المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[كتاب: الشركة] هذا (كتاب) يذكر فيه مسائل من أحكام الشركة. وفيها لغات: - شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى - جـ ٦

[ابن النجار الفتوحي]

فهرس الكتاب

[كتاب: الشركة]

هذا (كتاب) يذكر فيه مسائل من أحكام الشركة.

وفيها لغات: فتح الشين مع كسر الراء وسكونها، وكسر الشين مع سكون الراء.

وهي جائزة بالإجماع.

وسنده من الكتاب قوله تعالى: {فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12].

وقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24].

وا لخُلطاء: الشركاء.

وغير ذلك من آيات المواريث والغنائم.

ومن السنة ما روى الشافعي عن مسلمة بن خالد عن عبداًلله بن عثمان عن مجاهد عن السائب [بن أبي السائب]

(1)

وكان يشارك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: " مرحبًا بأخي، لا يداري ولا يماري ". ثم قال له: " يا سائب لِلَّهِ كنت تعمل أعمالا في الجاهلية لا تقبل منك وهي اليوم تقبل منك. وكان ذا سلف وصلة "

(2)

.

وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقول الله: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه. فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما "

(3)

. رواه أبو داود.

(1)

ساقط من أ.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4836) 4: 260 كتاب الأدب، باب في كراهية المراء.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2287) 2: 768 كتاب التجارات، باب الشركة والمضاربة.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(5539 1) 3: 425.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3383) 3: 256 كتاب الييوع، باب في الشركة.

ص: 5

وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا "

(1)

. وغير ذلك.

ثم (الشركة قسمان):

القسم الأول: (اجتماع في استحقاق). وهو أنواع:

النوع الأول: أن تكون في المنافع والرقاب؛ كما لو ملك اثنان أو جماعة

عبداً أو داراَ أو نحوهما بإرث أو ابتياع أو هبة أو مغنم.

النوع الثانى: أن تكون في الرقاب فقط؛ كما لو ورث اثنان أو جماعة عبداً

أو نحوه موصى بنفعه لأجنبي: فإن الورثة شركاء في رقبته فقط.

النوع الثالث: أن تكون في المنافع دون الأعيان؛ كما لو وصى لاثنين أو

أكثر بمنفعة عبد أو نحو ذلك: فإن الموصى لهم شركاء في المنفعة دون الرقبة. النوع الرابع: أن تكون في حقوق الرقاب؛ كما لو قذف اثنان أو جماعة يتصور زناهم عادة بكلمة: فإن المقذوفين شركاء في حقهم الواجب على رقبة القاذف. وهو حد القذف. فإذا طالبوا كلهم وجب لهم حدٌ واحد؛ لأن القذف بكلمة واحدة.

والقسم (الثاني) من أقسام الشركة: الاجتماع (في تصرف). وتسمى شركة العقود. وهي المقصودة لأن تُبين أحكامها في هذا المحل.

(وتكره) أن تكون (مع كافر)؛ كمجوسي. نص عليه.

قال في " الإنصاف ": قلت: ويلحق به الوثني ومن في معناه.

(لا كتابي لا يلي التصرف). فلا تكره مشاركته إن ولي المسلم التصرف.

نص عليه؛ لما روى الخلال بإسناده عن عطاء قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مشاركة اليهودي والنصرانى. إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم ".

ولأن العلة في كراهة ما خلوا به معاملتهم بالربا وبيع الخمر ونحوه. وهذا

(1)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(140) 3: 35 كتاب البيوع.

ص: 6

منتف فيما حضره المسلم.

وقيل: تكره مشاركة الكافر مطلقا ً؛ لأنه روي عن عبداًلله بن عباس أنه قال:

" أكره أن يشارك المسلم اليهودي ".

وهو محمول على أن العلة فيه كونهم يربون.

وروى عنه الأثرم التصريح بهذه العلة. وهي منتفية فيما حضره المسلم.

وأما ما يشتريه الكافر من خمر أو نحوه بمال الشركة أو المضاربة فإنه يقع فاسداً وعليه الضمان. فإنّ عَقْدَه يقع للمسلم، والمسلم لا يثبت ملكه على خمر ونحوه. فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا.

هذا إذا علم المسلم بذلك وأما ما خفي أمره علينا فالأصل حله.

(وهو) أى: القسم الثانى وهو: الاجتماع في التصرف (أضرب) خمسة. جمع ضرب. وهو الصنف. يعني: أن هذا القسم أصناف:

أحدها: (شركة عِنان). ولا خلاف في جوازها، وإنما الخلاف في بعض

شروطها.

وسميت بذلك؛ قيل: لأنهما يستويان في المال والتصرف؛ كالفارسين إذا استويا في السير. فإن عناني فرسيهما يكونان سواء.

وقيل: لأن كل واحد منهما يملك التصرف في جميع المال، كما يملك التصرف فى عنان فرسه كيف شاء.

وقال الفرّاء: هي مشتقه من عَنّ الشيء إذا عرض، لأن كلاًّ

(1)

منهما عَنّ له

أن يشارك صاحبه.

وقيل: من المعاننة وهي المعارضة، يقال: عاننت

(2)

فلاناً إذا عارضته بمثل ما جاء به؛ لأن كلاً منهما معارض لصاحبه بماله وفعاله.

(1)

في ج: كل واحد.

(2)

في ج: عانت.

ص: 7

(وهي) أي: وكيفيتها: (أن يحضر) من الإحضار (كل) أي: كل واحد

(من عدد) أي: من اثنين فأكثر (جائز التصرف) أي: كل منهم جائز التصرف (من ماله، نقداً) ذهباً أو فضة (مضروبا) أي: مسكوكاً. وظاهره ولو بسكة الكفار (معلوماً) قدراً وصفة.

ويصح (ولو) كان النقد (مغشوشاً قليلاً، أو) كان (من جنسين) بأن كان أحدهما ذهباً والآخر فضة، (أو) كان مال الشركة (متفاوتاً) بأن يكون لأحدهما الثلثان والآخر الثلث، (أو) كان مختلطا (شائعاً بين الشركاء: إن علم كل) منهم (قدر ماله)؛ كلهذا النصف شائعاً، ولهذا الثلث شائعاً، ولهذا السدس شائعاً.

أما كونها لا تصح على غير النقد من العروض في المنصوص؛ فلأن الشركة

إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو ثمنها.

أما أعيانها فلا يجوز وقوعها عليها؛ لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة ب رأس المال أو بمثله وهي لا مثل لها فيرجع إليه. وقد تزيد قيمة جنس عروض أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص فيؤدي إلى أن يشاركه

(1)

الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.

وأما قيمتها فلا تجور عليها؛ لأنها قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة له.

وأما ثمنها فلا تجوز عليه؛ لأنه معدومٌ حال العقد، وغير مملوك لهما؛

لأنه إن أريد الذي اشتريتْ به فقد صار لبائعها، وإن أريد الذي تباع به. فإن الشركة تصير معلقة على شرط وهو بيع الأعيان.

وعنه: تصح بالعروض، ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد.

وأما كونه يشترط أن يكون النقد مضروباً دراهم أو دنانير؛ فلأنها قيم المتلفات وأثمان البياعات. ولم يزل الناس يشتركون عليها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى

(1)

فى أ: يشارك.

ص: 8

زمننا من غير نكير.

وغير المضروب كالعروض.

وقيل: تصح بالنقرة التي لم تضرب، وبالفلوس إذا كانت نافقة.

وأما كونه يعتبر إحضار مال الشركة عند العقد؛ فلتقرير العمل وتحقيق الشركة إذاً كمضاربة نص عليه.

وأما كونه يشترط أن يكون معلوماً؛ فلأنه لا بد من الرجوع ب رأس المال عند المفاصلة، ولا يمكن ذلك مع جهله.

وأما كونها تصح على المغشوش قليلاً؛ فلأن ذلك لا يمكن التحرز منه.

وأما كونها تصح على الجنسين في المنصوص، كما لو أحضر أحدهما دراهم والآخر دنانير؛ فلأنه عند المفاصلة يمكن كل واحد منهما

(1)

الرجوع بجنس ماله؛ كما لو كان الجنس واحداً.

قال الإمام أحمد: يرجع هذا بدنانيره وهذا بدراهمه. وقال: كذا يقول محمد والحسن.

وإنما يَشترط كونها من جنس واحد من يقول بأن الخلط شرط. وهو لا يمكن

إلا في الجنس الواحد، ونحن لا نقول به.

واما كونها تصح مع عدم تساوي المالين منهما؛ فلأنه قول الجمهور من العلماء، منهم إمامنا والشافعى ومالك وأبو حنيفة وأصحابه.

لكن يشترط مالك والشافعي: أن يكون الربح بينهما على قدر ماليهما.

وأما كونها تصح على النقد المضروب الشائع بين الشركاء؛ فلأن مبناها إنما

هو على الوكالة والأمانة، وذلك يجري على الشائع كما يجري على غيره. (ليعمل فيه) أي: في جميع المال (كل) ممن له فيه شيء (على أن له) أي: لكل من يعمل (من الربح) الحاصل بالعمل (بنسبة ما لَه) من المال:

(1)

زيادة من ج.

ص: 9

فمن له فيه النصف له نصف الربح، ومن له فيه الثلث له ثلث الربح، ومن له فيه السدس له سدس الربح.

(أو) على أن لكل منهم (جزءاً مشاعاً معلوماً) من الربح ولو متفاضلاً؛ لتفاوتهم في قوة الحذق؛ كأن يُجعل لرب السدس نصف الربح، ولرب النصف ثلث الربح، ولرب الثلث سدس الربح.

(أو يقال): على أن الربح (بيننا. فيستوون فيه) فيكون لكل منهم ثلثه؛

لأن إضافته إليهم إضافة واحدة من غير ترجيح. فاقتضت تسويتهم فيه؛ كقول جماعة: هذه الدار بيننا.

فهذه ثلاث صور في كيفية اشتراط الربح، كلها صحيحة. مع تعاقدهم على

أن يعمل كلهم في المال. فيصح أن يتعاقدوا على أن يعمل الكل كما تقدم.

(أو) يعمل (البعض) منهم كواحد أو اثنين، (على أن يكون له) أي: للعامل (أكثر من ربح ماله)؛ كما لو تعاقدوا على أن يعمل في المال رب السدس ويكون الربح بينهم أثلاثاً، أو رب الثلث ويكون نصف الربح له والنصف الآخر لرب النصف ثلاثة أرباعه ولرب السدس ربعه، أو رب الثلث والسدس على أن يكون لهما ثلاثة أرباع الربح وربعه لرب النصف أو نحو ذلك.

(وتكون) الشركة فيما إذا تعاقدوا على أن يعمل بعضهم على هذا الحكم (عناناً ومضاربة)؛ لأن ما يأخذه العامل زيادة على ربح ماله حكمه فيه كالمضارب.

(ولا تصح) الشركة إن تعاقدوا على أن يكون له من الربح (بقدره) أي:

قدر ماله؛ (لأنه إبضاع) لا شركة.

والإبضاع: هو دفع الإنسان ماله لمن يعمل فيه بغير عوض.

(ولا بدونه) اي: إن تعاقدوا على أن يعمل أحدهم في جميع المال ويكون

له من الربح دون قدر ما يقابل ماله: لم يصح؛ لأن من لم يعمل لا يستحق ربح مال غيره ولا بعضه.

ص: 10

وفيه مخالفة لموضوع الشركة.

ولأنه قد شرط عليه لغيره العمل وبعض ربح نفسه. وفيه وجه.

(وتنعقد) الشركة (بما يدل على الرضا) من قول أو فعل بتصرف كلًَ في جميع المال وائتمانه عليه.

(ويُغني لفظ: الشركة) على الأصح من الروايتين (عن إذن صريح بالتصرف).

قال في " الفصول ": وهو المعوَل

(1)

عليه عند أصحابنا. نقله عنه في

" الفروع " واقتصر عليه.

(ويَنْفُذ) التصرف في جميع المال (من كلٍّ) من الشريكين (بحكم الملك: في نصيبه، و) بحكم (الوكالة: في نصيب شريكه)؛ لما تقدم من أنها مبنية على الوكالة والأمانه.

(ولا يُشترط) لصحة الشركة (خَلْطٌ) لمالها، ولا أن تكون أيدي الشريكين عليه؛ لأنها عقد على التصرف. فلم يكن من شرطه شيء من ذلك؛ كالوكالة. و (لأن مورد العقد العمل، وبإعلام الربح يعلم، والربح نتيجته) اي: نتيجة العمل، (والمال تبع).

فإن قيل: إذا لم يخلطا فزاد أحد المالين كان ما زاد

(2)

لربه دون صاحبه. وكذا إن تلف كان من ضمان ربه دون صاحبه.

فالجواب: أن من موجب الشركة: أن يتعلق بالشريكين الربح والضمان.

سواء خلطا المالين أو لا. ولهذا قلنا:

(فما تلف قبل خلط فمن الجميع) أي: فمن ضمان جميع الشركاء؛ كنمائه

قبل الخلط (لصحة قسم) للمال (بـ) مجرد (لفظ؛ كخرص ثمر) فكذا

(1)

في أوب: المعمول.

(2)

في أوب: زاده.

ص: 11

الشركة. احتج به أحمد، قاله الشيخ تقي الدين.

وعنه: من ربه.

(ولا تصح) الشركة (إن لم يذكر الربح) في العقد كالمضاربة؛ لأنه المقصود منها. فلا يجوز الإخلال به.

(أو شرط لبعضهم) أي: الشركاء (جزء مجهول)؛ كثلث الربح إلا عشرة

د راهم.

أو مثل ما شرط لفلان مع جهل ذلك؛ لأن الجهالة تمنع تسليم الواجب.

ولأن الربح مقصود بالعقد. فلا يصح مع الجهالة؛ كالثمن والأجرة.

(أو دراهم معلومة)؛ كألف ومائة وعشرة؛ لأن المال قد لا يربح إلا المسمى فيختص به من سمي له. وهذا مخالف لموضوع الشركة.

(أو) يشرط لبعضهم (ربح عين معينة)؛ كربح هذا الثوب. (أو) ربح

عين (مجهولة)؛ كربح أحد هذين الثوبين.

ومثل ذلك في الحكم لو شرط لبعضهم ربح إحدى السفرتين أو ما يربح المال

في يوم أو شهر أو عام بعينه؛ لأنه قد يربح في ذلك المعين دون غيره فيختص به من شرط له. فلا يصح؛ لمخالفته لموضوع الشركة.

(وكذا) أي: وكالشركة في هذا الحكم (مساقاة ومزارعة) فيما إذا شرط للعامل ثمرة شجرة معينة أو زرع قطعة معينة أو نحو ذلك فإنها لا تصح.

(وما يشتريه البعض) من الشركاء (بعد عقدها) أي: الشركة من مالها: (فـ) يكون الملك فيه (للجميع) أي: جميع الشركاء؛ لأن كلاً منهم وكيل الباقين وأمينهم.

(وما أبرأ) بعضهم (من مالها، أو أقر به قبل الفرقة من دين أو عين: فمن نصيبه)؛ لأن شركاءه إنما أذنوا له

(1)

في التجارة، وليس الإقرار داخلاً فيها.

(1)

ساقط من أ.

ص: 12

وقيل: يكون على الجميع.

(وإن أقر بمتعلق بها) اي: بالشركة؛ كما لو أقر بعيب في عين باعها من مالها، أو بأجرة المنادي، أو الحمال، أو أشباه هذا:(فمن) نصيب (الجميع)؛ لأن هذا من توابع التجارة

(1)

.

(والوضيعة

(2)

بقدر مال كلً) من الشركاء؛ لأنها عبارة عن نقصان رأس المال وهو مختص بالقدر فيكون النقص منه دون غيره، سواء

(3)

كانت الوضيعة

(4)

لتلف أو نقصان في الثمن أو غير ذلك.

ومقتضى هذا اختصاصها برب المال في المضاربة.

(ومن قال) من الشريكين: (عزلت شريكي: صح تصرف المعزول في

قدر نصيبه) من المال فقط.

ويصح تصرف العازل في جميع المال؛ لأن المعزول لم يرجع عن إذنه.

(ولو قال) أحدهما: (فسخت الشركة: انعزلاً). فلا يصح تصرف واحد منهما إلا في قدر نصيبه من المال؛ لأن فسخ الشركة يقتضي عزل نفسه من التصرف في مال صاحبه، وعزل صاحبه من التصرف في مال نفسه.

وعنه: إن كان المال عرضاً لم ينعزل كل منهما حتى ينض؛ كالمضارب إذا عزله رب المال.

وردّ: بأن الشركة وكالة والربح يدخل ضمناً، وحق المضارب أصلي.

وهل كل منهما أجير مع صاحبه؟ فال في " الفروع. ": فيه خلاف.

(ويقبل قول رب اليد) أي: واضع اليد منهما على شيء: (إن ما بيده له)

(1)

في أوب: التجار.

(2)

في أوب: التجار.

(3)

في أوب: وسواء.

(4)

في أ: الوضعية.

ص: 13

خاصة، (وقول منكر للقسمة) فيما إذا ادعاها عليه صاحبه في عدمها؛ لأن الأصل معه في المسألتين.

(ولا تصح) شركة (ولا مضاربة بنُقْرة) وهي الفضة: (التي لم تُضرب،

ولا بمغشوشة) غشاً (كثيراً، و) لا بـ (فلوس، ولو) كانت المغشوشة والفلوس (نافقتين).

وتقدم الكلام على ذلك

(1)

.

****

(1)

ص: 8

ص: 14

(فصل): فيما يملك الشريك فعله

وما لا يملكه، وفيما عليه من العمل وغير ذلك.

(ولكل) من الشريكين أو الشركاء (أن يبيع) مال الشركة (ويشتري) به مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة وكيف رأى المصلحة؛ لأن هذا عادة التجار. (ويأخذ) ثمناً ومثمناً، (ويعطي) ثمناً ومثمناً، (ويطالب) بالدين، (ويخاصم) فيه؛ لأن من ملك قبض شيء ملك المطالبة به والمخاصمة فيه.

بدليل ما لو وكله في قبض دينه.

(ويحيل ويحتال)؛ لأنهما عقدا معاوضة وهو يملكها.

(ويرد) ما ولي شراءه هو أو شريكه (بعيب للحظ ولو رضي شريكه) به؛

كما لو رضي أحدهما بإهمال المال بلا عامل؛ لأن لشريكه إجباره عليه لأجل الربح ما لم يفسخ الشركة.

(و) أن (يقر به) أي: بالعيب فيما باعه من مالها؛ لأن ذلك من متعلقاتها.

وإعطاء أرشه.

(و) أن (يقايل) فيما باعه أو اشتراه؛ لأن الحظ قد يكون فيها.

(و) أن (يؤجر ويستأجر) من مالها؛ لأن المنافع أجريت مجرى الأعيان. فكانت كالشراء والبيع.

وأن يقبض أجرة المؤجر ويدفع أجرة المستأجر.

(و) أن (يبيع نَساء) ويشتري معيباً. بخلاف وكيل فيهما؛ لأن المقصود

من الشركة الربح. بخلاف الوكاله.

وأن يشتري نساء بنقد عنده مثله، أو نقد من غير جنسه، [أو بمثليٍّ عنده من جنسه]

(1)

؛ لأنه إذا اشترى بجنس ما عنده فهو يؤدي مما في يده. فلا يفضي إلى

(1)

ساقط من أ.

ص: 15

الزيادة في الشركة.

وإن لم يكن في يده نقد، ولا مثليّ من جنس ما اشترى به، أو كان عنده عرض واستدان عرضاً: فالشراء له خاصة وربحه له وضمانه عليه؛ لأنه استدانه على مال الشركة وليس له ذلك إلا بإذن كما سيأتي

(1)

.

قال في " المغني ": والأولى أنه متى كان عنده من مال الشركة ما يمكنه أداء الثمن منه ببيعه أنه يجوز؛ لأنه أمكنه أداء الثمن من

(2)

مال الشركة. فأشبه ما لو كان عنده نقد.

ولأن هذا عادة التجار، ولا يمكن التحرز منه.

(و) لكل أن (يفعل كل ما فيه حظ) للشركة؛ (كحبس غريم، ولو أبى) الشريك (الآخر) حبسه. وفيه رواية.

(و) أن (يودع) مال الشركة (لحاجة) إلى الإيداع؛ لأنه عادة التجار.

وفيه وجه.

(و) لكل أن (يرهن) من مال الشركة، (ويرتهن) بأن يأخذ رهناً عليه (عندها) أي: عند الحاجة؛ لأن الرهن يراد للإيفاء، والارتهان يراد للاستيفاء وهو يملكهما. فكذا ما يراد لهما. وفيهما وجه.

(و) أن (يسافر) بالمال (مع أمن).

قال القاضي: قياس المذهب جوازه.

والمراد مع الإطلاق؛ لأن الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة، وعادة التجار جارية بالتجارة سفراً وحضراً. وفيه وجه.

وفُهم من كلام المتن: أنه إن لم يكن هناك أمن أنه ليس له السفر. وهو كذلك. فإن سافر فهو ضامن لما يتلف؛ لأنه متعد بفعل ما ليس له فعله.

(1)

ص (18).

(2)

ساقط من أ.

ص: 16

(ومتى لم يعلم) شريك سافر بمال الشركة (أو ولي يتيم) سافر بمال اليتيم

إلى محل مَخوف (خوفه.

أو) باع الشريك مال الشركة أو ولي اليتيم لمفلس ولم يعلما (فلس مشتر) فضاع المال: (لم يضمن) واحد منهما ما تلف بسبب ذلك. ذكره أبو يعلى الصغير.

قال في " الفروع ": ويتوجه الخلاف.

ولعل وجه عدم الضمان: أن هذا يعسر التحرز منه.

(بخلاف شرائه خمراً جاهلاً) فإنه يضمن. نقله ابن منصور.

(وإن علم) شريك (عقوبة سلطان ببلد، بأخذ مال. فسافر فأخذه) أي:

أخذ السلطان مال الشركة: (ضمن) ما أخذ لتعريضه

(1)

للأخذ. ذكره في

" النوادر" واقتصر عليه في " الفروع ".

(لا أن يكاتِب) شريك (قناً) من مال الشركة، (أو يزوجه أو يعتقه) مجاناً

أو (بمال)؛ لأن هذا ليس من التجارة المقصودة بالشركة.

وقيل: له ذلك.

قال في " الإنصاف ": قلت: حيث كان في عتقه بمال مصلحة جاز.

(ولا) له (أن يهب) من مال الشركة.

ونقل حنبل: يتبرع ببعض الثمن لمصلحة.

(أو يقرض) منه، وظاهره ولو برهن.

(أو يحابي) في بيع أو شراء؛ لأن في هذا منافاة للمقصود بالشركة وهو طلب الربح.

(أو يضارب أو يشارك بالمال)؛ لأن ذلك يثبت في المال حقوقاً ويستحق ربحه لغيره وليس ذلك له.

(1)

في أ: لتعرضه.

ص: 17

(أو يخلطه) أي: مال الشركة (بغيره). سواء كان ما خلطه به للشريك أو لأجنبي؛ لأنه يتضمن

(1)

إيجاب حقوق في المال وليس

(2)

من التجارة المأذون

فيها.

(أو يأخذ به) أي: بمال الشركة (سُفْتَجة) وذلك: (بأن يدفع من مالها)

شيئاً (إلى إنسان، ويأخذ منه) أي: من ذلك الإنسان (كتابا إلى وكيله ببلد آخر؛ ليستوفي منه) ما كتب له به موكِّله.

(أو يعطيها) أي: السفتجة: (بأن يشتري) الشريك (عرضاً) من إنسان، (ويعطي بثمنه كتاباً إلى وكيله) أي: وكيل المشتري (ببلد آخر؛ ليستوفي منه) ثمن ما اشتراه الشريك؛ لأن في ذلك خطراً لم يؤذن فيه.

(ولا) للشريك (أن يُبْضِعَ) من مال الشركة، (وهو: أن يدفع من مالها)

شيئاً (إلى من يتجر فيه، ويكون الربح كله للدافع وشريكه)؛ لما فيه من الغرر. وفيه وجه؛ لأنه عادة التجار.

(ولا أن يستدين عليها) أي: على الشركة: (بأن يشتري بأكثر من المال،

أو بثمن ليس معه من جنسه إلا في النقدين)، بأن يشتري بذهب ومعه فضه، أو بفضة ومعه ذهب؛ لأنه يُدخل فيها أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة

(3)

فيه. أشبه ما لو ضم إليها

(4)

شيئاً من ماله.

(إلا بإذن) من شريكه. فإذا أذن له كان له أن يفعل ما منع منه (في الكل)

أي: في كل المسائل المتقدمة.

(ولو قيل: اعمل برأيك ورأي مصلحة: جاز الكل)؛ لوجود ما يدل على

إذن صاحبه.

(1)

في أ: يضمن.

(2)

في أ: يضمن.

(3)

في أ: بالشركة.

(4)

في أ: بالشركة.

ص: 18

(وما استدان بدون إذن) بأن اقترض شيئاً واشترى به بضاعة وضمها إلى مال الشركة، أو اشترى شيئاً نسيئة بثمن ليس من النقدين:(فعليه) أي: فالمطالبة بما استدانه بغير إذن على المستدين وحده، (وربحه له) وحده؛ لكونه لم يقع

للشركة.

وقال القاضي: إذا استقرض أحدهما شيئاً: لزمهما، وربحه لهما؛ لأنه تمليك مال بمال. أشبه الصرف.

ورد: بالفرق. فإن الصرف بيع وإبدال عين بعين فهو كبيع الثياب.

(وإن أخر حقََّه) أحدُهما (من دين: جاز)؛ لأنه يصح أن ينفرد بإسقاط

حقه من المطالبة؛ كالإبراء.

وقيل: وله تأخير حق شريكه.

ويضمنه إن تلف أو مات المدين.

(و) على المذهب: (له) أي: لمن أخر حقه من الدين (مشاركة شريكه) الذي لم يؤخر (فيما يقبضه) من المدين (مما لم يؤخر) بحصته منه. (وإن تقاسما دينا في ذمة) إنسان (أو أكثر: لم يصح). نص عليه في رواية حنبل؛ لأن الذمم لا تتكافأ ولا تتعادل. والقسمة تقتضيهما؛ لأنها بغير تعديل بمنزلة البيع، ولا يجوز بيع الدين.

فعلى هذا لو تقاسما ثم هلك بعض الدين رجع الذي هلك ماله على الآخر. وعنه: يصح إذا كان بذمتين فأكثر. نقلها حرب.

(وعلى كل) من الشركاء (تولي) أي: أن يتولى كل (ما جرت عادة بتوليه) إياه: (من نشر ثوب، وطيِّه، وختم، وإحراز) لمالها، وقبض نقده؛ لأن إطلاق الإذن يحمل على العرف. وهو يقتضي أن مثل هذه الأمور يتولاها بنفسه.

(فإن فعله) أي: فعل ما عليه توليه بنائب (بأجرة: فعليه) أجرته من

ص: 19

ماله؟ لأنه بذلها عوضاً عما يلزمه.

(وما جرت) العادة (بأن يستنيب فيه)؛ كالنداء على المتاع: (فله أن يستأجر) من مال الشركة إنساناً غيره (حتى شريكه لفعله، إذا كان) الفعل (مما لا يستحق أجرته إلا بعمل)، وذلك (كنقل طعام، ونحوه)؛ ككيله. نقل هذا الأكثر.

كما يصح أن يستأ جر غرائره لينقله فيها، أو داره ليحرزه فيها نصاً.

وعنه: لا؛ لعدم إمكان إيقاع العمل فيما له فيه جزء غير متميز.

فعلى هذا لا يستحق بفعله أجرة.

(وليس له) أي: لأحد الشريكين (فعله) أي: فعل ما جرت العادة بعدم توليه بنفسه (ليأخذ أجرته) من غير استئجار صاحبه له؛ لأنه قد تبرع بما لا يلزمه. فلم يستحق شيئاً؛ كالمرأة التي تستحق خادماً إذا خدمت نفسها. وفيه وجه.

ويحرم على شريك في زرع فرك شيء من سنبله يأكله بلا إذن شريكه.

قال في " الفروع ": ويتوجه عكسه.

(وبذل) أحدهما أو هما (خِفَارة وعُشْر على) قدر (المال). وإن كان الباذل عاملاً احتسبها على رب المال.

قال أحمد: ما أنفق على المال فعلى المال.

(وكذا) ما

(1)

يبذل (لمحارب ونحوه). قاله الشيخ تقي الدين.

***

(1)

في أ: لما.

ص: 20

(فصل): في أحكام الشروط في الشركة

وحكمها إذا فسدت أو تعدى فيها.

(والاشتراط فيها نوعان):

نوع (صحيح)؛ وذلك (كأن) يشترط أحدهما على الآخر: أن (لا يتجر

إلا في نوع كذا)، ويعينه؛ كثياب الكتان، أو القطن، أو الصوف. سواء كان مما يعم وجوده في ذلك البلد أو لا.

وفيما لا يعم وجوده وجه.

(أو) يشترط: أن لا يتجر إلا فى (بلد بعينه)؛ كمكة.

(أو لا يبيع إلا بنقد كذا) ويعينه؛ كبدراهم أو بدنانير صفته كذا.

(أو) لا يشتري أو يبيع إلا (من فلان، أو لا يسافر بالمال)؛ لأن الشركة تصرف بإذن. فصح تخصيصها بالنوع والبلد والنقد والشخص؛ كالوكالة.

(و) نوع (فاسد. وهو قسمان):

قسم منهما (مفسد لها) أي: الشركة، أي: يفسدها اشتراطه. (وهو:

ما يعود بجهالة الربح)؛ بأن يشترطا لزيد الذي هو أجنبي من الشركة درهماً من الربح والباقي لهما.

أو يشترط لأحدهما ربح ما يشتري من رقيق، وللآخر ربح ما يشتري من ثياب.

أو لهذا ربح هذا الكيس، ولهذا ربح الكيس الآخر.

أو لهذا ما يربح المال شهراً، ولهذا ما يربح شهراً آخر.

ولهذا ما يربح المال في هذه السفرة، ولهذا ما يبرح في السفرة الأخرى.

أو لهذا عشرة دراهم من الربح وباقيه للآخر. فتفسد الشركة والمضاربة

ص: 21

باشتراط ما مثلنا ونحوه، لأنه يفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح أو إلى فواته. ومن شرط الشركة والمضاربة:[كون الربح]

(1)

معلوماً.

ولأن الفساد لمعنى في العوض المعقود عليه. فأفسد العقد؛ كما لو جعل

رأس المال خمراً أو خنزيراً.

ولأن

(2)

الجهالة تمنع من التسليم فتفضي إلى التنازع والاختلاف، ولا يعلم

ما يدفعه المضارب.

(و) القسم الثانى من الشروط الفاسدة: (غير مفسد) للعقد. نص عليه

في رواية الأثرم وغيره.

وذلك (كـ) أن يشترط أحدهما على العامل في المال (ضمان المال) إن

تلف بلا تفريط ولا تعد.

(أو أن عليه) أي: على أحدهما (من الوضيعة أكثر من قدر ماله).

أو يشترط على المضارب المضاربة في مال آخر.

أو يأخذه بضاعه أو قرضاً.

أوأن يخدمه في شيء بعينه.

أو أنه متى باع السلعة فهو أحق بها بالثمن.

(أو أن يوليه ما يختار من السلع) التي يشتريها.

(أو) أن (يرتفق بها) مثل: أن يلبس الثوب، أو يستخدم العبد ويركب

الدابه.

(أو) يشترطا ما ينافي مقتضى العقد؛ نحو: أن (لا يفسخ الشركة مدة كذا).

أو يشترطا لزومها أبداً.

أو أن لا يبيع إلا ب رأس المال أو أقل أو ممن اشترى منه.

(1)

ساقط من ب.

(2)

في أ: ولا.

ص: 22

أو أن لا يبيع فيها ولا يشتري. ونحو ذلك.

ووجه فساد هذه الشروط؛ لأنها تفوت المقصود من عقد الشركة، أو تمنع الفسخ الجائز بحكم الأصل.

ووجه صحة العقد معها: أن كلاًّ من عقدي الشركة والمضاربة يصح على مجهول. فلم تبطله الشروط الفاسدة، كالنكاح والعتاق والطلاق.

وذكر القاضي وأبو الخطاب رواية بفساد العقد بها.

(وإذا فسدت) الشركة بسبب جهالة الربح أو غير ذلك (قسم ربح شركة عِنان، و) ربح شركة (وجوه على قدر المالين)؛ لأن الربح استحق بالمالين. فقسم على قدرهما، كما لو كان العمل من غير الشريكين.

(و) قسم (أجر ما تقبَّلاه) أي: الشريكان من عمل (في شركة أبدان بالسويَّه) عليهما؛ لأن الربح استحق بالعمل فقسم عليهما.

(ووزِّعت) أي: وقسمت (وضيعةٌ على قدر مال كلٍّ) من الشريكين أو الشركاء.

(ورجع كل من شريكين في) شركة (عِنان، و) شركة (وجوه، و) شركة (أبدان بأجرة نصف عمله)؛ لأنه عَمِل في نصيب شريكه بعقد يبتغي به الفضل في ثانى الحال. فوجب أن يقابل العمل فيه عوض؛ كالمضاربة.

وكيفية ذلك: أن يقال بالنظر لأحدهما كم يساوي عمله؟ فيقال: عشرة مثلاً فيرجع بخمسة. ويقال عن الآخر: كم يساوي عمله؟ فيقال: عشرون فيرجع بعشرة، ويقاص منها بالخمسة التي استحقها على شريكه يبقى عليه خمسة. وقيل: لا يتراجعان

(1)

؛ لأنهما عملا لأنفسهما. فلا يرجع واحد منهما على الآخر بما لم يعمل له.

وعنه: إن فسد العقد لجهالة الربح فالحكم كما تقدم، وإن فسد لغير ذلك

(1)

في أ: يراجعان.

ص: 23

ككون مال الشركة عروضاً

(1)

أو نحو ذلك وجب لمن سمي له جزء من الربح: المسمى؛ لأنه عقد يصح مع الجهالة. فيثبت المسمى في فاسده؛ كالنكاح.

ورد: بأن الأصل: كون ربح كل مال لمالكه؛ لأنه نماؤه. وإنما ترك ذلك بالعقد الصحيح. فإذا لم يكن صحيحاً بقي الحكم على مقتضى الأصل؛ كما أن البيع إذا كان فاسداً لم ينتقل

(2)

ملك

(3)

واحد من المتبايعين عن ماله.

(و) على المذهب: يرجع كل (من) شركاء (ثلاثة بأجرة ثلثي عمله)

ومن أربعة بثلاثة أرباع عمله. ويكون ذلك كما تقدم في الشريكين.

(ومن تعدَّى) من الشريكين أو الشركاء بمخالفة أو إتلاف: (ضمن) أي:

صار ضامناً للمال بعد أن كان في يده أمانة؛ لأنه تصرف في مال

(4)

غيره بما لم يأذن فيه. فلزمه ضمانه؛ كالغاصب.

(و) متى اشترى ما لم يؤذن له في شرائه فربح: فـ (ربح مال لربه). نص عليه.

وبه قال أبو قلابة ونافع.

وعنه: يتصدقان بالربح.

قال القاضي: هذا على سبيل الورع

(5)

. وهو لرب المال في القضاء.

وقيل: إن اشترى في الذمة ثم نقد المال فالربح لربه، وإن اشترى بعين المال فعنه: أنه باطل. وعنه: أنه موقوف: إن أجازه المالك صح، وإلا بطل. ووجه المذهب: أنه نماء مال تصرف فيه غير مالكه بغير إذنه. فكان لمالكه؛ كما لو غصب حنطة وزرعها.

(1)

في أ: عوضاً.

(2)

في أوب: ينقل.

(3)

في ب: مال.

(4)

في ج: ملك.

(5)

في ب: التورع.

ص: 24

وسيأتى. الكلام على ما يستحقه العامل فيما اذا فسدت المضاربة

(1)

.

(وعقدٌ) مبتدأ موصوف بأنه (فاسد في كلٍّ: أمانةٌ وتبرع؛ كمضاربة

وشركة ووكالة ووديعة ورهن وهبة وصدقة، ونحوها)؛ كوقف:(كـ) عقد (صحيح) خبر المبتدأ (في ضمان وعدمه).

قال في " القواعد ": فأما قول أصحابنا فيمن عجّل زكاته ثم تلف المال وقلنا

له الرجوع به: أنه إذا تلف ضمنه القابض فليس من القبض الفاسد بشيء؛ لأنه وقع صحيحاً لكنه مراعى. فإن بقي النصاب تبينا أنه قبض زكاة، وإن تلف تبينا

أنه لم يكن زكاة فيرجع بها. نعم إذا ظهر قابض الزكاة ممن لا يجوز له أخذها فإنه يضمنها لكون القبض لم يملك به وهو مفرط بقبض ما لا يجوز له قبضه. فهذا من القبض الباطل لا الفاسد. انتهى.

(وكل) عقد (لازم يجب الضمان في صحيحه يجب في فاسده؛ كبيع،

وإجارة، ونكاح، ونحوها)؛ كقرض.

ومعنى ذلك: أن العقد الصحيح إذا لم يكن موجباً للضمان فالفاسد من

جنسه كذلك، وإن كان موجباً له مع الصحة فكذلك مع الفساد.

قال في " القواعد ": وليس المراد أن كل حال ضمن فيها في العقد الصحيح

ضمن في مثلها في الفاسد. فإن البيع الصحيح لا يجب فيه ضمان المنفعة وإنما يضمن العين بالثمن، والمقبوض بالبيع الفاسد يجب ضمان الأجرة فيه على المذهب، والإجارة الصحيحة يجب فيها الأجرة بتسلم العين المعقود عليها. سواء انتفع بها المستأجر أولم ينتفع.

وفي الإجارة الفاسدة روايتان:

إحداهما: كذلك.

والثانية: لا تجب الأجرة إلا بالانتفاع.

(1)

ص (28).

ص: 25

ولعلها راجعة إلى أن المنافع لا تضمن في الغصب ونحوه إلا بالانتفاع. وهو الأشبه.

وكذلك يخرج في ضمان منفعة المبيع هاهنا.

ولكن نقل جماعة عن أحمد ما يدل على أن الإجارة الصحيحة لا تجب فيها الأجرة إلا بقدر الانتفاع إذا ترك المستأجر بقية الانتفاع بعذر من جهته. وتأولها القاضي وابن عقيل، وأقرها صاحب " شرح الهداية " والقاضي أيضاً في بعض "تعاليقه".

والنكاح الصحيح يستقر فيه المهر بالخلوة بدون الوطء.

وفي النكاح الفاسد روايتان أيضاً.

وقد قيل: إن ذلك مبني على أن البضع هل تثبت عليه اليد أو لا؟

وقد نقل عن أحمد: فيما إذا نكح العبد نكاحاً فاسداً: أنه لا مهر لها. وهو محمول على أنه لم يوجد دخول، أو على أنهما كانا عالمين بالتحريم فتكون زانية. انتهى.

***

ص: 26

[فصل: في المضاربة]

(فصل). الضرب (الثاني) من الأضرب الخمسة: (المضاربة). وهذه تسمية أهل العراق. مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر فيها للتجارة، أو من ضرب كل منهما بسهم من الربح.

وأهل الحجاز يسمونها: قراضاً. مأخوذ من قرض الفأر الثوب إذا قطعه. فكأن رب المال اقتطع للعامل من ماله قطعة وسلمها إليه، واقتطع له قطعة من ربحها. أو من الموازنة، يقال: تقارض الشاعران إذا توازنا.

وحكى ابن المنذر الإجماع على جوازها، وحكي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحكيم بن حزام، ولم يعرف لهم مخالف.

ولأن بالناس حاجة إليها فإن النقدين لا تنمى إلا بالتجارة، وليس كل مالك لهما يحسنها، ولا كل من يحسن التجارة له مال. فاحتيج إليها من الجانبين. فشرعت؛ لدفع الحاجتين.

(وهي) شرعاً: (دفع مال أو ما في معناه) أي: معنى الدفع؛ كما لو قال: ضارب بمالي تحت يدك على سبيل الوديعة أو الغصب فإنها تنعقد، ويكون هذا القول في معنى الدفع.

(معينٍ) أي: المال. فلا يصح أن يقول: ضارب بما في أحد هذين الكيسين. سواء تساوى ما فيهما أو اختلف، وسواء علما ما فيهما أو جهلاه؛ لأنها عقد تمنع صحته الجهالة. فلم تجز على غير معين؛ كالبيع.

(معلوم قدره). فلا يصح أن يقول: ضارب بهذه الصٌّبْرة الدنانير أو الدراهم؛ لأنه لا بد من الرجوع إلى رأس المال عند المفاصلة؛ ليعلم الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل.

(لمن) متعلق بدفع أي: دفع مال لمن (يتجر فيه) أي: المال (بجزء)

ص: 27

متعلق بيتجر (معلوم من ربحه) أي: المال؛ كخمسه أو سدسه أو سبعه أو ثمنه أو تسعه. (له) أي: للمتجر، (أو لقنه)؛ لأنه إذا كان مشروطاً لقنه فكأنه لسيده. فلو جعلاه بينهما وبين عبدهما أثلاثاً كان لصاحب العبد منهما الثلثان وللآخر الثلث، وإن كان مشتركاً بينهما نصفين فكما لو لم يذكر، وإن تفاضلا فيه كان الثلث الثالث بينهما على قدرملكيهما فيه.

(أو لأجنبي)؛ كما لو قال: خذه فاتجر به وما ربح فلك ولزيد ثلثه: فيصح ذلك (مع) شرط (عمل منه) أي: من زيد. ويكون المدفوع له وزيد عاملين في المال.

فإن لم يشترطا عملا من زيد لم تصح المضاربة؛ لأنه شرط فاسد يعود إلى الربح: ففسد به العقد؛ كما لو شرط للعامل دراهم.

وإن قال: لك الثلثان على أن تعطي امرأتك نصفه: فكذلك؛ لأنه شرط في الربح شرطاً لا يلزم فكان فاسداً.

(وتسمى) هذه الشركة (قِراضاً)، وتقدم ذلك. (و) تسمى أيضاً (معاملة) أخذاً من العمل.

(وهي أمانة ووكالة)؛ لأنها بدفع المال أمانة، وبالإذن في بيع وشراء وكالة.

(فإن ربح) المال بالعمل (فشركة) أيضاً؛ لأنهما يصيران شريكين في ربح المال.

(وإن فسدت) المضاربة (فإجارة) أي: تصير كالإجارة الفاسدة؛ لأن العامل يستحق بعمله في المال أجرة مثله، ويكون الربح كله لربه.

(وإن تعدى) العامل في المال بأن فعل فيه ما ليس له فعله (فغاصب) أي:

يصير حكمه حكم الغاصب

(1)

.

(ولا يعتبر) لصحة المضاربة (قبض) العامل لـ (رأس المال، ولا القول)

(1)

فى أوب: الغصب.

ص: 28

منه بأن يقول: قبلت. فلو أحضر رب المال المال وقال له: اتجر به ولك ثلث ربحه مثلاً، واشترى به العامل عرضاً في المجلس قبل قبضه وقولِه قبلت: صحت المضاربة والشراء.

ولأجل هذا قلت: (فتكفي مباشرته).

وقيل: يعتبر نطقه. فلا يصح تصرفه حتى يقبل باللفظ.

(وتصح) المضاربة (من مريض) مرض الموت؛ لأنها عقد يبتغى به الفضل. أشبه البيع والشراء.

(ولو سمى) فيها (لعامله أكثر من أجر مثله)؛ كما لو سمى له تسعة أعشار الربح فإنه يستحقه.

(ويقدم به على الغرماء)؛ لأن ذلك غير مستحق من مال رب المال، وإنما حصل بعمل المضارب في المال. فما يوجد من الربح المشروط يحدث على ملك العامل. بخلاف ما لو حابى الآجر في

(1)

الأجر فإنه يحتسب بما حاباه من ثلثه؛ لأن الآجر يأخذ من ماله.

ولو ساقى أو زارع في مرض موته بمحاباة اعتبرت من ثلثه؛ لأن الثمرة زيادة

في ملكه خارجة من عينه. بخلاف الربح في المضاربة فإنه لا يخرج من عين المال وإنما يحصل بالعمل.

وقيل: إنهما كالعامل في المضاربة.

وإن دفع مالاً ربُّه إلى آخر، (و) قال:(اتجر به وكلُّ ربحه لي): فذلك (إبضاع)؛ لأنه قرن به حكم الإبضاع فانصرف إليه.

(لا حق للعامل فيه) أي: في الربح؛ لأنه ليس بمضاربة.

فإن قال مع ذلك: وعليك ضمانه: لم يضمنه؛ لأن العقد يقتضي كونه أمانة

فلا يزول ذلك بشرطه.

(و) إن كان قال رب المال: اتجر به (وكلُّه) أي: الربح (لك): فالعقد

(1)

في ب: من.

ص: 29

(قرض) لا قِراض، لأن قوله: خذه فاتجر به يصلح لهما، وقد قرن به حكم القرض فانصرف إليه.

فإن قال مع ذلك: ولا ضمان عليك فهو قرض شرط فيه نفي الضمان. فلا ينتفي بشرطه؛ كما لو صرح به.

(لا حق لربه) أي: الدافع له (فيه) أي: في الربح، لانتقال الملك عنه

في المال المدفوع.

(و) إن قال: اتجر به والربح (بيننا): صح مضاربة، و (يستويان فيه)؛

لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة، ولم يترجح به أحدهما فاقتضى التسويه.

(و) إن قال: (خذه مضاربة ولك) ربحه، (أو) خذه مضاربة (ولي ربحه: لم يصح)، ويكون مضاربة فاسدة؛ لأن المضاربة الصحيحة تقتضي كون الربح بينهما. فإذا شرط اختصاص أحدهما بالربح فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد. ففسد؛ كما لو شرط الربح كله في شركة العِنان لأحدهما. ويفارق ما إذا لم يقل مضاربة؛ لأن اللفظ يصلح لما أثبت حكمه من الإبضاع والقرض. بخلاف ما إذا صرح بالمضاربة.

وإن قال: اتجر به (ولي) ثلثه، (أو) اتجر به (ولك ثلثه: يصح) مضاربة، (وباقيه) أي: الربح (للآخر) الذي لم يسم

(1)

له شيء؛ لأن الربح لهما لا يستحقه غيرهما. فإذا قدر نصيب أحدهما منه فالباقي للآخر من مفهوم اللفظ؛ كما علم ذلك من قول الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11] ولم يذكر نصيب الأب فيكون الباقي له.

ولأنه لو قال: أوصيت بهذه المائة لزيد وعمرو، ونصيب زيد منها ثلاثون: كان الباقي لعمرو. فكذا هاهنا.

وفيما إذا قال: ولي ثلث الربح وجه بعدم الصحة.

وإن قال: اتجر به ولي نصف ربحه ولك ثلثه وسكت عن السدس: صح

(1)

فى ج: يسمي.

ص: 30

العقد، وكان السدس المسكوت عنه لرب المال؛ لأنه لو سكت عن جميع الباقي بعد جزء العامل كان لرب المال فكذلك

(1)

إذا ذكر بعضه [وترك بعضه]

(2)

.

وإن قال: خذه مضاربة على الثلث أو النصف

(3)

، أو قال بالثلث أو الربع:

صح، وكان تقدير النصف ونحوه للعامل؛ لأن الشرط يراد لأجله. فإن رب المال يستحق بماله لا بالشرط، والعامل يستحق بالعمل، والعمل يكثر ويقل، وإنما يتقدر حصته بالشرط. فكان المشروط له.

(وإن) قال: خذه مضاربة ولك ثلث الربح وثلث ما يبقى أو ربع الربح وربع

ما يبقى، أو (أتى معه بربع عشر الباقي، ونحوه)؛ كخمس عشر الباقي:

(صح). سواء عرف الحساب أو جهلاه؛ لأن ذلك أجزاء معلومة مقدرة. فصح شرطها؛ كما لو شرط له أربعة أخماسه أو خمسة أسداسه.

(وإن اختلفا فيها) أي: في المضاربة، (أو في مساقاة أو مزارعة لمن) الجزء (المشروط: فـ) هو (لعامل) في الثلاث؛ لأن رب المال يستحق الربح بماله لكونه نماؤه وفرعه، والعامل إنما يستحق بالشرط. فيكون الجزء المشروط له. (ومضاربه) في الحكم (فيما لعامل أن يفعل أو لا) يفعله، (وما يلزمه)

فعله، (وفي شروط: كشركه عنان)؛ لاشتراكهما في التصرف بالإذن. فما جاز للشريك فعله جاز للمضارب، وما منع منه الشريك منع منه المضارب، وما لزم الشريك فعله لزم المضارب، وما صح من الشروط في شركه العنان صح في المضاربة. (وإن قيل) أي: قال رب المال للعامل: (اعمل برأيك) أي: بما

أراك الله، (وهو) أي: العامل في هذه الصورة (مضارب بالنصف. فدفعه) أي: دفع العامل المال (لآخر) على أن يعمل فيه (بالربع) من ربحه: (عمل به) أي: صح منه هذا الدفع. نص عليه؛ لأنه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه. وفيه وجه.

(1)

في ج: فكذا.

(2)

ساقط من أ.

(3)

ساقط من أ.

ص: 31

وإن قال: أذنت لك في دفعه مضاربة فدفعه جاز نصاً، ويكون العامل الأول وكيلاً لرب المال في ذلك.

فإذا دفعه إلى آخر ولم يشرط لنفسه شيئا من الربح كان العقد صحيحاً.

وإن شرط شيئاً منه لنفسه لم يصح؛ لأنه ليس من جهته مال ولا عمل، والربح إنما يستحق بواحد منهما.

(ومَلَك) العامل أيضاً بقول رب المال: اعمل برأيك أو بما أراك الله (الزراعة).

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: فيمن دفع إلى رجل ألفاً وقال: اتجر فيها

بما شئت فزرع زرعاً فربح فيه: فالمضاربة جائزة والربح بينهما.

قال القاضي: ظاهر هذا أن قوله: اتجر بما شئت دخلت فيه المزارعة، لأنها من الوجوه التي يُبتغى بها النماء. وعلى هذا لو نوى المال في المزارعة لم يلزمه ضمانه.

وقيل: لا يملك الزارعة؛ لأن المضاربة لا يفهم من إطلاقها المزارعة.

(لا التبرع) أي: لا يملك العامل بقول رب المال له: اعمل برأيك أو بما أراك الله التبرع، (ونحوه)؛ كقرض مال المضاربة ومكاتبة رقيقها وعتقه بمال وتزويجه. (إلا بإذن) صريح في ذلك؛ لأن ذلك ليس مما يٌبتغى بالتجارة. ونقل حنبل: يتبرع ببعض الثمن لمصلحة.

(وإن فسدت) المضاربه (فلعامل أجر مثله). نص عليه، (ولو خسر) المال؛ لأنه إن كان قد سمي له شيء فسدت التسمية، لأنها من توابع المضاربة. وإلا فما عمل إلا ليأ خذ عوضاً عن عمله وحيث فاته المسمى وجب رد عمله إليه وذلك متعذر فيجب قيمته وهو أجر مثله؛ كما لو تبايعا بيعاً فاسداً أو تقابضا وتلف أحد العوضين في يد القابض له.

فأما إن رضي المضارب بأن يعمل بغير عوض؛ مثل أن يقول. قارضتك والربح كله لي ودخل على ذلك فلا شيء له؛ لأنه تبرع بعمله. فأشبه ما لو أعانه أو توكل له بغير جُعْل.

ص: 32

(وإن ربح) المال في المضاربة الفاسدة (فللمالك)؛ لأنه نماء ماله.

(وتصح) المضاربة (مؤقتة) مثل أن يقول: ضاربتك على هذه الدراهم سنة. (وإذا مضى كذا فلا تشتر) شيئاً، (أو فهو قرض. فإذا مضى وهو متاع فلا بأس إذا باعه كان قرضاً). نص عليه.

قال مهنا: سألت أحمد عن رجل أعطى رجلاً ألفاً مضاربة شهراً، قال: إذا مضى شهر تكون قرضاً؟ قال: لا بأس به. قلت: فإن جاء الشهر وهي متاع؟ قال: إذا باع المتاع يكون قرضاً.

وعنه: لا يصح توقيتها.

ووجه المذهب: أنها تصرفٌ يتقيد بنوع من المتاع. فجاز تقييده بالزمان؛

كالوكالة.

ولأن لرب المال منعه من البيع والشراء في كل وقت إذا رضي أن يأخذ بماله عرضاً، وإذا شرط ذلك فقد شرط ما هو من مقتضى العقد: فصح؛ كما لو قال: إذا انقضت السنة فلا تشتر شيئاً.

(و) تصح (معلقة)؛ لأنها إذن في التصرف. فجاز تعليقه على شرط مستقبل؛

كالوكالة.

وذلك (كإذا قدم زيد فضارب بهذا) الدينار، (أو اقبض ديني) من فلان (وضارب به)؛ لأنه وكيل في قبض الدين ومأذون له في التصرف. فجاز جعله مضاربة إذا قبضه؛ كما لو قال: اقبض ألفاً من غلامي وضارب به.

(لا) إذا قال: (ضارب بديني عليك، أو) ضارب بديني (على زيد فاقبضه): فلا يصح؛ لأن المال الذي في يد من في ذمته الدين له، وإنما يصير لغريمه بقبضه ولم يوجد.

وفيما إذا قال: ضارب بديني عليك وجه بالصحة.

وإن قال له: اعزل المال الذي عليك وقد قارضتك عليه ففعل واشترى بعين ذلك المال شيئاً للمضاربة: وقع الشراء للمشتري؛ لأنه اشترى لغيره بمال نفسه

ص: 33

فحصل الشراء له.

وإن اشترى في ذمته فكذلك، لأنه عقَد القراض على ما لا يملكه.

ولو قال: وكلتك في قبض ديني عليك من نفسك فإذا قبضته فقد جعلته بيدك مضاربة ففعل: صح؛ لصحة قبض الوكيل من نفسه لغيره بإذنه.

(وتصح) المضاربة فيما إذا قال: ضارب (بوديعة) لي عند زيد، أو بوديعتي عندك حيث علما قدرها؛ لأن الوديعة ملك رب المال. فجاز أن يضاربه عليها؛ كما لو كانت حاضرة فقال: قارضتك على هذه المائة وأشار إليها في زواية البيت.

ولو كانت الوديعة قد تلفت بتفريط مَن هي عنده وصارت في الذمة: لم يجز

أن يضاربه عليها، لأنها صارت ديناً.

(و) تصح أيضاً فيما إذا قال: ضارب بـ (غصب) لي (عند زيد أو عندك) حيث علما قدره؛ لأنه مال لرب المال يباح له بيعه من غاصبه وممن يقدر على أخذه منه. فأشبه الوديعة.

(ويزول الضمان) على الغاصب بمجرد عقد المضاربة؛ لأنه صار ممسكاً له بإذن مالكه لا يختص بنفعه ولم يتعد فيه. فأشبه ما لو قبضه مالكه ثم أقبضه إياه.

و (كبثمن عرض) باعه بإذن مالكه ثم ضاربه على ثمنه.

(ومن عمل مع مالك) لنقد أو مالك لشجر أو مالك لأرض

(1)

وحب

(2)

في تنمية ذلك بمعاقدة على أن يعملا فيه (والربح) أي: ما يحصل في ذلك من نماء (بينهما) نصفين أو أثلاثاً أو نحو ذلك: (صح) كون ذلك في مسألة النقد (مضاربة). نص عليه في رواية أبي

(3)

الحارث؛ لأن العمل أحد ركني المضاربة. فجاز أن ينفرد به أحدهما مع وجود الأمرين من الآخر.

(1)

في ج: ما لنقد أو مالك لشجر أو مالك الأرض.

(2)

في الأصول: وجب. وما أثبتناه من " شرح البهوتي " 2: 219.

(3)

في أوب: أبو.

ص: 34

(و) صح كونه في مسألة الشجر (مساقاة، و) كونه في مسألة الأرض والحب (مزارعة)، قياساً على المضاربة.

(وإن شرط) العامل (فيهن) أي: في المضاربة والمساقاة والمزارعة

(عمل مالك أو غلامه) أي: رقيقه (معه) أي: مع العامل بأن يُعيّنَه في

العمل: (صح؛ كـ) ما لو شرط عليه دفع (بهيمته) ليحمل عليها.

فروع

(1)

:

* لو دفع إنسان ماله إلى اثنين أو أكثر مضاربة في عقد واحد: صح. وما شرط من الربح في مقابلة العمل فبينهم على عددهم مع الإطلاق؛ كما لو كان العامل واحداً وقال له: والربح بيننا.

وإن شرط لأحدهما

(2)

ثلث الربح وللآخر ربعه وجعل الباقي له، أو لأحدهم ربعه ولأحدهم خمسه ولأحدهم سدسه والباقي له، أو نحو ذلك: صح، لأن عقد الواحد مع الاثنين عقدان ومع الثلاثة ثلاثة عقود. فجاز أن يشترط في أحد العقدين أو العقود أكثر من الآخر.

ولأن عملهما أو عملهم متفاضل. فجاز التفاضل في عوضه.

* وإن قارض اثنان واحداً بألف لهما على أن له نصف الربح أو نحوه: جاز.

وإن شرط أحدهما النصف والآخر الثلث أو نحو ذلك: صح. وكان باقي

ربح مال كل واحد لمالكه.

وإن شرطا

(3)

كون الباقي من الربح بينهما نصفين: لم يصح؛ لأن أحدهما

في هذه الصورة يبقى له من ربح ماله النصف والآخر يبقى له الثلثان. فإذا شرط التساوي فقد شرط أحدهما للآخر جزءاً من ربح ماله بغير عمل. فلم يجز؛ كما لو شرط له ربح ماله المنفرد.

(1)

في أ: فرع.

(2)

في ب: لأحدها.

(3)

في أ: شرط.

ص: 35

ومن دفع إلى آخر مائتين على أن يعمل في إحداهما وعينها بالنصف، وفي الأخرى بالثلث. أو قال: اعمل في هذه على النصف وفي هذه على الثلث: فقال المجد: قياس مذهبنا ومذهب الشافعي الجواز فيما إذا عطف بحرف الواو؛ كما تقدم تصويره، والمنع فيما إذا قال: هذه بالنصف على أن تكون الأخرى بالثلث.

* ولو اشترى عامل لاثنين ب رأس مال كل واحد منهما أمة أو نحو ذلك واشتبهتا: ففيه وجهان:

أحدهما: أنه يضمن رأس مال كل منهما ويصير شراء الأمتين له.

والثاني: أنهما يباعان معاً ويعطى كل من أرباب المالين رأس ماله.

ثم إن حصل ربح قسم على ما اشترطوه، وإن حصلت خسارة فعلى العامل؛

لأن الاشتباه حصل بتفريطه بوضعهما معاً.

وذكر صاحب " المغني " وجهاً ثالثاً وهو: أن أرباب المالين يصطلحان عليهما؛

كما لو كانت لرجل حنطة فانثالت عليها أخرى، وقال: إن هذا أولى. وعلله بأن ملك كل واحد منهما ثابت في أحد المشتبهين فلا يزول بالاشتباه عن جميعه

(1)

ولا عن بعضه بغير رضاه؛ كما لو لم يكونا في يد المضارب

(2)

.

ولأننا لو جعلناهما للمضارب أدى إلى أن يكون تفريطه سبباً لانفراده بالربح وحرمان المتعدى عليه، وعكس ذلك أولى.

وإن جعلناهما شريكين أدى إلى أن يأخذ أحدهما ربح مال الآخر

(3)

بغير رضاه، وليس له فيه مال ولا عمل.

* * *

(1)

في أ: جميع.

(2)

في أ: المضاربات.

(3)

في ب: للآخر.

ص: 36

(فصل): فيما للعامل أن يفعله

وما لا يفعله وغير ذلك

(وليس لعامل شراء مَن) أي: شراء رقيق (يعتق على رب المال) بغير إذنٍ

في ذلك؛ لأن عليه فيه ضرراً.

ولأن المقصود من المضاربة الربح حقيقة أو مظنة، وهما منتفيان هنا.

فإن اشتراه بإذن ربّ المال صح وعتق، وتنفسخ المضاربة في قدر ثمنه؛

لأنه قد تلف ويكون محسوباً على رب المال، وإن كان ثمنه كل المال انفسخت كلها، وإن كان في المال ربح رجع العامل بحصته منه.

(فإن فعل) بأن اشتراه بغير إذن رب المال: (صح) الشراء في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه مال متقوم قابل للعقود. فصح شراؤه له؛ كما لو اشترى من علّق رب المال عتقه بملكه.

(وعتق) على رب المال، لأن القول بصحة الشراء يوجب عتقه.

وقيل: إن كان الشراء بعين مال المضاربة لم يصح، وإن كان في الذمة وقع للعاقد. وليس له دفعه من مال المضاربة فإن فعل ضمن.

(و) إذا صح الشراء وعتق (ضمن ثمنه) الذي اشتراه به؛ لأن التفريط منه حصل بالشراء وبذل الثمن. فكان عليه ضمان ما فرط فيه.

وقيل: يضمنه بقيمته؛ لأن الملك ثبت فيه ثم تلف. فأشبه ما لو أتلفه بفعله. وعليهما متى ظهر في المال ربح فللعامل حصته منه.

وقيل: لا يضمن شيئاً.

وعلى المذهب: يضمن ثمنه.

(وإن لم يعلم) أنه يعتق على رب المال؛ لأن مال المضاربة تلف بسببه.

ص: 37

ولا فرق في الإتلاف الموجب للضمان بين العلم والجهل.

وقال أبو بكر: إن لم يعلم لم يضمن.

(وإن اشترى) العامل في المضاربة زوج ربة المال، أو زوجة رب المال،

أو اشترى (ولو بعض زوج أو زوجة لمن له في المال ملك) ولو جزءاً يسيراً

: (صح) الشراء؛ لأنه اشترى ما يمكن طلب الربح فيه. فصح

(1)

؛ كما لو كان أجنبياً.

(وانفسخ نكاحه) أي: المشترى كله أو بعضه؛ لأن النكاح لا يجامع الملك.

ويتنصف المهر على رب المال فيما إذا كان المشتري زوجته ولم يدخل بها.

وفيه وجه: يسقط.

وعلى المذهب: يرجع

(2)

بنصف الصداق على العامل؛ لأنه سبب تغريره عليه. فرجع عليه؛ كما لو أفسدت امرأة نكاحه بالرضاع.

ولا ضمان على عامل فيما إذا اشترى زوجة

(3)

رب المال بما يفوتها من مهر ويسقط من نفقته؛ لأن ذلك لا يعود إلى المضاربة.

ولا فرق بين شرائه في الذمة أو بعين المال.

(وإن اشترى مَن يعتق عليه) أي: اشترى العامل من مال

(4)

المضاربة من يعتق على نفسه؛ كأخيه وأبيه ونحوه، (و) قد (ظهر ربح) في المال بحيث يخرج ثمن أخيه أو أبيه من حصته من الربح، أو لم يكن الربح ظاهراً حين الشراء ثم ظهر ذلك وأخو العامل أو أبوه باقٍ في

(5)

التجارة: (عتق) كله، بناء على أن

(1)

في أ: فيصح.

(2)

في أ: رجع.

(3)

في أ: رجع.

(4)

في أ: المال.

(5)

في أ: من.

ص: 38

العامل يملك حصته من الربح بظهوره. وهو المذهب.

وكذا إن لم يخرج كله أو كان موسراً، ويُقوّم عليه باقيه؛ لأنه ملكه بفعله فعتق عليه؛ كما لو اشتراه بماله.

وإن كان معسراً عتق منه بقدر حصته من الربح.

وقيل: لا يعتق منه شيء ولو قلنا أن العامل يملك حصته من الربح بظهوره؛

لأنه لم يتم ملكه عليه؛ لكون الربح وقاية ل رأس المال.

(وإلا) أي: وإن لم يظهر في المال ربح أصلاً (فلا) يعتق منه شيء؛ لأنه

لم يملكه، وإنما هو ملك رب المال. وفيه وجه.

(وليس له) أي: للعامل (الشراء من مالها)؛ كأن يكون فيها عبد أو ثوب. فلا يصح أن يشتريه من رب المال (إن ظهر ربح) في المال؛ لأنه طهور الربح يصير شريكاً له فيه. وفيه وجه.

وفهم من كلام المتن: أنه إذا لم يظهر ربح أنه يصح وهو المذهب، نص

(1)

عليه؛ لأنه ملك غيره. فصح شراوه له؛ كشراء الوكيل من موكله. وفيه وجه.

(ويحرم) على مضارب (أن يضارب لآخر إن ضرَّ) اشتغاله بعمله في المال الثانى رب المال (الأول)؛ لأن المضاربة معقودة لطلب النماء والحظ. فإذا فعل ما يمنعه عن ذلك لم يجز له؛ كما لوحابى في مالها. وفيه وجه.

وظاهر المتن: انه إذا لم يضر ذلك الأول؛ كما لو كان المال الثانى يسيراً

لا يشغله عن العمل في الأول أنه يجوز. وهو كذلك، قال بعض الأصحاب: بغير خلاف نعلمه.

(فإن فعل) بأن ضارب لآخر

(2)

مضاربة ضر اشتغاله بعمله فيها ربَّ المال الأول: (رد ما خصه) من ربح حصل في المال الثانى (في شركة الأول). نص عليه؛ لأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول فينظر ما ربح في

(1)

في ج: ونص.

(2)

في أ: الآخر.

ص: 39

المضاربة الثانية فيدفع إلى رب مالها منه نصيبه، ويأخذ المضارب نصيبه منه

فيضمه إلى ربح المضاربة الأولى فيقتسمه مع ربها على ما اشترطاه

(1)

.

وفي " المغني ": وموجب الشرط والنظر يقتضي: أنه لا يستحق رب المضاربة

الأولى من

(2)

ربح الثانية شيئاً؛ لأنه إنما يستحق بمال أو عمل، وليس

له في المضاربة الثانية مال ولا عمل. وتعدي المضارب إنما كان بترك العمل واشتغاله عن المال الأول، وهذا لا يوجب عوضاً، كما لو اشتغل بالعمل في مال نفسه أو ترك التجارة للعب أو اشتغال بعلم أو غير ذلك، ولو أوجب عوضاً لأوجب شيئاً مقدراً لا يختلف ولا يتقدر بربحه في الثانى. والله أعلم.

(ولا يصح لرب المال الشراء منه) أي: من مال المضاربة بمباشرة العامل

شيئاً (لنفسه). نص عليه؛ لأنه يملكه. فلم يصح شراؤه له؛ كشرائه من وكيله

ومن عبده المأذون.

وعنه: يصح تعلق حق العامل به؛ كشرائه من مكاتبه.

ورد: بأن السيد لا يملك ما بيد المكاتب. بخلاف العامل.

وقيل: إن ظهر فيه ربح صح، وإلا فلا.

(وإن اشترى شريك) في مال (نصيب شريكه: صح)؛ لأنه ملك غيره.

فصح؛ كما لو لم يكن بائعه شريكاً.

(وإن اشثرى الجميع) أي: حصته وحصة شريكه: (صح) الشراء (في

نصيب من باعه فقط)، لأنه ملكه.

وقيل: لا لصح في الجميع، بناء

(3)

على عدم صحة تفريق الصفقة.

وقيل: يصح في الجميع، بناء على القول بصحه شراء رب المال من مال

المضا ربة

(4)

.

(1)

في ب: اشترطناه.

(2)

في أ: في.

(3)

في أ: وبناء.

(4)

في أ: وبناء.

ص: 40

(ولا نفقة لعامل) في مضاربة؛ لأنه دخل على أن له في الربح جزءاً. فلا يستحق غيره. إذ لو استحقها لأفضى إلى اختصاصه به حيث لم يربح سوى النفقة.

(إلا بشرط) فقط. نص عليه؛ كوكيل.

وقال الشيخ تقي الدين: أو عادة.

ويصح اشتراطها سفراً وحضراً؛ لأنها في مقابلة عمله.

ولأن الحضر

(1)

إحدى حالتي المضاربة. فصح اشتراطها فيه؛ كالسفر.

(فإن شُرطت) محدودة فهو أولى.

قال أحمد في رواية الأثرم: أحب إليّ أن يشترط

(2)

نفقة محدودة؛ لأن في تقديرها قطعاً للمنازعة.

وإن شرطت (مطلقة واختلفا) بأن تشاحا فيها: (فله نفقة مثله عرفاً من طعام وكسوة)؛ لأن إطلاق النفقة يقتضي جميع ما هو من ضروراته المعتادة. فكان له النفقة والكسوة؛ كالزوجة وسائر من تجب نفقته على غيره. ونصه من المأكول فقط. وظاهره: إلا أن يطول سفره ويحتاج إلى تجديدها.

وإن شُرطت سفراً فقط فسافر ومعه مال لنفسه مع مال المضاربة، أو كان معه مضاربة أخرى، أو بضاعة لآخر: فالنفقة على قدر المالين؛ لأن النفقة إنما كانت لأجل السفر، والسفر للمالين. فيجب أن تكون النفقة مقسومة على قدرهما. إلا أن يكون رب المال قد شرط له النفقة مع علمه بذلك.

(ولو لقيه) أي: لقي رب المال العامل (ببلد) كان قد (أذن) له (في سفره إليه) بالمال، (وقد نضَّ) المال بأن صار المتاع نقداً (فأخذه) منه:(فلا نفقة) للعامل

(لرجوعه) إلى البلد الذي سافر منها؛ لأنه إنما استحق النفقة ما داما في القِراض، وقد زال فزالت النفقة. ولذلك لو مات لم يجب تكفينه.

(1)

في ب: العمل.

(2)

في أ: اشترط.

ص: 41

وقيل: له نفقة رجوعه؛ لأنه غره بتسفيره إلى الموضع الذي أذن له فيه.

وعلم من هذا: أنه لو لم يأذن له في السفر إلى ذلك المحل لم يجب لرجوعه

نفقة بغير خلاف.

(وإن تعدد رب المال) بأن كان عاملاً لاثنين أو أكثر، واشترط لنفسه

النفقة: (فهى على قدر مال كل) منهما أو منهم؛ لأن النفقة وجبت لأجل عمله في المال. فكانت على قدر ما لكل فيه.

(إلا أن يشرطها بعض) من أرباب الأموال (من ماله عالماً بالحال).

وهو: كون العامل يعمل في ماله مع مال غيره. فتكون عليه وحده؛ لدخوله على ذلك.

(وله) أي: للعامل (التسري) من مال المضاربة (بإذن) من رب المال.

(فإن اشترى أمة) ليتسرى بها (ملكها)، لأن استباحة البضع لا تحصل إلا بملكه؛ لقو له تعا لى:{إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} ] المؤمنون: 6].

(وصار ثمنها قرضاً) في ذمة العامل؛ لأنه خرج من المضاربة، ولم يوجد

من رب المال ما يدل على تبرعه به. فوجب كونه قرضاً، لأنه المتيقن.

ونقل يعقوب اعتبار تسمية ثمنها.

وعنه: يكون ملكاً مجاناً للعامل.

وإن وطئ أمة من مال المضاربة عزّر. نص عليه في رواية ابن منصور.

وقيل: إن لم يظهر ربح حُدّ، لأنه وطءٌ في غير ملك ولا شبهة ملك.

والمذهب الأول؛ لأن ظهور الربح ينبني على التقويم، والتقويم غير

متحقق؛ لأنه يحتمل أن السلع تساوي أكثر مما قومت به. فيكون ذلك شبهة في درءِ الحد.

وعليه المهر إن لم يكن الوطء بإذن رب المال.

وإن ولدت منه: فإن ظهر ربح صارت أم ولد له، والولد حر وعليه قيمتهما، وإن لم يظهر ربح فهي وولدها ملك لرب المال.

ص: 42

(ولا يطأ ربُّه أمة) أي: ليس لرب المال أيضاً وطء أمة من مال المضاربة،

(ولو عدم الربح)؛ لأنه ينقصها إن كانت بكراً، أو يعرضها للخروج من المضاربة والتلف.

ونقل ابن هانئ: أنه سئل: يشتري جارية أو يكتسي ويأكل؟ قال: لا يجوز

هذا إلا أن يقول: كل شيء تأخذ من مضاربتك.

ولا حد عليه

(1)

بذلك؛ لأنها ملكه. وإن ولدت منه خرجت من المضاربة وحسب قيمتها ويضاف إليها بقية المال. فإن كان فيه ربح فللعامل حصته منه.

(ولا ربح لعامل حتى يستوفي رأس المال) يعني: أن العامل لا يستحق أخذ

شيء من الربح حتى يسلّم رأس المال إلى ربه،؛ لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح.

(فإن ربح في إحدى سلعتين) وخسر في الأخرى، (أو) ربح في إحدى (سفرتين وخسر في الأخرى، أو تعيَّبت) سلعة دون أخرى، (أو نزل السعر، أو تلف بعض) من المال (بعد) شروع عامل في (عمل: فالوضيعة) الحاصلة في بعض المال مجبورة (من ربح باقيه، قبل قسمته) أي: الربح حال كونه (ناضّاً) أي: نقداً، (أو) قبل (تنضيضه مع محاسبته). نص عليهما؛ إجراء للمحاسبة مجرى القسمة.

قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله يُسأل عن المضارب يربح ويضع مراراً؟ فقال:

يرد الوضيعة على الربح. إلا أن يقبض المال صاحبه ثم يرده إليه فيقول: اعمل فيه ثانية فما ربح بعد ذلك لا تجبر به وضيعة الأول. فهذا ليس في نفسي منه شيء

(2)

. وأما ما لم يدفع إليه فحتى يحتسبا

(3)

حساباً، كالقبض كما قال ابن سيرين.

قيل: وكيف يكون حساباً كالقبض؟

(1)

في ج: عليك.

(2)

في أ: شيئا.

(3)

في أ: يحسبا.

ص: 43

قال: يظهر المال- يعني: ينض- ويجيء فيحتسبان عليه وإن شاء صاحب المال قبضه. قيل له: فيحتسبان على المتاع؟ فقال: لا يحتسبان إلا على الناضّ، لأن المتاع قد ينحط سعره ويرتفع.

وقال أبو طالب: قيل لأحمد: رجل دفع إلى رجل عشرة الآف درهم مضاربة. فوضع فبقيت ألف فحاسبه صاحبها ثم قال له: اذهب فاعمل بها فربح قال: يقاسمه ما فوق الألف. يعني: إذا كانت ناضة حاضرة إن شاء صاحبها قبضها فهذا الحساب الذي كالقبض. فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال مضاربة ثانية، كما لو قبضها منه ثم ردها إليه. فأما قبل ذلك فلا شيء للمضارب حتى يكمل عشرة آلاف.

ولو أن رب المال والمضارب اقتسما الربح أو أخذ أحدهما منه شيئاً بإذن صاحبه والمضاربة بحالها ثم سافر المضارب به فخسر، كان على المضارب رد ما أخذه من الربح؛ لأنا

(1)

تبينا أنه ليس بربح ما لم تنجبر الخسارة.

ونقل ابن منصور وحرب: إذا احتسبا وعلما مالهما.

واحتج به في " الانتصار "

(2)

، وأنه يحتمل أن يستحق ربحه.

ونقل حنبل: إذا حال حوله من يوم احتساب: زكّاه المضارب، لأنه علم

ماله في المال، والوضيعة بعد ذلك على رب المال، وأحب أن لا يحاسب نفسه، يكون معه رجل من قبل رب المال، كالوصي لا يشتري من نفسه لنفسه يكون معه غيره.

قال الأزجي: لا يجوز أن يختص رب المال بحساب المال ليس معه أحد.

نقله حنبل للتهمة.

ونقل المجد عن الحارث العكلي: إذا قال لمضاربه: حاسب نفسك وألحق حصتي من الربح ب رأس المال: أن ذلك جائز.

(1)

في أوب: لأننا.

(2)

ساقط من أ.

ص: 44

وقاله أبو ثور إذا كان المال قد نضّ قال: قد استقبل به مضاربة أخرى.

قال المجد: قلت: وهذا ظاهر قول إمامنا وابن أبي موسى من أصحابه. انتهى.

وكون ما تلف من المال بعد الشروع في العمل يجبر من الربح؛ لأن المال

دار بالتصرف ووجب إكماله لاستحقاق الربح؛ لأنه مقتضى الشرط.

ومن فروع ذلك: لو دفع إنسان إلى عامله مائة مضاربة فخسر عشرة. ثم

أخذ رب المال منها عشرة فإن الخسران لا ينتقص به رأس المال؛ لأنه قد يربح فيجبر الخسران. لكنه ينتقص بما أخذه رب المال وهي العشرة وقسطها من الخسران وهو درهم] وتسع درهم [

(1)

ويبقى رأس المال ثمانين وثمانية دراهم وثمانية أتساع درهم.

وإن كان أخذ نصف التسعين الباقية بقي رأس المال خمسين؛ لأنه أخذ نصف المال. فسقط نصف الخسران.

وإن كان أخذ خمسين بقي أربعة وأربعون وأربعة أتساع.

وكذلك إذا ربح المال ثم أخذ رب المال بعضه كان ما أخذه من الربح ورأس المال. فلو كان رأس المال مائة فربح عشرين فأخذها رب المال يبقى رأس المال ثلاثة وثمانين وثلثاً، لأنه أخذ سدس المال. فنقص رأس المال سدسه. وهو ستة عشر وثلثان وحظها من الربح ثلاثة وثلث.

ولو كان أخذ ستين بقي رأس المال خمسين؛ لأنه أخذ نصف المال. فبقي نصف المال.

وإن أخذ خمسين بقي ثمانية وخمسون

(2)

وثلث؛ لأنه أخذ ربع المال وسدسه. فيبقى ثلثه وربعه وهو ما ذكرنا.

فإن أخذ منه ستين ثم خسر في الباقي فصار أربعين فردها: كان له على رب المال خمسه؛ لأن ما أخذه رب المال انفسخت فيه المضاربة. فلا يجبر بربحه

(1)

ساقط من أ.

(2)

في أ: وخمسين.

ص: 45

خسران ما بقي بيده؛ لمفارقته إياه. فقد أخذ من الربح عشرة؛ لأن سدس ما أخذه ربح. فكانت العشرة بينهما. وإن لم يردّ الأربعين كلها بل رد منها إلى رب المال عشرين بقي رأس المال خمسة وعشرين.

(وتنفسخ) مضاربة (فيما) أي: في بعض من المال (تَلِف قبل) شروع عامل في (عمل)، ويصير الباقي رأس المال؛ لأن التصرف بالعمل لم يصادف إلا الباقي. فكان هو رأس المال.

(فإن تلف الكل) أي: كل مال المضاربة قبل التصرف، (ثم اشترى) من أعطي المال ليعمل فيه وتلف قبل عمله (للمضاربة شيئاً) من السلع:(فـ) هو فيما اشتراه (كفضولي)؛ لأن المضاربة انفسخت بتلف المال. فبطل الإذن على التصرف. فتبين أنه قد اشترى لغيره ما لم يأذن فيه. فكان كتصرف الفضولي.

(وإن تلف) مال المضاربة (بعد شرائه) أي: العامل (في ذمته وقبل نقد ثمن) لما اشتراه، (أو) تلف مال المضاربة (مع ما) أي: الشيء الذي (شراه: فالمضاربة بحالها)؛ لأنه تصرفٌ وقع بإذن رب المال. فلم يبطل بتلف المال؛ كما لو وكّله في شراء شيء ففعل ثم تلف ما اشتراه.

(ويطالبان) أي: رب المال وعامله (بالثمن) أي: ثمن ما اشتراه؛ لبقاء الإذن من رب المال، ولمباشرة العامل.

(ويرجع به عامل) دفعه على رب المال.

ومحل ذلك: إن نوى الرجوع؛ للزومه لرب المال بطريق الأصالة، وللعامل بطريق الضمان.

ويصير رأس المال الثمن دون التالف؛ لأنه تلف قبل التصرف فيه. فهو كما

لو تلف قبل قبضه.

(وإن أتلفه) أي: أتلف العامل ما اشتراه، (ثم نقد الثمن من مال نفسه بلا إذن) من مالك المال:(لم يرجع رب المال) أي: مال المضاربة (عليه) أي: على العامل (بشيء)، والعامل باقٍ على المضاربة؛ لأنه لم يتعد فيه. ذكره

ص: 46

الأزجي واقتصر عليه في " الفروع ".

(وإن قُتل قنها) بأن قََتَل عبداً من مال المضاربة عبدٌ لأجنبي (فلرب المال)

أن يقتص من قاتله بشرطه؛ لأنه مالك المقتول. وتبطل المضاربة فيه؛ لذهاب رأس المال، وله (العفو على مال، ويكون) المال المعفو عليه (كبدل المبيع) أي: كثمنه لو أبيع؛ لأنه عوض عن المقتول. (والزيادة) في المال المعفو عليه (على قيمته) أي: المقتول (ربح) في المضاربة. فتكون بين رب المال والعامل على شرطهما.

وفيه احتمال: أن الزيادة لرب المال؛ لعدم عمل من العامل.

قال الأزجي: وفيه نظر؛ كبيعه بعض السلع.

وعلّل المجد كون الزيادة للمالك؛ لأنها تمحضت في مقابلة محض القصاص، ولا تصلح أن تكون في مقابلة التفويت بحال؛ لأن التفويت قد قابله قدر القيمة.

(ومع ربح) أي: وإن كان قد ظهرربح في العبد المقتول كان (القود) فيه (إليهما)؛ كالمصالحة لكونهما صارا بظهور الربح شريكين فيه.

(ويملك عامل حصته) المشروطة له (من ربح بـ) مجرد (ظهوره قبل قسمة).

قال أبو الخطاب: رواية واحدة.

وقال في " الفروع ": والمذهب يملك حصته منه بظهوره.

(كمالك) أي: كرب المال، وكما يملك المساقي حصته من الثمره بظهورها؛ لأن الشرط صحيح فيثبت مقتضاه. وهو: أن يكون له جزء من الربح. فإذا وجد يجب أن يملكه بحكم الشرط. قياساً على كل شرط صحيح في عقد.

ولأن هذا الجزء مملوك ولا بد له من مالك، ورب

(1)

المال لا يملكه اتفاقاً.

فلزم أن يكون للمضارب.

(1)

فى أ: فرب.

ص: 47

ولأنه يملك المطالبة بالقسمة. فكان مالكاً؛ كأحد شريكي العنان. ولا يمتنع أن يملكه ويكون وقاية ل رأس المال؛ كنصيب رب المال من الربح، وبهذا امتنع اختصاصه بربحه.

ولأنه لو اختص بربح نصيبه لا استحق من الربح أكثر مما شرط له. ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه.

قال أحمد: إذا وطئ المضارب جارية من المضاربة فإن لم يكن ظهر في المال ربح لم تكن أم ولده، وإن ظهر فيه ربح فهي أم ولده.

وهذا يدل على أنه يملك الربح بالظهور ولو لم يعمل المضارب إلا أنه صرف الذهب بالورق فارتفع الصرف: استحقه لّما صرفها. نقله حنبل.

وعنه: لا يملكه إلا بالقسمة.

وعنه: يملكه بالمحاسبة والتنضيض والفسخ.

(و) على المذهب. وهو: أنه يملكه بالظهور (لا) يملك (الأخذ منه

إلا بإذن) من رب المال؛ لأن نصيبه شاع وليس له أن يقاسم نفسه.

ولأن ملكه عليه غير مستقر؛ لأنه يعرض أن يخرج عن يده لجبر خسران.

ومتى قلنا: يملكه بالظهور فشرطاه بالقسمة، أو قلنا بالقسمة فشرطاه بالظهور: لم يصح الشرط. قاله في " الانتصار " واقتصر عليه المجد.

(وتحرم قسمته) أي: الربح (والعقد) أي: عقد المضاربة (باق. إلا باتفاقهما) على ذلك؛ لأنه مع امتناع رب المال وقاية ل رأس ماله؛ لأنه لا يأمن الخسران فيجبره بالربح، ومع امتناع العامل؛ فلأنه لا يأمن أن يلزمه رد ما أخذ في وقت لا يقدرعليه. فلا يجبر واحد منهما.

وأما كون ذلك يجوز مع اتفاقهما؛ فلأنه ملكهما. فجاز قسمهما لكله وبعضه؛ كالشريكين. أو يقال: إنهما شريكان. فجاز لهما قسمة الربح قبل المفاصلة؛ كشريكي العنان.

ص: 48

(وإن) انفسخت المضاربة والمال عرض وطلب عامل بيعه و (أبى مالك البيع: أُجبر) عليه (إن كان فيه ربح) نص عليه. يعني: إذا قال العامل: في المال ربح، وقال المالك: ليس فيه ربح أُجبر المالك على بيعه؛ لأن حق العامل في الربح لا يظهر إلا بالبيع. فأجبر الممتنع من توفيته

(1)

كسائر الحقوق.

ومفهومه: أنه إذا لم يكن ربح ظاهر لم يجبر مالك على البيع. وهو كذلك لأن العامل لا حق له فيه وقد رضيه مالكه عرضاً.

وقيل: يجبر مطلقاً.

(ومنه) أي: من الربح (مهر) وجب بوطء أمة من مال المضاربة، أو بتزويجها باتفاقهما، (وثمرة) ظهرت من شجر اشتري من مالها، (وأجرة) وجبت بعقد على شيء من مال المضاربة أو بتعد عليه، (وأرش) وجب بجناية على شيء من مال المضاربة.

قال في " الفر وع ": (و) كذا (نتاج)، ويتوجه وجه. انتهى.

يعني: أن العامل لو اشترى من مال المضاربة فرساً أو نحوها فولدت. فالولد محسوب من ربح المال. ويتوجه وجه: أنه لرب المال؛ لعدم عمل من العامل فيه.

(وإتلاف مالك) مال المضاربة (كقسمة: فيغرم حصة عامل) من الربح؛ (كـ) ما لو حصل التلف بفعل (أجنبي).

ويقبل قولى مضارب في أنه ربح أم لا وكذا قدره. نقله ابن منصور.

(وحيث فسخت) المضاربة (والمال عرض أو دراهم وكان دنانير، أو عكسه) بأن فسخت المضاربة ورأس المال دنانير وكان دراهم وتصادق رب المال مع العامل على وجود ربح فيه، (فرضي ربه بأخذه) أي: بأخذ مال المضاربة على صفته التي هو عليها: (قوَّمه) أي: مال المضاربة (ودفع حصته) أي: حصة العامل من الربح الذي ظهر بتقويم المال، (وملكه) أي: ملك ما يقابل

(1)

فى أ: توفيقه.

ص: 49

حصته العامل من الربح؛ لأنه أسقط عن العامل البيع وقد صدقه على الربح. فلا يجبر على بيع ماله بلا حظ يكون للعامل

(1)

في بيعه،] ثم إن ارتفع السعر بعد ذلك لم يطالب العامل رب المال بقسطه من ارتفاع السعر؛ كما لو ارتفع بعد بيعه [

(2)

. وفيه وجه.

ومحل ذلك: (إن لم يكن) فعل رب المال لذلك (حيلة على قطع ربح عامل؛ كشراءه خزاً في الصيف ليربح في الشتاء، ونحوه: فيبقى حقه في ربحه).

قال ابن عقيل: وإن قصد رب المال الحيلة ليختص بالربح، بأن كان العامل اشترى خزّاً في الصيف ليربح في الشتاء، أو يرجو دخول موسم أو قفل. فإن حقه يبقى في الربح.

وقال الأزجي: أصل المذهب: أن الحيل لا أثر لها. نقله عنهما في

" الفروع " واقتصر عليه.

(وإن لم يرض) رب المال بأخذ العرض أو الدراهم عن الدنانير وعكسه: (فعلى عامل بيعه وقبض ثمنه)؛ لأن عليه رد المال ناضاً كما أخذه.

وقيل: لا يجبر إذا لم يكن في المال ربح أو كان فيه ربح وأسقط حقه منه.

وعلى المذهب: إذا نضّ له قدر رأس المال لزمه أن ينض له الباقي.

وقيل: لا يلزمه؛ لأنه شركة بينهما، ولا يلزم الشريك أن ينض مال شريكه. ولأنه إنما لزمه أن ينض رأس المال، ليرد إليه رأس ماله على صفته، ولا يو جد هذا المعنى في الربح. ذكر ذلك في " الفروع " عن الموفق وغيره.

وما ذكرنا من أن رأس المال إذا كان دنانير فصار دراهم ولم يرض رب المال

بأخذ الدراهم: أن على العامل أن ينضه دنانير وعكسه هو قول جمهور الأصحاب. وقال الأزجي: إن قلنا هما شيء واحد وهو قيمة الأشياء: لم يلزمه، ولا فرق لقيام كل واحد مقام الاخر. فعلى هذا يدور الكلام.

(1)

ساقط من أ.

(2)

ساقط من أ.

ص: 50

قال: ولو كان صَحاحا فنض قراضة أو مكسرة: لزم العامل رده إلى الصَّحاح [فيبيعها بصَحاح]

(1)

أو بعرض ثم يشتريها به. انتهى.

(كتقاضيه لو كان دينا) يعني: إذا فسخت المضاربة ومالها دين. فعلى العامل أن يتقاضاه ممن هو عليه. سواء ظهر في المال ربح أو لم يظهر؛ لأن المضاربة تقتضي رد رأس المال على صفته، والديون لا تجري مجرى الناض فلزمه أن ينضه.

ولا يقتصر في التقاضي على قدر رأس المال، لأنه إنما يستحق نصيبه من الربح عند وصوله إليهما على وجه تمكن قسمته ووصول كل واحد منهما إلى حقه منه، ولا يحصل ذلك إلا بعد تقاضيه.

وقيل: إنما يلزمه التقاضي في قدر رأس المال فقط.

(ولا يخلط) عامل (رأس مال قبضه) من إنسان واحد (في وقتين) بلا إذن

رب المال. نص عليه " لأنه أفرد كل واحد بعقد فكانا عقدين. فلا تجبر وضيعة أحدهما بربح الآخر، كما لو نهاه عن ذلك.

(وإن اذن له) رب المال في خلطهما (قبل تصرفه في) رأس المال (الأول

أو بعده) أي: بعد تصرفه في الأول (وقد نض) اي: صار نقداً كما أخذه: جاز وصارا مضاربة واحدة، كما لو دفعهما إليه مرة واحدة.

وفُهم من هذا: أن إذنه له إذا كان بعد تصرفه في الأول ولم ينض لا يملك به الخلط ويحرم، لأن حكم العقد الأول استقر فكان ربحه وخسرانه مختصاً به. فضم الثانى إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر. فإذا شرط ذلك في الثانى فسد.

(أو) إن (قضى) العامل (برأس المال دينه، ثم اتجر بوجهه) أي: اشترى في ذمته بجاهه، (وأعطى ربه) اي: رب المال الذي قضى به دينه (حصته من الربح) الحاصل من تجارته بوجهه، حال كونه (متبرعا بها) لرب

(1)

ساقط من أ.

ص: 51

المال: (جاز) نصاً.

نقل صالح: أما الربح فأرجو إذا كان هذا متفضلا عليه.

(وإن مات عامل) في مضاربة. وعنه: غير فجأة، (أو مودَع) بفتح الدال، وقيل: غير فجأة. (أو) مات (وصي) على صغير أو مجنون أو سفيه (وجهل بقاء ما بيدهم) من مضاربة ووديعة ومال موليه: (فـ) هو (دين في التركة)؛ لأن الأصل بقاء المال في يد الميت واختلاطه بجملة التركة، ولا سبيل إلى معرفة عينه فكان دينا.

ولأنه لا

(1)

سبيل إلى إسقاط حق مالك المال ولا إلى إعطائه عيناً من التركة؛ لاحتمال أن تكون غير عين ماله. فلم يبق إلا تعلقه بالذمة.

قال في " الفروع ": ولأنه لما أخفاه ولم يعينه فكأنه غاصب فتعلق بذمته.

ومسألة الوصي عن الشيخ تقي الدين وصاحب " الفروع ".

(وإن أراد المالك) لمال المضاربة الذي مات عامله (تقرير وارث) في العمل مكان مورثه: (فـ) تقريره (مضاربة مبتدأة) لا تجوز. إلا إذا كان المال حينئذ دراهم أو دنانير.

(ولا يبيع) الوارث (عرضاً) من مال المضاربة (بلا إذن) من رب المال؛

لأنه إنما رضي باجتهاد مورثه.

وكذلك رب المال ليس له بيع شيء من ذلك إلا بإذن وارث العامل؛ لوجود حقه في الربح.

فإذا أبى كل منهما الإذن للآخر في بيعه (فيبيعه حاكم) عليهما (ويقسم الربح) بينهما على ما شرط عند ابتداء المضاربة.

(ووارث المالك) إذا مات (كهو) أي: كالمالك إذا كان موجودا وقد انفسخت المضاربة. وتقدم حكم ذلك

(2)

.

(1)

في أ: ولا.

(2)

ص (28).

ص: 52

(فيتقرر ما لمضارب) من الربح، ويقدم به على الغرماء.

(ولا يشتري) العامل من مال المضاربة شيئاً بعد موت رب المال إلا بإذن ورثته ويكون وكيلاً عنهم، لأن المضاربة قد بطلت بالموت.

(وهو) أي: العامل (في) ما يلزمه من (بيع) لعروض (واقتضاء) دين

من مال المضاربة بعد موت رب المال (كفسخ) للمضاربة (والمالك حي). وتقدم الكلام على ذلك.

ومتى أراد الوارث أو وليه إتمام المضاربة والمال ناضّ جاز، ويكون رأس المال الذي أعطاه مورثه وحصته من الربح رأس مال الوارث، وحصة العامل من الربح شركة له مشاع. وهذه الإشاعة لا تمنع صحة العقد، لأن الشريك هو العامل وذلك لا يمنع التصرف.

(وإن أراد) الوارث (المضاربة والمال عرض: فمضاربة مبتدأة). وقد تقدم أنها لا تصح على العروض

(1)

.

وقيل: يجوز هنا وإن لم يجز هناك، لأن هذا إتمام للقراض لا ابتداء له.

ورد: بأنا لو جوزنا ابتداء القراض

(2)

إذاً لحسبت على العامل العروض بأكثر

من قيمتها فيما إذا كان المال ناقصاً. وهذا لا يجوز في القراض بلا خلاف.

***

(1)

ص: 8.

(2)

في ب: القرض.

ص: 53

(فصل): فيما يقبل قول العامل والمالك فيه وغير ذلك

(والعامل) في المضاربة (أمين) في مالها؛ لأنه متصرف في مال لا يختص بنفعه بإذن مالكه. فكان أميناً؛ كالوكيل. وفارق المستعير فإنه يختص بنفع العين المعارة.

فعلى هذا (يصدَّق) العامل (بيمينه في قدر رأس مال)؛ لأن رب المال يدعي عليه قبض شيء وهو ينكره، والقول قول المنكر.

ثم إن لم يكن في المال ربح متنازع فيه [ولا متفق عليه فبالإجماع. وإن كان هناك ربح متنازع فيه]

(1)

؛ كما لو جاء العامل بألفي درهم وقال: رأس المال ألف والربح ألف، وقال رب المال: بل الألفان رأس المال: فالقول قول العامل على الصحيح.

(و) يصدق العامل بيمينه أيضاً في قدر (ربحٍ). نقله ابن منصور.

وذكر الحلواني فيه روايات كعوض كتابة. الثالثة: يتحالفان.

وجزم أبو محمد الجوزي بقول رب المال.

(وعدمِه وهلاكٍ وخسرانٍ)؛ لأن تأمينه يقتضي ذلك.

ومحل ذلك: إن لم تكن لرب المال بينة تشهد بخلاف ما ذكره العامل.

(و) يصدق العامل بيمينه أيضا في (ما يَذكر أنه اشتراه لنفسه أو لها) أي: الشركة. (ولو في) شركة (عنان ووجوه)؛ لأن الاختلاف هاهنا في نية المشتري. وهو أعلم بما نواه. لا يطلع عليه أحد سواه.

ولأنه أمين في الشراء. فكان القول قوله؛ كالوكيل.

(1)

ساقط من ب.

ص: 54

(و) في (ما يُدعَى عليه) أي: على العامل (من خيانة) وتفريط؛ لأن الأصل عدمهما.

وإذا اشترط المضارب النفقة ثم ادعى أنه إنما أنفق من ماله وأراد الرجوع:

فله ذلك. سواء كان المال باقياً في يده أو قد رجع إلى مالكه " كالوصي إذا ادعى النفقة على اليتيم.

وإذا اشترى العامل شيئاً فقال المالك: قد كنت نهيتك عن شرائه وأنكر العامل قالقول قوله، لأن الأصل معه.

(ولو أقر) عامل (بربح) بأن قال: ربح المال ألفاً، (ثم ادعى تلفاً أو خسارة) بأن قال: تلف الربح، أو قال: حصلت خسارة بعد أن ربح: (قُبل) قوله في ذلك " لأنه أمين. فقبل قوله، كالوكيل المتبرع.

(لا) إن ادعى (غلطاً أو كذباً أو نسياناً، أو) ادعى (اقتراضاً تُمِّم به رأس المال بعد إقراره) أي: العامل (به) أي: برأس المال، كما لو أعطى إنسان إنسانأ عشرة اّلاف مضاربة ثم سآله عن ذلك فقال (لربه). رأس المال باقٍ بيدي وها هو

(1)

. فقال رب المال: قد فسخت المضاربة وأخذ منه العشرة آلاف فقال العامل: إن المال كان قد خسر ألفأ وخشيت أنك إن وجدته ناقصاً أخذته مني فاقترضت من فلان ألفاً تممت به رأس المال لأعرضه عليك. فإن قول العامل لا يقبل في شيء من ذلك " لأنه رجوع عن إقرار بحق لادمى.

قال في "المغني ": ولا تقبل شهادة المقرض له، لأنه يجر إلى نفسه نفعاً

(2)

.

وليس له مطالبة رب المال، لأن العامل ملكه بالقرض ثم سلمه إلى رب المال، ولكن يرجع المقرض على العامل لا غير. انتهى.

وقال المجد في " شرح الهداية " بعد أن نقل المسألة عن القاضي وابن عقيل وذكر أنهما ما تعرضا في أول المسألة هل النقص مضمون أو بغير تفريط؟.

(1)

في أ: وهو.

(2)

ساقط من ب.

ص: 55

وتحرير الجواب عندي: أنه إن كان نقصاً يضمنه المضارب فلا رجوع على المالك بحال لا للمقرض ولا للعامل؛ لأن العامل اقترض شيئاً فملكه بالقرض ثم قضى به ديناً عليه. وأما إن كان النقص غير مضمون في الباطن فلا رجوع للمقرض على المالك؛ لما سبق، ولكن يرجع المضارب على رب المال إن علم باطن الأمر بتصديق المالك أو بغير ذلك إن أمكن والله أعلم. انتهى.

وعنه: يقبل رجوعه عن إقراره الرج.

نقل أبو داود ومهنا: إذا أقر بربح ثم قال: إنما كنت أعطيك من رأس المال يصدق.

وقال أبو بكر: وعليه العمل. ويتخرج

(1)

ببينة. ويضمن ثمناً مؤجلاً مجحوداً لا بينة به. لا حالاً.

ومن دفع إلى اثنين قراضاًعلى النصف فنضّ المال وهو ثلاثة اّلاف فقال رب المال: رأس المال ألفان فصدقه أحدهما، وقال الآخر: بل هو ألف: قالقول قول المنكر مع يمينه. فإذا حلف أن رأس المال ألف والربح ألفان فنصيبه منهما خمسمائة يبقى ألفان وخمسمائة يأخذ رب المال ألفين

(2)

؛ لأن الآخر يصدقه. يبقى خمسمائة ربحا بين رب المال والعامل الآخر يقسمانها أثلاثا: لرب المال ثلثاها، وللعامل ثلثها؛ لأن نصيب رب المال من الربح نصفه ونصيب هذا العامل ربعه فيقسم بينهما باقي الربح على ثلاثه، وما أخذه الحالف فيما زاد على قدر نصيبه كالتالف منهما، والتالف يحسب في المضاربة من الربح.

(ويقبل قول مالك) لمال المضاربة (في رده) أي: إذا ادعى العامل رده

إليه وأنكر ولا بينه. نص عليه؛ لأنه قبضه لنفع له فيه. فلم يقبل قوله في رده؛ كالمستعير. ولأن رب المال منكر فقدم قوله. وفيه وجه.

(و) يقبل قول المالك أيضاً في (صفة خروجه) أي: المال (عن يده) فإن

(1)

في أ: ويخرج.

(2)

في أ: ألفان.

ص: 56

قال: أعطيتك ألفاً قراضاً على النصف من ربحه، وقال العامل: بل قرضاً ليس

لك شيء من ربحه: قالقول قول رب المال، لأن الأصل بقاء ملكه عليه. فإذا

حلف قسمنا الربح بينهما.

وفيه وجه: يتحالفان.

وإن خسر المال أو تلف فقال رب المال: كان قرضاً، وقال العامل: كان

قراضاً أو بضاعة: قالقول قول رب المال، لأن الأصل في القابض لمال غيره الضمان.

(فلو اقاما بينتين) أي: أقام كل منهما بينة بدعواه: (قُدمت بينة عامل)؛

لأن معها زيادة علم. وهو ما يقتضي عدم ضمان المال.

ولأنه خارج.

قال في " المغني ": وإن قال رب المال: كان بضاعة، وقال العامل: بل

كان قراضاً: احتمل أن يكون القول قول العامل، لأن عمله له. فيكون القول

قوله فيه.

ويحتمل أن يتحالفا ويكون للعامل أقل الأمرين من نصيبه من الربح أو أجر

مثله، لأنه لا يدعي أكثر من نصيبه من الربح. فلا يستحق زيادة عليه، وإن كان

الأقل أجر مثله فلم يثبت كونه قراضاً فيكون له أجر عمله.

وإن قال رب المال: كان بضاعة، وقال العامل: كان قرضاً: حلف كل

واحد منهما على إنكار ما ادعاه خصمه، وكان له أجر عمله لا غير. انتهى.

وعنه: إن أقاما بينتين تعأرضتا وقسم الربح بينهما نصفين.

قال المجد: وإنما نجعله بينهما نصفين، لأنهما سقطت بينتهما بالتعارض:

فكان القول قول المالك؛ لأن الأصل بقاء ملكه وتبع الربح له. لكن قد اعترف

منه بنصف الربح للعامل فبقي الباقي على الأصل. انتهى.

(و) يقبل قول مالك أيضاً (بعد ربح) حصل في المال (في قدر ما شرط

لعامل). فلو قال: شرطت لي نصف الربح، وقال المالك: بل ثلثه: قالقول

ص: 57

قول المالك. نص عليه في رواية ابن منصور وسندي، لأن رب المال ينكر السدس الزائد واشتراطه له، والقول قول المنكر.

وعنه: قول العامل إن ادعى أجر المثل أو مع زيادة يتغابن الناس بمثلها. (ويصح دفع عبد، أو) دفع (دابة)، أو دفع آنية، كقربة وقدر، أو آلة " كمحراث ونورج ومنجل (لمن يعمل به) أي: بالمدفوع، (بجزء من أجرته).

نقل أحمد بن سعيد عن أحمد: فيمن دفع عبده إلى رجل ليكسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز.

ونقل أبو داود عن أحمد: فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو

أن لا يكون به بأس.

قال إسحاق بن إبراهيم: قال أبو عبدالله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز.

(و) يصح أن تكون (خياطة ثوب، ونسج غزل، وحصاد زرع، ورضاع قن، واستيفاء مال، ونحوه)، كبناء دار، ونجر باب، وطحن قمح، (بجزء مشاع منه).

قال في " المغني ": وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قمصانا ليبيعها وله نصف ربحها بحق عمله: جاز. نص عليه في رواية حرب.

وإن فى دفع غزلاً إلى رجل ينسجه ثوبا بثلث ثمنه أو ربعه: جاز. نص عليه.

وإن جعل له مع ذلك دراهم معلومة لم يجز. نص عليه.

وعنه: بلى.

وقال أبو بكر: هذا قول قديم، وما روي غير هذا فعليه المعتمد.

قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله يقول: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع. وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم ودرهمين قال: أكرهه؛ لأن

ص: 58

هذا شيء لا يعرف. والثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً " لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: " أعطى خيبر على الشطر ").

(1)

قيل لأبي عبدالله: فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهماً؛ قال: فيجعل له ثلثاً وعشرا ثُلثاً ونصف عشر وما أشبهه.

ونقل مهنا في " الحصاد ": هو أحب إليّ من المقاطعة.

وعنه: لا يصح نسج غزل، وحصد زرع، وطحن حب، بجزء مشاع منه منسوجاً، أو محصوداً، أو مطحوناً.

وقيل: لا يصح في الثلاثة ولا غيرها، والربح كله لرب المال. وللعامل عليه أو فيه أجر مثله " لأنهذا ليس من أقسام الشركة. إلا أن يكون مضاربة ولا تصح بالعروض.

ووجه المذهب: أن ذلك عين تنمى بالعمل عليها. فصح العقد عليها ببعض نمائها؛ كالشجر في المساقاة، والأرض في المزارعة. فإنه دفع لعين المال إلى من

(2)

يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها. وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعروض فاسد. فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه.

وما رواه الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه نهى عن عسيب الفحل وعن قفيز الطحان ")

(3)

: لا ينافي ذلك " لأنه إذا قدر له قفيزا لا يدري الباقي بعد القفيز كم هو فتكون المنفعة مجهولة.

(و) يصح أن يكون (بيع، ونحوه)، كإيجار (لمتاع، وغزو بدابة بجزء من ربحه) أي: المتاع، (أو) بجزء من (سهمها) أي: الدابة.

وتقدم نصه: فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة. وما ليس

(1)

أخرجه أبو داود البيوع، باب في في " سننه " (3414) 3: 264 كتاب الخرص. بمعناه.

(2)

في أ: أن، وفي ب: لعين المال من.

(3)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(195) 3: 47 كتاب البيوع.

ص: 59

بمنصوص عليه فهو في معنى المنصوص عليه. وهذا بخلاف ما لو قال: بع عبدي أو آجره والثمن أو الأجرة بيننا: فإنه لا يصح، ويكون الثمن والأجرة لصاحبه، وللآخر أجر مثله. وسيأتي في المتن بعض ذلك.

(و) يصح (دفع دابة أو نحل، ونحوهما)، كعبد وأمة (لمن يقوم بهما مدة معلومة)، كسنة ونحوها، (بجزء منهما) أي: من عينهما " كربع وسدس. (والنماء) الحاصل منه (ملك لهما) " لأنه نماء ملكهما.

و (لا) يجوز دفع شيء لمن يقوم عليه (بجزء من نماء، كدَرٍّ ونسل وصوف وعسل، ونحوه)؛ كمسك وزباد " لحصول نمائه بغير عمل.

وعنه: بلى.

***

ص: 60

[فصل: في شركة الوجوه]

(فصل. و) الضرب (الثالث) من الأضرب الخمسة. (شركة الوجوه.

وهي: أن يشتركا) بغير مال (في ربح ما يشتريان في ذممهما، بجاههما)

أي: بوجوههما وثقة التجار بهما. على أن ما اشترياه بينهما نصفين أو أثلاثاً أو أرباعاً أو نحو ذلك.

وسميت بذلك، لأنهما يعاملان

(1)

فيها بوجوههما، والجاه والوجه

واحد، يقال: فلان وجيه إذا كان ذا جاه.

وهي جائزة؛ لاشتمالها على مصلحة غير مضرة.

(ولا يشترط) لصحتها (ذكر جنس) أي: صنف لما يشتريانه، (ولا قدر) لما يشتركان فيه، (ولا وقت) أي: مدة الشركة. خلافاً لأبي حنيفة في اشتراط الثلاثة.

(فلو قال) أحدهما للآخر: (كل ما اشتريت من شيء فبيننا)، وقال

الآخر كذلك: (صح) العقد.

قال أحمد في رواية ابن منصور: في رجلين اشتركا بغير رؤوس أموالهما

على أن ما يشتريه كل واحد منهما بينهما: فهو جائز.

وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسن وابن المنذر.

وقال مالك والشافعى: لا بد من ذكر شرائط الوكالة من تعيين الجنس وغيره.

ولنا: أن ذلك إنما يعتبر في الوكالة المفردة. أما الوكالة الداخلة في ضمن

الشركة فلا يعتبر فيها ذلك. بدليل "المضاربة وشركة العنان. فإن في ضمنهما توكيلاً ولايعتبر شئ من هذا.

(1)

فى ب: يعملان.

ص: 61

(وكل) من شريكى الوجوه (وكيل الآخر) في البيع والشراء، (وكفيله بالثمن)؛ لأن مبناها على الوكالة والكقالة.

(ومِلك) فيما يشتريانه بجاههما بينهما كما شرطاه عند العقد " لقوله صلى الله عليه وسلم:

" المؤمنون على شروطهم "

(1)

.

ولأنها مبنية على الوكالة فتتقيد بما وقع الإذن والقبول فيه.

قال في " الفروع ": وهل ما يشتريه أحدهما بينهما أو بالنية كوكيل؟ فيه وجهان. ويتوجه في عنان مثله. وقطع جماعة بالنية. انتهى.

(وربح) فيها

(2)

بينهما (كما شرطا) من تساو وتفاضل، لأن أحدهما قد يكون أوثق عند التجار وأبصر بالتجارة من الآخر. فيجوز له أن يشترط زيادة في الربح في مقابلة زيادة أوثقيته وزيادة إبصاره بالتجارة.

ولأن شركة الوجوه منعقدة على عمل وغيره. فكان ربحها على ما شرطاه، كشركة العنان.

وقال القاضي وابن عقيل ومن تبعهما: إن الربح بينهما على قدر ملكيهما

(3)

في المشترى إن اتفقا على أن أحدهما يكون له ثلث المشترى فيكون له ثلث الربح، أو أن يكون له ربع المشترى فيكون له ربع الربح ونحو ذلك، لأن الربح يستحق بالضمان؛ لوقوع الشركة عليه. إذ لا مال عندهما يشتركان على العمل فيه والضمان لا تفاضل فيه

(4)

. فلا يجوز التفاضل في الربح.

ورد: باًنهما إنما يشتركان ليعملا في المستقبل فيما يأخذانه

(5)

بجاههما،

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3594) 3: 304 كتاب الأقضية، باب في الصلح. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (1352) 3: 634 كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله في الصلح بين الناس.

(2)

في ج: فيما.

(3)

في أ: ملكهما.

(4)

ساقط من أوب

(5)

في ج: يأخذان.

ص: 62

كما أن سائر الشركات إنما يكون العمل فيها فيما

(1)

يأتي.

(والوضيعة) أي: الخسران الحاصل بتلف أو ببيع

(2)

بنقصان عما اشتريا به

أو غير ذلك (على قدر الملك) في المشترى. فعلى من يملك فيه الثلثين ثلثا الوضيعة، وعلى من يملك فيه الثلث ثلث الوضيعة ونحو ذلك. سواء كان الربح بينهما كذلك أو لم يكن؛ لأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال. وهو مختص بملاكه. فيوزع بينهما على قدر حصصهما.

(وتصرُّفهما) فيما يجب لهما وعليهما وفي إقرارهما وخصومتهما وغير ذلك (كـ) تصرف (شريكَيْ عنان).

(1)

في ب: بما.

(2)

في ج: بيع.

ص: 63

(فصل)[في شركة الأبدان]

(فصل) الضرب (الرابع) من الأضرب الخمسة: (شركة الأبدان). وبجوازها، قاله أهل الرأي والحسن بن حر والليث.

وبعدمه، قاله الشافعي وأبو ثور وابن المنذر.

وقال مالك بجوازها مع اتفاق الصنائع، وبعدمه مع اختلافها

(1)

.

(وهي) نوعان:

أحدهما: (أن يشتركا فيما يتملَّكان بأبدانهما، من مباح؛ كاحتشاش، واصطياد، وتلصُّص على دار الحرب، ونحوه)، كاشتراكهما فيما يصيبانه من سلب من يقتلانه بدار الحرب.

وبعدم جواز هذا النوع قال أبو حنيفة، لأن الشركة مقتضاها الوكالة.

ولا تصح الوكالة في هذه الأشياء؛ لأن من أخذها ملكها.

ونص أحمد على جوازه في رواية أبي طالب فقال: لا بأس أن يشترك القوم

بأبدانهم وليس لهم مال، مثل: الصيادين والبقالين والحمالين " قد أشرك النبي صلى الله عليه وسلم بين عمار وسعد وابن مسعود. فجاء سعد بأسيرين ولم يجيئا بشيء "

(2)

. وفسّر أحمد صحة الشركة في الغنيمة فقال: يشتركان فيما يصيبان من سلب المقتول، لأن القاتل يختص به دون الغانمين. والحديث الذي احتج به الإمام رواه أبو داود والأثرم.

فإن قيل: قالمغانم مشتركة بين الغانمين بحكم الله تعالى. فكيف يصح اختصاص عمار وسعد وابن مسعود بالشركة فيها؟

(1)

في أ: اختلافهما.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3388) 3: 57 كتاب البيوع، باب في الشركة على غير رأس مال. وأخرجه النسائي في " لشنه، (4697) 7: 319 كتاب البيوع، الشركة بغير مال.

ص: 64

قالجواب: أن ذلك كان في غزوة بدر، وغنائمها كانت لمن أخذها. قَبْل

أن يُشرك الله تعالى بينهم. ولهذا نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أخذ شيئا فهو له "

(1)

فكان ذلك من قبيل المباحات.

فإن قيل: غنائم بدر كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له أن يدفعها لمن يشاء، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لهذا. فلا يكون في الحديث حجة على صحه الشركه؟ قالجواب: أن الله تعالى إنما جعل الغنيمة لنبيه بعد أن غنموا واختلفوا في الغنائم فأنزل الله تبارك وتعالى

(2)

: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنقال: 1] والشركة كانت قبل ذلك. ويدل على صحة هذا: أنها لو كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخل: إما أن يكون قد أباحهم أخذها فصارت كالمباحات، أو لم يبحها لهم فكيف يشتركون في شيء لغيرهم.

ويدل لصحة شركة الأبدان من جهة المعنى: أن العمل أحد جهتى المضاربة. فصحت الشركة عليه؛ كالمال.

وعلى أبي حنيفه: أنا لا نسلم أن الوكالة لا تصح في المباحات فإنه يصح أن يستنيب في تحصيلها بأجرة، وكذلك يصح بغير عوض إذا تبرع أحدهما بذلك؛ كالتوكيل في بيغ ماله.

(و) النوع الثانى: أن يشتركا فيما (يتقبَّلان في ذممهما من عمل)؛ كنسج وقصارة وخياطة.

قال أحمد في روايه الأثرم وإبراهيم بن الحارث: في خياطين اشتركا فقال

كل واحد منهما للآخر: ما أصبت

(3)

فبيني وبينك: فهو جائز.

وإن قال أحدهما: أنا أتقبل

(4)

وأنت تعمل والأجرة بيني وبينك: صحت

(1)

أخرجه البيهقي. في " السنن الكبرى " 6: 316 كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب الوجه الثالث من النفل.

(2)

في أ: فانزل الله تعالى.

(3)

في أ: أصيب.

(4)

في أوب: القبل.

ص: 65

الشركة؛ لأن الضمان يستحق به الربح. بدليل شركة الأبدان. فتقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح. فصار كتقبله المال في المضاربة. والعمل يستحق به العامل الربح كعمل المضاربة. فيُنَزّل منزلة المضاربة. (ويطالبان) أي: يطالب كل منهما (بما يتقبله أحدهما) من عمل، (ويلزمهما عمله)؛ لأن مبنى هذه الشركة على الضمان. فكأنها تضمنب ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه.

وفيه احتمال: أنه لا يلزم أحدهما عمل ما يتقبله الآخر.

[(ولكل) من الشريكين]

(1)

(طلب أجرة) لعمل تَقَبَّله صاحبه، وللمستاًجر دفعها إلى كل واحد منهما. وإلى أيهما دفع برئ منها

(2)

.

(وتلفها) أي: الأجرة حال كونه (بلا تفريط بيد أحدهما) مضمون عليهما؛ لأن كلاًّ منهما وكيل الآخر في المطالبة.

(وإقر اره) أي: إقرار أحدهما (بما في يده) مقبول (عليهما)؛ لأن اليد

له [فيقبل إقراره بما فيها. بخلاف

(3)

إقراره بما في

(4)

يد شريكه أو بدين عليه؛ لأنه لا يد له]

(5)

على ذلك.

(والحاصل) من أجرة عمل ما يتقبلاه أو أحدهما مقسوم بينهما (كما شرطا) عند انعقاد الشركة من مساواة أو تفاضل؛ لأن العمل يستحق به الربح ويجوز تفاضلهما في العمل. فجاز في الربح الحا صل به.

(ولا يشترط) لصحتها (اتفاق صنعة). فلو اشترك حداد وخياط فيما يتقبلان في ذمهما من عمل: صح؛ لأنهما اشتركا في مكسب مباح. فصح؛ كما لو اتفقت الصنائع.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: منهما.

(3)

في أ: خلاف.

(4)

ساقط من أ.

(5)

ساقط من ب.

ص: 66

ولأن الصنائع المتفقة قد يكون أحد الشريكين أحذق فيها من الآخر فربما يتقبل أحدهما ما لا يمكن

(1)

الآخر عمله. ولم يمنع ذلك صحتها فكذلك إذا اختلفت الصناعتان.

وفيه وجه: يشترط ذلك؛ لأنه إذا لزم أحدهما عمل ما يتقبله الآخر. فكيف يطالب بما لا قدرة له عليه؛

وجوابه: بأنه يمكنه تجصيل ذلك بالأجره أو بمن يتبرع له بعمله.

(ولا) يشترط لصحة الشركة أيضاً (معرفتها) أي: الصنعة لواحد منهما.

فلو اشترك اثنان لا يحسنان الخياطة في تقبلها وأن يدفعا ما يتقبلاه من ذلك لمن يحسن الخياطة بما يوافقانه من الأجرة، وما فضل فبينهما: صح؛ لما تقدم من أن التقبّل يوجب الضمان على المتقبّل ويستحق به الربح؛ لأن مبنى هذه الشركة على الضمان.

(ف) ينبني على صحة شركة الأبدان ممن لا يعرف الصنعة: أنه (يلزم غير عارف) الصنعة التي اشتركا على العمل فيها (إقامة عارف) لها (مقامه) في العمل؛ ليحصل المقصود لكل من الشريكين والمستأجر.

(وإن مرض أحدهما) أي: الشريكين، (أو ترك العمل) مع شريكه

(لعذر، أو لا) لعذر؛ كما لو تركه وهو حاضر صحيح: (قالكسب بينهما) على ما شرطاه.

قال ابن عقيل: نص عليه أحمد في رواية إسحاق بن هانئ. وقد سئل عن الرجلين يشتركان في عمل الأبدان فيأنى أحدهما بشيء ولا يأتي الآخر بشيء، قال: نعم. هذا بمنزلة حديث سعد وابن مسعود.

قال في " المغني ": يعني: حيث اشتركوا. فجاء سعد بأسيرين وأخفق

الآخران.

ولأن العمل مضمون عليهما، وبضمانهما له وجبت الأجرة. فتكون لهما،

(1)

في ا: يكره.

ص: 67

ويكون العامل منهما عوناً لصاحبه في حصته. ولا يمنع ذلك استحقاقه؛ كمن استأجر رجلاً ليقصر له ثوباً فاستعان القصار بإنسان يقصره

(1)

معه فإن الأجرة تكون للقصار والمستأجر. كذا هنا.

وفيه وجه: أنه إن ترك العمل لغير عذر لا يشارك صاحبه في كسب ما عمله. (ويلزم من عذر) بمرض أو نحوه في ترك العمل مع شريكه (بطلب شريكه) له (أن يقيم مقامه) في العمل؛ لأنهما دخلا على أن يعملا. فإذا تعذر عمل أحدهما بنفسه لزمه أن يقيم مقامه توفية لما يقتضيه العقد. فإذا امتنع من ذلك فللآخر الفسخ.

(ويصح أن يحملا على دابتيهما ما يتقبلانه) من حمل شيء معلوم إلى مكان معلوم (في ذممهما)، والأجرة بينهما على ما شرطاه؛ لأن تقبلهما الحمل أثبت الضمان في ذمتهما. ولهما أن يحملاه على أي ظهر كان. والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه.

و (لا) يصح (أن يشتركا في أجرة عين الدابتين، أو) في أجرة (أنفسهما إجارة خاصة)؛ مثل أن يقول المستأجر: استأجرت هذين الدابتين، أو استأجرتكما لحمل هذا المتاع إلى محل كذا؛ لأنه يصح ضمان الحمل في ذمتهما. وإنما استحق المكتري منفعة البهيمة التي استأجرها أو منفعة المؤجر نفسه، ولهذا تنفسخ الإجارة بموت المستأجر من البهيمه والإنسان.

(ولكل) من مالكي الدابتين (أجرة دابته) فيما إذا أجرا

(2)

عين الدابتين، (و) أجرة (نفسه) فيما إذا أجرا أنفسهما؛ لعدم صحة الشركة. وفيها وجه. (وتصح شركة اثنين: لأحدهما آلة قصارة، وللآخر بيت) شركة أبدان،

على أنهما (يعملان) صنعة القصارة (فيه) أي: في البيب (بها) أي: بالآلة، وما حصل فبينهما؛ لأن الشركه وقعت على عملهما والعمل يستحق به الربح في

(1)

في ج: ليقصره.

(2)

في أ: أجار.

ص: 68

الشركة، والآلة والبيت لا يستحق بهما شيء؛ لأنهما يستعملان في العمل المشترك. فصار كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشيء الذي تقبلا حمله.

وإن كانت لأحدهما آلة وليس للآخر شيء، أو لأحدهما بيت وليس للآخر شيء فاتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيب والأجرة بينهما: صح؛ لما ذكرنا. و (لا) يصح أن يشترك (ثلاثة: لواحد دابة، وللآخر راوية، وثالث يعمل) بالراوية على الدابة، على أن ما رزقه الله تعالى فهو بينهم.

(أو أربعة: لواحد دابة، ولآخر رحى، ولثالث دكان، ورابع يعمل) الطحن بالدابة والرحى في الدكان، وما رزقه الله تعالى فهو بينهم؛ لأنهذا لا يجوز أن يكون مشاركه ولا مضاربة؛ لكونهما لا يجوز أن يكون رأس مالهما العروض. ولأن من شرطهما عود رأس المال سليماً بمعنى: أنه لا يستحق شيئاً من الربح حتى يستوفي رأس المال. والراوية هاهنا تَخْلََق وتنقص. ولا إجارة؛ لأنها تفتقر إلى مدة معلومة وأجر معلوم. فتكون فاسدة.

(و) على هذا: يكون (للعامل) وهو: السقاء في المسألة الأولي، والطحان في المسألة الثانية (أجرة ما تقبله) من عمل؛ لأنه هو المستأجر لحمل الماء والطحن، (وعليه أجرة آله رفقته)؛ لأنه استعمل التهم بعوض لم يسلم لهم. فكان لهم أجرة المثل؛ كسائر الإجارات الفاسدة.

(ومن استأجر مئهم ما ذُكر للطحن) بأن جاء إنسان وقال: استأجرت هذه الدابة والرحى والدكان، وهذا الرجل لطحن

(1)

كذا بكذا، وقال كل واحد من الرجل ورب الدابة ورب الرحى ورب الدكان: أجرناك: (صح) العقد، (و) تكون (الأجرة) بين الأربعة (بقدر القيمة) أي: توزع بينهم على قدر أجر مثل الأعيان المؤجرة.

وقيل: تكون بينهم أرباعاً، بناء على الوجهين فيما إذا اشترى أربعة أعبد أو تزوج أربعاً بعوض واحد.

(1)

في أ: لطحين.

ص: 69

(وإن تقبّلوه) أي: تقبّل الأربعة العمل (في ذممهم). بأن جاء إنسان فقال لرب الدابة ولرب الرحى ولرب الدكان وللرجل الرابع: استأجرتكم لتطحنوا لي هذه الغرارة القمح بمائة وقبلوا: (صح، و) تكون (الأجرة) بينهم (أرباعاً)؛ لأن كل واحد منهم قد لزمه طحن ربعه بربع الأجرة.

(ويرجع كل) منهم (على رفقته) الثلاثة؛ (لتفاوت العمل) أي: لأجل تفاوت العمل من الأربعة (بثلاثة أرباع أجر المثل) من جهته على كل واحد بالربع. فيرجع رب الدابة على رب الرحى وعلى رب الدكان وعلى الرجل الرابع بثلاثة أرباع أجر مثل الدابة بالسوية عليهم، والربع الآخر يسقط؛ لأنه في مقابلة ما حصل له من العمل. وهكذا صاحب الرحى وصاحب الدكان وصاحب العمل. فلو كانت أجرة مثل الدابة أربعين والرحى ثلاثين والدكان عشرين وعمل العامل عشرة فإن رب الدابة يرجع على الثلاثة بثلاثة أرباع أجرتها وهي ثلاثون مع ربع أجرتها الذي لا يرجع به على أحد وهو عشرة فيكمل له أربعون، ويرجع رب الرحى باثنين وعشرين ونصف مع ما لا يرجع به وهو سبعة ونصف فيكمل [له ثلاثون، ويرجع رب الدكان بخمسة عشر مع ما لا يرجع به [وهو خمسة فيكمل له]

(1)

عشرون، ويرجع العامل بسبعة ونصف مع ما لا يرجع به]

(2)

وهو درهمان ونصف فيكمل له عشرة. ومجموع ذلك مائه درهم وهي القدر الذي استأجروا به. وإنما لم يرجع بالربع الرابع؛ لأن كلا منهم قد لزمه ربع الطحن بمقتضى الإجارة فلا يرجع بما لزمه على أحد. والله أعلم.

ولو تولى أحلى هما الإجارة لنفسه كانت الأجرة كلها له، وعليه لكل واحد من رفقته أجرة ما كان من جهته.

وفي مسألتي المتن وجه بصحة العقد، واختاره الموفق. وقدمه في "الفروع "

وفي " الإنصاف ".

وقال عنه في " التنقيح " بعد أن تقدم ما ذكرته في المتن: وقياس نصه

(1)

ساقط من ب.

(2)

ساقط من أ.

ص: 70

صحتهما. واختاره الموفق وغيره وهو أظهر.

ولعل تقديمه في " التنقيح " لما في المتن لقول صاحب " الفروع ": وعند

الأكثر

(1)

فاسدتان. والله أعلم.

(و) إن قال إنسان لآخر: (أجِّر عبدى أو دابتى والأجرة بيننا) ففعل، (فله أجرة مثله) لا غير.

(ولا تصح شركة دلاَّلين) قاله في " الترغيب " وغيره، لأنه لابد فيها من وكالة. وهي على هذا الوجه لا تصح، كأجِّر دابتك والأجرة بيننا، لأن الشركة الشرعية لا تخرج عن الوكله والضمان. ولا وكالة هنا فإنه لا يمكن توكيل أحدهما على بيع مال الغير. ولا ضمان. فإنه لا دين يصير بذلك في ذمة واحد منهما. ولاتقبل

(2)

عمل.

وفي " الموجز ": تصح. وقاله في " المحرر " إن قيل للوكيل التوكيل.

وهو معنى " المجرد "

(3)

.

قال الشيخ تقي الدين: وتسليم الأموال إليهم مع العلم بالشركة إذن لهم. قال: وإن باع كل واحد ما أخذ ولم يعط غيره واشتركا في الكسب جاز في أظهر الوجهين كالمباح، ولئلا يقع النزاع.

ونقل أبو داود: في رجل يأخذ ثوبا يبيعه فيعطيه آخر يبيعه ويناصفه الكراء: الكراء لبائعه. إلا أن يكون اشتركا فيما أصابا.

وذكر الموفق: أن قياس المذهب في الإجارة: جوازه.

وقال القاضي وأصحابه: إذا قال: أنا أتقبل العمل وتعمله أنت والأجرة بيننا جاز. جعل الضمان المتقبل كالمال.

وقال الشيخ تقي الدين: نقل من خط ابن الصيرفي فيما علقه على عهد

(1)

في ب: الأكثرين.

(2)

في أوب: يقبل.

(3)

في أ: المحرر.

ص: 71

الأدلة: ذكر القاضي إلى أن شركة الدلالين لا تصح؛ لأنه توكيل في مال الغير. وقال الشريف أبو جعفر وابن عقيل: تصح الشركة على ما قاله في منافع البهائم. انتهى.

وقال الشيخ تقي الدين: تصح شركة الشهود. ولشاهد أن يقيم غيره مقامه

(1)

إن كان الجعل على عمل في الذمة.

وكذا صحح أن له ذلك، ولو كان الجعل على شهادته بعينه.

وقال أيضاً: إن اشتركوا على أن كل ما حصله

(2)

كل واحد منهم بينهم، بحيث إذا كتب أحدهم وشهد شاركه الآخر وإن لم يعمل فهي شركة الأبدان تجوز حيث تجوز الوكالة. وأما حيث لا تجوز ففيه وجهان؛ كشركة الدلالين.

(وموجب العقد المطلق) في شركة وجُعاله وإجارة: (التساوي في عمل وأجر)؛ لأنه لا مرجح لواحد يستحق به الفضل.

(و) على هذا (لذي زيادة عمل) حيث (لم يتبوع) بالزيادة (طلبها) من رفقته؛ ليحصل التساوي.

(ويصح) ممن يريد الشركة (جمعٌ بين شركة عنان، وأبدان، ووجوه، ومضاربة)؛ لأن كل شركة منها تصح منفردة. فصحت مع غيرها.

قال ابن منجى: وكما لو. ضم ماء طهور إلى مثله.

***

(1)

في أوب: مقامه غيره.

(2)

في أوب: مقامه غيره.

ص: 72

[فصل: في شركة المفاوضة]

(فصل) الضرب (الخامس) من الأضرب الخمسة: (شركة المفاوضة). والمفاوضة لغة: الاشتراك في كل شيء؛ كالتفاوض.

(وهي) شرعاً (قسمان):

أحدهما: (صحيح. وهو) نوعان:

الأول: (تفويض كل) من الشريكين (إلى صاحبه شراءً وبيعاً في الذمة، ومضاربة، وتوكيلاً، ومسافرة بالمال، وارتهاناً، وضمان ما يرى من الأعمال).

وهي الجمع بين عنان وأبدان ووجوه ومضاربة.

والنوع الثانى: هو المشار إليه بقوله: (أو يشتركان في كل ما ثبت لهما أو عليهما، إن. لم يدخلا) في ذلك (كسباً نادراً، أو غرامة)؛ لأن النوعين

(1)

لا يخرجان عن أضرب الشركة التي تقدمت.

قال في " الفروع ": وأطلق في " المحرر " إن شرط أن يشتركا فى كل ما

ثبت لهما أوعليهما فشرط فاسد.

(و) القسم الثاني من شركة المفاوضة: (فاسد. وهو: أن يُدخلا) في الشركة (كسبا نادرأ؛ كوجدان لقطة أو ركاز، أو) يدخلا فيها (ما يحصل) لهما (من ميراث، أو) يدخلا فيها (ما يلزم أحدهما من ضمان غصب، أو أرش جناية، ونحو ذلك)، كضمان عارية، ولزوم مهر بوطء. نص على فساد هذا القسم الإمام؛ لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله.

(1)

في ج: النوعان.

ص: 73

ولما فيه من كثرة الغرر؛ لأنه قد يلزم فيه شيء لا قدرة للشريك على القيام به. ولأن حصول الكسب فيه على الوهم لا الظن.

ولأنه يضمن ما لا يقتضيه العقد من كقالة وغيرها. فكان فاسداً.

وفيه رواية بالصحة.

قال في " الفروع ": وفي طريقة بعض أصحابنا

(1)

: شركة المفاوضة أن يقول: أنت شريك لي في كل ما يحصل لي بأي جهة كانت من

(2)

إرث وغيره، لنا فيه روايتان، المنصوص: لا يصح. انتهى.

(ولكل) من الشركاء في هذا القسم (ما يستفيده، وربح ماله، وأجرة عمله) لا يشاركه فيه غيره.

(ويختص) غاصب أيضاً (بضمان ما غصبه أو جناه أو ضمنه عن الغير)؛

لأن لكل نفس ما كسبت وعليهما ما اكتسبت.

(1)

في ب: وفي بعض طريقة بعض الأصحاب.

(2)

في أ: في.

ص: 74

[باب: المساقاة]

هذا (باب المساقاة) مفاعلة من السقي؛ لكونه كان أهم أمرها؛ لأن النخل كانت تسقى بالحجاز نضحاً من الآبار فتكثر مشقته. فأخذت المفاعلة منه.

وهي شرعاً: (دفع شجر مغروس معلوم) للمالك والعامل برؤية أو صفة

لا يختلف معها؛ كالبيع.

فلو ساقاه على أحد هذين الحائطين: لم يصح؛ لأنها معاوضة يختلف العوض فيها باختلاف الأعيان. فلم يجز على غير معين؛ كالبيع.

(له ثمر مأكول، لمن يعمل عليه) أي: على الشجر (بجزء مشاع معلوم

من ثمره) النامي بعمله المتكرر كل عام؛ كالنخل والكرم والرمان والجوز واللوز والزيتون.

فلا تصح على ما يتكرر حمله في عام واحد؛ كالقطن والمقانى ونحو ذلك.

قال صاحب " الرعاية " وغيره: ولا تصح المساقاة على ما لا ساق له.

والأصل في جوازها السنة.

ومنها ما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: " عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر"ما يخرج منها من ثمر أو زرع "

(1)

. متفق عليه.

وعن طاووس " أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع. فهو يعمل به إلى يومك هذا "

(2)

. رواه ابن ماجه.

وقال البخاري: قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين

(1)

سيأتي تخريجه ص: 85.

(2)

أخرجه ابن ماجه في "سننه "(2463) 2: 823 كتاب الرهون، باب الرخصة في المزارعه بالثلث والربع.

ص: 75

عليهم السلام: " ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع "

(1)

. والمعنى شاهد بذلك ودال عليه. فإن كثيراً من أهل الشجر يعجزون عن عمارته وسقيه ولا يمكنهم الاستئجار عليه، وكثير من الناس لا شجر لهم ويحتاجون إلى الثمر ففي تجويز المساقاة دفع للحاجتين، وتحصيل لمصلحة

(2)

الفئتين؛ كالمضاربة بالأثمان.

وما روي عن ابن عمر أنه قال: " كنا نخابر أربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة "

(3)

: فمحمول على رجوعه عن معاملات فاسدة فسرها رافع في حديثه.

اعلى أنه روي تفسير خبر رافع عنه بما يَدُل على صحة ما تقدم. فروى البخاري بإسناده إليه قال: " كنا نُكري الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض. فّمما يُصاب ذلك وتسلمُ الأرض، ومما تسلم الأرض ويسلم ذلك. فنُهينا. فأما الذهب والورق- فلم يكن يومئذ "

(4)

.

وروي تفسيره أيضاً بشيء غير هذا من أن أنواع الفساد.

وهو مضطرب أيضاً.

قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله يسأل عن حديث رافع بن خديج " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزارعة "

(5)

. فقال: رافع يروى عنه في هذا ضروب. كأنه يريد أن اختلاف الروايات عنه توهن حديته.

وقال طاووس: إن أعلمهم- يعني: ابن عباس- أخبرنى " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم

ينه عنه. ولكن قال: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن ياً خذ عليها خراجاً

(1)

ذكره البخاري في " صحيحه " تعليقاً 2: 820 كتاب الحرث والمزارعة، باب المزارعه بالشطر ونحوه.

(2)

في ب: المصلحة.

(3)

أخرجه النسائي في " سننه "(3917) 7: 48 كتاب الأيمان والنذور، ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع. . .

(4)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2202) 2: 0 82 كتاب المزارعة، باب قطع الشجر والنخل.

(5)

أخرجه النسائي في " سننه "(3865) 7: 34 الموضع السابق.

ص: 76

معلوماً "

(1)

. رواه البخاري ومسلم.

وأنكر زيد بن ثابت حديث رافع عليه. الله أعلم.

ومقتضى ما في المتن: أنها لا تتقيد بالنخل والكرم.

وعنه: بلى، وفاقاً للشافعي؛ لأن الزكاة تجب في ثمرتهما.

ووجه المذهب: عموم قول ابن عمر: " عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر "

(2)

.

وهذا عام في كل ثمر. ولا تكاد بلدة ذات أشجار تخلو من شجر غير النخل

والكرم.

ولأنه شجر يثمر كل حول. فأشبه النخل والكرم.

ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه أكثر من النخل والكرم لكثرته.

وأما وجوب الزكاة فليس من العلة المجوزة للمساقاة ولا أثر لها فيها.

ومقتضاه أيضاً: أنها لا تصح على ما ليس له ثمر مأكول؛ كالصفصاف والسَّرو ونحوهما، ولو كان له زهر مقصود؛ كالياسمين ونحوه. وهو المذهب. وفي الياسمين ونحوه وجه قوي.

قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب.

وفيما يقصد ورقه وجه بالصحة أيضاً.

وعموم قول المتن: - له ثمر: يشمل ما لو كان الثمر موجوداً لكنه لم يكمُل.

بدليل قوله: يعمل عليه؛ لأنه إذا كمل لا يحتاج إلى عمل. وفي ذلك روايتان أصحهما الصحة.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2205) 2: 821 كتاب المزارعة، باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1550) 3: 1184 كتاب البيوع، باب الأرض تمنح.

(2)

سيأتي تخريجه ص (80) رقم (2).

ص: 77

قال في " الفروع ": وعلى الأصح: وعلى ثمر بدا ولم يكمل بجزء منه؛

لأن المساقاة إذا جازت في المعدومة مع كثرة الغرر فمع قلته أولى.

وقوله: بجزء مشاع معلوم من ثمره يدل على شيئين:

أحدهما: أنها لا تصح إلا على ذلك. فلو ساقاه على جزء مبهم " كالسهم والجزء والنصيب ونحو ذلك لم تصح " لأنه إذا لم يكن معلوماً لم تمكن القسمة بينهما.

والثانى: أن الشرط للعامل، لأنه إنما يأخذ بالشرط. قالشرط يراد لأجله، وربّ المال يأخذه بماله. فيكون المشروط للعامل ويكون الباقي لرب المال. ولو كان في البستان أجناس، كالتين والزيتون والكرم والرمان فشََرَط للعامل

من كل جنس قدراً كنصف ثمر التين وثلث الزيتون وربع الكرم وخمس الرمان. أو كان فيه أنواع من جنس فَشرَط من كل نوع قدراً وهما يَعرفان قدر كل نوع: صح، لأن؛ ذلك كأربعة بساتين ساقاه على كل بستان بقدر مخالف للقدر المشروط من الآخر.

[ولو ساقاه على بستان واحد نصفه هذا بالثلث ونصفه هذا بالربع وهما متميزان: صح؛ لأنهما كبساتين]

(1)

.

ولو ساقاه على بستان أو أكثر ثلاث سنين، على أن له في الأولى النصف،

وفي الثانية الثلث، وفي الثالثة الربع أو نحو ذلك: جاز؛ لأن قدر الذي له في كل سنة معلوم. فصح؛ كما لو شرط له من كل نوع قدراً.

وتجوز المساقاة على البعل من الشجر كما تجوز على ما يحتاج إلى سقي.

قال في " المغني ": ولا نعلم فيه خلافاً عند من يُجَوّز المساقاة " لأن الحاجة تدعو إلى المعاملة في ذلك؛ كدعائها إلى المعاملة في غيره فيقاس عليه. وكذلك الحكم في المزارعة. انتهى.

(1)

ساقط من. ب

ص: 78

(والمنا صبة. و) هي (المغارسة: دفعه) أي: الشجر (بلا غرس)

أي: غير مغروس (مع أرض، لمن يغرسه) فيها، (ويعمل عليه حتى يثمر، بجزء مشاع معلوم منه) أي: من عين الشجر، (أو من ثمره أو منهما) أي: من الشجر وثمره.

قال في رواية أبي داود: إذا قال الرجل: اغرس في أرضي هذه شجراً أو

نخلا فما كان من غلة فلك بعملك كذا فأجازه. واحتج بحديث خيبر.

فهذا نص فيما إذاجعل له جزءاً من النماء

(1)

.

قال في " الفروع ": وظاهر نصه: وبجزء منه أي: الشجر والثمر؛

كا لمزراعة. انتهى.

لأن العمل وعوضه معلومان. فصحت؛ كالمساقاة على شجر موجود.

قال في " الفروع ": واختاره- أي: القول بصحة هذا- أبو حفص العكبري والقاضي في " تعليقه " وشيخنا، وذكره ظاهر المذهب. وقال: ولو كان مغروساً ولو كان ناظر وقف، وأنه لا يجوز لناظر بعده بيع نصيب الوقف من الشجر بلا حاجة، وأن لحاكم الحكم بلزومها في محل النزاع فقط، والحكم به من جهة عوض المثل ولو لم تقم به بينة؛ لأنه الأصل في العقود، ويتوجه اعتبار بيّنة. انتهى.

ومقتضى ما في المتن اشتراط كون الغرس من رب الأرض " لأنه قال: دفعه

مع أرض. وهو المذهب.

وفيه وجه مخرج على الرواية: في عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض.

ومتى وقع ذلك كان رب الأرض بالخيار بين تكليفه قلعها ويضمن له نقصها، وبين إقرارها في أرضه ويدفع إليه قيمتها؛ كالمشتري إذا غرس في الأرض التي اشتراها ثم جاء الشفيع فأخذها. قاله القاضي.

وإن اختار العامل قلع شجره فله ذلك. سواء بذل له رب الأرض قيمتها "

(1)

في أ: آلتهما.

ص: 79

أو لا؛ لأنه ملكه. فلم يمنع تحويله.

وإن اتفقا على إبقاء الغرأس ودفع أجرالأرض جاز.

وإن دفع أرضاً وشجراً لمن يعمل على ذلك بجزء من الأرض والشجر لم يصح.

قال في " المغني ": ولا نعلم فيه مخالفاً؛ لأنه شَرَط اشتراكهما في الأرض ففسد؛ كما لو دفع إليه الشجر والنخل

(1)

- يعني: بلا أرض- ليكون الأصل والثمرة بينهما، أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما.

(والمزارعة: دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه، أو) دفع (مزروع ليعمل عليه) المدفوع له، (بجزء مشاع معلوم من المتحصّل).

وتسمى المزارعة خمابرة، واشتقاقها من الخَبار- بفتح الخاء- وهي الأرض اللينة ومواكرة أيضاً، والعامل فيها خبيراً وأكارا.

وبجوازها قال أكثر أهل العلم.

وزارع علي وسعد وابن مسعود وعمر بن عبدالعزيز والقاسم وعروة

آل أبي بكر وآل علي وابن سيرين؛ لما روى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما " أن النبي صلى الله عليه وسلم: عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر. فكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقاً تمراً، وعشرون وسقاً شعيراً. فقسم عمر خيبر فخيّر أزواج النبى صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضي لهن الأوسق. فمنهن من اختار الأرض ومنهن من اختار الوسق. فكانت عائشة اختارت الأرض "

(2)

.

والمعنى دال على ذلك فأن أصحاب الأرض قد لا يقدرون على زرعها والعمل عليها. والَاكَرة يحتاجون إلى الزرع ولا أرض لهم فاقتضت الحكمة جواز المزارعة؛ كما تقدم في المضاربة والمساقاة. بل الحاجة هنا آكد؛ لأن

(1)

في أوب: والنخيل.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2203) 2: 821 كتاب المزارعة، باب المزارعة بالشطر ونحوه.

ص: 80

الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره؛ لكونه مقتاتاً، ولكون الأرض لا ينتفع بها إلا بالعمل عليها. بخلاف المال.

وقال الشيخ تقي الدين: هي أحلّ من الإجارة؛ لاشتراكهما في المغنم والمغرم. وكرهها بعض العلماء؛ لحديث رافع المتقدم

(1)

.

ولقول جابر: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة "

(2)

.

وقد روى حديث خيبر أيضاً فيجب الجمع بين حديثيه مهما أمكن. فإن تعذر حمل على أنه منسوخ لاستحاله نسخ

(3)

قصة خيبر على ما تقدم.

وتقدم الجواب عن حديث رافع

(4)

.

وقال أصحاب الشافعي: تحمل أحاديث الجواز على الأرض التي بين النخيل، وأحاديث النهي على الأرض البيضاء جمعاً بينهما.

وبعّد ذلك في " المغني " من خمسة أوجه فليراجعها من شاء.

(ويعتبر) لصحة ما تقدم (كون عاقد كل) من المساقاة والمناصبه والمزارعة (نافذ التصرف) في ماله؛ لأن كلاً منها عقد معاوضة. فاعتبر لها ذلك؛ كالبيع.

(وتصح مساقاة بلفظها) أي: بلفظ المساقاة، (و) بلفظ (معاملة، ومقالحة، و) بقوله: (اعمل بستانى هذا) حتى تكمل ثمرته، (ونحوه) أي: مما يؤدي معناها من الألفاظ؛ لأن القصد المعنى. فإذا أتى به باًي لفظ دل عليه صح؛ كالبيع.

(و) تصح المساقاة (مع مزارعة) أي: والمزارعة أيضاً (بلفظ: إجارة). فلو قال: استأجرتك لتعمل في هذا الحائط حتى تكمل ثمرته

(1)

ص: 80.

(2)

اخرجه البخاري في " صحيحه "(2252) 2: 839 كتاب المساقاة، باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل.

(3)

في أ: لنسخ.

(4)

ص (76) رقم (5).

ص: 81

بنصفها: صح " لأنهذا اللفظ مؤد للمعنى. فصح به العقد " كسائر الألفاظ المتفق عليها.

وقيل: لا.

وقيل: أن صحت بلفظ الإجارة كانت إجارة.

(و) تصح المساقاة والمزراعة (على ثمرة وزرع موجودين ينميان بعمل)؛

لأنهما إذا جازا في المعدومين مع كثرة الغرر. فعلى الموجودين مع قلته أولى. وتقدم أن العبارة في أول الباب

(1)

تتناوله لكن بعد التأمل " فلأجل ذلك صرحت به بعد.

(وتصح إجارة أرض بجزء مشاع معلوم) جنسه (مما يخرج منها). سواء

كان طعاماً، كالبر والشعير، أو غيره، كالقطن والكتان.

قال أحمد في رواية جماعة: فيمن قال: أجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج

منها أنه يصح، وكون هذا نصاً في الإجارة واختيار أكثر الأصحاب " لأنها مذكورة بلفظها. فتكون إجارة حقيقة

(2)

، ويشترط فيها شروط الإجارة، وأنها كما تصح بالدراهم تصح ببعض الخارج منها.

وقال أبو الخطاب ومن تبعه: أنهذه مزارعة بلفظ الإجارة عبر عنها بذلك

على سبيل المجاز.

وعنه: تكره الإجارة على هذه الصورة.

(فإن لم تزرع) الأرض. سواء قيل أنها مزارعة أو إجارة على النص وهو الصحيح (نظر) بالبناء للمفعول (إلى معدَّل المغلّ) من باب إضافة الصفة إلى الموصوف أي: نظر إلى المغل المعدل أي: الموازن لما يخرج منها لو زرعت: (فيجب القسط المسمى) في العقد.

وأن فسدت وسميت إجارة فأجرة المثل.

(1)

ص (78).

(2)

في أوب: حقيقيه.

ص: 82

وقيل: قسط المثل.

قال في " الفروع ": واختاره شيخنا.

(و) تصح إجارة الأرض أيضاً (بطعام معلوم من جنس الخارج) منها (وغيره) أي: غير جنسه، كما لو أجره إياها سنة؛ كزرع الشعير بغرارة من دخن. . وعنه: لا تصح بطعام من جنس الخارج منها.

وعنه: تكره.

وحمل القاضي رواية الجواز على الذمة، ورواية المنيع على أنه منه.

وعنه: فيما إذا كانت من غير جنسه: ربما تهيّبْته أي: القول بالجواز.

(ولو عَمِلا) أي: عمل شريكان (في شجر بينهما نصفين، وشرطا التفاضل في ثمره) بأن قالا: على أن لك الثلث ولي الثلثان: (صح) في أصح الوجهين؛ لأن من شُرط له الثلثان قد يكون أقوى على العمل وأعلم به ممن شرط له الثلث.

(بخلاف مساقاة أحدهم الآخر بنصفه) أي: الثمر أو بثلثه أو نحو ذلك،

فإن المساقاة هنا فاسدة؛ لأن العامل فيما إذا شرط له النصف يستحقه بملكه. فلم يجعل له في مقابلة عمله شيئاً، وفيما إذا شرط له الثلث أو نحوه قد شرط أن غير العامل يأخذ من نصيب العامل جزءاً

(1)

ويستعمله بلا عوض فلا يصح. فإذا عمل العامل بناء على ذلك كان الثمر بينهما نصفين بحكم الملك.

(أو كله) يعني: ون شرط له كل الثمرة فسدت أيضاً. قاله في "التلخيص ".

(وله أجرته) أي: وللعامل أجرة مثله (أن شرط الكل له)؛ لأن المساقاة تقتضي عوضاً ولم يسلم له العوض فيكون له أجر مثله.

وقيل: لا يستحق شيئاً؛ لأنه تبرع به لرضاه بالعمل بغير عوض. أشبه ما لو

قال: أنا أعمل فيه بغير شيء.

(1)

في ج: جزء.

ص: 83

وأن جعل له من الثمرة أكثر من نصيبه كما لو جعل له التلثين والشجر بينهما بالسوية: صح، وكاد السدس حصته من المساقاة. فصار كأنه قال: ساقيتك على نصيبي بالثلث منه.

(ويصح توقيت مساقاة)، لأنه لا ضرر في تقدير مدتها.

(ولا يشترط) ذلك؛ لأنها من العقود الجائزة فإبقاؤها وفسخها لكل منهما. فلم يحتج إلى مدة، كالمضاربة.

وقيل: هي عقد لازم، كالإجارة.

وقيل: أنها جائزة من جهة العامل لازمة من جهة المالك.

(و) على المذهب: (يصح) توقيتها (إلى جذاذ، و) إلى (إدراك، و)

إلى (مدة تحتمله) أي

(1)

: تحتمل إدراك الثمرة فيها. لا إلى مدة لا تحتمله؛ لأن

(ومتى أنفسخت) المساقاة بفسخ أحدهما أو غير ذلك (وقد ظهر ثمر) في الشجر المساقى عليه: (ف) ما ظهر (بينهما على ما شرطا، وعلى عامل تمام العمل)، كما يلزم المضارب بيع العروض إذا فسخت المضاربة بعد ظهور الربح. قال (المنقح: فيؤخذ منه) أي: من قول الأصحاب أن على عامل تمام

العمل بعد الفسخ وظهور الثمرة: (دوام العمل على العامل في المناصبه ولو فسخت إلى أن تََبِيد. والواقع كذلك). انتهى كلام المنقح.

(ولا شيء لعامل فسخ أو هرب قبل ظهور) ثمر، لأنه رضي بإسقاط حقه. فصار كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح، وعامل الجُعالة إذا فسخ قبل تمام عمله.

(وله) أي: للعامل (إن مات، أو فسخ رب المال) المساقاة قبل ظهور الثمرة وبعد الشروع في العمل: (أجرُ عمله)، لأن العقد يقتضي العوض

(1)

في أ: إلى.

ص: 84

المسمى ولم يرض العامل بإسقاط حقه منه؛ لأن الموت لم ياًته باختياره في المسألة الأولى.

ولأن رب المال منعه من إتمام العمل بفسخه في المسألة الثانية. فإذا تعذر المسمى رجيع إلى أجر المثل.

وفارق رب المال في المضاربة إذا فسخها قبل ظهور ربح فإن العامل لا شيء

له؛ لأن العمل

(1)

هنا مفض إلى ظهور الثمرة غالباً. فلولا الفسخ لملك نصيبه منها وقد قطع ذلك بفسخه. فأشبه ما لو فسخ الجاعل الجعاله قبل إتمام عملها. بخلاف المضاربة فإنه لا يعلم إفضاوها إلى الربح.

ولأن الثمرة إذا ظهرت في الشجر كان العمل عليها في الابتداء من أسباب ظهورها، والربح إذا ظهر في المضاربة قد لا

(2)

يكون للعمل الأول فيه أثر أصلاً. (وإن بان الشجر) المساقى عليه (مستحيقاً) لغير الساقي بعد عمل العامل أخذه ربه وثمرته؛ لأنه عين ماله، ولا أجر عليه للعامل؛ لأنه لم يأذن له في العمل.

وحيث فاته عوض عمله من قبل المالك (فله أجرة مثله) على الغاصب؛

لأنه غره واستعمله، كما لو غصب نقرة واستأجر من ضربها دراهم.

وأن شّمس العامل الثمرةفلم تنقص قيمتها بذلك أخذها ربها، وإن نقصت فلربها أرش نقصها يرجع به على من شاء منهما، ويستقر ذلك على الغاصب. وأن استحقت بعد إن اقتسماها وأكلاها فلربها تضمين من شاء منهما. فإن ضمن الغاصب فله تضمينه الكل. وله تضمينه قدر نصيبه؛ لأن الغاصب سبب يد العامل. فلزمه

(3)

ضمان الجميع.

فإن ضمنه الكل رجع على العامل بقدر نصيبه؛ لأن التلف وجد في يده

(1)

في أ: العامل

(2)

في أ: فلا.

(3)

في أوب: فلربه.

ص: 85

فاستقر الضمان عليه. ويرجع العامل على الغاصب بأجر مثله.

ويحتمل أن لا يرجع الغاصب على العامل بشيء؛ لأنه غره. فلا يرجع عليه؛ كما لو أطعم أنساناً شيئاً وقال: كله فإنه طعامي ثم تبين أنه مغصوب. وإن ضمن العامل احتمل أنه لا يضمنه إلا نصيبه خاصة؛ لأنه ما قبض الثمرة كلها، وإنما كان مراعياً لها وحافظاً فلا يلزمه ضمانها ما لم يقبضها.

ويحتمل أن يضمنه الكل؛ لأن يده ثبتت على الكل مشاهدة بغير حق. فإن ضمنه الكل رجع على الغاصب ببدل نصيبه منها وأجر مثله.

وإن ضمن كل واحد منهما ما صار إليه رجع العامل على الغاصب بأجر مثله لاغير.

وأن تلفت الثمرة في شجرها أو بعد الجذاذ قبل قسمة فمن جعل العامل قابضاً

لها بثبوت يده على حائطها قال: يلزمه ضمانها، ومن قال: لا يكون قابضاً إلا بأخذ نصيبه منها قال: لا يلزمه الضمان، ويكون على الغاصب.

ص: 86

[فصل: فيما يجب على العامل ورب الأصل]

(فصل. وعلى عامل) في المساقاة والمزارعة بإطلاق العقد كل (ما فيه نموّ

أو صلاح لثمر وزرع: من سقي) بماء حاصل لا يحتاج إلى حفر

(1)

بئر ولا إلى إدارة دولاب، (و) إصلاج (طريقه، وتشميس) ما يحتاج إلى تشميس، (وإصلاج محله، و) فعل (حرث، و) ثمن (آلته، وبقره، وزِبار) بكسر الزاي لكرم. وهو تخفيفها من الأغصان الرديئة وبعض الجيدة بقطعها بمنجل ونحوه، (وتلقيح) أي: فعله، (وقطع حشيش مضر) بالشجر أو الزرع، وقطع شوك بشجر يابس.

(وتفريق زبل وسِباخ، ونقل ثمر، ونحوه)، كزرع (لجرين، وحصاد، ودِياس، ولِقَاط) لما يلتقط بعد بدو صلا؛ كقثاء وباذنجان وبامية، وكلما يلتقط شيئاً فشيئاً.

(وتصفية) لزرع، (وتجفيف) لثمر، (وحفظ) لزرع وثمر (إلى قسمة)، لأنهذا كله من العمل.

(وعلى رب أصل حفظه) أي: ما يحفظ الأصل، (كسد حائط، وإجراء

نهر، وحفر بئر، و) ثمن (دولاب وما يُديره) من بهيمة، (وشراء ماء، و) شراء (ما يُلقُّح به) وهو الطلع ويسمى الكثر بسكون المثلثة وفتحها، والكُش بضم الكاف.

(وتحصيل زبل وسباخ)، لأنهذا كله ليس من العمل فكان على رب المال. (وعليهما) أي: على رب المال والعامل (بقدر حصتيهما) نصاً (جُذاذ)

(1)

في أ: حفير.

ص: 87

أي: قطع الثمر من الشجر.

وفيه رواية: أنه على العامل.

ووجه المذهب: أنه إنما يكون بعد تكامل الثمرةإنقضاء المعاملة. فكان عليهما؛ كنقل الثمرة إلى المنزل.

(ويصح شرطه على عامل) نص عليه؛ لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد. فصح؛ كتأجيل الثمن، وشرط الرهن، والضَّمين في البيع.

(لا) أن يشرط

(1)

(على أحدهما) كل (ما على الآخر أو بعضه. ويفسد العقد به)؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد. فأفسده؛ كالمضاربة إذا شرط العمل فيها على رب المال.

وفيه وجه مخرج من صحة شرط جذاذ على عامل.

وقيل: ما يتكرر كل عام فهو على عامل، وما لا يتكرر فعلى مالك.

وفي " الموجز ": في حصاد ودياس وتدرية وحفظ ببيدر روايتا جذاذ.

وإن وقعت المساقاة على شجر في أرض خراجيه قالخراج على رب المال؛

لأنه يجب على الرقبة. بدليل أنه يجب. سواء أثمرت الشجرة أو لم تثمر.

ولأن الخراج يجب أجرة الأرض. فكان على من ملكه فيها؛ كما لو زارع

على أرض مستأجرة.

(ويَتبغ) كل منهما (في الكُلَف السلطانية) التي للسلطان عادة بأخذها

(2)

(العرفُ. ما لم يكن شرط) أي: ما لم يشترط ذلك على أحدهما. فيُعمل بالشرط. فما عرف أخذه من رب المال كان عليه، وما عرف أخذه من العامل كان عليه. ذكره الشيخ تقي الدين.

قال: وما طلب من قرية من وظائف سلطانية ونحوها فعلى قدر الأموال،

وإن وضعت على الزرع فعلى ربه، وعلى العقار على ربه ما لم يشترطه على

(1)

في أ: إن شرط، وفي ج: أن يسترط.

(2)

في ب: التي السلطان عادة أن يأخذها.

ص: 88

مستأجر، وإن وضع مطلقا قالعادة. ذكره عنه في " الفروع " واقتصر عليه. (وكره حصاد وجذاذ ليلاً) أي: في الليل. نص عليه. ولعل ذلك لخشية حصول ضرر. والله أعلم.

(وعامل) في مساقاة ومزارعة (كمضارب: فيما يقبل) قوله فيه، (أو) أي: وكذا فيما (يُردُّ قوله فيه)؛ لأن رب المال ائتمنه بدفع ماله إليه. فيكون حكم المساقاة كالمضاربة فيما يقبل قول العامل فيه وما يرد

(1)

.

(و) في حكم (مبطل) للعقد يذكره أحدهما.

(و) في (جزء مشروط) من الثمرة أو الزرع إذا اختلفا لمن هو.

(فإن خان) العامل في المساقاة أو المزارعة (فمُشرف يمنعه) أي: إذا ثبتت خيانته بإقرار أو بينة أو نكول ضم إليه مشرف يمنعه من الخيانة بحفظ المال. (فإن تعذر) منعه من الخيانة بأن لم يكن المشرف حفظ المال منه (فعامل مكانه) أي: فيستعمل من يعمل مكانه، (وأجرتهما) أي: المشرف والعامل مكانه (منه) أي: من الخائن؛ لأنه لما ثبتت خيانته كان عليه حفظ المال من نفسه إما بمشرف إن أمكن أو بمن يعمل مكانه؛ لأن الأمانة قد تعذرت في حقه. (وإن اتُّهم) بالخيانة ولم تثبت: (حلف)؛ لاحتمال صدق رب المال في دعواها إذا حرزها

(2)

وقد فرغ العمل.

(ولمالك قبل فراغ ضم أمين) إلى العامل المتهم (بأجرة من نفسه)؛ لأن خيانته لم تثبت. فكان على رب المال أجرة من ضمه إليه من نفسه.

(وإن لم يقع به) أي: بالعامل في المساقاة والمزارعة (نفع؛ لعدم بطشه)

في العمل مع أمانته لم ينزع من يده؛ لأنه لا ضرر في بقائها.

ولأن العمل مستحق عليه.

(1)

رص (54).

(2)

في أوج: حررها.

ص: 89

و (أُقيم مقامه) من يعمل العمل إن كان قد عجز عنه بالكلية، (أو ضُمُّ إليه) معين إن ضعف عن بعضه.

والأجرة على العامل في الموضعين؛ لأن عليه توفية العمل وهذا من توفيته. ومتى جاءت الأمطار أو فاضت العيون فأغنت عن عمل العامل في السقي لم ينقص نصيبه بذلك.

***

ص: 90

[فصل: فيما يشترط في المزارعة]

(فصل. وشُرط) لصحة مزارعة (علمُ بَذر) " كشجر في مساقاة برؤية،

اوصفة لايختلف معها.

(وقدره) أي: البذر، لأنها معاقدة على عمل. فلم تجز على غير مقدر؛ ك الإجارة.

(وكونه) أي: البذر (من رب الأرض). نص عليه في رواية جماعة.

قال في " المغني ": واختاره عامة الأصحاب، لأنه عقد يشترك العامل

ورب المال في غاية. فوجب أن يكون رأس المال كله من عند أحدهما " كالمساقاة والمضاربة.

قال ابن نصر الله: لكن يلزم على هذا: أن يستوفي رب الأرض بذره ثم

يقتسمان ما بقي كما في المضاربة. انتهى.

قلت: لا يلزم من قياسها على المضاربة أن يكون من كل وجه، بل إذا اشترطا ذلك فسدت المزارعة كما سيأتي في المتن. والله أعلم.

أو يقال: أن البذر في حكم الهالك، كما لو أعطى إنسان إنسانًا بهيمة ليعمل

عليها بجزء معين من نمائها فماتت بيد العامل في العمل فإنها تكون من مال صاحبها ويقتسمان ما تحصل كما شرطا

(1)

.

فلو شرطا أنها إذا ماتت يستوفى قيمتها من المتحصل

(2)

ويقتسمان ما بقي لم

يصح كما في المزارعة. والله أعلم.

وروي عن أحمد: ما يدل على أن البذر يجوز أن يكون من العامل. فإنه قال

(1)

في ج: لو شرطا.

(2)

في أ: التحصل.

ص: 91

في رواية مهنا: في الرجل تكون له الأرض فيها نخل وشجر يدفعها إلى قوم يزرعون الأرض ويقومون على الشيء على أنه له النصف ولهم النصف: فلا بأس بذلك، قد دفع النبي خيبر على هذا.

فأجاز دفع الأرض لزرعها من غير ذكر البذر.

فعلى هذا أيهما آخرج البذر جاز.

قال في " المغني ": وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.

(و) على المذهب: يشترط كون البذر من رب الأرض و (لو) كان (عاملاً) على الزرع.

(و) كان (بَقرُ العمل من الآخر) ويصح ذلك، كما لو كان العمل من صاحب البقر والأرض والبذر من الآخر. ورب الأرض لم يوجد منه هنا إلا بعض العمل فكما لو تبرع به.

(ولا يصح كون بذر من عامل أو منهما) أي: من رب الأرض والعامل معا. (ولا) كون البذر (من أحدهما) أي: أحد المزارعين. سواء عملا أو واحد منهما

(1)

أو غيرهما (والأرض لهما.

أو) كون (الأرض والعمل من واحد والبذر من الآخر.

أو) كون الأرض من واحد والعمل من ثان و (البذر من ثالث.

أو) كون الأرض من واحد والعمل من ثان والبذر من ثالث و (البقر من رابع.

أو) أن تكون (الأرض والبذر والبقر من واحد والماء من آخر).

أما كونها لا تصح في غير المسأله الأخيرة؛ فلما تقدم من أن المزارعة

(2)

عقد يشترك العامل ورب المال في غاية. فلم يجز أن يكون البذر من غير رب الأرض؛ كالمساقاة.

(1)

في أوب: أحدهما.

(2)

في أ: الزراعه.

ص: 92

وفي بعض الصور رواية بالصحة، وفي بعضها تخريج بالصحة.

وأما كونها لا تصح في المسأله الأخيرة؛ فلأن موضوع المزارعة أن يكون من أحدهما الأرض والبذر

(1)

، ومن الآخر العمل. وليس من صاحب الماء أرض ولاعمل.

ولأن الماء لا يباع ولا يستأجر فيكف تصح المزارعة به.

وعنه: تصح. نقلها يعقوب بن بختان وحرب.

قال في " الفروع ": ونقل الأكثر الجواز. انتهى.

وإن قال صاحب الأرض: أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك، وأخرج المزارع البذر كله: لم يصح؛ لأن المنفعه غير معلومة.

وكذلك لو جعلها أجرة لأرض آخرى أو دار: لم يجز، ويكون الزرع كله للمزارع وعليه أجرة مثل الأرض.

وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه ومعرفة البذر: جاز. وكان الزرع بينهما.

ويحتمل أن لا تصح؛ لأن البذر عوض في الإجارة. فيشترط قبضه؛ كما لو

كان مبيعاً وماحصل فيه قبض.

وإن قال: أجرتك نصف أرضي بنصف منفعتك ومنفعه بقرك وآلتك وأخرجا البذر فهي كالتي قبلها. إلا أن الزرع يكون بينهما على كل حال. قاله في "المغني ".

(وإن شرط) رب المال (لعامل نصف هذا النوع وربع) النوع (الآخر، وجهل قدرهما) أي: قدر كل نوع بأن جهلاه أو جهله أحدهما: لم يجز؛ لأنه قد يكون أكثر ما في البستان من النوع الذي شرط فيه الربع أو أكثر من النوع الذي

(1)

زياده من ج.

ص: 93

شرط فيه النصف.

(أو) شارطه على أنه (إن سقى سَيْحاً، أو زَرَع شعيرا ً فـ) له (الربع، و)

إن سقى (بكلفة، أو) زَرَع (حنطة) فله (النصف): لم يجز أيضاً.

أما كونه لا يصح إذا شارطه على أنه إن سقى سيحاً فله الربع وإن سقى بكلفة فله النصف، فلأن العمل مجهول والنصيب مجهول، وهو في معنى بيعتين في بيعة. قال في " المغني ": ويتخرج أن يصح، قياساً على مسألة الإجارة.

وأما كونه لا يصح إذا شارطه على أنه إن زرع شعيراً فله الربع، وإن زرع حنطة فله النصف أو نحو ذلك، فلأنه ما يدري ما يزرعه، كما لو قال: بعتك بعشرة صَحاح أو إحدى عشره مكسرة. وفيه وجه.

ومن الصور الفاسدة أيضاً لو قال له: ما زرعت من شعير فلي ربعه، وما زرعت من حنطة فلي نصفه، وما زرعت من باقلاء فلي ثلثه، لأن ما يزرعه من كل من هذه الأصناف مجهول القدر

(1)

. فجرى مجرى ما لو شرط له في المساقاة ربع هذا النوع، [ونصف هذا النوع، وثلث هذا النوع]

(2)

الآخر. وهو جاهل بما في البستان منهما.

(أو) قال: اعمل و (لك الخمسان إن لزمتك خسارة، وإلا) أي: وأن لم تكن عليك خسارة (ف) لك (الربع): لم يصح أيضاً. نص عليه. وقال: هذان شرطان في شرط وكرهه.

(أو) تشارطا على (أن يأخذ رب الأرض مثل بذره) مما يخرج، (ويقتسما الباقي): لم يصح أيضاً؛ لأن الأرض ربما لا يخرج منها إلا مثل البذر في القدر فيختص به ربها. وهذا يخالف موضوع المزارعة.

(أو) قال رب بساتين فأكثر للعامل: (ساقيتك هذا البستان بالنصف، على

أن أُساقيك) البستان (الآخر بالربع): لم يصح.

(1)

في أ: بالقدر.

(2)

ساقط من أ.

ص: 94

قال في " المقنع ": وجهاً واحداً؛ لأنه شرط عقداً في عقد. فصار في معنى بيعتين في بيعة.

وإنما لم يصح لمعنيين: أحدهما: أنه شرط في العقد عقداً آخر والنفع الحاصل بذلك مجهول. فكأنه شرط العوض في مقابلة معلوم ومجهول.

الثانى: أن العقد الآخر لا يلزمه بالشرط فيسقط

(1)

الشرط، وإذا سقط

(2)

وجب رد الجزء الذي تركه من العوض لأجله، وذلك مجهول فيصير الكل مجهولاً. و (فسدتا) أي: المساقاة والمزارعة في هذه الصور. وتقدم تعليل فسادها.

و (كلما) فسدتا فيما تقدم تفسدان (لو شرطا) أي: رب المال والعامل

(لأحدهما قفزاناً) من الثمر أو الزرع معلومة، (أو دراهم معلومة، أو) شرطا لأحدهما (زرع ناحية معينة) من الأرض.

أما كونهما لا يصحان إذا اشترطا

(3)

فيهما قفزاناً معلومة لأحدهما؛ فلأنه قد

لا يزيد ما يخرج من الثمرة أو الزرع على عدد القفزان المشروطة لأحدهما.

[وكذلك إذا اشترطا لأحدهما]

(4)

دراهم معلومة؛ فلأنه ربما لا يخرج من النماء ما يساوي تلك الدراهم.

وكذا الحكم لو اشترطا لأحدهما دراهم منفردة عن الجزء، أو جعل له ثمرة

سنة

(5)

غير السنة المساقى عليها، أو ثمر شجر غير الشجر المساقى عليه.

وكذا لو اشترطا على أحدهما عملاً في غير الشجر المساقى عليه أو السنة

(1)

في أ: فيسقطه.

(2)

في أوب: شرط.

(3)

في ب: شرطا.

(4)

ساقط من ب.

(5)

في أ: بينة.

ص: 95

المساقى عليها. سواء جعل ذلك كل حقه أو بعضه أو جميع العمل أو بعضه " لأنهذا كله يخالف موضوع المساقاة. إذ موضوعها: أنه يعمل في شجر معين بجزء مشاع من ثمرته في ذلك الوقت الذي يستحق عليه فيه العمل.

وأما كون المزارعة لا تصح إذا شرط لأحدهما زرع ناحية معينة من الأرض أو شرط لأحدهما ما على السواقي والجداول إما منفرداً أو مع نصيبه " فلإجماع العلماء؛ لأن الخبر في النهي عن ذلك صحيح غير معارض ولا منسوخ.

ولأنه ربما تلف ما عيّن لأحدهما فينفرد الآخر بالغلة وهذا يخالف موضوع

المزارعة.

(والزرع) فيما إذا فسدت المزارعة (أو الثمر) فيما إذا فسدت المساقاة

(لربه) أي: رب البذر والشجر، لأنه عين ماله يتقلب

(1)

من حال إلى حال وينمو، كالبيضة إذا حضنت فصارت فرخاً.

(وعليه) أي: على رب البذر إن كأنهو صاحب الأرض وعلى رب الشجر (الأجرة) أي: أجرة مثل العامل، لأنه إنما بذل منافعه بعوض فلما لم يسلم له رجع إلى بدله

(2)

وهو أجر المثل.

وإن كان رب البذر هو العامل فعليه أجر مثل الأرض، لأن ربها إنما بذلها بعوض. فلما لم يسلم له رجع بعوض منافعها الفائتة بزرعها وهو أجر المثل. وإن كان البذر منهما قالزرع بينهما، ويتراجعان بما يفضل لأحدهما على صاحبه من أجر مثل الأرض [التي فيها نصيب العامل وأجر العامل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض]

(3)

.

(ومن) بينه وبين آخر أرض على الشيوع ف (زارع) أحدهما (شريكه في نصيبه) منهما، (بفضل) أي: بجزء فاضل (عن حصته) أي: عما يقابل حصته من الأرض، كما لو كانت بينهما نصفين، ويخرجان البذر بيثهما نصفين ويجعلان

(1)

في ج: ينقلب.

(2)

في أ: بذله.

(3)

ساقط من أ.

ص: 96

للعامل عليها منهما الثلثين: (صح) فيصير السدس في مقابلة عمل العامل فصار كأن شريكه قال: زارعتك على نصيبي بالثلث منه. فيصح؛ كالأجنبي. وفي ذلك وجه: بعدم الصحة.

(ومن زارع أو أجَّر) غيره (أرضاً، وساقاه على شجر بها: صح)؛ لأنهما عقدان يجوز إفراد

(1)

كل واحد منهما. فجاز الجمع بينهما؛ كالبيع والإجارة. وقيل: لا.

وعلى المذهب محل ذلك: (ما لم تكن) أي: ما لم يفعلا ذلك (حيلة)

على شراء الثمرة قبل وجودها أو قبل بدو صلاحها فإنه لا يصح.

(ومعها) أي: ومع الحيلة (إن جمعهما) أي: جمع العاقد الإجارة والمساقاة

(في عقد) واحد: (فتفريق صفقة) أي: فينبني ذلك على تفريق الصفقة.

وفيه وجهان، والأصح منهما صحته. فيصح في الإجارة ويبطل في المساقاة. (وللمستأجر) إذا (فسخ الإجارة)؛ لأن الصفقة تبعضت في حقه.

(وإلا) أي: وإن لم يكن جمعهما في عقد، بإن كانت المساقاة في عقد والإجارة في عقد:(فسدت المساقاة) فقط؛ لأن الإجارة لا تعلق لهما بالثمر. وقيل: يفسدان.

وعلى الأول: ليس للمستأجر فسخ الإجارة؛ لأنها عقد منفرد عن غيره،

كما لو لم يكن هناك مساقاة.

قال (المنقح: قياس المذهب: بطلان عقد الحيلة مطلقاً). سواءكان فيه

إبطال لحق الله تعالى أو لحق آدمي.

ومتى لم يكن حيلة فإنهما يصحان. سواء قل بياض الأرض أوكثر. نص عليه.

ومتى لم يكن في الأرض إلا شجرات يسيرة لم يجز اشتراط ثمرها للعامل في

المز ارعة. والله أعلم.

(1)

في أ: إقرار.

ص: 97

وما سقط من حب وقت حصاد فنبت عاماً آخر فلرب الأرض. نص عليه.

وفي " المبهج ": وجه لهما.

وفي " الرعايه ": لرب الأرض مالكاً أو مستأجراً أو مستعيراً.

وقيل: له حكم عارية.

وقيل: غصب.

وكذا نص فيمن باع قصيلاً فحصد وبقي يسير فصار سنبلاً فلرب الأرض.

وفي " " المستوعب " ": لو أعاره أرضاً بيضاء ليجعل بها شوكاًَ أو دواب

فتناثر بها حب أو نوى. فللمستعير. وللمعير إجباره على قلعه بدفع القيمة؛ لنص أحمد على ذلك في الغاصب، واللقاط مباح.

قال في " الرعاية ": ويحرم منعه.

نقل المروذي: إنما هو بمنزلة المباح.

ونقل حرب فيمن حصد زرعه فسقط سنبل فلقطه قوم يقاسمهم؟ قال:

سبحان الله! لا.

ونقل حنبل: إذا أخذ السلطان حقه فعلى صاحبه أن يعطي المساكين مما

يصير إليه، لقوله تعالى:{وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ] الأنعام: 141]. والحصاد: أن لا يمنع الرجل. ويكون ذلك بعلم صاحب الزرع.

ونقل أيضاً: لا ينبغي أن يدخل مزرعة أحد إلا بإذنه. وقال: لم ير بأسا بدخوله يأخذ كلاً وشوكاً لإباحته ظاهراً عرفاً وعادة. نقله في " الفروع ".

***

ص: 98

[باب: الإجا رة]

هذا (باب الإجارة) مشتقة من الأجر وهو العوض. ومنه سمي الثواب

أجراً؛ لأن الله تعالى يعوض العبد به على طاعته أو صبره عن معصيته.

وهي ثابتة بالكتاب والسنة.

قال ابن المنذر: الإجارة بكتاب الله وبالأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، واتفق

على إجازتها كل من يحفظ قوله من علماء الأمة.

وقال في " المغني ": وأجمع أهل العلم في كل عصر وفي كل مصر على

جواز الإجارة إلا ما حكي

(1)

عن عبدالرحمن بن الأصم أنه قال: لا يجوز ذلك؛

لأنه غرر. يعني: أنه يعقدعلى منافع لم تخلق.

وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار وسار في

الأمصا ر.

والعبرة أيضاً داله عليها فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان. فلما

جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع.

ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك فإنه ليس لكل أحد دار يملكها.

ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعاً

(2)

.

وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر ولا يمكن كل واحد عمل ذلك ولا

يجد متطوعاًَ به. فلا بد من الإجارة لذلك. بل ذلك مما جعله الله تعالى طريقاً للرزق حتى أن أكثر المكاسب بالصنائع.

(1)

في ب: يحكى.

(2)

في ب: طوعاً.

ص: 99

وما ذكره من الغرر لا يلتفت إليه مع ما ذكرنا من الحاجة. فإن العقد على المنافع لا يمكن بعد وجودها؛ لأنها تتلف بمضي الساعات فلا بد من العقد عليها قبل وجودها، كالسَّلَم في الأعيان. انتهى.

والإجاره لغة

(1)

: المجازاة، يقال: آجره على عمله إذا جازاه عليه.

وشرعاً: (عقد على منفعة مباحة معلومة).

ثم لما كانت ضربين أشير إلى الأول منهما بقوله: (مدة معلومة، من عين معينة أو موصوفة في الذمة).

وإلى الثانى بقوله: (أو عمل معلوم).

وقوله: (بعوض مدلوم) راجع للضربين.

وقال أبوإسحاق المروذي: العقد على العين لتستوفى منها المنفعة؛ لأنها الموجودة، والعقد يضاف إليها فيقال: أجرتك داري، كما يقال: بعتكها. ورد: بأن المعقود عليه هو المستوفى بالعقد وذلك هو المنافع دون الأعيان.

ولأن الأجر في مقابلة المنفعة ولهذا تُضمن دون العين، وما كان العوض في مقابلته فهو المعقود عليه.

وإنما أضيف العقد إلى العين، لأنها محل المنفعة ومنشؤها " كما يضاف

عقد المساقاة إلى البستان والمعقود عليه الثمرة.

ولو قال: أجرتك منفعة داري جاز.

(والأ نتفاع) من قبل المستأجر (تابع) للمنفعه التي ورد العقد عليها

(2)

. (ويستثنى من شرط المدة) في أحد ضربي الإجارة (صورة تقدمت في الصلح) وهى: ما إذا صالحه على أن يجري على أرضه أو لسطحه ماء معلوماً. فإنه لا يعتبر فيها تقدير المدة للحاجة؛ كنكاج.

(1)

في أوب: فاللغة.

(2)

في ج: وقع عليها العقد.

ص: 100

(و) يستثنى من

(1)

شرط المدة أيضاً: (ما فعله عمر- رضي الله تعالى عنه-

فيما فتح عنوة ولم يقسم) فـ " أنه وقف أرض ذلك على المسلمين وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كل عام ولم يقدر مدتها "

(2)

؛ لعموم المصلحة فيها.

وأركانها خمسة: المتعاقدان والعوضان والصيغة.

(وهي) أي: والإجارة (والمساقاة والمزارعة والعرايا والشفعة والكتابة، ونحوها)؛ كالسلم (من الرخص المستقر حكمها على خلاف القياس)؛ لما في الشفعة من انتزاع ملك الإنسان منه بغير رضاه، ولما في الكتابة من اتحاد المشتري والمبيع، ولما في الباقي من الغرر.

(والأصح: لا) أي: ليس حكمها مستقر على خلاف القياس.

قال في " التنقيح ": والأصح على وفقه

(3)

.

وقال في " الفروع " عن الإجارة: وقد قيل هي على خلاف القياس،

والأصح لا؛ لأن من لم يخصص العلة لا يتصور عنده مخالفة قياس صحيح، ومن خصصها فإنما يكون الشيء خلاف القياس إذا كان المعنى المقتضي للحكم موجوداً فيه وتخلف الحكم عنه. انتهى.

(وتنعقد) الإجارة (بلفظ: إجارة، و) بلفظ: (كَرْي)؛ كأجرتك وأكريتك واستأجرت واكتريت؛ لأنهذين اللفظين موضوعين لها.

(وما بمعناهما)؛ كملكتك نفع هذه الدار سنة بكذا؛ لحصول المقصود

به. سواء كان مضافا إلى العين؛ كأعطيتك داري شهراً بكذا. أو إلى المنفعة؛ كأعطيتك منفعة داري شهراً بكذا، ويقول: قبلت أو أخذت.

(1)

في أ: في.

(2)

أخرجه أبو عبيد في " الأموال "(152) ص: 61 كتاب فتوح الأرضين صلحاً، باب فتح الأرض تؤخذ عنوة. . .

(3)

في ج: وقفه.

ص: 101

(و) تصح الإجارة (بلفظ: بيع). ومحل ذلك: (إن لم يضف إلى العين) نحو: بعتك داري شهراً. فإن أضيف إلى النفع نحو: بعتك نفع هذه الدار شهراً بكذا: صح.

قال المجد في " شرح الهداية ": ظاهر كلام أحمد وأكثر العلماء جواز ذلك؛ لأنهم اختلفوا في بيع خدمة المدبر فأجازها قوم ومنع منها قوم للجهاله. وستأتي في التدبير. وللشافعية وجهان وكذلك مذهب مالك صريحاً: أنها تصح بلفظ البيع.

ونص إمامنا في رواية أبي الصقر: فيمن أعتق عبده على شرط الخدمة ثم اشترى العبد خدمته من مولاه ثم مات المولى قبل أداء الثمن فقال: يؤديه إلى الورثة، هذا بيع قد وقع. وهذا نص في المساله. انتهى.

وقال في " الإنصاف ": اختاره ابن عبدوس في " تذكرته " والشيخ تقي الدين

فقال في قاعدة له في تقرير القياس بعد إطلاق الوجهين: والتحقيق أن المتعاقدين أن عرفا المقصود أنعقدت باًي لفظ كان من الألفاظ التي عرف بها المتعاقدن مقصودهما. وهذا عام في جميع العقود. فإن الشارع لم يحد حداً لألفاظ العقود، بل في ذ كرها مطلقة. وكذا قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ". وصححه في " التصحيح " و" النظم ".

وقيل: لا تصح بلفظ البيع ولو أضيف إلى المنفعة.

ووجه المذهب: أنها نوع من)

(1)

البيع؛ لأنها تمليك من كل واحد منهما لصاحبه فهى بيع المنافع، والمنافع بمنزلة الأعيان؛ لأنها يصح تمليكها في حال الحياة وبعد الموت، وتضمن باليد والإتلاف، ويكون عوضها عيناً وديناً. وأن ما اختصمت باسم كما اختصت بعض البيوع باسم؛ كالصَّرْف والسَّلَم.

***

(1)

في أ: في.

ص: 102

[فصل: في شروط الإجارة]

(فصل. وشروطها ثلاثة):

الأول: (معرفة منفعة)، لأنها هي المعقود عليها. فاشترط العلم بها " كالمبيع. وحصول معرفه المنفعه (إما بعرف) وهو ما يتعارفه الناس بينهم " (كسكنى

دارٍ شهراً)؛ لأن السكنى متعارفة بين الناس والتفاوت فيها يسير. فلم يحتج إلى ضبطه.

وفي " الرعاية ": يجب ذكر السكنى وصفتها وعدد من يسكنها وصفتهم أن اختلفت الأجرة.

ورد بما تقدم.

(و) كـ (خدمة آدمي سنة)، لأن الخدمة أيضاً معلومة بالعرف. فلم يحتج

إلى ضبطها؛ كالسكنى.

وفي " النوادر " و" الرعاية ": إن استأجره شهراً للخدمة يخدم ليلاً ونهاراً

فأن استأجره للعمل استحقه ليلاً.

(أو) بـ (وصف؛ كحمل زُبْرِة حديد وَزنها كذا إلى محل كذا). فلا بد من

ذكر الوزن والمكان الذي يحمل إليه، لأن المنفعة إنما تعرف بذلك. فيشترط ذلك في كل محمول. فلو كان كتاباً فوجد المحمول إليه غائباً فله الأجرة لذهابه ورده " لأنه في الذهاب لم يجد صاحبه وليس سوى رده إلا تضييعه وقد علم أنه

لا يرضى تضييعه فتعين رده. والله أعلم.

وفي " الرعاية "، وهو ظاهر الترغيب: إن وجده ميتاً فالمسمى فقط ويرده.

نقل حرب: إن استأجر دابة أو وكيلاً ليحمل له شيئاً من الكوفة فلما وصلها

لم يبعث له وكيله بما أراد فله الأجرة من هنا إليّ، ثم قال أبو بكر: هذا جواب

ص: 103

على أحد القولين، والآخر له الأجرة في ذهابه ومجيئه. فأن جاء والوقت لم يبلغه

(1)

قالأجره له ويستخدمه بقية المدة.

(أو بناء حائط: يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته)، لأن معرفة المنفعة لا تحصل إلا بذلك والغرض يختلف. فلم يكن بد من ذكره. فيقول: من حجارة أو آجر أو لبن، وبالطين أو الجص ونحو ذلك مما يختلف به الغرض.

فلو عمله ثم سقط فله الأجرة؛ لأنه وفى بالعمل.

ومتى. بان أن سقوطه بتفريطه بأن يكون بناؤه محلولاً أو نحوه كان عليه إعادته

وغرم ما تلف.

وإن كانت الإجارة على ضرب لبن مقدر احتيج إلى تعيين عدده وذكر قال به وموضع الضرب؛ لأنه يختلف باعتبار التراب

(2)

والماء، ولا يكتفى بمشاهدة القالب إذا لم يكن معروفاً؛" كالسَّلَم.

ولا يلزمه إقامته ليجف.

وقيل: بلى، إن كان عرف مكانه.

(و) إجارة (أرض معينة) برؤية؛ لأن الأرض لا تنضبط بالصفة (لزرع) معلوم، (أو غرس) معلوم، (أو بناء معلوم، أو لزرع أو غرس ما شاء، أو لزرع وغرس ما شاء، أو لزرع أو لغرس ويسكت)؛ كاستأجرتها لأزرعها فقمحاً، أو أغرسها كرماً، أو أبني بها داراً ويصف الدار. فتصح الإجارة في هذه الصور الثلاث بلا خلاف في المذهب.

وكدا تصح في أصح الوجهين إن قال: استأجرتها للزرع، أو قال: للغرس، أو قال: للبناء. وله في الأولى زرع ما شاء، وفي الثانيه غرس ما شاء، وفي الثالثه بناء ماشاء؛ كما لو قال: استأجرتها لأكثر الزرع ضرراً، أو لأكثر الغرس ضرراً، أو لأكثر البناء ضرراً بالأرض، وكما لو قال: لزرع

(1)

قي أ: يبعه، وفي ب: بيعه.

(2)

فى ج: التركيب.

ص: 104

ماشئت، أوغرس ما شئت، أوبناء ما شئت.

(أو يطلق) الإجارة، (و) الأرض (تصلح للجميع) أي: للزرع والغرس والبناء.

قال في " الفروع ": وإن أطلق، وتصلح لزرع وغيره صح في الأصح.

وقال شيخنا: إن أطلق أو إن قال: أن تفع بها بما شئت: فله زرع وغرس وبناء. انتهى.

وقال في " الرعاية ": صح في الأقيس

(1)

.

وقال في " الإنصاف ": وهو الصحيح من المذهب.

(و) يشترط في صحة الإجارة (لركوب) مع ذكر المحل المركوب إليه: (معرفة راكب برؤية أو صفة)؛ كمبيع، (وذكر جنس مركوب كمبيع) إن لم يكن مرئيا. فإن المقاصد تختلف بالنظر إلى أجناس المركوب من كونه فرساً أو بعيراً أو بغلاً أو حماراً.

(و) معرفة (ما يركب به: من سرج وغيره)؛ لأن ضرر المركوب يختلف باختلاف ذلك.

(وكيفية سيره: من هِملاج) بكسر الهاء، والهملجة: مِشْية معروفة، (وغيره) أي: وغير هملاج.

قال في " الفروع ": وكيفية سيره. وقدم فيه في " الترغيب " لا. انتهى.

وإنما اشترط ذلك؛ لأن الغرض يختلف باختلافه.

(لا) ذكر (ذكوريَّته، أو أنوئيَّته، أو نوعه) أي: المركوب. فلا يشترط

إن كان فرساً أن يقول: عربي أو برذون، ولا أن يقول: حجر أو حصان، وإن كان جملاً لم يشترط أن يقول: بختي أو من العراب في أصح الوجهين؛ لأن التفاوت بين ذلك يسير.

(1)

في أ: الأفلس.

ص: 105

ويشترط مع ذلك

(1)

ذكر توابع الراكب العرفيه، كزاد وأثاث ونحوه.

وقيل: لا.

(و) يشترط في إجارة (لحمل ما يتضرر) أي: ما يخشى عليه الضرر إذا حمل؛ (كخزف) وهو الفخار، (ونحوه)، كزجاج:(معرفة حامله) من آدمي أو بهيمة، (ومعرفته) أي: معرفة الحامل بنفسه أو على دابته (لمحمول برؤية أو صفة) إن كان خزفا أو نحوه، (وذكر جنسه وقدره) فقط إن لم يكن كذلك. واكتفى ابن عقيل و" الترغيب " وغيرهما بذكر وزنه مما شئت.

وقيل: تعتبر معرفة الحامل لكل محمول.

(و) يشترط في استئجار ا (لحرث: معرفة أرض) برؤية، لأنها لا تنضبط بالصفة. فيختلف العمل باختلافها.

***

(1)

في أ: ذلك مع.

ص: 106

[فصل: في الأجرة]

(فصل) الشرط (الثانى) من شروط الإجارة: (معرفة أجرة).

قال في " المغني ": لا نعلم في ذلك خلافاً؛ وذلك لأنه عوض

(1)

في عقد معاوضة. فوجب أن يكون معلوما؛ كالثمن في البيع. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من استأجر أجيراً فليعلمه أجره "

(2)

0 انتهى.

وروى أبو سعيد " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له

أجره "

(3)

. رواه أحمد.

إذا علم ذلك: فيصح أن تكون الأجرة في الذمة وأن تكون معينة. (فما بذمة) منها حكمه (كثمن) يعني: أن ما صح أن يكون ثمنا بذمة في بيع صح أن يكون أجرة بذمة في إجارة.

وتقدم التنبيه على ذلك في المتن في كتاب البيع

(4)

.

فلا يصح أن يستأجر دابة بعلفها.

وعنه: بلى.

(وما عين) من أجرة اعتبرت رؤيته (كمبيع) معين.

وقيل: لا تكفي روية صبرة مع جهل قدرها؛ كرأس مال سلم.

ورد: بأن المنفعة هاهنا أجريت مجرى الأعيان؛ لأنها متعلقة بعين حاضرة، والسلم متعلق بمعدوم فافترقا.

(1)

في ج: عقد.

(2)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 6: 120 كتاب الإجارة، باب لا تجوز الإجارة حتى تكون معلومة.

(3)

أخرجه أحمد في " مسنده "(11582) 3: 59.

(4)

5: 6.

ص: 107

(ويصح استئجار دار بسكنى) دار (أخرى، وخدمة) من معين، (وتزويج

من معين). قال الله تعالى إخباراً عن شعيب أنه: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27 [. فجعل النكاج عوض الإجا رة.

وعن عتبة بن الندر

(1)

قال: " كنا عند رسولالله

(2)

صلى الله عليه وسلم فقرأ (طس) حتى

بلغ قصة موسى عليه السلام فقال: إن موسى آجر نفسه ثمان سنين [أو عشر سنين]

(3)

على عِفَّة فرجه وطعام بطنه "

(4)

. رواه ابن ماجه.

وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه.

ولا يصح استئجار دار بعمارتها، للجهاله.

ولو أجرها بشيء معين على أن ما تحتاج إليه ينفقه المستأجر محتسباً به من الأجرة: صح، لأن الإصلاح على المالك وقد وكله فيه.

ولو شرط أن يكون عليه خارجاً عن الأجرة لم يصح.

قال المجد في " شرح

(5)

الهداية ": وإذا دفعت عبدك إلى قصار أو خياط ونحوهما ليعلمه ذلك العمل بعمل الغلام سنة

(6)

جاز ذلك في مذهب مالك وعندنا. ونقل عنه ابن منصور: في رجل أسلم إليه صبي ليعلمه صناعة بعينها وشرط عليهم أن يبقى في يده مدة معلومة فإن أخذوه منه قبل ذلك فله مائة درهم ثم أخذوه قبل المدة وقد تعلم: فله شرطه، لقول النبىصلى الله عليه وسلم:" المؤمنون عند شروطهم "

(7)

.

(1)

في ب: المنذر.

(2)

في ب وج: النبى.

(3)

ساقط من أ.

(4)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2444) 2: 817 كتاب الرهون، باب إجازة الأجير على طعام بطنه.

(5)

في أ: الشرح.

(6)

في أ: المقدام منه.

(7)

أخرجه ائو داود في " سننه "(3594) 3: 304 كتاب الأقضية، باب في الصلح.

ص: 108

قال القاضي: معناه أنه جعل عوض التعليم مدة معلومه يخدمه وينتفع بعمله

فيها أو مائة درهم. وظاهر كلامه صحة ذلك.

ولم ير القاضي وابن عقيل هذا شرطاً صحيحاً. وهو أقيس، وأنه عقد فاسد، وله أجرة المثل لتعليمه. ويحتمل أن أحمد أراد صحة الشرط في الجملة في أنه يجب له العوض ولا يذهب تعليمه مجاناً. انتهى.

(و) يصح استئجار (حلي) ذهب أو فضه (بأجرة من جنسه). سواء كان الاستئجار للبس أو عارية. نص عليه.

وعنه: الو قف.

وقيل: لا يصح؛ لأنه يحتك بالاستعمال فتذهب منه أجزاء فيحصل الأجر

في مقابلتها ومقابلة الأ نتفاع فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشيء آخر.

ورد: بأنه لو قدر نقصها فهو شيء يسير لا يقابل بعوض، ولا يكاد يظهر في

وزن ولو ظهر فالأجرة في مقابلة الأ نتفاع لا في مقابله النقص؛ لأن الأجر

(1)

إنما هو عوض المنفعة ولو كان في مقابلة الجزء الذاهب لما جاز إجارة أحد النقدين بالآخر؛ لإفضائه إلى التفرق قبل القبض.

(و) يصح استئجار (اجير ومرضعة بطعامهما وكسوتهما) وإن لم يصف الطعام والكسوة.

وكذا لو جعل لهما أجر وشرط معه طعامهما وكسوتهما.

وعنه: لا يصح فيهما حتى يصف الطعام والكسوة.

وعنه: لا يصح ذلك في الأجير ويصح في المرضعة.

واستدل للمذهب على المرضعة بقوله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]؛ لأنه أوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع ولم يفرق وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1352) 3: 634 كتاب الأحكام، باب ما ذكرعن رسول الله صلى الله عليه وسلم

في الصلح بين الناس.

(1)

في أوج: الأجرة.

ص: 109

بين المطلقه وغيرها. بل في الآية قرينة تدل على إطلاقها؛ لأن الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية وإن لم ترضع.

ولأن الله تعالى قال: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233]. والوارث ليس

بزوج. وعلى الأجير بحديث عتبه بن النُّدر

(1)

المتقدم

(2)

.

وبما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: " كنت أجيراً لابنة غَزوان بطعام بطني، وعُقْبة رجلي. أحطِبُ لهم إذا نزلوا، وأحْدُو لهم إذا ركبوا "

(3)

وبأنه روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى رضي الله تعالى عنهم

(4)

أنهم

استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم ولم يظهر لأحد منهم نكير. فكان كالإجماع.

ولأن الحكم قد ثبت في المرضعة بالآية فيثبب في غيرها بالقياس عليها.

ولأنه عوض منفعة. فقام العرف فيه مقام التسميه؛ كنفقة الزوجة.

(وهما) أي: المرضعة وولي المرتضعة أو الأجير والمستأجر (في تنازع)

في صفة طعام أو كسوة أو قدرهما؛ (كزوجة).

وعنه: كمسكين في كفارة.

فعلى المذهب: ليس للمستأجر إطعام المرضعة أو الأجير إلا ما يوافقه من

الأغدية؛ لقوله تعا لى: (بِالْمَعْرُوفِ)[البقرة: 233].

ومن احتاج منهما

(5)

إلى دواء لمرضه لم يلزم المستأجر لعدم شرطه. لكن

عليه بقدرطعام الصحيح يشتري به للمريض ما يصلح له.

(1)

في ب: المنذر.

(2)

ص (108) رقم (4).

(3)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2445) 2: 817 كتاب الرهون، باب إجازة الأجير على طعام بطنه.

(4)

في أ: عنهما.

(5)

في ج: منهم.

ص: 110

وإن شرط للأجير إطعام غيره وكسوته موصوفاً جاز، لأنه معلوم. أشبه ما

لو شرط فى دراهم معلومة. ويكون ذلك للأجير، إن شاء أطعمه وإن شاء تركه. وإن لم يكن موصوفاً لم يجز، لأن ذلك مجهول.

واحتمل فيما إذا شرط للأجير نفسه للحاجة إليه. وجري العادة به. فلا يلزم احتمالها مع عدم ذلك.

وإن استغنى الأجير عن طعام المؤجر بطعام نفسه أو غيره أو عجزعن الأكل لمرض أو غيره: لم تسقط نفقته وكان له المطالبة بها، لأنها عوض. فلا تسقط بالغنى عنه؛ كالدراهم.

وإذا

(1)

دفع إلى الأجير الطعام وأحب أن يستفضل بعضه لنفسه نظرت: فإن

كان المؤجر دفع إليه أكتر من الواجب له ليأكل قدر حاجته ويفضل الباقي، أو كان في تركه لأكله كله ضرر على المؤجر بأن يضعف عن العمل أو يقل لبن الظئر: منع منه " لأنه في الصورة الأولى لم يُمَلّكه إياه وأن ما أباحه أكل قدر حاجته. وفي الثانية على المؤجر ضرر بتفويت بعض ما له من منفعته فمنع منه " كالجّمال إذا امتنع من علف الجمال.

وإذا دفع إليه قدر الواجب من غير زيادة، أو دفع إليه أكثر وملكه إياه ولم

يكن في تفضيله لبعضه ضرر بالمؤجر: جاز، لأنه حق له لا ضرر على المؤجر فيه فأشبه الدراهم.

وإن قدم إليه طعاماً فنُهب أو تلف قبل أكله نظرتَ: فإن كان على مائدة لايخصه فيها بطعامه فهو من ضمان المستأجر " لأنه لم يسلمه إليه فكانتلفه من ماله.

وإن خصه بذلك وسلمه إليه فهو من ضمان الأجير، لأنه تسليم عوض على

وجه التمليك. أشبه البيع.

وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر به لبنها ويصلح به. وللمكتري

(1)

في ج: وإن.

ص: 111

مطالبتها بذلك " لأنه من تمام التمكين من الرضاع، وفي تركه إضرار بالصبي. وإن دفعته لخادمها أو نحوها فأرضعته: فلا أجر لها، لأنها لم تُوَفّ المعقود عليه. أشبه ما لو سقته لبن دابة.

وإن اختلفا فقالت: أرضعته فأنكر المسترضع قالقول قولها بيمينها " لأنها مؤتمنة.

(وسُن عند فطام لموسر استرضع) لولده أو نحوه (أمة إعتاقها، و) إن استرضع (حرة إعطاؤها) غرة (عبداً أو أمة)؛ لما روى أبو داود بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج عن أبيه قال: " قلت: يا رسول الله! ما يذهب عني مَذَمة الرضاع؟ قال: الغرة العبد أو الأمة "

(1)

. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

قال ابن الجوزي: المذمه بكسر الذالمن الذمام، وبفتحها من الذم

(2)

.

قال ابن عقيل: إنما خص الرقبة بالمجازاه بها دون غيرها؛ لأن فعلها في أرضاعه وحضانته ته سبب حياته وبقائه وحفظ رقبته. فاستحب جعل الجزاء هبتها رقبة لتناسب ما بين النعمة والشكر؛ ولهذا جعل الله تعالى المرضعة أمًّا. فقال تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23] النبي صلى الله عليه وسلم: " ولا يجزئ ولد. والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه "

(3)

.

وأما كونه يستحب إعتاقها أن كانت أمة، فلأنه يحصل به المجازاة التي جعلها النبي مجازاة للوالد من النسب.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه ") 2064) 2: 224 كتاب النكاج، باب في الرضخ عند الفصنال. وأخرجه الترمذي في "جامعه ") 1153) 3: 459 كتاب الرضاع، باب ما جاء ما يذهب مذمة الرضاع. وأخرجه النسائي في " سنته ") 3329) 6: 108 كتاب النكاج، حق الرضاع وحرمته.

(2)

في أ: بكسر الذال وبفتحها من الذم من الذمام.

(3)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1510) 2: 1148 كتاب العتق، باب فضل عتق الولد.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(137 5) 4: 335 كتاب الأدب، باب في بر الوالدين.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1906) 4: 315 كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حق الوالدين. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (3659) 2: 1207 كتاب الأدب، باب بر الوالدين.

ص: 112

وفيما قلنا باستحبابه وجه بالوجوب.

(والعقد) في الرضاع وارد (على الحضانة). وهي خدمه المرتضع وحمله ووضع الثدي في فيه.

(واللبن تبع)؛ كالصبغ في إجارة الصباغ، وماء البئر في الدار؛ لأن اللبن

عين من الأعيان. فلا يعقد عليه في الإجارة؛ كلبن غير الآدمي.

قال في " التنقيح ": (والأصح: اللبن).

قال القاضي: هو أشبه؛ لأنه المقصود دون الخدمة. ولهذا لو أرضعته دون

أن تخدمه استحقت الأجرة، ولو خدمته دون الرضاع لم تستحق شيئاً.

ولأن الله- تعالى قال

(1)

: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]. فجعل الأجر مرتبا على الإرضاع. فيدل على أنه

المعقود عليه.

ولأن العقد لو كان على الخدمة لما لزمها سقي

(2)

لبنها.

وأما كونه عيناً فإنما جاز العقد عليه في الإجارة رخصة؛ لأن غيره لا يقوم مقامه. والضرورة تدعو إلى استيفائه.

وإنما جاز هذا في الآدميين دون سائر. الحيوان؛ للضرورة إلى حفظ الآدمي، والحاجة إلى إبقائه.

(وإن أُطلقت) حضانة بالعقد، (أو خُصِّص) به (رضاع) بأن قال:

استأجرتك لحضانته، أو قال: استأجرتك لرضاعه فقط: (لم يشمل الآخر)؛ لأن المرضعة لا يلزمها زيادة على ما اشترط عليها.

والحضانة مشتقة من الحضن. وهو ما تحت الإبط وما يليه. وسميت التربية حضأنة تَجَوُّزاً من حضانة الطير لبيضه وفراخه؛ لأنه يجعلها تحت جناحيه. فسميت تربية الصبي بذلك أخذاً من فعل الطائر. قاله في " المغني ".

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ب: لزمه سقيه.

ص: 113

(وإن وقع العقد على رضاع، أو مع حضانة: أنفسخ بانقطاع اللبن.

وشُرط) في استئجار المرضعة سوى ما تقدم ثلاثة شروط:

الأول: (معرفة مرتضع) بالمشاهدة؛ لأن الرضاع يختلف باختلاف كبره وصغره ونهمته وقناعته.

وقيل: تكفي الصفة.

(و) الشرط الثانى: معرفة (أمد رضاع)؛ لأنه لا يمكن تقدير الرضاع إلا بها. فأن

(و) الشرط الثالث: معرفه (مكانه) أي: الرضاع؛ لأنه يختلف فيشق عليها في بيت المستأجر، ويسهل عليها في بيتها.

و (لا) يصح (استئجار دابة بعلفها) أو به مع أجرة معلومة؛ لأنه مجهول

ولا عرف له يرجع إليه.

وأن وصفه من معين؛ كشعير ونحوه. وقدره بمعلوم: جاز.

(أو) يستأجر (من يسلخها) أي: الدابة (بجلدها) يعمي: أنه لا يصح؛

لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليماً أم لا؛ وهل هو ثخين أو رقيق؟

ولأنه لا يجوز أن يكون ثمناً في البيع. فلا يجوز أن يكون عوضاً في

الإجارة؛ كسائر المجهولات.

فإن سلخه بذلك فله أجر مثله.

(أو يرعاها) أي: الدابة (بجزء من نمائها) يعني: أنه لا يصح. نص عليه

في رواية جعفر بن محمد النسائي؛ كما لو استأجره لرعاية غنم بثلث درها ونسلها وصوفها أو نصفه أو جميعه؛ لأن الأجر غير معلوم، ولا يصح عوضاً في بيع، ولا يدرى أيوجد أم لا.

فإن قيل: قد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بجزء من ربحها.

قالجواب: أن جواز ذلك تشبيهاً بالمضاربة؛ لأنها عين تنمى بالعمل.

ص: 114

فجاز اشتراط جزء من النماء " كنصفه وثلثه كما في المضاربة والمساقاة. وفي هذه المسألة لا يمكن ذلك " لأن النماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها فلم يمكن إلحاقه بذلك.

لكن إن استأجره على رعايتها مدة معلومة بجزء معلوم من عينها صح " لأن

كلاًّ من العمل والأجر والمدة معلوم. فصح؛ كما لو جعل الأجر دراهم.

(ولا) يصح الاستئجار على (طحن كُرّ) بضم الكاف، مكيال بالعراق،

قيل: أربعون أردباً، وقيل: ستون قفيزاً من بر أو شعير أو غيرهما (بقفيز منه) أي: من المطحون " لما روى الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه نهى عن عسيب الفحل، وعن قفيز الطحان "

(1)

.

لأنه جعل له بعض معموله أجراً لعمله فيصير الطحن مستحقاً له وعليه.

ولأن المنفعة مجهولة أيضاً، لأنه لا يدري الباقي بعد القفيز مطحوناً كم هو.

(ومن أعطى صانعا ما) أي: شيئاً (يصنعه)، كغزل لينسجه، أو ثوب ليقصره أو يصبغه أو يخيطه، أو حديدة ليضربها سيفاً أو سكيناً أو يجعلها إبراً ونحو ذلك.

(أو استعمل) إنسان (حمالاً أو نحوه)، كدلال وحصاد وحجام من غير

عقد إجارة معه على ذلك ففعل ما أمره به: (فله أجر مثله) على عمله. سواء وعده كما لو قال: اعمله وخذ أجرته، أو عرض له؛ كما لو قال: اعمله وأن أعلم أنك أن ما تعمل بأجرة أو لا.

وفي الأصح (ولو لم تجر عادته) أي: الصانع ونحوه (بأخذ) لأجرة؛

لأنه عمل له بإذنه ما

(2)

لمثله أجرة ولم يتبرع، كما لو وضع أنسان يده على ملك غيره بإذنه ولا دلاله على تمليكه إياه أو إذنه في إتلافه، لأن الأصل في قبض منفعة غيره أو ماله الضمان.

(1)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(195) 3: 47 كتاب البيوع.

(2)

في أ: بما.

ص: 115

(وكذا) أي: وكما قلنا بوجوب أجرة المثل لصانع ونحوه وإن لم تذكر له

أو يعرض بها يكون (ركوب سفينة، ودخول حمام)؛ لأن شاهد الحال يقتضيه. (وما يأخذ حمَّاميٌّ) بسبب دخول حمامه (فأجرة محل. وسطل، ومئزر، والماء: تبع) كما تقدم في لبن المرضعة. ذكر المسألة في " التلخيص " واقتصر على ذلك في " التنقيح ".

(و) من دفع ثوبه إلى خياط وقال: (إن خطته اليوم، أو) خطته (رومياً فبدرهم، و) إن (غداً أو) خطته (فارسياً فبنصفه.

أو) دفع أرضه إلى زراع وقال: (إن زرعتها براً فبخمسة، و) إن زرعتها (ذرة فبعشرة، ونحوه)؛ كما لو استأجر من يحمل له كتاباً إلى الكوفة وقال: أن أوصلت الكتاب يوم كذا وكذا فلك عشرون، وإن تأخرت بعد ذلك بيوم فلك عشرة:(لم يصح).

وفيما إذا قال: إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غداً فلك نصف فىدرهم: روايتان، والمنصو ص عليه في رواية أبي الحارث: عدم الصحة.

وفيما إذا قال: إن خطته رومياً فلك درهم وإن خطته فارسياً فلك نصف درهم وجهان، بناء على التي قبلها، والصحيح منهما عدم الصحة.

وقياس المسأله الأولى ما لو قال: أجرتك هذا بدرهم نقداً أو درهمين نسيئة، وقياس الثانية: استأجرت منك هذا بدرهم وهذا بدرهمين.

وفيما إذا قال: إن زرعتها برًا فبخمسة وإن زرعتها ذرة فبعشرة: روايتان مطلقتان

في " الحاوي الصغير ". والمقدم في " الرعاية الكبرى " والمصحح في " الصغرى و" النظم ": عدم الصحة كما في المتن. وهذا قياس المسألة الأولى.

وأما مسألة حمل الكتاب فنص أحمد في رواية البزراطي على فسادها وأن له

أجر مثله.

وكذا إن قال: أجرتك هذا الحانوت شهراً إن قعدت فيه خياطاً

ص: 116

فبخمسة

(1)

أو حداداً فبعشرة.

[وقياس الجميع

(2)

بيعتين في بيعة المنهي عنه في الحديث

(3)

.

(وإن) أكرى

(4)

أنسان دابة وقال]

(5)

: إن) رددت الدابة اليوم فبخمسة، و)

إن رددتها) غداً فبعشرة): صح.

قال أحمد: لا باًس به. نقله عبدالله وجزم به في

(6)

"الوجيز" وفي "المذهب ". وقال في " الفائق ": صح في أصح الروايتين. وقدمه في " الرعايتين "

و" الخلا صة " وغيرهم.

وقال القاضي: يصح في اليوم الأول فقط.

وقال الموفق وابن أخيه: والظاهر عن أحمد فيما ذكرنا فساد العقد على بيعتين في بيعة، وقياس حديث علي والأنصاري

(7)

صحتها. أن تهيا

(8)

.

(أو عيَّنا) أي. المتآجران (زمناً وأجرة)؛ كمن استأجر دابة عشرة أيام بعشرة دراهم، (وما زاد فلكل يوم كذا) أي: فله بكل

(9)

يوم درهم مثلا: (صح). نص عليه في رواية أبي الحارث.

ونقل ابن منصور عنه: فيمن اكترى دابة من مكة إلى جده بكذا فإن ذهب)

(1)

في أ: بخمسة.

(2)

في أوج: الجمع.

(3)

عن أبي هريره رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة ". أخرجه البخاري في " صحيحه ") 559) 1: 212 كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس.

(4)

في أوج: اكترى.

(5)

زياده من أ.

(6)

زباده من ج.

(7)

حديث علي والأنصاري سيرد ذكرهما ص) 119).

(8)

في ج: انتهى.

(9)

في ج: فلكل.

ص: 117

عرفات فبكذا. فلا بأس.

ونقل عبدالله عنه: لو قال: اكتريتها

(1)

بعشرة فما حبسها فعليه في كل يوم

عشرة يعني: أنه يصح.

وهذه الروايات تدل على أن مذهبه: أنه متى قُدر لكل عمل معلوم أجراً

معلوماً صح. قاله في " المغني ". قال: وتأول القاضي هذا كله على أنه يصح

في الأول ويفسد في الثانى؛ لأن مدته غير معلومه فلم يصح العقد فيه؛ كما لو قال: استأجرتك لتحمل لي هذه الصُّبْرة وهي عشرة أقفزة بدرهم وما زاد فبحساب ذلك.

قال الموفق: والظاهر خلاف هذا؛ لأن لكل عمل عوضاً معلوماً. فصح؛

كما لو استقى له كل دلو بتمرة. وقد ثبت الأصل بالخبر الوارد فيه

(2)

. ومسأله الصُّبْرة لا نص فيها عن الإمام، وقياس نصوصه صحة الإجارة وإن سلم فسادها؛ فلأن القفزان التي شرط حملها غير معلومة بتعيين ولا صفة وهي مختلفة. فلم يصح العقد؛ لجهالتها. بخلاف الأيام فإنها معلومة. انتهى.

و (لا) يصح أن يكتري الإنسان دابة أو غيرها (لمدة غزاته)؛ مثل أن يقول: استأجرت منك هذه الدابة لمدة غزاتي بدينار.

ووجه عدم الصحه. أن هذه إجارة فى مدة مجهولة وعمل مجهول. فلم

تصح؛ كما لو استأجر الدابة لمدة سفره في تجارته.

ولأن مدة الغزاة تطول، وتقصر، والعمل فيها يقل ويكثر، ونهاية محلها

يقرب ويبعد.

ومتى استوفت المنفعة على هذه الصفة وجب فيها أجر المثل؛ لأنه عقد

على عوض لم يسلم له بسبب فساد العقد. فوجب فيه أجر المثل.

(فلوعُين البناء للمفعول لكل يوم أو) لكل (شهر شي) معلوم؛ كما

(1)

في ب: أكريتها

(2)

انظر الحديث التالي.

ص: 118

لو استأجرها كل يوم بدرهم أو كل شهر بدينار.

(أو اكتراه) أي: اكترى أنسان إنسانًا ليستقي له (كل دلو بتمرة، أو على

حمل زُبرة إلى محل كذا: على أنها عشرة أرطال، وأن زادت فلكل رطل درهم: صح) فيهما. نص عليهما.

أما في المسأله الأولى؛ فلأن كل يوم أو شهر معلوم مدته وأجره. فصح؛

كما لو قال: أجرتكها شهراً كل يوم بدرهم، أو سنة كل شهر بدينار، أو قال: استأجرتك لنقل هذه الصُّبْرة كل قفيز بدرهم.

ولا بد من تعيين ما يستأجر إما لركوب أو لحمل معلوم.

ويستحق الأجر المسمى. سواء كانت مقيمة أو سائرة؛ لأن المنافع ذهبت

في مدته. فأشبه ما لو اكترى داراً فأغلقها.

وفيها رواية بعدم الصحة. اختارها أبو بكر وابن حامد وابن عقيل.

واما في الثانية. فلما روي أن علياً رضي الله تعالى عنه قال: " جُعت مرة جوعاً شديداً فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة. فإذا أنا بامرأة قد جمعت بدراً فظننت أنها تريد بلّه. فقاطعتها كل دلو بتمرة فمددت ستة عشر ذنوباً فعدّت لي ستة عشر تمرة. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأكل معي منها "

(1)

. رواه أحمد. وروي عنه أيضاً " أنه استقى لرجل من اليهود كل دلو بتمرة وجاء به إلى النبي

صلى الله عليه وسلم فأكل منه "

(2)

.

قال علي رضي الله تعالى عنه: "كنت أدلو الدلو بتمرة وأشترطها

(3)

جَلِدَة"

(4)

.

وعن رجل من الأنصار " أنه قال ليهودي: أسقي نخلك؛ قال: نعم، كل

دلو بتمرة. واشترط الأنصاري: أن لا يأخذ خَدِرَة ولا تَارِزَه ولا حَشَفَة،

(1)

أخرجه أحمد في " مسنده "(1135) 1: 135

(2)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2446) 2: 818 كتاب الرهون، باب الرجل يستقي كل دلو بتمرة ويشترط جلدة.

(3)

في ج: وا شتر طنها.

(4)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2447) الموضع السابق.

ص: 119

ولايأخذ إلا جَلِدَه. فاستقى بنحو من صاعين. فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم "

(1)

. رواهما ابن ماجه في " سننه ".

ولأن كل معلوم له عوض معلوم. فجاز؛ كما لو سمى دلاء معروفة.

ولا بد من معرفة الدلو والبئر وما يسقي به، لأن العمل يختلف.

وقوله: " جمعت بدراً " بالباء الموحدة والدال المهملة هو: جلد السخلة. وقوله: "واشترطتها جلدة " أي: شديدة قوية أو كبيرة.

وقوله: " خدرة " هي بوزن زنخة. وهي: التمرة تقع من النخل قبل أن تنضج.

وقوله: " ولا تارزة " بوزن فاعلة أي: يابسة.

وقوله: " ولا حشفة " أي: رديئة أو ضعيفة، لا نوى لها أو فاسدة.

(ولكل) من المتآجرين فيما إذا استأجره كل يوم بدرهم أو كل شهر بدينار ونحو ذلك (الفسخ أول كل يوم) فيما إذا قال: كل يوم بكذا، (أو) أول كل (شهر) فيما إذا قال: كل شهر بكذا (في الحال) أي: في حاله الأولية.

ولعل مراد من عبر بقوله في الحال. وهي عبارة " التنقيح "، وتبعته فيها:

أن الفسخ إنما يكون في أول جزء من اليوم أو من الشهر. وهذا ظاهر كلام المجد في " شرح الهداية " فإنه قال: وكلما دخلا في شهر لزمهما حكم الإجارة فيه. فإن فسخ أحدهما عقيب الشهر انفسخت.

وفي "الفروع ": فإن صح ففسخ بعد دخول الثانى. وقال القاضي و"المحرر":

إلى تمام يوم. وقال الشيخ

(2)

: أو قبله، وقال أيضاً وأبو الخطاب

(3)

وشيخنا: بل قبله. وقال الشيخ: أو ترك التلبس به فلا أجرة. انتهى.

(1)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2448) الموضع السابق.

(2)

ساقط من أ.

(3)

في أ: شهاب.

ص: 120

وقال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن اختيار جماعة سماهم أن الفسخ يكون

قبل دخول الشهر الثانى: والصحيح من " المذهب " أن الفسخ لا يكون إلا بعد فراغ الشهر. انتهى.

ولعل وجه المذهب: أن الفسخ أن ما يعتد به إذا صادف الزمن الذي يراد فسخ الإجاره فيه. فإذا فسخ قبله كان فسخاً لما لم يوجد، وإذا لم يفسخ في أوله كانتمهله دليلاًُ على رضاه بلزوم الإجارة فيه. والله أعلم.

وقال في " الرعاية الكبرى ": وقلت: أو يقول: إذا مضى هذا الشهر فقد فسختها انتهى.

وقيل: إن الفسخ يصح في أول اليوم الثانى من الشهر. حكاه في

" الرعاية ". والله أعلم.

***

ص: 121

[فصل: في كون أوالمنفعة المؤجرة مباحة]

(فصل). الشرط (الثالث) من شروط الإجارة: (كون) ما عقد عليه من (نفع مباحاً) إباحة مطلقة لا يختص بحال دون حال.

ولأجل ذلك قلت: (بلا ضرورة)؛ كإناء الفضة ونحوه فإنه يباج الأ نتفاع به

إذا اضطر إليه لعدم غيره.

وكون النفع (مقصوداً) في العرف. فلا يصح استجار آنية ونحوها لتجمل. وسيأتي في المتن ما يدل على ذلك.

وكون النفع (متقوماً). فلا يصح استئجار تفاحة لشم.

وكون النفع (يستوفى) من العين المستأجرة (دون) استهلاك (الأجز اء).

فلا يصح استئجار شمع للشعل ونحوه.

وكون النفع (مقدوراً عليه). فلا يصح استئجار ديك ليوقظه لوقت الصلاة. نص عليه في رواية إبراهيم الحربي، لأن ذلك يقف على فعل الديك، ولا يمكن استخراج ذلك منه بضرب ولا غيره.

وكون النفع (لمستأجر). فلو اكترى دابة لركوب المؤجر لم يصح.

قال في " الفروع ": قاله القاضي والأصحاب.

ومثال إجارة ما نفعه مباح بلا ضرورة مقصود متقوم يستوفى دون الأجزاء مقدور عليه لمستأجر " (ككتاب)[فيه حديث، أو فقه، أو شعر مباح، أو نحو ذلك]

(1)

(لنظر وقراءة ونقل)

(2)

، أو به خط حسن يكتب عليه ويتمثل منه؛ لأنه تجوز إعارته لذلك. فجازت إجارته.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في أ: ونقل لنظر وقراءة.

ص: 122

(لا مصحف) صححه في " التصحيح " و" النظم " وجزم به في " الوجيز " وغيره.

وقال في " الإنصاف ": وهو المذهب.

وعنه: تجوز.

وعنه: تكره.

(وكدار تُجعل مسجداً) أي: تتخذ مسجداً يصلى فيه، (أو تسكن)؛ لأن هذه منفعة مباحة يمكن استيفاؤها من العين مع بقائها.

(و) كاستئجار (حائط لحمل خشب) معلوم، وبئر ليستقى منها أياماً معلومة؛ لأن فيها نفعاً مباحاً بمرور الدلو. وأما الماء فيؤخذ على أصل الإباحة. (وحيوان)؛ كالفهد والبازي والصقر والقرد (لصيد وحراسة) في مدة معلومة؛ لأن فيه نفعاً مباحاً وتجوز إعارته لذلك. فجازت إجارته له.

(سوى كلب وخنزير).

وفي الكلب وجه بالصحة؛ لوجود النفع المباح فيه.

ووجه المذهب: استواؤهما في عدم صحة البيع.

(وكـ) استئجار (شجر لنشر أو جلوس بظله). صرح به القاضي في

" المجرد " و"ابن عقيل ".

وللشافعية في ذلك وجهان نقله المجد؛ لأنها لو كانت مقطوعة لجاز استئجارها لذلك فكذلك إذا كانت نابته.

ولأنها منفعة مقصودة يمكن استيفاؤها مع بقاء العين. فجاز استئجارها لها؛ كالحبال والخشب والشجر المقطوع.

(و) استئجار (بقر لحمل، وركوب، وغنم لدياس زرع)؛ لأن هذه منفعة مباحة يمكن استيفاؤها من هذا الحيوان مع بقاء العين مقصودة لم يرد الشرع بتحريمها. فجاز استئجارها؛ كركوب البعير.

ص: 123

ولأن مقتضى الملك جواز التصرف في كل ما تصلح له العين المملوكة ويمكن تحصيله منها ولا يمتنع ذلك إلا بمعارض راجح، إما ورود نص بتحريمه، أو قياس صحيح، أو رجحان مضرته على منفعته. وليس هاهنا واحد منها.

قال في " المغني ": وكثير من الناس من الأكراد وغيرهم يحملون على البقر ويركبونها، وفي بعض البلدان يحرث على الإبل والبغال والحمير فيكون معنى خلقها للحرث إن شاء الله تعالى أن معظم الأ نتفاع بها فيه، ولا يمنع ذلك الأ نتفاع

(1)

بها في شيء آخر " كما أن الخيل خلقت للركوب والزينة ويباح أكلها، واللؤلؤخلق للحلية، ويجوز استعماله في الأدوية وغيرها. والله أعلم. انتهى.

(و) يصح استئجار (بيت) معين (في دار) والمراد مدة معلومة بأجرة معلومة، (و) لا يقدح في صحتها (لوأُهمل استطراقه) فلم يذكر " لأن المستأجر لا يتمكن من الأ نتفاع إلا بالاستطراق

(2)

. فاستغني عن ذكره؛ لأنه متعارف. (و) يصح استئجار (آدمي لقود) لمركوب أو لأعمى " لأنه منفعة مباحة مقصودة. والمراد مدة معلومة.

وليدل على طريق؛ " لأن النبى وأبا بكر استأجرا عبدالله بن أريقط هاديا خِرِّيتاً "

(3)

. وهو الماهر بالهداية؛ ليدلهما على طريق المدينة.

وأن يلازم غريماً يستحق ملازمته نصاً.

قال أحمد في رواية محمد بن أبي حرب: في الرجل يكري ليلازم رجلاً:

فلا بأس به قد شغله.

وعنه: يكره. فإنه سئل في رواية الفضل بن زياد عن الرجل يكري نفسه لرجل ليلازم الغرماء فقال: غير هذا أعجب إليّ.

(1)

في أ: للإنتفاع.

(2)

في أ: باستطراق.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه (5 4 1 2) 2: 789 كتاب الإجارة، باب إذا استأجر أجيراً ليعمل له بعد ئلاثة أيام أوبعد شهر أوبعد سنه

ص: 124

قال في " المغني ": كرهه، لأنه يؤول إلى الخصومة، وفيه تضييق على مسلم، ولا يأمن أن يكون ظالماً فيساعده على ظلمه. لكنه جائز في الجملة " لأن الظاهر أنه محق. فإن الظاهر أن الحاكم لا يحكم إلابحق ولهذا أجزنا للموكل فعله. انتهى.

وأن ينسخ له كتب فقه أو حديث أو شعراً مباحاً أو سجلات. نص عليه في رواية مثنى بن جامع. وسأله عن كتابة الحديث بالأجر فلم ير به بأساً.

قال في " المغني ": ولا بد من التقدير بالمدة أو العمل. فإن قدره بالعمل

ذكر عدد الأوراق وقدرها، وعدد السطور فى كل ورقة، وقدر الحواشي، ودقة القلم وغلظه. فإن عرف الخط بالمشاهده جاز، وإن أمكن ضبطه بالصفة ضبطه، وإلا فلابد من مشاهدته، لأن الأجر يختلف باختلافه. ويجوز تقدير الأجر بأجر الفرع، ويجوز بأجر الأصل المنسوخ منه. وإن قاطعه على نسخ الأصل بأجر واحد جاز

(1)

، وإذا أخطأ بالشيء اليسير الذي جرت العادة به عفي عنه، لأن ذلك لا يمكن التحرز منه، وإن أسرف

(2)

في الغلط بحيث يخرج عن العادة فهو عيب يرد به.

قال ابن عقيل: وليس له محادثة غيره حال النسخ، ولا التشاغل بما يشغل

سره ويوجب غلطه، ولا لغيره تحديثه وشغله. وكذلك كل الأعمال التي تختل بشغل السر والقلب، كالقصاره والنساجة

(3)

ونحوهما.

ويصح استئجار شبكة وفخ ونحوهما لصيد مدة معلومة.

فإن كان له بركة يدخل فيها السمك فيحبس ثم يصاد منها. فقال القاضى، يحتمل أن تجوز إجارتها لذلك كما في الشبكه والفخ للصيد.

واحتمل أن لا يجوز " لأن البركة بنفسها لا تحبسه [وأنهما ينحبس

(4)

فيها

(1)

قي ج: جاز عليه.

(2)

في أوب: أشرف.

(3)

أ: والقزاره.

(4)

في ج: يحبس

ص: 125

بغيرها. فلم يمكن الانتفاع بالمستأجر، والشبكة والفخ يعلق بالشيء أو يحبسه]

(1)

فاًمكن الانتفاع بهما. ذكرهما في " المجرد " في البيع، نقله عنه المجد في " شرح الهداية ".

وقال في موضع آخر: وإن استأجر بئراً ليستقي منها أياماً معلومة أو فى دلاء معلومة: صح

(2)

، لأن هواء البئر وعمقها فيه نوع للانتفاع، لمرور الدلو فيه برقيه ونزوله

(3)

. فأما نفس الماء فيؤخذ على أصل الإباحة. هذا قول ابن عقيل وتعليله، وهذا التعليل يقتضي: أنه يجوز أن يستأجر منه بركته ليصطاد منها السمك مدة معلومة. انتهى.

(و) يصح استئجار (عنبر) وكل ما يبقى من الطيب، كصندل ونحوه

(لشم) مدة معينة ثم يرده، لأنها منفعة مباحة. أشبهت استئجار الثوب ليلبسه مدة معينة، مع أنه لا ينفك من إخلاق وبلى.

(لا ما) يشم مما (يسرع فساده، كرياحين)، لأنها تتلف عن قرب. فأشبهت المطعومات.

(و) يصح استئجار (نقد) أي: دراهم ودنانير (لتحل ووزن فقط) مدة معلومة، لأنهما عينان أمكن الانتفاع بهما مع بقاء عينهما منفعة مباحة. فصح استئجارهما لذلك " كالحلي للتحلي.

(وكذا مكيل وموزون وفلوس ليُعاير عليه).

وعلى المذهب: (فلا تصح) الإجارة (أن اُطلقت) أي: أن لم يذكر التحلي ولا الوزن، ويكونان قرضاً في ذمة القابض، لأن الإجارة تقتضي الانتفاع، والانتفاع المعتاد بالدراهم والدنانير إنما هو بأعيانها. فإذا أطلق الانتفاع حمل على المعتاد.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ب: يصح.

(3)

في أوب: ونزولاً.

ص: 126

وقال أبو الخطاب: تصح وينتفع بهما في ما شاء من وزن وتحلٍّ.

(ولا) تصح الإجارة (على زنا أو زَمر أو غناء)، ونحوه، كنوج، وانتساخ كتب بدعة، وشعر محرم، ورعي خنزير، لأن المنفعة المحرمة مطلوب عدمها وصحه الإجارة تنافيها. إذ المنفعة المحرمة لا تقابل بالعوض في البيع فكذا في الإجارة.

وحكاه ابن المنذر إجماعاً في المغنية والنائحة. أاو نَزْو فحل) أي: لا تصح إجارة الفحل للضِّراب؛ " لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى

عن عسب الفحل "

(1)

. متفق عليه.

وفي لفظ: " نهى عن ضراب الفحل "

(2)

.

والعسب: إعطاء الكراء على الضِّراب على أحد التفاسير.

ولأن المقصود الماء الذي يخلق منه الولد فيكون عقد الإجارة لاستيفاء عين. فلم يجز؛ كإجارة الغنم لأخذ لبنها، بل هذا أولى بالمنع. فإن هذا الماء محرم لا قيمة له. فلم

(3)

يجز أخذ العوض عنه، كالميتة والدم.

وخرج أبو الخطاب وجهاً في جوازه.

قال في " المغني ": فإن احتاج إنسان إلى ذلك ولم يجد من يطرق له جاز له

أن يبذل الكراء، وليس للمطرق أخذه.

قال عطاء: لا يأخذ عليه شيئاً، ولا بأس أن تعطيه إذا لم تجد من يطرق لك.

ولأن ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها. فجاز " كشراء الأسير، ورشوة الظالم ليدفع ظلمه.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2164) 2: 797 كتاب الإجارة، باب عسب الفحل.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1565) 3: 1197 كتاب المساقاة، باب تحريم فضل بيع الماء الذي

يكون بالفلاة ويحتاج إليه لرعي الكلأ.

(2)

هو لفظ مسلم وقد سبق تخريجه.

(3)

ساقط من أ.

ص: 127

وإن أطرق إنسان فحله من غير

(1)

إجارة ولا شرط فأهديت له هدية أو أكرم بكرامة لذلك: فلا بأس به؛ لأنه فعل معروفاً. فجازت مجازاته عليه؛ كما لو أهدى هدية. انتهى.

(أو دار) يعني: أنه لا يصح استئجار دار (لتُجعل كنيسة، أو بيت نار) لمعبد المجوس أو بيعة، (أو لبيع خمر) أو للقمار. سواء شرط ذلك في العقد أو علم بالقرائن؛ لأن ذلك كله فعل محرم. فلم تجز الإجارة عليه؛ كإجارة عبده للفجور به.

وإن كان المستأجر ذميا وأراد بيع الخمر في الدار الذي استأجرها من مسلم

فله منعه. وبذلك قال الثوري وابن المنذر؛ لأنه محرم.

(أو حمل ميتة) يعني: أنه لا يصح الاستئجار لحمل ميتة، (ونحوها)؛ كالدماء المحرمة (لأكلها لغير مضطر) إليه.

(أو) لحمل (خمر لشربها)؛ لأن هذه منفعة محرمة يقتضي الشرع عدمها. والقول بصحة الإجارة عليها ينافي ذلك.

(ولا أجرة له).

وعنه: تصح الإجارة؛ لأن العمل لا يتعين عليه. بدليل أنه لو حمل مثله جاز.

ويكره أكل أجرته على القول بالصحة.

قال أحمد: فيمن حمل خنزيراً أو ميتة أو خمراً لنصرانى: أكره أكل كراءه، ولكن يقضى للحمال بالكراء. فإذا كان لمسلم فهو أشد.

قال القاضي. هذا محمول على أنه استأجره ليريقها فأما للشراب فمحظور

لا يحل أخذ الأجرة عليه.

قال في " المغني ": وهذا التأويل بعيد لقوله: أكره أكل كراءه، وإذا كان لمسلم فهوأشد.

(1)

في أ: بغير.

ص: 128

(وتصح) الإجارة لحمل ميتة وخمر (لإلقاء وإراقة)، لأن ذلك مما تدعو الحاجة إليه ولا تندفع بدون إباحة الإجارة له. فجازت، كالإجاره على كسح الكنف، وحمل النجاسات لتلقى خارج البلد.

ويصح الاستئجار لإلقاء الميتة بالشعر الذي على جلدها إن كان محكوماً بطهارته. ذكره في " الفصول ".

ومن أعطى صياداً أجرة ليصيد له سمكاً ليختبر بخته فقد استأجره ليعمل بشبتكه. قاله أبو البقاء واقتصر عليه في " الفروع ".

(ولا) تصح الإجارة (على طير لسماعه) أي: ليستمع المستأجر صوت الطائر؛ لأن هذه المنفعة ليست بمتقومة ولا بمقدور على تسليمها؛ لأنه قد يصيح وقد لا يصيح.

(وتصح) إجارة طائر (لصيد) إلى مدة معلومة، لجواز إعارته لذلك.

(ولا) تصح إجارة (على تفاحة لشم)، لأن هذه المنفعه غير متقومة. بدليل أن من غصب تفاحاً فشمه أمر برده دون أجرة شمه.

(أو) على (شمع لتجمُّل) " لما تقدم في مسألة التفاح.

(أو) على شمع لأجل (شَغْل.

أو) على (طعام لأكل)، أو شراب لشرب، أو صابون لغسل أو نحو ذلك؛ لأن الإجارة عقد على المنافع وهذه لا ينتفع بها إلا بإتلاف عينها.

فعلى هذا لو استأجر شمعا ليشعل منه ما شاء ويرد بقيته وثمن ما ذهب وأجر الباقي كان ذلك فاسداً، لأنه شمل

(1)

بيعاً وإجارة، وما وقع عليه البيع مجهول، وإذا جهل المبيع جهل المستأجر فيفسد العقدان. قاله في " المغني ".

وقال في " الفروع " بعد أن ذكر أنه لا يصح استئجار شمع ليشعله: وجعله شيخنا مثل كل شهر بدرهم. فمثله في الأعيان نظير هذه المسأله في المنافع،

(1)

فى أوب: يشمل

ص: 129

ومثله: كلما أعتقت عبداً من عبيدك فعليّ ثمنه. فإنه يصح وإن لم يبين العدد والثمن. وهو إذْن في الانتفاع بعوض، واختار جوازه، وأنه ليس بلازم بل

جائز، كالجُعاله. وكقوله: ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه فإنه جائز، أو

من ألقى كذا فله كذا، ومن ألقى كذا فله كذا. وجوز إجارة ماء قناة مدة وماء

فائض بركة رأياه. انتهى.

(أو) على (حيوان)؛ كناقه وبقرة وشاة (لأخذ لبنه) يعني: أنه لا يصح

استئجار حيوان لأخذ لبنه أو صوفه أو شعره، لأن مورد عقد الإجارة النفع. والمقصرد هاهنا العين. وهي لا تملك ولا تستحق بإجارة. وجوز الشيخ تقي الدين إجارة حيوان لأجل لبنه قام به هو أو ربه. فإن قام

عليها المستأجر وعلفها فكاستئجار الشجر، وإن علفها ربها ويأخذ المشتري لبناً

مقدراً فبييع محض، وإن كان يأخذ اللبن مطلقاً فبييع أيضاً. وليس هذا بغرر " لأن

الغرر ما تردد بين الوجود والعدم. فهو من جنس القمار الذي هو الميسر. وهو

أكل المال بالباطل، كبييع الآبق والشارد. قال: والمنافع والفوائد تدخل في

عقود التبرع. سواء كان الأصل محبساً بالوقف، وغير محبس " كالعارية ونحوها، كما نص عليه الشارع في منيحة الشاة وهي

(1)

عاريتها للانتفاع بلبنها،

كما يعيره الدابة لركوبها.

ولأن هذا يحدث شيئاً فشيئاً فهو بالمنافع أشبه. فإلحاقه بها أولى.

ولأن المستوفى بعقد الإجاره على زرع الأرض هو عين من الأعيان وهو ما

يحدثه من الحب بسقيه وعمله، وكذا استئجار الشاة للبنها مقصوده ما يحدثه الله

تعالى من لبنها بعلفها والقيام عليها فلا فرق بينهما، والآفات والموانع التي

تعرض للزرع أكثر من آفات اللبن.

ولأن الأصل في العقود الجواز والصحه. انتهى.

والمذهب: لا يصح ذلك في حيوان، (غير ظِئْر) أي: غير آدمية، لقوله

(1)

في أوب: وهو.

ص: 130

تعا لى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6].

والفرق بينها وبين البهائم: أنها يحصل منها عمل من وضع الثدي في فم المرتضع ونحو ذلك. بخلاف البهيمة.

ولما كان بعض صور الإجارة الصحيحة ربما يتوهم وقوعه على العين احتيج

إلى دفع هذا التوهم بقوله

(1)

: (ويدخل نفع

(2)

بئر) في إجارة بئر، (وحبر ناسخ) في استئجار على نسخ، (وخيوط خيّاط) في استئجار على خياطة، (وكُحل كحّال) فيما إذا استأجره ليكحله، (ومرهم طبيب) استؤجر لمداواة مدة معينة، (وصبغ صبّاغ) استؤجر لصبغ ثوب، (ونحوه)؛ كلصاق لصّاق استؤجر للصق شيء، وماء عجّان استؤجر لعجن دقيق معلوم (تبعاً) أي: على سبيل التبعية لا على سبيل الأصاله.

(فلو غار ماء دار

(3)

مؤجرة فلا فسخ) للمستاً جر بذلك.

قال في " الأن تصار ": قال أصحابنا: لو غار ماء دار مؤجرة فلا فسخ؛ لعدم دخوله في الإجارة.

وفي " الفصول ": لا يستحق بالإجارة؛ لأنه إنما يملك بالحيازة.

(ولا) تصح الإجارة (في) جزء (مشاع) من عين تمكن قسمتها أو لا.

حال كون الجزء (مفرداً) عن باقي العين من مالكه (لغير شريكه) في العين إن كان اثنين؛ لأنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب شريكه ولا ولاية للمؤجر على مال شريكه. فلم تصح إجارته؛ كالمغصوب.

قال في " الفروع ": وعنه بلى. اختاره العكبري وأبو الخطاب. وقدمه في

" التبصرة " كشريكه. وفي طريقة بعض أصحابنا، ويتخرج لنا من. إجارة المشاع: أن لا يصح رهنه وكذلك هبته، ويتوجه: ووقفه، قال: والصحيح

(1)

في أ: لقوله.

(2)

كذا في الأصول. وفي " منتهى الإرادات ": نقع 0 1: 481

(3)

في ج: بئر، وكذا في " منتهى الإرادات ". الموضع السابق.

ص: 131

صحة رهنه وإجارته وهبته، ولا خلاف في صحة بيعه، قال: والمراد عند الأئمة الأربعة، وإلا ففي بيعه خلاف. ذكره ابن حزم. وهو قول الحنفية في مشاع من غرس، وهذا التخريج خلاف نص أحمد في رواية سندي: يجوز بيع المتاع ورهنه، ولا يجوز أن يؤجر؛ لأن الإجارة للمنافع، ولا يقدر على الانتفاع. انتهى.

(ولا) تصح الإجارة أيضاً (في عين) واحدة (لعدد) أي: لاثنين فأكثر (وهي) أي: ملكها الواحد)، كما لو أجر دارا مالكها لاثنين فأكثر " لأنه يشبه إجارة المشاع.

قال في " الفروع ": وهل مثله إيجار حيوان ودار لاثنين وهمما لواحد أو يصح؛ فيه وجهان، وكذا وصية بمنفعه. انتهى.

(إلا في قول) وهو رواية في مسألة إجاره المشاع، ووجه في مسألة إجارة العين الواحدة لعدد.

قال (المنقح) في " التنقيح " بعد أن ذكر المسألتين وقدم عدم صحة الإجارة فيهما: وعنه: بلى. اختاره أبو حفص وأبو الخطاب والحلوانى وصاحب " الفائق " وابن عبدالهادي، (وهو أظهر، وعليه العمل) أي: عمل الحكام من الحنابلة في زمنه.

وعلم ما تقدم أن استئجار الشريك ممن يشركه ما عدا ماله فيه أو الواحد من جميع الشركاءجميعه صحيح بلاخلاف في المذهب.

وقال المجد: فإن أجر اثنان دارهمما من رجل في صفقة على أن نصيب أحدهما بعشره والآخر بعشرين: جاز على ظاهر كلام القاضي وابن عقيل؛ لأنهما أجعازا المساقاة من اثنين مع الواحد مع التفاضل في الجزء المشروط عليهما. ثم قالا: وكذلك حكم البيع والإجارة والكتابة. قال: ويحتمل عندي أن لا يصيح إذا لم نصحح إجارة المشاع.

وقال في موضع آخر: وإن أجر اثنان دارهمما من رجل ثم أقاله أحدهما صح وبقي العقد في نصيب الآخر. ذكره القاضي، وبه قال أبو حنيفة.

ص: 132

ثم قال القاضي: ولا يمتنع أن نقول: ينفسخ العمد في الكل.

قلت: وهو قول أبو حنيفة وزفر في رواية الحسن بن زياد عنهما. انتهى.

(ولا) تصح الإجارة (في امرأة ذات زوج بلا إذنه)؛ لأن في ذلك تفويتاً

لحق الزوج في الاستمتاع؛ لاشتغالها عنه بما استؤجرت له. فلم تجز إلا بإذنه. (ولا يقبل قولهما) مجرداً عن البينة بعد إيجارها نفسها: (أنها متزوجة) في إبطال حق المستأجر من منفعتها.

(أو) من تزوجت ثم ذكرت أنها (مؤجرة قبل نكاح) في حق زوج؛ لأنها متهمة في الصورتين. والأصل عدم ما تدعيه.

(ولا) تصح الإجارة (على دابة ليركبها مؤجر)؛ لما تقدم من اشتراط كون

النفع في إجارةٍ لمستأجر.

قال في " الفروع ": فلو اكترى دابة لركوب المؤجر لم يصح. قاله القاضي

والأصحاب. انتهى،

لكن لا يمنع ذلك إعارتها لمؤجرها في أثناء مدة الإجارة.

***

ص: 133

فصل: [في حكم إجارة العين]

وما يشترط لصحتها وغير ذلك.

(والإجارة) حيث أطلقت (ضربان):

أحدهما: أن تقع (على عين) ولهاصورتان:

إحداهما: أن تكون إلى أمد معلوم.

والأخرى: أن تكون لعمل معلوم. وستأتيان.

ثم العين تارة تكون معينة؛ كاستأجرت منك هذا العبد ليخدمني سنة بكذا،

أو ليخيط هذا الثوب بكذا. وتارة تكون موصوفة في الذمة؛ كاستأجرت منك حماراً صفته كذا وكذا لأركبه سنة بكذا، أو إلى بلد كذا بكذا.

ولكل من القسمين شروط. وبدأت بالكلام على شرط الموصوفة لطوله على شروط المعينة. فقلت:

(وشرط) بالبناء للمفعول لصحة الإجارة على العين غير المشخصة: (استقصاء صفات سلم. في موصوفة بذمة)؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الصفات. فلو لم توصف بصفات السلم أدى ذلك إلى التنازع. فإذا استقصيت، صفات السلم كاد ذلك أقطع للنزاع وأبعد من الغرر.

(وإن جرت) هذه الإجارة بين المتآجرين (بلفظ: سَلَم) بأن قا ل المستأجر للمؤجر: أسلمتك هذا الدينار في منفعة حمار صفته كذا وكذا لأركبه من بلد كذا إلى بلد كذا وقبل المؤجر: (اعتبر قبض أجرة بمجلس) جرى فيه العقد، (وتأجيل نفع) إلى أجل معلوم.

قال في " الإنصاف ": الفائدة الثانية: قال في " الرعايه ": وإن استأجر في

الذمة ظهراً يركبه أو يحمل عليه إلى مكة بلفظ السلم اشترط قبض الأجرة في

ص: 134

المجلس وتأجيل السفر مدة معينة، وإن كان بلفظ الإجارة جاز التفرق قبل القبض. . وهل يجوز تأخيره؛ يحتمل وجهين. انتهى.

وقال المجد في " شرح الهداية ": وهي- يعني: الإجارة- على ضربين: متعلقة بالذمة؛ كالاستئجار لتحصيل خياطة أو بناء أو حمل شيء من مكان [إلى مكان]

(1)

. فهذه يلزم الوفاء بها على شرائطها؛ كالسلم. والمتعلق بالذمة تارة يكون عملاً وتارة يكون منفعة عين موصوفة. ويشترط لهذا القسم قبض الأجره في المجلس كما في السلم. وبه قال الشافعي وكذلك مذهب مالك يعتبر فيه تعجيل الأجرة على الوجه. المعتبر عنده في السلم.

وقال بعض الشافعية: إذا كان العقد بلفظ السلم اعتبر ذلك، وإن كان بلفظ الإجارة لم يعتبر قال: وهو مذهبنا الذي ذكره القاضي في " المجرد " وابن عقيل في كتاب الإجارة. وكذلك قالا: يعتبر ذكر الأجل إن كان بلفظ السلم وإلا فلا. وأما عند الشافعية فلا يعتبر كالسَّلَم. انتهى.

قلت: وهذا يدل على أن السلم يكون في المنافع كما يكون في غيرها.

والله أعلم.

(و) يشترط لصحة الإجارة (في) عين (معينة) خمسة شروط:

أحدها: (صحة بيع) أي: كونها يصح بيعها؛ كالأرض والدار والعبد والبهيمة والثوب والخيمة والحبل والمحمل والسرج واللجام والسيف والرمح والفرش والسرير والإناء وأشباه ذلك. فلا تصح إجارة كلب ولا خنزير لحراسة ولا لصيد ولا لغير ذلك.

(سوى وقف) أي: موقوف، (وأم ولد وحر وحرة).

أما صحتها في الوقف؛ فلأن منافعه مملوكة للموقوف عليه. فجازت إجارته ممن له الولاية عليه؛ كالمؤجر.

وأما أم الولد؛ فلأن منافعها مملوكة لسيدها. فجاز له إجارتها؛ كإعارتها.

(1)

ساقط من أ.

ص: 135

وأما صحتها

(1)

في الحر والحرة؛ فلأن منافعهما مضمونة بالغصب. فجازت إجارتها؛ كمنافع القن.

(ويصرف) مستأجر أجنبية (بصره).

قال المجد: وإذا استأجر الرجل امرأة أجنبية حرة أو أمة لشغل مباح تعمله جاز. نص عليه وكان حكم النظر إليها والخلوة بها على ما كان عليه قبل الإجارة.

(ويكره أصله لخدمته) أي: يكره للإنسان أن يستأجر أباه وأمه وجده وجدته لخدمته؛ لما فيه من إذلال الوالدين بالحبس على خدمة الولد.

(ويصح استئجار زوجته لرضاع ولده ولو منها وحضانته)، لأن كل عقد يصح أن تعقده مع غير الزوج يصح أن تعقده مع الزوج؛ كالبيع.

ولأن وضعها من

(2)

الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج. بدليل أنه لايملك إجبارها على حضانة ولدها، ويجوز لها أن تأخذ عليها العوض من غيره. فجاز لها أخذه منه؛ كثمن مالها. واستحقاقه لمنفعتها من جهة الاستمتاع لا يمنع استحقاق منفعة سواها بعوض آخر " كما لو استأجرها أولا ثم تزوجها. وقال القاضي: ليس له ذلك

(و) يصح استئجار (ذمي مسلماً) لعمل معين في الذمة؛ كخياطة ثوب وقصارته، أو إلى أمد، كأن يستقي له، أو ينسج أو يقصر ثياباً شهراً بكذا نصاً. نقل أحمد بن سعيد: لا باًس أن يؤجر نفسه من الذمي.

قال في " المغني ": وهذا مطلق في

(3)

نوعي الإجارة.

(لا لخدمته). نص عليه في رواية الأثرم. فقال: إن أجّر نفسه من الذمي

في خدمته لم يجز، وإن كان في عمل شيءجاز.

(1)

في أ: صحتهما.

(2)

في أوب: في.

(3)

في أوب: من.

ص: 136

أما كونها تصح للعمل، فلأنها عقد معاوضة لا يتضمن إذلال المسلم ولا استخدامه. أشبه مبايعته.

وأما كونها لا تصح للخدمة، فلأنها عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله له واستخدامه مده الإجارة. أشبه بيع المسلم للكافر.

وفيما إذا آجر نفسه لعمل مدة وجه: بعدم الجواز.

وفيما إذا آجر نفسه للخدمة رواية بالجواز.

(و) الشرط الثانى: (معرفتها) أي: أن يعرف المتآجران العين المؤجرة برويتهما لها أو وصفها كبيع، لأن الغرض يختلف باختلاف الأعيان والصفات فاعتبررؤية ما لا ينضبط بالوصف، وو صف ما ينضبط

(1)

به.

(و) الشرط الثالث: (قدرة) في المؤجر (على تسليمها) أي: العين المؤجرة، (كـ) ما اشترط ذلك في (مبيع)؛ لأنها بيع منافعها. أشبهت بيع الأعيان. فلا تصح إجارة الآبق ولا الشارد ولا المغصوب ممن لا يقدر على أخذه، لأنه لا يقدر على تسليم المعقود عليه، كما لا يصح بيعه.

(و) الشرط الرابع: (اشتمالها) أي: العين المؤجرة (على النفع. فلا تصح) الإجارة (في) بهيمة (زَمِنة لحمل، ولا) أرض (سَبِخَة لزرع)، لأن الإجارة عقد على المنفعة، ولا يمكن تسليم هذه المنفعة في هذه العين.

(و) الخامس: (كون مؤجر يملكه) أي: النفع: إما بكونه مالكاً للعين،

أو مستأجراً لها، (أو مأذوناً له فيه) إما، بطريق الولاية، كحاكم يؤجر مال سفيه أو صغير أو مجنون، أو وقفاً لا ناظر له معين. وإما من قبل شخص معين؛ كالناظر الخاص يؤجر وقفاً جعل له عليه النظر، والمستعير يؤجر ما استعاره بإذن مالكه، والوكيل يؤجر ما وكله مالكه في إجارته، لأنها بيع منافع. فاشترط فيها ذلك، كبيع الأعيان.

وقيل: تصح وتقف على الإجازة.

(1)

في أ: يضبط.

ص: 137

(فتصح) على المذهب) من مستأجر لـ) عين (غير حر): أن يؤجرها،

(لمن يقوم مقامه) أي: المستأجر.

أما كون مستأجر الحر ليس له أن يؤجره؛ فلكونه لا تثبت اليد عليه وإنما هو يسلم نفسه. وفيه وجه.

وأما كون المستأجر لعين غير الحر تصح منه إجارتها لمن يقوم مقامه على الأصح؛ فلأن موجب عقد الإجارة ملك المنفعة والتسلط على استيفائها بنفسه وبمن يقوم مقامه.

وإنما تركنا تقييده بالكبير خلافاً لتقييده في " التنقيح " لقوله في " التلخيص ": ليس لمستأجر الحر أن يؤجره من آخر إذا قلنا: لا تثبت يد غيره عليه. وإنما هو يسلم نفسه، وإن قلنا: تثبت صح. انتهى.

والمذهب: لا تثبت. فلهذا ضربنا عن تقييده بالكبير.

وأما كونه يصح أن يؤجرها (ولو لم يقبضها)؛ لأن قبض العين لا ينتقل به الضمان إليه. فلم يقف جواز التصرف عليه. بخلاف بييع المكيل ونحوه قبل قبضه. وأما كون ذلك يصح (حتى لمؤجرها)؛ فلأن كل عقد جاز مع غير العاقد

جاز مع العاقد؛ كالبيع.

وأما كون ذلك يصح (ولو بزيادة) على الأجر الذي استأجرها به؛ فلأنه عقد يجوز برأس المال. فجاز بزيادة.

وعنه: لا يجوز لمستأجر أن يؤجر مطلقاً.

وعنه: لا يجوز إلا بإذن المؤجر.

وعنه: لا يجوز إلا بعد القبض.

وقيل: لا يجوز قبل قبضها من غير المؤجر.

وعنه: لا يجوز بزيادة مطلقاً.

وعنه: لا يجوز بزيادة لغير المؤجر إلا بإذنه.

ص: 138

وعنه: أن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا. فإن فعل تصدق بالزيادة؛ " لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن "

(1)

.

ورده في " المغني ": بأن المنافع قد دخلت في ضمانه من وجه فإنها لو فاتت من غير استيفائه كانت من ضمانه.

وقال المنقح: فيما إذا أجرها لمؤجرها بزيادة، قلت:(ما لم تكن حيلة؛ كعِينة) انتهى.

يعني: أنه إذا استأجرها بأجره حالّه نقداً ثم أجرها بأكثر منه مؤجلاً فإنه

لا يصح حيث كان حيلة على الربا كما ذكره الأصحاب في مسألة بيع العيِنة.

(و) تصح إجارة العين (من مستعير) لها (بإذن معير في مدة يُعيّنها)؛ لأنه

لو أذن له في بيعها لجاز فكذا إجارتها؛ لأن الحق له.

(وتصير) العين المؤجرة (أمانة) بعد أن كانت مضمونة على المستعير لمصيرها مؤجرة.

(والأجرة لربها) أي: لرب العين المؤجرة لانفساخ حكم العارية بورود

عقد الإجارة عليها؛ لكون الإجارة أقوى للزومها.

(و) تصح الإجارة (في وقف، من ناظره)؛ لأنه إن كان مستحقاً له كانت منافعه ملكاً له. فيجوز له إجارتها؛ كالمستأجر، وإن لم يكن مسستحقاً له صحت منه الإجارة بطريق الولاية؛ كالولي إذا أجر عقار موليه.

(فإن مات مستحق) لوقف وقد (أجر) هـ (وهو ناظر بشرط) بأن جعل الواقف النظر له بمقتضى شرط النظر له: لم تنفسخ.

أو) لكونه أحق بالنظر مع عدم الشرط؛ (لكون الوقف عليه: لم تنفسخ) الإجارة (في وجه)، قياساً على ما لو آجر ولي مال موليه أو ناظر ليس له استحقاق الوقف ثم زالت الولاية أو انتقل النظر.

(1)

أخرجه الترمذي في " جامعه "(1234) 3: 492 كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك.

ص: 139

قال (المنقح) في " الإنصاف ": صححه في " التصحيح " و" النظم "، وجزم به في " الوجيز ". وقدمه في " الفروع " و" الرعاية الكبرى " و" شرح ابن رزين ".

قال القاضي في " المجرد ": هذا قياس المذهب.

وقال في " التنقيح ": فإن مات المؤجر انفسخت إن كان المؤجر الموقوف

عليه بأصل الاستحقاق.

وقيل: لا ينفسخ، قدمه في " الفروع " وغيره، وجزم به

(1)

في " الوجيز " وغيره كملكه. (وهو أشهر وعليه العمل). انتهى.

(وكذا) أي: وكالحكم في مؤجر موقوفاً عليه بأصل الاستحقاق مدة ثم يموت في أثنائها (مؤجر إقطاعه) إقطاع استغلال مدة (ثم) في أثنائها (يقطعه) بالبناء للمفعول (مغيره) أي: غير المؤجر. قاله في " القواعد " وغيره.

ووجه ما قدمه في " التنقيح " من الانفساخ بموت المؤجر، لأنه قد تبين أنه

آجر ملكه وملك غيره. فصح في ملكه دون ملك غيره، كما لو أجر دارين إحداهما له والأخرى لغيره، وذلك لأن المنافع بعد الموت حق لغيره فلا ينفذ

(2)

عقده عليها من غير ملك ولا ولاية. بخلاف الطلق إذا مات مؤجره فإن الوارث يملكه من جهة الموروث فلا يملك منه إلا ما خلفه، وما تصرف فيه في حياته لا ينتقل إلى الوارث، والمنافيع التي آجرها قد خرجت عن ملكه بالإجارة فلا تنتقل إلى الوارث. والبطن الثانى في الوقف

(3)

يملكونه

(4)

من جهة الوقف. فما حدث منها بعد البطن الأول كان ملكاً لهم فقد صادف تصرف المؤجرملكهم من غير إذنهم. فلم يصح. وبهذا الوجه جزم القاضي في " خلافه "، وقال: أنه ظاهر كلام أحمد في رواية صالح، وجزم به أيضاً ابنه أبو الحسين، وحكاه عن

(1)

ساقط من أ.

(2)

في أ: ينعقد.

(3)

في ج: وقف.

(4)

فى ب: يملكون.

ص: 140

أبي إسحاق ابن شاقلاء، واختاره ابن عقيل وابن عبدوس في " تذكرته ".

وقال الشيخ تقي الدين: أنه أصح الوجهين.

وقال ابن رجب: وهو المذهب الصحيح، وخرج صاحب " المغني " وجهاً

له ثالثاً ببطلان العقد من أصله، بناء على تفريق الصفقة.

قال في " القواعد ": لكن الأجرة إن كانت مقسطة على أشهر مدة الإجارة أو أعوامها فهي صفقات متعددة على أصح الوجهين. فلا تبطل جميعها ببطلان بعضها، وإن لم تكن مقسطة فهي صفقة واحدة فيطّرد فيها الخلاف المذكور. قال في " الإنصاف ": ومحل الخلاف عند ابن حمدان في " رعايته " وغيره

إذا أجره مدة يعيش فيها غالباً. فأما إن أجره مدة لا يعيش فيها غالباً فإنها تنفسخ قولاً واحداً وما هو ببعيد. انتهى.

(فعلى هذا) وهو القول بعدم انفساخ الإجارة بانتقال الاستحقاق عن المؤجر (يأخذ المنتقل إليه) الاستحقاق (حصته من أجرة قبضها مؤجر من تركته) إن مات، (أو منه) أي: المؤجر إنا انتقل الاستحقاق عنه وهو حي؛ كما لو وقف إنسان داره على ابنته ما دامت عزباء. فإذا تزوجت سقط حقها وكان وقفاً على زيد ثم أجرت الدار مدة وقبضت أجرتها ثم تزوجت في أثناء المدة. فإن زيداً يأخذ منها من الأجرة مازاد على ما يقابل زمن استحقاقها.

(وإن لم تقبض) الأجرة (فـ) للمنتقل إليه الاستحقاق أن يقبض (من مستأجر) من الأجرة ما قابل زمن استحقاقه.

(وعلى مقابله) أي: القول المتقدم وهو القول بانفساخ الإجارة بانتقال الاستحقاق عن المؤجر يأخذ المنتقل إليه أجرة ما يقابل زمن استحقاقه من مستأجر، و (يرجع مستأجر) أقبض الأجرة (على ورثة قابض) مات، (أو عليه) أن كان حياً.

(وأن أجر الناظر العام) وهو الحاكم ومن جعل الإمام له ذلك وقفا (لعدم) الناظر (الخاص) وهو الذي يعينه الواقف للنظر عليه.

ص: 141

(أو) آجره الناظر (الخاصر وهو أجنبي) أي: ليس بمستحق في الوقف:

(لم تنفسخ) الإجارة (بموته ولا عزله) في أثناء مدتها أو قبلها؛ كما لو أجره سنة خمس في سنة اربع ومات أو عزل قبل أن تدخل سنة خمس، (قولاً واحداً). قاله الموفق وابن أخيه والشيخ تقي الدين وصاحب " القواعد " وغيرهم. نقل ذلك في " الإنصاف "؛ لأن إيجاره هنا بطريق الولاية. ومن يلي النظر بعده أن ما يملك التصرف فيما لم يتصرف فيه الأول، وهذا العقد قد تصرف فيه الأول. فلم يثبت للثانى ولاية على تناوله.

قال في " الإنصاف ": وقال ابن رجب: أما إذا شرطه للموقوف عليه وأتى بلفظ يدل على ذلك فأفتى بعض المتأخرين بإلحاقه بالحاكم ونحوه، وأنه لا ينفسخ قولاًواحداً. وأدخله ابن حمدان في " الخلاف ".

قال الشيخ تقي الدين: وهو الأشبه. انتهى.

(وإن آجر سيد رقيقه، أو) أجر (ولي يتيماً) تحت حجره (أو ماله) أي:

مال اليتيم الذي تحت حجره؛ كداره ورقيقه وبهائمه مدة، (ثم عتق) الرقيق (المأجور) في أثنائها أو قبلها، (أو بلغ ورشد) الصغير الذي أجره وليه أو أجر ماله، (أو مات) السيد أو الولي (المؤجر، أو عزل) الولي المؤجر بأن أقام الحاكم عوضه أو نحو ذلك: (لم تنفسخ) الإجارة.

أما كون إجارة الرقيق لا تنفسخ بعتقه؛ فلأنها عقد صدر من السيد على

ما يملكه. فلم تنفسخ بزوال ملكه بالعتق أو غيره؛ كما لو زوج أمته ثم باعها. وقيل: تنفسخ.

وقيل: إلا أن يستثنيها في العتق.

وعلى المذهب: لا يرجع على مولاه بشيء؛ لأنها منفعة استحقت بالعقد

قبل العتق. فلم يرجع ببدلها؛ كما لو زوج أمته ثم أعتقها بعد دخول الزوج بها. فإن ما يستوفيه السيد لا يرجع به عليه.

ص: 142

وقيل: يرجع بحق ما بقي من المده؛ كما لو أكرهه مولاه بعد عتقه على هذا العمل.

ورد: بأن المكرِه متعدّ. بخلاف المؤجر.

إذا ثبت هذا فإن نفقة العتيق

(1)

زمن الإجارة أن كانت مشروطة على المستأجر

فهي عليه، وأن لم تكن مشروطة عليه فهي على معتقه؛ لأنه كالباقي على ملكه. بدليل أنه يملك عوض نفعه.

ولأن العتيق لا يقدر على نفقة نفسه؛ لأنه مشغول بالإجارة. ولا على المستأجر؛ لأنه استحق منفعته بعوض غير نفقته. لم يبق إلا أنها على المولى. وأما كون إجارة الولي الصغير أو ماله لا تنفسخ ببلوغ الصغير ورشده ولا

بعزل الولي أو موته؛ فلأنها عقد لازم عقده بحق الولاية. فلم يبطل بالبلوغ ولا بالعزل؛ كما لو باع داره أو زوجه، وكما لو عزل أو مات ناظر الوقف الأجنبي وقد أجره ولم تنقص المدة.

(إلا إن علم) الولي أو السيد (بلوغه) أي: الصغير، (أو عتقه) أي: الرقيق (في المدة) التي أجّراهما فيها؛ كما لو أجر الصغير سنتين وهو ابن أربع عشرة سنة، أو قال لعبده: أنت حر بعد سنة ثم أجره سنتين. فإنها تنفسخ بالعتق والبلوغ؛ لأنا لو قلنا بلزوم الإجارة في هاتين الصورتين بعد العتق والبلوغ أفضى إلى أن تصح على جميع منافعهما طول عمرهما، وإلى أن يتصرف كل منهما في غير زمن ولايته على المأجور.

وقيل: لا تنفسخ من غير استثناء.

وقيل: تنفسخ من غير استثناء.

***

(1)

في أ: العتق.

ص: 143

[فصل: في أحكام إجارة العين]

(فصل. ولإجارة العين) الموصوفة أو المعينة (صورتان):

إحداهما: أن تكون (إلى أمد)؛ كاستأجرت منك عبداً صفته كذا ويستقصي صفات السلم، أو هذا العبد ليخدمني سنة.

(وشرط) في هذه الصورة: (علمُه) أي: الأمد فيقول: سنة من تاريخه، أو أولها كذا، لأن المدة هي الضابط للمعقود عليه المعرفة له. فوجب أن تكون معلومة؛ كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل.

ومتى أُطلقت السنة حملت على الأهلة؛ لأنها المعهودة في الشرع. قال الله تعالى-: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ] البقرة: 189].

وإن قالا: عددية أو قالا: سنة بالأيام، كان له ثلاثمائة وستون يوماً " لأن الشهر العددي ثلاثون يوماً.

وإن قالا: سنة رومية أو شمسية أو فارسية أو قبطية وكانا يعلمان ذلك جاز، وكان له ثلاتمائة وخمسة وستون يوماً.

(و) شرط أيضاً: (أن لا يُظن عدمها) أي: العين المؤجرة بهدم أو موت ونحوهما (فيه) أي: في أمد الإجارة. فيصح تقديره (وإن طال)؛ لأن المصحح للإجارة كون المستأجر. يمكنه استيفاء المنفعة منها غالباً.

قال في " الفروع ": وظاهره ولو ظن عدم العاقد ولو مده لا يظن بقاء الدنيا فيها.

وفي طريقة بعض أصحابنا في السلم: الشرع يراعي الظاهر، ألا ترى لو اشترط أجلاً تفي به مدته صح، ولو اشترط مائتين أو أكثر لم يصح. انتهى. وقيل: لا تصح أكئر من سنة. اختاره ابن حامد.

ص: 144

وقيل: ثلاث.

وقيل: ثلاثين، وحكاه في " الرعاية " نصاً؛ لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى

إلى أكثر منها وتتغير الأسعار.

ولا فرق بين الوقف والملك، بل الوقف أولى. قاله في " الرعاية ".

قال في " المبدع ": وفيه نظر.

والمسقف والمبسط

(1)

سواء.

ولا يشترط إذا وقع العقد على سنين بأجر معين إلى تقسيطه على كل سنة.

قال في " المغني ": في ظاهر كلام أحمد كما لو استاً جر سنة لم يفتقر إلى تقسيط أجر كل شهر بالاتفاق.

و (لا أن تلي) مدة الإجارة (العقد. فتصح) إجارة العين (لسنة خمس.

في سنة أربع)؛ لأنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها. فجاز العقد عليها مفردة

(2)

مع عموم الناس؛ كالتي تلي العقد، وكما لو كانت في إجارة المستأجر. وتصح. (ولو) كانت (مؤجرة أو مرهونة أو مشغولة وقت عقد)؛ كالمسلم

فيه لا يشترط وجوده ولا القدرة عليه حال العقد.

ومحل ذلك: (إن قدر) المؤجر (على تسليم) لما أجّره (عند وجوبه) أي: عند الوقت المستحق فيه التسليم.

وقال بعض الأصحاب: إذا أجره

(3)

وكانت العين مشغولة صح إن ظن التسليم عند وجوبه وقدمه في " الفروع ".

وفي " الرعاية ": إن أمكن

(4)

التسليم في أولها.

وفي المرهونة وجه: لا يصح العقد عليها.

(1)

في أوب: والبسط.

(2)

في أ: مقررة.

(3)

في أ: أجاره.

(4)

في أ: مكن.

ص: 145

وفي " الفصول ": لا يتصرف مالك العقار في المنافع بإجاره ولا إعارة إلا

بعد انقضاء المدة واستيفاء المنافع المستحقة عليه بعقد الإجارة؛ لأنه ما لم تنقض

(1)

المدة له حق الاستيفاء. فلا يصح تصرفات المالك في محبوس بحق؛ لأنه يتعذر التسليم المستحق بالعقد.

قال صاحب " الفروع ": فمراد الأصحاب متفق. وهو: أنه يجوز إجارة المؤجر، ويعتبر التسليم وقت وجوبه، وأنه لا يجوز إيجاره لمن يقوم مقام المؤجر كما يفعله بعض الناس. وأفتى جماعة من أصحابنا وغيرهم في هذا الزمان أن هذا لا يصح. وهو واضح، ولم أجد في كلامهم ما يخالف هذا. ومن العجب قول بعضهم في هذا الزمان الذي يخطر بباله من كلام أصحابنا أن هذه الإجارة تصح

(2)

. كذا قال. وقد قال شيخنا فيمن استأجر أرضاً من جندي وغرسها قصباً ثم انتقل الإقطاع عن الجندي: إن الجندي الثانى لا يلزمه حكم الإجارة الأولى، وأنه إن شاء أن يؤجرها لمن له فيها القصب أو لغيره. انتهى.

إذا ثبت ذلك وهو: اشتراط القدرة على التسليم عند وجوبه (فلا تصح). الإجارة (في) أرض (مشغولة بغرس أو بناء، ونحوهما)، كالأمتعة الكثيرة التي يتعذر تحويلها إذا كانت (للغير) أي: لغير المستأجر زمن وجوب تسليم؛ لعدم القدرة على التسليم إذا.

(ولا) يصح استئجار عين (شهراً أو سنة ويطلق)، لاشتراط العلم بالأمد.

قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد: إذا استأجر أجيراً شهراً فلا يجوز

حتى يسمي الشهر.

وقيل: يصح فيهما، ويكون ابتداء ذلك من حين العقد؛ لأن المدة إذا أطلقت في غير القُرَب وجب أن تلي السبب الموجب كمدة السَّلَم.

(ولا) تصح الإجارة (من وكيل مطلق) أي: لم يقدر له موكله (مدة

(1)

في ب: تنقص.

(2)

في ب: لاتصح.

ص: 146

طويلة) خمس سنين ونحوها، (بل العرف) أي: بل الأمد المتعارف المعهود إيجاره بين الناس غالباً، (كسنتين، ونحوهما)، كثلاث سنين.

قال في " الفروع ": قاله شيخنا واقتصر عليه " لأن العقود متى صحت مطلقة حملت على العرف، كما لو أمر محترف أو نحوه رفيقه أن يشتري لأهله خبزاً فاشترى قنطاراً أو نحوه لم يلزم الموكل.

(وتصح) الإجا رة (في آدمي لرعي، ونحوه)، كخدمة.

قال في " المغني ": لا نعلم خلافاً في صحة استئجار الراعي.

(مدة معلومة)، لأن العمل لا ينحصر. (ويسّمى) من أجر نفسه مدة معلومة:(الأجير الخاصر، لتقدير زمن يستحق المستأجر نفعه في جميعه) مختصاً به. (سوى) زمن (فعل) الصلوات (الخمس بسننها في أوقاتها) المشروعة فيها، (و). سوى زمن فعل (صلاة جمعة وعيد).

وقيل: الأجير الخاص من سلم نفسه لعمل معلوم مباح.

(ولا يستنيب) الأجير الخاص فيما استؤجر له؛ لأن العقد وقع على عينه؛ كمن أجر دابة معينة لإنسان يركبها مدة فإنه ليس له إبدالها.

(ومن استأجر سنة في أثناء شهر: استوفاها) أي: الأشهر الكاملة وهي

أحد عشر شهراً (بالأهلة، وكمَّل على ما بقي) من أيام الشهر الذي استأجر في أثنائه (ثلاثين يوماّ)، لأنه قد تعذر إتمامه بالهلال فتممناه

(1)

بالعدد وأمكن استيفاء ما عداه بآلهلال. فوجب ذلك، لأنه الأصل.

وعنه: يستوفي الجميع بالعدد؛ لأنها مدة يستوفى بعضها بالعدد. فوجب استيفاء جميعها به " كما لو كانت المدة شهراً واحداً.

ولأن الشهر الأول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الثانى

في أثنائه، وكذلك كل شهر يأتي بعده.

(1)

في أوب: فتمناه.

ص: 147

وقال الشيخ تقي الدين: أن ما يعتبر الشهر الأول بحسب تمامه ونقصانه. فإن

كان تاماً كمل تاماً " وإن كان ناقصاً كمل ناقصاً إلى مثل تلك الساعة.

(وكذا) في الحكم يكون كل ما يعتبر بالأشهر؛ كعدة، وصيام كفارة، ونحوهما)؛ كأجل سَلَم وخيار. نص على ذلك في النذر.

الصورة (الثانية): أن تكون (لعمل معلوم؛ كدابة) معينة أو موصوفة تؤجر [(لركوب) من شخص معين المحل معين.

وله) أي: للمستأجر (ركوب) على الدابة المؤجرة]

(1)

(لمثله) أي: لمحل مماثل لذلك المحل في قدر المسافة (في جادة) أي: طريق (مماثلة) للطريق المعقود عليها في السهولة أو الحزونة والأمن أو الخوف؛ لأن المسافة عينت؛ ليستوفي بها المنفعة، ويعلم قدرها بها. فلم تتعين؛ كنوع المحمول والراكب.

قال في " المغني ": ويقوى عندي أنه متى كان للمكري غرض في تلك الجهه المعينة لم يجز

(2)

العدول إلى غيرها؛ مثل: من يكري جماله إلى مكة ليحج معها. فلا يجوز له أن يذهب بها إلى غيرها.

ولو أكراها إلى بغداد لكون أهله بها أو ببلد العراق لم يجز الذهاب بها إلى مصر. .

ولو أكرى جماله جملة إلى بلد لم يجز للمستأجر التفريق بينهما بالسفر ببعضها إلى جهة وباقيها إلى جهة أخرى؛ وذلك لأنه عّين المسافة لغرض في فواته ضرر. فلم يجز تفويته؛ كما في حق المكري. فإنه لو أراد حمله إلى غير المكان الذي اكترى إليه لم يجز. انتهى.

(أو) كـ (بقر) معينات أو موصوفات تؤجر (لحرث) لمكان معين معلوم

لهما بالمشاهدة؛ لاختلاف الأرض بالصلابة والرخاوة مفردة؛ ليتولى رب

(1)

ساقط من أ.

(2)

في أ: يجزؤ.

ص: 148

الأرض الحرث بها.

ويجوز أن يسشأجرها مع صاحبها ليتولى الحرث بها، وتكون الآله من عند صاحب الأرض.

ويجوز أن يستأجرها مع صاحبها بآلتها من السكة والشعير

(1)

وغيرهما.

ويجوز تقدير العمل بالمساحة؛ كجريب أو جريبين من هذه الأرض. .

وبالمدة؛ كيوم ويومين ويكون من الصورة الأولى.

وشرط له إن قدرها بالمدة تعيين البقر الذي يحرث عليها؛ لأن الغرض يختلف باختلافها في القوة والضعف.

(أو) بقر لـ (دِيَاس لى) زرع (معين)؛ لأنه منفعة مباحة مقصودة. أشبه الحرث. والقول فيه كما تقدم في الحرث.

(أوآدمي) حر أو عبداً ليدل على طريق) معين، أو ليخيط أويقصر ثوباً معيناً، أو لقطع سَلَعَة، أو قليع سن أو ضرس معينين، أو لفصد، أو ختن، أو كحل، أو مداواة شخص معين، أو لرعي أو حلب، أو ذبح أو سلخ بهائم معينة؛ لأن هذه كلها أعمال مباحة لا يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة. فجاز الاستئجار عليها؛ كسائر الأفعال المباحة.

(أو رحى لطحن شيء معلوم) من حب معلوم؛ لأنه يختلف. فمنه ما يسهل ومنه ما يعسر.

(وشُرط: علم) كل (عمل، وضبطُه بما لا يختلف)؛ لأنه أن لم يكن كذلك كان مجهولاً. فلا تصح الإجاره معه.

فمن أجر بهيمة لإدارة رحى اشترط: أن يعلم صاحبها الحجر إما بالمشاهدة أوالصفة؛ لأن عمل البهيمة يختلف بثقله وخفته.

(1)

في ب: في النهر.

ص: 149

وأن يقّدر العمل إما بالزمان، كيوم أو يومين، وإما بالطعام بأن يذكر كيله وجنسه.

ولإدارة دولاب فلا بد من مشاهدته ومشاهدة دلائه؛ لاختلافها، وتقدير ذلك بالزمان، أو ملء هذا الحوض أو هذه البركة.

ولا يجوز تقدير ذلك بسقي أرض، لأن ذلك يختلف فقد تكون الأرض عطشانة لا يرويها القليل، وقد تكون قريبه العهد

(1)

بالماء فيكفيها القليل. ولاستقاء عليها فلا بد من معرفة الآله التي يستقي بها من راوية أو قرب أو جرار، إما بالروية وإما بالصفة. ويقدر العمل إما بالزمان وإما بعدد المرات على شيء معين. فإن قدره بعدد المرات احتاج إلى معرفه الموضع الذي يستقي منه والذي يذهب إليه؛ لأدن ذلك يختلف بالقْرب والبعد والسهولة والحزونة. وإن قدره على شيء معين احتاج إلى معرفته ومعرفه ما يستقي منه.

قال المجد في " شرح الهداية ": وإذا استأجر دابتين إحداهما إلى برقة والأخرى إلى إفريقية لم يصح حتى يعين التي إلى برقة والتي إلى إفريقية. هذا مذهب مالك وقياس قولنا.

وقال في محل آخر: وإذا اكتريا ظهراً يتعاقبان عليه جاز عند الشافعي كمذهبنا.

وقال في موضع آخر: وإن كان المكرى عقاراً أو غيره مما ينقل؛ كالأوانى وسائر الجمادات لم يكن المعقود عليه معلوماً إلا بالمدة؛ لأنه لا عمل له. بخلاف الحيوان؛ كالدابة والعبد فإنه يتقدر نفعه بعمله إذا كان له عمل كما يتقدر بالمدة. فيقول: استأجرتك لخياطة هذا الثوب، أو استأجرت هذه الدابة لأركبها إلى بلد كذا. هذا قول أصحابنا وفيه نظر. فإن من الأعيان ما يتقدر نفعه بالعمل به؛ كقوله: استأجرت منك هذا القبان لأزن به مائة رطل، أو هذا الصاع لأكيل به ألف وسق، أو هذه السكة لأحرت بها هذه الأرض؛ كما تقول: هذه

(1)

في أ: العهدة.

ص: 150

البقرة لأحرث بها هذه الأرض، وهذه الدابة لأركبها إلى مكان كذا. وتستقر الأجرة بتسليمها مدة

(1)

المثل لذلك، ولا أجد فرقاً بينهما، وقد قال ابن عقيل إذا استأجر بئراً ليستقي منها الماء مدة

(2)

معلومة أو دلاء معلومة صح وهذا موافق لماقلته. انتهى.

ومن استأجر لكحل أو مداواة اشترط تقدير ذلك بالمدة؛ كشهر ونحوه؛

لأن العمل يختلف. وتقديره بزمن البرء مجهول.

(1)

في أ: لمدة.

(2)

في أ: لمدة.

ص: 151

[فصل: في العقد على منفعة بذمة]

(فصل. الضرب الثانى) من صنفي الإجارة: أن يقع العقد (على منفعة

بذمة). وهو نوعان:

أحدهما: أن تكون في محل معين، كاستأجرتك على أن تحمل لي هذه

الغِرارة القمح إلى مكة على جمل تقيمه من مالك بكذا.

والثانى: أن تكون في محل موصوف، كاستأجرتك لتحمل لي غرارة من

قمح صفته كذا إلى مكة بكذا.

(وشرط: ضبطها) أي: المنفعة (بما) أي: بوصف (لا يختلف) به

العمل " (كخياطة ثوب) يذكر جنسه وقدره وصفة الخياطة.

(وبناء دار وحمل) لشيء يذكر جنسه وقدره، وأن الحمل (لمحل

معين).

ويصح أن يكتري لركوبه إلى محل معين عقبة. وهي: أن يركب شيئاً

ويمشي شيئاً. ولا بد من كونها معلومة إما بالفراسخ مثل: أن يركب فرسخاً ويمشي فرسخاً، وإما بالزمان مثل: أن يركب ليلاً ويمشي نهاراً، أو نحو ذلك. ويعتبر في هذا زمان السير دون زمان النزول. وإن اختلفا بعد ذلك لم.- يجبر الممتنع منهما، لأن فيه ضررا على كل واحد منهما الماشي لدوام المشي عليه، والمركوب لدوام الركوب عليه.

(و) شرط أيضا: (كون أجير فيها جائز التصرف)؟ لأنها معاوضة

لعمل

(1)

في الذمة. فلم تجز من غير جائز التصرف.

(ويسمى) الأجير (المشترك؟ لتقدير نفعه بالعمل).

(1)

في ج: للعمل.

ص: 152

ولأنه يتقبل أعمالاً لجماعة فتكون منفعته مشتركة بينهم.

(و) شرط أيضاً: (أن لا يجمع بين تقدير مدة وعمل؛ كـ) قوله عن ثوب: استأجرتك لـ (تخيطه في يوم)؛ لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء اليوم. فإن استعمل في بقيته فقد زاد على ما وقع العقد عليه، وإن لم يعمل كان تاركاً للعمل في بعض زمنه. فيكون ذلك غرراً يمكن التحرز منه ولم يوجد مثله في محل الوفاق. فلم يصح العقد معه.

وعنه: بلى؛ لأن الإجارة معقودة على العمل فقط والمدة إنما ذكرت للتعجيل. فلا تفسد العقد، وكجعالة. وفيها وجه.

قال في " التبصرة ": وإن شرط تعجيل العمل في أقصى] زمنٍ [

(1)

ممكن فله شرطه.

(ويلزمه) أي: الأجير المشترك (الشروع) في عمل وقع عقد الإجارة عليه (عقب العقد)؛ لجواز مطالبته به إذاً.

قال في " الفروع ": وإن ترك ما يلزمه، قال شيخنا: بلا عذر فتلف بسببه ضمن.

(و) شُرط أيضاً (كون عمل) معقود عليه (لا يختص فاعله أن يكون من

أهل القربة لكونه مسلماً) أي: بشرط الإسلام؛ (كأذان وإقامة وإمامة وتعليم قرآن وفقه وحديث، ونيابة في حج وقضاء.

ولا يقع إلا قربة لفاعله، ويحرم أخذ أجرة عليه).

وعنه: يجو ز.

وعنه: يكره.

نقل أبو طالب عن أحمد أنه قال. التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يستدين

(1)

زيادة لاستقامة المعنى.

ص: 153

ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى الله بأمانات الناس. التعليم أحب إليّ.

ووجه الرواية الأولى: ما روى عثمان بن أبي العاص قال: " إن آخر ما عهد

النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً "

(1)

. قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وما روى عبادة بن الصامت قال: " علمت ناساً من أهل الصُّفّة القرآن والكتابة. فأهدى إلي رجل منهم قوساً. قال: قلت: قوس وليست بمال. قال: قلت أتقلدها في سبيل الله. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وقصصت عليه القصة قال: إن سرك أن يقلدك الله قوسا من نار فاقبلها "

(2)

.

وعن أبي بن كعب " أنه علم رجلاً سورة من القرآن فأهدى له خميصة أو ثوباً

فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنك لو لبستها ألبسك الله مكانها ثوبا من نار ". رواه الأثرم في " سننه ".

ولأن من شرط صححة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى. فلم يجز أخذ

الأجر عليها " كما لو استأجر إنساناً يصلي خلفه الجمعة أو التراويح.

و (لا) يحرم أخذ (جعالة على ذلك)، لأنها أوسع من الإجارة. ولهذا

تجوز مع جهالة العمل والمدة.

(أو على رُقية) نصاً؛ لما روى أبو سعيد قال: " انطلق نفر من أصحاب

النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب: فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم. فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء. فقال بعضهم:

لو أتيتم هذا الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عندهم بعض شيء. فأتوهم

فقالوا: يا أيها الرهط لِلَّهِ إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند

(1)

أخرجه الترمذي في " جامعه "(209) 1: 409 أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجراً.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(714) 1: 236 كتاب الأذان والسنة فيها، باب السنة في الأذان.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3416) 3: 264 كتاب الاجارة، باب في كسب المعلم.

ص: 154

أحدكم من شيء؟ قال بعضهم: إنى والله لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا. فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً. فصالحوهم على قطيع من غنم. فانطلق يتفل عليه ويقرأ:(الحمد لله رب العالمين) فكأنما نشط من عقال. فانطلق يمشي وما به قلَبَة. فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننظر الذي يأمرنا. فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ ثم قال: أصبتم. اقتسموا واضربوا لي معكم سهما. وضحك النبي صلى الله عليه وسلم "

(1)

. رواه الجماعة إلا النسائي.

(كـ) ما لا يحرم الأخذ (بلا شرط).

قال في " المغني ": فإن أعطي المعلم شيئا من غير شرط فظاهر كلام أحمد جوازه. قال فيما نقل عنه أيوب بن سافري: لا يطلب ولا يشارط فإن أعطي شيئا أخذه.

وقال في رواية أحمد بن سعيد: أكره أجر المعلم إذا شرط.

وقال: إذا كان المعلم لا يشارط ولا يطلب من أحد شيئا إن أتاه شيء قبله

فإنه يراه أهون. انتهى.

وأما حديث القوس والخميصة فقضيتان في عين. فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنهما فعلا ذلك خالصاً. فكره أخذ العوض عنه من غير الله تعالى، ويحتمل غير ذلك.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2156) 2: 795 كتاب الإجارة، باب ما يعطي في الرقية على أحياء العرب بفاتحه الكتاب.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(2201) 4: 1727 كتاب السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(3901) 4: 14 كتاب الطب، باب كيف الرقى.

وأخرجه الترمذي في "جامعه "(064 2) 4: 399 كتاب الطب، باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2156) 2: 729 كتاب التجارات، باب أجر الراقي.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(11085) 3: 10.

ص: 155

وعلم من مفهوم كلام المتن: أن ما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة؛ كتعليم الخط والحساب والشعر المباح وأشباهه وبناء المساجد والقناطر وذبح الأضحية والهدي وتفرقة لحمها وتفرقة الصدقة يجوز الاستئجار له وأخذ الأجرة عليه، لأنه يقع تارة قربة وتارة غير قربه. فلم يمنع الاستئجار لفعله " كغرس الأشجار وبناء البيوت.

(ولا) يحرم أخذ (رزق على متعد نفعه؛ كقضاء)، وتعليم قرآن وحديث وفقه، ونيابة في حج، وتحمل شهادة وأدائها، وأذان، لأن ذلك من المصالح. فجرى مجرى الوقف على من يقوم بها.

وليس بعوض، بل رزق للإعانة

(1)

على الطاعة.

ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة ولا يقدج في الإخلاص؛ لأنه لو قدح

ما استحقت الغنائم ولسلب القاتل.

(لا) على (قاصر) نفعه على فاعله من القرب؛ (كصوم وصلاة خلفه، ونحوهما)؛ كحج الإنسان عن نفسه واعتكافه، لأن ذلك ليس مما تدعو حاجه بعض الناس إلى بعض من أجله. فلم يكن من المصالح.

(وصح استئجار لحجم، كفصد) ونحوهما، وليس الأجر على ذلك بحرام؛ لما روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره، ولو علمه حراماً لم يعطه

(2)

"

(3)

. متفق عليه.

وفي لفظ: " لوعلمه خبيث لم يعطه ".

ولأنها منفعه مباحه ولا يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة. فجاز الاستئجار علمها؛ كالبناء والخياطة.

(1)

في أوب: الإعانة.

(2)

في أ: يعطيه.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(1997) 741: 2 كتاب البيوع، باب ذكر الحجام.

وأخرجه مسلم في " صحيحه"(1202) 4: 1731 كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوى.

ص: 156

ولأن بالناس حاجة إليها ولا يجد كل أحد متبرعاً بها. فجاز الاستئجار عليها، كالرضاع. وفيه وجه.

(وكره لحر أكل أجرته ومأخوذ بلا شرط عليه) أي: على الاحتجام، (ويطعمه) الحجام (رقيقاً وبهائم) له، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كسب الحجام خبيث "

(1)

. متفق عليه.

وقال: " أطعمه ناضحك ورقيقك "

(2)

.

فإن قيل: تسميته خبيثاً يدل على التحريم، وقوله:" أطعمه رقيقك " يدل

على الإباحة. فإن الرقيق آدمي يحرم عليه أكل ما يحرم على الحر، فكيف الجواب عن ذلك؟

قيل: تسمية كسبه خبيثاً لا يلزم منه التحريم؛ " لأنه صلى الله عليه وسلم سمى الثوم والبصل خبيثين "

(3)

مع إباحتهما.

وإنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للحر تنزيهاً له لدناءة هذه الصناعة. وإعطاؤه صلى الله عليه وسلم الأجر للحجام دليل على إباحته. إذ لا يعطيه شيئاً حراماً وهو يُعلم الناس وينهاهم عن المحرمات. فيتعين حمل نهيه عنها على الكراهة. وعلى هذا يحمل كلام من روي عنه النهي عن تعلم الحجامة، وأكل أجرها، وإجارة نفسه لها من الأئمة

(1)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1568) 3: 1199 كتاب المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب

عن رافع بن خديج. ولم أره بهذا اللفظ عند البخاري. وقدى أخرج البخاري (2123) 2780 كتاب الييوع، باب ثمن الكلب. معناه عن عون بن أبي جحيفة قال:" رأيت أبي اشترى حجاماً فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألته عن ذلك قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب، وكسب الأمة، ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله، ولعن المصور ".

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3422) 3: 266 كتاب الاجارة، باب في كسب الحجام.

وأخرجه الترمذي في " جامعه"(1277) 3: 492 كتاب البيوع، باب ما جاء في كسب الحجام.

(3)

عن أبى سعيد قال: "لم نعدُ أن فتحت خيبر. فوقعنا أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم الله في تلك البقله الثوم والناس جياع فأكلنا منها أكلا شديداً. ثم رحنا إلى المسجد فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الريح. فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا في المسجد ". أخرجه مسلم في " صحيحه"(565) 1: 395 كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوهما.

ص: 157

جمعاً بين الأخبار الواردة فيها وتوفيقاً بين الأدلة الدالة عليها.

قالى في " المغني ": وليس عن أحمد نص في تحريم كسب الحجام ولا الاستئجار عليها وإنما قال: نحن نعطيه كما أعطاه

(1)

النبي صلى الله عليه وسلم، ونقول له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل عن أكله نهاه وقال:" اعلفه الناضح والرقيق "

(2)

. هذا معنى كلامه في جميع الروايات. انتهى.

(1)

في أوب: أعطى.

(2)

سبق تخريجه قريبا.

ص: 158

] فصل: في حكم استيفاء المستأجر نفعابمثله]

(فصل. ولمستأجر) عيناً (استيفاء نفع) وقع عليه عقد الإجارة منها

(بمثله) في الضرر؛ كبدونه، (ولو اشترطاً) أي: المتآجران أن المستأجر يستوفي المنفعة (بنفسه)؛ لبطلان الشرط؛ لمنافاته مقتضى العقد. إذ موجبه ملك المنفعة والتسليط على استيفائها بنفسه.

وقيل: يصح. فلا يملك معه

(1)

استيفائها بغيره.

وعلى المذهب: متى استأجر إنسان دابة لركوب ثم بدا له أن يركبها غيره

(فتعتبر مماثلة راكب) لمستأجر (في طول وقِصَر وغيره) أي: وغير ذلك؛ كخفة وثقل؛ لأن العقد اقتضى استيفاء منفعة مقدرة بذلك الراكب فله أن يستوفي ذلك بنفسه وبنائبه. لا بأطول

(2)

أو أثقل منه؛ لأنه لا يملك أكثر مما عقد عليه. وعلم مما تقدم أن له استيفاءها بمن هو دونه فيما تقدم؛ لأنه استيفاء لبعض مايستحقه.

وقيل: لا تعتبر المماثلة إلا في الخفه والثقل فقط.

وقيل: تعتبر المماثلة زيادة على ما في المتن في معرفة الركوب؛ لأن قلة المعرفة به تثقل على المركوب وتضر به.

قال الشاعر:

لم يركبوا الخيل إلا بعد ما كبروا فهم ثقال على أعجازها عنف والصحيح: أنه تعتبر المماثله (في معرفة ركوب)؛ لأن التفاوت في هذا بعد التساوي فيما تقدم يسير فعفي عنه.

(1)

في ج: معها.

(2)

في أ: بالطول.

ص: 159

ولهذا لا يشترط ذكره في الإجارة.

(ومثله) أي: ومثل ما لو اشترط

(1)

استيفاء المنفعة بنفسه (شرط زرع بُرٍّ فقط) أي: لا غيره في أرض استأجرها من كون الشرط باطلاً لمنافاته مقتضى العقد؛ لأنه يقتضي استيفاء المنفعة كيف شاء، والعقد صحيح؛ لأنه لا ضرر فيه. ولأن ما ضرره مثل البر لا يختلف في غرض المؤجر فلم يؤثر في العقد.

أشبه شرط استيفاء المبيع أوالثمن بنفسه ..

قالى أحمد: إذا استأجر دابة ليحمل عليها تمراً فحمل عليها حنطة، أرجو أن

لا يكون به بأس، إذا كان الوزن واحداً.

وقيل: بصحة العقد والشرط.

وقيل: بفسا د هما.

وعلم مما تقدم أن لمستأجر العين إعارتها لمن يقوم مقامه.

(ولا يضمنها مستعير بتلف) عنده من غير تفريط؛ لأنه قام مقامه في الاستيفاء. فكان حكمه حكم المستأجر في عدم الضمان؛ لأن يده كيد المستأجر. أشبه ما لو استأجرها من المستأجر.

قال في " التلخيص ": هو أمين في الصحيح؛ لقبضه من يد أمين. فلا يكون ضامناً. انتهى.

وقيل: يضمنها المستعير.

(وجاز استيفاء) لمستأجر ووكيله ومستعير ومستأجر منه من العين المؤجرة

ما وقع عليه عقد الإجارة من نفعها (بمثل ضرره) أي: ضرر المذكور في العقد من زرع أو غرس أو بناء. (لا أكثر) ضررا منه؛ لأنه لا يستحقه.

(أو مخالف)؛ كما لو اكترى دابة ليركبها بسرج ليس له أن يركبهما عرياً؛

لأن ظهرها يحمى بذلك فربما عقرها.

(1)

فى أ: اشترطا، وفي ب: ومثل ما اشترطا.

ص: 160

إذا تقرر ذلك (فـ) من اكترى أرضاً (لزرع بُرٍّ) أو نوع منه فله زرع ما عيّنه،

و (له زرع شعير، ونحوه)؛ كباقلاء، لأنه دونه في الضرر، لأن المعقود عليه منفعة الأرض دون البر ولهذا يستقر عليه العوض بمضي المدة إذا تسلم الأرض وإن لم يزرعها. وإنما ذكر البر؛ لتتقدر به المنفعة. فلم تتعين؛ كما لو استأجر دارا ليسكنها كان له أن يسكنها غيره.

(لا) زرع (دُخْن، ونحوه)؛ كقطن، لأن ذلك أكثر ضرراً من البر.

(ولا غرس أو بناء) يعني: إذا استأجر أرضاً ليزرعها ليس له أن يغرس فيها

ولا أن يبني؟ لأن ضررهما أكثر من المعقود عليه.

(و) إن استأجر أرضا (لأحدهما) أي: للغرس أو للبناء: (لا يملك الآخر)؛ لأن ضرر كل واحد منهما مخالف لضرر الاخر؛ لأن الغرس يضر بباطن الأرض، والبناء يضر بظاهرها.

(و) إن اكتراها (لغرس: له الزرع) فيها؛ لأن ضرره أقل وهو من جنسه؛

لأن كلا منهما يضر بباطن الأرض.

وإن اكتراها للبناء لم يكن له الزرع وإن كان أخف ضرراً " لأنه ليس من جنسه. وفيه وجه.

(ودار) يستأجرها إنسان (لسكنى) له أن يسكنها ويسكن فيها من يشاء ممن

يقوم مقامه في الضرر أو دونه، ويضع فيه ما جرت عادة الساكن به من الرحل والطعام، ويخزن فيها الثياب وغيرها مما لا يضر بها.

وا لا يعمل فيها حِدَادة ولا قِصَارة)؛ لأن ذلك يضر بها.

(ولا يُسكنها دابة)، لأنها تروث فيها وتفسدها.

(ولا يجعلها مخزناً لطعام)؛ لأن ذلك يفضي إلى تخريق الفأر أرضها وحيطانها، وذلك ضرر لا يرضى به صاحب الدار. وفيه وجه.

وكذا ليس له أن يجعل فيها ثقيلاً فوق سقف، لأنه يثقله ويكسر خشبه.

ولا أن يجعل فيها شيئا يضر بها، كالسرجين. إلا أن يشترط ذلك؛ لأن

ص: 161

ذلك كله فوق المعقود عليه. فلم يكن له فعله؛ كما لو اشترى شيئا لم يملك أخذ أكثر منه.

وله إسكان ضيف وزائر. ذكره الأصحاب.

(ودابة) يستأجرها إنسان (لركوب أو حمل لا يملك الآخر)؛ لأن ضرر

كل منهما مخالف لضرر الآخر.

أما كونه إذا استأجرها للركوب لا يملك الحمل؛ فلأن الراكب يعين الظهر بحركته.

واما كونه إذا استأجرها للحمل لا يملك الركوب؛ فلأن الراكب يقعد في موضع واحد فيشتد على الظهر، والمتاع يتفرق على جنبيه.

(و) إن اكتراها الحمل حديد أو قطن: لا يملك حمل الآخر) لاختلاف ضررهما؛ لأن القطن يتجافى وتهب فيه الريح فيتعب الظهر، والحديد يكون في موضع واحد فيثقل عليه.

إذا تقرر هذا (فإن فعل) المكتري ما ليس له فعله؛ كما لو اكترى دابة ليركبها عرياً فركبها بسرج، (أو) ليركبها إلى مكة في الطريق المعتادة فـ (سلك طريقا أشق)، أو استأجر أرضا لزرع فبنى فيها:(ف) عليه الأجر (المسمى) في العقد (مع تفاوتهما) أي: المنفعتين (في أجرة المثل) زيادة على المسمى.

فيقال فيمن اكترى أرضاً لزرع حنطة فزرعها قطناً كم تساوي أجرتها مع الحنطة؟ فيقال مثلا: عشرة، ومع القطن فيقال مثلاً: خمسة عشر. فيأخذ ربها مع المسمى خمسة. نص أحمد على هذا

(1)

في رواية عبدالله؛ لأنه لما عين الحنطة لم تتعين. فإذا زرع ما هو أكثر ضررا فقد استوفى المنفعة وزيادة عليها. فكان للمؤجر المسمى للمنفعة والتفاوت في أجر المثل للزيادة.

وأوجب أبو بكر والموفق أجر المثل خاصة.

(1)

في ج: ذلك.

ص: 162

(و) من اكترى دابة (لحمولة قدر) أي: شيء مقدر؛ كما لو اكتراها لحمل مائة رطل من قطن (فزاد) على ذلك بأن حمل عليها مائة وعشرة.

(أو) اكتراها ليركبها أو ليحمل عليها (إلى موضع) معين (فجاوزه)؛

كما لو عينا مكة فركبها، أو حمل عليها إلى جدة:(فـ) عليه الأجر (المسمى) في العقد؛ لاستيفاء

(1)

المعقود عليه متميزاً عن غيره، (و) عليه (لزائد) في الوزن أو المكان (أجرة مثله). نص عليه في المسألة الثانية؛ لأنه متعد في ذلك. أشبه الغاصب.

وذكر القاضى فيها قول أبي بكر.

وروي عن القاضي أيضاً أنه قال: إن حكم المسألة الثانية لا خلاف فيه بين أصحابنا.

(وإن تلفت) الدابة في الزيادة أو بعد ردها إلى المكان الذي عيناه، أو بعد وضع الحمل عنها:(ف) على المكتري (قيمتها كلها، ولو أنها) أي: الدابة (بيد صاحبها) بأن كان معها ولم يرض بحمل الزائد على ما وقع عليه العقد، ولا بمجاوزة المكان المعين في العقد إناطة للحكم بالتعدي. وسكوت صاحبها لا يدل على رضاه؛ كما لو أبيع ملكه وهو ساكت لم يمنعه، وكمن جلس إلى إنسان فخرق

(2)

ثوبه وهو ساكت فإن ذلك ليس بمانع عنه ضمان نقصه.

ولأن اليد للراكب وصاحب الحمل، وإذا نزل أو وضع حمله عنها فالتلف بسبب التعب الحاصل بتعديه.

وقال القاضي: إن كان المكتري نزل عنها وسلمها إلى صاحبها ليمسكها أو يسقيها فتلفت. فلا ضمان على المكتري.

وقال أبو الخطاب: إن كانت يد صاحبها عليها احتمل أن يلزم المكتري جميع قيمتها واحتمل أن يلزمه نصف قيمتها.

(1)

في أ: الاستيفاء.

(2)

في أوب: فحرق.

ص: 163

وعن القاضي في " الشرح الصغير ": لا ضمان عليه البتة.

واختار في " الرعاية ": أنه إن زاد في الحمل ضمن نصفها مطلقاً، وإن زاد

في المسافة ضمن الكل إن تلفت حال الزيادة وإلا هدر. وحكم ما إذا اكتراها لحمولة شيء فزاد عليه حكم ما إذا اكتراها ليركبها فأردف معه غيره. ووجه ضمان المجاوز لمكان عين للدابه بعد ردها إليه أن يده صارت ضامنة بمجاوزة المكان فلا يزول الضمان عنها إلا بإذن جديد ولم يوجد

(1)

.

(لا إن تلفت) الدابة في المسألتين (بيد صاحبها وليس للمستأجر عليها شيء بسبب مخير حاصل من الزيادة)؛ كما لو افترسها سبع أو سقطت منه في هوّة، أو جرحها إنسان فماتت فإنه لا ضمان على المكتري؟ لأنها لم تتلف في يد عارية، وإحالة الضمان على الجارج لها أو نحوه أولى من المكتري.

ومق اكترى زورقاً فزواه مع زورق له فغرقا

(2)

ضمن؛ لأنها مخاطرة؛ لاحتياجها إلى المساواة، ككفة الميزان؛ كما لو اكترى ثوراً لاستقاء] قيراط]

(3)

ماء، فجعله فداناً لاستقاءالماء ضمن.

(وإن اختلفا) أي: المكري والمكتري (في صفة الانتفاع) بأن قال مستأجر أرضاً لمؤجرها: اكتريتها منك للغرس، وفال المؤجر: بل للزرع ولا بينة: (فقول مؤجر) بيمينه؛ كما لو أنكر الإجارة؛ لأن الأصل معه.

(1)

في أ: يؤجل.

(2)

في أوب: فغرقتا.

(3)

زيادة لاستقامة المعنى.

ص: 164

(فصل):] فيما يلزم المؤجر والمستأجر]

(وعلى مؤجر كل ما جرت به عادة أو عرف) أنه عليه: (من آلة؛ كزمام مركوب) ليتمكن من التصرف فيه به.

قال في " المغني ": والبرة التي في أنف البعير إن كانت العادة جارية بينهم بها. (ورحله وحزامه) وكذلك القتب للبعير. وإن كان المركوب فرساً فيكون مكان الزمام والرحل: اللجام والسرج، وإن كان بغلا أو حماراً فيكون مكان ذلك البردعة والإكاف، لأن هذا هو العرف فيحمل الإطلاق عليه.

(أو فعل) معطوف على قوله: من آلة. والفعل (كقود، وسوق) لدابة، (وشد، ورفع، وحط) لمحمول، لأن هذا هو العرف، وبه يتمكن المكتري من الانتفاع.

(ولزوم دابة لنزول لحاجة وواجب)؛ كصلاة مفروضة. وقال غير واحد:

وسنة راتبة.

قال في " المبدع ": وفرض الكفاية كالعين.

والمراد بالحاجة: حاجة الإنسان، ومثلها في الحكم الطهارة

(1)

. ويدع البعير واقفاً حتى يقضي ذلك؛ لأنه لا يمكنه فعل شيء من ذلك على ظهر الدابة ولا بد له منه. بخلاف أكل وشرب ونحوهما مما يمكنه فعله راكباً.

(و) على مؤجر أيضا (تبريك بعير لشيخ وامرأة ومريض) عند ركوب ونزول؟ لأنهم لا يتمكنون من الانتفاع إلا بذلك.

وفيمن مرض وجه: أنه لا يلزمه التبريك له؛ لأنه لم يدخل في العقد عليه.

(1)

في أ: الظاهرة.

ص: 165

ويلحق بالشيخ والمرأة كل من ضعف عن الركوب والنزول

(1)

والبعير قائم " كالسمين ونحوه.

قال في " المغني ": وإن أراد المكتري إتمام الصلاة وطالبه الجمال بقصرها

لم يلزمه ذلك، بل تكون خفيفة في تمام.

ومن أكرى بعيراً لإنسان يركبه لنفسه وسلمه إليه لم

(2)

يلزمه سوى ذلك " لأنه وفى له بما عقدعليه. فلم يلزمه شيء سواه. انتهى.

يعني: أن لزوم ما تقدم للمؤجر إذا وقع العقد على أن يسافر مع المكتري،

وإن وقع العقد على أن يتسلم المكتري الدابه يركبها لنفسه فكل ما تقدم عليه، لأن الذي على المكري إنما هو تسليم الدابة وقد سلمها. والله أعلم.

(و) على مؤجر أيضاً كل (ما يتمكن به) مستأجر (من نفع؛ كترميم دار) مؤجرة (بإصلاح منكسر، وإقامة مائل) من سقف وحائط وبلاط، (وعمل باب، وتطيين سطح، وتنظيفه من ثلج، ونحوه) أي: ونحو ذلك، كإصلاح بركة في الدار، أو أحواض بالحمام، وإصلاح مجاري المياه، وسلاليم الأسطحة " لأن بذلك وأشباهه يتمكن المستأجر من الانتفاع المستحق له على المؤجر.

(ولا يجبر) مؤجر (على تجديد)، كما لو قال له المستأجر: جدد لي بيتاً زائداً على ما في الدار من البيوت حال التاجر فإنه لا يجبر على ذلك " لأنه لم يتناوله العقد.

(ولو) وقعت الإجارة على دار أو حمام أو غيرهما معطلة لاحتياجها إلى ترميم أو إصلاح أو غير معطلة، و (شرط عليه) أي: على المستأجر (مدة تعطيلها) أي: أن يقوم بأجرتها مدة تعطيلها إن تعطلت، (أو أن يأخذ) أي: ينتفع بالعين المؤجرة (بقدرها) أي: قدر مدة التعطيل (بعد) أي: بعد مدة

(1)

زيادة من ج.

(2)

في أ: فلم.

ص: 166

الإجارة التي وقع العقد عليها، (أو) شرط عليه (العمارة أو جعلها) أي: العمارة في المحل المؤجر (أجرة) له: (لم يصح) شيء من ذلك.

أما كونه لا يصح أن يشرط على المكتري مدة تعطيل المؤجر؛ فلأنه لا يجوز

أن يؤجر مدة لا يمكنه الانتفاع في بعضها.

وأما كونه لا يصح أن يشترط أنه يستوفي بقدرها بعد انقضاء مدته؛ فلأنه يؤدي إلى أن يكون انتهاء مدة الإجارة مجهولا.

وأما كونه لا يصح جعل العمارة أجرة؛ فلأنها لا تنضبط. فيؤدي ذلك إلى جهاله الأجرة.

(لكن: لو عمَّر) المكتري (بهذا الشرط) أي: بمقتضى الشرط الذي تقرر

أنه فاسد، (أو بإذنه) أي: المكري فيما. أذن له في العمارة فيه: (رجع) على مكر؛ لأنه أنفق على عين بإذن مالكها. أشبه ما لو أذن له في الإنفاق على عبده أوبهيمته.

وإن قال: أنفقت في العمارة دينارين، وقال المكري: بل واحدا ولا بينة لمكتر رجع (بما قال مكر) بيمينه؛ لأنه منكر.

(وعلى مكتر) دابة ليسافر

(1)

عليها في محمل أو نحوه (محمل).

قال في " القاموس ": والمحمل كمجلس شقتان على البعير يحمل فيهما

العديلان.

(ومظلة) قال في " القاموس ": والمظلة بالكسر والفتح: الكبير من الأخبية.

(ووطاء فوق الرحل، وحمل قران بين المحملين، ودليل) إن جهل المتآجران طريق البلدة المكترى إليها؛ لأن ذلك كله من مصلحة المكتري وهو خارج عن الدابة وآلتها. فلم يلزم المكري؛ كالزاد.

(1)

في أ: يسافر.

ص: 167

وقيل: إن كان اكترى منه بهيمة بعينها فأجرة الدليل على المكتري، وإن كانت الإجارة على حمله إلى مكان معين في الذمة فهي على المكري. وجزم به في " عيون المسائل ".

(و) على مكتر مكانا يستقي منه (بكرة، وحبل، ودلو) لمكتر أرضا لزرع. فإن آلة الحرث ونحوها عليه.

(و) على مكتر داراً وحماماً، ونحوهما (تفريغ بالوعة وكنيف ودار، من قمامة وزبل، ونحوه)، كرماد (إن حصل بفعله) أي: بفعل المكتري " كما لو طرح فيه جيفا أو ترابا أو غيرهما.

(وعلى مُكر: تسليمها) أي: العين المؤجرة مع ما بها من كنيف وبالوعة (فارغة)؛ لأن البالوعة ونحوها إذا كانت ملأى لا يتمكن من الانتفاع بها. (وتسليم مفتاح)، لأنه به يتوصل إلى الانتفاع ويتمكن منه.

(وهو) أي: المفتاح (أمانة بيد مستأجر)، كالعين المؤجرة.

وأما التحسين والتزويق

(1)

فلا يلزم واحد منهما، لأن الانتفاع ممكن بدونه.

والله أعلم.

(1)

في أ: والزويق.

ص: 168

] فصل: الإجارة عقد لازم]

(فصل. والإجارة عقد لازم) من الطرفين. ليس لواحد منهما فسخها بلا موجب؛ لأنها عقد معاوضة. فكان لازماً؛ كالبيع.

(فإن. لم يسكن مستأجر) في العين المؤجرة لعذر يختص به أو لا لعذر،

(أو تحول) منها (في أثناء المدة: فعليه الأجرة)؛ لأن الإجارة عقد يقتضي تمليك المؤجر الأجر والمستأجر المنافع. فإذا ترك المستأجر الانتفاع اختياراً منه لم تنفسخ الإجاره، والأجر لازم له، ولم يزل ملكه عن المنافع؛ كما لو اشترى شيئا وقبضه ثم تركه.

قال الأثرم: قلت لأبي عبدالله: رجل اكترى بعيراً فلما قدم المدينة قال له: فاسخني؟ قال: ليس ذلك له، قد لزمه الكراء. قلت: فإن مرض المستكري بالمدينة؟ فلم يجعل له فسخاً.

(وإن حوله مالك) أي: حول مالك العين المستأجرة مستأجرها منها قبل انقضاء مدة الإجارة من غير اختيار المستأجر، (أو امتنع) مؤجر دابة (من تسليم الدابة) المؤجرة (في أثناء المدة أو) في (المسافة) المؤجرة للركوب أو الحمل إليها، (أو) امتنع (الأجير) نفسه لعمل (من تكميل العمل: فلا أجرة) على مستأجر لما سكن قبل أن يحول المؤجر .. نص على ذلك. ولا لما ركب أو حمل على الدابة قبل أن يمنعها المؤجر، ولا لما عمل له الأجير قبل امتناعه من تكميل العمل؛ لأن كلا منهم لم يسلم إلى المستأجر ما وقع عليه عقد الإجارة. فلم يستحق شيئا؛ كمن استأجر إنساناً ليحمل له كتابا إلى بلد معين فحمله بعض الطريق فقط، أو ليحفر له عشرين ذراعا فحفر له عشرة وامتنع من حفر الباقي. وقيل: يلزم المستأجر من الأجرة بقسط ما حصل له من النفع.

واختاره في " الفائق " فيما إذا حوله المالك؛ لأنه استوفى ملك غيره على

ص: 169

سبيل المعاوضة. فلزمه عوضه؛ كالمبيع إذا استوفى بعضه ومنعه المالك من بقيته، وكما لوتعذر استيفاء بقية النفع لأمر غالب.

ورده في " المغني ": بأن قياس الإجارة على الإجاره أولى من قياسها

على البيع.

وبأنه يفارق ما إذا تعذر استيفاء بقية النفع لأمر غالب؛ لأن للمكري فيه عذراً.

(وإن شردت) دابة (مؤجرة أو تعذر باقي استيفاء النفع بغير فعل أحدهما) أي: المؤجر والمستأجر: (فالأجرة بقدر ما استوفى) من النفع قبل حصول ما ذكر.

(وإن هرب أجير أو) هرب (مؤجر عين بها، أو شردت) الدابة المستأجرة (قبل استيفاء بعض النفع، حتى انقضت) مدة الإجارة: (انفسخت)؛ لفوات زمنها المعقود عليه.

وإن عادت العين المؤجرة قبل انقضاء جميع المدة: استوفى ما بقي منها؟

لأنها إنما تنفسخ شيئاً فشيئاً، ولا اجرة له زمن الهرب.

وقيل: ولا قبله.

(فلو كانت) الإجارة (على عمل) موصوف في الذمه؛ كخياطة ثوب،

وبناء حائط

(1)

، وحمل إلى موضع معين، وهرب الأجير:(استؤجر من ماله من يعمله)؛ كما لو هرب مسلم إليه في قمح أو نحوه وليس له قمح فإنه يشترى من ماله بصفة المسلم فيه ويدفع لرب السلم.

(فإن تعذر) الاستئجار من مال الأجير: (خير) مستأجر (بين فسخ) للإجارة، (و) بين (صبر) إلى أن يقدر عليه فيطالبه بالعمل؛ لأن ما في ذمته لا يفوت بهربه.

وقيل: يبطل العقد بمجرد هربه.

(1)

في أوب: بيت.

ص: 170

(وإن هرب) جمّال (أو مات جمال أو نحوه)؛ كبغال وحمار، (وترك بهائمه) التي أكراها، (و) كان (له) أي: للهارب (مال) مقدور عليه: (أنفق عليها) أي: على بهائمه (منه) أي: من المال (حاكم)؛ لأن نفقة الحيوان واجبة على مالكه وهو غائب والحاكم نائبه.

(وإلا) أي: وإن لم يُقدر للهارب على مال ينفق على بهائمه منه (فأنفق

عليها مكتر بإذن حاكم، أو) بدون إذنه مع (نية رجوع: رجع) على مالكها بما أنفق. وظاهره سواء قدر على استئذان الحاكم أو لا، وسواء أشهد على نية رجوعه، باًن قال: اشهدوا علي أن ما أنفقته على هذه البهائم بنية الرجوع أو لا. وهو المذهب؛ لأن ترك المالك بهائمه مع المكتري مع العلم بأنها لا بد لها من

نفقة، كالإذن في الإنفاق.

وقيل: إن قدر على استئذان الحاكم وأنفق بدونه لم يرجع.

وقيل: إن عجز عن استئذان الحاكم ونوى الرجوع ولم يشهد على نيته لم

يرجع ولو لم يجد من يشهده

(1)

.

(فإذا انقضت الإجارة: باعها) أي: البهائم (حاكم ووفَّاه) أي: وفى الحاكم المكتري ما أنفقه على البهائم؛ لأن في ذلك تخليصا لذمة الغائب وإيفاء لصاحب النفقة.

(وحفظ باقي ثمنها لمالكها)، لأن الحاكم عليه حفظ مال الغائب.

(وتنفسخ الإجارة بتلف) محل (معقود عليه)، كما لو استأجر عبداً فمات، أو دارا فانهدمت قبل مضي شيء من المدة. سواء قبضها المستأجر أو لم يقبضها؛ لأن المنفعة زالت بتلف المعقود عليه، وقبضها إنما يكون باستيفائها أو التمكن منه، ولم يحصل من ذلك. فانفسخ العقد، كما لو تلف مما بيع بكيل أو

(1)

في أ: يشهدله.

ص: 171

نحوه

(1)

قبل قبضه.

وقيل: لا فسخ بهدم دار فيخير.

(و) إن كان التلف (في المدة وقد مضى) منها (ما له) أي: زمن لمثله (أجر) فإنما تنفسخ الإجارة (فيما بقي) من المدة؛ كما لو اشترى صُبرتين في عقد بكيل وقبض إحداهما وتلفت الأخرى قبل قبضها بما لا صنع لآدمي فيه. وقيل: تنفسخ فيما مضى أيضاً.

ثم إن كان أجر المدة متساوياً وقد استوفى نصفها فعليه نصف الأجرة، وإن اختلفت بأن يكون في زمن أكثر منه في آخر كموسم أو تفرج أو نحوهما. فإن الأجر المسمى يقسط على ذلك.

فإن قيل: أجرها في الصيف يساوي مائة وفي الشتاء يساوي خمسين وقد سكن الصيف فعليه ثلثا المسمى.

نقل الأثرم فيمن اكترى بعيراً بعينه فمات أو تهدمت الدار فهو عذر: يعطيه بحساب ما ركب.

وفيه وجه: نصفه.

(و) تنفسخ الإجارة أيضاً بـ (انقلاع ضرس اكتري لقلعه، أو) اكتري (مدة معلومة لبرئه)؛ لتعذر استيفاء المعقود عليه؛ كالموت. فإن لم يبرأ وامتنع

المستأجر من قلعه لم يجبر.

(ونحوه) أي: تنفسخ بنحو ذلك؛ كما لو اكترى إنساناً لاستيفاء قصاص

من شخص فمات الذي وجب عليه القصاص، أو ليداويه فبرئ أو مات.

وظاهر ما تقدم أنه لا فرق بين أن يكون التلف بلا فعل آدمي؛ كما لو مات

العبد المؤجر حتف أنفه، أو بفعله؛ كما لو قتله إنسان.

وأنه لا فرق بين كون القاتل غير المستأجر أو المستأجر. فإذا قتله المستأجر

(1)

في ج: ونحوه.

ص: 172

ثبت فيه ما تقدم، وضمن ما تلف.

ومثل ذلك: قطع المرأة ذكر زوجها فإنها تضمنه، وتملك الفسخ.

(و) تنفسخ الإجارة أيضاً بـ (موت مرتضع) اكتري لرضاعه. وفيه التفصيل المتقدم فيما إذا مات قبل المدة أو. بعد مضي زمن منها له أجره.

ووجه فسخها بموته: تعذر استيفاء المعقود عليه؛ لكون غيره لا يقوم مقامه؛ لاختلاف المرتضعين في الرضاع، وقد يدر اللبن على واحد دون آخر. وكذا إن ماتت المرضعة؛ لفوات المنفعة بهلاك محلها.

وحكي عن أبي بكر: أنها لا تنفسخ، ويجب في مالها أجر من يرضعه تمام الوقت؛ لأنه كالدين.

و (لا) تنفسخ الإجارة بموت (راكب اكتري له).

قال الزركشي: هذا المنصوص وعليه الأصحاب. إلا أبا محمد- يعني: الموفق-.

قال في " الإنصاف ": والصحيح من

(1)

المذهب: أن الإجارة لا تنفسخ بموت الراكب مطلقا. قدمه في " الفروع ".

وقال في " التنقيح ": ولا تنفسخ إجارة بموت راكب مطلقاً نصاً.

ومعنى قوله في " التنقيح " مطلقاً أي: سواء كان له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة أو لا، وسواء كان هو المكتري؛ كما لو اكترى دابة لركوب نفسه فمات، أو غيره؛ كمن اكترى دابة لركوب عبده فمات العبد.

ووجه عدم انفساخها بموت الراكب: أن المعقود عليه إنما هو منفعة الدابة دون الراكب؛ لما تقدم من أن مستأجر الدابة للركوب له أن يركب من يماثله. وإنما ذكر الراكب لتتقدر به المنفعة؛ كما لو استأجر دابة ليحمل عليها هذا القنطار القطن فتلف فإن له أن يحمل عليها قنطارا من أي قطن كان ولا تنفسخ الإجارة.

(1)

في أ: في.

ص: 173

ونقل حنبل: في رجل اكترى بعيرا فمات المكتري في بعض الطريق: فإن

رجع البعير خاليا فعليه بقدر ما وجب له، وإن كان عليه ثقله ووطاؤه فله الكري

إلى الموضع.

قال في " المغني ": وظاهر هذا أنه حكم بفسخ العقد فيما بقي من المدة إذا

مات المستأجر ولم ييق له به انتفاع؛ لأنه تعذر استيفاء المنفعة بأمر من الله تعالى. فأشبه ما لو اكترى من يقلع له ضرسه فبرئ أو انقطع قبل قلعه، أو اكترى كحالا ليكحل له

(1)

عينه فبرأت أو ذهبت.

ويجب أن يقدر أنه لم يكن ثم من ورثته من يقوم مقامه في الانتفاع؛ لأن

الوارث يقوم مقام الموروث.

وتأولها القاضي على أن المكري قبض البعير ومنع الورثة الانتفاع، ولولا

ذلك لما انفسخ العقد؛ لأنه لا ينفسخ بعذر من المستأجر مع سلامة المعقود عليه؛ كما لو حبس مستأجر الدار ومنع من سكناها.

قال صاحب " المغني ": ولا يصح هذا- أي: ما تأوله القاضي-؛ لأنه لو

منع الوارث الانتفاع لما استحق شيئا من الأجر. ويفارق هذا ما لو حبس المستأجر؛ لأن المعقود عليه فات انتفاعه وهذا لا يؤيس

(2)

منه بالحبس. فإنه

في كل وقت يمكن خروجه من الحبس وانتفاعه، ويمكن أن يستنيب من يستوفي المنفعة له إما بأجرة أو بغيره. بخلاف الميت فإنه قد فات انتفاعه بنفسه ونائبه. فأشبه ما ذكرنا من

(3)

الصور. انتهى.

وقال المجد في " شرح الهداية " بعد أن ذكر ما نقله حنبل: وهذا كلام ظاهر

لا يحتاج إلى صرفه عن ظاهره. ومعناه عندي: أنه إذا لم يبق للمكتري عليه

شيء بالكلية فقد زالت يده عنه وتعذر انتفاعه به وليس له وارث بالطريق يقوم

(1)

زيادة ج.

(2)

في ب: ييأس.

(3)

في أوب: في.

ص: 174

مقامه. فلزمه من الأجرة بقدر ما ركب. فأما إن كان له عليه ثقل وأوطئة فاستدامها الجمال حتى أعادها إلى موضعه فيد المستأجر لم تزل عنه حكما وانتفاعه به وإن كان قاصرًا، والمؤجر لم يكن منه تعد وقد أتى بغاية ما يقدر عليه من التسليم. فوجب له جميع الأجرة. قال: وقد تأول القاضي وابن عقيل هذا الكلام بشيء غير مرضي تركت ذكره لذلك. انتهى.

يشير بذلك إلى ما نقله

(1)

في " المغني " عن القاضي.

ونقل حرب فيمن استأجر دابة إلى مكان فمات في الطريق، قال: عليه من الكراء مقدار ذلك.

قال المجد: وظاهر إطلاقه يخالف

(2)

رواية حنبل.

(ولا) تنفسخ أيضاً بموت (مكر أو مكتر)؛ لأنها عقد لازم ملك به المستأجر المنافع وملكت عليه أجرة في وقته كاملة. فلم تنفسخ بالموت؛ كالبيع، وكما لو زوج إنسان أمته بعبد غيره الصغير ثم مات السيدان.

وعنه: تنفسخ بموت مكتر لا قائم مقامه.

(او عذر لأحدهما) يعني: أن الإجارة

(3)

لا تنفسخ بعذر للمكري ولا للمكتري، (بأن يكتري) من يريد الحج جملاً ليحج عليه، ويكري داره التى هو ساكن بها لإنسان (فتضيع نفقته) فلا يمكنه الحج. فلا يمكنه فسخ استئجاره للجمل، ولا فسخ إجارته للدار.

أو يكتري دكاناً ليبيع فيها متاعاً فيسرق (أو يحترق متاعه)؛ لأن الإجارة عقد لا يجوز فسخه لغير عذر. فلم يجز لعذر من غير المعقود عليه؛ كالبيع. ويفارق الإباق فإنه عذر في المعقود عليه.

(وإن اكترى أرضاً) لها ماء ليزرعها، (أو داراً) ليسكنها، (فانقطع

(1)

في أوب: ذكره.

(2)

في ج: أنه يخالف.

(3)

ساقط من أوب.

ص: 175

ماؤها) أي: الأرض، (أو انهدمت) أي: الدار في أثناء مدة الإجارة:

(انفسخت فيما بقي) من المدة، لتعطل نفعهما المقصود منهما.

وقيل: لا تنفسخ فيهما، ويثبت للمستأجر خيار الفسخ.

(ويخير مكتر فيما) أي: في مؤجر (انهدم بعضه) بين الفسخ والإمساك.

وكذا حدوث كل ما تنقص به منفعة المؤجَّر؛ كانقطاع ماء بئر استؤجرت ليستقي منها، وجنون الأجير، وعرج الدابة بحيث تتأخر به عن القافلة ونحو ذلك؛ لأن المنافع لا يحصل قبضها إلا شيئاً فشيئاً. فإذا حدث العيب فقد وجد قبل قبض الباقي من المعقود عليه. فأثبت الفسخ فيما بقي منها.

(فإن أمسك فبالقسط من الأجرة)، لأنه رضي به ناقصا. فأشبه ما لو رضي بالمبيع معيباً. ذكره ابن عقيل.

قال في "الفروع ": إن لم يزل بلا ضرر يلحقه، وقياس المذهب: أو الأرش.

وقال شيخنا: وإلا ورود ضعفه على أصل أحمد بين. انتهى.

وقال في " المحرر ": وقياس المذهب أن له أن يمسك بالأرش.

قال في " المغني ": ويتخرج أن له أرش العيب قياساً على المبيع المعيب.

قال ابن نصرالله: ولا يكاد يوجد فرق بين البييع والإجارة في وجوب الأرش. فقد تعبنا في ذلك. فلم نجد بينهما فرقاً. انتهى.

وإن لم يعلم بالعيب حتى انقضت مدة الإجارة فعليه الأجر كله؛ لأنه استوفى المعقود عليه. فأشبه ما لو علم العيب بعد العقد فرضيه.

قال في " المغني ": ويتخرج أن له أرش العيب لو اشترى معيباً فلم يعلم عيبه حتى أكله أو تلف في يده. انتهى.

(ومن استأجر أرضاً بلا ماء) ليزرعها المستأجر وهما يعلمان أن ليس لها ماء، (أو أطلق) الإجارة بأن قال: أجرتك هذه الأرض مدة كذا بكذا ولم يقيد النفع. فقال المستأجر: قبلت (مع علمه بحالها: صح) فيهما.

أما في الأولى. فإنه يتمكن من زرعها رجاء الماء، ومن النزول، ووضع

ص: 176

رحله، وجمع الحطب فيها، وله زرعها بعد حصول الماء؛ لأن ذلك من منافعها الممكن استيفاؤها

(1)

. وليس له أن يبني فيها ولا يغرس؟ لأن ذلك يراد للتأبيد، وتقدير الإجارة بمدة يقتضي تفريغها عند انقضائها.

فإن قيل: فلو استأجرها للغراس أو البناء صح مع تقدير المدة.

فالجواب: أن التصريح بالبناء أو الغراس صرف التقدير عن مقتضاه بظاهره

في التفريغ عند انقضاء المدة. فيصرف الغراس والبناء عما يراد له بظاهره. بخلاف مسألتنا.

وأما وجه الصحة في الثانية. فلأنهما دخلا في العقد على أنها لا ماء لها.

فأشبه

(2)

ما لو شرطاه. وله الانتفاع بها كما في الأولى.

(لا إن ظن) المستأجر (إمكان تحصيله) أو لم يعلم أنها لا ماء لها: فإن العقد لا يصح فيهما؛ لأنه ربما دخل في العقد، بناء على أن المؤجر يحصل له ماء، وأنه يكتريها للزراعة مع تعذرها.

وقيل: لا يصح العقد إذا أطلق ولو علم المستأجر أن لا ماء لها؛ لأن إطلاق كراء الأرض يقتضي الزراعة.

ورد: بأن العلم بالحال يقوم مقام الاشتراط؛ كالعلم بالعيب يقوم مقام شرطه.

ومتى كان لها ماء غير دائم أو الظاهر انقطاعه قبل الزرع أو لا يكفي الزرع

فهي كالتي لاماء لها. قاله في " المغني ".

(وإن علم) المستأجر (أو ظن وجوده) أي: وجود الماء (بأمطار)؛ كالأراضي المرتفعة عن أن تنالها الأنهار، (أو زيادة)، كالأراضي التي تشرب من زيادة النيل والفرات وأشباهها:(صح) العقد عليها مع عدم مائها حينئذ؛ لأن حصوله معتاد والظاهر وجوده.

ولأن ظن القدرة على التسليم في وقته كاف في صحة العقد؛ كالسلم في

(1)

في أ: استيفاء إلا أن يشترط قلع ذلك عند انقضاء المدة.

(2)

في أ: في شبه.

ص: 177

الفاكهة إلى أوانها.

وأما الأرض التي لا ماء لها لكن ما زرع أو غرس فيها يكفيه أن يشرب بعروقه لنداوة الأرض وقربها من الماء. فكالتي لها ماء دائم لم تجر العادة بانقطاعه، أو لا ينقطع إلا مدة لا تؤثر في الزرع.

وأما الأرض التي يكون مجيء الماء إليها نادراً، أو غير ظاهر كالتي لا يكفيها إلا المطر الكثير الذي يندر وجوده، أو يكون شربه من فيض دار مجيئه نادرا، أو من زيادة نادرة في نهر أو عين عاليه. فهذه إن أجّرت بعد وجود ما يسقيها به صح؛ كذات الماء الدائم.

وإن أجرت قبله لزرع أو غرس توقعا لحصول الماء لم يصح؟ لتعذر النفع المعقود عليه ظاهراً. أشبهت إجارة الآبق.

(ولو زرع) المستأجر في الأرض المستأجرة (فغرق) الزرع (أو تلف) بآفة سماوية أو غيرها، (أو لم ينبت: فلا) ضمان على المؤجر ولا (خيار) للمستأجر، (وعليه الأجرة) نصا؛ لأن التالف غير المعقود عليه وسببه غير مضمون على المؤجر.

(وإن تعذر زرع) في العين المؤجرة (لغرق) حصل فيها، (أو) من أجل

أنه (قلَّ الماء قبل زرعها)، بحيث لا يتمكن مع قلته من الزرع، (أو بعده) بحيث لا يكفي الزرع، (أو عابت) الأرض (بغرق يعيب به الزرع) أو يهلك بعضه:(فله) أي: المستأجر (الخيار)؛ لحصول ما تنقص به منفعة العين المؤجرة. ثم إن اختار الفسخ وقد زرع بقي الزرع في الأرض إلى الحصاد، وعليه من المسمى بحصته إلى حين الفسخ وأجر المثل لما بقي من المدة لأرض متصفة بالعيب. الذي ملك الفسخ من أجله.

والأرض الغارقة بالماء التي لا يمكن زرعها قبل انحساره، وهو تارة ينحسر وتارة لا ينحسر: لا يصح عقد الإجارة عليها إذاً؛ لأن الانتفاع بها في الحال متعذر لوجود المانع، وفي المآل غير ظاهر؛ لأنه لا يزول غالباً.

قال الشيخ تقي الدين: وما لم يرو من الأرض فلا أجرة له اتفاقاً، وإن قال

ص: 178

في الإجارة مقيلا ومراحا أو أطلق؛ لأنه لا يرد عليه عقد؛ كالبرية. انتهى. (وإن استأجرها) اي: استأجر إنسان أرضا (سنة فزرعها) زرعا جرت العاده بأن ينبت في تلك السنة، (فلم ينبت إلا في السنة الثانية: فعليه) اي: على المستأجر (الأجرة) للأرض (مدة احتباسها)؟ كما لو أعاره إياها ثم رجع عقيب زرعها.

(وليس لربها) أي: الأرض (قلعه) أي: الزرع (قبل إدراكه) أي: أوان حصاده؟ لأن المستأجر لم يحصل منه تفريط بتأخيره في الأرض. أشبه زرع المستعير. (وإن غُصبت) عين (مؤجرة معينة) في العقد (لعمل)؛ كما لو قال:

استأجرت منك هذه الناقة لأركبها إلى محل كذا، أو هذه الأمة لتخيط لي هذا الثوب بكذا. فغصبت الناقة أو الأمة المستأجرة:(خير) مستأجر (بين فسخ) للإجارة؟ كما لو تعذر تسليم المبيع، (و) بين (صبر إلى أن يقدر عليها)؛ لأن الحق في ذلك له. فإذا أخره جاز.

(و) إن كانت الإجارة (لمدة)؛ كما لو استأجر الناقة ليركبها، أو الأمة لتخدمه سنة كذا فغصبت زمن الإجارة:(خير) مستأجر (بين فسخ) للعقد، (و) بين (إمضاء) أي: إبقاء العقد بعدم الفسخ، (ومطالبة غاصب بأجرة مثل). ولا ينفسخ العقد بمجرد الغصب؛ لأن المعقود عليه لم يفت مطلقا بل إلى بدل وهو القيمة. فأشبه ما لو أتلف الثمرة المبيعة آدمي.

ويكون خياره (متراخيا ولو بعد فراغها.

فإن فسخ) قبل فراغ مدة الإجارة: (فعليه أجرة ما مضى) من المده فقط من المسمى، (وإن رُدّت) العين المغصوبه (في أثنائها) أي: المدة (قبل فسخ: استوفى ما بقي) من مدته، (وخير فيما) أي: في زمن (مضى) والعين بيد الغاصب. وإن لم يفسخ

(1)

حتى انقضت مدة الإجارة فله الخيار بين الفسخ والرجوع بالمسمى، وبين البقاء على العقد ومطالبة الغاصب بأجرة المثل؛

(1)

في أ: ينفسخ.

ص: 179

لماتقدم.

قال في " المغني ": ويتخرج انفساخ العقد بكل حال على الرواية التي تقول: إن منافع الغصب لا تضمن.

(وله) اي: للمستأجر (بدل موصوفة بذمة) يعني: إذا وقع عقد الإجارة

على دابة أو نحوها موصوفة بذمة المؤجر ثم اسلم إلى المستأجر عينا بالصفة فغصبت فعلى المؤجر بدلها، لأن العقد على ما في الذمة، كما لو وجد بالمسلم عيبا.

(فإن تعذر) البدل: (فله) اي: للمستأجر (الفسخ)، وكذا الصبر إلى

أن يقدر على العين المغصوبة فيستوفي منها. وتنفسخ بمضي

(1)

المدة إن كانت إلى مدة.

(وإن كان الغاصب) للعين (المؤجر) لها (فلا أجرة له مطلقا) نص عليه أي: سواء كانت الإجارة على عمل أو إلى مدة، وسواء كانت على عين معينة أو موصوفة، وسواء كان غصبه لها قبل المدة أو في أثنائها. وعلم ذلك من قول المتن المتقدم: وإن حوله مالك أو امتنع من تسليم الدابة في أثناء المدة أو المسافة فلا أجرة.

وقيل: إن غصبه كغصب غيره.

(وحدوث خوف عام) يمنع من سكنى المكان الذي به العين المستأجرة،

أو من الخروج إلى الأرض المستأجرة للزرع يتبت به للمستأجر خيار الفسخ، (كغصب). فلو استأجر دابة ليركبها أو يحمل عليها

(2)

إلى مكان معين فانقطعت الطريق إليه لخوف حادث، أو اكترى إلى مكة فلم يحج الناس ذلك العام من تلك الطريق. فلكل من المتآجرين فسخ الإجاره.

وإن أحبا إبقائها إلى حين إمكان استيفاء المنفعة جاز، لأن الحق لا يعدوهما.

(1)

في أ: بمقضي.

(2)

في أوب: إليها.

ص: 180

وإن كان الخوف خاصا بالمستأجر مثل: أن يخاف السفر وحده لقرب أعدائه

من المحل الذي يريد سلوكه لم يملك الفسخ؛ لأنه عذر يختص به لا يمنع استيفاء المنفعة بالكلية. فأشبه مرضه أوحبسه.

(ومن استُؤجر لعمل في الذمة، ولم تشترط مباشرته) له عند العقد، (فمرض: أقيم عوضه) من يعمل العمل ليخرج من الحق الواجب في ذمته؛ كالمسلم فيه. (والأجرة عليه) أي: على المريض؛ لأنها في مقابلة ما وجب عليه. ولا يلزم المستأجر إنظاره؛ لأن العقد بإطلاقه يقتضي التعجيل.

(وإن اختلف فيه) أي: في العمل (القصد؛ كنسخ) فإنه يختلف باختلاف الخطوط، (ونحوه)؛ كتجارة فإنها تختلف باختلاف الحذق.

(أو وقعت) الإجارة (على عينه، أو شرطت مباشرته) العمل: (فلا) يلزم المستأجر قبول عمل غيره؛ لأن الغرض لا يحصل به. فأشبه ما لو أسلم إليه في نوع فسلم إليه

(1)

غيره.

(ولمستأجر الفسخ)؛ لتعذر تعجيل حقه الواجب تعجيله والصبر الى أن يعافى؛ لأن الحق له.

(وإن ظهر) لمستأجر أنه كان بالعين التي استأجرها عيب حال العقد واستمر؟ كما لو وجد الدابة جموحا أو عضوضاً أو نفوراً، (أو حدب بمؤجرة عيب)؛ كما لو حدث بها مرض يمنع الانتفاع بها، أو كماله من عمي أو عراج بحيث تنقطع به عن القافلة.

(وهو) أي: العيب: (ما يظهر به تفاوت الأجرة) وذلك بأن تكون الأجرة

معه دون ما إذا لم يكن: (فلمستأجر الفسخ) أي: فسخ الإجارة.

أما كونه يملكه مع قدم العيب؛ فلأنه عيب في المعقود عليه. فاثبت الخيار؛ كالعيب في بيوع الأعيان.

وأما كونه يملكه بحدوث العيب؛ فلأن المنافع لا يحصل قبضها إلا شيئاً

(1)

في ب: إلى.

ص: 181

فشيئا. فإذا حدث العيب فقد وجد قبل قبض الباقي من المعقود عليه. فأثبت الفسخ فيما بقى منها. ومتى فسخ فالحكم فيه؛ كما لو انفسخ العقد بتلف العين.

ومحل ملك الفسخ: (إن لم يزل) العيب (بلا ضرر يلحقه) أي: يلحق المستأجر.

قال القاضي: إذا انسدت البالوعة فأراد المستأجر الرد فقال المؤجر: أنا أفتحها وكان زمنا يسيرا لا تتلف فيه منفعة تضر بالمستأجر لم يكن له الخيار. ذكره في مسأله بيع العين المؤجرة من " تعليقه ".

(و) للمستأجر أيضا بعد ظهور العيب أو حدوثه (الإمضاء مجانا) أي: من

غير أرش؟ لأنه رضي به ناقصا. فأشبه ما لو رضي بالمبيع معيبا.

وتقدم وجه: أن له الأرش.

وإن اختلفا في الموجود هل هو عيب أو لا؟ رجيع فيه إلى أهل الخبرة. فإن قالوا: ليس بعيب مثل: أن تكون الدابة خشنة المشي، أو أنها تتعب راكبها؛ لكونها لا تركب كثيرا فليس له فسخ، وإن قالوا: هو عيب فله الفسخ.

(ويصح بيع) عين (مؤجرة). نص عليه في رواية جعفر بن محمد.

وقال الشيخ تقي الدين، وظاهر كلامه في رواية الميمونى: أنه إذا باع العين المؤجرة ولم يبين أنها مستأجرة: أن البيع لا يصح.

وقيل: لا يصح البيع مطلقا.

والمذهب: بلى. سواء أجرها بائعها مدة لا تلي العقد ثم باعها قبلها، أو باعها في أثناء المدة؛ لأن الإجارة عقد على المنافع. فلا تمنع صحة البيع؛ كما لو زوج أمته ثم باعها.

ولا يفتقر إلى إجازة المستأجر؛ لأن المعقود عليه في الإجارة غير المعقود عليه في البيع.

(ولمشتر لم يعلم) أن المبيع مؤجر، (فسخ وإمضاء) اي: الخيار بين أن

ص: 182

يفسخ البيع أو يمضيه (مجانا) أي: من غير أرش.

وفي " الرعاية ": الفسخ أو الأرش.

قال أحمد: هو عيب.

(والأجرة) عن المدة التي المشتري مالك لها فيها (له). نص على ذلك

في رواية جعفر بن محمد. واستشكل بكون المنافع مدة الإجارة غير

(1)

مملوكة للبائع. فلا تدخل في عقد البيع، حتى أن المشتري يكون له عوضها وهو الأجرة. وأجيب عن ذلك: بأن المالك يملك عوضها وهو الأجرة ولم تستقر بعد ولو انفسخ العقد لرجعت المنافع إلى البائع. فإذا باع العين ولم يستثن شيئاً لم تكن تلك المنافع ولا عوضها مستحقا له، لشمول البيع للعين ومنافعها فيقوم المشتري مقام البائع فيما كان يستحقه منها وهو استحقاق عوض المنافع مع بقاء الإجارة؛ كما يستحق المشتري للأمة المزوجة

(2)

نفقتها بمقتضى عقد النكاح الصادر من بائعها للزوج، هذا إذا كان المشتري غير المستأجر، وأما إذا كان المشتري هو المستأجر فإنه يجتمع عليه للبائع الأجرة والثمن، لأن عقد البيع لم

(3)

يشمل المنافع الجارية في ملكه بعقد التآجر، لأن شراء الإنسان لملك نفسه محال. (ولا تنفسخ) الإجارة (ببيع ولا هبة) للعين المستأجرة (ولو) كان البيع أو الهبة (لمستأجر)، لأنه ملك المنفعة بعقد الجارة، ثم مَلك الرقبة بعقد البيع أو الهبة فلم يتنافيا؛ كما لو ملك الثمرة بعقد ثم ملك الأصل بعقد آخر، وكما لو باع الموصى له بالرقبة الرقبة لمن أوصى له بمنفعتها، أو أجر الموصى له بالمنفعة مدة منها لمالك الرقبة. ويدل هذا على صحة ملك المنفعه على الرقبة.

وكذا يصح: أن يستأجر المشتري العين المبيعة من مستأجرها.

وعنه: تبطل الإجارة بشراء المستأجر للعين المؤجرة.

(1)

في أ: عين.

(2)

في أ: الزوجة.

(3)

في أ: ولم.

ص: 183

(ولا) تبطل الإجاره (بوقف) للعين المؤجرة، (ولا بانتقال) للملك

فيها، (بإرث أو وصية، أو نكاح أو خلع، أو طلاق أو صلح، ونحوه) أي: ونحو ذلك؟ كانتقالها جعالة على رد آبق أو نحوه؛ لأن هذه العقود والانتقالات إنما وردت على ما يملكه المؤجر من العين المسلوبة النفيع زمن الإجارة.

فإن قيل: لو لم تنفسخ الإجارة بالبيع والهبة ونحوهما لعادت المنافع عند انقضاء

(1)

مدة الإجارة إلى المؤجر؛ لأنها لم تدخل في العقد.

فالجواب: أن عقد البيع ونحوه وانتقال الملك إلى الوارث وقع على ما

يملكه المؤجر من العين ومنافعها التي يستحقها بعد انقضاء مدة الإجارة. فإنه يملك العقد على المنافع التي تلي

(2)

العقد، والتي تتأخر عنه بالإجارة عندنا.

فبالبيع

(3)

ونحوه أولى.

ومن استأجر من أبيه داراً أو نحوها ثم مات المؤجر وخلف ابنين أحدهما المستأجر. فإن الدار تكون بينهما نصفين، والمستأجر أحق بها؛ لأن النصف الذي لأخيه الإجارة باقية فيه، والنصف الذي ورثه يستحقه إما بحكم الملك وإما بحكم الإجارة، وما عليه من الأجر بينهما نصفين.

وإن كان أبوه قد قبض الأجر لم يرجع بشيء منه على أخيه ولا تركة أبيه، ويكون ما خلفه أبوه بينهما نصفين؛ لأنه لو رجع بشيء أفضى إلى أن يكون قد ورث النصف بمنفعته وورث أخوه نصفاً مسلوب المنفعة. والله سبحانه وتعالى قد سوى بينهما في الميراث.

ولأنه لو رجع بنصف أجر النصف الذي انقضت الإجارة فيه لوجب أن يرجع

أخوه بنصف المنفعة التي انقضت الإجارة فيها. إذ لا يمكن أن يجمع له بين

المنفعة وأخذ عوضها من غيره.

(1)

في أ: انقضته.

(2)

في أوب: ملك.

(3)

في أ: فالبيع.

ص: 184

(فصل): فيما يضمنه الأجير وما لا يضمنه

واختلافه هو والمستأجر وغير ذلك.

(ولا ضمان على أجير خاص. وهو: من استؤجر مدة، سلَّم نفسه) للمستأجر (أو لا. فيما) اي: في شيء للمستأجر (يتلف بيده) نصاً.

قال أحمد في رواية مهنا: في رجل أمر غلامه بكيل لرجل بزراً فسقط الرطل

من يده فانكسر: لا ضمان عليه. فقيل له: ليس هو بمنزلة القصار، قال: لا، القصار مشترك. قيل: فرجل اكترى رجلاً يستقي ماء فكسر الجرة. فقال: لا ضمان عليه. قيل له: فإن اكترى رجلا يحرث له على بقرة فكسر الذي يحرث به، قال: فلاضمان عليه؛ لأن عمله غير مضمون عليه. فلم يضمن ما تلف به؛ كالقصاص، وقطع يد السارق.

وعن الشافعي في أحد قوليه: أن جميع الأُجراء يضمنون، لما روى في " مسنده" عن علي رضي الله تعالى عنه " أنه كان يضمن الأجراء ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا "

(1)

.

والجواب عن هذا الخبر: أنه مرسل، والصحيح فيه: أنه كان يضمن الصباغ والصراغ، وإن روي مطلقاً حمل على هذا. فإن المطلق يحمل على المقيد.

ولأن الأجير الخاص نائب عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمر به. فلم يضمن.

(إلا. أن يتعمَّد)، لأنه متلف لمال غيره على وجه التعدي، (أو يفرِّط) بأن يقصر في حفظه. فيضمنه؛ كغير الأجير.

(1)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 122 كتاب الإجارة، باب ما جاء في تضمين الأجراء.

ص: 185

(ولا) ضمان على (حجَّام، أو ختَّان، أو بَيْطار، او طبيب، خا صاً أو مشتركاً) بشرطين:

أحدهما: أن يكون (حاذقاً) في صناعته، بأن يكون له بها بصارة ومعرفة؛

لأنه إذا لم يكن كذلك لم تحل له مباشرة القطع. فإذا قطع مع ذلك كان فعلا محرما. فيضمن سرايته؛ كالقطيع بدون إذن.

الشرط الثانى: أن لا يتجاوز بفعله ما لا ينبغي تجاوزه بأن (لم تجن يده)؛

كما لو تجاوز بالختان إلى الحشفة، أو بقطع السلعة أو نحوها محل القطع. فمتى جنمت يده أو قطيع لقلة حذقه في وقت لا يصلح فيه القطع، أو بآلة كالة يكثر ألمها أو نحو ذلك: ضمن؛ لأنه إتلاف لايختلف ضمانه بالعمد والخطأ. أشبه إتلاف المال.

(و) محل ذلك أيضا

(1)

: إذاً (أذن فيه) أي: في الفعل (مكلف) وقع الفعل

به، (أو) أذن فيه (ولي) لصغير أو مجنون وقع به الفعل. أما إذا لم يأذن المكلف في حجمه أو فصده أو قطع سلعته أو نحوه، أو لم يأذن الولي في فعل ذلك أو نحوه بالمجنون أو الصغير فسرت الجناية: ضمن الجانى؛ لأنه فعل غير مأذون فيه. فضمن، كما لوكانت الجناية على غير هذه الصفة.

ومتى كان أحد من ذكر حاذقاً، ولم تجن يده، وأذن في الفعل من له الإذن: لم تضمن سراية الفعل، كحد وقود؛ لأنه لا يمكن أن يقول: اقطع قطعاً لا يسري.

ولأن الفصد ونحوه فساد في نفسه؛ لأنه جرح. فقد فعل ما أمره به، ثم ما

(2)

يطرأ من

(3)

فساد عاقبته وصلاحها لا يكون مضافاً إليه، بل إلى الأمر.

واختار صاحب "الرعاية" إن كان أحد هؤلاء خاصاً أو مشتركاً فله حكمه

(4)

.

(1)

زيادة من ج.

(2)

ساقط من ب.

(3)

في أوب: في.

(4)

في أ: حكم.

ص: 186

وقال ابن أبي موسى: إن ماتت طفلة من الختان فديتها على عاقلة خاتنها. قضى بذلك عمر رضي الله تعالى عنه. ويحمل ذلك على عدم حذقها، أو كانت تجاوزت المحل خطأ. والله أعلم.

واختار في " كتاب الهدي ": أنه لا يضمن سراية قطع السلعة مع عدم الإذن فيه؛ لأنه محسن. وقال: هذا موضع نظر.

(ولا) ضمان على (راع لم يتعد أو يفرط بنوم أو غيبتها عنه، ونحوه)؛ كأن يضربها ضرباً يسرف فيه، أو يضربها في غير موضع الضرب، أو يسلك بها موضعا تتعرض فيه للتلف فتتلف.

أما كونه لا يضمنها بلا تفريط أو تعدٍ؛ لأنها عين قبضها بحكم الإجارة وهو مؤتمن على حفظها. فلم يضمنها بدون ما ذكر؛ كالعين المستأجرة.

وأما كونه يضمنها مع التفريط أو التعدي. فإن عليه حفظها وعدم التعدي فيها. فإذا وجد أحدهما ضمن؛ كالمودَع إذا فرط في الوديعة أو تعدى فيها. وإن اختلفا في التعدي وعدمه: فالقول قول الراعي؛ لأنه أمين.

وإن فعل فعلاً واختلفا في كونه تعديا: رجع إلى قول أهل الخبرة.

(وإن ادعى) الراعي (موتا) مما تسلمه ليرعاه (ولو لم يحضر جلداً) أو بعضاً غيره مما ادعى أنه مات: قبل بيمينه

(1)

؛ لأن الأمناء يقبل أقوالهم في مثل ذلك؛ كالمودع.

ولأن هذا مما تتعذر إقامة البينة عليه في الغالب.

وعنه: أنه يضمن، ولا يقبل قوله إلا ببينة تشهد بالموت.

(أو ادعى مكتر) لرقيق أو دواب (أن) العبد (المكترى أبَقَ أو مرض أو شرد) الجمل (أو مات)، وكانت دعواه (في المدة أو بعدها: قبل بيمينه)؛ لأنه مؤتمن والأصل عدم الانتفاع.

(1)

في ج: يمينه.

ص: 187

وعنه: أن القول في ذلك قول المكري؛ لأن الأصل السلامة.

وعنه: إن ادعى المكتري

(1)

مرض العبد وجاء به صحيحا فالقول قول المالك. سواء وافقه العبد أو خالفه، وإن جاء به مريضا فالقول قول المستأجر. وعنه: أنه يقبل قول المستأجر في إباق العبد دون مرضه.

واختار في " المبهج ": لا تقبل دعوى هرب العبد أول المدة.

وفي " الترغيب ": يقبل، وأن فيه بعدها روايتين. انتهى.

ثم اعلم ان هذا الخلاف فيما إذا أنكر المالك وجود ما يدعيه المكتري، أما

إذا صدق على وجود الإباق أو المرض ونحوهما واختلفا في وقت ذلك ولا بينة للمالك فالقول قول المستأجر؛ لأن الأصل عدم العمل.

ولأن ذلك حصل في يده وهو أعلم بوقته

(2)

.

و (كـ) ما يقبل قول مكتر فيما تقدم بيمينه تقبل (دعوى حامل تلف محمول) بيمينه؛ لأنه مؤتمن، (وله) أي: لمدعي تلف المحمول (أجرة حمله) إلى محل تلفه. ذكره في " التبصرة " واقتصر عليه في " الفروع "؛ لأنه ما عمل فيه من حمل بإذن، وعدم تمام العمل ليس بناشئ من جهته.

(وإن عقد) الإجارة في رعي (على) إبل أو بقر أو غنم (معينة: تعينت)

في أصح الوجهين؛ كما لو استأجره لخياطة ثوب بعينه. (فلا تبدل.

ويبطل العقد فيما تلف) منها؟ كما لو استأجر ظئراً لرضاع صبيين

(3)

فمات أحدهما.

(و) إن وقع العقد (على موصوف) في الذمة: (فلا بد من ذكر نوعه).

فلا يكتفى بذكر الجنس؛ كالإبل حتى يذكر نوعها، من كونها عراباً أو بخاتى؛ لأن كل نوع له أثر في أتعاب الراعي. (وكبره أو صغره) فيقال: كبار أو

(1)

في أوب: المكري.

(2)

في أ: بوفقه.

(3)

في ج: صبي.

ص: 188

فصلان. (وعدده)؛ لأن العمل يختلف باختلافه.

وقال القاضي: يصح من غير ذكر العدد، ويحمل على ما جرت به العادة.

ورده في " المغني " بأن العادة تختلف في ذلك وتتباين كثيراً.

(ولا يلزمه) أي: الراعي (رعي سِخَالِها)؛ لأنها زيادة لم يتناولها العقد.

(وإن عمل) الأجير الخاص عملاً لغير مستأجره. فأضرَّه: فله) أي: فللمستأجر على الأجير (قيمة ما فوته) على المستأجر من منفعته.

قال أحمد: في رجل استأجر أجيرا على أن يحتطب له على حمارين كل يوم. فكان الرجل ينقل عليهما

(1)

وعلى حمير لرجل آخر ويأخذ منه الأجرة، فإن كان يدخل عليه ضرر يرجع عليه بالقيمة.

قال في " المغنى ": فظاهر هذا أن المستأجر يرجع على الأجير بقيمة ما استضر باشتغاله عن عمله؛ لأنه قال: إن كان يدخل عليه ضرر يرجع بالقيمة. فاعتبر بالضرر

(2)

.

وظاهر

(3)

هذا: أنه إذا لم يستضر لا يرجع بشيء؛ لأنه اكتراه لعمل فوفاه

على التمام. فلم يلزمه شيء؛ كما لو استأجره لعمل فكأن يقرأ القرآن في حال عمله. فإن ضر المستأجر رجع عليه بقيمة ما فوت عليه.

ويحتمل أنه أراد أنه يرجع عليه بقيمة ما عمله لغيره؛ لأنه صرف منافعه المعقود

(4)

عليها إلى عمل غير المستأجر. فكان عليه قيمتها؛ كما لو عمل لنفسه. وقال القاضي: معناه أنه يرجع عليه بالأجر الذي أخذه من الأجر؛ لأن منافعه في هذه المدة مملوكه لغيره. فما حصل في مقابلتها يكون للذي

(1)

في أوب: عليها.

(2)

في ب: الضرر.

(3)

فى أ: فظاهر.

(4)

فى أ: المقصود.

ص: 189

استأجره. انتهى.

(ويضمن) الأجير (المشترك). وهو: من قدر نفعه بعمل. سواء تعرض

فيه للمدة؛ كاستئجار كحّال ليكحله شهراً في كل يوم كذا كذا مرة. أو لا؛ كخياط لخياطة ثوب. وسمي مشتركا؛ لأنه يتقبل أعمالا لجماعة في اليوم الواحد ويعمل لهم فيه. فيشتركون في منفعته واستحقاقها في الزمن الواحد. (ما) أي: تالفا (تلف بفعله) أي: بجناية يده. فالحائك إذا أفسد حياكته ضامن لما أفسد. نص على هذه المسأله في رواية ابن منصور.

وكذا القصار ضامن لما يحدث في الثوب بسبب دقه أو مده أو عصره أو بسطه (من تخريق.

و) كذا الخياط ضامن لما أفسد في الثوب من (غلط في تفصيل) ونحوه، والطباخ يضمن ما أتلفه أو أفسده من طبيخه، والخباز ضامن لما أتلفه أو أفسده من خبزه، والملاح يضمن ما تلف من يده أو جدفه أو ما يعالج به السفينة، والجمال ضامن ما تلف بقوده وسوقه وانقطاع حبله الذي شد به حمله.

(و) يضمن أيضا محمول تلف (بزَلقِه)

(1)

أو عثرته وبسقوطه عنه كيف كان، (وسقوطه عن دابة.

و) يضمن أيضاً ما حصل من نقص (بخطئه) في فعله؛ كما لو أمر الصباغ بصبغ ثوب أحمر فصبغه أسود، وكما لو أمر الخياط بتفصيله قميص رجل ففصله قميص امرأة؛ لما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله تعالى عنه " أنه كان يضمن الصباغ والصواغ، وقال: لا يُصلح الناس إلا ذلك "

(2)

.

وروى الشافعي في " مسنده " بإسناده عن علي " أنه كان يضمن الأجراء ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا "

(3)

.

ولأن عمل الأجير المشترك مضمون عليه. فما تولد منه يجب أن يكون

(1)

في أ: بزلق.

(2)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 6: 122 كتاب الإجارة، باب ما جاء في تضمين الأجراء.

(3)

سبق تخريجه ص (185).

ص: 190

مضمونا؛ كالعدوان بقطع عضو. والدليل أن عمله مضمون عليه؛ لأنه لا يستحق العوض إلا بالعمل وأن الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجر فيما عمل فيه وكان ذهاب عمله من ضمانه. بخلاف الخاص. فإنه إذا أمكن المستأجر من استعماله استحق العوض بمضي المدة وإن لم يعمل.

وقيل: لا يضمن الأجير ما لم يتعد.

وقال القاضي: إن عمل الأجير في بيت المالك، كما لو دعى خبازا فخبز له

في بيته، أو كانت يد صاحب المتاع عليه؛ كما لو كان راكبا معه في السفية أو مع الجمال لم يضمن ما لم يفرط، وإلا ضمن.

ورده في " المغني ": بأن وجوب الضمان عليه لجناية يده. فلا فرق بين حضور المالك وغيبته؛ كالعدوان.

ولأن جناية الجمال والملاح إذا كان صاحب المتاع معه يعم المتاع وصاحبه، وتفريطه يعمهما. فلم يسقط ذلك الضمان؛ كما لو رمى إنساناً متترساً فكسر ترسه وقتله.

ولأن الطبيب والختان إذا جنت يداهما ضمنا مع حضور المطبب

(1)

والمختون.

وذكر القاضي أيضاً: انه إذا كان المستأجر على حمله عبيداً صغاراً أو كباراً

فلا ضمان على المكاري فيما تلف من سوقه وقوده. إذ لا يضمن بني آدم من جهة الإجارة، لأنه عقد على منفعة.

ورده في " المغني " أيضا بأن الضمان هاهنا من جهة الجناية. فوجب ان يعم

بني آدم وغيرهم؛ كسائر الجنايات.

وأن ما ذكره ينتقض بجناية الطبيب والختان.

وذكر القاضي أيضا في تضمين

(2)

الأجير ثلاث روايات: الضمان،

(1)

في أوب: المطيب.

(2)

في أ: تضمن.

ص: 191

وعدمه، والثالثة: لا يضمن إذا كان غير مستطاع؛ كزلق ونحوه.

ومتى كان القصار ونحوه متبرعاً بالعمل لم يضمن جناية يده. نص عليه في رواية حرب. قاله في " شرح الهداية " وقال: لأنه أمين محض ولا أعلم فيه خلافا.

ولعله أراد في المذهب فإنه قال بعد ذلك: وقال مالك: يضمن كما إذا كان

بأجرة. والله أعلم.

ويغرم الخياط فيما إذا أمر بتفصيله قميص رجل ففصله قميص امرأة ما بين قيمته صحيحاً ومقطوعاً؛ لأن هذا قطع غير مأذون فيه.

وقيل: ما بين قميص امرأة وقميص رجل؛ لأنه مأذون في قميص في الجملة.

قال في " المغني ": والأول أصح؛ لأن المأذون فيه قميص موصوف بصفة. فإذا قطع قميصا

(1)

غيره لم يكن فاعلا فيه. فكان متعديا بابتداء القطع، ولذلك لا يستحق على القطع أجرا ولو فعل ما أمر به لاستحقه. انتهى.

ويضمن الأجير أيضا ما تلف بخطئه (ولو بدفعه) الثوب أو نحوه (إلى غير ربه)؟ لأنه فوته على مالكه.

قال أحمد في قصار دفيع الثوب إلى غير مالكه: يغرم القصار، ولا يسع المدفوع إليه لبسه إذا علم أنه ليس ثوبه، وعليه رده إلى القصار.

(وغرم قابض) له (قطعه أو لبسه جهلاً) أنه ثوب غيره، (أرش قطعه، وأجرة لبسه، ورجع بهما على دافع). نص عليه؛ لتعديه على ملك غيره.

قال في " شرح الهداية ": ويرجع بما غرمه على القصار. نص عليه.

وزاد في " الرعاية " مسألة الرجوع بأجرة اللبس.

وله المطالبة بثوبه إن كان موجوداً، وإن هلك ضمنه الأجير، لأنه أمسكه بغير إذن صاحبه بعد طلبه. فضمنه؛ كما لو علم.

(1)

في أوب: قميص.

ص: 192

وعنه: لا يضمنه؛ لأنه لم يمكنه رده. فأشبه ما لو عجز عن رده لمرض،

و (لا) يضمن أجير (ما تلف بحرزه أو) بسبب (غير فعله، إن لم يتعد)

أو يفرط. نص عليه في رواية ابن منصور.

وقال في رواية أبي طالب: إذا جنت يده أو ضاع من بين متاعه ضمنه. وإن

كان عدواً أو غرقاً فلا ضمان.

قال في " المغني ": والصحيح في المذهب الأول؛ لأنها عين مقبوضة

بعقد الإجارة لم يتلفها بفعله. فلم يضمنها، كالعين المستأجرة.

ولأنه قبضها بإذن مالكها لنفيع يعود إليهما. فلم يضمنها؛ كالمضارب

والشريك.

(ولا أجرة له) فيما عمل فيه أي: سواء عمل فيه في بيت ربه أو غيره، لأنه

لم يسلم عمله إلى المستأجر؛ لأن عمله في عين المعمول فلا يمكن تسليمه إلا بتسليم المعمول. فلم يستحق عوضه، كالمبيع من الطعام إذا تلف في يد البائع. وعنه: له أجر البناء لاغير.

وعنه: له أجرة البناء والمنقول إذا عمله في بيت ربه.

وقال ابن عقيل في " الفنون ": له الأجرة مطلقا.

(وله) أي: لأجير (حبس معمول)، كثوب صبغه أو قصره (على أجرته: إن أفلس ربه) أي: حكم بفلسه. ووجه كون الأجير يملك حبس ما صبغه أو قصره ونحوه في هذه الصورة: أن زيادة قيمة الثوب بصبغه أو قصارته للمفلس. فكانت أجرته عليه، والعمل الذي هو عوضها موجود في عين الثوب فملك حبسه مع ظهور عسرة المستأجر، كمن أجر دابته أو نحوها لإنسان بأجره حالة تم ظهر عسر المستأجر قبل تسليمها له. فإن للمؤجر حبسها عنه وفسخ الإجارة.

ثم إن كانت أجرته أكثر مما زادت به قيمته أخذ الزيادة وحاصص الغرماء

بما بقي له من الأجرة.

ص: 193

(وإلا) أي: وإن لم يفلس المستأجر لم يكن له حبس الثوب عنه بعد

عمله، وكان حكمه حكم الغاصب، لأنه لم يرهنه عنده، ولم يأذن له في إمساكه ولا يتضرر بدفعه قبل أخذ أجرته.

ومتى فعل (فتلف أو أتلفه بعد عمله أو) بعد (حمله) فيما إذا اكترى له،

(أو عمله) أي: عمل الأجير الثوب (على غير صفة شرطت) عليه، كما لو

دفع إلى حائك رطلان من غزل وقيل له: انسجه اثني عشر ذراعا في عرض ذراعين ليكون خفيفا. فجعله عشرة أذرع في عرض ذراع ونصف مثلا فصار خفيفا، أو أمر بنسجه عشرة أذرع في عرض ذراع ليكون خفيفا فنسجه زائدا في

الطول أو في الطول والعرض فصار خفيفا: (خير مالك بين تضمينه إياه) أي: تضمين

(1)

الأجير الثوب أو الغزل (غير معمول) أي: غير مصبوغ أو مقصور أو منسوج، (أو) تضمينه المتاع الذي اكترى لحمله غير (محمول) بأن يطالبه

بقيمته في المكان الذي سلمه إليه فيه ليحمله منه.

(ولا أجرة له) أي: للأجير، لأن الأجر لا يلزم المستأجر قبل تسليم العمل

له. وأما تسليم الغزل منسوجا فكعدمه، لأنه لم يعمل ما أمر به.

(أو) تضمينه إياه الثوب

(2)

(معمولا) أي: قيمته مصبوغا أو مقصورا أو

منسوجا إن تلف. (و) المتاع (محمولا) أي: بقيمته في المكان الذي تلف فيه،

(وله الأجرة) أي: أجرة العمل المأذون فيه والحمل إلى المكان الذي تلف فيه؛

لأن الأجير لو لم تجب له الأجره إذا لاجتمع عليه فوات الأجرة وضمان ما يقابلها.

ولأن المالك إذا ضمنه ذلك معمولا أو محمولا يكون في معنى تسليم العمل

المأمور به.

وأما وجه كون المالك مخيراً

(3)

بين الصورتين، فلأن ملكه مستصحب عليه

(1)

في أ: يضمن.

(2)

في ج: أي الثوب.

(3)

في أب: مخير.

ص: 194

إلى حين التلف. فملك المطالبة بعوضه قبل عمله وحين تلفه.

وقال أبو الخطاب: يلزم الحمال قيمة المحمول موضع تلفه وله أجرته إليه.

وقيل: إن كان صبغ الثوب من الأجير فله حبسه ولا يضمنه إن تلف من غير

تعدٍّ ولا تفريط، وإن كان الصبغ من رب الثوب. أو كان الأجير لقصارته فوجهان. وفي " المنثور ": إن خاطه أو قصره أو غزله فتلف بسرقة أو نار فمن مالكه

ولا أجرة؛ لأن الصنعة غير متميزة؛ كقفيز

(1)

من صبرة.

وقال الموفق: فيمن دفع لحائك غزلا فقال: انسجه لي عشرة أذرع في

عرض ذراع فنسجه زائدا في الطول والعرض: أنه لا أجر له في الزيادة؛ لأنه غير مأمور بها، وعليه ضمان الغزل المنسوج فيها. فأما ما عدا الزائد فينظر فيه. فإن كان جاء به زائدا في الطول وحده ولم ينقص الأصل بالزيادة فله ما سمى له من الأجر، وإن جاء به زائدا في العرض وحده أو فيهما ففيه وجهان:

أحدهما: لا أجر له؛ لأنه مخالف لأمر المستأجر.

والثانى: له المسمى؛ لأنه زاد على ما أمر به. فأشبه زيادة الطول.

ومن قال بالأول فرق بين الطول والعرض بأنه يمكن قطع الزائد في الطول

ولا يمكن ذلك في العرض.

وأما إن جاء به ناقصا في الطول والعرض أو في أحدهما ففيه وجهان:

أحدهما: لا أجر له وعليه ضمان نقص الغزل؛ لأنه مخالف لما أمر به.

والثانى: له بحصته من المسمى.

ثم قال: ويحتمل أنه إن جاء به ناقصا في العرض فلا شيء له، وإن كان ناقصا

في الطول فله بحصته من المسمى؛ لما ذكرنا من الفرق بين الطول والعرض.

وإن جاء به زائدا في أحدهما ناقصا في الآخر فلا أجر له في الزائد. وهو في الناقص على ما ذكرنا من التفصيل. انتهى.

(1)

في أ: بقفيز.

ص: 195

(وإذا جذب الدابة مستأجر) لها (أو معلمها السير لتقف، أو ضرباها) أي: مستأجرها أو معلمها (كعادة) أي: مثل الضرب المعتاد في ذلك: (لم يضمن) الضارب (ما تلف به) أي: بالضرب الذي هو بقدر العادة في ذلك؛ لأنه تلف من فعل مستحق. فلم يضمن.

ويدل لجواز الضرب " أنه صلى الله عليه وسلم نخس بعير جابر وضربه "

(1)

.

و" كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه ينخس بعيره بمحجنه ".

وظاهر ما تقدم وجوب الضمان إذا زاد على العادة وهو كذلك صرح به

" الكافي "، لأنه جناية. فوجب ضمان ما تلف بها.

(وإن استأجر) أجير (مشترك) أجيرًا (خا صاً)؛ كالخياط في دكان يستأجر أجيرا مدة يستعمله

(2)

فيها: (فلكل) منهما (حكم نفسه). فلو تقبل صاحب الدكان خياطة ثوب ودفعه إلى أجيره فتلف في يده من غير أن يتعمد إتلافه لم يضمنه؛ لأنه أجير خاص. ويضمنه صاحب الدكان لمالكه، لأنه أجير مشترك. (وإن) تقبل إنسان عملا أحسنه أو لا، كقصار تقبّل خياطة ثوب و (استعان) بخياط في عمله (ولم يعمل) هو:(فله الأجرة) المسماة في العقد، (لـ) كونه في (ضمانه. لا لتسيلم العمل).

وتقدم في الشركة

(3)

: أن التقبل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح.

ونقل الأثرم عن أحمد: أنه. سأله عن الرجل يتقبل العمل من الأعمال فيقبله

بأقل من ذلك أيجوز له الفضل؟ قال: ما أدري، هي مسألة فيها بعض الشيء. قلت: أليس كان الخياط أسهل عندك إذا قطع الثوب أو غره إذا عمل في العمل

(1)

أخرجه البخاري في" صحيحه"(4791) 5: 1954 كتاب النكاح، باب تزويج الثيبات.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(715) 3: 1223 كتاب المساقاة، باب بيع البعير واستثناء ركوبه.

(2)

في ج: مدة معلومة.

(3)

ص (64).

ص: 196

شيئا؟ قال: إذا عمل عملاً فهو أسهل.

قال في " المغني ": وقياس المذهب جواز ذلك. سواء أعان فيها بشيء أو

لم يعن؛ لأنه إذا جاز أن يقبله بمثل الأجير الأول أو دونه جاز بزيادة عليه؛ كالبيع وكإجارة العين.

(و) إن اختلف الأجير والمستأجر فقال الأجير: (أذنت) لى (في تفصيله قَبَاء)، و (قال) المستأجر:(بل) أذنت لك في تفصيله (قميصاً). أو قال: أذنت لي في قطعه قميص امرأة، قال: بل أذنت لك في قطعه قميص رجل. أو قال الصباغ: أمرتني بصبغه كذا، قال رب الثوب: بل كذا: (فـ) القول (قول الخياط) والصباغ. نص على ذلك في رواية ابن منصور؟ لأنهما اتفقا على الإذن واختلفا في صفته. فكان القول قول المأذون له؛ كالمضارب إذا قال: أذنت لي في البيع نساء.

ولأنهما اتفقا

(1)

على ملك الخياط القطع والصباغ الصبغ، والظاهر أنه فعل

ما ملكه واختلفا في لزوم الغرم له والأصل عدمه. فيحلف الخياط أو الصباغ: لقد أذنت لي في قطعه أو صبغه كذا ويسقط عنه الغرم.

(و) يكون (له اجر مثله)؛ لأنه ثبت وجود فعله المأذون فيه بعوض.

ولا يستحق المسمى " لأن المسمى لا يثبت بدعواه. فلا يجب بيمينه.

وقيل: القول قول رب الثوب ولا أجرة عليه. واختاره الموفق.

وذكر ابن أبي موسى رواية: أن صاحب الثوب إذا لم يكن ممن يلبس الأقبية والسواد فيما إذا قال: أذنت لي في تفصيله قباء، وفيما إذا قال: أمرتني بصبغة أسود: فالقول قوله، وعلى الصانع غرم ما نقص بالقطع وضمان ما أفسد بالصبغ. ولا أجر

(2)

له.

وقال ابن عقيل: إن كان المستأجر رجلاً وقال: أذنت لي في قطعه قميص

(1)

في أ: اتفاقا.

(2)

في أ: أجرة.

ص: 197

امرأة، أو كان امرأة وقال الأجير: أذنت لي في قطعه قميص رجل: فالقول هنا قول المالك؛ لأن ظاهر الحال يشهد له.

وقال المجد: إذا صاغ له الصائغ ذهباً سوارين فقال ربهما: إنما أمرتك بصياغة خلخالين فالقول قول الصائغ في قول مالك، وقياس مذهبنا كمسألة الخياط والصباغ. انتهى.

ومن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله له قباء أو قميصا أو غيرهما (و) قال: (إن

كان يكفيني ففصله. فقال: يكفيك. ففصله فلم يكفه: ضمنه، كما لو قال: اقطعه قباء. فقطعه قميصا. لا إن قال: يكفيك فقال: اقطعه) فقطعه فلم يكفه: لم يضمنه؛ لأنه إنما أذن في القطع في الأول بشرط كفايته فقطعه بدون شرطه، وفي الثانية أذن له من غير شرط فافترقا.

ص: 198

] فصل: متى تجب الأجرة]

(فصل) يذكر فيه متى تجب الأجرة وتستحق وتستغرق وغير ذلك.

(وتجب) أي: تملك (أجرة في إجارة عين) ولو مدة لا تلي العقد،

(أو) إجارة (ذمة)؛ كحمل معين من مكان إلى مكان معينين: (بعقد). سواء اشترط فيه الحلول أو أطلق العقد؛ كما يجب للبائع الثمن بعقد البيع. وبهذا قال الشافعي.

وقال مالك: لا تملك بالعقد ولا تستحق المطالبة بها إلا يوما بيوم. إلا أن يشترط تعجيلها.

ووافقه أبو حنيفه في غير المعينة كالثوب والعبد، واستدل بأن الله تعالى

قال: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن)] الطلاق: 6 [. أمر بإيتائهن بعد

الإرضاع.

وقال النبى صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره "

(1)

. فتوعده على الامتناع من دفع الأجرة

(2)

بعد العمل، دل على أنه حالة الوجوب.

وروي عنه عليه السلام أنه قال: " أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف

عرقه "

(3)

. رواه ابن ماجه.

ولأنه عوض لم يملك معوضه. فلم يجب تسليمه؛ كالعوض في العقد

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2114) 2: 776 كتاب البيوع، باب إثم من باع حراً.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2442) 2: 816 كتاب الرهون، باب أجر الأجراء.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(8677) 2: 358

(2)

في أب: الأجر.

(3)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(2443) 2: 817 كتاب الرهون، باب أجر الأجراء.

ص: 199

الفاسد. فإن المنافع معدومة لم تملك ولو ملكت فلم يتسلمها؛ لأنه يتسلمها شيئاً فشيئاً فلايجب عليه العوض مع تعذرالتسليم في العقد.

ولنا: أنه عوض اطلق

(1)

ذكره في عقد معاوضة فيستحق بمطلق العقد؛ كالثمن والصداق. أو نقول عوض في عقد يتعجل بالشرط. فوجب أن يتعجل با لإطلاق؛ كالثمن والصداق.

فأما الآية فيحتمل أنه أراد الإيتاء عند الشروع في الإرضاع أو تسليم نفسها

كما قال: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله)] النحل: 98 [. أي: إذا أردت القراءة. ولأن هذا تمسك بدليل الخطاب ولا يقولون به.

وكذلك الحديث. يحققه: أن الأمر بالإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله؛ كقوله: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن)] النساء: 24 [. والصداق يجب قبل الاستمتاع. وهذا هو الجواب عن الحديث. ويدل عليه أنه إنما توعد على ترك الإيفاء بعد الفراغ من العمل، وقد قلتم: تجب الأجرة شيئا فشيئاً.

قال في " المغني ": ويحتمل أنه توعده على ترك الإيفاء في الوقت الذي تتوجه المطالبة فيه عادة. انتهى.

(وتستحق) الأجرة (كاملة) باًن يملك المؤجر المطالبة بها (بتسليم عين) معينة في عقد أو مو صوفة في ذمه

(2)

؛ لأن تسليم العين يجري مجر تسليم نفعها.

(أو بذلها) أي: العين بأن يأتي بها المؤجر إلى المستأجر ليستوفي ما وقع عليه عقد الإجارة من منفعتها. فيمتنع من تسلّمها

(3)

؛ لأنه فعل ما عليه؛ كما لو بذل البائع العين المبيعة.

وعنه: إن تسلمها أو انتفع بها بعض المده ثم تركها يستحق عليه من الأجره

(1)

في ج: ألحق.

(2)

في أب: بذمة.

(3)

في ج: تسليمها.

ص: 200

بقدر ما انتفع. وحمله القاضي على تركها لعذر.

قال في " الفروع ": ومثله تركه تتمة عمله. وفيه في

(1)

" الانتصار " كقول

القاضي. انتهى.

(وتستقر) الأجرة كاملة أي: تصير ثابتة في ذمة المستأجر؛ كسائر الديون (بفراغ عمل ما) أي: شيء استؤجر لعمله وهو (بيد مستأجر)؛ كطباخ استؤجر لطبخ شيء في بيت المستأجر فطبخه به وفرغ منه.

(وبدفع ذره) أي: غير ما بيد مستأجر؛ كما لو اتفقا على أن الطباخ يطبخ

ما استؤجر على طبخه في داره فيستحق الأجرة عند إتيانه به إلى المستأجر. (معمولا)؛ لأنه في الحالتين قد سلم ما عليه. فاستحق تسليم عوضه وهو

الأجر ة.

(و) تستقر الأجرة كاملة في ذمة المستأجر أيضا فيما إذا كانت الإجارة على

مدة (بانتهاء المدة) حيث سلمت إليه العين التي وقعت الإجارة عليها، ولا حاجز له عن الانتفاع ولو لم ينتفع؛ لأن المعقود عليه تلف تحت يده وهو حقه. فاستقر عليه بدله؛ كثمن المبيع إذا تلف في يد المشتري.

(و) تستقر الأجرة أيضا (ببذل تسليم عين) معينة (لعمل في الذمة: إذا مضت مدة يمكن الاستيفاء) أي: استيفاء العمل (فيها) أي: في تلك المده إن كانت الإجارة على عمل من عين معينة؛ كما لو قالى: اكتريت منك هذه الدابة لأركبها إلى بلد كذا ذهابا وإيابا بكذا، وسلمها إليه المؤجر، ومضت مدة يمكن فيها ذهابه إلى ذلك البلد ورجوعه على العادة ولم يفعل. نقل ذلك في " المغني " عن الأصحاب، وذكر أنه مذهب الشافعي؛ لأن المنافع تلفت تحت يده باختياره. فاستقر الضمان عليه؛ كما لو تلف المبيع في يد المثشري، وكما لو كانت الإجارة على مدة ومضت.

ومتى بذل المؤجر في هذين الصورتين ونحوهما تسليم العين المؤجرة وامتنع

(1)

في ج: وفي.

ص: 201

المستأجر من تسلمها

(1)

والمؤجر باذل لتسليمها

(2)

حتى مضت المدة المقدرة أو زمن يمكن استيفاء العمل فيه: استقر الأجر عليه؛ لأن المنافع تلفت باختيار المستأجر. فاستقر عليه الأجر؛ كما لو كانت في يده.

واختار الموفق: فيما إذا كانت الإجارة على عمل من عين معينة: أن الأجرة

لا تستقر على المستأجر حتى يستوفي العمل ولو تسلم العين. قال: لأنه عقد على منفعة غير مؤقتة بزمن. فلم يستقر بدلها

(3)

قبل استيفائها؛ كالأجير المشترك. وقيل: يجب قبض الأجرة في جميع أنواع الإجارة في المجلس؟ كرأس

مال السلم.

وقال في " القواعد " بعد أن ذكر المذهب: وقال القاضي في " تعليقه ": إن الأجير يجب دفع الأجرة إليه إذا شرع في العمل؛ لأنه قد سلم نفسه لاسيتفاء المنفعة فهو كتسليم الدار المؤجرة. ولعله يخص ذلك بالأجير الخا ص؛ لأن منافعه تتلف تحت يد المستأجر. فهو شبيه بتسليم العقار.

وقال ابن أبي موسى: من استؤجر لعمل معلوم استحق الأجرة عند إيفاء العمل.

وإن استؤجر في كل يوم بأجر معلوم فله أجر كل يوم عند تمامه.

وظاهر هذا: أن المستأجر للعمل مدة يجب له أجر كل يوم في آخره؛ لأن ذلك مقتضى العرف. وقد يحمل على ما إذا كانت المدة مطلقة غير معينة؛ كاستئجاره كل يوم كذا فإنه يصح ويثبت له الخيار في آخر كل يوم فتجب له الأجرة فيه؛ لأنه غير ملزم بالعمل فيما بعده.

ولأن مدته لا تنتهي فلا يمكن تأخير إعطائه إلى تمامها، أو على أن المدة المعينة إذا عين لكل يوم منها قسطا من الأجرة فهي إجارات متعددة. انتهى كلامه في "القواعد ".

(1)

في أب: تسليمها.

(2)

في ج: لتسلمها.

(3)

في ج: بذلها.

ص: 202

(ويصح شرط تعجيلها) أي: الأجرة على محل استحقاقها؛ كما لو أجره

داره سنة خمس في سنة ثلاث وشرط عليه

(1)

تعجيل الأجرة في يوم العقد. (وتأخيرها)؛ كما لو شرط المستأجر على المؤجر: أن لا تحل عليه الأجرة إلا عند ابتداء سنة سبع؛ لأن إجارة العين كبيعها، ويصح بثمن حالى ومؤجل فكذلك إجارتها.

وقيل: إنما يجوز تأجيل الأجرة إن لم تكن نفعا في الذمة.

(ولا تجب) الأجرة

(2)

(ببذل) لتسليم العين (في) إجارة (فاسدة)؛ لأن منافعها لم تتلف تحت يده ولا في ملكه.

(فإن تسلم) العين في الإجارة الفاسده حتى انقضت المدة المسماة، أو مضى زمن يمكن استيفاء العمل المسمى فيه أو لا:(ف) عليه (أجرة المثل)؛ لمدة بقائها في يده، (وإن لم ينتفع) بها؛ لأن المنافع تلفت تحت يده بعوض لم يسلم للمؤجر. فرجع إلى قيمتها؛ كما لو استوفاها.

وعنه: لاشيءعليه.

واختار الشيخ تقي الدين فيما إذا وضع يده على العين جميع المدة: أن عليه الأجر المسمى، وذكر أنه قياس المذهب أخذا له من النكاح.

(وإذا انقضت إجارة أرض) أي: انتهب مدتها (وبها غراس أو بناء لم يشترط) عند العقد (قلعه) عند انتهاء المدة، (أو شرط) على رب الأرض (بقاؤه) أي: الغراس أو البناء في الأرض بعد انقضاء مدة الإجارة: (خير مالكها) أي: الأرض (بين أخذه) أي: تملك الغراس أو البناء (بقيمته، أو تركه) أي: الغر اس أو البناء (بأجرته) أي: أجرة مثله، (أو قلعه) جبرا. (و) إنما يجبر على قلع غرسه أو بنائه مع (ضمان نقصه) من مالك الأرض، وإنما كان لرب الأرض ذلك مع ما ذكر من القيود؛ لما في ذلك من الجمع بين

(1)

في أ: على.

(2)

في أب: أجرة.

ص: 203

الحقين، وإزالة ضرر كل من المالكين.

وعلم مما تقدم أن اشتراط تبقية المستأجر ما يغرسه أو يبنيه في العقد لا يؤثر فيه.

وفيه وجه: أنه يفسد العقد به.

والأول المذهب.

ومحل ذلك: (ما لم يقلعة) اي: الغرس أو البناء (مالكه) عند انقضاء المدة. فإن مالك الأرض ليس له منعه من ذلك ليتملكه بقيمته، أو ليجب عليه أجر مثله بتبقيته؛ لأنه ملك مالكه. فكان له أخذه من العين المستأجرة؛ كغيره من المملوكات.

(و) محله أيضا: ما (لم يكن البناء) الذي بناه المستأجر في الأرض المستأجرة (مسجداً، أو نحوه)؛ كساقية

(1)

وقنطرة: (فلا يهدم. وتلزم الأجرة إلى زواله).

قال في " الفروع ": ولم يفرق الأ صحاب بين كون المستأجر وقف ما بناه أو

لا، مع انهم ذكروا استئجار دار يجعلها مسجدا. فإن لم تترك بالأجرة فيتوجه: أن لا يبطل الوقف مطلقا. انتهى.

قال في " الإنصاف ": وقال الشيخ تقي الدين فيمن احتكر أرضا بنى فيها مسجدا أو بناء وقفه عليه: متى فرغت المدة وانهدم البناء زال حكم الوقف وأخذوا أرضهم فانتفعوا بها، وما دام البناء قائما فيها فعليه أجرة المثل؛ كوقف علو ربع أو دار مسجداً. فإن وقف علو ذلك لا يسقط حق ملاك السفل، كذا وقف البناء لا يسقط حق ملاك

(2)

الأرض. وذكر في " الفنون " معناه، قلت: وهو الصواب، ولا يسع الناس إلا ذلك. انتهى.

(ولا يعاد) المسجد ولا غيره إذا انهدم بعد انقضاء المدة (بغير رضى رب الأرض)؛ لزوال حكم الإذن بزوال العقد.

(1)

في أب: كسقاية.

(2)

في أ: الملاك.

ص: 204

(وفي " الفائق ": قلت: لو كانت الأرض) أي: المؤجرة لغرس أو بناء (وقفا) أو انقضت مدة إجارتها وفيها غرس أو بناء: (لم يتملك) أي: لم يجز تملكه لجهة وقف الأرض (إلا بشرط واقف) للأرض بأن يقول واقفها: ومتى انقضت إجارتها وفيها غرس أو بناء تملكه الناظر بقيمته لجهة الوقف أو نحو ذلك. (أو) بـ (رضى مستحق) لربع الوقف إن لم يكن شرط؛ لأن في دفع قيمته من ربع الوقف تفويتا على المستحق.

قال (المنقح): قلت: (بل إذا حصل به) أي: بالتملك (نفع) لجهة الوقف بأن يكون أحظ من قلعه مع ضمان نقصه ومن إبقائه بأجرة مثله (كان له ذلك) أي: أن يتملكه لجهة الوقف، لأن المصلحة في ذلك تعود إلى مستحق الربع. أشبه ما لو اشترى الولي بناء لليتيم من مال اليتيم وقد رأى فيه مصلحة. (والقلع) أي: مؤنته (على مستأجر)؛ كمؤنة نقل طعامه من الدار المستأجرة عند انتهاء مدة الإجارة؛ لأن عليه تفريغ العين المؤجرة مما أشغلها به من ملكه. ولو كان ذلك بأمر مالك الأرض؛ لأن مالك الأرض إذا اختار القلع لا يكون عليه إلا ضمان النقص الحاصل بالقليع لا مؤنة القلع.

(وكذا) أي: وكما يكون على المستأجر مؤنة القليع إن اختاره أو لم يختره يكون عليه (تسوية حفر) حصلب بالقلع، (إن اختاره) دون رب الأرض؛ لأنه ادخل نقصا على ملك غيره بغير إذنه فكان عليه مُؤنة إزالته.

(وإن شرط) على مستأجر أرضا لغرس أو بناء (قلعه) عند انتهاء مدة الإجارة: (لزمه) ذلك وفاء بموجب شرطه، (وليس عليه) أي: على المستأجر مع وجود هذا الشرط (تسوية حفر) حصلت بالقلع، (ولا إصلاح أرض إلا بشرط) أي: إلا إذا شرط

(1)

عليه ذلك.

(ولا على رب الأرض) إذا اشترط القلع عند انقضاء المدة (غرامة نقص) حصل بالقلع؛ لأنهما دخلا على ذلك لرضاهما بالقلع.

(1)

في أ: اشترط.

ص: 205

فإن قيل: هلا ملك رب الأرض قلع غراس المستأجر أو بنائه وإن لم يشرط عليه القلع عند انتهاء المدة من غير ضمان النقص؛ لأن تقدير المدة في الإجارة يقتضي التفريغ عند انقضائها؛ كما لو استأجرها للزرع؟.

فالجواب: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس لعرق ظالم حق "

(1)

، مفهومه: أن

ما ليس بظالم له حق، وهذا ليس بظالم.

ولأن رب الأرض أذن له في اشتغالها بما ينقص بتفريغ الأرض. فلا يجبر على ذلك من غير ضمان نقصه؛ كما لو استعار أرضا للغرس مدة فرجع المعير قبل انقضائها. ويخالف الزرع فإنه لا يقتضي التأبيد.

فإن قيل: فإن كان إطلاق العقد يقتضي التأبيد فشرط القلع ينافي مقتضى العقد فينبغي أن يفسده.

فالجواب: أنه إنما اقتضى التأبيد من حيث: إن العادة في الغراس والبناء التبقية. فإذا أطلقه حمل على العادة، وإذا شرط خلافه جاز " كما إذا باع بغير نقد البلد أو شرط في الإجارة شرطا يخالف العادة.

وإن باع المستأجر غراسه أو بناءه لمالك الأرض أو غيره قبل قلعه: جاز؛ كشقص مشفوع. فإن للشفيع تملكه وشراءه. ويجوز بيعه لغيره.

والإجارة الفاسدة فيما تقدم كالصحيحة.

وكون الغارس أو البانى فيها لا يجبر على القلع إلا مع ضمان النقص؛ لاستناده

إلى الإذن. ذكره القاضي وابن عقيل، واقتصر عليه ابن رجب في " قواعده ".

ولو كان المستأجر شريكا للمؤجر في الأرض شركة شائعة وبنى أو غرس ثم انقضت المدة فقال ابن نصر الله: للمؤجر أخذ حصة نصيبه من الأرض من البناء أو الغراس بقيمته، وليس له إلزامه بالقلع " لاستلزامه قلع ما لا يجوز قلعه؛

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3073) 3: 178 كتاب الخراج، باب في إحياء الموات.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1378) 3: 492 كتاب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء الأرض الموات.

ص: 206

لعدم تمييز ما يخص نصيبه من الأرض من ذلك. والضرر لا يزال بالضرر. وبذلك أفتيت غير مرة وهو متجه، ولم أجد به نقلا. انتهى.

(وإن بقي) بعد انقضاء مدة الإجارة (زرع) في ارض استؤجرت له (بلا تفريط مستأجر)؛ مثل: إن زرع ما ينتهي في مدة الإجارة عادة فأبطأ لبرد أو نحوه: (لزم) المؤجر (تركه) إلى أن ينتهي (بأجرته) أي: أجرة مثله لما زاد على مدة الإجارة؛ كما لو أعاره أرضا فزرعها ثم رجع قبل كمال زرع المستعير. (و) إن كان بقاوه (بتفريطه) أي: المستأجر؛ مثل: أن يزرع زرعا لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء مدة الإجارة: (فلمالك) الأرض (ذلك) أي: تركه إلى كماله بأجرة المثل لما زاد على المدة، (وأخذه) أي: أخذ مالك الأرض الزرع (بقيمته)؛ لأنه أبقى زرعه في أرض غيره بعدوانه. فملك رب الأرض أخذه بقيمته؛ كزرع الغاصب.

ومحل ذلك: (ما لم يختر مستأجر قلعه) أي: قلع زرعه (وتفريغها) أي: الأرض (في الحال). فإن مالك الأرض إذا لا يملك أخذه بقيمته؛ لزوال الضرر وتسلمه أرضه على الوجه الذي اقتضاه العقد.

وقد ذكر القاضي وابن عقيل: أن على المستأجر مع تفريطه نقل زرعه.

قال المجد: وهذا لا يجيء على أصلنا إنما يجيء على أصل من قال بقلع

(1)

زرع الغاصب. انتهى.

ومتى أراد المستأجر زرع شيء لا يدرك مثله في مدة الإجارة فلمالك منعه؛

لأنه سبب لوجود زرعه في أرضه بغير حق فملك منعه منه.

فإن زرع لم يملك مطالبته بقلعه قبل المدة؛ لأنه في أرض يملك نفعها.

ولأنه لا يملك ذلك بعد المدة فقبلها أولى.

ومن أوجب عليه قلعه بعد المدة قال: إذا لم يكن بد من المطالبة بالنقل فليكن عند المدة التي يستحق تسليمها إلى المؤجر فارغة.

(1)

في أ: يقلع.

ص: 207

وإن زرع مؤجر في أرض أجرها قبل انقضاء مدة الإجارة زرعا يضر بالمستأجر

أو غرس أو بنى فذكر القاضي في " خلافه ": أن الجميع يقلع، قال: وإنما قليع الزرع هنا؛ لأن مالك الأرض هو الزارع والمتعلق حقه بها لا يمكنه تملكه؛ لعدم ملكه. فتعين القلع.

قال ابن رجب: وفيه نظر؛ لأن المستأجر ولا سيما إن كان استأجر للزرع

فيجوز أن يقال له: تملك الزرع بنفقته. إذ هو مالك المنفعة؛ كما قد يقال مثله

في الزرع في أرض الوقف أن له أي: الموقوف عليه تملكه بالنفقة لملكه منفعة الأرض. ويحتمل تخريج ذلك على الوجهين في تملك الموقوف عليه للشفعة فشركة الوقف على طريقة من علل

(1)

ثبوت الشفعة بكونه مالكا، وانتفاوها بقصور ملكه فكذلك هنا، وكذا القول في تملكه للغراس والبناء. وعلى هذا يتخرج ما لو غصبت الأرض الموصى بمنافعها أو المستأجرة وزرع فيها فهل

يتملك الزرع مالك الرقبة أو مالك المنفعة؛. انتهى.

(وأكتراء مدة) أرضا (لزرع لا يكمل فيها) أي: في المدة مثل: أن

يكتريها خمسة أشهر لزرع لا يكمل إلا في عشرة، (إن شرط) على المستأجر (قلعه) أي: الزرع (بعدها) أي: إذا انقضت المدة: (صح) العقد؛ لأنه لا يفضي إلى الزيادة على مدته، وقد يكون له غرض في ذلك لأخذه قصيلا أو غيره. ويلزمه ما التزم.

(وإلا) أي: وإن لم يشترط ذلك بأن أطلق العقد أو شرط تبقيته حتى

يكمل: (فلا) يصح

(2)

العقد.

أما مع الإطلاق؛ فلأنه اكتراها لزرع شيء لا ينتفع بزرعه في مدة الإجارة.

أشبه إجارة الأرض السبخة للزرع.

وأما مع شرط التبقية؛ فلأنه جمع بين متضادين. فإن تقدير المدة يقتضي

(1)

في ج: يملك.

(2)

ساقط من أ.

ص: 208

التفريغ بعدها، وشرط التبقية يخالفه.

ولأن مدة التبقية مجهولة.

وقيل: يصح مع الإطلاق؛ لأن الانتفاع بالزرع في هذه المدة ممكن.

ومتى زرع على القول بفساد العقد لم يطالب بالقلع.

(ومتى انقضت) مدة الإجارة الصحيحة: (رفع) المستأجر (يده) عن العين المستأجرة. يعني: أن الذي على المستأجر لعين

(1)

إذا انقضت مدة إجارته أن يرفع يده عنها، (ولم يلزمه رد ولا مؤنته) في الأصح (كمودع). أومأ إليه أحمد. قيل له في رواية ابن منصور: إذا اكترى دابة أو استعار أو استودع فليس عليه

أن يحمله؛ فقال أحمد: من استعار شيئا فعليه رده من حيث أخذه. فأوجب الرد في العاريه ولم يوجبه في الإجارة والوديعة.

ووجهه: أنه عقد لا يقتضي الضمان. فلا يقتضي رده ومؤنته؛ كالوديعة، وفارق العارية فإن ضمانها يجب. فكذلك ردها.

وعلى هذا: إذا انقضت المدة كانت العين في يده أمانة كالوديعه إن تلفت من

غير تفريط ولو بعد إمكان ردها: فلا ضمان عليه؛ لأنه لو وجب ضمانها لوجب ردها.

وإن قال المستأجر: رددتها، وقال المالك: لم تردها: فالقول قول المالك؛ لأن المستأجر قبض العين لمصلحة نفسه. فلم يقبل قوله في الرفى؛ كالعامل في المضاربة. ولا أثر لمشاركة المالك له في المصلحة.

وعلى كل حال متى طلبها ربها وجب تسليمها إليه. فإن امتنيع من ردها لغير عذر صارت مضمونة كالمغصوبة. ونماوها كالأصل؛ كما لو استأجر دابة فولدت عنده فإن ولدها يكون عنده أمانة كأمه. وليس له الانتفاع به؛ لأنه غير داخل في العقد.

(1)

في أوب: لمعين.

ص: 209

قال ابن رجب في " قواعده ": وهل له إمساكه بغير استئذان مالكه تبعا لأصله جعلا للإذن في إمساك أصله إذنا في إمساك نمائه أم لا؛ كمن أطارت الريح إلى داره ثوب غيره. خرجه القاضي وابن عقيل على وجهين.

وإن شرط على المستأجر ضمان العين المؤجرة إن تلفت في يده بلا تفريط فالشرط فاسد، لأنه ينافي مقتضى العقد. وفي " التبصرة ": يلزمه رده بالشرط. (ولمشترط) على مستأجر (عدم سفربـ) عين (مؤجرة: الفسخ به) أي: بسفره بها؛ لمخالفته الشرط. وعلم من ذلك: صحة هذا الشرط.

قال القاضي فيمن استأجر عبدا للخدمة: أن له المسافرة به في العقد المطلق، قال: فإن شرط ترك المسافرة به لزم الشرط.

قال المجد: هكذا ذكره في " تعليقه " في ضمن مسألة: ما إذا شرط لزوجته

أن لا يتزوج أو لا يسافر بها، ولم يذكر فيه خلافا بل جعله أصلا لقياس يمثل به على الخصوم، ولقد عجبت من ذلك. انتهى.

وقال المجد أيضاً: وليس للسيد أن يسافر برقيقه إذا أجره. ذكره القاضي على آخر الجزء الخامس والأربعين من " تعليقه " بخطه. ولا أعلم فيه خلافا.

(ومن وجبت عليه دراهم بعقد)، كثمن في بيع وأجرة في إجارة، (فأعطى) البائع أو المؤجر (عنها دنانير) أو غيرها " كما لو عوضه عن الدارهم ثيابا أو حيوانا أو عقارا باتفاقهما، (ثم انفسخ) العقد بإقالة أو غيرها:(رجع) المشتري أو المستأجر (بالدراهم)، لأن العقد إذا انفسخ رجع كل من المتعاقدين في عوض العقد. وعوض العقد هو الدراهم. والبائع أو المؤجر إنما أخذ الدنانير بعقد آخر ولم ينفسخ. أشبه ما إذا قبض الدراهم ثم صرفها بدنانير أو اشترى بها غيرها.

ص: 210

] باب: المسابقة]

هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام المسابقة والمناضلة.

(المسابقة): مفاعلة من السبق. وهي: (المجاراة بين حيوان، ونحوه)، كسفن.

(والمناضلة): مفاعلة من النضل، يقال: ناضله مناضلة ونضالا ونيفما لا. وهي: (المسابقة بالرمي).

والسبق بلوغ الغاية قبل غيره. والسباق فعال منه، والسبَق بفتح الباء، والشبقة: الخطر يوضع بين أهل السباق. وجمعه أسباق.

(وتجوز) المسابقة (في سفن ومَزاريق وطيور وغيرها)، كالرماح والأحجار، (وعلى الأقدام، وكل الحيوانات)، كالخيل والإبل والبغال والحمير والبقر والفيلة.

أما جواز المسابقة، فقد أجمع المسلمون عليه في الجملة، وسنده قوله تعالى:(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)] الأنفال: 60].

وما صح من حديب ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق "

(1)

.

وقال موسى بن عقبة: من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة.

وقال سفيان: من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2715) 1053: 3 كتاب الجهاد والسير، باب غاية السبق للخيل المضمرة.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1870) 3: 1492 كتاب الإمارة، باب المسابقة بين الخيل وتضميرها.

ص: 211

وما روى] مسلم " أن [

(1)

سلمة بن الأكوع

(2)

سابق رجلا من الأنصار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم "

(3)

.

وما روت عائشة رضي الله عنها قالت: " سابقني النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته. فلما أخذني اللحم سابقته فسبقني. فقال: هذه بتلك "

(4)

. رواه أحمد وأبو داود.

والخيل المضمرة: هي المعلوفة القوت بعد السمن. قاله في " القاموس ". وقيل: لا تصح المسابقه بالطيور.

وقيل: لا تصح إلا بالحمام

(5)

.

قال في " الفروع ": وفي كراهة اللعب غير معين على عدو وجهان.

وفي " الوسيلة ": يكره الرقص واللعب كله ومجالس الشعر.

وذكر ابن عقيل وغيره: يكره لعبه بأرجوحة ونحوها.

وقال أيضا: لا يمكن القول بكراهة اللعب.

وفي " النصيحة " للآجري: من وتب وثبة مرحا ولعبا بلا نفع فانقلب فذهب عقله عصى وقضى الصلاة.

وذكر شيخنا: يجوز ما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة، وظاهر كلامه لا يجوز اللعب المعروف بالطاب والنقيلة. وقال: كل فعل أفضى إلى المحرم كثيراً حرمه الشارع إذا لم يكن فيه مصلحة راجحه؛ لأنه يكون سببا للشر والفساد، وقال: ما ألهى وشغل عما أمر الله به فهو منهي عنه وإن لم يحرم جنسه؛ كبيع وتجارة وغيرهما.

(1)

ساقط من ب.

(2)

في أ: الأقرع.

(3)

أخرجه مسلم في "صحيحه "(1807) 3: 1440 كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغير ها.

(4)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2578) 3: 29 أول كتاب الجهاد، باب في السبق على الرجل.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(24164) 6: 39

(5)

في أ: وقيل: تصح بالحمام.

ص: 212

ويستحب بآلة حرب.

قال جماعة: والثقاف.

نقل أبو داود: لا يعجبني أن يتعلم بسيف حديد بل بسيف خشب؛ لقوله

عليه الصلاة والسلام

(1)

: " لا يشر احدكم بحديد "

(2)

.

وإذا أراد به غيظ العدو لا التطرف فلا بأس.

وليس من اللهو تأديب فرسه وملاعبة أهله ورميه " لأنه عليه السلام قال:

" كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل "

(3)

. ثم استثنى هذه الثلاثة. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث عقبة.

والمراد: ما فيه مصلحة شرعية.

ومنه ما في " الصحيحين " من " لعب الحبشة بدرقهم وحرابهم وتوثبهم بذلك

على هيئة الرقص في يوم عيد في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وستر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي تنظر إليهم، ودخل عمر فأهوى إلى الحصباء يحصبهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهم ياعمر"

(4)

.

وقد يكون من هذا ما روي عن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه " أنه

لما قدم ونظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر حَجَل يعني: مشى على رجل واحده-

(1)

في أوب: عليه السلام.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6661) 6: 2592 كتاب الفتن، باب قول النبى صلى الله عليه وسلم:" من حمل علينا السلاح فليس منا ". ولفظه: " لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح ".

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2513) 3: 13 أول كتاب الجهاد، باب في الرمي.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1637) 4: 174 كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله.

وأخرجه النسائي في " سننه "(3578) 6: 222 كتاب الخيل، تأديب الرجل فرسه.

وأخرجه أين ماجه في " سننه "(2811) 2: 940 كتاب الجهاد، باب الرمي في سبيل الله.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(17375) 4: 148

(4)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(3337) 1298: 3 كتاب المناقب، باب قصة الحبش وقول النبي صلى الله عليه وسلم: يا بني أرفدة.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(893) 610: 2 كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه فى أيام العيد.

ص: 213

إعظاماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم "

(1)

.

وقد يدل على أنه لا يحرم الرقص، ولا ينفي الكراهة. مع أنه لا يصح.

قال البيهقي: وقد رواه من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر، وفي إسناده إلى الثوري من لا يعرف.

وقال بعض اصحابنا في كتابه " الهدي ": لو صح لم يكن حجة لمن جعله أصلا له في الرقص. فإن هذا كان من عادة الحبشة تعظيما لكبرائها؛ كضرب الجوك عند الترك. فجرى جعفر على تلك الحالة، وفعلها مرة ثم تركها بسنة الإسلام.

قال الخطابي في حديث عقبة المذكور: في هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة. وإنما استثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الخلال من جملة ما حرم منها؛ لأن كل واحد منها إذا تأملتها وجدتها معينة على حق أو ذريعة إليه. ويدخل في معناها ما كان من المثاقفة بالسلاح

(2)

والشد على الأقدام ونحوهما، مما يرتاض به الإنسان فيقوي بذلك بدنه، ويتقوى به على مجالدة العدو. فأما سائر ما يتلهى به الباطلون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حق. فمحظور كله. "وكانت عائشة وجوار معها يلعبن بالبنات. وهي اللعب والنبي صلى الله عليه وسلم يراهن "

(3)

. رواه أحمد والبخاري ومسلم

(4)

.

(1)

عن علي رضي الله عنه قال: " أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وجعفر وزيد فقال لزيد: أنت أخونا ومولانا فحجل، وقال لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي. فحجل وراء حجل زيد. ثم قال لي: أنت مني وأنا منك. فحجلت وراء حجل جعفر ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 10: 226 كتاب الشهادات، باب من رخص في الرقص إذا لم يكن فيه تكسر وتخنث.

(2)

في أوب: بالسلام.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(5779) 5: 2270 كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(2440) 4: 1890 كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة رضي الله عنها.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(24343) 6: 57

(4)

في أ: ومسلم والبخاري.

ص: 214

" وكانت لها أرجوحة قبل أن تتزوج "

(1)

. رواه ابو داود وغيره، وإسناده جيد، وأظنه في " الصحيح ".

فيرخص فيه للصغار ما لا يرخص فيه للكبار. قاله شيخنا في خبر ابن عمر

في زمارة الراعي.

ويتوجه: وكذا في العيد ونحوه، " لأن أبا بكر دخل على عائشة وعندها جاريتان في أيام منى يدففان ويضربان ويغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث. فانتهرهما أبو بكر، وقال: أمزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهما فإنها أيام عيد "

(2)

.

وروى أحمد حدثنا مكي بن إبراهيم أنبانا إسماعيل عن يزيد بن حصيفة عن السائب بن يزيد " ان امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لعائشة: هذه قينة بني فلان تحبين أن تغنيك؟ قالت: نعم. فأعطاها طبقا فغنتها. فقال: قد نفخ الشيطان في منخريها"

(3)

. إسناد صحيح. فيحمل على غناء مباح. انتهى كلامه في " الفروع ".

و (لا) تجوز المسابقة (بعوض) اي: على مال يجعل لمن سبق،

(إلا في) مسابقة (خيل وإبل وسهام)، والسهام: النشاب والنبل، لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر "

(4)

.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(3681) كتاب المناقب.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(4937) 4: 285 كتاب الأدب، باب في الأرجوحة.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(1876) 1: 603 كتاب النكاح، باب نكاح الصغار يزوجهن الآباء.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(3337) 1297: 3 كتاب المناقب، باب قصة الحبش وقول النبي صلى الله عليه وسلم: يا بنى أرْفِدة.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(892) 2: 608 كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصة فيه في أيام العيد.

وأخرجه النسائي في " سننه "(1593) 3: 195 كتاب صلاة العيدين، ضرب الدف يوم العيد. وأخرجه أحمد فى " مسنده " (24996) 6: 127

(3)

أخرجه أحمد في " مسنده "(15753) 3: 449

(4)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2574) 3: 29 أول كتاب الجهاد، باب في السبق.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1700) 4: 205 كتاب الجهاد، باب ما جاء

في الرهان والسبق. وأخرجه النسائي في " سننه "(3589) 6: 227 كتاب الخيل، باب السبق. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (2878) 960: 2 كتاب الجهاد، باب السبق والرهان. وأخرجه أحمد في " مسنده " (10142) 2: 474

ص: 215

رواه الخمسة. ولم يذكر ابن ماجه: " أو نصل "، وإسناده حسن.

واختصت هذه الثلاثة بجواز جعل العوض فيها؛ لأنها من آلات الحرب

الماً مور بتعليمها وأحكامها.

وذكر ابن البنا وجهاً: وطير معدة لأخبار الأعداء.

وقد " صارع النبي صلى الله عليه وسلم ركانة على شاة فصرعه فأخذها ثم عاد مراراً فأسلم.

فرد النبي صلى الله عليه وسلم غنمه "

(1)

. رواه أبو داود في " مراسيله " عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير. قال البيهقي: مرسل جيد، وإنه متصل ضعيف.

قال في " الفروع ": وهذا وغيره مع الكفار من جنس الجهاد. فهو

(2)

في معنى الثلاثة وجنسها جهاد. وهي مذمومة إذا أريد بها الفخر والظلم. والصراع والسبق بالأقدام ونحوهما طاعة إذا قصد به نصر الإسلام. وأخذ السبق عليه أخذ بالحق. فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذاكانت مما ينفع في الدين، كما في مراهنة أبي بكر. اختار ذلك شيخنا، وقال: إنه أحد الوجهين، معتمدا على ما ذكره ابن البنا، وظاهره جواز الرهان في العلم، وفاقا للحنفية؛ لقيام الدين بالجهاد والعلم. ونقل حنبل السبق في ريش

(3)

الحمام: ما سمعنا، وكرهه. وفي " الروضة ": يختص جواز السبق ثلاثة أنواع: الحافر. فيعم كل ذي حافر، والخف. فيعم كل خف، والنصل. فيختص النشاب والنبل. ولا يصح السبق والرمي في غير هذه الثلاثة مع الجعل وعدمه، كذا قال، ولتعميمه وجه ويتوجه عليه تعميم النصل. وذكر ابن عبدالبر تحريم الرهن في غير الثلاثة

(1)

أخرجه أبو داود في " المراسيل " ص: 174 كتاب الجهاد، باب في فضل الجهاد.

(2)

في أ: فهى.

(3)

في أوب: الريش.

ص: 216

إجماعا. انتهى كلامه في " الفروع ".

إذا تقرر هذا فإنما تصح المسابقة إذا كان فيها جعل (بشروط خمسة:

أحدها: تعيين المركوبين) في المسابقة (والرماة) في المناضلة (برؤية) فيهما. سواء (كانا اثنين أو جماعتين)، لأن القصد في المسابقة معرفة ذات المركوبين اللذين يسابق

(1)

عليهما وسرعة عدوهما، وفي المناضلة معرفة حذق الرماة. ولا يحصل ذلك إلا بالتعيين بالروية، لأن المقصود معرفة حذق رام بعينه لا معرفة حذق رام في الجملة. فلو عقد اثنان مناضلة مع كل منهما نفر غير متعينين لم يجز لذلك، وإن عقدوا قبل التعيين على أن ينقسموا بعد العقد بالتراضي جاز، وإن اتفقوا على أن ينقسموا بقرعة لم يجز.

وعلم مما تقدم صحة عقد المسابقة والمناضلة على أكثر من اثنين؛ " لأن

النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على أصحاب له ينتضلون فقال: ارموا وأنا مع ابن الأدرع. فأمسك الباقون

(2)

وقالوا: كيف نرمي وأنت مع ابن الأدرع فقال: ارموا وأنا معكم كلكم "

(3)

. رواه البخاري.

ولأنه إذا جاز أن يكونا اثنين جاز أن يكونا جماعتين، لأن المقصود معرفة

الحذق وهو يحصل في أكثر من اثنين.

وإن بان بعض الحزب كثير

(4)

الإصابة أو عكسه فادعى أحدهما ظن خلافه لم يقبل.

و (لا) يشترط تعيين (الراكبين ولا القوسين)، لأن الغرض معرفة عدو الفرس وحذق الرامي دون الراكب والقوس، لأنهما آلة للمقصود. فلم يشترط تعيينهما

(5)

؛ كالسرج. فكل ما تعين لا يجوز إبداله؛ كالمتعين في البيع، وما

(1)

في أ: لسابق.

(2)

في أ: الآخرون.

(3)

أخرجه البخاري في "صحيحه "(2743) 1062: 3 كتاب الجهاد والسير، باب التحريض على الرمي.

(4)

في أ: أكثر

(5)

في أ: تعينها، وفى ب: تعيينها.

ص: 217

لا يتعين يجوز إبداله مطلقاً.

فعلى هذا إن شرطا أن لا يرمي بغير هذا القوس، أو بغير هذا السهم، أو لا

يركب غير فلان فهو فاسد؛ لأنه ينافي مقتضى العقد.

وفي " الرعاية ": إن عقدا على قوس معينة فانتقل إلى نوعه جاز. وإن شرط

عليه أن لا ينتقل

(1)

فوجهان.

الشرط (الثانى: اتحاد المركوبين) في المسابقة (أو القوسين) في المناضلة (بالنوع)؛ لأن التفاوت بين النوعين معلوم بحكم العادة. أشبها الجنسين.

(فلا تصح) المسابقة (بين) فرس (عربي و) فرس (هجين) وهو: من

أبوه فقط عربي. (ولا) المناضلة بأن يرمي أحدهما عن (قوس عربية و) الآخر

(2)

عن قوس (فارسية)، والعربية: قوس النبل، والفارسية: قوس النشاب. قاله الأزهري.

وعند القاضي: تجوز المسابقة بين العربي والهجين، والمناضلة بين القوس

العربية والفارسية.

قال في " الإنصاف ": إذا عقد النضال ولم يذكر أقواسا صح في ظاهر كلام القاضي ويستويان في العربية أو غيرها. وقال غيره: لا يصح حتى يذكر أنواع

والقوس التي يرميان بها في الابتداء. واشترط في " الترغيب ": أن يتساوى المركوبان في النجابة، وأن يتكافأ الراميان في الرمي.

الشرط (الثالث: تحديد المسافة والغاية، و) تحديد (مدى رمي بما جرت

به العادة).

أما كونه يشترط في المسابقة تحديد المسافة والغاية بأن يكون لابتداء العدو

وأخره غاية لا يختلف فيها من يسابق؛ لأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل

(1)

في أوب: ينقل.

(2)

في أوب: للآخر.

ص: 218

إلا بالتساوي في الغاية؛ لأن من الحيوان ما يكون مقصرا في أول عدوه سريعا في انتهائه وبالعكس فيحتاج إلى غايه تجمع حالتيه. ومن الخيل ما هو أصبر، والقارح أصبر من غيره. وهو من ذوي الحافر بمنزلة البازل من الإبل.

وروى ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل، وفضل القرح في

الغاية "

(1)

. رواه ابو داود.

فإن استبقا بغير غاية لينظر أيهما يقف أولا لم يجز؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه ويتعذر الإشهاد على السبق فيه.

وأما كونه يشترط في المناضلة تحديد مدى الرمي وذلك إما بالمشاهدة أو بالذرع، فلأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد.

وأما تقييد ذلك بمدى

(2)

جرت به عادة الرماة؛ فلأن المدى الذي تتعذر الإصابة فيه غالبا وهو ما زاد على ثلاثمائة ذراع، يفوت به الغرض المقصود بالرمي. وقد قيل: أنه ما رمى في أربعمائة ذراع إلا عقبة بن عامر الجهني.

الشرط (الرابع) من شروط المسابقة أو المناضلة على عوض: (علم عوض)؛ لأنه مال في عقد. فوجب العلم به؛ كسائر العقود. ويحصل علمه بالمشاهدة وبالوصف المميز له.

ويجوز أن يكون حالا ومؤجلا، وأن يكون بعضه حالا وبعضه مؤجلا " لأن

ما جاز أن يكون] حالا ومؤجلا جاز أن يكون [

(3)

بعضه حالا وبعضه مؤجلا؛ كالبيع.

(وإباحته) أي: العوض؛ لأنه عوض في عقد. فاشترطت إباحته؛ كبقية العقود.

(وهو) أي: العوض المذكور (تمليك) للسابق (بشرط سبقه). فلهذا

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2577) 3: 29 أول كتاب الجهاد، باب في السبق.

(2)

في ج: بمبدى.

(3)

ساقط من أوب.

ص: 219

قال في " الانتصار " في شركة العنان: القياس لا يصح.

الشرط (الخامس: الخروج) بالعوض (عن شبه قِمار) بكسر القاف، يقال: قامره مقامرة وقمارا فقمره أي: راهنه فغلبه: (بأن لا يخرج) العوض (جميعهم)؛ لأنه إذا أخرجه كل واحد منهم لا يخلو من أن يغنم أو يغرم فيكون شبها بالقمار.

(فإن كان) الجعل (من الإمام). ويجوز كونه من ماله وكونه من بيت المال؛ لأن في ذلك مصلحة وحثا على تعليم الجهاد ونفعا للمسلمين.

(أو) كان الجعل (من غيره) أي: من مال غير الإمام. ويجوز كونه من

مال غير الإمام والمتسابقين؛ لأن فيه مصلحة وقربة؛ كما لو اشترى به خيلاً أو سلاحاً.

(أو) كان الجعل (من أحدهما) أو أحدهم أو من اثنين أو ثلاثة منهم أو من أكثر وثم من لم يخرج شيئا (على أن من سبق أخذه: جاز)؛ لأنه إذا جاز بذله من غيرهم. فلأن يجوز من مال بعضهم بطريق الأولى.

(فإن جاءا) أي: المتسابقان عند منتهى الغاية (معا) بأن لم يسبق أحدهما الآخر (فلاشيء لهما) من الجعل؛ لأنه لا سابق فيهما.

(وإن سبق مخرج) للعوض من المتسابقين: (احرزه) أي: أصرز

ما أخرجه (ولم يأخذ من صاحبه شيئا)؛ لأنه

(1)

إن أخذ منه شيئا كان قمارا. (وإن سبق الآخر) وكان المسبوق هو المخرج: (أحرز سبق صاحبه) فملكه وكان كسائر ماله؟ لأنه عوض في

(2)

الجعالة. فملك فيها؛ كالعوض المجعول في رد الضالة. فإن كان العوض في الذمة فهو دين يقضى به عليه ويجبر على تسليمه إن كان موسرا وإن أفلس ضرب به مع الغرماء.

(وإن أخرجا معا) بأن أخرج كل من المتسابقين شيئا: (لم يجز). سواء

(1)

ساقط من أ.

(2)

في أ: من.

ص: 220

كان الإخراج منهما على التساوي أو التفاضل. وكان قمارا؛ لأن كلا منهما لايخلو إما أن يغنم أو يغرم. (إلا بمحلل لا يخرج شيئا. ولا يجوز) كون المحلل (أكثر من واحد) على الصحيح من المذهب،، وعليه جماهير الأصحاب، وقطيع به كثير منهم.

قال الآمدي: لا يجوز أكثر من واحد لدفع الحاجة به.

وقال في " الرعاية ": وقيل يجوز أكثر من واحد.

ويشترط في المحلل: أن يكون (يكافئ مركوبه مركوبيهما) في المسابقة (أو رميه رميهما) في المتاضلة؛ لما روى أبو هريره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس قمارا، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار "

(1)

. رواه أبو داود.

فجعله قمارا إذا أمن أن يسبق؛ لأنه لا يخلو كل واحد منهما من أن يغنم أو يغرم، وإذا لم يؤمن أن يسبق لم يكن قمارا؛ لأن كل واحد منهما يجوز أن يخلو عن ذلك.

ولأنه إذا لم يكن مكافئا كان وجوده كعدمه.

(فإن سبقاه) أي: سبق المخرجان المحلل ولم يسبق أحدهما الآخر: (أحرزا سبقهما) أي: أحرز كل واحد منهما ما أخرجه؛ لأنه لا سابق فيهم. ولا شيء للمحلل؛ لأنه لم يسبق واحدا منهما، (ولم يأخذا منه شيئا)؛

لأنه لم يشرط

(2)

عليه لمن سبقه شيئا.

(وإن سبق هو) أي: المحلل المخرجين، (أو) سبق (أحدهما) أي:

أحد المخرجين صاحبه والمحلل: (أحرز السبقين)؛ لأنهما قد جعلا لمن سبق.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2579) 30: 3 أول كتاب الجهاد، باب في المحلل.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2876) 2: 960 كتاب الجهاد، باب السبق والرهان.

(2)

في ب: يشترط.

ص: 221

(وإن سبقا) أي: المحلل واحد المخرجين (معا: فسبق مسبوق) أي:

فما أخرجه المسبوق (بينهما) نصفين؛ لأنهما قد اشتركا في السبق. فوجب أن يشتركا في عوضه. وأما ما أخرجه السابق مع المحلل فقد أحرزه بسبقه.

قال في " الفروع ": واختار شيخنا لا محلل، وأنه أولى بالعدل من كون

السبق من أحدهما وأبلغ في تحصيل مقصود كل منهما. وهو بيان عجز الآخر،

وأن الميسر والقمار منه ما لم يحرم لمجرد

(1)

المخاطرة، بل لأنه أكل للمال بالباطل أو للمخاطرة المتضمنة له، وضعف جماعة خبر أبي هريرة في المحلل؛

لأنه من رواية سفيان بن حسين وسعيد بن بشير عن الزهري، وهما ضعيفان فيه، ورواه أئمه أصحابه عنه عن ابن المسيب، من

(2)

قوله.

وقال أيضا: إن سمح أحدهما للآخر بالإعطاء فلا إثم، قال: ولو جعله

الأجنبي لأحدهما إن غلب دون الآخر لم تجز، لأنه ظلم. انتهى.

(وإن قال غيرهما) اي: قال للمتسابقين مخرج غيرهما: (من سبق)

منكما (أو صلى فله عشرة: لم يصح مع اثنين)؛ لأنه لا فائدة إذا في طلب السبق فلا يحرص

(3)

، لأنه سوى بينهما.

(وإن زاد) على اثنين، (أو قال) المخرج: من سبق فله عشرة، (ومن

صلى فله خمسة.

وكذا على الترتيب للأقرب لسابق)؛ كما لو قال: ومن تلى فله أربعة:

(صح)؛ لأن كلا منهم إذاً يجتهد أن يكون سابقا ليحرز الأكثر.

(وخيل الحَلبة) بفتح الحاء المهملة وسكون

(4)

اللام (مرتبة) وهي: خيل

تجمع للسباق من كل أوب. لا تخرج من اصطبل واحد؛ كما يقال للقوم إذا

(1)

في أ: المجرد.

(2)

في أ: في.

(3)

في أ: يحرض.

(4)

في أوب: وتسكين.

ص: 222

جاؤا من كل أوب للنصرة: قد أحلبوا. قاله في " الصحاح ".

وفي " القاموس ": الدفعة من الخيل في الرهان وجمعها حلائب.

اولها: (مُجَل) بالجيم. وهو: السابق لجميع خيل الحلبة.

(فمُصَل). وسمي بذلك لأن رأسه تكون عند صلي المجلي، والصلوان

هما العظمان الناتئان من جانبي الذنب.

وفي الأثر عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " سبق أبو بكر وصلى عمر وخطتنا فتنة ".

وقال الشاعر:

إن تبتدر غاية يوما لمكرمة تلق السوابق فينا والمصلينا (فتال)، الثالث الذي يجئ بعد المصلي.

(فبارع)، الرابع.

(فمرتاح)، الخامس.

(فخطي)، السادس.

(فعاطف)، السابع.

(فمؤمِّل) على وزن معظم، الثامن.

(فلَطِيم)، التاسع.

(فسُكيت) على وزن كميت، وقد تشدد ياؤه، العاشر.

آخر خيل الحلبة (ففِسْكل)؟ كقنفذ وزبرج وزنبور وبرذون الذي يجيء آخر الخيل، ويسمى القاشور والقاشر.

وهذا الترتيب هو المقدم في " التنقيح " وتبعته عليه، ثم قال: وفي

" الكافي " وتبعه في " المطلع " مجل فمصل فمسل فتال فمرتاج

إلى آخره انتهى.

ص: 223

وقال المجد في " شرح الهداية ": فصل في أسماء السوابق، قال أبو الغيث:

أولها المجلي وهو السابق، ثم المصلي، ثم المسلي، ثم التالي، ثم العاطف، ثم المرتاح، ثم المؤمل، ثم الحظي، ثم اللطيم، تم السكيت. وهو الفسكل والقاشور. ذكر ذلك الجوهري في باب فسكل. وذكر في باب سكت فقال: السكيت مثل الكميت، آخر ما يجيء من الخيل في الحلبة من العشرة

(1)

المعدودات. وقد يشدد. فيقال: السكيت وهو القاشور والفسكل أيضا وما جاء بعد ذلك لا يعتد به. وقال في باب لطم: اللطيم التاسع من سوابق الخيل.

وقال أبو عبدالله في أوائل حديث علي في " الغرائب ": ولم أسمع من سوابق الخيل ممن يوثق بعلمه أسماء لشيء منها إلا الثانى والعاشر. فإن الثانى اسمه المصلي والعاشر السكيت، وما سوى ذلك فإنما يقال الثالث والرابع كذلك إلى التاسع.

قال الجوهري: الفسكل بالكسر الذي يجيء به في الحلبة، آخر الخيل،

ومنه قيل: رجل فسكل، إذا كان رذلا. انتهى كلام المجد.

(ويصح عقد لا شرط) فيلغو (في) ما إذا قال أحد المتسابقين لصاحبه:

(إن سبقتني فلك كذا، ولا ارمي أبدا أو) أرمي (شهرا) ونحو ذلك.

(أو) شرطا (أن السابق يطعم السبق) المجعول سبق (أصحابه أو بعضهم

أو غيرهم).

أما كون العقد يصح مع هذه الشروط الفاسدة؛ فلأنه قد تم بأركانه وشروطه المعتبرة. فإذا حذف

(2)

الزائد الفاسد بقي العقد على صحته.

وأما كون الشرط يلغو فيما إذا قال: ولا أرمي أبدا او وشهرا أو نحو ذلك؛

فلأنه منع لنفسه من شيء مطلوب منه شرعا. أشبه ما لو قال: ولا أجاهد أبدا أو مدة كذا.

(1)

في أوب: العشر.

(2)

في أ: صدق.

ص: 224

وأما كونه يلغو فيما إذا شرط

(1)

إطعام السبق لغيره؛ فلأنه عوض على

عمل. فلا يستحقه غير العامل؛ كالعوض في رد الآبق.

وقال في " الفروع ": وعند شيخنا يصح شرطه للأستاذ، وشراء قوس،

وكراء الحانوت، وإطعام الجماعة؛ لأنه مما يعين على الرمي. انتهى.

وذكر القاضي أن الشروط الفاسده في المسابقة تنقسم قسمين:

أحدهما: ما يخل بشرط صحة العقد؟ نحو: أن يعود إلى جهالة العوض أو

المسافة ونحوهما فيفسد العقد؛ لأن العقد لا يصح مع فوات شرطه.

والثاني: ما لا يخل بشرط صحة العقد ومثل بما في المتن، وبما إذا شرطا

أن لكل واحد منهما أو لأحدهما فسخ العقد متى شاء بعد الشروع في العمل، وأشباه هذا. قال: فهذه شروط باطلة في نفسها، وفي العقد المقترن بها وجهان:

أحدهما: صحته.

والثا نى: يبطل.

(1)

ساقط من أوب.

ص: 225

] فصل: في المسابقة]

(فصل. والمسابقة جُعالة: لا يؤخذ بعوضها رهن ولا كفيل)؛ لأنه جعل

على ما لا يتحققق القدرة على تسليمه وهو السبق أو الإصابة. فلم يجز أخذ الرهن أو الضمين به؛ كالجعل على رد الآبق.

(ولكل) من المتعاقدين (فسخها ما لم يظهر الفضل لصاحبه: فيمتنع عليه) بأن يسبقه في

(1)

بعض المسافة، أو يصيب أكثر في أثناء الرمي فإنه يمتنع على المفضول فقط الفسخ؛ لأنه لو جاز له ذلك إذا لذهب إلى الفسخ كل من ظهر له فضل صاحبه عليه. فيفوت غرض المسابقة فلا يحصل المقصود.

وقيل: له الفسخ أيضا.

(ويبطل) العقد (بموت أحدهما) قياسا على سائر العقود الجائزة، (أو) بموت (أحد المركوبين)، لأن العقد متعلق بعينه فانفسخ بتلفه، (لا) بموت (أحد الراكبين، أو تلف إحدى القوسين) ولو قيل بلزومها

(2)

. وهو وجه في المذهب " لأنه غير المعقود عليه. فلم ينفسخ العقد بتلفه، كموت أحد المتبايعين. وعلى القول باللزوم يقوم وارث الميت مقامه؛ كما لو استأجر شيئا ثم مات. فإن لم يكن له وارث أقام الحاكم مقامه من تركته، كما لو أجر نفسه لعمل معلوم ثم مات.

(و) يحصل (سبق في خيل متماثِلتي العنق: برأس، وفي) خيل (مختلفيهما) أي: الأعناق (و) في (إبل: بكتف)؛ لأن الاعتبار با لرأس هنا متعذر. فإن طويل العنق قد تسبق رأسه لطول عنقه لا بسرعة عدوه، وفي الإبل ما يرفع رأسه وفيها ما يمد عنقه فربما سبق رأسه لمد عنقه لا بسبقه. فلذلك اعتبر

(1)

في أ: من.

(2)

في ج: بلزومهما.

ص: 226

بالكتف. فإن سيق رأس قصير العنق فهو سابق بالضرورة، وإن سبق رأس طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فقد سبق، وإن كان بقدره لم يسبق، وإن كان أقل فالآخر سابق.

وقيل: الكل بالكتف.

وقيل: با لقدم.

وإن شرطا السبق بأقدام معلومة؛ كثلاثة أو أكثر أو أقل: لم يصح؛ لأن هذا لاينضبط.

ولا يقف الفرسان

(1)

عند الغاية بحيث يعرف مسافة ما بينهما.

ويشترط في المسابقة بعوض إرسال الفرسين أو البعيرين دفعة واحده، وأن

يكون عند أول المسافة من يشاهد إرسالها، وعند الغاية من يضبط

(2)

السابق منهما؛ لئلا يختلفا في ذلك.

وقد روى الدارقطني بإسناده عن على رضي الله تعالى عنه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال لعلي: قد جعلت لك هذه السبقة بين الناس. فخرج علي فدعا سراقة بن

مالك فقال: يا سراقة! إنى قد جعلت إليك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في عنقي من هذه السبقة في عنقك. فإذا أتيت الميطان- قال أبو عبدالرحمن: الميطان مرسلها من الغاية- فصف الخيل ثم ناد: هل من مصلح للجام، أو حامل لغلام، أو طارج لحبل؟ فإذا لم يجبك أحد فكبر ثلاثا ثم حلها عند الثالثة فليسعد الله بسبقه من شاء من خلقه. وكان علي يقعد عند منتهى الغاية يخط خطا ويقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط طرفه بين إبهامي أرجلهما وتمر الخيل بين الرجلين، ويقول لهما: إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه أو أذن أو عذار فاجعلوا السبقة له. فإن شككتما فاجعلواسبقهما نصفين "

(3)

.

(1)

في ج: الفرس.

(2)

في أ: يضبطه.

(3)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(22) 4: 305 كتاب السبق بين الخيل.

ص: 227

قال في " الشرح ": وهذا الأدب الذي ذكره في هذا الحديث في ابتداء الإرسال وانتهاء الغاية من أحسن ما قيل في هذا مع كونه مرويا عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه في قصة أمره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوضها إليه. فينبغي أن تتبع ويعمل بها.

(ويحرم أن يجنب أحدهما مع فرسه) أي: بجانبه (أو وراءه فرسا). لاراكب عليه (يحرضه على انعدو، وأن يصيح به) أي: بفرسه (في وقت سباقه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا جلب ولا جنب) في الرهان "

(1)

. رواه أبو داود من رواية عمران بن حصين.

قال في " الشرح ": ويروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أجنب

(2)

على الخيل يوم الرهان فليس منا ".

وقال القاضي: معناه أن يجنب فرسا يتحول

(3)

عليه عند الغاية؛ لكونه أقل

كلالاً

(4)

وإعياء.

قال ابن المنذر: كذا قيل ولا أحسب هذا يصح، لأن الفرس التي يسابق عليها لا بد من تعيينها.

ولأن المقصود معرفة عدو الفرس في المسافة كلها فمتى كان إنما يركبه في أخوها فما حصل المقصود. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(2581) 3: 30 أول كتاب الجهاد، باب في الجلب على الخيل في السباق.

(2)

في أ: أجلب.

(3)

في أ: فيحول.

(4)

في ج: كمالاً.

ص: 228

(فصل): في المناضلة

وسمي الرمي نضالاً؛ لأن السهم التام يسمى نضلا. فالرمي به عمل بالنضل. فسمي نضالا

(1)

.

(وشُرط لمناضلة) شروط أربعة:

الأول: (كونها على من يُحسن الرمي)؛ لأن الغرض معرفة الحذق به.

ومن لا يحسنه لا حذق له. فوجوده كعدمه.

(و) متى وقعت المناضلة بين حزبين كل حزب جماعة وكان في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي: فإن المناضلة (تبطل فيمن لا يحسنها من أحد الحزبين، ويخرج مثله) أي: من جعل بإزائه (من) الحزب (الآخر)؛ لأن كل واحد من الزعيمين

(2)

وهما الرئيسان يختار إنسانا ويختار الآخر في مقابلته آخر. فإن كان أحدهما لا يحسن الرمي بطل العقد فيه وأخرج الذي اختير فى مقابلته؛ كالبيع إذا بطل في بعض المبيع فإنه يسقط ما يقابله من الثمن.

(ولهم) أي: لمن

(3)

بقي منهم (الفسخ: إن أحبوا) لتبعيض الصفقة في حقهم. وإن كان كلهم يحسن الرمي لكن كان فيهم من هو قليل الإصابة فقال حزبه: ظنناه كثير الإصابة أو لم نعلم حاله. أو كان في أحد الحزبين من هو كثير الإصابة فقال الحزب الآخر: ظنناه قليل الإصابة: لم يسمع ذلك منهم؛ لأن شرط دخوله في العقد أن يكون من أهل الصنعة دون الحذق؛ كما لو اشترى عبدا على أنه كاتب فبان حاذقا أو ناقصا لم يؤثر.

(وإن تعاقدوا ليقتسموا بعد العقد حزبين) أي: ليعين رئيس كل حزب من

(1)

في أوب: نضلاً.

(2)

في أ: الوجيهين.

(3)

ساقط من أ.

ص: 229

معه (برضاهم لا بقرعة: صح)؟ لأن القرعة قد تقع على الحذاق في أحد الحزبين وعلى الكوادن في الآخر فيبطل مقصود النضال.

ولأنها إنما تخرج المبهمات، والعقد لا يتم حتى يتعين كل حزب. فلم يقع على مبهم تميزه القرعة.

(ويجعل لكل حزب رئيس. فيختار أحدهما) أي: أحد الرئيسين (واحدا) من الرماة ليكون من حزبه، (ثم الآخر) من الرئيسين (آخر) من الرماة، (حتى يفرغا) فإذا فرغا تم العقد على المعينين

(1)

بالاختيار إذاً.

ولا يجوز أن يختار كل واحد من الرئيسين أكثر من واحد واحد؛ لأن اختيار اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة يبعد من التساوي والعدل.

(وإن تشاحّا فيمن) أي: في أي الرئيسين (يبدا) منهما

(2)

(بالخيرة) أي: بأن يختار أولا: (اقترعا)؛ لأن القرعة تميز المستحق إذا ثبت الاستحقاق ابتداء لمبهم غير معين عند تساوي أهل الاستحقاق كما هنا.

(ولا يجوز جعل رئيس الحزبين واحداً)؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون تدبير كل حزب إليه. فلا يضره أي

(3)

حزب سبق. فيفوت الغرض المقصود من المناضلة.

(ولا) يجوز جعل (الخيرة في تمييزهما) أي: الحزبين (إليه) أي: إلى واحد لماتقدم.

وإن قال كل واحد

(4)

من الحزبين: لا يكون أحد

(5)

منا زعيماً إلا بقرعة يخرج بها الزعيمين: جازت القرعة هنا عند أصحابنا؛ لقلة الغرر والخطر. قاله المجد في "شرح الهداية ".

(1)

في أ: المتعينين.

(2)

في أ: منها.

(3)

في أوب: إن.

(4)

زيادة من ج.

(5)

في أ: من أحد.

ص: 230

ولا يشترط استواء عدد الرماة.

قال في " الإنصاف ": على الصحيح. صححه في " النظم "، وجزم به ابن عبدوس في " تذكرته ".

فعلى هذا لو كان أحد الحزبين عشرة والآخر ثمانية أو نحو ذلك صح.

وقيل: يشترط تساويهما في العدد.

الشرط (الثاني) من شروط المناضلة: (معرفة عدد الرمي)؛ لأنه لو لم يشترط لأدى إلى الاختلاف " لأنه قد يريد أحدهما القطع ويريد الآخر الزيادة. (و) عدد (الإصابة) ليتبين الحذق المقصود بالمناضلة. فيقال مثلا: الرشق عشرون والإصابة خمسة أو ستة أو نحو ذلك.

ويشترط كون عدد الرمي يمكن قسمه على عدد الرماة من غير كسر. فإن كانوا ثلاثة وجب أن يكون له ثلث، وإن كانوا أربعة وجب أن يكون له ربع، وكذلك ما زاد؛ لأنه إذا لم يكن كذلك بقي سهم أو أكثر بينهم لا يمكن الجماعة الاشتراك فيه.

ويشترط استواوهما في عدد الرمي والإصابة وفي صفتها وسائر أحوال الرمي. فإن جعلا رمي أحدهما عشرة والاخر أكثر أو أقل، أو شرطا أن يصيب أحدهما خمسة والآخر ستة، أو شرطا إصابة أحدهما خواسق والآخر خواصل، أو شرطا أن يحط أحدهما من إصابته سهمين، أو يحط سهمين من إصابته بسهم من إصابة صاحبه، أو شرطا أن يرمي أحدهما من بعد والآخر من قرب، أو أن يرمي أحدهما وبين أصابعه سهم والآخر وبين أصابعه سهمان، أو أن يرمي أحدهما وعلى رأسه شيء والآخر خال عن شاغل، أو أن يحط عن أحدهما واحد من خطئه لا له ولا عليه، وأشباه هذا مما تفوت به المساواة: لم يصح " لأن موضوعها على المساواة والغرض معرفة الحذق وزيادة أحدهما على الآخر، ومع التفاضل لا يحصل. فإنه ربما أصاب أحدهما لكثرة رميه لا بحذقه فاعتبرت المسا واة.

ص: 231

الشرط (الثالث: تبيين كونه) أي: الرمي (مفاضلة). وهي أحد أضرب الرمي الثلاثة، (كأينا) اي: ومثالها أن يقولا: أينا (فضل صاحبه بخمس إصابات من عشرين رمية. فقد سبق) أو نحو ذلك.

ويلزم فيها إتمام الرمي إذا كان فيه فائدة. فإذا قالا: أينا فضل صاحبه بثلاث إصابات من عشرين رمية فهو سابق فرميا اثني عشر سهماً فأصاب بها أحدهما واخطأها الآخر كلها: لم يلزم إتمام الرشق، لأن أكثر ما يكون أن يصيب الآخر الثمانية الباقية ويخطئها الأول ولا يخرج الأول بهذا عن كونه سابقاً. وإن كان الأول إنما أصاب من الاثني عشرة عشر ألزمهما أن يرميا الثالث عشرة فإن أصابا أو أخطا او أصابها الأول وحده: فقد سبق ولا يحتاج إلى إتمام الرشق، وإن أصابها الآخر دون الأول فعليهما أن يرميا الرابع عشرة والحكم فيها وفيما بعدها كالحكم في الثالث عشرة في أنه متى أصابها أو أخطأ أو أصابه الأول فقد سبق ولا يرميان ما بعدها، وإن أصابها الآخر وحده رميا ما بعدها. وضابط ذلك: أنه متى بقي من عدد الرمي ما يمكن أن يسبق أحدهما به صاحبه أو يسقط به سبق صاحبه لزم الإتمام وإلا فلا.

(أو) تبيين كون الرمي (مبادرة) وهي الضرب الثانى من أضرب الرمي الثلاثة، (كأينا) أي: ومثالها أن يقولا: أينا (سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية. فقد سبق) أو نحو ذلك. فأيهما سبق إلى عدد إصابة عيناه مع تساويهما في الرمي: فهو السابق. فإذا رميا في مثال المتن عشرة عشرة فأصاب أحدهما خمسا ولم يصب

(1)

الآخر خمسا فالمصيب خمسا هو السابق. سواء أصاب الآخر أربعا أو ما دونها أو لم يصب شيئاً.

(ولا يلزم إن سبق إليها واحد، إتمام الرمي) اي: إتمام العشرين، لأن السبق قدحصل بسبقه إلى ما شرطا السبق إليه.

وإن اصاب كل واحد منهما من العشر خمسا فلا سابق فيهما ولا يكملان

(1)

في أ: يصيب.

ص: 232

الرشق؛ لأن جميع الإصابة المشروطة قد حصلت واستويا فيها.

(أو) تبيين كون الرمي (محاطّة) وهي

(1)

الضرب الثالث؛ وذلك (بأن) يشترطا أن (يحط من تساويا فيه: من إصابة من رمي معلوم، مع تساويهما في) عدد (الرميات: فأيهما فضل) صاحبه (بإصابة معلومة فقد سبق).

والفرق بين المفاضلة والمحاطة: أن المحاطة يقدر فيها الإصابة من الجانبين. بخلاف المفاضلة. ويدل لذلك قول المجد في " شرح الهداية ": فالمفاضلة اشتراط إصابة عدد من عدد فوقه؛ كإصابة عشرة من عشرين على أن يستوفيا رميهما. فإن تساويا في الإصابة أحرز أسبقهما، وإن أصاب أحدهما تسعة والآخر عشرة أو أكثر فقد فضله. والمحاطة: أن يشترطا حط ما يتساويان فيه من الإصابة في رشق معلوم فإذا فضل أحدهما بإصابة معلومة فقد سبق.

وقال في " الشرح " بعد أن ذكر

(2)

أن الرمي على ثلاثة أضرب:

أحدها: يسمى المبادرة.

ثم قال: الثاني المفاضلة. وحدها بمعنى ما في المتن، ثم قال: ويسمى محاطة.

ثم قال: الثالث أن يقولا: أينا أصاب خمسا من عشرين فهو سابق. فمتى

أصاب أحدهما خمسا من العشرين ولم يصبها الآخر فالأول سابق، وإن أصاب كل واحد منهما خمسا أو لم يصب

(3)

واحد منهما خمسا فلا سابق فيهما. انتهى.

وهذا معنى تقسيم المجد إلا أنهمل اختلفا في التسمية. والله أعلم.

ووجه كون تبيين أن الرمي من أي الأضرب الثلاثة شرطاً لصحة المناضلة:

كون غرض الرماة يختلف بذلك؛ فإن منهم من تكثر إصابته في الابتداء دون

(1)

في أوب: وهو.

(2)

في أ: يذكر.

(3)

في أ: يصيب.

ص: 233

الانتهاء، ومنهم من هو بالعكس في ذلك. فوجب بيان ذلك؛ ليعلم الرامي ما دخل عليه.

وقيل: لا يحتاج إلى اشتراط ذلك؛ لأن مقتضى النضال المبادرة، وأن من بادر إلى الإصابة فهو السابق. فإنه إذا شرط السبق لمن أصاب خمسة من عشرين فسبق إليها واحد فقد وجد الشرط.

(وإن اطلقا الإصابة) في العقد، (أو قالا) اي: شرطا أنها: (خواصل) بالخاء المعجمة والصاد المهملة: (تناولها) أي: تناول اللفظ الإصابه (على أي صفة كانت).

قال في " الشرح ": قال الأزهري: يقال خصلت مناضلي خصلة وخصلاً. ويسمى ذلك القرع والقرطسة، يقال: قرطس إذا أصاب. انتهى.

وظاهر المتن: صحة المناضلة مع إطلاق الإصابة وهو الصحيح.

وقيل: إنه يشترط لصحة المناضلة وصف الإصابة.

وعلى المذهب: يسن أن يصفاها.

(وإن قالا) أي: اشترط

(1)

المتناضلان أن الإصابة

(2)

: (خواسق، أو خوازق بالزاي، أو مقرطس). وهي: (ما خرق الغرض وثبت فيه.

أو) اشترطا] أن الإصابة (خوارق بالراء، أو موارق). وهي: (ما

خرقه) أي: الغرض (ولم يثبت).

او اشترطا [

(3)

أنها (خواصر). وهي: (ما وقع في أحد جانبيه.

أو) اشترطا أنها (خوارم). وهي: (ما خرم جانبه.

أو) اشترطا أنها (حوابي) بالحاء المهملة. وهي: (ما وقع بين يديه ثم وثب إليه) أي: إلى الغرض.

(1)

في أوج: اشترطا.

(2)

في أ: للإصابة.

(3)

ساقط من أ.

ص: 234

(أو شرطا إصابة موضع منه؛ كدائرته) أي: دائرة الغرض: (تقيدت) المناضلة (به) أي: بما شرط؛ لأن المرجع في المناضلة إلى شرطها.

وإن شرطا الخواسق والحوابي معا صح. قاله في " الشرح ".

وقال أيضا: فإن شرطا إصابة موضع من

(1)

الهدف على أن يسقط

(2)

ما قرب

من إصابة أحدهما ما بعد من إصابة الآخر ففعل، ثم فضل أحدهما الآخر بما شرطاه: كان سابقا. ذكره القاضي. وهو مذهب الشافعي؛ لأنه نوع من المحاطة. فإذا أصاب أحدهما موضعا بينه وبين الغرض شبر وأصاب الاخر موضعا بينه وبين الغرض أقل من شبر: سقط الأول، وإن أصاب الأول الغرض أسقط الثانى، وإن أصاب الثانى الدائرة التي في الغرض لم

(3)

يسقط الأول؛ لأن الغرض كله موضع الإصابة. فلم يفضل أحدهما صاحبه إذا أصاباه إلا أن يشرطا

(4)

ذلك. انتهى.

قال المجد: وإذا شرط الخسق ثم رمى أحدهما فأصاب الغرض وسقط السهم وادعى الرامي أنه خسق، وأنه إنما لم يثبت في الغرض؛ لغلظ لقيه من حصاة أو نواة ونحوهما، وقال رسيله: لم

(5)

يخرق: فالقول قول الرسيل إذا لم يعلم موضع الإصابة. إذ الأصل أن لا خسق. ولا يمين عليه. إلا أن يكون في الغرض ما يمنع ثبوت السهم فيحلفه .. هذا كله قولنا وقول الشافعية. وإن عرف موضع الإصابة ولم يكن فيه مانع فالقول قول الرسيل بلا يمين.

وإن كان فيه مانع فوجهان للشافعية:

" أحدهما: القول قول الرامي.

(1)

في أ: في.

(2)

في أ: يسقطه.

(3)

ساقط من أ.

(4)

في أ: يشترطا.

(5)

في أوب: لمن.

ص: 235

والثانى: قول الرسيل كمذهبنا؛ لأننا لا نعلم لولا المانع هل يكون حقا أو لا؛. والأصل عدمه.

فعلى هذا لا يعتد به لا له ولا عليه، وهذا تفريع على الأصح في أن الثقب الصالح للخسق إذا لم يثبت فيه السهم لا يكون حقاً. انتهى.

(ولا يصح شرط إصابة نادرة).

قال في " الفروع ": قاله في " المغني " وغيره.

وفي " الترغيب " وغيره: يعتبر إصابة ممكنة. انتهى.

وذلك لأن الظاهر أن الإصابة النادرة كتسعة من عشرة لا توجد. فيفوت المقصود.

(ولا) يصح (تناضلهما على أن السبق لأبعدهما رميا)، لأن الغرض من الرمي الإصابة إما بقتل العدو أو جرحه أو الصيد ونحو ذلك، وكل هذا إنما يحصل من الإصابة لا من بُعد الرمي.

الشرط (الرابع) من شروط المناضلة: (معرفة قدره) أي: الغرض (طولاً وعرضاً وسمكاً وارتفاعاً) من الأرض، إما بالمشاهده وإما بتقديره بشيء معلوم، لأن الإصابة تختلف باختلاف صغره وكبره وغلظه ورقته وارتفاعه وانخفاضه. فوجب اعتبار ذلك.

والغرض: ما تقصد إصابته بالرمي من قرطاس أو جلد أو خشب أو قرع أو غيره. سمي غرضا، لأنه يقصد، ويسمى أيضا شارة وشناً.

وقال الأزهري: ما نصب في الهدف فهو القرطاس، وما نصب في الهواء

فهو الغرض.

وفي " القاموس ": القرطاس: كل أديم ينصب للنضال.

(وإن تشاحا في الابتداء) أي: تشاح المتناضلان في المبتدئ بالرمي منهما: (أقرع). بينهما؛ لأنه لا بد أن يبتدئ أحدهما بالرمي.

ص: 236

ولأنهما لو رميا معاً أفضى

(1)

إلى الاختلاف ولم يعرف المصيب منهما. وقد

استويا في الاستحقاق فصير

(2)

إلى القرعة، كما لو تنازع المتقاسمان في استحقاق سهم معين.

وأيهما خرجت له القرعة فبدره الآخر ورمى لم يعتد له بسهم أصاب أم أخطأ.

وقيل: يقدم بالابتداء من له مزية بإخراج السبق.

ويستحب تعيين المبتدئ

(3)

بالرمي عند عقد المناضلة. واختار في

" الترغيب ": انه يعتبر ذكر المبتدئ منهما.

قال المجد في " شرح الهدايه ": ويجوز أن يرميا سهماً سهماً، وخمساً خمساً، وأن يرمي كل واحد جميع الرشق. وإن شرطا شيئا حمل عليه. فإن أطلق تراسلا سهماً سهما؛ لأنه العرف. هذا قول الشافعية وأصحابنا.

وقال أيضا: وإن

(4)

اختلفا في موضع الوقوف هل هو عن يمين الغرض أو

عن يساره: فالأمر إلى البادئ منهما. فإذا صار الثانى إلى الغرض صار الخيار إليه أيضا، ليستويا. هذا قول الشافعية وأصحابنا. وذكر في " الحلية " وجها آخر: أن الأول إذا لم يرض أن يقف الثانى إلى حيث وقف هو فله ذلك، وإن طلب أحدهما استقبال الشمس والآخر استدبارها أجيب من طلب استدبارها عندهم وعندنا. انتهى.

(وإذا بدأ) أحدهما (في وجه: بدا الآخر في) الوجه (الثاني) تعديلا بينهما. فإن

(5)

شرطا البداءة لأحدهما في كل الوجوه: لم يصح، لأن موضوع المناضلة على المساواة وهذا تفاضل.

فإن فعلا ذلك من غير شرط بتراضيهما جاز؛ لأن البداءة لا أثر لها في

(1)

في أ: اقتضى.

(2)

في أ: تصير.

(3)

في أوب: المبدى.

(4)

في أوب: واذا.

(5)

في أوب: فإذا.

ص: 237

الإصابة ولا في وجود الرمي.

وإن شرطا أن يبدأ كل واحد منهما من وجهين متواليين جاز.

ويحتمل أن يكون اشتراط البداءة في كل موضع ذكرنا غير لازم ولا يؤثر في العقد؛ لأنه لا أثر له في تجويد

(1)

رمي ولا كثرة إصابة. وكثير من الرماة يختار التأخر على البداءة فيكون وجود هذا الشرط كعدمه. ذكره في " الشرح ". (وسن) في المناضلة (جعل غرضين) يرمي الرسيلان

(2)

أحدهما. ثم

(3)

يمضيان إلى الرمي فيأخذان السهام ويرميان الآخر؛ لأن هذا كان فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة ".

وقال إبراهيم التيمي: " رأيت حذيفة يشتد بين الهدفين يقول أنا بها في قميص "

(4)

.

وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مثل ذلك

(5)

.

والهدف: ما ينصب الغرض عليه من تراب مجموع أو حائط أو نحو ذلك.

و (إذا) كان غرضان و (بدا أحدهما) أي: أحد الراميين (بغرض: بدا الآخر بالثاني) ليحصل التعادل.

(وإن أطارته الريح) اي: أطارت الريح الغرض، (فوقع السهم موضعه) أي: موضع الغرض (وشرطهم) أي: المتنا ضلين: (خواسق، أو نحوها) ومقرطبس: (لم يحتسب له) أي: للرامي (به) أي: بالسهم الواقع موضع الغرض، (ولا) يحتسب به (عليه)؛ لأنا لا ندري هل كان يثبت في الغرض لو كان موجؤداً أو لا؟.

(1)

في أوب: تحويد.

(2)

في أ: الرسلان.

(3)

في أوب: لم.

(4)

أخرجه سعيد بن منصور في " سننه "(2458) 2: 173 كتاب الجهاد، باب ما جاء في الرمي وفضله.

(5)

أخرجه سعيد بن منصور في " سننه "(2459) الموضع السابق.

ص: 238

وقيل: إن كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض فثبت في

(1)

الهدف احتسب

له به، وإن لم يثبت فيه مع التساوي لم يحتسب.

وإن كان شرطهم خواصل احتسب به لراميه؛ لأنه لو كان الغرض موضعه لأصابه.

ولو بقي الغرض موضعه وشرطهم خواصل وأصاب الغرض بعرض السهم أو

بقوته بأن انقلب بين يدفي الغرض فأصابه فوقه، أو انكسر السهم قطعتين وأصاب الغرض واحدة منهما: لم يعتد به.

ولو كان الغرض جلداً وخيط عليه] شنبر كشنبر المنخل

(2)

وجعلا له عرى وخيوطا تعلق به في العرى فأصاب السهم [

(3)

الشنبر أو العرى وشرطهم خواصل: اعتد به؛ لأن ذلك من الغرض.

وأما المعاليق وهي الخيوط فلا يعتد بإصابتها مطلقا؛ لأنها ليست من الغرض فهي كالهدف.

وإن أصاب السهم سهما في الغرض قد علق نصله فيه وباقيه خارج منه] لم يحتسب له به ولاعليه.

ولو كان السهم قد غرق في الغرض إلى فوقه حسبت له إصابته P لأنه لو]

(4)

لم يكن لأصاب الغرض يقينا.

وإذا تناضلا على أن الإصابة حوابي على أن من خسق منهما كان بجانبين،

أو على أن ما قرب من الشيء سقط الذي هو منه أبعد جاز. قاله القاضي وابن عقيل، نقله عنهما المجد واقتصر عليه.

(وإن عرض) لأحدهما (عارض: من كسر قوس، أو قطع وَتَر، أو ريح

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: المنحل.

(3)

ساقط من ب.

(4)

ساقط من أ.

ص: 239

شديدة) فأخطأ أو أصاب: (لم يحتسب بالسهم)، لأن العارض كما يجوز أن يصرفه عن الصراب إلى الخطأ يجوز أن يصرفه عن الخطأ إلى الصواب.

وقيل: يحتسب له إن أصاب. لا عليه إن أخطأ.

وقيل: يحتسب له إن أصاب وعليه إن أخطأ.

وإن حال حائل بينه وبين الغرض فنفد منه وأصاب الغرض: حسب له، لأن

هذا من سداد الرمي وقوته.

(وإن عرض مطر أو ظلمة) عند الرمي: (جاز تأخيره)، لأن المطر يرخي الوتر. والظلمة عذر لا يمكن معه فعل المعقود عليه.

ولأن العادة الرمي نهاراً. إلا أن يشترطاه ليلاً فيلزم. فإن كانت الليلة مقمرة منيرة اكتفى بذلك، وإلارميا في ضوء شمعة أو مشعل.

وإن أراد أحدهما التطويل والتشاغل عن الرمي بما لا حاجة إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك لعل صاحبه ينسى القصد الذي أصاب به أو يفتر: منع من ذلك وطولب بالرمي. ولا يزعج بالاستعجال بالكلية بحيث يمنع من تحري الإصابة.

ويمنع كل واحد منهما من الكلام الذي يغيظ به صاحبه مثل: أن يرتجز أو يفتخر ويتبجح بالإصابة، ويعنف صاحبه على الخطأ، ويظهر أنه يعلمه. (وكلره) لحاضرهما من أمين وشهود وغيرهما (مدح أحدهما، أو) مدح (المصيب، وعيب المخطئ، لما فيه: من كسر قلب صاحبه) وغيظه. وإنما ذكرت هذا التعليل في المتن على خلاف العاده تبعا لذكره في " المقنع ".

قال في " الفروع ": وحرمه ابن عقيل، ويتوجه: يجوز مدح المصيب ويكره عيب غيره. ويتوجه في شيخ العلم وغيره مدح المصيب من الطلبة وعيب غيره كذلك. انتهى.

ص: 240

قال في " الإنصاف ": قلت:

(1)

إن كان مدحه يفضي إلى تعاظم الممدوح، أو كسر قلب غيره: قوي التحريم، وإن كان فيه تحريض على الاشتغال ونحوه: قوي الاستحباب. والله اعلم

(2)

.

(ومن قال) لآخر: (ارم عشرة أسهم. فإن كلان صوابك) أي: إصابتك

فيها (أكثر من خطئك فلك درهم، أو) قال: (فلك بكل سهم أصبت به درهم)، أو قال: فلك بكل سهم زائد على النصف من المصابات درهم. (أو) قال: (ارم هذا السهم فإن أصبت به فلك درهم: صح) في الجميع، وكان جُعالة، (ولزمه) الجعل (بذلك) أي: بالإصابة التي شرطها؛ لأنه بذل مال على عمل فيه غرض صحيح. ولم يكن نضالا؛ لأن النضال إنما يكون بين اثنين أو جماعة على أن يرموا جميعا ويكون الجعل لبعضهم إذا كان سابقا.

وفي المسألة الأولى وجه: لا يصح.

فال المجد: فإن قال رجل لآخر ارم عشرة وناضل

(3)

فيها خطؤك بصوابك.

فإن كان صوابك أكثر فلك دينار: ففيه وجهان للشافعية:

أحد هما: يجو ز.

والثانى: لا يجوز. وكذلك الوجهان لأصحابنا.

ولو فال لرجل: ارم هذا السهم فإن أصبت فلك دينار صح ذلك وجهاً

واحداً. انتهى.

ووجه المذهب: أنه جعل معلوم في مقابلة

(4)

إصابة معلومة. فإن أكثر العشرة أقله ستة وليس ذلك مجهولاً؛ لأنه بالأقل يستحق الجعل.

(1)

في أ: قلنا.

(2)

زيادة من ج.

(3)

في أ: وناصل.

(4)

في أوب: ومقابلة.

ص: 241

ووجه الصحة فيما إذا قال: فلك بكل سهم أصبت به درهم بالقياس على من قال: من رد شيئا من عبيدي فله بكل عبد رده درهم.

ولا يجوز إن قال: وإن كان خطؤك أكثر فعليك درهم أو نحو هذا. و) لا

إن قال: وإن أخطات فعليك درهم)، لأنه قمار.

وإن قال من أراد رمي سهم لحاضره: إن أخطأت فلك درهم لم يجز؛ لأن الجعل إنما يكون في مقابلة عمل ولم يوجد

(1)

من الحاضر عمل فيستحق به شيئا. والله سبحانه وتعالى أعلم

(2)

.

(1)

في أ: يؤجل.

(2)

في ب: والله أعلم.

ص: 242

[كتاب العارية]

هذا (كتاب) يذكر فيه مسائل من أحكام العارية.

وهي مشتقة: من عار الشيء إذا ذهب وجاء. ومنه قيل

(1)

للبطال: عيّار؛

لتردده في بطالته، والعرب تقول: أعاره وعاره مثل: أطاعه وطاعه

(2)

.

وقيل: إنها مشتقة من العري الذي هو التجرد؛ لتجردها من العوض، كما تسمى النخلة الموهوبة

(3)

عرية؛ لتعريها عنه.

وقيل: من التعاور وهو التناوب

(4)

؛ لجعل المالك للمستعير نوبة في الانتفاع. (العارية) بتخفيف الياء وتشديدها حقيقة: (العين المأخوذة) من مالكها ومالك منفعتها أو مأذونهما (للاتنفاع بها) مطلقاً أو زمنا مقدرا (بلا عوض) من الآخذ لها أو من غيره.

وتطلق كثيراً على الإعارة مجازاً.

(والإعارة: إباحة نفعها) أي: أن يبيح المعير للمستعير الانتفاع بالعين المعارة (بلا عوض).

وقيل: إنها هبة المنفعة.

والأصل في مشر عيتها الإجماع. وسنده من الكتاب قوله تعالى:

(وتعاونواعلى البر والتقوى)] المائدة: 2 [. والعارية من البر.

وقوله تعالى:) لاخير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف)

] النساء: 114 [، والعارية من المعروف.

(1)

في أ: وقيل.

(2)

في أ: طاعه وأطاعه.

(3)

في ب: المرهونة.

(4)

في ب: التناول.

ص: 243

و" قولى تعالى: (ويمنعون الماعون)] الماعون: 7 [، قال ابن عباس وابن مسعود: العواري "

(1)

.

و" فسر العواري ابن مسعود: بالقِدْر والميزان والدلو "

(2)

.

ومن السنة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته في حجة الوداع:

" العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين يقضى، والزعيم غارم "

(3)

. قال الترمذي: حديث حسن غريب.

وما روى صفوان بن أميه " أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعا يوم حنين فقال: أغصباًً

(4)

يا رسول الله! فقال: بل عارية مضمونة. قال: فضاع بعضها، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب "

(5)

. رواه أحمد وأبو داود.

ولأنه لما جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع، ولذلك صحت الوصية

بالأعيان والمنافع.

(وتستحب) الإعارة، لكونها من البر والمعروف.

وقيل: تجب لذم مانعها في الآية.

ولما روى أبو هريره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم

(1)

أما حديث ابن عباس فقد أخرجه ابن أبي شيبه في " مصنفه "(10619) 2: 420 كتاب الزكاة، قوله تعالى:(ويمنعون الماعون). وأما حديث ابن مسعود فسيأتي في الحديث التالي.

(2)

عن عبد الله قال: " كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عَوَرَ- أي عارية- الدلو والقدر ". أخرجه أبو داود في " سننه "(1657) 2: 124 كتاب الزكاة، باب في حقوق المال.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3565) 3: 296 كتاب البيوع، باب في تضمين العارية.

أخرجه الترمذي في " جامعه "(2120) 4 ة 433 كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث. عن أبي أمامة الباهلي.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2398) 801: 2 كتاب الصدقات، باب العارية.

(4)

في ب: أغصب.

(5)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3562) 3: 296 كتاب الإجارة، باب في تضمين العارية.

وأخرجه اخمد في " مسنده "(27674) 6: 465

ص: 244

لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قَرْقر تطؤه ذاتُ الظلف بظلفها، وتنطحه ذاتُ القرن. ليس فيها يومئذ جمَّاء ولا مكسورة القرن. قلنا: يارسول الله! وما حقها؟ قال: إعارةُ دلوها وإطراقُ فحلها "

(1)

. رواه أحمد ومسلم.

ورُد الاستدلال بالآية على وجوبها: بأن المفسرين اختلفوا في الماعون على خمسة تأويلات:

أحدها: ما تقدم.

والثانى: أنه الزكاة. وهو قول ابن عمر والحسن وزيد بن أسلم وعلي بن عمرو.

والثالث: أنه المعروف. وهو قول محمد بن كعب القرظي.

والرابع: أنه المال بلسان قريش. وهو قول ابن المسيب والزهري.

والخامس: أنه المنافع. وهو قول أبي جعفر الحميري.

فلا تكون نصاً في العارية.

وبأن الحديث معارض بقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت

ما عليك ". رواه ابن المنذر.

وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليس في المال حق سوى الزكاة "

(2)

.

وبأن في " حديث الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا فرض الله علي من الصدقة أو من الزكاة؟ قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع شيئا "

(3)

. أو كما قال.

(1)

أخرجه مسلم في صحيحه (987) 2: 681 كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة.

وأخرجه أحمد في " مسنده "(8965) 2: 383

(2)

أخرجه الترمذي في " جامعه "(660659) 3: 48 كتاب الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقاً سوى الزكاة.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(1789) 1: 570 كتاب الزكاة، باب ما أدى زكاته ليس بكنز.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(46) 1: 25 كتاب الايمان، باب الزكاة من الإسلام.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(11) 1: 40 كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.

ص: 245

(وتنعقد) الإعارة (بكل قول أو فعل يدل عليها)؛ كأعرتك هذه الدابة،

أو اركبها إلى كذا، أو خذها تحتك، أو استرح عليها ونحو ذلك. وبدفعه دابته لرفيقه عند تعبه، وتغطيته بكسائه إذا راه برد ونحو ذلك؛ لأنها من البر. فصحت بمجرد الدفع؛ كدفع الصدقة.

ومتى ركب الدابة أو استبقى الكساء عليه كان ذلك قبولا لها.

قال في " الترغيب ": يكفي ما دل على الرضى من قول أو فعل. فلو سميع

من يقول: أردت من يعيرنى كذا فأعطاه كفى؛ لأنه إباحة لا عقد. نقله عنه في "الفروع " واقتصر عليه.

(وشُرط) لصحة الإعارة أربعة شروط:

أحدها: (كون عين) معارة (منتفعا بها مع بقائها)؟ كالدور والرقيق والدواب واللباس والأوانى. بخلاف ما لا يُنتفع به إلا مع تلف عينه، كالأطعمة والأشربة ونحوها. لكن إن أعطاها بلفظ الإعاره، فقال ابن عقيل: احتمل أن تكون إباجة الانتفاع على وجه الإتلاف. ذكره عنه المجد في " شرح الهداية "، واقتصر عليه.

(و) الثاني: (كون معير أهلا للتبرع شرعا)؛ لأن الإعارة نوع من التبرع لكون منه ما هو إباحة عين؛ كالإذن في أكل الطعام، والإعارة إباحة منفعة. (و) الثالث: كون (مستعير أهلا للتبرع له) بتلك العين المعارة، بأن يكون يصح منه قبول هبة تلك العين المعارة " لأن الإباحة شبيهة بالهبة

(1)

. (وصح في) إعارة (مؤقتة شرط عوض معلوم، وتصير إجارة).

قال ابن رجب: قاعدة فيما

(2)

إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن

(1)

ساقط من أ.

(2)

في أ: فيها.

ص: 246

موضوعها فهل يفسد العقد بذلك أو يجعل كناية عما يمكن صحته على ذلك الوجه؟ فيه خلاف يلتفت إلى أن المغلب هل هو اللفظ أو المعنى؟. ويتخرج على ذلك مسائل:

منها: لو أعاره وشرط عليه العوض هل يصح أم لا؟ على وجهين:

أحدهما: يصح ويكون كناية عن القرض، فيملكه بالقبض إذا كان مكيلاً أو موزوناً. ذكره أبو الخطاب في " انتصاره " وكذلك ذكر القاضي في " خلافه " وأبو الخطاب في موضع من " رؤوس المسائل ": أنه يصح عندنا شرط العوض في العارية، كما يصح شرط العوض

(1)

في الهبة؛ لأن العارية هبة منفعة ولا تفسد بذلك، مع أن القاضي قرر

(2)

أن الهبة المشروط فيها العوض ليست بيعاً، وإنما الهبة تارة تكون تبرعاً وتارة تكون بعوض. وكذلك العتق، ولا يخرجان عن موضوعهما فكذلك العارية، فهذا مأخذٌ آخر للصحة.

والوجه الثانى: أنها تفسد بذلك. وجعله أبو الخطاب في موضع آخر المذهب؛ لأن العوض يخرجها عن موضوعها.

وفي " التلخيص ": إذا أعاره عبده على أن يعيره الآخر فرسه فهي إجارة فاسدة غير مضمونة، وهذا رجوع إلى أنها كناية في عقد آخر، والفساد إما أن يكون لاشتراط عقد في عقد آخر، وإما لعدم تقدير المنفعتين، وعليه خرجه الحارثي. انتهى.

فعلم من ذلك: أن الراجح من الوجهين: أن الفساد؛ لعدم تقدير المنفعين.

فإذا أُقتت العارية وكان العوض معلوما كانت إجارة صحيحة. والله أعلم. (وإعارة نقد، ونحوه)؛ كالمكيلات وسائر الموزونات (لا لما يستعمل

فيه) المعار، (مع بقائه)؛ كما لو استعار النقد لينفقه أو المكيل أو الموزون ليأكله:(قرض)؛ لأن هذا معنى القرض. فانعقد القرض به؛ كما لو صرح به.

(1)

في ج: التعو يض.

(2)

في ج: قرار.

ص: 247

قال في " الفروع ": وفي " الانتصار " لفظ العارية في الأثمان قرض.

وفي " المغني ": إن استعارها للنفقة فقرض.

وقيل: لا يجوز.

ونقل صالح: منحة لبن هو العارية، ومنحة ورق هو القرض.

وذكر الأزجي خلافا في صحة إعارة دراهم ودنانير للتجمل والزينة. انتهى. وعلم مما تقدم أن استعارة ذلك لما يستعمل فيه مع بقائه؛ كالوزن والتحلي ليست بقرض.

(و) الشرط الرابع: (كون نفع) في العين المعارة الذي أباحه له المعير (مباحاً) شرعا للمستعير؛ لأن الإعارة إنما تبيح له ما أباحه له الشارع، فلا يصح أن يستعير إناء من أحد النقدين ليشرب فيه، ولا حلياً محرماً على رجل ليلبسه، ولا قناً مسلما ليخدم كافرا، ولا أن يستعير أمة ليطأها ونحو ذلك. وحيث أبيح النفع صحت الاستعارة من أجله.

(ولو لم يصح الاعتياض عنه) يعني: أنه لا يشترط في صحة إعارة عين كونها تصح إجارتها؛ (كـ) استعارة (كلب لصيد، وفحل لضِراب)؛ لأن نفعهما في ذلك مباح، ولا محظور في إعارتهما لذلك؛ لأن المنهي عنه هو العوض المأخوذ عن ذلك.

" ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حق الإبل والغنم والبقر إطراق فحلها "

(1)

.

(وتجب إعارة مصحف لمحتاج لقراءة: إذا عدم) مصحفاً

(2)

(غيره).

قال ابن رجب: نقله القاضي في " الجامع الكبير " واقتصر عليه. وخرج ابن عقيل وجوب الإعارة أيضا في كتب للمحتاج إليها من القضاة والحكام وأهل الفتاوى.

(1)

الحديث سبق تخريجه ص (245) رقم (1).

(2)

في أ: مصحف.

ص: 248

(وتكره إعارة أمَة جميلة لذكر غير مَحْرَم) مطلقاً.

وقيل: إن خلا بها أو نظر إليها.

وقيل: يحرم.

قال في " التنقيح ": وهو أظهر. ولا سيما لشاب

(1)

خصوصا العزب. انتهى.

لأنه لا يؤمن عليها.

ومتى وطئها كان زانياً وعليه الحد إن علم التحريم ولسيدها المهر. سواء طاوعته أو أكرهها. وإن كان جاهلا فلا حد ويلحقه النسب.

قال المجد: قاله اصحابنا. وعندي: أن مدعي الجهل لا يقبل منه إلا إذا

كان مثله يجهله، فإن الجهل بذلك نادر. انتهى.

وعلم مما تقدم إباحة إعارة الشوهاء والكبيرة التي لا يشتهى مثلها لذكر غير محرم. وهو المذهب.

وقيل: يكره أيضاً.

وظاهر ما تقدم أيضاً إباحة إعارة الأمة مطلقاً لمحرمها وللمرأة؛ لأنه مأمون عليها عندهما. وهو المذهب.

وقيل: يكره.

وفي " الترغيب ": إلا البرزة.

(و) تكره (استعارة اصله)؛ كأبيه وأمه وجده وجدته وإن علوا

(لخدمته)؛ لأنه يكره أن يستخدم أصله فكرهت استعارته كذلك.

(وصح رجوع معير) في عارية (ولو قبل أمدٍ عيّنه. لا في حال يستضر به) بالرجوع في تلك الحال (مستعير).

أما كون المعير يملك الرجوع متى شاء؛ فلأن المنافع المستقبلة لم تحصل

في يد المستعير. فلم يملكها بالإعارة؛ كما لو لم تحصل العين في يده.

(1)

في ج: الشاب.

ص: 249

ولأن المنافع إنما تستوفى شيئا فشيئا، فكلما استوفى منفعة فقد قبضها، والذي لم يستوفه لم يقبضه. فجاز الرجوع فيه؛ كالهبة قبل القبض.

وعنه: إن عين مدة تعينت.

وعنه: ومع إطلاقه لا يرجع قبل انتفاعه.

قال القاضي: القبض شرط في لزومها، وقال: يحصل بها الملك مع

عدم قبضها.

وأما كونه لا يملك الرجوع في حال يستضر المستعير برجوعه فيه؛ فلما فيه

من الضرر الذي أمر الشارع بإزالته.

ولا أجرة لمعير لما يستقبل من الزمان من حين رجوعه إلى أن يزول ضرر المستعير؛ لأنه ليس له الرجوع في عين المنفعة. فلم يملك طلب بدلها؛ كالعين الموهوبة.

(فمن أعار سفينة لحمل، أو أرضاً لدفن ميت أو زرع: لم يرجع حتى ترسى) السفينة (أو يبلى) الميت.

وقيل: ويصير رميما.

وقيل: بل تخرج عظامه ويأخذ أرضه.

(أو يحصد) الزرع عند أوانه.

فإن بذل له المعير قيمة الزرع ليملكه لم يكن له ذلك نصاً؛ لأن له وقتاً

(1)

ينتهي إليه.

(إلا أن يكون) الرجوع في حال (يحصد) فيها الزرع (قصيلاً) أي: أخضر قبل أوان حصاده فإن على المستعير قطعه في وقت جرت العادة بقطعه فيه؛ لعدم الضرر إذاً.

(وكذا حائط) أعير (لحمل خشب لتسقيف أو سترة) فإنه. ليس لمالك

(1)

في أوب: وقت.

ص: 250

الحائط أن يرجع في إعارتها (قبل أن يسقط) الخشب " لأن ذلك يراد للبقاء.

ولما فيه من دخول الضرر على المستعير بقلعه.

فإن قال المعير للمستعير: أنا أدفع لك قيمة ما ينقص بالقلع لم يلزم المستعير ذلك؛ لأنه إذا فعله انقلع ما في ملك المستعير منه.

ولا يجب على المستعير قلع شيء من ملكه بضمان القيمة. وفيه وجه.

(فإن سقط) الخشب عن الحائط (لهدم أو غيره: لم يعد إلا بإذنه) أي:

إذن المعير. ولو كان السقوط بسبب هدم الحائط وقد أعيدت بآلتها " لأن العارية ليست بلازمة. وإنما امتنع الرجوع قبل سقوطه " لما فيه من الضرر بالمستحير بإزالة المأذون في وضعه وقد زال.

وقيل: له إعادته بدون إذنه. وصححه الحارثي. وقال: إنه اللائق

(1)

بالمذهب، لأن السبب مستمر فكان الاستحقاق مستمراً.

والمذهب: أنه متى زال الخشب ولو مع بقاء الحائط بحاله لم يملك إعارته

إلا بإذن المعير (أو عند الضرورة)، بأن لا يمكنه تسقيف إلا به؛ لوجوبه عليه إذاً. ومحل ذلك:(إن لم يتضرر الحائط). وتقدم معنى ذلك في باب الصلح.

(ومن أعير أرضا لغرس أو بناء، وشرط) على المستعير (قلعه) أي: قلع

ما يغرسه أو يبنيه (بوقت) معين (أو) بـ (رجوع: لزم) المستعير إذا بنى أو

غرس في الأرض قلع غرسه وبنائه (عنده) أي: عند الوقت الذي ذكراه أو عند رجوع المعير.

] وظاهره: ولو لم يأمره المعير [

(2)

بالقلع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " المؤمنون على شروطهم"

(3)

. قال في " الشرح ": حديث صحيح.

(1)

في أ: لائق.

(2)

ساقط من ب.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3594) 3: 304 كتاب الأقضية، باب في الصلح.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1352) 3: 634 كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح بين الناس.

ص: 251

ولأن العارية مقيدة. فلم تتناول ما عدا المقيد؛ لأن المستعير دخل في العارية راضياً بالتزام الضرر المدخل عليه بالقلع.

وليس على صاحب الأرض ضمان نقصه.

قال في " الشرح ": ولا نعلم في هذا خلافا.

(لا تسويتها) يعني: إذا حصل حفر في الأرض بسبب قلع المستعير غرسه

أو بناءه منها: لم يلزمه تسويتها (بلا شرط) عليه؛ لأن المعير رضي بضرر القلع من الحفر ونحوه باشتراطه على المستعير.

إلا أن يشترط على المستعير تسوية الأرض أيضا. فتلزمه؛ لدخوله على ذلك. وقيل: تلزمه التسوية باشتراط القلع.

(وإلا) أي: وإن لم يشرط المعير على المستعير قلع غرسه أو بنائه بوقت شرط عليه أو عند رجوعه وأبى المستعير القلع: لم يجبر عليه؛ لأن غراسه أو بناءه إنما حصل بإذن رب الأرض ولم يشترط عليه قلعه. فلم يلزمه؛ لدخول الضرر عليه بنقص قيمته بذلك.

ولأن العارية عقد إرفاق ومعونة، وإلزامه بالقلع مجاناً يخرجه إلى حكم العدوان والضرر.

قال المجد في " شرح الهداية ": ومتى أمكن القلع من غير نقص أجبر عليه المستعير. هذا مذهب الشافعي. وهو ظاهر

(1)

كلام أبي الخطاب. وكلام القاضي في "المجرد " يقتضي: أنه لا يجبر على القلع. وهو عندي مما لا وجه له. انتهى.

ومتى لم يمكن القلع من غير نقص (فلمعير أخذه) أي: أخذ الغرس أو البناء بأن يتملكه (بقيمته) تملكاً قهرياً؛ كالشفيع مع مشتري النقص. ولو مع دفع المستعير قيمة الأرض؛ لأنها أصل والغراس والبناء تابع. بدليل تبعهما لهما في البيع دون تبعها لهما.

(1)

في أ: ظاهر وهو.

ص: 252

(أو قلعه) أي: الغراس. أو البناء. (ويضمن) المعير (نقصه) الحاصل بالقلع؛ لأن ما يخاف من ضرر المستعير بنقص قيمة غرسه أو بنائه بقلعه قد زال ببذل القيمة أو الأرش.

(ومتى اختاره) أي: اختار القلع مستعير مع بذل المعير القيمة ولم يكن القلع مشروطا عليه: (سواها) أي: جمان على المستعير تسوية الحفر الحاصلة في الأرض بسبب القلع؛ لأنه خلص ملكه من ملك غيره من غير إلجاء. فكان مأخوذاً بنقصه؛ كالشفيع إذا أخذ غرسه أو بناءه.

(فإن أباهما معير) بأن قال: لا آخذه بالقيمة ولا أعطي أرش النقص الحاصل بالقلع، (و) امتنع (المستعير من) دفع (أجرة) أي: أجرة غرسه أو بنائه، (و) من (قلع: بيعت أرض بما فيها إن رضيا أو) رضى به (أحدهما، ويجبر الآخر) بطلب من رضي؛ لأن ذلك طريق إلى تخليص كل واحد منهما من مضاررة الآخر وتحصيل ماليته.

(و) إذا أبيعا (دفع لرب الأرض) من الثمن (قيمتها فارغة، والباقي) من الثمن (للآخر) وهو رب الغراس أو البناء.

(ولكل) من ربّ الأرض وصاحبه (بيع ماله منفرداً) من صاحبه أو من غيره.

وقيل: لا يصح البيع من المستعير لغير المعير.

(ويكون مشتر كبائع) فيما تقدم.

(وإن أبياه) اي: أبى المعير والمستعير البيع (تُرك) الغراس أو البناء (بحاله) في الأرض حتى يتفقا؛ لأن الحق لهما.

وقيل: يبيعهما الحاكم.

(ولمعير) مع تبقيه الغراس أو البناء (الانتفاع بأرضه)؛ لأنه يملك عينها ومنفعتها (على وجه لا يُضَرُّ بما فيها) من غرس المستعير وبنائه؛ لاحترامهما بإذن المعير في وضعهما.

(ولمستعير) غارس (الدخول لسقي وإصلاح وأخذ ثمر)؛ لأن الإذن في

ص: 253

فعل شيء إذن فيما يعود بصلاحه.

(لا) الدخول (لتفرج، ونحوه)؛ كمبيت فيها لا يعود بصلاجح ماله؛ لأن

ما لا يعود بصلاح ماله ليس بمأذون فيه.

(ولا أجرة) على مستعير لمعير (منذ رجع) أي: من حين رجع إلى حين زوال ضرر المستعير حيث كان الرجوع يضر به إذاً، ولا إذا أجر لغرس أو بناء إلى حين تملكه بقيمته أو قلعه وضمان نقصه أو بقائه إذا أبى المعير ذلك إلى أن يتفقا؛ لأنه لا يملك الرجوع في عين المنفعة فيما إذا أضر

(1)

بالمستعير إذا. فلا يملك طلب بدلها، كالعين الموهوبة.

ولأنه فيما إذا لم يأخذ الغرس أو البناء بقيمته أو بقلعه مع ضمان نقصه كان إبقاوه في أرضه من جهته. فلا يملك طلب المستعير بالأجرة كما قبل الرجوع. (إلا في الزرع) أي: إلا إذا أعاره أرضا ليزرعها وزرع ثم رجع قبل أوان حصاده وهو لا يحصد قصيلاً، فإن له أجرة مثل الأرض المعارة من حين رجع إلى حين الحصاد؛ لوجوب تبقيته في أرض المعير إلى أوان حصاده قهراً عليه؛ لكونه لم يرض بذلك. بدليل رجوعه.

ولأنه لا يملك أن يأخذ الزرع بقيمته؛ لأن له أمداً ينتهي إليه وهو قصير بالنسبة إلى الغرس فلا داعي إليه.

ولا أن يقلعه ويضمن نقصه، لأنه لا يمكن نقله إلى أرض أخرى. بخلاف الغرس وآلات البناء.

ولأن المستعير إذا اختار قلع زرعه ربما يفوت على المالك الانتفاع بأرضه في ذلك العام فيحصل له بذلك ضرر، فتعين أن يبقى بأجرة مثله إلى حصاده جمعا بين الحقين.

وقال المجد: يبقى إلى الحصاد بلا أجرة.

قال في " القواعد ": ويشهد له ظاهر كلام أحمد في رواية صالح، وأطلق

(1)

في أوب: ضر.

ص: 254

الوجهين في الزرع وغيره في " الفائق ". وخرجه بعضهم في الغرس والبناء فقط، وخرجه بعضهم في الجميع، وجزم به في " التبصرة " بوجوب الأجرة في مسألة السفينة إذا رجع وهي في لجة البحر، واختار أبو محمد يوسف الجوزي وجوبها فيما سوى الأرض للدفن.

(وإن غرس) مستعير (أو بنى) فيما استعاره لغرس أو بناء (بعد رجوع،

أو) بعد (أمدِها) أي: بعد أمد ذكر (في مؤقتة) ولو لم يصرح بعده بالرجوع؛ لأن الإذن في الانتفاع إذا وُقّت

(1)

بزمن تقيد به: (فغاصب) أي: يكون حكمه حكم غرس الغاصب أو بنائه؟ لأنه تصرف في مال غيره بغير إذنه. أشبه ما لو قهره على ذلك.

ومتى اختلفا في المدة فقال المستعير: إنها سنتان، وقال المالك: سنة.

أو استعار دابة وقال: أذنت لي في ركوبها فرسخين، وقال المالك: بل فرسخا: قدم قول المالك؛ لأن الأصل عدم العارية في القدر الزائد من الزمان والمكان.

(والمشتري) بعقد فاسد (والمستأجر بعقد فاسد) إذا غرس أو بنى فيما اشتراه أو استأجره؛ (كمستعير) في الحكم. فلا يملك البائع ولا المؤجر قلعه من غير ضمان نقص؛ لتضمنه إذاً.

قال صاحب " المحرر ": ولا أجره.

وفي " المجرد ": لو غارسه على أن الأرض والغرس بينهما فله أيضاً تبقيته

بالأجرة.

قال في " الفروع ": ويتوجه في الفاسد وجه كغصب؛ لأنهم ألحقوه به في الضمان وفاقا لأبي يوسف ومحمد، ولا يقال لرب الأرض قيمتها فقط، خلافا لأبي حنيفه ومالك. انتهى.

(ومن حمل سيل إلى أرضه بذر غيره) فنبت فيها: (فلربه) أي: فالزرع النابت لرب البذر (مُبَقى) له (إلى) أوان (حصاد بأجرة مثله).

(1)

في أ: وقعت.

ص: 255

أما كونه يبقى لربه محترماً إلى أوان حصاده؛ فلأنه يلزم من القول بقلعه إتلاف للمال على مالكه ولم يوجد منه تفريط. ولا يدوم ضرره؛ كما لو حصلت دابته في دار غيره على وجه لا يمكن خروجها إلا بقلع الباب أو بقتلها فإنه لا يجبر على قتلها.

وأما كون على ربه أجر مثله؛ فلأن إلزام رب الأرض بتبقيه زرع لم يأذن فيه

في أرضه بغير أجرة إضرار به، وشغل لملكه بدون اختياره بلا عوض. فوجب على رب البذر أجر المثل؛ كما لو انقضت مدة الإجارة وللمستأجر زرع لم يفرط بتأخيره.

وقال القاضي: لا أجرة له.

وقال الموفق: ويحتمل أن لصاحب الأرض أخذه بقيمته؛ كزرع الغاصب. (وحمله) أي: وحمل

(1)

السيل (لغرس أو نوى، ونحوه)، كبندق ولوز وجوز (إلى أرض غيره) أي: غير مالك ذلك، (فينبت) في الأرض التي حمله السيل إليها: فإنه في الحكم (كغرس مشتر شِقْصاً يأخذه شفيع)؛ لأنه ساواه في عدم التعدي. وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى في باب الشفعة

(2)

.

وقيل: كغرس غاصب، لأنه ساواه في عدم الإذن.

(وإن حمل) السيل (أرضاً بغرسها إلى) أرض (أخرى، فنبت) أي: فصار (كما كان) قبل ذلك: (فلمالكها) أي: فهو لمالك الأرض المحمولة؛ لعدم نقل الملك فيه.

(ويجبر) رب الأرض المحمولة (على إزالتها) من الأرض المحمولة؛

لأن في بقائها اشتغال

(3)

لملك غيره بما يدوم ضرره بغير اختياره. أشبه أغصان

(1)

في أوب: حمل.

(2)

ص (419) عند قوله في الشفعة وإن أدركه.

(3)

فى أ: الشغال.

ص: 256

الشجرة المنتشرة في هواء ملك غيره.

(وما ترك لرب الأرض) مما انتقل إليها: (سقط طلبه بسببه).

قال في " الشرح ": وفي كل ذلك إذا ترك صاحب الأرض المنتقلة أو الشجر

أو الزرع ذلك لصاحب الأرض الذي انتقل إليها لم يلزمه نقله ولا أجرة ولا غير ذلك؛ لأنه حصل بغير تفريطه ولا عدوانه وكانت الخيرة إلى صاحب الأرض المشغولة به، إن شاء أخذه لنفسه وإن شاء قلعه. انتهى.

ص: 257

] فصل: في حكم استيفاءالنفع]

(فصل. ومستعير في) حكم (استيفاء نفع) من عين معارة بنفسه وبمن يقوم مقامه. فإذا استعار أرضاً لزرع فله أن يباشر زرعها بنفسه وبمن يقوم مقامه، وكذا إذا استأجرها لبناء:(كمستأجر)؛ لأنه ملك التصرف فيها بإذن مالكها. فوجب أن يملك ما يقتضيه الإذن؛ كالمستأجر.

فعلى هذا إذا أعاره أرضاً لغرس أو بناء فله؛ أن يزرع فيها ما شاء، وإن استعارها لزرع لم يغرس ولم يَبْن، ولا يملك إن استعارها لغرس أن يبني. ولا إن استعارها لبناء ان يغرس؛ لأن ضررهما مختلف، ولا إن استعارها لزرع مرة أن يزرع أكثر منها، ولا إن استعارها لزرع شعير أن يزرعها حنطة؛ لأن الإذن إن اختص بشيء لم يكن له أن يتجاوزه إلى ما يزيد ضرره على ضرر المأذون فيه. وتقدم في باب الإجارة ما يدل على ذلك

(1)

.

(إلا أنه) أي: المستعير (لا يعير) ما استعاره (ولا يؤجر) ــه؛ لأنه لا يملك منافعه فلا يصح أن يبيحها أو يبيعها. (إلا بإذن) من معيره الذي يملكها في مدة معلومة.

وقيل: له أن يعيره كإيجار المستأجر. وأطلق الوجهين في " المحرر ".

وقيل: له أن يؤجره أيضاً في الإعارة المؤقتة.

ولا يضمن مستأجر من مستعير تلف عارية عنده بدون تفريط؛ لأنه دخل على

أن العقد صحيح.

وقيل: يضمن.

والأجرة لمالك العين؛ لأنها نماء ملكه.

(1)

ص (161).

ص: 258

وقيل: للمؤجر. وتقدم ذلك في باب الإجارة

(1)

.

وعلى المذهب: في جمون المستعير لا يعير بدون إذن المالك (فإن خالف) وأعار أو أجَّر بدون إذنه (فتلفت) العين (عند) المستعير (الثانى: ضمَّن) المالك قيمة العين وأجرتها (أيهما) أي: أيّ المستعيرين (شاء).

أما كونه يملك

(2)

تضمين الأول؛ فلأنه سلط غيره على أخذ مال غيره بغير إذنه. أشبه ما لو سلط على مال غيره دابة فأكلته.

وأما كونه يملك تضمين الثانى؛ فلأن المنفعة والعين فاتا على مالكهما في يده.

(والقرار) في ضمانهما (على الثانى)؛ لأنه المستوفي للمنفعة بدون إذن المالك والتلف إنما حصل تحت يده.

ومحل قرار ضمانها عليه: (إن علم) الحال؛ لتعديه إذا.

(وإلا) أي: وإن لم يعلم الحال وظنها ملك المعير له: (ضمن العين)

فقط (في عارية)؛ لأنه قبضها على أنها عارية، والعارية مضمونة.

(ويستقر ضمان المنفعة على) المستعير (الأول)؛ لأنه غرَّ الثانى بدفعها له على أن يستوفي منافعها بغير عوض.

(والعواري المقوضة غير وقف؛ ككتب علم، ونحوها)؛ كأدراع موقوفة على الغزاة إذا استعارها لينظر فيها أو ليلبسها عند قتال الكفار، (إذا تلفت بلا تفريط) بأن سرقت من حرز مثلها: لم يضمنها المستعير.

قال في " الفروع ": ولا يضمن وقف بلا تفريط، في ظاهر كلامه وأصحابه. ولعل وجه

(3)

عدم ضمانه؛ لكون قبضها ليس على وجه يختص المستعير بنفعه؛ لكون تعلم العلم وتعليمه والغزو من مصالح العامة، أو لكون

(1)

ص (139).

(2)

في أوب: يمكن.

(3)

زيادة من ج.

ص: 259

الملك فيه ليس لمعين، أو لكونه من جملة المستحقين له. أشبه ما لو سقطت قنطرة موقوفة بسبب مشيه عليها. والله أعلم.

وعلم من استثناء الوقف: أن العواري المقبوضة غير الموقوفة (مضمونة) بكل حال. نص عليه. وبه قال من الصحابة: ابن عباس وعائشة وأبو هريرة، ومن التابعين: عطاء، ومن الفقهاء: الشافعي وإسحاق؛ لقوله لصفوان: " بل عارية مضمونه "

(1)

.

فأثبت الضمان من غير تفريط.

ولما روى سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " على اليد ما أخذت حتى

تؤديه "

(2)

. رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب.

ولأن نفعها غير مستحق لقابضها.

(بخلاف حيوان موصى بنفعه) إذا قبضه الموصى له بالنفع وتلف تحت يده: فإنه غير مضمون عليه إذا لم يفرط؛ لأن نفعه مستحق لقابضه.

قال في " الفروع ": وقاسها أي: العارية جماعة على المقبوض على وجه السوم، فدل على رواية مخرجة. وهو متجه.

وذكر الحارثي خلافاً: لا تضمن. وذكره شيخنا عن بعض أصحابنا، واختاره صاحب " الهدي " فيه. انتهى.

واستدل القائل بعدم الضمان، بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ليس على المستعير غير المُغِلّ ضمان "

(3)

.

وأجيب عنه بأنه يرويه عمرو بن عبدالجبار عن عبيد بن حسان عن عمرو بن شعيب، وعمرو وعبيد ضعيفان. قاله الدارقطني.

(1)

سبق تخريجه ص (244) رقم (5).

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3561) كتاب البيوع، باب في تضمين العارية.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1266) 3: 492 كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2400) كتاب الصدقات، باب العارية.

(3)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(168) 3: 41 كتاب البيوع.

ص: 260

وعلى تقدير صحته فالجواب عنه من وجهين:

أحدهما: انه محمول على ضمان الأجزاء التالفة بالاستعمال. وهذا وإن

كان تخصيصاً؛ فلما عارضه من الأخبار المخصصة له.

والثاني: أن المُغِلّ في هذا الموضع ليس بمأخوذ من الخيانة والغلول، وإنما هو مأخوذ من استغلال الغلة. يقال: قد أغل فهو مُغل إذا أخذ الغلة. فيكون معنى الخبر: لا ضمان على المستعير غير المستغل أي: غير القابض؛ لأنه بالقبض يصير مستغلاً.

ومرادهم: ما لم يكن المعير مستأجراً للعين المعارة، فإن المستعير لا يضمنها بتلفها عنده من غير تَعَدٍّ ولا تفريط. وتقدم التنبيه على ذلك في باب الإجارة

(1)

. وحيث تقرر: أن العارية مضمونة، فإن المستعير يضمنها (بقيمة متقومة يوم تلف)؛ لأن قيمتها بدل عنها. فوجب عند تلفها؛ كما يجب عند

(2)

إتلافها. ولأنه يوم يتحقق فيه فواتها. فوجب اعتبار الضمان به.

(ومثل مثليَّة) يعني: أن العارية إذا كانت من ذوات الأمثال؛ كما لو استعار صنجة من نحاس لا صناعة فيها ليزن بها فتلفت فإنه يضمنها بمثل وزنها من نوعها. (ويلغو شرط عدم ضمانها) يعنى: أنهما لو اتفقا واشترطا عدم ضمان العارية لغا الشرط؛ (كـ) لغو (شرط ضمان أمانة) كوديعة؛ لأن مقتضى العقد في العارية الضمان. فإذا شرط نفي ضمانه لا ينتفي مع وجود سببه؛ كما لو اشترط

(3)

نفي ضمان ما يتعدى فيه. ومقتضى العقد في الوديعة: كونها أمانة، فإذا شرط ضمانها فقد التزم ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه. فلم يلزمه؛ كما لو اشترط ضمان مال في يد صاحبه.

(1)

ص (160).

(2)

في أوب: عنده.

(3)

في ب: شرط.

ص: 261

وعن أحمد أنه ذُكر له ذلك فقال: " المؤمنون على شروطهم "

(1)

.

ولأن المعير لو أذن للمستعير في إتلاف العارية فأتلفها لم يضمنها فكذا إذا أسقط عنه ضمانها. واختاره أبو حفص والشيخ تقي الدين.

ورد القياس: بأن الإتلاف فعل يصح فيه الإذن ويسقط حكمه إذ

(2)

لا ينعقد موجبا للضمان مع الإذن فيه، وإسقاط الضمان في العارية نفي للحكم مع وجود سببه، وليس ذلك للمالك ولا يملك الإذن فيه.

(ولو أركب) إنسان (دابته) إنساناً (منقطعاً لله تعالى، فتلفت) الدابة (تحته) أي: تحب المنقطع: (لم يضمن) تلفها.

وقيل: بلى.

ووجه المذهب: كونها غير مقبوضة، لأنها بيد صاحبها لكون الراكب لم ينفرد بحفظها. أشبه ما لو غطى ضيفه بلحاف فحرق عليه فإنه لا يضمنه. (كرديف ربَّها) أي: كما لو أركب إنساناً خلفه على دابته فتلفت تحتهما.

فإن الرديف لا يضمن شيئاً؛ لأن الدابة بيد مالكها.

وقيل: يضمن نصف قيمتها.

(و) كـ (رائض) يركب الدابة لمصلحتها فتتلف تحته، (و) كـ (وكيل) لربها إذا تلفت في يده، لأنهما لم يثبت لهما حكم العارية.

(ومن قال) لقائل له: اركب دابتي: (لا أركب إلا بأجرة، فقال) له رب الدابة: (ما آخذ) منك لها (أجرة) ثم ركبها، (او استعمل المودع الوديعة بإذن ربها)، كما لو أودع إنسان إنساناً عبدا وقال له: استخدمه ففعل ولا عقد بينهما: (فعارية) أي. فحكمها حكم ما لو قال: أعرتكها، وقال الآخر: استعرتها.

(ولا يضمن) مستعير (ولد عارية سُلِّم معها) لو تلف عنده؛ لأنه لم يدخل

في الإعارة. فلم يدخل في الضمان.

(1)

سبق تخريجه ص (251) رقم (3).

(2)

في أ: إذاً.

ص: 262

ولا فائدة للمستعير فيه. أشبه الوديعة.

وقيل: بلى.

(ولا) يضمن مستعير أيضاً (زيادة) حصلت في العين المعاره (عنده).

قال في " الفروع ": في الأصح؛ لأنه لم يرد عليها عقد العارية.

وفهم من هذا: أن الزيادة لو كانت موجودة عند العقد؛ كما لو كانت الدابة سمينة فهزلت عند المستعير: أنه يضمن نقصها.

وقيل: يضمن الزيادة الحادثة عنده إذا زالت وجهاً واحداً.

قال المجد في " شرح الهداية ": وذكر ابن عقيل والقاضي في زيادة العارية المتصلة كسِمَن أو تعلم صنعة: أنها تكون مضمونة وجها واحداً، بحيب إذا رد الأصل وقد زالت تلك الزيادة الحادثة في يد المستعير فإنه يضمنها. ذكراه في الغصب. انتهى.

(كمؤجرة) أي: كما لا تضمن زيادة حصلت في العين المستأجرة عند المستأجر إذا زالت عنده.

وحيث قيل بعدم الضمان، فمحله إذا كان التلف (بلا تَعَدٍّ) من مستعير أو مستأجر؛ لأن التعدي موجب للضمان مطلقاً.

(ولا هي) أي: ولا يضمن عارية (أو جزؤها) إذا تلفت أو تلف جزؤها؛ كحمل المنشفة والقطيفة (باستعمال)، لأن الإذن في الاستعمال تضمن الإذن في الإتلاف الحاصل به، وما أذن في إتلافه لا يضمن، كالمنافع.

ومحل ذلك: إذا استعملت العارية (بمعروف)؛ كما لو تلف الثوب المستعار بلبسه. أما لو حمل فيه تراباً فتلف بذلك فإنه يضمنه؛ لحصول التعدي بذلك. وفي تلف أجزائها باستعمال وجهٌ بالضمان.

(ويقبل قول مستعير بيمينه: إنه لم يتعد) على العارية؛ لأنه منكر.

(وعليه) اي: المستعير (مُؤْنة ردها) أي: العارية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

ص: 263

" العارية مؤداة "

(1)

.

وقوله صلى الله عليه وسلم: " على اليد ما أخذت حتى ترده "

(2)

.

ولأنه قبضها لا لمصلحة تعود على المالك. فكان عليه مُؤْنة الرد؛ (كمغصوب).

ويكون ردها إلى الموضع الذي أخذها منه إلا أن يتفقا على ردها إلى غيره.

قاله في " الشرح ".

(لا مئونتها) يعني: انه لا يجب على المستعير مُؤْنة العين المعارة زمن

الانتفاع بها (عنده)، وتكون على مالكها، كالمستأجرة.

قال ابن رجب في القاعدة الثامنة والثلاثين عقب كلام نقله: وهذا يرجع إلى

أن مؤنة العارية على المالك، وقد صرح الحلوانى في " التبصرة " بأنها على المستعير. انتهى.

فتحصّل من كلامه أن فيها وجهين.

ونقل في " المبدع " عن الشيخ تقي الدين أنه قال: لا أعرف فيها نقلاً. وخرجها على الخلاف في نفقة الجارية الموصى بنفعها فقط بعد أن نقل عن المجد في " شرح الهداية " وصاحب " الرعاية " أنهما قالا: إن مُؤْنة العين على المعير. (ويبرأ) مستعير من ضمان العارية (برد الدابة) المعارة (وغيرها) من العواري، (إلى من) أي: إلى إنسان (جرت عادته) أي: عادة الإنسان (به) أي: با لرد (على يده، كسائس) للدابة (وخازن، وزوجة، ووكيل عام) لمالك (في قبض حقوقه).

قال القاضي: في قياس المذهب؛ لأن أحمد قال في الوديعة: إذا سلمها

إلى امرأته لم يضمنها؛ لأنه مأذون في ذلك. أشبه ما لو أذن فيه نطقاً.

وقال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن المذهب أن يبرأ بذلك: وعند

(1)

سبق تخريجه ص (244) رقم (3).

(2)

سبق تخريجه ص (260) رقم (2).

ص: 264

الحلوانى لا يبرأ بدفعها إلى السائس. وظاهر ما قدمه في " المستوعب ": أنه لا يبرأ إلا بدفعها إلى ربها أو وكيله فقط.

و (لا) يبرأ مستعير (بردها إلى اصْطَبْله) أي: اصطبل المالك (أو غلامه)؛ لأنه لم يردها إلى مالكها ولا نائبه في قبضها؛ كما لو رد السارق ما سرقه إلى الحرز الذي سرقه منه فإنه لا يبرأ بذلك.

واختار صاحب " الرعايتين ": أنه يبرأ بردها إلى غلام مالكها.

(ومن سلم لشريكه الدابة) المشتركة (فتلفت بلا تفريط أو تَعَدٍّ) باًن ساقها فوق العاده ونحوه: (لم يضمن).

قال

(1)

في " الفروع ": قاله شيخنا. ويتوجه كعارية إن كانت عارية، وإلا

لم يضمن. انتهى.

(1)

في أ: قاله.

ص: 265

(فصل): في اختلاف المالك مع القابض

(وإن اختلفا فقال) المالك: (آجَرْتُكَ، قال) القابض: (بل أعرتني)

وكان اختلافهما (قبل مضي مدة لها أجرة) من حين القبض: (فقول قابض) بيمينه أنه ما استأجر؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة، وترد الدابة إلى مالكها. (وبعدها) أي: وإن كان اختلافهما بعد مضى مدة لها أجرة من حين القبض: (فقول مالك) بيمينه (فيما مضى) من المدة؛ لأنهما اختلفا في كيفية انتقال المنافع إلى القابض. فكان القول قول المالك؛ كما لو اختلفا في عين فقال المالك: بعتكها، وقال الآخر: وهبتنيها

(1)

.

قال المجد في " شرح الهداية ": وصفة يمين المالك: أنه يحلف على الأمرين على أنه ما أعاره وإنما أجره بكذا. هذا مقتضى كلام القاضي، وصرح به في خاتمة المزارعة، ويحتمل أن يكتفى منه بالحلف على نفي الإعارة إذا قلنا له أجرة المثل. انتهى.

وقال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: يحلف على نفي الإعارة. وهل. يتعرض لإثبات الإجارة؟ قال الحارثي: ظاهر كلام المصنف- يعني: الموفق- والأكثرين: التعرض.

وقال في " التلخيص ": لا يتعرض لإثبات الإجارة ولا الأجرة المسماة،

وقطع به.

قال الحارثي: وهو الحق.

فعلى هذا الوجه: يجب أقل الأمرين من المسمى، أو أجرة المثل. جزم به

في " التلخيص ". انتهى كلامه في " الإنصاف ".

(1)

في أ: وهبتها.

ص: 266

وقيل: أن القول قول القابض.

(و) على المذهب: يجب (له) أي: للمالك إذا حلف (أجرة المثل)؛ لأنهما لو اتفقا على وجوبها واختلفا في قدرها وجب للمالك أجرة المثل. فمع الاختلاف في أصلها أولى.

وقيل: ما ادعى المالك تسميته.

والأول أصح، لأن الإجارة لا تثبت بدعوى المالك بغير بينة، وإنما يستحق

بدل المنفعة وهو أجر المثل.

وقيل: يلزم القابض أقل الأمرين من المسمى وأجر المثل.

(وكذا لو ادعى) من زرع أرض غيره: (أنه زرع عارية) أي: على سبيل العارية، (وقال ربها: إجارة) أي: وقال رب الأرض: بل زرعها على سبيل الإجارة. قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في " الفروع ". وهو ظاهر.

(و) إن قال قابض لمالك: (أعرتني، أو) قال: (آجرتني، قال) مالك: بل (غصبتني) العين وقد مضت من حين القبض مدة لها أجرة.

(أو) فال المالك ابتداء: (أعرتك فقال) قابض: (بل آجرتني، والبهيمة تالفة) حالة الاختلاف، (أو اختلفا في ردها) أي: رد العين المتفق على أنها عارية إلى مالك: (فقول مالك) بيمينه في المسائل الأربع.

أما كون المالك يُقبل قوله فيما إذا قال: غصبتني في المسألة الأولى؛ فلأن القابض يدعي إباحة المنفعة له بقوله: اعرتني والمالك ينكر ذلك، والأصل في القابض لمال غيره الضمان في العين والمنفعة. فكان القول قول المالك.

وأما في المسألة الثانية وهي: ما إذا قال القابض: آجرتني، وقال المالك: غصبتني

(1)

؛ فلأن القابض يدعي انتقال الملك في منافع العين وأنها عنده أمانة والمالك ينكر ذلك. فكان القول قوله؛ لما تقدم.

(1)

في أ: غصبني.

ص: 267

وأما في المسألة الثالثة وهي: ما. إذا قال المالك: أعرتك

(1)

، وقال القابض: آجرتني وقد تلفت البهيمة عنده، فلأن قول المالك موافق للأصل؛ لما تقدم من أن الأصل من القابض لمال غيره الضمان.

فإذا حلف المالك استحق القيمة.

والقول في قدرها قول القابض بيمينه؛ لأنه غارم.

ولأن الأصل عدم

(2)

زيادة يدعيها المالك.

ولا أجرة، لأن المالك معترف ببراءة ذمة القابض منها بدعواه العارية فقبل إقراره على نفسه.

هذا إذا كان ما يدعيه المالك من القيمة أكثر مما يعترف به القابض من الأجرة،

وإن كان ما يدعيه المالك أقل مما يعترف به القابض، قال في " الشرح ": فالقول قول القابض بغير يمين. سواء ادعى الإجاره أو الإعارة. إذ لا فائدة في اليمين على شيء يعترف له به خصمه. ويحتمل أن لا يأخذه إلا بيمين، لأنه يدعي شيئا لا يصدق فيه ويعترف له خصمه بما لا يدعيه فيحلف على ما يدعيه.

وأما في المسألة الرابعة وهي: ما إذا اختلف المالك والمستعير في رد العين المعارة فلأن العارية مؤداة والمستعير يدعي أداءها والمالك ينكره. فكان القول قوله؛ كما لو ادعى المدين وفاء دين وأنكره رب الدين.

(وكذا) أي: وكما يقبل قول المالك فيما إذا قال القابض: أعرتني] أو آجرتني [

(3)

، وقال المالك: غصبتني مع تلف البهيمة في ثبوت القيمة، يقبل قوله فيما إذا قال القابض:(أعرتني، أو) إذا قال: (آجرتني، فقال) المالك: (غصبتني) والبهيمة قائمة وقد مضب لها مدة لمثلها أجرة وهي بيد القابض (في) ثبوت (الأجرة و) في وجوب (رفع اليد) أي: واستحقاق انتزاع العين منه.

(1)

في أ: أعرتني.

(2)

في أوب: وعدم.

(3)

ساقط من أ.

ص: 268

وعلم مما تقدم أنه إذا ادعى أحدهما الإجارة عقب العقد والبهيمة قائمة أن القول قول منكرها بيمينه؛ لأن الأصل عدم العقد وترد البهيمة إلى مالكها.

(و) إن قال المالك: (أعرتك، فقال) القابض: بل (أودعتني: فقول ممالك) بيمينه؛ لما تقدم.

(وله قيمة) عين (تالفة)؛ لأنه بحلفه ثبت لها حكم العارية.

(وكذا) يقبل قول المالك بيمينه (في عكسها) أي: عكس هذ الصورة وهي: ما إذا قال المالك: أودعتك، وقال القابض: أعرتني.

(وله) أي: للمالك على القابض (أجرة ما انتفع بها) أي: بالعين؛ لأن الأصل أن المنافع مضمونة على القابض. ودعواه أن المالك أباحها له غير مقبولة.

وإذا قال القابض: أودعتني، وقال المالك: بل غصبتني: قال في

" المبدع ": فوجهان. انتهى.

قلت: الذي يظهر أن الأصح: أن القول قول المالك في الضمان؛ لما تقدم

من أن الأصل في القابض لمال غيره الضمان؛ لموافقته الأصل. والله أعلم.

ص: 269

[كتاب الغصب]

هذا (كتاب) يذكر فيه مسائل من أحكام الغصب. يقال: غصب الشيء يغصبه بكسر الصاد غصباً، واغتصبه يغتصبه اغتصاباً، والشيء مغصوب وغصب.

وهو في اللغة: أخذ الشيء ظلماً. قاله الجوهري وابن سيده.

وفي الشرع (الغصب: استيلاء) إنسان (غير) كافر (حربي) بفعل يعد استيلاء (عُرفاً، على حق غيره)، حال كون استيلائه (قهراً بغير حق) أي: على سبيل الظلم.

والغصب محرم بالإجماع.

وسنده من الكتاب قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها

إلى الحكام)] البقرة: 188].

وقوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة

عن تراض منكم)] النساء: 29 [. والغصب من الباطل.

وقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائ ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى)] النحل: 90 [. والغصب من جملة المنكر والبغي. وسنده من السنة؛ ما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة يوم النحر:

" إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا "

(1)

. رواه مسلم وغيره.

(1)

أخرجه مسلم في صحيحه (1218) 2: 891 كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرجه أبو داود في " سننه "(1905) 2: 185 أول كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(3074) 2: 026 1 كتاب المناسك، باب حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 271

وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه "

(1)

. رواه ابن

ماجة والدارقطني.

وفي رواية

(2)

: " إلا عن طيب نفس منه "

(3)

. رواه الجوزجانى.

وغير ذلك من الأحاديث.

وعلم مما تقدم: أن الغصب لا يحصل من غير استيلاء. فلو دخل إنسان دار

غيره أو أرضه لم يضمنها بدخوله بغير إذنه. سواء كان صاحبها فيها أو لم يكن.

ولأنه إنما يضمن بالغصب ما يضمنه بالعارية وهذا لا يثبت به العارية ولا

يجب به الضمان فيها. فكذلك لايثبت به الغصب.

ولا يشترط لتحقق الغصب نقل العين فيكفي مجرد الاستيلاء.

قال المجد في " شرح الهداية ": إذا ركب دابة واقفة لإنسان وليس هو

عندها فهل يصير غاصباً بمجرد ذلك؟ على وجهين للشافعية:

أحدهما: يصير غاصباً كمذهبنا.

والثانى: لا يصير غاصباً حتى يسيرها فيوجد النقل. وهو قول الحنفية.

انتهى.

قال في " الفروع ": وقيل يعتبر في غصب ما ينقل: نقله.

وفي " الترغيب ": إلا في ركوبه دابة وجلوسه على فراش. انتهى.

(ويُضمن عَقار) بفتح العين. وهو: الضيعة والنخل والأرض. قاله

أبو السعادات. بغصبه. فيجب ضمانه على غاصبه.

قال في " الشرح " هذا

(4)

ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عند أصحابه،

(1)

أخرجه أحمد في " مسنده "(20172) ط إحياء التراث. عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه.

وأخرجه الدارقطني في " سننه "(91) 3: 26 كتاب البيوع. عن أنس بن مالك.

(2)

في أوب: لفظ.

(3)

أخرجه أحمد في " مسنده "(20714) 5: 73

(4)

في أ: وهذا.

ص: 272

وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن.

وروى ابن منصور عن أحمد: فيمن غصب أرضاً فزرعها ثم أصابها غرق من الغاصب: غرم قيمة الأرض، وإن كان شيئاً من السماء لم يكن عليه شيء. فظاهر هذا أنها لا تضمن بالغصب.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يتصور غصبها ولا تضمن بالغصب. وإن أتلفها ضمنها بالإتلاف، لأنه لا يوجد فيها النقل والتحويل. فلم يضمنها، كما لو حال بينه وبين متاعه فتلف المتاع.

ولأن الغصب إثبات اليد على المتاع عدواناً على وجه يزول به يد المالك.

ولا يمكن ذلك

(1)

في العقار.

ولنا قوله عليه السلام: " من ظلم شبرًا من أرض طُوِّقَه يوم القيامة من سبع أرضين "

(2)

. متفق على معناه.

وفي لفظ: " من غصب شبراً من الأرض ". فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغصب ويظلم فيه.

ولأن ما ضُمن في البيع وجب ضمانه في الغصب؛ كالمنقول.

ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين مالكه؛ مثل: أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها. فأشبه ما لو اخذ الدابة والمتاع.

وأما

(3)

إذا حال بينه وبين متاعه، فما استولى على ماله فنظيره هنا أن يحبس المالك ولا يستولي على داره.

فأما ما تلف من الأرض بفعله أو بسبب فعله، كهدم حيطانها، وتفريقه،

(1)

في ج: هذا.

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه (2321) 2: 865 كتاب المظالم، باب إثم من ظلم شيئاً من الأرض.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1612) 3: 1231 كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغير ها.

(3)

في ب: وما.

ص: 273

وكشط ترابها، وإلقاء الحجارة فيها، أو نقص يحصل بغرسه أو بنائه: فيضمنه بغير خلاف بين العلماء؛ لأن هذا إتلاف، والعقار يضمن بالإتلاف من غير اختلاف.

قال المجد: ويصح غصب المشاع. فلو كانت أرض أو دار لاثنين في أيديهما فينزل الغاصب في الدار أو الأرض فيخرج أحدهما ويقر الآخر معه على ما كان مع المخرج فإنه لا يكون غاصباً إلا نصيب المخرج. حتى لو استغلا الملك أو انتفعا به لم يلزم الباقي منهما لشريكه المخرج شيء.

وكذلك لو كان لاثنين عبد فغصب الغاصب حق أحدهما بأن كف يده عنه ونزل في التسليط عليه موضعه مع إقرار الآخر على ما كان عليه حتى لو باعاه بطل بيع الغاصب للنصف وصح بيع الآخر لنصفه.

ثم قال: يتعلق بغصب المشاع إذا غصب غاصب من قوم ضيعة ثم رد إلى أحدهم نصيبه مشاعاً لم يطب له الانفراد بالمردود عليه. هذا معنى منصوصه في رواية حرب. انتهى.

(و) تُضمن (أم ولد) بغصب؛ لأنها أمة حكمها حكم سائر الإماء. بدليل

أنها لو قتلت ضمنت بقيمتها دون ديتها، وهذا دليل على ماليتها.

(و) يضمن (قن) ذكر أو أنثى (بغصب)؛ كسائر المال. (لكن لا تثبت

يد) لغاصب (على بضع) للأمة المغصوبة (فيصح) من مالكها (تزويجها) وهي بيد غاصبها.

(و) حيث تقرر: أن اليد لا تثبت على البضع بالغصب (لا يضمن) الغاصب (نفعه).

قال في " الفروع ": خلافاً لـ" عيون المسائل " في أمة حبسها كما يضمن بقية منافعها، وكذا في " الانتصار "، وفيه: ولو خلا بها لزمه مهر واحتج بنكاح فاسد. انتهى.

ووجه ذلك: أن النفع إنما يضمن إذا كان مما تصح المعاوضة عليه

ص: 274

بالإجارة، والبضع ليس كذلك.

(وإن غصب) إنسان (خمر مسلم: ضمن) الغاصب (ما تخلَّل بيده) منها

إذا تلف؛ لأنها صارت خلاَّ على حكم ملك المغصوبة منه. ويؤمر برد ما تخلل.

قال ابن رجب: لو غصب خمراً فتخلل في يد الغاصب وجب ردها. ذكره القاضي وابن عقيل والأصحاب؛ لأن يد الأول لم تزل عنها بالغصب فكأنها تخللت في يده.

و (لا) يضمن (ما تخلل مما جمع) من خمر (بعد إراقةٍ)؛ لزوال اليد

بالإراقة.

(وتُرد خمر ذمي مستترة؛ كخمر خلاَّل)؛ لأنه غير ممنوع من إمساكها.

وعنه: وقيمتها إن تلفت.

وقال في " الانتصار ": لا يردها، وأنه يلزمه إراقتها إن حُدّوا، وإلا لزم تركه. وعليها يخرج تعزير مريقه. انتهى.

ووجه المذهب: أنها مال عند أهل الذمة. فوجب ردها لهم؛ كسائر المال.

وأما عدم وجوب قيمتها إن تلفت؛ فلأن ما حرم بيعها لا لحرمته لم تجب قيمته بتلفه؛ كالميتة.

وقيل: تجب قيمتها بتلفها على غير المسلم.

(و) يرد (كلب يقتنى)؛ لأنه يجوز الانتفاع به. أشبه سائر الأعيان المنتفع بها.

(لا قيمتهما) أي: لا تجب قيمة خمر الذمي ولا الكلب (مع تلف).

وتقدم الخلاف في قيمة خمر الذمي. وإنما لم تجب قيمتهما؛ لأنه ليس

لهما عوض شرعي.

(ولا) يرد (جلد ميتة غصب) والمراد: أنه لا يجب رده؛ (لأنه لا يطهر

ص: 275

بدبغ) فلا سبيل إلى إصلاحه.

وفيه وجه بلى؛ بناء على رواية: أنه يطهر.

وعلى المذهب: لو أتلفه أو أتلف ميتة بجلدها. فلا ضمان عليه؛ لأن ذلك لاقيمة له؛ لعدم صحة بيعه.

(ولا يُضمن حر باستيلاء عليه) يعني: لو تعدى إنسان على حرّ بأن حبسه

ولم يمنعه من تناول الطعام والشراب فمات عنده: لم يضمنه. سواء كان كبيرًا أو صغيرا؛ لأنه ليس بمال.

وقيل: بلى.

وقيل: يضمن الصغير.

(و) على المذهب: (يضمن ثياب) حر (صغير وحُليّه) الذي عليه ولو لم ينزعها عنه؛ لأن الصغير لا ممانعة منه على ذلك. أشبه ما لو غصبه منفردًا. وقيل: لا؛ لأنه تبع له. أشبه ما لو كان على كبير.

(ولا) تضمن (دابة) بغصب و (عليها مالكها الكبير ومتاعه)؛ لأنها في

يد مالكها. نقلها ابن رجب عن القاضي في " الخلاف الكبير " واقتصر عليه. (وإن استعمله) أي: استعمل إنسان حراً (كرهاً) في أي عمل كان، (أو حبسه مدة) لمثلها أجرة:(فعليه أجرته).

أما كون من استعمل حراً كرهاً تلزمه أجرته؛ فلأنه استوفى منافعه وهي متقومة. فلزمه ضمانها؛ كمنافع العبد.

وأما كون حابسه تلزمه أجرته مثل مدة حبسه؛ فلأنه فوت منفعته زمن الحبس وهي مالٌ يجوز أخذ العوض عنها. فضمنت بالغصب؛ كمنافع العبد.

وفي " الانتصار ": لا تلزمه بإمساكه؛ لعدم تلفها تحت يده. بخلاف العبد.

وكذا في "عيون المسائل ": لا يضمنه إذا أمسكه؛ لأن الحر في يد نفسه، ومنافعة تلفت معه؛ كما لا يضمن نفسه وثوبه الذي عليه. بخلاف العبد فإن يد

ص: 276

الغاصب ثابتة عليه ومنفعته بمنزلته.

والأول المذهب.

قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح، صححه في " التصحيح "، وجزم به

في "الو جيز "

(1)

وغيره.

(لا إن منع) إنسان إنساناً (ولو) كان الممنوع (قناً العمل من غير حبس)

له، فإنه لا يضمن منافعه.

قال في " الشرح " عن الحر: وجهاً واحداً؛ لأنه لو فعل ذلك بالعبد لم يضمن منافعه فالحر أولى. انتهى.

وفي " الفروع ": ويتوجه بلى فيهما. انتهى. أي: في الحر والعبد.

قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب. وهو في العبد آكد

(2)

. انتهى.

(ولا يُضمن ربح فات) على مالك (بحبس) غاصب لـ (مال تجارة) عن مالكه مدة يمكن وجود ربح فيها إذا لم يتجر فيها الغاصب؛ كما لو حبس عبدًا يريد مالكه أن يعلمه صناعة مدة يمكن تعليمه الصناعة فيها، فإن الصناعة لا تقوم على غاصب في تضمين منافعه ولا في تضمين عينه إن تلف؛ لأنها لا وجود لها.

(1)

في أ: الوجهين.

(2)

ساقط من أ.

ص: 277

] فصل: في رد المغصوب]

(فصل. وعلى غاصب رد) موجود من (مغصوب قَدَر) الغاصب (عليه) أي: على رده، (ولو) لم يحصل الرد إلا (بأضعاف قيمته) أي: قيمة المغصوب، (لكونه بُني عليه) أي: بأن يكون غصب حجراً أو خشباً قيمته درهم فبنى عليه ويحتاج في إخراجه إلى غرم خمسة دراهم.

(أو بُعِّد) بأن حمل مغصوباً قيمته درهم إلى بلد بعيدة بحيث تكون أجرة حمله في رده إلى البلد المغصوب فيه أضعاف قيمته.

(أو خُلط بمتميز) بأن غصب شعيراً فخلطه بقمح بحيث إن صار يحتاج تخليصه منه إلى أجرة، (ونحوه)؛ كما لو غصب حيواناً وأفلته بمكان لا يمكنه الخروج منه، لكنه يعسر مسكه فيه ويحتاج في ذلك إلى أجرة، فإن ذلك يكون على الغاصب.

أما كون الغاصب يلزمه رد

(1)

ما غصبه مع وجوده، فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" على اليد ما أخذت حتى ترده "

(2)

. رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي. وقال: حديث حسن.

ولما روى عبدالله بن السائب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعباً أو جاداً. فإذا أخذ عصى أخيه فليردها إليه أو يردها عليه "

(3)

. رواه ابو داود.

ولأنه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق. فلزمه إعادتها.

(1)

ساقط من أوب.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3561) 3: 296 كتاب الإجارة، باب في تضمين العارية.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1266) 3: 492 كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداة.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2400) 2: 802 كتاب الصدقات، باب العارية.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(5003) 4: 301 كتاب الأدب، باب من يأخذ الشيء على المزاح.

ص: 278

وأما كونه يلزمه غرم تخليصه ومُؤنة حمله؛ فلأن ذلك حصل بتعديه. فكان

أولى بغرمه من مالكه؛ لكون الشارع لم ينظر إلى مصلحة المتعدي.

(وإن قال) لغاصب (ربُّ) مغصوب (مبعَّد) اي: بعّده الغاصب عن بلد الغصب: (دعه) بالبلد الذي هو فيها، (وأعطني أجرة ردَّه إلى بلد غصبه)، أو طلب من الغاصب حمل المغصوب إلى مكان آخر في غير طريق الرد:(لم يجب) أي: لم يلزم الغاصب ذلك؛ لأنها معاوضة. فلا يجبر عليها؛ كالبيع. وكذا

(1)

لو بذل الغاصب للمالك أكثر من قيمته ولا يسترده: فإن المالك

لا يلزمه ذلك؛ لما تقدم.

وإن أراد المالك من الغاصب رد المغصوب إلى بعض الطريق فقط: لزمه؛

لأنه يلزمه إلى جميع المسافة فلزمه إلى بعضها؛ كما لو أسقط رب الدين عن المدين بعض الدين وطلب منه باقيه.

(وإن سمَّر) الغاصب (بالمسامير) المغصوبة (باباً) أو غيره: (قلعها) وجوباً، (وردها)؛ للخبر المتقدم.

ولا أثر لضرره؛ لأنه حصل بتعديه؛ كما لو غصب فصيلاً وأدخله داره فكبر

وصار لا يمكن إخراجه لضيق بابها عليه، فإنه ينقض مجاناً ويخرج الفصيل.

(وإن زرع) الغاصب (الأرض) المغصوبة ثم ردها وقد حصد زرعه: (فليس لربها) اي: الأرض (بعد حصد) لزرع الغاصب (إلا الأجرة) اي: أجرة المثل على الأرض إلى حين تسليم الغاصب لها. يعني: أنه لا يكون لرب الأرض حق في زرع الغاصب بعد حصاده بتملك ولا غيره؛ لأنه انفصل عن ملكه. أشبه ما لو غرس فيها غراساً ثم قلعه.

ونقل حرب: إن حكمه حكم ما لم يحصد.

(و) المذهب: التفصيل، وأن رب الأرض (يخيّر) فيما إذا أدرك القدرة

على رفع يد الغاصب والزرع في أرضه (قبله) أي: قبل حصاده (بين تركه)

(1)

في أ: كذا.

ص: 279

أي: ترك الزرع في أرضه (إليه) أي: إلى الحصاد (بأجرته) أي: أجرة مثله، (أو تملكه) أي: الزرع (بنفقته. وهي: مثل البذر، وعوض لواحقِه) من حرب وسقي ونحوهما.

وعنه: بقيمته زرعاً فله أجرة أرضه إلى تسليمه.

وذكر أبو يعلى الصغير: لا أجرة. نقله إبراهيم بن الحارث.

ونقل مهنا: أن رب الأرض مخير في أخذه بأيهما شاء.

والصحيح الأول؛ لما روى رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من

زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته "

(1)

. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.

وقيمة الشئ لاتسمى نفقة له.

قال أحمد: إنما أذهب إلى هذا الحكم استحسانا على خلاف القياس.

ويحتمل أن يكون الزرع للغاصب وعليه الأجرة. قاله في " المقنع "؛ كما

إذا رجع المستعير.

ووجه المذهب: أن في كل من تبقيته بأجرته وتملكه بنفقته تحصيلاً لغرض

رب الأرض فملك الخيرة بينهما. ولا يجبر رب الزرع على قلعه؛ لأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان. فلم يجز إتلافه؛ كما لو غصب سفينة فحمل فيها ماله وأدخلها اللجة فإنه لا يجبر على تفريغها حتى ترسي صيانة للمال عن التلف كذا هنا. وفارق الشجر؛ لأن مدته تطول ولا يعلم انتهاؤها فانتظارها يؤدي إلى ترك رد الأصل بالكلية.

وقيل: لرب الأرض قلع الزرع إن ضمن.

(1)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3403) 3: 261 كتاب البيوع، باب في زرع الأرض بغير إذن صاحبها.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1366) 3: 492 كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم.

ص: 280

وقيل: وبدونه. وهو قول أكثر الفقهاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس لعرق ظالم حق "

(1)

. ولأنه وضعه ظلماً. أشبه الغرس. وتقدم الفرق بينهما.

ويجاب عن الحديث: بأنه ورد في الغرس، وحديث رافع ورد في الزرع، فعمل كل منهما في موضعه أولى من

(2)

إبطال أحدهما.

وقيل: إن الزرع لرب الأرض. يعني: أنه ينبت على ملك رب الأرض كالولد

فإنه لسيد الأم، لكن المنيّ لا قيمة له. بخلاف البذر. ذكره الشيخ تقي الدين. قال الزركشي: وهذا القول ظاهر كلام

(3)

أحمد في عامة نصوصه والخرقي والشيرازي وابن أبي موسى فيما أظن، وعليه اعتمد الإمام احمد.

(وإن غرس) الغاصب الأرض (أو بنى فيها: أخذ بقلع غرسه أو بنائه، وتسويتها، وأرش نقصها، وأجرتها) إلى وقت تسليمها. (حتى ولو كان) الغاصب (أحد الشريكين) في الأرض، (أو لم يغصبها) الغارس أو البانى فيها، (لكن فعله بغير إذن).

أما كون الغاصب يوخذ بقلع غرسه أو بنائه إذا طولب بذلك من قبل رب الأرض؛ فلما روى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس لعرق ظالم حق "

(4)

. رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

وروى أبو داود وأبو عبيد في الحديث أنه قال: فلقد أخبرنى الذي حدثني الحديث: " أن رجلاً غرس في أرض رجل من الأنصار من بني بياضة، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقضى للرجل بأرضه وقضى للآخر أن ينزع نخله. قال: فلقد رأيتها يضرب في أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عُمٌّ "

(5)

.

(1)

سيأتى تخريجه في الحديث التالي.

(2)

في أ: في.

(3)

ساقط من أ.

(4)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3073) 3: 178 كتاب الخراج، باب في إحياء الموات.

وأخرجه الترمذي في "جامعه "(1378) 3: 662 كتاب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء الأرض الموات.

(5)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3074) الموضع السابق.

ص: 281

قال أحمد: العُمّ الطوال.

وقيل: معناه أنها عمت بخيرها.

وقيل: معناه تامة في طولها والتفافها. واحدها

(1)

عميمة.

ولما روى الخلال بإسناده عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من بنى في رباع قوم بإذنهم فله القيمة، ومن بنى بغير إذنهم فله النقض ".

قال الشافعي في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس لعرق ظالم حق ": العروق أربعة، عرقان ظاهران الغراس والبناء، وعرقان باطنان البئر والنهر.

ولأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه. فلزمه تفريغه، كما لوجعل فيه قماشاً.

وأما كونه يوخذ بتسوية الأرض وأرش نقصها، فلأنه ضررٌ حصل في ملك غيره بفعله تعدياً فلزمته إزالته.

وأما كونه يؤخذ بأجرتها إلى وقت تسليمها، فلأن منافعها تلفت تحت يده العادِيَة .. فكان عليه عوضها، كالأعيان.

وكذا يلزمه أجرتها وأرش نقصها ولو لم ينتفع بها وحصل النقص بترك زرعها ذلك العام، كأراضي البصرة. أو بغير ذلك.

وأما كون أحد الشريكين والغارس أو البانى بغير إذن كالأجنبي والغاصب؛

فلأن التعدي حاصل في الجميع.

وقيل: لايُنقض بناء بدون غرض صحيح فيه.

وقيل: لا يقلع غراس

(2)

ولا بناء إلا مضموناً؛ كغرس المستعير.

وفي " الرعاية " قول: لا يلزم قلع.

(1)

في ج: واحده.

(2)

في أوب: غرس.

ص: 282

ونقل ابن منصور: يكون الغاصب شريكاً بزيادة بناء.

(ولا يملك) رب الأرض (أخذه) أي: البناء أو الغراس (بقيمته)؛ لأنه عين مال الغاصب. فلم يملك رب الأرض أخذه؛ كما لو وضع فيها أثاثاً أو نحوه. ولأنها معاوضة. فلم يجبر. المالك عليها.

ونقل جعفر: بلى. وحزم به ابن رزين، وزاد: وتركه بأجرة.

وذكر ابن عقيل رواية في البناء: لا يلزم نقضه ويعطى قيمته. ونقله ابن الحكم، وروى الخلال فيه عن عائشة مرفوعاً:" له ما نقص ".

قال أبو يعلى الصغير: هذا منعنا من القياس.

وقال المجد في " شرح الهداية ": ولصاحب الأرض تملك البناء والغراس بقيمته مقلوعاً إذا كانت الأرض تنقص بقلعه.

(وإن وهب) أي: وهب الغارس أو البانى ما غرسه أو بناه (لمالكها) أي: لمالك الأرض: (لم يجبر على قبوله)؛ لأن فيه إجباراً على عقد يعتبر له الرضى.

وقيل: بلى؛ لما فيه من دفع الخصومة. ما لم يكن له في قلعه غرض صحيح.

وإن زرع فيها نوى فصار شجراً، فكما لو حمل إليها غرساً فغرسه فيها.

وقيل: كالزرع؛ لدخوله في. عموم أخبار الزرع.

(ورطبة ونحوها) مما يتكرر حمله؛ كقثاء وباذنجان: (كزرع) في أن رب الأرض إذا أدركه قائماً له أن يتملكه بنفقته؛ لأنه ليس له فرع قوي. أشبه الحنطة والشعير.

(لا غرس) أي: لا أن حكمه حكم الغراس فيما تقدم.

وفيل: بلى؛ لبقاء أصله.

ولو أثمر ما غرسه غاصب في الأرض المغصوبة: فقال في " الإنصاف ":

ص: 283

قال في " المجر د " و" الفصول " وصاحب " المستوعب " و" نوادر المذهب " الثمر لمالك الأرض كالزرع: إن أدركه أخذه ورد النفقة، وإلا فهو للغاصب. واختاره القاضي ونص عليه في رواية ابن سعيد.

قال في " الفروع ": ونصه فيمن غرس أرضاً: الثمرةُ لرب الأرض، وعليه النفقة.

وقال المصنف في " المغني " والشارح وصاحب " الفائق " وابن رزين:

لو أثمر ما غرسه الغاصب، فإن أدركه صاحب الأرض بعد الجذاذ: فللغاصب، وكذلك قبله.

وعنه: لمالك الأرض وعليه النفقة. انتهوا.

قال ابن رزين عن القول بأنه لصاحب الأرض: ليس بشيء.

قال الحارثى: وفيه وجه: أنه للغاصب بكل حال.

وحكاه ابن الزاغونى في كتاب الشروط رواية عن أحمد.

قال: وهذا أصح اعتباراً بأصله.

قال: والقياس على الزرع ضعيف، فاختار الحارثي ما قدمه المصنف وقدمه في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير ". انتهى كلامه في " الإنصاف ". (ومتى كانت آلات البناء من مغصوب)؛ كما لو غصب لبناء من تراب الأرض المغصوبة وبنى به بيتاً فيها:(فـ) عليه (أجرتها) حال كونها (مبنية)؛ لأن الأرض والبناء ملك للمغصوبة منه الأرض.

(ولا يملك) الغاصب (هدمها)؛ لأنه لا ملك له فيه، ولا يملك نقض ملك غيره بغير إذنه. فإن نقضه كان عليه أرش نقصه بنقضه.

(وإلا) أي: وإن لم تكن آلات البناء من عين المغصوب، كما لو حمل إليها اللبن المضروب من غير ترابها والطين الذي بناه به

(1)

: كان عليه أجرة الأرض فقط. ولهذا قلنا: وإلا (فأجرتها) أي: الأرض دون البناء، لأنه إنما

(1)

ساقط من أ.

ص: 284

غصب الأرض والبناء له فلم يلزمه أجرة ملكه.

(فلو آجرهما) أي: آجر الغاصب الأرض المغصوبة مع بنائه: (فالأجرة) المستقرة على المستأجر مشتركة بين رب الأرض ورب البناء (بقدر قيمتهما). نقل ابن منصور: فيمن يبني فيها ويؤجرها: الغلة على النصيب.

(ومن غصب أرضاً وغراساً منقولاً من) مالك (واحد فغرسه) أي: غرس الغراس المغصوب (فيها) أي: في الأرض المغصوبة: (لم يملك) الغاصب (قلعه)؛ لأن مالك الغراس والأرض واحد. فلم يملك غيره التصرف في ملكه بغير إذنه. (وعليه إن فعل) أي: وعلى الغاصب إن قلعه بغير إذن المالك، (أو طلبه) أي: القلع (ربهما) أي: الغراس والأرض (لغرض صحيح) له في القلع: (تسويتها) أي: الأرض (ونقصها) أي: أرش نقص الأرض، (ونقص غراس) نقص بقلعه.

وعلم مما تقدم أنه إذا لم يكن للمالك في القلع غرض صحيح لم يجبر الغاصب عليه؛ لأنه سفه.

وقيل: بلى؛ لأن المالك محكم في ملكه.

ووجه إجباره على القلع مع غرض المالك الصحيح لكونه فوت عليه غرضاً مقصوداً بالأرض. فأخذ بإعادتها إلى ما كانت عليه.

ووجه كون: أن على الغاصب أرش نقص الأرض والغراس بالقلع مع أمر المالك له به؛ لأنه نقص حصل في يده بسبب تعديه بالغرس. فكان عليه؛ كما لو قلعه بغير إذن المالك.

قال المجد في " شرح الهداية ": فإن غصب أرضاً لرجل وغرساً من آخر وغرسه في الأرض ثم وقع النزاع في مؤنة القلع ففيه وجهان للشافعية:

أحدهما: أنها على صاحب الأرض، والآخر على صاحب الغراس

(1)

. وأيهما غرمها رجع على الغاصب. قال: وعندي أنه يتخرج لأصحابنا كالوجهين.

(1)

فى ب: الغرس.

ص: 285

أصلهما إذا حمل السيل غرساً لرجل إلى أرض آخر فنبت فيها هل لصاحب الأرض قلعه مجاناً أو لا؟ على وجهين سبقا. وكذلك لو كان زرعاً هل له تبقيته بأجرة أو مجانا؟ على وجهين. فإذا قلنا: ليس له قلعه مجاناً في الغرس ولا له أجرة في الزرع فالأجرة هاهنا عليه، وعلى الوجه الآخر تكون على صاحبه. انتهى.

(وإن غصب) إنسان (خشباً، فرقَّع به سفينة) وأدركه ربه والسفينة في الساحل أو في لجة البحر ولا يخاف عليها من قلعه لكونه في أعلاها: (قلع) الخشب، ودفع لربه من غير إهمال لوجوبه فوراً. (ويمهل) القلع (مع خوف) على السفينة بقلعه، كما لو كان المغصوب في محل لو قلع منه دخل الماء إلى السفينة وهي في اللُّجة (جتى ترسى)؛ لأن في قلعه إذاً إفساداً للمال

(1)

الذي بالسفينة مع إمكان ذلك بعد زمن يسير.

(فإن تعذر) الإرسال لبُعْد البر (فلمالك) الخشب المغصوب (أخذ قيمته)؛ لوجود الضرر برد عينه والسفينة في اللجّة.

ومتى رست واسترجعه رد القيمة، كمن غصب عبداً فأبق وأخذت منه قيمته

ثم قدر عليه ورده. ولا فرق بين كون المال الذي بالسفينة حيواناً أو غيره ملكاً للغاصب أو لغيره.

وقيل: إن كان المال الذي بها ملكا للغاصب وليس بحيوان لزم قلعه، وإن أفضى إلى تلف مال الغاصب؛ كما لو بنى عليه.

ورد: بأن ما بني عليه لا يمكن رده بدون إتلاف. وهنا يمكن. فلا يجوز الإتلاف؛ كما لو كان المال لغير الغاصب.

(وعليه) أي: على الغاصب (أجرته) أي: الخشب المغصوب (إليه) أي: إلى وقت قلعه من السفينة؛ لأنه فوّت منافعه على مالكه إلى ذلك الوقت. (و) عليه أيضاً (نقصه)، لأنه ضرر حصل بتعديه على ملك غيره. فكان ضمانه عليه.

(1)

في أ: للمالك.

ص: 286

(وإن غصب) إنسان (ما) أي: خيطاً أو سيراً أو غيرهما و (خاط به جرح) حيوان (محترم) من آدمي أو غيره، (وخيف بقلعه) أي: قلع ما خيط به الجرح (ضرر آدمي أو تلف) أي: موت حيوان (غيره) أي: غير الآدمي: (فقيمته) يعني: أنه لا يقلع ويدفع إلى مالكه قيمته.

أما كونه لا يقلع مع خوف ضرر الآدمي المحترم؛ فلتأكد حرمته. ولهذا جاز

له أخذ مال غيره لحفظ حياته.

وأما كونه لا يقلع مع خوف موت البهيمة المحترمة، كالحمار ونحوه؛ فلأن الحيوان آكد حرمة من بقية الأموال. ولهذا جاز إتلاف غيرها وهو ما يطعمه الحيوان من أجل تبقيته.

(وإن حلَّ) الحيوان المخيط جرحه (لغاصب)؛ كما لو غصب إنسان خيطاً

أو نحوه وخاط به جرح بقرته أو شاته أو جمله وخيف بقلعه موته: (أمر) الغاصب (بذبحه) أي: الحيوان، (ويرده) أي: الخيط المغصوب ولو كان في ذبحه نقص لقيمته؛ لأن ذلك ليس بمانع من وجوب رد المغصوب، كما يؤمر بهدم بناء بني على المغصوب.

وعلم مما تقدم أن المخيط جرحه لو كان غير محترم، كالمرتد والخنزير وجب

قلعه ورده في الحال، لأنه غير مضمون ولا محترم. أشبه ما لو خاط به ثوباً.

ودل كلام المتن أيضاً: أن الحيوان لو لم يحل للغاصب لكونه محرم الأكل؛ كالبغل والحمار، أو لكونه لا يملكه: لم يقلعه؛ لأن في موت غير المأكول بالقلع إتلافاً لحياته المطلوب بقاؤها شرعاً. بدليل " نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير مأكلة ".

ولأن في ذبح المأكول الذي ليس ملكاً للغاصب إضراراً بمالكه. ولا يزال الضرر بالضرر.

ولأنه لا يتلف مال من لم يتعد صيانة لمال غيره.

وقيل: لا يذبح المأكول ولو كان ملكاً للغاصب، لأن للحيوان حرمة في نفسه.

ص: 287

وقيل: يذبح المعد للأكل، كالبقر والغنم والدجاج. دون غيره، كالخيل

وما يقصد صوته من الطير.

ومتى مات الحيوان المأكول أو غيره غير الادمي مع بقاء المخيط به المغصوب: وجب قلعه ورده وإلى ذلك أشير في المتن بقوله: (كبعد موت غير آدمي)، لأن الحيوان غير الآدمي لا حرمه له بعد الموت.

وإن مات الآدمي تعينت قيمة مغصوب خيط به.

(ومن غصب جوهرة) من غيره (فابتلعتها بهيمة) بتفريطه أو غيره: (فكذلك) أي: فكما لو غصب خيطاً فخاط به جرح بهيمة على ما تقدم.

قال في " الشرح ": وإن غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة فقال أصحابنا: حكمها حكم الخيط الذي خاط به جرحها.

وقال الموفق بعد نقله ذلك عن الأصحاب: ويحتمل أن الجوهرة متى كانت أكثر قيمة من الحيوان ذبح الحيوان وردت إلى مالكها وضمان الحيوان على الغاصب. إلا أن يكون الحيوان آدميا. وتفارق الخيط فإنه في الغالب أقل قيمة من الحيوان، والجوهرة أكثر قيمة. ففي ذبح الحيوان رعاية حق المالك برد عين ماله إليه ورعاية حق الغاصب بتقليل الضمان عليه.

(ولو ابتلعت شاة

(1)

شخص) أو نحوها (جوهرة آخر غير مغصوبة، ولا تخرج) أي: وتعذر إخراج الجوهرة (إلا بذبحها. وهو) أي: ذبحها (أقل ضرر) من الضرر الحاصل بتركها: (ذُبحت، وعلى رب الجوهرة ما نقص به) أي: بالذبح، لأنه لتخليص متاعه.

ومحل ذلك: (إن لم يفرط رب الشاة بكون يده عليها) حين ابتلاعها الجوهرة. فإن كان التفريط من رب الشاة لم يكن على رب الجوهرة ضمان نقص الشاه بذبحها؛ لأن التفريط من غيره فكان الضرر على المفرط.

(وإن حصل رأسها) أي: رأس الشاة ونحوها (بإناء، ولم تخرج) أي:

(1)

ساقط من ب.

ص: 288

وتعذر إخراج رأسها (إلا بذبحها أو كسره) أي: الإناء (ولم يفرطا) أي: ولم يوجد تفريط من رب البهيمة ولا من رب الإناء: (كسر) الإناء، (وعلى مالكها أرشه) أي: أرش الكسر، لأنه كسر لتخليص ماله.

(ومع تفريطه) أي: تفريط رب الشاة: (تذبح بلا ضمان) على رب الإناء؛

لأنه لما كان التفريط من جهته كان أولى بحصول الضرر من الذي لم يفرط.

(ومع تفريط ربه) أي: الإناء: (يُكسر بلا ارش) على رب الشاة، لأن المفرط أولى بالضمان.

وهذا الذي ذكر في المتن هو الأصح والذي عليه الأكثر من الطريقين للأصحاب فيما إذا كانت البهيمة مأكولة.

والطريق الثانى فيها: انه يعتبر مع عدم التفريط منهما أقل الضررين من الكسر أو الذبح، فإن كان الكسر أقل ضرراً من الذبح كسر الإناء، وإن كان الذبح أقل ضرراً ذُبحت البهيمة.

(ويتعين في) بهيمة (غير مأكولة) حصل لها ذلك (كسره) أي: الإناء، وعلى رب البهيمة أرشه، لأنه كسر لتخليص ماله. ما لم يكن التفريط من رب الإناء.

وفي كل من المأكولة وغيرها وجه مثل حكم الأخرى.

وفي غير المأكولة وجه ثالث: أنها تقتل إن كانت الجناية من مالكها، أو

كان القتل أقل ضرراً من الكسر.

قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب.

وإذا قال من وجب عليه ضمان نقص مال صاحبه: أنا أتلف مالي ولا أغرم شيئاً: فله ذلك، لأن إتلاف مال صاحبه إنما كان لحقه وتخليص ماله. فإذا رضي بتلفه لم يجز إتلاف غيره.

(ويحرم ترك الحال على ما هو عليه) أي: يحرم ترك رأس اليهيمة في الإناء

بأن لا يُكسر ولا يُذبح، لما فى ذلك من تعذيب الحيوان. فلو لم يفرط رب الإناء

ص: 289

وامتنع رب المأكولة من ذبحها أو ضمان أرش كسر الإناء أو رب غير المأكولة من ضمان أرش الكسر: أُجبر؛ لأن ذلك من ضرورة تخليصها من العذاب. فلزم ربها؛ كعلفها.

(ولو حصل مال شخص) من حيوان أو غيره (في دار) شخص (آخر، وتعذر إخراجه) من الدار (بدون نقض) لبعض الدار: (وجب) النقض وأخرج. (وعلى ربه) أي: رب المال المخرج (ضمانه) أي: ضمان ما نقص

(1)

(إن لم يفرط صاحب الدار)؛ لأنه نقص حصل في الدار من غير تفريط من صاحبها لأجل تخليص مال غيره. فكان ضمانه على رب المال.

وعلم من هذا انه إن كان بتفريط صاحب الدار لم يكن على رب المال ضمان

ما هدم من الدار؛ لأن المفرط أولى بحصول الضرر، وأنه إن كان بتعديه كان أولى بحصول الضرر من المفرط.

وذكر الموفق احتمالاً فيماءإذا كان الحصول من غير تفريط: أنه يعتبر أقل الضررين. فلو كان المال خشبة وكان كسرها أقل ضرراً كسرت، أو كان جملاً وكان ذبحه أقل ضرراً ذبح، وإن كان النقض أقل ضررا نقضت في المسألتين. قال الحارثي: وهذا أولى.

وعلى هذا إن كان الحيوان غير مأكول تعين النقض، وإن كان الحصول عن تفريط مالك الحيوان ذبح المأكول وإن زاد ضرر الذبح. حكاه في " المغني ". وذكر صاحب " التلخيص " وجوب النقض

(2)

وغرم الأرش. وكلام ابن عقيل نحوه أو قريب منه. قاله الحارثي وقال: الأول الصحيح. نقل ذلك في

(3)

" الإنصاف ". وقال: لو باع داراً وفيها

(4)

ما يعسر إخراجه فقال القاضي وابن عقيل وصاحب " التلخيص " وغيرهم: ينقض الباب وعليه ضمان النقص.

(1)

في أ: نقض.

(2)

في أوج: النقص.

(3)

في أوج: من.

(4)

في ب: فيها.

ص: 290

وقال المصنف- يعني: الموفق-: يُعتبر أقلّ الضررين: إن زاد بقاؤه في الدار، أو تفكيكه إن كان مركباً، أو ذبحه إن كان حيواناً على النقص: نقض مع الأرش، وإن كان بالعكس فلا نقض، لعدم فائدته، وقال: ويصطلحان إما بأن يشتريه مشتري الدار أو غير ذلك. انتهى.

(ومن غصب ديناراً أو نحوه)، كجوهرة ودرهم (فحصل) ذلك (في محبرة) إنسان (آخر أو نحوها) من كل إناء ضيق الرأس بفعل الغاصب أو بغير فعله، (وعسر إخراجه) منها بدون كسرها، (فإن زاد ضرر الكسر عليه) أي: على الدينار بأن كانت قيمتها صحيحة دينارين وقيمتها مكسورة نصف دينار (فعلى الغاصب بدله) أي: فعليه أن يعطي لرب الدينار الساقط في المحبرة بدله. ولم تكسر؛ لأن في كسرها إذاً إضاعة للمال وهي منهي عنها.

(وإلا) أي: وإن لم يزد ضرر كسرها على غرم الحاصل فيها بأن تساويا أو

كان ضرر الكسر أقل: (تعين الكسر) لرد عين المال المغصوب من غير إضاعة مال، (وعليه) أي: الغاصب (ضمانه) أي: الكسر، لأنه السبب فيه.

(وإن حصل) الدينار أو نحوه في المحبرة أو نحوها (بلا غصب ولا فعل أحد)، كما لو ألقت الريح أو نحوها دينار إنسان في محبرة غيره:(كسرت) المحبرة، (وعلى ربه) أي: الدينار (أرشها) أي: أرش نقص المحبرة بالكسر، لأن الكسر لتخليص ماله.

(إلا أن يمتنع) رب الدينار (منه) أي: من كسر المحبرة مع ضمان أرشه؛

(لكونها) أي: المحبرة (ثمينة) أو غير ذلك: فلا تكسر.

قال ابن عقيل: قياس قول أصحابنا: أن يقول لرب الدينار: إن شئت أن

تأخذ فاغرم، أو فاترك ولا شيء لك.

قال الحارثي: والأقرب إن شاء الله تعالى سقوط حقه من الكسر هنا ويصطلحان عليه.

(و) إن حصل فيها (بفعل مالكها): فإنها (تكسر مجاناً) أي:

ص: 291

من

(1)

غير ضمان على رب الدينار؛ لأنه وجب على ربها إعادة الدينار إلى مالكه ولم يمكن ذلك بدون كسر المحبرة. فجاز كسرها لذلك. ولا يضمن نقصها أحد؛ لأن التفريط من مالكها.

(و) إن حصل فيها (بفعل رب الدينار): فإنه (يخير بين تركه) في المحبرة (و) بين (كسرها، و) أن يكون (عليه قيمتها) كاملة؛ لتعديه. وهذا قول القاضي وابن عقيل. ومعناه: أنه لا خيار لرب المحبرة في إبقائها مع اختيار رب الدينار كسرها مع ضمان قيمتها. واختار هذا القولى صاحب " التلخيص ". وقيل: لا يجبر ربها على كسرها؛ لأن الدينار لما كان حصوله بتعدي مالكه

على رب المحبرة لم يجبر على إتلاف ماله لإزالة ضرر عدوان رب الدينار عن نفسه.

وعلى هذا يكون على رب الدينار ما نقص من قيمة المحبرة؛ لوقوع الدينار

فيها إن نقصت

(2)

.

(و) على الأول (يلزمه) أي: رب الدينار (قول مثله) أي: مثل ديناره: (إن بذله) له (ربها) أي: المحبرة لكيلا يكسرها؛ لأنه بذل له مالا يتفاوت به حقه دفعاً للضرر عنه. فلزمه قبوله؛ لما فيه من الجمع بين الحقين. واختار هذا القولى صاحب "التلخيص " فيه. وقدمه في " الرعايتين "

و" الحاوي الصغير ".

وقيل: لا يلزمه قبول مثله؛ لأن المثل ليس بعين ماله.

وسواء قلنا يجبر رب المحبرة على كسرها أو قلنا لا يجبر، لو بادر رب الدينار وكسرها: لم يلزمه أكثر من قيمتها، وجها واحداً. قاله في " الإنصاف ".

(1)

في أ: في.

(2)

في ب: نقضت.

ص: 292

] فصل: في زيادة المغصوب]

(فصل. ويلزم) غاصباً (ردُّ مغصوب زاد) بيد الغاصب أو بيد غيره (بزيادته المتصلة). وهي (كقصارة) في ثوب، (وسَمِن) في حيوان، (وتعلُّم صنعة) في آدمي.

(و) بزيادته (المنفصلة؛ كولد) لبهيمة وكذا لآدمية. ما لم يكن من جاهل بالحال، فإن لربها قيمته يوم وضعه.

(و) كـ (كسب) يكسبه الرقيق المغصوب؛ لأن ذلك ونحوه نماء المغصوب وهو لمالكه. فلزم رده، كالأصل.

(ولو غصب) إنسان (قناً أو شبكة أو شركاً فأمسك) القن أو الشبكة أو الشرك صيداً، (أو) غصب إنسان (جارحاً أو فرساً فصاد به) أي: بالجارحح (أو) صاد (عليه) أي: على الفرس صيداً، (أو) غزا على الفرس فـ (غنو: فلمالكه) فالصيد في الصور المذكورة والغنيمة لمالك المغصوب؛ لأن ذلك حصل بسبب المغصوب وكان لمالكه. أشبه ما لو وهب للرقيق المغصوب شيء فإنه يكون لمالكه.

قال في " الفروع ": وجزم به غير واحد في كتب الخلاف، قالوا على قياس قوله: ربح الدراهم لمالكه، ويسقط عمل الغاصب. انتهى.

وقيل: يكون للغاصب وعليه الأجرة.

وقال الشيخ تقي الدين: يتوجه فيما إذا غصب فرساً وكسب عليه مالاً: أن يجعل الكسب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفقتهما، بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس ثم يقسم الصيد بينهما.

(لا أجرته زمن ذلك).

قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: هل يلزم الغاصب أجره مدة

ص: 293

اصطياده أم لا؟ فيه وجهان. وأطلقهما في " المغني " و" الشرح " و" الرعاية "

و" الفر وع " 10 نتهى.

يعني: وهو كون الصيد للمالك في لزوم أجرة الصائد على الغاصب مع ذلك وجهان:

أحدهما: لا يلزمه. قدمه الحارثي، وقال: هو الصحيح.

قال في " تجريد الغاية ": ولا أجرة لربه مدة اصطياده في الأظهر. ووجهه:

أن منافع المغصوب في هذه المدة عادت إلى المالك. فلم يستحق عوضها على غيره؛ كما لو زرع الغاصب الأرض المغصوبة فأخذ المالك الزرع بنفقته.

والثانى: بلى.

قال في " التلخيص " في صيد العبد: ولا تدخل أجرته تحته إذا قلنا بضمان المنافع. ووجهه: أن منافعه تلفت تحت يده. أشبه ما لو لم يصد.

أما لو غصب إنسان منجلاً وفأساً فقطع بذلك حشيشاً أو خشبا فهو للغاصب؛ لحصول الفعل منه. أشبه ما لو غصب سيفاً فقاتل به وغنم.

(وإن أزال اسمه) أي: أزال الغاصب اسم المغصوب بعمله فيه؛ (كنسج غزل) فإنه كان يسمى غزلاً حين غصبه فصار بنسجه يسمى ثوباً.

(وطحن حب) غصبه فإنه صار يسمى دقيقاً، (أو طبخه) أي: الحب فإنه صاريسمى طبيخاً.

(ونجر خشب) باباً أو سريراً أو سرجاً أو غير ذلك فإنه صار يسمى باسم المعمول.

(وضرب حديد) سيفاً أو سكيناً وإبراً او غير ذلك. (و) ضرب (فضة) دراهم أو حلياً، (ونحوهما) أي: ضرب نحو الحديد والفضة؛ كضرب ذهب دنانير ونحاس أوانى ونحو ذلك.

(وجعل طين) غصبه (لبناً) جمع لبنة أو آجرا (أو فخاراً)؛ كالأباريق

ص: 294

والأدنان ونحوهما: (رده) أي: لزم الغاصب

(1)

أن يرده معمولاً، (و) أن يرد (أرشه إن نقص).

أما كونه يلزمه رده؛ فلأن عين المغصوب فيه قائمة. فلزم ردها إلى مالكها؛ كما لو غصب شاة فذبحها.

وأما كونه عليه أرش نقصه؛ فلأنه حصل بفعله.

ولا فرق بين كون النقص في عينه أو قيمته أو هما.

(ولا شيء له) أي: للغاصب في زيادة قيمة المغصوب بعمله فيه؛ لأنه تبرع في ملك غيره. فلم يستحق لذلك عوضاً؛ كما لو غلا زيتاً فزادت قيمته. وعنه: يكون الغاصب شريكاً بالزيادة؛ لأنها حصلت بمنافعه، والمنافع أجريت مجرى الأعيان. أشبه ما لو غصب ثوبا فصبغه.

وفرق بينهما: بأن الصبغ عين مال لا يزول ملك مالكه عنه بجعله مع ملك غيره. وهذا حجة على القائل بأنه

(2)

يكون شريكاً بالزيادة؛ لأن الغاصب إذا لم يزل ملكه عن صبغه بجعله فى ملك غيره وجعله كالصفة. فلأن لا يزول ملك غيره بعمله فيه أولى.

وعنه: أن الغاصب يملك المغصوب بعمله فيه ويكون عليه قيمته قبل عمله. ورد: بأن هذه الرواية قول قديم مرجوع عنه.

وعنه: يخير المالك بين العين والقيمة.

وقيل: للغاصب أجرة عمله فقط.

(و) على المذهب: (للمالك إجباره) أي: إجبار الغاصب (على رد ما أمكن رده) من مغصوب (إلى حالته) الأولى؛ كما لو غصب مسامير وضربها نعالاً فإن لمالكها إجبار الغاصب على ردها مسامير كما كانت؛ لأن عمل

(1)

في أوب: المغصوب.

(2)

في ب: بأن.

ص: 295

الغاصب في المغصرب محرم، فملك المالك إزالته مع الإمكان.

وإن استأجر الغاصب إنساناً على عمل شيء من هذا الذي ذكرناه فالأجر عليه. والحكم في زيادته ونقصه كما لو فعل ذلك بنفسه. وللمالك تضمين النقص

من شاءمنهما.

فإن جهل الأجير الحال وضمن الغاصب لم يرجع على أحد.

وإن ضمن الأجير رجع على الغاصب؛ لأنه غره.

وإن علم الأجير الحال وضمن لم يرجع على أحد؛ لأنه أتلف مال غيره بدون إذنه.

وإن ضمن الغاصب رجع على الأجير؛ لأن النقص حصل بفعله. فاستقر الضمان عليه.

وإن استعان

(1)

الغاصب بمن فعل ذلك فهو كالأجير.

(ومن حفر في) أرض (مغصوبة بئراً، أو شق) فيها (نهراً، ووضع التراب) الخارج بحفر البئر، أو شق النهر (بها) أي: بالأرض المغصوبة: (فله) أي: للغاصب (طمّها) أي: طم الأرض المحفورة بئراً أو المشقوقة نهراً (لغرض صحيع، ولو) أنه (أبرئ مما يتلف بها) أي: بالبئر؛ لأن الغرض في ذلك فد يكون خلاف خشية ضمان ما يتلف بها.

(وتصح البراءة منه)؛ لأن الضمان إنما يلزمه لوجود تعديه. فإذا رضي بفعله صاحب الأرض زال التعدي؛ لأن الرضى الطارئ كالرضى المقارن للفعل. وقيل: لا يملك طمها إلا بإذن مالك الأرض.

وقيل: لا يملكه إذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف بها.

وقيل: له طمها ولو لم يكن له في ذلك غرض صحيح.

وقيل: لاتصح البراءة من ضمان ما يتلف بها.

(1)

فى أوب: استعاره.

ص: 296

(وإن أراده) أي: أراد طمها من الغاصب. (مالك: الزم) الغاصب (به) أي: بالطم؛ لوجود الحفر عدواناً.

ولأنه يضر بالأرض.

(وإن غصب) إنسان (حباً فزرعه) في أرضه أو أرض غيره، (أو) غصب (بيضاً) فعالجه بوضعه تحت طائر أو غير ذلك (فصار فراخاً، أو) غصب (نوى أو أغصاناً) فغرسه (فصارت شجراً: ردها) اي: رد الزرع والفراخ والشجر لمالكه؛ لأنه عين مال المغصوب منه. (ولا شيء له) أي: للغاصب في مقابلة عمله فيه؛ لأنه متبرع به.

ويتخرج في هذا من الخلاف ما تقدم، فيما إذا نسج الغاصب الغزل ونحوه.

ص: 297

] فصل: في ضمان نقص المغصوب]

(فصل. ويضمن) غاصب (نقص مغصوب) حصل بعد الغصب قبل رده. (ولو) كان النقص (رائحة مسك، أو نحوه)؛ كعنبر.

قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم تضمن رائحة مسك ونحوه، خلافاً

للـ" انتصار ". ووجه ضمان ذلك ظاهر؛ لأن قيمة ما يشم إنما تختلف بالنظر إلى قوة الرائحة وضعفها.

(أو) كان النقص (بنبات لحية عبد)؛ لأنه نقص في القيمة بتغير صفة.

أشبه النقص بتغير باقي الصفات. وبهذا قال الشافعي. وخالف أبو حنيفة. ولو بقطع ذنب حمار.

قال

(1)

القاضي: بقيمته؛ لأنه ضمان مال من غير جناية على آدمي فكان الواجب على الغاصب ما نقص. إذ القصد بالضمان جبر حق المالك بإيجاب قدر ما فات عليه.

ولأنه لو فات الجميع لوجبت قيمته، فإذا فات شئ وجب قدره من القيمة كغير الحيوان. فلو غصب إنسان عبداً فعمي عنده فإنه يقوم صحيحاً ثم أعمى، ويؤخذ من الغاصب ما بين القيمتين.

وعنه: أن عين الدابة من الخيل والبغال والحمير تضمن بربع قيمتها.

وعنه: أن الرقيق يضمن بما يضمن به في الإتلاف.

قال الموفق في " المقنع ": ويتخرج أن يضمنه بأكثر الأمرين منهما.

وقال في " الشرح ": فأما إن كان النقص في الرقيق مما لا مقدر فيه؛ كنقصه لكبر أو مرض أو شجة دون الموضحة: فعليه ما نقص مع الرد لا غير.

(1)

ساقط من أوب.

ص: 298

لا نعلم فيه خلافاً. انتهى.

(وإن) غصب إنسان عبداً و (خصاه، أو أزال) منه) ما تجب فيه دية من حر)؛ كما لو قطع يديه أو رجليه أو ذكره أو لسانه: (رده) على مالكه، (و) رد معه (قيمته) كلها. نص عليه، وبه قال مالك والشافعي.

وقال أبو حنيفة والثوري: يتخير المالك بين أن يأخذه ولا شيء له غيره،

وبين أن يأخذ قيمته ويملكه الجانى، لأنه ضمان مال. فلا يبقى ملك صاحبه عليه مع ضمانه؛ كسائر الأموال.

ولنا: أن المتلف البعض. فلا يقف ضمانه على زوال الملك، كقطع خصيتي ذكر المدبر.

ولأن المضمون هو المفوت. فلا يزول الملك عن عين بضمانه؛ كما لو قطع تسع أصابيع. وبهذا ينفصل عما ذكروه فإن الضمان في مقابلة التالف لا في مقابلة الجملة.

ووافق أبو حنيفة: أنه لو كانب الجناية من اثنين على طرفين: أن القيمة تلزمهما والعبد لسيده.

(وإن قطع) الغاصب من الرقيق المغصرب (ما) أي: شيئاً (فيه مقدر)

ولو شعراً من حر (دون ذلك) أي: دون ما تجب فيه الدية كامله مما تقدم ذكره ونحوه؛ كما الو قطع يداً واحدة أو رجلاً أو جفناً أو هدباً أو إصبعاً أو نحو ذلك: (فـ) إنه يلزمه في كلٍّ من ذلك (أكثر الأمرين) من أرش نقص قيمته أو دية ذلك المقطوع وهي بنسبتها من قيمته كنسبة ذلك من حر من ديته، لأن سبب كل واحد منهما وجد فوجب أكثرهما ودخل الاخر فيه، فإن الجناية واليد وجدا جميعا. فلو غصب عبداً قيمته ألف فزادت قيمته عنده إلى ألفين ثم قطع يده فصار يساوي ألفاً وخمسمائه كان عليه مع رده ألف، فلو كان القاطع ليده غير الغاصب وفد نقصت قيمته مائتين وصار بعد القطع يساوي أربعمائة كان على الجانى أربعمائة؛ لأن جنايته مضمونة بنصف القيمة وهي حين القطع ثمانمائة وعلى الغاصب مائتان، لأنها نقصت من قيمة العبد وهو في يده.

ص: 299

وللمالك تضمين الغاصب ما عليه وعلى الجانى؛ لأن ما وجد في يده في حكم الموجود منه.

(ويرجع غاصب غرم) الجميع لمالك، (على جان، بأرش جناية)؛ لأن التلف حصل بفعله. فاستقر الضمان عليه (فقط) أي: دون النقص الحاصل في يده؟ لأنه لا يلزمه أكثر مما وجب عليه من أرش الجناية.

وعنه: أن الغاصب إذا جنى على المغصوب يضمنه بما نقص فقط.

(ولا يرد مالك) اي: وليس على مالك تعيب ماله عند غاصب أن يرد عليه (أرش معيب أخذ) ــه من الغاصب (معه) أي: مع المغصوب (بزواله) أي: العيب عند المالك؛ كما لو غصب إنسان عبداً فجرحه ثم رده إلى مالكه ورد معه ارش الجرح ثم برئ عند مالكه، وبحيث لم يصر به نقص بعد البرئ: فإن المالك لا يلزمه أرش الجرح؛ لأنه عوضٌ عن نقص حصل في يد الغاصب بتعديه. فلم يكن له استرجاعه.

ولأنه استقر ضمانه برد المغصوب ناقصاً عن حال غصبه نقصاً أثر في قيمته. فوجب أن يضمن نقصه.

وكذا إن أخذ المالك المغصوب دون أرشه ثم زال العيب قبل أخذ أرشه: لم يسقط ضمانه. بخلاف ما لو برئ في يد الغاصب.

قال الحارثي: وما يذكر من الاستقرار فغير مسلم والصواب إن شاء الله تعالى الوجوب بقدر النقص الحادث في المدة، ويجب رد ما زاد إن كان. انتهى. (ولا يضمن) غاصب رد المغصوب بحاله (نقص سعر) حصل المغصوب تحت يده؛ كما لو غصب ثوباً يساوي مائة فلم يرده حتى نقص سعره بأن صار يساوي ثمانين فإنه لا يلزمه مع رده بحاله شيء.

وذكر ابن أبي موسى رواية عن أحمد: أن نقص السعر مضمون على الغاصب، وقال به أبو ثور استدلالاً بأمرين:

أحدهما: أنه نقص يضمنه الغاصب مع تلف العين. فوجب أن يضمنه مع

ص: 300

بقائها. قياساً على نقص الذات؛ كالسِّمَن.

والثانى: أنه عدوان يضمن به نقص الذات. فوجب أن يضمن به نقص الثمن؛ كما لو نقصت قيمة المغصوب لنسيان صنعة.

ولنا: أنه رد العين بحالها لم تنقص منها عين ولا صفة. فلم يلزمه شئ؛

كما لو لم تنقص.

ولا نسلم أنه يضمن نقص السعر مع تلف العين. وإن سلمناه؛ فلأنه وجب

عليه قيمه العين أكثر مما كانت قيمتها فدخلت في التقويم. بخلاف ما إذا ردها فإن القيمة لا تجب. ويخالف السمن فإنه من عين المغصوب، والعلم بالصناعة صفة فيها. وهاهنا لم تذهب عين ولا صفة؛ لأنه لا حق للمغصوب منه في القيمة مع بقاء العين وإنما حقه في العين وهي باقية كما كانت.

ولأن الغاصب إنما يضمن ما هو مغصوب، والقيمة لا تدخل في الغصب. بخلاف زيادة العين فإنها مضمونة

(1)

وقد ذهبت.

ولأن نقص الذات قد لا يكون مضموناً في بعض صور الغصب؛ (كهزال زاد

به) سعر الرقيق المغصوب. أو لم يزد به ولم ينقص؛ كما لو غصب عبداً مفرطا في السمن قيمته يوم الغصب ثمانون فهزل عند الغاصب فصار يساوي مائة. أو

(2)

بقيت قيمته على حالها: فإن الغاصب لا يجب عليه مع رده شي؛ لأن الشرع إنما أوجب في مثل هذا ما نقص من قيمته ولم يقدر بدله ولم تنقص قيمته. فلم يجب عليه شيء غير رده، وكذا لو لم تنقص القيمة ولم تزد.

(ويضمن) الغاصب (زيادته) أي: زيادة المغصوب الحا صلة عنده؛ كما

لو سمن عنده الحيوان أو تعلم الرقيق صنعة فزادت قيمته بذلك ثم هزل أو نسي الصنعة: فإن عليه رده ورد ما نقص بعد الزيادة. وبه قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب عليه عوض الزيادة، إلا أن يطالبه المالك

(1)

في أوب: مغصوبة.

(2)

ساقط من ب.

ص: 301

بردها زائدة فلا يردها؛ لأنه رد العين كما أخذها. فلم يضمن قيمتها؛ كنقص سعرها.

وذكر ابن أبي موسى في " الإرشاد " رواية: أن المغصوب إذا زادت قيمته لسمن أو تعلم صنعة ثم نقصت بزوال ذلك: فلا ضمان عليه إذا رده بعينه.

ووجه المذهب: أنها زيادة في نفس المغصوب. فلزم الغاصب ضمانها؛

كما لو طالبه بردها فلم يفعل.

ولأنها زادت على ملك مالكها. فلزم الغاصب ضمانها؛ كما لو كانت موجودة حال الغصب.

وفارق زيادة السعر؛ لأنها لو كانت موجودة حال الغصب لم يضمنها. والصناعة إن لم تكن من عين المغصوب فهي صفه فيه. ولذلك يضمنها إذا طولب برد العين وهي موجودة فلم يردها. وأجريناها هي والتعليم مجرى السمن الذي هو عين.

ولأنها صفة تتبع العين. وأجرينا الزيادة الجارية في يد الغاصب مجرى الزيادة الموجودة حال الغصب؛ لأنها زيادة في العين المملوكة للمغصوب منه. فتكون مملوكة له؛ لأنها تابعة للعين.

(لا مرضا) أي: ولا يضمن الغاصب نقص مرض طرأ على المغصوب وهو

بيد الغاصب ثم (برئ منه في يده) أي: يد الغاصب؛ لأن العيب الذي أوجب الضمان زال في يده. ولذلك لو حملت فنقصت ثم وضعب في يد الغاصب فزال نقصها لم يضمن شيئاً.

وقال في " الفروع " في مسألة بعد أن قدم ما في المتن: ونصه يضمن. وقدمه في " الرعاية الكبرى "، وقال: نص عليه.

(ولا إن) زاد المغصوب بيد الغاصب زيادة زادت بها قيمته ثم زالت الزيادة

ثم (عاد مثلها) أي: قدر الزيادة الأولى (من جنسها) والعين بيد الغاصب؛ كما لو غصب إنسان أمة قيمتها مائة ثم سمنت عنده فصارت قيمتها ألفا ثم هزلت

ص: 302

فعادت إلى مائة ثم سمنت فعادة إلى ألف وردها إلى مالكها وهي تساوي ألف: فإنه لا شيء عليه غير ذلك، لأن ما ذهب من الزيادة عاد وهي بيده. أشبه ما لو مرضت فنقصت قيمتها ثم برأت فعادت القيمة، أو نسيت صنعة ثم تعلمتها او أبق العبد ثم عاد.

وفارق ما إذا زادت من جهة أخرى، لأنه لم يعد ما ذهب. بخلاف ما هنا.

قال الحارثي: هذا المذهب لنصه في الخلخال يكسر، قال: يصلحه أحب

إليّ. وهو

(1)

أحد صور المسألة. انتهى.

وصححه في " التصحيح ".

وقال الموفق وابن أخيه: إنه أقيس، وجزم به في " الوجيز "

(2)

.

وقيل: عليه نقص الزيادة الأولى كما لو كانت الزيادتان من جنسين؛ لأن

الزيادة الثانية غير الأولى.

وعلى الوجه الأول: لو سمنت بعد الهزال ولم تبلغ قيمتها إلى ما بلغت بالسمن الأول، أو زادت عليه: ضمن الغاصب أكثر الزيادتين تدخل فيها

الأخرى.

وعلم مما تقدم أنه لو عاد قدر الزيادة الأولى من غير جنسها: لم يسقط

ضمان الأولى، كما لو غصب أمة قيمتها مائة فسمنت فبلغت ألفا ثم تعلمت صنعة فبلغت ألفين ثم هزلت ونسيت الصنعة فعادت إلى مائة ثم ردها وهي كذلك: فإن عليه ضمان الزيادة وهي ألف وتسعمائة.

وإن بلغت بالسمن ألف ثم هزلت فعادت إلى مائة، ثم تعلمت صنعة فبلغت

ألف ثم نسيت فعادت إلى مائة: كان عليه مع ردها ألف وثمانمائة، لأنها نقصت بالهزال تسعمائة وبالنسيان تسعمائة.

وإن سمنت فبلغت ألفاً ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم تعلمت صنعة فعادت

(1)

في أ: وهي.

(2)

في أ: الوجهين.

ص: 303

إلى ألف ولم تنس الصنعة: كان عليه مع ردها تسعمائة.

ووجه ذلك: أن زوال الزيادة الأولى أوجب الضمان وقد حدثت الزيادة الثانية

على ملك مالك العين من

(1)

وجه آخر: فلا ينجبر ملك الإنسان بملك نفسه.

(ولا) يضمن غاصب سوى الرد (إن نقص) المغصوب في يده (فزاد مثله

من جنسه) أي: مثل النقص من جنسه؛ كما لو غصب عبداً نساجاً يساوي مائة فنسى الصنعة عنده فصار يساوي ثمانين ثم تعلم الصنعة التي نسيها فعاد إلى مائة فإنه لا ضمان عليه في نقصه. حتى (ولو) كان ما تعلمه (صنعة بدل صنعة

نسيها)؛ كما لو تعلم الخياطة بدل النساجة التى نسيها فعادت قيمته إلى مائة؛ لأن الصنائع كلها جنس من أجناس الزياده في الرقيق. أشبه ما لو نقصت قيمته بهزاله ثم عادت بسِمَنه. وفيه وجه.

(وإن نقص) المغصوب نقصاً (غير مستقر كحنطة ابتلّت وعفنت)،

وطلبها مالكها قبل بلوغها إلى حالة يعلم فيها قدر أرش نقصها: (خير) المالك (بين) أخذ (مثلها) من مال الغاصب، (أو تركها) بيد الغاصب (حتى يستقر فسادها، ويأخذها) مالكها (وأرش نقصها) أيضاً؛ لأنه لا يجب له المثل ابتداء لوجود عين ماله، ولا أرش العيب؛ لأنه لا يمكن معرفته ولا ضبطه إذاً. وحيث كان كذلك صارت الخيرة إلى المالك بين أخذ المثل لما في تأخير حقه بعد طلبه من الضرر وبين الصبر حتى يستقر الفساد؛ لأنه إذا رضي بالتأخير سقط حقه من التعجيل فيأخذ العين عند استقرار فسادها؛ لأنها ملكه. ويأخذ من الغاصب أرش نقصها؛ لأنه حصل بجنايته. أشبه تلف جزء من

(2)

المغصوب.

وقيل: يجب له المثل ابتداء؛ لأنه لا يعلم قدر نقصه.

وقيل: يأخذه عند الطلب وأرش نقصه الحاصل إذاً.

وكلما حصل نقص زائد ضمنه الغاصب؛ لأنه مستند إلى السبب الموجود في

يده.

(1)

في أوب: في.

(2)

ساقط من أ.

ص: 304

وقيل: يخيّر بين أخذه مع أرش نقصه المتيقن إذاً، ولا شيء له غيره. وبين أخذ مثله.

(وعلى غاصب جناية) رقيق (مغصوب و) عليه أيضاً (إتلافه) أي: قيمة

ما يتلفه. حتى (ولو) كانت الجناية (على ربه) اي: مالكه، (أو) كان الإتلاف على (ماله) أي: مال المالك (بالأقل من أرش أو قيمته) أي: أرش الجناية أو قيمة العبد.

أما كون الغاصب يضمن جناية الرقيق المغصوب؛ فلأن جنايته نقص فيها لتعلقها برقبته. فكان مضموناً على الغاصب؛ كسائر نقصه. وسواء في ذلك ما يوجب القصاص أو ما يوجب المال.

وأما كونه يضمن قيمة ما أتلفه؛ فلأنها أيضاً تتعلق برقبته. أشبهت الجناية الموجبة للمال.

وأما كون الغاصب يضمن جناية الرقيق على مالكه وإتلافه لماله؛ فلأن ذلك

من جملة جناياته. فكان مضموناً على الغاصب؛ كما لو كان السيد أجنبياً. وفيه وجه.

قال الحارثي: إذا جنى على سيده فقال المصنف- يعني به: الموفق- وأبو الخطاب: يضمن الغاصب أيضاً. واستدل له بالقياس على الأجنبي. قال: وإنما يتمشى هذا حالة الاقتصاص؛ لوجود الفوات، أما حالة عدم الاقتصاص فلا؛ لأن الفوات منتف فالضمان منتف؛ لأن الغاية إذاً تعلق الأرش بالرقبة وهو غير ممكن؛ لأن ملك المجني عليه فيها حاصل، فلا يمكن تحصيله. فيكون حالة عدم القصاص هدر.

ثم قال بعد ذلك: وأما الجناية الموجبة للمال؛ كالخطأ وإتلاف المال فمتعلقة بالرقبة، وعلى الغاصب تخليصها بالفداء وبما يفدي. انتهى.

فعلى المذهب: إذا قتل المغصرب سيده أو غيره فاقتص منه ضمنه الغاصب بقيمته؛ لأن التلف في يده. فإن عفى عنه على مال تعلق برقبته وضمانه على

ص: 305

الغاصب. ويضمنه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته كما يفديه سيده.

وإن جنى على ما دون النفس؛ مثل: إن قطع يداً فقطع يده قصاصاً: فعلى

الغاصب ما نقص بذلك دون أرش اليد؛ لأن اليد تلفت بسبب غير مضمون.

فأشبه ما لو سقطت.

وإن عفي عنه على مال تعلق أرش اليد برقبته، وعلى الغاصب قيمته يدفعها

إلى سيده. فإذا أخذها تعلق أرش الجناية بها؛ لأنها كانت متعلقة بالعبد فتعلقت

ببدله؛ كما أن الرهن إذا أتلفه متلف وجبت قيمته وتعلق الرهن بها. فإذا أخذ

ولي الجناية القيمة من المالك رجع المالك على الغاصب] بقيمته مرة أخرى؛

لأن القيمه التي أخذها استحقت بسبب كان في يد الغاصب [

(1)

. فكانت من ضمانه.

ولو كان العبد وديعة فجنى جناية استغرقت قيمته ثم إن المودَع قتله بعدها:

فعليه قيمته، ويتعلق بها أرش الجناية. فإذا أخذها ولي الجنايه لم يرجع على المودَع؛ لأنه جنى وهو غير مضمون عليه.

ولو جنى عبد في يد سيده جناية تستغرق قيمته ثم غصب فجنى في يد

الغاصب جناية تستغرق قيمته: بيع في الجنايتين وقسم ثمنه بينهما، ورجع

صاحب العبد بما أخذه الثانى منهما على الغاصب؛ لأن الجناية كانت في يده

وكان للمجني عليه أولاً، وأن يأخذه دون الثانى، لأن الذي يأخذه المالك من الغاصب هو عوض ما أخذه المجني عليه ثانياً. فلا يتعلق به حقه ويتعلق به حق

الأول، لأنه بدل عن قيمة الجانى لا يزاحم فيه.

وإن مات هذا العبد في يد الغاصب فعليه قيمته تقسم بينهما، ويرجع المالك

على الغاصب بنصف القيمة، لأنه ضامن للجناية الثانية. ويكون للمجني عليه أن يأخذه.

(وهي) أي: جناية الرقيق المغصوب (على غاصب و) على (ماله

(1)

ساقط من أ.

ص: 306

هدر)؛ لأنها جناية لو كانت على غيره كانت مضمونة عليه. فإذا كانت على نفسه سقطت؛ لأنه لايجب لنفسه على نفسه شيء.

(إلا) إن كانت الجناية (في قود) فإنها لا تكون هدراً: (فيقتل بعبد

غاصب). يعني: فإنه لو قتل عبد الغاصب عمداً كان له أن يقتص منه؛ لأن القصاص حق تعلق بنفسه لا يمكن تضمينه لغيره فاستوفي منه. ويضمنه الغاصب بقيمته؛ لأنه تلف حصل في يده. فضمنه؛ كما لو اقتص منه غير الغاصب. وكذا إذا جنى على عبد لمالكه فإن له أن يقتص منه.

(ويرجع عليه) أي: على الغاصب (بقيمته)؛ لما تقدم.

(وزوائد مغصوب)؛ كولد الحيوان وثمر الشجر (إذا تلفت، أو نقصت)

في يد الغاصب، (أو جنت) على المالك أو على غيره:(كهو) أي: كالمغصوب بالأصالة. سواء تلفت منفردة أو مع أصلها؛ لأنها ملك لمالك الأصل وقد حصلت في يد الغاصب بغير اختيار المالك بسبب إثبات يده المتعدية على الأصل فتبعته في الحكم. فإذا غصب حاملاً أو حائلاً فحملت عنده وولدت: فالولد مضمون عليه إن ولدته حياً، وإن ولدت ميتاً وقد غصبها حاملاً فلاشيءعليه؛ لأنه لم تعلم حياته.

وإن كانت قد حملت به عنده وولدته ميتاً فكذلك عند القاضي وعند ولده

أبي الحسين يضمنه بقيمته لوكان حياً.

وقال الموفق ومن تبعه: والأولى أنه يضمنه بعشر قيمة أمه.

وإن ولدته حياً ومات فعليه قيمته يوم تلفه.

ص: 307

] فصل: في حكم خلط المغصوب]

(فصل. وإن خلط) غاصبٌ (ما) أي: المغصوب الذي (لا يتميز) إذا خلط، (كزيت ونقد) غصبهما وخلطهما، (بمثلهما) بأن خلط الزيت بزيت والنقد بنقد لا يتميز منه:(لزمه) أي: لزم الغاصب (مثله) أي: مثل المغصوب في الكيل إن كان مكيلاً، وفي الوزن إن كان موزوناً (منه) أي: من المختلط الذي هو المغصوب وغيره في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه نص على أنه يكون شريكاً به إذا خلطه بغير جنسه. فيكون تنبيهاً على ما إذا خلطه بجنسه؛ لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي. فلم ينتقل إلى بدله في الجميع؛ كما لوغصب صاعاً فتلف بعضه.

وقال القاضي: قياس المذهب: أنه يلزمه مثله من حيث شاء الغاصب.

وفي " الوسيلة " و" الموجز ": قسم ثمنها بقدر قيمتهما.

(و) إن خلط المغصوب الجيد (بدونه، أو) خلط المغصوب الرديء بـ (خير منه) من جنسه، (أو) خلط المغصوب بشيء لا يتميزمنه من (غير جنسه على وجه لا يتميز)، كما لو غصب زيتاً وخلطه بشيرج أو عكس، أو دقيق الحنطة بدقيق الشعير أو نحو ذلك

(1)

: (فـ) مالكاهما (شريكان) في المختلط (بقدر قيمتيهما، كاختلاطهما من غير غصب). نص عليه.

قال أحمد في رواية أبي الحارث: في رجل له رطل زيت وآخر له. رطل شيرج اختلطا: يباع الدهن كله ويعطى كل واحد منهما قدر حصته؛ لأن بهذا يصل كل واحد منهما إلى بدل عين ماله.

وإن نقص المغصوب عن قيمته منفرداً فعلى الغاصب ضمان نقصه؛ لأنه حصل بفعله.

(1)

ساقط من أ.

ص: 308

(وحرم تصرف غاصب في قدر ما) أي: الذي (له فيه) أي: في المختلط.

قال احمد في رواية أبي طالب: هذا قد اختلط أوله وآخره. أعجب إلي أن

يتنزه عنه كله، يتصدق به. وأنكر قول من قال: يخرج منه قدر ما خالطه. ومعنى النص- والله أعلم- انه قد استحال انفراد أحدهما عن الآخر.

ومحل التحريم: ما لم يأذن في ذلك مالك المغصوب؛ لأن الحق لا يعدوهما. ولأنهما قسمة فلا تجوز بغير رضى الشريكين.

وهذا كله بناء على أن الخلط اشتراك.

وعن أحمد أيضاً ما يحتمل أنه استهلاك. فإنه قال في رواية المروذي: يخرج العوض منه.

وهذا يحتمل: أنه أراد يخرج بدله عوضاً منه.

وكذا ساقه المروذي في " كتاب الورع " له: أن أحمد قال: يعطى العوض، ولم يقل منه.

وإن كان أراد أنه يخرج العوض من نفس المختلط فهو بناء على أنه شركة،

وأن له الاستبدال

(1)

بقسمة ذلك. قاله في " القواعد ".

وقال القاضي: قياس المذهب: أنه يلزم الغاصب مثله؛ لأنه صار بالخلط مستهلكاً.

وكذلك لو اشترى زيتاً فخلطه بزيته ثم أفلس صار البائع كبعض الغرماء؛ لأنه تعذر عليه الوصول إلى عين ماله. فكان له بدله؛ كما لو كان تالفاً.

ويحتمل أن يحمل كلام أحمد رحمه الله تعالى في رواية أبي طالب على ما إذا اختلطا من غير غصب. أما المغصوب فقد وجد من الغاصب ما منع المالك أخذ حقه من المثليات متميزاً. فلزمه مثله؛ كما لو أتلفه.

(ولو اختلط درهم) لإنسان (بدرهمين لآخر) من غير غصب (ولا تمييز)

(1)

في ب: الاستبداد، وفي ج: الاستبداء.

ص: 309

أي: وليس ثَم ما يتميز به أحد المالين عن الآخر (فتلف اثنان) أي: درهمان من الثلاثة: (فما بقي) بعد ذلك وهو درهم (فبينهما) أي: بين رب الدرهمين ورب الدرهم (نصفين).

قال في " الإنصاف ": قلت: الذي يظهر: أن

(1)

لصاحب الدرهمين نصف

الباقي لا غير؛ وذلك لأنه يحتمل

(2)

أن يكون التالف ماله كاملاً. فيختص صاحب الدرهم به.، ويحتمل أن يكون التالف درهم لهذا ودرهم لهذا، فيختص صاحب الدرهمين بالباقي فتساويا. لا يحتمل غير ذلك، وما لكل واحد منهما متميز قطعاً. بخلاف المسائل المتقدمة. غايته: أنه أبهم علينا. انتهى.

(وإن غصب) إنسان (ثوباً فصبغه، أو) غصب (سويقاً فلتَّه بزيت فنقصت قيمتهما) أي: الثوب والصبغ أو السويق والزيت، (أو قيمة أحدهما: ضمن) الغاصب (النقص) الحاصل في مال المغصوب منه بسبب ذلك؛ لأنه بتعديه.

(وإن لم تنقص) القيمة (ولم تزد، أو زادت قيمتهما) معاً والصبغ والزيت

من مال الغاصب: (فـ) الغاصب ورب الثوب أو السويق (شريكان بقدر ماليهما) في الثوب المصبوغ أو السويق الملتوت؛ لأن اجتماع الملكين يقتضي الاشتراك. (وإن زادت قيمة أحدهما)؛ كما لو كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ خمسة وصار مصبوغاً يساوي عشرين: فإن كانت هذه الزيادة لغلو سعر الثوب أو لغلو سعر الصبغ (فلصاحبه) أي: فالزيادة لصاحب ما غلا سعره من الثوب أو الصبغ؛ لأن الزيادة تبع للأصل.

وإن زاد أحدهما أربعة والآخر واحداً فهي بينهما كذلك.

وإن كانت الزيادة إنما حصلت بالعمل فهي بينهما؛ لأن ما عمله الغاصب في

العين المغصوبة لمالكها حيث كان أثراً، وزيادة مال الغاصب له

(3)

.

(1)

في أ: أي.

(2)

في أ: لايحتمل.

(3)

ساقط من أ.

ص: 310

(فإن طلب أحدهما) أي: مالك الثوب أو مالك الصبغ (قلع الصبغ) من الثوب: (لم يجب) أي: لم يلزم الآخر الإجابة. إلى ذلك، لأن فيه إتلافاً لملك الآخر.

والمذهب: (ولو ضمن) طالب القلع (النقص) الحاصل بذلك؛ لأن الصبغ يهلك بالقلع فتضيع ماليته، وذلك سفه.

وقيل: إن أراد الغاصب قلع الصبغ كان له ذلك، ويضمن نقص الثوب إن نقص.

وقيل: لا يملك القلع إن تضرر به الثوب.

وقيل: إن أراد رب الثوب قلع الصبغ أجبر الغاصب عليه وإن استضبر به؛

كما يملك قلع شجرة من الأرض المغصوبة.

ورد: بأن الصبغ يهلك بالقلع. بخلاف الشجر.

وبأنه هنا يمكن وصول الحق إلى مستحقه بدون قلع. فلم يجبر عليه؛ كقلع الزرع.

ولأن في إبقاء شجر الغاصب في الأرض المغصوبة تفويتاً لما يريده المالك

من الانتفاع بها بغرس أو زرع أو إجارة. بخلاف الثوب.

وإن بذل الغاصب لرب الثوب قيمته ليملكه: لم يجبر رب الثوب على ذلك؛ كما لو بذل رب الغراس قيمة الأرض لمالكها.

وإن بذل رب الثوب قيمة الصبغ للغاصب ليملكه: لم يجبر أيضاً؛ لأنه إجبار على بيع ماله، وإنما البيع عن تراض.

وقيل: بلى إن قيل إنه يملك إجباره على قلع الصبغ وامتنع منه؛ كتملك الشفيع ما غرسه المشتري في الأرض المشفوعة والمغصوبة على رواية فيها. (ويلزم المالك قبول صبغ) للغاصب صبغ به الثوب المغصوب، (وتزويق دار) غصبها، (ونحوه)؛ كما لو غصب غزلاً فنسجه، أو ثوباً فقصره، أو حديداً فضربه سيوفاً أو جعله إبراً، أو شاة فذبحها وشواها وزادت القيمة بالعمل

ص: 311

(وُهب له) أي: لمالك ذلك.

وقيل: لا يلزمه قبول الصبغ والتزويق؛ لأنها أعيان متميزة. أشبهت الغراس. ورد: بأن ذلك صار من صفات العين فهو كزيادة الصفة في المسلم فيه.

قال في " الشرح ": وهذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه قال في الصداق: إذا

كان ثوباً فصبغه فبذلت له نصفه مصبوغاً لزمه قبوله.

(لا) قبول هبة (مسامير) للغاصب إذا (سمر بها) الباب أو غيره (المغصوب)؛ لأنها أعيان متميزة. فلم يجبر على قبولها؛ كغيرها من الأعيان. وقيل: بلى.

(وإن غصب) إنسان (صبغاً فصبغ به ثوباً) للغاصب، (أو) غصب (زيتاَ فلت به سويقاَ) له:(فـ) مالك الصبغ أو الزيت والغاصب (شريكان) في الثوب المصبوغ أو السويق الملتوت (بقدر حقيهما) في ذلك.

(ويضمن) الغاصب (النقص) إن وجد نقص بفعله؛ لأنه تعدى بخلط المغصوب بماله.

وقيل: إنما يلزمه بدل المغصوب؛ لأن الصبغ تفرق في الثوب، والزيت استهلك في السويق. أشبه ما لو أتلفهما.

(وإن غصب) إنسان (ثوباً وصبغاً) من

(1)

واحد (فصبغه به) أي: فصبغ الثوب بالصبغ ثم طالبه المالك بما غصبه: (رده) أي: رد الثوب مصبوغاً؛ لأنه عين ملك المغصوب منه، (و) رد معه (أرش نقصه) إن نقص بفعله، لأنه متعد به، (ولا شيء له) أي: للغاصب (إن زاد) بعلمه فيه، لأنه متبرع به. قال في " الشرح ": فإن غصب ثوب رجل وصبغ آخر فصبغه به: فإن كانت القيمتان بحالهما فهما شريكان بقدر ملكيهما، وإن زادت فالزيادة لهما، وإن نقصت للصبغ فالضمان على الغاصب. ويكون النقص من صاحب الصبغ؛ لأنه

(1)

في أ: في.

ص: 312

تبدد في الثوب ويرجع بها على الغاصب.

وإن نقص السعر لنقص سعر الثياب أو الصبغ أو لنقص سعرهما: لم يضمنه الغاصب، وكان نقص كل واحد منهما من صاحبه.

وإن أراد صاحب الصبغ قلعه أو أراد ذلك صاحب الثوب: فالحكم كما لو صبغه الغاصب بصبغ من عنده على ما مر بيانه.

والحكم فيما إذا غصب سويقاً فلته بزيت أو عسلاً ونشاء فعقده حلوى حكم

ما لو غصب ثوباً فصبغه. انتهى.

وفال في " المبدع " بعد ما ذكر عبارة الموفق الموافقة لعبارة المتن: وظاهره

لا فرق بين أن يكونا لاثنين أو لواحد.

وفي " الرعاية ": إذا كانا من واحد وزادا فزيادتهما لغو ويحتمل الشركة،

وإن كانا من اثنين اشتركا في الأصل والزيادة بالقيمة وما نقص من أحدهما غرمه الغاصب.

وقيل: زيادة أحدهما لربه. انتهى.

ص: 313

] فصل: فيما يجب بوطء الغاصب]

(فصل. ويجب بوطء غاصب) الأمة المغصوبة، حال كون الغاصب (عالمًا تحريمه) أي: الوطء: (حد) لزناه بها، لأنها ليست بزوجة ولا ملك يمين، ولا شبهة تدرأ

(1)

الحد حيث كان عالماً بالتحريم.

(و) يجب بهذا الوطء أيضاً (مهر ولو) كانت الأمة (مطاوعة)؛ لأنه حق للسيد. فلم يسقط بمطاوعتها؛ كما لو أذنت في قطع يدها.

وعنه: لا مهر مع مطاوعتها. ذكره الآمدي.

قال الزركشي: وهو جيد " لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي "

(2)

.

وجوابه: بأنه محمول على الحرة، لأن حق السيد لا يسقط بطواعية الأمة؛

كما لو استخدمها إنسان طائعة فإن حق سيدها لا يسقط بطواعيتها، وله مطالبة المستخدم بأجرتها.

(و) يجب بوطئه أيضاً (أرش بكارة) أزالها، لأنه بدل جزء منها.

وقيل: لا يجب أرش البكارة

(3)

، لدخوله في مهر البكر. ولهذا يزيد على

مهر الثيب عادة لأجل ما يتضمنه

(4)

من تفويت البكارة.

ووجه المذهب: أن كل واحد من المهر والأرش يضمن منفرداً. بدليل أنه

لو وطئها ثيباً وجب مهرها، وإذا افتضها بأصبعه وجب أرش بكارتها فلذلك وجب أن يضمنهما إذا اجتمعا.

وعنه: لا يجب بوطء الثيب مهر، لأنه لا ينقصها ولا يؤلمها. أشبه ما لو قبّلها.

(1)

في أوب: نذر.

(2)

سيأتي تخريجه حديث أبي جحيفة ص (378) رقم (2).

(3)

في أ: بكارتها.

(4)

في أ: يضمنه.

ص: 314

(و) يجب عليه أيضاً إذا حملت منه أرش (نقص بولادة)، لحصوله بفعله المتعدي به، ولا ينجبر هذا النقص بزيادتها بالولد، كما لا ينجبر به نقص بغير

الولادة.

ولو قتلها غاصب بوطئه فالدية. نقله مهنا، واقتصر عليه في " الفروع ".

ولو استردها المالك حاملاً فماتت عنده في نفاسها ضمنها الغاصب؛ لأنه

أثر فعله، كما لو استرد الحيوان المغصوب وقد جرحه الغاصب فسرى الجرح إلى النفس عند المالك فمات.

(والولد) من الغاصب (ملك لربها) أي: لرب الأمة؛ لأنه من نمائها.

ولأنه يتبع أمه في الرق في النكاح الحلال فهنا أولى.

ويجب رده معها، كسائر الزوائد.

(ويضمنه) الغاصب (سِقطا) أي: مولوداً قبل تمامه حياً.

(لا) إذا ولد (ميتاً) ولو تاماً (بلا جناية)، لأنه لم تعلم حياته قبل ذلك (بعشر قيمة أمه).

وقيل: بقيمته لو كان حياً.

وقيل: إن وضعته ميتاً بجناية الغاصب ضمنه بأكثر الأمرين.

وقيل: يضمن أيضاً ما ولدته ميتاً بلا جناية.

وفيما يضمن به الخلاف المتقدم في الحي.

ولو ولدته حياً ثم مات: فقال في " الإنصاف ": ضمنه بقيمته. جزم به في

" المغني " و" الشرح " وغيرهما. وظاهر كلام الناظم: أن فيه الخلاف

المتقدم. انتهى.

(وقراره) أي: الضمان (معها) أي: مع الجناية إن سقط بها (على الجاني)؛ لأن الإتلاف وجد منه.

(وكذا) أي: وكولد الأمة المغصوبة في حكم الضمان (ولد بهيمة) مغصوبة.

ص: 315

ومتى ولدت الأمة من غير الغاصب ممن يعلم الحال فهي ملك لربها، كما لو

أتت به من الغاصب العالم بالتحريم.

(والولد) الذي تأتى به (من جاهل) للحكم- ولو أنه الغاصب- لقرب عهده بالإسلام، أو كونه نشأ ببادية بعيدة يخفى عليه مثل هذا. أو للحال؛ كما لو كان معها أمة له فوطئ المغصوبة في ظلمة أو نحوها ظاناً أنها أمته، أو اشتراها من الغاصب رجل جاهل بالحال، أو زوجها الغاصب على أنها بنته أو أخته رجلاً يظن حريتها فأتت منه بولد: كان في جميع هذه الصور (حر)؛ لاعتقاد الإباحة.

ويثبت نسبه من الواطئ لمكان الشبهة.

(ويُفدَى) أي: وعلى الواطئ لسيدها فداء الولد، لأنه حال بينه وبين السيد بتفويت رقه بإعتاقه

(1)

.

ونقل ابن منصور: لا يلزم المشتري فداء أولاده وليس للسيد بدلهم.

قال الخلال: أحسبه قولاً أول، والذي أذهب إليه: أنه يفديهم.

ومحل وجوب فدائه: (بانفصاله) أي: الولد (حياً)، لأنها إذا وضعته

ميتاً لم تعلم حياته قبل ذلك ولم توجد حيلولة بينه وبينه.

ويكون الفداء (بقيمته) اي: الولد نصاً.

وعنه: بمثله في صفاته تقريباً.

وعنه: في قيمته.

وعنه: يفديه بأيهما شاء من المثل أو القيمة.

وعنه: يفدي كل وصيف بوصيفين.

ودعتبر قيمته على المذهب أو مثله (يوم وضعه)، لأنه أول حال إمكان تقويمه، لأنه لا يمكن تقويمه حملاً.

(1)

في أوب: باعتقاده.

ص: 316

ولأنه وقت الحيلولة بينه وبين سيده.

وظاهر إطلاق أحمد في رواية ابن منصور وجعفر يوم الخصومة.

وإن ضرب الواطئ المحكوم بحريه ولده

(1)

بطنها فألقت جنيناً ميتاً فعليه غرة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه، لا يرث الضارب منها شيئاً، لأنه أتلف جنيناً حراً. وعليه للسيد عشر قيمة أمه وضمانه له ضمان المماليك. ولهذا لو وضعته حيا قومناه مملوكاً.

وإنما لزم الضارب ذلك مع موت الجنين؛ لأنه لما تعقب الضرب نسسب إليه، لأن الظاهر حصرله به.

وإن كان الضارب أجنبياً فعليه غرة موروثة عنه للحكم بحريته. وعلى الغاصب عشر قيمة أمه؛ لأنه يضمنه ضمان المماليك وقد فوت رقه على السيد. ومتى انتقلت العين المغصوبة عن يد الغاصب إلى غير المالك لها فالمنتقلة

(2)

إليه بمنزلة الغاصب في كون المالك يملك تضمينه العين والمنفعة الفائتة؛ لأنه إن كان عالماً بالحال كان غاصبا وإن كان جاهلا بالحال؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه "

(3)

.

ولأن العين المغصوبة صارت في يده بغير حق فملك المالك تضمينه؛ كما يملك تضمين الغاصب. لكن إنما يستقر عليه ما دخل على ضمانه من عين أو منفعة، ويستقر ما لم يدخل على ضمانه على غاصب.

وسأله مهنا عن عبد أذن له سيده في التجارة فسلمه رجل مالاً مضاربة بأمر سيده

(4)

فسلمه العبد رجلاً يشتريه من سيده به، قال: يرجع به صاحبه على مشتريه. فقلت له: ذهب المال. قال: يكون ديناً على العبد. قلت: فيكون

(1)

في أوب: ولدت.

(2)

في ب وج: فالمنتقل.

(3)

سبق تخريجه ص (260) رقم (2).

(4)

في أوب: السيد.

ص: 317

حراً؟ قال: نعم.

قال في " الفروع ": وظاهره لا يرجع إلا على من القرار عليه. انتهى.

إذا تقرر هذا فإن اليد القابضة من الغاصب عشرة:

الأولى: القابضة تملكاَ بعوض مسمى وهي يد المشتري. فمتى غصب إنسان جارية بكراً فاشتراها منه إنسان واستولدها ثم ماتت عنده، أو غصب داراً أو بستاناً أو عبداً ذا صنعة أو بهمية فاشترى المغصوب منه إنسان واستغله إلى أن تلف عنده ثم حضر المالك وضمن المشتري جميع ما وجب له من ذلك لم يرجع بالقيمة ولا بأرش البكارة على أحد؛ لأنه معتاض. بمعنى أنه تملك العين بعوض في الظاهر فقد دخل على ضمان ذلك.

ويرجع بما عدا ذلك على غاصب. وإلى هذا أشير في المتن بقوله:

(ويرجع معتاض غرم) بتضمين المالك له (على غاصب، بنقص ولادة، ومنفعة فائتة بإباق أو نحوه، ومهر، وأجرة نفع وثمر وكسب، وقيمة ولد) منه أو من زوج زوجها إياه المشتري؛ لأن المشتري لم يدخل على ضمان شيء من ذلك فيكون قراره على الغاصب. فإذا أغرمه المالك للمشتري أو شيئاً منه رجع به على الغاصب.

وعنه: أن ما حصل للمشترى به منفعة؛ كالأجرة والمهر: لا يرجع به.

وعنه: لا يرجع بقيمة ولد من زوج زوجة المشتري الجارية المغصوبة.

وعنه: لا يرجع بقيمة ولد مطلقاً.

(و) يرجع (غا صب) غرم الجميع لمالك (على معتاض) وهو المشترى

منه العين المغصوبة، (بقيمة، وأرش بكارة)؛ لأن المشتري دخل مع الغاصب على ضمان ذلك.

وحكى صاحب " المغنى " رواية في باب الرهن باستقرار الضمان على الغاصب في البيع فلا يرجع على المشتري بشيء مما ضمنه.

قال ابن رجب: وهو عندي قياس المذهب حيث قلنا في إحدى الروايتين

ص: 318

برجوع المغرور بنكاح الأمة على من غره مع استيفائه منفعة البضع واستهلاكها ودخوله على ضمانها.

الثانية: يد المستأجر. وهي المشار إليها بقوله:

(وفي إجارة يرجع مستأجر غرم) على غاصب (بقيمة عين) تلفت تحت

يده

(1)

بلا تفريط؛ لأنه لم يدخل على ضمانها دون قيمة المنفعة؛ لدخوله على ضمانها.

قال ابن رجب: وفي " تعليقة أبي البركات على الهداية ": يتخرج لأصحابنا وجهان:

أحدهما: أن المستأجر لا ضمان عليه بحال كقول الجمهور.

والثانى: يضمن العين.

وهل القرار عليه؟ لنا وجهان:

أحدهما: عليه.

والآخر: على الغاصب. وهو الذي ذكره القاضي في " خلافه ". انتهى.

(و) يرجع (غاصب عليه) أي: على مستأجر (بقيمة منفعة) غرمها لمالك. (ويسترد مشتر) غاصب (ومستأجر) منه العين المغصوبة إذا (لم يُقرَّا بالملك له) أي: للغاصب (ما دفعاه) له (من المسمى) في عقد البيع والإجارة من ثمن وأجرة، (ولو علما) أي: المشتري والمستأجر (الحال) أي: كون العين المبيعة أو المؤجرة مغصوبة لانتفاء صحة العقد مع العلم وعدمه؛ لأن البائع والمؤجر ليس بمالك ولا بمأذون من قبل المالك. فلا يملك الثمن ولا الأجرة بالعقد الفاسد.

قال ابن رجب في مسألة الرجوع بالثمن: وسواء كانت القيمة التي ضمن للمالك وفق الثمن أو دونه أو فوقه على ما اقتضاه كلام الأصحاب هاهنا، وفي

(1)

في أوب: عنده.

ص: 319

البيع الفاسد وفي ضمان المغرور للمهر. وفي " التلخيص " احتمالٌ إن كانت القيمة أزيد رجعت بالزيادة على الغاصب حيث لم يدخل على الضمان بأكثر من الثمن المسمى، وبه جزم ابن المني في " خلافه ". وقد سبق في قاعدة ضمان العقود الفاسدة بالمسمى أو بعوض المثل ما يشبه هذا.

ولو طالب المالك الغاصب بالثمن كله

(1)

إذا كان أزيد من القيمة: فقياس المذهب: أن له ذلك كما نص عليه أحمد في المتجر في الوديعة من غير إذن أن الربح للمالك. انتهى.

الثالثة: يد القابض تملكاً بلا عوض: إما للعين بمنافعها؛ كيد المتهب والمتصدق عليه والموصى له بالعين المغصوبه، وإما للمنفعة فقط؛ كالموصى له بمنافعها.

الرابعة

(2)

: يد القابض لمصلحة الدافع فقط، كيد الوكيل بلا جُعل، والمودع عنده العين المغصوبة. وإلى هاتين اليدين أشير في المتن بقوله:

(وفي تملك بلا عوض، وعقد أمانة مع جهل: يرجع متملك وأمين) غرما بتضمين المالك لهما قيمة العين والمنفعة على غاصب (بقيمة عين ومنفعة)، لكونهما مغرورين بتغرير الغاصب لهما.

ولأنهما لم يدخلا على ضمان شيء. فكان لهما الرجوع بما ضمناه.

وقيل: لا يرجعان بشيء، لاستقرار الضمان عليهما بتلف المال تحت يدهما من غير. إذن في قبضه من مالكه.

وقيل: ليس للمالك ابتداء تضمينهما ما لا يستقر ضمانه عليهما؛ تخريجاً

من الوجه المحكي كذلك في المرتهن ونحوه.

قال ابن رجب: واعلم أن ما ذكره الأصحاب في الوكالة والرهن: أن الوكيل والأمين قي الرهن إذا باعا وقبضا الثمن ثم بان المبيع مستحقاً لم يلزمهما

(1)

في أ: كلها.

(2)

في أوب: الرابع.

ص: 320

شيء: لا يناقض هذه المسألة كما يتوهمه من قصر فهمه؛ لأن مراد الأصحاب بقولهم: لم يلزم الوكيل شيء: أنه لا يطالبه المشتري بالثمن الذي أقبضه إياه؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالموكل دون الوكيل. أما أن الوكيل لا يطالبه المستحق للعين بالضمان فهذا لم يتعرضوا له هاهنا البته وهو بمعزل من مسألتهم بالكلية. انتهى.

(ولا يرجع غاصب) غرم على من أودعه إذا تلفت بلا تفريط، أو وهبه ونحوهما العين المغصوبة وتلفت عنده (بشيء) عين ولا منفعة.

وقيل: بلى. ما لم يكن حصل من الغاصب ما يدل على أن العين ملك له؛

لأنه حينئذ يكون معترفاً باستقرار الضمان عليه ونفيه عن القابض.

الخامسة: يد المستعير. وله حالتان:

إحداهما: أن يكون جاهلاً بغصب العين المعارة.

والثانية: أن يكون عالماً بالحال. وإلى الأولى أشير بقوله:

(وفي عارية مع جهل مستعير) إذا ضمنه المالك وقد تلفت العين عنده:

قيمة العين والمنفعة (يرجع) المستعير على الغاصب (بقيمة منفعة) فقط؛ لأنه لم يدخل على ضمانها، وإنما ضمنها بتغرير الغاصب. وإنما لم يرجع بقيمة العين؛ لأنه قبضها مضمونة عليه.

وعنه: لا يرجع بقيمة المنفعة أيضاً؛ لأنها في مقابلة انتفاعه كي لا يجتمع له العوض والمعوض.

قال ابن رجب: وأصل الروايتين الروايتان في رجوع المغرور بالمهر على من غره.

(و) يرجع (غاصب) أغرم قيمة العين والمنفعة على مستعير جاهل بالغصب (بقيمة عين) فقط؛ لأن المستعير دخل على أنها مضمونة عليه

وإلى الحالة الثانية أشير بقوله:

(ومع علمه) أي: المستعير بغصب العين المعارة إذا ضمنه المالك ابتداء:

ص: 321

قيمة العين مع المنفعة (لا يرجع) على غاصب (بشيء)، لأنه تعدى بقبضها عالماً بأن المعير قد غصبها وقد تلفت تحت يده، فاستقر ضمانها عليه. أشبه ما لوغصبها.

(ويرجع غاصب) أُغرم ابتداء في هذه الحالة قيمة العين والمنفعة لمالك (بهما) على مستعير عالم بالحال، لأنه قد دخل على ذلك.

السادسة: يد الغاصب من الغا صب. وإليها أشير بقوله:

(وفي غصب يرجع الغاصمب الأول بما غرم) لمالك من قيمة عين ومنفعة، لتلفهما تحت يد الثانى. لكن إن

(1)

لم يغصبها الثانى عقب غصب الأول لم يطالبه الأول إلا بقيمة منفعتها زمن إقامتها عنده.

(ولا يرجع) الغاصب (الثاني) إذا غرم للمالك قيمة العين ومنفعتها زمن إقامتها عنده (عليه) أي: على الغاصب الأول (بشيء)، لأن بتلفها تحت يده استقر الضمان عليه. فلا يرجع به على احد.

السابعة: يد المتصرف في المال بما ينميه مثل: المضارب والشريك والمساقي والمز ارع. وإليها أشير بقو له:

(وفي مضاربة ونحوها يرجع عامل) غرم على غاصب (بقيمة عين) تلفت تحت يده بلا تفريط (وأجر عمل) لتغريره.

قال ابن رجب: وأما المضارب والمزارع بالعين المغصوبة وشريك العنان

فقد دخلوا على أن لا ضمان عليهم بحال. فإذا ضمنوا على المشهور رجعوا بما ضمنوا إلا حصتهم من الربح. فلا يرجعون بضمانهم، لدخولهم على ضمانها عليهم بالعمل. كذلك ذكره القاضي وابن عقيل في المساقي. والمزارع نظيره. أما المضارب والشريك فلا ينبغي أن يستقر عليهم ضمان شيء بدون القسمة. سواء قلنا ملكوا الربح بالظهور أو لا، لأن حصتهم وقاية لرأس المال وليس لهم الانفراد بالقسمة فلم يتعين لهم شيء مضمون.

(1)

في ج: إذا.

ص: 322

وحكى الأصحاب في المضارب للمضارب بغير إذن وجها آخر؛ لأنه لايرجع بما ضمنه بناء على الوجه المذكور باستقرار الضمان على من تلف المال بيده ..

ويتخرج وجه آخر: أنه لا يملك المالك تضمينهم بحال؛ لدخولهم على

الأما نة.

وأما المساقي إذا ظهر الشجر مستحقاً بعد تكملة العمل فللعامل أجره المثل

لعمله على الغاصب.

وأما الثمر إذا تلف فله حالتان:

إحداهما: أن يتلف بعد القسمة: فللمالك تضمين كلٍّ من الغاصب والعامل

ما قبضه، وله أن يضمن الكل للغاصب، فإذا ضمنه الكل رجع على العامل بما قبضه لنفسه؛ لأنه أخذ العوض. فهو كالمشتري من الغاصب.

وفي " المغني ": احتمال لا يرجع عليه؛ لتغريره، فأشبه من قال: كُلْ

هذا فإنه طعامي ثم بان مستحقاً. وهو قريب من الوجه السابق باستقرار ضمان المبيع على الغاصب بكل حال.

وهل للمالك أن يُضمّن العامل جميع الثمرة؟ ذكره القاضي فيه احتمالين: أحدهما: نعم؛ لأن يده ثبتت على الكل مشاهدة بغير حق. ثم يرجع العامل على الغاصب بما قبضه من الثمر على المشهور. وبالكل

(1)

على الاحتمال

المذكور.

والثانى: لا؛ لأنه لم يكن قابضاً على الحقيقة وإنما كان مراعياَ حافظاً.

الحالة الثانية: أن يتلف الثمر قبل القسمة إما على الشجر أو بعد جذه: ففي

" التلخيص " في مطالبة العامل بالجميع احتمالان. وكذا لو تلف بعض الشجر. وهو ملتفت إلى أن يد العامل هل تثبت على الشجر الذي عليه أم لا؛ والأظهر أن

(1)

في أ: ويأكل.

ص: 323

لا؛ لأن الضمان عندنا لا ينتقل في الثمر المعلق على شجره بالتخلية، إلا أن يقال: يده هاهنا على الثمرة حصلت لبعا لثبوت يده على الشجر، فيقال وفي ثبوب يده هنا على الشجر تردد ذكرناه آنفاً. حتى لو تلف بعض الشجر ففي تضمينه للعامل الاحتمالان. صرح به في " التلخيص " أيضاً.

ولو اشترى شجرة بثمرها فهل يدخل الثمر في ضمانه تبعاً لشجره؟ قال ابن

عقيل في " فنونه ": لا يدخل. ويتخرج وجه آخر بدخوله تبعا؛ لانقطاع علق البائع عنه من السقي وغيره. وبكل حال فيتوجه: أن يضمن العامل الثمر التالف بعد جذاذه واستحفاظه. بخلاف ما على الشجر. انتهى.

(و) يرجع (غاصب) أغرم على عامل (بما قبض عامل لنفسه: من ربح)

في مضاربة، (و) بما قبضه من (ثمر في مساقاة بقسمته) أي: الربح أو الثمر (معه) أي: مع الغاصب؛ لأنه لا يستحق ما قبضه من ذلك؛ لفساد عقد المضاربة. ولأنه قد تقدم أن العامل له مطالبة الغاصب بأجرة عمله في المال أو الشجر.

فلا يجتمع له ذلك مع الجزء المشروط له من

(1)

المال والثمر.

وكما لو فسدت المضاربة أو المساقاة بأي مفسد كان.

الثامنة: يد المتزوج للأمة المغصوبة من الغاصب إذا قبضها من الغاصب بمقتضى عقد النكاح وأولدها ثنم ماتت عنده. وإليها أشير بقوله:

(وفي نكاح يرجع زوج بقيمتها وقيمة ولد اشترط حريته) عند العقد على غاصب ظاناً أنه مالكها.

(أو مات) الولد بيد الزوج إذا أغرمه إياها المالك على غاصب، لأن الولد

وإن لم يفد اشتراط ذلك على الغاصب عدم رقه، لكنه دخل مع الغاصب على أنه لا غرم عليه بسبب الولد. فإذا غرم ذلك رجع به عليه؛ لأنه غره.

(و) يرجع (غاصب) على زوج (بمهر مثل) اغرمه إياه المالك؛ لاستقراره عليه بالوطء.

(1)

فى أ: في.

ص: 324

(ويرد) الغاصب للزوج (ما أخذ من) مهر (مسمى)؛ لفساد العقد.

التاسعة: اليد القابضة للمغصوب تعويضاً بغير عقد البيع. وإليها أشير بقوله:

(وفي إصداق) أي: وفيما إذا تزوج الغاصب امرأة على العين المغصوبة وقبضتها على أنها صداقها (وخلع، أو نحوه)؛ كطلاق وعتق: (عليه) أي: على المغصوب؛ كما لو سأل الغاصب إنساناً أن دخلع

(1)

زوجته أو يطلقها أو يعتق أمته، أو صالح عن دم عمد على ما بيده من مغصوب معين.

(وإيفاء دين)؛ كما لو كان في ذمة إنسان عبد موصوف دين سلم فغصب

عبداً بالصفة ودفعه عما في ذمته، فإذا جاء المالك وقد تلف المغصوب بيد الغاصب له على وجه من هذه الوجوه، فله الرجوع عليه ببدل العين والمنفعة

قال ابن رجب: ويتخرج وجه آخر: انه لا مطالبة له عليه. وهو ظاهر كلام

ابن أبي موسى في الصداق. والباقي مثله.

وعلى المذهب: (يرجع قابضر بقيمة منفعة) غرمها على غاصب؛ لتغريره إياه.

وأما فيم الأعيان فمقتضى ما ذكره القاضي ومن تبعه

(2)

: أنه لا يرجع بها؛

لأنه دخل على أنها مضمونة عليه بحقه. قاله ابن رجب. ومعنى هذا: أن ضمانها يستقر عليه.

(و) على هذا يرجع (غاصب بقيمة عين) غرمها على قابض، وسواء كانت القيمة المضمونة وفق حقه أو دونه أو أزيد منه، إلا على الوجه المذكور في البيع بالرجوع بفضل القيمة.

(والدين) فيما إذا كان القبض وفاء عن ثابت في الذمة كثمن المبيع ودين السلم والأجرة والقرض وغير ذلك؛ كقيم المتلفات باقٍ في ذمة الغاصب

(1)

فى أ: يمنع.

(2)

في أوب: أتبعه.

ص: 325

(بحاله)؛ لفساد القبض.

العاشرة: يد المتلف للمغصوب نيابة عن الغاصب مع جهله الحال؛ كالذابح للحيوان والطابخ له. وهذا يرجع بما ضمنه له المالك على الغاصب. وإلى ذلك أشير بقوله:

(وفي إتلاف) أي: إتلاف إنسان جاهل بالحال (بإذن غاصب: القرار عليه) أي: على الغاصب، لوقوع الفعل له فهو كالمباشر.

قال ابن رجب: كذا قال القاضي وابن عقيل والأصحاب.

(وإن علم متلف) الحال: (فعليه) أي: فقرار الضمان عليه؛ لتعديه على

ما يعلمه ملك غيره بغير إذن مالكه.

وقيل: باستقرار الضمان عليه ولو لم يعلم الحال، كالوجه في المودع إذا تلف المغصوب تحت يده، بل هذا أولى، لمباشرته الإتلاف.

وقيل: لا ضمان عليه بحال من نص أحمد فيمن حفر لرجل في غير ملكه بئراً فوقع فيها إنسان، فقال الحافر: ظننت أنها في ملكه، فلا شيء عليه.

قال ابن رجب: وبذلك جزم القاضى وابن عقيل في كتاب الجنايات مع اشتراك الحافر والآمر في التسبب

(1)

وانفراد الحافر بمباشرة السبب.

وإنما سقط الضمان عنه، لعدم علمه بالحال، وهاهنا أولى؛ لاشتراكهما

(2)

في ثبوت اليد.

ولو كان الإتلاف على. وجه محرم شرعاً، كما لو فتل الحيوان المغصوب كالعبد والحمار إنسان بإذن من الغاصب: ففي " التلخيص " يستقر عليه الضمان، لأنه عالم بتحريم هذا الفعل. فهو كالعالم بأنه مال الغير.

قال ابن رجب: ورجح الحارثي دخول هذه اليد المتلفة في قسم المغرور، لأنها غير عالمة بالضمان. فتغرير الغاصب لها حاصل. والله أعلم.

(1)

في أوب: السبب.

(2)

في أاشتراكهما.

ص: 326

(وإن كان المنتقل إليه) الشيء المغصوب (في هذه الصور هو المالك) له

مع جهله أنه عين ماله: (فلا شيء له) على الغاصب (لما) أي: لشيء (يستقر) ضمانه (عليه) أي: على المنتقل إليه (لو كان أجنبياً) أي: غير المالك. (وما سواه) أي: سوى ما يستقر ضمانه على المنتقل إليه الغصب لو كان أجنبياً: (فعلى غاصب) فلا يمتنع على المالك مطالبته به.

ومن صور ذلك: لو غصب إنسان عبداً واستعمله مدة ثم استعاره منه مالكه

مع جهله أنه عبده فتلف تحت يده: فلا مطالبة له إذا علم بأنه عبده على غاصب بقيمته؛ لأن ضمانها يستقر عليه لو لم يكن هو مالكه. وما سوى ذلك كأجرة منافعه زمن إقامته عند الغاصب فله مطالبته بها، لأنه لم يوجد ما يسقطها.

(وإن أطعمه) أي: أطعم الغاصب المغصوب المأكول (لغير مالكه، وعلم) الآكل له (بغصبه: استقر ضمانه عليه) أي: على آكله، لكونه أتلف مال غيره بغير إذنه عالماً من غير تغرير. وللمالك تضمين الغاصب له؛ لأنه حال بينه وبين ماله. وتضمين آكله؛ لأنه قبضه من يد ضامنه وأتلفه بغير إذن مالكه. وللغاصب إذا أغرمه المالك بدل الطعام والرجوع على الآكل، لاستقرار الضمان عليه. (وإلا) أي: وإن لم يعلم الآكل بغصبه وأكله ظاناً أنه طعام الغاصب (فعلى غاصب) ضمانه، (ولو لم يقل). للآكل (إنه طعامه)، لأن الظاهر أان الإنسان إنما يتصرف فيما يملكه وقد أكله على أنه لا يضمنه. فاستقر الضمان على الغاصب، لتغريره.

وقيل: على الآكل، إلا إن قال له الغاصب: هو لي.

وعنه: أن قرار الضمان على الآكل؛ كأكله بلا إذن، وكعالم بالحال.

(و) إن أطعم الغاصب المغصوب المأكول (لمالكه أو قِنّه) أي: قن المالك (أو دابته، او أخذه) أي: أخذ المالك المال المغصوب من غاصبه (بقرض أو شراء أو هبة أو صدقة) أي: أخذه منه على أحد هذه الوجوه، (أو أباحه له)؛ كما لو كان المغصوب شمعا فقال الغاصب للمالك: أبحت لك أن

ص: 327

تشعل هذا الشمع فأشعله وهو لا يعلم أنه ملكه، (أو استرهنه، أو استودعه، أو استأجره) أي: قبض المالك المغصوب من غاصبه على سبيل الاسترهان أو الاستيداع أو الاستئجار بأن استأجره من غاصبه، (أو استؤجر) المالك أي: استأجره الغاصب (على قصارته) أي: قصارة الثوب المغصوب (أو خياطته، ونحوهما)، كنقشه (ولم يعلم) المالك أن ذلك ملكه في هذه الصور كلها:(لم يبرأ غاصب).

أما كون الغاصب لا يبرأ بالإطعام والإباحة؛ فلأنه بغصبه له منع يد المالك وسلطانه عن المغصوب، ولم يعد إليه بذلك سلطانه؛ لأن المالك لم يتمكن من التصرف فيه بغير ما أذن له فيه الغاصب.

وفي إطعامه لمالك وجه مخرج: أنه يبرا، بناء على ما إذا أطعمه لأجنبي

فإنه يستقر الضمان على الآكل في إحدى

(1)

الروايتين. فكذلك هاهنا.

وأما كونه لا يبرأ إذا تسلمه مالكه على وجه القرض أو الشراء؛ فلأنه قبضه على استقرار بدله في ذمته، وقبض الإنسان ما يستحق قبضه على أن يستقر بدله في ذمته غير مبرئ للمقبض. أشبه ما لو دفع إنسان وجبت عليه زكاة أوكفارة لمستحقها على وجه من هذين الوجهين. وبهذا فارق ما لو دفعه إليه عارية فإنه يبرأ.

وعنه: يبرأ بدفع العين لمالكها بيعاً أو قرضاً.

قال في " الفروع ": وجزم به بعضهم لعودها إلى ملكه. انتهى.

وأما كونه لا يبرأ إذا سلمه إياه على وجه الهبة أو الصدقة، فلنص أحمد معللاً بأنه تحمل منته، وربما كافأه على ذلك.

قال في "الرعاية الكبرى": إن أهداه إليه أو جعله صدقة لم يبرأ على الأصح.

قال الحارثي: والمنصوص عدم البراءه. اختاره ابن أبي موسى والقاضيان

أبو يعلى ويعقوب بن إبراهيم. انتهى.

(1)

في ج: أحد.

ص: 328

وفيه رواية.

وأما كونه لا يبرأ إذا سلمه إليه على أنه رهن أو وديعة أو مستأجر أو ليقصره أو يخيطه ونحو ذلك؛ فإن قبضه في هذه الصور كلها على وجه الأمانة. فلم يعد إليه بذلك سلطانه. وهو تمكينه

(1)

من التصرف فيه بكل ما أراد.

وفيه وجه: يبرأ بذلك.

(وإن أعيره) أي: تسلم المالك المغصوب من غاصبه على وجه العارية: (برئ) الغاصب بذلك، لأن المالك وإن جهل أن العارية ملكه فالعارية موجبة للضمان على المستعير، ولو وجب على الغاصب ضمان قيمتها لرجع بهما على المستعير، فلا فائدة في تضمينه شيئاً يرجع به على من ضمنه له.

وقيل: إذا لم يعلم لم يبرأ. وجزم به في " التلخيص ".

قال الحارثي: ومقتضى النص الضمان.

وأما قيمة المنافع فلا يبرأ الغاصب من عهدتها مع جهل المالك أن العارية ملكه.

قال المجد في " شرح الهداية ": فإن أعاره من المالك ولم يعلم: لم يبرأ

من ضمان الغصب بحيب يجب له عليه أجرة المنافع التي تلفت تحت يده وإن كان هو قد استوفاها كما يجب له عليه قيمة الطعام الذي أباحه إياه أو وهبه منه. ذكره ابن عقيل وهو صحيح. انتهى.

وكبراءة الغاصب برد العين إلى مالك على وجه الإعارة يحصل له البراءة أيضاً؛ (كصدور ما تقدم) من الصور إذا صدرت (من مالك لغاصب) بأن يأمر المالك الغاصب بأن يأكل الطعام المغصوب، أو أن يطعمه لغيره، أو يقرض المالك الغاصب الدراهم المغصوبة، أو يبيع العين المغصوبة لغاصبها، أو يهبها، او يتصدق بها عليه، أو يعيرها له، أو يرهنها منه، أو يودعه إياها، أو يؤجرها له، أو يستأجر المالك الغاصب على قصارة الثوب المغصوب على خياطته، أو على نسج الغزل المنسوج، أو على تعلم العبد المغصوب. فإن

(1)

في أ: تمكنه، وفي ب: تملكه.

ص: 329

ذلك كله مبرئ للغاصب من الغصب ومزيل لحكمه. وإن كان في بعض صوره ما يكون في ضمان الغاصب؛ كما لو أقرضه الدراهم المغصوبة فإن حكم الغصب فيها إذا اتجر بها الغاصب: أن الربح يكون لمالكها. والحكم فيها بعد اقتراضها من مالكها: أن الربح يكود للذي اغتصبها ثم اقترضها.

(وكما لو زوجه) أي: زوج مالك الأمة (المغصوبة) لغاصبها فإن الغاصب يبرأ من عهدة غصبها، وتصير بيده أمانة كما لو لم يغصبها قبل تزويجها؛ لأن إتلاف الغصب حصل بأمر مالكه وإبقائه في يد الغاصب حصل برضى مالكه. أشبه ما لو لم يتقدم ذلك غصب.

(ومن اشترى أرضاً فغرس) فيها (أو بنى فيها، فخرجت مستحقة) أي:

تبين أنه ليس لبائعها ولاية بيعها، (وقلع غرسه) أي: غرس المشتري (أو بناءه)؛ لكونه وضع بغير حق: (رجع) مشتر (على بائع بما غرمه) بسبب ذلك من ثمن أقبضه وأجرة غارس وبان وثمن مؤن مستهلكة وأرش نقص بقلع ونحو. ذلك؛ لأنه ببيعه إياها غره وأوهمه أنها ملكه وكان ذلك سبباً في بنائه وغراسه فرجع عليه بما غرمه. ذكر القاضي المسألة في القسمة ووافقه المتأخرون.

وعلم من ذلك: أن لمستحق الأرض قلع الغرس والبناء من غير ضمان نقص؛ لأنه وضع في ملكه بغير إذنه. فكان له قلعه مجاناً؛ كغرس الغاصب. وعنه: ليس له قلعه إلا إن ضمن نقصه. ويرجع به على البائع.

وعنه: لا قلع ويأخذه رب الأرض بقيمته. نقله حرب.

(ومن) اشترى شيئاً ثم (أخذ) أي: انتزع (منه بحجة مطلقة) أي: بإقامة

بينة شهدت للمدعي بالملك المطلق في (ما اشتراه) المدعى عليه: (رد بائعه) للمشتري (ما قبضه) منه من الثمن لفساد العقد بخروجه مستحقاً.

وقيل: إن سبق الملك الشراء بأن شهدا للمدعي بالملك في زمن سابق على

زمن الشراء: لزمه رد ما قبضه، وإلا فلا؛ لاحتمال حدوث ملك ناشئ عن المشتري؛ كما لو باعه لإنسان ثم غصبه منه.

ص: 330

(ومن اشترى قِنًّا) من إنسان (فأعتقه، فادعى شخص أن البائع) للمعتق (غصبه منه) ولا بينة، (فصدقه) على ما ادعاه (أحدهما) أي: البائع أو المشتري: (لم يقبل على الآخر)، لأنه لا يقبل إقراره في حق غيره.

(وإن صدقاه) أي: البائع والمشتري (مع) القن (المبيع: لم يبطل عتقه) بذلك؛ لأن الحرية حق يتعلق به حق الله تعالى. ولهذا لو شهد شاهدان بعتق عبد مع اتفاق السيد والعبد على الرق: قبلت شهادتهما. ولو قال إنسان: أنا حر ثم أقر بالرق: لم يقبل إقراره.

(و) على هذا (يستقر الضمان) أي: ضمان

(1)

الثمن حين العقد، وقيل:

بل قيمته حين العتق، (على معتقه) لمدعي الغصب، لاعتراف المعتق بإتلافه بالعتق مال غيره بغير إذنه.

ويرثه إن مات وارثه القريب ثم مدع. ولا ولاء] عليه [

(2)

، لأن المعتق معترف بفساد عتقه.

وقيل: يبطل عتقه حيث صدق الثلاثة المدعي ويأخذ قنه.

وإن كان المشتري لم يعتقه وأقام المدعي بينة بما ادعاه: انتقض البيع ورجع المشتري على البائع بالثمن، وكذلك إن أقر بذلك.

وإن أقر أحدهما لم يقبل على الآخر، فإن كان المقر البائع لزمته القيمة للمدعي، لأنه حال بينه وبين ملكه. ويقر المبيع بيد المشتري؛ لأنه ملكه في الظاهر وللبائع إحلافه. ثم إن كان البائع لم يقبض الثمن فليس له مطالبة المشتري؛ لأنه لا يدعيه. وإن كان قد قبض الثمن فليس للمشتري استرجاعه؛ لأنه لا يدعيه. ومتى عاد المبيع إلى البائع بفسخ أو غيره لزمه رده إلى مدعيه وله استرجاع ما أخذ منه. وإن كان إقرار البائع في مدة الخيار انفسخ البيع؛ لأنه يملك فسخه فقبل إقراره بما يفسخه. وإن كان المقر المشتري وحده لزمه رد

(1)

في أ: الضمان.

(2)

زيادة من " شرح البهوتى" 2: 316 وفي ب: ولاء ولا.

ص: 331

المبيع ولم يقبل إقراره على بائعه ولا يملك الرجوع عليه بالثمن وعليه دفعه إليه إن لم يكن قبضه. وإن أقام المشتري بينة بما أقر به رجع بالثمن. وإن كان البائع المقر فأقام بينة فإن كان في حال البيع قال: بعتك عبدي هذا أو ملكي لم تقبل بينته؛ لأنه يكذبها، وإن لم يكن قال ذلك قبلت؛ لأنه يبيع ملكه وغيره. وإن أقام المدعي البينة سمعت وبطل البيع والعقد لكن لا تقبل شهادة البائع له؛ لأنه يجر بها إلى نفسه نفعاً، وإن أنكراه جميعاً فله إحلافهما.

قال أحمد: في رجل يجد سرقته

(1)

عند إنسان بعينها قال: هو ملكه

يأخذه. أذهب إلى حديث سمرة رضي الله تعالى عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم: " من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به ويتبع المتاع من باعه "

(2)

. رواه هشيم عن موسى بن السائب عن قتادة عن الحسن عن سمرة، وموسى بن السائب ثقة.

(1)

في ب: رقبة.

(2)

أخرجه أحمد في " مسنده "(20119) 5: 10 عن عبدالصمد ثنا عمر بن إبراهيم ثنا قتاده عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحق به ".

ص: 332

] فصل: في ضمان المغصوب]

(فصل. وإن أُتلف) بالبناء للمفعول (أو تلف مغصوب) بأن كان حيواناً فقتله إنسان، أو مات حتف أنفه، أو كان حياً فأحرقه إنسان، أو احترق بصاعقة، أو نحو ذلك:(ضمن) مغصوب (مثلي. وهو) أي: المثلي: (كل مكيل) من جميع المكيلات، (أو موزون لا صناعة فيه) أي: في الموزون، (مباحة) متصف بأنه (يصح السلم فيه) على من أتلفه أو تلف عنده (بمثله).

قال أحمد في رواية حرب: ما كان من الدراهم والدنانير أو ما يكال أو ما يوزن فعليه مثله. انتهى.

لأن المثل اقرب إلى ما ينضبط من القيمة لكونه مماثلا له من طريق الصورة والمشاهدة والمعنى. بخلاف القيمة فإنها مماثلة من طريق الظن والاجتهاد. فقدم ما طريقه المشاهدة؛ كالنص فإنه لما كان طريقه الإدراك بالسماع كان أولى من القياس؛ لأن طريقه الاجتهاد.

وظاهر النص المتقدم سواء تماثلت أجزاء المثلي أو تفاوتت؛ كالأثمان والحبوب والأدهان وغير ذلك.

وعنه: أن الجميع مضمون بقيمته.

قال الحارثي: ذكرها القاضي ابو الحسين في كتابه " التمام " وابو الحسين

(1)

بن بكروس في " رؤوس المسائل ". وذكره القاضي أيضاً، وذكر أيضاً أخذ القيمة في نقرة وسبيكة الأثمان وعنب ورطب وكمثرى، كما فيه صناعة مباحة لا محرمة. واما كون مباح الصناعة؛ كمعمول الحديد والنحاس والصوف والشعر

(1)

في أوب: الحسن.

ص: 333

المغزول يُضمن بقيمته؛ فلأن الصناعة تؤثر في القيمة وهي مختلفة، والقيمة فيه أخصر

(1)

.

وخرج بقوله: يصح السلم فيه الجواهر الموزونة؛ كاللؤلؤ ونحوه فإنها

مضمونة بقيمتها.

وسيأتي الكلام في المتن على الحلي المصنوع من ذهب أو فضة.

(فإن أعوز) مثل التالف

(2)

: (فـ) الواجب (قيمة مثله يوم إعوازه) أي: المثل؛ لأن القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل. فاعتبرت القيمة حينئذ؛ كتلف المتقوم. ودليل وجوبها حينئذ أنه يستحق طلبها ويجب على الغاصب أداؤها. ولا يبقى وجوب المثل؛ لأنه معجوز عنه والتكليف يستدعي الوسع. ولأنه لا يستحق طلب المثل ولا استيفاءه ولا يجب على الآخر أداؤه. فلم

يكن واجبا.

وقال القاضي في الخصال: يضمنه بقيمته يوم القبض. يعني: قبض البدل.

قال في " التلخيص ": وذكره ابن عقيل.

قال الحارثي: اختاره ابن عقيل.

وعنه: يلزمه قيمته يوم تلفه.

وقيل: أكثر القيمتين اللتين إحداهما يوم التلف والأخرى يوم الإعواز.

وعنه: قيمته يوم المحاكمة.

وعنه: قيمته يوم غصبه.

وقيل: أكثر القيمتين اللتين إحداهما يوم غصبه والأخرى يوم إعوازه.

(فإن قدر) من وجب عليه المثل وأعوزه (على المثل) قبل أخذ المالك

القيمة (لا بعد أخذها: وجب)؛ لأنه الأصل وقد قدر عليه قبل أداء البدل.

(1)

في أ: أحصر.

(2)

في أ: التلف.

ص: 334

حتى ولو كان ذلك بعد الحكم عليه بالقيمة؛ كالمأمور بالتيمم عند ضيق الوقت وفقدالماء ثم يقدرعلى الماء قبل انقضاء الصلاة.

وعلم مما تقدم: أنه إذا قدر على المثل بعد أداء القيمة لم ترد. وهو كذلك.

قال في " الفروع ": في الأصح.

وقال في " التلخيص ": على الأظهر، وجزم به في " الفائق " و" الرعاية الصغرى " و" الحاوي الصغير ".

وقيل: ترد ويأخذ المثل.

(و) ضمن (غيره) اي: غير المثلي إذا أتلف أو تلف (بقيمته يوم تلفه).

قال في " الفروع ": نقله الجماعة.

وعنه: يوم غصبه.

وعنه: أكثرهما.

وعنه: في مغصوب بمثله، وقاله ابن أبي موسى، واختاره شيخنا، واحتج بعموم قوله تعالى

(1)

: (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا)] الممتحنه: 11]. وعنه: مع مراعاة قيمته.

وعنه: غير حيوان بمثله. ذكره جماعة.

وعنه: لا يبلغ بقيمة رقيق يوم أتلفه دية حر.

وفي

(2)

" الواضح " و" الموجز ": فينقص منه عشرة دراهم.

ووجه المذهب: ما روى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أعتق شِرْكاً له في عبد قوم عليه قيمة العدل "

(3)

. متفق عليه.

(1)

زيادة من ج.

(2)

في أ: في.

(3)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(2386) 2: 892 كتاب العتق، باب إذا أعتق عبداً بين اثنين أو أمة بين الشركة.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(1501) 3: 1286 كتاب الأيمان، باب من أعتق شركاً له في عبد.

ص: 335

فأمر بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنها متلفة بالعتق ولم يأمر بالمثل.

ولأن الأشياء سوى ما تقدم في المثلي لا تتساوى أجزاؤها وتختلف صفاتها، فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها. فكانت أولى.

وتعتبر القيمة (في بلد غصبه من نقده) أي: نقد بلد الغصب؛ لأن ذلك

موضع الضمان بمقتضى التعدي.

وعنه: أنها تعتبر بمحل تلفه. جزم به في " الكافي ".

(فإن تعدد) نقد ذلك البلد بأن كان فيه نقود: (فـ) تعتبر القيمة (من غالبه)؛

لأنه الذي ينصرف إليه اللفظ عند الإطلاق؛ كما لو باع شيئاً بدينار مطلق وفي البلد نقود أحدها غالب: فإنه يصح البيع وينصرف الدينار إلى غالب النقد. (وكذا) أي: وكالمغصوب فيما تقدم مال (متلف بلا غصب، ومقبوض

بعقد فاسد) إذا تلف، (وما أجري مجراه) أي: مجرى ما تقدم ذكره (مما لم يدخل في ملكه) أي: ملك التالف تحت يده. يعني: أن محل ضمان المثلي بمثله والمتقوم بقيمته إن لم يدخل المضمون في ملكه. (فلو دخل) التالف في ملك من تلف تحت يده (بأن أخذ) إنسان من آخر شيئاً (معلوماً بكيل أو وزون) من مكيل أو موزون، (أو حوائج) متقومة؛ كفواكه وبقول ونحوهما (من بقال ونحوه، في أيام، ثم يحاسبه) على ما أخذ بعد ذلك: (فإنه) لا يجب عليه المثل في مثلي

(1)

. و (يعطيه) بدل ذلك (بسعر يوم أخذه)؛ لتراضيهما على ذلك. (ويقوم) على ضامن بتلف إذا تلف عنده (مصوغ مباح)؛ كحلي النساء

المتخذ (من ذهب أو فضة) حيث زادت قيمته على مثل وزنه من أجل صناعته، (ؤبئر تخالف قيمته وزنه)؛ لنقص قيمته:(بـ) نقد (غير جنسه) فيقوم الذهب بالفضة والفضة بالذهب؛ لئلا يفضى تقويمه بجنسه إلى الربا.

(و) إن كان الحلي مصوغاً (منهما) أي: من الذهب والفضة معاً: قومه

المقوم (بأيهما) أي: بأي النقدين (شاء) للحاجة إلى التقويم بأحدهما؛

(1)

في ب: المثلي.

ص: 336

لأنهما قيم المتلفات. وليس أحدهما بأولى من الآخر. فكانت الخيرة في ذلك إلى من يخير التقويم.

(ويعطى) مالك الحلي المقوم المصوغ من النقدين (بقيمته عَرْضاً)؛ لأن أخذها من أحد النقدين يفضي إلى الربا.

وعلم مما تقدم أن الصناعة لو كانت محرمة في النقد كأوانى الذهب والفضة وحلي الرجال المحرم: لم يقوم ولم يضمن بأكثر من وزنه؛ لأن الصناعة المحرمة لا قيمة لها شرعاً. وإلى ذلك اشير بقوله:

(ويضمن محرم صناعة بوزنه من جنسه). ولم يذكر بعضهم في ذلك خلافاً. وذكر صاحب " الرعايتين " رواية: أنه يضمن بقيمته. وزاد فى " الكبرى " قولاً: أنه إن جاز اتخاذه ضمن كالمباح، وإلا فلا.

(و) الواجب على غاصب (في تلف بعض مغصوب) عنده، (فتنقص

قيمة باقيه؛ كزَوْجَي خُفّ تلف أحدهما: رَدّ باق) منهما إلى مالكه، (وقيمة تالف، وأرش نقص) حصل في الباقي منهما؛ فإذا كانت قيمتهما مجتمعين ستة فى راهم فصارت قيمة الباقي منهما درهمين رده وأربعة دراهم.

وقيل: لا يلزمه أرش النقص.

ووجه المذهب: أنه نقص حصل بجنايته. فلزمه ضمانه؛ كما لو غصب

ثوبا ينقصه الشق فشقه ثم تلف أحد الشقين: فإنه يلزمه رد الباقي وقيمة التالف وأرش النقمن إن نقص. بخلاف نقص السعر فإنه لم يذهب به من المغصوب عين ولا معنى. وهاهنا فوت معنى وهو إمكان الانتفاع به، وهذا هو الموجب لنقص قيمته. وهو حاصل من جهة الغاصب. فينبغي أن يضمنه؛ كما لو فوت بصره أو سمعه أو عقله، أو فوت تركيب باب أو نحوه.

ومن غصب ثوباً فلبسه حتى نقص بلبسه نصف قيمته ثم غلت الثياب حتى عادت

(1)

قيمته كما كانت؛ مثل: إن غصب ثوباً قيمته عشرة دراهم فنقصه لبسه

(1)

في أوب: فعادت.

ص: 337

حتى صارت قيمته خمسة دراهم، ثم زادت قيمته فصارت عشرة: ردّه وأرش نقصه؛ لأن ما تلف قبل غلاء الثوب يثبت قيمته في الذمة، فلا يتغير ذلك

(1)

بغلاء الثوب ولا رخصة. ولذلك لو رخصت الثياب فصارت قيمته ثلاثة: لم يلزم الغاصب إلا خمسة مع رد الثوب.

ولو تلف الثوب كله وقيمته عشرة ثم غلت الثياب فصارت قيمة الثوب عشرين: لم يلزمه إلا عشرة؛ لأنها تثبت في الذمة عشرة فلا تزداد

(2)

بغلاء الثياب ولا تنقص برخصها.

وإن لم يستعمله لكن أقام

(3)

عنده مدة لمثلها أجرة ونقصت منه أجزاء؛ كخمل المنشفة ونحوه: فعليه ضمان أجرته وأرش نقصه. وكذا إن ذهبت أجزاؤه باستعماله؛ لأن كل واحد منهما ينفرد بالإيجاب. فإذا اجتمعا وجبا؛ كما لو أقام في يده ثم تلف. والأجرة تجب في مقابلة ما يفوت من المنافع لا في مقابلة الأجزاء، ولذلك تجب الأجرة وإن لم تفت الأجزاء.

وقيل: إن ذهبت أجزاؤه بالاستعمال لم يجب إلا أكتر الأمرين من الأجر وأرش النقص؛ لأن ما نقص من الأجزاء في مقابلة الأجر.

وجوابه ما تقدم.

(و) الواجب على غاصب (في قن يأبق) من غاصبه، (ونحوه)؛ كمن يغصب جملاً فيشرد منه ويعجز عن رده:(قيمته) أي: المغصوب الآبق أو الشارد لمالكه للحيلولة (ويملكها) أي: القيمة (مالكه) أي: المغصوب بقبضها. فيصح تصرفه فيها؛ كسائر أملاكه من أجل الحيلولة. لا على سبيل العوض. ولهذا (لا) يملك (غاصب مغصوباً) أبق أو شرد (بدفعها) أي: دفع قيمته؛ لأنه لا يصح أن يتملكه بالبيع؛ لعدم القدرة على تسليمه. فلا يصح أن يتملكه بالتضمين؛ كالتالف.

(1)

في أوب: بذلك.

(2)

في ب: تزاد.

(3)

ساقط من ب.

ص: 338

ولأنه ضمن ما تعذر عليه رده بخروجه عن يده

(1)

. فلا يملكه بذلك؛ كما لو

كان المغصوب الآبق أم ولد أو مدبراً.

وقال القاضي في " التعليق " ومن تبعه: إن رب العين المغصوبة لا يملك القيمة وإنما يباح له الانتفاع بها بإزاء ما فاته من منافع العين المغصوبة.

وقال في " التلخيص ": ولا يجبر المالك على أخذها ولا يصح الإبراء منها

ولا يتعلق الحق بالبدل فلا ينتقل إلى الذمة، وإنما يثبت جواز الأخذ دفعاً للضرر فتوقف

(2)

على خيرته. انتهى.

وحيث تقرر: أن الغاصب لا يملك المغصوب الآبق أو الشارد

(3)

بدفع قيمته

(4)

(فمتى قدر) عليه: (رده) وجوبا بزيادته، لأنها تابعة للأصل، (وأخذها) أي: القيمة التي دفعها بعينها إن كانت باقية، لأنه إنما وجب دفعها من أجل الحيلولة وقد زالت فيجب رد ما أخذ من أجلها.

قال في " الإنصاف ": ويرد زوائدها المتصلة من سمن ونحوه ولا يرد المنفصلة بلا نزاع. انتهى.

وقال المجد في " شرح الهداية ": فصل: قد ذكرنا أنه إذا غصب عبداً فأبق وضمنه ثم رجع رده وأخذ القيمة بعينها إن كانت قائمة أو بدلها إن كانت تالفة، وأنها إذا كانت قائمة ولها زيادة منفصلة، كالولد والثمر لم يتبعها. هذا قول أصحابنا والشافعي. قال: وعندي أن هذ لا يتصور؛ لأن الشجر والحيوان لا يكون أبداً في نفسه نفس القيمة الواجبة بل بدل عنها، فصارت الشجرة أو الأمة أو البهيمة بدلاً عن القيمة الواجبة، فإذا رجع المغصوب رد القيمة لا بدلها ولاثمراته؛ كمن باع سلعة بدراهم ثم أخذ عنها ذهباً أو سلعة ثم رد المبيع بالعيب فإنه يرجع بدراهم لا ببدلها انتهى. وهو كما قال.

(1)

في أ: مدة.

(2)

في أ: فوقف.

(3)

في أ: والشارد.

(4)

في أ: القيمة.

ص: 339

وإلى حالة التلف أشير في المتن بقوله:

(أو بدلها إن تلفت) وبدلها هو مثلها إن كانت من ذوات الأمثال أو قيمتها إن كانت من المتقومات.

(و) الواجب على غاصب (في عصير تخمر) عنده (مثله)؛ لأنه بذهاب ماليته بتخمره قد صار في حكم التالف. فوجب مثله؛ كباقي المائعات.

وقيل: قيمته.

واختلفت نسخ " المقنع " في ذلك ففي بعضها فعليه مثله وفي بعضها فعليه قيمته.

قال الحارثي عن القول بوجوب القيمة: وليس بالجيد.

قال في " الإنصاف ": قلت: وهو بعيد جداً. انتهى.

(ومتى انقلب خلا) عنده: (رده) إلى مالكه؛ لأنه عين ماله، (و) رد

معه (أرش نقصه) إن نقص قيمته خلا عن فيمته عصيراً؛ لأنه نقص حصل تحت يد الغاصب. فضمنه؛ كما لوكان جزءاً منه، و (كما لونقص بلا تخمر) بأن صار ابتداء خلا، وكما لو غصب شابة فهرمت عنده فنقصت قيمتها بالهرم.

وفي عيون المسائل ": لا يلزمه قيمة العصير؛ لأن الخل عينه كحمل صار كبشاً.

(و) متى رد الغاصب الخل وأرش نقص العصير إن كان (استرجع البدل) وهو مثل العصير الذي كان دفعه لمالكه؛ لأن الخل عين العصير وقد وجب عليه رده بعود ماليته بتخلله. فكان له استرجاع ما أداه بدلاً عنه؛ كما لو عجز عن رده ثم قدر عليه.

ومن غصب صاعاً من

(1)

عصير وغلاه حتى ذهب نصفه فإن لم تنقص قيمته فقيل: لا يضمن شيئا؛ لأن الذاهب منه أجزاء مائية ورطوبات

(2)

لا قيمة لها.

(1)

ساقط من أ.

(2)

في ج: من عصير ورطوبات.

ص: 340

قال المجد في " شرح الهداية " عقب حكايته هذا القول عن ابن شريح الشافعي: وهذا مذهب أصحابنا القاضي وابن عقيل. انتهى.

وقيل: عليه مثل نقصه. قدمه في " الفروع "، وحكاه في " الإنصاف " عن

الأصحاب.

وكما لو كان زيتاً أو نحوه.

قال المجد في مسألة الزيت: لزمه نصف صاع مثله فهذا مذهب الشافعي ومذهبنا. قاله القاضي وابن عقيل.

قال: ويتخرج أن يحتسب له بزيادة القيمة على رواية الجوزجانى. انتهى.

وإن نقصت قيمة العصير أو الزيت بغليانه: كان عليه أرش نقصه. سواء قلنا يلزمه مثل ما نقص من عينه أو لا.

(وما صحت إجارته: من مغصوب، و) من (مقبوض بعقد فاسد)؛ كالعقار والسفن والرقيق والدواب: (فعلى غاصب وقابض) بالعقد الفاسد (أجر مثله مدة مقامه بيده). والمراد بالعقد الفاسد: هنا ما يجب الضمان في صحيحه؛ كالبيع والإجارة. بخلاف عقود الأمانات؛ كالوكالة والمضاربة والوديعة وعقود التبرعات؛ كالهبة والوصية والصدقة فإنه لا يجب الضمان في صحيحها. ولهذا يرجع من غرم بسبب ذلك شيئاً على الغاصب بما غرمه.

قال في. " الإنصاف ": منافع المقبوض بعقد فاسد؛ كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتفويت. انتهى.

قال الشارح مشيرا إلى الغاصب: سواء استوفى المنافع أو تركها تذهب.

هذا المعروف في المذهب. نص عليه أحمد في رواية الأثرم.

وقال الموفق في " المقنع ": وعنه: التوقف عن ذلك.

قال أبو بكر: هذا قول قديم رجع عنه. انتهى.

وقال في " الفروع ": وما تصح إجارته لزمه أجرة مثله. نص عليه في

ص: 341

قضايا وفيها انتفاع. ونقل ابن الحكم: لا مطلقاً. وظاهر " المبهج " التفرقة، واختاره بعضهم، وجعله شيخنا ظاهر ما نقل عنه.

نقل ابن منصور: إن زرع بلا إذن عليه أجرة الأرض بقدر ما استغلها إلى رده

أو إتلافه ورد قيمته

(1)

.

وقيل: وبعدها مع بقائه. انتهى.

فمراد صاحب. " الفروع " بنقل ابن الحكم رواية التوقف المذكورة في

" المقنع "، لأن هناك نص صريح في نفي إيجاب الأجرة كما هو ظاهر العبارة؛ لأن الذي روي عن محمد بن الحكم عن أحمد: فيمن غصب داراً فسكنها عشرين سنة: لا أجترئ أن أقول عليه أجرة سكنى. وهذا يدل على توقفه على إيجاب الأجر. واستدل أبو بكر على رجوعه عنه بأن ابن الحكم مات قبل الإمام بعشرين سنة.

قال الحارثي: الاستدلال على الرجوع بتقدم وفاة محمد بن الحكم لايصح. فإن من تاً خرت وفاته من الجائز أن يكون منهم من سمع قبل سماع محمد بن الحكم. لا سيما أبو طالب فإنه قديم الصحبة لأحمد. قال: وأحسمن منه التأنس بما روي أن ابن منصور بلغه أن أحمد رجع عن بعض المسائل التي علقها. فجمعها في جراب وحملها على ظهره وخرج إلى بغداد، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة فأقر له بها ثانياً.

فالظاهر: أن ذلك كان بعد موت محمد بن الحكم، وقبل وفاة أحمد بيسير.

وابن منصور ممن روى الضمان فيكون متأخراً عن رواية ابن الحكم. انتهى. واحتج من لم يوجب الأجر على الغاصب بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الخراج بالضمان"

(2)

. وضمان المغصوب على الغاصب.

(1)

في ب: وقيمته.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3510) 3: 284 كتاب الإجارة، باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله ثم وجد به عيباً.

وأخرجه الترمذي في " جامعه "(1286) 3: 582 كتاب البيوع، باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله ثم يجد فيه عيباً.

واخرجه النسائي في " سننه "(4490) 7: 254 كتاب البيوع، الخراج بالضمان.

وأخرجه ابن ماجه في " سننه "(2243) 2: 754 كتاب التجارات، باب الخراج بالضمان.

ص: 342

ولأنه استوفى منفعة بغير عقد ولا شبهة ملك. أشبه ما لو زنى بامرأة مطاوعة.

ولنا: أن كل ما ضمنه بالإتلاف في العقد الفاسد جاز أن يضفنه بمجرد

التلف؛ كالأعيان.

ولأنه أتلف متقوماً. فوجب ضمانه؛ كالأعيان.

أو يقال: مال متقوم مغصوب. فوجب ضمانه؛ كالعين.

وأما الخبر فوارد في البيع ولا يدخل فيه الغاصب؛ لأنه لا يجوز له الانتفاع بالمغصوب بالإجماع.

ولا يشبه الزنا؛ لأنها رضيت بإتلاف منافعها بغير عوض ولا عقد يقتضي العوض. فكان بمنزلة من أعاره داره. ولو أكرهها عليه لزمه مهرها.

وعلم مما تقدم أن ما لا تصح إجارته لا يكون على غاصبه وقابضه بعقد فاسد

عوض عن إقامته عنده. فلو غصب إنسان طائراً بقصد صوته ومكث عنده مدة ثم جاء صاحبه يطلبه لم يكن له سوى أخذه. وكذا لو غصب فحلاً من غنم أو نحوها وأقام عنده مدة يستطرقه ولم تنقص قيمته فإنه ليس له عليه سوى رده.

(ومع عجز عن رد) لما تصح إجارته تلزم غاصبه أو قابضه بعقد فاسد أجرته

(إلى) وقت (أداء قيمته)؛ لأن مالكه بقبض قيمته استحق الانتفاع ببدله الذي هو قيمته. فلا يستحق الانتفاع به وببدله الذي قام مقامه.

وقيل: يجب لمالكه الأجرة إلى حين رده؛ لأن العين باقية على ملكه والمنفعة له.

(ومع تلف) للمغصوب أو المقبوض بعقد فاسد (فإليه) أي: فإلى حين

التلف تلزم أجرته للمالك؛ لأنه من حين التلف لم تبق له منفعة حتى توجب عليه. ضمانها؛ كما لو أتلفه إنسان من غير غصب أو قبض.

ويقبل قول غاصبه وقابضه في تلفه.

ص: 343

قال في " الفروع ": في الأصح. فيطالبه مالكه ببدله.

وقيل: لا، لأنه لا يدعيه.

(و) كذا (يقبل قوله في وقته) أي: وقت التلف لما تصح

(1)

إجارته،

لتسقط عنه الأجرة من ذلك الوقت بيمينه فيهما؛ لأنه منكر والقول قول المنكر. (وإلا) أي: وإن لم تصح إجارة المغصوب والمقبوض بعقد فاسد (فلا)

يلزم غاصبه ولا قابضه بعقد فاسد أجرة له. وذلك (كغنم وشجر وطير) ولو قصد صوتها، (ونحوها)، كشمع وكل مطعوم ومشروب (مما لا منافع لها يستحق بها عوض) غالباً. فلا يرد عليه صحة استئجار الغنم لدياس الزرع والشجر للنشر؛ لندرة ذلك.

ومن غصب جارية ومضى عليها عنده زمن ولم يطأها: لم يلزمه مهرها؛ لأن

منفعه البضع لا تقدربزمن فيتلفها مضي الزمن

(2)

. بخلاف غيرها من المنافع.

ولأنها لا تضمن إلا بالاسيتفاء. بدليل أن من فارق قبل دخول في نكاح

(3)

فاسد لايجب عليه شيء.

(ويلزم) غاصباً وقابضاً بعقد فاسد (في قن ذي صنائع) أي: يحسن أكثر

من صنعة إذا اقام زمناً لمثله أجرة عنده: (أجرة أعلاها) أي: أعلا الصنائع التي يحسنها (فقط)؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به في صنعتين معاً في آن واحد.

ولأن غاية ما يحصل لسيده به من النفع أن يستعمله في أعلا ما يحسنه من الصنائع. فكان له قيمة منفعته في تلك الصنعة .. والله سبحانه وتعالى أعلم

(4)

.

(1)

في أ: تصلح.

(2)

في أوب: الزمان.

(3)

في أ: النكاح.

(4)

في ب: والله أعلم.

ص: 344

(فصل): في حكم تصرفات الغاصب

وغير ذلك.

(وحرم تصرف غاصب) وكذا غيره ممن يعلم الحال (في مغصوب، بما)

أي: بفعل (ليس له حكم من صحة وفساد) أي: بما لا يوصف بصحة ولا

بفساد، (كإتلاف) للمغصوب، (وإستعمال) له، (كلبس، ونحوه)،

كاستخدام، وكذبح المغصوب بآلة مغصوبة.

ولا يحرم بذلك المأكول على الأصح. وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك في

باب الذكاة إن شاء الله تعالى.

(وكذا) أي: وكما يحرم تصرف الغاصب في المغصوب بما ليس له حكم

من صحة وفساد يحرم (بما له حكم) أي: بما يوصف بأنه صحيح تارة وفاسد

اخرى

(1)

، وذلك (كعبادة)، بان يتوضأ بالماء المغصوب، أو يتيمم بالتراب،

أو يصلي في الثوب المغصوب أو في الدار المغصوبة، أو يخرج الزكاة من المال المغصوب، أو يحج منه ونحو ذلك. بخلاف عبادة لا تحتاج إلى شيء من نحو

ذلك، كالصوم والذكر والاعتقاد فإنها لا مدخل لها فيها في باب الغصب.

(وكعقد)، كما لو باع المغصوب أو أجره أو أعاره أو وهبه.

(ولا يصحان) أي: عبادة الغاصب على الوجه المذكور ولا عقده فيكونان

باطلين مطلقا على الصحيح.

قال في " الفروع " في كتاب البيع: اختاره الأكثر.

وعنه: انها صحيحة.

(1)

في ا: الأخرى.

ص: 345

قال الشارح: وهذا ينبغي ان يتقيد بالعقود

(1)

بما لم يبطله المالك، فأما إن

اختار المالك إبطاله فأخذ المعقود عليه ولا نعلم فيه خلافا. وأما ما لم يدركه

المالك فوجه " التصحيح " فيه: أن الغاصب تطول مدته وتكثر تصرفاته، ففي

القضاء ببطلانها ضرر كثير وربما عاد الضرر على المالك فإن الحكم بصحتها يقتضي كون الربح للمالك والعوض بنمائه وزيادته، والحكم ببطلانها يمنع

ذلك. انتهي.

وعنه: أن تصرفاته بالعقود موقوفة على إجازة المالك.

(وإن اتجر) غاصب (بعين مغصوبة أو) عين (ثمنه)، بأن اشترى بذلك

وباع وحصل ربح، أو اشترى بذلك شيئا وظهر منه ربح وهو باق:(فالربح وما اشتراه ولو) كان الثمن الذي اشتراه به (في ذمته بنية نقده) أي: بنية أن ينقد

البائع عين المغصوب أو ثمنه، (ثم نقده) أياه: يكونان (لمالك) دون غاصب.

وظاهره: سواء قلنا بصحة الشراء أو ببطلانه لإطلاق الأكثر. وهو ظاهر ما

قدمه في" الفروع ". وعبارته: ولو اتجر بالنقد فربحه لربه. نقله الجماعة،

واحتج بخبر عروة بن الجعد

(2)

.

قال الجماعة منهم صاحب" الفنون " و" الترغيب ": إن صح الشراء نقل

حرب في خبر عروة إنما جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم جوزه له.

وعنه: يتصدق به. وكذا ان اشترى في ذمته.

وقال صاحب " المحرر ": بنية نقده.

وعنه: ربحه له وله الوطء. نقله المروذي.

فعلى هذا إن أراد التخلص من شبهة بيده اشترى في ذمته ثم نقدها. وقاله

القاضي وابن عقيل وذكره عن أحمد. انتهي.

(1)

في ب: في العقود.

(2)

عن عروة البارقى قال: " أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دينارا يشتري به أضحية أو شاة، فاشترى ساتين، فباع إحداهما بدينار، فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه ". أخرجه أبو داود في " سننه "(3384) 3: 56 2 كتاب البيوع، باب في المضارب يخالف.

ص: 346

أما كون الربح للمالك في صورة الشراء بعين المغصوب، فلأنه نماء ملكه.

وأما

(1)

كونه للمالك في صورة الشراء في الذمة، فلأن نية نقد المغصوب

قامت مقام الشراء بعينه.

ولأنه يلزم من القول بأنه للغاصب بأن يتخذ ذلك طريق إلى تملك ربح مال

الغير بغصبه ودفعه ثمنا عما يشتريه في ذمته.

ولأنه حيث تعين

(2)

جعل الربح للغاصب أو المالك: كان المالك أولى،

لأنه في مقابلة نفع ماله الذي فاته.

وعنه: فيما إذا اشترى في ذمته ثم نقدها إن الربح للمشتري ويكون عليه بدل المغصوب.

وعنه: يتصدق به. نقلها الشريف، لوقوع الخلاف فيه.

وقولي: بنية نقده تبعت فيه صاحب " المحرر " و" الوجيز " و" المنور "

وصاحب " التذكرة "، لما ظهر لي أنه مراد من اطلق. ومما يوضح ذلك: أن

الشارح نقل هذه العبارة عن صاحب " المحرر " في معرض الاستدلال

للمذهب، ولم نعهد له نقلا

(3)

عنه في غير هذه المسألة فإنه ذكر في المسألة

احتمالين، ثم قال عن الثاني الذي هو المذهب: وهذا هو المشهور في

المذهب.

قال صاحب " المحرر ": إذا اشترى في ذمته بنية نقدها فقوله.

قال صاحب " المحرر ": وكذا يدل على اعتباره عنه؟ لأنه إذا اشترى لنفسه

شيئا في ذمته ولم ينو إقباض ثمنه من المال المغصوب كان بمثابة من اشترى شيئا بدينار في ذمته ثم باع ذلك الشيء بربح ثم غصب دينارا وأقبضه عما استحق في ذمته قبل غصبه. وغاية ذلك أن الإقباض غير مبرئ لفساده. أشبه ما لو دفعه عن

(1)

في أ: وإنما.

(2)

في أوب: تغير.

(3)

في ج: نقل.

ص: 347

بدل قرض في ذمته.

وظاهر ما تقدم صحة شراء الغاصب في ذمته.

قال في " الإنصاف ": وصحة العقد نص عليها في رواية المروذي.

وحكى القاضي في " التعليق الكبير " وجها: يكون العقد موقوفا على إجازة

المالك، إن أجازه صح وإلا بطل. قال: وهو أصح ما يقال في المسألة.

قال الحارثي: وهو مأخوذ من مثله في مسألة الفضولي. قال: وهو

مشكل. إذ كيف يقف تصرف الانسان لنفسه على إجازة غيره؟ انتهي.

ولو اتجر مودع بالوديعة فالربح لمالكها.

قال في " الإنصاف ": على الإصحيح من المذهب، ونص عليه في رواية

الجماعة، ونقل حنبل: ليس لواحد منهما ويتصدق به.

قال الحارثي: وهذا من أحمد مقتض لبطلان العقد، وذلك وفق المذهب

المختار في تصرف الغاصب وهو قوي. انتهي.

ولو قارض بالمغصوب أو الوديعة بأن أعطى ذلك الغاصب أو المودع لمن

يعمل فيه بجزء من ربحه: فالربح على ما تقدم. ولا شيء لعامل علم الحال،

وإن جهله فله مطالبة الغاصب أو

(1)

المودع بأجرة مثله.

(وإن اختلفا) أي: الغاصب والمالك (في قيمة مغصوب) تلف (أو

قدره، أو حدوث عيبه، أو صناعة فيه) باٌن قال المالك: كان العبد الذي

غصبتنيه وتلف عندك كاتبا، فقال الغاصب: لم يكن كاتبا.

(أو) اختلفا في (ملك ثوب) عليه، (أو) ملك (سرج عليه) أي: على

الحيوان المغصوب ولا بينه للمالك بما ينكره غاصب في جميع ما ذكر: (فقول غاصب) بيمينه، لأنه منكر. فلم يلزمه شئ لم تقم عليه به

(2)

حجه.

(1)

ساقط من ا.

(2)

في أوب: به عليه.

ص: 348

وكما لو ادعى عليه بدين وأنكر بعضه.

ولأن الأصل براءة الذمة في الزائد وعدم الصناعة في المغصوب وملك الثوب

أو السرج أو نحوهما لمن هو بيده.

(و) إن اختلفا (في رده) أي:. رد المغصوب إلى مالكه (أو) في وجود

(عيب فيه)، كما لو قال الغاصب: كان يبول في الفراش، أو كانت به سلعة،

أو كانت إبهامه مقطوعة أو نحو ذلك: (فقول مالك) بيمينه على نفي ذلك " لأن الأصل عدم الرد والعيب.

وإن اتفقا على أنه كان به عيب أو قامت به بينة، وقال الغاصب: غصبته وبه

العيب، وقال المالك: بل حدث عندك. فالقول قول الغاصب بيمينه " لأنه

غارم. والظاهر: أن صفة المغصوب لم تتغير.

وفيه وجه: قول المالك.

(ومن) أي: وأي انسان (بيده غصوب) لا يعرف اربابها.

ونقل الأثرم وغيره: أو علم رب المغصوب الذي بيده ويشق دفعه إليه وهو

يسير كحبه.

(أو) كان بيده (رهون) لا لعرف أربابها.

ونقل أبو الحارث: أو علم المرتهن رب المال

(1)

لكنه أيس منه.

(أو) كان بيده (أمانات)، كالودائع، (لا يعرف اربابها)، أو عرفهم

ولكنهم فقدوا وليس لهم ورثة، (فسلمهما) أي: سلم ما بيده مما تقدم ذكره

(إلى حاكم ويلزمه) أي: ويلزم الحاكم (قبولها: برى) من كانت عنده

تسليمها للحاكم (من عهدتها)، لأن قبض الحاكم لها قائم مقام قبض اربابها،

(وله) أى: ولمن بيده هذه الأشياء المذكورة إن لم يدفسها إلى الحاكم

(الصدقة بها).

(1)

في أوب: الرهن.

ص: 349

ونقل المروذي على فقراء مكانه أي: مكان الغاصب إن عرفه، لأن دية قتيل

يوجد عليهم.

ونقل صالح: أو بالقيمة، وله شراء عرض بنقد ولا يجوز في ذلك محاباة

قريب أو غيره

(1)

نصا، وظاهر نقل حرب في محاباة غير القريب الكراهة.

قال في " الفروع ": وهو ظاهر كلامه في غير موضع.

(عنهم) أي: عن أربابها بدون إذن حاكم.

قال ابن رجب: قولا واحدا على أصح الطريقين.

وعلى الثانية: فيه روايتان وهي طريقة القاضي في " كتاب الرواتين " وفي

موضع من " المجرد "، وجزم في موضع اخر منه يتوقف التصرف على إذن الحاكم. والأولى أصح. انتهي.

ثم قال عقب مسألة الغصوب: وكذلك حكم المسروق ونحوه. نص عليه،

وكلامه

(2)

المنقول أولا فيما هو أعم.

(بشرط ضمانها) لأربابها، لان الصدقة بدون الضمان إضاعة لمال المالك

لا على وجه بدل وهو غير جائز.

ونقل المروذي: تعجبني الصدقة به.

وفي " الغنية ": عنيه ذلك.

والمذهب: أنه مخير بين أن يدفعه للحاكم أو يتصدق به بشرط الضمان.

(كلقطة) حرم التقاطها] أو لم يعرفها]

(3)

.

(ويسقط عنه) أي: عن الغاصب أو السارق (إثم الغصب) أو السرقة، لأنه

معذور بعجزه عن الرد لجهله بالمالك. فإذا تصدق بها عن أربابها كان ثوابها لهم.

(1)

في ا: غير.

(2)

في اوب: وكلام.

(3)

زيادة من ج.

ص: 350

ولأن في الصدقة جمعا بين مصلحة الغاصب ونحوه بتبرئة ذمته ومصلحة

المالك بتحصيل الثواب له.

ولأن قضاء الحقوق في الآخرة بالحسنات وحمل السيئات. فإذا طلب من

بيده شيء عوضه أحالهم بثواب الصدقة.

وإذا تصدق بالمال من كان بيده ثم حضر. المالك: خير بين الأجر وبين

الأخذ من المتصدق، فان اختار الأجر فذاك وإن اختار الأخذ فله ذلك والأجر

للغارم. نص عليه في الرهن. قاله الحارثي.

قال في "الفروع " ولم يذكر اصحابنا غير الصدقة. ونقل إبراهيم بن هانئ:

يتصدق أو يشتري به كراعا أو سلاحا يوقف. هو مصلحة للمسلمين

(1)

.

وسأله جعفر عمن بيده أرض أو كرم ليس أصله طيبا ولا يعرف ربه، قال:

يوقفه على المساكين.

وسأله المروذي عمن مات وكان يدخل في أمور تكره فيريد بعض ولده

التنزه، فقال: إذا وقفها علي المساكين فأي شيء بقي عليه؟. واستحسن أن

يوقفها على المساكين

(2)

. ويتوجه على أفضل البر. انتهي.

(وليس له) أي: وليس لمن قلنا إن له أن يتصدق بالأشياء التي في يده عن

أربابها (التوسع بشيء منها، وإن) كان (فقيرا) أي: من أهل الصدقة. نص

عليه.

فائدة:

فال ابن رجب في القاعدة السابعة والتسعين بعد ذكره مسألة التصدق

بالغصوب التي جهل ربها: تنبيهان:

أحدهما: الديون المستحقة، كالأعيان يتصدق بها عن مستحقيها. نص

عليه. مع أنه نص على أن من قال لغريمه: تصدق عني بديني الذي عليك لم يبرأ

(1)

في أ: المسلمين.

(2)

في ب وج: المسلمين.

ص: 351

بالصدقة عنه. ولو وكله في قبضه من نفسه حيب لم يتعين المدفوع ملكا له، فإن

الدين لا يتعين ملكه فيه بدون قبضه أو قبض وكيله.

وفرق القاضي في " خلافه " بين أن يكون المأمور بالدفع إليه معينا أو غير

معين. فإن كان معيناً برئ بالدفع إليه، كالوكيل.

وخرج في " المجرد " المسألة على بيع الوكيل من نفسه نظرا إلى أن العلة هي القبض من نفسه حيث وكله المالك في التعيين والقبض وقد أطلق هاهنا جواز

الصدقة عنه، فأما ان يكون هذا رواية ثانية بالجواز مطلقا أو محمولا على حال

(1)

تعذر وجود المالك أو وكيله وهو الأقرب. وكذلك نص في رواية أبي طالب:

فيمن عليه دين لرجل وقد مات وعليه ديون للناس، يقضى عنه دينه بالدين الذي عليه: أنه يبرأ به

(2)

في الباطن.

والثاني: إذا أراد من بيده عين جهل مالكها ان يتملكها ويتصدق بقيمتها عن

مالك، فنقل صالح عن أبيه الجواز فيمن اشترى اجرا وعلم أن البائع باعه ما لا يملك ولا يعرف له أربابا: أرجو أن أخرج قيمة الاجر فتصدق به أن ينجو من إثمه.

وقد يتخرج فيه خلاف من جواز شراء الوكيل من نفسه. ويشهد له اختلاف

الرواية عنه فيمن له دين وعنده به رهن وانقطع خبر صاحبه وباعه هل له أن يستوفي دينه منه ويتصدق بالفاضل أم يتصدق به كله؟ على روايتين " لأن فيه استيفاء للحق بنفسه من تحت يده. واختار ابن عقيل جوازه مطلقا. وخرجه من بيع الوكيل من نفسه ومن مواضع أخر. انتهي.

(ومن لم يقدر على) أن ياًكل من (مباح) بأن عدم المباح: (لم يأكل من

حرام ما) أي: شيئا (له غنية عنه، كحلوى، ونحوها)، كفاكهة

(3)

.

قال في " الفروع " وإن لم ييق درهم مباح ففي " النوادر " يأكل عادته لا ما له

(1)

في اوب: حاله.

(2)

ساقط من أ.

(3)

في ج: كفو اكه.

ص: 352

عنه غنية، كحلوى وفاكهة

(1)

.

واقتصر عليه. ولعل وجه ذلك: أنه لما لم- يقدر على غيره أبيح له الأكل منه

بقدر الحاجة فقط إذ لا داعي الى الزيادة. والله أعلم.

(ولو نوى) إنسان (جحد ما بيده من ذلك) أي: من المغصوب

(2)

أو

الأمانات أو ما في معناهما.

(أو) نوى جحد (حق) أي: دين (عليه في حياة ربه) أي: رب ما نوي

جحده: (فثوابه له) أي: لربه، لأن نية جحده قائمة مقام إتلافه إذا. فكانه لم

ينتقل لورثة ربه بموته فكان ثوابه له.

(وإلا) أي: وإن لم ينو جحده حتى مات ربه: (ف) ثوابه (لورثته).

نقله ابن الحكم، لأنه إنما عدم عليهم.

(ولو ندم) غاصب على فعله وقد مات المغصوب منه، (ورد ما غصبه على

الورثة: برئ من إثمه) أي: إثم المال المغصوب، لانه وصل إلى مستحقه.

(لا من إثم الغصب).

قال في " الفروع " نقله حرب. وعند شيخنا: له مطالبته لتفويته الإنتفاع به

حياته، كما لو مات الغاصب فرده وارثه. ونقله حنبل.

قال شيخنا: ولو حبسه عند وقت حاجته، كمدة شبابه ثم رده في مشيبه

فتفويت تلك المنفعة ظلم يفتقر إلى جزاء.

وقال ابن عقيل- وأظن والقاضي أيضا-: معنى رواية حرب: " برئ من إثم

ذلك ": برئ من إثم الغصب وبقي إثم ما ادخل على قلب مالكه من ألم الغصب ومضرة المنع من ملكه مدة حياته فلا يزول إثم ذلك إلا بالتوبة.

وذكر أبو يعلى الصغير أن بالضمان والقضاء بلا توبة يزول حق الآدمي ويبقي

(1)

في ج: وفواكه.

(2)

في أ: الغصوب.

ص: 353

مجرد حق الله] سبحانه وتعالى]

(1)

.

نقل عبدالله: فيمن ادان على أن يؤديه فعجز: هذا أسهل من الذي اختان.

وان مات على عدمه فهذا واجب عليه.

قال شيخنا: يرجى ان يقضيه الله عنه.

وقال جده: لا يطالب به في الدنيا ولا في الآخرة.

وقال أبو يعلى الصغير: بما يقتضي أنه محل وفاق. انتهي.

(ولو) مات الغاصب والمغصوب عنده ثم (رده ورثة غاصب) إلى ورثة

المغصوب منه: (فلمغصوب منه مطالبته) أي: أن يطالب الغاصب بما غصبه

منه (في الآخرة)، لأن المظالم لو انتقلت لما استقر لمظلوم حق في الآخرة.

ولأنها ظلامة عليه قد مات ولم يتحلل منها برد ولا تبرئة، فلم تسقط عنه برد

غيره لها إلى غير المظلوم. أشبه ما لو نجهل ورثة الغاصب المغصوب منه

فتصدقوا بالغصب على اجنبي. والله أعلم.

(1)

زبادة من ج.

ص: 354

(فصل): فيما يضمن به المال من غير غصب

(ومن أتلف ولو سهوا، مالا محترما لغيره) أي: غير المتلف (بلا إذنه)

أي: إذن المالك (ومثله) أي: المتلف (يضمنه)، كما لو كان المتلف مكلفا

ملتزما والمال لمعصوم غير ابنه: (ضمنه) أي: ضمن المتلف ما أتلفه.

قال في " الشرح ": لا نعلم في ذلك خلافا، لأنه فوته عليه. فوجب عليه

ضمانه، كما لو غصبه فتلف عنده.

واحترز بالمال عن الكلب والسرجين النجس ونحوهما. وبالمحترم عن

الصليب والات اللهو، كالمزمار والطنبور

(1)

ونحوهما. وبقوله: لغيره عما هو

لنفسه. وبقوله: بلا إذنه عما أذن مالكه المطلق التصرف

(2)

في إتلافه فإن

المتلف يكون حينئذ وكيلا عن مالكه في الإتلاف. وبقوله: ومثله يضمنه عما

يتلفه أهل العدل من مال أهل البغي، وعكسه حال الحرب، وعما يتلف المسلم

من مال الحربي والحربي من مال المسلم، وعما يتلفه الصغير والمجنون من مال

دفعه إليهما مالكه

(3)

، وعما يتلفه الأب من مال ولده، وعما يتلفه دفعا عن

نفسه، كما لو صال عليه رقيق أو بهيمة لمعصوم. وسيأتي الكلام في المتن على معنى ذلك.

(وإن اكره) إنسان على إتلاف مال غيره المضمون: (فمكرهه، ولو على

إتلاف مال نفسه) ضامن لما أكرهه على إتلافه، كما لو أكرهه على ما ليس

بإتلاف كإكراهه على دفع الوديعة إلى غير ربها.

قال في " الفروع ": ويرجع في الأصح مع جهله.

(1)

في ا: والطبول.

(2)

في ا: المتصرف.

(3)

في أ: بمالكه.

ص: 355

وقيل: وعلمه، لإباحة إتلافه ووجوبه. بخلاف قتل، ولم يختره.

بخلاف مضطر.

وقيل: الضمان على المتلف وحده، كما لو اضطر إلى طعام غيره فأكله.

قال ابن رجب: وهذا ضعيف جدا، لأن المضطر لم يلجئه إلى الإتلاف من

يحال الضمان عليه.

وقيل: الضمان بينهما لاشتراكهما في الإثم.

وهذا تصريح بأن الإكراه لا يبيح مال الغير. وهو مخالف لما ذكره صاحب

" الفروع" ولعل المسألة ذات وجهين. والله أعلم.

و (لا) يضمن المال إذا كان (غير محترم) بإتلاف، (كـ) إتلاف حيوان

(صائل) لم يندفع بدونه، (ورقيق حال قطعه الطريق، ومال حربي،

ونحوهم)، [كما لوقاتل عبد مع بغاة فقتله]

(1)

اهل العدل.

وهذا وإن كان قد علم إجمالا من مفهوم ما تقدم، ففيه تنبيه على صور من

غير المحترم.

(وإن فتح) انسان (قفصا عن طائر) يملكه من يضمن الفاتح إتلاف ماله،

أو فتح اصطبل حيوان له.

(أو حل قيد قن) له، (أو أسير، أو دفع لأحدهما) أي: القن أو الأسير

(مبردا قبرده) أي: برد القيد، (أو حل فرسا) أو دابة غيرها، (أو) حل

(سفينة ففات) ذلك بأن ذهب الطائر من القفص، أو دخل إليه حيوان فقتله، أو

هرب القن أو الألسير، أو شردت الفرس ونحوها، أو غرقت السفينة لعصوف

ريح أو لا.

وقيل لا تضمن مع عصوف ريح.

(أو عقر شيء من ذلك) بسبب إطلاقه، كما لو كان الطائر جارحا فقلع عين

(1)

ساقط من أ.

ص: 356

انسان أو قتل شاته ونحو ذلك، أو كانت الدابة عقورا، كما لو حل سلسلة فهد

(1)

فعقر انسانا أو دابة.

(أو اتلف) شيء من ذلك (شيئا) بأن كسر الطائر في خروجه أنية، أو كان

القن الذي حل قيده مجنونا فقتل انسانا

(2)

، أو اتلف متقوما أو مثليا، أو اتلفت

الدابة التي حلها زرعا أو غيره، أو انحدرت السفينة التي حلها على شيء

فأتلفته.

(أو) حل انسان (وكاء زق) دهن (مائع أو جامد، فأذابته الشمس، أو

بقي بعد حله) منتصبا (فألقته ريح) أو زلزلة أو طير (فإندفق)، أو خرج منه

شيء بل اسفله فسقط، أو لم يزل يميل قليلا قليلا

(3)

حتى سقط فاندفق أو لم يندفق في هذه الصور

(4)

، بل خرج ما فيه قليلا قليلا:(ضمنه) أي: ضمن

المتعدي بفتح القفص، ودفع المبرد، وحل ما تقدم ذكره ما تلف بسببه. سواء

وجد منه تنفير مع ذلك لما ينفر أو لا، أو ذهب ما حله عقب حله أو لا، لأنه

تلف حصل بسبب فعله. فلزمه ضمانه.

ولأن الطائر وسائر الصيد من عادته النفور وإنما يبقى مع المانع، فإذ أزيل

المانع ذهب

(5)

بطبعه. فكان الضمان على من ازال المانع، كمن قطع علاقة

قنديل فسقط فانكسر.

وقيل: إن كان الطائر مستأنسا لم يضمنه، لأنه في مظنة القدرة عليه فالقفص

وعدمه سواء.

وقيل: لا يضمن السفينة إذا غرقت مع عصوف ريح

(6)

.

(1)

في ج: فهده-

(2)

في ا: انسان.

(3)

ساقط من ا.

(4)

في أالصوب،

(5)

في ا: ذهبا.

(6)

في ج: الريح.

ص: 357

وقيل: ولا ما في الزق إذا ألقته ريح أو زلزلة.

وقيل: ولا الطائر ولا ما حل إذا لم يذهبوا عقب الفتح أو الحل.

وقيل: ولا دافع المبرد للمقيد الذي برد به قيده وذهب.

و (لا) يضمن (دافع مفتاح) لمكان فيه مال (للص) ما سرقه اللص من

المال، لأن مباشرة اللص للسرقة بإحالة الحكم عليها أولى من الإحالة على

السبب الصادر من دافع المفتاح.

(ولا) يضمن (حابس مالك دواب). يعني: إذا حبس انسان انسانا له

دواب (فتتلف) دوابه بسبب حبسه: لم يضمنها حابسه.

قا ل في " الفروع ": ذكره في " الانتصار " و" المغني " و" الترغيب ".

وقيل: بلى.

قال في " الترغيب ": أو فتح حرزا فجاء اخر فسرق، وعند شيخنا يتوجه

فيمن حبسه عن الإنتفاع بملكه: أن يضمنه المتسبب. انتهي.

قال في " المبدع ": وينبغي أن يفرق بين الحبس بحق أو غيره. انتهي.

(ولو بقي الطائر) الذي فتح عنه القفص (أو الفرس) الذي حله واقفين بعد

ذلك (حتى نفرهما) انسان (اخر) فذهبا: (ضمن المنفر) أي: اختص

ضمانهما بالمنفر، لأن سببه أخص. فاختص الضمان به، كدافع الواقع في البئر

مع حافرها.

وكذا لو حل انسان حيوانا وحرضه آخر فجنى، فإن ضمان جنايته على المحرض.

وإن وقع طائر انسان على جداره فنفره انسان فذهب لم يضمنه، لأن تنفيره

لم يكن سبب فواته فإنه كان ممتنعا قبل ذلك.

وإن رماه فقتله ضمنه وإن كان في دار الرامي، لأنه كان يمكن تنفيره بغير قتله. وكذلك لو مر طائر في هواء داره لمحر، فقتله ضمنه، لأنه لا يملك منع الطائر

من هواء الدار، فهو كما لو رده في هواء داره غيره.

ص: 358

(ومن ربط أو أوقف دابة) له أو لغيره (بطريق ولو) كان الطريق (واسعا)

نصا.

(أو ترك) انسان (بها) أي: بطريق ولو واسعا (طينا أو خشبة أو عمودا أو

حجرا أو كيس دراهم) نص عليه.

(أو أسند خشبة إلى حائط: ضمن) ذلك الانسان (ما تلف بذلك) أي:

بسبب فعله، لأنه متعد بذلك.

قال أحمد في رواية أبي الحارث: إذا أنام دابة على الطريق فهو ضامن لما

جنت. ليس له في الطريق حق. وكذلك نقل عنه أبو طالب وحنبل ضمان جناية

الدابة إذا ربطها في الطريق.

قال ابن رجب: وكذلك أطلق ابن أبي موسى وأبو الخطاب من غير تفريق

بين حالة الضيق والسعة. ومأخذه إن طبع الدابة الجناية بفمها أو رجلها.

فأيقافها في الطريق بمنزلة وضع الحجر ونصب السكين فيه.

وحكى القاضي في كتاب الروايتين رواية أخرى: بعدم الضمان إذا وقف في

طريق واسع.

(ويضمن مغرما اخذه ظالم بإغرائه ودلالته.

ومن اقتنى كلبا عقورا) ولو لصيد أو ماشية، (أو) كلبا (لا يقتنى) كلغير

ذلك، (أو) اقتنى كلبا (أسود بهيما، أو) اقتنى (اسدا أو نمر اأو ذئبا، أو هرا

تأكل الطيور وتقلب القدور) حال كون ذلك (عادة) لها، (مع علمه) أي:

المقتني بذلك، (أو) اقتنى (نحوها من السباع المتوحشة)، كالدب والقرد.

قال (المنقح: وعلى قياس ذلك الكبش المعلم النطاح). انتهي.

(فعقر) شيء من ذلك ادميا أو دابة، (أو خرق ثوب من دخل) إلى منزل

المقتني له (بإذنه)، أو فعل ذلك بمن هو خارج المنزل.

ص: 359

(أو نفحت دابة بـ) مكان (ضيق من ضربها) فتلف

(1)

بذلك شيء:

(ضمنه) موقف الدابة والمقتني، لأنه المتسبب في ذلك.

وعنه: لا ضمان عليه بسبب الكلب.

وعلم مما تقدم أنه لو حصل شيء من ذلك في بيت انسان من غير اقتنائه ولا

اختياره فأفسد شيئا: لم يضمنه، لانه لم يحصل الإفساد بسببه

(2)

.

قال في " الشرح ": فإذا اقتنى حمأما أو غيره من الطير فأرسله نهارا فلقط

حبا: لم يضمنه، لأن العاده إرساله. انتهي.

(ويجوز قتل هر بأكل لحم، ونحوه)، كالفواسق. قدمه في " الفروع ".

وقيده في " الفصول " بحين اكله.

وفي " الترغيب ". إن لم يندفع إلا به كصائل.

(وإن أجج) انسان (نارا) أي: أوقدها حى صارت تلتهب (بملكه.

أو سقاه) أي: سقى ملكه من شجر أو زرع أو أرض ليزرعها، (فتعدى)

ذلك (إلى ملك كيره) أي: غير الفاعل.

(لا) إن كان تعدي النار (بطريان ريح، فأتلفه) أي: أتلف المتعدي من

النار أو الماء ملك غيره: (ضمنه) الفاعل (إن افرط) بان أجج نارا تسري في

العادة لكثرتها، أو في ريح شديدة تحتملها، أو فتح ماء كثير يتعدى مثله، (أو

فرط) بأن ترك النار مؤججة، أو الماء مفتوحا ونام فحصل التلف بذلك وهو نائم. وإنما ضمن المتلف

(3)

في هذين الحالتين، لأن في الأولى متعد وفي الثانية

مقصر، وكل من ذلك موجب لضمان ما تلف بسببه من مال غيره. اشبه ما لو

با شر إتلافه.

(1)

في ا: فتلفت.

(2)

في أوب: إلا بسببه.

(3)

في ب: التلف.

ص: 360

وأما كونه لا يضمن ما أتلفته النار بطريان ريح عليها فإن ذلك ليس من فعله

ولا بسبب تفريطه حيث كان حاضرها عند ذلك.

وقال فى " الرعأية " بعد ذكر المسألة: قلت: وإن كان المكان مغصوبا

ضمن مطلقا. يعني: سواء فرط أو أسرف أو لا ان لم يكن للسطح سترة وبقربه

زرع ونحوه والريح هابة، أو ارسل في الماء ما يغلب ويفيض ضمن.

وقيل: من أجج نارأ في ملك بيده له أو لغيره بإيجار أو إعارة وأسرف ضمن

وإلا فلا، وإن منع من ذلك لأذى جاره ضمن وإن لم يسرف. انتهي.

وما يبس من أغصان شجر جاره بسبب إيقاد النار ضمنه الموقد إن لم يكن في

هوائه، لأن ذلك لا يكون إلا من نار كثيرة. قاله في " الشرح ".

(ومن حفر) بنفسه، (أو حفر قنه بأمره بئرا لنفسه) أي: ليختص بنفعها

(في فنائه) أي: فناء داره.

قال في " القاموس ": وفناء الدار، ككساء ما اتسع من أمامها، وجمعه

أفنية وفني. انتهي.

(ضمن ماتلف به).

وكذا إن حفر البئر في حده ونصفها في فنائه. نص عليه في روايه الحسن بن

ثواب. نقله المجد في " شرح الهدأية ".

ووجه تضمينه ": أنه تلف حصل بسبب تعدى به. أشبه ما لو نصب في فنائه

سكينا فتلف شيء. سواء كان في الحفر ضرر أو لا، وسواء كان بإذن الأمام أو

بغير

(1)

إذنه.

قال في " الفروع ": وإن حفره لنفسه: ضمن ولو في فنائه، وتصرف وارثه

في تركته، وإذن أمام فيه، لأنه ليس له أن ياذن فيه، فدل انه لا يجوز لوكيل بيت

المال وغيره بيع شيء من طريق المسلمين النافذة، وإنه ليس للحاكم أن يحكم

(1)

في أوب: غير.

ص: 361

بصحته، وقاله شيخنا، ويتوجه جوازه للمصلحة. انتهي.

قال ابن رجب: ولا يجوز إذن الأمام فيه عند الأصحاب.

وفي " الأحكام السلطانية " للقاضي: إن له التصرف في فنائه بما شاء من

حفر وغيره إذا لم يضر، وأما في فناء غيره فإن اضر بأهله لم يجز وإن لم يضر جاز. وهل يعتبر إذنهم أو إذن الأمام في فناء المسجد؟ على وجهين. انتهي.

(وكذا) أي: وكما يضمن صاحب الدار إذا حفرها بنفسه أو قنه بأمره ما

تلف بالبئر ضمن (حر) ليس له في الدار المحفور في فنائها حق إذا حفرها

متعديا، أو بإذن صاحب الدار بأجرة، أو بغير أجرة إذا (علم الحال) أي: علم

انها ليست في ملك الآذن. إذ الأفنيه ليست بملك ملاك الدور وإنما هي من

مرافقهم.

وعنه: فيما إذا كان بإذن رب الدار أن عليهما الضمان يشتركان فيه، وأما إن

جهل الحافر الحال كان الضمان على الآمر.

وقال المجد في " شرح الهدأية " بعد أن ذكر اشتراكهما في ضمان ما تلف

بالبئر ولم يذكر قولا غيره: وكذا من بنى له البناء حائطا"

(1)

والبناء يعتقدها في

ملك المستعمل فلا شيء عليه، وإن علم أنها في غير ملكه فالضمان عليهما

جميعا. هذا نص أحمد في رواية الحسن بن ثواب، والقول قول البناء في عدم

علمه مع يمينه.

و (لا) ضمان على من حفر بئرا (في موات لتملك، أو) من أجل (ارتفاق

أو انتفاع عام). نص عليه وقطع به اكثر الأصحاب.

(أو) حفر ها (في سابلة).

قال في " القاموس ": والسابلة من الطرق المسلوكة.

(واسعة) لنفع المسلمين، كما لو حفرها لينزل فيها ماء المطر أو ليشرب

منها المارة ونحو ذلك.

(1)

في ا: حائط.

ص: 362

(أو بنى فيها) أي: في السابلة الواسعة (مسجدا أو خانا

(1)

ونحوهما)،

كسقأية (لنفع المسلمين بلا ضرر) في إحداث ذلك. (ولو) كان فعل ذلك

جميعه (بلا إذن أمام)، لأن فعل ذلك في الموات مأذون فيه شرعا وفي غيره

إحسان فلم يكن متعديا فيهما.

وعنه: يضمن ما تلف بالبئر في السابلة مطلقا.

وعنه: إلا أن يأذن الأمام في حفرها.

وعنه في المسجد في السابلة: أكره الصلاة فيه، إلا أن يكون بإذن أمام.

ونقل المروذي: حكم هذه المساجد التي بنيت في الطريق: تهدم.

وسأله محمد بن يحيى الكحال: يزيد في المسجد من الطريق؟ قال:

لاتصل فيه.

ونقل حنبل: أنه سئل عن المساجد على الأنهار؟ قال: اخشى أن تكون من

الطريق.

وسأله ابن إبراهيم عن ساباط فوقه مسجد يصلى فيه؟ قال: لا يصلى فيه إذا

كان من الطريق.

وسئل عن الصلاة على شط

(2)

النهر والطريق أمامه قال

(3)

: أرجو أن لا يكون

به بأس، ولكن طريق مكة يعجبني أن يتنحى عن الطريق. يصلي

(4)

يمنة الطرق. ونقل ابن مشيش عن ساباط فوق مسجد: لا يصلى فيه. من الطريق.

قال الموفق: ويحتمل أن يعتبر إذن الأمام في البناء لنفع المسلمين دون

الحفر لدعوى الحاجة إلى الحفر، لنفع الطريق وإصلاحها، وازالة الطين والماء

(1)

في ج: حانوتا.

(2)

في ا: شاط.

(3)

في ا: قالوا.

(4)

في ب: ويصلي.

ص: 363

منها، فهو كتبقيتها، وحفر هدمة

(1)

فيها، وقلع حجر يضر بالمارة، ووضع

الحصا في حفرة فيها ليملأها.

و (كبناء جسر) بفتح الجيم وكسرها الذي يعبر عليه. قاله في "القاموس "،

وقال في موضع آخر: القنطرة الجسر وما ارتفع من البنيان. انتهي.

(ووضع حجر بطين ليطأ عليه الناس)، لأن في هذا ونحوه نفعا للمسلمين

فلا يضمن ما تلف به.

قال في " الفروع ": ويحتمل أن يعتبر إذن الأمام، لأن مصلحته لا تعم.

وقال بعض أصحابنا في حفر البئر: ينبغي أن يتقيد سقوط الضمان إذا حفرها

في مكان مائل عن القارعة وجعل عليه حاجزا يعلم به ليتوقى. انتهي.

وعلم مما تقدم أن السابلة إن لم تكن واسعة أو كانت واسعة ولكن إنما حفر

أو بنى ليختص بما حفره أو بناه فيها أو لم يختص به ولكن جعله في مكان يضر بالماره: أنه يضمن ما تلف به. ولعل هذا لا خلاف فيه.

(ومن أمر) إنساناً (حرا بحفرها) أي: البئر (في ملك غيره) أي: غير

الامر (. بأجرة، أو لا) بأجرة فحفر امتثالا لأمره فتلف بها شيء: (ضمن ما تلف

بها حافر علم) أن الأرض التي حفر فيها ملك لغير الآمر. نص عليه.

(وإلا) أي: وإن لم يعلم الحافر ذلك أو كان المأمور قنا: (فآمر) ما تلف

بها، (كأمره ببناء.

وحلفا) أي: الحا فر والبانى (إن) أدعى عليهما بذلك و (أنكرا العلم) بأن

ذلك ملك غير الآمر.

(ويضمن سلطان أمر وحده) أي: دون حافر. وظاهره سواء علم أن الأرض

ملك لغير السلطان أو لا، لانه لا تسعه مخالفته. أشبه ما لو اكره على ذلك.

(ومن بسط في مسجد حصيرا أو) بسط فيه (باريه).

(1)

في ب: هدفه.

ص: 364

قال في " القاموس ": والبوري والبورية والبورياء والباري والبارياء

والبارية: الحصير المنسوج. انتهي.

ويطلقونه بالشام على ما نسج من القصب. ولعل هذا مراد الأصحاب، وإلا

كان مستغنى عنه بلفظ الحصير. والله أعلم.

(أو) بسط في المسجد (بساطا، أو علق) فيه (أو أوقد فيه قنديلا، أو

نصب فيه بابا، أو) نصب فيه (عمدا) لمصلحة، (أو) نصب فيه (رفا لنفع

الناس، أو سقفه، أو بنى جدارا، ونحوه)، كمنبر، (أو جلس أو اضطجع أو

قام فيه) أي: في المسجد، (أو) جلس أو اضطجع أو قام (في طريق واسع

فعثر به حيوان: لم يضمن ما تلف به).

أما في غير الجلوس والاضطجاع والقيام، فلانه محسن بفعله غير متعد.

فلم يضمن ما تلف به، كوضعه فيه حصا.

وظاهره سواء كان بإذن الأمام أو غير إذنه. وهو المذهب، لأن

(1)

هذه

أفعال ينتفع بها المسلمون غالبا مأذون فيها عرفا. اشبهت الماًذون فيها نطقا.

وأما كونه لا يضمن ما تلف به إذا جلس أو اضطجع أو قام في المسجد أو في الطريق الواسع، فلأنه فعل فعلا مباحا لم يتعد فيه على أحد في مكان له فيه حق.

فلم يضمن ماتلف به، كما لوفعله بملكه.

وفي مسألة الجلوس والاضطجاع وجه بالضمان.

وقيل: يضمن إذا كان بالمسجد، ولا يضمن إذا كان بطريق واسع.

وعلم مما تقدم أن الفعل إذا كان محرما، كالجلوس مع الحيض في

المسجد، أو مع إضرار المارة في الطريق: أنه يضمن ما تلف به.

(وإن اخرج) انسان (جناحا أو ميزابا، ونحوه)، كحجر برز به في البنيان

وساباط (إلى طريق نافذ) بغير إذن أمام أو نائبه كما سيأتي.

(1)

في ا: لانه.

ص: 365

(أو) إلى طريق (غيره) أي: غير نافذ (بلا إذن أهله فسقط) ذلك

المخرج، (فأتلف شيئا: ضمنه) المخرج. نص عليه فيما سوى الميزاب في

رواية أبي طالب وابن منصور ومهنا.

قال ابن رجب: وأما الميازيب ومسيل المياه

(1)

فكذلك عند الأصحاب.

وفي " المغني ": احتمال بجوازه مطلقا مع انتفاء الضرر. واختاره طائفة

من المتأخرين.

وقال الشيخ تقي الدين: إخراج الميازيب إلى الدرب النافذ هو السنة. وذكر

حديث العباس في ذلك. والمانعون يقولون ميزاب العباس وضعه النبي صلى الله عليه وسلم بيده فكان أبلغ من إذنه فيه ولا كلام فيما أذن فيه الأمام. والله أعلم.

ووجه الضمان: أن التلف وجد بما أخرجه إلى هواء الطريق. فضمنه، كما

لو بنى حائطا مائلا إلى الطريق فأتلف أو أقام خشبة في ملكه مائل إلى الطريق فاًتلفت.

(ولو) كان التلف (بعد بيع) ممن أخرج الجناج ونحوه للحائط التي أخرجه

بها، (وقد طولب) البائع قبل بيعه (بنقضه) ولم يفعل، (لحصوله بفعله).

قال في " الفروع ": ولا يضمن ولي فرط بل موليه. ذكره في " المنتخب ".

ويتوجه عكسه. انتهي.

ومحل ضمان ما تلف بسبب إخراج الميزاب ونحوه إلى الطريق النافذ: (ما

لم يأذن فيه أمام أو نائبه، ولا ضرر) على المارة بإخراجه، لأن الطريق النافذ حق للمسلمين والأمام وكيلهم فإذنه كإذنهم. أشبه ما لو أذن أهل غير النافذ له في

ذلك.

(وإن مال حائطه) أي: حائط انسان بناه مستقيما (إلى) هواء (غير

ملكه). سواء كان مشتركا، كالطريق، أو مختصا، كهواء جاره، (وكميل)

أي: وكما إذا مال حائطه إلى غير ملكه في الحكم (شقه عرضا) يخشى وقوعه

(1)

في أ: في مسيل المياه، وفي ج: ومسيل الماء.

ص: 366

كالمائل. (لا) إذا كان شقه (طولا) وهو مستقيم فانه لا أثر لذلك.

وحاصل ذلك: أنه متى مال حائط إنسان إلى ملك غيره أو انشق عرضا

وخيف سقوطه وطولب ربه بهدمه (وأبي هدمه حتى اتلف شيئا) بسقوطه: (لم يضمنه). نص عليه في روايه ابن منصور ولو امكنه نقضه، لعدم تعديه بذلك،

لأنه بناه في ملكه ولم يسقط بفعله. فأشبه ما لو لم يطالب بنقضه أوسقط قبل ميله

أو لم يمكنه نقضه.

وعنه: إن طالبه مستحق بنقضه وأمكنه ولم يفعل ضمن ما تلف به، واختار

هذه الرواية جصاعة.

وأومأ في موضع: أنه إن تقدم إليه بنقضه وأشهد عليه ولم يفعل ضمن.

وأجيب عن ذلك: بانه لو وجب بسقوطه ضمان لم تشترط المطالبة بنقضه،

كما لو بناه ابتداء مائلا إلى ملك غيره، فإن عليه ضمان ما يتلف به ولو لم يطالب بنقضه.

وقيل: يضمن مطلقا. اختاره ابن عقيل.

وقال الحارثي: وهو الأقوى

(1)

.

(1)

في ج: الأقرب.

ص: 367

] فصل: في حكم ما أتلفته البهائم]

(فصل. ولا يضمن رب) بهائم (غير ضارية، و) غير (جوارج وشبهها ما

اتلفته) إذا لم تكن يده عليها. (ولو) كان المتلف (صيدا بالحرم)، لقول

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العجماء جرحها جبار "

(1)

. متفق عليه. يعني: هدرا.

قال في " الفروع ": ولا يضمن ما أتلفت البهيمة صيد حرم وغيره. أطلقه

الأصحاب.

ويتوجه إلا الضارية. ولعله مرادهم. وقد قال شيخنا فيمن أمر رجلا

بإمساكها ضمنه إن لم يعلمه بها.

وفي " الفصول ": من أطلق كلبا عقورا أو دابة رفوسا أو عضوضا على

الناس وخلاه في طريقهم ومساطبهم ورحابهم فأتلف مالا أو نفسا: ضمن،

لتفريطه. وكذا إن كان له طائر جارح، كالصقر والبازي فأفسد طيور الناس

وحيواناتهم.

وفي" الانتصار ": ان البهيمة الصائلة يلزم مالكها وغيره إتلافها.

وكذا في " عيون المسائل ": إذا عرفت البهيمة بالصول يجب على مالكها

قتلها، وعلى الأمام وعلى غير الأمام إذا صالت، على وجه المعروف. ومن

وجب قتله على وجه المعروف: لم يضمن، كمرتد.

وإطلاق الأصحاب رحمهم الله: بأنه لا يضمن ما أتلفته بهيمة لا يد عليها

ظاهره ولو كانت مغصوبة لظاهر الخبر. وعلل الأصحاب المسألة: بانه لا تفريط

من المالك ولا ذمة لها فيتعلق بها، ولا قصد فيتعلق برقبتها. بخلاف الطفل

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(5 1 5 6) 6: 533 2 كتاب الديات، باب العجماء جبار.

وأخرجه مسلم في " صحيحه "(0 171) 3: 1334 كتاب الحدود، باب جرج العجماء والمعدن

والبئر جبأر.

ص: 368

الصغير والعبد. ويتبين ذلك أنهم ذكروا جناية العبد المغصوب، وإن الغاصب يضمنها، قالوا: لأن جنايته برقبته فضمنها، لأنه نقص حصل في يد الغاصب.

فهذا التخصيص وتعليله يقتضي خلافه في البهيمة. وهذا فيه نظر، ولهذا قال ابن

عقيل وغيره في جنأيات البهائم: لو نقب لص وترك النقب فخرجت منه البهيمة ضمنها وضمن ما تجني بإفلاتها

(1)

وتخليتها. وقد يحتمل إن جازها وتركها

بمكان ضمن، لتعديه بتركها فيه. بخلاف ما لو تركها بمكانها وقت الغصب،

وفيه نظر.

ولهذا قال الأصحاب في نقل التراب من الأرض المغصوبة: إن أراده

الغاصب وأبي المالك فللغاصب ذلك مع غرض صحيح، مثل: إن كان نقله إلى

ملك نفسه، فينقله لينتفع بالمكان، أو كان طرحه في طريق فيضمن ما تجدد به من جثأية على آدمي أو بهيمة. ولا يملك ذلك بلا غرض صحيح، مثل: إن كان

نقله إلى ملك المالك أو طرق الأرض التي حفرها. ويفارق طم البئر، لأنه

لا ينفك عن غرض، لأنه يسقط ضمان جناية الحفر. زاد ابن عقيل ولعله معنى

كلام بعضهم: أو جناية العثر بالتراب. انتهي كلامه في " الفروع ".

(ويضمن راكب) لدابة (وسائق وقائد) لها، (قادر على التصرف فيها:

جناية يدها وفمها وولدها ووطئها برجلها)، لما روى النعمان بن بشير قال: قال. رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من وقف دابة في سبيل من سبل المسلمين أو في سوف من أسواقهم فأوطات بيد أو رجل فهو ضامن "

(2)

. رواه الدارقطني.

ولأن فعل البهيمة إذا كانت مع انسان منسوب إليه إذا كان يمكنه حفظها.

(لا ما نفحت) أي: ضربت (بها) أي: برجلها من غير سبب، لما روى

أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم فال: " الرجل جبار "

(3)

. رواه أبو داود.

(1)

في ا: بإطلاقها.

(2)

أخرجه الدارقطني في " سننه "(285) 3: 179 كتاب الحدود والديات.

(3)

أخرجه أبو داود في " سننه "(4592) 4: 196 كتاب الديات، باب في الدابة تنفح برجلها.

ص: 369

وخصص بالنفح دون الوطء، لأن من بيده الدابة يمكنه أن يجنبها وطء ما لا

يريد

(1)

أن تطاًه بتصرفه فيها. بخلاف نفحها فإنه لا يمكنه أن يمنعها منه.

ونقل أبو طالب: لا يضمن ما أصابت برجلها. يعني: سواء كان وطئا أو

نفحا، لأنه لا يقدر على حبسها. وهو ظاهر كلام جماعة.

وعنه: يضمن النفح أيضا.

وعنه: يضمن سائق فقط جناية رجلها.

وقيل: لا يضمن جناية ولدها مطلقا.

وقيل: إن فرط بأن عرفه شموسا أو نحوه ضمن جنايته، وإلا فلا.

ومحل عدم ضمان ما نفتحه برجلها: (ما لم يكبحها)

(2)

أي: يجذبها

باللجام جذبا (زيادة على العادة، أو يضرب وجهها)، لانه السبب في جنايتها.

(ولا) يضمن من يده عليها (جناية ذنبها)، لأنه لا يمكن التحفظ منه.

(ويضمن) جنايتها (مع سبب، كنخس وتنفير فاعله) دون راكب وسائق

وقائد، لوجود السبب منه دونهم.

(وإن تعدد راكب) على الدابة بان كان عليها اثنان أو ثلاثة: (ضمن

الأول) ما يضمنه الراكب المنفرد، لانه المتصرف فيها والقادر على كفها.

(أو من خلفه ان انفرد بتدبيرها لصغر الأول أو مرضه، ونحوهما)،

كعماه.

(وإن اشتركا) أي: الراكبان (في تدبيرها، أو لم يكن) معها (إلا سائق

وقائد: اشتركا في الضمان)، لان كل واحد من الراكبين

(3)

المشتركين في

تدبيرها أو من السائق والقائد لو انفرد ضمن. فإذا اجتمعا ضمنا.

(1)

في أ: يريده.

(2)

في ج: ما لم يكن يكبحها.

(3)

في اوب: الراكبان.

ص: 370

(ويشارك راكب معهما) أي: السائق والقائد (أو مع احدهما) كلا منهما

أو الواحد منهما في ضمان جناية الدابة، لأن كلا منهم لو انفرد مع الدابة انفرد بالضمان، فكذا إذا اجتمع مع غيره.

وقيل: إن الضمان على الراكب فقط " لأنه اقوى تصرفا فيها.

وقيل: على القائد فقط، لأنه لا حكم للراكب معه.

(وإبل) مقطره (وبغال مقطرة، كواحدة) أي: كالبهيمة الواحدة، (على

قائدها الضمان) لما جنت كل واحدة من القطار، لأن الجميع إنما يسيرون بسير

الأول ويقفون بوقفه ويطؤون بوطئه. وبذلك يمكنه حفظ الجميع عن الجناية.

فكان ضمانها عليه.

(ويشارك) القائد في الضمان (سائق في أولها) أي: أول المقطرة (فى)

جناية (جميعها.

و) يشارك سائق (في آخرها في) جناية (الأخير فقط.

و) يشارك سائق (فيما بينهما) أي: فيما بين الأول والأخير (فيما باشر

سوقه، و) ما (بعده) دون ما قبله.

أما كون السائق إذا كان في أولها يشارك قائدها في جناية الجميع، فلأنه لو

انفرد بذلك لضمن جناية الجميع. فإذا كان معه غيره وجب أن يشاركه في ذلك.

وأما كونه لا يشاركه في ضمان ما قبل الذي يسوقه، لأنه ليس بسائق له ولا

بتابع لما يسوقه. فانفرد به القائد.

(وإن انفرد راكب على أول قطار: ضمن جناية الجميع). قاله الحارثي

واقتصر عليه في " التنقيح ".

وقال الموفق ومن تبعه: المقطور على المركوب يضمن الراكب جنايته،

لأنه في حكم القائد له.

وأما المقطور على الثاني فينبغي الا يضمن جنايته، لأن الراكب على الأول

لا يمكنه حفظه عن الجناية.

ص: 371

قال الحارثي: وليس بالقوي فان ما بعد الراكب إنما يسير بسيره ويطأً بوطئه

فأمكن حفظه عن الجنأيه. فضمن، كالمقطور على ما تحته. انتهي.

ولا فرق في الراكب والسائق والقائد بين المالك والأجير والمستأجر

والمستعير والموصى إليه بالمنفعة.

قال في " الإنصاف ": وعموم نصوص أحمد تقتضيه.

وقال أيضا: لو انفلتت الدابة ممن هي في يده وأفسدت فلا ضمان. نص

عليه.

فلو استقبلها انسان فردها فقياس قول الأصحاب الضمان. قاله الحارثي.

انتهي.

(ويضمن ربها) أي: رب الدابة (ومستعير ومستأجر) لها (ومودع) أياها،

(ما افسدت: من زرع وشجر، وغيرهما)، كثوب خرقته أو نقصته

بمضغها أياه، أو وطئها عليه أو نحوه (ليلا) فقط. نص عليه، لما روى مالك

عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة " أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم

فأفسدت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن على أهل الأموال حفظها بالنهار،

وما افسدت بالليل فهو مضمون عليهم "

(1)

.

قال ابن عبدالبر: هذا وإن كان مرسلا فهو مشهور وحدث به الأئمة الثقات

وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول.

ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها نهارا للرعي وحفظها ليلا، وعادة أهل

الحوائط حفظها نهارا. فإذا أفسدت شيئا ليلا كان من ضمان من هي بيده.

ومحل ذلك: (إن فرط) في حفظها بتركه في وقت عادته. (لا) إذا

أفسدت شيئا (نهارا)، لأن التفريط من جهة ربه بتركه التحفظ في عادته، وقد

فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى على كل انسان بالحفظ في وقت عادته.

(1)

أخرجه مالك في " الموطأ "(37) 2: 73 5 كتاب الأقضية، باب القضاء في الضواري والحريسة.

ص: 372

وعنه: لا يضمن جنايتها ليلا إلا على الزرع والشجر.

وقيل: إلا على الزرع فقط.

وعنه: إن إفسادها ليلا ونهارا مضمون.

والمذهب: أنه لا يضمن ما افسدته نهارا.

(إلا غاصبها)، لتعديه بإمسكاها.

وقيد جماعة عدم ضمان ما أفسدته نهارا بما إذا لم ترسل بقرب ما تتلفه عادة.

(ومن ادعى) وهو صاحب زرع (إن بهائم فلان رعب زرعه ليلا ولا غيرها)

أي: وليس هناك غير بهائم فلان، (ووجد أثرها) أي: أثر البهائم (به) أي:

بالزرع: (قضي له) أي: لصاحب الزرع ببدل ما اتلفته البهائم.

قال في " الإنصاف ": لو ادعى صاحب زرع إن غنم فلان نفشت في زرعه

ليلا، ووجد في الزرع اثر غنم: فضي بالضمان على صاحب الغنم. نص عليه

في رواية ابن منصور.

وجعل الشيخ تقي الدين هذا من القيافة في الأموال وجعلها معتبرة، كالقيافة

في الأنساب. قاله في القاعده الثالثة عشر.

ويتخرج فيه وجه: لا يكتفى بذلك.

قال في " الإنصاف ": قلت: محل الخلاف إذا لم يكن هناك غنم لغيره.

انتهي.

قال في " القاموس ": النفش: أن ترعى الغنم والإبل ليلا بلا راع، وقد

أنفشها الرأعي ونفشت هي كضرب ونصر وسمع. وهي إبل نفش محركة ونقاش

ونوافش. انتهي.

(ومن طرد دابة من مزرعته) فدخلت إلى مزرعة غيره فأفسدت: (لم يضمن

ما افسدته. إلا أن يدخلها مزرعة غيره).

ومحل ذلك: ما لم تتصل المزارع، (فإن اتصلت المزارع) لم يطردها فإن

ص: 373

في ذلك تسليطا على مال غيره، و (صبر ليرجع على ربها) بقيمة ما تأكله حيث لأيمكنه منعها إلا بتسليطها على مال غيره.

(ولو قدر أن يخرجها) من مزرعته (وله) أي: لمخرجها (منصرف) في

إخراجها (غير المزارع فتركها) تأكل من

(1)

مزرعته ليرجع على ربها: (فهدر)

أي: فلا رجوع له، وذهب ذلك عليه من غير عوض.

(كحطب على دابة خرق ثوب بصير عاقل يجد منحرفا) فإنه لا مطالبة له

بذلك على أحد، لتقصيره بعدم الانحراف، كتقصير رب الزرع بعدم صرف

الدابة.

(وكذا) أي: وكما يذهب خرق ثوبه هدرا إذا رأى الدابة مقبلة بالحطب

ووجد منحرفاً ولم ينحرف (لو كان) رب الثوب (مستدبرا) بأن كان مجيء

الدابة من خلفه، (فصاح به) من مع الدابة (منبها له) أي: لرب التوب لينحرف

وقد وجد منحرفا ولم ينحرف.

(وإلا) أي: وإن لم يجد منحرفا وهو مستقبل أو لم ينهه وهو مستدبر:

(ضمن) من مع الدابة أرش خرق الثوب. ذكر ذلك في " الترغيب " واقتصر

عليه في " الفروع ".

(1)

في ا: في.

ص: 374

] فصل: في حكم ما لو اصطدمت سفينتان]

(فصل. وإن اصطدمت سفينتان) واقفتان أو مصعدتان أو منحدرتان

(فغرقتا: ضمن كل) من قيمي السفينتين] (سفينة الآخر وما فيها) من نفس]

(1)

أو مال

(2)

(إن فرط) كل منهما حتى اصطدمتا، كالفارسين إذا اصطدما.

(ولو تعمداه) أي: تعمد القيمان الاصطدام (فشريكان في إتلافهما) أي:

فالقيمان شريكان في ضمان قيمة السفينتين التالفتين.

(و) في ضمان قيمة (ما) كان (فيهما)، لانه تلف قد

(3)

حصل بفعلهما،

فاشتركا في ضمانه. أشبه ما لو خرقاهما.

وإن تلف بسبب ذلك ادمي محترم (فان قتل غالبا) ما وجد من فعلهما:

(فالقود) أي: فيقتلان به بشرطه

(4)

من التكافئ ونحوه، كما لو ألقاه في البحر

من مكان لا يمكنه التخلص منه فغرق.

(وإلا) أي: وان لم يكن ذلك يقتل غالبا، كما لو فعلاه قريبا من الساحل

بحيث يمكن من فيهما الخروج إليه ولم يفعل حتى غرق: (ف) ذلك (شبه

عمد)، كما لوالقاه في ماء قليل فغرق به.

(وان كانت إحداهما) أي: إحدى السفينتين المصطدمتين من غير تعمد

(واقفة) والأخرى سائرة وغرقتا: فلا ضمان على قيم الواقفة، لانه لم يوجد منه

تعد ولا تفريط. أشبه النائم في الصحراء إذا عثر به انسان فتلف. و (ضمنها)

أي: ضمن السفينة الواقفة وما فيها (قيم السائرة: ان فرط) بان كان يمكنه ان

يردها عنها ولم يفعل، أو لم يكمل آلتها من الرجال والحبال وغيرهما، لان

(1)

ساقط من أ

(2)

اب: ومالا.

(3)

زياده من ج.

(4)

في ا: بشرط.

ص: 375

التلف حصل بتقصيره. اشبه ما لو قام وتركها سائرة بنفسها حتى صدمتها.

(وإن كانت إحداهما) أي: إحدى السفينتين المصطدمتين من غير تعمد

(منحدرة) والأخرى مصعدة: (ضمن قيمها) أي: قيم المنحدرة (المصعدة)،

لأن المنحدرة تنحط على المصعدة من علو فيكون ذلك سببا لغرقها، ولا ضمان

على قيم المصعدة تنزيلا للمنحدرة منزلة السائرة والمصعده منزلة الواقفة. (إلا

أن يغلب) أي: يغلب قيم المنحدرة (عن ضبطها)

(1)

بغلبة ريح أو نحوه.

قال في " الشرح ": أو كان الماء شديد الجرية فلا يمكنه ضبطها.

فلا ضمان عليه، لأنه لا يدخل في وسعه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ولأن التلف يمكن استناده إلى الريح أو إلى شدة جريان الماء.

قال في " الإنصاف " بعد ذكر المسالة: قال الحارثي: وسواء فرط المصعد

في هذه الحالة أو لا على ما صرح به في " الكافي " واطلقه الأصحاب وأحمد.

وقال في " المغني ": إن فرط المصعد بأن أمكنه العدول بسفينته والمنحدر

غير قادر ولا مفرط فالضمان على المصعد " لأنه المفرط.

قال الحارثي: وهذا صريح في أن المصعد يؤاخذ بتفريطه. انتهي.

(ويقبل قول ملاح). والمراد به هنا: قيم السفينة دون باقي رجالها " لأنه

الخصم (فيه) أي: في أنه غلبه ريح أو شدة جري الماء، أو أنه لم يفرط

بيمينه، لأن الأصل براءة ذمته.

(ولا يسقط فعل الصادم في حق نفسه، مع عمد) أي: مع تعمده الصدم.

وما في المتن تبعت فيه عبارة صاحب " الفروع " " لأني رأيت صاحب

" الإنصاف " ذكرها بالحرف ولم ينسبها لأحد. ومعناها: أنه إذا مات أحد

القيمين المتعمدين الصدم دون الآخر بسبب تصادم السفينتين: أنه

(2)

لا يسقط

فعل الميت في حق نفسه بل يعتد به. وعلى هذا إن كان الميت حرا ليس لورثته

(1)

في أوب سقطت لفظة: عن، وفي أجاء لفظ: ضبطها بعد قوله: أو نحوه.

(2)

في ج: لأنه.

ص: 376

إلا نصف ديته، وإن كان عبدا ليس لمالكه إلا نصف قيمته، لانه شارك في قتل

نفسه. أشبه ما لو تحامل هو وغيره على قتل نفسه بمحدد.

(ولو خرقها) أي: خرق السفينة قيمها (عمدا) بأن تعمد قلع لوح أو نحوه

مما تغرق به غالبا ويهلك من فيها لكونهم في اللجه من غير ما داع إلى قلع ذلك

فغرق من فيها (أو شبهه) أي: شبه العمد بأن قلع اللوج من غير داع إلى قلعه

لكن في مكان قريب من الساحل لا يغرق به من فيها غالبا فغرق.

(أو) خرقها (خطأ) بأن كان بها محل يحتاج إلى الإصلاج فقلع لوحا منه

ليصلحه أو ليضع عوضه في مكان لا يغرق به من فيها غالبا فغرقوا بسبب ذلك: (عمل بذلك) أي: عمل بمقتضى كل فعل من الثلاثة، فيقتص منه في صورة

العمد بشرطه، كما لو القي انساناً فيما لا يمكنه التخلصمنه فغرق، ويفعل

ما يترتب على شبه العمد، أو الخطاً.

(و) السفينة (المشرفة على الغرق يجب إلقاء ما يظن له) أي: بإلقائه

(نجاة) بالتنوين (غير الدواب) فإنها لا تلقى. (إلا أن تلجى الضرورة إلى

إلقائها) أي: إلقاء الدواب فتلقى، لنجاة الآدميين.

(ومن قتل) حيوانا (صائلا) أي: واثبا (عليه ولو) كان الصائل (ادميا)

صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا حرا أو عبدا، حال كون القاتل (دفعا عن نفسه)

أي: نفس القاتل، (أو) قتل (خنزيرأ) ولو لم يصل عليه. لم يضمنهما.

ومحل عدم الضمان في الصائل: إذا لم يندفع بغير المتل.

ووجه عدم الضمان للصائل: أن المصول عليه إنما قتله لدفع شره. وإذا

كان كذلك كان الصائل كأنه القاتل لنفسه. أشبه ما لو نصب حربة في طريقه

فقذف نفسه عليها فمات بها.

وأما كون الخنزير غير مضمون، فلأنه مباح القتل. أشبه الكلب العقور.

ويلحى بذلك كل ما ابيح إتلافه من غير الحيوان. وإلى ذلك اشير بقوله:

(أو اتلف) أي: إنسان بكسر أو خرق أو غيرهما الة لهو (ولو) كانت حال

إتلافها (مع صغير). نص على ذلك. سواء كانت الة اللهو (مزمارأ أو طنبورا

ص: 377

أو عودا أو طبلا أو دفا بصنوج أو حلق أو نردا أو شطرنجا) أو غير ذلك، (أو)

أتلف (صليبا) وهو ما تتخذه النصارى.

(أو كسر إناء فضة أو) إناء (ذهب.

أو) كسر أو شق إناء (فيه خمر مأمور بإراقتها) وهي ما عدا خمر الخلال

وخمر الذمي المستترة: فإن إناءها غير مضمون. سواء (قدر على إراقتها

بدونه) أي: بدون الكسر أو الشق، (أو لا). نقله المروذي. وقدمه في " الفروع ".

ونقل الأثرم وغيره: إن لم يقدر على إراقتها إلا بإتلاف إنائها: لم يضمنه،

والا ضمنه.

(أو) أتلف (حليا محرما على ذكر لم يستعمله) أي: لم يتخذه مالكه

(يصلح للنساء.

أو) أتلف (الة سحر أو) الة (تعزيم أو تنجيم، أو صور خيال، أو أوثان)

جمع وثن. وهو الصنم الذي يعبده المشركون.

(أو) أتلف (كتب مبتدعة مضلة أو) كتب (كفر.

أو حرق مخزن خمر، أو كتابا فيه أحاديث رديئة: لم يضمنه) أي: لم

يضمن المتلف ما أتلفه من ذلك، لأن ما عدا أنية الذهب والفضة والحلي المحرم ومخزن الخمر محرم بيعه لا لحرمته. فلم يضمنه متلفه " كالكلب والميتة.

ويشهد لتحريم بيع أفراد من ذلك ما روى جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

" إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام "

(1)

.

وما روى أبو جحيفة " أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم تمن الدم وثمن الكلب وكسب

البغي "

(2)

. متفق عليهما.

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه ا (2121) 2: 779 كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (1581) 3: 1207 كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميته

وا لخنزير والأصنام.

(2)

اخرجه البخاري في " صحيحه "(032 5) 5: 5 4 0 2 كتاب الطلاق، باب مهر البغي والنكاج الفاسد. ولم اره في مسلم.

ص: 378

وما لم ينص عليه مما ذكر في معنى المنصوص عليه.

وأما كونه لا يضمن كسر آنية الذهب والفضة، فلأن اتخاذها على هذه الصورة

محرم. فإذا كسرها فقد اتلف الصفة المحرمة وإذا فلا يضمنها، كآلة اللهو.

وعنه: بلى بناء على جواز اتخاذها للزينة ونحوها، والحلي المحرم في

معنى ذلك.

وأما كونه لا يضمن مخزن الخمر إذا حرقه، فلأنه من أماكن المعاصى

وإتلافها جائز، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم" حرق مسجد الضرار وأمر بهدمه "

(1)

. قاله في " الهدي ".

وقد نص الأمام على عدم ضمانه في رواية ابن منصور، واختاره ابن بطة

وغيره. وقدمه في " الفروع ".

ونقل حنبل: يضمنه.

ونص على عدم ضمان الكتاب الذي فيه أحاديث رديئة في رواية المروذي،

فجعله كالة لهو. وظاهره ولو كان معها غيرها، ويؤيد ذلك ما قال في " الفنون " وهو: انه يجوز إعدام الأية من كتب المبتدعة لأجل ما هي فيه وإهانة لما وضعت

له، ولو أمكن تمييزها.

وأما كون المتلف لآنية الخمر لا يضمنها ولو قدر على إراقة الخمر بدون

إتلافها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طلحة حين قال له:" إنى اشتريت خمرا لأيتام في حجري: أهرق الخمر واكسر الدنان "

(2)

. رواه الترمذي والدارقطني.

وعن ابن عمر قال: " أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن آتيه بمدية- وهي الشفرة- فأتيته

(1)

ذكره السيوطي في " الدر المنثور " من حديب أبي رهم كلثوم بن الحصن الغفاري. وعزاه إلى ابن إسحاق وابن مردويه.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3675) 3: 326 كتاب الأشربة، ياب ما جاء في الخمر تخلل. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (1293) 3: 588 كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع الخمر والنهي

عن ذلك.

وأخرجه الدارقطني في " سننه " 4: 265 كتاب الأشربة، باب اتخاذ الخل من الخمر.

ص: 379

بها. فأرسل بها فأرهفت ثم اعطانيها، ثم قال: اعد علي بها ففعلت فخرج

بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر وقد جلبت من الشام، فأخذ

المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر الذين كانوا

معه ان يمضوا معي ويعاونوني أن آتي الأسواق كلها فلا اجد فيها زق خمر

إلا شققته، ففعلت. فلم أترك زقا إلا شققته "

(1)

. رواه أحمد.

فلو لم يجز إتلافها لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكسر الدنان ولا شق الزفاق.

وعنه: يضمن آنية الخمر إن كان ينتفع بها في غيره.

وعنه: لا يضمن من ذلك غير الدن.

وعلم مما تقدم: أن دف العرس الذي ليس فيه صنوج ولا حلق مضمون.

وهو المذهب.

وعنه: لا يضمن. ذكرها الحارثي.

وعلى المذهب: لا يجوز إتلافه.

وحكى القاضي في " كتاب الروايتين " رواية بجواز

(2)

إتلافه في اللعب

بما عدا النكاح. ورده الحارثي.

وظاهر ما تقدم: أنه لا فرق بين كون المتلف مسلما أو كافرا، لأن كل عين

لم تضمن بإتلافها على المسلم لم تضمن على الكافر، كالعبد والمرتد

(3)

.

وظاهره أيضا: أنه لا يجوز إتلاف غير ما ذكر أو ما في معناه.

وقال فى " الفروع ": نص على تخريق الثياب السود فيتوجه فيهما روايتان.

انتهي. والله سبحانه وتعالى أعلم

(4)

.

(1)

أخرجه أحمد في " مستده "(6165) 2: 133.

(2)

في ب: يجوز.

(3)

في اوب: المرتد.

(4)

في ب: والله أعلم. وفي ج: والمده أعلمء تم الجزء الثانى من شرج المصنف بالتمام والكمال. والحمد لله على كل حال،

ص: 380

] باب: الشفعة]

(باب) يذكر فيه مسائل من احكام الشفعة. وهي بإسكان الفاء. وسميت

بذلك أخذا من الشفع وهو الزوج. فإن الشفيع كان نصيبه منفردا في ملكه

فبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به.

وقيل: من الشفاعة بمعنى الزيادة، لأن الشفيع يزيد المبيع دي ملكه.

وقال أبو محمد بن قتيبة في " غريب الحديث ": سميت بذلك لان الرجل

كان إذا أراد

(1)

بيع داره أتاه جاره أو شريكه فتشفع له فيما باع فشفعه وجعله أولى

به. انتهي.

وقيل: لما سمى طالبها شفيعاً سمي طلبه شفعة، وسمي طالبها شفيعا،

لأنه جاء تاليا للمشتري فكان ثانيا بعد أول.

ثم (الشفعه) شرعأ: (استحقاق) من (الشريك) في ملك الرقبة ولو كان

مكاتبا (انتزاع) بالنصب على أنه معمول استحقاق (شقص) بكسر الشين أي:

نصيب (شريكه) المتنقل عنه إلى غيره، (ممن انتقل إليه بعوض مالي)،

كالمنتقل بالبيع المصرح، أو بما في حكمه كصلح بمعنى بيع أو هبة بشرط

الثواب (إن كان) المنتقل إليه (مثله) أي: مثل الشريك بأن كان كل من الشريك والمنتقل إليه الشقص مسلما، (أو دونه) أي: دون الشريك بان أن الشريك

مسلما أو المنتقل إليه كافرا.

وعلم من ذلك: أن المنتقل إليه لو كان أعلا من الشريك بأن كان مسلما

والشريك كافرا لم يكن له عليه شفعه. نص عليه.

وقيل: ولا لكافر محلى كافر، والبائع مسلم.

(1)

في ب

ص: 381

إذا تقرر هذا فقوله: الشريك مخرج للجار وللموصى له بنفغ دار إذا باعها

أو بعضها وارث " لأن الموصى له ليس بمالك لشيء من الدار.

قال الحارثي: وأورد على قيد الشركة أن لو كان من تمام الحد لما حسن أن

يقال: هل تثبت الشفعة للجار أو لا؟ انتهي.

قلت: وذلك ليس بقادح في صحة الحد، لأن معنى كونه لا يحسن أن يقال

ذلك أي: أن يقوله من عرف حد الشفعة شرعا، أما الجاهل فيحسن منه

السؤال، ولا يكون ذلك قادحا أيضا، ويكون جوابه أن الشفعة استحقاق الشريك

لا الجار. والله أعلم.

وقوله: بعوض يخرج الموروث

(1)

والموصى به والموهوب بلا عوض

ونحو ذلك.

وقوله: مالي مخرج

(2)

للممهور والمجعول عوضا عن خلع أو طلاق

والمصالح به عن دم عمد ونحوها.

ثم الشفعة ثابتة بالنص. أي: نص السنة واتفاق الكافة من العلماء، إلا من

شذ عن الكافة من الأصم، وابن علية.

وسند قول الكافة ما روى جابر رضي الله تعالى عنه قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة "

(3)

.

متفق عليه.

وعن عبادة بن الصامت " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور "

(4)

. رواه عبدالله بن أحمد في " المسند ".

ولمسلم قال: " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة

(1)

في ا: للموروث

(2)

في أ: يخرج.

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه) 138 2) 2: 787 كتاب الشفعة، باب الشفعة ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود قلا شفعة.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1608) 3: 1229 كتاب المساقاة، باب الشفعة.

(4)

أخرجه أحمد في " مسنده "(22830) 5: 327 382

ص: 382

أوحائط. لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه. فإن شاء أخذ وإن شاء ترك.

فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به "

(1)

.

وللبخاري: " إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم ينقسم. فإذا وقعت

الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة "

(2)

.

ويشهد أن ذلك قول كافة العلماء قول ابن المنذر: أجمع أهل العلم على

إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دور

(3)

أو حائط.

والمعنى في ذلك: أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه وتمكن من بيعه

لشريكه وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص. فالذي

يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه، ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه، وتخليص شريكه من الضرر. فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على

صرف ذلك إلى نفسه.

(و) لأجل ذلك (لا تسقط) الشفعة (باحتيال) على إسقاطها.

(ويحرم) الاحتيال عليه.

أما كونها لا تسقط بالاحتيال، فلانها إنما وضعت لدفع الضرر فلو سقطت

بالاحتيال للحق الضرر. فلم تسقط، كما لو أسقطها المشتري عنه بوقف أو بيع

(4)

. ومعنى الحيلة على إسقاطها: ان يظهر

(5)

المتعاقدان في البيع شيئا لا يؤخذ

بالشفعة معه، ويتواطؤون في الباطن على خلافه.

وأما كون ذلك يحرم، فلما روى أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" لا ترتكبوا ما ارتكبته اليهود فتستحلوا ما حرم الله "

(6)

.

(1)

أخرجه مسلم في " صحيحه "(1608) 3: 1229 كماب المساقاة، باب الشفعة.

(2)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6575) 6: 2558 كتاب الحيل، باب قي الهبة والشفعة.

(3)

في اوب: دار.

(4)

في أوب: أومع فعل.

(5)

في أ: يسقط.

(6)

رواه ابن بطه قي " إبطال الحيل " ص (42).

ص: 383

وقد حرم الله الحيل في مواضع من كتابه.

(وشروطها) أي: وشروط الشفعة التي يستحق الأخذ بها (خمسة):

الأول: (كونه) أي: الشقص المنتقل عن الشريك (مبيعا) " لأن الشفيع

يأخذه لمثل السبب الذي انتقل به. ولا يمكن هذا في غير المبيع.

وإنما الحق بالبيع الصلح بمعناه، والصلح عن الجنايات الموجبة للمال

والهبه المشروط فيها ثواب معلوم، لأن ذلك كله بيع في الحقيقة لكن بالفاظ اخر.

(فلا تجب) الشفعة (في قسمة)، لان القسمة إفراز على المذهب،

(ولا) في منتقل بغير عوض، كموصى به وموهوب في (هبة) لم يشترط فيها

ثواب معلوم، لأن غرض الموصي والواهب نفع الموصى له والمتهب، وذلك لايحصل مع انتقاله عنه.

وكموروث، لأنه دخل في ملك الوارث بغير اختياره، بلا عوض. أشبه ما لو دخل

في ملكه شقص من مشترك بطلاق قبل الدخول، كما لو أصمدق إنسان امراة أرضا ثم باعت نصفها لانسان تم طلقها الزوج قبل الدخول فإنه يرجع إليه النصف الباقي في ملكها بغير اختياره ولم يكن للمشتري من المرأة عليه مطالبة بشفعة.

(ولا) تجب الشفعة أيضاً على الأصح (فيما) أي: في شقص (عوضه غير

مال، كصداق) أي: كالمجعول صداقا، (وعوض خلع وصلح عن قود)،

لأن ذلك ليس له عوض يمكن الأخذ به. فأشبه الموهوب والموروث. وفارق

البيع لإمكان الأخذ بعوضه.

ولأنه قد جاء في بعض ألفاظ الحديث: " فإن باع ولم يستاًذن فهو أحق به

بالثمن ". رواه أبو إسحاق الجوزجانى.

وهذا لا ثمن له. بخلاف المبيع.

(ولا) تجب الشفعه أيضا في (ما) أي: في شقص (أخذ) من الشريك،

حال كونه (اجرة، أو ثمنا في سلم، أو عوضا في كتابة). جزم بذلك

في " الرعاية الكبرى ".

ص: 384

وقال في " الفروع " بعد أن ذكر فيما عوضه غير مال كنكاح وخلع ودم عمد

روايتين: وعلى قياسه ما أخذ أجرة أو ثمنا في سلم أو عوض كتابة. انتهي.

ومقتضى ما ذكره التسوية بين الجميع في الحكم.

وجزم بنفي الشفعة في الجميع في " التنقيح ".

ووجه ذلك: أن الخبر وارد في البيع وليس غيره في معناه، لأن الشفيع

يأخذه من المشتري بمثل السبب الذي انتقل اليه به، ولا يمكن هذا في غير البيع.

ومثل ذلك: لو أخذ الشقص على وجه الجهالة.

وكلام الحارثي يقتضي وجوب الشفعة في المسائل الأربع فإنه قال: وطرد

اصحابنا الوجهين في الشقص

(1)

المجعول أجرة في الإجارة. ولكن نقول

الإجارة نوع من البيع فيبعد طرد الخلاف اذأ. فالصحيح على أصلنا جريان

الشفعة قولا واحدا. ولو كان الشقص جعلا في جعالة فكذلك من غير فرق.

وطرد صاحب " التلخيص " وغيره من الأصحاب الخلاف في الشقص المأخوذ

عوضا عن نجوم الكتابة. ومنهم من قطيع بنفي الشفعة وهو القاضي يعقوب

ولا أعلم لذلك وجها. وحكى بعض شيوخنا فيما قرأت عليه طرد الوجهين أيضا

في المجعول راس المال في السلم. وهو أيضا بعيد فإن السلم نوع من البيع.

انتهي كلام الحارثي.

وهو مردود بما تقدم. فإنه يمتنع الأخذ بقيمة الشقص، لانها ليست بعوضه

في المسائل الأربع وكذا بقيمة مقابله من النفع والمثل والعين.

ومن قال لأم ولده: إن خدمت أولادي شهرا فلك هذا الشقص. فخدمتهم

استحقته ولم تثبت فيه الشفعة، لأنه موصى به بشرط.

وقيل: بلى.

الشرط (الثاني) من شروط الشفعة: (كونه) أي: الشقص المبيع

(مشاعا) أو غير مفرز، وكونه (من عقار ينقسم) أي: تجب قسمته بطلب من

(1)

في أ: والشقص.

ص: 385

له فيه جزء (إجبارا) على من لم يطلب القسمة ممن له فيه جزء، لما روى

الشافعي عن مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري عن ابي سلمة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفاعة "

(1)

.

ولما روى أبو داود عن أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن

أبي سلمة عن جابر قال: " إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم. فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة "

(2)

.

فإن قيل: إنما نفى الشفعة بصرف الطرقات وهي للجار غير مصروفة.

فالجواب: أن الطرقات التي تنصرف بالقسمة مختصة باستطراق المشاع

الذي يستطرق به الشريك ليصل به إلى ملكه. فإذا وقعت القسمة انصرف

استطراقه في ملك شريكه، وأما غيره من الطرقات المستحقة فلا تنصرف ابدا. وروى ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة أو عن ابي سعيد أو عنهما جميعا عن

أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا قسمت الطرق وحدت فلا شفعة

فيها "

(3)

. ولأن المبيع إذا لم يكن له حال يترتب

(4)

فيها المقاسمة لم يثبت فيه الشفعة قياسا على مشاع الغراس والأبنية.

ولأن الشفعة إنما ثبتت

(5)

فيما يجب قسمته لمعنى. وهو: أن الشريك ربما

دخل عليه شريك فيتأذى به فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته، أو يطلب الداخل

المقاسمة ولا محيد عنها فيدخل الضرر على الشريك بمنع ما يحتاج إلى إحداثة

من المرافق. وهذا لا يوجد في المقسوم.

إذا تقرر هذا (فلا شفعة لجار في مقسوم محدود).

وقيل: بلى.

(1)

أخرجه الشافعي في " مسنده "(573) 2: 165 كتاب الشفعة.

(2)

أخرجه أبو داود في " ستنه "(3514) 3: 285 كتاب الإجارة، باب في الشفعة.

(3)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 6: 104 كتاب الشفعة، باب الشفعه قيما لم يقسم.

(4)

في ب: يترتب.

(5)

في ب: تثبت.

ص: 386

وحكاه القاضي يعقوب في " التبصرة " رواية أخذا من نصه في رواية

أبي طالب ومثنى: لا يحلف أن الشفعة لا تستحق بالجوار.

قال الحارثي: والعجب ممن يثبت بهذا رواية عن أحمد.

قال في " الفائق ": وهو مأخذ ضعيف. واحتج لهذا القول بما روى أبو رافع

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الجار أحق بصقبه "

(1)

رواه البخاري وأبو داود.

وقال في " القاموس ": الجار أحق بصقبه أي: بما يليه ويقرب منه.

وبما روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " جار الدار أحق بالدار "

(2)

.

رواه الترمذي وقا ل: حديب حسن صحيح.

وقال الشيخ تقي الدين: تثبت الشفعة للجار مع الشركة في الطريق،

واختاره صاحب " الفائق "، لما روى الترمذي من حديث جابر: " الجار أحق

بشفعة جاره ينتظرها إذا كان غائبا، [إذا كان]

(3)

طريقهما واحدا "

(4)

. وقال:

حديث حسن.

وهذا ظاهر كلام الأمام في رواية أبي طالب، وقد ساً له عن الشفعة. فقال:

إذا كان طريقهما واحد شركاء لم يقتسموا فإذا طرقت الطرق وعرفت الحدود

فلا شفعة.

قال الحارثي: ومن الناس من قال بالجواز لكنه يقيد الشركة في الطريق.

وذكر كلام أحمد في رواية ابي طالب ثم قال: وهذا الصحيح الذي يتعين المصير

(1)

أخرجه البخاري في " صحيحه "(6579) 6: 2560 كتاب الحيل، باب احتيال العامل ليهدي له. وأخرجه أبو داود في " سننه " (3516) 3: 286 كتاب البيوع، باب في الشفعة.

(2)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3517) 3: 286 كتاب البيوع، باب في الشفعة.

وأخرجه الترمذي قي " جامعه "(1368) 3: 0 65 كتاب الأحكام، باب ما جاء في الشفعة.

(3)

ساقط من أ.

(4)

أخرجه أبو داود في " سننه "(3518) الموضع السابق.

وأخرجه الترمذي في " نجامعه "(1369 - ) 3: 651 الموضع السابق.

وأخرجه ابن ماجه في " ستنه "(2494) كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار.

ص: 387

إليه ثم ذكر أدلته وقال: وفي هذا المذهب جمع بين الأخبار فيكون أولى

بالصواب. انتهي.

وأجيب عن قوله: " الجار أحق بصقبه " من وجهين:

أحدهما: أنه أبهم الحق ولم يصرج به. فلم يجز أن يحمل على العموم في

مضمر، لان العموم مستعمل في المنطوق به دون المضمر.

والثاني: أنه محمول على أنه أحق بالفناء من الذي بينه وبين الجار ممن ليس

بجار أو يكون مرتفقا به.

وقيل: بل هو في الباديه إذا انتجعوا أرضا فنزلوها كان جار المنزل المقارب

له أحق بالمكان إذا دخل النازل عنه لصقبه.

والصقبة على هذا التأويل: عمود الخيمة.

واجيب عن حديث سمرة: بأن اهل الحديث اختلفوا في لقاء الحسن له،

ومن اثبت لقاءه أياه قال: إنه لم يرو عنه إلا حديث العقيقة، ولو سلم لكان عنه

الجوابان المذكوران.

وأجيب عن حديث: " الجار أحق بشفعة جاره ينتظرها، وإن كان غائبا "

(1)

:

بأن شعبة قال: سهى فيه عبدالملك بن سليمان الذي الحديث من

(2)

روايته.

وقال الأمام اححد: هذا الحديث منكر.

وقال ابن معين: لم يروه غير عبدالملك، وقد أنكر عليه.

قال المجد: ويقوي ضعفه رواية جابر الصحيحة المشهورة.

ثم يحتمل مع تسليمه عرض المبيع على جاره، أو أنه أريد بالجار في

الأحاديث الشريك فإنه جار أيضا، لأن اسم الجوار يختص بالقريب والشريك

أقرب من اللصيق فكان احق باسم الجوار.

(1)

سبق تخريجه قريبا.

(2)

في اوب: في.

ص: 388

وقد أطلقت العرب ذلك على الزوجة لقربها فسمتها جارة.

قال الأعشى:

أجارتنا بيني فإنك طالقة وموموقة ما كنت فينا ووامقة

أجارتنا بيني فإنك طالقة كذاك امور الناس تغدو وطارقة

وبيني فإن البين خير من العصا وإن لا تزالي فوق رأسي بارقة

حبستك حتى لامني الناس كلهم وخفت بأن تأتي لدي ببائقة

وكان السبب في قول الأعشى ذلك: أنه تزوج امرأة كرهه قومها فطلقها.

فأخذوه بالنزول عنها فلم يقنعوا منه بالطلقة الأولى ولا بالثانية. فلما طلقها الثالثة

كفوا عنه. فعند ذلك قال عروة بن الزبير: ترك الظلاق موافقا لطلاق الأعشى.

واحتج القائل بشفعة الجوار من جهة المعنى بأنه متصل بالمبيع. فجاز أن

يستحق به الشفعة، كالخلطة.

وبأن الشفعة إنما شرعب تخوفا من سوء عشرة الشريك الداخل عليه، وهذا

قد يوجد في الجار كوجوده في الخليط.

وأجيب عن ذلك: بأنها إنما وجبت للخليط دون الجار خوفا مما لا يمكن

دفعه إلا بالشفعة. وهو تكلف

(1)

القسمه عند طلبها.

وأما سوء العشرة فإنه مقدور على دفعه بالسلطان وغيره فلم تشرع الشفعة من

أجله.

(ولا) تجب الشفعة أيضا (في طريق مشترك لا ينفذ ببيع دار فيه) أي: في

هذا الطريق الذي لا ينفذ لأحد ممن دورهم فيه بسبب الشركة فيه فقط حيث

لا يمكن التوصل إلى الدار إلا منه، لحصول الضرر على المشتري بوجوبها، لأن

الدار تبقى لا طريق لها. حتى (ولو كان نصيب مشتر منها) أي: من الطريق

(اكثر من حاجته)، لان في وجوبها في الزائد تبعيض صفقة المشتري.

ولا يخلو من الضرر.

(1)

في ج: تكليف

ص: 389

وقيل: تجب الشفعة فيما زاد على حاجته.

(فإن كان لها) أي: للدار (باب آخر) إلى شارع يستطرق منه إليها، (أو

امكن فتح باب لها إلى شارع: وجبت) الشفعة في الطريق المشترك الذي لا ينفذ

حيث أمكن قسمته، لأنه أرض مشتركة تحتمل القسمة. فوجبت فيها الشفعة،

كغير الطريق.

وقيل: لا تجب الشفعة فيه بحال، لأن الضرر يلحق المشتري بتحويل

الطريق إلى مكان آخر. مع ما في الأخذ بالشفعة من تفريق صفقة المشتري واخذ بعض المبيع من العقار دون بعض. فلم يجز، كما لو كان الشريك [في الطريق

شريكا في الدار فأراد أخذ الطريق وحدها.

(وكذا) أي: وكالطريق المشترك]

(1)

الذي لا ينفذ إذا بيعت دار لها طريق

فيه في وجوب الشفعة وعدمه مع التفصيل المتقدم (دهليز).

قال في " القاموس ": الدهليز، بالكسر: ما بين الباب والدار، والجية.

انتهي.

(وصحن) وهو وسط الدار (مشتركان) أي: الدهليز والصحن. ومعنى

ذلك: أنه إذا بيعت دار لها دهليز مشترك أو بيب بابه في صحن دار مشترك وكان

لا يمكن التطرق إلى المبيع إلا من ذلك الدهليز أو من ذلك الصحن. فلا شفعة

في الدهليز ولا في الصحن المشتركين، لحصول الضرر على المشتري، لأن

المبيع يبقى لاطريق له.

وإن كان له باب اخر يمكن الاستطراق منه إلى شارع أو أمكن فتح باب له في

الشارع وجبت في الدهليز والصحن، لوجود المقتضي وعدم المانع.

(ولا) تجب الشفعة أيضا (فيما) أي: في عقار (لاتجب قسمته، كحمام

صغير، وبئر وطوق) ضيقة (وعراصر ضيقة) ورحى صغيرة وعضادة نصا، لما

(1)

ساقط من أ.

ص: 390

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة "

(1)

.

والمنقبة: الطريق الضيق بين دارين لا يمكن أن يسلكه أحد. رواه

أبو الخطاب في " رؤوس المسائل "، وأبو عبيد في " الغريب ".

وروي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: " لا شفعة في بئر ولا نخل ".

ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع، لأنه لا يمكنه إن يتخلص من إثبات

الشفعة في نصيبه

(2)

بالقسمة. وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع،

وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها.

فإن قيل: إمكان التخلص من إثبات الشفعة في نصيبه لا يصلح كونه علة.

قيل: بلى حيث فرط البائع ببيع نصيبه مشتركا مع كونه يمكنه تخليصه منها،

وكذلك المشتري حيث اشتراه مشتركا.

فإن قيل: ان الشفعة إنما تثبت لإزالة ضرر المشاركة، والضرر فيما لا تجب

قسمته أكثر، لانه لا يمكنه التخلص منه بالقسمة فيتأبد.

فالجواب: أن الضرر في محل الوفاق من غير جنس هذا الضرر وهو ضرر

الحاجة إلى إحداث المرافق الخاصة فلا تمكن التعدية. وفي الشفعة هنا ضرر غير موجود في محل الوفاق. وهو ما ذكرناه فتعذر الإلحاق.

وعنه: تثبت الشفعة أيضا فيما لا تجب قسمته. اختارها ابن عقيل وأبو محمد

الجوزي والشيخ تقي الدين.

وعلى المذهب: متى أمكن أن يحصل مما ذكرنا شيئان كالبئر تقسم بئرين

يرتقي الماء منهما وجبت الشفعة. فكذلك إن كان مع البئر بياض أرض بحيث

يحصل البئر في أحد النصيبين وجبت الشفعة، لأنه تمكن القسمة.

وهكذا الرحى إن كان لها حصن

(3)

تمكن قسمته بحيث يحصل الحجر في

(1)

ذكره الهروي في " غريب الحديب " بدون إسناد 3: 121

(2)

في أ: نفسه.

(3)

في ا: حصرة.

ص: 391

احد القسمين، أو كان فيها اربعة أحجار دائرة يمكن أن ينفرد كل واحد بحجرين. (ولا) تجب الشفعة أيضا في (ما ليس بعقار، كشجر، وبناء مفرد،

وحيوان، وجوهر وسيف، ونحوها)، كسفينة وزرع وثمر، وكل منقول.

وقال أبو الخطاب: وعن أحمد: أن الشفعة تجب في البناء والغراس وإن

بيع مفردا.

وقال ابن أبي موسى: وعن أبي عبد الله: أن الشفعة واجبة

(1)

فيما لا ينقسم،

كالحجر والسيف والحيوان وما في معنى ذلك. نقله عنهما في " المغني ".

وقال في " الإنصاف ": وعنه تجب في كل مال حاشا منقولا لا ينقسم.

قال في " الرعاية الكبرى ": وقيل: تجب في زرع وثمر مفردا. انتهي.

كلامه

(2)

في " الانصاف ".

ووجها المذهب وهو كون الشفعة لا تجب في الأرض، لأنها التي تبقى على

الدوام ويدوم ضررها. وأما غيرها فينقسم قسمين:

أحدهما: ما تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض. وهو المشار إليه

(3)

بقوله:

(ويؤخذ غراس وبناء تبعأ للأرض).

قال في " المغني ". بغير خلاف في المذهب. ولا نعرف فيه بين من أثبت

الشفعة خلافا. وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم وقضاؤه بالشفعة في كل مشترك لم

يقسم ربعة أو حائطا. وهذا يدخل فيه البناء والأشجار. التهى.

والقسم الثاني": ما لا تثبت فيه الشفعة على المذهب تبعا ولا مفردا. وهو

المشار إلي

(4)

بعص أفراده بقوله:

(لا ثمر وزرع)، لأنه لا يدخل في البيع تبعا. فلا يؤخد بالشفعة، كقماش

(1)

في ا: واجب

(2)

ساقط من أ.

(3)

في ا: له

(4)

في ج: إليه.

ص: 392

الدار. وعكسه البناء والغراس.

وتحقيقه: أن الشفعة بيع في الحقيقة. لكن الشارع جعل للشفيع سلطان

الأخذ بغير رضى المشتري. فإن بيع الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة، كالطلع غير المؤبر: دخل في الشفعة، لأنها تتبع في البيع. فأشبهت الغراس في الأرض.

وما لا تثبت الشفعة فيه تبعا لا تثبت فيه مفردا من باب أولى.

ولأن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديب الصحيح: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت

الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة "

(1)

: يدل على أن المراد الأرض.

وقيل: تثبت الشفعة في الثمر والزرع تبعا، كالبناء والغراس.

قال في " الإنصاف ": فائدة: لو كان السفل لشخص والعلو مشتركا،

والسقف مختص بصاحب السفل، أو مشتركا بينه وبين أصحاب العلو:

فلا شفعة في السقف، لأنه لا أرض له. فهو كالأبنية المفردة.

وان كان السقف لأصحاب العلو: ففيه الشفعة، لأن قراره كالأرض. قدمه

في " التلخيص " و" الرعاية الكبرى " و" الفائق ".

وفيه وجه آخر: أنه لا شفعة فيه، لأنه غير مالك للسفل. وإنما له عليه

حق. فأشبه مستأجر الأرض. خرجه بعض الأصحاب، قاله في " التلخيص ".

وقال: فأوضت فيها بعض اصحابنا. وتقرر حكمها بيني وبينه على ما بينت.

وهذا الوجه: قدمه في" المغني ". فقال: وإن بيعت حصته من علو دار

مشترك نظرت: فإن كان السقف الذي تحته لصاحب السفل فلا شفعة في العلو،

لانه بناء مفرد. وإن كان لصاحب العلو فكذلك، لأنه بناء مفرد، لكونه لا أرض

له. فهو كما لولم يكن السقف له.

ويحتمل

(2)

ثبوت الشفعة، لأن له قرارا فهو كالسفل. انتهي.

وأطلقهما في " شرح الحارثي ".

(1)

سيق تخريجه ص (386) رقم (1).

(2)

في ا: ويحمل.

ص: 393

ولو باع حصته من علو مشترك على سقف لمالك السفل. فقال في

" المغني " و" الشرح " و" التلخيص " وغيرهم: لا شفعة لشريك العلو، لانفراد

البناء. واقتصر عليه الحارثي.

وإن كان السقف مشتركا بينه وبين أصحاب العلو فكذلك. قاله في

" التلخيص " وعيره.

وإن كان السقف مشتركا والعلو خالص لأحد الشريكين. فباع العلو ونصيبه

من السفل: فللشريك الشفعة في السفل. لا في العلو، لعدم الشركة فيه. انتهي

كلامه في " الإنصاف ".

الشرط (الثالث) من شروط الأخذ بالشفعة: (طلبها) أي: طلب الشفييع

بها (ساعة يعلم) بالبيع وإلا بطلت. نص عليه في رواية أبي طالب فقال:

الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم

(1)

.

وعنه: تختص بالمجلس. اختاره الخرقي وابن حامد والقاضي واصحابه.

وعنه: على التراخي كخيار العيب

(2)

.

ووجه الأول الذي عليه أكثر الأصحاب من جهة الدليل: ما روى ابن البيلمانى

(3)

عن أبيه عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشفعة كحل العقال "

(4)

.

وفي لفظ أنه قال: " الشفعة كنشطة العقال، إن قيدت تثبت وإن تركت

فاللوم على من تركها ".

وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الشفعة لمن واثبها ".

قال في " المغنى ": رواه الفقهاء في كتبهم.

(1)

في أ: يعلمه.

(2)

في أوب: عيب.

(3)

في ا: السليمانى

(4)

أخرجه ابن ماجه في " سننه "(0 0 5 2) 2: 5 83 كتاب الشفعة، باب طلب الشفعة.

ص: 394

ومن جهة المعنى كون الأخذ بالتراخي يضر

(1)

المشتري، لكونه لا يستقر

ملكه على المبيع ويمنع من التصرف بعمارته خشية أخذه منه.

ولا يندفع عنه الضرر بدفع قيمته، لان خسارتها في الغالب أكثر من قيمتها

مع تعب قلبه وبدنه فيها.

إذا تقرر هذا (فان اخره) أي: أخر الشفيع طلبها الشدة جوع أو عطش) به

(حتى يأكل أو يشرب، أو) أخره المحدث (لطهارة، أو) من مكانه مفتوح من

أجل) إغلاق باب، أو ليخرج من حمام) من علم وهو داخلها، أو أخر طلبها

حاقن (أو) حاقب (ليقضي حاجته، أو) مؤذن (ليؤذن ويقيم) الصلاة، (أو)

أخره من علم وقد دخل وقت مكتوبة (ليشهد الصلاة في جماعة يخاف فوتها)

باشتغاله بطلب الشفعة، (ونحوه)، كمن علم وفد انخرق ثوبه أو سقط منه مال

فأخر الطلب إلى أن يرقع ثوبه أو يلتمس ما سقط منه،) أو من علم ليلا حتى

يصبح مع غيبة مشتر) في جميع الصور المتقدمة، لأنه مع حضوره يمكنه مطالبته من غير اشتغال عن اشتغاله.

(أو) أخر الطلب (لفعل صلاة وسننها ولو مع حضوره) أي: حضور

المشتري في هذه الصورة فقط.

(أو) أخر الطلب (جهلا بأن التأخير مسقط) للشفعة (ومثله يجهله.

أو أشهد بطلبه) الشفعة (غائب) عن بلد المشتري، (أو محبوس: لم

تسقط) الشفعة في هذه الصور كلها.

أما كونها لا تسقط بتأخير الطلب باشتغاله بما تقدم ذكره، فلأن العادة تقديم

هذه الحوائج ونحوها على غيرها. فلا يكون الاشتغال بها رضى بترك الشفعة،

كما لو أمكنه أن يسرع في مشيه أو يحرك دابته فلم يفعل ومضى على حسب عادته إلى المشتري، لأن الطلب المشروط هو الطلب بحكم العاده.

(1)

في أ: بغير، وفي ب: لغير.

ص: 395

وأما كون من أخر الطلب جهلا بأن التأخير مسقط لا تسقط شفعته، فلأن

الجهل مما يعذر به. اشبه ما لو تركها لعدم علمه بها. وفي المسألة وجهان:

أحدهما: لا يسقط. كما في المتن.

قال الحارثي: وهو الصحيح: وجزم به في " الرعأية " و"النظم " و"الفائق ".

قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب.

والثاني: تسقط كما لو تركها جهلا باستحقاقه لها أو نسيانا للطلب أو للبيع.

وفي هذه المسائل الثلاث أيضا وجه: أنها لا تسقط.

وقدم السقوط فيها في " المغني " و" الشرح " قياسا على ما لو امكنت

المعتقة تحت عبد زوجها من وطئها جاهلة بملك الفسخ أو ناسية للعتق.

وأما كونه إذا اشهد بطلبها معذور كغائب ومريض ومحبوس لا تسقط، لأن

إشهاده بالطلب دليل على الرغبة، وعلى أنه لا مانع له من الطلب إلا قيام العذر به. وعلم من هذا: أنه إذا علم بالبيع ولم يشهد بالطلب أن شفعته تسقط.

قال أحمد في رواية ابي طالب: في الغائب: له الشفعة إذا بلغه اشهد

وإلا فليس له شيء.

قال في " المغني ": لأنه قد يترك الطلب للعذر وقد يتركه لغيره.

وظاهر ما تقدم أن إشهاد المعذور بالطلب كاف ولو قدر على التوكيل فيه وهو

كذلك، لأن الوكيل إن كان بجعل ففيه غرم. وإن كان متبرعا ففيه منة. وقد لا

يثق به.

وقيل: إن لم يوكل قادرعلى التوكيل سقطت، لأنه تارك للطلب مع إمكانه.

(وتسقط) شفعة غائب (بسيره في طلبها بلا إشهاد) على الطلب، لأن

السير يكون لطلب الشفعة ولغيره، وقد قدر أن يبين كون سيره لطلب الشفعة

بالإشهاد عليه. فإذا لم يفعل سقطت، كتارك الطلب مع حضوره.

وقال القاضي إن سار عقب علمه إلى البلد الذي فيه المشتري من غير

ص: 396

إشهاد احتمل أن لا تبطل شفعته، لأن ظاهر سيره أنه للطلب.

(لا إن أخر طلبه) أي: الغائب بتأخر قدومه أو بوكيله مع إمكانهما (بعده)

أي: بعد الإشهاد بالطلب، لأن عليه في السفر بالتزامه كلفته، وقد يكون له

حوائج وتجارة ينقطع عنها وتضيع بغيبته.

وعليه فى التوكيل ما تقدم التنبيه عليه.

وقيل: تسقط بتأخير ذلك، لأنه ترك الطلب بها مع قدرته عليه. فسقطت،

كالحاضر.

(ولفظه) أي: لفظ الطلب الذي يكون وسيلة للمعذور إلى الأخذ بالشفعة

أن يقول: (أنا طالب) للشفعة، (أو مطالب) بالشفعة، (أو) أنا (آخذ

بالشفعة، أو قائم عليها) أي: على الشفعة، (ونحوه) أي: ونحو هذا اللفظ

(مما يفيد محأولة الأخذ) بالشفعة، كتملكت المبيع المشفوع، أو انتزعته من

مشتريه، أو ضممته إلى ما كنت أملكه من العين.

(ويملك) "الشقص المبيع (به) أي: بالطلب، لأن البيع السابق سبب.

فإذا إنضمت إليه المطالبة كان كالإيجاب في البيع انضم إليه القبول.

وهذا القول هو اختيار القاضي وأكثر أصحابه وصاحب " التلخيص " وابن

عبدوس في " تذكرته " وقدمه في " الفروع " و" المستوعب " و" الرعايتين "

و" الحاوي الصغير ".

(فيصح تصرفه) أي: الشفيع في الشقص المشفوع لانتقال الملك فيه

بالطلب بما يصح به تصرفه في سائر املاكه.

(ويورث) عنه، وان لم يقبضه.

وقيل: لا يملكه إلا بالطلب مع القبض.

وقيل: لا يملكه إلا بلفظ يقتضي أخذه بعد وجود الطلب.

وقيل: لا يملكه إلا بحكم حاكم.

ص: 397

ورد هذا: بان الشفعة حق ثبت بالنص والإجماع. فلم يفتقر إلى حاكم،

كالرد بالعيب.

وقيل: لا يملكه إلا بدفع ثمنه ما لم يصبر مشتريه.

والمذهب: الاكتفاء بالقدرة على الثمن الحال ولو بعد ثلاثة أيام، كما

سياتى التنبيه على ذلك في المتن.

وقال ابن الصيرفي في " نوادره ": يحصل الملك بحكم الحاكم أيضا.

ولعل مراده بعد الطلب حيث لم يقل بحصول الملك به. والله أعلم.

(ولا يشترط) لانتقال الملك إلى الشفيع في الشقص المشفوع (رؤيته)

أي: روية ما منه الشقص المشفوع (لأخذه) بالشفعة قبل التملك.

قال في " التنقيح ": ولا يعتبر رويته قبل تملكه. انتهي.

ولعل الأصحاب نظروا إلى كونها انتزاعا قهريا، كرجوع نصف الصداق

المعين إلى ملك الزوج بطلاقه قبل الدخول وإن لم يكن رآه، كما لو وكل انسان

آخر في شراء عبد وتزويج امرأة وإصداقها

(1)

أياه ففعل ولم يره الموكل ثم طلقها

قبل الدخول.

وقال في " الفروع ": ولا تعتبر رؤيته قبل تملكه إن صح بيع غائب.

وفي " الرعأية ": الأصح له التصرف فيه قبل قبضه ويملكه.

وفي " الترغيب ": له حبسه على ثمنه، لأن الشفعة قهري، والبيع عن رضى.

وتخالفه أيضا في خيار شرط، وكذا خيار مجلس من جهة شفيع بعد تملكه،

لنفوذ تصرفه قبل قبضه بعد تملكه كإرث.

وكذا اعتبار رؤية شقص، نظرا إلى كونه قهريا أو بيعا، ويتخرج في الكل

كذلك نظرا إلى الجهتين. انتهي كلامه في " الفروع ".

وقال في " المغني ": إذا قالط أخذت الشقص بالثمن الذي تم عليه العقد

(1)

في ا: وأصدقها.

ص: 398

وهو عالم بقدره وبالمبيع صح الأخذ وملك الشقص ولا خيار له ولا للمشتري،

لأن الشقص يؤخذ قهريا، والمقهور لا خيار له، والآخذ قهرا لا خيار له أيضا كمسترجع المبيع لعيب في تمنه أوالثمن لعيب في المبيع.

وإن كان الثمن مجهولاً أو الشقص لم يملكه بذلك، لأنه بيع في الحقيقة.

فيعتبر العلم بالعوضين " كسائر البيوع. وله المطالبة بالشفعة ثم يتعرف مقدار

الثمن من المشتري أو من غيره والمبيع. فيأخذه بثمنه.

ويحتمل أن له الأخذ مع جهالة الشقص بناء على بيع الغالب .. انتهي.

ومشى في " الإنصاف " على اعتبار العلم بالشقص وبالثمن. لكن اعتمدت

كلامه في " التنقيح " لقوله في خطبته: فإن وجدت فيه شيئا مخالفا لأصله

فاعتمده فإنما وضع عن تحرير.

(وإن لم يجد) الشفيع حين علم ببيع الشقص (من يشهده) على الطلب،

(أو أخرهما) أي: أخر الطلب والإشهاد عليه (عجز ا، كمريض ومحبوس ظلما.

أو) اخر الشفيع الطلب والإشهاد عليه (لإظهار) البائع والمشتري

أو أحدهما أو مخبر الشفيع (زيادة ثمن) على ما وقع العقد عليه.

(أو) لإظهار واحد ممن ذكر (نقص مبيع أو هبته) أي: هبة الشقص.

(أو) لإظهار (أن المشتري غيره) أي: غر المشتري حقيقة.

(أو) أخر الشفيع الطلب والإشهاد عليه (لتكذيب مخبر) له، لكونه

(لأيقبل) خبره: (فعلى شفعته) أي: فلا لكون ذلك مسقطا لشفعته، لأنه

أما معذور وأما غير عالم بالحال على وجهه، كما لو لم يعلم مطلقا.

ولأن خبر من لا يقبل خبره مع عدم تصديق الشفيع له يكون وجوده كعدمه.

ومقتضاه: أنه إذا صدقه تسقط الشفعة، لأن تصديقه اعتراف بوقوع البيع مع

عدم طلب الشفعة. فوجب سقوطها، كما لو أخبره ثقة فلم يصدقه.

وعلم مما تقدم أنه لو أخبر بقدر ثمن. فلم يطالب بالشفعة ثم تبين أن الثمن

أكثر مما أخبر به أنها تسقط، لان من لا يرضى بالقليل لا يرضى باًكثر منه.

ص: 399

وصرح بذلك في " الكافي ".

وفهم من كلام المتن: أن المريض مرضا يسيرا لا يمنعه من طلب الشفعة،

والمحبوس بحق يمكنه أدأوه إذا اباه: تسقط شفعته، لأنه ليس بمعذور.

وحكم إظهار زيادة في الثمن حكم إظهار كونه من غير الجنس الذي وقع

العقد عليه، كما لو وقع العقد على دنانير فأظهر كونها دراهم أو العكس، لأنه

قد يملك النقد الذي وقع العقد عليه دون ما اظهره فيترك الشفعة لذلك.

وكما لو وقع بنقد فأظهر أنه بعرض.

وأما كونها لا تسقط إذا بأن المشتري غيره، فلأنه قد يرضى بشركة انسان

دون غيره، وقد يحابي انسانا أو يخافه فيترك الشفعة لذلك.

وكذا لو أظهر أن فلانا اشترى الشقص وحده فتبين أنه اشتراه هو واخر أو

عكس الحال.

(وتسقط) شفعته: (إن كذب) مخبرا (مقبولا) خبره، لأنه خبر من عدل

يجب قبوله في الرواية والفتيا وسائر الأخبار الدينية. فسقطت الشفعة بتكذيبه،

كما لو أخبره أكثر من عدل.

(أو قال) الشفيع (لمشتر) للشقص: (بعنيه، أو أكرنيه)، أو قاسمنى،

(أو صالحني) عليه، أو هبه لي، أو ائتمني عليه، (أو اشتريت رخيصا،

ونحوه)، كاشتريت غاليا أو بأكثر مما أعطيت أنا، لأن هذا وشبهه دليل على

رضاه بشرائه وتركه للشفعة.

وعنه: لا تسقط بتكذيبه عدل واحد.

وقيل: ولا بقوله: صالحني على الشقص.

وقيل: ولا بقوله: اشتريت رخيصا ونحوه.

وإن قيل له: شريكك باع نصيبه من زيد. فقال: إن باعني زيد وإلا فلي

الشفعة كان ذلك كقوله لزيد: بعني ما اشتريت. قدمه الحارثي. قال:

ويحتمل: أنه إن لم يبعه أنها لا تسقط.

ص: 400

ولو قال المشتري ابتداء للشفيع: بعتك ما اشتريت أو وليتكه. فقال:

قبلت: سقطت شفعته ..

وتسقط أيضا بقوله للمشتري: بعه ممن شئت ونحوه.

(لا إن عمل دلالا بينهما) أي: بين شريكه وبين المشتري. (وهو السفير.

أو توكل) الشفيع (لأحدهما) في عقد البيع.

(أو جعل له) أي: للشفيع (الخيار) في البيع (فاختار إمضاءه.

أو رضي به) أي: بالبيع.

(أو ضمن) للبائع (ثمنه) أي: ثمن الشقص المبيع.

(أو سلم) الشفيع (عليه) أي: على المشتري قبل طلب الشفعة ..

(أو دعا له) بالبركة أو بغيرها (بعده) أي: بعد العقد

(1)

، (ونحوه)،

كما لو سلم المشتري على الشفيع فرد عليه السلام قبل الطلب.

(أو اسقطها) أي: اسقط الشفيع حقه من شفعته (قبل بيع) للشقص:

فإنها لا تسقط في جميع هذه الصور.

أما كونها لا تسقط بسفارته بين المتبأيعين، أو بتوكله في البيع، أو باختيار

إمضائه فيما اذا جعل له الخيار، أو برضاه بالبيع، أو بضمانه للثمن، فلأن ذلك

سبب ثبوت الشفعة. فلم تسقط به، كما لو أذن في البيع.

ولأن المسقط لها الرضى بتركها بعد وجوبها ولم يوجد.

وأما كونها لا تسقط بسلام الشفيع على المشتري بعد البيع وقبل الطلب،

فلأن ذلك السنة لحديث: " من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه "

(2)

. ذكره

في " المغني " ولم يعزه لأحد.

وأما كونها لا تسقط بدعائه له، فلأن دعاءه إن كان بالبركة في البيع فهو دعاء

(1)

ساقط من ا.

(2)

ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (25336) 9: 129 محظورات السلام.

ص: 401

لنفسه، لأن الشقص يرجع عليه، وإن كان بغير ذلك متصلا بالسلام فيكون من

توابعه فيلحق به في الحكم.

ولأن هذا لا يدل على الرضى بتركها بعد وجوبها.

وأما كونها لا تسقط بإسقاطها قبل البيع، لأنه إسقاط حق قبل وجوبه. فلا

يسقط، كما لو أبرأه مما سيقرضه له.

وقيل: تسقط بتوكله للمشتري] في الشراء.

وقيل: بتوكله للبائع.

وقيل: بتوكله أحدهما أيهما كان.

وقيل: وبدعائه للمشتري]

(1)

.

وعنه: بإسقاطها قبل البيع.

(ومن) أي: وأي ولي (ترك شفعة موليه) أي: الذي تحت حجره،

(ولو) كان تركه لها (لعدم حظ) رآه: (فله) أي: فللمولى عليه حالة البيع:

(إذا صار أهلا) بأن كان مجنونا فعقل، أو صغيرا فبلغ، أو سفيها فرشد (الأخذ

بها) أي: بالشفعة. ولو كان الولي قد صرح بالعفو عنها.

قال في " المغني ": وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور: له الشفعة

إذا بلغ فاختار.

ولم يفرق، لأن المستحق للشفعة يملك الأخذ بها. سواء كان له الحظ فيها

أو لم يكن.

ولأنها لا تسقط بترك غير الشفيع، كالغائب إذا ترك وكيله الأخذ بها.

وقيل: تسقط بإسقاط الولي.

وقيل: مع عدم الحظ.

وعلم مما تقدم: ثبوت الشفعة للمحجور عليه، لعموم الأحاديث.

(1)

ساقط من ا.

ص: 402

ولأنها خيار تثبت بالبيع لإزالة الضرر عن المال. فثبت للمحجور عليه،

كخيار الرد بالعيب.

وعلم منه أيضا: أن الولي يملك الأخذ بالشفعة، وإن لم يملك العفو

عنها، لأن في الأخذ تحصيلا واستيفاء للحق، ولا يلزم من ملك استيفاء الحق

ملك إسقاطه. بدليل سائر حقوق المحجور عليه.

إذا تقرر هذا: فمتى رأى الولي الحظ في الأخذ بأن كان الشراء رخيصا أو

بثمن المثل، وللمحجور عليه مال يشتري منه: لزم الولي الأخذ بالشفعة، لأن

عليه الاحتياط والأخذ بما فيه الحظ. فإذا أخذ بها ثبت الملك للمحجور عليه،

ولم يملك الرد إذا صار أهلا.

وليس على الولي غرم بتركها مع الحظ فيها، لأنه لم يفوت شيئا من ماله

وإنما ترك تحصيل ما له فيه حظ. أشبه ما لو ترك شراء العقار غير المشفوع مع الحظ في شرائه.

وإن رأى الولي الحظ في تركها مثل أن يكون المشتري قد عين، أو كان

الأخذ بها يحتاج إلى أن يستقرض ويرهن مال المحجور عليه: فليس له الأخذ،

لأنه لأيملك فعل ما لاحظ لموليه فيه.

ومتى أخذ في هذه الحالة.

قال في " المغني ": فهل يصح، على روايتين:

إحداهما: لا يصح، ويكون باقيا على ملك المشتري.

والثانية: يصح الأخذ، وينتقل الملك للمحجور عليه.

وإذا باع وصي يتيمين نصيبا لأحدهما في عقار مشترك بينهما: كان له الأخذ

للاخر بالشفعة، لأنه كالشراء له.

وإن كان الوصي شريكا لمن باع عليه لم يكن له الأخذ، لأنه متهم في بيعه.

ولأنه بمنزلة من يشتري لنفسه من مال يتيمه.

ص: 403

ولو باع الوصي نصيبه كان له الأخذ لليتيم بالشفعة إذا كان له الحظ فيها،

لأن التهمة منتفية. فإنه لا يقدر على الزيادة في ثمنه، لكون المشتري لا يوافقه.

ولأن الثمن حاصل له من المشتري كحصوله من اليتيم. بخلاف بيعه مال

اليتيم فأنه يمكنه تقليل الثمن ليأخذ الشقص به.

وإذا رفع الأمر إلى الحاكم فباع عليه فللوصي الأخذ حينئذ، لعدم التهمة.

وإن كان مكان الوصي أب

(1)

فباع شقص الصبي: فله أن يأخذه بالشفعة،

لأن له ان يشتري من نفسه مال ولده لعدم التهمة.

وإن بيع شقص في شركة حمل لم يكن لوليه أن يأخذ له بالشفعة، لأنه

لايمكن تمليكه بغير الوصية. فإذا ولد

(2)

الحمل ثم كبر فله الأخذ بالشفعة،

كالصبى إذا كبر. ذكره في " المغني ".

الشرط (الرابع) من شروط الأخذ بالشفعة: (أخذ جميع) الشقص

(المبيع)، لئلا ينضر المشتري بتبعيض الصفقة في حقه بأخذ بعض المبيع. مع

أن الشفعة ثبتت على خلاف الأصل، دفعا لضرر الشركة. فإذا أخذ البعض لم

يندفع الضرر.

(ف) لهذا (ان طلب) الشفيع (بعضه) أي: بعض الشقص المبيع دون

باقيه (مع بقاء الكل) أي: كل المبيع: (سقطت) شفعته.

ولأن حق الأخذ إذا سقط بالترك في البعض سقط في الكل كعفوه عن بعض

قود يستحقه.

(وإن تلف بعضه) أي: بعض الشقص المبيع بتلف بعض ما منه الشقص،

لأنه لا يتصور تلف بعض الشقص على انفراده، كما لو انهدم بيت من الدار التي

بيع منها الشقص المشفوع بسبب أمر سماوي، كالمطر أو بفعل ادمي. سواء كان المشتري للشقص أو غيره وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة:(أخذ بافيه) أي: باقي

(1)

ساقط من ا.

(2)

ساقط من أ.

ص: 404

الشقص منسوبا إلى ما لم يتلف من الدار (بحصته) أي: بحصة الباقي بعد ما

تلف (من ثمنه) أي: ثمن جميع الشقص. فلو كان الشقص. المشفوع نصفا من

الدار والبيت الذي انهدم منها ينقص بانهدامه نصف قيمتها أخذ الشفيع الشقص

فيما بقي من الدار بنصف ثمنه.

ثم إن كانت الانقاض موجودة أخذها مع العرصة وما بقي من البناء بالحصة.

وإن كانت معدومة اخذ ما بقي من البناء مع العرصة بالحصة، لأنه تعذر عليه أخذ

كل المبيع بتلف بعضه فجاز له اخذ الباقي بحصته، كما لو تعذر عليه اخذ الكل

لكون معه شفيع آخر.

وقال ابن حامد: ان كان التلف بأمر سمأوي فليس له اخذ الباقي إلا بجميع

الثمن، لأنه متى كان تلف البعض بفعل آدمي رجع بدله إلى المشتري. فلا

يتضرر بأخذ الباقي بحصته. ومتى كان بغير ذلك لم يرجع إليه شيء. فيكون

الأخذ منه بالحصة إضرارا به.

ورد: بأن الإضرار إنما حصل بالتلف ولا صنع للشفيع فيه والذي يأخذه

الشفيع يؤدي ثمنه. فلا ضرر على المشتري في أخذه.

وإنما قلنا بأخذ الانقاض وإن كانت منفصلة بالحصة، لأن استحقاقه للشفعة

كان حال عقد البيع، وفي تلك الحال كانت متصلة اتصالا ليس مآله إلى

الانفصال، وانفصاله بعد ذلك لا يسقط حق الشفعة.

ويفارق الثمرة غير المؤبرة إذا تأبرت فان مآلها إلى الانفصال والظهور. فإذا

ظهرت

(1)

فقد انفصلت. فلم تدخل في الشفعة.

وان نقصت القيمة مع بقاء صورة المبيع مثل: ان انشق الحائط، أو شعث

الشجر، أو بارت الأرض: فليس له إلا الأخذ بجميع الثمن أو الترك، لأن هذه المعانى لا يقابلها الثمن. بخلاف الأعيان.

ولهذا قلنا: لو بنى المشتري أعطاه الشفيع قيمة بنائه.

(1)

في اوج: أظهرت.

ص: 405

ولو زاد المبيع زيادة متصلة دخلت في الشفعة. قاله في " المغني ".

وحكى في " الإنصاف " خلافا في بعض مسائل مما ذكرت.

وعبارته:

فائدة: لو تعيب المبيع بعيب من العيوب المنقصة للثمن مع بقاء عينه فليس

له الأخذ إلا بكل الثمن أوالترك. قطع به المصنف في " المغني وصاحب

" التلخيص " والشارح وصاحب " الرعأيتين " و" الحأوي الصغير ".

وفيه وجه اخر: له الأخذ بالحصة. اختاره القاضي يعقوب.

قال الحارثي: وأظن أو أجزم أنه قول القاضي في " التعليق "، قال: وهو

الصحيح. انتهي.

وهاهنا مسألة قد دخلت في عموم لفظ المتن عقبته بها تبعا لصاحب

" الفروع " عبارته وهي قوله: (فلو اشترى دارا بألف تسأوي ألفين. فباع بابها

أو هدمها. فبقيت بألف: اخذها بخمسمائة) بالقيمة

(1)

من الثمن. نص عليه.

انتهي كلامه في " الفروع ".

والمراد بقوله: فلو اشترى دارا أي: شقصا من دار من

(2)

إطلاق الكل على

البعض، ومنه قوله تعالى:(يحعلون اصابعهم فئاذانهم من الصواعق)] البقرة: 19] أي: أناملهم، لأن الدار لا تؤخذ كاملة بشفعة إلا على قول من يقول بشفعة

الجوار. والله أعلم.

(وهي) أي: الشفعة (بين) شركاء (شفعاء على قدر املاكهم) فيما منه

الشقص المبيع، لأن ذلك حق يستفاد بسبب الملك. فكان على قدر الأملاك،

كالغلة. فدار بين ثلاثة نصف وثلث وسدس. فباع رب الثلث فالمسأله من ستة

والثلث يقسم على أربعة لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب السدس واحد.

وعنه: على عدد الرؤوس.

(1)

في ا: باقية.

(2)

في أوب: في.

ص: 406

فعلى هذه يقسم الثلث المبيع بين صاحب النصف وصاحب السدس بالسوية.

(ومع ترك البعض) من الشركاء حقه من الشفعة: الم يكن للباقي) الذي

لم يترك حقه (أن يأخذ) بالشفعة (إلا الكل) أي: كل المبيع، (أو يترك) الكل.

قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من اهل العلم على هذا، لأن في

اخذ البعض إضرارا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر. ولأن الشفعة إنما تثبت على خلاف الأصل، دفعا لضرر الشريك الداخل

خوفا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة. فإذا أخذ بعض الشقص لم يندفع عنه

الضرر. فلم يتحقق المعنى المجوز لمخالفة الأصل. فلا تثبت.

(وكذا إن غاب) بعض الشركاء فإنه ليس للحاضر إلا أخذ الكل أو تركه

فقط. نص عليه، لأنه لم يعلم مطالب سواه. ولا نرى في أخذ بعض الشقص

تبعيضا لصفقة المشتري. فلم يجز ذلك، كما لو لم يكن معه غيره. ولا يمكن

تأخير حقه إلى أن يقدم الغائب، لأن في التأخير إضرارا بالمشتري.

قال الحارثي: وإطلاق نص أحمد ينتظر بالغائب في رواية حنبل يقتضي

الاقتصار على حصته، فال: وهذا أقوى، والتفريع على الأول. فلو كان

الشفعاء ثلاثة فحضر أحدهم وأخذ جميع الشقص ملكه.

(ولا يؤخر بعض ثمنه ليحضر غائب) فيطالب، لأن الثمن قد وجب عليه

بالأخذ. فلم يملك تأخيره.

(فإن أصر) على الامتناع من أيفائه (فلا شفعة) أي: فيسقط حقه منها،

كما لو أبي اخذ جميع المبيع.

(والغائب) من الشفعاء [(على حقه) من الشفعة]

(1)

لموضع العذر. فإذا

حضر ثان بعد أخذ الأول جميع الشقص قاسمه إن شاء، أو عفى فبقي للأول،

لأن المطالبة إنما وجدت منهما. فإن قاسمه ثم حضر الثالث قاسمهما إن أحب

أو عفى فيبقى للأولين. هذا قول الأكثر.

(1)

ساقط من ا.

ص: 407

وقال ابن الزاغونى: القادم بالخيار بين الأخذ من الحاضر وبين نقض شفعته

في قدر حقه فياًخذ من المشتري 'ن تراضوا على ذلك، والا نقض الحكم

(1)

كما قلنا ولم يجبر الحاضر على التسليم إلى القادم. قال: وهذا ظاهر المذهب

فيما ذكر أصحابنا. نقله عنه في " الإنصاف ".

وإن قال الأول وقد أخذ الشقص كله: لا اخذ منك نصفه بل أقتصر على قدر

نصيبي وهو الثلث: فله ذلك، لأنه اقتصر على بعض حقه. وليس فيه تبعيض

الصفقة على المشتري، والشفيع دخل على أن الصفقة تتبعض عليه. وإذا قدم

الثالث فله أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده فيضيفه إلى ما في يد الأول ويقتسمانه نصفين فتصح قسمة الشقص من ثمانية عشر سهما.

(ولا يطالبه) أي: ولا يطالب غائب مسبوق بالأخذ سابقا (بما أخذه)

السابق (من غلته) أي: غلة الشقص المشفوع من ثمر وأجر ونحوهما، لأنه

انفصل في ملكه. فأشبه ما لو انفصل في يد المشتري بل الأخذ بالشفعة.

وإن ترك الأول الأخذ توفرت الشفعة لصاحبيه. فإذا قدم الأول منهما فله

أخذ الجميع على ما ذكرنا في الأول. فإن اخذ الأول بالشفعة جميع الشقص ثم

رده لعيب فيه توفرت الشفعة على صاحبيه، لأنه رجع إلى المشتري بالسبب الأول فكان لشريكيه اخذه كما لو عفى. بخلاف ما لو عاد إلى المشتري لهبة أو نحوها،

لأنه عاد بغير السبب الذي تعلقت به الشفعة.

ولو لم يقدم الثالث حتى قاسم الثاني الأول فأخذ بحقه من الشفعة: بطلت

القسمة، لأن هذا الثالث لما أخذ بالشفعه صار كأنه مشارك في حالى القسمة

لثبوت حقه اذا.

ولهذا لو باع المشتري ثم قدم الشفيع كان له إبطال البيع.

فإن قيل: فكيف تصح القسمة مع غيبة أحد الشركاء؟

فالجواب: أن للحاكم المقاسمة عن الغائب بطلب الشريك الحاضر،

(1)

في ب: الحاكم.

ص: 408

ويحتمل أن يكون الغائب وكل في القسمة قبل صدور البيع المترتبة عليه الشفعة.

ولو لم يقدم الثالث. حتى غاب أحد شريكيه اخذ من الحاضر ثلث ما بيده، لأنه

قدر ما يستحقه ثم. إن قضى له [القاضي على الغائب اخذ ثلث ما بيده

(1)

أيضا،

وإن لم يقض له]

(2)

انتظر الغائب حتى يقدم، لأنه موضع عذر.

(ولو كان المشتري) للشقص (شريكا) في العقار وثم شريك آخر: (اخذ

بحصته) من الشقص المبيع. نص عليه، لأنهما تساويا في الشركة. فتساويا في

الشفعة، كما لو اشتراه غير الشريك.

(فان عفا) المشتري عن شفعته (ليلزم به) أي: بجميع الشقص (غيره)

من الشركاء: (لم يلزمه) أخذ جميعه، ولم يصح الإسقاط، لأن ملكه قد استقر

على قدر حقه. وجرى مجرى الشفيعين إذا حضر احدهما فأخذ الجميع ثم حضر الاخر وطلب حقه منها فقال الآخذ للجميع لشريكه: خذ الكل أو دعه.

(ولشفيع فيما) أي: في شقص

(3)

(بيع على عقدين الأخذ) بالشفعة

(بهما) أي: بالعقدين، لأنه شفيع فيهما.

(و) له الأخذ أيضا (بأحدهما) فقط أيهما كان، لأن كلا منهما بيع مستقل

بنفسه وهو يستحقها. فاذا أسقط البعض كان له ذلك، كما لو أسقط حقه

من الكل.

(ويشاركه) أي: يشارك الشفيع (مشتر اذا اخذ بالثاني) أي: بالعقد الثاني

(فقط) أي: دون الأول بنصيبه من الأول، لأن الشفيع اسقاطه حقه من البيع

الأول استقر ملك المشتري فيه فصار شريكه. فيشاركه في البيع الثاني.

وقيل: لا.

وقيل: إن عفى الشريك عن أولهما شاركه، والا فلا.

(1)

في خ: في يده.

(2)

ساقط من ا.

(3)

في ا: الشقص.

ص: 409

وعلم مما تقدم انه ان

(1)

اخذ بالبيعين أو بالأول انه لا يشاركه، لانه لم يسبق

له شركة.

وان بيع الشقص على أكثر من عقدين فللشفيع الأخذ بالجميع وببعضهما،

ويشارك المشتري فيما إذا أخذ بعقد غير الأول فقط بنصيبه مما قبله. هذا

إذا تعددت العقود. دون البائع والمشتري.

(وإن) تعددا دون العقد بأن (اشترى اثنان حق واحد) صفقة واحدة،

(أو) اشترى (واحد حق اثنين) صفقة واحدة.

(أو) تعدد العقار الذي تجب به الشفعة بأن اشترى واحد من اخر (شقصين

من عقارين صفقة) واحدة: (فللشفيع) فيما إذا اشترى اثنان حق واحد أو واحد

حق اثنين (اخذ حق احدهما) أي: احد المشترين أو البائعين، لأن الصفقة مع

الاثنين. سواء كانا بائعين أو مشتريين بمنزلة عقدين. فيكون للشفيع الأخذ بهما وبأحدهما أيهما شاء.

وعلى هذا أن باع اثنان من اثنين فهي اربعة عقود، وللشفيع الأخذ بالكل،

وبما شاء منها.

وقيل: أن العقد مع اثنين أو أكثر عقد واحد ليس للشفيع أن يأخذ إلا الكل

أو يترك.

وإن اشترى واحد لنفسه ولغيره بالوكالة شقصا من واحد أو باع أحد الشركاء

عن نفسه وعن شريكه بطريق الوكالة شقصا من واحد: كان ذلك بمنزلة عقدين، لتعدد من وقع له العقد أو منه. فللشفيع أخذ ما اشتراه الوكيل لنفسه أو لموكله

فقط، وأخذ ما باعه الوكيل عن نفسه أو عن موكله فقط.

وقيل: لا.

(و) للشفيع أيضا على المذهب فيما إذا باع شريكه في عقارين شقصين

منهما صفقة أخذ (احد الشقصين) من أحد العقارين دون الآخر، لأن كلا منهما

(1)

ساقط من ب.

ص: 410

مستحق بسبب غير الاخر. فجرى مجرى الشريكين.

ولأن الضرر قد يلحق الشفيع باًرض دون أرض.

وقيل: ليس له أن يأخذ إلا الشقصين أو يترك لما فيه من التبعيض على

المشتري.

(و) للشفيع أيضا (أخذ شقص بيع) من عقار مشفوع (مع ما) أي

(1)

: مع

شيء (لا شفعة فيه)، كما لو بيع شقص وسيف أو وثوب أو وفرس صفقة بثمن

واحد (بحصته) متعلق بأخذ.

ومعنى أخذه بحصته: أنه (يقسم الثمن) المسمى في العقد (على قيمتهما)

أي: قيمة الشقص المشفوع وقيمة ما معه. نص عليه. فلو كانت قيمة الشقص

ألفا وقيمة ما معه خمسمائة وكان ثمنهما ألفا ومائتين اخذ الشفيع الشقص

بثمانمائة.

الشرط (الخامس) من شروط الأخذ بالشفعة: (سبق ملك شفيع للرقبة)

أي: أن يسيق ملكه لجزء من رقبة ما معه الشقص المبيع على زمن البيع، لأن

الشفعة ثبتت لدفع الضرر عن الشريك. فإذا لم يكن له ملك سابق فلا ضرر

عليه. فلاشفعة.

(فتثبت) الشفعة (لمكاتب) سبق ملكه للرقبة لصحة ملكه كغيره.

(لا لأحد اثنين اشتريا دارا صفقة على الآخر)، لانه لا مزية لأحدهما على

الآخر، لاستوائهما في البيع في زمن واحد، لأن

(2)

شرط الأخذ سبق الملك

وهو معدوم هنا.

(و) كذا (لو) جهل السبق (مع ادعاء كل) منهما (السبق وتحالفا،

أوتعارضت بينتاهما) بأن شهدب بينة كل واحد منهما بسبق ملكه وتجدد ملك

صاحبه، لأنه لم يثبت السبق لواحد منهما.

(1)

ساقط من ا.

(2)

في ا: لا.

ص: 411

وقيل: يقرع بينهما. فمن قرع حلف وقضي له.

وعلم مما تقدم: انه لو لم يكن لأحدهما بينة حكم عليه لمن له البينة.

(ولا) يثبت الملك لمالك (بملك غير تام، كشركة وقف) على معين.

فإن الموقوف عليه ليس له الأخذ بالشفعة.

وقيل: بلى.

وللأصحاب في المسألة ثلاثة

(1)

طرق:

إحداها: أن الخلاف جار. سواء قلنا يملك الموقوف عليه أو لا.

الثانية: إن قلنا بعدم الملك فلا شفعة، وان قلنا بالملك وجهان.

الثالثة: إن قلنا الموقوف عليه يملك الوقف وجبت الشفعة، وإلا فلا.

(أو) يملك (المنفعة) أي: ولا يثبت الأخذ بالشفعة لشريك يملك

المنفعة، (كبيع شقص من دار موصى بنفعها له) فانه لا شفعة للموصى له، لأن المنفعة لا تؤخذ بالشفعة فلا تجب بها.

(1)

في الأصول: ثلاث. وما أثبتناه موافق للقواعد.

ص: 412

] فصل: في حكم تصرف المشتري في المشفوع]

(فصل. وتصرف مشتر) في الشقص المشفوع (بعد طلب) من الشفيع

بالشفعة (باطل)، لانتقال الملك إلى الشفيع بالطلب في الأصح. وتقدم ذكر

الخلاف في ذلك

(1)

.

(و) تصرف المشتري في الشقص (قبله) أي: قبل الطلب (بوقف أو هبة

أو صدقة، أو بما لا تجب به شفعة ابتداءا، كجعله مهرا، أو عوضا في خلع،

أو صلحا عن دم عمد: يسقطها) أي: الشفعة.

قال القاضي: المنصوص عن أحمد في رواية علي بن سعيد وبكر بن محمد

إسقاط الشفعة فيما إذا تصرف بالوقف والهبة. ذكره عنه في " المغني ".

والصدقه كالهبة، لأن في الشفعة إضرارا بالموقوف عليه والموهوب له

والمتصدق عليه، لأن ملكه يزول عنه بغير عوض، لان الثمن إنما يأخذ

المشتري، ولا يزال الضرر بالضرر.

وقال أبو بكر: لا تسقط بذلك. وللشفيع فسخ ذلك التصرف ويأخذه بالثمن

الذي وقع البيع به. حتى لو جعله مسجدا، لأن حق الشفيع أسبق وحجته

أقوى. فلم يملك المشتري أن يتصرف تصرفا يبطل حقه.

ولا يمتنع أن يبطل الوقف لأجل حق الغير، كما لو وقف المريض أملاكه

وعليه دين. فإنه إذا مات رد الوقف إلى الغرماء.

(ولا) تسقط بتصرف المشتري في الشقص المشفوع (برهن أو إجارة)،

لبقاء المؤجر والمرهون في ملك المشتري وسبق تعلق حق الشفيع على حق

المرتهن والمستأجر.

(1)

ص (397).

ص: 413

والحق الموفق الرهن بالهبة والوقف.

قال الحارثي: وهو بعيد عن نص أحمد. فانه أبطل في الصدقة والوقف

بالخروج عن اليد والملك، والرهن غير خارج عن الملك فامتنع الإلحاق. انتهي.

وقدم في " الرعاية " سقوط الشفعة بالإجارة.

(وينفسخان) أي: الرهن والإجارة (بأخذه) أي: بأخذ الشفيع الشقص

المرهون أو المؤجر بالشفعة فلا أجرة للشفيع لما قبل الأخذ.

وقيل: بل له الأجرة.

وقيل: لا تنفسخ الإجارة ويستحق الشفيع الأجرة من يوم أخذه.

وقيل: للشفيع الخيار بين فسخ الإجارة وتركها.

وإن تصرف المشتري في الشقص بجعله صداقا أو عوضا في خلع أو صلحا

عن دم عمد: فقال في " المغني ": انبنى ذلك على الوجهين في الأخذ بالشفعة.

وقال في موضع آخر: وما كان في معانى البيع مما تجب به الشفعة فهو

كالبيع، وما كان مما لا تجب به الشفعة فهو كالهبة والوقف. انتهي.

وإن تصرف فيه بوصية: فقال في " الإنصاف ": لو أوصى بالشقص فإن

أخذ الشفيع قبل القبول بطلت الوصية واستقر الأخذ. ذكره المصنف- يعني:

الموفق- والشارح والحارثي وغيرهم.

وإن طلب ولم يأخذ بعد بطلت الوصية أيضا، ويدفع الثمن إلى الورثة، لأنه

ملكهم،

وإن كان الموصى له قبل قبل أخذ الشفيع أو طلبه فكما مر في الهبة تنقطع

الشفعة بها على المذهب. انتهي.

وقال ابن نصر الله في " حاشيته على المغني ": فلو مات المشتري وانتقل

الشقص إلى وارثه فهل تسقط الشفعة؟ لم أجد من صرح بذلك. وعموم كلام

الشيخ

(1)

هنا يقتضي أنه كالهبة.

(1)

في ا: الشيخ تقي الدين ..

ص: 414

وفي " الوجيز ": لا تسقط الوصية بالشقص. وهذا يقتضي أن موت

المشتري لا يسقطها مع أنه اسقطها بالهبة والوقف. انتهي.

ولو ارتد المشتري وقتل أو مات فللشفيع الأخذ بالشفعة من بيت المال. قاله

الشارح واقتصر عليه الحارثي. ذكره في " الإنصاف ".

قلت: وعزوه ذلك إلى الشارح يدل على أنه لم يطلع على كلام الموفق في

" المغنى ". وعبارته: ولو اشترى رجل شقصا ثم ارتد فقتل أو مات فللشفيع

أخذه بالشفعة، لأنها وجبت بالشراء. وإنتقاله الى المسلمين بقتله أو موته

لا يمنع الشفعة كما لو مات على الإسلام فورثه ورثته، أو صار ماله لبيت المال،

لعدم ورثته. والمطالب بالشفعة وكيل بيت المال. انتهي.

وفي هذا أيضا تصريح بأن موت المشتري وإنتقال ماله إلى ورثته لا يمنع

الشفعة.

وتقدم كلام ابن نصر الله: أنه لم يجد من صرح بذلك. وقوة كلام الموفق

تعطي أنه لا خلاف فيه، لانه جعله أصلا، وقاس عليه مسألة المرتد. والله أعلم.

(وإن باع) المشتري

(1)

الشقص (أخذ) ـه (شفيع بثمن أي البيعين شاء)،

لأن سبب الشفعة الشراء وقد وجد من كل منهما.

ولأنه شفيع في العقدين.

وقال ابن أبي موسى: لا يأخذه الشفيع إلا ممن هو في يده. وهو ظاهر كلام

ابن عقيل في " التذكرة "، لانه قال: إذا خرج عن يده وملكه كيف يسلمه؟

ومقتضى القولين صحة التصرف.

ولنا وجه: أنه باطل. وهو ظاهر كلام أبي بكر في " التنبيه ". قاله في

القاعدة الرابعة والعشرين.

وذكر أبو الخطاب أن تصرف المشتري في الشقص المشفوع يصح ويقف على

إجازة الشفيع.

(1)

في أ: للمشتري.

ص: 415

فعلى الأول وهو: أن الشفيع له الأخذ بثمن أي عقد شاء: إن تبايع ثلاثة فله

أن يأخذ المبيع بالبيع الأول وينفسخ. العقدان الآخران، وله أن يأخذ بالثاني

وينفسخ الثالث وحده، وله أن ياخذه بالثالث ولا ينفسخ شيء من العقود. فإذا

أخذه من الثالث دفع إليه الثمن الذي اشترى به ولم يرجع على أحد، لأنه وصل

إليه الثمن الذي اشتراه به. وإن أخذه الشفيع بثمن البيع الثاني من المشتري الثاني

أو بثمن البيع الأول من المشتري الأول دفع إليه الثمن الذي اشتراه به.

(ويرجع من اخذ) أي: الذي أخذ (الشقص منه ببيع قبل بيعه) وهو من

كان الشقص بيده حال الأخذ (على بائعه بما أعطاه) من ثمنه. فإذا كان الأول

اشتراه بعشرة أرادب شعيرا، واشتراه الثاني منه بعشرة أرادب فولا، واشتراه

الثالث منه بعشرة أرادب قمحاً، وأراد الشفيع اخذه بثمن البيع الأول من المشتري الثالث دفع إلى المشتري الأول عشرة أرادب شعيرا، وأخذ الثاني من الأول عشرة ارادب فولا، وأخذ الثالث من الثاني عشرة أرادب قمحا، لأن بفسخ البيع يملك المشتري الرجوع في الثمن. وإن أخذ

(1)

بالبيع الثاني دفع إلى المشتري الثاني

عشرة أرادب فولا، وأخذ المشتري الثالث عشرة أرادب قمحا من المشتري

الثاني. وإن أخذ بالبيع الثالث دفع إلى المشتري الثالب عشرة أرادب قمحا

ولا يرجع الثالث على احد.

(ولا تسقط) الشفعة برجوع الشقص إلى الشريك (بفسخ) للبيع (لتحالف)

على قدر الثمن بسبب اختلافهما فيه، لسبق استحقاق الشفعة الفسخ.

(ويؤخذ) بالشفعة (بما) أي: بثمن (حلف عليه بائع)، لأن البائع مقر

بالبيع بالثمن الذي حلف عليه ومقر للشفيع باستحقاق الشفعة بذلك. فإذا بطل

حق المشتري بإنكاره لم يبطل حق الشفيع بذلك. فله أن يبطل فسخهما ويأخذ،

لأن حقه أسيق.

(ولا) تسقط الشفعة أيضا برجوع الشقص إلى الشريك بسبب (إقالة أو)

(1)

فى أ: وأخذ.

ص: 416

بسبب إنفساخ البيع، لوجود (عيب في شقص). فللشفيع إبطال الإقالة والرد

والأخذ بالشفعة، لأن حقه سابق عليهما.

وفي الإقالة رواية في الرد بالعيب وجه.

(و) فسخ البيع في الشقص بحيب (في ثمنه المعين)، كما لو باع الشريك

الشقص بعبد ثم وجد بالعبد عيبا ففسخ البيع أن كان الفسخ (قبل أخذه) أي:

الشفيع (بها) أي: بالشفعة: (يسقطها)، لأن في عدم سقوطها إضرارا بالبيع

بإسقاط حقه من الفسخ الذي استحقه بوجود العيب، والشفعة تثبت لإزالة

الضرر. فلا تثبت على وجه يحصل بها الضرر. فإن الضرر لا يزال بالضرر.

ولأن حق البائع في الفسخ أسبق، لأنه استند إلى وجود العيب وهو موجود

حال البيع والشفعة تثبت بالبيع فكان حق البائع سابقا، وفي الشفعة إبطاله فلم

تثبت. ويفارق ما إذا كان الشقص معيبا فإن حق المشتري إنما هو في استرجاع

[الثمن وقد حصل له من الشفيع فلا فائدة في الرد. وفي مسألتنا حق البائع في استرجاع]

(1)

الشقص ولا يحصل ذلك مع الأخذ بالشفعة فافترقا.

(لا بعده) أي: أن لم يفسخ البائع البيع حتى أخذ الشفيع الشقص يالشفعة

فإنها لا تسقط، لأن الشفيع ملك الشقص بالأخذ. فلم يملك البائع إبطال

ملكه، كما لو باعه المشتري لأجنبي.

(ولبائع) فسخ (إلزام مشتر بقيمة شقصه)، لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة

التلف للشقص.

(ويتراجع مشتر وشفيع بما بين قيمة) للشقص (وثمن) له وهو قيمة العبد،

لأن الشفيغ أخذه قبل الاطلاع على عيب العبد بقيمته، لأنه الثمن الذي وقع عليه

العقد وبعد الاطلاع على عيب العبد وفسخ البيع وتعذر رد الشقص استقر العقد

على قيمة الشقص، والشفيع لا يلزمه إلا ما استقر عليه العقد، وللمشتري

المطالبة بما أداه زيادة عليه.

(1)

ساقط من أ.

ص: 417

(فيرجع دافع الأكثر) منهما على صاحبه (بالفضل).

وقيل: لا يتراجعان، لأن الشفيع أخذه بالثمن الذي وقع عليه العقد وهو

قيمة العبد صحيحاً. بدليل أن البائع إذا علم بالعيب ملك رده.

ويحتمل أنه يأخذه بقيمة العبد معيبا، لأنه إنما أعطى عبدا معيبا فلا يأخذ

قيمة غير ما أعطي.

(ولا يرجع شفيع على مشتر بأرش عيب في ثمن عفى عنه بائع) يعني: أن

البائع لو أبرأ مشتري الشقص من العيب الذي وجده بالعبد لا يرجع الشفيع عليه

بشيء، لأن البيع لازم من جهة المشتري لا يملك فسخه. أشبه ما لو حط البائع

عنه بعض الثمن بعد لزوم العقد.

وإن اختار البائع أخذ أرش عيب العبد: لم يرجع مشتر على شفيع بشيء،

لأنه إنما دفع إليه قيمة العبد غير معيب.

وإن كان إنما اخذ قيمته معيبا رجع عليه ببدل ما أدى من أرشه.

وحيث تعذر رد الشقص على بائعه بمقتضى فسخ العقد لوجوده العبد معيبا

من أجل كون الشفيع أخذه بالشفعة لما تقدم من أن أخذه بالشفعة كتلفه، وإن على المشتري قيمته لبائعه فإنه لو عاد الشقص إلى ملك المشتري من الشفيع أو غيره

ببيع أو هبة أو إرث أو غير ذلك لم يملك البائع استرجاعه بمقتضى الفسخ

السابق، لأن ملك المشتري زال عنه وانقطع حقه منه إلى القيمة. فإذا أخذ بها لم

ييق له حق. بخلاف ما لو غصب شيئا فأدى قيمته، لعدم قدرته على رده ثم قدر عليه: فإنه يرده، لأن ملك المغصوب منه لم يزل عنه.

وإن بان العبد الذي هو ثمن الشقص مستحقا فالبيع باطل ولا شفعة فيه،

لانها إنما تثبت في عقد ينتقل الملك إلى المشتري. فإن كان الشفيع قد أخذ

بالشفعة لزمه رد ما اخذه على البائع، ولا يثبت ذلك إلا ببينة أو إقرار من الشفيع والمتبأيعين. فان أقر المتبأيعان وأنكر الشفيع لم يقبل قولهما عليه وله الأخذ

بالشفعة ويرد العبد إلى صاحبه ويرجع البائع على المشتري بقيمة الشقص.

ص: 418

وإن أقر الشفيع والمشتري دون البائع: لم تثبت الشفعة، ووجب على

المشتري رد قيمة العبد على صاحبه، ويبقى الشقص معه يزعم أنه للبائع والبائع ينكره ويدعي عليه وجوب رد العبد فيشتري الشقص منه ويتباران.

وإن أقر الشفيع والبائع وأنكر المشتري: وجب على البائع رد العبد على

صاحبه، ولم تثبت الشفعة، ولم يملك البائع مطالبة المشتري بشيء، لأن البيع

صحيح في الظاهر وقد أدى ثمنه الذي هو ملكه في الظاهر.

وإن أقر الشفيع وحده: لم تثبت الشفعة، ولا يثبت شيء من أحكام البطلان

في حق المتبأيعين.

فأما ان اشترى الشقص بثمن في الذمة ثم نقد الثمن فبان مستحقا كانت

الشفعة واجبة، لأن البيع صحيح. فان تعذر قبض الثمن من المشتري لإعساره أو غيره: فللبائع فسخ البيع ويقدم حق الشفيع، لأن بالأخذ بها يحصل للمشتري ما

يؤديه ثمنا فتزول عسرته ويحصل الجمع بين الحقين. قاله في " المغني ".

(وإن أدركه) أي: أدرك الشقص المبيع (شفيع) أي: من له أخذه من

مشتريه بالشفعة (وقد اشتغل بزرع مشتر.

أو) كان الشقص من أرض وشجر فلم يدركه الشفيع حتى (ظهر ثمر) في

شجره بعد شرائه.

(أو) كان الشقص من أرض ونخل فلم يدركه الشفيع حتى (ابر طلع)

للنخل المبيع وهو على ملك المشتري، (ونحوه)، كما لو كان الشقص من

أرض بها أصول باذنجان أو قثاء أو نحوهما ولم يدركه الشفيع حتى ظهر في ذلك وهو على ملك المشتري لقطة: (فله) أي: فالزرع والثمرة التي ظهرت والطلع

الذي قد أبر واللقطة الأولى من القثاء والباذنجان ونحوهما للمشتري دون

الشفيع.

أما الزرع، فلأنه نماء البذر وهو ملك المشتري فكذلك نماؤه.

وأما الثمن، فلأنه حدث في ملك المشتري.

ص: 419

(ويبقى) الزرع (لحصاد) أي: إلى أوان حصاد، (و) الثمر إلى أوان

(جذاذ.

ونحوه) أي: واللقطة الأولى من قثاء وباذنجان إلى أوان تبقى فيه بقدر ما تلقط

في العادة. (بلا اجرة) على المشتري للشفيع عما يقابل الشقص المشفوع، لأن

الأخذ بالشفعة كالشراء الثاني من المشتري فيكون حكمه حكم البيع.

ومتى كان الطلع موجودا حالة الشراء غير مؤبر ثم أبر عند المشتري: فهو له

أيضا مبقى إلى أوان جذاذه. لكن الشفيع هنا لا يلزمه أخذ الأرض والنخل بجميع الثمن، وإنما يأخذهما بحصتهما منه، لأنه قد فات عليه بعض ما شمله عقد

الشراء وهو الطلع الذي لم يؤبر حالة العقد. أشبه ما لو شمل العقد الشقص

وعرضا معه.

وأما إذا نمى المبييع في يد المشتري نماء متصلا، كالشجر يكبر، والنخل

يطلع ولم يؤبر: فإن الشفيع يأخذه بزيادته، لأن هذه زيادة تتبع الأصل في الرد

بالعيب والإقالة والخيار فتبعته في الأخذ بالشفعة.

فإن قيل: فلم لا يرجع الزوج في نصفه زائدا إذا طلق قبل الدخول؟

فالجواب: أن الزوج يقدر على الرجوع بالقيمة إذا فاته الرجوع بالعين،

وفى مسألة الشفيع إذا لم يرجع قي الشقص سقط حقه من الشفعة فلم يسقط حقه

من الأصل في لاجل ما حدث من التابع، وإذا أخذ الأصل تبعه نماؤه كما ذكرنا في الفسوخ.

(وإن قاسم مشتر شفيعا أو) قاسم (وكيله) أي: وكيل الشفيع (لإظهاره)

أي: المشتري للشفيع (زيادة ثمن) على الثمن المبتاع به الشقص،

(ونحوه)، كإظهاره إن الشريك وهبه له أو وقفه عليه، (ثم غرس) المشتري

(أو بنى) فى الجزء المفروز بالقسمة ثم تبين الحال: (لم تسقط) الشفعة، لأن

الشفيع لم يترك الطلب بها إعراضا عنها بل لما أظهره المشتري.

وكذا الحكم لو كان الشفيع غائباً أو صغيرا وطالب المشتري الحاكم بالقسمة

ص: 420

فقاسم ثم قدم الغائب وبلغ الصغير فإن لهما الأخذ بالشفعة.

(ولربهما) أي: الغرس والبناء إذا أخذ الشقص بالشفعة (أخذهما) أي:

قلعهما، لأنهما ملكه على انفراده، (ولو مع ضرر) يلحق الأرض، لأنه

تخليص لعين ماله مما كان حين الوضع في ملكه.

وقيل: ليس لرب البناء ولا الغراس القلع إلا إذا لم يكن فيه ضرر.

قال الحارثي: وهذا الخلاف الذي أورده من أورده من الأصحاب مطلقا ليس

بالجيد بل يتعين تنزيله أما على اختلاف حالين، وأما على ما قبل الأخذ. وإنما

أورده القاضي وابن عقيل في " الفصول " على هذه الحالة لا غير. وحيث قيل باعتبار عدم الضرر فيما بعد الأخذ وهو ظاهر ما أورده في " التذكرة ". انتهي. وعنه: له قيمة البناء ولأيقلعه.

(و) على المذهب: (لا يضمن) قالع بنائه أو غراسه (نقصا) حصل

(بقلع)، لانتفاء عدوانه.

فعلى هذا يخير الشفيع بين أخذه ناقصا بكل الثمن أو تركه.

وظاهر كلام الخرقي: أن عليه ضمان النقص الحاصل بالقلع دون النقص

الحاصل بالغرس والبناء.

(فإن أبي) رب الغرس أو البناء قلعه. سواء قيل بضمانه للنقص أو لا.

(فللشفيع اخذه) أي: الغرس والبناء ملكا (بقيمته حين تقويمه).

قال الحارثي: يعتبر بدل البناء أو الغراس بما يساويه حال التقويم لا بما انفق المشتري، زاد على القيمة أو نقص. ذكره أصحابنا. انتهي.

وقال في " المغني ": أنه لا يمكن الحجاب قيمته مستحقا للبقاء في الأرض،

لأنه لا يستحق ذلك ولا قيمته مقلوعا، لأنه لو وجبت قيمته مقلوعا لملك قلعه

ولم يضمن شيئا.

ولأنه قد يكون مما لا قيمة له إذا قلعه.

ص: 421

ولم يذكر أصحابنا كيفية وجوب القيمة. والظاهر أن الأرض تقوم وفيها

الغراس والبناء ثم تقوم خالية منهما فيكون ما بينهما قيمة الغرس والبناء فيدفعه

الشفيع إلى المشتري إن أحب أو ما نقص منه إن اختار القلع، لأن ذلك هو الذي

زاد بالغراس

(1)

والبناء.

ويحتمل أن يقوم الغرس والبناء مستحقا للترك بالأجرة أو لأخذه بالقيمة إذا

امتنعا من قلعه. فإن كان للغرس وقت يقلع فيه فيكون له قيمة، وإن قلع قبله لم

يكن له قيمة أو تكون قيمته قليلة. فاختار الشفيع قلعه قبل وقته: فله ذلك، لأنه

يضمن النقص فينجبر به ضرر المشتري. سواء أكثر النقص أو قل، ويعود ضرر كثرة النقص على الشفيع وقد رضي باحتماله.

وإن غرس أو بنى مع الشفيع أو وكيله في المشاع ثم أخذه الشفييع: فالحكم

في اخذ نصيبه من ذلك كالحكم في أخذ جميعه. انتهي.

وجزم ابن رزين في " شرحه " بما قال في " المغني ": انه الظاهر.

إذا علمت ذلك: فالمذهب ان الشفيع مخير بين شيئين هما: الأخذ بالقيمة

حين التقويم، (أو قلعه ومن نقصه) الذي ينقصه بالقلع (من قيمته). وهذا

التخيير هو قول أكثر العلماء.

وقيل: أنه مخير بين ثلاثة أشياء، والثالث: أن يقره بأجرة.

(فإن أبي) الشفيع أحد الشيئين على المذهب: (فلا شفعة) أي: فلا

يملك المطالبة بها بعد ذلك، لأنه مضار.

(وإن حفر) المشتري في الأرض التي منها الشقص المشفوع (بئرا) لنفسه

بإذن الشفيع لإظهار زيادة في الثمن ثم علم فأخذ بالشفعة: (أخذها) أي: أخذ

البئر مع الشقص، (ولزمه) أي: الشفيع للمشتري (اجرة مثلها) أي: مثل

البئر، لأن المشتري لم يتعد بحفرها.

(1)

في أوب: بالغرس.

ص: 422

(وإن باع شفيع شقصه) في الأرض التي أبيع منها الشقص المشفوع (قبل

علمه) ببيع

(1)

شريكه: (فعلى شفعته)، لأنها ثبتت له حين باع شريكه ولم

يوجد منه ما يدل على عفوه عنها.

وقيل: تسقط.

وعلى هذا فيما إذا باع بعض شقصه وجهان.

(و) على المذهب: (تثبت) الشفعة (لمشتر) وهو الذي لم يعلم الشفيع

بشرائه حتى باع شقصه (في ذلك) أي: فيما باعه الشفيع قبل علمه ببيع شريكه.

سواء أخذ منه ما اشتراه بالشفعة أو لم يؤخذ، لأنه شريك في الرقبة. أشبه

المالك الذي لم يستحق عليه شفعة.

وقيل: إن أخذ المبيع من المشتري الأول بالشفعة لم تكن له شفعة على

المشتري الثاني.

وعلم مما تقدم أنه لو باع جميع حصته بعد علمه ببيع شريكه إن شفعته تسقط

وهو صحيح.

قال في " الإنصاف ": لا خلاف فيه أعلمه.

لكن لو باع بعض حصته عالما: ففي سقوط الشفعة وجهان، وأطلقهما في

" المغني " و" الشرح " و" الفائق ": أحدهما: تسقط، والثاني: لا تسقط،

لأنه قد بقي في ملكه ما يستحق به الشفعة في جميع المبيع لو انفرد فكذلك إذا بقي. قال الحارثي: وهو أصح إن شاء الله تعالى، لقيام المقتضي وهو الشركة.

وهل للمشتري الأول شفعة على المشتري الثاني في هذه الصورة؟ فيه

وجهان، وأطلقهما في " المغني " و" الشرح ":

أحدهما: له الشفعة.

قال الموفق في " المغني ": وهو القياس.

(1)

في أ: بيع.

ص: 423

والوجه الثاني: لا شفعة له.

(وتبطل) الشفعة أي: تسقط (بموت شفيع) لم يطلب مع قدرة أو يشهد

مع عذر، لأنها نوع خيار شرع للتمليك. أشبه قبول الأيجاب في الذي به تمام

عقده، فإنه لو مات من يريد القبول بعد أيجاب صاحبه وقبل قبوله لم يقم وارثه

مقامه في القبول.

ولأنا لا نعلم بقاءه على الشفعة، لاحتمال رغبته عنها، ولا ينتقل إلى الورثة

ما شك في ثبوته.

وقال بعضهم: إنما لم تورث، لأن حق الميت سقط بترك الطلب وإعراضه

عنه. لا سيما على قولنا إنها على الفور.

فعلى هذا: لو كان الميت غائبا أو لم يعلم بالبيع فللورثة المطالبة.

ونقل أبو طالب: إذا مات صاحب الشفعة فلولده أن يطلبوا الشفعة

لمورثهم.

قال في " القواعد ": وظاهر هذا إن لهم المطالبة بكل حال. انتهي.

و (لا) تسقط الشفعة ان مات الشفيع (بعد طلبه) المشتري بها، (أو) بعد

(إشهاد به) أي: بالطلب (حيث اعتبر) الإشهاد، كما لو كان الشفيع مريضا

أو نحوه.

قال أحمد في رواية أبي طالب: الشفعة لا تورث. ل صه لم يكن طلبها.

فجعل العلة في إبطالها بالموت عدم العلم بطلب الميت. فيؤخذ منه إذا علم

طلب الميت بها لم تسقط.

وقد تقدم إنه بمجرد الطلب ينتقل ملك الشقص المشفوع إلى الشفيع فيكون

الحق موروثا بهذا الاعتبار.

(وتكون لورثته كلهم بقدر إرثهم).

ومن قال بأن الملك لا ينتقل بمجرد الطلب علل عدم سقوط الشفعة بالموت.

بعد الطلب بأن الطلب مقرر للحق، وإذا تقرر الحق وجب أن يكون موروثا.

ص: 424

وعلى هذا إذا عفى بعض الورثه عن حقه توفر على باقي الورثة، ولم يكن

لهم أن يأخذوا إلا الكل أو يتركوا، كالشفعاء إذا عفى بعضهم.

وعلى الأول: ليس لهم ولا لبعضهم رد ذلك، لانتقال الملك إلى مورثهم

بطلبه. أشبه ما لو اشترى شيئا ثم مات فإنه ليس لأحد من الورثة رد هذا الشراء،

إلا ان يكون بمحاباة مع وارث فإنه يبطل في قدرها فقط.

(فإن عدموا) يعني: لو طلب شريك بما يستحقه من شفعته ثم مات ولا

وارث له (فللأمام الأخذ بها)، لأن ذلك حق مستقر لميت لا وارث له. فملك

الأمام أخذه، كسائر حقوقه.

ص: 425

] فصل: في ثمن المشفوع]

(فصل. ويملك الشقص) المشفوع بالأخذ بالشفعة (شفيع مليء بقدر

ثمنه) الذي استقر عليها الشراء من الشريك الشفيع (المعلوم) للشفيع.

أما كون الشفيع لا يأخذ الشقص إلا بقدر ثمنه، فلما روي في حديث جابر أن

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هو أحق بالثمن ". رواه أبو إسحاق الجوزجانى في" المترجم ". ولأن الشفيع إنما استحق الشقص بالبيع. فكان مستحقا له بالثمن،

كالمشتري.

فإن قيل: إن الشفيع استحق أخذه بغير رضى مالكه. فينبغي أن يأخذه

بقيمته، كالمضطر يأخذ طعام غيره.

فالجواب: أن المضطر استحق أخذه بسبب حاجته

(1)

خاصة. فكان المرجع

في بدله إلى قيمته، والشفيع استحقه لأجل البيع. فكان المرجع في بدله إلى ثمنه.

وأما كونه يشترط أن يكون الثمن معلوما للشفيع فلأن الأخذ بالشفعة أخذ

بعوض. فاشترط أن يعلمه باذل قبل الإقدام على التزامه، كالمشتري لمبيع.

(و) حيث تقرر هذا فإن كان الثمن من المثليات، كالدارهم والدنانير، أو

غيرهما من المثليات، كالحبوب والأدهان: فإن الشفيع (يدفع) للمشتري

(مثل مثلي) أي: قدره من جنسه، لان هذا مثل من طريق الصورة والقيمة.

فكان أولى من سواه.

ولأن الواجب بدل الثمن. فكان مثله، كبدل القرض والمتلف.

(و) إن كان الثمن من الأعيان المتقومات، كالثياب والحيوان والعقارات.

فإن الشفيع يدفع للمشتري (قيمة متقوم)، لأنها بدله في الإتلاف. والمراد

(1)

في ا: لحاجة.

ص: 426

قيمته وقت الشراء، لانه وقت استحقاق الأخذ. ولا اعتبار بزيادة القيمة أو

نقصها بعد ذلك.

وإن كان في البيع خيار اعتبرت القيمة عند لزومه، لأنه حين استحقاق الأخذ.

(فإن تعذر) على الشفيع (مثل مثلي) لعدمه: (فقيمته، أو) تعذرت

(معرفة قيمة المتقوم) بتلفه أو نحوه: (فقيمة شقص) مشفوع، لأن الأصل في

عقود المعاوضات أن يكون العوض فيها بقدر القيمة، لأنها لو وقعت بأقل أو

أكثر لكانت محاباة

(1)

والأصل عدمها.

(وإن جهل الثمن) أي: قدره، كما لو كان صبره نقد فتلفت أو اختلطت

بما لا تتميز منه، (و) الحال: أنه (لا حيلة) في ذلك على إسقاط الشفعة:

(سقطت)، كما لو علم قدر الثمن عند الشراء ثم نسي، لأن الشفعة لا تستحق

بغير بدل، ولا يمكن أن يدفع إليه ما لا يدعيه.

(فإن اتهمه) الشفيع بأن فعل ذلك تحيلا على إسقاط الشفعة (حلفه) على

نفي ذلك، لاحتمال صدق الشفيع.

(ومعها) أي: مع الحيلة (فقيمة شقص.

وإن عجز) عن دفع ثمن الشقص المشفوع، (و) كذا (لو) كان عاجزا

(عن) دفع (بعض ثمنه)، لأنه في أخذه بدون دفع جميع الثمن إضرارا

بالمشتري ولا يزال الضرر بالضرر.

والعجز المسقط لها إنما يعتبر (بعد انظاره) أي: الشفيع بالثمن من حين

أخذ بالشفعة (ثلاثا) أي: ثلاث ليال بأيامهن.

قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب حتى يتبين عجزه. نص

عليه وجزم به في " الرعأية الكبرى " و" المحرر ". انتهي.

ولأنه قد لا يكون معه نقد فيمهل بقدر ما يعده فيه. والثلاث آخر حد جمع

القلة، ويمكن الإعداد فيها غالبا.

(1)

في اوب: بمحاباة.

ص: 427

وعن أحمد في رواية حرب: ينظر الشفيع يوما أو يومين بقدر ما يرى

الحاكم. فإذا كان اكثر فلا.

وعنه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم.

قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب في وقتنا هذا. انتهي.

(فلمشتر) لم يرض بتأخير الثمن حيث عجز الشفيع عنه أو هرب وقد أخذ

الشقص بالشفعة (الفسخ) من غير حاكم، لأنه تعذر عليه الوصول إلى الثمن

فملك الفسخ، كبائع بثمن حال تعذر وصوله إليه.

ولأن الأخذ بالشفعة لا يقف على حكم الحاكم. فلا يقف فسخ الأخذ بها

عليه، كفسخ غيرها من الييوع. وكالرد بالعيب.

وقيل: يفسخه الحاكم.

وفيل: بل بأن بطلان الأخذ فلا يحتاج إلى فسخ.

وعلى المذهب: للمشتري الفسخ (ولو أتى) الشفيع (برهن) على الثمن

(أو) بـ (ضامن) له فيه، ولو كان الرهن حرزا والكفيل مليئا، لأن الضرر

بتأخير الثمن حاصل معهما والشفعة شرعت لدفع الضرر فلا تلزم معه.

ولأن المشتري لا يلزمه تسليم الشقص فبل قبض ثمنه. قاله في " التلخيص "

وغيره. وفرق بينه وبين البيع.

(ومن) أي: وأي شفيع أخذ بالشفعة الشقص و (بقي) ثمنه (بذمته حتى

فلس) أي: حكم

(1)

بفلسه: (خير مشتر) اخذ منه الشقص بالشفعة (بين فسخ)

للأخذ بالشفعة (أو ضرب مع الغرماء) بالثمن، كالبائع إذا أفلس المشتري.

(و) ثمن (مؤجل) أخذ به المشتري الشقص ولم يدرك الشفيع الأخذ حتى

(حل) على المشتري: (كحال) أي: كما لو اشترى به حالا.

قال في " الفروع ": فإن مضى ثم علم فكحال.

(1)

في ج: حكم الحاكم.

ص: 428

وقال الحارثي: إطلاق قول المصنف- يعني: به الموفق في " المقنع "- إن

كان مؤجلا أخذه بالأجل أن كان مليئا: يفيد ما لو لم يتفق طلب الشفيع إلا عند

حلول الأجل أو بعده: أنه يثبت له استئناف الأجل.

قال في " الإنصاف " عن الحارثي: وقطع به ونصره. انتهي.

(وإلا) أي: وإن لم يحل الثمن المؤجل قبل اخذ الشفيع الشقص بالشفعة

(فإلى اجله) أي: فيأخذه به إلى أجله (إن كان) الشفيع (مليئا، أو كفله)

كفيل (مليء). نص عليه وعليه الأكثر.

وقيل: يشترط وصف الثقة مع الملاءة فلا تستحق الشفعة بدونهما.

قال الحارثي: وليس ببعيد من النص.

أما كون الشفيع يأخذه بالثمن إلى أجله، فلأنه تابع للمشتري في قدر الثمن

وصفته والتأجيل من صفاته.

ولأن في الحلول زيادة على التأجيل. فلم يلزم الشفيع، كزيادة القدر.

وأما كون الشفيع يشترط ان يكون مليئا أو ان يأتي بكفيل مليء، فلكي يحفظ

المال إلى أجله، لكون المشتري لم يرض بذمة غير مليء.

(ويعتد) في تقدير ثمن (بما زيد) فيه (أو حط) منه (زمن خيار)، لان

زمن الخيار بمنزلة حالة العقد، والتغيير يلحق بالعقد فيه، لانهما على اختيارهما

فية.

ولأن حق الشفيع إنما يثبت إذا لزم العقد. فاعتبر القدر الذي لزم العقد عليه.

ولأن الزيادة بعد لزوم العقد هبة والنقص إبراء. فلا يثبت لثميء منهما في حق

الشفيع.

(ويصدق مشتر بيمينه) فيما إذا اختلف هو والشفيع (في قدر ثمن) اشترى

به الشقص حيب لا بينة، لأن العاقد أعرف بالثمن.

ولأن الشقص ملكه. فلا ينتزع منه بما يدعي به من قدر الثمن من غير بينة.

ص: 429

فإن قيل: فلم لا كان القول قول الشفيع، لأنه غارم ومنكر للزيادة. فيكون

كالغاصب والمتلف والضامن لنصيب شريكه إذا أعتق؟.

فالجواب: إن الشفيع ليس بغارم، لأنه لا شئ عليه. وإنما يريد بذلك

(1)

تملك الشقص بثمنه. بخلاف الغاصب والمتلف والمعتق.

(و) كذا (لو) كان الثمن (قيمة عرض) اشترى به الشقص، وقال

الشفيع: قيمته عشرون، وقال المشتري: بل ثلاثون، فإن القول قول المشتري

في قدر قيمة العرض المشترى به بيمينه حيث لا بينة، لما تقدم.

ومحل ذلك: حيث لم يكن العوض موجودا. فإن كان موجودا عرض على

المقومين ليشهدوا بما يعلمونه من قدر قيمته.

] (و) يصدق المشتري بيمينه أيضا في (جهل به) أي: بقدر التمن،

كتصديقه بيمينه في جهل بقيمة العرض المشترى به، لجواز ان يكون اشتراه جزافا أو بثمن نسي مبلغه]

(2)

.

(و) يصدق المشتري بيمنه أيضا في (أنه غرس أو بنى) في الأرض التي

منها الشقص المشفوع فيما إذا انكر الشفيع انه أحدث ذلك، لانه ملك

المشتري، والشفيع يريد تملكه عليه. فكان القول قول المالك.

ومحل ذلك كله: مع عدم بينة تشهد بما يقوله الشفيع، ولهذا قلت:

(إلا مع بينة شفيع) فإنه يعمل بها إذا انفردت بلا نزاع.

(و) إن أقام كل واحد بينة بدعواه التي تصح إقامة البينة عليها: فبينة الشفيع

(تقدم على بينة مشتر) على المذهب، لأنه خارج، والمشتري داخل.

وقيل: يتعارضان.

وقيل: باستعمالهما بالقرعة.

وقيل: تقدم بينة مشتر.

(1)

زيادة من ج.

(2)

ساقط من ا.

ص: 430

(وإن قال) المشتري للشقص: (اشتريته بألف.، واثبته) أي: أثبت البيع

(بائع بأكثر) من الف: (فللشفيع اخذه) بالشفعة (بألف)، لأن المشتري مقر

له باستحقاق أخذه بألف. فلم يستحق الرجوع عليه بأكثر من ذلك.

ولأن المشتري يذكر أن هذه البينة كاذبة وإن البائع ظلمه فيما زاد على

الألف. فلم يحكم له به. وإنما حكم به للبائع، لأنه لا يكذبها.

(وإن

(1)

قال) المشتري: صدقت البينة و (غلطت) أنا (أو نسيت أو

كذبت: لم يقبل) رجوعه عن قوله الأول، لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حق

آدمي غيره. فأشبه ما لو أقر له بدين.

وقيل: يقبل، لأنه قد حكم الحاكم بكذبه فقبل رجوعه عن الكذب.

(وإن ادعى شفيع) على من انتقل إليه شقص كان بيد شريكه (شراءه) أياه

(بألف) وطالب بالشفعة احتاج إلى تحرير الدعوى فيحدد المكان الذي منه

الشقص ويذكر قدر الشقص. فإن اعترف عن غريمه وجبت الشفعة، وان انكر

(فقال: بل اتهبته أو ورثته: حلف) على ذلك ولا شفعة. لأن الأصل معه،

والمثبت للشفعة البيع ولم يتحقق.

(فإن نكل) عن اليمين، (أو قامت لشفيع بينة) بالبيع، (أو أنكر)

المدعى عليه البيع (واقر بائع) به: (وجبت) الشفعة في المسائل الثلاث.

(و) متى إنتزع منه الشقص وأبي قبض الثمن: فإنه (يبقى الثمن حتى في)

المسالة (الأخيرة: إن أقر بائع بقبضه) أي: بقبض الثمن ممن انتزع منه الشقص

(في ذمة شفيع) متعلق بيبقى. (حتى يدعيه مشتر) فيدفع إليه.

وقيل: يأخذه الحاكم فيحفظه لمشتر إلى أن يدعيه فيدفع إليه.

وقيل: يقال لمن انتزع منه الشقص: أما إن تقبضه وإن تبرئ منه.

(وإلا) أي: وإن لم يكن البائع في المسألة الأخيرة أقر بقبض الثمن: (أخذ

(1)

في ا: فان.

ص: 431

الشقص من بائع، ودفع إليه الثمن)، لأنه معترف بما يوجب الشفعة وهو البييع والمشتري فأخذ بإقراره، لأنه اقر بحقين للشفيع وحق للمشتري. فإذا سقط حق المشتري بإنكاره ثبت حق الآخر، كما لو أقر بدار لرجلين فأنكره أحدهما.

وقيل: لا تثبت الشفعة، لأنها فرع البييع ولم يثبب الأصل.

(ولو ادعى شريك) في عقار تثبت فيه الشفعة (على) انسان (حاضر، بيده

نصيب شريكه الغائب، أنه) أي: الحاضر (اشتراه) أي: الشقص (منه)

أي: من الغائب، (وأنه) أي: المدعي (يستحقه) أي: الشقص (بالشفعة.

فصدقه) المدعى عليه: (أخذه) أي: أخذ المدعي الشقص ممن هو بيده، لأن

من بيده العين يصدق في تصرفه فيما هو بيده.

(وكذا) الحكم (لو ادعى) الشريك على حاضر: (أنك بعت نصيب

الغائب بإذنه. فقال: نعم) فإن للمدعي أخذ الشقص بالشفعة، (فإذا قدم)

الغائب (فأنكر) البييع والإذن في البييع: (حلف)، وينتزع الشقص، ويطالب

بالأجرة من شاء منهما، (ويستقر الضمان على الشفيع)، لأن المنافع تلفت

تحت يده.

وإذا ادعى الشريك على الوكيل انك اشتريت الشقص الذي في يدك فانكر،

وفال: إنما أنا وكيل فيه أو مستودع له: فالقول قوله مع يمينه.

فإن نكل فقال في " المغني ": احتمل أن يقضى عليه، لأنه لو أقر لقضي

عليه فكذلك اذا نكل. واحتمل أن لا يقضى عليه، لأنه قضاء على الغائب بغير

بينة ولا إقرار من الشقص بيده.

ص: 432

] فصل: في وجوب الشفعة فيما ادعى شراءه لموليه]

(فصل. وتجب الشفعة فيما) أي: في شقص (ادعى) المشتري (شراءه

لموليه) أي: لمن اشترى وليه، لأن الشفعة حق ثبت لإزالة الضرر. فاستوى

فيه مطلق التصرف والمحجور عليه، وقبل إقرار وليه فيه كما يقبل إقراره بعيب

في مبيعه.

وقيل: لا تجب الشفعة بإقرار الولي عليه بالشراء، لأنه أيجاب حق في مال

المحجور عليه بإقرار وليه.

وكذا لو قال مشتري الشقص: إنما اشتريته لفلان الغائب، فإن الشفعة تثبت

وياًخذه الحاكم ويدفعه إلى الشفيع، ويكون الغائب على حجته إذا قدم، لأننا لو

وقفنا الأمر في الشفعة إلى حضور المقر له لكان في ذلك إسقاط الشفعة، لأن كل مشتر يدعي ان الشراء لغائب.

وأما إذا أقر المدعى عليه بمجرد الملك لموكله الغائب أو لمحجوره ثم أقر

بالشراء بعد ذلك: لم تثبت الشفعة حتى تقوم بالشراء بينة أو يقدم الغائب وينفك

الحجر عن المحجور ويعترفا بالشراء، لأن الملك إنما ثبت لهما بالإقرار

فإقراره بالشراء بعد ذلك إقرار في ملك غيره فلا يقبل.

وإن لم يذكر سبب الملك: لم يسأله الحاكم عنه، ولم يطالب ببيانه، لأنه

لو صرح بالشراء لم تثبت به شفعة فلا فائدة في الكشف عنه. ذكره في

"المغني ".

و (لا) تثبت الشفعة (مع خيار) لمجلس أو مشترط في عقد التبايع لبائع أو

مشتري (قبل انقضائه).

قال في " القواعد " في الفائدة الرابعة: وأما الشفعة فلا تثبت في مدة الخيار

على الروايتين عند أكثر الأصحاب، ونص عليه في رواية حنبل. فمن الأصحاب

ص: 433

من علل بأن الملك لم يستقر، وعلل القاضي في "خلافه " بأن الأخذ بالشفعة

يسقط حق البائع من الخيار، ولذلك لم تجز المطالبة في مدته.

فعلى هذا لو كان الخيار للمشتري وحده ثبتت الشفعة. انتهي.

ووجه عدم ثبوت الشفعة مع كون الخيار للمشتري وحده: ان في الأخذ بها

إلزاما للمشتري بالعقد بغير رضاه، وإيجاب العهدة عليه، وتفويت حقه من

الرجوع في عين الثمن. فلم يجز، كما لو كان الخيار للبائع وحده. فاننا إنما

منعنا من الشفعة إذا، لما فيه من إبطال خياره وتفويت حقه من الرجوع في عين ماله، وهما في نظر الشارع

(1)

على السواء.

وفارق الرد بالعيب فإنه إنما ثبت لاستدراك الظلامة وذلك يزول بأخذ

الشفيع. قاله في " المغني "، وقال: فإن باع الشفيع حصته في مدة الخيار عالما

ببيع الأول سقطت شفعته وثبتت الشفعة فيما باعه للمشتري الأول في الصحيح من المذهب.

وفيه

(2)

وجه اخر: أنه يثبت للبائع بناء على الملك في مدة الخيار لمن هو

منهما، وإن باعه قبل علمه بالبيع فكذلك وهو مذهب الشافعي، لأن ملكه زال

قبل ثبوت الشفعة. انتهي.

وقيل: تثبت الشفعة مع الخيارحيث قيل بانتقال الملك.

وقيل: تثبت مع خيار الشرط إذا كان للمشتري وحده.

(وعهدة شفيع) فيما إذا ظهر

(3)

الشقص المشفوع مستحقا أو معيبا وأراد

الشفيع الرجوع بالثمن أو الأرش: (على مشتر)، لأن الشفيع ملكه من جهته.

فرجع عليه، لكونه كبائعه.

ولأن الشفعة مستحقة بعد الشراء أو حصول الملك للمشتري. فكانت العهدة

عليه.

(1)

في أوب: الشرع.

(2)

في أوب: وفي.

(3)

في ا: فيما أظهر.

ص: 434

(إلا إذا أنكر) مشتري الشراء أو لم تقم به بينة، (وأخذ) الشقص (من

بائع) لإقراره بالبيع: (فـ) إن العهدة في هذه الصورة (عليه) أي: على بائع،

لحصول الملك للشفيع من جهته. قاله الزركشي.

قال في " الإنصاف ": وهو واضح.

(كعهدة مشتر) فإنها على بائع. والعهدة في الأصل اسم لكتاب الشراء.

(فإن أبي مشتر) لشقص مشفوع (قبض مبيع)، لئلا تكون عليه عهدته:

(أجبره حاكم)، لأن القبض واجب لتحصيل حق المشتري في تسليمه. ومن

شأن الحاكم ان يجبر الممتنع.

وقال أبو الخطاب: قياس المذهب: أن يأخذه الشفيع من يد البائع، لأن

العقد يلزم في العقار من غير قبض، ويدخل في ملك المشتري بنفس البيع.

بدليل صحة التصرف فيه قبل قبضه.

(وإن ورث اثنان) مع التساوي أو التفاضل (شقصا) عن أبيهما أو غيره من

عقار تجب فيه الشفعة، (فباع أحدهما) أي: أحد الوارثين (نصيبه) الذي ورثه

أو بعضه: (فالشفعة) فيما بيع مشتركا

(1)

(بين) الوارث (الثاني) الذي لم

يبع، (و) بين (شريك مورثه) على قدر ملكها، لانهما شريكان حال ثبوت

الشفعة. فكانت بينهما، كما لو تملكاها بسبب واحد.

ولأن الشفعة ثبتت لدفع ضرر الشريك الداخل على شركائه بسبب شركته.

وهو موجود في حق الكل.

وهكذا لو اشترى إنسان نصف دار ثم اشترى اثنان نصفها الآخر أو ورثاه أو

اتهباه، أو وصل إليهما بسبب من أسباب الملك فباع أحدهما نصيبه. أو لو ورث

ثلاثة دارا فباع أحدهما نصيبه من اثنين ثم باع أحد المشترين نصيبه: فالشفعة بين جميع الشركاء على قدر الأملاك.

(1)

في اوب: مشتركة.

ص: 435

ولو مات رجل وخلف ثلاث بنين وأرضا فمات أحدهم عن ابنين فباع أحد

العمين نصيبه فالشفعة بين أخيه وابني أخيه

(1)

.

ولو خلف ابنين وأوصى بثلثه لاثنين فباع أحد الوصيين أو احد الابنين

فالشفعة بين شركائه.

(ولاشفعة لكافر على مسلم).

قال في" الإنصاف ": نص عليه من وجوه كثيرة. وهو المذهب، وعليه

الأصحاب. وهو من مفردات المذهب. انتهي.

وبه قال الحسن والشعبي.

وقيل: بلى. ذكره ناظم " المفردات "، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب

الرأي، لعموم قوله عليه السلام

(2)

: " لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه،

وإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به "

(3)

.

ولأنه خيار ثبت لدفع الضرر بالشراء. فاستوى فيه المسلم والكافر، كالعيب.

قال في " المغني ": ولنا ما روى الدارقطني في " كتاب العلل " بإسناده عن

أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا شفعة لنصرانى"

(4)

.وهذا يخص عموم ما احتجوا به. ولأنه معنى يملك به يترتب على وجود ملك مخصو ص. فلم يجب للذمي

على المسلم، كالزكاة.

ولأنه معنى يختص به العقار. فأشبه الاستعلاء في البنيان. يحققه: أن

الشفعة إنما تثبت للمسلم دفعا للضرر عن ملكه. فقدم دفع ضرره على دفع ضرر المشتري. ولا يلزم من تقديم دفع ضرر المسلم على المسلم بتقديم دفع ضرر

(1)

في أ: فالشركة بين أخيه وابن أخيه. وفي ب: فالشركة بين أخيه. وإسقاط: وابنى أخيه.

(2)

في ب: ص.

(3)

سبق تخريجه ص (383) رقم (1).

(4)

أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 6: 108 كتاب الشفعة، باب روايه ألفاظ منكرة يذكرها بعض الفقهاء في مسائل الشفعة.

واخرجه الطبرانى في " الصغير " 1: 206،

ص: 436

الذمي. فإن حق المسلم أرجح ورعأيته أولى.

ولأن ثبوت الشفعة في محل الإجماع على خلاف الأصل رعاية لحق الشريك

المسلم، وليس الذمي في معنى المسلم. فيبقى على مقتضى الأصل.

وثبتت الشفعة للمسلم على الذمي، لعموم الأدلة الموجبة.

ولأنها إذا ثبتت في حق المسلم على المسلم مع عظم حرمته ورعاية حقه.

فلأن تثبت على الذمي مع دناءته أولى وأخرى. انتهي.

وشمل قوله: الكافر الأصلي والمرتد والمكفرين من أهل البدع، كالدعاة

إلى القول بخلق القران. بل مثل هذا أولى بأن لا تثبت له على المسلم، لأن

الشفعة إذا لم تثبت للذمي الذي يقر على كفره على المسلم. فمن لا يقر على

كفره أولى.

وتثبت للقروي على البدوي وعكسه، لعموم الأدلة واشتراكهما في المعنى

المقتضي لوجوب الشفعة.

وقال الشعبي والليثي

(1)

: لا شفعة لمن لا يسكن المصر.

(ولا) تثبت الشفعة (لمضارب) أي: لعامل في المضاربة (على رب المال).

وصورة ذلك: أن يشتري من مال المضاربة شقصا فيما تجب فيه الشفعة مما

للعامل فيه شركة. فإنه لا تجب فيه شفعة (إن ظهر ربح) في مال المضاربة،

لأنه يصير له جزء في مال المضاربة. فلا تجب له على نفسه.

(وإلا) أي: وإن لم يظهر ربح (وجبت) له الشفعة. نص عليه، لأن ملك

الشقص المشترى من مال المضاربة لغيره. أشبه ما لو كان وكيلاً في شرائه من

غير عقد مضاربة.

وقيل: تجب له الشفعة مع ظهور الربح أيضا.

ولبعض الأصحاب طريقة ثانية في محل الخلاف في هذه المسألة وهي: أن

الوجهين جاريين. سواء ظهر ربح أو لا، وسواء قلنا يملك العامل حصته

بالظهور أولا.

(1)

في أوب: البتي.

ص: 437

(ولا) تجب الشفعة (له) لرب المال (على مضارب).

وصورة ذلك: أن يشتري العامل من مال المضاربة شقصا مما تجب فيه

الشفعة ولرب المال فيه شركة فإنه لا شفعة لرب المال فيه، لأن الملك له.

وقيل: بلى. والوجهان مبنيان على الخلاف في شراء رب المال من مال

المضاربة شيئا لنفسه.

(ولا) تجب الشفعة أيضا (لمضارب فيما) أي: في شقص (باعه من

مالها) أي: مال المضاربة، (وله) أي: للعامل (فيه) أي: في الذي منه

الشقص المبيع (ملك)، لانه متهم. أشبه شراءه من نفسه.

(وله) أي: للمضارب (الشفعة فيما) أي: في شقص (بيع) أي: باعه

مالكه الأجنبي لشخص أجنبي في مكان تجب فيه الشفعة، والحال: أن فيه

(شركة لمال المضاربة: أن كان) أي: وجد (حظ) في الأخذ بالشفعة، كما

لو كان ثمنه دون ثمن المثل، لانه بمظنة ان يربح.

(فإن أبي) العامل أخذه بالشفعة لرأي رآه من بيعه بفوق ثمن المثل أو غير

ذلك: (أخذ بها) أي: بالشفعة (رب المال)، لأن مال المضاربة ملكه،

والشركة في الحقيقة إنما هي له.

ولا ينفذ عفو العامل عن الشفعة، لأن الملك لغيره. أشبه العبد المأذون له

في التجارة.

وتثبت الشفعة للسيد على مكاتبه.

قال في " الإنصاف ": ذكره القاضي والمصنف- يريد به الموفق-

وغيرهما، لأن السيد لا يملك ما في يده ولا يزكيه، ولهذا جاز إن يشتري منه.

وأما العبد المأذون له وان كان لا دين عليه فلا شفعة بحال لسيده. وإن كان

عليه دين فالشفعة عليه تنبني على جواز الشراء منه على ما تقدم في أواخر

الحجر. انتهي. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ص: 438

] باب: الود يعة]

هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام الوديعة.

وهي: فعيلة من ودع الشيء إذا تركه، لأنها تكون متروكة عند المودع.

وقيل: مشتقة من الدعة. فكأنها عند المودع غير مبتذلة للانتفاع بها.

وقيل: من ودع الشيء يدع إذا سكن واستقر. فكأنها ساكنة عند المودع.

قال الأزهري: وسميت وديعة بالهاء، لأنهم ذهبوا بها إلى الأمانة.

والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: (فان أمن

بعضهم بعضا فليؤد الذى أؤتمن أمانته)] البقرة: 283].

وأما السنة، فما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أد الأمانة إلى من

ائتمنك ولا تخن من خانك "

(1)

رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.

وأجمع المسلمون على جواز الإيداع والاستيداع.

ولأن بالناس حاجة إلى ذلك. فإنه لا يمكن جميع الناس حفظ أموالهم

بانفسهم، ولا كل أحد له حرز يحفظ فيه ماله. فدعت الحاجة إلى ذلك،

ليتمكن من ليس له حرزمن حفظ ماله.

ثم (الوديعة) شرعا: (المال المدفوع إلى من) أي: انسان (يحفظه بلا

عوض) عن حفظه. فخرج بقيد المال: الكلب والخنزير ونحوهما. وبقيد

المدفوع: ما ألقته الريح أو نحوها

(2)

من ثوب أو نحوه إلى دار غيره، وما تعدى

عليه مما لم يدفعه مالكه. وبقيد بالحفظ: العارية. وبقيد عدم العوض: الأجير

على حفظ مال.

(1)

أخرجه أبو داود في "سننه "(3535) 3: 290 كتاب الإجارة، باب في الرجل ياً خذ حقه من تحت يده. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (1264) 3: 564 كتاب البيوع، باب رقم 38.

(2)

في اوب: نحوهما.

ص: 439

(والأيداع) شرعا: (توكيل) من مالك لمال (في حفظه)، حال كون

الحفظ (تبرعا) من الحافظ.

(والاستيداع) شرعا: (توكل) من انسان (في حفظه) أي: حفظ مال غيره

(كذلك) أي: تبرعا (بغير تصرف) فيه، لعدم الإذن في التصرف بغير الحفظ. (وتعتبر لها) أي: الوديعة (اركان وكالة)، لأنها نوع منها. فتبطل بما

تبطل به وكالة، إلا إذا عزله المالك ولم يعلم بعزله.

ولو عزل نفسه فهي بعده أمانة شرعية حكمها في يده حكم الثوب إذا أطارته

الريح إلى داره يجب رده إلى مالكه. قاله في " الإنصاف ".

وقال ابن رجب في القاعدة الثانية والستين: وقد ذكر القاضي في مواضع

كثيرة من " خلافه " أن للمودع فسخها بالقول في غيبة المودع، وتنفسخ قبل علم المودع بالفسخ، وتبقى في يده أمانة، كمن أطارت الريح إلى بيته ثوبا لغيره.

ثم أنه ذكر في مسألة الوكالة: أن الوديعة لا يلحقها الفسخ بالقول، وإنما تنفسخ

بالرد إلى صاحبها، أو بأن يتعدى المودع فيها. فلو قال المودع بمحضر من رب الوديعة أو في غيبته: فسخت الوديعة، أو أزلت نفسي عنها: لم تنفسخ قبل أن

تصل إلى صاحبها ولم يضمنها. فأما أن يكون هذا تفريقا بين فسخ المودع

والمودع، أو يكون اختلافا منه في المسألة. والأول أشبه، لأن فسخ المودع

إخراج للمودع عن الاستحفاظ وهو يملكه، وأما المودع فليس له فيها تصرف

سوى الإمساك والحفظ. فلا يصح أن يرفعه مع وجوده. انتهي.

ويستحب قبولها لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها، ويكره لغيره.

(وهي) أي: الوديعة (أمانة) بيد المودع، (لا تضمن) أي: لا يضمنها

المودع (بلا تعد ولا تفريط)، لما سيأتي في المتن أن شاء الله تعالى

(1)

،

[لأن الله سبحانه وتعالى]

(2)

سماها أمانة، والضمان ينافي الأمانة. فلا يضها

(1)

ص (458).

(2)

ساقط من اوب.

ص: 440

المودع (ولو تلفت من بين ماله). سواء ذهب معها من ماله شيء أو لا، لما

روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أودع وديعة فلا ضمان عليه "

(1)

. رواه ابن ماجه.

ولأن المستودع يحفظها لمالكها. فلو ضمنت لامتنع الناس من الدخول فيها

مع مسيس الحاجة إليه.

وعنه: إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها، لما روى عمر رضي الله تعالى

عنه: " أنه ضمن انس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله ".

قال في " المغني ": وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في

حفظها. انتهي.

قال الزركشي: ينبغي أن يكون محل الرواية: إذا ادعى التلف، أما إن ثبت

التلف: فإنه ينبغي انتفاء الضمان رواية واحدة.

(ويلزمه) أي: المودع (حفظها) أي: الوديعة (في حرز مثلها عرفا)،

لان الله تعالى قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ] النساء: 58]. ولأيمكن أداؤها بدون حفظها.

ولأن المقصود من الوديعة الحفظ. والاستيداع التزام ذلك. فإذا لم

يحفظهالم يفعل ما لتزمه.

والمراد بحرز مثلها، (كحرز سرقة). وهو في كل شيء بحسبه، كما

سيأتي في بابها.

(فإن عينه) أي: الحرز (ربها) أي: رب الوديعة، بأن قال: ضعها في

هذا البيت (فأحرز بدونه) أي: بمكان دون رتبة المعين بالنسبة إلى الحفظ

فتلفت: (ضمن)، لانه خالف المالك في حفظ ماله.

ولأن بيوت الدار تختلف فمنها ما هو أسهل نقبا ونحوه مما له أثر. فيضمنها

بوضعها في غيره.

(1)

اخرجه ابن ماجه. " سننه "(2401) 2: 802 كتاب الصدقات، باب الوديعة.

ص: 441

(ولو ردها إلى المعين) بعد ذلك

(1)

وتلفت فيه، لأنه تعدى فيها بوضعها

في الدون. فلا تعود أمانة إلا بعقد متجدد.

وقيل: ان ردها إلى الموضع الذي عينه مالكها فتلفت به بعد ان وضعها في

غيره: لم تضمن.

(و) إن أحرزها (بمثله) أي: بمثل المعين بالنسبة إلى الحفظ، (أو

فوقه) أي: أحفظ منه لها، كما لو أودعه خاتما وقال له: البسه في خنصرك

فلبسه في بنصره (ولو لغير حاجة) فتلفت: (لأيضمن).

قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. اختاره القاضي وابن

عقيل، وجزم به في " الوجيز " و" الكافي " وغيرهما. وقدمه في " الهدأية "

و" المذهب " و" المستوعب " في المسألة الأولى. وقدمه فيهما في " الفروع "

و" الرعأية الصغرى " و" الحاوي الصغير " و" الفائق ". انتهي.

ووجه ذلك: ان تعيين الحرز يقتضي الإذن في حرز مثله، كمن اكترى أرضا

لزرع الحنطة فإن له زرعها وزرع ما هو مثلها في الضرر. واقتضى الإذن فيما هو أحفظ من باب أولى كزرع ما هو دون ضرر الحنطة.

وقيل: وهو رواية في " التبصرة " أنه يضمن فيهما. إلا أن يفعله لحاجة.

قال في " المغني ": ويحتمل كلام الخرقي لزوم الضمان، لأن الأمر بشيء

يقتضي تعيينه. فلا يعدل عنه إلا بدليل. انتهي.

وقيل: يضمن إن أحرزها بمثله، ولا يضمن إن أحرزها بأعلى منها.

تنبيه:

قال في " الإنصاف ": قال الحارثي: لا فرق فيما ذكر بين الجعل أو لا في

غير المعين، وبين النقل إليه.

قال في " التلخيص ": وأصحابنا لم يفرقوا بين تلفها بسبب النقل، وبين

(1)

ساقط من ا.

ص: 442

تلفها بغيره. وعندي: إذا حصل التلف بسبب النقل، كإنهدام البيت المنقول

إليه: ضمن. انتهي.

ولو كانت العين في بيت صاحبها فقال لرجل: احفظها في موضعها فنقلها

عنه من غير خوف: ضمنها، لأنه ليس بمودع وإنما هو وكيل في حفظها، وليس

له إخراجها من ملك صاحبها،. ولا من موضع المتاجرة بها. إلا أن يخاف عليها فعليه إخراجها، لأنه مأمور بحفظها، وقد تعين حفظها في إخراجها ويعلم أن

صاحبها لو حضر في هذه الحال لأخرجها.

ولأنه مأمور بحفظها على صفته. فإذا تعذرت الصفة لزمه حفظها بدونها،

كالمستودع إذا خاف عليها. ذكره في " المغني ".

(وإن نهاه) مالكها (عن إخراجها) من المكان الذي عينه لحفظها

(فأخرجها) المودع منه (لغشيان) أي: حصول

(1)

(شيء الغالب منه

الهلاك)، كالنهب والحريق. فتلفت في المحل المنقولة

(2)

إليه: (لم يضمن)

المودع بنقلها شيئا (إن وضعها في حرز مثلها أو فوقه).

قال في " المغني ": بغير خلاف، لتعين نقلها عليه في هذه الحال، لأن في

تركها تضييعا لها.

(فإن تعذر) عليه إحرازها بمثل الحرز الأول (فأحرزها في دونه) أي:

بمحل دون الأول في الحفظ فتلفت به: (لم يضمنـ) ـها، لأن إحرازها به إذا

حفظ لها من تركها بمكانها، وليس في وسعه حينئذ سواه.

قال في " الإنصاف ": قلت: فيأتى بها. انتهي.

(وإن تركها إذا) أي: مع غشيان ما الغالب منه الهلاك بالمكان التي هي

به، (أو أخرجها) منه (لغير خوف) ويحرمان، (فتلفت) بالأمر المخوف أو

غيره: (ضمنـ) ـها.

(1)

في ا: حصل.

(2)

في ج: المنقول.

ص: 443

أما كونه يضمنها بتركها، فلأنها مفرط به.

وقيل: لا، لامتثاله أمر ربها.

وأما كونه يضمنها بإخراجها من غير خوف عليها. سواء أخرجها إلى مثل ما

كانت فيه أو أحرز منه، لأنه خالف ربها لغير فائدة. فكان متعديا بذلك.

وقيل: لا يضمن إذا، كما لو لم ينهه.

(فإن قال) له مالكها: (لا تخرجها وإن خفت عليها فحصل خوف

وأخرجها) خوفا عليها (أو لا) أي: أو لم يخرجها من حصول الخوف فتلفت

مع إخراجها أو تركها: (لم يضمن)، لأن نهي مالكها عن إخراجها مع خوف

الهلاك نص فيه فيكون مأذونا في تركها في تلك الحال. فلم يضمنها، لامتثاله

أمر صاحبها، كما لو قال له: أتلفها. فأتلفها.

ولا يضمن إذا أخرجها، لأنه زيادة خير وحفظ. فلم يضمن به، كما لو قال

له: أتلفها فلم يتلفها حتى تلفت.

وقيل: إن وافقه أو خالفه ضمن.

قال في " الإنصاف ": قلت: وهو ضعيف جدا. انتهي.

وعلم مما تقدم انه لو أخرجها من غير خوف عليها فتلفت انه يضمنها،

وصرح به الأصحاب.

(وإن لم يعلف) أو يسق مودع (بهيمة) أودعت عنده (حتى ماتت) جوعا

وعطشا: (ضمنها)، لأن العلف من كمال الحفظ الذي التزمه [بالاستيداع، بل

هو الحفظ بعينه، لأن العرف يقتضي علفها وسقيها. ويلزمه]

(1)

ذلك، لان

الحيوان يجب إحياؤه بالعلف والسقى.

وقيل: لا يضمنها ما لم يأمره مالكها بعلفها فلم يفعل.

(لا إن نهاه مالك) عن علفها فتركه حتى ماتت فإنه لا ضمان عليه لمالكها،

(1)

ساقط من ا.

ص: 444

لأنه ممتثل لقوله. أشبه ما لو قال له: اقتلها فقتلها.

(ويحرم) ترك علفها مطلقا، لأن الحيوان له حرمة في نفسه يجب إحياؤه

لحق الله تعالى.

(وان أمره) أي: أمر ربها المودع (به) أي: بعلفها: (لزمه)، لما تقدم.

ولأنه أخذها من مالكها على ذلك.

وقيل: لا يلزمه علفها إلا ان يقبله.

(و) إن قال رب وديعة لمن إستودعه: (إتركها في جيبك. فتركها في

يده، أو) تركها (في كمه. أو) قال له: اتركها (في كمك. فتركها في يده.

أو عكسه) بأن قال له: أتركها في يدك فتركها في كمه.

(أو اخذها) أي: أخذ المستودع الوديعة (بسوقه، وأمر) بالبناء للمفعول

أي: أمره مالكها (بحفظها في بيته. فتركها إلى حين مضيه فتلفت) قبل ان

يمضي بها إلى بيته.

(أو قال) له: (احفظها في هذا البيت، ولا تدخله أحدا فخالف) بان

أدخل إليه غيره، (فتلفت بحرق أو نحوه)، كنهب (أو سرقة ولو من غير

داخل) إلى البيت الذي أمره المالك أن لا يدخله أحد: (ضمن).

أما كونه يضمنها إذا وضعها فى يده أو كمه مع أمر مالكها بتركها في جيبه

لكون الجيب احرز، لأنه ربما نسي فسقط الشيء من يده أو من كمه.

وأما كونه يضمنها إذا أمر بتركها في كمه أو يده فعكس، لأن سقوط الشيء

من اليد مع النسيان أكثر من سقوطه من الكم.

ولأن تسلط الطرار بالبط على الكم. بخلاف اليد. فكان كل واحد ادنى من

الآخر حفظا من وجه. فضمن، لمخالفته.

وقيل: لا يضمن إن أمر بتركها في كمه فتركها في يده.

وقال القاضي: اليد أحرز عند المغالبة، والكم أحرز محند عدم المغالبة.

ص: 445

فعلى هذا إن أمره بتركها في يده فشدها في كمه عند غير المغالبة فلا ضمان

عليه. فان فعل ذلك عند غير المغالبة ضمن.

وإن أمره بشدها في كمه فأمسكها بيده عند المغالبة لم يضمن، وإن فعل

ذلك عند غير المغالبة ضمن.

وأما كونه يضمنها إذا أخذها بسوقه وأمر بحفظها ببيته وتركها إلى حين

مضيه، فلان البيت أحفظ. وفي تركها إلى حين مضيه تفريط يوجب ضمانها.

قال في " المغني ": ويحتمل أنه متى تركها عنده إلى وقت مضيه إلى منزله

في العادة فتلفت لم يضمنها، لأن العادة ان الانسان إذا أودع شيئا وهو في دكانه

أمسكه في دكانه وثيابه إلى وقت مضيه إلى منزله فيستصحبه معه. والموح عالم

بهذه الحالة راض بها، ولو لم يرض بها لشرط عليه خلافها أو أمره بتعجيل

حملها. فأما إن يقبلها بهذا الشرط أو يردها. انتهي.

قال في " الإنصاف ": قال الحارثي: وهذا الصحيح إن شاء الله تعالى.

قال في " الفروع ": وهو أظهر. قلت: وهو الصواب. انتهي.

وأما كونه يضمنها بمخالفته بإدخال انسان البيت الذي هي به، لأن الداخل

ربما شاهد الوديعة في دخوله البيت وعلم موضعها وطريق الوصول إليها فسرقها

أو دل عليها، لأنها مخالفة توجب الضمان حيث كانت سببا لإتلافها، كما لو

نهاه عن إخراجها فأخرجها لغير حاجة فانه يضمنها.

(لا إن قال) له رب الوديعه: (اتركها في كمك، أو) قال له: اتركها (في

يدك. فتركها في جيبه) فإنه لا يضمن تلفها منه، لانه أحرز.

وكذا إن أمره ربها بحفظها ولم يعين حرزا فتركها المودع في جيبه أو شدها

في كمه وعلى عضده من جانب الجيب أو غيره، أو تركها في كمه بلا شد وهي

ثقيلة يشعربها.

(أو ألقاها) المودع (عند هجوم ناهب، ونحوه)، كقاطع طريق (إخفاء

لها): فإنه لا يضمن، لأن هذا عادة الناس في حفظ أموالهم.

ص: 446

وقال القاضي: فيما إذا قال مالكها: احفظها وأطلق، أن شدها على عضده

من جانب الجيب: لم يضمن. وإن شدها من الجانب الاخر: ضمنها، لأن

الطرار يقدر على بطها. بخلاف ما إذا شدها مما يلي الجيب.

قال في " المغني ": وهذا يبطل بما إذا تركها في جيبه أو شدها في كمه فإن

الطرار يقدر على بطها ولا يضمن،

وليس إمكان إحرازها بأحفظ الحرزين مانعا من إحرازها بما دونه إذا كان

حرزا لمثلها. وشدها على العضد حرز لها كيف ما كان، لأن الناس يحرزون به أموالهم. فأشبه شدها في الكم وتركها في الجيب.

ولكن لو أمره بشدها مما يلي الجيب فشدها من الجانب الاخر: ضمن.

وإن أمره بشدها مما يلي الجيب الاخر فشدها مما يلي الجيب: لم يضمن،

لأنه أحرز.

وإن أمره بشدها على عضده مطلقا أو أمره بحفظها معه فشدها من أي

الجانبين كان: لم يضمن، لأنه ممتثل امر مالكها محرز لها بحرز مثلها.

وان شدها على وسطه فهو أحرز لها وكذلك إن تركها في بيته في حرزها.

وإن أمره أن يجعلها في صندوق، وقال: لا تقفل عليها ولا تنم فوقها

(1)

فخالفه في ذلك. أو قال: لا تقفل عليها إلا قفلا واحدا فجعل عليه قفلين:

فلا ضمان عليه. ذكره القاضي. انتهي.

(وإن قال مودع خاتم) لمستودعه: (إجعله في البنصر. فجلعه في

الخنصر) فضاع: (ضمنـ) ـه.

قال في " الإنصاف ": ذكره القاضي وابن عقيل واقتصر عليه الحارثي.

(لا عكسه) أي: لا إذا قال: اجعله في الخنصر فجعله في البنصر فإنه

لأيضمنه.

(1)

في ا: عليها.

ص: 447

قال في " الإنصاف ": ذكره الأصحاب وابن عقيل وغيرهم، لأنها اغلظ

فهي أحرز.

(إلا إن انكسر) الخاتم (لغلظها) أي: غلظ البنصر. فإنه يضمن، لكونه

أتلفه بما لم يأذن مالكه فيه.

وإن جعله في الوسطى وأمكن إدخاله في جميعها فضاع لم يضمنه.

قال في " الإنصاف ": ذكره في " الكافي " واقتصر، عليه الحارثي أيضا.

وإن لم يدخل في جميعها فجعله في بعضها: ضمن، لانه أدنى من المأمور

به. انتهي.

(وإن دفعها) أي: دفع المستودع الوديعة (إلى من) أي: إلى انسان

(يحفظ ماله) أي: المستودع (عادة، كزوجته وعبده، ونحوهما)، كخادمه

وخازنه فتلفت: لم يضمنها، لأنه قد وجب عليه حفظها. فله توليه بنفسه وبمن

يقوم مقامه، كما لو كانت الوديعة ماشية فأسلمها إلى الراعي.

(أو) دفعها (لعذر)، كمن حضره الموت أو أراد سفرا وليس السفر أحفظ

لها (إلى أجنبي) ثقة (أو حاكم) فتلفت: الم يضمن)؟ لأنه لم يتعد ولم يفرط.

(وإلا) أي: وان لم يكن له عذر حين دفعها إلى الأجنبي (ضمن)،

لتعديه، لأن الموح ليس له ان يودع من غير عذر.

(ولمالك) الوديعة (مطالبة) المستودع و (الأجنبي أيضا) بالبدل مع

التلف، لأنه قبض ما ليس له قبضه. أشبه المودع من قبل الغاصب، وكما لو

قبضها على وجه الهبة.

(وعليه) أي: الأجنبي (القرار) أي: قرار الضمان (ان علم) بالحال.

قال في " الفروع ": وإن أودعها بلا عذر ضمنها

(1)

وقراره عليه. فإن علم

الثاني فعليه.

(1)

في أوب: ضمنا.

ص: 448

وعنه: لا يضمن الثاني ان جهل. اختاره شيخنا، كمرتهن في وجه،

واختاره شيخنا.

ويتوجه تخريج رواية من توكيل الوكيل: له الأيداع بلا عذر. انتهي.

وقيل: يجوز أيداعها للحاكم مع الإقامة وعدم العذر.

(وإن دل) مودع بفتح الدال (لصا) على الوديعة فسرقها: (ضمنا) أي،

المودع واللص.

أما المودع، فلأن دلالته منافيه للاستحفاظ المأمور. أشبه ما لو دفعها إلى

غيره من غير عذر فأتلفها.

وأما اللص، فلأنه المتلف لها.

(وعلى اللص القرار)، لوجود التلف بيده.

(ومن أراد سفرا) وعنده وديعة، (أو) لم يرد سفرا و (خاف عليفا) إن

بقيت (عنده) من غرق أو نهب أو نحوهما: (ردها إلى مالكها، أو) إلى (من

يحفظ ماله) أي: مال مالكها (عادة، أو) إلى (وكيله) أي: وكيل مالكها

(في قبضها ان كان) أي: إن وجد، لأن في ذلك تخليصا له من دركها وأيصالا

للحق إلى مستحقه.

ومقتضاه أنه إذا دفعها إلى الحاكم إذا ضمن، لأن الحاكم لا ولاية له على

الرشيد الحاضر، ويلزمه مؤنة الرد لتعديه.

(ولا يسافر بها) مع حضور المالك أو وكيله بدون إذن ربها.

(وإن لم يخف عليها) في السفر (أو كان) السفر (احفظ لها) فيضمن.

قال في " المغني ": ويقوى عندي انه متى سافر بها مع القدرة على مالكها

أونائبه بغير إذنه فهو مفرط عليه الضمان، لأنه يفوت على صاحبها إمكان استرجاعها ويخاطر بها. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن المسافر وماله لعلى فلت

إلا ما وقى الله " أي: على هلاك.

ص: 449

ولا يلزم من الإذن في إمساكها على وجه لا يتضمن هذا الخطر ولا يفوت

إمكان ردها على صاحبها الإذن فيما يتضمن ذلك. انتهي.

قال في " الإنصاف " بعد أن حكى بعض كلامه في " المغني ": قلت: وهو

ظاهر كلامه في" الهدأية " و" المذهب " و" المستوعب " و" الخلاصة "

و" المحرر " و" الرعايتين " و" الحاوي الصغير " و" الوجيز " و" الفائق "

وغيرهم. وهو الصواب. انتهي.

وقال (المنقح) في " التنقيح " بعد أن قدم معنى ما تقدم في المتن:

(والمذهب: بلى) أي: بلى له السفر (والحالة هذه) أي: إن لم يخف عليها

في السفر أو كان أحفظ لها، (ونص عليه) أي: على ان له السفر بها (مع

حضوره) أي: حضور مالكها. (انتهي).

فعلى هذا لا يضمنها إن تلفت معه. سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لا،

لأنه نقلها إلى موضع مأمون. فلم يضمنها، كما لو نقلها في البلد.

ولأنه سافر بها سفرا غير مخوف. أشبه ما لو لم يجد أحدا يتركها عنده.

قال في " الفروع ": وان أراد سفرا لضرورة أو لا ولم ينه عنه ولا خوف.

وفي " المبهج " و" الموجز ": والغالب السلامة، زاد في"عيون المسائل "

و" الانتصار " كأب ووصي: فله السفر بها. نص عليه. لا لمستأجر لحفظ شيء

سنة لملكه منافعه، وله ما انفق بنية الرجوع. قاله القاضي. ويتوجه كنظائره.

وقيل: مع غيبة ربها أو وكيله إن كان أحرز، وإن استويا فوجهان. انتهي.

وقال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن ظاهر كلام المصنف في " المقنع ":

أنه لا يحملها معه في السفر مع حضور مالكها إلا بإذن: والوجه الثاني: له السفر

بها إن كان أحفظ لها ولم ينهه عنه. وهو المذهب. نص عليه واختاره القاضي

وابن عقيل. وقدمه في " الفروع " و" النظم " و" المغني " و" الشرح " ونصراه. انتهي.

(فإن لم يجده) أي: فإن لم يجد الذي عنده الوديعة وقد أراد السفر مالكها

ص: 450

(ولا وكيله: حملها معه) على الوجهين:. (إن كان) السفر (أحفظ) لها،

(ولم ينهه) مالكها عنه، لأن ذلك موضع حاجة. فيفعل ما فيه الحظ لمالكها،

ولا يضمن تلفها بالسفر.

قال في " الإنصاف ": وعليه جماهير الأصحاب.

وقال القاضي في " رؤوس المسائل ": إذا سافر بها ضمن. انتهي.

(وإلا) أي: وإن لم يكن السفر أحفظ لها أو نهاه المالك عن السفر بها:

(دفعها) الموح (لحاكم)، لأنه قائم مقام صاحبها عند غيبته.

(فإن تعذر) دفعها لحاكم (فلثقة، كمن) أي: كمودع (حضره

الموت)، لأن كلا من الموت والسفر سبب لخروج الوديعة عن يده، لما روي

عنه عليه السلام " أنه كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن،

وأمر عليا ان يردها إلى أهلها ".

(أو دفنها وأعلم) بها (ساكنا ثقة)، لان الحفظ حاصل بذلك.

(فان لم يعلمه) فضاعت: (ضمنها) المودع، لأنه فرط في الحفظ. فانه

قد يموت في سفره. فلا تصل إلى صاحبها. وربما نسي موضعها أو أصابها آفة.

وكذا إن أعلم بها غير ثقة، لأنه ربما أخذها أو دل عليها أو أعلم بها غير

ساكن في الدار، لأنه لم يودعها أياه ولا يمكنه حفظها.

(ولا يضمن مسافر أودع) في سفره وديعة (فسافر بها فتلفت بالسفر)، لأن

أيداع المالك في هذه الحالة يقتضي الإذن في السفر بالوديعة.

(وإن تعدى) الموح في الوديعة، كما لو كانت دابة (فركبها لا لسقيها،

أو) كانت ثيابا فـ (لبسها لا لخوف من عث) جمع عثة- بضم المهملة-: سوسة

تلحس الصوف، (ونحوه)، كما لو كانت الوديعة فرشا فافترشها لا لخوف من

العث، أو كانت آلة صناعة من خشب فاستعملها لا لخوف من الأرضة.

(ويضمن) من أودع ثيابا نقصها بحصول عب بها (إن لم ينشرها).

ص: 451

قال في " الإنصاف ": لو خيف على الثوب العث وجب عليه نشره. فإن لم

يفعل وتلف ضمن. انتهي.

(أو أخرج الدراهم) المودعة (لينفقها، أو) لأن (ينظر إليها ثم ردها) إلى

وعائها ولو بنية الأمانة، (أو كسر ختمها، أو حل كيسها) من غير إخراج لها،

(أو جحدها) أي: جحد المودع الوديعة (ثم أقر بها، أو خلطها) بشيء لا

تتميز منه. (لا) إن خلطها (بمتميز). حتى (ولو) كان التعدي أو الجحد أو

الخلط بما لا يتميز (في احد عينين)، كما لو كانت الوديعة كيسين ففعل ذلك في أحدهما دون الآخر:(بطلت) الأمانة (فيه، ووجب ردها فورا. ولا تعود

وديعة بغير عقد متجدد. وصح) قول المالك للمودع: (كلما خنت ثم عدت

إلى الأمانة. فأنت أمين).

قال ابن رجب في القاعدة الخامسة والأربعين: إذا تعدى في الوديعة بطلت

ولم يجز له الإمساك ووجب الرد على الفور، لأنها أمانة محضة وقد زالت

بالتعدي. فلا تعود بدون عقد متجدد. هذا هو المشهور.

ولو كانت عينين فتعدى في إحداهما فهل يصير ضامنا لهما أو ما وجد فيه

التعدي خاصه؟ فيه تردد ذكره القاضي أبو يعلى الصغير.

وذكر ابن الزاغونى: أنه إذا زال التعدي وعاد إلى الحفظ لم تبطل. وقد يوجه

بأن المالك أسند إليه الحفظ لرضاه بأمانته فمتى وجدت الأمانة فالإسناد موجود

لوجود علته، كما لو صرح بالتعليق فقال: كلما خنت ثم عدت فأنت أمين فانه

يصح لصحة تعليق الأيداع على الشرط، كالوكالة. صرح به القاضي. انتهي.

قال في " الفروع ": ومتى جدد له استئمانا ًأو برأه: برئ في الأصح، كرده

إليه، أو إن خنت ثم تركت فأنت أمين. ذكره في " الانتصار ". انتهي.

وأما كونه

(1)

يضمنها بكسر ختم كيسها أو حله، فلهتكه الحرز بفعل تعدى

(1)

في ب: كوتها.

ص: 452

وعنه: لا يضمنها إذا كسر ختم كيسها أو حله.

وأما كونه يضمنها بجحدها ولو اقر بها بعد ذلك، فلأنه بجحده خرج عن

الاستئمان عنها. فلم يزل عنه الضمان بالإقرار بها، لأن يده صارت يد عدوان.

وأما كونه يضمنها بخلطها بما لا تتميز منه، فلأنه صيرها في حكم التالف

وفوت على نفسه ردها. أشبه ما لو ألقاها في لجة بحر. وسواء كان الخلط بماله

أو مال غيره، وسواء بنظيرها أو أجود أو ادون منها.

وأما كونه لا يضمنها إذا خلطها بما تمميز منه كدراهم بدنانير، لأنه لا يعجز

بذلك عن ردها. أشبه ما لو تركها بصندودا فيه أكياس له.

قال في " الفروع ": وإن تميز فلا، على الأصح. وظاهر نقل البغوي:

وإن لم تتميز، ولم يتأوله في " النوادر ".

وذكره الحلوانى ظاهر كلام الخرقي، وجزم به في " المنثور " عن أحمد،

قال: لأنه خلطه بماله، وجزم به في " المبهج " في الوكيل، كوديعته في أحد الوجهين. وإن لم يدر أيهما ضاع ضمن. نقله البغوي وذكره جماعة. انتهي.

وفي " الرعاية ": إذا خلط إحدى وديعتي زيد بالأخرى بلا إذن وتعذر

التمييز فوجهان.

وعنه: يضمن إذا خلط بيضا بسود. وحمله في " المغني " و" الشرح " على

أنها تكتسب منها سوادا

(1)

ويتغير لونها.

قال الحارثي: وعن أحمد لا يضمن بخلط

(2)

النقود.

فعلى هذه لو تلف بعض المختلط بغير عدوان وإن جعل التلف كله من ماله

وجعل الباقي من الوديعة. نص عليه. انتهي.

قال في " الإنصاف ": فائدة: لو اختلطت الوديعة بغير فعله ثم ضاع البعض

(1)

في اوب: سودا.

(2)

في ب: بخلطه.

ص: 453

جعل من مال المودع في ظاهر كلأو ذكره المجد في " شرحه ". وذكر القاضي

في " الخلاف ": أنهما يصيران شريكين.

قال المجد: ولا يبعد على هذا أن يكون الهالك منهما. ذكره في القاعدة

الثانية والعشرين. انتهي.

(وإن أخذ) المودع من الدراهم المودعة (درهما ثم رده) بعينه (أو) رد

(بدله متميزا، أو أذن) المودع (في أخذه) أي: الدرهم (فرد) الآخذ (بدله

بلا إذنه) أي: المودع، (فضاع الكل) أي: كل الدراهم المودعة: (ضمنه)

أي: ضمن المودع الدرهم الذي أخذه المودع أو أذن في أخذه (وحده).

وعنه: يضمن الجميع.

ووجه المذهب: أن الضمان تعلق بالأخذ. فلم يضمن غير ما أخذه. بدليل

ما لو تلف في يده قبل رده.

ومحل ذلك: (ما لم تكن مختومة أو مشدودة، أو) يكن (البدل غير

متميز: فيضمن الجميع) في المسائل الثلاث.

أما في الأوليين، فلهكته الحرز تعديا.

وأما في الثالثة، فلخلط الوديعة بما لا تتميز منه.

وعنه: لا يضمن في الثالثة غير ما أخذه، وجزم به القاضي في " التعليق "،

وذكر ان أحمد نص عليه في رواية الجماعه. وحكى عنه في روايه الأثرم: انه

انكر القول بتضمين الجميع،. وقال: انه قول سوء، لأن الضمان منوط بالتعدي

وهو مختص بالمأخوذ.

قال في " الإنصاف ": فائدة: لو كان الدرهم أو بدله غير متميز، وتلف

نصف المال. فقيل: يضمن نصف درهم. ويحتمل أن لا يلزمه شيء،

لاحتمال بقاء الدرهم أو بدله، ولا يجب مع الشك. قاله الحارثي، ثم قال:

قال الزركشي: إذا رد بدل ما أخذ فللأصحاب في ذلك طرق:

أحدها: لا يلزمه إلا مقدار ما أخذ. سواء كان البدل متميزا أو غير متميز.

ص: 454

وهذا مقتضى كلام الخرقي، وبه قطع القاضي في " التعليق "، وذكر أن أحمد نص عليه في رواية الجماعة. وأنكر في رواية الأثرم على من يقول بتضمين الجميع. الطريق الثاني: إن تميز البدل ضمن قدر ما أخذ فقط، وإن لم يتميز فعلى

روايتين. وهي طريقة الموفق في " المغني " و" الكافي "، والمجد.

الطريق الثالث: في المسألة روايتان فيهما. وهو ظاهر كلام أبي الخطاب

في " الهد أية ".

الطريق الرابع: إن تميز البدل فعلى روايتين، وإن لم يتميز ضمن رواية

واحدة. قاله في " التلخيص ".

ويقرب منه كلام الموفق في " المقنع "، وكلام القاضي على ما حكاه في

"المغني ". وبالجملة هذه الطريقة وإن كانت حسنة لكنها مخالفة لنصوص

أحمد. انتهي.

(ويضمن) مودع (بخرق كيس) فيه الوديعة (من فوق شد) أي: من فوق

رباط: (أرشه) أي: الكيس (فقط)، لانه لم يهتك حرزها.

(و) يضمن بخرقه (من تحته) أي: تحت الشد: (أرشه وما فيه) ان

ضاع لهتك الحرز.

قال الزركشي: وان كان من تحت الشد ضمن الجميع على المشهور عند

الأصحاب. نقله عنه في " الإنصاف ". وقال: قوة كلام المصنف وغيره

تقتضي انه لا يضمن بمجرد نية التعدي، بل لا بد من فعل أو قول. وهو

صحيح. وهو المقطوع به عند الأصحاب.

وقال القاضي: وقد قيل: إنه يضمن بالنية، لاقترانها بالإمساك وهو فعل،

كملتقط نوى التملك في احد الوجهين.

وفي " الترغيب " قال الحارثي: وحكى القاضي في " تعليقه " وجها بالضمان.

قال الزركشي: وقد ينبني على هذا الوجه، على إن الذي لا يؤاخذ به هو

الهم. أما العزم فيؤاخذ به على أحد القولين. انتهي.

ص: 455

(ومن أودعه) انسان (صغير وديعة لم يبرأ إلا بردها لوليه) الناظر في ماله،

كما لو كان عليه له دين في الذمه.

(ويضمنها إن تلفت، ما لم يكن) الصغير (مأذونا له) في الأيداع، (أو

يخف) من أخذها من الصغير (هلاكها معه) إن لم يأخذها منه، (كضائع

وموجود في مهلكة: فلا) ضمان عليه بالأخذ، لانه قصد به التخليص من

الهلاك. فكان الحظ فيه لمالكه.

(وما أودع أو أعير) بالبناء للمفعول أي: أودعه مالكه الجائز التصرف أو

أعاره (لصغير أو مجنون أو سفيه أو قن: لم يضمن بتلف) في يد قابضه (ولو بتفريط)، لإن المالك هو المفرط في ماله بتسليمه إلى أحد هؤلاء. هذا في

مسألة التلف.

(و) أما مسألة الإتلاف فانه (يضمن ما أتلف مكلف غير حر)، لإنه يصح

استحفاظه.

قال في " الإنصاف ": فائدة: المدبر والمكاتب والمعلق عتقه على صفة

وأم الولد كالقن فيما تقدم. قاله الحارثي وغيره. انتهي.

فلهذا

(1)

قلت: غيرحر.

ويكون الضمان (في رقبته)، لإن إتلافه من جنايته.

وفهم مما تقدم: إن إتلاف الصغير والمجنون والسفيه لما أودعود هدر،

لأن المالك سلطهم على ماله. ألا ترى انه لو دفع لصغير أو مجنون سكينا فوقع

عليها فمات كانت ديته على عاقلة الدافع.

قال في " الإنصاف " في مسألة الصبي: وإن أتلفها لم يضمن هذا المذهب،

وعليه أكثر الأصحاب.

قال في " الهدأية " و" المستوعب " و" التلخيص ": وقال غير القاضى من

أصحابنا: لا يضمن. انتهوا.

قال الحارثي: قال ابن حامد: هذا قياس المذهب، وإليه صار القاضي

(1)

في ا: فإذا.

ص: 456

آخرا وذكره ولده أبو الحسين. ولم يذكر القاضي في " رووس المسائل " سواه،

وكذا

(1)

القاضى أبو الحسين وأبو الحسن بن بكروس.

قال ابن عقيل: وهو أصح عندي. وقدمه في " الخلاصة ".

وقال القاضي: يضمن. اختاره المصنف والشارح.

قال الحارثي: واختاره أبو علي بن شهاب. ولم يورد الشريفان أبو جعفر

والزيدي وأبو المواهب الحسين بن محمد العكبري والقاسم بن الحسين الحداد:

سواه. وصححه الناظم.

وهذا المذهب على ما اصطلحناه.

وأطلقهما في " المذهب " و" مسبوك الذهب " و" الرعأيتين " و" الحاوي

الصغير " و" المحرر " و" الفروع ". ثم قال:

فائدة:

المجنون كالصبي، وكذا السفيه عند المصنف والشارح وجماعة. ففيه الخلاف.

وقيل: إتلافه موجب للضمان كالرشيد. قطع به القاضي في " المجرد "

وصا حب " التلخيص ".

قال الحارثي: وإلحاقه بالرشيد أقرب.

قلت: وهو الصواب. انتهي.

وجزم في " التنقيح " بإلحاقه بالصغير والمجنون. فلهذا ألحقته بهما في

(2)

مفهوم عبارة المتن.

وفي إتلاف العبد المكلف وجه بعدم الضمان تخريجا من مثله في الصبي.

ورده الحارثي.

وفي ضمان إتلافه وجه: أنه يتعلق بذمته يتبع به بعد العتق.

(1)

في ا: وكذلك.

(2)

ساقط من ا.

ص: 457

] فصل: المودع امين]

(فصل. والمودع أمين)، لأن الله تعالى سماها أمانة بقوله:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ] النساء: 58]

(يصدق بيمينه في رد) " لأنه لا منفعة له في قبضها. فقبل قوله في ردها

بغيربينه " كما لو قبضها بغير بنية.

حتى (ولو) ادعى الرد (على يد قنه) أي: قن مدعي الرد (أو زوجته أو

خازنه).

قال في " الإنصاف ": لو ادعى الأداء على يد عبده أو زوجته أو خازنه:

فكدعوى الأداء بنفسه. انتهي.

لأنه لما كان له أن يتولى حفظها بنفسه وبمن يقوم مقامه كان له دفعها كذلك.

(أو) كانت دعوى الرد (بعد موت ربها إليه). يعني: لو ادعى ورثة

المالك على المودع بالوديعة. فقال: رددتها إليه قبل موته: قبل قوله بيمينه،

كما لو كان المالك هو المدعي وأنكر الرد.

وعنه: إن دفعها إليه المالك ببينة لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة. نص عليه

في رواية أبي طالب وابن منصور.

قال الحارثي: وهذا ما قاله ابن أبي موسى في " الإرشاد " وخرجها

ابن عقيل، على ان الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينه واجب. فيكون تركه

تفريطا فيجب فيه الضمان. وفيما إذا ادعى ردها إلى ربها بعد موته وأنكر ورثته وجه: أنه لا يقبل قوله.

(و) يصدق المودع بيمينه أيضا (في قوله) لمالكها: (أذنت لي في دفعها

إلى فلان وفعلت) أي: ودفعتها إليه مع إنكار المالك الإذن في دفعها. نص عليه

أحمد في روايه ابن منصور. وهو قول ابن أبي ليلى.

ص: 458

قال في"الإنصاف ": وقطع به في" الهداية " و"المذهب" و" مسبوك

الذهب" و"المستوعب" و" الخلاصة" و"المغني" و"التلخيص" و"الشرح"

و" المحرر" و"الفائق" و"الوجيز" وغيرهم وقدمه في "الفروع". وهو من مفردات المذهب. انتهي.

ووجه ذلك: أنه ادعى دفعا يبرأ من الوديعة. فكان القول قوله فيه، كما

لو ادعى ردها على مالكها.

وقيل: لا يقبل قوله.

قال الحارثي: وهو قوي. ذكره عنه في "الإنصاف ". والمراد: مع انكار

المالك الإذن ولا بينة به.

قال في " الفروع ": وافقوا إن أقر بإذنه.

وقيل: ذلك كوكالة بقضاء دين،

ولا يلزم المدعى عليه للمالك غير اليمين ما لم يقر بالقبض.

وذكر الأزجي: إن رد إلى رسول موكل ومودع فانكر الموكل ضمن، لتعلق

الدفع بثالث، ويحتمل: لا. وان أقر، وقال: قصرت بترك الإشهاد احتمل

وجهين.

واتفق الأصحاب لو وكله بقضاء دينه فقضاه في غيبته وترك الإشهاد:

ضمن، لأن مبنى الدين على الضمان. ويحتمل إن أمكنه الإشهاد فتركه ضمن.

كذا قال. انتهي.

(و) يصدق مودع أيضا بيمينه في دعوى (تلف) الوديعة بسبب أمر خفي

كالسرقه، لتعذر إقامة البينة على مثل هذا] إلا بسبب ظاهر]

(1)

.

ولأنه لو لم يقبل قوله في ذلك، لامتنع الناس من قبول الأمانات مع الحاجة

إلى ذلك.

(1)

في ب: السبب.

ص: 459

قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن المستودع إذا أحرز الوديعة ثم

ذكر انها ضاعت قبل قوله مع يمينه. وكذا ان لم يذكر السبب.

(لا) إن ادعى تلفها (بسبب ظاهر، كحريق، ونحوه)، كنهب جيش،

(إلا مع بينة تشهد بوجوده) أي: السبب. ثم يحلف انها ضاعت به.

فعلى هذا لو عجز عن إقامة البينة بالسبب الظاهر: ضمنها، لانه لا يتعذر

إقامة البينة به. والأصل عدمه.

(و) يصدق المودع بيمينه أيضا في (عدم خيانة و) عدم (تفريط).

قال في "الإنصاف ": وهذا بلا نزاع. انتهي.

وقد علم مما تقدم انه تجب اليمين على المدعي فيما يقبل قوله فيه.

قال في " الإنصاف ": والمودع أمين والقول قوله فيما يدعيه من رد وتلف.

يعني: مع يمينه، هذا المذهب بلا ريب وعليه جماهير الأصحاب. ثم قال بعد

ذلك:

فائدة:

هل يحلف مدعي الرد والتلف، والإذن في الدفع إلى الغير، ومنكر الخيانة

والتفريط ونحو ذلك؟

قال الحارثي: والمذهب: لا يحلف إلا أن يكون منهما. نص عليه من

وجوه، وكذا قال الخرقي وابن أبي موسى في الوكيل.

وأطلق المصنف- يعني به: الموفق- في كتابيه وكثير من الأصحاب:

وجوب التحليف.

قال: ولا أعلمه عن أحمد نصا ولا إيماء. انتهي.

والمذهب عند أكثر الأصحاب المتأخرين: ما قاله المصنف وغيره. انتهي

كلامه في " الإنصاف ".

(وإن ادعى) مودع (ردها) أي: دفع الوديعة (لحاكم أو ورثة مالك.

ص: 460

أو) ادعى (ردا بعد مطله) أي: تأخير دفعها

(1)

إلى مستحقه (بلا عذر أو)

بعد (منعه) منها.

(أو) ادعى (ورثة) لمودع (ردا ولو لمالك: لم يقبل) ذلك (إلا ببينة).

أما كونه لا يقبل قوله

(2)

في دفعها إلى الحاكم أو ورثة المالك، لأن الحاكم

والورثة لم يأتمنوه.

قال ابن رجب: نقله في " التلخيص ".

وأما كون ورثة المودع لا يقبل قولهم في الدفع إلى المالك ولا إلى غيره إلا

ببينة، لأنهم غيرمؤتمنين عليها من قبل مالكها.

(وان) انكر المودع الوديعة بان (قال: لم يودعني، ثم أقر) بالأيداع (أو

ثبت) عليه (ببينة. فادعى ردا أو تلفا سابقين لجحوده: لم يقبل) ذلك منه

(ولو) أتى عليه (ببينة).

أما كون ذلك لا يقبل منه، فلأنه صار ضامنا بجحوده ومعترفا على نفسه

بالكذب المنافي للأمانة.

وأما كون بينته لا تقبل، فلأنه مكذب لها بجحوده.

قال في " الفروع ": فإن أقام بينة بهما متقدمه جحوده لم تسمع في

المنصوص. انتهي.

وقيل: تسمع البينة به، لأن المالك لو اعترف بذلك سقط حقه.

قال الحارثي: وهو المنصوص في رواية أبي طالب وهو الحق، وقال:

هذا المذهب عندي. نقله عنه في "والإنصاف ".

وان ادعى ردا أو تلفا بعد جحوده؟ كما لو ادعى عليه بالوديعة يوم الأحد

فجحدها ثم أقر بها يوم الإثنين ثم ادعى أنه ردها، أو تلفت بغير تفريطه يوم

(1)

في ب: دفعه.

(2)

في اوب: قولها.

ص: 461

الثلاثاء فأقام بذلك شاهدين: قبلا.

وإلى هذا أشير بقوله: (ويقبلان بها) أي: بالبينة (بعده) أي:

بالجحود، لأنه حينئذ ليس بمكذب لهما.

وقيل: تسمع البينة برد جحوده لا بتلف.

ولو شهدا بالرد أو التلف ولم يعينا هل ذلك قبل جحوده أو بعده؟: لم يسقط

الضمان، لأن وجوبه مستحق فلا ينتفي بأمر متردد فيه.

قال في " الإنصاف ": قلب: ويحتمل السقوط، لانه الأصل. انتهي.

(وان قال) مدعى عليه بوديعة في جوابه: (ما لك عندي شيء) ثم اقر بها

وادعى تلفها أو ردها: (قبلا) منه بيمينه، لأن ذلك ليس بمناف لجوابه، لجواز

أن يكون أودعه ثم تلفت عنده بغير تفريط أو ردها فلا يكون له عنده شيء.

(لا وقوعهما) أي: الرد والتلف (بعد انكاره).

قال في " الإنصاف ": لكن ان وقع التلف بعد الجحود وجب الضمان

لاستقرار حكمه بالجحود فيشبه الغاصب. ذكره الشارح واقتصر عليه الحارثي. وقال: والإطلاق هنا محمول عليه.

وقال الزركشي: يقبل قوله في الرد والتلف. ولا فرق بين قبل الجحود

وبعده، على ظاهر إطلاق جماعة. انتهي.

ومن أقر بوديعة ثم ادعى ظن بقائها ثم علم تلفها فهل يقبل قوله في ذلك؟ فيه

وجهان، وأطلقهما في " الفروع " و" الرعاية الكبرى ":

أحدهما: لا يقبل. قدمه في " المغني " عند قول الخرقي: وإذا قال:

عندي عشرة دراهم، ثم قال: وديعة. وقدمه الشارح في باب ما إذا وصل

بإقراره ما يغيره. وهو ظاهر كلام ابن رزين.

وقال القاضي: يقبل قوله، لأن أحمد قال في رواية ابن منصور: إذا قال

لك عندي وديعة دفعتها إليك: صدق.

ص: 462

قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب.

(وإن تلفت) الوديعة (عند وارث) للمودع (قبل إمكان رد) إلى ربها،

كما لو جهله الوارث: (لم يضمنفا) إذا لم يفرط، لانه معذور.

(وإلا) أي: وان لم تتلف عند الوارث إلا بعد إمكان ردها: (ضمن)،

لتأخر ردها مع إمكانه لحصرلها بيده من غير أيداع.

وقيل: لا يضمنها أيضا، لانه غير متعد لحصولها في يده بغير فعله.

وقيل: إن عرف الوارث ربها ولم يعلمه بها: ضمنها، وإلا فلا، لأنه إذا

أعلمه ولم يطلبها كان كأيداعها له. فلم يضمنها، كالمودع.

(ومن أخر ردها) أي: الأمانة، (أو) أخر (ما لا أمر بدفعه بعد طلب) من

مستحقه (بلا عذر) في التأخير فتلف: (ضمن) المؤخر، لكونه أمسك مال

غيره بغير إذنه بفعل محرم. أشبه الغاصب.

وقيل: لا يضمن. واختاره أبو المعالي. بناء على اختصا ص الوجوب بأمر

الشارع.

(ويمهل لأكل ونوم وهضم طعام، ونحوه)، كصلاة وطهارة (بقدره)

أي: بقدر ذلك. فلا يضمنها ان تلفت زمن عذره، لعدم عدوانه.

وفي " الترغيب ": إن أخر لكونه في حمام أو على طعام إلى قضاء غرضه:

ضمن، وإن لم يأثم على وجه.

قال في " الفروع ": واختاره الأزجي. فقال: يجب الرد بحسب العادة،

إلا أن يكون تأخيره لعذر سببا للتلف. فلم أر نصا. ويقوى عندي: يضمن،

لأن التأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة.

وقال أيضا: وإن أمره بالرد إلى وكيله فتمكن وأبي: ضمن. والأصح ولو

لم يطلبها وكيله. انتهي كلامه في "الفروع ".

وفي " المغني ": فأما إن طلبها في وقت لا يمكن دفعها إليه

ص: 463

لبعدها

(1)

أو لمخالفة في طريقها أو العجز عن حملها أو غير ذلك: لم يكن

متعديا بترك تسليمها، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وإن تلفت لم

يضمنها، لعدم عدوانه. انتهي.

وفي " الفروع ": وإن قال: هذا وديعة اليوم لا غد وبعده تعود وديعة.

فقيل: لا وديعة.

وقيل: بلى في اليوم.

وقيل: وبعد غد.

وإن أمره برده في غد وبعده يعود: تعين رده.

ومن استأمنه أمير على ماله فخشي من حاشيته إن منعهم من عادتهم المتقدمة

لزمه فعل ما يمكنه. وهو أصلح للأمير من تولية غيره فيرتع معهم. لا سيما

وللآخذ شبهة. ذكره شيخنا. انتهي.

وتثبت الوديعة بإقرار المودع بها وبإقرار ورثته بعد موته.

(ويعمل) أي: ويجب أن يعمل وارث (بخط مورثه على كيس،

ونحوه)، كصندوق (هذا وديعة أو) هذا (لفلان).

قال في " الإنصاف ": وإن وجد خط موروثه " لفلان عندي وديعة "، أو

على كيس: " هذا لفلان ": عمل به وجوبا على الصحيح من المذهب.

قال في " الفروع ": ويعمل به على الأصح.

قال الحارثي: هذا المذهب. نص عليه في روايه إسحاق بن إبراهيم في

الو صية، ونصره. ورده غيره.

وقال: قاله القاضي أبو الحسين وأبو الحسن بن بكروس. وقدمه في

" المستوعب " و" التلخيص ". وهو الذي ذكره القاضي في " الخلاف ".

وقيل: لا يعمل به، ويكون تركة. اختاره القاصي في " المجرد "

(1)

في أوب: ليعدها.

ص: 464

وابن عقيل والمصنف. وقدمه الشارح ونصره وجزم به في " الحاوي الصغير "

و" النظم ". انتهي.

(و) يجب أن يعمل وارث أيضاً بخط موروثه (بدين عليه).

قال في " الإنصاف ": قال القاضي أبو الحسين: المذهب وجوب الدفع إلى

من هو مكتوب باسمه. أومأ إليه وجزم به في " المستوعب ". وهو الذي ذكره

القاضي في " الخلاف ". وقدمه في " التلخيص " وصححه في " النظم ". وهو المذهب عند الحارثي، فإنه قال: والكتابة بالديون عليه كالكتابة بالوديعة كما

قدمناه

(1)

، حكاه غير واحد. منهم السامري وصاحب " التلخيص ". انتهي.

وفيه وجه.

(أو له على فلان) يعني: أن للوارث العمل بخط أبيه بدين له على شخص

معين، (ويحلف) أي: ويجوز له الإقدام على اليمين. والمراد: إذا كان يعلم

أن مورثه لا يكتب إلا حقا.

قال المنقح في "حواشيه على التنقيح " المنقولة من خطه بهامش نسخته:

يتصور الحلف من الورثة في ثلاث أماكن:

الأول: أن يدعي الورثة عليه فينكر ويرد اليمين على القول بردها.

الثاني: أن يقيموا شاهدا واحدا فلهم ان يحلفوا معه.

الثالث: أن يقر لهم بمجهول والمكتوب بخط أبيهم معلوم فلهم الحلف

على المعلوم على القول بجواز الحلف. ومن شرط ذلك: أن يعلموا من أبيهم

الصدق والأمانة وأنه لا يكتب إلا حقا. فيجوز الإقدام على اليمين لذلك.

وقد قال الموفق في " المغنى " والشارح وغيرهما: يجوز أن يحلف على

ما لا تجوز الشهادة به، مثل: أن يجد بخطه دينا له على انسان وهو يعرف أنه

لا يكتب إلا حقاً ولم يذكره، أو يجد في روزمانة أبيه بخطه ديناً له على انسان

(1)

في أ: قدمنا.

ص: 465

ويعرف من أبيه الأمانة وأنه لا يكتب إلا حقا فله أن يحلف عليه، ولا يجوز ان

يشهد به. انتهوا.

وعبارته في " الإنصاف ": وان وجد خطه بدين له على فلان: حلف الوارث

ودفع إليه. قطع به في " المغني " و" الشرح " و" الفروع " و" شرح الحارثي ".

قال في " الفروع ": ويعمل بخط أبيه على كيس لفلان في الأصح، كخطه

بدين له. فيحلف. وفي عكسه وجهان.

فجعل خطه بدين له أصلا في جواز العمل به. وبقية كلامه

(1)

: وأستاذ الدار

والكاتب ودفتره ونحوه وكلاء كالأمير

(2)

في هذا.

وان استعمل كاتبا خائنا أو عاجزا أثم بما أذهب من

(3)

حقوق الناس،

لتفريطه. ذكره شيخنا.

(وإن ادعاها) أي: الوديعة (اثنان فأقر) المودع (لأحدهما) بها: (فله)

أي: حكم بها للمقر له (بيمينه)، لأن اليد كانت للمودع وقد نقلها إلى المدعي

فصارت اليد له، ومن كانت اليد له قبل قوله مع يمينه.

(ويحلف للآخر) الذي أنكره، لأنه منكر لدعواه ويكون يمينه على نفي

العلم. قاله في " المبدع ".

فإن حلف برئ وإن نكل لزمه أن يغرم له قيمتها، لأنه فوتها عليه.

وكذا لو أقر له بها بعد أن أقر بها للأول فإنها تسلم للأول ويغرم قيمتها

للثاني. نص عليه.

وقيل: إن أقر بها لأحدهما لا يلزمه يمين للثاني.

(و) على المذهب: إن أقر بها (لهمما فلهما) أي: بينهما، كما لو كانت

بأيديهما وتداعياها، (ويحلف لكل منهما) يميناً على نصفها. فإن نكل عن

(1)

في ا: كلام.

(2)

في ا: كالأمين

(3)

في ا: في.

ص: 466

اليمينين

(1)

: لزمه عوضها يقتسمانه. وإن نكل عن اليمين لأحدهما دون الاخر:

لزمه لمن نكل عن اليمين له عوض نصفها.

(وإن قال) في جواب دعواهما: (لا أعرف صاحبها) منكما،

(وصدقاه) على إنه لا يعرف صاحبها (أو سكتا: فلا يمين) عليه، إذ لا

اختلاف، وعليه التسليم لأحدهما بالقرعة مع يمينه.

قال في " الإنصاف ": ذكره غير واحد. منهم أبو الخطاب وأبو الحسين

والشريف أبو جعفر، واقتصر عليه الحارثي.

(وإن كذباه) بأن قالا: بل تعرف أينا صاحبها: (حلف) لهما (يمينا

واحدة أنه لا يعلمه). وكذا ان كذبه احدهما.

قال الحارثي عن الحلف: وهو قول القاضي ومن بعده من الأصحاب.

قال في " التنقيح ": وقيل: لا يحلف إلا أن يكون متهما.

قال الحارثي: هذا المذهب. انتهي.

وعلى الأول إن نكل عن اليمين فحكى في"الإنصاف "عن "المجرد ":

يقضى عليه بالنكول فيلزمه الحاكم بالإقرار لأحدهما. فان أبي فقياس المذهب

يقرع بينهما. ولم يذكر غرما. وحكى عن صاحب " التلخيص " أنه قال: يقوى

عندي أن من جملة القضاء بالنكول غرم القيمة فيغرم القيمة.

قال الحارثي: وكذا قال غيره وجزم به في " الفائق " والزركشي.

فعلى هذا تؤخذ القيمة مع العين فيقترعان عليها أو يتفقان. هذه طريقة

صاحب " المحرر" [وجماعة. وقدمها الحارثي. وقال: في كلام صاحب

" المحرر"]

(2)

ما يقتضي الإقراع على العين. فمن أخذها بالقيمة تعينت القيمة

للآخر.

(1)

في أ: اليمين.

(2)

ساقط من اوب.

ص: 467

قال الحارثي: وهو أولى، لان كلا منهما يستحق ما يدعيه في هذه الحالة،

أو بدله عند التعذر، والتعذر لا يتحقق بدون الأخذ. فتعين الاقتراع. انتهي.

قال في " التلخيص ": وكذلك إذا قال: أعلم المستحق ولا

(1)

أحلف.

(ويقرع بينهما في الحالتين) أي: حالة ما إذا صدقاه أو كذباه وحلف.

(فمن قرع) أي: خرجت له القرعة (حلف) أنها له، لاحتمال عدمه

(وأخذها) بمقتضى القرعة.

قال في القاعدة الستين بعد المائة: إذا تداعى

(2)

اثنان عينا بيد ثالث فأقربها

لأحدهما مبهما وقال: لا أعلم عينه: فإنه يقرع بينهما. فمن قرع فهي له. وهل

يحلف؟ على وجهين. ذكرهما أبو بكر. والمنصوص عن أحمد: ان عليه

اليمين

ثم قال: ولا فرق بين ان تكون وديعة أو عارية أو رهنا أو بيعا

مردودا بعيب أو خيار أو غيرهما. نص عليه في"المردود " في رواية ابن

منصور.

وإن قال من هي في يده ليست لي ولا اعلم لمن هي: ففيها ثلاثة أوجه:

أحدها: يقترعان عليها، كما لو أقر بها لأحدهما مبهما.

والثاني: تجعل عند أمين الحاكم.

والثالث: تقر في يد من هي في يده.

والأول ظاهر كلام أحمد في رواية صالح وأبي طالب وأبي النصر وغيرهم. والوجهان الآخران مخرجان من مسألة من في يده شيء معترف بأنه ليس له

ولا يعرف مالكه. فادعاه معين فهل يدفع إليه أم لا؟. وهل يقر بيد من هو في

يده أم ينزعه الحاكم؟ فيه خلاف معروف. انتهي كلامه في " القواعد ".

وفي " المبدع ": فإن قال ليست لواحد منهما: فعن أحمد أنه يقرع بينهما

قياسا على ما إذا قال: هي لأحد هؤلاء ولا أعرفه عينا. وحكى بعض أصحابنا

(1)

في أ: حالا.

(2)

في اوج: ادعى.

ص: 468

أنه لا يقرع بينهما، وتقر بيد من هي بيده إلى أن يظهر صاحبها. ذكره في"الواضح ". (وإن أودعاه) أي: أودع اثنان واحدا (مكيلا أو موزونا ينقسم. فطلب

احدهما نصيبه لغيبة شريكه، أو) مع حضوره و (امتناعه) من أخذ نصيبه أو من الإذن لصاحبه في أخذ حقه:(سلم إليه) أي: وجب ان يسلم إلى المطالب نصيبه.

قال ابن نصر الله في " حواشي المحرر": يسأل عن فائدة قوله: ينقسم مع

العلم بأن كل مكيل وموزون ينقسم، قلت: وفائدته: أن بعض الموزونات

لا يجبر الشريك على قسمتها إذا طلب ذلك شريكه، وذلك كان يكون ذلك من

جنسين، وكالانيه النحاس والرصاص ونحوهما

(1)

مما يحتاج قسمته إلى كسره المنقص لقيمته. وكذلك بعض المكيل تتعذر قسمته بدون التراضي كما إذا كان

بينهما كر حنطة وكر شعير فاختلطا. فان قسمتهما، حينئذ لا بد فيها من التراضي.

إذ لا يتيقن ان الحاصل لكل واحد منهما حصته من الحنطة وحصته من الشعير.

بل يجوز أن يكون في حصة أحدهما أكثر مما في حصة الاخر فيحتاج إلى

تراضيهما كذلك. وكذا لو كان الموزون مختلف الأجزاء كزبرة حديد أو نحاس مختلفة الأجزاء. انتهي.

وقال في " الإنصاف " عند ذكر الموفق المسألة: مراده إذا كان ينقسم وهو

معنى قول بعض الأصحاب: لا ينقص بتفرقه. انتهي.

وما قاله مأخوذ من عبارة " الفروع " وهي: وإن طلب أحد المودعين نصيبه

من مكيل أو موزون ينقسم. وهو معنى قول بعضهم: لا ينقص بتفرقه: لزمه

دفعه. وحرمه القاضي إلا بإذنه أو إذن حاكم. وفرض في " التبصرة " المسألة في عين يمكن قسمتها.

ووجوب تسليم نصيب المطالب

(2)

إليه هو الذي عليه جماهير الأصحاب.

(1)

في اوب: ونحوها.

(2)

في ج: المطالبة.

ص: 469

ووجهه: أن ذلك حق مشترك يمكن تمييز نصيب أحد الشريكين من نصيب

الآخر بغير غبن ولا ضرر. فإذا طلب أحدهما نصيبه لزم دفعه إليه، كما لو كان متميزا.

وقال القاضي: لا يجوز ذلك إلا بإذن الحاكم، لأن ذلك يحتاج إلى

قسمة، ويفتقر إلى حكم أو اتفاق. وليس ذلك إلى المودع.

وعلم مما تقدم: أن ذلك لا يجوز في غير المثلي، لأن قسمته لا يؤمن فيها

الحيف، لافتقارها إلى التقويم. وذلك ظن وتخمين.

(ولمودع ومضارب ومرتهن ومستأجر ان غصبت العين) التي هي الوديعة

أو مال المضاربة أو المرهونة أو المؤجرة (المطالبة بها) من غا صبها.

وفي " الفروع ": ويلزم المستودع مطالبة غاصبها.

وقيل: ليس له. ومثله مرتهن ومستأجر ومضارب. وذكر الشيخ فيه مع

حضور رب المال لا يلزمه. انتهي.

ووجه ذلك: أن المطالبة بها من جملة حفظها المأمور به.

وقيل: ليس لغير المالك أو من يقيمه مطالبا عنه المطالبة بها.

وقدم في " الخلاصة ": أنه ليس له المطالبة في الوديعه. وجزم بالجواز في

المرتهن والمستأجر. ومالط إليه الحارثي.

(ولا يضمن مودع أكره على دفعها) أي: الوديعة (لغير ربها)، كما لو

غلب على أخذها منه قهرا، لأن الإكراه عذر يبيح له دفعها. وهذا الذي عليه

الأكثر، منهم القاضي في " المجرد " وابن عقيل في " الفصول " والموفق في

المغني " والشارح وصاحب " التلخيص " وغيرهم.

قال المجد في " شرحه ": المذهب لا يضمن.

قال في " الفروع ": ولو سلم وديعة كرها لم يضمن. انتهي.

وفي " الفتاوي الرجبيات " عن أبي الخطاب وابن عقيل الضمان مطلقا.

ص: 470

وعن ابن الزاغونى: إن أكره على التسليم بالتهديد والوعيد فعليه الضمان

ولا إثم، وإن ناله العذاب فلا إثم ولا ضمان.

وعبارة " الفروع ": وإن صادره سلطان لم يضمن. قاله أبو الخطاب.

وضمنه أبو الوفاء إن فرط. وإن أخذها منه قهرا لم يضمن عند أبي الخطاب.

وعند أبي الوفاء ان ظن أخذها منه بإقراره كان دالا ويضمن.

وفي " الخلاف " و" الانتصار ": يضمن المال بالدلالة وهو المودع.

وفي " فتاوى ابن الزاغونى ": من صادره سلطان ونادى بتهديد من له عنده

وديعة ولم يحملها إن لم يعينه أو عينه وتهدده ولم ينله بعذاب: أثم وضمن،

وإلا فلا. انتهي.

(وإن طلب يمينه) أي: طلب من

(1)

المستودع أن يحلف أنه ليس عنده

وديعة لفلان (ولم يجد بدا) من الحلف، بأن يكون الطالب ليمينه متغلبا عليه

بسلطنة، أو تلصص ولا يمكنه الخلا ص منه إلا بالحلف:(حلف متأولا) ولم

يحنث.

وقال القاضي في " المجرد ": له جحدها.

(فان لم يحلف) على الأول وهو المذهب (حتى أخذت) منه:

(ضمنها)، لتفريطه بترك الحلف. (ويأثم ان) حلف و (لم يتأول.

وهو) أي: إثم حلفه بدون تأويل (دون إثم إقراره بها)، لان حفظ مال

الغير عن الضياع آكد من بر اليمين بالتأويل، (ويكفر) أي: وتلزمه كفارة اليمين

حيث قدر على التأويل ولم يفعل.

قال في " الإنصاف ": قلت: الصواب وجوب الكفارة مع إمكان التأويل

وقدرته عليه وعلمه بذلك ولم يفعله. انتهي.

وحكى أبو الخطاب في " فتاويه " في وجوب الكفارة روايتين.

(1)

في أ: في.

ص: 471

قال في " الإنصاف ": وإن أكره على اليمين بالطلادتى فأجاب أبو الخطاب

بانها لا تنعقد، كما لو أكره على إيقاع الطلاق.

قال الحارثي: وفيه بحث. وحاصله: إن كان الضرر الحاصل بالتغريم

كثيرا يوازي الضرر في صور الإكراه. فهو إكراه لا يقع، وإلا

(1)

وقع على

المذهب. انتهي.

وأما إذا مات وعنده وديعة لا تتميز من ماله فصاحبها غريم بها. وتقدمت

المسألة في المتن في المضاربة

(2)

.

ولا فرق بين أن يوجد في التركة من جنس الوديعة أو لم يوجد.

وفيما إذا لم يعلم هل هي باقية أو تلفت؟ وجه بعدم الضمان، لأن الأصل

عدم التفريط والتعدي فيها.

والمذهب الأول، لأن الأصل وجوب الرد فيبقى عليه ما لم يوجد ما يزيله.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1)

في ا: ولا.

(2)

ص (52).

ص: 472