المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[كتاب الرَّجعة] هذا (كتاب) أحكام (الرَّجعة. وهي): أي: الرجعة في الشرع: (إعادة - شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى - جـ ١٠

[ابن النجار الفتوحي]

فهرس الكتاب

[كتاب الرَّجعة]

هذا (كتاب) أحكام (الرَّجعة.

وهي): أي: الرجعة في الشرع: (إعادة مطلَّقةٍ) طلاقا (غير بائن، إلى

ما كانت عليه) قبل الطلاق، (بغير عقد) أي: عقد نكاح.

قال الأزهري: الرجعة بعد الطلاق أكثر ما تقال بالكسر، والفتح جائز،

يقال: جائتني رجعة الكتاب أي: جوابه. ولعله إنما قيلت بالكسر؛ لكون

المرتجعة باقية في حال الارتجاع بعد الطلاق. فهي كالرِّكبة والجِلسة. وأما

بالنظر إلى أنها فعل المرتجع مرة واحدة، فتكون بالفتح؛ لكونها فعلة واحدة،

فلهذا الناس متفقون فيها على الفتح.

وهي ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع.

أما الكتاب؛ فقوله سبحانه وتعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا} [البقرة: 228].

واما السنة؛ فما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حين طلق امرأته

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مره فليراجعها "

(1)

. رواه الجماعة إلا البخاري.

وقد "طلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها "

(2)

. رواه أبو دأود والنسائى وابن ماجه

(1)

أخرجه مسلم في صحيحه " (1471) 2: 1095 كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها

وأخرجه أبو داود في " سننه "(2182) 2: 255 تفريع أبواب الطلاق، باب في لملاقي السنة.

وأخرجه الترمذي في "جامعه "(1176) 3: 479 كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء فى طلاق السنة.

وأخرجه النسائى في " سننه "(3391) 6: 138 كتاب الطلاق، باب وقت الطلاق للعدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء.

وأخرجه ابن ماجة في " سننه "(2019) 1: 651 كتاب الطلاق، باب طلاق السنة.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(4789) 2: 26.

(2)

أخرجه أبواود في " سننه"(2283) 2: 285 تفريع أبواب الطلاق، باب فى المراجعة. عن ابن =

ص: 5

وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون

الثلاث والعبد دون الاثنين: أن لهما الرجعة في العدة.

إذا تقرر ذلك فإنه (إذا طلق حر من دخل) بها (أو) من (خلا بها في نكاح

صحيح) طلاقا (اقل من ثلاث، أو) طلق (عبد) زوجته التي دخل بها أو خلا

بها في نكاح صحيح طلقة (واحدة بلا عوض) في طلاق الحر أو العبد: (فله)

أي: فللمطلق حرا كان أو عبدا، (ولولي مجنون) طلق وهو عاقل، ثم جن

قبل مضي زمن يملك فيه الرجعة لو كان عاقلا ما دامت (في عدتها، رجعتها ولو كرهت) المطلقة ذلك.

وعلم مما تقدم أن الرجعة إنما تصح بأربعة شروط:

الأول: أن يكون دخل بها، لأن الرجعة لا تكون إلا في العدة، وغير

المدخول بها لا عدة عليها. فلا يمكن رجعتها. وحكم الخلوة حكم الدخول في

ذلك ، لأن الخلوة تقرر المهر وتوجب العدة، فهي كالدخول في الأصح.

ولأن من خلا بها ثم طلقها معتده غير بائن. فجازت رجعتها، كالمدخول بها.

الثانى: أن يطلق في نكاح صحيح، لأن الطلاق حل للنكاح. فهو فرع

عليه. فإذا لم يصح النكاح لم يصح الطلاق، لأنه فرعه.

ولأن الرجعة إعادة إلى النكاح فإذا لم تحل بالنكاح وجب ان لا تحل بالرجعة إليه. الثالث: أن يطلق دون ما يملكه من عدد الطلاق وهو الثلاث للحر والاثنان

للعبد، لأن من استوفى عدد طلاقه لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فرجعتها

لا تمكن لذلك.

الرابع: أن يكون الطلاق بغير عوض، لأن العوض في الطلاق إنما جعل

لتفتدي به المرأة نفسها من الزوج ولا يحصل مع ثبوت الرجعة فلذلك امتنعت

الرجعة مع العوض في الطلاق.

= عباس عن عمر.

وأخرجه النسائي في " سننه "(3560) 6: 213 كتاب الطلاق، باب الرجعه.

وأخرجه ابن ماجه في " سشنه "(2016) 1: 650 كتاب الطلاق.

ص: 6

فإذا وجدت هذه الشروط كان له رجعتها ما دامت في العدة؛ لأنه إجماع

للمسلمين؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]

ولأن النكاح باق بينهما بدليل أنه يلحقها طلاقه. فلو لم يكن النكاح باقيا لم يلحقها الطلاق.

وسواء رضيب رجعتها أو كرهتها؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا} [البقرة: 228] فجعل الحق لهم.

ولقوله سبحانه وتعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)[البقرة: 231]، فلو لم

يستقلوا بالإمساك لم يصح الخطاب لهم.

ولأنه إمساك للمرأة بحكم الزوجية. فلم يعتبر رضاها؛ كالمبييع في زمن

خيار المجلس.

وأما كون ولي المجنون يملك رجعة زوجة المجنون؛ لأنه حق للمجنون

يخشى فواته بانقضاء عدة الرجعية. فملك استيفأوه له؛ كبقية حقوفه في الأصح.

قال في "الإنصاف ": الصحيح من "المذهب ": أن ولي المجنون يملك الرجعه.

وقيل: لا يملكها. انتهى.

ولا فرق في ذلك بين كون المرتجعة حرة على حرة، أو أمة على أمة، أو

حرة على أمة، (أو أمة على حرة، أو) كانت الرجعة أمة و (أبى سيد)

رجعتها، (أو) كانت صغيرة أو مجنونة وأبى (ولي) رجعتها؛ لأنها لو كانت

حرة مكلفة وأبت لم يلتفت إليها فكذا سيدها ووليها.

ولا يشترط لصحة الرجعة أن يريدا إصلاحا في الأصح؛ لأنه ليس المراد من

الآية شريطة قصد الإصلاح للرجعة، بل التحريض على الإصلاح والمنع من قصد

الإضرار.

إذا تقرر هذا فإن الرجعة تصح (بلفظ: راجعتها، ورجعتها، وارتجعتها،

وأمسكتها، ورددتها، ونحوه) مثل: أعدتها؛ لأنه قد وردت السنة بلفظ

ص: 7

الرجعة في حديث ابن عمر في قوله صلى الله عليه وسلم: " مره فليراجعها "

(1)

.

وقد اشتهر هذا الاسم فيها من أهل العرف كاشتهار اسم الطلاق، فيسمونها

رجعة والمرأة رجعية. وورد الكتاب بلفظ الرد [في قوله سبحانه وتعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]، وبلفظ الإمساك]

(2)

في قوله سبحانه وتعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)[البقرة: 231]، وقوله سبحانه وتعالى:{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}

(3)

[البقرة: 229] فتصح الرجعة بهذه الألفاظ ونحوها.

(ولو زاد: للمحبة أو) زاد اللإهانة)، كما لو قال: راجعتها للمحبة،

أو راجعتها للإهانة.

قال في " الرعاية ": وإن قال: راجعتك للمحبة أو للإهانة، فهي رجعة

صحيحة، وكذا إن قال: راجعتك لمحبتي إياك أو لإهانتك. انتهى.

ووجه الصحة في ذلك، لكونه أتى بالرجعة وبين سببها.

ومحل ذلك: حيث لا نية تخالف ذلك ولذلك قلت: (إلا أن ينوي رجعتها

إلى ذلك) أي: إلى المحبة أو إلى الإهانة (بفراقها) منه فلا تصح الرجعة.

قال في " الرعاية ": وإن أراد: راجعتك إلى الإهانة بفراقي إياك أو المحبة

فلا رجعه. انتهى.

وذلك لحصول التضاد، لأن الرجعة لا تراد بالفراق.

و (لا) تصح الرجعة بقول الزوج: (نكحتها، أو تزوجتها) في الأصح،

لأن ذلك كنايه، والرجعة استباحة بضع مقصود. فلا تحصل بالكنايه،

كالنكاح.

(وليس من شرطها) أي: شرط صحه

(4)

الرجعة (الإشهاد) عليها على الأصح،

(1)

سبق تخريجه قريبا.

(2)

ساقط من أوب.

(3)

في ج: (فامسكوهن بمعروف).

(4)

زيادة من ج.

ص: 8

لأن الرجعة لا تفتقر إلى قبول. فلم تفتقر إلى شهادة؛ كسائر حقوق الزوج.

وجملة ذلك: أن الرجعة لا تفتقر إلى ولي، ولا صداق، ولا رضى

المرأة، ولا علمها بإجماع أهل العلم؛ لأن حكم الرجعية حكم الزوجات،

والرجعة إمساك للرجعية واستبقاء لنكاحها.

ولهذا سمى الله سبحانه وتعالى الرجعة إمساكا، وتركها فراقا وسراحا،

فقال سبحانه وتعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}

[الطلاق: 2]. وإنما تشعث النكاح بالطلقة وانعقد بها سبب زواله فالرجعة تزيل شعثه وتقطع مضيه إلى البينونة. فلم يحتج إلى ما يحتاج اليه ابتداء النكاح.

(وعنه: بلى) أي: وعن الإمام أحمد رواية أخرى: انه يشترط لصحة

الرجعة الإشهاد عليها.

(فـ) على هذه الرواية (تبطل) الرجعة (إن أوصى) الزوج (الشهود

بكتمانها) عن المطلقة؛ لحديث علي.

قال أبو بكر في " الشافي ": حدثنا محمد بن يوسف حدثنا يحيى بن جعفر

عن عبدالوهاب عن سعيد عن قتادة عن خلاس قال: " طلق رجل امرأته علانية وراجعها سرا، وأمر الشاهدين أن يكتماها الرجعة. فاختصموا إلى علي. فجلد الشاهدين واتهمهما .. ولم يجعل له عليها رجعة ".

(والرجعية زوجة) أي: يملك الزوج منها ما يملك ممن لم يطلقها.

فعلى هذا (يصح أن تلاعن، و) أن (تطلق، ويلحقها ظهاره وإيلاؤه)

ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه إن مات بالإجماع، وإن خالعها صح خلعه؛

لأنها زوجة يصح طلاقها. فصح خلعها؛ كما قبل الطلاق.

ولأن مقصود الخلع الخلاص من ضرر الزوج ونكاحه الذي هو سببه،

والنكاح باق ولا تأمن رجعته.

(ولها) أي: وللرجعية (أن تتشرف له) أي: لمطلقها باًن تتعرض له تريه

نفسها.

ص: 9

(و) لها أيضا أن (تتزين) لمطلقها، كما تتزين النساء لأزواجهن؛ لأن

ذلك كله مباح لكل واحد من الزوجين من الآخر قبل الطلاق. فكذلك في هذه

الحال على الأصح.

(وله) أي: وللمطلق (السفر) بالرجعية (والخلوة بها، ووطؤها)؛

لأنها في حكم الزوجات فأبيحت له؛ كما قبل الطلاق على الأصح.

(وتحصل به) أي: بوطئه إياها (رجعتها ولو لم ينوها) أي: ينو الرجعة

بالوطء؛ لأن الطلاق سبب لزوال الملك ومعه خيار. فتصرف المالك بالوطء في

مدته يمنع عمله؛ كوطء البائع الأمة المبيعة في مدة الخيار.

(لا) بإنكار طلاقها. قاله في " الترغيب " وغيره؛ لأن إنكار الطلاق مناف

لوجود حقه في الرجعة.

ولا تحصل الرجعة أيضا (بمباشرة) يعني: أنه لا تحصل الرجعة بمباشرة

دون فرج، (و) لا بـ (نظر لفرج) في الأصح.

(وكذا خلوة لشهوة) على الأصح، (إلا على قول) وهو رواية.

قال (المنقح: اختاره الأكثر). انتهى.

(وتصح) الرجعة (بعد طهر من) حيضة (ثالثة ولم تغتسل) على الأصح.

نص عليه في رواية حنبل. وعليه أكثر الأصحاب. وروي عن عمر وعلى وابن مسعود وسعيد بن المسيب والثوري وأبي عبيد.

وروي عن شريك: له الرجعة وإن فرطت في الغسل عشرين سنة؛ وذلك

لأن وطء الزوجة قبل الاغتسال حرام؛ لوجود أثر الحيض الذي يمنع الزوج

الوطء كما يمنع الحيض. فوجب أن يمنع ذلك ما يمنعه الحيض ويوجب ما

أوجبه الحيض كما قبل انقطاع الدم.

فأما بقية الأحكام من قطع الإرث والطلاق واللعان والنفقة وغيرها فيحصل

بانقطاع الدم رواية واحدة. قاله في " المحرر " تبعا للقاضي وغيره.

(و) تصح الرجعة أيضا (قبل وضع ولد متأخر) فيما إذا كانت حاملا باًكثر

من واحد؛ لبقاء العدة.

ص: 10

(لا

(1)

في ردة) يعني: انه متى ما ارتدت الرجعية لم تصح رجعتها زمن ردتها

في الأصح، لأن الرجعة استباحة بضع مقصود. فلا تصح مع الردة " كالنكاح.

(ولا تعليقها) يعنى: أنه لا يصح تعليق الرجعة (بشرط؛ كـ) قوله

لزوجته: (كلما طلقتك فقد راجعتك)، لأن الرجعة استباحة بضع مقصود. فلا

يصح تعليقها بشرط " كالنكاح.

(ولو عكسه) بأن قال لمطلقته الرجعية: كلما راجعتك فقد طلقتك:

(صح) التعليق، (وطلقت) بوجود صفته، لأنه طلاق معلق بصفة. فطلقت

بوجودها، كسائر الصفات.

(ومتى اغتسلت) الرجعية (من) حيضة (ثالثة، ولم يرتجعها) قبل ذلك:

(بانت، ولم تحل) له (إلا بنكاح جديد)، لقول الله سبحانه وتعالى:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} يريد الرجعة عند جماعة أهل التفسير {ذَلِكَ} [البقرة: 228]

أي: في العده.

وأجمع أهل العلم على أن المرأة إذا طلقها زوجها رجعيا ولم يرتجعها حتى

حلت لغيره: أنها تبين منه فلا تحل له إلا بعقد جديد.

(وتعود) إليه بالنكاح الجديد (على ما بقي: من طلاقها ولو) كان عودها

(بعد وطء زوج آخر) أي: غير المطلق على الأصح.

وعنه: إن رجعت بعد وطء زوج غيره رجعت بطلاق ثلاث.

وجملة ذلك: أن الزوج متى طلق زوجته ثلاثا أو انقضت عدتها وتزوجت

بغيره بنكاح صحيح ثم طلقها بعد أن وطئها وعادت لزوجها الأول فإنها تعود على طلاق ثلاث بإجماع أهل العلم. وأنه متى طلقها دون ثلاث وانقضت عدتها

وتزوجت من أصابها أو من لم يصبها وبانت منه وعادت إلى الأول فالمذهب:

أنها تعود إليه على ما بقي من طلاقها.

وهذا قول الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر وعلي، ومنهم أبي

(1)

في ب: ولا.

ص: 11

ومعاذ وعمران بن حصين وأبو هريرة وزيد وعبد الله ببن عمروبن العاص

رضي الله تعالى عنهم.

وبهذا قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن.

وبالرواية الثانية يقول ابن عمر وابن عباس وأبو حنيفة وابو يوسف؛ لان وطء

الثانى مثبت للحل. فيثبت كلا بتسع لثلاث طلقات؛ كما بعد الثلاث.

ولأن وطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث فأولى ان يهدم ما دونها.

ووجه، المذهب: أن وطء الثانى لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول.

فلا يغيرحكم الطلاق؛ كوطء السيد.

ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث. فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني.

وقولهم: ان وطء الثانى مثبت للحل لا يصح؛ لوجهين:

أحدهما: منع كونه مثبتا للحل أصلا وإنما هو في الطلاق الثلاث غاية

للتحريم، بدليل قوله سبحانه وتعالى:{فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقر ة: 230]، و (حتى) للغا ية.

وإنما سمى النبي صلى الله عليه وسلم الزوج الذي قصد الحيلة محلالا تجوزا بدليل انه لعنه.

ومن أثبت حلالا يستحق لعنا.

والثانى: ان الحل إنما يثبت في محل فيه تحريم وهي المطلقة ثلاثا وهاهنا

هي حلال له فلا يثبت فيها حل.

وقولهم: أنه يهدم الطلاق.

قلنا: بل هو غاية لتحريمه، وما دون الثلاث لا تحريم فيها فلا تكون غاية له.

(وإن أشهد) من طلق زوجته رجعيا (على رجعتها) في العدة، (ولم

تعلم) هي (حتى اعتدت ونكحت من أصابها) ثم جاء وادعى أنه كان راجعها قبل القضاء عدتها وأقام البينة بذلك وقبلت: (ردت إليه)؛ لأنه ثبت أنها زوجته، وأن

نكاح الثانى فاسد؛ لأنه تزوج امرأة في عصمة غيره، سواء دخل بها الثانى أو لم يدخل على الأصح.

ص: 12

وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم الثوري والشسافعي وأصحاب الرأي. وروي

ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه.

(ولا يطؤها.) الأول حيث أصابها الثانى (حتى تعتد) من وطء الثانى.

(وكذا) الحكم (إن) لم تكن بينه و (صدقاه) أي: صدقه الزوج

والزوجة؛ لأن تصديقهما أبلغ من إقأمة البينة.

(وإن لم تثبت رجعته) ببينة (وأنكراه) أي؛ أنكر الزوج والزوجة رجعته:

(رد قوله) والنكاح صحيح في حقهما.

(وإن صدقه) الزوج (الثاني) وحده: (بانت منه)؛ لاعترافه بفساد

نكاحه. وعليه مهرها إن كان دخل بها، أو نصفه إن كان لم يدخل بها؛ لأنه

لا يصدق على المرأة في إسقاط حقها عنه. ولا تسلم المرأه إلى المدعي؛ لأنه

لا يقبل قول الزوج الثانى عليها، وإنما يقبل في حق نفسه فقط.

(وإن صدقته) المرأة وحدها: (لم تقبل على) الزوج (الثاني) في فسخ

نكاحه؛ لأن قولها إنما يقبل على نفسها، (ولا يلزمها مهر الأول له) أي:

للأول في الأصح. (لكن: متى بانت) من الثانى (عادت إلى الأول بلا عقد

جديد)، لكن لا يطأ حتى تعتد للثانى. ومتى مات الأول قبل بينونتها من الثانى

فقال الموفق ومن تبعه: ينبغى أن ترثه لإقراره بزوجيتها ولصديقها له، وإن ماتت

لم يرثها الأول؛ لتعلق حق الثانى بالإرث، وإن مات الثانى لم ترثه هي؛

لأنكارها صحة نكاحه،

قال الزركشي: قلت: ولا يمكن الأول من تزويج أختها ولا أربع سواها.

(ومتى ادعت) من المطلقات أو المفسوخ نكاحهن (انقضاء عدتها، وأمكن)

أي: وكان ذلك فى زمن يمكن انقضاء العدة فيه: (قبلت) دعواها؛ لقول الله

سبحانه وتهعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228].قيل

في التفسير: هو الحيض والحمل. فلولا أن قولها مقبول لم

(1)

يحرجن بكتمانه.

(1)

في ب: لا.

ص: 13

ولأنه أمر تختص المرأة بمعرفته. فكان القول قولها فيه؛ كالنية من الإنسان

فيما تعتببر. فيه النية، أو أمر لا يعرف إلا من جهتها فقبل قولها فيه؛ كما يجب

على التابعي قبول

(1)

خبر الصحأبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله:

(لا في شهر) يعني: لا إن ادعت الحرة انقضاء عدتها في شهر [أي:

ثلاثين يوما]

(2)

(بحيض) فإنه لا يقبل منها ذلك، (إلا ببينة) نص على ذلك؛

لأن شريحا قال: إذا ادعت أنها حائض ثلاث حيض في شهر وجاءت ببينة من

النساء العدول من بطانة أهلها ممن يرضى صدقه وعدله: أنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطمث، وتغتسل عند كل قرء وتصلي فقد انقضت عدتها، وإلا فهي

كاذبة. فقال له علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: قالون ومعناه بالرومية: أصبت وأحسنت. فأخذ أحمد بقول علي في الشهر.

وإنما لم تصدق في الشهر؛ لأن حيضها ثلاث مرات فيه يندر جدا فيرجح

بالبينة، ولا يندر فيما زاد على الشهر كندرته في الشهر.

وقال الشافعي: لا يقبل قولها في أقل من اثنين وثلاثين يوما ولحظتين، لأنه

لا يتصور عنده في أقل من ذلك.

وقال أبو حنيفة: لا يقبل في أقل من ستين يوما.

وقال صاحباه: لا تصدق فى أقل من تسعة وثلاثين يوما، لأن أقل الحيض

عندهما ثلاثه أيام.

(و) على مذهبنا: (اقل ما) أي: أقل زمن (تنقضي عدة حرة فيه بأقراء:

تسعة وعشرون يوما ولحظة) على المذهب في كون الأقراء الحيض، وأقل الطهر ثلاثة عشر يوما.

(و) أقل زمن تنقضي فيه عدة (أمة: خمسة عشر) يوما (ولحظة).

(1)

في اوب: قول

(2)

زياده من ج.

ص: 14

ولا فرق في ذلك بين الفاسقة والمرضية والمسلمة والكافرة، لأن ما يقبل

قول الإنسان فيه على نفسه لا يختلف باختلاف حاله، كإخباره عن نيته فيما تعتبر

فيه نية.

(ومن) من المطلقات طلاقا رجعيا (قالت ابتداء: انقضت عدتي) في زمن

يمكن انقضاء عدتها فيه، (فقال) زوج الرجعية:(كنت راجعتك، وانكرته)

أي: أنكرت رجعته قبل قولها في ذلك، لإمكانه. فصارت دعواه الرجعة بعد

انقضاء عدتها فلم تقبل، (أو تداعيا معا) باًن قالت: انقضت عدتي، وقال

الزوج: راجعتك في وقت واحد: (فقولها) أيضا في الأصح، حتى (ولو

صدقه سيد أمة) رجعية. نص عليه، لأنه لا يتضمن قولها إبطال حق للزوج،

لأنها لم تقصد ذلك.

وقيل: يقرع بينهما. فمن خرجت له القرعة قدم قولها، لأنهما تسأويا في

السبق. فلا يقدم قول واحد منهما إلا بقرعة.

(ومتى رجعت) عن قولها: انقضت عدتي حيث قلنا، أن القول قولها ولم

تتزوج: (قبل) رجوعها، (كجحد أحدهما) دعو ى الآخر (النكاح) عليه

(ثم يعترف به) أي: بالنكاح فإنه يقبل منه.

(وإن سبق) زوج الرجعية (فقال) لها: (ارتجعتك فقالت: انقضت عدتي

قبل رجعتك) وأنكرها (فقوله)، لأن دعواه الرجعة سابقة على إخبارها بانقضاء

عدتها، والأصل بقاؤها.

ولأن دعواها ذلك بعد دعوى الزوج الرجعة تقصد به إبطال حق الزوج، فلم

يقبل منها في الأصح.

ص: 15

[فصل: في البينونة الكبرى]

(فصل. وإن طلقها) أي: طلق الزوجه زوج (حر ثلاثا، أو) زوج (عبد

ثنتين ولو عتق) قبل انقضاء عدتها (لم تحل له حتى يطأها زوج غيره) من نكاح صحيح كما هو مفهوم ما يأتى في المتن.

قال ابن عباس: " كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها

ثلاثا فنسخ ذلك قوله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) - إلى قوله سبحانه وتعالى:

{فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقره: 229 - 230] "

(1)

. رواه أبو دأود والنسائي.

وعن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " كان الرجل يطلق امرأته

ما شاء ان يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العده وإن طلقها مائه مرة أو

أكثر حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني ولا أويك أبدا. قالت:

وكيف ذلك؛ قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت

المرأة فدخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم

فأخبرته، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن:(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)[البقرة: 229].

قالت عائشة: " فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا، من كان طلق ومن لم يكن

طلق "

(2)

رواه الترمذي. ورواه أيضا عن عروة مرسلا وذكر أنه أصح.

وهو إجماع من المسلمين لم يخالف فيه أحد منهم فتزويج غيره شرط لا تحل

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2195) 2: 259 لفريع ابواب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث.

وأخرجه النسائي في "سننه "(3554) 6: 212 كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2195) 2: 259 لفريع ابواب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث.

وأخرجه النسائي في "سننه "(3554) 6: 212 كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث

أخرجه الترمذي في " جامعه "(192 1) 3: 497 كتاب الطلاق.

ص: 16

بدونه. وإنما يكون تزويجا إذا كان العقد صحيحا؛ لأن الباطل من النكاح لا أثر

له في الشرع فلا يسمى نكاحا شرعا، فلا يدخل في قوله سبحانه وتعالى:{حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230].

ويشهد لاشتراط وطء الزوج فيه ما روت عائشة قالت: " جاءت امرأة رفاعة

القرظي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة القرظي فطلقني فبت طلاقي. فتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزبير- بكسر الموحدة من تحت- وإنما معه مثل

هدبة الثوب. فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته

ويذوق عسيلتك "

(1)

. رواه الجماعة.

وعن ابن عمر قال: " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر فتغلق الباب وترخي الستر ثم يطلقها قبل أن يرجع بها هل تحل

للأول؟ قال: لا. حتى تذوق العسيلة "

(2)

. رواه أحمد والنسانى. وقال:

"لا، حتى يجامعها الآخر ".

وقد روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العسيلة: هي الجماع "

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2496) 2: 933 كتاب الشهادات، باب شهادة المختبيء. وفي (5734) 5: 9 كتاب الأدب، باب التجسم والضحك.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1433) 2: 1055 كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثأ لمطلقها

وأخرجه أبو داود في " سننه "(2309) 2: 294 كتاب الطلاق، باب الميتوتة لا يرجع إليها زوجها

حتى تنكح غيره.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1118) 3: 426 كتاب النكاح، باب ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها اخر

وأخرجه النسائي في " سننه "(3411) 6: 148 كتاب الطلاق، باب إحلال المطلقه ثلاثا والنكاح

الذي يحلها به.

وأخرجه ابن ماجه في "سننه "(1932) 1: 621 كتاب النكاح، باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا فتزوج

وأخرجه أحمد في " مسنده "(23578) طبعة إحياء التراث.

(2)

أخرجه النسائي في " سننه "(3415) 6: 149 كتاب الطلاق، باب إحلال المطلقه ثلاثا والنكاح الذي يحلها به.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(4776) 2: 25.

(3)

أخرجه أحمد في " مسنده "(4376 2) 6: 62.

ص: 17

(في قبل)، لأن الوطء المعتبر في الزوجة شرعا لا يكون في غير القبل (مع

انتشار). قاله الأصحاب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك "

(1)

.

وإنما يكون ذلك مع الانتشار فيكتفى بذلك.

(ولو) كان الزوج الواطئ (مجنونا أو خصيا) أي: مقطوع الخصيتين دون

الذكر، (أو نائما، أو مغمى عليه وأدخلته فيه) أي: أدخلت ذكره في فرجها مع

انتشاره، لأنه وطء من زوج فيه حقيقة الوطء. فأحلها، كما لو وطئها حال إفاقته ووجود خصيتيه.

(أو) كان (ذميا وهي ذمية) لحلها له، (أو) كان (لم ينزل، أو) كان لم

(يبلغ عشرا، أو) كان حالة وطئه (ظنها أجنبية)، لوجود حقيقة الوطء من زوج

في نكاح صحيح.

(ويكفي) في هذا الوطء (تغييب الحشفة) كلها، (أو) تغييب (قدرها) أي:

قدر الحشفة (من مجبوب) أي: مقطوع الحشفة، لحصول ذوق العسيلة بذلك.

(و) يكفي أيضا في ذلك (وطء محرم لمرض) بالزوجة أو بالزوج.

(و) وطء محرم من أجل (ضيق وقت صلاة.

و) وطء محرم لكونه في (مسجد.

و) وطء محرم في حالة منعها نفسها من الزوج القبض مهر) حال،

(ونحوه)، كقصد إضرارها بالوطء لعبالة ذكره وضيق فرجها، لأن الحرمة في

هذه الصورة لا لمعنى فيها لحق الله سبحانه وتعالى.

(لا لحيض) يعني: أنه لا يكتفى بالوطء المحرم لحيض، (أو نفاس، أو

إحرام، أو صوم فرض، أو في دبر، أو) في (نكاح باطل أو فاسد، أو) في

(ردة)، لأن الحرمة في هذه الصور لمعنى فيها لحق الله سبحانه وتعالى.

(1)

سبق تخريجه قريباً.

ص: 18

(أو بشبهة) يعني: أنه لايكتفى في حل المطلقة ثلاثا لمطلقها بوطئها

بشبهة، (أو بملك يمين)؛ لقول الله سبحانه وتعالى {حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}

[البقره: 230]، والوطء بشبهة أو بملك يمين ليس زوجا.

(وإن كانت) المطلقة ثلاثا (أمة، فاشتراها مطلقها: لم تحل) له حتى

تنكح زوجا غيره، ويطأها كما تقدم. نص على ذلك، لأن قول الله سبحانه

وتعالى: {حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقره: 230] صريح في تحريمها.

(ولو طلق عبد طلقة، ثم عتق) قبل أن يطلق الثانية: (ملك تتمة ثلاث)؛

لأنه في حال طلاق الثانية حر فاعتبر حاله حينئذ، (ككافر) حر (طلق) زوجته

(ثنتين ثم رق) فإنه يملك الطلقة الثالثة. فله أن يتزوجها من قبل ان تنكح زوجا

غيره، لأن الطلقتين وقعتا غير محرمتين فلم يتغير

(1)

حكمهما بما طرأ بعدهما،

كما ان الطلقتين من العبد لما وقعتا محرمتين لم يتغير حكمهما بعتقه بعدهما.

(ومن غاب عن مطلقته ثلاثا) أو غابت عنه (ثم حضر، فذكرت) له:

(أنها نكحت من أصابها، و) أنها (انقضت عدتها، وأمكن) ذلك بأن مضى

عليها زمن يتسع

(2)

لذلك (فله نكاحها: إذا غلب على ظنه صدقها).

وفي " الترغيب " وجه: إن كانت ثقة، وذلك لأن المرأة مؤتمنة على نفسها

وعلى ما أخبرت به عن نفسها، ولا سبيل إلى معرفة هذه الحال على الحقيقة إلا

من جهتها. فيجب الرجوع إلى قولها، كما لو أخبرت بانقضاء عدتها. فأما إن

لم يغلب على ظنه صدقها لم يحل له نكاحها، لأن الأصل التحريم ولم توجد

غلبة ظن تنقل عنه. فوجب البقاء عليه، كما لو أخبر بذلك فاسق عنها.

(لا إن رجعت) عن إخبارها بذلك (قبل عقد) عليها، لأن الخبر المبيح

للعقد قد زال فزالت الإباحة.

(ولا يقبل) رجوعها (بعده) أي: بعد العقد، لتعلق حق الزوج بها.

(1)

في ج: يتعين.

(2)

في ج: يمكن.

ص: 19

(فلو) تزوجت المطلقة ثلاثا بآخر ثم طلقها وذكرت لزوجها الأول أن الثانى

وطئها، و (كذبها الثانى في وطء: فقوله) أي: قول الثانى (في تنصيف مهر،

و) القول (قولها في) وجود الوطء في (إباحتها للأول). فإن قال الزوج

الأول: أنا أعلم أنه ما أصابها، لم يحل له نكاحها، لأنه مقر على نفسه

بتحريمها عليه. فإن عاد كذب نفسه وقال: قد علمت صدقها دين فيما بينه وبين

الله سبحانه وتعالى، لأنه إذا علم حلها لم تحرم بكذبه.

ولأنه قد يعلم في المستقبل ما لم يكن علمه في الماضي.

ولو قال: ما أعلم أنه أصابها لم تحرم عليه بهذا، لأن المعتبر في حلها له

خبريغلب على ظنه صدقه لا حقيقة العلم.

(وكذا: لو تزوجت) امرأه (حاضرا وفارقها، وادعت إصابته) إياها

(وهو منكرها) فإن القول قوله في تنصيف المهر. وتؤاخذ بقولها في وحوب

العدة عليها، وفي كل ما يجب عليها بالوطء.

وكذا لو أنكر أصل النكاح. ولمطلقها ثلاثا نكاحها إذا غلب على ظنه

صدقها.

(ومثل) الصوره (الأولة) وهي: ما إذا ذكرت المطلقة ثلاثا لزوجها الأول

أنها نكحت من أصابها وانقضت عدتها: (لو جاءت) امرأة (حاكما،

وادعت: أن زوجها طلقها، وانقضت عدتها فله تزويجها: إن ظن صدقها، ولا

سيما إن كان الزوج لا يعرف)، وإلا فلا. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ص: 20

[كتاب الإيلاء]

هذا (كتاب) يذكر فيه جمل من أحكام الإيلاء الشرعي وحكم المولي.

ثم (الإيلاء) لغة: الحلف، وهو: إفعال بكسر الهمزة من الإلية بتشديد

المثناة من تحت، يقال: آلا يولي إيلاء وآلية، وجمع الإلية ألايا.

قال كثير:

قليل ألايا حافظ ليمينه إذا صدرت منه الإلية برت

وقال ابن قتيبة: {يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} [البقرة: 226]: يحلفون، يقال: آليت

من امرأتي أولي إيلاء: إذا حلف لا يجامعها. حكاه عنه الإمام أحمد.

وحكم الإيلاء أنه (يحرم).

قال في " الفروع ": فى ظاهر كلامهم؛ لأنه يمين على ترك واجب.

(كظهار)؛ لقول الله سبحانه وتعالى في الظهار: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادله: 2].

(وكان كل) من الإيلاء والظهار (طلاقا في الجاهلية).

قال في " الفروع ": ذكره جماعة. وذكره آخرون في ظهار المرأة من

الزوج. ذكره أحمد في الظهار عن أبي قلابة وقتادة. انتهى.

(وهو) أي: الإيلاء في الشرع: (حلف زوج يمكنه الوطء بالله تعالى،

أو) بـ (صفته) أي: صفة الله سبحانه وتعالى (على ترك وطء زوجته، الممكن جماعها، في قبل: أبدا، أو يطلق، أو فوق أربعة أشهر) يتكلم بها (أو

ينويها).

ولا فرق في ذلك بين أن يحلف في حالة الرضى أو الغضسب، ولا بين أن

ص: 21

تكون الزوجة مدخولا بها أو غير مدخول بها. نص على ذلك. وسيأتي

محترزات ذلك.

والأصل في الإيلاء قوله سبحانه وتعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227].

وكان أبي بن كعب وابن عباس يقرآن: " يقسمون " مكان {يُؤْلُونَ} .

قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئا فأبت أن

تعطيه: حلف أن لا يقربها السنة والسنتين والثلاث. فيدعها لا أيما ولا ذات

بعل. فلما كان الإسلام جعل الله ذلك للمسلمين أربعة أشهر، ونزلت هذه الآية.

وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، حتى نزلت هذه الآية. (ويترتب حكمه) أي: حكم الإيلاء (مع خصاء) أي: مع كون الزوج

مقطوع الخصيتين دون الذكر.

(و) مع (جب) أي: قطع (بعض ذكر) أي: بعض ذكر الزوج إذا بقي

منه ما يمكن جماعه به.

(و) مع (عارض) بالزوج أو بالزوجة (يرجى زواله، كحبس،

لا عكسه) أي: لا مع عارض لا يرجى زواله، (كريق) وعفل.

وقد علم مما تقدم أن الإيلاء يشترط له شروط ستة:

الأول: أن يكون الحالف زوجا لمن حلف على ترك وطئها.

الثانى: أن يكون ممن يمكنه الجماع.

الثالث: أن يكون حلفه بالله أو بصفة من صفاته.

الرابع: أن يكون حلفه على ترك وطء

(1)

زوجته في القبل.

الخامس: أن تكون الزوجة ممن يمكن جماعها.

(1)

ساقط من ب.

ص: 22

السادس: أن لا يكون حلفه مقيدا بأربعة أشهر فأقل، بلفظ أو نية.

فلو فقد منها شرطا لم يكن موليا.

(ويبطله) أي: يبطل الإيلاء (جب كله) أي: قطع جميع ذكر المولي بعد

إيلائه في الأصح؛ لأن ما لا يصح معه ابتداء الشيء امتنع مع حدوثه دوام ذلك الشيء. (و) يبطل الإيلاء أيضا (شلله) أي: شلل ذكر المولي بعد إيلائه.

(و) يبطل الإيلاء أيضا (نحوهما) أي: نحو جب الذكر وشلله، (بعده)

أي: بعد الإيلاء، وذلك كالمرض الذي لا يرجى زواله ولا يمكنه معه الوطء. (وكمول) أي: ومثل المولي (في الحكم) بأن تضرب له مدة الإيلاء

وتطلب منه الفيئة بعدها على الأصح: (من ترك الوطء) أي: وطء زوجته في

قبلها (ضرارا بها بلا عذر) به، (أو حلف) أي: وبلا حلف على ترك وطئها.

(و) مثله أيضا (من ظاهر) من زوجته (ولم يكفر) كفارة الظهار؛ لأنه أضر بها

بترك الوطء في مدة بقدر مدة المولي. فلزمه حكمه؛ كما لو ترك ذلك بحلفه.

ولأن ما أوجب أداؤه إذا حلف على تركه وجب اداؤه على تركه وإن لم

يحلف على تركه؛ كالنفقة وسائر الواجبات. يحققه: أن اليمين لا يجعل غير

الواجب واجبا إذا حلف على تركه فوجوبه مع اليمين يدل على وجوبه قبلها.

ولأن وجوبه في الإيلاء إنما كان لدفع حاجة المرأة وإزالة الضرر عنها

وضررها لا يختلف بالإيلاء وعدمه فلا يختلف الوجوب.

فإن قيل: فلا يبقى للإيلاء أثر فلم أفردتم له بابا؟

قلنا: بل له أثر فإنه يدل على قصد الإضرار فيتعلق الحكم به، وإن لم يظهر

منه قصد الإضرار اكتفينا بدلالته وإذا لم يوجد الإيلاء احتجنا إلى دليل سواه يدل

على المضارة. فيعتبر الإيلاء؛ لدلالته على المقتضى لا لعينه.

(وإن حلف) على زوجته: (لا وطئها في دبر، أو) لا وطئها (دون فرج،

أو) حلف: (لا جامعها إلا جماع سوء يريد): جماعا (ضعيفا لا يزيد على

التقاء الختانين: لم يكن موليا).

ص: 23

أما كونه لم يكن موليا بحلفه على ترك وطئه في دبرها؛ لأنه لم يحلف على

ترك الوطء الواجب عليه ولا تتضرر المرأة بذلك.

وكذلك إذا حلف على ترك الوطء دون الفرج، لأنه لم يحلف على ترك

الوطء الذي يطالب به في الفيئة.

وكذا إذا أراد بحلفه: أنه لا يجامعها إلا جماعا ضعيفا لا يزيد على التقاء

الختانين، لأنه يمكنه الوطء الواجب عليه من غيرحنث.

(وإن أراد) بقوله: إلا جماع سوء كونه (في الدبر، أو دون الفرج، صار

موليا)؛ لأنه لا يمكنه الوطء الواجب عليه في الفيئة بغير حنث.

وإن لم تكن له نية لم يكن موليا، لأن ذلك محتمل فلا يتعين ما يكون به موليا.

(ومن عرف معنى ما) أي: معنى لفظ (لا يحتمل غيره) أي: لا يحتمل

ذلك اللفظ غير الوطء، (وأتى به) أي: بذلك اللفظ الذي لا يحتمل غير الوطء

(وهو) قوله: والله (لا نكتك). وهذا هو المعبر عنه في " المقنع " بقوله:

كلفظه الصريح.

وإن ترادف هذا اللفظ بغير العربيه من عرف معناه.

أو قال: والله (لا أدخلت ذكري) في فرجك، (أو) قال: والله لا أدخلت

(حشفتي في فرجك، و) كذا لو قلى (للبكر خاصة): والله (لا افتضضتك)

وقد عرف أن معنى ذلك الوطء وقال: أردت غير الوطء (لم يدين مطلقا)؛ لأن

هذه الألفاظ صريحة في الوطء فلا تقبل منه إرادة غيره.

(و) قوله: والله (لا اغتسلت) منك، (أو) لا (افضيت إليك، [أو

غشيتك، أو) لا (لمستك، أو) لا (أصبتك، أو) لا (افترشتك، أو)

لا (وطئتك]

(1)

، أو) لا (جامعتك، أو) لا (باضعتك، أو) لا (باشرتك،

أو) لا (باعلتك، أو) لا (قربتك، أو) لا (مسستك، أو) لا (أتيتك صريح

(1)

ساقط من ب.

ص: 24

حكما: لا يحتاج إلى نية)؛ لأنها تستعمل في العرف في الوطء. وقد ورد القرآن ببعضها فقال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} ] البقرة: 222].

وقال سبحانه وتعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} ] البقرة: 187].

وقال سبحانه وتعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ)[البقرة: 237].

فأما الوطء والجماع فهما أشهر الألفاظ.

(ويدين) في قوله: لا اغتسلت منك إلى قوله: لا أتيتك فيما بينه وبين الله

سبحانه وتعالى (مع عدم قرينة) تدل على إرادة الإيلاء.

فلو قال: أردت بقولي: لا وطئتك الوطء بالقدم، وبقولي: لا اغتسلت

منك إذا مسستيني بقذر، وبقوله: لا جامعتك اجتماع جسمي وجسمك بغير

وطء، وبقولي: لا أصبتك الإصابة بيدي ونحو ذلك.

(ولا كفارة) عليه حيث كان صادقا في ذلك (باطنا)؛ لأنه لا حنث عليه.

(و) قوله لزوجته: والله (لا ضاجعتك، أو) لا (دخلت إليك، أو)

لا (قربت فراشك، أو) لا (بت عندك، ونحوه)؛ كلا نمت عندك، أو

لا مس جلدي جلدك، أو لا يجمع رأسي وراسك شيء:(لا يكون موليا فيها)

أي: في هذه الألفاظ (إلا بنية أو قرينة) تدل على الإيلاء؛ لأن هذه الألفاظ

ليست ظاهرة في الجماع كظهور التي قبلها، ولم يرد النص باستعمالها فيه.

وعلم مما تقدم أن الألفاظ التي يحصل بها الإيلاء ثلاثة أقسام:

أحدها: ما هو صريح في الحكم والباطن جميعا، وهو الذي لم يدين فيه

مطلقا.

والثانى: ما هو صريح في الحكم، ويدين فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى.

والثالث: ما لا يكون موليا فيها إلا بالنية أو مع قرينة تدل عليه.

(ولا إيلاء بحلف) على ترك الوطء (بنذر أو عتق أو طلاق) على الأصح؛

ص: 25

لأن الإيلاء المطلق إنما هو القسم. ولهذا قرأ ابن عباس وأبي: "يقسمون "بدل {يُؤْلُونَ} [البقرة: 226]. ويدل على هذا قول الله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 226]. وإنما يدخل الغفران في الحلف بالله سبحانه وتعالى. وعنه: يكون موليا بذلك.

فلو علق طلاق غير مدخول بها بوطئها ففي إيلائه الروايتان، فلو وطئها وقع

رجعيا.

والروايتان في: إن وطئتك فضرتك طالق. فإن صح إيلاء فأبان الضرة

انقطع، فإن نكحها وقلنا تعود الصفة عاد الإيلاء وتبني على المدة.

والروايتان في: إن وطئت واحدة فالأخرى طالق، ومتى طلق الحاكم هنا

طلق على الإبهام ولا مطالبة فإذا عينت بقرعة سمع دعوى الأخرى.

(ولا) إيلاء أيضا (بـ) قوله لزوجته: (إن وطئتك فأنت زانية)، لأن ذلك

ليس بحلف على ترك الوطء فوق أربعة أشهر.

(أو) إن وطئتك (فلله علي صوم أمس، أو) صوم (هذا الشهر)؛ لأنه

حلف بنذر.

(أو) إن قال لها: والله (لا وطئتك في هذا البلد، أو) إن قال لها: والله

لا وطئتك (مخضوبة، أو حتى تصومي نفلا، أو) حتى (تقومي، أو) حتى

(يأذن زيد، فيموت)؛ لأن ذلك ليس مقدرا بما فوق أربعه أشهر، ولإمكان

وطئها بدون حنث.

(و) إن قال لزوجته: (إن وطئتك فعبدي حر عن ظهاري وكان ظاهر

فوطئ: عتق) عبده (عن الظهار.

وإلا) أي: وإن لم يكن ظاهر (فوطئ: لم يعتق) في الأصح؛ لأنه إنما

علق عتقه بشرط كونه عن ظهاره فتقيد

(1)

بذلك.

(1)

في ب: فيعمد.

ص: 26

[فصل: إن جعل غايته ما لا يوجد في مدة الإيلاء]

(فصل. وإن جعل غايته) أي: غاية زمن الإيلاء (ما) أي: شيئا (لا

يوجد في أربعة اشهر غالبا؛ كـ) قوله: (والله لا وطئتك حتى ينزل عيسى، أو

يخرج الدجال، أو حتى تحبلي وهي آيسة، أو لا) يعني: أو ليست بآيسة (ولم

يطأ، أو يطأ ونيته حبل متجدد.

أو) جعل غايته فعلها شيئا (محرما)؛ كوالله لا وطئتك (حتى تشربي

خمرا، أو) حتى تأكلي لحم خنزير.

أو جعل غايته (إسقاط مالها) عنه أو عن غيره.

(أو) جعل غايته (هبته) أي: هبة مالها له أو لغيره.

(أو) جعل غايته (إضاعته) أي: إضاعه مالها، (ونحوه)؛ كإلقاء نفسها

في مهلكة (فمول) يعني: فإنه يكون موليا في جميع هذه الصور.

أما في قوله: حتى ينزل عيسى ونحوه؛ فلأن الغالب أن ذلك لا يوجد في

أربعة أشهر. فأشبه ما لو قال: والله لا وطئتك في نكاحي هذا.

وكذا لو علق وطئها على مرضها أو مرض إنسان غيرها بعينه.

وكذا إذا قال: حتى تحبلي وهي آيسة، أو غير آيسه ولم يطأ، أو يطأ ونيته

حبل متجدد فإن ذلك مستحيل. أشبه ما لو قال: والله لا وطئتك حتى تصعدي

السماء، أو تقلبي الحجر ذهبا؛ لأن معنى ذلك ترك وطئها فإن ما يراد إحالة

وجوده يعلق على المستحيل.

قال الله سبحانه وتعالى في الكفار: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]. معناه: لا يدخلون الجنة ابدا.

ص: 27

وقال أصحاب الشافعي والقاضي وأبو الخطاب من أصحابنا: إن كانت من

ذوات الأقراء لم يكن موليا، لأن حملها ممكن.

ولنا: أن الحمل بدون الوطء مستحيل عادة. فكان تعليق اليمين عليه

إيلاء، كتعليقه على صعود السماء.

ودليل استحالته قول مريم عليها السلام: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} [مريم: 20].

فإن قيل: يمكن حبلها من وطء غير زوجها أو باستدخال منيه؛

قلنا: اما الأول فلا يصح فإنه لو صرح به فقال: لا وطئتك حتى تحبلي من

غيري، أو ما دامت في نكاحي، أو حتى تزنى كان موليا.

وأما الثانى فهو من المستحيلات في العادة فإن كان وجد فهو من خوارق

العادات. وقد قال أهل الطب: إن المني إذا برد لم ليخلق منه ولد. وصحح

قولهم جريان العادة على وفق ما قالوه، لكن لو أراد بقوله: جتى تحبلي السببية

ولم يرد الغاية. ومعناه: لم أطأك لتحبلي من وطئي قبل منه ولم يكن موليا؛

لأنه ليس بحالف على ترك الوطء، وإنما حلف على ترك قصد الحبل، فإن

(1)

" حتى " تستعمل بمعنى

(2)

السببية.

] وأما كونه يكون

(3)

موليا إذا علق اليمين على فعل محرم؛ فلأن الممتنع

شرعا شبيه بالممتنع حسا]

(4)

.

وأما كونه يكون موليا إذا علق اليمين على إسقاط مالها ونحوه؛ فلأن أخذ

مالها أو إسقاطه من غير رضاها محرم فجرى مجرى تعليق اليمين على شرب

الخمر ونحوه.

(1)

في ب: فلأن.

(2)

في أوب: معنى.

(3)

ساقط من أ.

(4)

ساقط من ب.

ص: 28

وإذا تقرر كونه موليا في جميع ما تقدم من الصور كان ذلك؛ (كـ) ما لو

قال: والله لا وطئتك (حياتي، أو حياتك، أو ما عشت) أنا، (أو عشت)

انت.

(لا إن غماه) يعني: لا إن غيى زمن ترك الوطء (بما لا يظق خلو المده)

أي: مدة الإيلاء (منه) اي؛ مما علق عليه اليمين به فإنه لا يكون موليا (ولو

خلت) المدة منه، (كـ) ما لو قال: والله لا وطئتك (حتى يركب زيد،

ونحوه)؛ كحتى يسافر زيد، أو حتى يتزوج، أو حتى يطلق زوجته.

(أو) غيى ترك الوطء (بالمدة) فى الأصح؛ (كـ) قوله

(1)

: (والله

لا وطئتك أربعة أشهر، فإذا مضت فوالله لا وطئتك أربعة أشهر)، أو قال: والله

لا وطئتك شهرين، فإذا مضت فوالله لا وطئتك أربعة أشهر؛ لأنه حالف بكل

يمين على مدة ناقصة عن مدة الإيلاء فلم يكن موليا.

ولأنه يمكنه الوطء بالنسبه إلى كل يمين عقب مدتها من غير حنث فيها.

فأشبه ما لو اقتصر عليها فلم يكن موليا.

وكذا لو علق يمين ترك الوطء على فعل منها مباح لا مشقة عليها فيه فإنه

لا يكون موليا، كما لو قال: والله لا وطئتك حتي تدخلي الدار أو تلبسي

(2)

هذا

الثوب.

(أو قال: إلا برضاك، أو) إلا بـ (إختيارك، أو إلا أن تختاري أو تشائي،

ولو لم تشأ بالمجلس)؛ لأن ذلك ممكن وجوده منها من غير ضرر عليها فيه فلا

يكون موليا بذلك.

(وإن قال) لزوجته: (والله لا وطئتك مدة، أو ليطولن تركي لجماعك لم

يكن موليا حتي ينوي) بذلك ترك وطئها (فوق أربعة أشهر)؛ لأن قوله ذلك يقع

على القليل والكثير. فلا يصير موليا مع عدم نية مدة يصير بها موليا.

(1)

في أوب: (بالمدة كـ) في في الأصح في قوله.

(2)

في ب: وتلبسي.

ص: 29

(وإن علقه) أي: علق الإيلاء (بشرط؛ كـ) قوله: (إن وطئتك فوالله

لا وطئتك، أو إن قمت) فوالله لا وطئتك، (أو إن شئت فوالله لا وطئتك: لم

يصر موليا) قبل وجود الشرط في الأصح، لأن يمينه معلقة بشرط فهو فيما قبله

ليس بحالف فلا يكون موليا.

ولأنه يمكنه الوطء من غير حنث قبل وجود الشرط فلم يكن موليا، (حتى

يوجد) الشرط فإذا وجد الشرط صار موليا؛ لأنها تبقى يمينا تمنع الوطء على

التأبيد.

(ومتى أولج) ذكره قدرا (زائدا على الحشفة في الصورة الأولة) وهي

قوله: إن وطئتك فوالله لا وطئتك (ولا نية) له حين قوله: إن وطئتك بأن نوى

وطئا كاملا على العادة (حنث)، لأن التعليق على الوطء من غير نية يحصل

بتغييب الحشفة فإذا زاد على ذلك حنث.

(و) إن قال لزوجته: (والله لا وطئتك في السنة) إلا يوما أو إلا مرة،

(أو) قال: والله لا وطئتك (سنة إلا يوما، أو) إلا (مرة فلا إيلاء) عليه (حتى

يطأ وقد بقي فوق ثلثها) أي: ثلث السنة، لأن يمينه معلقة بالإضافة فقبلها

لا يكون حالفا، لأنه لا يلزمه بالوطء قبل الإصابة حنث. فإذا وطء وقد بقي من

السنة مدة الإيلاء صار موليا.

(ويكون موليا من أربع) أي: من زوجاته الأربع (بـ) قوله: (والله

لا وطئت كل واحدة) منكن، (أو) والله لا وطئت (واحدة منكن)، لأنه

لا يمكنه وطء واحدة منهن إلا بالحنث، فلهذا قلت:

(فيحنث بوطء واحدة) منهن (في الصورتين، وتنحل يمينه) بوطء

الأولى، لأنها يمين واحده فإذا حنث فيها مرة لم يحنث فيها مرة ثانية. ولا يبقى

حكم اليمين بعدحنثه فيها.

(ويقبل في) الصورة (الثانية) وهي

(1)

قوله: والله لا وطئت واحدة منكن

(1)

في أوب: وهو.

ص: 30

(إرادة معينة) من نسائه بيمينه. فيصير موليا منها وحدها؛ لأن اللفظ يحتمله

احتمالا غير بعيد.

(و) يقبل قوله أيضا في الصورة الثانية في نية واحدة (مبهمة) لا أكثر؛ لأنه

نوى بلفظه ما يحتمله فقبل، (وتخرج) واحدة منهن (بقرعة) فيصير موليا منها

وحدها.

(و) إن قال لنسائه: (والله لا اطؤكن، أو) قال لهن: والله (لا وطئتكن

لم يصر موليا) منهن في الحال في الأصح؛ لأنه يمكنه وطء كل واحدة منهن بغير حنث. فلم يمنع نفسه بيمينه من وطئه، فلم يكن موليا منها (حتى يطأ ثلاثا) من

نسائه، (فتتعين الباقية) التي لم يطأها منهن للإيلاء؛ لأنه لا يمكنه وطؤها من

غير حنث في يمينه.

(فلو عدمت إحداهن) أي: إحدى زوجاته؛ كما لو ماتت أو بانت مثلا

فيما إذا قال لهن: والله لا أطؤكن، أو والله لا وطئتكن:(انحلت يمينه) وزال

الإيلاء؛ لأنه لا يحنث إلا بوطء الأربع. فلو تزوج البائن عاد حكم يمينه، وهذا (بخلاف ما قبل) من المسائل.

(وإن آلى من واحدة) من زوجتيه أو زوجاته، (وقال لأخرى: أشركتك

معها: لم يصر موليا من الثانية) في الأصح؛ لأن اليمين بالله سبحانه وتعالى

لا تصح إلا بلفظ صريح من اسم أو صفة، والتشريك بينهما في ذلك كناية [فلم

يصح بها اليمين. (بخلاف الظهار) فإنه إذا ظاهر من واحدة من نسائه، وقال

لأخرى: أشركتك معها صار مظاهرا]

(1)

من الثانية؛ لأن العلماء سووا بين

الظهار والطلاق في التنجيز والتعليق، فكذا في التشريك. والله سبحانه وتعالى

أعلم.

(1)

ساقط من اوب.

ص: 31

[فصل: فيمن يصح إيلاؤه]

(فصل. ويصح) الإيلاء من كل زوج يصح طلاقه (من) مسلم

و (كافر)، وحر (وقن، و) صبي (مميز) يصح طلاقه في الأصح.

قال في القاعده الثانية من القواعد الأصولية: الأكثرون من أصحابنا على

صحة ذلك. انتهى.

(وسكران) وغضبان، (ومريض مرجو برؤه، ومن لم يدخل) بز وجته.

(لا) من غير زوج، لقول الله سبحانه وتعالى:{لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} [البقرة: 226].

ولا (من مجنون، ومغمى عليه)، لعدم انعقاد يمينهما.

(و) لا من (عاجز عن وطء لجب كامل أو شلل)، لأن الجماع لا يطلب

منه، لامتناعه بعجزه.

(ويضرب لمول ولو) كان (قنا)؛ لدخوله في عموم الاية) مدة أربعة

أشهر من يمينه)، لقوله سبحانه وتعالى:{تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226]. (ويحسب عليه زمن عذره) فيها؛ كحبس وإحرام ومرض ونحو ذلك، لأن

المانع من جهته وقد وجد التمكين الذي عليها، (لا عذرها) يعني: أنه لا يحسب

عليه من المدة زمن عذرها، (كصغر وجنون ونشوز وإحرام ونفاس) ومرضها وحبسها. (بخلاف حيض) فإن وجد فيها شيء من هذه الأعذار لم تضرب له

المدة حتى يزول؛ لأن المدة تضرب لامتناعه من وطئها، والمنع هاهنا من قبلها.

وإنما لم يمنع الحيض من ضرب المدة؛ لأنه لو منع لم يمكن ضرب المدة، لأن الحيض في الغالب لا يخلو منه شهر فيؤدى ذلك إلى إسقاط حكم الإيلاء.

(وإن حدث عذرها) في أثناء المدة: (استؤنفت) المدة (لزواله) ولم تبن

ص: 32

على ما مضى؛ لأن قوله سبحانه وتعالى: {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226]

يقتضي كونها متوالية، فإذا انقطعت بحدوث عذرها وجب استئنافها؛ كمدة

الشهرين في صوم الكفارة.

(لا. إن حدث عذوه) في أتناء المدة فإنها لا تستأنف؛ لأن المانع من جهته.

(وإن أوتدا) أي: ارتد كل من الزوجين، (أو) ارتد (أحدهما بعد

دخول، ثم أسلما أو أسلم) المرتد منهما بعد الدخول (في العدة: استؤنفت

المدة) في الأصح؛ (كمن بانت) في المدة (ثم عادت في اثناءها) أي: أثناء

المدة. يعني: فإن المدة تستأنف، سواء كافب البينونة بفسخ أو طلاق، أو

بانقضاء عدتها من طلاق رجعي؛ لأنها صارت بالبينونة

(1)

أجنبية منه فلما عاد فتزوجها عاد حكم الإيلاء من حين تزوجها واستؤنفت المدة حينئذ.

(وإن طلقت) طلاقا (وجعيا في المدة) أي: مدة التوبص: الم تنقطع ما

دامت في العدة) فص عليه؛ لأن الرجعية قبل انقضاء عدتها على نكاحها فهي زوجة. فلم تنقطع مدتها بالطلاق؛ كما لو لم يطلقها.

(وان انقضت المدة) المضروبة (وبها عذر يمنع وطئها)؛ كمرض وإحرام

ونحوها: (لم تملد طلب الفيئة) وهي الوطء؛ لأن ذلك ممتنع من جهتها.

فلم يكن لها مطالبة به في تلك الحال؛ لأنها عبث.

ولأنها إنما تملك المطالبة مع الاستحقاق وهي لا تستحق الوطء.

(وإن كان) العذر (به وهو) أي: والعذر الذي به (مما يعجز به عن

الوطء) من مرض أو حبس أو غيرهما (أمر) أي: أمره الحاكم (أن يفيء

بلسانه، فيقول: متى قدوت جامعتك)؛ لأن القصد بالنية ترك ما قصده من

الإضرار بالإيلاء، وقد ترك قصد الإضرار بما أتى به من الاعتذار، والقول مع

العذر يقوم مقام قعل القادو، بدليل أن إشهاد الشفيع على الطلب بالشفعة عند

العجز عن طلبها يقوم مقام طلبها عند الحضور.

(1)

في ج: لأنها بالبينونة صارت.

ص: 33

(ثم متى قدر) ان يجامع (وطئ أو طلق) في الأصح؛ لأنه أخر حقها

بالعجز عنه. فإذا قدر عليه لزمه أن يوفيها إياه؛ كالدين على المعسر إذا قدر عليه.

وليس على من فاء بلسانه كفارة ولا حنث؛ لأنه لم يفعل المحلوف عليه

وإنما وعد بفعله، فهو كمن عليه دين حلف أن لا يوفيه ثم اعسر به، فقال: متى

قدرت وفيته.

(ويمهل) مول استمهل زوجته (لصلاة فرض، وتغد، وهضم، ونوم عن

نعاس، وتحلل من إحرام، ونحوه بقدره)؛ كدخول خلاء، وإفطارمن صوم،

ورجوعه إلى بيته؛ لأن العادة كون الوطء في بيته.

ولا يصح طلاق حاكم قبل ذلك.

(و) مول (مظاهر لطلب رقبة) يعتقها عن ظهاره (ثلاثة أيام، لا لصوم)

عن كفارة الظهار. فيطلق الحاكم عليه في الأصح؛ لأن زمن الصوم كثير.

(فإن لم يبق) للمولي (عذر، وطلبت) زوجته (ولو) كانت (أمة، الفيئة

وهي: الجماع لزم القادر) على الوطء (مع حل وطئها) أن يطأها.

وأصل الفيء: الرجوع، ولذلك يسمى الظل بعد الزوال فيئا؛ لأنه رجع من

المغرب إلى المشرق. فسمي الجماع من المولي فيئة؛ لأنه رجوع إلى فعل ما

تركه بحلفه.

(وتطالب) زوجة (غير مكلفة) لصغر أو جنون (إذا كلفت.

ولا مطالبة لولي) أي: ولي صغيرة ومجنونة (و) لا (سيد) أي: سيد

أمة؛ لأن الحق في الوطء للزوجات دون أوليائهن ومواليهن.

(ويؤمر بطلاق من علق) الطلاق (الثلاث بوطئها) أي: وطء زوجته،

(ويحرم) وطؤها؛ لوقوع الثلاث بإدخال ذكره فيكون نزعه في أجنبية، والنزع

جماع.

(ومتى أولج) ذكره في زوجة علق طلاقها الثلاب بوطئها (وتمم) وطئه،

(أو لبث) وهو مولج: (لحقه نسبه) أي: نسب ولد أتت به من هذا الوطء في

ص: 34

الأصح، (ولزمه المهر) لهذا الوطء في الأصح، (ولا حد) عليه في الأصح.

وإن نزع في الحال فلا حد ولا مهر؛ لأنه تارك.

وإن نزع ثم أولج فإن جهلا التحريم فالمهر والنسب ولا حد، وإن علما

التحريم فلا مهر ولا نسب وعليهما الحد، وإن علم التحريم وجهلته لزمه المهر

والحد ولا نسب، وإن علمت التحريم وجهله الواطئ لزمها الحد ولحقها ولحقه

النسب ولا مهر.

وكذا إن تزوجها في عدتها.

ونقل ابن منصور: لها المهر بما أصاب منها ويؤدبان.

(وتنحل يمين من جامع ولو مع تحريمه) أي: تحريم جماعه؛ (كـ) ما لو

جامع المولي زوجته (في حيض، أو نفاس، أو إحرام، أو صيام فرض من

أحدهما)؛ لأنه فعل ما حلف على تركه فانحلت يمينه بذلك وقد وفى الزوجة

حقها من الوطء. فخرج من الفيئة؛ كما لو وطئها وطئا مباحا في الأصح.

(ويكفر) لحنثه.

(وأدنى ما يكفي) المولي في الخروج من الفيئة: (تغييب حشفة أو قدرها)

من مقطوعها في قبل من آلى منها، (ولو من مكره).

قال في " الترغيب ": إذ الإكراه على الوطء لا يتصور.

(وناس وجاهل ونائم ومجنون، أو أدخل ذكر نائم) في الأصح؛ لأن

الوطء وجد وقد استوفت المرأة حقها بذلك. فخرج من الفيئة؛ كما لو فعل ذلك

قصدا.

(ولا كفارة فيهن) أي: في هذه الصور؛ لعدم الحنث من الحالف.

(في القبل) متعلق بقوله: تغييب. يعني: وأدنى ما يكفي المولي تغييب

الحشفة أو قدرها ولو من كذا وكذا في القبل.

إذا علصت ذلك (فلا يخرج من الفيئة بوطء دون فرج، أو في دبر)؛ لأن

الإيلاء يختص بالحلف على ترك الوطء في القبل، والفيئة الرجوع عن ذلك. فلا

ص: 35

تحصل الفيئة بغيره؛ كما لو قبلها. فلهذا لا يخرج بذلك وإن حنث به.

ولأن ذلك أيضا لا يزول ضرر المرأه به.

(وإن لم يف) المولي بوطء من آلى منها (وإن عفته سقط حقها) في الأصح؛

لأنها رضيت بإسقاط حقها من الفسخ بعدم الموطء فسقط؛ (كعفوها) أي:

كعفو زوجة العنين برضاها بعنته (بعد زمن العنة) فإن حقها بطلب الفسخ يسقط. (وإلا) أي: وإن لم يف ولم تعفه المرأة: (أمر) أي: أمره الحاكم (أن

يطلق) إن طلبت ذلك المرأة من الحاكم، لقول الله سبحانه وتعالى:{فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقره: 229].

ولقول الله سبحانه وتعالى أيضا: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقره: 229]. فإذا امتنع من بذل ما هو واجب عليه فقد امتنع من الإمساك

(1)

بالمعروف فيؤمر بالتسريح بإحسان.

(ولا تبين) منه (ب) طلاق (رجعي) على الأصح، سواء أوقعه المولي أو

الحاكم.

(فإن أبى) المولي أن يفيء وأن يطلق: (طلق حاكم عليه طلقة أو ثلاثا،

وفسخ) على الأصح؛ لأن كل ما تدخل النيابة فيه إذا تعين مستحقه وامتنع من هو عليه مع المطالبة به قام الحاكم فيه مقامه؛ كقضاء الدين.

فإن طلق الحاكم واحده فهي واحدة، وإن رأى ان يطلق ثلاثا فهي ثلاث؛

لأنه قائم مقام المولي. فيقع ما يوقعه من ذلك؛ كالوكيل المطلق،

(وإن قال) الحاكم: (فرقت بينكما) ولم ينو طلاقا، (فهو فسخ) على

الأصح؛ لأنها فرقة بدون لفظ الطلاق ونيته. فكانب فسخا؛ كما لو قال:

فسخت النكاح.

(وإن) طالبته بالفيئة فـ (ادعى بقاء المدة) قبل؛ لأن الاختلاف في مضي

(1)

في: الإحسان.

ص: 36

المدة ينبني على الخلاف في وقت يمينه. فإنهما لو اتفقا على وقت اليمين حسب

من ذلك الوقت.

وإن اختلفا فى وقت اليمين فقال: حلفت فى غرة رمضان، وقالت: بل

حلفت في غرة شعبان فالقول قوله؛ لأن الحلف صادر من جهته وهو أعلم به.

فكان القول قوله فيه؛ كما لو اختلفا في أصل الإيلاء.

(أو) ادعى (وطأها) بعد إيلافه (وهي ثيب: قبل)؛ كما لو ادعى الوطء.

في العنه.

ولأن هذا أمر خفي لا يعلم إلا من جهته. فقبل قوله فيه؛ كقول المرأة في حيضها.

(وإن ادعت بكارة) أي: أنها بكر وأنكر هو، (فشهد بها) أي: ببكارتها

امرأه (ثقة: قبلت.

وإلا) أي: وإن لم تشهد ببكارتها ثقة: (قبل) قوله فى وطئها؛ كما لو

كانت ثيبا. (وعليه اليمين فيهن) أي: في الصور الثلاث؛ لأن ذلك حق

لآدمي يجوز بذله. فيستحلف فيه؛ كالديون.

ولعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولكن اليمين على المدعى عليه "

(1)

. والله

سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

اخرجه مسلم في " صحيحه "(1 171) 3: 1336 كتاب الاقضيه، باب اليمين على المدعى عليه. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (1342) 3: 626 كتاب الأحكام، باب ما جاء في ان البينة على

المدعي واليمين على المدعى عليه.

وأخرجه النسانى في " سنته " " (425 ء) 8: 248 كتاب آداب القضاة، عظه الحاكم على اليمين.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه ") 1 232) 2: 778 كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي واليمين

على المدعي عليه.

واخرجه أحمد في " مسنده ") 3188) 1: 343.

ص: 37

[كتاب الظهار]

هذا (كتاب الظهار) واشتقاقه من الظهر، وإنما خص به الظهر من بين سائر

الأعضاء؛ لأنه موضع الركوب، ولذلك يسمى المركوب ظهرا، والمرأة

مركوبة: إذا غشيت.

فمن قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي كان معناه: أنه شبه امرأته بظهر أمه

في التحريم، كأنه يشير أن ركوبها للوطء حرام كركوب أمه لذلك.

والأصل في الظهار الكتاب والسنة والاجماع.

أما الكتاب؛ فقوله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم} الآيات

(1)

[المجادلة: 2 - 4].

وأما السنة؛ فما روى أبو داود بإسناده عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت:

" تظاهر مني أوس بن الصامت. فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه، ويقول: اتق الله فإنه ابن عمك. فما برحت حتى نزل القرآن. ودلك قوله سبحانه وتعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: ا]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعتق رقبة. قلت: لا يجد. فقالط: يصوم شهرين

متتابعين. فقلت: يا رسول الله! إنه شيخ كبير ما به من صيام. قال: فليطعم

ستين مسكينا. قلت: ما عنده من شئ يتصدق به. قال: فإنى سأعينه بعرق من

تمر. قلت: يا رسول الله! فإنى سأعينه بعرق آخر. قال: أحسنت. اذهبي

فأطعمي عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك "

(2)

.

(1)

في ب: الاية.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2214) 2: 266 تفريم أبواب الطلاق، باب في الظهار.

ص: 39

قال الأصمعي. العرق بفتح العين والراء هو: ما سف من خو ص؛ كالزنبيل

الكبير.

(وهو) أي: والظهار شرعا: (أن يشبه) الزوج (امرأته، أو) يشبه

(عضوا منها) أي: من امرأته (بمن) أي: بامرأة (تحرم عليه)؛ كاً مه وأخته

وبنته من نسب أو رضاع، وكأم زوجته، وكزوجة أبيه. (ولو) كان تحريمها

(إلى أمد)؛ كاً خت زوجته وعمتها، (أو بعضو منها) أي: ممن تحرم عليه ولو إلى امد، (أو) يشبه امرأته (بذكر أو بعضو منه) أي: من الذكر فيكون

ذلك ظهارا، (ولو) أتى به (بغير عربية).

ولو كانت الزوجة مجوسية من محارم الزوج (واعتقد الحل) زوج

(مجوسي) وظاهر منها ثم وطئها ثم ترافعا إلينا فأنا نفرق بينهما، ونأمره بإخراج كفارة الظهار.

وذلك (نحو) قول الزوج لزوجته: (أنت أو يدك، أو وجهك، أو أذنك

كظهر) أمي، (أو بطن) أمي، (أو رأس) أمي، (أو عين أمي)، أو كظهر

أو بطن أو رأس (أو) عين (عمتي أو خالتي أو حماتي، أو أخت زوجتي أو

عمتها أو خالتها)، أو كظهر أو بطن أو رأس (أو) عين (أجنبية)، أو كظهر أو

رأس (أو) عين (أبي أو أخي، أو أجنبي، أو زيد، أو رجل.

ولا يدين) إن قال: أردت في الكرأمة ونحوها؛ لأن هذه الألفاظ صريحة

في الظهار فلا يقبل [فيه دعوى صرف نيته إلى غير الظهار.

(و) إن قال لزوجته: (انت كظهر أمي طالق، أو) قال لها (عكسه)

وهو: انت طالق]

(1)

كظهر أمي (يلزمانه) أي: يلزمه الطلاق والظهار؛ لأنه

أتى بصريحهما.

و) إن قال لزوجته: (انت علي) كأمي أو مثل أمي، (أو) أنت (عندي)

كأمي أو مثل أمي، (أو) أنت (مني) كأمي أو مثل أمي، (أو) أن j (معي

(1)

ساقط من اوب.

ص: 40

كأمي، أو) أنب معي (مثل أمي، وأطلق.) في جمعذلك: (فظهار) على

الأصح؛ لأنه الظاهر من اللفظ عند الإطلاق.

(وإن نوى) بقوله: أنت على، أو عندي، أو مني، أو معى كأمي أو مثل

أمي (في الكرأمة، ونحوها)؛ كالمحبة: (دين، وقبل حكما) على الأصح،

لأنه أدعى بلفظه ما يحتمله فيقبل.

(و) إن قال لها: (أنت أمي، أو) أنت (كأمي، أو) أنت (مثل أمي)

دون أن يقول: علي، أو عندي، أو مني، أو معي، (ليس بظهار إلا مع نية)

الظهار، (أو قرينة) تدل عليه؛ لأن احتمال

(1)

هذه الصور لغير الظهار اكثر من احتمال الصور التي قبلها له، وكثرة الاحتمالات توجب اشتراط النية فى المحتمل الأقل ليتعين له؛ لأنه يصير كناية فيه. فتشترط النية فيه؛ كسائر الكنايات،

وتقوم في ذلك القرينة مقام النية.

(و) قوله لزوجته: (أنت علي حرام ظهار، ولو نوى طلاقا أو يمينا) على

الأصح نص عليه في رواية الجماعة. وهو المذهب.

ونقل عنه ما يدل على أنه يمين وفاقا للأئمة الثلاثة؛ لأن التحريم يتنوع إلى

تحريم بظهار وبطلاق وبحيض وبإحرام. فلا يكون صريحا في واحد منها

ولا ينصرف إليه بغير نية.

ووجه المذهب: أن ذلك تحريم أوقعه في امرأته. فكان بإطلاقه ظهارا؛

كسائر تشبيهها بظهر من تحريم عليه.

وقولهم: أن التحريم يتنوع. قجوابه: أن تلك الأنواع منتفية ولا يحصل

بقوله من تلك الأنواع إلا الطلاق. وحمله على الظهار أولى؛ لأن الطلاق تبين به المرأة وهذا يحرمها مع بقاء الزوجية. فكان حمله على أدنى التحريمين أولى.

(لا إن زاد: إن شاء الله، أو سبق بها) نصا. بأن قال: إن شاء الله أنت

علي حرام فإنه لا يكون ظهارا؛ كما لو قال: والله لا أفعل كذا إن شاء الله فإنه

(1)

في اوب: لاحتمال.

ص: 41

لا يكون يمينا؛ لتعليقه بالمشيئة بجامع أن كلا من الظهار واليمين يدخله التكفير.

(و) قول من قال: (أنا مظاهر، أو علي) الظهار، (أو يلزمني الظهار،

أو) يلزمني (الحرام، أو أنا عليك حرام، أو) أنا عليك (كظهر رجل)، أو

كظهر أبي (مع نية) الظهار (أو قرينة) تدل على الظهار، (ظهار) في الأصح؛

لأنه نوى الظهار بما يحتمله لفظه فكان ظهارا.

ولأن تحريم نفسه عليها يقتضي تحريم كل واحد منهما على الاخر.

ولأن تشبيه نفسه بأبيه يلزمه

(1)

منه تحريمها عليه كما تحرم على أبيه. فيكون

ظهارا، كما لو شبهها بمن تحرم عليه.

(وإلا) أي: وإن لم ينو شيئا ولا قرينة هنا تدل على شيء: (فلغو) أي:

فلفظه بذلك لغو؛ (كـ) قوله: [(أمي) امرأتي، (أو) قوله: (أختي امراتي،

أو مثلها) يعني كقوله: أمي مثل امرأتي، أو أختي مثل امرأتي، ونحو ذلك.

(و) كقوله]

(2)

: (انت علي كظهر البهيمة) في الأصح؛ لأنه ليس

(3)

بمحل للاستمتاع.

(و) كذا قوله لزوجته: (وجهي من وجهك حرام) يعني: أنه يكون لغو.

نص عليه.

(وكالإضافة) أي: وكما إذا أضاف التشبيه أو التحريم (إلى شعر وظفر،

وريق ولبن، ودم وروح، وسمع وبصر). فلو قال: شعرك أو ظفرك إلى آخره

كظهر أمي، أو قال: شعرك أو ظفرك إلى آخره علي حرام كان ذلك جميعه لغوا. (ولا ظهار) على الأصح (إن قالت) المرأة (لزوجها) نظير ما يصير به

مظاهرا إن قاله لها، (أو علقت بتزويجه نظير ما يصير به مظاهرا) إن قاله لها؛

لأن الله سبحانه وتعالى قال: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم} [المجادلة: 2]

فخصهم بذلك.

(1)

في ج: يلزم.

(2)

ساقط من أوب.

(3)

ساقط من أوب.

ص: 42

ولأن الظهار قول يوجب تحريمها في النكاح. فاختص به الزوج؛ كالطلاق.

ولأن الحل في المرأة حق للزوج. فلم تملك المرأة إزالته؛ كسائر حقوقه.

(و) يكون (عليها كفارته) أي: كفارة الظهار على الأصح؛ لأنها أحد

الزوجين وقد أتى بالمنكر من القول والزور في تحريم الآخر عليه. فوجب عليه كفارة الظهار؛ كالآخر.

(و) يكون عليها (التمكين قبله) أي: قبل التكفير في الأصح؛ لأنه حق

للزوج. فلم يكن لها الامتناع منه؛ كسائر حقوقه.

ولأنه لم يثبت لها حكم الظهار وإنما وجبت الكفارة مغلظة. فلم يكن لها

الامتناع من الوطء؛ كما لو حلفت على منعه منه بغير ذلك. وليس لها ابتداء

القبلة والاستمتاع؛ لأنها حالفه على ترك فعل أوجب عليها كفارة الظهار فليس

لها أن تتعمد الحنث فيه قبل التكفير.

والأصل في ذلك ما روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم النخعي عن عائشة بنت

طلحة أنها قالت: " إن تزوجت مصعب بن الزبير فهو علي كظهر أبي. فساًلت

أهل المدينة فرأوا أن

(1)

عليها الكفارة ".

وروى علي بن مسهر

(2)

عن الشيباني قال: " كنت جالسا بالمسجد أنا

وعبد الله بن مغفل المزنى فجاء رجل حتى جلس إلينا. فسألته: من أنت؟

فقال: أنا مولى لعائشة بنت طلحة أعتقتني عن ظهارها. خطبها مصعب بن

الزبير. فقالت: هو علي كظهر أبي إن تزوجته. ثم رغبت فيه فاستفتت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ كثير. فأمروها أن تعتق رقبة وتتزوجه، فتزوجته وأعتقتني ". وروى سعيد هذين الخبرين مختصرين.

(ويكره دعاء أحدهما) أي: أحد الزوجين (الآخر بما يختص بذي رحم؛

كأبي، وأمي، وأخي، وأختي).

قال أحمد: لا يعجبني.

(1)

في ج: فرأون.

(2)

في ب: وروي عن ابن مسهر.

ص: 43

] فصل: ممن يصح الظهار]

(فصل. ويصح) الظهار (من كل من) أي: زوج (يصح طلاقه)،

مسلما كان أو كافرا، حرا كان أو عبدا، كبيرا كان أو مميزا يعقل الطلاق في

الأصح؛ لأنه تحريم كالطلاق فجرى مجراه، وصح ممن يصح منه.

(ويكفر كافر بمال)، لأن الصوم لا يصح منه ما دام كافرا.

(و) يصح (من كل زوجة)، مسلمة كانت أو ذمية، حرة كانت أو أمة؛

لقول الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم} [المجادلة: 2]

فخصهن بالظهار.

ولأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجة فلا يحرم به غيرها كالطلاق.

ولأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فنقل حكمه وبقي محله.

إذا تقرر هذا فإن الظهار (لا) يصح (من أمته أو أم ولده)، فلو قال السيد

لأمته: أنت علي كظهر أمي لم تحرم عليه، (ويكفر كيمين بحنث) أي: كما لو

حلف لا يطؤها ثم وطئها فإنه تلزمه كفارة يمين.

قال نافع: " حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته. فأمره الله سبحانه وتعالى أن يكفر

يمينه ".

وهذا على الأصح.

وعنه: عليه كفارة ظهار.

(وإن نجزه) أي: نجز الظهار رجل يصح طلاقه (لأجنبية)؛ بأن قال لغير

زوجته: أنت علي كظهر أمي، (أو علقه بتزويجها)؛ بأن قال لها: إن

تزوجتك فأنت علي كظهر أمي

(1)

.

(1)

في أوب: زيادة: قاله في شريح.

ص: 44

(أو قال) لأجنبية: (أنت علي حرام ونوى أبدا: صح) كون قوله ذلك

(ظهارا)؛ لأن ذلك ظهار في الزوجية فكذا في الأجنبية. فإن تؤوجها لم يطأها

حتى يكفر.

(لا إن أطلق) بأن لم ينو أبدا، (أو نوى إذا)؛ لأنه صادق في حرمتها عليه

قبل عقد التزويج. (ويقبل) دعوى ذلك منه (حكما)؛ لأنه الأصل.

(ويصح الظهار منجزا ومعلقا) بشرط، (فمن حلف به) أى: بظهار (أو

بطلاق أو عتق، وحنث: لزمه) ما حلف به.

(و) يصح الظهار (مطلقا)؛ كأنت علي كظهر أمي، (ومؤقتا؛ كأنت

علي كظهر أمي شهر رمضان، إن وطئ فيه) أي: في شهر رمضان: (كفر

وإلا) أي: إن لم يطأ فيه: (زال) حكم الظهار بمضيه؛ لحديت صخر بن

سلمة وقوله: " ظاهرت من امرأتى حتى انسلخ شهر رمضان، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم

أنه أصابها في الشهر فأمره بالكفارة "

(1)

. ولم ينكر تقييده.

ولأنه منع نفسه منها بيمين لها كفارة. فصح مؤقتا؛ كالايلاء. وفارق

الطلاق فإنه يزيل الملك، وهذا يوقع تحريما يوفعه التكفير فجاز تأقيته.

(ويحرم على مظاهر ومظاهر منها وطء) بلا خلاف؛ لقوله سبحانه

وتعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3](ودواعيه)؛ كالقبله

والاستمتاع بما دون الفرج على الأصح، (قبل تكفير ولو بإطعام) فيلزمه

إخراجها قبل الوطء؛ لما روى عكرمة عن أبن عباس: " أن رجلا أتى

رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظاهر من امرأته فوقع عليها. فقال. يا رسول ألله! إنى ظاهرت من امرأتى فوقعت عليها قبل أن أكفر. فقال: ما حملك على ذلك

رحمك الله؛ قال: خلخالها في ضوء القمر. قال: فلا تقربها حتى تفعل ما

أمرك الله "

(2)

. رواه الخمسة إلا أحمد، وصححه الترمذي.

(1)

أخرجه ابت ماجه في " سننه "(062 2) 1: 665 كتاب الطلاق، باب الظهار.

(2)

أخرجه ابو داود في " سننه "(2221) 2: 268 تفريهع أبواب الطلاق، باب في الظهار

ص: 45

فنهاه عن قربانها قبل التكفير؛ لأن ما حرم

(1)

الوطء من القول حرم دواعيه؛

كالطلاق والإحرام. (بخلاف كفارة يمين) فإنه لو حلف: لا يطأها كان له أن

يطأها قبل إخراج كفارة اليمين.

(وتثبت) أي: تستقر كفارة الظهار (في ذمته) أي: ذمة المظاهر

(بالعود، وهو: الوطء). نص عليه أحمد. (ولو) كان الوطء (من مجنون)

بأن ظاهر ثم جن.

(لا) إن كان الوطء (من مكره). وأنكر قول مالك: أنه العزم على الوطء.

وقال القاضي وأبو الخطاب: هو العزم.

فعلى المذهب: متى وطئ لزمته الكفارة ولا تجب قبل ذلك، إلا أن الكفارة

شرط لحل الوطء فيؤمر بها من أراده ليستحله بها، كما يؤمر بعقد النكاح من أراد

حل المرأه.

ووجه ذلك: أن العود هو فعل ضد قولط المظاهر فإن المظاهر محرم للوطء

على نفسه ومانع لها منه فالعود فعله. فأما الإمساك عن الوطء فليس بعود، لأنه

ليس بعود في الظهار المؤقت فكذلك في المطلق. وقول من قال: إن الظهار

يقتضي إبانتها ممنوع وإنما يقتضي تحريمها واجتنابها ولذلك صح توقيته.

ولأن الله سبحانه وتعالى قال: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادله: 3] وثم

للتراخي، والإمساك غير متراخ.

ويدل على إبطال قول من قال: إن العود غير الوطء أن الظهار يمين مكفرة.

فلا تجب الكفارة إلا بالحنث فيها وهو فعل ما حلف على تركه؛ كسائر الأيمان.

ولأن الظهار يمين يقتضي ترك الوطء. فلا تجب كفارتها إلا به؛ كالإيلاء.

(1)

= وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1199) 3: 503 كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء فى المظاهربواقع قبل أن يكفر.

وأخرجه النسائي في " سننه "(3458) 6: 167 كتاب الطلاق، باب الظهار.

واخرجه ابن ماجه في " سننه "(2065) 1: 666 كتاب الطلاق، باب المظاهر يجامع قبل أن يكفر.

في أوب: حرم من.

ص: 46

(ويأثم مكلف) بالوطء قبل التكفير، لمخالفة قول الله سبحانه وتعالى في

العتق والصيام: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3].

(ثم لا يطأ حتى يكفر) يعني: أن تحريم زوجته باق عليه حتى يكفر في قول

أكثر أهل العلم.

(وتجزي) كفارة (واحدة) ولو كرر الوطء، لحديث سلمة بن صخر حين

ظاهر ثم وطئ قبل التكفير، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة واحدة

(1)

.

- ولأنه وجد العود والظهار فيدخل في عموم قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادله: 3].

ويكون ذلك (كمكرر ظهارا من) امرأة (واحدة قبل تكفير، ولو) كان

تكراره (بمجالس، أو أراد) بتكراره (استئنافا). نص عليه في رواية جماعة،

لأن تكرير الظهار قول لم يؤثر في تحريم الزوجة لتحريمها بالقول الأول. فلم

تجب فيه كفارة ثانية، كاليمين بالله سبحانه وتعالى.

(وكذا) لو ظاهر (من نساء بكلمة) واحدة، كما لو قال: أنتن على كظهر

أمي فإنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة بغير خلاف في المذهب.

(و) إن ظاهر منهن (بكلمات) بأن قال لكل واحدة: أنت علي كظهر

أمي، كان عليه (لكل) منهن (كفارة)، لأنها أيمان متكررة على أعيان

متفرقة. فكان لكل واحدة كفارة، كما لو كفر ثم ظاهر.

ولأنها أيمان لا يحنث في أحدها بالحنث في الأخرى. فلا تكفرها كفارة

واحد ة.

(ويلزم إخراج) لكفارة الظهار (بعزم على وطء). نص عليه أحمد، لقوله

سبحانه وتعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3] فمنع من الوطء قبل التماس. فوجب فعله قبله.

(1)

تقدم تخريجه ص (45 - 46).

ص: 47

(ويجزئ) الإخراج (قبله) أي: قبل العزم؛ لانعقاد سبب الوجوب وهو

الظهار السابق على الإخراج.

(وإن اشترى) المظاهر من زوجته الأمة (زوجته) فظهاره

(1)

بحاله، (أو

بانت) زوجته المظاهر منها (قبل الوطء ثم أعادها مطلقا) ارتد أو لا: (فظهاره

بحاله). نص عليه؛ لأنه حرمها على نفسه بالظهار وذلك يقتضى حرمتها إلى

حين التكفير. فيكون تحريمها بعد شراء الزوجة وبينونتها كما قبل ذلك؛ لعموم

قول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3].

وفيما إذا اشترى زوجته وجه: أن له الوطئ مع كفارة يمين.

(وإن مات أحدهما قبله) أي: أحد الزوجين بعد الظهار وقبل إخراج

الكفارة ولم يكن وطئها: (سقطت) الكفارة، سواء كان ذلك متراخيا عن ظهاره

أو عقبه؛ لأن العود هو الوطء وقد وجد الموت قبله فامتنع حنثه، ولم يجب عليه بإمساكه قبل الموت شيء، ويرثها وترثه كما بعد التكفير.

(1)

في ب: فظاهر، وفي ج: فظاهره.

ص: 48

] فصل: في كفارة الظهار]

(فصل) في كفارة الظهار وما في معناها.

(وكفارته) أي: كفارة الظهار (وكفارة وطء نهار رمضان على الترتيب)

وهي: (عتق رقبة، فإن لم يجد: فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع:

فإطعام ستين مسكينا).

والأصل في كفارة الظهار قول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا

} إلى آخر الآية] المجادده: 3].

وفي كفارة الوطء نهار رمضان ما روى ابو هريرة " أن رجلا قال:

يا رسول الله! وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد

رقبه تعتقها؛ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال:

لا. قال: فهل تستطيع إطعام ستين مسكينا؛ قال: لا

وذكر الحديث "

(1)

متفق عليه.

وفي كفارة الوطء نهار رمضان روايه: أنها على التخيير.

(وكذا) في الترتيب (كفارة قتل، إلا انه لا يجب فيها إطعام) على

الأصح، لأن الله سبحانه وتعالى لم يذكر الإطعام في كفارة القتل.

(والمعتبر) في الكفارات: (وقت وجوب) على الأصح؛ (كـ) وجوب

(حد، و) وجوب (قود).

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(1834) 2: 684 كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيءفتصدق عليه فليكفر.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1111) 1: 781 كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم

ص: 49

قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن عبد حلف على يمين فحنث فيها

وهو عبد فلم يكفر حتى عتق أيكفر كفارة حر أو كفارة عبد؟ قال: يكفر كفارة

عبد، لأنه إنما يكفر ما وجب عليه يوم حنث لا يوم حلف. قلت له: حلف وهو

عبد وحنث وهو حر؛ قال: يوم حنث واحتج فقال: افترى وهو عبد ثم أعتق

فإنما يجلد جلد العبد.

ولأن الكفارات تجب على وجه الطهرة فكان الاعتبار فيها بحالة الوجوب.

بخلاف الوضوء فإنه لو تيمم ثم وجد الماء بطل تيممه. وهنا لو صام ثم قدر على الرقبة لم يبطل صومه. ولو قتل وهو رقيق ثم عتق لم يسقط عنه القود إذا قتل

رقيقا قبل عتقه.

(وإمكان الأداء) في الكفارات (مبني على) إمكان أداء (زكاة). ووقت

وجوب في ظهار وقت العود، لأن الكفارة لا تجب حتى يعود، وفي يمين زمن

حنث، وفي قتل زمن زهوق الروج.

(فـ) ـعلى المذهب: (لو أعسر موسر قبل تكفير: لم يجزئه صوم)،

لأنه غير ما وجب عليه وتبقى الرقبة في ذمته إلى ميسرته، كما تبقى سائر

الواجبات في ذمته إلى حين إمكان الأداء.

(ولو أيسر معسر) وجبت عليه الكفارة حالة إعساره: (لم يلزمه عتق،

ويجزئه) العتق على الأصح، لأن العتق هو الأصل في الكفارات. فوجب أن

يجزئه، كسائر الأصول.

(ولا يلزم عتق إلا لمالك رقبة) حين الوجوب (ولو) كانت الرقبة (مشتبهة

برقاب غيره)، لأنه يمكنه العتق. (فيعتق رقبة) ناويا بذلك التي في ملكه،

(ثم يقرع بين الرقاب: فيخرج من قرع) فيتعين للحكم بحريته.

قال في " الفروع ": هذا قياس المذهب. قاله القاضي وغيره. انتهى.

(أو) إلا (لمن تمكنه) بأن يقدر على شرائها (بثمن مثلها) أو على زيادة

(أو مع زيادة) عن ثمن مثلها (لا تجحف) به في الأصح، (أو) يمكنه شراؤها

ص: 50

(نسيئة وله مال غائب) يوفي ثمنها منه،، (أو) له (دين مؤجل) يوفي بثمنها

النسيئة فيلزمه العتق.

(لا بهبة) يعني: لا إن وهبت له الرقبة أو وهب له ثمنها فإنه لا يلزمه قبول ذلك.

(و) يشترط للزوم الرقبة أيضا كونها (تفضل عما يحتاجه) المظاهر: (من

أدنى مسكن صالح لمثله، و) من (خادم لكون مثله لا يخدم نفسه، أو) لأجل

(عجزه) عن خدمة نفسه.

(و) كون الرقبة تفضل عن (مركوب وعرض بذلة) يعني: يحتاج إلى

استعماله؛ كآلة حرفته ونحو ذلك.

(و) كونها تفضل أيضا عن (كتب علم يحتاج إليها، وثياب تجمل)

لا تزيد على ملبوس مثله، (وكفايته، و) كفاية (من يمونه) المظاهر (دائما،

ورأس ماله لذلك) أي: لكفايته وكفاية من يمونه، (ووفاء دين)؛ لأن ما

استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل؛ كمن وجد ما يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم. فإن كان له خادم وهو ممن يخدم

نفسه عادة لزمه إعتاقها؛ لأنها فاضلة عن حاجته.

(ومن له فوق ما يصلح لمثله: من خادم، ونحوه)؛ كمركوب وملبوس

(وأمكن بيعه وشراء) بدل (صالح لمثله، و) شراء (رقبة بالفاضل: لزمه) العتق.

(فلو تعذر) عليه ما ذكر، (أو كان له سرية يمكن بيعها وشراء سرية ورقبة

بثمنها: لم يلزمه) ذلك؛ لأن الغرض قد يتعلق بنفس السرية فلا يقوم غيرها مقامها. (وشرط في رقبة) تجزئ (في كفارة، و) في (نذر عتق مطلق: إسلام)

على الأصح؛ لقول الله سبحانه وتعالى:

(1)

{وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92].

والحق بذلك سائر الكفارات حملا للمطلق على المقيد كما حمل مطلق قوله

سبحانه وتعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ} [البقرة: 282 [على المقيد

(1)

في ازياده: (استشهدوا شهيدين من رجالكم). وهو وهم.

ص: 51

في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2]. وإن لم يحمل عليه من جهة اللغة حمل عليه من جهة القياس. والجامع بين كفارة القتل وغيرها

من الكفارات: أن الإعتاق يتضمن تفريغ العتيق المسلم لعبادة ربه، وتكميل

أحكامه، ومعونه المسلمين فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة، تحصيلا لهذه المصالح. والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الأيمان فيها،

فيتعدى ذلك إلى كل عتق في كفارة. فيختص بالمؤمنة، لاختصاصها بهذه

الحكمة.

(و) شرط في الرقبة أيضا (سلأمة من عيب مضر ضررا بينا بالعمل)، لأن

المقصود تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه ولا يحصل هذا مع ما يضر

(1)

بالعمل ضررا يينا، (كعمى)، لأن الأعمى لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع. (وشلل يد أو رجل، أو قطع إحداهما)، لأن اليد آلة البطش، والروجل آلة

المشي. فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلف أحدهما أو شللها.

(أو) قطع (سبابة، أو) قطع إصبع (وسطى، أو إبهام من يد أو رجل، أو

خنصر وبنصر) أي: مع بنصر (من يد) واحدة، لأن نفع اليد يزول بذلك.

(وقطع أنمله من إبهام، أو) قطع (أنملتمن من غيره) أي: من غير الإبهام

(كـ) قطع (كله)، لأن ذلك يذهب بمنفعة تلك الأصبع.

(ويجزئ من قطعت بنصره من إحدى يديه أو) إحدى (رجليه، و) قطعت

(خنصره من) اليد أو الرجل (الأخرى)، لأن نفع كل من اليد والرجل باق.

(أو جدع أنفه) يعني: أنه يجزئ من قطع أنفه (أو أذنه، أو يخنق

أحيانا)، لأن ذلك لا يعتبر بالعمل.

(أو علق عتقه بصفة لم توجد)، لأن ذلك لا أثر له.

أما من علق عتقه بصفة ثم نواه عند وجودها فلا يجزئ، لأن سبب عتقه انعقد

عند وجود الصفة فلا يملك صرفها إلى غيرها.

(1)

في ج: يصير.

ص: 52

(و) يجزئ (مدبر، وصغير، وولد زنا، وأعرج يسيرا ومجوب،

وخصي، وأصم، وأخرس تفهم إشارته، وأعور، ومرهون، ومؤجر،

وجان، وأحمق، وحامل)، لأن ما في هؤلاء من النقص لا يضر بالعمل، وما

فيهم من الوصف. لا يؤثر في صحة عتقهم.

(و) يجزئ (مكاتب لم يود) من كتابته (شيئا) على الأصح.

(لا من أدى) منها (شيئا) على الأصح، لأنه إن أدى شيئا فقد حصل

العوض عن بعضه. فلم يجزئه، كما لو أعتق بعض رقبة. وإذا لم يؤد شيئا فقد

أعتق رقبة كاملة سالمة الخلق لم يحصل عن شيء منها عوض.

(أو اشتري بشرط عتق) يعني: أنه لا يجزئ من الكفارة من اشتري بشرط

العتق على الأصح. روي عن معقل بن يسار ما يدل عليه. وذلك لأنه إذا اشتراه بشرط العتق فالظاهر أن البائع نقصه من الثمن لأجل هذا الشرط. فكان ذلك كأنه

أخذ عن العتق عوضا.

(أو يعتق) على المظاهر (بقوابة)، لأن. الله سبحانه وتعالى قال:

{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادده: 3] والتحرير فعل العتق ولم يحصل العتق هاهنا بتحرير منه ولا إعتاق. فلم يكن ممتثلا للأمر؛ لأن عتقه مستحق بسبب غير سبب الكفاره.

(و) لا يجزئ (مريض مأيوس) منه، لأنه لا يتمكن من العمل مع بقاء

مرضه، (و) لا (مغصوب منه).

قال في " الإنصاف ": لا يجزئ إعتاق المغصوب على الصحيح من

المذهب. قدمه في " الفروع " في موضع، وفيه وجه آخر: أنه يجزئ. انتهى.

(و) لا يجزئ (زمن ومقعد)، لأنه لا يمكنهما

(1)

العمل في أكثر الصنائع.

(1)

في ج: يمكنها.

ص: 53

(و) لا يجزئ (نحيف عاجز عن عمل)؛ لأنه كالمريض المأيوس من برؤه.

(و) لا يجزئ (أخرس أصم ولو فهمت إشارته).

قال في " الإنصاف ": لا يجزئ الأخرس الأصم ولو فهمت إشارته على

الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب. وجزم به في" الهداية "

و"المذهب" و"المستوعب " و" الخلاصة " و" الهادي " و" المحرر"

و" النظم " و" الرعايتين " وغيرهم. وقدمه في"الفروع ". واختار أبو الخطاب والمصنف يعني: الموفق الإجزاء إذا فهمت إشارته. انتهى.

ووجه المذهب: أنه ناقص بفقد حاستين تنقص بفقدهما قيمته نقصا كثيرا.

(و) لا (مجنون مطبق)؛ لأنه إذا امتنع الإجزاء بنقصان العمل فبالجنون

(1)

المطبق الذي يمنع منه بالكلية

(2)

أولى.

(و) لا (غائب لم تتبين حياته) في الأصح؛ لأن وجوده غير متحقق.

والأصل بقاء شغل الذمة بالكفارة فلا يبرأ بالشك.

قال في " الإنصاف ": محل الخلاف: إذا لم يعلم خبره مطلقا، أما إن

أعتقه ثم تبين بغد ذلك كونه حيا فإنه يجزئ قولا واحدا. قاله الأصحاب.

(و) لا (موصى بخدمته ابدا) لنقصه، (أو ام ولد) يعني: أنه لا يجزئ

في الكفارة عتق أم ولد على الأصح؛ لأن عتقها مستحق بسبب آخر. فلم يجزئ

عنه؛ كما لو اشترى من يعتق عليه بنيه العتق عن الكفارة.

(و) لا (جنين) يعني: أنه لا يجزئ فى الكفارة عتق الجنين ولو ولد بعد

عتقه حيا؛ لأنه لم يثبت له أحكام الدنيا بعد.

(ومن اعتق) عن كفارة (جزءا) من رقيق (ثم) أعتق (ما بقي) منه ولو مع

طول المدة بين العتقين أجزأه؛ لأنه أعتق رقبة كاملة في وقتين. فأجزأه؛ كما لو أطعم المساكين.

(1)

في ج: فبالمجنون.

(2)

في ج: بالكلمة.

ص: 54

ويتصور ذلك بما إذا كان يملك نصف رقيق فأعتق نصيبه وهو معسر بقيمة

باقيه ثم أيسر فاشترى باقيه

(1)

من شريكه وأعتقه.

(أو) كان يملك (نصف قنين)، ذكرين أو انثيين، أو أحدهما ذكر والاخر

أنثى فأعتق النصف الذي يملكه من كل منهما عن كفارته: (أجزأ) ـه

(2)

ذلك على

الأصح، لأن الأشقاص كالأشخاص. ولا فرق بين كون الباقي منهما حرا أو رقيقا.

(لا ما سرى بعتق جزء) يعني: أن المظاهر لو كان له جزء في رقيق فأعتقه

وهو موسر فسرى العتق إلى بقيته لم يجزئه ما سرى إليه العتق، حتى يعتق نظير ما سرى إليه العتق من غير ذلك الرقيق؛ لأن عتق نصيب شريكه بالسراية لم يحصل بإعتاقه؛ لأن السراية غير فعله، وإنما هي من آثار فعله. أشبه ما لو اشترى من

يعتق عليه ينوي به الكفارة.

(ومن علق عتقه بظهار) بأن قال: متى ظاهرت من زوجتي كان عبدي فلان

حرا، (ثم ظاهر: عتق) العبد، (ولم يجزئه عن كفارته) في الأصح؛ (كما

لو نجزه عن ظهاره ثم ظاهر) بأن قال لعبده: أنت حر الساعة عن ظهاري إن ظاهرت: عتق ولم يجزئه عن ظهاره إن ظاهر.

(أو علق ظهاره بشرط) بأن قال: إن كلمت زيدا فزوجتي علي كظهر أمي

(فأعتقه) أي: أعتق عبده عن ظهاره المعلق (قبله) أي: قبل وجود الشرط

المعلق عليه الظهار ثم وجد الشرط فإنه لا يجزئه هذا العتق في كفارته عن ظهاره. (ومن أعتق) في كفارته (غير مجزئ ظانا إجزاءه: نفذ) العتق فيه، وبقيت

الكفارة في ذمته.

(1)

ساقط من ا.

(2)

في ج: (أجز أ) و.

ص: 55

] فصل: إذا لم يجد رقبة في الكفارة]

(فصل. فإن لم يجد) الرقبة بأن عجز عنها العجز الشرعي: (صام)

المظاهر، سواء كان (حرا أو قنا شهرين، ويلزمه تبييت النية) لصرمه؛ لكونه

واجبا.

(و) يلزمه (تعيينها) أي: تعيين النية (جهة الكفارة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما

الأعمال بالنيات "

(1)

.

(و) يلزمه أيضا (التتابع) أي: تتابع صوم الشهرين بالفعل، (لا نيته)

أي: لا نية التتابع إذا حصل بالفعل؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجاددة: 4]. والمراد بالتتابع: الموالاة بين صيام أيام الشهرين بأن لا يفطر فيهما ولا يصوم من غير الكفارة.

وأما كونه لا تجب نيه التتابع في الأصح؛ لأنه تتابع واجب. فلم يفتقرإلى

نية؛ كالمتابعة بين الركعات. ويفارق الجميع بين الصلاتين فإنه رخصة فافتقر

إلى نية الترخص.

(وينقطع) التتابع (بوطء مظاهر منها ولو) كان (ناسيا) على الأصح؛ لأن

الوطء لا يعذر فيه بالنسيان، (أو) كان وطؤه (مع عذر يبيح الفطر)؛ كما لو

وطئ المظاهر منها وهو مريض مرضا يبيح الفطر، أو وهو مسافر سفرا يبيح الفطر، (أو) وطئها (ليلا)، عامدا أو ناسيا على الأصح؛ لأن الله سبحانه

(1)

أخرجه البخاري في "صحيحه "(1) 1: 3 بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صصص.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1907) 3: 1515 كتاب الإمارة، باب قوله صصص:" إنما الأعمال بالنيه ".

ص: 56

وتعالى قال: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجاددة: 4]. فأمر بصيام الشهرين خاليين عن وطء، ولم يأت بهما كما أمر. فلم يجزئه؛ كما لو

وطئها نهارا ذاكرا.

ولأنه تحويم للوطء لا يختص النهار ولا إذا كان ذاكرا. فاستوى فيه الليل

والنهار مع الذكر والنسيان؛ كالاعتكاف.

(لا) إذا وطئ (غيرها) أي: غير المظاهر منها (في) الأحوال (الثلاثة)

وهي: الوطء مع النسيان، والوطء مع عذر يبيح الفطر، والوطء ليلا؛ لأن ذلك

غير محرم عليه ولا هو محل لتتابع الصوم. فلم يقطع التتابع؛ كالأكل.

(و) ينقطع التتابع أيضا (بصوم غير رمضان)؛ لأنه قطع التتابع بشيء

يمكنه التحرز منه. أشبه ما لو أفطر من غير عذر، (ويقع) صومه (عما نواه)؛

لأنه زمان لم يتعين للكفارة.

وفي " الترغيب ": هل يفسد

(1)

أو ينقلب نفلا فيه وفي نظائره؟ وجهان.

(و) ينقطع التتابع أيضا. (بفطر) في أثناء الشهرين (بلا عذر) ولو ناسيا

لوجوب التتابع، أو ظنا أنه قد أتم الشهرين؛ لأنه أفطر لجهله. فقطع التتابع؛

كما لو ظن أن الواجب شهر واحد.

لا أن أكره على الفطر في الأصح.

(لا برمضان) يعني: أن التتابع لا ينقطع بصوم رمضان، (أو فطر واجب؛

كعيد) يعني: كفطر يوم عيد، (وحيض، ونفاس، وجنون، ومرض

مخوف). وذلك مثل: أن يبتدئ الصوم من أول شعبان فيتخلله رمضان ويوم

الفطر، أو يبتدئ من أول ذي الحجة فيتخلله يوم النحر وأيام التشريق فإن التتابع

لا ينقطع بهذا ويبني على ما مضى.

وأما الحيض والنفاس والجنون والمرض فكل وأحد منها لا يمكن التحرز منه

(1)

في ا: ينفسد.

ص: 57

فلا ينقطع به التتابع. ويلحق بذلك الإغماء جميع اليوم فإنه لا يصح ذلك اليوم

ولا ينقطع به التتابع.

(و) لا ينقطع التتابع أيضا بفطر) حامل ومرضع: خوفا على أنفسهما)،

لأنهما كالمريض، (أو) فطر (لعذر يبيحه، كسفر، ومرض غير مخوف) في

الأصح، لأن كلا منهما يبيح الفعل. أشبه المرض المخوف.

(و) كفطر (حامل ومرضع: لضرر ولدهما) بالصوم في الأصح، لأنه

فطر يبيح لهما بسبب لا يتعلق باختيارهما. فلم ينقطع التتابع به، كما لو أفطرتا

خوفا على أنفسهما.

(و) كفطر (مكره) على الفطر، (ومخطى) لمن أكل يظنه ليلا فبان

نهارا، (وناس).

أما المكره والناسي؛ فلبقاء صومهما.

وأما المخطئ؛ فإنه معذور في الفطر.

(لا جاهل) يعني: لا إذا أفطر جاهلا بوجوب التتابع ونحوه فإن التتابع

ينقطع بذلك، لأن هذا أمر يمكنه التحرز منه بسؤاله عن حكمه.

ص: 58

] فصل: إذا لم يستطع الصوم]

(فصل. فإن لم يستطع صوما: لكبر، أو مرض ولو رجي برؤه)، أو

(يخاف زيادته أو تطاوله، أو) لا يستطيع (لشبق) به: (أطعم ستين

مسكينا)؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجاددة: 4].

وقد وردت السنة بكون الكبر والشبق من الأعذار التي يجوز معها الانتقال إلى الطعام. فمن ذلك: " أن أوس بن الصامت لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصوم قالت امرأته: يا رسول الله! إنه شيخ كبير. ما به من صيام. قال: فليطعم ستين مسكينا "

(1)

.

ولما " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن صخر بالصيام. قال: وهل أصبت

ما أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم "

(2)

. فنقله إلى الطعام لما أخبره أن به من

الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام. وقس عليهما ما في معناهما.

ويشترط في المسكين الذي يجزئ إطعامه كونه (مسلما حرا، ولو) كان

(انثى). ويأتي حكم المكاتب.

(ولا يضر وطء مظاهر منها أثناء إطعام). نقله ابن منصور عن أحمد.

وكذا في أثناء عتق؛ كما لو عتق نصف عبد ثم وطئها، ثم عتق نصفا آخر فإن

وطئه لا يؤثر فيما عتقه قبله- ومنعهما في " الانتصار "- ثم سلم الإطعام؛ لأنه

بدل والصوم مبدل؛ كوطء من لا يطيق الصوم في الإطعام.

(1)

أخرجه أبو دأود في " سننه ") 2214) 2: 266 تفريع أبواب الطلاق، باب في الظهار.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(27358) 6: 1 1 4

(2)

أخرجه أبو دأود في " سننه ") 2213) 2: 265 تفريع أبواب الطلاق، باب في الظهار.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(3299) 5: 5 0 4 كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المجادلة.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(23368) 5: 436، وأيضا في (58 4 6 1) 4:37.

ص: 59

(ويجزئ دفعها) أي: دفع الكفارة (إلى صغير من أهلها) أي: ممن يصح

دفعها إليه ولو كان كبيرا، (ولو لم يأكل الطعام) على الأصح، لأنه حر مسلم

محتاج. فأشبه الكبير.

ولأن أكله للكفارة ليس بشرط والصغير تصرف الكفارة إلى ما يحتاج إليه مما

تتم به كفايته. ويقبضها له وليه،

(و) يجزئ دفعها إلى (مكاتب) على الأصبح، لأنه يأخذ من الزكاة لحاجته.

فأشبه المسكين، (و) إلى (من يعطى من زكاة لحاجة). كالفقير والمسكين

وابن السبيل والغارم لصصلحة نفسه، لأن ابن السبيل والغارم إنما يأخذان

لحاجتهما فهما في معنى الفقير والمسكين اللذان يأخذان لحاجتهما إلى القوت.

(و) يجزئ دفعها إلى (من ظنه مسكينا فبان غنيا) في الأصح، بناء على

الأصح من الروايتين في الزكاة.

(وإلى مسكين) واحد (في يوم واحد من كفارتين) على الأصح، لأنه دفع

القدر الواجب إلى العدد الواجب. فأجزأ، كما لو دفع ذلك في يومين.

(لا) دفع كفارته (إلى من تلزمه مؤنته) أي: يلزم الدافع مؤنة المدفوع إليه

فإنها لا تجزئ. وتقدم تعليل ذلك في الزكاه.

(ولا) يجزئ أيضا (ترديدها على مسكين) واحد (ستين يوما، إلا أن

لا يجد) مسكينا (غيره). فيجزئه على الأصح، لتعذر غيره من المساكين.

ولأن ترديد الإطعام في الأيام المتعددة في معنى إطعام العدد، لأنه يدفع به

حاجة المسكين في كل يوم. فهو كما لو أطعم في كل يوم واحدا

(1)

، فيكون

بمعنى إطعام العدد من المساكين والمشيء بمعناه يقوم مقامه بصورته عند تعذرها. ولهذا شرعت الأبدال، لقيامها مقام المبدلات في المعنى.

(ولو قدم) من عليه كفارة (إلى ستين) مسكينا (ستين مدا) مما يجزئ في

فطرة، (وقال: هذا بينكم، فقبلوه. فإن قال: بالسوية أجزأ) ـه ذلك.

(1)

في ج: وا حد.

ص: 60

(وإلا) أي: وإن لم يقل بالسوية (فلا) يجزئه في الأصح: (ما لم يعلم)

من عليه الكفارة (أن كلا) من المساكين (أخذ قدر حقه) من ذلك فيجزئه.

(والواجب) في الكفارات (ما يجزئ في فطرة: من بر مد) واحد، (ومن

غيره) أي: غير البر من شعير وتمر وزبيب وأقط) مدان) اثنان.

(وشن إخراج أدم مع) إخراج (مجزئ). نص على ذلك. وإخراج الحب

أفضل عند أحمد من إخراج الدقيق والسويق، ويجزءان لكن بوزن الحب. وإن أخرجها بالكيل فيزيد على كيل الحب قدرا يكون بقدره وزنا، لأن الحب إذا

طحن توزع فيكون في مكيال الحب أكثر مما يكون في مكيال الدقيق.

(ولا يجزئ خبز) على الأصح، لأنه خرج عن حالة المكيال والادخار.

فأ شبه الهريسة.

(ولا) يجزئ في كفارة (غير ما يجزئ في فطرة ولو كان) ذلك (قوت

بلده) على الأصح، لأن الفطرة وجبت طهرة للصائم، والكفارة وجبت طهرة

للمكفر عنه من ذنب المنكر من القول والزور. فاستويا في حكم الطهرة. فكان

المخرج عن أحدهما ما يخرج عن الآخر.

(ولا) يجزئه في الكفارة (أن يغدي المساكين أو يعشيهم) على الأصح،

لأن المنقول عن الصحابة إعطأوهم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب في فدية الأذى. " أطعم ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين "

(1)

.

ولأنه مال وجب للفقراء شرعا. فوجب تمليكهم إياه. (بخلاف نذر

إطعامهم) أي: إطعام المساكين، لأنه إذا غداهم أو عشاهم فقد وفى بنذره.

(1)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1251) 2: 861 كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى.

وأخرجه أبو- داود فى " سننه "(8518) 2: 721 أول كتاب المناسك، باب في الفدية.

و"أخرجه أحمد في " مسنده " (18127): 241.

ص: 61

(ولا) تجزئه (القيمة) أي: أن يخرج قيمة الواجب على الأصح، لظاهر

قوله سبحانه وتعالى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجاددة: 4]. ومن أخرج القيمة

لم يطعم.

(ولا) يجزئ في كفارة (عتق، و) لا (صوم، و) لا (إطعام إلا بنية)

وهو: أن ينوي كون ذلك من جهة الكفارة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات "

(1)

..

ولأن العتق والصوم والإطعام مما يختلف وجهه فيقع متبرعا به، ويقع عن

نذر وعن كفارة. فلا ينصرف إلى هده الكفارة بدود النية.

وصفتها: أن ينوي بالعتق أو الصيام أو الإطعام عن هذه الكفارة، فإن زاد

الواجبة فهو تأكيد.

(و) حينئذ (لا تكفي نية التقرب) إلى الله سبحانه وتعالى (فقط) " لأن

التقرب يتنوع إلى واجب وإلى نفل. وموضيع النية مع التكفير أو قبله بيسير. وإن كانت الكفارة صياما اشترط نية الصيام عن الكفارة في كل ليلة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل "

(2)

.

إذا علمت ذلك (فإن كانت) عليه كفارة (واحدة لم يلزمه تعيين سببها) بنيته

في الأصح، بل ينوي العتق، أو الصوم، أو الإطعام الكفارة الواجبة عليه، لأنه

تعين بكون السبب الموجب لها واحدا.

(ويلزم مع نسيانه) أي: نسيان سببها (كفارة واحدة) في الأصح.

وقيل: تلزمه كفارات بعدد الأسباب كل واحدة عن سبب، كمن نسي صلاة

من يوم لا يعلم عينها فإنه يلزمه خمس صلوات.

(فإن عين) سببا (غيره) أى: غير السبب الذي وجبت الكفارة فيه (غلطا

(1)

سبق تخريجه ص (56).

(2)

أخرجه النسائي في " سننه "(2334) 4: 97 1 كتاب الصيام، ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصه في ذلك.

ص: 62

و) كان (سببها من جنس) واحد (يتداخل) مثل: كفارة يمين عن لبس غلط

فيها فنواها عن يمين أكل وليست عليه: أجزأه ذلك عما عليه من كفارة يمين

اللبس، أو كانت عليه ونسيها:(أجزأه) ذلك (عن الجميع) أي: جميع ما

عليه من كفارة الأيمان.

(وإن كانت) عليه كفارات (أسبابها من جنس) واحد (لا يتداخل)؛ كما

لو لزمته كفارات لظهاره

(1)

من نسائه الأربع بكلمة لكل واحده اجزأ عن واحدة.

ولا يجب عليه تعيين سببها بأن ينوي أن هذه الرقبة كفارة عن ظهاري من فلانة، وهذه عن ظهاري من فلانة. فإذا اعتق رقبة واحدة وأطلق بأن لم يعينها عن واحدة

من نسائه حلت له واحدة غير معينة؛ كما لو كان عليه صوم يومين من رمضان فصام منهما يوما.

فال في " شرح المقنع ": وقياس المذهب: أن يقرع بينهن فتخرج المحللة

منهن بالقرعة.

(أو) كانت عليه كفارات (من أجناس؛ كظهار وقتل، و) وطء في (صوم

ويمين) بالله سبحانه وتعالى، (فنوى إحداها) أي: إحدى هذه الأربع:

(أجزأ) ـه ذلك (عن واحدة) منها.

(ولا يجب) أي: ولا يشترط لإجزائها (تعيين سببها) بأن يقول: عن

الظهار، أو عن القتل، أو عن نحو ذلك في الأصح؛ لأنها عبادة واحدة واجبة.

فلم تفتقر صحة أدائها إلى تعيين سببها؛ كما لو كانت من جنس. والله سبحانه

وتعالى أعلم.

(1)

في ج: كظهار.

ص: 63

(كتاب اللعان)

واشتقاقه من اللعن؛ لأن كلأ من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة

(1)

إن كان

كاذبا.

وقيل: لأن الزوجين لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذبا فتحصل اللعنة

عليه، وهي: الطرد والإبعاد.

(وهو) شرعا: (شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين، مقرونه بلعن

وغضب، قائمة مقام حد قذف أو تعزيبر في

(2)

جانبه، و) قائمة مقام (حبس في جانبها) ..

والأصل فيه: قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ

} الآيات] النور: 6 - 9].

وما روى سهل بن سعد " أن عويمر العجلانى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال:

يا رسول الله! أرأيت رجلا وجد مع امرأة رجلا فقتله تقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد نزل فيك شيء وفي صاحبتك فاذهب فأت بها. قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله. فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها

يا رسول الله! إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل ان يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين "

(3)

. رواه الجماعة إلا الترمذي.

(1)

في ج: الحاجة.

(2)

في ج: من.

(3)

اخرجه البخاري في " صحيحه "(6874) 6: 2663 كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو فى الدين والبدع.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1492) 2: 1129 كتاب اللعان.

وأخرجه أبو دأود في لأ سننه " (2245) 2: 273 أبواب الطلاق، باب في اللعان.

ص: 65

إذا علمت ذلك فإنه (من قذف زوجته بزنا ولو) كان ما قذفها به من الزنا

(بطهر وطئ فيه) الزوج، وسواء كان قذفه إياها بالزنا (في قبل أو دبر فكذبته:

لزمه) أي: لزم الزوج (ما يلزم بقذف أجنبية.

ويسقط) عنه ما كان يلزمه لو لم تصدقه (بتصديقها) إياه.

(وله إسقاطه) أي: إسقاط ما كان يلزمه بقذفه (بلعانه ولو وحده) يعني:

وأن تلاعن هي، (حتى) ولو كان ما أسقطه بلعانه (جلدة) من حد القذف (لم

يبق) عليه (غيرها.

وله) أي: وللزوج (إقأمة البينة) عليها (بعد لعانه) بالزنا، (ويثبت

موجبها) أي: موجب البينة.

(وصفته) أي: صفه اللعان: (أن يقول زوج أربعا) أولا: (اشهد بالله

إنى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ويشير إليها، ولا حاجة لأن تسمى أو تنسب إلا مع غيبتها، ثم يزيد في خامسة: وإن لعنة الله عليه إن كان من

الكاذبين). ولا يشترط على الأصح أن يقول: فيما رماها به من الزنا.

(ثم) تقول (زوجة أربعا: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من

الزنا، ثم تزيد في خامسة: وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين). ولا

يشترط على الأصح أن تقول: فيما رمانى به من الزنا.

(فإن نقص لفظ من ذلك) أي: مما يشترط ذكره (ولو أتيا بالأكثر) من

ذلك، (وحكم حاكم) به: لم يصح؛ لأنه نص القرآن أتى على خلاف القياس

بعدد. فكان واجبا؛ كسائر المقدرات بالشرع.

(أو بدأت به) أي: بدأت المرأة باللعان، (أو قدمت " الغضب "، أو

أبدلته بـ " اللعنة "، أو " السخط "، أو قدم " اللعنة "، أو ابدلها بـ " الغضب "

= وأخرجه النسائي في " سننه "(3402) 6: 143 كتاب الطلاق، باب الرخصة في ذلك.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(66 0 2) 1: 667 كتاب الطلاق، باب اللعان.

وأخرجه أحمد في " مسندهـ "(22902) 5: 336.

ص: 66

أو " الإبعاد "، أو أبدل) لفظ: (" اشهد " بـ " أقسم " أو " أحلف "، أو أتى

به) أي: أتى الزوج باللعان (قبل إلقائه عليه، أو بلا حضور حاكم أو نائبه،

أو) لاعن (بغير العربية من يحسنها و) إن لم يحسنها (لا يلزمه تعلمها إن عجز

عنه) أي: عن اللعان (بها) أي: بالعربية، (أو علقه) أي: علق اللعان

(بشرط، أو عدمت موالاة الكلمات: لم يصح) في الأصح؛ لمخالفته للنص.

ولأن اللعان ورد في القران مسقطا للحد على غير القياس. فوجب أن يتقيد

بلفظه، كما قلنا في التكبير في الصلاة.

(ويصح من أخرس) وفي الأصح، (وممن اعتقل لسانه وأيس من نطقه

إقرار) فاعل يصح (بزنا، ولعان بكتابة) متعلق بيصح، (و) بـ (إشارة

مفهومة)؛ لأنه لا سبيل إلى نطقه في هذه الحالة. فانتقلنا إلى ما تحصل به

معرفة ما في نفسه، وهما الكتابة أو الإشارة

(1)

للضرورة.

(فلو نطق) من لاعن بإشارة (وأنكر) اللعان، (أو قال: لم أرد قذفا

ولعانا قبل فيما عليه: من حد ونسب)

(2)

يعني: فيطالب بالحد ويلحقه

النسب، (لا فيما له: من عود زوجيه) فلا يملك إعادة الزوجة؛ لأنها ملكت

نفسها بذلك بحكم الظاهر. فلا يقبل إنكاره له.

(وله) أي: ولمن لاعن بالإشارة ثم نطق وأنكر، وقلنا لا يقبل إنكاره فيما

عليه من حد أو نسب (أن يلاعن لهما) أي: لإسقاط الحد ونفي نسب الولد.

(وينتظر مرجو نطقه) إذا قذف زوجته وأراد لعانها (ثلاثة ايام).

قال في " الفروع ": ومن رجي نطقه انتظر.

وفي " الترغيب ": ثلاثه أيام.

وفائدة صحة قذف الأخرس ولعانه: أن عندما نأمره باللعان ونحبسه إذا نكل

حتى يلاعن. ذكره في " عيون المسائل "، وكلام غيره يقتضي: أنه يحد. انتهى.

(1)

في ج: والاشارة.

(2)

في " منتهى الإرادات ": قبل في لعان في حد ونسب. ر 2: 235.

ص: 67

(وسن تلاعنهما قياما)؛ لأن في حديث ابن عباس في خبر هلال: "أن

هلالا جاء فشهد ثم قامت فشهدت "

(1)

. وهذا يدل على انهما تلاعنا قياما.

(بحضرة جماعة)؛ لأن ابن عباس وابن عمر وسهلا حضروه مع حداثة

أسنانهم. فدل على أنه حضره جمع كثير؛ لأن الصبيان إنما يحضرون المجالس

تبعا للرجال، وكذلك قال سهل: " فتلاعنا وأنا مع الناس عند

رسولى الله صلى الله عليه وسلم "

(2)

.

(و) سن (أن لا ينقصوا عن أربعة) من الرجال؛ لأن الزوجة ربما تصدق

على الزنا فيشهدون على إقرارها عند الحاكم.

(و) أن يكون تلاعنهما (بوقت ومكان معظمين). فالوقت المعظم: بعد

العصر يوم الجمعة؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} [المائدة: 106].

وأجمع المفسرون على أن المراد بالصلاة هنا: صلاة العصر.

والمكان المعظم إذا كانا بمكة: بين الركن والمقام، وإذا كانا بالمدينة:

عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كانا ببيت المقدس؛ عند الصخرة. وإذا كانا

بغير ما ذكر: عند منابر جوامعها.

(و) سن (أن يأمر حاكم من) أي: رجلا (يضع يده على فم زوج، و)

امرأة تضع يدها على فم (زوجة عند الخامسة، ويقول: اتق الله فإنها الموجبة،

وعذاب الدنيا اهون من عذاب الآخرة)، لما أخرجه الجوزجانى في حديثا ابن

عباس

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه ") 1 0 0 5) 5: 23 0 2 كتاب الطلاق، باب يبدأ الرجل باللاعن.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(4959) 5: 2014 كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث، وفيه:" فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صصص وسط الناس ".

(3)

أخرجه أحمد في " مسنده "(2131) 1: 238.

ص: 68

وأما كون الخامسة هي الموجبة فإنه إذا كان ك (7) اوجبت عنيه اللعنة؛

لالتؤامه إياها في الخامسة، وإن كانت كاذبة وجب عليها الغضب بالتزامها إياه في الخامسة. فينبغي التخويف عندها والإعلام أن عذاب الدنيا أهون من عذاب

الآخرة؛ لأن عذاب الدنيا منقطع وعذاب الآخرة دائم؛ ليتوب الكاذب منهما،

ويرتاع عما عزم علحه.

(ويبعث حاكم إلى) امرأة (خفرة) قذفها زوجها وأراد لعانه، (من يلاعن

بينهما)؛ لحصول الغرض ببعث من يثق الحاكم به. فلا ضرورة إلى

إحضا رها.

وأصل الخفر: الحياء، والخفرة: من تترك الدخول والخروج من منزلها

صيانة.

(ومن قذف زوجتين) أي: زوجتيه (فأكثر ولو) كان قذفه لهن (بكلمة)

واحدة: (أفرد كل واحدة بلعان) على الأصح؛ لأنه قاذف لكل واحدة منهن.

فلزمه أن يلاعنها؛ كما لو لم يقذف

(1)

غيرها.

ولأن القذف حق لآدمي فلا يتداخل.

(1)

في ج: يقذقها.

ص: 69

] فصل: في شروط اللعان]

(فصل. وشروطه) أي: شروط اللعان المعتد به شرعا (ثلاثة):

الأول: (كونه بين زوجين مكلفين، ولو) كانا (قنين) أو أحدهما،

(أو) كانا (فاسقين أو ذميين، أو أحدهما) كذلك على الأصح.

أما اعتبار الزوجية؛ فلقول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} ] النور: 6].

وأما اعتبار التكليف؛ فلأن قذف غير المكلف لا يوجب حدا. واللعان إنما

وجب لإسقاط الحد، فإذا لم يجب لم يجب اللعان؛ لعدم موجبه.

وإنما لم يعتبر كونهما عدلين أو حرين أو مسلمين؛ لعموم قوله سبحانه

وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} .] النور: 6].

ولأن اللعان يمين، واليمين يصح من كل مكلف.

إذا تقرر هذا (فيحد) الرجل (بقذف أجنبية بزنا ولو نكحها بعد) أي: بعد

أن قذفها. ولا يملك إسقاطه باللعان؛ لأنه وجب في حال كونها غير زوجة.

(أو قال لها) أي: لزوجته: (زنيت قبل أن أنكحك) فإنه يحد للقذف.

ولا يملك أسقاطه باللعان على الأصح؛ لأنه أضافه إلى حال لم تكن فيه زوجة

له. فلا يلاعن؛ كما لو قذف غير زوجته. وفارق قذف الزوجة؛ لأنه محتاج

إليه؛ لأنها خانته. وإن كان بينهما ولد فهو محتاج إلى نفيه.

وأما إذا تزوجها وهو يعلم زناها فهو المفرط في نكاح حامل من الزنا. فلا

يشرع له طريق إلى نفيه ولا إلى لعانها؛ (كمن أنكر قذف زوجته مع بينة) لها

عليه؛ لأنه منكر لقذفها فكيف يحلف على إثباته، (أو) كمن (كذب نفسه)

بعد أن قذفها؛ لأنه مكذب نفسه في قذفها فكيف يحلف على إثباته.

ص: 70

(ومن ملك زوجته) الأمة (فأتت بولد لا يمكن) أن يكون (من ملك

اليمين) باًن أتت به لدون ستة أشهر من حين ملكها: (فله نفيه بلعان). وإن

أمكن كونه من ملك اليمين فلا.

(ويعزر) الزوج (بقذف زوجة صغيرة أو مجنونة، ولا لعان) يشرع

بينهما؛ لأنه قول تحصل به الفرقة المؤبدة فلا يصح من غير مكلف، أو يمين.

فلا يصح من غير مكلف؛ كسائر الأيمان.

(ويلاعن من قذفها) أي: قذف زوجته (ثم أبانها) بعد أن قذفها، (أو

قال) لها: (أنت طالق يا زانية ثلاثا)؛ كما لو لم يبنها.

أما في الصورة الأولى؛ فلأنه قذفها قبل التلفظ بالطلاق.

وأما في الثانية؛ فلأنه حصل الطلاق قبله. فلو سكت لم تبن بذلك.

وإنما بانت بقوله: ثلاثا فهو حاصل قبل البينونة، فهو كما لو قذفها ثم

أبانها.

(وإن قذفها في نكاح فاسد، أو) قذفها في حال كونها (مبانة بزنا في

النكاح، أو) بزنا في (العدة، أو قال) لها: (انت طالق ثلاثا يا زانية لاعن لنفي

ولد) إن كان بينهما ولد.

(وإلا) أي: وإن لم يكن بينهما ولد: (حد) للقذف.

أما إذا قذفها في النكاح الفاسد وبينهما ولد فإنه يلحقه بحكم عقد النكاح.

فكان له نفيه باللعان؛ كما لو كان في نكاح صحيح. ويفارق ما إذا لم يكن بينهما

ولد، فإنه لا حاجة إلى قذفها؛ لكونها أجنبية.

أما إذا قذفها وهي بائن وبينهما ولد فإنه يلحقه بحكم النكاح السابق. فكان

له نفيه باللعان؛ كما لو كان النكاح باقيا. وتفارق سائر الأجنبيات فإنه لا يلحقه ولدهن، فلا حاجة به إلى قذفهن.

الشرط (الثاني: سيق قذفها) أي: سبق قذف الزوج زوجته (بزنا ولو في

دبر)؛ لأن كلا منهما قذف يجب به الحد ويسقط باللعان، وسواء في ذلك

ص: 71

الأعمى والبصير. نص على ذلك، لقول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ

} الآية [النور: 6]. وهذا رام لز وجته.

وذلك (كـ) قوله: (زنيت، أو يا زانية، أو رأيتك تزنين)، أو زنا

فرجك.

(وإن قال) لها: (ليس ولدك مني، أو قال معه: ولم تزن، أو

لا أقذفك، أو وطئت بشبهة، أو) وطئت (مكرهة، أو) وطئت (نائمة، أو)

وطئت (مع إغماء، أو) مع (جنون: لحقه) الولد، (ولا لعان) على

الأصح، لأنه لم يقذفها بما يوجب الحد.

(ومن أقر بأحد توأمين: لحقه) التوأم (الآخر)، لأن الحمل الواحد

لا يجوز أن يكون بعضه منه وبعضه من غيره. فإذا ثبت نسب أحدهما منه ثبت

نسب الاخر ضرورة. فجعلنا ما نفاه تابعا لما استلحقه، ولم يجعل ما استلحقه

تابعا لما نفاه، لأن النسب يحتاط لإثباته، لا لنفيه.

(و) يترتب على هذا: أنه إذا كان قذف أمهما فإنه (يلاعن لنفي الحد) في

الأصح، لأنه لا يلزم من كون الولد منه انتفاء الزنا عنها، كما لا يلزم من وجود

الزنا كون الولد منه. ولذلك لو أقرت بالزنا أو قامت به بينة: لم ينتف الولد عنه

بذلك.

الشرط (الثالث: أن تكذبه) الزوجة في قذفه إياها، ويستمر) تكذيبها

(إلى انقضاء اللعان)، لأنها إذا لم تكذبه لا تلاعنه، والملاعنة إنما تنتظم من

الزوجين.

(فإن صدقته) فيما قذفها به (ولو مرة) واحدة، (أو عفت) أي: أعفته

عن المطالبة بحد قذفه إياها، (أو سكتت) بأن لم تقر ولم تنكر، (أو ثبت زناها

بـ) شهادة (أربعة سواه، أو قذف مجنونة بزنا قبله) أي: قبل جنونها، (أو)

قذف (محصنة فجنت) قبل اللعان، (أو) قذفها [حال كونها]

(1)

(خرساء،

(1)

زيادة من ج.

ص: 72

أو) حال كونها (ناطقة فخرست) قبل اللعان (ولم تفهم إشارتها، أو) حال

كونها (صماء)، وهناك ولد (لحقه النسب) على أكثر نصوص الإمام أحمد،

(ولا لعان)، لأن وجوب الحد شرط اللعان، لأنه ثبت لدرء

(1)

الحد عن

القاذف. فإذا لم يجب الحد لم يكن للعان فائدة كما سبق. ونفي الولد جاء تبعا

للعان، لا مقصودا لنفسه. فإذا انتفى اللعان انتفى نفي الولد.

(وإن مات أحدهما) أي: أحد الزوجين (قبل تتمته) أي: تتمة اللعان:

(توارثا وثبت النسب، ولا لعان)؛ لأن اللعان لم يوجد. فلم يثبت حكمه.

وكذا إن مات أحدهما قبل لعانها وبعد لعانه؛ لأنه مات قبل تلاعن الزوجين؛

لأن الشرع إنما رتب هذه الأحكام على اللعان التام، والحكم لا يثبت قبل كمال

سببه، ويتوارثان لبقاء الزوجية.

(وإن مات الولد: فله لعانها ونفيه) بعد موته؛ لأن شروط اللعان تتحقق

بدون الولد فلا ينتفي بموته.

(وإن لاعن، ونكلت) الزوجة عن اللعان: (حبست حتى تقر أربعا) أي:

أربع مرات، (أو تلاعن) على الأصح.

قال أحمد: فإن أبت المراة أن تلتعن بعد التعان الرجل أجبرتها عليه وهبت

أن أحكم عليها بالرجم؛ لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت فكيف إذا

أبت اللعان؟

ولا يسقط النسب إلا بالتعانهما جميعا، لأن الفراش قائم حتى تلتعن،

والولد للفراش.

(1)

في ج: لدروء.

ص: 73

] فصل: فيما يترتب على اللعان]

(فصل. ويثبت بتمام تلاعنهما أربعة أحكام):

الحكم الأول: (سقوط الحد) عنه إن كانت الزوجة محصنه، (أو

التعزير) إن لم تكن محصنه، (حتى) أنه يسقط عنه حد القذف أو التعزير

(لمعين) أي: لرجل معين (قذفها به) باًن قال لها: زنيت بزيد فإنه يسقط عنه

حد القذف لزيد، (ولو اغفله) أي: أغفل ذكر الرجل الذي عينه (فيه) أي:

في اللعان؛ لأن اللعان بينة في أحد الطرفين باتفاق. فكان بينة في الطرف

الاخر؛ كالشهادة.

ولأن به حاجة إلى قذف الزانى لما أفسد عليه من فراشه، وربما يحتاج إلى

ذكره ليستدل بشبه الولد للمقذوف على صدق قاذفه.

والأصل في ذلك ما روى ابن عباس: " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند

النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة أو حد في ظهرك. فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البينة وإلا حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق! إنى لصادق. ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل عليه السلام بقوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فقرأ حتى بلغ {إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 6 - 9]. فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم. فأرسل إليها. فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كان عند الخامسة وقفوها. فقالوا: إنها موجبة. ونكصت حتى

ظننا أنها ترجيع. ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت. وقال

النبي صلى الله عليه وسلم: انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من

ص: 74

كتاب الله عز وجل لكان لي ولها شأن "

(1)

. رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي.

فأسقط الحد باللعان مع تعيين قذفها به.

الحكم (الثاني: الفرقة) بين المتلاعنين (ولو بلا فعل حاكم) يعني: ولو

لم يفرق الحاكم بينها على الأصح.

الحكم (الثالث: التحريم المؤبد)؛ لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه

أنه قال: " المتلاعنان يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا "

(2)

رواه سعيد.

ولأن اللعان معنى يقتضي التحريم المؤبد. فلم يقف على حكم الحاكم؛ كالرضاع.

ولأن الفرقة لو لم تحصل إلا بتفريق الحاكم لساغ ترك التفريق إذا كرهاه؛

كالتفريق للعيب والإعسار. ولوجب أن الحاكم إذا لم يفرق بينهما: أن يبقى

النكاح مستمرا.

فعلى المذهب: يحصل التحريم المؤبد (ولو أكذب نفسه) على الأصح؛

لأن الأخبار جاءت عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم " أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا "

(3)

.

(أو كانت أمة فاشتراها بعده) يعني: أن اللعان يثبت التحريم المؤبد حتى

ولو لاعن زوجته الأمة ثم اشتراها من سيدها بعد أن لاعنها لم يحل له وطئها في

الأصح؛ لأنه تحريم مؤبد. فحرمت على مشتريها؛ كتحريم الرضاع.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(4470) 4: 1772 كتاب التفسير، باب {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8)} .

وأخرجه أبو داود في " سنته "(2254) 2: 276 ابواب الطلاق، باب في اللعان.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(179 3) 5: 1 33 كتاب تفسير القرآن، باب ومن سوره النور.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(067 2) 1: 668 كتاب الطلاق، باب اللعان.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(2132) طبعة إحياء التراث.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في " سننه "(1561) 1: 360 كتاب الطلاق، باب الرجل ما جاء في اللعان.

(3)

سبق تخريجه عن عمر قي الحديث السابق.

ص: 75

ولأن المطلق ثلاثا إذا اشترى مطلقته لم تحل له قبل زوج وإصابة فهاهنا

أولى.

الحكم (الرابع: انتفاء الولد) عن الملاعن. (ويعتبر له) أي: لانتفائه

(ذكره صريحا) في اللعان؛ (كأشهد بالله: لقد زنت، وما هذا بولدي،

وتعكس هي) فتقول: أشهد بالله لقد كذب وهذا الولد ولده؛ لأنها أحد

الزوجين. فكان ذكر الولد منها شرطا في اللعان؛ كالزوج.

(أو) ذكره (تضمنيا؛ كقول) ملاعن (مدع زناها في طهر لم يصبها فيه،

وأنه اعتزلها حتى ولدت) عند التلاعن: (أشهد بالله إني لصادق فيما ادعيت

عليها، أو) فيما (رميتها به من زنا ونحوه) فينتفي.

(ولو نفى عددا) من الأولاد: (كفاه لعان واحد). ولم يحك في

" الإنصاف " في ذلك خلافا.

(وإن نفى حملا، أو استلحيقه، أو لاعن عليه مع ذكره: لم يصح) نفيه.

(ويلاعن) أولا (لدرء حد، وثانيا بعد وضع لنفيه)؛ لأنه من الجائز أن

يكون ما في بطنهما ريحا فهو حمل غير متيقن. فيصير الإقرار به أو نفيه مشروطا بوجوده، وكذا اللعان عليه، ولا يصح ذلك بشرط.

ولأن الإجماع منعقد على أنه لو تركه فلم ينفه لم يلزمه بذلك، وله أن ينفيه

بعد وضعه. وهذا يدل على اعتبار التعيين في وجوده، لكن إذا قال هو: من زنا

فهو قاذف فيلاعن لدرء الحد لا لنفيه؛ كما لو لم تكن حاملا فإذا وضعته وشاء

نفيه لاعن ثانيا لنفيه.

قال في " المحرر" بعد أن ذكر أن الحمل لا ينتفي باللعان: إلا أن يصف زنا

يلزم منه نفيه؛ كمن ادعى زناها في طهر لم يصبها فيه واعتزالها حتى ظهر حملها، ثم لاعنها لذلك، ثم وضعته لمدة الإمكان من دعواه: فإنه ينتفى عنه. انتهى.

قال شارحه: فإن كان وصف ما يلزم منه نفي الولد؛ كمن ادعى أنها زنت

في ظهر لم يجامعها فيه، وأنه اعتزلها حتى ظهر حملها، ثم لاعنها لذلك فإنه

ص: 76

ينتفي الحمل إذا وضعته لمدة الإمكان من حين ادعى ذلك؛ لأنه ادعى ما يلزم منه نفيه. فانتفى عنه؛ كما لو لاعن عليه بعد ولادته. انتهى.

ولم يذكرا في ذلك خلافا.

(ولو نفى) إنسان (حمل اجنبة) أي: مخير زوجته: (لم يحد)؛ لأن

ذلك ليس بقذف؛ (كتعليقه) أي: تعليق الزوج أو غيره (قذفا بشرط)؛ كما

لو قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت زانية، أو إن دخلت الدار فأنب زانيه.

(إلا) إن قال لها: (أنت زانية إن شاء الله) فيكون قذفا.

(لا) إن قال لها: (زنيب إن شاء الله) فإنه لا يكون قذفا.

وأكثر ما قيل في الفرق بين الصورتين: أن الجملة الإسمية تدل على ثبوت

الوصف فلا تقبل التعليق. والجملة الفعلية تقبله؛ كقولهم، للضعيف: طبت إن

شاء الله ويكون مرادهم بذلك التبرك والتفاؤل بالعافية.

(وشرط لنفي ولد بلعان:

أن لا يتقدمه) أي: يتقدم اللعان (إقرار به) أي: بالولد الذي يرلد نفيه.

(أو) إ قرار (بتوأمه.

أو) لا يتقدم اللعان (بما يدل عليه) أي: على الإقرار به؛ (كما لو نفاه

وسكت عن توأمه، أو هنئ به فسكت، أو أمن على الدعاء) بالهناء به، (أو أخر

نفيه مع إمكانه) من غير عذر، أو أخره (رجاء موته) فيلحقه؛ لأنه خيار ثبت

لدفع ضرر متحقق. فكان على الخيار؛ كخيار الشفعة.

وقيل: له نفيه ما دام في المجلس.

لا إن أخره مع عذر مثل: أن تلده ليلا، أو يكون جائعا أو ظمآنا، أو يخاف

ضياع ماله باشتغاله بنفيه فيؤخره إلى زوال عذره فقط فلا يلحقه.

(وإن قال: لم أعلم به) أي: بالولد، (أو) لم أعلم (أن لي نفيه، أو)

لم أعلم (أنه) أي: نفيه (على الفور وأمكن صدقه قبل) منه بيمينه؛ لأن

الأصل عدم العلم. وإن لم يمكن صدقه بأن ادعى عدم العلم به وهو معها في

ص: 77

الدار، أو ادعى عدم العلم بملك نفيه وهو فقيه لم يقبل منه، لأن ذلك مما

لا يخفى على الفقيه.

(وإن أخره) أي: أخر نفيه (لعذر؛ كحبس، ومرض، وغيبة، وحفظ

مال، أو ذهاب ليل، ونحو ذلك)؛ كملازمة غريم يخاف فوته أو غيبته: (لم

يسقط نفيه).

وإن علم بولادته وهو غائب عن البلد فأمكنه السير فاشتغل به لم يسقط نفيه،

وإن أقام من غير حاجة سقط.

(ومتى أكذب نفسه بعد نفيه: حد لمحصنة) أي: إن كانت أم ولد

محصنة، (وعزر لغيرها) أي: لغير المحصنة؛ كما لو كانب أم الولد أمة أو

ذمية، وسواء كان قد لاعن قبل ذلك أو لم يلاعن؛ لأن اللعان يمين أو بينة درأت

عنه الحد أو التعزير. فإذا أقر بما يخالف المحلوف بعد ذلك سقط حكمها؛ كما

لو حلف أو أقام بينة على حق غير ذلك ثم أقر به.

(وانجر النسب) أي: نسب الولد الذي نفاه أولا (من جهة الأم إلى جهة

الأب) الذي أكذب على نفسه بعد نفيه؛ (كولاء) يعني: كما ينجر الولاء من

موالي الأم إلى موالي الأب بعتق الأب.

(وتوارثا) أي: وورث كل من الأب الذي أكذب نفسه والولد الذي

استلحقه بعد نفيه الآخر؛ لأن الإرث تابع للنسب. فإذا ثبت النسب ثبت

الإرث.

ولا فرق في ذلك بين كون] [أحدهما غنيا أو فقيرا، ولا بين كون]

(1)

الولد

حيا أو ميتا، ولا بين كون الولد له ولد أو لا؛ لأن ولد الولد يتبع نسب الولد.

فإن قيل: يستلحق الولد الميت إذا كان غنما إنما يدعي مالا.

قلنا: إنما يدعي النسب، والميراث تبع له.

فإن قيل: [هو متهم في أن غرضه حصول الميراث.

(1)

ساقط من ا.

ص: 78

قلنا: النسب لا تمنيع التهمة لحوقه، بدليل أنه لو كان الابن حيا غنيا والأب

فقيرا فاستلحقه [

(1)

فهو متهم في إيجاب نفقته على الابن، ولا يمنع ذلك ثبوت

النسب، لأن النفقة تابعة للنسب؛ كالإرث.

(ولا يلحقه) يعني: أن الملاعن لا يلحقه نسب الولد الذي نفاه ثم مات

(باستلحاق ورثته بعده) على الأصح. نص عليه، لأن الوارث إذا حمل على

غيره نسبا قد نفاه عنه لم يقبل منه.

ولأن نسب الولد انقطع بنفيه عن الميت، لتفرده بالعلم به دون غيره.

ولذلك لا تقبل الشهادة به، إلا أن تستند إلى قوله. فلا يقبل إقرار غيره به عليه،

كما لو شهد به.

(والتوأمان المنفيان: أخوان لأم) فقط في الأصح، لانتفاء النسب من جهة

الأب.

(ومن نفى من) أي: ولدا (لا ينتفي)؛ كمن أقر به قبل ذلك، أو وجد منه

ما يدل على الرضى به، (وقال: إنه من زنا حد إن لم يلاعن) على الأصح،

لأنه قذف زوجته. فكان له إسقاط الحد باللعان.

(1)

ساقط من أ.

ص: 79

(فصل: فيما يلحق من النسب)

(من أتت زوجته بولد، بعد نصف سنة منذ أمكن اجتماعه بها، ولو مع غيبة

فوق أربع سنين).

قال في " الفروع ": ولو مع غيبته

(1)

عشرين سنة. قاله في " المغني " في

مساً لة القافة، وعليه نصو صأحمد. ولعل المراد ويخفى سيره، وإلا فالخلاف

على ما يأتي. انتهى.

(ولا ينقطع الإمكان) عن الاجتماع (بحيض).

قالط في " الفروع ": ولا ينقطع الإمكان عنه بالحيض. قاله في

" الترغيب ". انتهى.

(أو) الت به (لدون أربع سنين منذ أبانها) زوجها، (ولو) كان الزوج

(ابن عشر فيهما) أي: في حين إمكان اجتماعه بها وفي حين إبانتها: (لحقه

نسبه) على الأصح؛ لقولط النبي صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش "

(2)

.

(1)

في ج: غيبه.

(2)

أخرجه البخاري في " صمحيحه "(1948) 2: 724 كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات من حديث عائشة.

وأخرجه أبو دأود في " سننه "(2274) 2: 283 أبواب الطلاق، ياب الولد للفراش من حديث عمرو

ابن شعيب عن ائيه عن جده.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(" 212) 4: 433 كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث من حديث أبي أمامة الباهلى.

وأخرجه النسائي في " سننه "(3484) 6: 180 كتاب الطلاق، باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش من حديث عائشة.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(07 20) 1: 647 كتاب النكاح، باب الولد للفراش وللعاهر الحجر

من حديث أبي أمامة الباهلي.

ص: 80

ولأن مع ذلك يمكن كونه منه.

وقدرنا بعشر سنين فما زاد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "واضربوهم عليها لعشر

وفرقوا بينهم في المضاجع "

(1)

.

ولأن تمام عشر سنين زمن يمكن فيه البلوغ. فيلحق فيه الولد؛ كالبالغ.

وقد روي أن عمرو بن العاص وابنه لم يكن بينهما إلا اثنا عشر عافا.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بينهم في المضاجع دليل على إمكان الوطء الذي هو سبب الولادة.

(ومع هذا) أي: مع لحوق النسب به (لا يحكم ببلوغه)؛ لأن الحكم

بالبلوغ يستدعي يقينا لترتيب الأحكام عليه من التكاليف ووجوب الغرامات فلا

يحكم به مع الشك. وإنما ألحقنا الولد به حفظا للنسب احتياطا.

(ولا يكمل به) أي: بإلحاقنا به النسب (مهر)؛ لأن الأصل براءة ذمته فلا

نثبته عليه بدون ثبوت نسبه الموجب له.

(ولا تثبت) به (عدة ولا رجعة)؛ لأن السبب الموجب لهما غير ثابت فلا

يثبتان بدون ثبوت سببهما.

(وإن لم يمكن كونه منه) أي: من الزوج؛ (كلأن) أي: مثل ما لو (أتت

به لدون نصف سنة منذ تزوجها وعاش) لم يلحقه؛ لأنها مدة لا يمكن ان تحمل

وتلد فيها. فعلم أنها كانت حاملا به قبل تزوجها.

(أو) أتت به (لأكثر من أربع سنين منذ أبانها) لم يلحقه؛ لأن بقاءها حاملا

به بعد البينونة إلى تلك المدة غير ممكن فعلم انها حملت به بعد بينونتها.

(أو أقرت بانقضاء عدتها بالقروء، ثم ولدت لفوق نصف سنة منها) أي:

من عدتها التي أقرت بانقضائها بالقرء لم يلحقه؛ لأنها أتت به بعد الحكم بانقضاء

(1)

=وأخرجه أحمد فى " مسنده "(43 0 26) 6: 237 من حديث عائشة.

أخرجه أحمد في " مسنده ") 6756) 2: 187 من حديث عمروبن شعيب عن أبيه عن جده.

ص: 81

عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه. فلم يلحقه، كما لو انقضت عدتها بوضع الحمل. وإنما يعتبر الإمكان مع بقاء الزوجية أو العدة، وأما بعدهما فلا يكتفى

بإلإمكان للحاق النسب وإنما يكتفى بالإمكان لنفيه؛ وذلك لأن الفراش سبب

ومع وجود السبب يكتفى بالإمكان. فإذا انتفى السبب وآثاره انتفى الحكم

بالإمكان لانتفاء سببه.

وعلم مما تقدم أنها إن ولدت قبل مضي ستة أشهر من آخر أقرائها: أنه يلحق

الزوج؛ لأنا تيقنا

(1)

أنها لم تحمله بعد انقضاء عدتها، وأنها كانت حاملا به في

زمن

(2)

روية الدم فيلزم أن لا يكون الدم حيضا. فلم تنقض عدتها به.

(أو فارقها حاملا فوضعت، ثم) وضعت (آخر بعد نصف سنة) لم يلحقه

الولد الثانى، لأنه لا يمكن أن يكون الولدان حملا واحدا. فعلم أنها علقت به

بعد زوال الزوجية وانقضاء العدة، وكونها حملت به وهي أجنبية.

(أو علم انه) أي: أن الزوج (لم يجتمع بها) زمن الزوجية: (بأن تزوجها

بمحضر حاكم أو غيره ثم ابانها) بالمجلس، (أو مات) الزوج (بالمجلس، أو

كان بينهما) أي: بين الزوجين (وقت عقد مسافة لا يقطعها في المدة التي ولدت

فيها)، كمشرقي تزوج بمغربية ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه نسبه؛

لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل، ألا ترى أنكم قلتم إذا مضى زمن

الإمكان لحق الولد، وإن علم أنه لم يحصل منها الوطء.

ولأنه لم يحصل إمكان الوطء في هذا العقد. فلم يلحق به الولد؛ كزوجة

الطفل.

(أو كان الزوج لم يكمل له عشر) من السنين، (أو قطع ذكره مع أنثييه: لم

يلحقه) نسبه، لأنه يستحيل منه الإيلاج والإنزال.

(ويلحق) النسب زوجا (عنينا) في الأصح، (ومن قطع ذكره فقط) أي:

(1)

في ج: بالزوج لأنا بينا.

(2)

ساقط من أ

ص: 82

دون أنثييه في الأصح، (وكذا من قطعت أنثياه فقط، عند الأكثر) من الأصحاب.

قال في "المقنع ": وإن قطع أحدهما فقالط أصحابنا: يلحقه نسبه. وفيه بعد.

ووجه بعده: أنه لا يخلق منه ولد عادة ولا وجد ذلك. فأشبه ما لو قطع ذكره

مع أنثييه في الأصح.

(وقيل: لا) يلحقه نسبه مع قطيع أنثييه.

قال (المنقح: وهو الصحيح).

ووجهه: ما تقدم.

(وإن ولدت) مطفقة (رجعية بعد أربع سنين منذ طلقها وقبل) أربع سنين

منذ (انقضاء عدتها، أو لأقل من أربع سنين منذ انقضت) عدتها: (لحق نسبه)

أي: نسب ما ولدته بالمطلق في الأصح؛ لأن الرجعية في حكم الزوجات في

السكنى والنفقة ووقوع الطلاق عليها والظهار والإيلاء والحل. فأشبهت ما قبل الطلاق.

(ومن أخبرت) بالبناء للمفعول (بموت زوجها فاعتدت) للوفاة، (ثم

تزوجت) ثم ولدت: (لحق بثان) أي: بالزوج الثاني الذي تزوجته (ما ولدت)

وعاش (لنصف سنة فأكثر) منذ تزوجته. نص عليه؛ لأن ما ولدته لدون ذلك

ليس منه يقينا.

ص: 83

] فصل: متى يلحق الولد]

(فصل. ومن ثبت) أنه وطئ أمته في الفرج أو دونه، (أو أقر أنه وطئ أمته

في الفرج أو دونه، فولدت لنصف سنة) فأكثر (لحقه) نسب ما ولدته؛ لأن أمته

بوطئه صارت فراشا له. فإذا أتت بولد لمدة الحمل من يوم الوطء لحقه نسبه؛

" لأن سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن ولمدة زمعة. فقال: هو أخي وابن وليدة

أبي، ولد على فراشي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو لك يا عبد بن زمعه. الولد للفراش وللعاهر الحجر"

(1)

. متفق عليه. فيلحقه.

(ولو قال: عزلت، أو) قال: (لم أنزل)؛ لما روى ابن عمر أن عمر

رضي الله تعالى عنه قال: " ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعزلون. لا تأتني

وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد أو أنزلوا "

(2)

.

رواه الشافعي في " مسنده ".

وهي

(3)

قضية اشتهرت ولم تنكر فتكون إجماعا.

ولأنها ولدت على فراشه ولدا يمكن كونه منه، بأن يكون أنزل ولم يحس

به، أو أصاب بعض الماء فم الرحم وعزل بافيه فيلحقه نسبه.

(لا إن ادعى استبراء) بعد الوطء بحيضة فلا يلحقه؛ لأن بالاستبراء تيقن

براءة رحمها. فإذا ولدت بعد ذلك تيقنا أنه من غيره فلا يلحق به.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6368) 6: 481 2 كتاب الفرائض، باب الولد للفراش، حرة كانب أو أمه.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1457) 2: 1080 كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات.

(2)

أخرجه الشافعي في " مسنده "(94) 2: 30 كتاب النكاح، باب فيما جاء في النسب.

(3)

في ج: وفي.

ص: 84

(ويحلف عليه) أي: على الاستبراء في الأصح؛ لأنه حق لولد لولا دعواه

للحق به. فيحلف لنفيه، كما يحلف الزوج لنفي الولد في اللعان.

(ثم تلد لنصف سنة بعده) أي: بعد الاستبراء؛ لأنها إن ولدت قبل نصف

سنه من حين الاستبراء تبينا ان لا استبراء، ويلحقه.

(وإن أقر) سيد أمة (بالوطء) أي: بوطء أمته (مرة) واحدة، (ثم ولدت

ولو بعد أربع سنين من وطئه: لحقه) نسب ما ولدته فى الأصح؛ لأنه باعترافه

بالوطء صارت فراشا له. فلحقه ما ولدته بعد ذلك وإن جاوز أكثر مدة الحمل؛ لإمكان كونه منه.

(ومن استلحق ولدا) من أمته ثم ولدت بعد ذلك ولدا آخر: (لم يلحقه ما

بعده) أي: بعد الذي استلحقه (بدون إقرار آخر) أي: غير الإقرار الأول في

الأصح انه

(1)

وطئها بعد ما ولدت الولد الأول؛ لأن الوطء الذي اعترف به أولا

قد ولدت منه وحصل به استبرأوها من الوطء الأول، فلا يلحقه ما بعده إلا بوطء

يمكن أن يكون منه.

(ومن أعتق) أمة اقر بوطئها (أو باع من أقر بوطئها، فولدت لدون نصف

سنة) من حين عتقها أو لدون نصف سنة من حين بيعها: (لحقه) أي: لحق.

المعتق أو البائع ما ولدته؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر. فإذا أتت به لدونه وعاش

علم ان حملها كان قبل عتقها وقبل بيعها حين كان فراشا له، (والبيع باطل)؛

لأنها صارت أم ولد له، حتى (ولو) كان (استبرأها قبله) أي: قبل أن يبيعها؛

لأنها لما ولدت لدون نصف سنة من حين البيع تبينا أن ما رأته من الدم دم فساد؛

لأن الحامل لا تحيض.

(وكذا) الحكم: (إن لم يستبرئها) بل بيعها (وولدته لأكثر) من نصف

سنة وأقل من أربع سنين من حين بيع، (وادعى مشثر انه) أي: أن الولد (من

بائع) فإنه يلحق بالبائع؛ لأنه وجد منه سبب الولادة وهي الوطء، ولم يوجد ما

(1)

في ج: لأنه.

ص: 85

يعارضه ولا ما يمنعه. فتعين إحالة حكمه على من وجد السبب منه، سواء ادعاه

البائع أو لم يدعه.

(وإن ادعاه) أي: ادعى الولد (مشتر لنفسه) فيما إذا باعها قبل استبرائها

وولدته لأكثر من نصف سنة من حين بيع، (أو) ادعى في هذه الصوره (كل

منهما) أي: من البائع والمشتري (أنه) أي: أن الولد (للآخر والمشتري مقر

بوطئها) في هذه الصورة: (أري) الولد (القافة) على الأصح. نقله صالح

وحنبل؛ لأن نظر القافة طريق شرعي إلى معرفة النسب عند الاحتمال، بدليل ما روت عائشه قالت: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي مسرورا، تبرق أسارير

(1)

وجهه. فقال: ألم تري أن مجززا نظر انفا إلى زيد بن حارثة وأسأمة بن زيد،

فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض"

(2)

. رواه الجماعة. وهذا لفظ أحمد

والبخاري.

(وإن استبرئت) أي: استبرأ البائع الجارية التي وطئها ثم باعها (ثم ولدت

لفوق نصف سنة) من حين البيع، (أو لم تستبرا) يعني: أو باعها ولم يستبرئها

وولدت لفوق نصف سنة من حين البيع، (ولم يقر مشتر له) أي: للبائع (به)

أي: بالولد الذي ولدته: (لم يلحق) الولد (بائعا)؛ لأنه ولد أمة المشتري

فلا يقبل دعوى غيره له إلا بإقرار من المشتري.

(وإن ادعاه) أي: ادعى البائع أن الولد ولده (وصدقه مشتر) على ذلك

(1)

في ج: البخاري.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(3362) 3: 4 130 كتاب المناقب، باب صفة النبي صصص.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1459) 2: 1081 كتاب الرضاع، باب العمل بإلحاق القائف الولد.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(2267) 2: 280 كتاب الطلاق، باب في القافة.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(2129) 4: 440 كتاب الولاء والهبة، باب ما جاء في المافة.

وأخرجه النسائي في " سننه "(3493) 6: 184 كتاب الطلاق، باب القافة.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2349) 2: 787 كتاب الأحكام، باب القافة.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(25937) 6: 226.

ص: 86

(في هذه) الصورة، (أو في) صورة (ما إذا باع) إنسان جارية لآخر (ولم

يقر) البائع (بوطء) أي: بأنه وطئها، (وأتت به) أي: بولد (لدون نصف

سنة) من حين بيع، وادعى البائع أنه ولده وصدقه المشتري على ذلك:

(لحقه) أي: لحق الولد البائع، (وبطل البيع)؛ لأن الحق في ذلك

لا يعدوهما. فإذا تصادقا على شيء لزمهما.

(وإن لم يصدقه مشتر) أي: يصدق المشتري البائع في دعواه في

الصورتين: (فالولد عبد له) أي: للمشتري (فيهما) أي: في الصورتين،

ولا يثبت نسبه من البائع في الأصح، لأن فيه ضررا على المشتري فإنه لو أعتقه

كان أبوه أحق بميراثه من مولاه.

(وإن ولدت من مجنون، من) أي: أمة (لا ملك له) أي: للمجنون

(عليها) أي: على الأمة (ولا شبهة ملك: لم يلحقه) أي: يلحق المجنون

نسب ما ولدته منه، لأن وطئه لم يستند إلى ملك ولا اعتقاد إباحة. فإن كان قد

أكرهها على الوطء. فعليه مهر مثلها، كالمكلف، لأن الضمان يستوي فيه

المكلف وغيره.

(ومن قال عن ولد بيد سريته، أو) بيد (زوجته، أو) بيد (مطلقته: ما

هذا ولدي، ولا ولدته) أنت (فإن شهدت) امرأة واحدة في الأصح (مرضية

بولادتها له: لحقه) نسب الولد.

(وإلا) أي: وإن لم تشهد امرأة مرضية: (فلا) يقبل قولها عليه، لأن

الولادة يمكن إقأمة البينة عليها. والأصل عدمها. فكانت البينة على مدعيها،

وكان القول قول من ينكرها.

(ولا آثر لشبه) لأحد مدعي ولد (مع) وجود (فراش) ينتمي إليه الولد؛

لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " اختصم سعد بن أبي وقاص

وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال سعد: يا رسول الله! ابن اخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه. انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي

يا رسول الله! ولد على فراش أبي. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فرأى شبها بينا

ص: 87

بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش وللعاهر الحجر. واحتجبي

منه يا سودة بنت زمعة "

(1)

. رواه الجماعة إلا الترمذي.

فألحق الولد بصاحب الفراش مع تحققه أنه من عتبة بالشبه، ولذلك قال

لسودة: " احتجبي منه ".

ولأن الفراش كاليد على غير الولد. فقدم صاحب الفراش كما يقدم صاحب اليد. (وتبعيه

(2)

نسب لأب) إجماعا، (ما لم ينتف، كابن ملاعنة) فولد قرشي

من غير قرشية قرشي. بخلاف ولد قرشية من غير قرشي فإنه لا يكون قرشيا. (وتبعيه ملك أو) تبعية (حرية لأم، إلا مع شرط) بأن يشترط زوج الأمة

على سيدها عند تزويجها أن ما تأتي منه بولد يكون حرا، (أو) مع (غرور) بأن يتزوج امراة على أنها حرة فتبين أمة، فإن ولدهما في الصورتين يكون حرا.

(وتبعية دين) أي: دين ولد (لخيرهما) أي: خير أبويه دينا. فلو تزوج

مسلم حرة كتابية، أو تسرى مسلم بأمة كتابية فما تلده يكون مسلما، وإذا تزوج

كتابي بحرة مجوسية، أو تسرى بأمة مجوسية فما تلده منه يكون كتابيا.

(وتبعية نجاسة وحرمة أكل لأخبثهما) أي: أخبث الأبوين. فالبغل نجس

محرم الأكل لتبعيته لأخبث أبويه وهو الحمار الذي هو نجس محرم الأكل دون أطيبهما الذي هو الفرس الطاهر المباح الأكل. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6368) 6: 2481 كتاب الفرائض، باب الولد للفراش، حرة كانت أو أمة.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1457) 2: 1080 كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات.

وأخرجه أبو داود في " سنمه "(2273) 2: 282 أبواب الطلاق، باب الولد للفر اش.

وأخرجه النسائي في " سننه "(3485) 6: " 18 كتاب الطلاق، باب الحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(04 20) 1: 646 كتاب النكاح، باب الولد للفراش وللعاهر الحجر. وأخرجه أحمد في " مسنده " (43 " 26) 6:237.

(2)

في ج: ويتبعه.

ص: 88

[كتاب العدد]

هذا (كتاب العدد. واحدها) أي: واحد العدد: (عدة.

وهي) أي: العدة: (التربص المحدود شرعا) مأخوذه من العدد، لأن

أزمنة العدة محصورة مقدرة بعدد الأزمان والأحوال، كالحيض والأشهر

ونحوهما.

والأصل في وجوب العدة الكتاب والسنة والاجماع.

فمما في الكتاب قوله سبحانه وتعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} [البقره: 228].

ومنه قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].

ومما في السنة قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد

على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا "

(1)

.

وفيها أحاديث كثيرة تجئ إن شاء الله تعالى في أثناء الباب.

وأجمعت الأمة على وجوب العدة في الجملة.

والمقصود منها: استبراء رحم المرأة من الحمل الممكن وجوده حين

الفرقة، لئلا يطأها غير الزوج المفارق لها قبل العلم ببراءة الرحم، فيحصل

الاشتباه وتضيع الأنساب.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(5030) 5: 2044 كتاب الطلاق، باب {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} .

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1490) 1: 1126 كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة

، جميعا من حديث ائم حبيبة رضي الله عنها.

ص: 89

والعدة: أربعة أقسام:

معنى محض، وتعبد محض، ويجتمع الأمران والمعنى أغلب، ويجتمع

الأمران والتعبد أغلب.

فا لأول: عدة الحامل.

والثاني: عدة المتوفى عنها زوجها التي لم يدخل بها.

والثالث: عدة الموطوءة التي يمكن حملها ممن يولد لمثله، سواء كانت

ذات أقراء أو أشهر. فإن معنى براءة الرحم أغلب من التعبد بالعدد المعتبر لغلبة

ظن البراءة.

والرابع: كما في عدة الوفاة للمدخول بها التي يمكن حملها وتمضي أقرأوها

في أثناء الشهر، فإن العدد الخاص أغلب من براءة الرحم بمضي تلك الأقراء.

(ولا عدة في فرقة) زوج (حي قبل وطء، أو) قبل (خلوة، ولا) عدة

(لقبلة أو لمس)؛ لأن العدة إنما وجبت في الأصل، لبراءة الرحم. وقد

تيقناها في هذه المسائل.

قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزأب: 49].

(وشرط) في وجوب العدة الوطء:

كونها) أي: كون الموطوءة (يوطأ مثلها.

وكونه) أي: كون الواطئ (يلحق به ولد)، لأن العدة قرار لبراءة الرحم

من الحمل. فإذا كانت الموطوءة لا يوطأ مثلها، أوكان الواطئ لا يلحق به الولد لصغره فلا فائدة في العدة؛ لتيقن براءة الرحم من الحمل.

(و) شرط في وجوب العدة (لخلوة: طواعيتها) يعني: أن لا تكون

مكرهة على الخلوة؛ لأن الخلوة إنما أقيمت مقام الوطء، لأنها مظنته وإنما

تكون مظنة الوطء مع التمكين فأما مع عدمه فلا.

(و) شرط أيضا (علمه) أي: علم الزوج (بها). فلو خلت معه في بيت

ص: 90

وهو أعمى لا يبصر من غير أن يعلم بذلك، أو تركت في مخدع في البيت بحيث

لا يراها البصير والزوج لا يعلم بذلك لم تجب العدة؛ لأن التمكين الموجب

للعدة لم يوجد. فلا تجب العدة؛ كما لو كانت في بيت إلى جانب البيت الذي

هو فيه. وكذا لو خلا بها من لا يولد لمثله لصغره، أو كانب لا يوطأ مثلها

لصغرها؛ لأنه لو وجدت حقيقة الوطء مع ذلك لم تجب عدة فكذا مع مظنته.

فأما مع خلو الزوج من مانع الإحرام والصوم الواجب والعنة والجب وخلو الزوجة من الرتق ونحوه وخلوهما من المرض ونحوه فغير معتبر. وإلى ذلك أشير

بقوله:

(ولو مع مانع؛ كإحرام وصوم وجب وعنة ورتق)؛ وذلك لأن الحكم

هاهنا معلق على مجرد الخلوة التي هي مظنة الإصابة دون حقيقتها. وقد وجد ما

علق عليه الحكم فوجب وجوده.

(وتلزم) العدة الوفاة مطلقا) أي: سواء كان الزوج كبيرا أو صغيرا،

يمكنه الوطء أو لا يمكنه، خلا بها أو لم يخل بها، كبيرة كانت الزوجة أو

صغيرة؛ لعموم قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].

(ولا فرق في عدة) وجبت بدون وطء (بين نكاح فاسد وصحيح). نص

عليه. والمراد بالفاسد: النكاح المختلف فيه؛ كالحنفي يتزوج بلا ولي ونحو

ذلك؛ لأنه نكاح وجب إقرار الزوجين عليه ولم يجز إنكاره. فكان كالصحيح

في ثبوت أحكامه.

(ولا عدة في) نكاح (باطل) أي: مجمع على بطلانه (إلا بوطء)؛ لأن

وجود صورته كعدمها.

(والمعتدات ست) أي: ستة أصناف:

الأولى من المعتدات: (الحامل. وعدتها: من موت وغيره إلى وضع كل

الولد، أو) وضع من (الأخير من عدد) من الأولاد إن كانت حاملا باً كثر من

واحد، سواء كانت حرة أو أمه، مسلمة أو كافرة، وسواء كانت الفرقة طلاقا أو

ص: 91

فسخا؛ لعموم قوله سبحانه وتعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]. وهذا إجماع أهل العلم.

إلا ما روي عن ابن عباس وعلي من وجه: " أن المتوفى عنها زوجها تعتد

بأطول الأجلين "

(1)

.

وقد روي أن ابن عباس رجع إلى قول الجماعة.

وإنما قلت: أو الأخير

(2)

من عدد؛ لأنه إذا كان حملها أكثر من واحد فلا

تنقضي العدة إلا بوضع الأخير؛ لأن بقاء بعض الحمل يوجب بقاء العدة؛

لأن الله سبحانه وتعالى قال: {الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]. وهذه لم

تضع حملها بل بعضه.

(ولا تنقضي) عدة الحامل (إلا بما) أي: إلا بوضع ما (تصير به أمة أم

ولد). وتقدم ذلك في باب أمهات الأولاد.

(فإن لم يلحقه) أي: يلحق الحمل الزوج الصغره، أو لكونه خصيا مجبوبا،

أو لولادتها لدون نصف سنة منذ نكحها ونحوه)؛ كالذي تأتي به بعد أربع سنين

منذ أبانها، (ويعيش) ما ولدته لدون نصف سنة من يوم تزوجها: (لم تنقض

به) عدتها من زوجها؛ لأنه حمل منفي

(3)

عنه يقينا. فلم تنقض به عدتها منه.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(4626) 4: 1864 كتاب التفسير، باب {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال:" جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس عنده، فقال: أفتني فى امرأه ولدت بعد زوجها بأربعين ليله؟ فقال ابن عباس: آخر الأجلين، قلت: أنا {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، يعني أبا سلمة، فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمه يسألها، فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله صصص وكان أبو السنابل فيمن خطبها ".

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1485) 2: 1122 كتاب الطلاق، باب انقضاء عده المتوفى عنها زوجها وغيوها بوضع الحمل.

(2)

في ج: وا لأخير

(3)

في ج: ينفى.

ص: 92

(وأقل مده حمل) يعيش: (ستة أشهر)، لأن الله سبحانه وتعالى قال:

(وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)[الأحقاف: 15].

والمراد بالانفصال: انقضاء أقل مدة الرضاع، لأن الولد ينفصل بذلك عن

أمه.

وقال الله سبحانه وتعالى في موضع آخر: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233]، فإذا أسقط الحولان التي هي مدة الرضاع والفصال من ثلاثين شهرا بقى ستة أشهر مدة الحمل.

وقد روى الأثرم بإسناده عن أبي الأسود: " أنه رفع إلى عمر أن امرأة ولدت

لستة أشهر. فهم عمر برجمها. فقال له علي: ليسي لك ذلك. قال الله سبحانه

وتعالى:: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233]، وقال:(وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)[الأحقاف: 15]. فحولان وستة أشهر وثلاثون

شهرا. فخلى عمر سمبيلها فولدت مرة أخرى كذلك الحد "

(1)

.

وذكو ابن قتيبة في " المعارف ": أن عبدالملك بن مروان ولد لستة أشهر.

فأما دون ذلك فلم يوجد.

(وغالبها) أي: غالب مدة الحمل: (تسعة) أي: تسعة أشهر، لأن

غالب النساء يلدن فيها.

(وأكثرها) أي: أكثر مدة الحمل: (أربع سنين) على الأصح، لأن ما

لا تقدير فيه من الشرع يرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد من تحمل أربع سنين.

قال الإمام أحمد: نساء بنى عجلان يحملن أربع سنين، وامرأة محمد بن

عجلان حملت ثلاث بطون كل دفعه أربع سنين، وبقى محمد بن عبد الله بن

الحسن بن علي في بطن أمه أربع سنين. فإذا

(2)

ثبت وجود ذلك وجب أن يجعل

(1)

أخرجه البيهقي كي " السنن الكبرى " 7442 كتاب العدد، باب ما جاء في أقل الحمل.

(2)

فى أ: واذا.

ص: 93

ذلك أقصى مدة الحمل؛ لأن في الحكم

(1)

بدونه مخالفة للوجود وحكم على ما

تكرر وقوعه بالبطلان من غير دليل.

(وأقل مدة تبين ولد) يعني: أقل مدة يتبين فيها الولد: (أحد وثمانون

يوما)؛ لما روى ابن مسعود: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما. ثم يكون علقه مثل ذلك. ثم يكون مضغة مثل ذلك. تم يبعث

إليه ملكا بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي هو أم سعيد. ثم ينفخ

فيه الروح "

(2)

. متفق عليه.

وإنما يكون مضغة بعد الثمانين يوما. وإنما يتبين كونه ابتداء خلق آدمي

بكونه مضغة؛ لأن المني قد لا ينعقد، والعلقة قد تكون دما انحدر من موضع من البدن.

وأما المضغة فالظاهر كونها ابتداء خلق آدمي؛ لأنها في الغالب فيها

التخاطيط فهي أظهر في ذلك مما قبلها من المني والعلقة.

(الثانية) من المعتدات: (المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه.

وإن كان) الحمل (من غيره) أي: من غير الزوج المتوفى: (اعتدت

للوفاة بعد وضع) أي: بعد وضع الحمل الذي هو من غير المتوفى عنها. ولا

يشترط لوجوب عدة الوفاة كون المتوفى خلا بها، أو يولد لمثله، ولا كون

الزوجة يوطأ مثلها فتجب العدة، (ولو) كان المتوفى (لم يولد لمثله، أو)

كانت لا (يوطأ مثلها، أو) كان موته (قبل خلوة) بها. وفي ذلك تفصيل أشير

إليه بقوله:

(وعدة حرة) يعني: كاملة الحرية: (أربعة أشهر وعشر ليال بعشرة

أيام)؛ لأن النهار تبع لليل. والإجماع منعقد على ذلك؛ لعموم قوله سبحانه

(1)

في أ: ذلك.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(036 3) 3: 181 1 كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكه.

أخرجه مسلم في " صحيحه "(2643) 4: 36" 2 كتاب القدر، باب كيفيه الخلق الآدمي في بطن أمه.

ص: 94

وتعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].

ولأن النكاح عقد عمر فإذا مات انتهى، والشيء إذا انتهى تقررت أحكامه،

كتقرر أحكام الصيام بدخول الليل، وأحكام الإجازة بانقضاء مدتها، والعدة من

أحكام النكاح.

ولأن المطلقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها ونفيه باللعان، وهذا ممتنع

في حق الميت فلا نأمن أن تأتي بولد فيلحق الميت نسبه وما له من ينفيه فاحتيط بإيجاب العدة عليها بحفظها عن التصرف والمبيت

(1)

في غير منزلها " حفظا لها.

إذا ثبت هذا فإنه لا يعتبر وجود الحيض في عدة الوفاة في قول عأمة أهل

العلم.

(و) عدة (أمة) متوفى عنها زوجها: (نصفها) أي: نصف عدة الحرة

وذلك شهران وخمس ليال بخمسه أيام، لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم

أجمعوا على تنصيف عدة الأمة في الطلاق فكذا في عدة الموت.

ولأنه في معنى ذو عدد. فوجب أن لا يتساوى فيه الأمة والحرة، كالحد.

(و) عده (منصفة) أي: من نصفها حر ونصفها رقيق (ثلاثة أشهر وثمانية

أيام)، وعدة من ثلثها حر شهران وسبعة وعشرين يوما. وعلى هذا فقس.

(وإن مات في عدة مرتد) باًن ارتد زوج المسلمة بعد الدخول وقلنا إن الفسخ

يقف على انقضاء العدة. وهو المذهب.

وقيل: قبل انقضاء عدتها، سقط ما مضى من عدتها قبل موته وابتدأت عدة

وفاة من موته. نص عليه في رواية ابن منصور، لأنه كان يمكنه تلافي النكاح

بعوده إلى الاسلام.

(أو) مات (زوج كافرة أسلمت) بعد دخوله بها في عدتها وقبل إسلامه قبل

انقضاء عدتها.

(1)

في ج: والميت.

ص: 95

قال في " الإنصاف ": في قياس التي قبلها. ذكره الشيخ تقي الدين.

(أو) مات (زوج) مطلقة (رجعية) قبل انقضاء عدتها (سقطت) العدة

للطلاق، (وابتدأت عدة وفاة من موته) على الأصح، لأن الرجعية زوجة

يلحقها طلاقه وإيلاؤه. فكان عليها عدة الوفاة، كما لو لم يطلقها. وينقطع

حكم عدة الطلاق، لأنها بالموت صارت كسائر زوجاته.

(وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل) عن عدة الطلاق؛ لقوله

سبحانه وتعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]. ولأنها أجنبية منه في النظر إليها، وعدم وقوع الطلاق بها، وعدم

توارثهما، وعدم صحة إيلائه منها.

(وتعتد من أبانها في مرض موته، الأطول من عدة وفاة و) من عدة

(طلاق) على الأصح.

وعنه: أنها تبني على عدة الطلاق، وفاقا لمالك والشافعي، لأنه مات

وليست زوجة له، لأنها بائن من النكاح فلا تكون منكوحة.

والأول المذهب.

ووجهه: أنها وارثة. فيجب عليها عدة الوفاة، كالرجعية، ويلزمها عدة

الطلاق، لما ذكروه في دليلهم.

ومحل ذلك: (ما لم تكن) الزوجة (أمة أو ذمية) والزوج مسلم، (أو)

تكن الزوجه ممن (جاءت البينونة منها) باًن كانت سألته الطلادتى أو نحو ذلك:

(ف) ـأنها تعتد (لطلاق لا غير)، لانقطاع أثر النكاح بعدم ميراثها، لأنها

لا ترث رواية واحدة.

(ولا تعتد لموت من انقضت عدتها قبله) أي: قبل الموت، (ولو

ورثت)، سواء كان انقضاؤها بالحيض، أو بالشهور، أو بوضع الحمل، وكذا

لو طلقها في مرضه قبل الدخول فإنه لا يكون عليها عدة لموته في الأصح،

لأن الله سبحانة وتعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن

ص: 96

تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49].

وقال سبحانه وتعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} ] البقرة: 228].

وقال سبحانه وتعالي: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4].

فلا يجوز تخصيص هذه النصوص في حالة إرثها منه بالتحكم.

ولأنها أجنبية تحل للأزواج ويحل للمطلق نكاح أختها وأربع سواها. فلم

يجب عليها عدة لموته؛ كما لو تزوجت.

(ومن طلق معينة) من نسائه (ونسيها، أو) طلق (مبهمة ثم مات قبل

قرعة: اعتد كل نسائه، سوى حامل، الأطول منهما) أي: من عده الطلاق

وعدة الوفاة؛ لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون المخرجة بالقرعة وأن تكون

غير المخرجة. فكان الاحتياط أن تعتد كل واحدة أطول العدتين.

(وإن ارتابت متوفى عنها) زوجها، (زمن تربصها) وفي الأصح: (أو

بعده) أي: بعد زمن تربصها، (بأمارة حمل؛ كحركة، أو انتفاخ بطن، أو

رفع حيض: لم يصح نكاحها حتى تزول الريبة)؛ للشك في انقضاء عدتها؛ لأن الشك في انقضاء العدة يوجب التوقف عن التزويج؛ تغليبا لجانب الحرمة على

جانب الحل؛ كسائر المواضع المشتبهة. وزوال الريبه إما بعدم

(1)

الموجب لها

من الحركة والانتفاخ، أو عود الحيض، أو مضي زمن لا يمكن أن تكون فيه

حاملا.

(وإن ظهرت) الريبة (بعده) أي: بعد نكاحها (دخل بها) الزوج (أو لا:

لم يفسد) النكاح بذلك؛ لأنه شك طرأ على يقين النكاح فلا يزول به، (ولم

يحل) للزوج (وطؤها حتى تزول) الريبة؛ لأنا شككنا فى صحة النكاح.

(1)

في ج: بحد.

ص: 97

ولأنه لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره

(1)

.

(و) إذا ظهر أنها حامل فإنها (متى ولدت) ولدا وعاش (لدون نصف سنة

من عقد) أي: من حين تزوجت: (تبينا فساده) أي: فساد النكاح؛ لأنه

نكحها وهي حامل. وإن ولدته لأكثر من ذلك فالولد لاحق بالزوج.

(الثالثة) من المعتدات: (ذات الأقراء المفارقة) لزوجها (في الحياة)

بعد دخوله بها (ولو) كانت مفارقتها (بـ) طلقة (ثالثة) إجماعا. قاله في

" الفروع ".

(فتعتد حرو ومبعضة) أي: من بعضها حر، مسلمة كانت أو كافرة (بثلاثة

قروء) بغير خلاف بين أهل العلم، لعموم قوله سبحانه وتعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228].

(وهي) أي: القروء: (الحيض) على الأصح.

والقروء في كلام العرب: يقع على الحيض والطهر جميعا فهو من الأسماء

المشتركة.

وذكر عن ابن عمرو بن العلاء أنه قال: القروء الوقت. وهو يصح للحيض

وللطهر؛ لأن كل واحد منهما يأتي لوقت.

واختلف أهل العلم في المراد بقوله سبحانه وتعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]، فروي عن عمر وعلي وابن عباس وسعيد بن المسيب والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي أنها: الحيض.

قال القاضي: الصحيح عن أحمد: أن الأقراء الحيض وإليه ذهب أصحابنا

ورجع عن قوله: أنها الأطهار.

(1)

إشارة إلى حديث: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الاخر أن يسقي ماءه زرع غيره " أخرجه أبو دأود في " سننه "(2158) 2: 248 كتاب النكاح، باب في وطء السبايا.

وأخرجه الترمذى في " جامعه "(1311) 3: 437 كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يشتري الجاريه وهي حامل.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(38 170) 4: 8 0 1 كلهم عن رويفع بن ثابت الأنصاري.

ص: 98

ووجه المذهب: قول الله سبحانه وتعالى: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] فنقلهن عند عدم

الحيض

إلى الاعتداد بالأشهر. فيدل ذلك على أن الأصل الحيض؛ كما قال

سبحانه وتعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} [المائدة: 6].

ولأن المعهود في لسان الشرع استعمال القروء بمعنى الحيض.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تدع الصلاة أيام أقرائها "

(1)

. رواه أبو داود.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: " انظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي.

وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء "

(2)

. رواه النسائي.

ولم يعهد في لسانه استعمال القروء بمعنى الطهر. فوجب ان يحمل كلامه

على المعهود في لسانه.

(و) عدة (غيرهما) أي: غير الحرة والمبعضة ممن يحضن (بقرأين)؛

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " قروء الأمه حيضتان "

(3)

.

ولأنه قول عمر وابنه وعلي ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان

إجماعا. وهذا يخص عموم الآية.

وكان القياس يقتضي: أن تكون عدة الأمة حيضه ونصفا كما كان حدها على

النصف من حد الحرة، إلا أن الحيض لا يتبعض فكمل حيضتين.

(1)

أخرجه ائو دأود في " سننه "(297) 1: 80 كتاب الطهارة، باب من قال تغتسل من ظهر إلى ظهر من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده.

(2)

أخرجه النسانى في " سننه "(3553) 6: 211 كتاب الطلاق، الأقراء من حديث عروة بن الزبير عن فاطمة بنت حبيش.

(3)

أخرجه أبو دأود في " سننه "(2189) 2: 257 أبواب الطلاق، باب في سنة طلاق العبد.

وأخرجه الترمذي في " سننه "(1182) 3: 17 كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(080 2) 1: 672 كتاب الطلاق، باب في طلاق الأمة وعدتها، كلهم

عن القاسم عن عائشة. وفى (2079) بمعناه من حديث عطية عن ابن عمر.

ص: 99

(وليس الطهر عدة).

قال في " الفروع ": ويتوجه وجه يعني: أن العدة تتعلق بخروج خارج من

الرحم. فوجب أن تتعلق بالطهر؛ كوضع الحمل.

(ولا تعتد بحيضة طلقت فيها) حتى تأتي بثلاث حيضات كوامل بعدها.

قال في " شرح المقنع ": لا نعلم في ذلك خلافا بين أهل العلم؛ لأن الله

سبحانه وتعالى أمر بثلاثة قروء. فيتناول ثلاثة كاملة والتي طلق فيها لم يبق منها

ما يتم به مع اثنين ثلاثة كاملة.

(ولا تحل لغيره) أي: لغير مطلقها حيث لم يستوف ما يملكه من الطلاق

(إذا انقطع دم) الحيضة (الأخيرة حتى تغتسل) على الأصح؛ لأنه قول أكابر الصحابة، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبو موسى وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء.

ولأن وطء الزوجة قبل الاغتسال حرام؛ لوجود أثر الحيض الذي يمنع الزوج

الوطء كما يمنع الحيض. فوجب أن يمنع ذلك ما منعه الحيض ويوجب ما أوجبه الحيض، كما قبل انقطاع الدم.

(وتنقطع بقية الأحكام) من التوارث، ووقوع الطلاق، وعدم صحة اللعان،

وانقطاع النفقة ونحو ذلك (بانقطاعه) أي: انقطاع دم الحيضة الثالثة؛ لأن هذه الأحكام لا أثر فيها للاغتسال فلا يتوقف عليها. بخلاف ما المقصود منه الوطء.

(ولا يحتسب مدة نفاس لمطلقه بعد وضع) يعني: أن من طلقت عقب

ولادة لا يحتسب مدة نفاسها بحيضه فلا بد أن تحيض بعد الأربعين ثلاث حيضات كاملة.

(الرابعة) من المعتدات: (من لم تحض) إما (لصغر أو إياس، المفارقة

في الحياة. فتعتذ حرة ثلاثة أشهر) إجماعا؛ لقول الله سبحانه وتعالي:

{وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] يعني: كذلك (من وقتها) أي. من الساعة التي فارقها فيها في

ص: 100

الأصح. فلو فارقها في نصف الليل أو نصف النهار اعتدت من ذلك الوقت إلى

مثله في قول أكثر العلماء.

(و) عدة (أمة) لم تحضر لصغر أو إياس مفارقة في الحياة (بشهرين) على

الأصح. نص عليه. واحتج بقول عمر رضي الله تعالى عنه " عده أم الولد

حيضتان ولو لم تحض كان عدتها شهرين ". رواه الأثرم عنه بإسناده.

ولأن الواجب عليها لو كانت ذات قروء قرءان. فيجب شهران بدلهما؛

ليكون البدل كالمبدل.

ولأن غالب النساء يحضن في كل شهر حيضة فناسب ان يكون يدل كل حيضة

شهرا.

(و) عدة (مبعضة) أي: من بعضها حر وبعضها رقيق لم تحض لصغر أو

إياس مفارقة في حياة (بالحساب) فتزيد على الشهرين من الشهر الثالث بقدر ما

فيها من الحرية. فمن ثلثها حر فعدتها شهران وثلث، ومن نصفها

(1)

حر

فعدتها شهران ونصف، ومن ثلثاها حر فعدتها شهران وعشرون يوما. وعدة أم الولد التي

(2)

ليس بعضها حرا عدة الأمة؛ لأنها

(3)

مملوكة.

(وعدة بالغة لم تمر حيضا ولا نفاسا، ومستحاضة ناسية لوقت حيضها، أو)

مستحاضة (مبتدأة؛ كآيسة) يعني: أن عدة هؤلاء كعدة الآيسة؛ لدخول البالغة

التي لم تحض في عموم قوله سبحانه وتعالى: {وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]. ولأن المستحاضة الناسية لوقت حيضها والمبتدأة لا يعلمان زمن حيضهما،

والغالب على النساء أن يحصل لهن في الشهر طهر وحيضة. فمن كانت تحيض ثلاث حيضات فعدتها مع عدم الحيض ثلاثة أشهر، ومن كانت عدتها لو كانت

تحيض حيضتين فحدتها مع عدم الحيض شهران.

(1)

فى أ: بعضها

(2)

فى ج: الذي

(3)

في أ: كأنها.

ص: 101

(ومن علمت ان لها حيضة في كل أربعين) يوما (مثلا) ثم استحيضت

ولسيت وقت حيضها: (فعدتها ثلاثة أمثال ذلك)؛ لأنه لا يتحقق زمن فيه ثلاث حيضات إلا بمضي ذلك.

(ومن لها) من المستحاضات (عادة) علمت بها، (أو) كان لها (تمييز:

عملت به) إذا صلح أن يكون حيضا.

(وإن حاضت صغيرة في) أثناء (عدتها: استأنفتها) أي: ابتدأت عدتها

(بالقرء)؛ لأن العدة بالأشهر إنما شرعت بدلا عن الأقراء لعدمها في حق

الصغيره. فإذا وجد المبدل بطل حكم البدل؛ كالمتييمم يجد الماء وقد تيمم

لعدمه.

(ومن يئست في) أثناء (عدة أقراء: ابتدات عدة آيسة) يعني: أن من

بلغت سن الإياس في أثناء عدتها وقد حاضت بعض أقرائها أو لم تحض انتقلت

إلى عدة الشهور؛ لأنها حينئذ آيسة، وقد جعل الله سبحانه وتعالى عدة الآيسات بالشهور. فلا تعتد بما حاضته.

(وإن عتقت معتدة) وقد بقي من عدتها شيء (أتمت عدة أمة)، وفي

الأصح (إلا الرجعية: فتتم عدة حرة)؛ لأنها إذا عتقت وهي رجعية فقد وجدت

الحرية وهي في حكم الزوجات، بدليل انه لو مات زوج الرجعية انتقلت إلى عدة الوفاة. فوجب أن تعتد عدة الحرائر؛ كما لو طلقها زوجها بعد عتقها.

وإن عتقت وهي بائن فلم توجد الحرية في الزوجية. فلم

(1)

يجب عليها عدة

الحرائر؛ كما لو أعتقت بعد مضي القرءين.

ولأن الرجعية تنتقل إلى عدة الوفاة لو مات فتنتقل إلى عدة الحرائر، والبائن

لا تنتقل إلى عدة الوفاة. فلا تنتقل إلى عدة الحرائر؛ كما لو انقضت عدتها.

(الخامسة) من المعتدات: (من ارتفع حيضها، ولم تدر سببه. فتعتد

للحمل غالب مدته) وذلك تسعة أشهر؛ ليعلم براءة رحمها. فإذا مضت ولم يبن

(1)

في أ: ولم.

ص: 102

حمل علم براءة رحمها ظاهرا، (ثم تعتد) بعد ذلك (كآيسة على ما فصل).

قال الشافعي: هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار لا ينكره منهم منكر

علمناه، لأن الفرض بالاعتداد معرفة براءة رحمها وهذا يحصل به براءة الرحم فاكتفي به. وإنما وجبت العدة بعد التسعة الأشهر التي علم برائتها من الحمل

فيها، لأن عدة الشهور إنما تجب بعد العلم ببراءة الرحم من الحمل [إما بالصغر

أو الإياس، وهاهنا لما احتمل انقطاع الحيض للحمل واحتمل انقطاع للإياس

اعتبرنا البراءة من الحمل]

(1)

بمضي مدته فتعين كون الانقطاع للإياس فأوجبنا

عدته عند تعينه ولم يعتبر ما مضى، كما لم يعتبر ما مضى من الحيض قبل

الإياس، لأن الإياس طرأ عليه.

(ولا تنتقض) العدة (بعود الحيض بعد المدة)، لأن عدتها انقضت، كما

لو اعتدت الصغيرة بثلاثة أشهر ثم حاضت، وكذا لو حاضت حيضة بعد طلاقها

ثم ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه فإنها تعتد

(2)

للحمل تسعة أشهر، ثم تعتد

كآيسة.

(وإن علمت) المعتدة (ما رفعه) أي: ما رفع الحيض: (من مرض، أو

رضاع، ونحوه)، كنفاس:(فـ) ـإنها (لا تزال) في عدة (حتى يعود)

الحيض (فتعتد به) وإن طال الزمن، لأنها مطلقة لم تيأس من الدم. فتجب

عليها العدة بالأقراء وإن تباعدت، كما لو كانت ممن بين حيضتيها مدة طويلة.

(أو تصير آيسة) يعني: أو تصير إلى سن الإياس: (فتعتد عدتها) أي:

عدة الآيسة. نص على ذلك في رواية صالح وأبي طالب وابن منصور

(3)

.

وعنه: ينتظر زوال ما رفع الحيض ثم إن حاضت اعتدت بالأقراء وإلا اعتدت

بسنة.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ا: تقعد.

(3)

في أ: ومنصور

ص: 103

(و) متى اختلف الزوج والمطلقة في أي وقت وقع الطلاق فإنه (يقبل قول

زوج: إنه لم يطلق إلا بعد حيضة أو ولادة) يعني: إلا بعد أن حاضت أو

ولدت، (أو) أنه لم يطلق إلا (في وقت كذا) حيب لا بينة للمطلقة تشهد

بدعواها، لأنه يقبل قوله في أصل الطلاق وعدده فقبل في وقته.

ولأنه أمر لا يعلم إلا منه. فقبل قوله فيه، كالنية في اليمين.

(السادسة) من المعتدات: (امرأة المفقود.

فتتربص حرة و) كذا (أمة) على الأصح، لأن الأربع سنين مضروبه لكونها

أكثر مدة الحمل، [ومدة الحمل]

(1)

في الأمة والحرة سواء (ما تقدم في ميراثه)

أي: ميراث المفقود، وذلك أنه إذا كان ظاهر غيبته الهلاك، كالذي يفقد من

بين أهله، أو في مفازة مهلكة، أو بين الصفين حال الحرب

(2)

، أو كان في

سفينة فانكسرت، فهلك قوم ونجا آخرون فإنها تتربص أربع سنين.

وإن كان ظاهر غيبته السلامة، كالتاجر والسائح المنقطع خبره فإنها تتربص

تسعين سنة من يوم ولد. وهذا على الأصح؛ لأن أكثر الناس لا يبلغ التسعين،

(ثم تعتد) في الحالتين (للوفاة.

ولا تفتقر) في ذلك (إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة) على

الأصح، لأنها فرقة تعقبها عدة الوفاة. فلا تتوقف على حكم الحاكم، كما لو

قامت البينة على موته، وكما نقول في العدة ومدة الإيلاء ومدة التربص في التي تباعدت حيضتها.

(ولا) تفتقر أيضا (إلى طلاق ولي زوجها بعد اعتدادها) للوفاة لتعتد بثلاثه

قروء بعد ذلك على الأصح. فإن ولي الرجل لا ولاية له في طلاق امرأته.

ولأننا حكمنا عليها بعدة الوفاة. فلا يجب عليها مع ذلك عدة الطلاق، كما

لو تيقنت وفاته.

(1)

ساقط من أ.

(2)

ساقط من أ.

ص: 104

(وينفذ حكم) أى: حكم حاكم (بالفرقة ظاهرا فقط بحيث) إن حكمه

بالفرقة: (لايمنع) وقوع (طلاق المفقود) بعد زمن حكم الحاكم؛ لأن حكم

الحاكم بالفرقة بناء على أن الظاهر هلاكه. فإذا تيقنت حياته انتقض ذلك الظاهر

ولم يبطل طلاقه، كما لو شهدت به بينة كاذبة. ولذلك يخير إذا قدم بينها وبين

صداقها الذي أعطاها الثانى كما يأتي تفصيله، لأن تخييره يدل على بقاء نكاحه.

وهذا

(1)

المذ هب.

وقيل: ينفذ الحكم ظاهرا وباطنا فتكون امرأة الثانى، ولا خيار للأول.

(وتنقطع النفقة) الجارية عليها من مال المفقود (بتفريقه) أي: تفريق

الحاكم وهو حكمه بالفرقة [إن وقعت من الحاكم. وقد تقدم أن الفرقة لا تتوقف

على الحاكم، (أو بتزويجها) إذا تزوجت من غير أن يحكم الحاكم

بالفرقة]

(2)

؛ لما تقدم، وأنه يصح تزويجها من غير حكم الحاكم بالفرقة؛ لعدم

افتقارها إلى الحكم. وذلك لأنها أسقطت نفقة نفسها بخروجها عن حكم

نكاحه. فإن قدم الزوج واختارها ردت إليه وعادت نفقتها من حين الود.

وقد روي الأثرم والجوزجاني جمن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما

قالا: " تنتظر امرأة المفقود أربع سنين.

قال ابن عمر: وينفق عليها من مال زوجها.

وقال ابن عباس: إذا يجحف ذلك بالورثة ولكنها تستدين، فإن جاء زوجها

أخذت من ماله وإن مات أخذت من تركته نصيبها من الميراث. وقالا: يتفق

عليها بعد في العده بعد الأربع سنين من مال زوجها جميعه أربعة أشهر وعشرا ". وقيل: وتنقطع النفقة بالعدة أيضا.

(ومن تزوجت قبل ما ذكر) من التربص المذكور والاعتداد بعدة: (لم

يصح) نكاحها، (ولو بان أنه كان طلق) وانقضت عدتها حين التزويج، (أو)

(1)

في ج: وهو.

(2)

ساقط من أ.

ص: 105

تبين أنه كان (ميتا) وانها انقضت عدة الوفاه (حين التزويج) في الأصح، لأنها

معتقدة تحريم نكاحها.

ولأنها تزوجت في مدة منعها الشرع النكاح فيها. فلم يصح؛ كما لو

تزوجت المعتدة في عدتها، والمرتابة قبل زوال الريبة.

(ومن تزوجت بشرطه) أي: بعد أن تربصت المدة المقدرة شرعا واعتدت

للوفاة، (ثم قدم) زوجها (قبل وطء) الزوج (الثاني) دفع إليه ما أعطاها من

الصداق، و (ردت إلى قادم) أي: إلى المفقود الذي قدم، لأنا تبينا بقدومه

بطلان نكاح الثاني، وليس هناك مانع من الرد. فترد إليه، لبقاء نكاحه.

(ويخير) المفقود (إن وطئ) الزوج (الثاني) قبل قدومه (بين أخذها)

أي: أخذ زوجته (بالعقد الأول ولو لم يطلقـ) ـها (الثانى، ويطأ) ها الأول

(بعد عدته) أي: عدة الثانى، (وبين تركها معه) أي: مع الثاني (بلا تجديد

عقد) الثاني

(1)

.

قال (المنقح: قلت: الأصح بعقد. انتهى).

وذلك لما روى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان

قالا: " إن جاء زوجها الأول خير بين المرأة وبين الصداق الذي ساق هو ".

رواه الجوزجاني والأثرم.

وقضى به ابن الزبير في مولاة لهم، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة في

عصرهم فكان إجماعا.

قال في " شرح المقنع ": فعلى هذا فإن أمسكها الأول فهي زوجته بالعقد

الأول. والمنصوص عن أحمد: أن الثانى لا يحتاج إلى طلاق، لأن نكاحه كان

باطلا في الباطن، ثم قال بعد يسير: ويجب على الأول اعتزالها حتى تنقضي

عدتها من الثاني، وإن لم يخترها الأول فإنها تكون مع الثاني ولم يذكروا لها عقدا جديدا.

(1)

في ج: للثاني.

ص: 106

قال شيخنا: والصحيح: أنه يجب أن يستأنف لها عقدا؛ لأنا

(1)

تبينا بطلان عقده بمجيء الأول. ويحمل قول الصحابة على هذا لقيام الدليل عليه. فإن زوجة الإنشان لا تصير زوجة لغيره بمجرد تركه لها. انتهى.

وقال في "الرعاية": وإن قلنا يحتاج الثانى عقدا جديدا طلقها الأول كذلك. (ويأخذ.) الزوج الأول (قدر الصداق، الذي أعطاها) إياه على الأصح (من) الزوج (الثانى) إذا تركها له؛ لقضاء علي وعثمان أنه يخير بينها وبين الصداق الذي ساق. إليها هو.

ولأنه اتلف عليه المعوض. فرجع عليه بالعوض؛ كشهود الطلاق إذا رجعوا

عن الشهادة.

فعلى هذا: إن كان لم يدفع إليها الصداق لم يرجع بشيء وإن كان دفع بعضه رجع بنظير ما دفع. ". (ويرجع) الزوج (الثاني عليها) أي: على الزوجة (بما اخذ منه) الزوج الأول على الأصح؛ " لأنها غرأمة لزمت الزوج بسبب وطئه لها. فرجع بها؛ كا لمغرور.

ولأن عدم الرجوع يقضي إلى أن يلزمه مهران بوطء واحد.

والأصل في ذلك ما روى الأثرم والجوزجانى بإسنادهما عن عبيد بن عمير قال: " فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر. فذكرت ذلك له. فقال.: انطلقي فتربصي أربع سنين. ففعلب ثم اتته. فقال: انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرا. ففعلت ثم اتته. فقال: اين ولي هذا الرجل؛ فجاء وليه. فقال: طلقها ففعل. فقال لها عمر: انطلقي فتزوجي من شئت. فتزوجت. ثم جاء زوجها الأول. فقال له عمر: اين كنت؛ قال: يا أمير المؤمنين استهوتني الشياطين. فوالله ما ادري في اي ارض. كنت عند قوم يشتعبدونني حتى اعتراهم منهم قوم مسلمون فكنت فيمن غنموه. فقالوا لي: أنت رجل من الإنس وهؤلاء

(1)

في ج: لأننا.

ص: 107

الجن فمالك ولهم؟ فأخبرتهم خبري. فقالوا: بأيت أرض الله تحب أن

تصبح؛ قلت: بالمدينة هي أرضي فأصبحت وأنا أنظر إلى الحرة. فخيره عمر

إن شاء امرأته

(1)

وإن شاء الصداق. فاختار الصداق وقال: قد حبلت لا حاجة

لي فيها".

قال أحمد: يروى عن عمر من ثمانية وجوه. ولم يعرف في الصحابة له

مخالف، فلعل بعض وجوهه ليس فيها طلاق وليه.

(وإن لم يقدم) الزوج الأول (حتى مات) الزوج (الثاني) معها:

(ورثته)؛ لصحة نكاحها في الظاهر. (بخلاف ما إذا مات الأول بعد تزوجها)

فإنها لا ترثه، لأنها أسقطت حق نفسها من إرثه بتزويج الثانى.

وإن ماتت بعد قدوم الأول فإن اختارها ورثها وإن لم يخترها ورثها الثانى.

(ومن ظهر موته باستفاضة أو بينة فكمفقود) يعنى: أنه متى عاد بعد ذلك

فحكمه حكم المفقود في أنه متى حضر بعد أن تزوجت زوجته فإنه يخير بعد وطء الزوج الثانى بين أخذها بالعقد الأول، وبين تركها للزوج الثاني ويأخذ منه قدر صداقها الذي أصدقها الثاني على التفصيل المتقدم.

(وتضمن البينة) التي شهدت بوفاته (ما تلف من ماله) أي: مال من

شهدت بوفاته، لأن شهادتهما سبب استيلاء الغير على ماله.

(و) ضمنت أيضا (مهر) الزوج (الثاني) الذي أخذه منه الزوج الأول،

لأن شهادة اليينة سبب ذلك.

وللمالك أيضا: تضمين من باشر إتلاف ماله؛ لأنه أتلفه بغير إذن مالكه.

(ومتى فرق) بالبناء للمفعول أي: فرق الحاكم (بين زوجين لموجب)

شرعي يقتضي التفريق بينهما، (ثم بان انتفاؤه) أي: انتفاء الموجب للتفريق،

كمن له زوجتان تزوجهما مرتين، تم قامت بينة أن الثانية أخت للأولى ففرق

الحاكم بينهما وتزوجت بآخر، ثم تبين خطأ الشهود وظهر أن أخت زوجته غير

(1)

في ج: المرأة.

ص: 108

التي كانت في عصمته: (فكمفقود) يعنى: فإن حكم ذلك حكم المفقود إذا

تربصب زوجته المدة الشرعية واعتدت وتزوجت فإنها ترد إليه إن لم يكن وطئها الزوج الثانى، ويخير بعد وطئه بين أخذها وأخذ صداقها الذي أصدقها الثانى.

ذكره في " الفروع " عن الشيخ تقي الدين، واقتصر عليه، وعبارته كما في المتن. وقال الشيخ تقي الدين في موضع آخر: خروج البضع من ملك الزوج متقوم

بالمسمى كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وهو أخص الروايتين عن أحمد. ثم

قال: ونظير هذا أن يشهد قوم بتعذر النفقة من جهة الزوج فيفرق الحاكم بينهما ثم يظهر أن النفقة لم تكن تتعذر وقد تزوجت من دخل بها، فقياس المفقود: أن يخير الزوج بين امرأته وبين مهرها. وكذلك لو فرق الحاكم لكونه عنينا ثم تبين خلافه. وبالجملة فكل صورة فرق بينه وبين امرأته لسبب يوجب الفرقة ثم تبين انتفاء ذلك السبب فهو يشبه المفقود. والتخيير فيه بين المرأة والمهر أعدل الأقوال.

(ومن أخبر بطلاق) زوج (غائب و) أخبر (انه وكيل) شخص (آخر في

إنكاحه بها) أي: بالزوجة التي أخبر أن زوجها الغائب طلقها، (وضمن المهر)

أي: مهر الشخص الذي ذكر أنه وكيله في إنكاحه بها، (فنكحته) أي: نكحت الشخص بمباشرة من ذكر أنه وكيله، (ثم جاء الزوج) الغائب (فأنكر) ما ذكر

عنه من طلاقها: (فهى زوجته) أي: فهي باقية على نكاحه، لأنه لم يثبت ما

يرفعه، (ولها المهر) على من نكحته معتمدة على ما ذكر لها بوطئه.

قال في " الفروع " بعد أن قدم ما في المتن: وقيل: كمفقود. ذكره في

" المنتخب ". انتهى.

(وإن طلق غائب) زوجته في غيبته، (أو مات: اعتدت منذ الفرقة)

يعني: فعدتها من يوم طلق أو من يوم مات مطلقا على الأصح؛ لأن معنى

العدة: ان تستمر بعد الفرقة على حالها في منع نكاح الغير حتى تنقضي مدة

العدة، وهذه ممنوعه من النكاح مدة العدة بعد الطلاق أو الموت .. فوجب

انقضاؤها بذلك.

(وإن لم تحد) يعني: وإن لم تأت بالإحداد عليه في صورة الموت، لأن

ص: 109

الإحداد ليس شرطا لانقضاء العدة، لأنها لو تركت الإحداد قصدا مع موت

زوجها عندها لم تجب عليها إعادة العدة، فكذا مع غيبته، وسواء ثبت ذلك ببينة

أو أخبرها من تثق به.

(وعدة موطوءة بشبهة أو زنا؛ كمطلقة) أي: كعدة مطلقة، سواء كانت

حرة أو كانت أمة مزوجة، وكذا موطوءة في نكاح فاسد؛ لأنه وطء يقتضي شغل الرحم. فوجبت العده منه، كالوطء في النكاح الصحيح .. وهذا على الأصح.

وعنه: يكفي في الزنا استبراء بحيضة.

ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله:

(إلا أمة) أي: إلا إذا وطئت أمة (غير مزوجة: فـ) ـأنها (تستبرأ

بحيضة) فقط؛ لأن استبرائها من الوطء المباح يحصل بذلك فكذا غيره.

(ولا يحرم على زوج) وطئت زوجته الحرة أو الأمه بشبهه أو زنا (زمن

عدة) من ذلك (غير وطء في فرج) في الأصح؛ لأنها زوجة حرم وطؤها

لعارض مختص بالفرج. فأبيح الاستمتاع منها بما دونه، كالحيض.

(ولا ينفسخ نكاح بزنا). نقله الجماعة عن أحمد. وقال حديث

النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ترد يد لامس "

(1)

: لا يصح.

(وإن أمسكها) زوجها بأن لم يطلقها من أجل زناها (استبرأها) بأن لم

يطأها حتى تنقضي عدتها كغيرها من المعتدات. والحديث على ظاهره: أنها

كانت وطئت.

(1)

أخرجه النسائي في " سننه "(3465) 6: 170 كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(2149) 2: 220 كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء بمعناه.

ص: 110

] فصل: إذا وطئت معتدة]

(فصل. وإن وطئت معتد؛ بشبهة، أو) وطئت بـ (نكاح فاسد: أتمت عدة

الأول)، سواء كانت عدته من نكاح صحيح أو فاسد أو من وطء شبهة،] ما لم

تحمل من الثاني. فتنقضي عدتها بوضع الحمل قبل أن تتم عدة الأول، كما يأتي

في المتن]

(1)

.

(ولا يحسب منها) أي: من عدة الأول (مقامها عند الثاني) يعني: أن

المعتدة لو تزوجت في عدتها زوجا ثانيا غير الأول فوطئها ثم لم يفرق بينهما إلا

بعد مدة لم يحتسب من عدة الأول زمن مقامها عند الثانى في الأصح؛ لأن عدة الأول انقطعت بوطء الثانى.

(وله) أي: وللزوج الأول إن كان طلاقا رجعيا (رجعة رجعية في التتمة)

في الأصح. يعني: انه إذا فرقنا بينهما بعد أن وطئها الثانى وأمرناها بأن تتم

عدتها من الأول، فإن كان طلاقه رجعيا فله رجعتها في زمن تتمة عدتها، لأن

حقه من رجعتها لم تنقطع، وكما لو وطئت بشبهة أو زنا.

(ثم اعتدت) بعد أن تتم عدة الأول (لوطء الثانى)؛ لما روى مالك

بإسناده عن علي رضي الله تعالى عنه " أنه قضى في الذي تزوج في عدتها: أنه يفرق بينهما، ولها الصداق بما استحل من فرجها "

(2)

.

وتكمل ما أفسدت من عدة الأول وتعتد من الاخر.

ولأنهما حقان اجتمعا لرجلين. فلم يتداخلا وقدم اسبقهما، كما لو تساويا

في مباح غير ذلك.

(1)

ساقط من أ.

(2)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 7: 441 كتاب العدد، باب اجتماع العدتين.

ص: 111

(وإن ولدت من أحدهما) أي: الزوج والواطئ بشبهة، أو الزوج الأول

والزوج الذي تزوجته في عدتها (عينا) أي: يعينه، ويكون للأول عينا إذا أتت

به لدون ستة أشهر من وطء الثانى، ويكون للثانى عينا إذا أتت به لأكثر من أربع سنين منذ بانت من الأول، (أو ألحقته به) أي: بأحدهما (قافة، وأمكن)

كونه ممن ألحقته به القافة: (بأن تأتي به لنصف سنة فأكثر من وطء الثاني،

ولأربع سنين فأقل من بينونة الأول: لحقه) أي: لحق بمن ألحقته به القافة مع

إمكان كونه منه، (وانقضت عدتها) ممن لحق به الولد (به) أي: بوضع

الولد، لأنه حمل وضعته فانقضت عدة أبيه به دون غيره. (ثم اعتدت للآخر)

أي: للذي لم يلحق به الولد؛ لبقاء حقه من العدة.

(وإن ألحقته) أي: ألحقت القافه الولد (بهما) أي: بالواطئين:

(لحق) بهما، (وانقضت عدتها به منهما)، لأن الولد قد ثبت نسبه منهما.

فتنقضي عدتها به لكل وأحد منهما، كما لو لم يكن مع أحد الواطئين اخر

(1)

.

(وإن أشكل) على القافة، (أو لم توجد قافه، ونحوه)؛ كما لو اختلف

قائفان: (اعتدت بعد وضعه بثلاثة قروء)؛ لأنه إن كان من الأول فقد أتت

بما عليها من عدة الثاني، وإن كان من الثانى فعليها أن تكمل عدة الأول ليسقط الفرض بيقين. وإن نفته القافة عنهما لم ينتف؛ لأن عمل القافة ترجيح أحد

صاحبي الفواش، لا في النفي عن الفواش كله.

(وإن وطئها مبينها فيها) أي: في عدتها منه (عمدا) من غير شبهة:

(فكأجنبي) أي: فكوطء أجنبي تتم العدة الأولى ثم تبتدئ العدة الثانية للزنا،

لأنهما عدتان من وطئين يلحق النسب في أحدهما دون الاخر. فلم يتداخلا؛

كما لوكانا من رجلين.

(و) إن وطئها مبينها في عدتها منه (بشبهة: استأنفت عدة للوطء،

ودخلت فيها بقية الأولى)، لأنهما عدتان من وأحد لوطئين يلحق النسب فيهما

لحوقا وأحدا. فتداخلا، كما لو طلق الرجعية في عدتها.

(1)

في أ: الاخر.

ص: 112

(ومن وطئت زوجته بشبهة، ثم طلق: اعتدت له) أي: للطلاق بعد

الدخول؛ لأنها عدة مستحقة بالزوجية. فقدمت على غيرها؛ لقوتها، (ثم

تتم) العدة (للشبهه)؛ لأنها عدة مستحقة بالوطء. فلا تبطل بتقديم حق الغير

عليها؛ كالدينين إذا قدم صاحب الرهن فيهما.

(ويحرم وطء زوج) أي: زوج من وطئت بشبهة (ولو مع حمل منه) أي:

من الزوج (قبل عدة واطئ)؛ لأنها عدة قدمت على حق الزوج فمنع من الوطء

قبل انقضائها، فإذا ولدت اعتدت للشبهة، فإذا انقضت حل للزوج وطؤها.

(ومن تزوجت في عدتها: لم تنقطع) عدتها بصورة العقد (حتى يطأ) ها

الثانى؛ لأن عقده باطل لا تصير به المرأة فراشا، ولا يستحق عليه بالعقد شيء.

فإذا وطئها انقطعت العده، (ثم إذا فارقها) من تزوجته في عدتها بنفسه أو

بتفريق: (بنت على عدتها من الأول)؛ لأن

(1)

حقه أسبق.

ولأن عدتها منه وجبت عن دخول في نكاح صحيح.

(واستأنفتها) أي: ابتدأت عدة كاملة (للثاني)؛ لأنهما عدتان من رجلين

فلا يتداخلان.

وإن ولدت من أحد الرجلين وهما المطلق ومن وطئها في العدة: انقضت

عدتها منه؛ لبراءة رحمها منه بالولادة، وتعتد للآخر الذي لم تلد منه. وإن

أمكن كون ما ولدته منهما فكما سبق.

(وللثاني) وهو الذي تزوجته في عدلها ووطئها (أن ينكحها بعد) انقضاء

(العدتين) على الأصح، لأنه لا يخلو إما ان يكون تحريمها على زعم من

يحرمها أبدا بالعقد، أو بالوطء في النكاح الفاسد، أو بهما. وجميع ذلك

لا يقتضي التحريم بدليل ما لو نكحها بلا ولي ووطئها.

ولأنه لو زنا بها لم تحرم عليه على التأبيد فهذا أولى.

(1)

في ج: لأنه.

ص: 113

ولأن آيات الإباحة عامة؛ كقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} [النساء: 24].وقوله: (الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ)[النساء: 25] فلا يجوز تخصيصها بغير

دليل.

وما روي عن عمر في تحريمها عليه على التأبيد فقد خالفه علي فيه.

وروي عن عمر أيضا: أنه رجع عن قوله بالتحريم إلى قول علي فإن عليا

قال: " إذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب. فقال عمر: ردوا الجهالات

إلى الشبه ". ورجع إلى قول علي رضي الله تعالى عنهما.

(وتتعدد) العدة (بتعدد واطئ) حرة (بشبهة)؛ لحديث عمر.

ولأنهما حقان مقصودان لآدميين. فلم يتداخلا؛ كالدينين؛ لأن كل واحد

من الواطئين له حق في عدته؛ للحوق النسب في وطء الشبهة.

الا) إن تعدد الواطئ (بزنا) فإن العدة لا تتعدد في الأصح؛ لعدم لحوق

النسب فيه. فيبقى القصد العلم ببراءة الرحم. ولهذا يكفي فيه الاستبراء في

رواية، وتكون أول عدة الزانية من آخر وطء.

(وكذا أمة في استبراء) يعني: أن الأمة إذا تعدد واطئها بشبهة لزمها استبراء

بعدده، قياسا على قول عمر في الحرة.

وإن تعدد واطئها بزنا لزمها استبراء واحد. فإن كانت غير مزوجة كفاها

حيضة، وإن كانت مزوجة اعتدت بحيضتين كما سبق.

(ومن طلقت طلقة) رجعية (فلم تنقض عدتها) ولم يراجعها (حتى طلقت

أخري بنت) على ما مضى من عدتها؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا

رجعة. فأشبها الطلقتين في وقت واحد.

(وإن راجعها ثم طلقها) قبل الدخول أو بعده: (استأنفت) العدة على

الأصح؛ لأن الرجعة إزاله لشعث الطلاق الأول، وإعادة إلى النكاح الذي كانت

فيه. فوجب أن تستأنف العدة للطلاق الثانى؛ (كفسخها) نكاحها (بعد

ص: 114

رجعة) من طلاق رجعي (لعتق أو غيره)، وطئها بعد الرجعة أو لم يطأها.

وقد علم مما تقدم أن الفسخ لو وقع من غير رجعة أنها تبني على ما مضى من

عدتها؛ لأنهما فراقان لم تتخللهما رجعة ولا وطء. فكانت العدة لهما؛

كالطلاقين اللذين لم تتخللهما رجعة ولا وطء.

(وإن أبانها، ثم نكحها في عدتها، ثم طلقها قبل دخوله بها: بنت) على

ما مضى من عدتها على الأصح، لأنه طلاق في نكاح ثان قبل المسيس والخلوة

فلم يوجب عدة، لعموم قوله سبحانه وتعالى:{ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49].

والفرق بين هذه وبين ما إذا راجعها ثم طلقها قبل الدخول: أن الرجعة إعادة

إلى النكاح الأول فالطلاق في عدة الرجعية طلاق عن نكاح واحد. فكان استئناف

العدة في ذلك أظهر، لأنها مدخول بها، ولولا الدخول ما كانت رجعية

(1)

،

والطلاق في البائن بعد النكاح طلاق عن نكاح متجدد ولم يتصل به دخول ولذلك

يتنصف به

(2)

المهر. فكان البناء فيه أظهر.

(و) أما (إن انقضت) عدتها (قبل طلاقه: فلا عدة له)، لأنه طلاق من

نكاح قبل الدخول، فلا يقال فيه: تبني ولا تستأنف.

(1)

في ج: رجعة.

(2)

في ج: فيه.

ص: 115

[فصل: في الإحداد]

(فصل. يحرم إحداد) - وسيأتي تعريفه- (فوق ثلاث) أي: ثلاث ليال،

وتدخل الأيام بالتبعيه (على ميت غير زوج)؛ لما روت زينب بنت أم سلمة

قالت: "دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان.

فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضها. وقالت: والله! مالي بالطيب من حاجة، غير أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق تلاث ليال، إلا على زوج أربعة

(1)

أشهر وعشرا "

(2)

. متفق عليه.

(ويجب) الإحداد (على زوجته) أي: زوجة الميت إن كانت (بنكاح

صحيح)؛ لأن النكاح إن كان فاسدا فهي ليست زوجة على الحقيقة الشرعية.

ولأنها من كانت تحل له ويحل لها فتحزن على فقده.

(ولو) كانت (ذمية) والزوج مسلم أو ذمي، (أو) كانت (أمة) والزوج

حر أو عبد، (أو) كانت (غير مكلفة) والزوج مكلف أو غير مكلف (زمن

عدته)؛ لعموم الأحاديث فيهن، ولتسأويهن في اجتناب المحرمات، وكذلك

في حقوق النكاح. فتساوين في الإحداد؛ لأنه اجتناب محظور. وإنما تفارق

غير المكلف في عدم الإثم.

وعلم مما تقدم: أن الإحداد لا يجب على البائن على الأصح، سواء كانت

بطلقة أو بثلاث أو بفسخ.

(1)

في أ: فوق أربعة.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(5024) 5: 2042 كتاب الطلاق، باب تحد المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(486 1) 1: 1123 كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة

ص: 116

(ويجوز) الإحداد (لبائن).

قال في "الفروع ": إجماعا، لكن لا يسن لها. قاله في "الرعاية". انتهى.

(وهو) أي: والإحداد: (ترك زينة، و) ترك (طيب؛ كزعفران ولو كان

بها سقم)؛ لأن الطيب يحرك الشهوة ويدعو إلى المباشرة. فلا يحل لها

استعمال الأدهان المطيبة؛ كدهن الورد والبنفسج والياسمين واللبان

(1)

وما أشبه

ذلك؛ لأن الأدهان بذلك استعمال للطيب.

(و) ترك (لبس حلى ولو خاتما) في قول عامة أهل العلم؛ لقول

النبى صلى الله عليه وسلم: " ولا الحلي "

(2)

.

ولأن الحلي يزيد حسنها ويدعو إلى مباشرتها.

(و) ترك لبس (ملون من ثياب لزينة؛ كأحمر، وأصفر، وأخضر وأزرق

صافيين. وما صبغ قبل نسج؛ كـ) الذي صبغ (بعده) في الأصح.

(و) ترك (تحسين بحناء أو اسفيذاج

(3)

.

و) ترك (تكحل ب) كحل (أسود بلا حاجة) إلى الكحل الأسود.

(و) ترك (ادهان بـ) دهن (مطيب.

و) ترك (تحمير وجه، وحفه، ونحوه)؛ كنقشه. ومن ذللى: تنقيطه

والتخطيط. وذلك لما روت أم عطية قالت: " كنا ننهى أن تحد على ميت فوق

ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس

ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب "

(4)

. رواه البخاري ومسلم.

(1)

في أ: والبان.

(2)

عن أم سلمة زوج النبي صصص، عن النبي صصص أنه قال:" المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقه، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل ".

أخرجه أبو داود في " سننه "(2304) 2: 292 أبواب الطلاق، ياب فيما تجتنبه المعدة في عدتها.

(3)

الاسفيذاج هو: رماد الرصاص والآنك.

(4)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(27 0 5) 5: 43 0 2 كتاب الطلاق، باب القسط للحادة عند الطهر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (938) 2: 128 1 كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الو فاة

ص: 117

وفي رواية قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر

أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج فإنها لا تكتحل، ولا تلبس ثوبا

مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تمس طيبا إلا إذا ظهرت نبذة من قس أو

أظفار "

(1)

. متفق عليه.

والعصب: ثياب من اليمن فيها بياض وسواد،] يصبغ غزلها ثم ينسج]

(2)

.

(ولا تمنع) المعتدة لوفاه (من صبر) تطلي به بدنها؛ لأنه لا طيب فيه،

(إلا في الوجه) فلا تطلي به وجهها؛ لما روت أم سلمة قالت: " دخل على

رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا. فقال: ماذا يا أم سلمة؛ فقلت: إنما هو صير ليس فيه طيب. قال: إنه يشب

(3)

الوجه.

لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه

خضاب"

(4)

.

(ولا) تمنع أيضا من (لبس) ثوب (أبيض ولو) كان الأبيض (حسنا) من

إبريسم؛ لأن حسنه من أصل خلقته. فلا يلزم تعييره؛ كما أن المرأة إذا كانت

حسنة الخلقة لا يلزمها أن تغير نفسها في عدة الوفاة وتشوه نفسها.

(ولا) تمنع من (ملون لدفع وسخ؛ ككحلي، ونحوه)؛ كالأسود

والأخضر الذي ليس بالصافي.

(ولا) تمنع (من نقاب) في الأصح.

وقيل: بلى؛ لأنها شبيهة بالمحرمة.

والأول أصح؛ لأن ذلك ليس منصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(028 5) 5: 43 0 2 كتاب الطلاق، باب تلبس الحادة ثياب العصب.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(938) 2: 127 1 الموضع السابق.

(2)

ساقط من أ ..

(3)

في ج: يشبه

(4)

أخرجه أبو دأود في " سننه "(2305) 2: 292 أبواب الطلاق، باب فيما تجتنبه المعتده في عدتها.

ص: 118

وإنما منعت منه المحرمة، لكونها ممنوعة من تغطية وجهها. بخلاف الحادة

على زوجها.

ولأن المحرمة يجوز لها لبس المعصفر من الثياب والمزعفر. بخلاف الحادة

فلا يصح القياس عليها.

(و) لا تمنع الحادة أيضا (من أخذ ظفر، ونحوه)، كنتف إبط، وأخذ

شعر مندوب إلى أخذه.

(ولا من تنظف وغسل)؛ لأن ذلك لا يراد للزينة ولا للطيب.

(ويحرم تحولها) أي: تحول المعتدة للوفاه (من مسكن وجبت فيه)

العدة. روي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وابن مسعود وأم سلمة. وبذلك

يقول مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماعة من فقهاء الأمصار.

(إلا لحاجة) يعني: إلا أن تدعو الحاجة إلى خروجها منه،

(كـ) ـالخروج منه (لخوف ولحق) يجب عليها الخروج من أجله، (و) من

أجل (تحويل مالكه) أي: مالك المسكن (لها) أي: للمعتدة للوفاة.

[(وطلبه) أي: طلب مالك المسكن من المعتدة للوفاة (فوق أجرته)

أي: أجرة مثله، (أو لا تجد) المعتدة للوفاة]

(1)

(ما) أي: مالا (تكتري به

إلا من مالها)، لأن الواجب عليها السكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت

السكنى سقطت، (فيجوز) تحولها (إلى حيث شاءت)؛ لأن ذلك محل

ضرورة وعذر. وهذا الأصح.

وقيل: إنما تنتقل إلى أقرب موضع يمكنها؛ لأنه أقرب إلى موضع

الوجوب.

والأول أصح؛ لأن الواجب سقط بالعذر، والشرع لم يرد بالاعتداد في

معين غيره. فاستوى فيه القريب والبعيد.

والأصل في ذلك ما روت فريعة بنب مالك قالت: " خرج زوجي في طلب

(1)

ساقط من أ.

ص: 119

أعبد له. فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه. فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور

أهلي. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي، ولم يدع نفقة ولا مالا، وليس المسكن له فلو تحولت

إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني. قال: تحولي. فلما خرجت

إلى المسجد دعانى أو أمر بي

(1)

فدعيت. فقال: امكثي في بيتك الذي أتاك فيه

نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا "

(2)

.

رواه الخمسة وصححه الترمذي.

وزادوا إلا النسائي وابن ماجه قالت: " فأرسل إلي عثمان فأخبرته فأخذ به فأمرها بالمكث في بيتها الذي أتاها فيه نعي زوجها بعد الرخصة في الخروج منه "

(3)

.

وذلك يدل على المنع منه، لأنه لو جاز لاستمر على الإذن فيه، وإنما يجب

عليها المكث مع عدم الضرورة إلى النقلة. فإن اضطرت إلى النقلة بأن وجد شيء

من الأعذار المذكورة في المتن، أو خافت على نفسها فيه من سيل، أو نار، أو

فتنة، أو لص، أو نحو ذلك: جاز لها أن تنتقل؛ لأن ذلك كله موضع

ضرورة.

(وتحول) المعتدة بالبناء للمفعول (لأذاها، لا من حولها) يعني: أن

المعتدة إذا حصل منها أذى لمن حولها حولت عنهم في الأصح.

وقيل: يحولون عنها.

(1)

في ج: أمرني.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2300) 2: 291 أبواب الطلاق، باب في المتوفى عنها تنتقل. وأخرجه الترمذي في " سننه " (1204) 3: 492 كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء أين تعتد المتوفى

عنها زوجها.

وأخرجه النسائي في " سننه "(3532) 6:. 200 كتاب الطلاق، عدة المتوفى عنها زوجها من يوم

يأتيها الخبر.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2031) 1: 654 كتاب الطلاق، باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها. وأخرجه أحمد في " مسنده " (1 2740) 6:421.

(3)

أخرجه أحمد في " مسنده "(131 27) 6: 0 37.

ص: 120

(ويلزم) معتدة (منتقلة) من المنزل الذي وجبت فيه العدة (بلا حاجة) إلى

نقلها، (العود) إليه؛ لتتم عدتها فيه.

(وتنقضي العدة) أي: عدة المتوفى عنها (بمضي الزمان) الذي تنقضي به

العدة (حيث كانت) أي: في أي مكان، لأن المكان ليس شرطا لصحة الاعتداد.

(ولا تخرج) المعتدة للوفاة (إلا نهارا)؛ لأن الليل مظنة الفساد، وإذا

خرجت نهارا فإنما يكون خروجها (لحاجتها)، من بيع وشراء ونحوهما

للضروره.

(ومن سافرت) زوجته دونه (بإذنه، أو) سافرت (معه لنقلة) من بلد

(إلى بلد، فمات) زوجها (قبل مفارقة البنيان) أي: بنيان البلد التي خرجت

منها رجعت

(1)

فاعتدت بمنزله؛ لأن من لم يفارق بنيان البلد في حكم المقيم

بالبلد. فيجب عليها العدة في المنزل الذي هي ساكنة فيه،

(أو) سافرت (لغير النقلة)، كتجارة وزيارة (ولو) كان سفوها (لحج

ولم تحرم) ومات (قبل مسافة قصر: اعتدت بمنزله) أيضا، لما روى سعيد

بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: "توفي

(2)

أزواج نساء وهن حاجات أو

معتمرات، فردهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن "

(3)

.

ولأنها أمكنها الاعتداد في منزلها قبل أن تبعد. فلزمها؛ كما لم تفارق البنيان.

ولأن البعيدة وهي التي سافرت مسافة قصر لا يلزمها الرجوع، لأن عليها في

ذلك مشقة وتحتاج إلى سفو طويل فى رجوعها. أشبهت من بلغت مقصدها.

(و) إن مات زوجها (بعدهما) أي: بعد مفارقة البنيان فيما إذا كان سفوها

لنقلة، أو بعد مسافة القصر فيما إذا كان سفرها لغير النقلة، فإنها (تخير) بين أن ترجع فتعتد في منزلها، أو تمضي إلى مقصدها فتعتد هناك، لأن كلا من البلدين

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: توفي نساء.

(3)

أخرجه سعيد بن منصور في " سننه "(1343) 1: 317 باب المتوفى عنها زوجها أين تحتد.

ص: 121

صار منزلا لها، لأن الأول قد كانت ساكنة فيه

(1)

، وقد خرج الآن عن كونه منزلا بإذنه في الانتقال عنه، كما لو حولها قبل ذلك، والثانى لم يصر بعد منزلا، لأنها

لم تسكنه. فوجب تخييرها بينهما، لأنهما سواء في عدم كونهما الآن منزلا لها.

(وإن أحرمت) بالحج (ولو) كان إحرامها (قبل موته)، أو كان بعده

ومات زوجها قبل بلوغها مسافة قصر (وأمكن الجمع) بين اعتدادها في منزلها

وبين الحج، بأن كان الوقت يتسع لهما من غير فوات الحج:(عادت) إلى

منزلها فاعتدت به، كما لو لم تحرم.

(وإلا) أي: وإن لم يمكنها الجمع بأن كان الوقت يتسع لهما: (قدم

حج) أي: قدمت الحج (مع بعد) بأن كانت بعدت عن البلدة التي سافرت منها

مسافة قصر فأكثر" لأن الحج وجب بالإحرام، وفي منعها من إتمام سفرها ضرر عليها بتضييع الزمان والنفقة، ومنع أداء الواجب فلا يجب الرجوع لذلك، فإذا

رجعت من الحج وقد بقي من عدتها بقية أتمتها في منزلها.

(وإلا) أي: وإن لم تبعد مسافة قصر وقد أحرمت: (فالعدة) أي:

قدمت العدة على الأصح، (وتتحلل لفوته) أي: فوت الحج (بعمرة) فتبقى

على إحرامها حتى تنقضي عدتها، ثم تسافر للعمرة فتأنى بها، لأنها محرمة

منعها مانع من الحج. فوجب أن تتحلل منه بعمرة، كالمحصرة.

ولما فرغ من الكلام على المعتدة للوفاة شرع في الكلام على المفارقة في

الحياة فقال:

(وتعتد بائن) بطلقه أو أكثر أو بفسخ (بـ) مكان (مأمون من البلد) الذي

بانت فيها (حيث شاءت) منه. نص عليه.

وذلك لما روت فاطمة بنت قيس قالت

(2)

: " طلقني زوجي ثلاثا فأذن لي

رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعتد في أهلي"

(3)

. رواه مسلم.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: قال.

(3)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1480) 2: 1118 كتاب الطلاق، باب المطلقه ثلاثا لا نفقة لها.

ص: 122

(ولا تبيت إلا به) أي: بالمكان المأمون الذي شاءته من البلد على الأصح.

(ولا تسافر) قبل انقضاء عدتها على الأصح؛ لما في البينونة عن منزلها

والسفر إلى غير بلدها من التبرج والتعرض للريبة. فمنعت لأجل ذلك.

(وإن سكنت علوا)، وسكن مبين في السفل، (أو) سكنت (سفلا، و)

سكن (مبين في الآخر و) كان (بينهما باب مغلق) جاز؛ كما لو

(1)

كانا

بحجرتين متجاورتين، (أو) كان (معها محرم) ولو لم يكن بينهما باب مغلق:

(جاز)؛ فحفظها بمجردها، وترك ذلك أولى. قاله في " شرح المقنع ".

ولا يجوز ذلك مع عدم المحرم؛ لأن الخلوة بالأجنبية محرمة.

(وإن أراد) مبينها (إسكانها بمنزله، أو غيره) أي: غير منزله (مما يصلح

لها) أي: أن يكون سكنا لمثلها، حال كون إرادته لذلك (تحصينا لفراشه ولا

محذور فيه) من خوف على نفسها منه، أو من غيره، أو غير ذلك من

المحذور: (لزمها) ذلك؛ لأن الحق له فيه وضرره عليه. فكان إلى اختياره؛

كسائر الحقوق، حتى (وإن لم تلزمه نفقة؛ كمعتدة لشبهة) أي: من وطء شبهة،

(أو) من (نكاح فاسد، أو مستبراة لعتق) فإنه لا تجب السكنى عليهن؛

لاختيار السيد والواطئ. ولا خلاف: أنه لا يلزم الواطئ ولا السيد إسكانهن.

(ورجعيه في لزوم منزل؛ كمتوفى عنها) زوجها. نص عليه؛ وذلك لقول

الله سبحانه وتعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ} [الطلاق: 1] فنهاهن عن الخروج. فلو لم يكن ترك الخروج واجبا لم ينههن عنه، وسواء أذن

لها الزوج في الخروج أو لم يأذن؛ لأن ذلك من حقوق العده، والعدة حق لله

سبحانه وتعالى. فلا يملك الزوج إسقاط شيء من حقوقها؛ كما لا يملك

إسقاطها.

(وإن امتنع من) أي: زوج أو مبين (لزمته سكنى) زوجته أو مبانته الحامل

أو نحو ذلك: (أجبر) أي: أجبره الحاكم.

(1)

ساقط من أ.

ص: 123

(وإن غاب) من لزمته: (اكترى عنه حاكم من ماله) أي: مال الغائب

سكنا لمن لزمته سكناها، (أو اقترض) الحاكم (عليه) إن لم يجد له مالا،

(أو فوض) الحاكم (أجرته) أي: أجرة ما وجب على الغائب من المسكن

لتاأخذ منه إذا حضر نظير ما فرضه.

(وإن اكترته) أي: اكترت من وجبت لها السكنى المسكن (بإذنه) أي:

بإذن من وجبت عليه، (أو) بـ (إذن حاكم، أو بدونهما) أي: بدون إذنه

وإذن الحاكم

(1)

(لعجز) عن استئذان أحدهما، وكذا مع القدرة على استئذان

الحاكم على الأصح من الروايتين في قضاء الدين عن الغير بغير إذن الحاكم: (رجعت) عليه بنظير ما اكترت به، كما لو قام بذلك أجنبي بنية الرجوع.

(ولو سكنت) مع غيبته (في ملكها) بنية الرجوع كليه بأجرته: (فلها

أجرته)، لأنه وجب عليه إسكانها. فلزمته أجرته.

(ولو سكنته) أي: سكنت ملكها، (أو اكترت) مكأنا وسكنته (مع

حضوره وسكوته: فلا) رجوع لها عليه بشيء من ذلك، لأنه ليس بغائب ولا

ممتنع ولا إذن؛ كما لو أنفق على نفسه من لزمت غيره نفقته في مثل هذه الحالة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

في أ: أي بدون إذن الحاكم.

ص: 124

] باب: الاستبر اء]

هذا (باب استبراء الإماء).

والاستيراء: استفعال من البراءة. وهو: التمييز والانقطاع، يقال: برئ

اللحم من العظم: إذا قطع عنه وفصل منه.

(وهو) أي: الاستبراء في عرف أهل الشرع: (قصد علم براءة رحم ملك

يمين) من فن ومكاتبة وأم ولد (حدوثا) أي: عند حدوث الملك بشراء أو قبول

هبة أو وصية أو إرث، (أو زوالا) أي:

(1)

عند إرداة زوال الملك ببيع أو هبة،

أو زوال استمتاعه؛ كما لو أراد تزويجها (من حمل) متعلق ببراءة (كالبا) أي: في الغالب، (بوضع) متعلق يعلم أي: وضع الحمل، (أو) بـ (حيضة

(2)

،

أو) بـ (شهر، أو) بـ (عشرة) أي: عشرة أشهر. وسيأتي كل صورة في

محلها.

وخص الاستبراء بهذا الاسم؛ لتقديره بأقل ما يدل على البراءة من غير تكرار

وتعدد فيه. وخص التربص الواجب بسبب النكاح باسم العدة؛ اشتقافا من

العدد؛ لما فيه من التعدد.

والأصل في وجوب الاستبراء؛ ما روى رويفع بن ثابت عن النيي صلى الله عليه وسلم أنه

قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره "

(3)

. رواه أحمد والترمذي وأبو داود.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: أو حيضة.

(3)

أخرجه ابو داود في " سننه "(20158) 2: 248 كتاب النكاح، باب في وطء السبايا.

وأجرجه الترمذي في " جامعه، (1131) 3: 437 كتاب النكاح، با ب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل.

وأخرجه أحمد في "مسنده "(33 0 7 1.) 4: 108.

ص: 125

وروى أبو سعيد " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة "

(1)

. رواه أحمد وأبو داود.

(ويجب) الاستبراء (في ثلاثة مواضع) لا أكثر:

(أحدها: إذا ملك ذكر ولو) كان (طفلا) بأي نوع من أنواع التملكات

(من) أي: أمة (يوطأ مثلها)، بكرا كانت أو ثيبا [(ولو مسبيه) على

الأصح]

(2)

، تحيض (أو لم تحض) لصغر أو إياس، (حتى) ولو كان ملكها

(من طفل وأنثى لم يحل استمتاعه بها، ولو بقبلة) على الأصح، (حتى

يستبرئها)، لعموم حديث رويفع وحديث أبي سعيد المتقدمين.

ولأنه ملك جارية محرمة عليه فلم تحل له قبل استبرائها. فلم يفترق الحال

فيه بين البكر والثيب، والتي تحمل والتي لا تحمل، كالعدة.

قال أبو عبد الله: بلغني أن العذراء تحمل فقال له بعض أهل المجلس: نعم

قد كان في جيراننا.

(فإن عتقت قبله) أي: قبل الاستبراء: الم يجز أن ينكحها) يعني:

يتزوجها، (ولم يصح) نكاحها منه إن تزوجها على الأصح (حتى يستبرئها)،

لأنها أمة يحرم عليه وطؤها قبل استبرائها فحرم عليه أن يتزوجها. فإن تزوجها لم يصح العقد.

] ومقدمات الوطء من. القبلة واللمس ونحو ذلك كالوطء، لأن الاستبراء

يحرم الوطء. فحرم الاستمتاع، كالعقد.

ولأنه لا يؤمن كونها حاملا من بائعها فتكون أم ولد فلا يصح بيعها، فيكون

مستمتعا بأم ولد غيره]

(3)

.

(وليس لها نكاح كيره) أي: غير سيدها (ولو لم يكن بائعها يطأ).

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2157) الموضع السابق.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(11614) 3: 62.

(2)

ساقط من أ.

(3)

ساقط من أ.

ص: 126

قال في " الإنصاف ": وهو المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة. قدمه

في " المحرر " و" النظم " و" الفروع " و" المستوعب ".

(إلا على رواية).

قال (المنقح) في " التنقيح ": (وهي أصح).

وقال في " الإنصاف ": هذا إحدى الروايتين.

قال في " المحرر ": وهو أصح.

قال في " الرعاية الصغرى ": ولها نكاح غيره على الأصح.

وقال في " الكبرى ": ولها نكاح غيره على الأقيس. وقواه الناظم، وجزم

به في " المغني " و" الشرح " و" الوجيز " و" شرح ابن منجا " و" تذكرة ابن عبدوس ". وقدمه في " الحاوي الصغير ". انتهى كلامه في " الإنصاف ".

ووجه

(1)

عدم صحة تزويجها؛ لأنها أمة حرم عليها وطؤها قبل استبرائها.

فحرم عليه تزويجها؛ كما لو اشتراها وهي مطلقة لم تنقض عدتها.

ووجه رواية صحة تزويجها إذا لم يكن بائعها يطؤها: أن عقد التزويج تصرف

بغير الوطء، وكان يملكه البائع قبل نقل الملك عنه فكان للمشتري ما كان يملكه

البائع؛ لأنه لا محذور فيه. فوجب أن يصح؛ كما لو صدر من البائع قبل البيع. (ومن أخذ من مكاتبه أمة حاضت عنده) أي: عند المكاتب، (أو باع)

أمته، (أو وهب

(2)

امته، ثم عادت إليه) الأمة (بفسخ أو غيره) ولو قبل

تفرقهما عن المجلس على الأصح (حيث انتقل الملك: وجب استبراؤها ولو)

كان ذلك (قبل قبض) أي: قبض المشتري أو المهتب الأمة على الأصح؛ لأنه

تجديد ملك، وسواء كان المشتري رجلا أو امرأة.

وهنا مسائل لا يجب فيها استبراء أشير إليها بقوله:

(1)

في أ: وجه.

(2)

في ج: وهبت.

ص: 127

(لا إن عادت مكاتبته) إليه، (أو) عاد إليه (رحمها المحرم، أو) عاد

إليه (رحم مكاتبه المحرم بعجز) أي: عجز مكاتبته أو مكاتبه عن أداء مال

الكتابة، (أو فك أمته من رهن، أو أخذ من عبده التاجر أمة وقد حضن قبل

ذلك) أي: قبل العود، وقبل فك الرهن، وقبل أخذها من عبده التاجر، فإنه

لا يجب عليه استبراء، لأنه ملكه سبق على العود إليه.

أما المكاتبة، فلأن ملكه لها متقدم على الكتابة ومملوكتها ملكه بملكه لها؛

لأن مملوك المكاتب قبل الوفاء مملوك للسيد فإذا عجز عاد إليه. والمرهونة ملكه

لم يزل الملك عنها بالرهن فالملك فيها

(1)

بحاله، وأمة عبده التاجر ملكه يملكها

بشراء

(2)

العبد لها كالوكيل. وإنما يجب الاستبراء بالملك المتجدد وهذه لم

يتجدد ملك له فيها وقد حضن في ملكه. فلم يجب عليه استبرأوهن مرة أخري.

(أو أسلمت) أمة (مجوسيه) حاضت عند سيدها المسلم، (أو) أسلمت

(وثنيه) حاضت عنده، (أو مرتدة حاضت عنده) يعني: فلا استبراء في

الأصح؛ لأنه لم يتجدد له ملك في واحدة من هؤلاء. والاستبراء إنما يكون

لمعرفة براءة الرحم من ماء الغير، وهؤلاء قد علم برائتهن بالاستبراء عقب الملك فأما بعد ذلك فلا فائدة فيه.

(أو) أسلم (مالك بعد ردة، أو ملك صغيرة لا يوطأ مثلها) فلا استبراء في

الصورتين على الأصح.

اما في الأولى؛ فلأن ملك المرتد

(3)

لم يزل في الأ صح، فلم يحصل تجديد ملك.

وأما في الثانية؛ فلأن الصغيرة التي لا يوطاً مثلها براءة رحمها ثابتة بالحس،

فلا فائدة إلى استبرائها.

(ولا) يجب استبراء أيضا (بملك أنثى من أنثى)، لأن المرأة لا استبراء

عليها بتجدد ملكها.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في أ: شراء.

(3)

في أ: المرتدة.

ص: 128

(وسن) الاستبراء (لمن ملك زوجته) بشراء أو هبة أو إرث أو غير ذلك

(ليعلم وقت حملها) إن بانت حاملأ.

(ومتى ولدت لستة أشهر فأكثر) منذ ملكها: (فأم ولد) يعني: فإنها تصير

أم ولد (ولو أنكر الولد بعد أن يقر بوطئها)؛ لأنه بماقراره بوطئها تصير فراشا له،

(لا) إن أتت بالولد الأقل) من ستة اشهر منذ ملكها، فإنها لا تصير به أم

ولد، (ولا) إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر (مع دعوى استبراء)؛ لإنكاره

كونها فراشا.

(ويجزئ استبراء من) أي: أمة (ملكت بشراء وهبة ووصية وغنيمة

وغيرها) أي: غير هذه الصور، إذا كان الاستبراء (قبل قبض) أي. قبض

الأمه الصبيعة أو الموهوبة أو الموصى بها.

(و) يجزئ استبراء (لمشتر زمن خيار) في بيع في الأصح في الجميع؛

لأن الاستبراء وجد وهي في ملكه. فأجزأه؛ كما لو كان بعد القبض.

ولا يضر كون البيع زمن الخيار بفرض أن ينفسخ؛ لانتقال الملك فيه

للمشتري على الأصح.

(ويد وكيل كيد مؤكل)؛ يعني: أن قبض الوكيل كقبض موكله في الأصح؛

لأنه قائم مقامه.

(ومن ملك) أمة (معتدة من غيره، أو) أمة (مزوجة فطلقـ) ـها زوجها

(بعد دخول) بها، (أو مات) زوجها، (أو زوج) سيد (أمته ثم طلقت بعد.

دخول: اكتفي بالعدة) في الجميع في الأصح؛ لأن الإستبراء لمعرفة براءة

الرحم، والبراءة قد حصلت بالعدة فلا فائدة في الاستبراء بعد العدة، بل هو

ضرر على السيد بمنعه عن أمته بلا ضروره.

(وله) أي: ولمشري أمة في عدتها منه (وطء معتدة منه) بغير طلاق ثلاث

(فيها)؛ لأن المعتدة منه فراش له. فلا يلزمه استبراؤها من مائه، وله أن يطأها

في الحال. ومتى باعها قبل وطئها حلب للمشتري بانقضاء عدتها في الأصح.

ص: 129

(وإن طلقت من) أي: أمة (ملكت) بالبناء للمفعول حال كونها

(مزوجة). يعني: أن من اشترى أمة

(1)

مزوجة فطلقها زوجها (قبل دخول:

وجب استبراؤها) نص عليه. وقال: هذه حيلة وضعها أهل الراي لا بد من

استبرائها، لأنه تجدد له الملك فيها، ولم يحصل استبراؤها في ملكه. فلم تحل

له بغير استبراء، كما لو لم تكن مزوجة.

ولأن إسقاط الاستبراء هنا ذريعة إلى جواز سقوط الاستبراء، بأن يزوج

البائع أمته قبل بيعها فإذا تم البيع طلقها زوجها قبل دخوله.

الموضع (الثاني) من الثلاث مواضيع التي يجب فيها الاستبراء: (إذا وطئ

أمته ثم أراد تزويجها، أو) وطئها ثم أراد (بيعها: حرما) أي: التز ويج والبيع

(حتى يستبرأها).

أما إذا أراد تزويجها فإنه يجب عليه استبرأوها وجها وأحدا، لأن الزوج

لا يلزمه استبراء فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب.

وأما إذا أراد بيعها فإنه يجب استبرأوها على الأصح، لأن عمر أنكر على

عبد الرحمن بن عوف بيع جارية كان يطؤها قبل استبرائها، فروى عبيد الله بن

عمير قال: " باع عبد الرحمن بن عوف جارية كان يقيع عليها قبل أن يستبرئها. فظهر بها حمل عند الذي استبرأها. فخاصموه إلى عمر. فقال له عمر: كنت

تقع عليها قال: نعم. قال: فبعتها قبل ان تستبرئها؟ قال: نعم. قال: ما

كنت لذلك بخليق. قال: فدعا القافة فنظروا إليه فألحقوه به ".

ولأنه يجب على المشتري الاستبراء لحفظ

(2)

مائه فكذلك البائع.

ولأنه قبل الاستبراء مشكوك في صحة البيع وجوازه، لاحتمال أن تكون

أم ولد. فيجب الاستبراء، لإزالة

(3)

الاحتمال.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: لحفظه.

(3)

في ج: لزوال.

ص: 130

ولأنه قد يشتريها من لا يستبرئها، فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه

الأنساب.

(فلو خالف) بأن زوجها أو باعها قبل استبرائها: (صح البيع) على الأصح

في الظاهر، لأن الأصل عدم الحمل (دون النكاح) يعني: أن النكاح لا يصح

على الأصح، لأن استبراءها واجب حفظا لمائه. فلم يصح تزويجها في زمن

الاستبراء، كالمعتدة.

(وإن لم يطأ) ها: (أبيحا) أي: البيع والنكاح (قبله) أي: قبل

الاستبراء، لعدم وجوبه في هذه الحالة.

الموضع (الثالث) من المواضع الثلاثة التي يجب فيها الاستبراء: (إذا

أعتق أم ولده، أو) أعتق (سريته) وهي الأمة المتخذة للوطء، مأخوذ من السر

وهو الجماع، لأنه لا يكون إلا في السر.

قال الأزهري: خصوا الأمة بهذا الاسم فرقا بين المرأة التي تنكح وبين الأمة.

(أو مات عنها: لزمها استبراء نفسها)، لأنها فراش لسيدها وقد فارقها

بالعتق أو الموت. فلم يجز أن تنتقل إلى فراش غيره قبل الاستبراء.

(لا إن استبرأها قبل عتقها). فلا يلزمها استبراء نفسها بعد العتق،

لاستغنائها باستبرائها قبل العتق عن الاستبراء بعده.

(أو أراد) بعد عتقها (تزوجها) أي: أن يتزوجها فإنها لا يلزمها استبراء

نفسها، لأنها لم تنتقل إلى فراش غيره.

(أو) استبراء الأمة المبيعة بائعها (قبل بيعها فأعتقها مشتر) منه قبل

وطئها، فإنه لا يلزمها استبراء نفسها استغناء بالاستبراء الذي قبل بيعها.

(أو أراد) مشتر أمة استبرءها بائعها قبل بيعها (تزويجها) من غيره (قبل

وطئها) أي: قبل أن يطأها المشتري لم يلزمها استبراء نفسها في هذه الصورة،

للعلم ببراءة رحمها بالاستبراء السابق للبيع.

(أو كانت) أم الولد والسرية حال عتقها (مزوجه أو معتدة) فلا يلزمها

ص: 131

استبراء؛ لأنها ليست فراشا لسيدها. فلا يجب عليها استبراء؛ كأمة غيره.

(أو فرغت عدتها) أي: عدة أمة (من زوجها فأعتقها) سيدها (قبل

وطئه) بعد فراغ عدتها لم يلزمها استبراء؛ للعلم ببراءة رحمها بفراغ العدة.

(وإن أبانها) أي: أبان الأمة زوجها (قبل دخوله) بها (أو بعده) أي:

بعد الدخول فاعتدت، (أو مات) زوجها (فاعتدت ثم مات سيدها) في الصور

الثلاث (فلا استبراء) عليها: (إن لم يطأ) ها سيدها بعد عدتها من زوجها؛

لزوال فراش السيد بتزويجها، (كمن لم يطأها) سيدها (أصلا) أي: قبل

تزويجها ولا بعده.

(ومن أبيعت) بالبناء للمفعول من الإماء (ولم تستبرأ) قبل بيعها،

(فأعتقها مشتر قبل وطء و) قبل (استبراء: استبرأت) نفسها، (أو تممت ما

وجد عند مشتر) من الاستبراء إن عتقت في أثنائه.

(ومن اشترى أمة وكان بائعها يطؤها ولم يستبرئها) بائعها قبل بيعه: (لم

يجز) لمشتر (أن يزوجها قبل استبرائها)؛ حذرا من اختلاط المياه، وحفظا

للأنساب.

(وإن مات زوج أم ولد وسيدها، وجهل أسبقهما) موتا، (فإن كان

بينهما) أي: كان بين موتهما (فوق شهرين وخمسة أيام، أو جهلت المدة)

التي بين موت زوجها وسيدها: (لزمها بعد موت آخرهما، الأطول من عدة حرة

لوفاة أو) من زمن (استبراء) على الأصح.

أما عده الوفاة إن كانت اطول؛ فلأنها تجب على تقدير أن يكون الزوج مات

أخيرا فقد مات السيد وهي مزوجة فلا يجب استبراء. وتجب عدة الوفاة دون

الاستبراء لأن ذلك، أحوط لدخول مدته في عدة الوفاة.

وإن كانت مدة الاستبراء أطول وجبت؛ لأنه يمكن أن يكون السيد مات

أخيرا فيجب الاستبراء؛ لأنه بعد انقضاء العدة من الزوج فأوجبناه احتياطا؛ لأنه إنما يجب بعد انقضاء العدة فهو أحوط، لدخول العدة فيه.

ص: 132

(ولا ترث) أم الولد في هذه الصورة شيئا (من الزوج)، لأنها لم تتحقق

حرمتها قبل موت زوجها.

(وإلا) أي: وإن علم أن بين موت سيدها وزوجها شهرين وخمسة أيام

فأقل: (اعتدت كحرة لوفاة فقط)؛ لأنه يحتمل. أن يكون الزوج هو المتأخر.

فلزمها عدة الوفاة من حين موته، لأنه أحوط، لأنه على تقدير أن يكون الزوج هو المتقدم تكون المدة أقصر من هذه فأوجبناه من حين موت الآخر، للاحتياط

لدخول تلك المدة فيها. فسقط به الفرض بيقين، كما أوجبنا فيه عهدة الوفاة.

ولا يلزمها استبراء، لأنه إن كان الزوج هو المتقدم فقد مات السيد وهي معتدة

منه، وإن كان هو المتأخر فقد مات وهي مزوجة. فلا يلزمها استبراء على كلا

التقديرين.

ص: 133

] فصل: في استبراء الحامل]

(فصل. و) يحصل (استبراء حامل: بوضع) أي: وضع ما تنقضي به

العدة، (و) استبراء (من تحيض: بحيضة) كاملة، (لا بقيتها. ولو حاضت

بعد شهر) من حين ملكها: (فـ) استبرائها (بحيضة) كاملة أيضا. نص عليهما

حتى ولو كانت أم ولد على الأصح.

(و) يحصل استبراء (آيسة، وصغيرة، وبالغة لم تحض: بشهر) على

الأصح؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الشهر مكان الحيضة. ولذلل اختلفت

الشهور باختلاف الحيضات فكانت عدة الآيسة ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء،

وعدة الأمة شهرين مكان قرئين، وللأمة المستبرأة التي ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه عشرة أشهر

(1)

، تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة.

(وإن حاضت فيه) أي: في أثناء الشهر: (فبحيضة) يعني: فتنتقل إلى

القروء كالصغيرة إذا حاضت في عدتها.

(و) اما استبراء (مرتفع حيضها ولم تدر ما رفعه: فبعشرة أشهر) على

الأصح.

(وإن علمت) ما رفع حيضها (فكحرة) يعني: أنها لا تزال في استبراء

حتى يعود الحيض. فتستبرئ نفسها بحيضة، إلا ان تصير آيسة فتستبرئ نفسها استبراء الآيسات.

(ويحرم وطء زمن استبراء)؛ كالوطء قبله، (ولا ينقطع) الاستبراء (به)

أي: بالوطء في اثنائه.

(1)

ساقط من أ.

ص: 134

(فإن حملت قبل الحيضة: استبرأت بوضعه) أي: وضع الحمل.

(و) إن أحبلها (فيها) أي: في أثناء الحيضة (وقد ملكها حائضا:

فكذلك) يعني: أنه يحصل استبرأوها بوضع حملها.

(و) إن أحبلها (في. حيضة ابتدأتها عنده) أي: عند المنتقل ملكها إليه:

(تحل في الحال، لجعل ما مضى) قبل إحبالها (حيضة) على الأصح.

ونقل أبو داود: من وطئ قبل الاستبراء: يعجبني أن تستقبل بها حيضة.

(وتصدق) الأمة (في حيض). فلو قالت: حضت جاز له وطؤها.

(فلو) وطئها بعد زمن يمكن أن تحيض فيه حيضة كاملة مدعيا حيضها (أنكرته، فقال: أخبرتني به صدق) عليها؛ لأنه الظاهر.

(وإن ادعت) أمة (موروثة تحريمها على وارث بوطء مورثه)؛ كما لو

ورث أمة عن أبيه، فقالت: أبوك وطئني صدقت.

(أو) ادعت أمة (مشتراة ان لها زوجا: صدقت) في ذلك؛ لأنه لا يعرف

إلا من جهتها.

ص: 135

[كتاب الرضاع]

هذا (كتاب الرضاع.

وهو شرعا: مص) من له حولان فأقل (لبن ثاب من حمل، من ثدي

امراة) أي: مصه من ثدي المرأة، (أو شربه، ونحوه)؛ كأكله بعد تجبينه

والسعوط والوجور به.

(ويحرم كنسب).

والأصل في التحريم بالرضاع الكتاب والسنة والاجماع.

أما الكتاب، فقوله تعالى:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23]. فجعل المرضعة أما، كما جعل المشاركة في الرضاع أختا.

وأما السنة، فمنها ما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة "

(1)

. رواه الجماعه.

(1)

أخرجه الخاري في " صحيحه "(03 5 2) 2: 936 كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1444) 2 1068 كتاب الرضاع، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولاده.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(2055) 20: 221 كتاب النكاح، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1147) 3: 453 كتاب الرضاع، باب ما جاء يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

واخرجه النسائي في " سننه "(3 0 33) 6: 99 كتاب النكاح، ما يحرم من الرضاع.

وأخرجه ابن ماجه في (سننه " (937 1) 1: 623 كتاب النكاح، باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(88 242) 6: 51.

ص: 137

ولفظ ابن ماجه: " من النسب "

(1)

.

وأما الإجماع فإنه لا خلاف بين المسلمين أن الرضاع محرم في الجملة.

وإنما اختلفوا في تفاصيل لا تقدح في الأصل أن يكون مجمعا عليه.

(فمن أرضعت ولو مكرهة) على الإرضاع (بلبن حمل لاحق بالواطئ)

يعني: يلحق الواطئ نسب ذلك الحمل، (طفلا) مفعول: أرضعت،

(صارا) أي: المرضعة والواطئ الذي ثابت لبنها من حمله اللاحق به (في

تحريم نكاح) متعلق بصارا

(2)

.

(و) صارا أيضا في (ثبوت محرميه، و) في (إباحة نظر، و) إباحة

(خلوة أبويه) أي: أبوي المرتضع.

(و) صا ر (هو) أي: المرتضع (ولدهما.

و) صار (أولاده) أي: أولاد المرتضع (وإن سفلوا أولاد ولدهما) الذي

هو المرتضع.

(و) صار (أولاد كل منهما) أي: من المرأة ومن الواطئ الذي ثاب لبنها

من حمله (من الآخر، أو) من (غيره)، كما لو تزوجت بغيره فثاب لها لبن من

حمل ممن تزوجته، أو تزوج بامرأة غيرها فثاب لها لبن من حمل منه فأرضعتا به أطفالا أو أتيا بأولاد، فإن الذكور منهم يصيرون (إخوته و) البنات (أخواته،

و) يصير (آباؤهما) أي: آباء المرضعة والذي ثاب لبنها منه (أجداده) أي: أجدادا لمرتضع (وجداته، و) صار (إخوتهما واخواتهما) أي: إخو ة الرجل

وأخواته (أعمامه وعماته، و) إخو ة المرأة واخواتها (أخواله وخالاته).

وفي هذا الذي ذكرنا احترازات:

أحدها: أن يثوب اللبن من الثدي عن حمل، يقال: ثاب الشيء إلى الشيء

(1)

راجع ما قبله.

(2)

في ج: بصار.

ص: 138

بمعنى رجع إليه. ومنه قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} [البقرة: 125 [؛ لأنهم

(1)

يرجعون إليه مرة بعد أخري. واستعمل ذلك في اللبن؛

لأنه ينقطع من الثدي، ويعود إليه بوجود الحمل. فإذا ثاب للمراة لبن من غير

حمل: لم تثبت الحرمة في الأصح.

الثانى: أن يلحق نسب الحمل بالواطئ

(2)

. وهذا الاحتراز من جهة الواطئ

وحده دون المرضعة. فإن المرضعة تثبت فيها الحرمة، سواء كان الحمل يلحق بالواطئ أو لا يلحق.

الثالث: أن يكون المرتضع طفلا له عامان فأقل.

(ولا تنتشر حرمة) أي: حرمة الرضاع (إلى من بدرجة مرتضع أو فوقه).

فالذي بدرجة مرتضع ما أشير إليه بقوله:

(من أخ وأخت) يعني: من النسب.

والذي فوقه ما أشير إليه بقوله:

(وأب وأم، وعم وعمة، وخال وخالة) من نسب.

(فتحل مرضعة لأبي مرتضع وأخيه من نسب) إجماعا، (و) تحل (أمه)

أي: أم المرتضع (وأخته من نسب لأبيه وأخيه من رضاع) إجماعا، (كما تحل

لأخيه من أبيه) من نسب، (أخته من أمه) من نسب إجماعا.

(ومن أرضعت بلبن حمل من زنا) طفلا، (أو) أرضعت بلبن حمل (نفي

بلعان طفلا: صار ولدا لها) فقط في الأصح، لأنه لما لم تثبت له الأبوة لم يثبت

ما هو فرع لها.

(وحرم) المرتضع إن كان أنثى (على الواطئ تحريم مصاهرة)، لأن

تحريم المصاهره لا يقف على ثبوت النسب. ولهذا تحرم أم زوجته وبنت زوجته

من غيرنسب.

(1)

في ج: {لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} ولأنهم.

(2)

في أ: الواطئ.

ص: 139

(ولم تثبت حرمة الرضاع في حقه) أي: حق الزانى أو الملاعن؛

لقوله صلى الله عليه وسلم: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "

(1)

. ولا نسب هنا.

(وإن أرضعت) امرأة (بلبن اثنين وطآها بشبهة طفلا، وثبتت أبوتهما)

أي: أبوة الواطئين، (أو) ثبتت (أبوة أحدهما) أي: أحد الواطئين (لمولود:

فالمرتضع ابنهما) إن ثبتت أبوتهما، (أو ابن أحدهما) إن ثبتت أبوته فقط، لأن

حكم الرضيع تابع لحكم المولود في كونه ابنا للواطئين أو لأحدهما.

(وإلا) أي: وإن لم تثبت بنوة المولود (بأن مات مولود قبله) أي: قبل

ثبوت بنوته، (أو فقدت قافة، أو نفته) القافة (عنهما) أي: عن الواطئين،

(أو أشكل أمره) على القافة: (ثبتت حرمة الرضاع) من جهة المرتضع (في

حقهما) أي: في حق الواطئين تغليبا للحظر. فلو كان المرتضع أنثى لم تحل

لأحد من الواطئين.

(وإن ثاب لبن لمن) أي: لامرأة (لم تحمل) أي: لم يتقدم لها حمل

(ولو حمل مثلها: لم ينشر الحرمة) على الأصح. نص عليه في لبن البكر؛

(كلبن رجل. وكذا لبن خنثى مشكل، و) لبن (بهيمة) بلا نزاع في لبن

البهيمة.] فلو ارتضع طفل وطفلة من بهيمة لا يصيران أخوان]

(2)

.

(ومن تزوج) امرأة ذات لبن، (أو اشترى) أمة (ذات لبن من زوج أو سيد

قبله) فوطئها، (فزاد) لبنها (بوطئه، أو حملت) منه (ولم يزد) لبنها، (أو

زاد قبل أوانه) أي: أوان زيادته وهو الزمن الذي يثوب فيه لبن الحامل غالبا:

(فـ) اللبن في هذه الصور (للأول)، لأنه لبن عن حمل استمر على حاله لم

يتجدد له ما ينقله عن الأول. فكان له، كصاحب اليد.

(و) إن زاد (في أوانه ولو انقطع ثم ثاب أو ولدت، فلم يزد ولم ينقص:

فـ) يكون اللبن (لهما) على الأصح.

(1)

سيق تخريجه ص: (137).

(2)

زيادة من ج.

ص: 140

أما كونه لهما إذا زاد في أوانه؛ فلأن زيادته عند حدوث الحمل ظاهرها أنها

من الثانى، وبقاء الأول يقتضي كون أصله منه. فوجب أن يضاف إليهما.

وأما كونه لهما إذا انقطع ثم ثاب؛ فلأن اللبن كان للأول فلما عاد قبل الوضع

كان الظاهر: أنه ذلك اللبن الذي انقطع لكونه ثاب للحمل. فوجب أن يضاف

إليهما.

وأما كونه لهما إذا ولدت ولم يزد ولم ينقص؛ لأن اللبن الأول أضيف إلى

الولد الأول واستمراره على حاله أوجب بقاءه عليه، وحاجة الولد الثانى إلى

اللبن أوجبت اشتراكهما فيه؛ كالعين إذا لم يدفع المستحق الثانى صاحب اليد

عنها يبقى استحقاقه لها.

وحيث حكمنا في صورة أن اللبن لهما (ف) إنه (يصير مرتضعه ابنا لهما)؛

لكون اللبن لهما.

(وإن زاد) لبنها (بعد وضع: فللثاني) أي: فاللبن للثانى (وحده)؛

لأن زيادة اللبن بعد الولادة تدل على انها لحاجه المولود. فتمنع المشاركه فيه.

ص: 141

] فصل: في شروط الحرمة]

(فصل. وللحرمة) با لرضاع (شرطان:

أحدهما: أن يرتضع) الطفل (في العامين. فلو ارتضع بعدهما) أي: بعد

العامين (بلحظة: لم تثبت) الحرمة، لقول الله سبحانه وتعالى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]. فجعل تمام

الرضاعة حولين، فيدل على أنه لا حكم للرضاعة بعدهما.

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل. فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت: يا رسول الله! إنه أخي من الرضاعة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انظرن

(1)

من إخوانكن. فإنما الرضاعة من المجاعة "

(2)

متفق عليه.

] قال في "شرح المحرر ": يعني: في حالة الحاجة إلى الغذاء واللبن]

(3)

.

وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام "

(4)

. أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.

الشرط (الثاني: أن يرتضع) الطفل (خمس رضعات) فصاعدا على الأصح.

وعنه: ثلاث يحرمن.

(1)

في ج: انظرون.

(2)

أخرجه البخاري فى " صحيحه "(4 0 5 2) 2: 936 كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1455) 2: 1078 كتاب الرضاع، باب إنما الرضاعه من المجاعة.

(3)

ساقط من أ.

(4)

اخرجه الترمذي في " جامعه "(1152) 3: 458 كتاب الرضاع.

ص: 142

وعنه: واحدة.

واستدل من قال: أن قليل الرضاع وكثيره محرم بقوله سبحانه وتعالى:

{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23].

وبقوله صلى الله عليه وسلم: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "

(1)

.

ولنا: ما. روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: " أنزل في القرآن

عشر رضعات معلومات يحرمن. فنسخ من ذلك خمس رضعات. وصار إلى

خمس رضعات معلومات يحرمن. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك "

(2)

. رواه مسلم.

وروى مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة عن سهلة بنت سهيل:

" أرضعي سالما خمس رضعات فيحرم بلبنها "

(3)

.

والآية فسرتها السنة وبينت الرضاعة المحرمة. وصريح ما رويناه يخص

مفهوم ما رووه. فيجمع بين الأخبار بحملها على الصريح الذي رويناه.

(ومتى امتص) الطفل الثدي (ثم قطعه) أي: قطع المص (ولو) كان

قطعه له (قهرا، أو) كان قطعه له (لتنفس، أو) كان قطعه له لى (مله) له عن

المص، (أو) كان قطعه له (لانتقال) عن ثدي (إلى ثدي آخر، أو) من

مرضعة إلى (مرضعة أخري: فرضعة) يعني: فإن ذلك يعد رضعة من

الخمس. (ثم إن عاد ولو قريبا) يعني: ولو قرب الزمن بين المصة الأولى

والعود: (فثنتان) يعني: فرضعتان على الأصح؛ لأن المصة الأولى زال

حكمها بترك الارتضاع فإذا عاد فامتص فهي غير الأولى، وانتقاله من ثدي إلى

آخر أو من مرتضعة إلى أخري بكونهما رضعتين أحرى. وهذا ظاهر كلام أحمد

في رواية حنبل فإنه قال: أما ترى الصبي يرضع من الثدي، فإذا أدركه النفس

(1)

سبق تخريجه ص (138) رقم (1).

(2)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1452) 2: 1075 كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات.

(3)

أخرجه مالك في " الموطأ "(12) 2: 472 كتاب الرضاع، باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر.

ص: 143

أمسك عن الثدي ليتنفسى ويستريح، فإذا فعل ذلك فهي رضعة؛ وذلك لأن

الأولى رضعة لو لم يعد فكانت رضعة وإن عاد كما لو قطع باختياره.

(وسعوط في أنف ووجور في فم؛ كرضاع) على الأصح؛ لما روى ابن

مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم "

(1)

. رواه أبو داود.

ولأن هذا يصل إليه اللبن كما يصل بالارتضاع ويحصل به إنبات اللحم،

وإنشاز العظم كما يحصل بالرضاع فيجب أن يساويه في التحريم. والأنف سبيل لفطر الصائم فكان سبيلا للتحريم؛ كالرضاع بالفم.

(ويحرم ما جبن) يعني: أنه لو جبن لبن المرأة ثم أطعم الطفل ثبت به التحريم؛

لأنه واصل من الحلق ويحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم. فحصل

به التحريم؛ كما لو شربه.

(أو شيب وصفاته باقية) يعني: أن ما حلب من المرأة من لبن وخلط بغيره

وصفاته باقية حرم كما يحرم غير المشوب؛ لأن الحكم للأغلب.

ولأنه مع بقاء صفاته لا يزول به اسمه ولا المعنى المراد به. وهذا على

الأصح. فأما إن غلبه ما خلط به لم يثبت به تحريم؛ لأنه لا

(2)

يحصل به إنبات

اللحم ولا إنشاز العظم.

(أو حلب من ميتة) يعني: ان لبن الميتة يحرم كما يحرم لبن الحية على

الأصح؛ لأنه وجد لبن ينبت اللحم وينشز العظم من آدمية. فأثبت شربه

التحريم؛ كحال حياتها.

ولأنه لا فرق بين شربه في حياتها وبعد موتها، وبين حلبه في حياتها وبعد

موتها، إلا الحياه والموت. وهذا لا أثر له فإن اللبن لا يموت.

(ويحنث به) أي: بشرب لبن مشوب وصفاته باقية، وبشرب لبن من ميتة

(من حلف: لا يشرب لبنا)؛ لإطلاق اسم اللبن عليه.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2059) 2: 222 كتاب النكاح، باب في رضاعة الكبير.

(2)

في ج: لما.

ص: 144

(لا حقنة) يعني: أن الطفل لو حقن بلبن امراة خمس مرات لم تنتشر بذللى

الحرمة التي تنتشر بالرضاع

(1)

على الأصح. نص أحمد على ذلك؛ لأن هذا

ليس برضاع ولا يحصل به التغدي فلم ينشر الحرمة.

(ولا أثر لواصل) من لبن حلب من امرأة (جوفا لا يغذى) بوصوله فيه؛

(كمثانة وذكر)؛ لأن وصول اللبن إلى الباطن من غير الحلق يشبهه وصوله إليه

من جرج كالجائفة. ويفارق فطر الصائم بذلك فإنه لا يعتبر فيه إنبات اللحم

ولا إنشاز العظم. بخلاف الرضاع.

(ومن أرضع خمس امهات أولاده بلبنه زوجة له) أي: لسيد أمهات الأولاد

(صغرى) يعنى: لم يتم لها عامان أرضعتها (كل واحدة) من أمهات الأولاد

(رضعة حرمت) على زوجها الذي هو سيد أمهات الأولاد تحريما مؤبدا في

الأصح؛ (لثبوت الأبوة)؛ لأن الخمس رضعات من لبنه. أشبه ما لو أرضعتها

واحدة منهن خمس رضعات.

(لا أمهات أولاده) يعني: ولا يحرم عليه أمهات أولاده؛ (لعدم ثبوت

الأمومة)؛ لأنه لم تصر واحدة منهن أما لزوجته.

(ولو كانت المرضعات بناته) أي: بنات رجل واحد، (أو بنات زوجته)

وأرضعن طفلا أو طفلة، زوجته لأبيهن، أو لم تكن زوجته، كل واحدة منهن

رضعة واحدة: (فلا أمومة) ثابتة لواحدة من المرضعات.

(ولا يصير) في الأصح أبو المرضعات (جدا)

(2)

للمرتضع أو المرتضعة،

(ولا زوجته) التي هي أم المرضعات (جدة) للمرتضع ولا المرتضعة، (ولا)

يصير (إخوة المرضعات اخوالا) للمرتضع، (ولا) يصير (أخواتها) أي:

أخوات المرضعات (خالات) للمرتضع؛ لأن كون أبي المرضعات جدا فرع

كون بنته أما، وكون إخوة المرضعات أو أخواتها أخوالا أو خوالات فرع كون

أختهم أو أختهن أما.

(1)

في ج: تتشر الر ضاع.

(2)

في ج: أبو المرتضعات جد.

ص: 145

(ومن) أي: وأي رجل (أرضعت أمه، و) أرضعت (بنته، و) أرضعت

(أخته، و) أرضعت (زوجته، و) أرضعت (زوجة ابنه، طفلة) واحدة، كل

واحدة منهن (رضعة رضعة: لم تحرم) الطفلة المرتضعة (عليه) أي: على

الرجل المذكور في الأصح.

(ومن أرضعت بلبنها من زوج طفلا ثلاث رضعات، ثم انقطع) لبنها، (ثم

أرضعته) أي: أرضعت الطفل الذي أرضعته أولا (بلبن زوج آخر) أي: غير الزوج الأول (رضعتين: ثبتت الأمومة) في حقها؛ لأنها أرضعته خمس

رضعات، (لا الأبوة) في حق واحد من الرجلين؛ لأنه لم يكمل عدد الرضعات

من لبنه.

(ولا يحل مرتضع لو كان أنثى لواحد من الزوجين)، لكون المرتضعة

ربيبتهما، لا لكونهما بنتهما.

(ومن زوج أم ولده برضيع حر: لم يصح) النكاح؛ لأن من شرط صحة

نكاح

(1)

الحر للأمة: خوف العنت ولا يوجد ذلك في الطفل. (فلو أرضعته)

أي: أرضعت الحر الصغير (بلبنه) أي: لبن سيدها: (لم تحرم على

السيد)، لأنه ليس بزوج في الحقيقة.

أما لو كان الزوج الرضيع رقيقا فأرضعته بلبن سيدها خمس رضعات: انفسخ

نكاحه، وحرصت على سيدها على الأبد؛ لأنها صارت من حلائل أبنائه.

(1)

في أ: نكاح صحة.

ص: 146

[فصل: إذا تزوج ذات لبن]

(فصل. ومن تزوج ذات لبن) من غيره (ولم يدخل بها، وصغيرة فأكثر،

فأرضعت وهي زوجة، أو بعد إبانة) أي: بعد أن أبانها الزوج- (صغيرة) ممن تزوجهن زوجها الذي هي في عصمته، أو بعد أن أبانها خمس رضعات:(حرمت) عليه الكبيرة المرضعة (أبدا)، لأنها صارت من أمهات نسائه، لقول الله سبحانه وتعالى:{وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} [النساء: 23]. ولم يشترط دخوله بها.

(وبقي نكاح الصغيرة) على الأصح، لأنها ربيبة لم يدخل بأمها، لقول الله

سبحانه وتعالى: {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} ] النساء: 23].

ولأنه لما تم الرضاع المحرم انفسخ نكاح الكبيرة. فلم

(1)

يجتمعا، كابتداء

العقد على أخته وأجنبية.

ولأن الجمع طرأ على نكاح الأم والبنت. فاختص الفسخ بنكاح الأم، كما

لو أسلم وتحته بنت وأمها ولم يدخل بالأم.

(حتى ترضع) الكبيرة (ثانية) من زوجاته الأصاغر خمس رضعات،

(فينفسخ نكاحهما) أي: نكاح الصغيرتين، لأنه قد اجتمع في نكاحه أختان

فانفسخ نكاحهما، لأنه ليست أحداهما أولى بالفسخ من الأخري فانفسخ

نكاحهما، (كما لو أرضعتهما معا) أي: في زمن واحد، بأن رضعت هذه من

ثدي والأخري من الثدي الآخر في زمن واحد، أو شربتا معا محلوبا في وعائين. (وإن أرضعت) الكبيرة (ثلاثا من) زوجاته (منفردات، أو ثنتين معا والثالثة

(1)

في أ: فلما.

ص: 147

منفردة: انفسخ نكاح الأوليين، وبقي نكاح الثالثة)؛ لأن نكاح الأوليين انفسخ

قبل رضاع الثالثة، فبقيت الثالثة وحدها فلم تجتمع معها حين رضاعها أحد.

(وإن أرضعت) الكبرى زوجاته (الثلاث معا: بأن شربنه محلوبا معا من

أوعية، أو) أرضعت (إحداهن منفردة، ثم) أرضعت (ثنتين معا: انفسخ

نكاح الجميع) روايه واحدة؛ لأنهن جميعهن صرن أخوات في نكاحه.

(ثم) إن (له) بعد ذلك (أن يتزوج من الأصاغر) من شاء، لأن تحريمهن

تحريم جمع، لا تحريم تأبيد فإنهن ربائب لم يدخل بأمهن.

(وإن كان دخل بالكبرى: حرم الكل) عليه (على الأبد)، لأنهن ربائب

مدخول بأمهن.

(لا) أن (الأصاغر) يحرمن على الأبد: (إن ارتضعن من أجنبية)؛

لأنهن لسن بربائب مدخول بأمهن. لكن متى صارتا أختين بالرضاع واجتمعا في النكاح: انفسخ؛ كما لو أرضعت ثنتين منهما معا، أو الثلاث معا.

(ومن حرمت عليه بنت امرأة) من النسب، (كأمه وجدته وأخته، و) كذا

من حرمت عليه بنت امرأة بالمصاهرة مثل (ربيبته) التي دخل بأمها (إذا أرضعت طفلة) خمسة رضعات: (حرمتها عليه) على الأبد؛ لأنها تصير بنتها.

(ومن حرمت عليه بنت رجل، كأبيه وجده، وأخيه وابنه إذا أرضعت

زوجته) أو أمه (بلبنه طفلة) خمس رضعات: (حرمتها عليه)، لأنها صارت

أبنة من تحرم ابنته عليه.

(وينفسخ فيهما) أي: في الصورتين (النكاح: إن كانت) المرتضعة

(زوجة).

وإن أرضعتها امرأة أحد هؤلاء بلبن غيره لم تحرم عليه، إلا أنها صارت ربيبة زوجها.

وإن أرضعتها من لا تحرم بنتها عليه، كعمته وخالته لم تحرم عليه.

ولو تزوج بنت عمه فاًرضعت جدتهما أحدهما في حال صعغره قبل تمام

ص: 148

الحولين انفسخ النكاح؛ لأنها إن كان المرتضع الزوج صار عم زوجته، وإن

كانت الزوجة صارت عمته.

وإن تزوج بنت عمته فأرضعت جدتهما أحدهما قبل تمام حولين: انفسخ

النكاح؛ لأنها إن أرضعت الزوج صار خال زوجته، وإن أرضعت الز وجة صارت عمة زوجها.

(ومن لامرأته ثلاث بنات من غيره، فأرضعن) ثلاث بناتها (ثلاثة نسوة له)

أي: لزوج أمهن كل نسائه صغار دون الحولين- (كل واحدة) ربيبته (واحدة)

من نسائه- (إرضاعا كاملا، ولم يدخل بالكبرى) التي هي زوجته أم ربائبه:

(حرمت عليه) الكبرى؛ لأنها صارت من جدات نسائه؛ لأن أم الزوجة وإن

علت محرمة على الأبد، (ولم ينفسخ نكاح من كمل رضاعها أولا) من

المرتضعات على الأصح؛ لأنها ربيبة لم يدخل بأمها. ولا نكاح أحد من

الصغار؛ لأنهن لسن أخوات، وإنما هن بنات خالات.

(وإن أرضعن) أي: ثلاث بنات زوجته (واحدة) من نسائه- (كل واحدة

منهن رضعتين-: حرمت الكبرى)؛ لأنها جدة امرأته في الأصح؛ لأن الطفلة رضعت من اللبن الذي نشر الحرمة إليها خمس رضعات؛ كما لو كانت الخمس

من بنت واحدة.

(وإذا طلق) رجل (زوجة لها لبن منه، فتزوجت بصبي) لم يتم له طحولان، (فأرضعته) أي: أرضعت الصبي (بلبنه) أي: لبن الرجل الذي

طلقها (إرضاعا كاملا: انفسخ نكاحها) من الصبي؛ لأنها صارت أمه من

الرضاع، (وحرمت عليه وعلى) الزوج (الأول أبدا)؛ لأنها صارت من حلائل

أبنائه لما أرضعت الصبي الذي تزوجته.

(ولو تزوجت الصيي أولا) أي: قبل الرجل

(1)

، (ثم فسخت نكاحه)

أي: نكاح الصبي (لـ) وجود (مقتض) للفسخ، (ثم تزوجت) رجلا (كبيرا

فصار لها منه لبن، فأرضعت به الصبي) حرمت عليهما أبدا.

(1)

في ج: الدخول.

ص: 149

أما الصبي فإنها صارت أمه.

وأما الرجل الذي تزوجته بعده؛ فلأنها صارت من حلائل أبنائه.

ومثل ذلك ما أشير إليه بقوله:

(أو زوج رجل أمته بعبد له رضيع، ثم عتقت الأمة فاختارت فراقه) أي:

فراق زوجها العبد الرضيع، (ثم تزوجت) بعده (بمن أولدها فأرضعت بلبنه

زوجها الأول: حرمت عليهما أبدا)؛ للعلة المذكورة في المسألة التي قبلها.

ص: 150

[فصل: إذا أفسدت المرأة نكاح نفسها]

(فصل. وكل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول: فلا مهر

لها)؛ لأن فسخ نكاحها بسبب من جهتها. فسقط صداقها؛ كما لو ارتدت قبل

الدخول، حتى (وإن) كانت (طفلة، بأن تدب فترتضع من نائمة، أو) من

(مغمى عليها)؛ لأن الفسخ لا فعل للزوج فيه فلا يثبت المهر، (ولا يسقط)

المهر (بعده) أي: بعد الدخول؛ لأن المهر إذا تقرر بالخلوة أو الوطء لا يسقط

بعد ذلك. ولهذا من وطئ امرأة بشبهة تقرر عليها مهرها بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: " فلها المهر بما استحل من فرجها"

(1)

. فجعل المهر في مقابلة الوطء فلا يسقط

بحال.

(وإن أفسده) أي: أفسد النكاح (غيرها) أي: غير الزوجة: (لزمه)

أي: لزم الزوج (قبل دخول نصفه) أي: نصف المهر، (و) لزمه (بعده)

أي: بعد الدخول (كله) أي: كل المهر على الأصح.

فمن تزوج صغيرة دون الحولين فأرضعتها ابنة الزوج، أو أمه، أو أخته،

أو زوجته بلبنه، أو بعد الدخول بلبن غيره: انفسخ نكاحها ولزم الزوج نصف

مهرها؛ لأنه لافعل لها في الفسخ. فوجب عليه ما يجب بالفسخ؛ كما لو

طلقها.

(ويرجع) الزوج بما وجب عليه بفسخ النكاح يعني: بالذي يلزمه لها؛ لأن

خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له، بدليل ما لو قتلت نفسها أو ارتدت فإنها

لا تغرم شيئا. وإنما الرجوع هنا بما غرم (فيهما) أي: فيما إذا وجب عليه

نصف المهر، وفيما إذا وجب عليه كله (على مفسد) لنكاحه؛ لأنه أغرمه المال

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(5035) 5: 2046 كتاب الطلاق، باب المتعة للتي لم يفرض لها.

ص: 151

الذي بذله في مقابلة البضع بإتلافه عليه لمنعه منه. فوجب ضمانه، كشهود

الطلاق إذا رجعوا وقد شهدوا بالطلاق قبل الدخول.

(ولها) أي: ولمن انفسخ نكاحها بسبب الرضاع من غيرها (الأخذ من

المفسد) لنكاحها ما وجب لها بمقتضى فساد نكاحها.

قال في " الفروع ": ولها الأخذ من المفسد. نص عليه.

[وقال في " الإنصاف ": حيث أفسد نكاح المرأة فلها الأخذ ممن أفسده

على الصحيح من المذهب. نص عليه]

(1)

. انتهى.

ولعل وجهه: لكون إقرار الضمان على المفسد، لرجوع الزوج عليه بما

يلزمه بإفساده. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(ويوزع) ما يرجع به زوج- (مع تعدد مفسد) للنكاح (على) عدد

(رضعاتهن المحرمة، لا على) عدد (رؤوسهن) أي: رؤوس المرضعات،

لأنه إتلاف اشتركن فيه. فكان على كل واحدة منهن بقدر ما أتلفت، كما لو

أتلفت عينا وتفاوتن في إتلافها.

إذا تقرر هذا (فلو أرضعت امرأته الكبرى الصغرى، وانفسخ نكاحهما) بأن

كان دخل بالكبرى: (فعليه) أي: على الزوج (نصف مهر الصغرى، يرجع به

على الكبرى)، لأنها أفسدت نكاح الصغرى، (ولم يسقط مهر الكبرى.

وإن كانت الصغرى دبت) إلى الكبرى (فارتضعت منها) خمس رضعات

(وهي نائمة) أو مغمى عليها: (فلا مهر للصغرى)، لأئها فسخت نكاح

نفسها. (ويرجع عليها) أي: في مال الصغيرة (بمهر الكبرى) كله: (إن

دخل بها) أي: بالكبيرة، لأنها أفسدت نكاحها.

(وإلا) أي: وإن لم يكن دخل بالكبرى: (فـ) إنه يرجع على الصغيرة

(بنصفه) أي: نصف مهر الكبرى، لأنه القدر الذي وجب على الزوج بذلك.

ولا تحرم الصغرى حيث لم يدخل بالكبرى. وإن كانت الصغرى لم ترتضع من

(1)

ساقط من أ.

ص: 152

الكبرى وهي نائمة سوى رضعتين، ثم لما انتبهت الكبرى أرضعتها أيضا ثلاث رضعات فقد حصل الفساد بفعليهما، فيسقط الواجب عليهما، وعليه مهر

الكبيرة وثلاثة أعشار مهر الصغيرة يرجع به على الكبيرة. وإن لم يدخل بالكبيرة فعليه خمس مهرها يرجع به على الصغيرة.

(ومن له ثلاث نسوة، لهن لبن منه، فأرضعن زوجة له صغرى كل واحدة)

منهن (رضعتين: لم تحرم المرضعات)، لأنه لم يكمل عدد الرضعات لكل

واحدة منهن، (وحرمت الصغرى) في الأصح، لأنها أرضعت من لبنه خمس رضعات.

(وعليه) أي: على الزوج (نصف مهرها) أي: مهر الصغرى، (يرجع به

عليهن) أي: على نسائه الثلاث (أخماسا)، لأن الرضعات الخمسة محرمة،

وقد وجد من الأولى رضعتان، ومن الثانية رضعتان، والرضعة الخامسة وجدت

من الثالثة فيكون (خمساه على من أرضعت مرتين، وخمسه على من أرضعت

مرة) رضعة محرمة.

ص: 153

[فصل: في الشك في الرضاع]

(فصل. وإن شك) بالبناء للمفعول (في رضاع) يعني: هل وجد إرضاع

أو لا؟ بني على اليقين، لأن الأصل عدم الإرضاع.

(أو) شك في (عدده) أي: عدد الرضعات: (بني على اليقين)؛ لأن

الأصل عدم وجود الرضاع المحرم.

(وإن شهدت به) أي: بالرضاع المحرم امرأة (مرضية: ثبت) بشهادتها

على الأصح؛ لما روى عقبة بن الحارث قال: " تزوجت أم يحيى بنت أبي

إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت

(1)

: قد أرضعتكما. فاً تينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. فقال: وكيف وقد زعمت ذلك "

(2)

. متفق عليه.

وفي لفظ رواه النسائي قال: " فأتيته من قبل وجهه. فقلت: إنها كاذبة.

فقال: كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟ خل سبيلها "

(3)

.

وهذا يدل على الاكتفاء بالمرأة الواحدة.

وقال الشعبي: كانت القضاة يفرقون بين الرجل والمراة بشهادة امرأة واحدة

في الرضاع.

ولأن هذا شهادة على عورة. فنقبل

(4)

فيها شهادة المنفردات، كالولادة.

(1)

في الأصول: فقال. وهو تصحيف.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2516) 2: 941 كتاب الشهادات، باب شهادة الإماء والعبيد. وأخرجه أبو دأود في " سننه " (3603) 3: 306 كتاب الأقضية، باب الشهاده في الرضاع. ولم أره في مسلم.

(3)

أخرجه النسائي في " سننه "(0 333) 6: 9 0 1 كتاب النكاح، الشهادة في الرضاع.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(19442) 4: 383

(4)

في ج: فقبل.

ص: 154

(ومن تزوج) امرأة (ثم قال: هي أختي من الرضاع انفسخ النكاح

حكما)؛ لأنه أقر بما يوجب فسخ النكاح بينهما. فلزمه ذلك؛ كما لو أبانها.

(و) انفسخ أيضا (فيما بينه وبين الله) سبحانه و (تعالى إن كان صادقا)

في قوله.

(وإلا) أي: وإن لم يكن صادقا في قوله: (فالنكاح بحاله) يعني: أنه لم

ينفسخ بذلك؛ لأن كذبه لا يحرمها؛ لأن المحرم حقيقة الرضاع لا القول.

(ولها) أي: ولمن

(1)

أقر زوجها أنها أخته من الرضاع (المهر) إن كان

إقراره بأنها أخته (بعد الدخول ولو صدقته) يعني: يكون لها المهر ولو مع

تصديقها، (ما لم تطاوعه) على وطئها (عالمة بالتحريم)؛ لأنها حكمها مع

ذلك حكم الزانية. (ويسقط) مهرها إن كان إقراره بأنها أخته (قبله) أي: قبل

الدخول: (إن صدقته) على إقراره؛ لأنهما اتفقا على أن النكاح باطل من أصله

لا تستحق فيه مهرا. فأشبه ما لو ثبت ذلك ببينة. وإن أكذبته فالقول قولها؛ لأن

قوله غير مقبول عليها في إسقاط حقها. فكان لها نصف مهرها؛ لأن قوله لم

يقبل فيما عليه من نصف مهرها.

(وإن قالت هي ذلك) أي: قالت عن زوجها: هو أخي من الرضاع،

(وأكذبها) ولا بينة لها: (فهى زوجته حكما)، ولم يقبل قولها في فسخ

نكاحها؛ لأنه حق عليها. ثم إن كان إقرارها بذلك قبل الدخول فلا مهر لها؛

لأنها تقر بأنها لا تستحقه، وإن كان إقرارها بعد الدخول وأقرت انها

(2)

كانت

عالمة بأنها

(3)

أخته وبتحريمها عليه وطاوعته في الوطء فلا مهر لها أيضا؛

لإقرارها أنها زانية مطاوعة. وإن أنكرت شيئا من ذلك فلها المهر؛ لأنه وطئ

بشبهة وهي زوجته في ظاهر الحكم؛ لأن قولها غير مقبول عليه. فأما فيما بينه

وبين الله سبحانه وتعالى فإن علمت صحة ما أقرت به: لم تحل لها مساكنته،

(1)

في ج: ومن.

(2)

في ج: بأنها.

(3)

في ج: أنها.

ص: 155

ولا تمكينه من وطئها، وعليها أن تفر منه، وتفتدي نفسها بما أمكنها؛ لأن وطئه

لها زنا فعليها التخلص منه ما أمكنها كما قلنا في الذي طلقها زوجها ثلاثا وأنكر. (وإن قال) زوج عن زوجته: (هي ابنتي من الرضاع وهي في سن لا يحتمل

ذلك) أي: لا يحتمل كونها بنته (لم تحرم؛ لتيقن كذبه) بعدم احتمال صدقه.

(وإن احتمل) صدقه في كونها ابنته، (فكما لو قال: هي أختي من

الرضاع). وتقدم الكلام على ذلك.

(ولو ادعى) من أقر بما يؤاخذ به من فسخ نكاح (بعد ذلك خطأ: لم يقبل)

منه ما يدعيه من ذلك؛ (كقوله ذلك لأمته ثم يرجع) عنه.

(ولو قال أحدهما) أي: أحد من يريد التزوج بالآخر (ذلك قبل النكاح)

بأن قال: إن الذي أريد تزوجها

(1)

أختي من الرضاع، أو قالت هي: إن الذي

يريد أن يتزوجني أخي من الرضاع، ثم قال أو قالت: كذبت وليس بأخي: (لم

يقبل رجوعه) عن قوله (ذلك ظاهرا) أي: في ظاهر الشرع. فلا يمكن قائل

ذلك من ان يتزوج بالآخر. وإن تناكحا فرق بينهما.

(ومن ادعى أخوة أجنبية) أى: غير زوجته، (أو) ادعى (. بنوتها من

رضاع، وكذبته) هي:(قبلت شهادة أمها) من نسب (وبنتها، من نسب

بذلك) عليها حيث كانت مرضيه، وثبتت حرمة الرضاع بينهما.

(لا) شهادة (أمه) من نسب، (ولا) شهادة (بنته) من نسب عليها؛

للمانع، وهو قرابة الولادة.

(وإن ادعت ذلك هي) بأن قالت: فلان أخي من الرضاعة، أو فلان أبي أو

ابني من الرضاع وسنها يحتمل ذلك، (وكذبها: فبالعكس). يعني: فإن شهد

بذلك أمه من نسب أو بنته من نسب قبلت عليه حيث كانب مرضية، لا أمها من

نسب ولا بنتها من نسب؛ للمانع الذي هو قرابة الولادة.

(ولو ادعت أمة أخوة) أي: أنها أخت سيدها (بعد وطء) أي: بعد أن

(1)

في ج: أن أتزوجها.

ص: 156

وطئها مطاوعة: (لم يقبل) قولها مطلقا. (و) دعواها ذلك (قبله) أي: قبل

وطئه إياها مطاوعه: (يقبل في تحريم وطء)؛ كدعواها أنها مزوجة من قبل أن يملكها، (لا) في (ثبوت عتق)؛ لأنها دعوى زوال ملك. فلم يقبل؛ كما لو

ادعت العتق.

(وكره استرضاع فاجرة، و) استرضاع (مشركة، و) استرضاع

(حمقاء، و) استرضاع (سيئة الخلق، وجذماء، وبرصاء).

قال في " الفروع ": وكره أحمد الارتضاع بلبن فاجرة ومشركة. وكذا

حمقاء وسيئة الخلق. وفي " المجرد ": وبهيمة. وفي " الترغيب ": وعمياء.

انتهى.

ص: 157

[كتاب النفقات]

هذا (كتاب النفقات. جمع نفقة)، وأصلها الإخراج من النافقاء

(1)

وهو

موضع يجعله اليربوع في مؤخر الجحر رقيقا يعده للخروج. إذا أتى من باب

الجحر دفعه برأسه وخرج منه. ومنه سمي النفاق؛ لأنه خروج من الإيمان، أو خروج الإيمان من القلب. فسمى الخروج نفقة لذلك.

والمقصود في هذا الكتاب: بيان ما يجب على الإنسان من النفقة بالنكاح

والقرابة والملك وغير ذلك.

(وهي) أي والنفقة شرعا: (كفاية من يمونه) المنفق (خبزا وأدما،

وكسوة وسكنا، وتوابعها) أي: وتوابع هذه الأمور؛ كماء الشرب، وطهارة،

وإعفاف لمن يجب إعفافه ممن تجب نفقته.

(وعلى زوج ما لا غناء لزوجة عنه).

والأصل في وجوب نفقه الزوجة الكتاب والسنة والاجماع.

أما الكتاب؛ فقوله سبحانه وتعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7].

والمراد بذلك: نفقة الزوجات؛ لأنه جاء في سياق أحكامهن. فأوجب

النفقة على الموسع وعلى من قدر عليه رزقه أي: ضيق عليه بقدر ما يجد.

وأما السنة؛ فروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: " اتقوا الله

في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكتاب الله،

ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"

(2)

. رواه مسلم وأبو داود في حديث

صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم.

(1)

في ج: النافق.

(2)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1218) 2: 891 كتاب الحج، باب حجة النبي صصص.

ص: 159

ورواه الترمذي وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص. وفيه ذكر حق الزوج ثم

قال: " ألا! وحقهن عليكم: أن تحسنوا إليهن في طعامهن وكسوتهن "

(1)

.

وصححه الترمذي.

وأجمع المسلمون على وجوب نفقة الزوجة على الزوج: إذا كأنا بالغين ولم

تكن ناشزا. ذكره ابن المنذر وغيره.

ولأن الزوجه محبوسة لحق الزوج، وذلك يمنعها عن التصرف والكسب.

فوجب عليه نفقتها؛ كالقن.

وحيث تقرر وجوب نفقه الزوجة على الزوج فإنها تجب عليه (ولو) كانت

الزوجة (معتدة من وطء شبهة)، حال كونها (غير مطاوعة) للواطئ؛ لأن

الزوج له أن يستمتع منها بما دون الفرج.

وقوله: ما لا غناء لزوجة

(2)

عنه يعني: (من مأكول ومشروب، وكسوة

وسكتى بالمعروف)، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المتقدم:" ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعر وف "

(3)

.

(ويعتبر حاكم) تقدير (ذلك: إن تنازعا) أي: الزوج والزوجة في قدر

ذلك، أو صفته (بحالهما) أي: حال الزوجين في يسارهما وإعسارهما،

ويسار أحدهما وإعسار الآخر. وكان النظر يقتضي: أن يعتبر ذلك بحال الزوجة

دون الزوج؛ لأن النفقة والكسوه لها بحكم الزوجية. فكانت معتبرة بها،

كمهرها، لكن قال الله سبحانه وتعالى:{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7]. فأمر الموسر بالسعة في النفقة، ورد

(1)

=وأخرجه ابو داود في "سننة"(1905) 2: 185 أول كتاب المناسك، باب صفة حجه النبي صصص.

أخرجه الترمذي في (جامعه " (163؛ 1) 3: 7 - 46 كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(1851) 1: 594 كتاب النكاح، باب حق المرأة على الزوج.

(2)

في ج.: لزوجته.

(3)

سبق قريبا.

ص: 160

الفقير إلى استطاعته. فلذلك اعتبرنا حال الزوجين في قدر الواجب وجنسه؛

رعاية لكلا الجانبين.

وأما كون ذلك موكولا إلى اجتهاد الحاكم؛ لأنه أمر يختلف باختلاف حال

الزوجين. فرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم؛ كسائر المختلفات.

(فيفرض لموسرة مع موسر كفايتها: خبزا خاصا بأدمه المعتاد لمثلها)

أي: مثل الموسرة في تلك البلدة.

(و) يفرض لها أيضا (لحما عادة الموسرين بمحلهما) أي: ببلده الزوج

والزوجة التي هما بها؛ لأن ذلك يعتبر في كل موضع بحسبه.

(وتنقل) زوجة (متبرمة من أدم إلى غيره) من الأدم. قاله في " البلغة "

و" الفروع " وغيرهما.

(ولا بد) لها (من ماعون الدار، ويكتفى) منه (بخزف وخشب.

والعدل ما يليق بهما) أي: بالزوجين. قال الناظم:

ومن خير ماعون لحاجة مثلها لشرب وتطهير وأكل فعدده

(و) يفرض الحاكم لموسرة من الكسوة (ما يلبس مثلها) أي: مثل

الزوجة: (من حرير وخز، وجيد كتان و) جيد (قطن). كل ذلك على

ماجرت عادة مثلها من الموسرات في ذلك البلد.

(وأقله) أي: أقل ما يفرض من الكسوة للجسد: (قميص وسراويل،

وطرحة) وتسمى الوقاية، وهي: ما تضعه فوق المقنعه، (ومقنعة، ومداس

وجبة للشتاء.

و) أقل ما يفرض (للنوم: فراش ولحاف ومخذة.

و) أقل ما يفرض (للجلوس: بساط ورفيع الحصير.

و) يفرض الحاكم (لفقيرة مع فقير كفايتها: خبزا خشكارا

(1)

بأدمه، وزيت

(1)

الخشكر: ما خشن من الطحين (فارسيه)، والعامه تقول خشكار. " محيط المحيط"

ص: 234

ص: 161

مصباح، ولحما العادة) على الأصح. وذكر

(1)

جماعة: لا يقطعها اللحم فوق

أربعين. وقدم في " الرعاية ": كل شهر مرة.

وقال أحمد في رواية الميمونى عن عمر بن الخطاب قال: " إياكم واللحم

فإن له ضراوه كضراوة الخمر ".

قال إبراهيم الحربي: يعني: إذا أكثر

(2)

منه. ومنه كلب ضاري.

(و) يفرض لها من الكسوة (ما يلبس مثلها، وينام فيه، ويجلس عليه.

و) يفرض (لمتوسطة مع متوسط، وموسرة مع فقير، وعكسها) يعني:

ولمعسرة مع موسر (ما بين ذلك)؛ لأن ذلك هو اللائق بحالهما، إذ إيجاب

الأعلا لموسرة تحت الفقير ضرر عليه بتكليفه ما لا يسعه حاله، وإيجاب الأدنى ضرر عليها فكان المتوسط

(3)

أولى. وإيجاب الأعلا لفقيرة تحت الموسر زيادة

عما

(4)

يقتضيه حالها، والأدنى يقتضيه حالها. وقد قال الله سبحانه وتعالى:{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} [الطلاق: 7] فكان المتوسط في ذلك أولى.

(وموسر نصفه حر) في ذلك (كمتوسطين) يعني: كنفقة متوسطة تحت

متوسط، (ومعسر كذلك) يعني: نصفه حر (كمعسرين) يعني: كنفقة معسرة

تحت معسر. وما في المتن هو الأصح.

وعند القاضي: الواجب ليوم رطلا خبز بحسبهما بأدمه دهنا بحسب البلد.

وفي " الترغيب " عنه: لموسرة مع فقير أقل كفاية، والبقية في ذمته.

وقدر الشافعي النفقة بالحب: فعلى الفقير مد وعلى الموسر مدان؛ لأنه

أكثر واجب في كفارة، وهي كفارة الأذى. وعلى المتوسط نصفهما.

(وعليه) أي: على الزوج (مؤنة نظافتها) أي: نظافة الزوجة: (من

(1)

في أ: وذلك.

(2)

في ج: كثر.

(3)

في ج: فكانت المتوسطه.

(4)

في ج: على ما.

ص: 162

دهن، وسدر، وثمن ماء، و) ثمن (مشط، وأجرة قيمة) بتشديد الياء المثناة

من تحت، (ونحوه)، ككنس الدار وتنظيفها، لأن ذلك كله من حاجتها

المعتادة. فلزمه، كسائر النفقة.

(لا دواء) يعني: أن الزوج لا يلزمه لزوجته دواء، (و) لا (أجرة طبيب)

إذا مرضت، لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة. وإنما احتيج إلى

ذلك لعارض فلا يلزمه. (وكذا) لا يلزمه (ثمن طيب وحناء وخضاب،

ونحوه)، كثمن ما يحمر به وجه، ويسود به شعر إذا لم يرد منها التزين بذلك،

لأن ذلك ليس بضروري لها، فلذلك لا يلزمه.

(وإن أراد منها تزينا به) أي: بما ذكر، (أو) أراد منها (قطع رائحة

كريهة، وأتى به) أي: بما يريد منها التزين به، أو بما يقطع الرائحة الكريهة:

(لزمها) استعماله من أجله.

وفي " المغنى " و" الترغيب ": لا يلزمه لها خف ولا ملحفة. ولعل

ذلك، لكون المرأة لا تحتاج إلى ذلك إلا عند خروجها. وليس خروجها من

حاجتها الضرورية المعتادة.

(وعليها) أي: على الزوجة (ترك حناء وزينة نهى عنهما) الزوج. ذكره

الشيخ تقي الدين.

(وعليه) أي: على الزوج (لمن) أي: لزوجته (بلا خادم- ويخدم)

بالبناء للمفعول (مثلها)، كالموسرة والصغيرة، (ولو) كان احتياجها إلى

الخدمة (لمرض- خادم وأحد)، لقول الله سبحانه وتعالى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] ومن المعروف: أن يقيم لها خادما.

ولأن ذلك من حاجتها. فلزم الزوج ذلك، كالنفقة.

وأما كونه لا يلزمه أكثر من خادم واحد على الأصح. نص عليه، لأن

المستحق عليه خدمتها في نفسها وذلك يحصل بالواحد فلا يجب أكثر منه.

(وتجوز) كون الخادم امرأة (كتأبيه) في الأصح، لأنه يجوز نظرها إليها

على الأصح.

ص: 163

(وتلزم) الزوجة (بقبولها) أي: قبول الخادم الكتابية، لأن تعيين الخادم

إلى الزوج كما يأتي في المتن.

(ونفقته) أي: نفقة الخادم (وكسوته) على الزوج، (كفقيرين) أي:

كنفقه فقيرة تحت فقير، (مع خف وملحفة) للخادم (لحاجة خروج ولو أنه)

أي: أن الخادم (لها) أي: للزوج، لأن الخادم إن كانت أمة لم يجب لها أكثر

من ذلك، وإن كانت حرة فهي إنما ترضى بالخدمه لفقرها. فلا يجب لها أكثر

من نفقه الفقير تحت الفقير، (إلا في نظافة) فلا يجب للخادم دهن ولا سدر

ولا مشط ولا يجوز ذلك، لأن ذلك يراد للزينة والتنظيف، ولا يراد ذلك من

الخادم.

(ونفقة) خادم (مكرى ومعار على مكر ومعير)، لأن المكري ليس له إلا

الأجرة، والمعير لا تسقط النفقة عنه بإعارته.

(وتعيين خادم لها) أي: للزوجه (إليهما) أي: إلى الزوج والزوجة

يعني: إن كان الخادم لها فرضيت بخدمته لها ونفقته على الزوج جاز. وإن

طلبت منه أجره خادم فوافقها جاز، وإن أبى وقال: أنا آتيك بخادم سواه فله ذلك

إذا أتاها بمن يصلح لها.

(و) تعيين (سواه) أي: سوى الخادم الذي لها (إليه) أي: إلى الزوج،

لأن أجرته عليه فيكون تعيينه إليه.

(وإن قالت) الزوجة لزوجها:) أنا اخدم نفسي، وآخذ) منك (ما يجب

لخادمي، أو قال) الزوج:(أنا أخدمك بنفسي وأبى الآخر) يعني: أبى الزوج

أن تخدم نفسها ويعطيها ما يجب للخادم، أو أبت الزوجة أن يخدمها الزوج:

(لم يجبر) واحد منهما على ما أراده الآخر.

أما كون الزوج لا يجبر على ما أرادته، لأن في كونها يخدمها غيرها

توفيرا لها على حقوقه، وترفيها لها، ورفعا لقدرها. وذلك يفوت بخدمتها

لنفسها.

ص: 164

وأما كونها لا تجبر على أن يخدمها بنفسه؛ لأن

(1)

غرضها من الخدمة قد

لا يحصل به؛ لأنها تحتشمه، وفيه

(2)

غضاضة عليها؛ لكون زوجها خادما لها.

(وتلزمه) لزوجته (مؤنسة لحاجة) إلى ذلك، بأن كانت بمكان مخوف،

أو لها عدو تخاف على نفسها منه؛ لأنه ليس من المعاشره بالمعروف أن تقيم

وحدها بمكان لا تأمن على نفسها فيه.

(لا أجرة من يوضئ) زوجة (مريضة. بخلاف رقيقه) المريض الذي

لا يمكنه الوضوء بنفسسه.

(1)

في: فلأن.

(2)

في ج: وفيها.

ص: 165

] فصل: في نفقة الزوجة]

(فصل. والواجب) على الزوج: (دفع قوت) من الخبز والأدم ونحو

ذلك إلى زوجته وخادمها، (لا) دفع (بدله) أي: بدل القوت من نقد أو

فلوس. فلا يلزمها قبوله؛ لأنه ضرر عليها لحاجتها إلى من يبتاعه لها، وقد

لا يحصل، أو يلزمها منه مشقة بخروجها له، أو تكليف من يمن عليها به.

(ولا) دفع (حب) فلا يلزمها قبوله؛ لما فيه ذلك من تكليفها طحنه وعجنه

وخبزه.

ولقول ابن عباس "في قوله سبحانه وتعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] قال: الخبز والزيت ".

وعن ابن عمر: " الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز والتمر.

وأفضل ما تطعمونهن: الخبز واللحم ". ففسر إطعام الأهل بالخبز مع غيره من

الأدم.

ولأن الشرع ورد بالإيجاب مطلقا من غير تقدير ولا تقييد. فوجب أن يرد

إلى العرف، كما في القبض والإحراز. وأهل العرف إنما يتعارفون فيما بينهم في الإنفاق على أهليهم الخبز والأدم دون الحب. والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما كانوا ينفقون ذلك فكان ذلك هو الواجب.

ولأنها نفقة واجبه على المنفق

(1)

. فكان الواجب فيها الخبز؛ كنفقة

المماليك.

فعلى هذا لو طلبت مكان الخبز حبا أو دقيقا أو دراهم أو غير ذلك لم يلزمه

بدله، كما أنها لا يلزمها قبوله.

(1)

في ج: المنفق فيها.

ص: 166

ويكون الدفيع (أول نهار كل يوم)؛ لأنه أول وقت الحاجة إليه فلا يجوز

تأخيره عنه.

(ويجوز) لهما فعل (ما اتفقا عليه: من تعجيل وتأخير) عن وقت

الوجوب، (و) من (دفع عوض) عن الواجب؛ لأن الحق لا يعدوهما. (ولا

يجبر من أبى) ذلك عليه؛ لأن الإنسان لا يجبر على ما لم

(1)

يجب عليه.

(ولا يملك الحاكم) إذا ترافع إليه الزوجان (فرض غير الواجب؛ كدراهم

مثلا، إلا باتفاقهما) أي: اتفاق الزوجين. فلا يجبر من امتنع.

قال في " الهدي ": وأما فرض الدراهم فلا أصل له في كتاب ولا سنة، ولا

نص عليه أحد من الأئمة؛ لأنها معأوضة بغير الرضى عن غير مستقر.

(وفي " الفروع"): وهذا متجه مع عدم الشقاق وعدم الحاجة، (فأما مع

الشقاق والحاجة؛ كالغائب مثلا فيتوجه الفرض للحاجة إليه، على ما

لا يخفى). فلا يقع الفرض بدون ذلك بغير الرضى.

(ولا يعتاض عن) الواجب (الماضي بربوي)؛ كما لو عوضها حنطة عن

الخبز فإنه لا يصح ولو تراضيا عليه.

قال في " الفروع ": قال الشافعية: ولا يعتاض عن المستقبل وجها

واحدا؛ لعدم استقرارها، ولا عن الماضي بخبز ودقيق؛ لأنه ربا. وبغيرهما

فهل يجوز أم لا. كمسلم

(2)

فيه؟ على وجهين. وكذا مراد أصحابنا إذا اعتاضت

عن الماضى فلا يجوز بربوي.

(و) الواجب دفيع (كسوة وغطاء ووطاء، ونحوهما)؛ كالستارة المحتاج

إليها (أول كل عام من زمن الوجوب)؛ لأنه أول وقت الحاجة إلى وجوب

الكسوة فيعطيها السنة؛ لأنه لا يمكن ترديد الكسوة عليها شيئا فشيئا، بل هو

شيء واحد يستدام إلى أن يبلى فكان عليه دفعه عند الحاجة إليه.

(1)

في ج: لا.

(2)

في ج: كسلم.

ص: 167

(وتملك ذلك) أي: ما وجب لها من نفقة وكسوة (بقبض)، كما يملك

رب الدين الدين بقبضه. (فلا بدل) على الزوج (لما سرق) منها من ذلك (أو

بلي)، لأنها قبضت حقها. فلم يلزمه غيره، كالدين إذا وفاها إياه ثم ضاع

منها.

(و) تملك (التصرف فيه) أي: فيما قبضته من الواجب لها على الزوج من

نفقة وكسوة (على وجه لا يضر بها)، ولا ينهك بدنها من بيع وهبة وغير ذلك،

كسائر مالها.

أما إذا عاد ذلك عليها بضرر في بدنها أو نقص في الاستمتاع بها فإنها

لا تملكه، لتفويت حق زوجها بذلك.

(وإن أكلت معه) أي: أكلت الزوجة مع الزوج (عادة) أي: كما هو

العادة، (أو كساها بلا إذن) منها أو من وليها، الكسوة المقدرة لها في الشرع:(سقطت) عملا بالعرف. ومتى ادعت أنه تبرع بذلك: حلف.

(ومتى انقضى العام والكسوة) التي قبضتها لذلك العام (باقية: فعليه

كسوة) العام (الجديد) في الأصح، لأن الاعتبار بمعنى الزمان دون حقيقة

الحاجة، بدليل أنها لو بليت قبل ذلك لم يلزمه بدلها، ولو أهدى إليها كسوة لم

تسقط كسوتها، وكذلك لو أهدى إليها طعام فأكلته وبقي قوتها إلى الغد لم يسقط

قوتها فيه. (بخلاف ماعون، ونحوه)، كمشط انقضى العام وهو باق، لأن

الاعتبار هنا بحقيقة الحاجة إلى ذلك.

(وإن قبضتها) أي: قبضت كسوتها من زوجها أول العام، (ثم مات)

الزوج قبل مضي العام، (أو ماتت) قبل مضيه، (أو بانت قبل مضيه: رجع

بقسط ما بقي) من العام في الأصح، كما لو دفع إليها نفقة مدة مستقبله ثم وقع

شيء مما تقدم قبل مضيها. وإلى ذلك أشير بقوله:

(وكذا نفقة تعجلتها) في الأصح، (لكن: لا يرجع) زوج (ببقية) نفقة

(يوم الفرقة)، لأنه وجب عليه نفقة ذلك اليوم وكسوته بابتداء نهاره فلا يرجع

بما بقي منه، للوجوب السابق عليه. والأظهر: أنه إن أعادها في ذلك لم تلزمه

ص: 168

نفقته ثانيا، (إلا على ناشز) في أثناء يوم قبضت نفقته في الأصح؛ لأنه يمكنها

أن لا تعطيه شيئا برجوعها إلى طاعته الواجبة عليها.

(ويرجع) بالبناء للمفعول على الزوجة) (ببقيتها) أي: بما أنفق عليها (من

مال غائب، بعد موته، بظهوره) أي: ظهر موته على الأصح؛ لأن وجوب

النفقة لها ارتفع بموت الزوج. فلا تستحق ما قبضته من النفقة بعد زمن موته؛

كما لو قضى وكيل غائب حقا يظنه على الغائب فبان أن لا حق عليه.

(ومن غاب) عن زوجته مدة (ولم ينفق) عليها فيها: (لزمه) نفقة الزمن

(الماضي)؛ لاستقرارها في ذمته. (ولو لم يفرضها حاكم) على الأصح.

ولا فرق بين كون ترك الإنفاق لعذر أو لغير عذر على الأصح؛ وذلك " لأن

عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم

يأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى "

(1)

.

ولأنه حق يجب مع اليسار والإعسار. فلم يسقط بمضي الزمان؛ كأجرة

العقار.

قال ابن المنذر: هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يزول ما

وجب بهذه الجمع إلا بمثلها. وفارق نفقة الأقارب فإنها صلة يعتبر فيها اليسار

من المنفق، والإعسار ممن تجب له.

والذمية فيما يجب لها على زوجها من نفقة وكسوة ومسكن كالمسلمة؛

لعموم النصوص والمعنى.

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 7: 469 كتاب النفقات، باب الرجل لا يجد نفقة امرأته.

ص: 169

[فصل: في نفقة الرجعية]

(فصل. و) مطلقة (رجعية) في وجوب النفقة لها والكسوة والمسكن

في وجة؛ لأنها زوجته بدليل قوله سبحانه وتعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقره: 228]

ولأنها يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه. فأشبه ما قبل الطلاق.

(وبائن حامل كزوجة)؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]. وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس:

" لا نفقة لك، إلا ان تكوني حاملا "

(1)

-.

ولأن الحمل ولد المبين فيلزمه الإنفاق عليه، [ولا يمكنه الإنفاق عليه]

(2)

إلا بالإنفاق عليها. فوجب؛ كما وجبت أجرة الرضاع.

(وتجب) النفقة (لحمل ملاعنة) لاعنها زوجها وهي حامل، (إلى أن

ينفيه بلعان) ثان (بعد وضعه) أي: وضع حمله؛ لأن الحمل لم ينتف بلعانها

وهي حامل على الأصح. وعلى القول بنفيه فلا نفقة عليه إلا أن يستلحقه بعد

ذلك. فيلزمه نفقة ما مضى.

قال في "الإنصاف": وإن قلنا: لا ينتفي بنفيه أو لم ينفه- وقلنا: يلحقه

نسبه- فلها السكنى والنفقة. انتهى.

(ومن أنفق) على مبانته (يظنها حاملا، فبانت حائلا) أي: غير حامل:

(1)

أخرجه أبو دأود في " سننه ") 2290) 2: 287 أبواب الطلاق، باب في نفقة المبتوتة.

وأخرجه النسائي في " سننه "(3552) 6: 210 كتاب الطلاق، نفقة الحامل المبتوتة.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(27376) 6: 5 1 4.

(2)

ساقط من أ.

ص: 170

(رجع) عليها بنظير ما أنفق، لأنها أخذت منه ما لا تستحقه. فرجع عليها،

كما لو ادعت عليه دينا وأخذته منه ثم تبين كذبها. وكذا إن ادعت الرجعية الحمل فأنفق عليها أكثر من مدة عدتها، ثم تبين أن لا حمل: رجع عليها بالزيادة.

(ومن تركه) أي: ترك الإنفاق على مبانته (يظنها حائلا فبانت حاملا:

لزمه) نفقة (ما مضى) من زمن ترك الإنفاق فيه، لأنا تبينا استحقاقها للنفقة

فيه. فترجع عليه بها؛ كالدين.

(ومن) أي: ومبانة

(1)

(ادعت حملا) له دون ثلاثة أشهر: (وجب) عليه

(إنفاق) تمام (ثلاثة اشهر) من ابتداء زمن ذكرت أنها حامل منه، (فإن مضت

ولم يبن)؛ كأن أريت

(2)

القوابل فقلن: ليست بحامل: (رجع) عليها بنظير ما

أنفق، لأن الحمل يتبين بعد ثلاثة أشهر وكذا إن حاضت. (بخلاف نفقة في

نكاح تبين فساده)؛ كما لو تبين أن الزوجين أخوين من الرضاع أو نحو ذلك فإنه

لا يرجع بما أنفق فيه، (و) لا إذا أنفق (على أجنبية) لم تأذن له في الإنفاق

عليها.

أما النكاح المعلوم فساده ابتداء فلا يجب على الزوج فيه نفقة، لكنه إذا أنفق

فيه الزوج لم يرجع بشيء مطلقا؛ لأنه إن كان عالما بعدم الوجوب فهو متطوع بالإنفاق، وإن لم يكن عالما فهو مفرط. فلم يرجع بشيء؛ كما لو أنفق على

أجنبية بغير إذنها، لأنه متبرع.

(والنفقة) على الحامل (للحمل) نفسه، لا لها من أجله على الأصح؛

لأنها تجب بوجوب الحمل وتسقط عند انقضائه: (فتجب) النفقة (لناشز)

حامل، لأن النفقة للحمل، فلا تسقط بنشوز أمه.

(و) تجب لـ (حامل من وطء شبهة، أو نكاح فاسد)، للحوق النسب فيهما.

(1)

في أ: أي: وأي مباينة.

(2)

في ج: أرايت

ص: 171

(و) لحامل في (ملك يمين ولو أعتقها)، لأن النفقة للحمل وهو ولده.

(و) تجب (على وارث زوج ميت)، للقرابة.

(و) تجب نفقة الحامل (من مال حمل موسر)، لأن الموسر لا تجب نفقته

على غيره.

(ولو تلفت) النفقة في يدها بغير تفريطها: (وجب) على من تلزمه نفقة

الحمل (بدلها)، لأن ذلك حكم نفقه الأقارب. (ولا فطرة لها) كما تقدم،

لأن الفطرة تابعة للنفقة، والحمل لا تجب فيه فطرة.

(ولا تجب على زوج رقيق)، لأن العبد لا يلزمه نفقة ولده، لأن الحمل

من العبد إن كان حرا فنفقته على قريبه وإن كان رقيقا فنفقته على مالكه، (أو

معسر أو غائب) يعني: أن نفقة حمل الغائب تسقط بمضي الزمن، كما لو كان

مولودا.

(ولا) تجب نفقة الحمل (على وارث مع عسر زوج) الذي هو أبو الحمل،

لأن نفقة الأقارب مشروطة باليسار دون نفقة الزوجة.

(وتسقط) نفقة الحمل (بمضي الزمان)، كالمولود.

قال (المنقح: ما لم تستدن) أي: أم الحمل على أبيه (بإذن حاكم، أو

تنفق بنية الرجوع. انتهى). يعني: على من تلزمه نفقه الحمل.

(وإن وطئت) مطلقة (رجعية بشبهة أو) في (نكاح فاسد، ثم بان بها حمل

يمكن كونه منهما) أي: من المطلق والواطئ: (فتفقتها حتى تضع عليهما،

ولا ترجع على زوجها) بشيء في الأصح، (كبائن معتدة) وطئت بشبهة أو نكاح فاسد. (ومتى ثبت نسبه) أي: نسب الحمل (من أحدهما) أي: أحد الرجلين

وهما المطلق والواطئ في العدة: (رجع عليه) أي: على الذي ثبت نسبه

(الآخر) الذي لم يثبت نسب الحمل منه (بما أنفق)؛ لأنه لم ينفق متبرعا،

وإنما أنفق، لاحتمال كون الحمل منه. فإذا ثبت كونه من غيره ملك الرجوع

عليه.

ص: 172

(ولا نفقة لبائن غير حامل)، لما روت فاطمة بنت قيس: " أن زوجها

طلقها البتة وهو غائب. فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته. فقال: والله ما لك

علينا من شيء. فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك. فقال: ليس لك عليه

نفقة ولا سكنى. فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك "

(1)

. متفق عليه.

وفي لفظ: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انظري يا ابنة قيس. إنما النفقة للمرأة

على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها الرجعة فلا نفقة ولا

سكنى "

(2)

. رواه الإمام أحمد والأثرم والحميدي.

قال ابن عبدالبر: من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن

تابعه أصح واحج، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نصا صريحا، فأي شيء يعارض هذا إلا مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ الذي هو المبين عن الله سبحانه وتعالى مراده، ولا شيء يدفع ذلك. ومعلوم: أنه أعلم بتأويل قول الله سبحانه وتعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6].

(ولا) تجب النفقة (من تركة لمتوفى

(3)

عنها) زوجها، (أو لأم ولد)

مات سيدها. (ولا سكنى ولا كسوة ولو) كانت (حاملا) على الأصح، لأن

المال انتقل عن الزوج إلى الورثه، ولا سبب، لوجوب النفقة عليهم، (كزانية)

أي: كالمرأة الحامل من زنا.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه ") 17 0 5) 5: 039 2 كتاب الطلاق، باب قصة فاطمه بنت قيس. وأخرجه مسلم في " صحيحه ") 1480) 2: 1114 كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها.

(2)

أخرجه اأحمد في " مسنده "(27389) 6: 16 4.

(3)

في ج: المتوفي. وهو تحريف.

ص: 173

] فصل: متى تلزم نفقة الزوجة]

(فصل. ومتى تسلم) الزوج (من) أي: زوجة (يلزمه تسلمها) وهي:

التي يوطاً مثلها وهي بنت تسع فأكثر، (أو بذلته) أي: بذلت تسليم نفسها

للزوج (هي أو ولي) لها (ولو مع صغر زوج أو مرضه أو عنته) بحيث لا يمكنه الوطء، (أو) مع (جب) أي: قطع (ذكره، أو) مع (تعذر وطء) من

جهتها، (لحيض أو نفاس أو رتق أو قرن، أو لكونها نضوة) أي: نحيفة الخلقة

(أو مريضة، أو حدث بها شيء من ذلك عنده) أي: مما يمكنه حدوثه: (لزمته

نفقتها وكسوتها)، لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،

ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف "

(1)

. رواه مسلم.

ويجبر الولي مع صغر الزوج على بذل نفقتها وكسوتها من مال الصبي، لأن

النفقة عليه، وإنما الولي ينوب عنه في أداء الواجبات عليه، كما يؤدي أروش

جناياته

(2)

من ماله.

(لكن: لو امتنعت) الزوجة من بذل نفسها وهي صحيحة، (ثم مرضت

فبذلته: فلا نفقة لها) ما دامت مريضة، عقوبة لها بمنعها نفسها في حالة يتمكن

من الاستمتاع بها فيها وبذلها في ضدها.

(ومن بذلته) أي: بذلت تسليم نفسها (وزوجها غائب: لم يفرض لها)

الحاكم شيئا، لأنها بذلت نفسها في وقت لا يمكن زوجها تسلمها فيه (حتى

يراسله حاكم، ويمضي زمن يمكن قدومه) أي: قدوم زوجها الغائب (في

(1)

أخرجه مسلم في " صحيحه ") 1218) 1: 891 كتاب الحج، باب حجه النبي صصص.

(2)

في ج: جنايات.

ص: 174

مثله) أي: مثل ذلك الزمن. فإن سار إليها أو وكل من يجوز له حملها إليه وجب النفقة حينئذ بوصوله أو وصول وكيله، وإن لم يفعل شيئا من ذلك فرض الحاكم

عليه نفقتها من الوقت الذي كان يمكن وصوله إليها فيه، لأن الزوج امتنع من

تسلمها، لإمكانه وبذلها إياه. فلزمته نفقتها، كما لو كان حاضرا. فاًما إن غاب

الزوج بعد تمكينها إياها ووجوب نفقتها عليه لم تسقط عنه، بل تجب عليه في

زمن غيبته، لأنها استحقت النفقة بالتمكين ولم يوجد منها ما يسقطه.

وإن تسلم زوجته الصغيرة التي يمكن وطؤها، أو المجنونة التي يوطأ مثلها

ولو بدون إذن وليها: لزمته نفقتها، كالكبيرة والعاقلة.

(ومن امتنعت) من تسليم نفسها، (أو منعها غيرها) من أوليائها أو غيرهم

(بعد دخول ولو لقبض صداقها) الحال: (فلا نفقة لها). وكذا إن تساكنا بعد

العقد فلم تبذل نفسها هي أو وليها ولم يطلبها الزوج، فلا نفقة لها وإن طال

مقامها على ذلك.

فإن النبى صلى الله عليه وسلم ولخص تزوج عائشه رضي الله تعالى عنها ودخلت عليه بعد سنين فلم ينفق عليها إلا بعد دخوله، ولم يدفع نفقة لما مضى.

ولأن النفقة تجب في مقابلة التمكين المستحق بعقد النكاح. فإذا وجد

استحقت، وإذا فقد لم تستحق شيئا.

(ومن سلم أمته ليلا ونهارا: فكحرة) يعني: فإنه يجب على زوجها نفقتها

كالحرة، لاتفاق أهل العلم على وجوب نفقة الزوجات على ازواجهن البالغين،

والأمة داخلة في عمومهن (ولو أبى زوج) من تسلمها نهارا، لأنها زوجة ممكنة

من نفسها. فوجب على زوجها نفقتها، كالحرة، حتى ولو كان زوجها

مملوكا، لأن النفقة وتوابعها عوض واجب في النكاح. فوجب على العبد،

كالمهر.

والدليل على أنها عوض: أنه يجب

(1)

في مقابلة التمكين ولهذا تسقط عن

(1)

في ج: انها تجب.

ص: 175

الحر بفوات التمكين. وبذلك فارقت نفقة الأقارب. وحيث ثبت وجوبها على

المملوك فإنها تلزم سيده؛ لأن السيد أذن في النكاح المفضي إلى إيجاب النفقة.

(و) من سلم أمته لزوجها (ليلا فقط: فنفقة نهار على سيد) وحده؛ لأن

الزوج ممنوع منها فيه. فتكون على سيدها، لأنها مملوكته. (و) نفقة (ليل؛

كعشاء ووطاء وغطاء، ودهن مصباح، ونحوه)؛ كالوسادة (على زوج)، لأن

ذلك كله من حاجة الليل دون النهار. فاختص الزوج به لذلك.

(ولا يصح تسليمها) أي: تسليم الأمة لزوجها (نهارا فقط).

قال في " الفروع ": ولو سلمها نهارا فقط: لم يجز.

قال في " الإنصاف ": لو سلمها سيدها نهارا فقط: لم يكن له ذلك. انتهى.

ولعل هذا،لكون الليل زمن التفرغ للاستمتاع والاحتياج إلى الاستئناس.

ولهذا كان عماد قسم الزوجات الليل. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(ولا نفقة لـ) زوجة (ناشز ولو) كان نشوزها (بنكاح في عدة) أي: عدة

رجعية.

قال في " المستوعب ": وإذا تزوجب الرجعية في عدتها فنكاحها باطل،

ولا تصير به فراشا للثانى، ولا تنقطع به عدة الأول، ولا سكنى لها، ولا نفقة

على الأول، لأنها ناشز بتزويجها. ذكره في " المجرد ". انتهى.

(وتشطر) النفقة (لناشر ليلا) فقط بأن تطيعه نهارا وتمتنع منه ليلا، (أو)

ناشز (نهارا) فقط بأن تطيعه ليلا وتمتنع منه نهارا، (أو) ناشز (بعض

أحدهما) أي: بعض الليل أو بعض النهار.

ومعنى تشطير النفقة لها: يعني: أنها تعطى نصف نفقتها في جميع هذه

الصور في الأصح، ولا تعطى بقدر الأزمنة؛ لعسر التقدير بالأزمنة.

وقيل: تسقط في هذه الصور جميع نفقتها.

(وبمجرد إسلام) زوجة مدخول بها (مرتدة، و) بمجرد إسلام زوجة وثنية

أو نحوها (متخلفة) عن زوجها الذي أسلم قبلها (ولو في غيبة زوج)، فإن

ص: 176

زوجها (تلزمه) نفقتها في الأصح، لأن الردة وتخلفها عن الإسلام أسقط النفقة

فيهما، لحصول الفرقة بهما؛ كسقوطها بالطلاق. فإذا رجعت عن ذلك عاد

النكاح إلى حاله فعادت النفقة.

(لا إن أطاعت ناشز) في غيبة زوج وقد نشزت في حضوره، فإنها لا تعود

النفقة عليه (حتى يعلم) الزوج بطاعتها (ويمضي ما) أي: زمن (يقدم) الزوج

(في مثله)، لأن النشوز هو: الامتناع من التمكين، والرجوع عنه لا يكون مع

لى عدم العلم بذلك؛ لأن الزوج إذا لم يعلم بالبذل فالمنع مستمر في جهته. فإذا

علم وقدم عادت النفقة مع عوده، لأن التمكين حصل حينئذ، وإن لم يقدم

ومضى زمن يمدم في مثله عادت النفقة، لأن المنيع حينئذ من جهته.

(ولا نفقة لمن) أي: لزوجة (سافرت لحاجتها، أو لتزهة) ولو بإذنه

(أو) سافرت لى (زيارة ولو بإذنه) في الأصح، لأنها فوتت التمكين لحظ نفسها

وقضاء إربها. فأشبه ما لو استنظرته قبل الدخول مدة فاً نظرها، إلا أن يكون

مسافرا معها متمكنا من الاستمتاع بها. فلا تسقط نفقتها، لأنها لم تفوت

التمكين. فأشبهت غير المسافرة، وكذا ما أشير إليه بقوله:

(أو لتغريب) يعني: أنها لو زنت قبل أن يطأها زوجها فغربت، (أو

حبست) عن زوجها (ولو) كان حبسها (ظلما) يعني: فإن نفقتها تسقط زمن

تغريبها وزمن حبسها، لفوات التمكين الذي النفقة في مقابلته. وكذا ما أشير إليه

بقوله:

(أو صامت لكفارة، أو) صامت (قضاء رمضان ووقته) أي: وقت القضاء

(متسع، أو صامت) نفلا (أو حجت نفلا) يعني: فإن نفقتها تسقط، لأنها

منعت نفسها عنه بسبب لا من جهته فسقطت نفقتها لذللى. وكذأما أشير إليه

بقوله:

(أو) صامت أو حجت (نذرا معينا في وقته فيهما) أي: في الصوم

والحج، (بلا إذنه) في الصوم والحج حتى (ولو أن نذرفما) كان (بإذنه) في

الأصح، لأنها فوتت علمه حقه من الاستمتاع باختيارها بالنذر الذي لم يوجبه

ص: 177

الشرع عليها ولا ندبها إليه فسقطت نفقتها لذلك. (بخلاف من أحرمت) من

الزوجات (بفريضة أو مكتوبة) ولو (في) أول (وقتها بسننها)؛ لأنها فعلت ما

أوجبه الشرع عليها وندبها إليه. فلم تسقط نفقتها بذلك؛ كما لو صامت

رمضان.

(وقدرها) أي: قدر النفقة الواجبة على الزوج للزوجة في حجة فرضها

(كحضر) أي: كنفقة الحضر.

(وإن اختلفا) يعني: الزوجين (ولا بينة) لواحد منهما بما يقوله، وكان

اختلافهما (في بذل تسليم) الزوجة إلى الزوج: (حلف) الزوج؛ لأنه منكر

والأصل عدم التسليم وكذلك إن اختلفا في وقت التسليم باًن قالت: سلمت

نفسي لك في أول المحرم، وقال: بل في أول صفر، فإن القول قوله بيمينه؛

لأن الأصل براءة ذمته مما قبل الوقت الذي ذكره.

(و) إن اختلفا (في نشوز) أي: نشوز الزوجة، (أو اخذ نفقة) باًن ادعى

الزوج نشوزها أو تسليم النفقة إليها وأنكرته: (حلفت)؛ لأنها منكرة.

والأصل عدم النشوز، وعدم أخذ النفقة.

ص: 178

] فصل: إذا أعسر الزوج بالنفقة]

(فصل. ومتى أعسر) الزوج (بنفقة معسر) ولم يجد القوت، (أو

كسوته) أي: كسوة معسر، (أو) أعسر (ببعضهما) أي: ببعض نفقة المعسر

أو ببعض كسوته، (أو) أعسر (بمسكنه) أي: بمسكن المعسر، (أو صار)

الزوج (لا يجد النفقة) أي: نفقة الزوجة (إلا يوما دون يوم) لحق الزوجة

الضرر الغالب بذلك؛ لأن البدن لا يقوم بدون كفايته. فإذا وجدت صورة من

هذه الصور (خيرت) الزوجة الحرة البالغة الرشيدة، وكذا الرقيقة والصغيرة

والسفيهة في الأصح (دون سيدها أو وليها)، حتى ولو كانت الزوجة مجنونة في الأصح (بين فسخ) أي: فسخ نكاحها من زوجها المعسر على الأصح؛

لقول الله سبحانه وتعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقره: 229]. وليس الإمساك مع ترك النفقة إمساكا بمعروف؛ لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " في الرجل لايجد ما ينفقه على امرأته قال: يفرق بينهما "

(1)

. رواه

الدارقطني.

وقال ابن المنذر: " ثبت أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد من رجال غابوا عن

نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى "

(2)

.

ولأنه إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء إذا كان الزوج عنينا مع قلة الضرر

فيه؛ لأنه فقد شهوة يقوم البدن بدونها. فلأن

(3)

يثبت الفسخ بالعجز عن النفقة

التي لا يقوم البدن بدونها أولى.

(1)

أخرجه الدارقطنى في " سننه "(194) 3: 297 كتاب النكاح.

(2)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 7: 469 كتاب النفقات، باب الرجل لا يجد نفقة امرأته.

(3)

في الأصول: فلا.

ص: 179

إذا تقرر هذا فإن الزوجة تملك الفسخ بإعسار الزوج (فورا ومتراخيا) في

الأصح، لأنه خيار لدفع الضرر. فكان حكمه حكم خيار العيب في المبيع.

وحيث ثبت إعسار الزوج فإن زوجته تخير بين فسخ نكاحها منه، (و) بين

(مقام) معه (مع منع نفسها) عنه بأن لا تمكنه من الاستمتاع بها، (وبدونه)

يعني: وبدون منع نفسها منه؛ لأنه لم يسلم إليها عوض الاستمتاع. فلم يلزمها أن

لا تمنع نفسها؛ كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع فإن البائع لا يلزمه تسليم إليه. (ولا يمنعها تكسبا، ولا يحبسها) يعني: أن الزوجة متى لم تفسخ نكاحها

ميع ثبوت عشرة زوجها كان عليه تخلية سبيلها لتكتسب وتحصل ما تنفقه على

نفسها؛ لأن في حبسها بغير نفقة إضرارا بها. ولا فرق في ذلك بين كونها فقيره

أو غنية، لأنه إنما يملك حبسها إذا كفاها المؤنة وأغناها عما لا بد لها منه.

(ولها الفسخ بعده) يعني: أن زوجها إذا أعسر ورضيت بالمقام معه [ثم بدا

لها أن تفسخ كان لها الفسخ بعد رضاها بالمقام معه]

(1)

على الأصح؛ لأن النفقة

يتجدد وجوبها في كل يوم فيتجدد لها الفسخ كذلك. ولا يصح إسقاط نفقتها فيما

لم يجب لها؛ كالشفيع تسقط شفعته قبل البيع، وكما لو أشقطت النفقة أو المهر

قبل النكاح.

(وكذا) الحكم على الأصح فيما (لو قالت: رضيت عسرته أو تزوجته)،

حال كونها (عالمة بها) أي: بعسرته فإنها تملك الفسخ بعد ذلك؛ لأنها في

الرضى به حالة العقد كالرضى به حالة التخيير، فلا فرق.

(وتبقى نفقة معسر وكسوته ومسكنه) للزوجة التي أعسر زوجها: (إن

أقامت) معه، (ولم تمنع نفسها) منه (دينا في ذمته) في الأصح، لأنها نفقة

تجب على سبيل العوض. فثبت في الذمة؛ كالنفقة الواجبه للمرأة قوتا.

وأما ما زاد على نفقة المعسر فإنه يسقط بالإعسار.

(ومن قدر يكتسب) ولم يكتسب: (أجبر) على الكسب.

(1)

ساقط من أ.

ص: 180

قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وقطع به كثير من

الأصحاب. انتهى.

وتقدم في الفلس أنه إذا بقيت على المفلس بقية وله صنعة أنه يجبر على إيجار

نفسه لقضاء ما بقي من دينه على الصحيح من الروايتين. وهذا مثله أو أولى.

لم (ومن تعذر عليه) من الأزواج (كسب) في بعض زمنه، (أو) تعذر عليه

(بيع في بعض زمنه، أو مرض) فلم يقدر على الكسب في مرضه أياما يسيرة فلا

فسخ، لأنه يمكنه الاقتراض إلى زوال العارض وحصول الاكتساب، (أو عجز

عن اقتراض أياما يسيرة) فلا فسخ، لأن ذلك يزول عن قريب ولا يكاد يسلم منه

كثير من الناس.

(أو أعسر بـ) نفقة (ماضية، أو) أعسر (بنفقة موسر أو) بنفقه

(متوسط، أو) أعسر (بأدم

(1)

، أو) أعسر (بنفقة الخادم: فلا فسخ)، لأن

الزيادة على نفقة الفقير

(2)

تسقط بإعساره ويمكنها الصبر عنها.

(وتبقى نفقتهما) أي: نفقة الموسر أو المتوسط

(3)

(و) كذا (الأدم) دينا

(في ذمته)؛ لأن ذلك واجب لا تملك بعدمه الفسخ. فبقي في ذمته إلى

اليسار؛ كالصداق إذا أعسر به بعد الدخول.

(وإن منع) زوج (موسر نفقة أو كسوة أو بعضهما) أي: بعض نفقة زوجته

أو كسوة زوجته، (وقدرت على) أخذ ذلك من (ماله أخذت) منه (كفايتها

وكفاية ولدها، ونحوه)، كخادمها (عرفا) يعني: بالمعر وف، (بلا إذنه)،

لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة حين قالت له: " إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقه ما يكفيني وولدي: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف "

(4)

.

(1)

في ج: (بنفقة أدم)

(2)

في ج: الغير.

(3)

في ج: (وتبقى نفقتهم) أي: نفقه الموسر والمتوسط والخادم.

(4)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6758) 6: 2626 كتاب الأحكام، باب القضاء على الغائب.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(4 171) 3: 1338 كتاب الأقضية، باب قضية هند.

ص: 181

فهذا إذن لها في الأخذ من ماله بغير إذنه، ورد لها إلى اجتهادها في قدر

كفايتها وكفايه ولدها. وهو متناول لأخذ تمام الكفاية، فإن ظاهر الحديث دل

على أنه كان يعطيها بعض الكفاية ولا يتمها لها، فرخص النبي صلى الله عليه وسلم في أخذ تمام الكفاية بغير علمه؛ لأنه موضع حاجة، فإن النفقة لا غنى عنها ولا قوام إلا بها.

فإذا لم يدفعها الزوج ولم تأخذها أفضى ذلك إلى ضياعها وهلاكها. فرخص لها

في أخذ قدر نفقتها ونفقة عائلتها، دفعا لحاجتها.

ولأن النفقة تتجدد بتجدد الزمان شيئا فشيئا فتشق المرافعة

(1)

بها إلى الحاكم

لأ والمطالبة بها في كل يوم. فلذلك رخص لها أخذها بغير إذن من هي عليه.

(ولا تقترض) زوجة لولدها (على أب)، لأنه إشغال لذمته بدون سبب

يقتضيه، (ولا ينفق على صغير من ماله) أي: مال الصغير، (بلا إذن وليه)؛

لأن غير الولي متعد بوضع يده على مال الصغير فيضمنه.

(وإن لم تقدر) زوجة الموسر على أخذ ما يجوز لها أخذه من ماله، فلها

رفعه إلى الحاكم. فإذا ثبت عند الحاكم يساره ووجوب دفع ما هو ممتنع من

دفعه: (أجبره حاكم) عليه. (فإن أبى) أن يطيع الحاكم في دفع ما وجب

عديه: (حبسه، أو دفعها) أي: دفع الحاكم النفقة إلى زوجته (منه) أي: من

لم ماله (يوما بيوم) حيث أمكن، لأنه حق امتنع من أدائه بغير حق. فقام الحاكم

لا مقامه في أدائه؛ كسائر الديون. فإن لم يجد إلا عروضا أو عقارا باعه في ذلك؛

لأن ذلك مال له. فتؤخذ منه النفقة؛ كالدراهم والدنانير.

(فإن غيب ماله وصبر على الحبس) فلها الفسخ في الأصح، لأنه تعذرت

نفقتها من جهة الزوج. فكان لها الخيار في الفسخ؛ كما لو كان معسرا. وكذا ما

أشير إليه بقوله:

(أو غاب موسر) يعني: عن زوجته (وتعذرت نفقة) عليها، بأن لم يترك

لها ما تنفقه على نفسها، ولم تقدر له على مال، ولا أمكنها تحصيل نفقتها

(1)

في ج: المرافقة.

ص: 182

(باستدانة) عليه (و) لا (غيرها: فلها الفسخ) في الأصح.

قال في " الإنصاف ": هذا المذهب، جزم

(1)

به في " الوجيز "

و" النظم "، و" منتخب الأدمي "، و" تذكرة ابن عبدوس " وغيرهم.

وقدمه في " المغني " و" الشرح " و" الفروع " وغيرهم. انتهى.

وقال القاضي: لا تملك الفسخ إلا إذا ثبت إعساره؛ لأن الفسخ ثبت لعيب

الإعسار. فإذا لم يثبت الإعسار لم تملك الفسخ.

ووجه المذهب: ان الإنفاق عليها من ماله متعذر. فكان لها الخيار؛ كحال

الإعسار، بل هذا أولى بالفسخ فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور فعلى غيره أولى. ولأن في الصبر ضرر أمكن إزالته بالفسخ. فوجبت إزالته؛ دفعا للضرر.

ولأن غيبته نوع تعذر. فلم يفترق الحال بين الموسروالمعسر؛ كأداء ثمن

المبيع، فإنه لا فرق في جواز الفسخ بين أن يكون المشتري معسر، أو بين أن

يهرب قبل أداء الثمن مع يساره.

(ولا يصح) الفسخ (فى ذلك كله بلا) حكم (حاكم: فيفسخ بطلبها، أو

تفسخ بأمره) يعني: أن كل فسخ جاز للمرأة لأجل النفقة لم يجز إلا بحكم

حاكم؛ لأنه فسخ مختلف فيه. فافتقر إلى حكم الحاكم؛ كالفسخ بالعنة.

وإنما لم يجز الحكم إلا بطلبها؛ لأنه لحقها. فلم يجز من غير طلبها؛ كالفسخ لعنة.

فإذا فرق الحاكم بينهما فهو فسخ لا رجعة له فيه؛ لأنها فرقة لعجزه عن الواجب عليه. أشبهت فرقة العنة.

(وله) أي: للحاكم (بيع عقار أو عرض لغائب) ترك زوجته بلا نفقة،

(و) لا منفق (إن لم يجد) الحاكم مما ينفق عليها (غيره) أي: غير ثمن العقار

أو العرض. (وينفق عليها) أي: عليها امرأة الغائب من مال الغائب (يوما

بيوم، ولا يجوز أكثر) يعني: ولا يجوز للحاكم أن يعجل لها أكثر من ذلك اليوم

(1)

في أ: وجزم.

ص: 183

الذي وجبت في أوله؛ لأن ذلك تعجيل للنفقة قبل وجوبها. فلم يجز؛ كما لو

عجل لها أكثر من شهر.

(ثم إن بان) الغائب (ميتا قبل إنفاقه) أي: قبل مده استوفت نفقتها فيها:

(حسب عليها) من ميراثها من زوجها (ما أنفقته بنفسها، أو بأمر حاكم)؛ لأنا

تبينا عدم استحقاقها له.

(ومن أمكنه أخذ دينه) الذي لو كان بيده كان موسرا: (فـ) هو

(موسر)؛ كما لو كان بحانوته أو بيته. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ص: 184

[باب: نفقة الأقارب والمماليك]

هذا (باب نفقة الأقارب، و) نفقة (المماليك) من الآدميين والبهائم.

والأصل في وجوب نفقة الوالدين والمولودين الكتاب والسنة والاجماع.

أما الكتاب، فقوله سبحانه وتعالى:{وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233].

وقال الله سبحانه وتعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]. ومن الإحسان: الإنفاق عليهما عند حاجتهما.

وأما السنة " فقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند: " خذي ما يكفيك وولدك

با لمعروف "

(1)

. متفق عليه.

وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن

ولده من كسبه "

(2)

. رواه أبوداود.

وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين

الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد. وأجمع كل من نحفظ

عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم.

ولأن ولد الإنسان بعضه وهو بعض والده، فكما يجب عليه أن ينفق على

نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله.

(و) حيث تقرر ذلك فإنها (تجب) كاملة إذا كان الفقير لا يملك شيئا،

وأن يكون الغني لم يكن معه من يشاركه في الإنفاق، (أو إكمالها) إن لم يكن

(1)

سبق تخريجه ص (181) رقم (4).

(2)

أخرجه أبو داود في " سنة "(3529) 3: 289 كتاب الإجارة، باب في الرجل يأكل من مال ولده.

ص: 185

كذلك (لأبويه وإن علوا، ولولده وإن سفل حتى ذي الرحم منهم) أي: من

الوالدين والأولاد، سواء (حجبه) أي: حجب الغني منهم (معسر)؛ كجد

معسر وأب معسر لغني فإنه محجوب عن جده بأبيه المعسر. فيلزم الغني نفقة أبيه المعسر وجده المعسر، (أو لا) يعني: أو لم يحجبه معسر؛ كمن له جد فقير

مع عدم أبيه الذي هو ابن الجد. فإن ابن الابن ليس بمحجوب عن الجد مع عدم

الأب، وكذا أبو الأم مع ابن البنت؛ لأن بينهما قرابة توجب العتق ورد الشهادة.

فأشبه الولد والوالدين القريبين.

(و) تجب النفقة (لكل من) أي: لكل فقير (يرثه) قريبه الغني

(بفرض)؛ كأخيه لأمه، (أو تعصيب)؛ كابن عمه، (لا برحم)؛ كخالة

(ممن سوى عمودي نسبه، سواء ورثه الآخر؛ كأخ) للغني، (أو لا) يعني:

أو لم يرثه الآخر؛ (كعمة وعتيق) على الأصح.

وتكون النفقة على من تجب نفقته (بمعروف)؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ثم قال: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم عطف الوارث عليه فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الأب.

وروي: " أن رجلا سل النبي صلى الله عليه وسلم من أبر؛ قال: أمك وأباك وأختك

وأخاك "

(1)

.

وفي لفظ: " ومولاك الذى هو أدناك. حقا واجبا ورحما موصولا "

(2)

.

رواه أبو داود.

وهذا نص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ألزمه الصلة والبر، والنفقة من الصلة جعلها حقا

واجبا.

ويشترط لوجوب النفقة على غير الزوجة ثلاثة شروط:

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(0 4 1 5) 4: 336 كتاب الأدب، باب في بر الوالدين.

(2)

نفس الحديث السابق.

ص: 186

الأول: أن يكون من تجب عليه وارثا لمن تجب له، إلا أن يكون من

عمودي نسبه. وتقدمت الإشارة إلى ذلك.

الشرط الثانى ما أشمير إليه بقوله: (مع فقر من تجب له وعجزه عن

تكسب)، لأن النفقة إنما تجب على سبيل المواساة، والغني يملكه، والقادر

على التكسب مستغن عن المواساة.

(و) لكن (لا يعتبر نقصه) يعني: أنه لايعتبر لوجوب النفقة نقص من

تجب له في الخلقة، كالزمن، ولا نقصه في الأحكام، كالصغير والمجنون على الأصح، لأنه فقير.

(فتجب لصحيح مكلف لا حرفة له).

الشرط الثالث ما أشير إليه بقوله: (إذا فضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه

يومه وليلته، وكسوة وسكنى) لهم (من حاصل) في يده (أو متحصل) من

صناعة، أو تجارة، أو أجرة عقار، أو ريع وقف ونحو ذلك. فأما من لا يفضل

عنده عمن ذكرنا شيء فلا شيء عليه، لما روى جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل فعلى عياله، فإن كان فضل فعلى

قرابته "

(1)

.

وفي لفظ: " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول "

(2)

. حديث صحيح.

ولأن النفقة إنما وجبت على سبيل المواساة، والمواساة لا تجب مع

الحاجة.

إذا تقرر هذا فإن النفقة (لا) تجب (من رأس مال) لتجارة، لنقص الربح

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3957) 4: 27 كتاب العتق، باب في بيع المدبر.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4653) 7: 304 كتاب البيوع، بيع المدبر.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(14287) 3: 305.

(2)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(997) 2: 692 كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله

ثم القرابة. بلفظ: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك ".

ص: 187

بنقص رأس المال. فلو أوجبنا النفقة من رأس المال لأفنته. فيحصل بذلك

الضرر وهو ممنوع شرعا.

(و) لاتجب النفقة أيضا من (ثمن ملك، و) لا من ثمن (آلة عمل)،

لأن وجوب النفقة فيهما كوجوبها في رأس مال التجارة وليست بواجبة فيه؛

لحصول الضرر بذلك.

(ومن قدر يكتسب) وكان بحيث إذا اكتسب فضل عن كسبه فضل

للمواساة: (أجبر) على التكسب (لنفقة قريبه)، لأن ترك التكسب مع قدرته

عليه فيه تضييع لمن يعول وذلك منهي عنه.

(لا امرأة على نكاح) يعني: أنه لو كان لامرأة قريب فقير تجب عليها نفقته

لو كاثت غنية ورغب في نكاحها إنسان بما تصر به غنية: لم تجبر على نكاحها

على ذلك لتنفق منه على قريبها الفقير، لأن الرغبة في النكاح قد تكون لغير

المال. بخلاف التكسب.

(وزوجة من تجب له) النفقة، (كهو) أى: كالذي تجب له النفقة نفسه

على الأصح.

ولا فرق في ذلك بين كون الفقير من عمودي النسب أو من غيرهم على

الأ صح، لأن ذلك من حاجة الفقير اليومية، إذ الضرورة تدعو إليه. فإذا احتاج

ولم يقدر عليه ربما دعته نفسه إلى الزنا فأفضى به ذلك إلى وجوب الحد. فوجب إعفافه.

(ومن له) من المحتاجين إلى النفقه (ولو) كان (حملاً وراث دون أب)

يعني: وكانت وراثه غير أبيه: (فنفقته) عليهم (على قدر إرثهم منه) أي: من المحتاجين إلى النفقة، لأن الله سبحانه وتعالى رتب النفقة على الإرث بقوله

سبحانه وتعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] فيجب أن يترتب مقدار

النفقة على مقدار الإرث.

(والأب) أي: أب الفقير (ينفرد بها) أي: بالإنفاق على ولده؛ لأن الله

سبحانه وتعالى قال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]

ص: 188

وقال سبحانه وتعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} [البقرة: 233].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهند: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف "

(1)

. فجعل

النفقة عليه دون أمه.

قال في " شرح المقنع ": ولا خلاف فى هذا نعلمه، إلا أن لأصحاب

الشافعي فيما إذا اجتمع للفقير أب وابن موسران وجهين:

أحدهما: أن نفقته عليهما؛ لأنهما سواء في القرب.

ولنا: أن النفقة على الأب منصوص عليها، فيجب اتباع النص وترك ما عداه.

إذا تقرر هذا (فـ) من له (جد وأخ) فالنفقة

(2)

عليه بينهما سواء؛ لأنه لو

مات كان ميراثه بينهما.

(أو) كان للفقير (أم أم وأم أب) كانت النفقة عليه (بينهما سواء)؛ لأنه لو

مات ورثاه كذلك فرضا وردا.

(و) إن كان للفقير (أم وجد) كانت نفقته عليهما أثلاثا، على الأم الثلث

والباقي على الجد؛ لأنهما يرثانه كذلك.

(أو) كان له (ابن وبنت) كانت النفقة له عليهما كذلك: (أثلاثا)؛ لأنهما

يرثانه كذلك. فيكون على البنت ثلثها، وعلى الابن ثلثاها.

(و) من كان له (ام وبنت) كانت نفقته علمهما أرباعا: على الأم ربعها،

وعلى البنت ثلاثة أرباعها؛ لأنهما يرثانه كذلك فرضا وردا.

[(أو) كان له (جدة وبنت) فإن نفقته عليهما: (أرباعا)؛ لأنهما يرثانه

كذلك فرضا وردا]

(3)

: للأم أو الجدة الربع، والباقي للبنت.

(و) من كانت له (جدة وعاصب كير أب) كانت النفقة عليهما: (أسداسا):

على الجدة سدسها، والباقي على العاصب؛ لأنهما يرثانه كذلك.

(1)

سبق تخريجه ص (181) رقم (4).

(2)

في ب: فإن النفقة.

(3)

ساقط من أ.

ص: 189

(وعلى هذا) المعنى (حسابها) أي: حساب النفقات فيكون ترتيب النفقات

على ترتيب الميراث: (فلا تلزم) النفقة (أبا أم مع أم، وابن بنت معها)، بل

يكون جميع النفقة على الأم؛ لأن إرث ابنها لها إذا انفردت فرضا وردا.

(ولا) تلزم نفقة الفقير (أخا) له (مع ابن) له، بل يكون جميع نفقته على

ابنه؛ لأنه لو مات كان ميراثه لابنه وحده.

(و) لو كان بعض ورثة الفقير موسرا والبعض معسرا؛ كمن له ابنان أحدهما

موسر والآخر معسر فإنه (تلزم موسرا) منهما (مع فقر الآخر بقدر إرثه) فقط

على الأصح؛ لأن الموسر منهما إنما يجب عليه مع يسار الآخر ذلك القدر. فلا يتحمل عن غيره إذا لم يجد الغير ما يجب عليه.

(وتلزم) نفقة الفقير (جدا) للفقير (موسرا مع فقر أب) للفقير على

الأصح؛ لعدم اشتراط الميراث في عمودي النسب دون غيرهم.

وتلزم (جدة موسرة مع فقر أم) كذلك.

(ومن لم يكف ما فضل عنه) أي: عمن وجبت عليه نفقة غيره (جميع من

تجب نفقته) عليه لو كان موسرا بجميعها: (بدا بزوجته)؛ لأن نفقة الزوجة

تجب على سبيل المعاوضة فقدمت على مجرد المواساة. ولذلك تجب مع

يسارهما وإعسارهما. بخلاف نفقة القريب.

(فـ) نفقة (رقيقه) بعد زوجته؛ لأنها تجب مع اليسار والإعسار. فقدمت

على مجرد المواساة.

(فـ) نفقة (أقرب) فأقرب

(1)

؛ لحديث طارق المحاربي " ابدأ بمن تعول،

أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك

(2)

"

(3)

. يعني: الأدنى فالأدنى.

ولأن النفقة صلة وبر، ومن قرب أولى بالبر ممن بعد.

(1)

في ج: أي فأقرب، وسقطت من ب.

(2)

ساقط من أ.

(3)

أخرجه الشائي في " سننه "(532 2) 5: 1 6 كتاب الزكاة، باب أيتهما اليد العليا.

ص: 190

(ثم) مع استواء في الدرجة يبدأ بـ (العصبة)؛ كأخوين لأم أحدهما ابن

عم، (ثم التساوي).

إذا تقرر ذلك (فيقدم ولد على أب) في الأصح، لأن نفقته وجبت بالنص،

(و) يقدم (أب على أم) في الأصح؛ لانفراده بالولاية على ولده.

واستحقاق الأخذ من ماله.

وإضافة النبي صلى الله عليه وسلم الولد وماله لأبيه بقوله: " أنت ومالك لأبيك "

(1)

.

(و) تقدم (أم على ولد ابن)؛ لأنها تقدم على الأب في وجه؛ لما لها من

فضيله الحمل والرضاع والترتيب.

ولأنها أقرب من ولد الابن.

(و) يقدم (ولد ابن على جد)؛ لأن ابن الابن يرثه ميراث ابن.

ولأن وجوده يسقط تعصب الجد فقدم عليه.

(و) يقدم (جد على أخ) في الأصح، لأن له مزية الولاده والأبوة.

(و) يقدم (ابو أب على أبي أم) في الأصح، لأن امتياز أبي الأب

بالتعصب. (وهو) أي: وأبو الأم (مع أبي أبي أب متساويان)

(2)

في الأصح،

لأنه كما قرب أبو الأم في الدرجة امتاز عنه أبو الأب بالعصوبة، فتعارض قرب الدرجة وميز العصوبة فتساويا

(3)

لذلك.

(ولمستحقها) أي: النفقة (الأخذ) من مال من النفقة واجبة عليه (بلا

إذن) أي: إذن ممن هي عليه (مع امتناع) أي: امتناع من دفعها لمن وجبت

له؛ (كزوجة) أي: كما تجوز ذلك للزوجة.

قال في " الفروع ": وظاهر كلام أصحابنا: يأخذ بلا إذنه كزوجة. نقل

(1)

أخرجه ابن ماجه فى " سننه "(2291) 2: 769 كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(6902) 2: 204.

(2)

في ج: مستويان.

(3)

في ب: متساويا.

ص: 191

ابناه والجماعة: يأخذ من مال والده

(1)

بلا إذنه بالمعروف، إذا احتاج، ولا

يتصدق. انتهى.

(ولا نفقة مع اختلاف دين) بقرابة ولو كان من عمودي النسب على

الأصح؛ لأنها مواساة على سبيل البر والصلة. فلم يجب مع اختلاف الدين؛

كغير عمودي النسب.

ولأنهما لا يتوارثان. فلا يجب لأحدهما على الآخر نفقة بالقرابة؛ كما لو

كان أحدهما رقيقا.

(إلا بالولاء)؛ لثبوت إرثه من عتيقه مع اختلاف دينها؛ لعموم قوله

سبحانه وتعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233].

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك، ومولاك

الذي يلي، ذاك

(2)

حقا واجبا ورحما موصولا "

(3)

. رواه أبو داود.

ولأنه يرثه بالتعصيب. فكانت عليه نفقته؛ كالأب.

فإن مات مولاه فالنفقة على وارثه من عصبة مولاه.

ويفارق ذلك نفقة الزوجة الذمية أيضا؛ لأنها عوض يجب مع الإعسار. فلم

ينافها

(4)

اختلاف الدين؛ كالصداق.

(1)

فى ب: ولده. وهو تصحيف.

(2)

في ب: ذلك.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(5140) 4: 336 كتاب الأدب، باب في بر الوالدين.

(4)

في ب: ينافيها.

ص: 192

] فصل: يجب إعفاف من تجب له النفقة]

(فصل. ويجب إعفاف من تجب له) النفقة: (من عمودي نسبه وغيرهم)

في الأصح، لأن ذلك مما تدعو حاجته إليه، ويستضر بفقده

(1)

فلزم على من

تلزمه مؤنته. ولا يشبه ذلك الحلوى فإنه لا يستضر بفقدها.

إذا ثبت هذا فإنه يجب إعفاف من وجبت نفقته من الآباء والأجداد والأولاد

وأبنائهم والإخوة والأعمام. فإن اجتمع جدان مثلا ولا يفضل إلا ما يكفي إعفاف أحدهما قد الأقرب، إلا أن يكون أحدهما من جهة الأب والآخر من جهة الأم،

فيقدم الذي من جهة الأب وإن بعد، لانه عصبة.

ويكون الإعفاف (بزوجة حرة، أو سرية تعفه. ولا يملك) من دفع له

السرية (استرجاعها مع غناه) أي: غنى الفقير، كالزكاة.

(و) متى عين أحدهما امرأه والاخر غيرها فإنه (يقدم تعيين قريب- والمهر

سواء- على) تعيين (زوج). قدمه في " الفر وع ".

ثم قال: وفي " الترغيب ": التعيين للزوج. انتهى.

وقال في " الإنصاف ": ويقدم تعيين قريب إذا اتفقا على مقدار المهر. هذا

هو الصحيح من المذهب. جزم به في " المغني" و"الشرح".وقدمه في

" الفروع ". وجزم في " البلغة "و" الترغيب ": أن التعيين للزوج، لكن ليس

له تعيين رقيقه ولا للابن تعيين عجوز قبيحة المنظر أو معيبة. انتهى.

(ويصدق) من يجب إعفافه: (أنه تائق، بلا يمين).

قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.

(1)

في أوب: لفقده.

ص: 193

وقال في " الفروع ": ويتوجه بيمينه.

(ويعتبر) لوجوب الإعفاف (عجزه) أي: عجز من يجب إعفافه عن مهر

حرة أو ثمن أمة.

(ويكفي) إعفافه (بواحدة) زوجة حرة أو سرية. (فإن ماتت) الزوجه أو

السرية: (أعفه ثانيا)؛ لأنه لا صنع له في ذلك. (لا إن طلق بلا عذر) أو أعتق السرية مجانا بأن لم يجعل عتقها صداقها، فإنه لم يكن عليه أن يزوجه ثانيا أو

يملكه سرية ثانيا؛ لأنه فوت ذلك على نفسه.

(ويلزم إعفاف أم كأب) أي: كما يلزمه إعفاف أب.

قال في " الإنصاف ": ويلزمه إعفاف أمه؛ كأبيه.

قال القاضي: ولو سلم، فالأب آكد.

ولأنه لا يتصور؛ لأن الإعفاف لها بالتزويج ونفقتها على الزوج.

قال في " الفروع ": ويتوجه تلزمه نفقته إن تعذر تزويج بدونها. وهو ظاهر

القول الأول.

وهو ظاهر " الوجيز " فإنه قال: ويلزمه إعفاف كل إنسان تلزمه نفقته.

(و) يلزم من وجبت عليه نفقة (خادم للجميع) أي: جميع من تلزمه

نفقتهم (لحاجة) إلى الخادم؛ (كزوجة).

قال في " شرح المقنع ": والواجب في نفقة القريب قدر الكفاية من الخبز

والأدم والكسوة بقدر العادة كما ذكرنا في الزوجة؛ لأنها وجبت للحاجة فتقدرت

بما تندفع به الحاجة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف "

(1)

. فقدر نفقتها ونفقة ولدها بالكفاية. فإن احتاج إلى خادم فعليه

إخدامه كقولنا في الزوجة؛ لأن ذلك من تمام الكفاية. انتهى.

(ومن ترك ما وجب) عليه من إنفاق على قريب أو عتيق (مدة: لم يلزمه)

(1)

سبق تخريجه ص (181) رقم (4).

ص: 194

شيء (لما مضى) من المدة التي لم ينفق عليه فيها.

قال في " الفروع ": ومن تركه لم يلزمه الماضي، (أطلقه الأكثر)، وجزم

به في " الفصول ". (وذكر بعضهم: إلا بفرض حاكم)؛ لأنه تأكد بفرضه،

كنفقة الزوجة. انتهى كلامه في " الفروع ".

(وزاد غيره) أي: غير ذلك البعض وهو صاحب " المحرر ": (أو إذنه)

أي: إذن من وجبت عليه النفقة لمن وجب له (في استدانة).

قال في " المحرر ": وأما نفقة أقاربه

(1)

فلا تلزمه؛ لما مضى وإن فرضت،

إلا أن يستدين عليه بإذن الحاكم. انتهى.

(ولو غاب زوج فاستدانت) زوجة (لها ولأولادها الصغار: رجعت)

نصا. نقله أحمد بن هاشم. وذكره في "الإرشاد ". وقدمه في " الفروع ".

(ولو امتنع منها) أي: من النفقة على زوجته أو قريبه (زوج أو قريب:

رجع عليه منفق) على زوجته أو قريبه (بنية رجوع) عليه بنظير ما أنفق. ذكره القاضي في " خلافه " وابن عقيل في " مفرداته ". واقتصر عليه في " القواعد "؛ وذلك لأن الامتناع قد يكون لضعف من وجبت له النفقه وقوة من وجبت عليه.

فلو لم نقل: يملك رجوع من أنفق عنه عليه لضاع الضعيف بترك الإنفاق عليه

خوف ضياعه.

(وعلى من تلزمه نفقة صغير نفقة ظئره) أي: مرضعته (حولين) كاملين؛

لقول الله سبحانه وتعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233]. فأثبت نفقة الأم على الأب. والوارث إنما يكون بعد

موت الأب؛ لأن الأب ما دام موجودا فنفقة الولد عليه دون غيره بلا خلاف.

ولأنه جعلها أجرة وعقبه بقوله سبحانه وتعالى: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ

(1)

ساقط من أ.

ص: 195

أُخْرَى} [الطلاق: 6 [. ولفظ هذا لفظ الخير، ومعناه الأمر أي: فاسترضعوا له

أخري. والاسترضاع لغير الأم إنما يكون بالأجرة. فتجب الأجرة لذلك.

ولأن الطفل إنما يتغذى بما يتولد في المرضعة من اللبن وذلك إنما يتحصل

بالغذاء. فوجبت النفقة للمرضعة؛ لأنها في الحقيقة له، كما تجب النفقة على

الولد بعد الفطام.

وإنما تجب في الحولين؛ لقوله سبحانه وتعالى في أول الاية: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]

فجعل تمام الرضاعة الحولين وأوجب النفقة في زمن الرضاعة. فلا تجب

بعدها؛ لمفهوم الآية.

ولأن مدة الحاجة إلى الرضاع انقضت. فلا تجب نفقة المرضعة فيما بعد

ذلك.

(ولا يفطم قبلها) أي: قبل الحولين (إلا برضى أبويه، أو) رضى

(سيده: إن كان رقيقا، ما لم ينضر) بفطامه قبل الحولين؛ لمنع حصول

الضرر.

وقال في " الرعاية " هنا: يحرم رضاعه بعدهما ولهو رضيا

(1)

.

(ولأبيه منع أمة من خدمته)؛ لأن ذلك يفوت حق الاستمتاع بها في بعض

الأحيان، (لا) منعها من (رضاعه ولو أنها في حباله)؛ لقول الله سبحانه

وتعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] فقدمهن على غيرهن. وهذا خبر يراد به الأمر، وهو عام في كل والدة.

(وهي) أي: الأم (أحق) بإرضاع ولدها (بأجرة مثلها، حتى مع)

مرضعة (متبرعه أو) مع (زوج ثان ويرضى)؛ لقوله سبحانه وتعالى:

{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]. وهذا عام في جممع الأحوال.

ولأن الأم أحن من غيرها وأشفق، ولبنها أمرأ. فكانت أحق برضاعه من

(1)

في ب زيادة ش به.

ص: 196

غيرها؛ كما لو طلبت الأجنبية رضاعه بأجرة مثلها مع وجود أمه.

ولأن في رضاع غيرها تفويتا لحق الأم من الحضانة، وإضرارا بالولد.

وقد علم مما تقدم أن الأم إذا طلبت أكثر من أجر مثلها ووجمد الأب من

يرضعه بأجرة مثله أو متبرعة، كان للأب انتزاعه منها؛ لأنها أسقطت حقها بطلب ما ليس لها، فدخلت في قوله سبحانه وتعالى:{وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6 [.

وإن لم يجد مرضعة إلا بتلك الأجرة التي طلبتها الأم فالأم أحق؛ لأنهما

تساويا في الأجر. فقدمت الأم؛ كما لو طلبت كل واحدة

(1)

أجر مثلها.

وعلم أيضا مما تقدم أن الأم لو كانت متزوجة بغير أبي الطفل وطلبت إرضاعه

بأجر مثلها ورضي زوجها بذلك كانت أحق من غيرها؛ لأنها إنما منعت لحق

الزوج. فإذا أذن في ذلك زال المانع. وإن منعها الزوج سقط حقها؛ لتعذر

وصولها إليه.

(ويلزم حرة) إرضاع ولدها يعني: بأجر مثلها (مع خوف تلفه) بأن لم

يقبل ثدي غيرها أو نحو ذلك؛ لأنها حال ضرورة، وحفظ لنفس ولدها، كما لو

لم يكن أحد غيرها.

وعلم مما تقدم أنها لا تجبر مع عدم خوف تلف الولد، دنية كانت أو

شريفة، وسواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة؛ لقوله سبحانه وتعالي:

{وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6 [. وإذا اختلفا فقد تعاسرا.

(و) يلزم (أم ولد) يعني: الأمة المستولدة إرضاع ولدها (مطلقا) أي:

سواء خيف محلى الولد إن لم ترضعه أو لا، وسواء كان من سيدها أو لا،

(مجانا) أي: من غير أجرة؛ لأنه يملك نفعها. (ومتى عتقت فكبائن)

يعني: أنه يصير حكمها حكم الحره البائن.

قال في " الإنصاف ": لو

(2)

عتقت أم الولد على السيد: فحكم رضاع

(1)

في أ: واحد.

(2)

في ب: ولو.

ص: 197

ولدها منه: حكم المطلقة البائن. ذكره ابن الزاغونى فى " الإقناع ". واقتصر

عليه ابن رجب.

ولو باعها، أو وهبها، أو زوجها: سقطت حضانتها، على ظاهر ما ذكره

ابن عقيل في " فنونه ".

وعلى هذا يسقط حقها من الرضاع أيضا. قاله ابن رجب. انتهى.

(ولزوج ثان) أي: غير أبي ولدها (منعها من إرضاع ولدها من) الزوج

(الأول)، أو من شبهة أو زنا، (إلا لضرورته) أي: ضرورة الولد بأن لا يوجد

من لا يرضعه غيرها، أو لا يقبل ثدي غيرها، (أو شرطها) يعني: أو تشترط

عليه عند التزويج أن لا يمنعها من رضاع ولدها، لأن عقد النكاح يقتضي تمليك الزوج الاستمتاع في كل الزمان سوى أوقات الصلوات. والرضاع يفوت عليه الاستمتاع في بعض الأوقات. فكان له منعها، كمنعها من الخروج من منزله.

أما في حال اضطراره إليها فإنه يجب، لأنه حال ضرورة، وحفظ لنفس

الولد. فقدم على حق الزوج، كتقديم المضطر إلى شيء على مالكه غير

المضطر.

واما إذا اشترطت ذلك على الزوج عند عقد النكاح، فلأنه دخل على ذلك،

فصار كأن زمن الإرضاع مستثنى من زمن الاستمتاع.

ومن أرضعب ولدها وهي في حبال والده فاحتاجت إلى زيادة نفقة لزمه،

لقول الله سبحانه وتعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقره: 233].

ولأنها تستحق عليه قدر كفايتها. فإذا زادت حاجتها زادت كفايتها.

ولما فرع من الكلام على نفقة الأ قارب شرع في الكلام على نفقة المماليك

فقال:

ص: 198

] فصل: في نفقة المماليك]

(فصل. وتلزمه) أي: تلزم سيد الرقيق نفقة (وسكنى عرفا) أي:

بالمعروف (لرقيقه- ولو) كان رقيقه (آبقا، أو) كان أمة (ناشزا، أو) كان

(ابن أمته من حر- من غالب قوت البلد)، سواء كان ذلك قوت سيده أو دونه،

أو قوته وأدم مثله.

(و) تلزمه أيضا (كسوته) أي: كسوة رقيقه (مطلقا) أي: سواء كان

المالك غنيا أو فقيرا أو متوسطا، وذلك لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق "

(1)

.

رواه الشافعي في " مسنده ".

وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إخوانكم خولكم. جعلهم الله تحت

أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا

تكلفوهم ما يغلبهم. فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه "

(2)

. متفق عليه.

وأجمع العلماء على أن نفقة المملوك على سيده.

ولأنه لا بد له من نفقة. ومنافعه لسيده وهو أخص الناس به. فوجبت نفقته

عليه، كبهيمة.

(ولمبعض) على مالك بعضه من نفقته وكسوته (بقدر رقه، وبقيتها) أي:

(1)

أخرجه الإمام الشافعي في " مسنده "(215) 2: 66 كتاب العتق، باب فيما جاء في العتق وحق المملوك.

(2)

اخرجه البخاري في " صحيحه "(30) 1: 20 كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهليه

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1661) 3: 1282 كتاب الأيمان، باب إطعام المملوك مما ياكل.

ص: 199

بقية نفقته (عليه) أي: على نفس المبعض؛ لأن بعضه الحر ليس بملك لأحد

فطلب منه نفقته. والسيد مخير بين أن يجعل نفقة رقيقه في كسبه إن كان له

كسب، وأن ينفق عليه من ماله ويأًخذ كسبه، أو يجعله برسم خدمته وينفق عليه

من ماله " لأن الكل ماله. وإن جعل نفقته في كسبه فكانت وفق الكسب صرفه

إليها، وإن فضل من الكسب شيء فهو لسيده، وإن أعوز فعليه تمامه.

وأما الكسوة فبالمعروف من غالب الكسوة لأمثال العبيد في ذلك البلد الذي

هو به، والمستحب أن يلبسه من لباسه؛ لحديث أبي ذر

(1)

. وأن يسوي بين

عبيده الذكور في الكسوة وبين إمائه إن كن للخدمة أو للاستمتاع. وإن كان فيهن

من هو للخدمة ومن هو للاستمتاع فلا بأس بزيادة من هي للاستمتاع في الكسوة، لأنه العرف.

(وعلى حرة نفقة ولدها من عبد). نص على ذلك، (وكذا مكاتبة ولو أنه)

أي: أن ولدها (من مكاتب، وكسبه لها)، لأنه لما كان كسبه لها كان عليها

نفقته.

(ويزوج) الرقيق أي: يجب أن يزوجه (بطلب) منه، لقوله سبحانه وتعالى:{وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32].

والأمر يقتضي الوجوب.

ولأنه مكلف محجور عليه طلب أن يزوج. فلزمت إجابته، كالمحجور عليه

لسفه.

ولأن النكاح مما تدعو إليه الحاجة غالبا ويتضرر بفواته. فأجبر عليه،

كالنفقة.

ولأنه يخاف من ترك إعفافه الوقوع في المحظور. بخلاف ما لو طلب من

سيده أن يطعمه الحلوى.

ومحل ذلك: إذا كان (غير أمة يستمتع بها) سيدها، (ولو) كانت

(1)

سبق تخريجه ص (199) رقم (2).

ص: 200

(مكاتبة بشرطه) أي: كاتبها بشرط أن يطأها زمن كتابتها، لأن المقصود قضاء الحاجة، وإزاله ضرر الشهوة. وذلك يحصل باستمتاعه بها فلم يتعين غيره.

(وتصدق) أمة طلبت التزويج، وادعى سيدها أنه يطأها: (في أنه لم

يطأ)؛ لأنه الأصل.

قال في " الترغيب ": على الأصح. نقله عنه في " الفروع ".

وقال: وفي " المستوعب ". يلزمه تزويج المكاتبه بطلبها ولو وطأها وأبيح

بالشرط. ذكره ابن البنا. وكأن وجهه؛ لما فيه من اكتساب المهر. فملكته؛

كأنواع التكسب. وظاهر كلامهم خلافه، وهو أظهر؛ لما فيه من إسقاط حق

السيد وإلغاء الشرط. انتهى كلامه في " الفروع ".

(ومن غاب عن أمته غيبة منقطعة فطلبت التزويج: زوجها من يلي ماله)

أي: مال الغائب.

قال في " الانتصار": أومأ إليه في رواية أبي بكر. واقتصر عليه في " الفروع ". (وكذا أمة صبي ومجنون) طلبت التزويج فإنه يزوجها من يلي ماله.

(وإن غاب) سيد (عن أم ولده: زوجت لحاجة نفقة).

قال (المنقح: وكذا لوطء).

قال في " الفروع ": ومن غاب عن أم ولد زوجت في الأصح؛ لحاجة

نفقة، ويتوجه: أو وطء عند من جعله كنفقة. انتهى.

والصحيح: انه يجب الإعفاف كما تجب النفقة.

(ويجب) للعبيد والإماء على من يملكهم (أن لايكلفوا مشقا) يعني:

عملا يشق (كثيرا)؛ لحديث أبي ذر

(1)

. (وأن يراحوا) يعني: أن سيدهم

يريحهم (وقت قيلولة، و) وقت (نوم، ولـ) تأدية (صلاة مفروضة)؛ لأن

العادة جارية بذلك.

(1)

سبق تخريجه ص (199) رقم (2).

ص: 201

ولأن عليهم في ترك ذلك ضررا، ولا يحل الإضرار بهم.

(ويركبهم عقبة لحاجة) إذا سافر بهم، لئلا يكلفهم ما لا يطيقون.

(ومن بعث) بالبناء للمفعول (منهم) أي: من الأرقاء (في حاجة، فإن

علم أنه لا يجد مسجدا يصلي فيه) ولم يكن له عذر في التأخير: (صلى) أولا

ثم قضاها، لتمكنه من ذلك. (فلو عذر) بأن لم يتمكن من ذلك خشية إضرار

سيده به أو غير ذلك: (أخر) الصلاة، (وقضاها) أي: قضى الحاجة ثم صلى.

(وإن لم يعلم) أنه لا يجد مسجدا (فوجد مسجدا: قضى حاجته، ثم

صلى) تقديما لحق الآدمي؛ لأنه مبني على المشاحة. (فلو صلى قبل) قضائها

ثم قضاها (فلا بأس). نقله صالح، لأنه قضى حق الله وحق سيده.

(وتسن مداواتهم) يعني: أنه يسن للسيد أن يداوي رقيقه (إن مرضوا).

قاله في " التنقيح " وتبعته عليه.

وقال في " الإنصاف ": قوله: ويداويهم إذا مرضوا: يحتمل أن يكون

مراده الوجوب. وهو المذهب.

قال في " الفروع ": ويداويه وجوبا. قاله جماعة.

قال ابن شهاب في كفن الزوجة: العبد لا مال له، فالسيد أحق بنفقته

ومؤنته. ولهذا النفقة المختصة بالمرض من الدواء وأجرة الطبيب تلزمه.

بخلاف الزوجة. انتهى.

ويحتمل أن يكون مراده بذلك الاستحباب.

قال في " الفروع ": وظاهر كلام جماعة: يستحب. وهو أظهر. انتهى.

قلت: المذهب أن ترك الدواء أفضل على ما تقدم في أول كتاب الجنائز.

ووجوب المداواة قول ضعيف. انتهى كلامه في " الإنصاف ".

(و) يسن للسيد (إطعامهم) أي: إطعام رقيقه (من طعامه)؛ وإلباسهم

من لباسه، لحديث أبي ذر

(1)

.

(1)

سبق تخريجه ص (199) رقم (2).

ص: 202

(ومن وليه) أي: ولي

(1)

طعامه من رقيقه: (فـ) إنه يسن له أن يطعمه

(معه أو منه)، لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا ولي أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدعه وليجلسه معه. فإن أبى فليروغ له اللقمة

واللقمتين "

(2)

. رواه البخارى.

ومعنى الترويغ: غمسها في المرق والدسم وترويتها بذلك ودفعها إليه.

وسن فعل ذلك، ولو أنه لا يشتهيه، لحضوره فيه وتوليه إياه. وقد قال الله

سبحانه وتعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ} [النساء: 8].

ولأن نفس الحاضر تتوق إلى ما لا تتوق إليه نفس الغائب.

(ولا يأكل) العبد شيئا من طعام سيده (إلا بإذنه). نص على ذلك.

(وله) أي: وللزوج- والوالد والسيد (تأديب زوجة، و) تأديب (ولد

- ولو) كان (مكلفا مزوجا- بضرب غير مبرح.

وكذا) في الحكم (رقيق) إن أذنبوا، لا إن لم يذنبوا، ولا ان يضربوا ضربا

مبرحا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا يجلد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله عز وجل "

(3)

. رواه الجماعة إلا النسائي. من حديث أبي بردة بن نيار

(4)

.

وقد روي عن ابن مسعود قال: " كنت أضرب غلاما لي. فإذا رجل من

(1)

في ج: وولي.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(44 51) 5: 2078 كتاب الأطعمة، باب الأكل مع الخادم.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6458) 6: 2512 كتاب المحاربين، باب كم التعزير والأدب. وأخرجه مسملم في " صحيحه " (1708) 3: 1332 كتاب الحدود، باب قدر أسو اط التعزير.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(4491) 4: 167 كتاب الحدود، باب في التعزير.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1463) 4: 63 كتاب الحدود، باب ما جاء في التعزير.

وأخرجه ابن ماجه قي " سننه "(1 0 26) 2: 867 كتاب الحدود، باب التعزير.

وأخرجه أحمد في " مسنده ") 16523) 4: 45.

(4)

في ب: دينار. وهو تصحيف.

ص: 203

خلفي يقول: أعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك على هذا الغلام "

(1)

.

ولأنه تعذيب لإنسان من غر ضرورة إليه؛ لأنه يمكنه أن يبيعه ويستبدل به

غيره. فلم يجز؛ كتكليفه ما لا يطيق من العمل.

وظاهر هذا: أنه لا يزيد في تأديب رقيقه على تأديب ولده وامرأته.

وقال في "التنقيح": قلت: الأظهر جواز الزياده على ذلك؛ للأحاديث

الصحيحه. انتهى.

(ويقيده) يعني: أن له تقييد رقيقه: (إن خاف عليه) من الإباق؛ نقله حرب.

ونقل غيره: لا يقيده. ويباع أحب إلي.

(ولا يشتم ابويه) أي: أبوي المملوك (الكافرين).

قال أحمد: لا يعود لسانه الخنا والردا، ولا يدخل الجنة سيء الملكة.

وهو الذي يسيء إلى مملوكه.

(ولا يلزمه بيعه) يعني: أنه لا يلزم السيد بيع مملوكه (بطلبه مع القيام

بحقه) أي: حق المملوك؛ لأن الملك للسيد والحق له. فلا يجبر على إزالته

من غير ضرر بالعبد؛ كما لا يجبر على طلاق زوجته مع القيام بما يجب لها، ولا على بيع بهيمته مع الإنفاق عليها.

وقد روى أبو داود عن أحمد أنه قيل له: استباعت المملوكة وهو يكسموها

مما يلبس ويطعمها مما يأكل؟ قال: لا تباع وإن أكثرت من ذلك، إلا ان تحتاج

إلى زوج فتقول: زوجني.

(وحرم أن تسترضغ أمة) لها ولد (لغير ولدها) مع كونه لا يفضل عن ولدها

(1)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1659) 3: 1280 كتاب الأيمان، باب صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(5159) 4: 340 كتاب الأدب، باب في حق المملوك.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1948) 4: 335 كتاب البر والصلة، باب النهي عن ضرب الخدم وشتمهم.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(02 221) 5: 274.

ص: 204

شيء؛ لأن في ذلك إضرار بالولد؛ لنقصه عن كفايته ومؤنته، (إلا بعد ريه)

أي: ري الولد، لأنه إذا روي فقد استغنى عما فضل. فكان لسيدها استيفاؤه، كالفاضل من كسبها، وكما لو مات ولدها وبقي لبنها.

(ولا تصح إجارتها) أي: إجارة الأمه المزوجة (بلا إذن زوج زمن حقه) أي:

حى الزوج.

قال في " الفروع ": قال الشيخ: لاشتغالها عنه برضاع وحضانه. وهذا

إنما يجيء إذا أجرها في مدة حق الزوج. فلو أجرها في غيره توجه الجواز. وإطلاقه مقيد بتعليله

(1)

: وقد يحتمل أن لا يلزم تقييده به، فأما إن ضر ذلك بها

لم يجز. انتهى كلامه في " الفروع ".

(ولا جبر) يعني: أنه لا يجوز جبر العبد (على مخارجة، وهي) يعني:

المخارجة: (جعل سيد على رقيق، كل يوم أو) كل (شهر، شيئا معلوما له)

أي: للسيد؛ لأن ذلك عقد بينهما. فلا يجبر عليه واحد منهما، كعقد الكتابة.

(وتجوز) المخارجة (باتفاقهما)؛ لما روي: " أن أبا طيبة حجم

النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه أجره وأمر مواليه أن يخففوا عنه من خراجه "

(2)

.

وكان كثير من الصحابة يضربون على رقيقهم خراجا.

فروي ان الزبير " كان له ألف مملوك على كل واحد منهم كل يوم درهم "

(3)

.

ومحل جواز المخارجة: (إن كان قدر كسبه فأقل بعد نفقته)؛ لما روي

عن عثمان أنه قال: " لا تكلفوا الصغير الكسب فإنكم متى كلفتموه الكسب

سرق، ولا تكلفوا المرأة غير ذات الصنعة الكسب فإنكم متى كلفتموها الكسب

كسبت بفرجها "

(4)

.

ولأنه متى كلف غير ذي الكسب خراجا كلف ما يغلبه.

(1)

في أ: بتعليقه.

(2)

أخرجه أحمد في " مسنده "(6، 129) 3: 182.

(3)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8: 9 كتاب النفقات، باب مخارجة العبد برضاه إذا كان له كسب.

(4)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8: 8 كتاب النفقات، باب ما جاء في النهي عن كسب الأمة

ص: 205

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تكلفوهم ما يغلبهم "

(1)

.

وربما حمله ذلك على أن يأتي به من غير وجهه فلم يكن للسيد أخذه.

قال في" الفروع ": ويؤخذ من" المغني ": لعبد مخارج هدية طعام

وإعارة متاع وعمل دعوة. قاله في" الترغيب "وغيره.

وظاهر هذا: أنه كعبد مأذون له في التصرف.

وظاهر كلام جماعة: لا يملك ذلك، وأن فائدة المخارجة ترك العمل بعد

الضريبة.

وفي " كتاب الهدي ": له التصرف فيما زاد على خراجه. ولو منع منه كان

كسبه كله خراجا ولم يكن لتقديره فائدة، بل ما زاد تمليك من سيده له يتصرف فيه كما أراد. كذا قال. انتهى.

(ولا يتسرى عبد مطلقا) يعني: سواء قلنا يملك بالتمليك أو لا، وسواء

كان التسري بإذن سيده أو لا. قدمه في " التنقيح ". فقال

(2)

: ولا يتسرى عبد

ولو بإذن سيده " لأنه لا يملك. انتهى.

(ويصح) تسريه (على مرجوح بإذن سيد) ـه بالنسبة لما قدمه في

" التنقيح "، لأنه قال: وقيل: بلى بإذنه

(3)

، ثم قال (المنقح: وهو الأظهر،

ونص عليه في رواية الجماعة، وأختاره كثير من المحققين. انتهى).

وهذا الذي حكاه في "التنقيح " بقوله: وقيل. جعله في "الإنصاف " المذهب.

وعبارته في"الإنصاف ": وللعبد أن يتسرى بإذن سيده. هذا إحدى الطريقتين.

وهي الصحيحة من المذهب. نص عليها في رواية الجماعة. وهي طريقة

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(30) 1: 20 كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها لارتكابها إلا بالشرك.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1661) 3: 1282 كتاب الأيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل، والباسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه.

(2)

في ب: لأنه قال.

(3)

في ب: بإذن سيده.

ص: 206

الخرقي وأبي بكر وابن أبي موسى وأبي إسحاق بن شاقلا. ذكره عنه في "الواضح ". ورجحها المصنف لمحي " المغني " و" الشارح ".

قال في" القواعد الفقهية": وهي أصح. فإن نصوص أحمد لا تختلف في

إباحة التسري له. وصححه الناظم، وقدمه الزركشي ونصره.

وقيل: ينبني على الروايتين في ملك العبد بالتمليك، وهي طريقة القاضي

والأصحاب بعده. قاله في" القواعد ".

قال القاضي: يجب أن يكون في مذهب أحمد في تسري العبد وجهان مبنيان

على الروايتين في ثبوت الملك بتمليك سيده.

وقدمها في" الرعايتين "و" الحا وي "و" الفروع ".

وهي المذهب على ما أسلفناه في الخطبة. انتهى كلامه في" الإنصاف ".

وحيث قلنا أن للعبد التسري (فلا يملك سيد رجوعا) في أمة أذن لعبده في

التسري بها (بعد تسر) بها. نص على ذلك في رواية محمدبن باهان

وإبراهيم بن هانى ويعقوب بن بختان، لأن العبد يملك به البضع. فلم يملك

سيده فسخه، قياسا على النكاح.

(ولمبعض) أي: وللعبد الذي بعضه حر (وطء أمة ملكها بجزئه الحر بلا

إذن) من أحد، لأنها خالص ملكه.

(وعلى سيد امتنع مما) يجب عليه (لرقيق) في ملكه (إزالة ملكه) عنه

(بطلبه)، سواء كان امتناع السيد من ذلك لعجزه عنه أو مع قدرته عليه، لأن بقاء ملكه عليه مع الإخلال بما يجب له إضرار به، وإزالة الضرر واجبة. فوجبت إزالته. (كفرقة زوجة) يعني: كما يجب للمرأة فسخ النكاح عند تعذر نفقة زوجها

عليها. وقد روي في بعض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عبدك يقول:

أطعمني وإلا فبعني، وامرأتك تقول: أطعمني أو طلقني "

(1)

.

وحيث انتهى الكلام على نفقة المماليك. شرع في الكلام على نفقة البهائم فقال:

(1)

أخرجه أحمد في " مسنده "(7423) 2: 252.

ص: 207

] فصل: في نفقة البهائم]

(فصل. وعلى مالك بهيمة إطعامها وسقيها)، إما بعلفها وإما بإقامة من

يرعاها، لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا فلا أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض"

(1)

.

متفق عليه.

ولو لم يكن ذلك واجبا لم تعذب عليه.

(وأن عجز عن نفقتها: أجبر على بيع، أو إجارة، أو ذبح مأكول)، لأن

بقاءها في يده بترك

(2)

الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته.

ولأن ذلك مما تتلف به.

ولا جوز إضحاعة المال، لنهي النبى صلى الله عليه وسلم عنه

(3)

.

فوجب إلزامه بما يزيل ذلك، (فإن أبى) أن يفعل شيئا من ذلك: (فعل

حاكم الأصلح) من هذه الأمور الثلاثة، (أو اقترض عليه) وأنفق على بهيمته،

لأن على الحاكم فعل الأصلح.

(ويجوز انتفاع بها) أي: بالبهيمة (في غير ما خلقت، كبقر لحمل

وركوب، و) كـ (إبل وحمر لحرث ونحوه).

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(3295) 3: 1284 كتاب الأنبياء، باب (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم).

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(4 90) 1: 623 كتاب الكسوف، باب ما عرض علي النبي صصص في صلاه الكسوف من أمر الجنة.

(2)

في أ: ترك.

(3)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(593) 3: 1341 كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، والنهي عن منع وهات.

ص: 208

قال في" الفروع ": ذكره الشيخ وغيره في الإجارة؛ لأن مقتضى الملك

جواز الانتفاع به فيما يمكن، وهذا ممكن كالذي خلق له، وجرت به عادة بعض الناس. ولهذا يجوز أكل الخيل، واستعمال اللؤلؤ في الأدوية، وأن لم يكن

المقصود منها ذلك.

وقوله صلى الله عليه وسلم: " بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها. قالت: إنى لم أخلق

لذلك إنما خلقت للحرث "

(1)

متفق عليه.

أي: أنه معظم النفع، ولا يلزم منه منع غيره.

وقال ابن حزم في الصيد: أختلفوا في ركوب البقر، فيلزم المانع منع

(2)

تحميل البقر، والحرث بالإبل والحمر، وإلا فلم يعمل بالظاهر ولا بالمعنى.

انتهى كلامه في" الفروع ".

ولو عطبت البهيمة فلم ينتفع بها فإن كانت مما لا يؤكل أجبر على الإنفاق عليها؛ كالعبد الزمن، وأن كانت مما يؤكل خير بين ذبحها والإنفاق عليها كما تقدم.

(وجيفتها) أن ماتت (له) أي: لمالكها؛ لأنها لاتخرج عن ملكه

بالموت، (ونقلها) أي: ونقل جيفتها (عليه) أي: على مالكها؛ لأنه لما

كان له نفعها كان عليه غرمها.

(ويحرم لعنها) أي: لعن البهيمة؛ لما روى أحمد ومسلم عن عمران

" أنه كان في سفر. فلعنت امرأة ناقة. فقال: خذوا ما عليها ودعوها مكانها

ملعونة. فكأنى أراها الأن تمشي في الناس ما تعرض لها أحد "

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(3463) 3: 1339 كتاب فضائل الصحابة، باب قول النيي صصص:" لو كتت متخذا خليلا ".

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(2388) 4: 857 1 كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق.

(2)

في ج: منه.

(3)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(2595) 4: 2004 كتاب البر والصلة والاداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها.

ص: 209

ولهما من حديث أبي برزة: " لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة "

(1)

.

قال في" الفروع ": فيتوجه احتمال أن النهي عن مصاحبتها فقط. ولهذا

روى أحمد من حديث عائشة: " أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن ترد، وقال: لا يصحبني شيء ملعون "

(2)

.

ويحتمل مطلقا من العقوبة المالية؛ لينتهي الناس عن ذلك. وهو الذي ذكره

ابن هبيرة في حديث عمران.

ويتوجه على الأول احتمال: إنما نهى لعلمه باستجابة الدعاء. وللعلماء

كهذه الأقوال.

وقال ابن حامد: إذا لعن أمته أو ملكا من أملاكه فعلى مقالة أحمد يجب

إخراج ذلك عن ملكه، فيعتق العبد ويتصدق بالشيء؛ لأن المرأة لعنت بعيرها،

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يصحبنا ملعون. خليه".انتهى كلامه في" الفروع ".

(و) يحرم (تحميلها) أي: تحميل الدابة شيئا (مشقا)؛ لما في ذلك من

تعذيب الحيوان.

(و) يحرم (حلبها ما) أي: شيئا (يضر ولدها)؛ لأن كفايته واجبة على

مالكه.

ولأن لبنه مخلوق له. فأشبه ولد الأمة.

(و) يحرم (ذبح) حيوان (غير مأكول لإراحته) من مرض أو غيره؛ لأنه

مال ما دام حيا، وذبحه إتلافه، وقد نهي عن إتلاف المال.

(و) يحرم (ضرب وجه، ووسم فيه) أي: في الوجه.

قال في" الفروع ": و" لعن النبي صلى الله عليه وسلم من وسم أو ضرب الوجه "

(3)

.

(1)

= وأخرجه أحمد في " مسنده "(9778 1) 4: 431.

أخرجه حمد في " مسنده "(19706) 4: 423

(2)

أخرجه أحمد في " مسنده "(26253) 6: 258.

(3)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(17 21) 3: 1673 كتاب اللباس والزينة، باب النهى عن ضرب

ص: 210

و"نهى عنه "

(1)

.

فتحريم ذلك ظاهر كلام الإمام والأصحاب. وذكروه في ضرب الوجه في الحد.

وفي" المستوعب " في الوسم: يكره. فيتوجه في ضربه مثله، والأول

أظهر، وهو في الآدمي أشد.

قال ابن عقيل: لا يجوز الوسم إلا لمداواة.

وقال أيضا: يحرم لقصد المثلة. انتهى.

(ويجوز) الوسم (في غيره) أي: غير الوجه (لغرض صحيح).

نقل ابن هانئ: يوسم ولا يعمل في اللحم.

(ويكره خصاء).

قال في" الفروع": وكره أحمد خصاء غنم وغيرها إلا خوف غضاضه،

وقال: لا يعجبني أن يخصى شيئا. وحرمه القاضي وابن عقيل كالآدمي. ذكره

ابن حزم فيه إجماعا.

وفي " الغنية ": لا يجوز خصاء شيء من حيوان وعبيد. نص عليه في رواية

أبي طالب. وكذلك

(2)

السمة في الوجه، على ما نقله أبو طالب، للنهي. وإن

كان لا بد للعلامة ففي غير الوجه. انتهى.

(و) يكره (جز معرفة، و) جز (ناصية، و) جز (ذنب، وتعليق جرس

أو وتر).

(1)

=الحيوان في وجهه ووسمه فيه. بلفظ: " أن النبي صصص مر عليه حمار قد وسم في وجهه. فقال:

لعن الله الذي وسمه ".

وأخرجه أحمد في " مسنده "(14181) 3: 297 بلفظ: " رأى النبي صصص حمارأ قد وسم في وجهه فقال: لعن الله من فعل هذا ".

وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7: 35 باب ما جاء في موضع الوسم وفي صفة الوسم.

أخرجه مسلم في " صحيحه "(2116) 3: 1673 كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه.

(2)

في أ: وكذا.

ص: 211

قال في" الفروع ": ويكره تعليق جرس أو وتر، وجز معرفة وناصية. وفي

جز ذنبها روايتان، أظهرهما يكره، للخبر.

وعن سهل بن الحنظلية

(1)

قال: " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره

ببطنه فقال: اتقوا الله في هذه البهائم العجمة، فاركبوها صالحه، وكلوا لحمها

صالحة "

(2)

. إسناده جيد. انتهى.

قال فى" الغنية ": ويكره له إطعامه فوق طاقته، وإكراهه على الأكل على

ما اتخذه الناس عاده لأجل التسمين.

(و) يكره (نزو حمار على فرس).

قال في" الفروع ": ويتوجه تحريمه على الخصاء، لعدم النسل فيهما.

(وتستحب نفقته) أي: نفقة الإنسان (على ماله غير الحيوان).

قال في" الفروع ": ويتوجه وجوبه، لئلا يضيع ماله. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

في الأصول: الحنظلة. وما أثبتناه من" السنن ".

(2)

أخرجه أبو داود في" سننه "(2548) 3: 23 كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم.

ص: 212

] باب: الحضانة]

هذا (باب الحضانة). واشتقاقها من الحضن وهو: الجنب؛ لأن المربي

والكافل يضم الطفل إلى حضنه.

(وتجب)؛ لأن الطفل يهلك بتركه ويضيع فلذلك وجبت كفالته؛ حفظا

له، وانجاء له من الهلكة والضياع.

(وهي) شرعا: (حفظ صغير ومعتوه- وهو: المختل العقل- ومجنون،

عما يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم)، من غسل يدنهم وثيابهم ودهنهم

وتكحيلهم، وربط الطفل في المهد ولحركيه لينام ونحو ذلك.

(ومستحقها: رجل عصبة، وامرأة وارثة؛ كأم) وجدة، (أو مدلية

بوارث؛ كخالة وبنت أخت، أو) مدلية بعصبة؛ (كعمة وبنت اخ و) بنت

(عم، وذو رحم؛ كأبي أم، ثم حاكم)؛ لأنه الوالي لأمور المسلمين والنائب

عنهم في الأمور العامة. وحضانه طفل ونحوه إذا لم لكن له قريب تجب على

جميع المسلمين فلذلك تنتقل إلى الحاكم.

(وأم) للمحضون (أولى) بحضانته من جميع أقاربه؛ لما روى عبد الله بن

عمرو بن العا ص: " أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له

وعاء، وثديي له سقاء، وحجري لهه حواء. وإن أباه ظلمني وأراد أن ينزعه

مني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت أحق به ما لم تنكحي"

(1)

. رواه أبو داود.

ولأنها أشفق عليه وأقرب ولا يشاركها في القرب إلا الأب، وليس له مثل

شفقتها ولا يتولى الحضانة بنفسه وإنما يدفعه إلى امرأته أو غيرها من النساء،

وأمه أولى ممن يدفعه إليها فتقدم على غيرها،

(1)

أخرجه أبو دأود في " سننه "(2276) 2: 283 أبواب الطلاق، باب من أحق بالولد.

ص: 213

(ولو بأجرة مثلها كرضاع). قاله في" الواضح ".

فأن لم تكن الأم من أهل الحضانة؛ لفقدان شرط الحضانة فيها، انتقلت إلى

من يليها في الاستحقاق؛ لأنها صارت كالمعدومة.

(ثم) الأولى بالحضانة بعد الأم (أمهاتها: القربى فالقربى) على الأصح؛

لأنهن نساء ولادتهن مستحقة فهي في معنى الأم.

(ثم) الأولى بالحضانة بعد الأم وأمهاتها (أب)؛ لأنه أصل النسب إلى

الطفل وأحق بولاية ماله فكذلك في الحضانة.

(ثم) الأولى بالحضانة بعد الأب (أمهاته كذلك) يعني: القربى فالقربى

من أمهات الجد؛ لأنهن يدلين بعصبة قريبة.

(ثم) الأولى بالحضانة بعد الأب وأمهاته (جد)؛ لأنه في معنى ابنه الذي

هو أبو المحضون (كذلك) يعني: الأقرب فالأقرب من الاباء، (ثم أمهاته)

أي: أمهات الجد (كذلك) يعني: القربى فالقربى من أمهات الجد؛ لأنهن

يدلين بعصبة.

(ثم) الأولى بالحضانة بعد أمهات آباء الآباء (أخت) يعني: أنه متى عدم

من يستحق الحضانة من الآباء والأمهات وأن علون انتقلت الحضانة إلى

الأخوات، وقدمن على سائر القرابات من الخالات والعمات وغيرهن؛ لأنهن

شاركن في النسب وقدمن في الميراث. والأولى

(1)

من كانت (لأبوين)؛ لقوة

قرابتها.

(ثم) أخت (لأم) على الأصح؛ لأن هؤلاء نساء يدلين بالأم فكان من

يدلي منهن بالأم أولى من يدلي بالأب؛ كالجدات.

(ثم) أخت (لأب) على الأصح.

(ثم) الأولى بالحضانة بعد الأخوات خالات المحضون. فتقدم (خالة

(1)

في أ: وأولى.

ص: 214

لأبوين) يعني: أخت أم المحضون لأبويها، (ثم) خالة (لأم، ثم) خالة

(لأب)؛ لأن الخالات يدلين بالأم.

(ثم) الأولى بالحضانة بعد الخالات

(1)

العمات وإنما أخرن عن الخالات؛

لأن العمات يدلين بالأب وهو مؤخر عن الأم. فتقدم (عمة لأبوين)، ثم عمة

لأم، ثم عمة لأب وإلى ذلك أشير بقوله:(كذلك) أي: كالخالات.

(ثم خالة أم، ثم خالة أب، ثم عمته) أي: عمة الأب؛ لأنهن نساء من

أهل الحضانة فيقدمن على من في درجتهن من الرجال؛ لتقديم الأم على الأب،

والجدة على الجد، والأخت على الأخ.

ولا حضانة لعمات الأم مع عمات الأب؛ لأنهن يدلين بأبي الأم وهو من

ذوي الأرحام، وعمات الأب يدلين بالأب وهو من أقوى العصبات.

(ثم) يقدم بعد ما ذكرنا (بنت أخ) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، (و)

كذا

(2)

بنت (أخت) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب. (ثم بنت عم) لأبوين، ثم

لأم، ثم لأب، (و) كذا بنت (عمة) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، (ثم بنت

عم أب و) بنت (عمته) أي: عمة أب (على التفصيل المتقدم.

ثم) تنتقل الحضانة (لباقي العصبة) أي: عصبة المحضون: (الأقرب

فالأقرب) فتقدم الإخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام ثم بنوهم، ثم أعمام الأب ثم

بنوهم، ثم أعمام الجد ثم بنوهم.

(وشرط كونه) أي: كون العصبة (محرما ولو برضاع، ونحوه)؛

كمصاهرة (لأنثى) يعني: لمحضون أنثى (بلغت سبعا) في الأصح.

وفي" الترغيب ": تشتهى.

قال في" الفروع ": وأختار صاحب " الهداية " مطلقا.

ويسلمها إلى ثقة يختارها هو، أو إلى محرمه؛ لأنه أولى من أجنبي

(1)

في أ: الخاله.

(2)

فى ب: كذلك.

ص: 215

وحاكم، وكذا قال فيمن تزوجت وليس للولد غيرها ولهذا قلت:

(ويسلمها

(1)

غير محرم تعذر) حاضر (غيره إلى) امرأة (ثقة يختارها)

العصبة، (أو) إلى (محرمه. وكذا أم تزوجت وليس لولدها غيرها).

قال في" الفروع " بعد نقله ذلك عن صاحب" الهدي": وهذا متوجه وليس

بمخالف؛ لعدم عمومه.

(ثم) تنتقل الحضانة في الأ صح (لذي رحم، ذكر وأنثى، غير ما تقدم)؛

لأن لهم رحما وقرابة يرثون بها عند عدم من هو أولى منهم. فأشبهوا البعيد من العصبات.

(و) على هذا (أولاهم) بالحضانة: (أبو أم، فأمهاته، فأخ لأم،

فخال، ثم لحاكم)؛ لأن له ولاية على من لا أب له ولا وصي، والحضانة

ولاية.

(وتنتقل) الحضانه (مع امتناع مستحقها، أو) مع (عدم أهليته) أي:

عدم أهلية من في درجة المستحى لها لو كان أهلا (إلى من بعده) أي: إلى من

يليه كولايه النكاح؛ لأن وجود غير المستحق كعدمه.

(وحضانة) صغير (مبعض لقريب وسيد بمهايأة). فمن نصفه حر يوم

لقريبه ويوم لسيده، ومن ثلته حر يوم لقريبه ويومان لسيده. وهكذا.

(ولا حضانة لمن فيه رق) ولو قل؛ لأنها ولاية. فلا تثبب لمن فيه رق؛

كولاية النكاح.

(ولا) حضانة (لفاسق)؛ لأنه لا يوثق به في أداء الواجب من الحضانة في

حق الولد، ولا حظ للولد في حضانته؛ لأنه ربما ينشأ على طريقته.

(ولا) حضانة لى (كافر على مسلم)؛ لأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر

أولى.

(1)

في ب: ويتسلمها.

ص: 216

(ولا). حضانة (لـ) امرأة (مزوجة بأجنبي من محضون من زمن عقد)؛

لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي "

(1)

. وقد وجد النكاح.

ولأن الزوج يملك منافعها بمجرد العقد ويستحق منعها من الحضانة. فزال

بذلك حقها؛ كما لو دخل بها (ولو رضي زوج) بولدها.

(وبمجرد زوال مانع) من كفر أو فسق أو رق أو تزويج (ولو بطلاق

رجعي، ولم تنقض عدتها ورجوع ممتنع) من الحضانة، (يعود الحق) له في

الحضانه؛ لأن سببها دائم وهو القرابة. وإنما امتنعت لمانع، فإذا زال المانع

عاد الحق بالسبب السابق المداوم

(2)

.

(ومتى أراد احد أبوين) لمحضون (نقلة إلى بلد آمن، وطريقه) أي:

طريق البلد الآمن: (مسافة قصر فأكثر، ليسكنه) وكان الطريق أيضا آمنا:

(فأب أحق) بالحضانة على الأصح؛ لأن الأب في العادة هو الذي يقوم بتأديب الصغير وتخريجه وحفظ نسبه. فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع نسبه.

(و) إن أراد احد أبويه نقلة (إلى) بلد (قريب) من بلد الآخر (لسكنى:

فأم) أحق يعني: أنها تكون باقية على حضانتها؛ لأنها أتم شفقة؛ كما لو لم

يسافر واحد منهما.

(و) أن كان سفر احد الأبوين (لحاجة) ويعود، سواء (بعد) البلد الذى

يريده (أو لا) يعني: أو لم يبعد: (فمقيم) من الأبوين أولى بحضانة الولد؛

لأن في السفر بالولد إضرار به فتعين المقيم منهما.

(1)

سيق تخريجه ص (213) رقم (1).

(2)

في ب: الملازم.

ص: 217

] فصل: إذا ميز الصبي المحضون]

(فصل. وإن بلغ صبي) محضون (سبع سنين عاقلا) أي: تمت

(1)

له سبع

سنين وهو عاقل: (خير بين أبويه) فكان عند من اختار منهما على الأصح.

وقضى بذلك عمر وعلي وشريح؛ وذلك لما روى أبو هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه "

(2)

. رواه سعيد والشافعي.

وفي لفظ عن أبي هريرة قال: " جاءت امرأة إلى النبي فقالت:

يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقانى من بئر أبي عنبة وقد

نفعني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت. فأخذ

بيد أمه فانطلقت به "

(3)

. رواه أبو داود.

ولما روي عن عمر: " أنه خير غلاما بين أبيه وأمه "

(4)

. رواه سعيد.

وروي عن عمارة الجرمي أنه قال: " خيرنى علي بين أمي وعمي وكنت ابن

سبع أو ثمأن "

(5)

. وروي نحو ذلك عن أبي هريرة

(6)

.

(1)

في ب: تم.

(2)

أخرجه الإمام الشافعي في " مسنده "(205) 2: 62 كتاب الطلاق، باب في الحضانة.

واخرجه سعيد بن منصور في " سننه "(2275) 2: 110 كتاب الطلاق، باب الغلام بين الأبوين أيهما أحق به.

(3)

أخرجه ابو داود في " سننه "(2277) 2: 283 كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد.

(4)

أخرجه سعمد بن منصور في " سننه "(2277) 2: 0 1 1 باب الغلام بين الأبوين أيهما أحق به.

(5)

أخرجه سعيد بن منصور في " سننه "، (2279) 2: 1 1 1 باب الغلام بين الأبوين أيهما أحق به. بلفظ: " أنا الذي خيره علي رضي الله عنه بين أمه وعمه ".

وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 4 كتاب النفقات، باب الأبوين إذا افترقا

بلفظ:

" خيرني علي بين أمي وعمي، ثم قال لأخ أصغر مني: وهذا أيضا لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته ".

(6)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 3 الموضمع السابق. بلفظ: " خير غلاماً بين أبيه وأمه ".

ص: 218

وهذه قصص في مظنة الشهرة ولم تنكر فكانت كالإجماع.

ولأن التقديم في الحضانة لحق الولد فيقدم من هو أشفق، ومن حظ الولد

عنده أكبر. واعتبرنا الشفقة بمظنتها إذا لم يكن اعتبارها بنفسها. فإذا بلغ الغلام

حدا يعرب فيه عن نفسه ويميز بين الإكرام وضده فمال إلى أحد الأبوين دل على

أنه أرفق به وأشفق عليه فقدم بذلك. وقيدناه بالسبع، لأنها أول حال أمر الشارع

فيه بمخاطبته بالأمر بالصلاة.

ولأن الأم قدمت في حال الصغر، لحاجته إلى من يحمله ويباشر خدمته "

لأنها أعرف بذلك وأقوم به. فإذا استغنى عن ذلك تساوى والداه لقربهما منه.

فرجح باختياره.

(فإن اختار أباه: كان عنده ليلا ونهارا)، لأن الأب مستحق. فالزمان كله

متعين له، كما في الطفل.

(ولا يمنع زيارة أمه)، لأن في منعه من ذلك إغراء له بالعقوق وقطيعة

الرحم

(1)

.

(ولا) تمنع (هي تمريضه) إن مرض بدارها، لأنه صار بالمرض كالصغير

في الحاجة إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنساء أعرف بذلك. فكانت أولى من

غيرها.

(وإن اختارها) أي: اختار الصبي أمه: (كان عندها ليلا) فقط؛ لأنه

وقت السكن وانحياز الرجال إلى المنازل، (و) كان (عنده) أي: عند الأب

(نهارا)، لأنه وقت التصرف في قضاء الحاجات وعمل الصنائع، (ليؤدبه

ويعلمه)، لئلا يضيع حظه من ذلك.

(وإن) اختار الصبي أحد أبويه ثم (عاد فاختار الآخر نقل إليه، ثم أن اختار

الأول: رد إليه) وهكذا أبدا كلما اختار أحدهما نقل إليه؛ لأنه اختيار شهوة

لحظ نفسه. فاتبع ما يشتهيه، كما يتبع ما يشتهيه من المأكول.

(1)

في لا: للرحم.

ص: 219

(ويفرع) بين الأبوين: (إن لم يختر) ابنهما واحدا منهما، (أو

اختارهما) جميعا؛ لأنه لا مزيه لأحدهما على صاحبه، ولا يمكن اجتماعهما

على حضانته. فقدم أحدهما بالقرعة.

(وإن بلغ) الصبي حال كونه (رشيدا: كان حيث ضاء)؛ لأنه لم تبق عليه

ولاية لأحد.

ولأنه استقل

(1)

بنفسه وقدر على إصلاح أموره بنفسه. فوجب انفكاك الحجر

محنه في سائر أحواله.

(ويستحب له أن لا ينفرد عن أبويه)؛ لأنه ربما يحدث عليهما شيء فيكون

حاضره.

(وإن استوى اثنان فأكثر فيها) أي: في الحضانة؛ كأختين أو أخوات

شقيقتين أو أشقاء: (أقرع) بينهما أو بينهن، (ما لم يبلغ محضون سبعا) أي:

يتم له سبع سنين (ولو) كان (أنثى، فيخير) بينهما أو بينهن؛ لأنه لا مزية

للبعض، ولا يمكن الجمع.

(والأحق من عصبة) للمحضون (عند عدم أب أو أهليه) أي: أهليه

الأب؛ (كأب في تخيير وإقامة ونقلة، إن كان محرما لأنثى)؛ كجدها وعمها. (وسائر النساء المستحقات لها) أي: للحضانه (كأم في ذلك) أي: في

التخيير والإقامه والنقلة.

(وتكون بنت سبع) أي: تم لها سبع سنين (عند أب، إلى زفاف،

وجوبا) على الأصح؛ لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها من غيره. فوجب أن تكون

تحت نظره؛ ليؤمن عليها من دخول النساء؛ لكونها معرضة للآفات لا يؤمن

عليها الانخداع لغرتها.

ولأنها إذا بلغت السبع قاربت الصلاحية للتزويج. وقد " تزوج النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

في ب: انتقل.

ص: 220

عائشة وهي بنت سبع"

(1)

. وإنما تخطب الجارية من أبيها، لأنهه وليها والمالك لتزويجها، وهو أعلم بالكفاءة وأقدر على البحث عن ذلك فينبغي أن يقدم على

غيره. ولا يصار إلى تخييرها، لأن الشرع لم يرد بالتخيير فيها. ولا يصبح

قياسها على الغلام، لأنه لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه البنت.

(ويمنعها) أبوها (ومن يقوم مقامه، أن تنفرد) بنفسها، لأنها لا تؤمن

على نفسها.

(ولا تمنع أم) أي: أمها (من زيارتها: إن لم يخف منها) أي: من أمها.

قال في" الفروع ": ولا خلوة لأم مع خوفه أن تفسد فلبها. قاله في

" الواضح ". ويتوجه فيه مثلها. انتهى.

(ولا) تمنع الأم من (تمريضها ببيتها) أي: بيت الأم. (ولها) أي:

للبنت (زيارة أمها: إن مرضت) الأم؛ لأن ذلك من الصلة والير. فكان لها

ذلك ولا تمنع منه.

(والمعتوه ولو) كان (أنثى) يكون (عند أمه مطلقا) يعني: صغيرا كان أو

كبيرا، لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره. والنساء أعرف بذلك.

(ولا يقر من يحضن) أى: من تجب حضانته لصغر أو عته، (بيد من

لا يصونه ويصلحه)، لأن وجود من لا يصونه ويصلحه كعدمه فينتقل عنه إلى من يليه. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

اخرجه مسلم في "صحيحه "(1422) 2: 1039 كتاب النكاح، باب تزويج الأب البكر الصغيرة.

ص: 221

]

ص: 222

[كتاب الجنايات]

هذا (كتاب الجنايات، جمع جناية.

وهي) لغة: كل فعل وقع على وجه التعدي، سواء كان على النفس أو على

المال.

وهي شرعا: (التعدي على البدن بما يوجب قصاصا، أو) يوجب

(مالا).

وسمى أهل الشرع الجنايات على الأموال: غصبا ونهبا وسرقة وخيانة

وإتلا فا.

وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق. وسنده من الكتاب قوله

سبحانه وتعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93].

ومن السنة ما روى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل

دم امرئ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة "

(1)

. متفق عليه. في آي

وأخبار كثيرة.

إذا تقرر هذا فمن قتل مسلما متعمدا فسق، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى إن

شاء عذبه وإن شاء غفر له. وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6484) 6: 2521 كتاب الديات، باب قول الله تعالى: أن النفس بالنفس

).

وأخرجه مسلم فى " صحيحه "(676 1) 3: 1302 كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات،

باب ما يباح به دم المسلم.

ص: 223

وخالف ابن عباس للآية التي ذكرناها وهي من آخر ما نزل لم ينسخها شيء.

وحجة الأكثر قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48]. فجعله داخلا في المشيئة. فتكون الآية محمولة

على من قتله مستحلا ولم يتب، أو على أن هذا جزأوه إن جازاه وله العفو إن

شاء.

فإن قيل: لفظ الآية لفظ الخبر والأخبار لا يدخلها النسخ؟

قلنا: يدخلها التخصيص والتأويل.

(والقتل) وهو: فعل ما يكون سببا لزهوق النفس، وهو مفارقة الروح

البدن (ثلاثة أضرب) أي: ثلاثة أصناف:

أحدها: (عمد يختص القود به).

والقود: قتل القاتل بمن قتله، مأخوذ من قائد الدابة، لأنه يقاد إلى القتل

بمن قتله.

(و) الضرب الثانى: (شبه عمد.

و) الضرب الثالث: (خطأ).

وهذا تقسيم أكثر أهل العلم. وروي عن عمر وعلى رضي الله تعالى عنهما.

وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، [فأما

شبه العمد فلا يعمل به عندنا]

(1)

، وجعل شبه العمد من قسم العمد.

وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب، لما روى عبد الله بن عمرو بن

العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا إن دية الخطأً شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها "

(2)

. رواه أبو داود.

وهذا نص في ثبوت شبه العمد.

(1)

ساقط من أ.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4588) 4: 195 كتاب الديات، باب في ديه الخطأ شبه العمد.

ص: 224

وقسمه الموفق في" المقنع " إلى أربعة أقسام فزاد: ما أجري مجرى

الخطأ. وهو: أن ينقلب النائم على شخص فيقتله، ومن يقتل بالسبب، كحفر

البئر ونحوه. وهذه الصور عند أكثر أهل العلم من قسم الخطأ.

إذا تقرر هذا (فالعمد) الذي يختصى به القود: (أن يقصد) الجانى (من

يعلفه آدميا معصوما فيقتله بما) أي: بشيء (يغلب على الظن موته به). فلا

قصاص بما لا يقتل غالبا، لأن حصول القتل بما لا يغلب على الظن موته به يكون اتفاقا لسبب أوجب الموت غيره، وإلا لما تخلف عنه الموت في غير تلك الحال

على الأكثر، وعدم القصد ظاهر فيه. فالقصاص لا يمكن، لأنه لا يمكن القتل

للقاتل بغير قصد لذلك كفعله.

(وله) أي: وللعمد الذي يختص القود به (تسع صور:

إحداها) أي: إحدى الصور: (أن يجرحه بما له نفوذ في البدن، من

حديد، كسكين) وسيف وحربة (ومسلة، أو) من (غيره) أي: غير الحديد،

(كشوكة) وكل ما يحدد من غير الحديد؛ كنحاس وذهب وفضة وزجاج

وخشب وقصب وعظم. فهذا كله إذا جرحه به جرحا كبيرا فمات به فهو قتل عمد

لا خلاف فيه. وفي الأصح (ولو) كان جرحه (صغيرا؛ كشرط حجام، أو)

كان الجراج (في غير مقتل)، كالأطراف، لأن المحدد لا يعتبر فيه غلبة الظن

في حصول القتل به، بدليل ما لو قطع شحمة أذنه أو أنملته فمات.

ولأنه لما لم يمكن إدارة

(1)

الحكم وضبطه بغلبة الظن وجب ربطه بكونه

محددا. ولا يعتبر

(2)

ظهور الحكمة

(3)

في آحاد صور المظنة، بل يكفي احتمال

الحكمة. ولذلك ثبت الحكم به فيما إذا بقي، مع أن العمد لا يختلف مع اتحاد

الآلة والفعل بسرعة الإفضاء وإبطائه.

ولأن في البدن مقاتل خفية وهذا له سراية وقود. فأشبه الجرح الكبير.

(1)

في ج: إرادة.

(2)

في أزياده: به فيما إذا بقي مع أن العمد لا يختلف مع اتحاد. وسوف تأتي هذه العبارة بعد سطرين.

(3)

في ج: الحكم.

ص: 225

(أو) كان جرحه (بـ) شيء (صغير، كغرزه بإبرة، ونحوها)، كشوكة

صغيرة (في مقتل؛ كالفؤاد) وهو القلب، (و) كـ (الخصيتين، أو في غيره)

أي: في غير مقتل، (كفخذ ويد فتطول علته) من ذلك.

(أو يصير ضمنا) بفتح الضاد المعجمة وكسر الميم. أي: متألما إلى أن

يموت. وفي الأصح (ولو لم يداو مجروج قادر) على أن يداوي (جرحه حتى

يموت، أو يموت في الحال) ففي ذلك كله القود، لأن الظاهر أنه مات بفعل

الجانى.

(ومن قطع) أي: أبان سلعة

(1)

خطرة من آدمي مكلف بلا إذنه فمات، (أو

بط) أي: شرط (سلعة خطرة) ليخرج ما فيها من القيح أو نحوه (من مكلف،

بلا إذنه فمات) من ذلك في الصورتين: (فعليه القود)، لأنه جرحه بغير إذنه

جرحا لا يجوز له. فكان عليه القود حيث تعمده كغيره.

(لا) أن قطعها أو بطها (ولي، من مجنون وصغير، لمصلحة) لمن به

السلعة من الصغير والمجنون، سواء كان الولي أبا أو وصيه أو حاكما، لأن له

فعل ذلك، كما لو ختنه فمات.

الصورة (الثانية: أن يضربه بمثقل) كبير (فوق عمود الفسطاط، لا)

بمثقل (كهو) أي: كعمود الفسطاط. نص عليه. (وهو: الخشبة التي يقوم

عليها بيت الشعر)، " لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المرأة التي ضربت جاريتها بعمود فسطاط فقتلتها وجنينها. قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها "

(2)

.

والعاقلة: لا تحمل العمد، فدل على أن القتل بعمود الفسطاط ليس

بعمد.

(1)

السلعة: خراج كهيئة الغده. " المصباح المنير"، مادة: سلع.

(2)

أخرجه البخاري فى" صحيحه "(1 1 65) 6: 2532 كتاب الديات، باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد.

ص: 226

ولأن العمد يكون بما فوقه، لما يأتي من الدليل على ذلك.

(أو) يضربه (بما يغلب على الظن موته به (لثقله:) من كوذين، وهو:

ما يدق به الدقاق الثياب، و) من (لت) بضم اللام وتشديد المثناة من فوق وهو

معروف من السلام، (وسندان) وهو معروف، (وحجر كبير، ولو) كان

ضربه بما ذكر في (غير مقتل) فيموت، لأن هذا مما يقتل غالبا فيكون عمدا

موجبا للقصاص. وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن.

وقال أبو حنيفة: لا قود إلا أن يكون قتله بالنار.

وعنه: في مثقل الحديد روايتان. واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا إن في قتيل

عمد الخطاً قتيل عمد السوط والعصا والحجر مائة من الإبل "

(1)

.

فسماه عمد الخطأ وأوجب فيه الدية دون القصاص.

ولأن العمد لا يمكن اعتباره بنفسه فيجب ضبطه بمظنته، ولا يمكن ضبطه

بما يقتل غالبا، لحصول العمد بدونه في الجرج الصغير. فوجب ضبطه

بالجرج.

ولنا: قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33]. وهذا مقتول ظلما.

وقوله سبحانه وتعالى]

(2)

: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178].

وروى أنس: " أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله

رسول الله صلى الله عليه وسلم "

(3)

. متفق عليه.

وروى أبو هريرة قال: " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ومن قتل له قتيل فهو

(1)

أخرجه النسائي في"سننه "(4799) 8: 42 كتاب القسامه، ذكر الأختلاف على خالد الحذاء.

(2)

ساقط من ب.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6485) 6: 2522 كتاب الديات، باب من أقاد بالحجر.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1672) 3: 1299 كتاب القسامة، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر.

ص: 227

بخير النظرين، إما أن يودى وإما أن يقاد "

(1)

. متفق عليه.

ولأن المثقل الكبير يقتل غالبا. فاًشبه المحدد.

وأما المحدد فمحمول على المثقل الصغير؛ لأنه ذكر العصا والسوط وقرن

به الحجر فدل على أنه أراد ما يشبههما.

(أو) يضربه (في مقتل) بمثقل دون ما تقدم ذكره، (أو) في (حال ضعف

قوة: من مرض، أو صغر أو كبر، أو حر أو برد، ونحوه)؛ كحالة إعياء

(بدون ذلك)؛ كحجر صغير فيموت، (أو يعيده به) أي: يعيد الضرب بما

لا يقتل غالبا؛ كالعصا والحجر الصغير حتى يموت، (أو يلقي عليه حائطا أو

سقفا ونحوهما) مما يقتل غالبا فيموت، (أو يلقيه من شاهق فيموت) فيكون

في هذا كله القود؛ لأنه يقتل غالبا.

(وإن) قال الجانى: (لم أقصد قتله، لم يصدق) في ذلك؛ لأن الظاهر

خلافه.

الصورة (الثالثه: أن يلقيه بزبية)[أي: جحر]

(2)

(أسد، ونحوها)؛

كزبية نمر، (أو) يلقيه (مكتوفا بعضا بحضرة ذلك) أي: بحضرة الأسد أو

نحوه، (أو) يلقيه (في مضيق بحضرة حية) فيقتله الأسد أو الحية، (أو

ينهشه) بضم الياء المثناة من أسفل (كلبا أو حية، أو لسعه) بضم الياء المثناة

من أسفل (عقربا من) العقارب (القواتل غالبا) فيموت (فيقتل به).

ومحل ذلك: إذا فعل به الأسد ونحوه فعلا يقتل مثله؛ لأن السبع صار

كالالة للادمي؛ لأن هذا مما يقتل غالبا.

الصورة (الرابعة: أن يلقيه في ماء يغرقه، أو) في (نار ولا يمكنه

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6486) 6: 2522 كتاب الديا j، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1355) 2: 988 كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها

وشجرها.

(2)

زيادة من ج.

ص: 228

التخلص) منهما؛ إما لكثره الماء أو النار، أو لعجزه عن التخلص لمرض، أو

كبر أو صغر، أو لكونه مربوطا، أو يلقيه في حفرة لا يقدر على الصعود منها (فيموت) فيقتل به.

(وإن أمكنه) التخلص (فيهما) فتركه حتى مات: (فهدر) لا شيء فيه؛

لأنه إنما حصل موته بلبثه وهو فعل نفسه فلم يضمنه غيره.

الصوره (الخامسة: أن يخنقه بحبل أو غيره) فيموت من ذلك. وهو

نوعان:

أحدهما: أن يجعل في عنقه خراطة ثم يعلقه في شيء مرتفع عن الأرض

فيختنق ويموت فهذا عمد، سواء مات في الحال أو بقي زمانا؛ لأن هذا

أوحى

(1)

أنواع الخنق وهو الذي جرت العادة بفعله في اللصوص وأشباههم.

الثانى: أن يخنقه بيديه

(2)

وهوعلى الأرض.

(أو يسد فمه وأنفه) زمنا يموت في مثله غالبا، (أو يعصر خصيتيه)

(3)

ويستمر العصر (زمنا يموت في مثله غالبا فيموت) فيقتل به. وأن مات في زمن

لا يموت الإنسان في مثله غالبا فهو شبه عمد يضمن بالدية، إلا أن يكون ذلك

يسيرا في الغاية بحيب لا يتوهم الموت منه فلا يوجب ضمانا؛ لأنه بمنزلة لمسه. الصورة (السادسه: أن يحبسه ويمنعه الطعام والشراب فيموت جوعا وعطشا

لزمن يموت فيه من ذلك غالبا). وهذا يختلف بأختلاف الناس والزمان

والأحوال. فماذا عطشه في شدة الحر مات في الزمن القليل، وإذا كان ذلك في

البرد أو في الزمن المعتدل لم يمت إلا في الزمن الطويل. فإذا مات في مدة

يموت في مثلها غالبا أقيد به (بشرط تعذر الطلب علية.

وإلا) أي: وأن لم يتعذر عليه الطلب: (فلا) قود ولا (دية)؛ نه إنما

(1)

أي: أسرع.

(2)

في ب: بيده.

(3)

في أوب: خصيته.

ص: 229

حصل موته بتركه الطلب وهو فعل نفسه. فلا يضمنه غيره" (كتركه شد

فصده)، لأنه بترك الطلب وتركه شد فصده هو المتسبب في قتل نفسه.

الصورة (السابعة: أن يسقيه سما) يقتل غالبا (لا يعلم به) شاربه، (أو

يخلطه بطعام ويطعمه، أو) يخلطه (بطعام آكله فيأكله جهلا) بالسم،

(فيموت) فيقاد به.

(فإن علم به) أي: بالسم الذي يقتل غالبا (آكل مكلف، أو خلطه)

الخالط (بطعام نفسه، فأكله أحد بلا إذنه) أي: إذن خالطه: (فهدر) أي:

فلا يضمن ذلك أحد، لعدم المباشرة والتسبب.

الصورة (الثامنة: أن يقتله بسحر يقتل غالبا) فيقاد به، لأنه قتله بما يقتل

غالبا. أشبه ما لو قتله بآلة غير السحر.] وأن كان السم أو السحر مما لا يقتل

غالبا فقتل ففيه الدية دون القصاص، لأنه عمد الخطأ. فأشبه قتيل السوط

والعصا]

(1)

.

(ومتى ادعى قاتل بسم أو) قاتل بـ (سحر عدم علمه أنه) أي: أن السم أو

السحر (قاتل): لم يقبل منه ذلك في الأصح، لأن السم والسحر من جنس ما

يقتل. أشبه ما لو جرحه وقال: لم أعلم أنه يموت من الجرح.

(أو) ادعى (جهل. مرض) من ضرب مريضا بمثقل لا يقتله مثله لو كان

صحيحا: (لم يقبل) منه ذلك في الأصح.

الصورة (التاسعة: أن يشهد رجلان على شخص بقتل عمد، أو بردة حيث

امتنعت توبته)؛ كما لو شهدا أنه سب الله سبحانه وتعالى أو رسوله، (أو)

يشهد (أربعة بزنا محصن فيقتل) بمقتضى الشهاده، (ثم ترجع البينة وتقول:

عمدنا قتله، أو يقول الحاكم): علمت كذبهما، أو علمت كذبهم وعمدت

قتله، (أو) يقول (الولي: علمت كذبهما، وعمدت قتله. فيقاد بذلك كله

وشبهه، بشرطه)؛ وذلك لما روي القاسم بن عبدالرحمن " أن رجلين شهدا

(1)

ساقط من ب.

ص: 230

عند علي ابن أبي طالب على رجل أنه سرق فقطعه. ثم رجعا عن شهادتهما

فقال علي: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما. وغرمهما دية يده"

(1)

.

ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا.

والحكم في الحاكم والولي في القود بذلك حكم الشاهدين أو الشهود.

(ولا قود على بينة ولا) على (حاكم، مع مباشرة ولي) للقتل؛ لأنه باشر

القتل عمدا عدوانا. فينبغي أن لايجب على غيره شيء؛ لأنهم متسببون

والمباشرة تبطل حكم التسبب؛ كالدافع مع الحافر.

ومحل هذا

(2)

: ما إذا قال الولي: علمت كذب الشهود أو علمت فساد

الحكم بالقتل وعمدت قتله.

ويفارق هذا ما إذا لم يقر الولي؛ لأنه لم يثبت حكم مباشرة القتل في حقه

ظلما. فكان وجوده كعدمه، ويكون القصاص على الشهود والحاكم؛ لأن

الجميع متسببون. فلو كان الولي المقر بالتعمد لم يباشر القتل، وإنما وكل فيه

فأقر الوكيل بالعلم وبتعمد القتل ظلما فهو القاتل وحده؛ لأنه مباشر للقتل عمدا

ظلما من غير إكراه. فتعلق الحكم به؛ كما لو قتل في غير هذه الصورة. وإن لم يعرف الوكيل بذلك فالحكم متعلق بالولي؛ كما لو باشره.

(ويختص به) أي: بالقصاص (مباشر عالم) بأن القتل على وجه الظلم،

(فولي) عالم بذلك، (فبينة وحاكم) علموا ذلك.

(ومتى لزمت حاكما وبينة دية: فعلى عددهم) في الأصح.

(ولو قال واحد من) شهداء (ثلاثة فأكثر: عمدنا، و) قال (آخر)

منهم: (أخطأنا فلا قود) على أحد منهم. (وعلى من قال) منهم: (عمدنا

حصته من الدية المغلظة، و) على (الآخر) حصته (من) الدية (المخففة.

(1)

أخرجه البيهقي في" السنن الكبرى " 10: 251 كتاب الشهادات، باب الرجوع عن الشهادة. عن الشعبي.

(2)

في ب: ذلك.

ص: 231

و) لو قال واحد من (اثنين): عمدت، وقال الآخر: أخطأت: (لزم

المقر بعمد القود والآخر نصف الدية.

ولو قال كل) من اثنين: (عمدت واخطأ شريكي، فعليهما القود) في

الأصح، لاعتراف كل واحد منهما بأنه متعمد.

(ولو رجع ولي وبينة: ضمنه ولي) وحده في الأصح.

وقال القاضي وأصحابه: يضمنه الولي والبينة معا كمشترك.

(ومن جعل في حلق من) أي: إنسان قائم (تحته حجر، أو نحوه) أي:

نحو الحجر (خراطة) أي: حبلا أو نحوه، (وشدها) أي: شد الخراطة (بـ)

شيء (عال، ثم أزال ما تحته) من الحجر أو نحوه شخص (آخر) أي: غير

الذي جعل في حلقة الخراطة، (عمدا) أي: متعمدا لإزالة ذلك من تحته

(فمات، فإن. جهلها) أي: جهل الخراطة (مزيل وداه) أي: ديته لمستحقها

(من ماله).

قال في" الإنصاف ": على الصحيح.

(وإلا) أي. وإن لم يجهل المزيل لما تحته الخراطة التي بحلقه (قتل

به)، ولا شيء على جاعل الخراطة على الأصح، كالحافر مع الدافع.

ص: 232

[فصل: في شبه العمد]

(فصل. وشبه العمد) وهو المسمى: بخطأ العمد.

وعمد الخطأ: (أن يقصد جناية لا تقتل غالبا، ولم يجرحه بها) أي: بهذه

الجناية؛ (كمن ضرب) غيره (بسوط أو عصا أو حجر صغير، أو لكز) غيره

بيده في غير مقتل، (أو لكم غيره في غير مقتل، أو ألقاه في ماء قليل، أو سحره

بما لا يقتل غالبا فمات، أو صاح بـ) إنسان (عاقل اغتفله) في حال غفلته

فمات، (أو) صاح (بصغير) على سطح فسقط فمات، (أو معتوه على سطح

فسقط فمات: ففيه) أي: ففي ذلك كله إن وجد واحد منها (الكفارة فيم مال

جان)؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]. والخطأ: موجود في هذه

الصور؛ لكونه لم يقصد بفعله القتل.

(و) فيه (الدية على عاقلته) أي: عاقلة الجانى؛ لقوله سبحانه وتعالى:

{وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92]، فأوجب الدية في الخطأ مع تمحضه ففي

شبه العمد أولى أن تجب.

ولما روى أبو هريرة قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما

الأخرى بحجر. فقتلتها وما في بطنها. فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها عبد أو وليدة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها "

(1)

. متفق عليه.

فاً وجب ديتها على العاقلة، والعاقلة لا تحمل العمد.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6512) 6: 2532 كتاب الديات، باب جنين المرأة

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1681) 3: 1309 كتاب القسامة والمحاريين والقصاص والديات،

باب دية الجنين

ص: 233

[فصل: في أضرب الخطأ]

(فصل. والخطأ ضربان:

ضرب) منهما يكون الخطأ (في القصد، وهو) أي: وهذا الضرب

(نوعان:

أحدهما: أن يرمي ما يظنه صيدا) فيبين آدميا، (أو) يرمي من يظنه (مباح

الدم)؛ كالحربي ونحوه، (فيبين آدميا أو معصوما.

أو يفعل ما له فعله، فيقتل إنسانا)؛ كمن أراد قطع لحم أو غيره مما له فعله

فسقطت منه السكين على إنسان فقتلته.

(أو يتعمد القتل صغير أو) يتعمده (مجنون) فإنه لا قصد لهما، فلذلك

يكون قصدهما كقصد الخاطئ المكلف.

إذا تقرر هذا (فـ) يكون (في ماله) أي: مال المخطئ في القصد ومن قتل

بسبب فعل ما له فعله، وفي مال الصبى والمجنون (الكفارة، وعلى عاقلته

الدية)؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92]

(ومن قال: كنت يوم قتلت صغيرا، أو) قال: كنت يوم قتلت (مجنونا،

وأمكن) ذلك؛ كما لو كانت الدعوى بعد بلوغه بيسير، أو عهد له حال جنون:

(صدق بيمينه)؛ لأنه منكر والأصل عدم الموجب.

وقد علم من قوله: أو يفعل ما له فعله: أنه لو فعل ما ليس له فعله؛ كمن

قصد رمي آدمي معصوم أو بهيمة محترمة فقتل غير المقصود: أن ذلك لا يكون خطأ بل عمد.

ص: 234

قال في" الإنصاف ": وهو منصوص الإمام أحمد. قاله القاضي في

روايته، وهو ظاهر كلام الخرقي.

ثم قال: وقدم في" المغني " أنه خطاً. وهو مقتضى كلامه في" المحرر" وغيره.

النوع (الثاني) من الضرب الأول من ضربي الخطاً: (أن يقتل بدار حرب)

من يظنه حربيا فيبين مسلما، (أو) يقتل بـ (صف كفار من يطنه حربيا فيبين

مسلما.

أو يرمي وجوبا) أي: حال كون الرمي واجبا (كفارا تترسوا بمسلم.

ويجب) رميهم إذا تترسوا بالمسلمين: (حيث خيف على المسلمين أن لم نرمهم فيقصدهم) أي: يقصد الكفار بالرمي (دونه) أي: دون المسلم، (فيقتله)

أي: يقتل المسلم من غير قصد.

(فـ) هذا (فيه الكفارة فقط) أي: دون الدية على الأصح، لقوله سبحانه

وتعالى: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] ولم يذكر دية. وترك ذكرها في هذا القسم مع ذكرها في الذي قبله، وبعده ظاهرة أنها غير واجبة.

(الضرب الثاني) من ضربي الخطاً: خطاً (في الفعل

(1)

، وهو: أن يرمي

صيدا أو هدفا، فيصيب آدميا) معصوما اعترضه (لم يقصده.

أو ينقلب

(2)

وهو نائم أو نحوه) أي: نحو النائم، كالمغمى عليه (على

إنسان فيموت. فـ) يكون عليه (الكفارة) في ماله، (وعلى عاقلته الدية)،

لأنه خطأ. وهذا حكم الخطأ.

(لكن: لو كان الرامي ذميا، فأسلم بين رمي وإصابة: ضمن المقتول في

ماله)، لأنه بإسلامه قد باين دين عاقلته، ولا يمكن ضياع دية المقتول فوجبت

في مال الجاني.

(1)

في أزيادة: وهو أن يفعل فعلا فيتعدى إلى غير ما قصده.

(2)

في ج: انقلب.

ص: 235

(ومن قتل بسبب؛ كحفر بئر، ونصب سكين أو حجر أو نحوه، تعديا إن

قصد جناية: فشبه عمد)؛ لأنه بالنظر إلى عدم المباشرة هو خطأ، وبالنظر إلى القصد كالعمد فلذلك كان شبه عمد.

(وإلا) أي: وإن لم يقصد جناية: (فخطأ)؛ لأنه لم يقصد به إتلاف

النفس، فهو كما لو رمى صيدا فاعترضه فأصيب به.

(وإمساك الحية محرم وجناية. فلو قتلت ممسكها: من مدعي مشيخة

ونحوه: فقاتل نفسه، ومع ظن أنها لا تقتل: شبه عمد، بمنزلة من أكل حتى

بشم). وليس على عاقلته لورثته شيء من ديته؛ لأن قاتل نفسه خطأ أو شبه

عمد، يضييع هدرا على الأصح.

وأما إذا قتل نفسه عمدا فبالإجماع. وسيأتي التصريح بذلك في المتن

(1)

.

قال في" الفروع ": ومن أمسك الحية كمدعي المشيخة فقتلته فقاتل نفسه.

وإن قيل: إنه ظن أنها لا تقتل فشبه عمد، بمنزلة من أكل حتى بشم فإنه لم يقصد

قتل نفسه. وإمساك الحيات جناية فإنه محرم. ذكره شيخنا. انتهى.

(ومن أريد قتله قودا) ببينة بالقتل دون إقراره، (فقال شخص: أنا

القاتل، لا هذا فلا قود) على واحد منهما، (وعلى مقر الدية).

قال في " الفروع ": ونقل حنبل فيمن أريد قتله قودا؛ فقال رجل: أنا

القاتل لا هذا: أنه لا قود، والدية على مقر؛ لقول علي رضي الله تعالى عنه:

" أحيا نفسا ". ذكره في " المنتخب ". وحمله أيضا على أن الولي صدقه بعد

قوله لا قاتل سوى الأول، ولزمته الدية لصحة بذلها منه.

وذكر فى القسامة: لو شهدا عليه بقتل فأقر به غيره، وذكر رواية حنبل.

(ولو أقر الثاني بعد إقرار الأول: قتل الأول)؛ لعدم التهمة ومصادقته

الدعوى.

(1)

في ب قلادة: كالحربي ونحو، وفي ج: كالحربي ونحوه.

ص: 236

قال في " الفروع ": وفي " المغني " في القسامة: لا يلزم المقر الثانى

شيء، فإن صده الولي بطلت دعواه الأولى. وهل له طلبه؟ فيه وجهان. ثم

ذكر المنصوص وهو رواية حنبل، وأنه أصح، لقول عمر

(1)

: " أحيا نفسا ".

وذكر الخلال وصاحبه رواية حنبل. ثم رواية مهنا: ادعى على رجل أنه قتل

أخاه. فقدمه إلى السلطان فقال: إنما قتله فلان، فقال فلان: صدق، أنا قتلته

فإن هذا المقر بالقتل يؤخذ به.

قلت: أليس قد ادعى على الأول؟ قال: إنما هذا بالظن، فأعدت عليه

فقال: يؤخذ الذي أقر أنه قتله. انتهى.

(1)

سبق وأن ذكر أن هذا قول علي.

ص: 237

[فصل: يقتل العدد بواحد]

(فصل. ويقتل العدد) وهو: ما فوق الواحد إذا ثبت عليهم القتل

(بواحد: أن صلح فعل كل) منهم (للقتل به). يعني: إذا كان فعل كل واحد

منهم لو انفرد بقتله أوجب القصاص عليه. وهذا على الأصح. وهو مذهب

مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وذلك لإجماع الصحابة. فروى سعيد بن

المسيب، أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا. وقال: لو تمالأعليه أهل صنعاء لقتلتهم

(1)

جميعا "

(2)

.

وعن علي رضي الله تعالى عنه: " أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا ".

وعن ابن عباس: " أنه قتل جماعة قتلوا واحدا ". ولم يعرف لهم في

عصرهم مخالف فكان إجماعا.

ولأن القتل عقوبة تجب للواحد على الواحد. فوجب للواحد على

الجماعة؛ كحد القذف. ويفارق الدية فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض.

ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به. فيؤدي

إلى إسقاط حكمة الردع والزجر عن القتل.

(وإلا) أي: وإن لم يصلح فعل كل منهم للقتل به (ولا تواطؤ) أي: لم

يتواطؤا على ذلك لكي يسقط عنهم القصاص، كما لو ضربه كل واحد منهم

بحجر صغير حتى مات: (فلا) قصاص، لأنه لم يحصل من واحد منهم ما

(1)

في ب: لقتلهم به.

(2)

ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقا 6: 2527 كتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل، هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم.

وأخرجه الشافعى في " مسنده "(333) 2: 100 كتاب الديات.

ص: 238

يوجب القود. (ولا يجب) على الجميع (مع عفو) عن القصاص (أكثر من

دية) واحدة على الأصح، لأن القتل واحد. فلا تلزمهم أكثر من دية، كما لو

قتلوه خطأ.

(وأن جرج واحد) من قاتلين (جرحا) واحدا وكان بحيث لو انفرد لقتل،

(و) جرحه (آخر مائة: فـ) ما (سواء) في القصاص أو الدية، لأن كل

واحد منهما فعل فعلا أزهق به نفس القتيل. فكان على كل واحد القود، كما لو

انفرد به. وكذلك في الدية، لأن زهوق نفسه حصل بفعل كل واحد منهما،

وزهوق النفس لا يتبعض ليقسم على الفعل فوجب تساويهما في موجبه.

(وإن قطع واحد) من قاتلين إنسانا (من كوع)، ثم قطعه (آخر من

مرفق. فإن كان) قطع الثانى بعد أن (قد برئ) القطع (الأول: فالقاتل الثانى)

وحده. فيكون عليه القود أو الدية كاملة إن عفي عن قتله. وله قطع يد الأول أو

نصف الدية.

(وإلا) بأن كان قطع الثاني قبل أن يبرأ القطع الأول

(1)

: (فهما) قاتلان،

لأنهما قطعان لو مات بعد كل واحد منهما وحده لوجب عليه القصاص. فإذا

مات بعدهما وجب عليهما القصاص، كما لو كانا في يدين.

[ولأن القطع الثانى لا يمنع جناية بعده. فلا يسقط حكم ما قبله، كما لو

كانا في يدين]

(2)

. ويخالف ما لو كان قطع الثانى بعد اندمال قطع الأول، فإنه

لا يبقى معه الألم الذي حصل بالقطع الأول فافترقا.

(وإن فعل واحد) من جانبين (ما) أي: فعلا (لا تبقى معه حياة) في

العادة، (كقطع حشوته) أي: إبانة امعاه، (أو) قطع (مريئه) وهو مجرى

الطعام والشراب، (أو) قطع (ودجيه) وهما العرقان المستنبطان للرقبة (ثم

ذبحه آخر: فالقاتل) هو (الأول)، لأنه فعل به فعلا لا يمكن بقاء الحياة معه

(1)

ساقط من أ.

(2)

ساقط من ب.

ص: 239

شيئا من الزمان. (ويعزر الثاني، كلما لو جنى على ميت) فلذلك يكون على

الأول القود؛ لأنه هو القاتل وعلى الثانى التعزير بإبانة رأس الميت وترك

حرمته.

(ولا يصح تصرف فيه) أي: فيمن فعل به فعل لا تبقى الحياة معه: (لو

كان قنا) فلا يصح بيعه.

قال في" الفروع ": كذا جعلوا الضابط: يعيش مثله أو لا يعيش. وكذا

علل الخرقي في المسألتين، مع أنه قال في الذي لا يعيش: خرق بطنه وأخرج

حشوته فقطعها فأبانها منه. وهذا يقتضى أنه لو لم يبنها لم يكن حكمه

(1)

كذلك،

مع أنه بقطعها لا يعيش فاعتبر الخرقي كونه لا يعيش في موضع خاص، فتعميم

الأصحاب لا سيما واحتج غير واحد منهم بكلام الخرقي وفيه نظر، وهذا معنى اختيار الشيخ وغيره في كلام الخرقي، فإنه احتج به في مسألة الذكاة فدل على تسأويهما عنده وعند الخرقي. ولهذا احتج في وصية عمر، ووجوب العباده

عليه في مسألة الذكاة، كما احتج هنا، ولا فرق. وقد قال ابن أبي موسى وغيره

في الذكاة كالقول هنا في أنه يعيش أو لا. ونص عليه أحمد أيضا. فهؤلاء أيضا

سووا بينهما، وكلام الأكثر على التفرقة، وفيه نظر. انتهى.

(وإن رماه) الجاني (الأول من شاهق، فتلقاه) الجاني (الثاني بمحدد

فقده) فهو القاتل؛ لأنه فوت حياته قبل المصير إلى حال يئس فيها من حياته.

فأشبه ما لو رماه إنسان بسهم قاتل فقطع آخر عنقه قبل وقوع السهم به، أو ألقى

عليه صخرة فأطار آخر رأسه بالسيف قبل وقوعها عليه، (أو شق الأول بطنه) ثم ذبحه الثانى، (أو قطع) الأول (طرفه، ثم ذبحه الثاني: فهو القاتل) في

الصورتين؛ لأن ما فعله الأول تبقى الحياة معه. بخلاف ما فعله الثانى، (وعلى

الأول موجب جراحته) أي: ما أوجبته جراحته؛ لتعديه.

(ومن رمي) بضم الراء (في لجة، فتلقاه حوت فابتلعه: فالقود على

(1)

في أ: الحكم.

ص: 240

راميه) مع كثرة الماء في الأصح، لأنه ألقاه في مهلكة هلك بها من غير واسطة

يمكن إحالة الحكم عليها. أشبه ما لو مات بالغرق، أو هلك بوقوعه على

صخرة، أوكما لو ألقاه في نار لا يمكنه التخلص منها.

(ومع قلة الماء إن علم) الرامي (بالحوت: فكذلك) أي: فكما ألقاه في

ماء كثير.

(وإلا) أي: وإن لم يعلم الرامي بالحوت مع قلة الماء، (أو القاه مكتوفا

بفضاء غير مسبع فمر

(1)

به دابة فقتلته. فالدية)، لأنه هلك بفعله ولا قود؛ لأن

الذي فعله لا يقتل غالبا.

(ومن أكره مكلفا على قتل) شخص (معين) فقتله فعلى كل منهما القود،

(أو) أكرهه (على أن يكره عليه) أي: على قتل شخص معين (ففعل) ما

أكرهه عليه وقتله: (فعلى كل) من الثلاثه (القود).

والدليل على أن الامر قاتل: أنه تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبا.

فوجب عليه القصاص؛ كما لو أنهشه حية أو أسدا أو رماه بسهم.

ولأنه ألجأه إلى الهلاك. أشبه ما لو ألقاه عليه.

والدليل على أن القاتل غير مسلوب الاختيار، لأنه قصد استيفاء نفسه بقتل

هذا. وهذا يدل على قصده واختيار نفسه. ولا خلاف في أنه يأثم. ولو سلم أنه

مسلوب الأختيار لم يأثم كما أنه لا يأثم المجنون.

(و) قول قادر على ما يهدد به غيره: (اقتل نفسك، وإلا قتلتك، إكراه)

على القتل. جزم به في " التنقيح " وتبعته عليه.

(ومن أمر بالقتل) شخصا (مكلفا يجهل تحريمه) أي: تحريم القتل؛

كمن نشأ بغير بلاد الإسلام، سواء كان المأمور أجنبيا أو عبدا للآمر فقتل لزم

الآمر القصاص؛ لأن المأمور إذا لم يكن عالما بخطير القتل فهو معتقد إباحته،

وذلك شبهة تمنع القصاص؛ كما لو اعتقده صيذا فرماه فقتل إنسانا.

(1)

في ب: فمرت.

ص: 241

ولأن حكمة القصاص الردع والزجر ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة.

وإذا لم يجب عليه قصاص وجب على الامر؛ لأن المأمور آلة

(1)

له لا يمكنه

إيجاب القصاص عليه. فوجب على المتسبب به؛ كما لو أنهشه حية فقتلته.

ويفارق هذا: ما إذا علم خطر القتل فإن القصاص يكون على المأمور؛

لإمكان إيجابه عليه وهو مباشر له. فانقطع حكم الامر؛ كالدافع مع الحافر.

وكذا ما أشير إليه بقوله: (أو صغيرا أو مجنونا) يعني: أنه من أمر بالقتل

صغيرا أو مجنونا فقتل. فحكمه حكم ما لو كان المأمور مكلفا جاهلا بتحريم

القتل من كون القصاص يلزم الامر دون المباشر.

[وكذا ما أشير إليه بقوله: (أو امر به) أي: بالقتل (سلطان، ظلما، من

جهل ظلمه فيه) أي: في القتل: (لزم الآمر) القصاص دون المباشر]

(2)

؛ لأن

المأمور معذور لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية. والظاهر: أن الإمام

لا يأمر إلا بالحق.

(وإن علم) المأمور (المكلف تحريمه) أي: تحريم القتل المأمور به:

(لزمه) القصاص؛ لأنه غير معذور في فعله. فإن النبي ص قال: " لا طاعة

لمخلوق في معصية الخالق "

(3)

.

وعنه أنه قال: "من أمركم من الولاة بمعصية الله فلا تطيعوه "

(4)

.

فلزمه القصاص؛ كما لو أمره غير السلطان.

(وأدب آمره) يعني: أنه متى وجب القصاص على المأمور فإنه يؤدب آمره

بما يراه الإمام من الضرب والحبس.

(1)

ساقط من ب.

(2)

ساقط من أ.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6830) 6: 2649 كتاب التمني، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاه والصوم.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1840) 3: 1469 كتاب الإمارة، باب وجوب طاعه الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية.

(4)

أخرجه أحمد في " مسنده "(1657 1) 3: 67.

ص: 242

(ومن دفع لغير مكلف آلة قتل، ولم يأمره به) أي: بالقتل، (فقتل) بالآلة

إنسانا: (لم يلزم الدافع) له الالة (شيء)، لأن الدافع ليس بآمر ولا مباشر.

(ومن أمر قن غيره بقتل قن نفسه، أو أكرهه عليه) أي: على قتل قن

نفسه: (فلا شيء له) على قن غيره ولا على مالكه، كما لو أذن إنسأنا لآخر في إتلاف مال الآذن فأتلفه. بإذنه.

(و) من قال لغيره: (اقتلني) فقتله، (أو) قال لغيره: (اجرحني،

ففعل: فهدر). نص عليه. وقدمه في" الفروع "، لأن ذلك جناية أذن له

المجني عليه فيها. فسقط عنه ضمانها، كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر

ففعل.

وعنه: تلزم الدية.

وعنه: للنفس.

وعلى الأول هو: (كاقتلني وإلا قتلتك). وهو المذهب. وأطلق الخلاف

في " الفروع " وفي " تصحيح الفروع ".

قال

(1)

في " الرعايتين "و" الحاوي الصغير": وإن قال: اقتلني وإلا قتلتك

فإكراه ولا قود إذا.

وعنه: ولا دية. زاد في"الرعايتين ": ويحتمل أن يقتل أو يغرم الدية إن

قلنا هي للورثة.

وقال في " الانتصار" في الصيام: لا إثم هنا ولا كفارة. انتهى.

(ولو قاله قن) أي: قال قن لغير سيده: اقتلني أو اجرحني، أو زاد: وإلا

قتلتلك فقتله: (ضمن لسيده

(2)

بقيمته)، لأن إذن القن في إتلاف نفسه

لا يسري على سيده.

(1)

في ب: قاله.

(2)

في ب: لسيد.

ص: 243

[فصل: إذا أمسك إنسانا لآخر فقتله]

(فصل. ومن أمسك إنسانا لآخر حتى قتله، أو حتى قطع طرفه فمات، أو

فتح فمه) أي: فتح فم إنسان (حتى سقاه) آخر (سما) فمات من ذلك: (قتل

قاتل) بالفعل أو بإسقاء السم؛ لأنه قتل من يكافئه عمدا بغير حق، (وحبس

ممسك حتى يموت) على الأصح؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أن

النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك "

(1)

.

ولأنه حبسه إلى الموت. فيحبس الآخر إلى الموت؛ كما لو حبسه عن

الطعام والشراب حتى مات فإنا نفعل به كذلك

(2)

.

(ومن قطع طرف هارب من قتل، فحبس حتى أدركه قاتله) فقتله: (أقيد

منه) أي: من قاطع طرفه في الطرف

(3)

، سواء حبسه ليقتله الآخر أو لا،

(وهو) أي: وقاطع الطرف فيما يجب عليه (في النفس كممسك) إنسانا لآخر

حتى قتله؛ لأنه إذا حبسه للقتل صار كأنه أمسكه حتى قتل، وإن لم يقصد حبسه

فعليه القطع فقط؛ كمن أمسك إنسانا لآخر لا يعلم انه يقتله.

فإن قيل: فلم اعتبرتم قصد الإمساك للقتل وأنتم لا تعتبرون إرادة القتل في

الجارج؟

قلنا: إذا مات من الجرج فقد مات من سرايته وأثره فيعتبر قصد الجرح الذي

هو السبب دون قصد الأثر. وفي مسألتنا إنما كان موته بأمر غير السراية والفعل ممكن له. فاعتبر قصده لذلك الفعل؛ كما لو أمسكه.

(1)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(176) 3: 140 كتاب الحدود.

(2)

في ب: ذلك.

(3)

في ب: طرف.

ص: 244

(وأن اشترك عدد في قتل لا يقاد به البعض) المشارك (لو انفرد) بالقتل:

(كـ) اشتراك (حر وقن في قتل قن، و) كاشتراك (أب) وأجنبي في قتل ابن،

(أو) اشتراك (ولي مقتص) من جان (وأجنبي) لا حق له في القصاص، (و)

كاشتراك (خاطئ وعامد) في قتل أو قطع، (و) كاشتراك (مكلف وغير

مكلف) في قتل أو قطع، (أو) اشتراك مكلف (وسبع، أو) اشتراك مكلف

(ومقتول) في قتل نفسه: (فالقود على القن) شريك الحر؛ لأن القصاص إنما

امتنع عن الحر؛ لانتفاء مكافأة المقتول للحر وهذا المعنى لا يتعدى إلى فعل

شريكه. فلم يسقط القصاص عنه.

وقد روي عن أحمد: أنه سئل عن حر وعبد قتلا عبدا عمدا، قال: أما

الحر فلا يقتل بالعبد، والعبد إن شاء سيده أسلمه، وإلا فداه بنصف قيمة

العبد.

وظاهر هذا: أنه لا قصاص على العبد فيخرج مثل هذا في كل قتل شارك فيه

من لايجب فيه القصاص.

والأول المذهب.

(و) القود أيضا على (شريك أب) في قتل ابنه على الأصح؛ لأنه شارك

في القتل العمد العدوان فيمن يقتل به لو انفرد بقتله. فوجب عليه القصاص؛

كشريك الأجنبي.

ولأنه إنما امتنع القصاص في حق الأب لمعنى مختص بالمحل، لا لقصور

في السبب الموجب. فلا يمنع عمله في المحل الذي لا مانع فيه.

(كـ) ما يجب القصاص على (مكره أبا على قتل ولده) فإن القود يكون

على المكره دون الأب.

(و) يكون (على شريك قن) مع حرية الشريك في قتل قن (نصف قيمة)

القن (المقتول)؛ لأنه شريك في إتلاف فلزمه منه بقسطه.

ص: 245

(و) يكون (على شريك غيرهما) أي: غير الأب وغير القن (في) قتل

(حر نصف ديته)؛ كالشريك في إتلاف مال.

(وفي) قتل (قن: نصف قيمته). وتقدم توجيه ذلك.

(ومن جرح) أي: جرحه إنسان (عمدا، فداواه) أي: داوى المجروح

جرحه (بسم) فمات، وكان السم مما يقتل غالبا في الحال فلا قود على جارحه

في الأصح. أشبه "ما لو ذبح نفسه بعد أن جرح، (أو خاطه) أي: خاط

المجروح جرحه (في اللحم الحي) فمات فكذلك، (أو فعل ذلك وليه) أي:

داوى المجروح وليه بسم أو خاط جرحه في اللحم الحي، (أو) فعل ذلك

(الحاكم فمات) من ذلك: (فلا قود على جارحه)؛ [لما تقدم]

(1)

.

(لكن: إن أوجب الجرح قصاصا استوفي) أي: استوفاه وليه من جارحه

إن شاء؛ لأنه عمد موجب للقود. فيخير فيه الولي بين استيفائه وأخذ أرشه.

(وإلا) أي: وإن لم يكن الجرح موجبا للقصاص: (أخذ) أي: أخذ ولي

المقتول (أرشه) إن شاء، لأن الحق له في ذلك دون غيره.

(1)

ساقط من ب.

ص: 246

[باب: شروط القصاص]

هذا (باب شروط القصاص) أي: ما يشترط لوجوب القود. (وهي أربعة:

أحدها: تكليف قاتل). وهو: أن يكون بالغا عاقلا، لأن القصاص عقوبة

مغلظة. فلا تجب على صغير، ولا على زائل العقل، كالمجنون والمعتوه،

لأنهم ليس لهم قصد صحيح، كالقاتل خطاً.

ومتى قال الجانى: كنت صغيرا حال الجناية، وقال وليها: بل كنت بالغا

وأمكنا، وأقاما بذلك بينتين. تعارضتا.

(ثانيها) أي: الثاني من شروط القصاص: (عصمة مقتول، ولو) كان

(مستحقا دمه بقتل لغير قاتله)، لأنه لا سبب فيه يباح به دمه لقاتله.

إذا تقرر هذا (فالقاتل لحربي أو مرتد قبل توبة: أن قبلت) توبته (ظاهرا،

أو) القاتل (لزان محصن ولو قبل ثبوته عند حاكم) إذا ثبت أنه زنى وهو محصن

بعد قتله، لأنه لا فرق في قتله قبل ثبوت ذلك ثم يثبت أو بعده، لأن الصفه التي

أباحت دمه موجودة

(1)

فيه قبل الثبوت وبعده على السواء. وإنما يظهر ذلك

للحاكم بالبينة، فحينئذ (لا قود ولا دية عليه) أي: على قاتل واحد ممن ذكر،

(ولو أنه مثله) أي: ولو أن قاتل المرتد مرتدا مثله، أو أن قاتل الزاني المحصن

زان محصن مثله، أو أن قاتل واحد من هؤلاء ذمي، (ويعزر)، لافتيائه على

ولي الأمر، كمن قتل حربيا.

(ومن قطع طرف مرتد) فأسلم ثم مات، (أو) قطع طرف (حربي فأسلم

ثم مات، أو رماه) أي: رمى مرتدا أو حربيا (فأسلم) بعد أن رماه (ثم وقع به

(1)

في ب: موجود.

ص: 247

المرمي) بعد إسلامه (فمات: فهدر) يعني: فلا قود ولا دية على راميه في

الأصح، لأنه بعد إسلامه لم يحدث من الجانى فعل. وإنما كان الموت أثر فعله

المتقدم، فلا اعتبار بما يحدث بعد الفعل.

(ومن قطع طرفا أو أكثر من) طرف (مسلم، فارتد ثم مات) مرتدا: (فلا

قود) في الأصح في النفس ولا في الطرف.

أما في النفس، فلأنها نفس مرتد غير معصوم.

وأما في الطرف؛ فلأنه قطع صار قتلا لم يجب به القتل. فلم يجب به

القطع، كما لو قطعه من غيرمفصل.

(وعليه) أي: على الجاني (الأقل من دية النفس أو) من دية (ما قطع)

منه في الأصح؛ لأنه لو لم يرتد لم يجب عليه أكثر من دية النفس فمع الردة أولى. ولأنه قطع صار قتلا. فلم يوجب أكثر من دية، كما لو لم يرتد.

إذا تقرر هذا فإن ما وجب من

(1)

ذلك (يستوفيه الإمام) على الأصح؛ لأن

ماله فيء للمسلمين. فيكون استيفاؤه للإمام.

(وإن عاد إلى الإسلام ولو) كان عوده إلى الإسلام (بعد زمن تسري فيه

الجناية) في الأصح ثم مات مسلما: (فكما لو لم يرتد) وحينئذ فيجب

القصاص على قاتله. نص عليه في رواية محمد بن الحكم؛ لأنه مسلم حال

الجناية والموت. فوجب القصاص بقتله؛ كما لو لم يرتد.

واحتمال السراية حال الردة لا يمنع؛ لأنها غير معلومة، فلا يجوز ترك

السبب المعلوم باحتمال المانع فإنه يحتمل أن يموت بمرض أو سبب آخر

وبالجرح مع شيء آخر يؤثر في الموت. وإن عفا وليه على الدية فإنها تجب كاملة في الأصح؛ لأنهما متكافئان في حال الجناية والسراية والموت. فأشبه ما لو لم

يرتد. وإن كان الجرح خطأ وجبت الكفارة بكل حال، لأنه فوت نفسا

معصومة. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

في أوب: في.

ص: 248

[فصل: في مكافأة القاتل للمقتول]

(فصل. الثالث) من شروط القصاص: (مكافأة مقتول) لقاتل (حال

جناية).

والمكافأة: (بأن لا يفضله) أي: لا

(1)

يفضل المقتول (قاتله بإسلام.،

أو) يفضله بـ (حرية، أو) يفضله بـ (ملك).

إذا تقرر هذا (فيقتل مسلم حر) هو (أو عبد) بمثله.

(و) يقتل (ذمي) حر أو عبد بمثله، (و) يقتل (مستأمن حر أو عبد بمثله.

و) يقل (كتابي بمجوسي، و) يقتل (ذمي بمستأمن، و) كذا

(عكسهما) يعني: أنه يقتل المجوسي بالكتابي، ويقتل المستأمن بالذمي.

(و) يقتل (كافر غير حربي جنى) وهو حربي (ثم أسلم بمسلم.

و) يقتل (مرتد بذمي ومستأمن، ولو تاب) المرتد (وقبلت) توبته.

(وليست) توبة المرتد (بعد جرح) وقبل موت مانعة من القود، (أو) توبته

(بين رمي وإصابة مانعة من قود) أي: من أن لقتل المرتد التائب بعد الجرج،

أو بعد الرمي وقبل الإصابة، بالذمي أو المستأمن.

(و) يقتل (قن بحر وبقن، ولو) كان القن المقتول. (أقل قيمة منه) أي:

من القن القاتل على الأصح؛ لأن مفهوم قوله سبحانه وتعالى: {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [الحفرة: 178]، أنه يجب القصاص بين العبدين، سواء تساوت قيمتهما أو

تفاضلت

ولأن العبد يساوي العبد في النفس والرق. فوجب القصاص وإن اختلفت

(1)

ساقط من أ.

ص: 249

قيمتهما؛ لأن زياده قيمة العبد إنما هي في مقابلة الصفات النفسية في العبد. ولا

أثر لها في الحر، فإن الجميل يؤخذ بالذميم، والعالم يؤخذ بالجاهل. وإن لم

تكن معتبرة في الحر فأولى أن لا تعتبر في العبد.

(ولا أثر) أيضا (لكون أحدهما مكاتبا) والآخر غير مكاتب، أو كون

إحداهما

(1)

مستولدة والأخرى غير مستولدة، (أو كونهما) أي: القاتل

والمقتول من الرقيق (لـ) مالك (واحد) أو لأكثر، (أو كون مقتول مسلم) من

الرقيق (لذمي) أو لمسلم في الأصح.

(و) يقتل (من بعضه حر بمثله، وبأكثر حرية) من القاتل.

(و) يقتل (مكلف) أي: البالغ العاقل (بغير مكلف) أي: بصغير

(2)

ومجنون ومعتوه.

(و) يقتل (ذكر بخنثى و) بـ (أنثى)، ولا يعطى للذكر نصف دية القاتل

بالأنثى على الأصح. (وعكسهما) يعني: أنه يقتل الخنثى والأنثى بالذكر.

(لا مسلم) يعني: أنه لا يقتل مسلم (ولو ارتد) بعد أن قتل (بكافر)،

سواء كان كتابيا أو مجوسيا، وسواء كان ذميا أو معاهدا وفاقا لمالك والشافعي،

روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية. وبذلك قال عمر بن عبدالعزيز وعطاء والحسن. وعكرمة والزهري وابن شبرمة والثوري وإسحاق

وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر.

وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي: يقتل المسلم بالذمي خاصة.

قال الإمام أحمد: النخعي والشعبي قالا: دية المجوسي والنصراني مثل دية

المسلم وإن قتله يقتل به، سبحان الله! هذا عجيب! يصير المجوسي مثل

المسلم ما هذا القول؟ واستبشعه.

(1)

في ب: أحدهما.

(2)

في ج بغيرصغير.

ص: 250

وقال أحمد أيضا: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يقتل مسلم بكافر"

(1)

. فأي شيء

أشد من هذا؟

واحتج من قال: يقتل المسلم بالكافر بعموم قوله سبحانه وتعالى:

(النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)[المائدة: 45]، وقوله سبحانه وتعالى:{الْحُرُّ بِالْحُرِّ}

[البقرة: 178].

وبما روى ابن البيلمانى: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد مسلما بذمي. وقال: أنا أحق

من وفى بذمته "

(2)

.

وبأنه معصوم عصمة مؤبدة. فيقتل به قاتله؛ كالمسلم.

ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلمون تتكافئ دماؤهم ويسعى بذمتهم

أدناهم. لا يقتل مؤمن بكافر"

(3)

. [رواه أحمد وأبو داود.

وفي لفظ: "لا يقتل مسلم بكافر "

(4)

. رواه البخاري وابو داود.

وعن علي أنه قال: " من السنة أن لا يقتل مؤمن بكافر]

(5)

"

(6)

رواه الإمام

أحمد.

وما روى أبو جحيفة قال: " قلت لعلي: هل عندكم شيء من الوحي ما

ليس في القرآن؟ فقال: لا. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(111) 1: 53 كتاب العلم، باب كتابة العلم.

(2)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8: 31 كتاب الجنايات، باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر وما جاء عن الصحابه في ذلك.

(3)

أخرجه أبو داود في"سننه "(1 275) 3: 80 أول كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر.

وأخرجه أحمد في" مسنده "(959) 1: 119.

(4)

أخرجه البخاري في" صحيحه "(111) 1: 53 كتاب العلم، باب كتابة العلم.

وأخرجه أبو دأود في " سننه "(2751) 3: 80 أول كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر.

(5)

ساقط من أ.

(6)

أخرجه الدارقطني في" سننه "(160) 3: 133 كتاب الحدود. ولم أره في أحمد.

ص: 251

رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما فى هذه الصحيفة. قال

العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مؤمن بكافر"

(1)

. رواه الجماعة إلا مسلما

وابن ماجه.

والمرتد كالكافر الأصلى؛ لحديث ابن مسعود وقوله فيه: " والتارك لدينه

المفارق للجماعة "

(2)

.

ولأن القصاص يقتضي المساواة ولا مساواة بين الكافر والمسلم؛ لقوله

سبحانة وتعالي: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20] فنفى المسواة، ونفي المسواة في الصورة الإنسانية غير مراد. فدل

على عدم تساويهما حكما. والعمومات مخصوصات بحديثنا. وحديثهم ليس له

إسناد. قاله أحمد.

وقال الدارقطني: يرويه ابن البيلمانى وهو ضعيف إذا أسند فكيف إذا

أرسل.

(ولا) يقتل (حر بقن)؛ لما روى أحمد بإسناده عن علي انه قال: "من

السنة أن لا يقتل حر بعبد "

(3)

.

وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقتل حر بعبد "

(4)

. رواه

الدارقطني.

ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه مع التساوي في السلامة. فلا يقتل به؛ كالأب مع ابنه. ولأن العبد منقوص بالرق من حيث أنه مال فيكون في معنى البهيمه. فلا

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6517) 6: 2534 كتاب الدياب، باب لا يقتل المسلم بالكافر. وأخرجه أبو داود في" سننه " (4530) 4: 180 كتاب الديات، باب أيقاد المسلم بالكافر؟. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (1412) 4: 24 كتاب الديات، باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4 474) 8: 23 كتاب القسامة، سقوط القود من المسلم للكافر.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(599) 1: 79.

(2)

سبق تخريجه ص: 233.

(3)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(160) 3: 133 كتاب الحدود.

(4)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(158) 3: 134 كتاب الحدود.

ص: 252

يقتل بالحر؛ كالمكاتب إذا ملك ما يؤدي، والعمومات مخصوصة بهذا فنقيس عليه. (ولا) يقتل حر (بمبعض)؛ لأنه منقوص بما فيه من الرق.

(ولا) يقتل (مكاتب بقنه)؛ لأنه مالك لرقبته. فلا يقتل به؛ كالحر،

حتى (ولو كان) عبدا لمكاتب (ذا رحم محرم له)؛ لأنه ملكه. فلا يقتل به؛

كغيره من عبيده في الأصح.

(وإن انتقض عهد ذمي بقتل مسلم) أي: بكونه قتل مسلما حرا أو عبدا

(فقتل لنقضه) عهده، (فعليه دية الحر) إن كان المقتول حرا، (أو قيمة القن)

إن كان المقتول قنا؛ لأنه لا يسقط لموجب جناية.

(وإن قتل) ذمي أو مرتد ذميا، (أو جرح ذمي أو مرتد ذميا، أو) قتل أو

جرج (قن قنا

(1)

، ثم أسلم) الذمي القاتل أو الجارح، (أو عتق) القن القاتل

أو الجارج، حتى (ولو) كان

(2)

إسلام القاتل أو الجارح أو عتقه (قبل موت

مجروج: قتل به) على الأصح. نص عليه؛ وذلك لأن الجناية حصلت

بالجراحة في حال جريان القصاص بينهم. فوجب لذلك؛ (كما لو جن) جان

بعد الجناية في الأصح.

(ولو جرح مسلم ذميا، أو) جرح (حر قنا، فأسلم) المجروح، (أو عتق

مجروح، ثم مات: فلا قود) على الجارح؛ لأن الاعتبار بحال الجناية،

(وعليه) أي: على الجارح (دية حر مسلم) على الأصح؛ كما لو قتله بجرح

ثان

(3)

؛ لأن اعتبار الأرش بحال استقرار الجناية، بدليل ما لو قطع يدي رجل

ورجليه فسري إلى نفسه ففيه دية واحدة. ولهو اعتبرنا الأرش بحال الجناية لوجب ديتان.

(ويستحق دية من) أي: دية ذمي (أسلم) بعد الجرح وقبل الموت (وارثه

المسلم)؛ لأنه مات مسلما.

(1)

ساقط من ب.

(2)

ساقط من ب.

(3)

في ج: حر ثان.

ص: 253

(و) يستحق دية (من عتق) بعد الجرج وقبل الموت (سيده)، إلا أن

تجاوز ديته أرش جنايته، (كـ) ما أنه مستحق (قيمته لو لم يعتق. فلو جاوزت

دية) أي: دية الحر المسلم (أرش جناية) على العبد: (فالزائد لورثته) أي:

ورثة العبد، لأن الزائد على أرش الجناية حصل بحريته، ولا حق للسيد فيما

حصل بها.

(ولو وجب بهذه الجناية قود: فطلبه لورثته) أي: ورثة المعتق، لأنه مات

حرا. فإذا اقتصوا فلا شيء للسيد، وإن عفوا على مال فللسيد منه ما ذكرنا.

(ومن جرح قن نفسه، فعتق ثم مات) العتيق: (فلا قود) عليه أي: على

السيد، (وعليه ديته لورثته) في الأ صح.

(وإن رمى مسلم ذميا عبدا، فلم تقع به الرمية حتى عتق) العبد (وأسلم،

فمات منها) أي: من الرمية: (فلا قود) على الرامي في الأ صح، لأن الاعتبار

بحال الجناية وهو وقت صدور الفعل من الجانى، (ولورثته) أي: ورثة

المقتول (- على رام- دية حر مسلم)؛ كما لو كان مسلما حال الرمي، لأن

وجوب المال معتبر بحال الإصابة، لأن المال يدل على المحل. فتعتبر حالة

المحل الذي فات بها، فتجب بقدره وقد فات به نفس حر مسلم

(1)

، والقصاص

جزاء للفعل. فيعتبر الفعل فيه والإصابة معا، لأنهما طرفاه فلذلك لم يجب

القصاص بقتله.

(ومن قتل من يعرفه أو يظنه كافرا، أو قنا، أو قاتل أبيه فبأن تغير حاله)

الذي كان يعرفه، بأن أسلم الكافر وعتق القن، (أو) تبين (خلاف ظنه)، بأن

تبين أنه غير قاتل أبيه: (فعليه القود) في الأصح؛ لأنه قتل من يكافئه عمدا

محضا بغير حق. أشبه ما لو علم حاله.

(1)

في أوب: مسلم حر.

ص: 254

[فصل: في قتل الولد]

(فصل. الرابع) من شروط القصاص: (كون مقتول ليس بولد وإن سفل)

لقاتل، (ولا بولد بنت وإن سفلت لقاتل).

إذا تقرر هذا (فيقتل ولد بأب وأم وجد وجدة) يعني: أنه يقتل الولد بقتل

أبيه وبقتل أمه وبأجداده ولو من قبل أمه وبجداته كذلك على الأصح؛ لقوله

سبحانه وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقره: 178] وهو عام في كل قتيل، سواء كان أبا أو ابنا أوغيرهما. وإنما خص منه صورتان بالنص وهو ما روى عمر وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا يقتل والد بولده "

(1)

. أخرج النسائي حديث عمر. ورواهما ابن ماجه. وذكرهما ابن عبدالبر، وقال: هو

حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يستغني

بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته

تكلفا.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنت ومالك لأبيك "

(2)

. وقضية هذه الإضافة

تمليكه إياه. فإذا لم تثبت حقيقة الملكية ثبتت الإضافة وهي شبهة في درء

القصاص؛ لأنه يدرأ بالشبهات وبالقياس؛ لأنه سبب إيجاده. فلا ينبغي أن

(1)

أخرجه الترمذي في " جامعه "(1400) 4: 18 عن عمر، و) 1401) 4: 19 عن ابن عباس. كتاب الديات، باب ماجاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2661) 2: 888 عن ابن عباس، و) 2662) 2: 888 عن عمر.

كتاب الديات، باب لا يقتل الوالد بولده. ولم أره في النسائي.

(2)

أخرجه ابن ماجه في "- سننه "(2291) 2: 769 كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده. وأخرجه أحمد في " مسنده " (6902) 2:204.

ص: 255

يسلط بسببه على إعدامه. وما ذكرنا

(1)

يخص العمومات، وإلى ذلك أشير

بقوله: (لا أحدهم) يعني: أنه لا يقتل أحد ممن تقدم من الآباء والأمهات

والأجداد والجدات (من نسب به) أي: بالولد أو ولد البنات وإن سفلا، حتى

(ولو أنه) أي: أن الولد أو ولد البنت (حر مسلم، والقاتل) من الآباء

والأمهات وإن علوا (كافر قن)؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل والد بولده"

(2)

.

ولانتفاء القصاص لشرف الأبوة وهو موجود في كل حال.

(ويؤخذ حر) من كل من الأبوين وإن علوا إذا قتلا ولدهما أو ولد ولدهما

(بالدية).

قال ابن قندس في، حواشي المحرر" عند قوله: ولا يقتل الأبوان وإن علوا

بالولد وإن سفل: لكن تجب دية الولد على الوالد كما تجب على الأجنبي لقولهم

في الدية: كل من أتلف إنسان فعليه ديته فيدخل فيه الولد.

وقد ذكر الخرقي دية الجنين: إذا شربت المرأة دواء فأسقطت جنينها [أن

عليها غرة لا ترث منها شيئا. وهذا صريح في إيجاب الديه على الوالد بقتل الولد

في الجملة]

(3)

. ثم وجدت نصا بوجوب الدية، فقال في" الاختيارات" في باب

الهبة: ولو قتل ابنه عمدا لزمته الدية في ماله. ونص عليه الإمام أحمد. وكذا لو

جنى على طرفه لزمته ديته. انتهى.

وقال في" شرح المقنع" رادا على أكثر الأصحاب القائلين بتغليظ الديه

بالحرم والإحرام والأشهر الحرم: " ولأن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه لم يزد على مائة "

(4)

. انتهى.

(1)

في ب: ذكرناه.

(2)

سبق تخريجه في الحديث السابق.

(3)

ساقط من ب.

(4)

عن عمرو بن شعيب " أن أبا قتادة، رجل من بني مدلج قتل ابنه، فأخذ منه عمر مائة من الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة. فقال: أين أخو المقتول؛ سمعت رسول الله صصص يقول: ليس لقاتل ميراث ".

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2646) 2: 884 كتاب الديات، باب القاتل لا يرث.

ص: 256

(ومتى ورث قاتل أو ولده) أي: ولد القاتل (بعض دمه) أي: دم المقتول

بوجود واسطة بين القاتل والمقتول: (فلا قود)؛ لأن القصاص لا يتبعض.

إذا تقرر هذا (قلو قتل) إنسان (زوجته فورثها ولدهما) أي: ولده منها

سقط القصاص؛ لأنه لو وجب لوجب لولده، ولا يجب للولد قصاص على

أبيه، لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه قصاص. فلئلا يجب عليه له قصاص

بالجناية على غيره أولى.

وسواء كان الولد ذكرا أو انثى، أو كان للمقتول ولد سواه أو من شاركه في

الميراث أو لم يكن، لأنه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه ولا يمكن وجوبه،

وإذا لم يثبت بعضه سقط كله، لأنه لا يتبعض، وصاركما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن نصيبه.

(أو قتل اخاها) أي: أخا زوجته (فورثته، ثم ماتت) زوجته (فورثها

القاتل، أو) ورثها (ولده: سقط) القصاص، وسواء كان لها ولد من غيره

أولا؛ لسقوط القصاص فيما ورثه ولده منها فيسقط جمعه. أشبه ما لو عفا

بعض أولياء مقتول عن القود. وكذا لو قتلت المراة أخا زوجها فصار القصاص أو جزء منه لها أو لولدها، سواء صار إليه ابتداء أو انتقل إليه من ابنه أو من غيره. (ومن قتل أباه أو) قتل (أخاه، فورثه أخواه، ثم قتل أحدهما) أي: أحد

الأخوين (صاحبه: سقط القود عن) القاتل (الأولى؛ لأنه ورث بعض دم

نفسه).

ولو قتل إنسان أخاه فورثه ابن القاتل، أو ورث القاتل أحدا يرث ابنه شيئا

سقط القصاص؛ لما ذكرنا.

(وإن قتل أحد ابنين أباه وهو زوج لأمه) أي: أم القاتل، (ثم) قتل الابن

(الآخر أمه، فلا قود على قاتل أبيه) من الابنين المذكورين؛ (لإرثه ثمن أمه.

وعليه سبعة أثمان ديته) أي: ديه أبيه (لأخيه. وله) أي: ولقاتل أبيه (قتله)

أي: قتل أخيه بأمه (ويرثه)؛ لأن القتل قصاص لا يمنع، الميراث.

ص: 257

ومحل ذلك: حيب لم يكن من يحجبه عن ميراثه.

وإن عفا عنه إلى الدية وجبت وتقاصا بما بينهما، وما فضل لأحدهما فهو

على أخيه.

(وعليهما) أي: على القاتلين (مع عدم زوجيه) أي: عدم كون أبيهما

زوجا لأمهما (القود) لأخيه، لأن كل واحد منهما ورث الذي قتله أخوه وحده

دون قاتله. ولو بادر أحدهما فقتل أخاه فقد استوفى حقه وسقط القصاص عنه،

لأنه يرث أخاه لكونه قتلا بحق فلا يمنع الميراث، إلا أن يكون للمقتول ابن وإن

سفل يحجب القاتل فيكون له قتل عمه ويرثه إن لم يكن له وارث سواه.

(ومن قتل من) أي: إنسانا (لا يعرف) بإسلام ولا حرية، (أو) إنسانا

(ملفوفا) لا يعرف هل هو حي أو ميت، (وادعى) القاتل (كفره) أي: كفر

من لم يعرف، (أو) ادعى (رقه) وأنكر وليه] فالقول قول الولي بيمينه]

(1)

،

لأنه محكوم بإسلامه بالدار، ولهذا يحكم بإسلامه بالدار.

ولأن الأصل الحرية والرق طارئ.

(أو) ادعى قاتل (موته) أي: موت الملفوف (وأنكر وليه) فالقول قول

الولي بيمينه، لأن الأصل الحياة.

(أو) قتل إنسان (شخصا في داره) أي: دار القاتل، (وادعى) القاتل

(أنه دخل) داره (لقتله، أو أخذ ماله فقتله دفعا عن نفسه، وأنكر وليه) ذلك.

فالقول قول الولي بيمينه ووجب القصاص ما لم يأت ببينة تشهد بدعواه، لما روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال:" إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته "

(2)

.

ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يثبت بمجرد الدعوى.

فأما إن اعترف الولي بذلك فلا قصاص عليه ولا دية " لما روي عن عمر

(1)

ساقط من ب.

(2)

أخرجه البيهقي. في"السنن الكبرى" 8: 337 كتاب الأشربه، باب الرجل يجد مع امرأته الرجل فيقتله.

ص: 258

رضي الله تعالى عنه " أنه كان يوما يتغدى إذ جاء رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم ووراءه قوم يعدون خلفه. فجاء حتى جلس مع عمر. فجاء الآخرون.

فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن هذا قتل صاحبنا. فقال له عمر: ما تقول؟

قال

(1)

: يا أمير المؤمنين! إنى ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد

قتلته. فقال عمر: ما تقولون؛ قالوا: يا أمير المؤمنين! إنه ضرب بالسيف

فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه ".

رواه سعيد في " سننه ".

(أو تجارح اثنان، وادعى كل) من المتجارحين (الدفع عن نفسه:

فالقود) أي: فعلى كل واحد منهما للآخر القود إن وجب، (أو الدية، ويصدق

منكر) منهما (بيمينه)، لأن الأصل عدم ما يدعيه الآخر.

(ومتى صدق الولي) من ادعى شيئا من ذلك فيما يدعيه: (فلا قود ولا

دية) " لأن الخصم اعترف بما يبيح قتله. فسقط حقه، كما لو أقر بقتله قصاصا

أو في حد يوجب قتله.

(وإن اجتمع قوم بمحل) أي: مكان، (فقتل) بعض منهم بعضا،

(وجرح بعض) منهم (بعضا، وجهل الحال) أي: حال المقتولين

والمجروحين: (فعلى عاقلة المجروحين دية القتلى) منهم، (يسقط منها)

أي: من الدية (أرش الجراح).

نقل أبو الصقر وحنبل عن أحمد في قوم اجتمعوا بدار فجرح وقتل بعضهم

بعضا وجهل الحال: أن على عاقلة المجروحين دية القتلى، يسقط منها أرش

الجراح.

قال أحمد: حدثنا إبراهيم حدثنا الشيبانى عن الشعبي قال: " أشهد على

علي أنه قضى به ".

قال في " الفروع ": وهل على من ليس به جرح من دية القتلى شيء؟ فيه

(1)

ساقط من ب.

ص: 259

وجهان. قاله ابن حامد. انتهى.

قال في " تصحيح الفروع ": أحدهما: يشاركونهم. اخترته في " التصحيح

الكبير".

والوجه الثاني: لا دية عليهم. وهو ظاهر كلام جماعة من الأصحاب. انتهى.

(ومن ادعى على آخر أنه قتل مورثه، فقال: إنما قتله زيد، فصدق زيد)

بأن قال زيد: صدق أنا قتلته: (أخذ) زيد (به).

نقل مهنا عن أحمد فيمن ادعى على رجل أنه قتل أخاه فقدمه إلى السلطان،

فقال: إنما قتله فلان، فقال فلان: صدق أنا قتلته. فإن هذا المقر بالقتل يؤخذ

به

(1)

. قال مهنا: قلت: أليس قد ادعى على الأول؟ قال: إنما هذا بالظن،

فأعدت عليه فقال: يؤخذ الذى أقر أنه قتله. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

ساقط من أ.

ص: 260

[باب: استيفاء القصاص]

هذا (باب استيفاء القصاص. وهو) أى: والقصاص: (فعل مجني عليه

أو وليه بجان، مثل فعله) أي: مثل فعل الجانى (أو شبهه) أي: شيبه. فعل

الجانى.

(وشروطه) أي: شروط استيفاء القصاص (ثلاثة:

أحدها: تكليف مستحق) على الأصح. (ومع صغره) أي: صغر

المستحق للقصاص (أو جنونه، يحبس جان لبلوغ) إن كان المستحق صغيرا،

(أو) إلى (إفاقة) إن كان المستحق مجنونا؛ كصغير أومجنون قتلت أمه

وليست زوجة لأبيه؛ "لأن معاوية حبس هدبة بن حشرم في قصاص حتى بلغ

ابن القتيل ". وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر فكان كالإجماع.

و" بذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص لابن القتيل! سبع ديات فلم

يقبلها).

ولأن في تخليته تضييعا للحق؛ لأنه لا يؤمن هربه.

والفرق بينه وبين المعسر: أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار فلا يحبس

بما لا يجب، والقصاص هنا واجب وإنما تعذر المستوقى.

والثانى: أن المعسر إذا حبسناه تعذر الكسب؛ لقضاء دينه. فحبسه ضرر

من الجانبين وهنا الحق هو نفسه فيفوت بالتخلة.

والثالث: أنه هنا قد استحق تفويت نفسه اللازم منه تفويت نفعه. فإذا تعذر

تفويت نفعه لإمكانة.

(و) على هذا (لا يملك استيفاءه لهما) أي: للصيي والمجنون (أب)

كما لا يملكه عشر الأب؛ (كوصى وحاكم)؛ لأن القصاص إنما ثبت لولي

ص: 261

الدم، لما فيه من التشفي والانتقام، وذلك لا يحصل له باستيفاء غيره، كما لو

قتله أجنبي.

(فإن احتاجا) أي: الصبي والمجنون (لنفقة: فلولي مجنون لا) ولي

(صغير العفو إلى الدية) في الأصح، لأن المجنون ليست له حالة معتادة ينتظر

فيها لإفاقته ورجوع عقله. بخلاف الصغير.

وعلم مما تقدم أنهما إن لم يحتاجا إلى نفقة لم يكن لوليهما العفو على مال

في الأصح.

(وإن قتلا) أي: الصبي والمجنون (قاتل مورثهما، أو قطعا قاطعهما

قهرا) أي: من غير إذن من الجانى: (سقط حقهما) في الأصح، لأنه استيفاء

لما وجب لهما. قأسقط حقهما، كما لو كان في يده مال لهما فأخذاه منه قهرا

فأتلفاه، و (كما لو اقتصا ممن لاتحمل العاقلة ديته) كالعبد، فإنه يسقط

حقهما وجها واحدا، لأنه لا يمكن إيجاب ديته على العاقلة. فلم يكن إلا

سقوطه.

الشرط (الثاني) من شروط استيفاء القصاص: (اتفاق المشتركين فيه)

أي: في القصاص (على استيفائه) فليس لبعضهم الاستيفاء دون بعض، لأنه

يكون مستوفيا لحق غيره بغير إذنه ولا ولاية له عليه. فأشبه الدين.

(وينتظر قدوم) حر (غائب، وبلوغ) أي: بلوغ وارث صغير، (وإفاقة)

أي: إفاقه وارث مضون في الأصح، لأنهم شركاء في القصاص.

ولأنه قصاص غير متحتم ثبت لجماعة معينين. فلم يجز لأحدهم الاستقلال

به، كما لو كان لحاضر وغائب.

ولأنه أحد بدلي النفس.

(فلا ينفرد به بعضهم، كدية) أى: كما أنهم شركاء في الدية إذا وجبت،

(و) كـ (قن مشترك. بخلاف) قتل بـ (محاربة، لتحتمه) أي: تحتم قتله،

(و) بخلاف (حد قذف، لوجوبه لكل واحد) من الورثة إذا طلبه (كاملا).

ص: 262

ولا ينتظر بقصاص من قتل من لا وارث له؛ لأنه ثبت لغير معينين.

ولأن استيفاء الإمام [بحكم الولاية لا]

(1)

بحكم الإرث.

قال الأصحاب: وإنما قتل الحسن ابن ملجم حدا لكفره؛ لأن من اعتقد

إباحة ما حرم الله سبحانه وتعالى كافر.

وقيل: لسعيه بالفساد في الأرض، ولذلك لم ينتظر الحسن قدوم غائب من

الورثة.

(ومن مات) من ورثة المقتول: (فوارثه) أي: وارث من مات (كهو)

أي: كمورثه. فيملك ما كان يملكه مورثه؛ لأنه حق للميت. فانتقل بموته إلى

وارثه؛ كسائر حقوقه.

(ومتى انفرد به) أي: بالقصاص (من منع) من الانفراد به: (عزر فقط)

يعني: لم يكن عليه إلا التعزير في الأصح؛ لافتياته بانفراده، ولم يكن عليه

قصاص؛ لأنه شريك في الاستحقاق. وإنما منع من استيفاء حقه؛ لعسر

التجزئ. فإذا استوفى وقع نصيبه قصاصا، وبقيت الجناية على بعض النفس.

فيتعذر فيه القصاص؛ لامتناع المماثلة فوجب سقوطه لذلك.

(ولشريك) أي: شريك المقتص (في تركة جان حقه) أي: حق الشريك

الذي لم يقتص (من الدية) بقسطه منها في الأصح.

فعلى هذا لو كان الجاني أقل دية من قاتله مثل: امرأة قتلت رجلا له ابنان

(2)

قتلها أحدهما بغير إذن الاخر فلمن لم يأذن نصف دية أبيه في تركة المرأة التي

قتلته.

(ويرجع وارث جان) أي: وارث المرأة (على مقتص) منها (بما فوق

حقه) وهو نصف ديتها فيما مثلها

(3)

.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في أ: اثنان.

(3)

في أوب: مثلنا

ص: 263

(وإن عفا بعضهم) أي: بعض مستحق القصاص (ولو) كان العافي

(زوجا أو زوجة، أو شهد) بعض مستحق القصاص (ولو مع فسقه بعفو

شريكه: سقط القود).

أما سقوطه بعفو

(1)

بعضهم؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " فأهله بين خيرتين"

(2)

.

وهذا عام في جميع أهله.

والمرأة ولو كانت زوجة من أهله بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من يعذرنى من

رجل بلغنى أذاه في أهلي. وما علمت على أهلي إلا خيرا. ولقد ذكروا أن رجلا

ما علمت به

(3)

إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي، يريد عائشة. وقال

له أسامة: يا رسول الله! أهلك ولا نعلم إلا خيرا "

(4)

.

وروى زيد بن وهب: " أن عمر أتى برجل قتل قتيلا. فجاء ورثة المقتول

بيقتلوه فقال امرأة المقتول وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي. فقال

عمر: الله أكبر! عتق القتيل ". رواه أبو داود.

وفي رواية عن زيد قال: " دخل رجل على امرأته فوجد عندها

(5)

رجلا

فقتلها. فقال بعض إخوتها: قد تصدقت. فقضى لسائرهم بالدية "

(6)

.

وأما سقوطه بشهادة بعضهم على شريكه بالعفو؛ فلكونه إقرار بأن نصيبه

سقط من القود. وحيث ثبت أن القصاص حق مشترك بين الورثة لا يتبعض مبناه على الدرء والإسقاط. فماذا أسقط بعضهم حقه سرى إلى الباقي كالعتيق.

(1)

ساقط من أ.

(2)

أخرجه ابو داود في " سننه "(4504) 4: 172 كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (1406) 4: 21 كتاب الديات، باب ما جاء في حكم ولي القتيل في القصاص والعفو.

(3)

في ب: عليه.

(4)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(3910) 4: 1517 كتاب المغازي، باب حديث الافك.

(5)

في ج: معها.

(6)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 58 كتاب الجنايات، باب عفو بعض الأولياء عن القصاص دون بعض.

ص: 264

(ولمن لم يعف) من الورثة (حقه من الدية على جان)، سواء عفا شريكه

مطلقا أو إلى الدية؛ وذلك لأن حقه من القصاص سقط بغير رضاه. فثبت

(1)

له

البدل؛ كما لو ورث القاتل بعض دمه.

(ثم إن قتله عاف: قتل ولو ادعى نسيانه) أي: نسيان عفوه (أو جوازه)

أي: جواز القصاص بعد العفو، وسواء عفا مطلقا أو إلى مال؛ لقوله سبحانه

وتعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178].

قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة في تفسيرها: أي بعد أخذه الدية.

ولأنه قتل معصوما مكافئا. فوجب عليه القصاص؛ كما لو لم يكن قتل.

(وكذا شريك) أي: وكذا لو قتل الجانى شريك العافي (عالم بالعفو)

أي: بعفو شريكه، (و) علم بـ (سقوط القود به) أي: بعفو شريكه، وسواء

حكم بعفو شريكه حاكم أو لا إذا قتل من عفا عنه شريكه؛ وذلك لأنه قتل

معصوما مكافئا له عمدا يعلم أنه لا حق له فيه. فوجب القصاص؛ كما لو حكم

بالعفو حاكم.

والاختلاف لا يسقط القصاص فإنه لو قتل مسلما بكافر قتلناه به مع الاختلاف

في قتله. فأما إن قتله قبل العلم فلا قصاص عليه؛ لأنه معتقد ثبوت حقه فيه،

مع أن الأصل بقاؤه. فلم يلزمه قصاص؛ كالوكيل إذا قتل بعد عفو الموكل قبل

علمه بعفوه.

(وإلا) أي: وإن لم يعلم يعفو شريكه وبسقوط القود به: (وداه) أي:

أدى ديته؛ لأنه قتل بغير حق. فوجب ضمانه؛ كسائر الخطاً شبه العمد.

(ويستحق كل وارث) من ورثة المقتول (القود بقدر إرثه من مال) أى: من

مال المقتول لو ترك مالا. يعني: أن كل من ورث المال ورث من القود على

ميراثه من المال حتى الزوجين وذوي الأرحام؛ لأن القصاص حق ثبت للوارث

على سبيل الإرب. فوجب له بقدر ميراثه من المال.

(1)

في ب: فيثبت.

ص: 265

(وينتقل) حق القود (من مورثه) الذي هو المقتول (إليه) أي: إلى وارثه

على الأصح، لأن القود بدل عن نفس المقتول كالدية. وقد تقدم في الوصايا

صحة إيصائه بديته، وأنه يقضى منها ديونه، كسائر ماله.

(ومن لا وارث له) من المقتولين: (فالإمام وليه) أي: ولي الجناية

عليه، لأنه ولي من لا ولي، (له) إن رأى المصلحة في القصاص (أن

يقتص)، لأن عليه أن يفعل ما يرى فيه المصلحة للمسلمين، لأنه وكيلهم، (أو

يعفو إلى مال) أي: إلى الدية، (لا) على أقل من الدية، لأن الدية حق ثابت

للمسلمين فلم يكن له ترك شيء منه، كما لا يجوز له أن يعفو (مجانا)، لأن

كلا من ذلك لا حظ للمسلمين فيه.

الشرط (الثالث) من شروط استيفاء القصاص: (أن يؤمن في استيفاء)

للقود (تعديه) أي: أن يتعدى الاستيفاء (إلى غير جان)؛ لقول الله سبحانه

وتعالى: {فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33].

إذا تقرر هذا (فلو لزم القود حاملا، أو) لزم (حائلا فحملت: لم تقتل

حتى تضع) حملها، لأن قتل الحامل إسراف في القتل، لأنه. يتعدى إلى

الجنين. فلا تقتل حتى تضعه (وتسقيه اللبأ)، لأن الولد يضره ترك ذلك.

ولأنه في الغالب لا يعيش إلا به.

وقد روى ابن ماجه بإسناده عن عبدالرحمن بن غنم قال: حدثنا معاذ بن

جبل وأبو عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس رضي الله تعالى

عنهم قالوا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها أن كانت حاملا وحتى تكفل ولدها. وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها "

(1)

. وهذا نص.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعامرية المقرة بالزنا: " ارجعي حتى تضعي ما في

بطنك، ثم قال لها: ارجعي حتى ترضعيه "

(2)

.

(1)

أخرجه ابن ماجه في"سننه "(2694) 2: 898 كتاب الديات، باب الحامل يجب عليها القود.

(2)

أخرجه مسلم في"صحيحه "(1695) 3: 1321 كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى.

ص: 266

(ثم إن وجد من يرضعه) أي: يرضع ولدها بعد أن تسقيه اللبأ أعطي لمن

يرضعه؛ لأن غيرها يقوم مقامها في إرضاع الولد وتربيته فلم ييق في ترك استيفاء القود منها ضرورة.

(وإلا) أي: وإن لم يوجد من يرضعه: (فـ) إنها تترك (حتى تفطمه

لحولين)؛ لما ذكرنا في الخبرين.

ولأنه لما أخر الاستيفاء لحفظه وهو حمل. فلأن يؤخر لحفظه بعد وضعه

أولى.

(وكذا حد برجم)؛ لما تقدم في الحديث.

ولأن الحد بالرجم في معنى القصاص في النفس.

(وتقاد في طرف، وتحد بجلد بمجرد وضع) يعني: أن الحامل متى وجب

عليها قصاص في طرف؛ كقطع يد أو رجل، أو وجب عليها حد بجلد؛ كما لو

زنت وهي غير محصنة، أو وجب عليها جلد في حد قذف فإنه يستوفى منها

بمجرد وضع حملها في الأصح.

قال في"الإنصاف ": ولا يقتص منها في الطرف حال حملها بلا نزاع.

والصحيح من المذهب: أنه يقتص منها بالوضع. انتهى.

وعبارته

(1)

في " الفروع ": وتقاد في طرفها بالوضع.

وفي " المغني ": وسقي اللبأ.

وفي "المستوعب" وغيره: ويفرغ نفاسها.

وفي " البلغة ": وهي فيه كمريض، وأنه إن تأثر لبنها بالجلد ولا مرض

آخر. والحد في ذلك كالقود. انتهى.

(ومتى ادعته) أي: ادعت المراة التي وجب عليها قود حملا، (وأمكن)

بأن كان لها زوج أو سيد يطأها: (قبل) قولها؛ لأن الحمل أمر لا يعلم إلا من

(1)

في ا: وعبارتها.

ص: 267

جهتها وخاصة في ابتداء الحمل. فوجب قبول قولها؛ لأنه لا يؤمن الخطر

بتكذيبها، إذ من المحتمل أن تكون صادقة فيتعدى الضرر إلى حملها،

(وحبست لقود) فقط (ولو مع غيبة ولي مقتول) في الأصح؛ لأنا متى لم

نحبسها جاز أن تهرب فلا يمكن استيفاء الحق منها. (بخلاف حبس في مال

غائب)؛ لما في استيفاء القصاص من التشفي. بخلاف استيفاء المال، (لا

لحد). قاله في" الترغيب ".

يعني: أنه

(1)

متى وجب على امرأه حد فادعت حملا تركت حتى يتبين أمرها

من غيرحبس. وهذا مع كون الحد لله سبحانه وتعالى؛ كالزنا وشرب الخمر

ظاهر؛ لأن الحد ليس لآدمي يخشى فوته عليه.

وأما إذا كان الحد لآدمى؛ كحد القذف فيتوجه حبسها؛ كحبسها للقود،

(حتى يتبين أمرها) من كونها حائلا أو حاملا فيعمل بمقتضى ما يتبين.

(ومن اقتص من حامل) في نفس أو في طرف فأجهضت جنينها: (ضمن)

المقتص (جنينها) في الأصح، سواء علم الحمل دون السلطان أو علمه مع

السلطان؛ لأنه جنى عليه بالقصاص من أمه حالة الحمل. فضمنه؛ كما لو

ضرب بطنها فألقته ميتا.

ولأن المقتص هو المباشر لتلف الجنين والسبب هنا غير ملجئ. فكان

الضمان عليه؛ كالدافع مع الحافر.

(1)

ساقط من ب.

ص: 268

[فصل: في حضور الإمام القصاص]

(فصل. ويحرم استيفاء قود بلا حضرة سلطان أو نائبه) في الأصح؛ لأنه

أمر يفتقر إلى اجتهاد. ويحرم الحيف فيه

(1)

ولا يؤمن مع قصد المقتص التشفي بالقصاص.

(وله) أي: للإمام (تعزير مخالف) أي: من اقتص بغير حضور الإمام أو

نئبه؛ لافتياته بفعل ما منع من فعله، (ويقع) القصاص (الموقع)؛ لأن

المقتص استوفى حقه.

(وعليه) أي: على الإمام أو نائبه (تفقد آله استيفاء) أي: استيفاء القود؛

(ليمنع منه) أي: من القصاص (بـ) آلة (كآلة)؛ لحرمته بالآلة الكالة؛

لقول الله سبحانه وتعالى: {فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ} [الاسراء: 33].

والاستيفاء بالألة الكالة: إسراف في القتل؛ لأن فيه تعذيبا للمقتول وذلك

زيادة على القتل فيمنع منه.

(وينظر) السلطان أو نائبه (في الولي، فإن كان يقدر على استيفاء) لما

وجب له من القصاص (ويحسنه: مكنه منه)؛ لقول الله سبحانه وتعالي: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ} [الاسراء: 33].

ولقوله صلى الله عليه وسلم: " من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين أن أحبوا قتلوا وإن أحبوا

أخذوا الديه "

(2)

.

ولأنه حق للولي متميز. فكان له. استيفاؤه بنفسه إذا أمكنه؛ كسائر

الحقوق.

(1)

في أ: منه.

(2)

سبق تخريجه ص (264) رقم (2).

ص: 269

(ويخير) الولي الذي يحسن الاستيفاء (بين أن يباشر) الاستيفاء (ولو في

طرف) بنفسه، (وبين أن يوكل) من يباشره.

(وإلا) أي: وإن لم يكن الولي [يحسن الاستيفاء بنفسه: (أمر) أي:

أمره السلطان أو نائبه (أن يوكل) في الاستيفاء؛ لأنه عاجز عن مباشرة استيفاء

حقه فيوكل من]

(1)

يحسن استيفاؤه.

ومتى ادعى الولي أنه يحسن الاستيفاء فأمكنه السلطان منه فضرب عنقه فقد

استوفى حقه. وإن أصاب غير العنق وأقر بتعمد ذلك عزر، ومنع أن أراد

العود.

وأن قال: أخطأت وكانت الضربة قريبة من العنق قبل قوله؛ لجواز الخطأ

في مثل ذلك. وإن كانت الضربة بعيدة من العنق ككونها نازلة عن المنكب: لم

يقبل قوله.

(وإن احتاج) الوكيل (لأجرة: فمن) مال (جان) في الأصح؛ (كـ) أجرة

مستوفي (حد)؛ لأن ذلك أجرة لإيفاء الحق الذي عليه. فكانت عليه؛ كأجرة

كيال مكيل باعه.

(ومن له وليان فأكثر) وكل منهما يحسن الاستيفاء (وأراد كل) من الوليين

(مباشرته) أي: مباشرة استيفاء القصاص بنفسه: (قدم واحد) منهما أو منهم

(بقرعة)؛ لأن الحقوق إذا تساوت وعدم الترجيح صرنا إلى القرعة، (ووكله

من بقي). ولا يجوز الاستيفاء بغير إذنهم؛ لأن الحق لهم في ذلك، فإن لم

يتفقوا على توكيل واحد منهم منعوا من الاستيفاء حتى يوكلوا.

(ويجوز اقتصاص جان من نفسه برضى ولي) أي: ولي الجناية في

الأصح؛ لأنه متى جاز للولي أن يوكل غيره في استيفاء القصاص جاز أن يوكل الجانى في استيفاءالقصاص من نفسه.

(لا قطع نفسه في سرقة) يعني: أنه لا يجوز للسلطأن ولا لوليه أن يأذن

(1)

ساقط من أ.

ص: 270

للسارق في قطع يد نفسه أو رجل نفسه في حد السرقة؛ لفوات ردع السارق بقطع غيره.

(ويسقط) يعني: ويقع الموقع بفعل ذلك في الأصح. (بخلافف حد)

جلد في (زنا، أو) حد (قذف بإذن) من حاكم في حد زنا، أو من مقذوف في

حد قذف. يعني: فإنه لا يقع الموقع في الأصح؛ لما بينهما من الفرق لحصول المقصود في القطع في السرقة وهو قطع العضو الواجب قطعه، وعدم حصول

الردع والزجر بجلده نفسه.

(وله) أي: ولمن يختن (ختن نفسه: أن قوي) على ذلك (وأحسنه).

نص عليه؛ لأنه يسير.

(ويحرم أن يستوفى) قصاص (في نفس إلا بسيف) في العنق على الأصح؛

لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا قود إلا بالسيف "

(1)

. رواه ابن ماجه.

ولأن القصد من القصاص في النفس تعطيل الكل وإتلاف الجملة وقد أمكن

هذا بضرب العنق. فلا يجوز تعذيبه بإتلاف أطرافه؛ كما لو قتله بسيف كال،

و (كما لو قتله بـ) فعل (محرم في نفسه؛ كلواط، وتجريع خمر)، وكما لو

استمر الجانى بضرب المقتول بالسيف حتى مات؛ لأنه قاتل قبل استقرار

الجرح. فدخل أرش الجرح في أرش النفس؛ كما لو سرت الجراحة إلى

النفس.

(و) يحرم أن يستوفى القصاص (في طرف إلا بسكين ونحوها) من آلة

صغيرة؛ (لئلا يحيف) عند الاستيفاء.

(ومن قطع طرف شخص، ثم قتله قبل برئه: دخل قود طرفه في قود نفسه،

وكفى قتله) على الأصح.

قال في"الترغيب ": فائدته أي: فائدة الخلاف: لو عفا عن النفس سقط

القود في الطرف؛ لأن قطيع السراية كاندماله.

(1)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2667) 2: 889 كتاب الديات، باب لا قود إلا بالسيف.

ص: 271

(ومن فعل به) أي: بجان (ولي) أي: ولي جناية (كفعله) أي: كفعل

جان بالمقتول: (لم يضمنه) الولي بشيء، وإن قلنا لا يجوز للولي ذلك، لأنه

إساءة في الاقتصاص. فلم يوجب شيئا، كما لو قتله بآلة كالة.

(فلو عفا) الولي إلى الديه (وقد قطع) من الجاني (ما فيه دون دية)، كما

لو قطع يده أو قطع رجله: (فله) أي: فلولي الجناية (تمامها) أي: تمام

الديه. (وأن كان فيه) أي: فيما قطعه الولي من الجانى (دية) كاملة، كما لو

قطع ذكره أو أنفه: (فلا شيء له)، لأنه لم يبق له شيء. (وإن كان فيه) أي:

فيما قطع الولي من الجاني (أكثر) من دية، كما لو قطع أربعته وكان قد فعل

بالمجني عليه مثل ذلك تم عفا: (فلاشيء عليه) فما زاد على الدية.

(وإن زاد) الولي على ما فعله الجاني (أو. تعدى) الولي (بقطع طرفه)

أي: طرف الجانى: (فلا قود) على الولي في ذلك، لأنه لما استحق قتله في

الجناية صار ذلك شبهة في إسقاط القود عنه، (ويضمنه) أي: يضمن ما زاد

على ما فعله الجانى أو تعدى بقطعه من الجاني (بديته، عفا عنه) أي: عفا

الولي عن الجانى بعد ذلك (أؤ لا) يعني: أو لم يعف، لأن ذلك جناية عمد

عدوانا فأوجب الضمان على الجانى. وكان القياس أن تضمن بالقود، لكن لما

درأته الشبهة وجب المال وهو الدية؛ لئلا تذهب جنايته مجانا.

(وإن كان) الجاني (قطع يده) أي: يد المقتول، (فقطع) الولي

(رجله) أي: رجل الجاني: (فعليه) أي: على الولي للجانى (دية رجله)

في الأصح، لما تقدم.

(وإن ظن ولي دم أنه اقتص في النفس، فلم يكن، وداواه أهله حتى برأ فإن

شاء الولي: دفع إليه دية فعله) الذي فعله به (وقتله، وإلا) أي: وإن لم يشاً

الولي ذلك: (تركه) يعنى: لم يتعرض له.

قال في" الفروع ". هذا رأي عمر وعلي ويعلي بن أمية. ذكره أحمد. انتهى.

ص: 272

[فصل: إذا جنى أكثر من جناية]

(فصل. ومن قتل) عددا، (أو قطع عددا) يعني: اثنين فأكثر (في

وقت) واحد، (أو) في (أكثر) من وقت، (فرضي أولياء كل) من القتلى

(بقتله، أو) رضي (المقطوعون) أي: كل ممن قطع (بقطعه) فاقتص منه ما

رضوا به من قتل أو قطع: (اكتفي به) لجميعهم؛ لأن الجانى واحد ولا يمكن

توزيعه على الجنايات. فوجب أن يكتفى بذلك لجميعهم.

(وإن طلب ولي كل)

(1)

للمقتولين أو كل مقطوع (قتله) أو قطعه (على

الكمال) يعني: أن يكون القصاص له دون غيره، (و) كانت (جنايته) على

الجميع (في وقت) واحد: (أقرع) بينهم، فمن خرجت له القرعة أقيد له،

لأنهم تساووا في حق لا يمكن توزيعه عليهم. فوجب تعيين المستحق بالقرعة.

(وإلا) أي: وإن لم تكن جنايته على الجميع في وقت واحد: (أقيد

للأول) أي: لمن جنى عليه أولا، لأن استحقاقه سبق غيره فوجب تقديمه

بذلك، (و) يكون (لمن بقى الدية)؛ لأن القصاص امتنع بفوته. فوجبت

الدية لهم، كما لو مات قبل القصاص، و (كما لو بادر غير ولي الأول) أو غير المقطوع أولا (واقتص)؛ لأن اقتصاصه يقع عما يستحقه، ويكون

(2)

؛ للباقين

الدية.

(وإن رضي ولي الأول بالدية: أعطيها)، لأن الخيرة بين القصاص والدية

إليه، (وقتل) الجانى أو قطع (لثان. وهلم) بتشديد الميم (جرا) بالجيم

وتشديد الراء. يعني: أنه متى رضي من جني عليه ثانيا بالديه أعطيها، وقتل أو

(1)

في ب: كل ولي

(2)

في ب: فيكون.

ص: 273

قطع لثالث. وهكذا إن زادوا على ثالث فأكثر؛ لأن له حقا مستقلا. فإذا أخذ

الدية من كان أحق منه بالقصاص صار القصاص له.

(وإن) كان الجانى (قتل) إنسانا (وقطع طرف آخر: قطع) لقطع

الطرف، (ثم قتل) بمن قتله (بعد اندمال)، سواء تقدم القتل أو تأخر؛ لأنهما

جنايتان على رجلين. فلم يتداخلا، كقطع يدي رجلين. فأما إن قطع يد رجل،

ثم قتل آخر، ثم سرى القتل إلى نفس المقطوع فمات فهو قاتل لهما. فإذا تشاحا

في المستوفي للقتل قتل بالذي قتله، لأن وجوب القتل عليه به أسبق، فإن القتل

بالذي قطعه إنما وجب عند السراية وهي متأخرة عن قتل الآخر.

(ولو قطع يد زيد، و) قطع (إصبع عمرو من يد نظيرتها) أي: نظير

(1)

يد

زيد الذي قطعها (وزيد) قطع يده (اسبق) من قطع إصبع عمرو: (قدم) قطع

يد الجانى لزيد، (ولعمرو دية إصبعه) " لئلا تذهب جنايته مجانا.

(ومع سبق) قطع إصبع (عمرو يقاد لإصبعه) أي: لإصبع عمرو، (ثم)

يقاد (ليد زيد بلا أرش) في الأصح، لأنه لا يجمع في عضو واحد بين القصاص

والدية كالنفس. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

في ب: نظيره.

ص: 274

[باب: العفو عن القصاص]

هذا (باب العفو عن القصاص). وقد أجمع المسلمون على جوازه.

(ويجب بعمد) أي: بالجناية عمدا وعدوانا (القود أو الدية. فيخير

الولي) أي: ولي الجناية (بينهما) أي: بين القود والدية على الأصح؛ لما

روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن

يفدا، وإما أن يقتل"

(1)

. رواه الجماعة إلا الترمذي.

وعن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أصيب

بدم أو خبل

(2)

- والخبل بالخاء المعجمة والباء الموحدة الجراح- فهو بالخيار بين

إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو. فإن أراد رابعة فخذوا

على يديه"

(3)

. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(112) 1: 53 كتاب العلم، باب كتابة العلم.

واخرجه أبو داود في " سننه "(4505) 4: 172 كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1405) 4: 21 كتاب الديات، باب ما جاء في حكم ولي القتيل في القصاص والعفو.

وأخرجه النسانى في " سننه "(4786) 8: 38 كتاب القسأمة، هل يؤخذ من قاتل العمد الدية إذا عفا ولي المقتول عن القود.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2624) 2: 876 كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(1 724) 2: 238.

(2)

في ج: بخبل.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4496) 4: 169 كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم.

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2623) 2: 876 كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(16413) 4: 32

ص: 275

ولأن الدية إحدى بدلي النفس، بدليل أنها تجب عينا في كل موضع لا يمكن

القصاص فيه. فكانت إحدى موجبى العمد لذلك.

(وعفوه) أي: عفو ولي الجناية (مجانا) أي: من غير أن يأخذ شيئا

(أفضل)؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ] البقر ة: 237].

ولما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله

بها عزا "

(1)

. رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه.

وعن أنس قال: " ما رفع

(2)

إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو "

(3)

. رواه الخمسه إلا الترمذي.

(ثم لا تعزير على جان) بعد العفو في الأصح، لأنه إنما عليه حق واحد.

وقد سقط، كعفو عن دية قاتل خطأ. ذكره الموفق وغيره.

(فإن اختار) ولي الجناية (القود، أو عفا عن الدية فقط) يعني: دون

القصاص: (فله) بعد ذلك (أخذها، والصلح على أكثر منها) أي: من

الدية.

أما كونه يملك أخذ الدية إذا اختار القود؛ فلأن القصاص أعلا فإذا أختاره لم

يمتنع عليه الانتقال إلى الأدنى، وتكون الدية بدلا من القصاص.

وأما كونه إذا عفا عن الدية دون القصاص له أخذ الدية والصلح على أكثر

منها؛ فلأنه لم يعف مطلقا. وهذا في أصح الصورتين. وليست هذه الدية التي

(1)

أخرجه الترمذي في"جامعه "(2325) 4: 562 كتاب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعه نفر. وأخرجه اأحمد في " مسنده " (5 0 72) 2: 235 ولم أره في مسلم.

(2)

في الأصول: وقع. وما أثبتناه من السنن.

(3)

أخرجه أبو داود قي " سننه "(4497) 4: 169 كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم. وأخرجه النسائي في " سننه " (4784) 8: 37 كتاب القسامة، الامر بالعفو عن القصاص.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2692) 2: 898 كتاب الديات، باب العفو في القصاص.

وأخرجه أحمد في"مسنده "(13243) 3: 213

ص: 276

وجبت بالقتل؛ لأن القصاص إنما يقع باختياره له فلذلك يجوز له العفو إلى الدية. (وإن اختارها). ابتداء: (تعينت. فلو قتله) ولي الجناية (بعد) أي: بعد

اختياره الدية: (قتل به) على الأصح.

قال أحمد: إذا أخذ الدية فقد عفا عن الدم فإن قتله بعد أخذها قتل به.

أما كونه إذا اختار الدية سقط القود، فلأنه إذأ اختار أحد الشيئين المخير بينهما

تعين ولم يملك طلبه بغير ذلك؛ لأنه حق أسقطها باختيار ما هو أدنى منه. فلم

يملك الأعلى؛ كما في سائر حقوقه إذا أسقطها. ولهذا إذا قتله بعد ذلك قتل به.

(وإن عفا مطلفا) بأن لم يقيده بقصاص ولا ديه فله الدية، (أو) عفا (على

غير مال) فله الدية، (أو) عفا (عن القود مطلقا ولو) كان العفو (عن يده)

أي: يد الجانى أو رجله أو نحوهما في الصور الثلاث: (فله الدية) على

الأصح، لانصراف ذلك إلى القصاص دون الدية، لأن العفو عن القصاص هو المطلوب الأعظم في باب القود حيث المقصود منه التشفي. والانتقام لا يحصل

بالمال. فإذا وجد

(1)

لفظة: العفو وجب أن تنصرف إلى القود؛ لأنه في مقابلة

الانتقام، والانتقام إنما يكون بالقتل دون المال. وإذا انصرف العفو إلى القود

بقيت الدية على أصلها، لأنها ثبتت في كل موضع امتنع فيه القود.

(ولو هلك جان: تعينت) الدية (في ماله)، لأنه قد تعذر استيفاء القود منه

من غير إسقاط. فوجبت الدية في تركته، (كتعذره) أي: كتعذر استيفاء

القصاص ممن قطع طرفا ثم مات (في طرفه)، وكمن قتل عمدا غير كافئ له

فإن ديته تجب في مال القاتل. ومتى هلك الجانى ولم يخلف تركة ضاع حقه؛

لتعذر استيفائه.

(ومن قطع طرفا عمدا، كإصبع فعفى عنه) المجني عليه، (ثم سرت)

الجنايه (إلى عضو آخر، كـ) ما لو سرت إلى (بقية اليد، أو) سرت (إلى

النفس. و) كان (العفو على مال، أو) كان (على كير مال: فله) أي:

(1)

في ب: وجدت.

ص: 277

للمجني عليه (تمام دية ما سرت) الجناية (إليه) في الأصح، (ولو) كان ذلك

(مع موت جان). وذلك بأن تستثنى من دية ما سرت إليه الجناية أرش ما عفى

عنه؛ لأن حق المجني عليه فيما سرت إليه الجناية لا فيما عفا عنه.

(وإن ادعى) الجانى أو وارثه (عفوه) أي: عفو المجني عليه (عن قود

ومال، أو) ادعى الجانى عفو المجني عليه (عنها) أي: عن الجناية (وعن

سرايتها، فقال) المجني عليه في جواب دعوى الجانى العفو عن القود والمال:

(بل) عفوت (إلى مال، أو) قال في جواب دعوى الجانى أنه عفا عن الجناية

وعن سرايتها: بل عفوت عنها (دون سرايتها. فقول عاف) في ذلك

(بيمينه)، أو قول وليه إن كان الخلاف معه؛ لأن الأصل عدم العفو عن

الجميع. وقد ثبت العفو عن البعض بإقراره فيكون القول قوله في عدم العفو فيما

سواه.

(ومتى قتله) أي: قتل العافي (جان قبل برء) الجرج الذي جرحه (و)

كان (قد عفا) المجني عليه (على مال: ف) الواجب بقتله العافي (القود، أو

الدية كاملة) فيخير الولي بينهما على الأصح؛ لأن القتل انفرد عن القطع. فعفوه

عن القطع لا يمنع ما وجب بالقتل؛ كما لو كان القاطع غيره.

(ومن وكل) غيره (في) استيفاء (قود، ثم عفا) الموكل عن القود الذي

وكل فيه، (ولم يعلم وكيله) بعفوه (حتى اقتص: فلا شيء عليهما) أي:

لا على الوكيل ولا على الموكل في الأصح.

أما الوكيل؛ فلأنه لا تفريط منه فإن العفو حصل على وجه لا يمكن الوكيل

استدراكه. فلم يلزمه ضمان؛ كما لو عفا بعد ما رماه.

وأما الموكل؛ فلأن عفوه إحسان فيقتضي عدم وجوب الضمان؛ لقوله

سبحانه وتعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} [التوبة: 91].

(وإن عفا مجروح)، سواء كان جارحه (عمدا أو خطأ عن قود نفسه، أو

ديتها) أي: دية نفسه: (صح) عفوه على الأصح؛ (كـ) عفو (وارثه)؛

لأنه أسقط حقه بعد انعقاد سببه. فصح؛ كما لو أسقط الشفعة بعد بيع شريكه.

ص: 278

ولأن الجناية عليه. فصح عفوه عنها؛ كسائر حقوقه.

(فـ) يتفرع على صحة العفو (لو قال) المجروج: (عفوت عن هذا

الجرج، أو) قال: عفوت عن هذه (الضربة فلا شيء في سرايتها، ولو لم

يقل: وما يحدث منها) على الأصح؛ لأنه أسقط حقه من موجب الجناية،

والسراية تبع للجناية، والجناية لم يجب بها شيء. فلئلا يجب شيء بسرايتها

بطريق الأولى.

(كما لو قال: عفوت عن الجناية) فإنه لا يكون في سرايتها شيء رواية

واحدة. ولو قال: إنما أردت بالجناية الجراحة نفسها دون سرايتها؛ لأن

لفظة

(1)

الجناية تدخل فيها الجراحة وسرايتها؛ لأنها جراحة واحدة. (بخلاف

عفوه) أي: قوله: عفوت (على مال، أو) قوله: عفوت (عن قود فقط) فإنه

لا يبرأ من سراية ذلك الجرج أو تلك الضربة.

(ويصح قول مجروح) لجارحه: (أبراتك) من دمي، (وحللتك من

دمي، أو) أبرأتك من قتلي، وحللتك من (قتلي، أو وهبتك ذلك، ونحوه)؛

كجعلت دمي لك (معلقا بموته) فإذا مات من الجراحة فقد برئ منه؛ لأنه أبراه

من القود مطلقا.

(فلو عوفي بقي حقه) وهو إما القصاص أو الدية؛ لأن لفظه لم يتضمن

الجرح ولم يتعرض له، وإنما اقتضى موجب القتل لا غير فيبقى موجب الجرح

بحاله فله مطالبته به. وهذا (بخلاف: عفوت عنك، ونحوه)؛ كعفوت عن

جنايتك؛ لأن ذلك يتضمن الجناية وسرايتها.

(ولا يصح عفوه) أي: عفو المجني عليه (عن قود شجة لا قود فيها)؛

ككسر العظام؛ لأنه عفو عما لم يجب ولا انعقد سبب وجوبه. فكان باطلا؛

كما لو أبرأه من الدين قبل وجوبه. وإذا بطل العفو (فلوليه) أي: ولي القصاص

(مع سرايتها) أي: سراية الشجة (القود أو الدية)؛ كما لو لم يعف.

(1)

في ب: لفظ.

ص: 279

(وكل عفو صححناه من مجروج مجانا.، مما يوجب المال عينا، فإنه)

أي: العافي (إذا مات) العافي (يعتبر) ما عفا عنه (من الثلث) أي: ثلث

تركته. فإن خرج من ثلثه فقد نفذ وإلا كان له منه بقدر ما يخرج من الثلث؛

وذلك لأنه مال أبرأ منه بعد ثبوته في مرض اتصل به الموت. فاعتبر من الثلث؛ كما لو أبرأه من دينه.

(وينقض) العفو (للدين المستغرق) للتركة؛ لأن العفو ينزل منزلة الوصيه

وهي لا تثبت مع الدين المستغرق.

(وإن) كان الجرج مما (أوجب قودا: نفذ من أصل التركة، ولو لم تكن)

البراءه (سوى دمه). نص عليه؛ لأن المال لم يتعين له فإذا أسقطه لم يلزمه

إثبات المال كما لا يلزمه قبول الهبة والوصية.

(ومثله) أي: ومثل ذلك: (العفو عن قود بلا مال من محجور عليه

لسفه، أو) محجور عليه لى (فلس، أو من الورثة، مع دين مستغرق) في

الأصح؛ لأن المال لم يتعين.

قال في"الفروع ": ومن صح عفوه مجانا فإن أوجب الجرح مالا عينا

فكوصية، وإلا فمن رأس المال لا من ثلثه على الأصح؛ لأن الدية لم تتعين.

قال في"المغني": ولذلك صح عفو المفلس مجانا مع أنه هو في غير

موضع. وجماعة لم يصححوه إن قيل يجب أحد شيئين. انتهى.

(ومن قال لمن له عليه قود في نفس، أو) قود في (طرف: عفوت عن

جنايتك، أو) عفوت (عنك برئ من قود ودية)؛ لأن عفوه يتناولهما.

(وإن أبرئ) بالبناء للمفعول (قاتل من دية واجبة على عاقلته) أي: عاقلة

القاتل، (أو) أبرئ (قن من جناية يتعلق أرشها برقبته) أي: رقبة القن: (لم

يصح) الإبراء؛ لأن الإبراء وقع من حق على غير من أبراه. فلم يصح؛ كما لو

أبرأ عمرا من دين على زيد.

(وإن أبرئت) بالبناء للمفعول (عاقلته) أي: عاقلة القاتل من دية واجبة

عليها، (أو) أبرئ (سيده) أي: سيد العبد الجانى جناية يتعلق أرشها برقبته،

ص: 280

(أو قال) المجنى عليه: (عفوت عن هذه الجناية، ولم يسم المبرأ) بأن لم

يذكر القاتل ولا العاقلة، أو لم يذكر العبد ولا السيد:(صح) الإبراء؛

لانصرافه إلى من عليه الحق.

(وإن وجب لقن قود، أو) وجب له (تعزير قذف: فله) أي: فللقن

(طلبه، و) له (إسقاطه)؛ لأنه مختص به دون سيده؛ لأنه ليس بحق له ما دام

القن حيا، (فإن مات: فـ) إن الحق ينتقل (لسيده)؛ لكونه أحق به ممن ليس

له فيه ملك. وصح عفوه عنه.

ص: 281

[باب: ما يوجب القصاصر فيما دون النفس]

هذا (باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس). وهو معقود لأحكام القود

فيما ليس بقتل من الجراح وقطع الأعضاء ونحو ذلك. وذلك هو المذكور في

قوله سبحانه وتعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45]

فدل ذلك على أن كل واحد من هذه الأعضاء يؤخذ بمثله. وقد بينه صلى الله عليه وسلم منصصا عليه، فروى أنس" أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية. فطلبوا لها العفو. فأبوا. فعرض الأرش. فأبوا. فأتوا رسول الله صص فأبوا إلا القصاص. فأمر

رسول صلى الله عليه وسلم بالقصاص. فقال أنس بن النضر: يا رسول الله! تكسر ثنية الربيع

لا والذي بعثك نبيا، لا تكسر ثنيتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أنس! كتاب الله القصاص. فرضي القوم فعفو. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله لمن لو أقسم

على الله لأبره "

(1)

. رواه الجماعة إلا مسلما والترمذي.

فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كتاب الله في كسر السن القصاص، لأن حرمة النفس أقوى من حرمة الطرف، بدليل أن الكفارة تجب في النفس دون الطرف. وإذا

جرى القصاص في النفس مع تأكد حرمتها. فلأن يجري في الطرف أولى.

ويشترط لوجوب القصاص

(2)

فيما دون النفس الشروط المتقدمة في

القصاص في النفس، وإلى ذلك أشير بقوله:

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2556) 2: 961 كتاب الصلح، باب الصلح في الدية.

وأخرجه أبو دأود في " سننه "(4595) 4: 197 كتاب الديات، باب القصاص من السن.

وأخرجه النسائي في "سننه "(4757) 8: 27 كتاب القسأمة، القصاص من الثنية.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2649) 2: 884 كتاب الديات، باب القصاص في السن.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(12727) 3: 167

(2)

في ب: وبشترط للقصاص.

ص: 282

(من أخذ بغيره في نفس: أخذ به فيما دونها، ومن لا) يجري القصاص

بينهما في النفس: (فلا) يجري القصاص بينهما فيما دونها؛ كالأبوين مع

ابنهما، والحر مع العبد، والمسلم مع الكافر. فلا يقطع طرفه بطرفهم؛ لعدم

المكافأة. ويقطع كل من الحر المسلم والعبد والذمي بمثله. ويقطع الذكر

بالأنثى، والأنثى بالذكر، والناقص بالكامل؛ كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم؛

لأن من جرى القصاصر بينهما في النفس جرى في الطرف؛ كالحرين.

(وهو) أي: والقصاص فيما دون النفس يكون (في نوعين):

أحدهما: (أطراف، و) الآخر: (جر وح).

ويجب القصاصر في النوعين (بأربعة شروط:

أحدها) أي: أحد الشروط: (العمد المحض) كما لا يجب في النفس إلا

بذلك. وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن.

ولأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص فكان كالنفس

في وجوبه.

وعلم مما تقدم انه لا قصاص في الخطأ بالإجماع

(1)

؛ لأنه لا يوجب

القصاص في النفس [وهي الأصل ففيما دونها أولنى، ولا في شبه العمد والآية مخصوصة بالخطأ فكذلك شبه العمد.

ولأنه لا يجب به القصاص في النفس]

(2)

فكذلك فيما دونها.

الشرط (الثاني) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (إمكان

الاستيفاء) أي: استيفاء القصاص فيما دون النفس (بلا حيف)، وذلك (بأن

يكون القطع من مفصل، أو ينتهي إلى حد؛ كمارن الأنف، وهو: ما لان منه)

أي: من. الأنف دون القصبة؛ لأن ذلك حد ينتهي إليه، فهو كاليد يجب

القصار فيما انتهى إلى الكوع.

(1)

ساقط من ب.

(2)

ساقط من أ.

ص: 283

إذا علمت ذلك (فلا قصاص في جائفة)، وهي: الجرح الواصل إلى باطن

الجوف، (ولا في كسر عظم غير سن، ونحوه)؛ كالضرس، (ولا أن قطع

القصبة) أي: قصبة الأنف، (أو) قطع (بعض ساعد، أو) قطع بعض

(ساق، أو) بعض (عضد، أو) بعض (ورك) في الأصح، لأنه لا يمكن

استيفاع من ذلك بلا حيف فإنه ربما يؤخذ أكثر من الفائت، أو يسري إلى عضو

آخر، أو إلى النفس فلم يجز؛ لأن الواجب الأخذ بقدر التلف لا أكثر منه. فإذا

أفضى الاستيفاء إلى الحيف منع منه، لتعذره. ولو قطع يده من الكوع ثم تأكلت

إلى نصف الذراع فلا قود له أيضا اعتبارا بالاستقرار. قاله القاضي وغيره. وقدمه في " الرعايتين " وصححه الناظم.

وقال المجد: يقتص هنا من الكوع.

(وأما الأمن من الحيف، فشرط لجوازه) أي: جواز الاستيفاء، لأن

القصاص في نفس الأمر

(1)

واجب، إذ لا مانع منه، لوجود شرطه، وهو:

العدوان على من يكافئه عمدا في محل مساو له

(2)

في الاسم والصحة والكمال،

لكن الاستيفاء غير ممكن، لخوف العدوان على الجانى؛ لأنه المفروض.

وفائدة ذلك: أنا إذا قلنا: إنه شرط للوجوب تعينت الدية إذا لم يوجد

الشرط، وإذا قلنا: شرط للاستيفاء دون الوجوب انبنى على أصل وهو أن

الواجب ماذا؟ فإن قلنا: القصاص عينا لم يجب بذلك شيء، إلا أن المحني

عليه إذا عفا يكون قد عفا عن حق يحصل له ثوابه، وإن قلنا: موجب العمد أحد شيئين انتقل الوجوب إلى الدية كغيره.

إذا تقرر هذا (فيقتص من منكب: ما لم يخف جائفة) بلا نزاع. (فإن خيف)

إن اقتص من منكب جائفة، وهو: الجرح الذي يصل إلى الجوف فيفسد بدخول

الهواء فيه: (فله أن يقتص من مرفقه) في الأصح؛ لأنه أخذ ما أمكن من حقه.

(1)

ساقط من أ.

(2)

فى الأصول: مساواته. ولعل الصواب ما أثبتناه.

ص: 284

(ومن أوضح) إنسانا، (أو شج إنسانا دون موضحة، أو لطمه فذهب ضوء

عينه، أو) لطمه فذهب (شمه، أو) لطمه فذهب (سمعه: فعل به كما فعل)

في الأصح فيوضحه المجني عليه مثل موضحته، أو يشجه مثل شجته، أو يلطمه المجني عليه مثل لطمته. (فبأن ذهب) ما أذهبه الجانى بذلك فقد استوفى حقه،

(وإلا) أي: وإن لم يذهب: (فعل) به (ما يذهبه من غير جناية على حدقة أو

أنف أو أذن) بضرب على ذلك العضو أو نحوه. (فإن لم يمكن) ذهابه (إلا

بذلك) أي: إلا بالجناية على العضو بالضرب أو القطع أو نحوهما: (سقط)

القود (إلى الدية)، ويكون في مال الجانى؛ لأن العاقلة لا تحمل العمد.

(ومن قطعت يده من مرفق، فأراد القطع) من يد الجانى (من كوع: منع).

قال في"المحرر": قولا واحدا؛ وذلك لأن للجناية

(1)

عليه محلا يمكن

الاقتصاص منه، وهو مفصل المرفق. فلا يقتص من غيره، لاعتبار المساواة في المحل حيث لا مانع.

الشرط (الثالث) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (المساواة

في الاسم)؛ كالعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن

بالسن؛ لأن القصاص يقتضي المساواة. والاختلاف في الاسم فى دليل الاختلاف

في المعنى.

(و) المساواة أيضا في) (لموضع) فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار

بيمين، ولا تؤخذ جراحة قي الوجه بجراحة فى الرأس، ولا جراحة في مقدم

الرأس بجراحه قي مؤخر: الرأس؛ اعتبارا للمماثلة.

إذا تقرر هذا (فيؤخذ كل من أنف، وذكر مختون أو لا) يعني: أو غير

مختون بذكر مختون [أو غير مختون]

(2)

؛ لأن الختان أو عدمه لا أثر له؛

لمساواتهما، في الصحة واالكمال.

(1)

في ج: الجنابه.

(2)

ساقط من ب.

ص: 285

ولأن القلفة زيادة مستحقة الإزالة. فوجودها كعدمها.

ويستوي في ذلك ذكر الصغير والكبير، والصحيح والمريض، والذكر

الكبير والصغير؛ لأن ما وجب فيه القصاص من الأطراف لا يختلف بهذه

المعانى.

(و) يؤخذ كل من (إصبع وكف ومرفق) بمثله، (و) كل (يمنى ويسرى

من عين وأذن مثقوبة أو لا، و) من (يد ورجل وخصية وإلية) بمثلها في

الموضع، (وشفر أبين) أي: قطع بمثله، (وعليا وسفلى من شفة، ويمنى

ويسرى وعليا وسفلى من سن مربوطة أو لا) يعني: أو غير مربوطة بمثلها في الموضع، (وجفن بمثله) في الموضع.

وعلم مما تقدم جريان القصاص في الإلية والشفر. وهو الأصح من

الوجهين؛ لقو له سبحانه وتعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)[المائدة: 45].

ولأن لهما حدا ينتهيان إليه. فجرى القصاص فيهما؛ كالذكر، وكالخصية

إذا قال أهل الخبرة أنه يمكن أخذها مع سلامة الأخرى.

(ولو قطع) إنسان (صحيح أنملة عليا من شخص، و) قطع الصحيح أيضا

أنملة (وسطى من إصبع نظيرتها من) شخص (آخر ليس له) أنملة (عليا: خير

رب) الأنملة (الوسطى بين أخذ عقلها) أي: عقل أنملته الوسطى (الآن- ولا

قصاص له بعد) أي: بعد أخذ عقل أنملته الوسطى- (وصبر) يعني: وبين

صبر عن أخذ عقل أنملته (حتى تذهب عليا قاطع) أي: أنملة قاطع العليا (بقود

أو غيره) بأن يتعدى عليه إنسان فيقطعها أو غير ذلك، (ثم يقتص) بقطع الأنملة

من قاطع نظيرتها من المقتص لاستيفاء حقه بذلك. (ولا أرش له الآن) يعني:

إذا اختار أن يصبر حتى تذهب عليا قاطع. وهذا (بخلاف غصب مال) لسد مال

مسد مال. يعني: أنه متى تعذر رد عين مغصوبة مع بقائها فلمالكها طلب قيمتها

الآن، فإذا ردها بعد ذلك أخذ ما دفعه

(1)

من قيمتها.

(1)

في ب: دفعها

ص: 286

(ويؤخذ) عضو (زائد بمثله) أي: بعضو زائد مثله (موضعا وخلقة)

أي: في الموضع والخلقة، بأن لا يكون أحدهما في مكان والآخر في غيره.

بأن يكون لأحدهما إصبع زائده في الكف من جهة الإبهام والآخر من جهة

الخنصر. واستوائهما في الخلقة، بأن لا يكون أحد الإصبعين بصورة الإبهام

والأخرى بصورة الخنصر. ومع استواء الزائدين في الموضع والخلقة يؤخذ كل

منهما بالآخر (ولو تفاوتا قدرا) أي: في القدر كالأصلي بالأصلي إذا تفاوتا في

القدر واتفقا في الموضع والخلقة.

(لا أصلي بزائد أو عكسه) يعني: أنه لا يؤخذ الأصلي بالزائد ولا الزائد

بالأصلي، (ولو تراضيا عليه) أي: على أخذ أحدهما بالآخر؛ لعدم المساواة

في المكان والمنفعة. فإن الأصلي مخلوق في مكانه لمنفعة فيه. بخلاف الزائد

فإنه لا منفعة فيه.

(ولا) يؤخذ (شيء) من الأعضاء (بما) أي: بعضو (يخالفه) في

الموضع. فلا يؤخذ يمين بيسار، ولا تؤخذ يسار بيمين " لعدم تساويها في

الموضع فلا تحصل المقامة بأخذ إحداهما بالأخرى. وكذا الشفة العليا

بالسفلى، والجفن الأعلى بالأسفل وعكسه، لعدم التساوي في الموضع. ولا

يجوز ذلك ولو تراضيا عليه، لعدم المقاصة. وقد قال الله سبحانه وتعالى:(وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)[المائدة: 45].

(فإن فعلا، فقطع يسار جان من) أي: إنسان (له قود في يمينه بها) أي:

بيمينه (بتراضيهما) أجزأت ولا ضمان على المقتص، (أو قال) من له قود في

يمين جان للجانى: (اخرج يمينك، فأخرج) الجانى (يساره عمدا أو غلطا،

أو ظنا أنها تجزئ، فقطعها: أجزات، ولا ضمان) في الأصح، لأن القطع أتى

على عضو مثل عضوه في الاسم والصورة والقدر. فوجب أن يجزئ عنه، كما لو كانت عينه ناقصة فرضيا على قطعها.

(وإن كان) الجانى (مجنونا) حين القطع، بأن جنى وهو عاقل ثم صار

مجنونا حين القطع (فعلى المقتص القود: إن علم أنها) أي: أن اليد المقطوعة

ص: 287

(اليسار، وأنها لا تجزئ. وإن جهل أحدهما) أي: أنها اليسار أو أنها

لا تجزئ: (فعليه الدية) دون القود، لأن جهله بذلك يكون شبهة في سقوط

القود عنه، وإذا سقط القود وجبت الدية.

(وإن كان المقتص مجنونا و) كان (الجاني عاقلا: ذهبت) يده (هدرا)،

لأن استيفاء المجنون لا أثر له وهو الذي أعانه بإخراج يده ليقطعها. فتكون

هدرا، كما لو قال عاقل لمجنون: اقتلني فقتله فأن دمه يذهب هدرا.

الشرط (الرابع) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (مراعاة

الصحة والكمال.

فلا تؤخذ) يد أو رجل (كاملة أصابع أو) كاملة (أظفار بناقصتها، رضي

الجانى أو لا) يعني: أو لم يرض، لأن ذهاب بعض الأصابع والأظفار نقص في

اليد أو الرجل ولا تؤخذ بها الكاملة، لزيادة المأخوذ على المفوت فلا يكون

مقاصة. (بل) تؤخذ ذات أظفار سليمة (مع) ذات (اظفار معيبة) أي: بذات

أظفار معيبة، لحصول المقاصة.

(ولا) تؤخذ (عين صحيحة بقائمة) أي: بعين قائمة، وهي: التي

بياضها وسوادها صافيان، غير أن صاحبها لا يبصر بها. قاله

(1)

الأزهري" لأن منفعتها ناقصة فلا تؤخذ بها الكاملة المنفعة.

(ولا) يؤخذ (لسان ناطق بـ) لسان (أخرس)؛ لنقصه.

(ولا) يؤخذ عضو (صحيح بـ) عضو (أشل: من يد، ورجل، وإصبع،

وذكر. ولو شل) ذلك العضو بعد أن جنى على نظيره من غيره وهو صحيح،

(أو) كان العضو (ببعضه) فقط (شلل؛ كان ملة يد).

والشلل: فساد العضو وذهاب حركته؛ لأن المقصود من اللسأان النطق،

ومن اليد والرجل البطش، ومن الإصبع إمكان العمل، ومن الذكر الجماع، فإذا

فسد العضو وذهبت منفعته لم يؤخذ به الصحيح، لزيادته عليه. فإن الصحيح

(1)

في ب: وقال.

ص: 288

طرف منفعته موجودة فيه، فلا يؤخذ بما لامنفعة فيه؛ كعين البصير بعين

الأعمى.

(ولا) يؤخذ (ذكر فحل بذكر خصي، أو) ذكر (عنين) في الأصح؛ لأنه

لا منفعة فيهما. فإن ذكر العنين لا يوجد منه وطء ولا إنزال، والخصي هو

مقطوع الخصيتين لا يولد له ولا يكاد يقدر على الوطء. فهما كالذكر الأشل.

(ويؤخذ مارن) الأنف (الأشم الصحيح بمارن الأخشم: الذي لا يجد

رائحة شيء)؛ لأن ذلك لعلة في الدماغ، والأنف صحيح.

[(و) يؤخذ مارن الأنف الصحيح (بـ) مارن الأنف (المخروم)

(1)

وهو:

(الذي قطع وتر أنفه]

(2)

و) بـ (المستحشف: الرديء) في الأصح.

(و) يؤخذ (أذن سميع بإذن أصم شلاء) في الأصح.

(و) يؤخذ (معيب من ذلك كله بمثله: إن أمن تلف من قطع شلاء) وذلك

أن نسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: إنه إذا قطع لم تنسد العروق ويدخل الهواء إلى

البدن فيفسد: سقط القصاص؛ لأنه لا يجوز أخذ نفسه بطرف. وإن أمن فله

القصاص؛ لأن الشم والسمع ليس بنفس العضو، فإن المقطوع الأذن والمقطوع

الأنف يسمع ويشم. وإنما جعلها الله سبحانه وتعالى زينة وجمالا؛ لئلا يبقى

موضع الأذن ثقبا مفتوحا فيقبح منظره، ولا يبقى له ما يرد الماء والهوام

(3)

عن الصماخ، ولئلا يبقى وضع الأنف مفتوحا فيدخل الهواء إلى الدماغ فيفسد به.

فجعل غطاء له كذلك.

(و) يؤخذ معيب مما ذكر (بصحيح بلا أرش) في الأصح؛ لأن الشلاء من

ذلك كالصحيحة في الخلقة، وإنما نقصت في الصفة فلم يكن له أرش.

(و) متى اختلف الجاني والمجني عليه بأن قال الجانى: كان العضو الذي

(1)

في ب: المجذوم.

(2)

ساقط من أ.

(3)

في ج: والهواء.

ص: 289

قطعته أشل، وقال المجني عليه: بل كان صحيحا، فإنه (يصدق ولي الجناية

بيمينه- في صحة ما جني عليه) في الأصح؛ لأن الظاهر من الناس سلامه الأعضاء، وأن الله سبحانه وتعالى خلقهم بصفة الكمال.

ص: 290

[فصل: إذا جنى في بعض عضو]

(فصل. ومن أذهب بعض لسان، أو) بعض (مارن، أو) بعض (شفة،

أو) بعض (حشفة، أو) بعض (أذن، أو) بعض) سن: أقيد منه مع أمن قلع

سنه، بقدره) أي: بقدر ذلك البعض الذي أذهبه بالجناية،) بنسبة الأجزاء) من ذلك العضو؛ (كنصف وثلث) وربع ونحو ذلك؛ لقول الله سبحانه

وتعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)[المائدة: 45].وهذا في الأصح؛ لأنه يؤخذ

(1)

جميعه بجميعه فأخذ بعضه ببعضه؛ كالأنف والأذن. ولا يؤخذ بالمساحة؛ لأن

ذلك يفضي إلى أخذ لسأان الجانى جميعه ببعض لسان المجني عليه.

(ولا قود ولا دية لما رجي عوده) من شيء ذهب بالجناية (في مدة تقولها

أهل الخبرة، من) ذهاب (عين؛ كسن، ونحوها)؛ كضرس، (أو) ذهاب

(منفعة؛ كعدو) بأن صار بسبب الجناية لا يقدر أن يعدو، (ونحوه) بأن صار

لايقدر على الوطء؛ لأنه معرض

(2)

أن يعود فلا يجب فيه شيء وتسقط

المطالبة به. فوجب تأخيره؛ لأنه غير واجب في الحال لهذا الاحتمال. فإن عاد

على صفة فلاشيء للمجني عليه؛ لأن المتلف عاد. فلم يجب به شيء؛ كما لو

قطع شعره وعاد، وإن لم يعد في مدة تقولها أهل الخبرة وجب ضمانه كغيره مما

لا يرجى عوده.

(فلو مات) المجني عليه (فيها) أي: في المدة التي تقولها أهل الخبرة:

(تعينت دية الذاهب) بالجناية في الأصح؛ لأنه يئس من عوده بموت المجني

عليه. فوجبت ديته؛ كما لو انقضت المدة ولم يعد.

(1)

في ب: وهذا في الأصل لم يؤخذ.

(2)

في ب: بفرض.

ص: 291

(وأن ادعى جان عوده) أي: عود ما أذهبه من عين أو منفعه: (حلف رب

الجناية) على عدم عوده؛ لأنه الأصل.

(ومتى عاد) الذاهب بالجناية (بحاله) أي: على صفته التي كانت قبل

ذهابه. (فلا أرش) على الجانى؛ كما لو قطع شعره وعاد، (و) إن عاد

(ناقصا في قدر)؛ كما لو عاد السن قصيرا، (أو) عاد ناقصا في (صفة)؛

كما لو عاد السن أخضر أو أسود: (فـ) على الجانى في ذلك (حكومة)؛ لأنه

نقص حدث بفعله. فوجب عليه ضمانه؛ كما لو ضربه فانكسر بعضه أو اسود

ونحوه.

(ثم إن كان) المجني عليه (أخذ) من الجانى (دية) لما أذهبه قبل أن يعود

ثم عاد: (ردها) إليه، (أو) كان المجني (اقتص) من الجانى نظير ما أذهبه

فم عاد ما أذهبه الجانى: (فلجان الدية) عما اقتص عما أذهبه ثم عاد؛ لأننا تبينا

أنه استوفى ذلك بغير حق. (ويردها) أي: ويرد الجانى ما أخذه دية عما اقتص

منه: (إن عاد) ما أخذ الجانى ديته بسبب عود ما جني عليه كما قلنا في المجني

عليه؛ لأنا تبينا أنه قد أخذ ذلك بغير حق، فكان عليه رده.

(ومن قلع سنه أو ظفره) تعديا، (أو قطع طرفه؛ كمارن وأذن ونحوهما)

مما يمكن إعادته والتحامه (فرده فالتحم: فله) أي: فللمجني عليه (أرش

نقصه) على الأصح. وذلك حكومة؛ لأنها أرش كل نقصان حصل بالجناية.

(وإن قلعه) أي: قلع ما قطع ثم رد فالتحم (قالع بعد ذلك: فعليه ديته)

فقط؛ لأنه لا يقاد به الصحيح بأصل الخلقة؛ لنقصه بالقطع الأول.

(ومن جعل مكان سن قلعت) بجناية (عظما أو سنا أخرى، ولو من

آدمي، فثبتت: لم تسقط دية) السن (المقلوعة) بالجناية؛ كما لو لم يجعل

مكانها شيء. (وعلى مبين ما ثبت) من ذلك (حكومة)؛ لنقصها بإبانتها قبل

ذلك.

ولأنه لا يجب بإتلاف العضو الواحد ديتان له.

ص: 292

(و) متى ادعى وارث مجني عليه على جان بدية طرف مورثه فادعى الجانى

التحام ما قطعه منه قبل موته، وأنه ليس عليه إلا أرش نقصه، فإنه (يقبل قول

ولي) الذي هو وارثه (بيمينه في عدم عوده والتحامه)؛ لأن الجناية ثابتة

والجانى يدعي ما يسقط ضمانها والأصل عدمه. فلم يقبل منه بدون البينة؛ كما

لو أقر بدين لإنسان وادعى أنه أبرأه منه أو وفاه.

(ولو كان التحامه) أي: التحام القطيع (من جان اقتص منه: أقيد ثانيا)

على الأصح. يعني: أنه متى اقتص من الجاني بقطع نظير ما قطعه من المجني

عليه فأعاده فالتحم فللمجني عليه إبانته ثانيا. نص عليه؛ لأنه أبان عضوا من

غيره دواما. فوجبت إبانته منه دواما؛ لتحقق المقاصة.

ص: 293

[فصل: في القصا صفي الجراج]

(فصل) قد تقدم أول الباب أن القصاص فيما دون النفس يجري في نوعين:

أحدهما: في الأطراف، وقد تقدم الكلام عليه.

(النوع الثانى: الجروح. ويشترط لجوازه فيها) أي: لجواز القصاص في

الجروج: (انتهاؤها) أي: أن تننهي (إلى عظم؛ كجرح عضد وساعد وفخذ

وساق وقدم، وكموضحة) في رأس أو وجه.

قال في" شرح المقنع ": ولا نعلم في جواز القصاص في الموضحة

خلافا. انتهى.

لقول الله سبحانه وتعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)[المائدة: 45]. فلو لم

يجب القصاص في كل جرح ينتهي إلى عظم لسقط حكم الآية.

ولأنه أمكن استيفاء القصاص من غير حيف ولا زيادة؛ لكونه ينتهي إلى

عظم. فاًشبه الموضحة المتفق على جواز القصاص فيها.

(ولمجروح) جرحا (أعظم منها) أي: من الموضحة؛- (كهاشمة،

ومنقلة، ومأمومة). وسيأتي تعريف كل من ذلك في المتن-: (أن يقتص

موضحة) بغير خلاف بين أصحابنا؛ لأنه يقتصر على بعض حقه ويقتص من محل جنايته فإنه إنما يضع السكين في موضع وضعها الجانى؛ لأن سكين الجانى

وصلت إلى العظم ثم تجاوزته. بخلاف قاطع الساعد فإنه لم يضع سكينه في

الكوع.

(و) أن (يأخذ) إذا اقتص موضحة (ما بين ديتها) أي: دية الموضحة

(ودية تلك الشجة) التي هي أعظم من الموضحة في الأصح؛ لأنه تعذر

ص: 294

القصاص فيه. فانتقل إلى البدل، كما لو قطع إصبعيه. فلم يمكن الاستيفاء إلا

من واحدة.

إذا تقرر هذا (فيأخذ في هاشمة) أي: يأخذ من جرح هاشمة واقتص من

الجانى موضحة (خمسا من الإبل، و) يأخذ (في منقلة عشرا) من الإبل.

(ومن خالف) ممن جنى عليه، (واقتص مع خوف) أي: خوف تلف

الجانى بالقصاص (من منكب، أو) من يد أو رجل (شلاء، أو من قطع نصف

ساعده، ونحوه)؛ كمن قطع نصف ساقه، (أو) اقتص (من مأمومة أو) من

(جائفة مثل ذلك) يعني: ولم يزد عليها. فلم يشجه في المأمومة دامغة ولم

يصل في الجائفة إلى ما هو أكثر عورا من جناية الجانى، (ولم يسر) الجرج:

(وقع) القصاص (الموقع، ولم يلزمه شيء)؛ لأنه فعل كما فعل الجانى فقد

تساويا في ذلك. فلا يلزمه شيء، لأنه لم يأخذ زيادة على حقه.

(ويعتبر قدر جرح بمساحة دون كثافة لحم)؛ لأن حده العظم ولو روعي

ذلك

(1)

لتعذر الاستيفاء؛ لأن الناس يختلفون في قلة اللحم وكثرته. وهذا كما

يستوفى الطرف بمثله.

وصفة اعتبار الجرح بالمساحة: بأن يعمد إلى موضع الشجة من رأس

المشجوج فيعلم طولها وعرضها بخشبة أو خيط ويضعها على رأس الشاج،

ويعلم طرفيه بسواد أو غيره، وياًخذ حديدة عرضها كعرض الشجة فيضعها في

أول الشجة ويجرها إلى اخرها فيأخذ مثل الشجة طولا وعرضا.

وإن اختلف رأس الشاج والمشجوج في الصغر والكبر والدقة والغلظ فإن

كان رأس الشاج والمشجوج سواء، استوفى قدر الشجة من الجانب الذي شجه

فيه، وإن كان رأس الشاج أصغر أو أكبر فقد أشير إلى ذلك في المتن بقوله:

(فمن أوضح بعض رأس- والبعض) الذي. أوضحه (كراسه) أي: رأس

الشاج (وأكبر) من رأسه: (أوضحه) المشجوج (في كله) أي: كل رأس

(1)

في ب: لو روعي لذلك.

ص: 295

الشاج، (ولا أرش لزائد) في الأ صح؛ لئلا يجتمع قصاص ودية في جرح

واحد.

(ومن أوضحه كله) أي: أوضح إنسانا في كل رأسه- (ورأسه) أي:

رأس الشاج (أكبر) من رأس المشجوج-: (أوضحه قدر شجته من أي جانب

شاء المقتص) من رأس الجانى.

(ولو كانت) الشجة (بقدر بعض الرأس منهما) أي: من الجانى والمجني

عليه: (لم يعدل عن جانبها) أي: عن جانب الشجة (إلى غيره) أي: إلى غير

جانب الشجة من رأس الجانى.

(وأن

(1)

اشترك عدد في قطع طرف، أو) اشترك عدد في (جرح موجب

لقود ولو) كان الجرح (موضحة، ولم تتميز أفعالهم؛ كأن وضعوا حديدة

على يد وتحاملو عليها) جميعا (حتى بانت: فعلى كل) من المتحاملين (القود)

على الأصح؛ وذلك لما روي عن علي" أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة فقطع يده ثم جاءا بآخر فقالا: هذا هو السارق وأخطأنا في الأول فرد شهادتهما

على الثاني وغرمهما دية يد الأول. وقال: لو علمت أنكما تعمدتما

لقطعتكما "

(2)

. فأخبر أن القصاص على كل واحد منهما لو تعمدا قطع يد

واحد ة.

ولأنه أحد نوعي القصاص. فيؤخذ فيه الجماعة بالواحد كالأنفس

(3)

.

(ومع تفرق أفعالهم، أو قطع كل) من عدد (من جانب: لا قود على

أحد) رواية واحدة؛ لأن كل واحد منهم لم يقطع اليد، ولم يشارك في قطع

جميعها.

(وتضمن سراية جناية ولو) بعد أن (اندمل جرح واقتص) من الجانى،

(1)

في. ب: ولو

(2)

أخرجه البيهقي في"السنن الكبرى" 8: 41 كتاب الجنايات، باب الاثنين أو أكثر يقطعان يد رجل معا.

(3)

في ج: كالنفس.

ص: 296

(ثم انتقض) الجرح (فسوى)؛ لأنه تلف حصل بفعل الجانى. فضمنه؛ كما

لو باشره (بقود ودية، في نفس ودونها).

إذا تقرر هذا فمن أمثلة سرايتها إلى النفس وما لا يمكن مباشرته بالإتلاف

مثل: أن يهشمه في رأسه فيسري إلى ذهاب ضوء عينه ثم يموت فإنه يقتص منه

في النفس ويؤخذ منه دية حاسة بصره.

(و) من أمثلة ذلك: سريانها

(1)

إلى ما دون النفس: (لو قطع إصبعا

فتأكلت) إصبع (أخرى) إلى جانبها، (أو) تأكلت (اليد وسقطت من

مفصل: فـ) إن ما يسقط يجب فيه) القود، و (يجب) فيما يشل الأرش)؛

لأنها جناية موجبة للقصاص لو لم تسر إلى سقوط أخرى فكذا إذا سرت؛ كما لو باشر ما سرت إليه. فيجب القود في الإصبع؛ لإمكان القصاص فيه ووجب فيما

شل الأرش؛ لعدم إمكان القصاص في الشلل. فضمن بما يضمن به؛ كما لو لم

يكن معه قطع.

(وسراية القود هدر) يعني: أنها غير مضمونة؛ لأن عمر وعلئا قالا: " من

مات من حد أو قصاص لا دية له. الحق قتله ". رواه سعيد بمعناه.

ولأنه قطع بحق فكما أنه غير مضمون فكذلك سرايته؛ كقطع السارق.

(فلو قطع طرفا قودا، فسرى إلى النفس: فلا شيء على قاطع. لكن: لو

قطعه) أي: قطع ولي الجناية الجانى (قهرا) من غير إذن الإمام أو نائبه في حالة

لا يؤمن فيها الخوف من السراية؛ كقطعه) مع حر أو) مع (برد، أو) قطعه

(بآلة كالة، أو) بآله (مسمومة، ونحوه)؛ كحرق الطرف المقتص منه بنار.

فإذا مات الجانى بسبب ذلك: (لزمه) أي: لزم المقتص بذلك (بقية الدية)

يعني: أنه يضمن دية النفس منقوصا منها دية ذلك العضو الذي وجب له القصاص فيه. فلو وجب له في يد كان عليه نصف الدية، وإن كان في جفن كان عليه ثلاثة أرباعها. وهكذا الحكم في غير ذلك.

(1)

في ب: سرايتها.

ص: 297

(ويحرم) القصاص (في طرف حتى يبرأ)؛ كما لا تطلب له دية حتى يبرأ

على الأصح؛ لما روى جابر: " أن رجلا جرح رجلا وأراد أن يستقيد. فنهى

النبي أن يقاد من الجارجح حتى يبرأ المجروح "

(1)

. رواه الدارقطني.

(فإن اقتص قبل) أي: قبل برء جرحه: (فسرايتهما) أي: سراية جرح

الجاني وجرج المقتص منه (بعد) أي: بعد اقتصاصه قبل البرء (هدر)؛ لما

روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رجلا طعن بقرن في ركبته. فجاء

إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقدني. فقالى: حتى تبرأ. ثم جاء إليه، فقال: أقدنى

فأقاده، ثم جاء إليه، فقال: يا رسول الله! عرجت. فقال: قد نهيتك

فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك. ثم نهى رسول الله أن يقتص من جرح

حتى يبرأ صاحبه "

(2)

. رواه أحمد والدارقطني.

فعلى هذا: إن اقتص قبل البرء بطل حقه من سراية الجناية؛ لأنه باقتصاصه

قبل الاندمال رضي بترك ما يزيد عليه بالسراية. فبطل حقه منه؛ كما لو رضي

بترك القصاص. وأيهما سرت جراحته بعد ذلك فهدر.

أما الجانى؛ فلأنه سراية القصاص فلا يضمن بذلك.

وأما المجني عليه؛ فلأنه رضي بتركه. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(25) 3: 88 كتاب الحدود.

(2)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(24) الموضع السابق.

ص: 298

[كتاب الديات]

هذا (كتاب) يذكر فيه الأسباب الموجبة للديه، وما يتعلق بذلك.

ثم (الديات: جمع دية، وهي) أي: الدية: (المال المؤدى إلى مجني

عليه، أو وليه) أي: ولي مجني عليه، (بسبب جناية).

والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والاجماع.

أما الكتاب " فقوله سبحانه وتعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} [النساء: 92].

وأما السنة، فما روى أبو بكر عن محمد بن عمرو بن حزم:" أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات، وقال فيه: وفي النفس مائة من الإبل "

(1)

. رواه النسائي في"سننه " ومالك في" الموطأ ".

قال ابن عبد البر: وهو كتاب مشهور عند أهل السير، ومعروف عند أهل

العلم، معرفة يستغنى بها عن الإسناد.

ولأنه

(2)

أشبه التواتر في مجيئه في أحاديث كثيرة تأتي في مواضعها.

وأجميع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة.

إذا علمت ذلك فإنه (من أتلف إنسأنا، أو) أتلف (جزءا منه، بمباشرة أو

سبب) كان عليه ديته

(3)

، سواء كان مسلما أو ذميا أو مستأمنا أو

(1)

أخرجه النسائي في " سننه "(4853) 8: 57 كتاب القسامة، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول

وأخرجه مالك في" الموطاً " 2: 647 كتاب العقول، باب ذكر العقول.

(2)

في ب: لأنه.

(3)

في أ: دية.

ص: 299

مهادنا

(1)

؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} [النساء: 92].

وعبر عن الهدنة بالميثاق.

ثم القتل تارة يكون عمدا وتارة يكون غير عمد.

إذا تقرر هذا (فدية) قتل (عمد في ماله) أي: مال القاتل؛ لأن الأصل

يقتضي أن بدل المتلف يجب على متلفه. وأرش الجناية على الجانى. قال

النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يجني جان إلا على نفسه "

(2)

. و " قال لبعض أصحابه حين

رأى معه ولده: ابنك هذا؟ قال نعم. قال: إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه "

(3)

.

ولأن موجب الجناية أثر فعل الجانى فيجب أن يختص بضررها كما يختص

بنفعها. وتكون في مال القاتل حالة؛ لأنه الأصل. وإنما خولف هذا الأصل في العاقلة؛ لكثرة الخطاً. فيكثر الواجب فيه ويعجز الخاطئ غالبا عن تحمله مع

قيام عذره، ووجوب الكفاره عليه؛ تخفيفا عنه ورفقا به. والعامد لا عذر له فلا يستحق التخفيف، ولا يوجد فيه المعنى المقتضي للمواساة.

(و) دية (غيره) أي: غير العمد وهو الخطاً وشبه العمد (على عاقلته)

فى الأصح في شبه العمد؛ لما روى أبو هريره قال: " اقتتلت. امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأه على عاقلتها "

(4)

. متفق عليه.

ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصا. فوجبت الدية على العاقلة؛ كالخطأ.

(1)

في ج: معاهدا.

(2)

أخرجه الترمذي في" جامعه "(2159) 4: 461 كتاب الفتن، باب ما جاء في دماؤكم وأموالكم عليكم حرام.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4495) 4: 168 كتاب الديات، باب لا يؤخذ أحد بجريرة أخيه أو أبيه.

(4)

سبق تخريجه ص (233).

ص: 300

وأما دية الخطأ فلا خلاف في كونها على العاقلة.

قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.

والحكمة في ذلك ما تقدم من أن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كثيرة،

فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة

على سبيل المواساة للقاتل: إذا كان معذورا بفعله.

(ولا تطلب دية طرف قبل برئه)، كما أنه ليس له أن يقتص منه قبل برئه.

وتقدم ذلك.

إذا علمت ذلك (فمن ألقى على آدمي أفعى) أي: حية خبيثة - قاله في

"القاموس "- فقتلته، (أو ألقاه عليها) أي: ألقى الآدمي على الأفعى (فقتلته،

أو طلبه) أي: طلب آدميا (بسيف، ونحوه)، كخنجر (مجرد فتلف) الآدمي

(في هربه ولو) كان الهارب (غير ضرير) ففيه الدية، سواء سقط من شاهق،

أو انخسف به سقف، أو خر في بئر، أو لقيه سبع فافترسه، أو غرق في ماء،

أو احترق بنار. وسواء كان المطلوب صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا، لأنه هلك بسبب عدوانه.

(أو روعه: بأن شهره في وجهه) أي: شهر السيف في وجه آدمي فمات

خوفا، (أو دلاه من شاهق فمات، أو ذهب عقله) خوفا، (أو حفر بئرا محرما

حفره، أو وضع حجرا

(1)

، أو قشر بطيخ، أو صب ماء بفنائه أو طريق، أو بالت

بها) أي: بالطريق (دابته) أي: دابة من هي بيده، (ويده عليها، كراكب

وسائق وقائد، أو رمى) إنسان (من منزله) أو من غيره (حجرا أو غيره) مما

يمكن التلف به، (أو حمل) إنسان (بيده رمحا جعله بين يديه أو خلفه، لا) أن

جعله (قائما في الهواء وهو يمشي)، لعدم تعديه في هذه الحالة، (أو وقع)

إنسان (على نائم بفناء جدار، فأتلف إنسانا أو تلف به: فما مع قصد) للتعدي

من ذلك " كإلقاء الأفعى والإلقاء عليها، والترويع، والتدلية من شاهق: (شبه

(1)

في: ب حجره

ص: 301

عمد، و) ما (بدونه) أي: دون قصد: (خطأ) يجب في كل قسم من ذلك ديته.

(ومن سلم على غيره) فمات، (أو امسك يده) أي: يد غيره (فمات،

ونحوه)، كما لو أجلسه أو أقامه فمات، (أو تلف واقع على نائم) بلا سبب من

غيره: (فهدر)؛ لعدم تعدي النائم.

وفي " الترغيب ": أن رش الطريق ليسكن الغبار فمصلحة عامة. كحفر بئر

في سابلة، وفيه روايتان.

(وإن حفر) إنسان (بئرا ووضع آخر حجرا أو نحوه) ولو كيسا فيه دراهم

(فعثر به إنسان فوقع في البئر: ضمن واضع) الحجر أو نحوه دون الحافر

على الأصح؛ لأن الحجر أو نحوه (كدافع إذا تعديا)؛ لأنه متى اجتمع الحافر

والدافع فالضمان على الدافع وحده في الأصح، لأن الحافر لم يقصد بذلك القتل

عادة لمعين. بخلاف المكره.

(وإلا) أي: وإن لم يكن التعدي منهما جميعا: (ف) الضمان (على متعد

منهما) فقط. فلو كان الحافر هو المتعدي بحفره دون واضع الحجر، بأن كان

وضعه لمصلحة؛ كوضعه في وحل لتدوس عليه الناس كان الضمان جهة الحافر

دون واضع الحجر.

(ومن حفر بئرا قصيرة فعمقها آخر: فضمان تالف) بسقوطه فيها

(بينهما)؛ لأن السبب حصل منهما. (وإن وضع ثالث فيها) أي: في البئر

(سكينا) فوقع إنسان على السكين التي في البئر: (ف) الدية على عاقلة الثلاثة

(أثلاثا). نص على ذلك.

- (وإن حفرها) أي: حفر إنسان بئرا (بملكه، وسترها ليقع فيها احد، فمن

- دخل) ملك حافر البئر (بأذنه وتلف بها) أي: بالبئر: (فالقود) على حافر البئر في الأصح؛ لأنه تلف بسببه. فضمنه؛ كما لو قدم له طعاما مسموما فأكله. (وإلا) أي: باًن دخل بغير أذنه: (فلا) ضمان عليه، (كمكشوفة) يعني: كما لو تركها مكشوفة (بحيث يراها) الداخل وهو بصير يبصرها؛ لأن

ص: 302

الواقع فيها هو الذي أهلك نفسه. أشبه ما لو قدم إليه سكينا فقتل بها نفسه.

(ويقبل قوله) أي: قول حافر البئر في ملكه (في عدم أذنه) للداخل؛ لأنه

منكر والأصل عدمه، (لا في كشفها) يعني: لا قوله: في أن البئر كانت

مكشوفة بحيث يراها الداخل مع دعوى ولي الداخل أنها كانت مغطاة، لأن

الظاهر مع ولي الداخل، فإن الظاهر أنها لو كانت مكشوفة لم يسقط فيها. فيكون

القول قول الولي بيمينه في الأصح أنها كانت مغطاة، لأن الظاهر معه.

(وإن تلف أجير لحفرها) أي: لحفر البئر (بها) أي: بالبئر فهدر أي:

فلا شيء فيه، لأن صاحب البئر لم يحصل منه في ذلك مباشرة ولا سبب، (أو

دعا) إنسان (من يحفر له بداره) حفيرة

(1)

، (أو) يحفر له (بمعدن) أي:

يستخرج له معدنا (فمات بهدم) عليه لم يلقه أحد: (فهدر). نص عليه، نقله

حرب.

(ومن قيد حرا مكلفا وغله) فتلف بحية أو صاعقه فالدية، (أو غصب

صغيرا، فتلف بحية أو صاعقة).

قال الجوهري: هي نار تنزل من السماء فيها رعد شديد.

(فالدية) في الأصح فيهما.

والمراد بغصب الصغير هنا هو: حبسه عن أهله. فيكون متعديا بذلك؛

كما لو قيد الحر المكلف وغله.

ووجه إيجاب الدية: كونه هلك في حال تعديه بحبسه عن الهرب من

الصاعقة والبطش بالحية أو دفعها عنه.

(لا أن مات) في هذه الحالة (بمرض أو) مات (فجأة) على الأصح. نقله

أبو الصقر.

(1)

في ج: حفرة

ص: 303

[فصل: إذا تجاذبا حبلا فانقطع]

(فصل. وإن تجاذب حران مكلفان حبلا، أو نحوه)، كثوب (فانقطع) ما

تجاذباه (فسقطا، فماتا: فعلى عاقلة كل) منهما (دية الآخر)، سواء انكبا أو

استلقيا، أو انكب أحدهما واستلقى الآخر، (لكن نصف دية المنكب) على

عاقلة المستلقي (مغلظة، و) نصف دية (المستلقي) على عاقلة المنكب

(مخففة). قاله في " الرعاية ".

(وإن

(1)

اصطدما- ولو) كانا (ضريرين، أو) كان (احدهما) ضريرا

والآخر بصيرا- (فماتا: ف) الحكم فيهما (كمتجاذبين)، على عاقلة كل

واحد منهما دية الآخر. يروى ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه.

فإن كان المتصادمان امرأتين حاملين فهما كالرجلين. فإن أسقطت كل

واحدة منهما جنينا فعلى كل واحدة نصف ضمان جنينها، ونصف- ضمان جنين صاحبتها، لأنهما اشتركا في قتله، وعلى كل واحدة منهما عتق ثلاث رقاب:

واحدة لقتل صاحبتها، واثنتان لمشاركتها في الجنينين. وإن أسقطت إحداهما

دون الأخرى اشتركتا في ضمانه. وعلى كل واحدة منهما عتق رقبتين.

(وإن اصطدما) أي: اصطدم

(2)

كل واحد من حرين مكنفين الاخر (عمدا،- و) كان هذا الاصطدام (يقتل غالبا- ف) هو (عمد: يلزم كلا) منهما (دية الآخر في ذمته، فيتقا صان) أن كانا متكافئين، بأن كانا ذكرين أو أنثيين، مسلمين أو كتأبيين أو مجوسيين.

(وإلا) أي: وإن لم يكن هذا الاصطدام يقتل غالبا: (ف) هو (شبه عمد)، فيه الكفارة في مالهما، والدية على عاقلتهما.

(1)

في ب: ولو

(2)

في أ: أصدم، وفي ج: صدم

ص: 304

(وإن كانا) يعني: المصطدمين (راكبين، أو) كان (احدهما) راكبا

والآخر ماشيا: (فما تلف من دابتيهما) أو دابة احدهما (فقيمته على الآخر)،

سواء كانت الدابتان

(1)

جملين أو فرسين أو بغلين أو حمارين، أو كانت إحداهما

من غير جنس الأخرى، لأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه. وإنما هو

قربها إلى محل الجناية. فلزم الآخر ضمانها، كما لو كانت واقفة. وإن نقصت

الدابتان

(2)

فعلى كل واحد منهما نقص دابة الآخر. وإن كان احدهما يسير بين

يدي الآخر فأدركه الآخر فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على

اللاحق، لأنه الصادم والآخر مصدوم.

(وإن كان احدهما) أي: احد المصطدمين (واقفا، أو) كان (قاعدا)

والآخر سائرا: (فضمان مالهما) أي: مال الواقف والقاعد (على سائر).

نص عليه احمد، لأن السائر هو الصادم المتلف فكان الضمان عليه، (وديتهما)

أي: دية الواقف والقاعد (على عاقلته) أي: عاقلة السائر، لأن التلف حصل

بصدمه، (كما لو كانا) أي: السائر والواقف أو القاعد (بطريق ضيق مملوك

لهما) أي: للواقف والقاعد، لأنه إذا كان مملوكا للواقف أو القاعد لم يكن

متعديا بوقوفه أو قعوده فيه، ويكون السائر هو المتعدي بسلوكه في ملك غيره

بغير أذنه.

(لا أن كانا ب) طريق (ضيق غير مملوك) لهما، فإن السائر لا يضمن

للواقف فيه ولا للقاعد فيه شيئا، لأنه مفرط بوقوفه أو قعوده في الطريق الضيق

الذي لا يملكه. (ولا يضمنان) أي: الواقف والقاعد السائر شيئا)، لحصول

الصدم منه.

(وإن اصطدم قنان ماشيان، فماتا: ف) هما (هدر)، لأن قيمة كل واحد

منهما وجبت في رقبة الآخر، وقد تلف المحل الذي وجبت فيه فذهبا هدرا.

(1)

في الأصول: الدابتين

(2)

في ب: الدبتان

ص: 305

(وإن مات احدهما: فقيمته) أي: قيمة الميت منهما واجبة (في رقبة الآخر؛

كسائر جناياته.

وإن كانا) أي

(1)

: المصطدمان (حرا وقنا، وماتا: فقيمة قن)، وقيل:

نصفها (في تركة حر) في الأصح. (وتجب دية الحر كاملة في تلك القيمة).

قال في " الفروع ": ويتوجه الوجه: أو نصفها وما هو ببعيد.

(ومن اركب صغيرين، لا ولاية له على واحد منهما، فاصطدما، فماتا:

فديتهما وما تلف لهما، من ماله) أي: مال المركب؛ لأنه متعد بذلك،

وتلفهما وتلف مالهما بسبب تعديه في الأصح.

وقيل: أن ديتهما على عاقلته.

(وإن اركبهما ولي لمصلحة، أو ركبا من عند أنفسهما: فـ) هما (كبالغين

مخطئين) يعني: فتكون دية كل منهما على عاقله الآخر.

(وإن اصطدم كبير وصغير، فمات الصغير) فقط: (ضمنه الكبير. وإن

مات الكبير) فقط: (ضمنه مركب الصغير).

ونقل حرب: أن حمل رجل صبيا على دابة فسقط ضمن، إلا أن يأمره أهله بحمله.

(ومن قرب صغيرا من هدف، فأصيب) بسهم: (ضمنه) من قربه دون

رامي السهم إذا لم يقصده؛ لأن المقرب هو الذي عرضه للتلف بتقريبه، والرامي

لم يوجد منه تفريط؛ لأن الرامي؛ كحافر البئر، والمقرب له؛ كالدافع.

فلذلك كان عليه الضمان دون الرامي، إلا أن يكون الرامي قصده برميه فإنه يكون الضمان عليه وحده؛ لأنه مباشر والمقرب متسبب، والضمان على المباشر دون المتسبب.

(ومن أرسله) أي: أرسل الصغير (لحاجة، فأتلف) في إرساله (نفسا،

أو مالا: فجنايته) أي: جناية الصغير على غيره (خطأ من مرسله) أي: مرسل.

(1)

ساقط من أ

ص: 306

الصغير. (وإن جني عليه) أي: على الصغير: (ضمنه) المرسل له.

قال في " الفروع ": ذكر ذلك في " الأرشاد " وغيره. ونقله ابن منصور إلا

أنه قال: ما جنى فعلى الصبي. انتهى.

(قال ابن حمدان: أن تعذر تضمين الجاني) يعنى: على الصغير؛ لأن

الجاني مباشر والمرسل متسبب.

(وإن كان) المرسل في الحاجة من قبل مرسله (قنا: فكغصبه) يعني:

فحكمه حكم ما لو غصبه. وتقدم حكم المغصوب في الغصب.

(ومن ألقى حجرا، أو) ألقى (عدلا مملوءا بسفينة، فغرقت) السفينة

بسبب ذلك: (ضمن جميع ما فيها) في الأصح؛ لأنه تلف حصل بسبب فعله.

فكان عليه ضمانه؛ كما لو باشر الإتلاف.

(وإن رمى ثلاثة بمنجنيق، فقتل الحجر رابعا قصدوه) أي: قصده

الرماة

(1)

: (فعمد) يقاد فيه؛ لأنهم قصدوا القتل بما يقتل غالبا. فكان فيه

القود؛ كما لو ضربوه بمثقل يقتل غالبا فمات.

(وإلا) أي: وإن لم يقصدوه: (فعلى عواقلهم ديته) أي: دية المقتول

برميهم (أثلاثا)، على عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته؛ وذلك لأنهم أن لم

يقصدوا قتله فهو خطأ، ديته دية الخطأ.

(وإن قتل) الحجر (احدهم) أي: أحد الرماة: (سقط فعل نفسه وما

يترتب عليه) في الأصح؛ لأن ما قابل فعل المقتول ساقط لا يضمنه أحد؛ لأنه مشارك في إتلاف حقه. فلم يضمن ما قابل فعله؛ كما لو شارك في قتل بهيمته أو

عبده. (وعلى عاقلة صاحبيه) لورثته (ثلثا ديته).

وروي نحو ذلك عن علي في مسألة القارصة والقامصة والواقصة.

قال الشعبي: " وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن. فركبت إحداهن على عنق

أخرى. وقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها

(1)

في ب: قصده الرامي، وفي ج: قصدوا الرماة

ص: 307

فماتت. فرفع ذلك إلى علي رضي الله تعالى عنه فقضى بالدية أثلاثا على

عواقلهن ". وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل

نفسها.

ولأن المقتول شارك في القتل. فلم تكمل الدية على شريكه؛ كما لو قتلوا

واحدا من غيرهم.

(وإن زادوا) أي: زاد الرماة (على ثلاثة) وقد قتل الحجر برميهم إنسانا من

غيرهم: (فالدية حالة في أموالهم)، لأن العاقلة لا تحمل ما دون ثلث الدية.

(و) حيث تقرر هذا فإنه الا يضمن من وضع الحجر وأمسك الكفة) فقط ورمى غيره " (كمن أوتر) القوس (وقرب السهم) ولم يرم. وإنما يضمن:

من مد الحبال، ورمى الحجر؛ كمن أطلق السهم.

ص: 308

] فصل: فيمن جنى على نفسه [

(فصل. ومن اتلف نفسه، أو طرفه خطأ: فهدر)

(1)

على الأصح؛

(كعمد) أي: كما لو اتلف نفسه عمدا فإنه لا دية له بالإجماع.

ووجه كونه لا دية له في الخطأ: ما روي: " أن عامر بن الأكوع يوم خيبر

رجع سيفه عليه فقتله "

(2)

. ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو كانت واجبة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم، ولنقل نقلا ظاهرا.

ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية على غيره فإنه لو لم تحملها العاقلة لأجحف

به وجوب الدية لكثرة الخطأ، لأن وجوب الدية على العاقلة على خلاف الأصل

مواساة للجاني وتخفيفا عنه وليس على الجاني هاهنا شيء يخفف عنه، ولا

يقتضي النظر أن تكون جنايته على نفسه على غيره.

(ومن وقع في بئر أو) وقع في (حفرة، ثم) وقع (ثان، ثم) وقع

(ثالث، ثم) وقع (رابع- بعضهم على بعض- فماتوا) كلهم (أو) مات

(بعضهم) من غير أن يتدافعوا أو يتجاذبوا: (فدم الرابع هدر) " لأنه لم يسقط

عليه احد وإنما مات بسقوطه في الحفرة، فهو كما لو سقط على أرضها. (ودية

الثالث عليه) أي: على عاقلة الرابع، لأنه مات بسقوطه عليه. (ودية الثاني

عليهما) أي: على عاقلة الثالث والرابع، لأنه مات بسقوطهما عليه. (ودية

الأول عليهم) أي: على عاقلة الثاني والثالث والرابع " لأنه مات بسقوطهم

عليه.

(1)

في ج: فهو هدر

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(3960) 4: 537 1 كتاب المغازي، باب غزوة خيبر

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1802) 3: 1427 كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر

ص: 309

(وإن) تجاذبوا باًن (جذب الأول الثاني، و) جذب (الثاني الثالث، و)

جذب (الثالث الرابع: فدية الرابع على) عاقلة (الثالث) في الأصح؛ لأنه

المباشر لجذبه دون غيره. (و) دية (الثالث على) عاقلة (الثاني) في

الأصح؛ لأنه هو الذي أتلفه بجذبه له. (و) دية (الثاني على) عاقلة (الأول

والثالث) في الأصح؛ لأن موته حصل بجذب الأول وسقوط الثالث عليه.

فكانت ديته على عاقلتهما نصفين. (ودية الأول على) عاقلة (الثاني والثالث

نصفين) في الأصح؛ لأنه حصل موته بسقوط الثاني والثالث عليه.

(وإن) كان الأول (هلك بوقعة الثالث: فضمان نصفه على عاقلة الثاني،

والباقي) من ديته (هدر) في الأصح في مقابله فعل نفسه.

(ولو لم يسقط بعضهم على بعض، بل ماتوا بسقوطهم) يعني: من غير أن

يسقط أحد منهم على أحد، (أو قتلهم أسد فيما وقعوا فيه- ولم يتجاذبوا-:

فدماؤهم) أي: دماء جميعهم (مهدرة)؛ لأنه ليس لواحد منهم فعل في تلف

الآخر. وإنما تلف بسبب آخر وهو نفس سقوطه؛ لعمق الحفرة، أو الحيوان

الذي قتله. فيكون هدرا لذلك؛ لأن متلفه غير ضامن.

(وإن تجاذبوا أو تدافع) جماعة عند حفره، (أو تزاحم جماعة عند حفرة،

فسقط فيها أربعة متجاذبين كما وصفنا)، باًن سقط منهم واحد فجذب آخر،

وجذب آخر ثالثا، وجذب الثالث رابعا، (فقتلهم أسد أو نحوه)؛ كالنمر

والحية: (فدم الأول) يعني: الذي لم يجذبه أحد (هدر)؛ لأنه سقط لا بفعل

غيره. (وعلى عاقلته دية الثاني)؛ لأن الأول هو الذي جذب الثاني. (وعلى

عاقلة الثاني دية الثالث)؛ لأن الثاني هو الذي جذب الثالث. (وعلى عاقلة

الثالث دية الرابع)؛ لأن الثالث هو الذي جذب الرابع. وهذا هو الأصح.

وتسمى هذه المسألة: مساًلة الزبية.

وفيها رواية عن أحمد أن الحكم فيها بما قضى به علي رضي الله تعالى عنه. وذلك ما رواه أحمد في " المسند " عن حنش بن المعتمر عن علي قال: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية أسد. فبينما هم كذلك

ص: 310

يتدافعون. إذ سقط رجل فتعلق بآخر، ثم تعلق الرجل بآخر حتى صاروا فيها

أربعة فجرحهم الأسد. فانتدب له رجل بحربته فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم.

فقاموا

(1)

أولياء الأول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا. فأتاهم علي

عليه السلام على تفيئة

(2)

ذلك. فقال: تريدون أن تقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي. إني أقضي بينكم بقضاء أن رضيتم به فهو القضاء، وإلا حجز بعضكم عن بعض

حتى تاًتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون هو الذي يقضي بينكم. فمن عدا بعد ذلك فلا

حق له. فاجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة، فللأول الربع؛ لأنه هلك من فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث الدية،

وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية كاملة. فأبوا أن يرضوا. فاًتوا النبي صلى الله عليه وسلم

وهو عند مقام إبراهيم. فقصوا عليه القصة. فاً جازه رسول الله ص "

(3)

، ورواه بلفظ آخر نحو هذا

(4)

. فذهب أحمد إلى هذا في هذه الرواية، توقيفا على خلاف القياس.

وقد ذكر بعض أهل العلم: أن هذا الحديث لا يثبته أهل النقل، وانه

ضعيف، والقياس ما في المتن.

(ومن نام على سقف، فهوى به على قوم: لزمه المكث). كما قاله

المحققون فيمن ألقي في مركبه نار. (ويضمن ما تلف بدوام مكثه أو بانتقاله)؛ لحصول التلف بسببه.

و (لا) يضمن ما تلف (بسقوطه)؛ لأنه ملجأ لم يتسبب.

واختار ابن عقيل في التائب العاجز عن مفارقة المعصية في الحال، أو

العاجز عن إزالة أثرها؛ كمتوسط المكان المغصوب، ومتوسط الجرحى، تصح

توبته مع العزم والندم، وأنه ليس عاصيا بخروجه من الغصب. ومنه توبته بعد

(1)

في أ: فقام

(2)

في الأصول: بقية. وما أثبتتاه من " المسند"

(3)

أخرجه أحمد في " مسنده ") 573) 1: 77

(4)

أخرجه أحمد في " مسنده ") 063 1) 1: 128

ص: 311

رمي السهم أو الجرح، وتخليصه صيدا من الشرك، وحمله المغصوب لربه

يرتفع الإثم بالتوبة، والضمان باق. بخلاف ما لو كان ابتداء الفعل غير محرم؛ كخروج مستعير من دار انتقلت عن المعير، وخروج من أجنب بمسجد، ونزع

مجامع طلع عليه الفجر فإنه غير آثم اتفاقا.

قال في " الفروع ": ونظير المساًلة توبة مبتدع لم يتب من أصله، تصح.

وعنه: لا. اختاره ابن شاقلا.

وكذا توبة القاتل قد تشبه هذا، وتصح على الأصح.

وحق الآدمي لا يسقط إلا بالأداء إليه. وكلام ابن عقيل يقتضي ذلك: فإنه

شبهه بمن تاب من قتل أو إتلاف مع بقاء أثر ذلك، لكنه قال: أن توبته في هذه المواضع تمحو جميع ذلك، ثم ذكر أن الإثم واللائمة والمعتبة تزول عنه من

جهة الله سبحانه وتعالى وجهة المالك، ولا يبقى إلا حق الضمان للمالك.

قال في " الفروع ": قال شيخنا: هذا ليس بصحيح؛ لأن التائب بعد

الجرح أو وجوب القود ليس كالمخطئ ابتداء. فرقت الشريعة بين المعذور ابتداء والتائب في أثنائه وأثره. وأبو الخطاب منع أن حركات الغاصب للخروج طاعة،

بل معصية، فعلها لدفع أكثر المعصيتين بأقلهما، والكذب لدفع قتل إنسان،

والقول الثالث هو الوسط. وكذا القول فيمن أضل غيره معتقدا أنه مضل، ومن

لا يرى أنه إضلال فكالكافر الداعية يتوب. ذكره شيخنا. وذكر جده أن الخارج

من الغصب ممتثل من كل وجه، أن جاز الوطء لمن قال: أن وطئتك فأنت طالق ثلاثا. وفيها روايتان. وإلا توجه لنا أنه عاص من وجه ممتثل من وجه. انتهى.

(ومن اضطر إلى طعام) إنسان (غير مضطر أو شرابه، فطلبه، فمنعه حتى

مات) ضمنه. نص عليه؛ لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه قضى بذلك.

ولأنه إذا اضطر إليه صار أحق به ممن هو في يده.

وخرج على ذلك أبو الخطاب: أن كل من أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم

ينجه منها مع قدرته على ذلك-: أنه يضمنه.

ص: 312

ولنا: أن هذا لم يهلكه ولم يكن سببا لهلاكه؛ كما لو لم يعلم بحاله.

وعلم مما تقدم أنه أن لم يطلبه منه لم يضمنه؛ لأنه لم يمنعه ولم يوجد منه

فعل يكون سببا لهلاكه.

(أو اخذ طعام غيره، أو) أخذ (شرابه) أي: شراب غيره (وهو) أي:

المأخوذ طعامه أو شرابه (عاجز) عن دفعه، (فتلف أو) تلفت (دابته) ضمن

ما تلف من ذلك؛ لأنه سبب هلاكه.

(أو أخذ منه) أي: اخذ إنسان من إنسان (ما يدفع به صائلا عليه: من

سبع، ونحوه)؛ كنمر وذئب وحية (فأهلكه) ذلك الصائل عليه:(ضمنه)

الآخذ لما كان يدفع به عن نفسه؛ لكون ذلك صار سببا لهلاكه.

(لا من أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل) في الأصح؛ لأنه في المسألة الأولى منعه منعا كان سببا لهلاكه. فيضمنه بفعله الذي تعدى به، وهاهنا لم

يفعل شيئا يكون سببا.

(ومن أفزع) إنسانا ولو صغيرا، (أو ضرب) إنسانا (ولو صغيرا،

فأحدث بغائط، أو) أحدث ب (بول، أو) أحدث ب (ريح، ولم يدم: فعليه

ثلث ديته)؛ لما روي " أن عثمان رضي الله تعالى عنه قضى فيمن ضرب إنسانا حتى أحدث بثلث الدية ".

قال أحمد: لا أعرف شيئا يدفعه. وبه قال إسحاق.

وعن أحمد رواية أخرى: انه لا شيء عليه. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي؛ لأن الدية إنما تجب لإتلاف عضو أو منفعة، أو إزالة جمال، وليس

هاهنا شيء من ذلك. وهذا هو القياس. وإنما ذهب من ذهب إلى إيجاب

الثلث؛ لقضية عثمان؛ لأنها في مظنة الشهرة، ولم ينقل خلافها فيكون

إجماعا.

ولأن قضاء الصحأبي بما يخالف القياس يدل على أنه توقيف.

ص: 313

قال في " شرح المقنع ": وسواء كان الحدث ببول أو غائط أو ريح.

قال القاضي: وكذلك لو أفزعه حتى أحدث. والأولى أن شاء الله تعالى

التفريق بين الريح وغيرها أن كان قضاء عثمان رضي الله تعالى عنه في الغائط أو البول؛ لأن ذلك أفحش فلا يقاس عليه. انتهى كلامه في " الشرح ".

وفي " الإنصاف ": ونقل ابن منصور: الإحداث بالريح كالإحداث بالبول

والغائط. وهذا المذهب ذكره

(1)

القاضي وأصحابه. وجزم به في " الرعايتين " و" الحا و"الحاوي" " وناظم " المفردات " وهو منها.

(ويضمن أيضا) من ضرب أو أفزع (جنايته) أي: جناية من ضربه أو أفزعه

(على نفسه أو) على (غيره) بسبب ضربه أو إفزاعه.

قال في " الإنصاف ": لو مات من الإفزاع: فعلى الذي أفزعه الضمان.

تحمله العاقلة بشرطه، وكذا لو جنى الفزعان على نفسه أو غيره. جزم به ناظم " المفردات " وهو منها. انتهى.

(1)

في أ: وذكره

ص: 314

] فصل: فيمن أدب ولده فتلف [

(فصل. ومن أدب ولده، أو) أدب (زوجته في نشوز، أو) أدب (معلم

صبيه، أو) أدب (سلطان رعيته ولم يسرف) أي: ولم يزد على الضرب المعتاد

في ذلك في العدد ولا في الشدة (فتلف) بذلك: (لم يضمنه). نص عليه.

قال في " الفروع " في أواخر

(1)

باب الإجارة: لم يضمنه في ذلك كله في المنصوص. نقله أبو طالب وبكر.

قال ابن منجا: هذا المذهب. وجزم به في " الوجيز " وغيره.

ووجه ذلك: أنه فعل ما له فعله شرعا ولم يتعد فيه. فلم يضمن سرايته؛

كما لو كان له عليه قصاص فاقتص منه فسرى إلى نفسه، فإنه لا يضمن. كذلك هاهنا

(2)

.

(وإن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود) فتلف بسبب ذلك:

ضمنه، (أو ضرب من لا عقل له: من صبي) صغير، (أو غيره) ممن لا عقل

له من مجنون ومعتوه فتلف: (ضمن)، لتعديه في المساًلة الأولى بالإسراف،

وعدم الأذن من الشارع في تأديب من لا عقل له، لعدم حصول المقصود

بتأديبه.

(ومن أسقطت) جنينها (بـ) سبب (طلب سلطان، أو تهديده)، سواء

كان طلبها الحق الله تعالى، أو غيره) أي: لكشف حد لله سبحانه وتعالى أو

تعزير، (أو ماتت ب) سبب (وضعها) من الفزع، (أو) ماتت من غير وضع

(فزعا، أو ذهب عقلها) فزعا، (أو استعدى إنسان) حاكما على امرأة

(1)

في ب: آخر

(2)

في ب: هنا

ص: 315

فأسقطت أو ماتت أو ذهب عقلها فزعا: (ضمن السلطان ما كان) من ذلك (بطلبه

أي: طلب السلطان (ابتداء) أي: من غير استعداء أحد، (و) ضمن (المستعدي

ما كان بسببه) أي: بسبب استعدائه في المنصوص في المساًلتين. ثم لا يعتبر

في الضمان كون السبب معتادا، فإن الضربة والضربتين بالسوط ليس سببا معتادا. ومتى أفضت إلى الهلاك وجب الضمان. ويدل للأولى ما روي "أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث إلى امرأة مغيبة

(1)

كان رجل يدخل إليها. فقالت: يا ويلها، ما

لها ولعمر. فبينما هي في الطريق إذ فزعت فضربها الطلق فألقت ولدا فصاح

الصبي صيحتين ثم مات. فاستشار عمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاً شار بعضهم: أن ليس عليك شيء إنما أنت وال ومؤدب. وصمت علي. فاً قبل عليه عمر.

فقال: ما تقول يا أبا الحسن؛ فقال: أن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطاً رأيهم،

وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك. أن ديته عليك؛ لأنك أفزعتها

فألقته. فقال عمر: أقسمت عليك أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك

(2)

.

ووافق الشافعي في ضمان الجنين. وقال: لا تضمن المرأة " لأن ذلك

ليس بسبب لهلاكها في العادة.

ولنا: أنها نفس هلكت بإرساله إليها. فضمنها؛ كجنينها، أو نفس هلكت

بسببه. فغرمها؛ كما لو ضربها فماتت.

وأما كون المستعدي يضمن ما كان بسبب استعدائه، لأنه الداعي إلى كون السلطان طلبها. فكان موتها أو موت جنينها بسببه فضمنها، (كإسقاطها) أي:

كإسقاط الأمة (بتأديب، أو قطع يد لم يأذن سيد فيهما، أو شرب دواء لمرض)

فتموت بسبب شيء من ذلك.

(ولو ماتت حامل، أو)

(3)

مات (حملها من ريح طعام، ونحوه)؛

كرائحة الكبريت: ضمن) ربه (إن علم ربه ذلك). أي: أن الحامل تموت

(1)

في ب: مغنية. والمغيبة: من غاب عنها زوجها.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (18010) 9: 458 كتاب العقول، باب من أفزعه السلطان.

(3)

في ب: حاملا و. 316

ص: 316

أو يموت حملها من ذلك (عادة) أي: في العادة وأن الحامل هناك، وإلا فلا

إثم ولا ضمان.

(وإن سلم بالغ عاقل نفسه، أو) سلم (ولده إلى سابح حاذق ليعلمه)

السباحة (فغرق) لم يضمن الولد في الأصح، ولا من سلم نفسه قولا واحدا.

(أو أمر) مكلف أو غير مكلف (مكلفا ينزل بئرا أو يصعد شجرة، فهلك

به) أي: بنزوله البئر أو صعوده الشجرة: الم يضمنه) الآمر " لأنه لم يجن ولم

يتعد. أشبه ما لو أذن له ولم يأمره، حتى (ولو أن الآمر سلطان) في الأصح

كغير السلطان، و (كاستئجاره) لذلك، أقبضه الأجرة أو لا. (وإن لم يكن)

المأمور (مكلفا)" كما لو كان صغيرا أو مجنونا: (ضمنه) الآمر " لأنه تسبب إلى إتلافه.

(ومن وضع على سطحه جرة، أو نحوها)، كالإبريق والقصعة (ولو)

كان وضعها (متطرفة فسقطت بريح، أو نحوها)، كطائر وحيوان وغيره (على

آدمي، فتلف: لم يضمنه) واضع ذلك في الأصح، لأن سقوطه بغير فعله،

وزمن وضعه كان في ملكه.

(ومن دفعها حال سقوطها عن نفسه) أي: عن وصولها إليه فأتلفت شيئا،

(أو تدحرجت) على إنسان، (فدفعها عنه) فأتلفت شيئا: الم يضمن) دافعها

(ما تلف) بدفعه. ذكره في " الانتصار "، لأنه غير متعد بذلك.

ص: 317

[باب: مقادير ديات النفس]

(هذا باب مقادير ديات النفس). واحد المقادير مقدار، وهو مبلغ الشيء

وقدره.

(دية الحر المسلم: مائة بعير، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال

ذهبا، أو اثنا عشر ألف درهم فضة).

قال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية: الإبل والذهب والورق

والبقر والغنم. ويدل لذلك ما روى عطاء عن جابر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل

الشاء

(1)

ألفي شاة

(2)

رواه أبو داود.

وعن عكرمة عن ابن عباس: " أن رجلاً قتل. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألف درهم

(3)

.

وفي كتاب عمرو بن حزم " وعلى أهل الذهب ألف دينار "

(4)

.

(وهذه الخمسة) المذكورات (فقط أصولها) أي: أصول الدية.

إذا علمت ذلك فإنه (إذا احضر من عليه دية احدها) أي: أحد هذه

الخمسة: الزم) ولي الجناية (قبوله) بغير خلاف في المذهب، سواء كان ولي

الجناية من أهل ذلك النوع أو لم يكن؛ لأنها أصول في قضاء الواجب يجزئ

واحد منها. فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه؛ كخصال الكفارة. وليست

الحلل أصلا على الأصح؛ لأنها لا تنضبط.

(1)

في ب: الشياء.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4543) 4: 184 كتاب الديات، باب الدية كم هي.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4546) 4: 185 الموضع السابق.

(4)

أخرجه النسائي في " سننه "(4853) 8: 57 كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.

ص: 318

(ويجب من إبل في عمد وشبهه) أي: شبه العمد: (خمس وعشرون بنت

مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس

وعشرون جذعة) على الأصح.

وعنه: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون حقة في بطونها.

أولادها.

والأول المذهب؛ لأن الدية حق

(1)

يتعلق بجنس الحيوان. فلا يعتبر فيه

الحمل؛ كالزكاة والأضحية.

(وتغلظ) دية عمد وشبه عمد (في طرف، كـ) ما تغلظ في (نفس)؛

لاتفاقهما في السبب الموجب، (لا في غير إبل) يعني: أنه لا تغلظ الدية في غير الإبل؛ لعدم وروده.

(وتجب) الدية (في خطا أخماسا: عشرون من كل من الأربعة

المذكورة). يعني: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون

حقة، وعشرون جذعة، (وعشرون ابن مخاض).

قال في " شرج المقنع ": لا يختلف المذهب: أن دية الخط! أخماس كما

ذكرنا. وهذا قول ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي وابن المنذر.

(وتؤخذ) دية (في بقر مسنات واتبعة) نصفين، (و) تؤخذ الدية (في

غنم: ثنايا وأجذعة نصفين)؛ لأن دية الإبل من الأسنان المقدرة في الزكاة.

فكذلك البقر والغنم.

(وتعتبر السلامة من عيب) في كل نوع من الإبل والبقر والغنم؛ لأن

الإطلاق يقتضي السلامة.

الا أن تبلغ قيمتها دية نقد)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " في النفس المؤمنة مائة من

الإبل "

(2)

. وهذا مطلق فتقييده يخالف إطلاقه. فلم يجز إلا بدليل.

(1)

ساقط من ب

(2)

أخرجه النسائي في " سننه "(4856) 8: 59 كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.

ص: 319

ولأنها كانت تؤخذ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقيمتها ثمانية آلاف.

وقول عمر رضي الله تعالى عنه في حديثه: " أن الإبل قد غلت، فقومها

على أهل الورق باثني عشر ألفا "

(1)

: دليل على أنها في حال رخصها أقل قيمة

من ذلك، وقد كانت تؤخذ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمرمع رخصها وقلة قيمتها ونقص قيمة كل بعير عن

(2)

مائة وعشرين

(3)

يوما فإيجاب

ذلك فيها خلاف السنة.

(ودية أنثى بصفته) أي: صفة الذكر باًن كانت حرة مسلمة

(4)

: (نصف ديته).

قال ابن المنذر وابن عبدالبر: أجمع على ذلك أهل العلم.

وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أن ديتها كدية الرجل " لقوله صلى الله عليه وسلم:

" في النفس المؤمنة مائة من الإبل "

(5)

.

وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كتاب عمرو بن حزم:" دية المرأة على النصف من دية الرجل "

(6)

. وهذا أخص مما ذكراه

فيكون ما ذكرناه مخصصا لما ذكراه.

(ويستويان) أي: الأنثى والذكر (في) قطع أو جرح (موجب دون ثلث

دية) على الأصح، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديتها "

(7)

. أخرجه النسائي. وهو نص يقدم على ما سواه.

(1)

= وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى " 8: 100 كتاب الديات، باب دية أهل الذمة.

أخرجه أبو داود في " سننه "(4542) 4: 184 كتاب الديات، باب الدية كم هي

(2)

في ب: ونقصها عن

(3)

في أ: وعشر ون

(4)

في ب: بان كانت مسلمة وهو مسلم، أو ذمية وهو ذمي، أو مجوسية وهو مجوسي.

(5)

سبق في الحديث ما قبل السابق.

(6)

أخرجه النسائي قي " سننه "(4843) 8: 47 الموضع السابق.

وأخرجه مالك في الموطأ (1) 2: 647 كتاب العقول، باب ذكر العقول.

(7)

أخرجه النسائي في " سننه "(4805) 8: 44 كتاب القسامة، عقل المرأة.

ص: 320

وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: " كم في إصبع المرأة؛ قال:

عشر. قلت: ففي إصبعين. قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث أصابع.

قال: ثلاثون. قلت: ففي أربع. قال: عشرون. قال: فقلت: لما عظمت

مصيبتها قل عقلها. قال: هكذا السنة يا ابن أخي "

(1)

. وهذا مقتضى سنة

رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه سعيد بن منصور.

ولأن ما دون الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى بدليل الجنين] فإنه يستوي فيه

دية الذكر والأنثى]

(2)

.

وأما كونها لا يساوي جراحها جراح الرجل في الثلث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " حتى

يبلغ الثلث "

(3)

و " حتى " للغاية، فيجب أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها؛

لقوله سبحانه وتعالى: (حتى يعطوا الجزية) [التوبة: 29 [.

ولأن الثلث في حد الكثرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " والثلث كثير "

(4)

.

ولأن العاقلة تحمله فدل على انه مخالف لما دونه.

(ودية خنثي مشكل بالصفة: نصف دية كل منهما) أي: من الذكر والأنثى

وذلك ثلاثة أرباع دية الذكر؛ لأنه محتمل الذكورية والأنوثية احتمالا واحدا وقد

يئسنا من انكشاف حاله فيجب التوسط بينهما والعمل بكل من الاحتمالين.

(وكذا) أي. وكدية كله يكون (جراحه) ولو زاد على ثلث ديته.

(ودية كتأبي حر ذمي، أو معاهد، أو مستأمن: نصف دية حر مسلم) على

الأصح؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " دية المعاهد نصف دية المسلم "

(5)

.

(1)

أخرجه مالك في " الموطأ " 2: 655 كتاب العقول، باب ما جاء في عقل الأصابع.

(2)

ساقط من ب.

(3)

سبق تخريجه قريبا.

(4)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2591) 3: 6، 10 كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء

وأخرجه مسلم في " صحيحه"(1628) 3: 1250 كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث.

(5)

أخرجه أحمد (6692) 2: 180 بلفظ: " دية الكافر نصف دية المسلم ".

ص: 321

وفي لفظ: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين "

(1)

رواه الإمام أحمد.

وفي لفظ: " دية المعاهد نصف دية الحر "

(2)

.

قال الخطأبي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، ولا بأس بإسناده. وقد قال به أحمد.

(وكذا جراحُه) أي: جرح الكتابي يعني: فإنه يكون على نصف جراح المسلم.

(ودية مجوسي حر ذمي، أو معاهد، أو مستأمن، و) دية (حر، من عابد

وثَن وغيره) من المشركين، (مستأمن أو معاهد بدارنا: ثمانمائة درهم) في الأصح في المعاهد.

وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى ما قلنا في دية المجوسي.

قال أحمد: ما أقل من اختلف في دية المجوسي.

وممن قال بقولنا: عمر وعثمان وابن مسعود وسعيد بن المسيب وعطاء وعكرمة والحسن ومالك والشافعي.

ويروى عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: " دية المجوسي نصف دية المسلم

كدية الكتابي "؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب "

(3)

.

وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي: ديته كدية المسلم " لأنه آدمي حر

* معصوم. فأشبه المسلم.

ولنا: أن ما قلناه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب "، في حقن دمائهم وأخذ الجزية منهم.

(1)

أخرجه أحمد في " مسنده "(6717) 2: 183.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4583) 4: 194 كتاب الديات، باب في ديه الذمي.

(3)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 9: 189 كتاب الجزية، باب المجوس أهل كتاب والجزية تؤخذ منهم.

ص: 322

(وجراحُه) أي: جراح ما ذكر من المجوس وعابد الوثن وغيره (بالنسبة)

إلى ديته.

قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: جني على مجوس في عينه وفي يده، قال: يكون من حساب ديته، كما أن المسلم يؤخذ بالحساب فكذلك هذا. قيل: قطعت يده. قال: بالنصف من ديته.

(ومن لم تبلغه الدعوة) أي: دعوة الإسلام: (إن كان له أمان، فديته دية

أهل دينه فإن لم يعرف دينه: فكمجوسي)؛ لأنه اليقين والزيادة مشكوك فيها. (وإلا) أي: وإن لم يكن له أمان: (فلا شيء فيه) في الأصح.

(ودية أنثاهم) أي: أنثى من ذكر من الكفار (كنصف) دية (ذكرهم).

قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم في هذا خلافاً.

(وتغلظ دية قتل خطأ) بوقوعه (في كل: من حرم مكة، وإحرام، وشهر حرام) فقط (بثلث) أي: ثلث دية. وهذا على الأصح الذي نقله الجماعة عن الإمام أحمد. وهو من مفردات المذهب.

وقال أبو بكر: أنها تغلظ بقتل رحمه المحرم خطأ.

والأول المذهب.

(فمع اجتماع) حالات التغليظ (كلها)، وجب عليه (ديتان)؛ لأن القتل تجب به دية وقد تكرر التغليظ ثلاث مرات فكان الواجب ديتين.

واحتج من قال بالتغليظ بما روى ابن أبي نجيح " أن امرأة وطئت في الطواف. فقضى عثمان رضي الله تعالى عنه فيها بستة الاف، وألفين تغليظاً للحرم "

(1)

. وعن ابن عباس: " أن رجلاً قتل رجلاً في الشهر الحرام وفي البلد الحرام. فقال: ديته اثنا عشر ألف، وللشهر الحرام أربعة الاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف ". وهذا مما يظهر ويشتهر ولم ينكر.

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 95 كتاب الديات، باب ما جاء في دية المرأة.

ص: 323

قال في " المقنع ": وظاهر كلام الخرقي: أن الدية لا تغلظ بشيء من ذلك. وهو ظاهر الآية والأخبار. يعني: لقوله سبحانه وتعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتخرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله)[النساء: 92] وهذا يقتضي أن تكون الدية واحدة في كل مكان وكل حال.

ولقوله صلى الله عليه وسلم: " في النفس المؤمن مائة من الإبل "

(1)

، لم يزد على ذلك وعلى أهل الذهب ألف مثقال.

وفي حديث أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وأنتم يا خزاعة قتلتم هذا القتيل

من هذيل. وأنا والله عاقله

(2)

. فمن قتل له قتيل بعد ذلك فأهله بين خيرتين: أن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية "

(3)

. وهذا القتيل كان بمكة في حرم الله سبحانه وتعالى، ولم يزد النبي صلى الله عليه وسلم على الدية، ولم يفرق بين الحرم وغيره. (وإن قتل مسلم كافرا) ذمياً أو معاهداً (عمداً: أضعفت ديته) أي: دية الكافر على المسلم؛ لإزالة القود، كما حكم عثمان رضي الله تعالى عنه. روى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه " أن رجلاً قتل رجلاً من أهل الذمة. فرفع إلى عثمان. فلم يقتله، وغلظ عليه الدية ألف دينار "

(4)

. فذهب إليه أحمد رضي الله تعالى عنه.

ولأحمد نظائر لذلك في مذهبه فإنه أوجب على الأعور إذا قلع عين صحيح مماثلة لعينه: دية كاملة؛ لما امتنع عنه القصاص. وأوجب على سارق الثمر المعلق مثلي قيمته؛ لما درأ عنه القطع.

والذي ذهب إليه جماهير العلماء: أن دية الذمي في العمد والخطأ واحد؛ لعموم الأخبار فيها، وكما لو قتل حر عبداً عمداً فإنها لا تضعف القيمة عليه.

(1)

سبق تخريجه ص (319) رقم (2).

(2)

في ب: عاقلته.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4 0 5 4) 4: 172 كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية.

(4)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 33 كتاب الجنايات، الروايات فيه عن عثمان رضي الله عنه.

ص: 324

[فصل: في دية القن]

(فصل. ودية قن: قيمته)، ذكراً كان أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، مدبراً

كان أو مكاتباً أو أم ولد، عمداً كان القتل أو خطأ، وسواء ضمن باليد أو بالجناية (ولو) كانت قيمته (فوق دية حر)؛ لأنه مال متقوم. فيضمن بكمال قيمته بالغة ما بلغت؛ كالفرس، أو نقول مضمون بقيمته. فكانت جميع القيمة؛ كما لو ضمن باليد. ويخالف الحر فإنه ليس مضمونا بالقيمة، وإنما يضمن بما قدره الشرع فلم يتجاوزه.

ولأن ضمان الحر ليس بضمان مال، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته.

وهذا ضمان مال يزيد بزيادة المالية وينقص بنقصانها فاختلفا.

(وفي جراحه) أي: جراح القن: (إن قُدّر من حر بقسطه من قيمته) أي

يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، سواء (نقص بجنايته أقل من ذلك أو أكثر) من ذلك على الأصح.

وما أوجب الدية في الحر؛ كالأنف واللسان واليدين والرجلين والعينين والأذنين والخصيتين أوجب فيه قيمة العبد مع بقاء ملك السيد عليه. روي هذا عن علي بن أبي طالب. وروي نحوه عن سعيد بن المسيب. وبه قال ابن سيرين وعمر بن عبدالعزيز والشافعي؛ لأن قيمته كدية الحر. وسيأتي صور من ذلك في المتن.

(وإلا) أي: وإن لم يكن مقدراً في الحر ما أوجبته الجناية؛ كالعصعص وخرزة الصلب: (ف) أن على الجانى ضمان (ما نقصه) بجنايته بعد التئام جرحه؛ لأن الواجب إنما وجب جبراً لما فات بالجناية، ولا يتحرز إلا بإيجاب ما نقص من القيمة. فيجب ذلك؛ كما لو كانت الجنايات على غيره من

ص: 325

الحيوانات، ولا تجب زيادة على ذلك؛ لأن حق المجني عليه قد انجبر [فلا يجب]

(1)

له زيادة على ما فوته الجانى عليه.

إذا تقرر هذا (فلو جني على رأسه) أي: رأس القن (أو وجهه دون موضحة: ضمن بما نقص، ولو أنه) أي: نقصه بالجناية (أكثر من أرش موضحة).

قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم خلافاً فيما ليس فيه مقدر شرعي.

(وفي منصّف) أي: وفيمن نصفه حر إذا قتل: (نصف دية حر، ونصف قيمته. وكذا جراحه). فلو كان القتل خطأ والقاتل حراً كان عليه نصف

(2)

قيمته. في ماله، وعلى عاقلته نصف ديته، لأنها نصف دية حر. وكذا جراحه

(3)

إذا كان قدر الدية من أرشها يبلغ ثلث الدية، مثل: أن يقطع أنفه أو يديه أو رجليه. وإن قطع إحدى يديه كان الجميع على الجاني، لأن نصف الدية ربع ديته. فلا تحملها العاقلة؛ لنقصها عن ثلث دية الحر.

(وليست أمة كحرة في رد أرش جراح، بلغ ثلث قيمتها أو أكثر، إلى نصفه) أي: نصف أرش جراحها؛ لأن ذلك في الحرة على خلاف الأصل؛ لكون الأصل زيادة الأرش بزيادة الجناية، وأنه كلما زاد نقصها وضررها زاد في ضمانها. فإذا خولف الأصل في الحرة للحديث بقي في الأمة على وفق الأصل. (ومن قطع خصيتي عبد)، أو ذكره، (أو أنفه، أو أذنيه)، أو شفتيه،

ونحو ذلك مما لو قطع من حر وجبب فيه الدية كاملة: (لزمته قيمته) كاملة لسيده؛ لأن القيمه بدل من الدية، وملك سيده باق عليه؛ لأنه لم يوجد سبب يقتضي زوال الملك عنه. فوجب بقاؤه على ملكه عملاً باستصحاب الحال.

(وإن قطع ذكره، ثم خصاه: ف) إنه تجب (قيمته) صحيحا كاملة (لقطع

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: والقاتل حر فعليه نصف.

(3)

في ج: جرحه.

ص: 326

ذكره)، لأن الواجب في ذلك من الحر دية كاملة. فوجب عليه بقطعه قيمته كاملة، (و) تجب (قيمته) بقطع خصيتيه بعد قطع ذكره (مقطوعة) يعني: ناقصاً بقطع ذكره؛ لأنه لم يقطع خصيتيه إلا وقد نقصت قيمته بقطع الذكر. فوجبت عليه قيمته مقطوع الذكر. بخلاف ما لو أذهب سمعه وبصره بجناية واحدة فإنه يجب عليه بذلك قيمتاه؛ لأن

(1)

في كل من ذلك من الحر دية كاملة. (وملك سيده باق عليه.)؛ لأن ما يأخذه من القيمة بدل المنفعة لا بدل النفس.

* * *

(1)

ساقط من ب.

ص: 327

[فصل: في دية الجنين]

(فصل. ودية جنين). وهو: اسم للولد في البطن، مأخوذ من الأجنان وهو الستر؛ لأنه أجنّة بطن أمه. أي: ستره. ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: (وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاكتم)[النجم: 32].

(حر مسلم ولو أنثى، أو ما تصير به) أمة (قن أمّ ولد أن ظهر) الجنين، (أو) ظهر (بعضه ميتا، ولو) كان ظهوره (بعد موت أمه بجناية عمداً أو خطأ)، أو ما يقوم مقام الجناية؛ كما لو أسقطت فزعا من استعداء بطلبها إلى ذي سلطان، أو بسبب رائحة طعام بشرطها، (فسقط) الجنين بسبب ذلك في الحال، (أو بقيت) أمّه (متألمة حتى سقط) جنينها (ولو بفعلها)؛ كما لو شربت دواء فأجهضت جنينها بسببه، (أو كانت) أمّه (ذمية حاملاً من ذمي ومات) الذمي أبو الحمل قبل أن يسقط.

(ويُردّ قولها: حملت من مسلم) أن لم تقم به بينة؛ لأن قولها خلاف الظاهر، (أو) كانت أم الجنين (أمة وهو حر، ف) إنها (تقدر حرة).

وقوله: (غرة) خبر لقوله: ودية جنين.

وقوله: (عبد أو أمة) بدل من غرة. والغرة في الأصل الخيار. سمي بها العبد والأمة؛ لأنهما من أنفس الأموال.

والأصل في وجوب الغرة في الجنين ما روى أبو هريرة قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقضى رسول الله أن دية جنينها عبد أو أمة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها. وورثها ولدها ومن معه "

(1)

. متفق عليه.

(1)

سبق تخريجه ص (233).

ص: 328

وما روي " أن عمر استشار الناس في إملاص المرأة، وهو: أن ترمي ولدها

من بطنها، يقال: أملصت المرأة ولدها إذا أسقطته. فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة. فقال: لتأتيني بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن سلمة "

(1)

. متفق عليه.

وقوله: (قيمتها: خمس من الإبل) صفة لقوله: غرة، وذلك نصف عشر الدية. روي ذلك عن عمر وزيد. وهو قول الجماعة؛ لأن ذلك أقل ما قدره الشارع في الجناية، وهو أرش الموضحة. فرددناه إليه، لا يقال: قد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث وهو دون ذلك؛ لأن ذلك إنما وجب بالحساب من دية الإصبع.

وقوله: (موروثة عنه) أي: عن الجنين (كأنه سقط حياً)؛ لأنها بدل عنه

(2)

.

ولأنها دية آدمي حر فوجب أن تكون موروثه عنه.

إذا تقرر هذا (فلا حق فيها لقاتل)؛ لأنه لا يرث المقتول، (ولا)

ل (كامل رق)؛ لقيام المانع من الإرث وهو الرق.

(ويرثها) أي: يرث الغرة (عصبة سيد قاتل جنين أمته الحر). يعني: لوضرب السيد بطن أم ولده فأسقطت جنينها منه كان عليه غرة يرثها عصبته دونه؛ لأنه قاتل.

(ولا يقبل فيها) أي: في الغرة عبد (خصي، ونحوه)؛ كخنثى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الغرة بعبد أو أمة

(3)

. والخنثى ليس بواحد منهما.

ولا مكاتب، (ولا معيب) عيباً (يرد) به (في بيع)؛ لأن العبد والأمة المنصوص عليهما إنما ينصرفان إلى الصحيح منهما.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(9 " 65) 6: 2531 كتاب الديات، باب جنين المرأة.

وأخرجه مسلم فى " صحيحه "(1689) 3: 1311 كتاب القسامة، باب دية الجنين

(2)

في ب: لأنه بدل عنه. ولأنها دية عنه.

(3)

ر. الحديث السابق.

ص: 329

ولأنه حيوان وجب بالشرع. فلا يقبل فيه المعيب، كالزكاة.

(ولا من له دون سبع سنين)، لأن المقصود من العبد أو الأمة الخدمة

لا نفس المالية، إذ لو أريد نفس المالية لم تتعين في الغرة.

ومن له دون سبع سنين لا يحصل منه المقصود، بل يحتاج إلى من يكلفه ويخدمه فلا يقبل.

(وإن أعوزت) الغرة: (فالقيمة) أي: فالواجب قيمته (من أصل الدية) وهو الإبل. (وتعتبر) الغرة (سليمة مع سلامته) أي: سلامة الجنين (وعيب الأم) يعني: أنه إذا كان الجنين كامل الأعضاء وكانت أمه ناقصتها، أو كانت خرساء، أو عمياء، أو صماء، لم يؤثر ذلك في اعتبار سلامة الغرة؛ لأن ذلك لا أثر له في ذلك.

(وجنين مبعض) أي: من بعضه حر ومن بعضه رقيق لكون أمه كذلك (بحسابه) من الدية والقيمة. فلو كان نصفه حراً ونصفه رقيقاً وجب فيه

(1)

نصف غرة لورثته، ونصف عشر قيمة أمه لسيدها.

(وفي) جنين (قن ولو) كان الجنين (أنثى: عشر قيمة أمّه.

و) متى كانت أم الجنين القن حرة بأن أعتقها سيدها واستثنى حملها

ف (تقدر) أمه (الحرة أمة، ويؤخذ عشر قيمتها يوم جناية) عليها (نقداً)؛ لأن الغرة إنما تجب في الجنين إذا كان حراً وهذا رقيق.

(وإن ضرب) إنسان (بطن أمة فعتق جنينها) بان أعتقه سيدها دونها ويصح ذلك، (ثم سقط) من الضربة ففيه غرة على الأصح؛ لأن العبرة في الجنين بحالى السقوط وقد سقط وهو حر.

(أو) ضرب إنسان (بطن ميتة، أو) ضرب (عضواً) منها (وخرج ميتاً وشوهد بالجوف) أي: بجوف الميتة بعد موتها (يتحرك: ففيه غرة) في الأصح؛ كما لو ضربها وهي حية ثم ماتت ثم خرج منه ميتاً.

(1)

ساقط من ب.

ص: 330

(وفي) جنين (محكوم بكفره)؛ كجنين الذمية من زوجها الذمي: (غرة قيمتها عشر دية أمه)؛ لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أمه فكذلك جنين الكافرة.

(وإن كان أحد أبويه) أي: أبوي الجنين (أشرف دينا) من الآخر؛ (كمجوسية تحت كتابي، أو كتابية تحت مسلم: ف) الواجب في ذلك (غرة قيمتها عشر دية الأم لو كانت على ذلك الدين) في الأصح. فتقدر المجوسية تحت الكتابي كتابية، وتقدر الكتابية تحت المسلم مسلمة.

ومتى أسلم أحد أبوي الجنين الكافرين بعد الضرب وقبل الوضع ففيه غرة اعتباراً بحال الاستقرار في الأصح.

(وإن سقط) الجنين (حيا لوقت يعيش لمثله وهو: نصف سنة فصاعدا ولو

لم يستهل) ثم مات: (ففيه ما فيه)، حال كونه (مولوداً) فيكون فيه دية حر أن كان حرا؛ لأنه حر مات بجناية. أشبه ما لو باشره بالقتل، ويكون فيه قيمته أن كان عبداً؛ لأن قيمة العبد بمنزلة الدية في الحر.

(وإلا) أي: وإن لم يكن سقوطه لوقت يعيش في مثله ولو سقط حيا: (فكميّت) أي: فكما لو سقط ميتا؛ لأن من ولد قبل ذلك لم تجر العادة بأنه يعيش.

(وإن اختلفا) أي: اختلف الجانى وولي الجناية (في خروجه) أي: خروج الجنين (حيا)، بأن قال ولي الجناية: خرج حياً ففيه دية، وقال الجاني: خرج ميتاً ففيه غرة، (ولا بينة) لواحد منهما بما يذكره:(فقول جان) بيمينه في ذلك في الأصح؛ لأنه منكر والأصل براءة ذمته من الدية الكاملة.

(وفي جنين دآبة: ما نقص أمه) على الأصح. نص عليه.

قال في " القواعد ": وقياسه جنين الصيد في الحرم والإحرام.

ومتى ادعت امرأة على إنسان أنه ضربها فأسقطت جنينها فأنكر الضرب

ص: 331

فالقول قوله بيمينه، لأن الأصل عدمه. وإن أقر بالضرب أو قامت به بينة وأنكر أن تكون أسقطت فالقول قوله أيضا بيمينه: أنه لا يعلم أنها أسقطت، لا على البت " لأنها يمين على فعل الغير والأصل عدمه.

وإن ثبت الإسقاط والضرب وادعى إسقاطها من غير الضرب فإن كانت أسقطته

(1)

عقب الضرب فالقول قولها بيمينها، لأن الظاهر أنه من الضرب، لوجوده عقيب

(2)

شيء يصلح أن يكون سببا له. وكذا أن أسقطته

(3)

بعده بأيام وكانت متألمة [إلى حين الإسقاط، وإن لم تكن متألمة]

(4)

فقوله بيمينه.

* * *

(1)

في ج: أسقطت.

(2)

في ب: عقب.

(3)

في ج: أسقطت.

(4)

ساقط من ب.

ص: 332

[فصل: في جناية القن]

(فصل. وإن جنى قن)، عبد أو أمة، (خطأ أو عمداً لا قود) عليه أو (فيه، أو فيه قود واختير المال) أي: اختاره ولي الجنالة، (أو أتلف مالاً) تعدياً لم تلغ جنايته ولا إتلافه؛ لأنها جناية آدمي. فوجب اعتبارها؛ كجناية الحر.

ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذره وعدم تكليفه فالعبد أولى.

ولا يمكن تعلقها بذمة العبد؛ [لأنه يفضي إلى إلغائها أو تأخير حق المجني عليه إلى غير غاية ولا بذمة السيد؛ لأنه لم يجن. فتعين تعلقها برقبة العيد]

(1)

؛ لأن ذلك موجب

(2)

جنايته. فوجب أن يتعلق برقبته؛ كالقصاص.

وإذا تعلقت برقبته (خيّر سيده بين بيعه في الجناية وفدائه) على الأصح.

(ثم أن كانت) الجناية (بأمره) أي: أمر السيد (أو أذنه: فداه بأرشها) أي: أرش الجناية (كله)؛ لأنه فوت شيئاً بأمر سيده. فكان على سيده ضمانه؛ كما لو استدان بأمره.

قال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا أمر غلامه فجنى فعليه ما جنى، وإن كان أكثر من ثمنه.

(وإلا) أي: وإن لم تكن الجناية بأمر سيده أو أذنه (ولو أعتقه) أي: أعتق العبد الجانى سيده (ولو) كان إعتاقه (بعد علمه بالجناية) على أصح: (ف) إنه يفديه؛ لأنه أتلف محل الجناية على من تعلق حقه به. فلزمه غرامته؛ كما لو قتله. ويكون فداؤه (بالأقل منه) أي: من أرش الجناية (أو عن قيته)

(1)

ساقط من أ.

(2)

فى ب: يوجب.

ص: 333

على الأصح؛ لأنه أن دفع أرش الجناية فهو الذي وجب للمجني عليه. فلم يملك المطالبة بأكثر منه، وإن أدى قيمة العبد فقد أدى بدل المحل الذي تعلقت به الجناية وهو قيمة الجانى.

(وإن سلمه) أي: سلم السيد عبده الجانى لولي الجناية، (فأبى ولي قبوله، وقال) لسيده: (بعه أنت لم يلزمه) بيعه على الأصح؛ لأنه إذا سلم العبد فقد أدى المحل الذي تعلق الحق به، (ويبيعه حاكم)؛ لأن له الولاية العامة، ولما في ذلك من إيصال حق ولي الجناية إليه.

(وله) أي: ولسيد الجانى (التصرف فيه) أي: في العبد الجانى بالبيع والهبة وغيرهما ولم يزل بذلك تعلق الجناية عن رقبته، (ك) ما أن ل (وارث) التصرف (في تركة) أي: تركة موروثه المديون. ثم أن وفّى رب الجناية ورب الدين الذي على الميت حقه فقد مضى التصرف، وإلا رد التصرف. ثم أن كان الواجب على الجانى قصاصاً وعلم به المشتري فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة، وينتقل الخيار إليه في فدائه وتسليمه كسيده الأول، وإن لم يعلم الحال فله الخيار بين إمساكه ورده، كسائر المعيبات.

(وإن جنى) عبد (عمداً فعفا ولي قود على رقبته: لم يملكه بغير رضى سيده) على الأصح؛ لأنه إذا لم يملكه بالجناية. فلئلا يملكه بالعفو أولى.

ولأنه أحد من عليه القصاص

(1)

. فلا يملك بالعفو؛ كالحر.

ولأنه إذا عفا عن القصاص انتقل حقه إلى المال، فصار كالجاني جناية موجبة للمال.

(وإن جنى) عبد (على عدد) أي: على اثنين فأكثر (خطأ)، سواء كانت الجناية في وقت واحد أو بعضها بعد بعض:(زاحم كلٌ) من أولياء الجنايات (بحصته)؛ لأنهم تساووا في سبب تعلق الحق به. فتساووا في الاستحقاق؛ كما لو جنى عليهم دفعة واحدة.

(1)

في أوب: قصاص.

ص: 334

(فلو عفى البعض) عن حقه، (أو كان) المجني عليه (واحداً فمات وعفا بعض ورثته: تعلق حق الباقي) الذي لم يعف (بجميعه) أي: بجميع العبد الجانى في الأصح، لأن سبب استحقاقه موجود. وإنما امتنع ذلك بمزاحمة الاخر له وقد زال المزاحم. فثبت له الحق جميعه؛ لوجود المقتضي وزوال المانع، فهو كما لو

(1)

جنى على إنسان ففداه سيده ثم جنى على آخر.

(وشراء ولي قود له) أي: للعبد الجانى جناية موجبة للقود: (عفو عنه). ذكره في " الفروع " ولم يذكر فيه خلافاً. وأما إذا دخل في ملكه بقبول هبة أو بإرث

(2)

فمسكوت عنه.

(وإن جرح) عبد (حراً، فعفا) عن جراحته، (ثم مات) العافي (من جراحته ولا مال له) أي: ولم يترك العافي مالاً، ولم تجز الورثة عفوه، (واختار سيده) أي: سيد الجانى (فداه. فإن لزمته قيمته) أي: لزم السيد فداؤه بقيمته بأن كانت الجناية بغير أمر السيد أو أذنه (لو لم يعف) المجروح: (فداه) بعد عفوه وموته من الجراحة (بثلثيها) أي: ثلثي قيمته فقط؛ لأن ذلك جميع ماله وقد عفى عنه وهو مريض ولم تجزه الورثة. فيصح في ثلثه؛ كمحاباة غيره.

(وإن لزمته الدية) أي: لزم السيد فداه بجميع الدية، بأن كانت الجناية بأمر السيد أو أذنه:(زدت نصفها) أي: نصف الدية (على قيمته) أي: قيمة الجانى، (فيفديه) سيده (بنسبة القيمة من المبلغ). يعني: أن الطريق في هذا الباب في هذه المسائل: أن تزيد قيمة العبد على نصف دية المجنى عليه

(3)

، وتنسب قيمة العبد مما بلغا فما كان فهو الذي يفديه به سيده.

فلو كان المجني عليه ذكراً حراً كانت ديته ألف مثقال، فلو كانت قيمة العبد

مثلا مائة مثقال وزدت نصف الدية عليها صار المجموع ستمائة مثقال، ونسبة

(1)

ساقط من ب.

(2)

في ب: إرب.

(3)

في ج: الجاني.

ص: 335

القيمة إلى ذلك السدس فيفديه بسدس دية المجني عليه. ولو كان المجني عليه امرأة حرة وزدت نصف ديتها على قيمة العبد صار المجموع ثلثمائة وخمسين مثقالاً، ونسبة القيمة إلى ذلك سبُعان، فيفديه بسبعي دية

(1)

المجني عليها. (ويضمن معتق) أي: من كان قنّاً ثم أعتقه (ما تلف ببئر حفره)، حال كونه (قنّاً) اعتباراً بحال التلف. والله سبحانه وتعالى أعلم.

* * *

(1)

ساقط من ب.

ص: 336

[باب: دية الأعضاء]

هذا (باب دية الأعضاء، و) دية (منافعها). يعني: أنه يذكر في هذا

الباب ديات الأعضاء إذا تلفت بالجناية عليها، وديات منافعها إذا بطلت بالجناية عليها.

ثم المنافع، وأحدها منفعة، وهي اسم مصدر: من نفعني كذا نفعاً.

(من أتلف ما في الإنسان منه) شيء (واحد، كأنف ولو مع عوجه).

صرح به في " الترغيب " إذا قُطع مع مارنه، وهو: ما لان منه ففيه دية نفسه. نص عليه. فإن كان من ذكر حر ففيه ألف مثقال، وإن كان من أنثى حرة ففيه خمسمائة مثقال، وإن كان من خنثى مشكل ففيه سبعمائة مثقال وخمسون مثقالاً.

(و)(ذكر ولو لصغير). نص عليه، (أو شيخ فان)؛ لما روى عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وفي الذكر الدية، وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية، وفي اللسان الدية؛

(1)

رواه أحمد والنسائي. ولفظه له.

(و) ك (لسان ينطق به كبير أو يحركه صغير ببكاء)، لما تقدم من حديث

عمرو بن حزم: إذا أوعب قطعاً: (ف) يكون (فيه دية نفسه) أي: نفس من قطع منه؛ لأن في إتلافه إذهاب منفعة الجنس، وإتلافها كإذهاب النفس في جميع ما ذكر.

(وما فيه) أي: في الإنسان (منه شيئان، ففيهما: الدية، وفي أحدهما: نصفها). نص عليه؛ (كعينين ولو مع حول أو عمش). صرح به في "الترغيب ". ويستوي في ذلك الصغيرتان والكبيرتان؛ لعموم حديث عمرو بن حزم.

(1)

أخرجه النسائي في " سننه "(4853) 8: 57 المواضح، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.

ص: 337

(ومع بياض ينقص البصر، ينقص) الدية (بقدره) على الأصح.

(و)(أذنين) وفاقاً، (و) (شفتين) إذا استوعبتا (و) (لَحْيَين) وهما: العظمان اللذان فيهما الأسنان؛ لأن فيهما نفعاً وجمالاً وليس في البدن مثلهما.

(و)(ثَندوتَي رجل) بالثاء المثلثة، وهما له بمنزلة الثديين للمرأة إذا ضممت الأول همزت، وإذا فتحت لم تهمز، فواحدتهما مع الهمزة فعللة وبدونه فعلوة. (وأنثييه) أي: وكأنثيي الرجل يعني: فإن فيهما الدية، وفي كل واحد

(1)

منهما نصف الدية.

(و)(ثدي أنثى، وإسكتيها) بكسر الهمزه وفتحها (وهما: شُفرَاها) وفيهما الدية؛ لأن فيهما منفعة وجمالاً وليس في البدن غيرهما من جنسهما. وإن أشلهما ففيهما الدية؛ كما لو جنى على شفتيه فأشلهما. ولا فرق في ذلك بين الرتقاء وغيرها. وهذا كله على الأصح.

وعنه: في الشفة السفلى ثلثا الدية وفي العليا ثلثها. روي ذلك عن زيد؛

لأن نفع السفلى أعظم؛ لأنها هي التي تدور وتتحرك وتحفظ الريق والطعام. لكن هذا القول معارض بقول أبي بكر وعلي.

(و)(يدين ورجلين)؛ لأن فى إتلافهما إذهاب منفعة الجنس فكان فيهما الدية. وفي أحدهما نصفها.

(وقدم) شخص (أعرج، ويد) شخص (أعْسَم) با لسين المهملة (وهو: أعوج الرسغ) بإسكان السين المهمله وضمها. وهو من الدواب: الموضع المستدق الذي بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل. والوظيف مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل ونحوهما، وجمع الوظيف: أوظفة.

(و) يد (مرتعش) رجل (صحيح) ويد صحيح.

(1)

في ب: واحدة.

ص: 338

(ومن له كفّان على ذراع) واحد، (أو) كان له (يدان وذراعان على عضد) واحد (وتساوتا في غير بطش) يعني: وكانا غير باطشتين (ففيهما حكومة) على المذهب. أو ثلث دية اليد على قول

(1)

. ولا تجب دية اليد كاملة؛ لأنه لا نفع فيهما، فهما كاليد الشلاء. والحكم في القدمين على ساق كالحكم في الكفين على ذراع واحد. وإن كانت إحداهما أطول من الأخرى فقطع الطولى وأمكنه المشي على القصيرة فهي الأصلية وإلا فهي زائدة. قالي ذلك في " الكافي ".

(و) أن استوى اليدان (في بطش أيضا: ف) هما (يد) واحدة فتجب فيهما دية يد.

(وللزائدة حكومة) في الأصح. (وفي إحداهما: نصف دية يد وحكومة)

في الأصح. ولا قود، لاحتمال أن تكون المقطوعة هي الزائدة فلا تقطع الأصليه بها. (وفي إصبع إحداهما) أي: إحدى اليدين المتساويتين في البطش: (خمسة أبعرة). وذلك نصف دية الإصبع من اليد الأصلية.

(ولا يقادان، ولا إحداهما بيد) يعني: أنه لو قطع ذو اليد التي لها طرفان تبطش بهما يدا أصلية نظيرة

(2)

يده التي لها طرفان لم يقطعا في الأصح " لئلا تؤخذ يدان بيد واحدة. ولا تقطع إحداهما في الأصح أيضا، لأنا لا نعزف الأصلية فنأخذها بها، ولا تؤخذ زائدة بأصلية.

(وكذا حكم رجل) فيما ذكرناه.

(و) تجب (في أليتين وهما: ما علا على الظهر، وعن استواء الفخذين.

وإن لم يصل) القطع (إلى العظم) على الأصح: (الدية) كاملة.

(وفي منخرين: ثلثاها) أي: ثلثا الدية.

(وفي حاجز: ثلثها) على الأصح؛ لأن المارن يشمل ثلاثة اشياء:

(1)

في أ: (ففيهما حكومة) أو ثلث دية اليد، وفي ج: على المذهب وثلث دية اليد على قولاً.

(2)

في ب: فنظيرة.

ص: 339

منخرين وحاجز. فوجب توزيع الدية على عددها؛ كسائر ما فيه عدد من الأصابع.

وعنه: في المنخرين الدية، وفي الحاجز حكومة؛ لأن المنخرين ليس في البدن لهما ثالث. وعلى الأصح لو قطع أحد المنخرين ونصف الحاجز وجب في ذلك نصف الدية، وإن شق الحاجز بينهما

(1)

ففيه حكومة.

(وفي الأجفان) الأربعة: (الدية، وفي أحدها) أي: أحد الأجفان: (ربعها)؛ لأنها أعضاء فيها جمال ظاهر ونفع كامل، فإنها تكن العين وتحفظها من الحر والبرد ولولا ذلك لقبح منظر العين ولو كانت الأجفان لعين الأعمى؛ لأن ذهاب البصر عيب في غير الأجفان.

(وفي أصابع اليدين) إذا قطعت، (أو) أصابع (الرجلين) إذا قطعت:(الدية) كاملة؛ لما روى الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعاً: " دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل إصبع "

(2)

.

وفي البخاري عنه مرفوعا قال: " هذه وهذه سواء يعني: الخنصر

والإبهام "

(3)

.

(وفي إصبع)

(4)

من اليد أو الرجل: (عشرها) أي: عشر الدية.

(وفي الأنملة) من الإصبع حتى (ولو) قطعت (مع ظفر) أن كانت (من إبهام: نصف عشر) أي: نصف عشر الدية؛ لأن الإبهام مفصلان

(5)

. فيكون في كل مفصل نصف عقل الإبهام.

(و) في الأنملة (من غيره) أي: من غير الإبهام: (ثلثه) أي: ثلث عشر الدية؛ لأن دية الأصبع وهي عشر الدية تقسم على الإصبع، كما قسمت دية اليد

(1)

في ج: عليهما.

(2)

أخرجه الترمذي في " جامعه "(1391) 4: 13 كتاب الديات، باب ما جاء في دية الأصبع.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(0 650) 6: 2526 كتاب الديات، باب دية الأصابع.

(4)

فى ب: الإصبع.

(5)

في ب: منفصلان. وهو تصحيف.

ص: 340

على الأصابع، والإصبع غير الإبهام ثلاث مفاصل فيكون في كل مفصل ثلث دية الإصبع غير الإبهام.

(و) يجب (في ظفر) واحد قلع و (لم يعد- أو عاد أسود- خمس دية أصبع) نص عليه؛ لأنه مروي عن ابن عباس. ذكره ابن المنذر في " كتاب الإشراف "، ولم يعرف له مخالف من الصحابة فيكون إجماعاً.

(و) يجب (في سن أو نابه أو ضرس قُلِع بسنخه) بالسين المهملة والخاء المعجمة أي: بأصله، (أو) قلع (الظاهر فقط ولو) كان قلعه (من صغير ولم يعد، أو عاد أسود واستمر) على الأصح، (أو) عاد (أبيض ثم أسود بلا علة) على الأصح:(خمس من الإبل). روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس. ولخبر عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم: " في السن خمس من الإبل "

(1)

. رواه النسائي. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " في الأسنان خمس خمس "

(2)

. رواه ابو دأود.

وأما كون الناب والضرس وغيرهما سواء؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " في الأسنان خمس خمس "

(3)

. ولم يفصل.

ولما روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأصابع سواء، والأسنان سواء: الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء "

(4)

.

وهذا نص فلا يعدل عنه فيكون في جميعها مائة وستون بعيراً؛ لأنها اثنان وثلاثون: أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وعشر ون ضرساً، في كل جانب عشرة، خمسة من فوق وخمسة من أسفل.

(و) تجب (في سنخ وحده) أي: بغير سن، (و) في (سن أو ظفر عاد

(1)

أخرجه النسائى في " سننه "(4853) 8: 57 المواضح، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4563) 4: 189 كتاب الديات، باب ديات الأعضاء.

(3)

ر. الحديث السابق.

(4)

أخرجه أبو داود في " سننه "(9 5 5 4) 4: 188 كتاب الديات، باب ديات الأعضاء.

ص: 341

قصيراً، أو) عاد (متغيراً، أو) عاد (أبيض ثم أسود لعلة: حكومة). وسيأتي تعريف الحكومة.

(وتجب دية يد و) دية (رجل، بقطع) أي: قطع يد (من كوع، و) قطع

رجل من (كعب)؛ لفوات المنفعة المقصودة منها بقطع ذلك بدليل قطعهما ممن سرق مرتين.

(ولا شيء في) قدر (زائد لو قطعا) أي: اليد والرجل (من فوق ذلك)؛

كما لو قطعت اليد من المنكب وقطعت الرجل من الساق على الأصح. نص عليه في رواية أبي طالب؛ لأن اليد اسم للجميع إلى المنكب بدليل قوله سبحانه وتعالى: (وأيديكم إلى المرافق)[المانده: 6]. والرجل إلى الساق؛ لقوله سبحانه وتعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين)[المائدة: 6].

ولما نزلت آية التيمم مسح الصحابة إلى المناكب. فمن قطع إحداهما من

فوق ذلك لم يقطع إلا يداً أو رجلاً فلا يلزمه أكثر من ديتها.

فأما قطعها في السرقة من الكوع؛ فلأن المقصود يحصل به وقطع بعض

الشيء يسمى قطعا له، كما يقال: قطع ثوبه إذا قطع جانبا منه. وقولهم: أن الدية تجب في قطعها من الكوع. قلنا: وكذلك تجب ديتها بقطع الأصابع

منفردة، ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما يجب بقطع الأصابع. والذكريجب بقطعه من أصله مثل ما يجب في قطع حشفته.

وأما إذا قطع يده من الكوع ثم قطعها من المرفق وجب في المقطوع ثانيا حكومة؛ لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول فوجب بالثاني حكومة؛ كما لو قطع الأصابع ثم قطع الكف، أوكما فعل ذلك قاطعان.

(و) يجب (فى) قطع (مارن أنف، وحشفة ذكر، وحلمة ثدي، وتسويد

سن، و) تسويد (ظفر، و) تسويد (أنف، و) تسويد (أذن بحيث لا يزول) التسويد، (و) في (شلل غير أنف و) غير (أذن؛) شلل (يد، و) كشلل (مثانة) وهي موضع البول، (أو إذهاب نفع عضو: ديته) يعني: أنه يجب بذلك دية ذلك العضو الذي سوده أو أشله أو أذهب نفعه (كاملة)؛ وذلك لأن

ص: 342

مارن الأنف وهو: ما لان منه هو الذي يحصل به الجمال، وحشفة الذكر وحلمة الثدي بمنزلة الأصابع من اليدين بهما؛ كمال المنفعة.

ولأن في تسويد ما ذكر إذهاب لجماله.

ولأن العضو الذي ينتفع بحركته أن شل بأن ذهب حركته صار كالمعدوم. فوجبت ديته

(1)

؛ كما لو قطعه.

(و) يجب (في شفتين صارتا لا تنطبقان على أسنان، أو استرختا فلم ينفصلا عنها) أي: عن الأسنان: (ديتهما)؛ لأنه عطل نفعهما أو جمالهما. أشبه ما لو أشلهما أو قطعهما. وهذا في الأصح.

وفي " التبصرة " و " الترغيب ": في التقلص حكومة.

(و) يجب (في قطع) عضو (أشل ومخروم: من أذن) مثلا (وأنف) مخروم وهو المقطوع الوتر، (وأذن أصم، وأنف أخشم) الذي لا يجد رائحة شيء: (ديته) أي: دية ذلك العضو (كاملة)؛ لأنه إذا قطع الأذن الشلاء أو أذن الأصم فقد قطع أذنا فيها جمالها. فوجبت ديتها كاملة؛ كما لو قطع عينا حولاء أو عمشاء. وإذا قطع أنفاً مخروماً أو أنف أخشم، لأنه أنف كامل يحصل به الجمال.

ولأن عدم وجود الرائحة عيب في غير الأنف، ومقطوع الوتر كالعضو المريض فتجب ديته كاملة.

(و) يجب (في) قطع (نصف ذكر بالطول: نصف ديته) في الأصح.

وقيل: تجب دية كاملة.

(و) تجب (في عين قائمة بمكانها صحيحة غير أنه ذهب نظرها، وعضو ذهب نفعه وبقيت صورته؛ كأشل من يد ورجل، وأصبع وثدي وذكر، ولسان أخرس أو طفل بلغ أن يحركه ببكاء ولم يحركه، وذكر خصي وعنين، وسني سوداء، وثدي بلا حلمة، وذكر بلا حشفة، وقصبة أنف، وشحمة أذن، وزائد

(1)

في ب: ديته كاملة.

ص: 343

من يد ورجل وإصبع وسن، وشلل أنف وأذن، وتعويجهما) أي: تعويج الأنف والأذن: (حكومة) على الأصح.

وإن قطع قطعة من الذكر مما دون الحشفة فكان البول يخرج على ما كان عليه وجب بقدر القطعة من جميع الذكر من الدية. [وإن خرج البول من موضع القطع وجب الأكثر من حصة القطعة من الدية]

(1)

أو الحكومة. وإن ثقب ذكره فيما دون الحشفة فصار البول يخرج من الثقب ففيه حكومة. قاله في " شرح المقنع ". (و) يجب (في ذكر وأنثيين قطعوا معا) أي: دفعة واحدة من غير تخلل زمن، (أو هو) يعني: أو قطع الذكر (ثم هما) أي: ثم الأنثيين: (ديتان) " لأن كلا من الذكر ومن الأنثيين لو انفرد لوجب في قطعه الدية فكذا لو اجتمع. (وإن قطعتا) أي: الخصيتين (ثم قطع) الذكر: (ففيهما) أي: الأنثيين (دية) كاملة، لأن قطعهما لم يصادف ما يوجب نقصهما عن ديتهما، (وفيه) أي: في الذكر الذي قطع بعد قطع الخصيتين (حكومة) على الأصح، لأنه ذكر خصي.

(ومن قطع أنفا أو) قطع (أذنين، فذهب الشم) بقطع الأنف (أو) ذهب

(السمع) بقطع الأذنين: (ف) أن الواجب عليه (ديتان) " لأن الشم من غير الأنف والسمع من غير الأذنين فلا تدخل فيه دية أحدهما في الآخر، كالبصر مع الأجفان والنطق مع الشفتين. فلو ذهب السمع من إحدى

(2)

الأذنيين دون الأخرى فنصف الدية، وإن نقص فقط ففيه حكومة.

(وتندرج دية نفع باقي الأعضاء في ديتها) أي: دية الأعضاء. فلو قلع شخص عيني شخص وجبت دية العينين دون دية البصر الذي هو نفع العينين، لأن البصر في العين وهو تابع لها يذهب بذهابها. فوجبت دية العين فقط. وكذا باقي الأعضاء غيرما ذكر، كما لو قتله لم تجب إلا ديته.

* * *

(1)

ساقط من ب.

(2)

في أ: أحد.

ص: 344

(فصل: في دية المنافع)

لما تمم الكلام على دية الأعضاء؛ كالأنف والأذن واليد والرجل ونحو ذلك شرع يتكلم على

(1)

دية المنافع وهي السمع والبصر والشم ونحوها فقال: (تجب) يعني: الدية (كاملة في كل حاسة). هكذا عبارة الأصحاب. يقال: حس وأحسّ أي: علم وأيقن، وبالألف أفصح، وبها جاء القرآن.

قال الجوهري: الحواس المشاعر الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.

وقوله: (من سمع وبصر، وشم وذوق) بيان للحاسة.

أما وجوب الدية في السمع؛ فبغير خلاف. وسنده قوله صلى الله عليه وسلم: " وفي السمع الدية "

(2)

.

و" لأن عمر رضي الله عنه قضى في رجل ضرب رجلاً فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات والرجل حي "

(3)

. ذكره أحمد في رواية أبي الحارث وابنه عبد الله. ولا يعرف له مخالف من الصحابة.

ولأن كلاًّ مما ذكر حاسة تختص بنفع. فكان فيها الدية؛ كالسمع المنصوص عليه.

وخالف الموفق الأكثر في الذوق فقال: والصحيح أن شاء الله تعالى: أنه

لا دية فيه؛ لأن في إجماعهم على أن لسان الأخرس لا تكمل الدية فيه على أنها

(1)

في أ: في.

(2)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 85 كتاب الديات، باب السمع. بلفظ:" وفي السمع مائة من الإبل ".

(3)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى 81: 86 كتاب الديات، باب ذهاب العقل من الجناية.

ص: 345

لا تكمل في ذهاب الذوق بمفرده، لأن كل عضو لا تكمل الدية فيه بمنفعته لا تكمل في منفعته دونه، كسائر الأعضاء. ولا تفريع على هذا القول.

(و) تجب الدية كاملة (في) ذهاب (كلام). فمن جنى على إنسان فخرس وجبت عليه ديته؛ لأن كل ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف منفعته؛ كاليد.

(و) تجب أيضا في (عقل)، قال بعضهم: بالإجماع.

وسنده ما في كتاب عمرو بن حزم

(1)

. وروي عن عمر وزيد رصي الله تعالى عنهما، لأنه أكبر المعانى قدراً وأعظم الحواس نفعاً فإنه يتميز به الإنسان عن البهائم، ويعرف به صحة حقائق المعلومات، ويهتدي به إلى المصالح، ويدخل به في التكليف. وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات. فكان أولى من بقية الحواس.

[(و) تجب الدية كاملة أيضاً على الأصح في (حَدَب) بفتح المهملتين، مصدر حدب بكسر الدال: إذا صار أحدب؛ لأن بذلك تذهب المنفعة والجمال، لأن انتصاب القامة من الكمال والجمال، وبه تشرف الآدمي على سائر الحيوانات]

(2)

.

(و) تجب الدية أيضا كاملة في (صَعَر) بفتح المهملتين. والصَعَر: (بأن يضرب) الإنسان (فيصير وجهه في جانب). نص عليه. وأصل الصعر: داء يأخذ البعير في عنقه. فيلتوي منه عنقه. قال تعالى: (ولاتصعر خدك للناس)[لقمان: 18] أي: لا تعرض عنهم بوجهك تكبراً؛ لأن ذلك يذهب الجمال والمنفعة. فوجبت فيه الدية؛ كسائر المنافع.

(و) تجب الدية أيضاً (في تسويده) إذا ضربه فاسود بذلك وجهه (ولم يزل)؛ لأنه فوت الجمال على الكمال. فضمنه بديته؛ كما لو قطع أذنى

(1)

سبق تخريجه ص (299) رقم (1).

(2)

ساقط من ب.

ص: 346

الأصم. وإن صار الوجه أحمر أو أصفر فحكومة في الأصح. أو سود بعضه فحكومة؛ لأنه لم يذهب

(1)

الجمال على الكمال.

(و) تجب الدية كاملة أيضا على الأصح في (صيرورته) أي: صيرورة المجني عليه (لا يستمسك غائطاً، أو) لا يستمسك (بولاً)؛ لأن كل واحد من هذين المحلين عضو فيه منفعة كبيرة ليس في البدن مثلها. فإن نفع المثناة حبس البول، وحبس البطن الغائط. والضرر بفوات واحدة منهما عظيم. فكان في كل واحدة منهما الدية؛ كالسمع والبصر. فإن فاتت المنفعتان بجناية واحدة وجب ديتان.

(و) تجب دية كاملة أيضا في (منفعة مشي)؛ لأن منفعته مقصودة. أشبه الكلام.

(و) تجب أيضا كاملة في منفعة (نكاح) فإذا انكسر صلبه فذهب نكاحه

ففيه الدية كاملة. وروي ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه؛ لأنه نفع مقصود. أشبه ذهاب المشي.

(و) تجب أيضاً كاملة في منفعة (أكل)؛ لأنه نفع مقصود؛ كالشم.

(و) تجب أيضاً كاملة في ذهاب منفعة (صوت، و) كذا في ذهاب منفعة (بطش)؛ لأن في كل منهما نفع مقصود إذا كان؛ كإذهاب واحد من ذلك بجناية عليه.

قال في " الإنصاف ": فائدة: تجب الدية في إذهاب منفعة الصوت، وكذا

في إذهاب منفعة البطش. انتهى.

وعبارة " الفروع ": وقال في " الترغيب " وغيره: ومنفعة الصوت ومنفعة البطش، فلكل واحد الدية.

وفي. " الفنون ": لو سقاه ذرق حمام فذهب صوته لزمه حكومة في إذهاب

الصوت. انتهى.

(1)

في ب: يذهب به.

ص: 347

(و) يجب أيضا (في) ذهاب (بعض يُعلَم) قدره مما تقدم ذكره بجناية عليه من الدية (بقدره) أي: بقدر الذاهب، لأن ما وجب في جميع الشيء وجب في بعضه بقدره.

ومن صور ذهاب البعض المعلوم قدره، (كأن) صار (يجن يوما ويفيق)

يوما (آخر، أو يذهب ضوء عين) واحدة، (أو) يذهب (شم منخر) واحد، (أو) يذهب (سمع أذن) واحدة، (أو) يذهب (أحد المذاق الخمس، وهي: الحلاوة والمرارة والعذوبة والملوحة والحموضة). قاله في " الكا في "، لأن

(1)

الذوق حاسة تشبه الشم.

(و) إذا تقرر ذلك فيكون (في كل واحدة) من المذاق الخمس: (خمس الدية)، وفي اثنتين منها خمساها وهكذا.

وقد تقدم انه يجب في ذهاب جميع الكلام الدية كاملة.

(و) على هذا يجب (في بعض الكلام بحسابه) من الدية، (ويقسم) الكلام (على ثمانية وعشرين حرفا)، لأن مخرج الألف في الألف مع اللام الموضوع قبل الياء في حروف الهجاء. ففي نقص حرف من الثمانية وعشرين ربع الدية، وفي نقص حرفين نصف سبعها، وفي نقص أربعة أحرف سبع الدية وهكذا. ولا فرق بين ما خف على اللسان وبين ما ثقل؛ لأن كل شيء وجب فيه مقدر لم يختلف باختلاف قدره، كالأصابع

(2)

. وهذا المذهب.

وقيل: سوى الشفوية، وهي الباء والفاء والميم والواو. وسوى الحلقية، وهي: الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين.

والأول المذهب؛ لأن هذه الحروف ينطق بها اللسان، بدليل أن الأخرس لاينطق بشيءمنها.

(وإن) كان البعض الذاهب مما فيه الدية (لم يعلم قدره، كنقص سمع

(1)

في ج: ولأن.

(2)

في ب: كالإصبع.

ص: 348

وبصر، و) كنقص (شم ومشي وانحناء قليلاً، أو بأن صار) المجني عليه (مدهوشاً، أو) صار (في كلامه تمتمة)، بأن صار تمتاماً يكرر التاء، أو فأفاء يكرر الفاء، (أو) صار في كلامه (عجلة أو ثقل، أو) صار (لا يلتفت، أو) صار لا (يبلع ريقه إلا بشدة، أو اسودّ) بالجناية عليه (بياض عينيه أو احمرّ، أو تقلصت شفته بعض التقلص، أو تحركت سنه) بجنايه عليها، (أو احمرّت أو اصفرّت أو اخضرّت أو كلّت) بأن ذهبت حدتها وصارت بحيث لا يمكنه أن يعض بها شيئا:(ف) تجب (حكومة)؛ لأن هذا لا يمكن تقديره فيجب ما تخرجه الحكومة؛ لأنه لا تقدير فيه.

(ومن صار الثغ) بسبب جناية عليه: (فله) على الجانى (دية الحرف الذاهب) فقط، لأن الضمان إنما يجب لما تلف. وإن ذهب حرف فابدل مكانه حرفاً؛ كما لو كان يقول " درهم " فصار يقول: دلهم أو دعهم أو دنهم. فعليه ضمان الحرف الذاهب؛ لأن ما تبدل لا يقوم مقام الذاهب في القراءة ولا غيرها. فلو جنى عليه أيضا فذهب البدل وجبت ديته أيضا؛ لأنه أصل.

(ولو أذهب كلام ألثَغ) من غير جناية فذهب بجناية عليه كلامه كله، (فإن

كان مأيوساً من ذهاب لثغته: ففيه بقسط ما ذهب من الحروف.

وإلا) أي: بأن كان غير مأيوس من زوالها؛ (صغير: ف) فيه (الدية) كاملة؛ لأن الظاهر زوالها وكذلك الكبير إذا أمكن زوال لثغته بالتعليم.

(وإن قطع بعض اللسان، فذهب بعض الكلام: اعتبر أكثرهما)؛ لأن كل واحد من اللسان والكلام مضمون بالدية منفرداً، ألا ترى أنه لو ذهب نصف الكلام ولم يذهب من اللسان شيء، أو ذهب نصف اللسان ولم يذهب من الكلام شيء وجب في كل صورة نصف الدية. (فعلى من قطع ربع اللسان، فذهب نصف الكلام: نصف الدية)؛ لأنه يجب بقطع ربع اللسان ربع الدية، ويبقى ربع الكلام لا متبوع له. فيجب فيه ربع الدية فيكمل عليه نصف الدية بذلك. (وعلى من قطع بقيته) أي: بقية اللسان الذي ذهب ربعه مع نصف الكلام فذهب بقطعه بقية الكلام: (تمتها) أي: تتمة الدية (مع حكومة لربع اللسان) في

ص: 349

الأصح " لأن السالم نصف اللسان بدليل أن الموجود نصف الكلام وباقيه أشل

ففيه حكومة.

(ولو قطع نصفه) أي: نصف اللسان (فذهب) بقطعه (ربع الكلام، ثم)

قطع (آخر بقيته) فذهب باقي الكلام: (فعلى) القاطع (الأول نصفها) أي: نصف الدية، (و) يجب (على الثانى ثلاثة أرباعها) أي: أرباع الدية في الأصح، لأنه ذهب ثلاثة أرباع الكلام. فيجب عليه ثلاثة ارباع [ديته، كما لو ذهب ثلاثة أرباع]

(1)

الكلام بقطيع نصف اللسان.

ولأنه لو ذهب ثلاثة أرباع الكلام مع بقاء اللسان لزمته ثلاثة أرباع الدية.

فلأن يجب بقطع نصف اللسان أولى. ولو لم يقطع الثانى نصف اللسان لكن جنى

عليه جناية أذهبت بقية كلامه مع بقاء لسانه لكان عليه ثلاثة أرباع ديته؛ لأنه ذهب بثلاثة أرباع ما فيه الدية وكان عليه ثلاثة أرباع الدية؛ كما لو جنى على صحيح فذهب ثلاثة أرباع كلامه مع بقاء لسانه.

(ومن قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه، أو كان) المقطوع لسانه (أخرس:

ف) على قاطعه (دية) واحدة، لأن الدية إذا وجبت عن العضو سقطت دية منفعته؛ لأنها تبع له.

(وإن ذهبا) أي: النطق والذوق بجناية (واللسان باق، أو كسر صلبه) بأن

جنى إنسان على إنسان بأن كسر صلبه (فذهب مشيه ونكاحه: فديتان) أي: فالواجب في ذلك ديتان على الأصح، لأن كل منفعة من النطق والذوق، وكل منفعة

من المشي والنكاح مستقلة بنفسها. فتجب فيها دية كاملة، كما لو ذهبت منفردة.

(وإن ذهب) بكسر صلبه (ماؤه، أو) ذهب بكسر صلبه (إحباله:

فالدية). ذكره في " الرعاية ". وكذا في " الروضة " إن ذهب نسله الدية.

(ولا يدخل أرش جناية، أذهبت عقله، في ديته) في المنصوص. قاله في

" الفروع ".

(1)

ساقط من ب.

ص: 350

يعني: أن من جنى على إنسان جناية لها أرش فذهب بها عقله وجب عليه الدية للعقل مع أرش الجناية ولم يتداخلا؛ كما لو أوضحه فذهب عقله فإنه يجب عليه الدية للعقل والأرش للموضحة؛ لأنهما جنايتان متغايرتان. فوجبت ديتهما، حتى ولو كانا بفعل إنسان واحد، كما لو ضربه على رأسه فأذهب سمعه وبصره.

(ويقبل قول مجني عليه) بيمينه: (في نقص بصر وسمع) يعني: في أن بصره نقص أو أن سمعه نقص؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من جهته فيحلفه الحاكم ويوجب حكومة. وإن ادعى مجني عليه أن إحدى عينيه نقص ضوؤها عصبت المريضة التي ادعى نقص ضوؤها وأطلقت الصحيحة ونصب له شخص ويتباعد عنه، فكلما قال: قد رأيته فوصف لونه علم صدقه حتى تنتهي رؤيته. فإذا انتهت علم موضعها ثم تشد الصحيحة وتطلق المريضة وينصب له شخص ثم يذهب حتى تنتهي رؤيته، ثم يدار الشخص إلى جانب آخر فيصنع به مثل ذلك، ثم يعلم عند المسافتين ويذرعان ويقابل بينهما، فإن كانا سواء فقد صدق وينظر كم بين مسافة رؤية العليلة والصحيحة. ويحكم له من الدية بقدر ما بينهما. وإن اختلفت المسافتان فقد كذب.

والأصل في هذا قول ابن المنذر: أحسن ما قيل في ذلك قول عمر

(1)

رضي الله تعالى عنه: " أمر بعينه فعصبت وأعطى رجلاً بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى بصره. ثم أمره فخط عند ذلك. ثم أمر بعينه الأخرى فعصبت وفتحت الصحيحة، وأعطى رجلاً بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى بصره، ثم خط عند ذلك. ثم حول إلى مكان آخر ففعل مثل ذلك فوجدوه سواء، فأعطاه بقدر ما نقص من بصره من مال الاخر ".

(و) يقبل قول مجني عليه (في قدر ما أتلف) منه (كلّ من جانيين فأكثر)؛ لأن الجانيين اتفقا على الإتلاف في الجملة والمجني عليه غير متهم في

(1)

في أ: علي.

ص: 351

الإخبار بقدر ما أتلف كل واحد. فقبل قوله فيه؛ لأنه أعلم به. وليس المجني عليه في هذه الصورة مدعياً ولا منكراً فيكون كالشاهد بينهما.

(وإن اختلفا) أي: الجانى والمجني عليه (في ذهاب بصر) أي: بصر

مجني عليه بفعل الجاني: (أُري) المجني عليه (أهل الخبرة) بذلك، (وامتُحن بتقريب شيء إلى عينيه وقت غفلته)؛ لأنه متى كان يبصر حركها؛ لأن طبع الآدمي الحذر على عينيه، وإن بقيت بحالها علمنا أنه لا يبصر بها.

(و) إن اختلف الجانى والمجني عليه (في ذهاب سمع، أو) ذهاب (شم، أو) ذهاب (ذوق). فإن كان اختلافهما في ذهاب السمع: (صيح به) أي: المجني عليه (وقت غفلته، و) إن كان في ذهاب الشم (أُتبع بمنتن، و) إن كان في ذهاب الذوق (أُطعم) الشيء (المرَّ. فإن فزع من الصائح، أو من) شيء (مقرب لعينيه، أو عبس للمنتن أو المرّ: سقطت دعواه)؛ لبيان كذبه. (وإلا) أي: وإن لم يظهر منه حركة لشيء مما ذكر: (صدق بيمينه)؛ لأن الظاهر صحة دعواه.

(ويُردُّ الدية آخذ) لها إذا (علم كذبه)؛ لأنا تبينا أنه قبضها بغير حق.

ص: 352

[فصل: في دية الشعر]

(فصل. وفي كل) أي: كل شعر (من الشعور الأربعه: الدية) كاملة على

الأصح، (وهي: شعر رأس، و) شعر (لحية، و) شعر (حاجبين، و)

شعر (أهداب عينين). وبهذا قال أبو حنيفة والثوري.

وروي عن علي وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: في الشعر

الدية.

وقال مالك والشافعي: فيه حكومة؛ لأنه إتلاف جمال لا منفعة فيه. فلم

تجب فيه الدية؛ كاليد الشلاء والعين القائمة.

ولنا: أنه أذهب الجمال على الكمال. فوجب فيه دية كاملة؛ كأذنى الأصم

وأنف الأخشم.

وقولهم: لا منفعة فيه ممنوع فإن الحاجب يرد العرق عن العين ويفرقه،

وهدب العين يرد عنها ما يضرها ويصونها فجرى مجرى أجفانها. وما ذكروه ينتقض بالأصل الذي قسنا عليه، واليد الشلاء ليس جمالها كاملا.

(وفي) كل (حاجب: نصف) أي: نصف الدية. وممن أوجب الدية في

الحاجبين سعيد بن المسيب وشريح والحسن وقتادة.

(وفي) كل (هدب: ربع) أي: ربع الدية.

(وفي بعض كل) من الشعور الأربعة (بقسطه) من الدية يقدر بالمساحة؛

كالأذنين.

ولا فرق بين هذه الشعور في كونها كثيفة أو خفيفة، جميلة أو قبيحة، أو

كونها من صغير أو كبير؛ لأن سائر ما فيه الدية من الأعضاء لا يفترق الحال فيه بذلك.

ص: 353

(وفي) شعر (شارب: حكومة). نص عليه. (وما عاد) من شعر أزيل

تعديا: (سقط ما فيه) من دية أو بعضها أو حكومة. وإن عاد بعد أخذ ما فيه

رده. والحكم فيه كالحكم في ذهاب السمع والبصر فيما يرجى عوده وما

لا يرجى.

(ومن) أزال شعرا من الشعور الأربعة و (ترك- من لحية أو غيرها- ما

لا جمال فيه) أي: فيما تركه: (فديته) أي: فالواجب ديته (كاملة) في

الأصح، لأنه أذهب المقصود منه كله. فأشبه ما لو أذهب ضوء العينين.

ولأن جنايته ربما أحوجت إلى إذهاب الباقي لزيادته في القبح على إذهاب

الكل. فتكون جنايته سببا لذهاب الكل. فأوجبت ديته،كما لو ذهب بسراية

الفعل، أو كما لو احتاج في ذهاب شجة الرأس إلى ما أذهب ضوء عينه. ولا قصاص في شيء من هذه الشعور، لأن إتلافها إنما يكون بالجناية على محلها

وهو غير معلوم المقدار، ولا تمكن المساواة فيه فلا يجب القصاص فيه.

(وإن قلع جفنا بهدبه: فدية الجفن فقط)، لأن الشعر يزول تبعا لزوال

الأجفان. فلم يجب به شيء، كالأصابع إذا قطع الكف وهي عليه.

(وإن قطع لحيين بأسنانهما: فـ) الواجب في ذلك (دية الكل) أي: دية

اللحيين ودية الأسنان. ولا تدخل دية الأسنان في دية اللحيين، كما تدخل دية

الأصابع في دية اليد لوجوه ثلاثة:

أحدها: أن الأسنان ليست متصلة باللحيين وإنما هي مفرزة فيها. بخلاف

الأصابع.

الثانى: أن أحدهما ينفرد باسمه عن الآخر. بخلاف الأصابع مع الكف فإن

اسم اليد يشملهما.

الثالث: أن اللحيين يوجدان منفردين عن الأسنان فإنهما يوجدان قبل وجود

الأسنان ويبقيان بعد قلعها. بخلاف الكف مع الأصابع.

(وإن قطع كفا بأصابعه: لم تجب غير دية يد)، لدخول الجميع في مسمى

ص: 354

اليد، وكما لو قطع ذكرا بحشفته لم تجب دية الحشفة؛ لدخولها في مسمى

الذكر. (وإن كلان به) أي: بالكف (بعضها) أي: بعض الأصابع: (دخل في

دية الأصابع ما حاذاها) من الكف، (وعليه) أي: على القاطع للكف كله

(أرش بقية الكف) الذي لم تحاذ الأصابع؛ لأن الأصابع لو كانت سالمة كلها لدخل ارش الكف كله في دية الأصابع فكذلك ما حاذى الأصابع السالمة يدخل في ديتها، وما حاذى المقطوعات ليس له ما يدخل فى ديته. فوجب أرشه؛ كما لو كانت الأصابع كلها مقطوعة.

(و) يجب (في كف بلا اصابع، و) يجب في (ذراع بلا كف، و) يجب

في (عضد بلا ذراع: ثلب ديته) على الأصح. شبهه أحمد بعين قائمة. (وكذا) في الحكم (تفصيل رجل)؛ ففي قدم بلا أصابع وساق بلا قدم:

ثلب ديتها.

(و) يجب (في عين اعور: دية كلاملة). نص عليه. وبذلك قال مالك والزهري والليث وقتادة وإسحاق؛ " لأن عمر وعثمان وعليا وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قضوا في عين الأعور بالدية"

(1)

. ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة.

ولأن قلع عين الأعور يتضمن إذهاب البصر كله. فوجب جميع الدية؛ كما

لو أذهبه من العينين. ودليل ذلك: أنه يحصل بعين الأعور ما يحصل بالعينين، فإنه يرى الأشياء البعيدة ويدرك الأشياء اللطيفة ويعمل أعمال البصر. ويجوز أن يكون الأعور قاضيا، ويجزئ الأعور في الكفارة وفي الأضحية ما لم تكن العين مخسوفة فوجب في عينه دية كاملة.

فإن قيل: فعلى هذا ينبغى أن لا يجب فى ذهاب إحدى العينين نصف الدية؛ لأن إبصاره لم ينقص.

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 94 كتاب الديات، باب الصحيح يصيب عين الأعور والأعور يعيب عين الصحيح.

ص: 355

قلنا: لا يلزم من وجوب شيء من دية العينين نقص دية الباقي بدليل ما لو

جنى عليهما فأحولتا أو عمشتا أو نقص ضووهما فإنه يجب أرش النقص ولا

تنقص ديتهما بذلك.

ولأن النقص الحاصل لم يؤثر في تنقيص أحكامه ولا هو مضبوط في تفويت

النفع. فلم يؤثر في تنقيص الدية.

وقال مسروق وعبد الله بن معقل والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي:

فيها نصف الدية، ويحتمل هذا كلام الخرقي لقوله: وفي العين الواحدة نصف

الدية ولم يفرق.

قال في " شرح المقنع ": قلت: ولولا ما روي عن الصحابة رضي الله

تعالى عنهم لكان القول الآخر أولى لظاهر النص، والقياس على سمع إحدى

الأذنين. وما ذكر

(1)

من المعانى فهو موجود فيما إذا ذهب سمع إحدى الأذنين

ولم يوجبوا في الباقية دية كاملة. انتهى.

(وإن قلعها) أي: قلع عين الأعور (صحيح) أي: صحيح العينين:

(أقيد) أي: قلعت عينه (بشرطه)، باًن يكون القلع عمدا، وأن يكون الأعور مكافئا للصحيح؛ لقوله سبحانه وتعالى:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ} [المائدة: 45].

(وعليه معه) أي: وعلى الصحيح مع قلع نظيره عين الأعور منه (نصف

الدية)؛ لأنه لما ذهب بقلع عين الأعور جميع بصره ولم يمكن إذهاب بصر

القالع بقلع عينه الأخرى؛ لما فيه من أخذ عينين بعين واحدة فأخذنا عينه الواحدة بنظيرتها، وأخذنا نصف الدية؛ لذهاب جميع البصر بقلعه عين الأعور؛ لأن نصف البصر قد استوفاه تبعا لعينه بالقصاص وبقي النصف الذي لايمكن

القصاص فيه، لما تقدم. فوجبت ديته لذلك.

وقيل: لاشيء له مع القلع.

(1)

في ب: ذكرنا.

ص: 356

والأول المذهب.

(وإن قلع الأعور ما يماثل صحيحته) أي: عينه الصحيحة، (من) شخص

(صحيح) أي: صحيح العينين،) عمدا: فـ) على الأعور (دية كاملة، ولا

قود) عليه؛ لأنه قول عمر وعثمان. ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. والقصاص يفضى إلى استيفاء جميع بصر الأعور، وهو إنما أذهب بعض بصر الصحيح فيكون المستوفى أكثر من جنايته وذلك لا يجوز. وإذا لم يجز القصاص وجبت الدية؛ لئلا تذهب الجناية مجانا. وكان الواجب ديه كاملة؛ لأنه بدل القصاص الذي أسقط عنه رفقا به ولو اقتص منه ذهب ما لو ذهب بالجناية لوجبت فيه دية كاملة. فوجبت الدية كاملة هاهنا؛ لأنها

(1)

بدل الواجب. وهذا هو

المنصوص عن أحمد.

وقيل: تقلع عين الأعور ويعطى نصف الدية.

(و) إن قلع الأعور ما يماثل عينه الصحيحة (خطأ: فنصفها) أي: فيلزمه

نصف الدية [لا غير]

(2)

؛ كما لو قلعها ذوعينين.

(وإن قلع) الأعور (عيني صحيح عمدا: فالقود أو الدية فقط) في

الأصح. يعني: أنه يخير المجني عليه بين أخذ دية عينيه، وبين قلع الأعور بقلع عينيه من غير زيادة؛ لأنه أخذ جميع بصره بجميع بصره. فوجب أن يكتفى به لذلك.

وقيل: يجب على الأعور إذا اختير المال ديتان.

(و) يجب (في يد أقطع أو رجله) إذا قطعت يده الأخرى أو رجله الأخرى

(ولو عمدا) واختير المال، (أو مع ذهاب) اليد (الأولى) أو الرجل الأولى،

حال كون الذهاب (هدرا: نصف ديته) أي: نصف ديه الأقطع، ذكرا كان أو

أنثى، مسلما كان أو كافرا، (كبقية الاعضاء)؛ لأن في اليدين الدية، وفي

(1)

في ب: لأنه.

(2)

ساقط من ب.

ص: 357

إحداهما نصفها، وفي الرجلين الدية، وفي إحداهما نصفها، وكما لو قلع أذن

من له أذن واحدة.

ولأن أحد العضوين اللذين يحصل بهما منفعة الجنس لا يقوم أحدهما

مقامهما وهذا على الأصح.

وعنه: فيها دية كاملة، قياسا على عين الأعور.

وعنه: إن ذهبت الأولى هدرا ففى الثانية دية كاملة، وإلا فنصفها.

(ولو قطع) الأقطع (يد صحيح: أقيد بشرطه) المذكور في باب شروط

القصاص؛ لأنه عضو أمكن القرد في مثله مع انتفاء المانع. فكان الواجب فيه. القصاص. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ص: 358

] باب: الشجاج]

هذا (باب الشجاج) أي: باب يذكر فيه أروش الشجاج (وكسر العظام).

وأصل الشج: القطع. ومنه: شججت المفازة أي: قطعتها.

ثم (الشجة) واحدة الشجاج: (جرج الر أس، والوجه) خاصة. سميت

بذلك، لأنها قطع الجلد. فأما في غير الرأس والوجه فتسمى جرحا ولا تسمى

شجة.

(وهي) أي: والشجة باعتبار تسميتها المنقولة عن العرب (عشر) مرتبة،

(خمس) منها (فيها حكومة). وسيأتي تعريف الحكومة في أواخر هذا الباب.

أول الخمس التي فيها حكومة:

1 -

(الحارصة) بالحاء والصاد المهملتين. وهي: (التي تحرص الجلد

أي: تشقه ولا تدميه) أي: ولا يسيل منه دم. وأصل الحرص: الشق، يقال:

حرص القصار الثوب: إذا شقه قليلا. ويقال لباطن الجلد: الحرصات.

فسميت حارصة؛ لوصول الشق إليه. وتسمى أيضا: القاشرة والقشرة.

قال ابن هبيرة: تبعا للقاضي. وتسمى الملطاء.

2 -

(ثم) يليها (البازلة، الدامية، الدامعة). وهي: (التي تدميه) أي:

تدمي الجلد. سميت بازلة: من بزل الشيء إذا سال. وسميت دامية، لخروج

الدم منها. وسميت دامعة بالعين المهملة؛ لقلة سيلان الدم منها تشبيها له

بخروج الدمع من العين.

3 -

(ثم) يليها (الباضعة) وهي: (التي تبضع اللحم) أي: تشقه بعد

الجلد، ومنه سمي البضع.

ص: 359

4 -

(ثم) يليها (المتلاحمة) وهي: (الغائصة فيه) أي: في اللحم،

وهي مشتقة من اللحم، لغوصها فيه.

5 -

(ثم) يليها (السمحاق) وهي: (التي بينها وبين العظم قشرة) وهي

رقيقة تسمى السمحاق. سميت الجراحة الواصلة إليها بها

(1)

، لأن هذه الجراحة

تأخذ في اللحم كله حتى يصل إلى هذه القشرة.

ووجوب الحكومة في هذه الخمس

(2)

على الأصح.

وعنه: أنه يجب في الدامية بعير، وفي الباضعة: بعيران، وفي المتلاحمة:

ثلاثة، وفي السمحاق: أربعة أبعرة، لأن ذلك يروى عن زيد بن ثابت.

والصحيح الأول، لأنه قول أكثر الفقهاء: مالك والأوزاعي والشافعي

وأصحاب الرأي.

ولأنها جراحات لم يرد فيها توقيف في الشرع. فكان الواجب فيها حكومة؛ كجراحات بقية البدن. ويروى عن مكحول أنه قال: " قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الموضحة بخمس من الإبل ولم يقض فيما دونها "

(3)

ولأنه لم يثبت فيها مقدر بتوقيف ولا له قياس يصح. فوجب الرجوع فيها

إلى الحكومة، كالحارصة.

ولما فرغ من الخمس التي لا مقدر فيها شرع في الخمس التي فيها مقدر

فقال:

(وخمس) يعني: من الشجاج (فيها مقدر):

1 -

أولها: (الموضحة) وهي: (التي توضح العظم أي: تبرزه، ولو

بقدر إبرة) لمن ينظره. ذكره ابن القاسم والقاضي. والوضح البياض. يعني:

أبدت بياض العظم.

(1)

ساقط من ب.

(2)

في ب: الخمسة.

(3)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى" 8: 82 كتاب الديات، باب المنقلة.

ص: 360

(وفيها نصف عشر الدية) أي: دية المسلم الحر، وذلك خمسة أبعرة؛

لأن في حديث عمرو بن حزم: " وفي الموضحة خمس من الإبل "

(1)

.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في المواضح خمس خمس "

(2)

. رواه الخمسة.

ولا فرق في ذلك بين كون الموضحة في الرأس والوجه على الأصح؛ لعموم الأحاديث. ويروى ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وبه يقول

أبو حنيفة والشافعي.

وعن أحمد أيضا: أن في موضحة الوجه عشرة أبعرة.

والأول المذهب.

(وهي: إن عمت رأسا ونزلت إلى وجه موضحتان) في الأصح؛ لأنه

أوضحه في عضوين. فكان لكل واحد منهما حكم نفسه؛ كما لو أوضحه في

رأسه ونزل إلى القفا.

(وإن أوضحه ثنتين) أي: موضحتين (بينهما حاجز فعشرة) أي: فيلزمه

بذلك عشرة أبعرة؛ لأنهما موضحتان. (فإن ذهب) الحاجز (بفعل جان أو)

بسبب (سراية: صارا) موضحة (واحدة). يعني: أنه يصير كما لو أوضح

الكل من غير حاجز. فإن اندملتا ثم أزال الحاجز بينهما فعليه أرش ثلاث

مواضح؛ لأنه استقر عليه أرش الأولتين با لاندمال، ثم لزمه أرش الثالثة.

(1)

أخرجه النسائي في " سننه "(4853) 8: 57 كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4566) 4: 190 كتاب الديات، باب ديات الأعضاء. بلفظ: عن عمرو بن شعبب أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صصص قال: " في المواضح خمس". وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1390) 4: 13 كتاب الديات، ياب ما جاء في الموضحة.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4852) 8: 56 كتاب القسامة، المواضح. عن عمرو بن شعيب أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمرو.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2655) 2: 886 كتاب الديات، باب الموضحة

وأخرجه أحمد في " مسنده "(6772) 2: 189.

ص: 361

(وإن خرقه) أي: خرق الحاجز الذي بين الموضحتين (مجروج، أو)

خرقه (أجنبي: فثلاث) أي: فثلاث مواضح، (على الأول منها ثنتان) أي:

أرش موضحتين فقط، وعلى الأجنبي الذي خرق ما بينهما [أرش موضحة، لأن فعل أحدهما لا ينبني على فعل الآخر فانفرد كل واحد منهما بحكم جنايته. وإن

كان الذي خرق ما بينهما]

(1)

هو المجروح لم يسقط عن الأول شيء من أرش الموضحتين، لأن ما وجب عليه بجنايته لم يسقط عنه شيء بفعل غيره. وذلك

داخل في قولي: على الأول منها ثنتان.

(ويصدق مجروح بيمينه: فيمن خرقه على الجانى). فلو قال الجانى: أنا

خرقت ما بينهما فصارتا واحدة فيلزمني أرش موضحة واحده، وقال المجني

عليه: بل أنا الخارق لما بينهما، أو قال: بل الخارق لما بينهما غيرك كان القول قول المجني عليه بيمينه في الأصح، لأن سبب أرش موضحتين قد وجد والجانى يدعي زواله والمجروح ينكره والقول قول المنكر؛ لأن الأصل معه.

(لا على الأجنبي) يعني: أنه لا يقبل قول المجروح على شخص معين أنه

خرق ما بين موضحتين بلا بينة.

(ومثله) أي: مثل الذي أوضح موضحتين بينهما حاجز، ثم خرق ما يبنهما

فصارا موضحة واحدة: (من قطع ثلاث أصابع) امرأة (حرة مسلمة) فإنه يكون (عليه ثلاثون) بعيرا إن لم يقطع غيرها.

(فلو قطع) إصبعا (رابعة قبل برء) أي: قبل

(2)

برء قطع الثلاث أصابع:

(ردت) الثلاثون بعيرا (إلى عشرين)، بناء على ما عندنا من كون ان جراج

المرأة تساوي جراح الرجل إلى ثلث ديته، فإذا زادت على الثلث صارت على النصف.

(فإن اختلفا) أي: اختلف قاطع أصابع المرأة ومقطوعة الأصابع (في

(1)

ساقط من أ.

(2)

ساقط من ب.

ص: 362

قاطعها) أي: فيمن قطع الإصبع الرابعة بأن قال الجاني: أنا قطعتها فلا يلزمني

إلا عشرون بعيرا، وقالت هي: بل قطعها غيرك ويلزمك ثلاثون بعيرا

(صدقت) عليه بيمينها؛ لأن سبب أرش ثلاث أصابع قد وجد والجانى يدعي

زواله والمقطوعة تنكره، والقول قول المنكر؛ لأن الأصل معه.

(وإن خرق جان بين موضحتين باطنا) فقط، (أو) باطنا (مع ظاهر: فـ) هي موضحة (واحدة) في الأصح؛ لاتصالهما في الباطن. (وظاهرا فقط فثنتان)

أي: فموضحتان في الأصح.

2 -

(ثم) يلي الموضحة (الهاشمة) وهي: (التي توضح العظم) أي:

تبرزه، (وتهشمه) أي: تكسره. (وفيها عشرة أبعرة) روى ذلك قبيصة

(1)

بن

ذؤيب عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. والظاهر أن قوله ذلك عن توقيف. ولأنه لا يعرف له مخالف [في عصره]

(2)

من الصحابة.

فإن هشمه هاشمتين بينهما حاجز ففيهما عشرون من الإبل على ما ذكرنا من

التفصيل في الموضحة. وتستوي الهاشمة الصغيرة والكبيرة؛ كالموضحة.

3 -

(ثم) يليها (المنقلة) وهي: (التي توضح) العظم، (وتهشم)

العظم، (وتنقل العظم. وفيها خمسة عشر بعيرا) بإجماع من أهل العلم. حكاه

ابن المنذر في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم: " وفي المنقلة خمس عشرة

(3)

من الإبل "

(4)

. وفي تفصيلها ما في تفصيل الموضحة والهاشمة على ما

مضى.

4 -

(ثم) يليها (المأمومة) وهي: الشجة (التي تصل إلى جلدة الدماغ،

وتسمى) المأمو مة: (الآمة) بالمد.

قال ابن عبد البر: أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز: المأمومة.

(1)

في ج: روي ذلك عن قبيصة.

(2)

ساقط من أ.

(3)

في ب: عشر.

(4)

أخرجه النسائي في " سننه "(4853) 8: 57 كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.

ص: 363

(و) تسمى أيضا (أم الدماغ).

قال النضر بن إسماعيل: أم الراس. الخريطة التي فيها الدماغ. سميت

بذلك؛ لأنها تحوط الدماغ وتجمعه. وفيها ثلث الدية؛ لقول النبى صلى الله عليه وسلم في

كتاب عمرو بن حزم: " في المأمومة ثلث الدية "

(1)

.

وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.

5 -

(ثم) يليها (الدامغة) وهي: الشجة (التي تخرق الجلدة) يعني:

جلدة الدماغ. (وفي كل منهما) أي: في المأمومة والدامغة (ثلث الدية).

وقد ذكرنا الدليل على ذلك في المأمومة وهذه أبلغ.

قال القاضي: لم يذكر أصحابنا الدامغه لمساواتها المأمومة في أرشها.

وقيل: فيها مع ذلك حكومة؛ لخرق جلد الدماغ. ويحتمل أنهم تركوا

ذكرها؛ لكونها لا يسلم صاحبها في الغالب. انتهى.

(وإن شجه شجة بعضها هاشمة أو) بعضها (موضحة، وبقيتها دونها)

أي: دون الهاشمة أو دون الموضحة (فـ) عليه (دية هاشمة) إذا كان بعضها

هاشمة، (أو) دية (موضحة) إذا كان بعضها موضحة (فقط)؛ لأنه لو هشمه

كله أو أوضحه كله لم يلزمه فوق دية الهاشمه أو الموضحة.

ولأنه لو انفرد القدر المهشوم وجب أرشها فلا ينتقض ذلك بما زاد من أرش

غيرها

(2)

.

(وإن هشمه بمثقل ولم يوضحه) ففي ذلك حكومة في الأصح.

وقيل: يلزمه خمس من الإبل.

(أو طعنه في خده فوصل) ذلك (إلى فمه) ففيه حكومه في الأصح.

وقيل: يلزمه دية جائفة.

(1)

ر. الحديث السابق.

(2)

فى ج: من الأرش في غيرها.

ص: 364

(أو نفذ) جان (أنفا أو ذكرا، أو) نفذ (جفنا إلى بيضة العين) ففيه

حكومة.

وقيل: يلزمه دية جائفة.

(أو أدخل) غير الزوج

(1)

(إصبعه فرج بكر) فعليه حكومة، (أو) أدخل

إصبعه (داخل عظم فخذ: فـ) عليها حكومة)؛ لأنه لم يرد في ذلك تقدير من

الشارع. فوجب فيه حكومة لكل ما لم يرد فيه تقدير.

(1)

في ج: زوج.

ص: 365

] فصل: في الجائفة]

(فصل. وفي الجائفة ثلث دية. وهي: ما) أي: الجراحة التي (تصل

باطن جوف) وهو: ما بطن منه مما لا يظهر للرائي، (كـ) داخل (بطن ولو لم

تخرق معا) داخل، (وظهر، وصدر، وحلق، ومثانة وبين خصيتين، و)

داخل (فى بر)،لأن في كتاب عمرو بن حزم:" وفي الجائفة ثلث الدية "

(1)

.

وليس في جراح البدن سوى الرأس والوجه شيء يقدر غير الجائفة، لأنه لم يأت

نص في غيرها وإنما يعتبر في المقدرات النص.

(وإن جرج جانبا، فخرج) السهم الذي جرج به أو نحوه (من) جانب

(آخر: فجائفتان). نص عليه أحمد.

وقيل: واحدة، لأن الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف وهذه

الثانيه إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر.

ويدل للأول ما روى سعيد بن المسيب: " أن رجلا رمى رجلا بسهم

فأنفذه. فقضى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بثلثي الدية "

(2)

. ولم يعرف له

مخالف من الصحابة فكان كالإجماع. أخرجه سعيد بن منصور في" سننه ". وروي عمرو

(3)

بن شعيب عن أبيه عن جده " أن عمر رضي الله تعالى عنه

قضى في الجائفة إذا نفذت الجوف بأرش جائفتين ".

ولأنه أنفذه من موضعين. فكانت جائفتين، كما لو أنفذه بضربتين.

(1)

أخرجه النسائي في " سننه "(4853) 8: 57 كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول.

(2)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 85 كتاب الديات، باب الجائفة.

(3)

في اوب: وروي عن عمرو.

ص: 366

ولأن الاعتبار بوصول الجرح إلى الجوف لا بكيفية إيصاله، إذ لا أثر لصورة

الفعل مع التساوي في المعنى.

وينتقض قول من قال: إنها جائفة واحدة بما لو أدخل إنسان يده في جائفة

إنسان فخرق بطنه من موضع آخر فإنه يلزمه أرش جائفة بغير خلاف نعلمه. قاله

في "شرح المقنع ".

(وإن جرح وركه فوصل جوفه) أي: جرج إنسان إنسانا في وركه فوصل

الجرح إلى الجوف، (أو أوضحه) في رأسه (فوصل) جرح الموضحة (قفاه:

فـ) يلزم من جرح الورك (مع دية جائفة) حكومة، (أو) يلزم من أوضح إنسانا فوصل الجرح إلى قفاه مع دية (موضحة، حكومة بجرج قفاه أو) بجرج

(وركه)؛ لأن الجرح في غير موضع الجائفة وفي غير موضع الموضحة. فانفرد بالضمان؛ كما لو لم يكن معه جائفة أوموضحة.

(ومن وسع فقط جائفة) أجافها غيره (باطنا وظاهرا) فعلى موسعها دية

جائفة؛ لأن فعل كل واحدة منهما لو انفرد كان جائفة. فلا يسقط حكمه

بانضمامه إلى فعل غيره.

(أو فتق) إنسان (جائفة مندملة، أو) فتق (موضحة نبت شعرها:

فـ) الحكم في ذلك أنه (جائفة وموضحة)؛ لأن الجرح إذا التحم صار

كالصحيح؛ لأنه إذا برأ عاد إلى حالته الأولى فكأنه لم يكن. فإذا فتقه إنسان بعد

ذلك عادت الجائفة التي برأت جائفة متجددة، وصارت الموضحة التي نبت

شعرها موضحه متجددة.

(وإلا) أي: وإن لم تندمل الجائفة، أو ينبت شعر الموضحة، أو وسع

ظاهر الجائفة دون باطنها، أو وسع باطنها دون ظاهرها:(فـ) إنه يكون عليه (حكومة).

وإن وسع الطبيب الجائفة بإذن المجني عليه المكلف أو إذن ولي غير

المكلف للمصلحة فلاشيءعليه.

ص: 367

(ومن وطئ زوجة صغيرة) لا يوطأ مثلها، (أو) زوجة (نحيفة لا يوطأ

مثلها، فخرق) بوطئه (ما بين مخرج بول و) مخرج (مني، أو) خرق بوطئه

(ما بين السبيلين: فـ) عليه (الدية) كامله (إن لم يستمسك، بول) بسبب

ذلك؛ لأن للبول مكانا في البدن تجتمع فيه للخروج فعدم إمساك البول إبطال

لنفع ذلك المحل فتجب فيه الدية؛ كما لو لم يستمسك بالغائط.

(وإلا) بأن كان البول يستمسك: (فـ) هي (جائفة) فيها ثلث الدية؛ لما

روي عن عمر بن الخطاب " أنه قضى في الإفضاء بثلث الدية ". ولم يعرف له من الصحابة مخالف.

ولأن هذه جناية بخرق الحاجز بين مخرج البول والمني. فكان موجبها؛

كالجائفة.

(وإن كانت) الزوجة (ممن يوطأ مثلها لمثله، أو) كانت الموطوءة

(أجنبية) أي: غير زوجة (كبيرة مطاوعة، ولا شبهة) للواطئ في وطئها،

(فوقع ذلك) بأن خرق ما بين السبيلين، أو ما بين مخرج بول ومني:

(فهدر)؛ لأنه ضرر حصل من فعل مأذون فيه. فلم يضمنه؛ كأرش بكارتها

ومهر مثلها، وكما لو أذنت في قطع يدها فسرى القطع إلى نفسها. وفارق ما إذا أذنت في وطئها فقطع يدها؛ لأن ذلك ليس من المأذون فيه ولا من ضرورته. (ولها) أي: وللموطوءة (مع شبهة، أو) مع (إكراه: المهر)؛

لاستيفائه منفعة البضع، (والدية) كاملة:(إن لم يستمسك بول)؛ لأن الفعل

إنما أذن فيه مع الشبهة اعتقادا أن المستوفي له هو المستحق. فإذا كان غيره ثبت

في حقه وجوب الضمان لما أتلفه

(1)

؛ كما لو أذن في أخذ الدين لمن يعتقد انه

مستحقه فبان أنه غيره.

وأما مع الإكراه؛ فلأنه ظالم متعد.

(وإلا) بأن استمسك البول مع خرق ما بين السبيلين، أو ما بين مخرج بول

(1)

في أ: أتلف.

ص: 368

ومني. فالواجب (ثلثها) أي: ثلث الدية، لأن موجبها موجب الجائفة، لما

تقدم من قضاء عمر رضي الله تعالى عنه.

(ويجب أرش بكارة مع فتق بغير وطء)، لأنه محل من البدن أتلفه بعدوانه

فلزمه أرشه.

(وإن التحم ما) أي: جرح (أرشه مقدر)، كجائفة وموضحة وما فوقها

ولو على غير شين: (لم يسقط) أرشها رواية واحدة؛ لأن الرجوع في أرش

(1)

ذلك إلى النص، والمنصوص وجوب المقدر مطلقا من غير تعليق بحصول شين

ولا عدمه، فلذلك أوجبناه بمقتضى النص.

(1)

في ج: بأرش.

ص: 369

] فصل: في كسر الضلع]

(فصل. وفي كسر ضلع جبر مستقيما) أي: بأن بقي على ما كان عليه من

غير أن يتغير عن صفته. قاله في " شرح المحرر": (بعير. وكذا) أي:

وكالضلع إذا جبر مستقيما (ترقوة) إذا جبرت مستقيمة فيكون فيها بعير. نص

عليه في رواية أبي طالب.

وفي الترقوتين بعيران؛ لما روى سعيد عن مطر عن قتادة عن سليمان بن

عمر وسفيان عن زيد بن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: " في الضلع جمل، وفي الترقوة جمل ".

والترقوة: العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف. ولكل إنسان

ترقوتان فإذا كسرتا وجبرتا مستقيمتين وجب فيهما بعيران.

(وإلا) أي: وإن لم يجبر الضلع أو الترقوة مستقيمتين: (فـ) الواجب في

كل منهما (حكومة) يأتي تعريفها.

(وفي كسر كل) أي: عظم كل واحد (من زند، و) من عظم (عضد،

و) من عظم (فخذ، و) من عظم (ساق، و) من عظم (ذراع وهو: الساعد

الجامع لعظمي الزند: بعيران) على الأصح. نص عليه في رواية أبي طالب؛

لما روى عمرو بن شعيب " أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر في إحدى الزندين إذا كسر

(1)

. فكتب إليه عمر: أن فيه بعيران، وإذا كسر الزندين ففيهما أربعة من

الإبل ". رواه سعيد.

وهذا لم يظهر له مخالف في الصحابة فكان كالإجماع.

وإذا تبت ذلك في الزندين ثبت في العظام الباقية مثله.

(و) يجب (فيما عدا ما ذكر: من جرح، و) ما عدا ما ذكر من (كسر

(1)

في ب: كسرت.

ص: 370

عظم)، وذلك (كـ) كسر (خرزة صلب، و) كسر (عصعص) وهو: عجب

الذنب، (و) كسر عظم) عانة: حكومة.

وهي) أي: والحكومة

(1)

: (أن يقوم مجني عليه كأنه قن لا جناية به، ثم)

يقوم) وهي) أي: والجناية (به قد برات، فما نقص: من القيمة) بسبب وجود الجناية (فله) أي: فللمجني عليه على الجانى (كنسبته) أي: مثل نسبة نقص

القيمة معتبرا (من الدية.

فـ) تجب (فيمن قوم) لو كان قنا (صحيحا بعشرين، و) قوم لو كان قنا

(مجنيا عليه) بهذه الجنايه (بتسعة عشر: نصف عشر ديته) أي: دية المجني

عليه، لنقصه بالجناية نصف عشر قيمته لوكان قنا.

ومن قومناه لو كان قنا سليما بستين وقومناه وبه الجناية مندملة فكانت قيمته

خمسين فقد نقص سدس قيمته سليما، فيكون له سدس الدية، لأنه نقص

بالجناية سدس قيمته.

(ولا يبلغ بحكومة) جناية على (محل له مقدر) أي: فيه مقدر من الشرع

(مقدره) أي: ذلك المقدر الذي فيه على الأصح.

إذا تقرر هذا (فلا يبلغ بها) أي: بالحكومة) أرش موضحة، في شجة

دونها) أي: دون الموضحة، (ولا) يبلغ بالحكومة) دية إصبع أو) دية

(أنملة، فيما) أي: في قطع (دونهما) أي: دون الإصبع والأنملة.

ولا يكون التقويم إلا بعد برء الجرح، لأن أرش المقدر إنما استقر بعد برئه.

(فلو لم تنقصه) الجناية (حال برء: قوم حال جريان دم) على الأصح،

لأنها جناية على معصوم. فلا تذهب مجانا، كما لو جنى عليه جناية مقدرة

الأرش فاندملت من غير شيء، فإن أرشها لا يسقط بذلك.

(فإن لم تنقصه ايضا) أي: حال جريان الدم، (أو زادته) الجناية

(حسنا)، كما لو كانت الجناية بط سلعة، أو قطع ثؤلولا:(فلا شيء فيها).

والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

في ج: الحكو مة.

ص: 371

] باب: العا قلة]

هذا (باب العاقلة وما تحمله.

وهي) أي: والعاقلة: (من غرم ثلث دية فأكثر) من ثلث دية، (بسبب

جناية غيره) أي: غير الغارم. سموا بذلك؛ لأنهم يعقلون. نقله حرب.

يقال: عقلت فلانا: إذا أعطيت ديته، وعقلت عن فلان: إذا غرمت عنه

دية جنايته. وأصله من عقل الإبل وهي: الحبال التي تثني بها أيديها. ذكره

الأزهري.

وقيل: اشتقاقه من العقل وهو المنع، لأنهم يمنعون عن القاتل.

وقيل: سموا بذلك، لأنهم يتحملون العقل وهو الدية. سميت بذلك،

لأنها تعقل لسان ولي المقتول.

(وعاقلة جان: ذكور عصبته نسبا وولاء، حتى عمودي نسبه) على

الأصح، (و) حتى (من بعد)، كابن ابن ابن

(1)

عم أبي جد الجانى، وسواء

كان الجانى رجلا أو امرأة، لما روى أبو هريرة قال:" قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة كبد أو أمة. ثم إن المرأه التي قضى عليها بالغرة توفيت. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لبنتها وزوجها، وأن العقل على عصبتها"

(2)

.متفق عليه.

وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن يعقل

(1)

ساقط من ب.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6359) 6: 2478 كتاب الفرائض، باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1681) 3: 9 130 كتاب القسامة. . باب دية الجنين.

ص: 372

عن المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثوا

(1)

منها إلا ما فضل من ورثتها "

(2)

. رواه الخمسة إلا الترمذي.

ولأن العصبة مشتق من العصب وهو الشدة. سموا بذلك؛ لأنهم يشدون

ازر قريبهم وينصرونه وذلك غير مختص بالقريب منهم. فكان قريبهم وبعيدهم

في كونه من العاقلة سواء.

وعنه: إلا عمودي نسب الجانى، وهما أبوه وإن علا وابنه وإن سفل.

والصحيح الأول؛ لأن العاقلة إنما تحمل العقل فصرة للقاتل ومواساة له،

والأب والابن والإخوة أحق بنصرته من غيرهم. فوجب أن يحملوا عنه؛ كبني

الأعمام.

وإذا ثبت هذا في عصبة النسب ثبت للمولى المعتق؛ لأنه عصبة يرث

بتعصيبه. فوجب أن يعقل، كالمناسب. فأما غير الحاصب من الاخوة من الأم وذوي الأرحام والنساء فليسوا من العاقلة بغير خلاف؛ لأنهم ليسوا من أهل

النصرة. وعمدة العقل النممرة.

(لكن: لو عرف نسبه من قبيلة، ولم يعلم) كون الجانى: (من أي بطونها

لم يعقلوا) أي: لم يعقل رجال القبيلة التي لم يعلم الجانى من أي بطونها (عنه).

قال في "الفروع": ذكره قي "المذهب" وغيره واقتصر على ذلك.

فعلى هذا لو كان القاتل قرشيا لم يلزم قريشا كلهم التحمل. فإن قريشا وإن

كانوا كلهم

(3)

يرجعون إلى أب واحد، إلا أن قبائلهم تفرقت وصار كل قوم

(1)

في ج: يورثون.

(2)

أخرجه أبو داود في"سننه "(4564) 4: 189 كتاب الديات، باب ديات الأعضاء. وأخرجه النسائي في "سننه" (4801) 8: 42 كتاب القسامة، ذكر الاختلاف على خالد الحذاء.

واخرجه ابن ماجه في "سننه "(2647) 2: 884 كتاب الديات، باب عقل المرأة على عصبتها وميرائها لولدها.

وأخرجه أحمد في "مسنده "(7092) 2: 224.

(3)

ساقط من ب.

ص: 373

ينسبون إلى أب أدنى

(1)

يتميزون به. فيعقل عنهم من يشاركهم في نسبهم إلى

الأب الأدنى إن علم.

(ويعقل) من عصبه الجانى (هرم) غني، (وزمن) غني، (وأعمى)

غني، (وغائب) غني؛ (كضدهم) أي: كشاب وصحيح وبصير وحاضر في

الأصح في الهرم والزمن والأعمى؛ لأنهم من أهل المواساة.

ولأنهم استووا في التعصيب والإرث فاستووا في تحمل العاقلة.

(لا فقير) يعني: أن الفقير لا يعقل (ولو) كان (معتملا) على الأصح؛

لأن تحمل العاقلة مواساة. فلا يلزم الفقير؛ كالزكاة.

ولأنها وجبت على العاقلة تخفيفا عن القاتل فلا يجوز التثقيل بها

(2)

على من

لا جناية منه. وفي إيجابها على الفقير تثقيل عليه وتكليف له بما لا يقدرعليه.

(ولا صغير أو مجنون) يعني: أنهما لا يحملان شيئا من العقل؛ لأنهما

وإن كان لهما مال فليسا من أهل النصرة والمعاضدة؛ لعدم العقل الباعث لهما

على ذلك.

(او امرأة أو خنثى مشكل)؛ لأنهما ليسا من أهل المعاضدة، (أو قن)؛

لأنه لا يملك شيئا يؤدي منه، (أو مباين لدين جان)؛ لأن حمل العاقلة للنصرة

ولا نصرة لمخالف في الدين.

(ولا تعاقل بين ذمي وحربي) في الأصح؛ لعدم التوارث. وكمسلم

وكافر.

(ويتعاقل أهل ذمة اتحدت مللهم) على الأصح؛ لأن قراباتهم تقتضي

التوريث فاقتضت التعاقل.

ولأنهم من أهل النصره؛ كالمسلمين.

وأما المرتد فلا يعقل عنه أحد؛ لأنه ليس بمسلم يعقل عنه المسلمون،

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: تخقيلها.

ص: 374

ولا ذمي فيعقل عنه عصباته من أهل الذمة. فيكون خطؤه في ماله في الأصح.

(وخطأ إمام وحاكم: في حكمهما في بيت المال) دون عاقلته؛ لأن خطأه

يكثر فيجحف ذلك بالعاقلة.

ولأن الحاكم نائب عن الله سبحانه وتعالى فكان أرش خطئه في مال الله على

الأصح، (كخطأً وكيل) في التصرف لعموم المسلمين. وحيث جعلناه متصرفا

بالوكالة لهم وعليهم لزم منه أن لا يضمن لهم ولا يهدر خطؤه فيكون في بيت

المال.

(وخطؤهما) أي: خطأ الإمام والحاكم: (في غير حكم على

عاقلتهما)، كخطأ غيرهما.

(و) خطأ (من لا عاقلة له، أو) كان (له) عاقلة (وعجزت عن الجميع)

أي: جميع ما وجب بخطئه: (فالواجب) في خطأ من لا عاقلة له (أو تتمته)

اي: تتمة الواجب فيما إذا كان له عاقلة وعجزت عن جميعه، (مع كفر جان)

يعني: إذا كان الجانى كافرا كان الواجب أو تتمته، (عليه) في ماله. (ومع

إسلامه) أي: إسلام الجانى كان الواجب أو تتمته: (في بيت المال حالا) على

الأصح؛ "لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودى الأنصارى الذي قتل بخيبر من بيت المال"

(1)

.

وروي " أن رجلا قتل في زحام في زمان عمر فلم يعرف قاتله. فقال علي

لعمر رضي الله تعالى عنهما: يا أمير المؤمنين! لا تظل دم امرئ مسلم. فأدى

ديته من بيت المال "

(2)

.

ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له فيعقلون عنه عند عدم عاقلته.

(وتسقط) ديه الخطأ (بتعذر أخذ منه) أي: من بيت المال، (لوجوبها

ابتداء عليها) أي: على العاقلة دون الخاطئ، بدليل أنها

(3)

لا يطالب بها غير

(1)

سيأتي ذكره وتخريجه، ص (384) رقم (1).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه "(27848) 5: 45 4 كتاب الديات، الرجل يقتل في الزحام. نحوه.

(3)

في ب: أنه.

ص: 375

العاقلة. ولا يعتبر تحملهم الدية ولا رضاهم، لأنها تؤخذ منهم رضوا أو

كرهوا. ولا تجب على غير من وجبت عليه، كما لو عدم القاتل فإن الدية

لا تجب على أحد. كذا هاهنا.

(ومن تغير دينه وقد رمى ثم أصاب) بعد تغير دينه، (فالواجب في ماله).

ومن أمثلة ذلك:

لو رمى ذمي صيدا ثم أسلم ثم أصاب السهم

(1)

آدميا معصوما فقتله لم يعقله

المسلمون، لأنه لم يكن مسلما حال رميه. ولم يعقله المعاهدون؛ لأنه لم يقتله

إلا وهو مسلم فتكون الدية في مال الجانى. وهكذا لو رمى وهو مسلم ثم ارتد ثم

قتل السهم إنسانا لم يعقله أحد.

(وإن تغير دين جارح حالتي جرح وزهوق) أي: زهوق روحه: (حملته

عاقلته) أي: عاقلة الجارح (حال جرح) في الأصح.

فلو جرج ذمي إنسانا معصوما خطأ، ثم أسلم، ثم مات المجروح من

الجرح حملته عاقلته من أهل الذمة، لأنه لم يصدر منه فعل بعد الجرح.

(وإن انجر ولاء ابن معتقة بين جرح) وتلف، (أو) بين (رمي وتلف:

فكتغير دين فيهما) أي: في الصورتين وهما تغير الدين بين الجرح والتلف،

وبين الرمي والتلف.

(1)

ساقط من ب.

ص: 376

] فصل: لا تحمل العاقلة عمدا]

(فصل. ولا تحمل) العاقلة (عمدا)، سواء كان مما يجب القصاص فيه

او لا يجب؛ كالمأمومة والجائفة.

(ولا) تحمل (صلح إنكار، ولا) تحمل (اعترافا: بأن يقر) الجانى

(على نفسه بجناية، خطإ أو شبه عمد، توجب ثلث دية فأكثر، وتنكر العاقلة،

ولا قيمة دابة أو قن أو قيمة طرفه، ولا جنايته) أي: جناية القن؛ لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا

ولا اعترافا ".

وروي عن ابن عباس موقوفا

(1)

. ولم يعرف له في الصحابه مخالف فيكون

كالإجماع.

أما كونها لا تحمل العمد، فلأن حملها إنما ثبت في الخطأ وشبه العمد؛

لكون الجانى معذورا تخفيفا عنه ومواساة له. والعامد غير معذور فلا يستحق المواساة ولا التخفيف ولو لم يجب في جنايته القصاص. ولهذا لو قتل الأب ابنه عمدا وجبت عليه ديته ولا تحملها العاقلة.

وأما كونها لا تحمل الصلح؛ فلأنه مال ثبت بمصالحته واختياره. فلم

تحمله العاقلة، كالمال الثابت باعرافه بالاتفاق؛ لأنه متهم في أن يواطئ من يقر

له بقتل خطإ ليأخذ الدية من عاقلته فيقاسمه إياها.

وإذا تقرر هذا فإنه يلزمه ما اعرف به، وتجب الدية عليه حالة في ماله،

لقوله سبحانه وتعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92].

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى" 8: 104 كتاب الديات، باب من قال: لا تحمل العاقلة عمدا

ص: 377

ولأنه مقر على نفسه بالجنايه الموجبة للمال. فصح إقراره، كما لو أقر

بإتلاف مال، أو بما لا تحمل ديته العاقلة.

(ولا) تحمل العاقلة أيضا (ما دون ثلث دية ذكر) حر (مسلم)، كأرش

الموضحة. نص على ذلك، لقضاء عمر أنها لاتحمل شيئا حتى يبلغ عقل

المأمومة.

ولأن الأصل وجوب الضمان على الجاني، لأنه هو المتلف. فكان عليه،

كسائر المتلفين، لكنه خولف في ثلث الدية فأكثر بإجحافه بالجاني لكثرته.

فيبقى ما عداه على الأصل.

ولأن الثلث حد الكثير " لقوله صلى الله عليه وسلم: " والثلث كثير"

(1)

.

ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله: (إلا غرة جنين مات مع أمه أو

بعدها) أي: بعد أمه (بجناية واحدة) فإن العاقلة تحمل الغرة مع دية أمه. نص

أحمد على ذلك، لأن ديتهما وجبت بجناية واحدة مع زيادتهما على الثلث.

فحملتهما العاقله؛ كالدية الواحدة، (لا قبلها) يعني: لا إن أجهضته ميتا ثم

ماتت بعد ذلك فإن العاقلة لا تحمل الواجب في الجنين، (لنقصه عن الثلث.

وتحمل) العاقلة (شبه عمد) على الأصح، لوقوعه كثيرا كالخطأ؛ لما

روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر. فقتلتها وما في بطنها. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها "

(2)

. متفق عليه.

ولأنه نوع قتل لا يوجب القصاص. فوجبت ديته على العاقلة، كالخطأ.

إذا تقرر هذا فإن الواجب على العاقلة بشبه العمد يكون (مؤجلا) على

العاقلة (في ثلاث سنين، كواجب) عليها (بخطإ)، لأن الواجب على العاقلة

على سبيل المواساة. فاقتضت الحكمة تخفيفه على العاقلة. وقد روي عن عمر

(1)

تخريجه ص (321) رقم (4).

(2)

سبق تخريجه ص (233).

ص: 378

وعلي رضي الله تعالى عنهما "أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين ".

ولا مخالف لهما في عصرهما فكان إجماعا.

(ويجتهد حاكم في تحميل) أي: تحميل

(1)

العاقلة؛ لأن ذلك لا نص

فيه. فوجب الرجوع في تقديره إلى اجتهاد الحاكم؛ كتقدير النفقات.

(فيحمل) الحاكم (كلا) أي: كل إنسان من العاقلة (ما يسهل) ولا يشق

(عليه). نص عليه؛ لأن التحمل على سبيل المواساة للجانى والتخفيف عنه

ولا يخفف عن الجانى بما يثقل على غيره.

وقال أبو بكر: يجعل على الموسر نصف دينار وعلى المتوسط ربعا، وهو

رواية عن أحمد. والموسر هنا: من ملك نصابا عند حلول الحول فاضلا عنه؛ كالحج وكفارة الظهار.

(ويبدأ) في التحميل (بالأقرب) فالأقرب (كإرث). فيقسم على الآباء

والأبناء، ثم على الإخوة، ثم بني الإخوة، ثم على الأعمام ثم بنيهم، ثم أعمام

الجد ثم بنيهم، كذلك أبدا. حتى إذا انقرض المناسبون فعلى المولى المعتق،

ثم على عصباته الأقرب فالأقرب؛ لأن ذلك حكم يتعلق بالتنصب. فوجب أن

يقدم فيه الأقرب فالأقرب؛ كالميراث.

(لكن: تؤخذ من بعيد لغيبة قريب) في الأصح.

وقيل: يكتب الإمام إلى قاضي بلد الأقرب ليطالبه بها.

إذا تقرر هذا فمتى اتسعت أموال الأقربين للدية لم يتجاوزهم، وإلا انتقل

إلى من يليهم.

(فإن تساووا) في القرب (وكثروا) وقدروا على حمل الواجب: (وزع

الواجب بينهم) بحيث ما يسهل على كل واحد منهم ولم يتجاوزهم. وإن لم

تتسع أموالهم لحمل الواجب انتقل إلى من يليهم.

(وما أوجب ثلث دية) فقط: (أخذ في رأس الحول) الآتى بعد مضي سنة

(1)

في أ: في تحميل.

ص: 379

في قتل من زهوق روح، وفي جرح من بروء

(1)

كما يأتي في المتن؛ لأن العاقد

لا تحمل حالا.

قال في "الإنصاف ": وهذا بلا نزاع عند القائلين بالتأجيل.

(و) ما أوجب (ثلثيها) أي: ثلثي الدية (فأقل)؛ كدية المرأة ودية العين

واليد وما أشبه ذلك: (أخذ رأس الحول) أي: في رأسه (ثلث) أي: ثلث

دية، (و) أخذت (التتمه) من الو (3)(في رأس) حول (آخر.

وإن زاد) الواجب على ثلثي الدية (ولم يبلغ دية) كاملة: (أخذ راس كل

حول ثلث، و) أخذت (التتمه) من الواجب (في رأس) حول (ثالث.

وإن أوجب) فعل الخطأ أو شبه العمد (دية أو اكثر) من دية (بجناية

واحدة؛ كضربة أذهبت السمع والبصر: فـ) إنه يؤخذ من العاقلة (في كل حول

ثلث) أي: ثلث دية.

(و) إن كان الأكثر من دية وجب

(2)

(بجنايتين)؛ كضربتين أذهبت

إحداهما السمع وأذهبت الأخرى البصر، (أو قتل اثنين: فديتهما) أي:

المنفعتين أو الرجلين (في ثلاب) أي: ثلاث سنين في الأصح في الصررتين. (وابتداء حول قتل: من) حين (زهوق) أي: زهوق روح، (و) ابتداء

حول في (جرح: من) حين (برء) أي: برء الجرح؛ لأن أرش الجرح

لا يستقر إلا ببرئه.

وقال القاضي: إن لم يسر الجرح إلى شيء فحولى من حين القطع.

(ومن صار) من العاقلة (أهلا عند الحول)؛ كالصبي يبلغ والمجنون

يعقل: (لزمه) ما كان يلزمه لو كان كل الحول كذلك؛ لأنه وجد وقت الوجوب

وهو من أهل الوجوب.

(1)

في ب: برء.

(2)

في ب: واجبة.

ص: 380

(وإن حدث) به (مانع بعد الحول)،كالعاقل يجن:(فقسطه) يعني:

فعليه قسط ذلك الحول.

(وإلا) بأن حدث المانع قبل الحلول: (يسقط) قسط ذلك الحول عنه،

لأنه ما يجب في آخر الحول على سبيل المواساة. فسقط بحدوث المانع قبل

تمام الحول؛ كالزكاة. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ص: 381

[باب: كفارة القتل]

هذا (باب كفارة القتل). سميت بذلك أخذا من الكفر بفتح الكاف وهو

الستر؛ لأنها تغطي الذنب وتستره.

والأصل في وجوبها الإجماع. وسنده قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، فذكر في الآية ثلاث كفارات:

إحداهن: بقتل المسلم في دار الإسلام خطأ.

الثانية: بقتله في دار الحرب وهو لا يعرف إيمانه؛ لقوله سبحانه وتعالى: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92].

الثالثة: بقتل المعاهد وهو: الذمي في دار الإسلام؛ لقوله سبحانه

وتعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} [النساء: 92]. فأوجب الكفارة بالقتل في الجملة.

(وتلزم) الكفارة (كاملة في مال قاتل لم يتعمد) القتل أي: لم يكن قتله

عمدا محضا. (ولو) كان القاتل (كافرا، أو قنا، أو صغيرا، أو مجنونا، أو

إماما في خطإ يحمله بيت المال، أو مشاركا) في قتل في الأصح؛ لأن الكفارة

موجب قتل الآدمي. فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء؛ كالقصاص

بمباشرة (أو بسبب) ولو (بعد موته). نص أحمد على ذلك، (نفسا) مفعول

لقاتل (محرمة ولو نفسه) يعني: ولو كانب النفس المحرمة نفس القاتل على

الأصح، (أو) نفس (قنه)؛ لأن الكفاره حق مالي يتعلق بالقتل. فتعلقت بمن

ذكر؛ كالدية.

وأما الكافر فتكون عقوبة له كالحدود وذلك لعموم قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92].

ص: 382

(أو) كان المقتول (مستأمنا)؛ لأنه آدمي مقتول ظلما. فوجبت الكفارة

بقتله؛ كالمسلم، (أو) كان المقتول (جنينا)؛ كما لو ضرب بطن امرأة فألقت

جنينا ميتا أو حيا ثم مات؛ لأنه قتل نفسا محرمة. أشبه قتل الآدمي بالمباشرة. ولاكفارة بإلقاء مضغة لم تتصور.

ويستثنى من قوله: نفسا محرمة صور يحرم فيها القتل ولا تجب فيها كفارة

أشير إليها بقوله:

(غير أسير حربي يمكنه) أي: يمكن من أسره (أن يأتي به الإمام) إذا لم

يأت به الإمام وقتله، (و) غير (نساء) أهل (حرب وذريتهم) إذا قتلهم،

(و) غير (من لم تبلغه الدعوة) إذا قتله مسلم؛ لأن هؤلاء المذكورين ليس لهم

إيمان ولا أمان. وإنما منع من قتلهم؛ لانتفاع المسلمين بهم؛ لأنهم غير

مضمونين بقصاص ولا دية. فأشبه قتلهم القتل المباح.

وحيث انتهى الكلام على قتل النفس المحرمة التي تجب فيها الكفارة والتي

لم يجب فيها كفارة، شرع في الكلام على قتل النفس المباحة فقال:

(لا مباحه؛ كـ) قتل (باغ، و) كـ (القتل قصاصا أو حدا، أو) قتله

إنسانا أراد قتله (دفعا عن نفسه)؛ لأن ذلك قتل مأذون فيه شرعا فلا تجب فيه

كفارة.

(ويكفر قن بصوم)؛ لأنه لا ملك له، (و) يكفر (من مال غير مكلف)؛

كالصغير والمجنون (وليه) في ماله.

(وتتعدد) الكفارة (بتعدد قتل). فعلى من قتل اثنين كفارتان وعلى من قتل

ثلاثة ثلاث؛ كفارات وهكذا؛ لأن كل قتل يقوم بنفسه غير متعلق بغيره. فوجب أن

يكون في كل قتل كفارة، كما يجب في كل قتل دية. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ص: 383

] باب: القسامة]

هذا (باب القسامة). وهي لغة: اسم للقسم. أقيم مقام المصدر، من

قولهم: أقسم أقساما وقسامة.

قال الأزهري: هم القوم الذين يقسمون في دعواهم على رجل أنه قتل

صاحبهم. سموا قسامة بالمسم المصدر، كعدل ورضى.

(وهي) أي: والقسامة في الشرع: (أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم). والأصل فيها ما روي عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج " أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر. فتفرقا في النخل. فقتل عبد الله بن

سهل. فاتهموا اليهود. فجاء أخوه عبدالرحمن وابنا عمه حيصة ومحيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فتكلم عبدالرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم كبر كبر. فتكلما في أمر صاحبهما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم؛ قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؛ قال: فتبرئكم يهود بخمسين

يمينا. قالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؛ قال: فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده "

(1)

. رواه الجماعة.

(1)

أخرجه البخاري في"صحيحه "(6769) 6: 0 263 كتاب الأحكام، باب كتاب الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه.

وأخرجه مسلم في"صحيحه "(1669) 3: 1292 كتاب القسامة، باب القسامه.

وأخرجه أبو داود في " سننه"(4521) 4: 177 كتاب الديات، باب القتل بالقسامه.

وأخرجه الترمذي في " جامعه"(1422) 4: 30 كتاب الديات، باب ما جاء في القسامة.

وأخرجه النسائي في "سننه"(4715) 8: 9 كتاب القسامة، ذكر اختلاف الفاظ الناقلين لخبر سهل فيه. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (2677) 2: 892 كتاب الديات، باب القسامه.

واخرجه أحمد في " مسنده "(16140) 4: 3.

ص: 384

وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من اصحاب

النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار" أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية "

(1)

.رواه أحمد ومسلم.

قال ابن قتيبة في"المعارف": أول من قضى بالقسامة فى الجاهلية الوليد بن

المغيرة، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام

(2)

.

وحيث تقرر أنها دعوى القتل (فلا يكون في) دعوى قطع (طرف، ولا)

في دعوى (جرح)؛لأن القسامة ثبتت في النفس لحرمتها. فاختصت بها؛

كالكفا رة.

(وشروط صحتها عشرة):

الأول:) اللوث، وهو: العداوة الظاهرة. وجد معها) أي: مع العداوة

الظاهرة) أثر قتل، أو لا) يعني: أو لم يوجد على الأصح؛ لأن القتل يحصل

بشيء لا أثر له؛ كغم الوجه والخنق وعصر الخصيتين وغير ذلك.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر أو لا؟

(3)

.

حتى (ولو) كانت العداوة (مع سيد مقتول) في الأصح؛ لأنه قتل آدمي

يوجب الكفارة. فشرعت القسامة فيه؛ كقتل الحر. ويقسم على الرقيق سيده؛

لأنه المستحق لدمه. وأم الولد في ذلك والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة

كالقن؛ لأن الرق ثابت فيهم.

والعداوة الظاهرة) نحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وما بيق القبائل التي يطلب بعضها بعضا بثأر)، وكما بين البغاة وأهل العدل، وكما بين الشرطة

واللصوص

(1)

اخرجه مسلم في "صحيحه "(1670) 3: 1295 كتاب القسامة، باب القسامة.

وأخرجه اخمد في" مسنده"(23336) 5: 432.

(2)

في ج زياده: انتهى.

(3)

سبق تخريجه قبل الحديث السابق ص (384)

ص: 385

ولا يشترط لصحة القسامة مع العداوة الظاهرة: أن لا يكون في الموضع

الذي به القتل غير العدو. نص عليه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسئل الأنصار هل كان بخيبر غير اليهود أو لا؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها، لأنها كانت أملاكا للمسلمين يقصدونها لأخذ غلال أملاكهم. واشترطه القاضي.

(وليس مغلب على الظن صحة الدعوى، كتفرق جماعة عن قتيل،

ووجوده) أي: وجود القتل (عند من معه محدد)، كسكين وسيف (ملطخ

بدم) بلوث على الأصح، (و) لا (شهادة من لم يثبت بهم قتل)، كالنساء

والصبيان (بلوث) على الأصح، (كقول مجروح: فلان جرحني) " لقول

أحمد في الذي قتل في الزحام يوم الجمعة: ديته في بيت المال.

وروي ذلك عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما، فإن سعيدا روى في

" سننه " عن إبراهيم قال: " قتل رجل في زحام الناس بعرفة. فجاء أهله إلى

عمر. فقال: بينتكم على من قتله. فقال علي: يا أمير المؤمنين! لا يظل دم

امرئ مسلم. إن علمت قاتله وإلا فأعط ديته من بيت المال "

(1)

.

وقال أحمد فيمن وجد مقتولا في المسجد الحرام: ينظر من كان بينه وبينه

شيء في حياته يعني: عداوة. فلم يحصل الحضور لوثا وإنما جعل اللوث

العداوة، لأن اللوث إنما ثبت بالعداوة بقضية الأنصاري الذي قتل بخيبر.

ولا يجوز القياس عليها، لأن الحكم يثبت بالمظنة. ولايجوز القياس في المظان، لأن الحكم إنما يتعدى بتعدي سببه، والقياس في المظان جمع بمجرد الحكمه، وغلبة الظنون والحكم بالظنون مختلف ولا يأتلف ويتخبط ولا ينضبط، ويختلف باختلاف القرائن والأحوال والأشخاص. فلا يمكن ربط الحكم بها ولا تعديته

بتعديها.

ولأنه يعتبر في التعديه والقياس التساوي بين الأصل والفرع في المقتضى،

ولا سبيل إلى يقين التساوي بين الظنين مع كترة الاحتمالات وترددها. وقد روى

(1)

سبق تخريجه ص (375) رقم (2).

ص: 386

عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة "

(1)

رواه الدارقطني.

(ومتى فقد) اللوث (وليست الدعوى بـ) قتل (عمد)، بأن كانت بقتل

خطأ أو شبه عمد: (حلف مدعى عليه يمينا واحدة) حيث لا بينة للمدعي؛

كسائر الدعاوي. وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر. فإن نكل قضي عليه

بما توجبه الدعوى لو قامت بصحتها بينة.

(ولا يمين في) دعوى قتل (عمد) مع فقد لوث على المذهب.

(فـ) على هذا (يخلى سبيله، وعلى رواية فيها قوة: يحلف. فلو نكل:

لم يقض عليه. بغير الدية).

قال في "التنقيح ": لم يحلف على المذهب المشهور.

وعنه: يحلف يمينا واحدة. وهو أظهر. اختاره المصنف أي: مصنف

"المقنع" وغيره. وقدمه في" الهداية " و" المذهب" و" مسبوك الذهب "

و" المستوعب " و" الخلاصة " و" المحرر " و" الرعا يتين " و" الحا وي "

و" الفروع " وغيرهم.

فإن حلف المدعى عليه برئ، وإن امتنع لم يقض عليه بقود بل بدية.

وقيل: لا تجب. ويخلى سبيله. انتهى كلامه في"التنقيح ".

الشرط (الثاني) من شروط صحة القسامة: (تكليف قاتل) أي: مدعى

عليه (لتصح الدعوى)؛ لأنها لا تصح على صغير ولا مجنون.

الشرط (الثالث) من شروط صحة القسامة: (إمكان القتل منه) أي: من

المدعى عليه، (وإلا) أي: وإن لم يمكنه أن يقتل؛ كما لو قام به مانع من

مرض أو زمانة أو غير ذلك لم تصح عليه دعوى؛ (كبقية الدعاوى). وإن أقام المدعى عليه ببينة أنه كان يوم القتل في بلد بعيد من بلد المقتول لا يمكنه مجيئه

منه إليه في يوم واحد بطلت الدعوى. قاله في " شرح المقنع ".

(1)

أخرجه الدارقطني في "سننه "(51) 4: 217 كتاب في الأقضية والأحكام، في المراه تقتل إذا ارتدت.

ص: 387

الشرط (الرابع) من شروط صحة القسامة: (وصف القتل) أي: أن يصف

المدعي القتل (في الدعوى)؛ بأن يقول: جرحه بسيف أو سكين أو غير ذلك

في محل كذا من بدنه، أو خنقه، أو ضربه بمثقل على رأسه أو بطنه أو نحو

ذلك. (فلو استحلفه) أي: استحلف المدعى عليه (حاكم قبل تفصيله) أي:

تفصيل المدعي القتل بالوصف: (لم يعتد به) أي: بحلف المدعى عليه، لعدم

صحة الدعوى.

الشرط (الخامس) من شروط صحة القسامة: (طلب جميع الورثة).

الشرط (السادس: اتفاقهم) أي: اتفاق جميع الورثه (على الدعوى)

بالقتل. (فلا يكفي عدم تكذيب بعضهم بعضا).

الشرط (السابع: اتفاقهم) أي: اتفاق جميع الورثة (على القتل. فإن

أنكر) القتل (بعض) من الورثة: (فلا قسامة).

الشرط (الثامن) من شروط صحه القسامة: (اتفاقهم على عين قاتل) نصا.

قال في "الفروع ": ويشرط تكليف القاتل لتصح الدعوى وإمكان القتل منه،

وإلا كبقية الدعاوى وصفة القتل. فلو استحلفه الحاكم قبل تفصيله لم يعتد به،

لعدم تحرير الدعوى وطلب الورثة، وكذا اتفاقهم على القتل وعين القاتل. نص

عليه.

وقيل: إن لم يكذب بعضهم بعضا لم يقدح. انتهى.

إذا تقرر هذا (فلو قال بعض) من الورثة: (قتله زيد، و) قال (بعض:

قتله بكر)، أو قال بعض: قتله زيد، وقال بعض: لم يقتله زيد (فلا قسامة)

يعني: لم تثبت القسامه، سواء كان المكذب عدلا أو فاسقا؛ لأنه مقر على نفسه بتبرئه زيد. فقبل منه؛ كما لو ادعى اثنان عينا لهما وكذب أحدهما الآخر. وكذا

إن لم يكذبه بأن قال أحد ولدي القتيل: قتله زيد، وقال الاخر: لا نعلم قاتله؛

لأنهما لم ينفقا على عين القاتل. فلم تثبب القسامة، كما لو كذبه.

ولأن الحق في محل الوفاق إنما ثبت بأيمانهما التي أقيمت مقام البينة ولا

يجوز أن يقوم أحدهما مقام الآخر في الأيمان كما في سائر الدعاوي.

ص: 388

(ويقبل) من الورثة (تعيينهم) القاتل (بعد قولهم: لا نعرفه).

قال في "الفروع": ويقبل تعيينه بعد قوله لا أعرفه، وفي"الترغيب "

احتمال. انتهى.

الشرط (التاسع) من شروط صحة القسامة: (كون فيهم) أي: في ورثة

القتيل (ذكور مكلفون)، لقول النبي صلى الله عليه وسلم؛" يقسم خمسون رجلا منكم

وتستحقون دم صاحبكم "

(1)

.

ولأن القسامة حجة يثبت بها قتل العمد. فلم تسمع من النساء، كالشهادة.

ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل ولا مدخل للنساء في

إثباته، وإنما يتبت المال ضمنا فجرى ذلك مجرى رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها فإن ذلك لا يثبت بشاهد ويمين، ولا بشهادة رجل وامرأتين وإن كان مقصوده المال.

(ولايقدح غيبة بعضهم) أي: بعض الورثة.

(و) لا يقدح أيضا (عدم تكليفه) أي: عدم تكليف بعضهم بعضا؛ كما لو

كان بعض الورثه صغيرّا أو مجنونا.

(و) لا يقدح أيضا (نكوله) أي: نكول بعض الورثة عن اليمين؛ لأن

القسامة حق له ولغيره. فقيام المانع بصاحبه لا يمنع من حلفه واستحقاقه

نصيبه؛ كالمال المشترك بينهما.

إذا تقرر هذا (فلذكر حاضر مكلف أن يحلف بقسطه) من الأيمان،

(ويستحق نصيبه من الدية) في الأصح؛ لأنه لو كان الجميع حاضرين مكلفين

لم يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان فكذا مع المانع.

(ولمن قدم) من الغائبين (أو كلف) من غير المكلفين، بأن بلغ الصبي أو

عقل المجنون (أن يحلف بقسط نصيبه) من الدية، (ويأخذه)؛ لأنه يبني على

أيمان صاحبه المتقدمة في الأصح.

(1)

سبق تخريجه ص (384) رقم (1).

ص: 389

الشرط (العاشر) من شروط صحة القسامة: (كون الدعوى على واحد

معين)، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته "

(1)

. فخص بها الواحد.

ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليلة ويبقى على

الأصل فيما عداه.

وبيان مخالفة الأصل بها: أنها ثبتت باللوث، واللوث شبهة مغلبة على

الظن صدق المدعى.

إذا تقرر هذا (فلو قالوا) أي: ورثة القتيل: (قتله هذا مع آخر) فلا

قسامة؛ لأنها لا تكون إلا على واحد، (أو) قالوا: قتله (أحدهما فلا

قسامة)؛لأنها لا تكون إلا على معين.

(ولا يشترط كونها) أي: كون القسامة (بقتل عمد)؛ لأن القسامة حجة

شرعية. فوجب أن يثبت بها الخطأ؛ كالعمد.

(ويقاد فيها) أي: في القسامة: (إذا تمت الشروط) الشرعية المعتبرة

لذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم

(2)

برمته "

(3)

.

وفي رواية لمسلم: " ويسلم إليكم "

(4)

.

والرمة: الحبل الذي يربط به من عليه القود.

ولأن القسامة حجة يثبت بها العمد. فيجب بها القود؛ كالبينة. وقد روى

الأثرم بإسناده عن عامر الأحول " أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة في الطائف ". وهذا نص في المسألة.

(1)

سبق تخريجه ص (384) رقم (1).

(2)

في أ: إليه.

(3)

سبق تخريجه ص (384) رقم (1).

(4)

أخرجه مسلم في "صحيحه "(1669) 3: 2191 كتاب القسامة، باب القسامة.

ص: 390

[فصل: فيمن يبدأ في القسامة]

(فصل. ويبدأ فيها) أي: في القسامة (بأيمان ذكور عصبته) أي: عصبه

القتيل (الوارثين) له. ومعنى بدأتهم بالأيمان: أنهم يقدمون بها على أيمان

المدعى عليه، فلا يملك المدعى عليه أن يقول: أنا الذي أحلف مع وجود

شروط القسامة وفي الوارثين عصبة ذكر ولو واحدا.

[وقد علم مما تقدم أن الأيمان تختص بالوارثين دون غيرهم. وهذا على

الأصح؛ لأنها يمين في دعوى حق. فلا]

(1)

تشرع في حق غير المستحق،

كسائر الدعاوي.

(فيحلفون خمسين) يمينا (بقدر إرثهم) من المقتول، لأن ذلك حق ثبت

تبعا للميراث. فوجب أن يقسم على قدر ميراثهم، كالمال.

(ويكمل الكسر، كابن وزوج) للمقتول، (يحلف الابن ثمانية وثلاثين)

يمينا، (و) يحلف (الزوج ثلاثة عشر) يمينا. فإن للزوج الربع وذلك من

الخمسين اثنا عشر ونصف، فيكمل النصف فتصير ثلاثة عشر، وللابن الباقي وهو سبعة وثلاثون ونصف فإذا كمل النصف فتصير ثمانية وثلاثين.

(فلو كان معهما) أي: مع الزوج والابن (بنت: حلف زوج سبعة عشر)

يمينا، (و) حلف (ابن أربعة وثلاثين) يمينا.

(وإن كانوا) أي: الوارث (ثلاثة بنين) فقط: (حلف كل) أي: كل

واحد من الثلاثة (سبعة عشر) يمينا.

(وإن انفرد) ذكر (واحد) بالإرث أو كان معه نساء: (حلفها) أي:

(1)

ساقط من أ.

ص: 391

حلف الخمسين يمينا، لأن عدد الخمسين معتبر في ذلك. فلا بد منه؛ كنصاب

الشهادة.

(وإن جاوزوا) أي: جا وز الورثة (خمسين) رجلا: (حلف) منهم

(خمسون، كل واحد يمينا)، لقوله صلى الله عليه وسلم: " يقسمون خمسون منكم على رجل

منهم فيدفع إليكم

(1)

برمته "

(2)

.

(وسيد) في ذلك (كوارث)، لما تقدم من كون القسامة مشروعه في قتل

القن، كقتل الحر. فإن كان مالكه رجلا واحدا حلف خمسين يمينا، وإن كان

مشتركا بين رجلين حلف كل واحد خمسا وعشرين يمينا. وهكذا إن كان مالكه

أكثر من رجلين. وإن كان لامرأة فكما لو كان الوارث كلهم نساء كما سيأتي. (ويعتبر) للاعتداد بالأيمان (حضور مدع ومدعى عليه: وقت حلف كبينة

عليه)، ب: كما لو كان لمدعي القتل بينة به فإنهما لا تسمع إلا بمحضر من

المدعى عليه. (لا موالاة الأيمان) على الأصح، (ولا كونها في مجلس).

فلو حلفها من يعتد بحلفه في مجالس أجزأت، كما لو أتى من له بينة في كل

مجلس بشاهد.

(ومتى حلف الذكور) من الوارثين (فالحق) الذي وجب بحلف الذكور،

(حى) لو كان (في) قتل (عمد للجميع) أي: لجميع الورثة من الرجال

والنساء، لأنه حق ثبت للميت. فكان لجميع ورثته، كالدين.

(وإن نكلوا) أي: نكل ذكور العصبة الوارثين عن اليمين، (أو كانوا)

أي: كان الورثة (كلهم خناثى أو نساء: حلف مدعى عليه خمسين) يمينا،

(وبرئ)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم "

(3)

. أي: يبرؤن منكم.

(1)

ساقط من أ.

(2)

سبق تخريجه ص (384) رقم (1)

(3)

سبق تخريجه ص (384) رقم (1).

ص: 392

وفي لفظ قال: " فيحلفون خمسين يمينا ويبرون من دمه "

(1)

.

وقد ثبت " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغرم اليهود شيئا وأنه أداها من عنده "

(2)

.

ومحل ذلك: (إن رضوا) بأيمانه.

(ومتى نكل) المدعى عليه عن الخمسين يمينا أو عن بعضها: (لزمته

الدية. وليس للمدعي: إن ردها عليه) أي: رد المدعى عليه اليمين على

المدعي (أن يحلف).

قال في"الفروع ": ولو رد اليمين على المدعي فليس للمدعي أن يحلف.

وفى " الترغيب "على رد اليمين وجهان. وأنهما في نكول عن يمين مع

القود إليها في مقام آخر هل له ذلك لتعدد المقام أم لا لنكوله مرة. انتهى.

(وإن نكلوا) أي: نكل عن اليمين ذكور عصبة القتيل الوارثون، (ولم

يرضوا بيمينه) أي: يمين المدعى عليه القتل، (فدى الإمام القتيل من بيت

المال) وخلى المدعى عليه في الأصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم ترضى الأنصار بيمين اليهود ودى النبي صلى الله عليه وسلم الأنصاري من عنده

(3)

.

ولأنه لم يبق سبيل إلى الثبوت، لأن موجبه اليمين من المدعي. ولم يوجد

ما يوجب السقوط، لأنه إنما يسقط بيمين المدعى عليه. فوجب غرم الدية من

بيت المال، لئلا تضيع ديه المعصوم هدرا بغير موجب لسقوطه.

(كميت) أي: كما يفدى من بيت المال ميت مات (فى زحمة؛ كـ) زحمة

(جمعة وطواف). قاله أحمد، وأحتج بما روي في ذلك عن عمر وعلي

رضي الله تعالى عنهما. ومن ذلك ما روى سعيد في " سننه " عن إبراهيم قال:

" قتل رجل في زحام الناس بعرفه. فجاء أهله إلى عمر. فقال: بينتكم على من

قتله. فقال علي: يا أمير المؤمنين لِلَّهِ لا يظل دم امرئ مسلمء إن علمت قاتله

(1)

أخرجه أحمد في " مسنده "(16140) 4: 3.

(2)

سيق تخريجه ص (384) رقم (1).

(3)

سبق تخريجه ص (384) رقم (1).

ص: 393

وإلا فأعط ديته من بيت المال "

(1)

.

ومحل ذلك: إن لم يكن في الزحام من بينه وبين القتيل عداوة بدليل قوله:

(وإن كان قتيلا وثم) بفتح المثلثة أي: وهناك (من بينه) أي: بين القتيل

(وبينه عداوة: أخذ به).

قال في "الفروع": ويفدى ميت في زحمة؛ كجمعة وطواف من بيت

المال، واحتج أحمد بعمر وعلي.

وعنه: هدر.

وعنه: في صلاة لا حج؛ لإمكان صلاته في غير زحام خاليا. ونقل

عبدالله: لا بأس أن يديه السلطان.

قال أبو بكر: فهذا استحباب.

وإن كان قتيلا وتم من بينه وبينه شيء أخذ به. نقله مهنا. انتهى.

(1)

سبق تخريجه ص (375) رقم (2).

ص: 394

[كتاب الحدود]

هذا (كتاب الحدود. وهي: جمع حد).

والحد لغة: المنع. وحدود الله سبحانه وتعالى محارمه؛ لقوله سبحانه

وتعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقره: 187]. وهي: ما حده سبحانه وتعالى وقدره فلا يجوز أن يتعدى؛ كتزويج الأربع ونحوه. وما حده الشرع فلا تجوز فيه الزيادة والنقصان.

(وهو) أي: والحد في عرف أهل الشرع: (عقوبة مقدرة شرعا) أي:

بالشرع (في معصية؛ لتمنع) هذه العقوبة (من. الوقوع في مثلها) أي: مثل تلك المعصية. فيجوز أن تكون سميت بذلك من المنع، لأنها تمنع من الوقوع في

مثل تلك المعصية. وأن تكون سميت الحدود من الحدود التي هي المحارم،

لكونها زواجر عنها.

(ولا يجب) الحد (إلا على مكلف) وهو البالغ العاقل، لأنه إذا سقط عن

غير البالغ العاقل التكليف في العبادات والإثم في المعاصي، فالحد المبني على

الدرء بالشبهات أولى. لكن إن كان المجنون يفيق في وقت فأقر فيه أنه زنى في

حال إفاقته أخذ بما أقر به وحد. أما لو أقر في إفاقته أنه زنى ولم يضفه إلى حال،

أو شهدت عليه بينة أنه زنى ولم تضفه إلى حال إفاقته فلا حد؛ للاحتمال. وكذا

لا يجب على نائم ونائمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ "

(1)

.رواه

أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4453) 4 141 كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب وأخرجه الترمذي في " جامعه " (1423) 4: 32 كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد.

ص: 395

ولا يجب الحد أيضا إلا على (ملتزم) أحكام المسلمين، ليخرج الحربي

والمستأمن. وأما الذمي فهو داخل في ذلك.

ولا يجب أيضا إلا على (عالم بالتحريم).

قال عمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم: لا حد إلا على من علمه.

ولا فرق في ذلك بين جهله تحريم الزنا وتحريم عين المرأة. مثل: أن يزف

إليه غير امرأته فيظنها زوجته فيطؤها، أو يدفع إليه جارية غيره فيتركها مع جواريه ثم يطؤها ظانا أنها من جواريه التى يملكهن. فلا يجب عليه حد بذلك.

(وإقامته) أي: إقامة الحد (لإمام ونائبه مطلقا) أي: سواء كان الحد لله

سبحانه وتعالى " كحد الزنى، أو لآدمي " كحد القذف، لأنه استيفاء حق يفتقر

إلى الاجتهاد، ولا يؤمن من استيفائه الحيف. فوجب تفويضه إلى نائب الله

سبحانه وتعالى في خلقه.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحد في حياته وخلفاؤه من بعده، ويقوم نائب

الإمام في ذلك مقامه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" واغد يا أنيس- لرجل من أسلم- إلى امرأه هذا فإن اعترفت فارجمها "

(1)

.

و"أمر برجم ماعز ولم يحضره "

(2)

.

و" أتى بسارق فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فاقطعوه "

(3)

.

(وتحرم شفاعة وقبولها، في حد لله) سبحانه و (تعالى، بعد أن يبلغ

الإمام).

قال في "المستوعب ": ولا يجوز للإمام أن يقبل شفاعة فيما هو حق لله

(1)

أخرجه البخاري في "صحيحه "(2575) 2: 971 كتاب الشروط، باب الشروط التي لا تحل في الحد ود.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6438) 6: 2 0 25 كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب هل يقول الإمام للصقر: لعلك لمست أو غمزت.

(3)

أخرجه النسائي في " سنته "(4877) 8: 67 كتاب قطع السارق، تلقين السارق.

ص: 396

سبحانه وتعالى

(1)

من الحدود. ولا يعفو عنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " فهلا قيل أن تأتيني به "

(2)

. انتهى.

وحرمة الشفاعة لكونها طلب فعل محرم على من طلبه منه.

(ولسيد حر مكلف عالم به) أي: بإقامة الحد (وبشروطه)

(3)

أي: شروط

الحد- (ولو) كان السيد (فاسقا) في الأصح؛ لأنه ولاية استفادها بالملك.

فلا ينافيها الفسق؛ كبيع رقيقه، (أو) كان (امراة) في الأصح؛ لأنها مالكة

تامة الملك. فملكت إقامة الحد على رقيقها؛ كالرجل- (إقامته) أي: إقامة

الحد

(4)

(بجلد، وإقامة تعزير على رقيق كله له).

أما كون السيد لا يملك إقامة الحد على رقيقه بغير الجلد؛ فلأن الأصل

تفويض إقامة الحد إلى الإمام. وإنما فوض إلى السيد الجلد خاصة؛ لأنه

تأديب، والصيد يملك تأديب رقيقه وضربه على الذنب وهذا من جنسه. والخبر الوارد في حد السيد رقيقه [إنما جاء في الزنا خاصة وقسنا عليه ما يشبهه من

الجلد.

وقوله صلى الله عليه وسلم: " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم "

(5)

]

(6)

: إنما جاء في

سياق الحد في الزنا، فإن أولى الحديث عن علي رضي الله تعالى عنه قال:

" أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمة لهم فجرت. فأرسلني إليها فقال: اجلدها الحد. قال: فانطلقت فوجدتها لم تجف من دمها. فرجعت إليه. فقال: افرغت؟ فقلت:

وجدتها لم تجف من دمها. قال: إذا جفت من دمها فاجلدها الحد، وأقيموا

الحدود على ما ملكت ايمانكم "

(7)

.

(1)

في أ: حق لله تعالى.

(2)

سيأتى ذكره وتخريجه ص (480) رقم (2).

(3)

في ب: بشروطه.

(4)

ساقط من ب.

(5)

أخرجه احمد في " مسنده "(1230) 1: 145

(6)

ساقط من أ.

(7)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4473) 4: 161 كتاب الحدود، باب في إقامة الحد على المريض.

ص: 397

فالظاهر: أنه إنما أراد ذلك الحد وشبهه.

وأما كونه لا يملكه إلا على رقيق كله له؛ لأن الجزء الحر أو الجزء المملوك

لشريكه ليس بمملوك له. فلا يكون رقيقه ولا مملوك يمينه.

أما إذا كان يملك الرقيق كله (ولو) كان (مكاتبا أو مرهونا أو مستأجرا)

فإنه يملك إقامة الحد عليه بالجلد في الأصح فيهن؛ لعموم الخبر.

ولأن ملكه تام عليهم. أشبه ما لو لم يكاتبهم أو يرهنهم أو يؤجرهم.

(لا) أمة (مزوجة) فإنه ليس لسيدها إقامة الحد عليها ما دامت مزوجة؛

لما روى ابن عمر أنه قال: " إذا كانت الأمة ذات زوج رفعت إلى السلطان. فإن

لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن ". ولا يعرف له مخالف

من الصحابة في عصره.

ولأن منفعتها مملوكة لغيره ملكا غير مقيد بوقت. أشبهت المشتركة.

ولأن المشترك إنما منع من إقامه الحد عليه؛ لأنه يقيمه في غير ملكه. وهذه

تشبهه؛ لأن محل الحد هو محل استمتاع الزوج وهو بدنها فلا يملكه. والخبر مخصوص بالقن المشترك وهذه تشبهه.

(وما ثبت) مما يوجب الحد على رقيقه بالجلد (بعلمه) أي: علم السيد

(أو إقرار) أي: إقرار الرفيق (كـ) الثابت (ببينة) على الأصح؛ لأنه يملك

تأديب عبده بعلمه وهذا يجري مجرى التأديب. ويفارق الحاكم؛ لأن الحاكم

متهم ولا يملك محل إقامته. وهذا بخلافه.

(وليس له) أي: لسيد الرفيق إذا ارتد أو سرق (قتل في ردة، و) لا (قطع

في سرقة) على الأصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالجلد فلا يثبت في غيره.

ولأن في الجلد سترا على رقيقه؛ لئلا يفتضح بإقامة الإمام الحد عليه فتنقص

قيمته وذلك منتف فيهما.

(وتجب إقامة الحد، ولو كان من يميمه) أي: الذي يقيم الحد (شريكا أو

عونا لمن يميمه) أي: يقيم الحد (عليه في) تلك (المعصية). قاله الشيخ

ص: 398

تقي الدين، واحتج بما ذكره العلماء من أصحابنا وغيرهم: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايسقط بذلك، بل عليه أن يأمر وينهى ولا يجمع بين

معصيتين.

(وتحرم إقامته) أي: إقامة الحد (بمسجد)، لما روى حكيم بن حزام

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد بالمسجد، وأن تنشد الأشعار، وان تقام فيه الحدود "

(1)

.

ولأنه لا يؤمن أن يحدث من المحدود شيئا يتلوث به المسجد.

فإن أقيم فيه لم يعد، لحصول المقصود بإقامته وهو الزجر.

(و) يحرم أيضا (أن يقيمه) أي: يقيم الحد (إمام أو نائبه بعلمه) أي:

من غير بينة على الأصح، لقول الله سبحانه وتعالى:{فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ} [النساء: 15].

وقال سبحانه وتعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13].

ولأنه لا يجوز له أن يتكلم به. ولو رماه بما علمه منه لكان قاذفا يلزمه حد

القذف. فلم تجز إقامة الحد به، كقول غيره.

ولأنه إذا حرم النطق به فالعمل به أولى.

(أو) أن يقيم الحد (وصي على رقيق موليه) في الأصح، (كأجنبي)

أي: كما لا يجوز للأجنبي إقامة الحد على رقيق غيره.

(ولا يضمن من) أقام حدا على من (لا له إقامته) عليه، (فيما حده:

الإتلاف).

قال في " الفروع ": تحرم إقامة حد إلا لإمام أو نائبه. واختار شيخنا إلا

لقرينة، كتطلب الإمام له ليقتله. وعلى الأول: لا ضمان نص عليه. انتهى.

(1)

أخرجه أبو داود في "سننه "(" 449) 4: 167 كتاب الحدود، باب في إقامة الحد في المسجد

ص: 399

وقال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: لو خالف وفعل لم يضمنه. نص

عليه. انتهى.

(ويضرب الرجل) الحد حال كونه (قائما) على الأصح؛ لأن قيامه وسيلة

إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب.

(بسوط). قال في " شرح المهذب " للحنفية: السوط فوق القضيب ودون

العصا.

وقال في "الرعاية ": من عنده حجم السوط بين القضيب والعصا، أو

بقضيب بين اليابس والرطب.

وقال في " المبدع ": ومن المختار لهم بسوط لا ثمرة له فيتعين أن. يكون من

غير الجلد. انتهى.

(لاخلق) ذلك السوط. نص عليه بفتح اللام، (ولاجديد).

قال في " شرح المقنع ": إذا ثبت هذا فإن السوط يكون وسطا لا جديدا

فيجرج ولا خلقا فلا يؤلم، لما روي " أن رجلا اعترف عند النبي صلى الله عليه وسلم. فأتي بسوط مكسور. فقال: فوق هذا. فأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته. فقال:

بين هذين "

(1)

. رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلا.

وروي عن أبي هريرة مسندا.

وقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " ضرب بين ضربين،

وسوط بين سوطين ". يعني: وسطا لا شديد فيقتل ولا ضعيف فلا يردع.

(بلا مد، ولا ربط، ولا تجريد). يعني: أن المجلود في الحد لا يمد ولا

يربط ولا يجرد

(2)

.

قال ابن مسعود: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد.

(1)

أخرجه مالك في " الموطأ "(12) 2: 629 كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا

(2)

في ب زيادة: عن ثيابه.

ص: 400

وجلد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا

تجريد، بل يكون عليه القميص والقميصان. وإن كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت، لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب.

قال أحمد: لو تركب عليه ثياب الشتاء لم يبال بالضوب.

(ولا يبالغ في ضرب) بحيث يشق الجلد، لأن المقصود أدبه لا إهلاكه.

(ولا يبدي ضارب إبطه في رفع يد) للضرب. نص عليه.

(وسن تفريقه) أي: تفريق الضرب (على الأعضاء) أي: أعضاء

المضروب؛ ليأخذ كل عضو منه حظه، لأن توالي الضرب على عضو واحد

يؤدي إلى القتل وهو مأمور بعدمه.

قال في "شرح المقنع": ويكثر منه في مواضع اللحم، كالإليتين

والفخذ ين.

(ويضرب من جالس ظهره وما قاربه) أي: قارب ظهره.

(ويجب) في الجلد (اتقاء وجه، و) اتقاء (رأس، و) اتقاء (فرج، و)

اتقاء (مقتل)؛ كالفؤاد والخصيتين، لأنه ربما أدى ضربه في شيء من هذه

الأعضاء إلى قتله أو ذهاب منفعته. والمقصود أدبه لا غيره.

(وامرأة) في ذلك (كرجل، إلا أنها تضرب جالسة)، لقول علي

رضي الله تعالى عنه: " تضرب المرأة جالسة والرجل قائما ".

(وتشد عليها ثيابها، وتمسك يداها)؛ لئلا تنكشف، لأن المرأة عورة

وفعل ذلك بها أستر لها.

(ويجزئ) الضرب في الحد (بسوط مغصوب) على خلاف مقتضى

النهي؛ للإجماع. ذكره في " التمهيد ".

(وتعتبر) لإقامة الحد (نية).

قال ابن عقيل في "الفصول" قبيل فصول التعزير: يحتاج عند إقامته إلى نية

الإمام أنه يضرب لله ولما وضع الله ذلك. وكذلك الحدود، إلا ان الإمام إذا

ص: 401

تولى وأمر عبدا أعجميا يضرب لا علم له بالنية أجزأت نيته، والعبد كالآلة.

قال: ويحتمل أن تعتبر نيته كما تقول في غسل الميت تعتبر نية غاسله. واحتج

في "منتهى الغاية " لاعتبار نية الزكاة بأن الصرف إلى الفقير له جهات. فلا بد من نية التمييز؛ كالجلد في الحدود.

وفي بعض نسخ "الفروع ": وتعتبر له النية فلو حده للتشفي أثم ويعيده.

ذكره في " المنثور" عن القاضي. وظاهر كلام

(1)

جماعة: لا. وهو أظهر.

قال الشيخ تقي الدين: فعلى الإنسان أن يكون مقصوده نفع الخلق

والإحسان إليهم. وهذا هو الرحمة التي بعث بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله

عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 07 ا] للاحتياج إلى دفع الظلم شرعت العقوبات. وعلى المقيم لها أن يقصد بها النفع والإحسان كما

يقصد الوالد بعقوبة الولد، والطبيب بدواء المريض، فلم يأمر الشرع إلا بما هو

نفع للعباد وعلى المؤمن أن يقصد ذلك. انتهى.

(لا موالاة) يعني: أنه لا تعتبر الموالاة في الجلد في الحد. ذكره القاضي

وغيره في موالاة الوضوء؛ لزيادة العقوبة ولسقوطه بالشبهة.

قال في " الفروع ": وقال شيخنا: فيه نظر.

(وأشده) أي: أشد الجلد في الحدود (جلد زنا، فـ) جلد (قذف،

ف) جلد (شرب). نص على ذلك، (فـ) جلد (تعزير)؛ لأن الله سبحانه

وتعالى خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله سبحانه وتعالى: {وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2]. فاقتضى مزيد تأكيد. ولا يمكن ذلك في العدد فيكون في

الصفة.

ولأن ما دونه أخف منه في العدد. فلا يجوز أن تزيد عليه في إيلامه

ووجعه. وهذا دليل على أن ما خف في عدده كان أخف في صفته.

(وإن رأى إمام أو نائبه الضرب في حد شرب، بجريد أو) بـ (نعال- وقال

(1)

في أ: كلامه.

ص: 402

جمع: و) بـ (أيد)، قال (المنقح: وهو أظهر- فله ذلك)، لما روى

أبو داود من حديث أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب، فقال: اضربوه. وقال أبو هريرة: فمنا الضارب بنعله، والضارب بثوبه، والضارب

بيده"

(1)

.

(ولا يؤخر حد) أي: استيفاؤه (لمرض ولو رجي زواله)، " لأن عمر

رضي الله تعالى عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخره "

(2)

. وانتشر ذلك في الصحابة ولم ينكروه فكان كالإجماع.

ولأن إقامة الحد واجبة على الفور. فلم يؤخر ما أوجبه الله سبحانه وتعالى

بغيرحجة.

(ولا) يؤخر أيضا (لحر أو برد أو ضعف)، لما تقدم.

(فإن كان) الحد (جلدا، وخيف) على المجلود (من السوط: لم

يتعين، فيقام) عليه الحد (بطرف ثوب وعثكول نخل)، والعثكول: على وزن عصفور هو

(3)

الضغث بالضاد والغين المعجمتين والثاء المثلثة. فإذا اخذ ضغثا

به مائة شمراخ فضربه به ضربة واحدة أجزأ. ويدل لذلك ما روى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن رجلا اشتكى حتى ضنى فدخلت عليه امرأة. فهش لها فوقع عليها. فسئل له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه ضربة واحدة "

(4)

.رواه أبو داود والنسائي، لكن قال ابن المنذر: في إسناده مقال.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4477) 4: 162 كتاب الحدود، باب الحد في الخمر.

(2)

أخرجه البيهقى في"السنن الكبرى " 8: 316 كتاب الأشربة، باب من وجد منه ريح شراب أو لقي سكران.

(3)

في أ: وهو.

(4)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4472) 4: 161 كتاب الحدود، باب في إقامة الحد على المريض. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (2574) 2: 859 كتاب الحدود، باب الكبير والمريض يجب عليه الحد. ولم أجده في النسائي.

ص: 403

ولأنه لا يخلو من أن يقام

(1)

عليه الحد كما ذكرنا، أو لا يقام عليه أصلا،

أو يضرب ضربا كاملا. لا يجوز تركه بالكلية؛ لأنه يخالف الكتاب والسنة.

ولا أن يجلد جلدا تاما؛ لأنه يفضي إلى إتلافه فتعين ما ذكرنا

(2)

.

(ويؤخر) الحد

(3)

(لسكر) يعني: لشرب مسكر مع وجود سكر (حتى

يصحو). نص عليه. (فلو خالف) الذي يقيم الحد وأقامه عليه في حال

سكره: (سقط) عنه (إن أحس) بألم الضرب؛ كما لو لم يكن سكرانا

(4)

.

(وإلا) باًن لم يحس بألم الضرب: (فلا) يسقط؛ لأنه لم يوجد ما

يزجره.

(ويؤخر قطع) أي: قطع اليد أو الرجل في السرقة: (خوف تلف) أي:

موت المحدود بالقطع المذكور

(ويحرم بعد) إقامة (حد حبس، وإيذاء 2 بكلام) أي: أن يحبس

المحدود. نص عليه، أو يؤذى بالكلام كالتعبير على كلام القاضي وابن

الجوزي؛ لنسخه بمشروعية الحد؛ كنسخ حبس المرأة.

(ومن مات) بجلد (في تعزير، أو) مات في (حد بقطع أو جلد، و)

الحال أنه (لم يلزم تأخيره) أي: تأخير الجلد: (فهدر) أي: فإنه لا شيء

فيه؛ لأنه قد أتى به على الوجه المشروع بأمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يؤاخذ به.

ولأن الإمام نائب عن الله سبحانه وتعالى وعن رسوله. فصار كأن التلف

منسوب إلى الله سبحانه وتعالى عز وجل

(5)

.

(ومن زاد) فى عدد الضرب (ولو) كان الزائد (جلدة) واحدة، (أو) زاد

(1)

في ب: من إيقام.

(2)

في ب: فيتعين ما ذكرناه

(3)

في ج: الجلد.

(4)

في ب: مسكرا.

(5)

في أ: سبحانه جل وعز، وفي ب: جل وعز.

ص: 404

(في السوط) الذي ضرب به، (أو اعتمد في ضربه) فتلف بذلك، (أو) ضربه (بسوط لا يحتملة) المضروب، (فتلف) أي: مات المضروب بسبب ذلك:

(ضمنه) الضارب (بديته) كامله على الأصح؛ لأنه تلف حصل بعدوانه.

ولأنه قتل حصل من جهة الله سبحانه وتعالى وعدوان الضارب. فكان

الضمان على الضارب؛ كما لو ضرب مريضا سوطا فمات به.

ولأنه تلف حصل بعدوان وغيره. فضمنه؛ كما لو ألقى حجرا على سفينة

موقرة فغرقها.

(ومن أمر) من الجلادين من قبل المقيم الحد (بزيادة) على الجلد الواجب

في الحد (فزاد جهلا) بعدد الجلد الواجب فمات المضروب: (ضمنه آمر)؛

لأن الجلاد معذور بالجهل.

(وإلا) أي: وإن لم يحصل ذلك: (فـ) إنه يضمنه (ضارب) في

الأصح؛ كما لو أمر السلطان بقتل إنسان يعلم المأمور بأن القتل ظلما وقتله.

(وإن تعمده) أي: تعمد الزائد (العاد فقط) أي: دون الآمر والضارب

ضمنه العاد؛ لحصول التلف بسبب تعمده، (او أخطأ) العاد (وادعى ضارب

الجهل) فقوله بيمينه، و (ضمنه العاد)؛ لحصرل الملف بسبب خطئه.

(وتعمد إمام لزياده: شبه عمد، تحمله عاقلته) على الأصح؛ لأنها

وجبت بخطئه. فكانت على عاقلته؛ كما لو رمى صيدا فقتل آدميا.

(ولا يحفر لـ) حد (رجم ولو) كان الرجم (لأنثى، وثبت) عليها (ببينة)

على الأصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية

(1)

ولا لليهوديين، إلا أن المرأة تشد عليها ثيابها لئلا تنكشف؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين. قال:" فأمر بها النبى صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها "

(2)

.

(1)

في ج: للجهينيه.

(2)

أخرجه أبو داود في "سننه "(4441) 4: 152 كتاب الحدود، باب المرأة التي أمر النبي صصص برجمها من جهينة.

ص: 405

(ويجب في) إقامة (حد زنا حضور إمام أو نائبه) على الأصح.

قال في "الإنصاف ": ويجب حضوره هو أو من يقوم مقامه على الصحيح

من المذهب. انتهى.

(و) يجب أيضا في حد الزنا حضور (طائفة من المؤمنين ولو واحدا).

قال في " الإنصاف": يجب حضور طائفة في حد الزنا. والطائفة واحد

فأكثر على الصحيح من المذهب. انتهى.

والأصل في ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].

(وسن حضور من شهد) بالزنا الموجب للحد.

(و) سن أيضا (بداءتهم برجم. فلو ثبت بإقرار سن بداءة إمام، أو من

يقيمه) الإمام مقامه.

قال في " شرح المقنع ": السنة أن يدور الناس حول المرجوم، فإن كان

الزنا ثبت ببينة استحب أن يبدأ الشهود بالرجم، وإن كان ثبت بإقرار بدأ به الإمام

أو الحاكم إن كان ثبت عنده، ثم يرجم الناس بعده. وقد روى سعيد بإسناده عن

علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " الرجم رجمان: فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإمام ثم الناس، وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس ".

ولأن فعل ذلك أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه. انتهى.

(ومتى رجع مقر به) أي: بالزنا عن إقراره، (أو) رجع مقر (بسرقة) عن

إقراره، (أو) رجع مقر بحد (شرب قبله) أي: قبل إقامة الحد عليه بما أقر به

(ولو بعد الشهادة على إقراره: لم يقم) عليه. (وإن رجع في أثنائه) أي: أثناء

الحد، (أو هرب: ترك)، لأن ماعزا هرب فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:" هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه "

(1)

.

(1)

سيأتي تخريجه في الحديث الآتي.

ص: 406

قال ابن عبد البر: ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ويعمر بن هزال

ونصر بن دهر وغيرهم: أن ماعزا لما هرب فقال لهم: ردوني إلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: " فهلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه "

(1)

.ففي هذا

أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه.

ولأن رجوع المقر شبهة والحد يدرأ

(2)

بالشبهات.

ولأن الإقرار أحد سببي إقامة الحد فسقط بالرجوع عنه كالبينة إذا رجعت قبل

إقامة الحد. وفارق سائر الحقوق فإنها لا تدرأ بالشبهات.

(فإن تمم) الحد عليه بعد رجوعه: (فلا قود) فيه، (وضمن راجع)

أي: مصرح بالرجوع؛ لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه. (لا هارب) يعني:

أن الهارب في أثناء الحد لا يضمن بإتمام الحد عليه؛ لأن هربه ليس صريحا في الرجوع. وحيث ضمن المصرح بالرجوع فإنه يكون ضمانه (بالدية) دون

القصاص؛ لأن العلماء اختلفوا في صحة رجوعه. فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص.

ولأن صحة الرجوع مما يخفى حكمها فيكون ذلك عذرا مانعا من وجوب

القصاص.

(وإن ثبت) على مكلف الزنا (ببينة على الفعل) أي: فعل الزنا،

(فهرب: لم يترك)؛ لأن زناه ثبت على وجه لا يبطل برجوعه. فلا يؤثر

رجوعه ولا هربه.

(ومن أتى حدا: ستر نفسه، ولم يجب- ولم يسن- أن يقر به عند

حاكم). نقل مهنا: رجل زنا يذهب يقر؛ قال: بل يستر نفسه. واستحب

القاضى إن شاع رفعه إلى حاكم؛ ليقيمه عليه.

(1)

أخرجه أبو داود في "سننه "(4420) 4: 145 كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك.

(2)

في ب: والحدود تدرأ.

ص: 407

قال ابن حامد: إن تعلقت التوبة بظاهر؛ كصلاة وزكاه أظهرها للحاكم،

وإلا أسر.

(ومن قال لحاكم: أصبت حدا). فقط، (لم يلزمه شيء) ما

(1)

لم يبينه.

نقله الأثرم.

ويحد من زنا هزيلا ولو بعد سمنه.

وكذا عقوبة الاخرة؛ كمن قطعت يده ثم زنا أعيدت بعد بعثه وعوقب. ذكره

في " الفنون".

(والحد) المقدر في ذنب (كفارة لذلك الذنب)؛ للخبر

(2)

. نص عليه.

(1)

في أوب: لما.

(2)

عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: " بايعت رسول الله صصص في رهط، فقال: أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصونى في معروف، فمن وقى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا

فأخذ به في الدنيا فهو كفاره له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفرله ".

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6416) 6: 2416 كتاب الحدود، باب توبة السارق.

ص: 408

[فصل: إذا اجتمعت الحدود]

(فصل. وإن اجتمعت حدود لله تعالى من جنس) واحد،:(بأن زنى) مرارا ً، (أو سرق) مرارا ً، (أو شرب مراراً تداخَلت: فلا يحد سوى مرة). قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم؛ وذلك لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بالحد الواحد؛ لأن الواجب هنا من جنس واحد. فوجب التداخل؛ كالكفارات من جنس واحد.

(و) إن اجتمعت حدود لله سبحانه وتعالى (من أجناس وفيها قتل). مثل: أن يسرق ويزنى وهو محصن، ويشرب الخمر ويقتل في المحاربة:(استُوفي) القتل (وحده)؛ لما روى سعيد بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: " إذا اجتمع حدان أحدهما القتل، أحاط القتل بذلك ".

وروي عن إبراهيم النخعي والشعبي وعطاء أنهم قالوا مثل ذلك، وهذه أقوال انتشر في عصر الصحابة والتابعين ولم يظهر لهم مخالف.

ولأنها حدود لله سبحانه وتعالى فيها قتل. فسقط ما دونه؛ كالمحارب إذا قتل وأخذ المال فإنه يكتفى بقتله.

ولأن هذه الحدود تراد لمجرد الزجر، ومع القتل فلا حاجة إلى زجره؛ لأنه

لا فائدة فيه فلا يشرع. ويفارق القصاص فإن فيه غرض التشفي والانتقام، ولا يقصد فيه مجرد الزجر.

إذا ثبت هذا فإنه إذا وجد فيه ما يوجب الرجم والقتل للمحاربة، أو القتل للردة، أو القتل لترك الصلاة فينبغي ان يقتل للمحاربة ويسقط غيره؛ لأن في

ص: 409

القتل للمحاربة حق آدمي. في القصاص. وإنما أثرت المحاربة بتحتمه

(1)

، وحق الآدمي يجب تقديمه.

(وإلا) أي: وإن لم يكن فيها قتل وهي من أجناس؛ كمن زنى وهو غير

محصن، وشرب الخمر وسرق:(وجب أن يبدأ بالأخف فالأخف). فيحد للشرب أولا، ثم يحد للزنا، ثم يحد بالقطع للسرقة.

(وتستوفى حقوق آدمي كلها)، سواء كان فيها قتل أو لم يكن، (ويبدأ بغير

قتل الأخف فالأخف وجوبا). فلو اجتمع على إنسان حد قذف وقطع عضو وقتل استوفيت كلها منه

(2)

؛ لأنها حقوق لآدميين أمكن استيفاؤها كلها. فوجب؛ كسائر الحقوق؛ لأن ما دون القتل حق لآدمي. فلا يسقط بالقتل؛ كديونهم. وفارق حق الله سبحانه وتعالى فإنه مبني على المسامحة. فيحد للقذف، ثم يقطع منه نظير ما قطعه تعديا ثم يقتل.

(وكذا لو اجتمعت) على إنسان حقوق آدمي (مع حدود الله) سبحانه و (تعالى.

ويُبدأ بحق آدمي. فلو زنى وشرب وقذف وقطع يدا: قطع) أي: قطعت

يده أولا؛ لأنه محض

(3)

حق آدمي بدليل سقوطه بإسقاطه، (ثم حد لقذف)؛ لأنه مختلف في كونه حق لآدمي

(4)

، (ثم لشرب، ثم لزنا.

لكن: لو قتل) من يكافئه عمداً (وارتد، أو سرق) ما يجب فيه القطع (وقطع يدا: قتل) لهما (أو قطع لهما) في الأصح؛ لأن محل الحقين واحد فتداخلا.

(ولا يستوفى حد حتى يبرأ ما قبله)؛ لئلا يؤدي توالي الحدود عليه إلى تلفه.

(1)

في أ: تحتمه.

(2)

ساقط من أ.

(3)

ساقط من ب.

(4)

في ب: آدمي.

ص: 410

[فصل: فيمن جنى خارج الحرم ثم لجأ إليه]

(فصل. ومن قتل أو أتى حدا خارج) حرم (مكة ثم لجأ، أو) لجأ (حربي، أو) لجأ (مرتد إليه: حرم أن يؤاخذ، حتى بدون قتل، فيه) أي: في الحرم على الأصح؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] أي: فأمنوه؛ لأنه خبر أريد به الأمر.

و ((لأنه صلى الله عليه وسلم حرم سفك الدم بمكة))

(1)

.

ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم))

(2)

.

ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم))

(3)

رواه أحمد.

من حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي شريح.

وقال ابن عمر: ((لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته

(4)

) رواه أحمد.

(لكن: لا يبايع ولا يشارى). وفي ((المستوعب)) و ((الرعاية)) ونقله

أبو طالب: (ولا يكلم). وزاد في ((الروضة)): ولا يؤاكل ولا يشارب (حتى يخرج) منه، (فيقام عليه). وإنما كان كذلك؛ لأنه لو لم يمنع من ذلك لتمكن من الإقامة دائما فيضيع الحق الذي عليه.

(1)

عن عمرو بن سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صصص: ((إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما)).

أخرجه البخاري في ((صحيحه)) " (4044) 4: 1563 كتاب المغازي، باب منزل النبي صصص يوم الفتح.

وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (1354) كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها.

(2)

ر. تخريج الحديب السابق.

(3)

أخرجه أحمد في " مسنده "(6681) 2: 179 عن عبد الله بن عمرو.

(4)

في ب: هجمته

ص: 411

(ومن فعله) أي: قتل أو أتى حدا (فيه) أي: في الحرم: (أخذ) بالبناء للمفعول (به) أي: بالذي فعله (فيه) أي: في الحرم؛ لما روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ((من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث من شيء)).

(ومن قوتل فيه) أي: في الحرم: (دفع عن نفسه فقط)؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191] فأباح قتلهم عن قتالهم في الحرم.

ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم. فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود الله سبحانه وتعالى في حقهم وفاتت هذه المصالح التي لابد منها.

ولأن الجانى في الحرم هاتك لحرمته فلا ينتهض لتحريم دمه وصيانته، بمنزلة الجانى في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك.

(ولا تعصم الأشهر الحرم شيئا: من الحدود والجنايات). [ويباح القتال

في الشهر الحرام دفعا عما

(1)

له الدفع عنه]

(2)

.

(وإذا أتى غاز حدا أو) أتى (قودا) وهو (بأرض العدو: لم يؤخذ به) أي: بما أتاه مما ذكر (حتى يرجع إلى دار الإسلام)؛ لأنه ربما تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار.

والأصل في ذلك ما روى بشير بن أرطأة ((أنه أتي برجل في الغزاه قد سرق بختية. فقال: لولا أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقطع الأيدي في الغزاة لقطعتك "

(3)

. أخرجه أبو داود وغيره.

(1)

في ج: مما.

(2)

ساقط من ب.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4408) 4: 142 كتاب الحدود، باب في الرجل يسرق في الغزو أيقطع.

ص: 412

ولأنه إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم فروى سعيد بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه ((أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى الناس: أن لا يجلدن أمير الجيش ولا سرية رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا))

(1)

.

وعن أبي الدرداء مثل ذلك

(2)

.

فأما إذا رجع فإنه يقام عليه الحد؛ لعموم الايات والأخبار. وإنما أخر لعارض

فإن زال أٌقيم الحد؛ لوجود مقتضيه وانتفاء معارضته. ولهذا قال عمر: ((حتى يقطع الدرب قافلاً)).

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في ((سننه)) (2500) 2: 196 كتاب الجهاد، باب كراهية إقامة الحدود في أرض العدو.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2499) الموضع السابق.

ص: 413

[باب: حد الزنا]

هذا (باب حد الزنا. وهو: فعل الفاحشة في قُبُل أو) فى (دُبُر). وهو من

أكبر الكبائر.

وقد أجمع المسلمون علي تحريمه؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} [الإسراء: 32].

وقوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68 - 69].

وقد كان حد الزنا في صدر الإسلام الحبس للنساء والأذى بالكلام. وهو المذكور في قوله سبحانه وتعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 15 - 16].

قال بعض أهل العلم المراد بقوله: {مِن نِّسَآئِكُمْ} الثيب؛ لأن قوله:

{لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} [البقرة: 226] ولا فائدة في إضافته هنا نعلمها إلا اعتبار الثيوبة.

ولأنه قد ذكر عقوبتين إحداهما أغلظ من الأخرى فكانت الأغلظ للثيب والأخرى للبكر؛ كالرجم والجلد.

ثم نسخ هذا بما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خذوا عني

خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام،

ص: 414

والثيب بالثيب جلد مائة والرجم "

(1)

. رواه مسلم.

فإن قيل: كيف ينسخ القرآن بالسنة؟

قلنا: قد ذهب أصحابنا إلى جوازه، لأن الكل من عند الله سبحانه وتعالى

وإن اختلف طريقه، ومن منع ذلك قال: ليس هذا نسخاً إنما هو تفسير للقرآن وتبيين له، لأن النسخ رفع حكم ظاهر الإطلاق، فاً ما ما كان مشروطا بشرط وزال الشرط لا يكون نسخا، وهاهنا شرط الله سبحانه وتعالى حبسهن إلى أن يجعل الله سبحانه وتعالى لهن سبيلاً، فبينت السنة السبيل، فكان بيانا لا نسخاً. إذا تقرر هذا فإنه (إذا زنى) مكلًفُ (مُحصنُ وجب رجمه حتى يموت)،

لأنه فد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجم بقوله وفعله في أخبار كثيرة، وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في كتابه، وإنما نسخ رسمه دون حكمه فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: " إن الله تعالى بعب محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب. فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتها وعقلتها ووعيتها. رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده. فأخشى إن طال بالناس زمان يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله سبحانه وتعالى فيضل بترك فريضة أنزلها الله سبحانه وتعالى. فالرجم حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت به البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. وقد قرأتها: الشيخ

(2)

والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم))

(3)

. متفق عليه.

(ولا يُجلَد قبله) مائة على الأصح. نقله الأكثر عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، كالردة. واختاره الأثرم والجوزجانى وابن حامد وأبو الخطاب وغيرهم. وجزم به في ((التنقيح)).

(1)

أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (1690) 3: 1316 كتاب الحدود، باب حد الزنى.

(2)

في ج: والشيخ.

(3)

أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (6442) 6: 2503 كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (1691) 3: 1417 كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنا.

ص: 415

وعنه: يجلد مائة قبل الرجم. اختاره الخرقي والقاضي وجماعة.

قال أبو يعلى الصغير: اختاره شيوخ المذهب.

وقال ابن شهاب: اختاره الأكثر.

(ولا ينُفى) أيضا.

واستدل من قال بالجلد قبل الرجم بحديث عبادة

(1)

.

وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة: أنه أول حد نزل،

وأن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلده، وعمر رضي الله تعالى عنه رجم ولم يجلد. ونقل عنه إسماعيل نحو هذا.

ولأن عدم الجلد آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب تقديمه.

ولأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سوى القتل فالحد الواحد أولى. (والمحصَن: من وطئ زوجته بنكاح صحيح، ولو كتابية، في قٌبُلها ولو

في حيض، أو صوم، أو إحرام، ونحوه)؛ كوطئها في النفاس والمسجد (وهما) أي: والزوجان (مكلفان حُرَان، ولو) كان الزوجان (ذمِيين أو مستأمنَين) حال الوطء. ويحد المستأمن إذا زنى وهو مسلم أو ذمي

(2)

.

إذا علمت ذلك فيشترط للإحصان شروط سبعة:

أحدها: الوطء في القبل. ولا خلاف في اشتراطه، ولا في أن النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان، سواء حصلت فيه خلوة أو وطء فيما دون الفرج أو في الدبر؛ لأن هذا لا تصير به المرأة ثيباً ولا تخرج به عن حد الأبكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام، وبمقتضى الخبر.

الثاني: ان يكون الوطء في نكاح؛ لأن النكاح يسمى إحصانا؛ بدليل

قول الله سبحانه وتعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء} [النساء: 24] يعني:

(1)

سبق تخريجه ص (415) رقم (1)

(2)

في ب: كالمسلم والذمي.

ص: 416

المتزوجات. ولا خلاف بين أهل العلم في أن وطء الزنا ووطء الشبهة لا يصير به الواطئ محصنا؛ كوطء التسري.

الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً، وفاقاً لمالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه وطء في غير ملك. فلم يحصل به الإحصان؛ كوطء الشبهة.

الرابع: الحرية؛ لقول الله سبحانه وتعالى. في حق الأرقاء: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] والرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص.

الخامس والسادس: البلوغ والعقل. فلو وطئ وهو صبي أو مجنون ثم بلغ

أو عقل لم يكن محصناً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " والثيب بالثيب جلد مائة والرجم "

(1)

فاعتبر الثيوبة خاصة، ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله. ويفارق الإحصان الإحلال؛ لأن اعتبار الوطء في حق المكلف يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى يطأها غيره؛ لأن هذا مما تأباه الطباع ويشق على النفوس، فاعتبره الشرع زجراً له عن الطلاق الثلاث. وهذا يستوي فيه العاقل والمجنون. بخلاف الإحصان فإنه اعتبر لكمال النعمة، فإن من كملت النعمة في حقه كانت جنايته أفحش وأحق بزيادة العقوبه. والنعمة في العاقل البالغ أكمل.

الشرط السابع على الأصح: أن يوجد الكمال في الزوجين حال الوطء بأن يطأ الزوج العاقل الحر زوجته العاقلة الحرة، وأما الإسلام فليس بشرط للإحصان على الأصح. فلو وطئ المسلم زوجته الذمية وهما حال الوطء بالغان عاقلان حران صارا محصنين؛ كما لو كانا ذميين. وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال:" جاء اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً وامرأة منهم زنيا. . . وذكر الحديث. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما "

(2)

. متفق عليه.

(1)

سبق تخريجه ص (415) رقم (1)

(2)

أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (1 690) 6: 2672 كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما ذكر النبي صصص وحض على اتفاق أهل العلم.

ص: 417

(ولا يسقط) إحصان الكافرين إذا أحصنا وهما كافران (بإسلام).

قال في ((المحرر)): نص عليه.

(وتصير هي) أي: الموطوءة (أيضا مُحصَنة) حيث كانا حال الوطء متصفين بالصفات المتقدمة.

(ولا إحصان لواحد منهما) أي: من الواطئ والموطوءة، (مع فَقْدِ شيء

مما ذكر) من الشروط المذكورة.

(ويثبت) إحصانه (بقوله) أي: قول الرجل عن زوجته: (وطِئتُها أو جامعتُها) والأشهَر: (أو دخلتُ بها)، لأن المفهوم من لفظ الدخول كالمفهوم من لفظ المجامعة.

وأما إذا قال: جامعتها أو باضعتها، فقال في ((شرح المقنع)): لا نعلم خلافاً في ثبوت الإحصان. قال: وكذلك ينبغي إذا قال: وطئتها، وإن قالت: باشرها أو أصابها أوأتاها فينبغي أن لا يثبت به الإحصان، لأن هذا يستعمل فيما دون الجماع في الفرج كثيراً فلا يثبت به الإحصان الذي يندرئ بالاحتمال.

و (لا) يثبت الإحصان (بولده منها) أي: بوجود ولد الزانى من امرأة (مع إنكار وطئها)، لأن الولد يلحق بإمكان الوطء، والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء. فلا يلزم من ثبوت ما يكتفى به في الإمكان وجود ما يعتبر فيه الحقيقة. وهكذا لو كان لامرأة ولد من زوج فأنكرت أن يكون وطئها لم يثبت إحصانها كذلك.

وإذا جلد الزاني على أنه بكر ثم بان محصناً رجم، لما روى جابر ((أن رجلاً

زنى بامرأة فأ مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فرجم))

(1)

. رواه أبو داود.

ولأنه إن وجب الجمع بينهما فقد أتي ببعض الواجب فيجب إتمامه، وإلا

(1)

= وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (1699) 3: 1326 كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى.

أخرجه أبو داود في ((سننه)) (4438) 4: 151 كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك.

ص: 418

فقد تبين أنه لم يأت بالحد الواجب فيجب أن يأتي به.

ويكفن المحدود بالرجم ويغسل ويصلى عليه إن كان مسلما، خلافاً لبعض

أهل العلم في الصلاة عليه.

قال الإمام أحمد: سئل علي رضي الله تعالى عنه عن شراحة وكان رجمها فقال:

((اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم. وصلى علي رضي الله تعالى عنه عليها))

(1)

. ووجه ذلك: ما روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين في حديث الجهنية ((فاًمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت. ثم أمرهم فصلوا عليها. فقال عمر: يا رسول الله! نصلي عليها وقد زنت؟ فقال: والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها))

(2)

. رواه الترمذي. وفيه: ((فرجمت وصلى عليها)) وقال: حديث حسن صحيح.

ولأنه مسلم لو مات قبل الحد صُلي عليه. فيصلى عليه بعده؛ كالسارق.

(وإن زنا حر غير محصن: جُلد مائة) جلدة بلا خلاف، (وغُرِب عاماً) على الأصح، (ولو) كان الزانى (أنثى) على الأصح. سواء كان الزانى مسلماً أو كافراً؛ لأنه حد ترتب على الزنا. فوجب على الكافر؛ كوجوب القود في القتل والقطع في السرقة.

والأصل في ذلك قوله سبحانه وتعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2].

وجاءت الأحاديث موافقة لما في القرآن.

فروى ابن عمر ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب،

وأن عمر ضرب وغرب))

(3)

. رواه الترمذي.

(1)

أخرجه البيهقى في ((السنن الكبرى)) 4: 19 كتاب الجنائز، باب الصلاة على من قتلته الحدود.

(2)

أخرجه الترمذي في ((جامعه)) (1435) 4: 42 كتاب الحدود، باب تربص الرجم بالحبلى حتى تضع.

(3)

أخرجه الترمذي في ((جامعه)) (1438) 4: 44 كتاب الحدود، باب ما جاء في النفي.

ص: 419

ويكون تغريب الأنثى (بمحْرم باذلٍ) نفسه معها (وجوباً، وعليها أجرته) أي: أجرة المحرم في الأصح. (فإن تعذرت) أجرته (منها: ف) إنها تكون (من بيت المال.

فإن أبى) المحرم الخروج معها، (أو تعذر) المحرم بأن لم يكن لها محرم:(ف) إنها تنفى (وحدها إلى مسافة قصر) على الأصح كالرجل؛ كسفر الهجرة وكالحج إذا مات المحرم في الطريق.

(ويغرب غريب) زنى في غير بلده (ومغرب) زنى في زمن تغريبه، (إلى

غير وطنهما)؛ لوجوب التغريب على كل حر زنى وهو غير محصن.

قال في ((الإنصاف)): [لو زنى]

(1)

حال التغريب غرب من بلد الزنا. فإن

عاد إليه قبل الحول منع. وإن زنى في الآخر غرب إلى غيره. انتهى.

(وإن زنى قن) أي: كامل الرق: (جلد خمسين) جلدة؛ لقوله سبحانه وتعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]. والعذاب المذكور في القرآن مائة جلدة لا غير. فينصرف التنصيف إليه دون غيره. بدليل أنه لا يتصرف إلى تنصيف الرجم؛ لتعذر تنصيفه.

(ولا يغرب)؛ لأن التغريب في حق القن عقوبة لسيده دونه. فلم يجب في

الزنا؛ كا لتغريم.

بيان ذلك: أن العبد لا ضرر عليه في تغريبه؛ لأنه غريب في موضعه ويترفه بتغريبه من الخدمة ويتضرر سيده بتفويت خدمته، والخطر يخروجه من تحت يده، والكلفة في حفظه والإنفاق عليه مع بعده عنه فيصير الحد مشروعا في حق غير الزاني والضرر على غير الجانى.

(ولا يعير)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فليجلدها ولا يثرب بها))

(2)

.

قال في ((القاموس)): وثربه وعليه وأثربه: لامه، وعيره بذنبه. انتهى.

(1)

ساقط من ب.

(2)

أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (2119) 2: 777 كتاب البيوع، باب بيع المدبر.

ص: 420

(ويجلد ويغرب مبعض) زنى (بحسابه). فإن كان نصفه حرا فحده خمس وسبعون جلدة، ويغرب نصف عام. نص أحمد على ذلك، ويكون زمن التغريب محسوبا على المبعض من نصيبه الحر. وإن كان ثلثه حرا فمقتضى ما تقدم: أنه يلزمه ثلثا حد الحر وهو ست وستون جلدة وثلثان ويسقط الكسر؛ لأن الحد متى دار بين الوجوب والإسقاط سقط. والمدبر والمكاتب وأم الولد بمنزلة القن في الحد؛ لأنه رقيق كله.

(وإن زنا محصن ببكر: فلكل) من المحصن والبكر (حده)؛ لما روى

أبو هريرة وزيد بن خالد ((أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أحدهما: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته. وإنني افتديت منه بمائة شاة ووليدة. فسألت رجالأ من اهل العلم، فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، والرجم على امرأة هذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى: على ابنك جلد مائة وتغريب عام. وجلد ابنه مائة وغربه عاما، وامر أنسا الأسلمي يأتي امرأة الآخر. فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها))

(1)

. متفق عليه.

(وزان بدات محرم) مثل: أخته وبنت أخيه (كـ) زان (بغيرها) على الأصح.

وعنه: فيمن وطئ ذأت محارمه يقتل بكل حال.

والأول المذهب؛ لأنه أولج فرجه في فرج امرأة لا تحل له حالتئذ

(2)

.

(ولوطي- ناعل ومفعول به- كزان) على الأصح. يعني: أنه إن كان محصنا فحده الرجم، وإن لم يكن محصمنا جلد مائة وغرب عاما؛ لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان))

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري في ((صمحيحه)) (2575) 2: 971 كتاب الشروط، باب الشروط التي لا تحل في الحدود.

وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (1697) 3: 1325 كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى.

(2)

فى ج: حينئذ.

(3)

أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) 8: 233 كتاب الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي.

ص: 421

ولأنه فرج مقصود بالاستمتاع. فوجب فيه الحد؛ كفرج المرأة.

(ومملوكه كأجنبي) يعني: أن حكم من لاط بمملوكه حكم من لاط بأجنبي؛ لأن الذكر ليس بمحل الوطء. فلا يؤثر ملكه له.

(ودبر اجنبية كلواط) في الأصح. ذكره في ((الترغيب)).

وقيل: كز نا.

وعلى القولين: لو وطئ زوجته أو مملوكته في دبرها كان ذلك محرما ولا

حد فيه؛ لأن المرأة محل للوطء في الجملة.

وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد. بخلاف. التلوط.

(ومن أتى بهيمه) ولو سمكة: (عزر) فقط على

(1)

الأصح. روي ذلك

عن ابن عباس. وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه لم يصح فيه نص.

ولا يمكن قياسه على الوطء في فرج الآدمي؛ لأنه لا حرمة له والنفوس تعافه. (وقتلت) البهيمة المأتية على الأصح، سواء كانت مأكولة أو غير مأكولة،

(لكن) لا تقبل إلا (بالشهادة على فعله بها) إن لم يكن يملكها؛ لأن إقراره بذلك إقرار على ملك غيره. فلم يقبل؛ كما لو أقر على غير

(2)

مالكها.

(ويكفي إقراره: إن ملكها)؛ لأن ذلك إقرار على نفسه فيؤخذ به.

(ويحرم أكلها) يعني: ان إتيانه إياها يحرم أكلها إن كانت مما يؤكل في الأصح؛ لأن لحمها لحم حيوان وجب قتله لحق الله سبحانه وتعالى. فحرم أكله؛ كسائر المقتولات لحق الله سبحانه وتعالى: (فيضمنها) آتيها بقيمتها كاملة؛ لأنها أتلفت بسببه

(3)

. اشبه ما لو قتلها.

(1)

في ج: في.

(2)

في ب: أقر لغير.

(3)

في ب: بسبب.

ص: 422

[فصل: في شروط حد الزنا]

(فصل. وشروطه) أي: شروط حد الزنا الموجبة له (ثلاثة):

أحدها: (تغييب حشفة أصلية، ولو) كانت الحشفة (من خصي) أي: مقطوع الخصيتين، (أو) تغييب (قدرها) اي: قدر الحشفة (لعدم) أي: لعدم وجود الحشفة (في فرج أصلي) أي: بأن يكون تغييب الحشفة في فرج أصلي، (من آدمي حي، ولو) كان الفرج المغيب فيه (دبرا).

فقوله: تغييب احتراز ممن لم يغيب؛ كمن أصاب بذكره باب الفرج.

وقوله: حشفة احتراز ممن غيب بعض الحشفة، فإن ذلك لا يسمى زنا، إذ اللواط لا يتم بدون تغييب جميع الحشفة؛ لأنه القدر الذي تثبت به أحكام الوطء في القبل وغيره.

وقوله: ولو دبرا ليدخل اللواط ووطء المرأة في الدبر؛ لأنه فاحشة.

وعلم مما تقدم: أن من وطئ أجنبية لا تحل له دون الفرج لم يلزمه حد؛

لما روى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ((أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنى وجدت امرأة في البستان فاً صبت منها كل شيء غير أني لم أنكحها. فافعل بي ما شئت. فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]

(1)

رواه النسائي.

ويعزر؛ لأنها معصية ليس فيها حد ولا كفارة. لكن ظاهر الحديث يدل على

أنه لا تعزير عليه إذا جاء تائبا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله.

(1)

أخرجه أبو داود في ((سننه)) (4468) 4: 160 كتاب الحدود، باب في الرجل يصيب من المرأه دون الجماع فيتوب قبل أن ياًخذه الإمام. ولم أره في النسائي.

واخرجه أحمد في ((مسنده)) (4290) 1: 449.

ص: 423

وعلم أيضا مما تقدم أن المرأه إذا اتت المرأة لم تحد واحدة منهما؛ لأن

ذلك لا يتضمن إيلاجا. أشبه المباشرة دون الفرج.

الشرط (الثاني) من شروط حد الزنا: (انتفاء الشبهة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:

((ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم))

(1)

.

(فـ) يتفرع على ذلك (لو وطئ زوجته في حيض أو نفاس أو) في (دبر) أي: دبرها فلا حد عليه ولا عليها؛ لأن وطئه صادف ملكا فكان شبهة يدرأ بها الحد. أشبه ما لو وطئ أمته قبل استبرائها.

(أو) وطئ (أمته المحرمة أبدا برضاع أو غيره)؛ كما لو كانت أم زوجته،

او كانت موطوءة أبيه أو ابنه، (أو) وطئ أمته (المزوجة، أو) أمته (المعتدة، أو المرتدة، او) أمته (المجوسيه، أو) وطئ (أمة له) فيها شرك، (أو لولده) فيها: شرك، (أو) لى (مكاتبه) فيها شرك، (أو لبيت المال فيها شرك) فلا حد في ذلك على الأصح؛ لشبهة ملك الواطئ أو ملك ولده؛ لتمكن الشبهة في ملك ولده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:((أنت ومالك لأبيك))

(2)

. فأضاف مال ولده إليه وجعله له. فإذا لم يثبت حقيقة الملك فلا أقل من جعله شبهة، وكشبهة ملك مكاتب الواطئ، أو كانت الأمة لبيت المال وكان الواطئ حزا مسلما؛ لأن

(3)

له حقا في بيت المال.

والأصل في ذلك كله ما روى أبو هريرة رضي الله تعالي عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا))

(4)

. رواه ابن ماجه.

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادرأوا

(1)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8: 238 كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات. عن عروه عن عائشة مرفوعا، وروي موقوفا علي عائشة.

(2)

أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (2291) 2: 769 كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده.

(3)

في ج: لأنه.

(4)

أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (2545) 2: 850 كتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات.

ص: 424

الحدود عن المسلمين ما استطعتم. فإن كان له مخرج فخلوا سبيله. فإن الإمام أن يخطى في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة))

(1)

. رواه الترمذي.

(أو) تكون الشبهة قول بعض العلماء بحل الوطء، كالوطء (في نكاح) مختلف فيه، (أو) في (ملك مختلف فيه) وهو (يعتقد تحريمه) أي: تحريم النكاح: (كـ) نكاح (متعة، أو) نكاح (بلا ولي، أو) في (شراء فاسد بعد قبضه) أي: قبض المبيع، لأن البائع بإقباضه الأمة

(2)

صار كأنه أذن له في فعل ما يملكه بالبيع الصحيح ومنه الوطء.

وقيل: لا يحد ولو قبل القبض.

(أو) شراء (بعقد فضولي ولو قبل الإجازة) فإنه لا حد في ذلك على الأصح،

لما روى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ((إذا اشتبه عليك الحدود فادرأ ما استطعت))

(3)

. ولأن تمحض الحد يستدعي تمحض الجناية. فإذا دخلتها الإباحة من وجه

كان ذلك مسقطا للحد، لأنه لم تكمل

(4)

الجناية فيه.

(أو) يكون للواطئ شبهة الملك في الموطوءة ظنا؛ كمن وطئ (امرأة) وجدها (على فراشه أو في منزله ظنها زوجته أو أمته، أو ظن أن له) فيها شرك، (أو) ظن أن (لولده فيها شرك)، أو دعى الضرير امرأته أو أمته فأجابه غيرها فوطئها فإنه لا حد في ذلك؛ لأنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه. فأشبه من نكح وأتي له بامرأة فقيل له: هذه زوجتك فوطئها.

(أو) يكون الزانى ممن (جهل

(5)

تحريمه) أي. تحريم الزنا: (لقرب إسلامه، أو نشوئه ببادية بعيدة) من القرى.

(1)

أخرجه الترمذي في ((جامعه)) (1424) 4: 32 كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود.

(2)

في ج: للأمة.

(3)

أخرجه الدارقطنى في ((سننه)) (10) 3: 84 كتاب الحدود.

(4)

في ب: تملك.

(5)

في ب: يجهل.

ص: 425

(أو) جهل (تحريم نكاح باطل إجماعا) وطئ فيه وادعى جهل التحريم (ومثله يجهله)، لأن عمر رضى الله تعالى عنه قبل قول مدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة، فإنه لا حد على من لم يعلم التحريم مع إمكان جهله. أما من نشأ بين المسلمين وادعى الجهل بالتحريم لا يقبل منه؛ لأن ذلك لا يخفى على من هو كذلك.

(أو) يكون الواطئ (ادعى انها) أي: الموطوءة (زوجته وانكرت) زوجيته: (فلا حد) عليه؛ لأن دعواه بذلك شبهة تدرأ الحد عنه لاحتمال صدقه. (ثم إن أقرت) الموطوءة (أربعا) أي: أربع مرات (بأنه) أي: أن وطأه إياها وهي مطاوعة عالمة بالتحريم (زنى: حدت) وحدها.

نقل مهنا: لا حد ولا مهر بقوله: إنها امرأته وأنكرت هي وقد أقرت على

نفسها بالزنا.

(و) أما (إن وطئ) مكلف امرأة (في نكاج باطل إجماعا مع علمه) بكون النكاح محرما بالإجماع؛ (كنكاح مزوجة أو معتدة) من غير زنا؛ لأن في نكاح المعتدة من زنا خلافا في صحته، (أو خامسة، أو ذات محرم من نسب أو رضاع) حد؛ لأنه وطء لم يصادف ملكا ولا شبهة ملك. فأوجب الحد؛ عملا بالمقتضى.

وقد روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: ((أنه رفع له امرأة تزوجت في عدتها. فقال: هل علمتما؟ فقالا: لا. فقال: لو علمتما لرجمتكما))

(1)

. رواه أبو نصر المروذي.

(أو زنا بحربية مستأمنة، أو بمن استأجرها لزنا أو غيره) حد؛ لأن الأمان والاستئجار سببان لا يستباح بهما البضع. فيكون واطئا وطئا محرما في فرج لا يباح له. فيجب بذلك الحد؛ كغيرهما من الزنا.

(أو) زنى مكلف (بمن) أي: بامرأة (له عليها قود) حد لأنه وطئ في

(1)

لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن قتادة قال: ((قلت لسعيد بن المسيب: إن تزوجها في عدتها عمدا؟ قال: يقام عيها الحد)) (28545) 5: 512 كتاب الحدود، في المرأة

تزوج في عدتها أعليها حد؟

ص: 426

غير ملك من غير شبهة. فوجب عليه الحد؛ كما لو وطئ من له عليها دين.

(أو) زنى (بامرأة ثم تزوجها، أو) زنى بأمة ثم (ملكها) حد؛ لأن الحد وجب بوطئها وهي أجنبية. فلا يسقط بتغير حالها؛ كما لو ماتت.

(أو أقر عليها) أي: على امرأة بأنه زنى بها، بأن قال: زنيت بفلانة وهي حاضرة (فسكتت) بأن لم تصدقه ولم تكذبه، (أو جحدت) بأن كذبته حد، خلافا لأبي حنيفة فيما إذا جحدت.

(أو) زنى مكلف (بمجنونة، أو صغيرة يوطأ مثلها) وهي: من تم لها تسع سنين حد؛ لأن سبب السقوط في الموطوءه غير موجود في الواطئ. فوجب أن يثبت الحكم في الواطئ دون الموطوءة؛ لعدم المسقط.

(أو) وفى المكلف (أمته المحرمة بنسب) حد؛ لأنها تعتق عليه بمجرد الملك فتصير أجنبية منه.

قال في ((شرح المقنع)): لا نعلم فيه خلافا؛ لأن الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة.

(أو) زنى رجل مكلف حال كونه (مكرها) على الزنا حد على الأصح.

واختاره الأكثر؛ لأن وطئ الرجل لا يكون إلا مع انتشار، والإكراه ينافيه. فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه. فيلزمه الحد؛ كما لو أكره على غير الزنا فزنى. وعنه: لا يحد؛ كامرأة مكرهة وغلام.

(أو) زنى مكلف (جاهلا بوجوب العقوبة) على الزنا مع العلم بتحريمه: (حد).

قال في ((الفروع)): ولا يسقط الحد بجهل العقوبة إذا علم التحريم لقضيه ماعز. انتهى.

ووجه ذلك والله أعلم

(1)

: أنه أقدم على محرم يعتقد تحريمه. فوجب عليه

ما قدره الشارع في ذلك المحرم من العقوبة.

(1)

في أ: والله سبحانه وتعالى أعلم، وفي ب: والله تعالى أعلم.

ص: 427

(وإن مكنت مكلفة- من نفسها- مجنونا، أو) صغيرا (مميزا، أو من) أي: إنسانا (يجهله) أي: يجهل تحريم الزنا، (أو) أمكنت من نفسها (حربيا، أو مستأمنا) فوطئها أحد هؤلاء، (أو استدخلت) في فرجها أو دبرها (ذكر نائم: حدت)، لأن سقوط الحد عن الواطئ لا يكون شبهة في سقوط الحد عنها، لوجود المسقط فيه دونها.

(لا: إن أكرهت) مكلفة على الزنا، (أو) أكره (ملوط به) على اللواط (بإلجاء)، وهو: أن يغلب الواطئ المزنى بها على نفسها، أو يغلب الملوط به على نفسه، (أو) بـ (تهديد) بقتل أو ضرب أو نحوهما، (أو) بـ (منع طعام، أو) منع (شراب مع اضطرار ونحوه فيهما) أي: في المزنى بها وفي الملوط به. نص على ذلك أحمد في راع جاءته امرأه قد عطشت فسألته أن يسقيها. فقال لها: أمكنيني من نفسك. قال: هذه مضطرة.

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ((أن امرأة استسقت راعيا. فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها. ففعلت. فرفع ذلك إلى عمر، فقال لعلي: ما ترى فيها؟ قال: إنها مضطرة. فأعطاها عمر شيئا وتركها)). الشرط (الثالث) من الشروط الموجبة لحد الزنا: (ثبوته) أي: ثبوت

الز نا، (وله) أي: ولثبوته (صورتان:

إحداهما) أي: إحدى الصورتين: (أن يقر به مكلف- ولو) كان المكلف (قنا) أو مبعضا- (أربع مرات)؛ لما في حديث ماعز المروي من طرق عن ابن عباس وجابر وبريدة وأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم. قال: ((كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ماعز بن مالك. فاعترف عنده مرة فرده. ثم جاء فاعترف عنده الثالثة، فقلت له: إنك إن اعترفت عنده الرابعة رجمك. فاعترف الرابعة فحبسه. ثم سأل عنه فقالوا: لا نعلم إلا خيرا. قال: فمر برجمه))

(1)

.

(1)

أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (1695) 3: 1323 كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى عن بريدة.

وأخرجه أبو داود في ((سننه)) (4426) 4: 147 كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك عن ابن عباس. وفي (4422) 4: 146 عن جابر بن سمره.

ص: 428

حتى (ولو) كان الاعتراف (في مجالس)؛ لأن ماعزا أقر عنده أربعا في مجلس واحد، والعامرية أقرت عنده بذلك في مجالس. فروى بريدة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة من بني عامر من الأزد. فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: أراك ترددنى كما رددت ماعز بن مالك. قال: وما زال حتى قالت: إني حبلى. قال: فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك. قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: قد وضعت العامرية. فقال: إذا لا نرجمها وندع

(1)

ولدها صغيرا ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار. فقال: إلي رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها))

(2)

. رواه مسلم والدارقطني وقال: حديث حسن صحيح.

وفي لفظ قال: ((جاءت العامرية

(3)

. فقالت: يا رسول الله! إنى قد زنيت فطهرنى. وإنها ردها فلما كان الغد. قالت: يا رسول الله! ترددنى كما رددت ماعزا فوالله إنى لحبلى. قال: فاذهبي حتى تلدي. فلما ولدت

(4)

أتته بالصبي في خرقة. قالت: هذا قد ولدته. قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه. فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز. فقالت

(5)

: يا نبي الله! هذا قد فطمته وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين. ثم أمر بها فحفر لها

(6)

وأمر الناس فرجموها. ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت))

(7)

. رواه أحمد ومسلم وأبو داود

(1)

في أوب: ترجمها وتدع.

(2)

أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (1695) 3: 1322 كتاب الحدود، باب من اعترف نفسه بالزني.

وأخرجه الدارقطني في ((سننه)) (39) 3: 91 كماب الحدود.

(3)

في ب: الغامدية.

(4)

في ج: وضعت.

(5)

في ب: فقال.

(6)

في ج: فحفر لها حفرة.

(7)

وأخرجه أبو داود في ((سننه)) (4442) 4: 152 كتاب المحدود، باب المرأة التي أمر النبي صصص برجمها من جهينة.

وأخرجه أحمد في ((مسنده)) (22999) 5: 348.

ص: 429

(ويعتبر أن يصرح) المقر (بذكر حقيقة الوطء)؛ لأن ابن عباس قال:

" لما أتى ماعزا بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم. قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت. قال: لا. يا رسول الله! قال: أنكتها؛ لا يكني قال: نعم. فعند ذلك أمر برجمه "

(1)

. رواه البخاري وأبو دا ود.

وفي حديث أبي هريرة: " قال للأسلمي: أنكتها؛ قال: نعم. قال: كما

يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر. قال: نعم. قال: فهل تدري ما الزنا؛ قال: نعم. أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من أهله حلالا. قال: فما تريد بهذا القول؛ قال: أريد أن تطهرنى قال: فأمر به فرجم "

(2)

. رواه أبوداود

والدارقطني.

ولأنه إقرار يوجب ما يدرأ بالشبهة. فلم يحتمل الكناية؛ لأن الكناية تحتمل

ما لا يوجب الحد فيكون ذلك الاحتمال سببا في سقوط الحد. فلم يثبت الإقرار بالكناية لذلك.

و (لا) يعتبر أن يصرح (بمن زنى) بها. فلو أقر أنه زنى بفلانة فكذبته فعليه الحد دونها؛ لما روى أبو داود بإسناده عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أن رجلا أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة فسماها. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك. فأنكرت أن تكون زنت. فجلده الحد وتركها "

(3)

.

ولأن انتفاء ثبوته في حقها لا يبطل إقراره؛ كما لو سكتت، أو كما لو لم

تسأل.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6438) 6: 02 25 كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(4426) 4: 147 كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك.

(2)

أخرجه أبو داود فى "سننه "(4428) 4: 148 كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك عن أبي هريرة. وأخرجه الدارقطنى في " سننه " (132) 3: 121 كتاب الحدود والديات وغيره. نحوه عن ابن

عباس، ولم أره عن أبي هريرة.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4437) 4: 0 5 1 كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، عن أبي حازم عن سهل بن سعد.

ص: 430

(و) يعتبر (أن لا يرجع) المقر عن إقراره (حتى يتم الحد)، لأن من شرط إقامة الحد بالإقرار: البقاء عليه إلى تمام الحد. (فلو) رجع عن إقراره أو هرب كف عنه. وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك والشافعي.

ولو (شهد أربعة على إقراره به) أي: بالزنا (أربعا) أي: أربع مرات، (فأنكر، أو صدقهم دون أربع) اي: دون أربع مرات: (فلا حد عليه) على الأصح، (ولا على من شهد).

أما كونه لا حد عليه، فلأن إنكاره وتصديقه دون أربع مرات رجوع عن إقراره.

وأما كون الشهود لا يحدون، فلأن نصاب شهود الزنا كامل فيهم، بدليل أنه

لو صدقهم أربع مرات حد ما لم يرجع عن إقراره.

الصورة (الثانية): ثبوت الزنا بالشهاده على الفعل. ويشترط في ثبوته بالشهادة عليه خمس شروط تضمنها قوله: (أن يشهد عليه) أي: على الزانى (في مجلس) واحد، (أربعة رجال، عدول ولو جاؤا متفرقين) أي: واحدا بعد واحد، (أو صدقهم بزنا واحد ويصفونه) الشهود.

الشرط الأول: أن يكون الشهود أربعة. وهذا إجماع

(1)

لا خلاف فيه بين

أهل العلم، لقوله سبحانه وتعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4].

و" قال سعد بن عباده لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم "

(2)

. رواه مالك في " الموطأ " وأبو داود.

الشرط الثانى: أن يكونوا رجالا كلهم، لأن لفظ الأربعة اسم لعدد

الذكور.

(1)

في ج: الشرط.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4533) 4: 181 كتاب الديات، باب في من وجد ميع أهله رجلا أيقتله؛ وأخرجه مالك في الموطأ (17) 2: 566 كتاب الأقضيه، باب القضاء فيمن وجد مع امرأته رجلا.

ص: 431

ولأن في شهادة النساء شبهة؛ لتطرق الضلال إليهن. قال الله سبحانه

وتعالى: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282]. والحدود تدرأ بالشبهات.

الشرط الثالث: أن يكونوا عدولا. ولا خلاف في اشتراط العدالة هنا. فلا

تقبل شهادة مستور الحال؛ لجواز أن يكون فاسقا.

الشرط الرابع: أن يشهدوا في مجلس واحد؛ لأن أبا بكرة ونافعا وشبل بن

سعيد شهدوا. عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم يشهد زياد فحد الثلاثة

(1)

. ولو لم يكن اتحاد المجلس شرطا لجاز أن يكملوا برابع في مجلس آخر.

ولأن تخلف بعض الشهود

(2)

عن مجلس الشهادة وهم عدم اتفاقهم على الشهادة. فيصير ذلك شبهة في كذبهم؛ كما لو كانوا ثلاثة لارابع لهم. والمشترط اجتماعهم عند الشهادة، لكن لو جاؤا [واحدا بعد واحد ولم يؤدوا الشهادة إلا بعد كمالهم واجتماعهم صح. ولذلك قلت: ولو جاؤا]

(3)

متفرقين. فإنه يتعذر إتيان الجميع دفعة واحدة. وفي حديث قصة المغيرة أنهم جاوا واحدا بعد واحد ولم يمنع ذلك من استماع شهادتهم.

الشرط الخامس: أن يصف الشهود صورة الزنا فيقولون رأينا ذكره في

فرجها؛ كالمرود في المكحلة، والرشا في البئر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقر عنده ماعز قال له:" أنكتها؛ لا يكني. قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر. قال: نعم "

(4)

. وإذا اعتبر الصريح في الإقرار فالشهادة أولى؛ لأن الشهود إذا لم يصفوا الزنا أمكن أن يكون المشهود به أمرا لا يوجب الحد فلا يثبت الزنا بذلك، فلذلك وجب وصفه صريحا.

وقد روى أبو داود بإسناده عن جابر قال: " جاءت اليهود برجل منهم وامرأة

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8 0 234 كتاب الحدود، باب شهود الزنا إذا لم يكملوا أربعة.

(2)

في ب: الشروط. وهو تصحيف.

(3)

ساقط من أ.

(4)

سبق تخريجه ص: 456.

ص: 432

زنيا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائتونى بأعلم رجلين منكم. فتوا بابني صوريا. فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة؛ قالا: نجد في التوراه أنه إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: فما يمنعكم

أن ترجموهما؟ قالا

(1)

: ذهب سلطاننا وكرهنا القتل. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاء أربعة. فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة.

فأمر النبى صلى الله عليه وسلم برجمهما "

(2)

.

لكن لو شهدوا أنهم رأوا ذكره قد غيبه في فرجها كفى؛ لأن التشبيه إنما هو

تأكيد.

قال بعض أهل العلم: ويجوز للشهود أن ينظروا إلى ذلك عيانا

(3)

من

الزانيين؛ لإقامة الشهادة عليهما ليحصل الردع.

ولا فرق في ذلك بين أن يصدقهم المشهود عليه أو لا؛ لأن البينة إنما يحتاج

إليها عند الإنكار. فلو اشترط تصديق المشهود عليه كان الحكم مستندا للإقرار

فلا يكون للبينة فائدة، لأنه لا يعمل بها حتى يصدقها. فيكون وجود البينة كعدمها. ولا يشترط في الشهود الحرية على المذهب.

إذا تقرر هذا (فإن شهدوا في مجلسين فأكثر)، بأن جاء بعضهم فشهد، ثم

لم يأت البعض الباقي حتى قام الحاكم من مجلسه فشهدوا عنده في مجلس آخر أو

أكثر حد الجميع للقذف. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة. وخالف الشافعي " لكون المجلس لم يذكر في القرآن.

ولأن كل شهادة مقبولة في مجلس تكون مقبولة إذا كانت في مجالس كباقي

الشهادات.

ولنا. أن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد شهدوا عند عمر على المغيرة بالزنا

(1)

في أ: قال.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4452) 4: 156 كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين.

(3)

ساقط من أ.

ص: 433

ولم يشهد زياد فحد الثلاثة

(1)

. ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم؛ لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر.

ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم الحاكم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته. ولولا اشتراط المجلس لكملت. وبهذا تفارق سائر الشهادات.

وأما الآية فإنها لم تتعرض للشروط ولهذا لم يذكر فيها العدالة ولا صفة الزنا. ولأن قوله سبحانه وتعالى: ثُمَّ لَمْ {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ} [النور: 4]،

لا يخلو من أن يكون مطلقا في الزمان كله أو مقيدا، لا يجوز أن يكون مطلقا؛ لأن ذلك يمنع من جواز جلدهم؛ لأنه ما من زمن إلا يمكن أن يأتي فيه بأربعة شهداء أو بكمالهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنيع جلدهم المأمور به فيكون متناقضا. وإذا ثبت أنه مقيد فيكون بالمجلس؛ لأن المجلس كله بمنزلة الحالة الواحدة ولهذا ثبت فيه الخيار للمتبايعين واكتفي فيه بالقبض فيما يعتبر فيه القبض (او امتنع بعضهم) أي: بعض الشهود من أداء الشهادة، (أو لم يكملها) أي: لم يكمل الشهادة بعض الشهود حد من شهد منهم للقذف على الأصح وفاقا ل لآية الثلاثة؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] وهذا

يوجب الجلد على كل رام لم يشهد بما قاله أربعة.

ولأنه إجماع الصحابة [فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة]

(2)

فلم ينكره أحد.

(أو كانوا) أي: كان الشهود كلهم (أو بعضهم لا تقبل شهادتهم فيه) أي:

في الزنا: (لعمى، أو فسق، أو لكون أحدهم زوجا حدوا

(3)

للقذف) على الأصح؛ لأنها شهادة لم تكمل. فوجب الحد على الشهود؛ كما لو يكمل العدد، و (كما لو بان مشهود عليه مجبوبا، أو) بانت مشهود عليها (رتقاء) فإنهم

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 234 كتاب الحدود، باب شهود الزنا إذا لم يكملوا أربعة.

(2)

ساقط من ب.

(3)

في ب: حد.

ص: 434

يحدون، (لا زوج) إذا (لاعن) فإنه لا يحد، (أو كانوا) أربعة (مستوري الحال، أو مات أحدهم) أي: أحد الأربعة، سواء كانوا عدولا أو مستوري الحال (قبل وصفه) الزنا، (أو بانت) المشهود عليها (عذراء) فإنهم لا يحدون " لعدم الشرط الموجب لحد القذف وهو: عدم الإتيان بالشهداء الأربع.

(وإن عين اثنان) من الأربعة الشاهدين بالزنا (زاوية) صدر فيها الزنا (من

بيت صغير عرفا، و) عين (اثنان) منهم زاوية (أخرى منه) أي: من البيت الصغير كملت شهادتهم لإمكان صدقهم، لأنه إذا كان البيت صغيرا احتمل أن يكون ابتداء الفعل في إحدى الزاويتين وتمامه في الأخرى، أو ينسبه كل اثنين إلى إحدى الزاويتين، لقربها من الأخرى. [فيجب قبول شهادتهم، كما لو اتفقوا. بخلاف ما إذا كان البيت كبيرا لتباعد كل من الزاويتين من الأخرى]

(1)

فإنه يبعد أن يكون المشهود به فعلا واحدا

(2)

فلا تكمل شهادتهم.

(أو قال اثنان) في شهادتهما: إنه زنى بها وهو (في قميص ابيض، أو)

أنه زنى بها (قائمة، و) قال (اثنان) في شهادتهما: إنه زنا بها (في) قميص (أحمر، أو) زنى بها (نائمة: كملت شهادتهم)، لأنه لا منافاة بين قول الأولين وقول الآخرين " لاحتمال كونه كان في قميص أبيض تحته قميص أحمر، ثم خلعه قبل الفراغ فرآه من شهد بحاله الأول على ما رآه [ورآه من شهد بحاله الثانى على ما رآه]

(3)

، ولاحتمال كونه ابتدأ بها الفعل وهي قائمة ثم أكمله وهي نائمة. (وإن كان البيت كبيرا) وشهد اثنان أنه زنى بها في زاوية عيناها، وشهد

اثنان أنه زنى في زاوية غير الأولى بتعيينهما، (أو عين اثنان بيتا، أو) عينا (بلدا، أو) عينا (يوما. و) عين (اثنان) من الأربعة بيتا (آخر)، أو بلدا آخر، أو يوما آخر:(فـ) الأربعة (قذفة)؛ لأن كل اثنين منهم يشهدان على أن الزنا الذي يشهدان به غير الآخر. والشهادة لم تكمل في كل واحد منهما فيحدون

(1)

ساقط من أ.

(2)

ساقط من أ.

(3)

ساقط من أ.

ص: 435

للقذف، (ولو اتفقوا على أن الزنا واحد)، للعلم بكذبهم.

(وإن قال اثنان) من أربعة: (زنى بها مطاوعة، وقال اثنان): زنى بها

(مكرهة لم تكمل) شهادتهم في الأصح، لاختلافهم،) وعلى شاهدي المطاوعة حدان)، حد لقذف

(1)

الرجل، وحد لقذف

(2)

المرأة، (و) على (شاهدي الإكراه) حد (واحد، لقذف الرجل وحده)، لأنهما شهدا أنها كانت مكرهة.

(وإن قال اثنان) من شهداء أربعة: زنى بها (وهي بيضاء، وقال اثنان) منهم (غيره)، بأن قال: زنى بها وهي سمراء أو هي سوداء: (لم تقبل) شهادتهم " لأن الشهادة لم تجتمع على عين واحدة. بخلاف السرقة.

(وإن شهد أربعة) با لزنا، (فرجعوا أو) رجع (بعضهم قبل حد) أي: حد

من شهدوا عليه (ولو بعد حكم: حد الجميع) على الأصح.

أما كونهم يحدون مع رجوع جميعهم، فلأنهم مقرون بأنهم قذفة.

وأما كونهم يحدون مع رجوع بعضهم؛ لأنه نقص عدد الشهود. فلزمهم الحد، كما لو كانوا ثلاثة.

(و) إن رجع بعضهم (بعد حد) فإنه (يحد راجع فقط) أي: دون من لم يرجع؛ لأن إقامة الحد كحكم الحاكم فلا ينتقض

(3)

برجوع الشهود أو بعضهم. لكن يلزم من رجع حكم رجوعه وهو مقر بالقذف فيلزمه حده إذا كان الحد جلدا وطالبه المشهود عليه به. وكذا إن كان رجما وطالبه الورثة به (إن ورث حد قذف) ويورث إن طالب به المقذوف قبل موته. وإلا فلا.

(وإن شهد أربعة بزناه) أي: بزنا فلان (بفلانة، فشهد أربعة آخرون: أن الشهود) الأربعة (هم الزناة بها) دون من شهدوا عليه لم يحد الرجل المشهود عليه؛ لأن الشهود الآخرين قدحوا فيمن شهد عليه، ولهذا قلنا) حد الأولون

(1)

في ج: لقذفه.

(2)

في ج: لقذفه.

(3)

في أ: ينقض.

ص: 436

فقط) أي: دون من شهدوا عليهما من فلان وفلانة: (للقذف وللزنا) على الأصح؛ لأن الزنا ثبت عليهم بشهاده الآخرين. فوجب الحد عليهم لذلك، ويجب عليهم حد القذف؛ لأنهم شهدوا بزنا لم يثبت.

ومتى كملت بينة بحد ثم مات الشهود أو غابوا لم يمتنع إقامة الحد بعد موتهم أو في غيبتهم؛ لأن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور الشهود جاز الحكم بها في غيبتهم وبعد موتهم؛ كسائر الشهادات. واحتمال رجوعهم ليس بشبهة يدرأ بها الحد.

(وإن حملت من) أي: امرأة (لا لها زوج ولا سيد: لم تحد بذلك) أي: بحملها في هذه الحاله، (بمجرده)، لكنها تسأل. ولا يجب أن تسأل؛ لأن في سؤالها عن ذلك إشاعة للفاحشة. وذلك منهي عنه. فإن أدعت انها أكرهت، أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا: لم تحد.

وقد روى سعيد قال: حدثنا خلف بن خليفة حدثنا أبو هاشم: " أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ليس لها زوج وقد حملت. فسألها عمر. فقالت: إنى امرأة ثقيلة الرأس. وقع علي رجل وأنا نائمة فما استيقظت. حتى فرغ. فدرأ عنها الحد ".

وروي عن على وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: " إذا كان في الحد " لعل وعسى " فهو معطل ".

وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر أنهم قالوا: " إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت "

(1)

.

ولا خلاف أن الحد يدرأ بالشبهات، وهي متحققة هاهنا.

***

(1)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(0 1) 3: 84 كتاب الحدود.

ص: 437

[باب: القذف]

هذا (باب القذف. وهو: الرمي بزنا، أو لواط، أو شهادة بأحدهما) أي: بالزنا أو اللواط (ولم تكمل البينة) بواحد من الزنا أو اللواط.

والقذف محرم بالإجماع. والأصل في تحريمه الكتاب والسنة.

أما الكتاب " فقوله سبحاله وتعالى

(1)

: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]. وقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23].

وأما السنة " فقول النبي صلى الله عليه وسلم: " اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وماهن

يا رسول الله! قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات "

(2)

. متفق عليه.

إذا تقرر هذا فإنه (من قذف وهو) أي: القاذف (مكلف مختار) أي: بالغ عاقل غير مكره (ولو) كان القاذف (أخرس) وكان القذف (بإشارة) من الأخرس إنسانا (محصنا). وسيأتي تعريف المحصن في هذا الباب (ولو) كان المقذوف (مجبو با) أي: مقطوع الذكر، (أو) كانت المقذوفة (ذات محرم) من القاذف، (أو) كانت المقذوفة (رتقاء) أى: مسدودة الفرج؛ لعموم

(1)

في ب: فقوله تعالى.

(2)

أخرجه البخاري في " صحمحه "(6465) 6: 2515 كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب رمي المحصنات.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(89) 1: 92 كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها.

ص: 438

الآيات والأحاديث: (حد) قاذف (حر ثمانين) جلدة، (و) حد قاذف (قن ولو عتق عقب قذف)؛ لأنه حين القذف كان قنا (أربعين) جلدة، (ومبعض) أي: وحد قاذف بعضه حر وبعضه رقيق (بحسابه)، فيحد من نصفه حر ونصفه رقيق ستين جلدة وهكذا. وهذا

(1)

الصحيح من المذهب؛ لأنه حد يتبعض. فكان العبد فيه على النصف والمبعض بحسابه؛ كحد الزنا. وهذا يخمى عموم الآية.

(ويجب) حد القذف (بقذف) لقريب للقاذف؛ كما لو قذف أخته لو (على وجه الغيرة) بفتح الغين المعجمة؛ كأجنبى، (لا على أبوين- وإن علوا- لولد وإن سفل) يعني: أنه لا يجب حد قذف على من قذف ولده، أو ولد ولده، أو ولد بنته، أو بنت بنته وإن سفل أو سفلت (كقود) يعني: كما أن الإنسان لا يجب له على أحد من أبويه أو على أبوي أبويه وإن علوا قود.

إذا علمت ذلك (فلا يرثه) أي: يرث الولد وإن سفل حد القذف (عليهما) أي: على أبويه وإن علوا (وإن ورثه اخوه) أي: أخو ولده الأمه) بقذف أمه وبمطالبتها بذلك قبل موتها، (وحد له) أي: لقذفه أمه بطلب أخيه لأمه؛ التبعضه) يعني: لملك بعض الورثة طلبه كاملا مع عفو باقيهم إذا طالب به مورثهم قبل موته؛ للحوق العار بكل واحد من الورثة على انفراده.

(والحق في حده) أي: حد القذف (للآدمي) على الأصح: (فلا يقام بلا طلبه) أي: طلب المقذوف فلا يجوز أن

(2)

يعرض له إلا بطلب. وذكره الشيخ تقي الدين إجماعا 1 (لكن: لا يستوفيه) المقذوف (بنفسه) وأنه لو فعل لم يعتد به. وعلله القاضي بأنه يعتبر نية الإمام أنه حد.

(ويسقط) الحد (بعفوه) أي: عفو المقذوف (ولو بعد طلب)؛ كما لو

عفا قبل طلبه، (لا عن بعضه)؛ كما لو كان المقذوف جماعة بكلمة فإن عليه

(1)

في ب: وهذا هو.

(2)

في ج: فلا يجب أن.

ص: 439

لجميعهم حدا واحدا

(1)

. ولكل واحد منهم حق في طلب إقامته. فلو كانوا خمسة مثلا وعفا أحدهم عن حقه: لم يسقط حق الأربعة الباقين. فلو طلب أحدهم حقه فلما جلد عشرين، قال: عفوت عن باقي الحد لم يسقط حق الثلاثة الباقين من تتمته. فلو طلبها أحد الثلاثة الباقين فلما جلد عشرين أخرى، قال: عفوت عن باقي الحد

(2)

: لم يسقط حق الاثنين الباقيين من تتمة الحد. فلو طلبها أحدهما فلما جلد عشرين، قال: عفوت عن تتمته

(3)

: لم يسقط حق الواحد الباقي، فله طلب جلد العشرين الباقية من الثمانين. ولهذا لا يسقط بالمصالحة عليه ولا عن بعضه بمال. وهذا بخلاف عفو بعض مستحقي القود عن حقه فإنه يسقط بذلك حق باقيهم؛ لتعذر استيفائه خلا حق العافي فلم يتبعض. بخلاف حد القذف؛ لأنه ليس كقود فيسقط، ولا يسموفى ناقصا؛ كباقي الحدود.

(ومن قذف غير محصن ولو قنه) أي: ولو كان المقذوف رقيقا للقاذف:

(عزر)؛ لأنه لما انتفى وجوب الحد عن القاذف وجب. التأديب ردعا له عن أعراض المعصومين، وكفا له عن إيذائهم.

(والمحصن هنا) أي: في باب القذف هو: (الحر، المسلم، العاقل، العفيف عن الزنا ظاهرا) أي: في ظاهر حاله (ولو) كان المقذوف (تائبا منه) أي: من الزنا، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

(وملاعنة) في ذلك (وولدها، وولد زنا كغيرهم). نص عليه. فيحد

بقذف كل من أولئك.

(ويشترط كون مثله) أي: مثل المقذوف (يطأ أو يوطأ، لا بلوغه) على الأصح.

فعلى هذا: يشترط أن يكون الغلام: ابن عشر، وأن تكون الجارية بنت تسع.

(ولا يحد قاذف غير بالع) أي: من لم يبلغ، (حتى يبلغ) المقذوف

(1)

في أ: حد واحد.

(2)

في ج: عن تتمته.

(3)

في ج: باقيه.

ص: 440

ويطالب به بعد بلوغه؛ لأن مطالبته قبل البلوغ لا توجب الحد؛ لعدم اعتبار كلامه. وليس لوليه المطالبة عنه؛ لأنه حق شرعي ثبت للتشفي. فلم يقم غيره مقامه في استيفائه؛ كالقصاص. فإذا بلع وطالب أقيم حينئذ.

(وكذا لو جن) المقذوف (أو أغمي عليه قبل طلبه)؛ فلأنه لا يستوفى حتى يعقل أو يفيق ويطالب به بعد عقله وإفاقته. (و) إن كان قد جن أو أغمي عليه (بعده) أي: بعد طلبه فإنه (يقام) أي: يجوز أن يقام حد القذف عليه؛ لوجود شرطه وعدم المانع.

(ومن قذف) محصنا (غائبا: لم يحد) القاذف (حتى يثبت طلبه) اي: طلب المقذوف الغائب (في غيبته بشرطه) في الأصح، (أو يحضر ويطلب) بنفسه.

(ومن قال لمحصنة: زنيت وأنت صغيرة، فإن فسره بدون تسع) أي: تسع سنين، (أو قاله لذكر) أي: قال لمحصن: زنيت وأنت صغير (وفسره بدون عشر) أي: عشر سنين: (عزر)؛ لما تقدم من أن قذف من دون هذا السن يوجب التعزير.

(وإلا) أي: وإن لم يفسره بدون ما ذكر (حد)؛ لأنه لا يشترط في المقذوف أن يكون بالغا.

(وإن قال) لمحصنة زنيت (وأنت كافرة، أو) وأنت (أمة، أو) وأنت

(مجنونة، ولم يثبت كونها كذلك) [أي: أنها كانت كافرة، أو كانت أمة، أو كانت مجنونة:(حد) على الأصح؛ لأن الأصل عدم الكفر وعدم الرق وعدم الجنون؛ (كما لو قذف مجهولة النسب، وادعى رقها، فأنكرته) فإنه يحد؛ لأن الأصل كونها حرة الأصل.

(وإن ثبت كونها كلذلك) [

(1)

أي: أنها كانت كافرة أو أمة أو مجنونة: (لم يحد)؛ لأنه أضاف الزنا إلى حالة لا يجب الحد بالقذف فيها، حتى (ولو قالت:

(1)

ساقط من أ.

ص: 441

أردت قذفي في الحال، وانكرها)؛ لأن اختلافهما في نيته، والقاذف أعلم بها. وقوله: وأنت كافرة مبتدأ وخبر وهو حال لقوله: زنيت وكذا الباقي.

قال الله سبحانه وتعالى: {إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2].

(ويصدق قاذف) لمحصن: (أن قذفه) كان (حال صغر مقذوف)؛ لأن الأصل الصغر وبراءة الذمة من الحد. (فإن أقاما بينتين، وكانتا مطلقتين) بأن قالت إحداهما: نشهد أنه قذفه وهو صغير، وقالت الأخرى: نشهد أنه قذفه وهو كبير، (أو) كانتا (مؤرختين تاريخين مختلفين) بأن قالت إحداهما: نشهد أنه قذفه

(1)

مثلا في سنة عشرين، وقالت الأخرى: نشهد أنه قذفه في سنة ثلاثين: (فهما) أي: فالذي به البينتان (قذفان، موجب أحدهما: الحد، و) موجب (الآخر: التعزير) إعمالا للبينتين

(2)

.

(وإن أرختا تاريخا واحدا، وقالت إحداهما: وهو) حين ذاك (صغير،

و) قالت (الأخرى: وهو) حين ذاك (كبير تعارضتا وسقطتا)، لتعارضهما. (وكذا: لو كان تاريخ بينة المقذوف قبل تاريخ بينة القاذف) ورجعنا

(3)

إلى

قول القاذف: أن القذف كان حال صغر المقذوف.

(ومن قال لابن عشرين) سنة: (زنيت من ثلاثين سنة: لم يحد)؛ للعلم بكذبه. (ولا يسقط) حد القذف (بردة مقذوف بعد طلب أو زوال إحصانه، ولو لم يحكم بوجوبه) أي: بموجب الحد "؛لأن الحدود تعتبر بوقت وجوبهما.

ولأن الحد قد وجب وتم بشروطه. فلم يسقط بزوال شرط الوجوب؛ كما

لو زنى بأمه ثم اشتراها، أو بامرأة ثم تزوجها، أوسرق عينا فنقصت قيمتها أو ملكها، أو لاعن ذمي أو مرتد ثم لحق بدار الحرب ثم عاد، لأنه حد وجب. فلم يسقط بدخول دار الحرب؛ كما لو كان مسلما ودخل بأمان.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ب: بالبينتين.

(3)

في ج: ورجعا.

ص: 442

[فصل: ويحرم القذف إلا في موضعين]

(فصل. ويحرم) القذف (إلا في موضعين:

أحدهما: أن يرى زوجته تزني في ظهر لم يطأ) ها (فيه، فيعتزلها، ثم تلد

ما) أي: ولدا (يمكن كونه من الزانى. فيلزمه قذفها ونفيه) أي: نفي الولد؛ لأن ذلك يجري مجرى اليقين في أن الولد من الزانى؛ لكونها أتت به لسته أشهر من حين الوطء.

ولأنه إذا لم ينف الولد لحقه وورثه وورث أقاربه وورثوا منه، ونظر إلى بناته وأخواته، وليس ذلك بجائز فيجب نفيه؛ لإزالة ذلك. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم] فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته. وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والاخرين "

(1)

. رواه أبو داود.

وقوله: " وهو ينظر إليه " يعني: يرى الولد منه. فكما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم [

(2)

فالرجل مثلها. وكذا لو أقرت بالزنا ووقع في نفسه صدقها، فهو كما لو رآها تزنى.

(وكذا: إن وطئها) زوجها (في ظهر زنت فيه، وقوي في ظنه) أي: ظن الزوج: (ان الولد

(3)

من الزانى؛ لشبهه به) أي: لكون الولد يشبه الزاني، (ونحوه)؛ ككون الزوج عقيما؛ لأن الشبه مع تحقق

(4)

الزنا يدل على أن الولد

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2263) 2: 279 تفريع أبواب الطلاق، باب في التغليظ في الانتفاء.

(2)

ساقط من أ.

(3)

في ج: الوالد. وهو تصحيف.

(4)

في ج: لأن الشبهة مع تحقيق.

ص: 443

من الزانى.] وكذا إن علم من نفسه أنه عقيم، لأن ولادتها مع ذلك ومع تحقق زناها قرين تدل على أن الولد من الزانى]

(1)

.

ولأن غلبة الظن تقوم مقام التحقيق

(2)

فيما لا يمكن تحقيقه قطعا.

الموضع (الثاني) الذي لا يحرم فيه القذف أيضا: (أن يراها تزني ولم تلد

ما) أي: ولدا (يلزمه نفيه)، أو تلد ولدا لا يغلب على الظن أنه من الزانى، فإنها إذا لم تلد لم يكن في زناها ضرر على أحد فإنه لا يلزمه قذفها ويباح. وفراقها أولى، لأنه أستر.

(أو يستفيض زناها) في الناس، (أو يخبره به ثقة) غير متهم لعداوة

(3)

بينها وبين المخبر أو نحو ذلك، (أو يرى) إنسانا (معروفا به) أي: بالزنا (عندها. فيباح قذفها به) أي: بالرجل المعروف بالزنا، لأن ذلك كله مما يغلب لحى الظن زناها؛ لما تقدم من أن غلبة الظن تقوم مقام التحقيق فيما لا يمكن تحقيقه. (وفراقها) مع وجود ذلك (أولى)؛ لأنه أستر.

ولأن قذفها يلزم منه أن يحلف أحدهما كاذبا، أو تقر فتفتضح.

وقد علم مما تقدم أنه لا يجوز قذفها بخبر من لا يوثق به؛ لأنه غير مأمون

على الكذب عليها، ولا برويته رجلا خارجا من عندها من غير أن يستفيض زناها؛ لأنه يجوز أن يكون دخل سارقا، أو لحاجة، أو لغرض فاسد.

(وإن أتت) زوجة إنسان (بولد يخالف لونه لونهما)؛ كمن ولدت أسود والزوجان أبيضان: (لم يبح) للزوج (نفيه بذلك) في الأصح؛ لما روى أبو هريرة قال: " جاء رجل حن بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود. يعرض بنفيه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؛ قال: نعم. قال: فما ألوانها؛ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؛ قال: إن فيها

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: التحقق.

(3)

في ب: بعداوة.

ص: 444

لورقا. قال فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزع عرق. قال: فهذا عسى أن يكون نزعه عرق. قال: ولم يرخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتفاء منه "

(1)

. متفق عليه.

ولأن الناس كلهم من آدم وحواء وألوانهم وخلقهم مختلفة، ولولا مخالفتهم

شبه والديهم لكانوا على صفة واحدة.

ولأن دلالة الشبه ضعيفة ودلالة ولادته على الفراش قوية، فلا يجوز ترك القوي لمعارضة الضعيف.

ومحل ذلك: إذا أراد نفيه (بلا قرينة)، بأن يكون رأى عندها رجلا يشبه الولد الذي أتت به، فإن ذلك يغلب على الظن مع الشبه أن الولد من الرجل الذي رآه عندها. فيباح له نفيه مع ما ذكر.

* * *

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6884) 6: 2667 كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب من شبه أصلا معلومابأصل مبين وقد يين النبي صصص

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1500) 2: 137 1 كتاب اللعان.

ص: 445

[فصل: في الفاظ القذف]

(فصل) والقذف تنقسم ألفاظه إلى صريح وكناية.

(وصريحه) أي: وصريح القذف للمرأة: (يا منيوكة إن لم يفسره) القاذف (بفعل زوج) أو سيد. فإن فسره بذلك لم يكن قذفا.

وللذكر: (يا منيوك، يا زانى، يا عاهر، أو قد زنيت، أو زنى فرجك، ونحوه)؛ كقوله: رأيتك تزني.

وأصل العهر: أن يأتي الرجل المرأة ليلا للفجور بها. ثم غلب على الزنا

فأطلق العاهر على الزاني، سواء جاءها للفجور أوجاءته هي ليلا أو نهارا.

أو قال له: (يا معفوج)

(1)

بالفاء والجيم كان ذلك صريحا نصا.

قال أحمد: يحد

(2)

؛ وذلك لأن الناس استعملوه بمعنى الوطء في الدبر. وأصله الضرب

(3)

.

وقيل: كناية.

(أو) قال له: (يا لوطي) كان ذلك صريحا على الأصح؛ لأن المستعمل

بين الناس أن اللوطي من يأتي الذكران؛ لأنه عمل قوم لوط.

(فـ) على المذهب: (إن قال: أردت) بقولي: يا زانى (زاني العين،

أو) أردت بقولي: يا عاهر (عاهر اليد، أو) قال: أردت بقولي: يا عاهر (أنك من قوم لوط، أو) أنك (تعمل عملهم غير إتيان الذكور: لم يقبل)؛

(1)

العفج: أن يفعل الرجل بالغلام فعل قوم لوط عليه السلام، وربما يكنى به عن الجماع. ر. " لسان العرب " 2: 325 ما دة (عفج).

(2)

ساقط من ب.

(3)

ساقط من ب.

ص: 446

لأن القذف بما تقدم صريح على الأصح. فلا يقبل تفسيره بما

(1)

يخالف ظاهره؛ لأنه لا دليل عليه.

(و) قول المكلف لغيره: (لست لأبيك، أو) لست (بولد فلان) الذي هو منسوب إليه (قذف لأمه) اي: أم المقول له ذلك؛ لأنه إذا ولد على فراش إنسان ونفى أن يكون منه فقد أثبت الزنا على أمه؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون من أبيه أو من غيره. فإذا نفاه عن أبيه فقد أثبته لغيره، والغير لا يمكن أن يحبلها في زوجية أبيه إلا من زنا فيكون قاذفا لها بذلك. ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:

(إلا منفيا بلعان) يعني: إلا أن يكون المقول له ذلك منفيا بلعان: (لم يستلحقه ملاعن) بعد نفيه، (ولم يفسره) القائل له ذلك (بزنا أمه) فإن ذلك لا يكون قذفا.

(وكذا) أي: وكنفيه إنسانا عن أبيه: (إن نفاه عن قبيلته)؛ لما روى الأشعث بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " لا أوتى برجل يقول: إن كنانة ليست من قريش إلاجلدته "

(2)

.

وعن ابن مسعود أنه قال: " لا جلد إلا في اثنتين: رجل قذف محصنة، أو

نفى رجلا عن أبيه "

(3)

. وهذا لا يقوله ابن مسعود إلا توقيفا. وهذا على الأصح. وقال الموفق: والقياس يقتضي أن لا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته؛ لأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا. فأشبه ما لو قال للأعجمي: إنك عربي. انتهى. (و) قول الإنسان لآخر: (ما أنت ابن فلانة، ليس بقذف مطلقا) أي: سواء أراد بذلك قذفه أولا.

(و) من قال لولده: (لست بولدي) فالأصح أن ذلك (كناية في قذف أمه) أي: أم الولد وليس بصريح. نص على ذلك؛ لأنه قد استفاض بين

(1)

في أ: فلا يقبل ما.

(2)

أخرجه أحمد فى " مسنده "(21591) 5: 211.

(3)

أخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " 8: 252 كتاب الحدود، باب من قال: لا حد إلا في القذف الصريح. عن القاسم بن عبدالرحمن.

ص: 447

الناس: أن الأب إذا أنكر شيئا من أحوال الولد أن يقول: لست بولدي مريدا بذلك أنه لا يشبهه، لا أنه ليس مخلوقا من مائه. وإذا احتمل هذا لا يكون قذفا للأم إلا مع قصده؛ لأنه ليس منه؛ لقيام الاحتمال فيه. بخلاف الأجنبي.

(و) قول الإنسان لغيره: (أنت أزنى الناس، أو) أنت أزنى (من فلانة)، أو من فلان، (أو قال له) أي: للرجل: (يا زانية، أو) قال (لها) أي: للمرأة: (يا زان صريح في المخاطب بذلك) فقط في الأصح؛ لأن لفظة أفعل تستعمل للمنفرد بالفعلى؛ لقوله سبحانه وتعالى: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى} [يونس: 35]. وقال تعالى: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ} [الأنعام: 81].

ولأن موضوع اللفظ يقتضي في بقية الأمثلة أن يكون صريحا في حق المخاطب.

ولأن ما كان قذفا لأحد الجنسين كان قذفا للآخر؛ (كفتح التاء وكسرها لهما) أي: للذكر والأنثى (في) قوله: (زنيت).

ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنا. ولذلك لو قال لامرأة: يا شخصا زانيا، أو لرجل: يا نسمة زانية كان ذلك قذفا بغير خلاف. (وليس) القائل: أنت أزنى من فلانة (بقاذف لفلانة) في الأصح؛ لقول لوط عليه الصلاة والسلام: (بناتى هن أطهر)[. هود: 78] أي: من أدبار الذكور ولا طهارة فيهم.

(ومن قال عن اثنين: أحدهما زان، فقال أحدهما) له: (أنا؛ فقال)

له: (لا. فـ) ذلك (قذف للآخر)؛ لتعينه بنفيه عن الآخر.

(و) من قال لغيره: (زنأت مهموزا) فهو (صريح) في القذف في الأصح. (ولو زاد: في الجبل أو عرف العربيه) في الأصح؛ لأن عامة الناس لا يفقهون من ذلك إلا القذف. فكان صريحا؛ كما لو قال له: زنيت من غير همز.

***

ص: 448

(فصل) في كناية القذف

والتعريض به وما يلحق بذلك.

(وكنايته والتعريض) به ما سيذكر.

ومن أمثلة الكناية قول الإنسان لغيره: (زنت يداك، أو) زنت (رجلاك،

أو) زنت (يدك، أو) زنت (رجلك، أو) زنى (بدنك) في الأصح؛ لأن زنا هذه الأعضاء لا يوجب الحد؛ بدليل قول النبى صلى الله عليه وسلم: " العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه "

(1)

.

(و) من الكنايات أيضا قوله: (يا خنيث بالنون) وذكر بعضهم بالباء،

(يا نظيف، يا عفيف، ويا قحبة، يا فاجرة، يا خبيثة.

ولزوجة شخص: قد فضحته، وغطيت) رأسه، (أو نكست رأسه، وجعلت له قرونا، وعلقت عليه أولادأ من غيره، وأفسدت فراشه.

و) قوله (لعربي: يا نبطي)، أو (يا فارسي)، أو (يا رومي، و) قوله

(لأحدهم) أي: للفارسي والنبطي والرومي: (يا عربي.

و) قول الإنسان (لمن يخاصمه: يا حلال ابن الحلال، ما يعرفك الناس بالزنا) في الأصح.

ومن التعريض ما أشير إليه بقوله: (أو ما أنا بزان، أو ما أمى بزانية.

أو يسمع من) أي: يسمع إنسان إنسانا (يقذف شخضا، فيقول) له: (صدمت، أو) يقول له: (صدقت فيما قلت.

(1)

أخرجه أحمد في " مسنده (9320) 2: 411

ص: 449

او أخبرني) فلان أنك زنيت، (أو أشهدنى فلان أنك زنيت وكذبه فلان)

على الأصح.

وفي " الرعاية " قوله: لم أجدك عذراء كناية.

قال أحمد في رواية حنبل: لا أرى الحد إلا على من صر بالقذف والشتمة.

(فـ) على هذا (إن فسره بمحتمل غير قذف)؛ كما لو قال: أردت بالنبطى

نبط اللسان، وبالفارسي فارسي الطبع، وبقولي: يا رومي رومي الخلقة، وبقولى لها: أفسدت فراشه أي: حرقته أو أتلفته

(1)

، وبقولي: علقت عليه أولادا من غيره

(2)

أي: التقطت ولدا وذكرت أنه ولده، وبقوله

(3)

: مخنث

أن

(4)

فيه طباع التخنيث

(5)

أي: طباع التأنيث وهو التشبه

(6)

بالنساء ونحو ذلك، وبقوله: يا قحبة أنها تستعد لذلك أي: المتصنعة للفجور فإطلاق ذلك عليها. لا يوجب إضافة الزنا إليها، لأنها قد تتصنع في نفسها من غير فجور:(قبل وعزر). نقله حنبل.

(كـ) ما أنه يعزربـ (قوله: يا كافر، يا فاسق، يا فاجر، يا حمار، يا. تيس، يا رافضي، يا خبيث البطن، أو) يا خبيث (الفرج، يا عدو الله، يا ظالم، يا كذاب، يا خائن، يا شارب الخمر، يا مخنث). نص على ذلك، (يا قرنان، يا قواد، ونحوهما) مثل قوله: (يا ديوث، يا كشحان،

يا قرطبان).

قا ل إبراهيم الحربي: الديوث: الذي يدخل الرجال على امرأته.

وقال ثعلب: القرطبان: الذي يرضى أن يدخل الرجال على نسائه.

(1)

في ج: أتلفتيه.

(2)

في ج: غيري.

(3)

في ب: وبقولي.

(4)

في ب: أي.

(5)

في ج: المخنثين.

(6)

في ب: التشبيه.

ص: 450

وقال: القرنان والكشحان لم أرهما في كلام العرب. ومعناه عند العامة مثل معنى الديوث أو قريبا منه. والقواد عند العامة: السمسار في الزنا.

ومثل ذلك في الحكم قوله: (يا علق). وعند الشيخ تقي الدين أن قوله:

يا علق تعريض.

(ومأبون) يعني: وقول إنسان لآخر: يا مأبون (كمخنث عرفا) أي: كقوله له: يا مخنث في العرف. وعبارته في " التنقيح " كعبارة المتن.

وعبارته في " الفروع ": ويتوجه في مأبون كمخنث.

وفي " الفنون ": هو لغة العيب. يقولون: عود مأبون. والأبن: الجنون، والأبنة: العيب. ذكره ابن الأنباري في " كتاب الزاهر ". فإن كان عرف بين الناس في الفعل به أو الفعل منه فليس بصريح؛ لأن الأبنة المشار إليها لا تعطي أنه يفعل بمقتضاها إلا بقول آخر يدل على الفعل؛ كقوله للمرأة: يا شبقة، يا مغتلمة. انتهى كلامه في " الفروع ".

(وإن قذف) إنسان (أهل بلدة، أو) قذف (جماعة لا يتصور الزنا منهم عادة) عزر؛ لأنه لا عار على المقذوف بذلك؛ للقطع

(1)

بكذب القاذف، (أو اختلفا) أي: بأن قال أحد اثنين: الأمر كذا، فقال الآخر: بل كذا، (فقال أحدهما: الكاذب ابن الزانية عزر ولا حد) عليه. نص عليه وما أشبهه؛ لعدم تعين الكاذب.

ولا على من قذف أهل بلدة أو جماعة لايتصور الزنا منهم في العادة (كقوله: من رمانى) بالزنا (فهو ابن الزانية).

قال في " الفروع ": لم يحد إجماعا. ثم قال بعد يسير: وظاهر كلامهم ويعزر؛ لأنه محرم. لكن يتوجه أنه لحق الله سبحانه وتعالى. فدل على ذلك تحريم غيبة أهل قرية خلافا لأبي حنيفة. لا أحد هؤلاء، أو وصف رجلا بمكروه

(1)

في أ: القطع.

ص: 451

كمن لا يعرفه؛ لأنه لا يتأذى غير المعين؛ كقوله في العالم: من يزني ونحوه. إلا أن يعرف بعد البحث. انتهى.

(ومن قال لمكلف أو غيره: اقذفني فقذفه لم يحد) في الأصح؛ (لأنه حق

له) أى

(1)

: للذى قال: اقذفني، (وعزر)، لأن ذلك محرم.

(ومن قال لآمراته: يا زانية، قالت: بك زنيت سقط حقها، بتصديقها،

ولم تقذفه). نص عليه؛ لأنه ليس بقذف صريح من جهتها؛ لأن الإقرار بالزنا إذا كان مضافا إلى معين لا يكون قذفا له؛ كما لو قال: زنيت بفلانة. فإنه لا يكون قذفا لها.

(ويحدان) أي: القائل والمقول له (في) ما إذا قال مكلف لمكلف: (زنى بك فلان، قالت: بل أنت زنى بك، أو) قال لامرأة: (يا زانية، قالت) له: (بل انت زان)، لوجود القذف من كل منهما للاخر.

(وليس لولد محصن قذف مطالبة) على قاذف والده

(2)

(ما دام) والده المقذوف (حيا)، لأن صاحب الحق موجود فليس لغيره المطالبة به بدون توكيله كسائر حقوقه.

(فإن مات) المقذوف (ولم يطالب) القاذف (به) أي: بحد قذفه: (سقط)؛ كالشفييع إذا مات قبل مطالبته بالشفعة فإنها تسقط.

(وإلا) أي: وإن لم يمت قبل مطالبته بحد القذف بأن طالب به قبل موته: (فلا) يسقط؛ لأنه بمطالبة الميت قبل موته علم أنه قائم على حقه فقام وارثه مقامه في ذلك.

(وهو) أي: وحد القذف حق (لجميع الورثة) حتى الزوج أو الزوجة في الأصح؛ لأنه حق ورث عن الميت. فاشترك فيه جميع الورثة؛ كسائر الحقوق. وقيل: سوى الزوجين.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: ولده.

ص: 452

وفي " المغني ": للعصبة.

(فلو عفا بعضهم) أي: بعض الورثة (حد للباقي) من الورثة الذي لم يعف

حدا (كاملا)؛ للحوق العار بكل واحد منهم على انفراده.

ولأن حد القذف حق لا يسقط إلى بدل فإذا عفا بعض من هو له لم يسقط؛

لأنه لا يملك إسقاط حق غيره. فوجب لمن لم يعف كاملا؛ كما لو استوفاه المقذوف قبل موته.

[(ومن قذف) إنسانا (ميتا ولو) كان المقذوف (غير محصن) والوارث له محصن: (حد) القاذف (بطلب وارث محصن خاصة) للميت فى الأصح؛ لأنه حق ثبت للوارث لما يلحقه فيه من العار. فاعتبر إحصانه؛ كما لو كان هو المقذوف؛ وذلك لأن حد القذف شرع للتشفي بسبب الطعن والفرية، وكما يلحق العار بقذفه كذلك يلحق وارث الميت العار بقذف مورثه؛ لأنه طعن في أصله الذي يستند إليه. فثبت له الحق؛ رفعا للعار عنه]

(1)

.

(ومن قذف نبيا) ولو غير نبينا، (أو أمه) يعنى: أو أم نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (كفر، وقتل حتى ولو تاب) المسلم؛ لعدم قبول توبته إلا فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى على الأصح.

(أو كان) القاذف في الصورتين (كافرا فأسلم) بعد القذف على الأصح.

أما كونه لا تقبل توبته؛ فإن القتل هنا حد للقذف، وحد القذف لا يسقط بالتوبة؛ كقذف غير الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقذف أمهاتهم.

ولأنه لو قبلت توبته لسقط حده الذي هو القتل. فيصير أخف حكما من قذف آحاد الناس؛ لأن حد غيرهم لا يسقط بالتوبة ويستوفى منه الحد مع توبته.

وأما كونه يقتل ولو قذف وهو كافر ثم أسلم؛ فلأن القتل هو حد قذف الأنبياء وأمهاتهم. فلا يسقط بالإسلام؛ كقذف غيرهم.

(1)

ساقط من ب.

ص: 453

(ولا يكفر من قذف أباه) أي: أبا إنسان (إلى أدم) نصا.

قال في " الفروع ": وسأله حرب رجل افترى على رجل، فقال: يا ابن كذا

وكذا إلى آدم وحوى. فعظمه جدا وقال عن الحد: لم يبلغني فيه شيء. وذهب إلى حد واحد. انتهى.

(ومن قذف جماعة يتصور زناهم عادة بكلمة) واحدة " بأن قال: هؤلاء

زناة، (فطالبوه) جميعهم (أو) طا لبه (احدهم: فـ) عليه (حد) واحد على الأصح؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]. ولم يفرق بين القذف لواحد أو لجماعة.

ولأنه قذف واحد. فلم يجب به أكثر من حد واحد.

ولأن الحد إنما" شرع لإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد

يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فيجب أن يكتفى بحد واحد. بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفا مفردا فإن كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في القذف الآخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين على انفراده بحده للآخر.

إذا ثبت هذا فإنهم إن طلبوا جملة حد لهم، وإن طلبه واحد أقيم الحد؛ لأن

الحق ثابت لهم على سبيل البدل فأيهم طلب استوفى وسقط الحد عنه لغير المستوفي. وإن أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة واستيفاوه " لأن المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه.

(و) إن قذفهم (بكلمات) كل واحد بكلمة (فـ) عليه (لكل واحد حد)؛

لأنه قد تعدد القذف وتعدد محله. فتعدد الحد بتعددهما؛ كما لو قذف كل واحد منهم من غير أن يقذف غيره.

(ومن حد لقذف ثم أعاده) أي: أعاد القذف بعد أن حد له، (أو) أعاد الملاعن القذف (بعد لعانه: عزر) فقط على الأصح، (ولا لعان) اي: ولا يعاد اللعان، لأنه قذف واحد حد عينه مرة، أو لاعن عليه مرة، لكون القاذف زوجا للمقذوفة. فلا يجب مرة أخرى؛ كما لو أعاده قبل الحد أو قبل اللعان.

ص: 454

(و) إن قذفه (بزنا آخر) أي: غير الذي حد له: (حد) أيضا (مع طول الزمن) في الأصح؛ لأن حرمة المقذوف لا تسقط بالنسبة إلى القاذف أبدا بحيث يتمكن من قذفه بكل حال بحده مرة.

(وإلا) أي: وإن لم يطل الزمن (فلا) يعاد عليه الحد في الأصح.

(ومن قذف مقرا بزنا ولو) كان إقرار المقذوف بزناه (دون أربع) أي: أربع مرات: (عزر) فقط؛ لأن المقذوف مقر بالزنا. فلم يظهر كذب القاذف، والمقرة على المقذوف بإقراره لا بسبب القذف.

وأما كونه يعزر؛ فلأنه ارتكب محرما.

قال في " الفروع ": ولا يشترط لصحة توبة من قذف وغيبة ونحوهما إعلامه والتحلل منه. وحرمه القاضي وعبد القادر.

ونقل مهنا: لا ينبغي أن يعلمه.

قال شيخنا: [والأشبه انه يختلف.

وعنه: يشترط.

وقيل: إن علم به المظلوم وإلا دعا له واستغفرولم يعلمه. وذكره شيخنا]

(1)

عن أكثر العلماء.

قال: وعلى الصحيح من الروايتين: لا يجب الاعتراف لو سأله فيعرض ولو

مع استحلافه؛ لأنه مظلوم لصحة توبته.

ومن جوز التصريح في الكذب المباح هنا نظر، ومع عدم توبة وإحسان تعريضه كذب، ويمينه غموس.

قال: واختار أصحابنا: لا يعلمه، بل يدعو له في مقابلة مظلمته.

قال: وزناه بزوجة غيره كغيبته.

(1)

ساقط من أ.

ص: 455

وذكر

(1)

في " الغنية ": إن تأذى بمعرفته كزناه بجاريته وأهله وغيبته بعيب

خفي يعظم أذاه به، فهنا لاطريق له إلا أن يستحله ويبقى له عليه مظلمة ما، فيجبرها بالحسنات كما يجبر مظلمة الميت والغائب.

وذكر ابن عقيل: في زناه بزوجة غيره احتمالا لبعضهم: لا يصح إحلاله؛

لأنه مما لا يستباح بإباحته ابتداء، قال: وعندي يبرا وإن لم يملك إباحتها

ابتداء؛ كالدم والقذف. قال: وينبغي استحلاله فإنه

(2)

حق آدمي فدل أنه لو أصبح فتصدق بعرضه على الناس لم يملكه ولم يبح، وإسقاط الحق قبل وجود سببه لا يصح، وإذنه في عرضه كإذنه في قذفه وهي كإذنه في دمه وماله. انتهى كلامه في " الفروع ".

***

(1)

في ب وذكره.

(2)

في أ: فلأنه.

ص: 456

[باب: حد المسكر]

هذا (باب حد المسكر) يعني: الذي ينشأ عنه السكر. والسكر: اختلاط العقل.

والأصل في تحريم المسكر قوله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] وهذه الآية نص في التحريم من وجوه:

أحدها: أنه سماه رجسا، والرجس النجس، واستعمال النجس محرم. الثانى: أنه قال: (من عمل الشيطان) وأعمال الشيطان تكون محرمة؛ لأنها

تقع على خلاف أوامر الله سبحانه وتعالى.

الثالث: أنه قال: (فاجتنبوه) فأمر باجتنابه ولا معنى للتحريم إلا ذلك.

وروى أبو سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا أيها الناس إن الله يعرض في الخمر. ولعل الله سيعرض فيها أمرا. فمن كان عنده فيها شيء فليبعه ولينتفع به. فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع. فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها "

(1)

. رواه مسلم.

وأجمع المسلمون على تحريم الخمر، إلا أن الخلاف فيما يقع عليه اسم الخمر.

إذا تقرر هذا فالمذهب أنه: (كل مسكر خمر، يحرم شرب قليله وكثيره). نقل ذلك الجماعة عن أحمد.

(1)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(67) 3: 05 12 كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر.

ص: 457

(مطلقا)، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" كل مسكر خمر وكل خمر حرام "

(1)

. رواه الإمام أحمد وأبو داود.

وعن عائشة قالت: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: " كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام "

(2)

. روه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

والفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا.

وقد روى ابن عمر [عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام "

(3)

. رواه أحمد]

(4)

وابن ماجه والدارقطني وصححه.

ولأبي داود وابن ماجه والترمذي مثله من حديث جابر

(5)

(1)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(3 0 0 2) 3: 588 1 كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(3679) 3: 327 كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1861) 4: 290 كتاب الأشربه، باب ما جاء في شارب الخمر.

وأخرجه النسائي فى " سننه "(5701) 8: 324 كتاب الأشربه، ذكر الأخبار التي اعتل بها من اباج شراب السكر.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(3390) 2: 124 1 كتاب الأشربة، باب كل مسكر حرام.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(4830) 2: 29.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3687) 3: 9 32 كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1866) 4: 293 كتاب الأشربه، باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام.

(3)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(3394) 2: 5 2 1 1 كتاب الأشربة، باب ما أسكر كثيره فقليله حرام. وأخرجه أحمد في " مسنده " (58 65) 2: 67 1.

وأخرجه الدارقطني قي " سننه "(83) 4: 262 كتاب الأشربة.

(4)

ساقط من ب.

(5)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3681) 3: 327 كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1865) 4: 292 كتاب الأشربة، باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام

ص: 458

وقال عمر رضي الله تعالى عنه: " نزل تحريم الخمر وهي: من العنب والتمر والعسل والبر والشعير. والخمر ما خامر العقل "

(1)

. متفق عليه.

وبهذا قال مالك والشافعي.

وقال أبو حنيفة في عصير العنب: إذا طبخ وذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب: إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير ونحو ذلك، نقيعا كان أو مطبوخا كل ذلك حلالى إلا ما بلغ السكر. فأما عصير العنب إذا اشتد وقذف بالزبد أو طبخ فذهب أقل من ثلثيه، ونقييع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ فهذا محرم قليله وكثيره؛ لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" حرمت الخمرة لعينها والسكر من كل شراب "

(2)

.

ولنا: ما تقدم من الأحاديث، وأن حديث ابن عباس رواه سعيد عن مسعر

(3)

عن أبي عون عن ابن شداد عن ابن عباس أنه قال: " والمسكر من كل شراب ".

ولأن التحريم إنما شرع لما فيه من السكر الذي يضل به العقل ويحصل منه المحذور بالوقوع في المحظورات وارتكاب المنهيات كما اشار سبحانه وتعالى إلى ذلك في آية التحريم بقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)[المائدة: ??].

والقدر الذي يكون به السكر لا حد له، فإن في الناس من يسكره القليل. وكذلك تختلف الأشربة. فوجب أن يمنع من استعمال ما فيه هذه القوة المسكرة قليله وكثيره؛ ليندفع هذا المحذور بيقين.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(5266) 5: 2122 كضاب الأشربة، باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(3032) 4: 2322 كضاب التفسير، باب في نزول تحريم الخمر.

(2)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 10: 212 كتاب الشهادات، باب شهادة أهل الأشربة. عن ابن عباس مو قوفا.

(3)

في ج: مسعود.

ص: 459

إذا تقرر هذا فإنه لا يحل شرب قليله (ولو لعطش. بخلاف ماء نجس)؛

لما فيه من البرد والرطوبة. بخلاف المسكر؛ لأن المسكر لا يحصل به ري؛ لأن ما فيه من الحرارة يزيد العطش، أو لتداو؛ لأن المتداوي به ليس بواثق من الشفاء به فإنه لا يمكن القطع بذلك فليس استعماله بضروري للصحة، وحصول البرء به موهوم فلا يباح به المحرم يقينا.

ويستثنى من إطلاق تحريم استعماله صورة واحدة أشيرإليها بقوله:

(إلا لدفع لقمة غص بها، ولم يجد غيره، وخاف تلفا)؛ لأنه مضطر.

(ويقدم عليه) أي: على المسكر (بول)؛ لوجوب الحد باستعمال المسكر دون البول.

(و) يقدم (عليهما) أي: على المسكر والبول (ماء نجس)؛ لأن الماء مطعوم. بخلاف البول. وإنما منع من حل استعماله نجاسته.

إذا تقرر هذا (فإذا شربه) أي: شرب المسكر، (أو) شرب (ما خلط به) اي: بالمسكر (ولم يستهلك فيه) أي: يستهلك المسكر في الماء؛ لأن المسكر إذا استهلك في الماء لم يسلب عنه اسم الماء، (أو استعط) بالمسكر (أو احتقن به، أو أكل عجينا لت به) اي: بالمسكر (مسلم مكلف) نيم ح الصغير والمجنون، حال كون مستعمله (عالما أن كثيره يسكر. ويصدق إن قال: لم أعلم) أن كثيره يسكر، وحال كونه (مختارا) لشربه؛ لأنه إذا لم يكون، مختارا لشربه لا إثم عليه (لحله) أي: حل شرب المسكر (لمكره) على شرب. على الأصح، سواء أكره بالوعيد أو بالضرب، أو ألجى إلى شرب المسكر بأن يفتح إنسان فاه ويصبه فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" رفع عن أمتي الخطاً والنسيان وما استكرهوا عليه "

(1)

.

(وصبره) أي: وصبر المكره على شرب المسكر (على الأذى) أي: على

(1)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(43 0 2) 1: 659 كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي.

ص: 460

أذى مكرهه

(1)

لعدم طواعيته (أفضل) من شربها مكرها. نص عليه. وكذا كل ما جاز فعله للمكره. ذكره القاضي وغيره.

(أو وجد) إنسان (سكران، أو) وجد إنسان (تقايأها) أي: تقيأ الخمر على الأصح في الصورتين، لأنه لم يسكر أو يتقيأها إلا وقد شربها:(حد حر) شربها، أو استعط بها، أو احتقن بها، أو أكل عجينا لت بها، أو وجد سكران، أو تقيأها وهو مسلم مكلف عالم بتحريمها (ثمانين) جلدة على الأصح. وفاقا لمالك وأبي حنيفة.

قال في " الإنصاف ": هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.

ووجه ذلك: إجماع الصحابة عليه، فإنه روي أن؛ عمر استشار الناس في

حد الخمر. فقال عبدالرحمن: اجعله كأخف الحدود ثمانين. فضرب عمر ثمانين. وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام "

(2)

.

وروي أن عليا قال في المشورة: " أنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري "

(3)

. روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما.

(و) حد (رقيق) فيما يحد فيه الحر (نصفها) اي: نصف الثمانين. وذلك أربعون جلدة. ويستوي في ذلك العبد والأمة.

فيقام الحد على كل من الحر والرقيق (ولو ادعى جهل وجوب الحذ) عليه حيث

(4)

كان عالما بالتحريم.

قال ابن حمدان: ولا يقبل دعوى الجهل بالحد. انتهى.

(ويعزر من وجد منه رائحتها) اي: رائحة الخمر. ولا يحد على الأصح،

(1)

في ب: مكره.

(2)

أخرجه أبو داود في " سنته "(4479) 4: 163 كتاب الحدود، باب الحد في الخمر.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1443) 4: 48 كتاب الحدود، باب ما جاء في حد السكران. كلاهما عن أنس بن مالك، ولم يذكر فيهما القصة الأخيرة وكتب به. . .

(3)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(223) 3: 157 كتاب الحدود.

(4)

ساقط من ب.

ص: 461

لاحتمال أنه تمضمض بها، أو ظنها ماء فلما صارت في فيه مجها ونحو ذلك. وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات.

ويعزر أيضا من أشير إليه بقوله: (او حضر شربها)؛ لما روى عبد الله بن

عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة

(1)

إليه

(2)

. رواه أبوداود.

(لا شارب) يعني: أنه لا يحد ولا يعزر شارب خمرا (جهل التحريم) أي: تحريم الخمر؛ لأن عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما قالا: " لا حد إلا على من علم التحريم ".

ولأن غير العالم بالتحريم. أشبه من شربها غير عالم أنها خمر.

(ولا تقبل دعوى الجهل) بالتحريم (ممن نشأ بين المسلمين)؛ لأن هذا

لا يكاد يخفى على مثله فلا يقبل دعواه فيه. أما من كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن البلدان فإنه يقبل منه ذلك؛ لاحتمال صدقه.

(ولا حد على كافر لشرب) أي: شرب مسكر على الأصح؛ لأنه يعتقد حله. فلم يحد بفعله؛ كنكاح المجوس ذوات محارمهم.

ولأن الله سبحانه وتعالى إنما خاطب المؤمنين بالتحريم دون الكفار. وأهل الذمة إنما التزموا الجزية ودخلوا في ذمة المسلمين على إقرارهم على دينهم فيكونوا مقرين على إباحه الخمر لهم، فلا يجب عليهم الحد بشربها.

(ويثبت) شرب المسكر (بإقرار مرة) واحدة في قول عامة أهل العلم (كقذف) يعني: كإقرار بقذف؛ لأن كلا من ذلك لا يتضمن إتلافا، (أو) بـ (شهادة عدلين) على الشرب أو على الإقرار به. (ولو لم يقولا: مختارا عالما تحريمه) في الأصح اعتمادا على الأصل. ومتى رجيع عن إقراره قبل منه؛ لأنه حد لله سبحانه وتعالى. فقبل رجوعه؛ كباقي حدود الله سبحانه وتعالى.

(1)

في ب: والمحتملة.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3674) 3: 326 كتاب الأشربة، باب العنب يعصر للخمر.

ص: 462

(ويحرم عصير غلى) يعني: كغليان القدر بأن قذف بزبده. نص عليه في رواية الجماعة.

ولا فرق بين كون العصير من عنب أو قصب أو رمان أو غير ذلك. وظاهره: ولو

لم يسكر؛ لأن علة التحريم الشدة الحادثة فيه وهي توجد بوجود الغليان، فإذا غلا حرم؛ لوجود علته. وقد روي عن أبي هريرة قال:" علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء. ثم أتيته به فإذا هو ينش. فقال: اضرب بهذا الحائط. فإن هذا شراب من لم يؤمن بالله واليوم الآخر "

(1)

. رواه أبو داود والنسائي. (أو أتى عليه) اي: على العصير (ثلاثة أيام بلياليهن) يعني: فإنه يحرم

وإن لم يغل. نص على ذلك.

قال في " الفروع ": والمنصوص يحرم ما تم له ثلاثة أيام. انتهى.

وذلك لما روى الشالنجي بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اشربوا العصير

ثلاثا ما لم يغل ".

وروي أيضا عن ابن عمر " أنه قال في العصير: اشربه ما لم يأخذه شيطانه.

قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؛ قال: في ثلاث ". حكاه أحمد وغيره.

ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالبا. وهي خفية تحتاج إلى ضابط، والثلاث تصلح لذلك. فوجب اعتبارها بها.

وروي أيضا عن ابن عباس " أنه كان ينقع للنبي صلى الله عليه وسلم الزبيب فيشربه اليوم والغد

وبعد الغد إلى مساء الليلة الثالثة. ثم يؤمر به فيسقى ذلك الخدم أو يهراق "

(2)

. رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3716) 3: 336 كتاب الأشربة، باب في النبيذ إذا غلى.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4 570) 8: 325 كتاب الأشربة، ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباج

شراب السكر.

(2)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(04 0 2) 3: 1589 كتاب الأشربة، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرا.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(3713) 3: 335 كتاب الأشربة، باب في صفة النبيذ.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(1963) 1: 224.

ص: 463

وقوله: إلى مساء الليلة الثالثة يكون قبل تمام الثلاث بقليل فيسقى ذلك

الخدم إن شاؤا شربه أو يهراق قبل أن تتم عليه الثلاث لينبذ غيره في وعائه.

(وإن طبخ) العصير) قبل تحريم) يعني: قبل أن يغلي أو تتم له ثلاثه أيام

(حل: إن ذهب ثلثاه) وبقي ثلثه. نص على ذلك.

وذكر أبو بكر أنه إجماع من المسلمين؛ " لأن أبا موسى كان يشرب من

الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه "

(1)

. رواه النسائي.

وله مثله عن عمر وأبي الدرداء

(2)

.

ولأن العصير إنما يغلي؛ لما فيه من الرطوبة والحراره التي تطبخه، فإذا

أغلي على النارحتى ذهب ثلثاه فقد ذهب أكثر رطوبته فلا يكاد يغلي، وإذا لم يغل لم تحصل فيه الشدة؛ لأنه يصير كالرب

(3)

. ولهذا قال أحمد حين سأله أبو داود إنهم يقولون: إنه يسكر، فقال: لو كان يسكر ما أحله عمر.

(ووضع زبيب في خردل كعصير) يعني: أنه يحرم إذا [غلا أو]

(4)

أتت عليه

ثلاثة أيام. صرح به في " المستوعب ".

(وإن صب عليه خل: أكل).

قال في " الإنصاف " فائدة: جعل الإمام أحمد وضع زبيب في خردل كعصير، وأنه إن صب فيه خل أكل. انتهى.

(ويكره الخليطان كنبذ تمر مع زبيب)، أو نبذ بسر مع تمر، أو مع رطب.

(وكذا) نبذ (مذنب) وهو ما نصفه بسر ونصفه رطب (وحده)؛ لأنه نبذ بسر مع رطب. وذلك على الأ صح.

(1)

أخرجه النسائي في " سننه "(5721) 8: 330 كتاب الأشربة، ذكر ما يجوز شربه من الطلاء وما لا يجوز.

(2)

أخرجه النسائي في " سننه "(0 572) 8: 1329 لموضع السابق. عن أبي الدرداء.

(3)

هو دبس الرطب إذا طبخ. " المصباج المنير "، ماده: رب.

(4)

ساقط من أ.

ص: 464

لأن جابر روى " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا، ونهى أن

ينبذ الرطب والبسر جميعا "

(1)

. رواه الجماعة إلا الترمذي.

وعن أبي

(2)

سعيد قال: " نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخلط بسرا بتمر، وزبيبا ببسر. وقال: من شربه منكم فليشربه زبيبا فردا أو تمرا فردا أو بسرا فردا "

(3)

. رواه مسلم والنسائي.

وعن أبي قتادة قال: " نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب. ولينتبذ كل واحد منهما على حدة "

(4)

. متفق عليه.

ولأن نبذ الخليطين يسرع إلى الإسكار المحرم فنهي عنه لذلك.

وما رواه ابن ماجه بسنده إلى عائشة قالت: " كنا ننبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء. فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحهما فيه، ونصب عليه الماء.

(1)

أخرجه البخاري في "صحيحه "(5280) 5: 2158 كتاب الأشربة، باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا

عن عبد الله بن أبى قتادة، عن أبيه.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1986) 3: 1574 كتاب الأشربة، باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(03 37) 3: 333 كتاب الأشربة، باب فى الخليطين.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1876) 4: 98 2 كتاب الأشربة، باب ما جاء في خليط البسر والتمر.

وأخرجه النسائي في " سننه "(5560) 8: 291 كتاب الأشربة، خليط التمر والزبيب.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(3395) 2: 1125 كتاب الأشربة، باب النهي عن الخليطين.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(4960 1) 3: 363.

(2)

في ب: ابن.

(3)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(987 1) 575 1: 3 كتاب الأشربة، باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين.

وأخرجه النسائي في " سننه "(5568) 8: 293 كتاب الأشربة، الترخص في انتباذ التمر وحده.

(4)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(5280) 5: 2158 كتاب الأشربة، باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا. . .

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1987) 3: 574 1 كتاب الأشربة، باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين.

ص: 465

فننبذه غدوة فيشربه عشية، وننبذ عشية فيشربه غدوة "

(1)

فمحمول على نسخه؛ لعدم إمكان الجميع بغير ذلك.

(لا وضع تمر) وحده، (أو) وضع (زبيب) وحده، (أو) وضع (نحوهما)؛ كمشمش وحده أو عناب وحده (في ماء لتحليته) أي: تحلية الماء فإن ذلك لا يكره؛ لأنه مفهوم أحاديث النهي عن الخليطين: (ما لم يشتد أو تتم له ثلاث) فيحرم؛ لما تقدم من الأحاديث.

(ولا) يكره أيضا (فقاع)؛ لأنه نبيذ لم يأت عليه ثلاثة أيام ولا هو مشتد وليس المقصود منه الإسكار، وإنما يتخذ لهضم الطعام وصدق الشهوة، فلا وجه لتحريمه.

ولا يكره أيضا (انتباذ في دباء) وهي: القرعة، (و) لا في (حنتم) وهي: الجرار الخضر، (و) لا في (نقير) وهو: ما حفر من الخشب، (و) لا في (مزفت) وهو: ما لطخ بالزفت، ومثله المقير على الأصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه مرة ثم رخص فيه. فروى بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا "

(2)

. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.

(وإن غلا عنب- وهو عنب-: فلا بأس به) نصا. نقله أبو داود.

(ومن تشبه بالشراب) أي: شراب الخمر بتشديد الشين المعجمة وضمها جمع شارب (في مجلسه وآنيته، وحاضر من حاضره بمحاضر الشراب: حرم وعزر. قاله في " الرعاية "). والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(3398) 2: 1126 كتاب الأشربه، باب صفة النبيذ وشربه.

(2)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(977) 3: 1585 كتاب الأشربة، باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والختم والنقير. . .

وأخرجه أبو دا ود في " سننه "(3698) 3: 332 كتاب الأشربه، باب في الأوعية.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4429) 7: 234 كتاب الضحايا، الإذن في ذلك.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(23053) 5: 355.

ص: 466

[باب: التعزير]

هذا (باب التعزير). وأصله المنع، ومنه: التعزير بمعنى النصرة؛ لأنه يمنع المعادي له والمعاند له من إيذائه، وهاهنا يمنع المعزر بتشديد الزاي وفتحها مما لا يجوز له فعله.

(وهو) في اصطلاح الفقهاء: (التأديب. ويجب) التعزير على

(1)

كل مكلف على الأصح. نص عليه في سب صحابي كحد وحق آدمي طلبه.

نقل الميمونى فيمن زنى صغيرا لم ير عليه شيئا.

ونقل ابن منصور في صبي قال لرجل: يا زانى ليس قوله شيئا.

وقال الشيخ تقي الدين في " رده على الرافضي ": لا نزاع بين العلماء أن غير المكلف كالصبي المميز يعاقب على الفاحشة تعزيرا بليغا.

(في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة كمباشرة دون فرج، و) مباشرة (امرأة لامرأة، وسرقة لا قطع فيها)، كمن غير حرز أو دون نصاب، (وجناية لا قود فيها)، كصفع ووكز وهو الدفع والضرب بجميع

(2)

الكف، (وقذف غير ولد بغير زنا)؛ كقوله: يا حرامي، يا شاهد زور، ونحو ذلك، (و) كـ (لعنة. وليس لمن لعن ردها) على من لعنه.

(وكدعاء عليه) بغير فرية، (و) كـ (شتمه بغير فرية، وكذا) قوله لغير ولده: (الله أكبر عليك، ونحو ذلك)؛ كقوله: خصمك الله.

(قال بعض الأصحاب) وذلك البعض هم القاضي ومن تبعه: (إلا إذا شتم نفسه أو سبها).

(1)

في أ: ويجب على.

(2)

في أ: بجمع.

ص: 467

قال القاضي: وقد يفعل معصية لا كفارة فيها ولا حد، ولا يعزر أيضا؛

كما لو شتم نفسه أو سبها. انتهى.

وقوله في المتن: ولا كفارة ليخرج بذلك، الظهار والقتل شبه العمد ونحوهما؛ لأن كلا من ذلك معصية لكن فيها كفارة، ولا تعزير في معصية فيها كفارة.

(ولا يحتاج) في إقامة التعزير

(1)

(إلى مطالبة)؛ لأنه مشروع للتأديب،

فللإمام التعزير إذا رآه، (فيعزر من سب صحابيا، ولو كان له وارث ولم يطالب) بتعزيره.

وأما سقوط التعزير بعفو المجني عليه ففيه خلاف.

قال القاضي في " الأحكام السلطانية ": ويسقط بعفو آدمي حقه وحق السلطنة. وديه احتمال: لا للتهذيب والتقويم.

وفي "الانتصار" في قذف مسلم كافرا: التعزير لله فلا يسقط بإسقاطه. انتهى. (ويعزر- بعشرين سوطا- بشرب مسكر في نهار رمضان مع الحد)؛ لما

روى أحمد بإسناده " أن عليا رضي الله تعالى عنه أتي بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطا لفطره في رمضان "

(2)

.

(ومن وطئ أمة امرأته حد: ما لم تكن أحلتها له) أي: أحلت أمتها لزوجها.

(فيجلد مائة إن علم التحريم فيهما) أي: في صورة ما إذا شرب مسكرا في رمضان، وفي

(3)

صورة ما إذا وطئ أمة امرأته التي أحلتها له؛ وذلك لما روى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سالم: " أن رجلا يقال له عبدالرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته. فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفه.

(1)

ساقط من ب.

(2)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 321 كتاب الأشربة، باب ما جاء في عدد حد الخمر.

(3)

في أ: في.

ص: 468

فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة. فوجدوها أحلتها له فجلده مائة"

(1)

. (وإن ولدت) منه ولدا: (لم يلحقه نسبه) على الأصح؛ لأنه وطء في غير ملك ولا شبهة ملك. أشبه زنا المحصن.

(ولا يسقط حد بإباحة في غير هذا الموضع)[وهي ما إذا أحلتها له]

(2)

.

(ومن وطئ أمة- له فيها شرك- عزر بمائة) أي: بمائة سوط (إلا سوطا) على الأصح. نقله الجماعة عن أحمد لينقص عن حد الزنى.

(وله) أي: للحاكم (نقصه) عن ذلك بحسب اجتهاده

(3)

.

(ولا يزاد في جلد) في تعزير (على عشر) أي: عشر جلدات، (في غير

ما تقدم) ذكره على الأصح. نص الإمام أحمد على ذلك في مواضع. وهو قول إسحاق؛ لما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله "

(4)

. متفق عليه.

وللحاكم نقصه عن العشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر أكثره ولم يقدر أقله فيرجع

فيه إلى اجتهاد الحاكم فيعمل بما يراه وما يقتضيه حال الشخص. ويشهر لمصلحة. نقله عبد الله في شاهد زور.

(ويحرم تعزير بحلق لحية، وقطع طرف، وجرح)؛ لما روي عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: " إياكم والمثلة في العقوبة وجز الرأس واللحية ".

(و) يحرم أيضا التعزير بـ (أخذ مال أو إتلافه).

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4458) 4: 157 كتاب الحدود، باب في الرجل يزنى بجارية امرأته.

(2)

ساقط من ب.

(3)

وردت هذه المسألة والتي قبلها في أبتقديم وتأخير وسقط.

(4)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6458) 6: 2512 كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب كم التعزيز والأدب.

وأخرجه مسلم في " صحيحه"(1708) 3: 1332 كتاب الحدود، باب قدر أسواط التعزير، كلاهما عن أبي بردة الأنصاري.

ص: 469

قال في " الإنصاف ": قال الأصحاب: ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه

ولا أخذ شيء من ماله.

قال في "الفروع ": فيتوجه أن إتلافه أولى مع أن ظاهر كلامهم لا يجوز. انتهى.

ولأن

(1)

الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به.

(لا بتسويد وجه) يعني: أنه لا يحرم التعزير بتسويد وجه في الأصح، (ولا بأن ينادى عليه بذنبه، ويطاف به مع ضربه).

قال الإمام أحمد في شاهد الزور: ورد فيه عن عمر يضرب- ظهره ويحلق رأسه ويسخم وجهه ويطاف به ويطال حبسه.

(ومن قال لذمي: يا حاج) أدب، لأن فيه تشبيه قاصد الكنائس بقاصد بيت الله سبحانه وتعالى. وفيه تعظيم لذلك فإنه بمنزلة من يشبه أعيادهم بأعياد المسلمين وتعظيمهم.

(أو لعنه بغير موجب: أدب).

قال في " الفروع ": أدبا خفيفا، لأنه ليس له أن يلعنه بغير موجب، إلا أن يكون صدر من النصراني ما يقتضي ذلك. انتهى.

(ومن عرف بأذى الناس- حتى بعينه- حبس حتى يموت) قاله في " الرعاية "، (أو يتوب).

وقال في " الأحكام السلطانية ": للوالي فعله لا للقاضي ونفقته من بيت المال ليدفع ضرره.

وفي " الترغيب " في العائن: للإمام حبسه.

ومن المكتوب على باب سجن بالعراق: هاهنا تلين الصعاب، وتختبر الأحباب. وعلى باب سجن آخر: هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.

(1)

في ب: لأن.

ص: 470

وقال (المنقح: لا يبعد ان يقتل العائن: إذا كان يقتل بعينه غالبا، وأما ما أتلفه فيغرمه. انتهى) كلامه في " التنقيح ".

وقال ابن القيم في " شرح منازل السائرين ": فإن قيل: فهل تقيدون منه إذا

قتل بعينه؛ قيل: إن كان ذلك بغير اختياره، بل غلب على نفسه لم يقتص منه وعليه الدية، وإن عمد ذلك وقدر على رده وعلم أنه يقتل به ساغ للوالي أن يقتله بمثل ما قتل به، فيعينه إن شاء كما عان هوالمقتول.

وأما قتله بالسيف قصاصا فلا، لأن هذا ليس مما يقتل غالبا ولا هو مماثل للجناية. قال: وسألت شيخنا عن القتل بالحال هل يوجب القصاص؛ فقال: للولي

أن يقتله بالحال كما قتل به. وفرق ابن القيم بين العائن والساحر من وجهين. ذكرهما في المشاهد في المشهد الثانى، وجوز ابن عقيل قتل مسلم جاسوس لكفار وفاقا لمالك. وزاد ابن الجوزي: إن خيف دوامه. وتوقف فيه أحمد. (ومن استمنى- من رجل أو امرأة- لغير حاجة: حرم وعزر) على الأصح؛ لأنه معصية.

(وإن فعله خوفا من الزنا: فلا شيء عليه)؛ لأنه لو فعل ذلك خوفا على بدنه لم يكن عليه شيء. ففعله خوفا على دينه أولى.

(فلا يباح إلا إذا لم يقدر على نكاح ولو لأمة)، لأنه لو فعل ذلك إنما يباح لضرورة الخوف من الزنا وهي مندفعة بما ذكر.

(ولو اضطر إلى جماع- وليس) بموجود (من يباح وطؤها-: حرم الوطء). بخلاف أكله في المخمصة ما لا يباح في غيرها، لأن عدم الأكل لا تبقى معه الحياة. بخلاف الوطء.

ص: 471

[باب: القطع في السرقة]

هذا (باب القطع في السرقة) وهو ثابت بالإجماع.

وسنده قوله سبحانه وتعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا]

[المائدة: 38].

ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة: " تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً "

(1)

، إلى غيرذلك من النصوص.

(وشروطه) أي: شروط وجوب القطع في السرقة (ثمانية:

أحدها: السَّرقة)، لأن الله سبحانه وتعالى أوجب القطع على السارق.

فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقاً.

(وهي) أي: السر قة: (أخذُ مال محترم لغيره) أي: غير سارقه، (على

وجه الاختفاء، من مالكه أو) من (نائبه) أي: نائب ذلك المال. ومن ذلك:

استراق السميع، ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك.

إذا تقرر هذا (فـ) إنه (يُقطع الطَّرَّار) على الأصح، (وهو: من يبطُّ جيباً

أو كمًّا أو غيرهما)؛ كالصفن (ويأخذ منه أو بعد سقوطه)؛ لأنه سرق من

حرز، بشرط أن يكون المسروق (نصاباً.

وكذا) يقطع (جاحد عارية) على الأصح (قيمتها نصاب)؛ لما روى ابن

عمر قال: " كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها "

(2)

. رواه أحمد والنسائي وأبو داود.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6407) 6: 2492 كتاب الحدود، باب قول الله تعالى:(والسارق والسارقة فا قطعوا أيديهما).

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1684) 3: 1313 كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4395) 4: 139 كتاب الحدود، باب في القطع في العارية إذا =

ص: 472

[وهذا فيما يمكن جحده وخفاؤه؛ لأن قوله: " كانت مخزومية تستعير

المتاع وتجحده " يخرج بذلك مستعير الأماكن وكل ما لا يمكن خفاؤه؛ لأن

ذلك لا يسمى متاعاً]

(1)

.

وعن عائشة مثله. وقالت فيه: " فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه فكلم

النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب. فقال: يا أيها الناس لِلَّهِ إنما ضل مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا

سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لِلَّهِ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها "

(2)

. رواه أحمد ومسلم والنسانى.

قال أحمد: لا أعرف شيئاً يدفعه.

وقال في رواية الميمونى: هو حكم من النبي صلى الله عليه وسلم ليس يدفعه شيء.

(لا) جاحد (وديعة) فلا يقطع.

(ولا) يقطع (منتهب) وهو: الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة؛ لما

روى جابر مرفوعاً قال: " ليس على المنتهب قطع "

(3)

رواه أبو داود.

(و) لا (مختلس). وهو: الذي يختطف الشيء ويمر به.

(و) لا (غاصب، و) لا (خائن) وهو: الذي يؤتمن على الشيء فيخفيه

أو يجحده. وأصله من التخون وهو: التنقيص من مودَع ونحوه من الأمناء؛

= جحدت.

وأخرجه النسائى في " سننه "(4888) 8: 70 كتاب قطع السارق، ما يكون حرزًا وما لا يكون.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(6383) 2: 151.

(1)

ساقط من أ.

(2)

أخرجه مسلم في " صححيحه "(1688) 3: 1315 كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدودء

وأخرجه النسائي في " سننه "(4894) 8: 72 كتاب قطع السارق، ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهري في المخزومية التي سرقت.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(25336) 6: 162.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4391) 4: 138 كتاب الحدود، باب القطع في الخلسة. والخيانة.

ص: 473

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس على الخائن والمختلس قطع "

(1)

. رواه أبو داود والترمذي وقال: لم يسمعه ابن جريج من ابن

(2)

الزبير.

قال أبو داود: وبلغني عن أحمد بن حنبل: أن ابن جريج إنما سمعه من

ياسين الزيات.

ولأن الاختلاس نوع من

(3)

النهب. وإذا لم يقطع الخائن والمختلس

فالغاصب أولى.

الشرط (الثاني: كون سارق مكلَّفاً)؛ لأن غير المكلف لا تناله الأحكام، (مختارًا)؛ لأن المكرَه مرفوع عنه القلم ومعذور، (عالماً بمسروق) أي: بأنه

أخذ المسروق، (و) عالماً (بتحريمه) أي: تحريم المسروق عليه بسرقته.

إذا علمت ذلك (فلا قطع على صغير) لم يبلغ، (و) لا على (مجنون،

و) لا على (مكره) على السرقة، (ولا بسرقة منديل بطرَفه نِصاب مشدود لم

يعلمه) السارق، (ولا بجوهر يظن قيمته دون نصاب) فبانت نصابا فاً كثر؛ لأن

ذلك لا يعرفه إلا خواص الناس، (ولا على جاهل تحريم) أي: تحريم

السرقة. ولا تقبل دعوى الجهل ممن نشأ بالقرى بين المسلمين.

الشرط (الثالث: كون مسروق

(4)

مالا)؛ لأن ما ليس بمال لا حرمة له.

فلم يجب به قطع، والأحاديث دالة على ذلك. مع أن غير المال لا يساوي المال

فلا يلحق به. لا يقال الآية مطلقة؛ لأن الأخبار مقيدة لها.

فعلى هذا: لا يقطع بسرقة كلب وإن كان مُعلماً؛ لأنه ليس بمال، ولا

بسرقة حر.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4393) الموضع السابق.

وأخرجه الترمذي فى " جامعه "(1448) 4: 52 كتاب الحدود، باب ما جاء في الخائن والمختلس والمنتهب. كلاهما عن جابر بن عبد الله.

(2)

في أوب: أبي.

(3)

في ب: من نوع.

(4)

في ج: المسروق.

ص: 474

(محترماً)؛ لأنه إذا لم يكن محترماً؛ كمال الحربي تجوز سرقته بكل

طريق، وجواز الأخذ منه ينفي وجوب القطع.

(ولو) كان المال المسروق (من غلة وقف، وليس) السارق (من

مستحقِّيه) أي: مستحقي الوقف؛ لأنه سرق مالاً محترماً لغيره لا شبهة له فيه. أشبه ما لو لم تكن غلة وقف.

(لا) إن لم يكن محترماً؛ كمن سرق (من سارق، أو) سرق من (غاصب

ما سرقه) السارق (أو غصبه) الغاصب؛ لأن ذلك ليس بمحترم فلا يقطع به.

(وثمين؛ كجوهر، وما يُسرع فساده؛ كفاكهة) يقطع به؛ لعموم قوله

سبحانه وتعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)[المائدة: 38].

ولقوله صلى الله عليه وسلم في التمر: " من سرق منه شيئاً فبلغ ثمن المجن ففيه القطع "

(1)

رواه أحمد وأبو داود والنسائي. من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

وروى مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن عمرة بنت

عبدالرحمن " أن سارقاً سرق أُتْرُجّة في زمن عثمان بن عفان. فأمر عثمان أن تُقوم فقوّمت بثلاثة دراهم، من صرف اثني عشر بدينار. فقطع عثمان يده "

(2)

.

ورواه الشافعي عن مالك

(3)

. وقال: هي الأترجة التي يأكلها الناس.

ولأن هذا مال يُتمول عادة ويُرغب فيه. فيقطع سارقه؛ كالمجن.

(وما أصله الإباحة؛ كملح، وتراب، وحجر، ولبن، وكلأ، وثلج،

وصيد كغيره) الذي ليس أصله الإباحة في القطع بسرقته إذا بلغت قيمته

ربع دينار.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(1710) 2: 136 كتاب اللقطة، باب في الشح.

وأخرجه النسائي في " ستنه "(4958) 8: 85 كتاب قطع السارق، الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين.

وأخرجه أحمد فى " مسنده (6683) 2: 180.

(2)

أخرجه مالك في "الموطأ"(23) 2: 634 كتاب الحدود، باب ما يجب فيه القطع.

(3)

أخرجه الشافعي في " مسنده "(73 2) 2: 83 كتاب الحدود، حد السرقة.

ص: 475

(سوى ماء) في الأصح، لأنه لا يتمول عاده، (و) سوى (سِرْجين

نحس)؛ لأنه ليس بمال.

(ويقطع بسرقة إناء نقد) أي: من ذهب أو فضة، (و) بسرقة (دنانير أو

دراهم فيها تماثيل)؛ لأن ما فيها من الصنعة المحرمة لا يخرجها عن كونها مالاً محترماً.

(و) يقطع أيضاً بسرقة (كتب علم) يعني: العلم المباح. بدليل ما يأتي

في المتن؛ لأنها مال حقيقة ولثرعا.

(و) يقطع بسرقة (قِنٍّ نائم، أو) قن (أعجمي ولو) كانا (كبيرين)؛ لأن

الكبير غير النائم، والأعجمي لا يُسرق وإنما يخدع.

(و) لهذا يقطع بسرقة قن (صغير ومجنون)؛ لأن كلاً منهما مال مملوك

تبلغ قيمته نصاباً. فوجب القطع فيه؛ كسائر الحيوانات.

وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي برجل يسرق الصبيان، ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخرى. فأمر رسول الله بيده فقطعت "

(1)

. رواه الدارقطني.

(لا مكاتب) يعني: أنه لا قطع بسرقة المكاتب، ذكرًا كان أو أنثى؛ لأن

ملك سيده ليس بتمام عليه؛ لكونه لا يملك منافعه، ولا استخدامه، ولا أخذ

أرش الجناية عليه. ولا يقال يقطع سارقه لأجل ملك المكاتب في نفسه؛ لأن

الإنسان لا يملك نفسه. فأشبه الحر.

(و) لا قطع بسرقة (أم ولدٍ) في الأصح؛ لأنها لا يحل بيعها ولا نَقل

الملك فيها. فأشبهت الحرة.

(ولا) بسرقة (حر ولو صغيرًا) على الأصح؛ لأنه ليس بمال. فلا يقطع بسرقته؛ كالكبير النائم.

(1)

أخرجه الدارقطنى في " سننه "(359) 3: 202 كتاب الحدود.

ص: 476

(ولا) بسرقة (مصحف) في الأصح؛ لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله

سبحانه وتعالى وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه.

(ولابـ) سرقه (ما عليهما) أي: على الحر والمصحف: (من حلي،

ونحوه) كثوب الصغير، وكيس المصحف إذا بلغت قيمته نصاباً في الأصح؛

لأن ذلك تابع لما لا يقطع بسرقته.

(ولا) قطع أيضاً (بـ) سرقة (كتب بدع، و) كتب (تصاوير)؛ لأنها

واجبة الإتلاف.

(ولابـ) سرقة (آلة لهو)؛ كالطنبور والمزمار ولو بلغت قيمته مكسورًا

نصاباً؛ لأنه للمعصية بالإجماع. فلم يقطع بسرقته؛ كالخمر.

ولأن للسارق حقاً في أخذها لكسرها. فكان ذلك شبهة مانعة من القطع؛ كاستحقاقه مال ولده. حتى ولو كانت عليه حلية تبلغ نصاباً في الأصح؛ لأنها

متصلة بما لا قطع فيه. أشبهت الخشب والأوتار.

(ولا) قطع (بـ) سرقة (صليب) نقد، (أو صنم نقد)، ذهب أو فضة

في الأصح تبعاً للصناعة. أشبهت الأوتار التي بالطنبور، (ولا بآنيه فيها خمر

أو) فيها (ماء) في الأصح؛ لأنها متصلة بما لا قطع فيه. فأشبه ما لو سرق شيئاً مشتركاً بينه وبين غيره.

قال ابن شاقلا: لو سرق إداوة فيها ماء لم يقطع؛ لاتصالها بما لا قطع فيه.

الشرط (الرابع) من شروط وجوب القطع في السرقة: (كونه) أي: كون المسروق (نصاباً، وهو) أي: والنصاب الموجب للمطع في السرقة: (ثلاثة

دراهم خالصة، أو) ثلاثة دراهم (تخلُص من) دراهم فضة (مغشوشة) بنحاس

أو نحوه، (أو ربع دينار) من الذهب على الأصح. فيكفى الوزن من الفضة

الخالصة أو التبر الخالص. (ولو لم يُضرَبا) في الأصح.

فلا يجب القطع بسرقة دون ذلك في قول الفقهاء كلهم، إلا الحسن وداود وابن

بنت الشافعي والخوارج فإنهم قالوا: يقطع

(1)

في الكثير والقليل؛ لعموم الآية.

(1)

في خ: القطع.

ص: 477

ولما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله السارق يسرق الحبل

فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده "

(1)

. متفق عليه.

ولأنه سارق من حرز فيقطع كسارق الكثير.

ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا "

(2)

. روى

ذلك أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه.

وما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اقطعوا في ربع

دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك. وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم

والدينار اثنا عشر درهما "

(3)

. رواه أحمد.

وهذان يخصان عموم الآية. والحبل يحتمل أن يساوي ذلك وكذلك البيضة

يحتمل أن يراد بها بيضة السلاح وهي تساوي ذلك.

(ويُكمَّل أحدهما بالاخر) يعني: أنه لو سرق درهماً ونصف درهم من

خالص الفضة وثمن دينار من خالص التبر كمل نصاب أحدهما من الآخر وقطع سارقهما معاً.

(أو) سرق (ما يبلغ قيمة أحدهما) أي: أحد نصاب الفضة والذهب (من غيرهما)

(4)

أي: غير الذهب والفضة؛ كما لو سرق ثوباً مثلا قيمته ثلاثة دراهم

من الفضة أو قيمته ربع دينار من الذهب قطع؛ لما روى ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6414) 6: 2493 كتاب الحدود، باب قول الله تعالى:

(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما).

وأخرجه مسلم في (صحيحه " (687 1) 3: 1314 كتاب الحدود، باب حد السرقه ونصابها.

(2)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1684) 3: 1313 كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4918) 8: 78 كتاب قطع السارق، ذكر الاختلاف على الزهري.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2585) 2: 862 كتاب الحدود، باب حد السارق.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(24125) 6: 36.

(3)

أخرجه أحمد في " مسنده "(24559) 6: 81.

(4)

في أ: أو غيرهما.

ص: 478

قطع يد سارق سرق

(1)

برنساً من صفة النساء قيمته ثلاثة دراهم "

(2)

. رواه احمد وأبو داود والنسائي.

وعن ابن عمر أيضاً " أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم "

(3)

. رواه الجماعة.

وفي لفظ بعضهم: " قيمته ثلاثة دراهم "

(4)

.

وفي رواية " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن. قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار "

(5)

. رواه النسائي.

(1)

في أ: وسرق.

(2)

أخرجه أبو داود في " سنته (4386") 4: 136 كتاب الحدود، باب ما يقطع فيه السارق.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4909) 8: 76 كتاب قطع السارق، القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(6317) 2: 145.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6413) 6: 2493 كتاب الحدود، باب قول الله تعالى:

(والسارق والسارقة فا قطعوا أيديهما).

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(687 1) 3: 4 131 كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(4385) 4: 136 كتاب الحدود، باب ما يقطع فيه السارق.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1446) 4: 50 كتاب الحدود، باب ما جاء في كم تقطع يد السارق.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4907) 8: 76 كتاب قطع السارق، القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2584) 2: 862 كتاب الحدود، باب حد السارق.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(4503) 2: 6.

(4)

أخرجه الترمذي في " جامعه "(1446) 4: 50 كتاب الحدود، باب ماجاء فى كم تقطع يد السارق.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4910) 8: 77 كحاب قطع السارق، القدر الذي إذا سرقه

السارق قطعت يده. وأخرجه ابن ماجه فى " سننه "(2584) 2: 862 كتاب الحدود، باب حد السارق.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(6293) 2: 143.

(5)

أخرجه النسائي في " سننه "(4931) 8: 80 كتاب قطع السارق، ذكر اختلاف أبي بكر بن محمد وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة في هذا.

ص: 479

وهذا يدل على أن كل واحد من النقدين أصل. وهو المذهب " لأن ثمن

المجن قُوم تارة بربع دينار، وتارة بثلاثة دراهم. فلو كانت الدراهم هي الأصل

لا اختص التقويم بها دون الذهب.

(وتعتبر القيمة) أي: تقويم المسروق إذا لم يكن ذهباً أو فضة بأحدهما

(حال إخراجه من الحرز)، لأن الاعتبار بحال السرقة هو وقت الوجوب؛

لوجود السبب فيه وهو السرقة، فلا يعتبر ما حدث بعده.

إذا تقرر هذا (فلو نقصت) قيمة المسروق (بعد إخراجه: قُطع) ولم يكن

ذلك مسقطاً للقطع، لأن النقصان وجد في العين بعد سرقتها. أشبه ما لو نقصت

قيمتها باستعماله إياها.

(لا إن أتلفه) أي: أتلف المسروق (فيه) أي: في الحرز (بأكل أو

غيره)؛ كما لو كان مائعاً فأراقه، (أو نقصه بذبح)؛ كما لو ذبح شاة قيمتها

نصاب فنقصت بالذبح ثم أخرجها وقيمها دون نصاب لم يقطع؛ لأن من شرط

(1)

وجوب القطع: أن يخرج المسروق من الحرز وقيمته حين إخراجه نصاب

فأكثر، (أو غيره) أي: نقصه بغير الذبح بأن شق ثوباً قيمته نصاب فنقص بشقه

عن النصاب، (ثم أخرجه) فلا قطع؛ لأنه لم يخرج من الحرز شيئاً قيمته نصاب.

(وإن ملكه) أي: ملك (سارق) النصاب بعد إخراجه من الحرز (ببيع أو

هبة أو غيرهما) من أسباب الملك (لم يسقُط القطع) الواجب بعد الترافع إلى

الحاكم. وليس للمسروق منه العفو عن السارق. نص عليه وعليه الأصحاب؛ وذلك لما روى الزهري عن ابن صفوان بن أمية عن أبيه " أنه نام على ردائه في المسجد. فأُخذ من تحت رأسه. فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأمر بقطعه. فقال صفوان: يا رسول الله لِلَّهِ لم أرد هذا ردائي صدقة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا قبل أن تأتيني به "

(2)

. رواه ابن ماجه والجوزجاني.

(1)

فى ج: شروط.

(2)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(595 2) 2: 5 86 كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز.

ص: 480

وفي لفظ قال: " فأتيته. فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهما. أنا أبيعه

وأنسئه ثمنها. قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به "

(1)

. رواه الأثرم وأبو داود.

فهذا يدل على أنه لو وجد ذلك قبل رفعه إليه لدرأ القطع، وبعده لا يسقطه.

وأما مطالبة المسروق منه فشرط للحكم

(2)

لا للقطع. بدليل أنه لو استرد

العين لم يسقط القطع وقد زالت المطالبة.

(وإن سرق فَْرد خُفٍ قيمة كلٍّ) أي: كل فرد (منفردًا درهمان، ومعاً)

أي: وقيمته مع الفرد الآخر (عشرة) أي: عشرة دراهم وتعذر رده: (لم

يُقطع)؛ لأنه لم يسرق نصاباً؛ لعدم المشروط عند عدم شرطه، (وعليه)

أي: على أخذ الفرد (ثمانية) أي: ثمانية دراهم (قيمة) الفرد (المتلف)

درهمان، (ونقص التفرقة) ستة دراهم.

(وكذا) الحكم لو أن المسروق (جزء من كتاب) ونقص بالتفرقة. ذكره

في " التبصرة " واقتصر عليه في " الفر وع " وزاد: ونظائره.

(ويضمق) متعد (ما في وثيقة) من دين أو نحوه إذا (أتلفها إن تعذَّر)

الوصول إلى ما فيها بدون إحضارها.

وقوله: أتلفها يفهم منه أنها لو تلفت في يده بغير تعد ولا تفريط أنه لا يضمن شيئاً مما فيها إذا كانت يده عليها يد أمانة.

(وإن اشترك جماعة في) سرقة (نصاب: قُطعوا) كلهم؛ لأن النصاب أحد

شرطي القطع

(3)

. فإذا اشترك فيه الجماعة كانوا كالواحد؛ كما في هتك الحرز.

ولأن سرقه النصاب فعل موجب للقطع. فاستوى فيه الواحد والجماعة؛ كالقتل.

(حتى من لم يُخرج) منهم (نصاباً) كاملاً. نص على ذلك؛ لأنهم اشتركوا في

هتك الحرز وإخراج النصاب. فلزمهم القطيع؛ كما لو كان ثقيلاً فحملوه

(1)

أخرجه أبو داود قي " سننه "(4394) 4: 138 كتاب الحدود، باب من سرق من حرز.

(2)

في ج: للحاكم.

(3)

في ج: لأن النصاب فعل موجب للقطع.

ص: 481

(ولو لم يُقطع بعضهم لشبهة أو غيرها)، كما لو كان الشريك أباً لرب

المال، أو عبدًا له، أو كان غير مكلف، كالصغير والمجنون:(قُطع الباقي)

في الأصح؛ لأنه لا يلزم من سقوط القطع عن الشريك لمعنى غير موجود في غيره سقوط القطع عن الغير؛ كما قلنا في شريك الأب في القصاص.

(ويُقطع سارق نصاب لجماعة)؛ لأن السرقة والنصاب شرطان للقطع وقد

وجدا. فوجب القطع؛ كما لو كان رب المال واحداً.

(وإن هتك اثنان حِرْزًا، ودخلاه فأخرج أحدهما المال) دون الآخر قطعاً.

نص على ذلك؛ لأن المخرِج أخرجه بقوة صاحبه ومعونته، (أو دخل أحدهما)

أي: أحد اللذين هتكا الحرز (فقربه) أي: قرب النصاب المسروق (من النَّقْب

وأدخل الآخر يده فأخرجه) أي: أخرج النصاب من النقب قطعاً؛ لأنهما اشتركا

في هتك الحرز وإخراج المتاع؛ كما لو حملاه وأخرجاه، (أو) دخل أحدهما

فـ (وضعه) أي: وضع النصاب (وسط النَّقْب فأخذه الخارج) منهما:

(قُطعا)؛ لأنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراجه منه.

(وإن رماه) أي: رمى النصاب من دخل الحرز منهما (إلى) رفيقه

(الخارج) من الحرز، (أو ناوله) النصاب إلى خارج الحرز (فأخذه) منه رفيقه، (أو لا) يعني: أو لم يأخذه منه، (أو أعاده فيه) أي: أعاد النصاب

في الحرز (أحدهما: قُطع الداخل وحده)؛ لأن الداخل هو المخرج للنصاب

وحده فاختص القطع به. لا يقال كيف ذلك وقد اشتركا في هتك الحرز؟ لأن

شرط القطع عليهما أن يشتركا في الهتك والإخراج ولم يوجد الثانى فانتفى القطع

(1)

، لانتفاء شرطه.

(وإن هتكه) أي: هتك الحرز (أحدهما) فقط، (ودخل الآخر فأخرج

المال: فلا قطع عليهما) أي: على واحد منهما، لأن الأول لم يسرق والثانى

لم يهتك الحرز، (ولو تواطئا) على ذلك في الأصح؛ لأن التواطئ على السرقة

(1)

في أزيادة: به لا يقال كيف ذلك وقد اشتركا في هتك الحرز. وقد سبق ذكر هذه العبارة قبل قليل.

ص: 482

لا أثر له؛ لأنه لا فعل لواحد منهما في الذي فعل الآخر فلم يبق إلا القصد، والقصد إذا لم يقارنه الفعل لا يترتب عليه حكم. فيكون وجود القصد في ذلك كعدمه.

(ومن نقَب ودخل) الحرز (فابتلع) فيه (جواهر أو ذهباً) أو نحوهما

(وخرج به) قطع. أشبه ما لو أخرجه في كمه.

(أو ترك المتاع) في الحرز (على بهيمة فخرجت به) البهيمة ولو من غير

سوقها في الأصح قطع؛ لأن العادة مشي البهيمة بما يوضع عليها.

(أو) ترك المتاع (في ماء جار) فاً خرجه الماء قطع؛ لأن البهيمة والماء

لا إرادة لهما في الإخراج فكان القطع على من أراد إخراجه بذلك.

(أو أمر) من هتك الحرز (غير مكلَّف)؛ كصغير أو مجنون (بإخراجه)

أي: إخراج النصاب (فأخرجه) غير المكلف قطع الآمر؛ لأن غير المكلف

لا حكم لفعله فهو في معنى البهيمة.

(أو) ترك هاتك الحرز المتاع (على جدار) داخل الحرز (فأخرجتْه ريح)

قطع في الأصح؛ لأنه متى كان ابتداء الفعل منه لم يؤثر فعل الريح.

(أو) هتك الحرز و (رمى به) أي: بالمتاع (خارجاً) عن الحرز قطع؛

لأنه أخرجه.

(أو) هتك الحرز و (جذبه) أي: جذب المتاع (بشيء) وهو خارج

الحرز. فأخرجه بجذبه قطع؛ لأنه المباشر لإخراجه.

(أو) هتك الحرز وأخرج منه شاة و (استتبع) هاتك الحرز (سَخْل شاة)

باًن فعل ما يقتضي أن يتبعها السخل، وكانت الشاة لا تساوي نصاباً، وكانت

قيمتها مع السخل تساوي نصاباً قطع، لا إن تبع السخل الشاة من غير أن يستتبعه

في الأصح؛ لأن ذلك ليس من فعله.

(أو) هتك الحرز و (تطيَّب فيه) بطيب كان فيه وخرج به من الحرز، (و)

كان ما تطيب به (لو اجتمع بلغ) قدرا تساوي قيمته (نصاباً) قطع في الأصح؛

لأنه هتك الحرز وأخرج متاعاً قيمته نصاباً. أشبه ما لو كان غير طيب.

ص: 483

(أو هتك الحرز) في وقت (وأخذ المال وقتاً آخر) قطع، كما لو أخذ

النصاب عقب هتك الحرز.

(أو) هتك الحرز ثم (أخذ بعضه) أي: بعض النصاب في وقت (ثم أخذ

بقيته) أي: بقية النصاب في وقت آخر (وقَرُب ما بينهما) من الزمن قطع، لأنها سرقة واحدة.

ولأنه إذا بني فعل أحد الشريكين على فعل شريكه إذا سرقا نصاباً فبناء فعل

الواحد بعضه على بعض أولى.

لا إن بعد ما بينهما في الأصح مثل إن كانا في ليلتين؛ لأن كل سرقة منهما

لا تبلغ نصاباً.

وإن علم المالك بهتك الحرز وأهمله فلا قطع أيضاً، لأن سرقته الثانيه من

غير حرز.

(أو) هتك الحرز و (فتح أسفل كُوَّارة فخوج العسل شيئاً فشيئاً)، أو

أخرجه شيئاً فشيئاً حتى بلغت قيمه ماأخرجه نصاباً قطع، لأنه لم يهمل الأخذ.

أشبه ما لو وجده مجموعاً فأخرجه.

(أو أخرجه) أي: أخرج السارق المتاع الذي قيمته نصاب (إلى ساحة دار

من بيت مغلق منها) أي: من الدار (ولو أن بابها) أي: باب الدار التي فيها

البيت (مغلق: قُطع) على الأصح، لأنه هتك الحرز وأخرج منه نصاباً فقطع

به، كما لو لم يكن على الدار باب آخر. فأما إن كان باب الدار مفتوحاً فإنه يقطع رواية واحدة؛ كما لو كان باب البيت خارج الدار.

(ولو عّلم) إنسان (قردًا السرقة) فسرق قليلاً أو كثيرًا: (فالغرم) أي:

فعلى معلمه غرم ما يسرقه القرد (فقط) أي: دون القطع. ذكره ابن عقيل وابن

الزاغو نى.

الشرط (الخامس) من شروط وجوب القطع في السرقة: (إخراجُه) أي: إخراج النصاب (من حِرْز) على الأصح في قول أكثر أهل العلم منهم مالك

والشا فعي واصحاب الرأى.

ص: 484

وعنه: لايشترط الحرز؛ لما روى سعيد أنه ذَكر لعائشة قول من قال:

" لا قطع على السارق حتى يخرج المتاع من الحرز. فقالت عائشة: لو لم أجد

إلا شفرة لخرزت بها يده ". لكن قال ابن المنذر: ليس فيه خبر ثابت.

وحكي عن داود: أنه لا يعتبر الحرز؛ لأن الآية لا تفصيل فيها.

وجوابه: أن الآية مخصَّصة بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:

" أن رجلاً من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمار. فقال: ما أُخذ من غير أكمامه واحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الجران ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن "

(1)

. روه أبو داود وابن ماجه.

كما خصصت في اعتبار النصاب.

إذا تقرر هذا (فلو سرق) إنسان (من غير حرز) مثل: أن يجد حرزًا مهتوكاً

أو باباً مفتوحاً فيأخذ منه ما يبلغ قيمته

(2)

نصاباً أو لا (فلا قطع) عليه؛ لفوات

شرطه؛ كما لو أتلفه داخل الحرز باً كل أو غيره، إلا أن عليه ضمانه.

(ومن أخرج بعض ثوب قيمته) أي: قيمة ذلك البعض المخرج (نصا.

قُطع به) أي: بذلك البعض المخرج (إن قطعه) أي: فصله من باقيه؛ لأنه

بذلك تحقق إخراجه من الحرز، (وإلا) أي: وإن لم يقطع بعص الثوب:

(فلا) قطع عليه؛ كما لو أخرج بعض خشبة وباقيها داخل الحرز من غير أن

يقطعها.

ومن هتك الحرز ودخله فاحتلب لبناً من ماشية وأخرجه وكان بحيث لو أبيع

بلغ ثمنه نصاباً قطع. وإن شربه في الحرز أو أخرج ما دون ذلك فلا قطع؛ لأنه

لم يخرج من حوز نصاباً.

(وحرز كل مال) يقطع السارق بسرقته منه: (ما حُفظ فيه) ذلك المال

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4390) 4: 137 كتاب الحدود، باب ما لا قطع فيه.

وأخرجه ابن ماجه فى 9 سننه " (2596) 2: 865 كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز.

(2)

زيا دة من ج.

ص: 485

(عادة) أي: في العادة؛ لأن الحرز معناه الحفظ، ومنه قولك: احترز أي:

تحفظ. ولما ثبت اعتبار الحرز بالشرع في موضع اعتبره فيه من غير صفه له ولا تقدير لصفت

(1)

ولا فيه عرف لغوي يتقرر به: علم أن المرجع فيه إلى العرف بين الناس؛ كما رجع

(2)

في العرف إلى معرفة القبض والفرقة في البييع وأشباه ذلك.

(ويختلف) الحرز (باختلاف جنس) أي: جنس ذلك المال، (و)

باختلاف (بلد) أي: البلد الذي فيها المال. فإن البلد إذا كان واسع الأقطار

غلظت أحرازه؛ لأنه لا يؤمن عليه إن سرق منه أحد أنه لا يظهر لسعة رقعة البلد وكثرة أهله. وإن كان صغيرًا لم يحتج إلى ذلك؛ لأن السارق يُعرف فيه فلا

يحتاج إلى زيادة كلفة في منعه عن السرقه.

(و) يختلف الحرز أيضاً باختلاف (عدلِ سلطان وقوَّته، وضدِّهما) وهما

جور السلطان وضعفه. فإن السلطان إن كان عادلاً يقيم

(3)

الحدود كانت الأحراز أخف؛ لأن السارق غير آمن أن يُرفع إلى السلطان فيقطعه فلا يحتاج إلى زيادة

حفظ، وإن كان جائرًا يشارك من التجأ إليه من الذعّار ويذب عنهم احتيج إلى

تثقيل الأحراز؛ لأنه إذا لم يمنع السلطان السارق منع بجهة أخرى وهي تثقيل

الحرز. ومتى كان السلطان قوياً على أهل الريب والسراق كانت الأحراز أخف؛ لأن الحفظ بالسلطان أقوى من الحفظ بالتثقيل، ومتى كان السلطان ضعيفاً احتاج

أن يكون الحرز أغلظ.

إذا تقرر هذا (فحرز جوهر ونقد) من ذهب وفضة (وقماش في العمران)

أي: في الأبنية الحصينة في المحال المسكونة من البلد (بدار ودكان: وراء غَلَق وثيق). والغلق: اسم للقفل، خشباً كان أو حديدًا.

(وصندوق بسوق- وثَم حارس) بالسوق- (حرز) لما بالصندوق. فمن

أخذ منه نصاباً قطع.

(1)

في أوب: ولا تقرير لنعته.

(2)

في ج: يرجع.

(3)

في أ: لايقيم.

ص: 486

(وحِرز بَقل وقُدُور باقلاء و) قدور (طبيخ، و) حرز (خزف وثَم حارس:

وراء الشرائج)، واحدها

(1)

شريجة. وهي شيء يعمل من قصب أو نحوه يضم بعضه إلى بعض نخيل أو غيره؛ لأن العادة جرت بإحراز ذلك كما ذكر.

(وحِرز خشب وحطب: الحظائر)، واحدتها حظيرة بالحاء المهملة والظاء المعجمة. وهي: ما يعمل للإبل والغنم من الشجر تأوي إليه فيعبر بعضه في

بعض ويربط بحيث يعسر أخذ شيء منه على ما جرت به العادة ليمنع السارق من السرقة. وأصل الحظر: المنع، وإن كانت بفندق مغلق كان ذلك أحرز.

(و) حرز (ماشية) من بقر وغنم (الصِّيَرُ)، واحدتها صيرة، وهي:

حظيرة الغنم.

(و) حرز ماشية (في مرعى: براع يراها غالباً)؛ لأن العادة حرزها بذلك

فما غاب عن مشاهدته فقد خرج عن الحرز؛ لأن الماشية الراعية هكذا تحرز.

(و) حرز (سُفن في شطٍّ: بربطها) فيه؛ لأن العادة جارية بإحرازها

بذلك.

(و) حرز (إبل باركة معقولة: بحافظ حتى نائم)؛ لأن العادة أن صاحبها

يعقلها إذا نام. فإن لم تكن معقولة فحرزها بحافظ يقظان.

(و) حرز (حمولتها) أي: الإبل الحاملة: (بتقطيرها مع قائدٍ يراها) إذا

التفت، (ومع عدم تقطير) أي: تقطير الإبل الحاملة: (بسائق يراها).

والمقطرة مع السائق الذي يراها أولى بالحرز من القائد الذي يراها؛ لأن العادة جارية بإحراز ذلك كذلك. ومن سرق الحمل بما عليه وصاحبه نائم عليه لم

يقطع؛ لأنه في يد صاحبه وإن لم يكن صاحبه عليه قطع.

(و) حرز (بيوت) أي: الإبل الحاملة (في صحراء، و) حرز بيوت في

(بساتين: بملاحظ) يراها إن كانت مفتوحة، (فإن كانت مغلقة: فبنائم)

فيها. وإن لم يكن فيها أحد وليس هناك ملاحظ يراها فليست حرزًا، سواء كانت

(1)

في ب: واحدتها.

ص: 487

مغلقة أو مفتوحه؛ لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران وانصرف

عنه لا يعد حافظاً له ولو أغلقه.

(وكذا) أي: وكالبيوت في الصحاري والبساتين (خيمة وخرْكاة،

ونحوهما)؛ كبيت الشعر إن كان فيها أحد، نائماً كان أو منتبهاً فهي محرزة مع

ما فيها؛ لأنها هكذا تحرز في العادة، وإن لم يكن فيها أحد فإن كان عندها حافظ

فهى محرزة أيضاً، وإن لم يكن عندها حافظ وليس فيها أحد فلا قطع على سارقها

ولا على السارق منها؛ لأنها ليست بمحرزة في العاده.

(وحرز ثياب في حمام، و) حرز (اعدال) بسوق، (وغزل بسوق أو) في (خان).

(وما كان مشترَكاً في دخول)؛ كالفندق: (بحافظ) يراها؛ (كقعوده

على متاع) وتوسده؛ كما قطع سارق رداء صفوان من المسجد وهو متوسده

(1)

. وهذاعلى الأصح.

وعنه: لا يقطع السارق من الحمام.

(وإن فرَّط حافظ) أي: حافظ الحمام، أو السوق، أو المكان المشترك

الدخول؛ كالمضيفة والتكية والخانقاه (فنام أو اشسغل: فلا قطع) على السارق

في هذه الحالة؛ لأنه لم يسرق من حرز، (وضمن) المسروق (حافظ) مُعَد

للحفظ (وإن لم يُستحفظ) لتفريطه.

(وحرز كفن مشروع: بقبر) أي: ببقائه في القبر (على ميت). فلو نبش

قبرًا وأخذ منه الكفن أو بعضاً منه يساوي نصاباً قطع. وقد روي عن ابن الزبير أنه قطع نباشاً

(2)

. وبهذا قال مالك والشافعي. وخالف أبو حنيفة والثوري.

ولنا: قول الله سبحانه وتعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)

[المائدة: 38] وهذا سارق، فإن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:" سارق أمواتنا كسارق أحيائنا ".

(1)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2595) 2: 865 كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز.

(2)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 270 كتاب الحدود، باب النباش يقطيع.

ص: 488

(وهو ملك له) أي: والكفن ملك للميت؛ لأنه مالك له في حياته ولا

يزول إلا عن ما لا حاجة به إليه، (والخصم فيه: الووثة)؛ كقيام ولي صغير في الطلب بما له. (فإن عُدموا) أي: الورئة: (فـ) الخصم فيه (نائب الأمام).

وتقييد الكفن بالمشروع ليخرج غير المشروع. فلو كفن الرجل في أكثر من ثلاث لفائف، أو المرأة في أكثر من خمس فسرق السارق الزائد عن ذلك، أو تُرك

الميت في تابوت فسرق السارق التابوت، أو تُرك معه طيب مجموع، أو غير

ذلك من ذهب أو فضة أو غيرهما لم يقطع بأخذ شيء من ذلك؛ لأن الزيادة على الكفن المشروع وترك غيره في القبر سفه وتضييع فلا يكون محوزأ بالقبر.

وعلم مما تقدم أنه إذا لم يخرج الكفن من القبر؛ كما لو أخرجه من اللحد ووضعه في القبر أنه لا قطع عليه، لأنه لم يخرجه من الحرز. فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى القبر بيتاً فقال:" نعم البيت القبر ". وحكم من كفنه أجنبي من ماله حكم من كفن من مال الميت.

أشبه ما لو ملكه الكفن في حياته.

وعلم من قول المتن: على ميت أنه لو أكل الميت ضبع أو نحوه ثم سرق

الكفن سارق لم يقطع؛ لأنه لم يكن على الميت. أشبه ما لو زال نائم عن ردائه بمسجد أو نحوه ثم سرقه سارق يعد زواله عنه.

(وحرز باب: تركيبه بموضعه)، سواء كان مقتوحاً أو مغلقاً؛ لأنه هكلذا

يحفظ.

(و) حرز (حلقته) أي: حلقة الباب: (بتركيبها فيه)؛ لأنها بتركيبها فيه

صارت كأنها بعض. ولو أخذ من باب مركب بعضاً قيمته نصاب قطع.

(وتأزير) وهو: ما يجعل في أسفل الحائط من لباد أو دفوف أو نحو ذلك

في الحكم (وجدار وسقف كباب) يعني: أنه ما كان من ذلك موضوعاً في محله

كان محرزًا يقطع سارقه، وما كان منفكاًً فليس بمحرز فلا يقطع سارقه. فمن

أخذ شيئاً من تأزير موكب بمحله، أو من جدار قائم، أو خشبة من سقف وبلغ

ص: 489

قيمة المأخوذ نصاباً قطع، وإن

(1)

فك التأزير ولم يأخذه أو هدم الجدار ولم

ياًخذه أو فك خشبة من السقف ولم يأخذها: لم يقطع.

(ونوم على رداء، أو) على (مَجَرِّ فرس، ولم يزُل عنه) أي: عن الرداء

أو عن مجر الفرس حرز، (ونعل برجل حرزٌ)، لأن ما تقدم كذا يحرز.

إذا تقرر هذا (فمن نبش قبرًا، أو أخذ الكفن، أو سرق رِتاج الكعبة)

وهو: بابها العظيم، (أو باب مسجد، أو سقفه، أو تأزيره، أو سحب رداءه)

أي: رداء من هو نائم عليه من تحته، (أو) سحب (مجرَّ فرسه من تحته، أو)

سحب (نعلاً من رجل) أي: رجل من كان لابسه (وبلغ) المأخوذ من شيء مما

ذكر (نصاباً: قطع) في الأصح. فيما يتعلق بالمسجد؛ لأنه سرق نصاباً من

حرز مثله من غير ملك له أو لولده فيه. والمطالبة بما هو بالمسجد للإمام أو لمن يقوم مقامه.

(لا بستارة الكعبة) يعني: لا يقطع سارق ستارة الكعبة (الخارجة) نصاً.

(ولو) كانت (مَخيطة عليها) كغير المخيطة عليها؛ لأنها غير محرزة. وحمل

ابن حمدان النص على غير المخيطة عليها.

(ولا بـ) سرقة (قناديل مسجد وحُصِرِه، ونحوهما) مما جعل لنفع

المصلين؛ كالقفص المجعول لوضع نعالهم فيه في الأصح: (إن كان) السارق (مسلماً)، كسرقته من بيت المال.

(ومن سرق ثمرًا أو طَلْعاً أو جُمَّارًا أو ماشية من غير حرز كمن شجرة ولو)

كانت الشجرة (ببستان مُحوَّط فيه حافظ: فلا قطع) في الأصح، لما روى

رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا قطع في ثمر ولا كَثَر "

(2)

. رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

(1)

في ج: ومن.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4388) 4: 136 كتاب الحدود، باب ما لا قطع فيه.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1449) 4: 52 كتاب الحدود، باب ما جاء لا قطع في ثمر ولا كثر.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(17299) 4: 140.

ص: 490

وعلم من قوله في المتن: "ببستان" أنه لو كانت الشجرة بدار وهي محرزة قطع.

(وأُضعفت قيمته) أي: قيمة المسروق من الثمر على الشجر الذي بالبستان

وقيمة المسروق من الماشية من غير حرز. ومعنى تضعيف قيمته على السارق: أنه يضمن عوض ما يسرقه مرتين؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده

عبد الله بن عمرو قال: " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق. فقال: من أصاب منه بغية من ذي حاجة غيرمتخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع "

(1)

. رواه أحمد والنسائي وأبو داود ولفظه له.

قال أحمد: لا أعلم شيئاً يدفعه.

وقال أكثر العلماء: لا يجب أكثر من مثله. واحتج أحمد " بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها ". رواه الأثرم.

ولأن الثمار في العادة تسبق اليد إليها فجاز أن تغلظ قيمتها على سارقها ردعاً

له وزجرًا. بخلاف بقيه المواضع فإنها في العادة محروزة

(2)

فاليد لا تسرع

إليها. وقوله صلى الله عليه وسلم " غير متخذ خبنة "

(3)

بالخاء المعجمة ثم باء موحدة ثم نون أي: غير متخذ منه في حجزته.

(ولا تُضعف) قيمته (في غير ما ذكر)؛ لأن التضغيف على خلاف القياس

فلا يتجاوز به محل النص.

(ولا قطع) بسرقة (عام مجاعة غلاءٍ: إن لم يجد) السارق (ما يشتريه،

أو) لم يجد ما (يشتري به). نص عليه.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(0 171) 2: 136 كتاب اللقطة، باب في الشح.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4958) 8: 85 كتاب قطع السارق، الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(6746) 2: 186.

(2)

في ج: محرزة.

(3)

مضى آنفا.

ص: 491

قال جماعة: ما لم يبذل له ولو بثمن غال.

وفي " الترغيب ": ما يحيي به نفسه.

الشرط (السادس) من شروط وجوب القطع: (انتفاء الشبهة. فلا قطع

بسرقةٍ من) مال (عمودَي نسبه) أي: نسب السارق.

أما سرقته من مال ولده، فلقوله صلى الله عليه وسلم:" أنت ومالك لأبيك "

(1)

.

وأما سرقته من مال أبيه أو جده، أو من مال أمه أو جدته، أو من مال ابنة

ابنه أو ابن بنته علا الأب أو نزل الأبناء، فلأن بينهم قرابة تمنع شهادة أحدهم

لواحد منهم. فلم يقطع بالسرقة منه؛ كالأب بالسرقة من مال ابنه.

ولأن النفقة تجب للابن في مال أبيه حفظاً له. فلا يجوز إتلافه؛ حفظاً

للمال.

(ولا) قطع على إنسان بسرقةٍ (من مال له شِرك فيه، أو لأحد ممن

لا يقطع) السارق (بالسرقة منه) شِرك في ذلك المال المسروق؛ لقيام الشبهة

فيه بسرقة البعض الذي لا تجب بسرقته القطع.

(ولا) قطع أيضاً بسرقة (من غنيمة لأحد ممن ذكر) من عمودي نسب

السارق (فيها حق) وذلك قبل قسم الغنيمة. وكذا لو كان السارق من الغنيمة قناً ولسيده في الغنيمة حق.

(ولا) قطع أيضاً بسرقة (مسلم من بيت المال)، لقول عمر وابن مسمعود:

" من سرق من بيت المال فلا قطع. ما من أحد إلا وله في هذا المال حق ".

وقال سعيد: حدثنا هشيم أنبأنا مغيرة عن الشعبي عن علي: " ليس على من سرق من بيت المال قطع "

(2)

.

قال في " التنقيح ": إلا العبد نصاً. قاله في " المحرر " وغيره. فلهذا

(1)

أخرجه أين ماجه في " مسننه"(2291) 2: 769 كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده.

(2)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 282 كتاب السرقه، باب من سرق من بيت المال شيئاً، عن طريق سعيد.

ص: 492

قلت: (إلا القنّ). قال (المنقح) بعد ذلك: (والصحيح: لا قطع. انتهى)

كلامه الذي نقلناه في المتن. وقال بعد ذلك: وهو ظاهر كلام الأكثر. وصرح

به ابن عقيل وغيره. وقدمه في " الفروع " وغيره. انتهى كلامه في " التنقيح ".

ووجه ما صححه في " التنقيج "؛ (لأنه) أي: القن (لا يُقطع بسرقة من

مالٍ لا يِقطع به سيده) لو سرق السيد.

قال في " الإنصاف ": وجعل في " المحرر " ومن تبعه سرقة عبد الوالد

والولد ونحوهما مثل: سرقة العبد من بيت المال في وجوب القطع.

قال في " القواعد الأصولية ": وكلام غيره يخالفه. انتهى.

(ولا) قطع أيضاً (بسرقة مكاتب من مكاتبه، وعكسه كقنه) والقن لا يقطع

بسرقة مال سيده. نص عليه؛ لما روى سعيد عن سفيان عن الزهري عن

السائب بن يزيد عن عمر رضي الله تعالى عنه " أنه جاءه عبد الله بن عمرو الحضرمي

(1)

بغلام له. فقال: إن غلامي قد سرق. فاقطع يده. فقال عمر: خادمكم أخذ مالكم "

(2)

. وكان ذلك بمحضر من الصحابه ولم ينكر فكان

كالإجماع.

وقال ابن مسعود: " لا قطع. مالُك سرَق مالَك "

(3)

.

وروى ابن ماجه عن ابن عباس: " أن عبدًا من رقيق الخمس سرق من

الخمس. فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه. وقال: مال الله سرق بعضه بعضا"

(4)

.

(1)

في الأصول: ابن الحضرمي.

(2)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(311) 3 ا: 188 كتاب الحدود والديات.

وأخرجه ابن أبي شيبه في "مصنفه "(28559) 5: 514 كتاب الحدود، في العبد يسرق من مولاه ما عليه؟

وأخرجه الييهقي في "السنن الكبرى" 8: 281 كتاب السرقة، باب العبد يسرق من مال امرأة سيده.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه "(28560) الموضع السابق.

وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 8: 281 كتاب السرقة، باب العبد يسرق من متاع سيده.

(4)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2590) 2: 864 كتاب الحدود، باب العبد يسرق.

ص: 493

(ولا) قطع أيضاً (بسرقة زوج أو زوجة من مال الآخر، ولو أُحرز عنه)

على الأصح. روى ذلك سعيد عن عمر بإسناد جيد.

ولأن كلاً من الزوجين يرث صاحبه بغير حجب وينبسط في ماله. أشبه الولد

مع الوالد، وكما لو منعها نفقتها.

(ولا) قطع أيضاً (بسرقة مسروق منه، أو) بسرقة (مغصوب منه، مال

سارق أو) مال (غاصب، من الحرز الذي فيه العين المسروقة، أو) من الحرز

الذي به العين (المغصوبة)؛ لأن لكل واحد من المسروق منه والمغصوب منه

شبهة في هتك الحرز من أجل أخذ ماله. فإذا هتك الحرز صار كأن المال

المسروق من ذلك الحرز أُخذ من غير حرز.

(وإن سرقه) أي: سرق المسروق

(1)

منه ما ل السارق، أو سرق المغصوب

منه مال الغاصب (من حرز اخر) أي: غير الحرز الذي به مال المسروق أو مال المغصوب منه قطع؛ لأنه سرق نصاباً من حرز لا شبهة له فيه.

(أو) سرق (مال من له عليه دين) قطع؛ لأنه لا شبهة له في المال ولا

الحرز.

(لا) إن سرق من ماله (بقدره) أي: بقدر دَينه (لعجزه) عن استخلاصه

بالحاكم؛ لأن بعض العلماء أباح له الأخذ. فيكون

(2)

الاختلاف في إباحة الأخذ

شبهة دارئة للحد؛ كالوطء

(3)

في نكاح مختلف في صحته.

وعلم مما تقدم أنه متى سرق قدرًا زائدًا عن دينه يبلغ نصاباً أنه يقطع في

الأصح.

(أو) سرق (عيناً قُطع بها) أي: بسرقتها (في سرقة أخرى) أي: سرقة

متقدمة من حرزها الأول أو من غيره قطع، لأنه لم ينزجر بالقطع الأول. أشبه ما

(1)

في ج: المغصوب.

(2)

في ج: فكان.

(3)

في ب: كما لو ظن، وفي ج: كما لو وطئ.

ص: 494

لو سرق غيرها. بخلاف حد القذف فإنه لا يعاد عليه بإعادة القذف؛ لأن الغرض إظهار كذبه وقد ظهر.

(أو آجر) إنسان داره، (أو أعار داره ثم سرق منها مال مستأجر، أو)

سرق منها مال (مستعير) قطع؛ لأنه هتك حرز أو سرق نصاباً منه لا شبهة له فيه فقطع. أشبه ما لو سرقه من ملك المستعير أوالمستأجر.

(أو) سرق إنسان (من) مال (قرابة) له (غير عمودَي نسبه؛ كأخيه،

ونحوه)؛ كعمه وخاله قطع؛ لأن القرابة هنا لا تمنع قبول الشهادة من أحدهما

على الآخر فلا تمنع القطع.

ولأن الآية والأخبار تعم كل سارق خرج منه عمودي النسب فبقي ما عداهما على الأصل.

(أو) سرق (مسلم من ذمي، أو) من (مستأمن، أو) سرق (أحدهما)

أي: سرق الذمي أو المستأمن (منه) أي: من المسلم: (قُطع) السارق في هذه الصور؛ لأن مال كل منهم معصوم. فقطع سارقه؛ كسرقة المسلم من المسلم.

(ومن سرق عيناً وادَّعى مِلْكَها أو بعضها) أي: ملك بعضها: لم يقطع علي الأصح.

قال في " الفروع ": اختاره الأكثر. وسماه الشافعي: السارق الظريف؛

لأن ما ادعاه محتمل فيكون شبهة في درء الحد.

(أو) ادعى من سرق نصاباً من حرزٍ (الإذن) من صاحب الحرز (في دخول الحرز: لم يقطع) على الأصح.

قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن المذهب في المسألة التي قبلها أنه

لا يقطع مثل ذلك خلافاً ومذهباً: لو

(1)

ادعى أنه أذن له في دخوله. وقطع في

" المحرر " هنا بالقطع.

(و) حيث تقرر أنه لا قطع فإن العين المسروقة (يأخذها) من السارق

(1)

في ب: أو.

ص: 495

المدعي ملكها أو ملك بعضها (مسروق منه بيمينه) أنها ملكه، وليس للسارق

فيها ملك.

الشرط (السابع) من شروط وجوب القطع: (ثبوتها) أي: ثبوت السرقة

(بشهادة عدلين)، لقو له سبحانه وتعالى:(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)

[البقرة: 282]. وكأن القياس قبول الاثنين في كل شهادة،

لكن خولف فيما عدا

ذلك للنص فيه فبقي فيما عداه على عمومه.

(يصفانها) أي: يصفان السرقة في شهادتهما، وإلا لم يقطع.

(ولا تسمع) شهادتهما (قبل الدعوى) من مالك المسروق، أو ممن يقوم

مقامه، (أو) بـ (إقرار) السارق (مرتين)، لأنه إقرار يتضمن إتلافاً. فكان

من شرطه التكرار؛ كحد الزنا، أو يقال: إن الإقرار أحد حجتي القطع. فيعتبر

فيه التكرار؛ كالشهادة.

وقد روى القاسم بن عبدالرحمن أن علياً قال: " لا تقطع يد السارق حتى

يشهد على نفسه مرتين ". حكاها أحمد في رواية مهنا واحتج به.

(ويصفُها) أي: يصف السارق السرقة في كل مرة؛ لاحتمال ظنه وجوب القطع

عليه مع فوات شرط من شروطه. فيكون هذا الاحتمال شبهة في درء الحد عنه.

(ولا يَنزع) أي: يرجع عن إقراره (حتى يُقطَع.

ولا بأس بتلقينه) أي: أن يلقن الحاكم (الإنكار) لمن أقر بالسرقة؛ لما

روي عن أبي أمية المخزومي " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف. فقال: ما إخالك سرقت. قال: بلى. فأعاد عليه مرتين. قال: بلى. فأمر به

فقطع "

(1)

. رواه أبو داود.

الشرط (الثامن) من شروط وجوب قطع السارق على الأصح: (مطالبة

مسروق منه، أو) مطالبة (وكيله أو وليه) إن كان صغيرًا أو مجنوناً سارقاً

بالنصاب المسروق؛ لأن المال مما يباح بالبذل والإباحة. فيحتمل إباحة مالكه

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4380) 4: 134 كتاب الحدود، باب في التلقين في الحد.

ص: 496

إياه أو إذنه له في دخول الحرز وغير ذلك مما يسقط به القطع. فإذا طالب رب

المال به زال هذا الاحتمال وانتفت الشبهة.

إذا تقرر هذا (فلو أقرَّ) سارق (بسرقة من غائب، أو قامت بها) أي:

بالسرقة من غائب (بينة انتُظر حضوره) أي: حضور الغائب (ودعواه) أي: ومطالبته للسارق لتكمل شروط القطع. ولكن لا يخلى سبيله، (فيُحبس) إلى

قدوم الغائب ثم يطالبه إذا قدم، (وتُعاد) إقامة البينة الشاهدة في غيبته؛ لأنه

لا يكتفى بإقامتها قبل المطالبة.

(وإن كذَّب مدَّعٍ نفسه) في شيء مما يوجب القطع: (سقط القطع)؛

لفوات شرطه.

ولا بد في السارق أن يكون مختارًا على الأصح؛ لأن الإكراه شبهة في جواز

السرقة. فدرئ عنه الحد؛ كما لو أكره على القذف.

* * *

ص: 497

[فصل: في صفة القطع]

(فصل. وإذا وجب القطع: قُطعت يده اليمنى)، لأن في قراءة عبد الله بن مسعود:" فاقطعوا أيمانهما ". وهذا إما أن يكون قراءة أو تفسيرًا سمعه من

النبى صلى الله عليه وسلم فإنه لا يظن بمثله أن يثبب في القرآن شيئاً لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.

ولأنه قول أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ولا مخالف لهما من

الصحابة فيكون إجماعاً.

ولأن الغالب من الناس إنما يعمل الأعمال بيمينه. فكان الأنسب قطعها،

لأن السرقة جنايتها في الغالب دون اليسرى.

ويكون القطع (من مفصل كفِّه)، لأن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما

قالا: " تقطع يمين السارق من الكوع ". ولا مخالف لهما من الصحابة فكان

إجماعاً.

ولأن اليد تطلق عليها إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب. وإرادة الأول

متيقنة وما سواها مشكوك فيه، ولا يجب القطع مع الشك.

(وحُسِمت وجوباً) في الأصح. وحسمها: (بغمسها في زيت مُغلَّى)؛

لقوله صلى الله عليه وسلم في سارق: " اقطعوه واحسموه "

(1)

.

قال ابن المنذر: في إسناده مقال.

والحكمة في الحسم: أن العضو إذا قطع فغمس في ذلك الزيت المغلى

استدت أفواه العروق فينقطع الدم، إذ لو ترك بلا حسم لنزف الدم فأدى إلى

موته.

(1)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(71) 3: 102 كتاب الحدود والديات. عن أبي هريرة.

ص: 498

(وسُن تعليقها) أي: تعليق يد السارق المقطوعة (في عنقه). زاد في

" البلغة " و " الرعايتين " و " الحاوي ": (ثلاثة أيام إن رآه الإمام)؛ ليتعظ

بذلك اللصوص.

(فإن عاد) إلى السرقة مَن قطعت يده اليمنى: (قُطعت رجله اليسرى من

مََفصل كعبه، بترك عقبه). نص عليه، لما يروى عن علي " أنه كان يقطع من شطر القدم ويترك له عقباً يمشي عليها "

(1)

.

والأصل في قطع الرجل في المرة الثانية ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: " إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ".

ولأنه قول أبي بكر وعمر ولا مخالف لهما من الصحابة فيكون كالإجماع.

وإنما كانت الرجل اليسرى هي التي تقطع؛ لقول الله سبحانه وتعالى: (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ)[المائدة: 33].

وإذا ثبت ذلك في المحاربة ثبت في السرقة قياساً عليها.

ولأن قطع الرجل اليسرى أرفق به؛ لأن المشي على الرجل اليمنى أسهل

وأمكن له من اليسرى ويبعد في العادة من أن يتمكن المشي عليها. فوجب

ذلك؛ لئلا تتعطل به منفعة بلا ضرورة.

(وحُسمت) أيضاً، للحكمة المذكورة في قطع اليد.

وينبغي في قطع السارق: أن يقطع بأسهل ما يمكن بأن يجلس ويضبط، لئلا يتحرك فيجني على نفسه وتُشد يده بحبل وتجر حتى يتيقن المفصل ثم توضع

السكين وتجر بقوة ليقطع في مرة واحدة.

(فإن عاد) فسرق بعد قطع يده ورجله: (حُبس حتى يتوب، ويُحرم أن

يُقطع) على الأصح؛ لما روى أبو سعيد المصري عن أبيه قال: " حضرت

علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق،

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 271، كتاب السرقة، باب السارق يسرق. بلفظ مقارب عن الشعبى عن علي.

ص: 499

فقال لأصحابه: ما ترون فى هذا؟ قالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين لِلَّهِ قال: أقتله إذًا وما عليه القتل. بأي شيء يأكل الطعام، بأي شيء يتوضأ للصلاة، باًي شيء يغتسل من جنابته، بأي شيء يقوم إلى حاجته. فرده إلى السجن أياماً. ثم

أخرجه فاستشار أصحابه. فقالوا مثل قولهم الأول. وقال لهم مثل ما قال أول

مرة. فجلده جلدًا شديدًا ثم أرسله ". رواه سعيد.

ولأن في قطع يده الأخرى تفويتاً لمنفعة جنس اليد، فإنه إذا لم ييق له يد

ذهب بطشه بالكلية فذلك بمنزلة الهلاك ولهذا وجبت الدية بتمامها بقطعهما.

وإلى ذلك أشار علي عليه السلام بقوله: " بأي شيء يأكل الطعام. . . " إلى

آخره.

ولأنه جنى جناية لا توجب الحد. فوجب حبسه؛ كفًّا له عن السرقة،

وتعزيرًا له؛ لأنه القدر الممكن في ذلك.

إذا تقرر هذا (فلو سرق) إنسان (ويمينه) أي: ويده اليمنى (أو رجله

اليسرى ذاهبة: قطع الباقي منهما) أي: من يده اليمنى أو رجله اليسرى؛ لأن

منفعة الجنس لا تعطل بقطع اليد اليمنى ولا الرجل اليسرى. وليسا من شق واحد فيمنع منه.

(ولو كان الذاهب يده اليسرى ورجله اليمنى، لم يقطع) منه شيء؛

(لتعطيل منفعة الجنس، وذهاب عضوين من شِق) إن قطعت يده اليمنى أو رجله اليسرى.

(ولو كان) الذاهب (يديه أو يُسْراهما) أي: يسرى يديه: (لم تُقطع رجله

اليسرى) في الأصح؛ لذهاب عضوين من شق.

(ولو كان) الذاهب (رجليه أو يُمناهما) أي: يمنى رجليه، (قُطعت

يمنى يديه) فى الأصح؛ (لأنها الآلة ومحلُّ النص) يعني: لأن محل القطع

موجود لا يذهب بقطعه منفعة جنسه. فوجب قطعه لذلك.

(ولو ذهبت بعد سرقته يمنى) يديه، (أو يسرى يديه، أو) ذهبت يمنى

يديه (مع رجليه)، أو يسرى يديه مع رجليه، (أو) ذهبت يمنى يديه مع

ص: 500

(إحداهما) أي: إحدى رجليه، أو ذهب يسرى يديه مع إحدى رجليه: (سقط

القطع).

أما سقوطه بذهاب يمنى يديه؛ فلتعذر استيفاء الحد لتلف محله؛ كما لو

مات من عليه القود.

وأما سقوطه بتلف يسرى يديه في الأصح، لذهاب منفعة الجنس بقطع

يمناه. وإن ذهب مع ذلك رجلاه أو إحداهما كان أبعد من ثبوت القطع.

(لا إن كان الذاهب) من السارق بعد سرقته (يمنى) رجليه (أو يسرى

رجليه أو هما) يعني: أو كان الذاهب بعد سرقته رجليه يعني: فلا يسقط القطع

في الأصح؛ لبقاء منفعة جنس المقطوعة.

(و) اليد (الشَّلاء) والرجل الشلاء (ولو أُمِنَ تلفُه بقطعها) كمعدومة على

الأصح. (وما ذهب مُعْظَم نفعها) من يد ورجل؛ كما لو ذهب منها ثلاث

أصابع فاًكثر (كمعدومة) في الأصح؛ لأنه لا يحصل بقطع واحدة منهما مقصود القطع. (لا ما ذهب منها) أي: من اليد أو الرجل (خِنصر وبِنْصر) فقط،

(أو) ذهب من واحدةٍ من اليد أو الرجل (إصبع) واحدة (سواهما) أي: سوى

الخنصر والبنصر (ولو) كانت الأصبع الذاهبة فقط (الإبهام) يعني: فإنها

لا تكون كالمعدومة، وتقطع عند وجوب قطعها؛ كما لو لم يذهب منها شيء؛ لحصول مقصود القطع بقطعها.

(وإن وجب قطع يمناه) أي: يمنى السارق، (فقطع قاطع يُسراه بلا إذنه

عمدًا: فـ) عليه (القود)؛ لأنه قطع طرفاً معصموماً. فأقيد به؛ كما لو لم يجب

قطع يمناه.

(وإلا) أن لم يتعمد: (فـ) عليه (الدية)؛ لأن ما أوجب عمده القود

أوجب خطأه الدية بدليل القتل. (ولا تُقطع يمنى السارق) بعد قطع يسراه؛ لأن قطعها يفضى إلى قطع يدي السارق وتفويت منفعة الجنس.

(وفي " التنقيح ": بلى). وعبارته: وإن قطع القاطع يسراه عمدًا أو خطأ

قطعت يمناه. انتهى.

ص: 501

وعبارته في " الفروع ": وإن وجب قطع يمينه فقطع قاطع يسراه بلا إذنه عمدًا فالقود وإلا الدية. واختار الشيخ يعني الموفق: تجزئ ولا ضمان. وهو احتمال في " الانتصار ". وأنه يحتمل تضمينه نصف دية. انتهى.

(ويجتمع) على السارق (القطع والضمان) أي: ضمان ما سرقه. نقله

الجماعة عن أحمد؛ لأنهما حقان يجب لمستحقين. فجاز اجتماعهما؛

كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي إذا كان مملوكاً لآدمي، (فيردُّ ما سرقـ) ـه

(1)

سارق (لمالكه) إن كان باقياً؛ لأنه عين ماله.

(وإن تلف) المسروق: (فـ) على سارقه (مثل مثلي وقيمة غيره) أي:

غير المثلي كغير السارق من المتعدين.

(ويُعيد ما خرَّب من حرز)؛ لتعديه.

وفي " الانتصار ": يحتمل لا غرم؛ لهتك حرز وتخريبه.

والأول المذ هب.

(وعليه) أي: على السارق الذي وجب عليه القطع (أجرة قاطع، وثمن

زيت حَسْم) في ماله في الأصح.

أما أجرة القاطع؛ فلأن القطع حق وجب عليه الخروج منه. فكان مؤنته

عليه؛ كسائر الحقوق.

وأما ثمن زيت الحسم؛ فلأنه يلزمه حفظ نفسه وهذا منه فإنه إذا لم يحسم لم

يأمن على نفسه التلف. فوجب لذلك.

وقيل: هما في بيت المال؛ لأن بيت المال للمصالح العامة وهذا منها.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

في ب: سرق، وفي ج: يسرقه.

ص: 502

[باب: حد قطاع الطريق]

هذا (باب حَدِّ قُطَّاع الطَّريق، وهم: المكلَّفون الملتزمون ولو أنثى)؛

لأنها تحد في السرقة. فلزمها حكم المحاربة؛ كالرجل.

ولأنها مكلفة يلزمها القصاص. فلزمها الحد؛ كالرجل أو ذميين أو أرقاء.

(الذين يَعْرضون للناس بسلاح). وعلى

(1)

الأصح (ولو) كان سلاحهم

(عصًا أو حجرًا في صحراء). وعلى الأصح (أو بنيان أو بحر، فيغصبون مالاً

محترماً مجاهَرة).

والأصل في حدهم قول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ)[المائدة: 33].

قال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت في قطاع الطريق من المسلمين؛

لقوله

(2)

سبحانه وتعالى [بعد ذلك]

(3)

: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ)

[المائدة: 34].

والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها، فلما خص الحكم بما قبل

القدرة علم أنه أراد المحاربين؛ لأن ذلك

(4)

الحكم يجب عليهم حدًا لا كفرًا،

والحد لا يسقط بالتوبة بعد وجوبه.

إذا علمت ذلك فقوله في المتن: المكلفون؛ ليخرج الصغير والمجنون.

(1)

في ب: وفي.

(2)

في ب: لقول الله.

(3)

ساقط من أ.

(4)

في ب: ملك.

ص: 503

وقوله: الملتزمون؛ ليخرج الحربي

وقوله: الذين يعرضون للناس؛ ليخرج من يعرض لصيد أو غيره.

وقوله: بسلاح؛ ليخرج من يعرض بغير سلاح؛ لأنهم لم يمنعوا ممن

يقصدهم.

وقوله: في صحراء أو بنيان أو بحر؛ لعموم الآية فيهم في جميع الأمكنة.

ولأن ضررهم في البنيان أعظم فكانوأ بالحد أولى.

وقوله: فيغصبون مالاً، ليخرج غاصب غير المال؛ كالكلب والسرجين

النجس.

وقوله. محترماً؛ ليخرج مال الحربي وكل غاصب بحق.

وقوله: مجاهرة؛ ليخرج السارق؛ لأن المحارب إنما يعتصم بالقتال دون

الخفية. بخلاف السارق.

(ويُعتبر) لوجوب الحد على المحارب ثلاثة شروط:

الأول: (ثبوته) أي: ثبوت كونه محارباً (ببينة أو إقرار مرتين)؛ كما

يعتبر ذلك في السرقة. ذكره القاضي وغيره.

(و) الثاني: (الحرز) بأن يغصب المال من يد محقه. فلو وجده مطروحاً

ليس بيد أحد، أو أخذه من يد من غصبه لم يكن محارباً.

(و) الثالث: (النصاب) وهو: القدر الذي يقطع به السارق. وتقدم قدره

في الباب قبله.

ثم اعلم أن الله سبحانه وتعالى ذكر في شأن المحاربين أربعة أنواع من

العقوبة، وهي: القتل، والصلب، وقطع اليد والرجل من خلاف، والنفي من الأرض. وعطف بعضهما على بعض بحرف " أو"، وهو حرف معناه إما

التخيير؛ كقولك: خذ إما هذا أو هذا، أو التشكيك؛ كقولك: جاء زيد أو

عمرو، أو الإبهام والترديد بين أمور لا يزاد عليها؛ كقولك: العدد أبدًا إما زوج

أو فرد، والشمس أبدًا إما طالعة أو غاربة. والتخيير لا معنى له في الجزاء؛

ص: 504

لاقتضاء التخيير تساوي الخصال المخير فيها، وهذه الخصال متفاوتة جدًا، لأن التفاوت بين القتل والنفي ليس باليسير وهذا ظاهر، وأما التشكيك فليس مرادًا بالإجماع؛ لأن التشكيك إنما يكون في أمور سبق وقوعها، لا في ابتداء حكم

وترتيب جزاء محلى جناية.

إذا تقرر هذا (فمن قُدر عليه) من المحاربين (وقد قَتل) إنساناً في المحاربة

(ولو) كان ذلك الإنسان (مَن لا يقاد به) لو قتله في غير المحاربة؛ (كولده،

و) كـ (قن) يقتله حر، (و) كـ (ذمي) يقتله مسلم وكان قتل المحارب لكل

ممن ذكر وغيره (لقصد ماله)؛ لتحقق المحاربة (وأخذ مالاً: قُتل حتماً)؛

لأنه قتل وجب لحق الله سبحانه وتعالى. فلم يخير الإمام فيه ولم يدخله عفو؛ كالقطع في السرقه، (ثم صُلِبَ قاتل من) أي: من قتل من (يُقاد به) لو قتله في

غيره المحاربة (حتى يَشتهر) أمره على الأصح، لأن الصلب إنما شرع، ليرتدع غيره ولا يكون ذلك إلا مع اشتهاره. (ولا يُقطع مع ذلك) أي: مع القتل

والصلب على الأصح؛ لأنه لم يذكر القتل في حديث ابن عباس. وهو ما روى الشافعي عن إبراهيم بن يحيى عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم

يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم

وأرجلهم من خلاف، وإذا خافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض "

(1)

.

وروي نحوه مرفوعاً.

ولأن القتل والقطع عقوبتان تتضمن إحداهما الأخرى فإن إتلاف البدن

يتضمن إتلاف اليد والرجل. فاكتفي بقتله؛ كما لو قطع يد إنسان ورجله ثم

ضرب عنقه في الحال.

(ولو مات) من قتل من يكافئه في المحاربة، (أو قُتل قبل قتله للمحاربة:

لم يُصلَب) بعد ذلك في الأصح؛ لأنه لا فائدة في صلبه ميتاً، لأن الصلب إنما

(1)

أخرجه الشافعي في " مسنده "(282) 2: 86 كتاب الحدود، باب ما جاء في قطاع الطريق.

ص: 505

وجب ليشتهر أمره في القتل في المحاربة وهذا لم يقتل في المحاربة.

(ولا يتحتَّم) على محارب (قود فيما دون نفس)؛ كما لو قطع في حال

المحاربه يدًا أو رجلاً أو نحو ذلك على الأصح؛ لأن القتل إنما يتحتم؛ لأنه حد المحارب إذا كان قاتلاً، فأما الطرف فإنما يستوفى هاهنا قصاصاً لا حدًا فيكون حكمه كما في غير المحارب، فإذا عفى ولي القود سقط لذلك ولا يسقط مع

تحتم قتل.

(ورِدْء) للمحارب وهو: المساعد والمغيث لصاحبه عند احتياجه إليه،

(وطَلِيع) وهو: الذي يكشف للمحاربين حال القافلة ليأتوا إليها (كمباشر)؛

كما نقول في جيش المسلمين إذا دخلوا الحرب وباشر بعضهم القتال وأخذ المال ووقف الباقون للحفظ والحراسة ممن يدهمهم من ورائهم فإن الكل يشتركون في الغنيمة. وكذا العَين الذي يرسله الإمام ليتعرف أخبار العدو، فيقال: حكم

يتعلق بأخذ المال على وجه المحاربة فيستوي فيه الردء

(1)

والمباشر كالغنيمة.

إذا تقرر هذا (فرِدء غير مكلَّف كهو) أي: كالمباشر غير المكلف. فيضمن الردء المكلف ما باشر أخذه غير المكلف، ولا يقتل الردء المكلف إذا قتل

المباشر غير المكلف؛ لأن الردء تبع للمباشر فلا يبلغ به في الحكم ما لا يبلغه المتبوع. وتكون دية قتيل غير المكلف على عاقلته.

(ولو قَتل بعضهم) أي: بعض المحاربين المكلفين ولم يأخذ أحدٌ منهم

مالاً: (ثبت حكم القتل في حق جميعهم) أي: جميع المكلفين منهم في

الأصح. فإذا قدر عليهم قبل أن يتوبوا قتل مَن قتل ومن لم يقتل؛ لما تقدم من أن

حكم الردء حكم المباشر.

(وإن قَتل) منهم (بعضٌ، وأحذ المال بعضٌ) آخر: (تحتَّم قتلُ الجميع

وصلبُهم)؛ كما لو فعل الأمرين كل واحد منهم.

(وإن قتل فقط لقصد المال: قُتل حتماً، ولم يُصلب) يعني: أن

(1)

في أ: الرداء

ص: 506

المحاربين إذا قتلوا في المحاربة لقصد المال ولم يأخذوا قتلوا حتماً ولا يصلبون

على الأصح؛ لأن الخبر المروي فيهم قال فيه: ومن قتل ولم يأخذ المال قتل

ولم يذكر صلباً.

ولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده. فيجب

أن تكون عقوبتهم أعلظ. ولو شرع الصلب هاهنا لاستويا.

(وإن لم يَقتل، وأخذ نصاباً لا شبهة له فيه) يعني: أن المحاربين إذا لم

يقتلوا وأخذوا نصاباً من غير شبهة لهم فيه من حرز، وهو: ما بين جمع القافلة

(لا من مفرد عن قافلة: قُطعت يده) أي: يد كل واحد من المحاربين (اليمنى ثم رجلُه اليسرى). وهذا معنى قوله سبحانه وتعالي: (مِنْ خِلافٍ)[المائدة: 33]؛ ليكون أرفق به في إمكان مشيه

ولا ينتظر اندمال اليد بل يقطعان (في مقام واحد حتماً)؛ لأن الله سبحانه

وتعالى أمر بقطعهما من غير تعرض لتأخير شيء منهما، فيبدأ بيمينه فتقطع

وتحسم ثم برجله كذلك، (وحُسِمتا) وجوباً، لقوله صلى الله عليه وسلم:" اقطعوه واحسموه "

(1)

(وخُلِّيَ) أي: حال سبيله؛ لأن الحق الذي عليه قد استوفي. أشبه المدين

إذا أدّى ما عليه من الدين.

(فلو كانت يده اليسرى مفقودة، أو) كانت (يمينه شلاء، أو) كانت يمينه

(مقطوعة، أو) كانت يمينه (مستحقَّة في قود: قُطعت رجلُه اليسرى فقط) في

الأصح، لئلا تذهب منفعة جنس اليد.

(وإن عَدِمَ يُمنى يديه: لم تُقطع يمنى رجليه) في الأصح عن يمين يديه

وقطعت رجله اليسرى كما تقدم.

(وإن حارب) مرة (ثانية) وقد قطعت في المرة الأولى يمنى يديه ويسرى

رجليه: (لم يُقطع منه شيء) في الأصح؛ لأن قطع شيء زائد على ذلك يذهب بمنفعة الجنس، إما منفعة البطش أو المشي أوكليهما.

(1)

سبق تخريجه ص (498) رقم (1).

ص: 507

(وتتعيَّن دية لقود- لزم بعد محاربته- لتقديمها) أي: تقديم المحاربة.

(بسبقها، وكذا لو مات) من لزمه قود بعد محاربته (قبل قتله للمحاربة) فإنه

تتعين الدية لما لزمه من القود.

(وإن لم يقتُل) أحد من المحاربين أحدًا (ولا أخذ مالاً) يبلغ نصاباً: (نُفي

وشُرِّد ولو قناً)؛ لقول الله سبحانه وتعالى: (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ)

[المائدة: 33]. ويروى عن ابن عباس: أن النفي يكون في هذا الحال.

ولأن المناسب أن يكون الأخف بإزاء الأخف. وأخف الجرائم في

المحاربة: أن يشهر السلاح، فيخاف السبيل بذلك من غير أن يأخذ المال ولا يقتل النفس. فيجب أن يرتب على ذلك الأخف من الجزاء وهو النفي من الأرض.

وعلى الأصح أن معنى النفي ما أشير إليه بقوله:

(فلا يُترك يأوي إلى بلد، حتى تظهر توبته).

وعنه: أن نفيه تعزيره بما يردعه من ضربٍ وحبسٍ ونفيٍ.

(وتُنفى الجماعة متفرِّقة) فينفى كل وأحد منهم إلى جهة خشية أن يجتمعوا

على المحاربة ثانياً.

(ومن تاب منهم) أي: من المحاربين (قَبل قدرةٍ عليه سقط عنه حق الله

تعالى: من صلب، وقطع، ونفي، وتحتُّم قتل). وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، لقول الله سبحانه وتعالى:(إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (??)) [المائدة: 34].

(وكذا) في الأصح (خارجيٌ وباغٍ ومرتدٌ محارب) تاب قبل القدرة عليه.

وعلم مما تقدم أن من تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شئ مما تقدم؛

لقول الله سبحانه وتعالى: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ)[المائدة: 34] فأوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين قبل القدره. فمن عداهم يبقى على قضية

العموم.

ص: 508

ولأنه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنها توبة إخلاص، والتوبة بعد القدره عليه

الظاهر أنها تقية من إقامة الحد عليه.

ولأن في قبول توبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة ترغيباً في توبته، والرجوع

عن محاربته وإفساده، فناسب ذلك الإسقاط عنه. وأما بعد القدرة عليه فلا

حاجة إلى ترغيبه، لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة.

(ويؤخذ غير حربي أسلم) من ذمي ومستأمن ومسلم محارب، (بحق الله)

سبحانه وتعالى (وحقِّ آدمي طَلَبَه) من قصاص في نفس أو دونها، وغرامة مال

ودية لما لا قصاص فيه، إلا أن يعفو مستحق ذلك عنه، لأن الله سبحانه وتعالى

إنما يغفر حقه دون حق غيره.

(ومن وجب عليه حدّ صرقة أو زناً أو شرب، فتاب) منه (قبل ثبوته) عند الحاكم: (سقط) عنها بمجرَّد توبة قبل إصلاح عمل) على الأصح؛ لقول ألله

سبحانه وتعالى. (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا)

[النساء: 16]. وذكر حد السارق ثم قال: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ)[المائدة: 39].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له "

(1)

. ومن لا ذنب له لاحدعليه.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عن المقر بالزنا حتى أقر أربع مرات

(2)

.فلولم يسقط

عنه الحد بالتوبة قبل الثبوت لم يجز الإعراض عنه حتى يستفسره.

وفي حديث صفوان أنه لما وهب له ثمن الخميصة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " فهلا

قبل أن تأتيني به "

(3)

.

ولو لم يسقط بذلك قبل أن يرفع إليه لم يقيل ذلك لأنه كان يجب أن يرفعه

إليه؛ ليقيم عليه الحد.

(1)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(4250) 2: 1419 كتاب الزهد، باب ذكر التوبة.

(2)

سبق ذكر حديث ماعز وتخريجه ص (428) رقم (1).

(3)

سبق تخريجه ص (480) رقم (2).

ص: 509

وعلم مما تقدم أنه إذا لم يتب حتى ثبت عند الحاكم لم يسقط بالتوبة؛ لما

روى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب "

(1)

. رواه النسائي وأبو داود.

(كبموت) يعني: أن الحد يسقط [بالتوبة كما يسقط]

(2)

بالموت، لكن

سقوطه بالموت لفوات محله، كما يسقط غسل ما ذهب من أعضاء الطهارة.

* * *

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4376) 4: 133 كتاب الحدود، باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4886) 8: 70 كتاب قطع السارق، ما يكون حرزًا وما لا يكون. كلاهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاصى.

(2)

ساقط من ب.

ص: 510

] فصل: في الصائل]

(فصل. ومن أريدت نفسه، أو) أريدت (حرمته، أو) أريد (ماله) يعني: أنه لو قصد إنسان إنسانا يريد قتله، أو الزنا بحرمته من أمه وبنته وأخته وزوجته ونحو ذلك من أقاربه أو يريد أخذ ماله (ولو قل) المال الذي يريد أخذه، (أو لم يكاف) من أريدت نفسه أو حرمته أو ماله (المريد) لشيء من ذلك:(فله دفعه) عن نفسه وحرمته وماله (بأسهل ما) أي: بأسهل شيء (يظن اندفاعه به)؛ لأنه لو منع من ذلك لأدى إلى تلفه وأذاه في نفسه وحرمته وماله.

ولأنه لو لم يجز له ذلك؛ لتسلط الناس بعضهم على بعض، وأدى إلى

الهرج والمرج.

ولأن الزائد عليه لا حاجة إليه كحصول الدفع بدونه.

والأصل في ذلك ما روى أبو هريرة قال: " جاء رجل. فقال:

يا رسول الله لِلَّهِ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؛ قال: فلا تعطه. قال: أرأيت إن قاتلني؛ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلنى. قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؛ قال: هو في النار "

(1)

. رواه أحمد ومسلم.

ولأنه لا حق له فيه.

وفي لفظ لأحمد في حديث أبي هريرة: " أنه قال له أولاً: أنشده الله.

قال: فإن أبى علي. قال: قاتله

(2)

".

(1)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(140) 1: 124 كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه. ولم أره في أحمد.

(2)

في أوب: قاتل.

ص: 511

ولأن الغرض من ذلك الدفع، فإذا اندفع بالأسهل حرم الأصعب، لعدم الحاجة إليه.

(فإن لم يندفع إلا بقتل: أبيح) قتله، (ولا شيء عليه) أي: على قاتله. (وإن قتل كان شهيدا)؛ لحديث أبي هريرة المتقدم.

ولما روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد "

(1)

. رواه الخلال بإسناده.

ومن يقاتل لا يخلو إما أن يقتل أو يُقتل، فإذا كان شهيدا إذا قتل دل ذلك على جواز القتال، إذ لو

(2)

لم يجز لكان مهلكا لنفسه. وإذا قتله فلا ضمان عليه في قتله؛ لأنه قتل لدفع شر الصائل. فلم يجب به شيء؛ كقتل العادل الباغي.

(ومع مزح) في قتل (يحرم قتل، ويقاد به).

قال في " الفروع ": ولا يجوز فى حال مزح. ذكره في " الانتصار ". ويقاد به. وذكره جماعة في التعريض بالقذف. انتهى.

(ولا يضمن بهيمة صالت عليه) إذا قتلها؛ كصغير ومجنون، لاشتراكهم

في المجوز لدفع وهو الصول.

(ولا) يضمن أيضا (من دخل منزله متلصصا) لكن لو أمره صاحب المنزل بالخروج فخرج لم يملك أن يفعل به شيئا؛ لأن المقصود إخراجه وقد خرج. فلو لم يخرج فله ضربه بأسهل ما يعلم أو يظن أنه يندفع به، فإن خرج بالعصا لم يكن له ضربه بالحديد. وإن ولى هاربا لم يكن له قتله ولا اتباعه كالبغاة. وإن ضربه ضربة غليظة لم يكن له عليه أرش، لأنه كفي شره. وإن ضربه فقطيع يمينه فولى مدبرا فقطع رجله فالرجل مضمونة؛ لأنه في حال لا يحل له ضربه واليد غير مضمونة، فإن مات من سراية القطع فعليه نصف الدية. وإن عاد إليه بعد قطع رجله فقطع يده الأخرى فاليدان غير مضمونتين.

(1)

أخرجه أحمد في " مسنده "(6829) 2: 194.

وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 8: 187 كتاب قتال أهل البغي. باب من أريد ماله أو أهله.

(2)

ساقط من أوب.

ص: 512

(ويجب) على من أريدت حرمته الدفع (عن حرمته) في المنصوص. فمن " رأى مع امرأته أو ابنته أو أخته أو نحوهن رجلا يزني بها، أو رجلا يلوط بابنه أو نحوه وجب عليه قتله إن لم يندفع بدونه؛ لأنه اجتمع فيه حق الله سبحانه وتعالى وهو منعه من الفاحشة وحق نفسه بالمنع عن أهله فلا يسعه إضاعة هذه الحقوق. (وكذا) يجب على الإنسان الدفع (في غير فتنة عن نفسه ونفس غيره) على الأصح، لقول الله سبحانه وتعالى:(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[البقرة: 195]. وكما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتل نفسه.

ولأنه قدر على إحياء نفسه. فوجب عليه فعل ما تبقى معه الحياة " كالمضطر إذا وجد الميتة. وكذا عن نفس غيره، لأنه لا يتحقق منه إيثار الشهادة، وكإحيائه ببذل طعامه. ذكره القاضي وغيره.

(لا عن ماله) يعني: أنه لا يجب على إنسان دفع من أراد ماله على الأصح؛ لأنه ليس فيه من المحذور ما في النفس، فإن المال لا حرمة له كحرمة النفس، فلا يجب عليه أن يفعل بسبب المال ما فيه الخطر على نفسه، لأنه ربما لم يمكنه دفع الصائل بدون القتال ولا يأمن أن يقتله الصائل، فناسب ذلك عدم وجوبه عليه.

(و. لا يلزمه) أي: لا يلزم رب المال (حفظه عن الضياع والهلاك).

قال في " الفروع ": ولا يلزمه عن

(1)

ماله على الأصح، كما لا يلزمه حفظه

من الضياع والهلاك. ذكره القاضي وغيره.

وفي " التبصرة ": في الثلاثة يلزمه في الأصح.

(وله بذله) أي: بذل ماله لمن أراده منه على وجه الظلم. وذكر القاضي أن

بذله أفضل من الدفع عنه، وأن حنبلا نقله عن أحمد ولفظه: أرى دفعه إليه ولا يأتي على نفسه

(2)

، لأنها لا عوض منها.

(1)

في ب: غير.

(2)

في أ: تأتي لنفسه.

ص: 513

ونقل أبو الحارث: لا بأس.

قال المروذي وغيره: كان أبو عبد الله لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها.

وقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رجلا قال: " يا رسول الله لِلَّهِ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؛ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؛ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؛ قال: فأتت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؛ قال: هو في النار "

(1)

.

فظاهر هذا الحديث أن الأفضل لرب المال أن لا يبذله لمريده.

(ويجب) على كل مكلف الدفع (عن حرمة غيره، وكذا ماله) يعني:

وكذا يجب عليه الدفع عن مال غيره؛ لئلا تذهب الأنفس أو الأموال أو تستباح الحرم. وإنما يجب الدفع عن حرمة غيره أو مال غيره (مع ظن سلامتهما) أي: سلامة الدافع والمدفوع عن حرمته أو ماله. (وإلا) أي: وإن لم تظن سلامتهما مع الدفع: (حرم) لإلقاء نفسه في التهلكة مع عدم ظنه سلامتهما مع الدفع. (ويسقط) وجوب الدفع عن حرمة غيره أو ماله (بإياسه) من فائدة دفعه،

(لا بظنه أنه) أي: أن دفعه (لا يفيد)، لأنه ظن لا يسقط به الواجب المتيقن. (ومن عض يد شخص- وحرم) أي: والحال أنه عض محرم لكونه متعديا، لأن العض لا يباح إلا أن لا يقدر العاض على التخلص إلا به- (فانتزعها) من فمه (ولو) كان نزعه (بعنف) أي: بشدة (فسقطت ثناياه) أي: ثنايا العاض: (فهدر) أي: فلا شيء عليه في ثنايا العاض. والأصل في ذلك ما روى عمران بن حصين " أن رجلا عض رجلا. فنزع يده من فيه. فوقعب ثنيتاه. فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل، لا دية لك "

(2)

. رواه الجماعة إلا أبا داود

(1)

سبق تخريجه ص (511) رقم (2).

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6497) 6: 2526 كتاب الديات، باب إذا عض رجلا فوقعت ثناياه.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(673 1) 3: 1300 كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، =

ص: 514

ولأنه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه. فلم يضمن، كما لو صال عليه

فلم يمكنه دفعه إلا بقطع يده.

(وكذا) أي: وكالعض في الحكم (ما في معنى العض. فإن عجز) إنسان

عن خلاص نفسه ممن لزمه: (دفعه كصائل) عليه. فله أن يعصرخصيتيه، فإن لم يمكنه فله أن يبعج بطنه.

وقد روي " أن جارية خرجت من المدينة تحتطب. فتبعها رجل فراودها عن نفسها. فرمته بنهر فقتلته. فرفع ذلك إلى عمر. فقال: هذا قتيل الله. والله!

لا يودى أبدا "

(1)

.

ومعنى قتيل الله: أن الله أباح قتله.

ولأنه إتلاف بدفع أبيح. فوجب أن يسقط ضمانه؛ كالعادل إذا قتل الباغي.

(ومن نظر في بيت غيره، من خصاص باب مغلق) وخصاص الباب: الفروج والخلل الذي تكون فيه، (ونحوه) أي: ونحو ذلك مما يمكن الاطلاع منه؛ كالفروج التي بالحائط أو ببيت الشعر (ولو لم يتعمد) الناظر الاطلاع على ما في البيت، (لكن: ظنه) رب البيت (متعمدا فخذف) بالخاء والذال المعجمتين (عينه أو نحوها، فتلفت) عينه أو نحوها، كحاجبه:(فهدر، ولا يتبعه)، لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من اطلع في بيت قوم ففقؤا عينه

(1)

= باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه، إذا دفعه المصول عليه فأتلف.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1416) 4: 27 كتاب الديات، باب ما جاء في القصاص.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4760) 8: 29 كتاب القسامة، القود من العضة وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر عمران بن حصين.

واخرجه ابن ماجه في " سننه "(2675) 2: 887 كتاب الديات، باب من عض رجلا فنزع يده فندر ثناياه.

وأخرجه أحمد فيء مسنده " (0 1974) 4: 427.

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 8: 337 كتاب الأشربة والحد فيها، باب الرجل يجد مع امرأته الرجل فيقتله.

ص: 515

فلا دية ولا قصاص "

(1)

. رواه أحمد والنسائي.

وفي رواية: " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا

عينه "

(2)

. رواه أحمد ومسلم.

وعن سهل بن سعد: " أن رجلا اطلع في حجرات رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يرجل به رأسه. فقال: لو أعلم أنك تنظر طعنت به في عينك. إنما جعل الإذن من أجل البصر "

(3)

. متفق عليه.

والمدرى: الحديدة التي يدرى به الشعر أي: يسوى ويلوى وهي حديدة تشبه قرن الظبي.

ولأن المساكن حمى ساكنها ولهم منع غيرهم من دخولها إلا بإذنهم. والمقصود منها ستر عوراتهم عن الناس فإذا تطلع فيها غيرهم كان في حكم الصائل فلهم دفعه وإن أدى إلى التلف. والعين هي الآلة للنظر، فإذا دفع نظرها عنه بإتلافها لم يضمن، كما لا يضمن بإتلاف نفس الصائل.

وهذا (بخلاف مستمع وضع اذنه في خصاصه) أي: خصاص بابه فإنه ليس

له قصد أذنه بطعن أو نحوه (قبل إنذاره). قاله فى " الترغيب ". فينذره أولا قبل أن يطعنه في أذنه.

(و) بخلاف (ناظر من) باب (منفتح) في الأصح فيهما.

قال في " الإنصاف ": لو تسمع الأعمى على من في البيت: لم يجز طعن

(1)

أخرجه النسائى في " سننه "(4860) 8: 61 كتاب القسامة، باب من اقتص وأخذ حقه دون السلطان.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(8985) 2: 385.

(2)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(2158) 3: 1699 كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره. وأخرجه أحمد في " مسنده " (7605) 2:266.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(5887) 5: 4 0 23 كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(2156) 3: 1697 كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره.

ص: 516

أذنه على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب. ثم قال: قال في " القواعد الأصولية ": هكذا ذكره الأصحاب الأعمى إذا تسمع وحكوا فيه القولين. قال: والذي يظهر أن تسمع البصير يلحق بالأعمى على قول ابن عقيل، سواء كان أعمى أو بصيرا. انتهى.

قلت: وهو الصواب. والذي يظهر أنه مرادهم.

وإنما لم يذكروه حملا على الغالب؛ لأن الغالب من البصير ينظر ولا يتسمع

(1)

. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

في أ: يستمع.

ص: 517

] باب: قتال أهل البغي]

هذا (باب قتال اهل البغي).

والأصل في ذلك قوله سبحانه وتعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الحجر ات: 9].

والبغي: الجور والظلم والعدول عن الحق. والبغي: بتشديد الياء: الفاجرة. وسموا بغاة؛ لأنهم يعدلون عن الحق وما عليه أئمة المسلمين.

وفي الآية خمس فوائد:

إحداها: أنه

(1)

لم يخرجهم بالبغي عن الإيمان، وسماهم مؤمنين.

الثانية: أنه أوجب قتالهم؛ لأنه أمر به.

الثالثة: أنه أسقط قتالهم إذا فاؤا إلى أمر الله.

الرابعة: أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم.

الخامسة: أنها أفادت جواز قتال كل من يمنع حقا عليه.

وروى عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه "

(2)

. رواه أحمد ومسلم.

(1)

في ب: أحدها أنهم.

(2)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1852) 3: 1480 كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع.

واخرجه أحمد في " مسنده "(19766) طبعة إحياء التراث.

ص: 518

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه. فإنه من فارق الجماعة شبرا فميتته جاهلية "

(1)

. متفق عليه. وأجمعت الصحابة على قتال البغاة، فإن عليا قاتل أهل النهروان ولم ينكره أحد.

(وهم) أي: والبغاة هم: (الخارجون على إمام- ولو غير عدل- بتأويل سائغ، ولهم شوكة، ولو لم يكن فيهم) شخص (مطاع) في الأصح.

(ومتى اختل شرط من ذلك) بأن. لم يكن خروجهم بتأويل أو بتأويل غير سائغ، أو كانوا جمعا

(2)

يسيرا لا شوكة لهم: (فقطاع طريق) يعني: فحكمهم حكم قطاع الطريق.

(ونصب الإمام) على المسلمين (فرض كفاية) يخاطب بذلك طائفتان من الناس:

إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا.

والثانية: من توجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة.

أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاثة شروط:

أحدها: العدالة.

والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة.

والثالث: أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح.

وكون نصب الإمام فرض كفاية، لأن بالناس حاجة إلى ذلك لحماية

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6646) 6: 2588 كتاب الفتن، باب قول النبي صصص:" سترون بعدي أمورا تنكرونها ".

واخرجه مسلم في " صحيحه "(1849) 3: 1477 كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن.

(2)

في ب: جميعا.

ص: 519

البيضة، والذب عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(ويثبت) نصب الإمام (بإجماع) أي: إجماع أهل الحل والعقد على اختيار إنسان موصوف بالأوصاف الآتي ذكرها. فإذا أجابهم إلى قبول الإمامة انعقدت الإمامة له

(1)

ببيعتهم، ولزم كافة الأمة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته. (و) يثبت أيضا نصب الإمام بـ (نص) بأن يعهد الإمام بالإمامة إلى إنسان ينص عليه بعده. ولا يحتاج في ذلك إلى موافقة أهل الحل والعقد؛ لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه عهد إلى عمر رضي الله تعالى عنه بالإمامة ولم يحتج في ذلك إلى أحد.

(و) يثبت أيضا نصب الإمام بـ (اجتهاد)، لأن عمر رضي الله تعالى عنه

لما جعل أمر الإمامة شورى بين سته من الصحابة، وكان لا يجوز عقد الإمامة لأكثر من واحد احتاجوا إلى الاجتهاد في أن يُختار لها واحد من الستة حتى وقع اتفاقهم على عثمان رضي الله تعالى عنه

(2)

.

(و) يثبت أيضا نصب الإمام ب (قهر)، كما لو تنازع الإمامة عدد يصلح

لها كل منهم فقهر أحدهم من سواه فإنه تثبت له الإمامة وتلزم الرعية طاعته؛ لقول أحمد رضي الله تعالى عنه ورحمه في رواية أبي الحارث: في الإمام خرج عليه من يطلب الملك فتفتتن

(3)

الناس فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم مع من تكون الجمعة؛ قال: مع من غلب. وظاهر هذا أن الثاني إذا قهر الأول وغلبه زالت إمامة الأول.

وقال أيضا في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن يبيت ولا يراه إماما، برا كان أو فاجرا. انتهى.

(1)

في ج: بتعاطيهم له.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه " بطوله (3497) 3: 1353 كتاب فضائل الصحابة، باب قصة البيعة.

(3)

في ج: يخرج عليه من يطالب الملك فتفتن.

ص: 520

وذلك لأن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها ودعوه إماما.

ولما في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم.

ولدخول الخارج في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: " من خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف، كائنا من كان "

(1)

.

وإنما تثبت الإمامة في هذه الصور (لقرشي) أي: من قريش وهم بنوا النضر بن كنانة؛ لقول احمد في رواية مهنا: لا يكون من غير قريش خليفة. ولقول المهاجرين للأنصار: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم في ذلك الأخبار.

(حر) فلا يجوز أن يكون قنا أو مبعضا؛ لأن الإمام تكون له الولاية العامة.

فلا يجوز أن تكون عليه ولاية لأحد.

(ذكر)؛ لاشراط ذلك في القاضي، فهو في الإمامة العظمى أبلغ.

(عدل)؛ لاشراط ذلك في ولاية القضاء التي هي دون الإمامة العظمى.

(عالم) بالأحكام الشرعية؛ لاحتياجه إلى مراعاتها في أمره ونهيه.

(كاف ابتداء ودواما) يعني: أن يكون قيما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود، لا تلحقه رأفة في ذلك والذب عن الأمة. ثم إن كان به عارض في بدنه نظر، فإن كان يرجى زواله؛ كالإغماء فهذا لا يمنع عقدها ولا استدامتها؛ " لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغمي عليه في مرضه "

(2)

. وإن كان لا يرجى زواله؛ كالجنون والخبل

(1)

أخرجه النسائي في " سننه "(4023) 7: 93 كتاب تحريم الدم، قتل من فارق الجماعة وذكر الاختلاف على زياد بن علاقة، عن عرفجة فيه.

(2)

عن سالم بن عبيد قال: " أغمي على رسول الله صصص في مرضه. ثم أفاق. فقال: أحضرت الصلاة؛ قالوا: نعم. قال: مر وا بلالا فليؤذن. ومروا أبا بكر فليصل بالناس ".

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(1234) 1: 390 كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة رسول الله صصص في مرضه.

ص: 521

إذا لم يتخللهما إفاقة فهذا يمنع الابتداء والاستدامة. وإن تخللتهما إفاقة يعود فيها إلى حال السلامة، وكان الجنون والخبل أكثر زمانه، فهو كما لو كان مطبقا.

وأما ضعف البصر فإن كان يعرف به الأشخاص إذا رآها لم يمنع الإمامة.

وأما فقد الشم أو الذوق الذي لا يفرق به بين المطعوم لم يؤثر ذلك في عقد الإمامة؛ لأنها لا مدخل لهما في الرأي والعمل.

وأما تمتمة اللسان وثقل السمع مع إدراك الصوت إذا علا فلا يمنع الابتداء والاستدامة؛ لأن موسى كليم الله سبحانه وتعالى لم تمنعه عقدة لسانه من النبوة فأولى أن لا تمنع الإمامة.

وأما قطع الذكر والأنثيين فلا يمنع من عقد الإمامة ولا استدامتها؛ لأن فقد

ذلك يؤثر في التناسل دون الرأي والحركة فجرى مجرى العنة. وقد روي عن ابن مسعود وابن عباس أن يحيى بن زكريا صلى الله وسلم عليهما لم يكن له ذكر يغشى به النساء وكان كالنواة. فلما لم يمنع ذلك من النبوة أولى أن لا يمنع من الإمامة.

وأما ذهاب اليدين والرجلين فيمنع من ابتداء عقدها واستدامتها لعجزه عما يلزمه من حقوق الأمة من العمل باليد أو النهضة بالرجل. وأما إن قهره من أعوانه من يستبد بتدبير الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهدة بشقاق لم يمنع ذلك من استدامته ولا يقدح ذلك في ولايته، ثم ينظر في أفعال من استولى على أموره فإن كانت جارية على أحكام الدين جاز إقراره عليها؛ تنفيذا لها، وإمضاء لأحكامها؛ لئلا يقف من العقود الدينية ما يعود بفساد على الأمة، وإن كانت خارجة عن حكم الدين لم يجز إقراره عليها، ولزمه أن يستنصر من يقبض على يده ويزيل تغلبه.

(ويجبر) على الإمامة شخص (متعين لها)؛ لقول أحمد فى رواية المروذي: لا بد للمسلمين من حاكم. أتذهب حقوق الناس؟.

(وهو) أي: والإمام (وكيل) للمسلمين (فله عزل نفسه) مطلقا كسائر

ص: 522

الوكلاء. (ولهم) أي: وللمسلمين (عزله إن سألها) أي: سأل الإمامة. (وإلا: فلا) أي: وإن لم يسأل الإمامة فليس لهم عزله.

(ويحرم قتاله) أي: أن يقاتلوه.

(وإن تنازعها) أي: تنازع الإمامة (متكافئان) اي: اثنان كل منهما كاف ابتداء ودواما: (أقرع) بينهما. فيبايع من خرجت له القرعة بينهما.

وصفة العقد: أن يقول له كل من أهل الحل والعقد: قد بايعناك على إقامة العدل والإنصاف، والقيام بفروض الإمامة. ولا يحتاج مع ذلك إلى صفقة. اليد.

(وإن بويعا) واحدا بعد واحد (فالإمام: الأول) اي: من بويع أولا. (و) إن بويعا (معا) أي: في وقت واحد (أو جهل السابق) أي: من بوييع أولا: (بطل العقد)؛ لأن العمل ببيعة أحدهما ترجيح من غير مرجح.

إذا تقرر هذا فمن ثبتب إمامته لزمه من أمور الأمة عشرة أشياء:

الأول: حفظ الدين على الأصول التي أجميع عليها سلف الأمة؛ فإن زاغ ذو شبهة عنه بين له الحجة وأخذه بما يلزمه من الحقوق؛ ليكون الدين محروسا من الخلل.

الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع ما بينهم من الخصومات.

الثالث: حماية البيضة، والذب عن الحوزة؛ لمتصرف الناس في معايشهم، ويسيروا في الأسفار آمنين.

الرابع: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله سبحانه وتعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف أو استهلاك.

الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لا يظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرما، أو يسفكون فيها دما لمسلم أو معاهد.

السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة.

السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع بالنص أو الاجتهاد من غيرعسف.

ص: 523

الثامن: تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير، ودفعه في وقته من غير تقديم ولا تأخير.

التاسع: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال مضبوطة، والأموال محفوظة.

العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور

(1)

، وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بغير ذلك فقد يخون الأمين، ويغش الناصح.

وإذا قام الإمام بحقوق الأمه وجب له عليهم حقان: الطاعة، والنصرة.

(وتلزمه مراسلة بغاة)، لأن المراسلة طريق إلى الصلح، ووسيلة إلى رجوعهم إلى الحق. وقد روي أن علي بن أبي طالب راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل.

و" لما اعتزلته الحوورية بعث

(2)

إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله

ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف "

(3)

.

(و) تلزمه أيضا (إزالة شبههم) " لأن في كشف شبههم رجوع إلى الحق وذلك المطلوب منهم.

(و) تلزمه أيضا إزالة (ما يدعونه من مظلمة)، لأن ذلك واجب مع إفضاء

الأمر به إلى القتل والهرج. فلأن يجب في حال يؤدي إلى ذلك بطريق الأولى. وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالإصلاح أولا في قوله سبحانه وتعالى: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)[الحجرات: 9] والإصلاح إنما يكون بمراسلتهم، وكشف

شبهتهم، وإزالة ما يدعونه من مظلمة فإن كان ما ينفونه ممن لا يحل فعله أزاله،

(1)

في ب: الأموال.

(2)

ساقط من ب.

(3)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 179 كتاب قتال أهل البغي، باب لا يبدأ الخوارج بالقتال حتى يسألوا ....

ص: 524

وإن كان مما يحل فعله لكن يلبس عليهم الأمو فيه فاعتقدوا أنه مخالف للحق بين لهم دليله وأظهر لهم وجهه؛ فإن عليا عليه السلام بعب ابن عباس إلى الخوارج لما تظاهروا بالعبادة والخشوع وحمل المصاحف في أعناقهم ليسألهم عن سببا خروجهم وبين لهم الشبهة التي تمسكوا وهي قصة مشهورة

(1)

.

(فإن فاءوا) أي: رجعوا عما هم فيه من البغي وطلب القتال، (وإلا: لزم) إماما (قادرا قتالهم)؛. لقوله سبحانه وتعالى: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)[الحجرات: 9].

(وعلى رعيته معونته) على قتالهم، لقول الله سبحانه وتعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ)[النساء: 59].

ولقوله صلى الله عليه وسلم: " من فارق الجماعه شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه "

(2)

.

رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه.

وربقة الإسلام: بفتح الراء وكسرها: استعارة لما يلزم العنق من حدود

الإسلام وأحكامه.

(فإن استنظروه مدة) بأن قالوا: انظرنا حتى نرى رأينا وننظر في أمرنا، (ورجاء فيئتهم) في تلك المده:(أنظرهم) وجوبا، لأنهم لم يظهر منهم أمر يوجب قتالهم. فوجب تركهم، كما لو لم ينفردوا عن الناس. . وربما كان قولهم حقا فإن النظر في الأمور يحتاج إلى مهلة وفكر فإذا طلبوه لم يكونوا ملومين فيه، وفي إنظارهم مصلحة حفظ دماء المسلمين والكف عن القتال.

(وإن خاف مكيدة) بإنظارهم مثل: أن يخاف مددا يأتيهم، أو ان يتحيزوا

إلى فئة تمنعهم، أو يكثر بها جمعهم ونحو ذلك:(فلا) يجب عليه إنظارهم ولا يجوز؛ لأن ذلك يصير طريقا إلى قهر أهل الحق. ويحرم عليه أن يؤخر

(1)

أخرجه الحاكم في "مستدركه " بطوله (2656) 2: 164 كتاب قتال أهل البغي.

وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 8: 179 كتاب قتال أهل البغي، باب لا يبدأ الخوارج بالقتال.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4758) 4: 241 كتاب السنة باب في الخوارج.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(21601) 5: 180.

ص: 525

قتالهم (ولو أعطوه مالا أو رهنا) على تأخير القتال؛ لأنه يخلى سبيل الرهن إذا انقضت الحرب كما تخلى الأسارى ولا يجوز قتلهم. وإن سألوه أن ينظرهم أبدا ويدعهم وما هم عليه ويكفوا عن أهل العدل فإن قوي عليهم لم يجز إقرارهم على ذلك، وإلا جاز.

(ويحرم قتالهم بما يعم إتلافه؛ كمنجنيق ونار) إلا لضرروة تدعو إلى ذلك

كما في دفع الصائل؛ لأن الرمي بذلك يتلف المقاتل وغير المقاتل ويتلف الأموال. وغير المقاتل لا يحل قتله كما لا يحل إتلاف أموالهم.

(و) يحرم (استعانة بكافر) في قتال البغاة؛ لئلا يكون مسلطا للكفار على دماء المسلمين. وقد قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا)[النساء: 141].

(إلا لضرورة) مثل: أن يعجز أهل العدل عن البغاة لقلتهم فيجوز للحاجة،

و (كفعلهم إن لم نفعله)؛ كما لو رمونا بما يعم إتلافه إن لم نرمهم به، وكما لو استعانوا على أهل العدل بالكفار.

(و) يحرم أيضا (أخذ مالهم)؛ لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، وعصمة أموالهم تابعة لدينهم.

(و) يحرم أيضا أخذ (ذريتهم)؛ لأنهم لم يحصل منهم سبب أصلا يقتضي ذلك. بخلاف آبائهم فإنه قد وجد منهم البغي والقتال.

(و) يحرم أيضا (قتل مدبرهم، و) قتل (جريحهم)؛ لما روى مروان قال: "صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتلن مدبر، ولا يذفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن "

(1)

. رواه سعيد.

وعن عمار نحوه.

وكالصائل.

(1)

أخرجه البيهقى في "السنن الكبرى" 8: 181 كتاب قتال أهل البغي، باب أهل البغي إذا فاؤا لم يتبع مدبرهم ولم يقتل أسيرهم.

ص: 526

ولأن شرط حل قتالهم كونهم مقاتلين والمدبر تارك للقتال فلا يقاتل، والجريح تمنعه جراحته عن القتال. والإجهاز- بالزاي- قتله فيكون ممنوعا منه، لأنه قتل من لم يقاتل.

(و) يحرم أيضا قتل (من ترك القتال)؛ لما تقدم من قول علي رضي الله تعالى عنه: " ومن القى السلاح فهو آمن ".

(و) إذا تقرر هذا فمن قتل من أهل العدل إنسانا من أهل البغي ممن يمنع من

قتله فإنه (لا قود) عليه (فيه) في الأصح للشبهة، (ويضمن) بالدية.

(ويكره) لكل من أهل العدل (قصد رحمه الباغي)؛ كأخيه وعمه ونحوهما الذين من أهل البغي (بقتل) في الأصح، لقول الله سبحانه وتعالى:(وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)[لقمان: 15].

قال الشافعي: كف النبي صلى الله عليه وسلم أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه.

وقال بعضهم: لا يحل. وذكره

(1)

في " الفروع " احتمالا؛ لأنه يقال: أمر بمصاحبته بالمعروف.

(وتباح استعانة عليهم) أي: على أهل البغي (بسلاح أنفسهم وخيلهم، وعبيدهم وصبيانهم لضرورة فقط) لا لغير ضرورة في الأصح، لأن الإسلام عصم أموالهم. وإنما أبيح قتالهم، لردهم إلى الطاعة. فيبقى المال على العصمة، كمال قاطع الطريق.

ولنا: جواز ذلك مع الضرورة فإنه مثل أكل مال الغير في المخمصة.

(ومن أسر منهم) أي: من أهل البغي (ولو) كان (صبيا أو) كان (أنثى: حبس حتى لا شوكة ولا حرب) يعني: حتى تنكسر شوكتهم وتنقضي حربهم، لأن في إطلاقهم قبل ذلك ضررا على أهل العدل؛ لأنه ربما تحصل منهم مساعده المقاتلة. وفي حبسهم كسر قلوب البغاة وإضعاف لها. فإذا انكسرت شوكتهم

(1)

في ج: وذكروه.

ص: 527

وقضي حربهم زال المانع الذي حبسوا من أجله. فوجبت تخليتهم.

(وإذا انقضت) الحرب (فمن وجد منهم) أي: من أهل البغي (ماله بيد غيره) من أهل العدل أو البغي: (أخذه) منه، لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين فلا يجوز اغتنامها، لأن ملكهم لم يزل عنها بالبغي. وقد روي أن عليا عليه السلام قال يوم الجمل:" من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه. فعرف بعضهم قدرا مع أصحاب علي وهو يطبخ فيها. فسأله إمهاله حتى ينضج الطبيخ. فأبى وكبه وأخذها ".

(ولا يضمن بغاة ما أتلفوه) على أهل العدل (حال حرب) على الأصح؛ (كـ) ما أنه لا ضمان على (أهل عدل) فيما أتلفوه على أهل بغي حال حرب " لأن عليا رضي الله تعالى عنه لم يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال. فلم يطالبهم بدية مقتول، ولا بقيمة متاع متلف.

قال الزهري: " هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فأجمعوا أن

لا يقاد أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه "

(1)

. ذكره أحمد في رواية الأثرم محتجا به.

ولأنه إتلاف من طائفة ممتنعه بتأويل سائغ. فلا يضمن به؛ كأهل العدل. (ويضمنان) أي: أهل العدل وأهل البغي (ما أتلفا) على غيرهما (في غير حرب) من نفس ومال؛ لأنها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع. فضمنت؛ كأموال غيرهم ونفوسهم.

(وما أخذوا) أهل البغي (حال امتناعهم) أي: حال كونهم في منعة عن

أهل العدل: (من زكاة، وخراج، وجزية: اعتد به) لمن دفعه لهم. فلا يجب عليه مرة ثانية إذا ظفر به أهل العدل، لأن عليا لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جبوه أهل البغي.

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 175 كتاب قتال أهل البغي، باب من قال لا تباعة في الجراح والدماء وما فات.

ص: 528

وكان ابن عمر وسلمة بن الأكوع يأتيهم ساعي نجدة الحروري فيدفعون إليه

زكاتهم.

ولأن في ترك الاحتساب بها ضررا عظيما على الناس فإنهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة. فلو لم يحتسب بما

(1)

أخذوه لأدى إلى فناء الأموال باستيفاء الصدقات وغيرها في تلك السنين كلها.

(ويقبل بلا يمين) ممن وجبت عليه زكاة (دعوى دفع زكاة إليهم) [أي:

إلى البغاة [

(2)

، لأنه لو ادعى دفعها إلى الفقراء قبل قوله بلا يمين، فكذلك إذا ادعى دفعها إلى غير الفقراء ممن يسقطها الدفع إليه فإنه يقبل قوله من غيريمين؛ لأن الزكاة حق لله سبحانه وتعالى. فلا يستحلف عليه " كالصلاة.

(لا) قول من عليه خراج من دفع (خراج) إليهم إلا ببينة، (ولا) قول من

عليه جزية في دفع (جزية) إليهم (إلا ببينة) في الأصح فيها " لأن كلا منهما عوض والأصل عدم الدفع.

(وهم) أي: وأهل البغي (في شهادتهم و) في (إمضاء حكم حاكمهم كأهل العدل)، لأن التأويل الذي له مساغ في الشرع لا يوجب تفسيق قائله والذاهب إليه. أشبه المخطى من الفقهاء في فرع من الأحكام. فيقضى بشهادتهم إذا كانوا عدولا، ولا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعا. وإذا كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل جاز قبول كتابه والعمل بمقتضاه، لأنه قاض ثابت القضاء.

ومحل ذلك: إذا كان أهلا للقضاء. فأما الخوارج وأهل البدع إذا خرجوا

على الإمام فلا تقبل لهم شهادة، ولا يجوز أن يكونوا قضاة، لأنهم فساق. (وإن استعانوا) أي: البغاة (بأهل ذمة، أو) أهل (عهد: انتقض عهدهم، وصاروا كأهل حرب) بإعانتهم أهل البغي على قتال أهل العدل، كما لو انفرد أهل الذمة بقتال المسلمين.

(1)

في ب: ما.

(2)

زيادة من ج.

ص: 529

ومحل ذلك: إن علموا الحكم في ذلك، (إلا إن ادعوا شبهة كـ) دعوى

ظن (وجوب إجابتهم) أي: إجابة أهل البغي، لأنهم من المسلمين ونحن لا نعلم البغاة من أهل العدل، أو ظننا أنهم هم أهل العدل وأنه يجب علينا القتال معهم فإنه يقبل منهم ذلك، لأنهم ادعوا ممكنا، والعهد لا ينتقض إلا مع تحقيق سببه.

(ويضمنون) أي: أهل الذمة (ما أتلفوه من نفس ومال) على المسلمين،

كما لو انفردوا به عن أهل البغي. وإنما لم يضمنه أهل البغي، لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالإصلاح بين المسلمين ولما كان التضمين منافيا للإصلاح؛ لما فيه من التنفير وجب ألا يضمن. بخلاف الكفار فإنا لم نؤمر بالإصلاح بينهم وبين المسلمن فإن عداوتهم قائمة ما داموا كفارا. فلم يكن في تضمينهم ضرر. فوجب لذلك.

(وإن استعانوا) أي: أهل البغي (بأهل حرب، وأمنوهم: فكعدمه) يعني: فإنه لا يصح أمانهم؛ لأنهم إنما عقدوا الأمان بينهم على قتالنا وهو محرم فلا يكون ذلك سببا لعصمتهم، فيباح قتلهم مقبلين ومدبرين، وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم، (إلا أنهم في أمان، بالنسبة إلى بغاة)، لأنهم أمنوهم فلا يجوز لهم الغدر بهم.

ص: 530

] فصل: في الخوارج]

(فصل. وإن أظهر قوم رأي الخوارج) مثل تكفير من ارتكب الكبيرة ونحو ذلك، (ولم يخرجوا عن قبضة الإمام) أي: ولم يجتمعوا لحرب: (لم يتعرض لهم)؛ لما روي " أن علي بن أبي طالب كان يخطب. فقال رجل من باب المسجد: لا حكم إلا لله. تعريضا بالرد عليه فيما كان من تحكيمه. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل. ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال "

(1)

.

(وتجري الأحكام علهيم كأهل العدل).

فعلى هذا: حكمهم حكم غيرهم في ضمان النفس والمال ووجوب الحد؛

لأن الإمام يلزمه الحكم بذلك على من في قبضته من المسلمين من غير اعتبار لاعتقاده فيه.

(وإن صرحوا بسب إمام، أو) بسب (عدل، أو عرضوا به) أي: بسب إمام أو عدل: (عزروا) في الأصح مع التعريض.

(ومن كفر أهل الحق والصحابة، واستحل دماء المسلمين) وأموالهم (بتأويل: ف) هم (خوارج بغاة، فسقة). قدمه في " الفروع ". ثم قال: وعنه: كفار.

وفي " الترغيب " و " الرعاية ": هو أشهر. وذكر ابن حامد: أنه لا خلاف

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه "(37917) 7: 561 كتاب الجمل، ما ذكر في الخوارج.

ص: 531

وذكر ابن عقيل في " الإرشاد " عن أصحابنا: تكفير من خالف في أصل؛

كخوارج، ورافضة، ومرجئه.

وذكر غيره روايتين فيمن قال: لم يخلق الله المعاصي، أو وقف فيمن

حكمنا بكفره، وفيمن سب صحابيا غير مستحل، وأن مستحله كافر.

وفي " المغني ": يخرج في كل محرم اسمحل بتأويل؛ كالخوارج ومن كفرهم فحكمهم عنده كمرتدين. قال في " المغني ": هذا مقتضى قوله.

وقال شيخنا: نصوصه صريحة على عدم كفر الخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم وإنما كفر الجهمية لا أعيانهم. قال: وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقا، حتى المرجئة والشيعة المفضلة لعلي. قال: ومذاهب الأئمة أحمد وغيره مبنية على التفصيل بين النوع والعين.

ونقل محمد بن عوف الحمصي: من أهل البدع الذين أخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم من الإسلام القدرية، والمرجئة، والرافضة، والجهمية، فقال: لا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم.

ونقل محمد بن منصور الطوسي: من زعم أن في الصحابة خيرا من أبي بكر

فولاه النبي صلى الله عليه وسلم فقد افترى عليه وكفر بأن زعم بأن الله سبحانه وتعالى يقر المنكر من أنبيائه في الناس، فيكون ذلك سبب ضلالهم.

ونقل الجماعة: من قال: علم الله مخلوق كفر. انتهى كلامه في

" الفروع ".

(وعنه): أى: وعن الإمام أحمد رواية أن

(1)

الذين كفروا أهل الحق والصحابة، واستحلوا دماء المسلمين بتأويل أو بغير تأويل:(كفار).

قال (المنقح: وهو أظهر) انتهى.

(وإن اقتتلت طائفتان لعصبية، أو) طلب (رياسة، فـ) هما (ظالمتان:

تضمن كل) من الطائفتين (ما أتلفت على الأخرى).

(1)

في أزيادة: من.

ص: 532

قال الشيخ تقي الدين: فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة وإن لم يعلم

عين المتلف.

(وضمنتا سواء) أي: وضمن الطائفتان بالسوية (ما) أي: مالا (جهل

متلفه).

قال الشيخ تقي الدين: وإن جهل قدر ما نهبه كل طائفة من الأخرى تساوتا

يعني: في ضمانه. قال: كمن جهل قدر المحرم بماله أخرج نصفه والباقي له. انتهى.

وما تقدم من ضمان الطائفتين بالسوية مالا جهل متلفه من كونه من أي الطائفتين؛ (كما لو قتل) إنسان (داخل بينهما لصلح

(1)

، وجهل قاتله) من كونه من أي الطائفتين. وإن علم كون قاتله من هذه الطائفة وجهل عينه: ضمنته وحدها.

قال ابن عقيل: ويفارق المقتول في زحام الجامع والطواف؛ لأن الزحام

والطواف ليس فيهما تعد. بخلاف الأول. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

في ب: يصلح.

ص: 533

(باب: حكم المرتد)

وهو لغة: الراجع. قال الله سبحانه وتعالى: (وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ)[المائدة: 21].

(وهو) شرعا: (من كفر ولو) كان (مميزا) بنطق أو اعتقاد أو شك أو

فعل (طوعا. ولو) كان (هازلا، بعد إسلامه ولو) كان إسلامه (كرها بحق)؛ كما لو استولى الحربيون على أم ولد لمسلم ثم أخذت منهم وقد أتت منهم بولد وامتنع من الإسلام، فإنه يضرب ويحبس حتى يسلم، فإذا أسلم بالضرب والحبس ثم ارتد كان كغيره من المرتدين؛ لأنه أكره بحق على الإسلام. وكذا عبدة الأوثان ونحوهم ممن ليس له كتاب ولا شبهة كتاب إذا قاتلناهم على الإسلام.

وقد اجمع المسلمون على وجوب قتل المرتد ما لم يتب. وسنده ما روى

ابن عباس

(1)

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من بدل دينه فاقتلوه "

(2)

. رواه الجماعة إلامسلما.

وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ بن جبل،

(1)

في أ: ما روي عن ابن عباس.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6524) 6: 2537 كتاب استتابة المرتدين المعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتده واستتابتهم.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(4351) 4: 126 كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1458) 4: 59 كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتد.

وأخرجه النسائي في " سننه "(4065) 7: 105 كتاب تحريم الدم، الحكم في المرتد.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2535) 2: 848 كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(2552) 1: 283.

ص: 534

وأبي موسى الأشعري، وخالد بن الوليد رضي الله تعالى عنهم وغيرهم

(1)

.

ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء وفاقا لمالك والشافعي.

وقال أبو حنيفة: تجبر المرأة على الإسلام بالضرب والحبس ولا تقتل؛

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل امرأة "

(2)

.

ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي. فلا تقتل بالطارئ، كالصغير.

ولنا: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: " من بدل دينه فا قتلوه "

(3)

. رواه البخاري وأبو داود.

وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة "

(4)

. متفق عليه.

وروى الدارقطني: " أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فبلغ

أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأمر أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت "

(5)

.

ولأنها شخص مكلف بدل دين الحق بالباطل. فتقتل كالرجل.

وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المرأة فالمراد بها الأصلية، فإنه قال ذلك حين

رأى المرأة مقتولة وكانت كافرة أصلية.

(1)

ساقط من أ.

(2)

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صصص قال:" انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة ". أخرجه أبو داود في " سننه "(2614) 3: 37 أول كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6524) 6: 2537 كتاب استتابة المرتدين المعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(4351) 4: 126 كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد.

(4)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6484) 6: 2521 كتاب الديات، باب قول الله تعالى:(أن النفس بالنفس. . .).

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1676) 3: 1302 كتاب القسسامة والمحاربين والقصاص والديات،

باب ما يباح به دم المسلم.

(5)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(122) 3: 118 كتاب الحدود والديات.

ص: 535

وكذلك " نهى النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء "

(1)

ولم يكن فيهم مرتد. ويخالف الكفر الأصلي الطارئ بدليل أن الرجل الكافر الأصلي يقر عليه في بعض الصور؛ كالرهبان الذين بالصوامع، وكالمكافيف. ولا تجبر المرأة على ترك الكفر الأصلي بضرب ولا حبس والكفر الطارئ بخلافه والصغير غير المكلف. بخلاف المرأة.

إذا تقرر هذا (فمن ادعى النبوة) أو صدق من ادعاها كفر؛ لأنه مكذب لله سبحانه وتعالى في قوله: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)[الأحزاب: 40].

ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون

(2)

كلهم يزعم أنه رسول الله "

(3)

.

(أو أشرك بالله تعالى) كفر؛ لقوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)[النساء: 116].

(أو سبه) أي: سب الله سبحانه وتعالى، (أو) سب (رسولا له) أي:

لله سبحانه وتعالى كفر؛ لأنه لا يسب واحدا منهم إلا وهو جاحد به.

(أو جحد ربوبيته) أي: ربوبية الله سبحانه وتعالى، (أو) جحد (وحدانيته، أو) جحد (صفة) من صفاته اللازمة له؛ كالحياة والعلم، (أو) جحد (كتابا، أو) جحد (رسولا، أو ملكا له) أي: لله سبحانه وتعالى من الرسل والملائكة الذين ثبت أنهم رسله أو ملائكته كفر؛ لثبوت ذلك في القرآن. ولأن جحد شيء من ذلك كجحده كله؛ لاشتراكهما في كون الكل من عند الله سبحانه وتعالى.

(أو) جحد (وجوب عبادة من) العبادات (الخمس) وهي: الصلاة،

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 9: 78 كتاب السير، باب قتل النساء والصبيان في التبييت والغارة من غير قصد.

(2)

في ج: كذابا.

(3)

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 3: 338 كتاب صلاه الخسوف، باب الخطبة بعد صلاة الكسوف.

ص: 536

والزكاة، والصوم، والحج، (ومنها: الطهارة)؛ لثبوت أدلة وجوب هذه الخمس في القرآن.

ومن ذلك أيضا: جحده وجوب التيمم عند عدم الماء؛ لقوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ. . .) إلى آخر الآية] المائدة: 6].

(أو) جحد (حكما ظاهرا) بين المسلمين (مجمعا عليه إجماعا قطعيا) يعني: لا شبهة فيه، و (كـ) ـجحد

(1)

(تحريم زنا، أو) جحد تحريم (لحم خنزير، أو) جحد (حل خبز، ونحوه) أي: ونحو ذلك مما لا خلاف فيه؛ كجحده حل لحم، (أو شك فيه) أي: في تحريم ذلك (ومثله لا يجهله، أو) كان (يجهله) مثله (وعرف) حكمه (وأصر) على جحده كفر، وكذا لو جحد حل بهيمة الأنعام، أو غيرها مما أجمع على حله من المطعومات وغيرها؛ لأنه لا يجحد ذلك مع ما ذكر إلا معاند للإسلام، ممتنع من التزام الأحكام، غير قابل لكتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته.

وقولنا: لا شبهة فيه ليخرج مثل استحلال الخوارج قتل المسلمين وأخذ أموالهم بالتأويل فإن كثيرا من الفقهاء لم يحكموا بكفرهم، لأنهم يدعون أنهم يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بذلك. ولذلك لم يحكم كثير من الفقهاء بكفر ابن ملجم مع قتله أفضل الخلق في زمنه متقربا بذلك. ولا يكفر المادح له على ذلك، فإن عمران بن حطان قال فيه يمدحه لقتل علي بقوله:

يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا

فأما من استحل شيئا مما تقدم ذكره ونحوه بغير تأويل، (أو سجد لكوكب، أو نحوه)؛ كالشمس والقمر والصنم كفر؛ لأن ذلك إشراك وقد قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)[النساء: 116].

(1)

في ب: كجحد.

ص: 537

(أو أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين) كفر، لقول الله سبحانه وتعالى:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (??) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: 65 - 66]. قال في " المغني ": وينبغي أن لا يكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام

حتى يؤدب أدبا يزجره عن ذلك. انتهى.

(أو امتهن القرآن) جل ذكره، (أو ادعى اختلافه، أو) ادعى (القدرة على مثله، أو أسقط حرمته: كفر)؛ لقول الله سبحانه وتعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)[الحشر: 21].

ولقوله سبحانه وتعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)[الإسراء: 88].

ولقوله سبحانه وتعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا)[النساء: 82].

و (لا) يكفر (من حكى كفرا سمعه و) هو (لا يعتقده).

قال في " الفروع ": ولعل هذا إجماع.

وروى ابن عساكر في ترجمة محمد بن سعيد بن هناد: سمعت يحيى بن خلف بن الربيع الطرسوسي قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس وأنا شاهد. فقال

(1)

: ما تقول في رجل يقول القرآن مخلوق؛ فقال: كافر زنديق، خذوه فاقتلوه. فقال الرجل: إنما أحكي كلاما سمعته. فقال: إنما سمعته منك. وفي " الانتصار ": من تزيا بزي كفر من لبس غيار، وشد زنار، وتعليق صليب بصدره حرم ولم يكفر. انتهى كلامه في " الفروع ".

(وإن ترك) مكلف (عبادة من) العبادات (الخمس تهاونا) يعني: مع الإقرار بوجوبها، سواء عزم على أن لا يفعلها أبدا، أو على تأخيرها إلى زمن

(1)

في ب: قال.

ص: 538

يغلب على ظنه أنه لا يعيش إليه: (لم يكفر) على الأصح؛ لما روى معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال معاذ: يا رسول الله لِلَّهِ ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؛ قال: إذاً يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما "

(1)

. متفق عليه.

ومن ترك

(2)

العبادات مع الإسلام داخل في ذلك. فلو كفر لم يكن محرما على النار.

ولأن المرتد لا يكفن، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقاربه من المسلمين. ولا يعرف في عصر من الأعصار أنه ترك غسل أحد من تاركي الصلاة أو الزكاة أو غيرهما من العبادات تهاونا، ولا دفن في غير مقابر المسلمين، ولا ورثه غير أقاربه المسلمين. ولا فرق بين زوجين لذلك مع كترة تاركي الصلاة والزكاة، ولولا اعتقاده أنه لا يكفر بذلك لأثبتوا عليه هذه الأحكام، أو حكم حاكم من حكام المسلمين ولو واحدا. وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له "

(3)

. رواه الخمسة إلا الترمذي.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(128) 1: 59 كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(32) 1: 61 كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا.

(2)

في ج زيادة: من.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(1420) 2: 62 كتاب الوتر، باب فيمن لم يوتر.

وأخرجه النسائي في " سننه "(461) 1: 230 كتاب الصلاة، باب المحافظة على الصلوات الخمس.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(1401) 1: 449 كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في فر ض الصلوات الخمس والمحافظة عليها.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(22745) 5: 316.

ص: 539

ولو كفر بذلك لم يدخل في مشيئة الغفران؛ لأن الكفر لا يغفر. لكن يستثنى

من ذلك ما أشير إليه بقوله:

(إلا بالصلاة، أو بشرط) لها، (أو ركن لها مجمع عليه) أي: على شرطيته أو ركنيته: (إذا دعي) أي: دعاه الإمام أو نائبه (إلى شيء من ذلك، وامتنع) منه؛ لأن في امتناعه بعد أن دعاه الإمام أو نائبه شبه بالخروج عن حوزة المسلمين. (ويستتاب كمرتد، فإن اصر: قتل) كفرا (بشرطه) وهو: أن لا يأتي بالصلاة زمن الاستتابة وأن يدعى كما تقدم، (ويقتل في غير ذلك) أي: في غير الصلاة إذا امتنع وقاتل على ذلك (حدا).

إذا تقور هذا (فمن ارتد) حال كونه (مكلفا مختارا ولو) كان (أنثى: دير) إلى الإسلام، (واستتيب ثلاثة أيام وجوبا) على الأصح.

وعنه: لا تجب استتابته وتستحب وهو أحد قولي الشافعي، ويروى عن الحسن البصري؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من بدل دينه فاقتلوه "

(1)

. ولم يذكر استتابة. ولأنه يقتل لكفر. فلم تجب استتابته؛ كالأصلي.

ولأنه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن، ولو حرم قتله ضمن.

ودليل المذهب " حديث أم مروان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تستتاب "

(2)

.

وروى مالك في " الموطأ " عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن

عبد القاري عن أبيه " أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى. فقال له عمر: هل كان من مغربة خبر؟ قال: نعم. رجل كفر بعد إسلامه. فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال عمر: فهلا حبستموه ثلاثا. فأطعمتموه كل يوم رغيفا. واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله؟ اللهم! إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض، إذ

(3)

بلغني "

(4)

.

(1)

سبق تخريجه ص (534) رقم (2).

(2)

سبق تخريجه ص (535) رقم (5).

(3)

في ج: إذا.

(4)

أخرجه مالك في " موطئه "(16) 2: 565 كتاب الأقضية، باب القضاء فيمن ارتد عن الإسلام. =

ص: 540

ولو لم تجب الاستتابة] لما برئ من فعلهم.

ولأنه أمكن استصلاحه. فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه.

وأما الأمر بقتله فالمراد به بعد الاستتابة [

(1)

. ولا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم.

وإنما كانت ثلاثة أيام لقول عمر: " فهلا حبستموه ثلاثا "

(2)

.

ولأن الردة إنما تكون لشبهة ولا تزول في الحال. فوجب أن ينظروه يتروى فيها، وأولى ذلك ثلاثه أيام؛ للأثر.

(وينبغي أن يضيق عليه) فيها (ويحبس)؛ لقول عمر: " فهلا حبستموه وأطعمتموه كل يوم رغيفا "

(3)

.

ويكرر دعايته لعله يتعطف قلبه فيراجع دينه،

ولأنه إن لم يحبس لم يؤمن لحوقه بدار الحرب.

(فإن تاب) في مدة الاستتابة برجوعه إلى الإسلام: (لم يعزر)؛ لما في تعزيره من التنفير عن الإسلام، (وإن أصر) على ردته:(قتل بالسيف)؛ لأنه آلة القتل. ولا يحرق بالنار؛ لقول الني صلى الله عليه وسلم: " من بدل دينه فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله يعني ة النار "

(4)

. أخرجه البخاري وأبو داود.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء: فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة"

(5)

.

(1)

= وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى" 8: 206 كتاب المرتد، باب من قال: يحبس ثلاثة أيام.

ساقط من أ.

(2)

ر. الحديث السابق.

(3)

ر. الحديث السابق.

(4)

أخرجه البخاري في "صحيحه"(2854) 3: 1098 كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(4351) 4: 126 كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد.

(5)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1955) 3: 1548 كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة.

ص: 541

(إلا رسول كفار) إذا أسلم ثم ارتد ولم يرجع إلى الإسلام فإنه لا يقتل (بدليل رسولي مسيلمة). ذكره ابن القيم في " كتاب الهدي ".

(ولا يقتله) أي: يقتل المرتد (إلا الإمام أو نائبه)، سواء كان المرتد حرا

أو عبدا؛ لأنه قتل لحق الله سبحانه وتعالى. فكان إلى الإمام؛ كرجم الزانى، وكقتل الحر. ولا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم:" أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم "

(1)

؛ لأن قتل المرتد لكفره، لا حدا في حقه.

(فإن قتله) أي: قتل المرتد (غيرهما) أي: غير الإمام أو نائبه (بلا إذن)

من واحد منهما: (أساء وعزر)؛ لافتياته على ولي الأمر. (ولا ضمان) على قاتله (ولو كان) قتله (قبل استتابة)؛ لأنه مهدر الدم في الجملة وردته مبيحة لدمه وهي موجودة قبل الاستتابة كما هي موجودة بعدها، (إلا أن يلحق) المرتد (بدار حرب)

(2)

قبل أن يتوب: (فـ) إن قتله لا يتعين كونه إلى الإمام بل جاز (لكل أحد قتله، وأخذ ما معه) من المال؛ لأنه صار حربيا.

(ومن أطلق الشارع كفره: كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافا فصدقه بما

يقول فهو تشديد: لا يخرج به عن الإسلام) على الأصح.

قال في " الفروع ": ومن أطلق الشارع كفره كدعواه لغير أبيه، ومن أتى

عرافا فصدقه بما يقول، فقيل: كفر نعمة.

وقيل: قارب الكفر.

وذكر ابن حامد روايتين:

إحداهما: تشديد وتأكيد. نقل حنبل

(3)

: كفر دون كفر لا يخرج عن

الإسلام.

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 9 كتاب الحدود، باب لا يقام حد الجلد على الحبلى.

(2)

في ج: الحرب.

(3)

في ب: حرب.

ص: 542

والثانية: يجب التوقف ولا نقطع بأنه لا ينقل عن الملة. نص عليه في رواية صالح وابن الحكم. انتهى.

قال في " تصحيح الفروع ": أحدهما: كفر نعمة. وقال به طوائف من العلماء من الفقهاء والمحدثين. وذكره ابن المحب في " شرح البخاري " عن جماعة. وروي عن أحمد.

والقول الثانى: قارب الكفر.

وقال القاضي عياض وجماعة من العلماء في قوله: " من أتى عرافا فقد كفر

بما أنزل على محمد "

(1)

. أي: جحد تصديقه بكذبهم. وقد يكون على هذا إذا اعتقد تصديقهم بعد معرفته بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم لهم كفرا حقيقة. انتهى. والصواب رواية حنبل، وإنما إتى به تشديدا وتأكيدا. وقد بوب على ذلك البخاري في "صحيحه " بابا. ونص أن بعض الكفر دون بعض. ونص عليه أئمة الحديث.

قال ابن رجب في " شرح البخاري ": وللعلماء في هذه الأحاديث مسالك متعددة منهم: من حملها على من فعل ذلك مستحلا له. منهم مالك وإسحاق. ومنهم: من حملها على التغليظ والكفر الذي لا ينقل عن الملة. منهم

ابن عباس وعطاء.

قال النخعي: هو كفر بالنعم، ونقل عن أحمد

(2)

، وقاله طاووس. وروي

عن أحمد إنكار من سمى شارب الخمر كافرا. ولذلك أنكر القاضي جواز إطلاق اسم كفر النعمة على أهل الكبائر. وحكى ابن حامد عن أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج من الملة. وروي عن أحمد أنه كان يتوقى الكلام في تفسير هذه النصوص تورعا ويمرها كما جاءت من غير تفسير مع اعتقادهم أن المعاصي لا تخرج عن الملة. انتهى كلامه في " تصحيح الفروع "

(1)

أخرجه أحمد في " مسنده "(9252) طبعة إحياء التراث.

(2)

في أ: وقال أحمد.

ص: 543

(ويصح إسلام مميز عقله) أي: عقل الإسلام من ذكر وأنثى على الأصح. ومعنى عقله الإسلام: أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى ربه لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله إلى الناس كافة، " لأن عليا عليه السلام أسلم وهو ابن ثمان سنين "

(1)

. أخرجه البخاري عن عروة بن الزبير.

ولم يمتنع أحد، عن قوله: كان أول من أسلم من الصبيان علي فلولا صحة إسلامه لم يطلقوا عليه أنه أول من أسلم.

ومن قول على عليه السلام:

سبقتكمو إلى الإسلام طرا صبيا ما بلغت أوان حلمي

ولأن الإسلام عبادة محضة. فصحت من الصبي؛ كالصلاة والحج.

ولأن الله سبحانه وتعالى دعا عباده إلى دار الإسلام وجعل طريقها الإسلام

فلا يجوز منع الصبي من إجابة دعوة الله وسلوك طريقها.

فإن قيل: إن الإسلام يوجب الزكاة عليه في ماله ويوجب عليه نفقة قريبه المسلم ويحرمه ميراث قريبه الكافر.

قلنا: أما الزكاة فإنها نفع، لأنها سبب الزياده والنماء وتحصين المال

والثواب.

وأما الميراث والنفقة] فأمر متوهم [

(2)

وهو مجبور. بميراثه من أقاربه المسلمين وسقوط نفقة أقاربه الكفار. ثم إن هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة.

(و) تصح أيضا (ردته) على الأصح، لأن الردة هي الكفر بعد الإسلام. وعنه: يصح إسلامه دون ردته، لأن الإسلام محض نفيع ومصلحة فصح منه. بخلاف الردة.

(1)

ذكره الترمذي معلقا في "جامعه " 5: 642 كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(2)

ساقط من أ.

ص: 544

وعلى هذه الرواية يكون حكمه حكم من لم يرتد. فإن بلغ وأصر على الكفر صار مرتدا.

وعنه: لا يصح إسلامه ولا ردته حتى يبلغ، لأن كلا م k هما قول يترتب عليه أحكام. فلا يصح من الصغير؛ كالهبة والعتق.

والمذهب ما في المتن.

إذا تقرر هذا (فإن أسلم) الصغير الذي يصح إسلامه: (حيل بينه وبين الكفار) على الروايات كلها بم لأن أبا هريرة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مولود يولد إلا على الفطرة. فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعة؟ ثم يقول أبو هريرة. (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30] "

(1)

. متفق عليه.

وعن جابر قال: قال رسول الله: " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه. فإذا أعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا "

(2)

. رواه أحمد. وإذا كان مولودا على الفطرة وتكلم بالإسلام مع معرفته له وجب أن يحال بينه وبين أهل الكفر؛ لأنه صار كأولاد المسلمين استصحابا لأصل الفطرة.

(فإن قال بعد) أي: قال من يصح إسلامه بعد إسلامه: (لم أدر ما قلت،

فكما لو ارتد) يعني: أنه لم يبطل إسلامه بذلك، ولا يقبل قوله ذلك على الأصح، ويصير كالبالغ إذا أسلم ثم ارتد.

(و) لكن (لا يقتل هو) أي: الصغير الذي ارتد، (و) لا (سكران ارتد حتى يستتابا) أي: الصغير والسكران (بعد بلوغ) أي: بلوغ الصغير (وصحو) أي: صحو السكران (ثلاثة أيام) على الأصح.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(1293) 1: 456 كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلي عليه. . .

وأخرجه مسلم فى " صحيحه "(2658) 4: 2047 كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة. . .

(2)

أخرجه أحمد في " مسنده "(14799) 3: 353 عن الحسن عن جابر.

ص: 545

وعنه: أن أول الثلاثة أيام في السكران من وقت ردته.

والأول المذهب؛ لأن البلوغ والصحو أول زمن صارا فيه من أهل العقوبة. وإنما أخرا هذه المدة؛ لأن الصبي والسكران لا يقام الحد عليهما مع الصبا والسكر.

أما الصبي؛ فلأنه غير مكلف والعقوبة لاتجب مع عدم التكليف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاث فذكر منهم الصبي حتى يحتلم "

(1)

.

وأما السكران؛ فلأن الحد إنما شرع للزجر، والزجر لا يحصل في حال السكر. فوجب تأخيرهما إلى حين جواز العقوبة؛ لأن حكم الردة ثبت حينئذ. (وإن مات) من ارتد وهو سكران (في سكر) أي: قبل أن يصحو مات كافرا؛ لأنه هلك بعد ارتداده وقبل ثبوته. فلم ترثه أقاربه من المسلمين.

(أو) مات الصغير الذي صحت ردته (قبل بلوغ) وقبل توبة: (مات كافرا)؛ لأنه هلك وهو مرتد.

(ولا تقبل في الدنيا توبة زنديق. وهو: المنافق الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر) على الأصح؛ لقول الله سبحانه وتعالى: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا)

] البقرة: 160].

والزنديق: لا يظهر منه على ما يتبين به رجوعه وتوبته؛ لأن الزنديق لا يظهر

منه بالتوبة خلاف ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك، وقلبه لا يطلع عليه فلا يكون ما قاله حكم، إذ الظاهر من حاله أنه إنما يستدفع القتل بإظهار التوبة في ذلك.

(ولا) تقبل توبة (من تكررت ردته) على الأصح؛ لقول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا)[النساء: 137].

ولقوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ

(1)

سبق تخريجه ص (395) رقم (1)

ص: 546

تَوْبَتُهُمْ) [آل عمران: 90] والازدياد يقتضي كفرا متجددا، ولا بد من تقدم إيمان عليه.

ولأن تكرار الردة منه يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام.

(أو سب الله) سبحانه و (تعالى) سبا صريحا يعني: أنه لا تقبل توبة من سب الله سبحانه وتعالى صريحا على الأصح؛ لأن ذنبه عظيم جدا يدل منه على فساد عقيدته واستخفافه بالله الواحد القهار.

(أو رسولا أو ملكا له) يعني: أنه لا تقبل توبة من سب رسولا لله سبحانه وتعالى (صريحا أو تنقصه) على الأصح؛ لأن الاستخفاف بالرسول استخفاف بمرسله.

ولأن ذلك حق لادمي لم يعلم إسقاطه فيؤخذ به.

(ولا) تقبل توبة (ساحر مكفر بسحره)؛ لما روى جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حد الساحر ضربة بالسيف "

(1)

. رواه الدارقطني. فسماه حدا، والحد بعد ثبوته لا يسقط بالتوبة.

ولأنه لا طريق لنا إلى إخلاصه في توبته؛ لأنه يضمر السحر ولا يجهر به. فيكون إظهاره للإسلام والتوبة خوفا من القتل مع بقائه على تلك العقيدة الفاسدة. فيجب أن لا تقبل توبته " كالزنديق.

(ومن أظهر الخير) من نفسه (وأبطن الفسق فـ) هو في توبته عن الفسق، (كزنديق في توبته) عن الكفر؛ لأنه لم يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه من إظهار الخير.

(1)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(112) 3: 114 كتاب الحدود والديات.

ص: 547

] فصل: في توبة المرتد]

(فصل. وتوبة مرتد و) توبة (كل كافر: إتيانه بالشهادتين). وهو قول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله؛ لما روى ابن مسعود " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكنيسه فإذا هو بيهود وإذا هو بيهودي يقرأ عليهم

(1)

التوراة. فقرأ حتى إذا أتى على صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأمته. فقال: هذا صفتك وصفة أمتك. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ألله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لُوا أخاكم "

(2)

. رواه أحمد. فجعله أخا للمسلمين بمجرد إتيانه بالشهادتين.

ولقوله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل "

(3)

. متفق عليه، من رواية ابن عمر.

وهذا يدل على أن العصمة تثبت بمجرد الإتيان بالشهادتين. وإذا ثبت بهذا إسلام الكافر الأ صلى فكذلك إسلام المرتد.

ومحل هذا: فيمن لم تكن ردته بجحد فرض، أو جحد تحليل حلال، أو جحد تحريم حرام، أو جحد نبي، أو جحد كتاب، أو جحد رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى غير العرب.

(1)

في ج: عليه.

(2)

أخرجه أحمد في " مسنده"(3951) 1: 416.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(25) 1: 17 كتاب الإيمان، باب (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ).

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(22) 1: 53 كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. . .

ص: 548

أما إن كانت ردته بجحد شيء من ذلك فلا بد أن يأتي بالشهادتين (مع إقرار جاحد لفرض، أو) جاحد (تحليل، أو) جاحد (تحر يم، أو) جاحد (نبى، أو) جاحد (كتاب) من كتب الله سبحانه وتعالى، (أو) جاحد (رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى غير العرب بما جحده) من ذلك؛ لأن من جحد شيئا يكفر بجحوده لا يكتفى منه بالإتيان بالشهادتين؛ لأنهما لا يتضمنان الإقرار بما جحده فكفره باقي. فلا بد مما يدل على رجوعه عن جحده، لأنه كذب الله سبحانه وتعالى بما اعتقده؛ من الجحد فلا بد في إسلامه من الإقرار بما جحده.

(أو قوله: أنا مسلم) يعنى: أن توبة المرتد وتوبة كل كافر إتيانه بالشهادتين، أو قوله: أنا مسلم على الأصح وإن لم يلفظ بالشهادتين؛ لأنه إذا أخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرا بهما. وروى المقدأد أنه قال: " يا رسول الله لِلَّهِ أرايت إن لقيت رجلا من الكفار. فقاتلني فضرب إحدى يدى بالسيف فقطعها. ثم لاذ مني بشجرة. فقال: أسلمت. أفأقتله يا رسول الله لِلَّهِ بعد أن قالها؛ قال: لا تقتله. فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها "

(1)

.

وعن عمران بن حصين قال: " أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل. فأتوا

به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! إنى مسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت قلت وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح "

(2)

. رواهما مسلم.

قال في " المغني ": ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي، أو من جحد الواحدانية، أما من كفره بجحد نبي، أو كتاب، أو فريضة ونحو هذا فلا يصير مسلما بذلك؛ لأنه ربما اعتقدان الإسلام ما هو عليه. فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافر. انتهى.

(1)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(95) 1: 95 كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.

(2)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1641) 3: 1262 كتاب النذر، باب لا وفاء لنذر في معصية الله، ولافيما لا يملك العبد.

ص: 549

(ولا يغني قوله) أي: قول الكافر: (محمد رسول الله عن كلمة التوحيد) وهي: أشهد أن لا إله إلا الله (ولو من مقرٍّ به) أي: بالتوحيد على الأصح؛ لأن الشهادة برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا تتضمن معنى التوحيد.

(ومن شهد عليه بردة ولو) شهد إبان ردته (بجحد فأتى بالشهادتين) من غير أن ينكر ما شهد به عليه من الردة، (لم يكشف عن شيء)؛ لأنه لا حاجة مع ثبوت إسلامه إلى الكشف عن صحة ردته:(فلا يعتبر إقراره بما شهد عليه به) من الرد (لصحتهما) أي: الشهادتين (من مسلم ومنه) أي: ومن المرتد. ولا بد من إتيانه بالشهادتين. (بخلاف توبة

(1)

من بدعة) يعني: فإنه يعتبر إقراره بالبدعة. قال في " الفروع ": ذكره فيها جماعة. ونقل المروذي في الرجل يشهد

عليه بالبدعة فيجحد: ليسب له توبة، إنما التوبة لمن اعترف، فأما من جحد فلا. انتهى.

(ويكفي جحده) أي: جحد من لم تقم عليه بينة بردة (لردة أقر بها) على نفسه في الأصح؛ كرجوعه عن إقراره بجحد، (لا إن شهد عليه بها) أي: بالردة فجحدها ولم يأت بالشهادتين فإنه يثبت في أحكام المرتدين، ويستتاب إن كانت الردة المشهود بها تقبل توبته منها، وإلا قتل في الحال؛ لأن جحد الردة تكذيب للبينة. فلم تقبل منه؛ كسائر الدعاوي.

(وإن شهد) أي: قامت بينة على مسلم (أنه كفر) من غير تفصيل في الشهادة، (فادعى الإكراه) على كفره:(قبل) ذلك منه (مع قرينة) تدل على صدقه (فقط) أي: من غير إقامه بينه على الإكراه؛ كما لو كان محبوسا أو مقيدا أو نحو ذلك؛ لأن ذلك ظاهر في الإكراه.

(ولو شهد عليه) أي: أقامت عليه بينة بأنه نطق (بكلمة كفر، فادعاه) أي: ادعى الإكراه على ذلك: (قبل مطلقا) أي: مع قرينة أو بدونها؛ لأن تصديقه ليس فيه تكذيب للبينة. ولم يصر كافرا بإتيانه بكلمة الكفر مع الإكراه؛

(1)

في ج: توبته.

ص: 550

لقول الله سبحانه وتعالى: (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ)[النحل: 156]. وروي " أن عمارا أخذه المشركون فضربوه حتى تكلم بما طلبوه منه. ثم أتى

النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فأخبره. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن عادوا فعد "

(1)

.

ولأنه قول اكره عليه بغير حق. فلم يثبت حكمه؛ كما لو اكره على الإقرار بالمال.

(وإن اكره ذمي على إقرار بإسلام: لم يصح) إسلامه، ولم يثبت له حكمه

حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا. مثل: أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه. فإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفار لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام؛ وذلك لأنه إكراه على ما لا يجوز إكراهه عليه. فلم يثبت حكمه في حقه؛ كالمسلم إذا أكره على الكفر. والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى:(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)

] البقرة: 256].

(وقول من شهد عليه) بردة: (أنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام،

أو) قوله: (أنا مسلم توبة)؛ كما لو اعترف بأنه ارتد ثم قال ذلك.

(وإن كتب كافر الشهادتين: صار مسلما)؛ لأن الخط كاللفظ. فإذا تلفظ

كافر بالشهادتين أو كتبهما ثم قال: لم أرد الإسلام فقد صار مرتدا ويجبر على الإسلام. نص عليه أحمد في رواية جماعة؛ لأنه قد حكم بإسلامه. فيقتل إذا رجع؛ كما لو طالت مدته.

(ولو قال) كافر: (أسلمت، أو أنا مسلم، أو أنا مؤمن صار مسلما) بهذا

القول وإن لم يتلفظ بالشهادتين. (فلو) عاد بعد ذلك و (قال: لم أرد الإسلام، أو) قال: (لم أعتقده) أي: لم أعتقد الإسلام لم يقبل منه ذلك، و (أجبر على الإسلام) ولا يخلى. نقله أبو طالب في اليهودي إذا قال: قد أسلمت وأنا مسلم يجبر عليه (قد علم ما يراد منه). انتهى.

وقاله القاضي وأبو يعلى وابن البنا وغيرهما من الأصحاب.

(1)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 8: 208 كتاب المرتد، باب المكره على الردة.

ص: 551

(وإن قال: أنا مسلم، ولا أنطق بالشهادتين لم يحكم بإسلامه حتى يأتي

بالشهادتين).

قال في " الفروع ": وفي " مفردات أبي يعلى الصغير ": لا خلاف في أن الكافر لو قال: أنا مسلم ولا أنطق بالشهادة يقبل منه، ولا يحكم بإسلامه. انتهى. (و) من قال لكافر:(أسلم وخذ) مني (ألفا، أو نحوه)؛ كأسلم وخذ

لك فرسا، أو قال: بعيرا، أو قال: مائة، (فأسلم فلم يعطه، فأبى الإسلام: قتل) بالسيف. (وينبغي) لمن قال له ذلك (أن يفي) له بما وعده.

قال أحمد فيمن قال لكافر: أسلم وخذ ألفا فأسلم فلم يعطه فأبى الإسلام: يقتل، وينبغي أن يفي. انتهى.

قال الخطابي: ولم يشارط النبي صلى الله عليه وسلم المؤلفة على أن يسلموا فيعطيهم جعلاً على الإسلام، وإنما أعطاهم عطايا بأنه يتألفهم.

(ومن أسلم على أقل من) الصلوات (الخمس)؛ كمن أسلم على صلاتين

أو ثلاثة.

قال أحمد: وإن أسلم على صلاتين: (قبل منه، وأمر بالخمس.

وإذا مات مرتد) ثبتت ردته، (فأقام وارثه) من المسلمين (بينة أنه صلى بعدها) أي: بعد ردته: (حكم بإسلامه) وأعطي حقه من تركته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " من صلى صلاتنا. . . "

(1)

الخبر، سواء صلى في

(2)

جماعة أو منفردا في دار الحرب، أو في دار الإسلام؛ لأن ما كان إسلاما في دار الحرب كان إسلاما في دار الإسلام.

ولأن الصلاة ركن يختص به الإسلام. فحكم بإسلامه بها؛ كالشهادتين.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2641) 3: 44 كتاب الجهاد، باب على ما يقاتل المشركون.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(2608) 5: 4 كتاب الإيمان، باب ما جاء في قول النبي صصص:" أمرت بقتالهم حى يقولوا: لا إله إلا الله. . . ".

(2)

ساقط من ب.

ص: 552

وأما بقية الأركان من الزكاة، والصيام، والحج فلا يحكم بإسلامه به، فإن المشركين كانوا يحجون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى منعهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" لا يحج بعد العام مشرك "

(1)

.

والزكاة: صدقة وهم يتصدقون. وقد فرض على نصارى بنى تغلب من الزكاة مثلا ما يؤخذ من المسلمين ولم يصيروا بذلك مسلمين.

وأما الصيام فلكل أهل دين صيام.

ولأن الصيام ليس بأفعال إنما هو إمساك من أفعال مخصوصة في وقت مخصوص. وقد يتفق هذا من الكافر كاتفاقه من المسلم، ولا عبرة بنية الصيام؛ لأنها أمر باطن لا علم لنا بها. بخلاف الصلاة فإنها أفعال تتميز عن أفعال الكفار ويختص بها أهل الإسلام. ولا يثبت الإسلام حتى يأتي بصلاة يتميز بها عن صلاة الكفار من استقبال قبلتنا والركوع والسجود، ولا يحصل بمجرد القيام؛ لأنهم يقومون في صلاتهم.

(ولا يبطل إحصان مرتد) بردته. فإذا زنى وهو محصن ثم ارتد لم يسقط

عنه الرجم؛ لأنه زنى بعد إحصان. وكذا لو زنى المحصن وهو مرتد ثم تاب فإنه يرجم، لأنه وطئ زوجته في نكاح صحيح وذلك لا يزول بردته. وكذلك لا يزول إحصان القذف، فإذا قذف قاذف وجب عليه الحد؛ لأنه حر عفيف عن الزنا وحكم إسلامه لم يزل عنه، لأنه لا يقر على كفره، فهو في ذلك كغير المرتد.

(ولا) تبطل أيضا (عبادة فعلها) المرتد (قبل ردته إذا تاب) منها، لأنه فعلها على وجهها وبرئت

(2)

ذمته منها. فلم تعد إلى ذمته، كدين الآدمي.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(4105) 4: 1586 كتاب المغازي، باب حج أبي بكر بالناس في سنة تسع.

(2)

في أ: أو برئت.

ص: 553

] فصل: في أحكام المرتد]

(فصل. ومن ارتد لم يزل ملكه) عن ماله. يعني: أنه لا يحكم بزوال ملكه بمجرد ردته على الأصح؛ لأن الردة سبب يبيح دمه فلم يزل ملكه بذلك؛ كزنى المحصن؛ لأن زوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك كالقاتل في المحاربة.

(ويملك بتملك) يعني: أنه لو ملكه إنسان شيئا قبل توبته ملكه. وهذا مبني على عدم زوال ملكه بردته.

قال في " الفروع ": ويملك بأسباب التملك إن بقي ملكه وإلا فلا. واحتج

به في " الفصول " على بقاء ملكه وأن الدوام أولى. انتهى.

(ويمنع) المرتد (التصرف في ماله) من البيع، والهبة، والوقف، والإجارة ونحو ذلك. قاله القاضي وأصحابه أبو الخطاب وأبو الحسين وأبو الفرج. وفي " الوسيلة": نص عليه.

ونقل ابن هانئ: يمنع منه.

(و) حيث تقرر أن ملك المرتد لم يزل عن ماله بردته فإنه (تقضى منه ديونه، و) تدفع منه (أروش جناياته ولو جناها بدار حرب، أو في فئة مرتدة ممتنعة) على الأصح؛ لأن المرتد تحت حكمنا. بخلاف البغاة.

(وينفق منه) أي: من مال المرتد (عليه وعلى من تلزمه نفقته)؛ لأن ذلك

حق واجب بإيجاب. الشرع. أشبه الدين.

(فإن أسلم) أي: فإن عاد المرتد إلى الإسلام نفذت تصرفاته في ماله، (وإلا) بأن مات مرتدا بقتل أو حتف أنفه:(صار) ماله (فيئا من حين موته مرتدا) على الأصح؛ لأن الردة لم يزل بها ملكه؛ كما لو قتل معصوما، فإذا

ص: 554

مات انتقل ماله إلى بيت المال؛ لأنه لا وارث له من المسلمين ولا من غيرهم. (وإن لحق) المرتد (بدار حرب: فهو وما معه) من مال (كحربي) يعني: فيباح لمن قدر عليه قتله وأخذ ما معه، (و) أما (ما بدارنا) من ماله فهو (فيء من حين موته) على الأصح، وما دام حيا فملكه ثابت فيه يتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه؛ لأن حل دمه لا يوجب توريث ماله بدليل الحربي الأصلي. وإنما حل ماله الذي معه؛ لأنه زالى العاصم له وهو دار الإسلام.

(ولو ارتد أهل بلد، وجرى فيه حكمهم) أي: حكم الكفار: (فدار حرب) يعني: أنهم صاروا حربيين، (يغنم مالهم، و) يغنم (ولد) لهم (حدث بعد الردة)، وعلى الإمام قتالهم. فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة

(1)

.

ولأن الله سبحانه وتعالى أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه، وهؤلاء أحق بالقتال من الكفار الأصليين " لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم. وإذا قاتلهم قتل من قدر عليه منهم، ويتبع مدبرهم، ويجهز على جريحهم، وتغنم أموالهم.

(ويؤخذ مرتد بحد أتاه في ردته) وإن أسلم على الأصح. نص عليه؛ لأن إسلامه أوجب عليه التزام أحكامه وذلك واجب عليه.

ولأن الردة لا تزيده إلا تغليظا.

ولا فرق في ذلك بين كون الحد لله تعالى؛ كالزنا، أو لآدمى؛ كالقذف في الأصح.

(لا بقضاء ما ترك فيها) أي: في ردته (من عبادة)؛ كصلاة وصوم على الأصح؛ لقول الله سبحانه وتعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)[الأنفال: 38]، وكالحربي.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6526) 6: 6526 كتاب استتابة المرتدين، باب قتل من أبى قبول الفرائض، وما نسبوا إلى الرده.

ص: 555

ولأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يأمر المرتدين بقضاء ما فاتهم.

(وإن لحق زوجان مرتدان بدار حرب: لم يسترقا) ولا واحد منهما؛ لأنه

لا يقر على كفره؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من بدل دينه فاقتلوه "

(1)

. ولم يثبت أن الذين سباهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه من بني حنيفة كانوا أسلموا ولا ثبت لهم حكم الردة.

(ولا) يسترق أيضا (من ولد لهما) أي: للزوجين اللذين ارتدا ولحقا بدار الحرب قبل ردته، (أو حمل) وجد (قبل ردة)؛ لأنهم محكوم بإسلامهم تبعا لأبويهم قبل الردة، ولا يتبعونهما في الردة؛ لأن الإسلام يعلو، وقد تبعوهم في الإسلام فلا يتبعوهم في الكفر. فلا يجوز استرقاقهم صغارا؛ لأنهم مسلمون ولا كبارا؛ لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم بعد كبرهم فهم مسلمون، وإن كفروا فهم مرتدون.

(ومن لم يسلم منهم: قتل) بالسيف بعد استتابته؛ كآبائهم.

(ويجوز استرقاق) الولد (الحادث فيها) أي: في ردة الزوجين اللذين

لحقا بدار الحرب للحكم بكفره؛ لأنه ولد بين أبوين كافرين وليس بمرتد. نص على ذلك.

(ويقر على كفر بجزية) على الأصح؛ كأولاد أهل الحرب وكالكافر الأصلي. والجامع بينهما اشتراكهما في جواز الاسترقاق.

(1)

سبق تخريجه ص (534) رقم (2).

ص: 556

(فصل) في السحر

وغيره

وهو عقد ورقى وكلام يتكلم به من يسحر أو يكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في

بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله من غير مباشرة له.

وله حقيقة. فمنه: ما يقتل، ومنه: ما يمرض، ومنه: ما يؤخذ الرجل

عن امرأته فيمنعه من وطئها، ومنه: ما يفرق به بين المرء وزوجه، وما يبغض أحدهما الى الآخر أو يحبه. وهذا قول الشافعي.

وذهب بعض أصحابه إلى أنه لا حقيقة له إنما هو تخييل؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)[طه: 66].

وقال أصحاب الحنفية: إن كان شيئا يصل الى بدن المسحور كدخان ونحوه جاز أن يحصل منه ذلك. فأما

(1)

أن يحصل المرض والموت من غير أن يصل إلى بدنه شيء فلا يجوز ذلك؛ لأنه لو جاز لبطلت معجزات الأنبياء عليهم السلام؛ لأن ذلك يخرق العادات فإذا جاء زمن غير الأنبياء بطلت معجزاتهم وأدلتهم. ولنا: قول الله سبحانه وتعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ? مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ? وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ? وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ?)[الفلق: 1 - 4] يعني: السواحر اللواتي

يعقدن في سحرهن وينفثن عليه. ولولا أن السحر له حقيقة لما أمر بالاستعاذة منه.

وقال الله سبحانه ودتعالى: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) إلى قوله سبحانه وتعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)[البقرة: 102].

(1)

في ب: وأما.

ص: 557

وروت عائشة " أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله "

(1)

.

وروي من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطؤ على الكذب فيه.

وأما إبطال المعجزات فلا يلزم من هذا فإنه لا يبلغ ما يأتي الأنبياء عليهم السلام، وليس يلزم أن ينتهي إلى أن تسعى العصي والحبال

(2)

.

إذا ثبت هذا فإنه يحرم تعليم السحر وتعلمه.

(وساحر يركب المكنسة فتسير به في الهواء، ونحوه)؛ كالمدعي أن الكواكب تخاطبه: (كافر)؛ لقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ)[البقرة: 102] أي: وما كان ساحرا كفر بسحره. وهو قوله سبحانة وتعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ)[البقرة: 102] أي: لا نتعلمه فنكفر بذلك. وهذا يدل على أن متعلمه كافر.

(كمعتقد حله)؛ لأن القرآن نطق بتحريمه وثبت بالنقل المتواتر والإجماع على تحريمه.

(لا من يسحر بأدوية، وتدخين، وسقي شيء يضر) يعني: فلا يكفر ولا يقتل؛ لأن الله سبحانه وتعالى وصف الساحرين الكافرين بأنهم يفرقون بين المرء وزوجه. فيختص الكفر بهم ويبقى من سواهم من السحرة على أصل العصمة، (ويعزر) تعزيرا (بليغا).

قال في " الإنصاف ": بحيث لا يبلغ به القتل على الصحيح من المذهب. وقيل: له تعزيره بالقتل. انتهى.

(ولا) يكفر أيضا في الأصح (من يعزم على الجن، ويزعم: أنه يجمعها وتطيعه). وذكره أبو الخطاب في السحرة الذين يقتلون.

(1)

أخرجه البخاري في "صحيحه "(433 5) 5: 2176 كتاب الطب، باب السحر.

(2)

في ب: والجبال.

ص: 558

وأما من يحل السحر فإن كان بشيء من القرآن أو شيء من الذكر والإقسام والكلام الذي لا بأس به فلا بأس به، وإن كان بشيء من السحر فقد توقف أحمد عنه.

قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل يزعم أنه يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل لأبي عبد الله: إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه ويعمل كذا. فنفض يده كالمنكر. وقال: لا أدري. وسيأتى الكلام على شيء من ذلك في المتن.

(ولا) يكفر (كاهن) وهو: الذي له رئي من الجن يأتيه بالأخبار.

ولا يكفر (عراف) وهو: الذي يحدس ويتخرص

(و) لا يكفر (منجم) وهو: الذي ينظر في النجوم ويستدل بها على

الحوادث.

قال في " الفروع ": وفي " الترغيب ": الكاهن والمنجم كالساحر عند أصحابنا. وأن ابن عقيل فسقه فقط إن قال: أصبت بحدسي وفراهتي. فإن أوهم قوما بطريقته أنه يعلم الغيب فللإمام قتله لسعيه بالفساد.

وقال شيخنا: التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية

من السحر. قال: ويحرم إجماعا. وأقر أولهم وآخرهم أن الله يدفع عن أهل العبادة والدعاء ببركته ما زعموا أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك أن تجلبه. انتهى.

قال في " المغني ": قال أحمد في رواية حنبل في العراف والكاهن والساحر: أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل. قيل له: يقتل؛ قال: لا. يحبس لعله يرجع. قال: والعراف طرف من السحر، والساحر أخبث " لأفي السحر شعبة من الكفر. وقال: الساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا؛ لأنهما يلبسان أمرهما. وحديث عمر: " اقتلوا كل ساحر وكاهن "

(1)

.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3043) 3: 168 كتاب الخراج والأمارة والفيء، باب في أخذ الجزية من المجوس. ولفظه:" اقتلوا كل ساحر ". =

ص: 559

وليس هو من أمر الإسلام. وهذا يدل على أن كل واحد منهما فيه روايتان: إحداهما: أنه لقتل إذا لم يتب.

والثانية: أنه

(1)

لا يقتل " لأن حكمه أخف من حكم الساحر وقد اختلف

فيه. فهذا يدرأ القتل عنه أولى. انتهى كلامه في " المغني ".

(ولا يقتل ساحر كتابي) نص عليه، (أو نحوه)، كساحر مجوسي لكونه ساحرا، إلا أن يقتل بسحره ما يقتل به غالبا فيقتل قصاصا.

وقال أبو حنيفة: يقتل، لعموم الأخبار.

ولأن السحر جناية أوجبت قتل المسلم. فأوجبت قتل الذمي؛ كالقتل بالآلة.

ولنا: " أن لبيد ابن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله "

(2)

.

ولأن الشرك أعظم من سحره ولم يقتل به. والأخبار وردت في ساحر المسلمين؛ لأنه يكفر بسحره وهذا كافر أصلي.

وقياسهم ينتقض بزنا المحصن فإنه لا يقتل به الذمي عندهم ويقتل به المسلم.

(ومشعبذ، وقائل بزجر طير، وضارب بحصا، و) ضارب بـ (شعير،

و) ضارب بـ (قداح). زاد في " الرعاية ": والنظر في ألواح الأكتاف (إن لم يعتقد إباحته، و) لم يعتقد (أنه يعلم به الأمور المغيبة: عزر ويكف عنه.

وإلا) بأن اعتقد إباحته وأنه يعلم به الأمور المغيبة: (كفر) فيستتاب، فإن

تاب وإلا قتل.

(ويحرم طلسم) بغير العربي، (و) تحرم (رقية بغير العربي).

وقيل: يكره.

(1)

زيادة من ج.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(028 6) 5: 2347 كتاب الدعوات، باب تكرير الدعاء.

ص: 560

(ويجوز الحل بسحر ضرورة) أي: للضرورة إلى ذلك فى الأصح.

قال الموفق في " المغني ": توقف أحمد في الحل وهو إلى الجواز أميل.

وسأله مهنا عمن تأتيه مسحورة فيطلقه عنها. قال: لا بأس.

قال الخلال: إنما كره فعاله ولا يرى به بأسا كما بينه مهنا. وهذا من

الضرورة التي تبيح فعلها.

(والكفار: أطفالهم ومن بلغ منهم) أي: من الكفار (مجنونا، معهم)

أي: مع أبويه الكافرين (في النار) على الأصح.

وعنه: الوقف. واختار ابن عقيل وابن الجوزي في الجنة كأطفال المسلمين، ومن بلغ من أطفال المسلمين مجنونا.

قال في " الفروع ": واختار شيخنا تكليفهم في القيامة للأخبار. ومثلهم من

بلغ منهم مجنونا. فإن جن بعد بلوغه فوجهان، فظاهره يتبع أبويه في الإسلام كصغير، فيعايا بها. انتهى.

(ومن ولد أعمى أبكم أصم، فـ) هو (مع أبويه كافرين) كانا (أو مسلمين

ولو) كانا كافرين ثم (أسلما بعد ما بلغ).

قال في " الفروع ": نقل ابن منصور فيمن ولد أعمى أبكم أصم وصار

رجلا: هو بمنزلة الميت هو مع أبويه. وإن كانا مشركين ثم أسلما بعد ما صار رجلا قال: هو معهما. ويتوجه مثلهما أي: مثل من بلغ مجنونا من أولاد الكفار ومثل من ولد أعمى أبكم أصم من لم تبلغه الدعوه. وقاله شيخنا.

وذكر في " الفنون " عن أصحابنا: لا يعاقب. قال: وإذا منع حافل البعد

شروط التكليف فأولى فيهما؛ لعدم جواز إرسال رسول إليهما. بخلاف أولئك. وقال بعد أسطر: وقال القاضي أبو يعلى في قوله سبحانه وتعالى:

(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا)[الإسراء: 15] في هذا دليل على

أن معرفة الله سبحانه وتعالى لا تجب عقلا، وإنما تجب بالشرع وهو بعثة الرسل، وانه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار. قالى: وقيل معناه: إنه

ص: 561

لا يعذب فيما طريقه السمع إلا بقيام حجة السمع من جهة الرسول. ولهذا قالوا:

لو أسلم بعض أهل الحرب في دار الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوهما

لم يلزمه قضاء شيء منهما؛ لأنها لا تلزمه إلابعد قيام حجة السمع.

والأصل فيه قصة أهل قباء حين استداروا إلى الكعبة ولم يستأنفوا

(1)

.

ولو أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة، قالوا: عليه القضاء؛

لأنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة، وذلك دعاء إليها. ذكر ذلك ابن الجوزي ولم يزد عليه، فدل على موافقته.

والمشهور في أصول الدين عن أصحابنا أن معرفة الله سبحانه وتعالى وجبت

شرعا. نص عليه.

وقيل: عقلا. وهي أول واجب لنفسه، ويجب قبلها النظر لتوقفها عليه،

فهو أول واجب لغيره. ولا يقعان ضرورة.

وقيل: بلى. انتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

عن ابن عمر رضى الله عنهما: " بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء، إذ جاء جاءٍ فقال: أنزل الله على النبي صصص قرآنا يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فتوجهوا إلى الكعبة ".

أخرجه البخاري في " صحيحه "(4218) 4: 1632 كتاب التفسير، باب قوله:(وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول).

ص: 562