أ وحدها: فانجح؛ وما أثبت موافق للمصادر.
(11)
في الفتوح لابن الأعثم: فصفحًا إذ قدرت فلو قدرنا.
(12)
في أ: العقد، وفي ط: العفو؛ وما أثبت عن ب والطبري وابن الأثير والأبيات في ديوان سراقة (76 - 77).
بقولك هذا أني لا أقتلك، ولست أقتلك، فاذهب حيث شئت لئلا تفسد عليَّ أصحابي، فذهب سراقة إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير وجعل يقول:
ألا أبلغ
(1)
أبا إسحاقَ أني
…
رأيتُ البلقَ دهمًا مصمتاتِ
كفرتُ بوحيكم وجعلتُ نذرًا
…
عليَّ قتالكمْ حتى المماتِ
رأت عيناي
(2)
ما لمْ تبصراهُ
…
كلانا عالمٌ بالتُّرَّهاتِ
إذا قالوا: أقولُ لهم كَذَبْتُمْ
…
وإنْ خرجوا لبسْتُ لهمْ أداتي
قالوا: ثم خطب المختار أصحابه فحرّضهم في خطبته تلك على من قتل الحسين من أهل الكوفة المقيمين بها، فقال: ما من ديننا ترك قومٍ
(3)
قتلوا حسينًا يمشون في الدنيا أحياء آمنين، بئس ناصرو آل محمد إني إذًا كذاب كما سمَّيتموني أنتم، فإني باللَّه أستعين عليهم، فالحمد للَّه الذي جعلني سيفًا أضربهم، ورمحًا أطعنهم، وطالب وترهم، وقائمًا بحقهم، وإنه كان حقًّا على اللَّه أن يقتل من قتلهم، وأن يذل من جهل حقهم، فسِموهم ثم اتبعوهم حتى تقتلوهم، فإنه لا يسيغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم، وأنفي من في المصر منهم. ثم جعل يتتبع من ذكر له منهم وهو بالكوفة -فيأتون بهم حتى يوقفوا بين يديه فيأمر بقتلهم على أنواع من القتلات مما يناسب ما فعلوا-، ومنهم من حَرَّقه بالنار، ومنهم من قطع أطرافه وتركه حتى مات، ومنهم من يُرْمى بالنبال حتى يموت [فأتوه بمالك بن بشر
(4)
فقال له المختار: أنت الذي نزعت برنس الحسين عنه؟ فقال: خرجنا ونحن كارهون فامنن علينا، فقال: اقطعوا يديه ورجليه. ففعلوا به ذلك ثم تركوه يضطرب حتى مات، وقتل عبد اللَّه بن أسيد الجهني وغيره شر قتلة]
(5)
.
مقتل خولي بن يزيد الأصبحي الذي احتزّ رأس الحسين
بعث إليه المختار أبا عمرة صاحب حرسه، فكبس بيته فخرجت إليهم امرأته فسألوها عنه فقالت: لا أدري أين هو، وأشارت بيدها إلى المكان الذي هو مختفٍ فيه، -وكانت تبغضه من ليلة قدم برأس الحسين معه إليها، وكانت تلومه على ذلك- واسمها العَيُوف
(6)
بنت مالك بن نهار بن عَقْرَب الحضرمي، فدخلوا عليه فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرة
(7)
فحملوه إلى المختار فأمر بقتله قريبًا من داره، وأن
(1)
في ط: أخبر.
(2)
في ط: رأيت، وفي الطبري وابن الأثير: أري عينيَّ، والأبيات في ديوان سراقة (78).
(3)
في أ، ط: فقالوا ما ذنبنا نترك أقوامًا. . .؛ ولا يستقيم المعنى، وما أثبت عن ب والطبري (6/ 57).
(4)
في الطبري: مالك بن النُّسير البدّي. وفي ابن الأثير (4/ 240): مالك بن بشير البَدّي.
(5)
ما بين معكوفين زيادة من ط. وهي موافقة للمصادر.
(6)
في ط: العبوق؛ تحريف.
(7)
القوصرة: وعاء التمر. القاموس (قصر).
يحرق بعد ذلك. وبعث المختار إلى حكيم بن فضيل
(1)
السنبسي -وكان قد سلب العباس بن علي بن أبي طالب يوم قتل الحسين- فأخذ فذهب أهله إلى عدي بن حاتم، فركب ليشفع فيه عند المختار، فخشي أولئك الذين أخذوه أن يسبقهم عدي إلى المختار فيشفعه فيه، فقتلوا حكيمًا قبل أن يصل إلى المختار، فدخل عدي فشفع فيه فشفعه فيه، فلما رجعوا وقد قتلوه شتمهم عدي وقام متغضبًا عليهم وقد تقلد منة المختار. وبعث المختار إلى يزيد بن رُقاد
(2)
وكان قد قتل عبد اللَّه بن مسلم بن عقيل، فلما أحاط الطلب بداره خرج فقاتلهم فرموه بالنبل والحجارة حتى سقط، ثم حرقوه وبه رمق الحياة، وطلب المختار سنان بن أنس، الذي كان يدّعي أنه قتل الحسين، فوجدوه قد هرب إلى البصرة أو الجزيرة فهدمت داره، وهكذا صنع بكل من هرب من هؤلاء إلى البصرة، أو الجزيرة فهُدمت داره
(3)
، وكان محمد بن الأشعث بن قيس ممن هرب إلى مصعب فأمر المختار بهدم داره، وأن يبنى بها دار حجر بن عدي التي كان زياد هدمها.
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
قال الواقدي
(4)
: كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه جالسًا ذات يوم إذ جاء غلام له ودمه يسيل على عقبيه، فقال له سعد: من فعل بك هذا؟ فقال: ابنك عمر، فقال سعد: اللهم اقتله وأَسل دمه. وكان سعد مستجاب الدعوة، فلما ظهر المختار على الكوفة استجار عمر بن سعد بعبد اللَّه بن جَعْدة بن هبيرة، وكان صديقًا للمختار من قرابته من علي، فأتى المختار فأخذ منه لعمر بن سعد أمانًا مضمونه أنه آمن على نفسه وأهله وماله ما أطاع ولزم رحله ومصره، ما لم يحدث حدثًا. وأراد المختار ما لم يأت الخلاء فيبول أو يغوط. ولما بلغ عمر بن سعد أن المختار يريد قتله خرج من منزله ليلًا يريد السفر نحو البصرة
(5)
فقال له بعض مواليه ذلك [فقال]: وأي حدث أعظم من هذا؟ وقال له: تخرج من منزلك ورحلك؟ ارجع، فرجع. ولما أصبح بعث ولده حفص إلى المختار يقول له: إنَّ أبي يقول لك هل أنت مقيم على أمانك؟ [وقيل إنه أتى المختار يتعرف منه ذلك فقال له المختار: اجلس، وقيل إنه أرسل عبد اللَّه بن جعدة إلى المختار يقول له: هل أنت مقيم على أمانك له؟]
(6)
فقال له المختار: اجلس، فلما جلس قال المختار لصاحب حرسه: اذهب فأتني برأسه فذهب إليه فقتله وأتاه برأسه.
(1)
في الطبري وابن الأثير: حكيم بن طفيل الطائي السنبسي.
(2)
في ط: يزيد بن ورقاء، وفي الطبري وابن الأثير: زيد بن رُقاد.
(3)
من قوله: وهكذا صنع. . . إلى هنا ساقط من ط.
(4)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 60 - 62) والكامل لابن الأثير (3/ 312) والأخبار الطوال (301) والمنتظم لابن الجوزي (6/ 58).
(5)
في ط: نحو مصعب أو عبيد اللَّه بن زياد، وما أثبت موافق للمصادر.
(6)
ما بين معكوفين زيادة من ط. وهي موافقة للطبري.
وفي رواية أن المختار قال ليلة
(1)
: لأقتلن غدًا رجلًا عظيم القدمين غائر العينين، مشرف الحاجبين يسرُّ بقتله المؤمنون والملائكة المقربون، وكان الهيثم بن الأسود حاضرًا فوقع في نفسه أنه أراد عمر بن سعد فبعث إليه ابنه العُريان
(2)
فأنذره، فقال: كيف يكون هذا بعد ما أعطاني من العهود والمواثيق؟ وكان المختار حين قدم الكوفة أحسن السيرة إلى أهلها أولًا، وكتب لعمر بن سعد كتاب أمان إلا أن يحدث حدثًا.
قال أبو مخنف
(3)
: وكان أبو جعفر الباقر يقول: إنما أراد المختار: إلّا أن يَدْخل الكنيفَ فيُحدثَ فيه.
ثم إن عمر بن سعد قلق أيضًا، ثم جعل يتنقل من محلة إلى محلة ثم صار أمره أنه رجع إلى داره، وقد بلغ المختار انتقاله من موضع إلى موضع، فقال: كلا واللَّه إن في عنقه سلسلة ترده، لو جهد أن ينطلق ما استطاع
(4)
. ثم أصبح فبعث إليه أبا عمرة [فدخل عليه فقال: أجب الأمير، فقام عمر]
(5)
فعثر في جبَّته، فضربه أبو عمرة بالسيف حتى قتله، وجاء برأسه في أسفل قبائه حتى وضعه بين يدي المختار، فقال المختار لابنه حفص -وهو جالس عنده- فقال: أتعرف هذا الرأس؟ فاسترجع وقال: نعم ولا خير في العيش بعده، فقال: صدقت، ثم أمر به فضربت عنقه ووضع رأسه مع رأس أبيه، ثم قال المختار: هذا بالحسين، وهذا بعلي بن الحسين الأكبر، ولا سواء، واللَّه لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وَفَوا أنملةً من أنامله.
وقيل: إن عمر شهد دُومةَ الجندلِ مع أبيه
(6)
.
وقيل: إنه أول من طعن في سرادق الحسين
(7)
.
وقيل: إن علي بن أبي طالب قال له يومًا: يا عمر بن سعد كيف إذا قمت مقامًا تُخَيّر فيه بين الجنة والنار
(8)
.
وقال الواقدي
(9)
: ما بقي أحد ممن شهد قتل الحسين، أو شارك في قتله إلا عوقب في الدنيا بالقتل والبلاء، وفي الآخرة بالعذاب، ومن أعجب الأشياء أن الحسين رضي الله عنه لم يخلِّف ولدًا سوى علي
(1)
تاريخ الطبري (6/ 60).
(2)
في ط: العرثان؛ وما هنا عن أ والطبري.
(3)
تاريخ الطبري (6/ 61).
(4)
مكانها من ط: إن يطير لأدركه دم الحسين، وعبارة (أ) من (ب) موافقة للطبري.
(5)
مكانها في ط: فأراد الفرار منه، وعبارة أ، ب موافقة للطبري.
(6)
تاريخ ابن عساكر (45/ 37) ط دار الفكر، ترجمة عمر بن سعد بن أبي وقاص.
(7)
المصدر نفسه (45/ 54) من طريق ابن سعد.
(8)
المصدر نفسه (45/ 49) مع زيادة: فتختار النار.
(9)
مختصر تاريخ ابن عساكر (7/ 151).
زين العابدين، وهو أبو الأئمة، وقد نشر اللَّه من ذريته عدد الرمل والحصى، منهم سادات وأشراف، وأن يزيد بن معاوية ترك نحو عشرين ولدًا، وليس له اليوم على وجه الأرض نسل واللَّه أعلم
(1)
. ثم بعث المختار برأسيهما إلى محمد بن الحنفية، وكتب إليه كتابًا في ذلك:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم للمهدي
(2)
محمد بن علي: من المختار بن أبي عبيد، سلام عليك أيها المهدي فإني أحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن اللَّه بعثني نقمة على أعدائكم فهم بين قتيل وأسير وطريد وشريد، فالحمد للَّه الذي قتل قاتلكم، ونصر مؤازركم، وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه وقد قتلنا ممن اشترك في دم الحسين وأهل بيته كل من قدرنا عليه، ولن يعجز اللَّه من بقي، ولست بمنحجم
(3)
عنهم حتى لا يبلغني أن على أديم الأرض منهم أرَمِيًّا
(4)
، فاكتب إليّ أيها المهدي برأيك أتبعه وأكون عليه، والسلام عليك أيها المهدي ورحمة اللَّه وبركاته. ولم يذكر ابن جرير أن محمد بن الحنفية رد جوابه، مع أن ابن جرير قد تقصى هذا الفصل وأطال شرحه، ويظهر من غبون كلامه قوة وجده به وغرامه، ولهذا توسع في إيراده بروايات أبي مخنف لوط بن يحيى، وهو متهم فيما يرويه، ولاسيما في باب التشيع، وهذا المقام للشيعة فيه غرام وأي غرام، إذ فيه الأخذ بثأر الحسين وأهله من قتلتهم، والانتقام منهم، ولا شك أنَّ قتل قتلته كان متحتمًا، والمبادرة إليه كان مغنمًا، ولكن إنما قدره اللَّه على يد المختار الكذاب الذي صار بدعواه إتيان الوحي إليه كافرًا، ولكن قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إن اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"
(5)
. وقال تعالى في كتابه الذي هو أفضل ما يكتبه الكاتبون: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] وقال بعض الشعراء:
وما من يد إلا يد اللَّه فوقها
…
ولا ظالم إلا سيبلى بظالم
وسيأتي في ترجمة المختار ما يدل على كذبه وافترائه، وادعائه نصرة أهل البيت، وهو في نفس الأمر متستر بذلك ليجمع عليه رعاعًا من الشيعة الذين بالكوفة، ليقيم لهم دولة ويصول بهم ويجول على مخالفيه صولة.
ثم إن اللَّه تعالى سلط عليه من انتقم به منه، وهذا هو الكتاب الذي قال فيه الرسول في حديث أسماء بنت الصديق:"إنه سيكون في ثقيف كذاب ومبير"
(6)
. فهذا هو الكذاب وهو يظهر التشيع وأما
(1)
من قوله: وقيل: إن عمر شهد. . . إلى هنا ساقط من ط.
(2)
في ط: إلى؛ وما أثبت من أ، م والطبري.
(3)
في الطبري: بمنجم، وفي نسخة منه: بمتنح.
(4)
في ط: إنه لم يبق على وجه الأرض منهم أحد، وعبارة أ موافقة للطبري، وأرميًا: أحدًا.
(5)
قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد في مسنده (2/ 309) والبخاري في صحيحه برقم (6606) في القدر، ومسلم رقم (111).
(6)
الحديث رواه مسلم في صحيحه برقم (2545) في فضائل الصحابة عن أسماء بنت أبي بكر، ورواه البيهقي في الدلائل (6/ 482).
المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد ولي الكوفة من جهة عبد الملك بن مروان كما سيأتي، وكان الحجاج عكس هذا، كان ناصبيًا جلدًا ظالمًا غاشمًا، ولكن لم يكن في طبقة هذا، متهم على دين الإسلام ودعوة النجوة، وأنه يأتيه الوحي من العليّ العلام.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة بعث المختار المثنى بن مُخرِّبة
(1)
العبدي إلى البصرة يدعو إليه من استطاع من أهلها، فدخلها وابتنى بها مسجدًا يجتمع فيه إليه قومه، فجعل يدعو إلى المختار، ثم أتى مدينة الرِّزْق
(2)
فعسكر عندها فبعث إليه الحارث بن عبد اللَّه بن ربيعة القُبَاع -وهو أمير البصرة قبل أن يعزل بمصعب- جيشًا مع عباد بن الحصين أمير الشرطة، وقيس بن الهيثم. فقاتلوه وأخذوا منه المدينة وانهزم أصحابه، وكان قد قام بنصرتهم بنو عبد القيس، فبعث إليهم الجيش فبعثوا إليه فأرسل الأحنف بن قيس وعُمر
(3)
بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا بين الناس، وساعدهما مالك بن مسمع، فانحجز الناس بعضهم عن بعض، ورجع إلى المختار في نفر يسير مغلوبًا مسلوبًا مغلولًا، وأخبر المختار بما وقع من الصلح على يدي الأحنف وغيره من أولئك الأمراء، وطمع المختار فيهم وكاتبهم في أن يدخلوا معه فيما هو فيه من الأمر والشأن، وكان كتابه إلى الأحنف بن قيس: من المختار إلى الأحنف بن قيس ومَنْ قِبَلَهُ فسِلم
(4)
أنتم. أما بعد فويل لبني ربيعة من مضر، وأن الأحنف يورد قومه سقر، حيث لا يستطيع لهم الصدر
(5)
، وإني لا أملك لكم ما قد خط في القدر، وقد بلغني أنكم تسمونني كذابًا، وقد كُذِّب الأنبياء من قبلي ولست بخير منهم.
وقال ابن جرير
(6)
: حدَّثني أبو السائب سَلْم بن جُنادة، حدثنا الحسن بن حمَّاد، عن حمَّاد
(7)
بن علي، عن مجالد، عن الشَّعبي. قال: دخلت البصرة فقعدت إلى حلقة فيها الأحنف بن قيس، فقال بعض القوم: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة، فقال: أنتم موالٍ لنا، قلت: وكيف؟ قال: أنقذناكم من أيدي عبيدكم من أصحاب المختار، قلت: أتدري ما قال شيخ من همدان فينا وفيكم؟ فقال الأحنف: وما قال؟ قلت: قال:
أَفْخَرْتُم أنْ قتلتمْ أعبُدًا
…
وهزمتم مَرَّةً آلَ عدَلْ
(8)
(1)
في أ، ط: المثنى بن مخرمة، وما أثبت من ب والطبري (6/ 66) وابن الأثير (3/ 315) وقد ضبطها ابن الأثير بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء وكسرها، ثم باء مفتوحة.
(2)
قال ياقوت: الرِزق بكسر الراء، وسكون الزاي، كذا ذكره ابن الفرات في تاريخ البصرة للسَّاجي، وقال: مدينة الرِّزق إحدى مسالح العجم بالبصرة قبل أن يخطها المسلمون. معجم البلدان (3/ 47 - 48) وقد تحرفت في ط إلى الورق.
(3)
في ط: "عمرو"، وما أثبتناه من م والطبري وابن الأثير، وسيأتي أيضًا.
(4)
في ط: "من الأمراء أفسلم"، وما أثبتناه من م والطبري.
(5)
في ط: "صدر"، وما أثبتناه من م والطبري.
(6)
تاريخ الطبري (6/ 69).
(7)
في الطبري: حيان.
(8)
في الطبري: آل عزل.
فإذا فاخَرتُمُونا فاذكروا
…
ما فعلْنا بكمُ يومَ الجمَل
بينَ شيخٍ خاضبٍ عُثْنونَهُ
…
وفتى أبيضَ وضّاح رفلْ
(1)
جاءَ يُهْدجُ في سابغةٍ
…
فذبحناهُ ضحًى ذبحَ الحمَلْ
وعفونا فنسيتمْ عفونا
…
وكفرتمْ نِعمَةَ اللَّهِ الأجَلّ
وقَتَلتمْ بحسينٍ منهم
(2)
…
بدلًا من قومكمْ شرَّ بدَلْ
قال: فغضب الأحنف وقال: يا غلام هات الصحيفة، فأُتي بصحيفة فيها: بسم اللَّه الرحمن الرحيم من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس، أما بعد فويلُ أم ربيعة من مضر فإن الأحنف يورد قومه سقر حيث لا يقدرون على الصَّدر، وقد بلغني أنَّكم تُكذبوني، فإن كُذِّبتُ فقد كُذِّبت رسل من قبلي، ولست خيرًا منهم، ثم قال الأحنف: هذا منَّا أو منكم.
فصل
(3)
ولما علم المختار أن ابن الزبير لا ينام عنه، وأن جيش الشام من قبل عبد الملك مع ابن زياد يقصدونه في جمع كثير لا يرام، شرع يصانع ابن الزبير يريد خداعه والمكر به، فكتب إليه: إني كنت بايعتك على السمع والطاعة والنصح لك، فلما رأيتك قد أعرضت عني تباعدت عنك، فإن كنت على ما أعهد منك فأنا على السمع والطاعة لك. والمختار يخفي هذا كل الإخفاء عن الشيعة، فإذا ذكر له أحد شيئًا من ذلك أظهر لهم أنه أبعد الناس من ذلك، فلما وصل كتابه إلى ابن الزبير أراد أن يعلم أصادق أم كاذب، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، فقال له: تجهز إلى الكوفة فقد ولَّيتكها، فقال: وكيف وبها المختار؟ فقال: يزعم أنه سامع لنا مطيع، وأعطاه قريبًا من أربعين ألفًا يتجهز بها فسار فلما كان ببعض الطريق لقيه زائدة بن قدامة من جهة المختار في خمسمئة فارس ملبسة، ومعه سبعون ألفًا من المال، وقد تقدم إليه المختار فقال: أعطه المال فإن هو انصرف وإلّا فأره الرجال فقاتله حتى ينصرف، فلما رأى عمر بن عبد الرحمن الجدَّ قبض المال وسار إلى البصرة فاجتمع هو وابن مطيع بها عند أميرها الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، وذلك قبل وثوب المثنى بن مُخرِّبة كما تقدم، وقبل وصول مصعب بن الزبير إليها.
وبعث عبد الملك بن مروان ابن عمه عبد الملك بن الحارث بن الحكم في جيش إلى وادي القرى ليأخذوا المدينة من نواب ابن الزبير، وكتب المختار إلى ابن الزبير إن أحببت أن أمدك بمدد، وإنما يريد خديعته ومكايدته، فكتب إليه ابن الزبير: إن كنت على طاعتي فلست أكره ذلك، فابعث بجند إلى وادي
(1)
في ط: وفتى البيضاء وضاحًا دقل؛ وما أثبت موافق للطبري.
(2)
في الطبري: وقتلتم خشبيين بهم.
(3)
خبر مكر المختار بابن الزبير في الطبري (6/ 71) وابن الأثير (3/ 315).
القرى ليكونوا مددًا لنا على قتال الشاميين. فجهز المختار ثلاثة آلاف عليهم شُرَحْبيل بن وَرْس الهمداني، ليس فيهم من العرب إلا سبعمئة، وقال له: سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلتها فاكتب إليّ حتى يأتيك أمري، وإنما يريد أخذ المدينة من ابن الزبير، ثم يركب بعد ذلك إلى مكة ليحاصر ابن الزبير بها، وخشي ابن الزبير أن يكون المختار بعث ذلك الجيش مكرًا، فبعث العباس بن سهل بن سعد الساعدي في ألفين، وأمره أن يستعين بالأعراب وقال له: إن رأيتموهم في طاعتي وإلا فكايدهم حتى تهلكهم. فأقبل العباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم، وقد بقي ابن ورس في جيشه، فاجتمعا على ماء هنالك، فقال له العباس: ألستم في طاعة ابن الزبير؟ فقال: بلى، قال: فإنه قد أمرني أن نذهب إلى وادي القرى فنقاتل من به من الشاميين. فقال له ابن ورس: إني لم أومر بطاعتك، وإنما أمرني أن أدخل المدينة ثم أكتب إلى صاحبي فإنه يأمرني بأمره، ففهم عباس مغزاه ولم يظهر له أنه فطن لذلك، فقال له: رأيك أفضل، فاعمل ما بدا لك. ثم نهض العباس من عنده وبعث إليهم الجزر والغنم والدقيق، وقد كان عندهم حاجة لتمديدة إلى ذلك، وجوع كثير، فجعلوا يذبحون ويطبخون ويختبزون ويأكلون على ذلك الماء، فلما كان الليل بيَّتهم عباس بن سهل فقتل أميرهم وطائفة منهم نحوًا من سبعين، وأسر منهم خلقًا كثيرًا، فقتل أكثرهم، ورجع القليل منهم [إلى المختار] وإلى بلادهم خائبين.
قال أبو مخنف: فحدَّثني أبو يوسف أن عباس بن سهل انتهى إليهم وهو يقول:
أنا ابنُ سهل فارسٌ غيرُ وَكَلْ
…
أروَعُ مِقْدامٌ إذا الكبشُ نَكَل
وأَعْتلي رأسَ الطِّرِمَّاح البطلْ
…
بالسّيفِ يومَ الرَّوعِ حتى ينجدل
(1)
فلما بلغ خبرهم المختار قام في أصحابه خطيبًا فقال: إن الفجار الأشرار قتلوا الأبرار الأخيار، ألا إنه كان أمرًا مأتيًّا، وقضاء مقضيًا. ثم كتب إلى محمد بن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثعمي: كتابًا يذكر فيه أنه بعث إلى المدينة جيشًا لنصرته فغدر بهم جيش ابن الزبير، فإن رأيت أن أبعث جيشًا آخر إلى المدينة وتبعث من قبلك رسلًا إليهم فافعل، فكتب إليه ابن الحنفية: أما بعد فإن أحب الأمور كلها إليّ ما أطيع اللَّه فيه، فأطع اللَّه فيما أعلنت وأسررت، واعلم أني لو أردت القتال لوجدت الناس إليّ سراعًا، والأعوان لي كثرة، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم اللَّه لي وهو خير الحاكمين.
وقال لصالح بن مسعود: قل للمختار فليتق اللَّه وليكفَّ عن الدماء. فلما انتهى إليه كتاب محمد بن الحنفية قال: إني قد أمرت بجمع البر واليسر، وبطرح الكفر والغدر
(2)
.
وذكر ابن جرير
(3)
من طريق المدائني وأبي مخنف: أن ابن الزبير عمد إلى ابن الحنفية وسبعة عشر
(1)
في الطبري: ينخزل.
(2)
عبارة الطبري: أني قد أمرت بأمر يجمع البرّ واليسير ويطرح الكفر والغدر.
(3)
تاريخ الطبري (6/ 75 - 76) والخبر أيضًا في ابن الأثير (4/ 249) والفتوح لابن الأعثم (2/ 302).
رجلًا من أشراف أهل الكوفة فحبسهم حتى يبايعوه، فكرهوا أن يبايعوا إلا من اجتمعت عليه الأمة، فتهددهم وتوعدهم واعتقلهم بزمزم، فكتبوا إلى المختار بن أبي عبيد يستصرخونه ويستنصرونه، ويقولون له: إن ابن الزبير قد توعدنا بالقتل والحريق، فلا تخذلونا كما خذلتم الحسين وأهل بيته، فجمع المختار الشيعة وقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا مهديكم
(1)
وصريخ أهل البيت قد أصبحوا محصورين ينتظرون القتل والحريق وقال: لست أبا إسحاق إن لم أنصركم نصرًا مؤزرًا، وإن لم أرسل إليهم الخيل كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهليَّة الويل، ثم وجَّه أبا عبد اللَّه الجَدَليّ في سبعين راكبًا من أهل القوة، وظَبيان بن عمر
(2)
التيمي في أربعمئة، وأبا المعتمر في مئة، وهانئ بن قيس في مئة، وعمير بن طارق في أربعين [وفارس بن عمران في أربعين]
(3)
، وكتب إلى محمد بن الحنفية مع الطفيل بن عامر بتوجيه الجنود إليه، فنزل أبو عبد اللَّه الجَدَليّ بذات عرق حتى تلاحق به نحو من مئة وخمسين فارسًا، ثم سار بهم حتى دخل المسجد الحرام نهارًا جهارًا وهم يقولون: يا ثارات الحسين، وقد أعد ابن الزبير الحطب لابن الحنفية وأصحابه ليحرقهم به إن لم يبايعوه، وقد بقي من الأجل يومان، فعمدوا -يعني أصحاب المختار- إلى محمد بن الحنفية فأطلقوه من سجنه وقالوا: إن أذنت لنا قاتلنا ابن الزبير، فقال: إني لا أرى القتال في المسجد الحرام، فقال لهم ابن الزبير: ليس نبرح وتبرحون حتى يبايع وتبايعوا معه، فامتنعوا عليه ثم لحقهم بقية أصحابهم فجعلوا يقولون وهم داخلون الحرم: يا ثارات الحسين، فلما رأى ابن الزبير ذلك منهم خافهم وكف عنهم، ثم أخذوا محمد بن الحنفية وأخذوا من الحجيج مالًا كثيرًا فسار بهم حتى دخل شعب علي، واجتمع معه أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ذلك المال. هكذا أورده ابن جرير، وفي صحتها نظر واللَّه أعلم.
قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير وكان نائبه بالمدينة أخاه مصعب ونائبه على البصرة الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة وعبد الملك بن مروان على الشام، وأخوه محمد بن مروان على الجزيرة وأرمينية، وأخوه عبد العزيز على مصر
(4)
وقد استحوذ المختار على الكوفة، وعبد اللَّه بن خازم على بلاد خراسان، وذكر حروبًا جرت فيها لعبد اللَّه بن خازم يطول ذكرها.
فصل
قال ابن جرير
(5)
وفي هذه السنة شخص إبراهيم بن الأشتر إلى عبيد اللَّه بن زياد، وذلك لثمان بقين
(1)
في أ: هذا كتاب الهدى.
(2)
في الطبري وابن الأثير: وظبيان بن عمارة أخا بني تميم.
(3)
ما بين معكوفين ساقط من ط، وفي الطبري: يونس بن عمران.
(4)
من قوله: وعبد الملك بن. . . إلى هنا ساقط من ط.
(5)
تاريخ الطبري (6/ 81).
من ذي الحجة. وقال أبو مخنف عن مشايخه: ما هو إلا أن فرغ المختار من جَبَّانة السّبيع وأهل الكناسة، فما ترك ابن الأشتر إلا يومين حتى أشخصه إلى الوجه الذي كان وجَّهَهُ فيه لقتال أهل الشام، فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة ست وستين، وخرج معه المختار يودعه في وجوه أصحابه، وخرج معه خاصة المختار، ومعه كرسي المختار على بغل أشهب ليستنصروا به على الأعداء، وهم حافّون به يدعون [ويستصرخون] ويستنصرون ويتضرعون، فرجع المختار بعد أن وصاه بثلاث قال: يابن الأشتر اتق اللَّه في سرِّك وعلانيتك، وأسرع السير، وعاجل عدوك بالقتال. واستمر أصحاب الكرسي سائرين مع ابن الأشتر، فجعل ابن الأشتر يقول: اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، سنة بني إسرائيل، والذي نفسي بيده إذ عكفوا على عِجلهم، فلما جاوز القنطرة هو وأصحابه رجع أصحاب الكرسي.
قال ابن جرير
(1)
: وكان سبب هذا الكرسي ما حدَّثني به عبد اللَّه بن أحمد بن شبَّويه
(2)
حدَّثني أبي، حدّثنا سليمان، حدّثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، حدَّثني معبد بن خالد، حدَّثني طُفيل بن جَعْدَة بن هُبيرة قال: أُعدمت مرة من الورق، فإني كذلك إذ مررت بباب رجل هو جار لي له كرسي قد ركبه وسخ شديد، فخطر في بالي أن لو قلت في هذا
(3)
، فرجعت فأرسلت إليه أن أرسل إليّ بالكرسي، فأرسل به، فأتيت المختار فقلت له: إني كنت أكتمك شيئًا وقد بدا لي أن أذكره إليك، قال: وما هو؟ قلمت: كرسي كان جعدة بن هبيرة يجلس عليه كأنه كان يرى أن فيه أثرة من علم. قال: سبحان اللَّه!! فأخَّرت هذا إلى اليوم؟ ابعث إليه
(4)
، قال فجئت به وقد غسل فخرج عودًا ناضرًا وقد شرب الزيت، فأمر لي باثني عشر ألفًا، ثم نودي في الناس: الصلاة جامعة، قال: فخطب المختار الناس فقال: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه قد كان في بني إسرائيل التابوت، وإن هذا مثله، ثم أمر فكشف عنه أثوابه وقامت السبئية فرفعوا أيديهم وكبروا ثلاثًا، فقام شبَثُ بن ربعي فأنكر على الناس وكاد أن يكفر من يصنع بهذا التابوت هذا التعظيم. وأشار بأن يكسر ويخرج من المسجد [ويرمي في الخنس] فشكرها الناس لشَبَث بن ربعي، فلما قيل: هذا عبيد اللَّه بن زياد قد أقبل، وبعث المختار إبراهيم بن الأشتر، بعث معه بالكرسي يحمل على بغل أشهب قد غشي بأثواب [الحرير] عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، فلما تواجهوا مع الشاميين كما سيأتي وغلبوا الشاميين وقتلوا ابن زياد، ازداد تعظيمهم لهذا الكرسي حتى بلغوا به الكفر، قال الطفيل بن جَعْدَة فقلت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، وندمت على ما صنعت، وتكلّم الناس في هذا الكرسي وكَثُر عيب الناس له، فغيِّب حتى لا يُرى بعد ذلك.
(1)
تاريخ الطبري (6/ 82).
(2)
في ط: شيبوية؛ تحريف.
(3)
في الطبري: لو قلت للمختار في هذا.
(4)
في ط: فلِمَ أخرت هذا إلى اليوم؟ ابعثه إليّ. وعبارة أ موافقة للطبري.
وذكر ابن الكلبي
(1)
أن المختار طلب من آل جعدة بن هبيرة الكرسي الذي كان علي يجلس عليه فقالوا: ما عندنا شيء مما يقول الأمير، فألح عليهم حتى علموا أنهم لو جاؤوا بأي كرسي كان، لقَبِله منهم، فحملوا إليه كرسيًا من بعض الدور فقالوا: هذا هو. فخرجت شبام وشاكر وسائر رؤوس أصحاب المختار
(2)
وقد عصبوه بالحرير والدّيباج.
وحكى أبو مخنف: أن أول من سَدَن هذا الكرسي موسى بن أبي موسى الأشعري، ثم إن الناس عتبوا عليه في ذلك، فدفعه إلى حَوشب البُرسُمي، وكان صاحبه، حتى هلك المختار قبَّحه اللَّه.
ويروى أن المختار كان يُظهر أنه لا يعلم بما يعظم أصحابه هذا الكرسي، وقد قال في هذا الكرسي أعشى همدان:[من الطويل]
شهدتُ عليكمْ أنكمْ سبئيةٌ
…
وأني بكم يا شُرْطةَ الشِّرْكِ عارفُ
وأقسِمُ ما كُرْسِيُّكمْ بسكينةٍ
…
وإنْ كانَ قد لُفَّتْ عليه اللّفائفُ
وأنْ ليس كالتابوتِ فينا وإنْ سَعَتْ
…
شِبَامٌ حوالَيهِ ونَهْدٌ وخارفُ
وإني امرؤٌ أحببتُ آلَ محمدٍ
…
وتابعتُ وحيًا ضُمِّنتهُ المصاحفُ
وتابعتُ عبد اللَّه لمّا تتابعتْ
…
عليه قريشٌ شمطها والغطارفُ
(3)
وقال المتوكل اللَّيثي:
أبلغْ أبا إسحاقَ إن جئته
(4)
…
أني بكرسيِّكم كافِرُ
تنزوا شِبَامٌ حولَ أعوادِهِ
…
وتحمل الوحيَ لهُ شاكرُ
محمرَّةً أعينهم حولَهُ
…
كأنهنّ الحِمَّصُ الحادرُ
(5)
قلت: هذا وأمثاله مما يدل على ضعف
(6)
المختار وأتباعه، وقلة علمه وكثرة جهله، ورداءة فهمه، وترويجه الباطل على أتباعه وتشبيهه الباطل بالحق ليضل به الطغام، ويجمع عليه جهلة الرعاع
(7)
والعوام.
(1)
نسب معد واليمن الكبير (2/ 195 - 196) ت: محمد فردوس العظم.
(2)
في ط: رؤوس المختارية، وما أثبت عن (أ) والطبري والزيادة منه ليستقيم المعنى.
(3)
الأبيات في تاريخ الطبري (6/ 83 - 84) وابن الأثير (3/ 325) والبيت الأول في أنساب الأشراف (5/ 242).
أبلغ شبامًا وأبا هانئٍ
…
أني بِكُرْسِيِّهم كافر
ولم يذكر غيره.
(4)
في أ: آل جفنة، وما هنا موافق للطبري.
(5)
في أ: كأنهن الحيض الحازر، وما هنا موافق للطبري وابن الأثير.
(6)
في ط: قلة عقل.
(7)
في ط: جهال.
قال الواقدي
(1)
: وفي هذه السنة وقع بمصر طاعون هلك فيه خلق كثير من أهلها، وفيها ضرب الدنانير عبد العزيز بن مروان بمصر، وهو أول من ضربها [بها]
(2)
.
قال صاحب مرآة الزمان
(3)
: إن في هذه السنة ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبة على صخرة بيت المقدس وعمارة الجامع الأقصى، وكملت عمارته في سنة ثلاث وسبعين، وكان السبب في ذلك أن عبد اللَّه بن الزبير كان قد استولى على مكة، وكان يخطب في أيام منى وعرفة، ومقام الناس بمكة، وينال من عبد الملك ويذكر مساوئ بني مروان، ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الحكم وما نسل
(4)
، وأنه طريد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولعينه، وكان يدعو إلى نفسه، وكان فصيحًا، فمال معظم أهل الشام إليه، وبلغ ذلك عبد الملك فمنع الناس من الحج فضجوا، فبنى القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليشغلهم بذلك عن الحج [ويستعطف قلوبهم] وكانوا يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة. وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم [ففتح بذلك على نفسه بأن شنع ابن الزبير عليه] وكان يشنع عليه بمكة ويقول: ضاهى بها فعل [الأكاسرة في] إيوان كسرى، والخضراء، كما فعل معاوية، ونقل الطواف من بيت اللَّه إلى قبلة بني إسرائيل ونحو ذلك
(5)
. ولما أراد عبد الملك بناءها سار من دمشق إلى بيت المقدس ومعه الأموال والعمال، ووكل بالعمل رجاء بن حيوة
(6)
ويزيد بن سلام مولاة
(7)
، وجمع الصناع والمهندسين وأمرهم فصوروا له القبة في صحن المسجد، فأعجبه، وبنى للمال بيتًا في شرقي القبة وشحنه بالمال
(8)
، وأمر رجاء بن حيوة ويزيد أن يفرغا المال إفراغًا ولا يتوقفا في شيء. فبنوا القبة التي هي اليوم قائمة، وبنوا من ناحية القبلة سبع محاريب عليها سبع قباب
(9)
والقبة التي باقية اليوم على المحراب هي أوسطها ولما تم بناء القبة عمل لها جلالين، أحدهما من لبُّود
(10)
أحمر للشتاء، والآخر
(1)
تاريخ خليفة (263) وتاريخ الإسلام للذهبي (5/ 53) طبعة دار الكتاب العربي.
(2)
في تاريخ الإسلام: وهو أول من ضربها في الإسلام.
(3)
هو يوسف بن قُزْغُلي بن عبد اللَّه، أبو المظفر، شمس الدين سبط أبي الفرج بن الجوزي [581 - 654] مؤرخ، من الكتاب الوعاظ، ولد ونشأ ببغداد ثم انتقل إلى دمشق فاستوطنها وتوفي فيها. من كتبه:"مرآة الزمان في تاريخ الأعيان" ولم أجد ما نقل في المطبوع منه.
(4)
يشير المصنف إلى حديث: "إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلًا اتخذوا آيات اللَّه بينهم دولًا، وعباد اللَّه خولًا، وكتابه دغلًا، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمئة كان هلاكهم أسرع من الثمرة" رواه الطبراني (12982) وغيره، وهو حديث حسن، ورواه من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي ذر الغفاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وانظر حديث أبي هريرة في مسند أبي يعلى رقم (6523) فهو به حسن.
(5)
من قوله: ونقل الطواف. . إلى هنا ساقط من ط.
(6)
في الأنس الجليل: وكان من العلماء الأعلام ومن جلساء عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
(7)
في الأنس الجليل: وهو من أهل بيت المقدس.
(8)
في الأنس الجليل (2/ 272): وأرصد للعمارة مالًا كثيرًا يقال: إن خراج مصر سبع سنين، ووضعه بالقبة الكائنة أمام الصخرة من جهة الشرق بعد أن أمر ببنائها، وهي من جهة الزيتون وجعلها حاصلا وشحنها بالأموال.
(9)
مكانها في ط: وفرشاها بالرخام الملون.
(10)
تحرفت في ط إلى: اليود. واللبود: صوف متداخل ولازق بعضه ببعض. القاموس (لبد).
من أدم للصيف وحف الصخرة بدرابزين من الساج المطعم باليشم، وخلف الدرابزين ستور من الديباج، مرخاة بين العمد، وكانت السدنة كل خميس وإثنين يذوِّبون المسك والعنبر والماورد والزعفران، ويعملون فيه غالية، ويبخِّرونها من الليل ثم يدخل الخدم الحمام من الليل فيغتسلون، ويتطيبون ويلبسون ثياب الوشي ويشدون أوساطهم بالمناطق المحلّاة بالذهب ويخلقون الصخرة، ثم يضعون البخور في مجامر الذهب والفضة، وفيها العمود القماري المغلي بالمسك، ويرخوا السدنة الستور فتخرج تلك الرائحة فتملأ المدينة كلها ثم ينادي منادٍ ألا إن الصخرة قد فتحت، فمن أراد الزيارة فليأت فيقبل الناس مبادرين فيصلون ويخرجون، فمن وجدت منه رائحة البخور قال الناس هذا كان اليوم في الصخرة، وأبواب الصخرة أربعة، على كل باب عشرة من الحجبة. الباب الشمالي: يسمى باب الجنة، والشرقي باب إسرافيل، والغربي باب جبريل، والقبلي باب الأقصى، وكانوا يشعلونها بدهن البان، ولا يدخلها أحد غير أيام الزيارة سوى الخدم، وكان للحرم عشرون بابًا، وكان فيه ألف عمود من الرخام، وفي السقوف ستون ألف خشبة، من الساج المنقوش، ومن القناديل خمسة آلاف قنديل، وكان فيه أربعمئة سلسلة، كل سلسلة ألف رطل شامي، طول السلاسل ثلاثون ألف ذراع، وكان يوقد في الصخرة كل ليلة مئة شمعة، وكذا في الأقصى، وكان يوقد في القناديل كل ليلة من الزيت المغسول قنطار، وكان في الحرم خمسون قبة، ومن ألواح الرصاص سبعون ألف لوح، وكان في الحرم ثلاثمئة خادم ابتاعوا من بيت المال من الخمس، كلما مات واحد قام ولده بعده مقامه، ويقبضون أرزاقهم من بيت المال شهرًا بشهر وكان في الحرم مئة صهريج، وكانت صفائح القبة وسقف الأقصى من صفائح الذهب عوض الرصاص وكذلك أبواب القبة وصفائحها، وذلك أنه لما كمل البناء فضل من المال ثلاثمئة ألف دينار وقيل ستمئة ألف، وكتب رجاء بن حيوه ويزيد إلى عبد الملك بوفاته بذلك. فكتب إليهما: قد وهبته منكما، فكتبا إليه: إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حلي نسائنا، فكتب إليهما إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على القبة والأبواب، فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب القديم والحديث. فلما كان في خلافة أبي جعفر المنصور قدم القدس سنة أربعين ومئة، الأقصى وقبابه، فشكوا إليه الخراب، فأمر أن يقلع ذلك الذهب والصفائح التي على القبة والأبواب، وأن يعمروا بها ما تشعث في المسجد، ففعلوا ذلك. وكان المسجد طويلًا فأمر أن يؤخذ من طوله ويزاد في عرضه، ولما كمل البناء كتبوا على القبة مما يلي الباب القبلي من جهة الأقصى بالنص بعد البسملة: بنى هذه القبة عبد اللَّه أمير المؤمنين عبد الملك سنة أثنتين وسبعين
(1)
من الهجرة النبوية، وكان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة وخمسة وستون ذراعًا، وعرضه أربعمائة وستون ذراعًا، وكان فتوح القدس سنة ست عشرة واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
(1)
في ط: وستين.
ثم دخلت سنة سبع وستين
ففيها
(1)
كان مقتل عبيد اللَّه بن زياد على يدي إبراهيم بن الأشتر النخعي، وذلك أن إبراهيم بن الأشتر خرج من الكوفة يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة في السنة الماضية، واستهلت هذه السنة وهو سائر لقصد ابن زياد في أرض الموصل، فكان اجتماعهما بمكان يقال له الخازر
(2)
، بينه وبين الموصل خمسة فراسخ، وكان ابن الأشتر في ثمانية آلاف، وابن زياد في أربعين ألفًا من أهل الشام، وكان ابن الأشتر لا يسير إلا على تعبئة، فلما قاربوا أرسل عمير بن الحباب السُّلمي: إني معك. وأتى إلى ابن الأشتر ليلًا فبايعه وأخبره أنه على ميسرة ابن زياد، ووعده أن ينهزم بالناس وقال له: لا تطاول القوم فإنهم أضعافكم ولكن ناجزهم فإنهم قد ملئوا منكم رعبًا. فقال ابن الأشتر: الآن علمت أنك ناصح ثم انصرف
(3)
فبات ابن الأشتر تلك الليلة ساهرًا لا يغمض لنوم، فلما كان قريب الصبح نهض فعبَّأ جيشه وكَتَّب كتائبه
(4)
، وصلى بأصحابه الفجر في أول وقت، ثم ركب فناهض جيش ابن زياد، وزحف بجيشه رويدًا وهو ماش في الرجَّالة حتى أشرف من فوق تلٍّ على جيش ابن زياد، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد، فلما رأوهم نهضوا إلى خيلهم وسلاحهم مدهوشين، فركب ابن الأشتر فرسه وجعل يقف على رايات القبائل فيحرِّضهم على قتال ابن زياد ويقول: هذا قاتل ابن بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قد جاءكم اللَّه به وأمكنكم اللَّه منه اليوم، فعليكم به فإنه قد فعل في بيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما لم يفعله فرعون في بني إسرائيل، هذا ابن زياد قاتل الحسين الذي حال بينه وبين ماء الفرات أن يشرب منه هو وأولاده ونساؤه، ومنعه أن ينصرف إلى بلده، ومنعه أن يأتي يزيد بن معاوية حتى قتله (فواللَّه ما عمل فرعون فعاله وقد جاءكم اللَّه به، وإني لأرجو أن يشفي اللَّه صدوركم ويسفك دمه على يديكم)
(5)
ثم نزل تحت رايته، وأقبل ابن زياد [في خيله ورجله] في جيش كثيف قد جعل على ميمنته حصين بن نمير، وعلى الميسرة عمير بن الحباب السُّلمي -وكان قد اجتمع بابن
(1)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 86) والكامل لابن الأثير (4/ 262) وتاريخ الإسلام (5/ 55) والمنتظم لابن الجوزي (6/ 63).
(2)
في أ: الجادر؛ تحريف. قال ياقوت: خازِر: بعد الألف زاي مكسورة -كذا رواه الأزهري وغيره- ثم راء، هو نهر بين إربل والموصل ثم بين الزاب الأعلى والموصل. .
وهو موضع كانت عنده وقعة بين عبيد اللَّه بن زياد وإبراهيم بن مالك بن الأشتر النخعي أيام المختار. . وذلك في سنة 66 للهجرة، معجم البلدان (2/ 386).
(3)
من قوله: وكان ابن الأشتر. . إلى هنا ساقط من (أ) وموافق لمصادر المؤلف.
(4)
أي عبأ الكتائب في مواضعها. هامش أ.
(5)
بدل العبارة في ط: ويحكم اشفوا صدوركم منه، وارووا رماحكم وسيوفكم من دمه، هذا الذي فعل في آل نبيكم ما فعل قد جاءكم اللَّه به. ثم أكثر من هذا القول وأمثاله، وعبارة أ، ب أقرب إلى المصادر.
الأشتر ووعده أنه معه وأنه سيهزم بالناس غدًا- وعلى خيل ابن زياد شُرَحبيل بن ذي
(1)
الكلاع، وابن زياد في الرجال يمشي معهم. فما كان إلا أن تواقف الفريقان حتى حمل حصين بن نمير بالميمنة على ميسرة أهل الكوفة فهزمها، وقتل أميرها علي بن مالك الجُشمي فأخذ رايته من بعده ولده محمد
(2)
بن علي فقتل أيضًا، وانشمرت
(3)
الميسرة ذاهبة فجعل الأشتر يناديهم إليّ يا شرطة اللَّه، أنا ابن الأشتر، وقد كشف عن رأسه ليعرفوه، فالتاثوا به واجتمعوا إليه، ثم حملت ميمنة أهل الكوفة على ميسرة الشام فثبتوا لهم وقيل بل انهزمت الميسرة وانحازت إلى ابن الأشتر، ثم حمل ابن الأشتر بمن معه وجعل يقول لصاحب رايته: ادخل برايتك فيهم، وقاتل ابن الأشتر يومئذ قتالًا عظيمًا، وكان لا يضرب بسيفه رجلًا إلا صرعه، وكثرت القتلى بينهم.
[وقيل إن ميسرة أهل الشام] ثبتوا وقاتلوا قتالًا شديدًا [بالرماح ثم بالسيوف] ثم أردف الحملة ابن الأشتر فانهزم جيش الشام بين يديه، وهو يقتلهم كما يقتل الحملان، واتبعهم بنفسه ومن معه من الشجعان، وثبت عبيد اللَّه بن زياد في موقفه حتى اجتاز به ابن الأشتر فقتله وهو لا يعرفه، لكن قال لأصحابه: التمسوا في القتلى رجلًا ضربته بالسيف فنفحتني منه ريح المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، وهو واقف عند راية منفردة على شاطئ نهر خازر، فالتمسوه فإذا هو عبيد اللَّه بن زياد، وإذا هو قد ضربه ابن الأشتر فقطعه نصفين
(4)
، فاحتزوا رأسه وبعثوه إلى المختار إلى الكوفة مع البشارة بالنصر والظفر بأهل الشام ومعه رأس حصين بن نمير ورأس شرحبيل بن ذي الكَلاع فأرسلها المختار إلى ابن الزبير فنصبت بمكة، واتبع الكوفيون أهل الشام فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم أكثر ممن قتل، واحتازوا ما كان في معسكرهم [من الأموال والخيول].
وقد كان المختار بشَّر أصحابه بالنصر قبل أن يجيء الخبر، فما ندري أكان ذلك تفاؤلًا منه أو اتفاقًا أو كهانة. وأما على ما كان يزعم أصحابه أنه أوحي إليه بذلك فلا، فإن من اعتقد ذلك كفر ومن أقرهم على ذلك كفر، لكن قال: إن الوقعة كانت بنصيبين فأخطأ إنما كانت بأرض الموصل، وهذا مما انتقده عامر الشَّعبي على أصحاب المختار حين جاءه الخبر، وقد خرج [المختار] من الكوفة ليتلقى البشارة، فمر بالفدائن فصعد منبرها فبينما هو يخطب إذ جاءته البشارة وهو هنالك. قال الشَّعبي: فقال لي بعض أصحابه: أما سمعته بالأمس يخبرنا بهذا؟ فقلت له أما سمعته يقول أنهم قتلوا الشاميين
(5)
بنصيبين من
(1)
سقطت من ط. وتنظر ترجمة شرحبيل في تاريخ دمشق (22/ 453).
(2)
في الطبري وابن الأثير: ثم أخذ رايته قرّة بن علي.
(3)
في ط: واستمرت.
(4)
ساق ابن جرير خبرًا مسندًا يذكر فيه أن الذي قتل ابن زياد شريك بن جدير التغلبي، وقال ابن الأثير: وقيل إن الذي قتل ابن زياد شريك بن جدير، وهو القائل:
كل عيش قد أراه باطلًا
…
غير ركز الرمح في ظل الفرس
(5)
بدلها في ط: زعم أن الوقعة كانت. .
أرض الجزيرة، وإنما قال البشير: إنهم كانوا بالخازِر من أرض الموصل، فقال: واللَّه لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم. ثم رجع المختار إلى الكوفة.
وفي غيبته هذه تمكن جماعة ممن كان قاتله يوم جبَّانة السَّبيع والكناسة من الخروج ليجتمعوا بمصعب بن الزبير وكان منهم شَبَث بن ربعي، وأما ابن الأشتر فإنه بعث بالبشارة ورأس عبيد اللَّه بن زياد وبعث رجلًا على نيابة نصيبين واستمر مقيمًا في تلك البلاد، وبعث إلى الموصل عمالًا وأخذ سنجار ودارا وما ولاها من الجزيرة.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان مقتل عبيد اللَّه بن زياد يوم عاشوراء سنة ست وستين، والصواب سنة سبع وستين. وقد قال سُراقة بن مِرْداس البارقي يمدح ابن الأشتر على قتله ابن زياد:
أتاكمْ غُلامٌ منْ عَرَانين مذْحِجٍ
…
جريءٌ على الأعداءَ غيرُ نَكُولِ
فَيَا بنَ زيادٍ بؤْ بأعْظم مالك
(1)
…
وذقْ حدَّ ماضي الشَّفرَتَينِ صقيلِ
ضربناكَ بالعضب الحُسامِ بحدَّةٍ
…
إذا ما أبأنا قاتلًا
(2)
بقتيلِ
جزى اللَّه خيرًا شُرْطة اللَّه إنهم
…
شَفَوا من عُبيدِ اللَّه أمْسِ غَليلي
وهذه ترجمة ابن زياد
هو عبيد اللَّه بن زياد بن عبيد، المعروف بابن زياد بن أبي سفيان، ويقال له: زياد بن أبيه، وابن سمية، أمير العراق بعد أبيه زياد، وقال ابن معين: ويقال له عبيد اللَّه بن مرجانة وهي أمه، وقال غيره: وكانت مجوسية، وكنيته أبو حفص، وقد سكن دمشق بعد موت
(3)
يزيد بن معاوية، وكانت له دار عند الديماس
(4)
تعرف بعده بدار ابن عجلان، وكان مولده سنة تسع وثلاثين فيما حكاه ابن عساكر عن أبي العباس أحمد بن يونس الضبي، قال ابن عساكر
(5)
: وروى الحديث عن معاوية وسعد بن أبي وقاص ومعقل بن يسار. وحدث عنه الحسن البصري وأبو المليح بن أسامة. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: ذكروا أن عبيد اللَّه بن زياد حين قتل الحسين كان عمره ثمانيًا وعشرين سنة، قلت: فعلى هذا يكون مولده سنة ثلاث وثلاثين فاللَّه أعلم.
وقد روى ابن عساكر أن معاوية كتب إلى زياد: أن أوفد إليّ ابنك، فلما قدم عليه لم يسأله معاوية، عن شيء إلا نفذ منه، حتى سأله عن الشعر فلم يعرف منه شيئًا، فقال له: ما منعك من تعلم الشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني كرهت أن أجمع في صدري مع كلام اللَّه كلام الشيطان، فقال [معاوية]:
(1)
في ط: هالك.
(2)
في ط: قتيلًا.
(3)
سقطت من ط.
(4)
هي ناحية زقاق الديماس النافذ إلى سوق الأساكفة العتيق، كما في تاريخ دمشق (37/ 434).
(5)
تاريخ دمشق (37/ 434) ط دار الفكر.
اغرب، فواللَّه ما منعني من الفرار يوم صفين إلا قول ابن الإطنابة حيث يقول:[من الوافر]
أبتْ لي عفتي وأبى بَلائي
…
وأَخْذي الحمدَ بالثَّمنِ الربيحِ
وإعطائي على الإعدامِ مالي
…
وإقدامي على البطلِ المُشيحِ
وقَوْلي كلما جشَأتْ وجاشتْ
…
مكانكِ تعذري
(1)
أو تستريحِي
لأدفعَ عنْ مآثرَ صالحاتٍ
…
وأحمي بعدُ عن أنفٍ صحيحِ
(2)
ثم كتب إلى أبيه: أن روِّه من الشعر، فروّاه حتى كان لا يسقط عنه منه شيء بعد ذلك، ومن شعره بعد ذلك:[من الطويل]
سيعلمُ مروانُ بن نِسوةَ أنني
…
إذا التقت الخِيلانُ أطعنها شزرا
وإني إذا حلَّ الضيوفُ ولم أجدْ
…
سوى فرسي أو سقته
(3)
لهمُ نحرا
(4)
وقد سأل معاوية يومًا أهل البصرة عن ابن زياد فقالوا: إنه لظريف ولكنه يلحن، فقال: أو ليس [اللحن] أظرف له؟ قال ابن قتيبة وغيره: إنما أرادوا أنه يلحن في كلامه، أي يلغز، وهو ألحن بحجته كما قال الشاعر في ذلك:
منطقٌ رائعٌ ويلحنُ أحيانًا
…
وخيرُ الحديثِ ما كانَ لحنا
(5)
وقيل إنهم أرادوا أنه يلحن في قوله لحنًا وهو ضد الإعراب، وقيل أرادوا اللحن الذي هو ضد الصواب وهو الأشبه واللَّه أعلم. فاستحسن معاوية منه السهولة في الكلام وأنه لم يكن ممن يتعمق في كلامه ويفخِّمه، ويتشدق فيه، وقيل أرادوا أنه كانت فيه لكنة من كلام العجم، فإن أمه مرجانة كانت سُرِّية وكانت بنت بعض ملوك الأعاجم يزدجرد أو غيره، قالوا: وكان في كلامه شيء من كلام العجم، قال يومًا لبعض الخوارج: أهروري أنت؟ يعني أحروري أنت؟ وقال يومًا من كاتلنا كاتلناه، أي من قاتلنا قاتلناه، وقول معاوية ذاك أظرف له، أي: أجود له حيث نزع إلى أخواله، وقد كانوا يوصفون بحسن السياسة وجودة الرعاية ومحاسن الشيم.
ثم لما مات زياد سنة ثلاث وخمسين ولَّى معاوية على البصرة سَمُرة بن جندب سنة ونصفًا ثم عزله
(1)
في ط وتاريخ الإسلام: تحمدي.
(2)
الأبيات في تاريخ دمشق (37/ 437 - 438) ط دار الفكر، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (15/ 314) وتاريخ الإسلام (5/ 177) عدا الأخير.
(3)
في ط: أوسعته.
(4)
الأبيات في تاريخ دمشق (37/ 436) ط دار الفكر. ومختصر تاريخ دمشق (15/ 313) وقد قال هذه الأبيات حين وجهه مروان لحرب ابن الأشتر وقال: إياك والفرار كعادتك.
(5)
البيت في تاريخ دمشق (37/ 439) وفيه: منطق صائب، والعقد الفريد (2/ 480) ونسبه إلى مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري وفيه: مظق بارع.
وولّى عليها عبد اللَّه بن عمرو بن غيلان بن سلمة ستة أشهر، ثم عزله وولّى عليها ابن زياد سنة خمس وخمسين. فلما تولى يزيد الخلافة جمع له بين البصرة والكوفة
(1)
، فبنى في إمارة يزيد البيضاء، وجعل باب القصر الأبيض الذي كان لكسرى عليها. وبنى الحمراء وهي على سكة المربد، فكان يشتي في الحمراء ويصيف في البيضاء.
قالوا: وجاء رجل إلى ابن زياد فقال: أصلح اللَّه الأمير، إن امرأتي ماتت، وإني أريد أن أتزوج أمها، فقال له: كم عطاؤك في الديوان؟ فقال: سبعمئة، فقال: يا غلام حطَّ من عطائه أربعمئة، ثم قال له: يكفيك من فقهك هذا ثلاثمئة
(2)
.
قالوا: وتخاصمت أم الفجيع
(3)
وزوجها إليه وقد أحبت المرأة أن تفارق زوجها، فقال أبو الفجيع: أصلح اللَّه الأمير إن خير شطري الرجل آخره، وإن شر شطري المرأة آخرها، فقال: وكيف ذلك؟ فقال: إن الرجل إذا أسن اشتد عقله واستحكم رأيه وذهب جهله، وإن المرأة إذا أسنت ساء خلقها وقل عقلها وعقم رحمها واحتد لسانها، فقال: صدقت خذ بيدها وانصرف.
وقال يحيى بن معين: أمر ابن زياد لصفوان بن محرز بألفي درهم فسرقت، فقال: عسى أن يكون خيرًا، فقال أهله: كيف يكون هذا خيرًا؟ فبلغ ذلك ابن زياد فأمر له بألفين آخرين، ثم وجد الألفين المسروقتين فصارت أربعة آلاف فكان خيرًا. وقيل لهند بنت أسماء بن خارجة -وكانت قد تزوجت بعده أزواجًا من نواب العراق- من أعزُّ أزواجك عندك وأكرمهم عليك؟ فقالت: ما أكرم النساء [أحد] إكرام بشر
(4)
بن مروان، ولا هاب النساء هيبة الحجاج بن يوسف، ووددت أن القيامة قد قامت فأرى عبيد اللَّه بن زياد وأشتفي من حديثه والنظر إليه -وكان أبا عذارتها
(5)
- وقد تزوجت بالآخرين أيضًا.
وقال عثمان بن أبي شيبة: عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: أول من جهر بالمعوذتين في [الصلاة] المكتوبة ابن زياد، قلت: يعني واللَّه أعلم في الكوفة، فإن ابن مسعود كان لا يكتبهما في مصحفه، وكان فقهاء الكوفة يأخذون عن كثير من أصحابه واللَّه أعلم.
وقد كانت في عبيد اللَّه بن زياد جرأة وإقدام على سفك الدماء، قتل خلقًا كثيرًا جدًا وكان سفيهًا شديدًا، وكان فيه مبادرة إلى
(6)
ما لا حاجة له به.
ثبت في الحديث الذي رواه أبو يعلى ومسلم
(7)
، كلاهما عن شيبان بن فروخ، عن جرير، عن
(1)
مكانها في أ، م: ثم جمع يزيد بين الكوفة مع البصرة.
(2)
من قوله: ثم لما مات زياد. . إلى هنا متقدم في أ وآثرنا إبقاءه لمناسبته.
(3)
في ط: الفجيج؛ وما أثبت عن أ ومختصر تاريخ دمشق.
(4)
في ط: بشير؛ وما أثبت عن أ، م ومختصر تاريخ دمشق.
(5)
في ط: وكان أتى عذارتها.
(6)
من قوله: على سفك الدماء. . إلى هنا ساقط من ط، وبدله: ومبادرة إلى ما لا يجوز.
(7)
صحيح مسلم رقم (1830) في الإمارة.
الحسن، أن عائذ بن عمرو دخل على عبيد اللَّه بن زياد فقال: أي بني، سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم". فقال [له] اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: وهل كان فيهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم.
و [قد] روى غير واحد عن الحسن أن عبيد اللَّه بن زياد دخل على معقل بن يسار يعوده فقال له: إني محدثك بحديث سمعته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من رجل استرعاه اللَّه رعية يموت يوم يموت وهو غاش لهم إلّا حرم اللَّه عليه الجنة"
(1)
.
وقد ذكر غير واحد أنه لما مات معقل صلى عليه عبيد اللَّه بن زياد ولم يشهد دفنه، واعتذر بما ليس يجدي شيئًا وركب إلى قصره، ومن جراءته إقدامه على الأمر بإحضار الحسين إلى بين يديه وإن قتل دون ذلك، وكان الواجب عليه أن يجيبه إلى سؤاله الذي سأله فيما طلب من ذهابه إلى يزيد أو إلى مكة أو إلى أحد الثغور، فلما أشار عليه شِمْر بن ذي الجوشن بأن الحزم أن يحضر عندك وأنت تسيره بعد ذلك إلى حيث شئت من هذه الخصال أو غيرها، فوافق شمرًا على ذلك وبعثه به، فقتل الحسين كما قدمنا
(2)
.
وقد قال محمد بن سعد
(3)
: أنبأنا الفَضْل بن دكين ومالك بن إسماعيل قالا: حدَّثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن كردوس، عن حاجب عبيد اللَّه بن زياد قال: دخلت معه القصر حين قُتل الحسين، قال فاضطرم في وجهه نارًا أو كلمة نحوها، فقال بكمه هكذا على وجهه وقال: لا تحدثن بها أحدًا.
وقال شريك: عن مغيرة قال: قالت مَرْجانة لابنها عبيد اللَّه: يا خبيث قتلت ابن بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ لا ترى الجنة أبدًا.
وقد قدمنا أن يزيد بن معاوية لما مات بايع الناس في المصرين لعبيد اللَّه حتى يجتمع الناس على أمير، ثم خرجوا عليه فأخرجوه من بين أظهرهم، فسار إلى الشام فاجتمع بمروان، وحسَّن له أن يدعو إلى بيعة
(4)
نفسه ففعل ذلك، وخالف الضحاك بن قيس، ثم انطلق عبيد اللَّه إلى الضحاك [بن قيس] فما زال به حتى أخرجه من دمشق إلى مرج راهط، ثم حسَّن له أن دعا إلى بيعة نفسه وخلع ابن الزبير ففعل، فانحلَّ نظامه ووقع ما وقع بمرج راهط، من قتل الضحاك وخلق معه هنالك، فلما تولى مروان أرسل ابن زياد في جيش إلى العراق فالتقى بعين الوردة مع سليمان بن صُرَد ومن كان معه من الجيش الذين يسمون جيش التوابين، فقتل أميرهم، وخلقًا كثيرًا منهم ثم سار
(5)
قاصدًا الكوفة [في ذلك
(1)
رواه البخاري في صحيحه رقم (7150) و (7151) ومسلم رقم (142) من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه.
(2)
مكانها في ط: ما أشار به من إحضاره بين يديه، فأبى الحسين أن يحضر عنده ليقضي فيه بما يراه ابن مرجانة، وقد تعس وخاب وخسر؛ فليس لابن بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يحضر بين يدي ابن مرجانة الخبيث.
(3)
لم أجده في الطبقات لابن سعد، والخبر أيضًا في تاريخ دمشق (37/ 450 - 451) ط دار الفكر.
(4)
في ط: يتولى الخلافة ويدعو إلى. .
(5)
من قوله: بعين الوردة. . إلى هنا من أ ومكانه في ط: هو وجيش التوابين مع سليمان بن صرد فكسرهم واستمر. .
الجيش] فتعوق في الطريق بسبب من كان معه من أهل الجزيرة من الأعداء بمن بايع
(1)
ابن الزبير.
ثم اتفق خروج ابن الأشتر إليه في سبعة آلاف، وكان مع ابن زياد أضعاف ذلك، ولكن ظفر به كما ذكرنا ابن الأشتر فقتله شر قتلة وهو لا يشعر به، وإذا هو قد قتله
(2)
على شاطئ نهر الخازِر قريبًا من الموصل بخمس مراحل.
قال أبو أحمد الحاكم: وكان ذلك يوم عاشوراء
(3)
[قلت: وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين] ثم بعث ابن الأشتر برأسه ومعه رأس حصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع وجماعة من رؤساء أصحابهم إلى المختار. وقال يعقوب بن سفيان
(4)
: حدثني يوسف بن موسى بن جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما جيء برأس ابن مرجانة وأصحابه طرحت بين يدي المختار فجاءت حية رقيقة ثم تخللت الرؤوس حتى دخلت في فم ابن مرجانة وخرجت من منخره، ودخلت في منخره وخرجت من فيه، وجعلت تدخل وتخرج من رأسه من بين الرؤوس.
ورواه الترمذي
(5)
من وجه آخر بلفظ آخر فقال: حدثنا واصل بن عبد الأعلى عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير. قال: لما جيء برأس عبيد اللَّه وأصحابه نُضدَت
(6)
في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد اللَّه بن زياد، فمكثت هنيهة، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا. قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.
وقال أبو سليمان بن زَبْر
(7)
: وفي سنة ست وستين قالوا فيها قتل ابن زياد والحصين بن نمير، وليَ قتلهما إبراهيم بن الأشثر، وبعث برأسيهما إلى المختار فبعث بهما إلى ابن الزبير، فنصبت بمكة والمدينة. وهكذا حكى ابن عساكر
(8)
عن أبي أحمد الحاكم وغيره أن ذلك كان في سنة ست وستين، زاد أبو أحمد في يوم عاشوراء، وسكت ابن عساكر عن ذلك، والمشهور أن ذلك كان في سنة سبع وستين كما ذكره ابن جرير وغيره، ولكن بعث الرؤوس إلى ابن الزبير
(9)
في هذه السنة متعذر لأن العداوة كانت
(1)
بدلها في ط: الذي هم من جهة.
(2)
من قوله: وهو لا يشعر به. . إلى هنا ساقط من ط.
(3)
وكذلك أرخه الذهبي في تاريخ الإسلام والسير عن أبي اليقظان.
(4)
تاريخ دمشق لابن عساكر (37/ 461) ط دار الفكر.
(5)
سنن الترمذي (3780) في المناقب.
(6)
في ط: "فنصبت"، وما أثبتناه من م، وهو موافق للترمذي.
(7)
تاريخ مولد العلماء ووفياتهم (1/ 181).
(8)
تاريخ دمشق لابن عساكر (37/ 462) ط دار الفكر.
(9)
قيل: إنه بعث الرؤوس إلى محمد بن الحنفية.
قد [قويت و] تحققت بين المختار وابن الزبير في هذه السنة، وعما قليل سيَّر مصعب
(1)
من البصرة إلى الكوفة لحصار المختار على يد مصعب بن الزبير وأهل البصرة
(2)
.
مقتل المختار بن أبي عبيد الكذاب
(3)
كان عبد اللَّه بن الزبير قد عزل في هذه السنة عن نيابة البصرة الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي المعروف بالقُباع، وولاها لأخيه مصعب بن الزبير، ليكون [ردءًا و] قرنًا وكفئًا للمختار بن أبي عبيد، فلما قدِم مصعب البصرة دخلها متلثمًا فتيمم المنبر، فلما صعده قال الناس: أمير أمير، فلما كشف اللثام عَرَفه الناس فأقبلوا إليه، وجاء القُباع فجلس تحته بدرجة، فلما اجتمع الناس قام مصعب خطيبًا فاستفتح القصص حتى بلغ:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} [القصص: 4]، وأشار بيده نحو الشام أو الكوفة، ثم قال:{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} [القصص: 5 - 6]، وأشار إلى الحجاز. وقال: يا أهل البصرة إنكم تلقبون أمراءكم، وقد سميت نفسي الجزار، فاجتمع عليه الناس وفرحوا له، ولما انهزم أهل الكوفة حين خرجوا على المختار فقهرهم وقتل منهم من قتل، كان لا ينهزم أحد من أهلها إلا قصد البصرة، ثم خرج المختار ليلتقي ابن الأشتر حين بلغه أنه قتل ابن زياد اغتنم غيبته أهل الكوفة فأرغبوا في الخروج إلى البصرة؛ ثم جعلوا يحرضون مصعبًا على المختار ويؤلبون عليه من جهة قلة دينه
(4)
ودعواه أنه يأتيه الوحي، وأنه قدّم الموالي على الأشراف، واتفق أن ابن الأشتر حين قتل ابن زياد واستقلّ بتلك النواحي، فأحرز بلادًا وأقاليم ورساتيق لنفسه، واستهان بالمختار، فطمع مصعب فيه وبعث محمد بن الأشعث بن قيس على البريد إلى المهلب بن أبي صفرة، وهو نائبهم على خراسان، فقدم في تجمُّل عظيم ومال ورجال وعَددٍ وعُددٍ، وجيش كثيف، ففرح به أهل البصرة وتقوّى به مصعب، فركب في أهل البصرة ومن اتبعهم من أهل الكوفة فركبوا في البحر والبر قاصدين الكوفة.
[وقدم مصعب بين يديه عباد بن الحصين، وجعل على ميمنته عمر بن عبيد اللَّه بن معمر، وعلى الميسرة المهلب بن أبي صفرة، ورتَب الأمراء على راياتها وقبائلها، كمالكِ بن مسمع، والأحنف بن
(1)
في ط: أمر ابن الزبير أخاه مصعبًا أن يسير. .
(2)
مكانها في ط: وقتاله واللَّه أعلم.
(3)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 93) وما بعدها، والكامل لابن الأثير (3/ 331) وما بعدها، وتاريخ الإسلام (5/ 57) والمنتظم (6/ 63).
(4)
مكانها في ط: بالذي جاء بالرؤوس والبشارة، اغتنم من بقي بالكوفة من أعداء المختار غيبته فذهبوا إلى البصرة فرارًا من المختار لقلة دينه وكفره.
قيس، وزياد بن عمرو
(1)
، وقيس بن الهيثم وغيرهم، وخرج المختار بعسكره فنزل المذار وقد جعل على مقدمته أبا كامل الشاكري
(2)
، وعلى ميمنته عبد اللَّه بن كامل، وعلى ميسرته عبد اللَّه بن وهب
(3)
الجشمي، وعلى الخيل رزين
(4)
بن عبد اللَّه السلولي، وعلى الموالي أبا عمرة صاحب شرطته]
(5)
.
فسمع المختار بأمرهم فخطب
(6)
الناس وحثهم على الخروج، وبعث بين يديه الجيوش، وركب هو وخلق من أصحابه وهو يبشر أصحابه بالنصر، فلما انتهى مصعب إلى [قريب] الكوفة لقيتهم الكتائب المختارية فحملت عليهم الفرسان الزبيرية، فما لبثوا
(7)
إلا يسيرًا حتى هربوا على حمية، وقد قتل منهم جماعة من الأمراء، وخلق من القراء وطائفة كثيرة من الشيعة الأغبياء، وثلة من أصحاب المختار ذي القول الفِراء، ثم انتهت الهزيمة إليه.
[وقال الواقدي: لما انتهت مقدمة المختار إليه جاء مصعب فقطع الدجلة إلى الكوفة وقد حصن المختار القصر واستعمل عليه عبد اللَّه بن شداد
(8)
وخرج المختار بمن بقي معه فنزل حَرَوراء
(9)
فلما قرب جيش مصعب منه جهز إلى كل قبيلة كردوسًا، فبعث إلى بكر بن وائل سعيد بن منقذ، وإلى عبد القيس مالك بن منذر
(10)
، وإلى العالية عبد اللَّه بن جعدة، وإلى الأزد مسافر بن سعيد، وإلى بني تميم سُليم بن يزيد الكندي، وإلى محمد بن الأشعث السائب بن مالك، ووقف المختار في بقية أصحابه فاقتتلوا قتالًا شديدًا إلى الليل فقتل أعيان أصحاب المختار وقتل تلك الليلة محمد بن الأشعث وعميرًا
(11)
بن علي بن أبي طالب، وتفرق عن المختار باقىِ أصحابه، فقيل له القصر القصر، فقال: واللَّه ما خرجت منه وأنا أريد أن أعود إليه، ولكن هذا حكم اللَّه، ثم ساروا إلى القصر فدخل وجاءه مصعب ففرق القبائل في نواحي الكوفة، واقتسموا المحال، وخلصوا إلى القصر، وقد منعوا المختار المادة والماء، وكان المختار يخرج فيقاتلهم ثم يعود إلى القصر، ولما اشتد عليه الحصار قال لأصحابه: إن الحصار لا يزيدنا
(1)
في ط: زياد بن عمر، وما أثبت عن أ، ب والطبري (6/ 95) وابن الأثير (3/ 332).
(2)
في الطبري وابن الأثير: ندب أصحاب -أي المختار- إلى الخروج مع أحمر بن شميط. إنما كان الشاكري على مقدمة جيش ابن شميط.
(3)
في ابن الأثير: وهيب.
(4)
في ط: وزير، وما هنا موافق للطبري.
(5)
ما بين معكوفين زيادة من ط؛ وهي اختصار لما في المصادر.
(6)
في ط: ثم خطب.
(7)
في ط: لبثت المختارية.
(8)
في الطبري (6/ 99): أن المختار استعمل عبد اللَّه بن شداد على الكوفة.
(9)
حَرَوراء: ضبطها ياقوت بفتحتين، وسكون الواو، وراء أخرى، وألف ممدودة. وقيل هي قرية بظاهر الكوفة. . . معجم البلدان (2/ 283).
(10)
في الطبري: بعث إلى عبد القيس -وكان عليهم مالك بن المنذر- عبدَ الرحمن بن شريح الشِّبامي.
(11)
في الطبري وابن الأثير: عبيد اللَّه بن علي بن أبي طالب.
إلا ضعفًا، فانزلوا بنا حتى نقاتل حتى الليل حتى نموت كرامًا، فوهنوا، فقال أما فو اللَّه لا أعطي بيدي. ثم اغتسل وتطيب وتحنط وخرج فقاتل هو ومن معه حتى قتلوا]
(1)
.
فأشار
(2)
عليه جماعة من أساورته بأن يدخل القصر دار إمارته، فدخله وهو ملوم مذموم، وعن قريب ينفذ فيه القدر المحتوم، فحاصره مصعب فيه وجميع أصحابه حتى أصابهم من جهد العطش ما اللَّه به عليم، وضيق عليهم المسالك والمقاصد، وانسدت عليهم أبواب الحيل، وليس فيهم رجل رشيد ولا حليم، ثم جعل المختار يجيل فكرته ويكرر رويَّته في الأمر الذي قد حل به، واستشار من عنده من جهة
(3)
الموالي والعبيد، ولسان القدر والشرع يناديه:{قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] ثم قوى عزمه قوة الشجاعة المركبة فيه، على أن أخرجته من بين من كان يحالفه ويواليه، ورأى أن يموت على فرسه، حتى يكون عليها انقضاء آخر نفسه، فنزل حمية وغضبًا، وشجاعة وكلبًا، وهو مع ذلك لا يجد مناصًا ولا مفرًا ولا مهربًا، وليس معه من أصحابه سوى تسعة عشر، ولعله إن كان قد استمر على ما عاش عليه أن لا يفارقه التسعة عشر [الموكلون بسقر] ولما خرج من القصر قال لأصحاب مصعب: أنا متولي
(4)
- قالوا: لا إلَّا على حكم الأمير فقال: إلا على حكم نفسي أبدًا، ثم قاتل قتالًا شديدًا وتقدم إليه رجلان شقيقان أخوان، وهما طرفة وطرافة
(5)
ابنا عبد اللَّه بن دجاجة من بني حنيفة، فقتلاه بمكان الزّيّاتين من الكوفة، واحتزا رأسه وأتيا به إلى مصعب بن الزبير، وقد احتل قصر الإمارة في الكوفة، فوضع بين يديه، كما وضع رأس ابن زياد بين يدي المختار، [وكما وضع رأس الحسين بين يدي ابن زياد، وكما سيوضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان، فلما وضع رأس المختار بين يدي مصعب أمر لهما بثلاثين ألفًا]
(6)
.
وقد كان مصعب قد قتل جماعة من المختارية، وأسر منهم خمسمئة أسير، فضرب أعناقهم عن آخرهم في يوم واحد، وقد قتل من عيون أصحاب مصعب في الوقعة محمد بن الأشعث بن قيس
(7)
، وأمر مصعب بكف المختار فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد، فلم يزل هنالك حتى قدم الحجاج، فسأل عنها فقيل له: هي كف المختار، فأمر بها فرفعت وانتزعت من هنالك [لأن المختار كان من قبيلة الحجاج، والمختار هو الكذاب، والمبير الحجاج، ولهذا أخذ الحجاج بثأره من ابن الزبير فقتله وصلبه
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، ولم أجد رواية الواقدي في الطبري.
(2)
في ط: وقيل بل أشار؛ والكلام مترابط لولا إقحام رواية الواقدي.
(3)
في ط: في هذا السبب السيّئ الذي قد اتصل سببه بسببه من.
(4)
في ط: وسأل أن يخلي سبيله فيذهب في أرض اللَّه.
(5)
في تاريخ الطبري (6/ 108): طرَّاف، وفي الفتوح لابن الأعثم (2/ 352) طارف وطريفة.
(6)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(7)
زاد في مروج الذهب (3/ 118): وابنان له.
شهورًا]
(1)
وقد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار عنه فقالت: ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه، فتركها واستدعى بزوجته الأخرى وهي عمرة بنت النعمان بن بشير فقال لها: ما تقولين فيه؟ فقالت: رحمه الله لقد كان عبدًا من عباد اللَّه الصالحين، فسجنها وكتب إلى أخيه إنها تقول إنه نبيٌّ، فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها، فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة المخزومي
(2)
:
إنَّ من أعجبِ العجائبِ عِندي
…
قَتْلَ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطبولِ
(3)
قُتلَتْ هكذا على غيرِ جُرْمٍ
…
إنَّ للَّه دَرَّها مِنْ قتيلِ
كُتِبَ القَتلُ والقِتَالُ علينا
…
وعلى الغانيات
(4)
جرُّ الذيولِ
(5)
وقال أبو مخنف
(6)
: حدّثني محمد بن يوسف، أن مصعبًا لقي عبد اللَّه بن عمر [بن الخطاب] فسلم عليه [فقال ابن عمر: من أنت؟] فقال: أنا ابن أخيك مصعب بن الزبير، فقال له ابن عمر: نعم، أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غَداة واحدة؟ عِشْ ما استطعت، فقال له مصعب: إنهم كانوا كفرة سَحَرة، فقال ابن عمر: واللَّه لو قتلت عدّتهم
(7)
غَنَمًا من تُراث أبيك لكان ذلك سَرَفًا.
وهذه ترجمة المختار بن أبي عُبيد الثقفي
(8)
هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة
(9)
بن عنزة
(10)
بن عوف بن ثقيف الثقفي، أسلم أبوه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يره، فلهذا لم يذكره أكثر الناس في الصحابة، وإنما
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(2)
في ط: ابن أبي رمثة، وما أثبت عن أ، ب والطبري وابن الأثير (4/ 275).
(3)
العطبول: المرأة الفتية الجميلة الممتلئة الطويلة العنق. القاموس (عطبل).
(4)
في الطبري وابن الأثير: المحصنات.
(5)
الأبيات في ملحق ديوان عمر بن أبي ربيعة (498) والأخبار الطوال (310) وتاريخ الطبري (6/ 112) والفتوح لابن الأعثم (2/ 353) والعقد الفريد (4/ 407) والكامل للمبرد (2/ 181) والكامل لابن الأثير (4/ 275).
(6)
تاريخ الطبري (6/ 112 - 113).
(7)
في ط: "عدلهم"، وما أثبتناه من م وتاريخ الطبري.
(8)
ترجمة - المختار بن أبي عبيد - في تاريخ خليفة (262 - 264) والأخبار الطوال (205) وما بعدها، والمعارف لابن قتيبة (400) وتاريخ الطبري (5/ 569) و (6/ 7 و 38) وما بعدها، ومروج الذهب (2/ 30 و 193) وما بعدها، والاستيعاب (3/ 533 - 536) وأسد الغابة (4/ 336) والكامل في التاريخ (4/ 211 - 267) وسير أعلام النبلاء (3/ 538 - 544) والإصابة (3/ 518) وشذرات الذهب (1/ 293).
(9)
في أ، ط: عفرة؛ تحريف، وما أثبت عن ب وسير أعلام النبلاء.
(10)
في ط: عمير، خطأ، وما أثبت عن أ والسير، وفي أسد الغابة: غيرة.
ذكره ابن الأثير في الغابة
(1)
، وقد كان عمر بعثه في جيش كثيف في قتال الفرس سنة ثلاث عشرة، فقتل يومئذ شهيدًا وقتل معه نحو من أربعة آلاف من المسلمين، كما قدمنا، وعرف ذلك الجسر به، وهو جسر على دجلة فيقال له إلى اليوم جسر أبي عبيد، وكان له من الولد صفية بنت أبي عبيد، وكانت من الصالحات العابدات. وهي زوجة عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وكان عبد اللَّه لها مكرمًا ومحبًا، وماتت في حياته، وأما [أخوها] المختار هذا فإنه كان أولًا [ناصبيًا]، يبغض عليًا بغضًا شديدًا، وكان عند عمه في المدائن، وكان عمه نائبها، فلما دخلها الحسن بن علي يوم طعنه أهل العراق وهو سائر إلى الشام لقتال معاوية بعد مقتل أبيه، [فلما أحسَّ الحسن منهم بالغدر فر]
(2)
منهم إلى المدائن في جيش قليل، فقال المختار لعمه: لو أخذت الحسن فبعثته إلى معاوية لاتخذت عنده اليد البيضاء أبدًا، فقال له عمه: بئس ما تأمرني به يابن أخي، فما زالت الشيعة تبغضه حتى كان من أمر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ما كان، وكان المختار من الأمراء بالكوفة، فجعل يقول: أما لأنصرنه، فبلغ ابن زياد ذلك فحبسه بعد ضربه مئة جلدة، فسألت أخته زوجها فكتب إلى يزيد بن معاوية [يتشفع فيه] فأرسل يزيد إلى ابن زياد ليخرجه فأخرجه وسيره إلى الحجاز في عباءة، فصار إلى ابن الزبير بمكة فقاتل معه حين حصره حصين بن نمير
(3)
قتالًا شديدًا، ثم بلغ المختار ما قال أهل العراق فيه من التخليط، فسار إليهم وترك ابن الزبير، ويقال إنه سأل ابن الزبير أن يكتب له كتابًا إلى ابن مطيع نائب الكوفة ففعل، فسار إليها، وكان يظهر مدح ابن الزبير في العلانية ويسبه في السر، ويمدح محمد بن الحنفية ويدعو إليه، وما زال حتى استحوذ على الكوفة بطريق التشيع [وإظهار] الأخذ بثأر الحسين بن علي، وبسبب ذلك التف عليه جماعات كثيرة من الشيعة، وأخرج عامل ابن الزبير منها عبد اللَّه بن مطيع، واستقر ملك المختار بها، ثم كتب إلى ابن الزبير يعتذر إليه ويخبره أن ابن مطيع كان مداهنًا لبني أمية، وقد خرج من الكوفة، وأنا ومن بها في طاعتك، فصدقه ابن الزبير لأنه كان يدعو إليه على المنبر يوم الجمعة على رؤوس الناس، ويظهر طاعته، ثم شرع في تتبع قتلة الحسين ومن شهد الوقعة بكربلاء من ناحية ابن زياد، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وظفر برؤوس كبار منهم، كعمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش بكماله وشَمْر بن ذي الجوشن أمير الألف الذين تولوا قتل الحسين، وسِنان بن أبي أنس، وخولي بن يزيد الأصبحي، وخلق غير هؤلاء، وما زال حتى بعث سيف نقمته إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفًا إلى عبيد اللَّه بن زياد وهو في جيش أعظم من جيش المختار -بأضعاف مضاعفة- كانوا ستين ألفًا، وقيل ثمانين ألفًا، فقَتل ابنُ الأشتر ابنَ زياد وكسر جيشه، واحتاز ما في معسكره واتفق ذلك في يوم عاشوراء سنة سبع وستين كما قدمنا، ثم بعث برأس ابن زياد ورؤوس أصحابه معه إلى المختار، ففرح بذلك فرحًا شديدًا، ثم إن المختار بعث برأس ابن زياد
(1)
أسد الغابة (6/ 201).
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وبدلها في أ: ففر.
(3)
في ط: أهل الشام.
ورأس حصين بن نمير ومن معهما إلى ابن الزبير بمكة فأمر بهما فنصبت على عقبة الحجون
(1)
.
وقد كانوا نصبوها بالمدينة، وطابت نفس المختار بالملك، وظن أنه لم يبق له عدو ولا منازع، فلما تبين ابن الزبير خداعه ومكره وسوء مذهبه، بعث أخاه مصعبًا أميرًا على العراق، فساروا إلى البصرة فجمع العساكر فما تم سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جيش هائل فقتله واحتز رأسه وأمر بصلب كفه على باب المسجد، وبعث مصعب برأس المختار مع رجل من الشرط على البريد
(2)
، إلى أخيه عبد اللَّه بن الزبير، فوصل مكة بعد العشاء فوجد عبد اللَّه يتنفل، فما زال يصلي حتى أسحر ولم يلتفت إلى البريد الذي جاء بالرأس، فلما كان قريب الفجر قال: ما جاء بك؟ فألقى إليه الكتاب فقرأه، فقال: يا أمير المؤمنين، بقي الرأس، فقال: ألقه على باب المسجد، فألقاه ثم جاء فقال: جائزتي يا أمير المؤمنين، فقال: جائزتك الرأس الذي جئت به تأخذه معك إلى العراق
(3)
.
وزالت دولة المختار كأن لم تكن
(4)
، وفرح المسلمون بزوالها، وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقًا، بل كان كاذبًا وكاهنًا، وكان يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل.
قال الإمام أحمد
(5)
: حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا عيسى القاري أبو عمر
(6)
، حدَّثني السُّدّي، عن رفاعة الفِتْيانى
(7)
قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك. قال: فأردت أن أضرب عنقه. قال: فذكرت حديثًا حدَّثنيه أخي عمرو بن الحَمق، قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أيما مؤمن أمَّن مؤمنًا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء".
وقال الإمام أحمد
(8)
: حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان، عن حمّاد بن سَلَمة، حدَّثني عبد الملك بن عمير، عن رِفاعة بن شدَّاد. قال: كنت أقوم على رأس المختار فلما عرفت كذبه هممت أن أسلَّ سيفي فاضرب عنقه، فذكرت حديثًا حدثناه عمرو بن الحَمِق. قال سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"من أمن رجلًا على نفسه فقتله أُعطي لواء غدر يوم القيامة" ورواه النسائي وابن ماجه
(9)
من غير وجه عن
(1)
عقبة الحجون: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها. .، وقال الأصمعي: الحجون هو الجبل المشرف الذي بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين. معجم البلدان (2/ 225).
(2)
في الأخبار الطوال (308): ووجه مصعب برأس المختار إلى عبد اللَّه بن الزبير مع عبد اللَّه بن عبد الرحمن.
(3)
ثمة خلافات طغيفة بين النسخ آثرنا عدم ذكرها لاشتراكها في المعنى. والخبر بطوله في تاريخ الطبري (6/ 104) والأخبار الطوال (308). وتاريخ دمشق لابن عساكر (58/ 238) ط: دار الفكر.
(4)
في ط زيادة: وكذلك سائر الدول.
(5)
مسند أحمد (5/ 224 و 437) وهو حديث صحيح.
(6)
في ط: حدثني أبو عمير السدي؛ تحريف.
(7)
في ط: القباني؛ تحريف والصواب ما أثبتناه، وهو رفاعة بن شداد.
(8)
مسند أحمد (5/ 224) وهو حديث صحيح.
(9)
رواه النسائي في السير من الكبرى (8739)، وابن ماجه (2688) في الديات.
عبد الملك بن عمير وفي لفظ لهما: "من أمن رجلًا على دم فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا". وفي سند هذا الحديث اختلاف
(1)
.
وقد قيل لعبد اللَّه بن عمر
(2)
: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال صدق، قال تعالى:{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} [الأنعام: 121].
وروى ابن أبي حاتم
(3)
، عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني [عنده، وكان يتعاهد مبيتي باللّيل قال فقال لي: اخرج فحدَّث الناس، قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان قال اللَّه تعالى: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} [يوسف: 3]، وقال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] قال فهمُّوا أن يأخذوني فقلت: ما لكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني، وإنما أراد عكرمة أن يعرِّض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه.
[وروى الطبراني
(4)
من طريق أنيسة بنت زيد بن الأرقم: أن أباها دخل على المختار بن أبي عبيد فقال له: يا أبا عامر لو سبقت رأيت
(5)
جبريل وميكائيل، فقال له زيد: حفرت ونفرت
(6)
، أنت أهون على اللَّه من ذلك، كذاب مفترٍ على اللَّه ورسوله]
(7)
.
وقال الإمام أحمد
(8)
: حدَّثنا إسحاق بن يوسف، حدَّثنا عوف عن أبي الصدِّيق الناجي: أن الحجاج ابن يوسف دخل على أسماء بنت أبي بكر الصديق، بعد ما قتل ابنها عبد اللَّه بن الزبير فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن اللَّه أذاقه من عذاب أليم، وفعل به وفعل
(9)
، فقالت
(10)
: كذبت، كان برًا
(1)
لم أقف عليه بهذا اللفظ في السنن، إنما أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (203)، والطبراني في الصغير (584)، وأبو نعيم في الحلية (9/ 24) بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف.
أما قول المصنف "وفي سند هذا الحديث اختلاف" فكأنه يشير إلى اختلاف الرواة في تسمية الفتياني الراوي عن عمرو بن الحمق، فقد جاء في رواية أنه عامر بن شداد، وفي رواية أخرى أنه رفاعة بن شداد، وهو الصواب، وبكل حال فالحديث صحيح (بشار).
(2)
الخبر في تفسير ابن كثير (3/ 91) الآية 121 من سورة الأنعام.
(3)
الخبر في تفسير ابن كثير (3/ 84 - 85) الآية 112 من سورة الأنعام.
(4)
المعجم الكبير (5/ 212) رقم (5127).
(5)
في ط: شفت رأي؛ وما أثبت عن ب والطبراني.
(6)
في ط، أ: خسرت وتعست؛ وما أثبت عن ب والطبراني.
(7)
ما بين معكوفين ساقط من أ وحدها.
(8)
مسند الإمام أحمد (6/ 351) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما وهو حديث صحيح.
(9)
في ط: "وفعل به ما فعل"، وما أثبتناه من م ومسند أحمد.
(10)
في ط: "فقالت له"، وما أثبتناه من م ومسند أحمد.
بالوالدين، صوّامًا قوامًا، واللَّه لقد أخبرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير". هكذا رواه أحمد بهذا السند واللفظ.
وقد أخرجه مسلم في "صحيحه"
(1)
في كتاب الفضائل عن عُقبة بن مُكْرَمٍ العَمِّيِّ البصريّ، عن يَعْقوب بن إسحاقْ الحضرميّ، عن الأسودِ بن شيبان، عن أبي نَوْفل، عن أسماء بنت أبي بكر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا". وفي الحديث قصة طويلة في مقتل الحجاج ولدها عبد اللَّه في سنة ثلاث وسبعين كما سيأتي.
وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في "دلائل النبوة"
(2)
، وقد ذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة، وأسرّ إلى أخصائه أنه يُوحى إليه، ولكن ما أدري هل كان يدّعي النبوة أم لا؟ وكان قد وُضِعَ له كرسي يُعظَّمُ ويُحَفُّ بالرجال، ويُستر بالحرير، ويُحمل على البغال، وكان يُضاهي به تابوت بني إسرائيل المذكور في القرآن، ولاشك أنه كان ضالّا مضلًّا أراح اللَّه المسلمين منه بعد ما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين، كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] وأما المبير فهو القَتَّال وهو الحجاج بن يوسف الثقفي نائب العراق لعبد الملك بن مروان، الذي انتزع العراق من يد مصعب بن الزبير، كما سيأتي بيانه قريبًا.
وذكر الواقدي
(3)
أن المختار لم يزل مظهرًا موافقة ابن الزبير حتى قدم مصعب إلى البصرة في أول سنة سبع وستين وأظهر مخالفته فسار إليه مصعب فقاتله وكان المختار في نحو من عشرين ألفًا، وقد حمل عليه المختار مرة فهزمه، ولكن لم يثبت جيش المختار حتى جعلوا ينصرفون إلى مصعب ويدعون المختار، وينقمون عليه ما هو فيه من الكهانة والكَذِب، فلما رأى المختار ذلك انصرف إلى قصر الإمارة فحاصره مصعب فيه أربعة أشهر، ثم قتله في الرابع عشر من رمضان سنة سبع وستين، وله من العمر سبع وستون سنة فيما قيل
(4)
.
فصل
ولما استقر مصعب بن الزبير بالكوفة بعث إلى إبراهيم بن الأشتر ليقدم عليه، وبعث إليه عبد الملك بن مروان ليقدم عليه
(5)
، فحار ابن الأشتر في أمره، وشاور أصحابه إلى أيهما يذهب، ثم اتفق رأيهم على الذهاب إلى بلدهم الكوفة، فقدم ابن الأشتر على مصعب بن الزبير فأكرمه وعظمه
(1)
صحيح مسلم رقم (2545) في فضائل الصحابة.
(2)
دلائل النبوة (6/ 481).
(3)
تاريخ الطبري (6/ 114).
(4)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 114 - 115) وابن الأثير (4/ 273) وتاريخ الإسلام (5/ 58) وسير أعلام النبلاء (3/ 543).
(5)
نسخة الكتابين في تاريخ الطبري (6/ 111).
واحترمه كثيرًا، وبعث مصعب المهلَّب بن أبي صفرة على الموصل والجزيرة وأذربيجان [وأرمينية، وكان قد استخلف على البصرة حين خرج منها عبيد اللَّه]
(1)
بن عبد اللَّه بن معمر، وأقام هو بالكوفة، ثم لم تنسلخ هذه السنة حتى عزله أخوه عبد اللَّه بن الزبير عن البصرة وولَّى عليها ابنه حمزة بن عبد اللَّه بن الزبير، وكان شجاعًا جوادًا مخلطًّا
(2)
يعطي أحيانًا حتى لا يدع شيئًا، ويمنع أحيانًا ما لم يمنع مثله، وظهرت خفة وطيش في عقله، وسرعة في أمره، فبعث الأحنف إلى عبد اللَّه بن الزبير فعزله وأعاد إلى ولايته أخاه مصعبًا مضافًا إلى ما بيده من ولاية الكوفة.
قالوا: وخرج حمزة بن عبد اللَّه بن الزبير من البصرة بمالٍ كثير من بيت مالها، فعرض له مالكُ بن مِسْمَع، فقال: لا ندعك تذهب بأعطياتنا، فضمن له عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن معمر
(3)
العطاء فكفَّ عنه، فلما انصرف حمزة لم يقدم على أبيه مكة، بل عدل إلى المدينة، فأودع ذلك المال رجالًا فكلُّهم غلَّ ما أودعه وجحده، سوى رجل من أهل الكتاب، فأدّى إليه أمانته. فلما بلغ أباه ما صنع قال: أبعده اللَّه، أردت أن أباهي به بني مروان فنكص.
وذكر أبو مخنف: أن حمزة بن عبد اللَّه بن الزبير ولي البصرة سنة كاملة فاللَّه أعلم.
قال ابن جرير
(4)
: وحج بالناس فيها عبد اللَّه بن الزبير، وكان عامله على الكوفة أخاه مصعبًا، وعلى البصرة ابنه حمزة، وقيل بل كان رجع إليها أخوه، وعلى خراسان وتلك البلاد عبد اللَّه بن خازم السُّلميّ [من جهة ابن الزبير واللَّه سبحانه أعلم].
[وممن توفي فيها من الأعيان:
الوليد بن عقبة بن أبي معيط
(5)
.
وأبو الجهم
(6)
، وهو صاحب الأنبجانية المذكورة في الحديث الصحيح
(7)
.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط وم. والخبر في الطبري (6/ 117) وفيه: أن مصعب استخلف على البصرة عبيد اللَّه بن عمر.
(2)
التخليط: الفساد في الأمر. هامش أ.
(3)
في الطبري (6/ 118): عبيد اللَّه بن عبيد اللَّه بن معمر.
(4)
تاريخ الطبري (6/ 118).
(5)
ترجمة - الوليد بن عقبة - في طبقات ابن سعد (6/ 24) و (7/ 476) وطبقات خليفة (57) والاستيعاب الترجمة (3/ 631) وتاريخ دمشق (63/ 218) وأسد الغابة (5/ 451). وتهذيب الكمال (31/ 53) وسير أعلام النبلاء (3/ 412 - 416). والإصابة (3/ 637) وتهذب التهذيب (11/ 142).
(6)
ترجمة - أبي الجهم - في طبقات ابن سعد (5/ 451) والاستيعاب (4/ 32) وأسد الغابة (5/ 57) وتاريخ دمشق (38/ 173 - 185) ط دار الفكر، وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 280) وسير أعلام النبلاء (2/ 556) والإصابة (4/ 35) واسمه: عُبيد - ويقال عامر - بن حذيفة بن عامر بن عبد اللَّه.
(7)
الحديث في صحيح البخاري رقم (5817) في اللباس ومسلم رقم (556) في المساجد. ونصه في البخاري: عن =
وفيها قتل خلق كثير يطول ذكرهم]
(1)
.
ثم دخلت سنة ثمان وستين
وفيها رد عبد اللَّه أخاه مصعبًا إلى إمرة البصرة، فأتاها فأقام بها، واستخلف على الكوفة الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي، قُباع.
[واستعمل
(2)
على المدينة جابر بن الأسود الزّهريّ، وعزل عنها عبد الرحمن بن الأشعث لكونه ضرب سعيد بن المسيِّب ستين سوطًا، فإنه أراد منه أن يبايع لابن الزبير فامتنع من ذلك فضربه، فعزله ابن الزبير.
وفيها هلك ملك الروم قسطنطين بن قسطنطين ببلده]
(3)
.
وفيها كانت وقعة الأزارقة، وذلك أن مصعبًا كان قد عزل عن ناحية فارس المهلَّب بن أبي صفرة، وكان قاهرًا لهم وولاه الجزيرة وأذربيجان
(4)
، [وكان المهلب قاهرًا للأزارقة] وولى على فارس عمر بن عبيد اللَّه بن مَعمَر، فثاروا عليه فقاتلهم عمر بن عبيد اللَّه فقهرهم وكسرهم، وكانوا مع أميرهم الزبير بن الماحوز
(5)
، ففروا بين يديه إلى إصطخر فاتبعهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتلوا ابنه
(6)
، ثم ظفر بهم مرة أخرى، ثم هربوا إلى بلاد أصبهان ونواحيها، فتقووا هنالك وكثر عددهم وعدتهم، ثم أقبلوا يريدون البصرة، فمروا ببعض بلاد فارس وتركوا عمر بن عبيد اللَّه بن معمر وراء ظهورهم، فلما سمع مصعب بقدومهم ركب في الناس وجعل يلوم عمر بن عبيد اللَّه بتركه هؤلاء يجتازون ببلاده، وقد ركب عمر بن عبيد اللَّه في آثارهم، فبلغ الخوارج أن مصعبًا أمامهم وعمر بن عبيد اللَّه من ورائهم، فعدلوا إلى المدائن فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالًا لم يفعلها غيرهم
(7)
، فقصدهم
= عائشة قالت صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في خميصة له لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما سلَّم قال (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي، وائتوني بأنبجانية آبى جهم بن حذيفة بن غانم من بني عدي بن كعب".
والأنبجاية: كساء من صوف لا عَلَمَ له، وهي من أدون الثياب الغليظة.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(2)
أي عبد اللَّه بن الزُّبير.
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط وهي موافقة للطبري (6/ 119).
(4)
في تاريخ الطبري (6/ 119) أنه وجهه إلى الموصل ونواحيها.
(5)
في ط: ماجور، وما أثبت موافق للطبري.
(6)
سماه الطبري وابن الأثير: عبيد اللَّه بن عمر.
(7)
في ب: ويفعلون ما لا يفعله غيرهم، والخبر في تاريخ الطبري (6/ 121).
نائب الكوفة الحارث بن أبي ربيعة ومعه أهلها وجماعات من أشرافها، منهم إبراهيم بن الأشتر وسبَث بن رِبْعيّ، فلما وصلوا إلى جسر الصراة
(1)
قطعه الخوارجِ بينه وبينهم، فأمر الأمير بإعادته فأعيد، ففرت الخوارج هاربين بين يديه، فاتبعهم عبد الرحمن بن مِخْنف في ستة آلاف فمروا على الكوفة ثم صاروا إلى أرض أصبهان، فانصرف عنهم ولم يقاتلهم، ثم أقبلوا فحاصروا عَتّاب بن ورقاء شهرًا، بمدينة جيا
(2)
، حتى ضيقوا على الناس فنزلوا إليهم فقاتلوهم فكشفوهم وقتلوا أميرهم الزبير بن الماحوز وغنموا ما في معسكرهم، وأمَّرت الخوارج عليهم قَطَريّ بن الفجاءة ثم ساروا إلى بلاد الأهواز، فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة -وهو على الموصل- أن يسير إلى قتال الخوارج وكان أبصر الناس بقتالهم، وبعث مكانه إلى الموصل إبراهيمَ بن الأشتر فانصرف المهلب إلى الأهواز فقاتل فيها الخوارج ثمانية أشهر قتالًا لم يسمع بمثله.
قال ابن جرير
(3)
: وفي هذه السنة كان القحط الشديد ببلاد الشام بحيث لم يتمكنوا معه من الغزو لضعفهم وقلة طعامهم وميرتهم.
قال ابن جرير: وفيها قتل عبيد اللَّه بن الحر
(4)
وكان من خبره أنه كان رجلًا شجاعًا تتقلب به الأحوال والأيام والآراء، حتى صار من أمره أنه لا يُطيع لأحدٍ من بني أمية ولا لآل الزبير، وكان يمر على عامل الكورة من العراق وغيره فيأخذ منه جميع ما في بيت ماله من الحواصل قهرًا ويكتب له به براءة ويذهب فينفقه على أصحابه. وكان الخلفاء والأمراء يبعثون إليه الجيوش فيردها ويكسرها قلّت أو كثرت، حتى كان فيه مصعب بن الزبير وعماله ببلاد العراق، ثم إنه وفد على عبد الملك بن مروان فبعثه في عشرة نفر وقال: ادخل الكوفة وأعلمهم أن الجنود ستصل إليهم سريعًا، فبعث في السر إلى جماعة من إخوانه يظهرهم على أمرهم، فأعلم أمير الكوفة الحارث بن عبد اللَّه فبعث إليه جيشًا فقتلوه في المكان الذي هو فيه
(5)
، وحمل رأسه إلى الكوفة، ثم إلى البصرة، واستراح الناس منه.
قال ابن جرير
(6)
: وفيها شهد موقف عرفات أربع رايات متباينة، كل واحدة منها لا تأتم بالأخرى الواحدة لمحمد بن الحنفية في أصحابه.
والثانية لنجدة الحَرُوري وأصحابه.
والثالثة لبني أمية.
(1)
في أ، ب: الصرّار، وما أثبت موافق للمصادر.
(2)
في الطبري (6/ 125) حيّ.
(3)
تاريخ الطبري (6/ 127).
(4)
في أ، ب: أبجر؛ خطأ، وما هنا موافق للمصادر.
(5)
في الطبري: أنه قتل بالأنبار.
(6)
تاريخ الطبري (6/ 138).
والرابعة لعبد اللَّه بن الزّبير.
وكان أول من دفع رايته ابن الحنفية، ثم نجدة، ثم بنو أمية، ثم دفع ابن الربير فدفع الناس معه، وكان عبد اللَّه بن عمر فيمن انتظر دفع ابن الزبير، ولكنَّه تأخر دفعه، فقال ابن عمر: أشبه بتأخيره دفع الجاهلية، فدفع ابن عمر فدفع ابن الزبير، وتحاجز الناس في هذا العام، فلم يكن بينهم قتال. وكان على نيابة المدينة لابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري من جهة ابن الزبير، وعلى الكوفة والبصرة أخوه مصعب، وعلى ملك الشام ومصر عبد الملك بن مروان، واللَّه أعلم.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:
عبد اللَّه بن يزيد الأوسي
(1)
، شهد الحديبية.
وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث
(2)
.
وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي
(3)
، ابن أخي عمر بن الخطاب، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي بالمدينة عن نحو سبعين سنة.
عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري
(4)
.
عدي بن حاتم بن عبد اللَّه
(5)
بن سعد بن امرئ القيس، صحابي جليل، سكن الكوفة ثم سكن قرقيسيا
(6)
.
(1)
ترجمة - عبد اللَّه بن يزيد - في طبقات ابن سعد (16/ 18) والمعرفة والتاريخ (1/ 262) والجرح والتعديل (5/ 197) والاستيعاب (2/ 391) وأسد الغابة (3/ 274) وتهذيب الكمال (16/ 301 - 303) وتاريخ الإسلام للذهبي (5/ 167 - 168) وسير أعلام النبلاء (3/ 197 - 198) والإصابة (2/ 382) وتهذيب التهذيب (6/ 78).
(2)
ترجمة - عبد الرحمن بن الأسود - في طبقات ابن سعد (5/ 7) وطبقات خليفة (233) وأنساب الأشراف (1/ 36 و 90) والمعرفة والتاريخ (1/ 369) والاستيعاب (2/ 427) وتهذيب الكمال (2/ 774 - 775) وتاريخ الإسلام (5/ 170 - 171) والإصابة (2/ 390) وتهذيب التهذيب (6/ 139 - 140).
(3)
ترجمة - عبد الرحمن بن زيد - في طبقات ابن سعد (5/ 49) وتاريخ خليفة (251) وطبقاته (234) والتاريخ الكبير (5/ 284) والمعرفة والتاريخ (2/ 809) والاستيعاب (2/ 425) ووفيات الأعيان (5/ 247) وتهذيب الكمال (2/ 789) وتاريخ الإسلام (5/ 174) وقال الذهبي: توفي أيام ابن الزبير، وتهذيب التهذيب (6/ 179 - 180).
(4)
ترجمة - عبد الرحمن بن حسان - في طبقات ابن سعد (5/ 266) وطبقات خليفة (251) وأنساب الأشراف (1/ 45، 151) والمعرفة والتاريخ (1/ 235) ووفيات الأعيان (5/ 193) وتاريخ الإسلام (5/ 171 - 172) وتهذيب التهذيب (6/ 162 - 163).
(5)
ترجمة - عدي بن حاتم - في طبقات ابن سعد (6/ 22) وطبقات خليفة (463) والتاريخ الكبير (7/ 43) والاستيعاب (3/ 141 - 143) وأسد الغابة (3/ 392) وتهذيب الكمال (524 - 531) وتاريخ الإسلام (5/ 181 - 182) وسير أعلام النبلاء (3/ 162 - 165) والإصابة (2/ 468) وتهذيب التهذيب (7/ 166) وشذرات الذهب (1/ 74).
(6)
في الأصل: قوميسيا، وهو خطأ.
زيد بن أرقم بن زيد
(1)
، صحابي جليل
(2)
.
وفيها توفي:
عبد اللَّه بن عابس
(3)
ترجمان القرآن وابن عم رسول الملك الديّان هو عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو العباس الهاشمي ابن عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حَبر هذه الأمة، ومفسِّر كتاب اللَّه وترجمانه، كان يقال له الحبر والبحر، وروى عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا كثيرًا، وعن جماعة من الصحابة، وأخذ عنه خلق من الصحابة وأمم من التابعين، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة فضله ونبل أصله، رضي الله عنه وأرضاه. وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وهو والد الخلفاء العباسيين، وهو أخو إخوة عشرة ذكور من أم الفضل [للعباس، وهو آخرهم مولدًا] وقد مات كل واحد منهم في بلد بعيد عن الآخر جدًا كما سيأتي ذلك.
قال مسلم بن خالد الزنجي المكي: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.
قال: لما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الشِّعب
(4)
جاء أبي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد أرى أم الفضل قد اشتملت على حمل، فقال:"لعل اللَّه أن يقرَّ أعينكم". قال: فلما ولدتني أتى بي رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا في خرقة فحنكني بريقه.
قال مجاهد: فلا نعلم أحدًا حنكه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بريقه غيره
(5)
.
(1)
ترجمة - زيد بن أرقم - في طبقات ابن سعد (6/ 18) وطبقات خليفة (594) والمعرفة والتاريخ (1/ 303) والاستيعاب (1/ 556 - 558) وأسد الغابة (2/ 219) وتهذيب الكمال (10/ 9 - 12) وتاريخ الإسلام (5/ 117 - 119) وسير أعلام النبلاء (3/ 165 - 168) والإصابة (1/ 560) وتهذيب التهذيب (3/ 394) وشذرات الذهب (1/ 74).
(2)
جملة الوفيات ساقطة من أ، ب، م.
(3)
ترجمة - عبد اللَّه بن عباس - في طبقات ابن سعد (2/ 365) ونسب قريش (26) وطبقات خليفة (821 و 1485) وتاريخ البخاري (5/ 3) وأنساب الأشراف (3/ 28، 55) والمعرفة والتاريخ (1/ 241، 270) والاستيعاب (2/ 350 - 357) وتاريخ بغداد (1/ 173) وتاريخ دمشق (29/ 285) وأسد الغابة (3/ 290) ووفيات الأعيان (3/ 62) وتهذيب الكمال (15/ 154) وتاريخ الإسلام (5/ 148 - 161) وفيه استيعاب لمصادر ترجمته، وسير أعلام النبلاء (3/ 331 - 359) والإصابة (2/ 330) وتهذيب التهذيب (5/ 276).
(4)
الشِّعب: بكسر الشين، كان منزل بني هاشم غير مساكنهم، ويعرف بشعب أبي يوسف، وهو الشعب الذي أوى إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبنو هاشم لما تحالفت قريش على بني هاشم وكتبوا الصحيفة. شرح المواهب اللدنية (1/ 278).
(5)
تاريخ دمشق (29/ 288) ط دار الفكر.
وفي رواية أخرى فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لعل اللَّه أن يبيض وجوهنا بغلام" فولدت عبد اللَّه بن عباس
(1)
.
وعن عمرو بن دينار قال: ولد ابن عباس عام الهجرة
(2)
.
وروى الواقدي من طريق شعبة، عن ابن عباس أنه قال: ولدتُ قبل الهجرة بثلاث سنين، ونحن في الشعب، وتوفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، ثم قال الواقدي: وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم. واحتج الواقدي بأنه كان قد ناهز الحلم عام حجة الوداع.
وفي صحيح البخاري
(3)
عن ابن عباس قال: توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا مختون، وكانوا لا يختنون الغلام حتى يحتلم.
وقال شعبة وهشيم وأبو عوانة
(4)
: عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين مختون
(5)
.
زاد هشيم
(6)
: وقد جمعت المحكم على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. قلت: وما المحكم؟ قال: المفصل.
وقال أبو داود الطيالسى
(7)
: عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قبض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة مختون، وهذا هو الأصح، ويؤيده صحة ما ثبت في الصحيحين، ورواه مالك، عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس قال: أقبلت راكبًا على أتانٍ وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف، فلم ينكر عليّ ذلك أحد
(8)
. وثبت عنه في الصحيح
(9)
أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، كانت أمي من النساء وكنت أنا من الولدان. وهاجر مع أبيه عام الفتح، فاتفق لقياهما النبي صلى الله عليه وسلم بالجُحفة، وهو ذاهب لفتح مكة، فشهدا الفتح وحنينًا
(1)
المصدر نفسه.
(2)
تاريخ دمشق (29/ 289).
(3)
صحيح البخاري رقم (6299) في الاستئذان.
(4)
في ط: هشام وابن عوانة، والتصحيح من م والبخاري رقم (5035) و (5036).
(5)
رواه أحمد في مسنده (1/ 253 و 287 و 357) وقال ابن حجر في الإصابة (2/ 330) قوله: ابن عشر سنين محمول على إلغاء الكسر.
(6)
في ط: هشام، والتصحيح من م والبخاري.
(7)
مسند أبي داود الطيالسي (343).
(8)
أخرجه مالك في الموطأ (1/ 155) في قصر الصلاة، وأحمد في مسنده (1/ 264). والبخاري في صحيحه رقم (493) في الصلاة باب: سترة المصلي، ومسلم في صحيحه رقم (504) في الصلاة.
(9)
صحيح البخاري (1357) في الجنائز.
والطائف عام ثمان، وقيل: كان في سنة تسع وحجة الوداع سنة عشر، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ولزمه، وأخذ عنه وحفظ وضبط الأقوال والأفعال والأحوال، وأخذ عن الصحابة علمًا عظيمًا مع الفهم الثاقب، والبلاغة والفصاحة والجمال والملاحة، والأصالة والبيان، ودعا له رسول الرحمن صلى الله عليه وسلم، كما وردت به الأحاديث الثابتة الأركان، عند الأئمة الحفاظ المرضيين أنه صلى الله عليه وسلم "دعا له بأن يعلمه التأويل، وأن يفقهه في الدين".
قال الزبير بن بكار
(1)
: حدَّثني ساعدة بن عبيد اللَّه المزني، عن داود بن عطاء، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أنه قال: إن عمر كان يدعو عبد اللَّه بن عباس فيقرِّبه ويقول: إني رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دعاك يومًا فمسح رأسك وتفل في فيك وقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". وبه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم بارك فيه وانشر منه".
وقال حماد بن سلمة: عن عبد اللَّه بن عثمان بن خُثَيم
(2)
، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: بتُّ في بيت خالتي ميمونة فوضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلًا، فقال:"من وضح هذا؟ " قالوا: عبد اللَّه بن عباس، فقال:"اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين". وقد رواه غير واحد
(3)
عن ابن خُثَيم (2) بنحوه.
وقال الإمام أحمد
(4)
: حدَّثنا عبد اللَّه بن بكر حدَّثنا حاتم بن أبي صغيرة
(5)
، أبو يونس، عن عمرو بن دينار: أن كريبًا أخبره أن ابن عباس قال: أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجَّرني فجعلني حذاءه، فلما أقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على صلاته خنست فصلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلما انصرف قال لي
(6)
: "ما شأني أجعلك حذائي
(7)
فتخنس"؟ فقلت: يا رسول اللَّه أو ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول اللَّه الذي أعطاك اللَّه عز وجل؟ قال: فأعجبته فدعا اللَّه لي أن يزيدني علمًا وفهمًا، قال: ثم رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نام حتى سمعته ينفُخُ
(8)
، ثم أتاه بلال فقال: يا رسول اللَّه الصلاة، فقام فصلى ما أعاد وضوءًا.
وقال الإمام أحمد
(9)
وغيره: حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا ورقاء، وسمعت عبيد اللَّه بن أبي يزيد يحدث عن ابن عباس قال: أتى رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم الخلاءَ فوضعتُ له وَضُوءًا، فلما خرج قال:
(1)
أخرجه البلاذري في "أنساب الأشراف"(3/ 37) وذكره الذهبي في السير (3/ 337).
(2)
في الأصل: خيثم، وهو خطأ.
(3)
رواه الإمام أحمد في مسنده (1/ 266) وابن سعد في الطبقات (2/ 365) والبلاذري في أنساب الأشراف (3/ 28) والطبراني في المعجم الكبير (10587) والحاكم في المستدرك (3/ 534) وصححه.
(4)
مسند الإمام أحمد (1/ 330)، وهو حديث صحيح.
(5)
في ط: حدثنا عبد اللَّه بن بكر بن أبي صفرة؛ خطأ، والتصحيح من أ، ب ومسند أحمد.
(6)
في ط: "انصرف من صلاته قال"، وما أثبتناه من م ومسند أحمد.
(7)
في ط: "في حذائي"، وما أثبتناه من م ومسند أحمد.
(8)
في ط: "سمعت نفخه"، وما أثبتناه من م ومسند أحمد.
(9)
مسند الإمام أحمد (1/ 327) بلفظ "اللهم فقهه" وأخرجه أحمد من طريق أخرى كاملًا باللفظ المذكور (1/ 266).
"من وضع ذا؟ " فقيل ابن عباس، فقال:"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
وقال الثوري وغيره: عن ليث، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن ابن عباس أنه رأى جبريل وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دعا له بالحكمة، وفي رواية بالعلم، مرتين
(1)
.
وقال الدارقطني: حدَّثنا حمزة بن القاسم الهاشمي وآخرون قالوا: حدَّثنا العباس بن محمد، حدَّثنا محمد بن مصعب عن أبي مالك
(2)
النخعي، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رأيت جبريل مرتين، ودعا لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين ثم قال: غريب من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عكرمة تفرّد به عنه أبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين.
وقال الإمام أحمد: حدَّثنا هشيم
(3)
، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: ضمني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم علّمه الحكمة"
(4)
.
ورواه أحمد أيضًا: عن إسماعيل بن عُلية، عن خالدٍ الحذاء، عن عكرمة عنه قال: ضمني إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم علّمه الكتاب". وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه
(5)
من حديث خالد وهو ابن مهران الحذَّاء، عن عكرمة عنه وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الإمام أحمد
(6)
: حدَّثنا أبو سعيد، حدَّثنا سليمان بن بلال، حدَّثنا حسين بن عبد اللَّه عن
(7)
عكرمة، عن ابن عباس. أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل". تفرد به أحمد، وقد روى هذا الحديث غير واحد عن عكرمة بنحو هذا. ومنهم من أرسله عن عكرمة، والمتصل هو الصحيح، فقد رواه غير واحد من التابعين عن ابن عباس، وروي من طريق أمير المؤمنين المهدي، عن أبيه، عن أبي جعفر المنصور -عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس- عن أبيه، عن جده، عن عبد اللَّه بن عباس. أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم علمه الكتاب وفقهه في الدين".
وقال الإمام أحمد
(8)
: حدَّثنا أبو كامل وعفان المعني قالا: حدَّثنا حمّاد، حدَّثنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس. قال: كنت مع أبي عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل يناجيه، قال عفان: وهو
(1)
أخرجه الترمذي في جامعه رقم (3822) في المناقب وإسناده ضعيف؛ لإرساله فإن أبا جهضم لم يدرك ابن عباس.
(2)
في الأصل: ابن أبي مالك، وهو خطأ.
(3)
في ط: "هاشم"، وما أثبتناه من م وهو الصواب.
(4)
رواه أحمد في مسنده (1/ 214) عن شيخه هشام، بلفظ:"مسح النبي صلى الله عليه وسلم رأسي ودعا لي بالحكمة".
(5)
رواه أحمد (1/ 359) والبخاري في صحيحه رقم (75) في العلم، والترمذي في الجامع الصحيح رقم (3824) في المناقب، والنسائي في سننه الكبرى رقم (8179) في المناقب، وابن ماجه في سننه رقم (166) في السنة.
(6)
مسند الإمام أحمد (1/ 269)، وهو حديث حسن.
(7)
في الأصل: عبد اللَّه عن عكرمة، والتصحيح من م والمسند.
(8)
مسند الإمام أحمد (1/ 312) وهو حديث صحيح.
كالمعرض عن العباس، فخرجنا من عنده فقال
(1)
: ألم أر ابن عمك كالمعرض عني؟ فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه، قال عفان: فقال
(2)
: أو كان عنده أحد؟ قلت: نعم، قال فرجع إليه فقال: يا رسول اللَّه هل كان عندك أحد
(3)
؟ فإن عبد اللَّه أخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك، قال: هل رأيته يا عبد اللَّه؟ قال: قلت: نعم! قال: "ذاك جبريل عليه السلام".
وقد روي من حديث المهدي عن آبائه، وفيه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال له:"أما إنك ستصاب في بصرك"
(4)
. وكان كذلك، وقد روي من وجه آخر أيضًا، واللَّه أعلم.
ذكر صفة أخرى لرؤيته جبريل
رواها قتيبة، عن الدراوردي، عن ثور بن زيد، عن موسى بن ميسرة: أن العباس بعث ابنه عبد اللَّه في حاجة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فوجد عنده رجلًا فرجع ولم يكلمه من أجل مكان ذلك الرجل، فلقي رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم العباسُ بعد ذلك، فقال العباس: يا رسول اللَّه أرسلت إليك ابني فوجد عندك رجلًا فلم يستطع أن يكلمك فرجع وراءه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"يا عم تدري من ذاك الرجل؟ " قال: لا! قال: "ذاك جبريل، ولن يموت ابنك حتى يذهب بصره ويؤتى علمًا
(5)
. ورواه سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد كذلك، وله طرق أخرى. وقد ورد في فضائله أحاديث كثيرة منها ما هو منكر جدًا أضربنا عن كثير منها [صفحًا] وذكرنا ما فيه مقنع وكفاية عما سواه.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي
(6)
: أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرني عبد اللَّه بن الحسن القاضي بمرو، حدَّثنا الحارث بن محمد، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأ جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قبض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول اللَّه فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجبًا لك يا بن عباس!! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من فيهم؟ قال: فترك ذلك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح عليّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا بن عم رسول اللَّه ما جاء بك؟ هلَّا أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول: لا! أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث، قال: فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع حولي الناس يسألوني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني.
(1)
في ط: "فقال العباس"، وما هنا من م ومسند أحمد.
(2)
في ط: "قال عباس"، وما هنا من م ومسند أحمد.
(3)
في ط: "أحد آنفًا"، وما هنا من م ومسند أحمد.
(4)
مع هذه الزيادة أورده الهيثمي في المجمع (9/ 277).
(5)
رواه البيهقي في دلائل النبوة (6/ 478) والهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 276) وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجاله ثقات.
(6)
رواه ابن سعد (2/ 367) والفَسَوي (1/ 542) والحاكم (3/ 538)، وأورده الهيثمي في المجمع (9/ 277) وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
وقال محمد بن عبد اللَّه الأنصاري: حدَّثنا محمد بن عمرو بن علقمة، حدَّثنا أبو سلمة، عن ابن عباس قال: وجدت عامة علم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم، ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه
(1)
.
وقال محمد بن سعد
(2)
: أبنا محمد بن عمر، حدَّثني قدامة بن موسى، عن أبي سلمة الحضرمي قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدًا منهم إلا سُرَّ بإتياني لقربي من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فجعلت أسأل أبي بن كعب يومًا -وكان من الراسخين في العلم- عما نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزل سبع وعشرون سورة وسائرها بمكة.
وقال أحمد: عن عبد الرزاق، عن معمر قال: عامة علم ابن عباس من ثلاثة، من عمر وعلي وأبيِّ بن كعب.
وقال طاووس، عن ابن عباس أنه قال: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد من ثلاثين من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وقال مغيرة: عن الشعبي قال: قيل لابن عباس: أنَّى أصبتَ هذا العلمَ؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول.
وثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يُجلس ابن عباس مع مشايخ الصحابة ويقول: نِعْمَ ترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس، وكان إذا أقبل يقول عمر: جاء فتى الكهول، وذو اللسان السؤول، والقلب العقول
(3)
.
وثبت في الصحيح
(4)
أن عمر سأل الصحابة عن تفسير: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]، فسكت بعض وأجاب بعضهم بجواب لم يرتضه عمر، ثم سأل ابن عباس عنها فقال: أجَلُ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم نُعيَ إليه، فقال: لا أعلم منها إلا بما تعلم، وأراد عمر بذلك أن يقرر عندهم جلالة قدره، وكبير منزلته في العلم والفهم.
وسأله مرة عن ليلة القدر فاستنبط أنها في السابعة من العشر الأخير، فاستحسنه عمر واستجاده كما ذكرنا في التفسير
(5)
.
(1)
أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/ 368) والبلاذري في أنساب الأشراف (3/ 34 - 35) وذكره الذهبي في السير (3/ 344).
(2)
الطبقات الكبرى (2/ 371) وأبنا، بتقديم الباء على النون، اختصار لكلمة أخبرنا، ولا تأتي في الكتب المطبوعة غالبًا إلا: أنبا، وهذا تحريف قبيح يوهم الكثير أنها اختصار أنبأنا والمعروف في أنبأنا عدم الاختصار.
(3)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (10620) وعنه أبو نعيم في الحلية (1/ 318) والبلاذري في أنساب الأشراف (3/ 37).
(4)
رواه البخاري رقم (4294) في المغازي.
(5)
تفسير ابن كثير (4/ 536).
وقد قال الحسن بن عرفة: حدَّثنا يحيى بن اليمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير عن عمر أنه قال لابن عباس: لقد علمتَ علمًا ما علمنا
(1)
.
وقال الأوزاعي: قال عمر لابن عباس: إنك لأصبح فتياننا وجهًا، وأحسنهم عقلًا، وأفقههم في كتاب اللَّه عز وجل.
وقال مجالد: عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قال لي أبي: إن عمر بن الخطاب يدنيك ويجلسك مع أكابر الصحابة فاحفظ عني ثلاثًا، لا تفشين له سرًا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يجربن عليك كذبًا
(2)
. قال الشعبي: قلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف، فقال ابن عباس: بل كل واحدة خير من عشرة آلاف.
وقال الواقدي: حدَّثنا عبد اللَّه بن الفضل بن أبي عبد اللَّه، عن أبيه، عن عطاء بن يسار: أن عمر وعثمان كانا يدعوان ابن عباس فيسير مع أهل بدر، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى يوم مات.
قلت: وشهد فتح إفريقية سنة سبع وعشرين مع ابن أبي سرح
(3)
.
وقال الزُّهري: عن علي بن الحسين، عن أبيه قال: نظر أبي إلى ابن عباس يوم الجمل يمشي بين الصفين، فقال: أقر اللَّه عين من له ابن عم مثل هذا.
وقد شهد مع علي الجمل وصفين وكان أميرًا على الميسرة، وشهد معه قتال الخوارج.
وكان ممن أشار على علي أن يستنيب معاوية على الشام، وأن لا يعزله عنها في بادئ الأمر، حتى قال له فيما قال: إن أحببت عزله فوله شهرًا واعزله دهرًا، فأبى علي إلا أن يقاتله
(4)
، فكان ما كان مما قد سبق [بيانه].
ولما تراوض الفريقان على تحكيم الحكمين طلب ابن عباس أن يكون من جهة علي ليكافئ عمرو بن العاص، فامتنعت مذحج وأهل اليمن إلا أن يكون من جهة علي أبو موسى الأشعري، وكان من أمر الحكمين ما سلف.
وقد استنابه علي على البصرة، وأقام للناس الحج في بعض السنين فخطب بهم في عرفات خطبة وفسر فيها سورة البقرة، وفي رواية سورة النور، قال من سمعه: فسر ذلك تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا
(5)
.
(1)
أنساب الأشراف للبلاذري (3/ 37).
(2)
أنساب الأشراف (3/ 51) وحلية الأولياء (1/ 318) ونسب قريس (36) والمعرفة والتاريخ (1/ 533).
(3)
تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 152).
(4)
ذكر ذلك الذهبي في السير (3/ 139).
(5)
أنساب الأشراف (3/ 38) والمستدرك (3/ 537) وحلية الأولياء (1/ 324) وسير أعلام النبلاء (3/ 351).
وهو أول من عرّف بالناس في البصرة، فكان يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل البصرة حوله فيفسر شيئًا من القرآن، ويذكِّر الناس من بعد العصر إلى الغروب، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب
(1)
، وقد اختلف العلماء بعده في ذلك [فمنهم من كره ذلك وقال: هو بدعة لم يعملها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه إلا ابن عباس، ومنهم من الممتحب ذللق لأجل ذكر اللَّه وموافقة الحجاج]
(2)
.
وقد كان ابن عباس ينتقد على علي في بعض أحكامه فيرجع إليه علي في ذلك، كما قال الإمام أحمد
(3)
: حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا أيوب، عن عكرمة: أن عليًا حرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم
(4)
بالنار، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"لا تعذبوا بعذاب اللَّه" وكنت
(5)
قاتلهم لقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه". فبلغ ذلك عليًا فقال: ويح ابن عباس. وفي رواية ويح ابن عباس إنه لغواص على الهنات. وقد كافأه علي، فإن ابن عباس كان يرى إباحة المتعة، وأنها باقية، وتحليل الحمر الإنسية، فقال علي: إنك امرؤ تائه، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الإنسية يوم خيبر؟
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين
(6)
وغيرهما، وله ألفاظ هذا من أحسنها، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
وقال البيهقي: أبنا أبو عبد اللَّه الحافظ قال: سمعت أبا بكر بن المؤمل يقول: سمعت أبا نصر بن أبي ربيعة يقول: ورد صعصعة بن صوحان على علي بن أبي طالب من البصرة فسأله عن ابن عباس -وكان علي خلَفه بها- فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين، إنه آخذ بثلاث وتارك لثلاث.
آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حُدث، وبأيسر الأمرين إذا خولف. وترك المراء ومقارنة اللئيم، وما يعتذر منه.
وقال الواقدي: حدّثنا أبو بكر بن أبي سَبْرَة، عن موسى بن سعد، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه. قال: ما رأيت أحدًا أحْضَر فهمًا ولا ألبَّ لُبًّا، ولا أكثر عِلمًا، ولا أوسع حِلمًا من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ثم يقول: عندك قد جاءتك مُعضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإنَّ حولَه لأهلُ بدرٍ من المهاجرين والأنصار
(7)
.
(1)
سير أعلام النبلاء (3/ 351).
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
مسند الإمام أحمد (1/ 217)، ومن غير طريق إسماعل في المسند أيضًا (1/ 220 و 282).
(4)
في ط: "لو كنت أنا لم أحرقهم"، وما هنا من م ورواية المسند من طريق إسماعيل.
(5)
في ط: "بل كنت"، وما هنا من م والمسند.
(6)
صحيح البخاري رقم (5115) في النكاح، ورقم (4216) شي المغازي، وصحيح مسلم رقم (1407)(30) في النكاح.
(7)
طبقات ابن سعد (2/ 369) وذكره الذهبي في السير (3/ 347) بهذا السند.
وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: لو أدرك ابن عبَّاس أسناننا ما عَشرهُ منَّا أحد. وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس
(1)
.
وعن ابن عمر أنه قال: ابن عباس أعلم الناس بما أنزل اللَّه على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال محمد بن سعد
(2)
: حدّثنا محمد بن عمر، حدّثني يحيى بن العلاء، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول حين بلغه موت ابن عباس وصفَّق بإحدى يديه على الأخرى: مات اليوم أعلم الناس وأحلم الناس، وقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا تُرْتَق.
وبه إلى يحيى بن العلاء، عن عمر بن عبد اللَّه، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. قال: لما مات ابن عباس قال رافع بن خديج: مات اليوم من كان يحتاج إليه منْ بين المشرق والمغرب في العلم.
قال الواقدي: وحدّثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة قال: سمعت معاوية يقول: مولاك
(3)
واللَّه أفقه من مات ومن عاش
(4)
.
وروى ابن عساكر
(5)
: عن ابن عباس قال: دخلت على معاوية حين كان الصلح وهو أول ما التقيت أنا وهو، فإذا عنده أناس فقال: مرحبًا بابن عباس، ما تحاكت الفتنة بيني وبين أحد كان أعز علي بُعدًا ولا أحب إليّ قربًا
(6)
، الحمد للَّه الذي أمات عليًا، قال ابن عباس: فقلت له: إن اللَّه لا يُذمُّ في قضائه، وغير هذا الحديث أحسن منه، ثم قلت له: أحب أن تعفيني من ابن عمي وأعفيك من ابن عمك، قال: ذلك لك.
وقالت عائشة وأم سلمة حين حج ابن عباس بالناس: هو أعلم الناس بالمناسك
(7)
.
وقال ابن المبارك: عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت فأخذ ابن عباس بركابه فقال: لا تفعل يا بن عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد: أنى يداك؟ فأخرج يديه فقبَّلهما فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
(1)
طبقات ابن سعد (2/ 366) والمعرفة والتاريخ (1/ 495) والمستدرك (3/ 537) وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (3/ 347) بهذا السند.
(2)
الطبقات الكبرى (2/ 372).
(3)
في الأصول: مات؛ خطأ، والتصحيح من المصادر.
(4)
طبقات ابن سعد (2/ 369) والمعرفة والتاريخ (1/ 495) وسير أعلام النبلاء (3/ 348).
(5)
تاريخ دمشق (29/ 287).
(6)
في تاريخ دمشق: ولا أحبّ إليَّ قريبًا منك.
(7)
طبقات ابن سعد (2/ 369) والمعرفة والتاريخ (1/ 495).
وقال الواقدي: حدّثني داود بن جبير
(1)
، سَمعت ابن المسيب يقول: ابن عباس أعلم الناس
(2)
.
وحدّثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه قال: كان ابن عباس قد فات
(3)
الناس بخصال؛ بعلم ما سبق إليه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب
(4)
ونائل، وما رأيت أحدًا كان أعلم بما سبقه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم منه، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أعلم فيما مضى ولا أثقب رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يومًا ما يذكر فيه إلا الفقه، ويومًا ما يذكر فيه إلا التأويل، ويومًا ما يذكر فيه إلا المغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيام العرب، وما رأيت عالمًا قط جلس إليه إلا خضع له، ولا وجدت سائلًا سأله إلا وجد عنده علمًا. قال: وربما حفظت القصيدة من فيه ينشدها ثلاثين بيتًا
(5)
.
وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت مثل ابن عباس قط.
وقال عطاء: ما رأيت مجلسًا أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر فقهًا، ولا أعظم [هيبة]؛ أصحاب القرآن يسألونه، وأصحاب العربية يسألونه، وأصحاب الشعر عنده يسألونه، فكلهم يصدر في وادٍ واسع
(6)
.
وقال الواقدي: حدّثني بشر بن أبي مسلم، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: كان ابن عباس قد بسق
(7)
على الناس في العلم كما تبسق النخلة السحوق على الوَدِيِّ الصغار
(8)
.
وقال ليث بن أبي سُليم: قلت لطاووس: لم لزمت هذا الغلام؟ -يعني ابن عباس- وتركت الأكابر من الصحابة؟ فقال: إني رأيت سبعين من الصحابة إذا تماروا في شيء صاروا إلى قوله
(9)
.
وقال طاووس أيضًا: ما رأيت أفقه منه، قال: وما خالفه أحد قط فتركه حتى يقرره.
وقال علي بن المديني ويحيى بن معين وأبو نعيم وغيرهم عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن
(1)
في ط: داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، وما أثبت من م والطبقات.
(2)
طبقات ابن سعد (2/ 368 - 369).
(3)
في أ: فاق.
(4)
في الطبقات: وسَيْب، والسَّيْب: العطاء والعرف. القاموس (سيب).
(5)
طبقات ابن سعد (2/ 368) وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (3/ 350) بأخصر مما هنا.
(6)
طبقات ابن سعد (2/ 367).
(7)
بسق الرجل: أي علا ذكره في الفضل. المعجم الوسيط.
(8)
طبقات ابن سعد (2/ 370).
(9)
طبقات ابن سعد (2/ 366 - 367).
مجاهد. قال: ما رأيت مثله قط، ولقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة -يعني ابن عباس
(1)
-.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة وغيره: عن أبي أسامة، عن الأعمش، عن مجاهد. قال: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه
(2)
.
وروى الواقدي والزبير بن بكار عن مجاهد أنه قال: كان ابن عباس أمدهم قامة، وأعظمهم جفنة، وأوسعهم علمًا.
وقال مجاهد أيضًا: ما رأيت أحدًا قط أعرب لسانًا من ابن عباس. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خير من مجلسه -يعني ابن عباس- الحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر والطعام.
وقال محمد بن سعد
(3)
: حدّثنا عفان بن مسلم، حدّثنا سليم بن أخضر، عن سليمان التيمي -أنبأني من أرسله الحكم بن أيوب
(4)
- إلى الحسن يسأله من أول من جمّع بالناس في هذا المسجد يوم عرفة؟ فقال: إن أول من جمَّع ابن عباس، وكان رجلًا مِثَجًا -أحسب في الحديث- كثير العلم، وكان يصعد المنبر فيقرأ سورة البقرة ويفسرها آية آية.
وقد رُوي من وجه آخر عن الحسن البصري نحوه.
وقال عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري: روى سفيان عن أبي بكر الهذلي عن الحسن قال: كان ابن عباس أول من عرّف بالبصرة، صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران ففسرهما حرفًا حرفًا. مثجى: قال ابن قتيبة: مِثَجًا من الثج وهو السَّيلان، قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} [النبأ: 14].
وقال يونس بن بكير: حدّثنا أبو حمزة الثمالي، عن أبي صالح: قال لقد رأيت من ابن عباس مجلسًا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخرًا
(5)
، لقد رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب، قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءًا، قال: فتوضأ وجلس وقال: اخرج فقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أريد منه فليدخل. قال: فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا. ثم
(1)
أخرجه الحاكم في مستدركه (3/ 535) وذكره الذهبي في السير (3/ 350).
(2)
أنساب الأشراف (3/ 33) والمستدرك (3/ 535) وحلية الأولياء (1/ 316).
(3)
طبقات ابن سعد (2/ 367) وأنساب الأشراف (3/ 34) وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام (5/ 199) وسير أعلام النبلاء (3/ 351). ومعنى مثجًا: أي يصب الكلام صبًا.
(4)
تحرفت في ط إلى: أديب.
(5)
في ط: به الفخر، وما أثبت يوافق حلية الأولياء (1/ 395) والخبر بطواط فيه.
قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل، قال: فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله أو أكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، ثم قال اخرج فقل: من كان يريد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها، فليدخل، فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم مثله أو أكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من كان يريد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل، فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم فخرجوا، قال أبو صالح: فلو أنَّ قريشًا كلها فخرت بذلك لكان فخرًا، فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس.
وقال طاوس وميمون بن مهران: ما رأينا أورع من ابن عمر ولا أفقه من ابن عباس
(1)
، قال ميمون: وكان ابن عباس أفقههما.
وقال شريك القاضي، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس، فإذا نطق، قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث، قلت: أعلم الناس
(2)
.
وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الحارث، عن عكرمة قال: كان ابن عباس أعلمهما بالقرآن، وكان علي أعلمهما بالمبهمات
(3)
.
وقال إسحاق بن راهويه: إنما كان كذلك، لأن ابن عباس كان قد أخذ ما عند علي من التفسير، وضم إلى ذلك ما أخذه عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبيّ بن كعب وغيرهم من كبار الصحابة. مع دعاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم له أن يعلمه اللَّه الكتاب.
وقال أبو معاوية: عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: خطب ابن عباس وهو على الموسم فافتتح سورة البقرة، فجعل يقرأها ويفسرها فجعلت أقول ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته فارس والروم لأسلمت
(4)
.
وقد روى أبو بكر بن عياش: عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل: أن ابن عباس حج بالناس عام قتل عثمان، فقرأ سورة النور وذكر نحو ما تقدم، فلعل الأول كان في زمان علي فقرأ في تلك الحجة سورة البقرة، [وفي فتنة عثمان سورة النور، واللَّه أعلم].
(1)
طبقات ابن سعد (2/ 266) والمعرفة والتاريخ (1/ 496) وذكره الذهبي في السير (3/ 350).
(2)
أنساب الأشراف (3/ 30).
(3)
طبقات ابن سعد (2/ 367).
(4)
أنساب الأشراف (3/ 38) والمستدرك (3/ 537) وحلية الأولياء (1/ 294).
وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، وقال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس مرتين من أوله إلى آخره أقف عند كل آية أسأله عنها.
وروي عنه أنه قال أربع من القرآن لا أدري ما به جيء، الأواه، وحنانًا، والرقيم، والغسلين. وكل القرآن أعلمه إلا هذه الأربع
(1)
.
وقال ابن وهب وغيره عن سفيان بن عيينة، عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سُئل عن مسألة، فإن كانت في كتاب اللَّه قال بها، فإن لم تكن وهي في السنة قال بها، فإن لم يقلها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإن وجدها عن أبي بكر وعمر قال بها، وإلّا اجتهد رأيه
(2)
.
وقال يعقوب بن سفيان
(3)
: حدّثنا أبو عاصم، وعبد الرحمن بن حماد الشعيثي
(4)
، عن كهمس بن الحسن، عن عبد اللَّه بن بريدة. قال: شتم رجل ابن عباس فقال له: إنك لتشتمني وفيّ ثلاث خصال، إني لآتي على الآية من كتاب اللَّه فلوددت أن الناس علموا منها مثل الذي أعلم، وإنى لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل، ويحكم بالقسط؛ فأفرح به [وأدعو إليه] ولعلِّي لا أقاضي إليه، ولا أحاكم أبدًا، وإني لأسمع بالغيث يصيب الأرض من أرض المسلمين فأفرح به ومالي بها من سائمة أبدًا.
ورواه البيهقي
(5)
عن الحاكم، عن الأصم، عن الحسن بن مكرم، عن يزيد بن هارون، عن كهمس به.
وقال الواقدي: سأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى: {أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] فقال: كانت السماء رتقًا لا تمطر، والأرض رتقًا لا تنبت؛ ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات
(6)
.
وقال ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس من المدينة إلى مكة، وكان يصلي ركعتين، فإذا نزل قام
(1)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (15/ 199) وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 155) ولكن هنا زيادة: الأواه.
(2)
طبقات ابن سعد (2/ 366).
(3)
المعرفة والتاريخ (1/ 526).
(4)
في ط: "عبد الرحمن بن الشعبي"!، وهو تحريف.
(5)
شعب الإيمان (7/ 503 - 504) رقم (11137) وذكره الهيثمي في المجمع (9/ 284) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(6)
من قوله: قال الواقدي. . . إلى هنا ساقط من ط، والخبر في حلية الأولياء (1/ 395) بسند ليس فيه الواقدي، والإصابة (4/ 127) عن أبي نعيم.
شطر اللّيل، ويرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب ويقرأ
(1)
: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19].
وقال الأصمعي: عن المعتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم [عن أبي رجاء]
(2)
قال: كان في هذا المكان -وأومأ إلى مجرى الدموع من خديه يعني خدي ابن عباس- مثل الشراك البالي من البكاء
(3)
.
وقال غيره: كان يصوم يوم الإثنين والخميس، وقال: أحب أن يرتفع عملي وأنا صائم
(4)
.
وروى هُشيم
(5)
وغيره عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن ملك الروم كتب إلى معاوية يسأله عن أحبِّ الكلام إلى اللَّه عز وجل. ومنْ أكرم العباد على اللَّه عز وجل، ومن أكرم الإماء على اللَّه عز وجل. وعن أربعة فيهم الروح فلم يركضوا في رحم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن مكانٍ في الأرض لم تطلع فيه الشمس إلا مرة واحدة، وعن قوس قزح ما هو؟ وعن المجرة. فبعث معاوية فسأل ابن عباس عنهن فكتب ابن عباس إليه: أما أحب الكلام إلى اللَّه فسبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، وأكرم العباد على اللَّه آدم، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء. وأكرم الإماء على اللَّه مريم بنت عمران، وأما الأربعة الذين لم يركضوا في رحم، فآدم وحواء وعصا موسى وكبش إبراهيم الذي فدى به إسماعيل. وفي رواية: وناقة صالح، وأما القبر الذي سار بصاحبه فهو حوت يونس، وأما المكان الذي لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة فهو البحر لما انفلق لموسى حتى جاز بنو إسرائيل فيه، وأما قوس قزح فأمان لأهل الأرض من الغرق، والمجرة باب في السماء، وفي رواية الذي ينشق منه. فلما قرأ ملك الروم ذلك أعجبه وقال: واللَّه ما هي من عند معاوية ولا من قوله، وإنما هي من عند أهل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد في هذه الأسئلة روايات كثيرة فيها وفي بعضها نظر
(6)
.
منها: أنه سأله عمن لا قبل له، وعمَّن لا عشيرة له، وعمَّن لا أب له، وعن شيءٍ، ونصف شيءٍ ولا شيء؟
وأرسل قارورة؛ فقال: ابعث إليّ في هذه ببزر كلّ شيء.
فكتب إليه يقول: أما الذي لا قبل له؛ فاللَّه عز وجل، وأما من لا عشيرة له؛ فآدم عليه السلام،
(1)
حلية الأولياء (1/ 403) وذكره الذهبي في السير (3/ 342) والنشيج: أحرّ البكاء، وهو مثل البكاء للصّبي إذا ردد صوته في صدره ولم يخرجه، القاموس (نشج).
(2)
ما بينهما ساقط من الأصل.
(3)
سير أعلام النبلاء (3/ 352).
(4)
المصدر نفسه.
(5)
في ط: "هاشم"، محرف، وهو هشيم بن بثير، من رجال التهذيب.
(6)
مختصر تاريخ دمشق (12/ 315 - 316).
وأما من لا أب له؛ فعيسى عليه السلام، وأما عن شيءٍ، فهو العاقل يعمل بعقله، وأما نصف شيء؛ فالذي له عقل ويعمل برأي غيره، وأما لا شيء؛ فالذي لا عقل له، ولا يعمل بعقل غيره. وملأ القارورة ماء وقال: هذا بزر كل شيء.
فأعجب ذلك ملك الروم جدًّا
(1)
. واللَّه أعلم.
فصل
وَلِيَ
(2)
ابن عباس إقامة الحج سنة خمس وثلاثين بأمر عثمان بن عفان له وهو محصور، وفي غيبته هذه قتل عثمان، وحضر ابن عباس مع علي الجمل، وكان على الميسرة يوم صفين، وشهد قتال الخوارج وتأمّر على البصرة من جهة علي، وكان إذا خرج منها يستخلف أبا الأسود الدؤلي على الصلاة، وزياد بن أبي سفيان على الخراج، وكان أهلا البصرة مغبوطين به، يفقههم ويعلم جاهلهم، ولعظ مجرمهم، ويعطي فقيرهم، فلم يزل عليها حتى مات علي، ويقال إنَّه عزله عنها قبل موته، ثم وفد على معاوية فأكرمه وقربه واحترمه وعظمه، وكان يلقي عليه المسائل المعضلة فيجيب فيها سريعًا، فكان معاوية يقول: ما رأيت أحدًا أحضر جوابًا من ابن عباس، ولما جاء الكتاب بموت الحسن بن علي اتفق كون ابن عباس عند معاوية فعزَّاه فيه بأحسن تعزية، ورد عليه ابن عباس ردًا حسنًا كما قدَّمنا، وبعث معاوية ابنه يزيد فجلس بين يدي ابن عباس وعزَّاه بعبارة فصيحة بليغة وجيزة، شكره عليها ابن عباس وقد تقدم ذلك أيضًا.
ولما مات معاوية ورام الحسين بن علي الخروج إلى العراق نهاه ابن عباس أشد النهي ولامه على عزمه آكد اللوم، وأراد ابن عباس أن يتعلق بثياب الحسين -لأن ابن عباس كان قد أضر في آخر عمره- فلما قتل الحسين حزن عليه حزنًا شديدًا ولزم بيته، وكان يقول: يا لسان قل خيرًا تغنم، واسكت عن شم تسلم، فإنك إن لا تفعل تندم.
وجاء إليه رجل يقال له جندب فقال له: أوصني، فقال: أوصيك بتوحيد اللَّه والعمل له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن كل خير أنت آتيه بعد ذلك منك مقبول، وإلى اللَّه مرفوع، يا جندب: إنك لن تزداد من موتك إلا قربًا، فصلِّ صلاة مودعٍ. واصبح في الدنيا كأنك غريب مسافر، فإنك من أهل القبور، وابك على ذنبك وتبْ من خطيئتك، ولتكن الدنيا عليك أهون من شسع نعلك، فكأن قد فارقتها وصرت إلى عدل اللَّه، ولن تنتفع بما خلفت، ولن ينفعك إلا عملك
(3)
.
(1)
من قوله: منها أنه سأله عمن لا قبل له. . إلى هنا زيادة من أ. والخبر في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (12/ 316). وفيه أنه سأله عمّن لا قبلة له؟ وكان جواب ابن عاس رضي الله عنه: أما مَن لا قبلة له فالكعبة.
(2)
في ط: "تولى"، وما هنا من م.
(3)
الخبر والذي قبله في مختصر تاريخ دمشق (12/ 326).
وقال بعضهم: أوصى ابن عباس بكلمات خير من الخيل الدهم، قال: لا تكلمن فيما لا يعنيك حتي ترى له موضعًا، ولا تمارين سفيهًا ولا حليمًا فإن الحليم يغلبك والسفيه يزدريك، ولا تذكرن أخاك إذا توارى عنك إلا بمثل الذي تحب أن يتكلم فيك إذا تواريت عنه، واعمل عمل من يعلم أنه مجزي بالإحسان مأخوذ بالإجرام. فقال رجل عنده: يا بن عباس! هذا خير من عشرة آلاف. فقال ابن عباس: كلمة منه خير من عشرة آلاف.
وقال ابن عباس: تمام المعروف تعجيله وتصغيره وستره -يعني أن تعجل. العطية للمعطى، وأن تُصغَر في عين المعطي- وأن تسترها عن الناس فلا تُظهرها! [فإن في إظهارها فتح باب الرياء وكسر قلب المعطى، واستحياءه من الناس]
(1)
.
وقال ابن عباس: أعز الناس عليَّ جليس لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت.
وقال أيضًا: لا يكافئ من أتاني يطلب حاس جة فرآني لها موضعًا إلا اللَّه عز وجل، وكذا رجل بدأني بالسلام أو أوشع لي في مجلس أو قام لي عن المجلس، أو رجل سقاني شربة ماء على ظمأ، ورجل حفظني بظهر الغيب. والمأثور عنه من هذه المكارم كثير جدًا، وفيما ذكرنا إشارة إلى ما لم نذكره.
وقد عدّه الهيثم بن عدي في العميان من الأشراف، وفي بعض الأحاديث الواردة عنه ما يدل على ذلك.
وقال بعضهم: أصيبت إحدى عينيه فنحل جسمه، فلما أصيبت الأخرى عاد إليه لحمه، فقيل له في ذلك، فقال: أصابني ما رأيتم في الأولى شفقة على الأخرى، فلما ذهبتا اطمأن قلبي
(2)
.
وقال أبو القاسم البغوي: حدّثنا علي بن الجعد، حدّثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه وقع في عينيه الماء فقيل له: نفرغ من عينيك الماء على أن لا تصلي سبعة أيام. فقال: لا! إنه من ترك الصلاة وهو يقدر عليها لقي اللَّه وهو عليه غضبان.
وفي رواية أنه قيل له: نزيل هذا الماء من عينيك على أن تبقى خمسة أيام لا تصلي إلا على عود، وفي رواية إلا مستلقيًا، فقال: لا واللَّه ولا ركعة واحدة، إنه من ترك صلاة واحدة متعمدًا لقي اللَّه وهو عليه غضبان. وقد أنشد المدائني لابن عباس حين عمي:
إن يأخذ اللَّه مِنْ عينيَّ نورهما
…
ففي لساني وسمعي منهما نورُ
قلبي ذكيٌّ وعقلي غيرُ ذي دخلٍ
…
وفي فمي صارمٌ كالسيفِ مأثور
(3)
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط. والخبر في مختصر تاريخ دمشق (12/ 327).
(2)
مختصر تاريخ دمشق (12/ 327).
(3)
الأبيات في الاستيعاب (2/ 356) وسير أعلام النبلاء (3/ 357)، وفي أ: مأبور؛ وما أثبت كالمصادر.
ولما وقع الخلف بين ابن الزبير وبين عبد الملك بن مروان اعتزل ابن عباس ومحمد بن الحنفية الناس، فدعاهما ابن الزبير ليبايعاه فأبيا عليه، وقال كل منهما: لا نبايعك ولا نخالفك، فهمّ بهما فبعثا أبا الطفيل عامر بن واثلة فاستنجد لهما من بالعراق من شيعتهما. فقدم أربعة آلاف فكبروا بمكة تكبيرة واحدة، وهموا بابن الزبير فهرب [فتعلق بأستار الكعبة، وقال: أنا عائذ باللَّه] فكفوهم عنه [ثم مالوا إلى ابن عباس وابن الحنفية وقد حمل ابن الزبير حول دورهم الحطب ليحرقهم، فخرجوا بهما حتى نزلوا الطائف، وأقام ابن عباس سنتين لم يبايع أحدًا]
(1)
كما تقدم.
فلما كان في سنة ثمان وستين توفي ابن عباس بالطائف، وصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: مات اليوم حبر هذه الأمة
(2)
. فلما وضعوه ليدخلوه في قبره جاء طائر أبيض لم يُرَ مثل خلقته، فدخل في أكفانه والتف بها
(3)
حتى دفن معه. قال عفان: وكانوا يرون علمة
(4)
[وعمله] فلما وضع في اللحد تلا تالٍ لا يعرف من هو. وفي رواية أنهم سمعوا من قبره: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} [الفجر: 27 - 29] هذا القول في وفاته هو الذي صححه غير واحد من الأئمة، ونص عليه أحمد بن حنبل والواقدي وابن عساكر
(5)
، وهو المشهور عند الحفاظ
(6)
؛ وقيل إنه توفي في سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ثلاث وسبعين، وقيل سنة سبع وستين، وقيل سنة تسع وستين، وقيل سنة سبعين. والأول أصح، وهذه الأقوال كلها شاذة غريبة مردودة واللَّه [سبحانه وتعالى] أعلم. وكان عمره يوم مات ثنتين وسبعين سنة، وقيل إحدى وسبعين، وقيل أربع وسبعين، والأول أصح واللَّه أعلم.
صفة ابن عباس رضي الله عنه
كان جسيمًا إذا قعد يأخذ مكان رجلين، جميلًا له وفرة، قد شاب مقدَّم رأسه، وشابت لِمَّتُهُ
(7)
، وكان يخضب بالحنّاء، وقيل: بالسَّواد، حسن الوجه، يلبس حسنًا، ويكثر من الطِّيب بحيث إنه كان إذا مَرَّ في الطريق يقول النساء: هذا ابن عباس أو رجل معه مسك، وكان وسيمًا أبيضَ طويلًا جسيمًا فصيحًا، ولما عمي اعترى لونه صفرةٌ يسيرة. وقد كان بنو العباس عشرة، وهم الفضل، وعبد اللَّه،
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط وهي توافق ما في سير أعلام النبلاء (3/ 356) ومختصر تاريخ دمشق (12/ 329).
(2)
قول ابن الحنفية ساقط من ط، وهو عند ابن سعد (2/ 368) ومستدرك الحاكم (5/ 543) وسير أعلام النبلاء (3/ 357)، ومختصر تاريخ دمشق (12/ 329). بلفظ: ربانيّ.
(3)
في ب: فالتف في أكفانه.
(4)
الخبر في أنساب الأشراف (3/ 54) ومستدرك الحاكم (3/ 543) وسير أعلام النبلاء (3/ 357).
(5)
مختصر تاريخ دمشق (12/ 330).
(6)
قال الذهبي في السير (3/ 358): فهذه قضية متواترة.
(7)
الِّلمَّة: شعر الرأس المجاوز شحمة الأذن.
وعبيد اللَّه، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وكثير، والحارث، وعون، وتمام. وكان أصغرهم تمام، ولهذا كان يحمله ويقول:
تمُّوا بتمامٍ فصاروا عشرَهْ
…
يا ربِّ فاجعلهمْ كرامًا بررَهْ
واجعلهمُ ذكرًا وأنمِ الثمرَه
فأما الفضل فمات بأجنادين شهيدًا، وعبد اللَّه بالطائف، وعبيد اللَّه باليمن، ومعبد وعبد الرحمن بإفريقية، وقثم وكثير بينبع، وقيل إن قثمًا مات بسمرقند.
وقد قال مسلم بن حماد
(1)
المكي مولى بني مخزوم: ما رأيت مثل بني أمٍّ واحدة أشراف ولدوا في دار واحدة، أبعد قبورًا من بني أم الفضل، ثنم ذكر مواضع قبورهم كما تقدم، إلا أنه قال الفضل مات بالمدينة، وعبيد اللَّه بالشام
(2)
.
وقد كان عبد اللَّه بن عباس يلبس الحُلَّة بألف درهم، وكان له من الولد العباس وعلي، وكان علي يدعى السَّجَّاد لكثرة صلاته، وكان أجمل قرشي على وجه الأرض [وقد قيل إنه كان يصلي كل يوم ألف ركعة، وقيل في الليل والنهار مع الجمال التام، وعلى هذا فهو أبو الخلفاء العباسيين، ففي ولده كانت الخلافة العباسية كما سيأتي]
(3)
وكان لابن عباس أيضًا محمد والفضل وعبد اللَّه
(4)
ولبابة
(5)
، وأمهم زُرعة بنت مسرِّح بن معديكَرِب، وله أسماء وهي لأم ولد، وكان له من الموالي عكرمة وكريب وأبو معبد وشعبة ودقيق وأبو عمرة وأبو عبيد ومقسم
(6)
. وأسند ألفًا وستمئة وستين
(7)
حديثًا [واللَّه سبحانه وتعالى أعلم].
وممن توفي في هذه السنة:
أبو شريح الخزاعي العدوي الكعبي
(8)
، اختلف في اسمه على أقوال أصحها خويلد بن عمرو، أسلم عام الفتح، وكان معه أحد ألوية بني كعب الثلاثة.
(1)
كذا في الأصمل، والذي في "مختصر ابن عساكر" ابن قمادين! ولعله مسلم بن خالد فإنه مكي ومخزومي بالولاء.
(2)
الفقرة الأخيرة متأخرة في أ. والخبر في مختصر تاريخ دمشق (12/ 296).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، ومكانها في أ: وفي ولده الخلافة.
(4)
كذا في الأصول الثلاثة، وفي السير (3/ 333): عبيد اللَّه.
(5)
سقطت من ط؛ وهي في السير، وقال الذهبي: ولبابة: ولها أولاد وعقب من زوجها علي بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب.
(6)
اللفظة الأخيرة ساقطة من ط.
(7)
في ط: سبعين؛ وما أثبت يوافق سير أعلام النبلاء (3/ 359).
(8)
ترجمة - أبي شريح - في طبقات ابن سعد (4/ 295) وتاريخ خليفة (265) وطبقاته (108) وتاريخ البخاري (3/ 224) والمعرفة والتاريخ (1/ 398) والاستيعاب (4/ 101 - 103) وأسد الغابة (5/ 225 - 226) وتهذيب الكمال (33/ 400) وتاريخ الإسلام (5/ 288 - 289) وتهذيب التهذيب (12/ 125 - 126).
قال محمد بن سعد: مات في هذه السنة وله أحاديث.
وفيها توفي:
أبو واقد اللّيثي
(1)
، صحابي جليل، مختلف في اسمه وفي شهوده بدرًا.
قال الواقدي: توفي سنة ثمان وستين عن خمس وستين سنة، وكذا قال غير واحد في تاريخ وفاته. وزعم بعضهم أنه عاش سبعين سنة، وكانت وفاته بمكة بعد ما جاور بها سنة ودفن في مقابر المهاجرين.
حميد بن ثور التربي
(2)
، الشاعر المشهور، قال الشعر في أيام عمر بن الخطاب وهو من فحول الشعراء
(3)
.
ثم دخلت سنة تسع وستين
ففيها كان مقتل عمرو بن سعيد الأشدق الأموي قتله عبد الملك بن مروان، وكان سبب ذلك أن عبد الملك ركب في أول هذه السنة في جنوده قاصدًا قرقيسيا ليحاصر زفر بن الحارث الكلابي الذي أعان سليمان بن صُرَد على جيش مروان حين قاتلوهم بعين وردة.
وكان زفر بن الحارث قد انهزم يوم مرج راهط وخلع مروان وبايع لابن الزبير فبعث إليه مروان عبيد اللَّه بن زياد في ستين ألفًا وجعل له مهما غلب عليه من العراق؛ فلما بلغ عبيد اللَّه أرض الجزيرة بلغه موت مروان وكان قد حاصر زفر بن الحارث مدة ثم قدم جيش التوابين، فقاتلهم عبيد اللَّه بن زياد وانتصر عليهم، ثم عاد لحصار زفر بن الحارث، فلما أرسل المختار جيثه مع ابن الأشتر كسروا جيش الشام وقتلوا عبيد اللَّه بن زياد كما ذكرنا؛ فحينئذٍ تجهز عبد الملك بن مروان وخرج بالعساكر يريد قتال زفر
(4)
.
(1)
ترجمة - أبي واقد اللّيثي - في تاريخ خليفة (265) وطبقاته (29) وتاريخ البخاري (2/ 258) والمعرفة والتاريخ (3/ 374) والاستيعاب (4/ 215 - 216) وأسد الغابة (5/ 319) وتهذيب الكمال (34/ 386) وتاريخ الإسلام (5/ 299) والإصابة (4/ 215 - 216) وتهذيب التهذيب (12/ 270 - 271).
(2)
ترجمة - حميد بن ثور الشاعر - في طبقات الشعراء (192) والاستيعاب (1/ 367 - 368) وتاريخ دمشق لابن عساكر (15/ 369 - 275) ط دار الفكر، وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 459 - 463) والأغاني (4/ 356 - 358) ووفيات الأعيان (7/ 73) وأسد الغابة (2/ 53 - 54) والوافي بالوفيات (13/ 193 - 194) والإصابة (1/ 356) وديوان حميد بن ثور - جمعه وحققه عبد العزيز الميمني ط 1951 م.
(3)
ترجمة حميد بن ثور ساقطة من ط.
(4)
من قوله: وكان زفر بن الحارث. . إلى هنا زيادة من أ، ب وهي توافق ما عند الطبري (6/ 140 - 141).
ومن عزمه إذا فرغ من ذلك أن يقصد مصعب بن الزبير بعد ذلك، فلما سار إليها استخلف على دمشق عمرو بن سعيد الأشدق، فتحصن بها وأخذ أموال بيت المال. وقيل: بل كان مع عبد الملك ولكنه انخذل من الجيش وكرَّ راجعًا إلى دمشق في اللّيل، ومعه حُميد بن حُريث بن بَحْدل الكلبي، وزهير بن الأبرد الكلبي، فانتهوا إلى دمشق وعليها عبد الرحمن بن أم الحكم نائبًا من جهة عبد الملك، فلما أحس بهم هرب وترك البلد فدخلها عمرو بن سعيد الأشدق فاستحوذ على ما فيها من الخزائن، وخطب الناس فوعدهم العدل والنصف والعطاء الجزيل والثناء الجميل، ولما علم عبد الملك بما فعله عمرو بن سعيد كر راجعًا من فوره فوجد الأشدق قد حصَّن دمشق وعلق عليها الستائر والمسوح، وانحاز الأشدق إلى حصن رومي منيع كان بدمشق فنزله. فحاصره عبد الملك وقاتله الأشدق لمدة ست عشرة ليلة، وراسله عبد الملك وقال له: أنشدك اللَّه والرحم أن تفسد أمر بيتك، وما هم عليه من اجتماع الكلمة، وأن فيما صنعت قوة لابن الزبير فارجع إلى بيعتك ولك عليَّ عهد اللَّه وميثاقه، وحلف له بالأيمان المؤكدة إنك ولي عهدي من بعدي، وكتبا بينهما كتابًا فانخدع له عمرو وفتح أبواب دمشق
(1)
.
ثم اصطلحا على ترك القتال، وعلى أن يكون ولي العهد بعد عبد الملك، وعلى أن يكون لكل عامل لعبد الملك عامل له وذلك عشية الخميس، ودخل عبد الملك دمشق إلى دار الإمارة على عادته، وبعث إلى عمرو بن سعيد الأشدق يقول له: أرجع على الناس أعطياتهم التي أخذتها لهم من بيت المال، فبعث إليه الأشدق: إن هذا ليس إليك، وليس هذا البلد لك فاخرج منه، فلما كان يوم الإثنين بعث عبد الملك إلى الأشدق يأمره بالإتيان إلى منزله بدار الإمارة الخضراء، فلما جاءه الرسول صادف عنده عبد اللَّه بن يزيد بن معاوية وهو زوج ابنته أم موسى بنت عمرو بن سعيد؛ فاستشاره عمرو بن سعيد في الذهاب إليه فقال له: يا أبا سعيد
(2)
واللَّه لأنت أحب إليّ من سمعي وبصري، وأرى أن لا تأتيه، فإن تُبيعًا الحِمْيري ابن امرأة كعب الأحبار قال: إن عظيمًا من عظماء بني إسماعيل يغلق أبواب دمشق فلا يلبث أن يقتل. فقال عمرو: واللَّه لو كنت نائمًا ما تخوفت أن ينبهني ابن الزرقاء، وما كان ليجترئ على ذلك مني، مع أن عثمان بن عفان أتاني البارحة في المنام فألبسني قميصه، وقال عمرو بن سعيد للرسول: أبلغه السلام وقل له: أنا رائح إليك العشية إن شاء اللَّه. فلما كان العشي -يعني بعد الظهر- لبس عمرو درعًا بين ثيابه وتقلّد سيفه ونهض فعثر بالبساط فقالت امرأته وبعض من حضره: إنا نرى أن لا تأتيه، فلم يلتفت إلى ذلك ونهض في مئة من مواليه، وكان عبد الملك قد أمر بني مروان فاجتمعوا كلهم عنده، فلما انتهى عمرو إلى الباب أمر عبد الملك أن يدخل وأن يحبس من معه عند كل باب طائفة منهم، فدخل حتى انتهى إلى صرحة المكان الذي فيه عبد الملك، ولم يبق معه من مواليه سوى وصيف، فرمى ببصره فإذ بنو
(1)
من قوله: ست عشرة ليلة. . إلى هنا زيادة من أ، ب والخبر في تاريخ الطبري (6/ 140 - 141) والكامل لابن الأثير (4/ 297).
(2)
في الطبري (6/ 142) وابن الأثير (4/ 298) والإمامة والسياسة (2/ 26) يا أبا أمية.
مروان عن بكرة أبيهم مجتمعون عند عبد الملك، فأحس بالشرِّ فالتفت إلى ذلك الوصيف فقال له همسًا: ويلك انطلق إلى أخي يحيى فقل له فليأتني، فلم يفهم عنه وقال له: لبيك، فأعاد عليه ذلك فلم يفهم أيضًا وقال: لبيك، فقال: ويلك اغرب عني في حرق اللَّه وناره، وكان عند عبد الملك حسان بن مالك بن بَحْدل، وقبيصة بن ذؤيب، فأذن لهما عبد الملك في الانصراف، فلما خرجا غلقت الأبواب واقترب عمرو من عبد الملك فرحَّب به وأجلسه معه على السرير، ثم جعل يحدثه طويلًا، ثم إن عبد الملك قال: يا غلام خذ السيف عنه، فقال عمرو: إنا للَّه يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: أو تطمع أن تتحدث معي متقلدًا سيفك؟ فأخذ الغلام السيف عنه، ثم تحدَّثا ساعة، ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية، قال:: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إنك حيث خلعتني آليت بيميني إن ملأت عيني منك وأنا مالك لك أن أجمعك في جامعة
(1)
، فقالت بنو مروان: ثم تطلقه يا أمير المؤمنين، فقال ثم أطلقه، وما عسيت أن أفعل بأبي أمية، فقال بنو مروان: بر يمين أمير المؤمنين، فقال: فأبرَّ قسمك يا أمير المؤمنين، فأخرج عبد الملك من تحت فراشه جامعة فطرحها إليه ثم قال: يا غلام قم فاجمعه فيها، فقام الغلام فجمعه فيها، فقال عمرو: أذكرك اللَّه يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رؤوس الناس، فقال عبد الملك: أمكرًا يا أبا أميَّة عند الموت؟ لاها اللَّه إذًا! ما كنّا لنُخرجك في جامعة على رؤوس الناس ولمّا نُخرجها منك إلا صُعدًا، ثم اجتذبه اجتذابة أصاب فمه السريرُ فكسر ثنيَّته، فقال عمرو: أذكرك اللَّه يا أمير المؤمنين أن يدعوك كسر عظمي إلى ما هو أعظم من ذلك، فقال عبد الملك: واللَّه لو أعلم أنك إذا بقيت تفي لي، وتصلح قريش لأطلقتُكَ، ولكن ما اجتمع رجلان في بلد قط على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه، وفي رواية أنه قال له: أما علمت يا عمرو أنه لا يجتمع فحلان في شَرَكٍ
(2)
؟ فلما تحقق عمرو ما يريد من قتله قال له: أغدرًا يا بن الزرقاء؟ [وأسمعه كلامًا رديئًا بشعًا]
(3)
وبينما هما كذلك إذ أذن المؤذن للعصر، فقام عبد الملك ليخرج إلى الصلاة. وأمر أخاه عبد العزيز بن مروان بقتله، وخرج عبد الملك وقام إليه عبد العزيز بالسيف فقال له عمرو: أذكرك اللَّه والرحم أن لا تلي ذلك مني، وليتولّ ذلك غيرك، فكف عنه عبد العزيز. ولما رأى الناس عبد الملك قد خرج وليس معه عمرو أرجف الناس بعمرو، فأقبل أخوه يحيى بن سعيد في ألف عبدٍ لعمرو بن سعيد وأناس معهم كثير، وأسرع عبد الملك الدخول إلى الخضراء
(4)
، وجاء أولئك فجعلوا يدقون باب الإمارة ويقولون: أسمعنا صوتك يا أبا أمية، وضرب رجل منهم الوليد بن عبد الملك في رأسه بالسيف فجرحه، فأدخله إبراهيم بن عدي
(5)
صاحب
(1)
الجامعة: الغُلُّ يجمع اليدين إلى العنق - القاموس (جمع).
(2)
الشَّرَك: حبالة الصيد. القاموس (شرك).
(3)
زيادة من ط.
(4)
في ط: دار الإمارة.
(5)
كذا في الأصول، وفي الطبري (6/ 144) وابن الأثير (4/ 300): إبراهيم بن عربي صاحب الديوان فاحتمله وأدخله بيت القراطيس.
الديوان بيتًا، وأحرزه فيه، ووقعت خبطة عظيمة في المسجد، وضجت الأصوات، ولما رجع عبد الملك [وجد أخاه لم يقتله فلامه وسبه وسب أمه - ولم تكن أم عبد العزيز أم عبد الملك
(1)
] فقال له: ناشدني اللَّه والرَّحم، وكان ابن عَمَّةِ عبد الملك بن مروان، ثُمَّ إن عبد الملك قال: يا غلام ائتني بالحربة، فأتاه بها فهزها وضربه بها فلم تَجُز شيئًا، ثم ثنَّى فلم تغن شيئًا، فضرب بيده إلى عضد عمرو فوجد مَسّ الدرع فضحك وقال: ودارع أيضًا؟ إن كنت لمعدًّا، يا غلام ائتني بالصَّمصامة
(2)
، فأتاه بسيفه ثم أمر بعمرو فصرع ثم جلس على صدره فذبحه وهو يقول:
يا عمرو إلَّا تَدَعْ شَتْمي ومنقصتي
…
أَضرِبْكَ حتى
(3)
تقولَ الهامةُ: اسقوني
(4)
قالوا: وانتفض عبد الملك بعد ما ذبحه كما تنتفض القصبة برعدة شديدة جدًا، بحيث إنهم ما رفعوه عن عمروٍ إلا محمولًا، فوضعوه على سريره وهو يقول: ما رأيت مثل هذا قط قَتَلَه
(5)
صاحب دنيا ولا آخرة، ودفع الرأس إلى عبد الرحمن بن أم الحكم فخرج إلى الناس فألقاه بين أظهرهم، وخرج عبد العزيز بن مروان ومعه البدر من الأموال تحمل، فألقيت بين الناس فجعلوا يختطفونها، ويقال: إنها استرجعت بعد ذلك من الناس إلى بيت المال.
ويقال: إن الذي ولي قتل عمرو بن سعيد مولى عبد الملك أبو الزُّعَيْزِعَة بعدما خرج عبد الملك إلى الصلاة، فاللَّه أعلم.
وقد دخل يحيى بن سعيد -أخو عمرو بن سعيد- دار الإمارة بعد مقتل أخيه بمن معه فقام إليهم بنو مروان فاقتتلوا، وجُرح جماعاتٌ من الطائفتين، وجاءت يحيى بن سعيد صخرة في رأسه أشغلته عن نفسه [وعن القتال].
ثمَّ إنَّ عبد الملك بن مروان خرج إلى المسجد الجامع فصعد المنبر فجعل يقول: ويحكم أين الوليد؟ وأبيهم لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم، فأتاه إبراهيم بن عدي
(6)
الكناني فقال: هذا الوليد عندي قد أصابته جراحة وليس عليه بأس، ثم أمر عبد الملك بيحيى بن سعيد أن يقتل فتشفع فيه أخوه عبد العزيز بن مروان، وفي جماعات آخرين معه كان عبد الملك قد أمر بقتلهم يومئذٍ، فشفعه فيهم وأمر بحبسه فحبس شهرًا، ثم سيره وبني عمرو بن سعيد وأهليهم إلى العراق فدخلوا على مصعب بن الزبير فأكرمهم وأحسن إليهم.
(1)
أم عبد الملك عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وأم عبد العزيز ليلى الكلبية.
(2)
الصمصام: السيف الصارم لا ينثني. القاموس (صمم).
(3)
في الطبري (6/ 145): حيث.
(4)
البيت لذي الإصبع، من المفضلية (31).
(5)
في ط: قبله؛ وما هنا يوافق الطبري وفيه بعدها: صاحب دنيا ولا طالب آخرة.
(6)
في الطبري (6/ 146): إبراهيم بن عربي.
ثم لما انعقدت الجماعة لعبد الملك بعد مقتل ابن الزبير كما سيأتي، وفدوا عليه فكاد يقتلهم فتلطَّف بعضهم في العبارة حتى رَقَّ لهم رقَّةً شديدة، فقال لهم عبد الملك: إن أباكم خيرني بين أن يقتلني أو أقتله، فاخترت قتله على قتلي، وأما أنتم فما أرغبني فيكم وأوصلني لقرابتكم وأرعاني لحقكم فأحسن جائزتهم وقرَّبهم.
وقد كان عبد الملك بعث إلى امرأة عمرو بن سعيد أن ابعثي إليّ بكتاب الأمان الذي كنت كتبته لعمرو، فقالت: إني دفنته معه ليحاكمك به يوم القيامة عند اللَّه
(1)
.
وقد كان مروان بن الحكم وعد عمرو بن سعيد هذا أن يكون ولي العهد من بعد ولده عبد الملك، كلامًا مجردًا، فطمع في ذلك وقويت نفسه بسبب ذلك، وكان عبد الملك يبغضه بغضًا شديدًا من حال الصغر، ثم كان هذا صنيعه إليه في الكبر.
قال ابن جرير
(2)
: وذكر أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك ذات يوم: عجب منك ومن عمرو بن سعيد كيف أصبت غرّته حتى قتلته؟ فقال:
أدنتيه
(3)
مني ليسكنَ روعهُ
…
فأَصولٌ
(4)
صولةَ حازمٍ مستمكنِ
(5)
غضبًا ومحميةً لديني إنَّهُ
…
ليسَ المسيءُ سبيلُهُ كالمُحسنِ
(6)
قال خليفة بن خياط
(7)
: وهذا الشعر للضبي بن أبي رافع تمثل به عبد الملك.
وروى ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الشعبي، عن عبد الملك قال: لقد كان عمرو بن سعيد أحب إليّ من دم النواظر، ولكن واللَّه لا يجتمع فحلان في الإبل إلا أخرج أحدهما الآخر، وإنا لكما قال أخو بني يربوع:
أُجازي مَنْ جزاني الخيرَ خيرًا
…
وجازي الخيرِ يجزي بالنوالِ
وأجزي من جزاني الشرَّ شرًّا
…
كما تحذا النعالُ على النعالِ
قال خليفة بن خياط: وأنشد أبو اليقظان لعبد الملك في قتله عمرو بن سعيد:
صحّتْ ولا تشلل وضرتْ عدوها
…
يمينٌ أراقتْ مهجةَ ابنِ سعيدِ
وجدت ابنَ مروان ولا نبلَ عندهُ
…
شديدًا ضرير الناسِ غيرَ بليدِ
(1)
الخبر في الطبري (6/ 146 - 147).
(2)
تاريخ الطبري (6/ 148).
(3)
في الطبري: دانيته.
(4)
في أ: وأصول.
(5)
في ب: متمكن.
(6)
الأبيات في الطبري (6/ 148) وابن الأثير (4/ 296).
(7)
طبقات خليفة (1/ 25).
هو ابن أبي العاصي لمروانَ ينتهي
…
إلى أسرة طابتْ لهُ وجدودِ
وكان الواقدي
(1)
يقول: أما حصار عبد الملك لعمرو بن سعيد الأشدق فكان في سنة تسع وستين، رجع إليه من بطنان
(2)
فحاصره بدمشق، ثم كان قتله في سنة سبعين، واللَّه أعلم.
وهذه ترجمة الأشدق
(3)
هو عمرو بن سعيد بن العاص
(4)
بن أمية بن عبد شمس، أبو أمية القرشي الأموي، المعروف بالأشدق، يقال إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم
(5)
وروى عنه أنه قال: "ما نحل والد ولدًا أحسن من أدب حسن"
(6)
وحديثًا آخر في العتق، وروى عن عمر وعثمان وعلي وعائشة، وحدث عنه بنوه أمية وسعيد وموسى وغيرهم، واستنابه معاوية على المدينة، وكذلك يزيد بن معاوية بعد أبيه كما تقدم، وكان من سادات المسلمين، ومن الكرماء المشهورين، يعطي الكثير، ويتحمل العظائم، وكان وصي أبيه من بين بنيه
(7)
، وكان أبوه كما قدمنا من المشاهير الكرماء، والسادة النجباء، قال عمرو: ما شتمت رجلًا منذ كنت رجلًا، ولا كلفت من قصدني أن يسألني، لهو أمنّ عليّ مني عليه. وقال سعيد بن المسيب: خطباء الناس في الجاهلية الأسود بن عبد المطلب، وسهيل بن عمرو، وخطباء الناس في الإسلام معاوية وابنه، وسعيد بن العاص وابنه، وعبد اللَّه بن الزبير.
وقد قال الإمام أحمد
(8)
: حدّثنا عبد الصمد، حدّثنا حماد، حدّثنا علي بن زيد، أخبرني من سمع
(1)
تاريخ الطبري (6/ 148).
(2)
بطنان: وادٍ بين منبج وحلب، بينه وبين كل واحد من البلدين مرحلة خفيفة، فيه أنهار جارية وقرى متصلة، ويقال له أيضًا: بطنان حبيب. معجم البلدان (1/ 530 - 531).
(3)
ترجمة - الأشدق - في نسب قريش (175) وتاريخ البخاري (6/ 338) والجرح والتعديل (6/ 236) ومروج الذهب (3/ 303) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 202 - 205) وسير أعلام النبلاء (3/ 449) والإصابة (3/ 175).
وفي نزهة الألباب في الألقاب (1/ 75) الأشدق: ترجم له المرزباني في معجمه وقال: روى المدائني عن عوانة: أنه سمي بالأشدق لأنه صعد المنجر فبالغ في شتم علي رضي الله عنه فأصابته لقوة.
وفي فوات الوفيات لابن شاكر (2/ 222) وقيل: سمي الأشدق لتشادقه في الكلام.
(4)
في الإصابة: عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية.
(5)
هذا بعيد، وذلك لأن أباه ولد عام الهجرة، وفي قول آخر: كان عمره تسع سنين عندما توفي رسول اللَّه. كذا ذكر الذهبي في السير نقلًا عن ابن سعد (3/ 446).
(6)
الحديث رواه الترمذي رقم (1952) وهو حديث ضعيف.
(7)
وقيل: مات وعليه ثمانون ألف دينار. السير (3/ 448).
(8)
مسند الإمام أحمد (2/ 522) وإسناده ضعيف.
أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ليرعُفنَّ على منبري جبَّارٌ من جَبَابرة بني أمية حتى يسيل رُعافه".
قال: فأخبرني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص رعف على منبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى سال رعافه.
وهو الذي كان يبعث البعوث إلى مكة بعد وقعة الحَرّة أيام يزيد بن معاوية لقتال ابن الزبير، فنهاه أبو شريح الخزاعي وذكر له الحديث الذي سمعه من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في تحريم مكة، فقال: نحن أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرام لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدمٍ، ولا فارًّا بجزية
(1)
، الحديث كما تقدم وهو في الصحيحين
(2)
.
ثم إن مروان دخل إلى مصر بعدما دعا إلى نفسه واستقر له الشام، ودخل معه عمرو بن سعيد ففتح مصر، وقد كان وعد عمرًا أن يكون ولي العهد من بعد عبد الملك، وأن يكون قبل ذلك نائبًا بدمشق، فلما قويت شوكة مروان رجع عن ذلك، وجعل الأمر من بعد ذلك لولده عبد العزيز، وخلع عَمرًا. فما زال ذلك في نفسه حتى كان من أمره ما تقدم، فدخل عمرو دمشق وتحصن بها وأجابه بها، فحاصره عبد الملك ثم استنزله على أمان صوري، ثم قتله كما قدمنا.
وكان ذلك في هذه السنة على المشهور عند الأكثرين، وقال الواقدي وأبو سعيد بن يونس: سنة سبعين، فاللَّه أعلم.
ومن الغريب ما ذكره هشام بن محمد الكلبي بسند له أن رجلًا سمع في المنام قائلًا يقول على سور دمشق قبل أن يخرج عمرو بالكلية، وقبل قتله بمدة [هذه الأبيات]:
ألا يا لقوم
(3)
للسفاهةِ والوهنِ
…
وللفاجر الموهونِ
(4)
والرأي ذي
(5)
الأفنِ
ولابن سعيدٍ بينما هوَ قائم
…
على قَدميهِ خرّ للوجهِ والبطنِ
رأى الحصنَ منجاةً من الموتِ فالتجا
…
إليهِ فزارتهُ المنيةُ في الحصنِ
قال: فأتى الرجل عبد الملك فأخبره فقال: ويحك سمعها منك أحد؟ قال: لا! قال: فضعها تحت قدميك، قال: ثم بعد ذلك خلع عمرو الطاعة وقتله عبد الملك بن مروان
(6)
.
[وقد قيل إن عبد الملك لما حاصره راسله وقال: أنشدك اللَّه والرحم أن تدع أمر بيتك وما هم عليه من اجتماع الكلمة فإن فيما صنعت قوة لابن الزبير علينا، فارجع إلى بيعتك ولك عليّ عهد اللَّه وميثاقه،
(1)
في ب: بحزبه.
(2)
تقدم تخريج الحديث.
(3)
في ط: "ألا يا قوم" وما أثبتناه من أ، م، وتاريخ دمشق.
(4)
في أ: وللفاخر الموهوب.
(5)
ليست في ط، وهي في النسخ وتاريخ دمشق.
(6)
الخبر والأبيات في تاريخ دمشق لابن عساكر (46/ 41).
وحلف له بالأيمان المؤكدة أنك ولي عهدي من بعدي، وكتبا بينهما كتابًا، فانخدع له عمرو وفتح له أبواب دمشق فدخلها عبد الملك وكان من أمرهما ما تقدم]
(1)
.
وممن توفي فيها من الأعيان أيضًا:
أبو الأسود الدؤلي
(2)
ويقال له الديلي: قاضي الكوفة، تابعي جليل، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة
(3)
بن عدي بن الدُّئل بن بكر، أبو الأسود الذي نسب إليه علم النحو، ويقال بأنه أول من تكلم فيه، وإنما أخذه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد اختلف في اسمه على أقوال، أشهرها أن اسمه ظالم بن عمرو، وقيل عكسه.
وقال الواقدي: اسمه عويمر بن ظويلم. قال وقد أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وشهد الجمل مع علي، وكان من وجوه شيعته ومن أكملهم رأيًا وعقلًا، وقد أموه علي بوضع النحو، فلما رآه علي قال له: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت
(4)
. وهلك في ولاية عبيد اللَّه بن زياد.
وقال يحيى بن معين وأحمد بن عبد اللَّه العجلي: كان ثقة وهو أول من تكلَّم في النحو.
وقال ابن معين وغيره: مات بالطاعون الجارف سنة تسع وستين.
قال القاضي ابن خلِّكان
(5)
: وقيل إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقد كان ابتداؤها في سنة تسع وتسعين.
قلت: وهذا غريب جدًا.
قال ابن خلِّكان وغيره: كان أول من ألقى إليه علم النحو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وذكر له أن الكلام اسم وفعل وحرف، ثم إن أبا الأسود نحى نحوه وفرع على قوله، وسلك طريقه، فسمي هذا العلم النحو لذلك، وكان الباعث لأبي الأسود على بسط ذلك تغير لغة الناس، ودخول اللحن في كلام بعضهم أيام ولاية زياد على العراق، وكان أبو الأسود مؤدب بنيه، فإنه جاء رجل يومًا إلى زياد فقال: توفي أبانا وترك بنون، فأمره زياد أن يضع للناس شيئًا يهتدون به إلى معرفة كلام العرب.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(2)
ترجمة - أبي الأسود - في طبقات ابن سعد (7/ 99) وتاريخ البخاري (6/ 334) والمعارف (434) ومراتب النحويين (11) والأغاني (12/ 297) وأخبار النحويين البصريين (3) ومعجم الشعراء للمرزباني (67) ومعجم الأدباء (12/ 34) وأسد الغابة (3/ 69) ووفيات الأعيان (2/ 535) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 276 - 280) وسير أعلام النبلاء (4/ 81 - 86) والإصابة (2/ 241) وخزانة الأدب (1/ 136) وشذرات الذهب (1/ 297 - 298).
(3)
انظر "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم صفحة (185) في الأصل: شباثة، وهو خطأ.
(4)
من قوله: مع علي. . إلى هنا ساقط من ط.
(5)
وفيات الأعيان (2/ 539).
ويقال إن أول ما وضع منه باب التعجب من أجل أن ابنته قالت له ليلة: يا أبة ما أحسنُ
(1)
السماء [قال نجومها، فقالت: إني لم أسأل عن أحسنها إنما تعجبت من حسنها] فقال قولي: ما أحسنَ السماءَ.
قال ابن خلكان
(2)
: وقد كان أبو الأسود يُبخَّل. وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا لكنا مثلهم، وعَشّى ليلةً مسكينًا ثم قيَّده وبيَّته عنده ومنعه أن يخرج ليلته تلك لئلا يؤذي المسلمين بسؤاله، فقال له المسكين: أطلقني، فقال هيهات، إنما عشيتك لأريح منك المسلمين الليلة، فلما أصبح أطلقه. وله شعر حسن رحمه الله.
قال ابن جرير
(3)
: وحج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير، وقد أظهر خارجيٌّ التحكيم بمنى فقُتل عند الجمرة. والنواب فيها هم الذين كانوا في السنة التي قبلها.
وممن توفي فيها من الأعيان:
جابر بن سمرة بن جنادة
(4)
، له صحبة ورواية ولأبيه أيضًا صحبة ورواية، وقيل توفي في سنة ست وستين فاللَّه أعلم.
أسماء بنت يزيد
(5)
بن السكن الأنصارية، بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ويقال لها: أم سليم، وقتلت بعمود خيمتها يوم اليرموك تسعة من الروم [ليلة عرسها] وسكنت دمشق ودفنت بباب الصغير.
حسان بن مالك بن بحدل
(6)
الأمير أبو سليمان الكلبي وهو الذي قام ببيعة مروان لما تولى الخلافة، مات في هذه السنة، واللَّه سبحانه أعلم.
وقيل: إنهم سلَّموا عليه بالخلافة أربعين يومًا ثم سلَّمها لمروان، وقصر حسان بدمشق ويعرف بقصر ابن أبي الحديد، وهو قصر البحادلة.
(1)
أي: بضم النون لا بفتحها.
(2)
وفيات الأعيان (2/ 538 - 539).
(3)
تاريخه (6/ 148 - 149).
(4)
ترجمة - جابر بن سمرة - في طبقات ابن سعد (6/ 24) وتاريخ البخاري (2/ 205) والاستيعاب (224) وتاريخ بغداد (1/ 186) وأسد الغابة (1/ 254) وسير أعلام النبلاء (3/ 186 - 188) والإصابة (1/ 212) وشذرات الذهب (1/ 297) وتهذيب تاريخ دمشق (3/ 388).
(5)
ترجمة - أسماء بنت يزيد - في طبقات ابن سعد (8/ 319) وطبقات خليفة (340) والمعرفة والتاريخ (2/ 447) والاستيعاب (4/ 237) وتاريخ دمشق (تراجم النساء/ 33 - 39) وحلية الأولياء (2/ 76) وأسد الغابة (5/ 398) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 73 - 74) وسير أعلام النبلاء (2/ 296 - 297) والوافي بالوفيات (9/ 54) وتهذيب التهذيب (12/ 399 - 400) والإصابة (4/ 234 - 235).
(6)
ترجمة - حسان بن مالك بن بحدل - في تاريخ الطبري (5/ 531) والكامل لابن الأثير (4/ 145 - 148) وسير أعلام النبلاء (3/ 537) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 148).
يوسف بن الحكم الثقفي
(1)
، والد الحجاج، قدم من الطائف إلى الشام ثم ذهب إلى مصر والمدينة، وكان يلزم مروان.
عبد الرحمن بن الحكم
(2)
أخو مروان، شهد الدار مع عثمان بن عفان، وكان شاعرًا محسنًا، وله قولة عند معاوية وابنة
(3)
.
ثم دخلت سنة سبعين من الهجرة
فيها ثارت الروم واستجاشوا على من بالشام، واستضعفوهم لما يرون من الاختلاف [الواقع] بين عبد الملك بن مروان وابن الزبير، فصالح عبد الملك ملك الروم وهادنه على أن يدفع إليه عبد الملك في كل جمعة ألف دينار خوفًا منه على الشام.
وفيها كان الوباء بمصر فهرب منه عبد العزيز بن مروان إلى الشرقية، فنزل حلوان وهي على مرحلة من القاهرة، واتخذها منزلًا واشتراها من القبط بعشرة آلاف دينار، وبنى بها دارًا للإمارة وجامعًا، وأنزلها الجند.
وفيها ركب مصعب بن الزبير من البصرة إلى مكة ومعه أموال جزيلة. فأعطى وفرق ونحر عند الكعبة ألف بدنة وعشرين ألف شاة، وأغنى ساكني مكة ثم عاد إلى العراق، وأنعم
(4)
وأطلق لجماعة من رؤساء الناس بالحجاز [أموالًا كثيرة].
وحج بالناس فيها ابن الزبير، والعمال على الأمصار المذكورون فيما قبل
(5)
.
وممن توفي فيها من الأعيان:
عاصم بن عمر بن الخطاب
(6)
القرشي العدوي، وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقْلح
(7)
، ولد
(1)
ترجمة - يوسف بن الحكم الثقفي - في تاريخ البخاري (8/ 376) والمعرفة والتاريخ (1/ 401) وتاريخ الإسلام للذهبي (وفيات وحوادث سنة 61 - 80/ ص 275) وتهذيب التهذيب (11/ 410).
(2)
ترجمة - عبد الرحمن بن الحكم - في نسب قريش (159) والأغاني (13/ 259) ووفيات الأعيان (6/ 359) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 173 - 174).
(3)
من قوله: قيل إنهم سلّموا عليه. . إلى هنا ساقط من ط.
(4)
من قوله: ونحر عند الكعبة. . إلى هنا ساقط من ط.
(5)
من قوله: وحجّ بالناس. . إلى هنا ساقط من ط.
(6)
ترجمة - عاصم بن عمر - في طبقات ابن سعد (5/ 15) وتاريخ البخاري (6/ 477) والاستيعاب (3/ 136) والكامل لابن الأثير (4/ 308) وأسد الغابة (3/ 76) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 137 - 138) وسير أعلام النبلاء (4/ 97) والإصابة (3/ 56) والشذرات (1/ 300).
(7)
في أ، ب: الأفلح -بالفاء- والصحيح ما أثبت.
في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولم يرو إلا عن أبيه حديثًا واحدًا "إذا أقبل الليل من هاهنا" الحديث
(1)
.
وعنه ابناه حفص وعبيد اللَّه
(2)
، وعروة بن الزبير.
وقد طلَّق أبوه أمه فأخذته جدته الشموس بنت أبي عامر، حكم له بها الصدّيق وقال: شمها ولطفها أحب إليه منك.
ثم لما زوجه أبوه في أيام إمارته أنفق عليه من بيت المال شهرًا، ثم كفَّ عن الإنفاق عليه وأعطاه ثُمنَ ماله وأمره أن يتجر وينفق على عياله.
وذكر غير واحد أنه كان بين عاصم وبين الحسن والحسين منازعة في أرض، فلما تبين عاصم من الحسن الغضب قال: هي لك، فقال له: بل هي لك، فتركاها ولم يتعرضا لها، ولا أحد من ورثتهما حتى أخذها الناس من كل جانب.
وكان عاصم رئيسًا وقورًا كريمًا فاضلًا.
قال الواقدي: مات سنة سبعين بالمدينة.
وممن توفي فيها أيضًا:
قبيصة بن جابر
(3)
بن وهب الأسدي الكوفي، أبو العلاء من كبار التابعين شهد خطبة عمر بالجابية وكان أخو معاوية من الرضاعة، وكان من الفصحاء البلغاء.
قيس بن ذَريح
(4)
أبو زيد الليثي الشاعر، المشهور أنه من بادية الحجاز، وقيل إنه أخو الحسين بن علي من الرضاعة، وكان يهوى أم معمر لبنى بنت الحباب الكعبية، ثم تزوج بها ثم طلقها، فلما طلقها زاد ما به من الغرام
(5)
وجعل يقول فيها الأشعار ونحل جسمه، فلما زاد ما به أتاه ابن أبي عتيق فأخذه ومضى به إلى عبد اللَّه بن جعفر فقال له: فداك أبي وأمي، اركب معي في حاجة، فركب واستنهض معه أربعة نفر من وجوه قريش فذهبوا معه وهم لا يدرون ما يريد، حتى أتى بهم باب زوج لبنى، فخرج
(1)
الحديث أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1954) في الصوم، ومسلم رقم (1100).
(2)
في ط: عبد اللَّه؛ خطأ، وما أثبت يوافق السير.
(3)
ترجمة - قبيصة بن جابر - في طبقات ابن سعد (6/ 145) وتاريخ خليفة (268) وطبقاته (141 و 152) وتاريخ البخاري (7/ 175 - 176) والمعرفة والتاريخ (1/ 457 - 459) وأسد الغابة (4/ 191) وتهذيب الكمال (23/ 472) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 208 - 209) وتهذيب التهذيب (8/ 344 - 345) وشذرات الذهب (1/ 298) وقال الذهبي عن خليفة: مات سنة تسع وستين.
(4)
ترجمة - قيس بن ذريح - في الشعر والشعراء (1/ 475) ووفيات الأعيان (6/ 371 - 372) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 209 - 214) وسير أعلام النبلاء (3/ 534 - 535) والوافي بالوفيات (3/ 204 - 208) والنجوم الزاهرة (1/ 182).
(5)
في ط: هام لما به من الغرام، وسكن البادية.
إليهم فإذا وجوه قريش، فقال: جعلني اللَّه فداكم! ما جاء بكم؟ قالوا: حاجة لابن أبي عتيق، فقال الرجل: اشهدوا أن حاجته مقضية، وحكمه جائز، فقالوا: أخبره بحاجتك، فقال ابن أبي عتيق: اشهدوا علي أن زوجته لبنى منه طالق، فقال عبد اللَّه بن جعفر: قبحك اللَّه، ألهذا جئت بنا؟ فقال: جعلت فداكُم يطلق هذا على زوجته ويتزوج بغيرها خير من أن يموت رجل مسلم في هواها صبابة، واللَّه لا أبرح حتى ينتقل متاعها [إلى بيت قيس] ففعلت وأقاموا مدة في أرغد عيش [وأطيبه] رحمهم اللَّه تعالى.
يزيد بن زياد
(1)
ربيعة الحميري، الشاعر، كان كثير الشعر والهجو، وقد أراد عبيد اللَّه بن زياد قتله لكونه هجا أباه زيادًا، فمنعه معاوية من قتله، وقال: أدّبه، فسقاه دواءً مسهلًا وأركبه على حمار وطاف به في الأسواق وهو يسلح على الحمار فقال في ذلك:
يغسلُ الماءُ ما صنعتَ وشعري
…
راسخٌ منك في العظامِ البوالي
(2)
بشير بن النضر
(3)
، قاضي مصر، كان رزقه في العام ألف دينار، توفي بمصر، وولي بعده عبد الرحمن بن حمزة الخولاني [واللَّه سبحانه أعلم].
مالك بن يخامِر
(4)
، السكسكي، الألهاني، الحمصي، تابعي جليل، ويقال له صحبة، فاللَّه أعلم.
روى البخاري
(5)
من طريق معاوية عنه عن معاذ بن جبل في حديث الطائفة الظاهرة على الحق أنهم بالشام، وهذا من باب رواية الأكابر عن الأصاغر، إلا أن يقال بصحبة مالك بن يخامر، والصحيح أنه تابعي وليس بصحابي، وكان من أخص أصحاب معاذ بن جبل رضي الله عنه.
قال غير واحد: مات في هذه السنة، وقيل سنة اثنتين وسبعين، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
(1)
ترجمة - يزيد بن زياد - في الشعر والشعراء (1/ 276 - 280) والأغاني (18 - 254 - 298) وتاريخ دمشق (65/ 178 - 192) ووفيات الأعيان (6/ 342 - 362) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 268 - 269) وسير أعلام النبلاء (3/ 522 - 523) والعقد الفريد (4/ 404 و 6/ 133).
(2)
البيت من قصيدة طويلة في الأغاني (18/ 267) وفيات الأعيان (6/ 350) والشعر والشعراء (1/ 278).
(3)
ترجمة - بشير بن النضر - في طبقات ابن سعد (6/ 206) وطبقات خليفة (143) وتاريخ البخاري (2/ 152) وأخبار القضاة لوكيع (3/ 224) والمعرفة والتاريخ (2/ 547) وتهذيب الكمال (4/ 328 - 329) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 78) وتهذيب التهذب (1/ 512) والإصابة (1/ 187).
(4)
ترجمة - مالك بن يخامر - في طبقات ابن سعد (7/ 441) والمعرفة والتاريخ (2/ 297 و 312) وأسد الغابة (4/ 297) وتهذيب الكمال (27/ 166) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 225) وتهذب التهذيب (10/ 24 - 25) والإصابة (3/ 358 - 359) وشذرات الذ هب (1/ 300).
(5)
صحيح البخاري رقم (7460) في التوحيد.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين
ففيها كان مقتل مصعب بن الزبير، وذلك أن عبد الملك بن مروان سار في جنود هائلة من الشام قاصدًا مصعب بن الزبير، فالتقيا في هذه السنة، وقد كانا قبلها يركب كل واحد ليلتقي بالآخر فيحول بينهما الشتاء والبرد والوحل، فيرجع كل واحد منهما إلى بلده، فلما كان في هذا العام سار إليه عبد الملك وبعث بين يديه السرايا، ودخل بعض من أرسله إلى البصرة فدعا أهلها إلى عبد الملك في السر، فاستجاب له بعضهم [وقد كان مصعب سار إلى الحجاز فجاء ودخل البصرة]
(1)
على إثر ذلك، فأنَّب الكبراء من الناس وشتمهم ولامهم على دخول أولئك إليهم، وإقرارهم لهم على ذلك، وهَدَمَ دور بعضهم، ثم شخص إلى الكوفة، ثم بلغه قصد عبد الملك له بجنود الشام فخرج إليه ووصل عبد الملك إلى مَسكِن، وكتب إلى المروانية الذين استجابوا لمن بعثه إليهم فأجابوه، واشترطوا عليه أن يوليهم أصبهان فقال نعم -وهم جماعة كثيرة من الأمراء- وقد جعل عبد الملك على مقدمته أخاه محمد بن مروان، وعلى ميمنته عبد اللَّه بن يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالد بن يزيد بن معاوية، وخرج مصعب وقد اختلف عليه أهل العراق، وخذلوه وجعل يتأمل من معه فلا يجدهم يقاومون أعداءه، فاستقتل ووطن نفسه على ذلك، وقال: لي بالحسين بن علي أسوة حين امتنع عن إلقائه يده، والذلة لعبيد اللَّه بن زياد، وجعل ينشد ويقول مسليًا نفسه
(2)
:
وإن الأُلى بالطَّفِّ من آلِ هاشمٍ
…
تأسَّوا فسَنّوا للكرامِ التأسِّيا
وكان عبد الملك قد أشار عليه بعض أمرائه أن يبعث إلى مصعب جيشًا، وأن يقيم هو بالشام، فأبى وقال: لعلي إن بعثت رجلًا شجاعًا كان لا رأي له، ومن له رأي ولا شجاعة له، وإني أجد من نفسي بصرًا بالحرب وشجاعةً، وإن مصعبًا في بيت شجاعة، أبوه أشجع قريش [وأخوه لا تجهل شجاعته] وهو شجاع ومعه من يخالفه ولا علم له بالحرب، وهو يحب الدعة والخفْض
(3)
ومعي من ينصح لي ويوافقني على ما أريد، فسار بنفسه فلما تقارب الجيشان بعث عبد الملك إلى أمراء مصعب يدعوهم إلى نفسه ويعدهم الولايات، وجاء إبراهيم بن الأشتر إلى مصعب فألقى إليه كتابًا مختومًا
(4)
وقال: هذا جاءني من عبد الملك، ففتحه فإذا هو يدعوه إلى الإتيان إليه وله نيابة العراق، وقال لمصعب: أيها
(1)
مكانها في أ: ثم قدم مصعب، وعبارة ط توافق المصادر.
(2)
الخبر والبيت في تاريخ الطبري (6/ 156) وابن الأثير (4/ 327).
(3)
في ط: والصفح، وما أثبت موافق للطبري وابن الأثير.
(4)
نسخة الكتاب في الأخبار الطوال (312) وقد أشار إليه الطبري وتبعه ابن الأثير دون ذكر محتواه.
الأمير! إنه لم يبق أحد من أمرائك إلا وقد جاءه كتاب مثل هذا، فإن أطعتني ضربت أعناقهم. فقال له مصعب: إني لو فعلت ذلك لن ينصحنا عشائرهم بعدهم، قال: فأوقرهم في الحديد وابعثهم إلى أبيض كسرى فاسجنهم فيه، فإن كانت لك [النصرة] ضربت أعناقهم، وإن كانت عليك خرجوا بعد ذلك. فقال له: يا أبا النعمان، إني لفي شغل عن هذا، ثم قال مصعب: رحم اللَّه أبا بحر -يعني الأحنف بن قيس- إن كان ليحذرني غدر أهل العراق، وكأنه ينظر إلى ما نحن فيه الآن.
ثم تواجه الجيشان بدير الجاثَليق
(1)
من مَسكِن، فحمل إبراهيم بن الأشتر -وهو أمير المقدمة العراقية لجيش مصعب- على محمد بن مروان -وهو أمير مقدمة الشام- فأزاله عن موضعه، فأردفه عبد الملك بعبد اللَّه بن يزيد بن معاوية، فحملوا على ابن الأشتر ومن معه فطحنوهم، وقتل ابن الأشتر رحمه الله [وعفا عنه] وقتل معه جماعة من الأمراء، وكان عتاب بن ورقاء على خيل مصعب [فهرب] أيضًا ولجأ إلى عبد الملك بن مروان، وأرسل عبد الملك الأمان إلى مصعب بن الزبير وهو واقف في القلب يُنهض أصحاب الرايات ويستنهض الشجعان والأبطال أن يتقدموا إلى أمام [القوم] فلا يتحرك أحد
(2)
، فجعل يقول: يا إبراهيم ولا إبراهيم لي اليوم، وتفاقم الأمر واشتد القتال، وانخذلت الرجال، وضاق الحال، وكثر النزال.
قال المدائني
(3)
: عن يحيى بن سعيد بن أبي المهاجر، عن أبيه: أرسل عبد الملك أخاه محمد بن مروان إلى مصعب يعطيه الأمان فأبى وقال: إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموضع إلا غالبًا أو مغلوبًا. قالوا: فنادى محمد بن مروان عيسى بن مصعب فقال: يا بن أخي لا تقتل نفسك، لك الأمان، فقال له مصعب: قد أمَّنك عمك فامض إليه، فقال: لا يتحدث نساء قريش أني أسلمتك للقتل، فقال له: يا بني فاركب خيل السبق فالحق بعمك فأخبره بما صنع أهل العراق فإني مقتول هاهنا، فقال: واللَّه إني لا أخبر عنك أحدًا أبدًا، ولا أُقتل إلا معك، ولكن إن شئت ركبت خيلك وسرنا إلى البصرة فإنهم على الجماعة، فقال مصعب: لا واللَّه ما الفرار لي بعادة، ولكن أقاتل، فإن قتلت فما السيف بعار، واللَّه لا يتحدث قريش بأني فررت من القتال، فقال لابنه: تقدم بين يدي حتى أحتسبك، فتقدم ابنه فقاتل حتى قُتل، وأثخن مصعب بالرمي فنظر إليه زائدة بن قدامة وهو كذلك فحمل عليه فطعنه وهو يقول: يا لثارات المختار فصرعه، ونزل إلجه رجل يقال له عبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان التميمي فقتله وحز رأسه وأتى به عبد الملك بن مروان، فسجد عبد الملك وأطلق له ألف دينار فأبى أن يقبلها وقال: لم أقتله
(1)
دير الجاثليق: دير قديم البناء رحب الفناء قرب بغداد في غربي دجلة في عرض حَرْبَى، وهو في رأس الحد بين السواد وأرض تكريت. معجم البلدان (3/ 503).
(2)
الخبر بتفصيل أكثر في تاريخ الطبري (6/ 158) وابن الأثير (4/ 326).
(3)
تاريخ الطبري (6/ 158 - 159).
على طاعتك ولكن بوتر
(1)
كان لي عنده
(2)
، وكان قد ولي له عملًا قبل ذلك فعزله عنه وأهانه.
قالوا: ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال: لقد كان بينى وبين مصعب صحبة قديمة، وكان من أحب الناس إليّ، ولكن هذا الملك عقيم.
وقيل: لما تفرق عن مصعب جموعه قال له ابنه عيسى: لو اعتصمت ببعض القلاع وكاتبت من بعُد عنك مثل المهلب بن أبي صفرة وغيره فقدموا عليك، فإذا اجتمع لك ما تريد منهم لقيت القوم، فإنك قد ضعفت جدًا. فلم يرد عليه جوابًا، ثم ذكر ما جرى للحسين بن علي وكيف قتل كريمًا ولم يلق بيده، ولم يجد من أهل العراق وفاء، وكذلك أبوه وأخوه، ونحن ما وجدنا لهم وفاءً، ثم انهزم أصحابه وبقي في قليل من خواصه، ومال الجميع إلى عبد الملك، وقد كان عبد الملك يحب مصعبًا حبًا شديدًا، وكان خليلًا له قبل الخلافة، فقال لأخيه محمد: اذهب إليه فأمِّنه، فجاءه فقال له: يا مصعب قد أمنك ابن عمك على نفسك، ولدك ومالك وأهلك، فاذهب حيث شئت من البلاد، ولو أراد بك غير ذلك لكان أنزله بك، فأنشدك اللَّه في نفسك، فقال مصعب: قضي الأمر، إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبًا أو مغلوبًا، فتقدم ابنه عيسى فقاتل، فقال محمد بن مروان: يا بن أخي لا تقتل نفسك. ثم ذكر من قوله ما تقدم، ثم قاتل حتى قتل رحمه الله، ثم ذكر من قتل منهم بعده كما تقدم، قال: ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بكى وقال: واللَّه ما كنت أقدر أن أصبر عليه ساعة واحدة من حبي له حتى دخل السيف بيننا، ولكن الملك عقيم. ولقد كانت المحبة والحرمة بيننا قديمة، متى تلد النساء مثل مصعب؟ ثم أمر بمواراته ودفنه هو وابنه وإبراهيم بن الأشتر في قبور بمسكن بالقرب من الكوفة]
(3)
.
قال المدائني: وكان مقتل مصعب بن الزبير يوم الثلاثاء
(4)
الثالث عشر من جمادى الأولى أو الآخرة من سنة إحدى وسبعين في قول الجمهور. وقال المدائني: سنة ثنتين وسبعين، واللَّه أعلم.
قالوا
(5)
: ولما قتل عبد الملك مصعبًا ارتحل إلى الكوفة فنزل النُّخيلة فوفدت عليه الوفود من رؤساء القبائل وسادات العرب، وجعل يخاطبهم بفصاحة وبلاغة واستشهاد بأشعار حسنة، وبايعه أهل العراق وفرق العمال، وولّى الكوفةَ قطن بن عبد اللَّه الحارثي أربعين يومًا، ثم عزله وولى أخاه بشر بن مروان عليها.
(1)
في ط: بثأر.
(2)
انظر تاريخ الطبري (6/ 159 - 160) والأخبار الطوال (313) وابن الأثير (4/ 328).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي توافق ما أورده الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 304 - 305).
(4)
في الطبري (6/ 162) والأخبار الطوال (313): كان مقتل مصب يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين للهجرة.
(5)
تاريخ الطبري (6/ 163) وابن الأثير (4/ 329).
وخطب عبد الملك يومًا بالكوفة فقال في خطبته: إن عبد اللَّه بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسى بنفسه، ولم يغرز ذنبه في الحرم، ثم قال لهم: إني قد استخلفت عليكم أخي بشر بن مروان وأمرته بالإحسان إلى أهل الطاعة، وبالشدة على أهل المعصية، فاسمعوا له وأطيعوا.
وأما أهل البصرة فإنهم لما بلغهم مقتل مصعب تنازع في إمارتها حمران بن أبان
(1)
بن عثمان بن عفان، وعبيد اللَّه بن أبي بكرة، فغلبه حمران بن أبان عليها، فبايعه أهلها فكان أشرف الرجلين، قال أعرابي: واللَّه لقد رأيت رداء ابن أبان مال عن عاتقه يومًا فابتدره مروان وسعيد بن العاص أيهما يسوِّيه على منكبيه، وقال غيره: مدّ حمران يومًا رجله فابتدر معاوية وعبد اللَّه بن عامر أيهما يغمز رجل ابن حمران.
قال: فبعث عبد الملك خالد بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد واليًا على البصرة فأخذها من حمران واستناب فيها عبيدَ اللَّه بن أبي بكرة، وعزل حمران بن أبان عنها.
قالوا: وقد أمر عبد الملك بطعام كثير فعمل لأهل الكوفة فأكلوا من سماطه ومعه يومئذ على السرير عمرو بن حُرَيث، فقال له عبد الملك: ما ألذ عيشنا لو أن شيئًا يدوم؟ ولكن كما قال الأول:
وكلّ جديدٍ يا أُمَيمَ إلى بِلًى
…
وكلُّ امرئٍ يومًا يصير إلى كانْ
فلما فرغ من الطعام نهض فدار في القصر وجعل يسأل عمرو بن حُرَيث عن أحوال القصر ومن بنى أماكنه وبيوته فيخبره ثم عاد إلى مجلسه فاستلقى وهو يقول:
اعمل على مَهَلٍ فإنك ميتٌ
…
واكدَحْ لنفسكَ أيّها الإنسانْ
فكأنَّ ما قد كانَ لم يكُ إذْ مضى
…
وكأنَّ ما هو كائنٌ قدْ كانْ
قال ابن جرير
(2)
: وفيها رجع عبد الملك فيما زعم الواقدي إلى الشام.
وقال: وفيها عزل ابن الزبير جابرَ بن الأسود عن المدينة، وولّى عليها طلحة بن عبد اللَّه بن عوف، وكان آخر أمرائه عليها، حتى قدم [عليها] طارق بن عمرو مولى عثمان من جهة عبد الملك بن مروان.
وفيها حجَّ بالناس عبد اللَّه بن الزبير ولم يبق له ولاية على العراق.
[قال الواقدي: وفيها عقد عبد العزيز بن مروان نائب مصر لحسان الغسَّاني
(3)
على غزو إفريقية فسار إليها في عدد كثير، فافتتح قُرطاجنة وكان أهلها رومًا عبّاد أصنام
(4)
.
(1)
في ط: أبان بن عثمان؛ خطأ، وما أثبت عن أ، ب والمصادر.
(2)
تاريخ الطبري (6/ 165).
(3)
تحرفت في ط إلى العاني.
(4)
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 69/ ص 67).
وفيها قتل نجدة الحروري الذي تغلَّب على اليمامة
(1)
.
وفيها خرج عبد اللَّه بن ثور في اليمامة]
(2)
.
هذه ترجمة مصعب بن الزبير
(3)
رحمه الله
وهو مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو عبد اللَّه القرشي، ويقال له أبو عيسى أيضًا الأسدي، وأمه الرَّباب
(4)
بنت أنيف الكلبية، كان من أحسن الناس وجهًا، وأشجعهم قلبًا، وأسخاهم كفًا. وقد حكى عن عمر بن الخطاب.
وروى عن أبيه الزبير، وسعد، وأبي سعيد الخدري.
وروى عنه: الحكم بن عتيبة
(5)
، وعمرو بن دينار الجمحي، وإسماعيل بن أبي خالد.
ووفد على معاوية، وكان ممن يجالس أبا هريرة، وكان من أحسن الناس وجهًا.
حكى الزبير بن بكار: أن جميلًا نظر إليه وهو واقف بعرفة فقال: إن هاهنا فتى أكره أن تراه بثينة.
وقال الشعبي: ما رأيت أميرًا على منبر قط أحسن منه، وكذا قال إسماعيل بن [أبي] خالد.
وقال الحسن: هو أجمل أهل البصرة.
قال الخطيب البغدادي
(6)
: ولي إمرة العراقين لأخيه عبد اللَّه حتى قتله عبد الملك بمسكن بموضع قريب من أوانا على نهر دجيل عند دير الجاثليق، وقبره إلى الآن معروف هناك.
وقد ذكرنا صفة مقتله المختار بن أبي عبيد، وأنه قتل في غداة واحدة من أصحاب المختار سبعة آلاف.
[قال الواقدي: لما قتل مصعب المختار طلب أهل القصر من أصحاب المختار من مصعب الأمان
(1)
في تاريخ الطبري (6/ 174) كان مقتل نجدة الحروري سنة 72 هـ. وفي تاريخ الإسلام (حوادث سنة 69/ ص 68).
(2)
الخبر في تاريخ خليفة (267) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 71/ ص 300). وما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
ترجمة - مصعب بن الزبير - في طبقات ابن سعد (5/ 182 - 183) وتاريخ خليفة (264) ومواضع أخرى، وطبقاته (241) وتاريخ البخاري (7/ 350) والمعرفة والتاريخ (1/ 214) ومواضع أخرى، وأنساب الأشراف (3/ 60 و 159 و 213) وتاريخ بغداد (13/ 105 - 108) وتاريخ دمشق (58/ 210 - 252) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 524 - 528) وسير أعلام النبلاء (4/ 140 - 145) وفوات الوفيات (4/ 143) والنجوم الزاهرة (1/ 187).
(4)
في ط: كرمان؛ خطأ، وما أثبت موافق لما في السير وغيره من مصادر الترجمة.
(5)
في الأصل: الحكم بن عيينة.
(6)
تاريخ بغداد (13/ 105).
فأمَّنهم، ثم بعث إليهم عبّاد بن الحصين فجعل يخرجهم ملتفين، فقال له رجل: الحمد للَّه الذي نصركم علينا وابتلانا بالأسر، يا ابن الزبير من عفا عفا اللَّه عنه، ومن عاقب لا يأمن القصاص، نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم وقد قدرت فاسمح واعف عنا، قال: فرقّ لهم مصعب وأراد أن يخلي سبيلهم، فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وغيره من كل قبيلة فقالوا: قد قتلوا أولادنا وعشائرنا وجرحوا منا خلقًا، اخترنا أو اخترهم، فأمر حينئذ بقتلهم، فنادوا بأجمعهم: لا تقتلنا واجعلنا مقدمتك في قتال عبد الملك بن مروان، فإن ظفرنا فلكم، وإن قتلنا لا نقتل حتى نقتل منهم طائفة، وكان الذي تريد، فأبى ذلك مصعب، فقال له مسافر: اتق اللَّه يا مصعب، فإن اللَّه عز وجل أمرك أن لا تقتل نفسًا مسلمة بغير نفس، وإن:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] فلم يسمع له بل أمر بضرب رقابهم جميعهم وكانوا سبعة آلاف نفس، ثم كتب مصعب إلى ابن الأشتر أن أجبني فلك الشام وأعنَّة الخيل، فسار ابن الأشتر إلى مصعب. وقيل إن مصعبًا لما قدم مكة أتى عبد اللَّه بن عمر فقال: أي عم: إني أسألك عن قوم خلعوا الطاعة وقاتلوا حتى غلبوا، تحصنوا وسألوا الأمان فأعطوه ثم قتلوا بعد ذلك. فقال: وكم هم؟ فقال: خمسة آلاف، فسبَّح ابن عمر واسترجع وقال: لو أن رجلًا أتى ماشية الزُّبير فذبح منها خمسة آلاف ماشية في غداة واحدة ألست تعده مُسرفًا؟ قال: نعم. قال: أفتراه إسرافًا في البهائم ولا تراه إسرافًا في من ترجو توبته؟ يا بن أخي أصب من الماء البارد ما استطعت في دنياك]
(1)
. ثم إن مصعبًا بعث برأس المختار إلى أخيه بمكة وتمكن مصعب في العراقين تمكنًا زائدًا، فقرر بها الولايات والعمال، وحظي عنده إبراهيم بن الأشتر فجعله على الوفادة، ثم رحل مصعب إلى أخيه بمكة فأعلمه بما فعل فأقره على ما صنع، إلا ابن الأشتر فقال له: أعمدت إلى راية خفضها اللَّه تريد أن ترفعها. ثم كشف عن ظهره فإذا ضربة قد أصابته وقال
(2)
: أتراني أحب ابن الأشتر وهو الذي جرحني هذه الجراحة.
ثم استدعى بمن قدم مع مصعب من أهل العراق فقال لهم: واللَّه لوددت أن لي بكل رجلين منكم رجلًا من أهل الشام. فقال له أبو حاجز الأسيدي
(3)
-وكان قاضي الجماعة بالبصرة- إن لنا ولكم مثلًا قد مضى يا أمير المؤمنين وهو ما قال الأعشى:
علقتها عرضًا وعلقتْ رجلًا
…
غيري وعلق أخرى غيرها الرجلُ
[قلت كما قيل أيضًا:
جُننا بليلى وهي جُنتْ بغيرنا
…
وأخرى بنا مجنونةٌ لا نريدها]
(4)
(1)
ما بين معكوفين لأيادة من ط، والخبر في تاريخ دمشق (58/ 229 - 230).
(2)
مكانها في ط: ولم يُمضِ له ما جعله عليه، وقال له: أتراني.
(3)
في ط: الأسدي؛ خطأ، والتصحيح من مصادر ترجمته.
(4)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
علقناكَ يا أمير المؤمنين وعلقتَ أهلَ الشام وعلقَ أهلُ الشام إلى مروان، فما عسينا أن نصنع؟
قال الشعبي: فما سمعت جوابًا أحسن منه. وقال غيره: وكان مصعب من أشد الناس محبة للنساء وقد أمضى من ذلك شيئًا كثيرًا كما روي أنه اجتمع عند الحجر الأسود جماعة منهم ابن عمر ومصعب بن الزبير، فقالوا: ليقم كل واحد منكم وليسأل من اللَّه حاجته، فسأل ابن عمر المغفرة، وسأل مصعب أن يزوجه اللَّه سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، وكانتا من أحسن النساء في ذلك الزمان، وأن يعطيه اللَّه إمرة العراقين، فأعطاه اللَّه ذلك، تزوج بعائشة بنت طلحة، وكان صداقها عليه مئة ألف دينار، وكانت باهرة الجمال جدًا، وكان مصعب أيضًا جميلًا جدًا، وكذلك بقية زوجاته.
قال الأصمعي: عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: اجتمع في الحِجْر عبد اللَّه ومصعب وعروة بنو الزبير وابن عمر، فقال عبد اللَّه بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين. وقال عبد اللَّه بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنالوا كلّهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر اللَّه
(1)
.
قال عامر الشعبي: بينما أنا جالس إذ دعاني الأمير مصعب بن الزبير فأدخلني دار الإمارة ثم كشف فإذا وراءه عائشة بنت طلحة، فلم أر منظرًا أبهى ولا أحسن منها، فقال: أتدري من هذه؟ فقلت: لا، فقال: هذه عائشة بنت طلحة، فخرجت فقالت: من هذا الذي أظهرتني عليه؟ قال: هذا عامر الشعبي، قالت: فأطلق له شيئًا، فوهبني عشرة آلاف درهم. قال الشعبي: فكان أول ما ملكته
(2)
.
وحكى الحافظ ابن عساكر
(3)
: أن عائشة بنت طلحة تغضبت مرة على مصعب فترضّاها بأربعمئة ألف درهم، فأطلقتها هي للمرأة التي أصلحت بينهما.
وقيل: إنه أُهديت له نخلة من ذهب ثمارها من صنوف الجواهر المثمنة، فقومت بألفي ألف دينار، وكانت من متاع الفرس فأعطاها لعبد اللَّه بن أبي فروة
(4)
.
وقيل: إن أخاه عبد اللَّه كان إذا كتب لأحد جائزة بألف درهم جعلها مصعب مئة ألف درهم.
[وقد كان مصعب من أجود الناس وأكثرهم عطاءً، لا يستكثر ما يعطي ولو كان ما عساه أن يكون
(1)
الخبر في الحلية لأبي نعيم (2/ 176) وتاريخ دمشق (58/ 218). وسير أعلام النبلاء (4/ 141).
(2)
تاريخ دمشق لابن عساكر (58/ 225).
(3)
تاريخ دمشق لابن عساكر (58/ 226/ 227) ط دار الفكر.
(4)
الخبر في تاريخ دمشق (58/ 227) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 526). وسير أعلام النبلاء (4/ 142) والأغاني (19/ 125) وابن أبي فروة هو كاتب مصعب.
فكانت عطاياه للقوي والضعيف، والوضيع والشريف متقاربة، وكان أخوه عبد اللَّه يُبخَّل]
(1)
.
وروى الخطيب البغدادي في "تاريخه"
(2)
أن مصعبًا غضب مرة على رجل فأمر بضرب عنقه، فقال له الرجل: أعزّ اللَّه الأمير! ما أقبح بمثلي أن يقوم يوم القيامة فيتعلق بأطرافك الحسنة، وبوجهك هذا الذي يُستضاء به، فأقول: يا رب سل مصعبًا فيم قتلني. فعفا عنه، فقال الرجل: أعزّ اللَّه الأمير إن رأيت ما وهبت لي من حياتي في عيش رخي
(3)
، فأطلق له مئة ألف، فقال الرجل إني أشهدك أن نصفها لابن قيس الرقيّات حيث يقول فيك:[من الخفيف]
إنما مصعب
(4)
شهابٌ مِنَ اللَّه
…
تجلتْ عن وجههِ الظلماءُ
ملكه ملكُ عزةٍ
(5)
ليسَ فيها
…
جبروتٌ منه ولا كبرياءُ
يتَّقي اللَّهَ في الأمور وقد أفلـ
…
ــــح من كانَ همهُ الاتقاءُ
[وفي رواية أنه قال له: أيها الأمير قد وهبتني حياة، فإن استطعت أن تجعل ما قد وهبتني من الحياة في عيش رضمي وسعة فافعل، فأمر له بمئة ألف]
(6)
.
وقال الإمام أحمد
(7)
: حدّثنا مؤمل، حدثنا حمّاد بن سلمة، حدّثنا علي بن زيد قال: بلغ مصعبًا، عن عريف الأنصارِ شيء فهمّ به، فدخل عليه أنس بن مالك فقال له: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "استوصوا بالأنصار خيرًا -أو قال معروفًا- اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم". فألقى مصعب نفسه عن سريره وألزق خده بالبساط وقال: أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الرأس والعين. فتركه.
ومن كلام مصعب في التواضع أنه قال: العجب من ابن آدم كيف يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرتين.
وقال محمد بن يزيد المبرّد
(8)
: سئل القاسم بن محمد عن مصعب فقال: كان نبيلًا رئيسًا تقيًا أنيسًا.
وقد تقدم أنه لما ظهر على المختار قتل من أصحابه في غداة واحدة خمسة آلاف، وقيل سبعة آلاف، فلما كان بعد ذلك لقي ابن عمر فسلم عليه فلم يعرفه ابن عمر، لأنه كان قد حصل له من الضرر -أي
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وفي المصادر قريب منها.
(2)
تاريخ بغداد (13/ 106) والخبر أيضًا في تاريخ دمشق لابن عساكر (58/ 224).
(3)
في ط: رضي.
(4)
في ط: إن مصعبًا، وما أثبت موافق للكامل للمبرد (2/ 269) ت: أبو الفضل إبراهيم.
(5)
في ط: رحمة، وفي الكامل للمبرد: قوة.
(6)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(7)
مسند الإمام أحمد (3/ 241) المرفوع منه صحيح، والقصة ضعيفة.
(8)
الكامل في الأدب للمبرد (1/ 166) ت: أبو الفضل إبراهيم.
العمى- فتعرف له حتى عرفه، قال: أنت الذي قتلت في غداة واحدة خمسة آلاف ممن يوحد اللَّه؟ فاعتذر إليه بأنهم بايعوا المختار، فقال: أما كان فيهم من هو مستكره أو جاهل فيُنْظَر حتى يتوب؟ أرأيت لو أن رجلًا جاء إلى غنم الزّبير فنحر منها خمسة آلاف في غداة واحدة، أما كان مسرفًا؟ قال: بلى! قال: وهي لا تعبد اللَّه ولا تعرفه كما يعرفه الآدمي، فكيف بمن هو موحد؟ ثم قال له: يا بني تمتع من الماء البارد ما استطعت، وفي رواية أنه قال له: عش ما استطعت.
وقال الزبير بن بكار: حدَّثني محمد بن الحسن، عن زفر بن قتيبة، عن الكلبي قال: قال عبد الملك بن مروان يومًا لجلسائه: من أشجع العرب وأكرم العرب
(1)
؟ قالوا شبيب، وقال آخر: قطري بن الفجاءة وفلان وفلان. فقال عبد الملك: إن أشجع الناس وأكرم العرب لَرَجُل جمع بين سُكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وأمَة الحميد بنت عبد اللَّه بن عامر بن كُرَيز، وأمه رباب بنت
(2)
أنيف الكلبي، سيد ضاحية العرب، وولي العراقين خمس سنين فأصاب ألف ألف، وألف ألف، وألف ألف، ففرقها في الناس، وهؤلاء الأربع نسوة أعظم أهل زمانهن حسبًا وجمالًا، وأعطي الأمان فأبى، ومشى بسيفه حتى مات كريمًا ذاك
(3)
مصعب بن الزبير، لا من قطع الجسور مرة هاهنا ومرة هاهنا. قالوا: وكان مقتله يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة ثنتين وسبعين.
وقال الزُّبير بن بكار: حدَّثني فُليح بن إسماعيل وجعفر بن أبي كثير، عن أبيه، قال: لما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال:
لقد أردى الفوارسَ يومَ عبس
…
غلامٌ غيرُ منَّاعِ المتاعِ
ولا فرحٌ بخيرٍ إن أتاهُ
…
ولا هلع مِنَ الحدثانِ لاعِ
ولا رقَّابة والخيلُ تعدو
…
ولا خالٌ كأنبوبِ اليراعِ
فقال الرجل الذي جاء برأسه: واللَّه يا أمير المؤمنين لو رأيته والرمح في يده تارة والسيف تارة يفري بهذا ويطعن بهذا، لرأيت رجلًا يملأ القلب والعين شجاعة، لكنه لما تفرقت عنه رجاله وكثر من قصده وبقي وحده ما زال ينشد:
وإني على المكروه عندَ حضورهِ
…
أكذِّبُ نفسي والجفون له تفضي
وما ذاكَ من ذل ولكنْ حفيظةٌ
…
أذبُّ بها عندَ المكارمِ عنْ عرضي
وإني لأهلِ الشرِّ بالشرِّ مرصدٌ
…
وإني لذي سليم أذلُّ منَ الأرضِ
(1)
في ط: من أشجع العرب والروم، والخبر في الأغاني (19/ 131 - 132) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 527).
(2)
في ط: وابنه ريان. . .؛ والتصحيح من المصادر.
(3)
ثمة خلافات بين النسخ تؤدي نفس المعنى وأثبتنا رواية أ، ب لتوافقهما، والخبر في تاريخ بغداد (13/ 106) وتاريخ دمشق (58/ 243 - 244) وسير أعلام النبلاء (4/ 142).
فقال عبد الملك: كان واللَّه كما وصف به نفسه وصدق، ولقد كان من أحب الناس إليّ، وأشدهم لي ألفة ومودة، ولكن الملك عقيم
(1)
.
وروى يعقوب بن سفيان: عن سليمان بن حرب، عن غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد: أن عبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان قتل مصعبًا عند دير الجاثليق على شاطئ نهر يقال له دجيل، من أرض مسكن، واحتز رأسه فذهب به إلى عبد الملك فسجد شكرًا للَّه، وكان ابن ظبيان فاتكًا رديئًا وكان يتلهف يقول: ليتني قتلت عبد الملك حين لممجد يومئذ فأكون قد قتلت ملكي العرب، قال يعقوب: وكان ذلك سنة ثنتين وسبعين. قلت: كذا قال علي بن محمد المدائني والذي رجحه ابن جرير وغيره أنه سنة إحدى وسبعين، واللَّه
(2)
أعلم.
وحكى الزُّبير بن بكار في عمره يوم قتل ثلاثة أقوال، أحدها خمس وثلاثون سنة، والثاني أربعون سنة، والثالث خمس وأربعون سنة [فاللَّه أعلم].
وروى الخطيب البغدادي
(3)
أن امرأته سُكينة بنت الحسين كانت معه في هذه الوقعة، فلما أيقنت أنه مقتول نادت: وامصعباه. فقال مصعب: لو سمعت هذا الكلام قبل هذا اليوم ما قمت في هذا المقام - يعني أنها ما كانت تظهر له محبتها، فلما علم بحبها إياه ندم على إقدامه على الموت، فلما قتل تطلبته في القتلى حتى عرفته بشامة في فخذه فأقبلت عليه وقالت: نِعْمَ بَعلُ المرأة المسلمة كنت، أدركك واللَّه ما قال عنترة:
وخليلُ غانيةٍ تركتُ مجندلًا
…
بالقاعِ لم يعهد ولم يتثلمِ
فهتكت بالرمحِ الطويل إهابهُ
…
ليسَ الكريمُ على القنا بمحرمِ
قال الزبير
(4)
: وقال عبد اللَّه بن قيس الرقيات يرثي مصعبًا:
لقد أورثَ
(5)
المصرين حزنًا
(6)
وذلةً
…
قتيلٌ بدير الجاثليقِ مقيمُ
فما نصحتْ
(7)
للَّه بكرُ بنُ وائلٍ
…
ولا صدقت
(8)
يومَ اللقاءِ تميمُ
(1)
الخبر في تاريخ بغداد (13/ 107) وتاريخ دمشق (58/ 234).
(2)
من قوله: قلت: كذا قال علي. . . إلى هنا ساقط من ط.
(3)
تاريخ بغداد (13/ 107 - 108) والخبر أيضًا في تاريخ دمشق (58/ 242) ط: دار الفكر ورواية البيت الأول فيهما:
وحليل غانيةٍ تركت مجدّلًا
…
بالقاع لم يعهد ولم يتثلَّم
(4)
تاريخ دمشق (58/ 233) وتاريخ بغداد (13/ 108) والأبيات في ديوان ابن قيس الرقيات (ص 196).
(5)
في الأخبار الطوال (313): ورد.
(6)
في تاريخ الطبري (6/ 161) خزيًا، وفي الأخبار الطوال (313): خزي.
(7)
في الأخبار الطوال (313): فما صبرت.
(8)
في تاريخ الطبري (6/ 161): ولا صبرت، وفي الأخبار الطوال: ولا ثبتت.
ولو كان بكريًا تَعَطَّفُ حَوْلَهُ
…
كتائبُ يغلي حَميُها
(1)
ويدومُ
ولكنهُ ضاعَ الذمام ولم يكنْ
…
بها مضريٌّ يومَ ذاكَ كريمُ
جزى اللَّه كوفيًا هناكَ ملامة
…
وبصريَّهم إنَّ الملومَ
(2)
ملومُ
وإنَّ بني العلّاتِ أخلَوا ظهورَنا
…
ونحنُ صريحٌ بينهمْ وصميمُ
فإن نفن لا يبقى أولئكَ بعدنا
…
لذي حرمةٍ في المسلمين حريمُ
وقد قال أبو حاتم الرازي: حدَّثنا يحيى بن مصعب الكلبي، حدَّثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد الملك بن عمير قال: دخلت القصر بالكوفة فإذا رأس الحسين بن علي على ترس بين يدي عبيد اللَّه بن زياد وعبيد اللَّه على السرير، ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين، فرأيت رأس عُبيد اللَّه بن زياد على تُرس بين يدي المختار، والمختار على السرير، ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين فرأيت رأس المختار على ترس بين يدي مصعب بن الزبير، ومصعب على السرير، ثم دخلت القصر بعد حين فرأيت رأس مصعب بن الزبير على ترس بين يدي عبد الملك، وعبد الملك على السرير
(3)
.
وقد حكاها الإمام أحمد
(4)
وغير واحد عن عبد الملك بن عمير.
وقال عبد اللَّه بن قيس الرقيات
(5)
يرثي مصعبًا أيضًا:
تسقي السحائبُ والنجوم بأسرها
…
جسدًا بمسكنَ عاريَ الأوصالِ
تمسي عوائذهُ السباعُ ودارهُ
…
بمنازلٍ أطلالهنَّ بوالي
رحلَ الرفاق وغادروهُ ثاويًا
…
للريحِ بينَ صبا وبينَ شمالي
فصل
[وكان لمصعب من الولد عكاشة وعيسى الذي قتل معه وسكينة وأمهم فاطمة بنت عبد اللَّه بن السائب، وعبد اللَّه ومحمد، وأمهما عائشة بنت طلحة، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وجعفر ومصعب وسعيد وعيسى الأصغر والمنذر لأمهات شتى، والرباب وأمها سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعنهم]
(6)
.
(1)
في ط: يبقى حرها.
(2)
في الطبري: إن المسليم.
(3)
الخبر في تاريخ دمشق لابن عساكر (58/ 245) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 527). عن أبي بكر ابن عياش. .
(4)
ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق (37/ 131) بسنده إلى الإمام أحمد.
(5)
ديوانه (ص 201) ط: دار صادر بيروت.
(6)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
قال ابن جرير
(1)
: وذكر أبو زيد، عن أبي غسان محمد بن يحيى، حدَّثني مصعب بن عثمان قال: لما انتهى إلى عبد اللَّه بن الزبير قتل أخيه مصعب قام في الناس خطيبًا فقال: الحمد للَّه الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممَّن يشاء، ويُعزُّ من يشاء ويذلّ من يشاء، ألا وإنه لم يذلل اللَّه من كان الحق معه وإن كان فردًا ولن يفلح من كان وليه الشيطان وحزبه ولو كان معه الأنام [طرًا] ألا وإنه أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا، أتانا قتل مصعب رحمه الله
(2)
، فأما الذي أفرحنا فعلمنا أن قتله له شهادة، وأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يَرْعوي من بعدها ذو الرأي جميل الصبر كريم العزاء، ولئن أصبتُ بمصعب فلقد أصبت بالزبير قبله، وما أنا من عثمان بخلو مصيبة، وما مصعب إلا عبدٌ من عبيد اللَّه، وعونٌ من أعواني، ألا وإن أهل العراق أهل الغدر والنفاق، أسلموه وباعوه بأقل الثمن، فإن يقتل فإنَّا واللَّه ما نموت على مضاجعنا كما تموت بنو أبي العاص، واللَّه ما قتل منهم رجل في زحف في الجاهليَّة ولا في الإسلام، وما نموت إلا بأطراف (3) الرماح أو تحت ظل السيوف
(3)
ألا وإن الدنيا عاريَّة من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد مُلكه، فإن تُقبل لا آخذها أخذ الأشر البَطر، وإن تُدْبر لا أبكي عليها بكاء الحزين الأسف المهين، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:
إبراميم بن الأشتر
(4)
-واسم الأشتر مالك بن الحارث النخعي- كان أبوه الأشتر من كبار أمراء علي واستعمله علي على خراسان وهو ممن قام على عثمان وقَتْلِهِ.
وكان إبراهيم هذا من الأمراء المعروفين بالشجاعة وله شرف، وهو الذي قتل عبيد اللَّه بن زياد كما ذكرنا، ثم صار إلى مصعب بن الزبير وقُتل معه كما ذكرنا.
عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي
(5)
، له صحبة ورواية.
واستعمله علي على خراسان، سكن الكوفة ووليها مرة.
(1)
تاريخ الطبري (6/ 166) ونص الخطبة أيضًا في تاريخ دمشق (58/ 247).
(2)
مكانها في ط: فأحزننا.
(3)
في الطبري: إلا قصعًا بالرماح، أو موتًا تحت ظلال السيوف.
(4)
ترجمة - إبراهيم بن الأشتر - في تاريخ خليفة (263) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 344) وسير أعلام النبلاء (4/ 35) والوافي بالوفيات (6/ 99) والأغاني (19/ 123 - 126) وشذرات الذهب (1/ 305).
(5)
ترجمة - عبد الرحمن بن أبزى - في طبقات ابن سعد (5/ 462) وتاريخ خليفة (153) وطبقاته (109 و 137) والاستيعاب (2/ 417 - 418) وتهذيب الكمال (16/ 501) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 471) وتهذيب التهذيب (6/ 132 - 133) والإصابة (2/ 388 - 389) وترجمته ساقطة من ط، ب.
وأبْزى: بفتح الهمزة، وسكون الباء بعدها زاي مقصورًا. تقريب التهذيب.
توفي بالمدينة.
عبد الرحمن بن عُسَيلة
(1)
، أبو عبد اللَّه المرادي، الصنابحي نزيل الشام.
هاجر إلى المدينة، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم قبل قدومه بخمس ليال
(2)
.
وكان يجلس مع عبد الملك على سريره
(3)
، وكان من العلماء الصلحاء.
توفي بدمشق.
عمر بن أبي سلمة
(4)
، المخزومي، المدني، ربيب النبي صلى الله عليه وسلم، ولد بأرض الحبشة. وكان عند أمه أم سلمة.
وله روايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.
سفينة
(5)
مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أبو عبد الرحمن كان عبدًا لأم سلمة فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، [فقال: أنا لا أزال أخدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لو لم تعتقيني ما عشت، وله روايات، توفي بالمدينة.
وقد كان سفينة بآل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أليفًا، وبهم خليطًا.
(1)
ترجمة - عبد الرحمن بن عُسَيلة - في طبقات ابن سعد (7/ 509 - 510) وطبقات خليفة (293) وتاريخ البخاري (5/ 321 - 322) والاستيعاب (2/ 426 - 427) وتهذيب الكمال (17/ 282) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 473 - 474) وتهذيب التهذيب (6/ 229 - 230)، وتحرف في ط إلى غسيلة -بالغين-.
والصنابحي: بضم الصاد وفتح النون، وبعد الألف باء موحدة مكسورة، نسبة صنابح بن زاهر بن عامر. اللباب لابن الأثير (2/ 47).
(2)
في الطبقات والاستيعاب، عن عبد الرحمن بن عُسَيلة قال: ما فاتني النبي صلى الله عليه وسلم إلا بخمس ليال، قبض وأنا بالجحفة؛ فقدمت المدينة وأصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متوافرون، فسألت بلالًا عن ليلة القدر؛ تمنم تعتم. وقال: ليلة ثلاث وعشرين.
(3)
ذكره الذهبي عن ابن معين. تاريخ الإسلام (سنة 61 - 80/ ص 475).
(4)
ترجمة - عمر بن أبي سلمة - في تاريخ خليفة (200) وتاريخ البخاري (9/ 139) والمعرفة والتاريخ (1/ 271) وأنساب الأشراف (1/ 430) والاستيعاب (2/ 474 - 475) وأسد الغابة (4/ 79) وتاريخ دمشق (45/ 70) وتهذيب الكمال (21/ 272) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 488 - 489) وسير أعلام النبلاء (3/ 406 - 408) والإصابة (2/ 519) وتهذيب التهذيب (7/ 455 - 456). ومن قوله: وكان عند أمه. . . إلى آخر الترجمة ساقط من ط.
(5)
ترجمة - سفينة - في طبقات خليفة (190) وتاريخ البخاري (2/ 209) وأنساب الأشراف (1/ 490) والاستيعاب (2/ 129 - 130) وحلية الأولياء (1/ 368 - 369) وأسد الغابة (2/ 324) وتهذيب الكمال (11/ 204 - 206) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61/ 80/ ص 411 - 412) وسير أعلام النبلاء (3/ 172 - 173) والوافي بالوفيات (15/ 285 - 286) وتهذيب التهذيب (4/ 125) والإصابة (2/ 58).
وروى الطبراني
(1)
أن سفينة سُئل عن اسمه لم سمّي سفينة؟ قال: سماني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سفينة، خرج مرة ومعه أصحابه فثقل عليهم متاعهم، فقال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"ابسط كساءك" فبسطته فجعل فيه متاعهم، ثم قال لي:"احمل ما أنت إلّا سفينة" قال: فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو خمسة أو ستة ما ثقل علي.
وروى محمد بن المنكدر، عن سفينة قال: ركبت مرة سفينة في البحر فانكسرت بنا فركبت لوحًا منها فطرحني البحر إلى غيضة فيها الأسد، فجاءني فقلت: يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه أو بكفه حتى وضعني على الطريق، ثم همهم همهمة فظننت أنه يودِّعني
(2)
.
وقال حَمّاد بن سلمة: حدَّثنا سعيد بن جمهان، عن سفينة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دخل بيت فاطمة فرأى في ناحية البيت قِرامًا مضروبًا فرجع ولم يدخل، فقالت فاطمة لعلي: سل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما الذي رده؟ فسأله فقال: "ليس لي ولا لِنبيٍّ أن يدخل بيتأ مزوَّقًا"
(3)
].
عطية بر عروة
(4)
السعدى، نزيل البلقاء، له صحبة ورواية.
توفي بالبلقاء وله بها ذرية.
عَمْرو بن أخطب
(5)
، أبو زيد الأنصاري، الأعرج، غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة غزوة. ومسح رأسه، وقال:"اللهم جمّله"
(6)
فبلغ مئة ولم يبيض شعره.
توفي بالبصرة.
(1)
المعجم الكبير (7/ رقم 6439) وأخرجه أيضًا الإمام أحمد في مسنده (5/ 221) وأبو نعيم في الحلية (1/ 369) والحاكم في المستدرك (3/ 606) وهو حديث صحيح.
(2)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (7 رقم 6432) وصححه الحاكم في المستدرك (3/ 606).
(3)
رواه أحمد (5/ 221 و 222) وأبو داود رقم (3755) وابن ماجه رقم (3360) وهو حديث صحيح.
(4)
ترجمة - عطية بن عروة - في طبقات ابن سعد (7/ 430) وطبقات خليفة (55) وتاريخ البخاري (7/ 8) والاستيعاب (3/ 144 - 145) وأسد الغابة (3/ 541) وتهذيب الكمال (20/ 152) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 485 - 486) وتهذيب التهذيب (7/ 227 - 228) والإصابة (2/ 485) وترجمته ساقطة من ط.
(5)
ترجمة - عمرو بن أخطب - في طبقات ابن سعد (7/ 28) وطبقات خليفة (104 و 187) وتاريخ البخاري (6/ 309) والمعرفة والتاريخ (1/ 331) والاستيعاب (2/ 524 - 525) وأسد الغابة (4/ 190) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 489 - 490) وسير أعلام النبلاء (3/ 473 - 474) والإصابة (2/ 522) وتهذيب التهذيب (8/ 4).
(6)
الحديث أخرجه أحمد في مسنده (5/ 77 و 341) والترمذي في جامعه رقم (3629) في المناقب، وهو حديث صحيح.
غضيف بن الحارث
(1)
بن زُنيم السَّكوني، مختلف في صحبته.
له روايات عن الصحابة، وقيل: هو من تابعي أهل الشام، سكن حمص، وكان يتولى صلاة الجمعة نيابة عن خالد بن يزيد. وكان من الصالحين
(2)
.
يزيد بن الأسود
(3)
الجُرَشيّ، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم الشام، وسكن بقرية زبدين من الغوطة، وله دار داخل باب شرقي، وكان من العبّاد الصالحين، كثير الصوم والجهاد، وقد استسقى به معاوية بأهل الشام؛ فسقوا
(4)
.
وكان يصلي عشاء الآخرة بمسجد دمشق، ويخرج إلى زبدين، فتضيء له إبهامه اليمنى، فلا يزال يمشي في ضوئها إلى زبدين
(5)
، توفي فيها
(6)
.
عمرو بن الأسود
(7)
، أبو عياض انعنسي الحمصي، من كبار تابعي الشام، صاحب زهد وعبادة واجتهاد، قليل الشِّبَع
(8)
.
توفي بحمص
(9)
.
(1)
ترجمة - غضيف بن الحارث - في طبقات ابن سعد (7/ 429) وفيه: عطيف، وطبقات خليفة (308) والمعرفة والتاريخ (1/ 461) والاستيعاب (3/ 187) وتاريخ أبي زرعة (1/ 388 و 603 - 604) وأسد الغابة (4/ 340) وتهذيب الكمال (23/ 112) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 506 - 508) وتهذيب التهذيب (8/ 248 - 250) والإصابة (3/ 186 - 187).
(2)
من قوله: ومسح رأسه. . . إلى هنا ساقط من ط.
(3)
ترجمة - يزيد بن الأسود - في طبقات ابن سعد (7/ 444) وطبقات خليفة (285) وتاريخ البخاري (8/ 318) والاستيعاب (3/ 660) وتاريخ دمشق (65/ 107) وأسد الغابة (5/ 103) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 538 - 539) وسير أعلام النبلاء (4/ 136 - 137) والإصابة (3/ 673).
(4)
الخبر في الطبقات لابن سعد (7/ 444) وتاريخ الإسلام (سنة 61 - 80/ ص 539).
(5)
عن تاريخ دمشق (65/ 107).
(6)
ثمة بعض الخلافات بين النسخ آثرنا إيراد ما في أ لمطابقتها للمصادر.
(7)
ترجمة - عمرو بن الأسود - في طبقات ابن سعد (7/ 442) وطبقات خليفة (280) وتاريخ البخاري (6/ 315) والمعرفة والتاريخ (2/ 314) وحلية الأولياء (5/ 155 - 157) وتاريخ دمشق (45/ 407 - 418) وأسد الغابة (4/ 84 - 85) وتهذيب الكمال (21/ 543) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 490 - 492) وسير أعلام النبلاء (4/ 79 - 81) وتهذيب التهذيب (8/ 4 - 6) والإصابة (3/ 120).
(8)
في الأصول: "التشيع" وهو تحريف لا شك فيه صوابه ما أثبتنا، فقد روي عنه أنه كان يدع كثيرًا من الشبع مخافة الأشر (تاريخ دمشق لابن عساكر 45/ 418، وسير أعلام النبلاء 4/ 80).
(9)
كامل الترجمة ساقطة من ط.
ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين
فقيها كانت وقعة عظيمة بين المهلّب بن أبي صفرة وبين الأرارقة من الخوارج بمكان يقال له سولاف
(1)
، ثم مكثوا نحوًا من ثمانية أشهر متواقفين، وجرت بينهم حروب يطول بسطها، وقد استقصاها ابن جرير
(2)
، وقتل في أثناء هذه المدة مصعب بن الزبير، وبايع الناس عبد الملك بن مروان، وأقر عبد الملك المهلّب بن أبي صفرة على افي هواز وما معها، وشكر سعيه وأثنى عليه ثناء كثيرًا.
ثم تواقع الناس في دولة عبد الملك بالأهواز فكسر الناس الخوارج كسرة فظيعة، وهربوا إلى البلاد لا يلوون على أحدٍ، واتبعهم خالد بن عبد اللَّه أمير الناس وداود بن قحذم
(3)
ليطردوهم، وأرسل عبد الملك إلى أخيه بشر بن مروان أن يمدهم بأربعة آلاف، فبعث إليه أربعة آلاف عليهم عتاب بن ورقاء فطردوا الخوارج كل مطرد، ولكن لقي الجيش جهدًا عظيمًا وماتت خيولهم ولم يرجع أكثرهم إلا مشاة إلي أهليهم، فاللَّه المستعان.
قال ابن جرير
(4)
: وفي هذه السنة كان خروج أبي فُديك الحارثي وهو من قيس بن ثعلبة، ومخلب على البحرين، وقتل نجدة بن عامر الحارثي
(5)
، فبعث إليه خالد بن عبد اللَّه أمير البصرة أخاه أمية بن عبد اللَّه في جيش كثيف، فهزمهم أبو فُدَيك وأخذ جارية لأمية واصطفاها لنفسه، وكتب خالد أمير البصرة إلى عبد الملك يعلمه بما وقع، واجتمع على خالد بن عبد اللَّه حرب أبي فديك هذا مع ما كان فيه من مقاومة وحرب الأزارقة أصحاب قَطَري بن الفُجاءة بالأهواز.
قال ابن جرير
(6)
: وفيها بعث عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عبد اللَّه بن الزبير ليحاصره بمكة، قال: وكان السبب في بعثه له دون غيره، أن عبد الملك بن مروان لما أراد الرجوع إلى الشام بعد قتله مصعبًا وأخذه العراق [ندب الناس إلى قتال عبد اللَّه بن الزبير بمكة فلم يجبه أحد إلى ذلك، فقام الحجاج وقال: يا أمير المؤمنين أنا له، و] قص الحجاج على عبد الملك منامًا زعم أنه
(1)
في ط: سولاق -بالقاف- وما أثبت موافق للطبري (6/ 168) وسولاف: قرية في غربي دجيل من أرض خوزستان قرب مناذر الكبرى. معجم البلدان (3/ 285).
(2)
تاريخ الطبري (6/ 173) وابن الأثير (4/ 343).
(3)
في ط: محندم؛ تحريف، وما هنا موافق للطبري وابن الأثير.
(4)
تاريخ الطبري (6/ 174).
(5)
في الطبري (الحنفي).
(6)
تاريخ الطبري (6/ 174) والخبر أيضًا في ابن الأثير (4/ 348).
رآه، قال: رأيت يا أمير المؤمنين كاني أخذت عبد اللَّه بن الزبير فسلخته، فابعث بي إليه فإني قاتله، فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام وكتب معه أمانًا لأهل مكة إن هم أطاعوه، قالوا: فخرج الحجاج في جمادى من هذه السنة ومعه ألفا فارس من أهل الشام، فسلك طريق العراق ولم يعرض للمدينة حتى نزل الطائف، وجعل يبعث البعوث إلى عرفة، ويرسل ابن الزبير الخيل فيلتقيان فيهزم خيل ابن الزبير وتظفر خيل الحجاج، ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم ومحاصرة ابن الزبير، فإنه قد كلَّت شوكته [وملت جماعته] وتفرق عنه عامة أصحابه، وسأله أن يمده برجال أيضًا، فكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو يأمره أن يلحق بمن معه بالحجاج، وكان طارق يتولى المدينة لعبد الملك، وكان قد أمره عبد الملك أن يكون مقيمًا بوادي القرى، بمن معه من جيش المدينة وغيرها، وكان في نحو خمسة آلاف من الشام
(1)
وارتحل الحجاج من الطائف فنزل بئر ميمون، وحصر ابن الزبير بالمسجد، فلما دخل ذو الحجة حج بالناس الحجاج في هذه السنة وعليه وعلى أصحابه السلاح وهم وقوف بعرفات، وكذا فيما بعدها من المشاعر، وابن الزبير محصور لم يتمكن من الحج هذه السنة، بل نحر بدنًا يوم النحر [وهكذا لم يتمكن كثير ممن معه من الحج] وكذا لم يتمكن كثير ممن مع الحجاج. وطارق بن عمرو أن يطوفوا بالبيت، فبقوا على إحرامهم لم يحصل لهم التحلل الثاني، والحجاج وأصحابه نزول بين الحجون وبئر ميمون، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون.
قال ابن جرير
(2)
: وفي هذه السنة كتب عبد الملك إلى عبد اللَّه بن خازم أمير خراسان يدعوه إلى بيعته ويقطعه خراسان سبع سنين، فلما وصل إليه الكتاب قال للرسول
(3)
: بعثك أبو الذبان؟ واللَّه لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك، ولكن كل كتابه؛ فأكله.
وبعث عبد الملك إلى بُكير بن وِشاح نائب ابن خازم على مرو يعده بإِمرة خراسان إن هو خلع عبد اللَّه بن خازم، فخلعه، فجاء ابن خازم فقاتله فقتل في المعركة عبد اللَّه بن خازم أمير خراسان، قتله رجل يقال له وكيع بن عميرة، لكن كان قد ساعده غيره، فجلس وكيع على صدره وفيه رمق، فذهب ليثور فلم يتمكن من ذلك وجعل وكيع يقول: يا ثارات دُوَيلة -يعني أخاه-[وكان دُوَيلة قد قتله ابن خازم]
(4)
فتنخم في وجهه قال وكيع: لم أر أحدًا أكثر ريقًا منه في تلك الحال.
وكان ابن هبيرة
(5)
إذا ذكر هذا يقول: هذه واللَّه هي البسالة. وقال له ابن خازم: ويحك أتقتلني بأخيك؟ لعنك اللَّه، أتقتل كبش مصر بأخيك العلج؟ وكان لا يساوي كفًا من تراب -أو قال من نوًى-
(1)
من قوله: وكان طارق. . . إلى هنا ساقط من ط.
(2)
تاريخ الطبري (6/ 176) وابن الأثير (4/ 345).
(3)
ذكر الطبري أن اسمه: صورة بن أشيم النميري.
(4)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(5)
في ط: أبو هريرة؛ تحريف.
قال: فاحتز رأسه وأقبل بُكير بن وشاح فأراد أخذ الرأس فمنعه منه بُجير بن ورقاء فضربه بكير بعمود وقيَّده، ثم أخذ الرأس، ثم بعثه إلى عبد الملك بن مروان وكتب إليه بالنصر والظفر، فسرّ بذلك سرورًا كثيرًا، وكتب إلى بكير بن وشاح بإقراره على نيابة خراسان.
وفي هذه السنة أخذت المدينة من نواب ابن الزبير واستناب فيها عبد الملك طارق بن عمرو، الذي كان بعثه مددًا للحجاج
(1)
.
وهذه ترجمة عبد اللَّه بن خازم
(2)
هو عبد اللَّه بن خازم بن أسماء السُّلمي، أبو صالح البصري أمير خراسان أحد الشجعان المذكورين، والفرسان المشكورين.
قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيبه"
(3)
: ويقال له صحبة.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في العمامة السوداء، وهو عند أبي داود والترمذي والنسائي
(4)
، لكن لم يسمُّوه.
وروى عنه: سعد بن عثمان الرازي وسعيد بن الأزرق.
روى أبو بشر
(5)
الدولابي أنه قتل في سنة إحدى وسبعين، وقيل: في سنة سبع وثمانين، وليس هذا القول بشيء. انتهى ما ذكره شيخنا في "التهذيب".
وقد ذكره الحافظ أبو الحسن بن الأثير في "الغابة في أسماء الصحابة"
(6)
فقال: عبد اللَّه بن خازم بن أسماء بن الصَّلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن سماك بن عوف بن امرئ القيس بن نهية
(7)
بن سليم بن منصور، أبو صالح السلمي، أمير خراسان، شجاع مشهور، وبطل مذكور، وروى عنه سعيد بن الأزرق، وسعد بن عثمان، قيل إن له صحبة، وفتح سَرْخَس، وكان أميرًا على خراسان أيام فتنة ابن الزبير، وأول ما وليها سنة أربع وستين بعد موت يزيد بن معاوية وابنه معاوية، وجرى له فيها حروب كثيرة حتى تم أمره بها، وقد استقصينا أخباره في كتاب "الكامل في التاريخ" وقتل سنة إحدى وسبعين
(1)
تاريخ الطبري (6/ 178) وابن الأثير (4/ 347).
(2)
ترجمة - عبد اللَّه بن خازم - في طبقات ابن سعد (7/ 414) وطبقات خليفة (115 و 300) وتاريخ البخاري (5/ 33) والمعرفة والتاريخ (1/ 266) ومواضع أخرى، والاستيعاب (2/ 290) وتاريخ دمشق (28/ 6 - 15) وحلية الأولياء (2/ 3 - 4) وأسد الغابة (3/ 148) وتهذيب الكمال (14/ 440 - 441) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 434 - 435) والوافي بالوفيات (17/ 156) وتهذيب التهذيب (5/ 194). والإصابة (2/ 300).
(3)
تهذيب الكمال (14/ 442 - 445).
(4)
أخرجه النسائي في الكبرى كما في التحفة (15578) وأخرجه الترمذي في جامعه رقم (3321) في التفسير وأبو داود في سننه رقم (4038) في اللباس وهو حديث ضعيف.
(5)
في الأصل: أبو بشير، وهو خطأ.
(6)
أسد الغابة (3/ 148).
(7)
كذا في الأصول، وفي أسد الغابة: بهثة وكذلك في الإصابة (2/ 301).
بخراسان في الفتنة، هكذا قال إنه قتل سنة إحدى وسبعين
(1)
، وهكذا حكى شيخنا عن الدولابي، وكذا رأيت في التاريخ لشيخنا الحافظ أبي عبد اللَّه الذهبي
(2)
. والذي ذكره ابن جرير في سياق تاريخه
(3)
أنه قتل سنة ثنتين وسبعين، قال: وزعم بعضهم أنه إنما قتل بعد مقتل عبد اللَّه بن الزُّبير، وأن عبد الملك بعث برأس ابن الزبير إلى ابن خازم بخراسان، وبعث يدعوه إلى طاعته وله خراسان عشر سنين، وأن ابن خازم لما رأى رأس ابن الزبير حلف لا يعطي عبد الملك طاعة أبدًا، ودعا بطست فغسل رأس ابن الزبير وكفنه وطيبه وبعث به إلى أهله بالمدينة، ويقال بل دفنه عنده بخراسان، واللَّه أعلم.
وأطعم الكتاب للرسول الذي جاء به وقال: لولا أنك رسول لضربت عنقك، وقال بعضهم: قطع يديه ورجليه وضرب عنقه.
وممن توفي في سنة ثنتين وسبعين:
الأحنف بن قيس
(4)
، بن
(5)
معاوية بن حصين التميمي السعدي أبو بحر البصري ابن أخي صعصعة بن معاوية، والأحنف لقب له، وإنما اسمه الضحاك، وقيل صخر، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وجاء في حديث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دعا له
(6)
، وكان سيدًا شريفًا مطاعًا مؤمنًا، عليم اللِّسان، وكان يضرب بحلمه المثل وله أخبار في حلمه سارت بها الركبان.
قال عمر بن الخطاب: هو مؤمن عليم اللسان.
وقال الحسن البصري: ما رأيت شريف قوم أفضل منه.
وقال أحمد بن عبد اللَّه العِجْلي
(7)
: هو بصري تابعي ثقة، وكان سيّد قومه، وكان أعور،
(1)
من قوله: بخراسان. . . إلى هنا ساقط من ط.
(2)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80 ص 300 - 301).
(3)
تاريخ الطبري (6/ 178).
(4)
ترجمة - الأحنف بن قيس - في طبقات ابن سعد (7/ 93) وتاريخ خليفة (164 و 165 و 264) وطبقاته (195) والكامل للمبرد (1/ 140 - 143) والشعر والشعراء (2/ 539) وتاريخ الثقات للعجلي (57) وتاريخ البخاري (2/ 50) والمعرفة والتاريخ (1/ 30 - 32) والاستيعاب (1/ 126 - 134) وتاريخ دمشق (24/ 298 - 356) وقال ابن عساكر: وقيل اسمه الضحاك. وترجمه في حرف الضاد. وأسد الغابة (1/ 55) ووفيات الأعيان (2/ 499) وتهذيب الكمال (2/ 282 - 287) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 345 - 353) والنجوم الزاهرة (1/ 184) وتهذيب التهذيب (1/ 191) والإصابة (1/ 100 - 101) وشذرات الذهب (1/ 78) وتهذيب تاريخ دمشق (7/ 13 - 27): الضحاك بن قيس. . .
(5)
في ط: أبو؛ وما أثبت عن أ، ب ومصادر الترجمة.
(6)
بقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر للأحنف" رواه أحمد في مسنده (5/ 372) والبخاري في التاريخ (2/ 50) والحاكم في المستدرك (3/ 614) وإسناده ضعيف.
(7)
تاريخ الثقات (57).
أحنف
(1)
الرجلين، ذميمًا، قصيرًا، كوسجًا، له بيضة واحدة، احتبسه عمر سنة قدومه يمتحنه، ثم قال: هذا واللَّه السيد -أو قال السؤدد-[وقيل: إنه خطب عند عمر فأعجبه منطقه] وقيل ذهبت عينه بالجدري، وقيل في فتح سمرقند.
وقال يعقوب بن سفيان: كان الأحنف جوادًا حليمًا، وكان رجلًا صالحًا. أدرك الجاهلية ثم أسلم، وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فاستغفر له.
وقال محمد بن سعيد: كان ثقة مأمونًا قليل الحديث، وكان كثير الصلاة بالليل، وكان يسرج المصباح ويصلّي ويبكي حتى الصّباح، وكان يضع أصبعه في المصباح ويقول: حسَّ يا أحنف، ما حملك على كذا؟ ما حملك على كذا؟ ويقول لنفسه: إذا لم تصبر على المصباح فكيف تصبر على نار جهنم؟
وقيل له: إن الصيام يضعفك فقال: إني أعده ليوم طويل
(2)
.
وقيل له: كيف سودك قومك وأنت أرذلهم خلقة؟ قال: لو عاب قومي الماء ما شربته.
[كان الأحنف من أمراء علي يوم صفين
(3)
، وهو الذي صالح أهل بلخ على أربعمئة ألف دينار في كل سنة. وله وقائع مشهودة مشهورة، وقتل من أهل خراسان خلقًا كثيرًا في القتال بينهما، وانتصر عليهم].
وكان الأحنف لا يحتد ولا يجهل، ولا يدفع الحق.
وقال: إن من السؤدد والصبر على الذل وكفى بالحلم ناصرًا.
وقال ما نازعني أحد إلا أخذت من أمري إحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت قدره، وإن كان دوني رفعت نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه.
وقال ما ذكرت أحدًا بسوءٍ بعد أن يقوم من عندي، ولا سمعت كلمة تسوؤني إلا طأطأت رأسي لما هو أعظم منها.
وأغلظ له رجل في الكلام، فلما وصل إلي نادي قومه وقف وقال: إن كان عندك شيء آخر فقل لئلا يسمعك قومي فيؤذوك.
وقيل: إن عبد الملك بن مروان كتب إليه يدعوه لنفسه ويعده بولاية الشام فقال: يدعوني ابن الزرقاء إلى ولاية الشام، واللَّه وددت أن بيني وبينهم جبلًا من نار.
(1)
في ط: أحيف؛ تحريف، والحنف: الاعوجاج في الرجلين. القاموس (حنف).
(2)
من قوله: وقيل له. . . إلى هنا ساقط من ط.
(3)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 346).
وكان زياد بن أبيه يقول: قد بلغ الأحنف من السؤدد والشرف ما لا ينفعه معه ولاية، ولا يضره عزل، وإنه ليفر من الشر وهو يتبعه
(1)
.
وقال الحاكم
(2)
: وهو الذي افتتح مرو الروذ، وكان الحسن وابن سيرين في جيشه [وهو الذي افتتح سمرقند وغيرها من البلاد]
(3)
.
وقيل: إنه مات سنة سبع وستين، وقيل غير ذلك، عن سبعين سنة. وقيل عن أكثر من ذلك.
ومن كلامه وقد سئل عن الحلم ما هو؟ فقال: الذل مع الصبر. وكان إذا تعجب الناس من حلمه يقول: واللَّه إني لأجد ما يجدون، ولكني صبور.
وقال أيضًا: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال وقد انتهى إليه الحلم والسؤدد.
وقال: أحي معروفك بإماتة ذكره، وقال: عجبت لمن يجري مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟ وقال: ما أتيت باب أحد من هؤلاء إلا أن أُدعى، ولا دخلت بين اثنين إلا أن يدخلاني بينهما
(4)
، وقيل له: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من الأمر ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وأغلظ له رجل في الكلام وقال: واللَّه يا أحنف لئن قلت لي واحدة لتسمعن بدلها عشرًا، فقال له: إنك إن قلت لي عشرًا لا تسمع مني واحدة.
وكان يقول في دعائه: اللهم إن تعذبني فأنا أهل لذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك.
وقد كان زياد بن أبيه يقَرِّبُه ويدنيه، فلما مات زياد ووليَ ابنه عبيد اللَّه لم يرفع به رأسه، فتأخرت عنده منزلته لقبح منظره، وصار يقدم عليه من هو دونه
(5)
فلما وفد برؤساء أهل العراق على معاوية أدخلهم عليه على مراتبهم عنده، فكان الأحنف آخر من أدخله عليه، فلما رآه معاوية أجلَّه وعظمه [وأدناه وأكرمه] وأجلسه معه على الفراش، ثم أقبل عليه يحادثه دونهم، ثم شرع الحاضرون في الثناء على ابن زياد والأحنف ساكت، فقال له معاوية: ما لك لا تتكلم؟ قال: إن تكلمت خالفتهم، فقال معاوية: أشهدكم أني قد عزلته عن العراق، ثم قال لهم: انظروا لكم نائبًا، وأجلهم ثلاثة أيام، فاختلفوا بينهم اختلافًا كثيرًا، ولم يذكر أحد منهم بعد ذلك عبيد اللَّه، ولا طلبه أحد منهم، ولم يتكلم الأحنف في ذلك كلمة واحدة مع أحد منهم، فلما اجتمعوا بعد ثلاث أفاضوا في ذلك الكلام، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات والأحنف ساكت، فقال له معاوية: تكلم، فقال له: إن كنت تريد أن تولي فيها أحدًا من أهل
(1)
من قوله: وكان الأحنف لا يحتد. . . إلى هنا ساقط من ط.
(2)
الأسامي والكنى - خ دار الكتب المصرية (ج 1 ق 84 أ) وانظر سير أعلام النبلاء (4/ 87).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام.
(4)
كلام ابن الأحنف هذا في الكامل للمبرد (1/ 75).
(5)
من قوله: لقبح منظره. . . إلى هنا ساقط من ط.
بيتك فليس فيهم من هو مثل عبيد اللَّه، فإنه رجل حازم [لا يسد أحد منهم مسدَّه] وإن كنت ثريد غيره فأنت أعلم بنوابك، فرده معاوية إلى الولاية، ثم قال له بينه وبينه: كيف جهلت مثل الأحنف؟ إنه هو الذي عزلك وولاك وهو ساكت، فعظمت منزلة الأحنف بعد ذلك عند ابن زياد جدًا.
توفي الأحنف بالكوفة وصلى عليه مصعب بن الزّبير، ومشى في جنازته.
حكى الواقدي أن الأحنف بن قيس وفد على معاوية بعد أن سلم الحسن الأمر إلى معاوية ورحل بأهله إلى المدينة فقال معاوية للأحنف أنت الشاهر علينا سيفك يوم صفين والمخذل عن عائشة أم المؤمنين فقال: يا معاوية لا توبخنا بما مضى منا ولا ترد الأمور على أدبارها فإن القلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا والسيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا في كلام غير ذلك، فلما خرج قالت أخت معاوية: من هذا الذي يتهدد؟ قال: هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مئة ألف من تميم لا يدرون فيما غضب. ثم صَلُحت منزلة الأحنف عند معاوية بعد ذلك
(1)
. وذكر الواقدي أنه قدم على معاوية فوجده غضبان على ابنه يزيد، وأنه أصلح بينهما بكلام، قال فبعث معاوية إلى يزيد بمالٍ جزيل وقماش كثير، فأعطى يزيد نصفه للأحنف، واللَّه سبحانه أعلم]
(2)
.
البراء بن عازب
(3)
بن الحارث بن عدي بن مجدعة
(4)
بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري الحارثي الأوسي. صحابي جليل، وأبوه أيضًا صحابي، روى عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، وحدّث عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وعنه جماعة من التابعين وبعض الصحابة. وقيل إنه مات بالكوفة أيام ولاية مصعب بن الزبير على العراق.
عَبيده السَّلْماني القاضي
(5)
وهو عَبيدة بن عمرو ويقال ابن قيس بن عمرو السَّلْماني، المرادي، أبو عمرو الكوفي. وسَلْمان بطن من مراد.
(1)
من قوله: حكى الواقدي. . . إلى هنا ساقط من.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
ترجمة - البراء بن عازب - في طبقات ابن سعد (4/ 364 و 6/ 17) وطبقات خليفة (522) وتاريخ البخاري (2/ 117) والاستيعاب (1/ 55) وتاريخ بغداد (1/ 177) وأسد الغابة (1/ 171) وتهذيب الكمال (4/ 34 - 37) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 365 - 367) وسير أعلام النبلاء (3/ 194 - 196) والوافي بالوفيات (10/ 104) وتهذيب الهذيب (1/ 425) والإصابة (1/ 142) وشذرات الذهب (1/ 302).
(4)
هكذا في النسخ وفي كتاب شيخه المزي تهذيب الكمال (4/ 34) الذي ينقل منه. وفي طبقات ابن سعد وتاريخ الخطيب والاستيعاب وأسد الغابة: "بن عدي بن جشم بن مجدعة"، وكلاهما وهم، والصواب:"بن عدي بن جشم بن حارثة"، كما في جمهرة ابن حزم (ص 341)، وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 142)"بشار".
(5)
ترجمة - عبيدة السلماني - في طبقات ابن سعد (6/ 93 - 95) وفيه: عبيدة بن قيس، وتاريخ خليفة (268) وطبقاته (146) وتاريخ البخاري (6/ 82) والاستيعاب (2/ 444) وتاريخ بغداد (11/ 117 - 120) وأسد الغابة (3/ 356) وتهذيب الكمال (19/ 266) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 482 - 483) وسير أعلام النبلاء (4/ 40 - 44) والإصابة (3/ 102) وتهذيب الهذيب (7/ 84 - 85) والنجوم الزاهرة (1/ 189) وشذرات الذهب (1/ 305). والسَّلماني: بفتح السين وسكون اللام، نسبة إلى سلمان بن يشكر. اللباب (1/ 552).
أسلم عبيدة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى عن ابن مسعود وعلي وابن الزبير. وحدّث عنه جماعة من التابعين.
وقال الشعبي: كان يوازي شريحًا في القضاء.
قال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه أمر كتب إلى عَبيدة فيه، وانتهى إلى قوله، وقد أثنى عليه غير واحد. وكان عَبيدة السلماني أعورَ، وكان أحد أصحاب ابن مسعود الذين يفتون الناس، توفي بالكوفة.
وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل سنة ثلاث وقيل أربع وسبعين، فاللَّه أعلم.
وقد قيل: إن مصعب بن الزبير قتل فيها، فاللَّه أعلم.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضًا:
عبد اللَّه بن السائب
(1)
بن صيفي المخزومي قارئ أهل مكة، له صحبة ورواية، وقرأ على أبي بن كعب، وقرأ عليه مجاهد وغيره.
عطية بن بُسْر
(2)
المازني، له صحبة ورواية، توفي بالمدينة.
عَبيد بن نُضَيلة
(3)
أبو معاوية الخزاعي، الكوفي، مقرئ أهل الكوفة، مشهور بالخير والعبادة، توفي بالكوفة في هذه السنة.
عبد اللَّه بن قيس الرقيّات
(4)
القرشي العامري أحد الشعراء، مدح مصعب بن الزبير وعبد اللَّه بن جعفر.
(1)
ترجمة - عبد اللَّه بن السائب - في طبقات ابن سعد (5/ 445) وطبقات خليفة (110) وتاريخ البخاري (5/ 8) والمعرفة والتاريخ (1/ 247) والاستيعاب (2/ 380 - 382) وأسد الغابة (3/ 170) وتهذيب الكمال (14/ 553) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 146) وتهذيب التهذيب (5/ 229) والإصابة (2/ 314) والوافي بالوفيات (17/ 187 - 188) وقال الذهيي: توفي بعد السبعين، وهو من صغار الصحابة.
(2)
ترجمة - عطية بن بُسْر - في تاريخ البخاري (7/ 10) والاستيعاب (3/ 145 - 146) وتهذيب الكمال (20/ 142) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 485) وتهذيب التهذيب (7/ 223) والإصابة (2/ 484).
وقيده ابن حجر: بُسْر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة-.
(3)
ترجمة - عبيد بن نُضيلة - في طبقات ابن سعد (7/ 116 و 211) وتاريخ خليفة (273) وتحرف فيه إلى عبيد بن فضلة، وطبقات خليفة (150) وتاريخ البخاري (6/ 5) والمعرفة والتاريخ (2/ 556) وتهذيب الكمال (19/ 239) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 480) وتهذيب التهذيب (7/ 75 - 76).
(4)
ترجمة - عبد اللَّه بن قيس الرقيات - في الأغاني (5/ 73 - 100) وديوانه ط فيينا 1902 م ووفيات الأعيان (3/ 88 و 196) وخزانة الأدب للبغدادي (3/ 267) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 404) والكامل في الأدب للمبرد (1/ 399) ت: أبو الفضل إبراهيم.
عبد اللَّه بن هَمّام
(1)
أبو عبد الرحمن الشاعر السلولي أحد الشعراء الفصحاء مدح يزيد بن معاوية بعد أن كان قد هجاه
(2)
بقوله:
شَرِبْنا الغيظ حتى لو سُقينا
…
دماءَ بني أميّةَ ما رَوينا
ولو جاؤوا برملةَ أو بهندٍ
…
لَبَايعنا أميرَ المؤمنينا
ثم دخلت سنة ثلات وسبعين
فيها كان مقتل عبد اللَّه بن الزبير رضي الله عنه على يدي الحجاج بن يوسف الثقفي المبير قبحه اللَّه وأخزاه.
قال الواقدي
(3)
: حدثني مصعب بن ثابت عن نافع مولى بني أسد -وكان عالمًا بفتنة ابن الزبير- قال: حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعد
(4)
سنة اثنتين وسبعين وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، فكان حصر الحجاج له ثمانية
(5)
أشهر وسبع عشرة ليلة.
وقد ذكرنا فيما تقدم أن الحجاج حج بالناس في هذه السنة الخارجة، وكان في الحج ابن عمر، وقد كتب عبد الملك إلى الحجاج أن يأتم بابن عمر في المناسك كما ثبت ذلك في الصحيحين
(6)
، فلما استهلت هذه السنة استهلت وأهل الشام محاصرون أهل مكة، وقد نصب الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان والطاعة لعبد الملك وكان مع الحجاج خلق قدموا عليه من أرض الحبشة، فجعلوا يرمون فيصيبوا فقتلوا خلقًا كثيرًا، وكان معه خمسة مجانيق فألح عليها بالرمي من كل وجه، وحبس عنهم الميرة، والماء، فكانوا يشربون من ماء زمزم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة، وجعل الحجاج يصيح بأصحابه: يا أهل الشام اللَّه اللَّه في الطاعة، فكانوا يحملون على ابن الزبير حتى يقال إنهم آخذوه في هذه الشدة
(7)
، فيشد عليهم ابن الزبير وليس معه أحد حتى يخرجهم من باب بني
(1)
ترجمة - عبد اللَّه بن هَمّام - في الشعر والشعراء (2/ 545 - 546) وطبقات الشعراء لابن سلام (2/ 625 - 637) والأغاني (3/ 357) ط دار الثقافة، والعقد الفريد (6/ 127) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 470) والوافي بالوفيات (17/ 664) وخزانة الأدب (3/ 638). وقد تحرف في ط إلى: حمام -بالحاء-.
(2)
من قوله: أحد الشعراء. . . إلى هنا ساقط من ط.
(3)
تاريخ الطبري (6/ 187).
(4)
في ط: ذي الحجة، وما أثبت يوافق الطبري.
(5)
هذه عبارة الطبري: ثمانية، وبحساب الشهور نجد أن مدة الحصار ستة شهور وسبع عشرة يومًا واللَّه أعلم.
(6)
انظر صحيح البخاري رقم (1660) و (1662) في الحج من حديث سالم عن ابن عمر. وتوهم المصنف رحمه الله في نسبته إلى الصحيحين، فليس هو في صحيح مسلم، وقد عده العلامة ابن عبد الحق الإشبيلي من أفراد البخاري، كما في الجمع بين الصحيحين له (2/ 243)(بشار).
(7)
في أ: حتى يقال قد اشتملوا عليه.
شيبة، ثم يكرون عليه فيشد عليهم، فعل ذلك مرارًا، وقتل يومئذ جماعة منهم وهو يقول: خذها وأنا ابن الحواريّ.
وقيل لابن الزبير: ألا تكلمهم في الصلح!! فقال: واللَّه لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعًا واللَّه لا أسألهم صلحًا أبدًا. وذكر غير واحد أنهم لما رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق والبروق والرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق، ونزلت صاعقة فأصابت من الشاميين اثني عشر رجلًا فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة، فلم يزل الحجاج يشجعهم ويقول: إني خبير بهذه البلاد، هذه بروق تهامة ورعودها وصواعقها، وإن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم، وجاءت صاعقة من الغد فقتلت من أصحاب ابن الزبير جماعة كثيرة أيضًا، فجعل الحجاج يقول: ألم أقل لكم إنهم يصابون مثلكم وأنتم على الطاعة وهم على المخالفة، وكان أهل الشام يرتجزون وهم يرمون بالمنجنيق ويقولون:
خطارة مثل الفنيق المزبد
…
نرمي بها أعوَادَ هذا المسجد
(1)
فنزلت صاعقة على المنجنيق فأحرقته، فتوقف أهل الشام عن الرمي والمحاصرة فخطبهم الحجاج فقال: ويحكم ألم تعلموا أن النار كانت تنزل على من كان قبلنا فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم؟ [فلولا أن عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته] فعادوا إلى المحاصرة.
وما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان ويتفلّلون عن
(2)
ابن الزبير حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف، فأمنهم وقلَّ من كان مع ابن الزّبير، حتى خرج إلى الحجاج حمزة وخبيب ابنا عبد اللَّه بن الزبير، فأخذا لأنفسهما أمانًا من الحجاج فأمنهما، ودخل عبد اللَّه بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بني أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية، وان كنت تعلم أنك إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن كنت على حق فما وهن الدين وإلى كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن. فدنا منها فقبل رأسها وقال:[هذا واللَّه رأيي، ثم قال] واللَّه ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب للَّه أن تستحل حرمته، ولكني أحببت أن أعلم رأيك فزدتيني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك، وسلّمي لأمر اللَّه، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يجُر في حكم اللَّه، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم
(1)
في الأخبار الطوال (ص 315).
خطارة مثل الفنيق الملبد
…
نرمي بها عوّاذ أهل المسجد
(2)
في ط: ويتركون.
ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عامل فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن عندي آثر من رضى ربي عز وجل، اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي، اللهم أنت أعلم بي [مني ومن غيري] ولكني أقول ذلك تعزية لأمي لتسلو عني، فقالت أمه: إني لأرجو من اللَّه أن يكون عزائي فيك حسنًا، إن تقدمتني أو تقدمتك، ففي نفسي، اخرج يا بني حتى أنظر ما يصير إليه أمرك، فقال: جزاك اللَّه يا أمه خيرًا فلا تدعي الدعاء قبل وبعدُ. فقالت: لا أدعه أبدًا لمن قتل على باطل فلقد قتلت على حق، ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم إني قد سلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فقابِلني في عبد اللَّه بن الزبير بثواب الصابرين الشاكرين. ثم قالت له: ادن مني أودعك فدنا منها فقبلته
(1)
، ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه واعتنقها ليودعها -وكانت قد أضرت في آخر عمرها- فوجدته لابسًا درعًا من حديد فقالت: يا بني ما هذا لباس من يريد ما تريد من الشهادة!! فقال: يا أماه إنما لبسته لأطيب خاطرك وأسكن قلبك به، فقالت: لا يا بني ولكن انزعه فنزعه وجعل يلبس بقية ثيابه ويتشدد وهي تقول: شمر ثيابك، وجعل يتحفظ من أسفل ثيابه لئلا تبدو عورته إذا قتل، وجعلت تذكِّره بأبيه الزبير، وجده أبي بكر الصديق، وجدته صفية بنت عبد المطلب، [وخالته عائشة زوج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم] وترجِّيه القدوم عليهم إذا هو قتل شهيدًا، ثم خرج من عندها فكان ذلك آخر عهده بها رضي الله عنهما وعن أبيه وأبيها.
قالت له: امض على بصيرتك؛ فودعها وخرج وهو يقول:
ولست بمُبتاع الحياة بسُبَّةٍ
…
ولا مرتقٍ من خشية الموت سُلَّما
(2)
قالوا: وكان يخرج من باب المسجد الحرام وهناك خمسمئة فارس وراجل فيحمل عليهم فيتفرقون عنه يمينًا وشمالًا، ولا يثبت له أحد وهو يقول:
إني إذا أعرفُ يومي أصبرُ
…
إذْ بعضهمْ يعرِف ثم ينكرُ
(3)
وكانت أبواب الحرم قد قل من يحرسها من أصحاب ابن الزبير، وكان لأهل حمص حصار الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولأهل دمشق باب بني شيبة، ولأهل الأردن باب الصفا، ولأهل فلسطين باب
(1)
من قوله: ثم قالت. . إلى هنا ساقط من ط. والخبر بتمامه في تاريخ دمشق لابن عساكر (28/ 226 - 227) ط: دار الفكر.
(2)
من قوله: ثم قالت له. . إلى هنا ساقط من ط، والخبر بأطول مما هنا في تاريخ دمشق (28/ 232).
(3)
في الطبري (6/ 190):
إني إذا أعرف يومي أصبر
…
وإنما يعرف يوميه الحر
إذ بعضهم يعرف ثم ينكر
والخبر بتمامه في تاريخ دمشق (28/ 235).
بني جمح، ولأهل قنسرين باب بني سهم
(1)
، [وعلى كل باب قائد ومعه أهل تلك البلاد] وكان الحجاج وطارق بن عمرو في ناحية الأبطح، وكان ابن الزبير لا يخرج على أهل باب إلا فرّقهم وبدَّدَ شملهم، وهو غير ملبس حتى يخرجهم إلى الأبطح ثم يصيح:
لو كان قرني واحدًا لكفيته
فيقول ابن صفوان وأهل الشام أيضًا، إي واللَّه وألف رجل، ولقد كان حجر المنجنيق يقع على طرف ثوبه فلا ينزعج لذلك، ثم يخرج إليهم فيقاتلهم كأنه أسد ضاري، حتى جعل الناس يتعجبون من إقدامه وشجاعته، فلما كان ليلة الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى من هذه السنة بات ابن الزبير يصلي طول ليلته ثم جلس فاحتبى بحميلة سيفه فأغفى ثم انتبه مع الفجر على عادته، ثم قال: أذّن يا سعد، فأذَّن عند المقام، وتوضّأ ابن الزبير ثم صلّى ركعتي الفجر، ثم أقيمت الصلاة فصلى الفجر، ثم قرأ سورة ن حرفًا حرفًا، ثم سلَّم فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال اكشفوا وجوهكم حتى أنظر وعليهم المغافر فكشفوا عن وجوههم، فحرضهم وحثهم على القتال والصبر، ثم نهض فحمل وحملوا حتى كشفوهم إلى الحجون فجاءته آجرة فاصابته في وجهه فأرعش لها، فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه تمثل بقول بعضهم:
فلسنا على الأعقاب تَدْمى كُلُومُنا
…
ولكن على أقدامِنا تَقْطُرُ الدّما
ثم سقط إلى الأرض فأسرعوا إليه فقتلوه
(2)
رضي الله عنه، وجاؤوا إلى الحجّاج فأخبروه فخر ساجدًا قبَّحه اللَّه وقام هو وطارق بن عمرو حتى وقفا عليه وهو صريع، فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من هذا، فقال الحجاج: تمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين؟ قال: نعم! هو أعذر لأنا محاصروه وليس هو في حصن ولا خندق ولا منعة ينتصف منا، بل يفضل علينا في كل موقف، فلما بلغ ذلك عبد الملك فصوب
(3)
طارقًا.
وروى ابن عساكر
(4)
في ترجمة الحجّاج أنه لما قتل ابن الزّبير ارتجت مكة بكاءً على عبد اللَّه بن الزبير رحمه الله، فخطب الحجّاج الناس فقال: أيها الناس! إن عبد اللَّه بن الزّبير كان من خيار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازعها أهلها وألحد في الحرم فأذاقه اللَّه من عذابه الأليم، وإن آدم كان أكرم على اللَّه من ابن الزّبير، وأنه كان في الجنة، وهي أشرف من مكة، فلما خالف أمر اللَّه وأكل من الشجرة التي نهي عنها أخرجه اللَّه من الجنة، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللَّه.
[وقيل إنه قال: يا أهل مكة إكباركم واستعظامكم قتل ابن الزبير، فإن ابن الزبير كان من خيار هذه
(1)
في الكامل لابن الأثير (4/ 355) بني تميم.
(2)
في الكامل لابن الأثير (4/ 356): وتولى قتله رجل من مراد.
(3)
في الأصول: فضرب طارقًا، وما هنا عن الطبري (6/ 191) وابن الأثير (4/ 356).
(4)
تاريخ دمشق (12/ 120 - 121) ط دار الفكر.
الأمة حتى رغب في الدنيا ونازع الخلافة أهلها، فخلع طاعة اللَّه وألحد في حرم اللَّه، ولو كانت مكة شيئًا يمنع القضاء لمنعت آدم حرمة الجنة وقد خلقه اللَّه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته. وعلمه أسماء كل شيء، فلما عصاه أخرجه من الجنة وأهبطه إلى الأرض، وآدم أكرم على اللَّه من ابن الزبير، وإن ابن الزبير غيّر كتاب اللَّه. فقال له عبد اللَّه بن عمر: لو شئت أن أقول لك كذبت لقلت، واللَّه إن ابن الزبير لم يغير كتاب اللَّه، بل كان قوامًا به صوامًا، عاملًا بالحق].
ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك بما وقع من قتل عبد اللَّه بن الزبير وبعث برأسه مع رأس عبد اللَّه بن صفوان وعمارة بن عمرو بن حزم إلى عبد الملك، وأمرهم إذا مروا بالمدينة أن ينصبوا الرؤوس بها، ثم يسيروا بها إلى الشام، ففعلوا ما أمرهم به، وأرسل بالرؤوس مع رجل من الأزد فأعطاه عبد الملك خمسمئة دينار، ثم دعا بمقراض فأخذ من ناصيته ونواصي أولاده فرحًا بمقتل ابن الزبير، عليهم من اللَّه ما يستحقون. ثم أمر الحجاج بجثة ابن الزبير فصلبت على ثنية كدا عند الحجون، يقال منكسة، فما زالت مصلوبة، حتى مر به عبد اللَّه بن عمر فقال: رحمة اللَّه عليك يا أبا خبيب، أما واللَّه لقد كنت صوّامًا قوّامًا، ثم قال: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فبعث الحجاج فأنزل عن الجذع ودفن هناك. ودخل الحجاج إلى مكة فأخذ البيعة من أهلها إلى عبد الملك بن مروان، ولم يزل الحجاج مقيمًا بمكة حتى أقام للناس الحج عامه هذا أيضًا وهو على مكة واليمامة واليمن.
وهذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير
(1)
هو عبد اللَّه بن الزبير بن العوَّام بن خويلد في أسد بن عبد العُزّى بن قصيِّ بن كلاب، أبو بكر، ويقال له أبو خبيب القرشي الأسدي، أول مولود ولد بعد الهجرة بالمدينة من المهاجرين، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ذات النطاقين، هاجرت وهي حامل به متِمٌّ، فولدته بقباء أول مقدمهم المدينة، وقيل: إنما ولدته في شوال سنة ثنتين من الهجرة، قاله الواقدي ومصعب الزبيري وغيرهما، والأول أصح لما رواه أحمد
(2)
عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء أنها حملت بعبد اللَّه بمكة قالت: فخرجت به وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدتُه، ثم أتيت به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول ما دخل في جوفه ريق
(1)
ترجمة - عبد اللَّه بن الزبير - في نسب قريس (237) وتاريخ البخاري (5/ 6) والمعرفة والتاريخ (1/ 243) والجرح والتعديل (5/ 56) والاستيعاب (2/ 300) وتاريخ دمشق (28/ 140 - 257) وأسد الغابة (3/ 242) ووفيات الأعيان (3/ 71) وتهذيب الكمال (14/ 508 - 511) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 435 - 447) وسير أعلام النبلاء (3/ 363) وحلية الأولياء (1/ 329 - 347) والوافي بالوفيات (17/ 172 - 178) وتهذيب التهذيب (5/ 213 - 215) وشذرات الذهب (1/ 307).
(2)
مسند الإمام أحمد (6/ 347) ورواه البخاري رقم (3909) ومسلم رقم (2146).
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قالت: ثم حنكه ثم دعا له وبرَّك عليه، فكان أول مولود ولد في الإسلام.
فهو صحابي جليل، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وروى عن أبيه وعمر وعثمان وغيرهم. وعنه جماعة من التابعين، وشهد اليرموك مع أبيه وهو صغير، وحضر خطبة عمر بالجابية، ورواها عنه بطولها. [ثبت ذلك من غير وجه]. وقدم دمشق لغزو القسطنطينية، ثم قدمها مرة أخرى، وبويع بالخلافة أيام يزيد بن معاوية ولما مات يزيد، وغلب على الحجاز واليمن والعراقين ومصر وخراسان ولم يبق إلا الشام
(1)
، وتمت البيعة له سنة أربع وستين وكان فارس الناس
(2)
في زمانه.
وثبت من غير وجه عن هشام عن أبيه عن أسماء أنها خرجت بعبد اللَّه من مكة مهاجرة وهي حبلى به فولدته بقباء أول مقدمهم المدينة، فأتت به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه عبد اللَّه ودعا له، وفرح المسلمون به لأنه كانت اليهود قد زعموا أنهم قد سحروا المهاجرين فلا يولد لهم في المدينة، فلما ولد [ابن الزبير] كبّر المسلمون، وقد سمع عبد اللَّه بن عمر جيش الشام حين كبروا عند مقتله، فقال: أما واللَّه للذين كبَّروا عند مولده خير من هؤلاء الذين كبَّروا عند مقتله. وأذَّن الصدِّيق في أذنه حين ولد رضي الله عنهما، ومن قال إن الصديق طاف به حول الكعبة وهو في خرقة فهو واهم، واللَّه أعلم.
وإنما طاف الصدّيق به في المدينة ليشتهر أمر ميلاده على خلاف ما زعمت اليهود.
وقال مصعب الزبيري: كان عارضا عبد اللَّه خفيفين، وما اتصلت لحيته حتى بلغ ستين سنة
(3)
.
وقال الزبير بن بكار: حدَّثني علي بن صالح، عن عامر بن صالح، عن سالم بن عبد اللَّه بن عروة، عن أبيه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كلم في غلمة ترعرعوا منهم عبد اللَّه بن جعفر، وعبد اللَّه بن الزبير، وعمر بن أبي سلمة، فقيل يا رسول اللَّه لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ويكون لهم ذكر، فأُتي بهم إليه فكأنهم تكعكعوا واقتحم عبد اللَّه بن الزُّبير، فتبسم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال:"إنه ابن أبيه" وبايعه
(4)
.
وقد رُوي من غير وجه أن عبد اللَّه بن الزبير شرب من دم النبي صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد احتجم في طست فأعطاه عبد اللَّه بن الزبير ليريقه [فشربه فقال له:"لا تمسك النار إلا تحلَّة القسم، وويل لك من الناس وويل للناس منك".
وفي رواية أنه قال له: "يا عبد اللَّه اذهب بهذا الدم فأهريقه حيث لا يراك أحد، فلما بعُد عمد إلى ذلك الدم فشربه، فلما رجع قال: ما صنعت بالدم؟ قال: عدت إلى أخفى موضع علمت فجعلته فيه.
(1)
في ط: وسائر بلاد الشام إلا دمشق.
(2)
في ط: وكان الناس بخير في زمانه.
(3)
تاريخ دمشق (28/ 160).
(4)
الحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه (28/ 161 - 162).
قال: "فلعلك شربته! "
(1)
قال: نعم قال: "لا تمسك النار إلا تحلّة القسم، وويل لك من الناس وويل للناس منك"
(2)
.
وقال محمد بن سعد
(3)
: أبنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا الحارث بن عبيد، حدّثنا أبو عمران الجوني؛ أن نوفًا كان يقول: إني لأجد في كتاب اللَّه المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء.
وقال حماد بن زيد، عن ثابت البناني قال: كنت أمر بعبد اللَّه بن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك.
وقال الأعمش، عن يحيى بن وثّاب: كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تصعد وتنزل لا تراه إلا جذم حائط
(4)
.
وقال غيره: كان ابن الزبير يقوم ليله حتى يصبح، ويركع ليله حتى يصبح، ويسجد ليله حتى يصبح.
وقال بعضهم: ركع ابن الزبير يومًا فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه.
وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: كنت إذا رأيت ابن الزبير يصلي كأنه كعب راتب، وفي رواية ثابت
(5)
.
وقال أحمد: تعلم عبد الرزاق الصلاة من ابن جريج، وابن جريج من عطاء، وعطاء من ابن الزبير، وابن الزبير من الصديق، والصديق من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وقال الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن ابن المنكدر قال: لو رأيتَ ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة يصفقها الريح، والمنجنيق يقع هاهنا وهاهنا. قال سفيان: كأنه لا يبالي به [ولا يعده شيئًا].
وحكى بعضهم لعمر بن عبد العزيز أن حجر المنجنيق وقع على شرفة المسجد فطارت فلقة منه فمرت بين لحية ابن الزبير وحلقه، فما زال عن مقامه ولا عرف ذلك في صورته، فقال عمر بن عبد العزيز: لا إله إلا اللَّه، جاء ما وصفت
(6)
.
(1)
في ط: قال: إني شربته لأزداد به علمًا، وليكون شيء من جسد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في جسدي، وجسدي أولى به من الأرض، فقال:"أبشر لا تمسك النار أبدًا، ويل لك من الناس وويل للناس منك".
(2)
ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 270) وقال: رواه الطبراني والبزار باختصار، ورجال البزار، رجال الصحيح غير هنيد بن القاسم، وهو ثقة. نقول: وللحديث شواهد بمعناه.
(3)
الطبقات الكبرى (2/ 41) الطبقة الخامسة من الصحابة.
(4)
تاريخ دمشق (28/ 171).
(5)
المصدر نفسه.
(6)
تاريخ دمشق (28/ 172 - 173).
وقال عمر بن عبد العزيز يومًا لابن أبي مليكة: صف لنا عبد اللَّه بن الزبير، فقال: واللَّه ما رأيت جِلدًا قط ركب على لحم ولا لحمًا على عصب ولا عصبًا على عظم مثله، ولا رأيت نفسًا ركبت بين جنبين مثل نفسه، ولقد مرت آجرة من رمي المنجنيق بين لحيته وصدره فواللَّه ما خشع ولا قطع لها قراءته، ولا ركع دون ما كان يركع، وكان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شيء إليها. ولقد كان يركع فيَكاد الرَّخَم أن يقع على ظهره ويسجد فكأنه ثوب مطروح
(1)
.
وقال أبو القاسم البغوي: عن علي بن الجَعْد، عن شعبة، عن منصور بن زاذان قال: أخبرني من رأى ابن الزبير يشرب في صلاته، وكان ابن الزبير من المصلين
(2)
.
[وسئل ابن عباس عن ابن الزبير فقال: كان قارئًا لكتاب اللَّه، متبعًا لسنة رسول اللَّه، قانتًا للَّه صائمًا في الهواجر من مخافة اللَّه، ابن حواريّ رسوال اللَّه، وأمه بنت الصديق، وخالته عائشة حبيبة حبيب اللَّه، زوجة رسول اللَّه، فلا يجهل حقه إلا من أعماه اللَّه]
(3)
.
ورُوي أن ابن الزبير
(4)
كان يومًا يصلي فسقطت حية من السقف فطوقت على بطن ابنه هاشم فصرخ النسوة وانزعج أهل المنزل واجتمعوا على قتل تلك الحية فقتلوها، وسلم الولد، فعلوا هذا كله وابن الزبير في الصلاة لم يلتفت ولا درى بما جرى حتى سلم.
وقال الزبير بن بكار: حدَّثني محمد بن الضحاك الخزامي وعبد الملك بن عبد العزيز ومن لا أحصي كثرة من أصحابنا أن ابن الزبير كان يواصل الصوم سبعًا، يصوم يوم الجمعة ولا يفطر إلا ليلة الجمعة الأخرى، ويصوم بالمدينة ولا يفطر إلا بمكة، ويصوم بمكة فلا يفطر إلا بالمدينة، وكان إذا أفطر أول ما يفطر على لبن لقحة وسمن وصبر، وفي رواية أخرى فأما اللبن فيعصمه، وأما السمن فيقطع عنه العطش، وأما الصبر فيفتق الأمعاء
(5)
.
وقال ابن معين: عن روح، عن حبيب بن الشهيد، عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ويصبح في الثامن وهو ألْيثُنا. ورُوي مثله من غير وجه.
وقال بعضهم: لم يكن يأكل في شهر رمضان سوى مرة واحدة في وسطه.
(1)
تاريخ دمشق (28/ 172 - 173).
(2)
تاريخ دمشق (28/ 174).
(3)
المصدر نفسه (28/ 166).
(4)
تاريخ دمشق (28/ 174).
(5)
تاريخ دمشق (28/ 176).
وقال خالد بن أبي عمران: كان ابن الزبير لا يفطر من الشهر إلا ثلاثة أيام. ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهر
(1)
.
وقال ليث عن مجاهد: لم يكن أحد يطيق ما يطيقه ابن الزبير من العبادة رضي الله عنه
(2)
.
ولقد جاء سيلٌ مرة فطبق البيت فجعل ابن الزبير يطوف سباحة
(3)
.
وقال بعضهم: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاث، في العبادة والشجاعة والفصاحة.
وقد ثبت أن عثمان جعله في النفر الذين نسخوا المصاحف مع زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وذكره سعيد بن المسيب في خطباء الإسلام مع معاوية وابنه وسعيد بن العاص وابنه.
وقال عبد الواحد بن أيمن: رأيت على ابن الزبير رداءً يمانيًا عدَنيًا يصلي فيه، وكان صيتًا إذا خطب تجاوب الجبلان أبو قبيس وزروراء.
وكان آدمَ نحيفًا ليس بالطويل، وكان بين عينيه أثر السجود، كثير العبادة مجتهدًا شهمًا فصيحًا صوّامًا قوّامًا، شديد البأس ذا أنفة له نفس شريفة وهمة عالية، وكان خفيف اللحية ليس في وجهه من الشعر إلا قليلًا. وكانت له جمة وكان له لحية صفراء.
وقد ذكرنا أنه شهد مع ابن أبي سرح قتال البربر وكانوا في عشرين ومئة ألف، والمسلمون عشرون ألفًا، فأحاطوا بهم من كل جانب، فما زال عبد اللَّه بن الزبير يحتال حتى ركب في ثلاثين فارسًا، وسار نحو ملك البربر وهو منفرد وراء الجيش، وجواريه يظللنه بريش النعام، فساق حتى انتهى إليه والناس يظنون أنه ذاهب برسالة إلى الملك، فلما فهمه الملك ولى مدبرًا فلحقه عبد اللَّه فقتله واحتز رأسه وجعله في رأس رمحٍ وكبّر وكبّر المسلمون، وحملوا على البربر فانهزمت البربر بين أيديهم فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وغنموا أموالا وغنائم كثيرة جدًا، وبعث ابن أبي سرح بالبشارة مع ابن الزبير فقص على عثمان الخبر وكيف جرى، فقال له عثمان: أتستطيع أن تؤدي هذا للناس فوق المنبر؟ قال: نعم! فأمره فصعد فوق
(1)
قال الشيخ عبد القادر بدران رحمه الله عند إيراده هذا الخبر في تهذيب تاريخ ابن عساكر (7/ 405) أقول: في هذه الرواية نظر واضح، لأنه إذا سلّمنا أنه لم ينزع ثوبه أربعين سنة، أليس يبلى الثوب في هذه المدة الطويلة! أليست تصيبه الجنابة فيحتاج إلى نزعه لأجل الغسل، وياللَّه ما أكثر المبالغات في مثل هذه الأقاصيص من غير أن يزنها أربابها بميزان العقل، وإننا كثيرًا ما ننقل مثل هذا في هذا الكتاب مراعاة لرواية الحافظ، ولكننا نطلقه لذي عقل سليم، وطبع مستقيم ليزنه بميزان العقل فيتركه أو يتساهل فيه كما تساهلنا وهذه الأشياء أكثر ما تكون في كتب المناقب، فلا حول ولا قوة إلا باللَّه.
(2)
الخبر في سير أعلام النبلاء (3/ 370).
(3)
تاريخ دمشق (28/ 178).
المنبر فخطب الناس وذكر لهم كيفية ما جرى، قال [عبد اللَّه]: فالتفتُّ فإذا [أبي] الزبير في جملة من حضر، فلما تبينت وجهه كاد أن يرتج عليّ في الكلام من هيبته في قلبي، فرمزني بعينه وأشار إليّ ليحضَّني، فمضيت في الخطبة كما كنت، فلما نزلت قال: واللَّه لكأني أسمع خطبة أبي بكر الصديق حين سمعت خطبتك يا بني
(1)
.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: خرج ابن الزبير في ليلة مقمرة على راحلة له، فنزل في تبوك فالتفت فإذا على الراحلة شيخ أبيض الرأس واللحية فشد عليه ابن الزبير فتنحى عنها فركب ابن الزبير راحلته ومضى، قال: فناداه: واللَّه يا ابن الزبير لو دخل قلبك الليلة مني شعرة لخبلتك، قال: ومنك أنت يا لعين يدخل قلبي شيء؟ وقد روي لهذه الحكاية شواهد من وجوه أخرى جيدة.
وروى عبد اللَّه بن المبارك: عن إسحاق بن يحيى، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، قال: أقبل عبد اللَّه بن الزبير من العمرة في ركب من قريش فلما كانوا عند اليناصب
(2)
أبصروا رجلًا عند شجرة، فتقدمهم ابن الزبير، فلما انتهى إليه سلم عليه فلم يعبأ به ورد ردًا ضعيفًا، ونزل ابن الزبير فلم يتحرك له الرجل، فقال له ابن الزبير: تنح عن الظل، فانحاز متكارهًا، قال ابن الزبير: فجلست وأخذت بيده وقلت: من أنت؟ فقال: رجل من الجن، فما عدا أن قالها حتى قامت كل شعرة مني فاجتذبته وقلت: أنت رجل من الجن وتبدو إليّ هكذا؟ وإذا له لبس سفلة وانكسر ونهرته وقلت: إليّ تتبدَّا وأنت من أهل الأرض، فذهب هاربًا وجاء أصحابي فقالوا: أين الرجل الذي كان عندك؟ فقلت: إنه كان من الجن فهرب. قال: فما منهم رجل إلا سقط إلى الأرض عن راحلته، فأخذت كل رجل منهم فشددته على راحلته حتى أتيت بهم أمَج
(3)
وما يعقلون.
وقال سفيان بن عيينة قال ابن الزبير: دخلت المسجد ذات ليلة فإذا نسوة يطفن بالبيت فأعجبنني، فلما قضين طوافهن خرجن فخرحت في أثرهن لأعلم أين منزلهن، فخرجن من مكة حتى أتين العقبة ثم انحدرن حتى أتين فجًا، فدخلن في خربة فدخلت في أثرهن. فإذ مشيخة جلوس فقالوا: ما جاء بك يا بن الزبير؟ فقلت لهم من أنتم؟ قالوا الجن وتلك النسوة نساؤنا فما تشتهي يا بن الزبير، فقلت: أشتهي رطبًا، وما بمكة يومئذ من رطبة، فأتوني برطب فأكلت ثم قالوا: احمل ما بقي معك، فجئت به المنزل فوضعته في سفط وجعلت السفط في صندوق، ثم وضعت رأسي لأنام، فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ سمعت جلبة في البيت، فقال بعضهم لبعض أين وضعه؟ قالوا: في الصندوق، ففتحوه فإذا هو في
(1)
تاريخ دمشق (28/ 181 - 182).
(2)
اليناصب: أجبل متحاذيات في ديار بني بكر أو بني أسد بنجد، بينها وبين أضاخ أربعة أميال. معجم البلدان (5/ 449).
(3)
أمج -بالجيم، وفتح أوله وثانيه- بلد من أعراض المدينة. معجم البلدان (1/ 215).
السفط داخله، فهمّوا بفتحه فقال بعضهم: إنه ذكر اسم اللَّه عليه، فأخذوا السفط بما فيه فذهبوا به، قال: فلم آسف على شيء أسفي كيف لم أثب عليهم وهم في البيت
(1)
.
وقد كان عبد اللَّه بن الزبير ممن جاحَف عن عثمان يوم الدار، وجُرح يومئذ بضع عشرة جراحة.
وكان على الرجالة يوم الجمل وجُرح يومئذ تسع عشرة جراحة أيضًا، وقد تبارز يومئذ هو ومالك بن الحارث بن الأشتر، فاتحدا فصرع الأشتر ابن الزبير فلم يتمكن من القيام عنه، بل احتضنه ابن الزبير وجعل ينادي ويقول: اقتلوني ومالكًا، واقتلوا مالكًا معي، فأرسلها مثلًا. ثم تفرقا ولم يقدر عليه الأشتر، وقد قيل إنه جرح يومئذ بضع وأربعون جراحة، ولم يوجد إلا بين القتلى وبه رمق، وقد أعطت عائشة لمن بشرها أنه لم يقتل عشرة آلاف درهم وسجدت للَّه شكرًا
(2)
، وكانت تحبه حبًا شديدًا، لأنه ابن أختها، وكان عزيزًا عليها. وقد رُوي عن عروة: أن عائشة لم تكن تحب أحدًا بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مثل حبها ابن الزبير، قال: وما رأيت أبي وعائشة يدعوان لأحد من الخلق مثل دعائهما لابن الزبير
(3)
.
وقال الزبير بن بكار: حدَّثني هارون بن أبي بكر، عن يحيى بن إبراهيم، عن سليمان بن محمد، عن يحيى بن عروة، عن عمه، عن عبد اللَّه بن عروة قال: أفحمت ألسنة نابغة بني جعدة فدخل على عبد اللَّه بن الزبير المسجد الحرام فأنشد هذه الأبيات:
حكيتَ لنا الصديقَ لما وليتنا
(4)
…
وعثمانَ والفاروق فارتاح معدمُ
وسويت بين الناس في الحق فاستووا
…
فعاد صباحًا حالكُ اللونِ مظلمُ
(5)
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجا
…
دجى الليل جواب الفلاة عثمثمُ
(6)
لتجيرَ منه جائيًا ذعذعت به
…
صروفُ الليالي والزمانُ المصممُ
(7)
فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فإن الشعر أهون وسائلك عندنا، أما صفوة ما لنا فلآل الزبير، وأما عفوه، فإن بني أسد يشغلها عنك وتيمًا، ولكن لك في مال اللَّه حقان، حق لرؤيتك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وحق لشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده فأدخله دار النعم فأعطاه قلائص سبعًا، وجملًا، وخيلًا، وأوقر له الركاب بُرًا وتمرًا وثيابًا، فجعل النابغة يستعجل ويأكل الحب صرفًا، فقال له ابن الزبير: ويح أبي ليلى، لقد بلغ الجهد. فقال النابغة: أشهد لسمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:
(1)
الأخبار الثلاثة السابقة في تاريخ دمشق لابن عساكر (28/ 183 - 186).
(2)
تاريخ دمشق (28/ 188).
(3)
تاريخ دمشق (28/ 189).
(4)
في ط: وليتها.
(5)
في تهذيب ابن عساكر: أسحم.
(6)
في ط: غشمشم. والعثمثم: الجمل القوي.
(7)
الأبيات في تاريخ دمشق (28/ 191) وتهذيبه (7/ 406). وذعذعت به أي أذهبت ماله وفرقته.
"ما وليت قريش وعدلت، واسترحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت خيرًا فأنجزت، فأنا والنبيون فُرَّاط القاصفين"
(1)
.
وقال محمد بن مروان صاحب كتاب "المجالسة"
(2)
: أخبرني حبيب بن نَصْر
(3)
الأزدي حدَّثنا محمد بن دينار الضبي، حدَّثنا هشام بن سليمان المخزومي، عن أبيه قال: أذن معاوية للناس يومًا فدخلوا عليه فاحتفل المجلس وهو على سريره، فأجال بصره فيهم فقال: أنشدوني لقدماء العرب ثلاثة أبيات جامعة من أجمع ما قالته، ثم قال: يا أبا خبيب فقال: مهيم، قال أنشدني ذلك، فقال: نعم يا أمير المؤمنين بثلاثمئة ألف، قال: نعم إن ساوت، قال أنت بالخيار، وأنت وافٍ كافٍ، قال: نعم فأنشده للأفوه الأزدي:
بلوتُ النَّاسَ قرنًا بعدَ قرنٍ
…
فلمْ أرَ غيرَ ختَّالٍ وقالِ
فقال معاوية: صدق.
ولم أرَ في الخطوبِ أشدَّ وقعًا
…
وكيدًا من معاداةِ الرجالِ
فقال معاوية: صدق.
وذقتُ مَرارةَ الأشياءِ طُرًّا
…
فما شيءٌ أمرُّ منَ السؤالِ
فقال: صدق.
ثم قال معاوية: هيه يا أبا خبيب، قال: إلى هاهنا انتهى، قال: فدعا معاوية بثلاثين عبدًا على عنق كل واحد منهم بدرة، وهي عشرة آلاف درهم، فمروا بين يدي ابن الزبير حتى انتهوا إلى داره.
وروى ابن أبي الدنيا عن أبي زيد النميري، عن أبي عاصم النبيل، عن جويرية بن أسماء: أن معاوية لما حج وتلقاه الناس وتخلف ابن الزبير ثم جاءه وقد حلق رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين ما أكثر جحرة رأسك!! فقال له: اتق أن لا يخرج عليك منها حية فتقتلك، فلما أفاض معاوية وطاف معه ابن الزبير وهو آخذ بيده ثم استدعاه إلى داره ومنازله بقعيقعان، فذهب معه إليها، فلما خرجا قال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون جاء معه أمير المؤمنين إلى دوره ومنازله ففعل معه ماذا، لا واللَّه لا أدعك حتى تعطيني مئة ألف، فأعطاه، فجاء مروان فقال: واللَّه يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلك، جاءك رجل قد سمى بيت مال
(1)
الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (18/ 365) رقم (933) وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 25) وقال: رواه الطبراني، وفيه راوٍ لم أعرفه، ورجال مختلف فيهم. ومعنى القاصفين: المزدحمين.
(2)
الخبر في تاريخ دمشق (28/ 198 - 199).
(3)
في ط: "خبيب بن نصير"، وهو تحريف.
الديوان وبيت الخلافة، وبيت كذا، وبيت كذا، فأعطيته مئة ألف، فقال له: ويلك كيف أصنع بابن الزبير
(1)
؟
وقال ابن أبي الدنيا: أخبرني عمر بن بكير، عن علي بن مجاهد بن عروة قال: سأل ابن الزبير معاوية شيئًا فمنعه، فقال: واللَّه ما أجهل أن ألزم هذه البنية فلا أشتم لك عرضًا ولا أقصم لك حسبًا، ولكني أسدل عمامتي من بين يدي ذراعًا، ومن خلفي ذراعًا في طريق أهل الشام وأذكر سيرة أبي بكر الصديق وعمر، فيقول الناس: من هذا؟ فيقولون ابن حواريّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وابن بنت الصديق، فقال معاوية: حسبك بهذا شرفًا، ثم قال: هات حوائجك
(2)
.
وقال الأصمعي: حدَّثنا غسان بن مُضَر، عن سعيد بن يزيد. قال: دخل ابن الزبير علر، معاوية فأمر ابنًا له صغيرًا فلطمه لطمة دوَّخ منها رأسه، فلما أفاق ابن الزبير قال للصبي: ادن مني، فدنا منه، فقال له: الطم معاوية، قال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال لأنه أبي، فرفع ابن الزبير يده فلطم الصبي لطمة جعله يدور منها كما تدور الدوَّامة، فقال معاوية: تفعل هذا بغلام لم تجرِ عليه الأحكام؟ قال: إنه واللَّه قد عرف ما يضره مما ينفعه، فأحببت أن أحسن أدبه
(3)
.
وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: عن عبد اللَّه بن أبي بكر قال: لحق ابن الزبير معاوية وهو سائر إلى الشام فوجده وهو ينعس على راحلته، فقال له: أتنعس وأنا معك؟ أما تخاف مني أن أقتلك؟ فقال: إنك لست من قتال الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره. قال لقد سرت تحت لواء أبي إلى علي بن أبي طالب، وهو من تعلمه، فقال: لا جرم قتلكم واللَّه بشماله. قال: أما إن ذلك كان في نصرة عثمان، ثم لم يجز بها. فقال: إنما كان لبغض علي لا لنصرة عثمان، فقال له ابن الزبير: إنا قد أعطيناك عهدًا فنحن وافون لك به ما عشت، فسيعلم من بعدك، فقال: أما واللَّه ما أخافك إلا على نفسك، وكأني بك قد خبطت في الحبالة واستحكمت عليك الأنشوطة، فذكرتني وأنت فيها، فقلت ليت أبا عبد الرحمن لها، ليتني واللَّه لها، أما واللَّه لأحللتك رويدًا، ولأطلقتك سريعًا، ولبئس الولي أنت تلك الساعة
(4)
. وحكى أبو عبد اللَّه نحو هذا.
وقد تقدم أن معاوية لما مات وجاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة انشمر منها ابن الزبير والحسين بن علي فقصدا مكة فأقاما بها، ثم خرج الحسين إلى العراق وكان من أمر مقتله ما تقدم، وتفرد بالرياسة والسؤدد بمكة ابن الزبير، ولهذا كان ابن عباس ينشد بعد مخرج الحسين:
(1)
الخبر في تاريخ دمشق لابن عساكر (28/ 199) وتهذيبه (7/ 409).
(2)
الخبر في تاريخ دمشق (28/ 199 - 200) وتهذيبه (7/ 409).
(3)
الخبر في تاريخ دمشق (28/ 200) وتهذيبه (7/ 410).
(4)
تاريخ دمشق (28/ 200 - 201).
يا لكِ من قنبرةٍ
(1)
بمعمرِ
…
خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفرِي
(2)
ونَقِّري ما شئتِ أن تُنَقِّري
يعرض بابن الزبير.
وقيل إن يزيد بن معاوية كتب إلى ابن الزبير يقول: إني قد بعثت إليك بسلسلة من فضة وقيد من ذهب وجامعة من فضة، وحلفت لتأتيني في ذلك فأبرَّ قسمي ولا تشق العصا، فلما قرأ كتابه ألقاه من يده وقال:
ولا ألينُ لغيرِ الحقِّ أسألُهُ
…
حتى تلينَ لضرسِ الماضِغِ الحَجَر
(3)
فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد من بعده قريبًا، استفحل أمر عبد اللَّه بن الزبير جدًا، وبويع له بالحجاز والعراق ومصر
(4)
، وبايع له الضحاك بن قيس بدمشق وأعمالها، ولكن عارضه مروان بن الحكم وما زال حتى قتله وجماعة في مرج راهط كما تقدم، فبايع له أهل الشام. وأخذ الشام ومصر من نواب ابن الزبير، ثم جهز السرايا إلى العراق، ومات واستخلف بعده عبد الملك بن مروان فقتل مصعب بن الزبير وأخذ العراق منه، ثم بعث الحجاج فحاصر ابن الزبير بمكة قريبًا من سبعة أشهر حتى ظفر به في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين.
وكانت ولاية ابن الزبير في سنة أربع وستين، حج بالناس فيها كلها، وبنى الكعبة في أيامه كما أشار إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ورد بناءها كما كانت عليه كما
(5)
أخبرته بذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وكساها بالحرير
(6)
، وكانت كسوتها قبل ذلك الأنطاع والمسوح
(7)
، وكان يطيبها حتى يوجد ريحها من ظاهر الحرم، وكان مكتوب على كسوتها لعبد اللَّه بن أبي بكر أمير المؤمنين
(8)
.
وكان ابن الزبير عالمًا، عابدًا، مهيبًا، وقورًا، كثير الصيام والصلاة، شديد الخشوع قوي السياسة.
قال أبو نعيم الأصبهاني: حدَّثنا أبو حامد بن جَبَلة، حدَّثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدَّثنا أحمد بن سعيد الدارمي، حدَّثنا أبو عاصم، عن عمر بن قيس. قال: كان لابن الزبير مئة غلام يتكلم
(1)
في الكامل لابن الأثير (4/ 69): قبَّرة.
(2)
في أ: خلا لك البئر.
(3)
الخبر بكامله زيادة من ط، وهو في تاريخ دمشق (28/ 209) وتهذيبه (7/ 415).
(4)
في ط وبويع له بالخلافة في جميع البلاد الإسلامية.
(5)
في ط: وبنى الكعبة في أيام ولايته كما تقدم.
(6)
في أخبار مكة للأزرقي (1/ 210) كساها القباطي - وهو جمع قبطية بالضم، ثوب رقيق أبيض من ثياب مصر.
(7)
الأنطاع جمع نطع؛ وهو البساط. القاموس (نطع) والمسوح: المناديل. والخبر في تاريخ دمشق (28/ 214).
(8)
من قوله: وكان يطيبها. . إلى هنا ساقط من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 443).
كل غلام منهم بلغة [غير لغة الآخر]، وكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته، وكنتَ إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد اللَّه [والدار الآخرة] طرفة عين، [وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين]
(1)
.
وقال الثوري: عن الأعمش، عن أبي الضحى
(2)
قال: رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي كان رأس مال
(3)
.
وقال ابن المبارك: عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: دخل ابن الزبير على امرأته بنت الحسن فوأى ثلاثة مثل -يعني أفرشة- فقال: هذا لي وهذا لابنة الحسن، وهذا للشيطان فأخرجوه
(4)
.
وقال الثوري: عن عبد اللَّه بن أبي بشير، عن عبد اللَّه بن مساور، قال: سمعت ابن عباس يعاتب ابن الزبير على البخل ويقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ليس بالمؤمن من يبيت شبعان وجاره إلى جنبه جائع"
(5)
.
وقال الإمام أحمد
(6)
: حدَّثنا إسماعيل بن أبان الورّاق، حدَّثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبْزى، عن عثمان بن عفان. قال قال له عبد اللَّه بن الزبير حين حصر: إن عندي نجائب قد أعددتها لك، فهل لك أن تتحول إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك؟ قال: لا! إني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "يُلْحِدُ كبش من قريش اسمه عبد اللَّه، عليه مثل أوزار الناس". وهذا الحديث منكر جدًا وفي إسناده ضعف، ويعقوب هذا هو القمي وفيه تشيع، ومثل هذا لا يقبل تفرده به، وبتقدير صحته فليس هو بعبد اللَّه بن الزبير، فإنه كان على صفات حميدة، وقيامه في الإمارة إنما كان للَّه عز وجل، ثم هو كان الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة، وهو أرشد من مروان بن الحكم، حيث نازعه [بعد أن اجتمعت الكلمة عليه]، وقامت البيعة له في الآفاق وانتظم له الأمر واللَّه أعلم.
وقال الإمام أحمد
(7)
: حدَّثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدَّثنا إسحاق بن سعيد، حدَّثنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبد اللَّه بن عمرو وعبد اللَّه بن الزبير وهو في الحِجْر جالسٌ فقال: يا بن الزبير إياك والإلحاد في حرم اللَّه، فإني أشهد لسمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "يحلُّها وتحل به رجل من قُريش، لو
(1)
حلية الأولياء لأبي نعيم (1/ 334) وتاريخ دمشق لابن عساكر (28/ 215).
(2)
هو مسلم بن صُبيح القرشي الكوفي، مولى سعيد بن العاص.
(3)
تاريخ دمشق لابن عساكر (28/ 215).
(4)
المصدر نفسه (28/ 215).
(5)
رواه أبو يعلى رقم (2699) من حديث ابن عباس، ورواه الطبراني في الكبير من حديث أنس، والحاكم من حديث عائشة، وهو حديث حسن.
(6)
مسند الإمام أحمد (1/ 64).
(7)
مسند الإمام أحمد (2/ 219).
وُزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها". فانظر أن لا تكونه، فقال له: يا بن عمرو فإنك قد قرأت الكتب وصحبت النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فإني أشهد أن هذا وجهي إلى الشام مجاهدًا. وهذا قد يكون رفعه غلطًا، وإنما هو من كلام عبد اللَّه بن عمرو، وما أصابه من الزاملتين يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب، واللَّه أعلم.
وقال وكيع: عن الثوري، عن سَلَمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن حبشي الكناني، عن عليم الكندي، عن سلمان الفارسي. قال: ليُحرقنَّ هذا البيت على يدي رجل من آل الزبير
(1)
.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: عن يحيى بن معين، عن أبي فضيل، حدَّثنا سالم بن أبي حفصة، عن منذر الثوري قال: قال ابن الحنفية: اللهم إنك تعلم أني كنت أعلم مما علَّمتني أن ابن الزبير لا يخرج منها إلا قتيلًا يطاف برأسه في الأسواق
(2)
.
وقد روى الزبير بن بكار: عن هشام بن عروة قال: إن أول ما أفصح به عبد اللَّه بن الزبير وهو صغير السيف السيف، فكان لا يضعه من فيه، وكان الزبير إذا سمع ذلك منه يقول له: أما واللَّه ليكونن لك منه يوم ويوم وأيام
(3)
.
وقد تقدم كيفية مقتله، وأن الحجاج صلبه على جذع فوق الثنية وأنه ربط إلى جانبة هرة ميتة، فكان ريح المسك يغلب على ريحها، وأن أمه أرسلت إلى الحجاج تقول: قاتلك اللَّه؛ علام تصلب ولدي؟ فقال: إني استبقت أنا وإياه على هذه الخشية فسبقني إليها
(4)
. وأن أمه جاءت حتى وقفت عليه فدعت له طويلًا ولا يقطر من عينها دمعة ثم انصرفت، وكذلك وقف عليه ابن عمر فدعا له وأثنى عليه ثناءً كثيرًا جدًا.
وقال الواقدي: حدَّثني نافع بن ثابت، عن عبد اللَّه مولى أسماء قال: لما قتل عبد اللَّه خرجت إليه أمه حتى وقفت عليه وهي على دابة، فأقبل الحجاج في أصحابه فسأل عنها فأخبر بها، فأقبل حتى وقف عليها فقال: كيف رأيت نصر اللَّه الحق وأظهره؟ فقالت: وبما أديل الباطل على الحق [وأهله]، وإنك بين فرثها والجنة، فقال إن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال اللَّه تعالى:{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] وقد أذاقه اللَّه ذلك العذاب الأليم، قطع السبيل، قالت: كذبت، كان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وسُرَّ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وحنكه بيده، وكبَّر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحًا به، وقد فرحت أنت وأصحابك بمقتله، فمن كان فرح يومئذ بمولده خير منك ومن أصحابك، وكان مع ذلك برًا بالوالدين، صوّامًا قوامًا بكتاب اللَّه، معظِّمًا لحرم اللَّه، يبغض من يعصي
(1)
تاريخ دمشق (28/ 221).
(2)
المصدر نفسه.
(3)
تاريخ دمشق (28/ 222).
(4)
من قوله: وأنه ربط إلى جانبة هرة. . إلى هنا ساقط من ط، والخبر في تاريخ دمشق (28/ 229).
اللَّه عز وجل، أشهد على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لسمعته يقول:["يخرج من ثقيف كذاب ومبير"] وفي رواية: "سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول وهو مبير" فانكسر الحجاج وانصرف، فبلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه يلومه في مخاطبته أسماء، وقال: مالك ولابنة الرجل الصالح
(1)
؟
وقال مسلم بن الحجاج في "صحيحه": حدَّثنا عقبة بن مكرم، حدَّثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، أنبأنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل. قال: رأيت عبد اللَّه بن الزبير على ثنية الحَجُون مصلوبًا فجعلت قريش تمر عليه والناس حتى مر عليه عبد اللَّه بن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما واللَّه لقد كنت أنهاك عن هذا، أما واللَّه لقد كنت أنهاك عن هذا، أما واللَّه لقد كنت أنهاك عن هذا، أما واللَّه إن كنتَ ما علمتُ صوامًا قوامًا وصولًا للرحم، أما واللَّه لأمّة أنت شرها لأمّة خير. ثم نفذ عبد اللَّه بن عمر. فبلغ الحجاج وقوف ابن عمر عليه وقوله ما قال، فأرسل إليه فأنزله عن جذعه وألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك من قرونك، فأبت وقالت: واللَّه لا آتيه حتى يبعث إليّ من يسحبني بقروني، فقال الحجاج: فأروني سِبتيتيَّ؛ فأخذ نعليه ثم انطلق يتوذف حتى دخل عليها فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو اللَّه؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول: يا ابن ذات النطاقين، أنا واللَّه ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت ارفع به طعام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وطعام أبي بكر، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حدَّثنا أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا، فاما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها" انفرد به مسلم
(2)
.
وروى الواقدي: أن الحجاج لما صَلَبَ ابن الزبير على ثنية الحجون بعثت إليه أسماء تدعو عليه، وطلبت منه أن يدفن فأبى عليها، حتى كتب إلى عبد الملك في ذلك فكتب إليه أن يدفن فدفن بالحجون، وذكروا أنه كان يشتمُّ من عند قبره ريح المسك.
وكان الحجاج قد قدم من الشام في ألفي فارس وانضاف إليه طارق بن عمرو في خمسة آلاف.
وروى محمد بن سعد وغيره بسنده: أن الحجاج حاصر ابن الزبير، وأنه اجتمع معه أربعون ألفًا، وأنه نصب المنجنيق على أبي قبيس ليرمي به المسجد الحرام الذي فيه عبد اللَّه بن الزبير، وأنه جعل يؤمن من خرج إليه من أهل مكة ونادى فيهم بذلك، وقال: إنا لم نأت لقتال أحد سوى ابن الزبير، وأنه خيَّر ابن الزبير بين ثلاث إما أن يذهب في الأرض حيث شاء، أو يبعثه إلى الشام مقيدًا بالحديد، أو يقاتل حتى يقتل. فشاور أمه فأشارت عليه بالثالث فقط
(3)
.
(1)
الخبر بتمامه في تاريخ دمشق (28/ 228).
(2)
رواه مسلم رقم (2545) في فضائل الصحابة.
(3)
تاريخ دمشق (28/ 236).
ويروى أنها استدعت بكفن له وبخرته وشجعته على القتل، فخرج بهذه النية فقاتل يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين قتالًا شديدًا فجاءته آجرة ففلقت رأسه فسقط على وجهه إلى الأرض، ثم أراد أن ينهض فلم يقدر، فاتكأ على مرفقه الأيسر وجعل يحدم بالسيف من جاءه، فأقبل إليه رجل من أهل الشام فضربه فقطع رجله، ثم تكاثروا عليه حتى قتلوه واحتزوّا رأسه، وكان مقتله قريبًا من الحجون، ويقال: بل قتل وهو متعلق بأستار الكعبة، فاللَّه أعلم.
ثم صلبه الحجاج منكسًا على ثنية كدا عند الحجون، ثم لما أنزله دفنه في مقابر اليهود كما رواه مسلم
(1)
، وقيل دفن بالحجون تحت المكان الذي صلب فيه، وقيل: إن والدته أسماء غسلته بعدما تقطعت أوصاله وحنطته وكفنته؛ وصلت عليه وحملته إلى المدينة فدفنته في دار صفية بنت حيي وأن هذه الدار زيدت في المسجد فهو مدفون في المسجد مع أبي بكر وعمر
(2)
، فاللَّه أعلم.
وقال عبد الرزاق
(3)
، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: قال عبد اللَّه بن الزبير لما جيء برأس المختار: ما كان يحدّثنا كعب الأحبار شيئًا إلا وجدناه، إلا قوله إن فتى ثقيف يقتلني، وهذا رأسه بين يدي، قال ابن سيرين: ولم يشعر أنه قد خُبِّئ له الحجاج. وروي هذا من وجه آخر. قلت: والمشهور أن مقتل عبد اللَّه بن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين يوم الثلاثاء سابع عشر من جمادى الأولى، وقيل الآخرة منها.
وعن مالك وغيره أن مقتله كان على رأس اثنين وسبعين
(4)
، والمشهور الصحيح هو الأول، وكانت بيعته في سابع رجب سنة أربع وستين، وكان مولده في أول سنة إحدى من الهجرة، وقيل في شوال سنة ثنتين من الهجرة، فجاوز السبعين قطعًا، واللَّه أعلم.
وأما أمه فلم تعش بعده إلا مئة يوم، وقيل عشرة أيام، وقيل خمسة، والأول هو المشهور، وستأتي ترجمتها قريبًا رضي الله عنها [وعن أبيها وابنها] وكان له من الولد: خبيب وحمزة وعباد وثابت وأمهم تماضر بنت منظور الفزاري؛ وهاشم وقيس وعروة -قتل مع أبيه- والزبير وأمهم أم هاشم زجلة بنت منظور؛ وعامر وموسى وأم حكيم وفاطمة وفاختة وأمهم خيثمة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ وبكر ورقية وأمهم عائشة بنت عثمان بن عفان؛ وعبد اللَّه ومصعب من أم ولد.
وقد أسند ثلاثة وثلاثين حديثًا.
(1)
صحيح مسلم رقم (2545)(229) في فضائل الصحابة.
(2)
من قوله: وقيل إن والدته. . إلى هنا زيادة من أ، والخبر في تاريخ دمشق (28/ 254).
(3)
مصنف عبد الرزاق (11/ 65).
(4)
تاريخ دمشق (28/ 246).
وقد رثي ابن الزبير وأخوه مصعب بمراثٍ كثيرة حسنة بليغة، من ذلك قول عَمْرو بن معمر
(1)
الذهلي يرثيهما بأبيات:
لعمركَ ما أبقيتَ في الناسِ حاجةً
…
ولا كنتَ ملبوسَ الهدى متذبذبا
غداةَ دعاني مصعبٌ فأجبتهُ
…
وقلتُ له أهلًا وسهلًا ومرحبا
أبوكَ حواريُّ الرسولِ وسيفهُ
…
فأنتَ بحمدِ اللَّه منْ خيرنا أبا
وذاكَ أخوكَ المهتدى بضيائهِ
…
بمكةَ يدعونا دعاءً مثوَّبا
ولمْ أكُ ذا وجهينِ وجهٌ لمصعبٍ
…
مريضٌ ووجهٌ لابنِ مروانَ إذْ صبا
وكنتَ امرأً ناصحتهُ غيرَ مؤثرٍ
…
عليهِ ابنَ مروانٍ ولا متقرِّبا
إليه بما تقذى بهِ عينُ مصعبٍ
…
ولكنني ناصحتُ في اللَّه مصعبا
إلى أن رمتهُ الحادتاتُ بسهمها
…
فللَّه سهمًا ما أسدَّ وأصوبا
فإنْ يكُ هذا الدهرُ أودى بمصعبٍ
…
وأصبحَ عبدُ اللَّه شلوًا ملحبا
فكل أمرئ حاسٍ منَ الموتِ جرعةً
…
وإن حادَ عنها جهدهُ وتهيبا
(2)
وقد روى الطبراني، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير أن أباه حدَّثه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دم محاجمه يهريقه فحساه، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"ما صنعت يا عبد اللَّه بالدم؟ قلت: جعلته في مكان ظننت أنه خافٍ على الناس، قال: فلعلك شربته؟ قلت: نعم! قال: ومن أمرك أن تشرب الدم؟ ويل لك من الناس، وويل للناس منك"
(3)
.
ودخل سلمان الفارسي مرة على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عبد اللَّه بن الزبير قائم في الدهليز ومعه طست يشرب منه فدخل سلمان ودخل عبد اللَّه على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال له:"فرغت؟ قال: نعم. قال سلمان: وما ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: "أعطيته غسالة محاجمي يهريق ما فيها" قال سلمان: شربها والذي بعثك بالحق، قال: "شربته؟ " قال: نعم! قال: "لم؟ " قال: أحببت أن يكون دم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في جوفي، فقال بيده على رأس ابن الزبير، وقال: "ويل لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار إلا تحلة القسم" (3). ولما بعث يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير ذلك القيد من ذهب وسلسلة من فضة وجامعة من فضة وأقسم لتأتيني فيها، فقالوا له: برَّ قسم أمير المؤمنين فقال:
ولا ألينُ لغيرِ الحقِّ أسألهُ
…
حتى تلينَ لضرسِ الماضغِ الحجرُ
ثم قال: واللَّه لضربة بسيف بعِزٍّ، أحب إليّ من ضربة بسوطٍ في ذُل، ثم دعا إلى نفسه وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية.
(1)
في ط: "معمر بن أبي معمر"، وما هنا من م ومعجم المرزباني وتاريخ دمشق.
(2)
الأبيات في تاريخ دمشق (28/ 256) وبعضها في معجم الشعراء للمرزباني (ص 226).
(3)
انظر التعليق على هذا الحديث صفحة (111) رقم (1).
وروى الطبراني: أن ابن الزبير دخل على أمه فقال: إن في الموت لراحة، وكانت أمه قد أتت عليها مئة سنة لم تسقط لها سن، ولم يفسد لها بصر، فقالت: ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك، إما أن تملك فتقر عيني، وإما أن تقتل فأحتسبك، ثم خرج عنها وهو يقول:
ولستُ بمبتاعِ الحياةِ بسُبَّةٍ
…
ولا مرتقٍ من خشيةِ الموتِ سُلَّما
ثم أقبل على آل الزبير يعظهم ويقول ليكن أحدكم سيفه كما وجهه فيدفع عن نفسه بيده كأنه أمراه، واللَّه ما بقيت زحفًا قط إلا في الرعيل الأول، وما ألمت جرحًا إلا ألم الدواء، ثم حمل عليهم ومعه سيفان، فأول من لقيه الأسود فضربه بسيفه حتى أطن رجله، فقال له الأسود: أخ يا بن الزانية، فقال له ابن الزبير: اخسأ يا بن حام، أسماء زانية؟ ثم أخرجهم من المسجد. وكان على ظهر المسجد جماعة من أعوانه يرمون أعداءه بالآجر، فأصابته آجرة من أعوانه من غير قصد في مفرق رأسه ففلقت رأسه فوقف قائمًا وهو يقول:
لو كان قِرْني واحدًا كفيته
ويقول:
ولسنا على الأعقابِ تدمى كلومنا
…
ولكن على أقدامنا يقطرُ الدمُ
ثم وقع فأكب عليه موليان له وهما يقولان:
العبد يحمي ربه ويحتمي
ثم أرسلوا إليه فحزوا رأسه.
وروى الطبراني أيضًا: عن إسحاق بن أبي إسحاق قال: أنا حاضر مقتل عبد اللَّه بن الزبير في المسجد الحرام، يوم قتل جعلت الجيوش تدخل من أبواب المسجد، وكلما دخل قوم من باب حمل عليهم حتى يخرجهم، فبينما هو على تلك الحال إذ جاءت شرفة من شرفات المسجد، فوقعت على رأسه فصرعته، وهو يتمثل بهذه الأبيات:
أسماءُ أسماءُ لا تبكيني
…
لم يبقَ إلا حسبي وديني
وصارمٌ لانتْ بهِ يميني
وقد روي أن أمه قالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: ابنك المنافق، فقالت: واللَّه ما كان منافقًا، إن كان لصوامًا قوامًا وصولًا للرحم، فقال: انصرفي يا عجوز فإنك قد خرفت، فقالت: واللَّه ما خرفت منذ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت".
وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر فمر على ابن الزبير فوقف فترحم عليه ثم التفت إليّ وقال:
أخبرني أبو بكر الصديق أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من يعمل سوءًا يجز به"
(1)
.
وروى سفيان عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال: ذكرت ابن الزبير عند ابن عباس قال: كان عفيفًا في الإسلام، قارئًا للقرآن، صوامًا قوامًا، أبوه الزبير، وأمه أسماء، وجده أبو بكر، وعمته خديجة، وجدته صفية، وخالته عائشة، واللَّه لأحاسبن له بنفسي محاسبة لم أحاسبها لأبي بكر ولا لعمر. وقال الطبراني: حدثنا زكريا الناجي، ثنا حوثرة بن محمد، ثنا أبو أسامة، ثنا سعيد بن المرزبان، أبو سعيد العبسي، ثنا محمد بن عبد اللَّه الثقفي قال: شهدت خطبة ابن الزبير بالموسم خرج علينا قبل التروية بيوم وهو محرم فلبى بأحسن تلبية سمعتها قط، ثم حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم جئتم من آفاق شتى وفودًا إلى اللَّه عز وجل، فحق على اللَّه أن يكرم وفده، فمن كان منكم يطلب ما عند اللَّه فإن طالب ما عند اللَّه لا يخيب فصدقوا قولكم بفعل، فإن ملاك القول الفعل، والنية النية، والقلوب القلوب، اللَّه اللَّه في أيامكم هذه، فإنها أيام تغفر فيها الذنوب، جئتم من آفاق شتى في غير تجارة ولا طلب مال ولا دنيا ترجونها هاهنا، ثم لبى ولبى الناس، فما رأيت باكيًا أكثر من يومئذ. وروى الحسن بن سفيان قال: حدَّثنا حيان بن موسى حدَّثنا عبد اللَّه بن المبارك، حدَّثنا مالك بن أنس، عن وهب بن كيسان قال: كتب إليّ عبد اللَّه بن الزبير بموعظة: أما بعد فإن لأهل التقوى علامات يُعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، صدق الحديث، وأداء الأمانة، وكظم الغيظ، وصبر على البلاء ورضى بالقضاء، وشكر للنعماء، وذل لحكم القرآن، وإنما الأيام كالسوق ما نفق فيها حمل إليها، إن نفق الحق عنده حمل إليه وجاءه أهله. وإن نفق الباطل عنده حمل إليه وجاءه أهله.
وقال أبو معاوية: حدَّثنا هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان قال: ما رأيت ابن الزبير يعطي سلمه قط لرغبة ولا لرهبة سلطان ولا غيره. وبهذه الإسنادات أهل الشام كانوا يعيِّرون ابن الزبير ويقولون له: يا بن ذات النطاقين. فقالت له أسماء: يا بني إنهم يعيِّرونك بالنطاقين وإنما كان لي نطاق واحد شققته نصفين فجعلت في سفرة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحدهما وأوكيت قربته بالآخر لما خرج هو وأبو بكر يريدان الهجرة إلى المدينة. فكان ابن الزبير بعد ذلك إذا عيَّروه بالنطاقين يقول: إنها واللَّه تلك شكاة ظاهر عنك عارها، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
وممن قتل مع ابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين بمكة من الأعيان:
عبد اللَّه بن صفوان
(2)
بن أمية بن خلف الجمحي أبو صفوان المكي، وكان أكبر ولد أبيه، أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن عمر وجماعة من الصحابة، وحدَّث عنه خلق من التابعين، وكان سيدًا شريفًا مطاعًا
(1)
رواه أحمد في المسند (1/ 6) والحاكم (3/ 553) من حديث أبي بكر، وله شاهد من حديث عائشة رواه الحاكم (2/ 308)، والمرفوع منه حسن بطرقه وشواهده.
(2)
ترجمة - عبد اللَّه بن صفوان - في طبقات ابن سعد (7/ 212) وتاريخ خليفة (286) وتاريخ البخاري (5/ 118) =
حليمًا كريمًا [يحتمل الأذى، لو سبَّه عبد أسود ما استنكف عنه، ولم يقصده أحد في شيء فرده خائبًا، ولا سمع بمفازة إلا حفر بها جبًا أو عمل فيها بركة، ولا عقبة إلا سهَّلها.
وقيل: إن المهلَّب بن أبي صفرة قدم على ابن الزبير من العراق فأطال الخلوة معه، فجاء ابن صفوان فقال: من هذا الذي شغلك منذ اليوم؟ قال: هذا سيد العرب من أهل العراق، فقال: ينبغي أن يكون المهلّب. فقال المهلّب لابن الزبير: ومن هذا الذي يسأل عني يا أمير المؤمنين؟ قال هذا سَيِّدُ قريش بمكة، فقال: ينبغي أن يكون عبد اللَّه بن صفوان، وكان ابن صفوان كريمًا جدًا]
(1)
.
وقال الزبير بن بكار بسنده: إن معاوية قدم مكة حاجًا فتلفاه الناس فكان ابن صفوان في جملة من تلقاه، فجعل يساير معاوية، وجعل أهل الشام يقولون: من هذا الذي يساير أمير المؤمنين؟ فلما انتهى إلى مكة، إذا الجبل أبيض من الغنم، فقال: يا أمير المؤمنين هذه غنم أجزرتكها
(2)
، تقسمها بين الجند، فإذا هي ألفا شاة، فقال أهل الشام: ما رأينا أكرم من ابن عم أمير المؤمنين
(3)
.
كان ابن صفوان من جملة من صبر مع ابن الزبير حين حصره الحجاج، فقال له ابن الزبير: إني قد أقلتك بيعتي فاذهب حيث شئتَ، فقال: إني إنما قاتلت عن ديني.
ثم صبَّر نفسه حتى قتل وهو متعلق بأستار الكعبة في هذه السنة. رحمه الله وأكرم مثوأه.
عبد اللَّه بن مطيع
(4)
بن الأسود بن حارثة القرشي العدوي [المدني]، ولد في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وحنَّكه ودعا له بالبركة.
وروى عن أبيه، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا يقتل قرشي بعد اليوم صبرًا إلى يوم القيامة"
(5)
.
وعنه ابناه إبراهيم ومحمد، والشَّعبي، وعيسى بن طلحة بن عبيد اللَّه، ومحمد بن أبي موسى.
قال الزبير بن بكار: كان [ابن مطيع من كبار]
(6)
رجال قريش جلدًا وشجاعة، وأخبرني
= والاستيعاب (2/ 333) وتاريخ دمشق (29/ 202 - 215) وأسد الغابة (3/ 279 - 280) وتهذيب الكمال (15/ 125 - 127) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 450) والإصابة (3/ 60) وشذرات الذهب (1/ 308).
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 452).
(2)
في ط: أجزتكها.
(3)
الخبر في تاريخ دمشق (29/ 209) وتاريخ الإسلام (61 - 80/ ص 451).
(4)
ترجمة - عبد اللَّه بن مطيع - في طبقات ابن سعد (5/ 144) وتاريخ خليفة (237) والاستيعاب (2/ 327) وأسد الغابة (3/ 262) وتهذيب الكمال (16/ 152) وتاريخ الإسلام (سنة 61 - 80/ ص 469) والإصابة (2/ 371) وشذرات الذهب (1/ 308).
(5)
الحديث أخرجه أحمد في مسنده (3/ 412) ومسلم رقم (1782) من حديث مطيع بن الأسود.
(6)
مكانها في أ: من.
عمي مصعب أنه كان على قريش [أميرًا] يوم الحرة ثمَّ قُتل مع ابن الزبير بمكة وهو الذي يقول:
أنا الذي فررت يوم الحرَّهْ
…
والشيخ لا يفرُّ إلَّا مرَّهْ
ولا جبرت فرَّة بكرَّهْ
(1)
رحمه الله.
عوف بن مالك رضي الله عنه
(2)
هو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطنكاني صحابي جليل.
شهد مؤتة مع خالد بن الوليد والأمراء قبله، وشهد الفتح وكانت معه راية قومه يومئذ، وشهد فتح الشام.
وروى عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحاديث، وروى عنه جماعة من التابعين وأبو هريرة، وقد مات قبله، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وأبو عبيد وغير واحد
(3)
: توفي سنة ثلاث وسبعين بالشام.
أسماء بنت أبي بكر الصديق
(4)
والدة عبد اللَّه بن الزبير، يقال لها ذات النطاقين، وإنما سميت بذلك عام الهجرة حين شقت نطاقها فربطت به سفرة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حين خرجا إلى غار ثور للهجرة
(5)
وأمها قيلة وقيل قبيلة
(6)
بنت عبد العزى من بني عامر بن لؤي.
أسلمت أسماء قديمًا وهم بمكة في أول الإسلام، وهاجرت هي وزوجها الزبير وهي حامل متمّ بولدها عبد اللَّه فوضعته بقباء أول مقدمهم المدينة، ثم ولدت للزبير بعد ذلك عروة والمنذر.
[وهي آخر المهاجرين والمهاجرات موتًا
(7)
، وكانت هي وأختها عائشة وأبوها أبو بكر الصديق وجدها أبو عتيق وابنها عبد اللَّه وزوجها الزبير صحابيين رضي الله عنهم.
وقد شهدت اليرموك مع ابنها وزوجها، وهي أكبر من أختها عائشة بعشر سنين.
(1)
في ب، وابن الأثير (4/ 455): ولأجزين كرّة بفرّة.
(2)
ترجمة - عوف بن مالك - في طبقات ابن سعد (4/ 280) وتاريخ خليفة (269) والاستيعاب (3/ 131) وأسد الغابة (4/ 312) وتهذيب الكمال (22/ 443) وتاريخ الإسلام (سنة 61 - 80/ ص 501) وسير أعلام النبلاء (2/ 487) والإصابة (3/ 43) وشذرات الذهب (1/ 306).
(3)
تهذيب الكمال (22/ 444) وتاريخ الإسلام (سنة 61 - 80/ ص 504).
(4)
ترجمة - أسماء بنت أبي بكر الصدّيق - في طبقات ابن سعد (8/ 249) وتاريخ خليفة (269) والاستيعاب (4/ 232) وأنساب الأشراف (3/ 4) وحلية الأولياء (2/ 55 - 57) وتاريخ دمشق (تراجم النساء 69/ 5 - 30) وأسد الغابة (5/ 292) وتهذيب الكمال (35/ 123 - 125) وتاريخ الإسلام (سنة 61 - 80/ 353) والإصابة (4/ 229). وشذرات الذهب (1/ 308).
(5)
في ط: عامدين إلى المدينة.
(6)
في أسد الغابة وتاريخ الإسلام والإصابة: قتيلة.
(7)
تاريخ الإسلام للذهبي (سنة 61 - 80/ ص 353).
وقيل: إن الحجاج دخل عليها بعد أن قتل ابنها فقال: يا أماه إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأمّ، إنما أنا أم المصلوب على الثنية، وما لي من حاجة، ولكن أحدثك أني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"يخرج من ثقيف كذاب ومبير"
(1)
فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا أراك إلا إياه. فقال: أنا مبير المنافقين.
وقيل: إن ابن عمر دخل معه عليها وابنها مصلوب فقال لها: إن هذا الجسد ليس بشيء وإنما الأرواح عند اللَّه فاتقي اللَّه واصبري، فقالت: وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.
وقيل: إنها غسلته وحنطته وكفنته وطيبته وصلَّت عليه ثم دفنته، ثم ماتت بعده بأيام في آخر جمادى الآخرة]
(2)
.
ثم إن الزبير لما كبرت طلَّقها، وقيل بل قال له عبد اللَّه ابنه: إن مثلي لا توطأ أمه، فطلقها الزبير، وقيل: بل اختصمت هي والزبير، فجاء عبد اللَّه ليصلح بينهما، فقال الزبير: إن دخلتَ فهي طالق، فدخل
(3)
فبانت، فاللَّه أعلم.
وقد عمرت أسماء دهرًا صالحًا وأضرت في آخر عمرها، [وقيل بل كانت صحيحة البصر لم يسقط لها سن]
(4)
. وأدركت قتل ولدها في هذه السنة كما ذكرنا، ثم ماتت بعده بخمسة أيام، وقيل بعشرة، وقيل بعشرين، وقيل بضع وعشرين يومًا، وقيل عاشت بعده مائة يوم وهو الأشهر، وبلغت من العمر مئة سنة ولم يسقط لها سن [ولم ينكر لها عقل رحمها اللَّه. وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث طيبة مباركة رضي الله عنها ورحمها].
قال ابن جرير
(5)
: وفي هذه السنة -يعني سنة ثلاث وسبعين- عزل عبد الملك خالد بن عبد اللَّه عن البصرة وأضافها إلى أخيه بشر بن مروان مع الكوفة، فارتحل إليها بشر واستخلف على الكوفة عمرو بن حُرَيث.
وفيها غزا محمد بن مروان الصائفة فهزم الروم.
وقيل إنه كان في هذه السنة وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية، وهو في أربعة آلاف، والروم في ستين ألفًا فهزمهم وأكثر القتل فيهم، وأقام للناس الحج في هذه السنة الحجاج بن يوسف
(1)
تقدم تخريج الحديث أكثر من مرة.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهو موافق لمصادر الترجمة.
(3)
عبارة أ: إن حبلت فهي طالق، فإذا هي قد حبلت فبانت. وما أثبت موافق لخبر تاريخ دمشق وتاريخ الإسلام.
(4)
ما بين معكوفين زيادة من ط، ولم أجد ما يوافقها في مصادر الترجمة.
(5)
تاريخ الطبري (6/ 194).
الثقفي وهو على مكة واليمن واليمامة، وعلى الكوفة والبصرة بشر بن مروان، في قول الواقدي، وفي قول غيره: على الكوفة بشر وعلى البصرة خالد بن عبد اللَّه
(1)
، وعلى قضاء الكوفة شُريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بنُ هُبيرة. وعلى إمرة خراسان بُكير بن وشاح، يعني الذي كان نائبًا لعبد اللَّه بن خازم، واللَّه أعلم.
[وممن توفي فيها من الأعيان غير من تقدم ذكره مع ابن الزبير
عبد الله بن سعد بن جُثَم الأنصاري
(2)
، له صحبة وشهد اليرموك، وكان كثير العبادة والغزو
عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلمي
(3)
، أبو محمد له صحبة ورواية توفي بالمدينة.
مالك بن مِسْمَع بن غسان البصري
(4)
، كان شديد الاجتهاد في العبادة والزهادة.
ثابت بن الضحاك الأنصاري
(5)
، له صحبة ورواية، توفي بالمدينة.
يقال له أبو زيد الأشمالي
(6)
، وهو من أهل البيعة تحت الشجرة.
قال يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو قلابة أن ثابت بن الضحاك أخبره أنه بايع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله"
(7)
.
زينب بنت أبي سَلَمَة المخزومي
(8)
، ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولدتها أمها بالحبشة، ولها رواية وصحبة.
(1)
من قوله: في قول الواقدي. . . إلى هنا ساقط من ط، وهو موافق لرواية الطبري.
(2)
ترجمة - عبد اللَّه بن سعد - في طبقات ابن سعد (7/ 51) وتاريخ خليفة (83) والاستيعاب (2/ 374) وأسد الغابة (3/ 154) وتهذيب الكمال (15/ 21 - 22) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 448) والوافي بالوفيات (17/ 194) والإصابة (2/ 316).
(3)
ترجمة - عبد اللَّه بن أبي حدرد - في طبقات ابن سعد (4/ 309) وتاريخ خليفة (85) والاستيعاب (2/ 288) وأسد الغابة (3/ 109) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 432) والإصابة (2/ 298) وفيها: مات سنة إحدى وسبعين، وله إحدى وثمانون سنة.
(4)
ترجمة - مالك بن مسمع - في تاريخ خليفة (258) والإصابة (3/ 485) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 521 - 522).
(5)
ترجمة - ثابت بن الضحاك - في الاستيعاب (1/ 197) وأسد الغابة (1/ 225) وتهذيب الكمال (4/ 361). وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 375).
(6)
في تاريخ الإسلام: الأشهلي، وهو الصواب.
(7)
الحديث رواه البخاري فيِ صحيحه رقم (6047) من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه.
(8)
ترجمة - زينت بنت أبي سَلَمة - في طبقات ابن سعد (8/ 461) والاستيعاب (4/ 319) وأسد الغابة (5/ 468) وتهذيب الكمال (35/ 185) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 405 - 406) وسير أعلام النبلاء (3/ 200 - 201) والوافي بالوفيات (15/ 61) وتهذيب التهذيب (12/ 421) والإصابة (4/ 317).
توبة بن الصمّة
(1)
، وهو الذي يقال له مجنون ليلى، كان توبة يشن الغارات على بني الحارث بن كعب، فرأى ليلى
(2)
فهواها وتهتك بها وهام بها محبة وعشقًا، وقال فيها الأشعار الكثيرة القوية الرائقة، التي لم يسبق إليها ولم يلحق فيها لكثرة ما فيها من المعاني والحكم، وقد قيل له مرة: هل كان بينك وبين ليلى ريبة قط؟ فقال: برئت من شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن كنت قط حللت سراويلي على محرم. وقد دخلت ليلى على عبد الملك بن مروان تشكو ظلامة فقال لها: ماذا رأى منك توبة حتى عشقك هذا العشق كله؟ فقالت: واللَّه يا أمير المؤمنين لم يكن بيني وبينه قط ريبة ولا خنا، وإنما العرب تعشق وتعف وتقول الأشعار فيمن تهوى وتحب مع العفة والصيانة لأنفسها من الدناءات. فأزال ظلامتها وأجازها. توفي توبة في هذه السنة وقيل إن ليلى جاءت إلى قبره فبكت حتى ماتت، واللَّه أعلم]
(3)
.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين
فيها عزل عبد الملك طارق بن عمرو عن إمارة المدينة وأضافها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، فقدمها فأقام بها شهرًا
(4)
ثم خرج معتمرًا ثم [عاد إلى المدينة] في صفر فأقام بها ثلاثة أشهر
(5)
، وبنى في بني سلمة مسجدًا، وهو الذي ينسب إليه اليوم، ويقال إن الحجاج في هذه السنة وهذه المدة شتم جابرًا وسهل بن سعد وقرَّعهما لم لا نصرا عثمان بن عفان، وخاطبهما خطابًا غليظًا، قبحه اللَّه وأخزاه
(6)
.
واستقضى أبا إدريس الخولاني أظنه على اليمن، واللَّه أعلم
(7)
.
(1)
ترجمة - توبة بن الصمة - في معجم الشعراء للمرزباني (343) والشعر والشعراء (306) والأغاني (11/ 204) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 373) وفيه: اسمه توبة بن الحُمَيَّر، والوافي بالوفيات (10/ 436).
(2)
وهي ليلى بنت عبد اللَّه بن الرحال بن شداد بن كعب بن معاوية، وهو الأخيل بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ريعة بن عامر بن صعصعة، كان توبة يهواها ويتعشق بها فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها وزوجها في بني الأدلع. وترجمتها في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 517 - 519) وثمة مصادر ترجمتها وأخبارها.
(3)
سائر التراجم ساقطة من أ، ب.
(4)
في ط: أشهرًا، وما هنا عن أ، ب والطبري.
(5)
في أ: ثمانية أشهر، وما هنا عن ط، ب والطبري.
(6)
روى الطبراني (6/ 195) أن الحجاج ختم في أعناقهم، وكذلك فعل بأنس بن مالك صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
(7)
انفردت أ بزيادة هنا تذكر خطبة الحجاج في المدينة نقلًا عن الواقدي، وفيها أن الحجاج أطلق كلامًا فاحشًا لا يليق بالمدينة وساكنها وأهلها وناداهم بـ يا أهل خبيثة. . ولمّا لم أجد لهذه الخطبة أو نحوها أثرًا في المصادر لم أثبتها؛ ثم في هامش أ: لعن الحجاج لأنه أطلق هذا الكلام، وانتقاد للمؤلف لأنه نقل هذا الكلام -وغالب ظني أنه من زيادات النساخ- وفي آخر الهامش: حرره غيرة على الدين المبين وإرغامًا لأعداء سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. العبد الفقير إلى رب العالمين السيد حسين حسيني عامله ربه بالفضل.
قال ابن جرير
(1)
: وفيها نقض الحجاج بنيان الكعبة الذي كان ابن الزبير بناه وأعادها على بنيانها الأول، قلت: الحجاج لم ينقض بنيان الكعبة جميعه، بل إنما هدم الحائط الشامي حتى أخرج الحِجْر من البيت ثم سده وأدخل في جوف الكعبة ما فضل من الأحجار، وبقيت الحيطان الثلاثة بحالها، ولهذا بقي البابان
(2)
الشرقي والغربي وهما ملصقان بالأرض كما هو المشاهد إلى يومنا هذا، ولكن سد الغربي بالكلية وردم أسفل الشرقي حتى جعله مرتفعًا كما كان في الجاهلية:
ولم يبلغ الحجاجَ وعبدَ الملك ما كان بلغ ابن الزبير من العلم النبوي الذي كانت أخبرته به خالته عائشة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر -وفي رواية- بجاهلية لنقضت الكعبة وأدخلت فيها الحجر، وجعلت لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، ولألصقتهما بالأرض، فإن قومك قصرت بهم النفقة فلم يدخلوا فيها الحجر ولم يتمموها على قواعد إبراهيم ورفعوا بابها ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا في شاؤوا"
(3)
. فلما تمكن ابن الزبير بناها كذلك، ولما بلغ عبد الملك هذا الحديث بعد ذلك قال: وددنا لو تركناه وما تولاه من ذلك.
وفي هذه السنة وُلِّي المهلبُ بن أبي صفرة حرب الأزارقة عن أمر عبد الملك لأخيه بشر بن مروان أن يجهز المهلب إلى الخوارج في جيوش من البصرة والكوفة، ووجد بشر على المهلب في نفسه حيث عيَّنه عبد الملك في كتابه. فلم يجد بدًا من طاعته في تأميره على الناس في هذه الغزوة، وما كان له من الأمر شيء، غير أنه أوصى أمير الكوفيين عبد الرحمن
(4)
بن مخنف أن يستبد بالأمر دونه، وأن لا يمبل له رأيًا ولا مشورة، فسار المهلب بأهل البصرة وأمراء الأرباع معه على منازلهم حتى نزل برامهرمز، فلم يلبث
(5)
عليها إلا عشرًا حتى جاء نعي بشر بن مروان، وأنه مات بالبصرة واستخلف عليها خالد بن عبد اللَّه، فارفضَّ بعض الجيش ورجعوا إلى البصرة فبعثوا في آثارهم من يردهم، وكتب خالد بن عبد اللَّه إلى الفارِّين يتوعدهم إن لم يرجعوا إلى أميرهم، ويتوعدهم بسطوة عبد الملك، فعدلوا يستأذنون عمرو بن حريث في المصير إلى الكوفة فكتب إليهم: إنكم تركتم أميركم وأقبلتم عاصين مخالفين، وليس لكم إذن ولا إمام ولا أمان، فلما جاءهم ذلك أقبلوا إلى رحالهم [فركبوها ثم ساروا إلى بعض البلاد] فلم يزالوا مختفين بها حتى قدم الحجاج [واليًا] على العراق مكان بشر بن مروان كما سيأتي بيانه قريبًا.
= ولم أثبت هذه التعليقة أيضًا عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن بطعان ولا لعان".
ولم يدرج المؤلف رحمه الله على لعن أحد، وكذلك أخلاق العلماء الفضلاء.
(1)
تاريخ الطبري (6/ 195).
(2)
في ط: البنيان؛ تحريف.
(3)
انظر البخاري رقم (1584 - 1586) ومسلم رقم (1333) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)
في ط: "عبد اللَّه بن مخنف"، وما أثبتناه من م والطبري (6/ 196)، وابن الأثير (4/ 366).
(5)
في ط: يقم.
وفي هذه السنة عزل عبد الملك بُكير بن وشاح التميمي عن إمرة خراسان وولاها أمية بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد القرشي ليجتمع عليه الناس فإنه قد كادت الفتنة تتفاقم بخراسان بعد عبد اللَّه بن خازم، فلما قدم أمية بن عبد اللَّه خراسان عرض على بُكير بن وشاح أن يكون على شرطته فأبى وطلب منه أن يوليه طخارستان فخوفوه منه أن يخلعه هنالك فتركه مقيمًا عنده. قال ابن جرير: وحج بالناس فيها الحجاج بن يوسف وهو على إمرة المدينة ومكة واليمن واليمامة. قال ابن جرير
(1)
: وقد قيل إن عبد الملك اعتمر في هذه السنة ولا نعلم صحة ذلك.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
رافع بن خديج بن رافع الأنصاري
(2)
، صحابي جليل شهد أحدًا وما بعدها، [وصفين مع علي وكان يتعانا المزارع والفلاحة
(3)
، توفي وهو ابن ستٍّ وثمانين سنة، وأسند ثمانية وسبعين حديثًا]
(4)
وأحاديثه جيدة. وقد أصابه يوم أُحُد سهم في ترقَوته فخيّره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أن ينزعه منه وبين أن يترك فيه القطبة
(5)
ويشهد له يوم القيامة (5)، فاختار هذه، وانتقض عليه في هذه السنة فمات منه رضي الله عنه.
أبو سعيد الخدري
(6)
، هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل من فقهاء الصحابة استُصغر يوم أُحُد، ثم كان أول مشاهده الخندق، وشهد مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة غزوة، وروى عنه أحاديث كثيرة، وعن جماعة من الصحابة، وحدَّث عنه خلق من التابعين وجماعة من الصحابة، كان من نجباء الصحابة وفضلائهم وعلمائهم.
قال الواقدي وغيره: مات سنة أربع وسبعين وقيل قبلها بعشر سنين، فاللَّه أعلم.
(1)
تاريخ الطبري (6/ 201).
(2)
ترجمة - رافع بن خديج - في تاريخ خليفة (271) والاستيعاب (1/ 495). وأسد الغابة (2/ 151) وتهذيب الكمال (9/ 22 - 24) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 400) وسير أعلام النبلاء (3/ 181) والإصابة (1/ 495) وشذرات الذهب (1/ 312).
(3)
في سير أعلام النبلاء (3/ 182): وكان صحراويًا، عالمًا بالمزارعة والمساقاة، وفي تاريخ الإسلام (ص 400): وكان يتعانى المزارع ويفلحها.
(4)
ما بين معكوفين ساقط من أ.
(5)
في ب: القطنة. والتصحيح من مسند أحمد، والقطبة: نصل السهم. والحديث في مسند الإمام أحمد (6/ 378) والمعجم الكبير للطبراني (4/ 282) رقم (4242) وهو حديث حسن.
(6)
ترجمة - أبي سعيد الخدري - في تاريخ خليفة (71) والاستيعاب (2/ 602) وتاريخ دمشق (20/ 373 - 399) وأسد الغابة (2/ 289) وتهذيب الكمال (10/ 294 - 300) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ 551 - 554) وسير أعلام النبلاء (3/ 168) والإصابة (2/ 35) وتهذيب التهذيب (3/ 479 - 481) والنجوم الزاهرة (1/ 192). وشذرات الذهب (1/ 311) وتهذيب ابن عساكر (6/ 110).
[قال الطبرانى
(1)
: حدَّثنا المقدام بن داود، ثنا خالد بن نزار، ثنا هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. قال: قلت يا رسول اللَّه أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: "النبيون" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا السترة -وفي رواية- إلا العباءة أو نحوها، وإن أحدهم ليبتلى بالقمل حتى ينبذ القمل، وكان أحدهم بالبلاء أشد فرحًا منه بالرخاء".
وقال قتيبة بن سعيد: ثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي سعيد الخدري: أن أهله شكوا إليه الحاجة فخرج إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسأل لهم شيئًا، فوافقه على المنبر وهو يقول:"أيها الناس قد آن لكم أن تستغنوا عن المسألة فإنه من يستعف يعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه، والذي نفس محمد بيده ما رزق اللَّه عبدًا من رزق أوسع له من الصبر، ولئن أبيتم إلا أن تسألوني لأعطينكم ما وجدت"
(2)
. وقد رواه الطبراني عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد نحوه]
(3)
.
عبد اللَّه بن عمر
(4)
بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المكي، ثم المدني.
أسلم قديمًا مع أبيه ولم يبلغ الحلُم وهاجر عبد اللَّه وعمره عشر سنين.
وقد استُصغر يوم أُحُد
(5)
، فلما كان يوم الخندق أجازه وهو ابن خمس عشرة سنة فشهدها وما بعدها، وهو شقيق حفصة [بنت عمر] أم المؤمنين، أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون.
وكان [عبد اللَّه بن عمر] ربعة من الرجال آدم له جمة تضرب إلى منكبيه جسيمًا يخضب بالصفرة ويحفي شاربه.
وكان يتوضأ لكل صلاة ويُدخل الماء في أصول عينيه، وقد أراده عثمان على القضاء فأبى ذلك، وكذلك أبوه، وشهد اليرموك والقادسية وجلولاء وما بينهما من وقائع الفرسبى، وشهد فتح مصر، واختط بها دارًا.
(1)
المعجم الأوسط (10/ 20) رقم (9043) ورواه ابن ماجه رقم (4024) وهو حديث صحيح.
(2)
رواه ابن حبان (3399)، وأبو نعيم في الحلية (1/ 370) من طريق سعيد المقبري عن أبي سعيد الخدري. ورواه أحمد (3/ 12 و 47) من طريق عطاء بن يسار عن أبي سعيد. ورواه الطيالسي (2161)، وأحمد (3/ 3) من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد. وهو حديث صحيح.
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(4)
ترجمة - عبد اللَّه بن عمر - في طبقات ابن سعد (2/ 373) وطبقات خليفة (22 و 99) وتاريخ البخاري (5/ 2، 3) والمعرفة والتاريخ (1/ 249) وحلية الأولياء (1/ 292) والاستيعاب (2/ 341) وتاريخ بغداد (1/ 171) وتاريخ دمشق (31/ 79 - 204) وأسد الغابة (3/ 227) ووفيات الأعيان (3/ 28 - 31) وتهذيب الكمال (15/ 332 - 341) وتاريخ الإسلام (وفيات سنة 61 - 80/ ص 453 - 467) وسير أعلام النبلاء (3/ 203 - 239) والوافي بالوفيات (17/ 362 - 364) ونكت الهميان (183 - 184) وجامع الأصول (9/ 64) والإصابة (2/ 347 - 350) وتهذيب التهذيب (5/ 328 - 330) والنجوم الزاهرة (1/ 192) وشذرات الذهب (1/ 310).
(5)
صحيح البخاري (3955) في المغازي.
وقدم البصرة وشهد غزو فارس، وورد المدائن مرارًا وكان عمره يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم ثنتين وعشرين سنة، وكان إذا أعجبه شيء من ماله تقرب به إلى اللَّه عز وجل، وكأن عبيده قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال أعتقه، فيقال له: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا للَّه انخدعنا له
(1)
.
وكان له جارية يحبها كثيرًا فأعتقها وزوجها لمولاه نافع، وقال: إن اللَّه تعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]
(2)
.
وكان له نجيب اشتراه بمال فأعجبه لما ركبه فقال: يا نافع أدخله في إبل الصدقة
(3)
.
وأعطاه ابن جعفر في نافع عشرة آلاف دينار، فقيل له: ما تنتظر ببيعه؟ فقال: ما هو خير من ذلك؟ هو حر لوجه اللَّه.
واشترى مرة غلامًا بأربعين ألفًا وأعتقه فقال الغلام: [يا مولاي قد أعتقتني، فهبْ لي شيئًا أعيش به. فأعطاه أربعين ألفًا.
واشترى مرة خمسة عبيد فقام يصلّي، فقاموا خلفه يصلّون فقال: لمن صليتم هذه الصلاة؟ فقالوا: للَّه! فقال: أنتم أحرار لمن صليتم له، فأعتقهم.
والمقصود أنه]
(4)
ما مات حتى أعتق ألف رقبة، وربما تصدق فى المجلس الواحد بثلاثين ألفًا، وكانت تمضي عليه الأيام الكثيرة والشهر لا يذوق فيه لحمًا إلا وعلى يديه يتيم.
وبعث إليه معاوية بمئة ألف لما أراد أن يبايع ليزيد، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء.
وكان يقول: إني لا أسأل أحدًا شيئًا، وما رزقني اللَّه فلا أرده.
وكان في مدة الفتنة لا يأتي أمير إلا صلّى خلفه، وأدّى إليه زكاة ماله، وكان أعلم الناس بمناسك الحج، كان يتتبع آثار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ويصلّي فيها، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة وكان ابن عمر يتعاهدها ويصب في أصلها الماء
(5)
.
وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا تلك اللّيلة، وكان يقوم أكثر اللّيل، وقيل إنه مات وهو في الفضل مثل أبيه، وكان يوم مات خيرَ مَنْ بقي، ومكث ستين سنة يفتي الناس من سائر البلاد.
(1)
تاريخ دمشق (31/ 132 - 133).
(2)
تاريخ دمشق (31/ 137) وحلية الأولياء (1/ 295) وسير أعلام النبلاء (3/ 217).
(3)
تاريخ دمشق (31/ 133).
(4)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ دمشق (31/ 125).
(5)
تاريخ دمشق (31/ 121).
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، وروى عن الصدِّيق، وعن عمر، وعثمان، وسعد، وابن مسعود، وحفصة، وعائشة وغيرهم.
وعنه: خلق منهم بنوه حمزة، وبلال، وزيد، وسالم، وعبد اللَّه، وعبيد اللَّه، وعمر إن كان محفوظًا
(1)
، وأسلم مولى أبيه، وأنس بن سيرين والحسن وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وطاوس وعروة وعطاء وعكرمة ومجاهد وابن سيرين والزهري ومولاه نافع.
ثبت في الصحيح
(2)
عن حفصة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن عبد اللَّه رجل صالح لو كان يقوم اللّيل". فكان بعد يقوم الليل.
وقال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا ابن عمر.
وقال جابر: ما منا أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها، إلا ابن عمر، وما أصاب أحد من الدنيا شيئًا إلا انتقص منه من درجاته عند اللَّه وإن كان عليه كريمًا.
وقال سعيد بن المسيب: مات ابن عمر يوم مات وما من الدنيا أحد أحب أن ألقى اللَّه بمثل عمله منه.
وقال الزهري: لا يعدل برأيه فإنه أقام بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ستين سنة، فلم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر أصحابه رضي الله عنهم
(3)
.
وقال مالك: بلغ ابن عمر ستًا وثمانين سنة وأفتى في الإسلام ستين سنة، تقدم عليه وفود الناس من أقطار الأرض، قال الواقدي وجماعة: توفي ابن عمر سنة أربع وسبعين، وقال الزبير بن بكار وآخرون: توفي سنة ثلاث وسبعين. قال الزبير: والأول أثبت، واللَّه أعلم.
وقال ابن سعد
(4)
: لما قتل عثمان واستخلف علي أتاه ابن عمر فقال له علي: إنك محبوب إلى الناس فسر إلى الشام فقد وليتكها، فقال: أذكِّرك اللَّه وقرابتي وصحبتي لرسول اللَّه والرحم إلا ما وليت غيري وأعفيتني فأبى عليه، فاستعان بحفصة أخته فكلمته ثم سار من ليلته إلى مكة هاربًا منه.
وقيل: إن مروان قال لابن عمر ألا تخرج إلى الشام فيبايعوك، قال فكيف أصنع بأهل العراق قال: تقاتلهم بأهل الشام، فقال واللَّه ما يسرني أن لي ملك الأرض وأن الناس كلهم بايعوني، وقد قتل منهم رجل واحد، وما أحب أنها أتتني ورجل يقول لا وآخر نعم، وقيل: إنه دخل عليه الحجاج وهو مريض فغمض عينيه فكلَّمه فلم يجبه. توفي بمكة بعد منصرف الناس من الحج في آخر السنة وعمره أربع وثمانون
(1)
تهذيب الكمال (15/ 334).
(2)
صحيح البخاري رقم (3740) في الفضائل، وصحيح مسلم رقم (2478) في فضائل الصحابة.
(3)
تاريخ دمشق (31/ 201).
(4)
الطبقات الكبرى (4/ 169). والخبر أيضًا في سير أعلام النبلاء (3/ 205).
سنة، ودفن بالمحصب، وهو آخر من مات من الصحابة بمكة، وكان له من الولد أبو بكر وأبو عبيدة وواقد وعبد اللَّه وعمرو وحفصة وسودة. أمهم صفية بنت أبي عبيد أخت المختار، وعبد الرحمن وسالم وعبيد اللَّه وحمزة وأمهم أم ولد، وزيد وعائشة لأم ولد، وأسند ألفين وستمئة وثلاثين حديثًا
(1)
.
عبيد بن عمير
(2)
بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث، اللّيثي ثم الجندعي، أبو عاصم المكي قاص
(3)
أهلها.
قال مسلم بن الحَجّاج
(4)
: ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال غيره: ورآه أيضًا.
وروى عن أبيه، وله صحبة، وعن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وعبد اللَّه بن عمر [و] وأم سلمة وغيرهم، وعنه جماعة من التابعين وغيرهم، ووثقه ابن معين وأبو زرعة وغير واحد.
وكان ابن عمر يجلس في حلقته ويبكي وكان يعجبه تذكيره، وكان بليغًا، وكان يبكي حتى يبل الحصى بدموعه.
قال مهدي بن ميمون، عن غيلان بن جرير قال: كان عبيد بن عمير إذا آخى أحدًا في اللَّه استقبل به القبلة. فقال: اللهم اجعلنا سعداء بما جاء به نبيك، واجعل محمدًا شهيدًا علينا بالإيمان، وقد سبقت لنا منك الحسنى غير متطاول علينا الأمد، ولا قاسية قلوبنا، ولا قائلين ما ليس لنا بحق، ولا سائلين ما ليس لنا به علم.
وحكى البخاري
(5)
، عن ابن جريج: أن عبيد بن عمير مات قبل ابن عمر رضي الله عنه.
أبو جحيفة
(6)
، وهب بن عبد اللَّه السُّوائي، صحابي رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان دون البلوغ عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن روى عنه عدة أحاديث، وعن علي والبراء بن عازب، وعنه جماعة من التابعين، منهم
(1)
من قوله: وقال ابن سعد. . . إلى هنا ساقط من ط.
(2)
ترجمة - عبيد بن عمير - في طبقات ابن سعد (5/ 463) وتاريخ البخاري (5/ 455) والمعرفة والتاريخ (2/ 23) وحلية الأولياء (3/ 266) والاستيعاب (2/ 441) وأسد الغابة (3/ 353) وتهذيب الكمال (19/ 225 - 227) وتاريخ الإسلام (وفيات سنة 61 - 80/ ص 480) وسير أعلام النبلاء (4/ 156) والإصابة (3/ 78).
(3)
في ط: قاضي أهلها؛ تحريف، وما أثبت عن م وأسد الغابة وتاريخ الإسلام.
(4)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 481).
(5)
تاريخه الكبير (5/ الترجمة 1479).
(6)
ترجمة - أبي جحيفة - في طبقات ابن سعد (6/ 63) وتاريخ خليفة (273) وتاريخ البخاري (8/ 162) والمعرفة والتاريخ (1/ 219) والاستيعاب (4/ 36) وأسد الغابة (5/ 157) وتاريخ بغداد (1/ 199) وتهذيب الكمال (33/ 184) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 549) وسير أعلام النبلاء (2/ 202) وتهذيب التهذيب (11/ 164) والإصابة (3/ 642) وشذرات الذهب (1/ 311).
والسُّوائي: بضم السين المهملة. تقريب التهذيب.
إسماعيل بن أبي خالد، والحكم، وسلمة بن كهيل والشعبي وأبو إسحاق السبيعي.
وكان قد نزل الكوفة وابتنى بها دارًا وتوفي في هذه السنة، وقيل في سنة أربع وتسعين، فاللَّه أعلم.
[وكان صاحب شرطة علي، وكان علي إذا خطب يقوم أبو جحيفة تحت منبره]
(1)
.
سلمة بن الأكوع
(2)
بن عمروو بن سنان الأنصاري، وهو أحد من بايع تحت الشجرة، وكان من فرسان الصحابة ومن علمائهم، كان يفتي بالمدينة، وله مشاهد معروفة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده.
توفي بالمدينة وقد جاوز السبعين سنة.
مالك بن أبي عامر
(3)
، الأصبحي، المدني، وهو جد الإمام مالك بن أنس.
روى عن جماعة من الصحابة وغيرهم وكان فاضلًا عالمًا.
توفي بالمدينة.
أبو عبد الرحمن السُّلَمي
(4)
، مقرئ أهل الكوفة بلا مدافعة، واسمه عبد اللَّه بن حبيب، قرأ القرآن على عثمان بن عفان وابن مسعود، وسمع من جماعة من الصحابة وغيرهم، وأقرأ الناس القرآن بالكوفة من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج، قرأ عليه عاصم بن أبي النجود وخلق غيره، توفي بالكوفة.
أبو معرض الأسدي
(5)
، اسمه معيرة بن عبد اللَّه الكوفي، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ووفد على عبد الملك بن مروان وامتدحه، وله شعر جيد، ويعرف بالأقطشي
(6)
، وكان أحمر الوجه كثير الشعر، توفي بالكوفة في هذه السنة، وقد قارب الثمانين سنة.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام.
(2)
ترجمة - سلمة بن الأكوع - في طبقات ابن سعد (4/ 305) وتاريخ خليفة (271) وتاريخ البخاري (4/ 69) والمعرفة والتاريخ (1/ 336) والاستيعاب (2/ 87) وأسد الغابة (2/ 333) وتهذيب الكمال (11/ 301) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 412) وسير أعلام النبلاء (3/ 326 - 331) وتهذيب التهذيب (4/ 150 - 152) والإصابة (2/ 66) والوافي بالوفيات (15/ 321) وشذرات الذهب (1/ 311).
(3)
ترجمة - مالك بن أبي عامر - في طبقات ابن سعد (5/ 63 - 64) وطبقات خليفة (254) وتاريخ البخاري (7/ 30) وتهذيب الكمال (18/ 36) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 521) وتهذيب التهذيب (10/ 19).
(4)
ترجمة - أبي عبد الرحمن السُّلمي - في طبقات ابن سعد (6/ 172) وتاريخ خليفة (273) وتاريخ البخاري (5/ 72) وتاريخ بغداد (9/ 430) والمعرفة والتاريخ (1/ 219) ومواضع أخرى، وتهذيب الكمال (14/ 408 - 410) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 556 - 558) وسير أعلام النبلاء (4/ 267) والوافي بالوفيات (16/ 121) ونكت الهميان (178). وتهذيب التهذيب (5/ 183 - 184).
(5)
ترجمة - أبي معرض الأسدي - في الشعر والشعراء (2/ 463) ومعجم الشعراء للمرزباني (396) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 560 - 561).
(6)
في تاريخ الإسلام: ويعرف بالأُقَيْشِر، وقيل له ذلك لأنه كان أحمر الوجه أقشر.
بشر بن مروان
(1)
، الأموي أخو عبد الملك بن مروان، ولي إمرة العراقين لأخيه عبد الملك، وله دار بدمشق عند عقبة الكتان
(2)
، وكان سمحًا جوادًا، وإليه ينسب دير مروان
(3)
عند حجيرا.
وهو الذي قتل خالد بن حصين الكلابي يوم مرج راهط، وكان لا يغلق دونه الأبواب ويقول: إنما يحتجب النساء، وكان طليق الوجه، وكان يجيز على الشعر بألوف، وقد امتدحه الفرزدق والأخطل، والجهمية تستدل على الاستواء على العرش بأنه الاستيلاء ببيت الأخطل:
قدِ استوى بشرٌ على العراقِ
…
من غير سيفٍ ودم مهراقِ
وليس فيه دليل، فإن هذا استدلال باطل من وجوه كثيرة، وقد كان الأخطل نصرانيًا، وكان سبب موت بشر أنه وقعت القرحة في يمينه
(4)
فقيل له يقطعها من المفصل فجزع، فما أحس حتى خالطت الكتف، ثم أصبح وقد خالطت الجوف ثم مات.
ولما احتضر جعل يبكي ويقول: واللَّه لوددت أني كنت عبدًا أرعى الغنم في البادية لبعض الأعراب ولم أل ما وليت، فذكر قوله لأبي حازم -أو لسعيد بن المسيب-، فقال: الحمد للَّه الذي جعلهم عند الموت يفرون إلينا ولم يجعلنا نفر إليهم، إنا لنرى فيهم عِبَرًا.
وقال الحسن: دخلت عليه فإذا هو يتململ على سريره ثم نزل عنه إلى صحن الدار، والأطباء حوله.
مات بالبصرة في هذه السنة وهو أول أمير مات بها، ولما بلغ عبد الملك موته حزن عليه وأمر الشعراء أن يرثوه، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم
(5)
.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين
(6)
وفي هذه السنة غزا محمد بن مروان -أخو عبد الملك بن مروان وهو والد مروان الحمار- صائفة الروم حين خرجوا من عند مرعش.
(1)
ترجمة - بشر بن مروان - في المعارف لابن قتيبة (354) والأخبار الطوال (310) وتاريخ خليفة (268) وتاريخ الطبري (5/ 539) وما بعدها وتاريخ دمشق لابن عساكر (10/ 253 - 266) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 370 - 372) وسير أعلام النبلاء (4/ 145) والوافي بالوفيات (10/ 152) والنجوم الزاهرة (1/ 191) وشذرات الذهب (1/ 83) وتهذيب تاريخ دمشق (3/ 251 - 256).
(2)
في ط: "عقبة اللباب"، وما هنا يعضده ما في تاريخ الإسلام لشيخه الذهبي، والسير، والوافي بالوفيات. وجاء في تاريخ دمشق:"عقبة الصوت" فاللَّه أعلم.
(3)
هكذا في النسخ، وفي تاريخ دمشق:"دير بشر" وهو الأصوب إن شاء اللَّه تعالى.
(4)
في ط: عينه، ما أثبت موافق لتاريخ الإسلام.
(5)
التراجم الخمس السابقة ساقطة من أ، ب.
(6)
في ب هذه الزيادة: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اللهم يسر وأعن.
[وفيها ولَّى عبد الملك نيابة المدينة ليحيى بن الحكم بن أبي العاص، وهو عمه، وعزل عنها الحجاج.
وفيها ولَّى عبد الملك الحجاج بن يوسف نيابة العراق والبصرة والكوفة وما يتبع ذلك من الأقاليم الكبار]
(1)
وذلك بعد موت أخيه بشر بن مروان، فرأى عبد الملك أنه لا يسد عنه أهل العراق غير الحجاج لسطوته [وقهره وقسوته] وشهامته، فكتب إليه وهو بالمدينة بولاية العراق، فسار من المدينة إلى العراق في اثني عشر راكبًا، فدخل الكوفة على حين غفلة من أهلها على النجائب، فنزل قريب الكوفة فاغتسل واختضب ولبس ثيابه وتقلد سيفه وألقى عذبة العمامة بين كتفيه، ثم سار فنزل دار الإمارة، وذلك يوم الجمعة وقد أذن المؤذن الأول لصلاة الجمعة، فخرج عليهم وهم لا يعلمون، فصعد المنبر وجلس عليه وسكت طويلًا، وقد شخصوا إليه بأبصارهم وجثوا على الركب وتناولوا الحصباء ليحذفوه بها، وقد كانوا حصبوا عاملًا قبله، فلما سكت أبهتهم وأحبوا أن يسمعوا كلامه، فكان أول ما تكلم به أن قال:
يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، واللَّه إن كان أمركم ليهمني قبل أن آتي إليكم، ولقد كنت أدعو اللَّه أن يبتليكم بي، ولقد سقط مني البارحة سوطي الذي أؤدِّبكم به، فاتخذت هذا مكانه -وأشار إلى سيفه-، ثم قال: واللَّه [لآخذن صغيركم بكبيركم، وحركم بعبدكم، ثم لأرصعنكم رصع الحدَّاد الحديدة، والخبَّاز العجينة]
(2)
.
فلما سمعوا كلامه جعل الحصى يتساقط من أيديهم.
وقيل: إنه دخل الكوفة على حين غفلة من أهلها وذلك في شهر رمضان من هذه السنة، فأتى المسجد وصعد المنبر وهو معتجر بعمامة حمراء متلثم بطرفها، ثم قال:
عليّ بالناس! فظنه الناس وأصحابه من الخوارج فهمُّوا به حتى إذا اجتمع الناس قام وكشف عن وجهه اللثام وقال:
أنا ابنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا
…
متى أَضَعِ العمامةَ تعرِفوني
(3)
ثم قال: أما واللَّه إني لأحمل الشيء
(4)
بحمله، وأحذوه بنعله، وأحزمه بفتله
(5)
، وإني لأرى
(1)
ما بينهما ساقط من ب، وجملة هذه الأخبار في تاريخ الطبري (6/ 202).
(2)
مكان العبارة في أ: واللَّه لأجرنه فيكم جر المرأة ذيلها، ولأفعلن بكم ولأصفن.
(3)
البيت لسحيم بن وثيل الرياحي. وقوله ابن جلا: هو الصبح لأنه يجلو الظلمة.
طلاع الثنايا: العارف بالأمور والشديد المجرب، والثنايا أيضًا: ما صغر من الجبال ونتأ. العقد الفريد لابن عبد ربه (4/ 180) وقد زاد أبياتًا أخرى.
(4)
في الطبري (6/ 203) وابن الأثير (4/ 375) الشر.
(5)
في الطبري وابن الأثير: وأجزيه بمثله.
رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها
(1)
، إني لأنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللِّحى.
قد شمَّرت عن ساقها فشمِّري
ثم أنشد
(2)
:
هذا أوانُ الشدِّ فاشتدي زيمْ
…
قدْ لفّها الليلُ بسوّاقٍ حُطَم
(3)
لست براعي إبل ولا غنَمْ
…
ولا بجزّارٍ على ظهرٍ وضَم
(4)
ثم قال:
قَدْ لفّها الليلُ بِعَصْلبيِّ
(5)
…
أروعَ خرّاجٍ من الدوِّيّ
مهاجرٍ ليس بأعرابيِّ
ثم قال: إني واللَّه يا أهل العراق ما أغمز بغماز
(6)
، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فُررْتُ عن ذكاء
(7)
وجريتُ
(8)
من الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نثر كنانته ثم عجم عيدانها عودًا عودًا، فوجدني أمرّها عودًا وأصلبها مغمزًا
(9)
فوجهني إليكم، فأنتم طالما أوضعتم
(10)
في أودية الفتن، وسننتم سنن
(11)
الغي، [واخترتم جدد الضلال]
(12)
. أما واللَّه لأجردنكم جرد لحاء
(13)
العود، ولأعصبنكم عصب السلِمة حتى تنقادوا، [ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل]، إني واللَّه لا أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت
(14)
، فإياي وهذه الجماعات وقيلا وقالا، واللَّه لتستقيمن على سبيل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلًا في جسده. ثم قال: من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب -يعني الذين
(1)
في ط: وآن اقتطافها، وما هنا كالمصادر.
(2)
الأبيات منسوبة لرويشد بن رُميص العنبري، وهي من الرجز.
(3)
قوله: فاشتدي زيم؛ هو اسم للحرب، والحطم: الذي يحطم كل ما مر به.
(4)
وضم: ما وقي به اللحم عن الأرض.
(5)
العصلبي: الشديد.
(6)
في الطبري (6/ 204): لا أغمز كتغماز التين.
(7)
فرَّ: كشف عن أسنانه ليعرف عمره. ذكاء: نهاية الشباب.
(8)
في الطبري وابن الأثير: وجريت إلى الغاية القصوى.
(9)
في الطبري وابن الأثير: وأصلبها مكسرًا. وعجم عيدانها: يعني عضها واختبرها.
(10)
في ط: رتعتم، وما أثبت كالطبري وابن الأثير.
(11)
في ط: وسلكتم سبيل. .، وما أثبت كالطبري وابن الأثير.
(12)
زيادة من ط. وفي الكامل للمبرد: واضطجعتم في مراقد الضلال.
(13)
في ط: لألحونكم لحي.
(14)
أخلق: الخلق التقدير، ويقال فريت الأديم إذا أصلحته.
كانوا قد رجعوا عنه لما سمعوا بموت بشر بن مروان كما تقدم- سفكتُ دمه وانتهبت ماله، ثم دخل منزله ولم يزد على ذلك.
ويقال: إنه لما صعد المنبر واجتمع الناس تحته أطال السكوت حتى إن محمد بن عمير أخذ كفًا من حصى وأراد أن يحصبه بها، وقال: قبحه اللَّه ما أعياه وأذفه! فلما نهض الحجاج وتكلَّم بما تكلَّم به جعل الحصى يتناثر من يده وهو لا يشعر به، لما يرى من فصاحته وبلاغته.
ويقال: إنه قال في خطبته هذه: شاهت الوجوه إن اللَّه ضرب {مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] وأنتم أولئك فاستووا واستقيموا، فواللَّه لأذيقنكم الهوان حتى تذروا، ولأعصبنكم عصب السلمة
(1)
حتى تنقادوا، وأقسم باللَّه لتقبلنّ على الإنصاف ولتدعن الإرجاف وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، والخبر وما الخبر، أو لأهبرنكم بالسيف هبرًا يدعُ النساء أيامى والأولاد يتامى، حتى تمشوا السُّمَّهى
(2)
وتقلعوا عن هاوها. في كلام طويل بليغ غريب يشتمل على وعيد شديد [ليس فيه وعد بخير].
فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيرًا في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعت كبيرًا في الأسواق ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب، ولكنه تكبير يراد به الترهيب. وقد عرفت
(3)
عجاجة تحتها قصف، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الإماء والأيامى، ألا يربع كل رجل منكم على ظلعه، ويحسن حقن دمه، ويبصر موضع قدمه، فأقسم باللَّه لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالًا لما قبلها وأدبًا لما بعدها. قال فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ثم الحنظلي فقال: أصلح اللَّه الأمير إنا في هذا البعث، وأنا شيخ كبير وعليل، وهذا ابني هو أشب مني. قال: ومن أنت؟ قال عمير بن ضابئ التميمي، قال: أسمعت كلامنا بالأمس؟ قال: نعم! قال: ألست الذي غزا عثمان بن عفان؟ قال: بلى. قال: وما حملك [على ذلك؟] قال: كان حبس أبي وكان شيخًا كبيرًا، قال: أو ليس هو الذي يقول:
هممتُ ولمْ أفعلْ وكدْتُ وليتني
…
فعلتُ وولّيتَ البُكاء حلائِلا
(4)
(1)
من قوله: ولأضربنكم ضرب. . إلى هنا ساقط من أ وحدها.
(2)
السمهى: الباطل، وأصله ما تسميه العامة مخاطة الشيطان، وهو لعاب الشمس عند الظهيرة، قال فيه أبو النجم العجلي:
وذاب للشمس لعاب فنزل
…
وقام ميزان الزمان فاعتدل
اللسان (سهم).
(3)
في ط: عصفت.
(4)
في الكامل لابن الأثير (4/ 380): تركت على عثمان تبكي حلائله.
ثم قال الحجاج: إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين، ثم قال قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه، فقام إليه رجل فضرب عنقه، وأنهب ماله، وأمر مناديًا فنادى في الناس ألا إن عمير بن ضابئ تأخر بعد سماع النداء ثلاثًا فأمر بقتله، فخرج الناس حتى ازدحموا على الجسر فعبر عليه في ساعة واحدة أربعة آلاف من مذحج، وخرجت معهم العرفاء حتى وصلوا بهم إلى المهلّب، وأخذوا منه كتابًا بوصولهم إليه، فقال المهلّب: قدم العراق واللَّه رجل ذكر، اليوم قوتل العدو.
ويروى أن الحجّاج لم يعرف عمير بن ضابئ حتى قال له عنبسة بن سعيد: أيها الأمير! إن هذا جاء إلى عثمان بعدما قتل فلطم وجهه، فأمر الحجاج عند ذلك بقتله.
وبعث الحجاج الحكم بن أيوب الثقفي نائبًا على البصرة من جهته، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد اللَّه، وأقر على قضاء الكوفة شريحًا، ثم ركب الحجاج إلى البصرة واستخلف على الكوفة أبا يعفور، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى، ثم عاد إلى الكوفة.
وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وأقر عمه يحيى على نيابة المدينة، وعلى بلاد خراسان أمية بن عبد اللَّه.
وفي هذه السنة وثب الناس بالبصرة على الحجاج، وذلك أنه لما ركب من الكوفة بعد قتل عمير بن ضابئ قام في أهل البصرة فخطبهم نظير ما قام في أهل الكوفة من الوعيد والتشديد والتهديد الأكيد، ثم أُتي برجل من بني يشكر
(1)
فقيل هذا عاص، فقال الرجل: إن بي فتقًا وقد [عذرني اللَّه] وعذرني بشر بن مروان، وهذا عطائي مردود على بيت المال، فلم يقبل منه وأمر بقتله فقتل، ففزع أهل البصرة وخرجوا من البصرة حتى اجتمعوا عند قنطرة رامهرمز. وعليهم عبد اللَّه بن الجارود، وخرج إليهم الحجاج -وذلك في شعبان من هذه السنة- في أمراء الجيش من المصرين فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وقتل أميرهم عبد اللَّه بن الجارود في رؤوس من القبائل معه، وأمر برؤوسهم فقطعت ونصبت عند الجسر من رامهرمز، ثم بعث بها إلى المهلب فقوي بذلك وضعف أمير الخوارج.
وأرسل الحجاج إلى المهلّب وعبد الرحمن بن مخنف فأمرهما بمناهضة الأزارقة، فنهضا بمن معهما إلى الخوارج الأزارقة فأجلوهم عن أماكنهم من رامهرمز بأيسر قتال، فهربوا إلى أرض كازرون من إقليم سابور، وسار النار وراءهم فالتقوا في العشر الأواخر من رمضان، فلما كان الليل بيَّت الخوارج المهلب من الليل فوجدوه قد تحصن بخندق حول معسكره، فجاؤوا إلى عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه غير محترز -وكان المهلب قد أمره بالاحتراز بخندق حوله فلم يفعل- فاقتتلوا في الليل فقتلت الخوارج عبد الرحمن بن مخنف وطائفة من جيشه وهزموهم هزيمة منكرة.
(1)
في الكامل لابن الأثير (4/ 380): هو شريك بن عمرو اليشكري، ولقب ذا الكُرْسُفة.
ويقال: إن الخوارج لما التقوا مع الناس في هذه الوقعة كان ذلك في يوم الأربعاء لعشرين بقين من رمضان، فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يعهد مثله من الخوارج، وحملت الخوارج على جيش المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى معسكره، فجعل عبد الرحمن يمده بالخيل بعد الخيل، والرجال بعد الرجال، فمالت الخوارج إلى معسكر عبد الرحمن بن مخنف بعد العصر فاقتتلوا معه إلى الليل، فقتل عبد الرحمن في أثناء الليل، وقتل معه طائفة كثيرة من أصحابه الذين ثبتوا معه، فلما كان الصباح جاء المهلب فصلى عليه ودفنه وكتب إلى الحجاج بمهلكه، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يعزِّيه فيه فنعاه عبد الملك إلى الناس بمنى، وأمّر الحجاج مكانه عتاب بن ورقاء، وكتب إليه أن يطيع المهلب، فكره ذلك ولم يجد بدًا من طاعة الحجاج، ولم تمكنه مراجعته
(1)
، فسار إلى المهلب فجعل لا يطيعه إلا ظاهرًا ويعصيه سرًا، ثم تقاولا، فهمَّ المهلب أن يوقع بعتاب ثم حجز بينهما الناس، فكتب عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب فكتب إليه أن يقدم عليه وأعفاه من ذلك، وجعل المهلب مكانه ابنه حبيب بن المهلب
(2)
.
وفيها خرج داود بن النعمان المازني بنواحي البصرة، فوجه إليه الحجاج أميرًا على سرية فقتله
(3)
.
قال ابن جرير
(4)
: وفي هذه السنة تحرك صالح بن مسرّح أحد بني امرئ القيس، وكان يرى رأي الصّفرية
(5)
، وقيل إنه أول من خرج من الصفرية، وكان سبب ذلك أنه حج بالناس في هذه السنة ومعه شبيب بن يزيد، والبَطين وأشباهُهم من رؤوس الخوارج، واتفق حجُّ أمير المؤمنين عبد الملك فهمَّ شبيب بالفتك به، فبلغ عبد الملك ذلك من خبره؛ فكتب عبد الملك إلى الحجاج بعد انصرافه من الحج أن يتطلبهم، وكان صالح بن مسرّح هذا يكثر الدخول إلى الكوفة والإقامة بها، وكان له جماعة [يلوذون به ويعتقدونه]، من أهل دارا وأرض الموصل، وكان يعلّمهم القرآن ويقصُّ عليهم، وكان مصفرًا كثير العبادة، وكان إذا قصَّ يحمد اللَّه ويثني عليه ويصلي على رسوله، ثم يأمر بالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، ويحثّ على ذكر الموت ويترحّم على الشيخين أبي بكر وعمر، ويثني عليهما ثناءً حسنًا، ولكن بعد ذلك يذكر عثمان رضي الله عنه فيسبُّه وينال منه وينكر عليه أشياء من جنس ما كان ينكر عليه الذين خرجوا عليه وقتلوه من مردة أهل الأمصار، ثم يحضّ أصحابه على الخروج مع الخوارج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنكار ما قد شاع في الناس وذاع، ويهوِّن عليهم القتل في طلب ذلك، ويذم الدنيا
(1)
مكانها في ط: وكره أن يخالفه.
(2)
الخبر بكامله في الطبري (6/ 210 - 215) وابن الأثير (4/ 388 - 390).
(3)
خبر خروج داود بن النعمان زيادة من ط، والخبر من تاريخ خليفة (1/ 348) ت: سهيل زكار.
(4)
تاريخ الطبري (6/ 215).
(5)
الصفرية: هم أتباع زياد بن الأصفر، وقولهم في الجملة كقول الأزارقة؛ في أن أصحاب الذنوب مشركون، وكل ذنب ليس فيه حد، وأن المؤمن المذنب بفقد اسم الإيمان في الوجهين جميعًا. والصفرية يقولون بموالاة عبد اللَّه بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير وأتباعهما من المحكمة الأولى. الفرق بين الفرق (ص 61).
ذمًا بالغًا، ويصغر أمرها ويحقره، فالتفت عليه جماعة من الناس، وكتب إليه شبيب بن يزيد الخارجي يستبطئه في الخروج ويحثه عليه ويندب إليه، ثم قدم شبيب على صالح وهو بدارا فتواعدوا وتوافقوا على الخروج في مستهل صفر من هذه السنة الآتية -وهي سنة ست وسبعين-[وقدم على صالح شبيب وأخوه مصاد والمحلل
(1)
والفضل بن عامر، فاجتمع عليه من الأبطال وهو بدارا نحو مئة وعشرة أنفس، ثم وثبوا على خيل لمحمد بن مروان فأخذوها ونفروا بها]
(2)
ثم كان من أمرهم بعد ذلك ما كان، كما سنذكره في هذه السنة التي بعدها إن شاء اللَّه تعالى.
وكان ممن توفي في هذه السنة في قول أبي سهر وأبي عبيد:
العرباض بن سارية
(3)
رضي الله عنه السّلمي أبو نجيح، سكن حمص وهو صحابي جليل.
أسلم قديمًا هو وعمرو بن عبسة ونزل الصفة.
وكان من البكائين المذكورين في القرآن كما قد ذكرنا أسماءهم عند قوله {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92] الآية. وكانوا تسعة
(4)
وهو راوي حديث "خطبنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطبة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون حتى قلنا: يا رسول اللَّه؛ كأنها موعظة مودِّع، فأوصنا. قال: "أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة. . . "
(5)
.
(1)
في الطبري (6/ 219): المحلل بن وائل اليشكري.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
ترجمة - العرباض بن سارية - في طبقات ابن سعد (4/ 276) والمعرفة والتاريخ (2/ 344 - 349) وحلية الأولياء (2/ 13) والاستيعاب (3/ 166) وأسد الغابة (3/ 192) وتهذيب الكمال (19/ 549 - 551) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 483 - 485) وسير أعلام النبلاء (3/ 419 - 421) وتهذيب التهذيب (7/ 153) والإصابة (2/ 473) وشذرات الذهب (1/ 313).
(4)
قال المصنف رحمه الله في تفسيره (2/ 365): وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر من بني عمرو بن عوف سالم بن عوف، ومن بني واقف حرمي بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب ويكنى أبا ليلى، ومن بنى المعلى فضل اللَّه، ومن بني مسلمة عمرو بن عتمة وعبد اللَّه بن عمرو المزني. وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالًا من المسلمين أتوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهم الباقون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير وعلية بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد اللَّه بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول: بل هو عبد اللَّه بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد اللَّه أخو بني واقف، وعياض بن سارية الفزاري فاستحملوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة.
(5)
من قوله: حتى قلنا يا رسول اللَّه. . . إلى هنا ساقط من ط.
ورواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وغيره
(1)
.
[وروى أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يصلي على الصف المقدم ثلاثًا وعلى الثاني واحدة"
(2)
.
وقد كان العرباض شيخًا كبيرًا، وكان يحب أن يقبضه اللَّه إليه، وكان يدعو: اللهم كبرت سني ووهن عظمي فاقبضني إليك
(3)
، وروى أحاديث.
وأبو ثعلبة الخشني
(4)
، صحابي جليل، شهد بيعة الرضوان وغزا حنينًا وكان ممن نزل الشام بداريا [غربي دمشق إلى جهة القبلة] وقيل: ببلاط قرية شرقي دمشق، فاللَّه أعلم.
وقد اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة، والأشهر منها جرثوم بن ناشر.
وقد روى عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحاديث [وعن جماعة من الصحابة] وعنه جماعة من التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، ومكحول الشامي، وأبو إدريس الخولاني، وأبو قلابة الجرمي، وكان ممن يجالس كعب الأحبار، وكان في كل ليلة يخرج فينظر إلى السماء فيتفكر ثم يرجع إلى المنزل فيسجد للَّه عز وجل، وكان يقول: إني لأرجو أن لا يخنقني اللَّه عند الموت كما أراكم تختنقون، فبينما هو ليلة يصلي من الليل إذ قبضت روحه وهو ساجد. ورأت ابنته في المنام كأن أباها قد مات فانتبهت مذعورة فقالت لأمها أين أبي؟ قالت: هو في مصلاه، فنادته فلم يجبها، فجاءته فحركته لجنبه فإذا هو ميت رحمه الله
(5)
.
قال أبو عبيدة ومحمد بن سعد وخليفة وغير واحد: كانت وفاته سنة خمس وسبعين، وقال غيرهم: كانت وفاته في أول إمرة معاوية، فاللَّه أعلم.
وقد توفي في هذه السنة.
الأسود بن يزيد
(6)
، صاحب ابن مسعود، [وهو الأسود بن يزيد النخعي من كبار التابعين، ومن
(1)
مسند الإمام أحمد (4/ 126 - 127) وجامع الترمذي رقم (2676) في العلم، وسنن أبي داود (4607) في السنة، وسنن ابن ماجه (42) في المقدمة، وسنن الدارمي (1/ 44) وهو حديث صحيح.
(2)
الحديث أخرجه أحمد في مسنده (4/ 128)، وابن ماجه (996) في الصلاة، والنسائي في سننه رقم (816) في الأذان وهو حديث صحيح.
(3)
الخبر بسنده في سير أعلام النبلاء (3/ 421).
(4)
ترجمة - أبي ثعلبة الخشني - في طبقات ابن سعد (7/ 416) والاستيعاب (4/ 27) وتاريخ الطبري (1/ 16) وأسد الغابة (5/ 154 - 155) وتهذيب الكمال (33/ 167 - 175) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 547) وسير أعلام النبلاء (2/ 567) وشذرات الذهب (1/ 313) والخشني: بضم الخاء وفتح الشين، نسبة إلى خشين بن الخمر بن وبرة. (اللباب 1/ 374).
(5)
القصة بسندها في تهذيب الكمال (33/ 174) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 548).
(6)
ترجمة - الأسود بن يزيد - في طبقات ابن سعد (6/ 70) وتاريخ خليفة (275) وحلية الأولياء (2/ 102) والاستيعاب (1/ 94) وأسد الغابة (1/ 88) وتهذيب الكمال (3/ 233) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - =
أعيان أصحاب] ابن مسعود، ومن كبار أهل الكوفة، وكان يصوم الدهر، وقد ذهبت عينه من كثرة الصوم، وقد حج البيت ثمانين حجة وعمرة. وكان يهل من الكوفة.
توفي في هذه السنة.
وكان يصوم حتى يخضر ويصفر، فلما احتُضر بكى فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ما لي لا أجزع؟ ومن أحق بذلك مني؟ واللَّه لو أنبئت بالمغفرة من اللَّه لأهابن الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو فلا يزال مستحييًا منه
(1)
.
حمران بن أبان
(2)
، مولى عثمان بن عفان كان من سبي عين التمر
(3)
اشتراه عثمان، وهو الذي كان يأذن الناس على عثمان توفي في هذه السنة واللَّه سبحانه أعلم
(4)
.
ثم دخلت سنة ست وسبعين
كان في أولها في مستهل صفر منها ليلة الأربعاء اجتماع صالح بن مسرّح أمير الصّفرية، وشبيب بن يزيد أحد شجعان الخوارج، فقام فيهم صالح بن مسرّح فأمرهم بتقوى اللَّه وحثّهم على الجهاد، وأن لا يقاتلوا أحدًا حتى يدعوه إلى الدخول معهم، ثم مالوا إلى دواب محمد بن مروان نائب الجزيرة فأخذوها فتقووا
(5)
بها، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة، وتحصّن منهم أهل دارا ونصيبين وسنجار، فبعث إليهم محمد بن مروان نائب الجزيرة خمسمئة فارس عليهم عدي بن عدي بن عَميرة، ثم زاده خمسمئة أخرى فسار في ألفٍ من حَرَّان إليهم، وكأنما يساق إلى الموت وهو ينظر، لما يعلموا من جلد الخوارج وقوتهم وشدة بأسهم، فلما التقوا مع الخوارج هزمتهم الخوارج هزيمة شنيعة بليغة، واحتووا على ما في معسكرهم، ورجع فلّهم إلى محمد بن مروان، فغضب وبعث إليهم ألفًا وخمسمئة مع الحارث بن جَعْوَنة، وألفًا وخمسمئة مع خالد بن جزء السُّلَمي
(6)
، وقال لهما: أيكما سبق إليهم فهو
= 80/ ص 359) وسير أعلام النبلاء (4/ 50) والإصابة (1/ 106). وشذرات الذهب (1/ 313).
(1)
القصة بسندها في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء (4/ 52).
(2)
ترجمة - حمران بن أبان - في طبقات ابن سعد (5/ 283) وتاريخ خليفة (179) والمعارف (435) وتاريخ دمشق لابن عساكر (7/ 301 - 306) وتهذيبه (4/ 438) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 395 - 397) وسير أعلام النبلاء (4/ 182) والوافي بالوفيات (13/ 168 - 169) وتهذيب التهذيب (3/ 24 - 25) والإصابة (1/ 379).
(3)
عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة. معجم البلدان (4/ 176).
(4)
من قوله في الترجمة السابقة: ومن كبار أهل الكوفة. . إلى هنا زيادة من ط.
(5)
في ط: فنفروا؛ تحريف.
(6)
في ط: خالد بن الحر؛ وما أثبت موافق للطبري (6/ 221) وابن الأثير (4/ 395).
الأمير على الناس، [فساروا إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل، والخوارج في نحو من مئة نفس وعشرة أنفس]
(1)
فانتهيا إليه وهو بآمد، فتوجه صالح في شطر الناس إلى خالد بن جزء، ووجه شبيبًا للحارث بن جَعْوَنة في الباقين، فاقتتل الناس قتالًا شديدًا إلى الليل، فلما كان المساء انكشف كل من الفريقين عن الآخر، وقد قتل من الخوارج نحو السبعين وقتل من أصحاب ابن مروان نحو الثلاثين، وهربت الخوارج في اللّيل فخرجوا من الجزيرة وأخذوا في أرض الموصل ومضوا حتى قطعوا الدسكرة، فبعث إليهم الحجاج ثلاثة آلاف مع الحارث بن عميرة، فسار نحوهم حتى لحقهم بأرض الموصل
(2)
وليس مع صالح سوى تسعين رجلا، فالتقى معهم وقد جعل صالح أصحابه ثلاثة كراديس، فهو في كردوس، وشبيب عن يمينه في كردوس، وسويد بن سليمان
(3)
عن يساره في كردوس، وحمل عليهم الحارث بن عميرة، وعلى ميمنته أبو الرواع الشاكري، وعلى ميسرته الزبير بن الأروَح التميميّ، فصبرت الخوارج على قتلهم صبرًا شديدًا، ثم انكشف سويد بن سليمان، ثم قتل صالح بن مُسرِّح أميرهم، وصرع شبيب عن فرسه فالتف عليه بقية الخوارج حتى احتملوه فدخلوا به حصنًا هنالك، وقد بقي معهم سبعون رجلًا، فأحاط بهم الحارث بن عميرة وأمر أصحابه أن يحرقوا الباب ففعلوا، ورجع الناس إلى معسكرهم ينتظرون حريق الباب فيأخذون الخوارج قهرًا، فلما رجع الناس واطمأنوا خرجت عليهم الخوارج على الصعب والذلول من الباب فبيَّتوا جيش الحارث بن عميرة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب الناس سراعًا إلى المدائن، واحتاز شبيب وأصحابه ما في معسكر الحارث بن عميرة، وكان أول جيش هزمه شبيب، وكان مقتل صالح بن مسرح في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة
(4)
من هذه السنة.
وفيها دخل شبيب الكوفة ومعه زوجته غزالة، وذلك أن شبيبًا جرت له فصول يطول تفصيلها بعد مقتل صالح بن مسرِّح، واجتمعت عليه الخوارج وبايعوه، وبعث إليه الحجاج جيشًا آخر فقاتلوه فهزموه ثم هزمهم بعد ذلك، ثم سار فحاصر المدائن فلم ينل منها شيئًا، فسار فأخذ دوابًا للحجاج من كلواذا، وفي عزمه أن يبيِّت أهل المدائن فهرب من فيها من الجند إلى الكوفة، فلما وصل فلّهم إلى الحجاج جهز جيشًا أربعة آلاف مقاتل إلى شبيب، فمروا على المدائن ثم ساروا في طلب شبيب فجعل يسير بين أيديهم قليلًا قليلًا وهو يريهم أنه خائف منهم، ثم يكر في كل وقت على المقدمة فيكسرها وينهب ما فيها، ولا يواجه أحدًا إلا هزمه، والحجاج يلحُّ في طلبه ويجهز إليه السرايا والبعوث والمدد وهو لا يبالي بأحد وإن ما معه
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(2)
في تاريخ الطبري (6/ 222) وابن الأثير (4/ 396) في قرية المدبّج على تخوم ما بين الموصل وجوخى.
(3)
هكذا في الأصل في الموضعين، وفي تاريخ الطبري:"سويد بن سليم" وهو الأصوب. وسيأتي بعد صفحات أيضًا (ص 153) وسماه: "سويد بن سليم".
(4)
في تاريخ الطبري (6/ 223) جمادى الأولى.
مئة وستون فارسًا، وهذا من أعجب العجب، ثم سار من طريق أخرى حتى واجه الكوفة وهو يريد أن يحاصرها، فخرج الجيش بكماله إلى السبخة لقتاله، وبلغه ذلك فلم يبال بهم بل انزعج الناس له وخافوا منه وفرقوا منه وهموا أن يدخلوا الكوفة خوفًا منه ويتحصنوا منه، حتى قيل لهم إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم وقد اقترب منهم، وشبيب نازل بالمدائن بالدير ليس عنده حبر منهم ولا خوف، وقد أمر بطعام وشواء يصنع فقيل له: قد جاءك الجند فأدرك نفسك، فجعل لا يلتفت إلى ذلك ولا يكترث بهم ويقول للدهقان الذي يصنع له الطعام: أجده وأنضجه وعجل به، فلما استوى أكله ثم توضأ وضوءًا تامًا، ثم صلى بأصحابه [صلاة تامة بتطويل وطمأنينة] ثم لبس درعه وتقلّد سيفين وأخذ عمود حديد ثم قال: أسرجوا لي البغلة، فركبها فقال له أخوه مصاد: أفي هذا اليوم تركب البغلة وقد أحاط بك الأعداء من كل جانب فقال: لا! حارس كل أمر أجله، فركبها ثم فتح باب الدير الذي هو فيه وهو يقول:[أنا أبو المدلّه] لا حكم إلا للَّه، وتقدم إلى أمير الجيش الذي يليه بالعمود الحديد فقتله، وهو سعيد بن المجالد، وحمل على الجيش الآخر الكثيف فصرع أميره وهرب الناس من بين يديه ولجؤوا إلى الكوفة، ومضى شبيب إلى الكوفة من أسفل الفرات، وقتل جماعة هنالك، وخرج الحجاج من الكوفة هاربًا إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، ثم اقترب شبيب من الكوفة يريد دخولها، فأعلم الدهاقين عروة بن المغيرة بذلك فكتب إلى الحجاج يعلمه بذلك فأسرع الحجاج الخروج من البصرة وقصد الكوفة فأسرع السير، وبادره شبيب إلى الكوفة فسبقه الحجاج إليها فدخلها العصر
(1)
، ووصل شبيب إلى المربد عند الغروب، فلما كان آخر الليل دخل شبيب الكوفة وقصد قصر الإمارة فضرب بابه بعموده الحديد فأثَّرت ضربته في الباب، فكانت تعرف بعد ذلك، يقال هذه ضربة شبيب، وسلك في طرق المدينة وتقصد محال القبائل، وقتل رجالًا من رؤساء أهل الكوفة وأشرافهم [منهم أبو سليم والد ليث بن أبي سليم، وعدي بن عمرو، وأزهر بن عبد اللَّه العامري، في طائفة كثيرة من أهل الكوفة، وكان مع شبيب امرأته غزالة
(2)
، وكانت معروفة بالشجاعة، فدخلت مسجد الكوفة وجلست على منبره وجعلت تذم بني مروان]
(3)
.
ونادى الحجاج في الناس: يا خيل اللَّه اركبي، فخرج شبيب من الكوفة [إلى مجال الطعن والضرب] فجهز الحجاج في أثره ستة آلاف مقاتل، فساروا وراءه [وهو بين أيديهم ينعس ويهز رأسه] وفي أوقات كثيرة يكرُّ عليهم شبيب، فقتل من جيش الحجاج خلقًا كثيرًا، وقتل جماعة من الأمراء منهم زائدة بن قدامة، قتله شبيب [وهو ابن عم المختار، فوجه الحجاج مكانه لحربه عبد الرحمن بن
(1)
في تاريخ الطبري (6/ 223) ونزلها الحجاج صلاة الظهر.
(2)
قال ابن الأعثم في الفتوح (7/ 87): ثم ركب شبيب وركب معه أصحابه، وأقبل نحو الكوفة ومعه أمه ومعه امرأته غزالة من سبي أصفهان، فأقبلت ومعها خمسون امرأة من نساء الخوارج.
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي موافقة لما في تاريخ الطبري (6/ 241 - 242).
الأشعث
(1)
، فلم يقابل شبيبًا ورجع، فوجه مكانه عثمان بن قطن الحارثي، فالتقوا في أواخر السنة فقتل عثمان بن قطن وانهزمت جموعه بعد أن قتل من أصحابه ستمئة نفس، فمن أعيانهم عقيل بن شداد السلولي، وخالد بن نهيك الكندي، والأسود بن ربيعة، واستفحل أمر شبيب وتزلزل له عبد الملك بن مروان والحجاج وسائر الأمراء، وخاف عبد الملك منه خوفًا شديدًا، فبعث له جيشًا من أهل الشام فقدموا في السنة الآتية، وإن ما مع شبيب شرذمة قليلة
(2)
، وقد ملأ قلوب الناس رعبًا]
(3)
وجرت خطوب كثيرة يطول تفصيلها له معهم، ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم حتى انسلخت هذه السنة.
قال ابن جرير
(4)
: وفي هذه السنة نقش عبد الملك بن مروان على الدراهم والدنانير وهو أول من نقشها.
وقال القاضي الماوردي في كتاب "الأحكام السلطانية"
(5)
: اختُلِفَ في أول من ضربها بالعربية في الإسلام، فقال سعيد بن المسيِّب: أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان، وكانت الدنانير رومية والدراهم كسروية.
قال أبو الزناد: وكان ذلك في سنة أربع وسبعين
(6)
.
وقال المدائني: خمس وسبعين، وضربت في الآفاق سنة ست وسبعينَ
(7)
، وذكر أنه ضرب على الجانب الواحد منها: اللَّه أحد، وعلى الوجه الآخر اللَّه الصمد.
قال: وحكى يحيى بن النعمان الغفاري، عن أبيه: أن أول من ضرب الدراهم مصعب بن الزبير عن أمر أخيه عبد اللَّه بن الزبير، سنة سبعين على ضرب الأكاسرة، عليها بركة من جانب، واللَّه من جانب، ثم غيّرها الحجاج وكتب اسمه عليها من جانب
(8)
، ثم خلصها بعده
(1)
في تاريخ الطبري (6/ 250): عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
(2)
كان معه مئة وواحد وثمانون رجلًا. الطبري (6/ 215) وابن الأثير (4/ 415).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط؛ وهي اختصار لما في تاريخ الطبري (6/ 250 - 256).
(4)
تاريخ الطبري (6/ 256).
(5)
الأحكام السلطانية (242 - 244) ط: المكتب الإسلامي 1996 م.
(6)
في هامش أ: وسبب ذلك أنه وجد دراهم ودنانير تاريخها قبل الإسلام بأربعمئة سنة، مكتوب عليها اسم الأب والابن وروح القدس، فأمر عبد الملك بسكها ونقش عليها اسم اللَّه، وقيل: إنه كتب على الوجه الواحد: لا إله إلا اللَّه، وعلى الآخر: محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
(7)
في الأخبار الطوال (316): أمر عبد الملك بضرب الدراهم سنة ست وسبعين، ثم أمر بعد ذلك بضرب الدنانير، وإنما كانت الدراهم والدنانير قبل ذلك مما ضربت العجم.
(8)
قال البلاذري في فتوح البلدان (454): عن أبي الزبير الناقد قال: ضرب الحجاج الدراهم البغلية، وكتب عليها: بسم اللَّه الحجاج، ثم كتب عليها بعد سنة: اللَّه أحد اللَّه الصمد. فسميت: مكروهة، ويقال: سميت السميرية بأول من ضربها واسمه سمير.
يوسف
(1)
بن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك، ثم خلصها أجود منها خالد بن عبد اللَّه القسري في أيام هشام، ثم يوسف بن عمر أجود منهم [كلهم]، ولذلك كان المنصور لا يقبل منها إلا الهبيرية والخالدية واليوسفية، وذكر أنه قد كان للناس نقود مختلفة منها الدراهم البغلية
(2)
، وكان الدرهم منها ثمانية دوانيق، والطبرية [وكان الدرهم منها أربعة دوانيق
(3)
، واليمني دانق، فجمع عمر بن الخطاب بين البغلي والطبري] ثم أخذ بنصفها فجعل الدرهم الشرعي وهو نصف مثقال وخُمْسُ مثقال، وذكروا أن المثقال لم يغيروا وزنه في جاهلية ولا إسلام، وفي هذا نظر، واللَّه أعلم.
وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وهو مروان الحمار آخر من تولى الخلافة من بني أمية بالشام.
وفيها ولى عبد الملك بن مروان نيابة المدينة لأبان بن عثمان بن عفان، وعزل عنها يحيى بن الحكم عمه، واستدعاه إلى الشام
(4)
. وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان نائب المدينة، وعلى إمرة العراق الحجاج وعلى خراسان أمية بن عبد اللَّه، واللَّه أعلم.
وممن توفي فيها من الأعيان:
أبو عثمان النهدي القضاعي
(5)
، اسمه عبد الرحمن بن مل، أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وغزا جلولاء، والقادسية، وتستر، ونهاوند، وأذربيجان وغيرهما.
وكان كثير العبادة زاهدًا عالمًا يصوم النهار ويقوم اللّيل.
(1)
في فتوح البلدان: عمر.
(2)
في أ: البغلي. . والبغلية دراهم أعجمية عرفت من العصر الجاهلي كانت ترد على أهل مكة من الفرس. فتوح البلدان (452) ومقدمة ابن خلدون (263). والطبرية: نسبة إلى مدينة طبرية، وهي رومية كانت ترد بلاد العرب أيام الجاهلية أيضًا.
(3)
الدوانيق: جمع دانَق -بفتح النون- وهو سدس الدرهم، والكلمة فارسية، وقد استعمله العرب أيام الجاهلية للدلالة على الوزن أو النقد. اللسان (دنق).
(4)
من قوله: وفيها ولى عبد الملك. . إلى هنا زيادة من ب، والخبر في تاريخ الطبري (6/ 256) وابن الأثير (4/ 418).
(5)
ترجمة - أبي عثمان النهدي - في طبقات ابن سعد (7/ 97 - 98) وتاريخ خليفة (321) وطبقاته (205) وتاريخ البخاري (9/ 83) والاستيعاب (2/ 427 - 429) وتاريخ بغداد (10/ 202) وتاريخ دمشق (35/ 460) وأورد خبرًا يذكر فيه وفاة أبي عثمان سنة مئة. وتهذيب الكمال (17/ 424 - 430) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 535 - 536) وسير أعلام النبلاء (4/ 75 - 178) وتهذيب التهذيب (6/ 277 - 278) والإصابة (3/ 98 - 99) وشذرات الذهب (1/ 118).
وسترد ترجمته ثانية ضمن وفيات سنة مئة، وقال الذهبي في تاريخه: قال الفلاس: توفي سنة خمس وتسعين. وقال المدائني، وجماعة: توفي سنة مئة. فهو مختلف في سنة وفاته رضي الله عنه.
توفي وعمره مئة وثلاثين سنة بالكوفة.
صلة بن أشيم العدوي
(1)
، من كبار التابعين من أهل البصرة، وكان ذا فضل وورع وعبادة وزهد، كنيته أبو الصهباء، كان يصلي حتى ما يستطيع أن يأتي الفراش إلا حبوًا، وله مناقب كثيرة جدًّا، منها أنه كان يمر عليه شباب يلهون ويلعبون فيقول: أخبروني عن قوم أرادوا سفرًا فحادوا في النهار عن الطريق وناموا اللّيل فمتى يقطعون سفرهم؟ فقال لهم يومًا هذه المقالة، فقال شاب منهم: والله يا قوم إنه ما يعني بهذا غيرنا، نحن بالنهار نلهو، وبالليل ننام. ثم تبع صلة فلم يزل يتعبد معه حتى مات.
ومر عليه فتى يجر ثوبه فهمّ أصحابه أن يأخذوه بألسنتهم فقال: دعوني أكفكم أمره، ثم دعاه فقال: يا بن أخي لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قال أن ترفع إزارك، قال: نعم، ونعمت عين، فرفع إزاره، فقال صلة: هذا أمثل مما أردتم لو شتمتموه لشتمكم.
ومنها ما حكاه جعفر بن زيد قال: خرجنا في غزاة وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فقلت لأرمقن عمله الليلة، فدخل غيضة ودخلت في أثره فقام يصلي وجاء الأسد حتى دنا منه وصعدت أنا في شجرة، قال: فتراه التفت أو عده جروًا حتى
(2)
سجد فقلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلّم فقال: أيها السبع إن كنت أُمرت بشيء فافعل وإلا فاطلب الرزق من مكان آخر، فولى الأسد وإن له لزئيرًا تصدع منه الجبال، فلما كان عند الصباح جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة. ثم رجع إلى الجيش فأصبح كأنه بات على الحشا، وأصبحت وبي من الفترة شيء الله به عليم.
قال: وذهبت بغلته بثقلها فقال: اللهم إني أسألك أن ترد عليّ بغلتي بثقلها، فجاءت حتى قامت بين يديه، قال: فلما التقينا العدو حمل هو وهشام بن عامر فصنعنا بهم طعنًا وضربًا، فقال العدو: رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا كلهم؟ أعطوا المسلمين حاجتهم - يعني انزلوا على حكمهم -.
وقال صلة: جعت مرة في غزاة جوعًا شديدًا فبينما أنا أسير أدعو ربي وأستطعمه، إذ سمعت وجبة من خلفي فالتفتُّ فإذا أنا بمنديل أبيض فإذا فيه دوخلة ملآنة رطبًا فأكلت منه حتى شبعت، وأدركني المساء فملت إلى دير راهب فحدثته الحديث، فاستطعمني من الرطب فأطعمته، ثم إني مررت على ذلك الراهب بعد زمان فإذا نخلات حسان فقال: إنهن لمن الرطبات التي أطعمتني، وجاء بذلك المنديل إلى امرأته فكانت تريه للناس، ولما أهديت معاذة إلى صلة أدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيت العروس بيتًا
(1)
ترجمة - صلة بن أشيم العدوي - في طبقات ابن سعد (7/ 134) وتاريخ خليفة (236) وتاريخ الطبري (5/ 472) وحلية الأولياء (2/ 237) وأسد الغابة (4/ 34) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 127) وسير أعلام النبلاء (3/ 497) والوافي بالوفيات (16/ 330) والإصابة (2/ 200).
(2)
في تاريخ الإسلام: أقراه التفت إليه أو اعتدّ به حتى سجد.
مطيبًا، فقام يصلي فقامت تصلي معه، فلم يزالان يصليان حتى برق الصبح، قال: فأتيته فقلت له: أي
عم أهديت إليك ابنة عمك الليلة فقمت تصلي وتركتها؟ قال: إنك أدخلتني بيتًا أول النهار أذكرتني به النار، وأدخلتني بيتًا آخر النهار أذكرتني به الجنة، فلم تزل فكرتي فيهما حتى أصبحت، البيت الذي أذكره به النار هو الحمام، والبيت الذي أذكره به الجنة هو بيت العروس.
وقال له رجل: ادع الله لي: فقال رغَّبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ورزقك اليقين الذي لا يركن إلا إليه، ولا يعول في الدين إلا عليه.
وكان صلة في غزاة ومعه ابنه فقال له: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم صلة فقاتل حتى قتل، فاجتمع النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت: إن كنتن جئتن لتهنينني فمرحبًا بكن، وإن كنتن جئتن لتعزينني فارجعن، توفي صلة في غزاة هو وابنه نحو بلاد فارس في هذه السنة
(1)
.
زهير بن قيس البلوي
(2)
، شهد فتح مصر وسكنها، له صحبة، قتلته الروم ببرقة من بلاد المغرب، وذلك أن الصريخ أتى الحاكم بمصر وهو عبد العزيز بن مروان أن الروم نزلوا برقة، فأمره بالنهوض إليهم، فساق زهير ومعه أربعون نفسًا فوجد الروم فأراد أن يكف عن القتال حتى يلحقه العسكر، فقالوا: يا أبا شداد احمل بنا عليهم، فحملوا فقتلوا جميعًا.
المندر بن الجارود
(3)
: مات في هذه السنة. تولى بيت المال ووفد على معاوية، والله أعلم
(4)
.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين
فيها أخرج الحجاج مقاتلة أهل الكوفة وكانوا أربعين ألفًا، وانضاف إليهم عشرة آلاف، فصاروا خمسين ألفًا، وأمَّر عليهم عتّاب بن ورقاء وأمره أن يقصد لشبيب بن يزيد، وأن يصمم على قتاله وكانوا
(1)
في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 130) قال الذهبي بعد أن سرد قصة قتل صلة: قلت: وذلك سنة اثنتين وستين!.
(2)
ترجمة - زهير بن قيس البلوي - في تاريخ خليفة (251) وفتوح البلدان للبلاذري (370) والمعرفة والتاريخ (2/ 512) وتاريخ دمشق (19/ 112 - 116) وتهذيبه (5/ 396) والمنتظم (6/ 184) وتهذيب الكمال (9/ 449) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 404) والإصابة (1/ 555) وتهذيب التهذيب (3/ 361).
(3)
ترجمة - المنذر بن الجارود - في تاريخ خليفة (236) وفتوح البلدان (358) والأخبار الطوال (231) وتاريخ دمشق (60/ 281 - 286) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 529) وفيه: قتل في خلافة عمر بفارس. والإصابة (3/ 480).
(4)
التراجم الثلاث السابقة ساقطة من أ، ب.
قد تجمعوا ألف رجل
(1)
- وأن لا يفعلوا كما كانوا يفعلون قبلها من الفرار والهزيمة، ولما بلغ شبيبًا ما بعث به الحجاج إليه من [العساكر] والجنود، [لم يعبأ بهم شيئًا. بل] قام في أصحابه خطيبًا فوعظهم وذكرهم وحثهم على الصبر عند اللقاء ومناجزة الأعداء، ثم سار شبيب بأصحابه نحو عتَّاب بن ورقاء، فالتقيا في آخر النهار عند غروب الشمس، فأمر شبيب مؤذنه سَلّام بن يسار
(2)
الشيباني فأذن [المغرب] ثم صلى شبيب بأصحابه المغرب [صلاة تامة الركوع والسجود] وصفَّ عتّاب أصحابه - وكان قد خندق [حوله و] حول جيشه من أول النهار - فلما صلى شبيب بأصحابه المغرب انتظر حتى طلع القمر وأضاء ثم تأمل
(3)
الميمنة والميسرة ثم حمل على أصحاب رايات عتاب وهو يقول: أنا شبيب أبو المدلّه لا حكم إلا لله، فهزمهم وقتل أميرهم قبيصة بن والق وجماعة من الأمراء معه، ثم كَرّ على الميمنة وعلى الميسرة ففرق شمل كل واحدة منهما، ثم قصد القلب فما زال حتى قتل الأمير عَتّاب بن ورقاء وزُهْرة بن حَويَّة، وولَّى عامة الجيش مُدْبرين وداسوا الأمير عتّاب وزُهرة فوطئته الخيل. وقتل في المعركة عَمّار بن يزيد الكلبي. ثم قال شبيب لأصحابه: لا تتبعوا منهزمًا، وانهزم جيش الحجاج عن بكرة أبيهم راجعين إلى الكوفة، وكان شبيب لما احتوى على المعسكر أخذ ممن بقي منهم البيعة له بالإمارة وقال لهم إلى أي ساعة تهربون؟ ثم احتوى على ما في المعسكر من الأموال والحواصل، واستدعى بأخيه مصاد من المدائن، ثم قصد نحو الكوفة.
وقد وفد إلى الحجاج سفيان بن الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذحج في ستة آلاف فارس ومعهما خلق من أهل الشام، فاستغنى الحجاج بهم عن نصحرة أهل الكوفة، وقام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أهل الكوفة لا أعز الله من أراد بكم العز، ولا نصر من أراد بكم النصر، اخرجوا عنا فلا تشهدوا معنا قتال عدونا، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى، فلا يقاتلن معنا إلا من كان عاملًا لنا، ومن لم يشهد قتال عَتّاب بن وَرْقاء، وعزم الحجاج على قتال شبيب بنفسه وسار شبيب حتى بلغ الصراة، وخرج إليه الحجاج بمن معه من الشاميين وغيرهم، فلما تواجه الفريقان نظر الحجاج إلى شبيب وهو في ستمئة من أصحابه فخطب الحجاج أهل الشام وقال:
يا أهل الشام أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين، لا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم، غضوا الأبصار واجثوا على الركب، واستقبلوا بأطراف الأسنة. ففعلوا ذلك، وأقبل شبيب وقد عبَّأ أصحابه ثلاث فرق، واحدة معه، وأخرى مع سويد بن سُليم، وأخرى مع المحلل بن وائل. وأمر شبيب سويدًا أن يحمل فحمل على جيش الحجاج فصبروا له حتى إذا دنا منهم وثبوا إليه وثبة واحدة فانهزم
(1)
في الطبري (6/ 257) وابن الأثير (4/ 419): ثمانمئة رجل.
(2)
في الطبري (6/ 263): سَيّار.
(3)
في أ: ثم قاتل، وما هنا أقرب لخبر الطبري وابن الأثير.
عنهم، فنادى الحجاج: يا أهل السمع والطاعة هكذا فافعلوا، ثم أمر الحجاج فقدم كرسيه الذي هو جالس عليه إلى الأمام، ثم أمر شبيب المحلل أن يحمل فحمل فثبتوا له وقدم الحجاج كرسيه إلى أمام، ثم إن شبيبًا حمل عليهم في كتيبته فثبتوا له حتى إذا غشى أطراف الرماح
(1)
وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلًا، ثم إن أهل الشام طاعنوه قُدُمًا
(2)
حتى ألحقوه بأصحابه، فلما رأى صبرهم نادى: يا سويد احمل في خيلك على أهل هذه السكة
(3)
لعلك تزيل أهلها عنها فأت الحجاج من ورائه، ونحمل نحن عليه من أمامه. فحمل فلم يفد ذلك شيئًا، وذلك أن الحجاج كان قد جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في ثلاثمئة فارس ردءًا له من ورائه لِئلا يؤتوا من خلفهم، وكان الحجاج بصيرًا بالحرب أيضًا، فعند ذلك حرَّض شبيب أصحابه على الحملة وأمرهم بها ففهم ذلك الحجاج، فقال:
يا أهل السمع والطاعة اصبروا لهذه الشدة الواحدة، ثم وربِّ السماء والأرض ما شيء دون الفتح، فجثوا على الركب وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه، فلما غشيهم نادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه، فما زالوا يطعنون ويطعنون وهم مستظهرون على شبيب وأصحابه حتى رَدّوهم عن مواقفهم إلى ما وراءها، فنادى شبيب في أصحابه يا أولياء الله الأرض الأرض، ثم نزل ونزلوا ونادى الحجاج يا أهل الشام يا أهل السمع والطاعة، هذا أول النصر والذي نفسي بيده، وصعد مسجدًا هنالك وجعل ينظر إلى الفريقين، ومع شبيب نحو عشرين رجلًا معهم النبل
(4)
، واقتتل الناس [قتالًا شديدًا] عامة النهار من أشد قتال في الأرض، حتى أقر كل واحد من الفريقين لصاحبه، والحجاج ينظر إلى الفريقين من مكانه، ثم إن خالد بن عَتّاب استأذن الحجاج في أن يركب في جماعة فيأتي الخوارج من خلفهم، فأذن له، فانطلق في جماعة معه نحو من أربعة آلاف، فدخل عسكر الخوارج من ورائهم فقتل مصادًا أخا شبيب، وغزالة امرأة شبيب، قتلها رجل يقال له فروة بن الدفان الكلبي
(5)
، وخرق في جش شبيب، ففرح بذلك الحجاج وأصحابه وكبروا، وانصرف شبيب وأصحابه كل منهم على فرس، فأمر الحجاج أن ينطلقوا في تطلبهم، فشدوا عليهم فهزمومهم، وتخلف شبيب في حامية الناس، ثم انطلق واتبعه الطلب فجعل ينعس وهو على فرسه حتى يخفق برأسه، ودنا منه الطلب فجعل بعض أصحابه ينهاه عن النعاس في هذه الساعة فجعل لا يكترث بهم ويعود فيخفق رأسه، فلما طال ذلك بعث الحجاج إلى أصحابه يقول: دعوه في حرق النار
(6)
، فتركوه ورجعوا.
(1)
في ط: الأسنة، وما أثبت من أ والطبري (6/ 270).
(2)
ساقطة من أ، ط، واللفظة غير واضحة في ب، وما أثبت عن الطبري.
(3)
في ط: السرية، وما أثبتت عن أ، وزاد الطبري: سِكَّة لحّام جرير.
(4)
في الطبري (6/ 271): وصعد المسجد معه - أي مع الحجاج - نحو من عشرين رجلًا معهم النبل، فقال: إن دنوا منا فارشقوهم.
(5)
في أ، ط: دقاق؛ تحريف، وما هنا عن ب والطبري.
(6)
في الطبري (6/ 271): فبعث الحجاج إلى خيله: أن دعوه في حرق الله وناره؛ فتركوه ورجعوا.
ثم دخل الحجاج الكوفة فخطب الناس فقال في خطبته. إن شبيبًا لم يهزم قبلها، ثم قصد شبيب الكوفة فخرجت إليه سرية من جيش الحجاج فالتقوا يوم الأربعاء فلا زالوا يتقاتلون إلى يوم [الجمعة وكان على سرية الحجاج الحارث بن معاوية الثقفي في ألف فارس معه، فحمل شبيب على الحارث بن معاوية فكسره ومن معه، وقتل منهم طائفة، ودخل الناس الكوفة هاربين، وحصن الناس السكك فخرج إليه أبو الورد مولى الحجاج في طائفة من الجيش فقاتل حتى قتل، ثم هرب أصحابه ودخلوا الكوفة، ثم خرج إليه أمير آخر فانكسر أيضًا، ثم سار شبيب بأصحابه نحو السواد فمروا بعامل الحجاج على تلك البلاد فقتلوه، ثم خطب أصحابه وقال: اشتغلتم بالدنيا عن الآخرة، ثم رمى بالمال في الفرات، ثم سار بهم حتى افتتح بلادًا كثيرة ولا يبرز له أحد إلا قتله، ثم خرج إليه بعض الأمراء الذين على بعض المدن فقال له: يا شبيب ابرز إليّ وأبرز إليك، - وكان صديقه - فقال له شبيب: إني لا أحب قتلك، فقال له: لكني أحب قتلك، فلا تغرنك نفسك وما تقدم من الوقائع، ثم حمل عليه فضربه شبيب على رأسه فهمس رأسه حتى اختلط دماغه بلحمه وعظمه، ثم كفنه ودفنه، ثم إن الحجاج أنفق أموالًا كثيرة على الجيوش والعساكر في طلب شبيب فلم يطيقوه ولم يقدروا عليه، وإنما سلط الله عليه موتًا قدرًا من غير صنعهم ولا صنعه في هذه السنة]
(1)
.
مقتل شبيب في هذه السنة عند ابن الكلبي
وكان سبب ذلك أن الحجاج كتب إلى نائبه على البصرة - وهو الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل وهو زوج ابنة الحجاج - يأمره أن يجهز جيشًا أربعة آلاف يتطلبون شبيبًا، ويكونون تبعًا لسفيان بن الأبرد [ففعل وانطلقوا في طلبه فالتقوا معه. وكان ابن الأبرد معه خلق من أهل الشام، فلما وصل جيش البصرة إلى ابن الأبرد التقوا معه جيشًا واحدًا هم وأهل الشام، ثم ساروا إلى شبيب]
(2)
فالتقوا به فاقتتلوا قتالًا شديدًا وصبر كل من الفريقين لصاحبه، ثم عزم أصحاب الحجاج فحملوا على الخوارج [حملة منكرة والخوارج قليلون] ففروا بين أيديهم ذاهبين حتى اضطروهم إلى جسر هناك؛ فوقف عنده شبيب في مئة من أصحابه، وعجز سفيان بن الأبرد عن مقاومته، ورده شبيب عن موقفه هذا بعد أن تقاتلوا نهارًا طويلًا كاملًا عند أول الجسر أشد قتال يكون، ثم أمر ابن الأبرد أصحابه فرشقوهم بالنبال رشقًا واحدًا، ففرت الخوارج ثم كرت على الرماة فقتلوا نحوًا من ثلاثين رجلًا [من أصحاب ابن الأبرد]، وجاء الليل بظلامه فكف الناس بعضهم عن بعض، وبات كل من الفريقين مصرًا على مناهضة الآخر، فلما طلع الفجر عبر شبيب وأصحابه على الجسر، فبينما شبيب على متن الجسر راكبًا على حصان له وبين يديه فرس أنثى إذ نزا حصانه عليها وهو على الجسر فنزل حافر فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء،
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ظ، وهي اختصار لما في الطبري، ومكانها في أ: سارت الخوارج هاربين.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
فقال: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42] ثم انغمر في الماء ثم ارتفع وهو يقول: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} الأنعام: 96] فغرق. فلما تحققت الخوارج سقوطه في الماء كبروا وانصرفوا ذاهبين متفرقين في البلاد، وجاء أمير جيش الحجاج فاستخرج شبيبًا من الماء وعليه درعه، ثم أمر به فشق صدره
(1)
فاستخرج قلبه فإذا هو مجتمع صلب كأنه صخرة، وكانوا يضربون به الأرض فيرتفع قامة الإنسان.
[وقيل: إنه كان معه رجال قد أبغضوه لما أصاب من عشائرهم، فلما تخلف في الساقة اشتوروا وقالوا نقطع الجسر به ففعلوا ذلك فمالت السفن بالجسر ونفر فرسه فسقط في الماء فغرق، ونادوا غرق أمير المؤمنين، فعرف جيش الحجاج ذلك فجاؤوا فاستخرجوه]
(2)
.
ولما نعي شبيب إلى أمه قالت: صدقتم إني كنت رأيت في المنام وأنا حامل به أنه قد خرج منها شهاب من نار فعلمت أن النار لا يطفئها إلا الماء، وأنه لا يطفئه إلا الماء، وكانت أمه جارية اسمها جَهِيزة
(3)
، وكانت جميلة، وكانت من أشجع النساء، تقاتل مع ابنها في الحروب.
وذكر القاضي ابن خلكان
(4)
: أنها قتلت في هذه الغزوة وكذلك قتلت زوجته غزالة، وكانت أيضًا شديدة البأس خارجية [تقاتل قتالًا شديدًا يعجز عنه الأبطال من الرجال] وكان الحجاج يخاف منها أشد خوف حتى قال فيه بعض الشعراء
(5)
:
أَسَدٌ عليَّ وفي الحروبِ نَعَامةٌ
…
فَتَخاءُ تَنْفِرُ من صَفير الصَّافرِ
هَلَّا بَرَزْتَ إلى غزالة في الوَغَا
…
بلْ كان قلبُكَ في جناحيْ طائرِ
قال: وقد كان شبيب بن يزيد بن نُعيم بن قيس بن عمرو بن الصَّلْت بن قيس بن شراحيل بن صبرة بن ذهل بن شيبان [الشيباني] يدّعي الخلافة ويتسمى بأمير المؤمن [ولولا أن الله تعالى قهره بما قهره به من الغرق لنال الخلافة إن شاء الله، ولما قدر عليه أحد]
(6)
وإنما قهره الله على يدي الحجاج لما أرسل إليه أمير المؤمنين عبد الملك بعسكر الشام لقتاله فهرب شبيب غير مرة، ولما ألقاه جواده على الجسر في نهر دجيل
(7)
قال له رجل: أغرقًا يا أمير المؤمنين؟ قال {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام: 96] قال ثم أخرج
(1)
الخبر في الطبري (6/ 281 - 282) وابن الأثير (4/ 433) ومروج الذهب (3/ 169).
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الطبري (6/ 281).
(3)
جهيزة: بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الزاي وبعدها هاء ساكنة، قيدها ابن خلكان في وفيات الأعيان (2/ 457).
(4)
وفيات الأعيان (2/ 455).
(5)
وهو عمران بن حطان، كما في الأغاني (18/ 116) وديوان شعر الخوارج (25).
(6)
ما بين معكوفين ساقط من أ، ب وبدل العبارة: قال.
(7)
دجيل: نهر بالأهواز حفره أردشير بن بابك أحد ملوك الفرس، ومخرجه من أرض أصبهان ومصبه في بحر فارس قرب عبادان، وفيه غرق شبيب الخارجي (معجم البلدان 2/ 443).
وحمل إلى الحجاج فأمر فنزع قلبه فن صدره فإذا هو مثل الحجر، وكان شبيب رجلًا طويلًا أشمط جعدًا، وكان مولده في يوم عيد النحر سنة ست وعشرين
(1)
، وقد أمسك رجل
(2)
من أصحابه فحمل إلى عبد الملك بن مروان فقال له ألست القائل:
فإن يك منكُمْ كانَ مروان وابنُهُ
…
وعمروٌ ومنكمْ هاشمٌ وحبيبُ
فمنا حُصَينٌ والبطينُ وقعنبٌ
…
ومنّا أميرُ المؤمنينَ شبيبُ
(3)
فقال: إنما قلت: ومنا أميرَ
(4)
المؤمنين شبيب. فأعجبه اعتذاره وأطلقه والله سبحانه أعلم.
وفي هذه السنة كانت حروب كثيرة جدًّا بين المهلب بن أبي صفوة نائب الحجاج، وبين الخوارج من الأزارقة وأميرهم قَطَري بن الفجاءة، وكان قَطَري أيضًا من الفرسان الشجعان المذكورين المشهورين وقد تفرق عنه أصحابه ونفروا في هذه السنة، وأما هو فلا يدري أحد أين ذهب فإنه شرد في الأرض وقد جرت بينهم مناوشات ومجاولات يطول بسطها، وقد بالغ ابن جرير في ذكرها في "تاريخه"
(5)
.
قال ابن جرير
(6)
: وفي هذه السنة ثار بُكَير بن وشاح الذي كان نائب خراسان على نائبها أمية بن عبد الله بن خالد وذلك أن بكيرًا استجاش عليه الناس وغدر به وقتله، وقد جرت بينهما خطوبَ
(7)
قد استقصاها أبو جعفر في "تاريخه".
وفي هذه السنة كانت وفاة شبيب بن يزيد الخارجي كما قدّمنا، وقد كان من الشجاعة والفروسة على جانب كبير لم ير بعد الصحابة مثله، ومثل الأشتر، وابنه إبراهيم، ومصعب بن الزبير، وأخيه عبد الله، ومن يُناط بهؤلاء في الشجاعة مثل قطري بن الفجاءة من الأزارقة الخوارج.
(1)
في تاريخ الطبري (6/ 282) وابن الأثير (4/ 433): سنة خمس وعشرين في ذي الحجة يوم النحر يوم السبت.
(2)
في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 418): هو عتبان الحروري. وفي معجم الشعراء للمرزباني (109): عتبان بن أصيلة الشيباني.
(3)
البيتان في معجم الشعراء (109) ووفيات الأعيان (2/ 456) والوافي بالوفيات (16/ 105) وشعر الخوارج (63) وفيه: فمنا سويد والبطين - وهو سويد بن سُلَيم أحد قادة جند شبيب.
(4)
في ط: يا أمير، وفي أ: أمير بعد، وما أثبت عن ب وهي موافقة لوفيات ابن خلكان وتاريخ الإسلام للذهبي.
وقال ابن خلكان في الوفيات (2/ 456): وهذا الجواب في نهاية الحسن؛ فإنه إن كان "أمير" مرفوعًا كان مبتدأ، فيكون شبيب أمير المؤمنين، وإذا كان منصوبًا فقد حذف منه حرف النداء، ومعناه: يا أمير المؤمنين؛ منا شبيب؛ فلا يكون شبيب أمير المؤمنين، بل يكون منهم.
(5)
تاريخ الطبري (6/ 300 - 311) والخبر أيضًا في الأخبار الطوال (280) وابن الأثير (4/ 441 - 443) وقتل قطري بن الفجاءة في شعب من شُعَب طبرستان في مواجهة بعث الحجاج تحت راية سفيان بن الأبرد، قتلوه، وفيمن قتله سَوْدَةُ بن أبجر التميمي وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف.
(6)
تاريخ الطبري (6/ 311) والخبر أيضًا في ابن الأثير (4/ 443) وفيه: بكير بن وسّاج - بالسّين -.
(7)
في ط: حروب طويلة.
وفيها توفي من الأعيان:
كثير بن الصلت
(1)
بن معدي كَرب الكِنديّ، كان كبيرًا مطاعًا في قومه، وله بالمدينة دار كبيرة بالمصلّى، وقيل إنه كان كاتب عبد الملك على الرسائل، توفي بالشام.
محمد بن موسى
(2)
بن طلحة بن عبيد الله كانت أخته تحت عبد الملك وولاه سجستان، فلما سار إليها قيل له: إن شبيبًا في طريقك وقد أعيا الناس فاعدل إليه لعلك أن تقتله فيكون ذكر ذلك وشهرته لك إلى الأبد، فلما سار لقيه شبيب فاقتتل معه فقتله شبيب. وقيل غير ذلك، والله أعلم.
عياض بن غنْم الأشعري
(3)
، شهد اليرموك، وحدث عن جماعة من الصحابة وغيرهم توفي بالبصرة رحمه الله.
مطرف بن عبد الله
(4)
، وقد كانوا إخوة عروة ومطرف وحمزة، وقد كانوا يميلون إلى بني أمية فاستعملهم الحجاج على أقاليم، فاستعمل عروة على الكوفة، ومطرف على المدائن، وحمزة على همَذان
(5)
.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين
[ففيها كانت غزوة عظيمة للمسلمين ببلاد الروم افتتحوا أزقلة
(6)
، فلما رجعوا أصابهم مطر عظيم وثلج وبرد، فأصيب بسببه ناس كثير
(7)
.
وفيها ولَّى عبد الملك موسى بن نصير غزو بلاد المغرب جميعه فسار إلى طنجة وقد جعل على مقدمته
(1)
ترجمة - كثير بن الصلت - في طبقات ابن سعد (5/ 14) وتاريخ الطبري (3/ 330) والاستيعاب (3/ 318) وأسد الغابة (4/ 242) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 513).
(2)
ترجمة - محمد بن موسى - في شذرات الذهب (1/ 317).
(3)
ترجمة - عياض بن غنم - في تاريخ البخاري (7/ 19) والاستيعاب (3/ 129) وأسد الغابة (4/ 164) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - / 80 ص 58) وسير أعلام النبلاء (4/ 138) وفيه اسمه: عياض بن عمرو .. وكلاهما واحد، ولكن ثمة خلاف في أسماء آبائه، والإصابة (3/ 49).
(4)
ترجمة - مطرف بن عبد الله - في تاريخ البخاري (7/ 396 - 397) وحلية الأولياء (2/ 198) وتاريخ دمشق (58/ 289 - 337) وتهذيب الكمال (18/ 143) وسير أعلام النبلاء (4/ 187) وتهذيب التهذيب (5/ 456).
(5)
التراجم الأربعة السابقة ساقطة من أ، ب.
(6)
في ط: "إرقيلية" محرف، وما أثبتناه موافق لمصادره.
(7)
الخبر في تاريخ خليفة (277) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 337).
طارقًا
(1)
فقتلوا ملوك تلك البلاد، وبعضهم قطعوا أنفه ونفوه
(2)
].
وفيها عزل عبد الملك أمية بن عبد الله عن إمرة خراسان وأضافها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي مع سجستان أيضًا، وركب الحجاج بعد فراغه من شأن شبيب من إمرة الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن عامر الحضرمي
(3)
، فقدم المهلب على الحجاج وهو بالبصرة وقد فرغ من شأن الأزارقة أيضًا، فأجلسه معه على السرير واستدعى بأصحاب البلاء من جيشه، فمن أثنى عليه المهلب أجزل الحجاج جائزته
(4)
، ثم ولى الحجاج المهلب إمرة سجستان، وولى عبد الله بن أبي بكرة إمرة خراسان، ثم ناقل بينهما قبل خروجهما من عنده، فقيل كان ذلك بإشارة المهلب، وقيل إنه استعان بصاحب الشرطة وهو عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العَبْشمي، حتى أشار على الحجاج بذلك فأجابه إلى ذلك، وألزم المهلب بألف ألف درهم، لكونه اعترض في ذلك.
قال أبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك.
وكان أمير المدينة أبان بن عثمان.
وأمير العراق وخراسان وسجستان وتلك النواحي كلها الحجاج بن يوسف، ونائبه على خراسان المهلب بن أبي صفرة، ونائبه على سجستان عبد الله بن أبي بكرة الثقفي.
وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس بن مالك الأنصاري.
وقد توفي في هذه السنة من الأعيان:
جابر بن عبد الله
(5)
بن عمرو بن حرام، أبو عبد الله الأنصاري
(6)
السلمي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
الخبر في تاريخ الإسلام (ص 337) وتتمته: الذي افتتح الأندلس، وأصاب فيها المائدة التي يتحدث أهل الكتاب أنها مائدة سليمان عليه السلام.
(2)
الخبر هنا فيه نقص، وفي تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80 ص 337): وفيها وثب الروم على ملكهم فخلعته، وقطعت أنفه ونفته إلى بعض الجزائر. قاله المسبحي. وقد وثق محقق تاريخ الإسلام هذه الحادثة. وما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
في تاريخ الطبري (6/ 284) وابن الأثير (4/ 448): المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل.
(4)
في ط: له العطية.
(5)
ترجمة - جابر بن عبد الله - في طبقات ابن سعد (3/ 574) وتاريخ خليفة (73) والأخبار الطوال (316) والاستيعاب (1/ 219) وتاريخ دمشق (11/ 208 - 240) وتهذيبه (3/ 389) وأسد الغابة (1/ 256) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 377) وسير أعلام النبلاء (3/ 189) والإصابة (1/ 45) وشذرات الذهب (1/ 319).
(6)
بعدها في أ، ب: وشريح القاضي وعبد الرحمن بن غنم، وقد ذكرنا تراجمهم في التكميل.
والتكميل كتاب للمؤلف رحمه الله جمع فيه ما بين تراجم تهذيب الكمال لشيخه المزي والعبر للذهبي وزاد عليهما. والمجلد الأخير منه مخطوط في دار الكتب المصرية. =
وله روايات كثيرة، وشهد العقبة وأراد أن يشهد أحدًا فمنعه أبوه وخلفه على أخواته، وكانوا تسعة، وقيل إنه ذهب بصره قبل موته. توفي جابر بالمدينة وعمره أربع وتسعون سنة، وأسند إليه ألف وخمسمئة وأربعين حديثًا.
شريح بن الحارث
(1)
بن قيس بن الجهم الكندي: وهو قاضي الكوفة، وقد تولّى القضاء لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، ثم عزله علي، ثم ولّاه معاوية، ثم استقل في القضاء إلى أن مات في هذه السنة، وكان رزقه على القضاء في كل شهر مئة درهم، وقيل: خمسمئة درهم.
وكان إذا خرج إلى القضاء يقول: سيعلم الظالم حظ من نقص.
وقيل: إنه كان إذا جلس للقضاء قرأ هذه الآية {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى} الآية [ص: 26].
وكان يقول: إن الظالم ينتظر العقاب والمظلوم ينتظر النصر.
وقيل: إنه مكث قاضيًا نحو سبعين سنة
(2)
.
وقيل: إنه استعفى من القضاء قبل موته بسنة، فالله أعلم.
وأصله من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.
توفي بالكوفة وعمره مئة وثمان سنين.
وقد روى الطبراني قال: حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب عن إبراهيم التيمي. قال: كان شريح يقول: سيعلم الظالمون حق من نقصوا. إن الظالم ينتظر العقاب، وإن المظلوم ينتظر النصر.
ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم به.
= وهكذا نجد أن ط تنفرد ببعض التراجم، وهي من زيادات النساخ أو تلاميذ المؤلف رحمه الله وإنما نبقيها مع الإشارة إليها، لأن المؤلف رحمه الله درج على ذكر الوفيات بعد ذكر الأحداث كل سنة، ويلاحظ أن معظم الزيادات من ط للوفيات ممن اختُلف في سنة موتهم، ونعمل على الإشارة إلى ذلك في محله بتوفيق الله وإعانته سبحانه.
(1)
ترجمة - شريح بن الحارث - في طبقات ابن سعد (6/ 131) وتاريخ خليفة (155 و 179 و 200) والمعرفة والتاريخ (1/ 217 و 218) وأخبار القضاة لوكيع (2/ 187) وحلية الأولياء (4/ 144 - 154) والاستيعاب (2/ 148) وتاريخ دمشق لابن عساكر (7/ 23 - 59) وتهذيبه (6/ 305) والمنتظم (6/ 185) وقد جعله ضمن وفيات سنة ست وسبعين. ووفيات الأعيان (2/ 460) وأسد الغابة (2/ 394) وتهذيب الكمال (12/ 435 - 445) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 419 - 423) وسير أعلام النبلاء (4/ 100 - 106) والوافي بالوفيات (16/ 140) والإصابة (2/ 146) وشذرات الذهب (1/ 85).
(2)
في الاستيعاب وأسد الغابة والإصابة: ستين سنة، وفي الوفيات لابن خلكان:(2/ 460) أقام قاضيًا خمسًا وسبعين سنة، لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير.
وقال الأعمش: اشتكى شريح رجله فطلاها بالعسل وجلس في الشمس فدخل عليه عوّاده فقالوا: كيف تجدك؟ فقال: صالحًا. فقالوا: ألا أريتها الطبيب؟ قال: قد فعلت، قالوا: فماذا قال لك؟ قال: وعد خيرًا.
وفي رواية أنه خرج بإبهامه قرحة فقالوا: ألا أريتها الطبيب؟ قال: هو الذي أخرجها.
وقال الأوزاعي: حدَّثني عبدة بن أبي لبابة قال: كانت فتنة ابن الزبير تسع سنين، وكان شريح لا يختبر ولا يستخبر.
ورواه ابن ثوبان عن عبدة، عن الشعبي، عن شريح قال: لما كانت الفتنة لم أسأل عنها. فقال رجل لو كنت مثلك ما باليت متى مت، فقال شريح: فكيف بما في قلبي. وقد رواه شقيق بن سلمة عن شريح قال: في الفتنة ما استخبرت ولا أخبرت ولا ظلمت مسلمًا ولا معاهدًا دينارًا ولا درهمًا، فقال أبو وائل: لو كنت على حالك لأحببت أن أكون قد مِتُّ، فأوى إلى قلبه فقال: كيف يهدأ
(1)
، وفي رواية: كيف بما في صدري تلتقي الفئتان وإحداهما أحب إليّ من الأخرى. وقال لقوم رآهم يلعبون: ما لي أراكم تلعبون؟ قالوا: فرغنا! قال: ما بهذا أُمِرَ الفارغ.
وقال سوار بن عبد الله العنبري: حدَّثنا العلاء بن جرير العنبري، حدّثني سالم أبو عبد الله، أنه قال: شهدت شُريحًا وتقدم إليه رجل فقال: أين أنت؟ فقال: بينك وبين الحائط، فقال: إني رجل من أهل الشام، فقال: بعيد سحيق، فقال: إني تزوجت امرأة، فقال: بالرفاء والبنين
(2)
، قال: إني اشترطت لها دارها، قال: الشرط أملك، قال: اقض بيننا، قال: قد فعلت
(3)
.
وقال سفيان: قيل لشريح بأي شيء أصبت هذا العلم؟ قال: بمعاوضة
(4)
العلماء، آخذ منهم وأعطيهم.
وروى عثمان بن أبي شيبة، عن عبد الله بن محمد بن سالم، عن إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن هبيرة أنه سمع عليًا يقول: يا أيها الناس! يأتوني فقهاؤكم يسألوني وأسألهم، فلما كان من الغد غدونا إليه حتى امتلأت الرحبة، فجعل يسألهم: ما كذا ما كذا، ويسألونه ما كذا ما كذا فيخبرهم ويخبرونه حتى إذا ارتفع النهار تصدعوا غير شريح فإنه جاثٍ على ركبتيه لا يسأله عن شيء إلا أخبره به، قال: سمعت عليًا يقول: قم يا شريح فأنت أقضى العرب
(5)
.
(1)
الخبر الذي قبله في حلية الأولياء (4/ 145).
(2)
في السنة النبوية أن يقول له: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير.
(3)
الخبر والذي قبله في حلية الأولياء (4/ 146).
(4)
في الحلية (4/ 146): بمقاومة.
(5)
الخبر في الحلية (4/ 146 - 147) ووفيات الأعيان (2/ 462) وسير أعلام النبلاء (4/ 102).
وأتت شريحًا امرأتان جدة صبي وأمه يختصمان فيه كل واحدة تقول: أنا أحق به.
أبا مَيَّهْ أتيناك
…
وأنتَ المرء نأتيهِ
(1)
أتاكَ
(2)
جدهُ وابني
…
وكلتانا نفديهِ
فلو كنتِ تأيمتِ
…
لما نازعتكي فيهِ
تزوجتِ فهاتيه
…
ولا يذهب بكِ التيهِ
(3)
ألا يا أيها القاضي
…
فهذي قصتي فيهِ
قالت الأم:
ألا يا أيها القاضي
…
لقد قالت لك الجدَّه
وقولًا فاستمع مني
…
ولا تطردني
(4)
ردهْ
تعزي النفسَ عن ابني
…
وكبِدي حملتْ كَبْدهْ
فلما صارَ في حجري
…
يتيمًا مفردًا
(5)
وحْدهْ
تزوجتُ رجاءَ الخيـ
…
ــــــــــرِ منْ يكفيني فقدهْ
ومن يُظهرُ لي الودَّ
(6)
…
ومنْ يحسنُ لي رِفدهْ
فقال شريح:
قَدْ سمعَ القاضي ما قلتما ثمَ قضى
…
وعلى القاضي جهدٌ إنْ غفلٍ
(7)
قالَ للجدةِ: بِيني بالصبي
…
وخذي ابنكِ منْ ذاتِ العللِ
إنها لو صبرتْ كانَ لها
…
قبلَ دعوى ما تبتغيه للبدلِ
(8)
فقضى به للجدة.
وقال عبد الرزاق
(9)
: حدَّثنا معمر بن عون، عن إبراهيم، عن شريح أنه قضى على رجل باعترافه فقال: يا أبا أمية قضيت على بغير بينة، فقال شريح: أخبرني ابن أخت خالتك.
(1)
في الأصل (وأنت المستعان به) وما هنا عن الطبقات.
(2)
في الأصل (جده ابن وأم) وما هنا عن الطبعات.
(3)
في الأصل (الفيه) وهو تحريف وما هنا عن الطبقات.
(4)
في الطبقات: ولا تبطرني.
(5)
في الطبقات: ضائعًا.
(6)
في الطبقات: وده
…
ومن يكفل
…
(7)
في الطبقات: وقضى بينكما ثم فصل.
(8)
في الطبقات: قبل دعواها تبغيها البدل.
(9)
سير أعلام النبلاء (4/ 105).
وقال علي بن الجعد
(1)
: أنبأنا المسعودي عن أبي حصين قال: سئل شريح عن شاة تأكل الذُّباب فقال: علف مجَّان ولبن طيب.
وقال الإمام أحمد
(2)
: حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن أبي حيان التيمي، حدَّثنا أبي قال: كان شريح إذا مات لأهله سنَّور أمر بها فألقيت في جوف داره، ولم يكن له مثعب
(3)
شارع إلا في جوف داره يفعل ذلك اتقاء أن تؤذي المسلمين - يعني أنه يلقي السنَّور في جوف داره لئلا تؤذي بنتن ريحها المسلمين -، وكان ميازيب أسطحة داره في جوف الدار لئلا يؤذي بها المارة من المسلمين.
وقال الرياشي
(4)
: قال رجل لشريح: إن شأنك لشوين. فقال له شريح: أراك تعرف نعمة الله على غيرك وتجهلها في نفسك.
وقال الطبراني
(5)
: حدَّثنا أحمد بن يحيى ثعلب
(6)
النحوي، حدَّثنا عبد الله بن شبيب قال: حدَّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن زياد بن سمعان. قال: كتب شريح إلى أخ له هرب من الطاعون: أما بعد فإنك والمكان الذي أنت فيه والمكان الذي خرجت منه بعين من لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب، والمكان الذي خلفتا
(7)
لم يعد أمرًا لكمامه ومن تظلمه أيامه. وإنك وإياهم لعلى بساط واحد، وإن المنتجع من ذي قدرة لقريب.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة
(8)
: حدَّثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، عن الشعبي، عن شريح أن عمر كتب إليه: إذا جاءك الشيء من كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه رجاء ما ليس في كتاب الله، وانظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذْ به، وفي رواية: فانظر فيما قضى به الصالحون، فإن لم يكن فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، وما أرى التأخر إلا خيرًا، والسلام.
وقال شريح: كنت مع علي في سوق الكوفة فانتهى إلى قاصٍّ يقص فوقف عليه وقال: أيها القاص! تقص ونحن قريبوا العهد. أما إني سائلك فإن تجب فما سألتك وإلّا أدبتك، فقال القاص: سل يا أمير المؤمنين عما شئت، فقال علي: ما ثبات الإيمان وزواله؟ قال القاص: ثبات الإيمان
(1)
حلية الأولياء (4/ 148).
(2)
الخبر في حلية الأولياء (4/ 148).
(3)
المثعب: مسيل الماء في السطح.
(4)
حلية الأولياء (4/ 149).
(5)
الخبر في تاريخ دمشق (23/ 21).
(6)
في الأصل: تغلب، وهو خطأ.
(7)
العبارة في الوفيات لابن خلكان (2/ 463): الذي لم يعجل امرءًا جمامه ولم يظلمه أيامه.
(8)
الخبر في تاريخ دمشق (23/ 21).
الورع وزواله الطمع. قال علي: فذلك فقص. قيل: إن هذا القاص هو نوف البكالي
(1)
.
وقال رجل لشريح: إنك لتذكر النعمة في غيرك وتنساها في نفسك، قال: إني والله لأحسدك على ما أرى بك. قال: ما نفعك الله بهذا ولا ضرني
(2)
.
وروى جرير عن الشيباني، عن الشعبي قال: اشترى عمر فرسًا من رجل على أن ينظر إليه، فأخذ الفرس فسار به فعطب، فقال لصاحب الفرس: خذ فرسك، فقال: لا! قال: فاجعل بيني وبينك حكمًا، قال الرجل: نعم! شريح، قال عمر: ومن شريح؟ قال: شريح العراقي، قال: فانطلقا إليه فقصّا عليه القصّة، فقال: يا أمير المؤمنين ردّ كما أخذت أو خذ بما ابتعته، فقال عمر: وهل القضاء إلا هذا؟ سر إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها، فإنه لأول يوم عرفه يومئذ
(3)
.
وقال هشام بن محمد الكلبي
(4)
: حدَّثني رجل من ولد سعد بن [أبي] وقاص قال: كان لشريح ابن يدعو الكلاب
(5)
ويهارش بين الكلاب، فدعا بدواة وقرطاس فكتب إلى مؤدبه فقال:
تركَ الصلاةَ لأكلبٍ يسعى بها
…
طلبَ الهراشَ مع الغواةِ الرجّسِ
فإذا أتاكَ فعفَّهُ بملامة
…
وعظهُ موعظةِ الأديبِ الأكيسِ
فإذا هممت بضربهِ فبدرّةٍ
…
فإذا ضربتَ بها ثلاثًا فاحبسِ
واعلم بأنكَ ما أتيتَ فنفسُه
…
معَ ما تجرّ عني أعزُّ الأنفسِ
وروى شريح، عن عمر، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:"يا عائشة {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [الأنعام: 159] إنهم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، إن لكل صاحب ذنب توبة، إلا أصحاب الأهواء والبدع، أنا منهم بريء وهم مني براء"
(6)
.
وهذا حديث ضعيف غريب رواه محمد بن مصفى، عن بقية، عن شعبة - أو غيره - عن مجالد، عن الشعبي، وانما تفرد به بقيّة بن الوليد من هذا الوجه وفيه علة أيضًا.
وروى محمد بن كعب القرظي، عن الحسن، عن شريح، عن عمر بن الخطاب. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنكم ستغربلون حتى تصيروا في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وخربت أمانتهم" فقال قائل: فكيف بنا يا رسول الله؟ فقال: "تعملون بما تعرفون وتتركون
(1)
حلية الأولياء (4/ 149).
(2)
المصدر نفسه.
(3)
حلية الأولياء (4/ 149).
(4)
الخبر في تاريخ دمشق (23/ 50 - 51) وحلية الأولياء (4/ 149 - 150).
(5)
في الحلية (4/ 136): يدع الكتاب ويهارش الكلاب.
(6)
الحديث في المعجم الصغير للطبراني (1/ 203) وحلية الأولياء (4/ 150) وقال المؤلف رحمه الله في تفسيره: ولا يصح رفعه.
ما تنكرون، وتقولون: أحدٌ أحدٌ، انصرنا على من ظلمنا واكفنا من بغانا"
(1)
.
وروى الحسن بن سفيان، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الجبار بن وهب، عن عبد الله السُّلمي عن شريح، قال: حدَّثني البدريون منهم عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من شاب يدع لذّة الدنيا ولهوها ويستقبل بشبابه طاعة الله تعالى إلا أعطاه الله تعالى أجر اثنين وسبعين صدِّيقًا، ثم قال: يقول الله تعالى: أيها الشاب التارك شهوته من أجلي، المبتذل شبابه لي، أنت عندي كبعض ملائكتي" وهذا حديث غريب
(2)
.
وقال أبو داود
(3)
: حدَّثنا صدقة بن موسى، حدَّثنا أبو عمران الجوني، عن قيس بن زيد - وقال أبو داود: أو عن زيد بن قيس - عن قاضي المصرين شريح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى يدعو صاحب الدَّين يوم القيامة فيقول: يا بن آدم فيم أضعت حقوق الناس؟ فيم أذهبت أموالهم؟ فيقول: يا رب لم أفسده ولكن أصبت إما غرقًا وإما حرقًا، فيقول الله سبحانه: أنا أحق من قضى عنك اليوم، فترجح حسناته على سيئاته فيؤمر به إلى الجنة". لفظ أبي داود ورواه يزيد بن هارون عن صدقة به وقال فيه: "فيدعو الله بشيء فيضعه في ميزانه فيثقل" ورواه الطبراني من طريق أبي نعيم، عن صدقة به، ورواه الطبراني أيضًا عن حفص بن عمر وأحمد بن داود المكي قالا: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا صدقة به، والله سبحانه وتعالى أعلم.
عبد الرحمن
(4)
بن غنْم
(5)
، الأشعري، نزيل فلسطين، وقد روى عن جماعة من الصحابة وقيل إن له صحبة وفد بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام ليفقه أهلها في الدِّين وكان من العبَّاد الصالحين.
جنادة بن [أبي] أمية
(6)
، الأزدي، شهد فتح مصر، وكان أميرًا على غزو البحر لمعاوية، وكان موصوفًا بالشجاعة والخير، توفي بالشام وقد قارب الثمانين.
(1)
الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (6252) وأبو نعيم في الحلية (4/ 151) وإسناده ضعيف، ولبعضه شواهد.
(2)
أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (4/ 151).
(3)
مسند أبي داود الطيالسي (1326)، وهو بسنده ومتنه في مسند الإمام أحمد (1/ 197)، وحلية الأولياء (4/ 141) وهو حديث ضعيف.
(4)
في ط: عبد الله؛ خطأ والتصحيح من مصادر الترجمة.
(5)
ترجمة - عبد الرحمن بن غنم - في طبقات ابن سعد (7/ 441) وتاريخ خليفة (277) والمعرفة والتاريخ (2/ 309) والاستيعاب (2/ 424) وتاريخ دمشق (35/ 311 - 322) وأسد الغابة (3/ 371) وتهذيب الكمال (11/ 331) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 476 - 477) وسير أعلام النبلاء (4/ 45 - 46) التهذيب (6/ 250 - 251) والإصابة (3/ 97 - 98) والنجوم الزاهرة (1/ 198) وشذرات الذهب (1/ 320).
(6)
ترجمة - جنادة بن أبي أمية - في طبقات ابن سعد (7/ 439) وتاريخ خليفة (180) والاستيعاب (1/ 242) وتاريخ دمشق لابن عساكر (11/ 287) وتهذيبه (3/ 409) وأسد الغابة (1/ 298) وتهذيب الكمال (5/ 133) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 383 - 384) وسير أعلام النبلاء (4/ 62) والوافي بالوفيات (11/ 192) والإصابة (1/ 245) وشذرات الذهب (1/ 88).
العلاء بن زياد
(1)
، البصري، كان من العبّاد الصالحين من أهل البصرة، وكان كثير الخوف والورع، وكان يعتزل في بيته ولا يخالط الناس، وكان كثير البكاء، لم يزل يبكي حتى عمي، وله مناقب كثيرة، توفي بالبصرة في هذه السنة.
قلت: إنما كان معظم بكاء العلاء بن زياد بعد تلك الرؤيا التي رآها له رجل من أهل الشام أنه من أهل الجنة، فقال له العلاء: أما أنت يا أخي فجزاك الله عن رؤياك لي خيرًا، وأما أنا فقد تركتني رؤياك لا أهدأ بليل ولا نهار، وكان بعدها يطوي الأيام لا يأكل فيها شيئًا وبكى حتى كاد يفارق الدنيا، ويصلي لا يفتر، حتى جاء أخوه إلى الحسن البصري فقال: أدرك أخي فإنه قاتل نفسه، يصوم لا يفطر، ويقوم لا ينام، ويبكي الليل والنهار لرؤيا رآها بعض الناس له أنه من أهل الجنة، فجاء الحسن فطرق عليه بابه فلم يفتح، فقال له: افتح فإني أنا الحسن، فلما سمع صوت الحسن فتح له، فقال له الحسن: يا أخي الجنة وما الجنة للمؤمن، إن للمؤمن عند الله ما هو أفضل من الجنة، فقاتل أنت نفسك؟ فلم يزل به حتى أكل وشرب وقصر عما كان فيه قليلًا.
وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه أتاه آت في مقامه فأخذ بناصيته وقال: يا غلام قم فاذكر الله يذكرك. فما زالت تلك الشعرات التي أخذ بها قائمة حتى مات.
وقد قيل: إنه كان يرفع له إلى الله كل يوم من العمل الصالح بقدر أعمال خلق كثير من الناس كما رأى ذلك بعض أصحابه في المنام.
وقال العلاء: نحن قوم وضعنا أنفسنا في النار فإن شاء الله أن يخرجنا منها أخرجنا. وقال: كان رجل يرائي بعمله فجعل يشمر ثيابه ويرفع صوته إذا قرأ، فجعل لا يأتي على أحد إلا سبَّه، ثم رزقه الله الإخلاص واليقين فخفض من صوته وجعل صلاحه بينه وبين الله، فجعل لا يأتي على أحد بعد ذلك إلا دعا له بخير.
سراقة بن مرادس
(2)
، الأزدي، كان شاعرًا مطبقًا، هجا الحجاج فنفاه إلى الشام فتوفي بها.
النابغة الجعدي
(3)
الشاعر.
(1)
ترجمة - العلاء بن زياد - في طبقات ابن سعد (7/ 217) والمعرفة والتاريخ (2/ 93) وحلية الأولياء (2/ 242) وسير أعلام النبلاء (4/ 202) والنجوم الزاهرة (1/ 202).
(2)
ترجمة - سراقة بن مرداس - في أنساب الأشراف (5/ 169 و 170) ومواضع أخرى والعقد الفريد (2/ 170) وتاريخ دمشق (20/ 153) وتهذيبه (6/ 71 - 73) والأخبار الطوال (302) وتاريخ الاسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 407 - 408) والوافي بالوفيات (15/ 132 - 133).
(3)
ترجمة - النابغة الجعدي - في الشعر والشعراء (1/ 208 - 214) وطبقات الشعراء لابن سلام (103 - 109) ومعجم الشعراء للمرزباني (321) وأنساب الأشراف (1/ 62 و 3/ 263) وتاريخ خليفة (177) والعقد الفريد (2/ 52 و 96) ومواضع أخرى، والاستيعاب (3/ 581 - 593) والأغاني (5/ 1 - 34) ووفيات الأعيان (2/ 50 و 177=
السائب بن يزيد الكندي
(1)
، توفي في هذه السنة.
سفيان بن سلمة
(2)
، الأسدي.
معاوية بن قرة
(3)
، البصري.
زر بن حبيش
(4)
.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين
ففيها وقع طاعون عظيم بالشام حتى كادوا يفنون من شدته، ولم يغز فيها أحد من أهل الشام لضعفهم وقلتهم، ووصلت الروم فيها أنطاكية فأصابوا خلقًا من أهلها لعلمهم بضعف الجنود والمقاتلة.
وفيه غزا عبيد الله بن أبي بكرة رُتبيل ملك الترك حتى أوغل في بلاده، ثم صالحه على مال يحمله إليه في كل سنة
(5)
.
= و 5/ 193). وأسد الغابة (5/ 2 - 4) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 258 - 260) وديوان النابغة الجعدي ط: المكتب الإسلامي، جمعته ماريا نللينو.
(1)
ترجمة - السائب بن يزيد الكندي - في تاريخ خليفة (280) وتاريخ البخاري (4/ 150) والاستيعاب (2/ 576) وتاريخ دمشق (20/ 106) وتهذيبه (6/ 63) وأسد الغابة (2/ 257) وتهذيب الكمال (10/ 193 - 196) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 363 - 366) وسير أعلام النبلاء (3/ 437 - 439) والوافي بالوفيات (15/ 104) وتهذيب التهذيب (3/ 450) والإصابة (2/ 12) وشذرات الذهب (1/ 99).
وذكر الذهبي في تاريخ الإسلام الخلاف في سنة وفاته وهي ما بين سنة إحدى وتسعين وأربع وتسعين. وذكره هنا وهم والله أعلم وأحكم.
(2)
لم أجد له ترجمة فيما لدي من المصادر.
(3)
ترجمة - معاوية بن قرة - في طبقات ابن سعد (7/ 221) وتاريخ خليفة (257) وطبقاته (207) وتاريخ البخاري (7/ 330) وتهذيب الكمال (28/ 210) وسير أعلام النبلاء (5/ 153 - 155) وتهذيب التهذيب (10/ 216).
(4)
ترجمة - زر بن حبيش - في طبقات ابن سعد (6/ 104) وتاريخ خليفة (288) وطبقاته (140) والاستيعاب (2/ 563) وحلية الأولياء (4/ 181 - 191) وتهذيب تاريخ دمشق (5/ 377 - 379) وأسد الغابة (2/ 300) وتهذيب الكمال (9/ 335 - 339) ووفيات الأعيان (3/ 9) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 66 - 68) وسير أعلام النبلاء (4/ 166 - 170) والوافي بالوفيات (14/ 190 - 191) وتهذيب التهذيب (3/ 321 - 322) والإصابة (1/ 577) وشذرات الذهب (1/ 91 و 102).
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام والسير: قال أبو عبيد: مات زر سنة إحدى وثمانين وقال خليفة، والفلاس: سنة اثنتين. وكل التراجم بعد ترجمة جابر بن عبد الله زيادة من ط.
(5)
من قوله: ثم صالحه
…
إلى هنا ساقط من أ وحدها والخبر اختصار لما في الطبري (6/ 322 - 323) وابن الأثير (4/ 450 - 451).
وفيها قتل عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين الحارثَ بن سعيد المتنبئ الكذاب
(1)
، ويقال له: الحارث بن عبد الرحمن بن سعد
(2)
الدمشقي، مولى أبي الجلاس العبدري، ويقال مولى الحكم بن مروان
(3)
، كان أصله من الحولة، فنزل دمشق، وتعبد بها وتنسك وتزهد، ثم مكر به ورجع القهقرى على عقبيه، وانسلخ من آيات الله تعالى، وفارق حزب الله المفلحين، وأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولم يزل الشيطان يزج في قفاه حتى أخسره دينه ودنياه وأخراه وأشقاه فيهما وأخزاه. فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله [ولا حول ولا قوة إلا بالله].
قال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدَّثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي
(4)
، حدَّثنا محمد بن مبارك، نبأنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن حسان قال: كان الحارث الكذاب من أهل دمشق، وكان مولى لأبي الجلاس، وكان له أب بالحُوْلَة
(5)
، فعرض له إبليس، كان رجلًا متعبدًا زاهدًا لو لبس جبة من ذهب لرؤيت عليه الزهادة والعبادة، قال: وكان إذا أخذ بالتحميد لم يسمع السَّامعون مثل تحميده ولا أحسن من كلامه، فكتب إلى أبيه وكان بالحولَة: يا أبتاه أعجل عليّ فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون الشيطان قد عرض لي، قال فزاده أبوه غيًّا على غيه
(6)
، فكتب إليه أبوه: يا بني أقبل على ما أمرت به فإن الله تعالى يقول: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221 - 222] ولست بأفاك ولا أثيم، فامض لما أمرت به، وكان يجيء إلى أهل المسجد رجلًا رجلًا فيذاكرهم أمره ويأخذ عليهم العهد والميثاق إن هو يرى ما يَرْضى وإلا كتم عليه.
قال: وكان يريهم الأعاجيب. كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح [تسبيحًا بليغًا حتى يضج من ذلك الحاضرون].
قلت: وقد سمعت شيخنا العلامة أبا العباس بن تيمية رحمه الله يقول: كان ينقر هذه الرخامة الحمراء التي في المقصورة فتسبح، وكان زنديقًا.
قال ابن أبي خيثمة في روايته: وكان الحارث يطعمهم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في
(1)
ترجمة - الحارث بن سعيد الكذاب - في تاريخ دمشق لابن عساكر (11/ 427 - 431) وتهذيبه (3/ 445) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 386) والوافي بالوفيات (11/ 254) ولسان الميزان (2/ 151).
(2)
في ط: سعيد، وما أثبت عن ب، م وتاريخ دمشق.
(3)
في تاريخ دمشق: مولى مروان بن الحكم.
(4)
في ط: الجولي، وما أثبت عن أ، م وتاريخ دمشق (11/ 428).
(5)
الحولة - بالضم ثم السكون - اسم لناحيتين بالشام إحداهما من أعمال حمص والثانية كورة بين بانياس وصور من أعمال دمشق. معجم البلدان (2/ 323).
(6)
في تاريخ دمشق: فزاده أبوه عناءً.
الشتاء، وكان يقول لهم: اخرجوا حتى أريكم الملائكة، فيخرج بهم إلى دير المرَّان
(1)
فيريهم رجلًا على خيل، فتبعه على ذلك بشر كثير، وفشا أمره في المسجد وكثر أصحابه وأتباعه، حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مُخَيْمرة، قال فعرض على القاسم أمره وأخذ عليه العهد إن هو رضي أمرًا قبله، وإن كرهه كتم عليه، قال فقال له: إنه نبي، فقال القاسم: كذبتَ يا عدو الله، ما أنت نبي، وفي رواية: ولكنك أحد الكذابين الدجالين الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي"
(2)
وأنت أحدهم ولا عهد لك. ثم قام فخرج إلى أبي إدريس - وكان على القضاء بدمشق - فأعلمه بما سمع من الحارث فقال أبو إدريس نعرفه، ثم أعلم أبو إدريس عبد الملك بذلك.
وفي رواية أخرى أن مكحولًا وعبد الله بن أبي زائدة دخلا على الحارث فدعاهما إلى نبوته فكذّباه وردا عليه ما قال، ودخلا على عبد الملك فأعلماه بأمره، فتطلَّبه عبد الملك طلبًا حثيثًا، واختفى الحارث وصار إلى دار بيت المقدس يدعو إلى نفسه سرًا واهتم عبد الملك بشأنه حتى ركب إلى الصِّنَّبْرَّة
(3)
فنزلها فورد عليه هناك رجل من أهل البصرة ممن كان يدخل على الحارث وهو ببيت المقدس فأعلمه بأمره وأين هو، وسأل من عبد الملك أن يبعث معه بطائفة من الجند الأتراك ليحتاط عليه، فأرسل معه طائفة وكتب إلى نائب القدس ليكون في طاعة هذا الرجل ويفعل ما يأمره به، فلما وصل الرجل إلى بيت المقدس بمن معه انتدب الوالي لخدمته، فأمره أن يجمع ما يقدر عليه من الشموع ويجعل مع كل رجل شمعته، فإذا أمرهم بإشعالها في الليل أشعلوها كلهم في سائر الطرق والأزقة حتى لا يخفى أمره، وذهب الرجل بنفسه فدخل الدار التي فيها الحارث فقال لبوابه استأذن على نبي الله، فقال: في هذه الساعة لا يؤذن عليه حتى يصبح، فصاح البصري أسرجوا، فأسرج الناس شموعهم حتى صار الليل كأنه النهار، وهجم البصري على الحارث فاختفى منه في سرب هناك فقال أصحابه هيهات يريدون أن يصلوا إلى نبي الله، إنه قد رفع إلى السماء، قال فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا بثوبه فاجتره فأخرجه، ثم قال للفرغانيين من أتراك الخليفة: تسلَّموا. قال: فأخذوه فربطوه وقيدوه، فيقال: إن القيود والجامعة سقطت من عنقه مرارًا ويعيدونها، وجعل يقول:{قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50] وقال لأولئك الأتراك {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28]؟ فقالوا له بلسانهم ولغتهم: هذا كراننا فهات كرانك، أي: هذا قرآننا فهات قرآنك، فلما انتهوا به إلى عبد الملك
(1)
دير مُرّان - بضم الميم وتشديد الراء - دير بالقرب من دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران .. معجم البلدان (2/ 533).
(2)
الحديث أخرجه البخاري في صحيحه رقم (3609) في المناقص، ومسلم في صحيحه رقم (157)(84) في الفتن وأشراط الساعة.
(3)
في ط: النصرية؛ تحريف، والصِّنَّبْرَة - بالكسر ثم الفتح والتشديد ثم سكون الباء الموحدة وراء - موضع بالأردن بينه وبين طبرية ثلاثة أميال، كان معاوية يشتوبها معجم البلدان (3/ 425).
أمر بصلبه على خشبة وأمر رجلًا فطعنه بحربة فانثنت في ضلع من أضلاعه، فقال له عبد الملك: ويحك أذكرت اسم الله حين طعنته؟ فقال: نسيت، فقال: ويحك سمِّ الله ثم اطعنه، قال فذكر اسم الله ثم طعنه فأنفذه، وقد كان عبد الملك حبسه قبل صلبه وأمر رجالًا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا الذي به من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم فصلبه بعد ذلك، وهذا من تمام العدل والدين. وقد قال الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، فحدَّثني منْ سمع عتبة الأعور يقول: سمعت العلاء بن زياد العدوي يقول: ما غبطت عبد الملك بشيء من ولايته إلا بقتله حارثًا، حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، فمن قاله فاقتلوه، ومن قتل منهم أحدًا فله الجنة"
(1)
.
وقال الوليد بن مسلم: بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك لو حضرتُكَ ما أمرتُكَ بقتله، قال: ولم؟ قال: إنه إنما كان به المذهَّب
(2)
فلو جَوَّعْتَه
(3)
لذهب ذلك عنه.
وقال الوليد، عن المنذر بن نافع، سمعت خالد بن اللَّجْلاج يقول لغَيْلان: ويحك يا غَيْلان، ألم تأخذك في شبيبتك ترامي النساء في شهر رمضان بالتفاح، ثم صرت حارثيًا تُحجب امرأته وتزعم أنها أم المؤمنين ثم تحولت فصرت قدريًا زنديقًا
(4)
؟.
وفيها غزا عُبيد الله بن أبي بكرة رُتبيل ملك الترك الأعظم فيهم، وقد كان يصانع المسلمين تارة ويتمرد أخرى، فكتب الحجاج إلى عبيد الله بن أبي بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين حتى تستبيح أرضه وتهدم قلاعه وتقتل مقاتلته، فخرج في جمع من الجنود من بلاده وخلق من أهل البصرة والكوفة ثم التقى مع رُتبيل ملك الترك فكسره وهدم أركانه بسطوة بتَّارة، وجاس ابن أبي بكرة وجنده خلال ديارهم، واستحوذ على كثير من أقاليمه ومدنه وأمصاره، وتبَّر ما هنالك تتبيرًا، ثم إن رتبيل تقهقر منه وما زال يتبعه حتى اقترب من مدينته العظمى، حتى كانوا منها على ثمانية عشر فرسخًا وخافت الأتراك منهم خوفًا شديدًا، ثم إن الترك أخذت عليهم الطرق والشعاب وضيقوا عليهم المسالك حتى ظن كلٌّ من المسلمين أنه لا محالة هالك، فعند ذلك طلب عبيد الله أن يصالح رُتبيل على أن يدفع إليه سبعمئة ألف
(5)
، ويفتحوا للمسلمين طريقًا يخرجون منه ويرجعون عنهم إلى بلادهم، فانتدب شُرَيح بن هانئ - وكان صحابيًا، وكان من أكبر أصحاب علي وهو المقدم على أهل الكوفة - فندب الناس إلى القتال والمصابرة والنزال والجلاد بالسيوف والرماح والنبال، فنهاه عبيد الله بن أبي بكرة فلم ينته، وأجابه
(1)
تاريخ دمشق (11/ 427). والشطر الأول من الحديث صحيح تقدم قبل قليل.
(2)
في تاريخ دمشق: إن معه شيطانًا يقال له المذهَّب.
(3)
في ب: فلو جزعته.
(4)
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 389).
(5)
في ب: ستمئة ألف، وما أثبت يوافق الطبري (6/ 323) وابن الأثير (4/ 450).
شرذمة
(1)
من الناس من الشجعان وأهل الحفائظ، فما زال يقاتل بهم الترك حتى فني أكثر المسلمين رضي الله عنهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قالوا وجعل شُرَيح بن هانئ يرتجز يومئذٍ، ويقول:
أصبحتُ ذا بثٍّ أقاسي الكِبَرَا
…
قدْ عِشتُ بينَ المشرِكينَ أعصُرا
ثمَّ
(2)
أدركتُ النبيَّ المنْذِرا
…
وَبعدَهُ صِدّيقَهُ وعُمَرَا
ويومَ مهرانَ ويومَ تُسْتُرا
…
والجْمعَ في صِفّينِهِمْ والنَّهَرا
(3)
هَيْهات ما أطولَ هذا عُمُرا
ثم قاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ورضي الله عنه، وقُتل معه خلق من أصحابه، ثم خرج من خرج من الناس صحبة عبيد الله بن أبي بكرة من أرض رُتبيل، وهم قليل، وبلغ ذلك الحجاج فأخذ ما تقدم وما تأخر، وكتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك ويستشيره في بعث جيش كثيف إلى بلاد رتبيل لينتقموا منه بسبب ما حلَّ بالمسلمين في بلاده، فحين وصل البريد إلى عبد الملك كتب إلى الحجاج بالموافقة على ما رأى من المصلحة في ذلك، [وأن يعجل ذلك سريعًا، فحين وصل البريد إلى الحجاج بذلك أخذ في جمع الجيوش، فجهز جيشًا كثيفًا لذلك على ما سيأتي تفصيله في السنة الآتية بعدها. [وقيل: إنه قتل من المسلمين مع شريح بن هانئ ثلاثون ألفًا وابتيع الرغيف مع المسلمين بدينار وقاسوا شدائد، ومات بسبب الجوع منهم خلق كثير أيضًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد قتل المسلمون من الترك خلقًا كثيرًا أيضًا قتلوا أضعافهم]
(4)
.
ويقال إنه في هذه السنة استعفى شريح من القضاء فأعفاه الحجاج من ذلك، وولى مكانه أبا بردة بن أبي موسى الأشعري
(5)
، [وقد تقدمت ترجمة شريح عند وفاته في السنة الماضية، والله أعلم].
قال الواقدي وأبو معشر وغير واحد من أهل السير: وحجَّ بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
وفي هذه السنة قتل قَطَري بن الفُجاءة التميمي أبو نعامة الخارجي
(6)
، وكان من الشجعان المشاهير أيضًا، ويقال إنه مكث عشرين سنة يسلم عليه أصحابه من الخوارج بالخلافة، وقد جرت له خطوب وحروب مع جيش المهلب بن أبي صفرة من جهة الحجاج وغيره، وقد قدمنا منها طرفًا صالحًا في أماكنه،
(1)
في الطبري وابن الأثير: فاتبعه ناس من المقطوعة غير كثير وفرسان الناس وأهل الحفاظ.
(2)
في ابن الأثير: ثمة أدركنا.
(3)
بعده في الطبري وابن الأثير:
"ويا جميرات مع المشقّرا"، وليس المصراع في ابن الأعثم.
(4)
ما بين معكوفين: زيادة من ط.
(5)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 324) وابن الأثير (4/ 452).
(6)
تاريخ الطبري (6/ 318) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 336).
[وكان خروجه في زمن مصعب بن الزبير، وتغلب على قلاع كثيرة وأقاليم وغيرها، ووقائعه مشهورة، وقد أرسل إليه الحجاج جيوشًا كبيرة فهزمها، وقيل إنه برز إليه رجل من بعض الحرورية وهو على فرس أعجف وبيده عمود حديد، فلما قرب منه كشف قَطَري عن وجهه فولى الرجل هاربًا فقال له قَطَري إلى أين؟ أما تستحي أن تفر ولم تر طعنًا ولا ضربًا؟ فقال إن الإنسان لا يستحي أن يفر من مثلك، ثم إنه في آخر أمره توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في جيش فاقتتلوا بطبرستان، فعثر بقطري فرسه فوقع إلى الأرض فتكاثروا عليه فقتلوه وحملوا رأسه إلى الحجاج، وقيل إن الذي قتله سَوْرةُ بن أبجَر الدارمي
(1)
، وكان قَطري بن الفُجاءة مع شجاعته المفرطة وإقدامه من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة وجودة الكلام والشعر الحسن] ومن مستجاد شعره قوله يشجع نفسه وغيره ومن سمعها انتفع بها:
أقولُ لها وقد طارت شعاعًا
…
من الأبطالِ ويحكِ لنْ تُراعي
فإنكِ لو سألتِ
(2)
بقاء يومٍ
…
على الأجَلِ الذي لكِ لم تُطاعي
فصبْرًا في مجالِ الموتِ صبرًا
…
فما نَيْلُ الخلودِ بمستطاعِ
ولا ثوبُ الحياةِ بثوبِ عزٍّ
…
فيُطوى عن أخي الخنَع اليَراعِ
سبيلُ الموتِ غايةُ كلِّ حيٍ
…
وداعيهِ لأهلِ الأرضِ داعِ
ومنْ لا يُعتَبَطْ
(3)
يسأم ويَهْرمْ
…
وتُسْلِمهُ المنونُ إلى انقطاع
وما للمرءِ خيرٌ في حياةٍ
…
إذا ما عُدَّ منْ سَقَطِ المتاعِ
ذكرها صاحب الحماسة واستحسنها ابن خلكان في تاريخه
(4)
كثيرًا.
[وفيها توفي:
عبيد الله بن أبي بكرة
(5)
رحمه الله وهو أمير الجيش الذي دخل بلاد الترك وقاتلوا رُتبيل ملك الترك، وقد قتل من جيشه خلق كثير مع شريح بن هانئ كما تقدم ذلك، وقد دخل عبيد الله بن أبي بكرة على الحجاج مرة وفي يده خاتم فقال له الحجاج: وكم ختمت بخاتمك هذا؟ قال على أربعين ألف ألف دينار، قال ففيم أنفقتها؟ قال: في اصطناع المعروف، ورد الملهوف، والمكافأة بالصَّنَاع، وتزويج العقائل.
(1)
في الطبري: سورة بن أبجر التميمي، وفي ابن الأثير: سورة بن الحر التميمي.
(2)
في ط: "طلبت"، وما أثبتناه من م ووفيات الأعيان وتاريخ الإسلام.
(3)
في ط: "فمن لا يغتبط"، وما أثبتناه من م ووفيات الأعيان وتاريخ الإسلام.
(4)
الأبيات في وفيات الأعيان لابن خلكان (4/ 95) وشعر الخوارج (122 - 123) وأمالي المرتضى (1/ 636) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 511).
(5)
ترجمة - عبيد الله بن أبي بكرة - في طبقات ابن سعد (7/ 190) وتاريخ خليفة (210) وطبقاته (203) وتاريخ دمشق لابن عساكر (38/ 129 - 142) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 477) وسير أعلام النبلاء (4/ 138) والنجوم الزاهرة (1/ 202) وشذرات الذهب (1/ 325).
وقيل: إن عبيد الله عطش يومًا فأخرجت له امرأة كوز ماءً بارد فأعطاها ثلاثين ألفًا، وقيل إنه أهدي إليه وصيف ووصيفة وهو جالس بين أصحابه فقال لبعض أصحابه خذهما لك، ثم فكر وقال: والله إن إيثار بعض الجلساء على بعض لشح قبيح ودناءة رديئة، ثم قال يا غلام ادفع إلى كل واحد من جلسائي وصيفًا ووصيفة، فأحصي ذلك فكانوا ثمانين وصيفًا، ووصيفة توفي عبيد الله بن أبي بكرة ببست
(1)
، وقيل بذرخ، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحلم، والحمد لله رب العالمين]
(2)
.
ثم دخلت سنة ثمانين من الهجرة النبوية
فيها كان السيل الجحاف
(3)
بمكة، لأنه جحف على كل شيء مر به، وحمل الحُجَّاج من بطن مكة والجمال بما عليها، والرجال والنساء لا يستطيع أحد أن ينقذهم منه [وبلغ الماء إلى الحجون، وغرق خلق كثير، وقيل إنه ارتفع حتى كاد أن يغطي البيت، والله أعلم].
وحكى ابن جرير
(4)
عن الواقدي أنه قال: كان بالبصرة في هذه السنة الطاعون، والمشهور أنه كان في سنة تسع وستين كما تقدم.
وفيها قطع المهلَّب بن أبي صفرة نهر بلخ، وأقام بكش
(5)
سنتين صابرًا مصابرًا للأعداء من الأتراك، وجرت له معهم هناك فصول يطول ذكرها، وفد عليه في غضون هذه المدة كتاب ابن الأشعث بخلعه الحجاج، فبعثه المهلب برمته إلى الحجاج حتى قرأه ثم كان ما سيأتي بيانه وتفصيله في السنين الآتية من حروب ابن الأشعث.
وفي هذه السنة جَهَّز الحجاج الجيوش من البصرة والكوفة وغيرهما لقتال رُتبيل ملك الترك اقتصاصًا لمن قتل من أصحاب عبيد الله بن أبي بكرة في السنة الماضية، فجهّز أربعين ألفًا من كلٍّ من المصرينِ عشرين ألفًا، وأمَّر على الجميع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع أنه كان الحجاج يبغضه جدًّا، حتى قال ما رأيته قط إلا هممت بقتله، ودخل ابن الأشعث يومًا على الحجَّاج وعنده عامر الشعبي
(6)
فقال انظر
(1)
بست - بالضم - مدينة بين سجستان وغزنين وهراة، وأظنها من أعمال كابل. معجم البلدان (1/ 414).
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
نقل محقق تاريخ مكة للأزرقي (2/ 118) عن البلاذري قوله: سيل الجحاف والجراف أيضًا، والجحاف والجراف بمعنى واحد وهو الذي يجرف كل شيء ويذهب به.
وذكر الأزرقي أن الناس رقوا في الجبال، واعتصموا بها، فسمي بذلك الجحاف، وكان يوم الإثنين يوم التروية.
(4)
تاريخ الطبري (6/ 325).
(5)
كَشُّ - بالفتح ثم التشديد؛ قرية على ثلاث فراسخ من جرجان على جبل. معجم البلدان (4/ 462).
(6)
هو عامر بن شراحيل الشعبي، من التابعين، اتصل بعبد الملك بن مروان فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك الروم سنة 103 هـ بالكوفة. تهذيب التهذيب (5/ 65) وتهذيب تاريخ دمشق (7/ 138).
إلى مشيته والله لقد هممت أن أضرب عنقه، فأسرَّها الشعبي إلى ابن الأشعث فقال ابن الأشعث: وأنا والله لأجهدن أن أزيله عن سلطانه إن طال بي وبه البقاء. والمقصود أن الحجاج أخذ في استعراض هذه الجيوش وبذل فيهم العطاء ثم اختلف رأيه فيمن يؤمِّر عليهم، ثم وقع اختياره على عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقدّمه عليهم، فأتى عمه إسماعيل بن الأشعث فقال للحجاج: إني أخاف أن تؤمره فلا ترى لك طاعة إذا جاوز جسر الفرات
(1)
، فقال: ليس هو هنالك هو لي أهيب، ومني أرغب أن يخالف أمري أو يخرج عن طاعتي، فأمضاه عليهم، فسار ابن الأشعث بالجيوش نحو أرض رتبيل، فلما بلغ رُتبيل مجيء ابن الأشعث بالجنود إليه كتب إليه يعتذر مما أصاب المسلمين في بلاده في السنة الماضية، وأنه كان لذلك كارهًا، وأن المسلمين هم الذين ألجؤوه إلى قتالهم، وسأل من ابن الأشعث أن يصالحه وأن يبذل للمسلمين الخراج، فلم يجبه ابن الأشعث إلى ذلك، وصمم على دخول بلاده، وجمع رُتبيل جنوده وتهيأ للحرب، وجعل ابن الأشعث كلما دخل بلدًا أو مدينة أو أخذ قلعة من بلاد رُتبيل استعمل عليها نائبًا من جهته وجعل معه من يحفظها له، وجعل المسالح على كل أرض ومكان مخوف، فاستحوذ على بلاد كثيرة من بلاد رُتبيل، وغنم أموالًا كثيرة جزيلة، وسبى خلقًا كثيرة، ثم حبس الناس
(2)
عن التوغل في بلاد رُتبيل حتى يصلحوا ما بأيديهم من البلاد، ويتقووا بما فيها من المغلات والحواصل، ثم يتقدمون في العام المقبل إلى أعدائهم فلا يزالون يجوزون الأراضي والأقاليم حتى يحاصروهم في بلادهم على الكنوز والأموال والذراري حتى يغنموها ثم يقتلون مقاتلتهم، وعزموا على ذلك، وكان هذا هو الرأي، وكتب ابن الأشعث إلى الحجاج يخبره بما وقع من الفتح وما صنع الله لهم، وبهذا الرأي الذي رآه لهم.
وقال بعضهم كان الحجاج قد وجه هِميان بن عديِّ السدوسيّ إلى كرمان مَسلَحة لأهلها ليمد عامل سجستان والسِّند إن احتاجا إلى ذلك، فعصى هِميان ومن معه على الحجاج، فوجه الحجاج إليه ابن الأشعث لمحاربته فهزمه وأقام ابن الأشعث بمن معه، ومات عبيد الله بن أبي بكرة فكتب الحجاج إلى ابن الأشعث بإمرة سجستان مكان ابن أبي بكرة وجهز إليه جيشًا أنفق عليه ألفي ألف سوى أعطياتهم، وكان يدعى هذا الجيش جيش الطواويس، وأمره بالإقدام على رُتبيل فكان من أمره معه ما تقدم.
قال الواقدي وأبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان.
وقال غيرهما: بل حج بهم سليمان بن عبد الملك.
وكان على الصائفة في هذه السنة الوليد بن عبد الملك، وعلى المدينة أبان بن عثمان، وعلى
(1)
في ط: الصراة؛ وما أثبت يوافق الطبري (6/ 328) وابن الأثير (4/ 455).
(2)
في أ وحدها: ثم جرّأ الناس على التوغل
…
وما أثبت يوافق الطبري (6/ 329).
المشرق بكماله الحجاج، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس بن مالك
(1)
.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:
أسلم مولى عمر بن الخطاب
(2)
، وهو أبو زيد بن أسلم أصله من سبي عين التمر اشتراه عمر بمكة لما حج سنة إحدى عشرة، وتوفي وعمره مئة وأربع عشرة سنة، وروى عن عمر عدة أحاديث، وروى عن غيره من أصحابه أيضًا وله مناقب كثيرة رحمه الله.
وجبير بن نفير
(3)
بن مالك الحضرمي، له صحبة ورواية، وكان من علماء أهل الشام وكان مشهورًا بالعبادة والعلم.
توفي بالشام وعمره مئة وعشرون سنة، وقيل أكثر، وقيل أقل.
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب
(4)
، صحابي جليل، ولد بأرض الحبشة وأمه أسماء بنت عميس، وهو آخر من رأى النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وفاة، سكن المدينة، ولما استشهد أبوه جعفر بمؤتة "أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمهم فقال: ائتوني ببني أخي" فأُتي بهم كأنهم أفرخ، فدعا بالحلاق فحلق رؤوسهم ثم قال: "اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقته" فجاءت أمهم فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس لهم شيء، فقال "أنا لهم عوضًا من أبيهم"
(5)
.
وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير وعمرهما سبع سنين، وهذا لم يتفق لغيرهما، وكان عبد الله بن جعفر من أسخى الناس، يعطي الجزيل الكثير ويستقله، وقد تصدق مرة بألفي ألف، وأعطى مرة رجلًا ستين ألفًا، ومرة أعطى رجلًا أربعة آلاف دينار، وقيل إن رجلًا جلب مرة
(1)
تاريخ الطبري (6/ 329 - 330).
(2)
ترجمة - أسلم مولى عمر - في طبقات ابن سعد (5/ 10) وتاريخ خليفة (117) وطبقاته (235) وتهذيب تاريخ دمشق (3/ 9 - 12) وأسد الغابة (1/ 77) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ 361) وسير أعلام النبلاء (4/ 98) والإصابة (1/ 38) وشذرات الذهب (1/ 327).
(3)
ترجمة - جبير بن نفير - في طبقات ابن سعد (7/ 440) وتاريخ خليفة (280) وطبقاته (308) وحلية الأولياء (5/ 33) والاستيعاب (1/ 234) وأسد الغابة (1/ 272) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 381) وسير أعلام النبلاء (4/ 76) والإصابة (1/ 259) وشذرات الذهب (1/ 328).
(4)
ترجمة - عبد الله بن جعفر - في نسب قريش (81 - 82) وتاريخ خليفة (184) وطبقاته (126) والاستيعاب (2/ 275) وأسد الغابة (7/ 328) وتاريخ دمشق (عبد الله بن جابر - عبد الله بن زيد/ 17) وتهذيبه (7/ 328) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 427) وسير أعلام النبلاء (3/ 456) والإصابة (2/ 289) وشذرات الذهب (1/ 326).
(5)
الحديث أخرجه أحمد في مسنده (1/ 204) وأبو داود في سننه (4192) مختصرًا، والنسائي في سننه (8/ 182) وهو حديث صحيح.
سكَّرًا إلى المدينة فكسد عليه فلم يشتره أحد فأمر ابن جعفر قيّمه أن يشتريه وأن يهديه للناس. وقيل: إن معاوية لما حج ونزل في دار مروان قال يومًا لحاجبه: انظر هل ترى بالباب الحسن أو الحسين أو ابن جعفر أو فلانًا - وعدَّ جماعة - فخرج فلم ير أحدًا، فقيل له: هم مجتمعون عند عبد الله بن جعفر يتغدون، فأتى معاوية فأخبره فقال: ما أنا إلا كأحدهم، ثم أخذ عصًا فتوكأ عليها ثم أتى باب ابن جعفر فاستأذن عليه ودخل فأجلسه في صدر فراشه، فقال له معاوية: أين غداؤك يا بن جعفر؟ فقال: وما تشتهي من شيء فأدعو به؟ فقال معاوية: أطعمنا مخًا، فقال يا غلام: هات مخًا، فأتى بصحيفة فأكل معاوية، ثم قال ابن جعفر لغلامه: هات مخًا، فجاء بصحيفة أخرى ملآنة مخًا إلى أن فعل ذلك ثلاث مرات، فتعجب معاوية وقال: يا بن جعفر ما يشبعك إلا الكثير من العطاء، فلما خرج معاوية أمر له بخمسين ألف دينار.
وكان ابن جعفر صديقًا لمعاوية وكان يفد عليه كل سنة فيعطيه ألف ألف درهم، ويقضي له مئة حاجة. ولما حضرت معاوية الوفاة أوصى ابنه يزيد، فلما قدم ابن جعفر على يزيد قال له: كم كان أمير المؤمنين يعطيك كل سنة؟ قال ألف ألف. فقال له: قد أضعفناها لك، وكان يعطيه ألفي ألف كل سنة، فقال له عبد الله بن جعفر: بأبي أنت وأمي ما قلتها لأحد قبلك، ولا أقولها لأحد بعدك، فقال يزيد: ولا أعطاكها أحد قبلي ولا يعطيكها أحد بعدي.
وقيل إنه كان عند ابن جعفر جارية تغنيه تسمى عمارة، وكان يحبها محبة عظيمة، فحضر عنده يزيد بن معاوية يومًا فغنَّت الجارية، فلما سمعها يزيد افتتن بها ولم يجسر على ابن جعفر أن يطلبها منه، فلم يزل في نفس يزيد منها حتى مات أبوه معاوية فبعث يزيد رجلًا من أهل العراق وأمره أن يتطلع في أمر هذه الجارية، فقدم الرجل المدينة ونزل جوار ابن جعفر وأهدى إليه هدايا وتحفًا كثيرة، وأنس به، ولا زال حتى أخذ الجارية وأتى يزيد.
وكان الحسن البصري يذم ابن جعفر على سماعه الغناء واللهو وشرائه المولدات، ويقول: أما يكفيه هذا الأمر القبيح المتلبس به من هذه الأشياء وغيرها؟ حتى زوج الحجاج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الحجاج يقول: إنما تزوجتها لأذل بها آل أبي طالب، وقيل إنه لم يصل إليها، وقد كتب عبد الملك إليه أن يطلقها فطلقها. أسند عبد الله بن جعفر ثلاثة عشر حديثًا.
وأبو إدريس الخولاني
(1)
قاضي دمشق، اسمه عائذ الله بن عبد الله، له أحوال ومناقب، كان يقول: قلب نقي في ثياب دنسة خير من قلب دنس في ثياب نقية، وقد تولى القضاء بدمشق.
وقد ترجمناهم في كتابنا التكميل ولله الحمد
(2)
.
(1)
ترجمة - أبي إدريس الخولاني - في طبقات ابن سعد (7/ 448) وتاريخ خليفة (280) وطبقاته (308) والاستيعاب (4/ 16) وتاريخ دمشق (عاصم - عائذ/ 485) وأسد الغابة (5/ 134) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 542) وسير أعلام النبلاء (4/ 272) والإصابة (3/ 57) وتهذيب تاريخ دمشق (7/ 206) وشذرات الذهب (1/ 327).
(2)
لم يرد في أ، ب قبل هذه العبارة سوى أسماء المترجم لهم آنفًا، وتفصيل الترجمة زيادة من ط، وهي موافقة لمصادرها.
معبد الجهني القدري
(1)
يقال إنه معبد بن عبد الله بن عُكَيْم
(2)
راوي حديث: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"
(3)
. وقيل غير ذلك في نسبه.
سمع الحديث من ابن عباس وابن عمر ومعاوية وعمران بن حصين وغيرهم. وشهد يوم التحكيم، وسأل أبا موسى في ذلك ووصاه، ثم اجتمع بعمرو بن العاص فوصاه في ذلك فقال له: إيهًا تَيس جهينة ما أنت من أهل السر ولا العلانية، وإنه لا ينفعك الحق ولا يضرك الباطل
(4)
. وهذا توسم من عمرو بن العاص فيه، ولهذا كان هو أول من تكلم في القدر، ويقال إنه أخذ ذلك عن رجل من النصارى من أهل العراق يقال له سوسن، وأخذ غيلان
(5)
القدر من معبد.
وقد كانت لمعبد عبادة وفيه زهادة، ووثقه ابن معين وغيره في حديثه
(6)
.
وقال الحسن البصري: إياكم ومعبدًا فإنه ضال مضل.
وكان ممن خرج مع ابن الأشعث فعاقبه الحجاج عقوبة عظيمة بأنواع العذاب ثم قتله.
وقال سعيد بن عفير: بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق ثم قتله.
وقال خليفة بن خياط: مات قبل التسعين، فالله أعلم.
[وقيل: إن الأقرب قتل عبد الملك له، والله سبحانه وتعالى أعلم].
(1)
ترجمة - معبد الجهني - في تاريخ خليفة (1/ 401) ت: سهيل زكار، وتاريخ البخاري (7/ 399) وتاريخ دمشق (59/ 312 - 326) والاستيعاب (3/ 457) وأسد الغابة (4/ 390) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 61 - 80/ ص 528) وسير أعلام النبلاء (4/ 185) والنجوم الزاهرة (1/ 206) وتهذيب التهذيب (10/ 222) والإصابة (3/ 439).
(2)
في ط: "عليم" محرف، وعبد الله بن عكيم من رجال التهذيب، وكذلك معبد.
(3)
رواه أحمد (4/ 310)، وأبو داود (4127)، والترمذي (1729)، وابن ماجه (3613) من حديث عبد الله بن عكيم، وإسناده ضعيف لاضطرابه، وقال الإمام الترمذي:"وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم"(بشار).
(4)
الخبر في سير أعلام النبلاء (4/ 186).
(5)
هو غيلان الدمشقي الذي قال بنفي القَدَر وبالغ فيه، وقد همّ عمر بن عبد العزيز بقتله فتراجع غيلان عن آرائه، وأعلن توبته منها ولكنه عاد إلى الكلام عن نفي القدر وأسرف في ذلك إسرافًا عظيمًا في أيام هشام بن عبد الملك الذي كان شديدًا على القدرية، وقد أظهر غيلان تمسكًا شديدًا بآرائه؛ فأمر به هشام فصلب على باب دمشق. الملل والنحل (1/ 227) الأعلام للزركلي (5/ 124).
(6)
سير أعلام النبلاء (4/ 186).
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين
ففيها فتح عبيد الله بن عبد الملك بن مروان مدينة قاليقلا
(1)
وغنم المسلمون منها غنائم كثيرة.
وفيها قُتِل بُكير بن وشاح قتله بَحِير
(2)
بن وِقاء الصُّريمي وكان هذا من الأمراء الشجعان
(3)
، ثم ثار لبكير بن وشاح رجل من قومه يقال له صعصعة بن حرب العوفي الصريمي، فقتل بَحير بن وقاء الذي قتل بكيرًا، طعنه بخنجر وهو جالس عند المهلب بن أبي صفرة فحمل إلى منزله وهو بآخر رمق، فبعث المهلب بصعصعة إليه، فلما تمكن منه بَحير بن وقاء قال ضعوا رأسه عند رجلي، فوضعوه ثم طعنه بحير بحربته حتى قتله ومات على إثره. وقد قال له أنس بن طلق
(4)
: اعف عنه فقد قتلت بكير بن وشاح، فقال: لا والله لا أموت وهذا حي ثم قتله. وقد قيل إنه إنما قتل بعد موته، فالله أعلم.
فتنة ابن الأشعث
قال أبو مخنف: كان ابتداؤها في هذه السنة، وقال الواقدي: في سنة ثنتين وثمانين، وقد ساقها ابن جرير
(5)
في هذه السنة فوافقناه في ذلك، وكان سبب هذه الفتنة أن ابن الأشعث كان الحجاج يبغضه وكان هو يفهم ذلك ويضمر له السوء وزوال الملك عنه، فلما أمَّره الحجاج على ذلك الجيش المتقدم ذكره، وأمره بدخول بلاد رُتبيل [ملك الترك، فمضى] وصنع ما قدمنا ذكره من أخذه بعض البلاد، ثم رأيه لأصحابه أن يقيموا حتى يتقووا إلى العام المقبل، فكتب إلى الحجاج بذلك فكتب إليه الحجاج يستهجن رأيه في ذلك ويستضعفه ويقرعه بالجبن والنكول عن الحرب، ويأمره حتمًا بدخول بلاد رُتبيل، ثم أردف ذلك بكتاب ثانٍ [ثم ثالثٍ مع البريد، وكتب في جملة ذلك يا بن الحائك الغادر المرتد، امض إلى ما أمرتك به من الإيغال في أرض العدو وإلا حلّ بك ما لا يطاق. وكان الحجاج يبغض ابن
(1)
قاليقلا: مدينة بأرمينية العظمى من نواحي خلاط ثم من نواحي منازجرد. معجم البلدان (4/ 299) والخبر في الطبري (6/ 331) وابن الأثير (4/ 457).
(2)
بحير: بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة، قيده الأمير ابن ماكولا في الإكمال (1/ 198)، وقد وقع في ط:(بجير" بالجيم وهو تصحيف. وأما "وقاء" فهو بكسر أوله ثم قاف، قيده ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ووقع في ط والطبري وابن الأثير: "ورقاء" خطأ. ولبحير بن وقاء ترجمة في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 90)، وسيترجمه المصنف أيضًا في وفيات هذه السنة.
(3)
هكذا قال المصنف، وكأن مراده أن "بكير بن وشاح" قتل في هذه السنة أيضًا، ولم يقل أحد ممن نقل هذه الحكاية ذلك، والعبارة بأوضح مما هنا نقلها الذهبي في تاريخ الإسلام فقال:"وفيها قتل بحير بن وقاء الصريمي، وكان من كبار القواد بخراسان قاتله ابن خازم وظفر به فقتله، ثم قتل بكير بن وشاح فحمل عليه رهط بكير فقتلوه بعد ذلك" وانظر تاريخ الطبري (6/ 331) والكامل لابن الأثير (4/ 457).
(4)
في ط: طارق؛ وما أثبت يوافق الطبري (6/ 333).
(5)
تاريخ الطبري (6/ 334) وما بعدها.
الأشعث: ويقول هو أهوج أحمق حسود، وأبوه الذي سلب أمير المؤمنين عثمان ثيابه وقاتله، ودل عبيد الله بن زياد على مسلم بن عقيل حتى قتله، وجده الأشعث ارتد عن الإسلام وما رأيته قط إلا هممت بقتله، ولما كتب الحجاج إلى ابن الأشعث بذلك وترادفت إليه البرد بذلك، غضب ابن الأشعث وقال: يكتب إليّ بمثل هذا وهو لا يصلح أن يكون من بعض جندي ولا من بعض خدمي لخوره وضعف قوته؟ أما يذكر أباه من ثقيف هذا الجبان صاحب غزالة - يعني أن غزالة زوجة شبيب حملت على الحجاج وجيشه فانهزموا منها وهي امرأة لما دخلت الكوفة - ثم إن ابن الأشعث جمع رؤوس أهل العراق وقال لهم: إن الحجاج قد ألح عليكم في الإيغال في بلاد العدو، وهي البلاد التي قد هلك فيها إخوانكم بالأمس، وقد أقبل عليكم فصل الشتاء والبرد، فانظروا في أمركم، أما أنا فلست مطيعه ولا أنقض رأيًا رأيته بالأمس، ثم قام فيهم خطيبًا فأعلمهم بما كان رأى من الرأي له ولهم، وطلب في ذلك من إصلاح البلاد التي فتحوها، وأن يقيموا بها حتى يتقووا بغلاتها وأموالها ويخرج عنهم فصل البرد ثم يسيرون في بلاد العدو فيفتحونها بلدًا بلدًا إلى أن يحصروا رتُبيل ملك الترك في مدينة العظماء، ثم أعلمهم]
(1)
بما كتب إليه الحجاج من الأمر بمعاجلة رُتبيل
(2)
. فثار إليه الناس وقالوا: لا بل نأبى على عدو الله الحجاج ولا نسمع له ولا نطيع.
قال أبو مخنف
(3)
: فحدثني مطرف بن عامر بن وائلة
(4)
الكناني أن أباه كان أول من تكلم في ذلك، وكان شاعرًا خطيبًا، وكان مما قال: إن مثل الحجاج في هذا الرأي ومثلنا كما قال الأول لأخيه احمل عبدك على الفرس فإن هلك هلك، وإن نجا فلك، أنتم إذا ظفرتم كان ذلك زيادة في سلطانه، وإن هلكتم كنتم الأعداء البغضاء، ثم قال: اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا لأميركم عبد الرحمن بن الأشعث فإني أشهدكم أني أول خالع للحجاج. فقال الناس من كل جانب: خلعنا عدو الله، ووثبوا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فبايعوه عوضًا عن الحجاج، ولم يذكروا خلع عبد الملك بن مروان، وبعث ابن الأشعث إلى رُتبيل فصالحه على أنه إن ظفروا بالحجاج فلا خراج على رُتبيل أبدًا. ثم سار ابن الأشعث بالجنود الذين معه مقبلًا من سجستان إلى الحجاج ليقاتله ويأخذ منه العراق، فلما توسطوا الطريق قالوا: إن خَلْعَنا للحجاج خلع لابن مروان فخلعوهما وجددوا البيعة لابن الأشعث فبايعهم على كتاب الله وسنة رسوله وخلع أئمة الضلالة وجهاد الملحدين
(5)
، فإذا قالوا نعم، بايعهم. فلما بلغ الحجاج ما صنعوا من خلعه وخلع أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، كتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط؛ وهي موافقة للمصادر. ومكانها في أ: فلما تواردت كتب الحجاج إليه تحثه على التوغل في بلاد رتبيل جمع من معه، وقام فيهم خطيبًا، فأعلمهم بما كان رأى من الرأي في ذلك.
(2)
في الفتوح لابن الأعثم (7/ 117): كتب ابن الأشعث كتابًا على لسان الحجاج إليه يأمره فيه بقتل فلان وفلان من أصحابه، وأن يبعث برؤوسهم إليه، وقرأه أمام أصحابه .. ثم أعلن أمامهم خلعه وصاحبه عبد الملك بن مروان.
(3)
تاريخ الطبري (6/ 335).
(4)
في الطبري: واثلة، وهو الصواب.
(5)
في الطبري (6/ 338): وجهاد المحلِّين.
ويستعجله في بعثه الجنود إليه، وجاء الحجاج حتى نزل البصرة، وبلغ المهلب خبر ابن الأشعث، وكتب إليه يدعوه إلى ذلك فأبى عليه، وبعث بكتابه إلى الحجاج، وكتب المهلب إلى ابن الأشعث يقول له: إنك يا بن الأشعث قد وضعت رجلك في ركاب طويل، أبْقِ على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، انظر لنفسك فلا تهلكها، ودماء المسلمين فلا تسفكها، والجماعة فلا تفرقها، والبيعة فلا تنكثها، فإن قلت أخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه من الناس، فلا تعرضها لله في سفك الدماء، أو استحلال محرم، والسلام عليك
(1)
.
وكتب المهلب إلى الحجاج: أما بعد فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك مثل السيل المنحدر ليس شيء يرده حتى ينتهي إلى قراره، وإن لأهل العراق شدة
(2)
في أول مخرجهم، وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فليس شيء يردهم حتى يصلوا إلى أهليهم، وينبسطوا إلى نسائهم، ويشمُّوا أولادهم. ثم واقعهم عندها فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله. فلما قرأ الحجاج كتابه قال: فعل الله به وفعل، لا والله ما لي نظر ولكن لابن عمه نصح.
ولما وصل البريد بكتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ذلك ثم نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية فأقرأه كتاب الحجاج فقال: يا أمير المؤمنين إن كان هذا الحدث من قِبَل خراسان فخفه، وإن كان من قبل سجستان فلا تخفه، ثم أخذ عبد الملك في تجهيز الجنود من الشام إلى العراق في نصرة الحجاج. وتجهيزه للخروج إلى ابن الأشعث، وعصى رأي المهلب فيما أشار به عليه، وكان في شوره النصح والصدق، وجعلت كتبه لا تنقطع عن عبد الملك بخبر ابن الأشعث صباحًا ومساء، أين نزل ومن أين ارتحل، وأي الناس إليه أسرع. وجعل الناس يلتفون على ابن الأشعث من كل جانب، حتى يقال إنه سار معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومئة وعشرون ألف راجل، وخرج الحجاج في جنود الشام من البصرة نحو ابن الأشعث، فنزل تستر وقدَّم بين يديه مطهر بن حيي الكعبي
(3)
أميًا على المقدمة، ومعه عبد الله بن رميث أميرًا آخر، فانتهو إلى دجيل فإذا مقدمة ابن الأشعث في ثلاثمئة فارس عليها عبد الله بن أبان الحارثيّ، فالتقوا في يوم الأضحى عند نهر دجيل، فهُزمت مقدمة الحجاج وقَتَل أصحاب ابن الأشعث منهم خلقًا كثيرًا نحو ألف وخمسمئة، واحتازوا ما في معسكرهم [من خيول وقماش وأموال].
وجاء الخبر إلى الحجاج بهزيمة أصحابه [وأخذه مادب ودرج] وهو يخطب فقال: أيها الناس ارجعوا إلى البصرة فإنه أرفق بالجند، فرجع بالناس وتبعهم خيول ابن الأشعث لا يدركون منهم شاذًا إلا قتلوه، ولا فاذًّا إلا أهلكوه، ومضى الحجاج هاربًا لا يلوي على شيء حتى أتى الزاوية فعسكر عندها وجعل يقول: لله درّ المهلّب أي صاحب حرب هذا، قد أشار علينا بالرأي ولكنا لم نقبل، وأنفق الحجاج على جيشه وهو بهذا الموضع مئة وخمسين ألف ألف درهم، وخندق حول جيشه خندفًا، وجاء أهل
(1)
نسخة الكتاب في الطبري (6/ 338) والفتوح لابن الأعثم (7/ 118) مع بعض الخلاف.
(2)
في الطبري: شِرَّةً.
(3)
في الطبري: مطهر بن حرّ العكي - أو الجذامي - وعبد الله بن رميثة الطائي، ومطهّر على الفريقين.
العراق فدخلوا البصرة واجتمعوا بأهاليهم وشموا أولادهم، ودخل ابن الأشعث البصرة فخطب الناس وبايعهم وبايعوه على خلع عبد الملك ونائبه الحجاج بن يوسف، وقال لهم ابن الأشعث: ليس الحجاج بشيء، ولكن اذهبوا بنا إلى عبد الملك لنقاتله، ووافقه على خلعهما جميع مَنْ في البصرة من الفقهاء والقرّاء والشيوخ والشباب، ثم أمر ابن الأشعث بخندق حول البصرة فَعُمِل، وكان ذلك في أواخر ذي الحجة من هذه السنة سنة إحدى وثمانين.
وحج بالناس فيها سليمان بن عبد الملك
(1)
فيما ذكره الواقدي وأبو معشر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[وفيها غزا موسى بن نصير أمير بلاد المغرب من جهة عبد الملك بلاد المغرب فافتتح مدنًا كثيرة، وأراضي عامرة، وأوغل في بلاد المغرب إلى أن وصل إلى الرقاق المنبثق من البحر الأخضر المحيط، والله أعلم]
(2)
.
وممن توفي فيها من الأعيان:
بَحير بن وِقاء الصُّريمي
(3)
البصري أحد الأشراف بخراسان، والقواد وهو الذي حارب ابن خازم وقتله، وتولى قتل بكير بن وشاح ثم مات في هذه السنة.
سويد بن غفلة
(4)
بن عوسجة بن عامر، أبو أمية الجعفي [الكوفي، شهد اليرموك، وحدَّث عن جماعة من الصحابة]، وكان من كبار المخضرمين ويقال إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان مولده عام ولد النبي
(5)
صلى الله عليه وسلم وصلى معه، والصحيح أنه لم يره، وقيل: إنه ولد بعده بسنتين
(6)
.
(1)
في أ، ط: إسحاق بن عيسى؛ وهذا خطأ واضح إذ الأخير أحد الرواة الذين رووا الخبر عن أبي معشر. تاريخ الطبري (6/ 341) وابن الأثير (4/ 466) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 7).
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط؛ والخبر في تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 6).
(3)
وردت أخباره في حوادث سنة سبع وسبعين للهجرة، وهذه السنة، وانظر أيضًا تاريخ الطبري (5/ 624 و 625) و (6/ 176 و 177 و 199 و 201 و 311 و 312 وغيرها) وابن الأثير (4/ 209 و 345 و 368 و 444 و 447) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 45) والوافي بالوفيات (10/ 84).
(4)
ترجمة - سويد بن غفلة - في طبقات ابن سعد (6/ 68) وتاريخ خليفة (288) وطبقاته (146) وحلية الأولياء (4/ 174) والاستيعاب (2/ 116) وأسد الغابة (2/ 379) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 75) وسير أعلام النبلاء (4/ 69) والإصابة (2/ 100) وشذرات الذهب (1/ 90).
(5)
المعرفة والتاريخ (1/ 235).
(6)
تاريخ البخاري (4/ 142) وحلية الأولياء (4/ 174).
وعاش مئة وعشرين سنة لم يُرَ يومًا محتبيًا ولا متساندًا، وافتض بكرًا عام وفاته في سنة إحدى وثمانين، قاله أبو عبيد وغير واحد.
وقيل إنه توفي في سنة ثنتين وثمانين
(1)
، فالله أعلم.
عبد الله بن شداد بن الهاد
(2)
كان من العباد الزهاد، والعلماء، وله وصايا وكلمات حسان، وقد روى عدة أحاديث عن الصحابة وعن خلق من التابعين
(3)
.
محمد بن علي بن أبي طالب
(4)
أبو القاسم وأبو عبد الله أيضًا، وهو المعروف بابن الحنفية، وكانت سوداء سندية من سبي بني حنيفة اسمها خولة.
ولد محمد في خلافة عمر بن الخطاب، ووفد على معاوية وعلى عبد الملك بن مروان.
وكان صرَع مروان يوم الجمل وجلس على صدره وأراد قتله فناشده مروان بالله وتذلل له فأطلقه، فلما وفد على عبد الملك ذكّره بذلك فقال عفوًا يا أمير المؤمنين، فعفا عنه وأجزل له الجائز
(5)
.
وكان محمد بن علي من سادات قريش، ومن الشجعان المشهورين، [ومن الأقوياء المذكورين]، ولما بويع لابن الزبير لم يبايعه، فجرى بينهما شر عظيم حتى همّ ابن الزبير به وبأهله كما تقدم ذلك، فلما قتل ابن الزبير واستقر أمر عبد الملك وبايعه عبد الله بن عمر تابعه ابن الحنفية، وقدم المدينة فمات بها في هذه السنة وقيل في التي قبلها أو في التي بعدها، ودفن بالبقيع. والرافضة يزعمون أنه بجبل رضوى
(6)
، وأنه حي يرزق، وهم ينتظرونه، وقد قال كُثَيِّر عَزَّة في ذلك [من الوافر]
ألا إنّ الأئمة من قريشٍ
…
ولاة الحقِّ أربعةٌ سَواءُ
عليٌّ والثلاثةُ منْ بَنيهِ
…
همُ الأسباط ليس بهم خَفاءُ
(1)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 78).
(2)
ترجمة - عبد الله بن شداد - في طبقات ابن سعد (5/ 74) وطبقات خليفة (337) والاستيعاب (2/ 313) وأسد الغابة (3/ 188) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 113) وتهذيب التهذيب (5/ 269).
(3)
الترجمة سوى الاسم ساقطة من أ، ب.
(4)
ترجمة - محمد بن علي بن أبي طالب - في طبقات ابن سعد (5/ 91) ونسب قريش (41) وتاريخ خليفة (184 و 262) وطبقاته (230) وتاريخ البخاري (1/ 182) وأنساب الأشراف (1/ 572) و (3/ 53) وحلية الأولياء (3/ 174) وتاريخ دمشق لابن عساكر (54/ 318 - 359) وتهذيب الكمال (17/ 79) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 181) وسير أعلام النبلاء (4/ 110) والوافي بالوفيات (4/ 99) وتهذيب التهذيب (9/ 354) وشذرات الذهب (1/ 330).
(5)
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 182).
(6)
جبل رضوى: جبل قرب ينبع. معجم البلدان (3/ 51) والذين يزعمون أنه حي يرزق هم الكيسانية؛ يعتقدون بإمامته، وكثير عزة منهم.
فسبطٌ سبطُ إيمانٍ وبرٍّ
…
وسبطٌ غيَّبتهُ كربلاءُ
وسبطٌ لا تراه العينُ حتى
…
تعودَ الخيلُ يقدُمُها لواءُ
تغيب لا يرى عنهم زمانًا
…
برضوى عنده عسل وماء
(1)
ولما هم ابن الزبير بابن الحنفية فكتب إلى شيعتهم بالكوفة مع أبي الطفيل واثلة بن الأسقع
(2)
وعليها المختار بن أبي عبيد - وقد كان ابن الزبير جمع لهم حطبًا كثيرًا على أبوابهم ليحرقهم بالنار - فلما وصل كتاب ابن الحنفية إلى المختار، وقد كان يدعو إليه ويسميه المهدي، فبعث أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف فاستنقذوا بني هاشم من يدي ابن الزبير، وخرج معهم ابن عباس فمات بالطائف وبقي ابن الحنفية في شيعتهم. [فأمره ابن الزبير أن يخرج عنه فخرج إلى أرض الشام بأصحابه وكانوا نحو سبعة آلاف، فلما وصل إلى أيلة
(3)
كتب إليه عبد الملك: إما أن تبايعني وإما أن تخرج من أرضي، فكتب إليه ابن الحنفية: أبايعك على أن تؤمِّن أصحابي، قال: نعم، فقام ابن الحنفية في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله الذي حقن دماءكم وأحرز دينكم فمن أحب منكم أن يأتي مأمنه إلى بلده محفوظًا فليفعل، فرحل عنه الناس إلى بلادهم حتى بقي في سبعمئة
(4)
رجل، فأحرم بعمرة وقلد هديًا وسار نحو مكة، فلما أراد دخول الحرم بعث إليه ابن الزبير خيلًا فمنعه أن يدخل، فأرسل إليه: إنا لم نأت لحرب ولا لقتال، دعنا ندخل حتى نقضي نسكنا ثم نخرج عنك، فأبى عليه وكان معه بدن قد قلَّدها فرجع إلى المدينة فأقام بها محرمًا حتى قدم الحجاج وقتل ابن الزبير، فكان ابن الحنفية في تلك المدة محرمًا، فلما سار الحجاج إلى العراق مضى ابن الحنفية إلى مكة وقضى نسكه وذلك بعد عدة سنين، وكان القمل يتناثر منه في تلك المدة كلها، فلما قضى نسكه رجع إلى المدينة أقام بها حتى مات.
وقيل: إن الحجاج لما قتل ابن الزبير بعث إلى ابن الحنفية: قد قتل عدو الله فبايع، فكتب إليه إذا بايع الناس كلهم بايعت، فقال الحجاج: والله لأقتلنك، فقال ابن الحنفية: إن لله في كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة في اللوح المحفوظ، في كل نظرة ثلاثمئة وستون قضية، فلعل الله تعالى أن يجعلني في قضية منها فيكفينيك؛ فكتب الحجاج إلى عبد الملك بذلك فأعجبه قوله وكتب إليه قد عرفنا أن محمدًا ليس عنده خلاف فارفق به فهو يأتيك ويبايعك، وكتب عبد الملك بكلامه ذلك - إن لله ثلاثمئة وستين نظرة - إلى ملك الروم، وذلك أن ملك الروم كتب إلى عبد الملك يتهدده بجموع من الجنود لا يطيقها أحد، فكتب بكلام ابن الحنفية فقال ملك الروم: إن هذا الكلام ليس من كلام عبد الملك، وإنما خرج
(1)
الأبيات في ديوان ابن الحنفية (2/ 186) والملل والنحلل للشهرستاني (1/ 200) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 182) والوافي بالوفيات (4/ 99) والشعر والشعراء (1/ 423) والبيت الأخير ساقط من ط.
(2)
في تاريخ الإسلام: عامر بن واثلة.
(3)
هي مدينة العقبة الآن برأس خليج العقبة في الأردن.
(4)
في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 190): تسعمئة رجل.
من بيت نبوة، ولما اجتمع الناس على بيعة عبد الملك قال ابن عمر لابن الحنفية: ما بقي شيء فبايع، فكتب بيعته إلى عبد الملك ووفد عليه بعد ذلك.
توفي ابن الحنفية في المحرم بالمدينة وعمره خمس وستون سنة، وكان له من الولد عبد الله وحمزة وعلي وجعفر الأكبر والحسن وإبراهيم والقاسم وعبد الرحمن وجعفر الأصغر وعون ورُقية، وكلهم لأمهات شتى]
(1)
.
وقال الزبير بن بكار: كانت شيعته تزعم أنه لم يمت وفيه يقول السيد
(2)
:
ألا قلْ للوصيِّ فدتْكَ نفسي
…
أطلتَ بذلكَ الجبلِ المُقاما
أضرَّ بمعشير والَوكَ منّا
…
وسمَّوك الخليفَةَ والإماما
وعادوا فيكَ أَهلَ الأرضِ طرًّا
…
مُقامكَ عَنْهمُ ستينَ عاما
(3)
وما ذاقَ ابنُ خولةَ طعمَ موتٍ
…
ولا وارتْ لهُ أرضٌ عظاما
لقدْ أمسى بمورقِ شعبِ رضوى
…
تراجعُهُ الملائكةُ الكلاما
وإنَّ لهَ بهِ لمقيلَ صدقٍ
…
وأنديةً تحدِّثُهُ كراما
هدانا الله إذ حزتم
(4)
لأمْرٍ
…
بهِ وعليهِ يلتمسُ التَّماما
تمامَ مودَّةِ
(5)
المهديّ حتى
…
تروا راياتِنا
(6)
تَتْرى نِظامًا
(7)
وقد ذهب طائفة من الرافضة إلى إمامته وأنه ينتظر خروجه في آخر الزمان، كما ينتظر طائفة أخرى منهم محمد بن الحسن العسكري
(8)
، الذي يخرج في زعمهم من سرداب سامراء، وهذا من خرافاتهم وهذيانهم وجهلهم وضلالهم وبهتانهم
(9)
، وسنزيد ذلك وضوحًا في موضعه إن شاء الله، والله أعلم.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وكل هذه الأخبار توافق ما ورد في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 188 - 190) مع بعض الاختصار وحذف الأسانيد، وأسماء أولاد لابن الزبير في الطبقات (5/ 92) وزاد: عبد الله الأصغر، وعبد الله بن محمد غير عبد الله أبي هاشم وأمه أم ولد هو ورقية.
(2)
هو السيد الحميري، واسمه إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة الحميري، شاعر مشهور، كان ممن يعتقد بابن الحنفية.
(3)
في نسب قريش (42) والأغاني (9/ 15): عشرين. وفي مروج الذهب مغيبك عنهم سبعين عامًا.
(4)
في ط: ادخرتم، وفي نسب قريش: جرتم.
(5)
في ط: ثورة: وما أثبت موافق لتاريخ دمشق (24/ 322) المصادر.
(6)
في ط: راياته. وما أثبت يوافق المصادر.
(7)
الأبيات في نسب قريش (42) وتاريخ دمشق (54/ 322) والأغاني (9/ 14) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 183) والوافي بالوفيات (4/ 100).
(8)
في الأصل: الحسن بن محمد العسكري، وهو خطأ.
(9)
في ط: وترهاتهم.
ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين
ففي المحرم منها كانت وقعة الزاوية
(1)
بين ابن الأشعث والحجاج في أواخره، وكان أول يوم لأهل العراق على أهل الشام، ثم تواقعوا يومًا آخر فيه فحمل سفيان بن الأبرد أحد أمراء أهل الشام على ميمنة ابن الأشعث فهزمها وقتل خلقًا كثيرًا من القرّاء من أصحاب ابن الأشعث في هذا اليوم، وخَرَّ الحجاج لله ساجدًا بعدما كان جثى على ركبتيه وسلَّ شيئًا من سيفه وجعل يترحم على مصعب بن الزبير ويقول: ما كان أكرمه حتى صبَّر نفسه للقتل، وكان من جملة من قتل من أصحاب ابن الأشعث الطفيل بن عامر بن واثلة
(2)
الليثي، ولما فر أصحاب ابن الأشعث رجع ابن الأشعث بمن بقي معه ومن تبعه من أهل البصرة، فسار حتى دخل الكوفة فعمد أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن العباس
(3)
بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتل الحجاج خمس ليالي أشد القتال، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث، وتبعه طائفة من أهل البصرة، فاستناب الحجاج على البصرة أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، ودخل ابن الأشعث الكوفة فبايعه أهلها على خلع الحجاج وعبد الملك بن مروان. وتفاقم الأمر وكثر متابعو ابن الأشعث على ذلك، واشتد الحال، وتفرقت الكلمة جدًّا وعظم الخطب، واتسع الخرق على الراقع.
قال الواقدي: ولما التقى جيش الحجاج وجيش ابن الأشعث بالزاوية جعل جيش الحجاج يحمل عليهم مرة بعد مرة، فقال القراء - وكان عليهم جَبَلة بن زَحْر -: أيها الناس ليس الفرار من أحد بأقبح منكم فقاتلوا عن دينكم ودنياكم. وقال سعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال الشعبي: قاتلوهم على جورهم واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة، ثم حملت القراء - وهم العلماء - على جيش الحجاج حملة صادقة فبرعوا فيهم ثم رجعوا فإذا هم بمقدمهم جَبَلة بن زَحْر صريعًا، فهدّهم ذلك فناداهم جيش الحجاج: يا أعداء الله قد قتلنا طاغيتكم، ثم حمل سفيان بن الأبرد وهو على خيل الحجاج على ميسرة ابن الأشعث وعليها الأبرد بن مرّة
(4)
التميمي، فانهزموا ولم يقاتلوا كثير قتال، فأنكر الناس منهم ذلك. وكان أمير ميسرة ابن الأشعث الأبرد شجاعًا لا يفر، وظنوا أنه قد خامر، فنقضت الصفوف وركب الناس بعضهم بعضًا، وكان ابن الأشعث يحرض الناس على القتال، فلما رأى
(1)
الزاوية: موضع قرب البصرة كانت به الوقعة المشهورة بين الحجاج وابن الأشعث. معجم البلدان (3/ 128) وأخبار الوقعة في تاريخ الطبري (6/ 342) وابن الأثير (4/ 467).
(2)
في ط: "أبو الطفيل بن عامر بن واثلة"، خطأ، وما أثبتناه من م واتفقت عليه المصادر.
(3)
في ط: عياش.
(4)
في تاريخ الطبري: قرّة.
ما الناس فيه أخذ من اتبعه وذهب إلى الكوفة فبايعه أهلها، ثم كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة.
وقعة دير الجماجم
(1)
قال الواقدي: وذلك أن ابن الأشعث لما قصد الكوفة خرج اليه أهلها فتلقوه وحَفّوا به ودخلوا بين يديه، غير أن شرذمة قليلة أرادت أن تقاتله دون مطر بن ناجية نائب الحجاج فلم يمكِّنهم من ذلك، فعدلوا الى القصر، فلما وصل ابن الأشعث الى الكوفة أمر بالسلالم فنصبت على قصر الإمارة فأخذه واستنزل مطر بن ناجية وأراد قتله فقال له: استبقني فإني خير من فرسانك
(2)
، فحبسه ثم استدعاه فأطلقه وبايعه واستوثق لابن الأشعث أمر الكوفة وانضم اليه من جاء من أهل البصرة، وكان ممن قدم عليه عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن عبد المطلب، وأمر بالمسالح من كل جانب، وحفظت الثغور والطرف والمسالك. وركب الحجاج فيمن معه من الجيوش الشامية من البصرة في البر حتى مر بين القادسية والعذيب وبعث اليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من المصْرَيْن فمنعوا الحجاج من نزول القادسية، فسار الحجاج حتى نزل دير قرة، وجاء ابن الأشعث بمن معه من الجيوش البصرية والكوفية حتى نزل دير الجماجم، ومعه جنود كثيرة، وفيهم القراء من المصرَيْن وخلق من الصالحين، وكان الحجاج بعد ذلك يقول: قاتل الله ابن الأشعث، أما كان يزجر الطير حيث رآني قد نزلت دير قرة، ونزل هو بدير الجماجم. وكان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مئة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم، وجاءت الحجاج أمداد كثيرة من الشام من عند أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وخندف كلٌّ من الطائفتين على نفسه وحول جيشه خندقًا يمتنع به من الوصول إليهم، غير أن الناس كان يبرز بعضهم لبعض في كل يوم فيقتتلون قتالًا شديدًا في كل يوم، حتى أصيب من رؤوس الناس خلق من قريش وغيرهم، واستمر هذا الحال مدة طويلة، واجتمع الأمراء من أهل المشورة عند عبد الملك بن مروان فقالوا له: إن كان أهل العراق يرضيهم منك أن تعزل عنهم الحجاج فهو أيسر من قتالهم وسفك دمائهم، فاستحضر عبد الملك عند ذلك أخاه محمد بن مروان وابنه عبد الله بن عبد الملك بن مروان، ومعهما جنود كثيرة جدًّا، وكتب معهما كتابًا إلى أهل العراف يقول لهم: إن كان يرضيكم مني عزل الحجاج عنكم عزلته عنكم، وبعثت عليكم أعطياتكم مثل أهل الشام، وليختر ابن الأشعث أي بلد شاء يكون عليه أميرًا ما عاش وعشت، وتكون إمرة العراق لمحمد بن مروان، وقال في عهده هذا: فإن لم تجب أهل العراف إلى ذلك فالحجاج على ما هو عليه وإليه إمرة الحرب، ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته وتحت أمره لا يخرجون عن رأيه في الحرب وغيره.
(1)
خبر وقعة دير الجماجم في تاريخ الطبري (6/ 346) وابن الأثير (4/ 469).
(2)
في الطبري: استبقني فإني أفضل فرسانك، وأعظمهم عنك غناء.
ولما بلغ الحجاج ما كتب به عبد الملك إلى أهل العراق من عزله إن رضوا به شق عليه ذلك مشقة عظيمة جدًّا وعظم شأن هذا الرأي عنده، وكتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي عنهم لا يلبثون إلا قليلًا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم إلا جرأة عليك، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر النخعي على ابن عفان؟ فلما سألهم ما تريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه؟ وإن الحديد بالحديد يُفْلَح
(1)
خار
(2)
الله لك فيما ارتأيت والسلام عليك.
قال: فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق إرادة العافية من الحرب، وكتب إلى جنده فعرض ذلك على أهل العراق كما أمر، فتقدم عبد الله ومحمد فنادى عبد الله: يا معشر أهل العراق، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وأنه يعرض عليكم كيت وكيت، فذكر [ما كتب به أبوه معه إليهم من] هذه الخصال. وقال محمد بن مروان: وأنا رسول [أخي] أمير المؤمنين إليكم بذلك، فقالوا: ننظر في أمرنا غدًا ونرد عليكم الخبر عشية، ثم انصرفوا فاجتمع جميع الأمراء الى ابن الأشعث فقام فيهم خطيبًا وندبهم الى قبول ما عرضوا عليهم من عزل الحجاج عنهم وبيعة عبد الملك بن مروان وإبقاء الأعطيات وإمرة محمد بن مروان على العراق [بدل الحجاج]، فنفر الناس من كل جانب وقالوا: لا والله لا نقبل ذلك، نحن أكثر عَدَدًا وعُدَدًا، وهم في ضيق من الحال وقد حكمنا عليهم وذلوا لنا، والله لا نجيب الى ذلك أبدًا. ثم جددوا خلع عبد الملك ونائبه ثانية، واتفقوا على ذلك كلهم.
فرجع عبد الله بن عبد الملك وعمه محمد بن مروان فقالا للحجاج: شأنك بهم إذًا، فنحن في طاعتك كما أمرنا أمير المؤمنين، فكانا إذا لقياه سلّما عليه بالإمرة ويسلِّم هو أيضًا عليهم بالإمرة، وتولى الحجاج أمر الحرب وتدبيرها كما كان قبل ذلك، فعند ذلك برز كل من الفريقين للقتال والحرب، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبي
(3)
، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللّخمي، وعلى الخيل: سفيان بن الأبرد وعلى الرجالة: عبد الرحمن بن حبيب
(4)
الحكمي.
وجعل ابن الأشعث على ميمنته: الحجاج بن جارية الخَثْعمي
(5)
، وعلى الميسرة: الأبرد بن قرّة التميمي، وعلى الخيالة: عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة، وعلى الرجَّالة: محمد بن سعد بن
(1)
في ب: ينزع. ونص كتاب الحجاج في تاريخ الطبري (6/ 348).
(2)
في ط: كان.
(3)
في ب، ط: سليمان؛ وما أثبت يوافق الطبري (6/ 349).
(4)
في ابن الأثير (4/ 471): خبيب.
(5)
في ط: "الحجاج بن حارثة الجشمي"، وما أثبتناه من م والطبري (6/ 349) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة اثنتين وثمانين).
أبي وقاص الزُّهري، وعلى القراء: جَبَلة بن زحر بن قيس الجعفيّ، وكان فيهم سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكُميل بن زياد - وكان شجاعًا فاتكًا على كبر سنه - وأبو البختري الطائي وغيرهم، وجعلوا يقتتلون في كل يوم، وأهل العراق تأتيهم الميرة من الرساتيق والأقاليم، من العلف والطعام، وأما أهل الشام الذين كانوا مع الحجاج فهم في أضيق حال من العيش وقلة من الطعام وقد فقدوا اللّحم بالكلية فلا يجدونه، وما زالت الحرب في هذه المدة كلها حتى انسلخت هذه السنة وهم على حالهم وقتالهم في كل يوم أو يوم بعد يوم، والدائرة لأهل العراق على أهل الشام في أكثر الأيام. [وقد قتل من أصحاب الحجاج زياد بن غنم، وكسر بسطام بن مصقلة في أربعة آلاف جفون سيوفهم واستقتلوا وكانوا من أصحاب ابن الأشعث]
(1)
.
وفي هذه السنة كانت وفاة:
المهلب بن أبي صفرة
(2)
[وهو ظالم، أبو سعيد الأزدي، أحد أشراف أهل البصرة، ووجوههم، ودهاتهم، وأجوادهم، وكرمائهم، ولد عام الفتح، وكانوا ينزلون فيما بين عُمان والبحرين، وقد ارتد قومه فقاتلهم عكرمة بن أبي جهل فظفر بهم، وبعث بهم إلى الصدِّيق وفيهم أبو صفرة وابنه المهلّب غلام لم يبلغ الحنث، ثم نزل المهلب البصرة وقد غزا في أيام معاوية أرض الهند سنة أربع وأربعين، وولي الجزيرة لابن الزبير سنة ثمان وستين، ثم ولي حرب الخوارج أول دولة الحجاج، وقتل منهم في وقعة واحدة أربعة آلاف وثمانمئة
(3)
، فعظمت منزلته عند الحجاج. وكان فاضلًا شجاعًا كريمًا يحب المدح، وله كلام حسن، فمنه:
نعم الخصْلة السّخاء تستر عورة الشريف، وتمحق خسيسة الوضيع، وتحبِّب المزهود فيه.
وقال: يعجبني في الرجل خصلتان أن أرى عقله زائدًا على لسانه، ولا أرى لسانه زائدًا على عقله
(4)
.
توفي المهلب غازيًا بمرو الروذ وعمره ست وسبعون سنة رحمه الله. وكان له عشرة من الولد وهم: يزيد، وزياد، والمفضل، ومدرك، وحبيب، والمغيرة، وقبيصة، ومحمد، وهند، وفاطمة. توفي المهلب في ذي الحجة منها، وكان من الشجعان المشهورين والأبطال المذكورين وله مواقف حميدة، وغزوات مشهودة في الترك والأزارقة وغيرهم من أنواع الخوارج وأصناف الكفرة، وقد أوصى عند موته
(1)
ما بين معكوفين ساقط من أ، ب والخبر يوافق ما ورد في تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 12).
(2)
ترجمة - المهلب بن أبي صفرة - في طبقات ابن سعد (7/ 129) وتاريخ خليفة (205) وطبقاته (201) وتاريخ البخاري (8/ 25). وأنساب الأشراف (1/ 232) وتاريخ دمشق (61/ 280 - 305) ووفيات الأعيان (1/ 272) وتهذيب الكمال (18/ 431) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 205 - 208) وسير أعلام النبلاء (4/ 383) وتهذيب التهذيب (10/ 329 - 330) والإصابة (3/ 535) وشذرات الذهب (1/ 334).
(3)
الخبر في سير أعلام النبلاء (4/ 384).
(4)
المقولتان في تاريخ الإسلام للذهبي (ص 207).
بكلمات تشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم، ومعالي الهمم
(1)
، وجعل الأمر من بعده لولده يزيد بن المهلب على إمرة خراسان فأمضى له ذلك الحجاج وعبد الملك بن مروان.
وفي جمادى الآخرة منها عزل أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان عن إمرة المدينة أبان بن عثمان، وولى عليها هشام بن إسماعيل المخزومي، وكانت ولاية أبان على المدينة سبع سنين وثلاثة أشهر وثلاثة عشر يومًا، وكان على إمرة بلاد المشرق بكماله الحجاج بن يوسف، والنواب في الأقاليم من تحت يده، وهو مشغول عن تدبير الممالك بحرب ابن الأشعث في هذه المدة كلها.
قال أبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان الذي كان نائب المدينة
(2)
.
أسماء بن خارجة الفزاري الكوفي
(3)
، وكان جوادًا ممدحًا، حكى أنه رأى يومًا شابًا على باب داره جالسًا فسأله عن قعوده على بابه فقال: حاجة لا أستطيع ذكرها، فألح عليه فقال: جارية رأيتها دخلت هذه الدار لم أر أحسن منها وقد خطفت قلبي معها، فأخذ بيده وأدخله داره وعرض عليه كل جارية عنده حتى مرت تلك الجارية فقال: هذه، فقال له: اخرج فاجلس على الباب مكانك، فخرج الشاب فجلس مكانه، ثم خرج إليه بعد ساعة والجارية معه قد ألبسها أنواع الحليِّ، وقال له: ما منعني أن أدفعها إليك وأنت داخل الدار إلا أن الجارية كانت لأختي، وكانت ضنينة بها، فاشتريتها لك منها بثلاثة آلاف، وألبستها هذا الحليّ، فهي لك بما عليها، فأخذها الشاب وانصرف.
المغيرة بن المهلَّب
(4)
بن أبي صفرة، كان جوادًا ممدحًا شجاعًا، له مواقف مشهورة.
الحارت بن عبد الله
(5)
بن ربيعة المخزومي المعروف بقُباع، ولي إمرة البصرة لابن الزبير.
محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة
(6)
كان من فضلاء أبناء الصحابة وأعقلهم، توفي بالمدينة ودفن بالبقيع.
(1)
من قوله: وقد أوصى
…
إلى هنا زيادة من ب، ونص الوصية في تاريخ الطبري (6/ 354).
(2)
من قوله: وفي جمادى الآخرة
…
إلى هنا ساقط من ب، ط والخبر في الطبري (6/ 355 - 356).
(3)
ترجمة - أسماء بن خارجة - في تاريخ خليفة (264) والأخبار الطوال (236) وأنساب الأشراف (1/ 254) والشعر والشعراء (702) وتاريخ دمشق (9/ 51 - 62) وتهذيبه (3/ 44) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 - 80/ ص 72) وسير أعلام النبلاء (3/ 535) والإصابة (1/ 104) والوافي بالوفيات (9/ 59).
وتجمع المصادر على أنه توفي سنة ست وستين، وترجمته هنا لا شك مقحمة وهي ليست في أ و ب ولأن المؤلف رحمه الله لم يذكر وفيات سنة ست وستين آثرنا إبقاءها.
(4)
ترجمة - المغيرة بن المهلّب - في تاريخ الطبري (6/ 350 - 352) وابن الأثير (4/ 472 - 473).
(5)
ترجمة - الحارث بن عبد الله - في طبقات ابن سعد (5/ 28) وطبقات خليفة (54) والأخبار الطوال (263) وأنساب الأشراف (1/ 81) وأسد الغاية (1/ 328) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 48) وسير أعلام النبلاء (4/ 181) والإصابة (1/ 387).
(6)
ترجمة - محمد بن أسامة - في طبقات ابن سعد (5/ 246) وتاريخ البخاري (1/ 19) وطبقات خليفة (230) وأنساب الأشراف (1/ 470) وتهذيب الكمال (24/ 393) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 179) =
عبد الله بن أبي طلحة بن أبي الأسود
(1)
، والد الفقيه إسحاق حملت به أمه أم سليم ليلة مات ابنها فأصبح أبو طلحة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم:"عرَّستم بارك الله لكما في ليلتكما"
(2)
. ولما ولد حنكه بتمرات.
عبد الله بن كعب بن مالك
(3)
، كان قائد كعب حين عمي، له روايات، توفي بالمدينة هذه السنة.
عفان بن وهب
(4)
، أبو أيمن الخولاني المصري له صحبة ورواية، وغزا المغرب، وسكن مصر وبها مات
(5)
.
وفيها توفي:
جميل بن عبد الله
(6)
بن معمر بن صُباح
(7)
بن ظَبيان بن حُنّ
(8)
بن ربيعة بن حرام بن ضِنَّة
(9)
بن عبد بن كثير بن عُذرة بن سعد هذيم
(10)
بن زيد بن ليث بن سُود
(11)
بن أسلم بن الحافي بن قضاعة. أبو عمرو الشاعر صاحب بثينة
(12)
، كان قد خطبها فمنعت منه، فتغزل فيها واشتهر بها، وكان أحد عشاق
= والوافي بالوفيات (2/ 187) وتهذيب التهذيب (9/ 35).
وقال الذهبي: يقال توفي سنة ست وتسعين.
(1)
ترجمة - عبد الله بن أبي طلحة - في طبقات ابن سعد (5/ 74) وطبقات خليفة (337) والاستيعاب (2/ 313) وأسد الغابة (3/ 188) وتهذيب الكمال (15/ 133 - 134) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 113 - 114) والوافي بالوفيات (17/ 184) وتهذيب التهذيب (5/ 269).
(2)
الحديث أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5470) في العقيقة، ومسلم رقم (2144).
(3)
ترجمة - عبد الله بن كعب بن مالك - في طبقات ابن سعد (5/ 272) وتاريخ البخاري (5/ 178) وتهذيب الكمال (15/ 473). وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 404) وقال الذهبي: توفي سنة سبع أو ثمان وتسعين، والوافي بالوفيات (17/ 411 - 412) وتهذيب التهذيب (5/ 369).
(4)
لم أجد له ترجمة فيما لدي من مصادر.
(5)
التراجم السبع السابقة زيادة من ط.
(6)
ترجمة - جميل بن عبد الله - في أنساب الأشراف (1/ 17) والشعر والشعراء (1/ 434) والأغاني (8/ 90) ووفيات الأعيان (1/ 366) وتاريخ دمشق (11/ 255 - 281) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 311) وسير أعلام النبلاء (4/ 181) والوافي بالوفيات (11/ 182) وشذرات الذهب (1/ 336).
(7)
ثمة خلاف في نسب جميل بن عبد الله؛ ففي الأغاني وجمهرة الأنساب:
…
بن معمر بن الحارث .. ، واكتفى الذهبي بإيراد نسبه إلى جده معمر.
(8)
حُنّ: بضم الحاء المهملة وتشديد النون قيده الأمير ابن ماكولا في الإكمال (2/ 94)، ووقع في ط:"الحسن"، وهو تحريف.
(9)
في ط: "ضبة"، مصحف.
(10)
في ط ووفيات الأعيان: "سعد بن هذيم" خطأ، والتصحيح من جمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص 447).
(11)
في ط: "سرهد"، وهو تحريف. وينظر الجمهرة لابن حزم (ص 443)، وتاريخ دمشق (11/ 256).
(12)
بثينة: هي ابنة حبأ بن ثعلبة بن الهوذ؛ تلتقي في النسب هي وجميل في حُنّ بن ربيعة.
العرب، كانت إقامته بوادي القرى وما حوله
(1)
، وكان عفيفًا صيِّنًا ديِّنًا شاعرًا باسلًا، من أفصح الشعراء في زمانه، وكان كُثيِّر عرة راويته، وهو يروي عن هدبة بن خَشْرَم، عن الحطيئة، عن زهير بن أبي سلمى، وابنه كعب، قال كُثيِّر عزَّة: كان جميل أشعر العرب حيث يقول:
وخبَّر تماني
(2)
أنّ تيماء منزلٌ
…
لليلى إذا ما الصيفُ ألقى المراسيا
فهذي شهورُ الصيفِ عنَّا قَدِ انقضتْ
…
فما للنوى يرمي بنيل المراميا
(3)
ومنها قوله:
وما زلتم
(4)
يا بثن حتى لو انني
…
من الشوقِ أستبكي الحمامَ بكى ليا
وما زادني الواشونَ إلا صبابةً
…
ولا كثرةُ الناهينَ إلا تماديا
وما أحدثَ النأيُ المفرقُ بيننا
…
سلوًّا ولا طولُ الليالي
(5)
تقاليا
ألم تعلمي يا عذبة الريقِ أنني
…
أظل إذا لم ألقَ وجهك صاديا
لقد خفت أن ألقى المنيةَ بغتةً
…
وفي النفسِ حاجاتٌ إليكِ كما هيا
ورد له القاضي ابن خلكان في "الوفيات"
(6)
قوله:
إني لأحفظ سرَّكم ويسُرّني
…
لو تعلمينَ
(7)
بصالحٍ أنْ تُذكري
ويكون يومٌ لا أرى لك مُرْسلًا
…
أو نلتقي فيه عليَّ كأشهرِ
يا ليتني ألقى المنية بغتة
…
إن كان يوم لقائكم لم يُقْدَرِ
يهواك ما عشت الفؤاد وإن أمت
…
يتبع صداي صداكِ بين الأقبرِ
إني إليكِ بما وعدتِ لناظر
…
نظر الفقير إلى الغنيِّ المكثر
(8)
ما أنتِ والوعدُ الذي تعدينني
…
إلّا كبرقِ سحابةٍ لم تمطرِ
وقوله: ورُوي لعمر بن أبي ربيعة فيما نقله ابن عساكر
(9)
:
(1)
وادي القرى: واد بين الشام والمدينة، من أعمال المدينة يحتوي على عدد كبير من القرى. معجم البلدان (5/ 345).
(2)
في ط: وأخبرتماني؛ وما أثبت كالأغاني والوفيات.
(3)
الأبيات في الأغاني (8/ 125) ووفيات الأعيان (1/ 367).
(4)
في ط: زلت بي.
(5)
في ط: اجتماع؛ وما أثبت يوافق الوفيات.
(6)
وفيات الأعيان (1/ 367 - 368).
(7)
في الأغاني: إذ تذكرين.
(8)
الأبيات الثلاثة السابقة ساقطة من ط.
(9)
تاريخ دمشق (11/ 274) بدون البيت الأول، وهي كاملة في وفيات الأعيان (1/ 369 - 370).
ما زلتُ أبغي الحيَّ أتبعُ فلّهمْ
…
حتى دُفعتُ إلى ربيبةِ هودج
فدنوتُ مختفيًا
(1)
ألمُّ ببيتها
…
حتى ولجتُ إلى خفيِّ المولجِ
(2)
قالتْ: وعيشِ أخي ونعمةُ والدي
…
لأنبهنَّ الحيَّ إنْ لمْ تخرجِ
(3)
فتناولتْ رأسي لتعرف مسهُ
…
بمخضّبِ الأطرافِ غيرِ مشنجِ
فخرجتُ خيفة أهلها
(4)
فتبسمتْ
…
فعلمتُ أنَّ يمينها لم تلجج
فلثمثُ فاها آخذًا بقرونها
…
شرب النَّزيف ببرد ماء الحشرج
(5)
قال كُثيِّر عزة: لقيني جميل بثينة فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند هذه الحبيبة، فقال وإلى أين؟ فقلت: وإلى هذه الحبيبة - يعني عزَّة - فقال: أقسمت عليك لما رجعت إلى بثينة فواعدتها لي فإن لي من أول الصيف ما رأيتها، وكان آخر عهدي بها بوادي القرى
(6)
، وهي تغسل هي وأمها ثوبًا فتحادثنا إلى الغروب، قال كثير: فرجعت حتى أنخت بهم. فقال أبو بثينة: ما ردك يا بن أخي؟ فقلت: أبيات قلتها فرجعت لأعرضها عليك. فقال: وما هي؟ فأنشدته وبثينة تسمع من وراء الحجاب:
ففلتُ لها يا عَزَّ أُرْسِلُ صاحبي
…
إليكِ رسولًا والرسولُ موكلٌ
(7)
بأنْ تجعلي بيني وبينكِ موعدًا
…
وأن تأمريني ما الذي فيهِ أفعلُ
وآخرُ عهدي منكِ يومَ لقيتني
…
بأسفلِ وادي الدومِ والثوبُ يغسلُ
قال: فضربت بثينة جانب خدرها وقالت: اخسأ اخسأ، فقال لها أبوها؛ مهيم يا بثينة؟ فقالت كلب يأتينا إذا نوَّم الناس من وراء الرابية، ثم قالت للجارية: ابغينا من الدومات حطبًا لنذبح لكثيِّر شاة ونشويها له، فقال كثيِّر: أنا أعجل من ذلك، وراح إلى جميل فأخبره، فقال جميل: الموعد الدومات
(8)
.
فلما كان الليل أقبلت بثينة إلى المكان الذي واعدته إليه، وأقبل جميل وكنت معهم فما رأيت ليلة أعجب منها ولا أحسن منادمات، وانفض ذلك المجلس وما أدري أيهما أفهم لما في ضمير صاحبه منه.
وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي أنه دخل على جميل وهو يموت فقال له: ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزنِ قط، ولم يسرلتى ولم يقتل النفس وهو يشهد أن لا إله إلا الله؟
(1)
في تاريخ دمشق: مختبئًا.
(2)
في أ: المدلج، وأثبت رواية تاريخ دمشق.
(3)
في البيت متأخر في تاريخ دمشق.
(4)
في تاريخ دمشق: قولها.
(5)
في ط: فرشفت ريقًا باردًا متثلج؛ وأثبت رواية أ وابن عساكر.
(6)
في الوفيات والأغاني: وادي الدوم.
(7)
في الأغاني (8/ 107): والموكل مرسل.
(8)
في قوله: فضربت بثينة جانب خدرها وقالت
…
إلى هنا زيادة من أ توافق الوفيات والأغاني.
قال: أظنه قد نجا وأرجو له الجنة، فمن هذا؟ قال: أنا، فقلت: لله ما أظنك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة، ببثينة. فقال: لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها بريبة، قال: فما برحنا حتى مات. قلت: كانت وفاته بمصر لأنه كان قدم على عبد العزيز بن مروان فأكرمه وسأله عن حبه بثينة فقال: شديدًا، واستنشده من أشعاره ومدائحه فأنشده فوعده أن يجمع بينه وبينها فعاجلته المنية في سنة ثنتين وثمانين رحمه الله آمين
(1)
.
وقد ذكر الأصمعي: عن رجل أن جميلًا قال له: هل أنت مبلغ عني رسالة إلى حي بثينة ولك ما عندي؟ قال: نعم! قال: إذا أنا متّ فاركب ناقتي والبس حلتي هذه وأمره أن يقول أبياتًا منها قوله:
قومي بُثَيْنةُ فاندُبي بِعَويلِ
…
وابكي خَليلًا دونَ كُلِّ خَليلِ
فلما انتهى إلى حيهم أنشد الأبيات فخرجت بثينة كأنها بدر سرى في جنة وهي تتثنى في مِرْطها فقالت له: ويحك إن كنت صادقًا فقد قتلتني، وإن كنت كاذبًا فقد فضحتني. فقلت: بلى والله صادق [وهذه حلته وناقته] فلما تحققت ذلك صاحت بأعلى صوتها، وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي إليها يبكين معها، ثم صعقت مغشيًا عليها، ثم أفاقت وهي تقول:
وإن سُلُوِّي عن جميل لساعةٌ
…
من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر
…
إذا مت بأساء الحياة ولينها
(2)
قال الرجل: فما رأيت أكثر باكيًا ولا باكية من يومئذ.
وروى الحافظ ابن عساكر
(3)
عنه أنه قيل له بدمشق: لو تركت الشعر وحفظت القرآن؟ فقال: هذا أنس بن مالك يخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن من الشعر حكمة"
(4)
.
عمر بن عبيد الله
(5)
بن معمر بن عثمان، أبو حفص القرشي، التميمي، أحد الأجواد والأمراء الأمجاد، فتحت على يديه بلدان كثيرة، وكان نائبًا لابن الزبير على البصرة.
(1)
الخبر في تاريخ دمشق (11/ 280 - 281).
(2)
من قوله: صاحت بأعلى صوتها
…
إلى هنا ساقط من ط وبدله: أنشدت أبياتًا ترثيه بها وتتأسف عليه فيها، وأنه لا يطيب لها العيش بعده، ولا خير لها في الحياة بعد فقده، ثم ماتت من ساعتها. والخبر من الأغاني (8/ 154 - 155).
(3)
تاريخ دمشق (11/ 256).
(4)
الحديث أخرجه البخاري في صحيحه رقم (6145) في الأدب.
(5)
ترجمة - عمر بن عبيد الله - في تاريخ خليفة (297) وتاريخ البخاري (6/ 175) وأنساب الأشراف (1/ 399) وتاريخ دمشق (45/ 286 - 296) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 160) وسير أعلام النبلاء (4/ 172).
روى عن: ابن عمر وجابر وغيرهما.
وعنه عطاء بن أبي رباح، وابن عون.
ووفد على عبد الملك فتوفي بدمشق سنة ثنتين وثمانين. قاله المدائني. وحكى أن رجلًا اشترى جارية [كانت تحسن القرآن والشعر وغيره؛ فأحبها حبًا شديدًا، وأنفق عليها ماله كله حتى أفلس ولم يبق له شيء سوى هذه الجارية، فقالت له الجارية: قد أرى ما بك من قلَّة الشيء. فلو بعتني وانتفعت بثمني صَلحَ حالك، فباعها لعمر بن عبيد الله هذا - وهو يومئذ أمير البصرة - بمئة ألف درهم، فلما قبض المال ندم وندمت الجارية، فأشارت تخاطب سيدها بأبيات شعر وهي]
(1)
:
هنيئًا لكَ المالُ الذي قدْ أخذتهُ
…
ولم يبقَ في كفيَّ إلّا تفكُّري
أقولُ لنفسي وهيَ في كربِ غَشْيةٍ
(2)
…
أقِلّي فقدْ بانَ الخليطُ أو اكثري
إذا لم يكنْ في الأمرِ عندكِ حيلةٌ
…
ولمْ تجدي بُدًّا منَ الصبرِ فاصبري
فأجابها سيدها فقال:
ولولا قعود الدهرِ بي عنكِ لم يكنْ
…
لفرقتنا شيءٌ سوى الموتِ فاصبري
أأوبُ بحزنٍ من فراقكِ موجع
…
أناجي بهِ قلبًا طويلَ التذكّرِ
عليكِ سلامٌ لا زيارةَ بيننا
…
ولا وصلَ إلّا أنْ يشاءَ ابنُ معمرِ
[فلما سمعها ابن معمر قد شببت قال: والله لا فرَّقت بين محبين أبدًا، ثم أعطاه المال - وهو مئة ألف - والجارية لما رأى من توجُّعهما على فراق كل منهما صاحبه، فأخذ الرجل الجارية وثمنها وانطلق.
توفي عمر بن عبيد الله بن معمر هذا بدمشق بالطاعون، وصلى عليه عبد الملك بن مروان، ومشى في جنازته وحضر دفنه وأثنى عليه بعد موته.
وكان له من الولد طلحة وهو من سادات قريش تزوج فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر على صداق أربعين ألف دينار، فأولدها إبراهيم ورملة، فتزوج رملة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس على صداق مئة ألف دينار رحمهم الله]
(3)
.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، ومكانها في أ: أنه اشترى جارية بمئة ألف، فتوجعت لفراق سيدها، وقالت تخاطب مولاها الذي باعها
…
ورواية ط توافق المصادر.
(2)
في ط: عيشةٍ؛ وما أثبت يوافق تاريخ الإسلام والسير.
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط؛ ومكانها في أ: فقال ابن معمر: خذها وثمنها.
كُمَيل بن زياد
(1)
بن نهيك بن الهيثم
(2)
النخعي الكوفي.
روى عن: عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي هريرة
(3)
.
وشهد مع علي صفين وما بعدها، وكان شجاعًا فاتكًا، وزاهدً عابدًا، قتله الحجاج في هذه السنة.
[وقد عاش مئة سنة قتله صبرًا بين يديه: وإنما نقم عليه لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه. فلما أمكنه عثمان من نفسه عفا عنه، فقال له الحجاج: أوَ مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص؟ ثم أمر فضربت عنقه، قالوا: وذكر الحجاج عليًا في غبون ذلك فنال منه وصلى عليه كُميل، فقال له الحجاج: والله لأبعثن إليك من يبغض عليًا أكثر مما تحبه أنت، فأرسل إليه ابن أدهم، وكان من أهل حمص، ويقال أبا الجهم بن كنانة فضرب عنقه
(4)
.
وقد روى عن كميل جماعة كثيرة من التابعين، وله الأثر المشهور عن علي بن أبي طالب الذي أوله: القلوب أوعية فخيرها أوعاها. وهو طويل قد رواه جماعة من الحفاظ الثقات وفيه مواعظ وكلام حسن رضي الله عن قائله]
(5)
.
زاذان أبو عمر الكندي
(6)
أحد التابعين كان أولًا يشرب المسكر ويضرب بالطنبور، فرزقه الله التوبة على يد عبد الله بن مسعود وحصلت له إنابة ورجوع إلى الحق
(7)
، وخثية شديدة، حتى كان إذا قام في الصلاة كأنه خشبة.
وقال مرة: إني جائع، فنزل عليه من الرَّوزنة رغيف مثل الرّحا.
وهو ثقة عند ابن معين وغيره.
(1)
ترجمة - كُميل بن زياد - في طبقات ابن سعد (6/ 179) وتاريخ خليفة (288) وطبقاته (148)(1/ 517) وتاريخ دمشق (50/ 247) وحلية الأولياء (1/ 79) وتهذيب الكمال (15/ 416) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 176 - 178) وتهذيب التهذيب (8/ 447 - 448) والإصابة (3/ 318).
(2)
في ط: خيثم؛ تحريف.
(3)
في تاريخ الإسلام: وروى عنه: عبد الرحمن بن عابس، والعباس بن ذريح، وعبد الله بن يزيد الصُّهباني، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش.
(4)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 365) وأن الذي قتله أبو الجهم، والذي هنا يوافق تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 177).
(5)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي لا تخرج عن الأصول.
(6)
ترجمة - زاذان أبو عمر - في طبقات ابن سعد (6/ 178) وتاريخ خليفة (288) وطبقاته (158) وتاريخ الطبري (4/ 211) وحلية الأولياء (4/ 199) وتاريخ دمشق (18/ 278) وتهذيب الكمال (9/ 263) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 64) وسير أعلام النبلاء (4/ 280) وشذرات الذهب (1/ 334).
(7)
انظر قصة توبته في تاريخ الإسلام.
قال خليفة
(1)
: توفي سنة ثنتين وثمانين.
قال خليفة: وفيها توفي زر بن حبيش
(2)
أحد أصحاب ابن مسعود وعائشة، وقد أتت عليه مئة وعشرون سنة. وقال أبو عبيد: مات سنة إحدى وثمانين، وقد تقدمت له ترجمة
(3)
.
شقيق بن سلمة
(4)
، أبو وائل، وقد أدرك من زمن الجاهلية سبع سنين، وأسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
أم الدرداء الصغرى
(5)
، اسمها هجيمة ويقال جهيمة، تابعية، عابدة، عالمة، فقيهة، كان الرجال يقرؤون عليها ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق، وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها مع المتفقهة يشتغل عليها وهو خليفة رحمهم الله.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين
استهلت هذه السنة والناس متواقفون لقتال الحجاج وأصحابه بدير قرة، وابن الأشعث وأصحابه بدير الجماجم، والمبارزة في كل يوم [بينهم واقعة]، وفي غالب الأيام تكون الدائرة لأهل العراق على أهل الشام [حتى قيل إن أصحاب ابن الأشعث وهم أهل العراق كسروا أهل الشام وهم أصحاب الحجاج بضعًا وثمانين مرة ينتصرون عليهم]
(6)
ومع هذا فالحجاج ثابت في مكانه صابر مصابر لا يتزحزح عن موضعه الذي هو فيه، بل إذا حصل له ظفر في يوم من الأيام يتقدم بجيشه إلى نحو عدوه، ثم جمع الرماة من جيشه وحمل بهم، وما زال ذلك دأبه ودأبهم حتى أمر بالحملة على كتيبة القرّاء، لأن الناس كانوا تبعًا لهم، وهم الذين يحرضونهم على القتال والناس يقتدون بهم، فصبر القزاء لحملة جيشه، وما انفك حتى قتل
(1)
تاريخ خليفة: (288).
(2)
ترجمة - زر بن حبيش - في طبقات ابن سعد (6/ 104) وتاريخ خليفة (288) وطبقاته (140) والاستيعاب (2/ 563) وأنساب الأشراف (1/ 164) وحلية الأولياء (4/ 181) وأسد الغابة (2/ 300) ووفيات الأعيان (3/ 9) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 66) وسير أعلام النبلاء (4/ 166) وشذرات الذهب (1/ 334).
(3)
تقدمت ترجمته ضمن وفيات سنة ثمان وسبعين.
(4)
ترجمة - شقيق بن سلمة - في طبقات ابن سعد (6/ 96) وتاريخ خليفة (228) وطبقاته (155) وحلية الأولياء (4/ 101) وأسد الغابة (3/ 3) ووفيات الأعيان (2/ 400) وتهذيب الكمال (12/ 548 - 554) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 82) وسير أعلام النبلاء (4/ 161) والوافي بالوفيات (2/ 167) والإصابة (2/ 167) وتهذيب التهذيب (4/ 361 - 363).
(5)
ترجمة - أم الدرداء الصغرى - في الاستيعاب (4/ 428) والمعرفة والتاريخ (2/ 327) وتاريخ دمشق (70/ 146 - 164) وأسد الغابة (5/ 448) وتهذيب الكمال (35/ 352) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 233) وسير أعلام النبلاء (4/ 277) وتهذيب التهذيب (12/ 465 - 466) والإصابة (4/ 295).
(6)
زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 14) مع أخبار سنة اثنتين وثمانين".
منهم خلقًا كثيرًا، ثم حمل على جيش ابن الأشعث وعلى من معه من الجيش فانهزم أصحاب ابن الأشعث وذهبوا في كل وجه، وهرب ابن الأشعث بين أيديهم ومعه فلّ قليل من الناس، فأتبعه الحجاج جيشًا كثيفًا مع عمارة بن تميمٍ
(1)
اللّخمي ومعه محمد بن الحجاج والإمرة لعمارة، فساقوا وراءهم يطردونهم لعلهم يظفرون بهم قتلًا أو أسرًا، فما زال يسوق ويخترق الأقاليم والكور والرساتيق، وهم في أثره حتى وصل إلى كرمان، واتبعه الشاميون فنزلوا يومًا في قصر كان فيه أهل العراق قبلهم، فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من أصحاب ابن الأشعث الذين فروا معه من شعر أبي جلدة
(2)
اليشكري يقول:
أيا لَهَفًا ويا حُزنًا جميعًا
…
ويا حَرّ الفُؤادِ لِمَا لَقِينا
تركنا الدينَ والدنيا جميعًا
…
وأسلمنا الحلائلَ والبَنينا
فما كنا أناسًا أهلَ دنيا
…
فنمنعها ولو لمْ نرجُ دِينا
(3)
تركنا دُوْرَنا لطغامِ عكٍّ
…
وأنباطِ القُرى والأشعَرينا
ثم إن ابن الأشعث دخل هو ومن معه من الفل إلى بلاد رُتبيل ملك الترك، فأكرمه رتبيل وأنزله عنده وأمنه وعظمه.
[قال الواقدي: ومر ابن الأشعث وهو ذاهب إلى بلاد رتبيل على عامل
(4)
له في بعض المدن كان ابن الأشعث قد استعمله على ذلك عند رجوعه إلى العراق، فأكرمه ذلك العامل وأهدى إليه هدايا وأنزله، فعل ذلك خديعة به ومكرًا، وقال له: ادخل إلى عندي إلى البلد لتتحصن بها من عدوك ولكن لا تدع أحدًا ممن معك يدخل المدينة، فأجابه إلى ذلك، وإنما أراد المكر به، فمنعه أصحابه فلم يقبل منهم، فتفرق عنه أصحابه، فلما دخل المدينة وثب عليه العامل فمسكه وأوثقه بالحديد وأراد أن يتخذ به يدًا عند الحجاج، وقد كان الملك رُتبيل سُرَّ بقدوم ابن الأشعث، فلما بلغه ما حدث له من جهة ذلك العامل بمدينة بست، سار حتى أحاط ببست، وأرسل إلى عاملها يقول له: والله لئن آذيت ابن الأشعث لا أبرح حتى أستنزلك وأقتل جميع من في بلدك، فخافه ذلك العامل وسَيَّر إليه ابن الأشعث فأكرمه رُتبيل، فقال ابن الأشعث لرتبيل: إن هذا العامل كان عاملي ومن جهتي، فغدر بي وفعل ما رأيت، فأذن لي في قتله،
(1)
في ب، ط: غنم، وما أثبت يوافق الطبري (6/ 367) وابن الأثير (4/ 485). وتقدم ذكره في السنة الماضية.
(2)
في الكامل لابن الأثير (4/ 484): ابن حلِّزة، وما هنا كالطبري (6/ 368). وهو أبو جلدة بن عبيد بن منقذ بن حجر بن عبيد الله بن مسلمة بن حبيب بن عدي بن جُشم بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل، شاعر إسلامي أموي من ساكني الكوفة، كان من أخص الناس بالحجاج ثم خرج عليه مع ابن الأشعث، فقتله الحجاج. الأعلام للزركلي (2/ 133).
(3)
في الطبري وابن الأثير:
فما كنا أناسًا أهل دين
…
فنصبر في البلاء إذا ابتُلينا
(4)
سماه الطبري (6/ 369): عياض بن هميان أبو هشام بن عياض السدوسي، وفي ابن الأثير (4/ 485): ابن هشام السدوسي.
فقال: قد أمنته
(1)
]
(2)
وكان مع ابن الأشعث عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة
(3)
بن الحارث بن عبد المطلب، وكان هو الذي يصلي بالناس هنالك في بلاد رُتبيل، ثم إن جماعة من الفل الذين هربوا من الحجاج اجتمعوا وساروا وراء ابن الأشعث ليدركوه فيكونوا معه - وهم قريب من ستين ألفًا - فلما وصلوا إلى سجستان وجدوا ابن الأشعث قد دخل إلى عند رُتبيل فتغلبوا على سجستان وعذبوا عاملها عبد الله بن عامر النعار
(4)
وإخوته وقرابته، واستحوذوا على ما فيها من الأموال، وانتشروا في تلك البلاد وأخذوها، ثم كتبوا إلى ابن الأشعث: أن اخرج إلينا حتى نكون معك ننصرك على من يخالفك، ونأخذ بلاد خراسان، فإن بها جندًا عظيمًا منا، فنكون بها حتى يهلك الله الحجاج أو عبد الملك، فنرى بعد ذلك رأينا. فخرج إليهم ابن الأشعث وسار بهم قليلًا إلى نحو خراسان فانخذل عنه شرذمة من أهل العراق مع عبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرة، فقام فيهم ابن الأشعث خطيبًا فذكر غدرهم ونكولهم عن الحرب، وقال: لا حاجة لي بكم، وأنا ذاهب إلى صاحبي رُتبيل فأكون عنده. ثم انصرف عنهم وتبعه طائفة منهم وبقي معظم الجيش. فلما انفصل عنهم ابن الأشعث بايعوا عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة (3) بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وساروا معه إلى خراسان فخرج إليهم أميرها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، فمنعهم من دخول بلاده، وكتب إلى عبد الرحمن بن عباس يقول له: إن في البلاد متسعًا فاذهب إلى أرض ليس بها سلطان، فإني أكره قتالك، وإن كنت تريد مالًا بعثت إليك. فقال له: إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا نستريح ونريح خيلنا ثم نذهب وليست بنا حاجة إلى شيء مما عرضت. ثم أقبل عبد الرحمن على أخذ الخراج مما حوله من البلاد من كورخراسان، فخرج إليه يزيد بن المهلب ومعه أخوه المفضل في جيوش كثيفة، فلما صادفوهم اقتتلوا غير كثير ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن عباس، وقتل يزيد منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم أسرى كثيرة، واحتاز ما في معسكرهم، وبعث بالأسارى وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص إلى الحجاج، ويقال إن محمد بن سعد قال ليزيد بن المهلب: أسألك بدعوة أبي لأبيك لما أطلقتني، فأطلقه.
قال أبو جعفر بن جرير
(5)
: ولهذا الكلام خبر فيه طول، ولما قدمت الأسارى على الحجاج قتل أكثرهم وعفا عن بعضهم، وقد كان الحجاج يوم ظهر على ابن الأشعث نادى مناديه في الناس: من رجع
(1)
في الطبري (6/ 369): قال: فأذن لي في دفعه ولهزه والتصغير به، قال: أما هذه فنعم. ففعل به عبد الرحمن.
وفي الفتوح لابن الأعثم (7/ 152): عمد ابن الأشعث إلى عياض بن هميان هذا فضرب عنقه وصلبه وأخذ أمواله وخرب منزله.
(2)
ما بين معكوين زيادة من ط، وهي موافقة للمصادر.
(3)
في ط: "بن أبي ربيعة"، وما أثبتناه من م والطبري (6/ 370).
(4)
في الطبري: البَعّار.
(5)
تاريخ الطبري (6/ 374).
فهو آمن ومن لحق بقتيبة بن مسلم بالري فهو آمن، فلحق به خلق كثير ممن كان مع ابن الأشعث فأمنهم الحجّاج، ومن لم يلحق به شرع في تتبعه، فقتل منهم خلقًا كثيرًا حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير على ما سيأتي تفصيله والله المستعان.
وكان الشعبي من جملة من صار إلى قتيبة بن مسلم فذكره الحجاج يومًا فقيل له: إنه صار إلى قتيبة بن مسلم، فكتب إليه: أن ابعث لي بالشَّعبي.
قال الشعبي: فلما دخلت عليه سلمت عليه بالإمرة ثم قلت: أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق، وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا الحق [كائنًا في ذلك ما كان] قد والله تمردنا عليك، وخرجنا وجهدنا كل الجهد فما ألونا، فما كنا بالأقوياء الفجرة، ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا، وما جزَت إليك أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك، وبعد، فالحجة لك علينا. فقال الحجاج: أنت والله يا شعبي أحب إليّ قولًا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما فعلتُ ولا شهدتُ، قد أمنت عندنا يا شَعبي. قال: فانصرفت فلما مشيت قليلًا قال: هلمَّا شعبي، قال: فوجل لذلك قلبي، ثم ذكرت لحوله قد أمنت يا شعبي فاطمأنت نفسي، فقال: كيف وجدت الناس بعدنا يا شعبي؟ - قال: وكان لي مكرمًا [قبل الخروج عليه -] فقلت: أصلح الله الأمير، قد اكتحلتُ بعدك السَّهرَ، واستوعرت الجناب
(1)
، واستحلَسْتُ الخوف
(2)
، وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خَلَفًا. قال: انصرف يا شعبي، فانصرفت. ذكر ذلك ابن جرير وغيره. ورواه أبو مخنف عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن السدي عن الشعبي
(3)
.
وروى البيهقي
(4)
: أنه سأله عن مسألة الخرقاء في الفرائض وهي أم وزوج وأخت وما كان يقول فيها الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وكان لكل منهم قول فيها، فنقل ذلك كله الشعبي في ساعة فاستحسن قول علي وحكم بقول عثمان، وأطلق الشعبي بسبب ذلك.
[وقيل إن الحجاج قتل خمسة آلاف أسير
(5)
ممن سيرهم إليه يزيد بن المهلّب كما تقدم ذلك، ثم سار إلى الكوفة فدخلها فجعل لا يبايع أحدًا من أهلها إلا قال: اشهد على نفسك أنك قد كفرتَ، فإذا قال نعم بايعه، وإن أبى قتله، فقتل منهم خلقًا كثيرًا ممن أبى أن يشهد على نفسه بالكفر، قال فأُتي برجل فقال الحجاج: ما أظن هذا يشهد على نفسه بالكفر لصلاحه ودينه - وأراد الحجاج مخادعته - فقال:
(1)
في ط: واستوعرت السهل، واستوخمت الجناب.
(2)
بعدها في ط: واستحليت الهم. وما هنا موافق للطبري (6/ 375).
(3)
في الطبري: قال أبو مخنف: فحدثني السّريّ بن إسماعيل، عن الشعبي
…
وذكر الخبر.
(4)
السنن الكبرى (6/ 252).
(5)
تاريخ خليفة (287) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 16).
أخادعي أنت عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون وهامان ونمروذ. قال: فضحك الحجاج وخلّى سبيله]
(1)
.
وذكر ابن جرير
(2)
من طريق أبي مخنف: أن أعشى همدان أُتي به إلى الحجاج - وكان قد عمل قصيدة يهجو فيها الحجاج وعبد الملك بن مروان ويمدح فيها ابن الأشعث وأصحابه - فاستنشده إياها فأنشده قصيدة طويلة دالية
(3)
، فيها مدح كثير لعبد الملك وأهل بيته، فجعل أهل الشام يقولون: قد أحسن أيها الأمير أفقال الحجاج: إنه لم يحسن، إنما يقول هذا مصانعة، ثم ألحَّ عليه حتى أنشده قصيدته الأخرى
(4)
، فلما أنشدها غضب عند ذلك الحجاج وأمر به فضربت عنقه صبرًا بين يديه. واسم الأعشى هذا عبد الرحمن بن الحارث أبو المصبِّح الهمداني الكوفي الشاعر، أحد الفصحاء البلغاء المشهورين، وقد كان له فضل وعبادة في مبتداه، ثم ترك ذلك وأقبل على الشعر فعرف به، وقد وفد على النعمان بن بشير وهو أمير بحمص فامتدحه، وكان محصوله في رحلته إليه منه ومن جند حمص أربعين ألف دينار، وكان زوج أخت الشعبي، كما أن الشعبي كان زوج أخته أيضًا
(5)
، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث، فقتله الحجاج كما ذكرنا رحمه الله.
وقد كان الحجاج وهو مواقف لابن الأشعث بعث كمينًا يأتون جيش ابن الأشعث من ورائه، ثم تواقف الحجاج وابن الأشعث وهرب الحجاج بمن معه وترك معسكره، فجاء ابن الأشعث فاحتاز ما في المعسكر وبات فيه، فجاءت السرية إليهم ليلًا وقد وضعوا أسلحتهم فمالوا عليهم ميلة واحدة، ورجع الحجاج بأصحابه فأحاطوا بهم فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، ولتل من أصحاب ابن الأشعث خلق كثير وغرق خلق كثير منهم في دجلة ودجيل، وجاء الحجاج إلى معسكرهم فقتل من وجده فيه، فقتل منهم نحوًا من أربعة آلاف، منهم جماعة من الرؤساء والأعيان، واحتازوه بكماله.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي موافقة للمصادر.
(2)
تاريخ الطبري (6/ 375).
(3)
ذكرها الطبري (6/ 376) وابن الأثير (4/ 489) ومطلعها:
أبى الله إلا أن يتمِّم نوره
…
ويطفئ نور الفاسقين فيُخمدا
إلى قوله:
وجدنا بني مروان خير أئمة
…
وأفضل هذي الناس حلمًا وسؤددا
(4)
ذكر المسعودي في مروج الذهب (3/ 155) بيتين منها، وفيها يمدح ابن الأشعث ويحرض أهل الكوفة على القتال:
وسألتماني المجد أين محله
…
فالمجد بين محمد وسعيد
بين الأشج وبين قيس باذخ
…
بَخ بخ لوالده وللمولود
فلما قال الأعشى هذا البيت قال الحجاج: لا والله لَا تبخبخ بعدها لأحد أبدًا. فقدمه فضرب عنقه.
(5)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 41).
وانطلق ابن الأشعث هاربًا في ثلاثمئة من أصحابه فركبوا دجيلًا في السفن وعقروا دوابهم وجازوا إلى البصرة، ثم ساروا من هنالك وكان من أموهم من دخولهم بلاد رتبيل ما كان.
ثم شرع الحجاج في تتبع أصحاب ابن الأشعث فجعل يقتلهم مثنى وفرادى، حتى قيل إنه قتل منهم بين يديه صبرًا مئة ألف وثلاثين ألفًا، قاله النضر بن شميل عن هشام بن حسان
(1)
، منهم محمد بن سعد بن أبي وقاص، وجماعات من السادات [الأخيار، والعلماء الأبرار] حتى كان آخرهم سعيد بن جبير رحمهم الله ورضي عنهم، كما سيأتي ذلك في موضعه.
بناء واسط في زمن الحجاج
قال ابن جرير
(2)
: وفي هذه السنة بنى الحجاج واسط، وكان سبب بنائه لها أنه رأى راهبًا على أتان قد أجاز دجلة، فلما مر بموضع واسط وقفت أتانه فبالت، فنزل عنها وعمد إلى موضع بولها فاحتفره ورمى به في دجلة، فقال الحجاج: عليّ به، فأُتي به فقال له: لم صنعت هذا؟ قال: إنا نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحِّده. فعند ذلك اختط الحجاج مدينة واسط في ذلك المكان وبنى المسجد في ذلك الموضع.
وفي هذه السنة كانت غزوة عطاء بن رافع صقلية
(3)
.
وممن توفي فيها من الأعيان:
عبد الرحمن بن حُجَيرة
(4)
، الخولاني المصري، روى عن جماعة من الصحابة، وكان عبد العزيز ابن مروان أمير مصر قد جمع له بين القضاء والقصص وبيت المال، وكان رزقه في العام ألف دينار، وكان لا يدخر منها شيئًا.
طارق بن شهاب
(5)
بن عبد شمس الأحمسي ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم وغزا في خلافة الصديق وعمر رضي الله عنهما بضعًا وأربعين غزاة، توفي بالمدينة هذه السنة.
(1)
تاريخ الطبري (6/ 381 - 382).
(2)
تاريخ الطبري (6/ 383).
(3)
تاريخ الإسلام (5/ 18).
(4)
ترجمة - عبد الرحمن بن حجيرة - في المعرفة والتاريخ (2/ 508) والجرح والتعديل (5/ 227) وتهذيب الكمال (17/ 54) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - / 100 ص 126) وتهذيب التهذيب (6/ 160) وقد تحرف في ط إلى: ابن جحيرة - بالجيم -.
(5)
ترجمة - طارق بن شهاب - في طبقات ابن سعد (6/ 66) وطبقات خليفة (117) وتاريخ البخاري (4/ 352 - 353) والاستيعاب (2/ 237) وأسد الغابة (3/ 48) وتهذيب الكمال (13/ 341) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - / 100 ص 93 - 94) وسير أعلام النبلاء (3/ 486) والوافي بالوفيات (16/ 380) وتهذيب التهذيب (5/ 3).
عبيد اللّه بن عدي
(1)
بن الخيار أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وحدث عن جماعة من الصحابة وأبوه عدي ممن قتل يوم بدر كافرًا.
عبد الله بن قيس بن مخرمة
(2)
، كان قاضي المدينة. وكان من فقهاء قريش وعلمائهم.
وتوفي بها في هذه السنة:
مرثد بن عبد الله
(3)
أبو الخير اليزني
(4)
.
وفيها فقد جماعة من القراء والعلماء الذين كانوا مع ابن الأشعث، منهم من هرب ومنهم من قتل في المعركة، ومنهم من أسر فضرب الحجاج عنقه، ومنهم من تتبعه حتى أمكنه فقتله، وقد سمى منهم خليفة بن خياط
(5)
طائفة من الأعيان، فمنهم مسلم بن يسار المزني، وأبو مرانة العجلي قُتل، وعقبة بن عبد الغافر قُتل، وعقبة بن وساج
(6)
قُتل، وعبد الله بن غالب
(7)
الجهضمي قُتل، وأبو الجوزاء الرّبعيّ قُتل، والنضر بن أنس، وعمران والد أبي جمرة الضبعي، وأبو المنهال سيار بن سلامة الرياحيّ، ومالك بن دينار، ومرّة بن دَبّاب
(8)
الهَدَادي، وأبو نُجيد الجَهْضمي، وأبو شيخ
(9)
الهنائي، وسعيد بن أبي الحسن، وأخوه الحسن البصري.
(1)
ترجمة - عبيد الله بن عدي - في طبقات ابن سعد (5/ 49) وتاريخ خليفة (309) وطبقاته (231) وتاريخ البخاري (5/ 391) والاستيعاب (3/ 1010) وتهذيب الكمال (19/ 112) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 423) وسير أعلام النبلاء (3/ 514) وتهذيب التهذيب (7/ 36 - 37) والإصابة (2/ 5308).
(2)
ترجمة - عبد الله بن قيس - في طبقات ابن سعد (5/ 239) وتاريخ خليفة (293) والمعرفة والتاريخ (1/ 296) وتهذيب الكمال (15/ 453) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 121) وتهذيب التهذيب (5/ 363 - 364).
(3)
ترجمة - مرثد بن عبد الله - في طبقات ابن سعد (7/ 511) وطبقات خليفة (293) والمعرفة والتاريخ (2/ 491) وتهذيب الكمال (27/ 357) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - / 100 ص 195) وسير أعلام النبلاء (4/ 284) وتهذيب التهذيب (10/ 82).
وأغلب المصادر على أنه توفي سنة تسعين، واللّه أعلم.
(4)
التراجم الخمس السابقة ساقطة من أ، ب.
(5)
تاريخ خليفة (286 - 287).
(6)
في أ، ط: وشاح: وما أثبت موافق لتاريخ خليفة وتاريخ الإسلام.
(7)
في ط: خالد، محرف.
(8)
في أ، ط: ذياب؛ خطأ والتصحيح من المشتبه للذهبي (1/ 282) وهو: مرة بن دبّاب البصري. وانظر توضيح المشتبه (4/ 15).
(9)
في ط: "سبيج"، وما أثبتناه من م وتاريخ خليفة وتاريخ الإسلام.
قال أيوب
(1)
: قيل لابن الأشعث: إن أحببت أن يقتل الناس حولك كما قتلوا حول هودج عائشة يوم الجمل فأخرج الحسن معك، فأخرجه. ومن أهل الكوفة: سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد، والشَّعبي، وأبو عُبيدة بن عبد اللّه بن مسعود، والمعرور بن سويد، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وأبو البَخْتري، وطلحة بن مصرِّف، وزُبَيد
(2)
بن الحارث الياميان، وعطاء بن السائب. قال أيوب: فما منهم من أحد صُرع مع ابن الأشعث إلا رُغب في مصرعه، ولا نجا أحد منهم إلَّا حمد اللّه الذي سلمه.
[ومن أعيان من قَتَل الحجاج:
عمران بن عصام الضبعي
(3)
، والد أبي جمرة، كان من علماء أهل البصرة، وكان صالحًا عابدًا أُتي به أسيرًا إلى الحجاج فقال له: اشهد على نفسك بالكفر حتى أطلقك، فقال: واللّه إني ما كفرت باللّه منذ آمنت به، فأمر به فضربت عنقه.
عبد الرحمن بن أبي ليلى
(4)
، روى عن جماعة من الصحابة، ولأبيه أبي ليلى صحبة، أخذ عبد الرحمن القرآن عن علي بن أبي طالب: خرج مع ابن الأشعث فأُتي به الحجاج فضرب عنقه بين يديه صبرًا]
(5)
.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين
قال الواقدي: فيها افتتح عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان المصيصة
(6)
.
(1)
وهو أيوب السختياني، والخبر في تاريخ خليفة (287) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 16).
(2)
في أ: وزيد؛ خطأ، وما أثبت عن ب، ط والمصادر.
(3)
ترجمة - عمران بن عصام - في تاريخ خليفة (282) وطبقاته (204) وتاريخ البخاري (6/ 417 - 418) وتهذيب الكمال (22/ 342) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 158 - 159) وتهذيب التهذيب (8/ 134).
(4)
ترجمة - عبد الرحمن بن أبي ليلى - في طبقات ابن سعد (6/ 109) وتاريخ خليفة (283) وطبقاته (150) والمعرفة والتاريخ (1/ 224) ومواضع أخرى، ووفيات الأعيان (2/ 359) وتهذيب الكمال (17/ 372) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 127 - 129) وسير أعلام النبلاء (4/ 262) وتهذيب التهذيب (6/ 260) والإصابة (2/ 420) والنجوم الزاهرة (1/ 206) وشذرات الذهب (1/ 343).
(5)
الذي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 129) عن أبي نعيم في الحية (4/ 351): أنه قتل بوقعة الجماجم.
(6)
المصيصة: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس. معجم البلدان (5/ 144 - 145) وخبر فتحها في تاريخ الطبري (6/ 385) وابن الأثير (4/ 500) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100 / ص 21).
وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية فقتل منهم خلقًا وحرق كنائسهم وضياعهم وتسمى سنة الحريق
(1)
. [وفيها استعمل الحجاج على فارس محمد بن القاسم الثقفي، وأمره بقتل الأكراد.
وفيها ولى عبد الملك الإسكندرية عياض بن غنم البجيني وعزل عنها عبد الملك بن أبي الكنود الذي كان قد وليها في العام الماضي]
(2)
.
وفيها افتتح موسى بن نصير طائفة من بلاد المغرب من ذلك بلد أوربة
(3)
، وقتل من أهلها بشرًا كثيرًا جدًّا، وأسر نحوًا من خمسين ألفًا.
وفيها قتل الحجاج أيضًا جماعة من رؤساء ابن الأشعث، منهم:
أيوب بن القِرِّيّة
(4)
، وكان فصيحًا بليغًا واعظًا، قتله صبرًا بين يديه، ويقال إنه ندم على قتله، وهو أيوب بن زيد بن قيس أبو سليمان الهلالي المعروف بابن القِرية.
[وعبد اللّه بن الحارث بن نوفل.
وسعد بن إياس الشيباني.
وأبو عِنَبَة
(5)
الخولاني. له صحبة ورواية، سكن حمص وبها توفي وقد قارب المئة سنة.
عبد اللّه بن قتادة، وغير هؤلاء جماعة منهم من قتلهم الحجاج، ومنهم من توفي.
أبو زرعة الجذامي، الفلسطيني، كان ذا منزلة عند أهل الشام، فخاف منه معاوية ففهم منه ذلك أبو زرعة فقال يا أمير المؤمنين لا تهدم ركنًا بنيته، ولا تحزن صاحبًا سررته، ولا تشمت عدوًا كبتَّه، فكف عنه معاوية]
(6)
.
وفيها توفي:
عتبة بن النُّدَّر السلمي
(7)
، صحابي جليل [كان يعد في أهل الصفة].
(1)
تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 21).
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر الثاني في تاريخ الإسلام للذهبي (ص 21).
(3)
تحرفت في ط إلى: أرومة، وأوربة: قبيلة بالمغرب مساكنهم قرب فاس، وهي مدينة بالأندلس أيضًا. دائرة المعارف الإسلامية (3/ 123).
(4)
ستأتي ترجمته بأوسع مما هنا قريبًا.
(5)
في الأصل: غنيما، وهو خطأ.
(6)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وأبو زرعة الجذامي: هو روح بن زنباع ستأتي ترجمته قريبًا.
(7)
ترجمة - عتبة بن النُّدَّر - في طبقات ابن سعد (7/ 413) وطبقات خليفة (52) والاستيعاب (3/ 117) وحلية الأولياء (2/ 15) وتاريخ دمشق (38/ 286) وأسد الغابة (3/ 570) وتهذيب الكمال (19/ 324) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 150 - 151) وسير أعلام النبلاء (3/ 417) والإصابة (2/ 456) =
وعمران بن حِطّان
(1)
، الخارجي، كان أولًا من أهل السنة والجماعة فتزوج امرأة من الخوارج حسنة جميلة جدًّا فأحبها. وكان هو دميم
(2)
الشكل، فأراد أن يردها إلى السنة فأبت فارتد معها إلى مذهبها. وقد كان من الشعراء المطبقين
(3)
، وهو القائل في قتل علي وقاتله:
يا ضربةً مِنْ تقيٍّ ما أرادَ بها
…
إلا ليبلُغَ مِنْ ذي العرشِ رِضوانا
إني لأذكُرُهُ يومًا فاحسَبُهُ
…
أوفَى البريَّةِ عِندَ اللّه ميزانا
أكرِمْ بقومٍ بطونُ الطَّير أقْبُرُهمْ
…
لمْ يَخْلِطوا دينهمْ بَغْيًا وعُدوانا
(4)
وقد كان الثوري يتمثل بأبياته هذه في الزهد في الدنيا وهي قوله:
أرى أشقياء الناسِ لا يسأمونها
…
على أنهمْ فيها عُراةٌ وجُوَّعُ
أراها وإنْ كانتْ تُحِبُّ فإنها
…
سَحابةُ صيْفٍ عنْ قليل تَقَشَّعُ
كركبٍ قَضَوا حاجاتِهمْ وترحَّلوا
…
طريقُهُمْ بادي العَلامةِ مَهْيَعُ
(5)
[مات عمران بن حطان سنة أربع وثمانين.
وقد رد عليه بعض العلماء
(6)
في أبياته المتقدمة في قتل علي رضي الله عنه بأبيات على قافيتها ووزنها:
بلْ ضربةٌ منْ شقيٍّ ما أرادَ بها
…
إلا ليبلغَ منْ ذي العرشِ خسرانا
إني لأذكرهُ يومًا فأحسبهُ
…
أشقى البرية عند اللّه ميزانا]
(7)
= وتهذيب التهذيب (7/ 102 - 103).
والندَّر - بضم النون وفتح الدال المهملة المشدَّدتين. وانظر توضيح المشتبه (1/ 394).
(1)
ترجمة - عمران بن حطان - في طبقات ابن سعد (7/ 155) وتاريخ خليفة (274) وطبقاته (208) وتاريخ البخاري (6/ 413 - 414) وأنساب الأشراف (4/ 89) وتهذيب الكمال (22/ 322) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 154 - 157) وسير أعلام النبلاء (4/ 214) والإصابة (3/ 178) وتهذيب التهذيب (8/ 127) وديوان شعر الخوارج (172) وشذرات الذهب (1/ 345).
(2)
في أ، ب: ذميم - بالذال - وكلاهما بمعى.
(3)
في ط: المفلقين.
(4)
الأبيات في الأغاني (18/ 111) ونشوار المحاضرة للتنوخي (3/ 290) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 156).
(5)
الأبيات في الأغاني (18/ 111) والكامل للمبرد (2/ 126) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 157).
(6)
وهو الفقيه الطبري. وأبياته في الكامل للمبرد (2/ 126) وكتاب الأذكياء (210).
(7)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي توافق المصادر.
وروح بن زنباع الجذامي
(1)
، [كان من أمراء الشام وكان عبد الملك يستشيره في أموره].
وفيها كان مهلك عبد الرحمن بن الأشعث الكندي [وقيل في التي بعدها، فاللّه أعلم]
(2)
.
وكان سبب ذلك أن الحجاج كتب إلى رُتبيل ملك الترك الذي لجأ إليه ابن الأشعث يقول له: واللّه الذي لا إله إلا هو لئن لم تبعث إليّ بابن الأشعث لأبعثن إلى بلادك ألف ألف مقاتل، ولأخربنها. فلما تحقق الوعيد من الحجاج استشار في ذلك بعض الأمراء فأشار عليه بتسليم ابن الأشعث إليه قبل أن يخرب الحجاج دياره ويأخذ عامة أمصاره، فأرسل إلى الحجاج يشترط عليه أن لا يقاتل عشر سنين، وأن لا يؤدي في كل سنة منها إلا مئة ألف من الخراج، فأجابه الحجاج إلى ذلك [وقيل إن الحجاج وعده أن يطلق له خراج أرضه سبع سنين](2)، فعند ذلك غدر رُتبيل بابن الأشعث فقيل إنه أمر بضرب عنقه صبرًا بين يديه، وبعث برأسه إلى الحجاج، وقيل: بل كان ابن الأشعث قد سقط من شاهق فبعث برأسه إلى الحجاج وقيل: بل كان قد مرض مرضًا شديدًا فقتله وهو بآخر رمق
(3)
، والمشهور أنه قبض عليه وعلى ثلاثين من أقربائه فقيدهم في الأصفاد وبعث بهم مع رسل الحجاج إليه، فلما كانوا ببعض الطريق بمكان يقال له الرُّخَّج
(4)
، صعد ابن الأشعث وهو مقيد بالحديد إلى سطح قصر ومعه رجل موكل به لئلا يفر، وألقى نفسه من ذلك القصر وسقط معه الموكل به فماتا جميعًا، فعمد الرسول إلى رأس ابن الأشعث فاحتزه، وقتل من معه من أصحاب ابن الأشعث وبعث برؤوسهم إلى الحجاج فأمر فطيف برأسه في العراق، ثم بعثه إلى أمير المؤمنين عبد الملك فطيف برأسه في الشام، ثم بعث به إلى أخيه عبد العزيز بن مروان وهو بمصر فطيف برأسه أيضًا هنالك، ثم دفنوا رأسه بمصر وجثته بالرُّخَّج، وقد قال بعض الشعراء في ذلك:
هيهاتَ موضعُ جثةٍ من رأسها
…
رأس بمصرَ وجثةٌ بالرُّخَّج
وإنما ذكر ابن جرير مقتل الأشعث في سنة خمس وثمانين فاللّه أعلم.
وعبد الرحمن هذا وهو ابن محمد بن الأشعث بن قيس، ومنهم من يقول عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الكوفي، قد روى له أبو داود والنسائي
(5)
عن أبيه عن جده عن
(1)
ستأتي ترجمته بعد خبر موت ابن الأشعث.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في الطبري (6/ 389 - 390) وابن الأثير (4/ 51).
(3)
في تاريخ الطبري (6/ 390) وابن الأثير (4/ 502): أصابه السل ومات، فقطع رتبيل رأسه قبل أن يدفن وأرسله إلى الحجاج.
(4)
في ط: "الرجح"، مصحف، وما أثبتناه مجود في نسخة م، وهو الموافق لما في تاريخ الطبري (6/ 391) وابن الأثير (4/ 52).
ورُخَّج - بتشديد ثانيه - كورة ومدينة من نواحي كابل. معجم البلدان (3/ 38).
(5)
سنن أبي داود رقم (3511) في البيوع والإجارات، وسنن النسائي الكبرى (6244)، وفي المجتبى (7/ 302) في البيوع.
عبد اللّه بن مسعود: حديث "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ما قال البائع أو يتتاركا
(1)
" وعنه أبو العميس.
ويقال إن الحجاج قتله بعد التسعين سنة، فاللّه أعلم. والعجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة وليس من قريش، وإنما هو كندي من اليمن، وقد اجتمع الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم الصدِّيق بالحديث في ذلك، حتى إن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين فأبى الصدّيق عليهم ذلك، ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة الذي دعا إلى ذلك أولًا ثم رجع عنه، كما قررنا ذلك فيما تقدم.
فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالإمارة على المسلمين من سنين فيعزلونه وهو من صليبة قريش ويبايعون لرجل كندي بيعة لم يتفق عليها أهل الحل والعقد؟ ولهذا لما كانت هذه زلّة وفلتة نشأ بسببها شر كبير هلك فيه خلق كثير فإنا للّه وإنا إليه راجعون.
أيوب ابن القِرِّيّة
(2)
، وهي أمه واسم أبيه يزيد بن قيس بن زُرارة بن مسلم النمري الهلالي، كان أعرابيًا أميًا، وكان يضرب به المثل في فصاحته وبيانه وبلاغته، صحب الحجاج ووفد على عبد الملك، ثم بعثه رسولًا إلى ابن الأشعث فقال له ابن الأشعث: لئن لم تقم خطيبًا فتخلع الحجاج لأضربن عنقك، ففعل وأقام عنده؛ فلما ظهر الحجاج استحضره وجرت له معه مقامات ومقالات في الكلام، ثم آخر الأمر ضرب عنقه وندم بعد ذلك على ما فعل من ضرب عنقه، ولكن ندم حيث لا ينفعه الندم. كما [قيل: وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل].
وقد ذكره ابن عساكر في "تاريخه" وابن خلِّكان في "الوفيات" وأطال ترجمته وذكر فيها أشياء حسنة، قال: والقِرِّيِّة بكسر القاف وتشديد الياء وهي جدته واسمها جُماعة بنت جُشم، قال ابن خلِّكان: ومن الناس من أنكر وجوده ووجود مجنون ليلى، وابن أبي العقب صاحب الملحمة، وهو يحيى بن عبد الله بن أبي العقب، واللّه أعلم.
رَوْحُ بن زِنْباع
(3)
بن سلامة الجذامي أبو زرعة ويقال أبو زنباع الدمشقي داره بدمشق في طرف
(1)
في ط: "تشاركا"، وما أثبتناه من م، وهو الموافق لرواية أبي داود (3511). ولفظ النسائي (7/ 302):"أو يتركا". وإسناده ضعيف، وهو حديث حسن بطرقه.
(2)
ترجمة - أيوب بن القرية وخبر مقله - في تاريخ الطبري (6/ 385) وتاريخ دمشق (10/ 140 - 143) وتهذيبه (3/ 219) ووفيات الأعيان (1/ 250) والكامل لابن الأثير (4/ 498) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 43) وسير أعلام النبلاء (4/ 197).
(3)
ترجمة - روح بن زنباع - في تاريخ خليفة (440) وأنساب الأشراف (1/ 36) ومواضع أخرى، والاستيعاب (1/ 525) وتاريخ البخاري (3/ 307) وتاريخ دمشق (18/ 240 - 251) وأسد الغابة (2/ 189) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 61 - 62) وسير أعلام النبلاء (4/ 251 - 252) والوافي بالوفيات =
البزوريين
(1)
عند دار ابن أبي عقب صاحب الملحمة. وهو تابعي جليل، روى عن أبيه - وكانت له صحبة - وتميم الداري، وعُبادة بن الصامت ومعاوية وكعب الأحبار وغيرهم، وعنه جماعة منهم عبادة بن نُسي. كان روح عند عبد الملك كالوزير لا يكاد يفارقه، وكان مع أبيه مروان يوم مرج راهط، وقد أمَّره يزيد بن معاوية على جند فلسطين، وزعم مسلم بن الحجاج أن روح بن زنباع كانت له صحبة، ولم يتابع مسلم على هذا القول، والصحيح أنه تابعي وليس بصحابي، ومن مآثره التي تفرد بها أنه كان كلما خرج من الحمَّام يعتق نسمة، قال ابن زبر
(2)
: مات سنة أربع وثمانين بالأردن، وزعم بعضهم أنه بقي إلى أيام هشام [بن عبد الملك، وقد حجَّ مرَّة فنزل على ماءٍ بين مكة والمدينة فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان، ثم وضعت بين يديه، فبينما هو يأكل إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء، فدعاه رَوْحُ بن زِنباع إلى الأكل من ذلك الطعام، فجاء الراعي فنظر إلى طعامه وقال: إني صائم، فقال له رَوْح: في هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعي؟ فقال الراعي: أفأغبن أيامي من أجل طعامك؟ ثم إن الراعي ارتاد لنفسه مكانًا فنزله وترك رَوح بن زنباع، فقال روح بن زنباع:
لقد ضننتَ بأيامكَ يا راعي
…
إذ جادَ بها روحُ بنُ زنباعِ
ثم إن روحًا بكى طويلًا وأمر بتلك الأطعمة فرفعت، وقال: انظروا هل تجدون لها آكلًا من هذه الأعراب أو الرعاة؟ ثم سار من ذلك المكان وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه وصغرت إليه نفسه واللّه سبحانه وتعالى أعلم
(3)
.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين
فيها كما ذكر ابن جرير: كان مقتل عبد الرحمن بن الأشعث، فالله أعلم.
وفيها عزل الحجاج عن إمرة خواسان يزيد بن المهلب وولى عليها أخاه المفضل بن المهلب، وكان سبب ذلك أن الحجاج وفد مرة على عبد الملك فلما انصرف مرَّ بدير فقيل له: إن فيه شيخًا كبيرًا من أهل الكتاب عالمًا، فدعي فقال: يا شيخ هل تجدون في كتبكم ما أنت فيه وما نحن فيه؟ قال: نعم. قال له فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال: نجده ملكًا أقرع، من يقم في سبيله يصرع، قال: ثم من؟ قال: ثم رجل يقال له الوليد، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم رجل اسمه اسم نبىِ يفتح به على الناس، قال:
= (14/ 150) والأغاني (9/ 229) في ترجمة الحارث بن خالد، والإصابة (1/ 524) والنجوم الزاهوة (1/ 205) وشذرات الذهب (1/ 347).
(1)
البزوريين: من أسواق دمشق القديمة، ويعرف بسوق القمح أيضًا. تاريخ ابن عساكر (2/ 142) ط المجمع.
(2)
في ط، أ: زيد؛ تحريف، والخبر في تاريخ مولد العلماء ووفياتهم، له (1/ 210) وتاريخ دمشق (18/ 251).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر بطوله في تاريخ دمشق (18/ 250 - 251).
فتعرِّفني له، قال: قد أخبرت بك. قال: أفتعرف مآلي؟ قال: نعم! قال: فمن يلي العراق بعدي؟ قال رجل يقال له يزيد، قال: أفي حياتي أم من بعد موتي؟ قال: لا أدري، قار: أفتعرف صفته؟ قال: يغدر غَدْرَةً لا أعرف غيرها.
قال: فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلب، وسار سبعًا وهو وجل من كلام الشيخ، ثم بعث إلى عبد الملك يستعفيه من ولاية العراق ليعلم مكانته عنده؟ فجاء الكتاب بالتقريع والتأنيب والتوبيخ والأمر بالثبات والاستمرار على ما هو عليه. ثم إن الحجاج جلس يومًا مفكرًا واستدعى بعبيد بن موهب فدخل عليه وهو ينكت في الأرض فرفع رأسه إليه فقال: ويحك يا عبيد، إن أهل الكتاب يذكرون أن ما تحت يده سيليه رجل يقال له يزيد، وقد تذكرت يزيد بن أبي كبشة ويزيد بن حصين بن نمير ويزيد بن دينار وليسوا هناك، وما هو إن كان إلا يزيد بن المهلّب. فقال عُبيد: لقد شرّفتهم وعظَّمتَ ولايتم، وإن لهم لقدرًا وجلدًا وحظًا، فأخلق به.
فأجمع رأي الحجاج على عزل يزيد بن المهلّب، فكتب إلى عبد الملك يذمه ويخوفه غدره ويخبره بما أخبره به ذلك الشيخ وكتب إليه عبد الملك: قد أكثرت في شأن يزيد فسمِّ رجلًا يصلح لخراسان، فوقع اختيار الحجاج على المفضل بن المهلب فولاه قليلًا تسعة أشهر، فغزا باذغيس
(1)
وغيرها وغنم مغانم كثيرة، وامتدحه الشعراء ثم عزله بقتيبة بن مسلم.
قال ابن جرير
(2)
: وفي هذه السنة قُتل موسى بن عبد اللّه بن خازم بترمذ، ثم ذكر سبب ذلك وملخصه أنه بعد مقتل أبيه لم يبق بيده بلد يلجأ إليه بمن معه من أصحابه، فجعل كلما اقترب من بلدة خرج إليه ملكها فقاتله، فلم يزل ذلك دأبه حتى نزل قريبًا من ترمذ وكان ملكها فيه ضعف، فجعل يهادنه ويبعث إليه بالألطاف والتحف، حتى جعل يتصيد هو وهو، ثم عنّ للملك فعمل له طعامًا وبعث إلى موسى بن عبد اللّه بن خازم أن ائتني في مئة من أصحابك، فاختار موسى من جيشه مئة من شجعانهم، ثم دخل البلد فأكل من طعام الملك فلما فرغت الضِّيافة اضطجع موسى على جنبه في دار الملك وقال: واللّه لا أقوم من هنا حتى يكون هذا المنزل منزلي أو يكون قبري، فثار أهل القصر إليه فجاحف عنه أصحابه، ثم وقعت الحرب بينهم وبين أهل ترمذ، فاقتتلوا فقتل من أهل ترمذ خلق كثير وهرب بقيتهم، واستدعى موسى ببقية جيشه إليه واستحوذ موسى على البلد فحصَّنها ومنعها من الأعداء، وخرج منها ملكها هاربًا فلجأ إلى إخوانه من الأتراك فاستنصرهم فقالوا له: هؤلاء قوم في نحو من مئة رجل أخرجوكم من بلدكم، لا طاقة
(1)
في بعض الأصول: فغزا بلاد عبس
…
، تحريف والتصحيح من نسخة م وتاريخ الطبري (6/ 397). وباذغيس: بفتح الذال، وكسر الغين المعجمة، وياء ساكنة، وسين مهملة: ناحية تشتمل على قرى من أعمال هراة ومرو الروذ، قصبتها بَوْن وبامَنين، بلدتان متقاربتان رأيتهما غير مرة، وهي ذات خير ورخص يكثر فيها شجر الفستق .. معجم البلدان (1/ 318).
(2)
تاريخ الطبري (6/ 398).
لنا بقتال هؤلاء. ثم ذهب ملك ترمذ إلى طائفة أخرى من الترك فاستصرخهم فبعثوا معه قصادًا نحو موسى ليسمعوا كلامه، فلما أحس بقدومهم - وكان ذلك في شدة الحر - أمر أصحابه أن يؤججوا نارًا ويلبسوا ثياب الشتاء ويدنوا أيديهم من النار كانهم يصطلون بها، فلما وصلت إليهم الرسل رأوا أصحابه وما يصنعون في شدة الحر فقالوا لهم: ما هذا الذي نراكم تفعلونه؟ فقالوا لهم: إنا نجد البرد في الصيف والكرب في الشتاء، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ما هؤلاء بشر، ما هؤلاء إلَّا جنٌّ ثم عادوا فأخبروا ملكهم بما رأوا فقالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء. ثم ذهب صاحب ترمذ فاستجاش بطائفة أخرى فجاؤوا فحاصروه بترمذ وجاء الخزاعي
(1)
فحاصره أيضًا، فجعل يقاتل الخزاعي أول النهار ويقاتل من آخره العجم، ثم إن موسى بيّتهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وأفزع ذلك عمرو
(2)
الخزاعيَّ فصالحه وكان معه، فدخل يومًا عليه وليس عنده أحد، وليس يرى معه سلاحًا فقال له على وجه النصح: أصلح الله الأمير، إن مثلك لا ينبغي أن يكون بلا سلاح، فقال: إن عندي سلاحًا، ثم رفع صدر فراشه فإذا سيفه منتضى فأخذه عمرو فضربه به حتى برد وخرج هاربًا، ثم تفرق أصحاب [الخزاعي، وأتى بعضهم مستأمنًا]
(3)
موسى بن عبد الله بن خازم.
قال ابن جرير
(4)
: وفي هذه السنة عزم عبد الملك على عزل أخيه عبد العزيز بن مروان عن إمرة الديار المصرية، وحسّن له ذلك رَوْح بن زنباع الجذامي، فبينما هما في ذلك إذ دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب في اللّيل، وكان لا يحجب عنه في أي ساعة جاء من ليل أو نهار، فعزّاه في أخيه عبد العزيز فندم على ما كان منه من العزم على عزله، وإنما حمله على إرادة عزله أنه أراد أن يعهد بالأمر من بعده لأولاده الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وذلك عن رأي الحجاج وتزيينه ذلك لعبد الملك، وكان أبوه مروان عهد بالأمر إلى عبد الملك ثم من بعده إلى عبد العزيز، فأراد عبد الملك أن ينحيه عن الإمرة من بعده بالكليه
(5)
. وأن يجعل الخلافة باقية في عقبه. والله أعلم.
(1)
وهو رجل أرسله أمية بن عبد الله بن خالد بن الوليد أمير خراسان على رأس جيش لقتال موسى. وانظر الطبري (6/ 401).
(2)
وهو عمرو بن خالد بن حصين الكلابي، وكان من أصحاب موسى بن عبد الله بن خازم، وهو صاحب المكيدة والتي قتل فيها الخزاعي فتفرق جيشه.
ولزيادة الإيضاح انظر الطبري (6/ 402) وابن الأثير (4/ 508 - 510).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من الطبري لا بد منها للإيضاح، إذ في رواية ابن كثير رحمه الله بعض الاضطراب الناتج عن الاختصار.
(4)
تاريخ الطبري (6/ 413).
(5)
أورد الطبري (6/ 414) وابن الأثير (4/ 514) صور الكتب بين عبد الملك وأخيه عبد العزيز.
[عبد العزيز بن مروان]
(1)
وهو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو الأصبغ، القرشي، الأموي، ولد بالمدينة ثم دخل الشام مع أبيه مروان بن الحكم، وكان ولي عهده من بعد أخيه عبد الملك بن مروان، وولاه أبوه إمرة الديار المصرية في سنة خمس وستين فكان واليًا عليها إلى هذه السنة، وشهد قتل عمرو بن سعيد بن العاص كما قدَّمنا، وكانت له دار بدمشق وهي الدَّار التي للصوفية، المعروفة بالخانقاه السميساطية
(2)
ثم كانت من بعده لولده عمر بن عبد العزيز، [ثم تنقلت إلى أن صارت خانقاهًا للصوفية].
وقد روى عبد العزيز بن مروان الحديث عن أبيه، وعبد اللّه بن الزبير، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة، وحديثه عنه في مسند أحمد وسنن أبي داود أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:"شر ما في الرجل جبن خالع وشح هالع"
(3)
. وعنه ابنه عمر، والزّهري، وعُليُّ بن رباح وجماعة.
قال محمد بن سعد
(4)
: كان ثقة قليل الحديث، وقال غيره: كان يلحن في الحديث وفي كلامه، ثم تعلم العربية فأتقنها وأحسنها فكان من أفصح الناس، وكان سبب ذلك أنه دخل عليه رجل يشكو إليه ختنه - وهو زوج ابنته - فقال له عبد العزيز: من خَتَنَك؟ فقال الرجل: خَتنني الخاتن الذي يختن الناس، فقال لكاتبه ويحك بماذا أجابني؟ فقال الكاتب: يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن تقول من خَتَنُكَ، فآلى على نفسه أن لا يخرج من منزله حتى يتعلَّم العربية، فمكث جمعة واحدة فتعلَّمها فخرج وهو من أفصح الناس، وكان [بعد ذلك] يجزل عطاء من يعرب كلامه وينقص عطاء من يلحن فيه، [فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية]. قال عبد العزيز يومًا إلى رجل: ممن أنت؟ قال: من بنو عبد الدار، فقال: تجدها في جائزتك، فنقصه مئة دينار.
(1)
ترجمة - عبد العزيز بن مروان - في طبقات ابن سعد (5/ 236) وتاريخ خليفة (230) وطبقاته (240) وأنساب الأشراف (3/ 73) ومواضع أخرى، والمعرفة والتاريخ (1/ 464) وتاريخ دمشق لابن عساكر (36/ 345) ووفيات الأعيان (1/ 240) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 132) وسير أعلام النبلاء (4/ 249) وتهذيب التهذيب (6/ 356) وشذرات الذهب (1/ 345).
(2)
الخانقاه السميساطية - بسينين وطاء ومهملات - معروفة مشهورة عند باب الجامع الأموي الشمالي الذي كان يسمى بباب الناطفيين، وتنسب إلى أبي القاسم علي بن محمد بن يحيى السلمي الحبيشي السميساطي الذي نزل دمشق فكان من أكابر رؤسائها، وقد اشتراها ووقفها على الفقراء الصوفية، ووقف علوّها على الجامع الأموي. وتوفي سنة 423 هـ. الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي (2/ 151) ومنادمة الأطلال لبدران (276).
(3)
الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/ 302) وأبو داود في سننه رقم (2511) في الجهاد، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (36/ 346) بأسانيد مختلفة، وهو حديث صحيح.
(4)
الطبقات الكبرى (5/ 236) والخبر أيضًا في تاريخ دمشق (36/ 354 - 355).
وقال أبو يعلى الموصلي
(1)
: حدَّثنا مجاهد بن موسى، حدَّثنا إسحاق بن يوسف، أنبأنا سفيان، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم قال: كتب عبد العزيز بن مروان إلى عبد اللّه بن عمر: ارفع إليّ حاجتك. فكتب إليه ابن عمر: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول". ولست أسألك شيئًا ولا أرد رزقًا رزقنيه اللّه عر وجلَّ منك.
وقال ابن وهب: حدّثني يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس قال: بعثني عبد العزيز بن مروان بالف دينار إلى ابن عمر قال: فجئت فدفعت إليه الكتاب فقال: أين المال؟ فقلت: لا أستطيعه الليلة حتى أصبح، قال: لا واللّه لا يبيت ابن عمر اللّيلة وله ألف دينار، قال: فدفع إليّ الكتاب حتى جئته بها ففرقها رضي الله عنه
(2)
.
ومن كلامه رحمه الله: عجبًا لمؤمن يؤمن ويوقن أن اللّه يرزقه ويخلف عليه. كيف يحبس مالًا عن عظيم أجر وحسن سماع.
ولما حضرته الوفاة أُحضِر له مالٌ يخصه وإذا هو ثلاثمئة مُدٍّ من ذهب، فقال: واللّه لوددت أنه بعر حائل بنجد
(3)
.
وقال: واللّه لوددت أني لم أكن شيئًا مذكورًا، ولوددت أن أكون هذا الماء الجاري، أو نباته بأرض الحجاز
(4)
.
وقال لهم: ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه، فجعل يقول: أُفٍّ لكِ ما أقصَرَ طويلكِ، وأقلَّ كثيرَك
(5)
.
قال يعقوب بن سفيان عن ابن بكير عن اللَّيث بن سعد قال: كانت وفاته ليلة الإثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين
(6)
.
قال ابن عساكر
(7)
: وهذا وهم من يعقوب بن سفيان والصواب سنة خمس وثمانين، فإنه مات قبل عبد الملك أخيه، ومات عبد الملك بعده بسنة سنة ست وثمانين.
وقد كان عبد العزيز بن مروان من خيار الأمراء كريمًا جوادًا ممدحًا، وهو والد الخليفة الراشد
(1)
مسند أبي يعلى الموصلي (10/ 97) رقم (5730) وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (36/ 355) وهو حديث صحيح، وهو في البخاري رقم (1429) ومسلم (1033).
(2)
تاريخ الإسلام للذهبي (5/ 134).
(3)
تاريخ دمشق (36/ 359).
(4)
تاريخ دمشق (36/ 359).
(5)
تاريخ دمشق (36/ 357 - 358).
(6)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 135) ولكن الذهبي صحح القول بأنه توفي سنة خمس وثمانين.
(7)
تاريخ دمشق (36/ 360).
عمر بن عبد العزيز [وقد اكتسى عمر أخلاق أبيه وزاد عليه بأمور كثيرة. وكان لعبد العزيز من الأولاد غير عمر، عاصم وأبو بكر ومحمد والأصبغ - مات قبله بقليل فحزن عليه حزنًا كثيرًا ومرض بعده ومات
(1)
- وكان له عدة بنات، أم محمد وسهيل وأم عثمان وأم الحكم وأم البنين وهن من أمهات شتى، وله من الأولاد غير هؤلاء، مات بالمدينة التي بناها على مرحلة من مصر وحمل إلى مصر في النيل ودفن بها، وقد ترك عبد العزيز من الأموال والأثاث والدواب من الخيل والبغال والإبل وغير ذلك ما يعجز عنه الوصف؛ من جملة ذلك ثلاثمئة مدّ من ذهب غير الورِق، مع جوده وكرمه وبذله وعطاياه الجزيلة، فإنه كان من أعطى الناس للجزيل رحمه اللّه تعالى]
(2)
.
وقد ذكر ابن جرير
(3)
أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أخيه عبد العزيز وهو بالدِّيار المصرية يسأله أن ينزل عن العهد الذي له من بعده لولده الوليد أو يكون ولي العهد من بعده، فإنه أعز الخلق عليّ. فكتب إليه عبد العزيز يقول: إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد. فكتب إليه عبد الملك يأمره بحمل خراج مصر [وقد كان عبد العزيز لا يحمل إليه شيئًا من الخراج ولا غيره، وإنما كانت بلاد مصر بكمالها وبلاد المغرب وغير ذلك كلها لعبد العزيز، مغانمها وخراجها وحملها]
(4)
فكتب إليه: إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنًّا لا يبلغا
(5)
أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلًا، وإني لا أدري ولا تدري أينا يأتيه الموت أولًا، فإن رأيت أن لا تعتب
(6)
عليّ بقية عمري فافعل، فرقَّ له عبد الملك وكتب إليه: لعمري لا أعتب
(7)
عليك بقية عمرك.
وقال عبد الملك لابنه الوليد: إن يرد اللّه أن يعطيكها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك عنك، ثم قال لابنه الوليد وسليمان: هل قارفتما محرّمًا أو حرامًا قط؟ فقالا: لا واللّه، فقال: اللّه أكبر، نلتماهما وربِّ الكعبة.
ويقال إن عبد الملك لما امتنع أخوه من إجابته إلى ما طلب منه في بيعته لولده الوليد دعا عليه وقال: اللهم إنه قطعني فاقطعه، فمات في هذه السنة كما ذكرنا، فلما جاءه الخبر بموت أخيه عبد العزيز ليلًا حزن وبكى وبكى أهله بكاءً كثيرًا على عبد العزيز، ولكن سرَّه ذلك من جهة ابنيه فإنه نال فيها ما كان يؤمِّله
(1)
ذكر الذهبي أنه توفي قبل أبيه بستة عشر يومًا، فحزن عليه ومرض، ومات بحلوان، وهي المدينة التي بناها على مرحلة من مصر، وحمل إلى مصر في النيل.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
تاريخ الطبري (6/ 414).
(4)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(5)
في أ، ب: شيئًا لا يبلغه؛ وما أثبت موافق لرواية الطبري.
(6)
في الطبري: لا تغثث أي لا تفسد.
(7)
في الطبري: لا أغثث.
لهما من ولايته إياهما العهد بعده. وقد كان الحجاج بعث إلى عبد الملك يزين له ولاية الوليد من بعده، وأوفد إليه وفدًا في ذلك عليهم عمران بن عصام العنزي
(1)
، فلما دخلوا عليه قام عمران خطيبًا فتكلّم، وتكلّم الوفد في ذلك وحثّوا عبد الملك على ذلك وأنشد عمران بن عصام في ذلك:
أميرَ المؤمنينَ إليكَ نهدي
…
على النأي التحية والسّلاما
أجبني في بنيكَ يكن جوابي
…
لهمْ عادِيَّة
(2)
ولنا قوامًا
فلو أن الوليدَ أُطاعُ فيهِ
…
جَعلتَ لهُ الخلافةَ والذِّماما
(3)
شبيهكَ حولَ قبَّتهِ قريشٌ
…
بهِ يستمطِرُ الناسُ الغماما
ومثلكَ في التقى لم يصْبُ يومًا
…
لدُنْ خلعَ القلائدَ والتماما
فإنْ تؤثر أخاك بها فإنّا
…
وجدّكَ لا نُطيقُ لها اتّهاما
ولكنا نحاذرُ منْ بنيهِ
…
بني العلاتِ مأثرة سماما
ونخشى إن جعلتَ الملكَ فيهمْ
…
سحابا أنْ تعودَ لهمْ جهاما
(4)
فلا يكُ ما حلبتَ غدًا لقومٍ
…
وبعدَ غدٍ بنوكَ هُمُ العِيامَا
فأُقسمُ لو تخَطَّأني عِصامٌ
…
بذلكَ ما عذرتُ بهِ عصاما
ولوْ أني حبوتُ أخًا بفضلٍ
…
أريدَ به المقالة والمقاما
لعقَّبَ في بنيّ على بنيهِ
(5)
…
كذلكَ أوْ لرمتَ لهُ مراما
فمنْ يكُ في أقاربهِ صدوعٌ
…
فصدعُ الملكِ أبطؤُه التئاما
قال: فهاجه ذلك على أن كتب لأخيه يستنزله الخلافة للوليد فأبى عليه، وقدَّر اللّه سبحانه موت عبد العزيز قبل موت عبد الملك بعام واحد، فتمكن حيئذ مما أراد من بيعة الوليد وسليمان، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
بيعة عبد الملك لولده الوليد ثم من بعده لولده سليمان بن عبد الملك
وكان ذلك في هذه السنة بعد موت عبد العزيز بن مروان، بويع له بدمشق ثم في سائر الأقاليم للوليد ثم لسليمان من بعده، ولما انتهت البيعة إلى المدينة امتنع سعيد بن المسيب أن يبايع في حياة عبد الملك
(1)
في ط: العثري، وما أثبت موافق للطبري.
(2)
في أ، ب: عارية؛ وما أثبت موافق للطبري.
(3)
في أ، ب: الإماما؛ وما أثبت موافق للطبري.
(4)
في أ، ب: سجايا أن تعود لهم خصاما. وما أثبت موافق للطبري.
(5)
في أ، ب: لعقّب في بنيه على بنيَّ.
لأحد، فأمر به هشام بن إسماعيل نائب المدينة فضربه ستين سوطًا، وألبسه ثيابًا من شعر
(1)
وأركبه جملًا وطاف به في المدينة، ثم أمر به فذهبوا إلى ثنية ذباب - وهي الثنية التي كانوا يصلبون عندها ويقتلون
(2)
- فلما وصلوا إليها ردوه إلى المدينة فأودعوه السجن، فقال لهم: واللّه لو أعلم أنكم لا تقتلوني لم ألبس هذه الثياب.
ثم كتب هشام بن إسماعيل المخزومي إلى عبد الملك يعلمه بمخالفة سعيد بن المسيب في ذلك، فكتب إليه يعنِّفه في ذلك ويأمره بإخراجه ويقول له: إن سعيدًا كان أحق منك بصلة الرَّحم مما فعلت به، وإنا لنعلم أن سعيدًا ليس عنده شقاق ولا خلاف.
ويُروى أنه قال له: ما ينبغي إلا أن يبايع، فإن لم يبايع ضربت عنقه أو خليت سبيله.
وذكر الواقدي أن سعيدًا رحمه الله لما جاءت بيعة ابن الزبير إلى المدينة
(3)
امتنع من البيعة فضربه نائبها في ذلك الوقت - وهو جابر بن الأسود بن عوف - ستين سوطًا أيضًا وسجنه فالله أعلم
(4)
.
قال أبو مخنف وأبو معشر والواقدي
(5)
: وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي نائب المدينة، وكان على العراق والمشرق بكماله الحجاج. قال شيخنا الحافظ الذهبي
(6)
:
وتوفي في هذه السنة:
أبان بن عثمان
(7)
بن عفان أمير المدينة، كان من فقهاء المدينة العشرة، قاله يحيى القطان.
وقال محمد بن سعد
(8)
: كان ثقة، وكان به صمم، ووضح كثير، وأصابه الفالج قبل أن يموت.
عبد اللّه بن عامر بن ربيعة
(9)
.
(1)
في تاريخ الطبري (6/ 416): وألبسه المسوح، وفي رواية أخرى: وطاف به في تبان - وهي سروال صغير يستر العورة -.
(2)
في ط: وهي الثنية التي كانوا يصلون عندها ويقيلون؛ وما أثبت موافق للطبري.
(3)
في الأصول: الوليد؛ خطأ والتصحيح من الطبري.
(4)
جملة هذه الأخبار في تاريخ الطبري (6/ 415 - 416).
(5)
تاريخ الطبري (6/ 417) وابن الأثير (4/ 515).
(6)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - / 100 ص 38 - 39).
(7)
ترجمة - أبان بن عثمان - في طبقات ابن سعد (5/ 151) وتاريخ خليفة (185) وطبقاته (240) والمعرفة والتاريخ (1/ 360) وتاريخ دمشق (6/ 147) وتهذيبه (2/ 134) وتهذب الكمال (2/ 16) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 38 - 39) وسير أعلام النبلاء (4/ 351) والوافي بالوفيات (5/ 307) وشذرات الذهب (1/ 361).
(8)
الطبقات الكبرى (5/ 152) وعبارة ابن سعد: كان بأبان وضح كثير، فكان يخضب موضعه من يده ولا يخضب في وجهه، وكان به صمم شديد. والواضح أن المؤلف نقل عبارة الذهبي حرفيًا.
(9)
ترجمة - عبد الله بن عامر - في طبقات ابن سعد (5/ 9) وتاريخ خليفة (277) وطبقاته (23) والمعرفة والتاريخ=
وعمرو بن حريث
(1)
.
وعمرو بن سلمة
(2)
.
وواثلة بن الأسقع
(3)
رضي الله عنه، وقد كان واثلة بن الأسقع ممن نزل الصفَّةَ، وشهد واثلة تبوك ثم شهد فتح دمشق ونزلها، ومسجده بها عند حَبْس باب الصغير
(4)
.
وكان آخر من توفي بدمشق من الصحابة، قاله سعيد بن بشير.
وقد قال البخاري وغيره: إنه توفي سنة ثلاث وثمانين. واللّه أعلم
(5)
.
وخالد بن يزيد بن معاوية
(6)
بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، كان أعلم قريش بفنون العلم، وله يد طولى في الطب، وكلام كثير في الكيمياء
(7)
، وكان قد استفاد ذلك من راهب اسمه مريانش، وكان خالد فصيحًا بليغًا شاعرًا مطبقًا كأبيه.
= (1/ 251) وأنساب الأشراف (1/ 218) وأسد الغابة (3/ 286) وتهذيب الكمال (15/ 140) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 114) وسير أعلام النبلاء (3/ 521) والإصابة (2/ 329) والوافي بالوفيات (17/ 228) وشذرات الذهب (1/ 349).
(1)
ترجمة - عمرو بن حريث - في طبقات ابن سعد (6/ 23) وطبقات خليفة (20) وأنساب الأشراف (1/ 228) والمعرفة والتاريخ (1/ 323) والاستيعاب (2/ 515) وتهذيب الكمال (21/ 580) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 165) وسير أعلام النبلاء (3/ 417) والإصابة (2/ 531) وشذرات الذهب (1/ 347).
(2)
ترجمة - عمرو بن سلمة - في الاستيعاب (2/ 544) وتهذيب الكمال (22/ 49) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 166) وتهذيب التهذيب (8/ 42) والإصابة (2/ 541).
(3)
ترجمة - واثلة بن الأسقع - في طبقات ابن سعد (7/ 407) وتاريخ خليفة (291) وطبقاته (123) والمعرفة والتاريخ (2/ 332) والاستيعاب (3/ 643) وأنساب الأشراف (1/ 272) وحلية الأولياء (2/ 21) وتاريخ دمشق (62/ 343) وأسد الغابة (5/ 77) ووفيات الأعيان (5/ 281) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 216) وسير أعلام النبلاء (3/ 383) والإصابة (3/ 626) وشذرات الذهب (1/ 347).
(4)
زاد في ط: من القبلة. قلت: وقد احترق مسجده في فتنة تمرلنك ولم يبق منه إلا رسومه، وعلى بابه من الرق قناة ماءٍ. وهي زيادة مقحمة من النساخ فالفتنة التيمورية وقعت بعد ابن كثير.
(5)
من قوله: وكان آخر من توفي
…
إلى هنا ساقط من ط، والخبران في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 218).
(6)
ترجمة - خالد بن يزيد - في تاريخ خليفة (259) والمعرفة والتاريخ (1/ 571) وأنساب الأشراف (3/ 74) وتاريخ دمشق (16/ 302) وتهذيبه (5/ 119) وأسد الغابة (2/ 97) ووفيات الأعيان (2/ 224) وتكذيب الكمال (8/ 201). وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 55) وسير أعلام النبلاء (4/ 382) والإصابة (1/ 469) والوافي بالوفيات (13/ 270) وشذرات الذهب (1/ 347).
(7)
قال ابن خلكان: إنه يعرف الكيمياء، وإنه صنف فيها ثلاث رسائل. الوفيات (2/ 224) وقال الذهبى معلقًا على هذا القول: وهذا لم يصح.
دخل يومًا على عبد الملك بن مروان بحضرة الحكم بن أبي العاص، فشكا إليه أن ابنه الوليد يحتقر أخاه عبد اللّه بن يزيد، فقال عبد الملك:{إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} [النمل: 34] فقال له خالد: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)} [الإسراء: 16] فقال عبد الملك: واللّه لقد دخل عليّ أخوك عبد اللّه فإذا هو لا يقيم اللَّحن، فقال خالد: والوليد لا يقيم اللَّحن، فقال عبد الملك: إن أخاه سليمان لا يلحن، فقال خالد: وأنا أخو عبد اللّه لا ألحن، فقال الوليد - وكان حاضرًا - لخالد بن يزيد: اسكت، فواللّه ما تُعدُّ في العير ولا في النفير، فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين! ثم أقبل خالد على الوليد فقال: ويحك وما هو العير والنفير غير جدي أبي سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير، ولكن لو قلت غُنيمات وحُبيلات والطائف، ورحم اللّه عثمان، لقلنا صدقت - يعني أن الحكم كان منفيًا بالطائف يرعى غنمًا ويأوي إلى حُبيلة
(1)
الكرم حتى آواه عثمان بن عفان حين ولي - فسكت الوليد وأبوه ولم يحيرا جوابًا، واللّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ست وثمانين
ففيها غزا قتيبة بن مسلم نائب الحجاج على مرو وخراسان، بلادًا كثيرة من أرض الترك وغيرهم من الكفار، وسبى وغنم وسلم وتسلَّم قلاعًا وحُصونًا وممالك، ثم قَفل فسبق الجيش، فكتب إليه الحجاج يلومه على ذلك ويقول له: إذا كنت قاصدًا بلاد العدو فكن في مقدمة الجيش، وإذا قفلت راجعًا فكن في ساقة جيشك - يعني لتكون ردءًا لهم من أن ينالهم أحد من العدو وغيرهم بكيد - وهذا رأي حسن وعليه جاءت السنة، وكان في جملة السبي امرأة برمك
(2)
- والد خالد بن برمك - فأعطاها أخاه عبد اللّه بن مسلم فوطئها فحملت منه، ثم إن قتيبة منَّ على السبي وردت تلك المرأة على زوجها برمك وهي حبلى من عبد اللّه بن مسلم، وكان ولدها عندهم حتى أسلموا فقدموا معهم أيام بني العباس كما سيأتي. [ولما رجع قتيبة إلى خراسان تلقاه ملك الصغانيان
(3)
بهدايا عظيمة، ومفتاح من ذهب]
(4)
. وفيها كان
(1)
حُبيلة - بالضم -: الكرمة. القاموس (حبل)
(2)
برمك: هو جد البرامكة الذين استحوذوا على الأمور في عهد الخليفة هارون الرشيد العباسي، ثم نكب بهم، وكان هو كبير سدنة بيت النار - النوبهار - في بلخ، والذي تقدسه المجوس.
(3)
في ط: دهاقين بلغار، وهذا خطأ، والتصحيح من الطبري (6/ 424 - 425) والخبر فيه أوسع مما هنا، وابن الأثير (4/ 523) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 25).
(4)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
طاعون بالشام والبصرة وواسط ويسمى طاعون الفتيات لأنه أول ما بدأ بالنساء فسمي بذلك
(1)
.
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل وسبى وغنم وسلم وافتتح حصن بولق وحصن الأفرم من أرض الروم
(2)
.
وفيها عقد عبد الملك لابنه عبد اللّه على مصر وذلك بعد موت أخيه عبد العزيز فدخلها في جُمادى الآخرة، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة
(3)
.
وفيها هلك ملك الروم الأخرم لورى
(4)
. لا رحمه الله.
وفيها حبس الحجاج يزيد بن المهلب
(5)
.
وحج بالناس فيها هشام بن إسماعيل المخزومي.
وفي هذه السنة توفي:
أبو أمامة صُدَي بن عجلان
(6)
الباهلي.
وعبد الله بن أبي أوفى
(7)
.
وعبد الله بن الحارث بن جزء
(8)
الزُّبَيْديّ في قول. شهد فتح مصر وسكَنها وهو آخر من مات من الصحابة بمصر. وفيها في النصف من شوال توفي:
(1)
تاريخ خليفة (291) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 25).
(2)
المصدر السابق.
(3)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 26) وزاد الذهبي: ثم أقره أخوه الوليد عليها لما استخلف. أما ابن يونس فذكر أن الوليد عزل أخاه عبد الله عن مصر بقرة بن شريك أول ما استخلف.
(4)
كذا الأصل، وفي تاريخ الإسلام: بوري.
(5)
زاد الطبري في تاريخه (6/ 426): وعزل حبيب بن المهلّب عن كرمان، وعبد الملك بن المهلّب عن شرطته.
(6)
ترجمة - صدي بن عجلان - في طبقات ابن سعد (7/ 411) وتاريخ خليفة (292) وطبقاته (46) والمعرفة والتاريخ (2/ 353) والاستيعاب (2/ 198) وتاريخ دمشق (24/ 50) وتهذيبه (6/ 419) وأسد الغابة (3/ 16) وتهذيب الكمال (13/ 158) وتاريخ الإسلام للذهبي (5/ 226) وسير أعلام النبلاء (3/ 359) والإصابة (2/ 182) وتهذيب التهذيب (4/ 420) والوافي بالوفيات (16/ 305) وشذرات الذهب (1/ 351).
(7)
ترجمة - عبد اللّه بن أبي أوفى - في طبقات ابن سعد (4/ 301) وتاريخ خليفة (292) وطبقاته (110) والمعرفة والتاريخ (1/ 265) وأنساب الأشراف (1/ 248) والاستيعاب (2/ 264) وأسد الغابة (3/ 121) ووفيات الأعيان (2/ 400) وتهذيب الكمال (14/ 317) وتاريخ الإسلام (5/ 98) وسير أعلام النبلاء (3/ 428) والوافي بالوفيات (17/ 78) والإصابة (2/ 279).
(8)
ترجمة - عبد اللّه بن الحارث بن جزء - في تاريخ ابن معين (2/ 300) وتهذيب الكمال (14/ 402) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 107) والوافي بالوفيات (17/ 117).
أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان
(1)
والد الخلفاء، وهو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو الوليد الأموي، أمير المؤمنين، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية.
سمع عثمان بن عفان وشهد الدار مع أبيه وله عشر سنين، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة ثنتين وأربعين، وكان أميرًا على أهل المدينة، وله ست عشرة سنة، ولّاه إياها معاوية
(2)
، كان يجالس الفقهاء والعلماء والعبّاد والصلحاء.
وروى عن: أبيه، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن عمر، ومعاوية، وأم سلمة، وبريرة مولاة عائشة، وروى عنه جماعة: منهم خالد بن معدان، وعروة، والزّهري، وعمرو بن الحارث، ورجاء بن حيوة، وحريز بن عثمان.
ذكر عن محمد بن سيرين أن أباه كان قد سماه القاسم فكان يكنى به، فلما بلغه النهي عن التكني بأبي القاسم غيّر اسمه فسماه عبد الملك، قال ابن أبي خيثمة ومصعب الزبيري: فكان أول من سمي في الإسلام بعبد الملك، وأول من سمي في الإسلام أحمد والد الخليل بن أحمد العروضي، وبويع له بالخلافة في سنة خمس وستين في حياة أبيه في خلافة ابن الزبير، واستقل بالخلافة على سائر البلاد والأقاليم بعد مقتل ابن الزبير، وذلك في سنة ثلاث وسبعين إلى هذه السنة كما ذكرنا ذلك.
وكان مولده ومولد يزيد بن معاوية في سنة ست وعشرين، وقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء الملازمين للمسجد التالين للقرآن
(3)
، وكان ربعة من الرجال أقرب إلى القصر وكانت أسنانه مشبكة بالذهب، وكان أفوه مفتوح الفم، ربما غفل فينفتح فمه فيدخل فيه الذباب ولهذا كان يقال أبو الذباب
(4)
. وكان أبيض ربعة ليس بالنحيف ولا البادن، مقرون الحاجبين أشهل، كبير العينين مشرف الأنف، رقيق الوجه أبيض الرأس واللحية حسن الوجه ولم يخضب، وقال إنه خضب بعد.
وقد قال نافع: لقد رأيت المدينة وما فيها شاب أشد تشميرًا ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان.
(1)
ترجمة - عبد الملك بن مروان - في طبقات ابن سعد (5/ 223) وتاريخ خليفة (562) وطبقات خليفة (240) والمعرفة والتاريخ (1/ 563) وأنساب الأشراف (1/ 22) ومو اضع أخرى، وتاريخ دمشق (37/ 110) ووفيات الأعيان (2/ 29) وتهذيب الكمال (18/ 408) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 135) وسير أعلام النبلاء (4/ 246) وتهذيب التهذيب (6/ 422) والنجوم الزاهرة (1/ 212) وشذرات الذهب (1/ 352).
(2)
نفى الذهبي هذه المقولة وقال: وإنما استعمل أباه. السير (4/ 247).
(3)
طبقات ابن سعد (5/ 234) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81/ 100/ ص 139).
(4)
في ب: أبو الذبان.
وقال الأعمش، عن أبي الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب، وعروة، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان قبل أن يدخل في الإمارة. وعن ابن عمر أنه قال: ولَدَ الناسُ أبناءً وولد مروانُ أبًا - يعني عبد الملك - ورآه يومًا - وقد ذكر اختلاف الناس - فقال لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه.
وروي عن عبد الملك أنه قال: كنت أجالس بريدة بن الحصيب فقال لي يومًا: يا عبد الملك إن فيك خصالًا، وإنك لجدير أن تلي أمر هذه الأمة، فاحذر الدماء فإني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق"
(1)
.
وقد أثنى عليه قبل الولاية معاوية وعمرو بن العاص في قصة طويلة.
وقال سعيد بن داود الزبيري: عن مالك، عن يحيى بن سعيد قال: كان أول من صلى ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه، فقال سعيد بن المسيب: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله
(2)
.
وقال الشعبي: ما جالست أحدًا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان فإنّي ما ذاكرته حديثًا إلا زادني منه، ولا شِعرًا إلا زادني فيه.
وذكر خليفة بن خياط
(3)
: أن معاوية كتب إلى مروان وهو أمير المدينة سنة خمسين أن ابعث ابنك عبد الملك على بعث المدينة إلى بلاد المغرب مع معاوية بن حُديج، فذكر من كفايته وغنائه ومجاهدته في تلك البلاد شيئًا كثيرًا.
ولم يزل عبد الملك مقيمًا بالمدينة حتى كانت وقعة الحرَّة، واستولى ابن الزبير على بلاد الحجاز، وأجلى بني أمية من هنالك، فقدم مع أبيه الشام، ثم لما صارت الإمارة مع أبيه وبايعه أهل الشام وقتل الضحاك بن قيس كان مع أبيه مدة ولايته وكانت تسعة أشهر، ولم يمت أبوه حتى عهد إليه بالإمارة من بعده ثم لعبد العزيز، فاستقل عبد الملك بالخلافة في مستهل رمضان أو ربيع الأول من سنة خمس وستين، واجتمع الناس عليه بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين في جمادى الأولى إلى هذه السنة. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: لما سُلِّم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك
(4)
.
(1)
الحديث رواه الطبراني في الكبير (24/ 205) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 298) وقال: رواه الطبراني، وفيه عبد الخالق بن زيد بن واقد؛ ضعيف، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (37/ 112).
(2)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 139).
(3)
تاريخ خليفة (210 - 211).
(4)
تاريخ بغداد (10/ 388) ومن طريقه في تاريخ دمشق (37/ 127).
وقال أبو الطفيل: صنع لعبد الملك مجلس بويع في
(1)
، وقد كان بني له فيه قبة قبل ذلك، فدخله وقال: لقد كان ابن حَنْتَمة
(2)
الأحوزي - يعني عمر بن الخطاب - يرى أن هذا عليه حرام، وقيل إنه لما وضع المصحف من حجره قال: هذا آخر العهد منك.
[وكان عبد الملك له إقدام على سفك الدماء، وكان حازمًا فهما فطنًا سائسًا لأمور الدنيا، لا يكل أمر دنياه إلى غيره، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبوها معاوية هو الذي جدع أنف حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد]
(3)
.
وقال سعيد بن عبد العزيز: لما خرج عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير خرج معه يزيد بن الأسود الجرشي، فلما التقوا قال: اللهم احجز بين هذين الجبلين وولِّ الأمر أحبهما إليك. وقد ذكرنا كيفية قتله مصعبًا ودخوله الكوفة، ووضعه رأس مصعب بين يديه، وقد كان من أعز الناس عليه وأحبهم إليه. وقال سعيد بن عبد العزيز: لما بويع لعبد الملك بالخلافة كتب إليه عبد اللّه بن عمر بن الخطاب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه بن عمر إلى عبد الملك أمير المؤمنين! سلام عليك فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك راع وكل راع مسؤول عن رعيته {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)} [النساء: 87] لا أحد، والسلام. وبعث به مع سلام، فوجدوا عليه إذ قدَّم اسمه على اسم أمير المؤمنين، ثم نظروا في كتبه إلى معاوية فوجدوها كذلك، فاحتملوا ذلك منه
(4)
.
وقال الواقدي: حدثني ابن أبي سَبْرَة
(5)
، عن أبي موسى الحنّاط، عن ابن كعب قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: يا أهل المدينة أنا أحق الناس أن يلزم الأمر الأول، وقد سالت علينا أحاديث من قِبَل هذا المشرق ولا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم
(6)
عليه الإمام المظلوم، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم رحمه الله، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت ونعم المشير كان للإسلام رحمه الله، فأحكما ما أحكما وأسقطا ما شذ عنهما
(7)
.
وقال ابن جريج عن أبيه: حجَّ علينا عبد الملك سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين،
(1)
في ط: "توسع فيه"، وما أثبتناه من م وتاريخ دمشق (37/ 130).
(2)
حنتمة - أم عمر رضي الله عنه وهي بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(4)
تاريخ دمشق (37/ 132) وفي الأدب المفرد رقم (1119) بإسناد صحيح أنه بدأ باسم عبد الملك وكذلك رقم (1124) بإسناد صحيح أنه بدأ باسم معاوية. وجاء في صحيح البخاري (7205) في الأحكام أنه كتب إليه: "إلى عبد اللّه عبد الملك أمير المؤمنين، ولم يسم نفسه في الكتاب، فيكون تقديره: "من ابن عمر إلى عبد الملك".
(5)
في ط: ميسرة؛ تحريف.
(6)
في ط: "حملكم"، وما أثبتناه من م وهو الموافق لما في الطبقات الكبرى وتاريخ دمشق.
(7)
الخبر بنصه في الطبقات الكبرى (5/ 233) وتاريخ دمشق (37/ 135).
فخطبنا فقال: أما بعد فإنه كان مَنْ قبلي من الخلفاء يأكلون من المال ويؤكلون، وإني واللّه لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأبون - يعني يزيد بن معاوية - أيها الناس إنا نحتمل منكم على اللّغوبة
(1)
ما لم يكن عقد راية أو وُثوب على منبر: هذا عمرو بن سعيد حقه حقه، وقرابته قرابة، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا، وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، وقد أعطيت الله عهدًا أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب
(2)
.
وقال الأصمعي: حدّثنا عبّاد بن سلم بن عثمان بن زياد
(3)
، عن أبيه، عن جده. قال: ركب عبد الملك بن مروان بَكرًا فأنشأ قائده يقول:
يا أيها البَكرُ الذي أراكا
…
عليكَ سهلُ الأرضِ في ممشاكا
ويحكَ هلْ تعلمُ من علاكا
…
خليفةُ الله الذي امتطاكا
لم يَحْبُ بَكْرًا مثلَ ما حباكا
فلما سمعه عبد الملك قال: إيهًا يا هناه، قد أمرت لك بعشرة آلاف.
وقال الأصمعي: خطب عبد الملك فحصر فقال: إن اللسان بضعة من الإنسان، وإنا نسكت حصرًا ولا ننطق هذرًا، ونحن أمراء الكلام، فينا رسخت عروقه، وعلينا تدلّت أغصانه، وبعد مقامنا هذا مقام وبعد عيِّنا هذا مقال، وبعد يومنا هذا أيام، يعرف فيها فصل الخطاب ومواضع الصواب.
قال الأصمعي: قيل لعبد الملك أسرع إليك الشيب، فقال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين؟ وقال غيره قيل لعبد الملك: أسرع إليك الشيب، فقال: شيبتني كثرة ارتقاء المنبر ومخافة اللحن؟.
ولَحن رجلٌ عند عبد الملك - يعني أسقط من كلامه ألِفًا - فقال له: عبد الملك: زِدْ أَلِفًا، فقال له الرجل: وأنت فزدْ ألفًا
(4)
.
وقال الزهري: سمعت عبد الملك يقول في خطبته: إن العلم سيقبض قبضًا سريعًا، فمن كان عنده علم فليظهره غير غالٍ فيه ولا جاف عنه.
وروى ابن أبي الدنيا أن عبد الملك كان يقول لمن يسايره في سفره إذا رفعت له شجرة: سبِّحوا بنا
(1)
في الأصل: الغرمة، وأثبت ما ورد في تاريخ خليفة؛ واللّغوبة: الضعف، واللّغوب: الأحمق.
(2)
الخبر في تاريخ خليفة (ص 273) وتاريخ دمشق (37/ 135).
(3)
في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 140): عباد بن مسلم بن زياد، والخبر بسنده ومتنه في تاريخ دمشق (37/ 136).
(4)
الخبر والذي قبله في تاريخ الإسلام (ص 140 - 142) وتاريخ دمشق (37/ 138 - 139).
حتى نأتي تلك الشجرة، ثم ترفع أخرى فيقول: كبروا حتى نأتي تلك الشجرة، ونحو ذلك
(1)
.
وروى البيهقي
(2)
: أن عبد الملك وقع منه فلس في بئر قذرة فاكترى عليه بثلاثة عشر دينارًا حتى أخرجه منها، فقيل له في ذلك، فقال: إنه كان عليه اسم الله عز وجل.
وقال غير واحد
(3)
: كان عبد الملك إذا جلس للقضاء بين الناس يقوم السيَّافون على رأسه بالسيف فينشد، وقال بعضهم: يأمر من ينشد فيقول:
إنا إذا نالتْ دواعي الهوى
…
وأنصتَ السامعُ للقائلِ
واصطرعَ الناسُ بألبابهم
…
نقضي بحكم عادلٍ فاصلِ
لا نجعلُ الباطلَ حقًا ولا
…
نلط
(4)
دونَ الحقِّ بالباطلِ
نخافُ أنْ تسفهَ أحلامنا
…
فنحمل الدَّهر مع الخاملِ
(5)
وقال الأعمش: أخبرني محمد بن الزبير: أن أنس بن مالك كتب إلى عبد الملك يشكو الحجاج ويقول في كتابه: لو أن رجلًا آوى عيسى ليلة واحدة أو خدمه لعرفته النصارى أو تعرف مكانه لهاجرت إليه ملوكهم، ولنزل من قلوبهم بالمنزلة العظيمة، ولعرفوا له ذلك، ولو أن رجلًا خدم موسى أو رآه تعرفه اليهود لفعلوا به من الخير والمحبة وغير ذلك ما استطاعوا، وإني خادم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وصاحبه ورأيته وأكلت معه، ودخلت وخرجت وجاهدت معه أعداءه، وإن الحجاج قد أضر بي وفعل وفعل، قال: فأخبرني من شهد عبد الملك يقرأ الكتاب وهو يبكي وبلغ به الغضب ما شاء الله، ثم كتب إلى الحجاج بكتاب غليظ
(6)
، فجاء إلى الحجاج فقرأه فتغيّر ثم قال إلى حامل الكتاب: انطلق بنا إليه [نترضَّاه].
وقال أبو بكر بن دريد: كتب عبد الملك إلى الحجاج في أيام ابن الأشعث: إنك أعز ما تكون باللّه أحوج ما تكون إليه، وأذل ما تكون للمخلوق أحوج ما تكون إليه، وإذا عززت باللّه فاعف له، فإنك به تعزُّ وإليه ترجع
(7)
.
وقال بعضهم: سأل رجل من عبد الملك أن يخلو به فأمر من عنده بالانصراف، فلما تهيأ الرجل
(1)
تاريخ دمشق (37/ 139).
(2)
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (37/ 139 - 140).
(3)
الخبر والأبيات في تاريخ دمشق (37/ 140) والعقد الفريد (4/ 375).
(4)
في ط: "نلفظ"، وما أثبتناه من م، وهو الموافق لما في تاريخ دمشق. ولط الغريم بالحق دون الباطل وألط: دافع ومنع الحق (اللسان: لطط).
(5)
في ط: "نجهل الحق مع الجاهل"، وما أثبتناه من م وهو الموافق لما في تاريخ دمشق.
(6)
نص الكتاب في تاريخ دمشق (37/ 141) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 295) وسير أعلام النبلاء 30/ 402).
(7)
تاريخ دمشق (37/ 141 - 142).
ليتكلم قال له عبد الملك: احذر في كلامك ثلاثًا، إياك أن تمدحني فإني أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأي لكذوب، أو تسعى إليّ بأحد [من الرعية فإنهم إلى عدلي وعفوي أقرب منهم إلى جوري وظلمي]
(1)
وإن شئت أقلتك. فقال الرجل: أقلني فأقاله.
وكذا كان يقول للرسول إذا قدم عليه من الآفاق: اعفني من أربع وقل ما شئت، لا تطرني، ولا تجبني فيما لا أسألك عنه، ولا تكذبني، ولا تحملني على الرعية فإنهم إلى رأفتي ومعدلتي أحوج
(2)
.
وقال الأصمعي عن أبيه قال: أُتي عبد الملك برجل كان مع بعض من خرج عليه فقال: اضربوا عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين ما كان هذا جزائي منك، فقال: وما جزاؤك؟ فقال: واللّه ما خرجت مع فلان إلا بالنظر لك، وذلك أني رجل مشؤوم ما كنت مع رجل قط إلا غُلب وهُزم، وقد بان لك صحة ما ادّعيت، وكنت عليك خيرًا من مئة ألف معك [تنصحك، لقد كنت مع فلان فكُسر وهُزم وتفرق جمعه، وكنت مع فلان فقُتل، وكنت مع فلان فهُزم - حتى عَدَّ جماعة من الأمراء -] فضحك وخلّى سبيله
(3)
.
وقيل لعبد الملك: أي الرجال أفضل؟ قال: من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وترك النصرة عن قوة
(4)
.
وقال أيضًا: لا طمأنينة قبل الخبرة، فإن الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم
(5)
.
وقال: خير المال ما أفاد حمدًا ودفع ذمًا، ولا يقولن أحدكم ابدأ بمن تعول، فإن الخلق كلهم عيال اللّه، وينبغي أن يحمل هذا على غير ما ثبت به الحديث.
وقال المدائني: قال عبد الملك لمؤدب أولاده - وهو إسماعيل بن عبيد اللّه بن أبي المهاجر -: علِّمهم الصدق كما تعلّمُهم القرآن، وجنّبهم السفلة فإنهم أسوأ الناس رغبة في الخير وأقلهم أدبًا، وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة، واحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضًا، ويمصوا الماء مصًا، ولا يعبُّوا عبًّا، وإذا احتجت أن تتناولهم فتناولهم بأدب فليكن ذلك في سرٍّ لا يعلم بهم أحد من الغاشية فيهونوا عليهم
(6)
.
وقال الهيثم بن عدي: أذن عبد الملك للناس في الدخول عليه إذنًا خاصًا، فدخل شيخ رث الهيئة لم يأبه له الحرس، فألقى بين يدي عبد الملك صحيفة وخرج فلم يدر أين ذهب، وإذا فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا أيها الإنسان إن اللّه قد جعلك بينه وبين عباده فاحكم بينهم {بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(2)
تاريخ دمشق (37/ 142 - 143).
(3)
تاريخ دمشق (37/ 143).
(4)
المصدر نفسه (37/ 144).
(5)
تاريخ دمشق (37/ 145).
(6)
المصدر نفسه (37/ 147 - 148).
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} [ص: 26]{أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين: 4 - 6]{ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)} [هود: 103]{وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104)} [هود: 104] إن اليوم الذي أنت فيه لو بقي لغيرك ما وصل إليك، {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} [النمل: 52] وإني أحذرك يوم ينادي المنادي {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22]{أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] قال فتغيّر وجه عبد الملك فدخل دار حرمه ولم تزل الكآبة في وجهه بعد ذلك أيامًا
(1)
.
وكتب زرّ بن حبيش إلى عبد الملك كتابًا وفي آخره: ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول البقاء ما يظهر لك في صحتك فأنت أعلم بنفسك واذكر ما تكلّم به الأولون:
إذا الرجالُ ولدتْ أولادها
…
وَبَلِيت من كِبَرٍ أجسادُها
وجعلت أسقامُها تعتادُها
…
تلكَ زروعٌ قد دَنا حَصادُها
فلما قرأه عبد الملك بكى حتى بلَّ طرف ثوبه، ثم قال: صدَقَ زِرّ، ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق
(2)
.
وسمع عبد الملك جماعة من أصحابه يذكرون سيرة عمر بن الخطاب فقال: أنهى عن ذكر عمر فإنه مرارة للأمراء مفسدة للرعية.
وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسَّاني
(3)
، عن أبيه عن جده قال: كان عبد الملك يجلس في حلقة أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق، فقالت له: بلغني أنك شربت الطلاء
(4)
بعد العبادة والنسك، فقال: إي واللّه، والدماء أيضًا قد شربتها
(5)
. ثم جاءه غلام كان قد بعثه في حاجة فقال: ما حبسك لعنك اللّه؟ فقالت أم الدرداء: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإني سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة لعّان"
(6)
.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا الحسين بن عبد الرحمن
(7)
، قال: قيل لسعيد بن المسيِّب: إن عبد الملك بن مروان قال: قد صرت لا أفرح بالحسنة أعملها، ولا أحزن على السيئة أرتكبها، فقال سعيد: الآن تكامل موت قلبه.
(1)
تاريخ دمشق (37/ 148 - 149).
(2)
المصدر نفسه (37/ 149).
(3)
تحرفت في ط إلى: القباني.
(4)
الطلاء: المطبوخ من عصير العنب، وذهب ثلثاه. القاموس (طلو).
(5)
الخبر إلى هنا في تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 142).
(6)
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (37/ 151 - 152). وإسناده ضعيف جدًّا، فإن إبراهيم الغساني متروك وكذّبه أبو حاتم الرازي، كما في ميزان الذهبي (1/ 72).
(7)
في تاريخ دمشق (37/ 153): الحسين بن عبد الملك.
وقال الأصمعي عن أبيه عن جده قال: خطب عبد الملك يومًا خطبة بليغة ثم قطعها وبكى بكاء شديدًا ثم قال: يا ربّ إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم. منها، اللهمّ فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي. قال: فبلغ ذلك الحسن فبكى وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام
(1)
. وقد روي عن غير واحد نحو ذلك، أي: أنه لما بلغه هذا الكلام قال مثل ما قال الحسن.
وقال أبو مسهر الدمشقي: وضع سماط عبد الملك يومًا بين يديه فقال لحاجبه: ائذن لخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال: مات يا أمير المؤمنين، قال: فلأبيه عبد اللّه بن خالد بن أسيد، قال: مات، قال: فلخالد بن يزيد بن معاوية، قال: مات، قال فلفلان وفلان - حتى عدّ أقوامًا قد ماتوا وهو يعلم ذلك، فبكى وأمر برفع السماط وأنشأ يقول:
ذَهَبتْ لدَاتي وانقضَتْ أيامُهمْ
…
وغبرتُ بعدَهمُ ولستَ بخالدِ
(2)
[وقيل: إنه لما احتضر دخل عليه ابنه الوليد فبكى فقال له عبد الملك: ما هذا؟ أتحن حنين الجارية والأمة؟ إذا أنا متُّ فشمر واتّزر والبس جلد النمر، وضع الأمور عند أقرانها، واحذر قريشًا. ثم قال له: يا وليد اتق اللّه فيما أستخلفك فيه، واحفظ وصيتي، وانظر إلى أخي معاوية، فصل رحمه واحفظني فيه، وانظر إلى أخي محمد فأمّره على الجزيرة ولا تعزله عنها، وانظر إلى ابن عمنا علي بن عباس فإنه قد انقطع إلينا بمودّته ونصيحته وله نسب وحق، فصلْ رحمه واعرف حقه، وانظر إلى الحجّاج بن يوسف فأَكْرمه فإنّه هو الذي مهّد لك البلاد، وقَهَر الأعداء وخلّص لكم الملك، وشتت الخوارج، وأنهاك وإخوتك عن الفرقة وكونوا أولاد أم واحدة، وكونوا في الحرب أحرارًا، وللمعروف منارًا، فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها، إن المعروف يشيد ذكر صاحبه ويميل القلوب بالمحبة، ويذلل الألسنة بالذكر الجميل، وللّه در القائل:
إنَّ الأمور
(3)
إذا اجتمعن فَرَامَها
…
بالكسرِ ذو حَنَق وبطشٍ مفند
(4)
عزّت فلمْ تكسرْ وإن هي بُدِّدَتْ
…
فالكسر والتوهينُ للمتبدِّدِ
(5)
ثم قال: إذا أنا مت فادع الناس إلى بيعتك فمن أبى فالسيف، وعليك بالإحسان إلى أخواتك فأكرمهن، وأحبُّهن إليّ فاطمة - وكان قد أعطاها فرطي مارية والدرة اليتيمة - ثم قال: اللهم
(1)
تاريخ دمشق (37/ 154).
(2)
المصدر نفسه (37/ 155).
(3)
في تاريخ الإسلام (ص 143): القداح.
(4)
في تاريخ الإسلام: أيد.
(5)
الأبيات لابن عبد الأعلى الشيباني.
احفظني فيها
(1)
. فتزوجها عمر بن عبد العزيز وهو ابن عمها
(2)
.
ولما احتضر سمع غسالًا يغسل الثياب فقال: ما هذا؟ فقالوا: غسال، فقال: يا ليتني كنت غسالًا أكسب ما أعيش به يومًا بيوم، ولم أل الخلافة. ثم تمثل فقال:
لعمري لقدْ عمرتُ في الملكِ
(3)
برهةً
…
ودانتْ لي الدنيا بوقعِ البواترِ
وأعطيتُ حمرَ المالِ والحكمَ والنُّهى
…
ولي سلّمت كلُّ الملوكِ الجبابرِ
فأضحى الذي قدْ كانَ مما يسرني
…
كحلمٍ مضى في المزمناتِ الغوابرِ
فيا ليتني لم أعنِ بالملك ليلةَ
(4)
…
ولمْ أسعَ
(5)
في لذاتِ عيشٍ نواضرِ
وقد أنشد هذه الأبيات معاوية بن أبي سفيان عند موته]
(6)
.
وقال أبو مسهر: قيل لعبد الملك في مرض موته: كيف تجدك؟ فقال أجدني كما قال اللّه تعالى {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} الآية [الأنعام: 94].
وقال سعيد بن عبد العزيز: لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره، فلما فتحت سمع قصارًا [بالوادي] فقال: ما هذا؟ قالوا: قصار، فقال: يا ليتني كنت قصارًا [أعيش من عمل يدي] فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله، قال: الحمد للّه الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم. وقال: لما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت أني اكتسبت قوتي يومًا بيوم واشتغلت بطاعة اللّه.
وقال غيره: لمّا حضرته الوفاة دعا بنيه فوصاهم ثم قال: الحمد للّه الذي لا يسأل أحدًا من خلقه صغيرًا أو كبيرًا ثم ينشد:
فهلْ من خالد إمّا هَلَكْنا
…
وهلْ بالموتِ يا للناس عار
(7)
ويروى أنه قال: ارفعوني، فرفعوها حتى شم الهواء وقال: يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإنا كنا بك لفي غرور، ثم تمثل بهذين البيتين. ويروى أن معاوية قالهما أيضًا في هذه الحالة:
(1)
في تاريخ الإسلام: اللهم إني لم أخلف شيئًا أهمَّ منها إليَّ فاحفظها.
(2)
نص الوصية في الأخبار الطوال (325) والكامل لابن الأثير (4/ 517 - 518).
(3)
في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 142): الدهر.
(4)
في تاريخ الإسلام: ليلة.
(5)
في تاريخ الإسلام: أله.
(6)
ما بين معكوفين زيادة من ط. والأبيات بدون الخبر في تاريخ دمشق (37/ 150).
(7)
في ط: للباقين غار، وما أثبت يوافق تاريخ دمشق (37/ 158) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 144).
إنْ تناقشْ يكن نقاشُكَ يا ربُّ
…
عذابًا لا طوقَ لي بالعذابِ
أو تجاوز فأنتَ ربٌّ صفوحٌ
…
عنْ مسيءٍ ذنوبُهُ كالترابِ
(1)
قالوا: وكانت وفاته بدمشق يوم الجمعة وقيل يوم الأربعاء وقيل الخميس، في النصف من شوال وقيل لخمس مضين
(2)
منه سنة ست وثمانين، وصلى عليه ابنه الوليد ولي عهده من بعده، وكان عمره يوم مات ستين سنة. قاله أبو معشر وصححه الواقدي، وقيل ثلاث وستون سنة. قاله المدائني، وقيل ثمان وخمسون
(3)
. ودفن بباب الجابية الصغير.
قال ابن جرير
(4)
: ذكر أولاده وأزواجه: منهم الوليد، وسليمان، ومروان الأكبر - درج -
(5)
وعائشة، وأمهم ولّادة بنت العباس بن جَزْء بن الحارث بن زهير بن جَذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قُطيعة بن عبس بن بغيض.
ويزيد، ومروان الأصغر، ومعاوية - درج - وأم كلثوم، وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سُفيان.
وهشام وأمّه أم هشام عائشة - فيما قاله المدائني - بنت هشام بن إسماعيل المخزومي.
وأبو بكر واسمه بكار، وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد اللّه التيمي.
والحكم - درج - وأمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان الأموي.
وفاطمة وأمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي.
وعبد اللّه، ومسلمة، والمنذر، وعنبسة، ومحمد، وسعد
(6)
الخير والحجّاج لأمهات أولاد شتى
(7)
[فكان جملة أولاده تسعة عشر ذكورًا وإناثًا، وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة، منها تسع سنين مشاركًا لابن الزبير، وثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصف مستقلًّا بالخلافة وحده. وكان قاضيه أبو إدريس الخولاني، وكاتبه روح بن زنباع، وحاجبه يوسف مولاه، وصاحب بيت المال، والخاتم قبيصة بن ذؤيب. وعلى شرطته أبو الزعيزعة. وقد ذكرنا عماله فيما مضى]
(8)
.
(1)
الأبيات في تاريخ دمشق (37/ 159) والكامل لابن الأثير (4/ 521).
(2)
في ب: بقين.
(3)
وهي إحدى أقوال الواقدي.
(4)
تاريخ الطبري (6/ 419).
(5)
أي مات صغيرًا.
(6)
في الطبري: سعيد.
(7)
في الطبري: لأمهات أولاد.
(8)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
قال المدائني: وكان له زوجات أخر، شقراء بنت سلمة بن حلبس الطائي، وابنة لعلي بن أبي طالب
(1)
، وأم أبيها بنت عبد اللّه بن جعفر.
وممن يذكر أنه توفي في هذه السنة تقريبًا:
أرطاة بنُ زفر
(2)
بن عبد اللّه بن مالك بن شداد
(3)
بن ضمرة بن عُقْفان بن أبي حارثة بن مرة بن نُشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان أبو الوليد المرِّي، ويعرف بابن سُهَيَّة
(4)
، وهي أمه بنت زامل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن حديج بن أبي جشم بن كعب بن عون بن عامر بن عوف - سبية من كلب - وكانت عند ضرار بن الأزور، ثم صارت إلى زُفر وهي حامل فأتت بأرطاة على فراشه، وقد عمّر أرطاة دهرًا طويلًا حتى جاوز المئة بثلاثين سنة، وقد كان سيِّدًا شريفًا مطاعًا ممدَّحًا شاعرًا مطبقًا.
قال المدائني: ويقال: إن بني عُقفان بن حنظلة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس دخلوا في بني مرة بن نُشْبة فقالوا: بنو عقفان بن أبي حارثة بن مرة.
وقد وفد أبو الوليد أرطاة بن زُفر هذا على عبد الملك فأنشده أبياتًا:
رأيتُ المرءَ تأكلهُ اللَّيالي .. كأكلِ الأرضِ ساقطةَ الحديدِ
وما تبقي
(5)
المنيةُ حينَ تأتي
…
على نفسِ ابن آدمَ منْ مزيد
وأعلم أنها ستكرُّ حتى
…
تُوفِّي نذرها بأبي الوليدِ
(6)
قال: فارتاع عبد الملك وظنَّ أنَّه عناه بذلك. فقال: يا أمير المؤمنين إنما عنيت نفسي، فقال عبد الملك: وأنا واللّه سيمرّ بي ما الذي يمر بك، وزاد بعضهم في هذه الأبيات:
خُلِقْنا أنفسًا وبنى نفوس
…
ولسنا بالسلام ولا الحديدِ
لئن أفجعتَ بالقرناء يومًا
…
لقد مُتِّعتَ بالأَملِ البعيدِ
(7)
(1)
قال ابن الأثير في تاريخه (4/ 519): وقيل: كان عنده ابنة لعلي بن أبي طالب: ولا يصح.
(2)
ترجمة - أرطاة بن زفر - في تاريخ دمشق (8/ 3 - 8) والأغاني (13/ 40) ووفيات الأعيان (6/ 103) والإصابة (1/ 164) والوافي بالوفيات (8/ 348) وتهذيب تاريخ دمشق (3/ 368) ومختصر تاريخ دمشق (4/ 232) وكان في الأصل في سياق نشه: غقعان، بدل عُقْفان، وشبة بدل نشبة، ونميط بدل غيظ.
(3)
في الإصابة: سواد.
(4)
في ب وحدها: شهبة، والمثبت من تاريخ دمشق وجمهرة الأنساب لابن حزم.
(5)
في تاريخ دمشق والإصابة: وما تبغي.
(6)
الأبيات في تاريخ دمشق (8/ 4) والأغاني (13/ 40) والإصابة (1/ 164).
(7)
تاريخ دمشق (8/ 5) مع تقديم البيت الأول وزيادة بيت بينهما قيل إن أرطأة سرقه من زَبّان بن منظور بن سيّار وروايته:
وما تجد المصيبة فوق نفسي
…
ولا نفس الأحبّة من مزيد
وهو القائل:
وإني لقوامٌ لدى الضيفِ موهنًا
…
إذا أسبلَ السترَ البخيلُ
(1)
المواكلُ
دعا فأجابتهُ كلاب كثيرةٌ
…
على ثقةٍ مني بأنيَ فاعلُ
وما دونَ ضيفي من تلادٍ تحوزهُ
…
لي النفسُ إلا أنْ تصانَ الحلائلُ
(2)
مُطرِّف بن عبد الله بن الشَّخِّير
(3)
كان من كبار التابعين، وكان من أصحاب عمران بن حصين، وكان مجاب الدعوة.
وكان يقول: ما أوتي أحد أفضل من العقل
(4)
، وعقول الناس على قدر زمانهم.
وقال: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله هذا عبدي حقًا.
وقال: إذا دخلتم على مريض فإن استطعتم أن يدعو لكم فإنه قد حُرّك - أي: قد أوقظ من غفلته بسبب مرضه - فدعاؤه مستجاب من أجل كسره ورقّة قلبه.
وقال: إن أقبح ما طُلبت به الدنيا عمل الآخرة]
(5)
.
خلافة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق
لما رجع من دفن أبيه خارج باب الجابية الصغير - وكان ذلك في يوم الخميس وقيل الجمعة للنصف من شوال من هذه السنة - لم يدخل المنزل حتى صعد منبر المسجد الأعظم بدمشق. فخطب الناس فكان مما قال: إنا للّه وإنا إليه راجعون، واللّه المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين، والحمد للّه على ما أنعم علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا. فكان أول من قام إليه عبد اللّه بن همام السّلولي وهو يقول:
اللهُ أعطاكَ التي لا فَوْقَها
…
وقدْ أراد الملحدونَ عَوْقَهَا
عنْكَ ويأبى اللهُ إلا سَوْقها
…
إليكَ حتّى قَلَّدوكَ طَوْقَها
(6)
(1)
في تاريخ دمشق: إذا أعذر السير البخيل.
(2)
تاريخ دمشق (8/ 8).
(3)
ترجمة - مطرف بن عبد اللّه - في الطبقات لابن سعد (7/ 141) وتاريخ خليفة (292) وطبقاته (197) والمعرفة والتاريخ (2/ 80) وحلية الأولياء (2/ 191) وصفة الصفوة (3/ 224) وتهذيب الكمال (28/ 67) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 479) وسير أعلام النبلاء (7/ 187) والإصابة (3/ 478) وتهذيب التهذيب (10/ 173).
(4)
في صفة الصفوة (3/ 224) قال: ما أوتي عبد بعد الإيمان أفضل من العقل.
(5)
ما بين معكوفين ساقط من أ، ب.
(6)
الأبيات في تاريخ الطبري (6/ 423).
ثم بايعه وبايع الناس بعده.
وذكر الواقدي: أنه حمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إنه لا مُقدِّم لما أخَّر اللّه، ولا مؤخِّر لما قدّم الله، وقد كان من قضاء اللّه وسابقته ما كتبه على أنبيائه وحملة عرشه وملائكته الموت، وقد صار إلى منازل الأبرار بما لاقاه في هذه الأمة - يعني بالذي يحق للّه عليه - من الشدّة على المريب، واللّين لأهل الحقِّ والفضل، وإقامة ما أقام اللّه من منار الإسلام، وإعلائه من حجِّ هذا البيت، وغزو هذه الثغور، وشنِّ هذا الغارات على أعداء اللّه عز وجل فلم يكن عاجزًا ولا مفرّطًا، أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه. ثم نزل فنظر ما كان من دواب الخلافة فحازها. وكان جبارًا عنيدًا
(1)
. وقد ورد في ولاية الوليد حديث غريب
(2)
، وإنما هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما سيأتي، وكما تقدم تقريره في دلائل النبوة في باب الأخبار عن الغيوب المستقبلة، فيما يتعلق بدولة بني أمية، وأما الوليد بن عبد الملك هذا فقد كان صينًا في نفسه حازمًا في رأيه، يقال إنه لا تعرف له صبوة، ومن جملة محاسنه ما صح عنه أنه قال: لولا أن اللّه قص لنا خبر قوم لوط في كتابه ما ظننا أن ذكرًا يعلو ذكرًا كما تؤتى النساء، كما سيأتي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته في سنة ست وتسعين إن شاء اللّه، وهو باني مسجد جامع دمشق الذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناءً منه، وقد شرع في بنائه في ذي القعدة من هذه السنة، فلم يزل يبني فيه مدّة خلافته وهي عشر سنين، فلما أنهاه انتهت أيام خلافته كما سيأتي بيان ذلك مفصّلًا. وقد كان موضع هذا المسجد كنيسة يقال لها كنيسة يوحنا، فلما فتحت الصحابة دمشق جعلوها مناصفة، فأخذوا منها الجانب الشرقي فحوّلوه مسجدًا، وبقي الجانب الغربي كنيسة بحاله من لدن سنة أربع عشرة إلى هذه السنة، فعزم الوليد على أخذ بقية الكنيسة منهم وعوَّضهم عنها كنيسة مريم لدخولها في جانب السيف، وقيل عوضهم عنها كنيسة توما، وهدم بقية هذه الكنيسة وأضافها إلى هذا، وجعل الجميع مسجدًا واحدًا على هيئة بديعة لا يعرف كثير من الناس أو أكثرهم لها نظيرًا في البنيان والزيارات
(3)
والآثار والعمارات، واللّه سبحانه أعلم.
(1)
تاريخ الطبري (6/ 423).
(2)
الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده (1/ 18) بسنده عن عمر، قال: وُلد لأخي أم سلمة ولد، فسمّوه الوليد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"سميتموه باسماء فراعنتكم، ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، لهو أشد لهذه الأمة من فرعون لقومه" وهو حديث ضعيف.
(3)
في ط: والزينات.
ثم دخلت سنة سبع وثمانين
ففيها عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن إمرة المدينة وولَّى عليها ابن عمه وزوج أخته فاطمة بنت عبد الملك عمرَ بن عبد العزيز، فدخلها في ثلاثين بعيرًا في ربغ الأول منها، فنزل دار مروان وجاء الناس للسلام عليه، وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، فلما صلّى الظهر دعا عشرةً من فقهاء المدينة وهم عُروة بن الزُّبير، وعُبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن [أبي] حثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد اللّه بن عمر، وأخوه عبيد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن عبد اللّه بن عمرو
(1)
، وعبد اللّه بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت. فدخلوا عليه فجلسوا فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانًا على الحق، إني لا أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدًا يتعدّى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحرِّج على من بلغه ذلك إلا أبلغني. فخرجوا [من عنده] يجزونه خيرًا، وافترقوا على ذلك.
وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بأن يوقف هشام بن إسماعيل للناس عند دار مروان - وكان يسيء الرأي فيه - لأنه أساء إلى أهل المدينة في مدة ولايته عليهم، وكانت نحوًا من أربع سنين، ولا سيما إلى سعيد بن المسيب وإلى علي بن الحسين. وأهل بيته، فلما أوقف للناس قال هشام: ما أخاف إلا من سعيد وعلي بن الحسين، فقال
(2)
سعيد بن المسيب لابنه ومواليه: لا يعرض منكم أحد لهذا الرجل فإني تركت ذلك للّه وللرَّحم. وأمّا كلامه فلا أكلمه أبدًا، وأما علي بن الحسين فإنه مرّ به وهو موقوف فلم يعرض له، وكان قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض أحد منهم له فلما اجتاز به علي بن الحسين وتجاوز عنه ناداه هشام بن إسماعيل فقال:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124].
وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وفتح حصونًا كثيرة وغنم غنائم جمة، ويقال إن الذي غزا بلاد الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ففتح حصن بولق، وحصن الأخرم [وبحيرة الفرسان]
(3)
وحصن بولس، وقمقم، وقتل من المستعربة نحوًا من ألف وسبى ذراريهم.
(1)
في الكامل لابن الأثير: وعبد اللّه بن عبيد الله بن عمر.
(2)
من قوله: وأهل بيته .. إلى هنا ساقط من ط، والخبر بكماله في تاريخ الطبري (6/ 427 - 428) وابن الأثير (4/ 527 - 526).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والعبارة في تاريخ الاسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 29)، والخبر في تاريخ الطبري (6/ 429) وابن الأثير (4/ 528).
وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الترك وصالحه ملكهم نيزك على مال جزيل، وعلى أن يطلق كل من ببلاده من أسارى المسلمين.
وفيها غزا قتيبة بيكند فاجتمع له من الأتراك عندها بشر كثير وجم غفير [وهي من أعمال بخارى، فلما نزل بأرضهم استنجدوا عليه بأهل الصغد ومن حولهم من الأتراك، فأتوهم في جمع عظيم فأخذوا على قتيبة الطرق والمضايق، فتواقف هو وهم قريبًا من شهرين وهو لا يقدر أن يبعث إليهم رسولًا ولا يأتيه من جهتهم رسول، وأبطأ خبره على الحجّاج حتى خاف عليه وأشفق على من معه من المسلمين من كثرة الأعداء من الترك، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد وكتب بذلك إلى الأمصار، وقد كان قتيبة ومن معه من المسلمين يقتتلون مع الترك في كل يوم، وكان لقتيبة عين من العجم يقال له تنذر، فأعطاه أهل بخارى مالًا جزيلًا على أن يأتي قتيبة فيخذله عنهم، فجاء إليه فقال له: أخلني فأخلاه فلم يبق عنده سوى رجل يقال له ضرار بن حصين، فقال له تنذر: هذا عامل يقدم عليك سريعًا بعزل الحجاج، فلو انصرفت بالناس إلى مرو، فقال قتيبة لمولاه سياه: اضرب عنقه؛ فقتلته، ثم قال لضرار: لم يبق أحد سمع هذا غيري وغيرك وإني أعطي اللّه عهدًا إن ظهر هذا حتى ينقضي حربنا لألحقنّك به، فأملك علينا لسانك، فإن انتشار هذا في مثل هذا الحال ضعف في أعضاد الناس ونصرة للأعداء، ثم نهض قتيبة فحرّض الناس على الحرب، ووقف على أصحاب الرايات يحرضهم، فاقتتل الناس قتالًا عظيمًا وأنزل اللّه على المسلمين الصبر فما انتصف النهار حتى أنزل اللّه عليهم النصر فهزمت الترك هزيمةً عظيمة، واتبعهم المسلمون يقتلون فيهم ويأسرون ما شاؤوا، واعتصم من بقي منهم بالمدينة، فأمر قتيبة الفَعَلة بهدمها فسألوه الصلح على مال عظيم فصالحهم، وجعل عليهم رجلًا من أهله وعنده طائفة من الجيش ثم سار راجعًا، فلما كان منهم على خمس مراحل
(1)
نقضوا العهد وقتلوا الأمير وجدعوا أنوف من كان معه، فرجع إليها وحاصرها شهرًا. وأمر النقابين والفعلة فعلقوا سورها على الخشب وهو يريد أن يضرم النار فيها، فسقط السور فقتل من الفعلة أربعين نفسًا، فسألوه الصلح فأبى، ولم يزل حتى فتحها فقتل مقاتلتهم، وغنم أموالهم، وكان الذي ألَّب على المسلمين رجل أعور منهم، فأُسر؛ فقال أنا أفتدي نفسي بخمسة أثواب صينية قيمتها ألف ألف، فأشار الأمراء على قتيبة بقبول ذلك منه، فقال قتيبة: لا واللّه لا أروع بك مسلمًا مرة ثانية
(2)
، وأمر به فضربت عنقه [وهذا من الزهد في الدنيا، ثم إن الغنائم سيدخل فيها ما أراد أن يفتدي به نفسه فإن المسلمين قد غنموا]
(3)
من بيكند شيئًا كثيرًا من آنية الذهب والفضة والأصنام من الذهب، وكان من جملتها صنم سبك فخرج منه مئة ألف وخمسون ألف دينار من الذهب، ووجدوا في خزائن الملك أموالًا كثيرة وسلاحًا كثيرًا وعددًا متنوعة وجواهر نفيسة [وأخذوا من السبي شيئًا كثيرًا] فكتب قتيبة إلى الحجاج
(1)
في الطبري (6/ 431): فلما سار مرحلة أو اثنتين، وكان منهم على خمسة فراسخ نقضوا وكفروا.
(2)
عبارة الطبري: لا واللّه، لا تروَّع بك مسلمة أبدًا.
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، ومكانها في أ، ب: وقد غنم المسلمون
…
وعبارة ط أقرب إلى المصادر.
في أن يعطي ذلك للجند فأذن له فتموّل المسلمون وتقوّوا على قتال الأعداء، وصار لكل واحد منهم مال مستكثر جدًّا. وصارت لهم أسلحة وعُدد وخيول كثيرة فقووا بذلك قوة عظيمة ولله الحمد والمنة.
وقد حج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة، وقاضيه بها أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعلى العراق والمشرق بكماله الحجاج بن يوسف الثقفي، ونائبه على البصرة الجرّاح بن عبد اللّه الحكمي، وقاضيه بها عبد اللّه بن أذينة، وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد اللّه البَجَلي، وقاضيه بها أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، ونائبه على خراسان وأعمالها قتيبة بن مسلم.
وفي هذه السنة توفي:
عتبة بن عبدٍ السلمي
(1)
، صحابي جليل، نزل حمص، يروى أنه شهد بني قريظة، وعن العرباض أنه كان يقول هو خير مني أسلم قبلي بسنة. قال الواقدي وغيره: توفي في هذه السنة، وقال غيره بعد التسعين، واللّه أعلم.
[قال أبو سعيد بن الأعرابي: كان عتبة بن عبدٍ السُّلَمي من أهل الصفة.
وروى بقية، عن بُجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبدٍ السُّلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لو أن رجلًا يُجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله لحقّره يوم القيامة"
(2)
.
وقال إسماعيل بن عياش، عن عقيل بن مدرك، عن لقمان بن عامر، عن عتبة بن عبد السلمي قال: اشتكيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العُري فكساني خيشتين، فلقد رأيتني وأنا أَكسى الصحابة]
(3)
.
والمقدام بن معدي كرب
(4)
، صحابي جليل، نزل حمص أيضًا، له أحاديث، وروى عنه غير واحد من التابعين.
(1)
ترجمة - عتبة بن عبد - في طبقات ابن سعد (7/ 413) وطبقات خليفة (52 و 301) والمعرفة والتاريخ (1/ 340) وحلية الأولياء (2/ 15) وتاريخ دمشق (38/ 275) وأسد الغابة (3/ 563) وتهذب الكمال (19/ 314) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 149) وسير أعلام النبلاء (3/ 416) والإصابة (2/ 454) وتهذيب التهذيب (7/ 98) وشذرات الذهب (1/ 354).
(2)
الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده (4/ 185) وأبو نعيم في الحلية (2/ 15) والطبراني في الكبير (17/ رقم 303) وإسناده ضعيف.
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط. والخبر في تاريخ دمشق لابن عساكر (38/ 277) ولفظه: استكسيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فكساني خيشتين، ولقد رأيتني ألبسهما، وأنا أكسى أصحابي وأخرجه أحمد (4/ 185)، وأبو داود (4032) والطبراني في المعجم الكبير (17/ 307) وهو حديث حسن.
(4)
ترجمة - المقدام بن معدي كرب - في طبقات ابن سعد (7/ 415) وتاريخ خليفة (301) وطبقاته (72 و 304) وتاريخ البخاري (7/ 429) والمعرفة والتاريخ (2/ 160) وتاريخ دمشق (60/ 184) والاستيعاب (3/ 483) وأسد الغابة (4/ 411) وتهذب الكمال (28/ 458) وتاريخ الإسلام للذهي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 203) وسير أعلام النبلاء (4/ 427) والإصابة (3/ 455). وشذرات الذهب (1/ 354).
قال محمد بن سعد والفلّاس وأبو عبيدة: توفي في هذه السنة. وقال غيرهم: توفي بعد التسعين فاللّه أعلم.
أبو أمامة الباهلي
(1)
واسمه صُدَيّ بن عجلان، نزل حمص، وهو راوي حديث "تلقين الميت بعد الدفن" رواه الطبراني
(2)
في الدعاء [وقد تقدم له ذكر في الوفيات.
قبيصة بن ذؤيب
(3)
، أبو سفيان الخزاعي المدني، ولد عام الفتح وأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له، روى عن جماعة كثيرة من الصحابة، وأصيبت عينه يوم الحرَّة، وكان من فقهاء المدينة، وكانت له منزلة عند عبد الملك، ويدخل عليه بغير إذن، وكان يقرأ الكتب إذا وردت من البلاد ثم يدخل على عبد الملك فيخبره بما ورد من البلاد فيها، وكان صاحب سرّه، وكان له دار بدمشق بباب البريد، وتوفي بدمشق.
عروة بن المغيرة بن شعبة
(4)
، ولي إمرة الكوفة للحجاج، وكان شريفًا لبيبًا مطاعًا في الناس، وكان أحول
(5)
. توفي بالكوفة.
يحيى بن يعمر
(6)
، كان قاضي مرو، وهو أول من نقط المصاحف، وكان من فضلاء الناس
(1)
سبق ذكره ومصادر ترجمته في أول أحداث سنة 86.
(2)
الحديث ذكره الهثمي في مجمع الزوائد (3/ 45) وقال: رواه الطبراني في الكبير (8/ 298) وفي إسناده جماعة لم أعرفهم. ورواه الطبراني في الدعاء (3/ 1367 - 1368) رقم (1214) قال ابن القيم في زاد المعاد: (1/ 523): فهذا حديث لا يصح رفعه، نقول: وقد ضعفه النووي وغيره.
(3)
ترجمة - قبيصة بن ذؤيب - في طبقات ابن سعد (5/ 176) وتاريخ خليفة (292) وطبقاته (309) وتاريخ البخاري (7/ 174 - 175) والمعرفة والتاريخ (1/ 236) ومواضع أخرى، وأنساب الأشراف (1/ 411) ومواضع أخرى، وتاريخ دمشق (49/ 250) وأسد الغابة (4/ 191) وتهذيب الكمال (23/ 476) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 170 - 172) وسير أعلام النبلاء (4/ 282 - 284) والنجوم الزاهرة (1/ 214) وشذرات الذ هب (1/ 352).
(4)
ترجمة - عروة بن المغيرة - في طبقات ابن سعد (6/ 269) وتاريخ خليفة (210) وطبقاته (155) وتاريخ البخاري (7/ 72) والمعرفة والتاريخ (1/ 398) و (2/ 104) وأنساب الأشراف (1/ 197 و 55) ومواضع أخرى، وتهذيب الكمال (20/ 37) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - / 100 ص 151 - 152) وقال الذهبي: توفي سنة بضع وثمانين، وتهذيب التهذيب (7/ 189).
(5)
ذكر ذلك الجاحظ في كتابه "البرصان والعرجان والحولان"(ص 364).
(6)
ترجمة - يحيى بن يعمر - في طبقات ابن سعد (7/ 368) وتاريخ خليفة (303) وطبقاته (203) والمعرفة والتاريخ (2/ 141) ومعجم الشعراء للمرزباني (485) وفيه: يحيى بن نعيم، وطبقات النحويين واللغويين (37) والكامل لابن الأثير (4/ 308) ومراتب النحويين (25 - 26) ووفيات الأعيان (6/ 173) وتهذيب الكمال (32/ 53) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 502 - 503) وفيه نقلًا عن خليفة: توفي يحيى بن يعمر قبل التسعين، وسير أعلام النبلاء (4/ 441) وتهذيب التهذيب (11/ 305) والنجوم الزاهرة (1/ 217) وشذرات الذهب (1/ 175).
وعلمائهم وله أحوال ومعاملات، وله روايات، وكان أحد الفصحاء، أخذ العربية عن أبي الأسود الدؤلي
(1)
.
شريح بن الحارث بن قيس القاضي
(2)
، أدرك الجاهلية، واستقضاه عمر على الكوفة فمكث بها قاضيًا خمسًا وستين سنة، وكان عالمًا عادلًا كثير الخير، حسن الأخلاق، فيه دعابة كثيرة، وكان كوسجًا لا شعر بوجهه، وكذلك كان عبد اللّه بن الزبير، والأحنف بن قيس، وقيس بن سعد بن عُبادة، وقد اختلف في نسبه وسنه وعام وفاته على أقوال، ورجح ابن خلكان وفاته في هذه السنة، فاللّه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين
فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، فافتتحا بمن معهما من المسلمين حصن طوانة
(3)
في جمادى من هذه السنة - وكان حصينًا منيعًا - اقتتل الناس عنده قتالًا عظيمًا وحمل المسلمون على النصارى فهزموهم حتى أدخلوهم الكنيسة، ثم خرجت النصارى فحملوا على المسلمين فانهزم المسلمون ولم يبق أحد منهم في موقفه إلا العباس بن الوليد ومعه ابن مُحيريز الجُمحي، فقال العباس لابن محيريز: أين قراء القرآن الذين يريدون وجه اللّه عز وجل؟ فقال: نادهم يأتوك، فنادى يا أهل القرآن، فتراجع الناس فحملوا على النصارى فكسروهم ولجؤوا إلى الحصن فحاصروهم حتى فتحوه.
وذكر ابن جرير
(4)
: أنه في شهر ربيع الأول من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجَرِ أزواج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأن يوسعه من قبلته وسائر نواحيه، حتى يكون مئتي ذراع في مئتي ذراع، فمن باعك ملكه فاشتره منه وإلا فقوِّمه له قيمة عدل ثم اهدمه وأدفع إليهم الأثمان، فإن لك في ذلك سلف صدق عمر وعثمان. فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس والفقهاء العشرة وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد، [فشق عليهم ذلك وقالوا: هذه حُجَر قصيرة السقوف، وسقوفها من جريد النخل، وحيطانها من اللَّبن، وعلى أبوابها المسوح، وتركها على حالها أولى لينظر إليها الحجاج والزوار والمسافرون، وإلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم فينتفعوا بذلك ويعتبروا به، ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا، فلا يعمرون فيها إلا بقدر الحاجة وهو ما يستر ويُكن،
(1)
ذكر ذلك ابن خلكان في وفياته (6/ 173) وما بين معكوفين زيادة من ط.
(2)
تقدمت ترجمة شريح القاضي ضمن وفيات سنة ثمان وسبعين.
(3)
طوانة - بضم أوله - بلد بثغور المصيصة، والخبر في تاريخ الطبري (6/ 434) والأخبار الطوال (326). وابن الأثير (4/ 531) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 30).
(4)
تاريخ الطبري (6/ 435 - 436).
ويعرفون أن هذا البنيان العالي إنما هو من أفعال الفراعنة والأكاسرة، وكل طويل الأمل راغب في الدنيا وفي الخلود فيها. فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم، فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسجد على ما ذكر، وأن يعلي سقوفه. فلم يجد عمر بدًا من هدمها، ولما شرعوا في الهدم صاح الأشراف ووجوه الناس من بني هاشم وغيرهم، وتباكوا مثل يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
فأجاب من له ملك متاخم للمسجد إلى بيعه فاشترى منهم، وشرع في بنائه وشمّر عن إزاره واجتهد في ذلك، وجاءته فعول كثيرة من جهة الوليد فأدخل فيه الحجرة النبوية [- حجرة عائشة - فدخل القبر في المسجد]
(2)
وكانت حده من الشرق وسائر حُجَر أمهات المؤمنين ووسعه كما أمر الوليد، وروينا أنهم لما حفروا الحائط الشرقي من حجرة عائشة بدت لهم قدم فخشوا أن تكون قدم النبي صلى الله عليه وسلم حتى تحققوا أنها قدم عمر رضي الله عنه، ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد - كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدًا - واللّه أعلم.
وذكر ابن جرير
(3)
: أن الوليد كتب إلى ملك الروم يسأله أن يبعث له صنّاعًا للبناء، فبعث إليه بمئة صانع وفصوص كثيرة من أجل المسجد النبوي نحو خمسين جملًا، ومئة ألف دينار
(4)
، والمشهور أن هذا إنما كان من أجل مسجد دمشق، فاللّه أعلم.
وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز أن يحفر الفوّارة بالمدينة، وأن يجري ماءها ففعل، وأمره أن يحفر الآبار وأن يُسهِّل [الطرق] والثنايا [وساق إلى الفوارة الماء من ظاهر المدينة، والفوّارة بنيت في ظاهر المسجد عند بقعة رآها فأعجبته]
(5)
.
وفيها غزا قتيبة بن مسلم ملك الترك كوربُغانون
(6)
ابن أخت ملك الصين، معه مئتا ألف [مقاتل، من أهل الصغد وفرغانة وغيرهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان مع قتيبة نيزك ملك الترك مأسورًا] فكسرهم قتيبة بن مسلم وغنم من أموالهم شيئًا كثيرًا [وقتل منهم خلقًا وسبى وأسر].
وفيها حجّ بالناس عمر بن عبد العزيز ومعه جماعات من أشراف قريش، فلما كان بالتنعيم لقيه طائفة
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي توافق ما في الطبري والأخبار الطوال وابن الأثير.
(2)
زيادة من ط.
(3)
تاريخ الطبري (6/ 436).
(4)
الذي في الطبري: فبعث إليه بمئة ألف مثقال ذهب، وبعث إليه بمئة عامل، وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين حملًا، وأمر أن يتتبع الفسيفساء في المدائن التي خُرِّبت، فبعث بها إلى الوليد.
(5)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والذي في الطبري والمصادر: فلما حج الوليد وقف عليها، فنظر إلى بيت الماء والفوارة؛ فأعجبته، وأمر لها بقُوَّام يقومون عليها، وأن يسقى أهل المسجد منها، ففُعل ذلك.
(6)
في الطبري (6/ 437): كور مغانون. والخبر أيضًا في الأخبار الطوال (327). وابن الأثير (4/ 533) وفيه: كور نعايون. وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 30).
من أهل مكة فأخبروه عن قلّة الماء بمكة لقلّة المطر، فقال لأصحابه: ألا نستمطر؟ فدعا ودعا الناس فما زالوا يدعون حتى سُقُوا ودخلوا مكّة ومعهم المطر، وجاء سيل عظيم حتى خاف أهل مكة من شدة المطر، ومطرت عرفة ومزدلفة ومنى، وأخصبت الأرض هذه السنة خصبًا عظيمًا بمكة وما حولها، وذلك ببركة دعاء عمر بن عبد العزيز [ومن كان معه من الصالحين].
وكان النواب على البلاد في هذه السنة هم الذين في التي قبلها.
وممن توفي فيها من الأعيان:
عبد اللّه بن بُسر بن أبي بُسر المازني
(1)
، صحابي كأبيه، سكن حمص، وروى عنه جماعة من التابعين.
قال الواقدي: توفي في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، زاد غيره وهو آخر من توفي من الصحابة بالشام، وقد جاء في الحديث أنه يعيش قرنًا
(2)
، فعاش مئة سنة.
عبد الله بن أبي أوفى
(3)
- علقمة
(4)
- بن خالد بن الحارث الخزاعي ثم الأسلمي، صحابي جليل، وهو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة، وكانت وفاته فيما قاله البخاري
(5)
سنة سبع أو ثمان وثمانين، وقال الواقدي وغير واحد
(6)
: سنة ست وثمانين، وقد جاوز المئة، وقيل قاربها رضي الله عنه.
[وفيها توفي:
هشام بن إسماعيل
(7)
بن هشام بن الوليد المخزومي المدني، وكان حما عبد الملك بن مروان ونائبه
(1)
ترجمة - عبد اللّه بن بسر - في طبقات ابن سعد (7/ 413) وطبقات خليفة (52 و 301). والمعرفة والتاريخ (1/ 258) ومواضع أخرى، وأنساب الأشراف (1/ 248) والاستيعاب (2/ 267) وتاريخ دمشق (27/ 139 - 162) وأسد الغابة (3/ 125) والكامل لابن الأثير (4/ 534) وقال: بُسْر؛ بضم الباء الموحدة، وبالسين المهملة، وتهذيب الكمال (14/ 333) وتاريخ الإسلام للذهبي (5/ 99 - 102) وسير أعلام النبلاء (3/ 430) والوافي بالوفيات (17/ 84) والإصابة (2/ 281) وتهذيب التهذيب (5/ 158) وشذرات الذهب (1/ 351).
(2)
الحديث رواه أحمد في مسنده (4/ 189) وفيه: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعه عليها - شامة في قرنه - ثم قال: "لتبلغنّ قرنًا" وروى نحوه الطبراني وذكره ابن عساكر في تاريخه (27/ 155) ط: دار الفكر بيروت، وهو حديث حسن.
(3)
تقدمت ترجمته ومصادرها ضمن وفيات سنة ست وثمانين.
(4)
علقمة هو اسم أبي أوفى، وقد أضيف في ط:[و] لجعله ترجمة مفردة!
(5)
التاريخ الكبير (5/ 24) والتاريخ الصغير (91).
(6)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 99).
(7)
ترجمة - هشام بن إسماعل - في طبقات ابن سعد (5/ 244) وتاريخ خليفة (289) والمعرفة والتاريخ (1/ 474) وأنساب الأشراف (3/ 302) ووفيات الأعيان (2/ 377).
على المدينة، وهو الذي ضرب سعيد بن المسيِّب كما تقدم، ثم قدم دمشق فمات بها، وهو أول من أحدث دراسة القرآن بجامع دمشق في السَّبْع.
عمير بن حكيم
(1)
، العنسي الشامي، له رواية، ولم يكن أحد في الشام يستطيع أن يعيب الحجَّاج علانية إلا هو وابن مُحيريز أبو الأبيض، قتل في غزوة طوانة من بلاد الروم في هذه السنة]
(2)
.
ثم دخلت سنة تسع وثمانين
فيها غزا مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بلاد الروم فقتلا خلقًا كثيرًا وفتحا حصونًا كثيرة، منها حصن سورية وعمورية وهرقلة وقمودية
(3)
. وغنما شيئًا كثيرًا وأسرا جمًا غفيرًا.
وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الصغد ونَسَف وكِشْ، وقد لقيه هنالك خلق من الأتراك فظفر بهم فقتلهم، وسار إلى بخارى فلقيه دونها خلق كثير من الترك فقاتلهم يومين وليلتين عند مكان يقال له خَرَّقان
(4)
، وظهر بهم فقال في ذلك نهار بن توسعة:
وباتتْ لهم منّا بِخَرقانَ لَيْلةٌ
…
ولَيَلتُنا كانتْ بِخَرقانَ أطْولا
(5)
ثم قصد قتيبة وردان خُذاه ملك بخارى فقاتله وردان قتالًا شديدًا فلم يظفر به قتيبة، فرجع عنه إلى مرو، فجاءه كتاب الحجاج يعنفه على الفرار والنكول عن العدو، وكتب إليه أن يبعث بصورة هذا البلد فبعث إليه بصورتها فكتب إليه أن ارجع إليها وتب إلى اللّه من ذنبك وائتها من مكان كذا وكذا، ورِدْ وردان خذاه، وإياك والتحويط، ودعني وبُنيَّات الطريق
(6)
.
وفي هذه السنة ولى الوليد بن عبد الملك إمرة مكة لخالد بن عبد اللّه القَسْري، فحفر بئرًا بأمر الوليد عند ثنيّة. طُوى وثنيّة الحجون، فجاءت عذبة طيبة ماؤها، وكان يستقي منها الناس. وروى الواقدي: حدثني عمر بن صالح، عن نافع مولى بني مخزوم. قال: سمعت خالد بن عبد اللّه القسري يقول على منبر مكة وهو يخطب الناس: أيها الناس! أيهما أعظم عندكم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ واللّه لو لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحًا أجاجًا، واستسقى
(1)
لم أجد له ترجمة فيما لدي من مصادر.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
في أ: قمولية؛ خطأ، والخبر في الطبري (6/ 439) وابن الأثير (4/ 535).
(4)
في الطبري وابن الأثير: خرقانة السفلى. وخرقان: بفتح أوله، وتشديد ثانيه وفتحه، وقاف في آخره نون: مدينة قرب تبريز بأذربيجان. معجم البلدان (2/ 360).
(5)
البيت في الطبري (6/ 439).
(6)
نص كتاب الحجاج في الطبري (6/ 440) وابن الأثير (4/ 535 - 536).
الخليفة فسقاه عذبًا فراتًا - يعني البئر التي احتفرها بالثنيتين ثنية طوى وثنية الحجون - فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم. قال ثم غارت تلك البئر فذهب ماؤها فلا يدرى أين هو إلى اليوم.
وهذا الإسناد غريب، وهذا الكلام يتضمن كفرًا إن صحَّ عن قائله، وعندي أن خالد بن عبد اللّه لا يصح عنه هذا الكلام، وإن صحّ فهو عدو اللّه، وقد قيل عن الحجاج بن يوسف نحو هذا الكلام من أنه جعل الخليفة أفضل من الرسول الذي أرسله الله، وكل هذه الأقوال تتضمن كفر قائلها
(1)
.
وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك
(2)
الترك حتى بلغ باب [الأبواب]
(3)
من ناحية أذربيجان، وفتح حصونًا ومدائن كثيرة هنالك.
وحج بالناس فيها عمر بن عبد العزيز. قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي
(4)
: وفي هذه السنة فتحت ميورقة ومَنورقة [وهما في البحر بين جزيرة صقلية وجزيرة الأندلس.
وفيها سيّر موسى بن نصير ولده إلى النقريس ملك الفرنج فافتتح بلادًا كثيرة]
(5)
.
وفيها توفي من الأعيان:
عبد اللّه بن بسر
(6)
بن أبي بسر المازني، له ولأبيه صحبة، والصحيح أنه توفي في التي قبلها.
عبدُ الله بن ثعلبة بن صُعَير
(7)
أحد التابعين العُذْري الشاعر، وقد قيل إنه أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومسح على رأسه
(8)
، وكان الزهري يتعلم منه النسب.
والعمال في هذه السنة هم المذكورون في التي قبلها.
(1)
قال الذهبي تعليقًا على هذه الرواية في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 69/ ص 35): ما أعتقد أن هذا وقع، والله أعلم.
(2)
في ط: قتيبة بن مسلم؛ خطأ.
(3)
زيادة من ط؛ وفي الطبري (6/ 441): حتى بلغ الباب.
(4)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 89/ ص 34).
(5)
ما بين معكوفين زيادة من ط توافق تاريخ الإسلام للذهبي.
(6)
وردت ترجمته مع وفيات السنة السابقة.
(7)
ترجمة - عبد الله بن ثعلبة - في تاريخ خليفة (302) وطبقاته (23) وتاريخ البخاري (5/ 35 - 37) والمعرفة والتاريخ (1/ 253) وأنساب الأشراف (1/ 129) والاستيعاب (2/ 271) وتاريخ دمشق (27/ 178 - 190) وأسد الغابة (3/ 128). والكامل لابن الأثير (4/ 541) وقال: صُعَير - بضم الصاد -، وفتح العين المهملتين. وتهذيب الكمال (14/ 353) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 103 - 104) وسير أعلام النبلاء (3/ 503) والوافي بالوفيات (17/ 99) والإصابة (2/ 285) وتهذيب التهذيب (5/ 165) وشذرات الذهب (1/ 352).
(8)
تاريخ البخاري (5/ 36) وتاريخ دمشق (27/ 182) وفيه: على وجهه.
ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة
فيها غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بلاد الروم؛ ففتحا حصونًا وقتلا خلقًا من الروم وغنما وأسرا خلقًا كثيرًا.
وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، وذهبوا به إلى ملكهم فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك.
وفيها عزل الوليد أخاه عبد اللّه بن عبد الملك عن إمرة مصر وولَّى عليها قُرّة بن شريك.
وفيها قَتل محمد بن القاسم ملك الهند داهر بن صصَّة
(1)
، وكان محمد بن القاسم هذا على جيش من جهة الحجاج.
وفيها فتح قتيبة بن مسلم مدينة بخارى وهزم جميع العدو من الترك بها، وجرت بينهم فصول يطول ذكرها، وقد تقصاها ابن جرير
(2)
.
وفيها طلب طرخون ملك الصغد بعد فتح بخارى من قتيبة أن يصالحه على مال يبذله في كل عام فأجابه قتيبة إلى ذلك وأخذ منه رهنًا عليه.
وفيها نقض نيزك ملك الترك الصلح الذي كان بينه وبين قتيبة، واستجاش عليه بالملوك كلها، فأتاه ملوك كثيرة كانوا قد عاهدوا قتيبة على الصلح فنقضوا كلهم وصاروا يدًا واحدة على قتيبة، واتعدوا إلى الربيع [وتعاهدوا وتعاقدوا] على أن يجتمعوا فيقاتلوا كلهم في فصل الربيع من السنة الآتية، فقتل منهم قتيبة في ذلك الحين مقتلة عظيمة جدًّا [لم يسمع بمثلها] وصلب منهم سماطين في مسافة أربع فراسخ في نظام واحد، وذلك مما كسر جموعهم كلهم
(3)
.
وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلّب وأخواه المفضل وعبد الملك من سجن الحجاج، فلحقوا بسليمان بن عبد الملك فأمنهم من الحجاج، وذلك أن الحجاج كان قد احتاط عليهم قبل ذلك وعاقبهم عقوبة عظيمة، وأخذ منهم ستة آلاف ألف، وكان أصبرهم على العقوبة يزيد بن المهلب، كان لا يسمع له صوت ولو فعلوا به ما فعلوا نكاية لذلك، فكان في ذلك بغيض الحجاج، قال قائل للحجاج: إن في
(1)
تاريخ خليفة (306) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 260) وفيه: صَصَّه بن داهر.
(2)
تاريخ الطبري (6/ 442 - 447) وجملة هذه الأخبار أيضًا في ابن الأثير (4/ 542 - 545). وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 36 - 37) باختصار.
(3)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 447) وابن الأثير (4/ 545).
ساقه أثر نشابة بقي نصلها فيه، وإنه متى أصابها شيء لا يملك نفسه أن يصرخ، فأمر الحجاج: أن ينال ذلك الموضع منه بعذاب، فصاح فلما سمعت أخته هند بنت المهلب - وكانت تحت الحجاج - صوته بكت وناحت عيه فطلقها الحجاج ثم أودعهم في السجن، ثم خرج الحجاج إلى بعض المحال لينفذ جيشًا إلى الأكراد واستصحبهم معه، فخندق حولهم ووكل بهم الحرس، فلما كان في بعض الليالي أمر يزيد بن المهلّب بطعام كثير فصنع للحرس، ثم تنكر في هيئة بعض الطباخين وجعل لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه بعض الحرس فقال: ما رأيت مشية أشبه بمشية يزيد بن المهلب من هذا، ثم اتبعه يتحققه، فلما رأى بياض لحيته انصرف عنه، ثم لحقه أخواه فركبوا السفن [وساروا نحو الشام] فلما بلغ الحجاج هربهم انزعج لذلك وذهب وهمه أنهم ساروا إلى خراسان، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ويأمرهم بالاستعداد لهم، وأن يرصدهم في كل مكان، ويكتب إلى أمراء الثغور والكور بتحصيلهم وكتب إلى أمير المؤمنين يخبره بهربهم، وأنه لا يراهم هربوا إلا إلى خراسان، وخاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع - عبد الرحمن بن محمد - بن الأشعث من الخروج عليه وجمع الناس له، وتحقق عنده قول الراهب. وأما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح وجاءته خيول كان قد أعدها له أخوه مروان بن المهلّب لهذا اليوم، فركبها وسلك به دليل من بني كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد، فأخذ بهم على السماوة، وجاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك نحو الشام، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك، وسار يزيد حتى نزل الأردن
(1)
على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي - وكان كريمًا على سليمان بن عبد الملك - فسار إليه فقال له: إن يزيد بن المهلب وأخويه في منزلي، قد جاءوا مستعيذين بك من الحجاج، قال: فاذهب فائتني بهم فهم آمنون ما دمت حيًا، فجاءهم فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك، فأمنهم سليمان وكتب إلى أخيه الوليد: إن آل المهلب قد أمنتهم، وإنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة آلاف ألف، وهي عندي. فكتب إليه الوليد: لا واللّه لا أؤمنه حتى تبعث به إليّ. فكتب إليه: لا واللّه لا أبعثه حتى أجيء معه، فأنشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرني في جواري. فكتب إليه: لا واللّه لا تجيء معه وابعث به إليّ في وثاق. فقال يزيد: ابعث بي إليه فما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربًا، فابعثني إليه وابعث معي ابنك واكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها فبعثه وبعث معه ابنه أيوب، وقال لابنه: إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة، وادخلا عليه كذلك. فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلة، قال: واللّه لقد بلغنا من سليمان. ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمّه وقال: يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك. ثم قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه: أما بعد يا أمير المؤمنين فواللّه إن كنت لأظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جواري ولا تخفره، بل لم أُجر إلا سامعًا مطيعًا، حسن البلاء
(1)
في الطبري (6/ 450) وابن الأثير (4/ 546) وسار يزيد حتى قدم فلسطين.
والأثر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثت به إليك فإن كنت إنما تعد قطيعتي وإخفار ذمتي والإبلاغ في مساءتي فقد قدرت إن أنت فعلت، وأنا أعيذك باللّه من احتراد
(1)
قطيعتي وانتهاك حرمتي، وترك بِرّي [وإجابتي إلى ما سألتك] ووصلتي، فواللّه يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك، ولا متى يفرِّق الموت بيني وبينك، فإن استطاع أمير المؤمنين أدام اللّه سروره أن لا يأتي أجل الوفاة علينا إلا وهو لي واصل ولحقي مؤدٍّ، وعن مساءتي نازع فليفعل، وواللّه يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشيء من أمر الدنيا بعد تقوى اللّه بأسرَّ مني برضاك وسرورك، وإن رضاك وسرورك أحب إليّ من رضائي وسروري، ومما ألتمس به رضوان اللّه عز وجل لصلتي ما بيني وبينك، وإن كنت يا أمير المؤمنين يومًا من الدهر تريد صلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد، وكل ما طلبته به فهو عليّ.
فلما قرأ الوليد كتابه قال: لقد شققنا على سليمان، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه، وتكلّم يزيد بن المهلّب فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثم قال: يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه، ومن يكفره فلسنا بكافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب، ما إن المنة فيه علينا عظيمة. فقال له: اجلس؛ فجلس، فأمنه وكف عنه وردَّه إلى سليمان، وكان عنده يعلِّمه الهيئة، ويصف له ألوان الأطعمة الطيبة، وكان حظيًّا عنده لا يُهدى إليه بهدية إلا أرسل له بنصفها، وتقرب يزيد بن المهلب إلى سليمان بأنواع الهدايا والتحف والتقادم، وكتب الوليد إلى الحجاج إني لم أصل إلى يزيد بن المهلب وأهل بيته مع أخي سليمان، فاكفف عنهم واله عن الكتاب إليّ فيهم. فكفّ الحجاج عن آل المهلب وترك ما كان يطالبهم به من الأموال، حتى ترك لأبي عيينة بن المهلّب ألف ألف درهم، ولم يزل يزيد بن المهلّب عند سليمان بن عبد الملك حتى هلك الحجاج في سنة خمس وتسعين، كما سيأتي، وولي يزيد بلاد العراق بعد الحجاج
(2)
.
وفيها توفي من الأعيان:
تياذوق
(3)
الطبيب
(4)
الحاذق، له مصنفات في فنه، وكان حظيًّا عند الحجّاج، مات في حدود سنة تسعين بواسط.
[وفيها توفي:
عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة
(5)
.
(1)
الاحتراد: من الحرد وهو القصد. القاموس (حرد).
(2)
ثمة بعض الخلافات اللفظية في أ آثرنا عدم الإشارة إليها لتوافق المعنى.
(3)
في ط: "يتاذوق"، محرف.
(4)
ترجمة - يتاذوق - في أخبار الحكماء للقفطي (105) طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة (1/ 121) تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 47) والوافي بالوفيات (10/ 449 - 450).
(5)
ترجمة - عبد الرحمن بن المسور - في طبقات ابن سعد (6/ 114) وتاريخ خليفة (303) وطبقاته (243) والمعرفة =
وأبو العالية الرِّياحي
(1)
.
وسِنان بن سَلَمة بن المحبَّق
(2)
، أحد الشجعان المذكورين، أسلم يوم الفتح، وتولّى غزو الهند، وطال عمره.
وتوفي في هذه السنة:
محمد بن يوسف الثقفي
(3)
أخو الحجاج، وكان أميرًا على اليمن، وكان يلعن عليًا على المنابر، قيل إنه أمر حجر المدري أن يلعن عليًا فقال: بل لعن اللّه من يلعن عليًا، ولعنة الله على من لعنه الله
(4)
. وقيل إنه ورَّى في لعنه، فاللّه أعلم]
(5)
.
خالد بن يزيد بن معاوية
(6)
، أبو هاشم الأموي الدمشقي، وكانت داره بدمشق تلي دار الحجارة،
= والتاريخ (1/ 369) والكامل في التاريخ (4/ 548) وتهذيب الكمال (17/ 402) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 131 - 132) وتهذيب التهذيب (6/ 269).
(1)
ترجمة - أبي العالية الرياحي - في طبقات ابن سعد (7/ 112) وطبقات خليفة (202) والمعرفة والتاريخ (1/ 137) ومواضع أخرى، وأنساب الأشراف (1/ 516) وحلية الأولياء (2/ 217) وتاريخ دمشق (18/ 159 و 67/ 22) وسماه: رفيع بن مهران، وتهذيبه (5/ 326) وأسد الغابة (2/ 186) وتهذيب الكمال (9/ 214) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 241) وسير أعلام النبلاء (4/ 207) والوافي بالوفيات (14/ 138) والإصابة (1/ 528) وتهذيب التهذيب (3/ 283) وشذرات الذهب (1/ 102).
(2)
ترجمة - سنان بن سلمة - في طبقات ابن سعد (7/ 124) وتاريخ خليفة (209 - 212) وطبقاته (192) والمعرفة والتاريخ (1/ 333) والاستيعاب (2/ 82) وأسد الغابة (2/ 357) وتهذيب الكمال (12/ 149) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 74 - 75) والوافي بالوفيات (15/ 461) وتهذيب التهذيب (4/ 241) والإصابة (2/ 131) وشذرات الذهب (1/ 178).
(3)
ترجمة - محمد بن يوسف الثقفي - في تاريخ خليفة (293 و 311) والمعرفة والتاريخ (1 - 68) والكامل لابن الأثير (5/ 57) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 470) وقال الذهبي: قال سعيد بن عفير: مات باليمن في رجب سنة إحدى وتسعين. والوافي بالوفيات (5/ 242).
(4)
عبارة الذهبي في تاريخ الإسلام: قال: إن الأمير أمرني أن ألعن عليًا فالعنوه. لعنه الله، فما فطن لها إلا رجلٌ. قلت: حجر المدري؛ وثقه العجلي.
وقد تحرفت المدري في ط إلى المنذري.
(5)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(6)
ترجمة - خالد بن يزيد بن معاوية - في تاريخ خليفة (259) والأخبار الطوال (285 و 325) والمعرفة والتاريخ (1/ 571) و 572) ومواضع أخرى، وأنساب الأشراف (3/ 74 و 85) وتاريخ دمشق (16/ 301) وتهذيبه (5/ 119 - 123) وأسد الغابة (2/ 97) ووفيات الأعيان (2/ 224) وتهذيب الكمال (8/ 201) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 55 - 58) وسير أعلام النبلاء (4/ 382) وتهذيب التهذيب (3/ 128) والإصابة (1/ 469) وشذرات الذهب (1/ 359).
وكان عالمًا شاعرًا، وينسب إليه شيء من علم الكيمياء
(1)
، وكان يعرف شيئًا من علوم الطبيعة، روى عن أبيه ودحية الكلبي، وعنه الزهري وغيره.
قال الزُّهري: كان خالد يصوم الأعياد كلَّها الجمعة والسبت والأحد.
وقال أبو زرعة الدمشقي: كان هو وأخوه معاوية من خيار القوم، وقد ذكر للخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد، وكان ولي العهد من بعد مروان فلم يتم له الأمر، وكان مروان زوج أمه، ومن كلامه: أقرب شيء الأجل، وأبعد شيء الأمل، وأرجى شيء العمل.
وقد امتدحه بعض الشعراء فقال:
سألت الندا والجودَ حُرّانِ أنتما
…
فقالا جميعًا
(2)
إننا لعبيدُ
فقلتُ ومن مولاكُما فتطاولا
…
عليّ وقالا خالدُ بن يزيد
(3)
قال: فأمر له بمئة ألف.
وكانت وفاته في هذا العام، وقيل في سنة أربع وثمانين وقد ذكر هناك، والصحيح الأول.
عبد اللّه بن الزَّبير
(4)
بن سُليم، الأسدي، الشاعر أبو كثير
(5)
، ويقال أبو سعيد، وهو مشهور، وفد على عبد اللّه بن الزبير فامتدحه فلم يعطه شيئًا فقال: لعن اللّه ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزُّبير: إنَّ وصاحبها، يقال إنه مات في زمن الحجاج.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين
فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه عبد العزيز بن الوليد، وفيها غزا مسلمة بلاد الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح مدائن وحصونًا كثيرة أيضًا [وكان الوليد قد عزل عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان وولاهما أخاه مسلمة بن عبد الملك]
(6)
.
(1)
قال الذهبي: ونقل ابن خلكان: أنه كان يعرف الكيمياء .. وهذا لم يصح. تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 57).
(2)
في طـ: فردا وقالا، وما أثبت يوافق المصادر.
(3)
الأبيات في تاريخ دمشق (16/ 310) ووفيات الأعيان (2/ 225) وتاريخ الإسلام (ص 57) وتهذيب تاريخ دمشق (5/ 21).
(4)
ترجمة - عبد اللّه بن الزَّبير - في طبقات خليفة (ت 2593) والأغاني (13/ 33) وتاريخ دمشق (28/ 258) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 108) وسير أعلام النبلاء (3/ 383) والوافي بالوفيات (7/ 180) وتهذيب تاريخ ابن عساكر (7/ 426).
(5)
في تاريخ الإسلام: أبو كبير.
(6)
ما بين معكوفين زيادة من طـ، وهي توافق الطبري (6/ 454) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 252).
وفيها غزا موسى بن نصير بلاد المغرب ففتح مدنًا كثيرة [ودخل في تلك البلاد وولج فيها حتى دخل أراضي غابرة قاصية فيها آثار قصور وبيوت ليس بها ساكن، ووجد هناك من آثار نعمة أهل تلك البلاد ما يلوح على سماتها أن أهلها كانوا أصحاب أموال ونعمة دارّة سائغة، فبادوا جميعًا فلا مخبر بها]
(1)
.
وفيها مهد قتيبة بن مسلم بلاد الترك الذين كانوا قد نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه من المصالحة [وذلك بعد قتال شديد وحرب يشيب لها الوليد، وذلك أن ملوكهم كانوا قد اتعدو في العام الماضي في أول الربيع أن يجتمعوا ويقاتلوا قتيبة، وأن لا يولوا عن القتال حتى يخرجوا العرب من بلادهم، فاجتمعوا اجتماعًا هائلًا لم يجتمعوا مثله في موقف، فكسرهم قتيبة] وقتل منهم أممًا كثيرة، وكسر جيوشهم، ورد الأمور إلى ما كانت عليه، حتى ذكر أنه صلب منهم في بعض الأماكن من جملة من أخذه من الأسارى سماطين طولها أربعة فراسخ من هاهنا وهاهنا، عن يمينه وشماله، صلب الرجل منهم بجنب الرجل، وهذا شيء كثير، وقتل في الكفار قتلًا ذريعًا، ثم لا يزال يتتبع نيزك خان ملك الترك الأعظم من إقليم، إلى إقليم، ومن كورة إلى كورة، ومن رستاق إلى رستاق، ولم يزل ذلك دأبه ودأبه حتى حصره في قلعة هنالك
(2)
شهرين متتابعين، حتى نفد ما عند نيزك خان من الأطعمة، وأشرف هو ومن معه على الهلاك، فبعث إليه قتيبة من جاء به مستأمنًا [مذمومًا مخذولًا] فسجنه عنده ثم كتب إلى الحجاج في أمره فجاء الكتاب بعد أربعين يومًا بقتله، فجمع قتيبة الأمراء فاستشارهم فيه فاختلفوا عليه، فقائل يقول: اقتله. وقائل يقول لا تقتله، فقال له بعض الأمراء: إنك أعطيت اللّه عهدًا لئن ظفرت به لتقتلنه، وقد أمكنك اللّه منه، فقال قتيبة: واللّه إن لم يبق من عمري إلا ما يسع ثلاث كلمات لقتلته، ثم قال: اقتلوه اقتلوه اقتلوه، فقتل هو وسبعمئة من أصحابه في غداة واحدة
(3)
.
قال الواقدي وغيره
(4)
: وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فلما اقترب قدومه إلى المدينة أمر عمر بن عبد العزيز أشراف المدينة فتلقوه فرحب بهم وأحسن إليهم، ودخل المدينة النبوية فأخلي له المسجد النبوي، فلم يبق به أحد سوى سعيد بن المسيب لم يتجاسر أحد أن يخرجه، وإنما عليه ثياب لا تساوي خمسة دراهم، فقالوا له: تنحَّ عن المسجد أيها الشيخ، فإن أمير المؤمنين
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وفي الطبري (6/ 454): وفيها غزا موسى بن نصير الأندلس، ففتح على يديه أيضًا مدائن وحصون.
(2)
سماها الذهبي: بغلان، قال ياقوت: بغلان - بفتح أوله وسكون ثانيه -، بلدة بنواحي بلخ، وظني أنها من طخارستان وهي العليا والسفلى، وهما من أنزه بلاد اللّه على ما قل لكثرة الأنهار والتفاف الأشجار. معجم البلدان (1/ 468).
(3)
تفصيل خبر نيزك وقتله في الطبري (6/ 454 - 458) وابن الأثير (4/ 549 - 552) وفي ط زيادة مفادها سرد لملاحقة قتيبة ليزك وفيها من التكرار ما لا فائدة منه، وهي لا توافق أ، ب واختصارها من المصادر فيه خلل كبير؛ فأعرضنا صفحًا عنها.
(4)
تاريخ الطبري (6/ 465).
قادم، فقال: واللّه لا أخرج منه، فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه يصلي هاهنا ويدعو هاهنا، قال عمر بن عبد العزيز: وجعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه، فحانت منه التفاتة فقال: من؟ هذا أهو سعيد بن المسيّب؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ولو علم بأنك قادم لقام إليك وسلم عليك. فقال: قد علمت حاله، وجعل يدور في المسجد ويتفرج في عمارته ويسألني عن سعيد بن المسيّب، فقلت: إنه وإنه، وقصدت موافقته في ذلك، فشرع يثني عليه. فقلت: يا أمير المؤمنين إنه ضعيف البصر - وإنما قلت ذلك لأعتذر له - فقال: نحن أحق بالسعي إليه، فجاء فوقف عليه فسلّم عليه فلم يقم له سعيد، ثم قال الوليد: كيف الشيخ؟ فقال: بخير والحمد للّه، كيف أمير المؤمنين؟ فقال الوليد: بخير والحمد للّه وحده، ثم انصرف وهو يقول لعمر بن عبد العزيز: هذا بقيَّة الناس. فقال: أجل يا أمير المؤمنين. قالوا: ثم خطب الوليد على منبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فجلس في الخطبة الأولى وانتصب قائمًا في الثانية، وقال: هكذا خطب عثمان، ثم انصرف فصرف على الناس من أهل المدينة ذهبًا كثيرًا وفضة كثيرة، ثم كسا المسجد النبوي بكسوة من كسوة الكعبة التي معه، وهي من ديباج غليظ.
وتوفي في هذه السنة:
السائب بن يزيد
(1)
بن سعيد بن ثمامة، وقد حج به أبوه مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعمره سبع سنين، رواه البخاري
(2)
. فلهذا قال الواقدي: إنه ولد سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي سنة إحدى وتسعين. وقال غيره: سنة ست وقيل ثمان وثمانين، فاللّه أعلم.
سهل بن سعد الساعدي
(3)
، صحابي مدني جليل، توفي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وله من العمر خمس عشرة سنة، وكان ممن ختمه الحجاج في عنقه هو وأنس بن مالك وجابر بن عبد اللّه في يده، ليذلّهم كيلا يسمع الناس من رأيهم، قال الواقدي: توفي سنة إحدى وتسعين عن مئة سنة، وهو آخر من مات في المدينة من
(1)
ترجمة - السائب بن يزيد - في تاريخ خليفة (280) والمعرفة والتاريخ (1/ 357 و 358) وأنساب الأشراف (3/ 7) ومواضع أخرى، والاستيعاب (2/ 576) وتاريخ دمشق (20/ 106) وتهذيبه (6/ 63) والكامل لابن الأثير (4/ 456) وأسد الغابة (2/ 257) وتهذيب الكمال (10/ 193) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - / 100 ص 363 - 366) وسير أعلام النبلاء (3/ 437) والوافي بالوفيات (15/ 104) والإصابة (2/ 12) وتهذيب التهذيب (3/ 450) وشذرات الذهب (1/ 360).
(2)
رواه البخاري في صحيحه رقم (1858) في جزاء الصيد.
(3)
ترجمة - سهل بن سعد الساعدي - في طبقات ابن سعد (5/ 150 - 151) وتاريخ خليفة (303) وطبقاته (98) وتاريخ البخاري (4/ 97 - 98) والمعرفة والتاريخ (338) والاستيعاب (2/ 95) وأسد الغابة (2/ 472) والكامل لابن الأثير (2/ 472) وتهذيب الكمال (12/ 188) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 383 - 384) وسير أعلام النبلاء (3/ 422 - 424) والوافي بالوفيات (16/ 11 - 12) وتهذب التهذيب (4/ 252 - 253) والإصابة (2/ 88) وشذرات الذهب (1/ 361).
الصحابة. قال محمد بن سعد: وليس في هذا خلاف، وقد قال البخاري وغيره: توفي سنة ثمان وثمانين، فاللّه أعلم
(1)
.
ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين
فيها غزا مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد بلاد الروم ففتحا حصونًا كثيرة وغنما شيئًا كثيرًا وهربت منهم الروم إلى أقصى بلادهم
(2)
.
وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير بلاد الأندلس في اثني عشر ألفًا، فخرج إليه ملكها أدرينوق
(3)
في جحافلة وعليه تاجه ومعه سرير ملكه، فقاتله طارق فهزمه وغنم ما في معسكره [فكان من جملة ذلك السرير] وتملك بلاد الأندلس بكمالها [قال الذهبي
(4)
: كان طارق بن زياد أمير طنجة وهي أقصى بلاد المغرب، وكان نائبًا لمولاه موسى بن نصير، فكتب إليه صاحب الجزيرة الخضراء
(5)
يستنجد به على عدوه، فدخل طارق إلى جزيرة الأندلس من زقاق سبتة وانتهز الفرصة لكون الفرنج قد اقتتلوا فيما بينهم، وأمعن طارق في بلاد الأندلس فافتتح قرطبة وقتل ملكها أدرينوق
(6)
، وكتب إلى موسى بن نصير بالفتح، فحسده موسى على الانفراد بهذا الفتح، وكتب إلى الوليد يبشره بالفتح وينسبه إلى نفسه، وكتب إلى طارق يتوعده لكونه دخل بغير أمره، ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، ثم سار إليه مسرعًا بجيوشه فدخل الأندلس ومعه حبيب بن أبي عبيدة الفهري، فأقام سنين
(7)
يفتح في بلاد الأندلس ويأخذ المدن والأموال
(8)
، ويقتل الرجال ويأسر النساء والأطفال، فغنم شيئًا لا يحد ولا يوصف ولا يعد، من
(1)
قال الذهبي في تاريخ الإسلام (ص 384): اتفقوا على أنه مات سنة إحدى وتسعين، إلا ما ذكر أبو نعيم والبخاري أنه مات سنة ثمان وثمانين.
(2)
في الطبري (6/ 468) وابن الأثير (4/ 556): وجلا أهل سوسنة إلى جوف أرض الروم.
(3)
كذا سماه الطبري (6/ 468) وفي ابن الأثير (4/ 561): الأذر يتوق، وفي العيون والحدائق (ص 3) الأذريق. وقال: إنه لقب ملوك الأندلس، كما هو لقب الأكاسرة، وفي الإمامة والسياسة (2/ 73): لذريق.
(4)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 255).
(5)
الجزيرة الخضراء: مدينة مشهورة بالأندلس، وقبالتها من البر بلاد البربر سبتة، وأعمالها متصلة بأعمال شذونة، وهي شرقي شذونة، وقبلي قرطبة ومدينتها من أشرف المدن وأطيبها أرضًا، وسورها يضرب به ماء البحر، ولا يحيط بها البحر كما تكون الجزائر، لكنها متصلة ببر الأندلس لا حائل من الماء دونها. معجم البلدان (2/ 136).
(6)
في الكامل لابن الأثير (4/ 563): أنه غرق في النهر.
(7)
في تاريخ الإسلام: سنتين.
(8)
إلى هنا ينتهي النقل من تاريخ الإسلام: وزاد الذهبي: ثم استخلف - أي موسى بن نصير - ولده عبد العزيز، ورجع بأموال عظيمة، وسار بتحف الغنائم إلى الوليد.
الجواهر واليواقيت والذهب والفضة، ومن آنية الذهب والفضة والأثاث والخيول والبغال وغير ذلك شيئًا كثيرًا، وفتح من الأقاليم الكبار والمدن شيئًا كثيرًا.
وكان مما فتح مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد من حصون بلاد الروم حصن سوسنة وبلغا إلى خليج القسطنطينية.
وفيها فتح قتيبة بن مسلم شومان وكش ونسف، وامتنع عليه أهل فرياب فأحرقها، وجهز أخاه عبد الرحمن إلى الصغد إلى طرخون خان ملك تلك البلاد، فصالحه عبد الرحمن وأعطاه طرخون خان أموالًا كثيرة، وقدم على أخيه وهو ببخارى فرجعوا
(1)
إلى مرو، ولما صالح طرخون عبد الرحمن ورحل عنه اجتمعت الصغد وقالوا لطرخون: إنك قد بؤت بالذل، وأديت الجزية، وأنت شيخ كيبر، فلا حاجة لنا فيك، ثم عزلوه وولوا عليهم غورك خان
(2)
- أخا طرخون خان - ثم إنهم عصوا ونقضوا العهد، وكان من أمرهم ما سيأتي]
(3)
.
وفيها غزا قتيبة سجستان يريد رُتبيل ملك الترك الأعظم، فلما انتهى إلى أول مملكة رتبيل تلقته رسله يريدون منه الصلح على أموال عظيمة، خيول ورقيق ونساء من بنات الملوك، يحمل ذلك إليه
(4)
، فصالحه.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة.
وتوفي فيها من الأعيان:
مالك بن أوس بن الحدثان البصري
(5)
، أبو سعيد المدني، مختلف في صحبته.
قال بعضهم
(6)
: ركب الخيل في الجاهلية ورأى أبا بكر.
(1)
في الأصل: فرجع والتصحيح من ابن الأثير.
(2)
في الطبري وابن الأثير: غوزك.
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط: والخبر بأوسع مما هنا في الطبري (6/ 461 - 464) وابن الأثير (4/ 553 - 554) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 252 - 253) ضمن أحداث سنة إحدى وتسعين.
(4)
من قوله: على أموال عظيمة
…
إلى هنا ساقط من ب، والخبر في الطبري (6/ 468) وابن الأثير (4/ 568) وليس فيهما هذه الزيادة؛ إنما قالا: تلقته رسل رتبيل بالصلح فقبل ذلك وانصرف، واستعمل عليهم عبد ربه بن عبد اللّه بن عمير اللَّيثي.
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (ص 254) بعد ذكره الخبر: فصالحه. وما زاد على ذلك.
(5)
ترجمة - مالك بن أوس - في طبقات ابن سعد (5/ 56، 57) وتاريخ خليفة (133) وطبقاته (236) وتاريخ البخاري (7/ 305) والمعرفة والتاريخ (1/ 397) والاستيعاب (3/ 382 - 383) وأسد الغابة (4/ 372) وتهذيب الكمال (27/ 121) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 464 - 465) وسير أعلام النبلاء (4/ 171 - 172) وتهذب التهذيب (10/ 10 - 11) والإصابة (3/ 339) وشذرات الذهب (1/ 362).
(6)
ذكر الذهبي هذا القول عن الواقدي.
وقال محمد بن سعد: رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ منه شيئًا، وأنكر ذلك ابن معين والبخاري وأبو حاتم، وقالوا: لا تصح له صحبة، والله أعلم.
مات في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، فاللّه أعلم.
طويس المغني
(1)
، اسمه عيسى بن عبد اللّه، أبو عبد المنعم المدني مولى بني مخزوم، كان بارعًا في صناعته، وكان طويلًا مضطربًا أحول العين، وكان مشؤومًا، لأنه ولد يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفطم يوم توفي الصديق، واحتلم يوم قتل عمر، وتزوج يوم قتل عثمان، وولد له يوم قتل الحسين بن علي، وقيل ولد له يوم قتل علي. حكاه ابن خلِّكان وغيره.
وكانت وفاته في هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة بالسويداء
(2)
، وهي على مرحلتين من المدينة.
الأخطل
(3)
، كان شاعرًا مطبقًا، فاق أقرانه في الشعر.
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين
وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك حصونًا كثيرة من بلاد الروم، منها حصن الحديد وغزالة وماسة وغير ذلك.
وفيها غزا العباس بن الوليد ففتح سَمَسْطيَّة.
وفيها غزا مروان بن الوليد الروم حتى بلغ حنجرة
(4)
.
وفيها كتب خوارزم شاه إلى قتيبة يدعوه إلى الصلح وأن يعطيه من بلاده مدائن، وأن يدفع إليه أموالًا ورقيقًا كثيرًا على أن يقاتل أخاه
(5)
ويسلمه إليه، فإنه قد أفسد في الأرض وبغى على الناس وعسفهم، وكان أخوه هذا لا يسمع بشيء حسن عند أحد إلا بعث إليه فأخذه منه، سواء كان مالًا أو نساءً أو صبيانًا أو
(1)
ترجمة - طويس المغني - في الأغاني (3/ 27 - 44) ووفيات الأعيان (3/ 506 - 507) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - / 100 ص 395) وسير أعلام النبلاء (4/ 364) والوافي بالوفيات (16/ 501) والنجوم الزاهرة (1/ 225) وشذرات الذهب (1/ 362).
(2)
في الأصل: السويد؛ خطأ، والسويداء: تصغير سوداء، موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام (3/ 286).
(3)
ترجمة - الأخطل - في طبقات الشعراء (1/ 451) وتاريخ دمشق (48/ 104) وأنساب الأشراف (1/ 70) ومواضع أخرى، ووفيات الأعيان (1/ 321) ومواضع أخرى، والمعرفة والتاريخ (2/ 596) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 284) ولم يذكر الذهبي سنة وفاته.
(4)
تاريخ الطبري (6/ 469).
(5)
سماه الطبري: خرّزاد، وكان أصغر من أخيه.
دواب أو غيره، فأقبل قتيبة - نصره - الله - في الجيوش فسلَّم إليه خوارزم شاه ما صالحه عليه، وبعث قتيبة إلى بلاد أخي خوارزم شاه جيشًا فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وأسروا أخاه ومعه أربعة آلاف أسير من كبارهم، فدفع أخاه إليه، وأمر قتيبة بالأسارى فضربت أعناقهم بحضرته، قتل ألفًا بين يديه وألفًا عن يمينه وألفًا عن شماله وألفًا من وراء ظهره، ليرهب بذلك الأعداء من الترك وغيرهم.
فتح سمرقند
ولما فرغ من هذا كله وعزم على الرجوع إلى بلاده، قال له بعض الأمراء
(1)
: إن أهل الصغد
(2)
قد أمَّنوك عامك هذا، فإن رأيت أن تعدل إليهم وهم لا يشعرون، فإنك متى فعلت ذلك أخذتها إن كنت تريدها يومًا من الدهر فقال قتيبة لذلك الأمير: هل قلت هذا لأحد؟ قال: لا! قال فلأن يسمعه منك أحد أضرب عنقك. ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم بين يديه في عشرين ألفًا فسبقه إلى سمرقند، ولحقه قتيبة في بقية الجيش، فلما سمعت الأتراك بقدومهم إليهم انتخبوا من بينهم كل شديد السَّطوة من أبناء الملوك والأمراء، وأمروهم أن يسيروا إليهم في الليل فيكبسوا جيش المسلمين، وجاءت الأخبار إلى قتيبة بذلك فجرّد أخاه صالحًا في ستمئة فارس من الأبطال الذين لا يطاقون، وقال: خذوا عليهم الطريق، فساروا فوقفوا لهم في أثناء الطريق وتفرّقوا ثلاث فوق، فلما اجتازوا بهم باللّيل - وهم لا يشعرون بهم - ثاروا عليهم فاقتتلوا هم وإياهم، فلم يفلت من أولئك الأتراك إلا النفر اليسير واحتزوا رؤوسهم وغنموا ما كان معهم من الأسلحة المحلّاة بالذهب
(3)
، والأمتعة، وقال لهم بعض أولئك: تعلمون أنكم لم تقتلوا في مقامكم هذا إلا ابن ملك أو بطل من الأبطال المعدودين بمئة فارس أو بألف فارس، فنفَّلهم قتيبة جميع ما غنموه منهم من ذهب وسلاح، واقترب قتيبة من المدينة العظيمة التي بالصغد - وهي سمرقند - فنصب عليها المجانيق - وهو مع ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه عليها من أهل بخارى وخوارزم، فقاتلوا أهل الصغد قتالًا شديدًا، فأرسل إليه غورك
(4)
ملك الصغد: إنما تقاتلني بإخوتي وأهل بيتي، فاخرج إليّ في العرب. فغضب عند ذلك قتيبة وميز العرب من العجم
(5)
، وقدّم الشجعان من العرب وأعطاهم جيّد السلاح، وانتزعه من أيدي الجبناء، وزحف بالأبطال على المدينة ورماها بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدها الترك بغرائر الدُّخن، وقام رجل منهم
(1)
سماه الطبري (6/ 472) وابن الأثير (4/ 571): المجشّرى مزاحم السُّلَمي.
(2)
في ب: السغد وكذلك في الطبري؛ ولا فرق.
(3)
في الطبري عن راوي الخبر: وسلبنا من جيد السلاح، وكريم المتاع، ومناطق الذَّهب ودوابَّ فرَّهة.
(4)
في الطبري (6/ 474): غوزك.
(5)
ليس في الطبري - والخبر منه - أن قتيبة ميز العرب من العجم، إنما قال: ميز أهل البأس، فجمعهم ثم جلس يعرضهم بنفسه .. فسمى قتيبةً الجبناء الأنتان، وأخذ خيلهم، وجيّد سلاحهم فأعطاه الشجعان والمختصرين، وترك لهم رثَّ السلاح، ثم زحف بهم ..
فوقها فجعل يشتم قتيبة فرماه رجل من المسلمين بسهم فقلع عينه حتى خرجت من قفاه. فمات بعد ذلك فأعطى قتيبة الذي رماه عشرة آلاف، ثم لما أصبحوا رماهم بالمجانيق فثلم أيضًا ثلمة وصعد المسلمون فوقها وتراموا هم وأهل البلد بالنشاب، فقالت الترك لقتيبة: ارجع عنا يومك هذا ونحن نصالحك غدًا، فرجع عنهم وصالحوه من الغد على ألفي ألف ومئة ألف يحملونها إليه في كل عام، وعلى أن يعطوه في هذه السنة ثلاثين ألف رأس من الرقيق، ليس فيهم صغير ولا شيخ ولا عيب، وفي رواية مئة ألف من رقيق
(1)
؛ وعلى أن يأخذ حلية الأصنام وما في بيوت النيران، وعلى أن يخلوا المدينة من المقاتلة حتى يبني فيها قتيبة مسجدًا، ويوضع له فيه منبر يخطب عليه، ويتغدى ويخرج. فأجابوه إلى ذلك، فلما دخلها قتيبة دخلها ومعه أربعة آلاف من الأبطال وصلى في المسجد وخطب وتغدى وأُتي بالأصنام التي لهم فسلبت بين يديه، وألقيت بعضها فوق بعض، حتى صارت كالقصر العظيم، ثم أمر بتحريقها [فتصارخوا وتباكوا]، وقال المجوس: إن فيها أصنامًا [قديمة] من أحرقها هلك، وجاء الملك غورك فنهى عن ذلك، وقال لقتيبة: إني لك ناصح فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، ثم أخذ في يده شعلة نار، وقام إليها وهو يكبر الله عز وجل، وألقى فيها النار فاحترقت، فوجد من بقايا ما كان فيها من الذهب خمسون ألف مثقال من ذهب. وكان من جملة ما أصاب قتيبة في السبي جارية من ولد يزدجرد
(2)
فأهداها إلى الحجاج، فأهداها إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد.
ثم استدعى قتيبة بأهل سمرقند فقال لهم: إني لا أريد منكم أكثر مما صالحتم عليه، ولكن الجند يقيمون عندكم من جهتنا. فانتقل عنها ملكها غورك خان فتلا قتيبة {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} الآية [النجم: 50، 51] ثم ارتحل عنها قتيبة إلى بلاد مرو، واستخلف على سمرقند أخاه عبد الله بن مسلم، وقال له: لا تدع مشركًا يدخل باب سمرقند إلا مختوم اليد، ثم لا تدعه بها إلا مقدار ما تجف طينة ختمه، فإن جفَّت وهو بها فاقتله، ومن رأيت منهم ومعه حديدة أو سكَّينة فاقتله بها وإذا أغلقت الباب فوجدت بها أحدًا فاقتله، فقال في ذلك كعب الأشقري
(3)
- ويقال هي لرجل من جعفى: -
كل يومٍ يحوي قتيبةُ نهبًا
…
ويزيدُ الأموالَ مالًا جديدا
باهليّ قد ألبسَ التاجَ حتى
…
شابَ منهُ مفارقٌ كُنَّ سُودا
دوّخَ الصُّغدَ بالكتائبِ حتى
…
تركَ الصغدَ بالعراءِ قُعُودا
فوليدٌ يبكي لفقدِ أبيهِ
…
وأبٌ موجَعٌ يُبَكي الوليدا
كلما حلَّ بلدةً أو أتاها
…
تركتْ خيلُهُ بها أُخْدودا
(4)
(1)
في الطبري (6/ 475): وأما الباهليون فيقولون: صالحه قتيبة على مئة ألف رأس.
(2)
زاد في الطبري (6/ 476): فقال - أي قتيبة - أترون ابن هذه يكون هجينًا؟ فقالوا: نعم، يكون هجينًا من قبل أبيه.
(3)
في أوحدها: الأسدي، ما هنا يوافق المصادر.
(4)
الأبيات في تاريخ الطبري (6/ 480) وفي ابن الأثير (4/ 575) دون البيت الإخير، وفي الفتوح لابن الأعثم =
وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير نائب بلاد المغرب مولاه طارقًا عن الأندلس، وكان قد بعثه إلى مدينة طليطلة ففتحها فوجد فيها مائدة سليمان بن داود عليهما السلام، وفيها من الذهب والجواهر شيء كثير جدًّا، فبعثوا بها إلى الوليد بن عبد الملك، فما وصلت إليه حتى مات وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك، فقدم بها على سليمان على ما سيأتي بيانه في موضعه
(1)
[وكان فيها ما يبهر العقول، لم ير منظر أحسن منها.
واستعمل موسى بن نصير مكان مولاه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير.
وفيها بعث موسى بن نصير العساكر وبثها في بلاد المغرب، فافتتحوا مدنًا كثيرة من جزيرة الأندلس منها قرطبة وطليطلة
(2)
، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم، ومن القرى والرساتيق شيء كثير، وكان لا يأتي مدينةً فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه، وجهز البعوث والسرايا غربًا وشرقًا وشمالًا، فجعلوا يفتتحون المغرب بلدًا بلدًا، وإقليمًا إقليمًا، ويغنمون الأموال ويسبون الذراري والنساء، ورجع موسى بن نصير بغنائم وأموال وتحف لا تحصى ولا تعد كثرة]
(3)
.
وفيها قحط أهل إفريقية وأجدبوا جدبًا شديدًا، فخرج بهم موسى بن نصير فاستسقى بهم، فما زال يدعو حتى انتصف النهار، فلما أراد أن ينزل عن المنبر قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ قال: ليس هذا الموضع موضع ذاك، فسقاهم الله مطرًا غزيرا
(4)
.
وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خُبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطًا بأمر الوليد له في ذلك، وصب فوق رأسه قربة من ماءٍ بارد، في يوم شتاءٍ بارد، وأقامه على باب المسجد يومه ذلك فمات رحمه الله.
[وكان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن، وكان إذا بُشِّر بشيء من أمر الآخرة يقول: وكيف وخبيب لي بالطريق؟ وفي رواية يقول: هذا إذا لم يكن خبيب في الطريق، ثم
= (7/ 244) قال: وقال أبياتًا مطلعها:
ألا أيهًا قتيبة غيبة
…
أبى الله إلا أن يكون مؤيدا
ولم يذكر غيره.
(1)
وهذا أحد القولين اللذين ذكرهما ابن الأثير (4/ 566).
(2)
في ط: وطنجة؛ خطأ والتصحيح من الطبري (6/ 481).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 258) نقلًا عن تاريخ خليفة (305)، وهي من الأخبار التي أوردها ابن الأثير ضمن أحداث سنة اثنتين وتسعين.
(4)
مكانها في ط: فلما قال هذه المقالة أرسل الله عليهم الغيث فأمطرًا مطرًا غزيرًا وحسن حالهم، وأخصبت بلادهم، والخبر في الطبري (6/ 481).
يصيح صياح المرأة الثَّكلى، وكان إذا أثنى عليه يقول: خبيب وما خبيب إن نجوت منه فأنا بخير. وما زال على المدينة إلى أن ضرب خبيبًا فمات فاستقال وركبه الحزن والخوف من حينئذ، وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء، وكانت تلك هفوة منه وزلَّة، ولكن حصل له بسببها خير كثير، من عبادة وبكاء وحزن وخوف وإحسان وعدل وصدقة وبر وعتق وغير ذلك
(1)
.
وفيها افتتح محمد بن القاسم - وهو ابن عم الحجاج بن يوسف - مدينة الديبُل وغيرها من بلاد الهند وكان قد ولاه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة، فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر - وهو ملك الهند - في جمع عظيم ومعه سبع وعشرون فيلًا منتخبة، فاقتتلوا فهزمهم الله وهرب الملك داهر، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلق كثير جدًّا فاقتتلوا قتالًا شديدًا فقتل الملك داهر وغالب من معه، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه. ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج وبرها ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة، من الجواهر والذهب وغير ذلك
(2)
. فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبًا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين -، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه. فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الترك، يقتل ويسبي ويغنم، حتى وصل إلى تخوم الصين، وأرسل إلى ملكه يدعوه، فخاف منه وأرسل له هدايا وتحفًا وأموالًا كثيرة هدية، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده، بحيث إن ملوك تلك النواحي كلها تؤدي إليه الخراج خوفًا منه. ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد الصين، ولم يبق إلا أن يلتقي مع ملكها، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر. ثم إن قتيبة قُتل بعد ذلك، قتله بعض المسلمين. ومسلمة بن عبد الملك بن مروان وابن أمير المؤمنين الوليد وأخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية، وبنى بها مسلمة جامعًا يعبد الله فيه، وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعبًا. ومحمد بن القاسم ابن أخي الحجاج يجاهد في بلاد الهند ويفتح مدنها في طائفة. من جيش العراق وغيرهم. وموسى بن نصير يجاهد في بلاد المغرب ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرهم. وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الإسلام وتركوا عبادة الأوثان. وقبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر وعثمان فتحوا غالب هذه النواحي ودخلوا في مبانيها، بعد هذه الأقاليم الكبار، مثل الشام ومصر والعراق واليمن وأوائل
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وأول الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 346) ترجمة خبيب بن عبد الله.
(2)
من قوله: وفيها افتتح محمد بن القاسم .. إلى هنا زيادة من ط، والخبر مطابق لما في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 257 - 258) أما الطبري وابن الأثير فذكر فتوح محمد بن القاسم سنة خمس وتسعين هجرية، وما بعد الخير زيادة من ط أيضًا ولا علاقة لها بأحداث سنة ثلاث وتسعين؛ ولفائدتها آثرنا إبقائها.
بلاد الترك، ودخلوا إلى ما وراء النهر وأوائل بلاد المغرب، وأوائل بلاد الهند. فكان سوق الجهاد قائمًا في القرن الأول من بعد الهجرة إلى انقضاء دولة بني أمية وفي أثناء خلافة بني العباس مثل أيام المنصور وأولاده، والرشيد وأولاده، في بلاد الروم والترك والهند. وقد فتح محمود سُبكتكين وولده في أيام ملكهم بلادًا كثيرة من بلاد الهند، ولما دخل طائفة ممن هرب من بني أمية إلى بلاد المغرب وتملكوها أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها. ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها فأخذ منها بلادًا كثيرة، وضعف الإسلام فيها، ثم لما استولت دولة الفاطميين على الديار المصرية والشامية، وضعف الإسلام وقلّ ناصروه، وجاء الفرنج فأخذوا غالب بلاد الشام حتى أخذوا بيت المقدس وغيره من البلاد الشامية، فأقام الله سبحانه بني أيوب مع نور الدين، فاستلبوها من أيديهم وطردوهم عنه، فلله الحمد والمنة، وسيأتي ذلك كله في مواضعه إن شاء الله تعالى
(1)
.
وفيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن إمرة المدينة، وكان سبب ذلك، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم وضيق مع الحجاج من ظلمه وغشمه، فسمع بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن عمر ضعيف عن إمرة المدينة ومكة، وهذا وهن وضعف في الولايه
(2)
، فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما. فولِّ على المدينة عثمان بن حيان، وعلى مكة خالد بن عبد الله القسري، ففعل.
فخرج عمر بن عبد العزيز من المدينة في شوال فنزل السويداء، وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة.
وحجَّ بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:
أنس بن مالك
(3)
بن النَّضْر بن زيد بن حَرام بن جُندَب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن
(1)
إلى هنا تنتهي الزيادة من ط.
(2)
العبارة في ب: إن جماعة من أهل السن في العراق قد لجأوا إلى المدينة ومكة. وفي الطبري (6/ 482): إن مَنْ قبلي من مُرّاق أهل العراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولجؤوا إلى المدينة ومكة، وإن ذلك وهن. فكتب الوليد إلى الحجاج: أن أشر عليّ برجلين ..
(3)
ترجمة - أنس بن مالك - في طبقات ابن سعد (7/ 17 - 26) وتاريخ خليفة (99 و 107 و 123) وطبقاته (91 و 186) ومعرفة الرجال (1/ 167 - 168) والمعرفة والتاريخ (1/ 506 - 508) والاستيعاب (1/ 108) وتاريخ دمشق (9/ 332 - 386) وتهذيبه (3/ 142 - 153) ومختصره (5/ 64 - 76) وأسد الغابة (1/ 127 - 129) ووفيات الأعيان (1/ 250) وتهذيب الكمال (3/ 353 - 378) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100 /ص 288 - 289) وسير أعلام النبلاء (3/ 395 - 406) والوافي بالوفيات (9/ 411 - 416) وتهذيب التهذيب (1/ 376 - 379) والنجوم الزاهرة (1/ 224) وشذرات الذهب (1/ 365).
النجار، أبو حمزة. ويقال أبو ثمامة
(1)
الأنصاري النجاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه.
وأمه أم سليم
(2)
مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري.
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث جمّة، وأخبر بعلوم مهمة، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وغيرهم.
وحدث عنه خلق من التابعين.
قال أنس: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة
(3)
.
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة قال: قيل لأنس: أشهدت بدرًا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الأنصاري: شهدها يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
(4)
. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي
(5)
: لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي.
قلت: الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المشاهد، والله أعلم.
وقد ثبت أن أمه أتت به - وفي رواية عمه زوج أمه أبو طلحة - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هذا أنس خادم لبيب يخدمك، فوهبته منه فقبله، وسألته أن يدعو له فقال؛ "اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة"
(6)
.
وثبت عنه أنه قال: كنَّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقله
(7)
كنت أجْتنيها
(8)
.
وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك.
وثبت عنه أنه قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما ضربني، ولا سبّني، ولا عبس في وجهي، ولا قال لي لشيء لم لا فعلت هكذا. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له فقال: "اللهم كثّر ماله وولده، وطوِّل حياته".
(1)
في ب: عامر.
(2)
في أ، ط: حرام؛ وما أثبت عن ب، وابن سعد (7/ 17) وتهذيب الكمال (3/ 353) والإصابة (1/ 71) وفي تاريخ الإسلام للذهبي: وأمه أم سليم وخالته أم حرام.
(3)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 110) ومسلم (2029)(125).
(4)
الخبر في تاريخ دمشق (9/ 361).
(5)
تهذيب الكمال (3/ 354).
(6)
رواه عبد بن حميد في مسنده رقم (1255). وأخرجه البخاري (6334) و (6380)، ومسلم (2480) بلفظ:"بارك له فيما أعطيته" بدل "وأدخله الجنة"، وسيعيده المصنف أيضًا.
(7)
في ط: بنخلة، تحريف، وما أثبت عن أ، ب والمصادر.
(8)
في النهاية لابن الأثير: أي كناه حمزة. والخبر أخرجه الترمذي في جامعه رقم (3830) في المناقب، وإسناده ضعيف.
وكان أنس رضي الله عنه كثير الصلاة والصيام والعبادة
(1)
.
وقد انتقل بعد النبي صلى الله عليه وسلم فسكن البصرة، وكان له بها أربع دور، وقد ناله أذى من جهة الحجّاج، وذلك في فتنة ابن الأشعث، توهم الحجاج منه أنه له مداخلة في الأمر وأفتى فيه
(2)
، فختمه الحجاج في عنقه: هذا عتيق الحجاج، وقد شكاه أنس كما قدّمنا إلى عبد الملك، فكتب إلى الحجاج يعنفه، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنسًا
(3)
.
وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته، قيل في سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني المسجد الجامع بدمشق.
قال مكحول: رأيت أنسًا يمشي في مسجد دمشق فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة فقال: لا وضوء.
وقال الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله
(4)
بن أبي المهاجر قال: قدم أنس بن مالك على الوليد فقال له الوليد: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنتم والساعة كهاتين"
(5)
.
ورواه عبد الرزاق بن عمر
(6)
عن إسماعيل قال: قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين فذكره.
وقال الزُّهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتم
(7)
. وفي رواية وهذه الصلاة قد ضُيعت - يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع - كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز أيام خلافته كما سيأتي.
وقال عبد بن حميد
(8)
، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. قال: جاءت بي أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام فقالت: يا رسول الله خويدمك أنيس فادع الله له. فقال؛ "اللهم أكثر ما له وولده وأدخله الجنة". قال: فقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة.
(1)
من قوله: وثبت عنه أنه قال
…
إلى هنا زيادة من أ وسيرد الخبر بكماله بعد قليل.
(2)
في ط: أنه له مداخلة في الأمر وأنه أفتى فيه.
(3)
الخبر ذكره الحاكم في المستدرك (3/ 574) مختصرًا، وبطوله في تاريخ دمشق (9/ 372 - 375) وتهذيبه (3/ 151 - 152).
(4)
في الأصل: إسماعيل بن عبد الله، والتصحيح من مسند أحمد.
(5)
الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 223). وهو حديث صحيح.
(6)
هو عبد الرزاق بن عمر الثقفي، ضعيف (ميزان الاعتدال 2/ 608).
(7)
تاريخ دمشق (9/ 335).
(8)
رواه عبد بن حميد في مسنده رقم (1255) وإسناده حسن.
وفي رواية: قال أنس: فوالله إن مالي لكثير حتى نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادّون على نحو المئة.
وفي رواية وإن ولدي لصلبي مئة وستة. ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ منتشرة جدًّا.
وفي رواية قال أنس: وأخبرتني بنتي آمنة أنه دفن لصلبي إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومئة
(1)
.
وقد تقصى ذلك بطرقه وأسانيده وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر
(2)
في ترجمة أنس، وقد أوردنا طرفًا من ذلك في كتاب دلائل النبوة في أواخر السيرة ولله الحمد.
وقال ثابت لأنس: هل مسّت يدُكَ كفَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نعم! قال فأعطنيها أقبلها.
وقال محمد بن سعد
(3)
، عن مسلم بن إبراهيم، عن المثنى بن سعيد الذراع
(4)
قال سمعت أنس بن مالك يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يبكي.
وقال محمد بن سعد
(5)
عن أبي نعيم عن يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو قال: كان اْنس صاحب نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم واداوته.
وقال أبو داود: حدّثنا الحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس. قال: إني لأرجو أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقول: يا رسول الله خويدمك.
وقال الإمام أحمد
(6)
: حدّثنا يونس، حدّثنا حرب بن ميمون، عن النضر بن أنس، عن أنس. قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة. قال: "أنا فاعل" قلت: فأين أطلبك يوم القيامة يا نبي الله؟ قال: "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط" قلت؛ فإذا لم ألقك؟ قال: "فأنا عند الميزان" قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: "فأنا عند الحوض لا أخطئ هذه الثلاثة المواطن يوم القيامة". ورواه الترمذي
(7)
وغيره من حديث حرب بن ميمون، أبي الخطاب الأنصاري به وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال شعبة: عن ثابت قال: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم - يعني أنس بن مالك
(8)
-.
(1)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 291).
(2)
تاريخ دمشق (9/ 346 - 353).
(3)
الطبقات الكبرى (7/ 22).
(4)
في الطبقات: الذارع.
(5)
الطبقات الكبرى (1/ 482).
(6)
مسند الإمام أحمد (3/ 178).
(7)
جامع الترمذي (2433)، وفي الباب عن عائشة عند أحمد (6/ 101) رقم (24696) فهو حديث حسن.
(8)
طبقات ابن سعد (7/ 20 - 21).
وقال ابن سيرين: كان أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر
(1)
.
وقال أنس: خذ مني فأنا أخذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل، ولست تجد أوثق مني
(2)
.
وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه سمعت أنسًا يقول: ما بقي أحد صلى إلى القبلتين غيري
(3)
.
وقال محمد بن سعد
(4)
: حدّثنا عفان، حدّثني شيخ لنا يكنى أبا جناب سمعت الجريري
(5)
يقول: أحرم أنس من ذات عرق فما سمعناه متكلمًا إلا بذكر الله عز وجل حتى أحلّ، فقال لي: يا بن أخي هكذا الإحرام.
وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: دخل علينا أنس يوم الجمعة ونحن في بعض أبيات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نتحدث فقال: مه، فلما أقيمت الصلاة قال: إني لأخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم: مه
(6)
. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا بشار بن موسى الخفّاف، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت قال: كنت مع أنس فجاءت قَهْرمانه
(7)
فقالت: يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البريّة فصلى ركعتين ثم دعا فرأيت السّحاب يلتئم ثم أمطرت حتى [خيل إلينا أنها] ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر فلم تعدُ أرضه إلا يسيرًا
(8)
.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا معاذ بن معاذ، حدّثنا ابن عون، عن محمد، قال: كان أنس إذا حدَّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الأنصاري
(9)
: عن ابن عون عن محمد قال: بعث أمير من الأمراء إلى أنس شيئًا من الفيء فقال أخُمّس؟ قال: لا، فلم يقبله.
وقال النضر بن شداد، عن أبيه: مرض أنس فقيل له ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني
(10)
.
(1)
تاريخ دمشق (9/ 362).
(2)
المصدر نفسه (9/ 363).
(3)
تاريخ دمشق (9/ 364).
(4)
الطبقات الكبرى (7/ 22) وتاريخ دمشق (9/ 366) وتهذيب تاريخ دمشق (3/ 149).
(5)
في ط الحريري - بالحاء المهملة -؛ تحريف، والجُريري وهو أبو العلاء حيَّان بن عمير، توضيح المشتبه (2/ 278).
(6)
الخبر في تاريخ دمشق (9/ 365).
(7)
القهرمان: فارسي معرب، وهو الخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده، والقائم بإدارة أمور الرجل.
(8)
تاريخ دمشق (9/ 364 - 365).
(9)
تاريخ دمشق (9/ 368).
(10)
تاريخ دمشق (9/ 368).
وقال حنبل بن إسحاق: حدّثنا أبو عبد الله الرَّقاشي، حدّثنا جعفر بن سليمان، حدّثنا علي بن زيد قال: كنت في القصر مع الحجّاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي يا خبيث، جوّال في الفتن، مرة مع علي، ومرة مع ابن الزّبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والذي نفس الحجّاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصَّمْغة، ولأجْردنك كما تجرَّد الضب. قال: يقول أنس: إياي يعني الأمير؟ قال إياك أعني، أصمّ الله سمعك، قال: فاسترجع أنس، وشُغل الحجّاج فخرج أنس فتبعناه إلى الرَّحبة، فقال: لولا أني ذكرت ولدي - وفي رواية: لولا أني ذكرت أولادي الصغار - وخفته عليهم بعدي لكلمته بكلام في مقامي هذا لا يستخفني بعده أبدا
(1)
.
وقد ذكر أبو بكر بن عيَّاش: أن أنسًا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول: واللّه لو أن اليهود والنصارى رأوا مَن خدم نبيهم لأكرموه، وأنا قد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين.
وذكر أذية الحجاج له، فلما قرأ عبد الملك كتابه حصل عنده أمر عظيم، فكتب إليه يقول: ويلك لقد خشيت أن لا يصلح على يدك أحد. وذكر له كلامًا فيه غلظة ويقول فيه: إذا جاءك كتابي فقم إلى أنس واعتذر إليه. فلما جاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة والشدة، همّ أن ينهض إليه فأشار عليه إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، الذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس، وأشار على أنس أن يبادر إلى الحجَّاج بالمصالحة [وكان إسماعيل صديق الحجاج] فجاء أنس فقام إليه الحجاج يتلقاه، وقال: إنما مثلي ومثلك: إياكِ أعني واسمعي يا جارة. أردت أن لا يبقى لأحد عليّ منطق.
وقال ابن قتيبة
(2)
: كتب عبد الملك إلى الحجاج - لما قال لأنس ما قال -: يا بن المُسْتَفْرمة بعجم الزبيب لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار جهنم، قاتلك الله أخيفش العينين، أفيتل الرَّجلين، أسود العاجزين - ومعنى قوله المُسْتَفْرمة عجم الزبيب - أي تضيق فرجها عند الجماع به، ومعنى أركلك: أي: أرفسك برجلي، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة الحجاج في سنة خمس وتسعين.
وقال أحمد بن صالح العِجْلي
(3)
: لم يبتل أحد من الصحابة إلا رجلين، معيقيب كان به الجذام، وأنس بن مالك كان به وَضح.
وقال الحميدي: عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر قال: رأيت أنسًا ياكل فرأيته يلقم لقمًا عظامًا، ورأيت به وضحًا شديدًا
(4)
.
(1)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (1/ 247) رقم (704) وفيه: لا يستعييني، وهو تحريف، والخبر أيضًا في تاريخ دمشق (9/ 372) وتهذيبه (3/ 151) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 294).
(2)
المعارف لابن قتيبة (ص 396) والخبر في الأخبار الطوال (324).
(3)
تاريخ الثقات للعجلي (1613) والخبر في تاريخ دمشق (9/ 375) وتهذيبه (3/ 153).
(4)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 295).
وقال أبو يعلى
(1)
: حدّثنا عبيد
(2)
الله بن معاذ العَنْبري، حدّثنا أبي، حدّثنا عمران عن
(3)
أيوب قال: ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد ودعا بثلاثين مسكينًا فأطعمهم. وذكره البخاري تعليقا
(4)
.
وقال شعبة: عن موسى السُّنْبُلاني قلت لأنس: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قد بقي قوم من الأعراب، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي
(5)
.
"وقيل له في مرضه: ألا ندعو لك طبيبًا؟ فقال: الطبيب أمرضني، وجعل يقول: لقِّنوني لا إله إلا الله وهو محتضر، فلم يزل يقولها حتى قبض. وكانت عنده عُصيَّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فدفنت معه
(6)
.
وقال عمر بن شبّة وغير واحد: مات وله مئة وسبع سنين
(7)
.
وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدّثنا معتمر بن سليمان، عن حميد: أن أنسًا عمّر مئة سنة غير سنة.
قال الواقدي
(8)
: وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وكذا قال علي بن المديني والفلاس وغير واحد. وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته، فقيل سنة تسعين، وقيل إحدى وتسعين، وقيل ثنتين وتسعين، وقيل ثلاث وتسعين، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور، والله أعلم.
[وقال الإمام أحمد: حدّثني أبو نعيم قال: توفي أنس بن مالك وجابر بن زيد في جمعة واحدة سنة ثلاث وتسعين].
قال قتادة: لما مات أنس قال مورَّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، قيل له وكيف ذاك يا أبا المعتمر؟ قال: كإن الرجل من أهل الأهواء إذا خالفونا في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا لهم: تعالوا إلى من سمعه منه
(9)
.
(1)
مسند أبي يعلى الموصلي (7/ 204) رقم (4194) والخبر في معجم الطبراني (1/ 244) رقم (675) وتاريخ دمشق (9/ 377) وطبقات ابن سعد (7/ 25) وإسناده منقطع.
(2)
في ط: عبد؛ تحريف، والتصويب من المصادر.
(3)
في ط: معاذ بن يزيد عن أيوب؛ خطأ، والتصويب من ب والمصادر.
(4)
ذكره البخاري معلقًا (8/ 179) في التفسير.
(5)
تاريخ دمشق (9/ 379).
(6)
تاريخ دمشق (9/ 368 و 378).
(7)
قال الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 296) عن الأنصاري: اختلف علينا مشايخنا في سن أنس رضي الله عنه، فقال بعضهم: بلغ مئة وثلاث سنين، وقال بعضهم: بلغ مئة وسبع سنين.
(8)
طبقات ابن سعد (7/ 26) وتاريخ دمشق (9/ 381).
(9)
تاريخ دمشق (9/ 386).
عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة
(1)
بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الشاعر المشهور، يقال إنه ولد يوم توفي عمر بن الخطاب، وختن يوم مقتل عثمان، وتزوج يوم مقتل علي، فاللّه أعلم، وكان مشهورًا بالتغزل المليح البليغ، كان يتغزل في امرأة يقال لها الثريا
(2)
بنت علي بن عبد الله الأموية، وقد تزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة:
أيها المُنكحُ الثريّا سُهَيْلًا
…
عَمْركَ الله كيفَ يلتقيانِ
هي شاميةٌ
(3)
إذا ما استقلَّت
…
وسُهيلٌ إذا استقلَّ يمانِ
ومن مستجاد شعره ما أورده ابن خَلكان
(4)
:
حيّ طيْفًا من الأحبةِ زارا
…
بعدما برَّحَ
(5)
الكرى السُّمَّارا
(6)
طارقًا في المنامِ بعدَ دجى اللّيـ
…
ـلِ خفيا
(7)
بأن يزورَ نهارا
قلتُ: ما بالُنا جُفينا وكنّا
…
قبلَ ذاكَ الأسماعَ والأبصارا
قال: إنا كما عهدتَ ولكنْ
…
شغل الحلي أهلُه أنْ يُعارا
بلال بن أبي الدرداء
(8)
، ولي إمرة دمشق ثم ولي القضاء بها، ثم عزله عبد الملك بأبي إدريس الخولاني. كان بلال حسن السيرة، كثير العبادة، والظاهر أن هذا القبر الذي بباب الصغير الذي يقال له قبر بلال، إنما هو قبر بلال بن أبي الدرداء، لا قبر بلال بن حمامة مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن بلالًا المؤذن دفن بداريّا، والله أعلم.
(1)
ترجمة - عمر بن أبي ربيعة - في الشعر والشعراء (457) والأغاني (1/ 30) وتاريخ دمشق (45/ 88) ووفيات الأعيان (3/ 436) وسير أعلام النبلاء (4/ 379) والنجوم الزاهرة (1/ 247) وشذرات الذهب (1/ 365).
(2)
في الوفيات (3/ 436): قال السهيلي في "الروض الأنف": هي الثريا ابنة عبد الله، ولم يذكر عليًا، ثم قال: وقتيلة ابنة النضر جدَّتها، لأنها كانت تحت الحارث بن أمية، وعبد الله ولدها وهو والد الثريا.
(3)
في الأغاني (1/ 122): ويروى: هي غورية: نسبة إلى غور الأردن بالشام بين بيت المقدس ودمشق.
(4)
الوفيات (3/ 439).
(5)
في الوفيات: صَرّع.
(6)
في أ وحدها: السَّهارى. وما أثبت كالوفيات.
(7)
في ب والوفيات: ضنينًا.
(8)
ترجمة - بلال بن أبي الدرداء - في طبقات خليفة (309) والمعرفة والتاريخ (2/ 328) وتاريخ دمشق (10/ 523) وتهذيبه (3/ 325) وتهذيب الكمال (4/ 285) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 304 - 305) وسير أعلام النبلاء (4/ 285) والوافي بالوفيات (10/ 280) وتهذيب التهذيب (1/ 502) وشذرات الذهب (1/ 101).
بسر بن سعيد
(1)
، المزني
(2)
السيد العابد الفقيه، كان من العباد المنقطعين، الزهاد المعروفين، توفي بالمدينة.
زرارة بن أوفى
(3)
بن حاجب العامري، قاضي البصرة، كان من كبار علماء أهل البصرة وصلحائها، له روايات كثيرة، قرأ مرة في صلاة الصبح سورة المدثر فلما بلغ {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)} [الأيه: 8]، خرّ ميتًا
(4)
. توفي بالبصرة وعمره نحو سبعين سنة.
خبيب بن عبد الله
(5)
بن الزُّبير، ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد له في ذلك فمات، ثم عزل عمر بعده بأيام قليلة، فكان يتأسف على ضربه له ويبكي. مات بالمدينة.
حفص بن عاصم
(6)
بن عمر بن الخطاب المدني، له روايات كثيرة، وكان من الصالحين. توفي بالمدينة.
سعيد بن عبد الرحمن
(7)
بن عتاب بن أسيد الأموي، أحد الأشراف بالبصرة، كان جوادًا ممدحًا، وهو أحد الموصوفين بالكرم، قيل إنه أعطى بعض الشعراء ثلاثين
(8)
.
(1)
ترجمة - بسر بن سعيد - في طبقات ابن سعد (5/ 281 - 282) وتاريخ خليفة (321) وطبقاته (255) والمعرفة والتاريخ (1/ 422) وتهذيب الكمال (4/ 72 - 75) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 302 - 303) وقال الذهبي: توفي سنة مئة. وسير أعلام النبلاء (4/ 594) وتهذيب التهذيب (1/ 437).
(2)
في تاريخ الإسلام: المدني.
(3)
ترجمة - زرارة بن أوفى - في طبقات ابن سعد (7/ 150) وتاريخ خليفة (227) وطبقاته (197) والمعرفة والتاريخ (1/ 217) ومواضع أخرى، وحلية الأولياء (2/ 258) وتهذيب الكمال (9/ 339) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 358) وسير أعلام النبلاء (4/ 516) والوافي بالوفيات (14/ 192) وتهذيب التهذيب (3/ 322) وشذرات الذهب (1/ 102).
(4)
رواه الترمذي رقم (445) وإسناده حسن.
(5)
ترجمة - خبيب بن عبد الله - في تاريخ خليفه (306) وطبقاته (242) والتاريخ الكبير للبخاري (3/ 208) وأنساب الأشراف (1/ 311 و 4/ 24) وتهذيب الكمال (8/ 223) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 345 - 347) والوافي بالوفيات (13/ 291) وتهذيب التهذيب (3/ 135).
(6)
ترجمة - حفص بن عاصم - في طبقات ابن سعد (7/ 117) وطبقات خليفة (246) وتاريخ البخاري (2/ 359) والمعرفة والتاريخ (1/ 349) وتهذيب الكمال (6/ 17 - 18) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 335) وسير أعلام النبلاء (4/ 196 - 197) والوافي بالوفيات (13/ 97) وتهذيب التهذيب (2/ 402).
(7)
ترجمة - سعيد بن عبد الرحمن - في نسب قريش (193) وتاريخ دمشق (21/ 181) وتهذيبه (6/ 152 - 153) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 370).
(8)
في تاريخ الإسلام: عن مصعب الزبيري: زعموا أنه أعطى شاعرًا ثلاثة آلاف دينار.
فروة بن مجاهد
(1)
، قيل إنه كان من الأبدال
(2)
، أُسر مرّة وهو في غزوة هو وجماعة معه فأتوا بهم الملك فأمر بتقييدهم وحبسهم في المكان والاحتراز عليهم إلى أن يصبح فيرى فيهم رأيه، فقال لهم فروة: هل لكم في المضي إلى بلادنا؟ فقالوا: وما ترى ما نحن فيه من الضيق؟ فلمس قيودهم بيده فزالت عنهم، ثم أتى باب السجن فلمسه بيده فانفتح، فخرجوا منه ومضوا، فأدركوا جيش المسلمين قبل وصولهم إلى البلد.
أبو الشعثاء جابر بن زيد
(3)
: كان لا يماكس في ثلاث، في الكرى إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها لتعتق، وفي الأضحية. وقال: لا تماكس في شيء يُتقرب به إلى الله.
وقال ابن سيرين: كان أبو الشعثاء مُسلِّمًا عند الدينار والدرهم
(4)
، قلت؛ كما قيل:
إني رأيتُ فلا تظنوا غيرهُ
…
أنّ التورع عندَ هذا الدرهمِ
فإذا قدرتَ عليه ثم تركتهُ
…
فاعلمْ بأن تقاكَ تقوى المسلمِ
وقال أبو الشعثاء: لأن أتصدق بدرهم على يتيم ومسكين أحب إليّ من حجة بعد حجة الإسلام.
كان أبو الشعثاء من الذين أوتوا العلم، كان يفتي في البصرة، وكان الصحابة مثل جابر بن عبد الله إذا سأله أهل البصرة عن مسأله يقول: كيف تسألونا وفيكم أبو الشعثاء
(5)
؟.
وقال له جابر بن عبد الله: يا بن زيد إنك من فقهاء البصرة وإنك ستستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت.
وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا أعلم بفتيا من جابر بن زيد
(6)
.
وقال إياس بن معاوية: أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عُمان.
وقال قتادة لما دفن جابر بن زيد: اليوم دفن أعلم أهل الأرض.
وقال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال أبو الشعثاء: كتب الحكم بن أيوب نفرًا للقضاء
(1)
ترجمة - فروة بن مجاهد - في تاريخ البخاري (7/ 127) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 452) وتهذيب التهذيب (8/ 264 - 265).
(2)
من الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (7/ 82).
(3)
ترجمة - أبي الشعثاء - في طبقات ابن سعد (7/ 179) وتاريخ خليفة (306) وطبقاته (210) وتاريخ البخاري (2/ 204) والمعرفة والتاريخ (2/ 12) وحلية الأولياء (3/ 101 - 108) وتهذيب الكمال (4/ 434) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 524 - 525) وسير أعلام النبلاء (4/ 481 - 483) وتهذيب التهذيب (2/ 38 - 39) وشذرات الذهب (1/ 364).
(4)
طبقات ابن سعد (7/ 181).
(5)
في تاريخ الإسلام: عن ابن عباس.
(6)
المعرفة والتاريخ (2/ 13) وحلية الأولياء (3/ 86) وتاريخ الإسلام (ص 524).
أنا أحدهم - أي: عمرو - فلو أني ابتليت بشيء منه لركبت راحلتي وهربت من الأرض
(1)
.
وقال أبو الشعثاء: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك.
وأخذ مرة قبضة تراب من حائط، فلما أصبح رماها في الحائط، وكان الحائط لقوم قالوا: لو كان كلما مربه أخذ منه قبضة لم يبق منه شيء.
وقال أبو الشعثاء: إذا جئت يوم الجمعة إلى المسجد فقف على الباب وقل: اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك ورغب إليك.
وقال سيار: حدّثنا حماد بن زيد، حدّثنا الحجاج بن أبي عيينة. قال: كان جابر بن زيد يأتينا في مصلّانا، قال: فأتانا ذات يوم وعليه نعلان خلقان، فقال: مضى من عمري ستون سنة نعلاي هاتان أحب إليّ مما مضى منه إلا أن يكون خير قدَّمته
(2)
.
وقال صالح الدَّهان: كان جابر بن زيد إذا وقع في يده ستوق كسره ورمى به لئلا يغر به مسلم. الستوق الدرهم المغاير أو الدغل، وقيل: هو المغشوش.
وروى الإمام أحمد: حدّثنا أبو عبد الصمد العَمِّي، حدّثنا مالك بن دينار قال: دخل عليّ جابر بن زيد وأنا أكتب المصحف فقلت له: كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء؟ قال: نِعْم الصنعة صنعتك، تنقل كتاب الله ورقة إلى ورقة، وآية إلى آية، وكلمة إلى كلمة، هذا الحلال لا بأس به
(3)
.
وقال مالك بن دينار: سألته عن قوله تعالى: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء: 75] قال ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة
(4)
{ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 75].
وقال سفيان: حدّثني أبو عمير الحارث بن عُمير قال: قالوا لجابر بن زيد عند الموت: ما تشتهي وما تريد؟ قال: نظرة إلى الحسن. وفي رواية عن ثابت قال: لما ثقل على جابر بن زيد قيل له: ما تشتهي؟ قال نظرة إلى الحسن. قال ثابت: فأتيت الحسن فأخبرته فركب إليه، فلما دخل عليه قال لأهله: أقعدوني، فجلس فما زال يقول: أعوذ بالله من النار وسوء الحساب
(5)
.
وقال حماد بن زيد: حدّثنا حجاج بن أبي عيينة قال: سمعت هندًا بنت المهلّب بن أبي صفرة - وكانت من أحسن النساء - وذكروا عندها جابر بن زيد فقالوا: إنه كان إباضيًا، فقالت: كان جابر بن
(1)
جملة هذه الأخبار في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 525).
(2)
الطبقات لابن سعد (3/ 180).
(3)
الخبر في حلية الأولياء (3/ 104).
(4)
حلية الأولياء (3/ 105).
(5)
الخبر في الطبقات (7/ 182) بأسانيد مختلفة، وحلية الأولياء (3/ 105 - 106) بالسند نفسه.
زيد أشد الناس انقطاعًا إليَّ وإلى أمي، فما أعلم عنه شيئًا، وكان لا يعلم شيئًا يقرّبني إلى الله عز وجل إلا أمرني به، ولا شيئًا يباعدني عن الله إلا نهاني عنه، وما دعاني إلى الإباضية قط ولا أمرني بها، وكان ليأمرني أين أضع الخمار - ووضعت يدها على الجبهة
(1)
. أسند عن جماعة من الصحابة، ومعظم روايته عن ابن عمر وابن عباس
(2)
.
ثم دخلت سنة أربعة وتسعين
فيها غزا العباس بن الوليد أرض الروم، فقيل إنه فتح أنطاكية
(3)
، وغزا أخوه عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزاله
(4)
، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام، وبلغ يزيد بن أبي كبشة أرض سورية. وفيها كانت الرجفة بالشام
(5)
.
[وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك سَنْدَرة من أرض الروم.
وفيها فتح الله على الإسلام فتوحات عظيمة في دولة الوليد بن عبد الملك، على يدي أولاده وأقربائه وأمرائه حتى عاد الجهاد شبيهًا بأيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه]
(6)
.
وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند
(7)
وغنم أموالًا لا تعد ولا توصف، وقد ورد في غزو الهند حديث رواه الحافظ ابن عساكر وغيره.
(1)
أورد ابن سعد في طبقاته (7/ 181) خبرين ينفيان عن جابر كونه إباضيًا، والإباضية هم أتباع عبد الله بن إباض، أحد بني مرة بن عبيدة من بني تميم، وهم فرقة من الخوارج قالت بإمامته، ثم افترقت هذه الجماعة فيما بينها فرقًا يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة برآء من الشرك والإيمان وإنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار، وهم أربع فرق: الحفصية، والحارثية، واليزيدية، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها.
الفرق بين الفرق (ص 70) و للتوسع أكثر انظر الملل والنحل للشهرستاني (1/ 134 - 137). والخبر في حلية الأولياء (3/ 106).
(2)
من أول ترجمة بلال بن أبي الدرداء .. إلى هنا ساقط من أ، ب.
(3)
الخبر في الطبري (6/ 483) وابن الأثير (4/ 578) وتاريخ خليفة (306) ورجح محقق تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 261) كونها أنطالية - باللام - حيث إن الأخيرة على الساحل، وأنطاكية قد فتحت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(4)
قال ابن الأثير في الكامل (4/ 578): غزالة من ناحية ملطية.
(5)
الخبر في الطبري (6/ 483).
(6)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 261).
(7)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 483) وابن الأثير (4/ 585) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 260) وقد أخطأ الطبري إذ قلب الاسم، والصحيح أنه محمد بن القاسم الثقفي، وتبع الطبري من أرَّخ بعده واللّه أعلم. ومحمد بن القاسم هو الذي أمّره الحجاج وعمره سبع عشرة سنة.
وفيها غزا قتيبة بن مسلم الشاش وفرغانة حتى بلغ خُجَندة وكاشان مدينتي فرغانة، وذلك بعد فراغه من الصغد وفتح سمرقند [ثم خاض تلك البلاد يفتح فيها حتى وصل إلى كابل فحاصرها وافتتحها]
(1)
وقد لقية المشركون في جموع هائلة من الترك فقاتلهم قتيبة عند خُجَنْدة فكسرهم مرارًا [وظفر بهم، وأخذ البلاد منهم، وقتل منهم خلقًا وأسر آخرين، وغنم أموالًا كثيرة جدًّا]
(2)
.
قال ابن جرير
(3)
: وقد قال سَحْبان وائل يذكر قتالهم بخُجَنْدة [التي هي قريبة من بلاد الصين أبياتًا في ذلك]:
فسلِ الفوارسَ في خجنـ
…
دةَ تحتَ مُرهَفَةِ
(4)
العوالي
هلْ كنتُ أجمعُهم
(5)
إذا
…
هُزموا وأُقدِمُ في فتالي
أمْ كنتُ أضربُ هامةَ الـ
…
عاني
(6)
وأصْبُر للنزال
(7)
هذا وأنتَ قريعُ قيـ
…
سٍ كُلِّها ضَخْمُ النَّوال
وفضلتَ قيسًا في النَّدى .... وأبوكَ في الحِجَج الخَوالي
تمّتْ مروءتُكُمْ ونا
…
غى عزَّكمْ غُلْبَ الجِبالِ
ولقد تبيَّنَ عدل
(8)
حُكـ
…
مك فيهمُ في كلِّ مالِ
هكذا ذكر ابن جرير هذا من شعر سحبان وائل في هذه الغزوة. وقد ذكرنا ما أورده ابن الجوزي في "منتظمه"
(9)
أن سَحْبان وائل مات في خلافة معاوية بن أبي سفيان بعد الخمسين، فالله أعلم.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ خليفة (306) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ص 260) ولم يذكر الطبري ولا ابن الأثير فتح كابل في هذه السنة.
(2)
مكانها في أ، ب: كل ذلك يكون الظفر له.
(3)
تاريخ الطبري (6/ 484) والأبيات أيضًا في ابن الأثير (4/ 581).
(4)
في أ وحدها: مرهفات.
(5)
في أ: أحميهم، وهي نسخة في الطبري.
(6)
في ط: العاتي، وهي نسخة في الطبري.
(7)
في الطبري وابن الأثير: للعوالي.
(8)
ساقطة من ط.
(9)
المنتظم لابن الجوزي (5/ 283).
مقتل سعيد بن جبير
(1)
رحمه الله
قال ابن جرير
(2)
: وفي هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، وكان سبب ذلك أن الحجّاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رُتبيل ملك الترك، فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير، فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه، فلما سمع بذلك سعيد هرب منها، ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج، ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القَسْري، فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها، فقال سعيد: واللّه لقد استحييت من الله مما أفر ولا مفر من قدره؟ وتولى على المدينة عثمان بن حيَّان بدل عمر بن عبد العزيز، فجعل يبعث مَنْ بالمدينة من أهل
(3)
العراق إلى الحجاج في القيود، فتعلّم منه خالد بن عبد الله القسري فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، وطلق بن حبيب.
ويقال: إن الحجاج أرسل إلى الوليد يخبره أن بمكة أقوامًا من أهل الشقاق، فبعث خالد بهؤلاء إليه ثم عفا عن عطاء وعمرو بن دينار لأنهما من أهل مكة وبعث بأولئك الثلاثة، فأما طلق بن حبيب فمات في الطريق قبل أن يصل، وأما مجاهد فحبس فما زال في السجن حتى مات الحجاج، وأما سعيد بن جبير فلما أوقف بين يديه قال له: يا سعيد ألم أشركك في أمانتي! ألم أستعملك؟ ألم أفعل ألم أفعل؟ كل ذلك يقول: نعم، حتى ظن من عنده أنه سيخلي سبيله، حتى قال له: فما حملك على الخروج عليَّ وخلعت بيعة أمير المؤمنين؟ فقال سعيد: إن ابن الأشعث أخذ مني البيعة على ذلك وعزم عليّ، فغضب عند ذلك الحَجّاج غضبًا شديدًا، وانتفخ حتى سقط طرف ردائه عن منكبه، وقال له: ويحك ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: بلى، قال: ثم قدمت الكوفة واليًا على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية؟ قال: بلى، قال فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك؟ يا حرسي اضرب عنقه. قال: فضربت عنقه فبدر رأسه عليه لاطئة صغيرة بيضاء.
وقال الواقدي: لما أُوقف سعيد بن جبير قدَّام الحجاج قال: يا شقي بن كسير أما قدمت الكوفة
(1)
ترجمة - سجد بن جبير - في الطبقات لابن سعد (6/ 256 - 267) وتاريخ خليفة (307) وطبقاته (280) وتاريخ البخاري (3/ 461) والمعرفة والتاريخ (1/ 712 - 713) وحلية الأولياء (4/ 272 - 309) ووفيات الأعيان (2/ 371 - 374) وتهذيب الكمال (10/ 358) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 366 - 376) وسير أعلام النبلاء (4/ 322 - 343) والوافي بالوفيات (206/ 15 - 208) وتهذيب التهذيب (4/ 11 - 14) والنجوم الزاهرة (1/ 228).
(2)
تاريخ الطبري (6/ 487) وقد ذكره الذهبي ضمن وفيات سنة خمس وتسعين.
(3)
مكانها في ط: من أصحاب ابن الأشعت.
فجعلتك إمامًا؟ قال: بلى. قال: أما وليتك القضاء فضج أهل الكوفة أنه لا يصلح للقضاء إلا عربي، فجعلت أبا بردة وأمرته أن لا يقطع أمرًا دونك؟ قال: بلى. قال: أما أعطيتك مئة ألف تفرقها على أهل الحاجة؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك عليَّ؟ قال: بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث. فغضب الحجاج وقال: أما كانت بيعة أمير المؤمنين في عنقك من قبل؟ ثم قال: أكفرت إذ خرجت عليَّ؟ فقال: ما كفرت منذ آمنت. فقال: اختر أي قتلة أقتلك. فقال: اختر أنت، فإن القصاص أمامك. فقال الحجاج: يا حرسي اضرب عنقه، وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين بواسط، وقبره ظاهر يزار. ولما قتله خرج منه دم كثير حتى راع الحجاج، فدعا طبيبًا فسأله عن ذلك فقال: إنك قتلته ونفسه معه وقلبه حاضر.
وقيل: إن الحجاج رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلي بكل رجل قتلته قتلة، وقتلني بسعيد بن جبير اثنين وسبعين قتلة، والله أعلمَ
(1)
.
قال ابن جرير
(2)
: فحُدِّثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل قال: سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال: لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فَنَدَر رأسه هلَّل ثلاثًا، مرة يفصح بها، وفي الثَّنتين يقول مثل ذلك لا يفصح بها.
وذكر أبو بكرة الباهلي
(3)
قال: سمعت أنس بن أبي شيخ يقول: لما أُتي الحجاج بسعيد بن جبير قال: لعن الله ابن النصرانية - يعني خالد القسري، وكان هو الذي أرسل به من مكة - أما كنت أعرف مكانه؟ بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة، ثم أقبل عليه فقال: يا سعيد ما أخرجك عليّ؟ فقال: أصلح الله الأمير، أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب أخرى، فطابت نفس الحجاج وانطلق
(4)
وجهه، ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره، ثم عاوده في شيء فقال سعيد؛ إنما كانت بيعة في عنقي؛ فغضب عند ذلك الحجاج فكان ما كان من قتله.
وذكر عتاب بن بشر
(5)
، عن سالم الأفطس قال: أُتي الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رجليه في الغرز، فقال: والله لا أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار، اضربوا عنقه، فضربت عنقه. قال: والتبس الحجاج في عقله مكانه، فجعل يقول: قيودُنا قيودُنا، فظنوا أنه يريد القيود التي على سعيد، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود.
(1)
من قوله: وقال الواقدي .. إلى هنا زيادة من أ، والخبر بنصه في وفيات الأعيان (2/ 373) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 367 - 368) وسير أعلام النبلاء (4/ 328) والوافي بالوفيات (15/ 207).
(2)
تاريخ الطبري (6/ 489).
(3)
المصدر السابق.
(4)
في الطبري (6/ 489): وتطلَّق.
(5)
تاريخ الطبري (6/ 490).
وقال محمد بن حاتم
(1)
: ثنا عبد الملك بن عبد الله [عن هلال]، بن خَبَّاب، قال: جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال: أكتبت إلى مصعب بن الزبير؟ فقال: بلى كَتَبَ إليَّ مصعب، قال: لا والله لأقتلنك قال: إني إذًا لسعيد كما سمتني أمي. قال فقتله، فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يومًا، وكان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ويقول: يا عدو الله فيما قتلتني؟ فيقول الحجاج: ما لي ولسعيد بن جُبير، ما لي ولسعيد بن جُبير؟.
قال ابن خلكان
(2)
: كان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولى بني والبة
(3)
كوفيًا أحد الأعلام من التابعين، وكان أسود اللَّون، وكان لا يكتب على الفتيا، فلما عمي ابن عباس كتب، فغضب ابن عباس من ذلك، وذكر مقتله كنحو ما تقدم، وذكر أنه كان في شعبان، وأن الحجاج مات بعده في رمضان، وقيل قبل بستة أشهر.
وذكر عن الإمام أحمد
(4)
أنه قال: قتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج - أو قال مفتقر - إلى علمه.
ويقال إن الحجاج لم يُسلَّط بعده على أحد، وسياْتي في ترجمة الحجاج أيضًا شيء من هذا.
قال ابن جرير
(5)
: وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء، لأنه مات فيها عامة فقهاء المدينة، مات في أولها علي بن الحسين [زين العابدين] ثم عروة بن الزبير، ثم سعيد بن المسيّب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام [وسعيد بن جبير من أهل مكة]
(6)
.
وقد ذكرنا تراجم هؤلاء في كتابنا "التكميل"
(7)
، وسنذكر طرفًا صالحًا هاهنا إن شاء الله تعالى.
قال ابن جرير: واستقضى الوليد بن عبد الملك في هذه السنة على الشام سليمان بن حبيب
(8)
وحج بالناس فيها العباس
(9)
بن الوليد، ويقال مسلمة بن عبد الملك.
(1)
المصدر نفسه.
(2)
وفيات الأعيان (2/ 371).
(3)
بنو والبة بن الحارث من بني أسد بن خزيمة. وانظر معجم القبائل العربية لكحالة.
(4)
وفيات الأعيان (2/ 374) وأيضًا في تاريخ الإسلام (حوادث سنة اول - 100/ ص 368) وسير أعلام النبلاء (4/ 325) ولكن ليس الخبر عن الإمام أحمد.
(5)
تاريخ الطبري (6/ 491).
(6)
الزيادة من ط.
(7)
القول لابن كثير رحمه الله، وقد سبق أن عرّفنا بكتابه التكميل.
(8)
في ط: صرد، وما أثبت موافق للطبري وابن الأثير.
(9)
كذا في الأصول الثلاثة، وساق الطبري عدة روايات يظهر الاختلاف فيمن حج بالناس تلك السنة. أما الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 261) فذكر: مسلمة بن عبد الملك.
وكان على نيابة مكة خالد بن عبد الله القسري، وعلى المدينة عثمان بن حيّان، وعلى المشرق بكماله الحَجَّاج، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى الكوفة من جهة الحجاج زياد بن جرير، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى، وعلى إمرة البصرة من جهة الحجاج الجرّاح بن عبد الله الحَكَمي، وعلى قضائها عبد الله
(1)
بن أذينة، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
ذكر من توفي فيها من المشاهير والأعيان
سعيد بن جبير بن هشام الأسدي
(2)
الوالبي مولاهم أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، الكوفي المكي، من أكابر أصحاب ابن عباس، كان من أئمة الإسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم، وكثرة العمل الصالح، رحمه الله، وقد رأى خلقًا من الصحابة، وروى عن جماعة منهم، وعنه خلق من التابعين وغيرهم، يقال إنه كان يقرأ القرآن فيما بين المغرب والعشاء ختمة تامة، وكان يقعد في الكعبة القعدة فيقرأ فيها الختمة، وربما قرأها في ركعة في جوف الكعبة.
وقد قال ابن عباس - وقد أتاه أهل الكوفة يسألونه -: أليس فيكم سعيد بن جبير
(3)
.
وقال سفيان الثوري عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه
(4)
.
وكان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، فلما ظفر [الحجاج] هرب سعيد إلى أصبهان، ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين، مرة للعمرة ومرة للحج، وربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدَّث بها، وكان بخراسان يتحزن
(5)
لأنه كان لا يسأله أحد عن شيء من العلم هناك، كان يقول: إن مما يهمني ما عندي من العلم، وددت أن الناس أخذوه. واستمر في هذا الحال مختفيًا من الحجاج قريبًا من ثنتي عشرة سنة، ثم أرسله خالد القَسْري من مكة إلى الحجاج وكان من مخاطبته له ما ذكرناه قريبًا.
وقال أبو نعيم في كتابه الحلية
(6)
: حدّثنا أبو حامد بن جَبَلة، حدّثنا محمد بن إسحاق، حدّثنا
(1)
في الطبري: عبد الرحمن، وذكر ابن حجر في تقريب التهذيب في ترجمة عبد الرحمن بن أذينة: قاضي البصرة. وَهمَ مَنْ ذكره في الصحابة.
(2)
تقدم ذكر مصادر ترجمته في أول هذه السنة.
(3)
الخبر والذي قبله في الطبقات لابن سعد (6/ 257).
(4)
الطبقات الكبرى (6/ 266) وحلية الأولياء (4/ 273) وفيات الأعيان (2/ 374) وسير أعلام النبلاء (4/ 325).
(5)
في ط: لا يتحدث.
(6)
حلية الأولياء (4/ 291).
محمد بن أحمد بن أبي خلف، حدّثنا سفيان
(1)
، عن سالم بن أبي حفصة. قال: لما أُتي بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له: أنت الشقي بن كسير؟ قال: لا! إنما أنا سعيد بن جبير، قال لأقتلنك، قال: أنا إذًا كما سمتني أمي سعيدًا! قال شقيت وشقيت أمك، قال: الأمر ليس إليك. ثم قال: اضربوا عنقه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، قال: وجَّهوه إلى قبلة النصارى، قال:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] قال: إني أستعيذ منك بما استعاذت به مريم، قال: وما عاذت به؟ قال: قالت {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] قال سفيان: لم يقتل بعده إلا واحدًا.
[وفي رواية أنه قال له: لأبدلنك بالدنيا نارًا تَلَظَّى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلَهًا.
وفي رواية أنه لما أراد قتله قال: وجِّهوه إلى قبلة النصارى، فقال:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فقال: اجلدوا به الأرض، فقال:{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] فقال: اذبح فما أنزعه لآيات الله منذ اليوم. فقال: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي. وقد ذكر أبو نعيم هنا كلامًا كثيرًا في مقتل سعيد بن جبير، أحسنه هذا، واللّه أعلم]
(2)
.
وقد ذكرنا صفة مقتله إياه، وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله، أكثرها لا يصح، وقد عوجل الحجاج، فلم يلبث بعده إلا قليلًا ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما سنذكر وفاته في السنة الآتية، فقيل إنه مكث بعده خمسة عشر يومًا، وقيل أربعين يومًا، وقيل ستة أشهر، واللّه أعلم. وتنغصت به على الحجاج حياته في يقظته ومنامه.
واختلفوا في عمر سعيد بن جبير رحمه الله حين قتل، فقيل تسعًا وأربعين سنة
(3)
، وقيل سبعًا وخمسين، فالله أعلم. قال أبو القاسم اللالكائي: كان مقتله في سنة خمس وتسعين، وذكر ابن جرير مقتله في هذه السنة - سنة أربع وتسعين - فالله أعلم.
[قلت: هاهنا كلمات حسان من كلام سعيد بن جبير أحببت أن أذكرها. قال: إن أفضل الخشية أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته، وتحملك على طاعته، فتلك هي الخشية النافعة. والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكرٍ له، وإن كثر منه التسبيح وتلاوة القرآن.
قيل له: من أعبد الناس؟ قال: رجل اقترف من الذنوب، فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله.
وقال له الحجاج: ويلك! فقال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار، فقال: اضربوا عنقه، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة فأنا
(1)
في ط: شعبان؛ تحريف.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي موافقة للمصادر.
(3)
طبقات ابن سعد (6/ 266).
خصمك عند الله، فذبح من قفاه، فبلغ ذلك الحسن فقال: اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود فأنتن منه فمات.
وقال سعيد للحجاج لمَّا أمر بقتله وضحك فقال له: ما أضحكك؟ فقال: أضحك من غيراتك عليّ وحلم الله عنك]
(1)
.
سعيد بن المسّيب
(2)
بن حَزْن بن أَبي وهب
(3)
مِن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي أبو محمد المدني المخزومي، سيد التابعين على الإطلاق.
ولد لسنتين مضتا وقيل بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل لأربع مضين منها.
وقول الحاكم أبي عبد الله إنه أدرك العشرة وهمٌ منه والله أعلم. ولكن أرسل عنهم كما أرسل كثيرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن عمر كثيرًا، فقيل سمع منه، وعن عثمان، وعلي، وسعيد، وأبي هريرة، وكان زوج ابنته
(4)
، وأعلم الناس بحديثه، وروى عن جماعة من الصحابة، وحدَّث عن جماعة من التابعين، وخلق ممن سواهم.
قال ابن عمر: كان سعيد أحد المتقنين
(5)
.
وكان أعلم أهل الأرض كلها في زمانه، وكان يسرد الصوم.
وقال عن نفسه: أنه ما فاتته التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة وحج أربعين حجة
(6)
.
وقال الزّهري: جالسته سبع حجج وأنا لا أظن عند أحد علمًا غيره
(7)
.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وجملة الكلام في صفة الصفوة لابن الجوزي (3/ 79 - 82).
(2)
ترجمة - سعيد بن المسيب - في طبقات ابن سعد (5/ 119 - 143) وتاريخ خليفة (134 و 265 و 289) وطبقاته (244) والمعرفة والتاريخ (1/ 468) وحلية الأولياء (2/ 161) وتاريخ البخاري (3/ 510) وصفة الصفوة (2/ 8279) ووفيات الأعيان (2/ 375 - 378) وتهذيب الكمال (11/ 212) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 371 - 376) وسير أعلام النبلاء (4/ 217 - 246) والوافي بالوفيات (15/ 262) وتهذيب التهذيب (4/ 84 - 88) وشذرات الذهب (1/ 370).
وضبطه ابن خلكان بـ المسيَّب - بفتح الياء المشددة المثناة من تحتها أو كسرها - والفتح هو المشهور. ونقل عن سعيد أنه كان يقول: سيَّب الله من سيَّب أبي.
(3)
في طبقات ابن سعد (5/ 119): وهب بن عمرو بن عائذ.
(4)
وفيات الأعيان (2/ 275) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 373).
(5)
في أ، ب: المتقين، وفي السير وتاريخ الإسلام: المفتين. وما أثبت من ط، وتهذيب الكمال وتهذيب التهذيب.
(6)
من قوله: وكان أعلم أهل .. إلى هنا زيادة من أ، والخبر في حلية الأولياء (2/ 164) وسير أعلام النبلاء (4/ 222).
(7)
السير (4/ 222) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 372).
وقال محمد بن إسحاق: عن مكحول قال: طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب
(1)
.
وقال الأوزاعي: سُئل الزُّهري ومكحول من أفقه من لقيتما؟ قالا: سعيد بن المسيب.
وقال غيره: كان يقال له: فقيه الفقهاء.
وقال قتادة: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه.
وكان الحسن إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيّب
(2)
وقال مالك: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد
(3)
.
قال مالك: وبلغني أن ابن عمر كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا عمر وأحكامه
(4)
.
وقال الربيع عن الشافعي أنه قال: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن
(5)
.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: هي صحاح. قال: وسعيد بن المسيب أفضل التابعين
(6)
.
قال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به، وهو عندي أجلّ التابعين
(7)
.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كان سعيد رجلًا صالحًا فقيهًا، كان لا يأخذ العطاء، وكانت له بضاعة أربعمائة دينار، وكان يتَّجر في الزيت، وكان أعور
(8)
.
وقال أبو زرعة: كان مدنيًا ثقة إمامًا.
وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه، وهو أثبتهم في أبي هريرة.
قال الواقدي
(9)
: توفي في سنة الفقهاء، وهي سنة أربع وتسعين، عن خمس وسبعين سنة، رحمه الله.
(1)
المصدر السابق.
(2)
من قوله: وقال قتادة .. إلى هنا زيادة من أ، ب.
(3)
تذكرة الحفاظ (1/ 55).
(4)
طبقات ابن سعد (5/ 122) وسير أعلام النبلاء (4/ 225).
(5)
تهذيب الأسماء واللغات للنووي (1/ 221).
(6)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 373).
(7)
المصدر نفسه.
(8)
تذكرة الحفاظ للذهبي (1/ 54).
(9)
الطبقات الكبرى (5/ 143).
[وكان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه، وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا، والكلام فيما لا يعني، ومن أكثر الناس أدبًا في الحديث.
جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدّثه ثم اضطجع، فقال الرجل: وددت أنك لم تتعنّ، فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع.
وقال بُرد مولاه: ما نوي للصّلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد.
وقال ابن إدريس: صلّى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة. وقال سعيد: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة.
وقال: ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء.
وقال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت أنفسها إلا بمعصية الله تعالى.
وقال: كفى بالمرء نصرة من الله له أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله.
وقال: من استغنى باللّه افتقر الناس إليه.
وقال: الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها من غير وجهها ووضعها في غير سبيلها.
وقال: إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه.
وقال: من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.
وقد زوّج سعيد بن المسيّب ابنته على درهمين لكثير
(1)
بن أبي وداعة - وكانت من أحسن النساء وأكثرهم أدبًا وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق الزوج - وكان فقيرًا، فأرسل إليه بخمسة آلاف، وقيل: بعشرين ألفًا، وقال: استنفق هذه. وقصته في ذلك مشهورة، وقد كان عبد الملك خطبها لابنه الوليد فأبى سعيد أن يزوجه بها، ولما جاءت بيعة الوليد إلى المدينة في أيام عبد الملك، ضربه نائبه على المدينة هشام بن إسماعيل وأطافه المدينة، وعرضوه على السيف فمضى ولم يبايع، فلما رجفوا به رأته امرأة فقالت: ما هذا الخزي يا سعيد؟ فقال: مِن الخزي فررنا إلى ما ترين، أي لو أجبناهم وقعنا في خزي الدنيا والآخرة. وكان يجعل على ظهره إهاب الشاة، وكان له مال يتَّجر فيه ويقول: اللهم إنك تعلم أني لم أمسكه بخلًا ولا حرصًا عليه، ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بني مروان حتى ألقى الله فيحكم فيّ وفيهم، وأصل منه
(1)
في طبقات ابن سعد: زوجها من ابن أخيه، وفي الوفيات لابن خلكان (2/ 376): زوَّجها من أبي وداعة.
رحمي، وأؤدي منه الحقوق التي فيه، وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار. واللّه سبحانه وتعالى أعلم]
(1)
.
طلق بن حبيب العنزي
(2)
، تابعي جليل، روى عن أنس وجابر وابن الزبير وابن عباس، وعبد الله بن عمر وغيرهم، وعنه حميد الطويل والأعمش وطاووس، وهو من أقرانه.
وأثنى عليه عمرو بن دينار، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة، ولكن تكلّموا فيه من جهة أنه كان يقول بالإرجاء.
وقد كان ممن خرج مع ابن الأشعث.
وكان يقول: تقووا بالتقوى، فقيل له: صف لنا التقوى، فقال: التقوى هي العمل بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء رحمة الله، وترك معصية الله على نورٍ من الله مخافة عذاب الله.
وقال أيضًا: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، أو يقوم بشكرها العباد، ولكن أصبحوا تائبين [وأمسوا تائبين.
وكان طلق لا يخرج إلى صلاة إلا ومعه شيء يتصدق به، وإن لم يجد إلا بصلًا، ويقول: قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12] فتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الله أعظم وأعظم]
(3)
.
قال مالك: قتله الحجاج وجماعة من القراء منهم سعيد بن جبير
(4)
.
وقد ذكر ابن جرير
(5)
فيما سبق أن خالد بن عبد الله القسري بعث من مكة ثلاثة إلى الحجاج، وهم مجاهد، وسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، فمات طلق في الطريق وحبس مجاهد، وكان من أمر سعيد ما كان، واللّه أعلم.
عروة بن الزبير بن العوام
(6)
، القرشي الأسدي أبو عبد الله المدني، تابعي جليل، روى عن أبيه وعن
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والكلام بجملته موافق لما في صفة الصفوة (2/ 80 - 81) ووفيات الأعيان (2/ 375 - 377) وغيرهما.
(2)
ترجمة - طلق بن حبيب - في طبقات ابن سعد (7/ 227) وطبقات خليفة (242) وتاريخ البخاري (4/ 359) وحلية الأولياء (3/ 63) وتهذيب الكمال (12/ 451) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 101 - 120/ ص 121 - 122) وسير أعلام النبلاء (4/ 601 - 603) وتهذيب التهذيب (5/ 31).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(4)
ذكره الذهبي في السير (4/ 602) وقال: لم يصح.
(5)
تاريخ الطبري (6/ 488).
(6)
ترجمة - عروة بن الزبير - في طبقات ابن سعد (5/ 178 - 182) وتاريخ خليفة (156) وطبقاته (241) وتاريخ البخاري (7/ 231 - 232) والمعرفة والتاريخ (1/ 364 - 551) وتاريخ دمشق (40/ 237 - 286) ووفيات الأعيان =
العبادلة ومعاوية والمغيرة وأبي هريرة، وأمه أسماء، وخالته أم المؤمنين عائشة، وأم سلمة. وعنه جماعة من التابعين، وخلق ممن سواهم.
قال محمد بن سعد: كان عروة ثقة كثير الحديث عالمًا مأمونًا ثبتًا.
وقال العجلي
(1)
: مدني تابعي رجل صالح لم يدخل في شيء من الفتن.
وقال الواقدي
(2)
: كان فقيهًا عالمًا حافظًا ثبتًا حجة عالمًا بالسير، وهو أول من صنف المغازي، وكان من فقهاء المدينة المعدودين، ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه، وكان أروى الناس للشعر.
وقال ابنه هشام: قال أبي: العلم لواحد من ثلاثة، لذي حسب يزين به حسبه، أو ذي دين يسوس به دينه، أو مختلط بسلطان يتحفه بعلمه
(3)
.
وقال: ولا أعلم أحدًا اشترطه لهذه الخصال الثلاث إلا عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز.
وكان عروة يقرأ كل يوم ربع القرآن ويقوم به في اللّيل، وكان أيام الرُّطَب يثلم حائطه للناس فيدخلون فيأكلون ويحملون، فإذا ذهب الرطب أعاده
(4)
.
وقال الزُّهري: كان عروة بحرًا لا ينزف ولا تكدِّره الدِّلاء
(5)
.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أحد أعلم من عروة وما أعلمه يعلم شيئًا أجهله
(6)
.
وقد ذكره غير واحد من فقهاء المدينة السبعة الذين ينتهى إلى قولهم، وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم في زمن ولايته على المدينة
(7)
.
وقد ذكر غير واحد أنه وفد على الوليد بدمشق، فلما رجع أصابته في رجله الأكلة فأرادوا قطعها، فعرضوا عليه أن يشرب شيئًا يغيب عقله حتى لا يحس بالألم ويتمكنوا من قطعها، فقال: ما ظننت أن
= (3/ 255 - 258) وحلية الأولياء (2/ 176 - 182) وتهذيب الكمال (20/ 11) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 424 - 429) وسير أعلام النبلاء (4/ 421 - 437) وتهذيب التهذيب (7/ 180 - 185) وشذرات الذهب (1/ 372).
(1)
تاريخ الثقات للعجلي (ص 331) الترجمة رقم (1121).
(2)
طبقات ابن سعد (5/ 179).
(3)
مكانها في ط: يتحفه بنعمه، ويتخلص منه بالعلم، فلا يقع في هلكة.
(4)
حلجة الأولياء (2/ 178 - 180) وتاريخ ابن عساكر (40/ 259).
(5)
تاريخ دمشق (40/ 253) والمعرفة والتاريخ (1/ 552).
(6)
تاريخ دمشق (40/ 249) وسير أعلام النبلاء (4/ 425).
(7)
تاريخ دمشق (40/ 250).
أحدًا يؤمن باللّه يشرب شيئًا يغيب عقله حتى لا يعرف ربه عز وجل، ولكن هلموا فاقطعوها فقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم، ولا يعرف أنه أنّ.
وروي أنهم قطعوها وهو في الصلاة فلم يشعر لشغله بالصلاة، فاللّه أعلم.
ووقع في هذه الليلة التي قطعت فيها رجله بنيٌّ له يسمى محمدًا كان أحب أولاده من سطح فمات، فدخلوا عليها فعزَّوه فيه، فقال: اللهم لك الحمد.، كانوا سبعة فأخذت واحدًا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا واْبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت
(1)
.
فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما أعطيت.
وقيل: إنه لما رأى رجله المقطوعة في الطست قال: الله أعلم أني ما مشيت بها إلى معصية قط
(2)
.
[قلت: قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجهًا إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة وكان مبدؤها هناك، فظن أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلها إلى وركه. وربما ترقت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها وقالوا له: ألا نسقيك مرقدًا
(3)
حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بالم النشر؟ فقال: لا! والله ما كنت أظن أن أحدًا يشرب شرابًا أو يأكل شيئًا يذهب عقله، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإني لا أحس بذلك، ولا أشعر به. قال: فنشروا رجله من فوق الأكلة، من المكان الحي، احتياطًا أنه لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلي، فما تضوّر ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت. قال: وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد، وكان أحبهم إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات، فأتوه فعزوه فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحدًا وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت. فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، قال: فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى، فلما كان في المكان الذي أصابته الأكلة فيه قال:{لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62] فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلّمون عليه ويعزونه في رجله وولده، فبلغه أن
(1)
تاريخ دمشق (40/ 262) وسير أعلام النبلاء (4/ 430).
(2)
من قوله: فلك الحمد على .. إلى هنا ساقط من ط.
(3)
المرقّد: شيء يُشرب فينوِّم من يشربه ويرقِّده. القاموس (رقد).
بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه. فأنشد عروة في ذلك والأبيات لمعن بن أوس:
لعمركَ ما أهويتُ كفي لريبةٍ
…
ولا حملتني نحو فاحشة رِجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها
…
ولا دلَّني رأيي عليها ولا عقلي
ولست بماشٍ ما حييتُ لمنكرٍ
…
منَ الأمرِ لا يمشي إلى مثلهِ مثلي
ولا مؤثرٌ نفسي على ذي قرابةٍ
…
وأوثر ضيفي ما أقامَ على أهلي
وأعلمُ أني لم تصبني مصيبةٌ
…
من الدهر إلّا قدْ أصابتْ فتى مثلي
(1)
وفي رواية: اللهم إنه كان لي بنون أربعة فأخذت واحدًا وأبقيت ثلاثة. كذا ذكر هذا الحديث فيه هشام.
وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة الأكلة فقطعت ولم يمسكه أحد، ولم يدع في تلك الليلة وِرْدَه.
وقال الأوزاعي: لما نشرت رجل عروة قال: اللهم إنك تعلم أني لم أمش بها إلى سوءً قط. وأنشد البيتين المتقدمين.
رأى عروة رجلًا يصلي صلاة خفيفة فدعاه فقال: يا أخي أما كانت لك إلى ربك حاجة في صلاتك؟ إني لأسأل الله في صلاتي حتى أسأله الملح.
قال عروة: رب كلمة ذلٍّ احتملتُها أورثتني عزًا طويلًا.
وقال لبنيه: إذا رأيتم الرجل يعمل الحسنة فاعلموا أن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم الرجل يعمل السيئة فاعلموا أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، والسيئة تدل على أختها.
وكان عروة إذا دخل حائطه ردد هذه الآية: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39] حتى يخرج منه، واللّه سبحانه وتعالى أعلم]
(2)
.
قيل: إنه ولد في حياة عمر، والصحيح أنه ولد بعد عمر في سنة ثلاث وعشرين
(3)
، وكانت وفاته في سنة أربع وتسعين على المشهور، وقيل سنة تسعين، وقيل سنة مئة، وقيل إحدى وتسعين، وقيل إحدى ومئة، وقيل سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، وقيل تسع وتسعين
(4)
فالله أعلم.
علي بن الحسين
(5)
بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المشهور بزين العابدين، وأمه أم ولد
(1)
الأبيات في حلية الأولياء (2/ 179) عدا الثالث والرابع.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي موافقة لمصادر ترجمة عروة بن الزبير، وجلّها من ابن عساكر (40/ 259).
(3)
كذا في تاريخ خليفة (156) وتذكرة الحفاظ للذهبي (1/ 63) وسير أعلام النبلاء (4/ 422).
(4)
نسب الذهبي بعض هذه الأقوال إلى أصحابها في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 429).
(5)
ترجمة - علي بن الحسين - في طبقات ابن سعد (5/ 211) وطبقات خليفة (244) وتاريخ البخاري (6/ 266) والمعرفة والتاريخ (1/ 360) وحلية الأولياء (3/ 133) وتاريخ دمشق (41/ 360 - 416) ووفيات الأعيان =
اسمها سلامة
(1)
، كان له أخ أكبر منه يقال له علي أيضًا، قتل مع أبيه، روى عليٌّ هذا، الحديث عن أبيه وعمه الحسن بن علي، وجابر وابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي هريرة وصفية وعائشة وأم سلمة، أمهات المؤمنين. وعنه جماعة منهم بنوه زيد وعبد الله وعمر، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر، وزيد بن أسلم، وطاووس وهو من أقرانه، والزُّهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو سلمة وهو من أقرانه، وخلق.
قال ابن خلكان
(2)
: كانت سلامة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس.
وذكر الزمخشري في "ربيع الأبرار"
(3)
أن يزدجرد كان له ثلاث بنات سبين في زمن عمر بن الخطاب، فحصلت واحدة لعبد الله بن عمر فأولدها سالمًا، والأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق فأولدها القاسم، والأخرى للحسين بن علي فأولدها عليًا زين العابدين هذا، فكلّهم بنو خالة.
قال ابن خلكان
(4)
: ولما قتل قتيبة بن مسلم فيروز بن يزدجرد بعث بابنتيه إلى الحَجّاج فأخذ إحداهما وبعث بالأخرى إلى الوليد بن عبد الملك، فأولدها الوليدُ يزيد الناقص.
وذكر ابن قتيبة في كتاب "المعارف"
(5)
أن زين العابدين هذا كانت أمه سندية، يقال لها سلامة، ويقال غزالة، وكان مع أبيه بكربلاء، فاستبقي لصغره، وقيل لمرضه، فإنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وقد همّ بقتله عبيد الله بن زياد، ثم صرفه الله عنه، وأشار بعض الفجرة على يزيد بن معاوية بقتله أيضًا فمنعه الله من ذلك فله الحمد والمنة، ثم كان يزيد بعد ذلك يُكرمه ويُعظمه ويُجلسه معه، ولا يأكل إلا وهو عنده، ثم بعثهم إلى المدينة، وكان علي بالمدينة محترمًا معظمًا.
قال ابن عساكر
(6)
: ومسجده بدمشق المنسوب إليه معروف. قلت: وهو مشهد علي شرقي جامع دمشق.
وقد استقدمه عبد الملك بن مروان مرة أخرى إلى دمشق فاستشاره في جواب ملك الروم عن بعض ما كتب إليه فيه من أمر السكّة وطراز القراطيس.
= (3/ 266) وتهذيب الكمال (20/ 383) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 431 - 439) وسير أعلام النبلاء (4/ 386 - 401) وتهذيب التهذيب (7/ 304 - 307) والنجوم الزاهرة (1/ 229) وشذرات الذهب (1/ 374).
(1)
في الطبقات (5/ 211): غزالة.
(2)
وفيات الأعيان (3/ 267) وقد تحرفت في ط إلى: سلمة.
(3)
ربيع الأبرار لأبي القاسم الزمخشري (ص 201) ط: مؤسسة الأعلمي بيروت.
(4)
وفيات الأعيان (3/ 267).
(5)
المعارف لابن قتيبة (ص 214) والخبر أيضًا في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 432).
(6)
تاريخ دمشق (41/ 360).
قال الزّهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه
(1)
.
وقال الواقدي: كان من أورع الناس وأعبدهم وأتقاهم لله عز وجل، وكان إذا مشى لا يخطر بيده، وكان يعتم بعمامة بيضاء يرخيها من ورائه، وكان كنيته أبا الحسن، وقيل أبا محمد، وقيل أبا عبد الله
(2)
. وكان مع أبيه يوم قتل ابن ثلاث وعشرين سنة وهو مريض، فقال عمر بن سعد: لا تعرضوا لهذا المريض
(3)
. وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث عاليًا رفيعًا ورعًا، وأمه غزالة - خلف عليها بعد الحسين مولاه زُييد
(4)
فولدت له عبد الله بن زُييد - وهو علي الأصغر، فأما الأكبر فقتل مع أبيه. وكذا قال غير واحد.
وقال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ومالك وأبو حازم: لم يكن في أهل البيت مثله
(5)
.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: سمعت علي بن الحسين وهو أفضل هاشمي أدركته يقول: يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا
(6)
. وفي رواية: حتى بغضتمونا إلى الناس.
وقال الأصمعي: لم يكن للحسين عقب إلا من علي بن الحسين، ولم يكن لعلي بن الحسين نسل إلا من ابن عمه الحسن، فقال له مروان بن الحكم: لو اتخذت السراري يكثر أولادك، فقال: ليس لي ما أتسرى به، فأقرضه مئة ألف فاشترى له السراري فولدت له وكثر نسله، ثم لما مرض مروان أوصى أن لا يؤخذ من علي بن الحسين شيء مما كان أقرضه، فجميع الحسينيين من نسله رحمه الله
(7)
.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أصح الأسانيد كلّها: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده
(8)
.
وذكروا أنه احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي؛ فلما انصرف قالوا له: ما لك لم تنصرف؟ فقال: إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى
(9)
.
(1)
تاريخ دمشق (41/ 371) والمعرفة والتاريخ (1/ 544) وسير أعلام النبلاء (4/ 389).
(2)
تاريخ دمشق (41/ 362).
(3)
طبقات ابن سعد (5/ 212 - 213) وتاريخ دمشق (366/ 41).
(4)
زُييد - بياءين - هكذا ضبطها الذهبي في سير أعلام النبلاء (4/ 399).
(5)
تاريخ دمشق (41/ 373) وسير أعلام النبلاء (4/ 389).
(6)
طبقات ابن سعد (5/ 214) وحلية الأولياء (3/ 136) ونسب قريش (85) وتاريخ دمشق (41/ 374) وسير أعلام النبلاء (4/ 389).
(7)
تاريخ دمشق (41/ 374) وسير أعلام النبلاء (4/ 390)
(8)
تاريخ دمشق (41/ 375 - 376) وسير أعلام النبلاء (4/ 398).
(9)
تاريخ دمشق (41/ 377) وسير أعلام النبلاء (4/ 392).0
وكان إذا توضأ يصفرُّ لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق، فقيل له في ذلك فقال: ألا تدرون بين يدي من أقوم ولمن أناجي
(1)
؟
ولما حجّ أراد أن يلبي فارتعد وقال: أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك، فيقال لي: لا لبيك، فشجعوه على التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة. وكان يصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعه
(2)
.
وقال طاووس: سمعته وهو ساجد عند الحِجر يقول: عَبدك بفنائك. سائلك بفنائك. فقيرك بفنائك، قال طاووس: فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني
(3)
.
وذكروا أنه كان كثير الصَّدقة باللّيل، وكان يقول صَدَقة اللّيل تطفئ غضب الربّ، وتنوَّر القلب والقبر، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة
(4)
، وقاسم الله تعالى ماله مرتين
(5)
.
وقال محمد بن إسحاق: كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان ياتيهم في الليل بما يأتيهم به
(6)
. ولما مات وجدوا في ظهره أثر حمله الجُرُب إلى بيوت الأرامل والمساكين في اللّيل. وقيل إنه كان يعول مئة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات.
ودخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده فبكى ابن أسامة فقال له ما يبكيك؟ قال: عليّ دين، قال: وكم هو؟ قال خمسة عشر ألف دينار - وفي رواية سبعة عشر ألف دينار - فقال: هي على
(7)
.
وقال علي بن الحسين: كان أبو بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بمنزلتهما منه بعد وفاته.
ونال منه رجل يومًا فجعل يتغافل عنه - يريه أنه لم يسمعه - فقال له الرجل: إياك أعني، فقال له علي: وعنك أغضي.
وخرج يومًا من المسجد فسبّه رجل فابتدر الناس إليه، فقال: دعوه، ثم أقبل عليه فقال: الذي سُترعنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه،
(1)
طبقات ابن سعد (5/ 216) وحلية الأولياء (3/ 33) وسير أعلام النبلاء (4/ 392).
(2)
تاريخ دمشق (41/ 378) وسير أعلام النبلاء (4/ 392).
(3)
تاريخ دمشق (41/ 380) بأطول مما هنا، وسير أعلام النبلاء (4/ 393).
(4)
تاريخ دمشق (41/ 383) وسير أعلام النبلاء (4/ 393).
(5)
طبقات ابن سعد (5/ 219) وحلية الأولياء (3/ 140) وسير أعلام النبلاء (4/ 393).
(6)
الطبقات (5/ 222) وحلية الأولياء (3/ 135 - 136) وتاريخ دمشق (41/ 383) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 433).
(7)
حلية الأولياء (3/ 141) وتاريخ دمشق (41/ 385) وصفة الصفوة (2/ 101) وتاريخ الإسلام (6/ 432).
وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول: أشهد أنك من أولاد الأنبياء.
قالوا: واختصم علي بن الحسين وحسن بن حسن - وكان بينهما منافسة - فنال منه حسن بن حسن وهو ساكت، فلما كان الليل ذهب علي بن الحسين إلى منزله فقال: يا بن عم إن كنت صادقًا يغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا يغفر الله لك، والسلام عليك، ثم رجع، فلحقه فصالحا
(1)
رحمهما الله.
وقيل له: من أعظم الناس خطرًا؟ فقال: من لم يرض الدنيا لنفسه خطرًا.
وقال أيضًا: الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته
(2)
.
وقال: فقدُ الأحبة غربة، وكان يقول: إن قومًا عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار، وآخرون عبدوه محبة وشكرًا فتلك عبادة الأحرار الأخيار
(3)
.
وقال لابنه: يا بني لا تصحب فاسقًا فإنه يبيعك بأكلة وأقل منها، يطمع فيها ثم لا ينالها، ولا بخيلًا فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، ولا كذابًا فإنَّه كالسراب يقرَّب منك البعيد ويباعد عنك القريب، ولا أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا قاطع رحم فإنه ملعون في كتاب الله
(4)
. قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22، 23].
وكان علي بن الحسين إذا دخل المسجد تخطى الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، فقال له نافع بن جبير بن مطعم: غفر الله لك، أنت سيد الناس تأتي تتخطى حِلَق أهل العلم وقريش حتى تجلس مع هذا العبد [الأسود]؟ فقال له علي بن الحسين: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع، وإن العلم يُطلب حيث كان
(5)
.
وقال الأعمش: عن مسعود بن مالك قال: قال لي علي بن الحسين: أتستطيع أن تجمع بيني وبين سعيد بن جبير؟ فقلت: ما تصنع به؟ قال أريد أسأله عن أشياء ينفعنا الله بها ولا منقصة، إنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء - وأشار بيده إلى العراق
(6)
-.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن رزين
(7)
بن عبيد
(1)
تاريخ دمشق (41/ 395) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 436) وسير أعلام النبلاء (397).
(2)
تاريخ دمشق (41/ 408).
(3)
حلية الأولياء (3/ 134) وتاريخ دمشق (41/ 410) وسير أعلام النبلاء (4/ 396).
(4)
تاريخ دمشق (41/ 409).
(5)
حلية الأولياء (3/ 137 - 138) وتاريخ دمشق (41/ 369) وتهذيب الكمال (2/ 385) وسير أعلام النبلاء (4/ 388).
(6)
طبقات ابن سعد (5/ 516) وتاريخ دمشق (41/ 369 - 370).
(7)
في ط: زر؛ خطأ، والتصحيح من ب وتاريخ دمشق.
قال: كنت عند ابن عباس فأتى علي بن الحسين فقال ابن عباس: مرحبًا بالحبيب ابن الحبيب.
وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: حدّثنا العلائي
(1)
حدّثنا إبراهيم بن بشار، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير قال: كنا عند جابر بن عبد الله فدخل عليه علي بن الحسين فقال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه الحسين بن علي فضمَّه إليه وقبَّله وأقعده إلى جنبه، ثم قال:"يولد لابني هذا ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش ليقم سيد العابدين، فيقوم هو" هذا حديث غريب جدًّا أورده ابن عساكر
(2)
. وقال الزُّهري: كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين، وما رأيت أفقه منه، وكان قليل الحديث، وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان وابنه عبد الملك، وكان يسميه زين العابدين
(3)
.
وقال جويرية بن أسماء: ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم درهمًا قط. رحمه الله ورضي عنه
(4)
.
وقال محمد بن سعد
(5)
: أنبا علي بن محمد، عن سعيد بن خالد، عن المقبري قال: بعث المختار إلى علي بن الحسين بمئة ألف فكره أن يقبلها وخاف أن يردها، فاحتبسها عنده، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك بن مروان: إن المختار بعث إليّ بمئة ألف فكرهت أن أقبلها وكرهت أن أردها، فابعث من يقبضها. فكتب إليه عبد الملك: يا بن عم! خذها فقد طيبتها لك، فقبلها.
وقال علي بن الحسين: سادة الناس في الدنيا الأسخياء الأتقياء، وفي الآخرة أهل الدِّين وأهل الفضل والعلم الأتقياء، لأن العلماء ورثة الأنبياء
(6)
.
وقال أيضًا: إني لأستحي من الله عز وجل أن أرى الأخذ من إخواني فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل لي فإذا كانت الجنة بيدك كنت بها أبخل، وأبخل
(7)
.
وذكروا أنه كان كثير البكاء فقيل له في ذلك فقال: إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف، ولم يعلم أنه مات، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا
(8)
؟.
(1)
في ط: العلاء؛ خطأ، والتصحيح من أ، ب وتاريخ دمشق.
(2)
تاريخ دمشق (41/ 370).
(3)
الطبقات لابن سعد (5/ 215) وتاريخ دمشق (41/ 372 - 373).
(4)
تاريخ دمشق (41/ 377) وسير أعلام النبلاء (4/ 391).
(5)
الطبقات الكبرى (5/ 213) وتاريخ دمشق (41/ 377).
(6)
تاريخ دمشق (41/ 385).
(7)
ابن عساكر (41/ 385) وسير أعلام النبلاء (4/ 394).
(8)
تاريخ دمشق (41/ 386).
وقال عبد الرزاق: سكبت جارية لعلي بن الحسين عليه ماءً ليتوضأ فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله يقول {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134]، فقال: وقد كظمت غيظي، قالت {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} فقال: عفا الله عنك. فقالت: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قال: أنت حرة لوجه الله تعالى
(1)
.
وقال الزبير بن بكار: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن قدامة الجُمَحي
(2)
، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن علي عن أبيه قال: جلس قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر فنالوا منهما، ثم ابتدؤوا في عثمان فقال لهم: أخبروني أأنتم من المهاجرين الأولين الذين {أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] قالوا: لسنا منهم قال: فأنتم من الذين {تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [الحشر: 9] إلى قوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} قالوا: لسنا منهم! فقال لهم: أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله عز وجل فيهم {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10] الآية، فقوموا عني لا بارك الله فيكم، ولا قرّب دوركم، أنتم مستهزئون بالإسلام، ولستم من أهله
(3)
.
وجاء رجل فسأله متى يبعث علي؟ فقال: يبعث والله يوم القيامة وتهمُّه نفسه
(4)
.
وقال ابن أبي الدنيا: حُدِّثت عن سعيد بن سليمان، عن علي بن هاشم، عن أبي حمزة الثمالي: أن علي بن الحسين كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني أتصدق اليوم - أو أهب عرضي اليوم - من استحله
(5)
.
وروى ابن أبي الدنيا أن غلامًا سقط من يده سفُّود وهو يشوي شيئًا في التنُّور على رأس صبي لعلي بن الحسين فقتله، فنهض علي بن الحسين مسرعًا، فلما نظر إليه قال للغلام: يا بني إنك لم تتعمد، أنت حر، ثم شرع في جهاز ابنه
(6)
.
وقال المدائني: سمعت سفيان يقول: كان علي بن الحسين يقول: ما يسرني أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم
(7)
.
ورواه الزبير بن بكار من غير وجه عنه. ومات لرجل ولد مسرف على نفسه فجزع عليه من أجل
(1)
تاريخ دمشق (41/ 387).
(2)
في ط: اللخمي؛ تحريف.
(3)
تاريخ دمشق (41/ 389) وسير أعلام النبلاء (4/ 395) باختصار.
(4)
سير أعلام النبلاء (4/ 396) وتاريخ دمشق (41/ 390).
(5)
تاريخ دمشق (41/ 396).
(6)
حلية الأولياء (3/ 137) وتاريخ دمشق (41/ 396) وسير أعلام النبلاء (4/ 395).
(7)
تاريخ دمشق (41/ 397).
إسرافه، فقال له علي بن الحسين: إن من وراء ابنك خلالًا ثلاثًا، شهادة أن لا إله إلَّا الله، وشفاعة رسول الله، ورحمة الله عز وجل
(1)
.
وقال المدائني: قارف الزهريُّ ذنبًا فاستوحش منه وهام على وجهه وترك أهله وماله. فلما اجتمع بعلي بن الحسين قال له: يا زهري قُنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم من ذنبك، فقال الزهري:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] وفي رواية أنه كان أصاب دمًا حرامًا خطأً فأمره علي بالتوبة والاستغفار وأن يبعث الدية إلى أهله، ففعل ذلك، فكان الزهري يقول: علي بن الحسين أعظم الناس عليّ منه
(2)
.
وقال سفيان بن عيينة: كان علي بن الحسين يقول: لا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم، وما اصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعا
(3)
.
وذكروا أنه زوَّج أمة من مولى له وأعتق أمة فتزوجها فأرسل إليه عبد الملك يلومه في ذلك، فكتب إليه {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)} [الأحزاب: 21] وقد أعتق صلى الله عليه وسلم، صفية فتزوجها، وزوج مولاه زيد بن حارثة من بنت عمته زينب بنت جحش
(4)
.
قالوا: وكان يلبس في الشتاء خميصة من خز بخمسين دينارًا، فإذا جاء الصيف تصدق بها، ويلبس في الصيف الثياب المرقعه
(5)
ودونها ويتلو قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32].
وقد روي من طرق ذكرها الصولي والجريريد
(6)
وغير واحد أن هشام بن عبد الملك حجَّ في خلافة أبيه وأخيه الوليد، فطاف بالبيت، فلما أراد أن يستلم الحجَر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه، وقام أهل الشام حوله، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين، فلما دنا من الحَجَر ليستلمه تنحّى عنه الناس إجلالًا له وهيبة واحترامًا، وهو في بِزَّة حسنة، وشكل مليح، فقال أهل الشام لهشام: من هذا؟ فقال لا أعرفه - استنقاصًا به وأحتقارًا لئلا يرغب فيه أهل الشام - فقال الفرزدق - وكان حاضرًا - أنا أعرفه، فقالوا: ومن هو؟ فأشار الفرزدق يقول:
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتهُ
…
والبيتُ يعرفهُ والحِلُّ والحَرَمُ
(1)
تاريخ دمشق (41/ 397).
(2)
تاريخ دمشق (41/ 398).
(3)
تاريخ دمشق (41/ 399).
(4)
المصدر نفسه (41/ 399).
(5)
في الطبقات (5/ 218): ويصيف في ثوبين أشمونيين بدينار. وفي تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 437): ويلبس في الصيف ثوبين ممشقين من ثياب مصر. وكذلك في تاريخ دمشق (41/ 399).
(6)
الخبر بسنديه في تاريخ دمشق (41/ 400 - 401).
هذا ابنُ خير عبادِ الله كلهم
…
هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ
إذا رأته قريشٌ قالَ قائلها
…
إلى مكارمِ هذا ينتهي الكَرَمُ
يُنمَى إلى ذروةِ العزَّ التي قصرتْ
…
عنْ نيلها عربُ الإسلامِ والعجمُ
يكادُ يُمسكُهُ عِرفان راحتهِ
…
ركنُ الحطيمِ إذا ما جاءَ يستلمُ
يُغضي حياءً ويغضى منْ مهابتهِ
…
فما يكلَّمُ إلا حينَ يبتسمُ
بكفهِ خيزرانٌ ريحها عبقٌ
…
من كفَّ أروع في عرنينهِ شممُ
مشتقةٌ منْ رسولِ الله نبعتهُ
…
طابتْ عناصرها
(1)
والخِيمُ والشيمُ
ينجابُ نورُ الهدي
(2)
مِنْ نورِ غرتهِ
…
كالشمسِ ينجابُ عَنْ إشراقها القتمُ
حمَّالُ أثقالِ أقوامٍ إذا قدحوا
…
حلوَ الشمائلِ تحلو عندهُ نعمُ
هذا ابنُ فاطمةٍ إنْ كنتَ جاهلَهُ
…
بجَدّهِ أنبياءُ الله قدْ ختموا
الله فَضّلهُ قِدمًا وشرّفه
…
جرى بذاك له في لوحه القلمُ
منْ جدهِ دانَ فضلُ الأنبياءَ لهُ
…
وفضلُ أُمتهِ دانتْ لها الأممُ
عَمَّ البريَّة بالإحسانِ فانقشعتْ
…
عنها الغوايةُ والإملاقُ والظلمُ
كلتا يديهِ غياثٌ عمَّ نفعهما
…
تستوكفانِ ولا يعروهما العدمُ
سهلُ الخليقةِ لا تخشى بوادرهُ
…
يزينهُ إثنتانِ الحلمُ والكرمُ
لا يخلفُ الوعدَ ميمونٌ بغيبتهِ
…
رحبُ الفناءِ أريبٌ حين يعتزمُ
مِنْ معشرٍ حبهمْ دينٌ ويغضهمُ
…
كفرٌ وقربهمُ منجى ومعتصمُ
يستدفعُ السوء
(3)
والبلوى بحبهمُ
…
ويستربٌّ
(4)
بهِ الإحسانُ والنعمُ
مقدمٌ بعدَ ذكرِ الله ذكرهمُ
…
في كُلَّ حكمٍ ومختومٌ بهِ الكلمُ
إنْ عدَّ أهلُ التقى كانوا أئمتهمْ
…
أو قيلَ من خيرُ أهل الأرض قيلَ هُم
لا يستطيعُ جوادٌ بعدَ غايتهم
…
ولا يدانيهمُ قومٌ وإنْ كرموا
همُ الغيوثُ إذا ما أزمةٌ أزمتْ
…
والأسد أسدُ الشرى والبأسُ محتدمُ
يأبى لهم أن يحلّ الذم ساحتهمْ
…
خيمٌ كرامٌ وأيدٍ بالندى هضمُ
لا ينقصُ العدمُ بسطًا منْ أكفهمُ
…
سيَّان ذلكَ إنْ أثروا وإنْ عدموا
أيُّ الخلائقِ ليستْ في رقابهمُ
…
لأوليَّةِ هذا أولهُ نِعَم
(1)
في الديوان: مفارسه. والنبعة من النبع: وهو شجر للقسي وللسهام ينبت في قلّة الجبل. القاموس (نبع). والخيم: السَّجية، والطبيعة. القاموس (خيم).
(2)
في الديوان: ثوب الدجى.
(3)
في الديوان والأغاني (21/ 377): الشر.
(4)
في ط: ويستزاد؛ وما أثبت كالديوان والأغاني.
فليسَ قولكَ مَن هذا بضائرهِ
…
العربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجم
[منْ يعرفُ الله يعرف أوليةَ ذا
…
فالدينُ منْ بيتِ هذا نالهُ الأممُ]
(1)
قال: فغضب هشام من ذلك وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكة والمدينة، فلما بلغ ذلك علي بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، وأرسل إليه يعتذر أن ليس عنده اليوم غيرها، فردَّها الفرزدق وقال: إنما قلت ما قلت لله عز وجل ونُصْرَةً للحقَّ، [وقيامًا بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذريته]، ولست أعتاض عن ذلك بشيء. فأرسل إليه علي بن الحسين يقول: قد علم الله صدق نيتك في ذلك، وأقسمتُ عليك بالله لتقبلنَّها؛ فتقبَّلها منه ثم جعل يهجو هشامًا وكان مما قال فيه:
تحبسني
(2)
بينَ المدينةِ والتي
…
إليها قلوبُ الناس يهوي مُنيبها
يقلّبُ رأسًا لم يكنْ رأس سيِّدٍ
…
وعينينِ حولاوينِ بادٍ عُيُوبُها
(3)
وقد رَوينا عن علي بن الحسين أنه كان إذا مرت به الجنازة يقول هذين البيتين:
نراعُ إذا الجنائزُ قابلتنا
…
ونلهو حينَ تمضي ذاهباتِ
كروعةِ ثلمة
(4)
لمغارِ سَبْعٍ
…
فلما غابَ عادتْ راتعاتِ
وروى الحافظ ابن عساكر
(5)
من طريق محمد بن عبد الله المقرئ: حدّثني سفيان بن عيينة، عن الزُّهري قال: سمعت علي بن الحسين سيّد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربه:
يا نفس حتام إلى الدنيا غرورك
(6)
، وإلى عمارتها ركونك، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ومن وارته الأرض من أُلَّافك، ومن فجعتِ به من إخوانك، ونقل إلى البلى
(7)
من أقرانك؟
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها
…
محاسنهم فيها بوادٍ دواثر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم
…
وساقتهمُ نحوَ المنايا المقادرُ
وخلّوا عن الدنيا وما جمعوا لها
…
وضمهمُ تحتَ الترابِ الحفائرُ
(1)
البيت الأخير زيادة من ط؛ وليست كل هذه الأبيات في ديوان الفرزدق (2/ 848 - 849) والخبر والأبيات - بعضها - في الأغاني (21/ 376 - 377) وكذلك في حلية الأولياء (3/ 139) وانظر تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 438).
(2)
في تاريخ دمشق (41/ 403): بحبسي
…
(3)
البيتان في الأغاني (21/ 378) وفيه: وعينًا له حولاء
…
وفي ديوان الفرزدق (1/ 51) لفظهما:
يرددني بين المدينة والتي
…
إليها قلوب الناس يهوي منيبها
يقلِّب عينًا لم تكن لخليفةٍ
…
مشوَّهة حولاء بادٍ عيوبها
(4)
في ط: ثلة.
(5)
تاريخ دمشق (41/ 403 - 404).
(6)
في ط: سكونك. والمثبت يوافق تاريخ دمشق.
(7)
في ط: الثرى. والمثبت يوافق تاريخ دمشق.
كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون، وكم غيرت الأرض ببلائها، وغيبت في ثراها، ممن عاشرت من صنوف وشيعتهم إلى الأمارس، [ثم رجعت عنهم إلى عمل أهل الإفلاس]:
وأنتَ على الدنيا مكبٌّ منافس
…
لخطَّابها فيها حريصٌ مكاثرُ
على خطر تمشي وتصبحُ لاهيًا
…
أتدري بماذا لو عقلتَ تخاطرُ
وإنَّ امرأً يسعى لدنياه دائبًا
…
ويذهلُ عن أخراهُ لا شكَّ خاسرُ
فحتَّام على الدنيا إقبالك؟ وبشهواتها اشتغالك؟ وقد وخطك القتير، وأتاك النذير، وأنت عما يراد بك ساهٍ، وبلذَّة يومك وغدك لاهٍ [وقد رأيت انقلاب أهل الشهوات، وعاينت ما حل بهم من المصيبات]
(1)
:
وفي ذكر هولِ الموتِ والقبر والبلى
…
عَن اللهو واللذاتِ للمرءِ زاجرُ
أبعدَ اقترابِ الأربعين تربُّصٌ
…
وشيبُ قذال منذرٌ لك كاسِرُ
(2)
كأنكَ معنيٌّ بما هو ضائر
…
لنفسكَ عمدًا وعنِ الرشدِ حائرُ
انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية كيف أفنتهم
(3)
الأيام، ووافاهم الِحمام، فانمحت من الدنيا آثارهم، وبقيت فيها أخبارهم [وأضحوا رممًا في التراب، إلى يوم الحشر والمآب]
(4)
:
أضحوْا رميمًا في الترابِ وعطَّلتْ
…
مجالس منهم وأقفرت مقاصرُ
(5)
وحلُّوا بدارٍ لا تزاورَ بينهم
…
وأنَّى لسكانِ القبورِ التزاورُ
فما إنْ ترى إلا قبورًا ثووا بها
…
مسطحة تُسفَى عليها الأعاصرُ
كم من ذي منعة وسلطان وجنود وأعوان، تمكن من دنياه، ونال فيها ما تمناه، وبنى فيها القصور والدساكر، وجمع فيها الأعلاق
(6)
والذخائر [وملح السراري والحرائر].
فما صرفتْ كف المنية إذا أتتْ
…
مبادرةً تهوي إليه الذخائرُ
ولا دفعتْ عنه الحصونُ التي بنى
…
وحفَّ بها أنهارهُ والدساكرُ
ولا قارعتْ عنه المنية حيلة
…
ولا طمعتْ في الذبَّ عنه العساكرُ
أتاه من الله ما لا يُرد، ونزل به من قضائه ما لا يُصد، فتعالى الله الملك الجبار، المتكبر العزيز القهار، قاصم الجبارين، ومبير المتكبرين [الذي ذل لعزِّه كل سلطان، وأباد بقوته كل دَيّان].
مليكٌ عزيزٌ لا يُردُّ قضاؤهُ
…
حكيمٌ عليمٌ نافذُ الأمرِ قاهرُ
(1)
ما بينهما زيادة من ط. والأبيات كلها في تاريخ دمشق (41/ 404 - 804).
(2)
في ط: للكابر.
(3)
في ط: اختطفتهم عقبان الأيام.
(4)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(5)
في ط: مجالسهم منهم وأخلى مقاصر، والمثبت يوافق تاريخ دمشق (41/ 404).
(6)
في ط: الأموال.
عنى كلُّ ذي عزَّ لعزةِ وجههِ
…
فكمْ منْ عزيرٍ للمهيمنِ صاغرُ
لقدْ خضعتْ واستسلمتْ وتضاءلتْ
…
لعزةِ ذي العرشِ الملوكُ الجبابرُ
فالبدار البدار، والحذار الحذار من الدنيا ومكايدها، وما نصبت لك من مصايدها، وتحلّت لك من زينتها، وأظهرت لك من بهجتها [وأبرزت لك من شهواتها، وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها]
(1)
:
وفي دونِ ما عاينتَ من فجعاتها
…
إلى دفعها داعٍ وبالزهدِ آمرُ
فجدَّ ولا تغفل وكنْ متيقظًا
…
فعما قليلٍ يترك الدارَ عامرُ
(2)
فجدَّ ولا تغفل فعيشك
(3)
زائلٌ
…
وأنتَ إلى دارِ الإقامةِ صائرُ
ولا تطلبِ الدنيا فإنَّ نعيمها
(4)
…
وإنْ نلت منها غبَّهُ لكَ ضائرُ
فهل يحرص عليها لبيب، أو يسر بها أريب؟ وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها، أم كيف تنام عينا من يخشى البيات، وتسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات:
ألا لا ولكنا نغرُّ نفوسنا
…
وتشغلنا اللذاتُ عمّا نحاذرُ
وكيف يلذ العيش من هو مُوقفٌ
…
بموقفِ عدلٍ يومَ تبلى السرائرُ
كأنا نرى أن لا نشورَ وأننا
…
سدىً ما لنا بعد المماتِ مصائرُ
وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ويتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها وقوارع فجائعها، وكثرة تعبه في طلبها، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها.
أما قد نرى في كلِّ يومٍ وليلةٍ
…
يروحُ علينا صرفها ويباكرُ
تعاورنَا آفاتُها وهمومُها
…
وكمْ قدْ ترى يبقى لها المتعاوِرُ
فلا هوَ مغبوطٌ بدنياهُ آمنٌ
…
ولا هوَ عنْ تَطْلابها النفس قاصرُ
كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها، وصرعت من مكبٌ عليها، فلم تنعشه من عثرته، ولم تنقذه من صرعته، ولم تشفه من ألمه، ولم تبره من سقمه [ولم تخلصه من وصمه]:
بل أوردتهُ بعد عزٍّ ومنعةٍ
…
مواردَ سوءٍ ما لهنَّ مصادرُ
فلما رأى أن لا نجاةَ وأنهُ
…
هوَ الموتُ لا ينجيهِ منه التحاذرُ
تندَّم إذ لم تغنِ عنهُ ندامةٌ
…
عليهِ وأبكتهُ الذنوبُ الكبائرُ
(1)
ما بينهما زيادة من ط.
(2)
البيت زيادة من ط.
(3)
مكانها في ط: فشمر ولا تفتر فعمرك
…
(4)
في أ: طلابها، والمثبت يوافق تاريخ دمشق.
إذ بكى على ما سَلَف من خطاياه، وتحسّر على ما خلف من دنياه، واستغفر حين لا ينفعه الاستغفار ولا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية ونزول البلية.
أحاطتْ بهِ أحزانهُ وهمومهُ
…
وأبلسَ لمَّا أعجزتهُ المقادرُ
فليسَ لهُ من كربةِ الموتِ فارجٌ
…
وليسَ لهُ مما يحاذرُ ناصرُ
وقد جشأتْ خوفَ المنيةِ نفسهُ
…
ترددها منهُ اللها والحناجرُ
هنالك خف عواده، وأسلمه أهله وأولاده، وارتفعت البرية بالعويل، وقد أيسوا من العليل، فغمضوا بأيديهم عينيه، ومد عند خروج روحه رجليه [وتخلى عنه الصديق، والصاحب الشفيق].
فكم موجعٍ يبكي عليهِ مفجَّعٌ
…
ومستنجد صبرًا وما هوَ صابرُ
ومسترجعٍ داعٍ لهُ الله مخلصًا
…
يعدَّدُ منهُ كلَّ ما هوَ ذاكرُ
وكمْ شامتٍ مستبشر بوفاته
…
وعما قليلٍ كالذي صارَ صائرُ
فشقت جيوبها نساؤه، ولطمت خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزيته إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه، وشمّروا لإبرازه، [كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى، ولا الحبيب المبدَّى]
(1)
.
وظلَّ
(2)
أحبُّ القومِ كان بقربهِ
…
يحثُّ على تجهيزهِ ويبادرُ
وشمَّر منْ قدْ أحضروهُ لغَسلهِ
…
ووجَّه لما فاضَ للقبرِ حافرُ
وكُفِّنَ في ثوبين واجتمعتْ لهُ
…
مشيِّعة إخوانهُ والعشائرُ
فلو رأيت الأصغر من أولاده، قد غلب الحزن على فؤاده، وغشي
(3)
من الجزع عليه، وخضبت الدموع عينيه، وهو يندب أباه ويقول: يا ويلاه واحراباه:
لعاينتَ من قبح المنيةِ منظرًا
…
يهالُ لمرآهُ ويرتاعُ ناظرُ
أكابرُ أولاد يهيجُ اكتئابهمْ
…
إذا ما تناساهُ البنونُ الأصاغرُ
وربَّة نسوان عليهِ جوازعٌ
…
مدامعهم فوقَ الخدودِ غوازرُ
ثم أُخرج من سَعَةِ قصره، إلى ضيق قبره، فلما استقر في اللَّحد، وهُيءَ عليه اللَّبن [احتوشته أعماله وأحاطت به خطاياه، وضاق ذرعًا بما رآه، ثم]
(4)
حثوا بأيديهم عليه التراب، وأكثروا البكاء عليه والانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه، وأيسوا من النظر إليه، وتركوه رهنًا بما كسب وطلب.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(2)
في ط: وحل.
(3)
في ط: ويخشى.
(4)
ما بينهما زيادة من ط.
فولَّوا عليه معولينَ وكلهمْ
…
لمثلِ الذي لاقى أخوهُ محاذرُ
كشاءٍ رتاعٍ آمنين بدا لهم
…
بمديته بادي الذراعينِ حاسرُ
فريعتْ ولم ترتع قليلًا وأجفلتْ
…
فلما نأى عنها الذي هو وجازرُ
عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفبأفعال الأنعام اقتدينا؟ أم على عادتها جرينا؟ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى، واعتبر بموضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى.
ثوى مفردًا في لحده وتوزَّعت
…
مواريثه أولادهُ والأواصرُ
(1)
وأحنوا على أموالهِ يقسِمونها
…
فلا حامدٌ منهمْ عليها وشاكرُ
فيا عامرَ الدنيا ويا ساعيًا لها
…
ويا آمنًا منْ أن تدورَ الدوائرُ
كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة؟ كيف تتهنا بحياتك وهي مطيتك إلى مماتك؟ أم كيف تشبع من طعامك وأنت منتظر حمامك؟ [أم كيف تهنأ بالشهوات، وهي مطية الآفات].
ولم تتزودْ للرحيلِ وقد دنا
…
وأنتَ على حالٍ وشيك مسافرُ
فيا لهفَ نفسي كم أسوِّفُ توبتي
…
وعمريَ فانٍ والرَّدى ليَ ناظرُ
وكلّ الذي أسلفتُ في الصحف مثبتٌ
…
يجازي عليهِ عادلُ الحكم قادرُ
فكم ترقع بآخرتك دنياك، وتركب غيك وهواك، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين أبهذا أمرك الرحمن؟ أم على هذا نزل القرآن؟ [أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب، وشر المآب، أما تذكر حال من جمع وثمر، ورفع البناء وزخرف وعمر، أما صار جمعهم بورًا، ومساكنهم قبورًا]
(2)
:
تخرِّبُ ما يبقى وتعمرُ فانيًا
…
فلا ذاكَ موفورٌ ولا ذاكَ عامرُ
وهلْ لكَ إن وافاكَ حتفكَ بغتةً
…
ولم تكتسبْ خيرًا لدى الله عاذرُ
أترضى بأن تفنى الحياةُ وتنقضي
…
ودينكَ منقوص ومالكَ وافرُ
(3)
وقد اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها علي بن الحسين، زين العابدين، فالمشهور عن الجمهور أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة أربع وتسعين - في أولها عن ثمان وخمسين سنة، وصلي عليه بالبقيع، ودفن به.
قال الفلاس: مات علي بن الحسين وسعيد بن المسيب وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن سنة أربع وتسعين.
(1)
في ط: والأصاهر.
(2)
ما بينهما زيادة من ط.
(3)
الأبيات والتي قبلها في تاريخ دمشق (41/ 404 - 408).
وقال بعضهم: توفي سنة ثنتين أو ثلاث وتسعين.
وأغرب المدائني في قوله: إنه توفي سنة تسع وتسعين، والله أعلم
(1)
.
[انتهى ما ذكره المؤلف
(2)
من ترجمة علي بن الحسين. وقد رأيت له كلامًا متفرقًا وهو من جيد الحكمة، فأحببت أن أذكره لعل الله أن ينفع به من وقف عليه:
قال حفص بن غياث: عن حَجّاج، عن أبي جعفر، عن علي بن الحسين قال: إن الجسد إذا لم يمرض أشر وبطر، ولا خير في جسد يأشر ويبطر.
وقال أبو بكر بن الأنباري: حدّثنا أحمد بن الصلت، حدّثنا قاسم بن إبراهيم العَلَوي، حدّثنا أبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال علي بن الحسين: فقد الأحبة غربة. وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي، وتقبَّح في خفيات العيوب سريرتي، اللهم كما أسأتُ وأحسنت إليّ، فإذا عدت فعد إليّ. اللهم ارزقني مواساة من قَتَرتَ عليه رزقك بما وسَّعْتَ عليّ من فضلك.
وقال لابنه: يا بني اتخذ ثوبًا للغائط فإني رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب. ثم انتبه فقال: وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا ثوب واحد، فرفضه.
وعن أبي حمزة الثمالي قال: أتيت باب علي بن الحسين فكرهت أن أصوت فقعدت على الباب حتى خرج، فسلَّمت عليه ودعوت له فرد عليّ السلام ودعا لي، ثم انتهى إلى حائط فقال؛ يا حمزة ترى هذا الحائط؟ قلت: نعم! قال: فإني اتكأت عليه يومًا وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهي، ثم قال: يا علي بن الحسين! ما لي أراك كئيبًا حزينًا على الدنيا! فهي رزق حاضر يأخذ منها البَرّ والفاجر. فقلت: ما عليها أحزن لأنها كما تقول، فقال على الآخرة؟ فهي وعد صادق، يحكم فيها مَلِك قادر، فقلت: ما على هذا أحزن لأنه كما تقول. فقال: فعلام حزنك؟ فقلت: ما أتخوف من الفتنة - يعني فتنة ابن الزُّبير - فقال لي: يا علي! هل رأيت أحدًا سأل الله فلم يعطه؟ قلت: لا! قال: ويخاف الله فلم يكفه؟ قلت: لا! ثم غاب عني فقيل لي: يا علي إن هذا الخضر الذي جاءك
(3)
. لفظ الخضر مزاد فيه من بعض الرواة.
(1)
ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 439) أقوال العلماء والخلاف في سنة موته نقلًا عن تاريخ دمشق لابن عساكر (41/ 413 - 416).
(2)
لما وجدنا أن هذه الزيادة تتابع كلام المؤلف رحمه الله ولفائدتها أبقيناها، وواضح أنها من زيادة النساخ أو تلاميذ المؤلف رحمه الله.
(3)
الخبر بطوله في حلية الأولياء (3/ 34) وعن طريقه رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (41/ 382 - 383).
وقال الطبراني: حدّثنا محمد بن عبد الله الخضري، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن عمر بن حارث. قال: لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره. فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جُرُب الدقيق ليلًا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة
(1)
.
وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين
(2)
.
وروى عبد الله بن حنبل: عن ابن إشكاب، عن محمد بن بشر، عن أبي المنهال الطائي أن علي بن الحسين كان إذا ناول المسكين الصدقة قَبّله ثم ناوله.
وقال الطبري: حدّثنا يحيى بن زكريا الغلابي، حدّثنا العتبي حدّثني أبي قال: قال علي بن الحسين - وكان من أفضل بني هاشم الأربعة - يا بنيَّ اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق، ولا تخيب أخاك إلا في الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك.
وروى الطبراني بإسناده عنه: أنه كان جالسًا في جماعة فسمع داعية في بيته فنهض فدخل منزله ثم رجع إلى مجلسه، فقيل له: أمن حدث كانت الداعية؟ قال: نعم! فعزوه وتعجبوا من صبره، فقال: إنا أهل بيت نطيع الله عز وجل فيما نحبه، ونحمده على ما نكره.
وروى الطبراني عنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة. فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون قبل الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: من أنتم؟ قالوا نحن أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جهل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء إلينا غفرنا، قالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادي منادٍ: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون لهم مثل ذلك، فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: فما كان صبركم؟ قالوا: صبَّرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معصية الله، وصبرناها على البلاء. فقالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادي المنادي: ليقم جيران الله في داره! فيقوم ناس من الناس وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك، فيقولون: بم استحققتم مجاورة الله عز وجل في داره؟ فيقولون: كُنَّا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتباذل في الله عز وجل. فيقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.
وقال علي بن الحسين: إن الله يحب المؤمن المذنب التواب.
وقال: التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقي منهم تقاة. قالوا: وما ثقاة؟ قال: يخاف جبارًا عنيدًا أن يسطو عليه وأن يطغى.
(1)
هو في تاريخ دمشق (41/ 384).
(2)
تاريخ دمشق (41/ 384).
وقال رجل لسعيد بن المسيّب: ما رأيت أحدًا أورع من فلان. فقال له سعيد: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا! قال: ما رأيت أورع منه.
وروى سفيان بن عيينة، عن الزُّهري قال: دخلت على علي بن الحسين فقال: يا زهري فيم كنتم؟ قلت: كنا نتذاكر الصوم، فأجمع رأي ورأي أصحابي على أنه ليس من الصوم شيء واجب، إلا شهر رمضان فقال! يا زهري ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجهًا، عشرة منها واجب كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربع عشرة منها صاحبها بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب، قال الزُّهري قلت: فسِّرهن يا بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أما الواجب فصوم شهر رمضان، وصوم شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، وصيام ثلاثة أيام كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام، وصيام حلق الرأس، وصوم دم المتعة لمن لم يجد الهدي، وصوم جزاء الصيد، يقوّم الصيد قيمته ثم يقسم ذلك الثمن على الحنطة. وأما الذي صاحبه بالخيار فصوم الإثنين والخميس، وستة أيام من شوال بعد رمضان، وصوم عرفة ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار. فأما صوم الإذن فالمرأة لا تصوم تطوعًا إلا بإذن زوجها، وكذلك العبد والأمة، وأما صوم الحرام فصوم يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك، نهينا أن نصومه لرمضان. وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر، وصوم الضيف لا يصوم تطوعًا إلا بإذن صاحبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نزل على قوم فلا يصومن تطوعًا إلا بإذنهم
(1)
. وأما صوم الإباحة فمن أكل أو شرب ناسيًا أجزأه صومه، وأما صوم المريض والمسافر فقال قوم: يصوم، وقال قوم لا يصوم، وقال قوم: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وأما نحن فنقول: يفطر في الحالين، فإن صام في السفر والمرض فعليه القضاء]
(2)
.
وممن توفي في هذه السنة:
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
(3)
بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة، قيل اسمه محمد، وقيل اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، وله من الأولاد والإخوة كثير، وهو تابعي جليل.
(1)
الحديث رواه الترمذي في جامعه رقم (789) في الصوم. وقال: هذا حديث منكر، أقول: وهو ضعيف جدًّا.
(2)
إلى هنا تنتهي الزيادة من ط.
(3)
ترجمة - أبي بكر بن عبد الرحمن - في طبقات ابن سعد (5/ 207) وتاريخ خليفة (306 و 393) وطبقاته (245) وتاريخ البخاري (9/ 9) والمعرفة والتاريخ (1/ 233 و 352) ومواضع أخرى، وحلية الأولياء (2/ 187 - 188) وصفة الصفوة (2/ 92) ووفيات الأعيان (1/ 282) وتهذيب الكمال (33/ 112) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 512 - 514) وسير أعلام النبلاء (4/ 416 - 419) وتهذيب التهذيب (9/ 295) وشذرات الذهب (1/ 376).
روى عن: عمار، وأبي هريرة، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة وأم سلمة وغيرهم.
وروى عنه: جماعة منهم بنوه سلمة وعبد الله وعبد الملك، وعمر، ومولاه سُمَيّ، وعامر الشعبي، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، ومجاهد، والزُّهري.
ولد في خلافة عمر، وكان يقال له راهب قريش
(1)
، لكثرة صلاته، وكان مكفوفًا
(2)
، وكان يصوم الدهر، وكان من الثقة والأمانة والفقه وصحة الرواية على جانب عظيم، وكان عبد الملك بن مروان يكرمه، ويعرف فضله، ويقول: إني أهم بالشيء أفعله باهل المدينة لسوء أثرهم عندنا فأذكر أبا بكر بن عبد الرحمن فأستحيي منه وأترك ذلك الأمر من أجله، وله مناقب كثيرة
(3)
.
قال أبو داود: وكان قد كف، وكان إذا سجد يضع يده في طست لعلة كان يجدها
(4)
. والصحيح أنه مات في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. واللّه أعلم.
[قلت: ونظم بعض الشعراء بيتين ذكر فيهما الفقهاء السبعة فقال:
ألا كل منْ لا يقتدي بأئمةٍ
…
فقسمته حبرًا
(5)
عنِ الحقِّ خارجهْ
فخذهم عبيدُ الله عروةُ قاسم
…
سعيد أبو بكر سليمانُ خارجه
(6)
وفيها توفي:
الفضيل بن زيد الرَّقاشي
(7)
أحد زُهّاد أهل البصرة، وله مناقب وفضائل كثيرة جدًّا؛ قال: لا يلهينَّك الناس عن ذات نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكيت وكيت، فإنه محفوظ عليك ما قلت.
وقال: لم أر شيئًا أحسن طلبًا، ولا أسرع إدراكًا من حسنة حديثة لذنب قديم.
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري
(8)
كان أحد فقهاء المدينة، وكان إمامًا عالمًا، له
(1)
في نسب قريش (303): كان يسمى الراهب، وكان من سادة قريش.
(2)
نكت الهميان (131).
(3)
من قوله: وكان عبد الملك
…
إلى هنا ساقط من ط، والخبر في الطبقات لابن سعد (5/ 208 - 209) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 514).
(4)
سير أعلام النبلاء (4/ 417).
(5)
في الوفيات: ضيزى.
(6)
الأبيات في وفيات الأعيان (1/ 283).
(7)
ترجمة - الفضيل بن زيد - في طبقات ابن سعد (7/ 129) وطبقات خليفة (200) وتاريخ البخاري (7/ 119) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 453) وفيه قال الذهبي: توفي سنة خمس وتسعين.
(8)
ترجمة - أبي سلمة بن عبد الرحمن - في طبقات ابن سعد (5/ 155) وتاريخ خليفة (228) وطبقاته (242) =
روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة، وكان واسع العلم. توفي بالمدينة
(1)
.
عبد الرحمن بن عائذ الأزدي
(2)
، له روايات كثيرة، وكان عالمًا، وخَلَّف كتبًا كثيرة من علمه، روى عن جماعة من الصحابة، وأسر يوم وقعة ابن الأشعث فأطلقه الحجاج.
عبد الرحمن بن معاوية
(3)
بن حُدَيج
(4)
، قاضي مصر لعمر بن عبد العزيز بن مروان وصاحب شرطته كان عالمًا فاضلًا، روى الحديث، وعنه جماعة]
(5)
.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين
فيها غزا العباس بن الوليد بلاد الروم، وافتتح حصونًا كثيرة.
وفيها فتح مسلمة بن عبد الملك مدينة الباب من أرمينية وخربها ثم بناها بعد ذلك بتسع سنين
(6)
.
وفيها افتتح محمد بن القاسم مدينة المولتان من أرض الهند [وأخذ منها أموالًا جزيلة.
وفيها قدم موسى بن نصير من بلاد الأندلس إلى إفريقية ومعه الأموال على العَجَل تُحمل من كثرتها، ومعه ثلاثون ألف رأس من السَّبي
(7)
.
وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الشاش [ففتح مدنًا وأقاليم كثيرة] فلما كان هناك
(8)
جاءه الخبر
= وتاريخ البخاري (5/ 130) والمعرفة والتاريخ (1/ 558) وتهذيب الكمال (33/ 370) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 522 - 523) وسير أعلام النبلاء (4/ 287 - 292) وتهذيب التهذيب (12/ 115 - 118).
(1)
ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام خلاف المؤرخين في سنة موته.
(2)
ترجمة - عبد الرحمن بن عائذ - في طبقات خليفة (310 و 313) وتاريخ البخاري (5/ 324 - 325) والمعرفة والتاريخ (2/ 382 - 383) وأسد الغابة (3/ 303) وتهذيب الكمال (17/ 198) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 415 - 416) وسير أعلام النبلاء (4/ 487 - 489) والإصابة (2/ 405) وتهذيب التهذيب (6/ 203 - 204).
(3)
ترجمة - عبد الرحمن بن معاوية - في التاريخ الكبير (5/ 350) وتهذيب الكمال (17/ 412) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 416) وقال: توفي سنة خمس وتسعين. وتهذيب التهذيب (6/ 271 - 272).
(4)
في الأصل: خزيمة؛ تحريف، والتصحيح من مصادر الترجمة وتوضيح المشتبه (3/ 148).
(5)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(6)
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 263).
(7)
ما بين معكوفين زيادة من ط؛ والخبر في تاريخ خليفة (307) وتاريخ الطبري (6/ 492) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 263).
(8)
في الطبري (6/ 492) وابن الأثير (4/ 583): حتى إذا كان بالشاش أو بكشماهان أتاه
…
بموت الحجاج بن يوسف فقمعه ذلك ورجع بالناس إلى مدينة مرو، وتمثل بقول بعض الشعراء:
لعمري لنعم المرءُ من آل جعفبرٍ
…
بحَورانَ أمسى أعلقتهُ الحبائلُ
فإن تَحْيَ لا أملل
(1)
حياتي وإن تمت
…
فما في حياتي بعدَ موتكَ طائلُ
(2)
وفيها كتب الوليد إلى قتيبة بأن يستمر على ما هو عليه من مناجزة الأعداء، ويعده على ذلك ويجزيه خيرًا، ويثني عليه بما صنع من الجهاد وفتح البلاد [وقتال أهل الكفر والعناد]
(3)
.
وقد كان الحجاج استخلف على الصلاة ابنه عبد الله، فولَّى الوليد الصلاة والحرب بالمصرين - الكوفة والبصرة - يزيد بن أبي كبشة، وولَّى خراجهما يزيد بن أبي مسلم، وقيل كان الحجاج يستخلفهما على ذلك فأقرَّهما الوليد، واستمر سائر نواب الحجاج على ما كانوا عليه. وكانت وفاة الحجاج لخمس، وقيل لثلاث بقين من رمضان، وقيل مات في شوال من هذه السنة.
وحجَّ بالناس فيها بشر بن الوليد بن عبد الملك، قاله أبو معشر والواقدي.
وفيه قتل الوضاحي بأرض الروم ومعه ألف من أصحابه
(4)
.
وفي هذه السنة كان مولد أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
وهذه ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي
(5)
وذكر وفاته
هو الحجاج بن يوسف
(6)
بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتِّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف - وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن - أبو محمد الثقفي.
سمع ابن عباس، وروى عن أنس، وسَمُرة بن جندب، وعبد الملك بن مروان، وأبي بردة بن أبي موسى.
(1)
في ط: أملك.
(2)
الأبيات للحطيئة في ديوانه (ص 100) وذكر أنه خرج يريد علقمة بن علاثة وهو بحوران، فمات علقمة قبل أن يصل إليه الحطيئة؛ فقال أبياتًا منها هذين البيتين.
(3)
نص الكتاب في الطبري وابن الأثير.
(4)
الخبر في المنتظم لابن الجوزي (6/ 335) وفيه: وقتل معه نحو من ألفين من رجاله.
(5)
ترجمة - الحجاج بن يوسف - في تاريخ خليفة (533) ومواضع أخرى، وتاريخ البخاري (2/ 373) والمعرفة والتاريخ (3/ 492) ومواضع أخرى، وأنساب الأشراف (1/ 25) ومواضع أخرى كثيرة، والكامل لابن الأثير (4/ 584 - 587) ووفيات الأعيان (2/ 29 - 54) وتاريخ دمشق (12/ 113 - 205) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 314 - 327) وسير أعلام النبلاء (4/ 343) والوافي بالوفيات (315/ 11) وتهذيب التهذيب (2/ 210 - 213) والنجوم الزاهرة (1/ 230) وشذرات الذهب (1/ 377) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 51 - 85).
(6)
في تاريخ الإسلام: يوسف بن الحكم بن أبي عقيل.
وروى عنه: أنس بن مالك، وثابت البُناني، وحُميد الطويل، ومالك بن دينار، وجواد بن مجالد، وقتيبة بن مسلم، وسعيد بن أبي عروبة. قاله ابن عساكر
(1)
، قال: وكانت له بدمشق دور منها دار الراوية بقرب قصر ابن أبي الحديد. وولاه عبد الملك الحجاز فقتل ابن الزبير، ثم عزله عنها وولاه العراق. وقدم دمشق وافدًا على عبد الملك.
ثم روى من طريق المغيرة بن مسلم، نبأنا سالم بن قتيبة بن مسلم، قال
(2)
: سمعت أبي يقول: خطبنا الحجاج بن يوسف فذكر القبر، فما زالي يقول: إنه بيت الوحدة، وبيت الغربة، حتى بكى وأبكى من حوله، ثم قال: سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول: سمعت مروان يقول في خطبته: خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته: ما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر أو ذكره إلا بكى. وهذا الحديث له شاهد في سنن أبي داود
(3)
وغيره.
وساق من طريق أحمد بن عبد الجبار: حدّثنا سَيَّار، عن جعفر، عن مالك بن دينار قال: دخلت يومًا على الحجاج فقال لي: يا أبا يحيى ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: بلى! فقال: حدّثني أبو بردة، عن أبي موسى. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها في دبر صلاة مفروضة". وهذا الحديث له شاهد عن فضالة بن عبيد وغيره في السنن والمسانيد
(4)
والله أعلم.
قال الشافعي: سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة دخل على امرأته وهي تخلل - أي تخلل أسنانها لتخرج ما بينها من أذىً - وكان ذلك في أول النهار، فقال: والله لئن كنت باكرت الغذاء إنك لرعينة دنية، وإن كان الذي تخللين منه شيء بقي في فيك من البارحة إنك لقذرة، فطلقها فقالت: واللّه ما كان شيء مما ذكرت، ولكنني باكرت ما تباكره الحرة من السواك، فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لأخرجها. فقال المغيرة ليوسف أبي الحجاج: تزوجها فإنها لخليقة بأن تأتي برجل يسود، فتزوجها يوسف أبو الحجاج. قال الشافعي: فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام فقيل له في النوم: ما أسرع ما ألقحت بالمبير
(5)
.
(1)
تاريخ دمشق (12/ 113 - 114).
(2)
من قوله: نبأنا سالم .. إلى هنا زيادة من ب، وهي توافق تاريخ دمشق.
(3)
الحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه (12/ 114).
(4)
الحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه (12/ 114). وأما الشاهد من حديث فضالة بن عبيد الذي ذكره ابن كثير، فهو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاته، لم يحمد الله تعالى ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال صلى الله عليه وسلم: عجل هذا، ثم دعاه فقال له:(إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمججد الله تعالى والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بعدُ بما يشاء) رواه أحمد (6/ 18) وأبو داود رقم (1481) وغيرهما وهو حديث صحيح، ولكن ليس بمعنى الحديث الذي ذكره الحجاج.
(5)
تاريخ دمشق بسنده إلى الشافعي (12/ 115 - 116).
قال ابن خلكان
(1)
: واسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي، وكان زوجها الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب، وذكر عنه هذه الحكاية في السواك.
وذكر صاحب العقد
(2)
أن الحجاج كان هو وأبوه يعلمان الغلمان بالطائف، ثم قدم دمشق فكان عند رَوْح بن زنباع وزير عبد الملك، فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله ولا يرحلون لرحيله، فقال روح: عندي رجل توليه ذلك، فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش، فكان لا يتأخر أحد في النزول والرحيل، حتى اجتاز إلى فسطاط رَوْح بن زنباع وهم يأكلون فضربهم وطوّف بهم وأحرف الفسطاط، فشكا روح ذلك إلى عبد الملك، فقال للحجاج: لم صنعت هذا؟ فقال: لم أفعله إنما فعله أنت، فإن يدي يدك، وسوطي سوطك، وما ضرك إذا أعطيت روحًا فسطاطين بدل فسطاطه، وبدل الغلام غلامين، ولا تكسرني في الذي وليتني؟ ففعل ذلك، وتقدم الحجاج عنده.
قال: وبنى واسط في سنة أربع وثمانين، وفرغ منها في سنة ست وثمانين، وقيل قبل ذلك قال: وفي أيامه نقطت المصاحف، وذكر في حكايته ما يدل أنه كان أولًا يسمى كليبًا، ثم سُمي الحجاج. وذكر أنه ولد ولا مخرج له حتى فتق له مخرج، وأنه لم يرتضع أيامًا حتى سقوه دم جدي ثم دم سالخ
(3)
ولطخ وجهه بدمه فارتضع، وكانت فيه شهامة وحب لسفك الدماء، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي لطخ به وجهه.
ويقال إن أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط
(4)
، وقيل إنها أم أبيه، والله أعلم.
وكانت فيه شهامة عظيمة، وفي سيفه رهق، وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة، وكان يغضب غضب الملوك، وكان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه، وكان زياد يتسْبه بعمر بن الخطاب فيما يزعم أيضًا - ولا سواء ولا قريب -.
وقد ذكر ابن عساكر
(5)
في ترجمة سليم بن عتر التُّجيبي قاضي مصر، وكان من كبار التابعين. وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها.
والمقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها، فاجتاز بهما سليم بن عتر هذا فنهض إليه
(1)
وفيات الأعيان (2/ 29).
(2)
العقد الفريد لابن عبد ربه (3/ 6).
(3)
السالخ: الأسود الشديد السواد.
(4)
قال ابن خلِّكان (2/ 32): إن عمر بن الخطاب طاف في المدينة فسمع امرأة تنشد في خدرها:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها
…
أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
فأتى عمر بنصر وسيّره إلى البصرة.
(5)
مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (10/ 201) وقد سقط من تاريخ دمشق ط: دار الفكر من اسمه سليم.
أبو الحجاج فسلّم عليه، وقال له: إنه ذاهب إلى أمير المؤمنين، فهل من حاجة لك عنده؟ قال: نعم تسأله أن يعزلني عن القضاء. فقال: سبحان الله!! واللّه لا أعلم قاضيًا اليوم خيرًا منك. ثم رجع إلى ابنه الحجاج فقال له ابنه: يا أبة أتقوم إلى رجل من تُجيب وأنت ثقفي؟ فقال له: يا بني واللّه إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله. فقال: واللّه ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله، فقال: ولم يا بني؟ قال: لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين ولا يرونها شيئًا عند سيرتهما فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه، ولا يرون طاعته، واللّه لو خلص لي من الأمر شيء لأضربن عنق هذا وأمثاله. فقال له أبوه: يا بني واللّه إني لأظن أن الله عز وجل خلقك شقيًا.
وهذا يدل على أن أباه كان ذا وجاهة عند الخليفة
(1)
وأنه كان ذا فراسة صحيحة، فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك.
قالوا: وكان مولد الحجاج في سنة تسع وثلاثين، وقيل في سنة أربعين، وقيل في سنة إحدى وأربعين
(2)
.
ثم نشأ بلبابًا
(3)
فصيحًا بليغًا حافظًا للقرآن، قال بعض السلف: كان الحجاج يقرأ القرآن في كل ليلة
(4)
.
وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري، وكان الحسن أفصح منه
(5)
.
وقال الدارقطني
(6)
: ذكر سليمان بن أبي شيخ
(7)
، عن صالح بن سليمان قال: قال عتبة بن عمرو: ما رأيت عقول الناس إلا قريبًا بعضها من بعض، إلا الحجاج وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس.
وتقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة فحاصره بها وأقام للناس الحج عامئذ، ولم يتمكن ومن معه من الطواف بالبيت، ولا تمكن ابن
(1)
قال ابن قتيبة في المعارف (ص 173): فأما يوسف - والد الحجاج - فولي لعبد الملك بعض الولاية وكان معه بعض الألوية يوم قاتل الحنيف بن السجف جيش بن دلجة.
(2)
انظر ما ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق (12/ 115) في الخلات في سنة مولد الحجاج.
(3)
في ط: شابًا لبيبًا.
(4)
تاريخ دمشق (12/ 116).
(5)
تاريخ دمشق (12/ 116 - 117).
(6)
تاريخ دمشق (12/ 117) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 52) وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 316).
(7)
في ط: منيح؛ تحريف، والتصويب من ب وتاريخ دمشق.
الزبير ومن عنده من الوقوف بعرفة، ولم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث وسبعين فقتله كما قدمنا، وأقام للناس الحج أيضًا في سنة أربع وسبعين
(1)
، ثم استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن، ثم نقله إلى العراق بعد موت أخيه بشر بن مروان، فدخل على أهل الكوفة كما ذكرنا، وقال لهم وفعل بهم ما تقدم إيراده مفصلًا، فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة. وفتح فيها فتوحات كثيرة، هائلة منتشرة، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند، ففتح فيها جملة مدن وأقاليم، ووصلت خيوله أيضًا إلى قريب من بلاد الصين، وجرت له فصول قد ذكرنا منها طرفًا جيدًا. ونحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور والجراءة والإقدام، والتهاون في الأمور العظام، مما يمدح على مثله ومما يذم بقوله وفعله، مما ساقه الحافظ ابن عساكر
(2)
وغيره:
فروى أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن كثير ابن أخي إسماعيل بن جعفر المديني ما معناه: أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيّب - وذلك قبل أن يلي شيئًا - فجعل يرفع قبل الإمام ويقع قبله في السجود، فلما سلّم أخذ سعيد بطرف ردائه - وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة - فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه سعيد فقال له: يا سارق يا خائن، قصلي هذه الصلاة، لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك. فلم يرد عليه، ثم مضى الحجاج إلى الحج، ثم رجع فعاد إلى الشام، ثم جاء نائبًا على الحجاز. فلما قتل ابن الزبير كَرَّ راجعًا إلى المدينة نائبًا عليها، فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيّب، فقصده الحَجّاج فخشي الناس على سعيد منه، فجاء حتى جلس بين يديه فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ فضرب سعيد صدره بيده وقال: نعم! قال: فجزاك الله من معلم ومؤدب خيرًا، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك. ثم قام ومضى.
وروى الرّياشي، عن الأصمعي وأبي زيد، عن معاذ بن العلاء - أخي أبي عمرو بن العلاء - قال: لما قتل الحجّاج ابن الزبير ارتجّت مكة بالبكاء، فأمر الناس فجمعوا في المسجد ثم صعد المنبر فقال بعد حمد الله والثناء عليه: يا أهل مكة! بلغني إكباركم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها، فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله، ولو كان شيء مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الجنة، إن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأباح له كرامته، وأسكنه جنته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة، اذكروا الله يذكركم
(3)
.
(1)
ساق ابن عساكر هذا الخبر بالسند في تاريخه (12/ 117).
(2)
تاريخ دمشق (12/ 119) وتهذيبه (4/ 52 - 53).
(3)
تاريخ دمشق (12/ 120).
وقال الإمام أحمد
(1)
: حدّثنا إسحاق بن يوسف، نبأنا عوف
(2)
، عن أبي الصدّيق النّاجي: أن
الحَجّاج دخل على أسماء بنت أبي بكر بعد ما قتل ابنها عبد الله فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن
الله أذاقه من عذاب أليم، وفعل [به ما فعل]. فقالت: كذبتَ، كان برًا بوالديه، صوامًا قوامًا، واللّه لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه يخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير". ورواه أبو يعلى
(3)
: عن وهب بن بقية، عن خالد، عن عوف، عن أبي الصديق. قال: بلغني أن الحجاج دخل على أسماء فذكر مثله. وقال أبو يعلى: حدّثنا زهير، حدّثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن قيس بن الأحنف، عن أسماء بنت أبي بكر. قالت: سمعت رسول الله نهى عن المثلة. وسمعته يقول: "يخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير". قالت فقلت للحجاج: أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو يا حجاج. وقال عبد بن حُميد: أبنا يزيد بن هارون، أبنا العوام بن حوشب، حدّثني من سمع أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق تقول للحجّاج حين دخل عليها يعزِّيها في ابنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:"يخرج من ثقيف رجلان مبير وكذاب". فأما الكذاب فابن أبي عبيد - تعني المختار - وأما المبير فأنت
(4)
. وتقدم في صحيح مسلم
(5)
من وجه آخر أوردناه عند مقتل ابنها عبد الله بن الزبير رضي الله وقد رواه غير أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو يعلى
(6)
: حدّثنا أحمد بن عمر الوكيعي، حدّثنا وكيع حدَّثتنا أم غراب، عن امرأة يقال لها عقيلة، عن سلامة بنت الحر قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"في ثقيف كذاب ومبير". تفرّد به أبو يعلى.
وقد روى الإمام أحمد
(7)
: عن وكيع عن أم غراب - واسمها طلحة - عن عقيلة عن سلامة حديثًا آخر في الإمامة في الصلاة، وأخرجه أبو داود وابن ماجه
(8)
.
ورُوي من حديث ابن عمر فقال أبو يعلى
(9)
: حدّثنا أمية بن بسطام، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا إسرائيل، حدّثنا عبد الله بن عصمة قال: سمعت ابن عمر "أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في ثقيف مبيرًا وكذابًا"
(1)
مسند الإمام أحمد (6/ 351) وهو حديث صحيح وأخرجه ابن عساكر من طريق الإمام أحمد في تاريخه (12/ 121).
(2)
في ط، أ: عون؛ تحريف، والتصحيح من ب والمصادر.
(3)
ومن طريقه أخرجه ابن عساكر (12/ 121).
(4)
أخرجه ابن عساكر (12/ 122) من طريق عبد بن حميد.
(5)
صحيح مسلم رقم (2545) في فضائل الصحابة.
(6)
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (12/ 122).
(7)
مسند الإمام أحمد (6/ 381) وإسناده ضعيف.
(8)
سنن أبي داود رقم (581) في الصلاة، وسنن ابن ماجه رقم (982) في إقامة الصلاة.
(9)
مسند أبي يعلى الموصلي (10/ 125 - 126) رقم (5753).
وأخرجه الترمذي
(1)
من حديث شريك، عن عبد الله بن عصم ويقال عصمة. وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك.
وقال الشافعي: حدّثنا مسليم بن خالد، عن ابن جريج، عن نافع: أن ابن عمر اعتزل ليالي قتال ابن الزبير والحجاج بمنى، فكان يصلي مع الحجاج
(2)
.
وقال الثوري: عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه دخل على الحَجّاج فلم يسلِّم عليه ولم يكن يصلي وراءه. وقال إسحاق بن راهويه: أبنا جرير، عن القعقاع بن الصَّلْت قال: خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير غيّر كتاب الله، فقال ابن عمر: ما سلطه الله على ذلك، ولا أنت معه ولو شئت أقول: كذبتَ لفعلتُ
(3)
.
وروي عن شهر بن حوشب وغيره أن الحجاج أطال الخطبة فجعل ابن عمر يقول: الصلاة الصلاة مرارًا، ثم قام فأقام الصلاة فقام الناس، فصلَّى الحجاج بالناس، فلما انصرف قال لابن عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنما نجيء للصلاة فصلّ الصلاة لوقتها ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه
(4)
.
وقال الأصمعي: سمعت عمي يقول: بلغني أن الحجاج لما فرغ من ابن الزبير وقدم المدينة لقي شيخًا خارجًا من المدينة فسأله عن حال أهل المدينة، فقال: بشر حال، قتل ابن حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الحجاج: ومن قتله؟ فقال: الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله وتهلكته، من قليل المراقبة للّه. فغضب الحجاج غضبًا شديدًا ثم قال: أيها الشيخ! أتعرف الحجاج إذا رأيته؟ قال: نعم! فلا عرفه الله خيرًا ولا وقاه ضرًا. فكشف الحجاج عن لثامه وقال: ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة. فلما تحقق الشيخ الجد قال: واللّه إن هذا لهو العجب يا حجاج، لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة، أنا العباس بن أبي ثور
(5)
، أصرع كل يوم خمس مرات، فقال الحجاج: انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه
(6)
.
وقال الإمام أحمد
(7)
: حدّثنا عبد الصمد، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن ابن أبي رافع، عن
(1)
الجامع الصحيح للترمذي رقم (2220) في الفتن، ورقم (3944) في المناقب وأخرجه أحمد في مسنده (2/ 26 و 91 و 92) من طريق شريك، به، وهو حديث صحيح بشواهده.
(2)
تاريخ دمشق (12/ 123).
(3)
الخبر في مختصر تاريخ دمشق (6/ 204) وتهذيبه (4/ 54) وتاريخ الذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 317) وفيه: ثم بقبق ما شئت بعد من بقبقة.
(4)
مختصر تاريخ دمشق (6/ 204) وفيه: ثم بقبق بعد ذلك ما شئت من بقبقة. وبق الرجل يبقّ وأبق وبقبقة: كثر كلامه. اللسان (بقّ).
(5)
في أ، ط: داود؛ خطأ، والتصحيح من المصادر.
(6)
تاريخ دمشق (12/ 152 - 153) ومختصر تاريخ دمشق (6/ 212 - 213).
(7)
مسند الإمام أحمد (1/ 206) وتاريخ دمشق (12/ 125) بسنده إلى أحمد وإسناده حسن.
عبد الله بن جعفر أنه زوج ابنته من الحجاج بن يوسف فقال لها: إذا دخل بك فقولي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد الله رب العالمين - وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قال هذا - قال حماد: فظننت أنه قال: فلم يصل إليها
(1)
.
قال الشافعي: لما تزوج الحجاج بنت عبد اللّه بن جعفر
(2)
قال خالدبن يزيد بن معاوية لعبد الملك: أتمكنه من ذلك؟ فقال: وما بأس من ذلك. قال: أشد الناس واللّه، قال: وكيف؟ قال: واللّه يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صدري على آل الزبير منذ تزوجت رملة بنت الزبير، قال: وكأنه كان نائمًا فأيقظه، فكتب إلى الحَجّاج يعزم عليه بطلاقها فطلقها.
وقال سعيد بن أبي عروبة: حَجَّ الحجاج مرة فمر بين مكة والمدينة فأتي بغدائه فقال لحاجبه: انظر من يأكل معي، فذهب فإذا أعرابي نائم فضربه برجله وقال: أجب الأمير، فقام فلما دخل على الحجاج قال له: اغسل يديك ثم تغدّ معي، فقال: إنه دعاني من خير منك، قال: ومن؟ قال الله دعاني إلى الصوم فأجبته، قال: في هذا الحَرِّ الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد حرًا منه، قال: فأفطر وصم غدًا، قال: إن ضمنت لي البقاء لغدٍ. قال: ليس ذلك لي، قال: فكيف تسألني عاجلًا بآجل لا تقدر عليه؟ قال: إن طعامنا طعام طيب، قال: لم تطيبه أنت ولا الطّباخ، إنما طيبته العافية
(3)
.
فصل
قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين وخطبته إياهم بغتة، وتهديده ووعيده إياهم، وأنهم خافوه مخافة شديدة، وأنه قتل عمير بن ضابئ، وكذلك قتل كُميل بن زياد صبرًا، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدّمنا، ذكره من ظفره به بعد المطاولة والمقاتلة وتسلطه على من كان معه من الرؤساء والأمراء والعبّاد والقراء [حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير].
قال القاضي المعافى بن زكريا: حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد الكلبي، حدّثنا محمد بن زكريا الغَلَّابي، حدّثنا محمد - يعني ابن عبد الله بن عباس - عن عطاء - يعني ابن مصعب - عن عاصم قال: خطب الحَجَّاج أهل العراق بعد دير الجماجم، فقال: يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللّحم والدم، والعصب والمسامع، والأطراف
(4)
، ثم أفضى إلى الأسماخ
(5)
والأمخاخ والأشجاع، ثم ارتفع فعشش، ثم باض وفرخ، ثم دب ودرج. فَحَشاكم نفاقًا وشقاقًا، وأشعركم خلافًا، اتخذتموه
(1)
من قوله: أنه زوج ابنته
…
إلى هنا ساقط من ط.
(2)
من قوله: قال الشافعي .. إلى هنا ساقط من ط. والخبر بتمامه في تاريخ دمشق (12/ 125).
(3)
تاريخ دمشق (12/ 125 - 126) ومختصره (6/ 205).
(4)
في العقد الفريد (2/ 152): والأعضاء والشغاف. والمثبت يوافق تاريخ دمشق.
(5)
في العقد الفريد (2/ 152) والبيان والتبيين للجاحظ (2/ 120): الأصماخ.
دليلًا تتبعونه، وقائدًا تطيعونه، ومؤتمنًا تشاورونه وتستأمرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو ينفعكم بيان
(1)
؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث منيتم المكر واجتمعتم على الغدر، واتفقتم على الكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا واللّه أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذًا، وتنهزمون سراعًا. ويوم الزاوية وما يوم الزاوية، مما كان من فشلكم وتنازعكم وتجادلكم وبراءة الله منكم، ونكوس قلوبكم إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حين عضكم السلاح، ونَخَستكم الرماح. ويوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم، بها كانت المعارك والملاحم:
بضرب يُزيل الهام عن مقيلة
(2)
…
ويذهل الخليل عن خليله
يا أهل العراق يا أهل الكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات
(3)
، والنزوة بعد النزوات، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وجبنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون نعمة، ولا تشكرون معروفًا، هل استخفكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استنفركم عاصٍ، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع، إلّا لبيتم دعوته، وأجبتم صيحته، ونفرتم إليه خفافًا وثقالًا، وفرسانًا ورجالًا. يا أهل العراق هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟ يا أهل العراق ألم تنفعكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ ألم يشدد الله عليكم وطأته، ويذقكم حر سيفه، وأليم بأسه ومثلاته؟ ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنها القذر
(4)
، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذباب. يا أهل الشام! أنتم الجُبَّةُ والرِّداء، وأنتم الملاءة والحذاء، أنتم الأولياء والأنصار، والشعار دون الدثار، بكم يُذب عن البيضة والحوزة، وبكم ترمى كتائب الأعداء ويهزم من عاند وتولى
(5)
.
قال أبو بكر بن أبي الدنيا
(6)
: حدّثني محمد بن الحسين، حدّثنا عبيد الله بن محمد التميمي: سمعت شيخًا من قريش يكنى أبا بكر التيمي قال: كان الحجاج يقول في خطبته - وكان لَسِنًا - إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها، فأكلوا ثمارها وشربوا أنهارها وهتكوها بالمساحي والمرور، ثم
(1)
في العقد الفريد زيادة: أو تعظكم وقعة أو يحجزكم إسلام أو يردكم إيمان.
(2)
في تهذيب تاريخ دمشق (4/ 58): ضرب يقيل الهمام عن مقيله. والمثبت يوافق التاريخ.
(3)
في ط: يا أهل الفجران بعد الكفران والغدران بعد الخذلان
…
؛ وما أثبت يوافق العقد الفريد وتاريخ دمشق وتهذيب تاريخ دمشق.
(4)
في العقد الفريد (2/ 152): المدر، وفي تهذيب تاريخ ابن عساكر (4/ 58): القذف. والظليم: ذكر النعام. والرامح: المدافع.
(5)
عقد ابن عساكر في تاريخ دمشق (12/ 135 - 139) فصلًا لشرح المغلق من كلمات خطبة الحجاج، وانظر تهذيب تاريخ دمشق (4/ 59 - 62).
(6)
تاريخ دمشق (12/ 140) بسنده إلى ابن أبي الدنيا.
أدال الله الأرض منهم فردهم إليها فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها، وشربت دماءهم كما شربوا أنهارها، وقطعتهم في جوفها وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والمرور.
ومما رواه غير واحد عن الحجاج أنه قال في خطبته في المواعظ: [ألا أيها] الرجل وكلكم ذاك الرجل، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وكفها بزمامها عن معاصي الله، رحم الله امرأً رد نفسه، امرأً اتهم نفسه، امرأً اتخذ نفسه عدوة، امرأً حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرأً نظر إلى ميزانه، امرأً نظر إلى حسابه، امرأً وزن عمله، امرأً فكر فيما يقرأ غدًا في صحيفته ويراه في ميزانه، وكان عند قلبه زاجرًا، وعند همه آمرًا، امرأً أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كف، امرًا عقل عن الله أمره، امرأً فاق واستفاق، وأبغض المعاصي والنفاق، وكان إلى ما عند الله بالأشواق. فما زال يقول امرأً امرأً، حتى بكى مالك بن دينار
(1)
.
وقال المدائني: عن عوانة بن الحكم قال: قال الشَّعبي: سمعت الحجاج تكلّم بكلام ما سبقه إليه أحد، يقول: أما بعد فإن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء. فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل
(2)
.
وقال المدائني: عن أبي عبد الله الثقفي، عن عمه قال: سمعت الحسن البصري يقول: وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرأً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحريّ أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة
(3)
.
وقال شريك القاضي، عن عبد الملك بن عمير، قال: قال الحجاج يومًا: من كان له بلاء أعطيناه على قدره، فقام رجل فقال: أعطني فإني قتلت الحسين، فقال: وكيف قتلته؟ قال: دسرته بالرمح دسرًا، وهبرته بالسيف هبرًا، وما أشركت معي في قتلته أحدًا. فقال: اذهب فواللّه لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد، ولم يعطه شيئًا
(4)
.
وقال الهيثم بن عدي: جاء رجل إلى الحجاج فقال: إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمي في الديوان ومنعت العطاء وقد هدمت داري، فقال الحجاج، أما سمعت قول الشاعر:
(1)
الخطبة في تاريخ دمشق (12/ 140 - 141) والعقد الفريد (2/ 153).
(2)
تاريخ دمشق (12/ 142) وذكر المسعودي نحوها في مروج الذهب (3/ 185) ..
(3)
تاريخ دمشق (12/ 143).
(4)
الخبر في تاريخ دمشق (12/ 143) وتهذيب تاريخ ابن عساكر (4/ 63 - 64) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 319).
جانَيْكَ مَن يجني عليكَ وَقْد
(1)
…
تعدَّي الصِّحاحَ مَباركُ الجَرَبِ
ولربَّ مأخوذٍ بذنبِ قَريبهِ
…
ونجا المُقارفُ صاحبُ الذنْبِ؟
فقال الرجل: أيها الأمير! إني سمعت الله يقول غير هذا [وقول الله أصدق من هذا] قال: وما قال؟ قال {قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} [يوسف: 78 - 79] قال: يا غلام أعد اسمه في الديوان وابن داره، وأعطه عطاءه، ومرْ مناديًا ينادي: صدق الله وكذب الشاعر.
وقال الهيثم بن عدي: عن ابن عباس: كتب عبد الملك إلى الحجاج أن ابعث إليّ برأس أسلم بن عبد البكري لما بلغني عنه، فأحضره الحجاج فقال: أيها الأمير أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب، وقال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] وما بلغه باطل، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري وهن بالباب، فأمر الحجاج بإحضارهن، فلما حضرن جعلت هذه تقول: أنا خالته، وهذه أنا عمته، وهذه أنا أخته، وهذه أنا زوجته، وهذه أنا بنته، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان ودون العشرة، فقال لها الحجاج: من أنت؟ فقالت: أنا ابنته، ثم قالت: أصلح الله الأمير، وجثت على ركبتيها وقالت:
أحجّاجُ لم تشهد مقامَ بناتهِ
…
وعماتهِ يندبنهُ الليلَ أجمعا
أحجاجُ كم تقتلْ بهِ إن قتلتهُ
…
ثمانًا وعشرًا واثنتين وأربعا
أحجاجُ من هذا يقوم مقامهُ
…
علينا فمهلًا إنْ تزدنا تضعضعا
أحجاج إما أن تجودَ بنعمةٍ
…
علينا وإما أن تُقَتِّلنا معا
قال: فبكى الحجاج وقال: واللّه لا أعنت عليكن ولا زدتكن تضعضعًا، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرَّجل، وبما قالت ابنته هذه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإطلاقه وحسن صلته وبالإحسان إلى هذه الجارية وتفقدها في كل وقت
(2)
.
[وقيل: إن الحجاج خطب يومًا فقال: أيها الناس الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله. فقام إليه رجل فقال له: ويحك يا حجاج ما أصفق وجهك وأقل حياءك، تفعل ما تفعل وتقول مثل هذا الكلام؟ خبث وضل سعيك، فقال للحرس خذوه، فلما فرغ من خطبته قال له: ما الذي جرأك علي؟ فقال: ويحك يا حجاج، أنت تجترئ على الله ولا اجترئ أنا عليك، ومن أنت حتى لا أجترئ عليك وأنت تجترئ على الله رب العالمين، فقال: خلوا سبيله، فأطلق]
(3)
.
(1)
في ابن عساكر وتهذيبه: جانيك من يجني عليك وقد.
(2)
الخبر في تاريخ دمشق (12/ 145 - 146) وتهذيب ابن عساكر (4/ 64 - 65).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ ابن عساكر التهذيب (4/ 63) ووفيات الأعيان (2/ 31) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 319).
وقال المدائني: أُتي الحجاج بأسيرين من أصحاب ابن الأشعث فأمر بقتلهما، فقال أحدهما: إن لي عندك يدًا، قال: وما هي؟ قال: ذكر ابن الأشعث يومًا أمك فرددت عليه، فقال: ومن يشهد لك؟ قال: صاحبي هذا! فسأله، فقال: نعم! فقال: ما منعك أن تفعل كما فعل؟ قال: بغضك، قال: أطلقوا هذا لصدقه، وهذا لفعله
(1)
.
وحكى الواقدي أن الحجاج نادى في البلد: أي من خرج من بعد العشاء الآخرة من بيته قتل، فأُتي ليلة برجل، فقال: ما أخرجك من بيتك هذه الساعة من بعدما سمعت المنادي؟ فقال: أما واللّه إني لا أكذب الأمير، إن أمي مريضة هالكة، وأنا عندها منذ ثلاثة أيام، فلما كانت الساعة أفاقت وقالت: يا بني إني أعزم عليك إلا ما مضيت إلى أهلك وأولادك، فإنهم مغمومون بتخلفك عنهم، فخرجت من عندها فأخذني العسس، وأتوا بي إليك، فقال الحجاج: ننهاكم وتعصونا، ثم أمر به فضربت عنقه، قال: ثم أتى تاجر، فقال له الحجاج: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال: واللّه ما أكذبك إنه كان عندي لرجل دراهم، فأقعدني على بابه ولزمني، وقال: لا أفارقك إلا بحقي، فلما كان هذه الساعة دخل إلى منزله، وأغلق بابه، وتركني على بابه، فجاءني طائفك فأخذني إليك، فقال الحجاج: اضربوا عنقه، قال: ثم أتي بآخر، فقال له: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال: كنت أشرب مع قوم فلما سكرت خرجت من عندهم، وأنا لا أدري، فأخذوني إليك. فقال الحجاج لرجل كان عنده: ما أراه إلا صادقًا، ثم قال: خلّوا سبيله، فخلّوا سبيله
(2)
.
وذكر محمد بن زياد عن ابن الأعرابي فيما بلغه أنه كان رجل من بني حنيفة يقال له جحدر بن مالك وكان فاتكًا بأرض اليمامة، فأرسل الحجاج إلى نائبها يؤنبه ويلومه على عدم أخذه، فما زال نائبها في طلبه حتى أسره وبعث به إلى الحجاج، فقال له الحجاج: ما حملك على ما كنت تصنعه؟ فقال: جراءة الجنان، وجفاء السلطان، وكَلَب الزمان، ولو اختبرني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وشهم الفرسان، ولوجدني من أصلح رعيته، ذلك أني ما لقيت فارسًا قط إلا كنت عليه في نفسي مقتدرًا، فقال له الحجاج: إنا قاذفوك في حائر فيه أسد عاقر، فإن قتلك كفانا مؤنتك، وإن قتلته خلينا سبيلك. ثم أودعه السجن مقيدًا مغلولة يده اليمنى إلى عنقه، وكتب الحجاج إلى نائبه بكسكر أن يبعث بأسد عظيم ضار، وقد قال جحدر هذا في محبسه هذا أشعارًا يتحزن فيها على امرأته سليمى أم عمرو ويقول في بعضه:
أليسَ الليلُ يجمعُ أمَّ عمرو
…
وإيانا فذاكَ بنا تداني
بلى وترى الهلالَ كما نراهُ
…
ويعلوها النهارُ إذا علاني
(1)
تاريخ دمشق (12/ 146) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 65).
(2)
القصة بكاملها ساقطة من ط، ب وهي في تاريخ دمشق (12/ 178 - 179) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 80) عن عمر بن عبد العزيز أنه سأل عنبسة بن سعيد عن بعض ما رأى من عجائب الحجاج. وذكرها الذهبي بهذا السند.
إذا جاوزتما نخلات نجد
…
وأوديةَ اليمامةِ فانعياني
وقولا جحدرٌ أمسى رهينًا
…
يحاذرُ وقعَ مصقولٍ يماني
فلما قدم الأسد على الحجاج أمر به فجوِّع ثلاثة أيام، ثم أبرز إلى حائر - وهو البستان - وأمر بجحدر فأخرج في قيوده ويده اليمنى مغلولة بحالها، وأعطي سيفًا في يده اليسرى، وخلي بينه وبين الأسد، وجلس الحجاج وأصحابه في منظرة، وأقبل جحدر نحو الأسد وهو يقول:
ليثٌ وليثٌ في مجالٍ ضنكِ
…
كلاهما ذو أنفٍ ومحكِ
وشدةٍ في نفسهِ وفتكِ
…
إنْ يكشفِ الله قناعَ الشكِّ
فهوَ أحقُّ منزلٍ بتركِ
فلما نظر إليه الأسد زأر زأرة شديدة وتمطى وأقبل نحوه فلما صار منه على قدر رمح وثب الأسد على جحدر وثبة شديدة فتلقّاه جحدر بالسيف فضربه ضربة خالط ذباب السيف لهواته، فخر الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح، من شدة الضربة، وسقط جحدر من شدة وثبة الأسد ولموضع القيود عليه، فكبّر الحجاج وكبّر أصحابه وأنشأ جحدر يقول:
يا جُملُ إنكِ لو رأيتِ كريهتي
…
في يومِ هولٍ مسدفٍ وعجاجِ
وتقدُّمي لليثِ أرسفُ موثَقًا
…
كيما أساورهُ على الأخراجِ
شثنٌ براثنُه كأنَّ نيوبهُ
…
زرقُ المعاولِ أو شباةُ زجاجِ
يسمو بناظرتين تحسبُ فيهما
…
لهبًا أحدّهما شعاعُ سراجِ
وكأنما خيطت عليهِ عباءةٌ
…
برقاء أو خرقا منَ الديباجِ
لعلمتِ أني ذو حفاظٍ ماجدٍ
…
منْ نسلِ أقوامٍ ذوي أبراجِ
ثم التفت إلى الحجاج وقال:
ولئن قصدت إلى المنية عامدًا
…
إني لخيرك يا بن يوسف راج
علم النساء بأنني لا أنثني
…
إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
وعلمت أني إن كرهت نزاله
…
إني من الحجاج لست بناجي
(1)
فعند ذلك خيّره الحجاج إن شاء أقام عنده، وإن شاء انطلق إلى بلاده، فاختار المقام عند الحجاج، فأحسن جائزته وأعطاه أموالًا
(2)
.
وأنكر يومًا أن يكون الحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ابن بنته، فقال له يحيى بن يعمر: كذبتَ!
(1)
الأبيات الثلاثة ساقطة من ط.
(2)
تاريخ دمشق (12/ 148 - 150).
فقال الحجاج: لتأتيني على ما قلت ببينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك، فقال قال الله:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنعام: 84] إلى قوله {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى} [الأنعام: 85] فعيسى من ذرية إبراهيم، وهو إنما ينسب إلى إلى أمه مريم، والحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الحجاج: صدقت، ونفاه إلى خراسان
(1)
.
وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر، منها أنه كان يبدل إن المكسورة بأن المفتوحة وعكسه، وكان يقرأ [قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم] إلى قوله [أحب إليكم] فيقرؤها برفع أحب.
وقال الأصمعي وغيره: كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد، فقال للرسول: أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده؟ قال: نعم! فكتب الحجاج إلى عبد الملك: أما أمس فأجل، وأما اليوم فعمل، وأما غدًا فأمل
(2)
.
وقال ابن دريد
(3)
: عن أبي حاتم السجستاني، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى. قال: لما قَتَل الحجاج ابن الأشعث، وصَفت له العراق، وسّع على الناس في العطاء، فكتب إليه عبد الملك: أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع وتنفق في الأسبوع ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الشهر، ثم قال منشدًا:
عليك بتقوى الله في الأمرِ كلهِ
…
وكنْ يا عبيدَ اللّه
(4)
تخشى وتضرعُ
ووفِّر خراجَ المسلمينَ وفيئهم
…
وكنْ لهمُ حصنًا تجيرُ وتمنعُ
فكتب إليه الحجاج:
لعمري لقد جاء الرسولُ بكتبكم
…
قراطيسُ تملا ثم تطوى فتطبعُ
كتابٌ أتاني فيهِ لينٌ وغلظةٌ
…
وذكرتُ والذكرى لذي اللّبِّ تنفعُ
وكانتْ أمور تعتريني كثيرةٌ
…
فأرضخُ أو أعتل حينًا فأمنعُ
إذا كنتَ سوطًا من عذابٍ عليهمُ
…
ولمْ يك عندي بالمنافعِ مطمعُ
أيرضى بذاكَ الناسُ أو يسخطونهُ
…
أم احمد فيهمْ أمْ أُلام فأقذعُ
وكانَ بلاد جئتها حينَ جئتها
…
بها كلُّ نيرانِ العداوةِ تلمعُ
(1)
القصة متأخرة في أ، ب وهي في تاريخ دمشق (12/ 151 - 152) وتهذيب ابن عساكر (4/ 68) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 319).
(2)
تاريخ دمشق (12/ 153).
(3)
الخبر أخرجه ابن عساكر بسنده إلى ابن دريد (12/ 153 - 154).
(4)
في تاريخ دمشق: وكن لوعيد الله.
فقاسيتُ منها ما علمتَ ولم أزلْ
…
أصارع حتى كدتُ بالموتِ أصرعُ
وكم أرجفوا منْ رجفةٍ قد سمعتها
…
ولو كانَ غيري طارَ مما يروّعُ
وكنت إذا هموا بإحدى هناتهم
…
حسرت لهمْ رأسي ولا أتقنَعُ
فلو لمْ يذد عني صناديد منهمُ
…
تقسمَ أعضائي ذئابٌ وأَضْبُعُ
قال: فكتب إليه عبد الملك: أن اعمل برأيك
(1)
.
وقال الثوري: عن محمد بن المستورد الجُمَحي قال: أُتي الحَجّاج بسارق فقال له: لقد كنت غنيًا أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضوًا من أعضائك، فقال الرجل: إذا قل ذات اليد سخت النفس بالمتالف. قال: صدقت واللّه لو كان حسن اعتذار يبطل حدًا لكنتَ له موضعًا. يا غلام سيف صارم ورجل قاطع، فقطع يد
(2)
.
وقال أبو بكر بن مجاهد: عن محمد بن الجَهْم، عن الفَرّاء قال: تغدّى الحجاج يومًا مع الوليد بن عبد الملك، فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ
(3)
فقال: يا أمير المؤمنين الحلال ما أحللت، ولكني أنهى عنه أهل العراق وأهل عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح
(4)
{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88].
وقال عمر بن شَبّة: عن أشياخه قال: كتب عبد الملك إلى الحَجّاج يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال، وسفك الدماء، ويقول: إنما المال مال الله ونحن خزّانه، وسيان منع حق أو إعطاء باطل. وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات:
إذا أنتَ لم تتركْ أمورًا كرهتها
…
وتطلب رضائي في الذي أنا طالبهُ
وتخشى الذي يخشاهُ مثلكَ هاربًا
…
إلى الله منهُ صَّيّعَ الدُّرَّ جالبهْ
فإنْ ترَ مني غفلةً قُرشيّةً
…
فياربما قد غصَّ بالماءَ شاربهْ
وإنْ ترَ مني وثبةً أمويةً
…
فهذا وهذا كله أنا صاحبهْ
فلا تعدُ ما يأتيكَ مني فإنْ تعدْ
…
تقمْ فاعلمنْ يومًا عليكَ نوادبه
(5)
(1)
الخبر مع الشعر في تاريخ دمشق (12/ 153 - 154) وتهذيبه (4/ 69).
(2)
تاريخ دمشق (12/ 155).
(3)
وفي حاشية ط: ما يُسمى في هذا العصر نبيذًا، هو الخمر المحض، وهو غير ما كان سلفنا يسميه نبيذًا. والنبيذ عندهم: هو الحمر أو الزبيب يترك عليه الماء. ويسمونه بعد ذلك نبيذًا سواء أسكر أو لم يسكر وفي كلتا الحالتين، فإنه أشبه بعصير القصب اليوم، إن لم يكن دونه.
(4)
المصدر نفسه.
(5)
في مروج الذهب للمسعودي (3/ 134):
ولا تعدُ ما يأتيك مني وإن تعُدْ
…
يقوم بها يومًا عليك نوادبه
فلما قرأه الحجاج كتب: أما بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرَفي في الأموال، والدماء، فواللّه ما بالغت في عقوبة أهل المعصية، ولا قضيت حق أهل الطاعة، فإن كان ذلك سرفًا فليحدّ لي أمير المؤمنين حدًا أنتهي إليه ولا أتجاوزه، وكتب في أسفل الكتاب:
إذا أنا لمْ أطلبْ رضاكَ وأتقي
…
أذاكَ فيومي لا توارت
(1)
كواكبهْ
إذا قارفَ الحجاج فيك خطيئة
…
فقامتْ عليه في الصباح نوادبهْ
أُسالمُ من سالمت من ذي هوادةٍ
…
ومنْ لا تسالمهُ فإني محاربهْ
إذا أنا لمْ أُدنِ الشفيقَ لنصحهِ
…
وأُقصِ الذي تسري إليَّ عقاربهْ
فمن يتقي يومي ويرجو إذا عدى
…
على ما أرى والدهرُ جمٌّ عجائبه
(2)
وعن الشافعي أنه قال: قال الوليد بن عبد الملك للغاز بن ربيعة أن يسأل الحجاج فيما بينه وبينه: هل يجد في نفسه مما أصاب من الدنيا شيئًا؟ فسأله كما أمره، فقال: واللّه ما أحب أن لي لبنان أو سنير
(3)
ذهبًا أنفقه في سبيل الله مكان ما أبلاني الله من الطاعة
(4)
. واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
فصل فيما رُوي عنه من الكلمات النافعة والجراءة البالغة
قال أبو داود
(5)
: حدّثنا محمد بن العلاء، حدّثنا أبو بكر عن عاصم قال: سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول: اتقوا الله ما استطعتم، ليس فيها مثنويَّة
(6)
، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنويَّة لأمير المؤمنين عبد الملك، واللّه لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلَّت لي دماؤهم وأموالهم، واللّه لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالًا، ويا عذيري من عبد هذيل يزعم أن قراءته من عند الله، واللّه ما هي إلّا رجز من رجز الأعراب ما أنزلها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وعذيري من هذه الحمراء
(7)
، يزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول إلى أنه يقع الحجر: حدث أمر، فواللّه لأدعنَهم كالأمس الدابر. قال: فذكرته للأعمش فقال: وأنا واللّه سمعته منه.
(1)
في مروج الذهب: لا تزول.
(2)
الخبر بكامله والأبيات في مروج الذهب (3/ 134 - 135) وتاريخ دمشق (12/ 155 - 156) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 70 - 71) ورواية البيت الأخير في مروج الذهب:
فمن ذا الذي يرجو نوالي ويتقي
…
مصاولتي، والدهر حمّ نوابه
(3)
في ط: سبير - بالباء - وسنير: جبل بين حمص وبعلبك على الطريق وعلى رأسه قلعة سنير. معجم البلدان (سنير).
(4)
الخبر بأطول مما هنا في تاريخ دمشق (12/ 157 - 158).
(5)
سنن أبي داود رقم (4643) في السنة، والخبر بكامله في تاريخ دمشق (12/ 159) وهو حديث صحيح.
(6)
أي: استثناء.
(7)
هم الموالي، لأن العرب تسمي الموالي الحمراء.
ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة: عن محمد بن يزيد، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود والأعمش أنهما سمعا الحَجَّاج قبَّحه الله يقول ذلك، وفيه: واللّه لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا الباب لحلَّت لي دماؤكم، ولا أجد أحدًا يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، ولأحكنَّها من المصحف ولو بضلع خنزير. ورواه غير واحد عن أبي بكر بن عياش بنحوه، وفي بعض الروايات: واللّه لو أدركت عبد هذيل لأضربن عنقه
(1)
.
وهذا من جراءة الحجاج قبحه الله، وإقدامه على الكلام السيئ، والذماء الحرام. وإنما نقم على قراءة ابن مسعود رضي الله عنه لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام الذي جمع الناس عليه عثمان، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه واللّه أعلم.
وقال علي بن عبد الله بن مبشر، عن عباس الدوري، عن مسلم بن إبراهيم: حدّثنا الصَّلت بن دينار سمعت الحجاج على منبر واسط يقول: عبد الله بن مسعود رأس المنافقين، لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه
(2)
.
قال: وسمعته على منبر واسط وتلا هذه الآية: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] قال: واللّه إن كان سليمان لحسودًا.
وهذه جراءة عظيمة تفضي به إلى الكفر: قبحه الله وأخزاه، وأبعده وأقصاه
(3)
.
ومن الطامات أيضًا ما رواه أبو داود
(4)
أيضًا: حدّثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، حدّثنا جرير. وحدّثنا زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن المغيرة، عن الربيع
(5)
بن خالد الضبي قال: سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: لله عليّ أن لا أصلّي خلفك صلاة أبدًا، وإن وجدت قومًا يجاهدونك لأجاهدنك معهم.
زاد إسحاق في حديثه: فقاتل في الجماجم حتى قتل.
فإن صَحَّ هذا عنه، فظاهره كفر إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة، أو أراد أن الخليفة من بني أمية أفضل من الرسول.
(1)
الخبر بكامله في تاريخ دمشق (12/ 160) وتهذيبه (4/ 72) وبالرواية الثانية في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 319 - 320).
(2)
تاريخ دمشق (12/ 161) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 72) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 320).
(3)
بعدها في ط كلام من الواضح أنه من زيادات النساخ وهو في فضائل ابن مسعود رضي الله عنه، ولا مكان له هنا، والأولى أن يكون مع ترجمته.
(4)
سنن أبي داود رقم (4642) في السنة، والخبر بالسند نفسه في تاريخ دمشق (12/ 158) وإسناده ضعيف.
(5)
في الأصل: بزيغ، والتصحيح من سنن أبي داود وكتب الرجال.
وقال الأصمعي: حدّثنا أبو عاصم النبيل، حدّثنا أبو حفص الثقفي قال: خطب الحجاج يومًا فأقبل عن يمينه فقال: ألا إن الحجاج كافر، ثم أطرق فقال: إن الحجاج كافر، ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال: ألا إن الحجاج كافر، فعل ذلك مرارًا، ثم قال: كافر يا أهل العراق بالّلات والعزّى
(1)
.
وقال حنبل بن إسحاق: حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضمرة، حدّثنا ابن شوذب، عن مالك بن دينار قال: بينما الحجاج يخطبنا يومًا إذ قال: الحجاج كافر، قلنا: ما له؟ أي شيء يريد؟ قال: الحجاج كافر بيوم الأربعاء والبغلة الشهباء.
وقال الأصمعي: قال عبد الملك يومًا للحجاج: ما من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه. فصف عيب نفسك، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، فأبى، فقال: أنا لجوج حقود حسود، فقال عبد الملك: ما في الشيطان شر مما ذكرت
(2)
. وفي رواية أنه قال: إذًا بينك وبين إبليس نسب.
وبالجملة فقد كان الحجاج نقمة على أهل العراق بما سلف لهم من الذنوب والخروج على الأئمة، وخذلانهم لهم، وعصيانهم، ومخالفتهم، والافتئات عليهم.
قال يعقوب بن سفيان: حدّثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدّثني معاوية بن صالح، عن شريح بن عبيد عمن حدثه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق حصبوا أميرهم فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة فسها فيها، حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فلما سلّم أقبل على الناس فقال: من هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل، ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثًا أو رابعًا، فقال: يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرّخ، اللهم إنهم قد لبسوا عليهم فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لايقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم
(3)
. وقد رويناه في كتاب مسند عمر بن الخطاب من طريق أبي عذبة الحمصي عن عمر مثله.
وقال عبد الرزاق: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، عن الحسن قال علي بن أبي طالب: اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني، فسلّط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيها بحكم الجاهلية. قال يقول الحسن: وما خلق الحجاج يومئذ
(4)
.
(1)
الخبر في تاريخ دمشق (12/ 166) وتهذيبه (4/ 74 - 75).
(2)
المصدر نفسه (12/ 167).
(3)
تاريخ دمشق (12/ 168) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 321) وتهذيب ابن عساكر (4/ 75) وذكره البيهقي في الدلائل عن أبي عذبة الحمصي.
(4)
دلائل النبوة للبيهقي (6/ 488) وتاريخ دمشق (12/ 168 - 169) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 321) وتهذيب ابن عساكر (4/ 75) وإسناده منقطع كما قال المصنف في دلائل النبوة من البداية والنهاية (6/ 238).
ورواه معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أيوب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن علي أنه قال: الشاب الذيال أمير المصرين يلبس فروتها ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته.
وقال الحافظ البيهقي في "دلائل النبوة"
(1)
: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوب: حدّثنا سعيد بن مسعود. حدّثنا يزيد بن هارون، أنبأ العوام بن حوشب، حدّثني حبيب بن أبي ثابت. قال قال علي لرجل: لا متّ حتى تدرك فتى ثقيف، قال: وما فتى ثقيف؟ قال: ليقالن له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة، أو بضعًا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة، وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يقتل بمن أطاعه من عصاه.
وقال الطبراني
(2)
: حدّثنا القاسم بن زكريا، حدّثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّي
(3)
، حدّثنا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الشعبي، عن أم حكيم بنت عمروبن سنان الجدلية قالت: استأذن الأشعث بن قيس على علي فرده قنبر فأدمى أنفه فخرج عليٍّ فقال: ما لك وله يا أشعث، أما واللّه لو بعبد ثقيف تحرشت لاقشعرت شعيرات استك، قيل له: يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلًا، قيل كم يملك؟ قال عشرين إن بلغ.
وقال البيهقي
(4)
أنبأنا أبو عبد الله الحافظ: أبنا الحسين بن الحسن بن أيوب، حدّثنا أبو حاتم الرازي، حدّثنا عبد الله بن يوسف بن التِّنيسي، حدّثنا [هشام] بن يحيى الغسانى
(5)
قال قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم.
وقال أبو بكر بن عياش: عن عاصم بن أبي النجود أنه قال: ما بقيت للّه عز وجل حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج
(6)
.
وقد تقدم الحديث "إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا" وقد ذكرنا شأن المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث، وقد كان يظهر الرفض أولًا ويبطن الكفر المحض، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا، وقد كان ناصبيًّا يبغض عليًا وشيعته في هوى آل مروان وبني أمية، وكان جبارًا عنيدًا، مقدامًا على سفك الدماء بأدنى شبهة. وقد رُوي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدَّمنا. فإن كان قد تاب منها وأقلع
(1)
دلائل النبوة (6/ 489) ومن طريقه رواه ابن عساكر في تاريخه (12/ 168 - 169) وإسناده ضعيف لانقطاعه.
(2)
المعجم الكبير (1/ 237) رقم (651) ومن طريقه رواه ابن عساكر في تاريخه (12/ 169) وإسناده ضعيف.
(3)
في ط: "السدوسي" محرف، وهو الفزاري، من رجال التهذيب.
(4)
دلائل النبوة (6/ 489).
(5)
في ط: الغاني؛ خطأ، والتصحيح من دلائل النبوة.
(6)
تهذيب تاريخ دمشق (4/ 84) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 324).
عنها، وإلا فهو باقٍ في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جدًّا لوجوه، وربما حرّفوا عليه بعض الكَلِم. وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات.
وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسْكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعًا في سفك الدماء فاللّه تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وسرائرها، وخفيات الصدور والضمائر.
[قلت: الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله عز وجل، وقد كان حريصًا على الجهاد وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيرًا، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم. واللّه أعلم]
(1)
.
وقال المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طَرارا البغدادي: حدّثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن عبيد، حدّثنا هشام بن محمد بن السّائب الكلبي، حدّثنا عَوَانة بن الحكم الكلبي. قال: دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف فلما وقف بين يديه قال له: إيه إيه يا أنيس، يوم لك مع علي، ويوم لك مع ابن الزبير، ويوم لك مع ابن الأشعث، واللّه لأستأصلنك كما تستأصل الشاة. ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة. فقال أنس: إياي يعني الأمير أصلحه الله؟ قال: إياك أنحي صك الله سمعك، قال أنس: إنا للّه وإنا إليه راجعون، واللّه لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت. ولا أي ميتة مت، ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبًا، وشفق عجبًا، وتعاظم ذلك من الحجاج، كان كتاب أنس إلى عبد الملك:
بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أما بعد: فإن الحجاج قال لي: هُجرًا، وأسمعني نكرًا، ولم أكن لذلك أهلًا، فخذْلي على يديه، فإني أمتُّ بخدمتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتي إياه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مصادقًا للحجاج - فقال له: دونك كتابيّ هذين فخذهما واركب البريد إلى العراق، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فادفع كتابي إليه وأبلغه مني السلام، وقل له: يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتابًا إذا قرأه كان أطوع لك من أَمَتِكَ، وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك:
بسم الله الرحمن الرحيم! من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج، وما سلطته عليك ولا أمرته بالإساءة إليك، فإن عاد لمثلها اكتب إليّ بذلك أُنزل به عقوبتي، وتحسن لك معونتي. والسلام.
(1)
ما بينهما زيادة من ط.
فلما قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين وأخبر برسالته قال: جزى الله أمير المؤمنين عني خيرًا، وعافاه وكفاه وكافأه بالجنة، فهذا كان ظني به والرجاء منه. فقال إسماعيل بن عبيد الله لأنس: يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين، وليس بك عنه غنىً، ولا بأهل بيتك، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك، فقاربه وداره [تعش معه بخير وسلام]. فقال أنس: أفعل إن شاء الله. ثم خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فلما رآه الحجاج قال: مرحبًا برجل أُحبه وكنت أحب لقاءه، فقال إسماعيل: أنا واللّه كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به [فتغير لون الحجاج وخاف] وقال: ما أتيتني به؟ قال: فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس غضبًا عليك، ومنك بعدًا، قال: فاستوى الحجاج جالسًا مرعوبًا، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق، وينظر إلى إسماعيل أخرى، فلما فضه قال: قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضاه، فقال له إسماعيل: لا تعجل! فقال: كيف لا أعجل وقد أتيتني بآبدة؟ وكان في الطومار:
بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، فسموت فيها وعدوت طورك، وجاوزت فدرك، وركبت داهية إدًّا، وأردت أن تبرزني
(1)
فإن سوغتكها مضيت قدمًا، وإن لم أسوغكها رجعت القهقرى، فلعنك الله من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين. أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، وحفرهم الآبار، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا بن المستفرمة بعجم الزبيب، والله لأغمزنك غمز اللَّيث الثعلب، والصقر الأرنب. وثبت على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، فلم تقبل له إحسانه، ولم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب عز وجل، واستخفافًا منك بالعهد، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلًا خدم عزير بن عزرى، وعيسى بن مريم، لعظَّمته وشرفته وأكرمته وأحبته [بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه]
(2)
فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين، يطلعه على سره، ويشاوره في أمره، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله، وإلا أتاك مني سهم مثكل بخسفٍ قاض
(3)
{لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 67]
(4)
وقد تكلم ابن طرارا على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة، واللّه أعلم.
وقال الإمام أحمد
(5)
: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الزبير - يعني ابن عدي -
(1)
في ط: تبدو لي، وما أثبت عن تهذيب تاريخ دمشق.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، ليست في تاريخ دمشق.
(3)
في ط: سهم بكل حتفٍ قاص؛ وما أثبت عن أ، ب وتهذيب تاريخ دمشق.
(4)
نص الكتاب في تاريخ دمشق (12/ 171 - 173) وتهذيبه (4/ 77 - 78).
(5)
مسند الإمام أحمد (3/ 132 و 177) وتاريخ دمشق (12/ 174).
قال: أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم عام أو زمان أو يوم إلا والذي بعده شرّ منه، حتى تلقوا ربكم عز وجل، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه البخاري
(1)
عن محمد بن يوسف، عن سفيان وهو الثوري، عن الزُّبير بن عدي، عن أنس قال:"لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه" الحديث. قلت: ومن الناس من يروي هذا الحديث بالمعنى فيقول: كل عام ترذلون. وهذا اللفظ لا أصل له، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث، واللّه أعلم
(2)
.
وقد قال سفيان الثوري: عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى. قال: يأتى على الناس زمان يصلّون فيه على الحَجَّاج
(3)
.
وقال أبو نعيم: عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر. قال: قال الشعبي: والله لئن بقيتم لتمنَّون الحجَّاج.
وقال الأصمعي: قيل للحسن: إنك تقول: الآخر شر من الأول، وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحَجّاج. فقال الحسن: لا بد للناس من متنفسات
(4)
.
وقال ميمون بن مهران: بعث الحجاج إلى الحسن وقد همّ به، فلما قام بين يديه قال: يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب؟ قال: كثير، قال: فأين هم؟ قال: ماتوا قال: فنكّس الحجاج رأسه وخرج الحسن.
وقال أيوب السختياني: إن الحجاج أراد قتل الحسن مرارًا فعصمه الله منه، وقد ذكر له معه مناظرات، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك،
(1)
صحيح البخاري رقم (7068) في الفتن.
(2)
بعدها في ط التعليق التالي وواضح أنه من زيادة النساخ أو تلاميذ المؤلف رحمه الله. فالفتنة التيمورية بعد عصر المؤلف.
قلت: قد مر بي مرة من كلام عائشة مرفوعًا وموقوفًا: "كل يوم ترذلون" ورأيت للإمام أحمد كلامًا قال فيه: وروي في الحديث: "كل يوم ترذلون نسمًا خبيثًا" فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعًا، ومثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل، وقد رُوي عن الحسن مثل ذلك، واللّه أعلم. فدلّ على أن له أصلًا إما مرفوعًا وإما من كلام السلف، لم يزل يتناوله الناس قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، حتى وصل إلى هذه الأزمان، وهو موجود في كل يوم، بل في كل ساعة تفوح رائحته، ولاسيما من بعد فتنة تمرلنك، وإلى الآن نجد الرذالة في كل شيء، وهذا ظاهر لمن تأمله، واللّه سبحانه وتعالى أعلم. أقول: لا أصل له مرفوعًا، كما قال المؤلف رحمه الله، وإنما قال بعضهم: هو من كلام الحسن البصري.
(3)
تاريخ دمشق (12/ 175). وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 78) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 322).
(4)
في ط: تنفيسات، وما أثبت يوافق تاريخ دمشق (12/ 175) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 78).
وإنما خرج معهم مكرهًا كما قدَّمنا، وكان الحسن يقول: إنما هو نقمة فلا تقابلوا نقمة الله بالسيف، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع
(1)
.
وقال ابن دريد عن الحسن بن الخضر عن ابن عائشة. قال: أتى الوليد بن عبد الملك رجل من الخوارج فقيل له: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيرًا، قال فعثمان؟ فأثنى خيرًا [قيل له: فما تقول في علي؟ فأثنى خيرًا، فذكر له الخلفاء واحدًا بعد واحد، فيثني على كل بما يناسبه]
(2)
حتى قيل له: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال: الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من بعض خطاياه؟
(3)
.
وقال الأصمعي: عن علي بن مسلم الباهلي قال: أُتي الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلامًا، فقال لها بعض الشرط: يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه؟ فقالت: إني لأستحي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت
(4)
.
وقد ذكرنا في سنة أربع وتسعين كيفية مقتل الحجاج لسعيد بن جبير، وما دار بينهما من الكلام والمراجعة.
وقد قال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدّثنا أبو ظفر، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن بسطام بن مسلم، عن قتادة قال قيل لسعيد بن جبير: خرجت على الحَجَّاج؟ قال: إني واللّه ما خرجت عليه حتى كفر
(5)
.
ويقال إنه لم يقتل بعده إلا رجلًا واحدًا اسمه ماهان، وكان قد قتل قبله خلقًا كثيرًا، أكثرهم ممن خرج مع ابن الأشعث.
وقال أبو عيسى الترمذي
(6)
: حدّثنا أبو داود سليمان بن سَلْم
(7)
البلخي، حدّثنا النضر بن شميل، عن هشام بن حَسَّان قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرًا فبلغ مئة ألف وعشرين ألفًا.
قال الأصمعي: حدّثنا أبو عاصم، عن عَبّاد بن كثير، عن قَحْذَم قال: أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحدًا وثمانين ألف أسير، وعرضت السجون بعد الحجَّاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفًا، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب
(8)
.
(1)
الخبر والذي قبله في تاريخ دمشق (12/ 175 - 176) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 79 - 80) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 322) عن مالك بن دينار.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
الخبر في تاريخ دمشق (12/ 179 - 180) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 81).
(4)
المصدر نفسه.
(5)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 323).
(6)
جامع الترمذي رقم (2220) في الفتن، وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 83).
(7)
في ط:" سليمان بن مسلم" محرف، وهو من رجال التهذيب.
(8)
تهذيب تاريخ دمشق (4/ 83) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 323).
وكان فيمن حبس أعرابي وُجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أُطلق فأنشأ يقول:
إذا نحنُ جاوزنا مدينةَ واسطٍ
…
خرينا وصلينا بغير حسابِ
(1)
وقد كان الحجاج مع هذا العنف الشديد لا يستخرج من خراج العراق كبير أمر.
قال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ
(2)
، حدّثنا صالح بن سليمان قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخَسَّ به إلى أن صيَّره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدَّى إليّ عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدي إليّ ما أُدّي إلى عمر بن الخطاب مئة ألف ألف وعشرة آلاف ألف
(3)
.
وقال أبو بكر بن المقري: حدّثنا أبو عروبة، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبي: سمعت جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: بلغني أنك تستن بسنن الحجاج فلا تستن بسنته، فإنه كان يصلِّي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع
(4)
.
وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا سعيد بن أسد، حدّثنا ضمرة، عن الرَّيَّان بن مسلم. قال: بعث عمر بن عبد العزيز بآل بيت أبي عقيل - أهل بيت الحجاج - إلى صاحب اليمن وكتب إليه: أما بعد فإني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شرّ بيت في العرب، ففرّقهم في العمل على قدر هوانهم على الله وعلينا، وعليك السلام. وإنما نفاهم
(5)
.
وقال الأوزاعي: سمعت القاسم بن مُخيمرة يقول: كان الحجاج ينقض عرى الإسلام
(6)
، وذكر حكاية.
وقال أبو بكر بن عياش: عن عاصم: لم يبق للّه حرمة إلا ارتكبها الحَجَّاج بن يوسف
(7)
.
وقال يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش: اختلفوا في الحَجاج فسألوا مجاهدًا فقال: تسألون عن الشيخ الكافر؟!.
(1)
الخبر في تاريخ دمشق (12/ 184) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 83) والعقد الفريد (3/ 17) وفيه الشطر الثاني: خرينا وبلنا لا نخاف عقابا
(2)
في ط: "سنح" محرف.
(3)
تاريخ دمشق (12/ 185) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 84) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 323 - 324).
(4)
تاريخ دمشق (12/ 187) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 83).
(5)
المصدر نفسه.
(6)
تاريخ دمشق (12/ 188) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 84).
(7)
تهذيب تاريخ دمشق (4/ 84) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 324).
وروى ابن عساكر
(1)
: عن الشعبي أنه قال: الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر باللّه العظيم. [كذا قال والله أعلم].
وقال الثوري: عن معمر، عن طاووس عن أبيه قال: عجبًا لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنًا
(2)
؟!
وقال الثوري: عن ابن عون: سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج: أتشهد أنه من أهل النار؟ قال أتأمروني أن أشهد على الله العظيم.
وقال الثوري عن منصور: سألت إبراهيم عن الحَجّاج أو بعض الجبابرة فقال: أليس الله يقول {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] وبه قال إبراهيم وكفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج
(3)
.
وقال سلام بن أبي مطيع لأنا بالحجاج أرجى مني لعمرو بن عبيد، لأن الحجاج قتل الناس على الدنيا، وعمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة شنعاء، قتل الناس بعضهم بعضًا
(4)
.
وقال الزبرقان: سببت الحَجّاج يومًا عند أبي وائل فقال: لا تسبه لعله قال يومًا اللهم ارحمني فيرحمه، إياك ومجالسة من يقول أرأيت أرأيت أرأيت.
وقال عوف: ذكر الحَجّاج عند محمد بن سيرين فقال: مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله عز وجل فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئًا له، وإن يلق الله بقلب سليم فهو خير منا، وقد أصاب الذنوب من هو خير منه. فقيل له: ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم الله تعالى منه الحياء والإيمان، وأن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق قائمة، وأن الله يبعث من في القبور
(5)
.
وقال أبو قاسم البغوي
(6)
: حدّثنا أبو سعيد، حدَّثنا أبو أسامة قال: قال رجل لسفيان الثوري: أتشهد على الحجاج وعلى أبي مسلم
(7)
أنهما في النار؟ قال: لا! إذا أقرّا بالتوحيد.
وقال الرياشي: حدّثنا عباس
(8)
الأزرق، عن السَّري بن يحيى، قال: مَرَّ الحجاج في يوم جمعة
(1)
تاريخ دمشق (12/ 187).
(2)
تاريخ دمشق (12/ 188) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 84) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 324).
(3)
المصدر نفسه.
(4)
تاريخ دمشق (12/ 189 - 190).
(5)
تاريخ دمشق (12/ 190) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 84).
(6)
رواه ابن عساكر في تاريخه (12/ 190).
(7)
في ط: "أبي مسلم الخراساني"، وهو بعيد والمقصود بابي مسلم رحمه الله واللّه أعلم - يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج وسيّافه، فهذه كنيته.
(8)
تحرفت في (أ) إلى: عياش.
فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟ فقيل أهل السجون يقولون قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة
(1)
.
وقال بعضهم: رأيته وهو يأتي الجمعة وقد كاد يهلك من العلة.
وقال الأصمعي: لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته فقال في خطبته: إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم
(2)
فقالوا: مات الحجاج، ومات الحجاج فمه؟! فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ واللّه ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس، قال الله له {إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} [الأعراف: 15] فأنظره إلى يوم الدين، ولقد دعا الله العبد الصالح فقال {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] فأعطاه الله ذلك إلا البقاء
(3)
. [ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] فما عسى أن يكون أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كأني واللّه بكل حي منكم ميتًا، وبكل رطب يابسًا، ثم نقل في أثياب أكفانه [فخد له في الأرض] ثلاثة أذرع
(4)
طولًا في ذراع عرضًا، فأكلت لحمه، ومصَّت صديده، وانصرف الحبيب من ولده يقسبم الحبيب من ماله، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول، ثم نزل
(5)
.
وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما حسَدْتُ الحَجَّاج عدو الله على شيء حَسَدي إياه على حُبّه القرآن وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل
(6)
.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا علي بن الجعد، حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر. قال: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل
(7)
.
(1)
تاريخ دمشق (12/ 192) وتهذيب تاريخ دمشق (84 - 85) ومروج الذهب (3/ 167) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 325).
(2)
في مروج الذهب وتاريخ الإسلام: نفخ الشيطان في مناخرهم.
(3)
في مروج الذهب (3/ 167) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 10/ ص 325): ثم اضمحل فكأن لم يكن.
(4)
في مروج الذهب وتاريخ الإسلام: وبكل امرئ في ثياب طهور إلى بيت حفرته فخد له في الأرض خمسة أذرع طولًا في ذراعين عرضًا.
(5)
مروج الذهب (3/ 142 - 143) والعقد الفريد (3/ 17) وتاريخ دمشق (12/ 193) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 85) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 325).
(6)
تاريخ دمشق (12/ 194) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 85) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 326).
(7)
المصدر نفسه.
قال: وحدّثني بعض أهل العلم. قال: قيل للحسن: إن الحَجَّاج قال عند الموت كذا وكذا، قال: قالها؟ قالوا: نعم! قال: فما عسى
(1)
.
وقال أبو العباس المرّي: عن الرياشي عن الأصمعي قال: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول:
يا ربّ قدْ حلفَ الأعداءُ واجتهدوا
…
بأنني رجل منْ ساكني النّارِ
أيحلفونَ على عمياء ويحهمُ
…
ما علمهمْ بكثير العفو جَبَّار
(2)
قال فأخبر بذلك الحسن فقال: باللّه إن نجا لينجونّ بهما. وزاد بعض الناس:
إنّ الموالي إذا شابتْ عبيدهم
…
في رقهم عتقوهمْ عتقَ أبرارِ
وأنتَ يا خالقي أولى بذا كرمًا
…
قد شبتُ في الرِّق فاعتقني منَ النارِ
وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أحمد بن عبد الله التّيمي قال: لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام [وميتم الأيتام، ومرمل النساء] ومفلق الهام وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول:
اليوم يرحمنا من كان يبغضنا
…
واليوم يأمننا من كان يخشانا
(3)
وروى عبد الرزاق
(4)
: عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه: أنه أخبر بموت الحجاج مرارًا فلما تحقق وفاته قال: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45].
وروى غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكرًا للّه عز وجل، وكان مختفيًا فظهر
(5)
.
وقال: اللهم أمته فأذهب عنا سنته.
وقال حماد بن أبي سليمان: لما أخبرتُ إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدَّثنا سليمان بن أبي شيخ، حدّثنا صالح بن سليمان قال: قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن: يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا، فلما كانت الليلة لم ينم أهل السجن فرحًا، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية.
وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، وقيل كان ذلك لخمس بقين من رمضان، وقيل في شوال
(1)
تاريخ دمشق (12/ 194) وفي تاريخ الإسلام (ص 326) قريبًا منه.
(2)
في ط: بعظيم العفو غفار. وكذلك في تهذيب تاريخ دمشق (4/ 85) والخبر مع الأبيات في تاريخ دمشق (12/ 194 - 195) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 326).
(3)
تاريخ دمشق (12/ 195).
(4)
ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن عساكر (12/ 195).
(5)
تاريخ دمشق (2/ 196) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 85) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 326).
من هذه السنة، وكان عمره إذ ذاك خمسًا وخمسين سنة
(1)
، لأن مولده كان عام الجماعة سنة أربعين، وقيل بعدها بسنة، وقيل قبلها بسنة، توفي بواسط وعُفي قبره، وأجري عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق
(2)
. واللّه أعلم.
وقال الأصمعي: ما كان أعجب حال الحجاج، ما ترك إلا ثلاثمئة درهم.
وقال الواقدي: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبيد، حدّثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق: حدّثنا عمي قال: زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمئة درهم ومصحفًا وسيفًا وسرجًا ورحلًا ومئة درع موقوفة
(3)
.
وقال شهاب بن خراش: حدّثني عمي يزيد بن حوشب قال: بعث إليّ أبو جعفر المصنور فقال: حدّثني بوصية الحَجَّاج بن يوسف، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، فقال: حدِّثني بها، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا، وعليها يموت، وعليها يبعث، وأوصى بتسعمئة درع حديد، ستمئة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها، وثلاثمئة للترك. قال: فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي - وكان قائمًا على رأسه - فقال: هذه واللّه الشيعة لا شيعتكم.
وقال الأصمعي عن أبيه قال: رأيت الحجاج في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتلة قتلت بها إنسانًا
(4)
، قال: ثم رأيته بعد الحول فقلت: يا أبا محمد ما صنع الله بك؟ فقال: يا ماص بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول؟.
وقال القاضي أبو يوسف: كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال. يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال: في أي زيّ رأيته؟ قال: في زي قبيح. فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: ما أنت وذاك يا ماصّ بظر أمه! فقال هارون: صدقت واللّه، أنت رأيت الحجاج حقًا، ما كان أبو محمد ليدع صَرَامته حيًا وميتًا
(5)
.
وقال حنبل بن إسحاق: حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضمرة، حدّثنا ابن شوذب، عن أشعث الحُداني
(6)
.
(1)
قال الذهبي في تاريخ الإسلام: قلت عاش خمسًا وخمسين سنة.
(2)
وفيات الأعيان (2/ 53).
(3)
تاريخ دمشق (12/ 191) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 84).
(4)
تاريخ دمشق (12/ 201).
(5)
المصدر نفسه.
(6)
في ط: الخراز، وفي أ: الحراب؛ وكلاهما تحريف، والتصحيح من تاريخ دمشق.
قال: رأيت الحجاج في المنام في حال سيئة فقلت: يا أبا محمد ما صنع بك ربك؟ قال: ما قتلت أحدًا قتلة إلا قتلني بها. قال ثم أمر بي إلى النار، قلت: ثم مه، قال ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله. قال: وكان ابن سيرين يقول: إني لأرجو له، فبلغ ذلك الحسن فقال: أما واللّه ليخلفن الله رجاءه فيه.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: كان الحسن البصري لا يجلس مجلسًا إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه، قال: فرآه في منامه فقال له: أنت الحجاج؟ قال: أنا الحجاج، قال: ما فعل الله بك؟ قال: قتلت بكل قتيل قتلته ثم عزلت مع الموحدين. قال: فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه
(1)
. واللّه أعلم.
[وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا حمزة بن العباس، حدّثنا عبد الله بن عثمان، أبنا ابن المبارك، أنبأنا سفيان. قال: قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان وافدًا ومعه معاوية بن قرة، فسأل عبد الملك معاوية عن الحَجّاج فقال: إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله عر وجلَّ، فنظر إليه الحَجّاج فقال له عبد الملك: لا تعرض له، فنفاه إلى السند فكان له بها مواقف]
(2)
.
وممن توفي في هذه السنة أعني سنة خمس وتسعين:
إبراهيم بن يزيد النخعي
(3)
[قال: كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عُرِف ذلك فينا أيامًا، لأنا قد عرفنا أنه نزل به أمر صيَّره إلى الجنة أو إلى النار، وإنكم تتحدثون في جنائزكم بأحاديث دنياكم.
وقال: لا يستقيم رأي إلا برويَّة، ولا روية إلا برأي.
وقال: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك من فلاحه.
وقال: إني لأرى الشيء مما يعاب فلا يمنعني من عيبه إلا مخافة أن أُبتلى به.
وبكى عند موته فقيل له ما يبكيك؟ فقال: انتظار ملك الموت، ما أدري يبشرني بجنة أو بنار]
(4)
.
والحسن بن محمد ابن الحنفية
(5)
، كنيته أبو محمد، كان المقدم على إخوته، وكان عالمًا فقيهًا عارفًا بالاختلاف والفقه والتفسير.
(1)
تاريخ دمشق (12/ 202).
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
ترجمة - إبراهيم النخعي - في طبقات ابن سعد (6/ 270 - 284) وتاريخ خليفة (313) وطبقاته (157) وتاريخ البخاري (1/ 333 - 334) وحلية الأولياء (4/ 219 - 240) وتهذيب الكمال (2/ 233 - 240) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 279 - 283) وسير أعلام النبلاء (4/ 520 - 529) والوافي بالوفيات (6/ 169) وتهذيب التهذيب (1/ 177 - 179) وشذرات الذهب (1/ 387).
(4)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي توافق ما ورد في حلية الأولياء.
(5)
ترجمة - الحسن بن محمد - في طبقات ابن سعد (5/ 328) وطبقات خليفة (239) وتاريخ البخاري (2/ 305) =
وكان من ظرفاء بني هاشم وعقلائهم، ولا عقب له.
قال أيوب السّختياني وغيره: كان أول من تكلَّم في الإرجاء، وكتب في ذلك رسالة ثم ندم عليها
(1)
.
وقال غيرهم: كان يتوقف في عثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا يتولاهم ولا يذمهم، فلما بلغ ذلك أباه محمد بن الحنفية ضربه فشجه وقال: ويحك ألا تتولى أباك عليًا
(2)
؟
وقال أبو عبيد: توفي سنة خمس وتسعين.
وقال خليفة: توفي في أيام عمر بن عبد العزيز واللّه أعلم.
حميد بن عبد الرحمن
(3)
بن عوف الزهري [وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه، وكان حميد فقيهًا نبيلًا عالمًا، له روايات كثيرة]
(4)
.
ومطرف بن عبد الله بن الشخير
(5)
، وكل هؤلاء لهم تراجم في كتابنا "التكميل"
(6)
.
وفيها كان موت الحجاج [بواسط] كما تقدم ذلك مبسوطًا مستقصى وللّه الحمد.
وفيها كان مقتل سعيد بن جبير في قول علي بن المدائني وجماعة، والمشهور أنه كان في سنة أربع وتسعين كما ذكره ابن جرير
(7)
وغير واحد والله أعلم.
= والمعرفة والتاريخ (1/ 543) ومواضع أخرى، وتاريخ دمشق (13/ 373 - 381) وتهذيبه (4/ 248 - 250) ووفيات الأعيان (2/ 399) وتهذيب الكمال (6/ 319) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 331 - 334) وسير أعلام النبلاء (4/ 130 - 131) والوافي بالوفيات (12/ 213 - 214) وتهذيب التهذيب (2/ 320 - 321) والنجوم الزاهرة (1/ 227).
(1)
طبقات ابن سعد (5/ 328) وتهذيب الكمال (6/ 321).
(2)
تهذيب تاريخ دمشق (4/ 349) وتهذيب الكمال (6/ 321 - 322).
(3)
ترجمة - حميد بن عبد الرحمن - في طبقات ابن سعد (5/ 153) وتاريخ خليفة (336) وطبقاته (242) وتاريخ البخاري (2/ 345) ووفيات الأعيان (4/ 284) وأسد الغابة (2/ 54) وتهذيب الكمال (7/ 378 - 381) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 337) وسير أعلام النبلاء (4/ 293 - 294) والوافي بالوفيات (13/ 195) وتهذيب التهذيب (2/ 54).
(4)
ما بين معكوفين زيادة من ط وهي توافق ما في المصادر.
(5)
ترجمة - مطرف بن عبد الله - في طبقات ابن سعد (7/ 141 - 146) وتاريخ خليفة (197) وطبقاته (197) وتاريخ البخاري (7/ 396) وحلية الأولياء (2/ 198 - 212) وتهذيب الكمال (28/ 67) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 479 - 482) وسير أعلام النبلاء (4/ 187 - 195) والإصابة (3/ 478 - 479) وتهذيب التهذيب (10/ 173 - 174) والنجوم الزاهرة (1/ 214) وشذرات الذهب (1/ 387).
(6)
سبق وأن عرّفنا بكتاب التكميل للمؤلف رحمه الله.
(7)
تاريخ الطبري (6/ 487).
ثم دخلت سنة ست وتسعون
وفيها فتح قتيبة بن مسلم رحمه الله تعالى كاشغر
(1)
من أرض الصين وبعث إلى ملك الصين رسلًا يتهدده ويتوعده ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلاده ويختم ملوكهم وأشرافهم، ويأخذ الجزية [منهم أو يدخلوا في الإسلام] فدخل الرسل على الملك [الأعظم فيهم، وهو في مدينة عظيمة، يقال إن عليها تسعين بابًا في سورها المحيط بها يقال لها خان بالق، من أعظم المدن وأكثرها ريعًا ومعاملات وأموالًا، حتى قيل إن بلاد الهند مع اتساعها كالشامة في ملك الصين لا يحتاجون إلى أن يسافروا في ملك غيرهم لكثرة أموالهم ومتاعهم، وغيرهم محتاج إليهم لما عندهم من المتاع والدنيا المتسعة، وسائر ملوك تلك البلاد تؤدي إلى ملك الصين الخراج، لقهره وكثرة جنده وعدده. والمقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين وجدوا مملكة عظيمة حصينة ذات أنهار وأسواق وحسن وبهاءٍ، فدخلوا عليه في قلعة عظيمة حصينة، بقدر مدينة كبيرة، فقال لهم ملك الصين: ما أنتم؟ - وكانوا ثلاثمائة رسول عليهم هبيرة
(2)
- فقال الملك لترجمانه: قل لهم: ما أنتم وما تريدون؟ فقالوا: نحن رسل قتيبة بن مسلم، وهو يدعوك إلى الإسلام، فإن لم تفعل فالجزية، فإن لم تفعل فالحرب. فغضب الملك وأمر بهم إلى دار، فلما كان الغد دعاهم فقال لهم: كيف تكونون في عبادة إلهكم؟ فصلّوا الصلاة على عادتهم فلما ركعوا وسجدوا ضحك منهم، فقال: كيف تكونون في بيوتكم؟ فلبسوا ثياب مهنهم، فأمرهم بالانصراف، فلما كان من الغد أرسل إليهم فقال: كيف تدخلون على ملوككم؟ فلبسوا الوشي والعمائم والمطارف ودخلوا على الملك، فقال لهم: ارجعوا فرجعوا، فقال الملك لأصحابه، كيف رأيتم هؤلاء؟ فقالوا، هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى، وهم أولئك. فلما كان اليوم الثالث: أرسل إليهم فقال لهم كيف تلقون عدوكم؟ فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا المغافر والبَيْضَ وتقلّدوا السيوف ونكبوا
(3)
القسي وأخذوا الرماح وركبوا خيولهم ومضوا، فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوه مشمِّرين، فقيل لهم: ارجعوا - وذلك لما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم - فانصرفوا فركبوا خيولهم واختلجوا رماحهم ثم ساقوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك
(1)
كاشغر: بالتقاء الساكنين، والشين المعجمة والغين أيضًا وراء: مدينة وقرى ورساتيق يسافر إليها من سمرقند وتلك النواحي، وهي في وسط بلاد الترك وأهلها مسلمون. معجم البلدان (4/ 430).
(2)
في الطبري (6/ 501) فانتخب قتيبة من عسكره اثنى عشر رجلًا، وقال بعضهم: عشرة .. فساروا وعليهم هبيرة بن المُشَمْرِج الكلابي. والخبر أيضًا في الكامل لابن الأثير (5/ 5 - 6).
(3)
في ابن الأثير (5/ 6): وأخذوا السيوف والرماح والقسي وركبوا.
لأصحابه: كيف ترونهم؟ فقالوا: ما رأينا كهؤلاء قط. فلما أمسوا بعث إليهم الملك أن ابعثوا إليّ زعيمكم وأفضلكم، فبعثوا إليه هبيرة، فقال له الملك حين دخل عليه: قد رأيتم عظم ملكي، وليس أحد يمنعكم مني، وأنتم بمنزلة البيضة في كفي، وأنا سائلك عن أمر فإن تصدقني وإلا قتلتك، فقال: سل! فقال الملك: لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم والثاني والثالث؟ فقال: أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا ونسائنا وطيبنا عندهم، وأما ما فعلنا ثاني يوم فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا، وأما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا. فقال الملك: ما أحسن ما دبرتم دهركم، فانصرفوا إلى صاحبكم - يعني قتيبة - وقولوا له ينصرف راجعًا عن بلادي، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم. فقال له هبيرة: تقول لقتيبة هذا؟! فكيف يكون قليل الأصحاب مَنْ أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟ وكيف يكون حريصًا من خلّف الدنيا قادرًا عليها، وغزاك في بلادك؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنا نعلم أن لنا أجلًا إذا حضر فأكرمها عندنا القتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه. فقال الملك: فما الذي يرضي صاحبكم؟ فقال: قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك، ويختم ملوكك، ويجبي الجزية من بلادك، فقال أنا أبرُّ يمينه وأخرجه منها، أرسل إليه بتراب من أرضي، وأربع غلمان من أبناء الملوك، وأرسل إليه ذهبًا كثيرًا وحريرًا وثيابا صينية لا تقوّم ولا يدري قدرها]
(1)
ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة، ثم اتفق الحال على أن بعث بصحافٍ من ذهب متسعة فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة، وبعث بجماعة من أولاده وأولاد الملوك ليختم رقابهم، وبعث بمال جزيل ليبرَّ بيمين قتيبة [وقيل إنه بعث أربعمئة
(2)
من أولاده وأولاد الملوك، فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه، وذلك لأنه كان قد انتهى إليه خبر موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين
(3)
، فانكسرت همته لذلك، وقد عزم قتيبة بن مسلم الباهلي على ترك مبايعة سليمان بن عبد الملك، وأراد الدعوة إلى نفسه
(4)
[لما تحت يده من العساكر، ولما فتح من البلاد والأقاليم، فلم يمكنه ذلك، ثم قُتل في آخر هذه السنة رحمه الله تعالى، فإنه يقال إنه ما كسرت له راية، وكان من المجاهدين في سبيل الله، واجتمع له من العساكر ما لم يجتمع لغيره.
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة، وغزا العباس بن الوليد الروم، ففتح طولس والمرزبانين من بلاد الروم]
(5)
.
(1)
ما بين معكوفين ساقط من أ، ب وهو يوافق ما في المصادر.
(2)
في الطبري (6/ 503) وابن الأثير (5/ 7): وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم.
(3)
في الطبري وابن الأثير: فأوفد قتيبة إلى الوليد فمات بقرية من فارس.
(4)
في الطبري (6/ 507 - 508) ما ملخصه: أن قتيبة أرسل إلى سليمان؛ لئن وليت يزيد بن المهلّب خراسان لأخلعنك.
(5)
ما بين معكوفين ساقط من أ، ب والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 264).
وفيها تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق على يد بانيه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان جزاه الله عن المسلمين خيرًا، وكان أصل موضع هذا الجامع قديمًا معبدًا بنته اليونان والكلدانيون الذين كانوا يعمرون دمشق، وهم الذين وضعوها وعمروها أولًا، فهم أول من بناها
(1)
، وقد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتميزة، وهي القمر في السماء الدنيا، وعطارد في السماء الثانية، والزهرة في السماء الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة. وقد كانوا صوّروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلًا لكوكب من هذه الكواكب السبعة، وكانت أبواب دمشق سبعة وضعوها قصدًا لذلك [فنصوا هياكل سبعة لكل كوكب هيكل] وكان لهم عند كل باب من أبواب دمشق عيد في السنة، وهؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد وتكلّموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارنتها، وبنوا دمشق واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين هذين الجبلين، وصرفوه أنهارًا تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة، وسلكوا الماء في أثناء
(2)
أبنية الدور بدمشق [فكانت دمشق في أيامهم من أحسن المدن، بل هي أحسنها، لما فيها من التصاريف العجيبة، وبنوا هذا المعبد وهو الجامع اليوم في جهة القطب، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، وكانت محاريبهم تجاه الشمال، وكان باب معبدهم يفتح إلى جهة القبلة، خلف المحراب اليوم، كما شهدنا ذلك عيانًا، ورأينا محاريبهم إلى جهة القطب، ورأينا الباب وهو باب حسن مبني بحجارة منقوشة، وعليه كتاب بخطهم، وعن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه، وكان غربي المعبد قصر منيف "جدًّا تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد، وشرقي المعبد قصر جيرون الملك، الذي كان ملكهم، وكان هناك داران عظيمتان معدتان لمن يتملك دمشق قديمًا
(3)
منهم، ويقال إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة للملوك، ويحيط بهذه الدور والمعبد سور واحد عال منيف، بحجارة كبار منحوتة، وهن دار المطبق، ودار الخيل، ودار كانت تكون مكان الخضراء التي بناها معاوية.
قال الحافظ ابن عساكر
(4)
فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل: إنهم مكثوا يأخذون الطالع لبناء دمشق وهذه الأماكن ثماني عشرة سنة، وقد حفروا أساس الجدران حتى واتاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان
(1)
ذكر ياقوت في معجم البلدان (2/ 463 - 464) الخلاف فيمن بنى دمشق، وأوسع في ذلك ابن عساكر في تاريخ دمشق (1/ 11 - 23) ط: دار الفكر.
(2)
في ط: أفناء. وقال ياقوت في معجمه (2/ 465): ومن خصائص دمشق التي لم أر في بلد آخر مثلها كثرة الأنهار بها وجريان الماء في قنواتها، فقلّ أن تمر بحائط إلّا والماء يخرج منه في أنبوب إلى حوض يثرب منه ويستقي الوارد والصادر، وما رأيت مسجدًا ولا مدرسة ولا خانقاهًا إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان ويسحُّ في ميضأة.
(3)
مكان العبارة في ب: وشرقيه داران يكونان لمن يتملك دمشق قديمًا. وثمة خلافات بسيطة بين النسخ ضربنا صفحًا عنها، وأثبتنا ما تأكدنا مطابقته للمصادر.
(4)
تاريخ دمشق (2/ 257).
اللذان أرادوا أن هذا المعبد لا يخرب أبدًا ولا تخلو منه العبادة، وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار الملك والسلطنة.
قلت: أما المعبد فلم يخل من العبادة.
قال كعب الأحبار: لا يخلو منها حتى تقوم الساعة.
وأما دار الملك التي هي الخضراء فقد جدد بناءها معاوية، ثم أحرقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة كما سنذكره، فبادت وصارت مساكن لأضعف الناس وأراذلهم في الغالب إلى زماننا هذا وباللّه المستعان. والمقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرناها بدمشق مددًا طويلة، تزيد على أربعة آلاف سنة، حتى أنه يقال إن أول من بنى جدران هذا المعبد الأربعة هود عليه الصلاة والسلام، وقد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدد طويلة، وقد ورد إبراهيم الخليل عليه السلام شمالي دمشق عند برزة
(1)
، وقاتل هناك قومًا من أعدائه. فظفر بهم، ونصره الله عليهم، وكان مقامه لمقاتلتهم عند برزة، فهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة يأثرونه كابرًا عن كابر وإلى زماننا، واللّه أعلم.
وكانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان [وكانوا خلقًا لا يحصيهم إلا الله] وهم خصماء الخليل، وقد ناظرهم في عبادتهم الأصنام والكواكب وغيرها في غير موضع، كما قررنا ذلك في التفسير، وفي قصة الخليل من كتابنا هذا "البداية والنهاية" وللّه الحمد وباللّه المستعان.
والمقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق ويبنون فيها وفي معاملاتها من أرض حوران والبقاع وبعلبك وغيرها، البنايات الهائلة الغريبة العجيبة، حتى إذا كان بعد المسيح بمدة نحو من ثلاثمئة سنة تنصر أهل الشام على يد الملك قسطنطين بن قسطنطين، الذي بنى المدينة المشهورة به ببلاد الروم التي تنسب إليه وهي القسطنطينية، وهو الذي وضع لهم القوانين [وقد كان أولًا هو وقومه وغالب أهل الأرض يونانًا] ووضعت له بطاركته النصارى دينًا مخترعًا مركبًا من أصل دين النصرانية، ممزوجًا بشيء من عبادة الأوثان، وصلّوا به إلى الشرق، وزادوا في الصيام، وأحلّوا الخنزير، وعلّموا أولادهم الأمانة الكبيرة فيما يزعمون، وإنما هي في الحقيقة خيانة كبيرة، وجناية كثيرة حقيرة، وهي مع ذلك في الحجم صغيرة. وقد تكلّمنا على ذلك فيما سلف وبيّناه. فبنى لهم الملك الذي ينتسب إليه الطائفة الملكية من النصارى، كنائس كبيرة في دمشق وفي غيرها، حتى يقال إنه بنى اثنتي عشرة ألف كنيسة [وأوقف عليها أوقافًا دارّة]، من ذلك كنيسة بيت لحم، وقمامة في القدس، بنتها أم هيلانة الغندقانية، وغير ذلك.
(1)
ذكر ياقوت في معجمه (2/ 464) إن إبراهيم عليه السلام ولد في غوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل قاسيون.
والمقصود أنهم حولوا بناء هذا المعبد الذي هو بدمشق معظمًا عند اليونان فجعلوه كنيسة مريحنا، وبنوا بدمشق كنائس كثيرة كيرها مستأنفة، واستمر النصارى على دينهم بدمشق وغيرها نحوًا من ثلاثمئة سنة، حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان من شأنه صلوات الله وسلامه عليه ما تقدم بعضه في كتاب السيرة [من هذا الكتاب] وقد بعث إلى ملك الروم في زمانه - وهو قيصر ذلك الوقت - واسمه هرقل يدعوه إلى الله عز وجل وكان من مراجعته ومخاطبته إلى أبي سفيان صخر بن حرب ما تقدم - ثم بعث أمراءه الثلاثة، زيد بن حارثة مولاه، وجعفر بن أبي طالب، وابن رواحة، إلى البلقاء من تخوم الشام، فبعث الروم إليهم جيشًا كبيرًا فقتلوا هؤلاء الأمراء وجماعة ممن معهم من الجيش، فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على قتال الروم ودخول الشام عام تبوك، ثم رجع عام ذلك لشدة الحر، وضعف الحال، وضيقه على الناس. ثم لما توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعث الصدّيق الجيوش قبل الشام، وإلى العراق كما تقدم تفصيل ذلك في كتابنا هذا ولله الحمد، ففتح الله على المسلمين الشام بكمالها، ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها، وقد بسطنا القول في ذلك عند ذكر فتحها، فلما استقرت اليد الإسلامية عليها وأنزل الله رحمته فيها، وساق برّه إليها، وكتب أمير الحرب وهو أبو عبيدة إذ ذاك، وقيل خالد بن الوليد، لأهل دمشق كتاب أمان، أقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة، وأخذوا منهم نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مريحنا، بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف، وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة، وكان على باب الجابية الصلح، فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحًا ونصفه عنوة، فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدًا - وكان قد صارت إليه إمرة الشام لعزل عمر خالدًا وتوليته أبا عبيدة -، وكان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة ثم الصحابة بعده في البقعة الشرقية منه، التي يقال لها محراب الصحابة. ولكن لم يكن الجدار مفتوقًا بمحراب محني، وإنما كانوا يصفون عند هذه البقعة المباركة، والظاهر أن الوليد هو الذي فتق المحاريب في الجدار القبلي. وقد كره كثير من السلف مثل هذه المحاريب، وجعلوه من الباع المحدثة، وكان المسلمون والنصارى يدخلون هذا المعبد من باب واحد، وهو باب المعبد الأعلى من جهة القبلة، مكان المحراب الكبير [الذي في المقصورة اليوم] فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، ويأخذ المسلمون يمنة إلى مسجدهم، ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم، ولا يضربوا بناقوسهم، إجلالًا للصحابة ومهابة وخوفًا. وقد بنى معاوية في أيام ولايته على الشام دار الإمارة قبلي المسجد الذي كان للصحابة، وبني فيها قبة خضراء، فعرفت الدار بكمالها بها، فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا. ثم لم يزل الأمر على ما ذكرنا من سنة أربع عشرة، إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها، وقد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها، فعزم الوليد على أخذ بقية هذه الكنيسة وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها؛ وجعل الجميع مسجدًا واحدًا، وذلك لأن بعض المسلمين كان يتأذى بسماع قراءة النصارى للإنجيل، ورفع أصواتهم في صلواتهم، فأحب أن يبعدهم عن المسلمين، وأن يضيف ذلك المكان إلى هذا فيكبر به
المسجد الجامع، فيصير كله معبدًا للمسلمين، ويتسع المسجد لكثرة المسلمين، فعند ذلك طلب النصارى وسأل منهم أن يخرجوا له عن هذا المكان، ويعوضهم إقطاعات كثيرة، عرضها عليهم، وأن يقر لهم أربع كنائس لم تدخل في العهد، وهي كنيسة مريم، وكنيسة المصلّبة داخل باب شرقي، وكنيسة تل الجبن، وكنيسة حميد بن درّة التي بدرب الصقل، فأبوا ذلك أشد الإباء، فقال: ائتوني بعهدكم، فأتوا بعهدهم الذي بأيديهم من زمن الصحابة، فقرئ بحضرة الوليد، فإذا كنيسة توما - التي كانت خارج باب توما على حافة النهر - لم تدخل في العهد، وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مريحنا، فقال الوليد: أنا أهدمها وأجعلها مسجدًا، فقالوا: بل يتركها أمير المؤمنين وما ذكر من الكنائس ونحن نرضى ونطيب له نفسًا ببقية هذه الكنيسة، فأقرَّهم على تلك الكنائس، وأخذ منهم بقية هذه الكنيسة.
ويقال إن الوليد لمَّا أهمّه ذلك وعرض ما عرض على النصارى فأبوا من قبوله. دخل عليه بعض الناس فأرشده إلى أن يقيس من باب شرقي ومن باب الجابية، فوجدوا أن الكنيسة قد دخلت في العنوة وذلك أنهم قاسوا من باب شرقي ومن باب الجابية فوجدوا منتصف ذلك عند سوق الريحان تقريبًا، فإذا الكنيسة قد دخلت في العنوة، فأخذها
(1)
.
[وحكي عن المغيرة مولى الوليد قال: دخلت على الوليد فوجدته مهمومًا فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين مهمومًا؟ فقال: إنه قد كثر المسلمون وقد ضاق بهم المسجد، فأحضرت النصارى وبذلت لهم الأموال في بقية هذه الكنيسة لأضيفها إلى المسجد فيتسع على المسلمين فأبوا، فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين عندي ما يزيل همك، قال: وما هو؟ قلت: الصحابة لما أخذوا دمشق دخل خالد بن الوليد من باب شرقي بالسيف، فلما سمع أهل البلد بذلك فزعوا إلى أبي عبيدة يطلبون منه الأمان فأمنهم، وفتحوا له باب الجابية، فدخل منه أبو عبيدة بالصلح، فنحن نماسحهم إلى أي موضع بلغ السيف أخذناه، وما بالصلح تركناه بأيديهم، وأرجو أن تدخل الكنيسة كلها في العنوة، فتدخل في المسجد. فقال الوليد: فرجت عني، فتول أنت ذلك بنفسك، فتولاه المغيرة ومسح من الباب الشرقي إلى نحو باب الجابية إلى سوق الريحان فوجد السيف لم يزل عاملًا حتى جاوز القنطرة الكبيرة بأربع أذرع وكسر، فدخلت الكنيسة في المسجد، فأرسل الوليد إلى النصارى فأخبرهم وقال: إن هذه الكنيسة كلها دخلت في العنوة فهي لنا دونكم، فقالوا: إنك أولًا دفعت إلينا الأموال، وأقطعتنا الإقطاعات فأبينا، فمن إحسان أمير المؤمنين أن يصالحنا فيبقي لنا هذه الكنائس الأربعة بأيدينا، ونحن نترك له بقية هذه الكنيسة، فصالحهم على إبقاء هذه الأربع الكنائس، واللّه أعلم.
وقيل: إنه عوضهم منها كنيسة عند حمام القاسم
(2)
عند باب الفراديس داخله فسموها مريحنا باسم التي هُدمت لهم، وأخذوا شاهدها فوضعوه فوق التي أخذوها بدلها، فاللّه أعلم.
(1)
تاريخ دمشق (2/ 255).
(2)
في ب: السقيم؛ تحريف، والخبر في تاريخ دمشق (2/ 252) ط: دار الفكر.
ثم أمر الوليد بإحضار آلات الهدم واجتمع إليه الأمراء والكبراء من رؤوس الناس، وجاء إليه أساقفة النصارى وقساوستهم فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتابنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن
(1)
، فقال الوليد: أنا أحب أن أجن في الله عز وجل، ووالله لا يهدم فيها أحد قبلي، ثم صعد المنارة الشرقية ذات الأضالع المعروفة بالساعات، وكانت صومعة هائلة فيها راهب عندهم، فأمره الوليد بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك، فأخذ الوليد بقفاه فلم يزل يدفعه حتى أنزله، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر منها، الذي يسمونه الشاهد، وأخذ أذيال قبائه وكان لونه أصفر سفرجليًا فغرزها
(2)
في المنطقة، ثم أخذ فأسًا بيده فضرب بها في أعلى حجر فألقاه، فتبادر الأمراء إلى الهدم، وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، وصرخت النصارى بالعويل على درج جيرون، وكانوا قد اجتمعوا هنالك، فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رياح الغساني، أن يضربهم حتى يذهبوا من هنالك، ففعل ذلك وأمر نائبه على الخراج يزيد بن تميم بن حجر السُّلمي بإحضار اليهود ليساعدوا في هذه الكنيسة؛ فجاؤوا فكانوا كالفعول. ذكره الحافظ ابن عساكر
(3)
في ترجمة يزيد بن تميم هذا
(4)
.
فهدم الوليد والأمراء جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المعبد من المذابح والأبنية والحنايا، حتى بقي المكان صرحة مربعة، ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على هذه الصفة الحسنة الأنيقة، التي لم يشتهر مثلها قبلها على ما سنذكره ونشير إليه.
وقد استعمل الوليد في بناء هذا المسجد خلقًا كثيرًا من الصناع والمهندسين والفعلة، وكان المستحث على عمارته أخوه وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك، ويقال إن الوليد بعث إلى ملك الروم يطلب منه صُنّاعًا في الرخام وغير ذلك، ليعمروا المسجد على ما يريد، وأرسل يتوعده لئن لم يفعل ليغزونّ بلاده بالجيوش، وليخربن كل كنيسة في بلاده، حتى كنيسة القدس، وكنيسة الرُّها، وسائر آثار الروم، فبعث ملك الروم إليه صناعًا كثيرة جدًّا، مئتي صانع، وكتب إليه يقول: إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك، د ان لم يكن فهمه، وفهمته أنت لوصمة عليه، فلما وصل ذلك الكتاب إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك، واجتمع الناس عنده لذلك، وكان فيهم الفرزدق الشاعر، فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله. قال الوليد: وما هو ويحك؟ فقال: قال الله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] وسليمان هو ابن داود، ففهَّمه الله ما لم يفهمه
(1)
في معجم البلدان (2/ 466): خُنِقَ.
(2)
مكانها في ط: وهو - أي الشاهد - تمثال في أعلى الكنيسة، فقال له الرهبان: احذر الشاهد، فقال: أنا أول ما أضع فأسي في رأس الشاهد، ثم كبَّر وضربه فهدمه، وكان على الوليد قباء أصفر سفرجلي قد غرز أذياله ..
(3)
تاريخ دمشق (65/ 134 و 2/ 254).
(4)
من قوله: وأمر نائبه على الخراج
…
إلى هنا زيادة من ب.
أبوه. فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جوابًا إلى ملك الروم. وقد قال الفرزدق في ذلك:
فرَّقتَ بينَ النصارى في كنائسهمْ
…
والعابدينَ معَ الأسحارِ والعتمِ
وهمْ جميعًا إذا صلوا وأوجههمْ
…
شتى إذا سجدوا للّه والصنمِ
وكيف يجتمعُ الناقوسُ يضربهُ
…
أهلُ الصليبِ معَ القراءِ لم تنمِ
فهمك الله تحويلًا لبيعتهمْ
…
عنْ مسجدٍ فيه يتلى طيِّبُ الكلمِ
فهمتَ تحويلها عنهم كما فهما
…
إذ يحكمانِ لهمْ في الحرثِ والغنمِ
داود والملك المهدي إذْ جزأا
…
أولادها واجتزاز الصوفِ بالجَلَم
(1)
ما من أبٍ حملتهُ الأرضُ نعلمهُ
…
خير بنينٍ ولا خيرٌ منْ الحكمِ
(2)
قال الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم الدمشقي: بنى الوليد ما كان داخل حيطان المسجد وزاد في سمك الحيطان.
وقال الحسن بن يحيى الخشني: إن هودًا عليه السلام هو الذي بنى الحائط القبلي من مسجد دمشق
(3)
.
وقال غيره: لما أراد الوليد بناء القبة التي وسط الرواقات - وهي قبة النسر، وهو اسم حادث لها، وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله، لأن الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها - حفر لأركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماءٍ عذبًا زلالًا، ثم إنهم وضعوا فيه جرار
(4)
الكرم، وبنوا فوقها بالحجارة، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت، فقال الوليد لبعض المهندسين: أريد أن تبني لي أنت هذه القبة، فقال: على أن تعطيني عهد الله وميثاقه على أن لا يبنيها أحد غيري، ففعل. فبنى الأركان ثم غلَّفها بالبواري، وغاب عنها سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر، فهمّ به الوليد فأخذه ومعه رؤوس الناس، فكشف البواري عن الأركان فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض، فقال له: مِن هذا أُتيت، ثم بناها فانعقدت.
وقال بعضهم: أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن هذا المسجد، فقال له المعمار: إنك لا تقدر على ذلك، فضربه خمسين سوطًا، وقال له: ويلك! أنا أعجز عن ذلك وخراج الأرض وأموالها تجبى إليّ؟ قال: نعم أنا أُبيّن لك ذلك، قال: فبين ذلك، قال: اضرب لبنة واحدة من الذهب وقس عليها ما تريد هذه القبة من ذلك، فأمر الوليد فأحضر من الذهب ما أسبك منه لبنة
(1)
في أ: بالحلم - بالحاء - خطأ، والجلم: ما يُجز به، وجلم الصوف: أي جزَّه. القاموس: (جلم).
(2)
الأبيات في تاريخ دمشق (2/ 259 - 260) مع الخبر، وديوان الفرزدق (2/ 209).
(3)
الخبر في تاريخ دمشق (2/ 260).
(4)
في ط: زيادة الكرم. وجرار الكرم: أصل الجبل. القاموس (جرر). والخبر في ابن عساكر (2/ 261).
فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نريد مثل هذه اللبنة كذا وكذا ألف لبنة، فإن كان عندك ما يكفي من ذلك عملناه، فلما تحقق صحة قوله أطلق له الوليد خمسين دينارًا
(1)
[وقال إني لا أعجز عما قلت، ولكن فيه إسراف وضياع مال في غير وجهه اللائق به، ولأن يكون ما أردنا من ذلك نفقة في سبيل الله، وردًا على ضعفاء المسلمين خير من ذلك. ثم عقدها على ما أشار به المعمار]. ولما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات، وباطنها مسطحًا مقرنصًا بالذهب، فقال له بعض أهله: أتعبت الناس بعدك في تطيين أسطحة هذا المسجد في كل عام، فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعله عوض الطين، ويكون أخف على السقف. فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم، فعازوا فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة، فساوموها فيه، فقالت: لا أبيعه إلا بوزنه فضه
(2)
، فكتبوا إلى أمير المؤمنين بذلك فقال: اشتروه منها ولو بزنته
(3)
، فلما بذلوا لها ذلك قالت: أما إذا قلتم ذلك فهو صدقة للّه يكون في سقف هذا المسجد، فكتبوا على ألواحها بطابع "للّه" ويقال إنها كانت إسرائيلية، وإنه كتب على الألواح التي أخذت منها: هذا ما أعطته الإسرائيلية
(4)
.
وقال محمد بن عائذ: سمعت المشايخ يقولون: ما تم بناء مسجد دمشق إلا باداء الأمانة، لقد كان يفضل عند الرجل القومة يعنون الفعلة الفلس ورأس المسمار فيجيء حتى يضعه في الخزانة.
وقال بعض مشايخ الدماشقة: ليس في الجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللَّتان في المقام من عرش بلقيس والباقي كله مرمر
(5)
.
وقال بعضهم: اشترى الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر، من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار.
وقال دُحيم، عن الوليد بن مسلم: حدّثنا مروان بن جناح عن أبيه قال: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مُرَخِّم.
وقال أبو قصي عن دُحيم، عن الوليد بن مسلم، عن عمرو بن مهاجر الأنصاري: إنهم حسبوا ما أنفقه الوليد على الكرمة
(6)
التي في قبلة المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار.
(1)
تاريخ دمشق (2/ 262).
(2)
في معجم البلدان (2/ 466): بوزنه ذهبًا.
(3)
في معجم البلدان: ولو بوزنه مرتين.
(4)
تاريخ دمشق (2/ 263).
(5)
تاريخ دمشق (2/ 266).
(6)
يقصد بذلك تلك الرسوم الملونة والمنمقة التي صنعت من قطع زجاجية صغيرة مربعة مبطنة بالذهب والألوان المختلفة، رُصَّت أمام بعضها بتنسيق في كاية الاتقان، فأظهرت رسومات رائعة للأشجار والقصور والورود وغير ذلك مما يسمى بالفسيفساء.
وقال أبو قصي: أنفق في مسجد دمشق أربعمئة صندوق من الذَّهب، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، - قلت: وذلك خمسة آلاف ألف دينار وستمئة ألف دينار -.
وفي رواية في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار
(1)
: قلت: فعلى هذا يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار. [وقيل إنه صرف أكثر من ذلك بكثير] واللّه أعلم.
قال أبو قصي: وأتى الحرسي إلى الوليد فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون أنفق أمير المؤمنين بيوت الأموال في غير حقها. فنودي في الناس: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس فصعد الوليد المنبر وقال: إنه بلغني عنكم أنكم قلتم أنفق الوليد بيوت الأموال في غير حقها، ثم قال: يا عمرو بن مهاجر، قم فأحضر أموال بيت المال، فحملت على البغال إلى الجامع، ثم بسط لها الأنطاع تحت قبة النسر، ثم أفرغ عليها المال ذهبًا صبيبًا، وفضة خالصة، حتى صارت كومًا، حتى كان الرجل إذا قام من الجانب الواحد لا يرى الآخر من الجانب الآخر، وهذا شيء كثير، ثم جيء بالقبانين فوزنت الأموال فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة، وفي رواية ست عشرة سنة مستقبلة، لو لم يدخل للناس شيء بالكلية؛ ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله عز وجل على ذلك، ودعوا للخليفة وانصرفوا شاكرين داعين. فقال لهم الوليد: يا أهل دمشق، واللّه ما أنفقت في بناء هذا المسجد شيئًا من بيوت المال، وإنما هذا كله من مالي، لم أرزأكم من أموالكم شيئًا. ثم قال الخليفة: يا أهل دمشق، إنكم تفخرون على الناس بأربع، بهوائكم ومائكم وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع
(2)
.
وقال بعضهم: كان في قبلة جامع دمشق ثلاث صفائح مذهبة بلاذورد، في كل منها: بسم الله الرحمن الرحيم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نعبد إلا إياه، ربنا الله وحده، وديننا الإسلام، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمر ببنيان هذا المسجد وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبد الله أمير المؤمنين الوليد، في ذي القعدة سنة ست وثمانين.
وفي صفيحة أخرى رابعة من تلك الصفائح: الحمد الله رب العالمين، الرحمن الرحيم إلى آخر السورة. ثم النازعات، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت. قالوا: ثم مُحيت بعد مجيء المأمون إلى دمشق
(3)
.
وذكروا أن أرضه كانت مفضضة كلّها، وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات، وفوق الرخام كرمة عظيمة من ذهب، وفوق الكرمة الفصوص المذَهَّبة والخضر والحمر والزرق والبيض، قد صوروا بها سائر
(1)
تاريخ دمشق (2/ 268).
(2)
المصدر نفسه (2/ 269).
(3)
المصدر السابق.
البلدان المشهورة، الكعبة فوق المحراب، وسائر الأقاليم يمنة ويسرة، وصوروا ما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وغير ذلك، وسقفه مقرنص بالذهب، والسلاسل المعلقة فيها جميعها من ذهب وفضة، وأنوار الشموع في أماكنه مفرقة. قالوا: وكان في محراب الصحابة منه برنية
(1)
حجر من بلور، ويقال بل كانت حجرًا من جوهر وهي الدرة، وكانت تسمى القُليلة، وكانت إذا طُفئت القناديل تضيء لمن هناك بنورها، فلما كان زمن الأمين بن الرشيد - وكان يحب البلور وقيل الجوهر - بعث إلى سليمان والي شرطة دمشق أن يبعث بها إليه، فسرقها وسيّرها إلى الأمين، فلما ولي المامون ردّها إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين.
قال الحافظ ابن عساكر
(2)
ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها برنية من زجاج، قال: وقد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شيء.
قالوا: وكانت الأبواب الشارعة من داخل الصحن ليس عليها أغلاق، وإنما كان عليها الستور مرخاة، وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة، ورؤوس الأعمدة مطلية بالذهب الخالص الكثير، وعملوا له شرفات تحيط به، وبنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها مأذنة العروس، فأما الشرقية والغربية فكانتا فيه قبل ذلك بدهور متطاولة، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدًّا، بنتها اليونان للرصد، فسقطت الشماليتان وبقيت القبليتان إلى الآن، وقد أحرق بعض الشرقية بعد الأربعين وسبعمئة، فنقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى، حيث اتهموا بحريقها، فقامت على أحسن الأشكال
(3)
، بيضاء بذاتها وهي والله أعلم الشرفة التي ينزل عليها عيسى بن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم
(4)
عن النواس بن سمعان.
والمقصود أن الجامع الأموي لما كمل بناؤه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن منه، ولا أبهى ولا أجمل منه، بحيث إنه إذا نظر الناظر في أي جهة منه أو إلى بقعة أو مكان منه تحير فيما ينظر إليه لحسنه وجماله ولا يمل ناظره، بل كلما أدمن النظر بانت له أعجوبة ليست كالأخرى، وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شيء من الحشرات بالكلية، لا من الحيات ولا من العقارب، ولا الخنافس ولا العناكيب، ويقال ولا العصافير أيضًا تعشش فيه، ولا الحمام ولا شيء مما يتأذى به
(1)
البرنية: إناء من خزف. القاموس (برن).
(2)
تاريخ دمشق (2/ 278 - 279).
(3)
قال الذهبي في العبر - ضمن أحداث سنة 740 هـ - وفي سادس عشر شوال وقع بدمشق حريق كبير شمل سوق اللبادين القبلية وما تحتها وما فوقها إلى عند سوق الكتب، واحترق سوق الوراقين وسوق الذهب وحاصل الجامع وما حوله والمأذنة الشرقية وعدم للناس فيه من الأموال والمتاع ما لا يحصر، وقد ذهب بهذا الحريق أموال الناس وأتى على المباني بأجمعها.
(4)
صحيح مسلم رقم (2937) في الفتن وأشراط الساعة.
الناس، وأكثر هذه الطلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف الجامع، مما يلي السجع، فأحرقت لما أحرق ليلة النصف من شعبان بعد العصر سنة إحدى وستين وأربعمئة
(1)
[في دولة الفاطميين] كما سيأتي ذلك في موضعه. وقد كانت بدمشق طلسمات وضعتها اليونان بعضها باقٍ إلى يومنا هذا، واللّه أعلم.
فمن ذلك العمود الذي في رأسه مثل الكرة بسوق الشعير عند قنطرة أم حكيم وهذا المكان يعرف اليوم بالعلبيين، ذكر أهل
(2)
دمشق أنه من وضع اليونان لعسر بول الحيوان، فإذا داروا بالحيوان حول هذا العمود ثلاث دورات انطلق بوله، وذلك مجرب من عهد اليونان
(3)
.
وما زال سليمان بن عبد الملك يعمل في تكملة الجامع المعمور وزيادته مدة ولايته، وجددت له فيه المقصورة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز عزم على أن يجرده مما فيه من الذهب، ويقلع السلاسل والرخام والفسيفساء
(4)
، ويردّ ذلك كله إلى بيت المال، ويجعل مكان ذلك كله طينًا، فشق ذلك على أهل البلد واجتمع أشرافهم إليه.
وقال خالد بن عبد الله القسري: أنا أكلمه لكم فلما اجتمعوا قال له خالد: يا أمير المؤمنين بلغنا عنك أنك تريد أن تصنع كذا وكذا، قال: نعم! فقال خالد: ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ولم يا بن الكافرة؟ - وكانت أمه نصرانية رومية أم ولد - فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت كافرة فقد ولدت رجلًا مؤمنًا، فقال: صدقت، واستحيا عمر ثم قال له: فلم قلت ذلك؟ قال: يا أمير المؤمنين لأن غالب ما فيه من الرخام إنما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم، وليس هو لبيت المال، فأطرق عمر. قالوا: واتفق في ذلك الزمان قدوم جماعة من بلاد الروم رسلا من عند ملكهم، فلما دخلوا من باب البريد وانتهوا إلى الباب الكبير الذي تحت النسر، ورأوا ما بهر عقولهم من حسن الجامع الباهر، والزخرفة التي لم يسمع بمثلها، صعق كبيرهم وخر مغشيًا عليه، فحملوه إلى منزلهم، فبقي أيامًا مدنفًا، فلما تماثل سألوه عما عرض له فقال: ما كنت أظن أن يبني المسلمون مثل هذا البناء، وكنت أعتقد أن
(1)
قال القلانسي في تاريخ (162): سبب الحريق خلاف وقع بين العسكر وأهل دمشق، بين المغاربة والمشارقة؛ وطرحت النار في جانب دمشق فاحترقت واتصلت النار بجامعها فاحترق. والخبر في تاريخ دمشق (2/ 281).
(2)
في أ: مشايخ.
(3)
في ط زيادة من النساخ آثرنا إثباتها هنا لفائدتها: قال ابن تيمية عن هذا العمود: إن تحته مدفون جبار عنيد، كافر يعذب، فإذا داروا بالحيوان حوله سمع العذاب فراث وبال من الخوف، قال: ولهذا يذهبون بالدواب إلى قبور الخصارى واليهود والكفار، فإذا سمعتْ أصوات المعذّبين انطلق بولها. والعمود المشار إليه ليس له سر، ومن اعتقد أن فيه منفعة أو مضرة فقد أخطأ خطأ فاحشًا.
وقيل: إن تحته كنزًا وصاحبه عنده مدفون، وكان ممن يعتقد الرجعة إلى الدنيا كما قال تعالى:{إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 37] واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
(4)
مكانها في أ: والسقوف، والخبر بأتمه في تاريخ دمشق (2/ 274 - 275).
مدتهم تكون أقصر من هذا، فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز قال: أو إن هذا ليغيظ الكفار، دعوه.
وسألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم مجلسًا في شأن ما كان أخذه الوليد منهم فأدخله في الجامع، فحقق عمر القضية، ثم نظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة وكان عمر عادلًا، فرأى أن يرد عليهم ما أُخذ منهم، مثل كنيسة دير مران [بسفح قاسيون، وهي بقرية المعظمية] وكنيسة الراهب، وكنيسة توما خارج الباب، وسائر الكنائس التي بقرى الحواجز، فخيرهم بين رد ما سألوه وتخريب هذه الكنائس كلها، أو تبقى تلك الكنائس ويطيبوا نفسًا للمسلمين بهذه البقعة، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس، ويكتب لهم كتاب أمان بها، ويطيبوا نفسًا بهذه البقعة، فكتب لهم كتاب أمان من عمر بن عبد العزيز
(1)
.
والمقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه ليس له في الدنيا مثيل في حسنه وبهجته.
قال الفرزدق: أهل دمشق في بلادهم قصر من قصور الجنة - يعني الجامع -.
وقال أحمد بن أبي الحواري: عن الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان: ما ينبغي لأحد من أهل الأرض أن يكون أشد تشوقًا إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدها
(2)
.
قالوا: ولما دخل أمير المؤمنين المهدي دمشق يريد زيارة القدس نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري: سبقنا بنو أمية بثلاث، بهذا المسجد الذي لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون واللّه فينا مثله أبدًا. ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة - وكان عبد الملك بن مروان هو الذي بناها - قال لكاتبه: وهذه رابعة
(3)
.
ولما دخل المأمون دمشق فنظر إلى جامعها وكان معه أخوه المعتصم، وقاضيه يحيى بن أكثم، قال: ما أعجب ما فيه؟ فقال أخوه: هذه الأذهاب التي فيه، وقال يحيى بن أكثم: الرخام وهذه العقد، فقال المأمون: إني إنما أعجب من حسن بنيانه على غير مثال متقدم، ثم قال المأمون لقاسم التمار: أخبرني باسمٍ حسن أسمي به جاريتي هذه، فقال: سمها مسجد دمشق، فإنه أحسن شيء
(4)
.
وقال عبد الرحمن: عن ابن عبد الحكم، عن الشافعي قال: عجائب الدنيا خمسة: أحدها منارتكم هذه - يعني منارة ذي القرنين بإسكندرية - والثانية أصحاب الرقيم وهم بالروم اثنا عشر رجلًا، والثالثة مرآة ببلاد الأندلس على باب مدينتها، يجلس الرجل تحتها فينظر فيها صاحبه من مسافة مئة فرسخ. وقيل ينظر مَن بالقسطنطينية، والرابع مسجد دمشق وما يوصف من الإنفاق عليه، والخامس الرخام
(1)
تاريخ دمشق (273 - 274).
(2)
تاريخ دمشق (2/ 246).
(3)
المصدر نفسه (2/ 246 - 247).
(4)
المصدر السابق (2/ 247).
والفسيفساء، فإنه لا يدرى لها موضع، ويقال إن الرخام معجون، والدليل على ذلك أنه يذوب على النار
(1)
.
قال الحافظ ابن عساكر
(2)
: وذكر إبراهيم بن أبي اللّيث الكاتب - وكان قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وأربعمئة - في رسالة له قال: ثم أمرنا بالانتقال فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه، ووافق ظاهره باطنه، أزقته أرجة، وشوارعه فرجة، فحيث ما مشيت شممت طيبًا، وأين سعيت رأيت منظرًا عجيبًا، وإن أفضيت إلى جامعه شاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه، ولا الرائي أن يعرفه، وجملته أنه كنز الدهر، ونادرة الوقت، وأعجوبة الزمان، وغريبة الأوقات، ولقد أثبت الله عز وجل به ذكرًا يدرس، وخلف به أمرًا لا يخفى ولا يدرس.
قال ابن عساكر: وأنشدني بعض أهل الأدب المحدِّثين في جامع دمشق عَمره الله بذكره [وفي دمشق فقال]
(3)
:
دمشقُ قد شاعَ حسنُ جامعها
…
وما حوته رُبى مرابعها
بديعةُ الحسنِ في الكمالِ لما
…
يدركهُ الطرفُ منْ بدائعها
طيبة أرضها مباركةٌ
…
باليمنِ والسعدِ أخذ طالعها
جامعها جامعُ المحاسنِ قدْ
…
فاقتْ به المدن في جوامعها
بنية بالاتقانِ قدْ وضعتْ
…
لا ضيَّعَ الله سعيَ واضعها
تذكرُ في فضلهِ ورفعتهِ
…
آثارُ صدقٍ راقتْ لسامعها
قدْ كانَ قبلَ الحريقِ مدهشة
…
فغيرتْ ناره بلاقعها
فأذهبتْ بالحريقِ بهجتهُ
…
فليسَ يرجى إيابُ راجعها
إذا تفكرتَ في الفصوصِ وما
…
فيها تيقنتَ حذقَ راصعها
أشجارها لا تزالُ مثمرةً
…
لا ترهبُ الريحَ منْ مدافعها
كأنها من زمرب غرستْ
…
في أرضِ تبرٍ تغشى بنافعها
(4)
فيها ثمارٌ تخالها ينعتْ
…
وليسَ يخشى فسادُ يانعها
تقطفُ باللحظِ لا بجارحةِ ال
…
أيدي ولا تجتني لبائعها
وتحتها من رخامةٍ قطعٌ
…
لا قطعَ الله كف قاطعها
أحكم ترخيمها المرخمُ قد
…
بانَ عليها إحكامُ صانعها
(1)
تاريخ دمشق (2/ 247 - 248).
(2)
المصدر السابق (2/ 248).
(3)
تاريخ دمشق (2/ 271 - 272).
(4)
في أ: بقاقعها. وكذلك في تاريخ دمشق.
وإنْ تفكرتَ في قناطرهِ
…
وسقفهِ بانَ حذقُ رافعها
وإنْ تبينتَ حسنَ قبتهِ
…
تحيرَ اللبُّ في أضالعها
تخترقُ الريحُ في مخارمها
(1)
…
عصفًا فتقوى على زَعازعها
وأرضهُ بالرخامِ قدْ فرشتْ
…
ينفسحُ الطرفُ في مواضعها
مجالسُ العلمِ فيه مؤنَّقةٌ
…
ينشرحُ الصدرُ في مجامعها
وكلُّ بابٍ عليهِ مطهرةٌ
…
قدْ أمنَ الناسُ دفعَ مانعها
يرتفقُ الناسُ من مرافقها
…
ولا يصدونَ عنْ منافعها
ولا تزال الميا جاريةً
…
فيها لما شقَّ منْ مشارعها
وسوقها لا تزالُ آهلةً
…
يزدحمُ الناسُ في شوارعها
لما يشاؤون مِنْ فواكهها
…
وما يريدون منْ بضائعها
كأنها جنةٌ معجَّلة
…
في الأرضِ لولا مسرى فجائعها
دامتْ برغمِ العدى مسلَّمةً
…
وحاطها الله منْ قوارعها
فصل فيما وُجد فيه من الآثار وما روي في فضله من الأخبار عن جماعة من السادة الأخيار
رُوي عن قتادة أنه قال في قوله تعالى: {وَالتِّينِ} قال: هو مسجد دمشق {وَالزَّيْتُونِ} قال: هو مسجد بيت المقدس {وَطُورِ سِينِينَ} حيث كلم الله موسى {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين: 1 - 3] وهو مكة
(2)
.
ونقل عثمان بن أبي عاتكة عن أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى: {وَالتِّينِ} قالوا: هو مسجد دمشق. رواه ابن عساكر.
وقال صفوان بن صالح، عن عبد الخالق بن زيد بن واقد، عن أبيه، عن عطية بن قيس الكلابي قال: قال كعب الأحبار: ليبنين في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الدنيا أربعين عامًا
(3)
.
وقال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد
(4)
، عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: أوحى الله تعالى إلى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك إلى جبل بيت المقدس، قال ففعل
(1)
في ط: منافذها.
(2)
تاريخ دمشق (2/ 237) ط: دار الفكر.
(3)
المصدر نفسه (2/ 238).
(4)
في الأصل: علي بن زيد، وهو خطأ، لأن علي بن يزيد الألهاني هو الذي يروي عن القاسم أبي عبد الرحمن.
فأوحى الله إليه أما إذا فعلت فإني سأبني لي في حضنك بيتًا أُعبد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عامًا، ولا تذهب الأيام والليالي حتى أرد عليك ظلك وبركتك، قال فهو عند الله بمنزلة الرجل الضعيف المتضرع
(1)
.
وقال دحيم: حيطان المسجد الأربعة من بناء هود عليه السلام، وما كان من الفسيفساء إلى فوق فهو من بناء الوليد بن عبد الملك
(2)
- يعني أنه رفع الجدار فعلاه من حد الرخام والكرمة إلى فوق إلى آخر الجدار - وقال غيره: إنما بنى هود الجدار القبلي فقط.
وقال أبو بكر أحمد بن عبد الله بن الفرج المعروف بابن البرامي الدمشقي: حدّثنا إبراهيم بن مروان، سمعت أحمد بن إبراهيم بن ملاس يقول: سمعت عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر قال: كان خارج باب الساعات صخرة يوضع عليها القربان، فما تقبل منه جاءت نار فأحرقته، وما لم يتقبل منه بقي على حاله. قلت: وهذه الصخرة نقلت إلى داخل باب الساعات، وهي موجودة الآن، وبعض العامة يزعم أنها الصخرة التي وضع عليها ابنا آدم قربانهما فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فاللّه أعلم
(3)
.
وقال هشام بن عمار: حدّثنا الحسن بن يحيى الخُشَني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به صلى في موضع مسجد دمشق. قال ابن عساكر: وهذا منقطع ومنكر جدًّا، ولا يثبت أيضًا لا من هذا الوجه ولا من غيره.
وقال أبو بكر البرامي: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المقري، حدّثني أبي، عن أبيه: أن الوليد بن عبد الملك تقدم إلى القوام ليلة من الليالي فقال: إني أريد أن أصلي في المسجد، فلا تتركوا فيه أحدًا يصلي اللّيلة، ثم إن الوليد أتى باب الساعات فاستفتح الباب ففتح له، فإذا رجل قائم بين الساعات وباب الخضراء الذي يلي المقصورة يصلي، وهو أقرب إلى باب الخضراء منه إلى باب الساعات، فقال الوليد للقوام: ألم آمركم أن لا تتركوا أحدًا الليلة يصلي في المسجد؟ فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين هذا الخضر يصلي كل ليلة في المسجد. في إسناد هذه الحكاية وصحتها نظر، ولا يثبت بمثلها وجود الخضر بالكلية، ولا صلاته في المكان المذكور واللّه أعلم.
وقد اشتهر في الأعصار المتأخرة أن الزاوية القبلية عند باب المِئذنة الغربية تسمى زاوية الخضر، وما أدري ما سبب ذلك، والذي ثبت بالتواتر صلاة الصحابة فيه، وكفى بذلك شرفًا له ولغيره من المساجد التي صلّوا فيها، وأول من صلّى فيه إمامًا أبو عبيدة بن الجراح، وهو أمير الأمراء بالشام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمين هذه الأمة، وصلّى فيه خلق من الصحابة مثل معاذ بن جبل وغيره، لكن قبل أن يغيره الوليد إلى هذه الصفة، فأما بعد أن غُير إلى هذا الشكل فلم يره أحد من الصحابة كذلك إلا أنس بن
(1)
المصدر السابق (2/ 239).
(2)
تاريخ دمشق (2/ 239).
(3)
المصدر نفسه (2/ 238).
مالك، فإنه ورد دمشق سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني فيه الوليد، فصلّى فيه أنس، ورأى الوليد وأنكر أنس على الوليد تأخير الصلاة إلى آخر وقتها كما قدّمنا ذلك في ترجمة أنس، عند ذكر وفاته سنة ثلاث وتسعين، وسيصلي فيه عيسى ابن مريم إذا نزل في آخر الزمان، وذلك زمن الدجال وعموم البلوى به، وانحصار الناس منه بدمشق، فينزل مسيح الهدى فيقتل مسيح الضلالة، ويكون نزوله على المنارة الشرقية بدمشق وقت صلاة الفجر
(1)
، فيأتي وقد أقيمت الصلاة فيقول له إمام الناس: تقدم يا روح الله، فيقول: إنما أُقيمت لك، فيصلي عيسى تلك الصلاة خلف رجل من هذه الأمة، يقال إنه المهدي، فاللّه أعلم.
ثم يلتفت الناس على المسيح ويخرجون معه لقتال الدجال فيلحقه عند عقبة أَفيق، فيدركه بباب لد فيقتله بيده هنالك. وقد ذكرنا ذلك مبسوطًا عند قوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] وفي الصحيح
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، وإمامًا عادلًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام".
والمقصود أن عيسى ينزل - والبلد محصن من الدجال ويكون نزوله على المنارة الشرقية بدمشق - وهي هذه المنارة المبنية في زماننا من أموال النصارى حيث أحرقوها فجددت من أموالهم - ثم يكون نزول عيسى حتفًا لهم [وهلاكًا ودمارًا] عليهم، ينزل بين ملَكين واضعًا يديه على مناكبهما، وعليه مهرودتان
(3)
، وفي رواية ممصرتان يقطر رأسه ماء كأنما خرج من ديماس، وذلك وقت الفجر، فينزل على المنارة وقد أقيمت الصلاة، وهذا إنما يكون في المسجد الأعظم بدمشق، وهو هذا الجامع. وما وقع في صحيح مسلم من رواية النواس بن سمعان الكلابي: فينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، كأنه واللّه أعلم مروي بالمعنى بحسب ما فهمه الراوي، وإنما هو ينزل على المنارة الشرقية بدمشق، وقد أُخبرت ولم أقف عليه إلى الآن أنه كذلك، في بعض ألفاظ هذا الحديث، في بعض المصنفات، واللّه المسؤول المأمول أن يوفقني فيوقفني على هذه اللفظة، وليس في البلد منارة تعرف بالشرقية سوى هذه، وهي بيضاء بنفسها، ولا يعرف في بلاد الشام منارة أحسن منها، ولا أبهى ولا أعلى منها، وللّه الحمد والمنة
(4)
.
(1)
الحديث في صحيح مسلم رقم (2937) في الفتن وأشراط الساعة.
(2)
صحيح مسلم رقم (155) في الإيمان رواه بمعناه، وانظر مسند أحمد (2/ 437).
(3)
مهرودتان: وتروى مهروذتان، والوجهان مشهوران. وبالدال أكثر ومعناها: ثوبان مصبوغان بورس ثم بزعفران، وقيل هما شقتان والشقة نصف الملاءة. وممصَّرتان: الثياب التي فيها صفرة خفيفة.
(4)
في ط زيادة من النساخ هذا نصها: قلت: نزول عيسى على المنارة التي بالجامع الأموي غير مستنكر، وذلك أن البلاء بالدجال يكون قد عم فيحصر الناس داخل البلد، ويحصرهم الدجال بها، ولا يتخلف أحد عن دخول البلد إلا أن يكون متبعًا للدجال، أو مأسورًا معه، فإن دمشق في آخر الزمان تكون معقل المسلمين وحصنهم من الدجال، فإذا كان الأمر كذلك فمن يصلي خارج البلد والمسلمون كلهم داخل البلد، وعيسى إنما ينزل وقد أقيمت الصلاة، فيصلي مع المسلمين، ثم يأخذهم ويطلب الدجال ليقتله، وبعض العوام يقول: إن المراد بالمنارة الشرقية بدمشق، منارة مسجد بلاشو، خارج باب شرقي. وبعضهم يقول: المنارة التي على نفس باب شرقي؛ فالله أعلم =
الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا عليهما السلام
وروى ابن عساكر
(1)
: عن زيد بن واقد قال: وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق، فوجدنا مغارة فعرَّفنا الوليد ذلك، فلما كان اللّيل وافانا وبين يديه الشمع، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة، ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع، وإذا فيها صندوق، ففتح الصندوق فإذا فيه سفط، وفي السفط رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام. مكتوب عليه: هذا رأس يحيى بن زكرياء، فأمر به الوليد فرد إلى مكانه، وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرًا من بين الأعمدة، فجعل عليه عمود مسفط الرأس.
وفي رواية عن زيد بن واقد: أن ذلك الموضع كان تحت ركن من أركان القبة - يعني قبل أن تبنى - قال: وكان على الرأس شعر وبشر
(2)
.
وقال الوليد بن مسلم: عن زيد بن واقد قال: حضرت رأس يحيى بن زكريا وقد أُخرج من الليطة القبلية الشرقية التي عند مجلس بجيلة، فوضع تحت عمود الكاسك
(3)
.
قال الأوزاعي والوليد بن مسلم: هو العمود الرابع المسفط.
وروى أبو بكر بن البرامي: عن أحمد بن أنس بن مالك، عن حبيب المؤذن، عن أبي زياد وأبي أمية الشَّعبانيين
(4)
، عن سفيان الثوري أنه قال: صلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة. وهذا غريب جدًّا.
وروى ابن عساكر من طريق أبي مسهر، عن المنذر بن نافع - مولى أم عمرو بنت مروان - عن أبيه - وفي رواية عن رجل قد سماه - أن واثلة بن الأسقع خرج من باب المسجد الذي يلي باب جيرون فلقيه كعب الأحبار فقال: أين تريد؟ قال واثلة: أريد بيت المقدس؟ فقال: تعال أريك موضعًا في المسجد من صلّى فيه فكأنما صلّى في بيت المقدس، فذهب به فأراه ما بين الباب الأصفر
(5)
الذي يخرج منه الوالي - يعني الخليفة - إلى الحنية - يعني القنطرة الغربية - فقال: من صلّى فيما بين هذين فكأنما صلى في بيت المقدش، فقال واثلة: إنه لمجلسي ومجلس قومي. قال كعب: هو ذاك. وهذا أيضًا غريب جدًّا ومنكر ولا يعتمد على مثله.
= بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سبحانه العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، القاهر فوق كل شيء، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
(1)
تاريخ دمشق (2/ 241).
(2)
تاريخ دمشق (241).
(3)
في ط: الكاسة؛ خطأ، والخبر في تاريخ دمشق (2/ 242).
(4)
في تاريخ ابن عساكر والخبر فيه (2/ 243 - 244): الشغفاني.
(5)
في تاريخ دمشق والخبر فيه (2/ 245): الأصغر.
وعن الوليد بن مسلم قال: لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء مسجد دمشق وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحًا من حجر فيه كتاب نقش، فبعثوا به إلى الوليد فبعثه إلى الروم فلم يستخرجوه، ثم بعث إلى من كان بدمشق من بقية الأشنان
(1)
فلم يستخرجوه، فدُلَّ على وهب بن منبه فبعث إليه، فلما قدم عليه أخبره بموضع ذلك اللّوح فوجدوه في ذلك الحائط - ويقال ذلك الحائط بناه هود عليه السلام فلما نظر إليه وهب حرّك رأسه وقرأه فإذا هو:
بسم الله الرحمن الرحيم، ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك، وإنما تلقى ندمك لو قد زل بك قدمك. وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب وودعك القريب، ثم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا إلى عملك زائد، فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة، قبل أن يحل بك أجلك، وتنزع منك روحك، فلا ينفعك مال جمعته، ولا ولد ولدته، ولا أخ تركته، ثم تصير إلى برزخ الثرى، ومجاور الموتى، فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن تؤخذ بالكظم ويحال بينك وبين العمل، وكتب في زمن سليمان بن داود عليهما السلام
(2)
.
وقال الحافظ ابن عساكر
(3)
: قرأت على أبي محمد السُّلمي، عن عبد العزيز التميمي، أبنا تمام الرازي، ثنا ابن البِرَامي قال: سمعت أبا مروان عبد الرحيم بن عمر المازني يقول: لما كان في أيام الوليد بن عبد الملك وبنائه المسجد احتفروا فيه موضعًا فوجدوا بابًا من حجارة مغلقًا، فلم يفتحوه وأعلموا به الوليد، فخرج من داره حتى وقف عليه، وفُتِحَ بين يديه، فإذا داخله مغارة فيها تمثال إنسان من حجارة، على فرس من حجارة، في يد التمثال الواحدة الدرَّة التي كانت في المحراب، ويده الأخرى مقبوضة، فأمر بها فكسرت، فإذا هي حبتان، حبة قمح وحبة شعير، فسأل عن ذلك، فقيل له لو تركت الكف لم تكسرها لم يسوس في هذا البلد قمح ولا شعير.
وقال الحافظ أحمد
(4)
الورّاق - وكان قد عمر مئة سنة -: سمعت بعض الشيوخ يقول: لما دخل المسلمون دمشق وجدوا على العمود الذي على المقسلاط - على السفود الحديد الذي في أعلاه - صنمًا مادًا يده بكف مطبقة، عسروه فإذا في يده حبة قمح، فسألوا عن ذلك، فقيل لهم: هذه الحبة قمح جعلها حكماء
(5)
اليونان في كف هذا الصنم طلسمًا، حتى لا يسوس القمح في هذه البلاد، ولو أقام سنين كثيرة.
(1)
كذا في تاريخ دمشق وفي المختصر (1/ 256): الأشبال.
(2)
تاريخ دمشق (2/ 239 - 240).
(3)
تاريخ دمشق (2/ 279) ط: دار الفكر.
(4)
في ط: وقال الحافظ أبو حمدان، خطأ، والتصحيح من (أ) وتاريخ دمشق (2/ 279) والخبر منه.
(5)
في تاريخ دمشق: خلفاء.
قال ابن عساكر
(1)
: وقد رأيت أنا في هذا السفود على قناطر كنيسة المقسلاط كانت مبنية فوق القناطر التي في السوق الكبير، عند الصابونيين والعطارين اليوم، وعندها اجتمعت جيوش الإسلام يوم فتح دمشق، أبو عبيدة من باب الجابية، وخالد من باب الشرقي، ويزيد بن أبي سفيان من باب الجابية الصغير.
وقال عبد العزيز التميمي
(2)
، عن أبي نصر عبد الوهّاب بن عبد الله المزني
(3)
: سمعت جماعة من شيوخ أهل دمشق يقولون: إن في سقف الجامع طلاسم عملها الحكماء في السقف مما يلي الحائط القبلي، فيها طلاسم للصنونيات، لا تدخله ولا تعشش فيه من جهة الأوساخ التي تكون منها، ولا يدخله غراب، وطلسم للفأر والحيات والعقارب، فما رأى الناس من هذا شيئًا إلا الفأر، ويشك أن يكون قد عدم طلسمها
(4)
، وطلسم العنكبوت حتى لا ينسج في زواياه ويركبه الغبار والوسخ.
قال الحافظ ابن عساكر
(5)
: وسمعت جدّي أبا الفضل يحيى بن علي يذكر أنه أدرك في الجامع قبل حريقه طلسمات لسائر الحشرات، معلّقة في السقف فوق البطائن مما يلي السبع، وأنه لم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق. فلما احترقت الطلسمات حين أحرق الجامع ليلة النصف من شعبان بعد العصر سنة إحدى وستين وأربعمئة.
وقد كانت بدمشق طلسمات كثيرة، ولم يبق منها سوى العمود الذي بسوق العلبيين الذي في أعلاه مثل الكرة العظيمة، وهي لعسر بول الدواب، إذا داروا بالدابة حوله ثلاث مرات انطلق باطنها. وقد كان شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية رحمه الله يقول: إنما هذا قبر مشرك متمرد مدفون هنالك يعذب، فإذا سمعت الدابة صياحه فزعت فانطلق ضبعها، قال: ولهذا يذهبون بالدواب إلى مقابر اليهود والنصارى إذا مغلت فتنطلق، وما ذاك إلا لأنها تسمع أصواتهم وهم يعذبون، واللّه أعلم.
ذكر الساعات التي على بابه
قال القاضي عبد الله بن أحمد بن زَبْر
(6)
: إنما سمي باب الجامع القبلي باب الساعات لأنه عمل هناك
(1)
تاريخه (2/ 280) وتمام الخبر فيه: وقد رأيت أنا هذا السفود على عمود قائم بالمقسلاط، وطرح في سنة أربع وستين وخمسمئة، وعمل منه أسكُفَّة لباشورة الباب الصغير.
(2)
تاريخ دمشق (2/ 281).
(3)
في ط: المري، وما أثبت عن تاريخ دمشق.
(4)
العبارة في تاريخ دمشق: ويوشك أن يكون تغير طلسمها.
(5)
تاريخ دمشق (2/ 281).
(6)
تاريخ دمشق (2/ 280).
بلكار
(1)
الساعات، كان يُعلم بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها عصافير من نحاس، وحَيّة من نحاس وغراب، فإذا تمت الساعة خرجت الحيَّة فصفَّرت العصافير وصاح الغراب وسقطت حصاة في الطست [فيعلم الناس أنه قد ذهب من النهار ساعة، وكذلك سائرها]
(2)
.
قلت: هذا الكلام يدل على أحد شيئين إما أن تكون الساعات كانت في الباب القبلي من الجامع، وهو الذي يسمى باب الزيادة، ولكن قد قيل إنه محدث بعد بناء الجامع، وهو لا ينفي أن الساعات كانت عنده في زمن القاضي ابن زَبْر، وإما أنه قد كان في الجامع في الجانب الشرقي منه في حائطه القبلي باب آخر في محاذاة باب الزيادة، وعنده الساعات ثم نقلت بعد هذا كله إلى باب الورّاقين اليوم، وهو باب الجامع من الشرق، واللّه أعلم.
قلت: فأما القبة التي في وسط صحن الجامع التي فيها الماء الجاري، ويقول العامة لها قبة أبي نواس فكان بناؤها في سنة تسع وستين وثلاثمئة أرَّخَ ذلك ابن عساكر
(3)
عن خط بعض الدماشقة.
وأما القبة الغربية العالية التي في صحن الجامع التي يقال لها قبة عائشة، فسمعت شيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي يقول: إنها إنما بنيت في حدود سنة ستين ومئة في أيام المهدي بن المنصور العباسي؛ وجعلوها لحواصل الجامع وكتب أوقافه.
وأما القبة الشرقية التي على باب مسجد علي فيقال: إنها بنيت في زمن الحاكم العبيدي في حدود سنة أربعمئة.
وأما الفَوَّارة التي تحت درج جيرون فعملها الشريف فخر الدولة أبو علي حمزة بن الحسين بن العباس الحسيني
(4)
، وكأنه كان ناظرًا بالجامع، وجَرَّ إليها قطعة من حجر كبير من قصر حَجّاج، وأجرى فيها الماء ليلة الجمعة لسبع ليال خلون من ربغ الأول سنة سبع عشرة وأربعمئة وعملت حولها قناطر، وعقد عليها قبة، ثم سقطت القبة بسبب جِمَال تحاكَّت عندها [وازدحمت] وذلك في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمئة، فأعيدت ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبادين ودار الحجارة في شوال سنة اثنتين وستين وخمسمئة، ذكر ذلك كله الحافظ ابن عساكر
(5)
.
قلت: وأما القصعة التي كانت في الفوارة، فما زالت وسطها، وقد أدركتها كذلك، ثم رفعت بعد ذلك. وكان بطهارة جيرون قصعة أخرى مثلها، فلم تزل بها إلى أن تهدمت اللبادين بسبب حريق النصارى
(1)
في تاريخ دمشق: بركار، وفي ط: بلشكار!!
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (1/ 272).
(3)
تاريخ دمشق (2/ 264).
(4)
في الأصول: الحسني، والمثبت من تاريخ دمشق ومختصره.
(5)
تاريخ دمشق (2/ 264 - 265).
في سنة إحدى وأربعين وسبعمئة، ثم استؤنف بناء الطهارة على وجه آخر أحسن مما كانت، وذهبت تلك القصعة فلم يبق لها أثر.
تم عمل الشاذروان
(1)
الذي شرقي فوارة جيرون، بعد الخمسمئة - أظنه - سنة أربع عشرة وخمسمئة واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
ذكر ابتداء أمر السُّبْع
(2)
بالجامع الأموي
قال أبو بكر بن أبي داود: حدّثنا أبو عامر
(3)
موسى بن عامر المري، حدّثنا الوليد - هو ابن مسلم - قال قال أبو عمر الأوزاعي، عن حسان بن عَطيّة قال: الدراسة مُحدثة أحدثها هشام بن إسماعيل المخزومي، في قدمته على عبد الملك، فحجبه عبد الملك فجلس بعد الصبح في مسجد دمشق فسمع قراءة فقال: ما هذا؟ فأخبر أن عبد الملك يقرأ في الخضراء، فقرأ هشام بن إسماعيل
(4)
، فجعل عبد الملك يقرأ بقراءة هشام، فقرأ بقراءته مولى له، فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد فقرأوا بقراءته. وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: حدّثنا أيوب بن حسّان، حدّثنا الأوزاعي، حدّثنا خالد بن دهقان قال: أول من أحدث القراءة في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل بن المغيرة المخزومي، وأول من أحدث القراءة بفلسطين الوليد بن عبد الرحمن الجُوَشي
(5)
.
قلت: هشام بن إسماعيل كان نائبًا على المدينة النبوية، وهو الذي ضرب سعيد بن المسيِّب لما امتنع من المبايعة للوليد بن عبد الملك، قبل أن يموت أبوه، ثم عزله عنها الوليد وولَّى عليها عمر بن عبد العزيز، كما ذكرنا.
وقد حضر هذا السُّبْع جماعات من سادات السَّلف من التابعين بدمشق، منهم هشام بن إسماعيل، ومولاه رافع، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مكتِّبًا لأولاد عبد الملك بن
(1)
الشاذروان: لوحة من حجر مزخرفة ومحفورة بأقنية، تُركز مائلة في صدر قاعة تجري عليها الماء خفيفة لترطب الجو، وقد سميت أيضًا بـ السلسبيل. موسوعة العمارة الإسلامية (ص 232).
(2)
المقصود بالسُّبْع: سُبْعٌ من القرآن. ثم أطلق على المكان الذي كان يقرأ السُّبْع فيه. وكان موضع السُّبْع في المسجد على ما ذكر ابن جبير الجهة الشرقية من مقصورة الصحابة. وقراءة السُّبع لا تتعدى ذلك الموضع متصلًا مَع جدار القبلة إلى الجدار الشرقي، ووقت قراءته كل يوم إثر صلاة الصبح. رحلة ابن جبير (ص 294).
(3)
في الأصول: عباس، والتصحيح من ابن عساكر.
(4)
كان نائبًا لعبد الملك على المدينة المنورة. ترجمته في هذا الجزء ضمن وفيات سنة 88، وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 214).
(5)
الخبر بسنده في تاريخ دمشق (2/ 283).
مروان، وقد ولي إمرة إفريقية لهشام بن عبد الملك وابنيه عبد الرحمن ومرواد
(1)
.
وحضره من القضاة أبو إدريس الخولاني، ونمير بن أوس الأشعري، ويزيد بن أبي مالك الهمداني، وسالم بن عبد الله المحاربي، ومحمد بن عبد الله بن لبيد الأسدي.
ومن الفقهاء والمحدثين والحفاظ المقرئين أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى آل معاوية، ومكحول، وسليمان بن موسى الأشدق، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وأبو إدريس الأصغر عبد الرحمن بن عراك، وعبد الرحمن بن عامر اليحصبي - أخو عبد الله بن عامر - ويحيى بن الحارث الذِّماري
(2)
، وعبد الملك بن نعمان المُزَني، وأنس بن أنيس العذري، وسليمان بن بزيع
(3)
القارئ، وسليمان بن داود الخُشني، وعران - أو هزّان - بن حكيم القرشي، ومحمد بن خالد بن أبي ظبيان الأزدي، ويزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر، وعَيّاش بن دينار وغيرهم.
هكذا أوردهم ابن عساكر
(4)
. قال: وقد روي عن بعضهم أنه كره اجتماعهم وأنكره، ولا وجه لإنكاره.
ثم ساق من طريق أبي بكر بن أبي داود: حدّثنا عمرو
(5)
بن عثمان، حدّثنا الوليد - هو ابن مسلم - عن عبد الله بن العلاء قال: سمعت الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب
(6)
ينكر هذه الدراسة ويقول: ما رأيت ولا سمعت وقد أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عساكر
(7)
: وكان الضحاك بن عبد الرحمن أميرًا على دمشق في أواخر سنة ست وثمانين
(8)
في خلافة عمر بن عبد العزيز.
فصل
كان ابتداء عمارة جامع دمشق في أواخر سنة ست وثمانين، هدمت الكنيسة في ذي القعدة منها، فلما فرغوا من الهدم شرعوا في البناء، وتكامل في عشر سنين
(9)
، فكان الفراغ منه في هذه السنة - أعني سنة
(1)
أي ولدا إسماعيل بن عبيد الله.
(2)
في الأصول: الدماري - بالدال - والمثبت من تاريخ دمشق والضبط من تقريب التهذيب.
(3)
في الأصول: بذيغ، والمثبت من تاريخ دمشق، وسليمان بن بزيع من حملة القرآن.
(4)
تاريخ دمشق (2/ 283 - 284) ط: دار الفكر.
(5)
في تاريخ دمشق: عمر.
(6)
في ط: عروب، والمثبت من أ، ب ويوافق تاريخ دمشق.
(7)
تاريخ دمشق (2/ 285).
(8)
كذا ورد في الأصول؛ والصحيح في سنة تسع وتسعين، ولم يذكر ابن عساكر السنة.
(9)
في معجم البلدان (2/ 465): تسع سنين.
ست وتسعين - وفيها توفي بانيه الوليد بن عبد الملك، وقد بقيت فيه بقايا فكملها أخوه سليمان بن عبد الملك كما ذكرنا. فأما قول يعقوب بن سفيان: سألت هشام بن عمار عن قصة مسجد دمشق وهدم الكنيسة قال: كان الوليد قال للنصارى: ما شئتم، إنا أخذنا كنيسة توما عنوة وكنيسة الداخلة صلحًا، فأنا أهدم كنيسة توما - قال هشام وتلك أكبر من هذه الداخلة - قال فرضوا أن يهدم كنيسة الداخلة وأدخلها في المسجد، قال: وكان بابها قبلة المسجد اليوم، وهو المحراب الذي يصلى فيه، قال: وهدم الكنيسة في أول خلافة الوليد سنة ست وثمانين، ومكثوا في بنائها سبع سنين حتى مات الوليد ولم يتم بناءه، فأتمه هشام من بعده ففيه فوائد وفيه غلط، وهو قوله إنهم مكثوا في بنائه سبع سنين، والصواب عشر سنين، فإنه لا خلاف أن الوليد بن عبد الملك توفي في هذه السنة - أعني سنة ست وتسعين - وقد حكى أبو جعفر بن جرير على ذلك إجماع أهل السير، وقوله: لم يتم بناؤه في زمن الوليد بل قد تم ولكن بقيت بقيات من الزخرفة فأكملها أخوه سليمان لا هشام، والله سبحانه وتعالى أعلم
(1)
.
وهذه ترجمة الوليد بن عبد الملك
(2)
باني جامع دمشق، وذكر وفاته في هذا العام
هو الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو العباس الأموي، بويع له بالخلافة بعد أبيه بعهدٍ منه في شوال سنة ست وثمانين، وكان أكبر ولده، والولي من بعده، وأمه ولادة بنت العباس بن جزء
(3)
بن الحارث بن زهير العبسي.
وكان مولده سنة خمسين، وكان أبواه يترفانه، فشب بلا أدب
(4)
، وكان لا يحسن العربية، وكان طويلًا أسمر به أثر جدري خفي، أفطس الأنف سائله، وكان إذا مشى يتوكف
(5)
في المشية - أي يتبختر -
(1)
بعدها في ط، ب: زيادة تذكر تواريخ بناء القباب التي في صحن المسجد وقد تقدم الكلام عن هذه القباب قبل صفحات، وانفردت (ب) بزيادة هذا نصها: فمن ذلك القبة الغربية التي في صحنه، ويسميها الناس قبة عائشة، وغالب ظني أنها بنيت في سنة ستين ومئة في أيام المهدي بن المنصور، وأما القبة الشرقية التي في صحنه تجاه مشهد علي بن الحسين فعمِّرت في أيام المستنصر العبيدي في سنة خمس وأربعمئة، وكتب عليها اسمه واسم الاثني عشر، يفور من وسطها الماء، وتسميها العامة قبة أبي نواس، فكان بناؤها في سنة بضع وخمسين وثلائمئة، ووضع العمودان اللذان في صحن الجامع لأجل التنوير ليالي الجمع في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وأربعمئة بأمر قاضي البلد أبي محمد فيما ذكره ابن عساكر في بعض تواريخهم ومن خطهم نقلت ذلك، وهذه ترجمة ..
(2)
ترجمة - الوليد بن عبد الملك - في المعارف لابن قتيبة (359) وتاريخ دمشق (63/ 164 - 187) ووفيات الأعيان (6/ 254) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 496 - 500) وسير أعلام النبلاء (4/ 347 - 348) والنجوم الزاهرة (1/ 220 - 234) وشذرات الذهب (1/ 388).
(3)
في ط، ب: حزن وما أثبت عن الطبري (6/ 419) وجمهرة أنساب العرب لابن حزم.
(4)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 497) نقلًا عن فوات الوفيات.
(5)
في أ: يتوذف.
وكان جميلًا وقيل بل كان دميمًا، قد شاب في مقدم لحيته، وقد رأى سهل بن سعد وسمع أنس بن مالك حين سأله ما سمع في أشراط الساعة، كما تقدم في ترجمة أنس، وسمع سعيد بن المسيّب، وحكى عن الزهري وغيره.
وقد روي أن عبد الملك أراد أن يعهد إليه ثم توقف لأنه لا يحسن العربية، فجمع الوليد جماعة من أهل النحو فأقاموا عنده ستة أشهر، فخرج يوم خرج وهو أجهل ما كان، فقال عبد الملك: قد أجهد وأعذر
(1)
[وقيل إن أباه عبد الملك أوصاه عند موته فقال له: لا ألفينك إذا مِتُّ تجلس تعصر عينيك، وتحن حنين الأمة، ولكن شمّر واتزر، ودلني في حفرتي، وخلني وشأني، وادع الناس إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا]
(2)
.
وقال الليث: وفي سنة ثمان وسبعين
(3)
غزا الوليد بلاد الروم، وفيها حج بالناس أيضًا. وقال غيره: غزا في التي قبلها وفي التي بعدها بلاد ملطية وغيرها.
وبويع له بالخلافة بعد أبيه في شوال من سنة ست وثمانين
(4)
.
وكان نقش خاتمه: أومن بالله مخلصًا. وقيل كان نقشه يا وليد إنك ميت.
ويقال: إن آخر ما تكلّم به سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله.
وقال إبراهيم بن أبي عبلة: قال لي الوليد بن عبد الملك يومًا: في كم تختم القرآن؟ قلت: في كذا وكذا، فقال: أمير المؤمنين على شغله يختمه في كل ثلاث، وقيل في كل سبع، قال: وكان يقرأ في كل رمضان سبع عشرة ختمة
(5)
. قال إبراهيم: رحم الوليد وأين مثله؟ بنى مسجد دمشق، وكان يعطيني قطاع الفضة فأقسمها على قراء بيت المقدس
(6)
.
وروى ابن عساكر
(7)
بإسناد رجاله كلهم ثقات عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبيه قال: خرج الوليد بن عبد الملك يومًا من الباب الأصغر فرأى رجلًا عند المئذنة الشرقية يأكل شيئًا، فأتاه فوقف عليه فإذا هو يأكل خبزًا وترابًا، فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: القُنُوع يا أمير المؤمنين، فذهب إلى مجلسه ثم استدعى به فقال: إن لك لشأنًا فأخبرني به وإلا ضربت الذي فيه عيناك، فقال: نعم يا أمير
(1)
فوات الوفيات (4/ 254) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 497).
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر بسنده في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 497 - 498).
(3)
في أ، ط: وتسعين، وهذا خطأ واضح، حيث إن المشهور أن الوليد مات سنة 96 هـ، وخبر غزو الوليد وحجه في تاريخ الطبري (6/ 321).
(4)
من قوله: وبويع له بالخلافة .. إلى هنا ساقط من ط.
(5)
سير أعلام النبلاء (4/ 347).
(6)
تاريخ دمشق (63/ 175) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 498) وسير أعلام النبلاء (4/ 347).
(7)
تاريخ دمشق (63/ 177) والخبر أيضًا في تاريخ الإسلام.
المؤمنين، كنت رجلًا جَمّالًا، فبينما أنا أسير من مرج الصُّفَّر
(1)
قاصدًا إلى الكسوة
(2)
، إذ أزرمني البول فعدلت إلى خربة لأبول، فإذا سرب فحفرته فإذا مال صبيب، فملأت منه غرائري، ثم انطلقت أقود برواحلي، وإذا بمخلاة معي فيها طعام فألقيته منها، وقلت إني سآتي الكسوة، ورجعت إلى الخربة لأملأ تلك المخلاة من ذلك المال فلم أهتد إلى المكان بعد الجهد الجهيد في الطلب، فلما أيست رجعت إلى الرواحل فلم أجدها ولم أجد الطعام، فآليت على نفسي أني لا آكل إلا خبزًا وترابًا. قال: فهل لك عيال؟ قال نعم، ففرض له في بيت المال.
قال ابن جابر
(3)
: وبلغنا أن تلك الرواحل سارت حتى أتت بيت المال فتسلمها حارسه فوضعها في بيت المال.
[وقيل إن الوليد قال له: ذلك المال وصل إلينا واذهب إلى إبلك فخذها، وقيل إنه دفع إليه شيئًا من ذلك المال يُقيته وعياله]
(4)
.
وقال نمير بن عبد الله الصَّنعاني
(5)
عن أبيه قال: قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر قوم لوط في القرآن ما ظننت أن أحدا يفعل هذا
(6)
.
قالوا: وكان الوليد لحانًا كما جاء من غير وجه أن الوليد خطب يومًا فقرأ في خطبته {يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} [الحاقة: 27] فضم التاء من ليتها. فقال عمر بن عبد العزيز: يا ليتها كانت عليك وأراحتنا منك
(7)
.
وكان يقول: يا أهلُ المدينة.
(1)
مرج الصفّر: تل بحوران.
(2)
الكسوة: قرية، أول منزل تنزله القوافل إذا خرجت من دمشق إلى مصر. معجم البلدان (4/ 461).
(3)
في ط: جرير، خطأ. والمثبت من أ، ب وتاريخ دمشق (63/ 178).
(4)
زيادة من ط.
(5)
في أ، ب: الشعباني، وفي ط: الشعناني، وما أثبت عن تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 499) وفي تاريخ دمشق (63/ 178): السمعاني.
(6)
بعدها في ط زيادة تحتوي كلامًا عن فاحشة اللواط مبدأها: قلت: فنفى عن نفسه هذه الخصلة القبيحة الشنيعة، والفاحشة المذمومة، التي عذب الله أهلها.
ولا شك أن هذه من زيادات النساخ، وبعد هذه الفقرة، يذكر حكم الإسلام في هذه الفعلة الشنيعة، وهل تقبل توبة المفعول به والفاعل أم لا، وهكذا .. وقد رأيت حذفها لأنها ليست من أصل الكتاب أولًا فهي ساقطة من أ، ب وموضوعها خلاف موضوع الكتاب ثانيًا، فهذا كتاب تاريخ وقلّما يتطرّق إلى المسائل الفقهية والوعظية بهذه السَّعة، وأكبر دليل على إقحام هذه الزيادة تحامل كاتبها على الوليد رحمه الله واتهامه بهذا الفعل الشنيع. نسأل الله العافية والسلامة.
(7)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 499).
وقال عبد الملك يومًا لرجل من قريش: إنك لرجل لولا أنك تلحن، فقال: وهذا ابنك الوليد يلحن، فقال: لكن ابني سليمان لا يلحن، فقال الرجل: وأخي أبو فلان لا يلحن
(1)
.
وقال ابن جرير
(2)
: حدّثني عمر، حدّثنا علي - يعني ابن محمد المدائني - قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم، بنى المساجد بدمشق
(3)
، ووضع المنائر، وأعطى الناس، وأعطى المجذومين، وقال لهم: لا تسألوا الناس، وأعطى كلَّ مُقْعدٍ خادمًا، وكل ضرير قائدًا
(4)
، وفُتح في ولايته فتوحات كثيرة عظامًا، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد
(5)
الروم، ففتح الهند والسند والأندلس وأقاليم بلاد العجم، حتى دخلت جيوشه إلى الصين وغير ذلك.
قال: وكان مع هذا يمر بالبقال فيأخذ حزمة البقل بيده ويقول: بكم تبيع هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها فإنك تربح.
وذكروا أنه كان يبر حَمَلة القرآن ويكرمهم ويقضي عنهم ديونهم، قالوا: وكانت همَّة الوليد في البناء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: ماذا بنيت؟ ماذا عمرت؟ وكانت همّة أخيه سليمان في النساء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: كم تزوجت؟ ماذا عندك من السراري؟ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن، وفي الصلاة والعبادة، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: كم وردك؟ كم تقرأ كل يوم؟ ماذا صليت البارحة
(6)
؟
قلت: بنى الوليد بن عبد الملك جامع دمشق على الوجه الذي ذكرنا فلم يكن له في الدنيا نظير، في حسنه وشكله، وبنى صخرة بيت المقدس عقد عليها القبة
(7)
، وبنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ووسعه حتى دخلت الحجرة النبوية التي فيها القبر فيه، وله آثار حسان كثيرة جدًّا، ثم كانت وفاته في يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة. أعني سنة ست وتسعين.
(1)
تقدم سرد هذه الحادثة، وقد جرت بين عبد الملك وخالد بن يزيد بن معاوية.
(2)
تاريخ الطبري (6/ 496).
(3)
في الطبري: بنى المساجد مسجد دمشق ومسجد المدينة.
(4)
قال القاضي ابن خلكان في الوفيات (6/ 254): رتب للزمنى والأضرَّاء من يقودهم ويخدمهم. لأنه أصابه رمد بعينيه فأقام مدة لا يبصر شيئًا، فقال: إن أعادهما الله تعالى عليَّ قمت بحقه فيهما. فلما برئ رأى أن شكر هذه النعمة الإحسان إلى العميان.
(5)
العبارة الأخيرة ليست في الطبري.
(6)
تاريخ الطبري (6/ 497): وبعدها في ط زيادة، وهي تعليق من النساخ عما ذكر قبلها، ولا قيمة لهذه الزيادة، ولا محل لها هنا، ثم نقل عن الواقدي خبرًا فيه إساءة للوليد بن عبد الملك، ولا شك أن المقصود بهذا الخبر الوليد بن يزيد الفاسق.
(7)
المعروف أن الذي بنى قبة الصخرة إنما هو عبد الملك بن مروان.
قال ابن جرير
(1)
: هذا قول جميع أهل السير.
وقال عمر [و] بن علي الفلاس وجماعة: كانت وفاته يوم السبت للنصف من ربيع الأول من هذه السنة، عن ست وقيل ثلاث وقيل تسع وقيل أربع وأربعين سنة، وكانت وفاته بدير مران، فحمل على أعناق الرجال حتى دفن بمقابر باب الصغير، وقيل: بمقابر باب الفراديس، حكاه ابن عساكر
(2)
.
وكان الذي صلى عليه عمر بن عبد العزيز لأن أخاه سليمان كان بالقدس الشريف، وقيل: صلى عليه ابنه عبد العزيز. وقيل بل صلّى عليه أخوه سليمان، والصحيح عمر بن عبد العزيز، والله أعلم. وهو الذي أنزله إلى قبره وقال حين أنزله: لننزلنه غير موسَّد ولا ممهد، قد خلفت الأسلاب، وفارقت الأحباب، وسكنت التراب وواجهت الحساب، فقيرًا إلى ما تقدم عليه، غنيًا عما تخلف
(3)
.
وجاء من غير وجه عن عمر بن عبد العزيز أنه أخبره أنه لما وضعه - يعني الوليد - في لحده ارتكض في أكفانه، وجمعت رجلاه إلى عنقه
(4)
.
وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر على المشهور. والله أعلم.
قال المدائني: وكان له من الولد تسعة عشر ولدًا ذكرًا، وهم عبد العزيز، ومحمد، والعباس، وإبراهيم، وتمام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشر، ومسرور، وأبو عيبدة، وصدقة، ومنصور، ومروان، وعنبسة، وعمر، وروح، وبشر، ويزيد، ويحيى. فأم عبد العزيز ومحمد أم البنين
(5)
بنت عمه عبد العزيز بن مروان، وأم أبي عبيدة فزارية، وسائرهم من أمهات أولاد شتى
(6)
.
قال المدائني: وقد رثاه جرير فقال:
يا عينُ جودي بدمعٍ هاجَهُ الذِّكر
…
فما لدمعكِ بعد اليومِ مُدَّخرُ
إنَّ الخليفةَ قدْ وارتْ شمائلهُ
…
غبراءُ مُلْحَدَةٌ في جُولها زور
(7)
أضحى بنوهُ وقد جلت مصيبتُهُمْ
…
مثلَ النجومِ هَوَى من بينها القمرُ
كانوا جميعًا فلم يدفع منيتهُ
…
عبدُ العزيزِ ولا رَوْحٌ ولا عمرُ
(8)
(1)
تاريخ الطبري (6/ 495).
(2)
تاريخ دمشق (63/ 182).
(3)
المصدر نفسه (63/ 180).
(4)
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 500) وتاريخ دمشق (63/ 180 - 181).
(5)
في أ: المؤمنين، وما هنا مطابق للمصادر.
(6)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 496).
(7)
في أ: زرر؛ تحريف، والزور: الاعوجاج.
(8)
الأبيات في ديوان جرير (362) ط: دار الكتب اللبنانية، وتاريخ الطبري (6/ 497 - 498).
وممن هلك أيام الوليد بن عبد الملك:
زياد بن جارية التميمي
(1)
الدمشقي، كانت داره بها غربي قصر الثقفيين.
روى عن حبيب بن مسلمة الفهري في النهي عن المسألة وله ما يغديه ويعشيه، وفي النفل.
ومنهم من زعم أن له صحبة، والصحيح أنه تابعي.
روى عنه: عطية بن قيس ومكحول ويونس بن ميسرة بن حلبس، ومع هذا قال فيه أبو حاتم: شيخ مجهول.
ووثقه النسائي وابن حبان.
روى ابن عساكر
(2)
: أنه دخل يوم جمعة إلى مسجد دمشق وقد أخرت الصلاة، فقال: والله ما بعث الله نبيًا بعد محمد صلى الله عليه وسلم أمركم بهذه الصلاة هذا الوقت، قال: فأُخذ فأدخل الخضراء فقطع رأسه، وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك.
عبد الله بن عمرو بن عثمان
(3)
، أبو محمد، كان قاضي المدينة، وكان شريفًا كثير المعروف جوادًا ممدَّحًا، والله أعلم
(4)
.
خلافة سليمان بن عبد الملك
بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الوليد يوم مات، وكان يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وكان سليمان بالرَّملة، وكان ولي العهد من بعد أخيه عن وصية أبيهما عبد الملك بن مروان كما تقدم.
وقد كان الوليد بن عبد الملك قد عزم قبل موته على خلع أخيه سليمان، وأن يجعل ولاية العهد من بعده لولده عبد العزيز بن الوليد، وقد كان الحجاج طاوعه على ذلك وأمره به، وكذلك قتيبة بن مسلم
(1)
ترجمة - زياد بن جارية - في تاريخ البخاري (3/ 348) والثقات لابن حبان (4/ 252) وتاريخ دمشق (19/ 132 - 136) وفيه: زياد بن حارثة، وتهذيبه (5/ 41) وأسد الغابة (2/ 312) وتهذيب الكمال (9/ 439 - 441) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 359 - 360) والوافي بالوفيات (15/ 13 - 14) والإصابة (1/ 586) وتهذيب التهذيب (3/ 356 - 357).
وقد تحرف في ط إلى: حارث، وفي أ، ب: حارثة، والتصحيح من المصادر.
(2)
تاريخ دمشق (19/ 136).
(3)
ترجمة - عبد الله بن عمرو - في المعارف (199) وتاريخ البخاري (5/ 153 - 154) ونسب قريش (118) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 403) والوافي بالوفيات (17/ 384 - 388) والنجوم الزاهرة (1/ 233 - 234) وتهذيب التهذيب (5/ 338 - 339).
(4)
الترجمة الأخيرة ساقطة من أ، ب.
وجماعة من أهل الشام، وقد أنشد في ذلك جرير
(1)
وغيره من الشعراء قصائد، فلم ينتظم ذلك له حتى مات، وانعقدت البيعة إلى سليمان، فخافه قتيبة بن مسلم وعزم على أن لا يبايعه، فعزله سليمان وولَّى على إمرة العراق ثم خراسان يزيد بن المهلّب
(2)
، فأعاده إلى إمرتها بعد عشر سنين، وأمره بمعاقبة آل الحجاج بن يوسف، وكان الحجاج هو الذي عزل يزيد عن خراسان. [ولسبع بقين من رمضان من هذه السنة عزل سليمان عن إمرة المدينة عثمان بن حيان وولَّى عليها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان أحد العلماء]
(3)
.
وقد كان قتيبة بن مسلم حين بلغه ولاية سليمان بن عبد الملك للخلافة كتب إليه كتابًا يعزِّيه في أخيه، ويهنئه بولايته، ويذكر فيه بلاءه وعناه وقتاله وهيبته في صدور الأعداء، وما فتح الله من البلاد والمدن والأقاليم الكبار على يديه، وأنه له على مثل ما كان للوليد من الطاعة والنصيحة، إن لم يعزله عن خراسان، ونال في هذا الكتاب من يزيد بن المهلَّب، ثم كتب كتابًا ثانيًا يذكر ما فعل من القتال والفتوحات وهيبته في صدور الملوك والأعاجم، ويذم يزيد بن المهلَّب أيضًا، ويقسم فيه لئن عزله وولى يزيد ليخلعن سليمان عن الخلافة، وكتب كتابًا ثالثًا فيه خلع سليمان عن الخلافة بالكلية، وبعث بها مع البريد
(4)
وقال له: ادفع إليه الكتاب الأول، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلّب فادفع إليه الثاني، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثالث، فلما قرأ سليمان الكتاب الأول - واتفق حضور يزيد عند سليمان - دفعه إلى يزيد فقرأه، فناوله البريد الكتاب الثاني فقرأه ودفعه إلى يزيد، فناوله البريد الكتاب الثالث فقرأه، فإذا فيه التصريح بعزله وخلعه، فتغير وجهه، ثم ختمه وأمسكه بيده ولم يدفعه إلى يزيد، وأمر بإنزال البريد في دار الضيافة، فلما كان من اللّيل بعث إلى البريد فأحضره ودفع إليه ذهبًا وكتابًا فيه ولاية قتيبة على خراسان، وأرسل مع ذلك البريد بريدًا آخر من جهته ليقرره عليها، فلما وصلا بلاد خراسان
(5)
بلغهما أن قتيبة قد خلع الخليفة، فدفع بريد سليمان الكتاب الذي معه إلى بريد قتيبة، ثم بلغهما مقتل قتيبة قبل أن يرجع بريد سليمان.
(1)
يقول جرير:
إذا قيل أي الناس خير خليفة
…
أشارت إلى عبد العزيز الأصابع
رأوه أحق الناس كلّهم بها
…
وما ظلموا، فبايعوا وسارعوا
والأبيات في ديوان جرير (357) وتاريخ الطبري.
(2)
الخبر في الطبري (6/ 506) وابن الأثير (5/ 11) وفيهما: أن سليمان عزل يزيد بن أبي مسلم عن العراق، وأمّر عليه يزيد بن المهلّب، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج.
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في الطبري (6/ 505) وابن الأثير (5/ 11).
(4)
في الطبري وابن الأثير: مع رجل من باهلة.
(5)
في الطبري وابن الأثير: فلما كان بحلوان.
مقتل
(1)
قتيبة بن مسلم
(2)
رحمه الله
وذلك أنه جمع الجند والجيوش وعزم على خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وترك طاعته، وذكر لهم همته وفتوحه وعدله فيهم، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم، فلما فرغ من مقالته، لم يجبه أحد من الناس، فشرع في تأنيبهم وذمِّهم، قبيلة قبيلة، وطائفة طائفة، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرَّقوا، وعملوا على مخالفته، وسَعَوا في قتله، وكان القائم بأعباء ذلك رجل يقال له وكيع بن أبي سود
(3)
، فجمع جموعًا كثيرة، ثم ناهضه فلم يزل به حتى قتله في ذي الحِجَّة من هذه السنة، وقتل معه أحد عشر رجلًا من إخوته وأبناء إخوته، ولم يبق منهم سوى ضرار بن مسلم، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن سعد بن زُرارة، فحمته أخواله، وعمرو بن مسلم كان عامل الجوزجان وقتل قتيبة وعبد الرحمن وعبد الله وعبيد الله
(4)
وصالح ويسار
(5)
، وهؤلاء أبناء مسلم، وأربعة من أبنائهم، فصلبهم كلهم وكيع بن أبي سود.
وقد كان قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن ربيعة أبو حفص الباهلي، من سادات الأمراء وخيارهم، وكان من القادة النجباء الكبراء، والشجعان وذوي الحروب والفتوحات السعيدة، والآراء الحميدة [وقد هدى الله على يديه خلقًا لا يحصيهم إلا الله، فأسلموا ودانوا لله عز وجل، وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئًا كثيرًا كما تقدم ذلك مفصلًا مبينًا، والله سبحانه لا يضيع سعيه ولا يخيب تعبه وجهاده]
(6)
.
ولكن زلّ زلّة كان فيها حتفه، وضلّ ضلة رغم فيه أنفه، وخلع الطاعة فبادرت المنية إليه، وفارق الجماعة فمات ميتة جاهلية، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله به سيئاته، ويمحو بها عنه
(1)
في ب: ذكر سبب مقتله.
(2)
ترجمة - قتيبة بن مسلم - في تاريخ خليفة (318) والمعارف (406) والبيان والتبيين للجاحظ (2/ 132) ومعجم الشعراء للمرزباني (212) ووفيات الأعيان (4/ 86 - 91) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 454) وسير أعلام النبلاء (4/ 410 - 411) والنجوم الزاهرة (1/ 233) وشذرات الذهب (1/ 389).
(3)
لم يذكر الطبري وابن الأثير من اسمه سوى وكيع، وذكر ابن خلكان في الوفيات (4/ 87): أنه وكيع بن حسان بن قيس بن يوسف.
وكذلك ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام وقال: ولما بلغه موت الوليد نزع الطاعة، فلم يوافقه أكثر من معه من الجند، وكان قد عَزَلَ وكيعَ بن حسان بن قيس الغدّاني عن رياسة تميم، فسعى في تأليب الجند ثم وثب على قتيبة في أحد عشر من أهله فقتلوه.
(4)
في الطبري وابن الأثير: عبد الله.
(5)
زاد الطبري (6/ 416): وابن الأثير (5/ 17): عبد الكريم وحصين.
(6)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
من خطيئاته، والله يسامحه ويعفو عنه، ويتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء، وكانت وفاته بفرغانة من أقصى بلاد خراسان، في ذي الحجة من هذه السنة، وله من العمر ثمان وأربعون سنة، وكان أبوه أبو صالح مسلم فيمن قتل مع مصعب بن الزُّبير، وكانت ولايته على خراسان عشر سنين، وقد قال فيه بعض الشعراء يرثيه، وهو رثاء عبد الرحمن بن جمانة الباهلي فقال:
كأن أبا حفصٍ قتيبة لم يسرْ
…
بجيشٍ إلى جيشٍ ولم يعلُ منبرا
ولم تخْفِقِ الراياتُ والقومُ حولهُ
…
وقوفٌ ولم يشهدْ له الناسُ عسكرا
دعتهُ المنايا فاستجاب لربِّهِ
…
وراحَ إلى الجنَّاتِ عَفًّا مطهَّرا
فما رُزِئَ الإسلامُ بعد محمدٍ
…
بمثلِ أبي حفصٍ فبكّيهِ عَبْهَرا
(1)
ولقد بالغ هذا الشاعر في بيته الأخير. وعبهر ولد له.
وقال الطِّرماح في هذه الوقعة التي قتل فيها على يد وكيع بن أبي سود:
لولا فوارسُ مَذحِجَ ابنه
(2)
مذحجٍ
…
والأزد زُعزعَ واستبيحَ العسكرُ
وتقطعتْ بهمُ البلادُ ولم يَؤُب
…
منهم إلى أهلِ العراقِ مخبِّرُ
واستضلعت
(3)
عقد الجماعةِ وازدرى
…
أمرُ الخليفةِ واستحلَ المنكرُ
قومٌ همو قتلوا قتيبة عنوةً
…
والخيلُ جامحةٌ عليها العِثْيرُ
(4)
بالمرج مرجِ الصينِ حيثُ تبيّنتْ
…
مُضرُ العراقِ مَن الأعزُّ الأكبرُ
إذ حالَفتْ جزعًا ربيعةُ كلها
…
وتفرقتْ مضرٌ ومنْ يتمضرُ
وتقدمتْ أزدُ العراقِ ومَذْحِجٌ
…
للموتِ يجمعُها أبوها الأكبر
قحطانُ تضربُ رأسَ كل مدججٍ
…
تحمى بصائرهنَّ إذْ لا تبصرُ
والأزدُ تعلمُ أنَّ تحتَ لوائها
…
مُلكًا قُرَاسِيَةً وموتٌ أحمرُ
فبعزِّنا نُصِرَ النبيُّ محمدٌ
…
وبنا تثبَّتَ في دمشقَ المِنبرُ
(5)
وقد بسط ابن جرير
(6)
هذه القصة بسطًا كثيرًا وذكر أشعارًا كثيرة جدًّا. وقال القاضي ابن خلكان
(7)
وقال جرير يرثي قتيبة بن مسلم رحمه الله وسامحه، وأكرم مثواه وعفا عنه:
(1)
الأبيات في الطبري (6/ 521) وابن الأثير (5/ 19 - 20) وفيهما: عبهر: أم ولد له.
(2)
في أ، ب: أثبت.
(3)
في أ، ب: واستطلقت.
(4)
في أ: العنبر، وفي الطبري: جانحة بدل جامحة.
(5)
الأبيات في الطبري (6/ 520 - 521).
(6)
تاريخ الطبري (6/ 506 - 522).
(7)
وفيات الأعيان (4/ 88).
ندمتمْ على قتلِ الأغر
(1)
ابنِ مسلمٍ
…
وأنتمْ إذا لاقيتمُ الله أندمُ
لقدْ كنتمُ من غزوهِ في غنيمة
…
وأنتمْ لمنْ لاقيتمُ اليومَ مغنمُ
على أنه أفضى إلى حورِ جنةٍ
…
وتطبقُ بالبلوى عليكمْ جهنمُ
قال: وقد ولي من أولاده وذريته جماعة الإمرة في البلدان، فمنهم عَمْرو
(2)
بن سعيد بن قتيبة بن مسلم وكان جوادًا ممدحًا، رثاه حين مات أبو عمر أشجع بن عمرو السلمي المري
(3)
نزيل البصرة بقوله:
مضى ابنُ سعيدٍ حيثُ لم يبقَ مشرقٌ
…
ولا مغربٌ إلا له فيه مادحُ
وما كنتُ أدري ما فواضلُ كفهِ
…
على الناسِ حتى غيبتهُ الصفائحُ
(4)
وأصبحَ في لحد من الأرضِ ضيقٍ
…
وكانتْ به حيًا تضيقُ الضحاضحُ
سأبكيكَ ما فاضتْ دموعي فإن تغضْ
…
فحسبكَ مني ما تجن
(5)
الجوانحُ
فما أنا منْ رزئي وإن جلّ جازعٌ
…
ولا بسرورٍ بعدَ موتكَ فارحُ
كأن لم يمتْ حيٌّ سواكَ ولم تقمْ
…
على أحدٍ إلا عليكَ النوائحُ
لئنْ حسنتْ فيكَ المراثي وذِكرها
…
لقد حسنتْ منْ قبل فيكَ المدائحُ
قال ابن خلكان
(6)
: وهي من أحسن المراثي وهي في الحماسة
(7)
، ثم تكلم على باهلة وأنها قبيلة مرذولة عند العرب، قال: وقد رأيت في بعض المجاميع أن الأشعث بن قيس قال: يا رسول الله أتتكافأ دماؤنا؟ قال: "نعم! ولو قتلت رجلًا من باهلة لقتلتك".
وقيل لبعض العرب: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي؟ قال: بشرط أن لا يعلم أهل الجنة بذلك.
وسأل بعض الأعراب رجلًا ممن أنت؟ فقال: من باهلة، فجعل يرثي له قال: وأزيدك أني لست من الصميم وإنما أنا من مواليهم. فجعل يقبِّل يديه ورجليه، فقال: ولم تفعل هذا؟ فقال: لأن الله تعالى ما ابتلاك بهذه الرزية في الدنيا إلا ليعوِّضك الجنة في الآخره
(8)
.
(1)
في ط: الأمير؛ وما أثبت من أ والوفيات.
(2)
في ط: "عمر" محرف، وما أثبتناه من م ووفيات الأعيان (4/ 89) وهو عمرو بن سعيد بن مسلم بن قتيبة بن مسلم، وقد تولى أبوه سعيد أرمينية والموصل والسِّند وطبرستان وسجستان والجزيرة وتوفي سنة سبع عشرة ومئتين.
(3)
في الوفيات: الرَّقي.
(4)
الصفائح: أحجار عراض تسقف بها القبور.
(5)
في ط: تجر.
(6)
وفيات الأعيان (4/ 90).
(7)
الحماسة للتبريزي (2/ 168).
(8)
قال الإمام الذهبي بعد أن ساق هذا الخبر في السير (4/ 411): قلت: لم ينل قتيبة أعلى الرتب بالنسب، بل بكمال الحزم والعزم والإقدام والسَّعد، وكثرة الفتوحات ووفور الهيبة.
ثم قال ابن جرير
(1)
:
وفي هذه السنة توفي:
قرَّة بن شريك العبسي
(2)
أمير مصر وحاكمها. قلت: هو قرة بن شريك أمير مصر من جهة الوليد [وهو الذي بنى جامع الفيوم]
(3)
.
وفيها حج بالناس أبو بكر محمد بن عمرو بن حَزْم، وكان هو الأمير على المدينة.
وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد.
وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلّب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن.
وعلى نيابة البصرة ليزيد بن المهلّب سفيان بن عبد الله الكندي، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أُذينة.
وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى.
وعلى حرب خراسان وكيعُ بن أبي سود، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ثم دخلت سنة سبع وتسعين
وفيها جَهَّز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية، وفيها أمَّر ابنه داود على الصائفة، ففتح حصن المرأة.
قال الواقدي: وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الوضاحية، ففتح الحصن الذي [بناه]
(4)
الوضاح صاحب الوضاحية.
(1)
تاريخ الطبري (6/ 522).
(2)
ترجمة - قرة بن شريك - في تاريخ خليفة (311) والمعرفة والتاريخ (1/ 609) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 456) وسير أعلام النبلاء (4/ 409 - 410) والنجوم الزاهرة (1/ 217) وشذرات الذهب (1/ 388).
وفي ب: القيسي، وكذلك في سير أعلام النبلاء.
(3)
ما بينهما زيادة من ط، وفي تاريخ الإسلام والسير: وهو الذي بنى جامع الفسطاط والزيادة فيه.
(4)
في ب والطبري (6/ 523) وابن الأثير (5/ 26) فتحه.
قال ياقوت: والوضاحية: قرية منسوبة إلى بني وضاح مولى لبني أمية وكان بربريًا؛ قال ذلك السكري في قول جرير:
لقد جاهد الوضاح بالحق معلنًا
…
فأورث مجدًا باقيًا آل بربرا
معجم البلدان (5/ 378 - 379).
وفيها غزا مسلمة أيضًا برجمة
(1)
ففتح حصونًا: برجمة وحصن الحديد وسررا
(2)
، وشتا بأرض الروم.
وفيها غزا عمر بن هُبيرة الفزاري في البحر أرض الروم وشتا بها.
وفيها قتل عبد العزيز بن موسى بن نصير، وقدم برأسه على سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين. مع حبيب بن أبي عبيد الفهري.
وفيها ولى سليمان نيابة خراسان ليزيد بن المهلَّب مضافًا إلى ما بيده من إمرة العراق، وكان سبب ذلك أن وكيع بن أبي سود لما قتل قتيبة بن مسلم وذريته، بعث برأس قتيبة إلى سليمان فحظي عنده وكتب له بإمرة خراسان، فبعث يزيد بن المهلَّب عبد الرحمن
(3)
بن الأهتم إلى سليمان بن عبد الملك ليحسن عنده أمر يزيد بن المهلَّب في إمرة خراسان، وينتقص عنده وكيع بن أبي سود، فسار ابن الأهتم - وكان ذا دهاءٍ ومكر - إلى سليمان بن عبد الملك، فلم يزل به حتى عزل وكيعًا عن خراسان وولى عليها يزيد مع إمرة العراق، وبعث بعهده مع ابن الأهتم، فسار في سبع حتى جاء يزيد، فأعطاه عهد خراسان مع العراق، وكان يزيد وعده بمئة ألف فلم يف له بها، وبعث يزيد ابنه مخلدًا بين يديه إلى خراسان، ومعه كتاب أمير المؤمنين مضمونه أن قيسًا زعموا أن قتيبة بن مسلم لم يكن خلع الطاعة، فإن كان وكيع قد تعرض له وثار عليه بسبب أنه خلع ولم يكن خلع فقيِّده وابعث به إليّ، فتقدّم مخلد فأخذ وكيعًا فعاقبه وحبسه قبل أن يجيء أبوه، وكانت إمرة وكيع بن أبي سود على خراسان تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، ثم قدم يزيد بن المهلّب فتسلم خراسان وأقام بها، واستناب في البلاد نوابًا ذكرهم ابن جرير
(4)
.
[قال: ثم سار يزيد بن المهلّب، فغزا جرجان ولم تكن يومئذ مدينة بأبواب وسور، وإنما هي جبال وأودية، وكان ملكها يقال له: صول، فتحولوا عنها إلى قلعة هناك، وقيل إلى جزيرة في بحيرة هناك، ثم أخذوه من البحيرة، وقتلوا من أهلها خلقًا كثيرًا وأسروا وغنموا]
(5)
.
قال: وفيها حج بالناس سليمان بن عبد الملك، ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها، غير أن خراسان عزل عنها وكيع بن أبي سود، ووليها يزيد بن المهلَّب بن أبي صفرة مع العراق.
(1)
برجمة: حصن للروم في شعر جرير. معجم البلدان (1/ 374).
وحصن الحديد وسرر حصون تقع على الطريق إلى القسطنطينية التي قصدها مسلمة في هذا العام.
(2)
في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 266): سرد وسل.
(3)
في الطبري (6/ 525) وابن الأثير (4/ 24): عبد الله.
(4)
تاريخ الطبري (6/ 526 - 527).
(5)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ خليفة (314) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 265 - 266).
وممن توفي فيها من الأعيان:
الحسن بن الحسن
(1)
بن علي بن أبي طالب، أبو محمد القرشي الهاشمي، روى عن أبيه عن جده مرفوعًا:"من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر الله له ذنوبه"
(2)
.
وعن عبيد الله بن جعفر عن علي في دعاء الكرب
(3)
، وعن زوجته فاطمة بنت الحسين.
وعنه: ابنه عبد الله وجماعة.
وفد على عبد الملك بن مروان فأكرمه ونصره على الحجاج، وأقرّه وحده على ولاية صدقة علي، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر فأحسن، وذكر عنه آثارًا تدل على سيادته وعمله وتسننه رحمه الله [قيل إن الوليد بن عبد الملك
(4)
كتب إلى عامله بالمدينة: إن الحسن بن الحسن كاتب أهل العراق، فإذا جاءك كتابي هذا فاجلده مئة ضربة، وقفه للناس، ولا تراني إلا قاتله. فأرسل خلفه فعلَّمه علي بن الحسين كلمات الكرب فقالها حين دخل عليه فنجاه الله منهم: وهي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض رب العرش العظيم
(5)
.
توفي بالمدينة، وكانت أمه خولة بنت منظور الفزاري]
(6)
.
وقال يومًا لرجل من الرافضة: والله إن قتلك لقربة إلى الله عز وجل، فقال له رجل: إنك تمزح، فقال: والله ما هذا مني بمزح ولكنه الجد
(7)
.
وقال له آخر منهم: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كنت مولاه فعلي مولاه"؟. فقال: بلى، ولو أراد الخلافة لخطب الناس فقال: أيها الناس اعلموا أن هذا ولي أمركم من بعدي، وهو القائم عليكم،
(1)
ترجمة - الحسن بن الحسن - في طبقات ابن سعد (5/ 319 - 320) وطبقات خليفة (240) وتاريخ البخاري (2/ 289) والمعارف (212) وتاريخ بغداد (7/ 293) وتاريخ دمشق (13/ 61 - 71) وتهذيبه (4/ 165 - 169) وتهذيب الكمال (6/ 89 - 95) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 328 - 330). وسير أعلام النبلاء (4/ 483 - 487) والوافي بالوفيات (11/ 416 - 418) وتهذيب التهذيب (2/ 263).
(2)
الحديث في تاريخ دمشق لابن عساكر - (13/ 61) وهو حديث ضعيف جدًّا، فيه المنذر بن زياد الطائي، وهو متروك كما في ميزان الذهبي (4/ 181).
(3)
سيرد هذا الدعاء بعد قليل.
(4)
في تاريخ الإسلام والسير: عبد الملك بن مروان.
(5)
الحديث أخرجه أحمد (1/ 254) و (1/ 280) ومواضع أخرى، والبخاري في صحيحه رقم (6345 - 6346) في الدعوات ومسلم في صحيحه رقم (2730 و 2731) في الذكر والدعاء.
(6)
ما بين معكوفين زيادة من ط توافق الأصول.
(7)
تاريخ دمشق (13/ 67).
فاسمعوا له وأطيعوا، والله لئن كان الله ورسوله اختار عليًا لهذا الأمر ثم تركه علي لكان أول من ترك أمر الله ورسوله
(1)
.
وقال لهم أيضًا: والله لئن ولينا من الأمر شيئًا لنقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ثم لا نقبل لكم توبة، ويلكم غررتمونا من أنفسنا، ويلكم لو كانت القرابة تنفع بلا عمل لنفعت أباه وأمه
(2)
، لو كان ما تقولون فينا حقًا لكان آباؤنا قد غشونا إذ لم يعلمونا بذلك [قد ظلمونا وكتموا عنّا أفضل الأمور] والله إني لأخشى أن يضاعف العذاب للعاصي منا ضعفين، كما أني لأرجو للمحسن منا أن يكون له الأجر مرتين، ويلكم أخبرنا إن أطعنا الله على طاعته، وأبغضونا إن عصينا الله على معصيته.
موسى بن نصير
(3)
، أبو عبد الرحمن اللخمي، مولاهم كانت مولاته امرأة منهم، وقيل كان مولى لبني أمية، افتتح بلاد المغرب [وغنم منها أموالًا لا تعد ولا توصف، وله بها مقامات مشهورة هائلة] ويقال إنه كان أعرج، ويقال إنه ولد سنة تسع عشرة، وأصله من عين التمر، وقيل إنه من أراشة من بلي، سُبي أبوه من جبل الخليل من الشام في أيام الصديق، وكان اسم أبيه نصرًا فصغر.
روى عن تميم الداري، وروى عنه ابنه عبد العزيز، ويزيد بن مسروق اليحصبي.
وولي غزو البحر لمعاوية، فغزا قبرص، وبنى هنالك حصونًا كالماغوصة وحصن بانس وغير ذلك من الحصون بقبرص، وكان نائب معاوية عليها بعد أن فتحها معاوية في سنة سبع وعشرين، وشهد مرج راهط مع الضحاك بن قيس، فلما قتل الضحاك لجأ موسى بن نصير لعبد العزيز بن مروان، ثم لما دخل مروان بلاد مصر كان معه فتركه عند ابنه عبد العزيز، ثم لما أخذ عبد الملك بلاد العراق جعله وزيرًا عند أخيه بشر بن مروان.
وكان موسى بن نصير هذا ذا رأي وتدبير وحزم وخبرة بالحرب، قال الفسوي
(4)
: ولي موسى بن نصير إمرة بلاد إفريقية سنة تسع وسبعين فافتتح بلادًا كثيرة جدًّا مدنًا وأقاليم.
وقد ذكرنا أنه افتتح بلاد الأندلس، وهي بلاد ذات مدن وقرى وريف، فسبى منها ومن غيرها خلقًا كثيرًا، وغنم أموالًا كثيرة جزيلة، ومن الذهب والجواهر النفيسة شيئًا لا يحصى ولا يعد، وأما الآلات والمتاع والدواب فشيء لا يدرى ما هو، وسبى من الغلمان الحسان والنساء الحسان شيئًا كثيرًا، حتى قيل
(1)
المصدر نفسه (13/ 69).
(2)
يقصد أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمه. والخبر بأطول مما هنا في تاريخ دمشق (13/ 70).
(3)
ترجمة - موسى بن نصير - في تاريخ علماء الأندلس (2/ 146) وجذوة المقتبس (317) والمعرفة والتاريخ (3/ 332) وتاريخ دمشق (61/ 211 - 224) والبيان المغرب (1/ 39 - 49) ووفيات الأعيان (5/ 318 - 328) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 485 - 490).
(4)
في ط: البغوي؛ تحريف والخبر في المعرفة والتاريخ (3/ 332).
إنه لم يسلب أحد مثله من الأعداء
(1)
، وأسلم أهل المغرب على يديه، وبث فيهم الدين والقرآن، وكان إذا سار إلى مكان تحمل الأموال معه على العَجَل لكثرتها وعجز الدواب عنها.
[وقد كان موسى بن نصير هذا يفتح في بلاد المغرب، وقتيبة يفتح في بلاد المشرق، فجزاهما الله خيرًا، فكلاهما فتح من الأقاليم والبلدان شيئًا كثيرًا، ولكن موسى بن نصير حظي بأشياء لم يحظ بها قتيبة، حتى قيل إنه لما فتح الأندلس جاءه رجل فقال له: ابعث معي رجالًا حتى أدلك على كنز عظيم، فبعث معه رجالًا فأتى بهم إلى مكان فقال: احفروا، فحفروا فأفضى بهم الحفر إلى قاعة عظيمة ذات لواوين حسنة، فوجدوا هناك من اليواقيت والجواهر والزبرجد ما أبهتهم، وأما الذهب فشيء لا يعبَّر عنه، ووجدوا في ذلك الموضع الطنافس، الطنفسة منها منسوجة بقضبان الذهب، منظومة باللؤلؤ الغالي المفتخر، والطنفسة منظومة بالجوهر المثمن، واليواقيت التي ليس لها نظير في شكلها وحسنها وصفاتها، ولقد سمع يومئذ منادٍ ينادي لا يرون شخصه: أيها الناس، إنه قد فتح عليكم باب من أبواب جهنم فخذوا حذركم. وقيل إنهم وجدوا في هذا الكنز مائدة سليمان بن داود التي كان يأكل عليها]
(2)
وقد جمع أخباره وما جرى له في الحروب والغزوات رجل من ذريته يقال له أبو معاوية معارك بن مروان بن عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير النصيري.
وروى الحافظ ابن عساكر
(3)
: أن عمر بن عبد العزيز سأل موسى بن نصير حين قدم دمشق أيام الوليد عن أعجب شيء رآه في البحر، فقال: انتهينا مرة إلى جزيرة فيها ست عشرة جرة خضراء مختومة بخاتم سليمان بن داود عليهما السلام، قال: فأمرت بأربعة منها فأخرجت، وأمرتُ بواحدة منها فنقبت، فإذا قد خرج منها شيطان ينفض رأسه ويقول: والذي أكرمك بالنبوة لا أعود بعدها أفسد في الأرض، قال: ثم إن ذلك الشيطان نظر فقال: إني لا أرى بهاء سليمان وملكه، فانساخ في الأرض فذهب. قال: فأمرت بالثلاث البواقي فردت إلى مكانها.
[وقد ذكر السمعاني وغيره عنه أنه سار إلى مدينة النحاس التي بقرب البحر المحيط الأخضر، في أقصى بلاد المغرب، وأنهم لما أشرفوا عليها رأوا بريق شرفاتها وحيطانها من مسافة بعيدة، وأنهم لما أتوها نزلوا عندها، ثم أرسل رجلًا من أصحابه ومعه مئة فارس من الأبطال، وأمره أن يدور حول سورها لينظر هل لها باب أو منفذ إلى داخلها، فقيل: إنه سار يومًا وليلة حول سورها، ثم رجع إليه فأخبره أنه لم يجد بابًا ولا منفذًا إلى داخلها، فأمرهم فجمعوا ما معهم من المتاع بعضه على بعض، فلم يبلغوا أعلى
(1)
قال ابن عذاري في البيان المغرب (1/ 43): لم يسمع قط بمثل سبايا موسى بن نصير في الإسلام، وثمة بعض الخلافات اللفظية بين النسخ آثرنا عدم ذكرها لتوافق المعنى، وبالله المستعان.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 486) وسير أعلام النبلاء (4/ 497) عن الليث بن سعد.
(3)
تاريخ دمشق (61/ 222).
سورها، فأمر فعمل سلالم فصعدوا عليها، وقيل إنه أمر رجلًا فصعد على سورها، فلما رأى ما في داخلها لم يملك نفسه أن ألقاها في داخلها فكان آخر العهد به، ثم آخر فكذلك، ثم امتنع الناس من الصعود إليها، فلم يحط أحد منهم بما في داخلها علمًا، ثم ساروا عنها فقطعوها إلى بحيرة قريبة منها، فقيل: إن تلك الجرار المذكورة وجدها فيها، ووجد عليها رجلًا قائمًا، فقال له: ما أنت؟ قال: رجل من الجن وأبي محبوس في هذه البحيرة حبسه سليمان، فأنا أجيء إليه في كل سنة مرة أزوره. فقال له: هل رأيت أحدًا خارجًا من هذه المدينة أو داخلًا إليها؟ قال: لا، إلا أن رجلًا يأتي في كل سنة إلى هذه البحيرة يتعبد عليها أيامًا ثم يذهب فلا يعود إلى مثلها، والله أعلم ما هو. ثم رجع إلى إفريقية، والله أعلم بصحة ذلك، والعهدة على من ذكر ذلك أولًا]
(1)
.
وقد استسقى موسى بن نصير بالناس في سنة ثلاث وتسعين حين أقحطوا بإفريفية، فأمرهم بصيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء، ثم خرج بالناس وميَّز أهل الذمة عن المسلمين، وفرق بين البهائم وأولادها، ثم أمر بارتفاع الضجيج والبكاء، وهو يدعو الله تعالى حتى انتصف النهار، ثم نزل فقيل له: ألا دعوت لأمير المؤمنين؟ فقال: هذا موطن لا يذكر فيه إلا الله عز وجل، فسقاهم الله عز وجل
(2)
.
وقد وفد موسى بن نصير على الوليد بن عبد الملك في آخر أيامه، فدخل دمشق في يوم جمعة والوليد على المنبر، وقد لبس موسى ثيابًا حسنة وهيئة حسنة، فدخل ومعه ثلاثون غلامًا [من أبناء الملوك الذين أسرهم] والأسبان
(3)
، وقد ألبسهم تيجان الملوك مع ما معهم من الخدم والحشم والأُبَّهة العظيمة، فلما نظر إليهم الوليد وهو يخطب الناس على منبر جامع دمشق بهت إليهم لما رأى عليهم من الحرير والجواهر والزينة البالغة، وجاء موسى بن نصير فسلم على الوليد وهو على المنبر، وأمر أولئك فوقفوا عن يمين المنبر وشماله، فحمد الله الوليد وشكره على ما أيده به ووسَّع ملكه، ؤأطال الدعاء والتحميد والشكر حتى خرج وقت الجمعة، ثم نزل فصلى بالناس، ثم استدعى بموسى بن نصير فأحسن جائزته وأعطاه شيئًا كثيرًا
(4)
.
وكان موسى بن نصير قدم بمائدة سليمان بن داود عليهما السلام، التي كان يأكل عليها [وكانت من خليطين ذهب وفضة، وعليها ثلاثة أطواق لؤلؤ وجوهر لم ير مثله، وجدها في مدينة طليطلة من بلاد الأندلس مع أموال كثيرة.
وقيل إنه بعث ابنه مروان على جيش فأصاب من السبي مئة ألف رأس، وبعث ابن أخيه في جيش فأصاب من السبي مئة ألف رأس أيضًا من البربر، فلما جاء كتابه إلى الوليد وذكر فيه أن خمس الغنائم
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(2)
الخبر في وفيات الأعيان (5/ 319 - 320) وتاريخ دمشق (61/ 222) وتاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء.
(3)
في تاريخ الإسلام: وقد ألبس ثلاثين رجلًا التيجان على كل واحد تاج الملك وثيابه.
(4)
تاريخ دمشق (61/ 223).
أربعون ألف رأس، قال الناس: إن هذا أحمق، من أين له أربعون ألف رأس خمس الغنائم؟ فبلغه ذلك فأرسل أربعين ألف رأس وهي خمس ما غنم، ولم يُسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير أمير المغرب
(1)
.
وقد جرت له عجائب في فتحه بلاد الأندلس وقال: ولو انقاد الناس لي لقُدتهم حتى أفتح بهم مدينة روميه
(2)
- وهي المدينة العظمى في بلاد الفرنج - ثم ليفتحها الله على يدي إن شاء الله تعالى، ولما قدم على الوليد قدم معه بثلاثين ألفًا من السبي، وذلك خمس ما كان أصابه في آخر غزاة غزاها ببلاد المغرب، وقدم معه من الأموال والتحف واللآلئ والجواهر ما لايحد ولا يوصف، ولم يزل مقيمًا بدمشق حتى مات الوليد وتولى سليمان، وكان سليمان عاتبًا على موسى فحبسه عنده وطالبه بأموال عظيمة. ولم يزل في يده حتى حج بالناس سليمان في هذه السنة وأخذه معه فمات بالمدينة، وقيل بوادي القرى
(3)
، وقد قارب
(4)
الثمانين، وقيل توفي في سنة تسع وتسعين
(5)
، فالله أعلم، ورحمه الله وعفا عنه بمنه وفضله آمين.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين
ففي هذه السنة جَهَّز سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين أخاه مسلمة بن عبد الملك لغزو القسطنطينية وراء الجيش الذين هم بها، فسار إليها ومعه جيش عظيم، وقد أمر كل رجل من الجيش أن يحمل معه على ظهر فرسه مدّين من طعام، فلما وصل إليها جمعوا ذلك فإذا هو أمثال الجبال، فقال لهم مسلمة: اتركوا هذا الطعام وكلوا مما تجدونه في بلادهم، وازرعوا في أماكن الزرع واستغلّوه، وابنوا لكم بيوتًا من خشب، فإنا لا نرجع عن هذا البلد إلا أن نفتحها إن شاء الله. وقد داخل مسلمة رجل من النصارى يقال له إليون، وواطأه في الباطن ليأخذ له بلاد الروم، فظهر منه نصح في بادئ الأمر، ثم إنه توفي ملك القسطنطينية، فدخل إليون في رسالة من مسلمة وقد خافته الروم خوفًا شديدًا، فلما دخل إليهم إليون قالوا له: رده عنا ونحن نملكك علينا فخرج فأعمل الحيلة في الغدر والمكر، ولم يزل قبحه الله حتى أحرق ذلك الطعام الذي للمسلمين، وذلك أنه قال لمسلمة: إنهم ما داموا يرون هذا الطعام يظنون أنك تطاولهم في القتال، فلو أحرقته لتحققوا منك العزم، وسلَّموا إليك البلد سريعًا، فأمر مسلمة بالطعام فأحرق، ثم انشمر إليون في السفن وأخذ ما أمكنه من أمتعة الجيش في اللّيل، وأصبح وهو في البلد محاربًا للمسلمين، وأظهر العداوة الأكيدة، وتحصن بالبلد واجتمعت عليه الروم، وضاق الحال على المسلمين
(1)
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 486) عن الليث بن سعد.
(2)
في تاريخ الإسلام والسير: القسطنطينية.
(3)
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 489) وسير أعلام النبلاء (4/ 498).
وقال الذهبي في السير: حج موسى مع سليمان ومات بالمدينة.
(4)
في أ وحدها: جاوز.
(5)
في تاريخ دمشق (61/ 224): توفي موسى بن نصير بوادي القرى في سنة سبع وتسعين.
حتى أكلوا كل شيء إلا التراب، فلم يزل ذلك دأبهم حتى جاءتهم وفاة سليمان بن عبد الملك وتولية عمر بن عبد العزيز، فكروا راجعين إلى الشام، وقد جهدوا جهدًا شديدًا
(1)
، لكن لم يرجع مسلمة حتى بنى مسجدًا بالمدينة
(2)
شديد البناء محكمًا، رحب الفناء شاهقًا في السماء.
[وقال الواقدي: لما ولي سليمان بن عبد الملك أراد الإقامة ببيت المقدس، ثم يرسل العساكر إلى القسطنطينية، فأشار عليه موسى بن نصير بأن يفتح ما دونها من المدن والرساتيق والحصون، حتى يبلغ المدينة، فلا يأتيها إلا وقد هدمت حصونها ووهنت قوتها، فإذا فعلت ذلك لم يبق بينك وبينها مانع، فيعطوا بأيديهم ويسلموا لك البلد، ثم استشار أخاه مسلمة فأشار عليه بأن يدع ما دونها من البلاد ويفتحها عنوة، فمتى ما فتحت فإن باقي ما دونها من البلاد والحصون بيدك، فقال سليمان: هذا هو الرأي، ثم أخذ في تجهيز الجيوش من الشام والجزيرة فجهز في البر مئة وعشرين ألفًا، وفي البحر مئة وعشرين ألفًا من المقاتلة، وأخرج لهم الأعطية، وأنفق فيهم الأموال الكثيرة، وأعلمهم بغزو القسطنطينية والإقامة إلى أن يفتحوها، ثم سار سليمان من بيت المقدس فدخل دمشق وقد اجتمعت له العساكر فأمر عليهم أخاه مسلمة، ثم قال: سيروا على بركة الله، وعليكم بتقوى الله والصبر والتناصح والتناصف. ثم سار سليمان حتى نزل مرج دابق، فاجتمع إليه الناس أيضًا من المتطوعة المحتسبين أجورهم على الله، فاجتمع له جند عظيم لم ير مثله، ثم أمر مسلمة أن يرحل بالجيوش وأخذ معه إليون الرومي المرعشي، ثم ساروا حتى نزلوا على القسطنطينية فحاصرها إلى أن برح بهم وعرض أهلها الجزية على مسلمة فأبى إلا أن يفتحها عنوة، قالوا: فابعث إلينا إليون نشاوره، فأرسله إليهم، فقالوا له: رد هذة العساكر عنا ونحن نعطيك ونملكك علينا، فرجع إلى مسلمة: فقال: قد أجابوا إلى فتحها غير أنهم لا يفتحونها حتى تتنحَّى عنهم؛ فقال مسلمة: إني أخشى غدرك، فحلف له أنه يدفع إليه مفاتيحها وما فيها، فلما تنحى عنهم أخذوا في ترميم ما تهدم من أسوارها واستعدوا للحصار. وغدر إليون بالمسلمين قبحه الله]
(3)
.
قال ابن جرير
(4)
: وفي هذه السنة أخذ سليمان بن عبد الملك العهد لولده أيوب أنه الخليفة من بعده، وذلك بعد موت أخيه مروان بن عبد الملك بن مروان، فعدل عن ولاية أخيه يزيد إلى ولاية ولده
(1)
الخبر في تاريخ الطبري (1/ 530 - 531) وابن الأثير (5/ 27 - 28) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 271).
(2)
في ط: بالقسطنطينية، والصحيح أن مسلمة كان قد بنى مدينة حذاء القسطنطينية سماها مدينة القهر، وبنى بها مسجدًا عظيمًا حيث إن القسطنطينية لم تفتح بعد، ولم يذكر الطبري ولا ابن الأثير خبر المسجد هذا في هذه السنة، إنما ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 371) في ترجمة سليمان بن عبد الملك نقلًا عن ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق (10/ 173 - 174).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 269 - 270) وسير أعلام النبلاء (4/ 501 - 502) ولكن الرواية ليست عن الواقدي، وإنما عن سعيد بن عبد العزيز.
(4)
تاريخ الطبري (6/ 531 - 532) والخبر أيضًا في ابن الأثير (5/ 28).
أيوب، وتربص بأخيه الدوائر، فمات أيوب في حياة أبيه، فبايع سليمان إلى ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يكون الخليفة من بعده، ولنعمّا فعل
(1)
. وفيه فتحت مدينة الصقالبة. قال الواقدي: وقد أغارت البرجان على جيش مسلمة وهو في قلة من الناس في هذه السنة. فبعث إليه سليمان جيشًا فتقاتل البرجان حتى هزمهم الله عز وجل.
وفي هذه السنة غزا يزيد بن المهلّب قهستان
(2)
من أرض الصين فحاصرها وقاتل عندها قتالًا شديدًا، ولم يزل حتى تسلمها، وقتل من الترك الذين بها أربعة آلاف صبرًا
(3)
، وأخذ منها الأموال والأثاث والأمتعة ما لا يحد ولا يوصف كثرة وقيمة وحسنًا، ثم سار منها إلى جرجان فاستجاش صاحبها بالديلم، فقدموا لنجدته فقاتلهم يزيد بن المهلب وقاتلوه، فحمل محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي - وكان فارسًا شجاعًا باهرًا - على ملك الديلم فقتله وهزمهم الله، ولقد بارز ابن أبي سبرة هذا يومًا بعض فرسان الترك، فضربه التركي بالسيف على البيضة فنشب فيها، وضربه ابن أبي سبرة فقتله، ثم أقبل إلى المسلمين وسيفه يقطر دمًا وسيف التركي ناشب في خوذته، فنظر إليه يزيد بن المهلب فقال: ما رأيت منظرًا أحسن من هذا، من هذا الرجل؟ قالوا: ابن أبي سبرة. فقال: نعم الرجل لولا انهماكه في الشراب
(4)
. ثم صمم يزيد بن المهلّب في محاصرة جرجان وما زال يضيِّق على صاحبها حتى صالحه على سبعمئة ألف درهم وأربعمئة ألف دينار، ومئتي ألف ثوب، وأربعمئة حمار موقرة زعفرانًا؛ وأربعمئة رجل على رأس كل رجل ترس: على الترس طيلسان وجام من فضة وسرقة من حرير، وقد كان سعيد بن العاص حين فتحها صلحًا على أن يؤدوا الخراج فكانوا يحملون في كل سنة مئة ألف، وفي سنة مئتي ألف، وفي بعض السنين ثلاثمئة ألف، ويمنعون ذلك في بعض السنين، ثم امتنعوا جملة وكفروا، فغزاهم يزيد بن المهلب وردها صلحًا على ما كانت عليه في زمن سعيد بن العاص. قالوا: وأصاب يزيد بن المهلب من غيرها أموالًا كثيرة جدًّا، فكان من جملتها تاج فيه جواهر نفيسة، فقال: أترون أحدًا يزهد في هذا؟ قالوا: لا نعلمه، فقال: والله إني لأعلم رجلًا لو عرض عليه هذا وأمثاله لزهد فيه، ثم دعا بمحمد بن واسع - وكان في الجيش مغازيًا - فعرض عليه أخذ التاج فقال: لا حاجة لي فيه، فقال: أقسمت عليك لتأخذنه، فأخذه وخرج به من عنده، فأمر يزيد رجلًا أن يتبعه فينظر ماذا يصنع بالتاج، فمر بسائل فطلب منه شيئًا فأعطاه التاج بكماله وانصرف، فبعث يزيد إلى ذلك السائل فأخذ منه التاج وعوضه عنه مالًا كثيرًا.
(1)
في الأخبار الطوال (329) قال: لما ثقل سليمان كتب كتابًا وختمه ثم قال لصاحب شرطته: إن هشام ويزيد لم يبلغا أن يؤتمنا على الأمة، فجعلتها للرجل الصالح، عمر بن عبد العزيز؛ فإذا توفي عمر رجع الأمر إليهما.
(2)
في تاريخ الطبري (6/ 536): دهستان.
(3)
في الطبري (6/ 538) وابن الأثير (5/ 30): وقتل أربعة عشر ألف تركي صبرًا.
(4)
في الطبري (6/ 533) فقال: لله أبوه! أي رجل هو لولا إسرافه على نفسه.
وقال علي بن محمد المدائني: قال أبو بكر الهذلي: كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب فرفعوا إليه أنه أخذ خريطة فيها مئة دينار، فسأله عنها فقال: نعم وأحضرها؛ فقال له يزيد: هي لك، واستدعى بالذي وشى به فشتمه، فقال في ذلك القُطامي الكلبي، ويقال إنها لسنان بن مكمّل النميري:
لقدْ باعَ شهرٌ دينهُ بخريطةٍ
…
فمنْ يأمنُ القرَّاءُ بعدك يا شَهْرُ
أخذت بهِ شيئًا طفيفًا وبِعْتَهُ
…
من ابنِ جونبوذ إنَّ هذا هو الغدرُ
وقال مرة بن النخعي
(1)
:
يابنَ المهلبِ ما أردتَ إلى امرئٍ
…
لولاكَ كان كصالحِ القراءِ
(2)
قال ابن جرير
(3)
: ويقال إن يزيد بن المهلب كان في غزوة جرجان في مئة ألف وعشرين ألفًا، منهم ستون ألفًا من جيش الشام أثابهم الله، وقد تمهدت تلك البلاد بفتح جرجان وسلكت الطرق، وكانت قبل ذلك مخوفة جدًّا، ثم عزم يزيدٍ على المسير إلى طبرستان
(4)
، وقدَّم بين يديه سرية في أربعة آلاف من سراة الناس، فلما التقوا اقتتلوا قتالًا شديدًا، وقتل من المسلمين في المعركة أربعة آلاف ثم عزم يزيد على فتح البلاد لا محالة، وما زال حتى صالحه صاحبها - وهو الأصبهبذ - بمال كثير، سبعمئة ألف في كل عام، وغير ذلك من المتاع والرقيق.
وممن توفي فيها من الأعيان:
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
(5)
، كان إمامًا حجة، وكان مؤدب عمر بن عبد العزيز، وله روايات كثيرة عن جماعات من الصحابة.
أبو الحفص النخعي
(6)
.
(1)
في أ وابن الأثير (5/ 33): الحنفي، وما أثبت موافق للطبري.
(2)
الخبر مع الشعر في تاريخ الطبري (6/ 538 - 539) وابن الأثير (5/ 33).
(3)
تاريخ الطبري (6/ 539).
(4)
في ط: خوزستان، وما أثبت من أ، ب ومصادر المؤلف.
(5)
ترجمة - عبيد الله بن عبد الله - في طبقات ابن سعد (5/ 250) وتاريخ خليفة (320) وطبقاته (243) وتاريخ البخاري (5/ 385 - 386) والمعرفة والتاريخ (1/ 560 - 563) وحلية الأولياء (2/ 188 - 189) ووفيات الأعيان (3/ 115 - 116) وصفة الصفوة (2/ 102 - 103) وتهذيب الكمال (19/ 73 - 77) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 421 - 423) وسير أعلام النبلاء (4/ 475 - 479) ونكت الهميان للصفدي (ص 197) وتهذيب التهذيب (7/ 23 - 24) وشذرات الذهب (1/ 394).
وقد تحرف اسمه في ط: إلى عبد الله.
(6)
ترجمة - أبي الحفص النخعي، واسمه (عبد الرحمن بن الأسود) - في طبقات ابن سعد (6/ 289) وتاريخ خليفة =
عبد الله بن محمد ابن الحنفية
(1)
. وقد ذكرنا تراجمهم في "التكميل" والله سبحانه وتعالى أعلم
(2)
.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين
فيها كانت وفاة سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين يوم الجمعة لعشر مضين، وقيل بقين من صفر منها، عن خمس وأربعين سنة، وقيل عن ثلاث وأربعين، وقيل إنه لم يجاوز الأربعين. وكانت خلافته سنتين وثمانية أشهر.
وزعم أبو أحمد الحاكم: أنه توفي يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رمضان منها، وأنه استكمل في خلافته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وخمسة أيام، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، والصحيح قول الجمهور وهو الأول، والله أعلم.
وهو سليمان بن عبد الملك
(3)
بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أبو أيوب. كان مولده بالمدينة في بني جديلة، ونشأ بالشام عند أبيه.
وروى الحديث عن أبيه عن جده عن عائشة أم المؤمنين. في قصة الإفك، رواه ابن عساكر
(4)
من طريق ابنه عبد الواحد بن سليمان عنه.
وروى عن عبد الرحمن بن هنيدة أنه صحب عبد الله بن عمر إلى الغابة قال فسكت فقال لي ابن عمر: ما لك؟ فقلت: كنت أتمنى. فقال ابن عمر: فما تتمنى يا أبا عبد الرحمن؟ فقال لي: لو أن لي أُحُدًا هذا ذهبًا أعلم عدده وأخرج زكاته ما كرهت ذلك، أو قال: ما خشيت أن يضرّني
(5)
. رواه محمد بن
= (320) وطبقاته (157) وتاريخ البخاري (5/ 252 - 253) وتهذيب الكمال (16/ 530 - 533) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 412 - 413) وسير أعلام النبلاء (5/ 11 - 12) وتهذيب التهذيب (6/ 140 - 141) وشذرات الذهب (1/ 393).
(1)
ترجمة - عبد الله بن محمد - في طبقات ابن سعد (5/ 327 - 328) وتاريخ خليفة (316 - 320) وطبقاته (239) وتاريخ البخاري (5/ 187) وتهذيب الكمال (16/ 85 - 87) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 405 - 407) وسير أعلام النبلاء (4/ 129) والوافي بالوفيات (17/ 424 - 425) وتهذيب التهذيب (5/ 166) وشذرات الذهب (1/ 393).
(2)
من قوله: وممن توفي فيها .. إلى هنا ساقط من أ.
(3)
ترجمة - سليمان بن عبد الملك - في تاريخ خليفة (316 - 319) وأنساب الأشراف (ق 3/ 308 - 309) وتاريخ البخاري (4/ 25) ووفيات الأعيان (2/ 420 - 427) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 377 - 382) وسير أعلام النبلاء (5/ 111 - 113) والوافي بالوفيات (15/ 400 - 404) وتاريخ الخلفاء للسيوطي (225 - 228) وغيرها كثير.
(4)
مختصر تاريخ دمشق (10/ 170).
(5)
المصدر نفسه.
يحيى الذُّهلي، عن أبي صالح عن اللّيث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزُّهري عنه.
قال الحافظ ابن عساكر
(1)
: وكانت داره بدمشق موضع ميضأة جيرون
(2)
الآن [في تلك المساحة جميعها] وبنى دارًا كبيرة مما يلي باب الصغير، موضع الدرب المعروف بدرب محرز، وجعلها دار الإمارة، وعمل فيها قبة صفراء تشبيهًا بالقبة الخضراء، قال: وكان فصيحًا مؤثرًا للعدل محبًا للغزو، وقد أنفذ الجيش لحصار القسطنطينية حتى صالحوهم على بناء الجامع بها.
وقد روى أبو بكر الصولي: أن عبد الملك جمع بنيه، الوليد وسليمان ومسلمة، بين يديه فاستقرأهم القرآن فأجادوا القراءة، ثم استنشدهم الشعر فأجادوا، غير أنهم لم [يكملوا أو] يحكموا شعر الأعشى، فلامهم على ذلك، ثم قال: لينشدني كل رجل منكم أرق بيت قالته العرب ولا يفحش، هات يا وليد، فقال الوليد:[من البسيط]
ما مركبٌ وركوبُ الخيلِ يعجبني
…
كمركبٍ بينَ دملوجٍ وخلخالِ
فقال عبد الملك: وهل يكون من الشعر أرفث من هذا؟ هات يا سليمان، فقال:[من الخفيف]
حبَّذا رجعُها يديها إليها
…
في يدي درعها تحلُّ الإزارا
فقال: لم تصب، هات يا مسلمة، فأنشده قول امرئ القيس:
وما ذرفتْ عيناكِ إلا لتضربي
…
بسهمَيكِ في أعشارِ قلبٍ مُقتَّلِ
فقال: كذب امرؤ القيس ولم يُصب، إذا ذرفت عيناها بالوجد فما بقي إلا اللقاء، وإنما ينبغي للعاشق أن يغتضي منها الجفاء ويكسوها المودة، ثم قال: أنا مؤجلكم في هذا البيت ثلاثة أيام فمن أتاني به فله حكمه، أي: مهما طلب أعطيته، فنهضوا من عنده فبينما سليمان في موكب إذا هو بأعرابي يسوق إبله وهو يقول:
لو ضربوا
(3)
بالسَّيفِ رأسي في مودَّتها
…
لمالَ يهوي سريعًا نحوَها رأسي
فأمر سليمان بالأعرابي فاعتقل، ثم جاء إلى أبيه فقال: قد جئتك بما سألت، فقال: هات، فأنشده البيت فقال: أحسنت، وأنى لك هذا؟ فأخبره خبر الأعرابي، فقال: سل حاجتك ولا تنس صاحبك. فقال: يا أمير المؤمنين إنك عهدت بالأمر من بعدك للوليد، وإني أحب أن أكون ولّي العهد من بعده، فأجابه إلى ذلك، وبعثه على الحج في إحدى وثمانين، وأطلق له مئة ألف درهم، فأعطاها سليمان لذلك الأعرابي [الذي قال ذلك البيت من الشعر]
(4)
.
(1)
مختصر تاريخ دمشق (10/ 170).
(2)
جَيرون - بالفتح - الباب الشرقي للجامع الأموي بدمشق. معجم البلدان (2/ 199).
(3)
في مختصر تاريخ دمشق: لو حزَّ.
(4)
القصة بكاملها في مختصر تاريخ دمشق (10/ 171 - 172).
فلما مات أبوه سنة ست وثمانين وصارت الخلافة إلى أخيه الوليد، كان بين يديه كالوزير والمشير، وكان هو المستحث على عمارة جامع دمشق، فلما توفي أخوه الوليد يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، كان سليمان بالرملة، فلما أقبل تلقاه الأمراء ووجوه الناس، وقيل إنهم ساروا إليه إلى بيت المقدس فبايعوه هنالك، وعزم على الإقامة بها، وأتته الوفود إلى بيت المقدس فلم يروا وفادة كانت أهيأ من الوفادة إليه
(1)
، وكان يجلس في قبة في صحن المسجد مما يلي الصخرة من جهة الشمال، وتجلس أكابر الناس على الكراسي، وتقسم فيهم الأموال، ثم عزم على المجيء إلى دمشق. فدخلها وكمل عمارة الجامع.
وفي أيامه جددت المقصورة واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز مشاورًا ووزيرًا، وقال له: إنا قد ولينا ما ترى وليس لنا علم بتدبيره، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به فليكتب، وكان من ذلك عزل نواب الحجاج وإخراج أهل السجون منها، وإطلاق الأسرى، وبذل الأعطية بالعراق، ورد الصلاة إلى ميقاتها الأول، بعد أن كانوا يؤخرونها إلى آخر وقتها، مع أمور حسنة كان يسمعها من عمر بن عبد العزيز رحمهما الله
(2)
، وأمر بغزو القسطنطينية فبعث إليها من أهل الشام والجزيرة والموصل في البر نحوًا من مئة ألف وعشرين ألف مقاتل، وبعث من أهل مصر وإفريقية ألف مركب في البحر عليهم عمر بن هبيرة، وعلى جماعة الناس كلهم أخوه مسلمة، ومعه ابنه داود بن سليمان بن عبد الملك في جماعة من أهل بيته، وذلك كله عن مشورة موسى بن نصير، حين قدم من بلاد المغرب، والصحيح أنه قدم في أيام أخيه الوليد كما قدمنا، والله أعلم.
قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدَّثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الكوفي، عن جابر بن عون الأسدي. قال: أول كلام تكلّم به سليمان بن عبد الملك [حين ولي الخلافة] أن قال: الحمد لله الذي ما شاء صنع وما شاء رفع وما شاء وضع، ومن شاء أعطى ومن شاء منع. إن الدنيا دار غرور، ومنزل باطل، وزينة تقلب، تضحك باكيًا، وتبكي ضاحكًا، وتخيف آمنًا، وتؤمن خائفًا، تفقر مثريها، وتثري فقيرها، ميالة لاعبة بأهلها. يا عباد الله اتخذوا كتاب الله إمامًا، وارضوا به حكمًا، واجعلوه لكم قائدًا، فإنه ناسخ لما قبله ولن ينسخه كتاب بعده. اعلموا عباد الله أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان وضغائنه كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس إدبار الليل إذا عسعس
(3)
.
وقال يحيى بن معين: عن حجّاج بن محمد، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال: سمعت سليمان بن عبد الملك يقول في خطبته: فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه.
(1)
مكانها في الأصول: فلم يرو وفادة هناك
…
، ولا يكتمل المعنى بها وأثبتنا عبارة الذهبي في تاريخ الإسلام، ومختصر تاريخ دمشق.
(2)
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 378).
(3)
نص الخطبة مع خلافات يسيرة في مروج الذهب (3/ 213) والعقد الفريد (2/ 143).
وقال حماد بن زيد عن يزيد بن حازم. قال: كان سليمان بن عبد الملك يخطبنا كل جمعة لا يدع أن يقول في خطبته: وإنما أهل الدنيا على رحيل، لم تمض لهم نية ولم تطمئن بهم حتى يأتي أمر الله ووعده وهم على ذلك، كذلك لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجائعها ولا تبقي من شر أهلها ثم يتلو {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 205 - 207]
(1)
.
وروى الأصمعي أن نقش خاتم سليمان كان: آمنت بالله مخلصًا.
وقال أبو مسهر: عن أبي مسلم سلمة بن العَيار الفزاري. قال: كان محمد بن سيرين يترحم على سليمان بن عبد الملك، ويقول: افتتح خلافته بخير وختمها بخير، افتتحها بإحيائه الصلاة لمواقيتها، وختمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز
(2)
.
قد أجمع علماء السير والتواريخ أنه حج بالناس في سنة سبع وتسعين وهو خليفة
(3)
.
قال الهيثم بن عدي: قال الشعبي: حج سليمان بن عبد الملك فلما رأى الناس بالموسم قال لعمر بن عبد العزيز: ألا ترى هذا الخلق الذي لا يُحصي عددهم إلا الله، ولا يسع رزقهم غيره، فقال: يا أمير المؤمين هؤلاء رعيتك اليوم، وهم غدًا خصماؤك عند الله، فبكى سليمان بكاءً شديدًا ثم قال: بالله أستعين
(4)
.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب. قال: كان عمر بن عبد العزيز في سفر مع سليمان بن عبد الملك فأصابتهم السماء برعد وبرق وظلمة وريح شديدة، حتى فزعوا لذلك، وجعل عمر بن عبد العزيز
(5)
يضحك، فقال له سليمان: ما يضحكك يا عمر؟ أما ترى ما نحن فيه؟ فقال له: يا أمير المؤمنين هذه آثار رحمته فيها شدائد ما نرى، فكيف بآثار سخطه وغضبه؟
ومن كلامه الحسن رحمه الله قوله: الصمت منام العقل والنطق يقظته، ولا يتم هذا إلا بهذا.
ودخل عليه رجل فكلمه فأعجبه منطقه ثم فتشه فلم يحمد عقله، فقال: فضل منطق الرجل على عقله خدعة، وفضل عقله على منطقه هجنة، وخير ذلك ما أشبه بعضه بعضًا.
وقال: العاقل أحرص على إقامة لسانه منه على طلب معاشه.
(1)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 379).
(2)
المصدر نفسه.
(3)
كذلك قال الذهبي في تاريخ الإسلام.
(4)
تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 379).
(5)
من قوله: في سفر مع سليمان .. إلى هنا ساقط من أ.
وقال أيضًا: إن من تكلّم فأحسن قادر على أن يسكت فيحسن، وليس كل من سكت فأحسن قادرًا على أن يتكلم فيحسن
(1)
.
ومن شعره يتسلى عن صديق له مات فقال
(2)
: [من الطويل]
وهوَّن وجدي في شراحيل أَنَّني
…
متى شئتُ لاقيتُ امرءًا مات صاحبهُ
ومن شعره أيضًا: [من الطويل]
ومن شِيمتي ألّا أفارقَ صاحبي
…
وإنْ ملَّني إلا سألتُ لهُ رُشْدًا
وإنْ دامَ لي بالودِّ دمتُ ولم أكُنْ
…
كآخرَ لا يرعَى ذِمامًا ولا عهدًا
وسمع سليمان ليلة صوت غناءٍ في معسكره فلم يزل يفحص حتى أتى بهم، فقال سليمان: الفرس ليصهل فتستودق له الرَّمَكة، وإن الجمل ليهدر فتضبَع له الناقة، وإن التيس لينب فتستخرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق له المرأة، ثم أمر بهم ليخصوهم، فيقال إن عمر بن عبد العزيز قال: يا أمير المؤمنين إنها مثلة، فتركهم. وفي رواية أنه خصى أحدهم ثم سأل عن أصل الغناء فقيل إنه بالمدينة، فكتب إلى عامله بها وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يأمره أن يخصي من عنده من المغنين المخنثين
(3)
.
وقال الشافعي: دخل أعرابي على سليمان فدعاه إلى أكل الفالوذج وقال له: إن أكلها يزيد في الدماغ فقال: لو كان هذا صحيحًا لكان ينبغي أن يكون رأس أمير المؤمنين مثل رأس البغل
(4)
.
وذكروا أن سليمان كان نهمًا في الأكل، وقد نقلوا عنه أشياء في ذلك غريبة، فمن ذلك أنه اصطبح في بعض الأيام بأربعين دجاجة مشوية، وأربع وثمانين كلوة بشحمها، وثمانين جردقة، ثم أكل مع الناس على العادة في السِّماط العام
(5)
.
ودخل ذات يوم بستانًا له وكان قد أمر قيِّمه أن يجني ثماره، فدخل ومعه أصحابه فأكل القوم حتى ملوا، واستمرَّ هو يأكل أكلًا ذريعًا من تلك الفواكه، ثم استدعى بشاة مشوية فأكلها ثم أقبل على الفاكهة، ثم أتي بدجاجتين فأكلهما، ثم عاد إلى الفاكهة فأكل منها ثم أُتي بقعب يقعد فيه الرجل مملوءًا بسويق وسمن وسكر فأكله ثم صار إلى دار الخلافة، وأتي بالسماط فما فُقد من أكله شيء. وقد رُوي أنه عرضت له حمى عقب هذا الأكل أدته إلى الموت
(6)
.
(1)
مختصر تاريخ دمشق (10/ 175).
(2)
الأبيات في مختصر تاريخ دمشق (10/ 175 - 176).
(3)
مختصر تاريخ دمشق (10/ 176 - 177).
(4)
المصدر نفسه (10/ 177).
(5)
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 379) والجردقة: الرغيف (فارسي) وجمعها جرادق. القاموس (جردق).
(6)
الخبر بأطول مما هنا في مختصر تاريخ دمشق (10/ 177 - 178).
وقد قيل إن سبب مرضه كان من أكل أربعمئة بيضة وسلتين من تين، فالله أعلم.
وذكر المفضّل
(1)
بن المهلّب أنه لبس في يوم جمعة حلّة صفراء، ثم نزعها ولبس بدلها حلّة خضراء، واعتم بعمامة خضراء، وجلس على فراش أخضر، وقد بسط ما حوله بالخضرة، ثم نظر في المرآة فأعجبه حسنه، وشمَّر عن ذراعيه وقال: أنا الخليفة الشاب
(2)
.
[وقيل: إنه كان ينظر في المرآة من فرقه إلى قدمه ويقول: أنا الملك الشاب]
(3)
.
وفي رواية أنه قال: كان محمد نبيًا، وكان أبو بكر صديقًا، وكان عمر فاروقًا، كان عثمان حييًا، وكان علي شجاعًا، وكان معاوية حليمًا، وكان يزيد صبورًا، وكان عبد الملك سائسًا، وكان الوليد جَبارًا، وأنا الملك الشاب. قالوا: فما حال عليه بعد ذلك شهر، وفي رواية جمعة، حتى مات
(4)
.
قالوا: ولما حم شرع يتوضأ فدعا بجارية فصبت عليه ماء الوضوء ثم أنشدته:
أنتَ نعمَ المتاعُ لو كنتَ تبقى
…
غيرَ أنْ لا بقاءَ للإنسانِ
أنتَ خلوٌ من العيوبِ ومما
…
يكره الناسُ غيرَ أنك فانِ
(5)
قالوا: صاح بها وقال: عزيتني في نفسي وصرفها، ثم أمر خاله الوليد بن القعقاع العبسي
(6)
أن يصب عليه وقال: [من الكامل]
قرِّبْ وضوءكَ يا وليدُ فإنما
…
دنياكَ هذي بلغة
(7)
ومتاع
[فقال الوليد]
(8)
:
فاعمل لنفسك في حياتكَ صالحًا
…
فالدهرُ فيهِ فرقةٌ وجماعُ
(1)
في ط: الفضل؛ تحريف، وما أثبت موافق للطبري، والخبر فيه (6/ 546).
(2)
في الطبري: أنا الملك الفتي.
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(4)
الرواية الأخيرة في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 380) ومختصر تاريخ دمشق (10/ 179).
(5)
الأبيات في تاريخ الطبري (6/ 547) وليس فيه بقية القصة، وابن الأثير (5/ 37) مع اختصار في القصة، والبيت الثاني فيهما:
ليس فيما علمته فيك عيب
…
كان في الناس غير أنك فان
وفي الوفيات لابن خلكان (2/ 421) ومختصر تاريخ دمشق (10/ 175):
ليس فيما بدا لنا منك عيب
…
عابه الناس غير أنك فان
(6)
في ط: العنسي؛ وما أثبت هو الصحيح لأن أخواله بنو عبس.
(7)
في تاريخ الإسلام: تَعِلّةٌ.
(8)
ما بينهما زيادة من مختصر تاريخ دمشق (10/ 179) حيث إن البيت الثاني قاله الوليد خال سليمان، وكذلك في تاريخ الإسلام.
ويروى أن الجارية لما جاءته بالطست جعلت تضطرب من الحمى، فقال: أين فلانة؟ فقالت: محمومة، قال: ففلانة؟ قالت: محمومة، وكان بمرج دابق من أرض قنسرين، فأمر خاله فوضأه ثم خرج يصلي بالناس فأخذته بحة في الخطبة، ثم نزل وقد أصابته حمى فاستمر بها حتى مات في الجمعة المقبلة
(1)
.
ويقال: إنه أصابه ذات الجنب
(2)
فمات بها رحمه الله وأكرم مثواه.
[وكان قد أقسم أنه لا يبرح بمرج دابق حتى يرجع إليه الخبر بفتح القسطنطينية، أو يموت قبل ذلك فمات قبل ذلك رحمه الله وأكرم مثواه]
(3)
.
قالوا وجعل يلهج في مرضه ويقول:
إنَّ بنيَّ صبيةٌ صغارُ
…
أفلحَ منْ كانَ لهُ كبارُ
فيقول له عمر بن عبد العزيز: قد أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين، ثم يقول:
إن بنيَّ صبيةٌ صيفيون
…
قدْ أفلحَ منْ كانَ لهُ شتويون
(4)
ويروى أن هذا آخر ما تكلّم به، والصحيح أن آخر ما تكلم به أن قال: أسألك منقلبًا كريمًا، ثم قضى.
وروى ابن جرير
(5)
عن رجاء بن حيوة - وكان وزير صدق لبني أمية - قال: استشارني سليمان بن عبد الملك وهو مريض أن يولي له ابنًا صغيرًا لم يبلغ الحُلُم، فقلت: إن مما يحفظ الخليفة في قبره أن يولي على المسلمين الرجل الصالح، ثم شاورني في ولاية ابنه داود، فقلت: إنه غائب عنك بالقسطنطينية ولا تدري أحي هو أو ميت، فقال: من ترى؟ فقلت: رأيك يا أمير المؤمنين قال: فكيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعلمه والله خيرًا فاضلًا مسلمًا يحب الخير وأهله، ولكن أتخوف عليه إخوتك أن لا يرضوا بذلك، فأشار رجاء
(6)
أن يجعل يزيد بن عبد الملك ولي العهد من بعد عمر بن عبد العزيز ليُرضي بذلك بني مروان، فكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني قد
(1)
مختصر تاريخ دمشق (10/ 178).
(2)
المصدر نفسه (10/ 181).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(4)
في مختصر تاريخ دمشق (10/ 181): أفلح من كان له شتويون - بحذف قد - وفي ط: ربيعيون.
(5)
تاريخ الطبري (6/ 550 - 553).
(6)
في ط: لا يرضوا بذلك، فقال: هو والله على ذلك، وأشار رجال أن .. وما أثبت من أ، ب وهي توافق المصادر.
وليته الخلافة من بعدي ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم عدوكم
(1)
. وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن حامد العبسي صاحب الشرطة، فقال له: اجمع أهل بيتي [فمرهم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختومًا، فمن أبى منهم فاضرب عنقه]
(2)
. فاجتمعوا ودخل رجال منهم فسلموا على أمير المؤمنين، فقال لهم: هذا الكتاب عهدي إليكم، فاسمعوا له وأطيعوا وبايعوا من وليت فيه، فبايعوا لذلك رجلًا رجلًا.
قال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: أنشدك الله وحرمتي ومودتي إلّا أعلمتني إن كان كتب لي ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتي حال لا أقدر عليه الساعة، فقلت: والله لا أخبرك حرفًا واحدًا.
قال: ولقيه هشام بن عبد الملك فقال: يا رجاء إن لي بك حرمةً ومودةً قديمةً، فأخبرني هذا الأمر إن كان إليّ علمت، وإن كان لغيري فما مثلي قصر به عن هذا. فقلت: والله لا أخبرك حرفًا واحدًا مما أُسِرَّ إليَّ.
قال رجاء: دخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته السَّكْرة من سكرات الموت أحرفه إلى القبلة، فإذا أفاق يقول: لم يأن لذلك بعد يا رجاء، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئًا، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فحرفته إلى القبلة فمات رحمه الله. قال: فغطيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب عليه وأرسلت إلى كعب بن حامد فجمع الناس في مسجد دابق، فقلت: بايعوا لمن في هذا الكتاب، فقالوا: قد بايعنا، فقلت: بايعوا ثانية، ففعلوا، ثم قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، وقرأت الكتاب عليهم، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز تغيرت وجوه بني مروان، فلما قرأت وإن يزيد
(3)
بن عبد الملك بعده، تراجعوا بعض الشيء. ونادى هشام لا نبايعه أبدًا، فقلت: أضرب عنقك والله، قم فبايع، ونهض الناس إلى عمر بن عبد العزيز وهو في مؤخر المسجد، فلما تحقق ذلك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولم تحمله رجلاه حتى أخذوا بضبعيه فأصعدوه على المنبر، فسكت حينًا، فقال رجاء بن حيوة: ألا تقوموا إلى أمير المؤمنين فتبايعوه، فنهض القوم فبايعوه، ثم أتى هشام فصعد المنبر ليبايع وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال عمر: نعم! إنا لله وإنا إليه راجعون الذي صرت أنا وأنت نتنازع هذا الأمر. ثم قام فخطب الناس خطبة بليغة وبايعوه [فكان مما قال في خطبته: أيها الناس، إني لست بمبتدع ولكني متبع، وإن من حولكم من
(1)
نص الكتاب في الطبري (6/ 552) وابن الأثير (5/ 39)، وثمة بعض الخلافات اللفظية بين النسخ لم نشر إليها، لأننا غالبًا ما نثبت ما اتفق عليه أصلان، ووافق مصادر المؤلف رحمه الله.
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 381).
(3)
في الأصول: هشام: خطأ، والتصحيح من تاريخ الإسلام والخبر فيه، وغيره من المصادر.
الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم، وإن هم أبوا فلست لكم بوالٍ]
(1)
. ثم نزل، فأخذوا في جهاز سليمان.
قال الأوزاعي: فلم يفرغوا منه حتى دخل وقت المغرب، فصلى عمر بالناس صلاة المغرب، ثم صلى على سليمان ودفن بعد المغرب، فلما انصرف عمر أُتي بمراكب الخلافة فأبى أن يركبها وركب دابته وانصرف مع الناس [حتى أتوا دمشق] فمالوا به نحو دار الخلافة فقال: لا أنزل إلا في منزلي حتى تفرغ دار أبي أيوب، فاستحسن
(2)
ذلك منه، ثم استدعى بالكاتب فجعل يملي عليه نسخة الكتاب الذي يبايع عليه الأمصار
(3)
، قال رجاء: فما رأيت أفصح منه.
قال محمد بن إسحاق: وكانت وفاة سليمان بن عبد الملك بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليالٍ خلت من صفر سنة تسع وتسعين، على رأس سنتين وتسعة أشهر وعشرين يومًا من متوفى الوليد، وكذا قال الجمهور في تاريخ وفاته، ومنهم من يقول: لعشر بقين من صفر، وقالوا: كانت ولايته سنتين وثمانية أشهر، زاد بعضهم إلا خمسة أيام والله أعلم
(4)
.
وقول الحاكم أبي أحمد: إنه توفي يوم الجمعة لثلاث عشرة بقين من رمضان سنة تسع وتسعين وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وخمسة أيام وتوفي وهو ابن تسع وثلاثين سنة فقد حكاه الحافظ ابن عساكر
(5)
، وهو غريب جدًّا، وقد خالفه الجمهور في كل ما قاله، وعندهم أنه جاوز الأربعين فقيل بثلاث وقيل بخمس، والله أعلم.
قالوا: وكان طويلًا جميلًا أبيض نحيفًا، حسن الوجه، مقرون الحاجبين، كان فصيحًا بليغًا، يحسن العربية، ويرجع إلى دين، وخير، ومحبة للحق وأهله، واتباع القرآن والسنة، وإظهار الشرائع الإسلامية رحمه الله.
وقد كان الخليفة سليمان بن عبد الملك رحمه الله آلى على نفسه حين خرج من دمشق إلى مرج دابق - ودابق قريبة من بلاد حلب - وقد جهزت الجيوش إلى مدينة الروم العظمى المسماة بالقسطنطينية، وحلف أن لا يرجع إلى دمشق حتى تفتح أو يموت، فمات هنالك كما ذكرنا وبهذه النية مات مرابطًا رحمه الله وبلّ بالرحمة ثراه
(6)
.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، ونص الخطبة في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 382).
(2)
أي رجاء بن حيوة.
(3)
نص الكتاب في ابن الأثير (5/ 66).
(4)
أقوال المؤرخين في سنة موته في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 382).
(5)
الذي في مختصر تاريخ دمشق (10/ 171): فكانت ولايته ثلاث سنين وثلاثة أشهر، وهو ابن تسع وثلاثين منة.
(6)
مكانها في ط: فحصل له بهذه النية أجر الرباط في سبيل الله، فهو إن شاء الله ممن يجري له ثوابه إلى يوم القيامة رحمه الله.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر
(1)
في ترجمة شراحيل بن عبيدة بن قيس العقيلي ما مضمونه: إن مسلمة بن عبد الملك لما ضيَّق بمحاصرته على أهل القسطنطينية، وتتبع المسالك واستحوذ على ما هنالك من الممالك، كتب إليون ملك الروم إلى ملك البرجان يستنصره على مسلمة، ويقول له: إن هؤلاء القوم ليس لهم همة إلا في الدعوة إلى دينهم، الأقرب منهم فالأقرب، وإنهم متى فرغوا مني خلصوا إليك، فمهما كنت صانعًا حينئذٍ فاصنعه الآن، فعند ذلك شرع لعنه الله في المكر والخديعة، فكتب إلى مسلمة يقول له: إن إليون كتب إليّ يستنصرني عليك، وأنا معك فمرني لما شئت. فكتب إليه مسلمة: إني لا أريد منك رجالًا ولا عددًا، ولكن أرسل إلينا بالميرة فقد قلّ ما عندنا من الأزواد. فكتب إليه: إني قد أرسلت إليك بسوق عظيمة إلى مكان كذا وكذا، فأرسل من يتسلمها ويشتري منها. فأذن مسلمة لمن شاء من الجيش أن يذهب إلى هناك فيشتري له ما يحتاج إليه، فذهب خلق كثير فوجدوا هنالك سوقًا هائلة، فيها من أنواع البضائع والأمتعة والأطعمة، فأقبلوا يشترون، واشتغلوا بذلك، ولا يشعرون بما أرصد لهم الخبيث من الكمائن بين تلك الجبال التي هنالك، فخرجوا عليهم بغتة واحدة فقتلوا خلقًا كثيرًا من المسلمين وأسروا آخرين، وما رجع إلى مسلمة إلا القليل منهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فكتب مسلمة بذلك إلى أخيه سليمان يخبره بما وقع من ذلك، فأرسل جيشًا كثيفًا صحبة شراحيل بن عبيدة هذا، وأمرهم أن يعبروا خليج القسطنطينية أولًا فيقاتلوا ملك البرجان، ثم يعودوا إلى مسلمة، فذهبوا إلى بلاد البرجان وقطعوا إليهم تلك الخلجان، فاقتتلوا معهم قتالًا شديدًا، فهزمهم المسلمون بإذن الله، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وسبوا وأسروا خلقًا كثيرًا، وخلصوا أسرى المسلمين، ثم تحيزوا إلى مسلمة فكانوا عنده حتى استقدم الجميع عمر بن عبد العزيز خوفًا عليهم من غائلة الروم وبلادهم، ومن ضيق العيش، وقد كان لهم قبل ذلك مدة طويلة أثابهم الله.
خلافة عمر بن عبد العزيز أشجّ بني مروان
(2)
رضي الله عنه وأكرمه
قد تقدم أنه بويع له بالخلافة يوم الجمعة لعشر مضين، وقيل بقين من صفر من هذه السنة - أعني سنة تسع وتسعين - يوم مات سليمان بن عبد الملك، عن عهد منه إليه من غير علم من عمر كما قدَّمنا، وقد ظهرت عليه مخايل الورع والدين والتقشف والصيانة والنزاهة، من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الحسان الجياد المعدّة لها، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه، وسكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة.
(1)
تاريخ دمشق (22/ 443).
(2)
ذكر ابن سعد في الطبقات (5/ 331) عن ثروان مولى عمر بن عبد العزيز: أنه دخل إلى اصطبل أبيه وهو غلام، فضربه فرسه فشجَّه، فجعل أبوه يمسح عنه الدم ويقول: إن كنت أشج بني أمية لسعيد. وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 101 - 120/ ص 188).
ويقال: إنه خطب الناس فقال في خطبته: أيها الناس، إن لي نفسًا تواقة لا تُعطى شيئًا إلا تاقت إلي ما هو أعلى منه، وإني لمَّا أُعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها وهي الجنة، فأعينوني عليها يرحمكم الله. وستأتي ترجمته عند وفاته إن شاء الله.
وكان مما بادر إليه عمر بن عبد العزيز في هذه السنة أن بعث إلى مسلمة بن عبد الملك ومن معه من المسلمين وهم بأرض الروم محاصرو القسطنطينية، وقد اشتد عليهم الحال وضاق عليهم المجال، لأنهم عسكر كثير، فأمرهم بالقفول إلى منازلهم. وبعث إليهم بطعام كثير وخيول كثيرة عتاق، يقال خمسمئة فرس، ففرح الناس بذلك.
وفي هذه السنة أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا خلقًا كثيرًا من المسلمين، فوجه إليهم عمرُ حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الأتراك، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وبعث منهم أسارى إلى عمر بن عبد العزيز وهو بخناصرة
(1)
.
وقد كان المؤذنون يذكِّرونه بعد أذانهم باقتراب الوقت وضيقه لئلا يؤخرها كما كان يؤخرها من قبله، لكثرة الأشغال، وكان ذلك عن أمره لهم بذلك، والله أعلم.
فروى ابن عساكر
(2)
في ترجمة جرير بن عثمان الرّحبي الحمصي قال: رأيت مؤذني عمر بن عبد العزيز يسلّمون عليه في الصلاة: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة قد قاربت.
وفي هذه السنة عزل عمر يزيد بن المهلّب عن إمرة العراق، وبعث عدي بن أرطاة الفزاري على إمرة البصرة، فاستقضى عليه الحسن البصري، ثم استعفاه فأعفاه، واستقضى مكانه إياس بن معاوية الذكي المشهور.
وبعث على إمرة الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وضم إليه أبا الزناد كاتبًا بين يديه، واستقضى عليها عامرًا الشعبي.
قال الواقدي
(3)
: فلم يزل قاضيًا عليها مدة خلافة عمر بن عبد العزيز.
وجعل على إمرة خراسان الجرَّاح بن عبد الله الحَكَمي.
وكان نائب مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد.
(1)
خناصرة: بليدة من أعمال حلب تحاذي قنسرين نحو البادية. معجم البلدان (2/ 390)، والخبر والذي قبله في الطبري (6/ 553 - 554) وابن الأثير (5/ 43).
(2)
مطبوعة دار الفكر من تاريخ دمشق الكثير من حرف الجيم، ولم أجده في المختصر أو التهذيب.
(3)
تاريخ الطبري (6/ 554).
وعلى إمرة المدينة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم [وهو الذي حج بالناس في هذه السنة.
وعزل عن إمرة مصر عبد الملك بن أبي وداعة وولَّى عليها أيوب بن شرحبيل، وجعل الفتيا إلى جعفر بن ربيعة ويزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر، فهؤلاء الذين كانوا يفتون الناس.
واستعمل على إفريقية وبلاد المغرب إسماعيل بن عبد الله المخزومي، وكان حسن السيرة، وأسلم في ولايته على بلاد المغرب خلق كثير من البربر، والله سبحانه وتعالى أعلم]
(1)
.
وممن توفي فيها من الأعيان:
الحسن بن محمد ابن الحنفية
(2)
، تابعي جليل، يقال إنه أول من تكلَّم في الإرجاء، وقد تقدم أن أبا عبيد قال: توفي في سنة خمس وتسعين. وذكر خليفة أنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وذكر شيخنا الذهبي في الإعلام أنه توفي هذا العام، والله أعلم.
وفيها توفي: سليمان بن عبد الملك بن مروان كما تقدم.
وعبد الله بن محيريز
(3)
بن جنادة بن عبيد
(4)
، القرشي الجُمَحي المكي، نزيل بيت المقدس، تابعي جليل.
روى عن زوج أمه
(5)
أبي محذورة المؤذِّن، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد، ومعاوية، وغيرهم.
وعنه خالد بن معدان، ومكحول، وحسان بن عطية، والزهري، وآخرون.
وقد وثقه غير واحد، وأثنى عليه جماعة من الأئمة، حتى قال رجاء بن حيوة: إن يفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنا نفخر عليهم بعابدنا عبد الله بن محيريز.
وقال بعض ولده: كان يختم القرآن كل جمعة، وكان يفرش له الفراش فلا ينام عليه.
(1)
ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي توافق تاريخ خليفة (320) والذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 273 - 274).
(2)
تقدمت ترجمته مع وفيات سنة خمس وتسعين.
(3)
ترجمة - عبد الله بن محيريز - في طبقات ابن سعد (7/ 447) وطبقات خليفة (294) وتاريخ البخاري (5/ 193 - 194) والمعرفة والتاريخ (2/ 335 - 364) وحلية الأولياء (5/ 138 - 149) وتاريخ دمشق (33/ 6 - 25) ط: دار الفكر، وأسد الغابة (3/ 252) وصفة الصفوة (4/ 206 - 207) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 407 - 409) وسير أعلام النبلاء (40/ 494 - 496) والوافي بالوفيات (17/ 599 - 600) وتهذيب التهذيب (6/ 22 - 23) وشذرات الذهب (1/ 398).
(4)
في تاريخ الإسلام والسير: بن وهب.
(5)
في الأصول: أم، والتصحيح من تاريخ الإسلام والسير وباقي المصادر.
قالوا: وكان صموتًا معتزلًا للفتن، وكان لا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يذكر شيئًا من خصاله المحمودة.
ورأى على بعض الأمراء حلّة من حرير
(1)
فأنكر عليه، فقال: إنما ألبسها من أجل هؤلاء - وأشار إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين - فقال له ابن محيريز: لا تعدل بخوفك من الله خوف أحد من الناس. وقال الأوزاعي: من كان مقتديًا فليقتد بمثله، فإن الله لا يضل أمة فيها مثله
(2)
.
قال بعضهم: توفي أيام الوليد.
وقال خليفة بن خياط: توفي أيام عمر بن عبد العزيز، وذكر الذهبي في الإعلام أنه توفي في هذا العام. [والله سبحانه أعلم.
دخل ابن محيريز مرة حانوت بزاز ليشتري منه ثوبًا فرفع في السَّوم، فقال له جاره: ويحك هذا ابن محيريز ضع له، فأخذ ابن محيريز بيد غلامه وقال: اذهب بنا إنما جئت لنشتري بأموالنا لا بأدياننا، فذهب وتركه]
(3)
.
ومحمود بن لبيد بن عقبة
(4)
، أبو نعيم الأنصاري الأشهلي. ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، روى عنه أحاديث لكن حكمها حكم الإرسال.
وقال البخاري: له صحبة.
وقال ابن عبد البر: هو أسن
(5)
من محمود بن الربيع.
قيل: إنه توفي سنة ست وقيل سبع وتسعين، وذكر الذهبي في الإعلام أنه توفي في هذا العام والله أعلم باليقين.
نافع بن جبير بن مطعم
(6)
بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي المدني.
(1)
في تاريخ الإسلام من خزٍّ.
(2)
تاريخ دمشق (33/ 9) وسير أعلام النبلاء (4/ 496).
(3)
ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ دمشق (33/ 19).
(4)
ترجمة - محمود بن لبيد - في طبقات ابن سعد (5/ 77) وتاريخ خليفة (306) وطبقاته (238) وتاريخ البخاري (7/ 402) والمعرفة والتاريخ (1/ 356) والاستيعاب (3/ 423 - 424) وأسد الغابة (5/ 117) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 473) وسير أعلام النبلاء (3/ 485 - 486) وتهذيب التهذيب (10/ 65 - 66) وشذرات الذهب (1/ 390).
(5)
تحرفت في ط: إلى: أحسن.
(6)
ترجمة - نافع بن جبير - في ابن سعد (5/ 205) وطبقات خليفة (241) وتاريخ البخاري (8/ 82 - 83) والمعرفة والتاريخ (1/ 364) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ 491 - 493) وسير أعلام النبلاء (4/ 541 - 543) وتهذيب التهذيب (10/ 404 - 405) وشذرات الذهب (1/ 398).
روى عن أبيه: وعثمان وعلي والعباس وأبي هريرة وعائشة وغيرهم.
وروى عنه جماعة من التابعين وغيرهم.
وكان ثقة عابدًا يحج ماشيًا ومركوبه يقاد معه.
قال غير واحد: توفي سنة تسع وتسعين بالمدينة.
كريب بن أبي مسلم
(1)
، مولى ابن عباس.
روى عن جماعة من الصحابة وغيرهم.
وكان عنده حمل كتب
(2)
، وكان من الثقات المشهورين بالخير والديانة.
محمد بن جبير بن مطعم
(3)
، كان من علماء قريش وأشرافها، وله روايات كثيرة، وكان يعقل مجّةً مجَّها النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وعمره أربع سنين.
توفي وعمره ثلاث وتسعون سنة بالمدينة.
مسلم بن يسار
(4)
، أبو عبد الله البصري، الفقيه الزاهد.
له روايات كثيرة، كان لا يفضل عليه أحد في زمانه، وكان عابدًا، ورعًا، زاهدًا، كثير الصلاة، كثير الخشوع.
وقيل إنه وقع في داره حريق فأطفؤوه وهو في الصلاة لم يشعر به. وله مناقب كثيرة رحمه الله.
(1)
ترجمة - كريب بن أبي مسلم - في ابن سعد (5/ 293) وتاريخ خليفة (316) وطبقاته (280) وتاريخ البخاري (7/ 231) والمعرفة والتاريخ (1/ 417) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 462 - 463) وسير أعلام النبلاء (4/ 479 - 480) وتهذيب التهذيب (8/ 433) وشذرات الذهب (1/ 394) وفيات سنة ثمان وتسعين.
وقال الذهبي في السير (4/ 480): قال الواقدي والمدائني وخليفة وجماعة: مات سنة ثمان وتسعين.
(2)
أورد ابن سعد في الطبقات (5/ 293) عن موسى بن عقبة: وضع عندنا كريب حمل بعير - أو عدل بعير - من كتب ابن عباس، فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه ابعث إليَّ بصحيفة كذا وكذا، قال: فينسخها فيبعث إليه بإحداهما، والخبر في تاريخ الإسلام أيضًا.
(3)
ترجمة - محمد بن جبير - في طبقات ابن سعد (5/ 205) وتاريخ خليفة (246) وطبقاته (241) وتاريخ البخاري (1/ 52) والمعرفة والتاريخ (1/ 363) وتاريخ دمشق (52/ 180 - 188) وتاريخ الإسلام (6/ 466 - 467) وسير أعلام النبلاء (4/ 543 - 544) والوافي بالوفيات (2/ 284) وتهذيب التهذيب (9/ 91 - 92).
(4)
ترجمة - مسلم بن يسار - في طبقات ابن سعد (7/ 186 - 188) وتاريخ خليفة (286) وطبقاته (206) وتاريخ البخاري (7/ 275) والمعرفة والتاريخ (2/ 85) وحلية الأولياء (2/ 290 - 298) وتاريخ دمشق (58/ 124 - 150) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 475 - 478) وسير أعلام النبلاء (4/ 510 - 514) وتهذيب التهذيب (10/ 140 - 141) وشذرات الذهب (1/ 405) مع وفيات سنة مئة.
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: قال خليفة والفلاس: مات سنة مئة. وقال الهيثم: سنة إحدى ومئة.
قلت: وانهدمت مرة ناحية في المسجد ففزع أهل السوق لهدتها، وإنه لفي المسجد في صلاته فما التفت.
وقال ابنه: رأيته ساجدًا وهو يقول: متى ألقاك وأنت عني راضٍ، ثم يذهب في الدعاء، ثم يقول: متى ألقاك وأنت عني راض، وكان إذا كان في غير صلاة كأنه في الصلاة، وقد تقدمت ترجمته.
حنش بن عمرو الصنعاني
(1)
، كان والي إفريقية وبلاد المغرب، وبإفريقية توفي غازيًا، وله روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة.
خارجة بن زيد
(2)
بن الضحَّاك الأنصاري المدني الفقيه.
كان يفتي بالمدينة، وكان من فقهائها المعدودين، كان عالمًا بالفرائض وتقسيم المواريث، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين مدار الفتوى على قولهم
(3)
.
سنة مئة من الهجرة النبوية
قال الإمام أحمد
(4)
: حدّثنا علي بن حفص، أبنا وَرْقاء، عن منصور، عن المِنْهال بن عمرو، عن نُعَيْم بن دجاجة قال: دخل أبو
(5)
مسعود على علي فقال: أنت القائل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يأتي على الناس مئة عام وعلى الأرض نفس منفوسة؟ " إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يأتي على الناس مئة عام وعلى الأرض نفس منفوسة ممن هو حي [اليوم]، وإن رخاء هذه الأمة بعد المئة". تفرّد به أحمد.
(1)
ترجمة - حنش بن عمرو - في طبقات ابن سعد (5/ 536) وتاريخ البخاري (3/ 99) والمعرفة والتاريخ (2/ 530) وتاريخ علماء الأندلس (1/ 148) وجذوة المقتبس (201 - 203) والمعجب في أخبار المغرب (37) وتهذيب الكمال (7/ 429 - 431) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 339) وسير أعلام النبلاء (4/ 492) والوافي بالوفيات (13/ 206) وتهذيب التهذيب (3/ 57) وشذرات الذهب (1/ 404) مع وفيات سنة مئة.
وقال الذهبي في السير (4/ 493): نزل إفريقية مرابطًا، وتوفي سنة مئة.
(2)
ترجمة - خارجة بن زيد - في طبقات ابن سعد (5/ 262) وتاريخ خليفة (321) وطبقاته (251) وتاريخ البخاري (3/ 204) والمعرفة والتاريخ (1/ 300 و 352) وحلية الأولياء (2/ 189) وتاريخ دمشق (15/ 389 - 399) وتهذيب الكمال (8/ 8 - 13) وصفة الصفوة (2/ 189) وتاريخ الإسلام (6/ 342 - 344) وسير أعلام النبلاء (4/ 437 - 441) والوافي بالوفيات (13/ 241) وتهذيب التهذيب (3/ 74 - 75) والنجوم الزاهرة (1/ 242) وشذرات الذهب (1/ 404) وتهذيب تاريخ دمشق (5/ 27 - 29).
(3)
من أول ترجمة كريب بن مسلم .. إلى هنا ساقط من أ، ب وثمة خلاف في سنة وفاة أصحاب التراجم.
(4)
مسند الإمام أحمد (1/ 93) وهو حديث صحيح.
(5)
تحرفت في ط، أ: إلى ابن. وأبو مسعود هو: عقبة بن عمرو الأنصاري.
وفي رواية لابنه عبد الله
(1)
أن عليًا قال له: يا فروخ، أنت القائل: لا يأتي على الناس مئة سنة وعلى الأرض عين تطرف، وإنما رخاء هذه الأمة وفَرَجها بعد المئة؟ إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يأتي على الناس مئة سنة وعلى الأرض عين تطرف" - أخطأت استُك الحُفْرة - وإنما أراد ممن هو اليوم حي. تفرد به.
وهكذا جاء في الصحيحين
(2)
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أريتكمْ لَيْلَتكمْ هذه، فإنَّ رأسَ مئة سنة منها لا يبقى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم انخرام قرنه
(3)
.
ففيها خرجت خارجة من الحرورية بالعراق، فبعث أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد نائب الكوفة، يأمره بأن يدعوهم إلى الحق، ويتلطف بهم، ولا يقاتلهم حتى يفسدوا في الأرض، فلما فعلوا ذلك بعث إليهم جيشًا فكسرتهم الحرورية، فبعث عمر إليه يلومه على جيشه، وأرسل عمر ابن عمه مسلمة بن عبد الملك من الجزيرة إلى حربهم، فأظفره الله بهم، وقد أرسل عمر إلى كبير الخوارج - وكان يقال له بسطام - يقول له: ما أخرجك علي؟ فإن كنت خرجت غضبًا لله فأنا أحق بذلك منك، ولست أولى بذلك مني، وهلمَّ أناظرك، فإن رأيتُ حقًا اتبعته، وإن أبديتَ حقًا نظرنا فيه. فبعث طائفة من أصحابه إليه فاختار منهم عمر رجلين فسألهما: ماذا تنقمون؟ فقالا: جعلت يزيد بن عبد الملك من بعدك، فقال: إني لم أجعله أبدًا وإنما جعله غيري. قالا: فكيف ترضى به أمينًا للأمة من بعدك؟ فقال: أنظراني ثلاثة، فيقال إن بني أمية دست إليه سمًا فقتلوه خشية أن يخرج الأمر من أيديهم ويمنعهم الأموال، والله أعلم
(4)
.
وفيها أغزا عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المُعَيطي، وعمرو بن قيس الكِندي من أهل حمص، الصائفة.
وفيها ولى عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة نيابة الجزيرة فسار إليها.
وفيها حُمِل يزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز من العراق، فأرسله عدي بن أرطاة نائب البصرة مع موسى بن وجيه، وكان عمر يبغض يزيد بن المهلّب وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم، فلما دخل على عمر طالبه بما قِبَله من الأموال التي كان قد كتب إلى سليمان أنها حاصلة عنده، فقال: إنما كتبت ذلك لأرهب الأعداء بذلك، ولم يكن بيني وبين سليمان شيء، وقد عرفت مكانتي عنده. فقال له عمر: لا أسمع منك هذا، ولست أطلقك حتى تؤدي أموال المسلمين، وأمر بسجنه.
(1)
مسند الإمام أحمد (1/ 140) وهو حديث صحيح.
(2)
صحيح الإمام البخاري (601) في مواقيت الصلاة. وصحيح الإمام مسلم رقم (2537/ 217) في فضائل الصحابة.
(3)
من قوله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
…
إلى هنا زيادة من ب. والانخرام: الانقطاع.
(4)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 555 - 556) وابن الأثير (5/ 46 - 47) ومروج الذهب (3/ 233) وما بعدها.
وكان عمر قد بعث على إمرة خراسان الجرَّاح بن عبد الله الحكمي عوضه، وقدم ولد يزيد بن المهلب، مَخْلَد بن يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد منّ على هذه الأمة بولايتك عليها، فلا نكونن نحن أشقى الناس بك، فعلام تحبس هذا الشيخ وأنا أقوم بما تصالحني عنه؟ فقال عمر: لا أصالحك عنه إلا أن تقوم بجميع ما يطلب منه، ولا آخذ منه إلا جميع ما عنده من مال المسلمين. فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت لك بيِّنة عليه بما تقول، وإلا فاقبل يمينه أو فصالحني عنه، فقال: لا آخذ منه إلا جميع ما عنده. فخرج مخلد بن يزيد من عند عمر
(1)
، فلم يلبث أن مات مخلد. وكان عمر يقول: هو خير من أبيه. ثم إن عمر أمر بأن يلبس يزيد بن المهلّب جبَّة صوف ويركب على بعير إلى جزيرة دَهْلَك
(2)
التي كان يُنفى إليها الفُسّاق، فشفعوا فيه
(3)
فردّه إلى السجن، فلم يزل به حتى مرض عمر بن عبد العزيز رحمه الله
(4)
.
وفي هذه السنة في رمضان منها عزل عمر بن عبد العزيز الجرّاح بن عبد الله الحكمي عن إمرة خراسان، بعد سنة وخمسة أشهر، وإنما عزله لأنه كان يأخذ الجزية ممن أسلم من الكفار ويقول: أنتم إنما تسلمون فرارًا منها
(5)
. فامتنعوا من الإسلام وثبتوا على دينهم وأدّوا الجزية، فكتب إليه عمر: إن الله إنما بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم داعيًا، ولم يبعثه جابيًا. وعزله وولى بدله عبد الرحمن بن نعيم القشيري
(6)
على الحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج
(7)
. وفيها كتب عمر إلى عماله يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، ويبين لهم الحق ويوضحه لهم ويعظمهم فيما بينه وبينهم، ويخوفهم بأس الله وانتقامه، كان فيما كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم القشيري:
أما بعد فكن عبدًا ناصحًا لله في عباده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فإن الله أولى بك من الناس، وحقه عليك أعظم، ولا تولّين شيئًا من أمور المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم، والتوقير عليهم.
(1)
منِ قوله: فقال يا أمير المؤمنين
…
إلى هنا ساقط من أ.
(2)
دَهْلك: - بفتح أوله، وسكون ثانية، ولام مفتوحة، وآخره كاف - اسم أعجمي معرب، ويقال له: دهيك أيضًا. وهي جزيرة في بحر اليمن، وهو مرسى بين بلاد اليمن والحبشة بلدة ضيقة حرجة حارة، كان بنو أمية إذا سخطوا على أحد نفوه إليها. معجم البلدان (2/ 492).
(3)
في الطبري (6/ 557): فدخل على عمر سلامة بن نعيم الخولاني، فقال: يا أمير المؤمنين، اردد يزيد إلى محبسه، فإني أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه؛ فإني رأيت قومه غضبوا له. فرده إلى محبسه.
(4)
العبارة في ط وما بعدها: حتى مرض عمر مرضه الذي مات فيه، فهرب من السجن وهو مريض، وعلم أنه يموت في مرضه ذلك، وبذلك كتب إليه كما سيأتي، وأظنه كان عالمًا أن عمر سُقي سمًا.
(5)
في الطبري (6/ 559) وابن الأثير (5/ 51): انظر منْ صلّى قبلَك إلى القبلة، فضع عنه الجزية، فسارع الناس إلى الإسلام، وقيل للجراح إن الناس سارعوا إلى الإسلام نفورًا من الجزية، فامتحنهم بالختان .. فكتب عمر: إن الله بعث محمدًا داعيًا ولم يبعثه خاتنًا.
(6)
في الطبري: الغامدي، وفي ابن الأثير: العامري.
(7)
في الطبري: وعلى جزيتها عبيد الله - أو عبد الله - بن حبيب.
وأدَّى الأمانة فيما استُرعي، وإياك أن يكون ميلك ميلًا إلى غير الحق، فإن الله لا تخفى عليه خافية، ولا تذهبن عن الله مذهبًا، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه. [وكتب مثل ذلك مواعظ كثيرة إلى العمال. وقال البخاري في "صحيحه"
(1)
: وكتب عمر إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائِضَ وشرائعَ وحدودًا وسُننًا، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكمِلْها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأُبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص]
(2)
.
وفي هذه السنة كان بدء دعوة بني العباس:
وذلك أن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس - وكان مقيمًا بأرض الشراة
(3)
- بعث من جهته رجلًا يقال له ميسرة، إلى العراق، وأرسل طائفة أخرى: وهم محمد بن خُنَيس وأبو عكرمة السراج، وهو أبو محمد
(4)
الصادق، وحيان العطار - خال إبراهيم بن سلمة - إلى خراسان، وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكمي قبل أن يُعزل في رمضان، وأمرهم بالدعوة إليه وإلى أهل بيته، فلقوا من لقوا ثم انصرفوا بكُتُب من استجاب منهم إلى ميسرة الذي بالعراق، فبعث بها إلى محمد بن علي ففرح بها واستبشر وسرَّه أن ذلك أول مبادئ أمر قد كتب الله إتمامه، وأول رأي قد أحكم الله إبرامه، أن دولة بني أمية قد بان عليها مخايل الوهن والضعف، ولاسيما بعد موت عمر بن عبد العزيز، كما سيأتي بيانه.
وقد اختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي اثني عشر نقيبًا، وهم سليمان بن كثير الخزاعيّ، ولاهز بن قريظ التميمي، وقحطبة بن شبيب الطائيّ، وموسى بن كعب التميمى، وخالد بن إبراهيم أبو داود من بني عمرو بن شيبان بن ذُهل، والقاسم بن مجاشع التميمي، وعمران بن إسماعيل أبو النجم - مولى لآل أبي مُعيط - ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وعمرو بن أعين أبو حمزة - مولى لخزاعة -، وشِبْل بن طهمان أبو علي الهروي - مولىً لبني حنيفة - وعيسى بن أعين مولى لخزاعة أيضًا. واختار سبعين رجلًا أيضًا. وكتب إليهم محمد بن علي كتابًا يكون مثالًا وسيرة يقتدون بها ويسيرون بها
(5)
.
وقد حج بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، نائب المدينة. والنواب على الأمصار هم المذكورون في التي قبلها، سوى من ذكرنا ممن عزل وتولى غيره، والله أعلم. ولم يحج
(1)
صحيح البخاري (الفتح 1/ 67) أول كتاب الإيمان. باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس".
(2)
ما بين معكوفين زيادة من ط.
(3)
قال ياقوت: السراة: صقع بالشام بين دمشق ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة التي كان يسكنها ولد علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب في أيام بني مروان. معجم البلدان (3/ 332).
(4)
في أ: أبو بكر؛ وما أثبت يوافق المصادر.
(5)
الخبر في تاريخ الطبري (6/ 562) وابن الأثير (5/ 53 - 54).
عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته لشغله بالأمور، ولكنه كان يبرد البريد إلى المدينة فيقول له: سلِّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عني، وسيأتي بإسناده إن شاء الله.
ممن توفي فيها من الأعيان:
سالم بن أبي الجعد الأشجعي
(1)
، مولاهم الكوفي. أخو زياد، وعبد الله، وعبيد الله، وعمران، ومسلم، وهو تابعي جليل.
روى عن: ثوبان وجابر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، والنعمان بن بشير وغيرهم.
وعنه: قتادة والأعمش وآخرون، وكان ثقة نبيلًا جليلًا.
أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف
(2)
، الأنصاري، الأوسي، المدني، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ورآه.
وحدَّث عن: أبيه، وعمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وابن عباس.
وعنه: الزُّهري، وأبو حازم، وجماعة.
قال الزُّهري: كان من عليّة الأنصار وعلمائهم، ومن أبناء الذين شهدوا بدرًا.
وقال يوسف بن الماجشون، عن عتبة بن مسلم، قال: آخر خرجة خرجها عثمان بن عفان إلى الجمعة حَصَبَهُ الناس وحالوا بينه وبين الصلاة، فصلّى بالناس يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف
(3)
.
قالوا: توفي سنة مئة، والله أعلم.
أبو الزَّاهرية
(4)
حُدَير بن كُرَيب الحمصيّ، تابعي جليل، سمع أبا أمامة صدي بن عجلان،
(1)
ترجمة - سالم بن أبي الجعد - في طبقات ابن سعد (6/ 291) وتاريخ خليفة (320) وطبقاته (156) وتاريخ البخاري (4/ 107) والمعرفة والتاريخ (1/ 490) ومواضع أخرى، وتهذيب الكمال (10/ 130 - 131) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 361 - 362) وسير أعلام النبلاء (5/ 108 - 110) والوافي بالوفيات (15/ 95) وتهذيب التهذيب (3/ 432).
(2)
ترجمة - أبي أمامة - في طبقات ابن سعد (5/ 72) وتاريخ خليفة (56) وطبقاته (106 و 250) وتاريخ البخاري (2/ 63) والمعرفة والتاريخ (1/ 375) والاستيعاب (1/ 84 - 85) وتاريخ دمشق (8/ 325 - 336) وأسد الغابة (3/ 470) وتهذيب الكمال (2/ 525 - 527) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 510 - 511) وسير أعلام النبلاء (3/ 517 - 519) والوافي بالوفيات (9/ 27 - 28) والإصابة (4/ 9) وتهذيب التهذيب (1/ 263 - 264) وشذرات الذهب (1/ 403).
(3)
الخبر في طبقات ابن سعد (5/ 82) وابن الأثير (5/ 55) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 511).
(4)
ترجمة - أبي الزاهرية - في طبقات خليفة (311) وتاريخ البخاري (3/ 98) والمعرفة والتاريخ (2/ 448) وتاريخ دمشق (12/ 243 - 250) وحلية الأولياء (6/ 100 - 101) وتهذيب الكمال (5/ 491 - 492) وتاريخ الإسلام =
وعبد الله بن بُسر، ويقال إنه أدرك أبا الدرداء والصحيح أن روايته عنه وعن حذيفة مرسلة، وقد حدَّث عنه جماعة من أهل بلده.
وقد وثقه ابن معين وغيره.
ومن أغرب ما روي عنه قول قتيبة: حدّثنا شهاب بن خِراش، عن حُميد، عن أبي الزاهرية قال: أغفيت في صخرة بيت المقدس فجاءت السَّدنةُ فأغلقوا عليَّ الباب، فما انتبهت إلَّا بتسبيح الملائكة فوثبت مذعورًا فإذا الملائكة صفوف؛ فدخلت معهم في الصف
(1)
.
قال أبو عبيدة وغيره: مات سنة مئة.
أبو الطفيل
(2)
عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو اللَّيثي الكِناني، صحابي، وهو آخر من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وفاةً بالإجماع.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه يستلم الركن بمحجنه
(3)
، وذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى عن: أبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود.
وحدث عنه: الزُّهري، وقتادة، وعمرو بن دينار، وأبو الزُّبير، وجماعة من التابعين.
وكان من أنصار علي بن أبي طالب، شهد معه حروبه كلّها، لكن نقم بعضهم عليه كونه كان مع المختار بن أبي عبيد، ويقال إنه كان حامل رايته.
وقد روي أنه دخل على معاوية فقال: ما أبقى لك الدَّهْرُ من ثكلك عليًا؟ فقال: ثكل العجوز المقلاة والشيخ الرقوب، فقال: كيف حبك له؟ قال حب أم موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير
(4)
.
= (حوادث سنة 81 - 100/ ص 517 - 518) وسير أعلام النبلاء (5/ 193) وتهذيب التهذيب (2/ 218 - 219) وتهذيب تاريخ دمشق (4/ 93 - 95).
(1)
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 518) وسير أعلام النبلاء (5/ 193).
(2)
ترجمة - أبي الطفيل - في طبقات ابن سعد (5/ 457) وتاريخ خليفة (262) وطبقاته (30 و 127) وتاريخ البخاري (6/ 446 - 447) والمعرفة والتاريخ (1/ 233 و 234) ومواضع أخرى، والاستيعاب (3/ 14 - 15) وتاريخ دمشق (26/ 113 - 134) وأسد الغابة (3/ 96) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 526 - 528) وسير أعلام النبلاء (4/ 467 - 470) والوافي بالوفيات (16/ 584 - 585) والإصابة (4/ 113) وتهذيب التهذيب (5/ 82 - 84) والنجوم الزاهرة (1/ 243) وشذرات الذهب (1/ 403).
(3)
الخبر أخرجه أحمد في مسنده (5/ 454) ومسلم في صحيحه (1275) في الحج، وأبو داود في سننه (1879) في المناسك، وابن ماجه في سننه (2949).
(4)
الخبر في تاريخ دمشق (26/ 116) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 527).
قيل: إنه أدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين، ومات سنة مئة وقيل سنة سبع ومئة وقيل: سنة عشر ومئة
(1)
فالله أعلم.
قال مسلم بن الحجاج: وهو آخر من مات من الصحابة مطلقًا ومات سنة مئة
(2)
.
أبو عثمان النهدي
(3)
، واسمه: عبد الرحمن بن مُلٍّ البصري، أدرك الجاهلية وحَجَّ في زمن الجاهلية مرتين، وأسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وأدى في زمانه الزكاة ثلاث سنين إلى عمال النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا يسميه أئمة الحديث مخضرمًا، وهاجر إلى المدينة في زمان عمر بن الخطاب، فسمع منه، ومن علي، وابن مسعود، وخلق من الصحابة، وصحب سلمان الفارسي ثنتي عشرة سنة حتى دفنه.
وروى عنه: جماعة من التابعين وغيرهم، منهم أيوب، وحميد الطويل، وسليمان بن طرخان التَّيمي.
وقال عاصم الأحول: سمعته يقول: أدركت في الجاهلية يغوثَ صنمًا من رصاص يُحمل على جمل أجرد، فإذا بلغ واديًا برك فيه فيقولون: قد رضي ربكم لكم هذا الوادي فينزلون فيه
(4)
.
قال: وسمعته وقد قيل له أدركت النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم! أسلمت على عهده، وأديت إليه الزكاة ثلاث مرات، ولم ألقه، وشهدت اليرموك والقادسية وجلولاء ونهاوند وتستر وأذربيجان ورستم.
وقال غيره: كان البشير إلى عمر في فتح نهاوند
(5)
.
كان أبو عثمان صوّامًا بالنهار يسرده، قوامًا باللّيل لا يتركه، وكان يصلّي حتى يغشى عليه، وحجَّ ستين مرة ما بين حجة وعمرة.
قال سليمان التيمي: إني لأحسبه لا يصيب ذنبًا، لأنه [يقضي] ليله قائمًا ونهاره صائمًا
(6)
.
(1)
أورد الذهبي الخلاف في سنة موته في تاريخ الإسلام.
(2)
الكنى والأسماء لمسلم (1/ 40).
(3)
ترجمة - أبي عثمان النهدي - في طبقات ابن سعد (7/ 97 - 98) وتاريخ خليفة (321) وطبقاته (205) وتاريخ البخاري (9/ 83) والاستيعاب (2/ 427 - 429) وتاريخ بغداد (10/ 202) وتاريخ دمشق (35/ 460 - 485) وأسد الغابة (3/ 324) وتهذيب الكمال (17/ 424 - 430) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة 81 - 100/ ص 535 - 536) وسير أعلام النبلاء (4/ 175 - 178) والإصابة (3/ 98 - 99) وتهذيب التهذيب (6/ 277 - 278) وشذرات الذهب (1/ 404).
(4)
تاريخ دمشق (35/ 472).
(5)
من قوله: وتستر .. إلى هنا ساقط من ط، والخبر في تاريخ بغداد (10/ 204) وسير أعلام النبلاء (4/ 177) ونحوه في تاريخ دمشق (35 - 470 و 474 و 476).
(6)
تاريخ دمشق (35/ 477).
وقال بعضهم: سمعت أبا عثمان النَّهدي يقول: أتت على ثلاثون ومئة سنة وما مني شيء إلا وقد أنكرته خلا أملي فإني أجده كما هو
(1)
.
وقال ثابت البُناني، عن أبي عثمان، قال: إني لأعلم حين يذكرني ربي عز وجل، قال فيقول: من أين تعلم ذلك؟ فيقول قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] فإذا ذكرت الله ذكرني
(2)
.
قال: وكنا إذا دعونا الله قال: والله لقد استجاب الله لنا، قال الله تعالى:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].
قالوا: وعاش مئة وثلاثين سنة، قاله هشيم وغيره. قال المدائني وغيره: توفي سنة مئة، وقال الفلّاس: توفي سنة خمس وتسعين، والصحيح سنة مئة، والله أعلم.
[وفيها توفي:
عبد الملك بن عمر
(3)
بن عبد العزيز، وكان يفضل على والده في العبادة والانقطاع عن الناس، وله كلمات حسان مع أبيه ووعظه إياه]
(4)
.
(1)
المصدر نفسه (35/ 475).
(2)
الخبر والذي بعده في تاريخ دمشق (35/ 479).
(3)
ترجمة - عبد الملك بن عمر - في المعرفة والتاريخ (1/ 573 - 574) وصفة الصفوة (2/ 127 - 130) وحلية الأولياء (5/ 353 - 364) والكامل في التاريخ (5/ 64 - 65) وتاريخ دمشق (37/ 38 - 53) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 81 - 100/ ص 418 - 420) والأخبار الموفقيات (623).
(4)
ما بين معقوفين زيادة من ط. وانظر تاريخ دمشق (37/ 50 - 51). وبعون الله وتوفيقه تم تحقيق الجزء التاسع من كتاب البداية والنهاية، وذلك بتاريخ السابع عشر من ربيع الأنور عام 1421 لهجرة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، الموافق للتاسع عشر من حزيران عام 2000 لميلاد المسيح عليه السلام. المكتبة العامة - كلباء - الشارقة محمد حسان عبيد