الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة
بعد دراستي لفترة العصر الأيوبي التي كتبها العيني في سفره الكبير "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان" شعرت بالمكانة الهامة له بين ثبت المصادر التي تناولت هذه الحقبة التاريخية؛ إذ تضمن المزيد من المعلومات والإضافات الجديدة التي كنا نحتاج إليها، فضلا عن ذلك استشفيت ملحوظتين ربما غابتا عني قبل ذلك وهما:
أولًا: ظاهرة الفروسية التي تعني تمسك الفارس بمبادئ أخلاقية نبيلة في علاقته بخصمه، أو بغير خصمه من شتى صنوف البشر حوله، وهذه المبادئ في كثير من جوانبها قد تفوق ما يعرفه العالم المعاصر من مبادئ حقوق الإنسان. إذ كان الفارس العربي يغضب أمام أية محاولة لخرق عرف أو تقليد أخلاقي، ويرق أمام أية عاطفة إنسانية نبيلة، وكان هذا موروثًا عربيًا إسلاميًا، انتقل إلى أوربا في العصور الوسطى عبر الفاتحين المسلمين، في بلاد الأندلس وصقلية، وعبر الاحتكاك العنيف بين فرسان المسلمين والغزاة الصليبيين، إبان الحروب الصليبية، وخاصة العصر الأيوبي.
ثانيًا: ظاهرة الدوافع التي انطلقت منها أوربا لغزو المشرق الإسلامي؛ وتجاهلها الكثرة من مؤرخي أوربا، حيث صورت هذه الكثرة تلك الدوافع على أنها دينية أي بغرض استرداد بيت المقدس -مهد السيد المسيح عليه السلام من أيدي المسلمين، وقد كان هذا هو الزعم المعلن من قبل بابوات روما، وأباطرة وأمراء أوربا، وقد انطلى هذا الزعم على بعض الأتقياء.
أما الهدف الحقيقي؛ فكان المغنم المادي، وانتهاب ثروات بلاد الشرق، وإيجاد مقاطعات للأمراء الأوربيين الذين كانوا مصدر قلاقل لأصحاب النفوذ هناك، بالإضافة إلى طمع المدن التجارية في إيطاليا وغيرها، في السيطرة على طرق التجارة التي تدر عليهم أرباحًا طائلة.
على أي حال كان العيني صاحب فضل في جمع ونقل مادته العلمية عن العصر الأيوبي من مصادرها الأصلية، التي كان أصحابها شهود عيان على الأحداث، كابن الأثير، والعماد الأصفهاني الكاتب، وابن شداد، وغيرهم ممن عاصروا الأحداث، وأهلتهم مكانتهم في الدولة للاطلاع على أدق الأسرار وأخطرها.
كذلك سجل العيني روايات كثيرة فقدت مصادرها فلم تعد متداولة بين المؤرخين، كنقله من الروضتين ما سجله أبو شامة عن ابن أبي طي، وكتاب البرق الشامي للعماد الأصفهاني.
لذا جاءت كتابات العيني عن هذا العصر شبه كاملة، فقد توافرت فيها المادة العلمية، مما جعل لها السبق على سواها، ومن هنا برزت قيمة المخطوط لدى الباحثين.
ولم تكن مصادفة أن أعمل على تحقيق هذا السفر العظيم، خاصة وقد عرفت قيمته العلمية منذ أن سجلت لدرجة الماجستير، فكان من بين المصادر المهمة التي اطلعت عليها، وعرفت كنه ما فيه من مادة علمية شائقة. لهذا شدني هذا السفر العظيم، وانتظرت فرصة سانحة من العمر أتفرغ فيها تماما لإنجاز تحقيقه، إلا أن ظروف العمل، والشواغل، كانت دائما تحول دون تحقيق هذه الرغبة، حتى شاءت إرادة الله أن يتحول الحلم إلى حقيقة واقعة. فبدأت متوكلا على العلي القدير، وألزمت نفسي ببرنامج عمل أسبوعي منتظم، كنت أتوجه فيه إلى مركز تحقيق التراث، أعمل فيه بهمة واستمتاع، يساعدني في ذلك زميلات فاضلات وزملاء أعزاء، خصصت صفحة لذكر أسمائهم وتقديم الشكر لهم.
ولقد أمضيت على هذا النحو أكثر من تسع سنوات، أحقق كل جزئية من جزئيات المخطوط، فكان يتزايد حماسي للعمل مع كل لوحة تنسخ، وورقة تحقق، وحاشية تكتب.
الكتاب ومنهج المؤلف:
لم يكن العيني مؤرخًا عاديًا من المتخصصين في عصر معين من العصور التاريخية، وإنما كان موسوعية وذلك شأن الكثرة الغالبة من المؤرخين المسلمين، فقد انصب اهتمامه عند كتابته لمخطوط "عقد الجمان" على تتبع التاريخ منذ عهد آدم حتى سنة خمسين وثمانمائة. ومن ثم فإن ما قدمه في كتابه يعد رؤية شاملة للتاريخ الإنساني الذي جاء في حلقات متتابعة. وكان من بين هذه الحلقات العصر الأيوبي الذي بين أيدينا. وقد بدأ حديثه عن هذا العصر بقيام الدولة الأيوبية واستمر معها حتى نهايتها.
ولم تكن كتابته عنها من النوع الإخباري الذي يهتم بالحدث الفردي بعينه، وإنما كانت كتابته عنها شاملة تتناول الصورة العامة دون النظر إلى الاختلافات الجزئية التي ربما تؤثر كثيرا على فهم المسار العام للأحداث.
فعند حديثه عن ملوك بني أيوب وأمرائهم؛ ذكر علاقاتهم الخاصة مع بعضهم البعض، ومع غيرهم من شرائح المجتمع، والدول المجاورة، وأعدائهم من الصليبيين وغيرهم. وفي كل هذا كان موضوعيا وأمينا في نقله؛ إذ ذكر أسماء المصادر التي استقى منها مادته العلمية، وأسماء مؤلفيها في ترتيب وإيجاز، باستثناء حالات قليلة. وقدم العيني ذكر حوادث كل سنة على وفيات أعيانها، ورتب ما بعد الهجرة على السنين حتى انتهى إلى آخر سنة 850 هـ / 1446 م.
ومن ذلك أنه سجل أمر الحج منذ السنة التاسعة للهجرة في نهاية أحداث كل سنة، كما ضبط الأسماء المشتبهة سواء أكانت أسماء أعلام أم مدن أم بقاع.
كذلك نقل العينى العبارات المتداولة واللهجات السائدة، والأقوال والحوارات، كما جاءت في مصادرها، وهذا من غير أن يقدم لها تفسيرات مناسبة؛ مما يترتب عليه بعض الغموض أحيانا في كتابته لها.
ومما يؤخذ على العيني عدم اهتمامه بالأحوال الاقتصادية كزيادة النيل ونقصانه، وغلة الأرض من حيث الوفرة والقلة، والعمل والبطالة، والأسعار غلاءً ورخصًا في العصر الأيوبي، مقارنة بما سجله عن هذه الأمور في العصر المملوكي.
ويبدو أن السبب في ذلك راجع إلى أن العيني كان شاهد عيان على العصر المملوكي، بينما كان يكتب عن العصر الأيوبي نقلًا عن غيره. ومما يؤخذ أيضا على العيني عدم دقته أحيانا في ذكر أسماء المصادر التي ينقل عنها؛ ففي بعض الأحيان يذكر أنه نقل عن ابن الأثير، بينما يكون النقل من ابن كثير أو غيره.
السيرة الذاتية والتكوين العلمي للعيني:
العيني من رجالات القرن الثامن الهجري -الرابع عشر الميلادي- وهو محمود بن أحمد بن موسي بن أحمد، أبو محمد، بدر الدين العيني الحنفي العينتابي
(1)
نسبة إلى عينتاب، إحدى قرى شمالي حلب، وكانت قديما تسمى قلعة الفصوص.
وقد اختلفت الآراء حول تاريخ ميلاده؛ فبعضها ذكر أنه ولد في السادس والعشرين
(2)
من رمضان سنة 762 هـ / 1360 م، والبعض الآخر ذكر أنه ولد سابع عشري رمضان
(3)
، مع أن والده سجل التاريخ الأول بخط يده
(4)
، وكانت ولادته في درب كيكن
(5)
في قلعة عينتاب، وهي إحدى قلاع بلاد الشام الحصينة. وقد تفتحت عيون أبناء هذه المنطقة على الجهاد، وحب الفداء والتضحية بالنفس في سبيل عزة الإسلام، وكان العيني واحدًا منهم.
وقد نشأ العيني في أسرة تميز أهلها بحب العلم، والعمل في أشرف مهنة وهي القضاء. وكان والده حامل لواء العدل والعلم الديني في المنطقة
(6)
، وقد انعكس هذا بالتالي على أفراد أسرته؛ إذ تلقى ابنه تعليما جيدا بمقاييس ذلك العصر، فلقنه والده مبادئ القراءة والكتابة وتعاليم الإسلام، ثم أدخله الكُتاب فحفظ القرآن الكريم، ولم يتجاوز عمره الثامنة، مما يدل على ظهور ملامح الذكاء المبكر وقوة الذاكرة.
(1)
الزركلي: الأعلام، ج 8، ص 38، الطبعة الثانية؛ جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج 3، ص 210 - ص 211، راجعها وعلق عليها شوقي ضيف، دار الهلال.
(2)
ابن حجر: رفع الإصر عن قضاة مصر، ص 260 أ؛ ابن تغري بردي: الدليل الشافي على المنهل الصافي، تحقيق فهيم محمد شلتوت، ج 2، ص 721 - 722، ترجمة رقم 2465، الطبعة الثانية، دار الكتب - القاهرة 1998 م.
(3)
السخاوي: الضوء اللامع، ج 10، ص 131؛ الشوكاني: البدر الطالع، ص 294؛ على مبارك: الخطط التوفيقية، ج 6، ص 25.
(4)
السخاوي: الضوء اللامع، ج 10، ص 131.
(5)
ابن تغري بردي: الدليل الشافي، ج 2، ص 722.
(6)
السخاوي: الضوء اللامع، ج 10، ص 131.
وبعدها بدأ العينى بدراسة القراءات السبع على يد الشيخ حسين العينتابي، شيخ القراءات في عصره.
أما الفقه فقد أخذه عن والده، وقرأ عليه مقدمة أبى الليث السمرقندي في الفقه الحنفي، وساعده هذا على العمق في دراسة المذهب، حتى أن والده كان يستعين به في منصب القضاء، كما تولاه نيابة عنه، فأحسن القيام بمهام منصبه.
على أية حال شكلت دراساته السابقة البنية العلمية والفكرية لحبه للعلم، ومن ثم أخذ الرجل يبحث عن منابعه في كل مكان، فكانت رحلاته المتعددة بقصد التزود بالعلم والمعرفة، وأولى رحلاته كانت إلى حلب سنة 783 هـ/ 1381 م
(1)
، فأخذ الفقه عن جمال الدين يوسف بن موسى الملطى، وعلوم اللغة على الشيخ شمس الدين محمد الراعي بن الزاهد، وغيرهم من العلماء. ثم عاد مرة ثانية إلى عينتاب ليفيض عطاؤه العلمي على أبناء بلده.
وكانت وفاة والده عارضًا أعاقه إلى حد ما عن تأدية عمله على الوجه الأكمل، وبالرغم من هذا ارتفع على مستوى حزنه مبتعدًا عن كل ما يؤثر في نفسه ونشاطه العلمي. لذا اتجه ناحية المدن الشمالية "بهسنا وسميساط"؛ فنهل من علمائهما من أمثال الشيخ ولي الدين البهسني، ثم توجه إلى أملاك دولة ذي الغادر التركمانية، فالتقى بالشيخ علاء الدين الكختاوى فأخذ عنه، وكان محطه الأخير في هذه الرحلة ملطية، فالتقى بعلمائها، فأخذ عن الشيخ بدر الدين الكشافي.
ومن الجدير بالملاحظة أن إنجازات العيني الهائلة خلال هذه الفترة كانت لا تتناسب مع صغر سنه، الذي لم يكن يتجاوز الثانية والعشرين وهي سن لا تمكن صاحبها من تحصيل كل هذه العلوم والمعارف، إلا أن الرجل استطاع أن يحقق أضعاف أضعاف ما حققه أقرانه ممن هم في سنه.
(1)
الخطط التوفيقية، ج 6، ص 25، ط 2، بولاق 1305.
وقد ظل الظمأ العلمي يلاحق نفس العيني على الرغم من كل ما حققه. لذا قام برحلة جديدة إلى دمشق عام 785 هـ/ 1383 م؛ فالتقى بعلمائها كالبحر أحمد بن إسماعيل بن الكشك، وشرف الدين بن الكويك، والعز بن الكويك، فأخذ عنهم، كما احتك بطلبة المدرسة النورية
(1)
.
وبعدها رجع مرة ثانية إلى حلب، متحصنا برصيد علمي وافر، جعله جديرة باحترام كوكبة من علماء حلب؛ أمثال الشيخ زين الدين حيدر بن محمد الحنفي، وجمال الدين يوسف الملطى، وأبو الروح عيسي بن الخاص السرماوي، فأجازوا له الإفتاء والتدريس بحلب، ولم يكن عمره تجاوز الخامسة والعشرين.
وفي سنة 786 هـ/ 1384 م توجه إلى دمشق للتدريس بها ليثبت لعلمائها أنه قادر على العطاء المتجدد. وقد كان له ما أراد. ثم شد رحاله إلى مكة والمدينة لتأدية مناسك الحج والزيارة، وليتزود من علمائهما، وعاد بعد ذلك إلى مسقط رأسه عينتاب، بعد أن أفاد واستفاد.
غير أن حنينًا دينيًا وعلميًا شده لزيارة بيت المقدس فتوجه إليها، فحقق بذلك هدفين: الزيارة، والالتقاء بالشيخ علاء الدين أحمد بن محمد السيرامي الحنفي، فلازمه حتى اقتنع خلالها السيرامي بإمكانيات العيني العلمية، فدعاه للتوجه معه إلى القاهرة، فلم يتردد العيني ولو لحظة واحدة في اقتناص هذه الفرصة، فحضر مع شيخه السيرامي إلى القاهرة سنة 788 هـ / 1386 م، وانخرط في سلك صوفية المدرسة الظاهرية برقوق، فاستفاد من بقائه بها، إذ كان قريبا من شيخه السيرامي، فقرأ عليه مجموعة من الكتب القديمة في الفقه والأصول والمعاني
(2)
. كما أن وجود العيني بالقاهرة أتاح له فرصة اللقاء والأخذ عن بعض علمائها، أمثال: زين الدين عبد الرحيم العراقي، والشيخ عمر بن رسلان، وسراج الدين عمر البلقيني، وقطب الدين عبد الكريم ابن محمد، وعلاء الدين الضوى، وتغري برمش بن يوسف الفقيه، وغيرهم.
(1)
عن المدرسة النورية انظر: النعيمي: الدارس، ج 1، ص 406.
(2)
السخاوي: الضوء اللامع، ج 10، ص 131.
وقد أظهر العيني نبوغًا واضحًا في القاهرة، فكثر حساده الذين انتهزوا وفاة شيخه السيرامي سنة 790 هـ / 1388 م، وقد كان سنده، وأوقعوا بينه وبين الأمير جهاركس الخليلي أمير آخور، الذي أمر بنفيه، ولم يشفع له من النفى إلا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، فبقى مدة في القاهرة، إلا أنه شعر بأن الأمور لا تسير حسبما يريد، لهذا قرر العودة إلى مسقط رأسه عينتاب في ربيع الآخر سنة 791 هـ / 1388 م.
كانت هذه المرحلة ضرورية في حياة العيني، إذ كانت مرحلة التجربة والاختبار، والمعاناة والابتلاء، فضلا عن كونها مرحلة الاطلاع والتثقف، إذ كونت شخصيته، وعرفت الناس قدره، وحققت شهرته وفضله، حتي كتب ابن تغري بردي عنه "فريد عصره ووحيد دهره، عمدة المؤرخين ومقصد الطالبين"
(1)
.
على أية حال اشتغل العيني بعد رجوعه إلى عينتاب بالتدريس والإفتاء والوعظ، نائيًا بنفسه عن شئون السياسة، إلا أن حوادث الدهر لم تتركه يهنأ بحياته، فقد حدث في الدولة الجركسية صراع بين كل من يلبغا ومنطاش ضد السلطان برقوق، فتصدي العيني بالكلمة للمعارضين لبرقوق حتى أباح للناس قتالهم، مما أوغر صدر منطاش عليه؛ فحاصر عينتاب سنة 792 هـ / 1389 م، مما اضطر العينى للاحتماء بقلعة المدينة، وظل بها حتى فك منطاش الحصار عنها.
ورحل العيني وأسرته إلى حلب سنة 793 هـ/ 1390 م، إلا أنه لم يجد فيها ذاته، فتوجه إلى القاهرة بعد أن عركته الحياة، ورأى بثاقب بصره أنه لا مقام له بها إلا إذا كان قريبًا من صانعي القرار؛ لهذا اقترب من الأمراء والسلاطين وصادقهم، أمثال الأمير جكم من عوض، وتغري بردي القردمي، وقلمطاي العثماني
(2)
، فقدموه للسلطان الظاهر برقوق، فأعجب بعلمه ومنطقه، فطلب منه تعليم المماليك الأتراك الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، فأثبت قدرة فائقة. فلما تولى الناصر فرج بن برقوق أمر السلطنة، عين العيني في حسبة القاهرة وضواحيها، في مستهل ذي الحجة سنة 801 هـ/ 1399 م، بدلا من تقي الدين أحمد بن على المقريزي
(3)
.
(1)
ابن تغري بردي: المنهل الصافي، ج 5، ورقة 340. (مخطوط بدار الكتب المصرية، تاريخ تيمور، رقم 1209) [ميكروفيلم 53359].
(2)
ابن تغري بردي: المنهل الصافي، ج 5، ص 141؛ السخاوي: الذيل على رفع الإصر، ص 332؛ السخاوي: الضوء اللامع، ج 10، ص 132.
(3)
المقريزي: السلوك، ج 3، ص 970؛ السخاوي: الضوء اللامع، ج 3، ص 132.
فكان هذا بداية الصراع بين العيني والمقريزي، ذلك الصراع الذي استمر بينهما حتى توفي المقريزي، غير أن العيني لم ينعم كثيرا بهذا المنصب، إذ عزل سنة 802 هـ / 1399 م؛ فخلفه جمال الدين الطنبدي عن طريق البذل، إلا أنه لم يستمر فيه أكثر من ثلاثة أشهر، ثم أعيدت الحسبة للعيني مرة ثانية، ولكنه لم يستمر فيها طويلا حيث صرف عنها بالشيخ تقي الدين المقريزي. وقد تكرر صرفه وإعادته لحسبة القاهرة أكثر من مرة خلال عصر سلاطين الجراكسة وحتى وفاته.
وقد عمل العيني في عدة وظائف منها؛ ناظر الأحباس، وعمل بالوعظ والفتوى، ودرس الفقه بالمدرسة المحمودية، كما برع في وظيفة القضاء.
وقد شغل نفسه بتأليف الكتب وتصنيفها، من ذلك كتاب "معاني الأخبار في رجال معاني الآثار"، "المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية".
ولم ينعم العيني كثيرا بالبعد عن الوظائف العامة والتفرغ للتأليف؛ ففي سنة 819 هـ/ 1416 م كلفه سلطان مصر المؤيد شيخ بتولي الحسبة، فكان همه الأول معالجة المشكلة الاقتصادية خاصة الخبز، وقد نجح في ذلك، فازداد حنق حساده عليه، خاصة ابن البارزي الذي كان له ثقله السياسي لدى المؤيد شيخ، فأوعز إليه بإقالة العيني وتولية ابن شعبان بدلا منه، فتم ذلك، إلا أن السلطان خلع عليه بوظيفة نظر الأحباس في السابع والعشرين من ربيع الأول سنة 819 هـ /1416 م، فكان هذا ترضية له.
وفي الثامن عشر من ربيع الأول سنة 824 هـ / 1420 م، كلف المؤيد شيخ العيني بالتوجه إلى بلاد ابن قرمان (قونية)، لكشف أخبارها والحصول من نوابها على يمين الولاء، فالتقى بأمير البلاد على باك بن قرمان، ونجحت مهمته، فأعجب المؤيد شيخ بالعيني، وسمح له بالدخول إلى قصره أربعة أيام دون وساطة، وكان ينوي تعيينه في الحسبة، لولا أن ابن البارزي وقف حجر عثرة في ذلك، فتم تعيين إبراهيم بن الحسام فيها
(1)
.
(1)
الصيرفي: نزهة النفوس والأبدان، ج 2، ص 473.
ولقد تبسم الحظ للعيني بعد تولي الظاهر ططر للسلطة سنة 824 هـ / 1420 م، فقد كانت تربط بينهما علاقة حميمة، فألف العيني له كتاب "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر"، و "القدوري" في فقه الحنفية، وترجمة للغة التركية بناء على أمر ططر
(1)
.
ولما تولى الأشرف برسباي حكم مصر في ربيع الأول سنة 825 هـ / 1422 م، قَرَّب العيني منه، وأسند إليه حسبة القاهرة ومصر، فضلًا عن النظر في الأحكام الشرعية وبذلك اتسعت سلطات العيني، إلا أنه واجه في عام 828 هـ / 1424 م ثورة من العامة الجياع؛ بسبب نقص الخبز في الأسواق، وقد شَهَّر المقريزي، وابن حجر بهذا الأمر لمنافستهما للعيني
(2)
، ولكن العينى ظل في الحسبة حتى المحرم سنة 829 هـ / 1425 م وتولاها بعده الأمير أينال الششماني
(3)
، فانهارت الحياة الاقتصادية في عهده
(4)
.
وقد عرف السلطان قدرات العيني العلمية والإدارية والفقهية، فأراد أن يستثمرها في أفضل عمل، ومن ثم أوكل إليه منصب قاضي القضاة، وهو أرفع المناصب الدينية في البلاد، وكان العيني مثالًا للقاضى المؤمن برسالته، لا تأخذه في الحق لومة لائم، يؤكد هذا قول الأشرف برسباى لأمرائه وأعوانه "لولا العيني ما كنا مسلمين"
(5)
.
وبالرغم من معرفة الحكام لقدر العيني فإن بعضهم وقع تحت تأثير الحاقدين والحساد له، فعزل العيني عن القضاء، وتولي بدلا منه عبد الرحمن التفهني في صفر سنة 833 هـ / 1429 م، وكلف العيني بتولي الحسبة إضافة لما بيده من الأحباس، وكان ذلك في الرابع من ربيع الآخر سنة 833 هـ / 1429 م
(6)
.
وفضلًا عما سبق قام العيني بدور المستشار الخاص للشئون السياسية والثقافية والدينية والتعليمية للسلطان برسباي؛ إذ كان يقوم نيابة عنه باستقبال بعض الوفود
(7)
، كما كان يقرأ الرسائل الواردة له من الدول والولايات المجاورة، بالإضافة إلى قيامه بدور المترجم للسلطان، من العربية إلى التركية وبالعكس.
(1)
السخاوي: الذيل على رفع الإصر، ص 434؛ السخاوي: الضوء اللامع، ج 10، ص 132 - 133.
(2)
ابن تغرى بردي: النجوم الزاهرة، ج 14، ص 282.
(3)
الصيرفي: نزهة النفوس والأبدان، ج 3، ص 99.
(4)
المقريزي: الخطط، ج 4، ص 710.
(5)
ابن تغرى بردي: المنهل الصافى، ج 5، ص 343.
(6)
ابن تغرى بردي: المنهل الصافى، ج 5، ص 343؛ ابن حجر: إنباء الغمر، ج 3، ص 435.
(7)
ابن حجر: إنباء الغمر، ج 2، ص 460.
وكان يقرأ له تاريخ الأمم السابقة، ويبين له ما يتخذ منها من عبر
(1)
، كما يعلمه أمور الدين وقواعد العدل، والبعد عن الظلم والقهر، وحسن معاملة العلماء خاصة علماء الدين. ومما يرويه المقريزى في هذ الشأن؛ أن العينى طلب من السلطان أن يوسع على قراء البخاري بالقلعة في شعبان ورمضان، فخلع على أكثر من عشرين عالما صوفا مربعا، وسنجابًا طريًا
(2)
.
وكانت شفاعة العيني لدى السلطان لا ترد، فيقال أن العيني عندما طلب من السلطان العفو عن الفقيه أحمد الكوراني، الذي كان قد قرر التشهير به، وضربه ونفيه خارج البلاد، قبل السلطان شفاعته فيه.
على أية حال وصل العينى إلى قمة التألق الوظيفي في عصر السلطان برسباي، إذ عاد مرة ثانية إلى القضاء في السابع عشر من جمادى الآخرة سنة 835 هـ/ 1431 م، بالإضافة إلى الحسبة ونظر الأحباس، وهي أهم الوظائف في الدولة. كذلك كان للعيني الفضل في تشجيع السلطان برسباى على قيامه بالغزوات البحرية ضد جزيرة قبرص سنة 827 هـ / 1423 م التي انتصر فيها.
ولما مات برسباي وتولي جقمق، عزل العيني عن القضاء، وقد لزم العينى بيته إلى أن عينه الملك الظاهر جقمق في حسبة القاهرة مرتين
(3)
؛ مرة في ربيع الأول سنة 844 هـ / 1440 م، ومرة في 27 شوال سنة 846 هـ / 1442 م. ثم عزل في صفر سنة 847 هـ / 1443 م، وبعدها ظل بعيدا عن السلطة حتى توفي في ذي الحجة سنة 855 هـ / 1451 م.
مكانة العيني العلمية:
تحدد المكانة العلمية لأي عالم من خلال شخصيته وإبداعاته وإنتاجه العلمي، وآراء علماء عصره فيه.
(1)
ابن تغري بردي: النجوم، ج 15، ص 110 - 111.
(2)
المقريزى: السلوك، ج 4، ص 667.
(3)
ابن تغري بردي: المنهل الصافي، ج 5، ص 344.
وإذا طبقنا هذه القواعد على العينى نجده كوكب عصره، وشيخ معاصريه وإمامهم، وهذا بشهادة هؤلاء المعاصرين وغيرهم. فالمؤرخ ابن تغري بردي يصفه بقوله "فريد عصره وعمدة المؤرخين
(1)
".
والسخاوي يقول فيه "كان إمامًا عالمًا علامة، عارفًا بالتصريف والعربية وغيرها، حافظًا للتاريخ واللغة، كثير الاستعمال لها، مشاركة في الفنون، لا يمل من المطالعة والكتابة"
(2)
.
وقد ركز الشوكاني
(3)
على عطاء العيني العلمي، فقال:"وانتفع به الناس وأخذ عنه الطلبة من كل مذهب". وابن العماد الحنبلي يقول عنه: "كان فصيحًا، عارفًا للغتين العربية والتركية، قرأ وسمع ما لا يحصى من الكتب والتفاسير، وبرع في الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والتصريف والتاريخ، وكان أحد أوعية العلم، وأخذ عنه ما لا يحصى"
(4)
.
واللكنوي، يصف العينى بأن له "سعة نظر في الفنون كلها"
(5)
.
ويستشف مما سبق أن العيني كان جهبذ عصره، ولم يصل إلى هذه المرتبة إلا بعد أن قطع شوطا طويلا صنع من خلاله هذا النجاح، ولعل من عوامل ذلك رحلاته العلمية وما شاهده من خلالها، فضلا عن التراكمات التراثية التي حصلها من شتى فنون المعرفة التي اطلع عليها ويأتي في مقدمة هذه المصادر، علوم القرآن الكريم والتفسير، التي كانت المنهل الذي استقى منه العيني ثقافته، وشكلت تكوينه العلمي والأدبي. وقد تفاعل العيني مع كل العلوم التي درسها؛ وكان من نتيجة ذلك أن بدأ مشوار حياته مبكرا في التأليف في أغلب فنون عصره، فكان من أهم المصنفات التاريخية التي كتبها:"عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان"، "السيف المهند في سيرة الملك المؤيد أبي النصر شيخ"، "سيرة الملك الأشرف"، "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر"، "الجوهرة السنية في تاريخ الدولة المؤيدية"، وله بالتركية "تاريخ الأكاسرة"
(6)
. كما كان له "تاريخ
(1)
ابن تغري بردي: الدليل الشافي، ج 2، ص 722، ترجمة رقم 2465.
(2)
السخاوي: الضوء اللامع، ج 10، ص 133.
(3)
الشوكاني: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، ج 2، ص 294 - 295.
(4)
ابن العماد: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج 7، ص 287 - 288.
(5)
اللكنوي: الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ص 208.
(6)
الزركلي: الأعلام، ج 7، ص 163.
البدر في أوصاف أهل العصر" وهو مختصر لعقد الجمان، "مختصر المختصر"، وهو "مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر"، "التاريخ الكبير على السنين" في عشرين مجلد اختصره في ثلاثة مجلدات، وكتاب "التاريخ الصغير" في ثلاثة مجلدات، و"سيرة مغلطاي"
(1)
.
العيني وعلماء عصره:
شهد القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي نهضة فكرية وثقافية في مصر والشام، ساعد على قيامها ما وفرته دولة المماليك من بعض الجوانب في مجال الحرية الفكرية، والإمكانات الاقتصادية، إلى جانب هجرة كثير من علماء العصر إلى مصر أمام الزحف المغولي، فتجمعت في البلاد كوكبة من العلماء أثروا الحياة العلمية والثقافية، وتركوا لنا ثروة علمية في شتى فنون المعرفة الإنسانية، وكان من قمم هذا العصر وشوامخه بدر الدين العيني المتوفي سنة 855 هـ / 1451 م، وابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ / 1448 م، والمقريزي المتوفي سنة 845 هـ / 1441 م، وناصر الدين بن البارزي وغيرهم.
وكان كل واحد من هؤلاء العلماء يعرف قدر الآخر ويكن له غير قليل من الاحترام، إلا أن الاختلاف في وجهات النظر وارد عند كل منهم سواء أكان من الناحية المذهبية أو العلمية أو السياسية، مما جعل حدة المنافسة بينهم شديدة، فالعيني كان حنفيًا، وابن حجر العسقلاني كان شافعيًا، وكان الاختلاف المذهبي بينهما سببا لقيام مناقشات فقهية، تحولت في النهاية إلى شبه صراع مذهبي، تبين عندما عزل العيني عن القضاء، فقام ابن حجر بقطع الخطبة عن مسجد القاضي بدر الدين حسن بن سويد، بحجة أن المذهب الشافعي لا يجيز تعدد خطبة الجمعة في المصر الواحد
(2)
.
كما اشتدت المنافسة أيضًا بين العيني والمقريزي؛ إذ كان كل منهما يمثل قمة علمية شامخة في شتى مجالات الحياة، فعلى الصعيد العلمي حاول كل منهما أن
(1)
لمزيد من التفاصيل عن مؤلفات العيني. انظر: الضوء اللامع، ج 10، ص 133 - 135.
(2)
السخاوي: التبر المسبوك، ص 9 - 10.
يتصدر مقدمة مؤرخي عصره، ليس هذا فحسب بل إن الصراع بينهما على وظيفة حسبة القاهرة وضواحيها تأجج بينهما، خاصة بعد أن عزل السلطان الناصر فرج بن برقوق الشيخ المقريزي من الحسبة، وولاها العيني سنة 801 هـ/ 1399 م. فكان هذا الأمر بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ أخذ المقريزي يكيل التهم للعينى، ويصفه بممالأة الحكام، وكان رد العينى عليه أن وصفه بالجهل وعدم المعرفة
(1)
.
ولم يسلم المقريزي من نقد العيني حتى بعد وفاته؛ إذ ذكر عند ترجمته له أنه "كان مشتغلًا بكتابة التواريخ، ويضرب الرمل"
(2)
. وفي هذا تقليل من قيمة المقريزي العلمية، إذ لا يجتمع العلم والدجل.
وقد شرب العيني من الكأس التي سقى منها المقريزي؛ فلم يسلم من نكاية المنافسين له من أرباب الوظائف، أمثال ناصر الدين بن البارزي -كاتب السر- الذي نجح في إيغار صدر السلطان المؤيد شيخ، فأبعده عن الحسبة. كما نجح ابن البارزي أيضًا في الإيعاز إلى صهره السلطان جقمق، فأبعد العيني عن القضاء عام 842 هـ / 1441 م. ولا يعني هذا أن العيني كان مضطهدا من كل معاصريه، وإنما كانت الحرب بينه وبين المنافسين له بسبب نجاحه وتبوئه المناصب العليا التي كانوا يحلمون بتقلدها.
مصادر العصر الأيوبي التي اعتمد عليها العيني:
من أشهر من نقل عنهم العيني عند كتابته عن العصر الأيوبي القاضي الفاضل - (عبد الرحيم البيساني المتوفي سنة 596 هـ/ 1200 م) الذي كان من ألصق الناس بصلاح الدين. وقد عاصر فترة انتقال الحكم من الفاطميين إلى الأيوبيين. وعمل بمثابة مستشار خاص لصلاح الدين، وقد بلغت ثقته به حدًا كبيرًا حتى أنابه في إدارة شئون مصر في الفترة من سنة 585 - 588 هـ / 1189 - 1192 م إبان حربه ضد الحملة الصليبية الثالثة. واعترف صلاح الدين بفضله بقوله "ما فُتحت البلاد بالعساكر إنما فُتحت بكلام القاضي الفاضل". وهذا يؤكد خصوصية دور القاضي الفاضل لدى صلاح الدين.
(1)
انظر عقد الجمان، ج 25، ورقة 51. مخطوط بدار الكتب المصرية، رقم 1584 تاريخ.
(2)
عقد الجمان، ج 19، ورقة 234؛ ج 25، ورقة 725.
كما نقل العيني أيضًا عن العماد الأصفهاني؛ وهو عماد الدين أبو عبد الله بن صفي الدين أبو الفرج محمد بن نفيس الدين، الملقب بالعماد الكاتب، المتوفى سنة 597 هـ / 1201 م، الذي يعد حجة في فترة من فترات العصر الأيوبى، بحكم عمله كاتبًا في ديوان الإنشاء بمصر في عصر صلاح الدين، ولازمه في حله وترحاله، حتى أصبح بمثابة سكرتير خاص.
وقد اقتبس العيني من كُتب العماد الأصفهاني الكثير؛ خاصة "البرق الشامي"، "الفتح القسي في الفتح القدسي"، "خريدة العصر وجريدة القصر"، فضلا عن بعض أشعار ديوانه. وهذه الكتب تناولت أحداث هامة وأخبارًا قيمة؛ فالبرق الشامي ذكر حياة العماد الأصفهاني في العراق، منذ كان في خدمة السلاجقة وحتى وفاة صلاح الدين الأيوبي، أي من سنة 562 هـ - 589 هـ / 1167 - 1193 م وفي هذه الفترة اتصل بنور الدين محمود ومن بعده بصلاح الدين الأيوبي.
أما "الفتح القسي" فقد تناول تحرير فلسطين وبلاد الشام من يد الفرنجة في الفترة من سنة 583 هـ - 589 هـ / 1187 م - 1193 م.
أما الكتاب الثالث "الخريدة" فقد غلب عليه الطابع الأدبي. وهو مقسم إلى عدة أقسام؛ قسم عن شعراء الشام، قسم عن شعراء مصر، قسم عن شعراء العراق، وقسم خاص بشعراء اليمن والمغرب.
كذلك اعتمد العيني على كتابي ابن الأثير - (علي بن أحمد بن أبي الكرم) - المتوفي سنة 630 هـ / 1233 م؛ فالأول كتاب "التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية" وهو يتناول تاريخ ملوك الموصل من الأتابكة في الفترة من سنة 477 - 607 هـ / 1084 - 1211 م.
والثاني كتاب "الكامل في التاريخ" وهو موسوعة كبيرة في التاريخ العام للعالم الإسلامي. ابتدأه بأول الزمان، وأنهاه بعام 628 هـ/ 1231 م.
كذلك نقل العيني من كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية"، لأبي شامة - (شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي)، المتوفي سنة
665 هـ / 1267 م. وهذا الكتاب سجل فيه أبو شامة أغلب ما كتبه ابن أبي طي -فتاريخ ابن أبي طي مصدر على جانب كبير من الأهمية، لأنه تناول بعناية ودقة تاريخ العالم الإسلامي كله، وأعطى مدينة حلب قدرًا ملحوظًا من اهتمامه، وذكر حاجي خليفة أن ابن أبي طي رتب تاريخه على طريقة الحوليات
(1)
. وقد فُقدت كتب ابن أبي طي، والفضل يرجع إلى أبي شامة في معرفتنا بما كتبه ابن أبي طي. وقد تميز أسلوب اين أبي طى بأنه مجرد من الزخرف، واقعي، مختصر، مباشر في معالجته للموضوعات.
وترجع أهمية كتاب "الروضتين" أيضا إلى أنه نقل لنا ما كتبه العماد الكاتب في كتابه "البرق الشامي"، وهذا الكتاب الأخير فقدت معظم مجلداته، ولا يوجد منه سوى الجزء الثالث والجزء الخامس بمكتبة البودليان بجامعة أكسفورد.
كذلك أخذ العيني من كتاب "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية" المعروف بسيرة صلاح الدين، لابن شداد - (بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن شداد) المتوفى سنة 632 هـ / 1243 م. وأهمية هذا الكتاب بالنسبة للعيني أن ابن شداد كان من بين معية صلاح الدين؛ التحق بخدمته سنة 584 هـ / 1188 م، ولم يفارقه في سلم أو حرب منذ ذلك التاريخ وحتى وفاة صلاح الدين سنة 589 هـ/ 1193 م.
لذلك كان ابن شداد شاهد عيان على العصر، وهو يوضح ذلك بقوله في حوادث سنة 584 هـ حيث قال:"منذ هذا التاريخ ما سطرت إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق به خبرًا يقارب العيان". وقد ولاه صلاح الدين قضاء العسكر وقضاء القدس بعد فتحها. ولما توفي صلاح الدين اتصل ابن شداد بالملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب.
نسخ المخطوطة:
للمخطوطة نسخ عديدة اعتمدنا على نسختين؛ رمزنا للنسخة الأولى بالرمز (أ)، وللنسخة الثانية بالرمز (ب) وهي النسخة المساعدة.
(1)
حاجي خليفة: كشف الظنون، ج 1، ص 214. ط. أولى.
النسخة الأولى: مصورة من معهد المخطوطات العربية عن مخطوطة مكتبة أحمد الثالث بتركيا رقم 2911/ 19 وقد عثرت عليها الباحثة الفاضلة/ نعمات عباس، فلها الشكر، وهي تقع في تسعة عشر جزءا، يهمنا منها الجزءين الآتيين:
الجزء الثاني عشر: من سنة 521 هـ إلى سنة 578 هـ. وهو مكون من 227 ورقة مكتوبة بخط المؤلف سنة 831 هـ، ومسطرتها 31 سطرًا.
الجزء الثالث عشر: مأخوذ عن مكتبة ولى الدين بتركيا، تحت رقم 2390. وتبدأ حوادثه من سنة 579 هـ إلى سنة 620 هـ. وهذه النسخة بخط المؤلف أيضًا، كتبها سنة 832 هـ. وعدد أوراقها 221 ورقة، ومسطرتها 31 سطرًا.
أما النسخة الثانية: فقد رمزنا لها بالرمز ب، وهي نسخة ملفقة تحت رقم 1584 تاريخ، بدار الكتب المصرية، وتتكون من ستة وثلاثين جزءا. اعتمدنا فيها على الأجزاء الآتية:
القسم الثالث من الجزء الحادي والعشرين [ميكروفيلم 35755] ويشتمل على السنوات: من 521 هـ - 578 هـ.
القسم الأول من الجزء الأول [ميكروفيلم 35571] ويشتمل على السنوات: من 579 هـ - 592 هـ.
القسم الثاني من الجزء السابع عشر (ميكروفيلم 37666) ويشتمل على السنوات: من 592 هـ /620 هـ.
القسم الأول من الجزء الثامن عشر (ميكروفيلم 35756) ويشتمل على السنوات: من 621 هـ / 635 هـ.
القسم الثاني من الجزء الثامن عشر (ميكروفيلم 36395) ويشتمل على السنوات: من 635 هـ - 656 هـ.
وقد اعتمدنا على هذه النسخة كنسخة مساعدة حتى سنة 620 هـ. ثم اعتمدناها أصلا بعد ذلك لاستكمال السنوات من 621 هـ إلى 647 هـ، لعدم وجود هذه السنوات في نسخة معهد المخطوطات التي بين أيدينا.
منهج التحقيق:
حرصنا في عملنا على الالتزام بالنص الأصلي الذي جاء بالنسخة الرئيسة من المخطوط، لكن الأمر في بعض الأحيان كان يتطلب التدخل من أجل تقويم النص، نتيجة لتصحيف أو تحريف وقع في بعض الكلمات، ربما يكون من الناسخ. بالإضافة إلى تكملة بعض الكلمات أو العبارات التي سقطت من المؤلف أو الناسخ بعد الرجوع إلى النصوص التي نقل عنها من المصادر. وحينئذ كنا نضع ما سقط بين حاصرتين.
كما قمنا بتقسيم الصفحات إلى فقرات مع مراعاة وضع علامات الترقيم، حتي يسهل على القارئ متابعه النص وتحصل الاستفادة الكاملة من التحقيق.
ثم قمنا بتحقيق أسماء الأعلام والأماكن والبقاع. كما استخرجنا التعريفات الخاصة بالمصطلحات الواردة في النص.
وبعد،،
الحمد لله الذي وفقنا لهذا العمل بفضله ومنه، وأول ما يعن لنا هنا بعد شكر الله تعالى، التقدم بالشكر والعرفان للسيد/ سمير غريب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، والأستاذ/ السيد حسن عرب مدير عام مركز تحقيق التراث، كما أتقدم بشكري وتقديري للزميلة الفاضلة الدكتورة / لبيبة إبراهيم مصطفي محمد على الجهد الكبير الذي بذلته في جميع مراحل تحقيق هذا الكتاب، ولمراجعتها الدقيقة للتجربة الأخيرة للكتاب قبل اعتماده للطبع، وللباحثات الفضليات اللاتي ساهمن معنا في بدايات هذا العمل ثم حالت ظروف عملهن من الاستمرار، وهن:
السيدة/ نجوى مصطفى كامل، السيدة/ نفيسة محمد رشاد، السيدة/ قدرية إبراهيم، السيدة/ خلود مصطفى. كما نشكر السيدة/ إيزيس سامح زكى التي قامت بنسخ الجزء الأكبر من هذا السفر.
كذا نتقدم بالشكر للسيد المهندس / مدير مطبعة دار الكتب وللسادة العاملين معه.
والله من وراء القصد.
دكتور/ محمود رزق محمود
الهرم - الأريزونا
تحريرًا في: 15/ 9/ 2001 م
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والستين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنجد
(1)
بالله، وصاحب مصر العاضد
(2)
، والوزير بها صلاح الدين يوسف بن أيوب
(3)
، وقد كتب إلى نور الدين محمود
(4)
بن زنكي يستنجده على الفرنج؛ لأنهم حاصروا مدينة دمياط
(5)
في صفر من هذه السنة "خمسين يومًا"، بحيث ضيقوا على أهلها، وقتلوا منهم خلقا لا يحصون، وهم في أمم لا يحصون كثرة، قد اجتمعوا من البر والبحر؛ رجاء أن يملكوا الديار المصرية، وخوفا من استيلاء المسلمين على القدس الشريف
(6)
.
وكتب صلاح الدين إلى نور الدين يطلب منه أن يرسل إليه بأمداد من الجيوش؛ فإنه إن خرج من مصر خلفه أهلها بسوء، وإن غفل عن الفرنج أخذوا دمياط وجعلوها معقلا لهم، يتقوون به على
(7)
أخذ مصر، فأرسل إليه ببعوث كثيرة يتلو بعضها بعضًا.
(*) يوافق أولها 25 سبتمبر 1169 م.
(1)
هو أبو المظفر يوسف المستنجد بالله بن المقتفي، الخليفة العباسي، تولى الحكم من سنة 555 هـ/ 1160 م إلى وفاته سنة 566 هـ / 1711 م. انظر: ابن الأثير: التاريخ الباهر، ص 150 - 155، القاهرة 1963 م؛ الكامل في التاريخ، ج 10، ص 28 - 29، بيروت 1987 م؛ سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان، ج 8، ص 177 - 178، شيكاغو 1907 م؛ ابن واصل: مفرج الكروب، ج 1، ص 195 - 196، القاهرة 1953 م؛ السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص 442 - 444، مصر 1959 م.
(2)
هو أبو محمد عبد الله الملقب بالعاضد بن يوسف بن الحافظ محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم، العبيدي الفاطمي، آخر ملوك العبيديين، توفي بمصر سنة 567 هـ / 1172 م انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 3، ص 109 - 112، بيروت، دار صادر؛ ابن دقماق: الجوهر الثمين، ج 1، ص 267 - 269، بيروت 1985 م؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا، ج 3، ص 328 - 329، القاهرة 1967 م (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية). وستأتي ترجمته في هذا الجزء في وفيات سنة 567 هـ.
(3)
هو أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي، الملك الناصر صلاح الدين، صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية، توفي بدمشق سنة 569 هـ / 1174 م انظر: العماد الكاتب: الفتح القسى، ص 627 - 629؛ وفيات الأعيان، ج 7، ص 139 - 218؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 272 - 279.
(4)
هو الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن عماد الدين زنكي بن قسيم الدولة آق سنقر التركي، سلطان الدولة النورية، توفي بدمشق سنة 569 هـ/ 1173 م. انظر تفصيل ترجمته فيما سيأتي من هذا الجزء؛ الباهر، ص 161 - 165؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 191 - 205؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 148 - 151؛ أبو شامة: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 577 - 585، القاهرة 1962 م.
(5)
عن تفاصيل حصار الفرنج لدمياط، انظر: البنداري: سنا البرق الشامي، ص 86 - 87، تحقيق فتحية النبراوي، مصر 1979 م؛ الباهر، ص 144، الروضتين، ج 1 ق 2، ص 456 - 457؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 179.
(6)
"وخوفًا من المسلمين أن يملكون القدس الشريف" في نسخة ب.
(7)
"إلى" في نسخة ب.
واغتنم نور الدين غيبة الفرنج عن بلادهم فصمد إليها في جيشه فجاس خلال الديار لهم "وقتل من رجالهم"
(1)
وسبي من نسائهم وأطفالهم شيئًا كثيرًا.
وأجلت الفرنج عن دمياط؛ لأنه بلغهم أن نور الدين رحمه الله قد حصر بلادهم، وقتل خلقا من رجالهم، وسبي كثيرا من نسائهم، وغنم مالا جزيلا من أموالهم. ولما أجلت الفرنج عن دمياط؛ فرح المسلمون ونور الدين وصلاح الدين على ذلك فرحًا شديدًا، وأنشد الشعراء في ذلك كل منهم قصيدًا
(2)
.
وفي تاريخ
(3)
بيبرس: وفيها قدم الفرنج دمياط وحاصروها، وذلك أن أسد الدين [شيركوه]
(4)
لما ملك مصر خاف الفرنج الذين بالساحل فكاتبوا أهل صقلية والأندلس؛ يستمدونهم ويعلمونهم أنهم خائفون على بيت المقدس، فأمدوهم بالمال والسلاح والعدد والرجال، فنزلوا دمياط ظنا أنهم يملكونها. فأرسل صلاح الدين إليها العساكر برا وبحرا، وأمدهم بالأموال والأسلحة والأقوات، وسير إلى نور الدين يعلمه بذلك ويشكو إليه، أنه إن خرج من القاهرة ما يأمن أن تنقض الشيعة أمرنا. فسير إليه نور الدين عسكرا نجدة، وسار بنفسه لقصد الفرنج، فصعد إلى الكرك
(5)
وحاصرها. وجاءت الفرنج إلى بيسان
(6)
، فرحل نور الدين عن الكرك للقائهم، فرجعوا إلى عكا
(7)
، فعاد نور الدين إلى دمشق.
ولما سمع فرنج الشام بنزول الفرنج على دمياط طمعوا، واشتد أمرهم، فسرقوا حصن عكار من المسلمين، وأسروا صاحبها وكان مملوكًا لنور الدين يسمى ختلخ
(8)
العلم دار وأولاده.
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(2)
ذكر أبو شامة بعضًا من هذه الأشعار في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 460 - 462؛ تاريخ ابن الفرات، ج 1، ص 82 - 87.
(3)
يقصد كتاب زبدة الفكرة، وهو غير موجود بين أيدينا. وانظر الكلام عن هذه الحادثة بالتفصيل في المصادر المشار إليها سابقًا.
(4)
مابين الحاصرتين إضافة من نسخة ب، وهو أبو الحارث شيركوه بن شاذي بن مروان الملقب الملك المنصور أسد الدين عم السلطان صلاح الدين، توفي سنة 564 هـ/ 1169 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 2، ص 479 - 481.
(5)
الكرك: اسم لقلعة حصينة جدا في أطراف الشام من نواحي البلقاء. ياقوت: معجم البلدان، ج 4، ص 251 - 252.
(6)
بيسان: مدينة بالأردن بالغور الشامي، وهي بين حوران وفلسطين. معجم البلدان، ج 1، ص 788، 789.
(7)
عكا: بلد على ساحل بحر الشام من عمل الأردن. معجم البلدان، ج 3، ص 707.
(8)
ختلخ العلم دار: في الروضتين "خطلخ"، ج 1 ق 2، ص 458. كان مملوكًا لنور الدين. وكان على حصن عكار لما هاجمه فرنج الشام. انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 152.
وفي المرآة
(1)
: وفيها نزلت الفرنج على دمياط يوم الجمعة ثالث صفر، وجدّوا في القتال، وأقاموا عليها ثلاثة وخمسين يومًا يضربونها بالمجانيق
(2)
، ويزحفون إليها ليلًا ونهارًا.
ووجه إليها صلاح الدين العساكر مع شهاب الدين
(3)
خاله "وتقي الدين"
(4)
وطلب من العاضد مالا فبعث إليه بشيء كثير. فكان صلاح الدين يقول: ما رأيت أكرم من العاضد؛ جهز إلى في حصار الفرنج ألف ألف دينار، سوى الثياب وغيرها.
واشتغل نور الدين ببلاد الفرنج بالغارات، ووقع فيهم الفناء. فرحلوا بعد أن مات منهم خلق كثير، وكان رحيلهم في ربيع الآخر. وفي شعبان سار نور الدين إلى الكرك، فنازله وضربه بالمجانيق، واجتمع ملوك الساحل وجاؤوه فتأخر إلى البلقاء
(5)
.
وقال القاضي ابن شداد
(6)
: لما رأى نور الدين ظهور الفرنج ونزولهم على دمياط، قصد شغل قلوبهم، فنزل على الكرك محاصرا لها في شعبان، وقصده فرنج الساحل، فرحل عنها، وقصد لقاءهم، فلم يقفوا له. ثم بلغه وفاة مجد الدين بن الداية
(7)
بحلب في رمضان، فاشتغل قلبه، لأنه كان صاحب أمره، فعاد يطلب الشام، فبلغه خبر الزلزلة
(8)
بحلب التي خرَّبت كثيرًا من البلاد. وسار يطلب حلب، فبلغه موت أخيه قطب
(1)
مرآة الزمان، ج 8، ص 174 حيث ينقل العينى عنه بتصرف. ويذكر صاحب المرآة فقط أن مدة إقامة الفرنج على دمياط ثلاثة وخمسين يومًا، انظر ما سبق.
(2)
"المناجنيق" في المرآة وهي آلة من خشب لقذف الحجر على العدو إلى مسافات بعيدة. القلقشندي: صبح الأعشي، ج 2، ص 136 - 137.
(3)
شهاب الدين محمود الحارمي، خال صلاح الدين الأيوبي، توفي سنة 573 هـ/ 1177 م انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 222؛ وفيات الأعيان، ج 7، ص 154، ص 163.
(4)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب. وهو الملك المظفر تقي الدين أبو سعيد عمر بن شاهنشاه بن أيوب ابن أخي السلطان صلاح الدين صاحب الديار المصرية، توفي سنة 587/ 1191 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 456 - 458؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج 12، ص 369 - 370 (ط. دار الكتب العلمية بيروت).
(5)
البلقاء: كورة من أعمال دمشق، بين الشام ووادي القرى قصبتها عمان، انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 738.
(6)
انظر قول ابن شداد في: النوادر السلطانية، ص 42 - 43 حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
(7)
هو مجد الدين أبو بكر بن الداية وسيأتي في وفيات هذه السنة، وعن أولاد ابن الداية انظر ابن واصل: مفرج الكروب، ج 2، ص 24؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 175 - 176؛ النعيمي: الدارس، ج 2، ص 259، القاهرة 1988 م.
(8)
انظر تفصيل خبر الزلزلة بالشام فيما سيأتي ص 41 - 44.
الدين
(1)
بالموصل، وبلغه الخبر وهو بتل باشر
(2)
، فسار من ليلته طالبًا بلاد الموصل. ولما علم صلاح الدين شدة قصد العدو دمياط، أنفذ إلى البلد، وأودعه من الرجال، والأبطال والفرسان، والميرة، والآلات، والسلاح، ما أمن معه عليه، ووعد المقيمين فيه بإمدادهم بالعساكر، والآلات، وإزعاج العدو عنهم إن نزل عليهم. وبالغ في العطايا والهبات، وكان وزيرًا متحكما لا يُرد أمره في شيء. ولما رأى الفرنج عجزهم عن المسلمين؛ رحلوا خائبين خاسرين، فأحرقت مجانيقهم، ونهبت آلاتهم، وقتل منهم خلق كثير، وسلم البلد بحمد الله تعالي.
وقال العماد
(3)
: أقام صلاح الدين بالقاهرة في دار ملكهـ، ومدار فلكهـ، يُنهض إليها المدد بعد المدد، ويُرسل إليها العُدد بعد العُدد، وسبق تقي الدين، ابن أخي السلطان، إلى دمياط فدخلها، وكذا شهاب الدين محمود خاله فنزلها. واتصل الحصار، وتواصلت الأنصار، ودب في الفرنج الفناء، وهب عليهم البلاء، فرحلوا عنها في الحادي والعشرين من ربيع الأول.
قال صاحب تاريخ الدولتين
(4)
: وبلغني من شدة اهتمام نور الدين رحمه الله بأمر المسلمين حين نزل الفرنج على دمياط، أنه قريء عليه جزء من حديث كان له به رواية، فجاء في جملة الأحاديث حديث مسلسل بالتبسُّم، فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يَتَبَسَّمَ لتتم السلسلة، على ما عرف من عادة أهل الحديث، فغضب من ذلك وقال: إني لأستحي من الله تعالى أن يراني متبسمًا والمسلمون محاصرون بالفرنج. وبلغني أن إمامًا لنور الدين رأى ليلة رحيل الفرنج عن دمياط في منامه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أَعْلِم نور الدين أن الفرنج رحلوا عن دمياط في هذه الليلة، فقال: يا رسول الله ربما لا يصدقني، فاذكر لي علامة يعرفها، فقال: قل له بعلامة ما سجدت على تل حارم
(5)
وقلت: يا رب انصر
(1)
هو الأتابك قطب الدين مودود بن الشهيد زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل. تولى السلطنة بعد أخيه سيف الدين غازي سنة 544 هـ/ 1149 م. وتوفي قطب الدين في شوال 565 هـ/ يونية 1170 م. انظر ترجمته في التاريخ الباهر، ص 92 - 93، ص 196؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 387 - 388.
(2)
تل باشر: قلعة حصينة وكورة واسعة في شمالي حلب. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 864.
(3)
انظر قول العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 459 حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(4)
الروضتين، ج 1 ق 2، ص 459 - 461؛ وانظر أيضا: مفرج الكروب، ج 1، ص 182.
(5)
تل حارم: حصن حصين وكورة جليلة تجاه أنطاكية. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 184. وعن الواقعة التي جرت في قلعة حارم، انظر: التاريخ الباهر، ص 125 - 126.
دينك ولا تنصر محمودًا. من هو محمود الكلب حتى "تنصره"
(1)
!! قال: فانتبهت
(2)
ونزلت إلى المسجد، وكان من عادة نور الدين أن ينزل إليه بغَلَس
(3)
، ولا يزال يتركع فيه حتى يصلي الصبح.
قال: فتعرضت له، فسألني عن أمري، فأخبرته بالمنام، وذكرت له العلامة، إلا أنني لم أذكر لفظة الكلب. فقال نور الدين: اذكر العلامة كلها؛ وألح على في ذلك، فقلتها؛ فبكي رحمه الله وصدَّق الرؤيا. وأرخت تلك الليلة، فجاء الخبر برحيل الفرنج بعد ذلك في تلك الليلة.
وأرسل نور الدين إلى العاضد كتابًا، يهنئه برحيل الفرنج عن ثغر دمياط، وكان قد ورد عليه كتاب العاضد بالاستقالة من الأتراك في مصر [خوفًا منهم]
(4)
، والاقتصار على [صلاح الدين]
(5)
وألزامه
(6)
وخواصه. فكتب إليه نور الدين يمدح الأتراك، ويعلمه أنه ما أرسلهم واعتمد عليهم إلا لعلمه بأن قنطاريات
(7)
الفرنج ليس لها إلا سهام الأتراك، فإن الفرنج لا يرعبون إلا منهم، ولولاهم لزاد طمعهم في الديار المصرية، ولحصلوا منها على الأمنية، فلعل الله أن ييسر فتح المسجد الأقصى مضافًا إلى [نعمه]
(8)
التي لا تحصى. ولعمارة
(9)
التميمي قصيدة منها قوله:
(1)
"يُنصر" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 459.
(2)
"فانتهيت" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 459.
(3)
الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. المعجم الوسيط. مادة غلس.
(4)
ما بين الحاصرتين مثبت من الروضتين حيث ينقل العينى عنه، وهو لازم لإيضاح المعنى. الروضتين، ج 1 ق 2، ص 460.
(5)
"أسد الدين" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 460 حيث ينقل العيني عنه.
(6)
الألزام هم الأتباع.
(7)
القنطاريات، مفردها قنطارية: وهي نوع من الرماح يصنع من خشب يعرف باليونانية بهذا الاسم. انظر ماير: الملابس المملوكية، ص 67 - 83، القاهرة 1972؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 183، حاشية (2)؛ راجع أيضًا: Dozy: Supp. Dict. Ar.، T.II، pp.412 - 413.
(8)
" نعمته" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 460 حيث ينقل العيني عنه.
(9)
عمارة اليمني التميمي سيأتي ذكره بالتفصيل في وفيات سنة 569 هـ / 1183 م.
مِنْ شاكِرٍ، والله أعظم شَاكرٍ
…
ما كان من نُعْمَى بَنِي أَيُّوبِ
طَلَبَ الهُدي نَصْرًا فقال وَقَدْ أَتَوْا
…
حَسْبِي، فَأَنْتُمْ غَايَة المطْلُوبِ
جَلَبُوا إلى دِميَاطِ عند حِصَارِهَا
…
عِزَّ القوىِّ وَذِلَّةَ المغلُوبِ
وَجَلُوا عن الإسلام فيها كُرْبةً
…
لَو لَمْ يَجلُّوها أتَتْ بِكُرُوبِ
فالنَّاس في أعمال مصر كُلَّهَا
…
عتقاؤهم من نَازِحٍ وَقَرِيبِ
إنْ لَمْ تظن النَّاس قِشرًا فَارغًا
…
وهُمُ اللُّبَابُ فأنتَ غيرُ لَبِيبِ
وللشهاب فتيان
(1)
الشاغوري من قصيدة:
وَلا غَروَ أَن عادَ هَزيمَةً
…
وَلَو لَم
(2)
تَعُد لَم يَبقَ لِلشِركِ ساحِلُ
فَقَد أَيقَنَت أَعداؤُهُ أَنَّ حَظَّهُم
…
لَدَيهِ رِماحٌ أُشرِعَت أوْ سَلاسِلُ
وَلما أَتَوا دِمياطَ كَالبَحرِ طامِيًا
…
وَلَيسَ لَهُ مِن كَثرَةِ "القَومِ"
(3)
ساحِلُ
يَزيدُ عَنِ الإِحصاءِ وَالعَدِّ جَمعُهُم
…
أُلوفٌ أُلوفٌ خَيلُهم وَالرَّواحِلُ
رَأَوا [دونَهم]
(4)
أُسدًا بِأَيديهِمُ القَنا
…
وَبيضًا رِقاقًا أَحكَمَتها الصَّياقِلُ
وَداروا بِها في البَحرِ مِن كُلِّ جانِبٍ
…
وَمِن دونِها سدٌّ مِنَ المَوتِ حائِلُ
رَجا الكَلبُ مَلكُ الرومِ إِذ ذاكَ فَتحَها
…
فَخافَ، فَأُمُّ المُلكِ هائِلُ
(5)
فَعادوا عَلى الأَعقابِ مِنها هَزيمَةً
…
كَأَنَّهُمُ -ذُلًا- نِعامٌ جَوافِلُ
وَما أَمَّلوا أَن يَلحَقوا بِبِلادِهِم
…
لِتَعصِمَهُم مِمّا [رَأَوهُ]
(6)
المَعاقِلُ
وللعماد الأصبهاني
(7)
:
(1)
هو الشاعر الأديب المعلم، شهاب الدين فتيان بن علي بن فتيان بن ثمال الأسدي الخزيمي الدمشقي الشاغوري، توفي سنة 615 هـ/ 1218 م. له ديوان شعر. انظر ترجمته في العماد الكاتب: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 247 - 259؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 24 - 26.
(2)
"تعد" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 461.
(3)
"العوم" في نسخة ب.
(4)
"فيها" في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 461.
(5)
"هابل" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 461.
(6)
"زواه" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 461.
(7)
انظر قول العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 459 - 461.
يا يوسف الحسنِ والإحسانِ يا ملكًا
…
بجدِّهِ صاعدًا أَعداؤه هَبَطوا
حللتَ من وَسَطِ العلياءِ في شَرَفٍ
…
ومركزُ الشَّمسِ من أَفلاكِها الوَسَطُ
هُنِّيتَ صونكَ دمياطَ التي اجتمعتْ
…
لها الفرنجُ فلا
(1)
حَلُّوا ولا رَبَطوا
مصرٌ بيوسفِها أَضحتْ مشرَّفةً
…
وكلُّ أَمرٍ لها بالعدلِ مُنْضَبِطُ
وحينَ وافى صلاحُ الدِّينِ أَصلحَها
…
فللمصالحِ من أَيامه نَمَطُ
ذكر بقية الحوادث
منها أنه أبطل من الآذان بمصر "حي على خير العمل"
(2)
. وأمر صلاح الدين أن يذكر في الخطبة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ رضي الله عنهم.
ومنها أن شهاب الدين [محمود بن إلياس]
(3)
بن إيلغازي بن أرتق، صاحب قلعة البيرة
(4)
، سار في عسكره -وهو مائتا فارس- إلى نور الدين وهو بعشترا
(5)
. فلما وصل إلى قلعة اللبؤة
(6)
من عمل بعلبك
(7)
، ركب متصيدا فصادف ثلاثمائة فارس من الفرنج، قد شنوا الإغارة على بلاد الإسلام، فاتقعوا، واقتتلوا، فانهزم الفرنج. وأكثر شهاب الدين فيهم القتل والأسر، فلم يفلت منهم إلا من لا يُعتد به، وسار شهاب الدين برؤوس القتلى إلى نور الدين، فركب نور الدين والعسكر للقائه، وكان في جملة تلك الرؤوس رأس مقدم الإستبار
(8)
، صاحب حصن الأكراد
(9)
، وكان من الشجاعة بمحل كبير، ولأنه
(1)
"فما" في الروضتين، ج 1، ق 2، ص 461.
(2)
انظر تفصيل ذلك في ابن العديم: زبدة الحلب، ج 2، ص 672 - 675، دمشق 1954 م؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 278.
(3)
في الأصل محمد بن أيلغازي؛ وفي الروضتين، ج 1 ق 2، ص 471 "محمد بن إلياس"، والمثبت بين الحاصرتين من الباهر، ص 145؛ وانظر: زامباور: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، ج 2، ص 346 - 347، القاهرة 1951 م.
(4)
قلعة البيرة: هي قلعة حصينة لها رستاق واسع وهي بين بيت المقدس ونابلس. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 787.
(5)
عشترا: موضع بحوران من أعمال دمشق. معجم البلدان، ج 3، ص 679.
(6)
"قرية اللبوة" في الباهر، ص 145؛ انظر أيضًا ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق، ص 235، حيث تكلم عن حصن اللبؤة والرأس بالتفصيل، وذكر أنهما من أعمال بعلبك.
(7)
بعلبك: مدينة قديمة فيها أبنية عجيبة وآثار عظيمة، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 673.
(8)
الإسبتار - الإستبار: أطلق المؤرخون المسلمون هذا اللفظ على فرسان جمعية الهسبتاليين Hospitaliers وقد تأسست هذه الجمعية سنة 1099 م بعد استيلاء الصليبيين على بيت المقدس. عن هذه الجمعية انظر: المقريزي: السلوك، ج 1 ق 1، ص 68، القاهرة 1934 م.
(9)
حصن الأكراد: حصن منيع حصين على الجبل الذي مقابل حمص من جهة الغرب وهو جبل الجليل، وهو بين بعلبك وحمص. معجم البلدان، ج 2، ص 376.
كان شجًا
(1)
في حلوق المسلمين، وكذلك أيضًا كان فيها رأس غيره من مشهوري الفرنج، فازدادوا سرورا. وكان ذلك في سابع عشر شوال من هذه السنة.
ومنها أنه وقعت الحرب بين عبد المؤمن وبين ابن مردنيش
(2)
محمد بن سعد، ملك شرق الأندلس، وكان اتفق هو والفرنج على عبد المؤمن وابنه بعده، فاستفحل أمره بعد وفاة عبد المؤمن، فلما كانت هذه السنة جهز إليه يوسف
(3)
بن عبد المؤمن العساكر الكثيرة مع أخيه عمر
(4)
بن عبد المؤمن، فجاسوا بلاده، وخربوها، وأخذ مدينتين من بلاده، وأخافوا عسكره وجنوده، وأقاموا ببلاده مدة ينتقلون فيها، ويجبون أموالها.
ومنها أنه كثرت الأذية من عبد الملك
(5)
بن محمد بن عطاء، وتطرق إلى بلاد حلوان
(6)
، وأفسد، ونهب، وأخذ الحاج، فأُنفذ إليه من بغداد عسكر، فنازله في قلاعه، وضايقوه، ونهبوا أمواله وأموال أهله، حتى أذعن بالطاعة، وأنه لا يعود إلى أذى الحاج ولا غيرهم، فعاد عنهم العسكر.
ومنها أن في ليلة عيد الفطر رزق السلطان صلاح الدين ولده الملك الأفضل
(7)
نور الدين على، وفرح به فرحًا عظيمًا، وخلع، وأعطى، وتصدق بما بهر به العقول.
ومنها أن نجم الدين أيوب
(8)
-والد صلاح الدين- كان مسيره من دمشق إلى ولده صلاح الدين بمصر في هذه السنة، وقد ذكرناه في السنة الماضية.
(1)
الشجا: هو ما اعترض ونشب في الحلق من عظم أو نحوه. انظر: المعجم الوجيز، ص 336.
(2)
هو: محمد بن سعد بن محمد بن أحمد بن مردنيش، أبو عبد الله. وقد ورد في الكامل، ج 10، ص 26 "محمد بن سعيد بن مردنيش" ج 10، ص 26.
(3)
هو: أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن على القيسي الكومي، صاحب المغرب. توفي سنة 580 هـ/ 1184 م انظر: الكامل، ج 10، ص 126 - 127؛ ومعجم الأسرات، ج 1، ص 113.
(4)
عمر بن عبد المؤمن بن علي بن علوي الكومي، أبو حفص، بايع لأخيه أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وصار وزيره أيامًا يسيرة. ثم ولاه أخوه جزيرة الأندلس. انظر أخبار أولاد عبد المؤمن في: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص 187 - 247 وقد ذُكر في ترجمة أخيه في وفيات الأعيان، ج 7، ص 130.
(5)
انظر: الكامل، ج 10، ص 127.
(6)
بلاد حلوان: مدينة عامرة في آخر حدود السواد مما يلي الجبال من بغداد. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 316 - 317.
(7)
الملك الأفضل نور الدين علي بن يوسف بن أيوب. كان أكبر أولاد السلطان صلاح الدين. توفي بسميساط سنة 622 هـ / 1225 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 419 - 421.
(8)
نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، الملك الأفضل، والد السلطان صلاح الدين. انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 255 - 261.
ومن قصيدة الحكيم عبد المنعم
(1)
في ذلك قوله:
في مَشرِقِ المَجدِ نَجمُ الدينِ مَطلَعُه
…
وَكُلُّ أَبنائِهِ شُهُبٌ فَلا أَفَلُوا
جاءوا لِيَعقوبَ
(2)
وَالأَسباطِ، إِذ وَرَدوا
…
عَلى العَزيزِ مِن أَرضِ الشامِ وَاشتَمَلوا
لَكِنَّ يوسُفَ هَذا جاءَ إِخوَتُهُ
…
وَلَم يَكُن بَينَهُم نَزغٌ وَلا زَلَلُ
وَمُلِّكوا مُلْكَ مِصْرٍ في شَماخَتِهِ
…
وَمِثلُهَا لِرِجالٍ مِثلُهُم نُزُلُ
ومنها أن نور الدين رحمه الله خرج في هذه السنة إلى داريا
(3)
، فأعاد عمارة جامعها، ومشهد أبي سليمان الداراني
(4)
، وشتي بدمشق.
قال في المرآة
(5)
: وفي هذه السنة أمر نور الدين بعمارة جامع داريا القائم الآن، وكان قديما عند قبة أبي سليمان الداراني، فأحرقه الإفرنج لما نزلوا على داريا في أيام مجير الدين أبق
(6)
، فعمر نور الدين -في هذه السنة- هذا الجامع الذي في وسط القرية.
ذكر الأمور المزعجة
منها الزلزلة الكبرى:
قال ابن الأثير
(7)
: وفي ثاني عشر شوال من هذه السنة كانت زلزلة عظيمة لم ير الناس مثلها، عمت أكثر البلاد من الشام، ومصر، والجزيرة، والموصل، والعراق،
(1)
الحكيم عبد المنعم: هو عمر بن عبد الله الجلياني الغساني الأندلسي أبو الفضل "حكيم الزمان" من أهل جليانة وهي حصن من أعمال وادي آش بالأندلس، انتقل إلى دمشق وأقام فيها أيام صلاح الدين، فأكرمه وأجلَّه، فكتب فيه أشعارا كثيرة، توفي سنة 602 هـ / 1205 م. انظر: المقري: نفح الطيب، ج 2، ص 635 - 637، تحقيق إحسان عباس، بيروت 1968؛ ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، ج 2، ص 35 - 37؛ معجم البلدان، ج 2، ص 109.
(2)
"كيعقوب" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 467.
(3)
داريا: قرية كبيرة مشهورة من قرى دمشق بالغوطة. وعن الجامع ومشهد أبي سليمان الداراني. انظر نفس المادة. معجم البلدان، ج 2، ص 536.
(4)
أبو سليمان الداراني هو عبد الرحمن بن أحمد الداراني الصوفي المشهور، المتوفى سنة 235 هـ /849 م. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 536.
(5)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 175.
(6)
هو: مجير الدين أبق بن جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين طغتكين، وهو سادس وآخر من حكم دمشق من بني بوري، توفي سنة 564 هـ/1169 م. انظر: معجم الأنساب، ج 2، ص 340؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 188 - 189.
(7)
انظر قول ابن الأثير في الباهر، ص 145 حيث ينقل العينى عنه بتصرف؛ وانظر أيضًا: سنا البرق الشامي، ص 91؛ المرآة، ج 8، ص 174 - 175؛ زبدة الحلب، ج 2، ص 330.
وغيرها. إلا أن أشدها وأعظمها كان بالشام، فخربت بعلبك، وحمص، وحماة، وشيزر
(1)
، وبعرين
(2)
، وغيرها، وتهدمت أسوارها وقلاعها، وسقطت الدور على أهلها، وهلك من الناس ما يخرج عن العد والإحصاء. فلما أتي نور الدين خبرها، سار إلى بعلبك، ليعمر ما انهدم من أسوارها وقلعتها، وكان لم يبلغه خبر غيرها. فلما وصلها أتاه خبر باقي البلاد بخراب أسوارها، وخلوها من أهلها، فرتب ببعلبك من يحميها ويعمرها، وسار إلى حمص، ففعل مثل ذلك، ثم إلى حماة، ثم إلى بارين. وكان شديد الحذر على البلاد من الفرنج لاسيما بارين؛ فإنها مع قربها منهم لم يبق من سورها شيء ألبتة، فجعل فيها طائفة صالحة من العسكر مع أمير كبير، ووكل بالعمارة من يحث عليها ليلًا ونهارًا.
ثم أتي مدينة حلب، فرأى فيها من آثار الزلزلة ما ليس بغيرها من البلاد؛ فإنها قد أتت عليها، وكانوا لا يقدرون يأوون إلى بيوتهم السالمة من الخراب خوفًا من الزلزلة، فإنها عاودتهم غير مرة، وكانوا يخافون يقيمون بظاهر حلب خوفًا من الفرنج، فلما شاهد ما صنعت الزلزلة بها وبأهلها أقام فيها، وباشر عمارتها بنفسه، وكان هو يقف على استعمال الفعلة والبنائين، ولم يزل كذلك حتى أحكم أسوارها، وجميع البلاد، وجوامعها، وأخرج من الأموال ما لا يقدَّر قدره.
وأما بلاد الفرنج -خذلهم الله- فإنها أيضًا فعلت فيها الزلزلة قريبا من هذا، وهم أيضًا يخافون نور الدين على بلادهم، فاشتغل كل منهم بعمارة بلاده عن قصد الآخر.
قال العماد
(3)
: وكانت قلاع الإفرنج المجاورة لبعرين كحصن الأكراد
(4)
، وصافيثا
(5)
، والعُريْمة
(6)
وعرقا
(7)
. وقد وافقت الزلزلة الفرنج يوم عيدهم وهم في
(1)
شيزر: قلعة تشتمل على كورة بالشام، قرب المعرة بينها وبين حماة يوم، ملوكها بني منقذ. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 348.
(2)
بعرين (بارين): بليدة بين حمص والساحل. معجم البلدان، ج 1، ص 672.
(3)
انظر قول العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 468 - 470، حيث ينقل عنه العيني بتصرف.
(4)
"ولحصن الأكراد" في الروضتين، وهو خطأ. حيث أن حصن الأكراد كان يتبع الفرنج في ذلك الوقت. ويؤيد ذلك ما ورد في المرآة، ج 8، ص 174؛ معجم البلدان، ج 2، ص 376.
(5)
صافيثا: قلعة تقع إلى الشمال من عرقة من أعمال حلب. انظر العماد: الفتح القسي، ص 227 حاشية (1). وذُكرت من الحصون القريبة من طرابلس مع العُريمة وعرقا في خطط الشام، لكرد على، ج 5، ص 293.
(6)
العُريمة: موضع بين أجا وسلمى. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 663.
(7)
عرقا: بلدة في شرقي طرابلس. وهي في سفح جبل، وعلى جبلها قلعة. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 653؛ انظر أيضًا عن القلاع والحصون بالشام، خطط الشام، ج 5، ص 291 - 294.
الكنائس، {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ}
(1)
.
وذكر العماد قصيدة
(2)
في مدح نور الدين ووصف الزلزلة:
هل لعاني الهوى من الأسْر فادِى
…
أو لساري ليل الصَّبابة هادي
جنِّبوني خَطْبَ البعاد فَسَهْلٌ
…
كلُّ خَطْب سوى النَّوَى والبعادِ
كنتُ في غفلة من البَيْن حتَّى
…
صباحَ يومَ الأثيل بالبين حادِي
قد حَلَلْتُمْ من مُهجتي في السُّويدا
…
ءِ ومن قَلْبِي
(3)
مَحَلَّ السَّوادِ
إلى أن قال:
أَتمنَّى بالشّام أَهلي ببغدا
…
دَ، وأَينَ الشّامُ من بغدادِ
ما اعتياضي عن حُبِّهم يعلمُ اللـ
…
ـهُ تعالى إلا بحُبِّ الجهادِ
واشتغالي بخدمة المَلك العا
…
دل محمود، الكَرِيمِ، الجَوَادِ
أَنا مِنْه على سَرِيرِ سُرُورِي
…
راتعُ العيش في مَراد مُرادي
إلى أن قال:
[هَوَ]
(4)
نعْمَ الملاذُ من نائب الدَّهـ
…
ـر ونِعْمَ المَعاذُ عند المَعادِ
جلَّ رُزْءُ الفرَنج فاستبدلوا منـ
…
ـهُ بِلُبسِ الحديدِ لُبْسَ الحِدادِ
فَرَّقَ الرُّعْبَ منه في أنْفسِ الكُفَّـ
…
ــارِ بينَ الأَرواحِ والأَجسادِ
سطوةٌ زلزلتْ بسكُانها الأَر
…
ضَ وهَدَّتْ قواعدَ الأَطوادِ
(1)
سورة النحل: آية (26).
(2)
لم يذكر العيني كل الأبيات التي أوردها أبو شامة نقلا عن العماد الأصفهاني. انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 468 - 470.
(3)
"مقلتي" في الروضتين عن العماد، ج 1 ق 2، ص 468.
(4)
"هم" في الأصل، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين نقلًا عن العماد، ج 1 ق 2، ص 469.
أخَذَتْهُمْ بالحقِّ رَجْفةُ بأْس
…
تَركْتُهم صَرْعَى صُروفِ العوادي
خفضتْ في قلاعها كلّ عالٍ
…
وأعادتْ قلاعها كالوهادِ
أنفذَ اللهُ حُكمَهُ فهو ماضٍ
…
"مظهرًا سِرَّ"
(1)
غيبهِ فهو بادِي
وفي المرآة
(2)
: وكانت هذه الزلزلة عامة في الدنيا، أخربت قلاع المسلمين وبلادهم بالشام، وحلب، والعواصم، وأنطاكية
(3)
، ونزلت إلى اللاذقية، وجبلة
(4)
، وجميع بلاد الساحل إلى الداروم
(5)
.
ويقال: إنه لم يمت من دمشق إلا رجل واحد، أصابه حجر وهو على درج جَيرون
(6)
؛ لأن أهلها خرجوا إلى الصحراء، ثم امتدت الزلزلة، وقطعت الفرات، فوصلت إلى الموصل، وسنجار
(7)
، ونصيبين
(8)
، والرها
(9)
، وحران
(10)
، والرقة
(11)
، وماردين
(12)
، وغيرها، وامتدت إلى بغداد، وواسط
(13)
، والبصرة، وجميع بلاد العراق، ولم ير الناس زلزلة من أول الإسلام مثلها؛ أفنت العالم.
(1)
"مظهر سر" في الروضتين، انظر باقي القصيدة في الروضتين عن العماد، ج 1 ق 2، ص 469 - 470.
(2)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 175.
(3)
أنطاكية: قصبة العواصم من الثغور الشامية، بينها وبين حلب يوم وليلة. وهي من بلاد الروم القديمة، انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 382؛ زبدة الحلب، ج 1، ص 15.
(4)
اللاذقية: مدينة في ساحل بحر الشام، تعد من أعمال حمص، وهي غربي جبلة، انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 338 - 340. أما جبلة: فهي قلعة مشهورة بساحل الشام من أعمال حلب قرب اللاذقية، معجم البلدان، ج 2، ص 24 - 27.
(5)
الداروم: بليدة بينها وبين غزة أربعة فراسخ. معجم البلدان، ج 2، ص 525.
(6)
جيرون: باب وحصن بدمشق. معجم البلدان، ج 2، ص 175 - 176.
(7)
سنجار: مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة، بينها وبين الموصل ثلاثة أيام. معجم البلدان، ج 3، ص 158 - 160.
(8)
نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة، على جادة القوافل من الموصل إلى الشام. معجم البلدان، ج 4، ص 787.
(9)
الرها: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام. معجم البلدان، ج 2، ص 876.
(10)
حران: مدينة عظيمة مشهورة على طريق الموصل والشام. معجم البلدان، ج 2، ص 332 - 333.
(11)
الرقة: مدينة مشهورة على الفرات، وهي في بلاد الجزيرة بالعراق. معجم البلدان، ج 2، ص 802 - 804.
(12)
ماردين: قلعة مشهورة على قنة جبل الجزيرة. معجم البلدان، ج 4، ص 390.
(13)
واسط: بلدة ببلاد العراق، متوسطة بين البصرة والكوفة، معجم البلدان، ج 4، ص 881 - 882.
ومنها: نزول الإفرنج على دمياط، وقد ذكرناه
(1)
مفصلًا.
وفيها
(2)
: ..............................
وفيها: حج بالناس الأمير برغش الكبير.
(1)
انظر ما سبق ص 33 وما بعدها.
(2)
في نسختى المخطوطة أ، ب بياض بمقدار سطر وكلمة.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
أحمد بن صالح بن شافع أبو الفضل الجيلي
(1)
؛ سمع الحديث من الأرموي وغيره، وتوفي في شعبان منها، ودفن على أبيه في دكة الإمام أحمد رحمه الله.
أحمد بن عمر بن محمد بن لبيدة أبو العباس الأزجي؛ سمع من ابن جيرون وغيره، وكان فيه خير، خرج إلى مكة، فتوفى فى الطريق، ودفن بزبالة
(2)
.
هبة الله بن محمد بن أحمد بن أبي البركات بن البخارى؛ الفقيه الشافعى، تفقه ببغداد على أسعد الميهنى
(3)
، وسمع أباه، وولى القضاء بقونية
(4)
من بلد الروم، وابنه على ولى القضاء ببغداد، وكنيته أبو طالب، وناب في الوزارة، ومات ابنه على ببغداد في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وعقبه اليوم ببغداد قضاة يقال لهم بيت البخاري.
الملك طُغرل
(5)
بن قاورت صاحب كرمان
(6)
؛ توفي في هذه السنة، واختلف أولاده بهرام شاه، وأرسلان شاه -وهو الأكبر- فجرى بينهما قتال، انهزم منه بهرام شاه إلى خراسان
(7)
، فدخل على المؤيد
(8)
صاحب نيسابور
(9)
، واستنجده، فأنجده بعساكر سار
(1)
انظر: الكامل، ج 10، ص 27؛ ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 4، ص 12.
(2)
زَبالة: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة. وهي قرية عامرة لها أسواق. معجم البلدان، ج 2، ص 912 - 913.
(3)
"المهني" في مرآة الزمان، ج 8، ص 175.
(4)
قونية: أعظم مدن الإسلام بالروم، وهي سكني ملوكهم. معجم البلدان، ج 4، ص 204 - 205.
(5)
انظر: معجم الأنساب، ج 2، ص 335 حيث ذكر أنه محيي الدين طغرلشاه بن ملكشاه، من سلاجقة كرمان، تولى السلطنة سنة 559 هـ/ 1164 م. وهو والد بهرام شاه وأرسلان شاه. وفي الكامل، ج 1، ص 26 طغرل بن قاروت.
(6)
كرمان: هي ولاية مشهورة. وناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان. معجم البلدان، ج 4، ص 363 - 367.
(7)
خراسان: هي إقليم من أقاليم بلاد فارس. وتشتمل على أمهات من البلاد التي دون نهر جيحون. معجم البلدان، ج 2، ص 409.
(8)
المؤيد صاحب نيسابور: هو "أي أبه". كان مملوكًا للسلطان سنجر. ولما انهزم سنجر سنة 548 هـ/ 1153 م، تقدم المؤيد وعلا شأنه فاستولى على نيسابور. واستقرت البلاد له ودانت له الرعية. وقتل المؤيد سنة 568 هـ/ 1172 م. انظر: الكامل، ج 9، ص 89، ج 10، ص 36.
(9)
نيسابور: هي أعظم مدن إقليم خراسان. انظر: الإصطخرى: المسالك والممالك، ص 145 - 147؛ معجم البلدان، ج 4، ص 857.
بها إلى كرمان، فجرت بين الأخوين حرب، ظفر فيها بهرام شاه، وهرب أرسلان شاه، وقصد أصفهان
(1)
مستجيرًا بأيلدكز
(2)
، فأنفذ معه عسكرًا، فاستنقذوا البلاد من بهرام شاه وسلموها إلى أرسلان شاه، فعاد بهرام شاه إلى نيسابور مستنجدًا بالمؤيد صاحبها، فأقام عنده. فاتفق أن أخاه أرسلان شاه مات، فسار إلى كرمان فملكها وأقام بها بغير منازع.
قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر؛ المعروف بالأعرج، صاحب الموصل، وهو أخو نور الدين محمود بن زنكي. وكان قطب الدين مودود تولى السلطنة بالموصل وتلك البلاد، عقيب موت أخيه سيف الدين غازي
(3)
، وكان حسن السيرة عادلًا في حكمه، محببًا إلى الرعية، محسنًا إليهم، حسن الشكل. وفي دولته عظم جمال الدين محمد الأصفهاني
(4)
، كما ذكرنا في ترجمته. وكان مدبر دولته، وصاحب رأيه الأمير زين الدين على كوجك
(5)
، والد مظفر الدين صاحب إربل
(6)
. وكان نعم المدير، مع شجاعته وفروسيته. ولم يزل قطب الدين على سلطنته ونفاذ كلمته، إلى أن توفي في شوال من هذه السنة. وقيل في الثاني والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة. وقيل توفي في ربيع الآخر من سنة ست وستين وخمسمائة.
وقال ابن خلكان
(7)
: هذا ليس بصحيح، فإن أخاه [نور الدين]
(8)
كان بالموصل في شهر ربيع الآخر، وجاءت رسل الخليفة، وهو مخيم على وفاة أخيه قطب الدين. وكانت
(1)
أصفهان: هي أصبهان، وهي مدينة بأرض فارس. معجم البلدان، ج 1، ص 292.
(2)
هو: "أيلدكز" شمس الدين، توفي سنة 570 هـ/ 1174 م. حكم بين سنوات 531 هـ - 568 هـ/ 1137 - 1173 م ببلاد أذربيجان. وعن بني أيلدكز أتابكة أذربيجان. انظر: معجم الأنساب، ج 2، ص 349؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 476؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 208.
(3)
هو سيف الدين غازي بن أتابك عماد الدين زنكي، توفي سنة 544 هـ/ 1149 م. انظر: الباهر، ص 84 - 92.
(4)
"محمود" في نسخته المخطوطة أ، ب. والمثبت هو الصحيح. وهو جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور، الوزير، المعروف بالجواد، توفي سنة 559 هـ/ 1164 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 143؛ وقد ذكره ابن العماد الحنبلي في الشذرات في وفيات سنة 558 هـ/ 1163 م.
(5)
زين الدين على كوجك بن بكتكين. نائب قطب الدين بالموصل. وكانت بيده إربل. توفي سنة 563 هـ/ 1168 م. انظر: النوادر السلطانية، ص 39؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 114؛ الكامل، ج 10، ص 8.
(6)
إربل: قلعة حصينة ومدينة كبيرة من أعمال الموصل. وأكثر أهلها أكراد وقد استعربوا. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 189.
(7)
انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 303 في ترجمة قطب الدين مودود.
(8)
ما بين الحاصرتين مثبت من وفيات الأعيان للتوضيح.
وفاته بالموصل، ومدة عمره أكثر من أربعين سنة، وخلَّف عدة أولاد، أكثرهم ملوك، منهم: سيف الدين غازي تولى السلطنة بعده، وعز الدين مسعود، وعماد الدين زنكي صاحب سنجار.
وقال ابن كثير
(1)
: وتملك من بعد قطب الدين ولده سيف الدين غازي، ابن الست خاتون بنت تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، أصحاب ماردين. وكان مدبر مملكته، والمتحكم فيهم، فخر الدين عبد المسيح
(2)
، وكان ظالمًا غاشمًا.
وفي تاريخ الدولتين
(3)
: لما اشتد مرض قطب الدين، أوصى بالملك بعده لولده عماد الدين زنكي، وهو أكبر أولاده، وأعزهم [عليه]
(4)
وأحبهم إليه. وكان النائب عن قطب الدين حينئذ والقائم بأمر دولته فخر الدين عبد المسيح، وكان يكره عماد الدين زنكي؛ لأنه قد كان أكثر المقام عند عمه الملك العادل نور الدين وخدمه، وتزوج ابنته، وكان عزيزه وحبيبه. وكان نور الدين يبغض عبد المسيح لظلم كان فيه، ويذمه ويلوم أخاه قطب الدين على توليته الأمور. فخاف عبد المسيح أن يتصرف عماد الدين في أموره عن أمر عمه فيعزله ويبعده، فاتفق هو والخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش، زوجة قطب الدين، فردُّوه عن هذا الرأي. فلما كان الغد أحضر الأمراء، واستحلفهم لولده سيف الدين غازي. وتوفي وقد جاوز عمره أربعين سنة.
وكان تام القامة، كبير الوجه، أسمر اللون، واسع الجبهة، جهوري الصوت. وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصف شهر.
ولما توفي استقر سيف الدين في الملك، ورحل عماد الدين إلى عمه نور الدين شاكيًا ومستنصرًا. وكان عبد المسيح هو [متولي]
(5)
أمر سيف الدين وتحكم في مملكته، وليس لسيف الدين من الأمر إلا اسمه؛ لأنه في عنفوان شبابه وعزة حداثته.
(1)
انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 210.
(2)
فخر الدين عبد المسيح: نائب قطب الدين مودود على الموصل. ثم مدير مملكته من بعده. كان نصرانيًا فأظهر الإسلام. كان سيئ السيرة خبيثًا في حق العلماء والمسلمين خاصة. أطلق عليه نور الدين: عبد الله، وأقطعه إقطاعًا حسنًا. انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 280.
(3)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 472. وانظر أيضًا الباهر، ص 146.
(4)
"فيه" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 472، حيث ينقل العينى عنه.
(5)
"يتولى" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 473.
وقال ابن الأثير
(1)
: وكان حسن الاتفاق مع أخيه الملك العادل نور الدين، كثير المساعدة له والإنجاد بنفسه وعسكره وأمواله؛ حضر معه المصاف بحارم وفتحها وفتح بانياس
(2)
. وكان يخطب له في بلاده باختياره من غير خوف. وكان إحسانه إلى أصحابه متتابعًا، من غير طلب منهم ولا تعريض. وكان يبغض الظلم وأهله، ويعاقب من يفعله.
مجد الدين أبو بكر بن الداية؛ رضيع نور الدين محمود، مات في هذه السنة. وكانت حلب، وقلعة جعبر
(3)
، وحارم إقطاعه، فأقر نور الدين أخاه علىَّ بن [الداية]
(4)
على إقطاعه، وكان موته بحلب في شهر رمضان. وكان نور الدين حينئذ محاصرًا الكرك، وبلغه قصد الفرنج من الساحل، فرحل عنها، وقصد لقاءهم، فلم يقفوا له. ثم بلغه وفاة مجد الدين بن الداية، فاشتغل قلبه به؛ لأنه كان صاحب أمره. ودفن مجد الدين بحلب، وكان من أكابر أمراء نور الدين، وكان شجاعًا دينًا، بني بحلب خانكاه
(5)
، وهي باقية إلى هلم جرا. ولما مات مجد الدين، قدم نور الدين على العساكر سابق الدين عثمان بن الداية أخا مجد الدين، وأعطى أولاده بعلبك.
أمير حاجب
(6)
العمادي؛ مات في هذه السنة، وكان إقطاعه تدمر
(7)
وبعلبك.
(1)
نقل العينى هذا النص بتصرف من الباهر، ص 149.
(2)
بانياس: اسم لبلدة صغيرة من أعمال دمشق، وهي على مرحلة ونصف من دمشق من جهة الغرب بميلة إلى الجنوب. انظر: تقويم البلدان، ص 349؛ وصبح الأعشي، ج 4، ص 104.
(3)
قلعة جعبر: على الفرات بين بالس والرقة، قرب صفين. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 84.
(4)
"على بن مجد الدين" في نسختى المخطوطة أ، ب وهو خطأ. وأولاد الداية خمسة هم: سابق الدين عثمان، شمس الدين على، بدر الدين حسن، بهاء الدين عمر، أبو بكر وهو أكبرهم واسمه محمد. انظر: الروضتين ج 1 ق 2، ص 387 - 389 حيث أورد أبو شامة شعرًا في أولاد ابن الداية عن العماد الكاتب؛ وانظر أيضًا: النعيمي: الدارس، ج 2، ص 295.
(5)
خانكاه حلب: ذكر كرد على في خطط الشام أن مجد الدين أنشأ خانقاتين إحداهما بعرصة الفراتي، والثانية بمقام إبراهيم. انظر: خطط الشام، ج 6، ص 145.
(6)
لم ترد: وظيفة أمير حاجب في المصادر المتخصصة كصبح الأعشي، ونهاية الأرب في فنون الأدب، وإنما وردت وظيفة حاجب الحجاب على وزن أمير جاندار وأمير سلاح. انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 19، ج 5، ص 449.
(7)
تدمر: مدينة قديمة مشهورة في برية الشام. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 828.
وفي المرآة
(1)
: ودفن العمادي بقاسيون
(2)
، في تربة قريبة من تربة شركس
(3)
، شماليها، وهي أول تربة بنيت في الجبل، واسمه مكتوب على بابها.
قال السبط:
(4)
ووقفت على باب التربة، وعليها مكتوب:"هذه تربة العمادي محمد عامل قومسان"
(5)
.
الحسين بن محمد أبو المظفر بن الشيبي؛ حبس مديدة، ثم قطعت يده ورجله، وحمل إلى المارستان، فتوفي في محرم هذه السنة. وكان أديبًا لطيفًا، له شعر حسن.
ومما قال من الشعر يتشوق أهله:
سَلامٌ على أَهْلِي وَصَحْبِي وَجُلَّاسِي
…
وَمَنْ فِي فُؤادِي ذِكْرُهُم رَاسِبٌ رَاسِي
أَحِبَة قَلْبِي قَلَّ صَبْرِى عَنْكُمُ
…
وَزَادَ بِكُم وَجْدِي وَحُزْنِي وَوَسْواسي
أُعَالِجُ فِيكُم كُلَّ هَمٍّ وَلا أَرَى
…
لِدَاءِ هُمُومِي غَيْرَ رُؤْيَتِكُم آسِي
خُذُوا الْوَاكِفَ الْمِدْرَارَ مِنْ فَيْضِ أَدْمُعِي
…
وَحَرَّ لَهِيبِ النَّارِ مِنْ كَرْبِ أَنْفَاسِي
لَقَدْ أَبْدَتْ الأَيَّامُ لِي كُلَّ شِدَّةٍ
…
تَشِيبُ لَهَا الأكْبَادُ فَضْلًا عَنِ الرَّاسِ
أَقُولُ لِقَلْبِي وَالْهُمُوم تَنُوشُهُ
…
وَقَدْ حَدَّثَتْهُ النَّفْسُ بِالصَّبْرِ والْيَاسِ
وَكَيْفَ اصْطَبَارِي عَنْكُمُ وَتَجَلُّدِي
…
علَى فَقْدِكُمُ، وَيْلِي عَلَى قَلْبِي الْقَاسِي
وَمِنْ لِي بِطَيْف منْكُم أَنْ يَزُورَنِي
…
عَلَى الليْلَة الليلاءِ فِي جُنْحِ دَيْمَاسِ
(6)
طاوس أم المستنجد بالله؛ توفيت يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان من هذه السنة، وحملت إلى الترب بالرصافة
(7)
.
(1)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 175 - 176.
(2)
قاسيون: هو الجبل المشرف على مدينة دمشق. انظر: معجم البلدان. ج 4، ص 13.
(3)
تربة شركس: هي تربة جهاركس بن عبد الله الأنصاري الأمير فخر الدين من أكابر الأمراء الصلاحية. وهي بقاسيون، انظر: الدارس، ج 1، ص 497.
(4)
مرآة الزمان، ج 8، ص 175 - 176.
(5)
قومسان: قرية من قرى اعْلم، واعلم ناحية بين همذان وزنجان. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 202.
(6)
"وتماس" كذا في الأصل، والمثبت من ب.
(7)
الرصافة: بالجانب الشرقي من بغداد. بناها المهدي وعمل له جامعًا. وبها مقابر الخلفاء من بني العباس. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 783.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والستين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنجد بالله، ولكنه مات في هذه السنة. والكلام فيه على أنواع:
الأول في ترجمته
(1)
: هو أمير المؤمنين، المستنجد بالله، أبو المظفر يوسف بن -أمير المؤمنين- المقتفي لأمر الله، أبي عبد الله محمد بن -أمير المؤمنين- المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن -أمير المؤمنين- المقتدي بأمر الله، عبد الله بن -الأمير- ذخيرة الدين ولي العهد، أبي العباس أحمد، القادر بأمر الله بن إسحاق بن المقتدر بالله ابن المعتضد بالله بن -الأمير- أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور أبي جعفر. وأمه أم ولد، يقال لها طاوس
(2)
، وكانت رومية، توفيت في السنة الماضية كما ذكرنا.
وكان مولده في ربيع الأول سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وبويع له بالخلافة [في]
(3)
صبيحة يوم الأحد، ثاني ربيع الأول، من سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة، وكان ولي عهد أبيه من مدة متطاولة.
الثاني في صفته: كان أسمر، طويل اللحية، تام القامة.
الثالث في سيرته: كان من خيار الخلفاء، وأعدلهم، وأرفقهم بالرعايا، وضع عنهم المكوس والضرائب، ولم يترك بالعراق مكسًا، وكان أمارًا بالمعروف، نهاءً عن المنكر. وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام غير مرة؛ وكانت آخرهن قبل أن يلي بأربعة أيام وهو يقول له: قل: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، دعاء القنوت بتمامه.
(*) يوافق أولها 14 سبتمبر 1170 م.
(1)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 190 - 191؛ الكامل، ج 10، ص 28 - 29؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 241؛ تاريخ الخلفاء، ص 442 - 444.
(2)
طاوس، وقيل نرجس، وهي أم المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله. انظر: الكامل، ج 10، ص 28.
(3)
ما بين الحاصرتين مثبت من نسخة ب.
وفي تاريخ بيبرس: وكان حسن السيرة، عادلًا في الرعية، رفيقًا بهم، شديدًا على أهل العبث والفساد والسعاية بالناس، جاهدًا في دفع المضار عنهم، وكفِّ أكُفِّ العدوان الممتدة إليهم، وكان فاضلًا، محبًا للعلم، أديبًا.
وله شعر، منه قوله في الشمعة:
وَصَفْرَاءُ مِثْلِي في الْقِياسِ وَدَمْعُهَا
…
سجامٌ علَى الخَدِّيِن مِثل دُمُوعي
تَذُوبُ كما في الْحُب ذُبْتُ صَبَابَةً
…
وتَحْوِي حَشَاهَا ما حَوته ضُلُوعي
وفي تاريخ ابن العميد: كان منكرًا للظلم مؤثرًا للعدل، كثير الصدقات مهيبًا مخوفًا، ذا سطوة وعزيمة وبأس شديد. وله شعر جيد.
وفي المرآة:
(1)
كان شجاعًا مهيبًا عادلًا، أزال المظالم والمكوس، ذكيًا فطنًا فصيحًا، له واقعات عجيبة. شكى إليه رجل من القاضي فوقَّع
(2)
على الرقعة إلى القاضي: "تجنب الآثام، وانصف الأنام، وخف سطوات حاكم الحكام".
وقبض على إنسان يسعى بالناس، فشفع فيه بعض أصحاب الخليفة، وبذل عشرة آلاف دينار، فقال له الخليفة: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار، وأحضر لي إنسانًا مثله يؤذي الناس بالسعايات؛ لأحبسه وأكف شره عن الناس. ومن شعره:
عَيَّرتْنِي بالشّيبِ وَهْوَ وَقَارُ
…
لَيْتَها عيَّرتْ بِمَا هُوَ عَارُ
إِنْ تَكُنْ شَابَتْ الذَّوَائِبُ مِنِّى
…
فَاللَّيالِي [تُزِيْنُها]
(3)
الأقْمارُ
الرابع في وفاته:
قال ابن كثير
(4)
: وكان المستنجد قد مرض في أول هذه السنة، ثم عوفي فيما يبدو للناس، وعمل ضيافة عظيمة بسبب ذلك، وفرح الناس بذلك. ثم أدخله الحكيم إلى
(1)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 177 حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(2)
"فرفع" في المرآة ج 8، ص 177.
(3)
"تزينهن" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب. وهو الصحيح.
(4)
انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 281، حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
الحمام وعنده ضعف شديد، فمات في الحمام يوم السبت بعد الظهر ثامن
(1)
ربيع الآخر، ويقال إن ذلك بإشارة بعض أهل الدولة على الطبيب؛ استعجالًا لموته.
وفي عيون المعارف
(2)
: أن الأمير يَزْدَن
(3)
دخل الحمام وداس على بطنه فمات.
وفي المرآة
(4)
: وكان مرض، فلما اشتد مرضه اتفق بعض الأمراء الأكابر وأستاداره
(5)
مع طبيبه أنه يصف له صفة يكون فيها حتفه، فوصف له دخول الحمام، فدخل، وأغلق عليه بابها، فمات، وأظهروا وفاته للناس.
وفي المرآة
(6)
مرض في ربيع الآخر أيامًا، فاحمر الأفق، وما زالت الحمرة على الحيطان، وشعاعها متصل بالسماء حتى مات.
وكان قد فوض أمور العساكر إلى قطب الدين قيماز مملوكه، فأظهر الاستبداد بالأمر، وبلغه أن قيماز يجتمع بالأمير أبي محمد الحسن بن المستنجد، المستضيء، وأن بينهما مراسلات، فتغير على قيماز.
ومرض المستنجد، وكان وزيره ابن البلدي
(7)
قد اطلع على الحال، فأخبر المستنجد، فأمره بالقبض عليهما، وخاف قيماز وكان له طبيب يقال له ابن صفية، فخلا به قيماز، فقال: خلصنا منه وإلا قتلتك. فقال: به حمى محرقة، وليس عليه أضر من الحمام، فدخل عليه قيماز وهو في فراشه، فقال: قد وصف لك ابن صفية
(1)
ذكر ابن كثير في البداية والنهاية، ج 12، ص 281 أن الوفاة كانت في "ثاني ربيع الآخر"؛ أما ابن الأثير، الكامل، ج 10، ص 28 فذكر أن وفاته في تاسع ربيع الآخر، وقد وافقه أبو شامة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 484؛ أما السيوطي فقد اتفق مع العيني، انظر: تاريخ الخلفاء، ص 443.
(2)
عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف؛ جمعه القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن خضر "جعفر" القضاعي المتوفى سنة 454 هـ/1062 م. جمعه فيه أنباء الأنبياء وتواريخ الخلفاء وولايات الملوك والأمراء، انتهى فيه إلى الخلافة الفاطمية. انظر: حاجي خليفة: كشف الظنون، ج 2، ص 1188.
(3)
يزدن: الحسن بن ضافي بن يزدن التركي. من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة. كان رافضيا خبيثًا. توفي سنة 568 هـ/1173 م. انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 292؛ الباهر، ص 151.
(4)
لم نعثر على هذه الفقرة في ذكر وفاة المستنجد بالمرآة وأقرب نص لهذا المعني موجود بالكامل، ج 10، ص 28.
(5)
أستاداره أبو الفرج عضد الدين ابن رئيس الرؤساء، وطبيبه ابن صفية.
(6)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 177 - 178 حيث ينقل العيني عن السبط؛ وانظر أيضًا: تاريخ الخلفاء، ص 444.
(7)
هو الوزير شرف الدين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن إبراهيم التميمي، وزير الإمام المستنجد بالله، المعروف بابن البلدي. لمزيد من التفاصيل عن هذا الوزير انظر: الكامل، ج 10، ص 28 - 29؛ الباهر، ص 151؛ وفيات الأعيان؛ ج 4، ص 469.
الحمام، فقال: لا حاجة لي فيه، وقيماز يقول: لابد لك منه، فحمله كرهًا وهو يقول: بلى ينفعك، فأدخله الحمام وأغلق عليه الباب، وقطع عنه الماء البارد، فمات يوم السبت ثامن ربيع الآخر ودفن بالدار.
وفي تاريخ المؤيد
(1)
: ولما مرض واشتد مرضه، كان قد خاف منه أستاداره عضد [الدين]
(2)
أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قيماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبر أمراء بغداد، فاتفقا مع الطبيب على أن يصف له ما يهلكه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع منه لضعفه فأدخلوه، وغلقوا عليه الباب، فمات.
الخامس في أشياء تتعلق به:
ولما مات المستنجد كان عمره ثمانيًا وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا. قاله في تاريخ ابن كثير
(3)
. وفي تاريخ بيبرس: وكان عمره ستًا وخمسين سنة، وخلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا وسبعة أيام.
وفي المرآة
(4)
: وقد بلغ من العمر [ثمانيًا]
(5)
وأربعين سنة، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا، وعمل العزاء ثمانية أيام.
وقال ابن الجوزي
(6)
: وتكلمت فيه وخلع على. وقال: وحضرت الصلاة عليه يوم الأحد قبل الظهر في التاج
(7)
، ودفن في الدار، أعني دار الخلافة، ثم نقل إلى الترب بالرصافة.
(1)
أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 49 حيث ينقل عنه العيني بتصرف.
(2)
"الدولة" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين مما سيأتي ص 58. وهو عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء، المعروف بابن المسلمة. انظر: وفيات الأعيان، ج 6، ص 241 في ترجمة الوزير ابن هبيرة؛ الكامل، ج 10، ص 29.
(3)
انظر: البداية والنهاية: ج 12، ص 281.
(4)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 178.
(5)
"ثمانية" في الأصل والصحيح ما أثبتناه.
(6)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 191 حيث ينقل عنه العيني بتصرف.
(7)
التاج: دار مشهورة جليلة ببغداد، من دور الخلافة. كان أول من وضع أساسه وسماه بهذه التسمية أمير المؤمنين المعتضد، وأتمه ابنه المكتفي. ياقوت، معجم البلدان، ج 1، ص 806.
وفي تاريخ ابن العميد
(1)
: مدة خلافته إحدى عشرة سنة وسبعة وعشرون يومًا، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الخميس، لتتمة خمسمائة وخمس وستين سنة وثمانية وثمانين يومًا للهجرة، ولتمام ستة آلاف سنة وستمائة و [اثنتين]
(2)
وستين سنة، ومائة وأربعة أيام للعالم شمسية.
ذكر خلافة المستضيء بأمر الله
(3)
هو أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد بن المقتفي، وهو الثالث والثلاثون من خلفاء بني العباس، بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، وجلس بكرة الأحد تاسع ربيع الآخر، وبايعه الناس. ولم يل الخلافة أحد اسمه الحسن بعد الحسن بن على بن أبي طالب رضي الله عنهم غير هذا، ووافقه في الكنية أيضًا، وخلع على الناس يومئذ أكثر من ألف خلعة. وكان يومًا مشهودًا.
ولما بويع أظهر العدل والإحسان، وأمر بإطلاق المسجونين، وكانوا نحوًا من سبعمائة، أكثرهم بغير جرم، فأطلقوا. وسار سيرة حسنة، ورد المظالم، وفرق مالًا جزيلًا على الشرفاء والفقهاء والقراء وذوي الأقدار، وأمر بإسقاط الضرائب والمكوس التي كانت أحدثت، وإسقاط الخراج المجدد على الناس، وأمر بإعادة أملاك مغصوبة على
(4)
أربابها، وعاد إلى البلاد كثير ممن كان نأى عنها وبَعُدَ منها. ويوم مبايعته قتل الوزير شرف الدين أبو جعفر أحمد بن البلدي، أعان على قتله أبو الفرج أستاذ الدار، وقتل الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة
(5)
، ووزر أبو الفرج أستاذ الدار للمستضيء من يومه ذلك.
(1)
الجزء الخاص بهذه الفترة لم يقع بين أيدينا ويبدو أنه مفقود.
(2)
"اثنين" كذا في نسخته المخطوطة أ، ب. والمثبت هو الصحيح.
(3)
انظر: الكامل، ج 10، ص 29؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 281؛ تاريخ الخلفاء، ص 444 - 448.
(4)
"إلى" في نسخة ب.
(5)
يحيى بن محمد بن هبيرة، أبو المظفر عون الدين. من كبار وزراء الدولة العباسية. وزر للمقتفي ثم لابنه المستنجد ومات في جمادى الأولى سنة 560 هـ/ 1160 م، قبل أن طبيبه سقاه سمًا ودفن في مدرسته بباب البصرة. أجمعت المصادر كلها على سنة وفاته وهي سنة 560 هـ/ 1165 م، وانفرد العيني بذكر وفاته في سنة 566 هـ/ 1170 م يوم مبايعة المستضيء، انظر: المنتظم، ج 18، ص 166؛ وفيات الأعيان، ج 6، ص 230 - 244؛ الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 2، ص 366؛ البداية والنهاية، ج 12 ص 250 - 251.
وقال ابن التعاويذي
(1)
، يمدح المستضيء، ويهنئه بما أتاه الله وأباحه له، قصيدة مطلعها:
لك النَّهْى بَعْد الله في الخَلْق والأَمْرُ
…
وفي يَدِكَ المَبْسوطَة النَّفَعُ والضَّرُ
وطَاعتُك الإيمَان بالله والهُدَى
…
وعِصْيانُكَ الإلحادُ بالله والْكُفْرُ
وَلَوْلاكَ ما صَحَّتْ عَقِيدةُ مؤمنٍ
…
تقىٍّ ولم يُقْبَلْ دُعَاءٌ ولا نذْرُ
مُر الدَّهْر يفْعَلْ ما تَشَاءُ فإنَّهُ
…
بأَمْرِكَ يِجْري في تَقَلُّبِهِ الدَّهْرُ
إِمَامُ هُدًى عمَّتْ سياسَةُ عَدْلِهِ
…
فَأوَّلُ مَقَتُولٍ بإحْسَانِهِ الْفَقْرُ
يُقَصِّر بَاعُ المدْحِ دُونَ صِفَاتِهِ
…
وَيَصْغُرُ أن يُهْدِى الَّثَّنَاء لَهُ الشِّعْرُ
وَكَيْفَ يُقَاسُ الْبَحْرُ جُودًا بِكَفِّه
…
وَمْنْ بَعْضِ ما تَحْويه قَبْضَتُه الْبَحْرُ
وَهَلْ لِضِيَاءِ البدْرِ إشْرَاقُ وَجْهِهِ
…
وَأَنِّي ومن أنْوارِهِ خُلِقَ الْبَدْرُ
ومَنْ يُسْتَهَل الْقَطْرُ مِن بَرَكَاتِهِ
…
عَلَى النَّاسِ ظُلْمٌ أنْ يُقَاسَ بِهِ القَطْرُ
وَكيْف يُهنَّى بالزَّمَانِ وإنَّمَا
…
تُهَنَّي به الأيَّامُ وَالعامُ والعَصْرُ
وَلَوْلا الإِمَامُ الْمُستَضِيُء وَرَأيُهُ
…
تَداعَتْ قوَى الإسْلامِ وَانْثَغَرَ الثَّغْرُ
بِهِ أيَّدَ اللهُ الْخِلافَةَ بَعْدَمَا
…
تَفَاقَمَ دَاءُ الْبَغْي وَاْسْتَفْحَلَ الشَّرُّ
فَمَنْ مُبْلغٌ تَحْتَ التُّرابِ ابْنَ هَانِئٍ
…
وَقْبْرَ المُعِزِّ إِنْ أَصَاخَ لَهُ الْقَبْرُ
بَأنَّ الحُقُوقَ اسْتُرجِعَتْ فِي زَمَانِه
…
على رغْمِ مَنْ نَاوَاهُ وافْتُتِحَتْ مِصْرُ
وَأنَّ اللَّيَالِي الدُّهمَ بالجَوْرِ أَشْرَقَتْ
…
عَلَى إثْرِهَا بالعَدْلِ أَيَّامُهُ الغُرُّ
شَكَرْنَاهُ مَا أولاه لا
(2)
إنّ وسْعنا
…
بنا بالغٌ ما يَقْتَضِيه لَهُ الشُّكْرُ
وَلَكنَّنا نُثْنِي عَلِيْهِ تَعَبُّدًا
…
وَإِنْ كَانَ عَنَّا ذا غنِّى فَبِنَا فَقْرُ
فما نبْتَغِي فِي لَيْلنَا وَنهَارِنَا
…
من الله إلاَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ العُمْرُ
(1)
ابن التعاويذي: هو أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله الكاتب المعروف والشاعر المشهور. وهو سبط أبي محمد المبارك بن المبارك بن علي بن نصر السراج الجوهرى الزاهد المعروف بابن التعاويذي. وقد نسب إلى جده لأمه لأنه كفله صغيرًا ونشأ في حجره فنسب إليه. توفي في ثاني شوال سنة أربع وقيل ثلاث وثمانين وخمسمائة ببغداد. انظر وفيات الأعيان، ج 4، ص 466؛ ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 4، ص 279.
(2)
"ما" في نسخة ب.
وله فيه من قصيدة:
الْمُسْتَضِيءُ الْمُسْتَضَاءُ بِهَدْيِهِ
…
السَّاجِدُ المُتَبتِّل
سُسْتَ الأنَامَ بِسِيرةٍ ما سَارَها
…
في النَّاسِ إلاَّ جَدُّك الُمُتَوكِّلُ
ومدحه الحيص بيص
(1)
بقوله:
أقُولُ وَقَدْ تَوَلَّى الأمْرَ حَبْرٌ
…
وَلِيُّ لَمْ يَزَلْ بَرًا تَقِيَّا
وَقَدْ كُشِفَ الظَّلامُ بمُسْتَضِيءٍ
…
غَدَا بالْخَلقِ كُلِّهِمُ حَفِيَّا
وَفَاضَ الْجُودُ وَالْمَعُروفُ حَتَّى
…
حَسِبْناهُ عُبَابًا أَوْ أَتيَّا
بَلغْنَا فوْقَ مَا كُنَّا نُرَجِّي
…
هَنِيئًا يَا بَنِي الدُّنْيَا هَنَيَّا
سَأَلْنَا اللهَ يَرْزُقَنا إِمَامًا
…
نُسَرُّ بِهِ فَأَعْطَانَا نَبِيَّا
ومدحه العماد
(2)
الكاتب الأصفهاني رحمه الله بقوله:
قَدْ أَضَاءَ الزَّمَانُ بالْمُسْتَضِيءِ
…
وَارثُ البُرْدِ وَابْنُ عَمِّ النَّبِئ
جَاءَ بالْحَقِّ والشَّريعةِ والْـ
…
عَدْل فَيَا مَرْحَبًا بِهَذا الْمَجِئ
فَهَنِيئًا لأهْلِ بَغْدَادَ فَازُوا
…
بَعْدَ بُؤْسٍ بكُلِّ عَيْشٍ هَنِيء
وله أيضًا من قصيدة أخرى:
لَهْفِى عَلَى زَمَنِ الشَّبَابِ فَإنَّنِي
…
بِسِوَى التَّأَسُّفِ عَنْهُ لَمْ أتَعَوَّضِ
نُقِضَتْ عُهُودُ الغَانَياتِ وَإِنَّها
…
لَوْلا انْقِضَاءُ شَبِيبَتي لَمْ تُنْقَضِ
يَا حُسْنَ أَيَّامِ الصِّبَا وَكَأَنَّها
…
أَيِّامُ مَوْلانَا الإِمَامِ الْمُسْتَضِىِ
ذُو الْبَهْجَةِ الزَّهْرَاءِ يُشْرِق نُورُهَا
…
وَالطَّلْعَةِ الغَرَّاءِ وَالْوَجْهِ الوضِي
قَسَمَ السَّعادَةَ والشَّقَاوَةَ رَبُّنَا
…
في الْخَلْقِ بَيْنَ مُحِبِّهِ وَالْمُبْغِضِ
(1)
الحيص بيص: هو شهاب الدين أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن صيفي التميمي، المعروف بحيص بيص، شاعر مشهور توفي في بغداد سنة 574 هـ/ 1178 م. انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج 2، ص 362.
(2)
انظر قول العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 485.
فَضَلَ الخَلائِفَ والْخَلائِقَ بالتُّقَى
…
وَالفَضْلِ [وَالإحْسَانِ]
(1)
والخُلُقِ الرضي
فَانْعَمْ أَمِيرَ المُؤْمِنِيِن بِدَوْلَةٍ
…
مَا تَنْتَهِي وَسَعَادَةٍ مَا تَنْقضِي
ثم إن الخليفة ولَّى قضاء قضاة بغداد لروح بن الحديثي يوم الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الآخر، وخلع على الوزير خلعة عظيمة، وهو عضد الدين الأستادار، وضربت
(2)
على بابه ثلاث نوب
(3)
في ثلاثة أوقات: الفجر، والمغرب، والعشاء. وأمَّر سبعة عشر من المماليك، وأذن للوعاظ فتكلموا، بعدما كانوا قد منعوا مدة طويلة، ثم كثر احتجابه
(4)
بعد هذا.
ذكر ماجريات نور الدين محمود
وهي أنه سار إلى الرقة فأخذها، وكذلك نصيبين والخابور وسنجار، وسلمها إلى زوج ابنته، ابن أخيه عماد الدين زنكي
(5)
بن مودود بن زنكي، ثم سار إلى الموصل، فأقام بها أربعة وعشرين يومًا، وأقرها لابن أخيه سيف الدين غازي
(6)
بن مودود مع الجزيرة، وزوجه ابنته الأخرى، وأمر بعمارة جامعها
(7)
وتوسعته، ووقف على تأسيسه بنفسه، وجعل له خطيبًا ودرسًا للفقه، وولي التدريس للفقيه أبي بكر البرقاني
(8)
، تلميذ محمد بن يحيى، تلميذ الغزالي، وكتب له منشورًا بذلك، ووقف على الجامع قرية من
(1)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أو المثبت من ب.
(2)
"ضرب" في نسخة ب.
(3)
نوبة - نوب: لفظ النوبة يطلق على فرق الجند التي تتناوب الوقوف لحراسة شخص أو سلطان، وهي خمس نوبات ويكون تغييرها في الظهر والعصر والعشاء ونصف الليل وعند الصباح. انظر: السلوك، ج 1 ق 2، ص 461، حاشية (2).
(4)
"احتجاجه" في نسخة ب.
(5)
هو: أبو الفتح وأبو الجود عماد الدين زنكي بن قطب الدين مودود صاحبه سنجار، توفي سنة 594 هـ/ 1198 م. انظر: الباهر، ص 191؛ الكامل، ج 10، ص 250؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 330 - 331.
(6)
هو الملك سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن أتابك الشهيد زنكي. ملك البلاد الجزرية. توفي في صفر سنة 576 هـ /1180 م. انظر: الباهر، ص 175 - 180؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 4 - 5.
(7)
جامع الموصل: هو جامع كبير تقام فيه الجمعة - بناه نور الدين محمود وسط السوق. وعن قصة بناء الجامع انظر: الباهر، ص 170؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 195؛ الروضتين، ج 1 ق 1، ص 20 - 21، ج 1 ق 2، ص 480؛ معجم البلدان، ج 4، ص 684. وانظر ما يلى ص 61.
(8)
"النوقاني" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 480.
قرى الموصل، وذلك كله بإشارة الشيخ الصالح العابد عمر
(1)
المُلا، وكانت له زاوية يقصد فيها، وله في كل سنة دعوة في شهر المولد، يحضر عنده الملوك والأمراء والعلماء، ويحتفل بذلك. وقد كان الملك نور الدين صاحبه، ويستشيره في أموره وما يعتمده من المهمات، وهو الذي أشار عليه في مدة مقامه بالموصل بجميع ما فعله من الخيرات، وأسقط عنهم المكوسات والضرائب، وأخرج من بين أهلها الظالم الغاشم فخر الدين عبد المسيح، وسماه عبد الله، وأخذه معه إلى دمشق، فأقطعه إقطاعًا حسنًا. وكان عبد المسيح هذا نصرانيًا، فأظهر الإسلام، وكان يقال: إن له كنيسة في جوف داره، وكان سيئ السيرة في حق العلماء وخاصة المسلمين، وكان نور الدين لم يدخل الموصل حتى قوى الشتاء، فأقام بها كما ذكرنا أربعة وعشرين يومًا، فلما كان آخر ليلة أقام بها، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يقول له:"طابت لك بلدك، وتركت الجهاد وقتال أعداء الله"، فنهض من فوره إلى السفر، وما أصبح إلا وهو سائر إلى الشام. واستقضى الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون
(2)
، وكان على سنجار، ونصيبين، والخابور، فاستناب فيها ابن أبي عصرون نوابًا من أصحابه.
وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة اتصل بنور الدين بن زنكي أن [سيف الدين
(3)
] غازي، ابن أخيه صاحب الموصل، قد فوض أموره إلى فخر الدين عبد المسيح، وأنه استولي وقام بالأمر وتحكم، فأنف لذلك وكرهه وعظم عليه؛ لأنه كان يبغض فخر الدين المذكور، لما بلغه من خشونة سياسته. وقال: أنا أولي بتدبير أولاد أخي. وسار عند انقضاء الغزاة جريدة في قلة من العسكر، وعبر الفرات عند قلعة جعبر، وملك نصيبين، فأتاه بها نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود -صاحب حصن كيفا
(4)
- وكثر جمعه، وكان قد ترك عساكره بالشام؛ لحفظ ثغوره. فلما اجتمعت العساكر، سار إلى سنجار فحصرها، ونصب عليها المناجيق، وملكها، وسلمها إلى عماد الدين ابن أخيه قطب
(1)
هو: عمر بن محمد بن خضر الإربلي الموصلي، أبو حفص معين الدين، المعروف بالمُلا. شيخ الموصل من العلماء الزاهدين. انظر: الباهر، ص 129، 170؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 310؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 20 - 21، ج 1 ق 2، ص 352 - 353، ص 480 - 483.
(2)
هو: أبو سعد عبد الله بن أبي السري محمد بن هبة الله بن مطهر بن علي. الفقيه الشافعي، شرف الدين. من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره. توفي في رمضان سنة 585 هـ/ 1189 م، انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 52.
(3)
"شهاب الدين" في نسختى المخطوطة أ، ب. والتصحيح مما يلي.
(4)
حصن كيفا: ويقال كيبا، وهي بلدة وقلعة عظيمة، مشرفة على دجلة، بين آمد وجزيرة ابن عمر، انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 277.
الدين، وكان قد جاءته كتب الأمراء الذين بالموصل سرًا، يبذلون له الطاعة، ويحثونه على الوصول إليهم. فسار إلى الموصل، فأتي مدينة بلد
(1)
، وعبر الدجلة، وسار فنزل شرق الموصل على حصن نينوي
(2)
، ويوم نزوله سقط من سور الموصل بدنة كبيرة. وكان سيف الدين غازي بن أخيه قد أرسل عز الدين
(3)
مسعود بن قطب الدين أخيه إلى أتابك شمس الدين
(4)
ألدكز، صاحب همذان
(5)
وأذربيجان
(6)
، وبلد الجبل
(7)
، وأصفهان، والرّي
(8)
، وتلك الأعمال، يستنجده على عمه نور الدين. فأرسل أيلدكز رسولًا إلى نور الدين؛ ينهاه عن التعرض للموصل، ويقول له: إن هذه البلاد للسلطان، فلا تقصدها، فلم يلتفت إليه، وقال للرسول: قل لصاحبك أنا أصلح لأولاد أخي منك، فلِمَ تُدخل نفسك بيننا؟ وعند الفراغ من إصلاح بلادهم يكون الحديث معك على باب همدان، فإنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة، وأهملت الثغور حتى غلب الكُرج
(9)
عليها، وقد بليت أنا بالفرنج، وهم أشجع العالم، ولي مثل ربع بلادك، فأخذت معظم بلادهم، وأسرت ملوكهم، ولا يحل لى السكوت عنك؛ فإنه يجب علينا حفظ ما أهملت، وإزالة الظلم عن المسلمين.
(1)
مدينة بَلَدَ: هي مدينة قديمة على دجلة، فوق الموصل، بينهما سبعة فراسخ. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 715.
(2)
حصن نِيَنَوي: قرية يونس بن متي بالموصل. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 870.
(3)
هو المولى السعيد عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي أتابك صاحب الموصل. كان مقدم الجيوش في أيام أخيه غازي. ولما توفي أخوه سيف الدين استقل عز الدين بالملك من بعده. توفي في شعبان سنة 589 هـ/ 1193 م. انظر: الباهر، ص 181 - 189؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 203.
(4)
انظر ترجمته فيما سيأتي ص 121 في وفيات سنة 568 هـ.
(5)
همذان: مدينة عتيقة بالجبال بأرض فارس بجوار أذربيجان والموصل والرى. معجم البلدان، ج 4، ص 981.
(6)
أذربيجان: إقليم واسع من برذعة مشرقًا إلى أرزنجان مغريًا ويحدها من الشمال بلاد الديلم والجيل والطَّرْم. وعاصمته تبريز. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 171 - 174.
(7)
بلد الجبل: وهي البلاد المعروفة عند العامة بعراق العجم. وهي ما بين أصبهان إلى زنجان وقزوين وهمذان والدينور وقرميسين والري وما بين ذلك من البلاد الجليلة والكور العظيمة. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 22؛ تقويم البلدان، ص 408.
(8)
الرَّيُّ: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن. وهي مَحَطُّ الحاج على طريق السابلة وقصبة بلاد الجبال. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 892.
(9)
الكُرج: أمة من المسيحيين كانت مساكنها بجبال القوقاز المجاورة لتفليس، ثم استولوا على تفليس من المسلمين سنة 515 هـ/ 1121 م. ولم يزالوا متملكين لها حتى أغار عليهم جلال الدين خوارزمشاه سنة 621 هـ/1224 م. انظر: مفرج الكروب، ج 1، ص 192؛ معجم البلدان، ج 4، ص 251 - 252.
فأقام نور الدين على الموصل، وعزم من بها من الأمراء على مجاهرة عبد المسيح بالعصيان، وتسليم البلد لنور الدين، فعلم ذلك، فأرسل إلى نور الدين في تسليم البلد إليه، على أن يقره بيد سيف الدين غازي، ويطلب لنفسه الأمان، فأجابه إلى ذلك، وشرط أن يأخذ فخر الدين معه إلى الشام، ويعطيه عنده إقطاعًا يرضيه. فسلم البلد في جمادى الأولى من هذه السنة، ودخل القلعة من باب السر، ثم وهب الموصل لسيف الدين غازي ابن أخيه، وأمر بعمارة جامعها، ورتب فيها خصيًا له، يقال له كمشتكين
(1)
، وأمره بأن لا ينفرد بن سيف الدين غازي بقليل من الأمور ولا بكثير، وكان مقامه بالموصل أربعة وعشرين يومًا، وعاد إلى الشام.
وفي تاريخ الدولتين
(2)
: وجعل نور الدين سعد الدين كمشتكين دُزْ دارًا
(3)
في قلعة الموصل
(4)
، ثم قسم جميع ما خلفه أخوه قطب الدين بين أولاده بمقتضى الفريضة.
ولما كان يحاصر الموصل، جاءته خلعة من الخليفة، فلبسها، فلما دخلها، خلعها على سيف الدين. وقال العماد: استدعاني نور الدين ونحن بظاهر الرقة، وقال: أنست بك، وأمنت إليك، وأنا غير مختار [للفرقة]
(5)
. وأمره أن يروح في الرسلية إلى الخليفة، فمضى وسار على البرية بخفير من بني خفاجة
(6)
، فوصل إلى الخليفة، وقضى حاجته، ثم رجع إلى نور الدين وهو يحاصر سنجار، فأخذها وسلمها إلى ختنه
(7)
، ابن أخيه عماد
(1)
وعن دور سعد الدين كمشتكين في علاقة مصر بالشام بعد وفاة نور الدين محمود، انظر تفصيل ذلك في حوادث سنة 569 هـ فيما سيأتي.
(2)
انظر الروضتين، ج 1 ق 2، ص 477، حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(3)
دزدار: كلمة فارسية مكونة من لفظين، "دز" أي قلعة، و"دار" أي الحافظ أو الممسك، فكان معناها صاحب القلعة أو متوليها أو حارس القلعة. انظر: المعرب للجواليقي، ص 315؛ قاموس الفارسية فارسي - عربي.
(4)
قلعة الموصل: سكنها نور الدين بعد فتحه الموصل وتسلمها، ووليها سعد الدين كمشتكين من قبل نور الدين بعد تسلمه الموصل من فخر الدين عبد المسيح سنة 566 هـ /1171 م. الروضتين، ج 1 ق 2، ص 477 - 479.
(5)
"تفرقة" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين وهو يتفق مع سياق الكلام وانظر باقي خطاب نور الدين للعماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 478.
(6)
بنو خفاجة: بطن من بني عقيل بن كعب بن عامر بن صعصعة من العدنانية. وهم أمراء العراق من قديم الزمان. القلقشندى: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، ص 246 - 247.
(7)
الخَتَنِّ: كل من كان من قبل المرأة كأبيها وأخيها، وكذلك زوج البنت أو زوج الأخت. انظر: المعجم الوسيط، ج 1، مادة ختن.
الدين زنكي بن مودود بن زنكي. قال
(1)
: وحضر مجاهد الدين قيماز
(2)
صاحب إربل إلى خدمة نور الدين بالموصل.
ذكر ماجريات صلاح الدين يوسف بن أيوب
منها أن صلاح الدين عزل قضاة مصر؛ لأنهم كانوا شيعة، وولي قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني الشافعي، واستناب في سائر الأعمال شافعية.
وفي تاريخ قضاة مصر: ولى القضاء صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس بن مبشر بن عبدوس الهمداني الماراني الكردي الموصلي، وكان قاضى [الغربية]
(3)
، قدم من المشرق إلى مصر، فولاه صلاح الدين رحمه الله وكان عنده بمكانة.
وفي تاريخ
(4)
الدولتين: ولي صدر الدين عبد الملك المذكور القضاء والحكم بمصر والقاهرة وأعمالهما، في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة.
ومنها أن صلاح الدين خرج إلى الغزاة، وأغار على الرملة
(5)
وعسقلان
(6)
، وهجم ربض غزة، ثم رجع إلى القاهرة.
وفي تاريخ بيبرس
(7)
: وفي هذه السنة تجهز صلاح الدين للمسير إلى الساحل غازيًا، فمضى وأغار على عسقلان والرملة، فأتاه ملك الفرنج
(8)
فقاتله، وهزمه، ونجا بنفسه، ثم رجع إلى القاهرة.
(1)
القول لأبي شامة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 480 نقلا عن العماد.
(2)
مجاهد الدين قيماز: أبو منصور، قايماز بن عبد الله الزيني، الملقب مجاهد الدين الخادم، كان نائب سيف الدين غازي بن مودود صاحب الموصل في الحكم وهو السلطان في الحقيقة. توفي سنة 595 هـ/ 1199 م بقلعة الموصل. انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 82 - 84.
(3)
"الغرية" كذا في الأصل، والمثبت بين الحاصرتين من نسخه ب.
(4)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 486.
(5)
الرملة: مدينة عظيمة بفلسطين. وكانت رباطًا للمسلمين. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 817.
(6)
عسقلان: مدينة بالشام من أعمال فلسطين، على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 673.
(7)
انظر هذه الأحداث في الكامل، ج 10، ص 31.
(8)
ملك الفرنج: يقصد "عموري الأول" ملك مملكة بيت المقدس الصليبية. انظر تفصيل هذه الحادثة في مفرج الكروب، ج 1، ص 198.
ومنها أنه لما عاد من هذه الغزوة وصله الخبر بخروج قافلة من دمشق، فيها أهله، فأشفق عليها، وأحب أن يجتمع بها شمله، فخرج في النصف من ربيع الأول. وكانت بأيلة
(1)
قلعة في البحر، قد حصنها أهل الكفر، فعمر لها مراكب، وحملها إلى ساحلها على الجمال، وركبها الصناع هناك، وشحنها بالرجال، وفتح القلعة في العشر الأول من ربيع الآخر، واستحلها، واستباح بالأسر والقتل أهلها، وملأها بالعَددِ والعُدَد، وحصنها بأهل الجلاد والجلد، واجتمع بأهله عليها، وسار بهم على سمت القاهرة، ودخلوا في السادس والعشرين من جمادى الأولى.
ومنها أنه سار إلى الإسكندرية في الثالث والعشرين من شعبان ليشاهدها، ويرتب قواعدها، وهي أول دفعة سار إليها في أيام سلطانه، وعم أهلها بإحسانه، وأمر بعمارة أسوارها وأبراجها وأبدانها.
ومنها أنه كان بمصر سجن تعرف بدار المعونة
(2)
، فهدها صلاح الدين، وبناها مدرسة للشافعية، وبنى بها أيضا مدرسة للمالكية، وكانت دار العدل، وكان ذلك في النصف من محرم هذه السنة.
واشترى ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب دارًا، كانت تعرف بمنازل العز
(3)
، فجعلها مدرسة للشافعية، وأوقف عليها الروضة
(4)
، وحمام الذهب
(5)
، وغيرهما، وكان ذلك في النصف من شعبان.
وفي النصف من جمادى الآخرة أغار شمس الدولة
(6)
-أخو السلطان- على العربان بالصعيد، ثم دخل القاهرة في عاشر شهر رمضان.
(1)
أيلة: مدينة على رأس خليج العقبة على ساحل البحر الأحمر، وهي آخر الحجاز وأول الشام. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 292 - 293.
(2)
سجن دار المعونة: يقال له أيضا "حبس المعونة". كانت بالفسطاط. وسميت كذلك لأنها بنيت بمعونة المسلمين ينزلها ولاتهم. وعن تطورها إلى أن حولها صلاح الدين إلى مدرسة للشافعية وما حدث لها بعد ذلك. انظر المقريزي: الخطط، ج 1، ص 463؛ ابن دقماق: الانتصار، ج 4، ص 93؛ النجوم الزاهرة، ج 5، ص 385.
(3)
منازل العز: بنتها السيدة تغريد أم العزيز بالله بن المعز. وكانت مطلة على النيل. انظر: الخطط، ج 1، ص 484 - 485.
(4)
هي جزيرة الروضة التي تقع بين مصر القديمة والجيزة. الخطط، ج 2، ص 177 - 182.
(5)
حمام الذهب: هذه الحمام كانت بدار الذهب أحد مناظر الخلفاء الفاطميين. انظر: الخطط، ج 2، ص 80.
(6)
شمس الدولة: تورانشاه بن أيوب بن شاذي فخر الدين، الملك المعظم، توفي سنة 576 هـ/ 1180 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 306 - 309.
ومنها أن صلاح الدين شرع في هذه السنة في عمارة سور القاهرة
(1)
؛ لأنه كان قد تهدم أكثره، وصار طريقًا لا يَرُدَّ داخلًا ولا خارجًا، وولي أمره لقراقوش
(2)
الخادم، وقبض على القصور، وسلمها إليه.
وأمر بتغيير شعار الإسماعيلية، وقطع من الآذان "حي علي خير العمل"، وشرع في تمهيد أسباب الخطبة لبني العباس. كذا ذكره ابن أبي طي
(3)
.
ومنها أن شمس الدولة طلب من أخيه السلطان رَبْع الكامل
(4)
بالقاهرة، وزاد على إقطاعه بوش
(5)
، وأعمال الجيزة، وسمنود
(6)
، وغيرها.
ومن جملة الحوادث في هذه السنة: أن في نصف رمضان هبت ريح شديدة عظيمة، ورعدت السماء بقعقعة لم يسمع بمثلها، فخر الناس على وجوههم.
وفيها
(7)
: .....................
ذكر من توفي فيها من الأعيان
أبو طاهر البرقي الواعظ؛ تعلم الوعظ من أبي الحسن الزَّاغوني -شيخ ابن الجوزي- وسمع الحديث، وكان يعظ، توفي في محرم هذه السنة، ودفن بمقبرة أحمد رحمه الله.
(1)
سور القاهرة: شمل السور ثلاث مرات، الأول وضعه جوهر القائد، الثاني بناه أمير الجيوش بدرر الجمالي، الثالث بدأه السلطان صلاح الدين وأكمله بهاء الدين قراقوش بتكليف من صلاح الدين. انظر: المقريزى: الخطط، ج 2، ص 204 - 209 (طبعة مكتبة الآداب، القاهرة د. ت)
(2)
بهاء الدين قراقوش بن عبد الله الأسدي، أبو سعيد. جعله صلاح الدين زمام القصر، واعتمد عليه في تدبير الديار المصرية لما استقل بها، توفي سنة 597 هـ/ 1201 م. انظر وفيات الأعيان، ج 4، ص 91؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 331 - 332.
(3)
انظر قول ابن أبي طى في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 488.
(4)
ربع الكامل: أنشأه الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وكان موضعه من جملة القصر الغربي وهو على باب الخرنشف ويمتد إلى الدرب المقابل للجامع الأقمر. انظر: الخطط، ج 2، ص 375.
(5)
بوش: كورة ومدينة بمصر من نواحي الصعيد الأدني في غربي النيل - انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 758. وهي تقع الآن ضمن محافظة بني سويف. رمزي: القاموس الجغرافي، ق 2 ج 3، ص 158.
(6)
سمنود: بلد من نواحي مصر جهة دمياط على ضفة النيل. معجم البلدان، ج 3، ص 145.
(7)
بياض في نسختى المخطوطة أ، ب بمقدار سطر.
النفيس بن صَعْوَة
(1)
؛ قرأ القرآن، وناظر، ووعظ، ومات في شبابه يوم الثلاثاء التاسع من شوال منها. ودفن عند أحمد رحمه الله.
أبو نصر بن المستظهر
(2)
؛ عم المستنجد، مات في هذه السنة، وكان يذكر عنه الخير، وحمل إلى التُرَبِ، ودفن بها، ولم يبق من أولاد المستظهر غيره، وكان المستنجد تزوج بابنته.
طاهر بن محمد بن طاهر أبو زرعة؛ المقدسي
(3)
الأصل، الرازي المولد، الهمداني الدار، ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وأسمعه والده الحافظ محمد بن طاهر الكثير، ومما كان يَرويه مسند الشافعي، وتوفي بهمدان، يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر، وقد قارب التسعين.
أبو الحجاج يوسف بن محمد، المعروف بابن الخلال
(4)
؛ الملقب الموفق، صاحب ديوان الإنشاء بمصر، في دولة الحافظ أبي الميمون عبد المجيد
(5)
العُبيدي، ومَنْ بعده.
وقال العماد في الخريدة
(6)
: هو ناظر [ديوان]
(7)
مصر، وإنسان ناظره، وجامع مفاخره، وكان إليه الإنشاء، وله قوة على الترسل، يكتب كما يشاء، عاش كثيرًا، وعُطِّل في آخر عمره، وأضرّ، ولزم بيته إلى أن تعوض منه القبر، وتوفي بعد مُلك
(8)
الملك الناصر صلاح الدين يوسف مصر بثلاث أو أربع سنين.
(1)
النفيس بن صعوة: هو ابن مسعود بن أبي الفتح بن سعيد بن على المعروف بابن صعوة السلامي الفقيه الحنبلي، أبو محمد. انظر: شذرات الذهب، ج 4، ص 217.
(2)
انظر ترجمته في الكامل، ج 10، ص 32 وفيها ذكره ابن الأثير "نصر بن المستظهر".
(3)
هو أبو زرعة طاهر بن الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ثم الهمذاني، انظر: شذرات الذهب، ج 4، ص 217.
(4)
"ابن الحلال" في ب وهو خطأ. انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج 7، ص 219. انظر أيضًا: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 235 - 236.
(5)
هو الإمام أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز العبيدي. هو الحافظ لدين الله - ولى مملكة الديار المصرية سنة 524 هـ/ 1130 م. توفي سنة 544 هـ/1149 م فكانت خلافته تسع عشرة سنة وخمسة شهور. وكان وزيرة أبو على بن الأفضل أمير الجيوش هو المتحدث وليس للحافظ معه إلا الاسم. انظر: الجوهر الثمين، ج 1، ص 261 - 262؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 235 - 237؛ اتعاظ الحنفا، ج 3، ص 137 - 192.
(6)
انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 235 - 236. حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(7)
ما بين الحاصرتين إضافة من الخريدة للتوضيح.
(8)
"تملك" في الخريدة حيث ينقل عنه العيني. انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 235.
وقال ابن خلكان: إن القاضي الفاضل
(1)
كان يرعي له حق الصحبة والتعلم، وكان يُجرى عليه ما يحتاج إليه إلى أن مات في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة من سنة ست وستين وخمسمائة.
ومن شعره:
يَا أَخَا الغِرَّةِ حَسْبُ الدَّهرِ مِنْ
…
عِظَةِ المَغْرُور مَا أَصْبَحَ يُبْدِي
تُوْثِرُ الدُّنْيَا فَهَلْ نلْتَ بِهَا
…
لَحْظَةً تَخْلُصُ مِنْ هَمٍّ وَكَدِّ!!
(2)
وذكر ضياء الدين أبو الفتح نصر الله بن محمد، المعروف بابن الأثير الجزري
(3)
في أول كتابه المسمى بـ"الوَشْي المرقوم في حل المنظوم"
(4)
قال: حدثني عبد الرحيم بن على البيساني
(5)
بمدينة دمشق، في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، قال: كان فن
(6)
الكتابة بمصر "في زمن بني عبيد"
(7)
غضًا طريا، ولا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس مكانًا وبيانا، ويقيم [لسلطانه بقلمه]
(8)
سلطانا. وكان من العادة أن كلا من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد، وحصَّل شيئًا من علم الأدب، أحضره إلى ديوان المكاتبات؛ ليتعلم فن الكتابة، ويتدرب، ويري، ويسمع. قال: فأرسلني والدى -وكان إذ ذاك قاضيًا بثغر عسقلان- إلى الديار المصرية في أيام الحافظ -وهو أحد خلفائها- وأمرني بالمصير إلى ديوان المكاتبات، وكان الذي يرأس به في تلك الأيام رجلٌ يقال له: ابن الخلال. فلما حضرت الديوان، ومثلت بين يديه، وعرفته من أنا، وما طلبي، رَحّبَ بي وسهَّل،
(1)
هو القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد اللخمي العسقلاني البيساني. وزير صلاح الدين، فاق المتقدمين في صناعة الإنشاء، توفي سنة 596 هـ/ 1200 م بالقاهرة. انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج 3، ص 158 - 163؛ النويري: نهاية الأرب، ج 29، ص 13 - 18.
(2)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 487.
(3)
وفيات الأعيان، ج 5، ص 389 - 397.
(4)
ورد اسم هذا الكتاب في ترجمة الموفق بن الخلال الكاتب، انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 219.
(5)
انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 219.
(6)
"في" في نسخة ب وهو خطأ.
(7)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(8)
"لسلطانيه قلمه" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين تصحيح من وفيات الأعيان، ج 7، ص 220.
ثم قال: ما أعددت لفن الكتابة من الآلات؟ فقلت: ليس عندي شيء "سوى"
(1)
إنني أحفظ القرآن العزيز وكتاب "الحماسة"
(2)
، فقال: في هذا بلاغ، ثم أمرني بملازمته. فلما ترددت إليه، وتدربت بين يديه، أمرني بعد ذلك أن أحُل شعر الحماسة، فحللته من أوله إلى آخره، ثم أمرني أن أحُله مرة ثانية فحللته.
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(2)
كتاب الحماسة: لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي المتوفى سنة 231 هـ/846 م. جمع فيه ما اختاره من أشعار العرب العرباء ورتب أبوابه عشرة. انظر: كشف الظنون، ج 1، ص 691.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والستين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء
(1)
بأمر الله، والخليفة في
(2)
مصر العاضد، والوزير بها الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ولكنه في الحقيقة سلطانها، وليس لأحد معه كلام، لا من أمرائها، ولا من أعيانها، والعاضد تحت حكمه وقهره، ومع هذا قطعت الخطبة باسمه، وخطب باسم المستضيء الخليفة. وعقيب ذلك مات العاضد، والكلام فيه مفصل على أنواع:
الأول: في قطع خطبته:
قُطعت خطبته من ديار مصر في محرم هذه السنة، وسبب ذلك أن صلاح الدين لما ثبت ملكه في البلاد، وأمن السودان والأجناد، وضعف أمر العاضد، وصار قراقوش
(3)
حاكما في قصره، كتب نور الدين إلى صلاح الدين؛ يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه، وقطع خطبته، وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، وكان المستضيء قد راسله في ذلك.
ولما وصل رسول الخليفة إلى نور الدين بذلك، سير نور الدين كتاب الخليفة، وكتابه إلى صلاح الدين؛ يأمره بالقبض على العاضد وأهله، والخطبة للإمام المستضيء.
فجمع صلاح الدين الأمراء، وشاورهم في ذلك، فمنهم من خوفه، ومنهم من هون عليه، فحضر الفقيه أبو يحيى بن اليسع الجامع يوم الجمعة سابع المحرم، وصعد المنبر قبل طلوع الخطيب، ودعا للإمام المستضيء، فلم ينكر أحد عليه. فلما كانت الجمعة الثانية، أمر صلاح الدين جميع الخطباء أن يخطبوا للمستضيء.
* يوافق أولها: 4 سبتمبر 1171 م.
(1)
هو الحسن -أبو محمد- بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي، ولد سنة 536 هـ/1142 م، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، أي في ثماني ربيع الآخر سنة 566 هـ / 1171 م. وتوفي سنة 575 هـ/ 1179 م. وفي خلافته انقضت دولة بني عُبيد وخطب له في مصر. انظر: تاريخ الخلفاء، ص 444 - 448.
(2)
"بمصر" في نسخة ب.
(3)
قراقوش: هو أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي الملقب بهاء الدين، خدم صلاح الدين وتوفي 597 هـ/ 1201 م بالقاهرة، انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 91 - 92.
وفي تاريخ الدولتين
(1)
: استفتح صلاح الدين سنة سبع وستين وخمسمائة بإقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس، وفي الجمعة الثانية خطب لهم بالقاهرة، وانقطع ذكر خلفاء مصر
(2)
منها.
وقال فيه أيضا
(3)
: إن صلاح الدين لما تمكن في الديار المصرية، وضعف أمر العاضد، كتب إليه نور الدين؛ يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة العباسية. فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر، وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك؛ لميلهم إلى العلويين. فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزامًا لا فسحة فيه. واتفق أن العاضد مرض، واستشار صلاح الدين الأمراء، فاختلفوا فيه كما ذكرنا، وكان قد دخل في مصر إنسان أعجمي، يعرف بالأمير العالم.
قال ابن الأثير
(4)
: وقد رأيناه بالموصل كثيرًا، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام، قال: أنا أبتدئ بها، فلما كان أول جمعة من المحرم، صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر أحد عليه ذلك. فلما كانت الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد، وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، ففعلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر الديار المصرية. وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك، وقالوا: إن سَلِمَ فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن نغَّصَ عليه هذه الأيام التي قد بقيت من أجله، فتوفي يوم عاشوراء، ولم يعلم بذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ولما انتهى الخبر إلى نور الدين بالشام، أرسل إلى الخليفة ببغداد يعلمه بذلك مع شهاب الدين أبي المعالي بن أبي عصرون، فزينت بغداد، وغلقت الأسواق، وعملت القباب، وفرح المسلمون فرحًا شديدًا.
(1)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 492.
(2)
يقصد بذلك الخلفاء الفاطميين.
(3)
انظر: الروضتين، ج 1 قي 2، ص 492 - 493.
(4)
كذا في الأصل، أما نص قول ابن الأثير في الكامل فهو:"رأيته أنا بالموصل". انظر: الكامل، ج 10، ص 34. ط. بيروت، دار الكتب العلمية، 1987.
وكانت الخطبة لبني العباس قد قُطعت من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في خلافة المطيع
(1)
العباسي، حين تغلب الفاطميون عليها أيام المعز
(2)
الفاطمي، باني القاهرة، إلى هذا الأوان، وذلك مائتا سنة وثماني سنين.
وقال ابن الجوزي
(3)
: ووصل يوم السبت ثاني عشرين المحرم ابن أبي عصرون، رسولًا يبشر بأن الخليفة خطب له بمصر، وضُربت السَّكَّةُ باسمه، وخُلع على الرسول، وانكمدت الروافض
(4)
. وقد صنفتُ في هذا كتابا سميته "النصر، على مصر"
(5)
، وعرضته على الإمام المستضيء بأمر الله، أمير المؤمنين.
وقال العماد
(6)
: شيع نور الدين شهاب الدين أبا المعالي المطهر، ابن الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون بهذه البشارة، وأمرني بإنشاء بشارة عليه، تقرأ في سائر بلاد الإسلام، وبشارة خاصة للديوان العزيز بحضرة الإمام في مدينة السلام
(7)
. قال
(8)
: ونظمت قصيدة مشتملة على الخطبة بمصر أولها:
قَدْ خَطَبْنَا لِلْمسْتَضِىِ بِمِصْرٍ
…
نَائِبُ الْمُصْطَفَى إِمَامُ الْعَصْرِ
وَخَذَلْنَا لِنَصْرِه
(9)
العَضُدَ العا
…
ضِدَ والقَاصِرَ الَّذِي بِالْقَصْرِ
وأراد بالعضد وزير بغداد، عضد الدين بن رئيس الرؤساء.
(1)
الخليفة المطيع العباسي: هو أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد، ولد سنة 301 هـ/ 914 م، وبويع له بالخلافة عند خلع المستكفي في جمادى الآخرة سنة 334 هـ/ 945 م، توفي سنة 364 هـ / 975 م. انظر: تاريخ الخلفاء، ص 398 - 405.
(2)
الخليفة المعز الفاطمي: أبو تميم معد الملقب المعز لدين الله بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله، وكانت مدة مملكته ثلاثا وعشرين سنة، وتوفي في ربيع الآخر سنة 365 هـ/ 976 م، انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 224 - 228؛ الجوهر الثمين، ج 1، ص 247 - 249.
(3)
انظر: المنتظم، ج 10، ص 237 حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(4)
الروافض: تطلق على الغلاة في حب عَلِىّ وسموا كذلك لأنهم رفضوا رأى الصحابة حيث بايعوا أبا بكر وعمر. انظر: عبد القادر الرسعني: مختصر كتاب الفرق بين الفرق. نشر فيليب حتّى، ج 1، ص 30 مصر 1924.
(5)
"النصر على
…
مصر" في الأصل: وبالرجوع إلى المصنفات التي وردت في ترجمة ابن الجوزي في المرآة، ج 8، ص 315 ذكر السبط اسم الكتاب كما أثبتناه؛ انظر أيضا: البداية والنهاية، ج 12، ص 264 حيث ورد الاسم "النصر على مصر".
(6)
"فسير" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 503 عن العماد.
(7)
مدينة السلام: هي بغداد. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 453.
(8)
القول للعماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 503.
(9)
"كنصره" في نسخة ب.
وقال العماد في الخريدة: قصدت بالعضد والعاضد المجانسة، ونصرة وزير الخليفة كنصرته. ثم قال:
وَأَشَعْنَا بِهَا شِعَار بَنِي الْعَبْـ
…
ـبَاس فاسْتبشرت وُجُوه النَّصْرِ
وَتَرَكْنَا [الدَّعِيَّ]
(1)
يَدْعُو ثُبُورًا
…
وَهُوَ بالذُّلِّ تّحْتَ حَجْرٍ وحَصْرِ
وتباهت منابر الدين بالخط
…
ـبة [للهاشمي]
(2)
في أرض مصر
ولدينا تضَاعفَتْ نِعَمُ اللـ
…
ـه، وجَلَّت عَنْ كُلِّ عَدِّ وَحَصْرِ
وهي قصيدة طويلة
(3)
:
قال العماد
(4)
: ووصل من دار الخلافة في جواب هذه البشارة عماد الدين صندل، وهو من أكابر الخدم المقتفوي
(5)
، ومعه التشريف لنور الدين، والكتاب من الخليفة. وناول نور الدين الكتاب للعماد؛ ليقرأه، فتناوله منه الموفق بن القيسراني
(6)
، وكان عنده في مقام الوزير، فقرأه.
وذكر في "عِبرة أولي الأبصار" أن الخليفة سّيَّر إلى نور الدين الخلع ومعها سيفان؛ إشارة إلى تقليد مصر والشام، وسير معها طوقًا زنته ألف دينار، وبعث أيضًا إلى صلاح الدين تشريفًا أقل من تشريف نور الدين، فلبس صلاح الدين ذلك التشريف، فركب به في الديار المصرية، وهي أول أهبة عباسية دخلت الديار المصرية بعد استيلاء بني عُبيد عليها. وأما نور الدين؛ فكذلك لما لبس التشريف خرج إلى ظاهر دمشق حتى انتهى إلى الميدان الأخضر، ثم عاد.
(1)
"المدعي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من مفرج الكروب، ج 1، ص 216؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 503.
(2)
"الهاشمي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين تصحيح من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 503.
(3)
أورد أبو شامة القصيدة كاملة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 503 - 504.
(4)
ينقل أبو شامة هذا القول للعماد من كتاب البرق الشامي. انظر الروضتين، ج 1 ق 2، ص 505 حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
(5)
نسبة إلى الخليفة العباسي أبو عبد الله محمد المقتفي لأمر الله بن المستظهر، المتوفى سنة 555 هـ/1160 م. انظر ترجمته في تاريخ الخلفاء، ص 437 - 442.
(6)
هو موفق الدين أبو البقاء خالد بن محمد بن نصر بن صغير بن داغر المخزومي الخالدي، المعروف بابن القيسراني، انظر: سنا البرق الشامي، ص 68 - 69؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 73، ط. الثانية.
الثاني في كتاب صلاح الدين إلى الخليفة المستضيء بخط القاضي الفاضل؛ يهنئه بفتح مصر:
أوله
(1)
: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}
(2)
يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم، وصلواته التي تنزل بها الروح الأمين، وتشبعها الملائكة بالتأمين، على مولى الأمة ومولى النعمة، ووالي الأمر المصون بقاؤه في عقبه، وولي الله الذي لا خوف عليه، ولا خوف به الخليفة على الخليقة
(3)
، والإمام الذي يحمي من دون الله الحقيقة على الحقيقة، ووارث السقايتين زمزم والكوثر، والولايتين السرير والمنبر، والدعاءين اليوم وفي المحشر، والشرفين المشعر والمعشر، والطرفين المشهد الأول والمشهد الأكبر، والمقامين مقام إبراهيم ومقام محمد صلى الله عليه وسلم أبدًا سرمدًا، والشعارين الأبيض في القلب والأسود في اليد، والخالدين في دار السلام ودار السلامة، والموطنين مقام الإمامة ودار المقامة، والشفاعتين سالفًا في أهل العمام وآنفًا في أهل النار، والسلامين سلام لكم من ألسنة الأبرار {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}
(4)
، على الخليفة ابن الخلائف على رغم من رضى أن يكون مع الخوالف، وابن الأئمة المشهورين في المناظر والمواقف، مولينا ومولانا الإمام المستضيء بالله -أمير المؤمنين- صلوات الله على تلك الأنوار القدسية، يتضوع عن نسيم الأنفاس الفردوسية. والحمد لله الذي وفى الدين دينه المسئول، وأغمد عن أهله سيف الفتنة المسلول، فأورث أمير المؤمنين حقًا كان به ممطولًا، وأطال يده إلى استيفاء طائلة كان دم الحق بها مطلولًا
(5)
، وكتاب المملوك صادر إلى المقر الشريف الأشرف الأصيل، ومن شرفُهُ لشرف الرسول رسيل، والاسم الشريف المستضيء به قد صدحت منابره وعروشه، وطرزت المدائن والملابس والدنانير والدراهم رقومه
(6)
ورقوشه
(7)
، وجهزت إلى بلاد الكفار في
(1)
بالرجوع إلى الروضتين وهو المرجع المتاح بين أيدينا لرسائل القاضي الفاضل، لم نعثر على نص هذه الرسالة.
(2)
سورة يس: آية (58).
(3)
"الحقيقة" في نسخة ب.
(4)
سورة الرعد: الآية (24).
(5)
"ممطولًا" في نسخة ب. ومطلولًا أي مهدرًا. انظر: المنجد، ص 485، مادة "طل".
(6)
الرقوم: مفردها رقم. ذكر ماير أن اسم السلطان أو الأمير كان يسجل بالتطريز بالذهب على النسيج وكانوا يسمون هذا رقمًا. انظر: الملابس المملوكية، ص 61، ص 106.
(7)
الرقوش: مفردها رقش؛ وهي النقوش والزخارف. انظر: المعجم الوسيط، مادة "رقش" ج 1، ص 365.
العام مرة أو مرتين بعوث نصره وجيوشه، والزمن قد وقرته السكينة لا الوجوم، والكواكب قد همت بأن تتساقط إيثار الطرب لا إيثار الرجوم، ونشأة الدعوة المنيعة قد أشبهت ولاية النبوة الشريفة، وقد طالع وزير أمير المؤمنين بتفصيل ما أجمله، وتحصيل ما منعته الجلالة أن يستوفيه ويستكمله، راجيا أن يناله من الملاحظات النبوية ما يجعل له سلطانًا، ويمكن له في قلوب الأعداء والأولياء مكانًا؛ حتى يحفظ على الخلافة من لا يعنيه إلا إياها، وينفذ على الثقلين في الخافقين أوامرها وقضاياها، ويستضيف لها نصرًا إلى نصرٍ، ويستنجز لها ما كتب في الزبور من بعد الذكر، نَوَّه الله باسم أمير المؤمنين في الملأ الأعلى، وطبق بدعوته المعمورة حتى لا يستثنى مكان بإلا، وقلص به عن الأمة ضلالة، ومد عليه ظلًا إن شاء الله تعالى.
الثالث: في أمر
(1)
نور الدين بالقبض على العاضد:
قد ذكرنا أن نور الدين كتب إلى صلاح الدين، يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه وقطع خطبته، وعزم صلاح الدين على ذلك، واستفتى الفقهاء، فأفتوه بجواز ذلك، لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة، وفساد الاعتقاد، وكثرة الوقوع في الصحابة رضي الله عنهم، والاستهتار بذلك. وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الشيخ نجم الدين الخبوشاني
(2)
، فإنه عدد مساويء هؤلاء القوم، وسلب عنهم الإيمان، وأطال الكلام في ذلك.
وكان العاضد رأي -في آخر دولته- في منامه وهو بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد هو معروف بها، فلدغته، فلما استيقظ ارتاع لذلك، فقصَّ على بعض المعبّرين المنام، فقال له: ينالك مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد، فأمر والي مصر أن يكشف عمن هو مقيم في المسجد الفلاني، وأنه إذا رأى به أحدًا يحضره عنده. فمضى الوالي إلى المسجد، فرأى فيه رجلا صوفيًا فأخذه ودخل به على العاضد،
(1)
تكرار في نسخة ب.
(2)
نجم الدين الخبوشاني: أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن الحسن بن عبد الله الخبوشاني، الملقب نجم الدين الفقيه الشافعي، توفي يوم الأربعاء ثاني عشر ذي القعدة سنة 587 هـ/1191 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 239 - 240.
فلما رآه سأله: من أين هو؟ ومتى قدم البلاد؟ وفي أي شيء قدم؟ وهو يجاوبه عن كل سؤال، فلما ظهر له [منه]
(1)
ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه، أعطاه شيئًا وقال له: يا شيخ ادْعُ لنا، وأطلق سبيله، وعاد إلى مسجده. فلما استفتى صلاح الدين في أمر العاضد والقبض عليه، وأفتاه الفقهاء، كان هذا الصوفي هو المبالغ في فتواه، وهو الشيخ نجم الدين كما ذكرنا، فصحَّت بذلك رؤيا العاضد
(2)
.
الرابع في وفاة العاضد:
قال بيبرس: جلس الخليفة في قصرة بعد الإرجاف بقطع خطبته، فظهر عليه ضعف القوى، وتخاذل الأعضاء، وأثر الحمى. ولما اشتد مرضه، تخاذل عنه حتى طبيبه الذي يعوده، وانقطع عن عيادته
(3)
.
وما أحسن قول الشاعر:
جَرَّبْتُ فِي شِدَّتِى أَنْ لَا صَدِيق لِمَنْ
…
أضْحَى كعصْفٍ عليه الدهرُ قد عصفا
خُلْقُ الصَّدِيقِ لِخُلْقِ الدَّهْر مُتَّبعٌ
…
فإن صفا
(4)
لك صَافَى أو جفاك جَفَا
ثم توفي يوم عاشوراء من هذه السنة، فلم يكن بين قطع خطبته ووفاته إلا أيام يسيرة. وقال القاضي الفاضل: كان
(5)
بين وضع اسمه من على أعواد المنابر ووضع جثته على أعواد النعش ثلاثة أيام. فأقام له صلاح الدين الجنازة، وواصل العزاء به شهرًا كاملًا.
وفي المرآة
(6)
: واختلفوا في سبب وفاته على أقوال؛ أحدها: أنه تفكر في أموره فرآها في إدبار، فأصابه ذرب
(7)
عظيم، فمات منه.
(1)
ما بين الحاصرتين إضافة لازمة من وفيات الأعيان، جـ 3، ص 111.
(2)
نقل العينى هذا النص بتصرف من وفيات الأعيان، جـ 3، ص 111.
(3)
"يعوذه وانقطع عن عياذته" كذا في نسخة ب.
(4)
"صفى" كذا في نسخة أ والمثبت من نسخة ب، وهو الصحيح.
(5)
"وكان" في نسخة ب.
(6)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 181.
(7)
كذا في الأصل، وفي المرآة "كرب"، جـ 8، ص 181، حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
والثاني: أنه لما خطب لبني العباس بلغه، فاغتم، فمات. وقيل: إن أهله أخفوا عنه ذلك على ما ذكرناه.
والثالث: أنه لما أيقن بزوال دولته، كان في يده خاتم له فص مسموم، فمصه فمات. وجلس صلاح الدين في عزائه، ومشي بين يدي جنازته، وتولى غسله وتكفينه ودفنه عند أهله.
وقال ابن الأثير
(1)
: ولما اشتد مرض العاضد أرسل يستدعى صلاح الدين، فظن أن ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه، فندم على تخلفه عنه. وكان صلاح الدين يقول: لو علمت أنه يموت من هذا المرض ما قطعت خطبته إلى أن يموت.
وقال ابن خلكان
(2)
قيل: إنه حصل له غيظ من شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين، فسمّ نفسه فمات، والله أعلم.
قال العماد
(3)
: ولما وصل الخبر بموت العاضد، في ليلة عاشوراء سنة سبع وستين وخمسمائة، بعد الخطبة بمصر للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، عملتُ هذه الأبيات. فذكر قصيدة منها:
تُوُفِّىَ العَاضِدُ الدَّعِيُّ، فَمَا
…
يَفْتَحُ ذُو بِدْعَةٍ بِمِصْرَ فَمَا
وَعَصْرُ فِرْعَوْنِها انْقَضَى، وَغَدا
…
يُوسُفُها فِي الأُمُورِ مُحْتكِمَا
وَانْطَفَأَتْ جَمْرَةُ الْغُوَاةِ، وَقَدْ
…
بَاحَ مِنَ الشِّرْكِ كُلَّ مَا اضْطَرَمَا
وصَارَ شَمْلُ الصَّلاحِ مُلْتَئِمًا
…
بِهَا، وَعَقْدُ السَّدَادِ مُنْتَظِمَا
لَمَّا غَدَا مُعْلِنًا شِعَارَ بَنِي الْـ
…
ـعَبّاسِ حَقًا، وَالْبَاطِلَ اكْتَتَمَا
وَبَاتَ دَاعِىَ التَّوحِيدِ مُنْتَصِرًا
…
وَمِنْ دُعَاةِ الإِشْرَاكِ مُنْتَقِمَا
وَظَلَّ أَهْلُ الضَّلال في ظُلَلٍ
…
دَاجِيَةٍ مِنْ غَيَابَةٍ وَعَمَى
(4)
(1)
انظر: الكامل، جـ 10، ص 33 - 34 حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(2)
انظر: وفيات الأعيان، جـ 3، ص 112.
(3)
انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 495 - 496.
(4)
"وعما" في نسخة ب.
الخامس في سيرته:
كان شيعيًا خبيثًا، لو أمكنه قَتَلَ كل من قدر عليه من أهل السنة، وكان كريمًا جوادًا ممدحًا.
وقال ابن خلكان: كان العاضد شديد التشيع، متغاليًا
(1)
في سب الصحابة رضي الله عنهم، وإذا رأى سُنِّيًا استحل دمه، وسار وزيره
(2)
الصالح بن رزيك في أيامه سيرة مذمومة فإنه احتكر الغلات فارتفع سعرها، وقتل أمراء الدولة خشية منهم، وأضعف أحوال الدولة المصرية فقتل مقاتلتها، وأفني ذوي الآراء والحزم منها.
وفي تاريخ ابن العميد: وكان مذهبهم مذهب أهل التناسخ
(3)
، واعتقاد الجزء الإلهي في أشياخهم. وقد ذكرنا أن الحاكم
(4)
قال لداعيه: كم في جريدتك؟ قال: ستة عشر ألفا، يعتقدون أنك إله.
وقال فيه بعض الشعراء:
مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءتْ الأقْدَارُ
…
فَاحْكُمْ فَأنْتَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
وهذا كفر محض، وليس مثله إلا قول فرعون:{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}
(5)
، وقال بعض شعرائهم بذكر ظهور مهديهم فيما يزعمون برقادة
(6)
من عمل القيروان:
حَلَّ بِرُقَّادَةَ الْمَسِيحِ
…
"و"
(7)
حَلَّ بِهَا آَدَمٌ وَنُوحُ
حَلَّ بِهَا اللَّهُ في عُلَاهُ
…
وَمَا سِوَى اللهِ فَهْوَ رِيحُ
(1)
"غاليا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من وفيات الأعيان، جـ 3، ص 110.
(2)
الصالح بن رزيك، هو أبو الغارات طلائع بن رزيك، توفي سنة 556 هـ/ 1161 م. انظر وفيات الأعيان، جـ 2، ص 526 - 530.
(3)
أهل التناسخ: قالوا بتناسخ الأرواح في الأجساد والانتقال من شخص إلى شخص. الشهرستاني: الملل والنحل، جـ 1، ص 253، تحقيق محمد سيد كيلاني، القاهرة 1961 م.
(4)
هو الحاكم بأمر الله الفاطمي، المنصور أبو علي بن العزيز بالله نزار بن المعز، وكانت مدة خلافته خمسًا وعشرين سنة وشهرًا. تولى سنة 386 هـ/ 996 م وقتل سنة 411 هـ/ 1020 م. انظر: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، جـ 2، ص 3 - 123؛ نهاية الأرب، جـ 28، ص 167 - 202.
(5)
سورة النازعات: آية (24).
(6)
رقَّادَة: بلدة بتونس بينها وبين القيروان أربعة أميال. انظر: معجم البلدان، جـ 2، ص 797 - 798.
(7)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
وهذا أعظم من اعتقاد النصارى في المسيح؛ لأنهم يزعمون أن فيض الإله حل على المسيح، وهؤلاء يعتقدون حلول الباريء تعالى في جسد آدم ونوح وسائر الأنبياء وجميع خلفائهم وأئمتهم، نعوذ بالله من ذلك، وتعالى الله عن ذلك.
السادس في ترجمته:
هو أبو محمد عبد الله، الملقب العاضد بن يوسف، ابن الحافظ لدين الله أبي الميمون، عبد المجيد بن أبي القاسم محمد -ولم يل الخلافة
(1)
- ابن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي. آخر ملوك مصر من العبيديين.
والعاضد في اللغة القاطع
(2)
، ومنه الحديث:"لا يعضد شجرها"
(3)
. وبه قطعت دولتهم وعُضِدَت.
ولى المملكة بعد عمه الفائز، وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس
(4)
بعد الظافر. واستقر الأمر للعاضد اسمًا، وللصالح طلائع بن رزيك جسمًا، وكان مولده في سنة ست وأربعين وخمسمائة، فعاش إحدى وعشرين سنة.
وفي المرآة
(5)
: توفي يوم عاشوراء وعمره ثلاث وعشرون سنة، وكانت أيامه إحدى
(6)
عشرة سنة وشهورًا، وكان العاضد مولده سنة أربع وأربعين وخمسمائة
(7)
. وبويع له في
(1)
يقصد هنا أن أبا القاسم محمد لم يخطب له بالخلافة - وقد ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل، جـ 10، ص 34. كما ذكر أن والد العاضد يوسف بن الحافظ لم يخطب له بالخلافة أيضًا.
(2)
وفيات الأعيان، جـ 3، ص 109 - 112.
(3)
نص الحديث: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة
…
البخاري، جـ 1، ص 36 - 37.
(4)
هو: أبو الفضل عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي. تولى الوزارة للخليفة الفاطمي الظافر سنة 548 هـ/ 1153 م. توفي 549 هـ/ 1154 م. وعن قتله للظافر انظر: وفيات الأعيان، جـ 1، ص 237؛ اتعاظ الحنفا، جـ 3، ص 208 - 209.
(5)
انظر: مرآة الزمان، جـ 8، ص 181. حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
(6)
"أحد عشر" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب والصحيح ما أثبتناه.
(7)
انفرد سبط ابن الجوزي في المرآة بذكر مولد العاضد في سنة أربع وأربعين وخمسمائة. في حين أن المصادر الأخرى أجمعت على أن مولده كان سنة ست وأربعين وخمسمائة. انظر: وفيات الأعيان، جـ 3، ص 111؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 264؛ اتعاظ الحنفا، جـ 3، ص 243؛ الشذرات، جـ 4، ص 223.
رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة
(1)
. ولم يل أبوه الخلافة، وأمه أم ولد، يقال لها ست المُنى. وكانت الخطبة لبني العباس قد قطعت من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في خلافة المطيع العباسي، حين تغلب الفاطميون عليها أيام المعز الفاطمي -باني القاهرة-[و]
(2)
إلى هذا الأوان، وذلك مائتا سنة وثماني سنين.
وقال النويري
(3)
في تاريخه: وجميع من خطب [له من الفاطميين]
(4)
بالخلافة أربعة عشر خليفة، بمصر أحد عشر خليفة، وبالمغرب ثلاثة -عدد خلفاء بني أمية
(5)
- وهم: المهدي، والقائم والمنصور، والمعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد
(6)
.
وجميع مدة خلافتهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة
(7)
في ذي الحجة من سنة ست وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد في هذه السنة -أعني سنة سبع وستين
(8)
وخمسمائة- مائتان واثنان وسبعون سنة.
وقال ابن كثير
(9)
: كان أول من ملك منهم المهدي، وكان من أهل سلمية
(10)
حداد اسمه سعيد، وكان يهوديًا، فدخل بلاد المغرب، وتسمى بعبيد الله، وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وقال: إنه المهدي. وقد ذكر هذا غير واحد من سادات العلماء الكبراء؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والشيخ أبي حامد الإسفراييني، كما ذكرنا ذلك مفصلًا. والمقصود أن هذا الكذاب راج له ما افتراه في تلك البلاد، ووازره جهلة من العباد،
(1)
إلى هنا توقف العيني عن النقل من سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، جـ 8، ص 181.
(2)
ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل ومثبت في ب.
(3)
نهاية الأرب، جـ 28، ص 347 حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(4)
"للفاطميين" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين لإيضاح المعنى.
(5)
عن خلفاء بني أمية في المشرق انظر: معجم الأنساب، جـ 1، ص 1.
(6)
انظر: معجم الأنساب، جـ 1، ص 146 - 147.
(7)
سجلماسة: مدينة في جنوب المغرب بينها وبين فاس عشرة أيام. انظر: معجم البلدان، جـ 3، ص 45 - 46.
(8)
ذكر المقريزي أن دولة الفاطميين اتصلت نحوًا من مائتين وسبعين سنة. انظر: اتعاظ الحنفا، جـ 3، ص 331.
(9)
انظر البداية والنهاية، جـ 12، ص 286 حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(10)
سَلَمْية: بفتح أوله وثانيه وسكون الميم. بليدة من أعمال حماه. انظر: معجم البلدان، جـ 3، ص 123.
وصارت له دولة وصولة وجولة، فتمكن إلى أن بنى مدينة سماها المهدية
(1)
، نسبة إليه. وصار ملكًا مطاعًا أظهر الرفض وانطوى على الكفر المحض، ثم كان من بعده أولاده
(2)
كما ذكرنا.
وقد كانوا من أنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العباد، وكثر بأرض الشام النصيرية
(3)
والدرزية
(4)
والحشيشية
(5)
.
وتغلب الإفرنج على سواحل الشام بكماله، حتى أخذوا القدس الشريف، ونابلس، والغور، وبلاد غزة، وعسقلان، والكرك، والشوبك، وطبرية، وبانياس، وصُور، وعثليث
(6)
، وصيدا، وبيروت، وعكا، وصفد، وطرابلس، وأنطاكية، وجميع ما والى ذلك إلى بلاد إياس وسيس. واستحوذوا على بلاد آمد والرها [ورأس العين]
(7)
وبلاد شتى، وقتلوا خلقًا لا يعلمهم إلا الله، وسبوا من الذراري المسلمين من النساء والولدان ما لا يحد ولا يوصف
(8)
.
وفي أيام العاضد وصل
(9)
أسطول الفرنج إلى الإسكندرية، وكان معهم من الخيل ألف وخمسمائة فرس، وفي الأسطول ثلاثون ألف مقاتل في مائتي شين، ومعهم آلات الحرب والحصار، ومعهم أربعون مركبًا أخرى تحمل الأزواد، وفيها من الرجال والغلمان تتمة خمسين ألف رجل، وكشفوا المسلمين عن البر، وطلعوا فضربوا خيامهم، وكانت
(1)
المهدية: موضع بتونس قرب سلا، معجم البلدان، جـ 4، ص 693 - 697.
(2)
في البداية والنهاية تفصيل لأولاده: "ابنه القائم محمد، ثم ابنه المنصور إسماعيل، ثم ابنه المعز معد". جـ 12، ص 286.
(3)
النصيرية أو العلوية: "قال القدماء: هم أتباع نصير غلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهم يدعون ألوهية على رضي الله عنه مغالاة فيه". انظر: خطط الشام، جـ 6، ص 265.
(4)
هم من الباطنية ينسبون إلى محمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بتشتكين. وعنهم انظر: خطط الشام، جـ 6، ص 268 - 269.
(5)
الحشيشية: أطلق هذا اللفظ على فرقة الإسماعيلية مع بداية دخول الصليبيين إلى الشام، وسموا بذلك لأن رؤساءهم كانوا يعطون الحشيشة لمن يكلفونه منهم على قتل أحد خصومهم السياسيين. انظر: خطط الشام، جـ 6، ص 265.
(6)
عَثْلِيثُ: اسم حصن بسواحل الشام يعرف بالحصن الأحمر، كان فيما فتحه الملك الناصر يوسف بن أيوب سنة 583 هـ/ 1187 م. معجم البلدان، جـ 3، ص 616.
(7)
ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية حيث ينقل العينى عنه، جـ 12، ص 287.
(8)
إلى هنا توقف العيني عن النقل من: البداية والنهاية جـ 12، ص 286 - 287.
(9)
"وصلت" في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت هو الصحيح.
ثلاثمائة خيمة، وحاصروا الإسكندرية أيامًا. ففتح المسلمون أبواب المدينة بالليل، وكبسوا الفرنج على غفلة، فأفنوهم قتلًا وأسرًا
(1)
، وغنموا جميع ما أحضروه، وغنموا بعض المراكب، وأقلعوا بعض المراكب الباقية. وحين زالت أيام الفاطميين أعاد الله هذه البلاد إلى أهلها من السادة المسلمين.
وقد قال حسان
(2)
الشاعر المدعو عرقلة:
أَصْبَحَ الْمُلْكُ بَعْدَ آَلِ عَلِىٍّ
…
مُشْرِقًا بِالْمُلُوكِ مِنْ آلِ شَاذِي
وَغَدا الشَّرْقُ يَحْسُدُ الْغَرْبَ لِلْقَوْ
…
م وَمِصْرُ تَزْهُو عَلَى بَغْدَاذِ
مَا حَوَوْها
(3)
إِلَّا بِعَزْمٍ وَحَزْمٍ
(4)
…
وَصَلِيلِ الفُؤادِ مِنْ فُولَاذِ
(5)
[لا]
(6)
كَفِرْعَوْنَ وَالْعَزِيزِ وَمَنْ كَا
…
نَ بِهَا كَالْخَصَيبِ
(7)
وَالأُسْتَاذِ
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة
(8)
: يعني بالأستاذ كافور الإخشيدي. وقوله: آل علىٍّ يعنى الفاطميين على زعمهم؛ لأنهم ما كانوا فاطميين، وإنما كانوا أدعياء.
وقال أبو شامة
(9)
: وقد أفردت كتابًا سميَته "كشف ما كان عليه بنو عُبيد من الكفر والكذب والكيد"
(10)
. وكذا صنف العلماء في الرد عليهم كتبًا كثيرة. ومن أَجَلِّ ما وضع في ذلك
(11)
: كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني الذي سماه كتاب "كشف الأسرار وهتك الأستار".
(1)
"وأسروا" في نسخة ب.
(2)
هو: أبو الندى حسان بن نُمير الكلبي المعروف بعرقله الكلبي. كان شاعرًا خصيصًا بالأمراء السادة بني أيوب. ولد سنة 486 هـ/ 1093 م، وتوفي سنة 567 هـ/ 1172 م. انظر ترجمته في الخريدة. قسم شعراء الشام، جـ 1، ص 178 وما بعدها. وانظر هذه الأبيات ص 203 - 204 في الجزء نفسه.
(3)
"حواها" في الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ 1، ص 203.
(4)
"بحزم وعزم" انظر الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ 1، ص 203؛ الروضتين جـ 1 ق 2، ص 509.
(5)
"وصليل الفولاذ في الفولاذ" كذا في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 509؛ الخريدة: قسم شعراء الشام، جـ 1، ص 203 - 204.
(6)
"بها" في الأصل. والمثبت من الخريدة؛ والروضتين جـ 1 ق 2، ص 509.
(7)
الخصيب: هو الخصيب بن عبد الحميد، والي خراج مصر زمن الرشيد. وإليه تنسب منية ابن خصيب. انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ 1، ص 179، حاشية 6.
(8)
انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 509. حيث ينقل العيني عنه.
(9)
انظر الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 514 - 515. حيث ينقل العينى عنه باختصار شديد.
(10)
لم نعثر على هذا الكتاب في المصادر التي بين أيدينا.
(11)
عن هذه القضية وصحة نسب الفاطميين انظر: اتعاظ الحنفا، جـ 1، ص 22 وما بعدها.
وما أحسن ما قال بعض الشعراء في بني أيوب، يمدحهم على ما فعلوه بديار مصر:
أَلَسْتُمْ مُزِيلِى دَوْلَةَ الكُفْرِ مِنْ بَنِي
…
عُبَيد بِمِصْرَ إِنَّ هَذَا هُوَ الْفَضْلُ
زَنَادِقَةٌ شِيعِيَّةٌ بَاطِنِيَّةٌ
…
مَجُوسٌ مَعًا فِي الصَّالِحين لَهُمْ أَصْلُ
يُسِرُّون كُفْرًا، يُظْهِرُون تَشَيُّعا
…
لِيَسْتَتِروا شَيْئًا وَعَمَّهُم الْجَهْلُ
السابع في قصيدة يرثيهم بها عمارة اليمني وهي هذه:
رَمَيْتَ يَا دَهْرُ كَفَّ الْمَجْدِ بِالشَّلَل
…
وَجِيدَهُ بَعْدَ "حُسْنِ الحَلْي بِالْعَطَلِ"
(1)
سَعَيْتَ فِي مَنْهَجِ الرَّأَيِ العَثُورِ فَإِنْ
…
قَدَرْتَ مِنْ عَثَرات "الدَّهرِ فَاسْتَقِل"
(2)
جَدَعْتَ مارِنَك الأقْنى، [فَأَنْفُكَ]
(3)
لا
…
ينْفَكُّ مَا بَيْن نَقْصِ
(4)
الشَّين والخَجَلِ
هَدَمْتَ قَاعِدَةَ الْمَعْرُوفِ عَنْ عَجَلٍ
…
سُقِيتَ مُهْلًا، أَمَا تَمْشِي عَلَى مَهَلِ
لَهْفِي وَلَهْف بَنِي الآمَالِ قَاطِبَةً
…
عَلَى فَجِيعَتِنَا
(5)
فِي أَكْرَمِ الدُّوَلِ
قَدِمْتُ مِصْرَ فَأَوْلَتْنِي خَلَائِفُهَا
…
مِنَ الْمَكَارِمِ مَا أَرْبَى عَلَى الأمَلِ
قَوْمٌ عَرَفْتُ بِهِمْ كَسْبَ الألُوفِ، وَمِنْ
…
كَمَالِهَا أَنَّها جَاءَتْ وَلَمْ أَسَلِ
وَكُنْتُ مِنْ وُزَرَاءِ الدِّسْتِ حَيْثُ سَمَا
…
رَأْسُ الْحِصَانِ بِهَادِيه عَلَى الكَفْلِ
وَنِلْتُ مِنْ عُظَمَاءِ الْجَيْشِ تَكْرِمَةً
…
وَخُلَّةً حُرِسَتْ مِنْ عَارِضِ الْخَلَلِ
يَا عَاذِلِي فِي هَوَى أَبْنَاءِ فَاطِمَةٍ
…
لَكَ الْمَلَامَةُ إِنْ قَصَّرْتَ فِي عَذلِي
بِاللَّهِ زُرْ سَاحَة الْقَصْرَيْن، وَابْكِ مَعِى
…
عَلَيْهِمَا، لا علَى صِفَّين والْجَمَلِ
وَقُلْ لأَهْلِهِمَا
(6)
: وَاللّهِ مَا الْتَحَمَتْ
…
فِيكُمْ جُرُوحِي، وَلَا قَرْحِي بِمُنْدَمِلِ
(7)
(1)
"حلى الحسن بالعطل" في الروضتين، وقد ذكر أبو شامة القصيدة في حديثه عن مقتل عماره اليمني سنة 569 هـ/ 1170 م. جـ 1 ق 2، ص 570 - 571؛ أيضا وردت القصيدة في مفرج الكروب، جـ 1، ص 212 - 216؛ تاريخ ابن الفرات، جـ 1 م 4، ص 169 - 172.
(2)
"البغي فاستقل" كذا في الروضتين.
(3)
"فوجهك" في الأصل. والمثبت من الروضتين ومفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات وهو الأولى للمعنى.
(4)
"أمر" في مفرج الكروب.
(5)
"فجيعتها" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(6)
"لأهلهما" في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 570.
(7)
"وقل لأهلهما
…
فيكم قروحي ولا جُرحي
…
". في الروضتين.
مَاذَا تُرىَ كَانَت الإِفْرِنْجُ فَاعِلَةً
…
فِي نَسْلِ آَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِي
هَلْ كَانَ فِي الأَمْرِ شَيءٌ غَيْرُ قِسْمَةِ مَا
…
مُلِّكْتُمُ
(1)
بَيْنَ حُكْمِ السَّبْيِ والنَّفَل
وَقَدْ حَصَلْتُم عَلَيْهَا وَاسْمُ جَدّكم
…
مُحَمَّدٍ، [وأبوكم]
(2)
، خَيرُ مُنْتَعِلِ
(3)
مررتُ بالقصرِ والأركانُ خاليةٌ
…
من "الأنيسِ"
(4)
وكانتْ قِبلَةَ القِبَل
فمِلتُ عنها بوجْهِي
(5)
خوفَ مُنْتَقِدٍ
…
مِنَ الأَعادِي ووجْهُ الودِّ لم يَمِلِ
أسْبَلتُ مِن أسَفٍ
(6)
دمْعي غداةَ خلتْ
…
رحابُكم وغَدَتْ مَهْجورةَ السُّبُلِ
أبكي على [مأثراتٍ]
(7)
مِن مَكارِمِكُم
…
حَالَ الزمانُ عليها وهي لم تَحُلِ
دَارُ الضيافة كانت أُنْسَ وافِدِكم
…
واليومَ أَوْحَشُ من رسْمٍ ومنْ طَللِ
وفطرةُ الصَّومِ إنْ أصْغَتْ
(8)
مَكَارمُكم
…
[تَشكُو]
(9)
من الدهرِ حَيفًا غيرَ مُحْتَملِ
وكُسْوةُ النّاسِ في الفصْلين قد دَرَسَت
…
ورث فيها جديدٌ عندكم
(10)
وَبَلى
وموسِمٌ كان في كَسْرِ الخليج
(11)
لكُم
…
يأتي تَجَمُّلكم فيه على الجُمَلِ
وأولُ العامِ و [العِيدان]
(12)
[كان]
(13)
لكم
…
فيهن من وَبْلِ جُودٍ ليس بالْوَشَلِ
والأرضُ تهتزُّ في "عيد الغدير"
(14)
كما
(15)
…
يَهْتَزُّ ما بَيْن قصْرَيْكم من الأَسَلِ
والخيلُ تُعْرضُ "في" وشْيٍ وفي
(16)
شِية
…
مثلُ العرائِس في حَلْى وفي حُلَلِ
(1)
"ملكتمو": في مفرج الكروب.
(2)
"أبيكم" في الأصل والروضتين. والمثبت ما بين الحاصرتين من مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات وهو الأصح.
(3)
"غير منتقل" في الروضتين؛ "خير منتحل" في تاريخ ابن الفرات.
(4)
"الوقود" في الروضتين ومفرج الكروب وابن الفرات.
(5)
"بوجه" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(6)
"من أسفي" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(7)
"ما تراءت" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 570.
(8)
"أضفت" في تاريخ ابن الفرات.
(9)
"فشكوا" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب، ومن الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 570.
(10)
"عنهم" في الروضتين ومفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(11)
"يوم الخليج" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(12)
"العيدين" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 571.
(13)
"كنز" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين وتاريخ ابن الفرات. وفي مفرج الكروب "كم لكم".
(14)
"يوم الغدير" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(15)
"لما" في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 571.
(16)
"من" في الروضتين وتاريخ ابن الفرات. وقد أورد ابن الفرات البيت التالي قبل هذا البيت.
وما
(1)
حَمَلْتُم
(2)
قِرى الأضْيافِ مِن سِعَة الْـ
…
أطْباقِ إلَّا علَى الأعناقِ
(3)
والعَجَلِ
وما خَصَصْتم ببِرٍّ أهلَ مِلّتِكُم
…
حتى عَمَمْتُم به الأقْصى مِن المِلَلِ
كانت رَوَاتِبُكُم لِلذمتينِ
(4)
وللضَّـ
…
ـيفِ المقِيم وللطَّارِي من الرُّسُلِ
وللجوامعِ
(5)
مِنْ أحَباسِكُم نِعَمٌ
…
لمنْ تَصَدَّرَ في عِلْمٍ وفي عَمَلِ
ورُبَّما عادَت الدُّنْيا لِمَعْقِلِها
(6)
…
مِنكُم، وأضحَتْ بكُم محلُولة الْعُقَلِ
(7)
والله لا فازَ يومَ الحشْر ظالِمُكُم
(8)
…
ولا [نَجا]
(9)
من عذابِ النارِ غيرُ وَليِ
ولا
(10)
رَأى جَنّةَ "الخُلدِ" التي "وُعِدَتْ"
…
مَنْ خَانَ عهدَ الإمَامِ العَاضِد بن علي
ولا سُقِي الماءُ مِن "حَرٍّ"
(11)
ومنْ ظمإٍ
…
مِن كفِّ خير البَرايا خَاتَمِ الرُّسُلِ
أئمتي وهُدَاتي والذخيرةُ لي
…
إذا ارْتَهنْتُ بمَا قَدّمْتُ مِن [عَمَلِ]
(12)
"بِاللهِ"
(13)
لم أُوفِهِمْ في المدْحِ حَقَّهُمُ
…
لأنَّ فَضْلَهُمُ كالوابِلِ الهَطِلِ
وإنْ
(14)
تَضَاعَفَت الأقْوالُ واسْتَبَقَتْ
…
ما كنتُ فيهِم بحمدِ الله بالْخَجِلِ
بابُ النجاةِ فَهُمْ دُنيا وآخرةً
…
وحُبُّهم فهو أصلُ الدِّين والعَملِ
(1)
"ولا" في الروضتين.
(2)
"جلتم" كذا في نسخة ب.
(3)
"الأكتاف" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(4)
"للوافدين" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(5)
في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات بيت زائد عن الأصل نصه:
"ثم الطراز بتنيس الذي عظمت
…
منه الصلات لأهل الأرض والدول".
(6)
كذا في الأصل والروضتين. وفي مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات: "فمعقلها".
(7)
إلى هنا انتهت القصيدة في الروضتين.
(8)
"مبغضكم" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(9)
"نجي" في الأصل والمثبت من نسخة ب.
(10)
في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات هذا البيت والذي يليه فيهما تقديم وتأخير عن الأصل المثبت. وفي الشطر الأول من البيت الأول اختلاف نصه: "ولا رأى جنة الله التي خلقت".
(11)
"خير" كذا في نسخة ب.
(12)
"عملي" في الأصل. والمثبت من مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(13)
"تالله" في مفرج الكروب فقط.
(14)
"ولو" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
نُورُ الهُدَى ومَصَابيحُ الدُّجَي ومَحَـ
…
ـلُّ الغَيْثِ إن وَنَت الأنواءُ في المحَلِ
أئمةٌ خُلِقُوا نورًا فنورهم
…
مِنْ نور خَالصِ نُورِ اللَّهِ لَمْ يَفلِ
(1)
واللهِ لا زُلْتُ عن حُبِّي لهُم أبدًا
…
ما أخَّرَ اللهُ لي في مُدةِ الأَجَلِ
(2)
الثامن فيما جرى بعد موته.
قال ابن كثير
(3)
رحمه الله: لما مات العاضد استحوذ الملك الناصر صلاح الدين يوسف على القصر بما فيه، وأخرج منه أهل العاضد إلى دار أفردها لهم، وأجرى عليهم الأرزاق والنفقات الهنيئة؛ عوضًا عما فاتهم من الخلافة
(4)
.
واستعرض حواصل القصرين، فوجد فيهما من الحواصل والأمتعة والآلات والثياب والملابس شيئًا كثيرًا باهرًا، وأمرًا هائلًا، فمن ذلك: سبعمائة يتيمة من الجوهر، وقضيب زمرد
(5)
طوله أكثر من شبر وسُمْكُهُ نحو الإبهام، وحبل من ياقوت، وَوُجِدَ فيه إبريق عظيم من الحجر المانع، وطبل للقولنج
(6)
. فاتفق أن بعض أمراء الأكراد أخذه في يده، ولم يدر ما شأنه، فلما ضرب عليه حبق
(7)
فألقاه من يده فكسره فبطل أمره، وأما القضيب الزمرد فإن السلطان كسره ثلاث فلق، فقسَّمه بين نسائه، وقسَّم بين الأمراء شيئًا كثيرًا من قطع البلخش
(8)
والياقوت والذهب والأثاث وغير ذلك. واستمر البيع فيما كان هنالك من الأثاث والأمتعة نحوًا من عشر سنين، وأرسل إلى الخليفة ببغداد هدايا
(1)
"أئمة خلقوا نورا، قبورهم
…
من خالص نور الله لم يأَفُل" في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب وابن الفرات.
(2)
في مفرج الكروب وابن الفرات بيت زائد نصه:
عمارة قالها المسكين وهو على
…
خوفٍ من القتل، لا خوف من الزلل.
(3)
انظر البداية والنهاية، جـ 12، ص 284.
(4)
ذكر ابن كثير هذا القول نقلًا عن ابن أبي طي. انظر أيضا قول ابن أبي طى في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 506 - 507.
(5)
"قضيب زمرد وطوله قبضة ونصف" في المرآة. وانظر تفصيل ما وجد في القصر من الأمتعة والجواهر في المرآة أيضًا، جـ 8، ص 181؛ وعن الزمرد راجع، صبح الأعشي، جـ 2، ص 103 - 105.
(6)
القَولَنْج: مرض اعتقال الطبيعة لانسداد المعى المسمى قولون. انظر: الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص 980؛ النوادر السلطانية، ص 55، حاشية 3.
(7)
حبق: هو ضراط المعى، انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة "حبق".
(8)
البلخش، يسمى اللّعْلُ وهو من نفائس الأحجار. انظر: القلقشندي: صبح الأعشي، جـ 2، ص 99 - 100.
عظيمة سنية، وكذلك إلى الملك العادل نور الدين، أرسل إليه جانبًا كبيرًا صالحا، وكان مما أرسله لنور الدين ثلاث قطع بلخش، زنة الواحدة أحد وثلاثون مثقالًا، والأخرى ثمانية عشر مثقالًا، والثالثة "دونهما"
(1)
، مع لآلئ كثيرة، وستين
(2)
ألف دينار، وعطر لم يسمع بمثله
(3)
، ووجد في القصر أيضا خزانة كتب ليس في دار الإسلام مثلها، تشتمل على نحو ألفي ألف مجلد
(4)
. ومن عجائب ذلك أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري.
وقال العماد الكاتب
(5)
: كانت الكتب قريبًا من مائة وعشرين ألف مجلد، وقد تسلمها القاضي الفاضل، وأخذ منها شيئًا كثيرًا مما اختاره وانتخبه
(6)
.
قال
(7)
: وقَسَّم القصر الشمالي بين الأمراء، فسكنوه، وأسكن أباه نجم الدين في قصر عظيم على الخليج، الذي يقال له اللؤلؤة
(8)
، الذي فيه بستان الكافورى، وسكن أكثر الأمراء في دور من كان ينتمي إلى الفاطميين، ولا يلقى أحد من الأتراك أحدًا من أولئك الذين كانوا بها أكابر إلا شلحوه ثيابه، ونهبوا داره حتى تمزق كثيرًا منهم في البلاد، وتفرقوا شذر مذر، وصاروا أيادي سبأ.
وقال ابن أبي طىّ: ولم يوجد في القصر من المال كثير؛ لأن [شاور]
(9)
قد ضيعه في إعطائه الفرنج في المرات العديدة، ووجد فيه ذخائر جليلة من ملابس وفرش وخيول وخيام وكتب وجوهر، ووجد فيه إبريق عظيم من الحجر المانع، فأنفذه السلطان إلى
(1)
"عشرة مثاقيل، وقيل أكثر" في البداية والنهاية.
(2)
"ستون" في نسختى المخطوطة أ، ب.
(3)
في البداية والنهاية زيادة نصها: "ومن ذلك حمارة وفيل عظيم جدا، فأرسلت الحمارة إلى الخليفة في جملة هدايا".
(4)
"ألفي مجلد" في نسخة ب. وكذا ابن كثير الذي ينقل عنه العيني. انظر: البداية والنهاية، جـ 12، ص 286.
(5)
انظر قول العماد في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 508.
(6)
انظر تفصيل ذلك في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 507، حيث أوردها نقلا عن ابن أبي طي.
(7)
القول لابن أبي طي. انظر الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 507.
(8)
قصر اللؤلؤة. أو منظرة اللؤلؤة: كانت للخلفاء الفاطميين، وتقع على الخليج بالقرب من باب القنطرة. وكان القصر من أحسن القصور وأعظمها زخرفة، وهو أحد منتزهات الدنيا، فهو يشرف من شرقيه على البستان الكافورى، ومن غربيه على الخليج. وهذه المنظرة بناها العزيز بالله الفاطمي. انظر: الخطط، جـ 1، ص 467 - 469.
(9)
"العاضد" في الأصل وهو خطأ. والمثبت بين الحاصرتين من قول ابن أبي طى في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 506.
بغداد. وجعل السلطان أهل العاضد في موضع خارج القصر، وجعل أمرهم إلى قراقوش الخادم، وفرق بين النساء والرجال؛ ليكون ذلك أسرع إلى انقراضهم، واستعرض مَنْ بالقصر مِنَ الجواري والعبيد، والعدة والعديد، والطريف والتليد، فأطلق من كان منهم حرًا، وأعتق من رأى إعتاقه، ووهب من أراد هبته، وفرق على الأمراء والأصحاب من نفائس القصر وذخائره شيئًا كثيرًا، وحصل هو على اليتيمات وقطع البلخش والياقوت وقضيب الزمرد، وأطلق البيع بعد ذلك في كل جديد وعتيق، فأقام البيع في القصر مدة عشر سنين.
قال
(1)
: ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا.
ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر. ويقال إنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة. وانقضت تلك الدولة برمتها، وذهبت تلك الأيام بجملتها بعد أن كانوا قد احتووا على البلاد، واستخدموا العباد مائتين وثمانين سنة وكسورًا. [قال]
(2)
: وحكى أن الشريف الجليس
(3)
وهو رجل كان قريبًا من العاضد، يجلس معه ويحدثه، عمل دعوة لشمس الدولة بن أيوب، أخى السلطان، بعد القبض على القصور
(4)
وأخذ ما فيها، وانقراض دولتهم.
وغرم هذا الشريف على هذه الدعوة مالًا كثيرًا، وأحضرها أيضا جماعة من أكابر الأمراء، فلما جلسوا على الطعام، قال شمس الدولة لهذا الشريف: حدثني بأعجب ما شاهدته من أمر القوم. قال نعم؛ "طلبنى العاضد يوما وجماعة من الندماء، فلما دخلنا
(1)
القول لابن أبي طي، انظر الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 507.
(2)
الإضافة من قول ابن أبي طى في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 507.
(3)
الشريف الجليس: هو القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحباب السعدي. تولى ديوان الإنشاء للخليفة الفائز الفاطمي (549 هـ - 555 هـ/ 1154 هـ - 1160 م)؛ وسمى الجليس لأنه كان يجالس الخلفاء الفاطميين. وهو من نسل بني الأغلب أصحاب إفريقية. توفي سنة 561 هـ/ 1166 م، انظر: ابن شاكر: فوات الوفيات، جـ 1 ص 577 - 579؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 251.
(4)
"القصر" في الأصل والمثبت من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 508. وهو الأولى مع سياق الكلام.
عليه وجدنا عنده مملوكين من الترك، عليهما أقبية
(1)
مثل أقبيتكم، وقلانس
(2)
مثل قلانسكم، وفي أوساطهم مناطق
(3)
كمناطقكم. فقلنا له: يا أمير المؤمنين ما هذا الزي الذي ما رأيناه قط؟ قال: هذه هيئة الذين يملكون ديارنا، ويأخذون أموالنا وذخائرنا.
وفي تاريخ الدولتين
(4)
: أخبرني أبو الفتوح [بن العاضد]
(5)
أن السلطان جعل أهل العاضد في دار برجوان
(6)
، في الحارة المنسوبة إليه بالقاهرة، وهي دار كبيرة واسعة، كان عيشهم فيها طيبًا، ثم نقلوا بعد الدولة الصلاحية منها، وأبعدوا عنها.
التاسع: في ذكر كتاب
(7)
كتبه القاضي الفاضل عن صلاح الدين، إلى وزير بغداد، على يد الخطيب شمس الدين [بن]
(8)
أبي المضاء.
"كتب الخادم هذه الخدمة من مستقره ودين الولاء مشروع، وعلم الجهاد مرفوع، وسؤدد السواد متبوع، وحكم السداد بين الأمة
(9)
موضوع، وسبب الفساد مقطوع ممنوع. وقد توالت الفتوح غربا ويمنا وشامًا، وصارت البلاد بل الدنيا، والشهر بل الدهر، حرمًا حرامًا، وأضحى الدين واحدًا بعد ما كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها [إلا]
(10)
صُمًّا وعُميانا؛ والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة؛ ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسمَّوا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا، وكذَّبوا بالنار فعجلت لهم نار الحتوف، ونثرت أقلام الظبا حروف رءوسهم نثر الأقلام للحروف، ومزقوا كل ممزق، وأخذوا منهم كل مخنق، وقطع دابرهم، ووعظ آيبهم غابرهم، ورغمت
(1)
أقبية: مفردها قباء وهو ثوب له أكمام ضيقة. انظر: ماير: الملابس المملوكية، ص 25.
(2)
قلانس: مفردها قلنسوة، وهي كلوته مطرزة أي زركش. انظر: الملابس المملوكية، ص 42.
(3)
مناطق: مفردها منطقة؛ وهي حزام العسكريين، وقد أطلق عليه فيما بعد "حياصة". وكان يصنع من معدن ثمين وأضخمها ما كان من الفضة المطلية بالذهب. وأحيانا بالذهب الخالص. انظر: الملابس المملوكية، ص 48.
(4)
انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 494 - 495.
(5)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين للتوضيح.
(6)
دار برجوان: هذه الدار كانت بحارة برجوان وتعرف بدار الأستاذ، وكان يسكن فيها، انظر: مفرج الكروب، جـ 1، ص 254؛ السلوك، جـ 2، ص 338.
(7)
عن كتاب القاضي الفاضل انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 496 - 497.
(8)
"شمس الدين أبي المضاء" في الأصل. والمثبت من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 496، وهو: أبو عبد الله محمد ابن المحسن بن الحسين بن أبي المضاء البعلبكي، انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 492.
(9)
"الأئمة" في الأصل. والمثبت من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 496، نقلًا عن نص كتاب القاضي الفاضل.
(10)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 496.
أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدًا وقتلا، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ
(1)
رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}، وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ولا الليل عن سير إليهم بنائم. ولا خفاء عن المجلس الصاحبىّ. أن من شد عقد خلافة وحلّ عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف، فإنه مفتقر إلى أن يُشكر ما نصح، ويقلَّد ما فتح، ويبلَّغ ما اقترح، ويقدّم حقه ولا يطرح، ويقرب مكانه وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة، وتتواصل إليه أمداد التقويات الجليلة اللطيفة، وتلبي دعوته بما أقام من دعوة، وتوصل عروته بما وصل من غزوة، وترفع دونه الحجب المعترضه، وترسل إليه السحب المروضة. فكل ذلك تعود عوائده، وتبدو فوائده، بالدولة التي كشف وجهه لنصرها، وجرد سيفه لرفع منارها، والقيام بأمرها. وقد أتى البيوت من أبوابها، وطلب النّجعة
(2)
من سحابها، ووعد آماله الواثقة بجواب كتابها، وأنهض لإيصال ملطفاته وتنجيز تشريفاته خطيب الخطباء بمصر، وهو الذي اختاره لصعود درجة المنبر، وقام بالأمر قيام من بَرَّ، واستفتح بلباس السواد الأعظم، الذي جمع الله عليه السَّواد الأعظم، أملًا
(3)
أنه يعود إليه بما يطوى الرجاء فضل عقبه، ويخلد الشرف في عقبه".
العاشر: فيما ذكر جماعة من أكابر العلماء في حق الفاطميين المذكورين:
قالوا
(4)
: إنهم لم يكونوا لذلك أهلًا، ولا نسبهم صحيحًا، بل المعروف أنهم بنو عبيد. وكان والد عبيد هذا من نسل القدَّاح الملحد المجوسي. وقِيل كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سَلَمْيه من بلاد الشام، وكان حدادًا، وعبيد هذا كان اسمه سعيدًا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله، وزعم أنه علوي فاطمي، وادعي نسبًا ليس بصحيح، لم يذكره أحد من مصنفى الأنساب العلوية، بل ذكر جماعة من العلماء بالنسب خلافه.
(1)
"كلمات" في الأصل وفي الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 497، والصحيح ما أثبتناه طبقًا للآية الكريمة من سورة (الأنعام) آية (6).
(2)
النجعة: طلب الكلأ في مواضعه. انظر: المنجد، مادة "نجع" ص 857 - 858.
(3)
"إملاء" في الأصل. والمثبت من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 497.
(4)
انظر الأقوال المختلفة في نسب الفاطميين في اتعاظ الحنفا، جـ 1، ص 22 وما بعدها؛ وانظر أيضا: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 509 - 510.
وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى
(1)
. وقد صنف الشريف الهاشمي
(2)
كتابًا كبيرًا، كان في أيام الملقب بالعزيز -ثاني خلفاء مصر- فبين فيه أصولهم أتم بيان، وأوضح كيفية ظهورهم وغلبتهم على البلاد، وتتبع ذكر فضائحهم، وما كان يصدر منهم من أنواع الزندقة والفسق والمخرقة، وما فعله هؤلاء من الانتساب إلى على رضي الله عنه، والتستر بالتشيع قد فعله القرامطة
(3)
، وصاحب الزنج
(4)
الخارج بالبصرة، وغيرهم من المفسدين في الأرض، على ما عَرَف مِنْ سيرهم مَنْ وقَف على أخبار الناس. وكلهم كَذَبَةٌ في ذلك، وإنما غرضهم التقرب إلى العوام والجهال.
وذكر القاضي عبد الجبار
(5)
أن الملقب بالمهدي -عليه ما يستحق- كان يتخذ الجهال ويسلطهم على أهل الفضل؛ وكان يرسل إلى الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى ملك الروم، وسلطهم على المسلمين، وأكثر من الجود واستصفاء الأموال، وقتل الرجال. وكان له دعاة يضلون الناس على قدر طبقاتهم، فيقولون لبعضهم:"هو المهدي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجة الله على خلقه". ويقولون لآخرين: "هو رسول الله وحجة الله على خلقه". ويقولون لطائفة أخرى: "هو الله الخالق الرازق".
ولما هلك قام ابنه المسمى بالقائم
(6)
مقامه، وزاد شره على شر أبيه أضعافًا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق المهدية وغيرها:"العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى". وبعث إلى أبي طاهر القرمطي
(7)
، المقيم بالبحرين، وحثه على قتل المسلمين، وإحراق المساجد والمصاحف.
(1)
انظر ما سبق ص 79 - 80.
(2)
هو أبو القاسم علي المرتضى. نقيب الطالبيين؛ عاش فيما بين سنتي 355 - 436 هـ/ 966 - 1044 م. انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 515، حاشية (1).
(3)
القرامطة: طائفة سياسية اتخذت الدعوة إلى إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وسيلة لتحقيق أغراضها، وعرفت بذلك نسبة إلى أحد دعاتها حمدان بن الأشعت الملقب بقرمط. ويقال إنه سمي بقرمط لقصور قامته ورجليه. انظر: نهاية الأرب، جـ 23، ص 56؛ الرسغي: مختصر الفرق بين الفرق، ص 171.
(4)
هو على بن محمد بن أحمد
…
بن زيد، ثائر ظهر بالبصرة، واشتد أمره أيام الخليفة المعتمد، وزعم أنه من نسل آل على، وكثر أتباعه من عبيد الأرض الذين كانوا يعملون في حمل المخصبات (السباخ) وغيرها لأهل البصرة، واستمرت ثورته الخطيرة التي شملت جنوبي العراق بين سنتي 255 - 270 هـ/ 869 - 883 م، ثم انهارت أمام جيوش الموفق أخى الخليفة المعتمد. انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 515، حاشية (3).
(5)
انظر أقوال القاضي عبد الجبار في العلويين وأصولهم في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 512 - 513.
(6)
القائم: أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي، تولى الخلافة سنة 320 هـ/ 932 م، وتوفي سنة 334 هـ/ 946 م. انظر: البداية والنهاية، جـ 11، ص 224 - 227؛ اتعاظ الحنفا، جـ 1، ص 74 - 82.
(7)
أبو طاهر القرمطي هو حمدان بن الأشعث.
وقام بعده ابنه المنصور
(1)
، فقتل أبا يزيد مخلد
(2)
، الذي خرج على أبيه؛ ينكر عليه قبيح فعله، وسلخه وصلبه، واشتغل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم؛ خوفًا من أن يثور عليه ثائر مثل أبي يزيد.
وقام بعده ابنه المعز
(3)
، فبث دعاته، فكانوا يقولون: "هو المهدي الذي يملك [الأرض]
(4)
، وهو الشمس التي تطلع من مغربها". وكان يسره ما ينزل بالمسلمين من المصائب، من أخذ الروم بلادهم. واحتجب عن الناس أيامًا، ثم ظهر، وأوهم أن الله رفعه إليه، وأنه كان غائبًا في السماء، وأخبر الناس بأشياء صدرت منهم، كان ينقلها إليه جواسيس له، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه. وهو أول الخلفاء منهم بمصر، وهو الذي تنسب إليه القاهرة، واستدعي بفقيه الشام أبي بكر محمد بن أحمد بن سهل الرملي، ويعرف بابن النابلسي، فحمل إليه في قفص خشب، فأمر بسلخه، فسلخ حيًا، وحشى جلده تبنًا، وصلب رحمه الله. قال أبو ذر الهروي
(5)
: سمعت أبا الحسن الدارقطني
(6)
يذكره ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يُسلخ: {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}
(7)
.
وقال صاحب تاريخ الدولتين
(8)
: وفي أيام الحاكم أمر بكتْب سب الصحابة رضي الله عنهم على حيطان الجوامع، والقياسر، والشوارع والطرقات. وكتب السجلات إلى سائر الأعمال بالسب، ثم [أمر]
(9)
بقلع ذلك، وأنا رأيته مقلوعًا في بعض أبواب دمشق،
(1)
المنصور: أبو طاهر إسماعيل، مدة خلافته "334 - 341 هـ/ 946 - 952 م". انظر: اتعاظ الحنفا، جـ 1، ص 82 - 92.
(2)
مخلد بن كيداد الخارجي، أبو يزيد. انظر ترجمته في اتعاظ الحنفا، جـ 1، ص 75 - 85.
(3)
هو: أبو تميم معد، مدة خلافته "341 - 365 هـ/ 952 - 976 م". انظر: اتعاظ الحنفا، جـ 1، ص 93 وما بعدها.
(4)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 513 حيث ينقل أبو شامة أقوال القاضي عبد الجبار.
(5)
أبو ذر الهروي: هو عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير، أبو ذر الأنصاري الهروي، عالم بالحديث من الحفاظ والفقهاء المالكية. توفي سنة 434 هـ/ 1043 م. انظر: الأعلام، جـ 4، ص 41. الطبعة الثانية.
(6)
هو: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدى البغدادي الدارقطني. انظر: وفيات الأعيان، جـ 3، ص 297 - 298.
(7)
سورة الإسراء: آية (58).
(8)
انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 513.
(9)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين للتوضيح.
في الأسكفة
(1)
العليا منقورًا في الحجر. ودلني أول الكلام وآخره على ذلك، ثم جُدد ذلك الباب، وأزيل ذلك الحجر. وفي أيامه طَوَّفَ بدمشق رجل مغربي، ونودي عليه:"هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر". ثم ضربت عنقه.
وجرى في أيامهم مثل هذه الأشياء؛ مثل قطع لسان أبي القاسم الواسطى -أحد الصالحين- وكان أذَّن في بيت المقدس وقال في أذانه: "حي على الفلاح"، فأُخذ، وقطع لسانه، وما كانت ولاية هؤلاء الملاعين إلا محنة من الله تعالى، ولهذا طالت مدتهم، مع قلة عِدتهم، فعدتهم عدة خلفاء بني أمية أربعة عشر، وأولئك بقوا نيفا وتسعين سنة، وهؤلاء بقوا مائتي سنة [وثمانيا]
(2)
وستين سنة.
وحكى ابن المارستاني
(3)
في سيرة ابن هبيرة الوزير قال: إنه من عجيب ما جرى في أمر المصريين؛ أنه رأى إنسانٌ
(4)
من أهل بغداد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، كأنَّ قمرين أحدهما أنور من الآخر، والأنور منهما مسامت للقبلة، وله لحية سوداء فيها طول، ويهُبُّ أدنى نسيم فيحركها، وأثر حركتها وظلها في الأرض، وكان الرجل يتعجب من ذلك، وكأنه سمع أصوات جماعة يقرؤون بألحان وأصوات لم يسمع قط مثلها، وكأنه سأل بعض من حضر فقال: ما هذا؟ فقالوا: قد استبدل الناس بإمامهم. قال: وكأن
(5)
الرجل استقبل القبلة، وهو يدعو الله أن يجعله إمامًا برًا تقيًا. واستيقظ الرجل. وبَلَّغَ هذا المنام ابن هبيرة -الوزير إذ ذاك ببغداد- فعبَّر المنام بأن الإمام الذي بمصر يُستبدل به، وتكون الدعوة لبني العباس لمكان اللحية السوداء. وقوى هذا عنده، حتى كاتب نور الدين
(1)
"الأمكنة" في الروضتين واسكف وأسكفة: عتبة الباب. انظر: المعجم الوسيط، مادة "سكف".
(2)
"مائتي سنة وستين" كذا في نسخة أ؛ أما نسخة ب "مائتي سنة وستين سنة". والمثبت من الروضتين جـ 1 ق 2، ص 514 حيث ينقل العينى عنه.
(3)
انظر قول ابن المارستاني في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 499 - 500.
(4)
ذكر الدكتور/ محمد حلمى محمد أحمد أنه وجد بأصل نسخة الروضتين تعليقًا بالهامش نصه "حاشية. قال المؤلف: رأيت في السيرة المذكورة أن الذي رأى هذا المنام هو الفقيه الزاهد أبو محمد عفيف بن المبارك بن محمود الأحمدى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة والله أعلم". انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 500، حاشية (1).
(5)
"وكان" في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 500.
[حين]
(1)
دخل أسد الدين إلى مصر في أول مرة، بأنه يظفر بمصر، وتكون الدعوة لبني العباس بها على يده.
وقيلت في ذلك الزمان أشعار في هذا منها: قصيدة شمس المعالي أبي الفضائل الحسين بن محمد بن بركات، وكان حاجب ابن هبيرة، قالها حين سمع تأويله المنام
(2)
:
لتَهْنَك يا مَولَى الأنَامِ بِشَارةً
…
بها سَيفُ دين الله بالحقِّ مُرهَفُ
ضَربْتَ بها هَامَ الأعادِي بهِمَّةٍ
…
تَقَاصَر عنْها السّمْهريُّ المثَقَّفُ
بَعثْتَ إلى شَرقِ البلاد وغَرْبها
…
بُعوثًا من الآراءِ تُحْيى وتُتْلِفُ
فقامتْ مقامَ السّيفِ والسَّيْفُ قَاطِرٌ
…
ونابتْ مَنَابَ الرمْحِ والرمحُ يَرْعُفُ
وقُدْت لها جيشًا مِن الروْع هائلًا
…
إلى كل قلبٍ من عِداتِك يَرجُفُ
(3)
ملكتَ به أقصى المغَاربِ عُنْوةً
…
وكادتْ بمنْ فيها المشَارقُ تَزْحَفُ
(4)
ليهْنَك يا مولاى [فتحا]
(5)
تتابعتْ
…
إليك به حُوصُ الركائِب تُوجَفُ
أخذْتَ به مصرا وقَد حَال دونَها
…
من الشركِ [ناسٌ]
(6)
في لُهى الحقِّ تُقْذفُ
وقد دَنّسَتْ مِنها المنابرَ عُصْبَةٌ
…
يعافُ التُّقىَ والدّينُ منهم ويأنَفُ
فَطَهَّرهَا مِن كُلّ شِركٍ وبدعةٍ
…
أغرٌّ غَرِيرٌ بالمكارِمِ يُشْغَفُ
فعَادتْ بِحمْد اللهِ بِاسْمِ إمَامِنا
…
تَتِيهُ على كلِّ البلادِ وتَشْرُفُ
ولا غَرْوَ أنْ دَانت ليُوسفَ مِصْرُه
…
وكانت إلى علْيائهِ تَتَشَوّفُ
تملّكَها من قَبضَةِ الكُفْرِ يُوسُف
…
وخَلَّصَها مِن عُصْبَة الرفضِ يُوسفُ
(1)
"حتى" في الأصل. وما بين الحاصرتين من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 500 وهو أولى.
(2)
ذكر الدكتور/ محمد حلمى محمد أحمد أنه بهامش أصل الروضتين تعليق نصه: حاشية. قال المؤلف: أول هذه القصيدة: لعل حداة الركب أن يتوقفوا
…
ليشفي غليلًا بالمدامع مدنف. انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 500، حاشية (3).
(3)
"يزحف" في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 500.
(4)
"ترجف" في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 500.
(5)
"فتح" في الأصل، والمثبت من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 501.
(6)
"أناس" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب، الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 501.
قال يحيى بن أبي طى: يريد بيوسف الأول يوسف الصديق النبي عليه السلام، وبيوسف الثاني المستنجد بالله الخليفة يومئذ، وقاله على سبيل الفأل؛ ألا تراه قال بعد هذا البيت:
فَشَابَهْتَه خَلْقًا وخُلُقًا وعِفَةً
…
وَكُلٌ عن الرحمنِ فِي الأرضِ يَخْلُفُ
(1)
ذكر بقية الحوادث
منها أن في السابع والعشرين من شوال وقع حريق عظيم في بغداد، واحترقت دكاكين كثيرة. ومنها أن في ذي الحجة وصلت رسل ملك البحرين وكبش
(2)
بهدايا، فيها ألواح صندل وأبنوس وطيب وأنياب فيل.
ومنها ما قاله ابن الجوزي
(3)
: وفي يوم الأربعاء غرة رمضان تكلمت في مجلسي بالحلبة، فتاب على يدى نحو من مائتي رجل، وقطعت شعور مائة وعشرين منهم.
ومنها أن الخطا
(4)
عبروا على جيحون يريدون خوارزم شاه، وهو أرسلان بن أتسز، فجمع عساكره، وسار لقتالهم وصدهم عن بلاده، فمرض، فأرسل العسكر مع أحد أمرائه فلقيهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم الخوارزميون وأسر مقدمهم، ورجع الخطا إلى ما وراء النهر، وعاد خوارزم شاه إلى خوارزم مريضا
(5)
.
ومنها أن الخليفة المستضيء عزل وزيره عضد الدين بن رئيس الرؤساء كرهًا؛ لأن قطب الدين قيماز ألزمه بعزله، فلم يمكنه مخالفته
(6)
والله أعلم.
(1)
لقول ابن أبي طى بقية ذكرها أبو شامة في الروضتين رأينا أنه من الأهمية ذكرها لأنها تطابق الأحداث زمنيًا ونصها: "وجرى الفأل في البيت باسم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب لأن المستنجد مات قبل تغيير الخطبة لبني العباس، وهذا من عجيب الاتفاق". انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 501.
(2)
كبش، جمعها كبوش وأكبش. وهي آلة حربية لها رأس ضخم وقرنان تدفعها الجنود نحو أسوار الحصون لتهديمها. انظر: Dozy: Supp. Dict. Ar. T.II، P. 440
(3)
انظر: المنتظم، جـ 18، ص 197.
(4)
الخطا: تطلق على الصين الشمالية في العصور الوسطى. والخطا جماعة من المغل من جنس الترك. انظر: ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، ص 643 - 645، ط. دار الكتب العلمية، بيروت 1987 م.
(5)
انظر: الكامل، جـ 10، ص 37 - 38.
(6)
انظر: الكامل، جـ 10، ص 38.
ذكر ماجريات نور الدين
منها أن نور الدين استدعى ابن أخيه صاحب الموصل
(1)
، فوصل بالعساكر إلى خدمته، وكانت غزوة عرقا
(2)
، فأخذها نور الدين ومعه ابن أخيه، وذلك في المحرم من هذه السنة.
وقال ابن أبي طي: جمع نور الدين عساكره، وخرج إلى عرقا، ونازلها وقاتلها أياما حتى فتحها، واحتوى على ما فيها كلها، وغنم الناس غنيمة عظيمة.
وقال ابن الأثير
(3)
: خرجت مراكب من مصر إلى الشام، فأخذ الإفرنج من اللاذقية مركبين منها، مملوءين من الأمتعة والتجار، وغدروا بالمسلمين، وكان نور الدين قد هادنهم، فنكثوا. فلما سمع نور الدين الخبر استعظمه، وراسل الفرنج في ذلك
(4)
، وأمرهم بإعادة ما أخذوه، فغالطوه، واحتجوا بأمور لا طائل تحتها. فجمع العساكر من الشام والموصل والجزيرة، وبث السرايا في بلادهم؛ بعضهم نحو أنطاكية، وبعضهم نحو طرابلس، وحصر هو حصن عرقا، وأخرب
(5)
ربضه، وأرسل طائفة من العسكر إلى حصني صافيتا
(6)
وعريمة
(7)
، فأخذهما عنوة، وكذلك غيرهما، ونهب وأخرب
(8)
، وغنم المسلمون الكثير، وعادوا إليه وهو بعرقة، فسار في العساكر جميعها إلى قريب طرابلس، يخرب ويحرق وينهب. وأما الذين ساروا إلى أنطاكية، فإنهم فعلوا في ولايتها مثلما فعل
(1)
هو سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر، صاحب الموصل، تقلد المملكة بعد وفاة أبيه مودود، توفي يوم الأحد ثالث صفر سنة 576 هـ/ 1180 م. انظر: مفرج الكروب، جـ 1، ص 220؛ وفيات الأعيان، جـ 4، ص 504.
(2)
عِرْقَا، عِرْقَة: بلدة في شرقي طرابلس، وهي آخر عمل دمشق، وهي في سفح الجبل، وعلى جبلها قلعة. انظر: معجم البلدان، جـ 3، ص 653؛ ابن خرداذبة: المالك والممالك، ص 255، ط، بغداد 1889 م.
(3)
وردت هذه الرواية بتصرف في الكامل، جـ 10، ص 37؛ انظر أيضا: مفرج الكروب، جـ 1، ص 220؛ الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 516.
(4)
ورد هذا النص باستفاضة في الباهر. ص 154.
(5)
"أخرب" في الأصل والروضتين، وفي الباهر "وخرب". انظر: الباهر، ص 154.
(6)
صافيتا: قلعة تقع إلى الشمال من عرقه من أعمال حلب قرب اللاذقية. انظر: العماد الكاتب: الفتح القسي في الفتح القدسي، تحقيق محمد محمود صبح، ص 227، حاشية 1.
(7)
عُريْمَة: موضع بين أجا وسلمى. معجم البلدان، جـ 3، ص 662.
(8)
"وخرب" في الباهر، ص 155.
[نور الدين] من النهب والتحريق والتخريب بولاية طرابلس، فراسله الفرنج، وبذلوا إعادة ما أخذوه من المركبين، وتجدد
(1)
معهم الهدنة، فأجابهم [إلى ذلك]
(2)
، وكانوا في ذلك كما يقال:"اليهودي لا يعطى الجزية حتى يُلطم"
(3)
.
ومنها أن نور الدين أمر في هذه السنة باتخاذ الحمام الهوادي
(4)
، وهي المناسيب التي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها، فاتخذت في سائر بلاده. وكان سبب ذلك أنه اتسعت مملكته، وبعدت بلاده، فكانت من حد النوبة إلى باب همذان
(5)
، لا يتخللها سوى بلاد الفرنج. فكان
(6)
الفرنج (لعنهم الله) ربما نازلوا بعض الثغور، فإلى أن يصله الخبر ويسير إليهم، [يكونون]
(7)
قد بلغوا بعض الغرض، فحينئذ أمر بذلك، وكتب به إلى سائر بلاده
(8)
، وأجرى الجرايات لها، ولمرتبها، فوجد بها راحة كبيرة.
[و]
(9)
كانت الأخبار تأتيه لوقتها؛ لأنه كان له في كل ثغر رجال مرتبون، ومعهم من حمام المدينة التي تجاورهم، فإذا رأوا أو سمعوا أمرًا كتبوه لوقته، وعلقوه على الطائر، وسرحوه إلى المدينة التي هو فيها في ساعته، فتنقل الرقعة منه إلى طائر آخر، من البلد الذى
(10)
يجاورهم، في الجهة التي فيها نور الدين، وهكذا إلى أن تصل الأخبار إليه، فانحفظت الثغور بذلك.
ومنها أن نور الدين أشار إلى صلاح الدين بإسقاط المكوس والضرائب عن أهل مصر والقاهرة، وقرئ المنشور بذلك على رؤوس الأشهاد، يوم الجمعة بعد الصلاة، ثالث صفر من هذه السنة، والذي اشتملت "عليه"
(11)
المسامحة في السنة؛ من العين مائة
(1)
"ويجدد" في الباهر، ص 155.
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة من الباهر للتوضيح، ص 155.
(3)
ورد هذا الحدث بتصرف في، الكامل، جـ 10، ص 37.
(4)
هو حمام يتخذه الملوك لحمل المكاتبات، ويقال أن أول من اعتنى به من الملوك نور الدين بن زنكي. انظر: صبح الأعشي، جـ 14، ص 389 - 392.
(5)
ورد هذا النص بتصرف في مرآة الزمان، جـ 8، ص 178.
(6)
"وكان" في الباهر، ص 159؛ الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 520.
(7)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 520.
(8)
"البلاد" في الباهر، ص 159.
(9)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 520.
(10)
"التي" في نسخة ب.
(11)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
ألف دينار. وفي تاريخ الدولتين
(1)
: قرئت نسخة سجل بإسقاط المكوس بمصر على المنبر بالقاهرة، في التاريخ المذكور عن السلطان الملك الناصر في أيام نور الدين، فهو كان الآمر، وذاك المباشر.
ذكر وقوع النفرة بين نور الدين وصلاح الدين
وذلك أن نور الدين غزا في هذه السنة بلاد الإفرنج
(2)
في السواحل، فأحل بهم بأسًا شديدًا، ثم عزم على محاصرة الكرك، وكتب إلى صلاح الدين؛ أن يلاقيه بالعساكر المنصورة إلى بلاد الكرك؛ ليجتمعا هناك على المصالح، فيما يعود نفعه على المسلمين
(3)
. فتوهم من ذلك صلاح الدين، وخاف أن يكون لهذا الأمر غائلة، يزول بها ما حصل له من التمكين، ولكنه ركب في جيشه من الديار المصرية؛ ليقصد امتثال المرسوم، فسار أيامًا، ثم كر راجعًا معتلا بقلة الظهر، والخوف على اختلال الديار المصرية إذا بعد منها واشتغل عنها، وأرسل يعتذر بذلك إلى السلطان نور الدين، فوقع في نفسه منه، واشتد غضبه عليه، وعزم على الدخول إلى الديار المصرية، وانتزاعها من يد صلاح الدين، وتوليته غيره فيها. ولما بلغ هذا الخبر إلى صلاح الدين ضاق بذلك ذرعه، وذكره بحضرة الأمراء والكبراء، فبادر ابن أخيه تقي الدين عمر
(4)
فقال: والله لو قصدنا نور الدين لنقاتلنه، فشتمه الأمير نجم الدين أيوب
(5)
والد صلاح الدين يوسف وأسكته. ثم قال لابنه: اسمع ما أقول لك: والله ما هاهنا أحد أشفق عليك مني ومن خالك هذا، يعني شهاب الدين الحارمي، ولو رأينا الملك نور الدين لبادرنا إليه، ولقبلنا الأرض بين يديه، ولو كتب إلى أن أبعثك إليه مع نجاب لفعلت، ثم أمر من هنالك بالانصراف والذهاب.
(1)
انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 522 - 523.
(2)
"الفرنج" في نسخة ب.
(3)
ورد هذا الحدث بتصرف في الباهر، ص 158؛ الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 528.
(4)
هو الملك المظفر تقي الدين أبو سعيد عمر بن نور الدولة شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة، وهو ابن أخي السلطان صلاح الدين، توفي يوم الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة 587 هـ/ 1191 م بالقرب من خلاط. وفيات الأعيان، جـ 3، ص 456 - 457.
(5)
هو أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان، الملقب بالملك الأفضل نجم الدين، والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، توفي سنة 568 هـ/ 1173 م. انظر: وفيات الأعيان، جـ 1، ص 255 - 259.
فلما خلا بابنه قال "له"
(1)
: أما لك عقل تذكر مثل هذا بحضرة هؤلاء، ويقول ابن عمك مثل هذا الكلام وتقره عليه، فلا يبقى عند نور الدين وجه أهم عنده من قصدك وقتالك، ولكن ابعث إليه وترفق له وتواضع له، وقل له أي حاجة إلى مجيء مولانا، ابعث إلىَّ بنجاب أجيء معه
(2)
إلى بين يديك، فإنك إذا فعلت هذا تمادي الوقت بما تحصل به الكفاية من الله تعالى. ففعل صلاح الدين ذلك، وكان كما قال نجم الدين أيوب:{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}
(3)
.
وقال العماد: وكان صلاح الدين واعده نور الدين أن [يجتمعا]
(4)
على الكرك والشوبك يتشاوران فيما يعود بالصلاح المشترك، فخرج من القاهرة في الثاني والعشرين من المحرم، فلقي في تلك السفرة شدة، وعدم خيلا وظهرًا وعُدّة، وعاد إلى القاهرة في النصف من ربيع الأول.
وفي تاريخ بيبرس: تجهز صلاح الدين من مصر إلى الكرك، وكان قد قرر مع نور الدين أن يخرج من دمشق، ويجتمعا على غزو الإفرنج، فسبق صلاح الدين، وخرج نور الدين من دمشق، فأوجس صلاح الدين خيفة منه أن يعزله عن مصر ويوليها غيره، فرجع عائدًا وقد بقى بينه وبين الكرك مسافة قريبة، وأرسل إلى نور الدين رسولًا، وأصحبه هدايا كثيرة وتحفًا جليلة، وكتب إليه؛ يعتذر بأن والده ضعيف. وكان الرسول إليه الفقيه عيسى الهكاري، فلاطف نور الدين، وخاطبه بالحسنى حتى قال نور الدين: حفظ مصر عندنا أهم من غيرها، وفطن لما قصده برجعته، وعز ذلك عليه في باطنه.
وقال ابن الأثير
(5)
: لما نصح نجم الدين ولده صلاح الدين، وأشار عليه بأن يرسل رسولًا إلى نور الدين ويستعطفه، فأرسل إليه بذلك، عدل نور الدين عن قصده، وكان من جملة ما قال نجم الدين لولده صلاح الدين: الأيام تندرج، والله كل وقت في شأن. وكان الأمر كما قال؛ توفي نور الدين. ولم يقصد صلاح الدين، ولا أزاله، وكان هذا الرأى من نجم الدين من أحسن الآراء وأجودها.
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة "ب".
(2)
ورد هذا النص بتصرف في الكامل، جـ 10، ص 35 - 36؛ الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 518 - 520؛ مفرج الكروب، جـ 1، ص 221 - 223.
(3)
سورة الأحزاب: آية (38).
(4)
"يجتمعوا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 518 حيث يتسق مع السياق واللغة.
(5)
نقل العينى هذا النص بتصرف من الباهر، ص 158 - 159.
وفيها
(1)
....
وفيها حج بالناس
(2)
....
ذكر من توفي فيها من الأعيان
عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن أبو محمد [بن]
(3)
الخشاب
(4)
؛ قرأ القرآن وسمع الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة، وانتهى علمهما إليه، وشرح الجُمَل للإمام عبد القاهر رحمه الله، وفاق أهل عصره. وكان مُغْرَى بشراء الكتب، وكان يؤدب أولاد الخليفة، وكان يكتب
(5)
خطًا حسنًا. وله مصنفات في النحو واللغة والعروض والحساب وغيره، وكانت وفاته في رمضان يوم الجمعة الثالث منه، ودفن قريبًا من بشر الحافي رحمه الله. وكان يقول الشعر، ومن شعره في الشمعة:
صفراءُ لا مِنْ سَقَمٍ مَسَّها
…
كَيفَ وكانَتْ أُمُّها الشَّافِية
عُرْيانَةٌ باطِنُها مُكْتَسٍ
…
فَاعْجَبْ لَها كَاسِيَةً عَارِيَة
(6)
محمد بن محمد بن محمد بن أبو المظفر البرَوي
(7)
؛ تفقه على محمد بن يحيى، وناظر ووعظ، وقدم بغداد فجلس للوعظ في أول ولاية المستضيء، وأظهر مذهب الأشعرية، وتعصب على الحنابلة وبالغ، فأخذه قيام الدم في رمضان هذه السنة، وتوفي ودفن في تربة أبي إسحق الشيرازي (رحمهما الله)
(8)
.
(1)
بياض في نسختى المخطوطة بمقدار سطر ونصف تقريبًا.
(2)
بياض في نسختى المخطوطة بمقدار سطر.
(3)
ما بين الحاصرتين إضافة لازمة من وفيات الأعيان، جـ 3 ص 102؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 289.
(4)
انظر: وفيات الأعيان، جـ 3، ص 102 - 104؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 289.
(5)
"يقرأ" في نسخة ب.
(6)
أورد ياقوت هذه الأبيات في معجم الأدباء، جـ 12، ص 53؛ كما أوردها ابن خلكان، مع بعض الاختلاف في الألفاظ. انظر: وفيات الأعيان، جـ 3، ص 103.
(7)
انظر: المنتظم، جـ 18، ص 198؛ وفيات الأعيان، جـ 4، ص 225 - 226؛ السبكي: طبقات الشافعية، جـ 4، ص 182؛ شذرات الذهب، جـ 4، ص 224.
(8)
انظر: البداية والنهاية، جـ 12، ص 289.
وفي المرآة
(1)
: وبالغ في ذم الحنابلة، وقال: لو كان إلى أمر لوضعت على الحنابلة الجزية، وكان شابًا حسنًا، جميل الصورة، مليح العبارة، فصيحًا، فيقال: إن الحنابلة دسوا عليه من سمه؛ جاءته امرأة في الليل، ومعها صحن حلواء، فطرقت بابه، فقال: من؟ قالت: أنا امرأة آكل من مغزلي، وقد غزلت قطنًا وبعته، واشتريت من ثمنه هذه الحلواء، واشتهيت أن الشيخ يأكل منها، فإنه حلال، فتناوله منها، ومضت. فجلس يأكل هو وزوجته وولده الصغير، فأصبحوا موتي جميعًا في رمضان، ودفن بباب أبرز رحمه الله ولا رحم تلك المرأة.
أبو الفتوح نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس، اللخمي الأزهرى الإسكندري، الملقب القاضي الأعز
(2)
، الشاعر المشهور؛ كان شاعرًا مجيدًا وفاضلًا نبيلًا، ولم يكن له لحية، بل كان سناطًا، وقيل فيه أشعار بسبب ذلك. صحب الشيخ الحافظ أبا طاهر أحمد بن محمد السِّلفي، وانتفع بصحبته، وله فيه غرر المدائح، وقد تضمنها ديوان. وكان كثير الحركات والأسفار، وفي آخر وقته دخل اليمن فحصَّل شيئًا كثيرًا من صاحب بلاد اليمن، فركب البحر، فانكسر المركب به، وغرق جميع ما كان معه، بجزيرة الناموس بالقرب من دَهْلَك
(3)
، وذلك يوم الجمعة خامس ذي القعدة سنة [ثلاث]
(4)
وستين وخمسمائة، فعاد إليه وهو عريان، فلما دخل عليه أنشده قصيدته التي أولها:
صَدَرْنا وقد نَادَى السَّماحُ بِنَا رِدُوا
…
فَعُدْنَا إلى مَغْناكَ والعَوْدُ أحْمَدُ
وهي من القصائد المختارة، ولو لم يكن فيها سوى هذا البيت لكفاه. ومحاسنه نادرة، وكانت ولادته بإسكندرية يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في ثالث شوال من هذه السنة بعيذاب.
وله في جارية سوداء، وهو معنى غريب:
(1)
انظر: مرآة الزمان، جـ 8، ص 183.
(2)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 5، ص 385 - 389.
(3)
دَهْلَك: وهي جزيرة في بحر اليمن ومرسى بين بلاد اليمن والحبشة. معجم البلدان جـ 2، ص 634.
(4)
"ست وستين" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، جـ 5، ص 386.
رُبَّ سَوْداءَ وهي بيضاءُ مَعْنى
…
نافَسَ المسكَ عندها الكافُورُ
مثل حَبِّ العُيونِ يَحْسَبُه النا
…
سُ سَوادًا، وإنما هُو نُورُ
وقَلاقِس: جمع قُلقاس "بضم القاف"
(1)
، وهو معروف.
وعَيْذاب: بليدة على شاطئ بحر جدة، تعدى منها المراكب المصرية المتوجهة إلى الحجاز، على طريق في ليلة واحدة في غالب الأوقات، فتصل إلى جُدَّة، ومنها إلى مكة مسافة يوم [واحد]
(2)
. وجُدّةُ قبر أم البشر حواء عليها السلام، على ما يقال، وقبرها ظاهر هناك يزار، كذا قال ابن خلكان رحمه الله.
عبد الله بن أحمد بن الحسين بن إسحق أبو محمد الحميري
(3)
؛ ويعرف بابن [النقار
(4)
] الكاتب، ولد بطرابلس سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ونشأ بها، وقرأ الأدب. ولما استولى الفرنج عليها انتقل إلى دمشق، وكان شاعرًا فاضلًا، وله شعر رقيق، ومعنى دقيق، ومنه هذه الأبيات:
اللهُ يعلمُ أنّني ما خِلْتُه
…
يَصْبُو إلى الهِجرانِ [حين
(5)
] وصَلْتُه
مَنْ مُنْصِفي مِن ظَالمٍ مُتَعَنِّتٍ
(6)
…
يزدَادُ ظُلما كُلَّما حَكّمْتُه
مَلَّكتُهُ رُوحي ليحفَظَ مُلْكَه
…
فأضَاعَني وأضاعَ ما مَلّكْتُه
لا ذَنبَ لي إلا هَواهُ لأنّه
…
لما دَعاني للسّقَامِ أَجَبْتُه
أَحْبابَنا أنفقْتُ عُمْرِى عِندكُمْ
…
فمتَى أعَوِّضُ بعضَ ما أنفَقْتُه
وبمَنْ أعوذُ إلى سِواكُمْ قَاصِدًا
…
والقلبُ في عَرصَاتِكُم خَلَّفْتُه
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(2)
ما بين الحاصرتين مثبت من نسخة ب.
(3)
كذا في الأصل، والنجوم الزاهرة، جـ 6، ص 65؛ ومرآة الزمان، جـ 8، ص 180. و"الحميدي" في تهذيب تاريخ ابن عساكر، ص 277.
(4)
"ابن البقار" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الخريدة، شعراء الشام، جـ 1، ص 314؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 180؛ الأعلام، جـ 4، ص 191، ط 2، 1959؛ النجوم الزاهرة، جـ 6، ص 65.
(5)
"يوم" في نسخة أ، "منذ" في نسخة ب، والمثبت بين الحاصرتين من الخريدة، شعراء الشام، جـ 1، ص 314؛ النجوم الزاهرة، جـ 6، ص 65.
(6)
"مُتَعتَّبٍ" في الخريدة، شعراء الشام، جـ 1، ص 315.
ولِمَن ألُومُ على الهَوَى وأنا الذي
…
قُدتُ الفؤادَ إلى الغرام وسُقْتُه
قد كنتُ أعْذِلُ
(1)
كلَّ صَبٍّ في الهَوَى
…
وألومُه في العِشْقِ حتى ذُقْتُه
مالي سوى قَلْبي وفيكَ أَذَبْتُه
…
مالى سِوَى دَمْعِي وفِيكَ سَكَبْتُه
أبكي إذا جَنّ الظلامُ تَشَوقًا
…
من طُولِ لَيْلٍ في هواكَ سَهِرْتُه
وأنُوحُ إن نَاحَ الحمامُ ضُحًى علَى
…
إلْفٍ فقدتُ الصبرَ حينَ فَقَدتُه
ما كنتُ أعرفُ مَا الغَرامُ ولَا الأَسَى
…
والشوقُ والتبريحُ حتى ذُقْتُه
(2)
عَرقَلَةُ الشَّاعِرُ
(3)
؛ واسمه حَسَّان بن نمير البدوي؛ الشاعر الحلبيّ، من حاضرة دمشق، وكان شيخًا خليعا أعور، مطبوعا كَيسا لطيفا ظريفا منادما. وله في صلاح الدين قصائد كثيرة، وتوفي في هذه السنة، وقيل إن وفاته تأخرت، حتى أخذ صلاح الدين دمشق، وله ديوان مشهور، ومن شعره:
عِنْدِي إليكم مِنَ الأَشْواقِ والبُرَحَا
…
ما صيَّر الجسْمَ من بعْد الضنا شَبَحَا
أحبَابَنا لا تَظُنُّوني سَلَوْتُكُمُ
…
الحالُ بالحالِ والتَّبْرِيحُ ما بَرِحَا
لو كان يَسْبَحُ صَبٌّ في مَدَامِعِهِ
…
لكُنتُ أوَّلَ
(4)
مَن في دَمْعِه سَبَحَا
أو كُنتُ أعْلَمُ أنّ البيْنَ يَقْتُلُني
…
ما حُلْتُ عنْكُم ولكنْ فَاتَ "ما"
(5)
ذَبحَا
وقال:
كَتمَ الهَوى فوشَتْ عليه دُمُوعُه
…
من حَرِّ جَمْرٍ تَحْتَويه ضُلُوعُهُ
صَبٌّ تشاغَلَ بالحبيبِ وزَهْرِه
…
[زمنًا]
(6)
وفي وجْه الحبِيبِ رَبيعُه
يا لَائِمِي فِيمَن تَمَنَّعَ وصْلُه
…
عن بُغيتي أحْلَى الهَوى مَمْنُوعُه
(1)
"أعدك" في نسخة ب.
(2)
انظر: مرآة الزمان، جـ 8، ص 180 - 181.
(3)
انظر ترجمته في الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ 1، ص 178؛ شذرات الذهب، جـ 4، ص 220.
(4)
"أولى" في نسخة ب.
(5)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(6)
"قوم" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من النجوم الزاهرة، جـ 6، ص 64، وهو ما يتفق مع السياق.
كيف التخلُّصُ إنْ تَجَنَّى أو [جَنَى]
(1)
…
والحسْنُ شيءٌ ما يُردُّ شَفِيعُه
شمسٌ ولكنْ في فؤادِي حَرُّها
…
بدرٌ ولكِنْ في القلوبِ طُلُوعُه
قال العواذِلُ ما الذي استَحْسنتُه
…
منه وما [يسبيك]
(2)
قلتُ جميعُه
ابن مَرْدَنِيش؛
(3)
هو الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد، المعروف بابن مردنيش، صاحب شرق الأندلس، مُرْسِيَّةُ
(4)
وما يضاف إليها. توفي في هذه السنة، وسبب موته أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب، دخل إلى جزيرة الأندلس؛ لكشف مصالح دولته، وتفقد أحوالها، وذلك في سنة ست وستين وخمسمائة، وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب والموحدين، فنزل بإشبيلية
(5)
، فخافه الأمير أبو عبد الله المذكور، وحمل على قلبه، فمرض مرضًا شديدًا، ومات في التاسع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وخمسمائة بإشبيلية.
وقيل أن أمُّهُ سَمَّتْهُ، لأنه كان قد أساء العشرة مع أهله [وأصحابه]
(6)
وخواصه وكبراء دولته، فنصحته وأغلظت عليه في القول، وتهدَّدَها. فخافت بطشته، فعملت عليه وقتلته بالسُّم. "ومولده"
(7)
في سنة ثماني عشرة وخمسمائة، في قلعة من أعمال طرطوشة
(8)
، يقال لها بُنُشْكُلَة، وهي من الحصون المنيعة.
ولما مات محمد بن سعد جاء أولاده، وقيل إخوته، إلى الأمير يوسف بن عبد المؤمن، وهو بإشبيلية، فسلّموا إليه جميع بلاد شرق
(9)
الأندلس التي كانت لأبيهم، وقيل لأخيهم، فأحسن إليهم الأمير يوسف وتزوج أختهم، وأصبحوا عنده في أعز مكان.
(1)
"يحى" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من النجوم الزاهرة، جـ 6، ص 65.
(2)
"يشينك" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ 1، ص 183؛ النجوم الزاهرة، جـ 6، ص 65.
(3)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 7، ص 131 - 133.
(4)
مُرْسِيَة: مدينة بالأندلس من أعمال تُدْمير. معجم البلدان، جـ 4، ص 497.
(5)
إشْبيلية، بالكسر ثم السكون وكسر الباء الموحدة وياء ساكنة ولام وياء خفيفة، مدينة عظيمة بالأندلس. معجم البلدان، جـ 1، ص 375.
(6)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أ، ومثبت من نسخة ب.
(7)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(8)
طرطوشة: مدينة بالأندلس تتصل بكور بلنسية وهي شرقي بلنسية وقرطبة. معجم البلدان، جـ 3، ص 539.
(9)
تقديم وتأخير في نسخة ب.
ومَرْدَنِيْش
(1)
: بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة، وهو بلغة الإفرنج
(2)
اسم العَذِرَة.
وبُنُشْكُلَة: بضم الباء الموحدة والنون وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وفتح اللام وفي آخره هاء.
ناصر الجوني
(3)
؛ كان متصوفًا، وكان يمشي في طلب الحديث حافيا، وتوفي ببغداد في هذه السنة رحمه الله.
(1)
لمعرفة المزيد من التفاصيل عن ابن مردنيش انظر المقري: نفح الطيب، جـ 6، ص 113.
(2)
"الفرنج" في نسخة ب.
(3)
انظر ترجمته في البداية والنهاية، جـ 12، ص 289.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة والستين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة المستضيء بأمر الله العباسي، وإليه الأمر والنهي. وصاحب مصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. وسُلطان الشام وحلب وغيرهما الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكى. وسلطان الروم عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان السلجوقي. وسلطان المغرب يوسف بن عبد المؤمن. وسلطان خوارزم أرسلان شاه، ولكنه مات في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله. وسلطان همدان وغيرها أتابك شمس الدين أيلدكز، ولكنه مات في هذه السنة على ما نذكره. وصاحب اليمن عبد النبى. وصاحب الموصل وغيرها سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود بن أخي نور الدين. وصاحب تبريز فلك الدين بن آقسنقر الأحمديلى. وصاحب نيسابور المؤيد أيابا
(1)
. وصاحب خوزستان شملة التركمانى. وصاحب خلاط شاه أَرْمن. وصاحب غزنة شهاب الدين الغُورى.
ذكر مَاجريات نور الدين
منها أن نور الدين برز إلى الإفرنج، وكانوا قد اجتمعوا بالشام؛ لقصد مدينة زُرع
(2)
، فوصلوا إلى [سَمكين]
(3)
، فهربوا من نور الدين إلى الغَور
(4)
، ثم إلى السَّواد
(5)
، ثم إلى [الشلالة]
(6)
، فبعث نور الدين سرية إلى طبرية
(7)
، فعاثوا هنالك، وسبوا وقتلوا وغنموا وعادوا. ورجعت الفرنج خائبين
(8)
.
* يوافق أولها 23 أغسطس 1172 م.
(1)
يرسم الاسم أيابه أو أيابا أو أى به.
(2)
زُرع: تدعى قديما "زُرًّا" من أعمال حوران. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 921.
(3)
"سمسكين" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 528. وهي ناحية من أعمال دمشق من جهة حوران. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 140 - 141.
(4)
الغور: المنخفض من الأرض، معجم البلدان، ج 3، ص 821.
(5)
السواد قرب البلقاء، وسميت بذلك لسواد حجارتها. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 174.
(6)
ذكرها العيني برسمين "السلالة"، "انشلالة". والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 528؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 227؛ البداية والنهاية، ج 12، 289.
(7)
طبرية: بليدة مطلة على البحيرة المعروفة ببحيرة طبرية من أعمال الأردن. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 509.
(8)
ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 528؛ الكامل، ج 10، ص 45.
ومنها أن نور الدين فتح في هذه السنة مرعش في ذي القعدة، وأخذ بَهَسْنَى في ذى الحجة منها.
ومنها أن كلب الروم
(1)
اللعين خرج في جنوده الشياطين، فقصد الغارة على ناحية زُرَّا من حوران، ونزلوا بقرية تعرف [بسمكين]
(2)
. فركب نور الدين وهو نازل بالكسوة
(3)
إليهم، فلما عرفوا وصوله، رحلوا إلى الفوار ثم إلى السواد، ثم نزلوا بالشلالة
(4)
، ونزل نور الدين عشترا
(5)
، فأنفذ سرية إلى أعمال طبرية، واغتنموا خُلُوّها، فلما عادت لحقها الفرنج عند المخاضة، فوقف الشجعان حتي عبرت السرية، ورحل نور الدين من عشترا فنزل بظاهر زُرَّا.
قال العماد: وكنت راكبًا في لقائهم مع الملك العادل وهو يقول لي: كيف تصف ما جرى، فمدحته بقصيدة
(6)
منها:
عُقِدَتْ بنَصركَ رَايةُ الإيمانِ
…
وبَدَت لعَصرِكَ آيةُ الإحسَانِ
يا غالب الغُلب المُلوكِ وصَائدَ الصِّـ
…
ـــيدِ اللُّيُوثِ وفارسَ الفُرسَانِ
يا سَالِبَ التّيجان من أربَابِها
…
حُزتَ الفَخَارَ علَى ذَوِى التّيجانِ
محمودٌ المحمودُ ما بينَ الوَرَى
…
في كلٍّ إقليمٍ بكلِّ لسانِ
يا واحدًا في الفضلٍ غير مُشَارَكٍ
…
أقسَمتُ مالَك في البَسيطَةِ
(7)
ثان
ومنها:
وجَلَوت نُورَ الدّينِ ظُلمَةَ ظُلمِهم
(8)
…
لما أَتَيتَ بوَاضِح البُرهَانِ
وهَزَمتَهُم بالرأي قبل لِقائِهم
…
والرأىُ قبلَ شَجاعَةِ الشُّجعَانِ
أصبحتَ للإسلامِ رُكنا ثابتًا
…
والكُفرُ منك مضَعضَعُ الأركَانِ
(1)
يقصد بذلك امبراطور الروم Manuel Comenus الذي حكم بين سنتي 1143 - 1180 م / 538 - 576 هـ.
(2)
"بسمسكين" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين.
(3)
الكسوة؛ أول منزل تنزله القوافل التي تخرج من دمشق في اتجاه مصر، انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 275.
(4)
"الشلالة" الروضتين ج 1 ق 2، ص 528.
(5)
عشترا، موضع بحران من أعمال دمشق. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 679.
(6)
وردت هذه القصيدة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 529 - 530. وقد وردت بعض أبياتها في مفرج الكروب، ج 1، ص 227 - 228.
(7)
"من ثاني" في نسخة ب وهو خطأ.
(8)
"كفرهم" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 529.
وهي قصيدة طويلة، مدح فيها أمراءه الحاضرين الجهاد معه
(1)
ومدحه.
ومنها أن نور الدين سار قاصدًا جانب الشمال، فسار إلى بعلبك، ومنها إلى حمص، ثم حلب، وفعل في كلٍّ منها من المصالح ما وجب، وقصد بلاد قليج أرسلان ملك الروم، وكان العماد معه، ووصل إلى مرعش، وكان الزمان في أطيب فصوله، وهو زمن المشمش. وكتب العماد إلى صديق له بدمشق:
كتَابي فَديتُكَ، من مَرعَش
…
وخوفُ نوَائِبها مُرعِشِى
وما مَرَّ في طُرقها مُبصرٌ
(2)
…
صحيحُ النواظر إلَّا عشي
(3)
وما حَلّ في أرضِها آمنٌ
…
من الضُّرِّ والضِّيَّم إلَّا خَشِى
تُرَنِّحُنى نشوات الغرام
…
كأنِّي
(4)
من كأسه مُنتَشى
أُسرُّ وأُعلِنُ برحَ الجَوَى
…
فَقَلبي يُسرُّ ودمعي يَشِى
بذلتُ لكُم مُهجَتي رِشوةُ
…
فَحَاكِمُ حُبِّكُم مُرتَشي
وَكَيفَ يَلَذُّ الكَرَى مُغرمٌ
…
بِنَارِ الغَرامِ حَشَاهُ حُشِى
بمَرعش أبغى
(5)
وبَلُّوطِها
…
مضاهاة جِلَّقَ والمِشمِشِ
قال العماد في الخريدة: فسارت هذه القطعة، ونُمي حديثها إلى نور الدين، فاستنشدنيها، فأنشدتها إياه، ونحن سائرون في وادٍ كثير الأشجار، مع بيتين بدهت بهما
(6)
في الحال، [وهما]
(7)
:
وبالمَلِكِ العادلِ استأنستُ
…
نجاحًا مُنَي كُلِّ مستَوحِشِ
وما فِي الأنَامِ كريمٌ سِوَاه
…
فإن كُنتَ تنكِر ذا [فتِّشِ]
(8)
(1)
"معهم" في نسخة ب.
(2)
"مُنصر" في نسخة ب.
(3)
"غشى" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 543.
(4)
"كأنني" في نسخة ب، وهو خطأ إذ يخل بوزن البيت.
(5)
"أبقى" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 543.
(6)
"بدهتهما" في نسخة ب.
(7)
ما بين الحاصرتين مثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 543، وذلك لاستقامة النص.
(8)
"ففتش" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 543.
قال ابن الأثير
(1)
: وفي سنة ثمان وستين سار نور الدين نحو ولاية الملك عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان السلجوقي، وهي ملطية
(2)
، وسيواس
(3)
، وقونية
(4)
، وأقصرا
(5)
، عازما على حربه، وأخذ بلاده منه. وكان سبب ذلك أن ذا النون
(6)
بن دانشمند صاحب ملطية وسيواس وغيرهما من تلك البلاد، قصده قليج أرسلان، وأخذ بلاده، وأخرجه عنها طريدا فريدا، فسار إلى نور الدين مستجيرًا به، وملتجئا إلى ظله، فأكرم نزله، وأحسن إليه، وحمل له ما يليق أن يحمل للملوك
(7)
، ووعده النصرة والسعى في رد ملكه إليه
(8)
. وأرسل [ذو النون]
(9)
إلى قليج أرسلان، وشفع إليه في إعادة ما غلبه عليه من بلاده، فلم يجبه إلى ذلك، فسار نور الدين نحوه، فابتدأ بكيسون، وبهسنى، ومرعش، ومرزبان، فملكها وما بينها من الحصون
(10)
، وسير طائفة من عسكره إلى سيواس فملكوها. وكان قليج أرسلان لما بلغه قصد نور الدين بلاده قد سار من "أطرافها"
(11)
التي تلي الشام إلى وسطها؛ خوفا وجزعًا، وراسل نور الدين يستعطفه ويسأله الصلح والصفح عنه، فأجابه إلى الصلح
(12)
، وكان في جملة رسالة نور الدين إليه: إنني أريد منك أمورا وقواعد، ومهما تركت منها فلا أترك ثلاثة أشياء:
(1)
الكامل، ج 10، ص 48 - 49.
(2)
ملطية: ثغر من ثغور الجزيرة مما يلي الروم، وهي مدينة كبيرة من أكبر الثغور، وبين ملطيه ومنبج أربعة أيام، انظر: الاصطخري: المسالك والممالك، ص 43 - 48.
(3)
سيواس: بلد بالروم، إحدى بلاد آسيا الصغرى وتقع على مسافة 60 ميلا من قيسارية. انظر: ابن عبد الحق: مراصد الاطلاع، ج 2، ص 768.
(4)
قونية: من أعظم مدن الإسلام بالروم: معجم البلدان، ج 4، ص 204.
(5)
أقصرا: يطلق عليها الآن أق سراي وهي قرب قونية. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 204 "داخل مادة قونية"؛ انظر: السلوك ج 1 ق 1، ص 139 حاشية 4.
(6)
أمير تركي كون لنفسه إمارة مستقلة عن السلاجقة في مدن ملطية وسيواس وقيسارية أثناء تقدم السلاجقة نحو آسيا الصغرى، وقد حكم ذو النون في مناسبتين أولاهما بين سنتي 537 - 550 هـ/ 1142 - 1155 م، وثانيهما بين سنتي 564، 599 هـ /1199 - 1174 م. انظر: معجم الأنساب، ج 1، ص 220 - 221.
(7)
"إلى الملوك" في الباهر، ص 160.
(8)
ورد هذا النص في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 543 - 544، الباهر، ص 160.
(9)
ما بين الحاصرتين إضافة من الباهر، ص 160.
(10)
الكامل، ج 10، ص 48 - 49؛ كما ورد النص بتصرف في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 544.
(11)
"طرقها" في الكامل، ج 10، ص 49.
(12)
وردت الرواية في الباهر بتصرف، ص 160.
أحدها: أن تجدد إسلامك على يد رسولى؛ حتى يحل لى إقرارك على بلاد الإسلام، فإنى
(1)
لا أعتقدك مؤمنا، وكان قليج أرسلان يتهم باعتقاد مذاهب
(2)
الفلاسفة.
والثانى: إذا طلبت عسكرك إلى الغزاة
(3)
تسيره، فإنك قد ملكت طرفا كبيرا من بلاد الإسلام، وتركت الروم وجهادهم، وهادنتهم، فإما أن تكون
(4)
تنجدني بعسكرك؛ لأقاتل بهم الفرنج، وإما أن تجاهد من يجاورك من الروم، وتبذل الوسع والجهد في جهادهم.
والثالث: أن تزوج ابنتك لسيف الدين غازي ابن
(5)
أخي، وذكر أمورًا غيرها. فلما سمع قليج أرسلان الرسالة قال: ما قصد نور الدين إلا الشناعة على بالزندقة
(6)
، وقد أجبته إلى ما طلب، أن أجدد إسلامي على يد رسوله.
واستقر الصلح، وعاد نور الدين، وترك عسكره في سيواس مع فخر الدين عبد المسيح في خدمة ذي النون، فبقى العسكر بها إلى أن مات نور الدين، فرحل العسكر عنها، وعاد قليج أرسلان وملكها
(7)
.
ومنها أن مليح بن لاون
(8)
مقدم بلاد الأرمن التجأ إلى نور الدين، وتقوي به على الروم والأرمن. وكانت الدروب أذنة
(9)
والمصيصة
(10)
، وكان كلب الروم يحمي سيواس ويضبطها بجنده، حتى استولى عليها مليح بن لاون، فكسرهم وقتل وأسر، وساق لنور الدين من مقدمي الروم ثلاثين أسيرًا، فأرسل نور الدين القاضي كمال الدين بن الشهرزوري
(11)
بالأسرى والهدايا إلى الخليفة المستضيء بأمر الله، ومعه كتاب يشرح هذه الكسرة وما فتح من البلاد.
(1)
"فإنني" في الباهر، ص 160؛ وفي الروضتين:"إنني"، ج 1 ق 2، ص 544.
(2)
"مذهب" في الباهر، ص 160، وفي الروضتين "مذاهب" ج 1 ق 2، ص 544 وهي الأصح.
(3)
"للغزاة" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 544.
(4)
تكون هنا زائدة، وتجعل النص مضطربًا، وقد تركناها حفاظًا على النص.
(5)
"ولد" في الباهر، ص 161.
(6)
"الزندقية" في نسخة ب.
(7)
ورد هذا النص في: الباهر، ص 160 - 161، ثم توقف العينى عن النقل من ابن الأثير وأخذ ينقل من البرق الشامي للعماد الأصفهاني دون ذكر اسمه.
(8)
"إليون" في نسخة ب.
(9)
أذّنة: بلد من الثغور قرب المصّيصة. معجم البلدان، ج 1، ص 179 - 180.
(10)
المصّيصة: هي مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس. معجم البلدان، ج 3، ص 557 - 558.
(11)
هو أبو الفضل محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري. المتوفي سنة 572 هـ/1176 م بدمشق. انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج 4، ص 241 - 245.
ومنها أنه وصل شهاب الدين بن أبي عصرون
(1)
بغداد، ومعه توقيع لنور الدين بدرب هارون
(2)
، وصُريفين
(3)
، وخمسين دينارا من دنانير النثار، التي نثرت يوم دخل الشهاب إلى بغداد بالبشارة بالخطبة في مصر، وزن كل دينار عشرة دنانير.
قال العماد
(4)
: وكانت ناحيتا درب هرون وصريفين من أعمال العراق لزنكي -والد نور الدين- قديما من إنعام أمير المؤمنين، فسأل نور الدين إحياء ذلك الرسم في حقه، فأنعم بهما الخليفة عليه، ووجه بهما. وكان مراده رحمه الله أن يستوهب ببغداد على شاطئ دجلة أرضا، يبنى عليها مدرسة للشافعية، ويقف عليها الناحيتين، فعاقه أمر القدر عن قدرته على الأمر.
ومنها أن نور الدين أرسل إلى صلاح الدين الموفق خالد بن القيسراني؛ ليقيم له حساب الديار المصرية؛ وذلك لأنه استقل الهدية التي أرسل بها إليه من خزائن العاضد، ومقصوده أن يقرر له على الديار المصرية خراج، يحمل إليه كل سنة.
ذكر ماجريات صلاح الدين
منها أن صلاح الدين بعث إلى نور الدين هدية، فيها
(5)
فيل وحمار عتابي
(6)
، فبعث بها نور الدين إلى بغداد، وخرج الناس للقائها، وعجبوا من خلقة الحمار.
وقال العماد: خرج صلاح الدين في النصف من شوال، ومعه الفيل والحمارة العتابية، والذخائر النفيسة التي كان انتخبها من خزائن القصر. قال: ووصل ذلك إلينا
(1)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج 3، ص 53 - 57.
(2)
درب هارون: من أعمال بغداد.
(3)
صَرِيفون أو صريفين. من أعمال بغداد على ضفة نهر دُجَيل. وهي قرية كبيرة غناء، انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 384 - 387. وقد ورد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 549 أن درب هارون وصريفين من أعمال بغداد. انظر حاشية (1).
(4)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من ابن أبي طى دون أن يذكر اسم المرجع
…
وقد ذكر هذا في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 549.
(5)
"منها" في نسخة ب.
(6)
حمار عتابي، واحدة من حمر الوحش المخطط، والعتابي نسبة إلى العتابين وهي أحد محال بغداد واشتهرت بإنتاج نوع من النسيج المخطط، ومن ثم وصف هذا النوع من الحمير بأنه عتابي تشبها له بهذا النسيج. راجع Dozy: Supp. Dict. Ar، vol. 1، p. 321.
ونحن بحلب بالميدان الأخضر، وأهدى نور الدين الفيل إلى ابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل، مع شيء من تحف الثياب والعود والعنبر، ثم سَيِّره سيف
(1)
الدين هدية إلى بغداد للخليفة مع ما سيره معه من التحف اللطيفة، وسير نور الدين الحمارة إلى بغداد مع هدايا وتحف سنايا.
ومنها أن صلاح الدين نزل في هذه السنة على الكرك والشوبك وغيرهما من الحصون، فبرح بها، وفرق عنها عُربها، وخرب عمارتها، وبعث سراياه على أعمالها
(2)
، وأرسل كتابا بذلك إلى نور الدين.
وقال ابن الأثير وابن شداد: هذه أول غزوة غزاها صلاح الدين من الديار المصرية، وإنما بدأ ببلاد الكرك والشوبك
(3)
؛ لأنها كانت أقرب إليه، وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية، فخرج صلاح الدين في أثناء السنة، فحاصرها، وجرى بينه وبين الفرنج وقعات
(4)
، وعاد عنها، فلم يظفر منها بشيء في تلك الدفعة، وحصل ثواب القصد.
وفي المرآة
(5)
: وفي هذه السنة سار نور الدين إلى الموصل، وصلى في الجامع الذي بناه وسط البلد، وتصدق بمال عظيم.
ولما علم صلاح الدين أن نور الدين قد توجه إلى الموصل، خرج بعساكره [ومضى إلى الشام]
(6)
، فحصر الكرك والشوبك، ونهب أعمالها، وكانت جماعة من العرب نازلين بأرض الكرك؛ ينقلون الأخبار إلى الإفرنج، وإذا غاروا على البلاد دلوهم على المسلمين، فنهبهم صلاح الدين، وقتل البعض، وأجلى من بقي منهم عن أرض الكرك، وكتب كتابا إلى نور الدين؛ يخبره بما جرى من العربان، وأنه لم
(7)
يبق منهم أحد، فإنهم كانوا
(1)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 526 حيث ينقل العيني قول العماد عنه. أما في سنا البرق الشامي، ص 65 فقد ذكر البندارى أنه "نور الدين".
(2)
أورد ابن واصل هذه الرواية بتصرف، انظر: مفرج الكروب، ج 1، ص 224.
(3)
انظر: النوادر السلطانية، ص 45؛ الكامل، ج 10، ص 49.
(4)
"وجرى بينه وبين صلاح الدين الفرنج وقعات" كذا في نسخة ب وهو خطأ.
(5)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 183.
(6)
ما بين الحاصرتين إضافة من مرآة الزمان، ج 8، ص 183.
(7)
"وان لا يبقى" في المرآة، ج 8، ص 183.
آفة على المسلمين، ودليلا للكفار على الإسلام. ثم عاد صلاح الدين إلى مصر، وعاد نور الدين من الموصل، وقطع الفرات، وقصد بلاد الروم، وقد ذكرناه
(1)
.
ومنها أن في جمادى الأولى غزا توران شاه شمس الدولة بن أيوب -أخو صلاح الدين- بلاد النوبة، بأمر صلاح الدين، وفتح حصنا لهم يقال له إبريم
(2)
، وهي بلاد عديمة الجدوى، كثيرة البلوي، ثم جمع السبي، وعاد به إلى أسوان، وفرق على أصحابه من الغنائم السودان.
وقال ابن أبي طى الحلبى
(3)
: وفي هذه السنة اجتمع السودان والعبيد من بلاد النوبة، وخرجوا في أمم عظيمة؛ قاصدين ملك بلاد مصر، وساروا إلى أعمال الصعيد، وصمموا على قصد أسوان، وحصارها، ونهب قراها. وكان بها الأمير كنز الدولة
(4)
، فأنفذ يعلم الملك الناصر صلاح الدين، وطلب منه نجدة، فأنفذ قطعة من جيشه مع الشجاع البعلبكي، فلما وصل إلى أسوان، وجد العبيد قد عادوا عنها بعد أن أخربوا أرضها، فأتبعهم الشجاع وكنز الدولة، فجرت حرب عظيمة؛ قتل فيها من الفريقين عالم عظيم، ورجع الشجاع إلى القاهرة، وأخبر بفعال العبيد، وتمكنهم من بلاد الصعيد، فأنفذ صلاح الدين أخاه شمس الدولة في عسكر كثيف، فوجدهم قد دخلوا بلاد النوبة، فسار قاصدًا بلادهم، وشحن مراكب كثيرة في البحر بالرجال والميرة، وأمرها بلحاقه إلى بلاد النوبة
(5)
، وسار إليها، ونزل على قلعة إبريم، وافتتحها بعد ثلاثة أيام، وغنم جميع ما فيها من المال والكراع
(6)
والميرة، وخلص جماعة من الأسرى، وأسر من وجده فيها،
(1)
نقل العينى هذا النص بتصرف من مرآه الزمان، ج 8، ص 184.
(2)
إبريم: بلدة قديمة تقع على الضفة الشرقية للنيل في منطقة النوبة المصرية التي عرفت في العصر الروماني باسم Nabatia ، وفي المراجع العربية القديمة باسم مريس. انظر: الإسلام والنوبة في العصور الوسطى، للدكتور مصطفي مسعد، ص 27، ص 93، ص 96.
(3)
انظر، الروضتين، ج 1 ق 2، ص 531.
(4)
كنز الدولة، لقب منح لأول مرة أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي الأمير أسوان أبي المكارم هبة الله بعد انتصاره على ثورة أبي ركوة وأصبح هذا اللقب وراثيا في أسرة أبي المكارم بعد اندماجها مع النوبيين. انظر: مفرج الكروب، ج 2، ص 16 حاشية 2.
(5)
بلاد النوبة: بلاد واسعة عريضة في جنوبي مصر بعد أسوان، واسم مدينة النوبة دمقلة ودنقلة ودنكلة، وهي منزل الملك، على ساحل النيل، وأهلها نصارى أهل شدة في العيش. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 820 - 821؛ ج 2، ص 599، 611؛ مراصد الاطلاع، ج 2، ص 1394.
(6)
الكراع: لغة طرف الشيء؛ وكراع الأرض طرفها البعيد، والكراع هنا ذخيرة الحرب من الأطعمة والمؤنة، انظر: السلوك، ج 1 ق 2، ص 374، ص 620 حاشية 3.
وهرب صاحبها
(1)
، وكتب إلى صلاح الدين بذلك، ثم رجع شمس الدولة إلى أسوان ثم إلى قوص
(2)
. وكان في صحبته أمير يقال له إبراهيم الكردي، فطلب من شمس الدولة قلعة إبريم، فأقطعه إياها، وأنفذ معه جماعة من الأكراد البطالين
(3)
، فلما حصلوا فيها، تفرقوا فرقا، وكانوا يشنون الغارة على بلاد النوبة حتى برَّحوا بهم، واكتسبوا أموالا عظيمة، وكثرت مواشيهم، واتفق أنهم عدوا إلى جزيرة من بلاد النوبة، تعرف بجزيرة دندان، فغرق أميرهم إبراهيم وجماعة من أصحابه، ورجع من بقي منهم إلى قلعة إبريم، وأخذوا جميع ما كان فيها، وأخلوها بعد مقامهم بها سنتين، فعاد النوبة إليها وملكوها. وأنفذ ملك النوبة رسولا إلى شمس الدولة، وهو مقيم بقوص، ومعه كتاب فيه طلب الصلح، ومع الرسول هدية عبد وجارية، فكتب له
(4)
جواب كتابه، وأعطاه زوجي نشاب
(5)
، وقال مالك عندي جواب إلا هذا، وجهز معه رسولا يعرف بمسعود الحلبي، وأوصاه أن يكشف له خبر البلاد ليدخلها، فسار الحلبي مع الرسول حتى وصل دنقلة، وهي مدينة الملك.
قال مسعود: فوجدت بلادًا ضيقة، ليس لهم زرع إلا الذرة، وعندهم نخل صغار، منه إدامهم، ووصف ملكهم بأوصاف منها أن قال: خرج علينا يومًا وهو عريان، قد ركب فرسًا عريًا، وقد التف في ثوب أطلس، وهو أقرع ليس على رأسه شعر. قال: فأتيت فسلمت عليه، فضحك، وأمر بي أن تكوي يدى، فكوى عليها هيئة صليب، وأمر لى بقدر خمسين رطلا من الدقيق، فصرفني
(6)
.
(1)
انظر: الروضتين: ج 1 ق 2، ص 532.
(2)
قوص: من المدن القديمة بصعيد مصر من الجهة الشرقية من النيل، انظر: رمزي، القاموس الجغرافي، ق 2 ج 4، ص 187 - 189.
(3)
البطالون من الأجناد والأمراء هم العاطلون من إقطاعات الدولة ووظائفها لكبر السن أو لغضب السلطان أو لغير ذلك. انظر: السلوك، ج 1، ص 73، حاشية 4.
(4)
"له" في نسخة ب.
(5)
نشاب: هي النبل أو السهام وواحدته نشابة. والنَّشَّابة قوم يرمون بالنشاب. وقد ذكر الحسين بن عبد الله في آثار الأول وأخبار الدول، صفحة 160 أنواع النشاب وما يمتاز به كل نوع على الآخر. والنشاب صحيحة الاعتدال والاستداره. انظر: النوادر السلطانية، ص 63، حاشية 1.
(6)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من الروضتين ج 1 ق 2، ص 533.
ومنها أن صلاح الدين رحمه الله بعث سرية صحبة قراقوش
(1)
-مملوك تقى الدين عمر بن شاهنشاه
(2)
- إلى بلاد إفريقية فملكوا طائفة كبيرة منها، فمن ذلك مدينة طرابلس المغرب وعدة مدن معها.
وفي تاريخ الدولتين
(3)
: كان مع قراقوش طائفة من الترك، وجماعة من العرب، فاستولوا على طرابلس، وكثير من بلاد إفريقية ما خلا المهدية
(4)
، وسفاقس
(5)
، وقفصة
(6)
وتونس.
ذكر الأمور المزعجة
منها أن في صفر زاد الإرجاف ببغداد بمجيء العسكر من باب همدان، فغلت الأسعار، وأخذ الخليفة في التجنيد، وعمارة السور، وجمع الغلات، وعرض العسكر
(7)
.
ومنها أنه وقع حريق ببغداد، وتغير ماء دجلة باصفرار، وثخن الماء، فبقى على هذا مدة
(8)
.
ومنها أنه في شعبان مرت ريح سوداء أظلمت منها الدنيا.
(1)
قراقوش التقوى: هو غلام تقي الدين عمر بن شاهنشاه، وهو غير بهاء الدين قراقوش الأسدي. وقد قام قراقوش التقوى بعدة غزوات للمغرب تعددت في السنوات 571 هـ، 572 هـ، 575 هـ، 576 هـ، 578 هـ، 582 هـ، لأن تقي الدين عمر بن شاهنشاه فكر في الخروج بنفسه إلى المغرب أكثر من مرة لإقامة ملك له هناك. انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 548؛ مفرج الكروب، جـ 1، ص 236، حاشية 1، حاشية 4.
(2)
تقي الدين عمر: أحد أبناء البيت الأيوبي، كان طموحًا غيورًا، وقد رأي تورانشاه يستولي لنفسه على اليمن، فطمع تقي الدين في تأسيس ملك له بالمغرب، وكان صلاح الدين يريد إرضاءه، لذا منحه مدينة عزاز إقطاعًا له سنة 571/ 1175 م وجعله نائبًا عنه في مصر سنة 579 هـ/1183 م، انظر: شذرات الذهب، ج 4، ص 289 - 290؛ الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 548، حاشية 4.
(3)
انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 548.
(4)
المهدية: أنشأها عبيد الله المهدي الفاطمي بقرب القيروان لتكون عاصمة لدولته وبدأ انشاءها سنة 300 هـ/912 م وانتقل إليها 308 هـ/ 920 م. انظر: معجم البلدان ج 4، ص 693، ص 696.
(5)
سفاقس: على مقربة من المهدية وسوس وقابس على ضفة الساحل في وسط غابة للزيتون. انظر: معجم البلدان، جـ 3، ص 96.
(6)
قفصة: في طرف مقاطعة إفريقيا من ناحية المغرب في أرض سبخة، انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 151.
(7)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 548.
(8)
نقل العيني هذا الحدث بتصرف من الكامل، ج 10، ص 50.
ومنها أنه خرج ترجم الإيوانى
(1)
في جمع من التركمان في حياة أيلدكز، وتطرق إلى أعمال همدان، ونهب الدينور
(2)
، وسمع أيلدكز الخبر وهو بنقجوان
(3)
، وتبعه بمن خف من عسكره، فهرب ترجم إلى أن قارب بغداد، وهو يتبعه، وظن الخليفة أنه حيلة ليصل إلى بغداد فجأة، فشرع الخليفة في جمع العساكر وتحصين السور، وأرسل إلى أيلدكز خلعًا فأرسل إليه يعتذر، ويذكر أنه لم يقصد إلا كف هؤلاء، ولم يتعد قنطرة خانقين
(4)
، وعاد راجعا
(5)
.
ذكر بقية الحوادث
منها أن في أيام إرجاف أهل بغداد عمل الخليفة مهما عظيمًا؛ لختان أولاده السادة، وفرق خلعًا كثيرة، وعمل من الطعام ما لا يحد، فذكر أنه ذبح ثلاث آلاف دجاجة وألف رأس من الغنم، وعملت إحدى وعشرون ألف خشكنانكة
(6)
من ستين كارة من سميد
(7)
.
وفي المرآة
(8)
: ذبح من الغنم ألف رأس، وخمسمائة بقرة، وخمس آلاف دجاجة، وألف صحن حلواء، وعشرين ألف قطعة خشكنانكة
(6)
، وخلع على جميع أرباب الدولة، والقضاة، والعدول، والعلماء، والفقهاء، والصوفية، وغيرهم.
(1)
"الايوائى" في الكامل، ج 10، ص 50.
(2)
الدينور: مدينة من أعمال الجبل قرب قرميسين بينها وبين همذان نيف وعشرون فرسخًا. والفرسخ ثلاثة أميال. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 38، ج 2، ص 714.
(3)
نقجوان: بلد من نواحي أرَّان وهو نخجوان، انظر: معجم البلدان، جـ 4، ص 803.
(4)
خانقين: بلدة من نواحي السواد في طريق همذان من بغداد وبها قنطرة عظيمة على واديها. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 393.
(5)
نقل العيني هذا الخبر بتصرف من الكامل، ج 10، ص 50.
(6)
خشتنانك أو خشكنانج، كلمة من أصل فارسي وهو نوع من الطعام، عَرَّفه دوزى بأنه نوع من الفطير المصنوع من الزبد والسكر والجوز أو الفستق ويكون على هيئة الهلال. انظر: الجواليقى: المعرب، ص 134؛ الجاحظ: البخلاء، تحقيق د. طه الحاجري، ص 110، 333؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 102، حاشية 43؛ Dozy: Supp. Dict. Ar.T.1،P.373.
(7)
ورد هذا الحدث في المنتظم، ج 18، ص 199 - 200.
(8)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 183.
ومنها أنه وصل الإمام الكبير الفقيه قطب الدين النيسابوري
(1)
، وهو فقيه عصره ونسيج وحده، فسر به نور الدين، وأنزله بحلب بمدرسته بباب العراق، ثم أرسله إلى دمشق، فدرس بزاوية الجامع الغربية، المعروفة بالشيخ نصر المقدسى، ونزل بمدرسة الجاروق
(2)
، وشرع نور الدين في إنشاء مدرسة كبيرة للشافعية، فأدركه الأجل قبل ذلك
(3)
. قال أبو شامة
(4)
: هي العادلية
(5)
الكبيرة التي عمرها بعده الملك العادل أبو بكر ابن أيوب أخو صلاح الدين.
ومنها أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن
(6)
سير عساكره، وسار من إشبيلية إلى الغزو، فقصد بلاد الإفرنج، ونزل على مدينة رُندَة -وهي بالقرب من طليطلة شرقا منها- وحصرها، فاجتمعت الفرنج على ابن ألفونش -ملك طليطلة- في جمع كثير، فلم يقدموا على لقاء المسلمين، واتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين، وعدمت الأقوات عندهم، وهم في جمع كثير، فاضطروا إلى مفارقة بلاد الإفرنج، فعادوا إلى أشبيلية، وأقام أبو يعقوب بها إلى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وهو في ذلك يجهز العساكر، ويسيرها إلى بلاد الإفرنج في كل وقت. وكان فيها عدة وقائع وغزوات، وظهر فيها من العرب من الشجاعة ما لا يوصف، حتى صار الفارس منهم يبرز بين الصفين، ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج، فلا يبرز إليه أحد
(7)
.
(1)
القطب النيسابوري: هو أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود الطريثيثى، نسبة إلى طرثيث بنيسابور. ولد سنة 505 هـ/1111 م، وتوفي سنة 578 هـ/ 1112 م بدمشق، انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 196؛ الدارس، ج 1، ص 183 - 184؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 263.
(2)
مدرسة الجاروق: هي الجاروخية، وكانت داخل باب الفرج والفراديس شمال الجامع الأموي، بناها سيف الدين جاروخ التركماني. انظر: الدارس، ج 1، ص 225 وما بعدها.
(3)
انظر هذا الخبر في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 545؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 184.
(4)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 545.
(5)
المدرسة العادلية: هي المدرسة التي أنشأها العادل داخل دمشق شمالى الجامع. انظر: الدارس، ج 3، ص 159 وما بعدها، انظر أيضا: خطط الشام، ج 6، ص 85 - 86.
(6)
أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن: صاحب المغرب، دخل الأندلس سنة 566 هـ/ 1171 م، ونزل أشبيلية، وتوفى سنة 580 هـ/ 1184 م، انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 130 - 137.
(7)
ورد هذا النص بتصرف في، الكامل، ج 10، ص 47 - 48.
ومنها أن شملة التركمانى
(1)
نهب نهاوند
(2)
، وكان في أيام أيلدكز لا يزال يطلب نهاوند منه؛ لكونها مجاورة لبلاده، ويبذل له فيها الأموال، وهو لا يجيبه إلى ذلك، فلما مات أيلدكز، وملك بعده ولده محمد البهلوان
(3)
، سار إلى أذربيجان
(4)
لإصلاحها، فنَفَّذَ شملة ابن أخيه ابن سُنكاه؛ لأخذ نهاوند، وبلغ أهل البلد الخبر، فتحصنوا، وحصرهم، فقاتلهم وقاتلوه، فلما علم أنه لا طاقة له بهم، رجع إلى تُسْتر
(5)
-وهي قريبة منها- وأرسل أهل نهاوند إلى البهلوان؛ يطلبون منه نجدة، فتأخرت عنهم، ولما اطمأنوا، خرج ابن سنكاه من تستر في خمسمائة فارس، وسار يومًا وليلة، فقطع أربعين فرسخًا، حتى وصل إلى نهاوند، وضرب البوق، وأظهر أنه من أصحاب البهلوان؛ لأنه جاءهم من ناحيته، ففتح أهل البلد الأبواب، فدخلها، وقبض على القاضي والرؤساء فصلبهم ونهب البلد، وقصد نحو ما سبذان
(6)
ونحو العراق.
وفيها
(7)
…
وفيها حج بالناس
(8)
…
ذكر من توفي فيها من الأعيان
أحمد بن سالم بن أحمد أبو العباس الشحمي
(9)
؛ قرأ القرآن، وأقرأ، وصنف كتابا في المتشابه كبيرا، وسمع من المروقي وغيره، وتوفي في المحرم من هذه السنة،
(1)
شملة التركماني تملك بلاد فارس وكان يخطب للخليفة. وهو صاحب خوزستان وبنى بها عدة قصور وكانت وفاته بسبب صراعه مع شمس الدين البهلوان بن أيلدكز صاحب عراق العجم، وتوفي سنة 570 هـ/ 1174 م. انظر: الكامل، ج 10، ص 71؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 237.
(2)
نهاوند: مدينة عظيمة في قبلة همدان بينهما ثلاثة أيام. معجم البلدان، ج 4، 827 - 829.
(3)
محمد البهلوان بن أيلدكز: صاحب أذربيجان وعراق العجم. توفي سنة 581 هـ/ 1185 م، انظر: شذرات الذهب، جـ 4، ص 269؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 311.
(4)
أذربيجان: يحدها من الشرق بَرْذَعة إلى أرزنجان من الغرب ويتصل حدها من جهة الشمال ببلاد الديلم. وأشهر مدنها بلاد تبريز. معجم البلدان: ج 1، ص 171 - 174.
(5)
تُسْتَر: أعظم مدينة بخوزستان اليوم، وهو تعريب شوشتر. معجم البلدان: ج 1، ص 847 - 850.
(6)
ماسبذان: من بلاد عراق العجم أى من بلاد الجبل وهي عاصمة السيروان. انظر: تقويم البلدان، ص 414؛ انظر أيضا: معجم البلدان، ج 4، ص 393.
(7)
بياض بمقدار سطر تقريبًا.
(8)
بياض بمقدار سطر.
(9)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 201.
ودفن في مقبرة الفيل
(1)
من باب الأزج
(2)
.
أبو المعالي الكتبى
(3)
؛ كان فاضلا، يقول الشعر المليح، والنثر الجيد، وله رسائل ومدائح، وكان من الذكاء على غاية، وكان دلال الكتب "ببغداد"
(4)
، وتوفي في صفر، ودفن بباب حرب
(5)
.
وفي المرآة: أبو المعالي الكتبى الخطيري، والخطيرة بالطاء القائمة: قرية بدُخْل
(6)
. واسمه سعد بن علي بن [القسم]
(7)
بن علي، صحب أبا القاسم علي بن أفلح الشاعر
(8)
مدة، واشتغل بالأدب حتى فرغ منه، وقال الشعر، وتفقه على مذهب أبي حنيفة (رضي الله عنه) وغلبت عليه الفكرة، فأحب الخلوة، فخرج على التجريد سائحا، ورأى عجائب، وجال
(9)
في أقطار الشام وغيره، وحج، وعاد إلى بغداد، وصنف الكتب:[لمح الملح في الأدب نظمًا ونثرًا]
(10)
، و [زينة الدهر في عصرة أهل العصر]
(11)
، وغير ذلك
(12)
.
وذكره العماد في الخريدة، وسجع له، وقال: أنشدني أبياتا في وصف العذار أرق من الاعتذار، وذكر مقطعات من شعره، وكلامًا فاحشًا يدل على أنه كان خليعًا
(13)
.
(1)
مقبرة الفيل: تقع تجاه باب الخاصة، أحد أبواب بغداد. انظر: ابن الساعي: الجامع المختصر، جـ 9، ص 203.
(2)
باب الأزج: من أبواب بغداد، على شاطئ دجلة. والأزج من قرى بغداد على طريق خراسان. انظر: الباهر، ص 13؛ مراصد الاطلاع، ج 1، ص 4.
(3)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 201.
(4)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(5)
باب حرب: أحد أبواب بغداد، وينسب إلى حرب بن عبد الله أحد أصحاب أبي جعفر المنصور، وينسب إلى حرب المحلة المعروفة بالحربية، وبها قبر أحمد بن حنبل. انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 64، 65.
(6)
"دحيل" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من معجم البلدان ج 2، ص 557؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 186.
(7)
"القاسم" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من المرآة، ج 8، ص 186.
(8)
هو جمال الملك أبو القاسم علي بن أفلح العبسي الشاعر، وقد اختلف في تاريخ وفاته فابن الجوزي ذكره في وفيات سنة 533 هـ/ 1139 م؛ أما ابن خلكان فقد ذكر عدة تواريخ لوفاته هي 505 هـ/1111 م، 506 هـ/ 1112 م، 537 هـ/ 1142 م. انظر: المنتظم ج 18، ص 533؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 389، 391.
(9)
"جبال" في نسخة ب.
(10)
"لمح اللمح في الألغاز" كذا في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من البغدادي: هدية العارفين، ج 1، ص 384.
(11)
"زينة الدهر في شعر العصر" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من هدية العارفين، ج 1، ص 384.
(12)
إلى هنا توقف العيني عن النقل من المرآة، ج 8، ص 86.
(13)
انظر شعره في الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ 1، ص 88 - 89، ص 123، ج 2، ص 254، 267، ص 453؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 186.
أبو الفتح بن الربى
(1)
؛ كان متفقها على مذهب الإمام أبي حنيفة (رضي الله عنه) وكان عاملا على ديوان المقاطعات، فتوفي في غرة ذي الحجة منها، ودفن بباب أبرز
(2)
.
وقال ابن الجوزي
(3)
: وكانت له امرأة يهودية، وابن أخ مسلم، فكتب جميع ما له لليهودية، وترك ابن أخيه المسلم، فاجتلب من الناس ذمًا كثيرًا.
أرسلان شاه صاحب خوارزم
(4)
؛ مات في هذه السنة، وملك بعده ولده سلطان شاه، وكان قد عاد من قتال الخطا مريضا، فاتفقت وفاته. [ومَلَكَ بعده]
(5)
سلطان شاه محمود، وكان صغيرا، ودبرت والدته المملكة والعساكر، وكان ولده الكبير علاء الدين تكش -ابن أرسلان شاه- مقيمًا في الجند، قد أقطعه أبوه إياها، فلما بلغه موت أبيه وتولية أخيه الصغير، أنف من ذلك، وقصد ملك الخطا، واستمده على أخيه، وأطمعه في الأموال وذخائر والده، فسير معه جيشًا كثيفًا مقدمهم قوما، فساروا حتى قاربوا خوارزم، فلما قربوا منها، خرج سلطان شاه وأمه ولحقا بالمؤيدة
(6)
صاحب نيسابور، ومَلَكَ تكش خوارزم بغير قتال. ولما وصل سلطان شاه إلى المؤيد، أهدى إليه هدية جليلة، ووعده أموال خوارزم، فاغتر بقوله، وجمع جيوشه، وساروا إلى خوارزم، وكان تكش قد أعد عسكره بالقرب منها، فلما تراءى الجمعان، انهزم عسكر المؤيد، وأخذ أسيرا، وجيء به إلى خوارزم شاه تكش، وهرب سلطان شاه، وأُخذت أمه، فقتلها تكش، وعاد إلى خوارزم. ولما عاد المنهزمون إلى نيسابور، ملّكوا ابنه طوغان شاه أبا بكر بن المؤيد، فلما أخبر به سلطان شاه، سار إلى غياث الدين ملك الغورية، فأكرمه، وأحسن نزله. وأما علاء الدين تكش فإنه لما ثبت قدمه بخوارزم، اتصلت به رسل الخطا بالاقتراحات والتحكم كعادتهم، فأخذته حمية الملك والدين، وقتل أحد أقارب الملك. وكان ورد
(1)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 201.
(2)
باب أبرز: قريبًا من المدرسة التاجية، التي بزاوية الجامع الأموي الشرقية. انظر: الجامع المختصر، جـ 9، ص 64؛ الدارس، ج 1، ص 483.
(3)
المنتظم، ج 18، ص 201.
(4)
أرسلان خوارزم شاه بن أنس خوارزم شاه بن محمد، توفي سنة 568 هـ/ 1172 م. الشذرات، ج 4، ص 226.
(5)
"واسم" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين هو الصحيح. انظر: الكامل، ج 10، ص 39؛ المختصر، ج 3، ص 53.
(6)
المؤيد أي به بن عبد الله السنجرى، توفي سنة 568 هـ/ 1172 م. انظر: شذرات الذهب، ج 4، ص 227. وقد ذكر صاحب المختصر الاسم كالآتي طوغان شاه بن المؤيد "أي به" انظر: المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 53.
إليه ومعه جماعة أرسله ملكهم في مطالبته، وأمر أعيان خوارزم فقتل كل واحد منهم رجلا من الخطا الذين صحبته، فلم يسلم منهم أحد، ونبذوا إلى ملك الخطا عهده. وبلغ ذلك سلطان شاه، فسار إلى ملك الخطا، واغتنم الفرصة بهذه الحال، فاستنجده على أخيه تكش. وقال له: إن أهل خوارزم يريدونه، ويختارون ملكه عليهم، ولو رأوه لسلموها إليه، فسير معه جيشًا كبيرًا من الخطا مع قوما، انضموا إليه، فوصلوا إلى خوارزم فحصروها، فأمر علاء الدين تكش بإجراء ماء جيحون عليهم، فكادوا يغرقون، فرحلوا، ولم يبلغوا منها غرضًا، وندموا على ما فعلوا، ولاموا سلطان شاه، وعنفوه، فقال لمقدمهم المسمى قوما: لو أرسلت معي جيشًا إلى مرو لاستخلصتها من يد دينار الغزي؛ فإنه استولى عليها منذ كانت فتنة الغزُ إلى الآن
(1)
فسير معه جيشًا، فنزل على سرخس
(2)
، على غرة من أهلها، وهجم على الغز، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وألقي دينار الغزي -ملكها- نفسه في خندق القلعة، فأُخرج منه، ودخل القلعة، وتحصن بها.
وسار سلطان شاه إلى مرو فملكها، وعاد الخطا إلى ما وراء النهر، وجعل سلطان شاه دأبه قتال الغز، والغزو
(3)
فيهم، وانتهابهم. فلما عجز دينار عن مقاومته أرسل إلى نيسابور إلى طغان شاه بن المؤيد، يقول له أن يرسل إليه من يسلم له قلعة سرخس، فأرسل إليه جيشا مع أمير اسمه قراقوش، فسلم إليه دينار القلعة، ولحق بطغان شاه، فجمع جيوشه، وقصد سرخس، فلما التقى هو وسلطان شاه فرَّ طغان شاه إلى نيسابور، فأخلي قراقوش قلعة سرخس، ولحق بصاحبه، وملك سلطان شاه قلعة سرخس، ثم أخذ طوس
(4)
[والزَام]
(5)
، وضيق الأمر على طغان شاه بعلو همته واجتهاده وقلة قراره.
وكان طغان شاه يحب الدعة ومعاقرة الخمر، فلم تزل الحال كذلك إلى أن مات طغان شاه سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة
(6)
.
(1)
وردت هذه الرواية بتقديم وتأخير في الكامل، جـ 10، ص 39.
(2)
سرخس: مدينة قديمة من نواحي خراسان بين نيسابور ومرو. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 71.
(3)
"القتل" في الكامل، ج 10، ص 39.
(4)
طوس: مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 560 - 563.
(5)
"الرَّام" في الأصل والمثبت من معجم البلدان، ج 2، ص 909؛ الكامل، ج 10، ص 40 وهي إحدى كور نيسابور المشهورة.
(6)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من الكامل، ج 10، ص 40.
أتابك شمس الدين أيلدكز
(1)
صاحب همذان وغيرها، مات في هذا السنة بهمذان، وملك بعده ابنه محمد بن البهلوان، ولم يختلف عليه أحد. وكان أيلدكز هذا مملوكًا للكمال وزير السلطان محمود، ولما مات الكمال صار أيلدكز إلى السلطان محمود، واستمر بأصفهان، ولم يحضر إلى السلطان مسعود
(2)
عندما ملك ولا إلى غيره، ثم ملك أذربيجان وهمذان وغيرهما. وتزوج امرأة السلطان طغرل
(3)
.
وكان عسكره خمسين ألف فارس سوى الأتباع، واتسع ملكه، وامتد من باب تفليس
(4)
إلى مكران
(5)
. وكان أيلدكز عاقلا، حسن السيرة، يجلس بنفسه للرعية، ويسمع شكاويهم، وينصف بعضهم من بعض
(6)
.
وفي تاريخ المؤيد
(7)
: وكان أيلدكز يخطب في بلاده بالسلطنة للسلطان أرسلان بن طغرل، ولم يكن لأرسلان معه حكم.
يزْدن التركي
(8)
؛ كان من أكابر أمراء بغداد، المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيًا خبيثًا متعصبًا للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنة، فإنه مات في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش. وحين مات فرح أهل السنة بموته، وغضبت الشيعة من ذلك، فقام بسبب ذلك فتنة.
(1)
انظر ترجمته في شذرات الذهب، ج 4، ص 226.
(2)
السلطان مسعود: هو مسعود بن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي. انظر ترجمته في الباهر، ص 43 وما يليها.
(3)
وفيات الأعيان، ج 5، ص 208.
(4)
تفليس: بفتح أوله أو كسره، بلد بأرمينية والبعض يقول بأَرَّان. وهي قصبة ناحية جُرزان قرب باب الأبواب، وقد فتحها المسلمون في خلافة عثمان بن عفان.
انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 857 - 859.
(5)
مكران: بالضم ثم السكون ولاية واسعة في بلاد الهند تشتمل على مدينة وقرى غربها كرمان، وشمالها سجستان، والبحر جنوبها. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 914؛ تقويم البلدان، ص 22، ص 332، ص 338؛ مراصد الاطلاع، ج 3، ص 1302.
(6)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من الكامل، ج 10، ص 46 - 47.
(7)
المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 53.
(8)
"بزدن" في البداية والنهاية، ج 12، ص 272، وهو الحسن بن ضافي بن بزدن التركي. انظر: المنتظم، ج 18، ص 201.
وذكر ابن الساعى
(1)
في تاريخه أنه كان في صباه شابًا حسنًا مليحًا. قال: ولشيخنا أبي اليمن الكندى فيه وقد رمدت عينه:
بِكِلَّ صَبَاحٍ لِى وَكُلِّ عَشِيَّةٍ
…
وُقُوفٌ عَلَى أَبْوَابِكُم وَسَلَامُ
وَقَدْ قِيلَ لِي يَشْكوُ سِقَامًا بَعَيْنِهِ
…
فَهَا نَحْنُ مِنْهَا نَشْتَكِي وَنُضَامُ
الأمير نجم الدين أيوب؛
(2)
والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، والكلام فيه على أنواع:
الأول في ترجمته: هو أبو الشكر أيوب بن شاذي، والد الملوك بني أيوب الكردي الزرْزَارِي، وهم خيار الأكراد
(3)
من بلاد دُوَيْن بشمال بلاد أذربيجان مما يلي الكرج. ومنهم من يقول "أيوب بن شاذي بن مروان"
(4)
، ومنهم من يقول أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، وأغرب بعضهم، فزعم أنهم من سلالة مروان بن محمد الجعدي، آخر خلفاء بني أمية. وهذا ليس بصحيح، والذي عليه الجمهور أنه لا يعرف بعد شاذي أحد من نسبهم، والذي نسب إلى بني أمية ادعاء هو الملك أبو الفداء إسماعيل بن طغتكين بن أيوب بن شاذي، ويعرف بابن سيف الإسلام، وقد ملك اليمن بعد أبيه، فتعاظم في نفسه، وادعى الخلافة، وتلقب بالإمام الهادي بنور الله، المعز لدين الله، أمير المؤمنين، وزعم أنه أموى، ومدحه الشعراء، وأطروه، ولهجوا بذلك، وقال هو في ذلك أيضًا:
وَإنِّي [أَنَا]
(5)
الهَادِي الخَلِيفَة وَالَّذِي
…
أَدُوسُ رِقَاب الغُلْبِ الضُّمَّرِ الجُرْدِ
وَلابُدَّ مِنْ بَغْدَاد أَطْوِي رُبُوعَهَا
…
وَأَنْشُرها نَشْرَ السّمَاسِرَةٍ البُرْدِ
(1)
ورد النص بتصرف في البداية والنهاية، ج 12، ص 272 - 273.
(2)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج 1، ص 255 - 261، ترجمة رقم 107؛ النوادر السلطانية، ص 46؛ الشذرات، ج 4، ص 226 - 227، كما أن هناك ترجمة كاملة لأسرة شاذي. انظر، التاريخ الباهر، ص 119، 120.
(3)
ذكر ابن الأثير أنه من الأكراد الروادية وهم أشرف الأكراد. انظر: التاريخ الباهر، ص 119.
(4)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(5)
"وأنا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والصواب ما أثبتناه.
وأَنْصُبُ أَعْلَامِي عَلَى شُرفاتِها
…
وَأُحْيِي بِهَا مَا كَانَ أَسَّسَهُ جَدِّي
وَيُخْطَبُ لِي فِيهَا عَلَى كُل مِنْبَرٍ
…
وَأُظْهِرُ دِينَ الله فِي الغَوْرِ والنَّجْدِ
(1)
وهذا الادعاء ليس بصحيح، ولا له أصل يعتمد عليه، ولا مستند يستند إليه.
قال ابن أبي طى الحلبي: لا يعرف في نسب نجم الدين أكثر من والده شاذي. وحدثني أبي قال: كان تقي الدين عمر يُزيد فيقول: شاذي بن مروان، وسمعت أنا من يقول: شاذي بن مروان بن يعقوب
(2)
. قال: وأجمع الجماعة من آل أيوب أن دعوي ابن سيف الإسلام أنهم من بني مروان بن محمد الجعدي -آخر خلفاء بني أمية- كذب، وأن جميع آل أيوب لا يعرفون جدَّا فوق شاذي
(3)
.
قال: وكذلك أخبرني السلطان الملك [الناصر]
(4)
قال: وصحة دليل ذلك أني وقفت على كتاب وقف رباط النجمي بدمشق
(5)
، ولم يزد فيه على نجم الدين أبي سعيد أيوب ابن شاذى العادلي
(6)
. والمقصود أن الأمير نجم الدين والأمير أسد الدين شيركوه كانا أخوين، وكان نجم الدين أسن من أسد الدين، وُلدا بأرض الموصل
(7)
.
وقال ابن أبي طى "الحلبي"
(8)
في تاريخه الكبير: كان مولد نجم الدين أيوب ببلد شَبَخْتان، وقيل: إنه ولد بجبل جور
(9)
، وربي في الموصل، ومولد أبيه شاذي في بلد دوين.
الثاني: في بيان ابتداء أمره، وانتسابه واتصاله بالدولة: وهو أن أباه شاذي كان من أعيان أهل دوين، وكان له صاحب يقال له جمال الدولة مجاهد الدين
(1)
وردت هذه الأبيات في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 535؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 291.
(2)
ورد النص في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 534.
(3)
ورد النص بتصرف في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 534 - 535.
(4)
"الظاهر" في الأصل، والتصحيح من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 530.
(5)
رباط النجمي: ناحية باب البريد، أنشأه نجم الدين أيوب. انظر: خطط الشام، ج 6، ص 137.
(6)
ورد النص في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 535.
(7)
انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 271.
(8)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(9)
جور: كورة كبيرة متصلة بديار بكر من نواحي أرمينيا وفيها قلاع وقرى وأهلها نصاري. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 120.
بَهْرُوز
(1)
، وكان من أظرف الناس، وألطفهم، وكان بينه وبين شاذي أخوة أكيدة، فجرت لبهروز قضية في دوين، فخرج منها حياءً. وذلك أنه أتهم بزوجة بعض الأمراء بدوين، فأخذه صاحبها فخصاه. فلما جرى له ذلك، لم يقدر على الإقامة، فخرج وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية، وهو السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه
(2)
، واتصل باللالا
(3)
الذي لأولاده، فوجده لطيفًا كافيًا في جميع الأمور، فتقدم عنده وفوض إليه أموره، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل. فرآه السلطان يومًا مع أولاده فأنكر علي اللالا، فقال: إنه خادم، وأثنى عليه وشكر دينه ومعرفته، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال، فخف على قلبه، فلعب معه الشطرنج والنرد
(4)
، فحظي عنده، واتفق موت اللالا فجعله السلطان مكانه، وسلم إليه أولاده، وأرصده لمهماته، وسار ذكره في تلك النواحي. فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده؛ ليشاهد ما صار إليه من النعمة والدولة، وليقاسمه ما خوله الله تعالى، وليعلم أنه ما نسيه. فلما وصل إليه بالغ في إكرامة والإنعام عليه، واتفق أن السلطان رأى أن يسير المجاهد المذكور إلى بغداد واليًا ونائبًا عنه بها، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد، يُسيرون إليها النواب، فاستصحب معه شاذي، فسار هو وأولاده صحبته، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت
(5)
، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي، فأرسله إليها، فمضى وأقام بها مدة، وتوفي بها، فولي مكانه نجم الدين أيوب، فنهض في أمرها، وشكره بهروز وأحسن إليه. وكان أكبر سنًا من أخيه أسد الدين شيركوه. ثم أن شيركوه رأى يومًا امرأه تبكي
(1)
جمال الدولة مجاهد الدين بهروز: كان خادمًا روميًا تولى شحنة بالعراق من جهة السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه السلجوقي، وكانت تكريت إقطاعًا له، وبني في بغداد رباطًا وقف عليه وتوفي سنة 540 هـ /1145 م وبهروز لفظ أعجمي معناه جيد.
انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 141 - 142.
(2)
أبو الفتح مسعود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، الملقب غياث الدين، أحد ملوك السلجوقية المشاهير، رباه بالموصل الأمير مودود ثم آق سنقر البرسقي، توفي سنة 547 هـ/ 1152 م.
انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 200 - 202؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 145.
(3)
اللالا: لفظ فارسي، معناه هذا الشخص المكلف بالعناية بالأطفال -أى مربي الطفل. انظر: السلوك، ج 1 ق 2، ص 418، هامش (3).
(4)
النرد: شيء يلعب به، وهو لفظ فارسي معرب "نردشير" انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة "نرد".
(5)
تكريت: بفتح التاء وكسرها غربي دجلة بين بغداد والموصل وهي إلى بغداد أقرب. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 861.
فقال
(1)
لها: ما يبكيك؟ فقالت: أنا داخلة من باب القلعة، فتعرض إلىَّ الاسفهسلار
(2)
، فقام شيركوه، وتناول حربة الاسفهسلار، وضربه بها فقتله، فمسكه أخوه نجم الدين واعتقله. وعرف بهروز بذلك، فوصل جوابه:"لأبيكما علىَّ حقٌ، وبيني وبينه مودة متأكدة، ما يمكنني أن أكافئكما بسيئة، ولكني أشتهي أن تتركا خدمتي، وتخرجا من بلدي، وتطلبا رزقكما". فلما وقفا عليه، خرجا. ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي، والد نور الدين محمود بن زنكي، وأقطعهما إقطاعًا حسنًا.
ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك كما ذكرناه، استخلف بها نجم الدين أيوب، ثم بعد مدة انتقل إلى دمشق، وأقام في خدمة نور الدين محمود بن زنكي، ثم لم يزل معه في السراء والضراء والحضر والسفر حتى صار أكبر الأمراء عنده، فصار لا يقطع أمرًا دونه، ثم أن نور الدين أرسل أخاه شيركوه إلى الديار المصرية ثلاث مرات كما ذكرناه.
وكان معه في كل مرة ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم لما جري ما جرى من أمور المصريين، وغلب عليهم صلاح الدين يوسف، وصار أمر الديار المصرية إليه كما ذكرناه مفصلًا، طلب من نور الدين أن يرسل إليه أباه نجم الدين، فأرسله إليه مع أهله وحاشيته كما ذكرنا.
وقال العماد الكاتب
(3)
: لما دخل فصل النيروز
(4)
، استأذن الأمير نجم الدين أيوب نور الدين في قصده ولده صلاح الدين، والخروج من دمشق إلى مصر بأهله وجماعته. وخيم بظاهر البلد، ثم سار، فوصل إلى مصر في السابع والعشرين من رجب من سنة خمس وستين وخمسمائة، وركب العاضد خليفة مصر لاستقباله. ووصف ذلك عمارة اليمني في قصيدة مدح بها السلطان صلاح الدين منها قوله:
(1)
أورد ابن خلكان هذه الأحداث بالتقديم والتأخير. انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 257.
(2)
اسفهسلار: كلمة مكونة من لفظين أحدهما فارسي وهو "اسفه" ومعناه المقدم، والثاني تركي هو "سلار" معناه العسكر، فكان معناها "مقدم العسكر"، وقد استعمل هذا المصطلح في عهد الدولة الفاطمية، وكان حامله صاحب وظيفة تلى صاحب الباب. انظر: صبح الأعشي، ج 3، ص 483.
(3)
انظر قول العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 463 - 464 أحداث سنة 565 هـ.
(4)
النيروز: أول من اتخذ النوروز جمشيد ويقال في اسمه أيضًا جمشاد، أحد ملوك الفرس الأول، وهو في الأصل نوروز وعربته العرب إذ قلبوا الواو ياء فقالوا نيروز، ومعناه اليوم الجديد. انظر الخطط، ج 2، ص 390 - 391. طبعة مكتبة الآداب.
صَحَّتْ بِهِ مِصْرُ وَكَانَتْ قَبْلَهُ
…
تَشْكُو سِقَامًا لَمْ تُعَنْ
(1)
بِطَبِيبِ
عَجَبًا لمُعْجزَة أَتَتْ في عَصْره
…
وَالدَّهْرُ وَلَّادٌ لِكُلِّ عَجِيبِ
رَدَّ الإله بِهِ قَضِيَّةَ يُوسُف
…
نَسْقًا عَلَى ضَرْبٍ منَ التَّقْرِيبِ
جاءَتْهُ إخْوَتهُ وَوَالِدُهُ إلَى
…
مِصْر عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّرْتيبِ
فَاسْعَدْ بأَكْرَمِ قَادِم وبدولة
…
قَدْ سَاعَدَتْكَ رِيَاحُهَا بِهُبُوبِ
وفي تاريخ الدولتين
(2)
: وكان بهروز المذكور يُنَفَّذ أمره في جميع العراق إلى البصرة، إلى الموصل، إلى أصفهان. وكانت خيله خمسة آلاف فارس، فأقر نجم الدين في ولاية تكريت، وأضاف إليه النظر في جميع الولاية المتاخمة له، وقرر أمره عند السلطان مسعود
(3)
.
ثم إن عماد الدين زنكي والد نور الدين محمود طمع في أخذ بغداد، ووصل الخبر إلى قراجا الساقي
(4)
، وهو أتابك [ابن]
(5)
السلطان محمود، فجرد ألف فارس للقاء زنكي، فانهزم زنكي، وقتل جماعة من أصحابه، ونهب جميع ما كان معه في عسكره، وجاء إلى تكريت وبه عدة جراحات. وعلم مكانه الأمير نجم الدين وأخوه شيركوه، فأحسنا إليه وداويا جراحاته، وخدماه أحسن خدمة، فأقام عندهما بتكريت خمسة عشر يومًا، ثم سار إلى "الموصل وأعوزه"
(6)
الظهر، فأعطياه "جميع ما كان عندهما من الظهر"
(7)
حتى أنهما أعطياه جملة من البقر، حمل [عليها]
(8)
ما سلم معه من أمتعته، فكان زنكي بري لنجم الدين أيوب هذه اليد، ويواصله بالهدايا والألطاف مدة مقامه في
(1)
"يعن" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 463.
(2)
الروضتين، ج 1 ق 2، ص 536.
(3)
"وكان" أضافها العيني بعد كلمة مسعود. ووجودها يخل بالنص.
(4)
قراجا الساقي: اسمه برس صاحب بلاد فارس وخوزستان. انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 142 في ترجمة صلاح الدين يوسف.
(5)
ما بين الحاصرتين مثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 537.
(6)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(7)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(8)
"عليهما" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين ج 1 ق 2، ص 537.
تكريت، فلما انفصل منها على ما ذكرنا، تلقاه زنكي بالرحب والسعة، واحترمه احترامًا عظيمًا
(1)
.
وقال صاحب تاريخ الدولتين
(2)
: وكان نجم الدين قد ساس الناس بتكريت أحسن سياسة، حتى ملك بذلك حبات قلوبهم، وكان أخوه شيركوه معه في القلعة، وكان شجاعا باسلًا، ينزل من القلعة ويصعد إليها في أسبابه وحاجاته. وكان نجم الدين لا يفارق القلعة ولا ينزل منها، فاتفق أن أسد الدين شيركوه نزل يومًا لبعض شأنه، ثم عاد إلى القلعة، وكان بينه وبين كاتب صاحب القلعة قوارض، وكان رجلًا نصرانيا، فاتفق في ذلك اليوم أن النصراني صادف أسد الدين صاعدًا إلى القلعة، فعبث به بكلمة مُمِضّة، فجرد أسد الدين سيفه، وقتل النصراني، وصعد إلى القلعة، وكان مهيبًا، فلم يتجاسر أحد على معارضته في أمر النصراني بشيء، وأخذ النصراني برجله، فألقاه من القلعة. وبلغ ذلك إلى بهروز [وحضر]
(3)
عنده مَنْ خوَّفه جرأة أسد الدين، وأنه ذو عشيرة كبيرة، وأن أخاه نجم الدين قد استحوذ على قلوب الرعايا، وأنه ربما كان منهما
(4)
أمر يخشي عاقبته ويصعب استدراكه، فكتب إلى نجم الدين ينكر عليه ما جرى من أخيه، ويأمره بتسليم القلعة إلى نائب سيرهُ صحبة الكتاب، فأجاب نجم الدين [إلى]
(5)
ذلك بالسمع والطاعة، وأنزل من القلعة جميع ما كان له بها من أهل ومال. واجتمع هو وأخوه أسد الدين، وصمما على قصد عماد الدين زنكي بالموصل، فخرجا واتصلا به كما ذكرنا. وقيل إن أسد الدين خرج إلى الموصل قبل نجم الدين، ثم أنه جرى بين أسد الدين وبين جمال الدين الوزير مودة عظيمة، حتي حلف كل واحد منهما للآخر أنه يقوم بأمره في [حياته]
(6)
وبعد وفاته، وتجرد جمال الدين في أمر أسد الدين وأخيه نجم الدين، حتى قربهما من قلب أتابك، وجعلهما عنده بالمنزلة العظيمة، وخرجا معه إلى الشام، وشهدا معه حروب الكفار وقتال الإفرنج، لعنهم الله، وكان لأسد الدين في تلك الوقائع اليد البيضاء، والفعلة الغراء.
(1)
ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 537؛ انظر أيضا: الباهر، ص 43 - 44، حاشية 6.
(2)
الروضتين، ج 1 ق 2، ص 537.
(3)
"وحصل" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 537، حيث ينقل العينى عنه.
(4)
"منه" في نسخة ب.
(5)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 538، لاستقامة النص.
(6)
"حيوته" في نسخة أ. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب والروضتين.
وقال ابن أبي طى
(1)
: حدثني أبي عن سعد الدولة أبي الميامن عن حسام الدين سنقر غلام نجم الدين أبي طالب -وكان في خدمة نجم الدين أيوب- قال: لما دخل نجم الدين أيوب الديار المصرية إلى ولده صلاح الدين، كنت معه في خدمته، وكانا قد اجتمعا في دار الوزارة، وقعدا على طراحة
(2)
واحدة، والمجلس غاصٌّ بأرباب الدولتين، إذ تقدم نصراني كان في خدمة نجم الدين، فقبل الأرض بين يديهما، وقال لنجم الدين: يا مولاي هذا تأويل مقالتي لك حين وُلد هذا السلطان، يعني صلاح الدين، فضحك نجم الدين وقال: صدقت والله، ثم التفت إلى الجماعة الذين حوله من أكابر العلماء والقضاة والأمراء، وقال: لكلام هذا النصراني حكاية عجيبة، وذلك أني ليلة رُزقت هذا الولد -يعنى السلطان صلاح الدين- أمرني صاحب قلعة تكريت "في تلك الليلة"
(3)
بالرّحلة عنها، بسبب أخي شيركوه من قتله ذلك النصراني، وكنت قد ألِفْت هذه القلعة وصارت لي كالوطن، فثقل علىّ الخروج منها جدًا، واغتممت. وفي ذلك الوقت جاءني البشير بولادة هذا -يعني صلاح الدين- فتشاءمت به، وتطيرت لما جرى علىَّ، وخرجنا من القلعة، وأنا لا سميته ولا التفت إليه. وكان هذا النصراني معي كاتبًا لى، فلما رأى ما نزل بي، قال: يا مولاي أي شيء لهذا المولود من الذنب، وبما استحق ذلك منه وهو لا يضر ولا ينفع، وهذا الذي جرى عليك قضاء من الله تعالى، ثم ما يُدريك أن هذا الطفل يكون سببًا لوصول الخيرات إليك، ويكون هو ملكا عظيم الصيت، جليل المقدار. فعطَّفني كلامه عليه، وها هو قد جرى ما قال لي. فتعجب الحاضرون من ذلك، وحمد السلطان ووالده الله تعالي وشكراه
(4)
.
ولعمارة اليمني في نجم الدين مدائح ومراثٍ منها:
ثَغَرُ الزَّمان بِنَجْم الدِّيِن مُبْتسِمٌ
…
وَوَجْهُهُ بِدَوَام العِزِّ مُتَّسِمُ
يقول فيها:
(1)
لم يذكر أبو شامة مصدر هذا القول مباشرة "وحدثني أبي رحمه الله قال حدثني سعد الدولة
…
" انظر الروضتين، ج 1 ق 2، ص 538.
(2)
الطراحة: مرتبه يفترشها السلطان إذا جلس. انظر: Dozy. Supp. Dict. Ar.T.II،P .32
(3)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(4)
الروضتين، ج 1 ق 2، ص 539.
أَضْحَى بِكَ النِّيلُ مَحْجُوجًا وَمُعْتَمِرَا
…
كَأَنَّمَا حَلَّ فِيهِ الحِلُّ وَالْحَرمُ
إلى أن قال:
وَالنَّاصِرُ ابْنُكَ كَافِي كُلِّ مُعضلةٍ
…
إِذا الْحَوَادِثُ لَمْ تُكْشفْ لَهَا غُمَمُ
(1)
الثالث في سيرته: وكان شجاعًا باسلًا أمينا خيرًا محسنًا ناصحًا، عظيمًا في أنفس الناس بالخير والدين وحسن السياسة، وكان لا يأتي أحد من أهل العلم والدين "إلا حمل إليه المال والضيافة الجليلة، وكان لا يسمع بأحد من أهل الدين"
(2)
في مدينته إلا أنفذ إليه. وقد ذكره العماد الكاتب، وذكر من دينه وعفته، ووفور أمانته وكثرة خيره أشياء كثيرة حسنة.
قال ابن خلكان
(3)
: وكان نجم الدين رجلًا مباركًا كثير الصلاح، مائلًا إلى الخير، حسن النية، جميل الطوية، وظهرت ثمرة بركته في أولاده، وله خانقاه بدمشق تعرف بالنجمية
(4)
، وخانقاه بالديار المصرية، ومسجد، وقناة خارج باب النصر من القاهرة، وخانقاه أخرى لطيفة ببعلبك، بناها حين كان نائبًا بها عن عماد الدين زنكي.
وفي المرآة:
(5)
وكان نجم الدين رجلًا عاقلًا حازمًا شجاعًا حليمًا جوادًا، عاطفًا على الفقراء والمساكين، محبًا للصالحين، قليل الكلام جدًا، لا يتكلم إلا عن ضرورة. ولما قدم مصر سأله ولده صلاح الدين أن يكون هو السلطان، فقال: أنت أولى، وكان يلعب بالأكرة
(6)
دائمًا.
وقال القاضي ابن شداد
(7)
: كان شديد الركض بالخيل، يلعب بالأكرة، ومن يراه يلعب بها يقول: ما يموت إلا من وقوعه عن ظهر الفرس.
(1)
انظر: الروضتين؛ ج 1 ق 2، ص 540؛ وبالرجوع إلى النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية لعمارة اليمنى، لم ترد هذه الأبيات الخاصة بالمديح.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من نسخه ب.
(3)
وفيات الأعيان، ج 1، ص 261.
(4)
الخانقاه النجمية بدمشق، بنواحي باب البريد، وقد اندرست ولم يبق لها أثر. الدارس، ج 2، ص 174، حاشية 2.
(5)
مرآة الزمان، ج 8، ص 184.
(6)
اللعب بالأكرة: هي من ألعاب الفروسية وكان يقام لها احتفال خاص يخرج إليه السلطان في موكب رسمي ويشترك فيها الأمراء ومن أدواتها الجوكان أو الصولجان وهو المحجن الذي يضرب به الكرة، وهو عصا مدهونة برأسها خشبه معقوفة. انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 47؛ ج 5، ص 458.
(7)
النوادر السلطانية، ص 46؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 184 - 185.
الرابع في وفاته: خرج نجم الدين يومًا من باب النصر -أحد أبواب القاهرة- فشب به فرسه، فألقاه في وسط المحجة، وذلك يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة، وحمل إلى داره، وبقى متألمًا، إلى أن توفي يوم الأربعاء سابع عشرى الشهر المذكور، ويقال في الثامن والعشرين منه.
وفي تاريخ بيبرس: وكان سبب وفاته أنه تقنطر عن فرسه، فحمل إلى داره، فمات بها.
وفي تاريخ الدولتين
(1)
: وعاش ثمانية أيام بعد وقوعه من الفرس، وكانت وفاته يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة. وكان ولده صلاح الدين غائبًا عنه في بلاد الكرك والشوبك على الغزاة.
وقال القاضي ابن شداد
(2)
: ولما عاد صلاح الدين من غزاته، بلغه قبل وصوله إلى مصر وفاة نجم الدين أبيه، فشق ذلك عليه؛ حيث لم يحضر وفاته.
ومن كتاب فاضلي عن السلطان إلى عز الدين فرخشاه بمصر يقول فيه: صحّ من المصاب بالمولى الدارج، غفر الله له ذنبه، وسقى بالرحمة تُربه، ما عظمت به اللَّوعة، واشتدت الرَّوعة، وتضاعفت لِغيبتنا
(3)
عن مشهده الحسرة، فاستنجدنا بالصبر، فأبي، وانحدرت العبرة، فياله فقيدًا فقد عليه العزاء، وهانت بعده الأرزاء.
وَتَخَطَّفَتْه يدُ الردَى في غَيْبَتى
…
هبنْي حضرتُ، فكنتُ ماذا أَصْنَعُ؟!.
قال: فدفن نجم الدين إلى جانب قبر أخيه أسد الدين، في بيت بالدّار السلطانية، ثم نقلا بعد [سنتين]
(4)
إلى المدينة الشريفة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وقبرهما في تربة الوزير جمال الدين الأصفهاني وزير الموصل. وكان جمال الدين المذكور مؤاخيًا لأسد الدين شيركوه كما ذكرنا
(5)
.
(1)
نقل العينى هذا النص بتصرف من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 533.
(2)
النوادر السلطانية، ص 46.
(3)
"بغيبتنا" في نسخة ب.
(4)
"سنين" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من مفرج الكروب، ج 1، ص 230؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 533.
(5)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 533 - 534.
وفي تاريخ القاضي الفاضل: وصل كتاب من المدينة النبوية يوم الخميس رابع صفر من سنة ثمانين وخمسمائة، يخبر بوصول تابوتي
(1)
الأمير نجم الدين أيوب، وأسد الدين شيركوه، واستقرارهما بتربتيهما، مجاورين الحجرة المقدسة النبوية (على ساكنها أفضل الصلاة والسلام)
(2)
.
الخامس فيما يتعلق به خلف نجم الدين من الأولاد: صلاح الدين يوسف الناصر، وسيف الدين أبو بكر العادل، وشمس الدولة توران شاه، وشاهنشاه، وسيف الإسلام طغتكين، وتاج الملوك بوري. ومن البنات: ست الشام وربيعة خاتون
(3)
. وقال عمارة اليمني يرثيه:
صَفْوُ الحْيَاةِ وَإِنْ طَالَ الْمَدَي كَدَرُ
…
وَحَادِثُ الدَّهْرِ لَا يُبْقِى وَلَا يَذَرُ
وَمَا يَزَالُ لِسَانُ الدَّهْرِ يُنْذِرُنَا
…
لَوْ أَثَّرَتْ عِنْدَنَا الآَثَارُ وَالنُّذُرُ
كَمْ شَامِخِ العِزِّ ذَاقَ الْمَوْتَ مِنْ يَدِهَا
…
مَا أَضْعَفَ الْقَدْرَ إنْ ألْوَى بِهِ الْقَدَرُ
أُوذِي عَلىٌّ وَعُثْمَانٌ بِمِخْلَبهِا
…
وَلَمْ يَفُتْهَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ
وَمَنْ أَرَاَد التَّأَسِّى فِي مُصِيبَته
…
فَلِلْوَرَى فِي رَسُولِ الله مُعْتَبَرُ
لا قُدِّسَتْ لَيْلَةٌ كَادَتْ مُصِيَبَتُهَا
…
الأكبادُ حُزْنًا عَلَى أَيُّوب تَنْفَطِرُ
كَأَنَّمَا صَوَّر الله الكَمَال به
…
شَخْصًا وَيوُسُفُ مِنْهُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ
إذَا اللَّيَالي تَجَافَتْ عَنْ حُشَاشَتِهِ
…
فَالجُرْحُ مُنْدَمِلٌ وَاَلذَّنْبُ مغْتَفَرُ
يَا نَاصِرَ الْحَقِّ والأَيَّامُ خَاذِلَةٌ
…
إِنَّ الغَرِيبَ بِغَيِر الدَّمْعِ يَنْتَصِرُ
مَا مَاتَ أيُّوبُ إلاَّ بَعْدَ مُعْجِزَةٍ
…
فِي الخَلْقِ لَمْ يُؤْتَهَا مِنْ جِنْسِهِ بَشرُ
مَضَى حَميدًا مِنَ الدُّنيا وَلَيْس لَهُ
…
فِي رُتْبَةٍ أَرَبٌ مِنْهَا وَلَا وَطَرُ
صَلَّي الإلَهُ عَلَى نَجْمٍ أَضَاءَ لَنَا
…
مِنْ نَسْلِهِ النَيِّرانِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
(4)
وهي قصيدة طويلة. وله قصيدة أخرى في مرثيته وأولها هو قوله:
(1)
"تابوت" في نسخة ب.
(2)
وفيات الأعيان، ج 1، ص 258.
(3)
ذكر سبط ابن الجوزي أن نجم الدين خلف ست بنات. انظر مرآة الزمان، ج 8، ص 185.
(4)
وردت هذه الأبيات بالنقص والزيادة مع بعض الاختلافات في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 541 - 542.
هِيَ الصَّدْمَةُ الأُولَى فَمْنَ بَانَ صَبْرُهُ
…
عَلَى هَوْلِ مَلْقاهَا [تَضَاعَفَ]
(1)
أَجْرُه
(2)
أَذُمُّ صَبَاحَ الأرْبعَاء فَإنَّهُ
…
تَبَسَّمَ عَنْ ثَغْرِ المَنيَّة فَجْرهُ
أَصَابَ الهُدَى فِي نَجْمِهَ بمُصِيبةٍ
…
تَدَاعي سِماك الجوِّ مِنْهَا وَنَسْرُه
فَلَا تَعْذلُونَا، وَاعْذُرونَا، فَمَنْ بَكَى
…
عَلَى فَقْد أيُّوبٍ فَقَد بانَ عذْرُهُ
أقَامَ بأَعْمَالِ الفُراتِ، وخيْلُه
…
يُراَعُ بِهَا نِيلُ العَزِيزِ وَمِصْرُهُ
إِلَى أَنْ رَمَاهَا مِنْ أَخِيه بِضيْغَم
…
فَرَى نَابُه أَهْلُ الصَّليبِ وَظُفْرُهُ
تَعَاقَبْتُمَا مِصْرًا تَعَاقُبَ وابِلٍ
…
يَبِيتُ بِقُطْرِ النَّيلِ تنهلُّ قَطْرُهُ
نزلتَ بدارٍ حلّها فحللتها
…
فمغْناك مغْناه، وقطرك "قطره"
(3)
وَوَاخَيْتَه فِي البر حَيَّا وَمَيِّتا
…
فَقَبْرُكَ فِي دَارِ القَرَارِ وَقَبْرُهُ
وَقْدَ شَخُصَتْ أهْلُ البَقِيع إليْكُما
…
وَإلا فَسُكَّانُ الحَجُونِ وَحجرُهُ
هَنيئًا لِمَلِكٍ مَاتَ وَالعز عزهُ
…
وَقُدْرَتُهُ فَوْقَ الرِّجَالِ وَقْدرُهُ
وأَدْرَكَ مِنْ طُولِ الحَيَاةِ مُرَادَهُ
…
وَمَا طَالَ إلاَّ فِي رِضَى الله عُمْرُهُ
وَأَسْعَدُ خَلْق الله مَنْ مَاتَ بَعْدَمَا
…
رأى فِي بَنِى أَبْنائِه مَا يَسُرُّهُ
رَعَى الله نَجْمًا تَعْرِفُ الشَّمْس أَنَّهُ
…
أَبُوهَا، ونورُ البَدْرِ مِنْهَا، وَزَهْرُهُ
وَأَبْقَى المَقَامَ النَّاصِرِىَّ، فَإنَّهُ
…
لِدَوْلَتِكُمْ كَنْزُ الرَّجَاءِ وَذُخْرُهُ
(4)
ملك النحاة واسمه الحسن بن أبي الحسن صافي
(5)
؛ مولي حسين زين الدين الأرموي، التاجر البغدادي، ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وقرأ النحو على أبي الحسن الاستراباذي، وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، وقرأ أصول الفقه. ودخل الشام، واستوطن دمشق، وعاش تحت ظل نور الدين محمود إلى أن مات في سنة
(1)
"يضاعف" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من النكت العصرية، ص 260.
(2)
ذكر مطلع القصيدة فقط في النكت العصرية، ص 260.
(3)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(4)
ذكر أبو شامة القصيدة كاملة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 540 - 541.
(5)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج 2، ص 92 - 94؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 292؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 185 - 186.
ثمان وستين وخمسمائة في شوال، ودفن بالباب الصغير
(1)
، وقد جاوز الثمانين سنة، وله ديوان شعر مليح، ومدائح في وصف النبي عليه السلام. وذكره ابن عساكر، ووصفه بالكرم. وكان يصنع الحلاوات، ويهديها إلى جيرانه وأصحابه وخلانه.
قال العماد: ورآه بعض الصالحين، أو بعض أصحابه في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لى بأبيات قلتها:
يَا رَبُّ هَا قَدْ أَتَيْتُ مُعْتَرِفًا
…
بِمَا جَنَتْهُ يدَاىَ مِنْ زَلَلِ
مَلآنُ كَفٍّ من كُلِّ مَأْثُمَة
…
صِفْرُ يَدٍ مِنْ مَحَاسِن العمِل
وكَيْفَ أخْشَي نَارًا مُسَعَّرَةً
…
وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي القِيَامَةِ لِي
قال: فوالله منذ فرغتُ من إنشادها ما سمعت حسيس النار.
(1)
الباب الصغير: أحد أبواب دمشق. انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 92.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والستين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله
(1)
، وصاحب مصر السلطان الملك الناصر يوسف بن أيوب، وصاحب الشام وحلب وغيرهما الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، غير أنه توفي إلى رحمة الله في هذه السنة على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. فلنذكر أولا ماجريات صلاح الدين، ثم ماجريات نور الدين، ثم نذكر وفاته إن شاء الله.
ذكر ماجريات صلاح الدين
منها أنه أرسل أخاه شمس الدولة تورانشاه بن أيوب إلى اليمن
(2)
، وكان صلاح الدين قد أقطعه قوص وأعمالها، وارتفاعها مائة ألف دينار، ثم تجهز منها، وسافر، ووصل زَبيد
(3)
، وقتل ابن المهدي
(4)
صاحبها، وكان يلقب أمير المؤمنين، فلما قتله سيّر نواب الحصون مفاتيحها إليه، وهي أحد وأربعون حصنًا.
وقال العماد
(5)
: وفي رجب توجه توران شاه
(6)
-أكبر أخوة صلاح الدين- إلى اليمن فملكها، وكان يحثه على المسير إليها عمارة اليمنى
(7)
، شاعر القصر، وكان كثير المدح
* يوافق أولها 12 أغسطس 1173 م.
(1)
الخليفة المستضيء بأمر الله هو الحسن بن يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد الله أمير المؤمنين المستضيء بالله، توفي عام 575 هـ/ 1179 م. انظر: فوات الوفيات، ج 1، ص 269 - 271.
(2)
ورد النص بتصرف في النوادر السلطانية، ص 46؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 551.
(3)
زَبيد: مدينة في اليمن أحدثت في أيام المأمون وبإزائها ساحل غلافقة وساحل المندب. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 915.
(4)
هو: عبد النبي بن على بن مهدي بن محمد ثالث حكام الدولة المهدية باليمن "زبيد" حكم من (558 هـ - 569 هـ/ 1162 م - 1173 م). وقد هزمه المعظم توران شاه بن أيوب. انظر: زامباور معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، ج 1، ص 182؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 234.
(5)
انظر قول العماد بالروضتين، ج 1 ق 2، ص 551، حيث ينقل أبو شامة عن العماد من كتاب البرق الشامي وهو غير موجود بين أيدينا الآن.
(6)
هو الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب فخر الدين، سيرة أخوه فغزا النوبة، ثم بعثه فافتتح اليمن، وتحول من الشام إلى مصر سنة 574 هـ/ 1178 م، ثم مات بالإسكندرية سنة 576 هـ/ 1180 م. انظر: وفيات الأعيان ج 1، ص 306؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 255 - 256.
(7)
عمارة اليمني: هو أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان بن أحمد بن محمد الحكمي اليمني، وسيذكره العيني بالتفصيل في وفيات هذه السنة 569 هـ/ 1173 م. انظر ما يلي ص 184 وما بعدها. انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 431؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 294؛ النجوم الزاهرة، ج 6، ص 70؛ الشذرات، ج 4، ص 234.
لتُورَان شاه، فتجهَز وسَار إلى مكة، ثم إلى زبيد فملكها، وقبض على الخارجي
(1)
بها، وأهلكهـ نائبه سيف الدولة مبارك بن منقذ
(2)
. ومضى إلى عدن فأخذها واستناب فيها عز الدين عثمان الزنجيلي
(3)
، وفتح حصن تعزّ
(4)
وغيره من القلاع.
وقال ابن شداد
(5)
: ولما [كانت]
(6)
سنة تسع وستين رأي صلاح الدين قوة عسكره وكثرة عدد إخوته وقوّة بأسهم. وكان بلغه أن باليمن إنسانا استولى عليها وملك حصونها، وهو يخطب لنفسه، يسَمَّى عبد النبي بن مهدي، ويزعم أنه ينتشر ملكه إلى الأرض كلها، واستَتبَ أمره، فرأى أن يسيّر إليها أخاه الأكبر الملك المعظم توران شاه، وكان كريما أريحيًا حسن الأخلاق
(7)
، فمضى إليها، وفتح الله على يديه، وقتل الخارجي الذي كان بها. وكان أخو هذا الخارجي [قد خرج]
(8)
باليمن قبله.
وقال ابن أبي طيّ
(9)
: وكان سبب خروج شمس الدولة إلى اليمن أنه كان كريما جوادا، وكان إقطاعه بمصر لا يقوم بفتوَّته، ولا [ينهض]
(10)
بمروَّته. وكان قد انتظم في سلكه عمارة الشاعر، وكان من أهل اليمن، وكان ورد إلى مصر، ومدح أصحابها. فلما
(1)
الخارجي: هو عبد النبي بن على بن مهدي، ثالث حكام الدولة المهدية. انظر ما سبق ص 135، حاشية (4).
(2)
هو: المبارك بن كامل بن علي بن مقلد بن نصر من منقذ الكناني، الملقب سيف الدولة مجد الدين. كان من أمراء الدولة الصلاحية، ولما سير صلاح الدين أخاه توران شاه إلى بلاد اليمن وتملكها، رتب ابن منقذ هذا نائبًا عنه في زبيد. وكانت وفاة المبارك هذا سنة 589 هـ/ 1193 م بالقاهرة. انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 144.
(3)
هو: "عز الدين أبو عُمر عثمان بن على الزنجاري - كان صاحب اليمن، وانتقل إلى الشام في زمن الملك العادل سيف الدين أبي بكر". هكذا ورد اسمه في الأعلاق الخطيرة لابن شداد، ص 222. وورد اسمه في الدارس، ج 1، ص 526. "أبو عمرو عثمان بن على الزنجيلي".
(4)
حصن تَعِزُّ: بالفتح ثم الكسر والزاي مشددة، قلعة عظيمة من قلاع اليمن المشهورات. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 854.
(5)
انظر: النوادر السلطانية، ص 46، حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(6)
"كان" في نسختي أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من النوادر السلطانية، ص 46، حيث ينقل العينى عنه.
(7)
ذكر في الروضتين أنه سمع من صلاح الدين ما نصه "الثناء على كرمه ومحاسن أخلاقه وترجيحه إياه على نفسه".
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 552.
(8)
ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 552.
(9)
انظر قول ابن أبي طى في الروضتين، المصدر السابق حيث أن الروضتين هو المصدر المتاح لدينا لأقوال ابن أبي طي، ج 1 ق 2، ص 552.
(10)
"تنهض" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 552.
زالت دولتهم انضوى إلى شمس الدولة ومدحه، وكان إذا خلا بِه يصف له بلاد اليمن وكثرة أموالها وخيرها، وضعف مَن فيها، وأنها قريبة المأخذ لمن طلبها.
ومن جملة شعره في ذلك قوله في القصيدة التي أولها:
العلْمُ مُذْ كَانَ مُحْتَاجًا
(1)
إلَى الْعِلْمِ
…
وَشَفرَةُ السَّيْفِ تَسْتَغني عَنِ الْقَلَمِ
كَمْ تَتْرُكُ البيضُ فِي الأَجْفَانِ ظَامِئَةً
…
إلى المَوَارِدِ فِي الأعْنَاقِ وَالقِمَمِ
أَمَامَك الْفَتحُ مِنْ شَامٍ وَمِنْ يَمَنٍ
…
فَلَا تَرُدّ رؤوسَ الْخَيْل باللُّجم
فَعَمُّكَ الْملكُ الْمنصورُ
(2)
سَوَّمَهَا
…
مَنِ الْفُراتِ إِلَى مِصْرٍ بِلَا سَأَمِ
(3)
وله قصيدة أخرى منها قوله:
أفاتحَ أرضَ النِّيل وهي منيعةٌ
(4)
…
على كل راجٍ فتْحها ومُؤمّلِ
متى توقد النار التي أنت قَادحٌ
…
بغمْدَانَ [مشبوبًا]
(5)
سناها بمنْدلِ
وتفتح ما بين الحَصين وأَبْيَنٍ
…
وصنعاء من حِصْنٍ حَصِينٍ ومَعْقِلِ
(6)
وقال ابنُ أبي طي: ووافق ذلك أنه كاتَبَه رجل من أهل اليمن، يقال له هاشم بن غانم، وأطمعه [في المعاونة]
(7)
لأن صاحب اليمن عبد النبي كان قد تعدى على هذا الشريف هاشم، فأعلم شمس الدولة أصحابه بعزمه على اليمن فأجابوه، وتجهز، ثم دخل على أخيه السلطان واستأذنه في دخول اليمن، فأذن له، وأطلق له مُغَلّ
(8)
قوص
(9)
سنة، وزوّده فوق ما كان في نفسه، وأصحبه جماعةً من الأمراء ومقدار ألف فارس خارجا
(1)
"محتاج" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 553؛ وانظر أيضا: مفرج الكروب، ج 1، ص 238 - 240.
(2)
المنصور: يقصد بها أسد الدين شيركوه.
(3)
أورد أبو شامة أبياتًا أخرى من القصيدة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 553.
(4)
"عظيمة" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 553.
(5)
"مشوبا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت هو الصواب من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 553.
(6)
ذكر أبو شامة بيتين آخرين من القصيدة، كما ذكر أبياتًا من قصيدة أخرى، انظر: الروضتين ج 1 ق 2، ص 553.
(7)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين يحتاجها السياق. انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 553.
(8)
يقصد ما تغله قوص في السنة.
(9)
قوص: مدينة كبيرة بصعيد مصر، كانت محط التجار القادمين من عدن. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 200، وهي مركز بمديرية قنا، انظر: القاموس الجغرافي، ق 2 ج 4، ص 183.
عمّن سيره من حلقته
(1)
، وسار في البر والبحر، في البر العساكر، وفي البحر الأسطول يحمل الأزواد والعدد والآلات، فوصل إلى مكة شرفها الله تعالى، فدخلها زائرًا، ثم خرج متوجها منها إلى اليمن، فوصل زَبِيد في أول شوال، فنزل عليها، ولقيه الشريف هاشم بن غانم الحسني، وجميع
(2)
الأشراف بنو سليمان
(3)
في جمع جم وعدد كثير، فهجم زبيد وتسلمها واحتوى على ما فيها، وقبض على صاحب اليمن -عبد النبي- أخي على
(4)
بن مهدى، ثم رحل إلى عدن
(5)
وفي صحبته ابن مهدى ففتحها عنوةً، وولاها عز الدين بن الزنجيلي.
ثم سار إلى [المخلاف]
(6)
، وتسلم الحصون التي كانت في يد ابن مهدي كتعز وغيرها، وسار إلى صنعاء بعد فتح مدينة الجَنَد
(7)
وغيرها، فأحرقت صنعاء، فدخلها شمس الدولة فلم يجد فيها إلا شيخا [و]
(8)
امرأة عجوزًا، فأقام بها ثمانية أيام، ثم لم يستطع المقام لقلة الميرة، فرجع إلى زَبِيد فوجد ابن منقذ قد قتل عبد النبي بن مهدي. وكان شمس الدولة قد استناب بزَبيد الأمير سيف الدولة المبارك بن منقذ، وأمره بحمله، فلما بعُد شمس الدولة خاف ابن منقذ من فساد أمره، فرأى المصلحة في قتله، فقتله ابن منقذ بزَبِيد. فلما بلغ شمس الدوله قتله استصوبه.
ولما "حصل"
(9)
شمس الدولة في زَبِيدَ أنفذ إليه صاحب طمار
(10)
، وصالحه هو وباقي الملوك على أداء المال، ثم تتبع تلك الحصون والقلاع فاحتوى عليها جميعها،
(1)
جند الحلقة: هم طبقة من الأجناد دون المماليك السلطانية في الدرجة. وهم مماليك السلاطين والأمراء السابقين وأولادهم، انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 15 - 16.
(2)
"وجمع" في نسخة ب.
(3)
بنو سليمان: هم العلويون باليمن حكموا من سنة 450 هـ - 649 هـ/1058 - 1251 م، والذي حارب بنو مهدي، منهم هو وحاس بن غانم. انظر: زامباور، ج 1، ص 178 - 179.
(4)
هو: على بن مهدي بن محمد بن على بن داود. أول حكام بنو مهدي الخوارج بزبيد. حكم من سنة 553 هـ - 554 هـ/ 1158 م - 1159 م. انظر: زامباور ج 1، ص 182.
(5)
"العدن" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 554، حيث ينقل عن ابن أبي طي.
(6)
"المحلاف" في الأصل. والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، 554. والمخاليف بمنزلة الكور والرساتيق. وقد أضيف إليها أسماء قبائل اليمن. انظر: معجم البلدان ج 4، ص 434.
(7)
الجند: هي من أعمال اليمن العظيمة ومن المدن النجدية، بينها وبين صنعاء ثمانية وخمسون فرسخا. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 136.
(8)
"أو" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 554.
(9)
"دخل" في نسخة ب.
(10)
طمار: الطمار المكان المرتفع، وهو جبل باليمن. معجم البلدان، ج 3، ص 546.
وكتب بذلك إلى أخيه الملك الناصر صلاح الدين، فأرسل إلى نور الدين يخبره بذلك، فأرسل نور الدين مهذب الدين أبا الحسن علي بن عيسى النقاش بالبشارة بذلك إلى بغداد. وذكر العماد الأمير مجد الدين سيف الدولة المبارك بن كامل بن منقذ المستناب بزَبِيدَ، ووصفه بأنه من الكفاة "الرماة"
(1)
والدُّهاة ذوي الآراء، وأنه فاضل من أهل بيت فضل، كتب العماد من شعره:
لما نزلتُ الدَّير قُلْتُ لصَاحبي
…
قُم فاخطُب الصَّهْباءَ من شَمّاسِه
فأتي وفي يُمناه كأسٌ خِلْتُها
…
مقبوسَةً في اللّيل من نبراسه
وكأنّ ما في كأسه من خَدّه
…
وكأنّ ما في خَدِّه من كَاسِه
وكأن لذَّةَ طَعْمها من رِيقِه
…
وأريجُها الفيَّاحُ من أنْفَاسِه
لم أنسَ ليلة شُرْبِها بغنائه
…
إذ بات يجْلُوها على جُلاسِه
إذ قام يَسْقِينَا المُدام وكُلَّما
…
عاتَبْتُه
(2)
ردَّ الجوابَ بِراسِه
ومدحه أبو الحسن بن الذَّروى المصرى
(3)
بقصيدة غراء ذالية، ما أظن أنه نُظِمَ على قافية الذال أرق منها لفظا وأروق
(4)
معنى، أولُهَا:
لك الخيرُ عرِّج بي
(5)
على رَبْعِهم فَذِي
…
رُبوعٌ يفوح المِسْكُ من عَرْفِها الشَّذِى
مَبَارِكُ عِيسِ الوَفد بَابُ مُباركٍ
(6)
…
وهل منقذُ القُصَّاد غيرُ ابن مُنْقذِ
وفي المرآة
(7)
: لما سار شمس الدولة إلى اليمن، وكان أعيانها قد كتبوا إلى صلاح الدين؛ يسألونه أن يبعث إليهم بعض أهله، فلما وصل شمس الدولة إلى مكة، صعد
(1)
"الكرماء" في الروضتين الذي ينقل عن ابن أبي طي. انظر: ج 1 ق 2، ص 555.
(2)
"عابثته" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 555.
(3)
هو: القاضي الوجيه رضي الدين أبو الحسن علي بن أبي الحسن يحيى بن الحسن بن أحمد المعروف بابن الذَّروي، وهو الأديب الشاعر. والذروي بفتح الذال المعجمة والراء وبعدها واو نسبة إلى ذَرَوَة، وهي قرية بصعيد مصر. انظر: خريدة القصر، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 187 - 188؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 145 - 146؛ فوات الوفيات، ج 2، ص 188.
(4)
"أدق" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 555.
(5)
"من على" في نسخة ب.
(6)
"مبارك وفد العيس" في وفيات الأعيان، ج 4، ص 145.
(7)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 188، حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
صاحبها إلى أبي قبيس
(1)
، فتحصن فيه
(2)
بقلعة بناها عليه، وأغلق باب الكعبة وأخذ المفاتيح، فجاء شمس الدولة فطاف بالبيت، وصلى ركعتين وصعد إلى باب الكعبة، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني جئت إلى هذه البلاد لإصلاح العباد وتمهيدها، فيَسِّر علىّ فتح الباب، وإن كنت تعلم أني جئت لغير ذلك فلا تفتحه. ومدَ يدَه فجذب القفل فانفتح
(3)
، فدخل شمس الدولة إلى البيت وصلى ودعا.
فلما بلغ أمير مكة ذلك نزل إلى خدمته، وحمل المفاتيح واعتذر وقال: خفت منك، والآن فأنا تحت طاعتك. فقال له: إذا أخذت منك مفاتيح مكة فلمن أعطيها، ثم خلع عليه وعلى أصحابه، وطيب قلوبهم. وسار إلى اليمن، فانهزم عبد النبي بين يديه إلى زَبيد. وكان أبوه المسمى بالمهدي قد فتح البلاد، وقتل خلقًا كثيرا، وشق بطون الحوامل، وذبح الأطفال على صدور أمهاتهم. وكان يرى رأي القرامطة
(4)
، ويظهر أنه داعية "لصاحب"
(5)
مصر، ويتستر بالإسلام
(6)
. وكان قد مات قبل دخول شمس الدولة اليمن بسنين، وملك بعده ولده عبد النبي، ففعل باليمن أشد مما فعله أبوه، وسبى [نساءهم]
(7)
واستعبدهم. وكان أبوه لما مات بني عليه قبةً عظيمةً وصَفَّح حيطانها بالذهب الأحمر والجواهر ظاهرا وباطنا، بحيث لم يعمل في الدنيا مثلها، وجعل فيها قناديل الذهب وستور الحرير، ومنع أهل اليمن
(8)
من زَبِيدَ إلى حضرموت أن يحجوا إلى
(1)
أبو قُبَيس: اسم الجبل المشرف على مكة من شرقها. وهو نسبة إلى رجل من مذحج كان يكنى أبا قبيس لأنه أول من بنى فيه قبة. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 102.
(2)
"عليه" في مرآة الزمان، ج 8، ص 188.
(3)
"بها ففتح" في نسخة ب.
(4)
القرامطة: طائفة سياسية اتخذت الدعوة إلى إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وسيلة لتحقيق أغراضها، وسلاحا للوصول إلى ما تصبو إليه. وهم يُنسبون إلى حمدان بن الأشعث، قَرْمَط. وقد سمي بهذا الاسم لأنه كان يقرمط في سيره إذا مشى، أي يقارب بين خطواته. ويقال إنه سمي بقرمط لقصور قامته ورجليه. ويقال أيضا أنه لقب بهذا لأنه كان أحمر البشرة تشبيها له بالقرمد، وهو الطوب الأحمر (الآجر). وأصل هذا اللفظ يوناني Keramidi. انظر: اتعاظ الحنفا، ج 1، ص 26؛ جمال الدين سرور: سياسة الفاطميين الخارجية، ص 41، ط. دار الفكر العربي، 1976 م؛ انظر: المعجم الوسيط، ج 2، ص 737.
(5)
"لأهل" في المرآة، ج 8، ص 188.
(6)
"باليمن" في المرآة، والمثبت هو الأولى للسياق.
(7)
"نسائهم" في نسخة أ. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب.
(8)
"البلد" في مرآة الزمان، ج 8، ص 188.
الكعبة، وأمرهم بالحج إلى قبر أبيه، وكانوا يحملون إليها من الأموال كل سنة ما لا يحد ولا يوصف
(1)
، ويطوفون حولها مثل ما يطاف
(2)
بالكعبة، ومن لم يحمل مالا قتله، وكانوا يقصدونها من البحر، فاجتمع فيها أموال عظيمة. وأقام عبد النبي على الظلم والفسق والفجور، وذبح الأطفال، وسفك الدماء، وسبي النساء، إلى أن دخل شمس الدولة إلى اليمن وجاء إلى زبيد. فيقال: إنه حصر عبد النبي فيها وأمَّنه وقيده وقتله. ويقال: أنه انهزم بين يديه، وجاء إلى قبة أبيه فهدمها، وأخذ ما كان فيها من المال والجواهر والفضة، وكان على ستمائة جمل، ونبش القبر وأحرق عظام أبيه وذراها في الريح. ومضى إلى صنعاء، فحلف شمس الدولة أنه لا ينتهي عنه حتى يقتله ويحرقه كما فعل بأبيه، وصار خلفه فرجع إلى زبيد، وعاد شمس الدولة إليها فظفر به، فأخذ ما كان معه وقتله وصلبه وحرقه كما فعل بعظام أبيه.
وفي تاريخ ابن كثير
(3)
: ولما وصل شمس الدولة زَبِيد، خرج إليه عبد النبي فقاتله، فانهزم، وأسره شمس الدولة وأسر زوجته الحرة، وكانت ذات أموال جزيلة، فاستقرها على أشياء جزيلة، وذخائر جليلة، ونهب الجيش زَبِيدَ، ثم سار إلى عدن فقاتله صاحبها ياسر، فهزمه توران شاه، وأخذ البلد بيسير [من الحصار]
(4)
ومنع الجيش من نهبها. وقال: ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لعمارتها وملكها. ثم سار في الناس سيرة حسنة عادلة فأحبوه. واستوسق
(5)
له ملك اليمن، وخَطب فيها للخليفة العباسي المستضيء
(6)
بأمر الله، وقتل الداعي المسمى بعبد النبي
(7)
.
(1)
"يحصي" في مرآة الزمان، ج 8، ص 89.
(2)
"يطوفون" في المرآة، ج 8، ص 189.
(3)
انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 293 - 294، حيث ينقل عنه العيني.
(4)
ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح من البداية والنهاية، ج 12، ص 293.
(5)
استوسقت الإبل أي اجتمعت. انظر: القاموس المحيط، ج 3، ص 299، مادة "وسق".
(6)
هو: أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر أحمد. بويع بالخلافة بعد أبيه وتلقب بالمستضيء. وكانت وفاته سنة 575 هـ/ 1179 م. انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 294؛ الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين، ج 1 ص 212 - 213.
(7)
إلى هنا انتهي نقل العيني عن البداية والنهاية بتصرف، ج 12، ص 293 - 294.
ومنها إرسال صلاح الدين بالهدايا إلى نور الدين رحمه الله.
قال ابن أبي طىّ
(1)
: وفي هذه السنة وصل رسول نور الدين، وهو الموفق بن القيسراني، واجتمع بالملك الناصر، وأنهى إليه رسالة نور الدين، وطالبه بحساب جميع ما حصَّله وارتفع إليه من ارتفاع
(2)
البلاد، فصعب ذلك على السلطان، وأراد شق العصا، لولا ما ثاب إليه من السكينة ثم أمر النواب بعمل الحساب، وعرضه على ابن القيسراني، وأراه جريدة
(3)
الأجناد بمبلغ إقطاع وكميات جامكيتهم
(4)
ورواتب نفقاتهم. فلما حصل عنده جميع ذلك، أرسل معه هدية
(5)
إلى نور الدين على يد الفقيه [عيسي]
(6)
. قال: ووقفت على برنامج شرحها بخط الموفق بن القيسراني وهي: خمس ختمات [إحداها]
(7)
ختمة ثلاثون جزءًا مغشاة بأطلس أزرق، مضببة بصفائح ذهب، وعليها أقفال ذهب، مكتوبة بذهب، بخط يانسي
(8)
؛ وختمة بخط راشد مغشاة
(1)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 558 حيث أورد أقوال ابن أبي طي؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 257؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 52.
(2)
الارتفاع: ما يتحصل من الدواوين عامة. انظر: السلوك، ج 1 ق 1، ص 52.
(3)
في الروضتين "جرائد الأجناد بمبالغ إقطاعهم وتعيين جامكياتهم" انظر: ج 1 ق 2، ص 558.
(4)
الجامكية: رواتب الجند بصفة عامة. انظر: صبح الأعشي، ج 3، ص 457؛ وانظر أيضًا: Dozy: Supp. Dict. Ar
(5)
انظر ذكر تفصيل الهدية في السلوك، ج 1 ق 1، ص 54 - 55.
(6)
"الساعي" في الأصل، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 558. وقد صحح العينى الاسم بعد ذلك حين ذكر تفصيل الهدية فيما بعد. وهو: الفقيه أبو محمد عيسي بن محمد بن عيسي بن محمد بن أحمد بن يوسف. ويقال له الهكاري، الملقب ضياء الدين. توفي بمنزلة الخروبة سنة 585 هـ/ 1189 م. انظر: الفتح القسى، ص 355؛ الكامل: ج 10، ص 190؛ مضمار الحقائق، ص 296 - 297؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 497.
(7)
"أحديها" في الأصل: والتصحيح من الروضتين، ج 1، ق 2، ص 558.
(8)
لعله الخط اليابس. وقد ذكر القلقشندي في صبح الأعشى أن ابن الحسين ذكر في كتابة "الأبحاث الجميلة في شرح العقيلة" في قلم الثلث: "أن الخط الكوفي فيه عدة أقلام مرجعها إلى أصلين وهما التقوير والبسط. فالمقور هو المعبر عنه الآن باللين
…
والمبسوط هو المعبر عنه الآن بالباب وهو ما لا انخساف وانحطاط فيه كالمحقق". انظر: صبح الأعشى، ج 3، ص 11. وقد ذكر فوزي سالم عفيفي في كتابه "نشأة وتطور الكتابة الخطية العربية": أن الخط اللين والخط اليابس كانا موجودين قبل الإسلام. بدليل النقوش النبطية التي تغلب عليها اليبوسة والليونة معا. انظر: ص 115.
بديباج فُسْتُقى عشرة أجزاء؛ وختمة بخط ابن البواب
(1)
، مجلد واحد بقفل ذهب؛ وختمة بخط مهلهل، جزء واحد، وختمة بخط الحاكم البغدادي؛ وثلاثة أحجار بلخش
(2)
، حجر وزنه اثنان وعشرون مثقالا، وحجر وزنه اثنا عشر مثقالا، وحجر وزنه عشرة مثاقيل ونصف؛ وست قصبات زمرد
(3)
، قصبة وزنها مثقالان وربع وسدس، وقصبة وزنها مثقالان وثلث، وقصبة وزنها مثقالان ونصف، وقصبة وزنها ثلاثة عشر مثقالا وثلث وربع، وقصبة وزنها ثلاثة مثاقيل؛ وحجر ياقوت وزنه سبعة مثاقيل؛ وحجر أزرق وزنه ستة مثاقيل وسدس؛ ومائة عقد جوهر مختومة وزنها
(4)
ثمانمائة وسبعة وخمسون مثقالا؛ و [خمسون]
(5)
قارورة دهن بلسان
(6)
، وعشرون قطعة بلور؛ [أربع عشرة قطعة]
(7)
جزع
(8)
، وذكر تفصيلها؛ إبريق يشم
(9)
، طشت يشم سقرق
(10)
مينا مذهب؛ صحون صيني وزبادي وسكارج
(11)
؛ أربعون قطعة عود طيب، قطعتين كبار؛ كرتان وزن أحديهما ثلاثون رطلا
(1)
هو: أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن الجواب الكاتب المشهور، لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب مثله ولا قاربه من خط الكوفيين. توفي سنة 423 هـ/ 1032 م، وقيل 413 هـ/ 1022 م. انظر، وفيات الأعيان، ج 3، ص 342؛ صبح الأعشي، ج 3، ص 13 ذكر "أن": ابن البواب هو الذي أكمل قواعد الخط وتممها واخترع غالب الأقلام التي أسسها ابن مقلة".
(2)
البلخش: يسمى اللَّعْلَ، وهو من نفائس الأحجار. انظر: صبح الأعشى، ج 2، ص 99 - 100.
(3)
لم يذكر أبو شامة في كتابه الروضتين غير خمس قصبات مع اختلاف في الترتيب. ج 1 ق 2، ص 558.
(4)
"وزنها جميعها" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 558.
(5)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 558 لاستقامة النص؛ انظر أيضًا: السلوك، ج 1 ق 1، ص 54.
(6)
البلسان: هو شجر كثير الوجود في سورية، له زهر أبيض صغير عطر في عناقيد منبسطة. الواحدة بيلسانة، كبير النفع في التفتيح والتحليل. انظر: محيط المحيط، ج 1 ص 150؛ Dozy: Supp. Dict. Ar
(7)
" وقطعة" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، الذي ينقل عنه العيني، ج 1 ق 2، ص 558.
(8)
الجَزع: هو الخرز اليماني. فيه سواد وبياض. والمقصود هنا الأنية المصنوعة من الصيني المجزع. انظر: Dozy: Supp. Dict. Ar.
(9)
اليشم: هو من الأحجار غير النفيسة. انظر: صبح الأعشي، ج 2، ص 118؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 224، حاشية 3 حيث ذكر أن: اليشم واليشب حجر ثمين قريب من الزبرجد، منه الأبيض والأصفر والزيتي؛ انظر أيضًا: نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، ص 70.
(10)
سقرق: لعلها محرفة عن السكرك. فقد ذكر في لسان العرب: "السُّكُرْكَة خمر الحبشة، وذكر في المعرب أن السكركة ضرب من الشراب تتخذه الحبش من الذرة، وهي تسكر. ولعل المقصود هنا الآنية الخاصة بهذا الشراب. انظر: لسان العرب مادتي "س ك ر" "س ك ر ك".؛ المعرب، ص 284؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 55.
(11)
الزبادي: جمع زبدية، وهي وعاء الشراب. وسكارج جمع سكُرُّجة: لفظة فارسية تعني الإناء الصغير أو الصحفة، يؤكل فيه الشيء القليل. انظر: لسان العرب، مادة "سكرج"؛ Dozy : Supp. Dict. Ar
بالمصري والأخرى [واحد]
(1)
وعشرون رطلا؛ ومائة ثوب أطلس؛ وأربعة وعشرون بَقْيَارا
(2)
مُذهبة؛ وأربعة وعشرون ثوبا حريريا؛ وأربعة وعشرون ثوبا من الوَشي حريرية بيض؛ حلة فلفلي مذهبة؛ حلة مرايش صفراء مُذهبة. وذكر غير ذلك أنواعا من القماش قيمتها مائتان وخمسة وعشرون ألف دينار مصرية، وعدة من الخيل والغلمان والجواري، وشيئًا كثيرا من السلاح على اختلاف ضروبه. قال: وخرجوا بهذه الهدية فلم تصل إلى نور الدين؛ لأنه
(3)
اتصل بهم وفاته، فمنها ما أعيد ومنها ما استهلك، لأن الفقيه عيسي وابن القيسراني وضعا [عليها من نهبها]
(4)
واستبدَّا بأكثرها. وقيل إنها وصلت جميعها إلى السلطان؛ لأنه اتصل به خبر موت نور الدين؛ فأنفذ من ردّها.
قال: وحدثني من شاهد هذه الهدية أنه كان معها عشرة صناديق مالًا لا يعلم
(5)
مقداره
(6)
.
ومنها أن صلاح الدين صلب في رمضان منها جماعة من أعيان المصريين؛ فإنهم قصدوا الوثوب عليه، وإعادة الدولة العلوية
(7)
، فعلم بهم وصلبهم عن آخرهم
(8)
. فمنهم عبد الصمد الكاتب، والقاضي [العورِيس]
(9)
، وداعى الدُعاة
(10)
، وعمارة بن على اليمني الشاعر الفقيه الشافعي.
(1)
"أحد" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين هو الصحيح لاستقامة النص.
(2)
بقيارا: كلمة فارسية ومعناها سجادة سوداء مصنوعة من وبر الجمل. انظر السلوك، ج 1 ق 1، ص 55، حاشية 4، وقد ذكر دوزي أنها نوع من العمائم الكبار كالتي يلبسها الوزراء وأصحاب القلم. انظر أيضا: مفرج الكروب، ج 3، ص 245، حاشية 2.
(3)
"لأنهم" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 559.
(4)
"وضعا عليهم من نهبهم" في نسختى المخطوطة. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين ج 1 ق 2، ص 559.
(5)
"لم يعلم"، في الروضتين ج 1 ق 2، ص 559.
(6)
نهاية قول ابن أبي طى المنقول من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 559.
(7)
قصد بها الدولة العبيدية وهي: الدولة الفاطمية نسبة إلى مؤسسها المهدي بالله أبو محمد عبيد الله بن الحسن بن محمد بن على الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، السبط ابن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم. وهي في الفترة ما بين 297 هـ - 567 هـ/ 910 م - 1171 م. انظر: الجوهر الثمين، ج 1، ص 241 - 243؛ تاريخ الدول الإسلامية، ج 1، ص 131 - 135.
(8)
انظر تفصيل هذه الحادثة في الكامل، ج 10، ص 53 - 55؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 560 - 564 وما بعدها؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 243 - 244؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 188؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 294 - 296؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 53 - 54.
(9)
"العويرس" في الأصل وكذا في الكامل، ج 10، ص 54؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 295؛ والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين نقلًا عن ابن أبي طى، ج 1 ق 2، ص 261. وهو القاضي الأعز أبا محمد الحسن بن علي بن سلامة، المعروف بالعوريس. انظر: اتعاظ الحنفا، ج 3، ص 278. وقد ذكر في السلوك، ج 1 ق 1، ص 53 أنه: سلامة العوريس.
(10)
هو: عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد القوي، داعي الدعاة. انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 295؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 53.
وفي تاريخ ابن كثير
(1)
: اجتمع نجم الدين عمارة الشاعر اليمني الفقيه الشافعي مع جماعة من رؤس الدولة الفاطمية الذين كانوا حكاما، فاتفقوا فيما بينهم أن يعيدوا الدولة الفاطمية، وكتبوا إلى الإفرنج يستدعونهم إليهم، وعينوا خليفة من ذرية الفاطميين، ووزيرا وأمراء في غيبة السلطان صلاح الدين ببلاد الكرك، ثم اتفق مجيؤه وحرض عمارة اليمني شمس الدولة توران شاه على المسير
(2)
إلى اليمن؛ ليخف الجيش ويضعف عن مقاومة الفرنج إذا قدموا لنصرة الفاطميين. فخرج توران شاه ولم يخرج معه عمارة إلى اليمن، بل أقام بالقاهرة يفيض في هذا الحديث، [ويداخل]
(3)
المتكلمين فيه، وكان من أكابر الدعاة إليه والمحرضين عليه. هذا وقد أدخلوا معهم في هذا الأمر بعض من ينسب إلى الملك الناصر؛ وذلك من قلة "عقلهم وكثرة جهلهم"
(4)
. فخانهم أحوج ما كانوا إليه، وهو الشيخ زين الدين علي بن نجا الواعظ
(5)
، جاء إلى السلطان الملك الناصر، فأخبره بما تمالأ القوم عليه، وبما انتهى أمرهم إليه، فأطلق له السلطان أموالا جزيلة، وأفاض عليه حللا جميلة، ثم استدعاهم السلطان واحدًا واحدًا، فقررهم فأقروا له بذلك، فاعتقلهم، ثم استفتى الفقهاء في أمرهم فأفتوه بقتلهم
(6)
، وتبدد شملهم. فعند ذلك أمر بصلب رؤوسهم وأعيانهم دون أتباعهم وغلمانهم، وأمر بنفي من بقي من جيش العبيديين إلى أقاصى البلاد، وأفرد ذرية العاضد وأهل بيته في دار، فلا يصل إليهم إصلاح ولا إفساد، وأجرى عليهم من الأرزاق كفايتهم
(7)
. وقد كان عمارة معاديا للقاضي الفاضل
(8)
فلما أحضر بين يدي السلطان، قام القاضي الفاضل فاجتمع
(1)
انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 294، حيث نقل العينى عنه بتصرف.
(2)
"المصير" في نسختى المخطوطة وهو خطأ. والمثبت من البداية والنهاية، ج 12، ص 294.
(3)
"ويتداخل" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من البداية والنهاية، ج 12، ص 294، وهو أولى.
(4)
"عقولهم وتعجيل دمارهم" في البداية والنهاية ج 12، ص 294.
(5)
هو: زين الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا بن غنايم الأنصاري. الفقيه الواعظ، المعروف بابن نجيّة. توفي سنة 599 هـ/ 1202 م بمصر. انظر: وفيات الأعيان، ج 2، ص 530؛ الذيل على الروضتين، ص 34، طبقات الحنابلة، ج 1، ص 436؛ الدارس، ج 2، ص 67.
(6)
عن هذه الحادثه انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 560 - 561.
(7)
"ما يليق بهم من الأرزاق والثياب" في البداية والنهاية: ج 12، ص 295.
(8)
هو: أبو على عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن البيساني، المولى الأجل القاضي الفاضل. وقد عاصر فترتين من فترات الحكم في مصر، سقوط الفاطمي وقيام الأيوبي. كما كان صاحب ديوان الإنشاء في عهدي شيركوه وصلاح الدين وقد جعله صلاح الدين كاتبه وصاحبه ووزيره، واعتمد عليه في كل ما يتعلق بشئون دولته. توفي بالقاهرة، سنة 596 هـ/ 1200 م. انظر: خريدة القصر، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 35؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 158؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 27 - 29.
بالسلطان ليشفع فيه، فتوهم [عمارة]
(1)
أنه يكلمه فيه فقال: يا مولانا السلطان لا تسمع منه. فغضب القاضي الفاضل، ونهض وخرج من القصر، فقال له السلطان: إنه كان قد شفع فيك، فندم ندمًا عظيمًا، ولما ذهب به ليُصْلب اجتاز بدار القاضي، فطلبه، فتغيب عنه، فأنشد عند ذلك:
عُبَيدُ
(2)
الرحيم قد احْتجَبْ
…
إنَّ الخلاصَ هو الْعَجَبْ
(3)
وفي تاريخ الدولتين
(4)
: وكان صلب المذكورين يوم السبت ثاني شهر رمضان، وكان الذين صلبوا منهم: المفضل
(5)
بن كامل
(6)
القاضي، وابن عبد القوى الداعي، والعوريس
(7)
، وكان قد تولى ديوان النظر
(8)
ثم القضاء بعد ذلك، وشبرما
(9)
كاتب السر، وعبد الصمد أحد أمراء المصريين، ونجاح الحمامي، ورجل منجم نصراني أرمني، كان قال لهم إن أمرهم يتم بطريق علم النجوم، وعمارة اليمنى الشاعر.
قال العماد في البرق: ووصل من صلاح الدين يوم وفاة نور الدين إلى دمشق كتاب يتضمن هذه القضية، وهو بخط ابن قريش يعني المرتضي
(10)
. وفي قضية عماره هذه
(1)
ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 12، ص 295.
(2)
"عبد" في البداية والنهاية، ج 12، ص 295.
(3)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 569.
(4)
انظر: الروضتين ج 1، ق 2، ص 560 - 562. حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(5)
"الفضل" في نسخة ب، أما المقريزي فقد ذكر في السلوك، ج 1 ق 1، ص 53: أنه: القاضي المفضل ضياء الدين نصر الله بن عبد الله بن كامل وهو خطأ. وقد ذكر العماد أنه: أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل، القاضي المفضل، قاضي قضاة الديار المصرية زمن الفاطميين، الملقب بفخر الأمناء. انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 186 - 187؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 295؛ اتعاظ الحنفا، ج 3، ص 223، 278، 318. ويؤيد ذلك ما ذكر في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 561.
(6)
"ابن كامل" مكرر في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين ج 1 ق 2، ص 561.
(7)
"العورس" في نسخه ب.
(8)
تقاصر منصب الوزارة بمصر منذ عصر الأيوبين وشارك الوزير في أعماله وتصريفها النظارُ. وتنوعت ألقاب هؤلاء بحسب الأعمال التي آلت إليهم فمنهم ناظر الدولة ويسمى أيضًا ناظر الدواوين وأحيانا ناظر النظار أو الصاحب الشريف. وعمله مشاركة الوزير في التصرف عامة، والنظر في المالية وأرزاق أصحاب القلم من الموظفين خاصة. ومقره ديوان النظر. انظر: صبح الأعشى، ج 5، ص 465 - 466.
(9)
"شهريا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 561؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 57.
(10)
هو: القاضي المرتضي صفي الدين أبو المجد عبد الرحمن بن علي بن عبد العزيز بن على بن قريش المخزومي، أحد كتاب الإنشاء في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو صاحب قيسارية ابن قريش بالقاهرة. قتل شهيدا على عكا سنة 586 هـ/ 1190 م. المقريزي: الخطط، ج 2 ص 86.
يقول: العلامة تاج الدين
(1)
الكندي رحمه الله قال أبو شامة
(2)
: نقلته من خطه:
عُمارَةُ في الإسلام أبْدَى خيانةً
(3)
…
وبايعَ فيها بَيْعةً وصَليبَا
وأمسى شريكَ الشِّرك في بُعض أحمد
…
فأصْبح في حُبِّ الصَّليبِ صَليبَا
وكان حثيث
(4)
الملتقَى إنْ عَجَمْتَهُ
…
تجِدْ منه عُودًا في التِّفاق صَليبَا
سيلقى غدًا ما كان يَسْعَى لأجْله
…
ويُسْقى صَديدًا في لظى وصَليبَا
قلت
(5)
: الصليب الأول صليب النصارى، والثاني بمعني مصلوب، والثالث من الصلابة، والرابع وَدَك العظام. وقيل هو الصديد أي يُسقى ما يسيل من أهل النار، نعوذ بالله منها
(6)
. وقال ابن أبي طىّ الحلبي: وكان
(7)
داعى الدعاة يعلم بدفائن القصر، فعوقب؛ ليُعْلِم بها، فامتنع من ذلك، فمات واندرست.
ذكر ماجريات نور الدين رحمه الله
منها أن نور الدين قد فتح من حصون الروم مرعش
(8)
وغيرها
(9)
، ومليح بن لاون متملك الأرمن في خدمته
(10)
، ووصل إلى خدمته أيضا ضياء الدين مسعود بن
(1)
هو: الشيخ العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي المقرئ النحوى الأديب. توفي سنة 613 هـ/ 1216 م. انظر: الذيل على الروضتين، ص 95 - 99؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 339؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 78 - 81.
(2)
ينقل العيني قول تاج الدين الكندي من الروضتين ج 1 ق 2، ص 566، وانظر أيضا قول الكندي في النكت العصرية، ص 397؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 296، ج 13، ص 80 - 81 حيث أورد الأبيات بطريقة مختلفة.
(3)
"جناية" في الروضتين ج 1 ق 2، ص 566 الذي ينقل عنه العيني؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 296.
(4)
"خبيث" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 566.
(5)
القول هنا لأبي شامة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 566.
(6)
انتهى نقل العيني بتصرف من الروضتين، وقد أورد أبو شامة بعد ذلك أبياتا كثيرة لعمارة في مدح الفاطميين. انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 566 - 569.
(7)
بالرجوع إلى الروضتين وجدنا أن هذا القول هو للعماد وليس لابن أبي طي. انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 561.
(8)
مرعش: مدينة في الثغور بين الشام وبلاد الروم وفي وسطها حصن. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 498؛ تقويم البلدان، ص 262.
(9)
انظر ذكر باقي الحصون في الباهر، ص 160؛ الكامل، ج 10، ص 48؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 192؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 542 - 544؛ زبدة الحلب، ج 2، ص 337 - 338.
(10)
يذكر ابن الأثير في كتابه الباهر دواعي استخدام نور الدين لمليح بن ليون بالتفصيل. انظر: الباهر، ص 169؛ الكامل، ج 10، ص 46؛ زبدة الحلب، ج 2 ص 337. وهو مليح بن ليون الأرمني صاحب بلاد الدروب المجاورة لحلب.
قفجاق
(1)
صاحب ملطية
(2)
، وكان في خدمته أيضا الأمراء من البلاد
(3)
، وأظهر أنه ينزل على قلعة الروم
(4)
على
(5)
الفرات، فبذل له صاحبها خمسين ألف دينار على سبيل الجزية، ثم عاد إلى حلب، وأراد أن يُسرع إلى دمشق، فتوقف لمرض سَرِيته، فتصدق عنها بألوف، والتزم لله في شفائها بنذور ووقوف، ثم سيرها في محفة تحمل على أيدي الرجال، وتأخر نور الدين جريدة مع عدة من مماليكه، ثم سار على طريق سَلَمْية
(6)
، فجاءَه الخبر أن الفرنج قد أغارت على حوران
(7)
، فثنى إلى الجهاد العنان، وسمع الفرنج به فتفرقوا، ودخل دمشق
(8)
.
ومنها أنه في جمادى الأولى أبطل فريضة الأتبان
(9)
، وكتب بذلك منشورًا
(10)
وعلامته بخطه "الحمد لله". يقول فيه: وبعد فإن من سُنتنا العادلة، وسير آبائنا الزاهرة، وعوائد دولتنا القاهرة، إشاعة المعروف، وإغاثة الملهوف، وإنصاف المظلوم، وإعفاء رسم ما سنّه الظالمون من جائرات الرسُوم. ومانزال نجدِّد للرعيّة رسمًا من الإحسان يرتعون في رياضة، ويرتوون من
(11)
حياضه، ونستقرئ أعمال بلادنا المحروسة، ونصفّيها من الشبه والشوائب، ونلحق ما يعثر عليه من بواقي رسومها الضائرة بما أسقطناه من المكوس
(1)
هكذا ورد الاسم في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 549. وقد أجمعت المصادر على أن ملطية وسيواس كانتا تابعتين لسلاجقة الروم وبالتحديد لعز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن أرسلان بيغو بن سلجوق سلطان الروم. الذي حكم من سنة 551 هـ - 584 هـ/1156 - 1188 م - المتوفي سنة 588 هـ/ 1192 م. انظر: الباهر، ص 160، 169؛ الكامل، ج 10، ص 48؛ زبدة الحلب، ج 2، ص 337؛ مفرج الكروب، ج 2، ص 411 - 413؛ تاريخ الدول الإسلامية، ج 1، ص 313 - 325.
(2)
بلدة من بلاد الروم مشهورة تتاخم الشام. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 633 - 634.
(3)
أوضح أبو شامة البلاد بأنها هي: المِجْدل، وهي بلد من إقليم الخابور إلى جانبه تل عليه قصر، والخابور: اسم نهر كبير بين رأس عين والفرات. انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 549 - 550، وانظر أيضًا: معجم البلدان، ج 4 ص 418.
(4)
هي قلعة حصينة في غربى الفرات مقابل البيرة بينها وبين سميساط. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 787.
(5)
"من" في نسخة ب.
(6)
هي: بليدة في ناحية البرية من أعمال حماة. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 123 - 124.
(7)
هي: كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة ذات قرى كثيرة. ياقوت، معجم البلدان، ج 2، ص 357 - 358.
(8)
انظر هذا الخبر بالتفصيل في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 549 - 550.
(9)
عن فريضة الأتبان انظر: ابن مماتي: قوانين الدواوين، ص 344.
(10)
انظر نص هذا المنشور في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 550 - 551.
(11)
"في" نسخة ب.
والضرائب؛ تقربا إلى الله تعالى، الكافل لنا بسبوغ المواهب وبلوغ المطالب. وقد أطلقنا جميع ما جرت العادة بأخذه من فريضة الأتبان المقسطة على أعمال دمشق المحروسة، وضياع الغوطة، والمرج، وجبل سنير
(1)
، وقصر حجاج
(2)
، والشاغور
(3)
، والعقيبة
(4)
، ومزارعها الجارية في الأملاك، وجميع ما يُقسّط بعد المقاسمة من الأتبان على الضياع الخواص والمقْطعة، بسائر الأعمال المذكورة، ووفّرناه على أربابه؛ طلبًا لمرضاة الله وعظيم أجره وثوابه، وهربًا من انتقامه وأليم عقابه. وسبيل الثواب
(5)
إطلاق ذلك على الدوام، وتعفية آثاره، [والاستعفاء]
(6)
من أوزاره، والاحتراز من التدنس بأوضاره، وإبطال رسمه من الدواوين؛ لاستقبال سنة تسع وستين، وما بعدها على تعاقب الأيام والسنين.
ومنها أن نور الدين تكلف في هذه السنة بإفادة الألطاف، والزيادة في الأوقاف، وتكثير الصدقات، وتوفير النفقات، وكسوة النسوة الأيامي في أيامها، وإغناء فقراء الرعية وإنجادها بعد إعدامها، وصَون الأيتام والأرامل ببَذله، وعون الضعفاء وتقوية المقوين بعدله
(7)
.
ذكر وفاة نور الدين
والكلام فيه على أنواع:
الأول في ترجمته: هو السلطان الجليل الملك العادل، أبو الغنائم، نور الدين محمود
(8)
بن الملك الأتابك، قسيم الدولة عماد الدين أبي سعيد زنكي، ابن الملك آقسنقر الأتابك الملقب بقسيم الدولة أيضا، المعروف بالحاجب بن عبد الله. وكان
(1)
"شنير" في نسختى المخطوطة أ، ب، وبالبحث لم نجد هذه الكلمة، وإنما وجدنا سنير، وهو جبل بين حَمص وبعلبك على الطريق، وعلى رأسه قلعة سنير. ويمتد غربا إلى بعلبك وشرقا إلى سلمية. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 170؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 551.
(2)
قصر حجاج: محلة كبيرة في ظاهر باب الجابية من دمشق، قيل إنه ينسب إلى حجاج بن عبد الملك بن مروان. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 110.
(3)
الشاغور: محلة بالباب الصغير من دمشق بظاهر المدينة. معجم البلدان، ج 3، ص 236.
(4)
يذكر القلقشندي أن العقيبة تقع في الجانب الشمالي من دمشق وهي مدينة مستقلة بذاتها ذات أبنية جليلة وعمائر ضخمة. انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 94.
(5)
"النّواب" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 551.
(6)
"الاستغناء" كذا في نسخة أ، والمثبت من نسخة ب؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 551.
(7)
انظر قول العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 556.
(8)
انظر ترجمته في الباهر، ص 4 وما بعدها؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 195؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 556 وما بعدها؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 184 رقم 715؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 297 - 304.
آقسنقر
(1)
مملوك السلطان ملكشاه
(2)
ابن السلطان ألب أرسلان السلجوقي كما ذكرنا. فنور الدين أيضا تركي سلجوقي ولاءً، ولد وقت
(3)
طلوع الشمس يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة بحلب، ونشأ في كفالة والده، صاحب حلب والموصل وغيرهما من البلدان الكثيرة، وتعلم الفروسية والرمي.
الثاني في ألقابه: السلطان الملك العادل العالم العامل الزاهد العابد الورع المجاهد المرابط نور الدين، وعدته ركن الدين، وسيفه قسيم الدولة، وعمادها اختيار الخلافة، ومقرها ورضى الإمامة وأمرها فخر الملة ومخبرها شمس المعالى، وفلكها سيد ملوك الشرق والغرب، وسلطانها محيى العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين. ثم إن نور الدين أسقط الجميع قبل موته، وقال: اللهم وأصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي.
ورُوى أنه كتب رقعة بخطه إلى وزيره خالد بن القيسراني، يأمره أن يكتب له صورة ما يدعى له "به"
(4)
على المنابر، وكان مقصوده صيانة الخطيب عن الكذب، ولئلا يقول ما ليس فيه، فكتب ابن القيسراني كلامًا، ودعا له فيه، ثم قال: وأرى أن يقال على المنبر: اللهم وأصلح عبدك الفقير إلى رحمتك، الخاضع لهيبتك، المعتصم بقوتك، المجاهد في سبيلك، المرابط لأعداء دينك، أبا القاسم محمود بن زنكي، ابن آقسنقر، ناصر أمير المؤمنين. فإن هذا ما يدخله كذب ولا تزيده
(5)
. فكتب نور الدين على رأسها بخطه: مقصودي أن لا يكذب على المنبر، أنا بخلاف كل ما يقال، [لا]
(6)
أفرح بما لا أعمل.
(1)
هو: أبو سعيد آق سنقر بن عبد الله، الملقب قسيم الدولة، المعروف بالحاجب. جد البيت الأتابكى أصحاب الموصل. قتله تاج الدولة تتش سنة 487 هـ/ 1094 م. وهو غير آق سنقر البرسقي الذي قتلته الباطنية سنة 521 هـ/ 1127 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 1؛ ص 241؛ الكامل، ج 8، ص 494 - 495؛ البداية والنهاية: ج 12 ص 157؛ النجوم، ج 5، ص 141.
(2)
هو: أبو الفتح ملكشاه بن ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق، الملقب جلال الدولة. كان من أحسن ملوك السلاجقة سيرة حتى كان يلقب بالسلطان العادل. حكم من 465 هـ - 485 هـ / 1073 - 1092 م. وتوفي سنة 485 هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان، ج 5، ص 283؛ الكامل، ج 8، ص 481 - 484؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 151 - 153. وعن السلاجقة في غرب آسيا انظر: تاريخ الدول الإسلامية، ص 313 - 322.
(3)
"قبل" في نسخة ب.
(4)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(5)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 1، ص 30.
(6)
ما بين الحاصرتين إضافة لاستقامة النص.
الثالث في صفته: قال ابن خلكان
(1)
: كان أسمر اللون، طويل القامة، حسن الصورة، ليس بوجهه شعر سوى ذقنه. وقال ابن كثير
(2)
: كان حلو العينين، واسع الجبين، تركي الشكل، ليس له لحية إلا في حنكهـ. وفي المرآة
(3)
: وكان معتدل القامة، واسع الجبهة، بلحيته شعرات خفيفة في حنكهـ. ونشأ على الخير والصلاح وقراءة القرآن والعبادة.
الرابع في سيرته: كان ملكا مهيبا متواضعا، عليه جلالة ونور، [يعظم الإسلام وقواعد الدين، ويعظم الشرع
(4)
]. وقال ابن خلكان
(5)
: وكان ملكا عادلا، زاهدا، عابدًا، ورعًا، مستمسكا بالشريعة، مائلا إلى أهل الخير، مجاهدًا في سبيل الله.
وفي تاريخ الدولتين
(6)
: ولقد كان من أولياء الله المؤمنين، وعباده الصالحين، وجمع الله له من العقل المتين، والرأي الثاقب الرصين، والاقتداء بسيرة السلف الماضيين، والتشبه بالعلماءِ والصالحين، والإصغاء لسيرة مَن سلف منهم في حسن سمتهم، والاتباع لهم في حفظ حالهم ووقتهم، حتي روي في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وأسمعه. وكان قد استجيز له ممن سمعه وجمعه؛ حرصا منه على الخير في نشر السنة بالأداءِ والتحديث، رجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثًا، كما جاء في الحديث. فمن رآه شاهد من جلال
(7)
السلطنة، وهيبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره. يحبُ الصالحين، ويؤاخيهم، ويزورُ مساكنهم. لحسن ظنه فيهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوَّج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم؛ ومتى تكررت الشكاية إليه من أحد من ولاته، أمره بالكف عن أذى من تظَّلم
(1)
انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 188.
(2)
انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 304؛ النجوم الزاهرة، ج 6، ص 71.
(3)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 192.
(4)
"عليه جلالة ونور الإسلام وتعظيم قواعد الشرع" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من البداية والنهاية ج 12، ص 302 لدقة المعنى.
(5)
انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 185.
(6)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 580 - 581 حيث ينقل العيني بتصرف عن أبي شامة.
(7)
"خلال" في الروضتين، ج 1 ق 2 ص 581، الذي ينقل عنه العيني. ويبدو أن هذا خطأ مطبعي في الروضتين.
بشكاته، فمن لم يرجع منهم إلى العدل، قابله بإسقاط المنزلة والعزل. فلما جمع الله له من شريف الخصال، يسر له جميع ما يقصده من الأعمال، وسهل على يديه فتوح
(1)
الحصون والقلاع، ومكن له في البلدان والبقاع
(2)
.
وفي تاريخ ابن العميد: وكان ملكا عظيما، جليلا، عابدًا، سخيا، كريما، صالحا، معدودا من الأبدال
(3)
. وفي تاريخ ابن العميد: ولما اشتهر من قلة ابتهاجه بالشعر، لما علم من تزيد الشعراء، وهي طريقة عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) زاهد الخلفاء.
قال يحيى بن محمد الوهراني في مقامة له، وقد سئل في بغداد عن نور الدين: هو سهم للدولة سديد، وركن للخلافة شديد، وأمين زاهد وملك مجاهد، تُساعده الأفلاك، وتعضده الجيوش والأملاك، غير أنه عرف بالمرعى الوبَيل لابن السبيل، وبالمحل الجدب
(4)
للشاعر الأديب، فما يرزي ولا يعزى، وما لشاعر عنده من نعمة تجزي، وإياه عُنى أسامة بن منقذ
(5)
بقوله:
سلطاننا زاهد والناسُ قد زهدوا
…
[له]
(6)
فكلٌّ على الخيرات مُنكمشُ
أيامُه مثل شهر الصوم طاهرةٌ
…
من المعاصي وفيها الجوعُ والعطشُ
وقال صاحب التاريخ: ما كان يبذل أموال المسلمين إلا في الجهاد، وما يعود نفعه على العباد، وكان كما قيل في حق عبد الله بن محيريز؛ وهو من سادات التابعين بالشام. قال يعقوب بن سفيان الحافظ: حدثنا ضمرة عن الشيباني
(7)
قال: كان ابن الديلمي من
(1)
"فتح" في نسخة ب.
(2)
عن هذه الصفة لنور الدين انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 583، حيث ينقل أبو شامة هذا القول عن ابن عساكر.
(3)
الأبدال: قوم بهم يقيم الله عز وجل الأرض وهم سبعون؛ أربعون بالشام وثلاثون بغيرها، لا يموت أحدهم إلا قام مكانه آخر من سائر الناس. انظر: الفيروزآبادي: القاموس المحيط، مادة بدل، ج 3، ص 344؛ ابن عربي: الفتوحات المكية، السفر الأول، ص 53، ط. هيئة الكتاب، القاهرة 1985 م.
(4)
"الجديب" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 584.
(5)
هو: أبو المظفر أسامة بن مرشد بن على بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الشيزري، مؤيد الدولة مجد الدين، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم. له تصانيف عديدة في فنون الأدب. توفي سنة 584 هـ/ 1188 م. انظر: ترجمته في الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 498 - 547؛ وفيات الأعيان، ج 1، ص 195.
(6)
ما بين الحاصرتين إضافة من الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 516؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 584.
(7)
"ضمرة الشيباني" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 584.
أنصر الناس لإخوانه، فذكر ابن محيريز في مجلسه، فقال رجل:"كان رجلا بخيلا"
(1)
، فغضب ابن الديلمي وقال: كان جوادا حيث يحب الله، بخيلا حيث تحبون. وأما شعر ابن منقذ فلا اعتبار به، فهو القائل في ليلة الميلاد يمدح نور الدين:
في كلِّ عامٍ للبريَّة ليلةً
…
فيها [تُشَبُّ]
(2)
النارُ بالإيقادِ
لكِنْ لنورِ الدّين مِن دُونِ الوَرى
…
نارينِ نارُ قِرًى ونارُ جهادِ
أبدًا يُصَرِّفُها نداهُ وبأسُه
…
فالعامُ أجمعُ ليلةَ الميلادِ
مَلكٌ له في كلِّ جِيدٍ مِنَّةٌ
…
أَبْهَي من الأَطْواقِ في الأَجْيادِ
أعلى الملوكَ يدًا وأمْنعُهم حِمًى
…
وأمَدُّهم كفًا ببَذْل تلادِ
يعْطِى الجَزيلَ من النوالِ تبرُّعًا
…
مِن غيرِ مَسْألةٍ ولا مِيعادِ
لازالَ في سَعْدٍ ومُلْكٍ دائمٍ
…
ما دامَت الدُّنيا بغيرِ نفادِ
ولقد أكثر ابن منير
(3)
، وابن القيسراني
(4)
، والعماد الكاتب وغيرهم من مدح نورَ الدين بالكرم والجود، "وذلك كله"
(5)
يردّ قول الوهراني
(6)
وابن منقذ. على أن ابن منقذ قد رددنا شعره لشعره كما تراه. وإنما الشعراء وأكثر الناس كما قال الله [تعالى]
(7)
في وصف قوم: {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا [مِنْهَا]
(8)
إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}.
وما كل وقت يتفق العطاء، ويفعل الله ما يشاء.
(1)
"رجل كان بخيلًا" في الروضتين عن الحافظ ابن عساكر، ج 1 ق 2، ص 584.
(2)
"يشب" في نسخته المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 584.
(3)
هو: أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي، الملقب مهذب الدين. كان شاعرا مجيدا مكثرا هجاءً معارضا للقيسراني في زمانه. توفي بحلب سنة 548 هـ / 1153 م. انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 76 - 95؛ وفيات الأعيان، ج 1، ص 156.
(4)
ابن القيسراني: أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير بن داغر المخزومي الخالدي الحلبي، الملقب شرف الدين. كان هو وابن منير شاعرى الشام في ذلك العصر. توفي بدمشق سنة 548 هـ. انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 96 - 160. وقد ذكر أبو شامة أشعار كثيرة لهما وللعماد في مدح نور الدين انظر: الروضتين، ج 1 ق 1، ص 44 - 58؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 458.
(5)
"ما قليل منه" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 585.
(6)
"المهراني" في نسخة ب.
(7)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 585.
(8)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من سورة التوبة: آية (58).
الخامس في شجاعته
(1)
: كان يقال إنه لم يُر على ظهر الفَرس أحسن ولا أثبت منه، وكان حسن اللعب بالأكرة
(2)
، وربما ضربها، ثم يسوق وراءها، ويأخذها من الهواء بيده، ثم يرميها إلى آخر الميدان، ولم يُرَ جوكانه
(3)
يعلو على رأسه، ولا يرى الجوكان في يده؛ لأن الكم ساتر لها. كان شجاعا صبورا في الحرب، يضرب به المثل في ذلك، وكان يقول: قد تعرضت للشهادة غير مرة. فقال له يوما الفقيه قطب الدين النيسابوري: بالله يا مولانا [لا]
(4)
تخاطر بنفسك؛ فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد. فقال: أسكت يا قطب الدين، من هو محمود؟! [و]
(5)
من كان يحفظ البلاد قبلى؟! الله الذي لا إله إلا هو. قال: فبكى من حضر. وكان إذا حضر الحرب شد تركاشين
(6)
، وحمل قوسين، وباشر الحرب بنفسه، وشجاعته ظاهرة في غزواته وفتوحاته على ما ذكر في السنين المتقدمة.
السادس في ورعه وزهده: وقال ابن الأثير في تاريخه
(7)
: قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين من قبل الإسلام إلى يومنا هذا، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم ملكًا أحسن سيرة من نور الدين، ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه.
وقال الحافظ ابن عساكر
(8)
رحمه الله: وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف فيما يخصه إلا من مِلك اشتراه من سهمه من غنائم الكفار، وكان يُحضر الفقهاء ويستفتيهم فيما يحل له من تناول الأموال، فأفتوه من جهات عينوها، فلم يتعد إلى غيرها، ولم
(1)
انظر: الباهر، ص 168 - 169؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 300؛ الروضتين، ج 1 ق 1، ص 18 - 19.
(2)
هي: لعبة الكرة وهي اللعبة المعروفة الآن باسم Polo . وعن تعريف هذه اللعبة ووصف هيئة السلطان للعب بالميدان الأكبر. انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 47؛ السلوك، ج 1 ق 2، ص 444.
(3)
الجوكان: هو المحجن الذي تضرب به الكرة ويعبر عنه بالصولجان. انظر: صبح الأعشي، ج 5، ص 458؛ السلوك، ج 1 ق 2، ص 435.
(4)
ما بين الحاصرتين ساقط من أ، والمثبت من ب.
(5)
ما بين الحاصرتين ساقط من أ، والمثبت من ب.
(6)
مثني تركاش؛ وهو لفظ فارسي الأصل، ومعناه الكنانة أو الجعبة التي توضع فيها النشاب. انظر. Dozy : Supp. Dict. Ar؛ السلوك، ج 1 ق 2، ص 371.
(7)
انظر: الباهر، ص 163 حيث ينقل العينى عنه بتصرف، وانظر أيضا: الكامل، ج 10، ص 56 - 57.
(8)
ورد هذا النص في الباهر نقلا عن ابن عساكر، ص 164؛ الروضتين، ج 1 ق 1، ص 11.
يلبس حريرا قط، ولا ذهبا ولا فضة، ومنع من بيع الخمر في بلاده، وكان يحد شاربها، والناس عنده سواء في ذلك، وكان كثير الصيام، وله أوراد في الليل والنهار، وكان يقدم أشغال المسلمين عليها، ثم يتم أوراده
(1)
.
وكان قد تزوج الخاتون
(2)
بنت معين الدين [أُنر]
(3)
، فطلبت منه زيادة نفقة، وقال: قد فرضتها ما يكفيها، والله لا أخوض جهنم بسببها، وهذه الأموال ليست لى، وإنما هي للمسلمين، وأنا خازنهم، فلا أخونهم فيها، ولي بحمص ثلاثة
(4)
دكاكين، اشتريتها من الغنائم، قد وهبتها لها، وكان يحصل منها قدر يسير
(5)
.
وكان أول من بنى دار العدل
(6)
بدمشق، وسماها دار الكشف؛ وسببه أن الأمراء لما قدموا دمشق اقتنوا الأملاك، واستطالوا على الناس خصوصًا أسد الدين شيركوه
(7)
، وكثرت الشكاوى إلى القاضي [كمال الدين]
(8)
، فلم يقدر على الإنصاف من أسد الدين، فشكوا إلى نور الدين، وأمر ببناء دار العدل، فأحضر أسد الدين شيركوه أصحابه
(1)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 193.
(2)
هي: الست خاتون عصمت الدين بنت معين الدين أُنر. توفيت سنة 581 هـ/ 1085 م. انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 339؛ الشذرات، ج 4، ص 272.
(3)
"أنز" في الأصل؛ الكامل، ج 9، ص 364؛ الشذرات، ج 4، ص 138. أما مرآة الزمان، ج 8، ص 122 - 123 فقد ورد الاسم "أبر". والمثبت بين الحاصرتين من ذيل تاريخ دمشق، ص 288 - 306؛ الباهر، ص 58. وهو: معين الدين أُنر بن عبد الله، تولى منصب الاسفهسلار بدمشق زمن النوريين سنة 532 هـ/ 1038 م، ثم ارتفع شأنه حتي حاصر نور الدين دمشق، فتصالحا وتزوج نور الدين ابنته. توفي سنة 544 هـ/ 1149 م.
(4)
"ثلاث" في نسختى المخطوطة أ، ب والصحيح لغويا ما أثبتناه.
(5)
عن معاملة نور الدين لزوجته انظر: الباهر، ص 164 حيث ينقل عنه العيني باختصار.
(6)
عن دار العدل بالتفصيل انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 194 - 195. وعن جلوس السلطان بدار العدل لخلاص المظالم انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 44.
(7)
هو أبو الحارث شيركوه بن شاذي بن مروان، الملك المنصور، أسد الدين، عم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولاه العاضد الفاطمي الوزارة بمصر سنة 564 هـ/ 1069 م، فأقام بها شهرين وخمسة أيام. ثم توفى فجأة في نفس السنة، فتولى الوزارة صلاح الدين من بعده. انظر: الكامل، ج 10، ص 15 - 16، الباهر، ص 43 - 44؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 479؛ الروضتين، ج 1 ق 1، ص 405 - 406.
(8)
ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح من الباهر. وانظر ما سيأتي ص 157. وهو: القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري، الفقيه الشافعي. بني مدرسة بالموصل للشافعية. كان في خدمة نور الدين محمود بعد والده عماد الدين زنكي. كان فقيها أديبا شاعرا. توفي بدمشق سنة 572 هـ/ 1176 م. انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 2، ص 323 - 327؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 241 - 244؛ طبقات الشافعية، ج 4، ص 74 - 76.
وديوانه، وقال: إن نور الدين ما بني هذه الدار إلا بسببي وحدي؛ لينتقم مني، وإلا فمن هو الذي يمتنع على كمال الدين، والله لإن أحضرت إلى دار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه، فإن كان بينكم وبين أحد منازعة فأرضوه مهما أمكن، ولو أتي على جميع ما في يدي، فإن خروج أملاكي من يدي أهون من أن يراني نور الدين بعين ظالم، ويسوى بيني وبين آحاد العوام، ففعلوا وأرضوا الخصوم. فجلس نور الدين في دار العدل، وقال للقاضي: ما أري أحدا يشكو من شيركوه، فأخبره الخبر، فسجد وقال: الحمد لله الذي جعل أصحابنا ينصفون من نفوسهم قبل حضورهم عندنا.
وكان نور الدين يقعد في دار العدل في كل أسبوع أربعة أيام أو خمسة
(1)
، ويحضر عنده العلماء والفقهاء، ويأمر بإزالة الحاجب والبواب، ويوصل إليه الشيخ الضعيف والعجوز الكبيرة، ويسأل الفقهاء عما أشكل عليه.
وكان إذا مات أحد من جنده أو قتل وله ولد؛ فإن كان كبيرا أقر الإقطاع عليه، وإن كان صغيرا رتب معه من يتولى أمره إلى أن يكبر
(2)
.
وما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده؛ من هيبته
(3)
، فإذا دخل عليه فقير أو عالم أو رب خرقة
(4)
قام ومشى إليه، وأجلسه إلى جانبه، ويعطيهم الأموال، فإذا قيل له في ذلك، يقول: هؤلاء لهم حق في بيت المال، فإذا قنعوا منا ببعضه، فلهم المنة علينا
(5)
.
وأسقط ما كان يؤخذ من دار بطيخ
(6)
، وسوق الخيل والغنم، والكيالة، وجميع المكوس
(7)
. وعاقب على شرب الخمر.
(1)
"وكان يجلس في الأسبوع يومين" كذا في الباهر، ص 168 ويوافق العيني في روايته ما ورد في المرآة، ج 8، ص 194؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 299.
(2)
انظر: الباهر، ص 169. حيث يوضح نظام الإقطاع في دولة نور الدين؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 280 حيث تعليق د. الشيال على ذلك.
(3)
عن وقاره وهيبته، انظر الباهر، ص 172 - 173؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 301.
(4)
هم المتصوفة. والخرقة: هي خرقة التصوف. وهي ما يلبسه المريد من يد شيخه الذي يدخل في إرادته ويتوب على يده، انظر: كشاف اصطلاحات الفنون، ج 2، ص 224.
(5)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 192؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 301.
(6)
دار البطيخ: محلة ببغداد كانت تباع فيها الفواكه، توجد في درب الأساكفة بجانب درب الخير، ثم نقلت إلى الكرخ، انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 517؛ الدارس، ج 2، ص 314.
(7)
عن ابطال نور الدين للمكوس انظر: ذيل تاريخ دمشق، ص 329؛ الباهر، ص 166؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 280 - 281.
وكان كثير المطالعة في الكتب الدينية، متبعا الآثار النبوية، مواظبا على الصلوات الخمس في الجماعات، عاكفا على تلاوة القرآن، حريصا على فعل الخير، عفيف البطن والفرج، مقتصدا في الإنفاق، متحريا في المطعم والمشرب والملبس. لم تسمع منه كلمة فحش قط، لا في رضاه ولا في غضبه، هذا مع ما جمع الله فيه من العقل المتين، والرأي الصائب الرصين، والاقتداء بسنة السلف الصالحين حتي روي حديث المصطفى [وأسمعه]
(1)
، وكان قد استجيز له ممن سمعه وجمعه؛ حرصا منه على الخير، ونشر السنة والتحديث، ورجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثًا، كما جاء في الحديث. وكان يكتب خطًا حسنا، وكان عارفًا بمذهب أبي حنيفة (رضي الله عنه)، وليس عنده تعصب على أحد، والمذاهب كلها سواء.
وقال ابن الأثير
(2)
: وكان يوما يلعب بالأكرة في ميدان دمشق، فجاء رجل، فوقف بإزائه، وأشار إليه، فقال للحاجب: أسأله ما حاجته، فسأله، فقال: لى مع نور الدين حكومة، فرمى الصولجان من يده، وجاء إلى مجلس القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي: قد قال لك: لا تنزعج واسلك معه ما تسلكه مع آحاد الناس، فلما سوى بينه وبين خصمه، وتحاكما، فلم يثبت للرجل عليه حق، وكان يدعى مُلكا في يد نور الدين، فقال نور الدين للقاضي والعدول: هل ثبت له عليّ حق؟ قالوا: لا، قال: فاشهدوا أني قد وهبت له هذا المُلك، وقد كنت أعلم أنه لا حق [له]
(3)
عندي، وإنما حضرت معه؛ لئلا يقال عنى: إني دُعيت إلى مجلس الشرع فأبيت
(4)
.
(1)
"واسمه" في نسختى المخطوطة أ، ب. والصحيح ما أثبتناه.
(2)
انظر: الباهر، ص 166 - 167؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 193؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 299.
(3)
"لك": في الأصَل: ويبدو أنه خطأ من الناسخ ويؤيد ذلك الضمير السابق واللاحق في الكلام، انظر: الباهر، من ص 166 - 167؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 299.
(4)
انظر هذه القصة عن عدله في الكامل، ج 10، ص 57؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 193، الروضتين، ج 1 ق 1، ص 15؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 299.
قال
(1)
: ودخل يوما إلى خزائنه، فرأى مالا كثيرا، فقال: من أين هذا؟ قال خازنه: بعث به القاضي كمال الدين من فائض الأوقاف، فقال: ردُّوه إليه، وقولوا له: إن رقبتي دقيقة لا [تقدر]
(2)
على حمله غدًا، وأنت رقبتك غليظة، تقدر على حمله.
وكان له برسم نفقته الخاص في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس
(3)
، يصرفها في كسوته، وملبوسه، ومأكوله، حتى أجرة خياطه وجامكية طباخه، ويستفضل منها ما يتصدق به في آخر الشهر. ويقال: إن قيمة القراطيس مائة وخمسون درهما، وقيل: كل ستين قرطاسا أو سبعين بدينار
(4)
.
قال ابن الأثير
(5)
: وما كان يصل إليه من هدايا الملوك وغيرهم يبعثه إلى القاضي كمال الدين، يبيعه ويعمر به المساجد المهجورة، ولا يتناول منه شيئا.
وقال ابن الجوزي
(6)
: وكان يتدين بطاعة الخلافة، والطرق آمنة في أيامه، والمحامد كثيرة، وكان يميل إلى التواضع، ويحب العلماء وأهل الدين، وقد كاتبني مرارًا. وقد صنف له كتابا سماه "الفخر النوري"
(7)
فيه أحاديث العدل والجهاد ومواعظ وغير ذلك. وصنف نور الدين أيضا كتابا في الجهاد، وهو بدمشق.
وقال السبط رحمه الله
(8)
: كانت له عجائز بدمشق وحلب، وكان يخيط الكوافي، ويعمل السكاكر
(9)
للأبواب، وتبيعها العجائز، ولا يدري من أخذ، فكان يوم يصوم يفطر على أثمانها. وحكي شرف الدين يعقوب ولد المبارز المعتمد أن في دارهم سكرة من عمل نور الدين، وهي باقية إلى سنة خمسين وستمائة، يتبركون بها. وفي المرآة
(10)
(1)
القول لابن الأثير حيث يستمر العيني في الاقتباس منه. انظر: الباهر، ص 167؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 193؛ الروضتين، ج 1 ق 1، ص 16 - 17؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 281.
(2)
"أقدر" في نسخة أو ما أثبتناه من نسخه ب.
(3)
"قرطاش" في نسخة ب.
(4)
عن الأوقاف والصدقات انظر: الروضتين، ج 1 ق 1، ص 26، حيث ينقل أبو شامة عن العماد الأصفهاني.
(5)
بالرجوع إلى ابن الأثير، لم نجد النص المذكور وإنما ورد في مصادر أخرى. انظر هذا القول في الروضتين، ج 1 ق 1، ص 26، حيث ينقل أبو شامة عن العماد الأصفهاني.
(6)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 210؛ انظر أيضًا: المرآة، ج 8، ص 196 - 197.
(7)
انظر مؤلفات ابن الجوزي كما أوردها السبط في المرآة، ج 8، ص 312 - 316؛ هدية العارفين، ج 1، ص 520 - 523.
(8)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 197 حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(9)
"الكساكير" في المرآة، ج 8، ص 197.
(10)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 197 - 199.
قال: حكى لى رجل صالح من أهل حرّان
(1)
قال: لما قُتل أتابك زنكي على قلعة جعبر
(2)
، وملك نور الدين قلعة حلب، تصدَّق وأزال المكوس ورد المظالم وأنا حديث عهد بعرس، وقد ركبني دين، فقالت لي زوجتي: قد سمعتُ أوصاف نور الدين، وإحسانه إلى الناس، فلو قصدته وأنهيت إليه حالك
(3)
لقضى دينك، قال: فخرجت من حرّان وليس معي سوي درهمين، فتركت عندها درهمًا، وتزودت بدرهم، وأتيت الفرات وقت القائلة، فعبرت جسر منبج
(4)
، وأبعدت عن أعين الناس، وخلعت ثيابي، ونزلت فتوضأت للصلاة، وصليت ركعتين، وإذا إلى جانبي شخص، ملفوف في عباءة، فقال لي: يا فقير من أين أنت؟ قلت: من حران، قال: وإلى أين؟ قلت: إلى حلب، قال: وما تصنع فيها؟ فقلت: أنا فقير مديون، وقد بلغني إحسان نور الدين إلى الخلق، فقصدته لعله يقضي ديني، فقال: وأين أنت من نور الدين؟ ومن يوصلك إليه؟ كم عليك دين؟ قلت: خمسون دينارا، فأخرج يده من العباءة، وبحث [في]
(5)
الرمل، وأخرج منه قرطاسا وألقاه إليّ، وقال: خذ هذا فاقض به دينك، وارجع إلى أهلك: قال: فأخذته فعددته، وإذا به خمسون دينارا، فالتفتُ فلم أره، فبهتُ وبتُ في مكاني [أتفكر]
(6)
هل أرجع إلى حران، أم أمضي إلى حلب، وترجح عندى المضي إلى حلب، وقلت في نفسي: فهذه أوفي بها ديني، فمن أين أتقوَّت؟.
ثم قمت وقصدت طريق حلب، فبتُ بباب بزاعة
(7)
، وقمت في الليل، فأصبحت تحت قلعة حلب وقت الصباح، وقعدت تحت القلعة، وإذا قد فتح بابها، ونزل نور الدين في أبهة عظيمة، والأمراء بين يديه، حتى جاء إلى الميدان، فلما أراد أن يدخل، نظر إليَّ فرمقني طويلا، وأشار إلى خادم بين يديه، فجاء الخادم إلى، وقال: قم، فأخذني،
(1)
حران: قصبة ديار مضر. وهي على طريق الموصل والشام والروم. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 230 - 232.
(2)
جعير: هي على الفرات بين بالس والرقة، قرب صفين. وكانت قديمًا تسمى دوسر. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 84.
(3)
"ذلك" في نسخة ب.
(4)
منبج: بلد قديم، بين الفرات وحلب. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 654 - 655.
(5)
ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح من مرآة الزمان، ج 8، ص 198.
(6)
"اذكر" في الأصل والمثبت من المرآة، وهو الأصح.
(7)
بزاعة: هي بلدة من أعمال حلب، بين منبج وحلب. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 603.
وصعد بي [إلى]
(1)
القلعة، قال: فندمت على مجيئي حلب، وقلت: ياليتني قبلت من ذلك الرجل الصالح، ولعل نور الدين يتوهم أني إسماعيلى.
قال: فلما كان بعد ساعة عاد نور الدين إلى القلعة، وجلس في الإيوان
(2)
، وَمُدَّ سماط عظيم، ولم يمد يده إليه، وإذا قد فتح باب عن يمينه صغير، وخرج منه خادم، وعلى يده طبق خوص، مغطى بمنديل، فوضعه بين يديه، وفيه غضارة
(3)
عليها رغيف، فتأملتها من بعيد، وهي ترِدُه، فتناول منها شيئا يسيرا، وأكل الناس وأكلت معهم، وصرف الناس، وبقيت قاعدا خائفا، فأومأ إلى، فقمت وأتيت إلى بين يديه، وأنا خائف أرعد، فقال: من أين أنت؟ قلت: من حران، قال: وما الذي أقدمك؟ قلت: على دين وبلغني إحسانك إلى الناس، فقصدتك لتقضي ديني، قال: وكم دينك؟ قلت: خمسون دينارا، قال: ما أعطاك صاحب العباءة أمس على الفرات خمسين دينارا؟ هل لا رجعت إلى أهلك، وأنت عليك خرقة الفقر، وإذا حصل القوت للفقير فما
(4)
يطلب شيئا آخر. ثم قال: ما يضيع تعبك، ورفع سجادته، وكانت زرقاء، وإذا بقرطاس مثل القرطاس الذي أعطاني صاحب العباءة. قال: فبكيت بكاء كثيرا، وقلت: لا آخذه حتي تخبرني بصاحب العباءة، قال: هو أمر لا يلزمك، فقلت: يا مولاي أنا غريب وضيف ولي حرمة، فبالله عليك أخبرني، فقال: إحلف لي أنك لا تتحدث بهذا في حال حياتي، فحلفت له، فكشف [القباء]
(5)
، وإذا بتلك العباءة على جسده، وقال: أنا ذاك الفقير. فقلت: بالله الذي أعطاك هذه المنزلة بأى شئ وصلت إلى هذا، فقال: بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى}
(6)
.
قال: لما التقينا بالإفرنج على حارم
(7)
، ونصرنا الله عليهم، وعدت إلى حلب،
(1)
ما بين الحاصرتين ساقط من أ ومثبت من ب.
(2)
"الديوان" في مرآة الزمان، ج 8، ص 198.
(3)
الغضارة: صحفة من الطين يوضع فيها الطعام. انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة "غضر"، ج 61، ص 327.
(4)
"فلا" في نسخة ب.
(5)
"العباءة" في الأصل، والمثبت من المرآة، ج 8، ص 199 حيث ينقل عنه العيني.
(6)
سورة الأنبياء: آية (101).
(7)
هي حصن حصين وكورة جليلة تجاه أنطاكية، وهي من أعمال حلب، انظر: معجم البلدان؛ ج 2، ص 184؛ وعن فتح نور الدين لحارم انظر: الباهر، ص 122 - 126؛ الكامل، ج 4، ص 467 - 469؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 339 - 343.
التقاني في الطريق شاب حسن الوجه، طيب الرائحة، فسلم على وقال: يا محمود أنت من الأبدال، وقد أعطاك الله الدنيا، فاشتر بها الآخرة، وسله مهما شئت، ثم علمني كلمات وقال: إذا طلبت أمرًا فاذكرها، فقلت له: بالله من أنت؟ فقال: أنا أخوك الخضر، ثم غاب عني. فإذا عزمت على أمر، أو أردت أن أذهب إلى مكة أو إلى المدينة أو إلى أي بلد شئت، لبست العباءة، وتكلمت بتلك الكلمات، وأغمض عيني وما أفتحها إلا وأنا في تلك البقعة.
قال السبط
(1)
أيضا: وحكى لى نجم الدين الحسن بن سلام
(2)
أحد عدول دمشق وأعيانها، وكان صديقنا وصاحبنا رحمه الله قال: لما ملك الأشرف
(3)
بن العادل دمشق، وبني مسجد أبي الدرداء
(4)
في القلعة، وأفرده عن الدور، قال: وما صلى فيه أحد منذ زمان أبي الدرداء إلى الآن. فقلت له: الله الله يا مولانا، مازال نور الدين منذ ملك دمشق يصلي فيه الصلوات الخمس، فقال: من أين لك هذا؟ قلت: حدثني والدي -وكان من أكابر عدول دمشق، وكان أبوه يلقب بالسعيد- أنه لما نزلت الفرنج على دمياط
(5)
بعد وفاة أسد الدين شيركوه رحمه الله وضايقوها وأشرفت على الأخذ، فأقام نور الدين عشرين يوما صائما لا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف
(6)
. وكان مهيبًا لا يتجاسر أن يخاطبه أحد في ذلك
(7)
، وكان له إمام يقال له يحيى، ضرير، يصلي به في هذا المسجد، وكان يقرأ عليه القرآن، وله عنده حرمة، فاجتمع إليه خواص نور الدين وخدمه، وقالوا [له]
(8)
: قد خفنا على السلطان، ونحن من هيبته ما نقابله
(9)
، وأنت تدل
(1)
يستمر العيني في النقل بتصرفه عن المرآة، ج 8، ص 199.
(2)
هو: النجم بن سلام، متولي ديوان دمشق بالقلعة بعد الشمس بن النفيس. توفي سنة 643 هـ/ 1245 م. انظر: الذيل على الروضتين، ص 175.
(3)
هو: الملك الأشرف موسي بن العادل أبو بكر بن أيوب. ملك دمشق بعد ابن أخيه الناصر داود سنة 626 هـ/ 1229 م. وذلك بالاتفاق مع أخيه الملك الكامل محمد. توفي سنة 635 هـ/ 1238 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 330 - 336.
(4)
هو: عويمر بن زيد، أو ابن عامر، أو ابن مالك، بن عبد الله بن قيس بن عائشة بن أمية، أسلم يوم بدر، توفي سنة 32 هـ/ 652 م، انظر السلمي: طبقات الصوفية، ص 57 - 58، حاشية (و). والمسجد من المقامات والمزارت في قلعة دمشق. انظر: خطط الشام، ج 6، ص 157؛ وانظر أيضًا: ابن قتيبة: المعارف ص 268، تحقيق ثروت عكاشة، القاهرة 1960 م.
(5)
عن نزول الفرنج على دمياط انظر: ما سبق في أحداث سنة 565 هـ؛ انظر أيضا: الباهر، ص 143 - 144.
(6)
"أن يتلف" في نسخة ب.
(7)
"لا يتجاسر أحد أن يخاطبه في ذلك" في نسخة ب.
(8)
ما بين الحاصرتين ساقط من أ، والمثبت من نسخة ب.
(9)
"لا نقابله" في مرآة الزمان، ج 8، ص 200.
عليه، ونحن [نسألك]
(1)
أن تسأله أن يتناول شيئا مما يحفظ به قوته، فقال: نعم إذا صليت به غداة الفجر سألته. قال: فلما كان في تلك الليلة، رأى الشيخ يحيى في المنام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول له: يا يحيي بشر نور الدين محمود برحيل الفرنج عن دمياط، قال: فقلت: يا رسول الله ربما لا يصدقني، وأريد له أمارة، قال: قل له بعلامة يوم حارم، قال: فانتبه يحيي وهو ذاهب العقل، فلما صلى نور الدين خلفة الفجر وسلم، شرع [يدعو، ففاته]
(2)
أن يتحدث معه، فقال له نور الدين: يا يحيى، قال: لبيك يا مولانا، قال: تحدثني أو أحدثك، قال: فارتعد يحيى وخرس، فقال له: أنا أحدثك؛ رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه الليلة، وقال لك: كذا وكذا، فقال: نعم يا مولانا، فقال: يا مولانا ما معنى قوله عليه السلام: بعلامة يوم حارم؟ فقال له نور الدين: لما التقى الصفان يوم حارم، خفت على الإسلام؛ لأني رأيت من كثرة الفرنج ما هالني، فانفردت عن العسكر، ونزلت فمرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدى مَنْ محمود في الدين؟ الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم هو، فافعل ما يليق بكرمك. قال: فنصرنا الله عليهم
(3)
.
السابع: فيما فعله من الخيرات وما بناه من بيوت العبادات وغيرها
(4)
:
وكان نور الدين رحمه الله بنى المدائن، وأوقف الأوقاف، وبني سور دمشق والمساجد والمدارس، ووقف أوقافا على المرضى والمجانين، وبني المكاتب لليتامى، وبنى المارستان
(5)
في دمشق.
(1)
"نسأله" في نسختي أ، ب. والمثبت من مرآة الزمان ج 8، ص 200، حيث ينقل عنه العيني، ويتمشى مع السياق.
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة يحتاجها النص من المرآة، ج 8، ص 200.
(3)
إلى هنا ينتهي النص المنقول بتصرف من مرآة الزمان، ج 8، ص 200.
(4)
عن تفاصيل هذه المنجزات انظر: الباهر، ص 170 - 172؛ مراة الزمان، ج 8 ص 192؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 298.
(5)
المارستان: مستشفى لمعالجة المرضى وإقامتهم، وهو لفظ فارسي مركب من "بيمار" أي مريض و "ستان" أي محل. ويقال بيمرستان وبيمارستان. وأول من بنى المارستان في الإسلام ودار المرضى الوليد بن عبد الملك. وكان بدمشق ثلاث مستشفيات أو بيمارستانات الأول أنشأه نور الدين محمود بن زنكي، كما أنشأ غيره في البلاد. وكان بيمارستان دمشق أعظمها وأكثرها خرجا ودخلا. انظر: خطط الشام، ج 6، ص 161 - 162.
ووقف على سكان الحرمين، وأقطع أمراء العرب القطائع؛ لئلا يتعرضوا للحاج. وأمر بإكمال سور المدينة، وأجرى إليها العين التي تأخذ من أُحُد من عند قبر حمزة (رضي الله عنه).
وبنى الرُبط والحانات والقناطر، وجدد كثيرا من قني السبيل، ووقف كتبا كثيرة في مدارسه. وأول من بنى دار العدل بدمشق، وقد ذكرناه.
وبني جامعا في الموصل، وفوض عمارته إلى الشيخ عمر المُلا، وكان من الصالحين، وإنما سمي المُلا؛ لأنه كان يملأ تنانير الآجر، ويأخذ الأجرة فيتقوت بها، وكان لا يملك شيئا من الدنيا، وكان عالما بفنون العلوم، وجميع الملوك والعلماء والأعيان يزورونه ويتبركون به. وصنف كتاب سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم). وكان يعمل بمولد رسول الله عليه السلام في كل سنة، ويحضر عنده صاحب الموصل والأكابر، وكان نور الدين يحبه ويكاتبه.
وكان مكان الجامع النوري
(1)
خربة واسعة، ما شرع أحد في عمارتها إلا وقصر عمره، فأشار عمر على نور الدين بعمارتها جامعا، فاشتراها، وأنفق عليها أموالا كثيرة، يقال ستون ألف دينار، ويقال ثلثمائة ألف دينار، فتم في ثلاث سنين. ولما تم، جاء نور الدين إلى الموصل، وهي المرة الأخيرة، فصلى فيه، ووقف عليه قرية بالموصل، ورتب فيه الخطيب والمؤذنين والحصر والبسط وغيرها. ثم دخل عمر المُلا على نور الدين وهو جالس على دجلة، فوضع بين يديه أوراق الحساب والخرج، وقال: يا مولانا أشتهي أن تنظر فيها، فقال له نور الدين: يا شيخ نحن عملنا هذا لله، دع الحساب إلى يوم الحساب، ثم رمى بالأوراق في الدجلة
(2)
.
(1)
يقصد جامع الموصل السابق ذكره. وعن قصة بناء الجامع النوري بالموصل انظر: الباهر، ص 170؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 195.
(2)
انفرد السبط بذكر هذه الحادثة. انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 195.
وقال ابن الأثير
(1)
: وبني جامع حماة
(2)
على العاصي
(3)
، وهو من أحسن الجوامع. قال
(4)
: ووقع بيد نور الدين إفرنجي
(5)
من أكابر الملوك، ففدى نفسه بمال عظيم، فشاور نور الدين أمراءه، فأشاروا ببقائه في الأسر؛ خوفا من شره، فأرسل إليه نور الدين في السر، يقول: أحضر المال، فأحضر ثلثمائة ألف دينار، فأطلقه نور الدين، فعند وصوله إلى مأمنه مات. وطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال نور الدين: ما تستحقون منه شيئا؛ لأنكم نهيتم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحُسْنَيْين: الفداء، وموت اللعين وخلاص المسلمين منه. فبنى بذلك المال مارستان دمشق، ومدرسة ودار الحديث بدمشق
(6)
، ووقف عليها الأوقاف.
قال ابن الأثير
(7)
: وبلغني أن أوقاف نور الدين في أبواب البر بالشام في وقتنا هذا، وهو سنة ثمان وستمائة، كل شهر تسعة آلاف دينار صورِية
(8)
، ليس فيها مِلك، بل حق ثابت بالشرع باطنا وظاهرا، صحيح الشراء.
وقال السبط
(9)
: أما في زماننا هذا فقد تشعَّث وقفه، وتغيرت صفاته، ولم يبق منه إلا آثاره وبركاته.
(1)
انظر: الباهر، ص 170، حيث ينقل العينى عنه بتصرف؛ المرآة، ج 8، ص 195؛ الروضتين، ج 1 ق 1، ص 21.
(2)
جامع مفرد مشرف على نهرها، المعروف بالعاصي، عليه عدة نواعير تستقى الماء من العاصي فتسقي بساتينها وتصب إلى بركة جامعها. انظر: معجم البلدان ج 2، ص 331، مادة "حماة"؛ خطط الشام، ج 6، ص 61.
(3)
اسم نهر حماة وحمص، مخرجه من بحيرة قَدَسْ ومصبه في البحر قرب أنطاكية. والعاصي ضد الطائع. وقد سمي بذلك لأن أكثر الأنهرُ تتوجه ذات الجنوب، وهو يأخذ ذات الشمال. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 588.
(4)
القول هنا ليس لابن الأثير. فقد ذكر ابن الأثير، أن نور الدين أطلق بيمند صاحب أنطاكية بمال جزيل أخذه منه، وأسرى كثيرة من المسلمين أطلقهم". انظر: الباهر، ص 125؛ الكامل، جـ 9، ص 469، أحداث سنة 559 هـ. أما عن تفصيل هذه النادرة وارتباطها ببناء مارستان دمشق، انظر: مرآة الزمان، جـ 8، ص 196 - 197؛ الروضتين، ج 1 ق 1، ص 21؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 300.
(5)
هو: البرنس بوهيموند الثالث صاحب أنطاكية. ويطلق عليه العرب بيمند. وقد أسره نور الدين في معركة حارم مع عدة من ملوك الفرنج وذلك في سنة 559 هـ/ 1164 م. انظر: الباهر، ص 125؛ حسين مؤنس: نور الدين محمود، ص 294 - 297.
(6)
عن مدرسة ودار الحديث النورية بدمشق انظر: الدارس، ج 1، ص 608 - 611؛ الباهر، ص 172.
(7)
نقل العينى هذا النص بتصرف من الباهر، ص 172. انظر أيضًا: مرآة الزمان، ج 8، ص 195؛ الروضتين، ج 1 ق 1، ص 23.
(8)
الدنانير الصورية: هي الدنانير المسكوكة التي يؤتي بها من البلاد الإفرنجية والروم، وهي مشخصة، على أحد وجهيها صورة الملك الذي تضرب في زمنه. ويعبر عنها بالإفرنتية. انظر: صبح الأعشي، ج 3، ص 437.
(9)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 195.
وقال [العماد]
(1)
: في سنة وفاته أكثر من الخيرات والصدقات والأوقاف، وعمارة المساجد المهجورة، وإسقاط كل ما كان فيه من الحرام، فما أبقى سوى الجزية والخراج، وما يحُصَّل من قسمة الغلات على قويم المنهاج. قال: وأمرني [بكتابة]
(2)
المناشير لجميع أهل "البلاد"
(3)
، فكتبت أكثر من ألف منشور. وحسِبنا ما تصدق به في تلك الشهور، فكان
(4)
ثلاثين ألف دينار.
وقال العماد
(5)
: بني جامع قلعة دمشق، ومسجد عطية
(6)
بباب الجابية، ومسجد الرماحين
(7)
، ومسجد سوق الصاغة، ومسجد دار البطيخ، ومسجد العباسي
(8)
، ومسجد بجوار بيعة اليهود، ومسجد الكشك
(9)
وأشياء أخر.
وقال ابن الجوزي: وكان من عزمه أن يفتح
(10)
البيت المقدس، فعمر منبرا وقبلة بجامع حلب على اسم القدس، فتوفي قبل الفتوح. فلما ملك صلاح الدين البيت المقدس، حمل المنبر إليه، وأبقى القبلة بجامع حلب. وحكي عن الشيخ أبي عمر شيخ المقادسة رحمه الله قال: كان نور الدين رحمه الله يزور والدي الشيخ أحمد رحمه الله في المدرسة الصغيرة
(11)
التي على نهر يزيد، المجاورة للدير، ونور الدين بني هذه المدرسة والمصنع والفرن.
(1)
"ابن الأثير" في الأصل وهو خطأ، والصحيح ما أثبتناه من الروضتين ج 1 ق 1، ص 26؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 196 حيث ينقل كلًا من أبي شامة والسبط هذا القول عن العماد. وقد نقل العينى هذا النص بتصرف.
(2)
"بكتبه" في الأصل. والتصحيح من الروضتين، ج 1 ق 1، ص 26، حيث ينقل أبو شامة هذا النص من العماد.
(3)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(4)
كذا في الأصل والمرآة، ج 8، ص 196، عن العماد. وفي الروضتين عن العماد "فزاد علي" انظر: ج 1 ق 1، ص 26.
(5)
انظر: قول العماد في المرآة، ج 8، ص 196. وقد ذكر السبط هذه الجوامع والمساجد في معرض الحديث عن إحصاء نور الدين للمساجد لوقف الأوقاف عليها.
(6)
يعرف بمسجد عطية الحائك. انظر: الدارس، ج 2، ص 335 - 336.
(7)
مسجد الرماحين: يعرف بمسجد الطريفيين في سوق السراجين. الدارس، ج 2، ص 306.
(8)
مسجد العباسي: ويعرف بسوق الأحد قبلة المطرزين، له بابان، انظر: الدارس، ج 2، ص 328.
(9)
مسجد الكشك: كان دارًا فبناه الملك نور الدين مسجدًا، وبنى له منارة، وعين له إمامًا ومؤذنًا. الدارس، ج 2، ص 315.
(10)
"أن يفتح" مكرره في نسخة ب.
(11)
المدرسة الصغيرة على نهر يزيد، بجوار دير الحنابلة. ووصفت بالصغيرة لأنها صغيرة بالنسبة للمدرسة العمرية، وهي مسجد ناصر الدين غربي المدرسة العمرية. وقد بناها نور الدين محمود. انظر: الدارس، ج 2، ص 103 - 104.
وقال ابن خلكان
(1)
رحمه الله: وبني نور الدين المدارس بجميع بلاد الشام الكبار مثل: دمشق وحلب وحماه وحمص وبعلبك ومنبج والرحبة، وبني جامع الرها، وجامع منبج ودار الحديث بدمشق.
وقال النويري في تاريخه
(2)
: وأحصيت أوقافه، وكانت في كل شهر تسعة عشر ألف دينار مصرية من وجه حل إما من إرث والده، أو من سهمه في الغنيمة. وهو الذي بنى أسوار مدن الشام مثل: دمشق وحمص وحماة وحلب وشيزر
(3)
وبعلبك وغيرها، لما هدمت بالزلازل.
وقال ابن كثير
(4)
: وبني المارستان الذي بدمشق، وهو أحسن ما بني من المارستانات بالبلاد، ومن شرطه أنه على الفقراء والمساكين، وإذا لم توجد بعض الأدوية التي يعز وجودها إلا فيه، فلا يمنع منه الأغنياء، ومن جاء إليه مستوصفا، فلا يمنع من شرائه، ولهذا جاء نور الدين إليه، وشرب من شرابه. وقال ابن كثير
(5)
: ويقول بعض الناس: إنه لم تخمد النار منه منذ بُني إلى زماننا هذا، والله أعلم. وقد بني الخانات في الطرقات والأبراج، [ورتب الخفراء]
(6)
في الأماكن المخوفة، وفيها الحمام الهوادي
(7)
التي تطالع بالأخبار في أسرع مدة، وبني الربط والخانقاهات
(8)
.
وقال ابن الأثير
(9)
: وهو أول من بني دار الحديث، ووقف على من يعلم الأيتام الخط، وجعل لهم نفقة وكسوة، وعلى من يقرئ القرآن، وعلى المجاورين بالحرمين. وكان الجامع بدمشق داثرًا، فولي نظره للقاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري
(1)
انظر: ترجمة نور الدين محمود بن زنكي في وفيات الأعيان، ج 5، ص 185، حيث ينقل العينى عنه باختصار.
(2)
بالرجوع إلى تاريخ النويري "نهاية الأرب" لم نجد هذه المعلومة بخصوص أوقافه في كل شهر. انظر: نهاية الأرب، ج 27، ص 167، ولمعرفة تفاصيل أوقافه انظر: أبو شامة، الروضتين، ج 1 ق 1، ص 39 - 44.
(3)
شيزر: قلعة تشتمل على كورة بالشام قرب المعرة بينها وبين حماة يوم. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 353.
(4)
انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 300.
(5)
ينقل العيني هنا عن ابن كثير بتصرف، البداية والنهاية، ج 12، ص 300.
(6)
"والخفر" في الأصل، والمثبت من البداية والنهاية، ج 12، ص 300، حيث ينقل عنه العيني هذا الخبر.
(7)
الحمام الهوادي: ذكر أبو شامة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 520، أنها:"المناسيب التي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها". انظر أيضا: الباهر، ص 159.
(8)
خانقاه وجمعها خنقاوات وخنقاهات، وهي منزل للصوفية. العصر الممالكى، ص 411.
(9)
انظر: الباهر، ص 172؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 281.
الموصلي، الذي قدم به فولاه قاضي القضاة بدمشق، فأصلح أموره، وفتح المشاهد الأربعة، وقد كانت حواصل الجامع بها من حين احترق في سنة إحدى وستين وأربع مائة، وأضاف إلى أوقاف الجامع الأوقاف التي لا يعرف
(1)
واقفوها، ولا يعرف
(1)
شروطهم فيها، وجعلها قلما واحدا، وسمي مال المصالح، ورتب عليه ذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وما أشبه ذلك.
وأحاط السور على حارة اليهود، وكان خرابا، وأغلق باب كيسان، وفتح باب الفرج، ولم يكن هناك قبله باب بالكلية. وحكى الشيخ شهاب الدين: أن نور الدين وقف بستان الميدان سوى الغيط الذي قبليه نصفه على "تطييب"
(2)
جامع دمشق، والنصف الآخر يقسم على أحد عشر جزءًا، جزءان منها على تطييب المدرسة التي أنشأها للحنفية، والتسعة الأجزاء الباقية على تطييب المساجد التسعة
(3)
؛ وهي: جامع الصالحية بجبل قاسيون، وجامع القلعة، ومسجد عطية، ومسجد ابن لبيد بالفسقار
(4)
، ومسجد الرماحين المعلق، والمسجد العباسي بالصاغة، ومسجد دار البطيخ المعلق، والمسجد الذي جدده نور الدين بجوار بيعة اليهود، لكل من هذه المساجد جزء من أحد عشر جزءا من النصف.
الثامن في فتوحاته وبلاده:
قال النويري: وكان قد اتسع ملكهـ جدًا، وخطب له بالحرمين ومصر والشام وحلب وديار بكر والجزيرة، وكذلك باليمن لما ملكها الملك المعظم توران شاه بن أيوب بن شاذي، وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله وكرمه وصدقاته. وتصدق في شهر واحد بثلاثين ألف دينار، وقسم في يوم واحد مائتي ألف دينار، خلاف الدواب والسلاح والخيام. وكان يحضر أماثل البلد عنده، ويعطيهم الذهب، ويقول: تصدقوا به على من تعرفونه في جواركم من الأرامل والأيتام
(5)
.
(1)
"تعرف" في نسخة ب.
(2)
"تطبيب" في الروضتين، ج 1 ق 1، ص 41. والمثبت أولى لمقصود أبي شامة حيث ذكر أنه:"يبتاع بذلك عود وطيب".
(3)
عدد المساجد ثمانية وليست تسعة كما ذكرها العيني.
(4)
"العسقار" في نسخة ب. وهو خطأ. ويوجد في دمشق سوق يسمى سوق الفسقار. انظر: الدارس، ج 2، ص 305.
(5)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 187.
وقال ابن الجوزي
(1)
: ولي نور الدين الشام سنين، وجاهد الثغور وانتزع من أيدي الكفار نيفا وخمسين مدينة وحصنًا منها الرها. وكان محبًا للعلماء وأهل الدين، وكاتبني مرارا. وعاهد ملك الإفرنج
(2)
صاحب طرابلس، وقد كان في قبضته أسيرا على أن يطلقه بثلثمائة ألف دينار، وخمسمائة حصان، وخمسمائة زردية
(3)
، ومثلها أتراس
(4)
إفرنجية، ومثلها قنطاريات
(5)
، وخمسمائة أسير من المسلمين، وأنه لا يعبر بلاد الإسلام سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام. وأخذ منه في قبضته على الوفاء بذلك، مائة من أولاد كبراء الإفرنج وبطارقتهم، فإن نكث أراق دمهم. وعزم على فتح بيت المقدس، فوافته المنية في شوال من هذه السنة
(6)
.
وذكر الحافظ ابن عساكر رحمه الله: فتح نور الدين رحمه الله نيفا وخمسين حصنا منها: تل باشر وعينتاب وأعزاز ومرعش وبهسني وتل خالد وحارم والمرزبان ورعبان وكيسون والرها. وكسر إبرنس أنطاكية وقتله، وقتل معه ثلاثة آلاف، وأخذ من القومص ثلثمائة ألف دينار، وخمسمائة زردية، وخمسمائة حصان، وخمسمائة أسير. واتسع ملكهـ، ففتح الموصل والجزيرة وديار بكر والشام والعواصم ودمشق وبعلبك وبانياس ومصر واليمن، وخُطب له في الدنيا، وأظهر السُنة بحلب، وأزال الأذان بحي على خير العمل. وكان يتعرض للشهادة، ويسأل الله تعالى أن يحشره [في]
(7)
بطون السباع
(8)
وحواصل الطير
(9)
.
(1)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 209 - 210.
(2)
ملك الإفرنج صاحب طرابلس، هو ريموند بن ريموند الصنجيلي، تزوج بالقومصية صاحبة طبرية، وعاش معها في طبرية، وتوفي بالشام. الكامل، ج 10، ص 141.
(3)
زردية: هي قميص من الزرد يقوى برقائق من المعدن تتداخل أطرافه بعضها فوق بعض. انظر ماير: الملابس المملوكية، ص 68.
(4)
أتراس: جمع ترس، وهو مستدير الشكل، تحيطه حافة، وله مقبض أفقي من الداخل، وعليه من الخارج بعض النهود القليلة، وكان يصنع من الخشب أو المعدن. انظر: الملابس المملوكية، ص 86
(5)
القنطارية: نوع من الرماح أسنتها قصار وعراض. انظر: نبيل عبد العزيز: خزائن السلاح ومحتوياتها، ص 124، مجلة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، المجلد 23 لسنه 1976 م؛ الملابس المملوكية، ص 67 - 83.
(6)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من المنتظم، ج 18، ص 209 - 210.
(7)
"من" في الأصل وهو خطأ. والمثبت هو الصحيح.
(8)
"السبا" في نسخة ب.
(9)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 192.
النوع التاسع في وفاته:
قال العماد
(1)
: أمر نور الدين بتطهير ولده الملك الصالح إسماعيل
(2)
يوم عيد الفطر. قال: ونظمت للهنا بالعيد والطهر قصيدة منها:
عيدان فِطرٌ وطُهْرٌ
…
فَتْحٌ قريبٌ ونصْرُ
كلاهُما لك فيه
…
حقًا هناءٌ وأجرُ
وفيهما بالتَّهَاني
…
رسمٌ لنا مسْتَمِرُّ
طَهارة طابَ فيها
…
أصْلٌ وفرعٌ وذكرُ
نَجْلٌ على الطُّهْرِ نامٍ
…
زَكىٌّ له مِنْك نَجْرُ
محمود المَلكُ العا
…
دلُ الكريمُ الأغرُّ
وبابنه الملِكِ الصا
…
لحِ العيونُ تَقَرُّ
مولي به اشتدَّ للديـ
…
ـنِ والشريعةِ أزرُ
وهي قصيدة طويلة آخرها:
هذا الطُّهورُ ظُهُورٌ
…
على الزمان وأمْرُ
وذا الخِتَانٌ خِتَامٌ
…
بِمِسْكِهِ طَابَ نَشْرُ
(3)
قال: وفي يوم العيد ركب نور الدين على الرسم المعتاد، محفوفا من الله بالإسعاد، والقدر يقول له: هذا آخر الأعياد. ووقف في الميدان الأخضر، ورمي القبق
(4)
، وكان قد ضرب خيمته في الميدان القبلي الأخضر، وأمر بوضع المنبر، وخطب له القاضي شمس
(1)
انظر قول العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 577 - 580.
(2)
عن الملك الصالح إسماعيل انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 188؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 577 - 579.
(3)
أورد أبو شامة القصيدة كلها، مع زيادة بيت عما ذكره العينى وهو آخر القصيدة، ونصه:
رزقت عمرا طويلا
…
ما طال للدهر عمر
(4)
القبق أو القباق: لفظ تركي معناه القرعة العسلية (Une Courgette) وقد أطلق في العربية على الهدف الذي كان مستعملًا في لعب الرماية، المعروف باسم القبق أيضا، وكانت طريقة لعب القبق أن ينصب صار طويل من خشب يكون في رأسه شكل قرعة من ذهب أو فضة بمثابة هدف ويكون في القرعة طير حمام ثم يأتي اللاعبون للمباراة في رمي الهدف بالنشاب أو السهام وهم على ظهور الخيل من أصاب منهم القرعة وطار الحمام فاز بالسباق وأخذ القرعة المعدنية نفسها مكافأة. انظر: المقريزي: السلوك، ج 2، ص 111؛ النويري: نهاية الأرب، ج 29، ص 304؛ راجع أيضا: Dozy: Supp. Dict. Ar
الدين بن الفراش قاضى العسكر، بعد أن صلى به، وعاد إلى القلعة، وأنهب سماطه العام على رسم الأتراك، وأكابر الأملاك. قال: ثم حضرنا على خوانه
(1)
الخاص. وفي يوم الاثنين ثاني العيد بكّر وركب، ودخل الميدان والعظماء يسايرونه، وفيهم همام الدين مودود، وكان قديما في أول دولته والي حلب، فقال لنور الدين في كلامه، عظة لمن يغتر بأيامه، هل نكون ههنا في مثل هذا اليوم في العام القابل؟ فقال نور الدين: قل هل نكون بعد شهر؟ فإن السنة بعيدة! فجرى على منطقهما ما جرى به القضاء السابق، فإن نور الدين لم يصل إلى الشهر، والهمام
(2)
لم يصل إلى العام. ثم شرع نور الدين في اللعب بالأكرة، فاعترضه أمير يقال له، برتقش وقال له باش، فأحدث له الغيظ والاستيحاش، وكان ذلك على خلاف مذهبه، ونهره وزجره، ثم ساق ودخل القلعة واحتجب؛ فبقى أسبوعا في منزله. ثم اتصل به مرض، وأشار عليه الأطباء بالفصد، فامتنع من ذلك، وكان مهيبا فما روجع، وانتقل يوم الأربعاء حادي عشر شوال من دار الفناء إلى دار البقاء.
وقال ابن شداد
(3)
: وكانت وفاة نور الدين بسبب خوانيق اعترته، عجز الأطباء عن علاجها. وقال ابن الأثير
(4)
: وكان نور الدين قد شرع بتجهيز المسير إلى مصر؛ لأخذها من صلاح الدين، فإنه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر ليتركها
(5)
بالشام؛ لمنعه من الإفرنج، ليسير هو بعساكره إلى مصر. وكان المانع [لصلاح]
(6)
الدين من الغزو، "الخوف من نور الدين"
(7)
، فإنه كان يعتقد أن نور الدين متي زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه، وكان نور الدين لا يرى إلا الجدّ في غزوهم بجهده وطاقته، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو، علم غرضه، فتجهز للمسير إليه، فأتاه أمر الله الذي لا يرد. قال
(8)
: وحكي
(1)
الخوان: كلمة فارسية معناها، سفرة الطعام، أو السماط، انظر: محمود التونجي: المعجم الذهبي، ص 245.
(2)
"وهمام الدين" في نسخة ب.
(3)
انظر: النوادر السلطانية، ص 47؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 580.
(4)
انظر: التاريخ الباهر، ص 161. حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
(5)
"ليتركها مع ابن أخيه سيف الدين في الشام"، في التاريخ الباهر، ص 161.
(6)
"من صلاح" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الباهر، ص 161.
(7)
"خوف نور الدين" في الباهر، ص 161، والمثبت من الأصل؛ والروضتين، ج 1 ق 2، ص 581 وهو الأولى حسب السياق.
(8)
الضمير عائد على ابن الأثير في الباهر، ص 161.
لى طبيب بدمشق يعرف بالرحبى
(1)
، وهو من أحذق الأطباء، قال
(2)
: استدعاني نور الدين في مرضه الذي توفي فيه مع غيري من الأطباء، فدخلنا عليه، وهو ببيت صغير بقلعة دمشق، وقد تمكنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك. فلا يكاد يسمع صوته، وكان يخلو فيه للتعبد في أكثر أوقاته، فابتدأ به المرض فيه، فلم ينتقل عنه. فلما دخلنا عليه، ورأينا ما به، قلت: كان ينبغي أن لا يؤَخَّر [إحضارنا]
(3)
إلى أن يشتد المرض إلى هذا الحد، فالآن ينبغي أن تنتقل إلى مكان فسيح، فله أثر في هذا المرض. وشرعنا في علاجه، فلم ينجع فيه الدواء، ومات عن قريب
(4)
. قال ابن عساكر
(5)
: وتوفي يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال سنة تسع وستين وخمسمائة، ودفن بقلعة دمشق، ثم نقل إلى تربة تجاور مدرسته التي بناها لأصحاب أبي حنيفة (رضي الله عنه) جوار الخواصين في الشارع الغربي. وقال العماد: قلت في ذلك:
عَجِبْتُ من
(6)
المَوتِ كيفَ اهْتدى
…
إلى مَلِكٍ في سَجايا مَلَكْ
وكيف ثَوى الفَلَكُ المُسْتَدِيـ
…
ـرُ في الأرضِ، والأرضُ وسط الفَلَكْ
(7)
وقال ابن كثير
(8)
: حصلت له علة الخوانيق، ومنعته عن النطق، فمات في التاريخ المذكور، وصلى عليه بجامع القلعة، ودفن بها، حتي حُوّل إلى تربته التي بُنيت له بباب المدرسة التي أنشأها للحنفية. وقبره بدمشق مشهور يزار وَيُخَلَّقُ شباكه، فيستطيب برائحته
(9)
كل مَار. وإنما يقول الناس: [قبر]
(10)
نور الدين الشهيد، لما حصل له في "حلقه"
(11)
من الخوانيق، وكذا كان يقال لأبيه الشهيد، ويلقب بالقسيم. وكانت الإفرنج
(1)
هو: جمال الدين عثمان بن يوسف بن حيدرة الرحبي.
(2)
انظر هذا الخبر في ابن واصل: مفرج الكروب، ج 1، ص 262.
(3)
"إحضارك عنك" في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 582.
(4)
ورد هذا الخبر بتصرف في: الباهر، ص 161 - ص 162.
(5)
"العساكر" في نسختى المخطوطة أ، ب. وقد نقل العيني هذا الخبر من الروضتين عن ابن عساكر، ج 1 ق 2، ص 582 - 583.
(6)
"إلى" في نسخة ب.
(7)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 581.
(8)
البداية والنهاية، ج 12، ص 304.
(9)
"رائحته" في نسخة ب.
(10)
ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 12، ص 304، لتوضيح النص.
(11)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
يقولون له ابن القسيم. وقال ابن خلكان
(1)
: ويقول أهل دمشق إن الدعاء عند قبره مستجاب. وقال القاضي: ولقد جربت ذلك فصحَّ. وكان عمره حين مات ثمانيا وخمسين سنة، وله في المُلك ثمان وعشرون سنة.
العاشر فيما رثي به، وما قيل له من الأشعار:
قال العماد: ومما نظمته في مرثية نور الدين قصيدة "منها"
(2)
:
لِفَقْدِ المَلكِ العَاد
…
لِ يبْكِى المُلْكُ والعَدْلُ
وقد أظْلَمَت الآفَا
…
ق: لا شَمْسٌ ولا ظِلُّ
ولمَّا غَابَ نُور الدِّيـ
…
ـنِ عنَّا أظْلَمَ الحَفْلُ
وزالَ الخصْبُ والخَيْرُ
…
وزاد الشَّرُّ والمَحْلُ
ومات البَأسُ
(3)
والجُودُ
…
وعاش اليَأسُ والبُخْلُ
وعَزَّ النَّقْصُ لَمّا هَا
…
نَ أهلُ الفَضْلِ والفَضْلُ
وهلْ يَنْفقُ ذو العِلْمِ
…
إذا مَا نفَقَ الجَهْلُ
(4)
وما كَانَ لِنُور الدِّيـ
…
ـنِ، لولا نَجْلُه مِثْلُ
[يا مَلكًا]
(5)
أيامُه لم تَزلْ
…
بفَضْلِه فَاضِلةً فاخره
مَلكتَ دُنْياك وخَلَّفْتَهَا
…
وسِرْتَ حتي تَمْلِكَ الآخره
وكان الواعظ أبو عثمان
(6)
: المنتجب بن أبي محمد الواسطي -من الصالحين الكبار- أنشد لنور الدين بقوله:
(1)
وفيات الأعيان، ج 5، ص 187.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من ب. انظر هذه القصيدة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 588.
(3)
"الناس" في نسخة ب.
(4)
هذا الشطر مكرر في نسخة ب.
(5)
"يا ملك" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 581.
(6)
"أبو عنان" في نسخة ب.
مَثِّلْ وُقُوفَكَ أيها المَغْرور
…
يومَ القيامِةِ والسماءُ تمورُ
إن قِيلَ نورُ الدين رُحتَ مسلمًا
…
فاحذر بأن تبقى ومالك نُور
أنهَيتَ عن شُربِ الخمور وأنت في
…
كأسِ المَظالم طَالحٌ
(1)
مخْمورُ
عطَّلت كاسات المُدامِ تَعَفُّفًا
…
وعليك كاساتُ [الحَرامِ]
(2)
تَدُورُ
ماذا تقول إذا [نُقِلتَ]
(3)
إلى البِلى
…
فرْدًا وجاءك مُنكِرٌ ونَكِيرُ
وتَعلَّقتْ فيك الخُصُومُ وأنت في
…
يوم الحساب مُسَحَّبٌ
(4)
مجرور
وتَفرقَتْ عنك الجُنودُ وأنت في
…
ضيق اللحُودِ مُوَسّدٌ مَقْبورُ
ووَددْتَ أنك مَا وَلِيتَ ولايةً
…
يومًا ولا قال الأنامُ أمِيرُ
وبقيتَ بعد العِزِّ رهنَ حُفَيْرةٍ
…
في عَالَمِ المَوتَى وأنت حَقِيرُ
وحُشِرت عُرْيانًا حَزِينًا باكِيًا
…
قلِقًا ومَالَك في الأنامِ
(5)
مُجِيرُ
أرضِيت أن [تحيا]
(6)
وقلبُكَ دارسٌ
…
عافي الخرابَ وجسْمُك المَعْمُورُ
أرضِيتَ أنْ يحْظَى سِواكَ بقُرْبِهِ
…
أبدًا وأنتَ مُبَعَّدٌ مَهْجورُ
مَهِّدْ لنفْسِك حُجَّةً تَنْجو بها
…
يومَ المَعَادِ لَعَلَّك المَعْذُورُ
فلما سمعها الملك نور الدين بكي، وأمر بوضع المكوسات والضرائب في سائر البلاد. وقيل: إن برهان الدين البلخي
(7)
أنكر على نور الدين استعانته في الحروب بأموال المكوس. قال: وكيف تنصرون وفي عسكركم الطبول والخمور والزمور؟. وقص عليه وزيره موفق الدين خالد بن محمد بن نصر "بن"
(8)
القيسراني الشاعر أنه رأى في منامه أنه
(1)
"طائش" في البداية والنهاية، ج 12، ص 302.
(2)
"المظالم" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من البداية والنهاية، ج 12، ص 302.
(3)
"انقلبت" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من البداية والنهاية، ج 12، ص 302 حيث ينقل عنه العيني.
(4)
"مسلسل" في البداية والنهاية، ج 12، ص 302.
(5)
"الأنام" مكررة في نسخة أ.
(6)
"تحيي" في الأصل، والمثبت هو الصحيح.
(7)
هو أبو الحسن البلخي على بن الحسن الحنفي الواعظ درس بالصادرية، وكان يلقب ببرهان الدين توفي سنة 548 هـ/ 1153 م، انظر: الدارس، ج 1، ص 481، مطبعه الترقي بدمشق 1948؛ وانظر أيضًا: شذرات الذهب، ج 4، ص 148.
(8)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
يغسل ثياب الملك نور الدين، فأمره أن يكتب مناشير بوضع المكوسات والضرائب عن البلاد، وقال: هذا تفسير رؤياك. وكتب إلى الناس يستحل منهم عما أخذ منهم، ويقول: إنما صُرفت في قتال أعدائكم من الكفرة. وكتب بذلك إلى سائر ممالكهـ وبلدان سلطانه، وأمر الوعاظ أن يستحلوا من التجار لنور الدين، وكان يقول في سجوده: اللهم أنا العشَّار المكَّاس.
الحادي عشر في تملك ولده الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك العادل نور الدين محمود ابن الأتابك زنكي بن آقسنقر
ولما توفي نور الدين في التاريخ المذكور ملك ولده المذكور دمشق وما معها، بعد أن حلف له الأمراء والمقدمون بدمشق، وكان عمره إحدى عشرة سنة، وأطاعه أهل الشام، وخطب له الناصر صلاح الدين بمصر، وضرب السكة باسمه، وأظهر له الطاعة. وتولي تربيته وتدبير دولته الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم
(1)
. وقال له كمال الدين بن الشهرزوري ولمن معه من الأمراء والمقدمين: قد علمتم أن صلاح الدين صاحب مصر من أصحاب الشهيد، والمصلحة أن تشاوره في الذي تفعله، ولا تخرجه من بيننا، فيخرج عن طاعتنا، ويجعل ذلك حجة علينا، وهو أقوى منا؛ لأنه انفرد اليوم بملك مصر. فلم يوافق هذا القول أغراضهم، وخافوا أن يدخل صلاح الدين فيخرجهم، فلم يمض غير قليل حتى وردت كتب صلاح الدين إلى الملك الصالح؛ يعزيه ويهنيه بالملك، وأرسل دنانير مصر عليها اسمه، ويعرفه أن الخطبة والطاعة له
(2)
كما كانت لأبيه. ولما سار سيف الدين غازي بن قطب الدين صاحب الموصل إلى الجزيرة، وملك البلاد الجزرية -على ما نذكره- أرسل صلاح الدين يعتب الملك الصالح، حيث لم يعرِّفه قصد سيف الدين ابن عمه بلاده قبل أخذها؛ ليحضر في خدمته ويكفه عنه.
(1)
ابن المقدم: هو شمس الدين محمد بن عبد الملك من أعيان أمراء الدولتين وهو الذي سلَّم سنجار إلى نور الدين ثم تملك بعلبك توفي سنة 583 هـ/ 1187 م. انظر: العبر، ج 4، ص 250؛ الدارس، ج 1، ص 594.
(2)
ورد هذا الخبر في الكامل، ج 10، ص 58؛ التاريخ الباهر، ص 162؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 204؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 594 - 595؛ انظر أيضا: مفرج الكروب، ج 2، ص 1.
وكتب إلى كمال الدين الشهرزوري والأمراء يقول لهم: لو كان نور الدين يعلم أن فيكم من يقوم مقامي أو يثق إليه ثقته إلىَّ السلم إليه مصر، التي هي أعظم ممالكهـ وولاياته، ولو لم يعجل إليه الموت، لم يعهد إلى أحد بتربية ولده
(1)
والقيام بخدمته غيري، وأراكم قد تفردتم بمولاي وابن مولاي دوني، وسوف أصل إلى خدمته، وأجازي إنعام والده بخدمة يظهر أثرها [له]
(2)
، وأجازي كلا منكم بسوء صنيعه في ترك الذب عن بلاده
(3)
.
وتمسك ابن المقدم وجماعة من الأمراء بالملك الصالح، ولم
(4)
يرسلوه إلى حلب؛ خوفا أن يغلب عليهم شمس الدين علي بن الداية، فإنه كان أكبر الأمراء النورية، وإنما منعه من الاتصال بخدمته مرض لحقه. وكان هو و [أخوته]
(5)
بحلب، وأمرها إليهم، وعساكرها معهم في حياة نور الدين وبعده، ولما عجز عن الحركة أرسل إلى الملك الصالح يدعوه إلى حلب؛ ليمنع به البلاد الجزرية من سيف الدين ابن عمه، فلم يمكِّنه الأمراء الذين معه من الانتقال إلى حلب.
وفي المرآة:
(6)
وكان الصالح لم يبلغ الحلم، فأجلسوه مكان أبيه، وحضر القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، وشمس الدين بن المقدم، وجمال الدولة، وريحان وهو أكبر الخدم، والعدل أبو صالح بن العجمي أمين
(7)
الأعمال، والشيخ إسماعيل خازن بيت المال، وتحالفوا أن تكون أيديهم واحدة، وأن شمس الدين "بن"
(8)
المقدم إليه تقدمة العساكر وتربية الملك الصالح. ووصل كتاب صلاح الدين من إنشاء الفاضل
(9)
إلى دمشق وفيه: "أدام الله أيام مولانا الملك الصالح، ورفع قدره، وأعظم أجر المملوك في مولانا السلطان الملك العادل". وآخره: "أصدر خدمته هذه يوم الجمعة رابع عشر ذي
(1)
"بتربيته لولده" كذا في نسخة ب.
(2)
ما بين الحاصرتين ساقط من أ، ومثبت في ب.
(3)
لمعرفة المزيد عن هذا الحدث انظر: النوادر السلطانية، ص 50.
(4)
"لم" مكرره في نسخه ب.
(5)
"أخوه" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، ج 10، ص 58، وهي الأقرب إلى سياق النص.
(6)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 204.
(7)
"أمير" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من مرآة الزمان، ج 8، ص 204 حيث ينقل العينى عنه.
(8)
ما بين الأقواس ساقط من مرآة الزمان، ج 8، ص 204.
(9)
هو أبو علي عبد الرحيم بن القاضي الأشرف بهاء الدين أبي المجد علي بن القاضي السعيد
…
اللخمي العسقلاني ولد بعسقلان
…
عرف باسم القاضي الفاضل ولقب مجير الدين وزر للسلطان الملك الناصر صلاح الدين توفي بالقاهرة سنة 643 هـ/ 1245 م. وفيات الأعيان، ج 3، ص 158 - 163.
القعدة، وفيه أقيمت الخطبة بالاسم الكريم، وصرح بذكره في الموسم العظيم، والجمع الذي لا لغو فيه ولا تأثيم
(1)
، والله تعالى يخلد ملك مولانا الملك الصالح ويصلح به وعلى يديه، ويديم النعمة
(2)
عليه". وذكر فصولا تتعلق بالتهنئة والتعزية. وقال العماد
(3)
: أخرجوا يوم وفاة نور الدين ولده الملك الصالح إسماعيل، وقد أبدى الحزن والعويل، وهو مجزوز الذوائب، مشقوق الجيب، حاسر حاف مما فجأه وفجعه من الريب، وأجلسوه في الإيوان الشمالي من الدست والتخت الباقي من عهد تاج الدولة تتش، فاستوحي كل قلب حزنه، فاستوحش. وبعد أن تحالفوا له أنشأ العماد كتابا عن الملك الصالح إلى صلاح الدين في تعزيته بنور الدين، ترجمته:"إسماعيل بن محمود" وفيه:
"أطال الله بقاء سيدنا الملك الناصر، وعَظَّمَ أجرنا وأجره في والدنا الملك العادل، ندبُ الشام بل الإسلام، حافظ ثغوره، وملاحظ أموره، مقتنى فضيلته، ومؤدي فريضته، ومحيى سنته. وأورثنا بالاستحقاق ملكهـ وسريره، على أنه يعزّ أن يرى الزمان نظيره. وما هاهُنا ما يشغل السر، ويقسم الفكر، إلا أمر الفرنج خذلهم الله، وما كان اعتماد مولانا الملك العادل "عليه"
(4)
وسكونه إليه إلا لمثل هذا الحادث [الجلل]
(5)
، والصرف الكارث المذهل، فقد ادخره لكفايات النّوائب، وأعده لحسم أدواء المعضلات اللوازب، وأمَّله ليومه ولغده، ورجاه لنفسه ولولده، ومكنه قوة لعضده. فما فقد رحمه الله إلا صورة والمعني باق، والله تعالي [حافظٌ]
(6)
لبيته واق، وهل غيره، دام سموه، من مؤازر، وهل سوى السيد الأجل الناصر من ناصر
(7)
. وفي تاريخ ابن كثير
(8)
: لما مات نور الدين وتولي ابنه المذكور اختلفت الأمراء، [وحادت]
(9)
الآراء، وظهرت الشرور، وكثرت الخمور، وانتشرت الفواحش، حتى أن ابن أخيه سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود -
(1)
في مرآة الزمان، ج 8، ص 204 جملة زائدة مضطربة نصها "وأسد الملوك اسمه في الخدمة ووفي بما لزمه من حقوق الخدمة وجمع كلمة الإسلام لعلمه أن الجماعة رحمة".
(2)
"النعما" في مرآة الزمان، ج 8، ص 204 والمثبت أولى.
(3)
ورد هذا الخبر في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 585 - 586 نقلُا عن العماد؛ انظره أيضا في مفرج الكروب ج 2، ص 1.
(4)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(5)
"الجليل" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت هو الصحيح من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 586.
(6)
"حافظه" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 586 حيث ينقل العيني عنه.
(7)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 586 نقلًا عن العماد.
(8)
البداية والنهاية، ج 12، ص 305.
(9)
"حارت" في نسخة أ، والمثبت من نسخه ب؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 305 حيث ينقل العينى عنه.
صاحب الموصل- لما تحقق موت عمه، وكان محصورا منه، نادى مناديه بالبلد بالمسامحة في اللعب واللهو والشرب والطرب، ومع المنادي دف
(1)
وقدح ومزمار، وتحقق حينئذ قول الشاعر
(2)
:
ألا فاسقني خَمْرا وقُلْ لى هي الخَمْرُ
…
ولا تَسْقِني سِرًا وقد أمكَن الجَهْرُ
وطمعت الأعداء من كل جانب في المسلمين، وعزم الإفرنج على قصد دمشق، فبرز إليهم الأتابك ابن المقدم [فواقعهم]
(3)
عند بانياس، فضعف عن مقاومتهم، فهادنهم مدة ودفع إليهم أموالًا جزيلة عجَّلها لهم، ولولا خوفهم من قدوم السلطان الملك الناصر صلاح الدين صاحب الديار المصرية "لما هادنوه. ولما بلغ ذلك صلاح الدين"
(4)
كتب إلى الأمراء، وخاصة إلى ابن المقدم، يلومهم على ما صنعوا من المهادنة، ودفع الأموال إلى الإفرنج، وهم أقل وأذل، وأنه على عزم
(5)
قصد البلاد؛ لحفظها من الإفرنج فردوا إليه كتابا فيه غلظة وكلاما فيه بشاعة، فلم يلتفت إليهم. ومن شدة خوفهم منه كتبوا إلى سيف الدين غازي صاحب الموصل ليملَّكوه عليهم، [ليدفع عنهم كيد]
(6)
الملك الناصر صلاح الدين، فلم يفعل؛ لأنه خاف أن تكون مكيدة منهم له، وذلك أنه كان قد هرب منه الطواشي سعد الدولة كمشتكين، الذي كان قد جعله عنده نور الدين عينا عليه، وحافظًا له من تعاطي ما لا يليق عليه، فلما سمع الخادم بموت أستاذه خاف أن يمسكه، فهرب سرا، فحين تحقق غازي موت عمه بعث في طلب الخادم ففاته، فاستحوذ على حواصله
(7)
. ودخل سعد الدولة حلب، ثم سار إلى دمشق، فاتفق مع الأمراء على أن يأخذ ابن أستاذه الملك الصالح إسماعيل إلى حلب، فيربيه هنالك، وتكون دمشق مسلمة إلى الأتابك شمس الدين بن المقدم، والقلعة إلى الطواشي جمال الدين ريحان، فسار معه الأمراء والأكابر من دمشق، وذلك في الثالث
(1)
"دنّ" في نسخة ب.
(2)
ذكر أبو شامة الشطر الثاني من هذا البيت ونسبه إلى ابن هاني. انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 592.
(3)
"فوافقهم" في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت من البداية والنهاية، ج 12، ص 305.
(4)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(5)
"عزم على" في نسخة ب.
(6)
"ليدفعوا به الملك الناصر" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من البداية والنهاية، ج 12، ص 305.
(7)
انظر هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 2، ص 5.
والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة. وحين وصلوا إلى حلب جلس الصبي على سرير مملكتها، واحتاطوا على بني الداية شمس الدين
(1)
، وعلى أخيه مجد الدين، الذي كان رضيع نور الدين، وأخوته الثلاثة، وقد كان شمس الدين بن الداية يظن أن يُسلَّم إليه ابن نور الدين ليربيه؛ لأنه أحق الناس بذلك، فخيبوا ظنه وسجنوه وأخوته
(2)
في الجب. فكتب صلاح الدين إلى الأمراء، يلومهم على ما فعلوا من نقل الولد [من دمشق]
(3)
إلى حلب، ومن سجْنهم لبني الداية
(4)
، وقد كانوا من خيار الأمراء ورؤوس الأمراء الأكابر، [ولم لا يسلموا]
(5)
الولد إلى مجد الدين بن الداية، الذي كان أحظى الناس عند نور الدين؟ فكتبوا إليه يسيئون الأدب عليه، وكل ذلك مما يزيده حنقا عليهم، ويحرضه على القدوم بجيشه إليهم، ولكنه في هذا الوقت في شغل شاغل بما [دهم]
(6)
بلاده من الأمر الهائل، كما سنذكره إن شاء الله في السنة الآتية.
(7)
إنه على ذلك قدير.
ذكر الأمور المزعجة
منها أن في ثالث المحرم وقع حريق ببغداد، فاحترقت مواضع كثيرة.
ومنها أن في ربيع الأول وقعت صاعقة في نخلة بالجانب الغربي فاشتعلت النخلة.
ومنها أنه سقط في بغداد بَرَدٌ كبار كالنارنج، منها ما وزنه سبعة أرطال، ثم جاء عقيب ذلك سيل عظيم، وزادت دجلة زيادة عظيمة لم يعهد مثلها أصلا، فخرب شيئا كثيرا من العمران والقرى والمزارع والقبور، حتى خرج الناس إلى الصحراء، وكثر الضجيج والابتهال إلى الله تعالى، حتى فرَّج الله وتناقصت زيادة الماء
(8)
. وقال ابن الجوزي
(9)
رحمه الله: ودخل الماء إلى المارستان وعلا عليه، ورمي عدة شبابيك من شبابيكه
(1)
هو: علي بن الداية، الأمير شمس الدين.
(2)
"أخوه" في نسخة ب؛ وقد ذكر أبو شامة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 593، أسماء أخوته وهم: سابق الدين عثمان، بدر الدين حسن، ومجد الدين.
(3)
الإضافة من البداية والنهاية حيث ينقل العينى عنه، ج 12، ص 306.
(4)
انظر: تفصيل هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 2، ص 10.
(5)
"ولم ما سلموا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من البداية والنهاية، ج 12، ص 306.
(6)
"ردم" في نسختى المخطوطة أ، ب. وفي البداية والنهاية، ج 12، ص 306 "لما دهمه ببلاد مصر". ولعل الصواب ما أثبتناه لسياق النص.
(7)
نهاية النص المنقول بتصرف من ابن كثير المرجع السابق.
(8)
انظر هذا الخبر في: الكامل، ج 10، ص 61 - 62؛ المنتظم، ج 18، ص 204.
(9)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 204 - 205.
الحديد، فكانت السفن تدخل من الشبابيك إلى أرض المارستان، وَرَقَت المرضى إلى الأسطحة، وامتلأت مقبرة أحمد بن حنبل رحمه الله كلها، ولم يسلَم منها إلا موضع قبر بشر الحافي
(1)
رحمه الله؛ لأنه كان على نشز. وكان من يري مقبرة أحمد رحمه الله بعد أيام يدهش، كأن القبور قد قلبت، وجمع الماءُ من عظام الموتي كالتل العظيم، وكذلك من ألواح القبور
(2)
.
ومنها أن بالموصل كان نحو مما كان ببغداد أو أكثر؛ حتى انهدم بالماء نحو من ألفي دار، وهلك تحت الهدم شئ كثير.
ومنها أن الفرات أيضا زاد زيادة عظيمة، فهلك بسببها شئ كثير من القبور
(3)
، وغلت الأسعار بالعراق في هذه السنة في الزروع والثمار، ووقع الموتان في الغنم، حتى أبيع الحمل منها بقيراط، وأصيب كثير ممن أكل منها بالعراق وغيرها
(4)
.
ومنها أن في رمضان توالت الأمطار بديار بكر والموصل أربعين صباحا، لم يروا الشمس فيها سوى مرتين لحظتين يسيرتين، فتهدمت "البيوت"
(5)
والمساكن على أهلها.
ومنها أنه سقط أبو العباس أحمد
(6)
ابن أمير المؤمنين المستضئ من قبة شاهقة إلى الأرض، ولكنه سلم ووثئت
(7)
يده اليمنى وساعده الأيسر، وانسلخ شيء من أنفه، وكان معه خادم أسود يقال له نجاح، فلما رأى سيده قد سقط إلى الأرض، ألقى نفسه أيضا وقال: لا حاجه لي بالحياة بعد. فسلم أيضًا. فلما صارت الخلافة إلى أبي العباس الناصر كان لا ينساها لنجاح، فحكَّمه في الدولة، وأحسن إليه كثيرا.
(1)
بشر الحافي: هو أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي المعروف بالحافي -أسلم على يد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، أصله من مرو، وسكن بغداد وتوفي بها سنة 226 هـ / 841 م وقيل بمرو، انظر: شذرات الذهب، ج 2، ص 60.
(2)
إلى هنا توقف العيني عن النقل من المنتظم، ج 18، ص 204 - 206.
(3)
"التبول"، في نسخة ب.
(4)
وردت هذه الأحداث بتصرف في المنتظم، ج 18، ص 207.
(5)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(6)
أبو العباسي أحمد بن المستضيء توفي سنة 623 هـ/ 1226 م. انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 326.
(7)
"وثئت" من الوثء، وهو ما يصيب اللحم، ولا يبلغ العظم. القاموس المحيط، مادة "وثأ".
ذكر بقية الحوادث
منها أن ابن سُنكا، وهو ابن أخي شملة صاحب [خوزستان]
(1)
، بني قلعة بالقرب من [قلعة]
(2)
الماهكي؛ ليتقوى بها على الاستيلاء على تلك الأعمال، فسير إليه الخليفة العساكر من بغداد لتمنعه، فالتقوا، فحمل بنفسه على الميمنة فهزمها، واقتتل الناس قتالا عظيما، ثم كانت الهزيمة عليه، فأُخذ أسيرا وقتل وحمل رأسه إلى بغداد، فعلِّق بباب النوبي
(3)
، وهدمت القلعة التي بناها
(4)
.
ومنها أنه كانت وقعة عظيمة بين المؤيد، صاحب نيسابور، وبين شاه مازندران، فقُتل فيها كثير من الطائفتين، فانهزم شاه مازندران، ودخل المؤيد بلد الديلم، وخربها وفتك بأهلها وعاد عنها.
ومنها أن ملك الروم خرج من القسطنطينية، وقصد بلاد قليج أرسلان، فجرت فيها حرب استظهر فيها المسلمون، فلما رأى ملك الروم عجزه، عاد إلى بلده، وقد قُتل من عسكره وأُسر جماعة كبيرة
(5)
.
ومنها أن الفرنج حاصروا بانياس، ثم عادوا عنها، وقد قلنا إن هذا كان بعد موت نور الدين، وأن شمس الدين محمد بن عبد الملك خرج من دمشق، وراسل الإفرنج وبذل لهم فعادوا
(6)
.
ومنها أن ابن الجوزي قال
(7)
: وعظت يوما بالحربية، فاجتمع عندي قريب من ثلثمائة ألف.
(1)
"خوزستا" في نسخة ب، وخوز: بضم أوله وتسكين ثانيه وآخره "ز"، بلاد خوزستان وهو اسم لجميع بلاد الخوز. معجم البلدان، ج 2، ص 494 - 497.
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة من المنتظم، ج 18، ص 204، للتوضيح، وقد ذكر ابن الجوزي أنه استحدث قلعة في ولاية باذرايا، بالقرب من قلعة الماهكي.
(3)
باب النوبي: أحد أبواب الثلث الشرقي من مدينة بغداد، وهو الباب الذي به العتبة التي يقال أن الملوك والرسل كانوا يقبلونها. صبح الأعشى، ج 4، ص 330 - 331.
(4)
الكامل، ج 10، ص 60.
(5)
الكامل، ج 10، ص 62.
(6)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 594، الذي نقل هذا الخبر عن ابن أبي طي؛ وانظر أيضًا: مفرج الكروب، ج 2، ص 7. حيث أورد قول شمس الدين بن المقدم تفصيلًا؛ أنظر أيضًا: مرآه الزمان، ج 8، ص 204، 205؛ الكامل، ج 10، ص 62.
(7)
المنتظم، ج 18، ص 203.
ومنها أن في يوم عاشوراء جلس محمد الطوسي بالتاجيَّة
(1)
، وقال على المنبر أن ابن ملجم لم يكفر بقتل على (رضي الله عنه)، فضرب بالآجر، ثم ثار الناس، ولولا من كان حوله من الغلمان لقتل. فلما كان اليوم الثاني من مجالسه فرشوا له المنبر ليجلس، فاجتمع الناس على باب التاجية، ومعهم قوارير النفط ليحرقوه، وبعضهم في أيديهم الآجُر ليرجموه، ولم يحضر فأحرقوا منبره، وأحضره نقيب النقباء، وأسمعه كلاما غليظا، فقال لنقيب النقباء:"أنت نائب الديوان"
(2)
، وأنا نائب الله في أرضه، وأمر النقيب بأن يُجر برجله، وكتب إلى الخليفة يخبره بما بدا منه، فأمر الخليفة بنفيه، فتفي إلى الجانب الغربي، ثم خرج بعد مدة إلى مصر، وجرى له العجائب، وسنذكره إن شاء الله تعالي
(3)
.
وفيها: ............................................................................
....................................................
(4)
وفيها: حج بالناس ...............
(5)
ذكر من توفي فيها من الأعيان
أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن عبيد الله أبو عبد الله الحسيني
(6)
نقيب العلويين؛ وكان يلقب بالطاهر، سمع الحديث الكثير، وكان جم الأخلاق، جميل المعاشرة، يتبرأ من الرافضة، توفي ليلة الخميس العشرين من جمادى الآخرة منها، ودفن بداره، ثم نقل بعد مدة إلى مشهد الصبيان بالمدائن، وولي ولده مكانه.
الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار أبو العلاء الهمداني
(7)
؛ سافر الكثير وسمع الكثير، وانتهت إليه القراءات والتحديث في همدان، وتوفي ليلة الخميس عاشر جمادى الآخرة منها وقد جاوز الثمانين بأربعة أشهر.
(1)
المدرسة التاجية: توجد بزاوية الجامع الأموي الشرقية، غربي دار الحديث العروية. انظر: الدارس، ج 1، ص 483 - 487.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(3)
ورد هذا الحدث بتصرف في المنتظم، ج 18، ص 203.
(4)
بياض في نسختى المخطوطة: أ، ب بمقدار سطر ونصف.
(5)
بياض في نسختى المخطوطة: أ، ب مقداره نصف سطر.
(6)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 208.
(7)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 208؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 231؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 306.
رستم بن سرهنك أبو القاسم الواعظ
(1)
؛ سمع الحديث، وتعلم الوعظ من ابن الزاغوني شيخ ابن الجوزي، وتوفي يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ربيع الأول منها، عن ستين سنة تقريبا، ودفن بباب حرب.
ابن الأهوازي خازن دار الكتب بمشهد أبي حنيفة
(2)
(رضي الله عنه)؛ توفي في ربيع الأول، جاء من محلته إلى البلد، فاتكأ على دكة فمات، وكذلك أخوه وأبوهما فجأة.
يحيى بن نجاح المؤدب
(3)
؛ سمع الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة، وكان غزير الفضل، يقول الشعر الحسن، توفي في أواخر هذه السنة.
ابن قرقول أبو إسحق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس [بن]
(4)
، القائد الحَمْزي المعروف بابن قُرقُول
(5)
؛ صاحب كتاب "معارف الأنوار" الذي وضعه علي مثال كتاب؛ "مشارق الأنوار"، للقاضي عياض، كان من الأفاضل، وصحب جماعة من علماء الأندلس، وكانت ولادته بالمَرِيَّة من بلاد الأندلس في سنة خمس وخمسمائة، وتوفي بمدينة فاس
(6)
يوم الجمعة وقت العصر، السادس من شوال من هذه السنة، وكان قد صلى الجمعة في الجامع، فلما حضرته الوفاه تلا
(7)
سورة الإخلاص، وجعل يكررها، ثم تشهَّد ثلاث مرات، وسقط على وجهه ساجدا ميتا رحمه الله. وقُرقُول بضم القافين وسكون الراء المهملة وبعد الواو لام. مَرِيّة بفتح الميم وكسر الراء المهمله وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخرها هاء، وهي مدينة عظيمة بالمغرب بالقرب من سبتة
(8)
. والحمزي بفتح الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة زاي معجمة نسبة إلى حمزة.
(1)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 209.
(2)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 209؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 306.
(3)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 210؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 236.
(4)
ما بين الحاصرتين إضافة من وفيات الأعيان، ج 1، ص 62.
(5)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج 1، ص 62 - 63.
(6)
فاس: مدينة عظيمة بالمغرب الأقصى بالقرب من مدينة سبتة. انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 46؛ صبح الأعشي، ج 5، ص 153.
(7)
"تلي" كذا في نسخة ب.
(8)
"سيتة"، في نسخة ب وهو خطأ من الناسخ.
أبو العباس الخضر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي؛ الفقيه الشافعي
(1)
، كان فقيها فاضلا عارف بالمذهب والفرائض والخلاف، واشتغل ببغداد على الكِياهِراسي وابن الشاشي، ولقى عدة من مشايخها، ثم رجع إلى إربل، وبني له بها الأمير أبو منصور سُرفتكين بن عبد الله الزيني -صاحب
(2)
نائب إربل- مدرسة القلعة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ودرس فيها زمانا، وهو أول من درس بإربل، وله تصانيف حسان كثيرة في التفسير والفقة وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ست وعشرين خطبة للرسول (صلى الله عليه وسلم) وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به. وكان رجلا صالحا زاهدا عابدا ورعا متقللا في نفسه مباركا، وكان قدم دمشق فأقام بها مدة، وأثنى عليه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ثم رجع إلى إربل، ومن جملة من تخرَّج عليه؛ الفقيه ضياء الدين أبو عمر، وعثمان بن عيسى بن دِرباس الهمداني، وتوفي ليلة الجمعية الرابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة بإربل، ودفن بمدرسته التي في الربض في قبة منفردة، وقبره يزار
(3)
. وقال ابن خلكان
(4)
: وزرته كثيرا، وتولى موضعه ابن اخيه.
عز الدين أبو القاسم نصر بن عقيل بن نصر؛ وكان فاضلا، ومولده بإربل في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وسخط عليه الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، وأخرجه منها، فانتقل إلى الموصل، وسكن في رباط ابن الشهرزوري، ولم يزل هنالك إلى أن توفي في ثالث عشر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة، وكان له ولد يسمى شرف الدين محمد
(5)
، وكانت له اليد الطولى في عمل الدوبيت، ومولده في رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل، وتوفي ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية.
(1)
انظر ترجمته في البداية والنهاية، ج 12، ص 307؛ السبكي: طبقات الشافعية، ج 4، ص 218، المطبعة الحسينية، القاهرة.
(2)
"حاجب" في نسخة ب.
(3)
ورد هذا النص في وفيات الأعيان، ج 2، ص 237 - 239.
(4)
وفيات الأعيان، ج 1، ص 238 - 239.
(5)
"مشرف" في نسخة ب وهو خطأ في النسخ.
أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل
(1)
؛ قاضي القضاة بالديار المصرية زمن الفاطميين، ويلقب بفخر الأمناء، وكان أول من صُلب مع عمارة اليمنى وأصحابه كما ذكرنا، وقد كان ينسب إلى فضيلة وأدب، وله شعر رائق، فمن ذلك قوله في غلام رفا:
يا رافيًا خَرْقَ كُلِّ ثوبٍ
…
ويا [رَشَا]
(2)
حُبُّه اعْتِقَادي
عسي بكَفِّ الوِصَالِ ترفو
…
ما مَزَّق الهجرُ من فؤادى
وقال العماد في الخريدة
(3)
: أبو القاسم هبه الله بن عبد الله؛ كان داعى الدعاة بمصر للأدعياء، وقاضي القضاة لأولئك الأشقياء، يلقبونه بفخر الأمناء، وهو عندهم في المحلة العلياء، والمرتبة الشماء، والمنزلة [التي]
(4)
في السماء، حتى انكدرت نجومهم، وتغيرت رسومهم، وأقيم قاعدهم وعضد عاضدهم، [وأخليت]
(5)
منهم مصرهم، [وأجلى]
(6)
عنهم قصرهم، وهو أول من ضمه حبل الصَلب، وأمه فاقرة الصُلب، وهذا صنع الله فيمن كفر النعمة وجحد، وذلك غرة رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة.
عمارة اليمني؛ هو الفقيه أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان بن أحمد ابن محمد بن سليمان بن أيوب الحكمي اليمني الملقب نجم الدين الشاعر المشهور. وقال ابن خلكان
(7)
: نقلت من بعض تواليفه أنه من قحطان. ثم الحكم بن سَعد العشيرة المذحجي، وأن وطنه من تهامة باليمن، مدينة يقال لها مرَطان من وادي وساع، وبُعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوما، وبها مولده ومرباه، وأنه بلغ الحلم سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ورحل إلى زبَيد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فأقام يشتغل بالفقه في بعض مدارسها مدة أربع سنين، وأنه حج سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وسيّره قاسم بن هاشم بن فليته صاحب مكة -شرفها الله- رسُولًا إلى الديار المصرية، فوصلها
(1)
انظر ترجمته في شذرات الذهب، ج 4، ص 235.
(2)
"رشاء" في الأصل. والمثبت من الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 187.
(3)
انظر الخبر في الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1 ص 186 - 187.
(4)
ما بين الحاصرتين إضافة من المرجع السبق، ص 186.
(5)
"أجليت" في نسخة أ، والمثبت من نسخة ب.
(6)
"وأخلي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 187.
(7)
انظر وفيات الأعيان، ج 3، ص 431 - 436.
في ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وصاحبها يومئذ الفائز بن الظافر
(1)
، والوزير الصالح طلائع بن رُزيك
(2)
، وأنشَدهما في تلك الدفعة قصيدته الميمية
(3)
وهي:
الحَمْدُ للعيس بعدَ العَزْمِ والهِمَمِ
…
حَمْدًا يقومُ بما أَولَت من النِّعمِ
لا أجْحَدُ الحقَّ عِنْدى للركابِ يَدٌ
…
تمنَّت اللَّجَمُ فيها رُتبةَ الخَطُمِ
قَرَّينَ بعدَ مَزارِ العزِّ من نظرى
…
حتى رأيتُ إِمامَ العَصْر مِن أَمَمِ
ورُحْن من كَعْبةِ البَطحاءِ والحرَم
…
وفدًا إلى كَعْبةِ المَعْروفِ والكَرمِ
فهل دَرىَ البيتُ أنِّي بعدَ فُرقَتِه
…
ما سِرْتُ من حَرمٍ إلا إلى حَرمِ
حيثُ الخِلافةُ مضروبٌ سُرادقُها
…
بين النقيضين من عَفْوٍ ومن نِقَمٍ
وللإمَامةِ أنوارٌ مُقَدّسةٌ
…
تجْلُو البغيضين من ظُلمٍ ومن ظُلَمِ
وللنبوةِ آياتٌ [تنصُّ]
(4)
لنا
…
على الخَفِيين
(5)
من حُكمٍ ومن حِكمِ
وللمَكارمِ أعلامٌ تعُلِّمُنا
…
مدحَ الجَزِيلَيْن مِنْ بأسٍ ومن كَرَمِ
وللعُلا ألْسُنٌ تُثْنِي مَحَامِدُها
…
على الحَميدين من فعلٍ ومن شِيَمِ
ورايةُ [الشَّرفِ]
(6)
البذَّاخِ ترفَعُها
…
يدُ الرفِيعَيْن من مَجْدٍ ومن هِمَمِ
أقسَمْتُ بالفائِزِ المعصوم معتقدًا
…
فوزَ النجاة وأجْرَ البر في القَسَمِ
لقد حَمى الدينَ والدُّنيا وأهلُهُما
…
وزيرُه الصالِحُ الفَرَّاجُ للغُمَمِ
اللابسُ الفخْرَ لم تَنْسجْ غَلائُلهُ
…
إلا يدُ الصَّنعتين
(7)
السيفِ والقلمِ
وُجُودُه أوجَدَ الأيامَ ما اقْتَرحَتْ
…
وَجُودُه أعْدَمَ الشَّاكِين للعَدَمِ
(1)
الفائز بن الظافر: هو أبو القاسم عيسى الملقب الفائز بن الحافظ بن محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله توفي سنة 555 هـ/ 1160 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 491 - 494.
(2)
هو أبو الغارات طلائع بن رزيك الملقب بالملك الصالح وزير مصر كان واليًا بمنية بني خصيب من أعمال صعيد مصر توفي سنة 556 هـ/ 1161 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 2، ص 526 - 530.
(3)
انظر القصيدة أيضا في النكت العصرية لعمارة اليمنى، ص 32 - 34؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 432 - 433.
(4)
"ينص" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت من النكت العصرية، ص 33؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 432 - 433.
(5)
"الحفيين" في نسخة ب.
(6)
"للشرف" في الأصل، والمثبت من ديوان عمارة؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 432.
(7)
"الصنعين" في وفيات الأعيان، ج 3، ص 433.
قد مَلَّكَتْه العَوالي رِقَّ مملكةٍ
…
تُعيرُ أنفَ الثُريّا عِزَّة الشَّمَمِ
أرى مَقامًا عَظِيمَ الشَّأْن أَوهَمَنِى
…
في يقظتي أنها من جُملَةِ الحُلُمِ
يومٌ من العُمْرِ لم يخْطُرْ على أمَلي
(1)
…
ولا ترقَّت إليه رَغْبَةُ الهِمَمِ
ليتَ الكواكبَ تدنوُ لى فأنظُمُها
…
عقوُدَ مَدْحٍ فما أرضَى لكُمْ كلِمي
تَرى الوزارةَ فيه وهي بَاذِلةٌ
…
عندَ الخلافة نُصْحًا غيرَ مُتَّهَمِ
عواطفٌ علَّمَتْنا
(2)
أنَّ بَيْنهُما
…
قَرابةً من جَمِيل الرأْي لا الرَّحِمِ
خليفةٌ ووزيرٌ مَدَّ عَدْلُهُما
…
ظِلَّا على مَفْرِق الإسْلام والأُممِ
زيادَةُ النيلِ نقْصٌ عند فَيْضِهِما
(3)
…
فَمَا عسَى نتعاطَى منّةَ الدِّيَمِ
فاسْتَحْسَنا قصيدته، وأجْزلا صِلَته.
قال عمارة
(4)
: لما دخلتُ مِصرَ، وحضرتُ للسلام على الخليفة، والوزير في قاعة الذهب من قصر الخليفة، أنشدتهما هذه القصيدة
(5)
، والصالح يستعيدها في حالة الإنشاد مرارًا، فاستحسنها الأستاذون والأمراء والكبراء، ثم أُفيضت علىَّ خلع من ثياب الخليفة
(6)
مُذهبة، ودفع إلىَّ الصالح خمسمائة دينار، وإذا بعض الأستاذين قد خرج لي من عند السيدة [الشريفة]
(7)
بنت الإمام الحافظ بخمسمائة دينار أخرى، وحمل المال معي إلى المنزل، وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم تطلق لأحد [من]
(8)
قبلي، وتهادتنى أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم، فاستحضرني الصالح للمجالسة، ونظمني في سلك أهل المؤانسة، [وانثالت علىّ صلاته وغمرني برّه]
(9)
، ووجدت بحضرته من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعالي بن الحباب، والموفق أبا الحجاج يوسف بن الخلال صاحب ديوان الإنشاءِ، وأبا الفتح محمود بن قادوس، والمهذب أبا محمد الحسن بن الزبير وغيرهم.
(1)
"أمل" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من وفيات الأعيان، ج 3، ص 433.
(2)
"أعلمتنا" في نسختي المخطوطة أ، ب، والمثبت من وفيات الأعيان، ج 3، ص 433.
(3)
"قبضهما" في وفيات الأعيان، ج 3، ص 433.
(4)
انظر: النكت العصرية، ص 32 - 34 حيث ورد النص مع اختلاف طفيف في الألفاظ.
(5)
أورد عمارة القصيدة السابقة في هذا الموضع.
(6)
"الخلافة" في النكت العصرية.
(7)
ما بين الحاصرتين إضافة من النكت العصرية، ص 34.
(8)
ما بين الحاصرتين إضافة من النكت العصرية، ص 34.
(9)
ما بين الحاصرتين إضافة من النكت العصرية، ص 34.
وقال ابن خلكان
(1)
: وأقام عمارة في مصر إلى شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعز جانب، ثم فارق مصر في هذا التاريخ، وتوجه إلى مكة، ومنها إلى زَبيد في صفر سنة إحدى وخمسين، ثم حج من عامه، فأعاده قاسم صاحب مكة المذكور في رسالة
(2)
إلى مصر مرة ثانية، فاستوطنها ولم يُفارقها بعد ذلك. وكان فقيها شافعي المذهب، شديد التعصب للسُّنة، أديبا ماهرًا، شاعرًا مجيدا، محادثا ممتعًا، فأحسن الصالح وبنوه إليه كل الإحسان، وصحبوه مع اختلاف العقيدة؛ لحسن صحبته.
وله في الصالح وولده مدائح كثيرة، وكانت بينه وبين ابن شاور
(3)
صحبة متأكدة قبل وزارة أبيه، فلما وُزِّرَ استحال عليه فكتَبَ إليه:
إذا لم يُسَالِمْك الزمَانُ فحارِبِ
…
وباعِدْ إذا لم تنتفعْ بالأقاربِ
ولا تحتقرْ كيدًا ضَعِيفا فربَّما
…
تموتُ الأفاعي من [سمام]
(4)
العقَاربِ
فقد هَدّ قِدمًا عرش بلقيس هدْهدٌ
…
وَخرَّبَ فأرُ قبل ذا سد مأربِ
إذا كان رأسُ المالِ عُمْرك فاحترز
…
عليه من الإنفاقِ في غير واجبِ
فبين اختلافِ الليلِ والصبح مَعرَكٌ
…
يَكر علينا جيشُه بالعجائبِ
وما راعَني غَدْرُ الشبابِ لأنني
…
أَنِستُ بهذا الخُلْق من كلِّ صاحبِ
وغدْرُ الفتى في عَهْده ووفائِه
…
وغدْرِ المواضِي في بُنُوِّ المضاربِ
إذا كان هذا الدُّرُّ مَعْدِنُه فَمي
…
فصُونوه عن تقْبِيلِ راحة واهبِ
رأيتُ رجالا أصبَحَتْ في مآدبِ
…
لدَيكم وحالي وحْدَها في نوادِبِ
تأخَرْتُ لَمَّا قدَّمَتْهُم عُلاكُم
…
عَلىَّ وتأبي الأسْدُ سَبْقَ الثعالبِ
تُرى أين كَانُوا في مواطِنِي التي
…
غَدَوْتُ لكُم فيهِنَّ أكرمَ نائبِ
ليالىَ أتْلُو ذِكْرَكُم في مَجَالسٍ
…
حَدِيثُ الورَى فيها بغَمزِ الحواجبِ
(1)
انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 433 - 435.
(2)
انظر خبر هذه الرسالة في النكت العصرية، ص 42.
(3)
هو: الكامل بن شاور. انظر النكت العصرية، ص 129، حيث أورد بعد ذلك الأبيات الآتي ذكرها ص 130.
(4)
"سموم" في نسخة ب.
قال ابن خلكان
(1)
: وزالت
(2)
دولة المصريين وهو في البلاد. ولما ملك السلطان صلاح الدين مدحَه، ومدح جماعةً من أهل بيته، يتضمن ديوانه جميع ذلك. ورَثى أصحاب القصر عند زوال ملكهم بقصيدة لامية طويلة أجاد فيها، وغالبُ شعره جيدِ، ثم أنه شرع في أمور وأسباب من الاتفاق مع جماعةٍ من رُوساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة دولتهم، فأحس بهم صلاح الدين، فكانوا ثمانية من الأعيان، ومن جملتهم عمارة هذا، وشنقهم يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة بالقاهرة، وقد ذكرناه مفصلًا. وقال ابن خلكان
(3)
: وله تواليف منها كتاب "أخبار اليمن"، وفيه فوائد. ومنها "النكت العصرية في أخبار الوزراء المصريّة"، وغير ذلك.
وقال ابن كثير
(4)
: وله تصنيف في الفرائض، وقد كان أديبا فاضلا فقيها فصيحا، غير أنه كان ينسب إلى موالاة الفاطميين، وله فيهم وفي أمرائهم ووزرائهم مدائح كثيرة جدًا، وأقل ما [كان]
(5)
ينسب إلى الرفض، وقد اتهم باطنه بالكفر المحض.
وذكر العماد
(6)
في الخريدة أنه قال في قصيدته التي يقولُ فيها:
قد كان أول هذا الدينِ من رجل
…
سعى إلى أن دَعَوْه سيِّد الأمم
قال [العماد]
(7)
: فأفتى علماء مصر بقتله وحرَّضوا السلطان صلاح الدين على ذلك. قال: ويجوز أن يكون [هذا البيت]
(8)
معمولا به عليه
(9)
، والله أعلم.
وقد أورد ابن الساعي
(10)
شيئا من رقيق شعره، فمن ذلك قوله يتغزل:
(1)
انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 434 - 435 حيث نقل العيني عنه بتصرف.
(2)
"ورايت" في نسخة ب.
(3)
وفيات الأعيان، ج 3، ص 434 - 435.
(4)
انظر البداية والنهاية، ج 12، ص 295.
(5)
ما بين الحاصرتين من البداية والنهاية، ج 12، ص 295.
(6)
ذكر في البداية والنهاية، ج 12، ص 295 أول القصيدة هذا نصها:
العلم مذ كان محتاج إلى العلم
…
وشفرة السيف تستغني عن القلم.
وقال أيضًا: "وهي طويلة جدًا". وقد ذكر في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 553 نقلًا عن العماد أن هذا منسوب إليه.
(7)
"العلماء" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من، البداية والنهاية، ج 12، ص 296؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 561.
(8)
ما بين الحاصرتين إضافه للتوضيح من البداية والنهاية، ج 12، ص 296.
(9)
انظر هذا الخبر في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 562.
(10)
انظر: النكت العصرية، ص 265 حيث أورد عمارة اليمنى القصيدة كاملة.
لى في هوى [الرَّشَأِ]
(1)
العُذْرِىِّ أعْذارُ
…
لم يبقَ لي مُذْ أقَرَّ الدمعُ إنكارُ
لي في القُدودِ وفي لثْمِ الخدودِ وفي
(2)
…
ضَمِّ النُّهُودِ لُباناَتُ وأوطارُ
هذا اختِياري فوافِقْ إن رَضِيتَ به
…
أو لَا فَدَعْني بما أهْوى وأخْتَارُ
ومما وجد في شعره يرثي العاضد وأيامه، ويظهر محبته للفاطميين
(3)
:
يا عاذِلِي في هَوى أبناءِ فاطِمَةٍ
…
لكَ المَلامةُ إن قصَّرتَ في عَذْلي
بالله زُر ساحةَ القَصْرين، وابكِ معي
…
عليهما، لا على صِفِّين والجَمَلِ
(4)
وهي قصيدة طويلة، وقد ذكرناها فيما مضى.
مَالك بن علي
(5)
صاحب قلعة جعبر؛ قتل في هذه السنة، قتله الإسماعيلية بسرُوج
(6)
.
مِرِى ملك الإفرنج، صاحب عسقلان (لعنه الله)، هلك في هذه السنة، وقد كاد اللعين أن يغلب على الديار المصرية، لولا فضل الله تعالى ورحمته.
(1)
"الرشاء" في الأصل، والمثبت هو الصحيح لسلامة الوزن.
(2)
"لي" في نسخة ب.
(3)
ذكر ابن كثير أبياتا أخرى لعمارة اليمني في رثاء العاضد أولها:
أسفي على زمان الإمام العاضد
…
أسف العقيم على فراق الواحد
انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 277.
(4)
انظر هذه القصيدة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 570 - 571 حيث نقلها عن العماد.
(5)
هو: شهاب الدين مالك بن علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران بن مقلد العقيلي. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 85.
(6)
سروج: بلدة قريبة من حران من ديار مضر. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 85.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السبعين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، وصاحب مصر السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وسلطان الشام وحلب وما والاهما الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، وسلطان الروم عز الدين قُليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن
(1)
سليمان بن قطلومش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، وصاحب اليمن الملك المعظم توران شاه بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصاحب المغرب أبو يعقوب
(2)
يوسف بن السلطان عبد المؤمن، وصاحب الموصل وغيرها سيف الدين غازي بن مودود، وصاحب ماردين وغيرها قطب الدين إيل غازي بن نجم الدين ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتُق، وصاحب آمِد وحصن كيفا
(3)
نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، وصاحب تبريز
(4)
فلك الدين اين آقسنقر الأحمديلي، وصاحب خوزستان وفارس شملة التركماني، وصاحب همدان وغيرها البهلوان محمد
(5)
بن أيلدكز، وصاحب غزنة
(6)
شهاب الدين الغوري.
ذكرُ تملك صلاح الدين دمشق وأخذه من الملك الصالح بن نور الدين
ولما مات نور الدين في التاريخ الذي ذكرناه، وتولي عوضه ولده إسماعيل، وطمعت الفرنج في بلاد الشام، واختلفت آراء أمراء الشام، وعزم السلطان صلاح الدين للتوجه إلى
* يوافق أولها 2 أغسطس 1174 م.
(1)
"ابن" مكرره في نسخة ب.
(2)
يوسف بن عبد المؤمن بن على القيسي الكومي، تولى الحكم سنة 558 هـ/ 1163 م، وتوفي سنة 580 هـ / 1184 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 130 - 138.
(3)
حصن كيفا: بلدة وقلعة مشرفة على دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمر من ديار بكر. انظر: معجم البلدان، ج 2 ص 277.
(4)
تبريز: من مدن أذربيجان وهي مدينة عامرة. معجم البلدان، ج 1، ص 832.
(5)
هو: محمد البهلوان بن أيلدكز الأتابك شمس الدين صاحب أذربيجان وعراق العجم توفي 581 هـ/ 1185 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 208، عارضة 253؛ الشذرات ج 4، ص 469.
(6)
غزنة: من طرف خراسان وأول بلاد الهند. انظر: تقويم البلدان، ج 3، ص 466 - 467.
الشام، لأخذها وحفظها من الإفرنج، ولكنه عرض عليه أمران: الأول: مجئ الإفرنج إلى بلاد مصر، والثاني: مخالفة كنز المقدم بأسوان، فلنذكر الأمرين أولًا، ثم نذكر أخذ صلاح الدين دمشق.
أما الأمر الأول فقد قال ابن كثير
(1)
: استهلت هذه السنة والسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على عزم الدخول إلى الشام؛ ليحفظه من أيدي الإفرنج المخذول، ولكنه قد دهمه أمر شغله عنه. وذلك أن الفرنج قدموا إلى ساحل البلاد المصرية في أسطول لم يسمع بمثله؛ في كثرة مراكبه وما فيه من آلات الحصار، وكثرة الرجال والمقاتلة، في جملة ذلك؛ مائتا شيني في كل منها مائة وخمسون مقاتلا، وأربعمائة قطعة أخرى. وكان قدومهم من صقلية إلى ظاهر إسكندرية قبل رأس السنة بأربعة أيام، فنصبوا المنجنيقات والدبابات حول البلد، وبرز إليهم أهلها، فقاتلوهم دونها قتالًا شديدًا، واستمر القتال أياما، وقتل من كل الفريقين خلق كثير، ثم اتفق أهل "البلد"
(2)
على تحريق ما نصبوه من المنجنيقات والدبابات، ففعلوا ذلك، فأضعف ذلك قلوب الإفرنج وفنَّد في أعضادهم، ثم كبسهم المسلمون في منازلهم، فقتلوا من أحبوُا وأرادوا، وغنموا ما شاءوا واختاروا. وانهزم الكفار في كل وجه، ولم يكن لهم ملجأ إلا البحر أو القتل أو الأسر، واستحوذ المسلمون على أموالهم وأثقالهم وخيولهم، وما ضربوه من الخيام لنزولهم، وبالجملة قتلوا خلقا من الرجال، وغنموا شيئا كثيرًا من الأموال، وركب من بقي منهم في الأسطول راجعين إلى بلادهم خائبين لعنهم الله.
وفي تاريخ بيبرس
(3)
: وفي هذه السنة قصد الإفرنج ثغر الإسكندرية وجاءوا في مائتي شيني وطريدة وبطسة، وأمد الملك الناصر صلاح الدين أهل الثغر بالعسكر، وتحرك ليتوجه إليهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب، فعادوا خائبين بعد أن ضايقوا الثغر وزحفوا عليه ثلاثة أيام، وقاتلوا قتالا شديدًا.
(1)
انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 307، حيث ينقل عنه العيني بتصرف.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(3)
انظر: نهاية الأرب، ج 28، ص 392.
وفي تاريخ الدولتين
(1)
: أما وصول الأسطول إلى إسكندرية فكان يوم الأحد السادس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وستين، وانهزم في أول المحرم سنة سبعين.
وأرسل صلاح الدين كتابا إلى بعض الأمراء بالشام، وفيه: وصل
(2)
أول الأسطول وقت الظهر، ولم يزل واصلا إلى وقت العصر. وكان ذلك على حين غفلة من المتوكلين بالنظر، لا على خفاءٍ من الخبر، واستنزلوا خيولهم من الطرائد ورجالهم من المراكب، فكانت الخيل [ألفا وخمسمائة رأس]
(3)
، وكانوا ثلاثين ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، وكانت عدة الطرائد [ست وثلاثين طريدة تحمل الخيل وكان معهم]
(4)
مائتا شيني، في كل شيني مائة وخمسون راجلا، وكانت عدة السفن التي تحمل آلات الحرب والحصار من الأخشاب الكبار وغيرها ست سفن، وكانت عدة المراكب الحمالة برسم الأزواد للرجال أربعين مركبا، وفيها من الرجال المتفرقين وغلمان الخيالة وصناع المراكب وأبراج الزحف ودباباته والمنجنيقية، ما يتمم خمسين ألف راجل.
ولما تكاملوا نازلين على البر، حملوا على المسلمين حملة أوصلوهم إلى السور، وفقد من أهل الثغر في وقت الحملة ما يناهز سبعة أنفس. وأستشهد محمود بن البصار و [كان]
(5)
بسهم جرح، وجدفت مراكب الإفرنج داخلة إلى الميناء، وكان به مراكب مقاتلة ومراكب مسافرة، فسبقهم المسلمون إليها فخسفوها وغرقوها، وغلبوهم على أخذها، وأحرقوا ما احترق منها، واتصل القتال إلى المساء، فضربوا خيامهم بالبر، وكانت عدتهم ثلثمائة خيمة.
فلما أصبحوا زحفوا وضايقوا وحاصروا ونصبوا ثلاث دبابات بكباشها، وثلاثة مجانيق كبارا تضرب بحجارة سوداء استصحبوها معهم من صقلية، والدبابات تشبه الأبراج في جفاء أخشابها، وارتفاعها، وكثرة مقاتِلتها واتساعها، وزحفوا بها إلى أن قاربت السّور، ولجّوا في القتال عامة النهار المذكور.
(1)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 598.
(2)
"وصول" في نسخة ب.
(3)
"ألفين وخمسمائة فارس" في نسختي المخطوطة أ، ب، والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 598؛ مفرج الكروب، ج 2، ص 12 - 13.
(4)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 598؛ وانظر أيضا: مفرج الكروب، ج 2، ص 13؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 56.
(5)
ما بين الحاصرتين إضافة لازمة من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 599 لاستقامة النص.
وورد الخبر إلى منزلة العساكر بفاقوس يوم الثلاثاء ثالث يوم نزول العدو على جناح الطائر، فاستنهض السلطان العساكر إلى الثغرين إسكندرية ودمياط. وأما أهل إسكندرية فإنهم فتحوا الأبواب
(1)
على غفلة، وخَرَّجوا منها ممن كان من الأمراء، فأحرقوا الدبابات المنصوبة، وأنزل الله النصر على المسلمين، والخذلان على الكفار، واتصل القتال إلى العصر من يوم الأربعاء، وانهزم الإفرنج واستحر القتل والجرح فيهم، ولم يسلم منهم إلا من نزع لبسه، ورمي في البحر نفسه. وتقحم المسلمون في البحر على بعض المراكب فخسفوها وأتلفوها، فولت بقية المراكب هاربة، وبقي العدو بين قتل وغرق وأسرٍ، واحتمي ثلثمائة فارس في رأس تل، فأخذت خيولهم، ثم قتلوا وأسروا، وأقلع هذا الأسطول عن الثغر يوم الخميس. وذكر ابن شداد
(2)
أن نزول هذا العدو كان في شهر صفر، وكانوا ثلاثين ألفا في ستمائة قطعة ما بين شيني، وطرادة، وبطسة، وغير ذلك.
وأما الأمر الثاني: فهو نوبة الكنز. وقال بيبرس في تاريخه
(3)
: وفي هذه السنة خالف الكنز بأسوان وهو مقدم من المصريين، وكان قد انتزح إلى أسوان، فأقام بها، ولم يزل يدبر أمره ويجمع السودان عليه، ويخيل لهم أنه يملك البلاد ويعيد الدولة المصرية، ويقطع خطبة الناصر صلاح الدين، ويخطب لداود بن العاضد، فاجتمع إليه جمع وافر من السودان، وقصد قوص وأعمالها. فانتهى خبره إلى الملك الناصر، فجرد إليه عسكرا
(4)
، وقدم عليه أخاه الملك العادل، وتوجه صحبته أبو الهيجاء السمين، فساروا إلى الكنز، وقد حشد جمعا كثيرا من السودان والرعية وعُربان البلاد، فالتقوا وقتلوا الكنز وأبادوا جموعه، واطمأنَّ الصعيد، وعاد الملك العادل وسكن القصر بالقاهرة، ولقب من ذلك الحين بالملك العادل
(5)
.
(1)
"الباب" في نسخة ب.
(2)
نقل العينى هذا النص بتصرف من النوادر السلطانية، ص 48 - 49.
(3)
زبدة الفكرة غير موجود بين أيدينا، انظر: نهاية الأرب، ج 28، ص 369؛ الكامل، ج 10، ص 64 - 65؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 530 - 533 حيث أورد أبو شامة نقلًا عن المؤرخ الحلبي ابن أبي طى حديثًا مفصلًا عن حملة تورانشاه إلى بلاد النوبة.
(4)
"فجرد عسكر إليه" كذا في نسخة ب.
(5)
ورد هذا النص بتصرف في النوادر السلطانية، ص 47 - 48.
والكنز المذكور من قبيلة ربيعة
(1)
، وكان مسكنهم بجزيرة العرب، ومستقرهم منها باليمامة، وانتقلوا إلى مصر من أيام المتوكل العباسي
(2)
، فسكنوا بيوت الشعر في صحارى هذه الأعمال. وكانت البجاة
(3)
تشن الغارات في كل وقت، فمنعوهم من ذلك، ثم تزوجوا عندهم، وظفروا معدن الذهب بالعلاقي
(4)
، فتمولوا.
وفي تاريخ ابن كثير
(5)
: ومما عوق الملك الناصر صلاح الدين عن الشام رجل يعرف بالكنز، وسماه بعضهم عباس بن شادى، وكان من مقدمي الديار المصرية، ومن الدولة الفاطمية، وكان قد [انتزح]
(6)
إلى أسوان، وجمع عليه خلقا من الرعاع من الحاضرة والعربان، وزعم لهم أنه سيعيدُ الدولة [الفاطمية]
(7)
، ويدحض الدولة [الأتابكية]
(8)
التركية، ثم ذكر قريبا مما ذكرناه.
وقال ابن أبي طي
(9)
: خرج بقرية من قرى الصعيد يقال لها طود
(10)
رجل يعرف بعباس بن شادي
(11)
، وثار في بلاد قوص ونهبها وخربها، وأخذ أموال الناس، واتصل ذلك بالملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، وكان السلطان استنابه بمصر، فجمع له العساكر وأوقع به، وبدد شمله، ثم قصد بعده كنز الدولة الوالى بأسوان، وكان قصد بلد طُود، فقتل أكثر عسكره وهرب، فأدركه بعض أصحاب الملك العادل فقتله.
(1)
بنو ربيعة: هم بطن من طى من القحطانية مساكنهم البلاد الشامية. انظر: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، ص 100 - 103.
(2)
المتوكل العباسي: هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي توفي سنة 247 هـ/ 861 م. وفيات الأعيان، ج 1، ص 350 - 356.
(3)
البُجّاة: البجة بضم الباء الموحدة وفتح الجيم وألف في الآخر، وهم من أصفى السودان لونًا، وهم مسلمون ونصاري وأصحاب أوثان، وموطنهم في جنوب صعيد مصر مما يلي الشرق فيما بين بحر القلزم وبين نهر النيل على الغرب من الديار المصرية وقاعدتهم سواكن. صبح الأعشي، ج 5، ص 273 - 274.
(4)
العلاقي: وادي العلاقي في بلاد البجة في جنوبي أرض مصر به معدن التبر. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 710.
(5)
البداية والنهاية، ج 12، ص 308.
(6)
"انتزع" في نسخة أ، وهو خطأ، والمثبت من نسخة ب.
(7)
ما بين الحاصرتين إضافة من ابن كثير الذي ينقل عنه العيني، البداية والنهاية، ج 12، ص 308.
(8)
ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 12، ص 308.
(9)
انظر قول ابن أبي طى في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 601 - 602.
(10)
الطود: بليدة بالصعيد الأعلى فوق قوص ودون أسوان لها مناظر وبساتين، أنشأها الأمير درباس الكردي المعروف بالأحول في أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. معجم البلدان، ج 3، ص 556.
(11)
عباس بن شادي: من مقدمي الديار المصرية والدولة الفاطمية استند إلى بلد يقال له أسوان وقيل إنه تولى حكم أسوان في أول أيام صلاح الدين. أنظر: البداية والنهاية، ج 11 ص 288، الروضتين، ج 1 ق 2، ص 601 - 602؛ النوادر السلطانية، ص 47 - 48.
وأما توجه السلطان صلاح الدين إلى الشام فقد كان في هذه السنة فخرج إلى البركة في مستهل صفر، وأقام حتى اجتمع العسكر، ثم رحل إلى بلبيس في ثالث عشر ربيع الأول، وكان عنده رسل شمس الدين صاحب بصرى، صديق ابن جاولي، وشمس الدين بن المقدم
(1)
، ثم سار إلى أيلة، ثم أناخَ على بصرى
(2)
، فاستقبله صاحب بُصرَي، ولم يزل في خدمته إلى الكسوة
(3)
، وبكر صلاح الدين يوم الاثنين آخر شهر ربيع الأول، وسار في عسكره حتى دخل دمشق، ودخل إلى دار العقيقي
(4)
وكانت مسكن أبيه، وكان في قلعة دمشق جمال الدين ريحان الخادم، فاستماله صلاح الدين حتى ملك القلعة أيضًا، ونزل في القلعة سيف الإسلام أخو السلطان صلاح الدين، وأظهر السلطان لأهل دمشق أنه إنما جاء لتربية الملك الصالح بن نور الدين، وحفظ مالهُ من المصالح، وجاء إليه أعيان البلد، منهم: القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، فأكرمه السُلطان، وبالغ في إكرامه، والأمراء والأجناد والأتراك والأكراد والعربان، ثم أرسل السلطان الكتب الفاضلية إلى مصر بهذا الفتح والنصر. وفي بعض كتبه: "وكان رحيلنا من بُصري يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الأول، ومن ثم
(5)
لقينا الأجل ناصر الدين بن المولى أسد الدين [شيركوه]
(6)
، والأمير سعد الدين بن أُنر يوم السبت السابع والعشرين منه، ونزلنا يوم الأحد بجسر الخشب، واستقبلنا هناك الأجناد الدمشقية، ولما دخلنا دمشق أمرنا بالنداء بإطابة النفوس، وإزالة المكوس".
(1)
شمس الدين بن المقدم: هو محمد بن عبد الملك من أعيان أمراء الدولتين، وهو الذي سلم سنجار إلى نور الدين، ثم تملك بعلبك وعصى على صلاح الدين مدة، ثم صالحه وناب له بدمشق. توفي سنة 538 هـ/ 1187 م. انظر: شذرات الذهب، ج 4، ص 276.
(2)
بصري موضع بالشام من أعمال دمشق. معجم البلدان، ج 1، ص 654.
(3)
الكسوة: قريه قريبة من دمشق، وهي أول منزل تنزله القوافل الخارجة من دمشق إلى مصر، معجم البلدان، ج 4، ص 275.
(4)
دار العقيقى: هي دار أبي أيوب والد صلاح الدين، وهي ظاهر دمشق إلى داخل بابي الفرج والفراديس في دمشق. أما العقيقى؛ فهو أحمد بن الحسين بن أحمد بن على العقيقى صاحب الحمام بباب البريد. انظر: الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 349.
(5)
"وفيه" في نسخة ب.
(6)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 603.
وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة خرج الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق، واستناب عنه الملك العادل أخاه بالديار المصرية، وكان السبب في ذلك أن الملك الصالح بن نور الدين كتب إلى ابن عمه سيف الدين غازي بن مودود
(1)
، صاحب الموصل، وإلى أخيه عماد الدين زنكي، صاحب سنجار، بأن يحضرا إليه بعساكرهما؛ ليجتمعوا جميعا على قصد صلاح الدين وأخذ الديار المصرية منه، فأما أخوه عماد الدين زنكي فإنه امتنع منه؛ لأن صلاح الدين كان قد كاتبه وأطمعه في ملك والده، بحكم أنه الكبير، فحمله الطمع على الامتناع على أخيه، فلما رأى أخوه امتناعه، سار إليه إلى سنجار، وحاصره بها، وامتنع عماد الدين، وجَدَّ في حفظ البلد، والذب عنها، فدام الحصار عليها
(2)
.
فبينا يحاصرها أتاه الخبر بانهزام عسكره الذي مع أخيه عز الدين مسعود
(3)
من صلاح الدين؛ لأنه كان عند مسيره إلى سنجار قد رتبه مع عسكر بدمشق، وصحبته أمير كبير يسمى عز الدين محمود، فلما وصل صلاح الدين إلى دمشق أخذها، وانهزم العسكر الذي بها. فراسل الملك الصالح أخاه عماد الدين، وصالحه على ما بيده، ورحل إلى الموصل، إلى سيف الدين ابن عمه؛ ليستنجده على صلاح الدين، فسار بنفسه، وسار صلاح الدين من دمشق إلى حمص، واستخلف عليها أخاه سيف الإسلام طُغتكين
(4)
، وقاتل أهل حمص يوما واحدا، فملكها، وامتنعت القلعة عليه. فسار عنها إلى حماة، وبها عزُ الدين جُورديك
(5)
، وهو من مماليك نور الدين، فامتنع من التسليم. فسَيَّر إليه صلاح الدين يذكر أنه في طاعة الملك الصالح، وأنه ما خرج إلا لحفظ البلاد
(1)
انظر: ترجمته في وفيات الأعيان، ج 4، ص 4 - 5.
(2)
"عليه" في نسخة ب.
(3)
عز الدين مسعود: هو مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي الأتابك صاحب الموصل، توفي سنة 589 هـ/ 1193 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 203 - 209؛ التاريخ الباهر، ص 185 - 189.
(4)
سيف الإسلام طغتكين: هو طغتكين بن أيوب بن شادي بن مروان المنعوت بالملك العزيز ظهير الدين صاحب اليمن، توفي سنة 593 هـ/ 1197 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 523 - 524.
(5)
عز الدين جورديك: كان من مماليك نور الدين، لهذا لقب بالنوري، وكان واحدًا من القواد الذين رافقوا أسد الدين شيركوه أثناء حملته على مصر، كما شارك صلاح الدين في القبض على شاور والقضاء عليه. انظر: وفيات الأعيان، ج 2، ص 440 - 441، ص 448؛ النوادر السلطانية، ص 61، حاشية 6.
من الفرنج، فاستحلفه على ذلك، وسلم إليه البلد، فلما تسلمها سار منها إلى حلب، فحاصرها وبها الملك الصالح بن نور الدين، واتفق وصول سيف الدين غازي ابن عمه من الموصل منجدًا له، وتقدمت عساكره لقتال صلاح الدين، فبذل له صلاح الدين تسليم حمص وحماة، وأن يقر بيده مدينة دمشق، ويكون فيها نائبا من جهة الملك الصالح، فلم يجبه إلى ذلك، وقال: لابد من تسليم جميع ما أخذه من بلاد الشام وعوده إلى مصر أو القتال.
وكان صلاح الدين في أثناء المراسلة يجمع عساكره، ويتأهب للقائه، فلما امتنع سيف الدين من إجابته لما بذل، سار بعسكره، فالتقى هو وعسكر سيف الدين غازي على قرون حماة
(1)
، فهزمهم وتتبعهم حتى حازوا معسكرهم، وغنم منهم غنائم كثيرة ودوابا وسلاحا، وعاد العسكر السيفي منهزما إلى حلب، فتتبعهم صلاح الدين إليها ونزل عليها محاصرا لها، فراسلوه في الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام، ولهم ما بأيديهم من بلاد حلب معًا، فأجابهم وانتظم الصلح، ورحل عن حلب في شوال منها، وقطع خطبة الملك الصالح من بلاده، وأزال اسمه عن الصَّكة
(2)
.
وفي تاريخ النويري
(3)
: وفي هذه السنة أرسل شمس الدين بن الداية، المقيم بحلب، كمشتكين الطواشي، يستدعي الملك الصالح بن نور الدين من دمشق إلى حلب؛ ليكون مقامه بها، فسار الصالح إليه، ولما استقر بحلب تمكن كمشتكين وقبض على شمس الدين بن الداية وأخوته، وقبض على الرئيس ابن الخشاب وأخوته، وهو رئيس حلب، واستبدّ كمشتكين بتدبير [أمر]
(4)
الملك الصالح، فخاف ابن المقدم وغيره من الأمراء الذين بدمشق، وكاتبوا صلاح الدين بن أيوب صاحب مصر، واستدعوه؛ ليملكوه.
(1)
قرون حماة: منطقة جبلية تشرف على مدينة حماة، وهي مكونة من قلعتين متقابلتين. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 332.
(2)
أورد ابن شداد هذا الحدث بالتفصيل في النوادر السلطانية، ص 50 - 51.
(3)
نقل العيني هذا النص بتصرف من نهاية الأرب، ج 27، ص 170.
(4)
ما بين الحاصرتين إضافة من الباهر، ص 176؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 592.
فسار صلاح الدين جريدة
(1)
في سبعمائة فارس، ووصل إلى دمشق واستقر فيها، ولم ينتطح عنزان ولا اختلف سيفان، وذلك أن نائبها شمس الدين بن المقدم كان قد كتب إليه أولا فأغلظ لرمي الكتاب، فلما رأى أمره متوجها، جعل يكاتبه ويستحثه على القدوم [إلى دمشق]
(2)
، ويعده بتسليم البلد، فلما رأى الجد لم يمكنه المخالفة، فسلمه البلد، فنزل السلطان "صلاح الدين"
(3)
أولا في دار والده، وهي دار العقيقي، وهي التي بنيت مدرسة للملك الظاهر بيبرس رحمه الله، ولما ثبت أمره بها، أستخلف بها أخاه سيف الإسلام طغتكين، وأخذ ما في القلعة من الأموال، ثم سار إلى حمص مستهل جمادى الأولى، ونزل عليها في حادي عشر جمادى الأولى، وملك المدينة، وعصت عليه القلعة، فترك عليها من يضيق عليها.
ورحل إلى حماة، وملك مدينتها مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة، وكان بقلعتها عز الدين جُرديك أحد المماليك النورية، فامتنع، فذكر له صلاح الدين أنه ليس له غرض سوي حفظ بلاد الملك الصالح بن نور الدين عليه، وإنما هو نائبه. وقَصَدَ جُرديك من صلاح الدين أن يكون سفيره بينه وبين الحلبيين، فأجابه إلى ذلك، فسار جرديك إلى حلب للرسالة، واستخلف في قلعة حماة أخاه، فلما وصل جُرديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه
(4)
، فلما علم بذلك أخوه، سلم قلعة حماة إلى صلاح الدين، فملكها، ثم سار صلاح الدين إلى حلب، فنازلها على جبل جَوشَن
(5)
وحصرها، فاجتمع أهل حلب وقاتلوا صلاح الدين، وصدوه عن حلب، فأرسل كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية
(6)
أموالا عظيمة، ليقتلوا صلاح الدين. ووثبوا
(1)
جريدة: فرقة من العسكر الخيالة لا رجالة فيها، والمقصود بها سير السلطان على وجه السرعة دون أن يأخذ أثقالًا أو حشدًا. المعجم الوسيط، مادة "جرد".
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 12، ص 288.
(3)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(4)
ورد هذا النص بتصرف في البداية والنهاية، ج 12، ص 288 - 289، الروضتين، ج 1 ق 2، ص 607 - 608؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 58 - 59.
(5)
جبل جوشن: بالفتح ثم السكون وشين معجمه في غربي حلب. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 155.
(6)
سنان مقدم الإسماعيلية: هو أبو الحسن سنان بن سليمان بن محمد الملقب راشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية، ومقدم الفرق الباطنية بالشام، وإليه تنسب الطائفة السنانية. وفيات الأعيان، ج 5، ص 185.
على صلاح الدين، فقُتِلوا دونه. واستمر صلاح الدين محاصرًا لحلب إلى مستهل رجب، ثم رحل عنها؛ بسبب نزول الفرنج على حمص، وذلك أن أهل حلب راسلوا قومص
(1)
صاحب طرابلس، ووعدوا له بأموال جزيلة، إن هو رَحَّلَ عنهم السلطان صلاح الدين، وكان هذا اللعين قد أسره نور الدين معتقلا مدة عشر سنين، ثم فاداه على مائة ألف دينار وألف أسير من أسارى المسلمين، وكان لا ينسى ذلك لنور الدين، فركب قومص -لعنه الله- من مدينة طرابلس في جيشه، فلم يتجاسر على مقابلة صلاح الدين، بل قصد حمص؛ ليأخذها بغتة. وركب إليه السلطان، وقد أرسل سريةً إلى بلده، فقتلوا منها وأسروا وغنموا، فلما اقترب السلطان منه نكص على عقبه، وكر راجعا إلى بلده، وتراءى أنه قد أجاب إلى ما سألوا، فوصل صلاح الدين إلى حماة وسار إلى حمص، فرحل الفرنج عنها، وحصر قلعتها وملكها في الحادي والعشرين من شعبان، ثم سار إلى بعلبك فملكها
(2)
، ولما استقر صلاح الدين في هذه البلاد أرسل الملك الصالح بن نور الدين إلى ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل؛ يستنجده على صلاح الدين، فجهز جيشه، صحبة أخيه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، وجعل مقدم جيشه أكبر أمرائه، وهو عز الدين محمود، ولقبه سلفندار، ووصلوا إلى حلب، وانضم إليه عسكر حلب، وساروا إلى صلاح الدين، وأرسل صلاح الدين يبذل حمص وحماة، وأن يقر بيده دمشق، ويكون فيها نائبا للملك الصالح بن نور الدين، وإنما فعل ذلك صلاح الدين؛ لقلة الجيش الذي معه بالنسبة إلى جيش هؤلاء. فامتنع من المصالحة الخادم [سعد الدولة]
(3)
كمشتكين، إلا أن يجعل لهم الرحبة
(4)
التي بيد ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه، فقال: ليس لى ذلك ولا أقدر عليه، فأبوا الصلح، وأقدَموا على القتال، فجعل صلاح الدين جيشه كردوسًا
(5)
واحدًا، وذلك يوم
(1)
القومص تعريب للكلمة اللاتينية (Comes) والتي سارت في اللغة الفرنسية (Comte) والمقصود هنا الكونت ريموند الثالث صاحب إمارة طرابلس الصليبية، ولقبه الصنجيلي في المراجع الإسلامية. انظر: الكامل في التاريخ، ج 10، ص 68.
(2)
ورد هذا النص بتصرف في السلوك، ج 1 ق 1، ص 59؛ البداية والنهاية، ج 11، ص 289.
(3)
ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية للتوضيح، ج 11، ص 290.
(4)
الرحبة: قرية من قرى الشام. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 762.
(5)
الكردوسة: طائفة عظيمة من الخيل والجيش. انظر: المعجم الوسيط ماده "كردس"، وقد فسرها دوزي بأنها الفرقة الحربية الراكبة والجماعة العظيمة من الخيل. Dozy: Supp. Dict. Ar
الأحد التاسع عشر من شهر رمضان، عند قرون حماة فصبر صبرًا عظيما، وجاءه في أثناء الحال ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه، ومعه أخوه فرخشاه في طائفة من الجيش، وقد ترجح دِسْتَهُ عليهم، وخلص رعبه إليهم، فانهزموا وولوا مدبرين. وغنم صلاح الدين وعسكره أموالهم، فأسر منهم من أسر من رؤسائهم، ونادي أن لا يتبع مدبر، ولا يذفف
(1)
على جريح، ثمَّ أطلق من وقع في أسرِه منهم، وسار على الغور حتي نازل حلبَ. فانعكس عليهم الحال، فبالأمس كان يطلب منهم المصالحة، واليوم هم طلبوا منه أن يكف عنهم، ويسير عنهم، على أن له المعرة
(2)
وكفر طاب
(3)
وبارين
(4)
زيادة على ما بيده من أراضي حماة وحمص وبعلبك مع دمشق، فقبل منهم وكف عنهم، وحلف أن لا يغزو بعدها الملك الصالح، وأن يدعو له على سائر منابر بلاده وممالكه. وشفع في بني الداية أخوة مجد الدين، أن يخرجوا من السجن، ففعلوا ذلك، ثم رجع مؤيدًا منصورًا.
فلما وصل إلى حماة وصل إليه رسل الخليفة المستضيء بأمر الله، ومعهم الخلع السنية، والتشريفات العباسية، والأعلام السُّود، وتوقيع من الديوان بالسَلطنة ببلاد مصر والشام، وأفيضت الخلع على أهله وأقاربه وأصحابه وأصهاره وأعوانه وأنصاره، وكان يومًا مشهودا.
واستناب على حماة ابن خاله وصهره الأمير شهاب الدين محمود، ثم سار إلى حمص فأطلقها لابن عمه ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، كما كانت لأبيه من قبل، ثم إلى بعلبك، ثم إلى البقاع
(5)
، ثم إلى دمشق في ذي القعدة من هذه السنة
(6)
.
(1)
ذف على الجريح ذفًا وذفافًا، أجهز عليه. انظر ابن منظور، القاموس المحيط، مادة ذفف.
(2)
المعرة: يقصد بها هنا معرة مصرين وهي بليدة وكورة بنواحي حلب. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 574.
(3)
كفر طاب: بلدة بين المعرة ومدينة حلب. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 289.
(4)
وبارين: بلدة تقع بين حلب وحماة من جهة الغرب. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 465 - 466؛ وقد أوردها ابن كثير "ماردين" وهو خطأ. انظر: البداية والنهاية، ج 11، ص 290.
(5)
البقاع: أرض واسعة بين حمص وبعلبك ودمشق. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 699.
(6)
ورد هذا النص بتصرفه في البداية والنهاية، ج 11، ص 290 - 291؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 638 - 640.
وفي المرآة
(1)
: لما دخل السلطان صلاح الدين دمشق من مجيئه من مصر التقاه أهل دمشق بأسرهم، ونشروا عليه الدراهم والدنانير، وأحسن صلاح الدين إلى ابن المقدم
(2)
، والقاضي ابن الشهرزوري، ومشى إلى دار كمال الدين، فانزعج وخرج إلى لقائه، ودخل صلاح الدين، فجلس وباسطه، وقال: يا كمال الدين لما كنت في الشحنكية
(3)
قد كانت بيننا هنَّات ومشاحنات، وكان كمال الدين يكرهه، وكان كل واحد منهما ينقض على الآخر أحكامه. فقال له صلاح الدين:"ما مشيت إليك إلا لأزيل ما في خاطرك من الوهم، وأعرفك أن ما في قلبي لك ما تكره، فطب نفسًا، وقر عينًا، فالأمرُ أمرك، والبلد بلدك. وأكثر الشعراء في أخذ صلاح الدين دمشق، ثم كتب إلى الملك الصالح كتابًا تواضع فيه له، وخاطبه بمولانا ابن مولانا، ويقول: إنما جئتُ من مصرَ؛ خدمةً لك لأودي ما يجب من حقوق المرحوم، فلا تسمع ممن حولك، فتفسد أحوالك وتختل أمورك، وما قصدي إلا جمع كلمة الإسلام على الإفرنج". فعرض كتابه على أرباب دولته، وفيهم خالد بن محمد بن القيسراني، وغلمان أبيه، وابن العجمي، فأشاروا إليه
(4)
بأن يُكاتِبه بالغلظة، فكتب إليه ينكر عليه، وينسبه إلى كفر النعمة، وجحد إحسان والده، ووعده وهدده، وبعث بالكتاب [مع]
(5)
ينال بن حسان
(6)
صاحب منبج
(7)
، فأغلظ لصلاح الدين في الجواب، وقال: السيوف التي ملَّكَتْكَ مصرَ هي التي تَرُدُّكَ. وأشار إلى سيفه، فغضب صلاح الدين، وقال: والله لولا أنك هنا .... من مصر رسول لضربت عنقك
(8)
، والله ما جئت إلى هاهنا شرهًا ولا طمعًا في الدنيا، وفي مصر كفاية، وإنما جئت؛ لأستنقذ هذا الصبي من يد مثلك وأمثالك، فأنتم سبب
(1)
انظر: سبط ابن الجوزي، المرآة، ج 8، ص 206 حيث نقل العينى عنه بتصرف.
(2)
هو: محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم، توفي سنة 583 هـ مقتولًا على جبل عرفات. انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 87؛ وانظر: حادث القتل في الشذرات، ج 4، ص 276. أحداث سنة 582 هـ/ 1186 م.
(3)
الشحنكية: ويقال لها الشحنة، وصاحب الشحنة هو متولى رئاسة الشرطة. انظر: سعيد عاشور: العصر المماليكي، ص 427؛ Dozy:Supp. Dict. Ar.
(4)
" عليه" في نسخة ب.
(5)
ما بين الحاصرتين إضافة من المرآة، ج 8، ص 207.
(6)
ينال بن حسان: هو قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، بقي بمنبج إلى أن أخذها صلاح الدين منه سنة 572 هـ/ 1177 م. انظر: الباهر، ص 134 - 135.
(7)
منبج: مدينة كبيرة ذات خبرات كثيرة بينها وبين الفرات ثلاثة فراسخ، وبينها وبين حلب عشرة فراسخ. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 654 - 656.
(8)
"والله لولا أنك رسول لضربت عنقك" في نسخة ب. أما في الأصل فيوجد ثلاث كلمات غير مقروءة.
زوال دولته، ثم طرده بغير جواب، فعاد إلى حلب. واستناب صلاح الدين بدمشق أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين، وسار إلى حمص فأخذها، وفتح حماة، وسار إلى حلب، فاستعانوا
(1)
عليه بالإسماعيلية، وأعطوهم مالًا وضياعًا، فأرسلوا إليه جماعة من فُتَّاكهم، ورآهم ناصر الدين خمار تكين
(2)
صاحب أبي قبيس
(3)
ففرقهم؛ لأنه كان مثاغرًا
(4)
لهم وأنكر عليهم مجيئهم، وسبق إلى خيمة صلاح الدين ليخبره، فأدركوه على باب الخيمة، ثم أرادوا الهجوم على صلاح الدين، وكان أمير جنداره
(5)
سيف الدين طغرل هناك، فجذب سيفه، وقتل واحدا منهم، واجتمع الغلمان على الباقين فقتلوهم. ورحل صلاح الدين عن حلب في أول رجب، وجاء إلى حمص، ثم نازل بعلبك، فأخذها في رمضان من الخادم يُمن الريحاني، ووصل عسكر الموصل إلى حلب، وانضاف إليهم عسكر حلب، ونزلوا [على]
(6)
تل السلطان
(7)
، فساق عليهم صلاح الدين، وبغتهم، وكان مقدمهم عز الدين مسعود، أخو سيف الدين غازي، فكسرهم كسرة عظيمة، وانهزموا إلى حلب، وغنم أثقالهم، وأسر أبطالهم
(8)
، وجاء فحصر حلب، وهذه هي المرة الثانية من حصار حلب، والمرة الأولى من كسرة المواصلة. ورجع صلاح الدين، فنزل [حصن]
(9)
بارين، وأخذه من ابن الزعفراني، وكان من أكابر أمراء نور الدين، ولقبه فخر الدين، واسمه مسعود، وأعطى مدينة حلب لخاله، وقيل لابن خاله وصهره ابن شهاب الدين محمود، وأعطى حمص لناصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه
(10)
.
(1)
"فاستغاثوا" في المرآة، ج 8، ص 207.
(2)
انظر: ترجمته في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 613؛ سنا البرق الشامي، ص 83 "ناصح الدين".
(3)
أبو قبيس: حصن مقابل شيزر. معجم البلدان، ج 1، ص 103.
(4)
"منازعًا" في مرآة الزمان، ج 8، ص 207.
(5)
أمير جنداره: هو الأمير الذي يستأذن على دخول الأمراء للخدمة السلطانية، ويدخل أمامه إلى الديوان. صبح الأعشي، ج 4، ص 20؛ العصر المماليكي، ص 404.
(6)
ما بين الحاصرتين إضافة من نسخة ب.
(7)
تل السلطان: موضع بينه وبين حلب مرحلة نحو دمشق، وفيه خان ومنزل للقوافل، وهو المعروف بالفنيدق، كانت به وقعة بين صلاح الدين يوسف بن أيوب وسيف الدين غازي بن مودود بن زنكي صاحب الموصل سنة 571 هـ/ 175 م. معجم البلدان، ج 1، ص 867.
(8)
"رجالهم" في المرآة، ج 8، ص 208.
(9)
ما بين الحاصرتين إضافة من المرآة، ج 8، ص 208؛ كما ورد ذكرها في تقويم البلدان، ص 258 - 259.
(10)
هو: ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، توفي سنة 581 هـ/ 1185 م. وفيات الأعيان، ج 2، ص 480.
وقال ابن أبي طي: بلغ السلطان أن ابن المقدم "نقض"
(1)
عهد [السلطان]
(2)
الملك الصالح، وهو كان السبب في خروج سيف الدين من الموصل، واستيلائه على البلاد الشرقية، ومضايقته للملك الصالح في ممالكه. وقيل إن ابن المقدم كاتب إلى السلطان، ودعاه إلى الخروج. وقيل إنما خرج إلى الشام؛ خوفًا من حركة تنشأ من جانب الفرنج بسبب اختلاف أمراء الشام، وشغل بعضهم ببعض. قال: ولما حصل على دمشق وقلعتها، واستوطن بُقعتها، نشر علم العدل والإحسان، وعفّى آثارَ الظلم والعدوان، وأبطل ما كان الولاة استجدُّوه بعد موت نور الدين من القبائح والمنكرات، والمؤن والضرائب المحرمات.
وقال صاحب تاريخ الدولتين
(3)
: وكان قد كتب إليه أسامة بن منقذ
(4)
قصيدة بعد مصاف عسقلان أولها:
تَهنّ يا أطولَ الملوكِ يدًا
…
في بَسْطِ عدلٍ وسَطوةٍ ونَدا
لا تسْتقِلَّ [الذي]
(5)
صنعت، فقد
…
قمتَ بفرْضِ الجهاد مجتهدا
وجُسْتَ أرضَ العِدا وأفنَيتَ من
…
أبطالِهم ما يجاوزُ العددَا
وما رأينا غزا الفرنج من الـ
…
ــملوكِ في عُقرِ دارهم أَحَدَا
فَسِرْ إلى الشام فالملائكةُ الـ
…
أبرارُ يلقاكَ جَمْعُهم مدَدَا
فهو فقيرٌ إليكَ يأملُ أن
…
تُصلح بالعدلِ مِنْه ما فَسَدَا
والله يُعطيك فيه عاقبةً النّـ
…
ـــــصرِ كما في كتابهِ وَعدَا
فما حَبَاك الورَى وألْهَمك الـ
…
ــــعدلَ وأعْطَاكَ ما مَلَكْتَ سُدي
ومدح وُحَيش الأسدي
(6)
صلاح الدين عند أخذه دمشق، بقصيدة أولها هو قولهُ:
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(2)
ما بين الحاصرتين ساقط من أ وما أثبتناه من نسخة ب.
(3)
الروضتين، ج 1 ق 2، ص 605 - 606.
(4)
أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن مقْلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشيزري الملقب مؤيد الدولة مجد الدين، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر، ولد سنة 488 هـ/ 1095 م، وتوفي سنة 584 هـ/ 1188 م بدمشق. وفيات الأعيان، ج 1، ص 195 - 199 ترجمة 84؛ الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 498، وما بعدها.
(5)
"للذي" في نسخة أ والمثبت من ب؛ الروضتين ج 1 ق 2، ص 605.
(6)
وحيش الأسدي: هو سبع بن خلف بن محمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي
…
، ولد سنة 504 هـ/ 1110 م. انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 242 - 246.
قد جَاءَك النصرُ
(1)
والتوفيقُ فاصْطَحَبَا
…
فكنْ لأضعافِ هذا النصرِ مُرْتَقِبًا
للهِ أنتَ صلاحُ الدينِ من أسدٍ
…
[أدني]
(2)
فريسته الأيام إن وَثَبَا
رأيتَ جلَّق
(3)
[ثغرًا]
(4)
لا نظيرَ لَهُ
…
فَجِئتَها عامِرًا منها الذي خرِبا
نادتك بالذل لمَّا قلّ ناصرُها
…
وأزْمَع الخلقُ من أوطانِها هربَا
أحييتها مثْل ما أحْيَيْتَ مصرَ فقد
…
أَعدْتَ من عَدْلِها ما كان قد ذَهَبَا
هَذا الذي نَصرَ الإسلام فاتَّضَحَتْ
…
[سبيلُه]
(5)
وأهان الكفرَ والصُّلُبَا
ويوم
(6)
شاور والإيمانُ قد هُزمت
…
جيوشه، كان فيه الجحفلُ اللَّجِبَا
ويومَ دمياط والإسكندرية
(7)
قد
…
أصارهم مثلًا في الأرضِ قد ضُرِبا
والشامُ لو لم تدارك أهلَه اندَرَست
…
آثاره وعَفَتْ آياتُهُ حُقُبا
(8)
ولما نزل السلطان صلاح الدين على حلب أشير على ابن نور الدين أن يجمع أهل حلب في الميدان، ويقبل عليهم بنفسه، ويخاطبهم بلسانه، أنهم الوَزَرُ والملجأ، فأمر أن ينادي باجتماع الناس إلى ميدان باب العراق
(9)
، فاجتمعوا حتى غص الميدان بالناس، فنزل الصالح من باب الدرجة، وصعد من الخندق، ووقف في رأس الميدان من الشمال، وقال لهم: يا أهل حلب أنا ربيبكم، ونزيلكم، واللاجئ إليكم، كبيركم عندي
(1)
"السعد" في الخريدة، ج 1، ص 242.
(2)
"أدي" في نسختي المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 606.
(3)
جلَّق: اسم لكورة الغوطة كلها، وقيل بل هي دمشق نفسها. معجم البلدان، ج 2، ص 104 - 105.
(4)
"بِعزَّ" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 242.
(5)
"سبله" في الأصل والمثبت بين الحاصرتين من الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 242؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 606.
(6)
يقصد بشاور هنا الأمير أبو شجاع شاور بن مجير بن نزار السعدي من بني هوازن، وقد سبق التعريف به.
(7)
يشير إلى منازلة الفرنج دمياط بعد تولي صلاح الدين وزارة مصر سنة 564 هـ/ 1169 م. إذ انهزمت جيوشهم وأساطيلهم، فارتدوا عنها في سنة 565 هـ/ 1170 م. أما عن الإسكندرية فالإشارة إلى الحصار هنا، يقصد بها حصار الفرنج للإسكندرية، ودفاع صلاح الدين عنها في عام 562 هـ/ 1167 م، وقد انتهى هذا الحصار بصلح اضطر إليه الفرنج. انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 606، حاشية 6.
(8)
نقل العيني القصيدة من الخريدة والروضتين بالنقص والزيادة. انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 242 - 244؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 606.
(9)
باب العراق: أحد أبواب حلب الستة. معجم البلدان، ج 2، ص 308.
بمنزلة الأب، وشابكم عندي بمنزلة الأخ، وصغيركم عندي يحل محل الولد، قال: وخنقته العبرة، وسبقته الدمعة، وعلا نشيجُه، فافتتن الناس، وصاحوا صيحة واحدة، ورموا بعمائمهم، وضجوا بالبكاء والعويل، وقالوا: نحن عبيدك، وعبيد أبيك، نقاتل بين يديك، ونبذل أموالنا وأنفسنا لك، وأقبلوا على الدعاء له، وعلى الترحم على أبيه، وكانوا قد اشترطوا على الملك الصالح أن يعيد إليهم شرقية
(1)
الجامع، يُصَلُّون فيها على عادتهم القديمة، وأن يُجهر بحي على خير العمل والأذان، والتذكير في الأسواق وقدام الجنائز بأسماء الأئمة الإثني عشر
(2)
، وأن يصلوا على أمواتهم خمس تكبيرات، وأن تكون عقود الأنكحة إلى الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني، وأن تكون العصبية مرتفعة، وأشياء كثيرة اقترحوها مما كان أبطله نور الدين رحمه الله فأجيبوا إلى ذلك. وقال ابن أبي طي: فأذن المؤذنون في منارة الجامع وغيره بحي على خير العمل، وصلي أبي في الشرقية مسبلًا، وصلى وجوه الحلبيين
(3)
خلفه، وذكروا في الأسواق وقدام الجنائز بأسماء الأئمة الإثني عشر، وصلوا على الأموات خمس تكبيرات، وأذن للشريف في أن تكون عقود الحلبيين من الإمامية إليه، وفعلوا جميع ما وقعت الأيمان عليه.
ذكر بقية الحوادث
منها أنه ظهر رجل من قرية مَشْغَرَا
(4)
من معاملة
(5)
دمشق، وكان مغربيًا، فادعى النبوة، وأظهر شيئًا من المخاريق والمخاييل والشعبذة والأبواب النيرنجية
(6)
، فافتتن به طوائف من أهل تلك الناحية من الطغام
(7)
العوام، فتطلبه السلطان، فهرب في الليل من
(1)
يقصد هنا أن يكون لهم شرق الجامع.
(2)
الأئمة الإثني عشرية: ويقال لهم "القطعية"، وسموا بالإثني عشرية لدعواهم أن الإمام المنتظر الثاني عشر من نسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر البغدادي: الفرق بين الفرق، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، ص 64 - 65، بيروت د. ت.
(3)
ورد في حاشية الروضتين أن حلب كانت دائما مركزًا من مراكز النشاط الإسماعيلي، والأدلة على ذلك موجودة في أحداث سنوات 551 هـ/ 1156 م، 554 هـ/ 1159 م، 570 هـ/ 1174 م. انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 610 حاشية 2.
(4)
مشغرا: قرية من قرى دمشق من ناحية البقاع. معجم البلدان، ج 4، ص 540.
(5)
"مناملة" في نسخة ب وهو خطأ في النسخ.
(6)
النِّيرنْج: أَخْذٌ كالسحر وليس به. الجمع: نيرنجات ونيارج. انظر: المعجم الوسيط: مادة "نير"؛ كما ذكرها الفيروزابادي. وعرفها دوزي بالرقي أو الطلاسم أو السحر. Dozy: Supp. Dict. Ar.
(7)
الطغام: هم أراذل الناس وأوغادهم. انظر: المعجم الوسيط، مادة "طغم".
مشغرا إلى معاملة حلب، فالتف عليه كل مقطوع الذنب، وأضلّ
(1)
خلقًا من الفلاحين لا المفلحين، فتزوج امرأة أحبها، وكانت من أهل البطاح، فعلمها أن ادعت النبوة، فأشبها قصة مسيلمة وسجاح، لعنهما الله
(2)
.
ومنها أن الشمس كسفت وقت طلوعها يوم الثلاثاء الثامن
(3)
والعشرين من ربيع الآخر، فبقيت كذلك إلى ضحوة عالية.
ومنها أن وزير الخليفة هرب، ونهبت داره.
ومنها أن سيف الدين غازي صاحب الموصل استوزر جلال الدين أبا الحسن علي
(4)
ابن جمال الدين الوزير الأصبهاني
(5)
فظهر منه من الكفاية والنهضة وحسن التدبير والكفاءة ما لم يكن من غيره، وكان عمره خمسًا وعشرين سنة
(6)
.
ومنها أن ابن الجوزي قال: في هذه السنة انتهى تفسيري للقرآن
(7)
على المنبر، فإني كنت أذكر في كل مجلس منه آيات، ففرغت منه في هذه السنة، وسجد على المنبر شكرا لله تعالي وقال: ما عرفت واعظًا غيري فسر القرآن كله على المنبر إلا أنا.
قلت: وكان شيخي أبو الروح عيسى الرمادي رحمه الله قد فسر القرآن على المنبر في عينتاب مرتين كاملتين، وفي المرة الثالثة لما وصل إلى سورة {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ
(8)
} أدركته المنية.
(1)
"واختل" في نسخة ب.
(2)
ورد هذا النص في البداية والنهاية، ج 12، ص 311.
(3)
"الثاني" في نسخة ب.
(4)
جلال الدين أبو الحسن علي، تولى الوزارة لسيف الدين غازي بن قطب الدين مودود، وتوفي عام 574 هـ/ 1178 م، ودفن أولًا بالموصل ثم نقلت رفاته إلى المدينة المنورة. وفيات الأعيان، ج 5، ص 146 - 147؛ التاريخ الباهر، ص 177.
(5)
جمال الدين الوزير الأصفهاني: هو جمال الدين أبو جعفر محمد بن على الأصفهاني وزير صاحب الموصل أتابك زنكي، وقد وزر أيضًا لسيف الدين غازي ثم لأخيه قطب الدين مدة، ثم قبض عليه وحبسه حتى مات عام 558 هـ/ 1162 م وقيل عام 559 هـ/ 1163 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 143 - 146؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 185؛ التاريخ الباهر، ص 127، 130.
(6)
ورد هذا النص في التاريخ الباهر بتصرف، ص 177.
(7)
"القرآن" في نسخة ب؛ انظر المنتظم، ج 18، ص 213.
(8)
سورة البروج: آية (1).
ومنها أن ابن الجوزي
(1)
قال: وسُلمت إلىَّ المدرسة التي بباب الأزج
(2)
، وكانت دار الوزير ابن جهير، وكانت بنفشَة
(3)
جهة
(4)
الخليفة المستضيء بأمر الله قد اشترتها وأوقفتها على أصحاب أحمد بن حنبل رضي الله عنه وفوضت أمرها إلىَّ، وأوْقَفَت عليها قرية. وحضر درسي
(5)
قاضي القضاة
(6)
، وحاجب
(7)
الباب، وأرباب الدولة، وخُلعَ علَىَّ خلعةً نفيسةً، وذكرتُ دروسًا كثيرة، وكان يومًا مشهودًا، وخرجتُ وبين يدى الدُعاة، وارتفعت الأدعية للخليفة، ووقفت الناسُ صفوفًا مثل يوم العيدين. قال: وأصاب أهل المذهب -يعني الحنابلة- من ذلك غم عظيم؛ لأنهم حسدوني، وجلستُ تحت المدرسة يوم الأربعاء في شوال، فكان الجمع زيادة على خمسين ألفًا، فازداد غم أهل المذهب. وكان يقول ابن الجوزي
(8)
: "والله لولا أحمد والوزير ابن هبيرة لانتقلت عن المذهب، فإني لو كُنت حنفيًا
(9)
أو شافعيًا لحملني القوم على رؤسهم".
ومنها أن السلطان صلاح الدين استخدم في هذه السنة العماد الكاتب
(10)
؛ وسببه أنه التقى القاضي الفاضل على حمص، ومدحه بأبيات من الشعر، فدخل الفاضل على صلاح الدين وقال له: غدًا يأتيك تراجم الأعاجم، وما يحلها مثل العماد، فقال: مالي
(1)
المنتظم، ج 18، ص 214.
(2)
باب الأزج: محلة كبيرة شرق بغداد بها العديد من الأسواق. معجم البلدان، ج 1، ص 233.
(3)
بنفشة: هي بنت عبد الله الرومية كانت من خواص سواري الخليفة المستضيء بالله، توفيت سنة 598 هـ/ 1202 م. انظر: ابن الساعي، نساء الخلفاء، ص 111، 115 (ذخائر العرب رقم 28).
(4)
الجهة: هي المرأة الجليلة القدر، كما يكنى الرجل الجليل بالجناب، انظر: صبح الأعشي، ج 5، ص 502.
(5)
"درسي" يقصد بها درس عبد الرحمن بن الجوزي.
(6)
قاضي القضاة: من أجلِّ رتب أرباب العمائم والأقلام، ويطلق على قاضي القضاة أحيانا راعي الرعاة، ويقوم بكل الأمور الدينية كما يشرف على دار الضرب. انظر: الخطط، ج 2، ص 245، مكتبة الآداب؛ القلقشندي، ج 4، ص 34 - 36.
(7)
حاجب الباب: وظيفة تركية تلى رتبة نيابة السلطنة، فحاجب الباب هو القائم مقام النواب في كثير من الأمور، إذ كان يقوم بالفصل في المنازعات التي تقوم بين الأجناد واختلافهم في أمور الإقطاعات ثم تطور نظام حاجب الباب وصار اسمًا لعدة جماعات من الأمراء، الخطط، ج 2، ص 245؛ صبح الأعشي، ج 4، ص 19 - 20، ص 185، ص 188.
(8)
مرآة الزمان، ج 8، ص 206 وقد نقلها السبط بتصرف عن جده ابن الجوزي في المنتظم، ج 18، ص 214 - 215.
(9)
"شافعيًا أو حنفيًا" في نسخة ب.
(10)
العماد الكاتب: هو أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبو الفرج محمد بن نفيس الدين أبي الرجا حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله، المعروف بابن أخي العزيز المعروف بألُهْ الملقب عماد الدين الكاتب الأصبهاني، توفي سنة 597 هـ/ 1201 م بدمشق. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 147 - 153.
عنك مندوحة، أنت [كاتبي]
(1)
ووزيري، وقد رأيت على وجهك البركة، فإذا استكتبتُ
(2)
غيرك تحدث الناسُ. فقال الفاضل: هذا يحل التراجم، وربما أغيبُ أنا ولا أقدر على ملازمتك، فإذا غبتُ قام مقامي فاستكتبهُ. وقال العماد: وأول ما أهديته للفاضل مدحَةً، حين لقيته بحمص في شعبان من هذه السنة بقصيدة.
منها قوله:
عاينتُ طَوْدَ سكينةٍ، ورأيتُ شمـ
…
ـس فضيلةٍ، ووردتُ بَحْر فواضلِ
ورأيت
(3)
سَحْبَانَ
(4)
البلاغةِ ساحِبًا
…
ببيانهِ ذيلَ
(5)
الفَخَارِ لوائلِ
(6)
أبصرتُ قُسًا في الفصاحةِ معجزًا
…
فعرفْتُ أني في فَهَاهَةِ
(7)
بَاقِل
(8)
حِلْفُ الحصافةِ والفصاحةَ والسماحة
…
والحماسةِ والتقَى والنائلِ
بحرٌ من الفضل الغزير خِضَمُّه
…
طامِي العُبابِ ومالَهُ من ساحلِ
وجميعُ ما في الأرضِ سبعةُ أبحرٍ
…
وبحورُهُ تسوى بعشرِ أناملِ
في كفِّهِ قَلمٌ يُعَجِّلُ جَرْيُهُ
…
ما كان من أجلٍ ورزقٍ آجلِ
ومنها أن أخا السُلطان المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب وصل من اليمن إلى دمشق، وأقام بها مدة، ثم حضر إلى الديار المصرية
(9)
.
(1)
"أبي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من مرآة الزمان، ج 8، ص 208.
(2)
"سلمت" في مرآة الزمان، ج 8، ص 208.
(3)
"ولقيت" في الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 37.
(4)
سَحْبَان: بليغ عربي من وائل يضرب به المثل. انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 37، حاشية (7).
(5)
"ثوب" في الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 37.
(6)
"كوابل" في نسخة ب.
(7)
"فكاهة" في نسخة ب.
(8)
باقل: رجل يضرب به المثل في الْعِىِّ. انظر: لسان العرب، ج 13، ص 67، مادة (بقل).
(9)
ورد هذا الخبر في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 663 نقلًا عن العماد؛ انظر أيضًا: النوادر السلطانية، ص 52.
ومنها أن في غيبة صلاح الدين بالشام اجتمعت بالقاهرة طائفة من جند الأرمن والإسماعيلية وجند المصريين وغلمان العادل أبي بكر، ونادوا بشعار أبي الطاهر بن العاضد، فلما سمع العادل بذلك أوقع بهم، وقتل منهم جماعة، واعتقل جماعة، ونفى آخرين. وكان الذي حملهم على ذلك الشريف ابن هانئ
(1)
.
ومنها أن بهلوان بن أيلدكز ملك مدينة تبريز، وهي من جملة بلاد آقسنقر الأحمديلي؛ وسبب ذلك أن البهلوان سار إلى مراغة
(2)
وحصرها، وكان آقسنقر الأحمديلى صاحبها قد مات، ووصى بالملك لولده فلك الدين، فقصده البهلوان ونزل على قلعة روندز
(3)
وحصرها، فامتنعت عليه، فتركها وحصر مراغة، وسير أخاه قزل أرسلان
(4)
في جيش إلى مدينة تبريز فحصرها أيضًا. ولما كان يقاتل أهل مراغة ظفروا بطائفة من عسكره، فخلع عليهم صدر الدين قاضيها وأطلقهم، فحسن ذلك عند البهلوان، وسعى القاضي في الصلح على أن يسلموا تبريزَ إلى البهلوان
(5)
، فأجابوه إلى ذلك، واستقر الأمر عليه، وحلف كل منهما لصاحبه، وتسلم البهلوان تبريز، وأعطاها أخاه قزل أرسلان، ورحل بعسكره عنها.
ومنها أن السلطان صلاح الدين بعث العساكر فأغاروا على بلاد الإسماعيلية، وأحرقوا سرمين
(6)
، ومعرة مصرين، وضياع جبل السُماق
(7)
، وقتلوا معظم أهله.
(1)
الشريف ابن هانيء: هو محمد بن هانئ الأندلسي الشاعر المشهور، ظهر في بلاط الخليفة المعز لدين الله الفاطمي قبل مجيئه إلى مصر، وقال الشعر في مدح الخلافة الفاطمية ويؤخذ على شعره الغلو في المدح والإفراط المفضي إلى الكفر. توفي في سنة 362 هـ /973 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 421 - 424؛ ابن أيبك الدواداري: كنز الدرر، ج 6، ص 240 - 245، تحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة 1961 م؛ عبد اللطيف حمزة: الحركة الفكرية في مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي، ص 265، ط القاهرة د. ت.
(2)
مراغة: بلدة مشهورة بأذربيجان. معجم البلدان، ج 4، ص 476.
(3)
قلعة روندز: ذكرها أبن الأثير في الكامل، ج 10، ص 70، "رويندز". وهي قلعة حصينة من أعمال أذربيجان قرب تبريز. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 875.
(4)
قزل ارسلان بن ألدكز ملك أذربيجان وإيران وهمذان وأصبهان والري، توفي سنة 587 هـ/ 1191 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 209؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 289؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 81.
(5)
البهلوان: هو محمد بن البهلوان بن ألدكز الأتابك شمس الدين صاحب أذربيجان وعراق العجم، توفي سنة 581 هـ/ 1185 م. انظر: شذرات الذهب، ج 4، ص 269.
(6)
سرمين: بلدة مشهورة من أعمال حلب وأهلها من الإسماعيلية. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 83.
(7)
جبل السُماق: جبل عظيم من أعمال حلب الغربية يشتمل على مدن كثيرة وقرى وقلاع عامتها للإسماعيلية. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 21.
ومنها أنه وصلت النوبة من العراق في عشرة آلاف فارس وراجل، فنزلوا مراغة والباب، فقتلوا ثلاثة عشر ألفًا من الإسماعيلية، وسبوا نساءهم وذراريهم، وعادوا إلى العراق ومعهم الغنائم والرؤوس على رماحهم، وعلى القصب عشرون ألف
(1)
أُذُن.
وفيها ............................................................
(2)
حج بالناس
…
…
(3)
. وتأخر الناس عن الحج في هذه السنة، ثم ساروا من الكوفة إلى عرفات في ثمانية أيام دومًا، وهذا لم يسمع قبله بمثله.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان
حامد بن حامد أبو الفضل الحراني
(4)
؛ قدم بغداد وتفقه وناظر وعاد إلى حران
(5)
، فأفتي ودرس، وكان ورعًا، به وسوسة في الطهارة، وروي عن عبد الوهاب شيخ ابن الجوزي، وتوفي بحران في هذه السنة.
روح بن أحمد أبو طالب الحديثي قاضي القضاة
(6)
؛ توفي يوم الاثنين الخامس عشر من المحرم، ودفن يومئذ بقراح ظفر
(7)
، وكان ولده عبد الملك في الحج فبلغته وفاته وهو بالكوفة، فلما دخل بغداد مرض أيامًا ومات، وكان ينبز بالرفض.
عبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق أبو محمد الدهان
(8)
؛ سمعَ الحديث ورواه، وكان شيخًا صالحًا، ففلج قبل موته، وتوفي يوم الجمعة، ودفن بمقبرة أحمد رحمه الله.
يحيى بن جعفر أبو الفضل
(9)
، كان صاحب مخزن المقتفى، فأقره على ذلك المستنجد، ولم يغير عليه المستضيء، ثم استنابه من الديوان، إذ خلا عن وزير، فتقلب في هذه الأحوال عشرين سنة، وكان يحفظ القرآن، وسمع الحديث، وحج حجات
(1)
ورد هذا الحدث بتصرف في مرآة الزمان، ج 8، ص 208.
(2)
بياض في نسختى المخطوطة أ، ب بمقدار سطر.
(3)
بياض في نسختى المخطوطة أ، ب بمقدار كلمتين.
(4)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 216.
(5)
حران: مدينة مشهورة وهي قصبة ديار مضر بينها وبين الرها يومان، وبين الرقة يومان، وهي على طريق الموصل والشام والروم. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 231.
(6)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 216؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 311.
(7)
ظَفَرْ: موضع قرب الحَوْءب في طريق البصرة إلى المدينة. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 577. وقد ذكر ياقوت أن القراح اصطلاح بغدادي بمعنى البستان. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 45.
(8)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 216. وقد أضاف ابن الجوزي إلى هذا الاسم "السلمي".
(9)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 217.
كثيرة، وتوفي يوم السبت تاسع عشر ربيع الأول منها. وخلف ولدين نجيبين، فبلغ كل واحد منهما نحو ثلاثين سنة من العمر، وتهيأ للولايات، فمات الأكبر، ثم تبعه أخوه بعد قليل، ودفنا عند أبيهما
(1)
. وفي المرآة
(2)
: وكان فاضلًا عادلًا منصفًا، محبًا للعلماء والصالحين، وكانت داره مأوى لهم. قال السبط: وكان يحب جدي -يعني ابن الجوزي- ولجدي فيه
(3)
مدائح كثيرة، وله على جدى فضل كبير، وكان لقبه زعيم الدين.
عمر بن محمد بن عبد الله أبو شجاع البسطامي البلخي
(4)
؛ كان فقيهًا فاضلًا شاعرًا فصيحًا، وكان ينشد في مجالس وعظه، ومن شعره:
لقد هَبَّتْ الريحُ من بَلْدَتي
(5)
…
فيا حبَّ ساكِن ذاك البَلَدُ
فقُمتُ إليها وعانَقْتُها
…
وَمَا عانَقَ الرِّيحَ قلبي أَحَدْ
قلت: ومن هاهنا أخذ القائل، ولعله "أخذه"
(6)
من قول القائل:
هَبَّتْ شمالًا فَقَال يا بلدُ
…
أتَتْ به طابَ ذلك البلدُ
وَقَبَّلَ الريحَ من صبابتهِ
…
مَا قَبَّلَ الريحَ قَبْلَهُ أَحَدُ
(7)
أرسلان شاه بن طغرل بن ملكشاه
(8)
؛ توفي في هذه السنة، وجلس بعده في الملك طغرل شاه، وكان صغير السن، والذي تولى أمره محمد بن أيلدكز ويلقب بالبهلوان، فأقام بهمدان يدبر الأمور، وبعث أخاه القزل، فاستولى على أذربيجان، وبعث البهلوان يطلب من الخليفة السلطنة لطغرل شاه، فطرد رسوله، ولم يلتفت إليه.
شَملةُ التركماني
(9)
صاحب خوزستان؛ توفي في هذه السنة، وكان قد غلب على بلاد فارس وخوزستان، وبنى بها قلاعًا، وقوى على السلجوقية، وكان يُظهر طاعة الخليفة
(1)
ورد هذا النص بتصرف في المنتظم، ج 18، ص 217.
(2)
ورد هذا النص بتصرف في مرآة الزمان، ج 8، ص 209.
(3)
"فيه" مكررة في نسخة ب.
(4)
انظر ترجمته في مرآة الزمان، ج 8، ص 209؛ الشذرات، ج 4، ص 238.
(5)
"بلدي" في نسخة ب.
(6)
ما بين الأقواس ساقط من ب.
(7)
ورد هذا الشعر في مرآة الزمان، ج 8، ص 209.
(8)
انظر ترجمته في مرآة الزمان، ج 8، ص 208 - 209.
(9)
انظر ترجمته في الكامل، ج 10، ص 6، ص 71؛ العبر، ج 4، ص 211.
مخادعة منه، فأقام كذلك نيفًا وعشرين سنة، وكان يباشر الحروب بنفسه. قصده تركمان، فخرج بنفسه، فجاءه سهم، فمات بعد يومين، وأقام أولاده في قلاع خوزستان إلى أيام الناصر أبي العباس أحمد بن المستضيء
(1)
، فبعث إليهم وزيره ابن القصاب، فأخرجهم من البلاد، واستولى على ثلاثين قلعةً، وبعث بأولادهم إلى بغداد، فأقاموا بها حتى ماتوا
(2)
.
وفي تاريخ ابن كثير: شملة التركماني تغلب على بلاد فارس، واستجد بها قلاعًا
(3)
ينهب الأكراد والتركمان، ثم يأوي إليها. نهض إلى قتال بعض التركمان، فعلموا ذلك، فاستعانوا بالبهلوان، فساعدهم بجنوده، فاقتتلوا، فأصاب شملة سهم، ثم أخذ أسيرًا وولده وابن أخيه
(4)
، وتوفي بعد يومين.
قيماز بن عبد الله
(5)
؛ كان مملوكًا للمستنجد بالله، وارتفع أمره وعلا كثيرًا، فلما ولى المستضيء بأمر الله زاد أمره، وصار مقدمًا على الكل، وكانت الجنود كلها تحت أمره، وانبسط كثيرًا، حتى أن المستضيء أراد توليه وزيرًا فمنع من ذلك، وأغلق باب النوبي
(6)
يومين، وقيل: إنه نوي نية رديئة، وقصد أن ينهب دار الخلافة، فصعد الخليفة فوق السطح في داره، وأمر العامة بنهب دار قيماز، فنهبت، وكان ذلك بإفتاء الفقهاء، فآل أمره إلى أن خرج من بغداد هاربًا، فتوفي بناحية الموصل، وغسل في سقاية، ووصل خبره في ذي القعدة
(7)
.
وفي تاريخ بيبرس: ولما أمر الخليفة بنهب داره نهبت، وأخذ منها أموال لا تعد ولا تحصى، فمن ذلك أن بيت الطهارة الذي كان له كانت فيه سلسلة من ذهب من السقف
(1)
هو الخليفة العباسي الناصر لدين الله أحمد أبو العباس بن المستضيء، ولد سنة 553 هـ/ 1158 م. وبويع له عند موت أبيه سنة 575 هـ/ 1179 م. توفي سنة 622 هـ/ 1264 م. انظر: تاريخ الخلفاء، ص 448 - 458.
(2)
ورد هذا النص في مرآة الزمان، ج 8، ص 209؛ المنتظم، ج 18، ص 216.
(3)
نقل العيني هذا النص بتصرف من البداية والنهاية، ج 12 ص 311.
(4)
"ابن أخته" في المنتظم، ج 18، ص 216؛ واتفق العيني مع ابن الأثير في الكامل، ج 10، ص 71.
(5)
انظر ترجمة قيماز بن عبد الله في المنتظم، ج 18، ص 216؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 311؛ العبر، ج 4، ص 211.
(6)
باب النوبي: أحد أبواب الثلث الشرقي من مدينة بغداد، وهو الباب الذي به العتبة التي يُقَبَّلُها الملوك والرسل. صبح الأعشي، ج 4، ص 330 - 331.
(7)
ذكر الذهبي وابن الأثير أنه توفي في "ذى الحجة". انظر: العبر، ج 4 ص 221؛ الكامل، ج 10، ص 71 - 73.
إلى محاذي وجه القاعد على الخلاء، وفي أسفلها كرة كبيرة من ذهب مخرمة محشوة عنبرًا ومسكًا؛ ليشمها إذا قعد، فتسلق إنسان وقطعها، ودخل بعض الصعاليك، فأخذ عدة أكياس مملوءة دنانير، وبالباب أقوام أقوياء يأخذون ما يخرجونه الناس، فقصد ذلك الصعلوك المطبخ، فأخذ قدرًا مملوءة طعامًا، فوضع الأكياس فيها وحملها، والناس يضحكون منه، وخرج وهو يقول: أنا آخذ شيئًا أطعم عيالى اليوم، فنجي بما معه، فاستغنى بعد ذلك، وظهر المال عليه. ولم يبق من نعمة قطب الدين قيماز في ساعة واحدة قليل ولا كثير. ولما خرج قايماز من البلد تبعه تنامش الملقب بعلاء الدين، وكان من أكبر أمراء بغداد، وهو صهر قطب الدين قايماز، وكذلك تبعه جماعة من الأمراء، فنهبت دورهم "أيضًا"
(1)
وأخذت أموالهم، وأحرق أكثرها. وسار قايماز إلى الحلة
(2)
ومعه الأمراء، فأرسل الخليفة إليه صدر الدين شيخ الشيوخ، فلم يزل يخدعه حتي سار عن الحلة إلى الموصل على البر، فلحقه ومن معه عطش عظيم، فهلك أكثرهم عطشًا، ومات قايماز قبل وصوله إلى الموصل، فدفن بظاهر باب العمادي
(3)
، وكان قد ظلم أهل العراق، وكفر إحسان الخليفة.
ولما مات وصل علاء الدين تنامش إلى الموصل، وأقام يسيرها، ثم أمره الخليفة بالقدوم إلى بغداد، فعاد وأقام بها بغير إقطاع إلى أن مات، فقال بعض الشعراء في ذلك
(4)
:
إنْ كُنتَ معْتزا
(5)
بمُلكٍ زائلٍ
…
وحوادث عنقية الإدلاجِ
فَدَع العجائب والتواريخَ الأولى
…
وانْظر إلى قيماز وابن قماجِ
عَطَفَ الزمانُ عليهما فسقاهُما
…
من كأسِهِ صِرْفًا بغيرِ مزاجِ
فَتبدَّلُوا بعد القصور وظِلِّها
…
ونَعِيمها بمهامِهِ وفجاجِ
فَلْيحذَر الباقون من أمثالهم
(6)
…
نكباتِ دهرٍ خائنٍ مزعاجِ
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(2)
الحلة: مدينة كبيرة بين الكوفة وبغداد. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 322. أنظر أيضًا: تقويم البلدان ص 298 - 299.
(3)
باب العمادى: يبدو أنه أحد أبواب قلعة العمادية التي بناها عماد الدين إسماعيل بن علي بن موسي وهي من أحسن القلاع بجبل الهكارية من أعمال الموصل. انظر: صبح الأعشي، ج 7، ص 286؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 208.
(4)
ورد هذا النص بتصرف في الكامل، ج 10، ص 71 - 72.
(5)
"معتبرًا" في الكامل، ج 10، ص 72.
(6)
"أمثالها" في الكامل، ج 10، ص 72.
إلياس الأُرتقي الملقب شهاب الدين؛ صاحب البيرة
(1)
، توفي في هذه السنة، وأوصى إلى الملك الناصر صلاح الدين بولده شهاب الدين محمد.
(1)
البيرة: هي قلعة حصينة بين بيت المقدس ونابلس. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 787.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية بعد السبعين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، والسلطان صلاح الدين مقيم بمرج الصُّفر بدمشق، فجاءه رسول الفرنج يطلب الهدنة، فأجابهم السلطان، بعد أن اشترط عليهم السلطان أمورًا، فالتزموها. وكان الشام ذلك العام جدبًا، فأذن السلطان للعساكر المصرية في الرحيل
(1)
إلى بلادهم، وإذا استغلوا [المغل]
(2)
خرجوا إليه، وسار معه الفاضل، واعتمد على العماد فيما كان بصدده، وواظب السلطان على الجلوس في دار العدل وعلى الصيد، ومدحه العماد بقصيدة منها:
سِواكَ لِسَهْمِ العُلا
(3)
لن يريشَا
…
فنسألُ ربَّ
(4)
العُلا أن تعيشا
مِن الناسِ بالبِرِّ صِدْتَ الكِرامَ
…
وبالبأسِ في البَرِّ صدتَ الوحوشَا
وكمْ سِرتَ من مصرَ نحو العَرِيش
…
فهدّمتَ للمشركينَ العُروشَا
سَرايَاك تَبعَثُ قُدّامَها
…
مِنَ الرُّعْبِ نحو الأعادِي جيوشَا
ويوم حَماةَ تركتَ العِداةَ
…
كما طَيّرتْ بالفَلا الريحُ ريشَا
(5)
قال العماد: وفي أول هذه السنة وصل إلى دمشق الجماعة الذين خرجوا من بغداد موافقة لقطب الدين قايماز.
قلت: هو الذي عصي على الخليفة -على ما ذكرناه- في الوفيات المذكورة في السنة الماضية.
ومن الذين أتَوْا الشام: حسام الدين نُميرك [بن يونس]
(6)
، وعز الدين أقبوري بن أزغش، وكان صهر السلطان قديمًا فأقطعه في الديار المصرية. قال العماد
(7)
: وكان أقبوري زوج أخت السلطان، والسلطان خال بنته، وهي زوجة عز الدين فرخشاه ابن أخي السلطان.
* يوافق أولها 22 يوليو 1175 م.
(1)
"بالرحيل" في نسخة ب.
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة لتوضيح النص. انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 311.
(3)
"العلي" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت هو الصحيح.
(4)
"فنساءل"، كذا في نسخة ب.
(5)
وردت هذه الأبيات من الشعر في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 643 - 644.
(6)
ما بين الحاصرتين إضافة من سنا البرق الشامي، ص 92.
(7)
ورد هذا النص في أبي شامة الذي ينقل عن العماد. انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 645.
ذكر الحرب بين السلطان صلاح الدين وبين غازي ابن مودود
(1)
صاحب الموصل
وأصل ذلك أن غازي هذا -الذي هو ابن أخي نور الدين- كتب إلى جماعة الحلبيين يلومهم على ما وقع بينهم وبين السلطان صلاح الدين من المصالحة، وأرسل رسولًا إلى صلاح الدين، ودفع له كتابين، أحدهما: إلى صلاح الدين؛ ليأخذ منه عهدًا للمواصلة، ويكشف ما عنده. والكتاب الثاني: إلى الحلبيين؛ يلومهم "فيه"
(2)
على الصلح، ويخبرهم أنه واصل بعساكر الشرق. ولما دخل الرسول على صلاح الدين غلط ودفع كتاب الحلبيين إليه، وذلك لسعادة صلاح الدين، فتأمله صلاح الدين وعلم أن الرسول غلط، فلم يقل له شيئًا، وفهم الرسول فقام وخرج من عنده، ولم يمكنه الاستدراك
(3)
. وكتب صلاح الدين إلى مصر -إلى أخيه الملك العادل أبي بكر- بتجهيز العساكر المصرية إلى الشام سرعة. وجمع غازي العساكر من الجزيرة، وكان أخوه عماد الدين زنكي صاحب سنجار عاصيًا عليه، مائلًا لصلاح الدين، فصالحه، وكان أخوه عز الدين مسعود وعسكره انهزموا في العام الماضي لما التقوا بصلاح الدين كما ذكرنا، فصالح غازي مع أخويه المذكورين، وجمع عساكره وأنفق فيهم، واستنجد أيضًا بصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين، فاجتمع معه عسكر كثير عدته ستة آلاف فارس، وسار إلى نصيبين في ربيع الأول، وأقام بها حتى انقضى الشتاء، فضجر العسكر وفنيت نفقاتهم، فصار العود إلى بيوتهم مع الهزيمة أحب إليهم من الظفر. ثم سار غازي وقطع الفرات ونزل عليه، وبعث إلى أمراء حلب وكمشتكين الخادم، وتقرر بينهم الأمر، ثم سار إلى حلب، والتقاه الملك الصالح بن نور الدين، فاعتنقه سيف الدين غازي. وبكي، ونزل بظاهر حلب بعين المباركة
(4)
، وصعد القلعة جريدة، وكان أمراء حلب يركبون كل يوم إلى خدمته.
(1)
غازي بن مودود: هو سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن أتابك الشهيد زنكي توفي سنة 576 هـ/ 1187 م. انظر: التاريخ الباهر، ص 180؛ الشذرات، ج 4، ص 257.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(3)
ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 647 - 648؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 210؛ سنا البرق، ص 90 - 91.
(4)
عين المباركة: ذكرها ابن الشحنة في الدر المنتخب، ص 255، وقال إنها في جملة متنزهات حلب. انظر أيضًا: زبدة الحلب، ج 3، ص 25، حاشية 2؛ مفرج الكروب، ج 3، ص 167. حيث يذكر ابن واصل أن "عين المباركة على باب حلب".
وفي تاريخ النويري
(1)
: وكان غازي في عشرين ألف مقاتل، ثم رحل إلى تل السلطان ومعه هؤلاء العساكر؛ عسكر
(2)
الشرق وديار بكر
(3)
والحلبيون، وبلغ صلاح الدين وهو بدمشق، ولم يكن عنده سوى ستة آلاف فارس كذا في المرآة
(4)
.
وفي تاريخ النويري
(5)
: وسار صلاح الدين نحوهم ومعه ألف فارس، ولكن الجيوش قد خرجت من الديار المصرية في جحافل كالجبال، ووصل إلى حماة ونزل بها، وترك أثقاله بها، وساق إلى جباب التركمان
(6)
، وجاءه رسول الحلبيين بأنهم يخوفونه بأسهم، ويأمرونه بالرجوع إلى مصر، قال رسولهم: فوافيته وهو في خيمة صغيرة، وهو على بساط "لطيف"
(7)
، وتحته سجادة، وبين يديه مصحف، وهو مستقبل القبلة، وإلى جانبه زرديته
(8)
، وسيفه بين يديه، وقوسه وتركاشه
(9)
معلق في عمود الخيمة. قال: فلما رأيته وقع في خاطري أنه المنصور؛ لأني فارقت سيف الدين غازي والأمراء وهم على طنافس الحرير، والخمور تُروّق، وليس في خيامهم خيمة إلا وفيها أنواع المحرمات، فأديت إليه الرسالة، وجاء وقت الظهر فضج العسكر لصوت الأَذَان، وفي كل خيمة إمام، فقال لي: "الحق بأصحابك وقل لهم يستعدون للقائي، فإني عند طلوع الشمس نازل
(1)
نهاية الأرب، ج 28، ص 379.
(2)
"عساكر" في نسخة ب.
(3)
ديار بكر: بلاد كبيرة واسعة تنسب إلى بكر بن وائل، وحدها ما غرب من دجلة من بلاد الجبل المطل على نصيبين إلى دجلة، ومنه حصن كيفا وآمد وميافارقين. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 636.
(4)
مرآة الزمان، ج 8، ص 210 - 211. وقد علق ابن الأثير على هذا الحدث بأن العماد قصد أن يعظِّم صلاح الدين بأن جعل جيشه البالغ ستة آلاف يهزم جيشا قوامه "عشرون ألفًا". انظر: الكامل، ج 10، ص 75.
(5)
نهاية الأرب، ج 28، ص 378.
(6)
يبدو أن "جباب التركمان"، مكان بين حماة وتل السلطان، ونستشف هذا مما ورد في المتن، وفي زبدة الحلب لابن العديم، ج 3، ص 212، مع العلم بأن سامي الدهان المحقق أشار إلى أنه لا يدري أين جباب التركمان حاشية 1 - ولعل المقصود بجباب التركمان جمع لكلمة جُب وهو البئر التي لم تطو- أي التي بها ماء. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 17 - 18.
(7)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(8)
الزردية: نوع من الدروع، وهي قميص من الزرد خالي من الصفائح المعدنية ويوجد منها الطويل المسترسل إلى الأرض ويسمى "زرديات سابلة" أو "زرديات مسبلة" وهي تغطي ساقي الفارس. وبعضها كانت قصيرة ولها ياقات عريضة تغطى الرقبة. انظر: ماير: الملابس المملوكية، ص 66 - 68.
(9)
التركاش وجمعها تراكيش: وهي الجعبة التي توضع فيها النشاب وهو معرب عن الكلمة الفارسية تركش. Dozy: Supp. Dict. Ar.
عليهم، ويحكم الله بيننا، {وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ}
(1)
. قال: ففارقته وأنا على بصيرة من نصرته وخذلانهم. وسقت عامة الليل، فوافيتهم وقت الفجر وهم سكاري، فطلبت سيف الدين غازي، فقيل لي: هو نائم. قال: فوالله ما انبسطت
(2)
الشمس إلا وأعلام صلاح الدين قد أقبلت، والكوسات
(3)
تخفق، وأصحابنا نيام، فقاموا مسرعين، وكان يوم الخميس العاشر من شوال، وكانت ملاقاتهم على تل السلطان، وكان على ميمنة السلطان صلاح الدين ابن خاله شهاب الدين محمود، وعلى ميسرته صاحب بصري، وهو
(4)
في القلب، وكان في ميمنة المواصلة مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، وعلى ميسرتهم الحلبيون، وسيف الدين غازي في القلب.
وفي المرآة
(5)
: وكان صلاح الدين قد وقف على تل عال، فحمل ابن زين الدين فطحن ميسرة صلاح الدين، وحمل الحلبيون على ميمنته فتعتعوها، ونزل صلاح الدين من التل، ورأى أن يباشر الأمر بنفسه وإلا اختل الأمر، فساق إليهم
(6)
، واتفق وصول العساكر المصرية في تلك الساعة مع تقي الدين عمر، وعز الدين فرخشاه، وناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، فهال ذلك الحلبيين، من دق الكوسات وحسن الأطلاب
(7)
والعُددِ الوافرة
(8)
والخيل العربية، فانخذلوا وولوا منهزمين.
وفي تاريخ النويري
(9)
: وحمل السلطان صلاح الدين بنفسه الكريمة فكانت بإذن الله الهزيمة، فقتلوا من الحلبيين والمواصلة خلقًا، وأُخذت مضارب سيف الدين غازي وحواصله
(10)
.
(1)
{حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} ، سورة الأعراف: آية (87).
(2)
"والله ما انتظر الشمس". في المرآة ج 8، ص 211.
(3)
الكوسات: هي صنوجات من نحاس شبه التُّرس الصغير، يدق بأحدها على الآخر بإيقاع خاص، ومع ذلك طبول وشَبَّابَة، يدق بها مرتين في القلعة في كل ليلة، ويدار بها في جوانبها مرة بعد العشاء الآخرة، ومرة قبل التسبيح على المآذن، وتسمَّى الدورة بذلك في القلعة، وكذلك إذا كان السلطان في السفر تدور حول خيامه. ويقال للذي يضربُ بالصنوج النحاس بعضها على بعض الكوسي. انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 9، 13.
(4)
يقصد صلاح الدين يوسف بن أيوب.
(5)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 211.
(6)
"عليهم" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت من المرآة، ج 8، ص 211 حيث ينقل عنه العيني.
(7)
الأطلاب - مفردها طُلب: وهو لفظ كردي معناه الأمير الذي يقود مائتي فارس في ميدان القتال، ويطلق أيضًا على قائد المائة أو السبعين، وكان أول استخدامه في العصر الأيوبى، ثم أصبح يطلق على الكتيبة من الجيش. انظر السلوك، ج 1 ق 1، ص 248، حاشية 2.
(8)
"الواردة" في مرآة الزمان، ج 8، ص 211. والمثبت كما كتبه العيني متفق مع السياق.
(9)
ورد هذا النص بتصرف في نهاية الأرب، ج 28، ص 379 - 380.
(10)
الحواصل - مفردها حاصل: وهي الشراب خاناه والفراش خاناه والسلاح خاناه والركاب خاناه والحوائج خاناه والمطبخ والطبلخاناه. انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 9 - 13.
وأسر جماعة من رؤسهم، فأطلقهم السلطان بعد أن خلع عليهم، وقد كانوا استعانوا بجماعة من الإفرنج في حال القتال، وليس هذا من صنيع الصناديد
(1)
.
وفي تاريخ بيبرس:
(2)
وكان غازي قد سبق ووصل صلاح الدين وقت العصر، وقد تعب هو وأصحابه، وعطشوا فألقوا نفوسهم على الأرض ليس فيهم حركة، وأشار على غازي جماعة من أصحابه بقتالهم في تلك الساعة، فتأخر إلى الغد فلما التقوا من الغد انهزم
(3)
عسكر سيف الدين، ورجع إلى حلب، ولم يقتل من الفريقين مع كثرتهم سوى رجل واحد، وترك سيف الدين أخاه عز الدين مسعود بحلب، وسار إلى الموصل وهو يظن أنه لا ينجو، وأن صلاح الدين يعبر الفرات إليه ويقصده بالموصل، فاستشار وزيره في مفارقة الموصل والاعتصام بقلعة [عقر]
(4)
الحميدية، فمنعه من "ذلك وثبته وشد قلبه"
(5)
، وعزل عز الدين عن إمارة العسكر، واستعمل مكانه مجاهد الدين قايماز
(6)
.
وفي تاريخ النويري
(7)
وغيره: ووجد السلطان صلاح الدين في مخيم غازي شيئا من الأقفاص التي فيها الطيور المطربة، وذلك في مجلس شرابه، وكيف ينصر من كان هذا مسلكهـ ومذهبه؟! فأمر صلاح الدين بردها عليه، وقال للرسول: قل له: اشتغالك بهذه الطيور أحب إليك من الوقوع فيما رأيت من المحذور. وغنم السلطان من أموالهم شيئا كثيرا، ففرقه على أصحابه، وأنعم بخيمة الملك سيف الدين غازي على ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن نجم الدين
(8)
أيوب، وردّ ما كان في وطاقه
(9)
من الجواري
(1)
وردت هذه الأحداث بالتفصيل في الروضتين، ج 1/ ق 2، ص 650 - 653.
(2)
ورد هذا النص بتصرف في الكامل، ج 10، ص 74 - 75.
(3)
"انكسر" في نسخة ب.
(4)
ما بين الحاصرتين إضافة من الكامل، ج 10، ص 75، وعَقْر الحُميدية، قلعة حصينة في جبال الموصل أهلها أكراد وهي شرقي الموصل. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 696؛ تقويم البلدان، ص 274.
(5)
كذا في نسختى المخطوطة أ، ب، وقد وردت هذه العبارة في الكامل، ج 10، ص 75 على النحو التالي:"واتفق هو والوزير على شد أزره، وتقوية قلبه، فثبت".
(6)
مجاهد الدين قايماز: هو أبو منصور قايماز بن عبد الله الزيني الملقب مجاهد الدين الخادم توفي فى سنة 595 هـ/ 1199 م بقلعة الموصل. وفيات الأعيان، ج 4، ص 82 - 84.
(7)
يبدو أن العيني نقل هذا النص عن ابن كثير وليس النويري. انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 312؛ كما ورد هذا النص بتصرف في الروضتين نقلًا عن العماد، ج 1 ق 2، ص 651.
(8)
"نجم الدين بن أيوب" كذا في نسخة ب. وهو خطأ.
(9)
الوطاق: الخيمة الكبيرة التي تعد للعظماء. انظر: العصر المماليكي، ص 462.
والمغنيات، وقد كان معه أكثر من مائة مغنية، ورد الأقفاص وآلات اللعب إلى حلب، وقال: قولوا له: هذه أحب إليك من الحرب. ووجِدَ عسكر المواصلة كالحانة من كثرة الخمور والبرابط والملاهي.
وفي المرآة
(1)
: ولما انهزم غازي ومن معه ساق صلاح الدين وراءهم، وأسر أمراءهم، ونجا غازي بنفسه، وعاد صلاح الدين إلى خيامهم، فوجد سرادق سيف الدين غازي مفروشا بالرياحين. والمغاني جلوس في انتظاره، والخمور تروق، ومطابخه بقدورها، وفيه أقفاص الطيور فيها أنواع من القماري والبلابل والهزارات
(2)
، ثم فرق صلاح الدين الخزائن والخيل والخيام على أصحابه، وأعطى عز الدين فرخشاه سرادق سيف الدين، وكان عز الدين قد أبلى في ذلك اليوم بلاءً حسنا.
ذكر ما جرى لصلاح الدين بعد انتصاره
قال النويري
(3)
: لما رجع الحلبيون إلى حلب وهم منهزمون ندموا على نقضهم الأيمان ومخالفتهم لطاعة الرحمن، وشقهم العصا على السلطان، وتحصنوا بالبلد خوفا من وثوب الأسد بن أخي الأسد، وأسرع صاحب الموصل فوصلها، وما صدق حتى دخلها.
وأما السلطان صلاح الدين فإنه لما فرغ من قسمة ما غنم، أسرع المسير إلى حلب، فوجدهم قد حصنوها، والقلعة قد أحكموها، فقال: من المصلحة أن نبادر إلى فتح الحصون التي حول البلد، ثم نعود إليهم، فلا يمتنع علينا أحد منهم. فشرع يفتح الحصون حصنا حصنا، ويهدم من أركان دولتهم ركنا ركنا، ففتح بزاعة
(4)
ومنبج، ثم سار إلى أعزاز
(5)
، فأرسل
(6)
الحلبيون إلى سنان مقدم الفداوية، فأرسل جماعة من أصحابه ليقتلوا صلاح الدين، فدخل طائفة منهم في زي الجند، فقاتلوا أشد القتال، حتي اختلطوا بهم، ثم وجدوا فرصة ذات يوم والسلطان ظاهر للناس، فحمل عليه واحد منهم
(1)
انظر هذه الأحداث في المرآة، ج 8، ص 211 - 212 حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
(2)
الهزارات جمع الهزار: طائر حسن الصوت، فارسي معرب. المعجم الوسيط، مادة هزر.
(3)
يبدو أن النص المذكور هنا لابن كثير من البداية والنهاية، ج 12، ص 312 - 313، حيث أنه بنفس ترتيب الأحداث. بينما وردت بعض هذه الأحداث في النويري: نهاية الأرب، ج 28، ص 378 - 380.
(4)
بزاعة: بلدة من أعمال حلب واقعة بينها وبين منبج. معجم البلدان، ج 1 ص 603.
(5)
أعزاز - ذكرها ياقوت في معجمه ج 2، ص 667، عَزَاز وهي بليدة فيها قلعة ولها رستاق شمالي حلب بينهما مسيرة يوم.
(6)
"فأرسلت" في نسخة ب.
فضربه بالسكين على رأسه، فإذا هي باللأمة
(1)
، فسلمه الله، غير أن السكين مرت على خده فجرحته جرحًا هينًا، ثم أخذ الفداوي رأس السلطان، فوضعه إلى الأرض
(2)
ليذبحه ومَنْ حوله قد أخذتهم دهشة، ثم ثاب إليهم عقلهم، فبادروا إلى الفداوي، فقتلوه وقطعوا رأسه، ثم هجم آخر في الساعة الراهنة على السلطان، فَقُتِل، ثم هجم آخر على بعض الأمراء، فَقُتِل أيضًا، وهرب الرابع، فأُدرك فقُتل، وبطل القتال ذلك اليوم. ثم صمم السلطان على البلد ففتحه، وأقطعه ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وقد اشتد حنقه على أهل حلب؛ لما أرسلوا من الفداوية، وجاء فنزل تجاه البلد على جبل جوشن
(3)
، وضربت خيمته على رأس الياروقية
(4)
، وذلك في خامس عشر ذي الحجة من هذه السنة، وجبي الأموال وأخذ الخراج من القرى، ومنع أن يدخل البلد شيء أو يخرج منها شيء، واستمر حصاره إياها حتى انسلخت هذه السنة
(5)
.
وفي تاريخ بيبرس: لما انهزم غازي، وغنم صلاح الدين وعسكره ثقله وثقل عسكره، سير طائفة إلى بزاعة فحصروها وقاتلوا من بها وأخذوها، ورتب بها من يحفظها، وسار إلى منبج، فملكها عنوة، وأخذ صاحبها أسيرا، وكان بينه وبين صلاح الدين عداوة قديمة، وهو قطب الدين ينال [بن حسان]
(6)
المنبجي، ثم أطلقه فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف الدين غازي الرقة، ثم دخل إلى أعزاز فنازلها وحصرها، وهي من أحصن القلاع، وقتل عليها كثيرا من العسكر، ثم ذكر حكاية الفداوية كما ذكرناها.
وفي المرآة
(7)
: لما نزل صلاح الدين على منبج
(8)
وبها قطب الدين ينال بن حسان فقاتله، واتفق وقوع ثلمة في السور، فطلب الأمان لنفسه، فأمَّنهُ، فخرج سليبًا، وأخذ صلاح الدين من الحصن ثلثمائة ألف دينار، وعرض عليه المقام عنده فامتنع وسار إلى
(1)
الَّلأْمَةُ: أداة الحرب كلها من رمح وبيضة ومغفر وسيف ودرع، والجمع لأْم. انظر: المعجم الوسيط، مادة لأي.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(3)
جبل جوشن: يطل على حلب من غربها، معجم البلدان، ج 2، ص 155.
(4)
الياروقية: محلة كبيرة بظاهر مدينة حلب تنسب إلى أمير من أمراء التركمان. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 1001.
(5)
انظر هذه الأحداث في الكامل، ج 10، ص 76؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 660.
(6)
"خان" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، ج 10، ص 76؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 655.
(7)
انظر هذه الأحداث في المرآة، ج 8، ص 212.
(8)
"ثم سار سيف الدين فنزل على منبج" كذا في المرآة، ج 8، ص 212 ولعله خطأ من الناسخ، واتفق ابن الأثير، وأبو شامة مع ما أورده العيني. انظر: الكامل، ج 10، ص 76؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 656.
صاحب الموصل كما ذكرناه. ثم سار السلطان ففتح حصن بُزَاعةَ ثم نازل أعزاز، فأقام عليها ثمانية وعشرين يومًا وفتحه في ذي الحجة من هذه السنة.
وفي تاريخ الدولتين
(1)
: وهنأ العماد الكاتب السلطان بقصيدة، منها:
فالحمدُ للهِ الذي إفْضالُه
…
حُلُوُ الجنا، [عالى]
(2)
السَّنا، وَضّاحُه
عادَ العُدوُّ بظُلْمةٍ
(3)
من ظلمهِ
…
في ليلِ وَيْلٍ قد خبا مِصْباحُه
وَجَنَى عليه جَهلُه بوقوعهِ
…
في قبضَةِ البازِي فهِيضَ جناحُه
(4)
حَمَلَ السلاحَ إلى القتالِ وما درَى
…
أنّ الذي يَجْنِي عليه سِلاحُهُ
قال: وكان لعز الدين فرخشاه في هذه الوقعة يد بيضاء. وقال العماد: نظمت فيه قصيدة منها الأبيات
(5)
:
نصرٌ أَنارَ [لمُلْكِكُم]
(6)
بُرْهانُه
…
وَعلا لذِلَّةِ شانِئيكُم شانُه
ما أسعد الإسلامَ وهو مظفّرٌ
…
وأبو المظفَّر يوسفٌ سُلْطانُه
المُلكُ مرفوعٌ لكُم مِقْدارُه
…
والعدلُ موضوعٌ بكُم ميزانُه
والدّهرُ لا يأتي بغيرِ مُرادِكم
…
[فهل]
(7)
القضاءُ لأجلكم جَرَيَانُه
[وكأنما]
(8)
لله في أحكامِه
…
فَلَكٌ على إيثارِكُم دَوَرانُه
فخرًا بني أيوب، إنَّ فَخَارَكم
…
بذَّ الملوكَ السابقين رهانُه
يكفي حسودَكم اعتقالًا همُّه
…
فكأنما أشْجَانُه أسْجَانُهُ
(1)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 652.
(2)
"على" في نسختي المخطوطة أ، ب والمثبت بين الحاصرتين من الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1،، ص 18؛ الروضتين، ج 1 ق 2، 652.
(3)
"في" نسخة ب.
(4)
هذا البيت غير موجود بالخريدة.
(5)
"الأبيات" ذكرت في الهامش اليسار من الصفحة بالأصل.
(6)
"لملكهم" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 653.
(7)
"فعلي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 654.
(8)
"فكأنما" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 654.
الدِّينُ، عزَّ الدين، عزَّ بنصرِكُم
…
والكفر ذُلَّ بعونِكُم أعوانُه
قد كان [جيشكُمُ]
(1)
كَبَحرٍ زاخرٍ
…
واللابِسُون جواشنًا
(2)
حيتانُه.
وقال العماد أيضا في فتح منبج قصيدة منها قوله:
نُزولك في منبج
…
على الظَفَر المُبهجِ
ونُجحك في المرتجَى
…
وفتحك للمُرْتج
دليل على كلّ
(3)
ما
…
تحاول أو تَرْتَجِي
أمورك فيما ترو
…
مُ واضحةُ المَنْهَجِ
وشانيك دامي الشئو
…
ن منك، شقي، شجي.
وقال ابن أبي طي
(4)
: لما ملك السلطان منبج وتسلم الحصن صعد إليه وجلس يستعرض أموال ابن حسان وذخائره؛ فكان في جملة أمواله ثلثمائة ألف دينار، ومن الفضة والآنية الذهبية والأسلحة والذخائر ما يناهز ألفي ألف دينار. فحان من السلطان التفاتة فرأي مكتوبا على الأكياس والآنية يوسف، فقيل له: ولد يؤثره ويحبه اسمه يوسف كان يدّخر هذه الأموال له. فقال السلطان: أنا يوسف وقد أخذت ما خُبيء لي. فتُعُجِبَ [202 ظ] من ذلك.
وقال العماد أيضًا قصيدة في فتح أعزاز
(5)
، منها:
أعطاه رب العالمين دولة
…
عزة أهل الدين في إعزازِها
حاز العُلا ببأسِه وجودِه
…
وهو أحق الخلق باحْتيازها
(1)
"جيشهم" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 654.
(2)
الجواشن جمع جوشن: وهي نوع من الدروع. تختلف عن الزردية في أنها قميص من الزرد مغطى بصفائح معدنية على شكل حلقات وضع بين كل حلقة منها والأخرى قطعة صغيرة من القصدير "التنك". انظر: الملابس المملوكية، ص 68، حاشية 2.
(3)
"كلما" في نسخة ب. وقد نقل أبو شامة هذه الأبيات عن العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 656.
(4)
انظر قول ابن أبي طى في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 656.
(5)
انظر القصيدة في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 657.
إلى أن قال:
تهنَّ من فتح عزاز نصرة
…
أوقعت العداة في اعتزازها
واليوم ذُلّت حلب، فإنَّها
…
كانت تنال العزَّ من عزازِها
وحلب تنفي كمشتكينها
…
كما انتفت بغداد من قيمازِها
ذكر بقية الحوادث
منها أن في رمضان قدم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب من اليمن إلى الشام، وأرسل إلى أخيه صلاح الدين يعلمه بوصوله، وكتب إليه أبياتا من شعر ابن المنجم المصري
(1)
:
وإلى صلاح الدين أشكو أنني
…
من بَعدِه مُضنَى الجوانح مُولَعُ
جزعًا لبُعد الدار منه ولم أكن
…
لولا نواه
(2)
لبعد دارٍ أجزَعُ
فلأركبنَّ إليه متْنَ عزائمي
…
ويخبُّ بي ركبُ الغرام ويوسعُ
(3)
ولأقطعن من النهار هواجرًا
…
قلب النهار بحرّها يتقطَّعُ
ولأسرين الليل لا يسرى به
…
طيف الخيال ولا البرُوق اللُّمع
وأقدمنَّ إليه قلبي مخبرًا
…
أني بجسمي من قريبٍ أتبعُ
حتى أشارف
(4)
منه أسعد طلعة
…
من أُفْقِها صُبحُ السعادة يطلُعُ
قال العماد: وفي سابع شوال وصل شمس الدولة أخو السلطان من اليمن إلى دمشق
(5)
. وذكر ابن شداد
(6)
: أنه قدم في ذى الحجة.
(1)
ابن المنجم المصري: هو نشؤ الملك أبي الحسن علي بن مفرج المعروف بابن المنجم المصري الأصل المصري الدار والوفاة، توفي سنة 630 هـ/ 1233 م. انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 168 - 169؛ انظر: وفيات الأعيان ج 7، ص 207 - 208.
(2)
"هواه" كذا في الكامل، ج 10، ص 79.
(3)
"يوضع" كذا في الكامل، ج 10، ص 79.
(4)
"أشاهد" في الكامل، ج 10، ص 79.
(5)
ورد هذا الخبر في سنا البرق الشامي، ص 79؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 663؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 212.
(6)
انظر: النوادر السلطانية، ص 52.
ولما سمع السلطان بقدومه أرسل إليه
(1)
بالمثال
(2)
الفاضلي كتابًا أوله: {أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا}
(3)
. وقال في آخره: "ولقد أحسن عدنان المبشر إذ طلع علينا طلوع الفجر قبل شمسه، وغرس في القلوب ما يسرنا ويسره جني غرسه"
(4)
.
وقال ابن أبي طي: كان سبب خروجه من اليمن كراهية البلاد، والشوق إلى أخيه الملك الناصر، وأن يرى ملوك الشام وغيرها. [وأمر العساكر]
(5)
بما أنعم الله به عليه من النعم والأموال.
وفي تاريخ الدولتين
(6)
: لما تحدث الناس بخروج شمس الدولة من اليمن كان باليمن رجل يقال له عباس، وكان صهر ياسر بن بلال الحبشي
(7)
صاحب عدن، وكان بين ياسر وعباس عداوة، فافتعل عباس كتابا على لسان ياسر وزوَّر عليه علامته إلى زيد ابن عمرو بن حاتم صاحب صنعاء يقول فيه:"إن شمس الدولة سائر إلى أخيه الملك الناصر إلى الشام، وسبب خروجه ضعفه عن اليمن، فأمسكوا ما كنتم تحملون إليه من الإتاوة والرشوة، "تبقى لكم"
(8)
. واحتال حتى وصل الكتاب إلى شمس الدولة، وكان نازلا على حصن يعرف بالخضراء
(9)
يحاصره.
فلما وقف شمس الدولة على الكتاب استدعى ياسرًا وقال له: هذا خطك وعلامتك؟ قال: كأنه هو. قال: فبأي شيء استحققت منك هذا، وقد قرَّبتُ منزلتك، وأبقيتُ عليك بلادك، ورفعت بضبعك
(10)
على أهل إقليمك. وأراه الكتاب. فلما وقف عليه
(1)
"السلطان" في نسخة ب.
(2)
المثال: الجمع مثالات، وهو أول ما يكتب من الأوراق الرسمية بموافقة السلطان. انظر: صبح الأعشي، ج 13، ص 153 - 155.
(3)
سورة يوسف: آية (90).
(4)
انظر هذا النص في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 663.
(5)
"أمراء العساكر" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 663.
(6)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 663 - 665.
(7)
كان ياسر بن بلال بن جرير الحبشي وزيرًا للأخوين منصور وأبي سعود ولدي عمران المكرم من أسرة بني زريع الإسماعيلية التي سيطرت على عدن منذ سنة 476 هـ / 1083 م حتى سقطت في أيدي الأيوبيين. انظر: زامباور: معجم الأنساب، ج 1، ص 181؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 664 حاشية 1.
(8)
"ويبقى لكم" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 664.
(9)
حصن الخضراء: حصن في اليمن في جبل وصاب من عمل زبيد. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 451.
(10)
الضَّبعُ: العضد كلها وأوسطها بلحمها أو الإبط أو ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه. القاموس المحيط ج 3، ص 53 - 54.
ياسر حلف أنه ما كتبه، ولا يعرفه، ولا أملاه لأحد، ولم يعلم خبره. فلم يصدقه شمس الدولة، وأمر به فقتل صبرا بين يديه، فهاب شمس الدولة مُلوكُ اليمن وحملوا إليه الأموال وحلفوا له على الطاعة.
ثم إن شمس الدولة خرج إلى تهامة
(1)
وتوجه إلى الشام واستخلف على تهامة سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، وعثمان بن على الزنجيلي علي عدن، وتوجه إلى حضرموت ففتحها، واستناب عنه بها رجلًا كرديًا يسمى هرون، واستمر الكردي بها مدة.
ثم إن صاحب حضرموت تحرك وجمع، فقتل، وعاث هرون في تلك البلاد، واستقام أمره. وولي شمس الدولة ثغر تعز
(2)
مملوكه ياقوت وجعل إليه أمر الجند، وولي قلعة [تعكر]
(3)
مملوكهـ قايماز.
قال صاحب تاريخ الدولتين
(4)
: وكان وصول شمس الدولة إلى السلطان قبل وقعة المواصلة وكسرتهم، وكان شمس الدولة هو سبب الظفر، وأعطاه السلطان سرادق سيف الدين صاحب الموصل بما كان فيه من الفرش والأثاث والآلات، وولاه دمشق وأعمالها والشام، وأمره أن يكون في وجه الفرنج لأن السلطان خاف من الحلبيين أن يكاتبوا الفرنج على عادتهم.
ومنها أن تقي الدين عمر ابن أخي السلطان أنفذ مملوكهـ بهاء الدين قراقرش في جيش إلى بلاد المغرب، ففتح بلادًا كثيرة هناك، وغنم أموالًا جزيلة، ثم عاد إلى مصر، وطابت له، وترك تلك البلاد
(5)
.
(1)
تهامة: تقع من الناحية الجنوبية من الحجاز، وعرفت بتهامة لشدة حرها وركود ريحها. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 603؛ تقويم البلدان، ص 78.
(2)
تعز: قلعة مشهورة من قلاع اليمن العظيمة، معجم البلدان، ج 1، ص 854.
(3)
"بعكر" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من معجم البلدان، ج 1، ص 855؛ الهمذاني: صفة جزيرة العرب، ص 125، طبعة مصر 1953. وتعكر: قلعة حصينة باليمن من مخلاف جعفر مطلة على ذي جَبْلَة ليس باليمن قلعة أحصن منها.
(4)
الروضتين، ج 1 ق 2، ص 665.
(5)
انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 313.
وقال ابن أبي طي
(1)
: لما ملك شمس الدولة اليمن سمتْ نفس ابن أخيه تقي الدين إلى المُلك وجعل يرتاد مكانًا يحتوى عليه، فأُخبِرَ أن قلعة أزبري [هي]
(2)
فم درب المغرب، وكانت خرابًا فأشير عليه بعمارتها، وقيل له متى عُمَّرَت وسكنها أجنادٌ أقوياء شجعان مُلِكَت برقة، وإذا مُلِكَت برقة مُلِكَت ما وراءها. فأنفذ مملوكهـ بهاء الدين قراقوش فقدَّمهُ على جماعة من أجناده ومماليكه، فصاروا إلى القلعة المذكورة وشرعوا في عمارتها.
واجتمع بقراقوش رجل من المغرب فحدثه عن بلاد الجريد وفزان
(3)
، وذكر له كثرة خيرها، وغزارة أموالها، وضعف أهلها، ورغبه في الدخول إليها. فأخذ جماعة من أصحابه وسار في حادي عشر محرم [من]
(4)
هذه السنة، فكان يكمن النهار ويسير [الليل]
(5)
مدة خمسة أيام، وأشرف على مدينة أوْجَلة
(6)
فلقيه مالكها وأكرمه واحترمه، وسأله المقام عنده ليعتضد به ويزوِّجه بنته ويحفظ البلاد من العرب، وله ثلث ارتفاعها. ففعل قراقوش ذلك فَحُصِّل له من ثلث الارتفاع ثلاثون ألف دينار، فأخذ عشرة آلاف لنفسه وفرق على رجاله عشرين ألفًا.
وكان إلى جنب أوجلة مدينة يقال لها [الأرزاقية]
(7)
، فبلغ أهلها صنيع قراقوش في أوْجلة، وأنه حرس غلالهم، فصاروا إليه ووصفوا له بلدهم وكثرة خيره وطيب هوائه، ورغّبوه في المصير إليهم على أنهم يملّكونه عليهم. فأجاب إلى ذلك، واستخلف على أوجلة رجلا من أصحابه يقال له صباح ومعه تسعة [فوارس]
(8)
من أصحابه، فحُصِّل لقراقوش أموال كثيرة.
واتّفق أن صاحب أوْجله مات، فقتل أهل أوجلة أصحاب قراقوش، فجاء قراقوش وحاصرها حتى افتتحها عنوة وقتل من أهلها سبعمائة رجل، وغنم أصحابه منها غنيمة عظيمة، واستولى على البلد.
(1)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 665.
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة لازمة لتوضيح النص من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 665.
(3)
فزان: ولاية واسعة بين الفيوم وطرابلس الغرب. معجم البلدان، ج 3، ص 890.
(4)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 666.
(5)
"بالليل" كذا في نسختي أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 666.
(6)
أوجَلَة: جنوبي برقة نحو الغرب منها، وهذا اسم للناحية أما مدينتها فتسمى أرزاقية. معجم البلدان، ج 1، ص 397.
(7)
"الأزرافية" في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 666.
(8)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين لتوضيح النص، ج 1 ق 2، ص 666.
ثم إن أصحابه [رغبوا]
(1)
في الرجوع إلى مصر وخشي قراقوش أن يقيم وحده فرجع معهم. فلما حصل بمصر طاب له المقام وثقل عليه العود، وزوجه تقي الدين بإحدى جواريه. وكان استناب بأوجلة وقال لأهلها أنا أمضى إلى مصر لتجديد رجال وأعود إليكم
(2)
.
ومنها ما قال ابن الأثير
(3)
: وفي ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين استوزر سيف الدين صاحب الموصل جلال الدين أبا الحسن علي بن جمال الدين الوزير، ومكّنه في ولايته، فظهرت منه كفاية لم يظُنِّها الناس، وبدا منه معرفة بقواعد الدول وأوضاع الدواوين، وتقرير الأمور والاطلاع على دقائق الحسابات، والعلم بصناعة الكتابة الحسابية والإنشاء حيرت العقول، ووضع في كتابة الإنشاء وضعًا لم يعرفوه.
وكان عمره حين ولي الوزارة خمسا وعشرين سنة، ثم قُبض عليه في شعبان سنة ثلاث وسبعين وشفع فيه كمال الدين بن [نيسان
(4)
] وزير صاحب آمد وكان قد زوجه بنته، فأطلق وسار إليه. وبقي بآمد يسيرًا مريضًا، ثم فارقها، وتوفي بدُنَيسِر
(5)
سنة أربع وسبعين، وحُمل إلى الموصل فدفن بها، ثم حُمل منها في موسم الحج إلى المدينة ودفن عند والده. وكان من أحسن الناس صورة ومعني، رحمه الله.
ومنها
(6)
أنه قدم إلى دمشق الواعظ الكبير أبو الفتوح عبد السلام بن يوسف بن محمد بن مقلد التنوخي، الدمشقي الأصل البغدادي المنشأ، ذكره العماد في الخريدة، وقال: كان صاحبي
(7)
، وجلس للوعظ فحضر عنده السلطان صلاح الدين، وأورد له مقطّعات من أشعاره، فمن ذلك ما كان يقول في مجلسه:
(1)
"رغبوه" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2. ص 666.
(2)
إلى هنا توقف نص ابن أبي طي، في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 666.
(3)
نقل العينى هذا النص عن أبي شامة نقلًا عن ابن الأثير، انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 666 - 668؛ راجع أيضًا: الباهر، ص 177.
(4)
"سنان" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت من الباهر، ص 177.
(5)
دُنَيسرُ: بلدة عظيمة مشهورة من نواحي الجزيرة قرب ماردين، ولها اسم آخر يقال لها قوچ حصار. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 612.
(6)
انظر ترجمته في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 667 - 668.
(7)
"صديقي" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 668.
يا مالكا مُهجَتي، يا مُنتهى أملي
…
يا حاضرًا شاهدًا في القلب والفِكَر
خلقتني من ترابٍ أنت خالقُهُ
…
حتى إذا صرتُ تمثالًا من الصُّورِ
أجريت في قالبي روحًا منورةً
…
تمر فيه كجري الماء في الشجر
جمعتَ بين صفا رُوح منوَّرة
…
وهيكل صُغْتَه من معدن كدر
إن غِبتُ فيك فيا فخري ويا شرفي
…
وإن حضرت فيا سمعى ويا بصري
أو احتجبت فسرى منك في وَلَهٍ
…
وإن خطَرتُ فقلبي مِنك في خطر
[تبدو]
(1)
فتمحُو رسومي ثم تثبتُها
…
وإن تغيبت عنِّي عشتُ بالأثر
(2)
ومنها أنه حملت إلى أمير المؤمنين من قرية قريبة من بغداد، يقال لها الوقت، بقرتان قد ولدتا برأسين ورقبتين وأربع أيدي وبطن واحدة وفرج ذكر وفرج أنثى، ولكل واحدة رجل، قيل إنها ولدت حية ثم ماتت
(3)
.
ومنها ما قال ابن الجوزي
(4)
: تكلمت يوم عرفة، وكان مجلسًا عظيمًا، تاب فيه خلق كثير، وقُطعت شعورٌ كثيرة، وكان الخليفة حاضرًا.
ومنها أن الخليفة عزل الخادم صندل المقتفوي عن الأستادارية
(5)
وفيها .......
(6)
.
وفيها حج بالناس طاشتكين. وكان في مكة أمير يقال له مُكثر
(7)
، عزله الخليفة
(8)
وأمر أن يولَّي أخوه داود مكانه، وكان قد بنى قلعة على جبل أبي قبيس، فاختلف الناس،
(1)
"وتبدو" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين حتى لا يختل الوزن، ج 1 ق 2، ص 668؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 14.
(2)
ورد هذا الشعر في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 668؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 313 - 314.
(3)
ورد هذا الخبر في المنتظم، ج 18، ص 220.
(4)
المنتظم، ج 18، ص 223.
(5)
انظر هذه الحادثة في المنتظم، ج 18، ص 218.
(6)
يوجد بياض بالأصل بمقدار سطر ونصف.
(7)
"مكبر" في نسخة ب. وهو الأمير مُكثِّر بن عيسى بن فليته وقد ولى إمرة مكة مرتين المرة الأولى سنة 571 - 572 هـ/ 1175 - 1176 م وعزل منها بداود بن عيسي. والمرة الثانية من سنة 584 - 593 هـ/ 1188 - 1997 م. انظر زامباور: معجم الأسرات ج 1 ص 31؛ وانظر: الكامل، ج 10، ص 77.
(8)
هو الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله الحسن أبو محمد بن المستنجد بالله [536 هـ - 575 هـ/ 1141 - 1179 م]. انظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص 444 - 448.
وتشوش الحجاج، ولم يرم الناس من الجمار إلا قليلًا، ونُهب كثير من الحاج، وأخذوا أموال التجار المقيمين بها. ومن أعجب ما تم أن إنسانًا زرَّاقًا أحرق دارًا بقارورة نفط لأيتام، ثم أخذ قارورة أخرى ليحرق بها دارًا أخرى، فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها، فاحترق هو بها، وبقي ثلاثة أيام يُعَذَّبُ بالحريق إلى أن مات
(1)
.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
المبارك بن الحسن أبو النجم بن القابلة الفرضي؛ سمع أبا الحسين بن الفراء وغيره، وكان عالمًا
(2)
بعلم الفرائض والمواقيت، وتوفي في جمادى الأولى منها، ودفن بمقبرة الزادمان، قرية قريبة من بغداد
(3)
.
مسعود بن الحسين بن سعد أبو الحسين البزدى
(4)
القاضى؛ أحد الكبار الحنفية، ولد سنة خمس وخمسمائة، وتفقه وأفتى، وناب في القضاء، ودرَّسَ بمدرسة أبي حنيفة رضي الله عنه ومدرسة السلطان، ثم خرج إلى الموصل، فأقام مدة يدرس هناك، وينوب في القضاء، فتوفي بها في جمادى الآخرة من هذه السنة، رحمه الله.
الحافظ ابن عساكر
(5)
على بن أبي محمد الحسني بن أبي الحسن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، المعروف بابن عساكر الدمشقي الملقب ثقة الدين؛ كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، رحل وطَوَّفَ وجاب البلاد، ولقى المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة، وكان حافظًا دينًا، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، سمع ببغداد في سنة عشرين وخمسمائة من أصحاب
(1)
انظر هذه الحادثة في المنتظم، ج 18، ص 224؛ الكامل، ج 10، ص 77.
(2)
كذا في الأصل. وفي المنتظم، ج 18، ص 225؛ وفي الشذرات، ج 4، ص 240 "عارفًا".
(3)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 225؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 240.
(4)
"البزودي" في نسخة ب والمثبت من النسخة أ ومن المنتظم، ج 18، ص 225، وهو نسبة إلى بزدة ويقال بَزْدَوَة. والنسبة إليها بزدي وبزدوي. وهي قلعة حصينة على ستة فراسخ من نسف من بلاد ما وراء النهر، انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 604.
(5)
انظر ترجمته في الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 274 - 280؛ المنتظم، ج 18، ص 225؛ المرآة ج 8، ص 212 - 213؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 314 - 315؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 239.
البرمكي والتنوخي والجوهرى، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور وهَرَاةُ
(1)
وأصفهان والجبال
(2)
، وصنّف التصانيف المفيدة، وخرّج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث، محظوظًا في الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدة، أتي فيه بالعجائب، وهو على نسق تاريخ بغداد، وله شعر لا بأس به، ومن المنسوب إليه:
أيا نَفسُ ويحك جاء المشيبُ
…
فماذا التَّصابي وماذا الغَزَلْ
تولَّي شبابى كأن لم يكن
…
وجاء مَشِيبي كأن لم يَزَل
كائِّي بنفسي على غرّة
…
وخَطبُ المَنُون بها قد نزل
فياليت شعري ممَّن أكونُ
…
وما قدَّر الله لي في الأزل
(3)
وقد التزم فيها ما لا يلزم
(4)
، وهو الزاي قبل اللام
(5)
.
وفي المرآة: وصنف كتبًا كثيرة؛ منها "تاريخ دمشق" ثمانمائة جزء في ثمانين مجلدًا
(6)
، وكتاب "الإشراف [على]
(7)
معرفة الأطراف"، وكتاب "فضل
(8)
أصحاب الحديث"، وكتاب "الجهاد"، و"الأربعين"، و"فضائل مكة والمدينة والبيت المقدس"، و"فضل قريش والأنصار"، و"فضائل أهل البيت"، و"فضائل الصحابة"، و"مسند أبي حنيفة رضي الله عنه"، وكتاب "الزلازل
(9)
"، وغير ذلك.
وذكره العماد في الخريدة
(10)
: وقال: سمعتُ عليه من التاريخ الذي صنفه. ومن أنواع ما ألفه وأنشدني لنفسه بقرية المِزَّة غربي دمشق "أيا نفس" إلى آخره.
(1)
هَرَاة: مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 958.
(2)
الجبال: جمع جبل اسم علم للبلاد المعروفة باصطلاح العجم وهي ما بين أصبهان إلى زنجان وقزوين وهمذان والدينور. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 15.
(3)
كذا في الأصل وفي وفيات الأعيان، ج 3، ص 310 "بالأزل".
(4)
"ما لم" في نسخة ب.
(5)
ورد هذا الشعر في البداية والنهاية، ج 12، ص 314؛ مرآة الزمان، ج 8 ص 213.
(6)
"جلد" في مرآة الزمان، ج 8، ص 213.
(7)
"في" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من حاجي خليفة: كشف الظنون ج 1 ص 103؛ الزركلي: الأعلام، ج 4، ص 273.
(8)
"وصل" في المرآة، ج 8، ص 213.
(9)
إلى هنا يتوقف نقل العيني من المرآة.
(10)
انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 274 - 275.
وقال ابن خلكان
(1)
: قال لي شيخنا الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، حافظ مصر، وقد جرى ذكر تاريخ ابن عساكر، وأخرج لي منه مجلدًا، وطال الحديث في أمره واستعظامه، وقال: ما أظن هذا الرجل إلا عَزَمَ على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع الإنسان فيه مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال. ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا الكتاب، ومتى يسع الإنسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره، وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها
(2)
.
وقال ابن كثير: وله "أطراف السنن الأربعة"
(3)
و"الشيوخ النُبل"، و"تبيين كذب المفترى على أبي الحسن الأشعري". وقال ابن الجوزي
(4)
: وكان شديد التعصب لأبي الحسن الأشعري، حتي صنف كتابًا سماه:"تهذيب المفترى على أبي الحسن الأشعرى".
وفي المرآة
(5)
: وكان ولده أبو محمد القاسم يقول: سمع أبي من ألف شيخ وثلثمائة شيخ وبضع وثمانين امرأة، وسمع منه الحافظ أبو العلاء الهمداني، وهو أكبر منه، وذكر ابنه القاسم أنه صنف ستين كتابًا، وكانوا يفضلونه على الخطيب، ولأجله بني نور الدين دار الحديث بدمشق، وعاش ابنه القاسم إلى سنة ستمائة، وتوفي بها
(6)
. وقال السبط
(7)
: توفي الحافظ ابن عساكر ليلة الاثنين حادي عشر رجب من هذه السنة، وقد بلغ من العمر اثنين وسبعين سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وصُلى عليه بجامع دمشق وميدان "الحصا"
(8)
صلى عليه القطب النيسابوري، وحضر السلطان صلاح الدين صلواته.
(9)
(1)
انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 310 - 311.
(2)
إلى هنا توقف العيني عن النقل من ابن خلكان.
(3)
كذا في الأصل، وفي البداية والنهاية، ج 12، ص 314، "أطراف الكتب الستة".
(4)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 224 - 225.
(5)
مرآة الزمان، ج 8، ص 213 - 214.
(6)
أبو محمد القاسم الملقب بهاء الدين ابن الحافظ توفي سنة 600 هـ/ 1204 م بدمشق. انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 311؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 347.
(7)
مرآة الزمان، ج 8، ص 213.
(8)
ميدان الحصا: ميدان قبلي دمشق. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 595.
(9)
مرآة الزمان، ج 8، ص 213.
وقال ابن خلكان
(1)
: ودفن عند والده وأهله بمقابر باب الصغير
(2)
، وتوفي ولده القاسم الملقب بهاء الدين في التاسع من صفر سنة ستمائة بدمشق، ودفن من يومه خارج باب النصر، ومولده بها ليلة النصف من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وكان أيضًا حافظًا.
(1)
وفيات الأعيان، ج 3، ص 311.
(2)
باب قبلي دمشق. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 595.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية والسبعين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، والسلطان صلاح الدين صاحب مصر والشام محاصر حلب، وقد ضجر الناس من طول الحصار، فترددت الرسل بينهم، وتقررت القاعدة بين صلاح الدين والملك الصالح بن نور الدين وسيف الدين غازي صاحب الموصل وصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين، وتحالفوا أن يكونوا كلهم عونًا على الناكث الغادر.
وقال ابن كثير
(1)
: وكان صلاح الدين قد أشرف على أخذ حلب فسألوه الصلح، فصالحهم على أن تكون حلب [وأعمالها]
(2)
للملك الصالح بن نور الدين فقط، وكتب بذلك الكتاب. فلما كان المساء بعث الملك الصالح إلى صلاح الدين يسأل منه زيادة قلعة عزاز، وأرسل بأخت له صغيرة وهي الخاتون
(3)
بنت نور الدين؛ ليكون ذلك أدعى إلى قبول السلطان سؤاله، فحين رآها صلاح الدين قام قائمًا، وقبل الأرض، وأجابها إلى سؤالها، وأطلق لها من الجواهر والتحف شيئًا كثيرًا.
ذكر رحيل صلاح الدين من حلب
ولما تعاقدوا على ما ذكرنا؛ رحل صلاح الدين عن حلب يوم الجمعة لعشر بقين من المحرم، وقصد بلد الإسمعيلية الذين اعتدوا عليه، فحاصر حصنهم مِصياث
(4)
، فقتل وخرَّب وسبي حتى شفع فيهم خاله شهاب الدين محمود بن تكش صاحب حماة؛ لأنهم جيرانه، فقبل شفاعته، وقد أحضر إليه نائب بعلبك الأمير شمس الدين محمد ابن عبد الملك بن [المقدم]
(5)
-الذي كان نائب دمشق- جماعة من أسارى الإفرنج
* يوافق أولها 10 يوليو 1176 م.
(1)
نقل العينى هذا النص بتصرف من البداية والنهاية، ج 12، ص 315.
(2)
"وعملها" في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت من ابن كثير حيث ينقل عنه العيني، انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 315.
(3)
الخاتون: هي السيدة عريقة الأصل، وجمعها "خاتونات". انظر: محمد التونجي، المعجم الذهبي، ج 1، ص 230، بيروت 1980 م.
(4)
مصياث: ذكرها ياقوت مصياب. وأنها حصن حصين مشهور للإسماعيلية بالساحل الشامي قرب طرابلس -ويقال لها مصياف، انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 556؛ انظر أيضًا: تقويم البلدان، ص 229 - 230.
(5)
"مقدم" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، ج 10، ص 81. انظر أيضًا: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 169؛ سنا البرق الشامي، ص 106 - 107.
الذين عاثوا بالبقاع في غيبة السلطان، واشتغاله بحصار مصياث، فجدد له العزم على غزو الإفرنج، فصالح الإسمعيلية أصحاب سنان، ثم كر راجعًا إلى دمشق.
وفي تاريخ الدولتين
(1)
: وكان الأسرى أكثر من مائتي أسير. وقال ابن أبي طي: وكان أكبر الدواعي في مصالحة صلاح الدين لسنان مقدم الإسمعيلية وخروجه من بلادهم، خوفه من الفرنج أن يهيجوا في الشام الأعلى، وهو بعيد عنه، فربما ظفروا من البلاد بطائل، فصالح سنانًا، وعاد إلى دمشق.
قال العماد: وكان خرج شمس الدولة أخو السلطان من دمشق حين سمع أن الإفرنج على الخروج، وباسطهم عند عين الجرّ
(2)
، في تلك المروج، ووقع من أصحابه عدة في الإسار، منهم سيف الدين أبو بكر [بن]
(3)
السلار. ووصل السلطان إلى حماة، واجتمع فيها بأخيه شمس الدولة ثاني صفر، وهو أول لقائه بعدما أزمع عنه إلى اليمن السفر، وتعانق الأخوان في المخيم بالميدان، وكان قد وصل إلى السلطان من أخيه هذا عند مفارقته بلاد اليمن كتاب ضمنه أبياتا من شعر ابن المنجم المصرى، أولها:
الشوقُ أولع بالقلوب وأوجَعُ
…
فعلامَ أدفعُ منه ما لا يُدفعُ
وحَملتُ من وجدِ الأحبةِ مفردًا
…
ما ليس تحمِلُهُ الأحبةُ أجمعُ
لا يَستقرُّ بي النَّوى في موضعٍ
…
إلا تقاضاني التَّرحُّل
(4)
موضعُ
فإلى صلاح الدين أشكو أنني
…
من بُعده مُضنَى الجوانح مُوجَعُ
وقد ذكرنا بقية الأبيات عن قريب.
قال العماد: فسألنى السلطان أن أكتب في جوابها على رَوِيّها ووزنها، فقلت. فذكر قصيدة منها:
(1)
الروضتين، ج 1 ق 2، ص 669.
(2)
عين الجر: موضع معروف بالبقاع بين بعلبك ودمشق. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 760.
(3)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين الذي ينقل عنه العيني، ج 1 ق 2، ص 670.
(4)
"الترجل" كذا في نسخة ب.
مَولاىَ شمس الدولة الملكُ الذي
…
شمسُ السيادة من سناهُ تطلُعُ
ما لي سواك من الحوادث ملجأٌ
…
ما لي سواك من النَّوائب مفزعُ
وَلأنتَ فخر الدين فخري في العُلا
…
وملاذُ آمالي، ورُكنى الأمنَعُ
إلا بخدمتك المجلة موقعي
…
والله ما للملك عندى موقعُ
وبغير قُربِك كل ما أرجوه من
…
دَرْكِ المُنَى متعذر متمنّعُ
النصر
(1)
إن أقبلت نحوي مُقبلٌ
…
واليُمْنُ إن أسرعت نحوي مسرعُ
قال: ثم سرنا إلى دمشق، ووصلنا إليها سابع عشر صفر، وفوض ملك دمشق إلى أخيه الملك المعظم شمس الدولة، وعزم إلى مصر السفر
(2)
في صفر.
منها وقف صلاح الدين قرية حزمُ باللوى من حوران على الزاوية الغزالية
(3)
، ومن يشتغل بها من العلوم الشرعية وما يحتاج إليه الفقيه، وجعل النظر لقطب الدين النيسابوري مدرسها.
وفي هذا الشهر تزوج صلاح الدين بالست خاتون
(4)
عصمة الدين بنت معين الدين أثر، وكانت زوجة الملك نور الدين الشهيد رحمه الله فأقامت بعده في القلعة محترمة مكرمة، وولي تزويجها منه أخوها الأمير سعد الدين مسعود بن أنر، وحضر القاضي ابن أبي عصرون العقد ومعه جماعة من العُدول، وبات السلطان عندها تلك الليلة والليلة التي بعدها، ثم سافر إلى مصر بعد يومين من الدخول بها
(5)
.
(1)
"للنصر" في الروضتين، ج 1 ق 2 ص 671.
(2)
إلى هنا توقف العيني عن النقل من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 670.
(3)
الزاوية الغزالية: بالجامع الأموي بدمشق. كرد على، خطط الشام، ج 6، ص 143.
(4)
خاتون عصمة الدين بنت معين الدين أُنَر: كانت من أحسن النساء وأعفهن وأكبرهن صدقة ولها أوقاف كثيرة - توقيت سنة 581 هـ / 1185 م. انظر: البداية والنهاية، ج 12 ص 317 - 318؛ الشذرات، ج 4 ص 272.
(5)
الروضتين ج 1 ق 2، ص 675 - 676؛ مرآة الزمان، ج 8 ص 214؛ البداية والنهاية، ج 12 ص 295.
ذكر توجه صلاح الدين من دمشق إلى مصر
خرج من دمشق يوم الجمعة الرابع من ربيع الأول، ونزل بمرج الصُّفَّر، ثم رحل عنه قبل العصر إلى قريب الصنمين
(1)
. قال العماد: وخرجت معه وقلبي مروع
(2)
إلى أهلي، فما نزلت منزلًا "إلا نظمت أبياتًا
(3)
" فقلت يوم المسير وقد عبرت بالخيارة
(4)
:
أقُولُ لركب بالخيارة نُزلُ
…
أشيروا؛ فما لي في المقام خيارُ
هُمُ
(5)
رحلوا عنك الغداةَ وما دَرَوا
…
بأنهمُ قد خَلّفوك وساروا
حَليفَ اشتياق [لا ترى من تحبُّه]
(6)
…
وفي القلب من نار الغرام أُوارُ
أجيروا من البلوى فؤادي فعندكم
…
ذِمَامٌ له يا سادتي وجوارُ
وقلت وقد نزلنا بالفُقيع
(7)
:
رأيتُني بالفَقيع منفردًا أضـ
…
يعُ من فقع قاعها [الضائع]
(8)
بعتُ بمصر دمشق عن غَررٍ
…
منّى فيا غبن صفقة البائع
صبرى والقلب عاصيان، وما
…
غير همومي وأَدمُعِي طائعِي
وقلت بالفُوّار
(9)
:
تحدّرَ بالفوار دمعي على الفور
…
فقُلتُ لجيراني أجيروا [مِنَ الجَوْرِ]
(10)
وأصعبُ ما لاقيت أنِّى قانعٌ
…
من الطيف مُذ بنتُم بزورٍ من الزورِ
(1)
الصنمان: قرية من أعمال دمشق في أوائل حَوران بينها وبين دمشق مرحلتان. معجم البلدان. ج 3 ص 429.
(2)
"يروع" في نسخة ب.
(3)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(4)
الخِيَارَةُ: قرية قرب طبرية من جهة عكا قرب حطين بها قبر شُعيب النبي عليه السلام. معجم البلدان، ج 2، ص 503.
(5)
"هموا" في نسخة ب وهو خطأ. والمثبت من نسخة أ؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 679.
(6)
"لا يرى من يحبه" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، 679.
(7)
يتضح من الشعر أن الفقيع مكان صحراء يقع في شرق الأردن. انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 7.
(8)
"الصنائع" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 679.
(9)
الفُوّار: اسم ماء. انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 7، حاشية (3).
(10)
"لمن يجور" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت هو الصحيح من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 680.
وقلت بالزرقاء
(1)
:
وَلَم أنسَ بالزرقاء يوم وَداعِنا
…
أنامل تدْمي حيرةً للتّندُّم
أعدتُك يا زرقاء حمراء، إنني
…
بكيتُك حتي شِيبَ ماؤكَ بالدَّمِ
تأخَّر قلبي عندهم متخلِّفًا
…
وخالفتُهم في عزْمتي والتقدُّم
فيا ليت شعري هل أعود إليهم
…
وهل ليت شعري نافعٌ للمُتيَّمِ
قال: وقلت وقد عبرنا على مسالك قريبة من قلعة الشوبك، وفيها تخطف الإفرنجُ القاصدين إلى مصر:
طريقُ مصر ضيّق المسْلكِ
…
سالكُهُ لا شكَّ في مَهلكِ
وحُبُّ مصر صارَ [جُبًا]
(2)
لِمن
…
أوقعه في شبك "الشوبك"
لكِنّما من دونها كعبةٌ
…
محجوجةٌ مبرُورةُ المنسكِ
بها صلاح الدين يُشكي الذي
…
إليه من أيامه يشْتكيِ
قال ونظمت في طريق مصر قصيدة مشتملة على ذكر المنازل وهي:
هجرتُكم لا عن مَلالٍ ولا [غدْر]
(3)
…
ولكن لمَقدُورٍ أُتيحَ منَ الأمرِ
وأعلم أنِّي مخطئٌ في فِراقِكُم
…
وعُذريَ في ذنبي، وذنبي في عُذري
أرى نُوبًا للدهر تحصى ولا أرى
…
أشدَّ من الهِجرانِ في نُوبِ الدهر
إلى أن قال:
أسيرُ إلى مصر وقلبي أسيرُكُم
…
ومن عَجَبٍ أسرى وقَلبِىَ في أَسْرِ
وهي قصيدة طويلة
(4)
.
(1)
الزرقاء: يقصد بها نهر الزرقاء الواقع شرق الأردن وهو على درب حجاج الشام. انظر: تقويم البلدان، ص 247؛ الخريدة، قسم شعراء مصر: ج 1، ص 7.
(2)
"حبا" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 680.
(3)
"عُذر" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 6؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 680.
(4)
انظر القصيدة كاملة في الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 6؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 680 - 681.
ذكر دخول صلاح الدين القاهرة
دخل السلطان صلاح الدين القاهرة يوم السبت السادس عشر من ربيع الأول، وتلقاه أخوه الملك العادل سيف الدين
(1)
إلى عند بحر القلزم، ومعه من الهدايا والتحف شيء كثير، ولاسيما من المآكل المتنوعة
(2)
. قال العماد: وتوفرنا على الاجتماع في المغاني لاستماع
(3)
الأغاني، والتنزه في الجزيرة والجيزة، والأماكن العزيزة، ومنازل العز والروضة، ودار الملك والنيل والمقياس، ومرامي
(4)
السفن ومجارى الفلك
(5)
والقصور بالقرافة
(6)
، وربوع الضيافة، ورواية الأحاديث النبوية، والمباحثة في المسائل الفقهية، والمعاني الأدبية.
قال: واقترحنا على القاضي ضياء الدين بن الشهرزوري أن يفرجنا في الأهرام، فقد كنا شغُفنا بأخبارها في الشام، فخرج بنا إليها، ودُرْنا تلك البرابي والبراري، والرمال والصحاري، وهَالَنا أبو الهول، وضاق في وصفه مجال القول، وتداولنا الحديث في الهرم ومن بناه، فكل يأتي في وصفها بما نقله
(7)
، لا بما عقله، واجتهدوا في الصعود إليه فلم يوجد من توقَّله
(8)
، وحارت العقول في عقوده، وطارت الأفكار عن توهُّم حدوده؛ فيالَهُ من مولود للدهر قبل الطوفان، انقرضت القرون الخالية على آبائه وجدوده، وسمّار الأخبار تذكر حديث أحداث عادِه
(9)
وثَمُودِه، ويدل إحكامه وعلوه على علو همة بانيه في بأسه وجوده. وإن في الأرض الهرمين كما [أنّ]
(10)
في السماء الفرقدين.
(1)
لمعرفة المزيد انظر: وفيات الأعيان، ج 5؛ ص 74 - 79.
(2)
إلى هنا توقف العيني عن النقل من البداية والنهاية، ج 12، ص 316.
(3)
"لسماع" في نسخة ب.
(4)
كذا في نسختي أ، ب. أما في الروضتين "مراسى". والمرمى هو مقصد السفينة. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة "رمي"، ج 19، ص 25.
(5)
"الملك" في نسخة ب وهو خطأ في النسخ.
(6)
"في القرافة" في نسخة ب.
(7)
"إلا" في نسخة ب، وهو خطأ.
(8)
"وَقَلَ" أي صعد الجبل انظر: الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ج 4، ص 66.
(9)
يقصد هنا قوم عاد وثمود.
(10)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 685، حيث ينقل عنه العيني قول العماد بتصرف.
ثم ذكر العماد جماعة ممن كان يقيم الضيافة له ولمثله من الفضلاء الأعيان؛ فذكر منهم الناصح مؤدب أولاد السلطان، وله دار مشرفة على النيل، وذكر منهم اللّسان الصوفي البلخي، وكانت له صحبة قديمة بنجم الدين أيوب والد السلطان، وله دار أيضًا على شاطئ النيل برسم [ضيافة]
(1)
من نزل به.
ذكر ما صدر من صلاح الدين بعد دخوله القاهرة
من ذلك أنه أمر ببيع الكتب في القصر كل أسبوع يومان، وهي تباع بأرخص الأثمان، وكانت كتبًا كثيرة جدًا، قالوا: إنها كانت أكثر من مائة ألف مجلد.
وكان فيها من الكتب الكبار، وتواريخ الأمصار، ما يشتمل كل كتاب على خمسين أو ستين مجلدًا
(2)
، وكانت خزائن مملوءة بها في القصر، وكان الحاكم على القصر ومتولى أموره الأمير بهاء الدين قراقوش. ولما حضرت الناس للشراء كان الدلالون يخرجون عشرة عشرة من كل فنّ كتبًا [مبترة]
(3)
وتُباع بالهُون، وتُسام بالدون، وربما كان دلال يشارك مع واحد فتُقوَّمُ عليه بعشرة، ثم بعد ذلك يبيعونه بمائة.
قال العماد: لما رأيت الأمر حضرت [القصر]
(4)
، واشتريت كما اشتروا، واستكثرت من ذلك. ولما عرف السلطان بذلك، وكان
(5)
بمئين
(6)
، أنعم بها عليَّ، وأبرَأَ ذمتي من ثمنها؛ ثم وهب لي أيضًا من خزانة القصر ما عينتُ عليه من كتبها.
ودخلت عليه يومًا وبين يديه مجلدات كثيرة، انتُقِيَت له من القصر، وهو ينظر في بعضها، وقال: كنت طلبت كُتُبا عَينتها، فهل في هذه منها شيء؟ فقلت: كُلّها، وما استغني عنها، فأخرجتها من عنده بحمّال، وكان هذا بالنسبة إلى جوده أقلَّ نوال.
ومن ذلك أنه أمر ببناء سور على مصر والقاهرة، ودَور السور تسعة وعشرون ألفا وثلثمائة ذراع بالهاشمي
(7)
.
(1)
ما بين الحاصرتين إضافة لازمة للسياق من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 686.
(2)
لمزيد من التفاصيل عن تلك الكتب، انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 686 - 687.
(3)
"مميزة" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 686؛ سنا البرق الشامي، ص 116 وهو الأصح. ومبترة أي هالكة أو متفرقة.
(4)
ما بين الحاصرتين إضافة لازمة للإيضاح من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 687.
(5)
"كان" مكررة في نسخة ب.
(6)
مئين: المقصود بها ما بين الثلاثة إلى العشرة. انظر: لسان العرب مادة "مائة" فصل الميم حرف الواو والياء.
(7)
الذراع الهاشمي: هو قياس خاص بالأراضي والأقمشة وهو أكبر من الذراع الزيادي الذي طوله ذراع وثلث بذراع اليد، وقد وجد في عصر الدولة العباسية. انظر: صبح الأعشي، ج 3، ص 446 - 447.
وفي تاريخ الدولتين
(1)
: ولما تملك السلطان مصر رأى أن مصر والقاهرة لكل [واحدة]
(2)
منهما سور لا يمنعها، وقال:[إن]
(3)
أفردت كلّ [واحدة]
(4)
بسور [احتاجت]
(5)
إلى جند مفرد يحميها، وإني أرى أن أدير عليهما سورًا واحدًا من الشاطيء إلى الشاطيء.
وأمر ببناء قلعة في الوسط عند مسجد سعد الدولة
(6)
على جبل المقطم، فابتدأ من ظاهر القاهرة ببرج في المقسم
(7)
، وانتهى به إلى أعلى مصر ببروج وصلها بالبرج الأعظم. قال العماد: ومبلغ السور وهو دائر البلدين مصر والقاهرة بما فيه من ساحل البحر والقلعة بالجبل، تسعة وعشرون ألفا وثلثمائة [ذراع]
(8)
، وذراعان؛ من ذلك ما بين قلعة المقسم على شاطئ النيل والبرج بالكوم الأحمر
(9)
بساحل مصر عشرة آلاف وخمسمائة ذراع، ومن القلعة بالمقسم إلى حائط القلعة بالجبل بمسجد سعد الدولة ثمانية آلاف وثلثمائة واثنان وتسعون ذراعًا، ومن جانب حائط القلعة من جهة مسجد سعد الدولة إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع، ودائر القلعة بجبل مسجد سعد الدولة ثلاثة آلاف ومائتان وعشرة أذرع. وذلك طول قوسه في أبدانه، وأبراجه
(10)
من النيل إلى النيل، على التحقيق والتعديل، وذلك بالذراع الهاشمي، بتولى الأميرة [بهاء الدين]
(11)
قراقوش الأسدي.
(1)
انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 687.
(2)
"واحد" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 687.
(3)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 687، حيث ينقل عنه العيني.
(4)
"واحد" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين ج 1 ق 2، ص 687.
(5)
"احتاج" في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 687.
(6)
مسجد سعد الدولة، لمعرفة المزيد عنه انظر: الخطط، ج 2، ص 202، طبعة بولاق.
(7)
يقصد بذلك برج المقس. وقد ذكر المقريزي أن قلعة المقس كانت برجًا مطلًا على النيل في شرقي جامع المقس. انظر، الخطط، ج 1، ص 379 - 380.
(8)
ما بين الحاصرتين إضافة من مفرج الكروب، ج 1، ص 52.
(9)
الكوم الأحمر: يقع في بر الخليج الغربي، وكان النيل يصل إلى هذا الكوم. وهو تجاه خط بين الزقاقين، وهو عند المنطقة المسماة فم الخليج قريبا من نهاية شارع قصر العيني حاليًا، أي قريبًا من مجرى العيون. انظر: الخطط، ج 2، ص 146.
(10)
"أبراجه وأبدانه" في نسخة ب.
(11)
"شهاب الدين" في نسختى المخطوطة أ، ب. وهو خطأ. والمثبت بين الحاصرتين من مفرج الكروب، ج 2، ص 53؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 91 - 92؛ النجوم الزاهرة، ج 6، ص 176؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 158.
وبنى القلعة على الجبل، وقطع الخندق، وحفر واديه. وهناك مساجد يعرف أحدها بمسجد سعد الدولة، فاشتملت القلعة عليها ودخلت في الجملة. وحفر في رأس الجبل بئرًا
(1)
ينزل فيها بالدرج المنحوتة من الجبل إلى الماء المعين.
وتوفي السلطان وقد بقي من السور مواضع، والعمارة [فيه]
(2)
مستمرة، ووظائف نفقاتها مستدرّة.
ومن ذلك أن السلطان رحمه الله أمر ببناء المدرسة بالتربة المقدسة الشافعية
(3)
، ورتب قواعدها، وتولاها الفقيه الزاهد نجم الدين الخبوشاني
(4)
، وأمر أيضا باتخاذ دار في القصر بيمارستانا للمرضى، ووقف على المدرسة والبيمارستان وقوفًا كثيرة.
ذكر خروج صلاح الدين إلى الإسكندرية
ثم إن السلطان صلاح الدين خرج من القاهرة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان، واستصحب معه ولديه الأفضل عليًا والعزيز عثمان، وجعل طريقه على دمياط، فأقام بظاهرها يومين، ثم وصل إلى ثغر الإسكندرية.
قال العماد
(5)
: وترددنا مع السلطان إلى الشيخ الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السِّلَفي
(6)
، وسمعنا عليه ثلاثة أيام، الخميس والجمعة، والسبت، رابع شهر رمضان. قال: وشاهدنا ما استجده السلطان من السور الدائر، وما انصرفنا حتى أمر بإتمام الثغور وتعمير الأسطول.
(1)
هذه البئر من العجائب، حفرها قراقوش، تدور البقر من أعلاها، فتنقل الماء من نقالة في وسطها، وتدور أبقار في وسطها تنقل الماء من أسفلها. وجميعها حجر منحوت. ويُنزل إلى هذه البئر بدرج نحو ثلثمائة درجة. انظر: الخطط، ج 2، ص 204.
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة لازمة للإيضاح من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 688.
(3)
هذه المدرسة بجوار قبة الإمام الشافعي بقرافة مصر. انظر: الخطط، ج 2، ص 400 - 401، ص 444.
(4)
نجم الدين الخبوشاني: هو أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن عبد الله؛ شافعي المذهب، قدم مصر للمرة الأولى سنة 565 هـ / 1170 م من خيوشان بناحية نيسابور. وتوفي سنة 587 هـ/ 1191 م. انظر: طبقات الشافعية، ج 4، ص 190؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 274؛ الروضتين، ج 2، ص 195 [ط. وادي النيل، 1287 هـ]؛ معجم البلدان، ج 2، ص 400.
(5)
انظر قول العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 689.
(6)
الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السِّلفي الأصبهاني، دخل ثغر الإسكندرية سنة 511 هـ / 1117 م وأقام بها، وقصده الناس من الأماكن البعيدة ولد سنة 472 هـ/ 1080 م بأصبهان، وتوفي سنة 576 هـ / 1180 م بالإسكندرية. ونسبه سِلَفي إلى جده إبراهيم وسِلَفَة بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء، وهو لفظ أعجمي معناه بالعربي ثلاث شفاه؛ لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية. انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 105 - 107.
وقال ابن أبي طي
(1)
: ولما نوى السلطان المقام بالإسكندرية؛ ليصوم فيها، رأى أنه لا يُخلى نفسه من ثوابٍ يقوم له مقام القَصْد إلى بلاد الكفار والجهاد في المشركين، فرأى الأسطول وقد أخلقت
(2)
سُفُنه، وتغيرت آلاته، فأمر بتعمير الأسطول، وجمع له من الأخشاب والصُّناع أشياء كثيرة. ولما تم عملُ المراكب أمر بحمل الآلات، فنقل من السلاح والعُدد ما يحتاج الأسطول إليه، وشحنه بالرِّجال، وولّي فيه أحد أصحابه، وأفرد له إقطاعًا مخصوصًا وديوانًا مُفْردًا، وكتب إلى سائر البلاد المصرية بقبول قول صاحب الأسطول
(3)
، وأن لا يُمنع من أخذ رجاله وما يحتاج إليه، وأمر صاحب الأسطول أن لا يبارح البحر ويغزي إلى جزائر البحر
(4)
.
قال العماد: وقُلتُ في معني تنقلى في البلاد:
يومًا بجَيٍّ
(5)
، ويومًا في دمشق، وبالـ
…
ـفُسطَاطِ يومًا، ويومًا بالعراقَينِ
كأنَّ جسمي وقلبي الصَّبَّ ما خُلقَا
…
إلا ليُقتسَمَا بالشَّوقِ والبَينِ
وقلت يوم الخروج من القاهرة:
يا باخلًا عند الوداع بوقفةٍ
…
لو سامني رُوحي بها لم أبخَلِ
ما كان ضَرُّك لو وقفت لسائلٍ
…
تركَ الفؤادَ بدائه في المنزل
إن أسر مُرتَحِلًا [ففي]
(6)
أسر الهوى
…
قلبي لديك، مقيَّدٌ لم يَرحَلِ
عَذُبَ العذابُ لدى فؤادي
(7)
المُبتَلَى
…
إذ كُنت أنت مُعذِّبي والمُبتَلِى
(1)
انظر قول ابن أبي طى في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 689 - 690.
(2)
أخلق الشيء وخَلُق أو خَلِق، أي بلى. انظر: أحمد بن فارس: مقاييس اللغة، ج 2، ص 214، ط. أولى، القاهرة 1366 هـ.
(3)
"يقول القول قول صاحب الأسطول" كذا في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 690.
(4)
ورد هذا النص بتصرف في البداية والنهاية، ج 12، ص 296.
(5)
جَيُّ بالفتح ثم التشديد، اسم مدينة ناحية أصبهان القديمة، وسميت عند العجم "شهرستان". انظر، معجم البلدان، ج 2، ص 181.
(6)
"في" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت ين الحاصرتين من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 690.
(7)
"فؤاد" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 690.
قال: ونزلنا بين مُنْية غمر
(1)
ومُنْية سمنود
(2)
، فقلتُ:
نَزلتُ بأرض المُنيتَين ومُنيَتي
…
لقاؤكم الشَّافي ووصلُكم المُجدِي
سأبلَى ولا تَبلى سريرةُ وُدِّكم
…
وتؤنسُني إن مِتُّ في وحشة اللَّحدِ
قال: وعدنا من الإسكندرية في شهر رمضان، فصمنا بقية الشهر في القاهرة.
قال: ومن مدائحي للسلطان ما أنشدتهُ إياه في سادس شوال:
فَدَيتُكَ من ظالم منصف
…
وناهيك من باخل [مُسْعِفِ]
(3)
أيبلغ دهرى قصدى وقد
…
قصدتُ بمصر ذُري
(4)
يوسفِ
ويوسفُ مصر بغير التُّقى
…
وبذل الصنائع لم يوصف
فَسِر وافتح القدس واسفِك به
…
دماءً متى تُجرِها ينظف
وخلِّص من الكفر تلك البلاد
…
يخلِّصك الله في المَوقِف
(5)
ذكرُ مجيء الرسل إلى صلاح الدين
وفيها وصلت الرسل إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهم رسول سيف الدين صاحب الموصل، ورسول صاحب حصن كيفا
(6)
، ورسُول صاحب ماردين، فأولًا جاءوا إلى دمشق، فاستوثقوا بتحليف أخى السلطان صلاح الدين، وهو شمس الدولة تورانشاه بن أيوب، ثم قصدوا مصر، ووقع رسول صاحب الحصن في الأسر.
(1)
منية غمر: من القرى القديمة، وهي الآن ميت غمر، من أعمال الشرقية. انظر: القاموس الجغرافي، ج 1 ق 2، ص 263. وحاليًا تتبع الدقهلية.
(2)
منية سمنود: من القرى القديمة. من أعمال الدقهلية. انظر: القاموس الجغرافي، ج 1 ق 2، ص 176.
(3)
"مسرف" في نسختى المخطوطة أ، ب؛ والروضتين، ج 1 ق 2، ص 691. والمثبت بين الحاصرتين من الخريدة. قسم شعراء مصر، ج 1، ص 15.
(4)
ذري: بمعني ظله ونعمته. انظر: الخريدة، ج 1، قسم شعراء مصر، ص 17، حاشية 2.
(5)
وردت هذه الأبيات في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 691.
(6)
حصن كيفا: هو قلعة عظيمة تشرف على نهر دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمر من ديار بكر. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 277.
وقال ابن أبي طي
(1)
: وصل رسول صاحب الموصل
(2)
القاضي عماد الدين بن كمال الدين الشهرزوري بهدية وقود، فخرج الموكب إلى لقائه، وأكرمه السلطان واحترمه، وقدم بعده رسول نور الدين [محمد بن]
(3)
قرا أرسلان، ورسول صاحب ماردين
(4)
بهدايا، واجتمعوا في دمشق، وخرجوا إلى السلطان بمصر، فاعترضهم الفرنج، فأسر رسول صاحب الحصن، ولم يزل في الأسر حتى فتح السلطان بيت الأحزان
(5)
، فأطلقه وأحسن إليه.
ذكر خروج صلاح الدين إلى مرج فاقوس
(6)
من أعمال مصر
قال العماد
(7)
: ثم خرج السلطان إلى مرج فاقوس من أعمال مصر الشرقية؛ لإرهاب العدو وهو يركب للصيد والقنص، ويتطلع إلى أخبار الفرنج لانتهاز الفرص. واقترح عليَّ أن أمدح عز الدين فرخشاه
(8)
بقصيدة موسُومة، ألزم فيها الشين قبل الهاء، فعملت ذلك قبل
(9)
ذي الحجة، "فقلت"
(10)
:
(1)
انظر قول ابن أبي طيّ في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 691 - 692.
(2)
صاحب الموصل هو سيف الدين غازي الثاني بن مودود. حكم بين سنتي 564 - 572 هـ/ 1168 - 1176 م. انظر: زامباور: معجم الأنساب، ج 2، ص 341.
(3)
ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح من الباهر، ص 152، وقد حكم محمد بن قرا أرسلان بين سنتي 562 - 581 هـ / 1167 - 1185 م. انظر: زامباور: معجم الأنساب، ج 2، ص 344.
(4)
هو نجم الدين ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق - حكم من سنة 548 - 575 هـ/ 1153 - 1179 م. انظر: التاريخ الباهر، ص 106، 123؛ زامباور: معجم الأنساب، ج 2، ص 345.
(5)
بيت الأحزان: بلد بين دمشق والساحل. وذكر ياقوت أنه سمي بذلك لأنهم زعموا أنه كان مسكن يعقوب عليه السلام أيام فراقه ليوسف عليه السلام. وكان الإفرنج عمروه وبنوا به حصنًا حصينًا. وفي سنة 575 هـ / 1179 م. فتحه صلاح الدين يوسف بن أيوب وأخربه. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 775.
(6)
فاقوس: من المدن القديمة بمحافظة الشرقية في مصر. انظر القاموس الجغرافي، ق 2 ج 1، ص 116 - 117؛ معجم البلدان، ج 3، ص 845 - 846.
(7)
انظر قول العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 692.
(8)
عز الدين فرخشاه، هو ابن شاهنشاه بن أيوب وهو أخو تقي الدين عمر صاحب حماة، وفرخشاه صاحب بعلبك هو والد الملك الأمجد بهرام شاه، وفي الوقت نفسه هو ابن أخ السلطان صلاح الدين، حكم من سنة 575 هـ/ 1179 م. وتوفي سنة 578 هـ/ 1182 م. انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 167؛ معجم الأنساب، ج 1، ص 152 - 153. انظر أيضًا: العماد: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 54 حاشية 3.
(9)
"أواخر ذي الحجة" في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 692.
(10)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
مولاي عِزّ الدين فرخشَه
…
الدَّهر [مَنْ]
(1)
يَرجُك لا يخشُه
تلقاه سَمحَ الكفِّ، دفَّاقها
…
طَلقَ المحيَّا كرمًا، بَشَّه
إن شِئتَ فوتًا بالرَّدَى فالقَهْ
…
أو شئت [فوزًا]
(2)
بالعُلا فاغشَه
يُديم بالأيدي وبالأيد
(3)
في
…
[خزى لهاه والعِدا بطشَه]
(4)
كم ملكٍ عادَاكُمُ لم يبت
…
إلا جعلتم عرشَهُ نَعْشَه
خوَّفتُمُ الشرك، فلا "قَمصَهُ"
…
أمَّنتم يومًا ولا "فُنْشه"
أورثك السُؤدد يا ابن [العُلا]
(5)
…
والدُكَ السيدُ شاهِنشَه
وقال في الخريدة
(6)
: [كنّا]
(7)
مخيمين على مرج فاقوس، مصممين على الغزاة إلى غزة، وقد وصلت أساطيل ثغري دمياط والإسكندرية [بسبي]
(8)
الكفار، وقد أوفت على ألف رأس، عدّة من وصل في قيد الأسار.
وسنذكر خروجه إلى
(9)
الغزاة في السنة الآتية إن شاء الله.
وفي هذه السنة أبطل صلاح الدين [المكس]
(10)
الذي كان يؤخذ من الحج بجدة، مما يحمل في البحر، وعوَّضَ صاحب مكة عنها في كل سنة ثمانية آلاف إردب قمحًا، تُحمل إليه في البحر، ويحمل مثلها فتفرق في أهل الحرمين.
(1)
"متى" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 692 حيث ينقل عن العماد.
(2)
"نورا" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 692.
(3)
الأيد: القوة. انظر: القاموس المحيط "أود".
(4)
"حَربي لهاه والعدي بطشه" في نسخة أ، "حربي لهام والعدا بطشه" في نسخة ب. والمثبت من الروضتين نقلًا عن العماد. انظر: ج 1 ق 2، ص 692.
(5)
"العلي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والتصحيح من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 692.
(6)
انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج 1، ص 491.
(7)
"كما" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الخريدة، ج 1، ص 491؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 691.
(8)
"تسبي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الخريدة، ج 1، ص 491؛ الروضتين، ج 1 ق 2، ص 691 حيث ينقل العينى عنهما.
(9)
"في" في نسخة ب.
(10)
ما بين الحاصرتين إضافة لازمة من الروضتين، ج 1 ق 2، ص 693.
ذكر بقية الحوادث
منها أن صاحب المرآة
(1)
ذكر أن في هذه السنة كانت نوبة الكنز، مقدم السودان بالصعيد، جمع كل أسود بالصعيد، وسار إلى القاهرة في مائة ألف؛ ليعيد الدولة المصرية، فخرج إليه الملك العادل سيف الدين أبو بكر، وأبو الهيجاء
(2)
الهكاري، وعز الدين موسك
(3)
، والتقوا فقتل الكنز ومن معه، ويقال إنهم قتلوا منهم ثمانين ألفا وعادوا إلى القاهرة.
ومنها ما ذكره ابن الجوزي
(4)
فقال: كتب إليَّ بعض الوعاظ أن امرأة تقول: كان رجل إذا رآني في الطريق مشي إلى جانبي ويتعرض لى
(5)
، فقلت له: أنا لا أوافق إلا على الحلال، فتزوج بي عند الحاكم، وقضيت معه مديدة يأتيني كما يأتي الرجل المرأة، ثم عظمت بطنه، وقال لي: قد حبلت فاعملي لي دواء الإسقاط، فعملتُ له فولد، وقد حضرت المجلس أنا وهو فما حُكمنا؟ فقال الواعظ: هذا النكاح ما صح؛ لأنه بالولادة انكشف أنه امرأة، وتعجب الناس من حال هذا الخنثى الذى كان يأتي ويؤتَي.
ومنها ما ذكره أيضًا وقال: حدثني طلحة بن مظفر العَلَثي
(6)
الفقيه أنه وُلد عندهم بالعلث
(7)
في رمضان مولود لستة أشهر، فخرجت له أربعة أضراس
(8)
.
قال: ووصل الخبر في ذي القعدة بأن بلادًا كثيرة تزلزلت، وخسفت ببعضها، وذكر فيها الرَّي
(9)
وقزوين
(10)
.
(1)
ذكر سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، ج 8، ص 214. نوبة الكنز في أحداث سنة 572 هـ. وهو خطأ حيث أن هذه الحادثة سبق ذكرها في جميع المصادر في سنة 570 هـ. وقد سبق لنا تحقيقها في تلك السنة. انظر تفاصيل حادث الكنز في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 600 - 602، وانظر ما سبق من تحقيقنا ص 194 وما بعدها.
(2)
أبو الهيجاء السمين، حسام الدين، كردي الأصل، وكان مقدمًا للأمراء. انظر: زبدة الحلب، ج 3، ص 134.
(3)
عز الدين موسك: قريب السلطان صلاح الدين. وكان خيرا يحفظ القرآن الكريم ويواظب على تلاوته. ويحب أهل العلم والصلاح. مات بدمشق سنة 584 هـ / 1188 م. الخطط، ج 2، ص 147.
(4)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 231 - 232.
(5)
"بي" كذا في نسخة ب.
(6)
هو أبو محمد طلحة بن مظفر بن غانم الفقيه العلثي توفي سنة 593 هـ/ 1197 م. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 711.
(7)
العلث: قرية على دجلة بين عكبرا وسامراء. معجم البلدان، ج 3، ص 711.
(8)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 230.
(9)
الرَّيُّ: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن كثيرة الفواكه والخيرات. وهي محط الحاج على طريق السابلة وقصبة بلاد الجبال. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 892.
(10)
انظر: المنتظم، ج 18، ص 230. وقزوين مدينة مشهورة بينها وبين الرى سبعة وعشرون فرسخًا. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 88.
ومنها ما ذكره أيضا أن في يوم الخميس حادي عشر صفر دخل رجل إلى جامع المنصور
(1)
ببغداد ليأكل خبزًا، فمات في مكانه، ومات آخر في باب البصرة، وامرأة في تلك الساعة، ودخل رجل من السواد إلى مسجد العتابيين
(2)
، وترك جماعة على الباب، فمات الرجل.
ومنها ما ذكره وقال: وفي ربيع الآخر أخرج المجذمون
(3)
من بغداد، ونفوا إلى تحت البلد.
ومنها ما ذكره في المرآة
(4)
: أنه خرج الفرنج إلى بقاع بعلبك، وكان شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم بها، فخرج وكمن لهم في الشعاري والغياض، وأوقع بهم، وقتل وأسر نحو مائتي رجل.
ومنها أن الروم قصدت بلاد قليج أرسلان بن مسعود في جمع من الحشود، فالتقاهم وكسرهم، وقتل منهم جماعة، وأسر أسرى كثيرين، وبعث برؤوس القتلى وببعض الأسرى إلى الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وقال في ذلك ابن التعاويذي
(5)
الشاعر من قصيدة يمدح بها الخليفة، ويذكر بلاء قليج أرسلان وإيقاعه الروم في يوم الجمعة، مطلعها:
خَجِلَت من عطائك الأنواءُ
…
وتجلت بوجهِكَ الظلماءُ
ولقد سرَّ آنفًا خبرٌ
…
جاءت على رقبة به الأنباءُ
فهو في الروم والكنائس رُزءٌ
…
وهو في الشام والعراق هناءُ
(1)
جامع المنصور ببغداد: بناه الخليفة العباسي المنصور بالله أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - ثاني الخلفاء العباسيين، انظر تفاصيل هذا الجامع في البغدادي: تاريخ بغداد، ج 1، ص 107 - 108؛ ياقوت: معجم البلدان، ج 1، ص 683.
(2)
"العباس" في نسخة ب، والمثبت من أ، ومن المنتظم، ج 18، ص 227.
(3)
"المخنثون" في نسخة ب.
(4)
لم يرد هذا النص في مرآة الزمان حوادث سنة 572 هـ وإنما ذكره ابن الأثير بتصرف في الكامل، ج 10، ص 81 - 82.
(5)
هو أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله الكاتب المعروف بابن التعاويذي - كان شاعر وقته. توفي سنة 584 هـ / 1188 م. والتعاويذي نسبة إلى كتبة التعاويذ وهي الحروز. وفيات الأعيان، ج 4، ص 466 - 473؛ الشذرات، ج 4، ص 281 - 282.
وقعة بالثغور أضحى لكلب الروم
…
فيها من الزئير عواءُ
فرماه على اللُّقان ابن مسعود
…
بنحسٍ غداة جدّ اللقاء
زَفَّت النصر حين أوفت على
…
أعْوادها في بلادك الخُطباءُ
ومنها أنه عصي شهاب الدين محمد بن نزار
(1)
صاحب شهرزور على سيف الدين غازي، وكان في طاعته وتحت حكمه، وكان سبب ذلك أن مجاهد الدين قايماز كان متوليًا
(2)
مدينة إربل، وكان بينه وبين ابن نزار عداوة، فأرسل إليه وزير سيف الدين كتابًا حسنا؛ يأمره بالعود إلى الطاعة، والرجوع عن المخالفة والمعصية. فلما وصل الكتابُ إليه بادر إلى الحضور للخدمة السيفية بالموصل، فأوجب ما جرى من ابن نزار
(3)
.
ومنها أن ابن ملكشاه بن محمود الذي كان بخوزستان
(4)
عند ابن شملة وصل إلى البندنيجين
(5)
فخربها ونهبها وسبي حريمها. ووصل عسكر الحلة من بغداد وواسط صحبة طاشتكين أمير الحاج
(6)
وقزاغلي، وساروا نحوه، فلما سمع بوصولهم فارق مكانه، وعاد ومعه من التركمان خلق كثير، فنهبهم عسكر بغداد، ورجعوا من غير أمرٍ لهم بالعَود، فأنكر عليهم ذلك، فرجعوا إلى مواقعهم، ووقعت بينهم وبين ابن أرسلان "شاه"
(7)
وقعة ثم افترقوا. ففارق المذكور ولاية العراق، وعاد عسكر بغداد إليها
(8)
.
وفيها ..................
(9)
وفيها حج بالناس الأمير طاشتكين، وحج من الشام قايماز النجمي.
(1)
"بوزان" كذا في الباهر، ص 178؛ "يزان" في الكامل، ج 10 ص 82.
(2)
"متولي" في نسختى المخطوطة أ، ب.
(3)
انظر هذه الأحداث في، الكامل، ج 10، ص 82.
(4)
خوزستان، إحدى بلاد الفرس، ويقال لها الخوز وتعني بلاد الخوزستان، وأرضها أشبه شيء بأرض العراق وهي قريبة من البصرة. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 494 - 497.
(5)
هي بلدة مشهورة من طرف النهروان من ناحية الجبل من أعمال بغداد. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 745.
(6)
طاشتكين أمير الحاج العراقي ويلقب بمجير الدين؛ حج بالناس ستًا وعشرين سنة، وتوفي سنة 602 هـ/ 1205 هـ بالعراق. انظر: شذرات الذهب، ج 5، ص 8.
(7)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(8)
ورد هذا الحدث بتصرف في، الكامل، ج 10، ص 83 - 84.
(9)
بياض في نسختى المخطوطة أ، ب بمقدار سطر.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
على بن العساكر بن المرحب بن العوام أبو الحسن البطائحي
(1)
المقرئ اللغوي؛ سمع الحديث وأسمعه، وكان حسن المعرفة بالنحو واللغة، ووقف كتبه بمسجد ابن جَردة
(2)
ببغداد، وتوفي في شعبان من هذه السنة، وقد نيف على الثمانين
(3)
.
محمد بن سعيد بن محمد أبو سعد بن الرزاز؛ كان من المعدلين، وسمع الحديث من ابن برهان
(4)
وغيره، وكان ينظر في التركات، ويقول شعرًا مطبوعًا، كتب إليه بعض الناس مكاتبة تتضمن شعرا، فكتب في جوابها:
يا من أياديه تُعيي
(5)
من يُعدِّدُها
…
وليس يُحصي مدَاها من لها يَصِفُ
عجزتُ عن شكر ما أَوْلَيتَ من كرم
…
وصرت عبدًا ولى في ذلك الشَّرفُ
أهديتَ منظوم شعرٍ كلُّهُ دررٌ
…
فكُلُّ ناظم عقد دونه يقف
إذا أتَيتَ [ببيتٍ]
(6)
منه كان لنا
…
قصرًا ودُرُّ المعالي فوقَهُ شَرفُ
وإن أتيت أنا بيتًا يناقضُهُ
…
أتيت لكن ببيتٍ سقفُهُ يَكِفُ
ما كنتُ
(7)
منه ولا من أهله أبدًا
…
وإنَّما حين أدنو منه أقتطِفُ
مسلم بن ثابت بن زيد بن القاسم بن أحمد أبو عبد الله بن جوالق
(8)
؛ الفقيه، سمع الحديث، وتفقه على أبي بكر الدينوري، وناظر، وعلت سِنُّه، وتوفي في ذي القعدة منها، ودفن بمقبرة أحمد، رحمه الله
(9)
.
(1)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 233؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 316 - 317؛ الشذرات، ج 5، ص 242.
(2)
"جودة" في نسخة ب، "ابن جرارة" في البداية والنهاية، ج 12، ص 316 - 317.
(3)
المنتظم، ج 18، ص 233.
(4)
"بزهان" في نسخة ب.
(5)
"يعيا" في ابن الجوزي، المنتظم، ج 18، ص 233.
(6)
"بيتًا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت هو الصحيح من المنتظم، ج 18، ص 233؛ الكامل، ج 10، ص 80.
(7)
"لا كنت" في المنتظم، ج 18، ص 233.
(8)
انظر ترجمته في المنتظم، ج 18، ص 234؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 243 - 244.
(9)
يقصد بها تربة الإمام أحمد بن حنبل، وهي توجد بقطيعة أم جعفر في مقبرة باب حرب خارج مدينة بغداد، انظر البغدادي: تاريخ بغداد، ج 1، ص 121؛ معجم البلدان، ج 4، ص 587، انظر ترجمة أحمد بن حنبل في المنتظم، ج 11، ص 286 - 289.
مختار الخادم
(1)
؛ كان من خواص الخليفة، وكان يتدين، وعلت سِنُّهُ، توفي في آخر شعبان منها، ودفن في الترب بالرصافة
(2)
.
على بن منصور أبو الحسن السروجي؛ الأديب مؤدب أولاد الأتابك زنكي
(3)
، مات في هذه السنة، ومن شعره يذكر فصل الربيع، وفضل دمشق، ويمدح نور الدين محمود ابن زنكي بقصيدة مطلعها
(4)
:
فصلُ الربيع زمانٌ نَورُهُ نُورُ
…
ونشرُ
(5)
أزهاره مسك وكافُورُ
تظل تشدو به الأطيار من طربٍ
…
فذا هزارٌ وقمري وشحرور
(6)
كأن أصواتَها فوق الغصون ضُحًى
…
زيرٌ
(7)
ويمٌّ ومزمارٌ وطنبور
يا لائمي في دمشق إن لومك لي
…
لؤم وتشبيهك الزَّورا بها زورُ
(8)
تكامل الحسن فيها مثلما كملت
…
أوصاف مولي بنشر العدل مشهورُ
مولاي يا خير من يُدعى لمكرمة
…
وخير من زانه عقلٌ وتوقيرُ
عِش وابقَ واسلم ومُر واحكم ودُم أبدًا
…
ما سحَّ
(9)
غيثٌ وما هَبّت أعاصيرُ
محمد
(10)
بن مسعود أبو المعالي بن القَسَّام الأصفهاني؛ توفي في هذه السنة، وكان أديبًا، ومن شعره يذم قاضيًا:
ولما أنْ توليت القضايا
…
وفاض الجَورُ من كَفَّيكَ فَيضَا
ذبحتَ بغير سكينٍ وإنِّي
…
لأرجو الذبحَ بالسِّكين أيضَا
(1)
انظر ترجمته في، المنتظم، ج 18، ص 234.
(2)
بناها الخليفة المنصور العباسي سنة 151 هـ / 768 هـ وعمل لها سورًا وخندقًا وميدانًا وبستانًا وأجرى لها الماء، وهي توجد في الجانب الشرقي من بغداد وبها مقابر خلفاء بني العباس. انظر: تاريخ بغداد، ج 1، ص 82؛ معجم البلدان، ج 2، ص 783 - 784.
(3)
هو عماد الدين زنكي والد نور الدين محمود.
(4)
انظر هذه الأبيات في مرآة الزمان، ج 8، ص 215.
(5)
"وأنفاس" في المرآة، ج 8، ص 215.
(6)
"وزرزور" في المرآة، ج 8، ص 215.
(7)
"بنب" في المرآة، ج 8، ص 215.
(8)
"زور ويشهد لزورانه زور" في المرآة، ج 8، ص 215.
(9)
سَحٌ: سال من فوق إلى أسفل. والسح هو الصب الكثير. انظر: المصباح المنير، ج 1، ص 317.
(10)
"محمود" في نسخة ب.
وفي المرآة: خرج إلى الحج، وتوفي بفَنْد
(1)
.
القاضي الشريف أبو محمد عبد الله العثماني الديباجي؛ من ولد الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله عنه ويعرف بابن أبي إلياس
(2)
، من بيت القضاء والعلم، وكان واسع الباع في علم الأحاديث، كثير الرواية، قيمًا بالأدب، متصرفًا في النظم والنثر، إلا أنه مقل من النظم أوحد عصره في علم الشروط، قوله المقبول على كل العدول، مات في هذه السنة بالإسكندرية.
شمس الدين ابن الوزير أبي المضاء
(3)
خطيب الديار المصرية، وابن وزيرها؛ كان أول من خطب بديار مصر للخليفة المستضيء بأمر الله العباسي، بأمر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم حظى عنده حتى كان قد جعله سفيرًا بينه وبين الملوك والخلفاء، وكان رئيسًا مطاعًا كريمًا ممدحًا، توفي في هذه السنة، وجعل مكانه في السفارة وأداء الرسائل ضياء الدين ابن قاضي القضاة الشهرزوري بمرسوم سلطاني، وكانت وظيفة مقررة
(4)
.
وقال العماد الكاتب
(5)
: وفي ليلة الجمعة الثاني عشر من صفر ونحن في طريق الوصول إلى دمشق توفي شمس الدين ابن الوزير بدمشق.
قاضي القضاة الشهرزوري، أبو الفضل محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري؛ الملقب كمال الدين، الفقيه الشافعي، قاضي القضاة بدمشق، وكان فاضلًا دينًا أمينًا ثقة ورعًا، ولى القضاء بدمشق لنور الدين محمود بن زنكي. واستوزره أيضًا فيما حكاه ابن الساعي قال: وكان يبعثه في الرسائل، كتب مرة على أعلى القصة "إلى الخليفة المقتفي"
(6)
محمد بن عبد الله الرسول، فكتب الخليفة تحت ذلك صلى الله عليه وسلم.
(1)
"بقند" في المرآة ج 8، ص 215. ولعل ما أثبتناه هو الصواب من ابن عبد الحق البغدادي: مراصد الإطلاع، ج 3، ص 1044 حيث أن فَنْد: بالفتح ثم السكون وآخره دال؛ جبل بين مكة والمدينة قرب البحر.
(2)
"ابن أبي اليابس" في شذرات الذهب، ج 4، ص 241 - 242. والمثبت من الأصل وكما في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 695.
(3)
اتفقت نسختى المخطوطة أ، ب مع الروضتين في أن اسمه "أبو المضاء". أما البداية والنهاية فقد ورد الاسم "أبو الضياء". انظر: الروضتين، ج 1 ق 2، ص 492 - 496؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 317.
(4)
إلى هنا انتهى العيني من النقل من، البداية والنهاية، ج 12، ص 317.
(5)
انظر قول العماد في الروضتين، ج 1 ق 2، ص 671 - 672.
(6)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
وقال ابن كثير
(1)
: وقد فوض إليه نور الدين نظر الجامع ودار الضرب، وعَمَّر له المارستان والمدارس وغير ذلك من الأمور المهمة. وقال ابن خلكان
(2)
: وكانت ولادته سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بالموصل، وتوفي يوم الخميس سادس المحرم من سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد بجبل قاسيون. وقال: ولما ملك صلاح الدين الشام أَقَرَّه على ما كان عليه في أيام نور الدين.
وكان شهما جسورًا كثير الصدقة والمعروف، وقف أوقافًا كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق، وبنى بالموصل مدرسة للشافعية، ورباطًا بمدينة الرسول (عليه السلام). وتولى القضاء بالموصل أيضًا، وله نظم جيد، فمن ذلك قوله:
ولقَد أتَيْتُك والنجومُ روَاصدٌ
…
والفجرُ وَهْمٌ في ضميرِ المشرقِ
وركبتُ [م الأهوال]
(3)
كُلَّ عظيمةٍ
…
شوقًا إليك لعلّنا أنْ نلتقِي
(4)
.
وفي المرآة
(5)
: قدم بغداد وتفقه على أسعد الميهني
(6)
بالنظامية
(7)
، وسمع الحديث ببغداد والموصل، وكان رئيس أهل بيته، وولي قضاء القضاة بدمشق وحمص وحماة وحلب وجميع الشام في أيام نور الدين، وكان إليه أمر المدارس والمساجد والأوقاف والحسبة والأمور الدينية والشرعية، وكان صاحب القلم والسيف. وكانت شحنكية دمشق إليه، وليَّ فيها بعض غلمانه، ثم ولاها نور الدين لصلاح الدين، وكانت بينهما
(1)
نقل العينى هذا النص من البداية والنهاية، ج 12، ص 317.
(2)
وفيات الأعيان، ج 4، ص 241 - 245. ترجمة رقم 598.
(3)
"من أهوال" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، جـ 4، ص 243 حيث ينقل العيني عنه.
(4)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من وفيات الأعيان، جـ 4، ص 243.
(5)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 215 - ص 216.
(6)
أسعد الميهني: هو أبو الفتح أسعد بن أبي نصر بن أبي الفضل الميهني، الفقيه الشافعي الملقب محي الدين، توفي سنة 527 هـ/ 1133 م، وفيات الأعيان، جـ 1، ص 207 - 208.
(7)
المدرسة النظامية ببغداد: بناها الوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن على بن إسحاق بن العباس، وزير السلطان ملكشاه السلجوقي، وهو أول من أنشأ المدارس فاقتدى به الناس، وقد شرع في عمارة هذه المدرسة ببغداد سنة 457 هـ/ 1065 م. وفرغت عمارتها في سنة 459 هـ/ 1067 م. انظر: الكامل، جـ 10، ص 49، ص 55؛ وفيات الأعيان، جـ 2، ص 128 - 129.
مضاغنة وكل واحد منهما ينقض حكم الآخر، فلما كتب إليه صلاح الدين بأن
(1)
يساعده على أخذ دمشق أعانه وفتح له أبوابها. فلما دخلها صلاح الدين مشي إلى دار كمال الدين وطيب قلبه، وجاء إلى الشيخ أحمد والد الشيخ أبي عمر شيخ الحنابلة -وأحمد أول من سكن منهم قاسيون- فزاره ومعه ألف دينار، فدفعها للشيخ أحمد فامتنع من أخذها. فاشترى كمال الدين قرية الهامة بوادي بَردَىَ
(2)
، ووقف نصفها على الشيخ أحمد والمقادسة، والنصف الآخر على الأسارى، وهي باقية إلى هلم جرا.
ولما مرض كمال الدين وهو بدمشق بلغ ابن أبي عصرون وهو بحلب، فقدم دمشق ودخل على القاضي كمال الدين وعانقه وبكيا، فلما توفي كمال الدين تولى ابن أبي عصرون أمره، وخرج في جنازته ماشيا هو وجميع الملوك مشاة؛ سيف الإسلام وتقي الدين عمر وشمس الدولة وغيرهم. وصلى عليه بجامع دمشق، وحمل إلى قاسيون، فدفن بسفحه قريبا من الجادة عند مسجد البصار
(3)
. ولم يكن عنده من أولاده أحد وإنما كان عنده ابن أخيه ضياء الدين أبو الفضائِل
(4)
، وكان كمال الدين قد تصدق بجميع ما كان عنده وأوصى بماله، ووقف أوقافًا كثيرة على أبواب البر، وقيل إنه لم يكن له كفن فكفن في إحرامه. وأوصى بالقضاء إلى ابن أخيه ضياء الدين مع وجود ولده، وكان لكمال الدين ولد اسمه محمد
(5)
بن محمد بن عبد الله ولقبه محي الدين، وكان [أبو]
(6)
ضياء الدين قاضيا على حلب، وهو تاج الدين الشهرزوري.
وفي تاريخ الدولتين
(7)
: ولما مات كمال الدين كان عمره ثمانين سنة.
(1)
"أن" في المرآة، جـ 8، ص 216.
(2)
بَرَدَى: أعظم نُهر دمشق، مخرجة من قرية قَنْوَا من كورة الزبداني، ويمر بمدينة دمشق في ظاهرها فيشق ما بينها وبين العقيبة حتى يصب في بحيرة المرج في شرقي دمشق. انظر: معجم البلدان، جـ 1، ص 556 - 557.
(3)
"البصار" في نسختى المخطوطة أ، ب، ولعله مسجد البيطار إذ ذكر ابن عساكر: أن مسجد البيطار من مساجد دمشق بناه ابن البيطار، ولم تذكر المصادر التي وقعت بين أيدينا اسم مسجد "البصار" انظر ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، مجلد 2 ق 1، ص 56.
(4)
هو ضياء الدين أبو الفضائل القاسم ابن القاضي تاج الدين أبي طاهر يحيى بن عبد الله. توفي سنة 599 هـ/ 1203 م. انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 4، ص 244 - 245.
(5)
هو القاضي أبو حامد محمد بن القاضي كمال الدين بن الشهرزوري. توفي سنة 586 هـ/ 1190 م. انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 4، ص 246 - 248.
(6)
"أبوه" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، ج 4، ص 245. والمقصود هنا ضياء الدين أبو الطاهر يحى أخو كمال الدين الشهرزوري، توفي بالموصل سنة 556 هـ/ 1161 م.
(7)
الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 671.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة والسبعين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله العباسي، والسلطان صلاح الدين مخيم بمرج فاقوس، ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها، ثم قصد أن يسير إلى غزة وعسقلان.
ذكر غزو صلاح الدين عسقلان والرملة
وفي
(1)
جمادى الأول، سار السلطان صلاح الدين من مصر إلى ساحل الشام لغزو الإفرنج، فوصل إلى عسقلان والرملة في الرابع والعشرين من الشهر، فنهب، وتفرق عسكره في [الأعمال]
(2)
، وبقي السلطان في بعض العسكر فلم يشعر إلا بالفرنج قد طلعت عليهم، فقاتلهم.
وكان لتقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ولد اسمه أحمد، حسن الصورة، كما بدت لحيته، فأمره أبوه تقي الدين بالحملة على الفرنج، فحمل عليهم وقاتلهم، وأثَّر فيهم أثرًا كثيرًا، فعاد سالمًا، فأمره أبوه بالعود إليهم ثانية، فحمل عليهم، فقُتل شهيدا.
وتمت الهزيمة على المسلمين، وقاربت حملات الفرنج للسلطان، فمضى منهزما إلى مصر على البرية، ومعه من سلِم، فلقوا في طريقهم مشقة وعطشًا شديدًا، وهلك كثير من الدواب. وأخذت الفرنج العسكر الذين كانوا تفرقوا للإغارة أسرى، وأُسر للملك المظفر تقي الدين عمر ولده شاهنشاه، فبقي عندهم سبع سنين، وقُتل ابنه الآخر -كما ذكرنا- فحزن على المقتول والمفقود، وصبر تأسيًا بأيوب، وناح كما ناح داود. وكذلك أسر الفقيهان الأخوان ضياء الدين عيسى
(3)
، وظهير الدين، وكانا من أكبر
* يوافق أولها 30 يونيو 1177 م.
(1)
ورد هذا النص بتصرف في الكامل، جـ 10، ص 85 - 86؛ الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 691 - 700؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 317 - 318.
(2)
"الإغارة" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، جـ 10، ص 85؛ الروضتين، جـ 1، ق 2، ص 700.
(3)
ضياء الدين عيسى الهكاري: هو أبو محمد عيسى بن محمد بن عيسى بن محمد
…
أحد أمراء الدولة الصلاحية، كبير القدر وافر الحرمة، يؤخذ برأيه في الأمور الهامة، توفي سنة 585 هـ/ 1189 م بمنزلة الخروبة. انظر: وفيات الأعيان، جـ 3، ص 497 - 498.
أصحاب السلطان صلاح الدين، فافتداهما السلطان بعد سنتين بسبعين
(1)
ألف دينار، ووصل السلطان إلى القاهرة في نصف جمادى الآخرة.
وفي المرآة
(2)
: خرج صلاح الدين في جمادى الآخرة من مصر بالعساكر، ونزل على عسقلان ثم رحل
(3)
يريد تل الصافية
(4)
، فازدحمت العساكر على الجسر تريد العبور، فلم يشعروا إلا وقد خالطهم الفرنج، فثبت تقي الدين عمر وقاتل ثم غُلب، وقُتل من المسلمين خلق كثير، وانهزمت عساكر الإسلام وأسر كثير، منهم الفقيه عيسى وغيره. لولا أن [الليل]
(5)
حجز بينهم لم يبق من المسلمين أحد. وسار صلاح الدين في الليل إلى مصر من غير دليل ولا ماء ولا زاد.
وكانت هذه الوقعة من أعظم الوقائع، ونكب صلاح الدين نكبة شديدة، وكاد يتلف جوعًا وعطشًا، ونهبت خزائنه وقتل رجاله وأسر أبطاله
(6)
. وكان مقدم الفرنج أرناط
(7)
، وكان من أكبر ملوك الإفرنج. وما أتلف عسكر المسلمين إلا أنهم [كانوا]
(8)
تفرقوا في الغارات، وكانوا زيادة على عشرين ألفًا، ووقعت الكسرة ومعظمهم لم يعلم، فلما رجعوا من الغارات لم يجدوا صلاح الدين، ولم يكن لهم حصن يأوون إليه، فدخلوا الرمل وتبعهم الفرنج قتلًا وأسرًا، ومن سلم منهم مات جوعًا وعطشًا، وكان يومًا عظيما على الإسلام لم يجبره إلا وقعة حطين، ورجع أرناط بجمعه إلى حماة -كما نذكره- إن شاء الله الآن.
وقال ابن الأثير
(9)
: كتب صلاح الدين بخط يده إلى أخيه توران شاه نائبه بدمشق؛ يذكر له الوقعة وفي أوله:
(1)
"ستين" في الكامل، جـ 10، ص 85 - 86؛ وفي الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 701 "بستين أو سبعين"؛ وفي البداية والنهاية، جـ 12، ص 318، "بتسعين".
(2)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 217.
(3)
"نزل" في نسخة ب.
(4)
تل الصافية: حصن من أعمال فلسطين قرب بيت جبرين من نواحي الرملة. انظر: معجم البلدان، جـ 1، ص 867.
(5)
"الملك" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 217.
(6)
ورد هذا النص بتصرف في مرآة الزمان، جـ 8، ص 217.
(7)
أرناط: هو البرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك، أسر في وقعة حطين عام 583 هـ/ 1187 م، ثم قتله صلاح الدين بيده. انظر: وفيات الأعيان، جـ 7، ص 193.
(8)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أ، والمثبت من ب.
(9)
انظر: الكامل، جـ 10، ص 86.
ذَكَرْتُكَ والخَطّيُّ يخطرُ بَينَنا
…
وقد نَهَلتْ مِنّا المُثَقَّفَةُ السُّمْرُ
ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهلاك غير مرّة، وما [أنجانا الله]
(1)
سبحانه و"تعالى"(3) منه إلا لأمر "يريده"
(2)
سبحانه و"تعالى"
(3)
.
ذكرُ
(4)
حَصر الفرنج حماة
وذلك أنه وصل من الفرنج كند
(5)
كبير في البحر، فرأى صلاح الدين وقد عاد منهزمًا إلى مصر، فاغتنم خلو البلاد؛ وليس بها إلا شمس [الدولة]
(6)
توران شاه بن أيوب، نائبًا عن أخيه، وليس عنده كثير من العسكر، فجمع الكند مَنْ بالشام من الفرنج، وفرق فيهم الأموال، وسار إلى مدينة حماة وبها شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي، خال صلاح الدين، وهو يومئذ بمرض شديد، وكانت طائفة من العسكر الصلاحي بالقرب منها فدخلوا إليها وأغاثوا مَنْ بها، وقاتلوا الفرنج قتالًا شديدًا، ودخل الفرنج البلد، فاجتمع العسكر وأهل البلد وقاتلوهم حتى أزاحوهم منها، وأخرجوهم إلى ظاهرها. فساروا إلى حارم، واتفقت وفاة شهاب الدين الحارمي على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال العماد
(7)
: ومن شرط هدنة الفرنج أنه متى جاء ملك من ملوكهم [أو]
(8)
كبير "لا"
(9)
يمكنهم دفعه، فإنهم يقاتلون معه، ويؤازرونه، وينصرونه، فإذا انصرف عنهم
(1)
"وما نجانا إلا الله" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، حيث ينقل عنه العيني، جـ 10، ص 86.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(3)
ما بين الأقواس زيادة على نص ابن الأثير.
(4)
ما زال العيني ينقل تلك الأحداث عن الكامل، جـ 10، ص 86 - 87؛ أيضا انظر هذا النص بالتفصيل في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 706.
(5)
كُند كبير أو الكونت تعريب اللفظ اللاتيني Comes وبالفرنسية Comte وبالإنجليزية Count ، انظر: السلوك، جـ 1 ق 3، ص 966، حاشية 2؛ مفرج الكروب، جـ 4، ص 98، حاشية 3. كما أن المقصود بالكند الكبير هنا Philip of Flanders ، وقد قدم مع إمبراطور بيزنطة وأصحاب الإمارات اللاتينية في مهاجمة مصر. انظر أيضا: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 701، حاشية 2. "وقمس" بضم القاف وتشديد الميم، انظر الجواليقي، المعرب، ص 306.
(6)
"الدين" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، جـ 10، ص 86، وهو الصحيح.
(7)
انظر الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 706؛ وانظر أيضا: البداية والنهاية، جـ 12، ص 318.
(8)
ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 706؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 279. وذلك لاستقامة النص.
(9)
ما بين الأقواس ساقط من ب.
عادت الهدنة كما كانت. فقصد هذا الملك وجملة الفرنج معه مدينة حماة، وصاحبها شهاب الدين مريض، ونائب دمشق ومن معه من الأمراء مشغولون بلذاتهم
(1)
، فكادوا يأخذون البلد، ولكن هزمهم الله تعالى بعد أربعة أيام، فانصرفوا إلى حارم، فلم يتمكنوا من أخذه، وكشفهم عنه الملك الصالح صاحب حلب، وقد دفع إليهم من الأموال والأسارى ما طلبه الكفرة النصارى. وقال العماد
(2)
أيضًا: ووصل في هذه السنة إلى الساحل من البحر كند كبير، يقال له أقلندس
(3)
. أكبر طواغيت الكفر. قلتُ: هذا هو الذي ذكرناه الآن، الذي جرى منه ما جرى.
ذكرُ توجه صلاح الدين إلى الشام
لما سمع السلطان بنزول الفرنج على حارم برز من الديار المصرية قاصدًا إلى بلاد الشام؛ لغزو الفرنج ونزل في البركة
(4)
حتى خرجت العساكر، ورحل من البركة يوم عيد الفطر بعساكره، ووصل إلى أيلة في عاشر الشهر، واستناب بمصر أخاه الملك العادل، وأقام بها أيضا القاضي الفاضل بنيَّة الحج، وسافر العماد معه.
ووصل السلطان إلى دمشق في الرابع والعشرين من شوال
(5)
، وبها أخوه شمس الدولة مشغولًا بلذاته ولهوه، وكان قد بعث إلى الفرنج بمال مُصَانَعة، فعز على صلاح الدين ولامه وقبح فعله، وقال: أنت مشغول باللعب وتُضيع أموال المسلمين، وأقام صلاح الدين في دمشق.
(1)
"بذاتهم" في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 706؛ كذلك ورد في الكامل، جـ 10، ص 86 "الانهماك في اللذات".
(2)
انظر، الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 706، حيث ينقل عن العماد.
(3)
هو Philip of Flanders وكان قد قدم للتعاون مع Manuel Comnenus إمبراطور بيزنطة، وأصحاب الإمارات اللاتينية، في مهاجمة مصر. وفشل هذا الهجوم كفكرة بسبب النزاع حول الوصاية على ملك القدس الطفل Baldwin V ، فتحولت الحملة بعد انصراف البيزنطيين عنها إلى هجوم محلي على حماة، ثم على حارم. انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 706 حاشية 2؛ راجع أيضًا The Crusaders In The East،pp. 214 - 216.
(4)
المقصود بالبركة هنا: بركة الحجاج وتقع في الجهة البحرية من القاهرة وقد عرفت أولًا "بجب عميرة" ثم قيل لها "أرض الجب" ثم عرفت إلى زمن المقريزي "ببركة الحاج" من أجل نزول حجاج البر بها عند مسيرهم من القاهرة. انظر: الخطط، جـ 2، ص 163.
(5)
أورد أبو شامة هذه الرواية بتصرف في الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 707 - 708.
قال العماد
(1)
: وخرج السلطان صلاح الدين للصيد في ذي الحجة نحو قارا
(2)
، فشكوتُ ضرسي، فرجعت مع عز الدين فرخشاه لحُمَّى عرتْهُ، فشكا منها، أن لا تزور إلا نهارًا جهارًا، ولا تفارق بعرق، بالضد من الحُمَّى التي وصفها أبو الطيب المتنبي. فنظمت فيه كلمة طويلة أوّلها:
يَمينُك دأبُها بَذلُ اليسَار
…
وَكفُّكَ صوبُها بِدَر النُّضارِ
وإنَّك من ملوكِ الأرْض طُرَّا
…
بمنزِلة اليمين مِنَ اليسارِ
وأنتَ البحرُ في بَثِّ العطَايَا
…
وأنتَ الطَّودُ في بادي الوقارِ
ومنها في وصف الحُمى:
وزائرةٌ وليسَ [بها]
(3)
حياءٌ
…
فليْسَ تزورُ إلا في النَّهَار
أَتتْ والقلبُ في وَهَجِ
(4)
اشْتِياقٍ
…
ليظهَرَ ما أُوَارِي مِنْ أُوارِي
(5)
إلى أن قال:
أَيَا شَمسُ الملوكِ، بقيتَ شمسًا
…
تنيرُ على الممالكِ والدّيارِ
ذكر قبض الملك الصالح صاحب حلب على كُمُشْتِكين مدبر دولته
قال العماد
(6)
: وقعت المنافسة بين الحلبيين مدبري الملك الصالح، واستولى على أمره العدل ابن العجمي أبو صالح. وكان سعد الدين كمشتكين الخادم مقدم
(1)
انظر الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 712 - 713، حيث ينقل أبو شامة عن العماد.
(2)
قارة: هي قرية كبيرة بين حمص ودمشق على نحو منتصف الطريق، وهي منزلة للقوافل، انظر: معجم البلدان، جـ 4، ص 12 - 13؛ تقويم البلدان، ص 229.
(3)
"لها" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من ديوان أبي الطيب المتنبي، جـ 4، ص 146، تحقيق مصطفى السقا، الطبعة الثانية 1956 م؛ الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 713؛ سنا البرق الشامي، ص 283.
(4)
"وضح" في نسخة ب.
(5)
الأُوار: حَرُّ الشمس والنار.
(6)
الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 704 - 705.
العساكر
(1)
، وأمير المعشر، وهو صاحب حصن حارم، وقد حسده أمثالُه
(2)
من الأمراء والخدام، فسلَّموا لابن العجمي الاسْتبداد بتدبير الدولة، فقفز عليه الإسماعيليّة يوم الجمعة بعد الصلاة في جامع حلب فقتلوه.
واستقل كمشتكين بالأمر، فتكلم فيه حسّادُه، وقالوا للملك الصالح: ما قتل وزيرك ومُشيرَك ابن العجمي إلا كمشتكين فهو الذي حسّن ذلك للإسماعيليّة، وقالوا له: أنت السلطان وكيف يكون لغيرك حُكمٌ أو أمر! فما زالوا به
(3)
حتى قبض عليه، وطالبوه بتسليم قلعة حارم. فكتب إلى نوابه بها "فنبَوْا"
(4)
وأبَوْا، فحملوه ووقفوا به تحت القلعة، وخوّفوه بالصرعة، فلما طال أمره، قصر عمره، ونزل عليه الإفرنج، ثم رحلوا بقطيعة بذلها لهم الملك الصالح واستنزل عنها أصحاب كمشتكين، وولى بها مملوكا لأبيه يقال له [سرخك]
(5)
.
وقال ابن الأثير
(6)
: سار الملك الصالح من حلب إلى حارم ومعه كمشتكين، فعاقبه ليأمُرَ مَنْ بها بالتسليم، فلم يجب إلى ما طلب منه، فعُلق
(7)
منكوسا، ودُخِّنَ تحت أنفه فمات. وعاد الملك الصالح عن حارم ولم يملكها. ثم إنه أخذها بعد ذلك
(8)
.
قال ابن شداد
(9)
: أما الملك الصالح فإنه تخبَّط أمره، وقبض على كمشتكين صاحب دولته، وطلب منه تسليم حارم إليه، فلم يفعل، فقتله. ولما سمع الفرنج بقتله نزلوا على حارم، طمعا فيها، وذلك في جمادى الآخرة، وقاتل عسكر الملك الصالح العساكر الإفرنجية. ولما رأى أهل القلعة خطرها من جانب الفرنج، سلموها إلى الملك
(1)
مقدم العسكر: تعني كلمة مقدم قائد الجيش المرابط عند الحدود. انظر: ابن الكردبوس: تاريخ المسلمين في الأندلس، ص 42.
(2)
"أولاده" في نسخة ب.
(3)
"عليه" في نسخة ب.
(4)
ما بين قوسين ساقط من نسخة ب.
(5)
"سرجك" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، جـ 10، ص 88؛ الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 705.
(6)
انظر: التاريخ الباهر، ص 178.
(7)
"فعلقوه" في نسخة ب.
(8)
كرر الناسخ في نسخة ب جملة "ثم أخذها بعد ذلك".
(9)
انظر: النوادر السلطانية، ص 53.
الصالح في العشر [الأواخر]
(1)
من رمضان. ولما [علم]
(2)
الإفرنج ذلك رحلوا عن حارم طالبين بلادهم، ثم عاد الصالح إلى حلب ولم يزل أصحابه على [اختلاف]
(3)
، يميل بعضهم إلى جانب السلطان صلاح الدين رحمه الله
(4)
.
ذكر بقية الحوادث
منها أنه خُطب للسلطان طغرل بن أرسلان شاه المقيم عند أيلدكز بهمذان، بحكم وفاة والده أرسلان شاه
(5)
.
ومنها أنه
(6)
وصل يُتَامِش الذي عصى على الخليفة، وقاتل مع قطب الدين قايماز إلى تحت التاج، وبيده سيف وكفن وقبل الأرض مرارًا، وطلب العفو، فعفا الخليفة عنه وأعيد إلى إمرته وأحسن إليه.
ومنها أنه وقعت ببغداد واقعة وهي: أنه كان لرجل عبد وأَمَةٌ، فعتقهما وزوج العبد بالأمة، فأولدها أولادا وأقام أربعين سنة على ذلك، ثم تبين أن الأَمَة أخت العبد لأمه وأبيه. الجواب لا إثم عليهما فيما مضى؛ لعدم العلم بحالهما، ويفرق بينهما للأخوة، وتعتد لاحتمال أن تكون حاملًا منه، فإذا فرق بينهما حرمت عليه، ويجوز له النظر إليها؛ لأنها أخته إلا أن يخاف على نفسه
(7)
.
ومنها
(8)
أنه اجتمعت طائفة من الإفرنج، وقصدوا أعمال حمص، فقتلوا وأسروا وسبوا، فسار ناصر الدين محمد بن شيركوه إليهم وسبقهم، ووقف على طريقهم مكمنًا لهم، فلما وصلوا [إليه]
(9)
خرج عليهم هو والكمين، ووضع السيف فيهم، فقتل أكثرهم، ومن سلم منهم لم يفلت إلا مثخنًا بالجراح، واسترجع منهم جميع ما أخذوه، ورده على أصحابه.
(1)
"الأخير" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من النوادر السلطانية، ص 53، حيث ينقل العيني عنه.
(2)
"عرف" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من النوادر السلطانية، ص 53، حيث ينقل العينى عنه.
(3)
"الاختلاف" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من النوادر السلطانية، ص 53، حيث ينقل العينى عنه.
(4)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من النوادر السلطانية، ص 53.
(5)
انظر تفاصيل هذا الخبر في المختصر في أخبار البشر، جـ 3، ص 60.
(6)
انظر هذا الخبر في المنتظم، جـ 18، ص 235.
(7)
عن تلك الفتوى انظر المنتظم، جـ 18، ص 237 - 238؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 217.
(8)
انظر هذا الخبر في الكامل، جـ 10، ص 89 - 90.
(9)
ما بين الحاصرتين إضافة من الكامل، جـ 10، ص 90، وذلك لاستقامة النص.
وفيها: ...............................
(1)
وفيها: حج بالناس الأمير طاشتكين.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد بن بكروش
(2)
الحمامي أبو العباس؛ ولد سنة اثنتين وخمسمائة، وقرأ القرآن على أبي القاسم بن الحصين وغيره، وتفقه على أبي بكر الدينوري شيخ ابن الجوزي، وكان يكثر الصوم والصلاة، وتوفي يوم الثلاثاء خامس صفر، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. قال السبط
(3)
: وزوجه جدى أكبر بناته، يقال لها ست العلماء.
صدقة بن الحسين بن الحسن أبو [الفرج]
(4)
الحداد؛ ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة، فقرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقه وأفتى، وقال الشعر، ونظر في الكلام وناظر، وله تاريخ ذيَّل فيه على شيخه ابن الزاغوني، وفيه غرائب وعجائب. وقال ابن الساعي: وكان شيخا عالما فاضلا، وكان فقيرا يأكل من أجرة النسخ، وخط عليه ابن الجوزي
(5)
في منتظمه، ورماه بالعظائم، وأورد من أشعاره ما فيه مشابهة لابن الراوندي
(6)
في الزندقة، قال: وقرأ "الشفاء" لابن سينا؛ وكُتب الفلاسفة، وتغير اعتقاده، وكان يبدر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته، وتارة يسقف من جنس ابن الراوندي، وتارة يشير إلى عدم بعث الأجساد، وتارة يعترض على القضاء والقدر. قال: وقال لي يوما: أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك. وقال: ما أدري من أين جئنا؟! وإلى أي مطبق
(7)
يريدون أن يحملونا. قال: فلما تحقق هذا عندي هجرته سنين، ولما مات
(1)
بياض بمقدار سطر في النسختين.
(2)
"بكروس" في المنتظم، جـ 18، ص 243؛ شذرات الذهب، جـ 4، ص 244. انظر ترجمته أيضًا في مرآة الزمان، جـ 8، ص 218.
(3)
انظر مرآة الزمان، جـ 8، ص 218.
(4)
"أبو الفريح" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من المنتظم، جـ 18، ص 243؛ وفيات الأعيان، جـ 6، ص 253؛ شذرات الذهب، جـ 4، ص 245.
(5)
انظر: المنتظم، جـ 18، ص 243 - 244.
(6)
ابن الراوندي: هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، توفي سنة 245 هـ/ 859 م. وفيات الأعيان: جـ 1، ص 94 - 95؛ إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق، ص 96 - 100، مكتبة دار إحياء الكتب العربية، 1947 م.
(7)
"مضيق" في المنتظم، جـ 18، ص 243. والمُطْبِقُ: السجن تحت الأرض، المعجم الوسيط، جـ 2، ص 557، مادة "طبق".
ما صليت عليه. ومع هذه الفواحش والاعتقاد السَيِّئ كان يُظهر الفقر ويطلب من الناس، فلما مات وجدوا له ثلثمائة دينار، ومات في ربيع الآخر، ودفن بباب حرب، وقال ابن [الجوزي]
(1)
: يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر.
محمد بن أسعد بن محمد بن أبي منصور
(2)
العطاري المعروف بحفدة؛ ولد بطوس
(3)
، وكانت له معرفة جيدة بالخلاف
(4)
، وَأَنِسَ بالتفسير، وكان يعظ بتبريز، وناظر طويلا ودرس وأفتى، وقدم بغداد بعد الستين وخمسمائة فناظر بها، وتوفي بتبريز في رجب منها.
محمد بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن الزيتوني أبو الثناء
(5)
؛ سمع الحديث ووعظ وانقطع في مسجده، وتوفي في رمضان من هذه السنة ببغداد.
محمد بن أبي نصر، أبو سعد بن المعوج
(6)
؛ حاجب الباب. ضربه الباطنية يوم قتل الوزير أبي المظفر، كما نذكره الآن، وحمل إلى داره بنهر معلى
(7)
، فدفن بها.
محمد بن أحمد بن عبد الجبار أبو المظفر الحنفي المعروف بالمشطب
(8)
؛ كان من الفضلاءِ المشاهير، تفقه ودرس وأفتى وناظر، وتوفي في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، وذكر في طبقات الحنفية أنه من أهل سِمنان
(9)
، ورحل إلى مرو، وتفقه على أبي الفضل الكرماني وجال في بلاد خراسان، ثم دخل بغداد واستوطنها، وولي التدريس بمدرسة زيرك بسوق العميد، وحَدَّث عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن فرحان
(1)
"ابن كثير" في الأصل وهو خطأ. والصحيح ما أثبتناه بين الحاصرتين. لأن ابن الجوزي هو الذي ذكر هذه العبارة تحديدًا. أما ابن كثير فإنه لم يذكر سوى أن وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة. انظر: المنتظم، جـ 18، ص 245؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 319.
(2)
انظر ترجمته في المنتظم، جـ 18، ص 246. حيث ينقل العينى عنه.
(3)
طوس: هي مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور عشرة فراسخ. معجم البلدان، جـ 3، ص 560.
(4)
الخلاف: يقصد المسائل الخلافية المختلف عليها. انظر: المنجد، مادة خلف، ص 189.
(5)
انظر ترجمته في المنتظم، جـ 18، ص 247 حيث ينقل عنه العيني.
(6)
انظر ترجمته في المنتظم، جـ 18، ص 247.
(7)
نهر معلى: من أنهار بغداد. وينسب إلى المُعلى من كبار قواد الرشيد. انظر: تاريخ بغداد، جـ 1، ص 96.
(8)
انظر ترجمته في المنتظم، جـ 18، ص 246.
(9)
سِمْنَان: بلدة بين الري ودامغان. معجم البلدان، جـ 3، ص 141.
السمناني، وأبي نصر أحمد بن الحسين بن رجب السمرقندي، سمع منه عمر بن على القرشي، وكان مولده في سنة أربع وتسعين وأربعمائة بسمنان، وتوفي يوم السبت الحادي عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الخيزران
(1)
. ومن إنشادِهِ:
يا أَيُّها الباحثُ عن مقْصِدِى
…
ليَقْتَدِى فيه بمِنْهَاجِي
مِنهاجِي العقْلُ وقمْعُ الهوَى
…
فَهَلْ لمِنْهَاجِي مِنْ هَاجِ
عَضُدُ الدولة أبو الفرج الوزير محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر [ابن]
(2)
رئيس الرؤساء، أبي القاسم بن المسلمة
(3)
؛ وزير الخليفة المستضيء، ولد في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان أبوه أستاذ دار
(4)
المقتفى، وتولى المستنجد فأقره على ذلك، فلما آلت الخلافة إلى المستضيء بأمر الله استوزره، وكان يحفظ القرآن، وسمع الحديث، وله مروءة وإكرام للعلماءِ والفقراءِ، خرج من بيته إلى الحج يوم الثلاثاءِ رابع ذي القعدة، فضربه الباطنية
(5)
أربع ضربات على باب قطفتا
(6)
، فحمل إلى داره هناك، ولم يتكلم إلا أنه قال: الله الله. وقال: ادفنوني عند أبي، ثم مات بعد الظهر، ودفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند الجامع.
وفي المرآة
(7)
: لما ولى المستضيء استوزره، وشرع ظهير الدين أبو بكر صاحب المخزن في عداوته، فغير قلب الخليفة عليه، فطلب الحج في هذه السنة، فأذن له، فتجهز جهازا عظيما؛ اشترى ستمائة جمل لحمل المنقطعين وزادهم، وحمل معه
(1)
مقبرة الخيزران: من أقدم المقابر التي بالجانب الشرقي من بغداد. وتنسب إلى الخيزران أم موسى وهارون ابني المهدي. وبها قبر أبي حنيفة. انظر: تاريخ بغداد، جـ 1، ص 125.
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة لازمة من الكامل، جـ 10، ص 88؛ وفيات الأعيان، جـ 6، ص 241.
(3)
انظر ترجمته في المنتظم، جـ 18، ص 246 - 247؛ الكامل، جـ 10، ص 88 - 89.
(4)
أستاذ دار: وظيفة من وظائف أرباب السيوف، يتولى صاحبها شئون بيوت السلطان كلها من المطابخ والشراب خاناه والحاشية والغلمان، وله مطلق التصرف في استدعاء ما يحتاجه كل من في بيت السلطان من النفقات والكسوة. انظر: صبح الأعشى، جـ 4، ص 20؛ جـ 5، ص 457.
(5)
الباطنية: فرقة من فرق الشيعة. وقد لقبوا بكلمة الباطنية لأنهم قالوا بأن للقرآن ظواهر وبواطن تجري من الأخبار مجرى اللب من القشر. انظر: أبو حامد الغزالي: فضائح الباطنية، الباب الثاني، ص 11، ط. الدار القومية للطباعة والنشر، 1914 م.
(6)
"قطعنا" في نسخة ب. وقطفتا: محلة كبيرة بها أسواق بالجانب الغربي من بغداد، بجوار قبر الشيخ معروف الكرخي بمقبرة الدير. انظر: معجم البلدان، جـ 4، ص 374. (ط. دار صادر).
(7)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 220 - 221.
جماعةً من العلماءِ والزهاد، ومارستانا فيه جميع ما يحتاج إليه، ومن الرواية والقرب والزاد وغيره ما لم يحمله وزير. فلما كان يوم الأربعاءِ رابع ذي القعدة ركب في شبارة
(1)
وعبر في دجلة إلى الجانب الغربي، وجميع أهل بغداد من الجانبين يدعون له ويبكون عليه؛ لأنه كان محسنًا إليهم بماله وجاهه ومروءته، قريبا من الناس، ولما صعد من الشبارة عند [القلعة]
(2)
ركب وأرباب الدولة بين يديه، وخدم الخاصة، والنقيبان
(3)
، وقاضي القضاة، ما عدا ظهير الدين بن العطار، فإنه لم يودعه. فلما ركب ضُرب البوق على عادة الوزراء، فلما وصل إلى باب قطفتا خرج عليه رجل صوفي وبيده قصة
(4)
، فقال: مظلوم، فقال الغلمان: هات قصتك، فقال: ما أسلمها إلا إلى الوزير، فقال: دعوه تعال. فجاءَ إليه، فوثب عليه وضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني، وسقط من دابته، وانكشف رأسه، فغطاه بكمه، وبقي على قارعة الطريق ملقى، وتفرق من كان معه إلا حاجب الباب ابن المعوج، "فإنه"
(5)
رمى بنفسه عليه، فضربه الباطني بسكين فجرحه، وظهر له رفيقان، فقتلوا وأحرقوا، وحمل الوزير إلى داره بقطفتا وحمل الحاجب إلى داره. وكان الوزير قد رأى في تلك الليلة في منامه كأنه يعانق عثمان بن عفان (رضي الله عنه) وكان قد اغتسل قبل أن يخرج من داره، وقال: هذا [غسل]
(6)
الإسلام، وأنا مقتول بغير شك. ولم يسمع منه لما جُرِح غير قوله: الله الله، ادفنوني عند أبي. وكانت وفاته يوم الخميس، فغسل وكفن وحمل إلى جامع المنصور
(7)
، "وصلى عليه ولده الأكبر، ودفن
(1)
شبارة: ج. شبارات. وهي سفينة نهرية صغيرة. أكثر ما تستعمل في العراق بنهر دجلة. انظر: السفن الإسلامية، ص 72 - 73.
(2)
"القرية" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من مرآة الزمان، ج 8، ص 220. حيث ينقل عنه العيني.
(3)
النقباء: جمع نقيب، وهو ممن يعملون عند السلطان أو الأمير، ويقوم بتأدية الخدمات الصغيرة لسيده. صبح الأعشى، جـ 4، ص 21 - 22؛ السلوك، جـ 1 ق 3، ص 837، حاشية 2.
(4)
القصة: هي طلب أو التماس، يقدمه صاحب الحاجة أو الشكوى إلى السلطان عن طريق موظف خاص اسمه قصه دار. انظر: صبح الأعشى، جـ 2، ص 352، جـ 13، ص 154؛ سنا البرق الشامي، ص 285، تحقيق رمضان ششن.
(5)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(6)
"رسل" في نسختى المخطوطة أ، ب؛ ومرآة الزمان، جـ 8، ص 220. وهو خطأ في النسخ، والمثبت بين الحاصرتين هو الأقرب للسياق.
(7)
جامع المنصور: ينسب إلى مشيده أبو جعفر المنصور بناه بجوار قصره المعروف بقصر الذهب، انظر: تاريخ بغداد، جـ 1، ص 107.
عند أبيه، مقابل جامع المنصور"
(1)
. وحضر أرباب الدولة بأسرهم، وابن العطار صاحب المخزن، وجلس أولاده للعزاء يوم الجمعة. واختلفوا في سبب قتله، فقال قوم: أن يتامش واطأ
(2)
الإسماعيلية على قتله لِما كان بينهما، فبعث الخليفة فقبض على يتامش، وأخذ أمواله وحبسه في التاج
(3)
. وقال آخرون: إنما وضع الإسماعيلية عليه ابن العطار صاحب المخزن وهو الظاهر، أسند الوزير الحديث عن أبي القاسم بن الحصين
(4)
وغيره. وكان فاضلًا عادلا، وخرج ولده إلى الشام، وهو على بن محمد، فأحسن إليه صلاح الدين.
الأمير شهابُ الدين محمود بن تكش الحارمي؛ خال السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. كان من خيار الأمراء وشجعانهم، وقد أقطعه ابن أخته حماة حين فتحها، وقد حاصره الفرنج هناك وهو مريض، وكادوا يأخذون البلد، ولكن هزمهم الله بعد أربعة أيام -كما ذكرنا- فانصرفوا خائبين
(5)
، وتوفي شهاب الدين المذكور بعد ذلك في هذه السنة، وأعطى صلاح الدين حماة لناصر الدين منكورش بن خمارتكين صاحب صهيون
(6)
، وقيل: إنما أعطاها لتقى الدين عمر، وكان ناصر الدين نائبا عنه، والله أعلم.
كمشتكين الخادم؛ خادم نور الدين محمود بن زنكي، وكان من أكابر خدامه، ولاه قلعة الموصل نيابة عنه، فلما مات نور الدين هرب إلى حلب، وأقطعه الملك الصالح حَارِمَ، وأقام بها وعصى عليه، فلما حصره الفرنج صالحه -كما ذكرناه- ثم قتله الملك الصالح كما ذكرناه.
فاطِمَةُ بنت نصر بن العطار
(7)
؛ توفيت يوم الأربعاء السادس عشر من رمضان منها، ودفنت عند أبيها، وشاع عنها الذكر الجميل والزهد في الدنيا، ما خرجت من بيتها في عمرها إلا ثلاث مرات لضرورة، وما كانت تلتفت إلى زينة الدنيا، رحمها الله.
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(2)
واطأ: بمعنى وافق. انظر: المصباح المنير، مادة "وطئ".
(3)
التاج: اسم لدار مشهورة ببغداد، وضع أساسها وسماها بهذه التسمية الخليفة المعتضد. معجم البلدان، جـ 1، ص 806 - 809.
(4)
عن أبي القاسم بن الحصين. انظر: وفيات الأعيان، جـ 6، ص 171، ضمن ترجمة ابن سعدون القرطبي.
(5)
ورد هذا النص بتصرف في البداية والنهاية، جـ 12، ص 319؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 222.
(6)
صهيون: حصن حصين من أعمال حمص. انظر: معجم البلدان، جـ 3، ص 438.
(7)
انظر: ترجمتها في المنتظم، جـ 18، ص 245؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 319.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الرابعة والسبعين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، والسلطان صلاح الدين بالشام، وجاءَه كتاب من القاضي الفاضل وهو بالديار المصرية؛ يهنئه بوجود مولود له، وهو أبو سليمان داود، وهو مُوَّفٍ لاثني عشر ولدا، وقد ولد "له"
(1)
بعده عدة ذكور أيضا، فإنه توفي
(2)
عن سبعة عشر ولدًا ذكرًا وابنة صغيرة، وهي مؤنسة خاتون، التي تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد ابن الملك العادل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وذكر هذا في تاريخ الدولتين
(3)
في السنة الماضية نقلا عن عماد الكاتب.
وفي رمضان وصلت الخلع السنية من الخليفة إلى السلطان صلاح الدين وهو بدمشق، وزيد في ألقابه معز أمير المؤمنين، وخلع أيضا على أخيه توران شاه، ولقب بمصطفى أمير المؤمنين
(4)
.
وفي هذه السنة أسقط صلاح الدين المكوس والضرائب عن الحجاج بمكة، وقد كان يؤخذ منهم
(5)
شيء كثير، ومَنْ عجز عن أدائه حبس، وربما فاته الوقوف بعرفة، وعوض السلطان أميرها بمال يُحمل إليه من مصر، وبغلال في كل سنة ثمانية آلاف إردب، ليكون عونًا له ولأتباعه، وقرر أيضا قدر ذلك للمجاورين، يحمل إليهم كل سنة.
ذكر عِصيَان ابن المقدم على صلاح الدين رحمه الله
وفيها عصى شمس الدين بن المقدم
(6)
ببعلبك، وكان صلاح الدين قد أعطاه إياها، وقدم صلاح الدين إلى دمشق، فأرسل إليه يطلبه، فاعتذر خوفا من شمس
* يوافق أولها 19 يونيو 1178 م.
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(2)
يقصد بذلك وفاة صلاح الدين الأيوبي.
(3)
انظر: الروضتين، جـ 1 ق 2، ص 709؛ انظر أيضا: البداية والنهاية، جـ 12، ص 318.
(4)
انظر: البداية والنهاية، جـ 12، ص 320.
(5)
يقصد بذلك حجاج المغرب ولمعرفة المزيد انظر: البداية والنهاية، جـ 12، ص 320؛ الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 7.
(6)
انظر: تفاصيل هذه الحادثة في الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 3؛ الكامل، جـ 10، ص 91 - 92؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 320.
الدولة؛ لأنه طلب منه بعلبك فامتنع، فخرج صلاح الدين من دمشق، ونزل على بعلبك، وأقام سبعة أشهر يحاصرها، فنفذ ما عنده، فأرسل إلى السلطان يطلب العوض، فأعطاه بَارين
(1)
وكفر طاب
(2)
، وخرج شمس الدين بن المقدم إليها، وسَلَّمَ صلاح الدين بعلبك إلى أخيه شمس الدولة.
وقال ابن كثير
(3)
: وكان صلاح الدين نازلا على ظاهر حمص، ولم يجيء إلى خدمته ابن المقدم المذكور؛ لأنه بلغه أن أخاه توران شاه طلب بعلبك منه فأطلقها له، فامتنع ابن المقدم من الخروج إليه لذلك. وجاء السلطان إلى دمشق، ثم حضر إلى بعلبك بنفسه، فحصره فيها من غير قتال، حتى جاءت الأمطار والثلوج والبرد، فعاد إلى دمشق في رجب، ووكل بالبلد من يحصره بغير قتال، ثم حصل التعويض، فخرج كما ذكرنا.
ذكر تجهيز صلاح الدين ابن أخيه فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب لغزو الإفرنج
وفي هذه السنة جهز صلاح الدين المذكورَ بين يديه؛ لقتال الفرنج الذين قد عزموا على قتال المسلمين، وعاثوا في نواحي دمشق وقراها بالفساد، وأمره أن يداريهم حتى يتوسطوا البلاد، ولا يقاتلهم حتى يقدم عليه، فلما التقوا عاجلوه بالقتال، فكسرهم وقتل من ملوكهم صاحب الناصرة
(4)
، وهو [الهنفري]
(5)
، وكان من أكابر ملوكهم، وركب صلاح الدين رحمه الله في إثر ابن أخيه، فما وصل إلى الكسوة حتى تلقته الرؤوس على الرماح والغنائم والأسرى.
(1)
بارين هي بعرين: مدينة حسنة بين حلب وحماة من جهة الغرب. معجم البلدان، جـ 1، ص 466.
(2)
كفر طاب: بلدة بين المعرة ومدينة حلب. معجم البلدان، جـ 4، ص 289.
(3)
انظر: البداية والنهاية، جـ 12، ص 320.
(4)
الناصرة: قرية بينها وبين طبرية ثلاثة عشر ميلًا، ولد فيها السيد المسيح عيسى بن مريم، ومنها اشتق اسم النصارى، معجم البلدان، جـ 4، ص 729.
(5)
"الكنفري" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 15؛ الكامل، جـ 10، ص 93؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 320.
والهنفري هو (Honfroi) صاحب حصن بانياس جنوب غربي دمشق. انظر: السلوك، جـ 1، ص 67 حاشية 2؛ كذلك انظر Lane- Poole، Saladin، p. 157 حيث ورد الاسم:(Humphrey of Toron) .
وفي المرآة:
(1)
بلغ صلاح الدين أن الهنفرى يريد أن يغير على دمشق، فبعث عز الدين فرخشاه ابن أخيه بعساكر دمشق، [إلى قرن الحرة]
(2)
وقال له يقيم عند مرج عيون
(3)
، فإن جاؤوك فأرسل كتب الطيور إلىَّ، ولا تواقعهم
(4)
حتى آتيك، فسار ونزل مرج عيون، فلم يشعر إلا بطلائع الهنفري قد خالطته، ووقع القتال، فلم يقدر فرخشاه على إعلام صلاح الدين، فقاتلهم بنفسه، وجرح الهنفري جراحة موثقة
(5)
، فأخذوه وانهزموا، وغنمهم فرخشاه، ومات الهنفري بعد أيام، وجاء صلاح الدين فنزل قصر يعقوب
(6)
، وبعث السرايا والغلات إلى بلد الإفرنج.
ذكر بناء الإفرنج قلعة عند بيت الأحزان
(7)
وفي هذه السنة بنت الإفرنج -لعنهم الله- قلعة عند بيت الأحزان للداوية
(8)
، فجعلوه مرصادًا لحرب المسلمين وقطع طرقاتهم عليهم، ونقضت ملوكهم العهد التي كانت بينهم وبين صلاح الدين، وأغاروا على نواحي البلدان من كل جانب؛ ليشغلوا المسلمين عنهم وتتفرق جيوشهم، فلا تجتمع في بقعة واحدة. فرتب السلطان ابن أخيه تقي الدين عمر بثغر حماة، ومعه شمس الدين بن المقدم، وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب. وبثغر حمص ابن عمه ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، وبعث
(1)
انظر هذا النص في مرآة الزمان، جـ 8، ص 223.
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة من مرآة الزمان، جـ 8، ص 223، حيث ينقل العينى عنه.
(3)
مرج عيون: بسواحل الشام قريبة من شقيف أرنون، انظر: معجم البلدان، جـ 4، ص 488؛ زبدة الحلب، جـ 3، ص 108.
(4)
"توافيهم" في مرآة الزمان، جـ 8، ص 223، والمثبت من نسختي أ، ب. حيث يتناسب مع السياق.
(5)
عن إصابات الهنفري بالتفصيل. انظر: الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 15.
(6)
"بيت يعقوب" في الكامل، جـ 10، ص 95؛ "مشهد يعقوب" في البداية والنهاية، جـ 12، ص 324.
(7)
بيت الأحزان: بلد بين دمشق والساحل، سميت بذلك لاعتقادهم أنه كان مسكن يعقوب عندما فارق يوسف (عليه السلام). انظر: معجم البلدان، جـ 1، ص 775.
(8)
الداوية: تطلق على جمعية فرسان المعبد Templiers وقد أسسها Hugh de Payns عام 1119 م وذلك لحماية طريق الحجاج المسيحيين بين يافا وبيت المقدس. King: Knight Hospitallers. PP.1 - 33.
إلى أخيه سيف الدين أبي بكر، وهو الملك العادل نائب مصر
(1)
، يأمره أن يرسل إليه بألف وخمسمائة فارس يستعين بهم على قتال الإفرنج. وكتب إلى الإفرنج يأمرهم بتخريب هذا الحصن الذي بنوه للداوية، فامتنعوا إلا أن يبذل لهم ما غرموه عليه، فبذل لهم [ستين]
(2)
ألف دينار، فلم يقبلوا، فوصَّلهم إلى مائة ألف دينار، فأبوا، فقال له ابن أخيه تقي الدين عمر: ابذل هذه في أجناد المسلمين، وسر إلى هذا الحصن، ففعل ذلك
(3)
.
ثم استهلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وكان السلطان صلاح الدين نازلا بجيشه على تل [القاضي
(4)
] بِبَانِياس، ثم قصده الإفرنج بقضهم وقضيضهم، فنهض إليهم فالتقاهم، فما هو إلا أن تواجه الفريقان حتى أنزل الله تعالى نصره، فانهزمت الإفرنج وقتل منهم خلق كثير، وأسر منهم جماعة من ملوكهم، منهم: مقدم الداوية، ومقدم الاستبارية، وصاحب الرملة، وصاحب طبرية، وقسطلان
(5)
يافا، وآخرون من ملوكهم، وخلق من شجعانهم وأبطالهم، ومن فرسان القدس جماعة كثيرون قريبًا من ثلثمائة أسير
(6)
من أشراف
(7)
النصارى.
وفي تاريخ بيبرس: وكان فيمن أسر بادين بن بارْزان
(8)
، وأود
(9)
، [و]
(10)
ابن القمصية
(11)
، وأخو صاحب جبيل
(12)
، فحملوا إلى قلعة دمشق، فاعتقلوا بها. فأما ابن بارزان فاستفك نفسه بجملة عظيمة وبألف أسير، واستفك ابن القومَصية أيضًا، ومات أُوْد في السجن
(13)
.
(1)
ورد هذا الحدث في سنا البرق الشامي، ص 322.
(2)
"بستين" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 21.
(3)
ورد هذا النص بتصرف في البداية والنهاية، جـ 12، ص 321؛ الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 21.
(4)
"تل العاصي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من البداية والنهاية، جـ 12، ص 323؛ الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 22.
(5)
قسطلان: معرب اللفظ اللاتيني (Castellanus) ومعناه مستحفظ القلعة ويقابله في الفرنسية Chatelain والمقصود بالقسطلان هنا: صاحب المكان. السلوك. جـ 1 ق 2، ص 524 حاشية 3.
(6)
لمعرفة المزيد من التفاصيل انظر: الكامل، جـ 10، ص 95 - 96؛ الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 21؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 321. ومن الجدير بالملاحظة أن العيني أثناء حديثه عن بيت الأحزان خلط بين أحداث 574 هـ، 575 هـ نتيجة لنقله من مرآة الزمان، جـ 8، ص 225.
(7)
"فرسان" في نسخة ب.
(8)
بادين بن بارزان، هو باليان إبلين، انظر الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 22.
(9)
أودو سانت أماند. انظر رانسمان: تاريخ الحروب الصليبية، جـ 2، ص 678.
(10)
ما بين الحاصرتين إضافة ضرورية من الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 22.
(11)
هو ريموند الثالث Raymond III.
(12)
جبيل: بلد في سواحل دمشق شرقي بيروت. انظر: معجم البلدان، جـ 2، ص 32.
(13)
لمعرفة المزيد عن هذا الحدث انظر: الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 23؛ السلوك: جـ 1 ق 1، ص 68.
وقال العماد الكاتب: لما أُسِرَ هؤلاءِ استعرضهم السلطان في الليل، حتى أضاءَ الفجر، وصلى يومئذ الصبح بوضوءِ العشاءِ. وقد كان السلطان جالسًا ليلتئذ
(1)
في نحو العشرين، وهم في هذه العدة، فسلمه الله منهم، ثم أرسلهم
(2)
إلى دمشق، ليُعْتَقَلوا
(3)
بقلعتها، فافتدى ابن بارزان صاحب الرملة نفسه بعد سنة بمائة ألف دينار، وخمسين ألف دينار صورية
(4)
، وإطلاق ألف أسير من بلاده. وكذا افتدي جماعة منهم أنفسهم بأموال جزيلة وتحف جليلة. ومنهم من مات في السجن فانتقل منه إلى سجِّين
(5)
. واتفق أنه في اليوم الذي ظفر فيه السلطان على الفرنج بمرج عيون هذا، ظفر الأصطول على بَطسَة
(6)
للإفرنج في البحر وأخرى معها، فغنموا منها ألف أسير من السبي، وعاد إلى الساحل مؤيدًا منصورًا.
وقد امتدح الشعراء السلطان في هذه الغزوة بمدائح كثيرة، وكتب بذلك إلى بغداد، فدقت البشائر بها فرحًا وسرورًا. وقد كان الملك المظفر تقي الدين عمر غائبا عن هذه الوقعة، مشتغلا بما هو أعجب منها؛ وذلك أن ملك الروم قليج أرسلان بعث يطلب حصن رَعْبَان
(7)
، وزعم أن نور الدين محمود اغتصبه منه، وأن ولده قد أغضى
(8)
له عنه، فلم يجبه إلى ذلك السلطان. فبعث صاحب الروم عشرين ألف مقاتل يحصرونه، فأرسل السلطان تقي الدين عمر في ثمانمائة
(9)
فارس، منهم سيف الدين علي بن أحمد
(1)
تقديم وتأخير في نسخة ب.
(2)
"أرسله" في نسخة ب.
(3)
"ليعتقل" في نسخة ب.
(4)
الدنانير الصورية أو المشخصة أو الإفرنتية، هي الإفرنجية وتتميز عن الدنانير المصرية الإسلامية، في العصور الوسطى، أن صور ملوكها منقوشة على وجوهها. انظر: صبح الأعشى، جـ 3، ص 441.
(5)
سجِّين: واد في جهنم. انظر: المعجم الوسيط، جـ 1، ص 420.
(6)
بطسة: يطلق عليها كذلك بطشة، وهي مركب حربية كبيرة. راجع درويش النخيلي: معجم السفن الإسلامية، ص 14 - 17، القاهرة 1979 م.
(7)
حصن رَعْبَانُ: مدينة بالثغور بين حلب وسميساط قرب الفرات معدودة في العواصم، وهي قلعة تحت جبل. معجم البلدان، جـ 2، ص 791.
(8)
أي أنعم به عليه. انظر: الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 25.
(9)
في الروضتين نقلًا عن العماد "في ألف مقاتل"، وقد حدد العيني قبل قليل أنه ينقل عن العماد. أما الذي ذكر أن السلطان أرسل ثمانمائة فارس فهو ابن أبي طى، ولكن العيني لم يستكمل قول ابن أبي طى حيث ذكر أن تقي الدين عمر عندما قارب حصن رعبان "أخذ معه جماعة من أصحابه مقدار مائتي فارس" وهكذا يصبح مجموع العسكر الذي قاتل به تقي الدين عمر "ألف مقاتل". انظر تفصيل قول كل من العماد وابن أبي طى في الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 25؛ الكامل، جـ 10، ص 97. حيث يؤيد ما ذكره العماد "ألف فارس".
المشطوب، فالتقوا بهم، فهزموهم بإذن الله. فاستقرت يد الملك الناصر صلاح الدين على حصن رعبان، وقد كان مما عُوِّضَ به ابن المقدم عن بعلبك. وكان تقي الدين عمر يفتخر بهذه الوقعة، ويرى أنه قد هزم عشرين ألفا، وقيل: ثلاثين ألفا بثمانمائة. وكان السبب في ذلك أنه بَيَّتَهُم وأغار عليهم وهم غارّون
(1)
، فما لبثوا أمامَه، بل فروا منهزمين عن آخرهم، فأكثر فيهم القتلى، واستحوذ على جميع ما تركوه في خيامهم.
ثم ركب صلاح الدين في جحافله إلى الحصن الذي كانت الفرنج قد بنوه في سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وحفروا فيه بئرًا، وسلموه إلى الداوية، فقصده السلطان فحاصره ونقبه من جميع جهاته، وألقى فيه النيران، فجعله دكًا وخربه إلى الأساس، وغنم ما فيه من الحواصل، فكان فيه مائة ألف قطعة من السلاح ومن المأكل كل شيءٍ، وأخذ منه سبعمائة أسير، فقتل بعضا، وأرسل إلى دمشق الباقين، ثم عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا. غير أنه مات من أمرائه عشرة؛ بسبب ما نالهم من الحر والوباء في مدة الحصار، وكانت أربعة وعشرين يومًا
(2)
.
وعاد الناس إلى زيارة مشهد يعقوب (عليه السلام) على العادة القديمة، وكان الحصن المذكور الذي بناه الإفرنج قريبا من صفد، وكان عرض سوره عشرة أذرع، وارتفاعه أربعون ذراعا
(3)
، وكان بيت الأحزان -الذي يزعمون أن يعقوب- (عليه السلام) -كان- ينفرد فيه ويبكي على يوسف
(4)
- كنيسةً، فجعله السلطان مسجدًا. وقد امتدحه الشعراء، فقال بعضهم وهو أحمد بن نقادة الدمشقي:
هَلاكُ الفرنجِ أَتَى عاجِلًا
…
وَقدْ آَنَ تَكْسِيرُ صُلْبانِها
ولو لم يكُنْ قدْ دَنا حَتْفُها
…
لما عمَّرَتْ بيتَ أحْزانِها
(5)
(1)
"قارون" في الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 26.
(2)
ورد في الروضتين، والبداية والنهاية، والسلوك أن مدة مقام السلطان على الحصن من حصاره إلى فتحه "أربعة عشر يومًا". انظر: الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 30 - 31؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 324؛ السلوك، جـ 1 ق 1، ص 67 (طبعة 1934).
(3)
انظر تفصيل وصف الحصن في الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 35.
(4)
توجد كلمة "عليه" في الأصل وقد حذفت لاستقامة النص. وتوجد تخريجة في هامش نسخة أ ولكنها غير واضحة القراءة.
(5)
انظر: تفاصيل تخريب هذا الحصن في الكامل، جـ 10، ص 96.
ذكر الأمور المزعجة
منها كان غلاء شديد بسبب قلة المطر
(1)
، وعَمَّ العراق والشام وديار مصر، واستمر إلى سنة خمس وسبعين، فجاءَ المطر، ورخصت الأسعار، ولكن تعقب ذلك وباء شديد، وعم البلاد مرض واحد هو [السرسام]
(2)
، فما ارتفع إلا في سنة ست وسبعين، فمات في ذلك الوباء خلق كثير، وأمم لا يعلم عددهم إلا الله عز وجل.
وفي المرآة
(3)
: وفي هذه السنة وقع الغلاء ببغداد والوباء، فأكل الناس أولادهم، وماتوا على الطرق.
ومنها أنه زلزلت أرمينية وبلاد إربل، وتصادمت الجبال بحيث كان بين الجبلين مسافة، فتقلعهما الزلزلة فيصطدمان، ثم يعودان إلى مكانهما.
ومنها أنه انكسف القمر بعد ثلث الليل الأخير، ليلة النصف من ربيع الأول
(4)
، فبقي على حاله إلى أن غاب بعد طلوع الشمس.
وانكسفت الشمس يوم الأربعاء التاسع والعشرين من ربيع الأول وقت العصر، فبقيت إلى وقت الغروب.
وقال ابن الجوزي
(5)
: وحكى لى ثقات أن الأرض زلزلت بعد العصر يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة أربع مرات، ولم أحس أنا بذلك.
ومنها أن امرأة ولدت في بطن واحد ثلاثة أولاد، ابن وبنتان، فعاشوا بعض يوم، وذلك في جمادى الأولى، قاله ابن الجوزي
(6)
، وذكر أنها في جيرانهم.
(1)
انظر تفاصيل هذا الغلاء في الكامل، جـ 10، ص 92.
(2)
"البرسام" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، جـ 10، ص 92؛ الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 13. والسرسام: ورم في حجاب الدماغ تحدث عنه حمى دائمة. وتتبعها أعراض رديئة كالسهر واختلاط الذهن، ويبدو أنه الحمى الشوكية. انظر: المعجم الوسيط، جـ 1، ص 428.
(3)
انظر هذه الأحداث في مرآة الزمان، جـ 8، ص 224.
(4)
"ربيع الآخر" في الكامل، جـ 10، ص 93.
(5)
انظر المنتظم، جـ 18، ص 252.
(6)
المنتظم، جـ 18، ص 248.
ذكر بقية الحوادث
منها أن تاريخ ابن الجوزي انتهى في هذه السنة، وهو الذي سماه "كتاب المنتظم في تاريخ الأمم".
ومنها أن الفرنج قصدوا مدينة حماة، وكثر جمعهم من الفرسان والرجالة، طمعا في النهب والغارة، فشنوا الغارة ونهبوا وأحرقوا وأسروا وقتلوا. فلما سمع العسكر المقيمون بحماة ساروا إليهم، متوكلين على الله تعالى لأنهم كانوا عدة قليلة، وصدقوا القتال، فنصرهم الله، وانهزمت الإفرنج، وكثر القتل والأسر، واستردوا منهم ما غنموه، ووصل صلاح الدين إلى حماة، وأمر بإحضار الأسارى وقتلهم، فأحضروا وقتلوا
(1)
.
ومنها أن في سلخ ذي القعدة خطب المستضئ لولده أبي العباس أحمد الناصر بإشارة جهة الخليفة بنفشة، وكان الخليفة قد مرض في شوال.
ومنها أن السلطان ختن ولده الملك العزيز عثمان، فاتخذ له يوسف بن الحسين -ويعرف بابن المجاور- معلما
(2)
، وتسلم فرخشاه بعلبك.
..........................................
(3)
وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين، ومن الشام صفي الدين بن القايض، وزير صلاح الدين الملك.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان
أحمد بن عيسى بن أبي غالب أبو العباس الأبروزي الضرير
(4)
؛ قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقه، وناظر، وكان فيه دين، توفي يوم الجمعة عاشر رجب، ودفن بمقبرة أحمد بن حنبل - (رضي الله عنه) -.
(1)
انظر تفاصيل هذا الخبر في الكامل، جـ 10، ص 91؛ السلوك، جـ 1 ق 1، ص 66.
(2)
أورد المقريزي هذه المناسبة في أحداث سنة 575 هـ. انظر: السلوك جـ 1 ق 1، ص 70.
(3)
بياض بمقدار سطر وكلمة في نسختى المخطوطة أ، ب.
(4)
انظر ترجمته في المنتظم، جـ 18، ص 253.
أسعد بن بلدرك
(1)
أبو أحمد الجبريلي؛ سمع الحديث، وكان شيخًا ظريفا حسن الذاكرة، جيد البادرة، سريع المبادرة، توفي في هذه السنة عن مائة سنة وأربع سنين.
محمد بن نسيم بن عبد الله أبو عبد الله الخياط؛ عتيق الرئيس أبو الفضل بن [عبسون]
(2)
، سمع الحديث، وقارب الثمانين، سقط من درجة، فمات، رحمه الله.
أبو الحسن علي، الملقب جلال الدين
(3)
بن أبي جعفر محمد، الملقب جمال الدين بن على بن منصور، وكان جمال الدين هذا وزير صاحب الموصل. وقد ذكرنا ترجمته في سنة تسع
(4)
وخمسين وخمسمائة. وأما جلال الدين أبو الحسن هذا فهو ابن جمال الدين، كان من الأدباء والفضلاء البلغاء الكرماء، وله ديوان رسائل أجاد فيه، جمعه ابن الأثير الجزري صاحب "جامع الأصول"، وسماه "كتاب الجواهر واللآلئ من الإملاء المولوى الوزيرى الجلالي". وكان ابن الأثير في أول أمره كاتبا بين يديه، يملي رسائله وإنشاءه عليه، وقد أشار إلى ذلك في أول كتابه هذا، وبالغ في وصف جلال الدين المذكور، وفَضَّلَهُ على من تقدمه من الفصحاء، وكان جلال الدين وزير سيف الدين غازي بن قطب الدين [مودود
(5)
] بن عماد الدين زنكي، وتوفي في هذه السنة بمدينة دنيسر، وحمل إلى الموصل، ثم نقل إلى المدينة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- ودفن في تربة والده. ودُنَيْسَر بضم الدال المهملة وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف، وفتح السين المهملة وفي آخره راء. وهي مدينة بالجزيرة الفراتية بين نصيبين ورأس عين، يطرقها التجار من جميع الجهات وهي مجمع
(6)
الطرقات، ولهذا قيل لها دُنيسَر، وهو لفظ مركب عجمي، وأصله دُنْياسر، ومعناه رأس الدنيا، وعادة العجم في الأسماء المضافة أن يؤخروا المضاف عن المضاف إليه، وسَرْ بالعجمي "رأس"
(7)
.
(1)
انظر ترجمته في البداية والنهاية، جـ 12، ص 321.
(2)
"ابن عبشون" في نسختى المخطوطة أ، ب. وما أثبتناه بين الحاصرتين من البداية والنهاية، جـ 12، ص 322.
(3)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 5، ص 143 - 147.
(4)
"سبع" في نسخة ب.
(5)
"ممدود" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الباهر، ص 180؛ وفيات الأعيان، جـ 4، ص 4.
(6)
"ومجمع" في نسخة ب.
(7)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
حَيصَ بَيصَ
(1)
الشاعر؛ أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي، الملقب شهاب الدين، المعروف بحيص بيص الشاعر المشهور، وكان فقيها شافعي المذهب، تفقه بالرى على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان، وتكلم في مسائل الخلاف، إلا أنه غلب عليه الأدب ونظم الشعر، وأجاد فيه مع جزالة لفظه، وله رسائل فصيحة بليغة. ذكره الحافظ أبو سعد بن السَّمعاني في كتاب "الذيل"، وأثنى عليه، وحدث بشيء من مسموعاته، وقرئ عليه ديوانه ورسائله، وأخذ عنه الناس أدبًا وفضلا كثيرا، وكان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغاتهم، ويقال إنه كان فيه تيه وتعاظم، ولا يخاطب أحدا إلا بالكلام العربي، وكان يلبس زى العرب ويتقلد سيفًا، وكان يزعم أنه من تميم، فسُئل أبوه عن ذلك، فقال: ما سمعته إلا منه، فقال بعض الشعراء يهجوه فيما ادعاه من ذلك:
كم تُطيلُ الطَّراطيرَ وما
…
فيك شَعْرةٌ من تميمِ
(2)
فكُل الضَّبَّ وابلع
(3)
الحنْظلَ اليا
…
بِسَ واشرَبْ إن
(4)
شِئْتَ بَولَ الظَّليمِ
(5)
ليسَ ذا وجهُ مَنْ يُضيفُ ولا يُقْـ
…
ـرِى ولا يدْفَع الأَذَى عن حريمِ
ومن شعر حيص بيص المستجاد:
سلامةُ المرءِ سَاعةً عجبُ
…
وكل شيء [لِحَتْفِهِ]
(6)
سبَبُ
يَفِرُّ والحادثاتُ تَطلبُهُ
…
يَفرُّ مِنْها ونحوَها الهربُ
وكيفَ يبْقَى على تَقلبِهِ
…
مسَلَّمًا مَنْ حياتُه عطبُ
(7)
(1)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 2، ص 362 - 365؛ الكامل، جـ 10، ص 93؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 321 - 322.
(2)
كم تبادى وكم تطول طرطو
…
رك؟ ما فيك شعره من تميم
هكذا ورد البيت الأول في وفيات الأعيان، جـ 2، ص 364؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 341.
(3)
"واقْرطِ" في وفيات الأعيان، جـ 2، ص 364.
(4)
"ما" في وفيات الأعيان، جـ 2، ص 364.
(5)
الظليم: ذكر النعام، والجمع ظُلمان. انظر: المعجم الوسيط، جـ 2، ص 583.
(6)
"لحقه" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من البداية والنهاية، جـ 12، ص 322.
(7)
"العطْب" في البداية والنهاية، جـ 12، ص 322.
ومن شعره أيضا:
لا تلبس الدهرَ على غِرَّةٍ
…
فيها
(1)
لموتِ الحيِّ مِن بُدِّ
ولا يُخادعْكَ طويلُ البَقا
…
فتحسبَ الطولَ من الخُلدِ
يقرُبُ ما كانَ لهُ آخرٌ
…
ما أقْرَبَ المهْدَ مِنَ اللَّحْدِ
وقال ابن خلكان
(2)
: وإنما قيل له حيص بَيْص لأنه رأى الناس يوما في حركة مزعجة وأمر شديد، فقال: ما للناس في حيص بيص، فبقي عليه هذا اللقب، ومعنى هاتين الكلمتين الشدة والاختلاط. تقول العرب: وقع الناس في حيص بيص، أي في شدة واختلاط. وتوفي ليلة الأربعاء سادس عشر شعبان سنة أربع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن في مقابر قريش.
شُهْدَة بنت أحمد بن الفرج بن عمر الإبري
(3)
؛ يقال لها فخر النساء الكاتبة سمعت الحديث الكثير، وكتبت الخط الحسن، وكانت مخالطة لدار الخلافة، وكان لها برٌّ ومعروف وصدقات، وكانت جليلة القدر، توفيت ليلة الاثنين الرابع عشر من محرم هذه السَّنة، وصلى عليها بجامع المنصور، وأزيل الشباك الذي في مقصورة الخطابة، فيقال أن الخليفة صلى عليها وشهدها أرباب الدولة، ودفنت بباب أبرز، سمعت مشايخ العراق وجعفر بن أحمد السراج، وروت عنه مصارع العشاق، وسمعت من طراد الزينبي وغيرهما، وقرئ عليها الحديث سنين، وعمّرت حتى قاربت المائة، وذكرها ابن الجوزي
(4)
في مشيخته وقال: أخبرتنا شُهدة الكاتبة بقراءتي عليها في صفر سنة سبع وخمسين وخمسمائة. وقال السبط
(5)
: وروى لنا عنها جماعة، وكانت صالحة ثقة.
(1)
"فما" في البداية والنهاية، جـ 12، ص 322.
(2)
انظر وفيات الأعيان، جـ 2، ص 365.
(3)
وردت ترجمتها في المنتظم، جـ 18، ص 254؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 224؛ وفيات الأعيان، جـ 2، ص 477 - 478.
(4)
انظر: المنتظم، جـ 18، ص 254.
(5)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 224.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والسبعين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء، ولكنه توفي في هذه السنة.
ذكر وفاة الخليفة
والكلام فيه على أنواع:
الأول في ترجمته: هو أمير المؤمنين أبو محمد الحسن بن أمير المؤمنين، يوسف المستنجد بالله بن أمير المؤمنين، أبي عبد الله محمد المقتفي لأمر الله
(1)
، وباقي النسب قد ذكرناه غير مرة، وأمُّه أم ولد تدعى خاتون - كذا في عيون المعارف.
وقال ابن كثير
(2)
: وأمُّه أرمنيَّة تدعى غضة
(3)
، وكان مولده في شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة. بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، وجلس بكرة يوم الأحد تاسع ربيع الآخر سنة ستين وخمسمائة.
الثاني في سيرته: كان جوادا عادلا، شريف النفس، حسن السيرة، ليس للمال عنده قدر، حليمًا مشفقًا على الرعيَّة، أسقط المكوس والضرائب، وكان متواضعا.
وقال ابن كثير
(4)
: وكان من خيار الخلفاء، أمَّارًا بالمعروف، نَهَّاءً عن المنكر، دَرَّاءً عن الناس البِدعَ والمصائب، وكان حليما وقورا كريما.
وفي تاريخ ابن العميد: كان عادلا جوادا مؤثرًا للخير، أكثر من الخير والعدل ببغداد ما لم يُرَ مثله في الزمن المتطاول، ونادى برفع المكوس والمظالم، وردَّ أملاكا كثيرة كانت قد اغتصبت، وفرق أموالا جزيلةً على بني هاشم والفقهاء والصوفيّة وغيرهم، خطب له بالديار المصرية والشامية واليمن.
* يوافق أولها 8 يونيو 1179 م.
(1)
انظر ترجمته في شذرات الذهب، جـ 4 ص 250.
(2)
البداية والنهاية، جـ 12، ص 281؛ الكامل، جـ 10، ص 97؛ تاريخ الخلفاء، ص 444.
(3)
"عصمت" في البداية والنهاية، جـ 12، ص 281.
(4)
انظر البداية والنهاية، جـ 12، ص 325.
الثالث في وفاته: توفي ليلة الأحد ثاني ذي القعدة من هذه السَّنة. وقال ابن كثير
(1)
: ولما كان يوم السَّبت سلخ شوال من هذه السنة مات الخليفة المستضيء بأمر الله، وكان مرضه بالحمّى، ابتدأ بها في يوم عيد الفطر، ولم يزل الأمر يتزايد به حتى استكمل في مرضه شهرًا، فمات في سلخ شوال، وله من العمر تسع وثلاثون سنة.
وكانت مدة خلافته تسع سنين وثلاثة أشهر
(2)
وسبعة عشر يومًا، وغُسل وصلي عليه من الغد، ودفن بدار القصر التي بناها، وذلك عن وصيته التي أوصى بها، وترك من بعده ولدين، أحدهما: وليُّ العهد عدة الدين والدنيا أبو العباس أحمد الناصر لدين الله، والآخر: أبو منصور هاشم.
وفي تاريخ ابن العميد: وفي سنة خمس وسبعين لثلاثة مضين من جمادى الآخرة كانت وفاة المستضيء بأمر الله، فكانت مدة خلافته تسع سنين وثمانية أيام، أولها يوم الجمعة وآخرها يوم السبت، لتتمة خمسمائة وأربع وسبعين سنة وتسعة أشهر وستة وعشرين يوما للهجرة، ولتمام ست آلاف وستمائة وإحدى وسبعين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام للعالم شمسية.
وفي المرآة
(3)
: وتوفي المستضيء في ثاني ذي القعدة عن ست وثلاثين سنة، وكانت خلافته تسع سنين وستة أشهر وعشرين يوما، ودفن في داره، ثم نقل بعد ذلك إلى تربته المجاورة لجامع عز الدولة، وقد وزِّر له جماعة من الرؤساء.
ذكر خلافة الناصر لدين الله
أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله، وهو الرابع والثلاثون من خلفاء بني العباس، بويع له يوم توفي أبوه في سلخ شوال منها، بايعه الأمراء والوزراء والخاصة والعامة، وكان قد خُطب له في حياة أبيه على المنابر قبل موته بيسير، فقيل إنما عهد إليه قبل موته بيوم. وقيل بأسبوع، ولكن قدَّر الله عز وجل أنه لم يختلف عليه اثنان، ولقب بالخليفة الناصر لدين الله.
(1)
انظر: البداية والنهاية، جـ 12، ص 325.
(2)
ذكر ابن الأثير أن مدة خلافته "نحو تسع سنين وسبعة أشهر"، الكامل، جـ 10، ص 97؛ وسبط ابن الجوزي ذكرها "تسع سنين وستة أشهر وعشرين يومًا" مرآة الزمان، جـ 8، ص 226.
(3)
انظر: مرآة الزمان، جـ 8، ص 226.
وقال ابن كثير
(1)
: ولما توفي المستضيء أرادت زوجته الجهة بنفشا أن تكتم ذلك، فلم تُمكَّن منه، ووقعت فتنة كبيرة ببغداد، ونهبت العامة دورا كثيرة وأموالًا جزيلة، فلما كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال خطب لولي العهد أبي العباس أحمد بن المستضيء، وهو الخليفة الناصر لدين الله، وكان يوما مشهودا، نثر الذهب على الخطباء والمؤذنين ومن حضر ذلك عند ذكره على المنبر والتنويه باسمه.
وفي المرآة:
(2)
وكانت بيعته يوم الاثنين ثاني ذي القعدة وله ثلاث أو اثنان وعشرون سنة، وتولى أخذ البيعة له ظهير الدين بن العطار
(3)
صاحب المخزن على الرغم منه؛ لأنه كان يميل إلى أخيه الأمين أبي منصور، خائفا من أبي العباس، وحضر القضاة والأشراف وبنو هاشم وغيرهم، وأخوه أبو منصور، وضياءُ الدين بن الشهرزوري، رسول السلطان صلاح الدين، وبايعوه. وقبض في ذلك اليوم على سعد الشرابي، وكان المستضيء أراد أن يعهد إلى الأمير أبي منصور، فقالت له بنفشا: الله الله أن تعدل عن أبي العباس، فرأى لها ذلك، وبعث شيخ الشيوخ عبد الرحيم وصندل الخادم إلى صلاح الدين بالبيعة. وفي يوم الجمعة سابع ذي القعدة قبض على ظهير الدين بن العطار صاحب المخزن، وعلي مسعود النقيب.
وفي تاريخ المؤيد
(4)
: وكان قد حكم في دولة المستضيء ظهير الدين أبو بكر منصور ابن نصر المعروف بابن العطار بعد قتل عضد الدين الوزير، فلما مات المستضيء قام ظهير الدين بن العطار وأخذ البيعة لولده الإمام الناصر لدين الله. ولما استقرت البيعة للناصر حكم أستاذ الدار مجد الدين أبو الفضل، فقبض في سابع ذي القعدة على ظهير الدين بن العطار، ونُقل إلى التاج، وأُخرج ميتا على رأس حمال ليلة الأربعاء [ثاني عشر ذي القعدة]
(5)
، فثارت به العامَّة وألقوه عن رأس الحمال، وشدُّوا في ذكره حبلا وسحبوه
(1)
انظر: البداية والنهاية، جـ 12، ص 325 - 326.
(2)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 225 - ص 226.
(3)
هو: ظهير الدين أبو بكر منصور بن نصر -المعروف بابن العطار- المتوفي سنة 575 هـ/ 1179 م. وسترد ترجمته بعد قليل.
(4)
انظر: المختصر في أخبار البشر، جـ 3، 62.
(5)
"الثاني والعشرين من ذي القعدة" في نسختي المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من المختصر في أخبار البشر، جـ 3، ص 62؛ أما ابن الأثير فيذكر أنها "ليلة الأربعاء ثامن عشر ذي القعدة". انظر: الكامل، جـ 10، ص 98.
في البلد، وكانوا يضعون في يده مغرفة، يعني أنها قلم، وقد غَمَس تلك المغرفة في العذرة، ويقولون: وقِّعْ لنا يا مولانا، هذا فعلهم به مع حسن سيرته فيهم، وكفه عن أموالهم، ثم خلص منهم ودُفِن.
وفي المرآة
(1)
: ابن العطار هو صاحب المخزن، ونائب الوزارة، واسمه منصور بن نصر بن الحسين أبو بكر، ويلقب بظهير الدين، وكان هو الذي تسبب
(2)
لقتل الوزير ابن رئيس الرؤساء، وكان في عزمه أن يولى الخلافة أبا منصور، فانخرمت عليه القاعدة، فلما بويع الإمام الناصر لم يحضر واعتذر بالمرض، وإنما كان به مرض القلب، حيث تيقن الهلاك، وقبض عليه الخليفة في السابع من يوم بيعته، ووكل به في حجرة في داره، وقبض على أصحابه، ونهبت دورهم، ونهبت العامة داره وأحرقوا سقوفها، وكانت على دجلة. فلما كانت ليلة السبت ثامن ذي القعدة نُقل إلى التاج وقُيِّد، وأُخرج ليلة الأربعاء حادي عشر ذي القعدة ميتا، وفيه آثار الضرب، فسلم إلى [أخيه فغسله وكفنه]
(3)
. فلما كان وقت الفجر من يوم الأربعاء أخرج في تابوت على رؤوس الحمالين؛ ليذهبوا به إلى قبر أحمد بن حنبل، وبلغ التابوت إلى [عقد]
(4)
الحديد، فصاح بعض الناس يا عوام هذا ابن العطار الذي سلط عليكم مسعود النقيب، فأخذ أموالكم وفعل وفعل، ورجمه بآجُرَّة وتتابع الآجُر، فرمى الحمالون وانهزموا، فجردوه من الكفن، وجعلوا في رجله شريطا وشحطوه
(5)
في دروب بغداد، وصاحوا عليه يا عجيل بن عجيل، وشوهوا به
(6)
ومثلوا به أقبح مثله، وكان مسيئا إلى الخلق الخاص والعام والعسكر والرعية، ثم أنهم جمعوا له حطبًا ليحرقوه، بعد أن قطعوه قطعا قطعا، فركب فطرس شحنة بغداد وأراد أن يخلصه منهم، فرجموه وقاتلوه إلى الليل، فحجز الليل بينهم
(7)
، ويقي من لحمه قطعة، فجاء [الناس]
(8)
فحملوها إلى مقابر أحمد، فدفنوها بها.
(1)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 228؛ انظر أيضًا: النجوم الزاهرة، جـ 6، ص 85.
(2)
"سببًا لقتل" في مرآة الزمان، جـ 8، ص 228.
(3)
"أخته فغسلته وكفنتها في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من مرآة الزمان، جـ 8، ص 228.
(4)
"عند" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من مرآة الزمان، جـ 8، ص 228 حيث ينقل العيني عنه.
(5)
"فشحططوه" في مرآة الزمان، جـ 8، ص 229.
(6)
"وشبهوا" في مرآة الزمان، جـ 8، ص 229.
(7)
"فحجز بينهم الليل" في مرآة الزمان، جـ 8، ص 229.
(8)
"ناس" في نسخة أ؛ "وأناس" في نسخة ب، والمثبت بين الحاصرتين من مرآة الزمان حيث ينقل العينى عنه، جـ 8، ص 229.
وظهير الدين [هذا]
(1)
هو ابن الشيخ نصر بن العطار الحراني
(2)
صاحب الصدقات، والمعروف بالبر والصلات والفضائل والكرامات.
ذكر بقية الحوادث
منها أن في ذي القعدة نزل توران شاه أخو السلطان صلاح الدين عن بعلبك، وطلب عوضها الإسكندرية، فأجابه السلطان صلاح الدين إلى ذلك، وأقطع بعلبك لعز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، فسار إليها فرخشاه، وسار شمس الدولة توران شاه إلى الإسكندرية، وأقام بها إلى أن مات بها
(3)
.
ومنها أنه كانت زلزلة عظيمة انهدم بسببها قلاع كثيرة وقرى، ومات خلق كثير، وسقط من رؤوس الجبال صخور كبار، وصارت بين الجبال في البرية مع بعد ما بينها من الأقطار
(4)
ومنها أنه أصاب الناس غلاء شديد وفناء عظيم، فلله الأمر من قبل ومن بعد .......
(5)
وفيها حج بالناس طاشتكين من العراق، ومن الشام صفي الدين بن القايض وزير صلاح الدين
(6)
.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
إبراهيم بن على أبو إسحق السلمي؛ الفقيه الشافعي المعروف بابن الفراء الآمدي
(7)
ثم البغدادي، كان فقيها بارعا فاضلا مناظرا فصيحا بليغا شاعرا مطبقا، مات في هذه السنة عن أربع وسبعين سنة، وصلى عليه أبو الحسن القزويني مدرس النظامية
(8)
.
(1)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من مرآة الزمان، جـ 8، ص 229، حيث ينقل العينى عنه.
(2)
هو: أبو بكر منصور بن نصر المعروف بابن العطار، لمعرفة المزيد عنه انظر: الكامل، جـ 10، ص 97 - 98.
(3)
نقل العينى هذا الخبر عن: المختصر، جـ 3، ص 62؛ انظر أيضًا الكامل، جـ 10، ص 98 - 99؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 324.
(4)
انظر: البداية والنهاية، جـ 12، ص 325، حيث نقل العينى هذا الخبر عنه بتصرف.
(5)
بياض بمقدار سطر ونصف في النسختين.
(6)
"صفي الدين بن القابض" في الروضتين، جـ 2 ق 1 ص 42.
(7)
"الأموي" في البداية والنهاية، جـ 12، ص 325.
(8)
عن المدرسة النظامية ببغداد، انظر السبكي: طبقات الشافعية، جـ 3، ص 136.
إسحق وإسماعيل ابنا أبي منصور موهوب بن الجواليقي؛ فأما إسحق، فكنيته أبو طاهر، ولد في سنة تسع عشرة وخمسمائة، وقرأ عليه ابنه الأدب والحديث، وسمع من [ابن]
(1)
الحصين وغيره، ومات في رجب، ودفن في باب حرب. وأما إسماعيل: فكنيته أبو محمد، ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وقرأ عليه ابنه الأدب، وبرع فيه، وسمع من [ابن]
(1)
الحصين، وابن السمرقندي وغيرهما، وأقرأ الأدب بعد أبيه، وروى عنه جماعة منهم عبد العزيز بن الأخضر، وكان يثني عليه ويقول: هو في النسك والعبادة أبلغ من أبيه.
وقال ابن كثير
(2)
: لقب إسماعيل المذكور حجة الإسلام، أحد أئمة اللغة في زمانه، والمشار إليه من بين أقرانه بحسن الدين، وقوة اليقين، وعلم اللغة والنحو، وصِدْق اللهجة، وخلوص النية، وحسن السيرة.
المبارك بن علي بن الحسين
(3)
بن عبد الله بن محمد أبو محمد بن الطباخ البغدادي؛ نزيل مكة ومجاورها، وحافظ الحديث بها، والمشار إليه بالعلم فيها، مات في هذه السنة، وكان يوم جنازته يوما مشهودا.
محمد بن الحسين أبو الفرج الهيتي؛ وُلد بهيت
(4)
سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وسكن بغداد، وكان فاضلا، له نظم ونثر، فمن النظم:
يا رَاقِدًا أَسْهرَ لى مُقلةً
…
[عَزِيزةً]
(5)
عندي وأبْكاها
ما آن للهجرانِ أَنْ ينقَضِي
…
عن مُهْجةٍ هَجْرُك أضنَاها
إنْ كُنتَ ما تَرحَمني فَارتَقِبْ
…
يا قَاتِلى في قَتْلِى اللهَ
(1)
"أبي" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت من مرآة الزمان، جـ 8، ص 226.
(2)
البداية والنهاية، جـ 11، ص 325؛ شذرات الذهب، جـ 4، ص 249 - 254؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 226.
(3)
"الحسن" في البداية والنهاية، جـ 12، ص 326؛ انظر ترجمته أيضا في الشذرات، جـ 4، ص 253 - 254؛ الذهبي: العبر، جـ 4، ص 226.
(4)
هِيتُ: سميت هيت لأنها في هوة من الأرض. وهي بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار. وبها قبر عبد الله بن المبارك، انظر: معجم البلدان، جـ 5، ص 420 - 421 (ط بيروت - دار صادر).
(5)
"غريرة" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من مرآة الزمان، ج 8، ص 227.
ومن النثر: من كان الصمت شجرته، كانت السلامة ثمرته. في احتراز اللبيب ما يغنيه عن الطبيب. من ترك المرا استمال الورى. وكانت وفاته في شعبان، ودفن بباب حرب، سمع عبد الوهاب الأنماطي وغيره، وروى عنه مشايخ السبط
(1)
.
محمد بن محمد بن عبد الكريم أبو الفرج بن الأنباري؛ كاتب الإنشاء بديوان الخليفة، ولد سنة سبع وخمسمائة، وهو من بيت الرئاسة والكتابة، ناب في الديوان من حين توفي والده سديد الدولة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة إلى هذه السنة، وكانت وفاته في ذي القعدة، وصلى عليه بجامع القصر، ودفن عند والده بمقابر قريش، سمع أبا محمد بن أحمد السمرقندي وطبقته، وكان فاضلا عاقلا نزها عفيفا.
محمد بن علي بن أحمد بن علي بن محمد أبو الفتح الدامغاني بن قاضي القضاة [أبي الحسن]
(2)
؛ من بيت الرئاسة والفضل والقضاء، استنابه أبوه في القضاء، وكان فاضلًا نزها عفيفًا، توفي وهو شاب في شوال، ودفن بنهر القلائين، وبها كانت منازلهم.
علم بنت عبد الله بن المبارك؛ زوجة الزبيدي شيخ الوزير ابن هبيرة، كانت تضاهي رابعة العدوية، تقرأ القرآن، ولا تفتر من الذكر، ولم يكن في زمانها مثلها، وكانت صابرة على الفقر ورعة، توفيت ببغداد، وعمرها
(3)
مائة سنة وست سنين، لم يتغير عليها من حواسها شيء، بل كأنها يوم ولدت. وفي المرآة
(4)
: مرض ولدها أحمد بن الزبيدي، فاحتضر، وجاء وقت الصلاة فقالت: يابني ادخل في الصلاة، فدخل وكبر فمات، فخرجت إلى النساء وقالت: هنينني. قلن: بماذا؟ قالت: مات ولدي في الصلاة، رضي الله عنها وعن ولدها.
(1)
نقل العينى هذه الترجمة من مرآة الزمان، ج 8، ص 227.
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة للإيضاح من مرآة الزمان، ج 8، ص 228.
(3)
"لها" في نسخة ب.
(4)
انظر مرآة الزمان، ج 8، ص 227؛ النجوم الزاهرة، ج 6، ص 85.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والسبعين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو الإمام الناصر لدين الله العباسي، وسلطان مصر والشام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصاحب حلب الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود، وصاحب الروم -صاحب قونية وأقصراي- قليج
(1)
أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان، وصاحب مملكة العجم ابن بهلوان، وصاحب الغورية ابن سام، وصاحب الموصل والجزيرة غازي بن مودود، وصاحب خلاط شاهرمَنْ، وصاحب ماردين أيلغازي بن نجم الدين إلبي، وصاحب حصن كيفا وآمد نور الدين محمد بن قرا أرسلان، وصاحب إربل زين الدين يوسف بن علي كوجك، وصاحب مكة الأمير داود بن عيسي بن محمد بن أبي هاشم، وصاحب الغرب أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وصاحب غزنة شهاب الدين الغوري.
ذكر ماجريات صلاح الدين رحمه الله
منها أنه سار بعساكره إلى أن وصل [إلى]
(2)
رَعْبَانَ؛ منجدًا نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا على قليج أرسلان "بن"
(3)
مسعود ملك الروم، وسبب ذلك أن نور الدين بن قرا أرسلان تزوج بابنة قليج أرسلان، ثم أحب مغنية وتركها
(4)
نسيا منسيا، فشكت حالها إلى أبيها، فعزم على قصد بلاده، فأرسل نور الدين إلى صلاح الدين؛ يستنجده ويسأله كف يد قليج أرسلان، فأرسل صلاح الدين إلى قليج أرسلان في ذلك، فأعاد الجواب: إنني كنت عند تزويجه ابنتي دفعت إليه عدة حصون، ولابد من إعادتها إليَّ. وكان صلاح الدين قد هادن الفرنج، فسار في عساكره نحو بلاد قليج أرسلان، وهي ملطية وسيواس وقونية وما بينها، فلما سمع قليج أرسلان بقربه منه، أرسل
* يوافق أولها 28 مايو 1180 م.
(1)
"قلج" في الكامل، جـ 10، ص 101.
(2)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أ. والمثبت من نسخة ب.
(3)
ما بين الأقواس ساقط من ب.
(4)
يذكر ابن الأثير: "أنه أحب مغنية فتزوجها، ومال إليها، وحكمت في بلاده وخزائنه، وأعرض عن ابنة قلج أرسلان، وتركها نسيًا منسيًا". الكامل، جـ 10، ص 101.
إلى بعض أمرائه، وذكر له بعض الحديث الذي جرى منه، فقال صلاح الدين للرسول: قل لصاحبك: لئن لم يرجع عن بلاده، لأسيرن إلى ملطية، ولا أنزل عن فرسي إلا في البلد
(1)
. وكان الرسول قد عاين جيشا عظيما، وكان عاقلا أديبًا، فقال لصلاح الدين: أريد أقول للسلطان كلاما لم يرسلني به أستاذي، فقال له: قل، فقال: تعطيني الأمان. فقال: قل وأنت آمن. فقال: يا مولانا أما هو قبيح بمثلك، وأنت أعظم السلاطين قدرًا وأكبرهم شأنًا، أن يسمع الناس عنك أنك صالحت الفرنج، وتركت الغزو ومصالح المملكة، وأعرضت عن كل ما فيه صلاح لك ولرعيتك وللمسلمين عامة، وخسرتَ أنت وعسكرك الأموال العظيمة؛ لأجل قحبة مغنية، ما يكون عذرك عند الله تعالى، ثم عند الخليفة وملوك الإسلام وكافة العالم؟ وهَبْ أن أحدًا ما يواجهك بهذا، أمَا يعلمون أن الأمر كذا، ثم احسب أن قليج أرسلان مات، وهذه ابنته قد أرسلتني إليك؛ تستجيرُك وتسألك أن تنصفها من زوجها، فإن فعلتَ فهو الظن، وإن لم يكن أفيَحْسُنُ بك أن تردَّها. فقال صلاح الدين: الحق بيدك، وإن الأمر لكما تقول، ولكن هذا الرجل دخل على، واستجار بي، ويقبح بي تركه، ولكني أجتمع به وأصلح الحال بينكم على ما تحبون، وأعينكم عليه
(2)
، ووعد من نفسه بكل جميل. واجتمع الرسول بنور الدين بن قرا أرسلان، وتردد القول بينهم، فاستقر له أنه يخرج المغنية بعد سنة، وإن لم يفعل ينزل صلاح الدين عن نصرته، ويكون هو وقليج أرسلان عليه.
ولما تقرر الحال على ذلك قصد صلاح الدين بلاد ابن لاون، وذلك أنه كان قد استمال قومًا من التركمان، وبذل لهم الأمان
(3)
، وأمرهُم أن يرعوا مواشيهم في بلاده، وهي بلاد حصينة منيعة كثيرة الوعر، ثم غدر بهم، وسبى حريمهم، وأخذ أموالهم، وأسر رجالهم، وقتل منهم جماعة، فنزل صلاح الدين على النهر الأسود
(4)
، وبث بلاده، فخاف ابن لاون على حصن له على رأس جبل أن يؤخذ، فخرّبه وأحرقه، وهو يسمى
(1)
"الباب" في نسخة ب.
(2)
ورد هذا النص بتصرف في الكامل، ج 10، ص 101 - 102؛ الروضتين، ج 2 ق 1، ص 47؛ سنا البرق الشامي، ص 345 - 346.
(3)
"الأموال" في الكامل، جـ 10، ص 103.
(4)
النهر الأسود: هو نهر قريب من النهر الأزرق في طرف بلاد المصيصة وطرسوس. معجم البلدان، جـ 4، ص 832.
حصن النَّقِير
(1)
، وسمع صلاح الدين بذلك فأسرع السير، فأدركه قبل أن ينقل ما فيه من ذخائر وأقوات فغنمها، وانتفع المسلمون بما غنموه، فأطلق ابن لاون من عنده من أسرى التركمان، وأعاد السبي والأموال.
وعاد صلاح الدين وتوجه إلى مصر ومعه الملك الظاهر غازي والملك العزيز ولداه، واستخلف على الشام ودمشق عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أخيه
(2)
.
ومنها أن في رجب قدمت رسل الخليفة الناصر لدين الله ومعهم خلع وهدايا إلى الملك الناصر صلاح الدين، فلبس السلطان خلع الخليفة بدمشق، وزينت له البلاد، وكان يوما مشهودًا
(3)
.
وفي المرآة
(4)
: وفيها وصل شيخ الشيوخ وصحبته رسول الخليفة إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ومعهما خلع وهدايا فلبس السلطان الخلع بدمشق، وزينت له المدينة، وكان يومًا مشهودا.
ومنها أن السلطان سار من الشام إلى الديار المصرية، لينظر في أحوالها وأمورها، ويصوم بها رمضان، ومن عزمه أن يحج عامه ذلك إلى بيت الله الحرام، واستناب علي الشام ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب. وكتب القاضي الفاضل عن الملك العادل أبي بكر نائب مصر إلى أهل اليمن ومكة؛ يعلمهم بعزم السلطان على الحج في هذا العام إلى المسجد الحرام، ليتأهبوا للملك، ويهتموا به. واستصحب السلطان معه صدر الدين أبا القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ ببغداد، الذي قدم في الرسلية من جهة الخليفة؛ ليكون في خدمته إلى الديار المصرية، وفي صحبته إلى الحجاز الشريف، فدخل السلطان مصر، وتلقاه الجيش، وكان يوما مشهودا. وأما صدر الدين فإنه لم يقم بها إلا قليلا، حتى توجهه إلى الحجاز الشريف في البحر، فأدرك الصيام بالمسجد الحرام
(5)
.
(1)
"قلعة شامخة تعرف بالمانقير" في الروضتين، ج 2 ق 1، ص 48. وبالرجوع إلى القواميس الجغرافية لم نعثر له على ذكر سواء تحت لفظ النقير أو المانقير.
(2)
ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 59؛ النوادر السلطانية، ص 54.
(3)
انظر: البداية والنهاية، جـ 12، ص 327.
(4)
انظر: مرآة الزمان، جـ 12، ص 229.
(5)
ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 58: البداية والنهاية، جـ 12، ص 327 - 328.
وفي المرآة
(1)
: وإنما ركب شيخ الشيوخ البحر من مصر، ومضى إلى مكة؛ لنذر كان عليه، وأقام إلى أيام الموسم، وحج وعاد إلى بغداد
(2)
.
ذكر بقية الحوادث
منها أن عرب سُليم
(3)
نافقت بالبحيرة، واجتمعوا في ستة آلاف فارس، فخرج إليهم أبو الهيجاء السمين في ألفي فارس، فكسرهم ونهبهم.
ومنها أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن
(4)
سار إلى إفريقية، وملك قَفْصَة
(5)
، وكان سبب ذلك أن صاحبها على بن المعز بن المعتز لما رأى دخول الترك إلى إفريقية واستيلاءهم على بعضها، وانقياد العرب [إليهم]
(6)
، طمع في الانفراد عن يوسف، والاستبداد دونه؛ لأنه كان في طاعته، فأظهر ما في نفسه وخالفه، وأظهر العصيان، ووافقه أهل قفصَة، فقتلوا كل من كان عندهم من الموحدين أصحاب أبي يعقوب، وكان ذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، [فأرسل والي بجاية]
(7)
إلى يوسف
(8)
بن عبد المؤمن [يخبره]
(9)
باضطراب أمور البلاد واجتماع العربان إلى قراقوش التركي، ودخوله إفريقية، واستيلائه، فشرع يوسف
(10)
في سَد الثغور التي يخافها بعد مسيره، ثم تجهز وجمع العساكر، وسار إلى إفريقية، ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهر؛ لأنها مدينة حصينة، وأهلها أنجاد، وقطع أشجارها. ولما اشتد على صاحبها على بن المعتز الأمر، خرج منها مختفيا لم يدر به أحد من أهل البلد، وسار إلى خيمة يوسف، وعرَّف
(1)
مرآة الزمان، ج 8، ص 229.
(2)
مرآة الزمان، ج 8، ص 229.
(3)
عرب سُلَيْم: بطن من جُذام، من القحطانية، انظر عمر كحالة: معجم قبائل العرب، ج 2، ص 540.
(4)
هو أبو يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي صاحب المغرب، تولى زعامة الدولة الموحدية من سنة 558 هـ- 580 هـ / 1163 - 1184 م، توفي سنة: 580 هـ. وفيات الأعيان، ج 7، ص 130 - 138؛ نهاية الأرب، ج 28، ص 371 حاشية 4.
(5)
قفصة: بلدة صغيرة في طرف إفريقيا من ناحية المغرب من عمل الذاب الكبير، بينها وبين القيروان ثلاثة أيام. معجم البلدان، جـ 4، ص 151.
(6)
"إليها" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الكامل، ج 10، ص 103.
(7)
"فأرسلوا إلى بجاية" في نسختى المخطوطة أ، ب. والتصحيح من الكامل، ج 10، ص 103، وهذا يتسق مع النص التاريخي.
(8)
"أبي يوسف" في نسخة ب.
(9)
"يخبرونه" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الكامل، ج 10، ص 103.
(10)
"أبو يوسف" في نسخة ب.
الحاجب أنه قد حضر إلى أمير المؤمنين، فدخل الحاجب وأعلم يوسف به، فعجب منه كيف أقدم على الحضور عنده بغير عهد!، وأمر بإدخاله عليه، فدخل وقبَّل يده، وقال: قد حضرت إلى أمير المؤمنين؛ أطلب العفو عني وعن أهل بلدي، وأن يفعل ما هو أهله، واعتذر إليه، فَرَقَّ له وعفا عنه وعن أهل البلد، وتسلمها أول سنة ست وسبعين، وسير علي بن المعز صاحبها إلى بلاد المغرب، فكان فيها مكرمًا عزيزًا، وأقطعه ولاية كبيرة، ورتب يوسف بقفصة طَائفة كبيرة من أصحابه، وحضر مسعود بن زمام أمير العرب إليه، فعفا عنه وسيره إلى مراكش
(1)
، وسار يوسف إلى المهدية
(2)
، فأتاه بها رسول صاحب صقلية؛ يلتمس الصلح منه، وهادنه عشر سنين، وعاد يوسف إلى المغرب مسرعًا، لأن بلاد إفريقية كانت مجدبة، فتعذر القوت والعلف على عسكره، فرحل عنها
(3)
.
ومنها أن امرأة قدمت إلى القاهرة وهي عديمة اليدين، وكانت تكتب برجليها كتابة حسنة، فحصل لها مال جزيل من الملوك والخواتين
(4)
، فقال العماد الكاتب:
أُخْمِلتُ
(5)
في مِصر ومَنْ يلتمسْ
…
غِناهُ في غربتِه يخْمُلِ
كتابتي قَدْ كَسَدتْ سُوقها
…
وحِيلَتي بارَتْ ولم أعْطُلِ
(6)
كيف يَبِينُ الفضْلُ في بلدةٍ
…
نِساؤُها يكتُبْن بالأَرْجُلِ
ومنها أن قراقوش التقوي سار إلى بلاد المغرب، فحاصر قابس
(7)
وقلاعا كثيرة حولها، واستحوذ على أكثرها، فاتفق أنه أسر من بعض الحصون غلامًا أمرد
(8)
، فأراد
(1)
مَرَاكُشُ: أعظم مدينة بالمغرب، في وسط بلاد البربر، أول من اختطها يوسف بن تاشفين من الملثمين في حدود سنة 470 هـ/ 1077 م، بينها وبين جبل دَرَن ثلاثة فراسخ، وهو في جنوبها. معجم البلدان، ج 4، ص 478.
(2)
المَهْدِيّة: في موضعين، إحداهما بإفريقية والأخرى اختطها عبد المؤمن بن علي قرب سلا، والتي بإفريقية منسوبة إلى المهدي، وبينها وبين القيروان مرحلتان، والقيروان في جنوبها على ساحل البحر المتوسط، معجم البلدان، ج 4، ص 693.
(3)
نقل العيني هذا النص بتصرف من الكامل، ج 10، ص 104.
(4)
نقل العينى هذا النص بتصرف من النجوم الزاهرة، ج 6، ص 86.
(5)
خمل: أي لم يعرف أو يذكر، انظر مادة "خمل"، المعجم الوسيط، ج 1، ص 256.
(6)
"أغطل" في نسخة ب.
(7)
قابسُ: مدينة بين طرابلس وصفاقص ثم المهدية، على ساحل البحر من أعمال إفريقية، معجم البلدان، ج 4، ص 3.
(8)
كذا في الأصل والروضتين، ج 2 ق 1، ص 63؛ "أسود" في البداية والنهاية، ج 12، ص 328.
قتله، فقال له أهل الحصن: لا تقتله، وخذ لك عشرة آلاف دينار، فأبي، فوصَّلوه إلى مائة ألف دينار، فأبى إلا قتله فقتله، فلما قتله نزل صاحب الحصن وهو شيخ كبير، ومعه مفاتيح ذلك الحصن، فقال له: خذ هذه فإني شيخ كبير"
(1)
وإنما كنت أحفظه لأجل هذا الصبي الذي قتلته، ولي أولاد أخي أكره أن يملكوه بعدي، فأقره فيه، وأخذ أموالا كثيرة
(2)
.
ومنها أن الخليفة ابتدأ في هذه السنة بعمارة المسناة
(3)
في الجانب الغربي من بغداد، وهي قائمة إلى هلم جرا.
ومنها أنه ابتدأ بعمارة تربة المستضيء المجاورة لجامع فخر الدولة. وتولى عمارتها ابن الصاحب أستاذ الدار، ونقل تابوته إليها.
وفيها ..........
(4)
.
وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين، ومن الشام سيف الدين على المشطوب.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
مبارك بن علي بن الحسين بن الطباخ أبو محمد البغدادي
(5)
؛ نزيل مكة، أقام بها أربعين سنة يؤم الناس، حطيم لا يراه أحد في غير المحرم، ويعتمر كل يوم ويتعبد ولا يراه أحد، فتوفي فيها بشوال، ودفن بالمعلي، سمع أبا القاسم بن الحصين وطبقته، وكان صالحًا ثقة.
[سعيد]
(6)
بن عبد الله بن القاسم: أخو كمال الدين الشهرزوري قاضى الشام، وهذا أصغر أخوة كمال الدين، ولد سنة ست وخمسمائة، وكنيته أبو الرضى، قدم بغداد وتفقه بها، وسمع شيوخها، وخرج إلى خراسان، فأقام عند محمد بن يحيى النيسابوري
(7)
مدة
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(2)
ورد هذا النص في الروضتين، ج 2 ق 1، ص 63؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 328.
(3)
"المسماة" في مرآة الزمان، ج 8، ص 229. وقال السبط أنها تسمى دار بير.
(4)
بياض بمقدار سطر.
(5)
انظر ترجمته في شذرات الذهب، ج 4، ص 253 - 254، في وفيات سنة 575 هـ.
(6)
"سعد" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من وفيات الأعيان، ج 7، ص 85، ص 312؛ طبقات الشافعية، ج 4، ص 41، ط. المطبعة الحسينية المصرية. وهو القاضي فخر الدين أبو الرضي سعيد بن عبد الله بن القاسم ابن المظفر الشهرزوري.
(7)
هو: أبو سعد محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري الملقب محى الدين الفقيه الشافعي، توفي في رمضان سنة 548 هـ/ 1056 م. وفيات الأعيان، ج 4، ص 223 - ص 224.
فكان يحترمه ويقول: هذا من بيت الرياسة والفضل، ثم عاد إلى الموصل، وقد برع وصار أَوجَهَ أهل بيته، وقدم رسولا من الموصل إلى بغداد مرارًا، وتوفي بالموصل، وكان ثقة جليلا نبيلا.
أحمد بن محمد أبو المظفر البغدادي؛ ولد سنة عشر وخمسمائة في شعبان، وسمع الحديث الكثير ورواه، وبنى مسجدا ببغداد في درب الرياحين يعرف به، وهو قائم إلى هلم جرَّا، وتوفي بالمخزن محبوسا بعدما ذهب بصره، ودفن بباب حرب، سمع أبا القاسم بن الحصين، وابن السمرقندي، وقاضى المارستان، وغيرهم، وكان صالحًا ثقة.
السِّلَفي أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم سِلَفة الأصفهاني، الملقب صدر الدين أبو الطاهر السِلفي
(1)
؛ أحد الحفاظ المكثرين، رحل في طلب الحديث، ولقي أعيان المشايخ، وكان شافعى المذهب، ورد بغداد واشتغل بها على الكيَا أبي الحسن "على"
(2)
الهراسي
(3)
في الفقه، وعلى الفقيه الخطيب أبي زكريا يحيى بن على التبريزي اللغوي في اللغة، وروي عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأماثل، وجاب البلاد، وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان قدومه إليها في البحر من مدينة صُور، وأقام بها، وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن له مثل في آخر عمره في عصره، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن سلار -وزير الظافر العبيدي صاحب مصر- في سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المحروس المذكور، وفوضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن
(4)
.
وقال ابن خلكان
(5)
: أدركتُ جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية، وسمعت عليهم وأجازوني، وكان كتب الكثير، ونقلتُ من خطه فوائد جَمة، ومن جملة ما نقلت من خطه لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي عن قصيدة:
(1)
هو أبو طاهر السلفي الحافظ أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني الحرواني، وحروان محلة بأصبهان. وسلفة بكسر السين المهملة لقب جده أحمد ومعناه شقوق الشفة. وفيات الأعيان، جـ 1، ص 105 - 107؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 328 - 329؛ شذرات الذهب، جـ 4، ص 255.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(3)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 3، ص 286.
(4)
ينقل العيني هنا عن وفيات الأعيان، جـ 1، ص 105.
(5)
وفيات الأعيان، جـ 1، ص 105.
لَوْلا اشْتغالى بالأميرِ ومَدْحِه
…
لأَطْلتُ في ذاك الغزالِ تَغَزُّلي
لَكنَّ أَوصافَ الجلالِ عَذُبْنَ لِي
…
فَتَركتُ أوصافَ الجمالِ بمَعْزِلِ
وكان كثيرًا [ما]
(1)
ينشد:
قالوا نفوسُ الدَّار سكانُها
…
وأنتم عندي نفوسُ النُفوسِ
(2)
وأماليه وتعاليقه كثيرة، وكانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريبا بأصفهان، ويقال: مولده سنة ثمان وسبعين. والله أعلم، وتوفي ضحوة نهار الجمعة، وقيل: ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية، ودفن في وَعْلة
(3)
، وهي مقبرة داخل السور عند الباب الأخضر، فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره رضي الله عنهم. وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمةً حسنةَ وإن كان قد مات قبله بخمس سنين، فذكر رحلته في طلب الحديث، ودورانه للأقاليم، وأنه كان يتصوف أولا، ثم أقام بالإسكندرية، وتزوج امرأة ذات يسار، فحسنت حاله، ووقفت عليه مدرسة هنالك
(4)
، وذكر طرفًا من أشعاره، منها قوله:
أَتأْمنُ إلمام المنية بغْتةً
…
وأمْنُ الفَتَى جُهلٌ ولو
(5)
خَبَرَ الدَّهرَا
وليسَ يُحابِى الدَّهرُ في دَوَرانِه
…
أراذِلَ أهليه ولا السادةُ الزُّهْرا
وكيفَ وقد ماتَ النبي [(صلى الله عليه وسلم)] وصَحبُه
…
وأزواجُه طرًا وفاطمةُ الزهْرَا
ومن شعره الذي أورده ابن عساكر قوله:
(1)
ما بين الحاصرتين إضافة من وفيات الأعيان، ج 1، ص 106، حيث ينقل العيني عنه.
(2)
أورد ابن خلكان هذه الأبيات في وفيات الأعيان، ج 1، ص 106.
(3)
وَعْلة: بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء، ويقال إن هذه المقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن ابن وعلة السَّبَئيِّ المصري صاحب ابن عباس. انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 106.
(4)
راجع ترجمته في: شذرات الذهب، ج 4، ص 255.
(5)
"وأمن الفتى جهلها وخبر الدهرا" كذا في نسخة ب.
يا قاصِدًا علم الحديثِ يَذُمُّهُ
…
إِذْ ضَلَّ عن طُرْقِ الهدايةِ وَهْمُهُ
إِنَّ العلومَ كما عَلِمْتَ كثيرةٌ
…
وأجَلَّهَا فِقْهُ الحديثِ وعِلْمُهُ
مَنْ كانَ طالِبُه وفيه تَيَقُّظٌ
…
فأتمُّ سَهْمٍ في المعاني سَهْمُهُ
لَوْلَا الحديثُ وأهلُه لم يسْتَقِمْ
…
دِينُ النبيِّ وَشَذَّ عَنَّا حُكْمُهُ
وإذا اسْتَرابَ بقولِنا مُتَحَذْلِقٌ
…
فَأَكَلُّ
(1)
فَهْمٍ في البسيطةِ فَهْمُهُ
والسِّلَفِيّ بكسر السين المهملة وفتح اللام وكسر الفاء، نسبة إلى سلفة، لقب جده إبراهيم. وفي المرآة
(2)
: لقب جده أحمد كان يعرف به، ويلقب به؛ وذلك لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة، فصارت مثل الشفتين، غير الأخرى الأصلية، فقالوا له بالعجمية: سِه لَبَهْ، فلفظ سه هو الثلاثة بالعَجمي، ولب هو الشفة، فلما عربوه قالوا: سِلفَة. أسقطوا الهاء من سه، وأبدلوا الباء في لبه فاءً، فقالوا: سلفة. والنسبة إليه السلفي
(3)
. وَوَعْلة بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام وفي آخرها هاء، وهي مقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وَعْلة السبئي المصري صاحب ابن عباس، وقيل غير ذلك.
سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر؛ صاحب الموصل، تقلد المملكة بعد وفاة أبيه مودود، وهو والد سنجر شاه، صاحب جزيرة ابن عمر
(4)
، أقام في الملك عشر سنين وشهورًا، وأصابه مرض مزمن، وتوفي يوم الأحد ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتولى بعده أخوه عز الدين مسعود
(5)
.
(1)
"فاء كل" في نسخة ب.
(2)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 230.
(3)
ورد هذا النص بتصرف في وفيات الأعيان، جـ 1، ص 107.
(4)
جزيرة ابن عمر: مدينة صغيرة على دجلة من غربيها وشمالي الموصل. انظر: معجم البلدان، جـ 2، ص 79؛ تقويم البلدان، ص 283.
(5)
ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، جـ 2 ق 1 ص 52 - 55: الباهر، ص 180؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 231 - 232.
وقال ابن كثير
(1)
: وكان سيف الدين غازي المذكور شابا حسنًا مليح الشكل تام القامة، مدور اللحية، مكث في الملك عشر سنين، ومات عن ثلاثين سنة، وكان عفيفا في نفسه، مهيبا وقورًا، لا يلتفت إذا ركب ولا إذا جلس، غيورًا لا يدع أحدًا من الخدام يدخل على النساء، وكان لا يقدم على سفك الدماء، وينسب إلى شيء من البخل، فأجلس مكانه في المملكة أخاه عز الدين مسعود، وجعل مجاهد الدين قيماز نائبه ومدبر مملكته. وجاءت رسل الخليفة يلتمسون من صلاح الدين أن يبقى سروج
(2)
والرها والرقة، وحران والخابور ونصيبين في يده، كما كانت في يد أخيه، فامتنع السلطان من ذلك، وقال: هذه البلاد هي حفظ [ثغور]
(3)
الإسلام، وإنما كنت تركتها في يده؛ ليساعدنا على غزو الإفرنج، فلم يكن يفعل ذلك، وكتب إلى الخليفة يعرفه بذلك.
وفي تاريخ بيبرس: وكان مرض غازي السِل، وأراد أن يعهد بالملك إلى ابنه الأكبر معز الدين سنجرشاه، وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة، فخاف من صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولم يجبه أخوه مسعود إلى ذلك، فأشار عليه أكابر دولته بأن يجعل الملك في أخيه عز الدين مسعود، وأن يجعل لولديه بعض البلاد، وأن يكون مرجعهما إلى عز الدين عمهما، والمتولى لأمرهما مجاهد الدين قيماز، ففعل ذلك، وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجرشاه، وقلعة الحميدية
(4)
لولده الصغير ناصر الدين، وكان مجاهد الدين قيماز الحاكم في الجميع.
وقال ابن الأثير
(5)
: كان قد علق به سل، وطالت علته، وأجدبت البلاد قبل موته، وخرج الناس يستسقون، وخرج سيف الدين معهم، فاستغاث إليه الناس، وقالوا: كيف يستجاب لنا والخمور والخواطيء والمظالم بيننا؟! فقال: قد أبطلتها. ورجعوا إلى البلد
(1)
ورد هذا النص بتصرف في البداية والنهاية، جـ 12، ص 326؛ الباهر، ص 180؛ الروضتين جـ 2 ق 1، ص 54 - 55.
(2)
سروج: بلدة قريبة من حران من ديار مضر. معجم البلدان، جـ 3، ص 85.
(3)
"ثغر" في نسخة أ، والمثبت من نسخة ب.
(4)
قلعة الحميدية: قلعة حصينة في جبال الموصل، أهلها أكراد، وتقع شرقي الموصل: انظر: معجم البلدان جـ 3، ص 696؛ تقويم البلدان، ص 274؛ الباهر ص 48 حاشية (5).
(5)
انظر: الباهر، ص 180 - 181؛ كما ورد النص بتصرف في الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 53 - 54؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 231 - 232.
وفيهم رجل صالح يقال له: أبو الفرج الدقاق، فأحرق الخمور لا غير، ونهب العوام دكاكين الخمارين، فاستدعى الدقاق والى القلعة، وقال له: أنت جَرَّأْتَ العوام على السلطان. وضرب على رأسه، فانكشفت رأسه، وأطلق ونزل مكشوف الرأس، فقيل له: غطى رأسك، فقال: لا والله لا غطيتها حتى يُنتقم لي ممن ظلمني. فمات الدزدار
(1)
والذي ضربه بعد قليل، ومرض سيف الدين وتوفي.
ذكر حكايته مع الشيخ أبي أحمد الحداد الزاهد:
كان أبو أحمد قد انقطع في قرية من بلد الموصل، يقال لها الفضلية
(2)
، ومنها أصله، وهي على فراسخ من الموصل.
قال السبط
(3)
: حدثني أبو بكر القديمى وإسماعيل الشعار، وكانا قد صحبا الشيخ أبا أحمد، "قالا: كان سيف الدين يزور الشيخ أبا أحمد"
(4)
، فقال له يوما:"يا"
(5)
سيف الدين أي فائدة في زيارتك وأنت تشرب الخمر، وتبيح المحرمات، وتمكس
(6)
المسلمين؟ فإن كنت تدع هذا وإلا فلا تجيء إلى عندى. فقال: يا سيدي أنا تائب إلى الله من جميع ما قلت، وترك الجميع وعاد إلى ما كان عليه. وكان للشيخ طاقة على باب الزاوية، ينظر من يجيء من دمشق، قال: فبينما نحن عنده يوما، إذا بسيف الدين قد أقبل، وصعد على الدرج، فقال: يا أبا بكر أغلق الباب في وجهه وقل له مالك عندي شغل، وادفعه إلى أسفل الدرج. قال أبو بكر القديمي: فخرجت فاستحييت منه، فقال لي سيف الدين: يا شيخ أفعل بي ما أمرك الشيخ وأدار ظهره إلىَّ، فدفعت في ظهره، حتى أنزلته إلى أسفل الدرج، فقعد يبكي، وصاح الجند بأسرهم، فأشار لهم
(7)
أن
(1)
الدزدار: هو حافظ القلعة، أي والى القلعة، ودز بالعجمى القلعة، ودار الحافظ أى حافظ القلعة، انظر: وفيات الأعيان، جـ 7، ص 142.
(2)
الفضلية: قرية كبيرة كالمدينة من نواحي شرقي الموصل وأعمال نينوي، معجم البلدان، جـ 3، ص 903.
(3)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 232.
(4)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(5)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(6)
المكس: جمعها المكوس. وهي الضريبة غير الشرعية.
(7)
"إليهم" في نسخة ب.
اسكتوا، ثم قال لي: يا شيخ أبو بكر اصعد إلى الشيخ، وقل له: فما لي توبة؟ قال: فصعدت إليه وأخبرته، فقال: قل له يجوز، قد أذنت له. قال: فخرجت وقلت له: بسم الله، فدخل على الشيخ، فبكى وقبَّل يده، وتاب إلى الله تعالى، وعاد إلى الموصل، وأقام مدة يسيرة، ومات يوم الأحد ثالث صفر، ولم يبلغ ثلاثين سنة، وكانت ولايته عشر سنين وشهورًا. وأراد أن يعهد إلى ابنه سنجر شاه، فامتنع أخوه عز الدين مسعود من ذلك، وقال له مجاهد الدين قيماز وأكابر الأمراء: قد علمت استيلاء صلاح الدين على البلاد وقربه منا، وسنجر شاه صبي لا رأي له، وأخوك عز الدين كبير السن، صاحب رأي وشجاعة، فاعهد إليه واجعله وصيًا على أولادك، ففعل. وكانت الرعية قد خافت من عز الدين مسعود؛ لإقدامه على سفك الدماء وحدَّته. فلما ولي تغيرت أخلاقه، فصار رفيقًا بالرعية، قريبًا منهم، محسنا إليهم. ولما مات سيف الدين كان صلاح الدين في حدود الروم، فأرسل إليه مجاهد الدين قيماز الفقيه أبا شجاع بن الدهان البغدادي
(1)
، فطلب منه أن يكون مع عز الدين، كما كان مع أخيه سيف الدين، ويبقى عليه الجزيرة وما بيده من حران والرها والرقة وخابور ونصيبين وقاطع الفرات، فقال صلاح الدين: أما ما خلف له من بلاد الموصل فهو باق على حاله، وأما ما ذكره من بلاد الجزيرة فإنما كانت بيده بشفاعة الخليفة، على شرط أن يقوى ثغور المسلمين بالمال والعساكر، أما الآن فالخليفة قد فوَّض أمرها إلىَّ، لا أفعل "فيها"
(2)
إلا ما أراه من المصلحة.
الملك المعظم توران شاه؛ مات في هذه السنة. وقال ابن كثير
(3)
: السلطان الأكبر الملك المعظم شمس الدولة
(4)
توران شاه بن أيوب، الذي افتتح بلاد اليمن عند أمر أخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فمكث فيها حينًا، واقتني
(1)
أبو شجاع بن الدهان: هو أبو شجاع محمد بن على بن شعيب المعروف بابن الدهان، والملقب فخر الدين، البغدادي الفرضي، توفي سنة 590 هـ/ 1194 م. انظر: وفيات الأعيان جـ 5، ص 12 - 13.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(3)
البداية والنهاية، جـ 12، ص 327.
(4)
"شمس الدين توران شاه" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من وفيات الأعيان، جـ 1، ص 306؛ البداية والنهاية جـ 12، ص 327؛ الروضتين جـ 2 ق 1، ص 56 - 58؛ زامباور: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، جـ 1، ص 158.
منها أموالا جزيلة، ثم استناب فيها، وأقبل نحو أخيه إلى الشام؛ شوقا إليه. وكان قدومه إليه في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة كما ذكرنا، فشهد معه مواقف مشهودة وغزوات محمودة، واستنابه على دمشق مدة، ثم سار إلى مصر فاستنابه على الإسكندرية
(1)
فلم توافقه، وكان يعتريه القُولَنج
(2)
فمات بها في هذه السنة، فدفن فيها. ثم نقلته أخته ست الشام بنت أيوب فدفنته بتربتها التي بالشامية البرانية
(3)
بدمشق، فقبره القبليّ، والوسطاني قبر زوجها ابن عمها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، صاحب حمص والرحبة، والمؤخر قبرها، رحمها الله. والتربة الحسامية منسوبة إلى ولدها حسام الدين عمر بن لاجين، وهي إلى جانب المدرسة من غربيّها، وقد كان الملك تورانشاه كريما جوادا ممدَّحا شجاعا باسلًا، عظيم في [الهيبة]
(4)
، كبير النفس واسع الصدر. وقال فيه ابن سعدان الحلبي:
هو المَلكُ إِنْ تَسْمَع بكسرى وقيصر
…
فإنهما في الجودِ والبأسِ عَبْدَاهُ
وما حاتمٌ
(5)
ممن يُقاسُ بمثلِه
…
فخُذْ ما رأيناه ودَعْ ما رويناهُ
ولُذْ بِذُرَاهُ مستجيرًا فِإنَّه
…
يُجِيرُك مِنْ جَوْرِ الزمانِ وعَدْواهُ
ولا
(6)
تتحَمَّلْ للسحائبِ مِنَّةً
…
إذا هطلت
(7)
جُودًا سَحَائبُ جَدْواهُ
ويُرسِلُ كَفْيه بما اشْتُق منْهُما
…
فَلِليُمْنْ يمناه
(8)
ولِلْيُسْرِ يُسْراهُ
ولما بلغ خبر موته إلى أخيه السلطان صلاح الدين، وهو مخيم بظاهر حمص، حزن حزنا شديدًا عليه، وجعل ينشد باب المراثي من الحماسة، وكانت محفوظته.
(1)
"إسكندرية" في نسخة ب.
(2)
القولنج: مرض وصفة الخوارزمي بأنه اعتقال الطبيعة لانسداد المعي المسمى قولون. انظر: النوادر السلطانية، ص 55، حاشية 3.
(3)
هذه المدرسة توجد بالعقيبة بدمشق، وقد بنتها ست الشام بنت نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، أخت الملك الناصر صلاح الدين، وهي من أكبر المدراس وأعظمها وأكثرها أوقافًا. انظر الدارس، جـ 1، ص 277 - 279.
(4)
"الهيئة" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من البداية والنهاية، جـ 12، ص 327 حيث ينقل العيني عنه هذا النص.
(5)
"حتم" في البداية والنهاية، جـ 12، ص 327.
(6)
"فلا" في الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 56.
(7)
"هللت" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين جـ 2 ق 1، ص 56؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 327.
(8)
"يملاه" في نسخة ب.
وقال ابن خلكان
(1)
: وكانت وفاة تورانشاه يوم الخميس مستهل صفر، ويقال: خامس صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة. وتورانشاه بضم التاء المثناة من فوقها
(2)
وسكون الواو وبعدها راء مهملة، ثم بعد الألف نون ساكنة، وبعدها شين معجمة وألف ساكنة وهاء، ومعناه ملك الشرق، وشاه لفظ أعجمي ومعناه الملك. وتوران اسم لبلاد الترك، والعجم يسمون الترك تركان، ثم حرفوه
(3)
فقالوا: توران. وقد علم أن المضاف إليه يقدم على المضاف في لغتهم. فافهم.
(1)
انظر: وفيات الأعيان، جـ 1، ص 306 - 309.
(2)
"فوق" في نسخة ب.
(3)
"خرموه" في نسخة ب.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والسبعين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم، غير أن الملك الصالح بن نور الدين محمود مات في هذه السنة.
ذكر وفاة الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب
والكلام فيه على أنواع:
الأول في ترجمته: هو السلطان الملك الصالح إسماعيل ابن السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، صاحب حلب وما والاها، وكان أبوه نور الدين رحمه الله قد عهد بالملك له، وعمره يوم مات أبوه إحدى عشرة سنة، وكان مولده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وقد ذكرنا أنه انتقل من دمشق إلى حلب، ودخل قلعتها يوم الجمعة مستهل المحرم سنة سبعين وخمسمائة، وخرج السلطان صلاح الدين من مصر، وملك دمشق وغيرها من بلاد الشام، ولم يبق عليه سوى مدينة حلب.
الثاني في سيرته: قال ابن خلكان
(1)
: كان محسنا محمود السيرة. وقال النويري
(2)
: وكان من أعف الملوك، ومن يشابه أباه فما ظلم. وصف له الأطباء في مرضه شرب الخمر، فاستفتي بعض الفقهاء في شربها تداويا فأفتاه بذلك، فقال له: أيزيد مشربها في أجلى أو ينقص منه شيئا؟ قال: لا. قال: فوالله لا أشربها وألقى الله وقد شربتُ ما حرمه عليَّ. وفي تاريخ بيبرس
(3)
: أفتاه بذلك فقيه من مدرسي الحنفية، فقال: أرأيت إن قَدَّر اللهُ قرب الأجل، أيؤخره شرب الخمر؟ فقال الفقيه: لا. فقال له ما ذكرنا.
* يوافق أولها 17 مايو 1181 م.
(1)
انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 188.
(2)
انظر: نهاية الأرب، ج 27، ص 171 - 172.
(3)
اتفقت معظم المصادر في ذكر هذه القصة. انظر: الروضتين، ج 2 ق 1 ص 66؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 329.
وذكر ابن الأثير
(1)
: أنه لما اشتد به المرض وضعف، وصف له الأطباء قليل خمر، فقال: لا أفعل حتى أسأل الشافعية. فأفتوه بالجواز، وسأل العلاء الكاشاني فأفتاه أيضا، فلم يفعل. وقال السّبط
(2)
: أخطأ الكاشاني فإن الخمر لا يباح عند أبي حنيفة رضي الله عنه وجميع أصحابنا للتداوى، وكذا عند مالك وأحمد، وعند الشافعي يجوز للضرورة، وعندنا أن الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حُرِّم عليها.
وفي تاريخ المؤيد
(3)
: وكان حليما عفيف اليد والفرج واللسان، ملازما لأمور الدين، لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الشباب.
الثالث في وفاته: وقال ابن خلكان
(4)
: توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وذكروا أنه لم يبلغ عشرين سنة، ودفن في المقام الذي بالقلعة، ثم نقل إلى رباطه المعروف به تحت القلعة، وهو مشهور هناك.
وفي المرآة
(5)
: وكان مرضه القولنج، بدأ به في تاسع رجب. وقال المؤيد في تاريخه
(6)
: في رجب توفى الملك الصالح وعمره تسع عشرة سنة، ولما اشتد به مرض القولنج وصف له الأطباء الخمر، فمات ولم يستعمله.
وفي تاريخ ابن كثير
(7)
: وكانت وفاته بقلعة حلب، ودفن بها، وكان سبب وفاته فيما قيل أن الأمير علم الدين سليمان بن جندر سقاه سُما في عنقود عنب في الصيد. وقيل: بل سقاه ياقوت الأسدي في شراب. وقيل: في خشكنانكة
(8)
فاعتراه قولنج فما زال كذلك حتى مات. وهو شاب حسن الصورة بهي المنظر، ولم يبلغ عشرين سنة،
(1)
انظر: الباهر، ص 182؛ الكامل، ج 10، ص 106 - 107.
(2)
مرآة الزمان، ج 8، ص 233.
(3)
انظر: المختصر، ج 3، ص 63.
(4)
نقل العيني قول ابن خلكان بتصرف. انظر: وفيات الأعيان، جـ 5، ص 188.
(5)
انظر: المرآة، ج 8، ص 233.
(6)
انظر: المختصر، ج 3، ص 63.
(7)
البداية والنهاية، ج 12، ص 329 - 330.
(8)
خشكنانكة: نوع من الفطير المصنوع من الزبد والسكر والجوز أو الفستق. انظر: التاريخ الباهر، ص 79، حاشية 6؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 102، حاشية 3.
ولما يئس من نفسه استدعى الأمراء فحلفهم لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل؛ لقوة سلطانه وتمكنه، ليمنعها من صلاح الدين. وخشي أن يبايع لابن عمه الآخر عماد الدين زنكي صاحب سنجار -وهو زوج أخته وتربية والده- فلا يمكنه حفظها من صلاح الدين.
فلما مات استدعى الحلبيون عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود صاحب الموصل، فجاء إليهم فدخل حلب في أبهة عظيمة، وكان يوما مشهودا، وذلك في العشرين من شعبان من هذه السنة، فتسلم خزائنها وحواصلها وما فيها من السلاح.
وكان تقي الدين عمر بمدينة منبج، فهرب إلى حماة، فوجد أهلها قد نادوا بشعار عز الدين صاحب الموصل. وأطمع الحلبيون عز الدين مسعود في أخذ دمشق لغيبة صلاح الدين بالديار المصرية، وأعلموه بمحبة أهل الشام لهذا البيت الأتابكي، فقال: بيننا وبينه أيمان وعهود، وأنا [لا]
(1)
أغدر به. فأقام بحلب شهورا، وتزوج بأم الملك الصالح في شوال، ثم سار إلى الرقة فنزلها، وجاءته رسل أخيه عماد الدين؛ يطلب منه أن يقايضه من حلب إلى سنجار، وألح في ذلك، وتمنّع أخوه ثم رضي على كره منه، فسلم إليه حلب، وسلمه عماد الدين سنجار والخابور والرقة وسروج، وغير ذلك من البلاد.
وعاد عز الدين مسعود إلى حلب
(2)
، ولما سمع السلطان صلاح الدين بهذه الأمور ركب من الديار المصرية في عساكره، فسار حتى أتي
(3)
الفرات.
وفي تاريخ بيبرس: تسلم عماد الدين، صاحب سنجار، حلب عوضا عن سنجار، وذلك أنه لما رحل عز الدين مسعود إلى الرقة جاءته رسل أخيه عماد الدين؛ يطلب أن يسلم إليه حلب، ويأخذ عوضا عنها سنجار، فلم يجبه إلى ذلك. فقال: إن لم تسلموا إليَّ حلب، وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين. فأشار الأمراء على عز الدين بتسليم حلب إليه، فاستقر الأمر على تسليمها لعماد الدين، وأخذ سنجار عوضا عنها. وبلغ
(1)
ما بين الحاصرتين إضافة لتوضيح المعنى من البداية والنهاية، ج 12، ص 330.
(2)
إلى هنا توقف العيني عن النقل من البداية والنهاية، ج 12، ص 330.
(3)
"إلى" في نسخة ب.
ذلك صلاح الدين، فخاف على دمشق، وبرز من مصر وسار إلى الشام في محرم السنة الآتية، على ما نذكره إن شاء الله تعالى
(1)
.
ذكر ماجريات صلاح الدين
منها أنه لما استهلت هذه السنة كان صلاح الدين مقيما بالقاهرة، مواظبا على سماع الأحاديث، وجاء كتاب من نائبه بالشام عز الدين فرخشاه؛ يهنئه بما مَنَّ الله تعالي به على الناس من كثرة ولادة النساء من التوأم، جبرًا لما كان أصابهم في العام الماضي من الوباء والفناء، وبأن الشام مخصب بإذن الله، جبرًا من الله تعالى لما كان أصابهم في العام الماضي من الجدب والغلاء
(2)
.
ومنها أن في شوال منها توجه صلاح الدين إلى الإسكندرية، و [خيم بظاهرها عند عمود السواري]
(3)
، فشاهد ما أمر به من تحصين سورها وعمارة أبراجها وقصورها، وسمع موطأ الإمام مالك رحمه الله على الشيخ أبي طاهر بن عوف عن الطرطوشي، وسمع ذلك معه العماد الكاتب، وأرسل القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين رسالة؛ يهنئه بهذا السماع
(4)
.
ومنها أن صلاح الدين ولى أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب نيابة اليمن، فملَّكه عليها وأرسله إليها؛ وذلك لاختلاف نوابها واضطراب أصحابها بعد وفاة الملك المعظم توران شاه أخي السلطان صلاح الدين، الذي كان افتتحها، فسار طغتكين إليها فوصلها في سنة ثمان وسبعين، فسار فيها أحسن سيرة، وأكمل بها المعدلة والسريرة، فاحتاط على أموال [حِطَّان]
(5)
بن منقذ [الكناني]
(6)
نائب زَبيد، وكانت
(1)
ورد هذا الحدث بتصرف في الروضتين، ج 2 ق 1، ص 67 - 68؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 330.
(2)
ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، ج 2 ق 1، ص 64؛ البداية والنهاية، ج 2، ص 329.
(3)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أ. ومثبت في ب، وهو عمود أحمر منقط من الصوان، كان حوله 400 عمود كسرها قراجا والى الإسكندرية في أيام السلطان صلاح الدين. ولمعرفة المزيد عن هذا الموضوع انظر المقريزي: الخطط، ج 1، ص 257 - 261، طبعة (مكتبة الآداب).
(4)
الروضتين، ج 2 ق 1، ص 76.
(5)
"خطاب" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الكامل ج 10، ص 106؛ الروضتين، ج 2 ق 1، ص 79؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 144؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 330.
(6)
ما بين الحاصرتين إضافة من الكامل، ج 10، ص 105.
تقارب ألف ألف دينار. وأما نائب عدن فخر الدين عثمان الزنجيلي
(1)
؛ فإنه خرج من اليمن قبل قدوم طغتكين فسكن الشام، وله أوقاف مشهورة باليمن ومكة، وإليه تنسب المدرسة الزنجيلية
(2)
، خارج باب توما، تجاه الطعم
(3)
، وكان قد حصل منها أموالا [جزيلة]
(4)
. وفي تاريخ بيبرس: وفيها سير صلاح الدين
(5)
جماعة من أمرائه منهم صارم الدين خُتْلجُ
(6)
وغيره إلى اليمن؛ لاختلاف نواب شمس الدولة بها، وكان الاختلاف بين عز الدين عثمان الزنجيلي وحطان بن منقذ، وجرت بينهما حرب، ورام كل واحد منهما أن يتغلب على ما بيد الآخر، فاتفقت وفاة ختلج، وتولي
(7)
حطان بن منقذ إمارة زبيد، وأطاعه الناس لجوده وشجاعته، وقبض صلاح الدين على سيف الدولة مبارك بن منقذ الكناني؛ لأنه كان نائبا عن شمس الدولة باليمن، فترك أخاه حطانًا بها، وجاء إلى شمس الدولة إلى مصر. فلما اتفقت وفاة شمس الدولة صار إلى صلاح الدين، فقيل له أنه أخذ مال اليمن وأدخل، فاعتقله صلاح الدين، ثم صالحه على ثمانين ألف دينار، فأخذها منه وأطلقه. قلت: حطان المذكور هو ابن كامل بن منقذ الكناني من بيت صاحب شيزر.
ومنها أنه ولد لصلاح الدين ولدان وهما: الملك المعظم توران شاه، والملك المحسن أحمد، وكان بين ميلادهما سبعة أيام، فزينت البلاد واستمر الفرح والسرور
(8)
.
وفي تاريخ الدولتين
(9)
: الملك المحسن أبو العباس أحمد ظهير الدين ولد بمصر في ربيع الأول من هذه السنة، وهو لأم الأشرف. والملك المعظم أبو منصور توران شاه فخر
(1)
"الزنجبيلي" الكامل، جـ 10، ص 106؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 330؛ النجوم الزاهرة، ج 6، ص 91. وقد أجمعت المصادر على أنه "عز الدين" بينما انفرد ابن كثير بذكره "فخر الدين".
(2)
المدرسة الزنجيلية: ويقال المدرسة الزنجارية أنشأها الأمير عز الدين أبو عمرو عثمان بن على الزنجيلي سنة 626 هـ/ 1229 م خارج باب توما أحد أبواب مدينة دمشق. الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 526 - 529.
(3)
"المطعم" كذا ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ج 12، ص 330.
(4)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أو مثبت في نسخة ب.
(5)
انظر الروضتين، ج 2 ق 1، ص 80.
(6)
"صارم الدين قطلغ أبه" في الكامل، ج 10، ص 111 - 112؛ وذكره أبو شامة "صارم الدين خطلبا" في الروضتين، ج 2 ق 1، ص 80.
(7)
"تولي" مكررة في نسخة ب.
(8)
انظر الروضتين، ج 2 ق 1، ص 84؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 331.
(9)
الروضتين، ج 2 ق 1، ص 84.
الدين، ولد في مصر في ربيع الأول من هذه السنة، ومات سنة ثمان وخمسين وستمائة، وهي السنة التي أخرب العدو من التتار - مدينة حلب وغيرها.
ذكر بقية الحوادث
منها
(1)
أن الإفرنج غدرت ونقضت عهودهم، وقطعوا السبل على المسلمين برا وبحرا، سرا وجهرا، فأمكن الله من بطسة عظيمة، لهم فيها نحو من ألفين وخمسمائة نفس من رجالهم المعدودين، منهم من ألقاهم الموج إلى ثغر دمياط قبل خروج السلطان صلاح الدين من مصر، فأحيط بها، فغرق بعضهم، وحصل في الأسر [نحو]
(2)
ألف وسبعمائة منهم
(3)
.
ومنها أن قراقوش سار إلى بلاد إفريقية ففتح بلادًا كثيرة، وقاتل عسكر [ابن]
(4)
عبد المؤمن، واستفحل أمره هنالك، وهو من جملة مماليك تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين، ثم عاد إلى الديار المصرية فأمره صلاح الدين بأن يتمم السور المحيط بالقاهرة ومصر، وذلك قبل خروجه منها في هذه السنة، وكان ذلك آخر عهده بها حتى توفاه الله عز وجل وذلك بعد أن أراه بلوغ مناه قبل حلول الوفاة، فأقر عينه من أعدائه، وفتح على يديه بيت المقدس وما حوله وما حواه. ولما خيم بارزًا من مصر أحضر أولاده حوله فجعل يشمهم ويقبلهم ويضمهم، فأنشد بعضهم:
تَمَتَّعْ من شَمِيم [عُرَارِ نَجْدٍ
(5)
]
…
فما بعدَ العَشِيَّة من عُرارِ
فكان الأمر كما قال؛ لم يعد إلى مصر بعد هذا العام، بل كان مقامه بالشام.
(1)
ورد هذا النص في البداية والنهاية، ج 12، ص 330 - 331؛ أيضا: راجع الروضتين، ج 2 ق 1، ص 84.
(2)
ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 12، ص 331.
(3)
نقل العيني عدد الأسرى من البداية والنهاية، ج 12، ص 331؛ أما الكامل والروضتين فقد ذكرا أن عدد الأسرى "ألفا وستمائة وستة وسبعين". انظر: الكامل، ج 10، ص 112؛ الروضتين، ج 2 ق 1، ص 84.
(4)
ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 12، ص 331؛ الروضتين، ج 2 ق 1، ص 84.
(5)
"عن أرض نجد" كذا في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من البداية والنهاية، ج 12، ص 331؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 64؛ الروضتين، ج 2 ق 1، ص 87؛ زبدة الحليب، ج 3، ص 55.
ومنها
(1)
أن فرخشاه بن أخي السلطان صلاح الدين ونائبه بدمشق سار إلى أعمال كرك ونهبها؛ لما بلغه أن الفرنج تطرقوا لأن يسيروا إلى مكة وإلى المدينة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- فجمع العساكر الدمشقية، وسار إلى بلدهم ونهبه وخَرَّبه، وعاد إلى طرف بلاد الإسلام، وأقام بها ليمنع البرنس
(2)
من التعرض إلى المسلمين. وأما الذين سيرهم الفرنج إلى الحجاز؛ فأهلك الله تعالى جميع من سيروا، وقتلوا وأسروا.
ومنها أنه تواصف الناس كثرة الفأر، وشكي أهل الزراعات جائحتهم
(3)
به، وأنه كان يرحل من بقعة إلى بقعة، فيغطى الأرض ويجور على مواضع مملوءة زروعًا
(4)
، فلا يترك منها شيئا، ويمر بأخرى فيتركها قاعا صفصفًا.
ومنها أنه استوت عدة جيش صلاح الدين على ثمانية آلاف وستمائة وأربعين طواشية، وقرا غلامية
(5)
.
ومنها أن صاحب ماردين حصر قلعة البيرة، وكانت لشهاب الدين الأرتقي
(6)
، وهو ابن عم قطب الدين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين
(7)
، وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي، فمات شهاب الدين الأرتقي، وملك القلعة بعده ولده، وصار في طاعة عز الدين مسعود صاحب الموصل، فلما كان في هذه السنة أرسل صاحب ماردين إلى عز الدين [مسعود]
(8)
يستأذنه في حصر البيرة وأخذها، فأذن له، فسار، فنزل سُمَيْسَاط
(9)
وكانت له، وأرسل عسكرها [إلى البيرة]
(10)
فحصرها، فسير
(1)
ورد هذا النص في الكامل، ج 10، ص 104.
(2)
يقصد الأمير أرناط. انظر هذه الأحداث في الكامل، ج 10، ص 105.
(3)
الجائحة: لغة هي إهلاك المال واستئصاله. انظر: المعجم الوسيط، مادة "جوح"، ج 1، ص 145.
(4)
"زرعا" في نسخة ب.
(5)
القرا غلامية: هم جماعات الضبطية، وعملهم مراقبة الطرق أثناء سير الجيوش. انظر: السلوك، ج 1 ق 2، ص 75، حاشية 3 (ط. أولى 1934).
(6)
هو: شهاب الدين محمود بن إلياس بن إيلغازي بن أرتق. انظر: التاريخ الباهر، ص 145.
(7)
انظر: تفصيل هذا الخبر في الكامل، ج 10، ص 108.
(8)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أ. ومثبت من نسخة ب.
(9)
"شميصاط" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب، وقد فضلنا ما اتفقت عليه المصادر الجغرافية في رسم اسمها "سُمَيْسَاط" وقد سبق التعريف بها. راجع معجم البلدان، ج 3، ص 151 - 152.
(10)
إليها في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، ج 10، ص 108 لتصحيح النص.
صاحبها إلى صلاح الدين، يطلب منه أن ينجده، "فسير رسولا فشفع فيه"
(1)
، فرحل صاحب ماردين عن البيرة.
ومنها
(2)
أن المسلمين فتحوا الشقيف
(3)
من الفرنج، وذلك أن الفرنج لما بلغهم مسير صلاح الدين من مصر إلى الشام، جمعوا له، وحشدوا الفارس والراجل، واجتمعوا بالكرك بالقرب من الطريق لعلهم يظفرون منه بفرصة، فخلت بلادهم من ناحية الشام، فسمع فرخشاه الخبر، فجمع عساكر الشام، ثم قصد بلاد الفرنج، وأغار عليها، ونهب دَبُّورِية
(4)
وما جاورها من القرى، وأسر الرجال وسبي النساء وغنم الأموال، وفتح منهم الشقيف، وأرسل إلى صلاح الدين بالبشارة.
ومنها أن رباط المأمونية
(5)
ببغداد فتحت في هذه السنة، [وكانت]
(6)
دار سنقر المستنجدي
(7)
، قُبض عليه وأخذ منه من العين مائة ألف دينار، ومن المتاع والخيل والأثاث ما قيمته أكثر من ذلك وعُملت رباطا للصوفية.
ومنها
(8)
أنه كان بالمِزة
(9)
خطيب يقال له العالم. زَوَّرَ على صلاح الدين خطًا بزيادة في جامكيته، ووقف عليه فرخشاه، فهَّم بالإيقاع به فهرب إلى القاهرة، واستجار بالسلطان فأجاره، وقال: ما أخيب قصدك. وكتب له توقيعا بما طلب.
(1)
العبارة بين الأقوام بها لبس من العينى. ولإيضاح المقصود نذكر ما أورده ابن الأثير في الكامل، ج 10، ص 108:"ويُرَحّل العسكر المارداني عنه، ويكون هو في خدمته كما كان أبوه في خدمة نور الدين، فأجابه إلى ذلك، وأرسل رسولًا إلى صاحب ماردين يشفع فيه، ويطلب منه أن يرحل عسكره عنه، فلم يقبل شفاعته".
(2)
نقل العينى هذا النص بتصرف من الكامل، ج 10، ص 110 - 111؛ الروضتين، ج 2 ق 1، ص 71 - 72.
(3)
الشقيف يقصد بها شقيف أرنون، وهي بين دمشق والساحل بالقرب من بانياس. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 309؛ تقويم البلدان، ص 244 - 245.
(4)
دَبُّوريّةُ: بليد قرب طبرية من أعمال الأردن. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 546.
(5)
المأمونية: منسوبة إلى المأمون أمير المؤمنين عبد الله بن هارون الرشيد، وهي محلة كبيرة طويلة عريضة ببغداد بين نهر المعلي وباب الأزج. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 398.
(6)
"كان" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت هو الصحيح.
(7)
"المستنجد" في مرآة الزمان، ج 8، ص 233.
(8)
ورد هذا الخبر في مرآة الزمان، ج 8، ص 233؛ الروضتين، ج 2 ق 1، ص 83.
(9)
المِزَّةُ: قرية كبيرة غناء في وسط بساتين دمشق، بينها وبين دمشق نصف فرسخ. أنظر: معجم البلدان، ج 4، ص 522.
ومنها
(1)
أن البرنس صاحب الكرك -لعنه الله- عزم على قصد تيماء من أرض الحجاز؛ ليتوصل منها إلى المدينة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- فجهزت له سرية من دمشق تكون حاجزة بينه وبين أرض الحجاز، فصده ذلك عن قصده، لعنه الله.
وفيها ..................
(2)
وفيها حج بالناس طاشتكين.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
أبو البركات عبد الرحمن
(3)
بن أبي الوفاء محمد بن [عبيد
(4)
] الله بن محمد ابن [عبيد الله]
(5)
بن أبي سعيد بن الحسن [بن سليمان الأنباري]
(6)
، الملقب كمال الدين، النحوي؛ كان من الأئمة المشار إليهم في علم النحو، وسكن بغداد من صباه إلى أن مات، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، بالمدرسة النظامية ببغداد، وتصدر لإقراء النحو على أبي منصور الجواليقي، وصحب أبا السعادات هبة الله بن الشَّجرى، وأخذ عنه وانتفع بصحبته، وتبحر في علم الأدب، واشتغل عليه خلق كثير وصاروا علماء. وصنف في النحو كتاب "أسرار العربية"، وله كتاب "الميزان" في النحو أيضا، وله كتاب في "طبقات الأدباء"، جمع فيه المتقدمين والمتأخرين مع صغر حجمه، وكُتُبه كلها نافعة. "وكانت نَفْسُه مباركة"
(7)
ما يقرأ
(8)
عليه أحد إلا تميز
(9)
. وانقطع في آخر عمره في بيته مشتغلا بالعلم والعبادة، وترك الدنيا ومجالسة أهلها، ولم يزل على سيرة جيدة
(10)
،
(1)
انظر هذه الحادثة بالتفصيل في الكامل، ج 10، ص 105؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 330؛ الروضتين، ج 2 ق 1، ص 71.
(2)
بياض بمقدار سطر في النسختين أ، ب.
(3)
انظر: ترجمته في طبقات الشافعية، ج 4، ص 248؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 139 - 140؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 331؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 234؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 258 - 259.
(4)
"عبد" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، ج 3، ص 139.
(5)
"عبد بن أبي سعيد" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، ج 3، ص 139.
(6)
"بن سليمان بن الأنباري" في نسختى المخطوطة أ، ب. والصحيح ما أثبتناه من وفيات الأعيان، ج 3، ص 139.
(7)
كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. أما في وفيات الأعيان فقد وردت العبارة "وكان نَفَسه مباركًا". انظر: ج 3، ص 139.
(8)
"ما قرأ" في وفيات الأعيان، ج 3، ص 139.
(9)
"وتميز" في وفيات الأعيان، ج 3، ص 139.
(10)
"حميدة" في وفيات الأعيان، ج 3، ص 139.
وتوفي في تاسع
(1)
شعبان من سنة سبع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب أبرز بترية الشيخ أبي إسحق الشيرازي، وخلت بغداد عن مثله.
وفي المرآة
(2)
: وكان إماما في كل فن مع الزهد والورع والعبادة، والصبر على الفقر مع القدرة، ولا يقبل بر أحد، وكان يحضر دعوة الخليفة في كل سنة مرة، فيبعث إليه بالخلع والذهب، فيرد الجميع، وكان [يستديم]
(3)
الصوم ويفطر على أي شيء كان، وبابه مفتوح لطلاب العلم لا يرد أحدا، رحمه الله تعالي.
(1)
انفرد أبو شامة بذكر وفاته في الثامن من شعبان. انظر: الروضتين، ج 2 ق 1، ص 84 - 85.
(2)
انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 234.
(3)
"يسرد" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من مرآة الزمان، ج 8، ص 234. حيث ينقل عنه العيني.
فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثامنة والسبعين بعد الخمسمائة
*
استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم، والسلطان صلاح الدين خرج من مصر إلى الشام فى خامس المحرم من هذه السنة، وكان ذلك آخر عهده بمصر، لم يعد إليها بعد ذلك.
وفى تاريخ المؤيد
(1)
: وفى خامس المحرم سار السلطان صلاح الدين من مصر إلى الشام، ومن عجيب الاتفاق أنه لما برز من القاهرة وخرجت أعيان الناس لوداعه، أخذ كل منهم يقول شيئاً فى الوداع وفراقه، وفى الحاضرين [223 و] معلمٌ لبعض أولاد السلطان، فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد:
تَمتَّعْ من شَمِيمِ عُرارِ نجد
…
فما بعدَ العشِيَّة من عُرارِ
فتطيَّر صلاح الدين وانقبض بعد انبساطه، وتنكد المجلس على الحاضرين، فلم يعد صلاح الدين "بعدها"
(2)
إلى مصر مع طول المدة، وسار السلطان وأغار فى طريقه على بلاد الفرنج، وغنم ووصل إلى دمشق فى حادى عشر صفر من هذه السنة
(3)
.
وفى المرآة
(4)
: وفى خامس المحرم من هذه السنة خرج صلاح الدين من مصر، ونزل البِرْكة قاصداً إلى الشام، وخرج أرباب الدولة لوداعه، وأنشد الشعراء أبياتا فى الوداع، فسمع قائلا يقول فى ظاهر الخيم: تمتع
(5)
إلى آخره. وطلب القائل، فلم يوجد، فوجم السلطان وتَطَيّر الحاضرون، فكان كما قال اشتغل السلطان بالشرق والإفرنج، ولم يعد بعدها إلى مصر.
* يوافق أولها 7 مايو 1182 م.
(1)
المختصر فى أخبار البشر، جـ 3، ص 63 - 64.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(3)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من المختصر، جـ 3، ص 63 - 64.
(4)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 235؛ راجع أيضاً هذا النص فى الكامل، جـ 10، ص 110 - 111؛ الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 28.
(5)
"تسمَّع" فى مرآة الزمان، جـ 8، ص 235. وهو خطأ فى النسخ.
وسار السلطان على أيلة والحسا
(1)
ووادى موسى
(2)
، وكان فرخشاه بدمشق، فبلغه أن الفرنج قد اجتمعوا عند الكرك؛ لقصد السلطان، فخرج من دمشق فنزل طبرية وعكا ودَبُّورِية، فقصدوه فالتقاهم وكسرهم، وقتل منهم ألوفًا، وأسر وساق عشرين ألفا من الأنعام وغيرها، وفتح حصنا مشرفًا على السواد على شقيف، يقال له حصن جلدك، وقتل من فيه، وأسكنه المسلمين وجعلهم طلائع، وساق إلى بُصْرى، فالتقى السلطان عندها فسُرَّ به، ودخلا دمشق فى صفر.
وفى تاريخ ابن كثير
(3)
: أغار صلاح الدين فى طريقه على أطراف بلاد الفرنج بأرض الكرك، وجعل أخاه تاج الملوك
(4)
بورى بن أيوب على الميمنة يسير ناحية عنه، ليتمكنوا من بلاد العدو، فالتقوا على الأزرق
(5)
بعد سبعة أيام، ووصل السلطان إلى دمشق فى حادى عشر صفر منها، وقيل فى سابع [عشر]
(6)
.
ذكر ماجريات صلاح الدين من الغزوات وغيرها بعد دخوله دمشق
منها أنه خرج من دمشق فى العشر الأول من ربيع الأول، ونزل قرب طبرية، وشن الإغارة على بلاد الإفرنج مثل بيسان
(7)
وجينين
(8)
والغور
(9)
، فغنم منها وقتل جماعة. وقال ابن كثير
(10)
: واقتتل مع الفرنج تحت حصن كوكب
(11)
، فقتل خلق من الفريقين،
(1)
الحسا: موضع بالشام. انظر: معجم البلدان، جـ 2، ص 202.
(2)
وادى موسى: ينسب إلى موسى بن عمران، وهو واد فى قبلى بيت المقدس بينه وبين أرض الحجاز. انظر: معجم البلدان، جـ 4، ص 879.
(3)
انظر: البداية والنهاية، جـ 12، 331، حيث نقل العينى هذا النص عنه بتصرف.
(4)
"تاج الدين" فى نسخة ب.
(5)
يقصد به "النهر الأزرق" وهو أحد نهيرات الفرات الأعلى، ويجرى بين بَهَسْنا وحصن منصور فى طرق بلاد الروم من جهة حلب. معجم البلدان، جـ 4، ص 834؛ السلوك، جـ 1، ص 248؛ زبدة الحلب، جـ 3، ص 217.
(6)
"عشرة" كذا فى الأصل، والصحيح ما أثبتناه.
(7)
بَيْسَان: مدينة بالأردن بالغور الشامى وهى بين حوران وفلسطين. انظر: معجم البلدان، جـ 1، ص 788.
(8)
جينين: بليدة حسنة بين نابلس وبيسان من أرض الأردن. انظر: معجم البلدان، جـ 2، ص 180.
(9)
الغور: هو غور الأردن بالشام بين بيت المقدس ودمشق، وهو منخفض عن أرض دمشق وأرض بيت المقدس، ولذلك سمى الغور وفيه نهر الأردن، انظر: معجم البلدان، جـ 3، ص 822.
(10)
نقل العينى هذا النص من البداية والنهاية، جـ 12، ص 331.
(11)
حصن كوكب: اسم قلعة على الجبل المطل على مدينة طبرية تشرف على الأردن. انظر: معجم البلدان، جـ 4، ص 328.
ولكن كانت الدائرة للمسلمين، ثم رجع مؤيدا منصورا إلى دمشق، ثم سار إلى بيروت وحصرها وأغار على بلادها، ثم عاد إلى دمشق.
وفى تاريخ بيبرس: وفيها سار صلاح الدين من دمشق إلى بيروت فحاصرها ونهب ماوجد، وأمر أسطول مصر أن ينزلوا عليها ويحاصروها، فكان وصوله لها قبل وصولهم، وكان عازما على حصارها إلى أن يفتحها، وأتاه الخبر بأن بُطسةً عظيمة ألقاها البحر إلى دمياط، خرج من فيها من الفرنج للحج إلى بيت المقدس، فأسروا من بها، فكانت
(1)
عدة الأسرى ألفا وستمائة وستة [وسبعين]
(2)
أسيراً، فضربت بذلك البشائر.
ومنها أنه سار إلى البلاد الحلبية والجزرية؛ [223 ظ] ليأخذها، وذلك أن المواصلة والحلبية قد كاتبوا الفرنج حتى تغزوا على أطراف البلاد؛ ليشغلوا السلطان صلاح الدين بنفسه عنهم، فكان سَيْرُه على بلاد البقاع، ثم إلى حماة ثم إلى حلب، فحاصرها ثلاثاً، ورأى أن العدول إلى غيرها أولى به، فسار حتى قطع الفرات من البيرة، وصار معه مظفر الدين كوكبورى صاحب حران. وكاتب ملوك تلك الأطراف واستمالهم، فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا، وصار معه، ونازل السلطان مدينة الرُّها وحاصرها وملكها وسلمها إلى مظفر الدين كوكبورى.
ثم سار إلى الرقة وأخذها من قطب الدين ينال بن حسان المنبجى، فسار هو إلى عز الدين مسعود صاحب الموصل، ثم سار صلاح الدين إلى خابور وملكها، وملك أيضاً قرقيسيا
(3)
، وماكسين
(4)
، وعربان
(5)
، واستولى على الخابور جميعها، ثم سار إلى نصيبين وحاصرها وملك المدينة، ثم ملك القلعة وأقطعها أميراً كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين.
(1)
"كان" في نسخة ب. وقد ورد هذا الخبر بتصرف في الكامل، جـ 10، ص 112؛ الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 93.
(2)
"سبعون" في نسختى المخطوطة أ، ب. والصحيح ما أثبتناه.
(3)
قرقيسيا: بلد على نهر الخابور قرب رحبة مالك بن طوق على ستة فراسخ، وعندها مصب الخابور في الفرات. معجم البلدان، جـ 4، ص 96.
(4)
ماكسين: بلد بالخابور قريب من رحبة مالك بن طوق من ديار ربيعة. معجم البلدان، جـ 4، ص 396.
(5)
عَربَانَ: بليدة بالخابور من أرض الجزيرة. معجم البلدان، جـ 3، ص 632.
ثم سار عن نصيبين وقصد الموصل، وقد استعد صاحبها مسعود ومجاهد الدين قيماز للحصار، فأقام عليها منجنيقا، وأقاموا عليه من داخل المدينة مجانيق، وضايق الموصل، فلما رأى طول الحصار رحل عنها إلى سنجار وحاصرها وملكها، واستناب بها سعد الدين بن معين الدين، وكان من أكبر الأمراء.
ثم سار صلاح الدين إلى حران، وعزل عن نصيبين في - طريقه - أبا الهيجاء السمين، ثم عاد إلى حلب وقد استحوذ على بلاد الجزيرة كلها، وخضعت له الملوك هناك.
ولما وصل إلى حلب تسلمها من صاحبها عماد الدين زنكى، وقد كان قايض أخاه عز الدين مسعود بها إلى سنجار كما ذكرنا في العام الماضي، فاستوسقت
(1)
له الممالك شرقا وغربا وبُعدا وقربا، وتمكن حينئذ من قتال أعدائه من الفرنج - لعنهم الله - وتملكه حلب وغيرها إنما كان في السنة الآتية على ما نذكره إن شاء الله تعالى
(2)
.
وفى تاريخ بيبرس: عبر صلاح الدين الفرات وملك الديار الجزرية، وسبب ذلك أن مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على بن بكتكين - مقطع حران - أرسل إلى صلاح الدين؛ يعلمه أنه معه وأنه محب لدولته، ووعده النصر، وأنه إذا عبر الفرات يعينه ويعرفه أخذ البلاد، فرحل عن بيروت، وَرُسُل مظفر الدين متواترة إليه؛ تحثه على القدوم، فجدَّ السير يُظهر أنه يريد حصر حلب. ولما قارب الفرات سار إليه مظفر الدين واجتمع به، فقصد البيرة، وكان صاحبها مع صلاح الدين وفى طاعته، فعبر هو وأصحابه من الجسر الذى عند البيرة.
وكان عز الدين مسعود ومجاهد الدين قايماز، لما بلغهما وصول صلاح الدين إلى الشام، قد جمعا العسكر وسارا إلى نصيبين، ليكوناً على أهبة لئلا يتعرض صلاح الدين إلى حلب، ثم تقدما إلى دارا
(3)
فنزلا [224 و] عندها، فجاءهما أمر لم يكن في
(1)
استوسق الأمر: انتظم. المعجم الوجيز، ص 669، مادة "وسق".
(2)
وردت هذه الأحداث بتصرف في زبدة الحلب، جـ 3، ص 59؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 332؛ الكامل، جـ 10، ص 112 - 114.
(3)
دارا: بلدة في لحف جبل بين نصيبين وماردين، معجم البلدان جـ 2، ص 516.
الحساب، فلما بلغهما عبور الفرات عادا إلى الموصل، وأرسلا إلى الرها عسكرا يحميها ويمنعها، فلما سمع صلاح الدين ذلك قوى طمعه في البلاد، وكاتب الملوك أصحاب الأطراف ووعدهم وبذل لهم البذول على نصرته، فأجابه نور الدين بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا؛ لقاعدة كانت بينهما لما كان عنده بالشام، فقصد آمد وحصرها وقاتلها أشد القتال، وكان بها مقطعها الأمير فخر الدين "مسعود"
(1)
الزعفرانى، فطلب الأمان وسلم البلد، وصار في خدمة صلاح الدين، ولما ملك المدينة زحف إلى القلعة، فسلمها إليه الدزدار الذى بها على مال أخذه. ولما ملكها صلاح الدين سلمها إلى مظفر الدين كوكبورى مع حران.
ثم سار إلى الرقة وبها مقطعها قطب الدين ينال المنبجى، فسار عنها إلى عز الدين مسعود وملكها صلاح الدين، وسار إلى الخابور، وقرقيسيا، وماكسين، وعربان، فملك جميع ذلك. فلما استولى على الخابور جميعه سار إلى نصيبين فملك المدينة لوقتها، وحصر القلعة أياما، فملكها وأقام بها؛ ليصلح شأنها، ثم أقطعها أبا الهيجاء السمين، وسار عنها.
ومنها أنه لما ملك نصيبين جمع أمراءه وأرباب المشورة، فاستشارهم بأى البلاد يبدأ، بالموصل أو بسنجار أو بجزيرة ابن عمر؟
(2)
فاختلفت آراؤهم، فقال له مظفر الدين: لا ينبغى أن نبدأ بغير الموصل، فإنها في أيدينا لا مانع لها، وأن عز الدين مسعود ومجاهد الدين قيماز متى سمعا بمسيرنا إليها تركاها وسارا عنها إلى بعض القلاع [الجبلية]
(3)
، ووافقه ناصر الدين محمد بن شيركوه، وكان قد بذل لصلاح الدين مالاً كثيرًا؛ ليقطعة الموصل إذا ملكها، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك، فأشار بهذا الرأى لما في نفسه، وسار صلاح الدين إلى الموصل، وكان عز الدين صاحبها ومجاهد الدين نائبه قد جمعا عسكرا كثيرًا من فارس وراجل، وأظهرا من آلات الحصار ما حارت له الأبصار،
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(2)
ورد هذا الحدث بالنص في ابن الأثير، الكامل، جـ 10، ص 114؛ وذكره بتصرف ابن العديم في زبدة الحلب، جـ 3، ص 59 - 60؛ أيضاً ذكره أبو شامة بتصرف في الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 103 - 104.
(3)
"الحلبية" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، جـ 10، ص 114 حيث ينقل العينى عنه هذا النص حرفيًا.
وبذلا الأموال الكثيرة، وشحنا ما بقى بأيديهم من البلاد كالجزيرة، وسنجار، وغيرها، بالرجال والسلاح والأموال، ولما قارب صلاح الدين الموصل ترك عسكره، وانفرد هو ومظفر الدين وناصر الدين ابن عمه، ومعهم نفر من أعيان دولته، وقربوا من البلد، فرأى ماهاله من عظم البلد، ورأى السور قد مُلئ من الرجال، وليس فيه شُرافة إلا وعليها مقاتل سوى من عليه من عامة البلد، فعلم أنه لا يقدر عليه، وأنه متى نازله وعاد عنه انكسر ناموسه، ثم رجع إلى معسكره وصبح البلد، فنازله وضايقه، ونزل محاذيا باب كندة، وأنزل صاحب الحصن بباب الجسر، وأنزل أخاه تاج الملوك عند الباب العمادى، وأنشب القتال، فلم يظفر، وأقام أياما ولم ينل منها شيئاً.
[224 ظ] وترددت الرسل إلى عز الدين مسعود ومجاهد الدين في الصلح، فطلب عز الدين إعادة البلاد التى أخذت منهم، فأجاب صلاح الدين إلى ذلك بشرط تسليم حلب إليه، فامتنع عز الدين ومجاهد الدين، ولم ينتظم صلح ولا تم أمره، فلما رأى صلاح الدين أنه لا ينال من الموصل غرضا، وأن من بسنجار من العساكر الموصلية يقطعون طريق من يقصده من عساكره وأصحابه، سار عن الموصل إليها، وسنذكر ما جرى بعد ذلك في السنة الآتية إن شاء الله تعالى
(1)
.
ذكر بقية الحوادث
منها أن البرنس صاحب الكرك، عليه اللعنة، عمل مراكب في بحر القلزم؛ ليقطعوا الطريق على التجار والحجاج، وذلك لما عجز عن إيصال المسلمين الأذى في البر، فوصلت أذيتهم إلى عيذاب، وخاف أهل المدنية النبوية من شرهم، فأمر العادل أبو بكر ابن أيوب - أخو صلاح الدين - نائب مصر، الأمير حسام الدين لؤلؤ صاحب الأسطول، أن يعمل مراكب في بحر القلزم، لمحاربة برنس، ففعل ذلك، فظفروا بهم في كل موطن، قتلوا منهم وحرّقوا وغرّقوا وسبوا وقهروا وأسروا في مواطن كثيرة ومواقف هائلة، وأمن البر والبحر بإذن الله
(2)
. وأرسل صلاح الدين إلى أخيه العادل أبى بكر يشكر من مساعيه، وأرسل إلى ديوان الخليفة يعرفهم بما أنعم الله به عليهم من الفتوحات برًا وبحرًا.
(1)
أورد ابن الأثير هذه الأحداث بالتفصيل في الكامل، جـ 10، ص 114 - 115.
(2)
ورد هذا النص بتصرف في الكامل، جـ 10، ص 117 - 118؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 332؛ الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 113 - 114؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 235.
وفى المرآة
(1)
: في هذه السنة كانت وقعة الحاجب لؤلؤ مع الفرنج، خرج إبرنس صاحب الكرك إلى أيلة، فأقام بها ومعه الأخشاب على الجمال والصناع، فعمل المراكب، وكان قصده مكة والمدينة والغارات في البحر، فلما تم عملها ركب فيها ووصل إلى عيذاب في بحر القلزم، فأخذ مراكب التجار، ونهب وقتل وأسر، وسار يريد جدة. وبلغ الخبر إلى سيف الدين العادل أخى السلطان، فأمر [الحاجب حسام الدين لؤلؤاً]
(2)
فركب في بحر القلزم، وسار خلفهم، وساعده الريح فأدركهم وقد أشرفوا على مدينة النبي (صلى الله عليه وسلم)، فهرب بعضهم في البر، وأسر الباقين، فأخذ مائة وسبعين أسيرا، وخَلَّص أموال التجار وردها عليهم، واستولى على مراكبهم، وعاد إلى القاهرة. وكتبوا إلى صلاح الدين بذلك، فقال: تُضرب رقاب الأسرى بعضهم بالقاهرة، وبعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، ففعلوا. وكتبوا بذلك إلى الخليفة.
وفى تاريخ المؤيد
(3)
: وكان حسام الدين لؤلؤ مُظَفَّرًا فيه شجاعة، فسار في طلبهم مُجِدًا وأوقع بالذين يحاصرون أيلة، فقتلهم وأسرهم، ثم سار في طلب الفرقة الثانية، وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز ومكة والمدينة، وسار "لؤلؤ"
(4)
يقفو أثرهم فبلغ رابغ
(5)
فأدركهم بساحل الحوراء
(6)
، وتقاتلوا أشد القتال، فَظَفَّرَهُ الله بهم وقتل لؤلؤ أكثرهم وأخذ الباقين أسرى، وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها، وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا عن آخرهم. [225 و]
وفى تاريخ بيبرس: قال ابن [الذروى]
(7)
يمدح لؤلؤ بأبيات منها:
مَرِّيومٌ من
(8)
الزمان عجيبٌ
…
كاد يُبْدِى فيه السُّرورَ الجمادُ
قُلتُ بعدَ التكبيرِ لما تَبدَّى
…
هَكَذَا هَكَذَا يكونُ الجهادُ!!
(1)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 235؛ كما ورد النص في الروضتين جـ 2 ق 1، ص 114.
(2)
"حسام الدين الحاجب لؤلؤ" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 113 وهو الصحيح.
(3)
المختصر في أخبار البشر، جـ 3، ص 65.
(4)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(5)
رَابغ: واد يقطعه الحاج بين البزواء والجُحْفة. معجم البلدان، جـ 2، ص 727.
(6)
حَوْرَاء: كورة من كُوَر مصر القبلية في آخر حدودها، من جهة الحجاز، وهى على البحر في شرقى القلزم. معجم البلدان، جـ 2، ص 356.
(7)
"الدورى" في نسخته المخطوطة أ، ب، والمثبت من خريده القصر، قسم شعراء مصر، جـ 1، ص 187، وهو الوجيه بن الذروى أبو الحسن على بن يحيى المتوفى سنة 577 هـ/ 1181 م. انظر أيضاً الروضتين، جـ 2 ق 1، ص 114.
(8)
"في" كذا في نسخة ب.
ومنها
(1)
أن عز الدين صاحب الموصل اجتمع هو [وشاه أرمن]
(2)
صاحب خلاط على قتال صلاح الدين؛ وسبب ذلك أن رسل عز الدين ترددت إلى شاه أرمن تستنجده وتستنصره على صلاح الدين، فأرسل شاه أرمن إلى صلاح الدين عدة رسل في الشفاعة بالكفِّ عن الموصل، وما يتعلق بعز الدين، فلم يجبه إلى ذلك، وغالطه، فأرسل إليه أخيراً مملوكا له، يقال له سيف الدين بكتمر الذى ملك خلاط بعده
(3)
، فأتاه وهو يحاصر سنجار يطلب إليه أن يتركها ويرحل عنها، وقال له: إن رحل عنها وإلا فتهدده بقصده ومحاربته، فأبلغه بكتمر الشفاعة، فَسَوَّفَ في الإجابة رجاء أن يفتحها، فلما رأى بكتمر ذلك أبلغه الرسالة بالتهديد، وفارقه غضبان، ولم يقبل منه خلعة ولا صلة، وأخبر
(4)
صاحبه الخبر، فسار إلى ماردين، وصاحبها قطب الدين بن ألبى، وهو ابن أخت شاه أرمن، وابن خال عز الدين وحموه، وحضر صحبة شاه أرمن دولة شاه صاحب بَدْليس
(5)
وأرزن
(6)
، وسار عز الدين من الموصل في عسكره جريدة من الأثقال. فلما سمع صلاح الدين باجتماعهم سير إلى ابن أخيه تقى الدين وهو بحماة يستدعيه، ورحل إلى رأس عين، فلما سمعوا برحيله تفرقوا، فعاد شاه أرمن إلى خلاط، واعتذر بأنه يجمع العساكر ويعود، وعاد عز الدين إلى الموصل، وأقام قطب الدين بماردين، وسار صلاح الدين فأقام تحت ماردين أياما
(7)
.
وفيها ...............
(8)
وفيها: حج بالناس من العراق طاشتكين
(9)
.
(1)
ورد هذا النص في الكامل، جـ 10، ص 116 - 117.
(2)
"ساهر من" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الكامل، جـ 10، ص 116، كذلك مما ورد من أحداث بعد ذلك في نص العينى الذى بين أيدينا.
(3)
يقصد هنا أن سيف الدين بكتمر ملك خلاط بعد شاه أرمن. الكامل، جـ 10، ص 117.
(4)
"أبلغ" في نسخة ب.
(5)
بدليس: بلدة من نواحى أرمينية قرب خلاط. معجم البلدان، جـ 1، ص 526.
(6)
أرزن: مدينة مشهورة قرب خلاط ولها قلعة حصينة وكانت من أعمر نواحى أرمينية. معجم البلدان، جـ 1، ص 205 - 206.
(7)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من الكامل، جـ 10، ص 116 - 117.
(8)
بياض بمقدار سطر ونصف في النسختين.
(9)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 237.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
أحمد بن محمد بن على أبو طالب الفقيه الحنفى المعروف بابن الكجلو
(1)
؛ من أهل المدائن. قال ابن النجار: كان يتولى الخطابة بها مدة، ثم قدم بغداد واستوطنها، وكان يسكن بمدرسة سعادة على شاطئ دجلة، وكان أديبا فاضلا له شعر حسن، وحدَّث عن أبى غالب محمد بن الحسن الماوردى بيسير، وتوفى يوم الخميس السبعة عشر خلت من ذى الحجة من هذه السنة، ومن أشعاره من قصيدة:
لَهِيبُ فُؤادٍ حَرُّه ليس يَبْرُدُ
…
وذائِبُ دمْعٍ بالأسى ليس يَجْمُدُ
وما كُلُّ مرتاحٍ إلى المجدِ ماجدٌ
…
ولا كُلُّ من يهوَى السيادَة سَيِّدُ
وَمَنْ يزرع المَعْروفَ بَذْرًا فإنَّه
…
على قدْر ما قَدْ قَدَّمَ البذْرَ يحْصُدُ
والكُجْلُو بضم الكاف وسكون الجيم وضم اللام وبعدها واو.
القطب النيسابورى، واسمه مسعود بن محمد بن مسعود أبو المعالى الفقيه الشافعى
(2)
، ولد سنة خمس وخمسمائة بنيسابور، وأبوه من طُرَيْثيث
(3)
، وتفقه القطب بنيسابور، وسمع الحديث، ودرَّس [225 ظ] بالنظامية "التى بنيسابور"
(4)
نيابة عن [الجُوينى]
(5)
، وقدم دمشق في سنة أربعين وخمسمائة، ووعظ بها، وما كان الوعظ من فنه، وحضر نور الدين مجلسه، ودرَّس بالمجاهدية
(6)
، ثم بالزاوية الغربية في الجامع بعد وفاه نصر المقدسى
(7)
، ثم سافر إلى حلب ودرس بالمدرستين اللتين لنور الدين وأسد الدين، ثم عاد إلى دمشق فحَّدث ودرَّس بها، فتوفى يوم عيد الفطر، وصلى عليه بجامع
(1)
انظر ترجمته في الجواهر المضية في طبقات الحنفية، جـ 1، ص 112، طبعة أولى، حيدر آباد، د. ت.
(2)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 5، ص 196 - 197؛ شذرات الذهب، جـ 4، ص 263؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 237 - 238؛ الدارس، جـ 1، ص 183 - 184.
(3)
طريثيث: ناحية بنيسابور. انظر: معجم البلدان، جـ 3، ص 534.
(4)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(5)
"ابن بنت الجوينى" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، جـ 5، ص 196.
(6)
المجاهدية: هى المدرسة المجاهدية الجوانية، وقفها الأمير مجاهد الدين أبو الفوارس بزان بن أمين الكردى أحد مقدمى الجيش بالشام في دولة نور الدين. انظر: الدارس، جـ 1، ص 451.
(7)
يقصد أبا الفتح نصر الله المصيصى. انظر: وفيات الأعيان، جـ 5، ص 196.
دمشق، وكان "يومًا"
(1)
مشهودًا، ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع
(2)
، وتزوج الفخر بن عساكر بنته، وذكره ابن عساكر وأثنى عليه، وقال
(3)
: إنه رأى أبا نصر بن القشيري والمشايخ.
ممدود الذهبى البغدادى
(4)
؛ كان مجاب الدعوة، أتهم بسرقة، وأتى به إلى باب النوبى، ومُد ليضرب، فرفع النقيب يده ليضربه، فيبست يده، فقال له حاجب الباب: مالك؟ فقال: قد يبست يدى، فرفعوه من الأرض، فعادت يده صحيحة، فمدوه، وعاد النقيب ليضربه، فيبست يده، فعلوا به ذلك ثلاث مرات، فلما كان في المرة الثالثة بكى حاجب الباب، وقام له وأجلسه إلى جانبه واعتذر له، وكتب إلى الخليفة فأخبره، فأمره أن يحسن إليه، وكانت وفاته في هذه السنة.
أبو منصور هاشم بن المستضئ
(5)
، أخو الإمام الناصر لدين الله؛ مات في هذه السنة، وكان شابا حسنا دينًا، وأشار ابن العطار بتوليته الخلافة، فلم يتم ذلك، فتوفى في شعبان، ودفن عند أبيه المستضئ.
فخر الدولة بن الحسن بن هبة الله بن محمد بن على بن المطلب أبو المظفر؛ وكان أبوه أبو المعالى وزيرا، وأخوه أبو المكارم على أستاذ الدار، وكان فخر الدولة فاضلا سديد الرأى، كثير الصدقات دائم المعروف سخيا، ذا مروءة ظاهرة، وله ببغداد آثار جميلة منها؛ جامعهُ المعروف بفخر الدولة غربى بغداد، غرم عليه أموالاً عظيمة، ومنها رباطه شرقى بغداد عند عقد المصطنع عند دار الذهب، ووقف عليهما أوقافا كثيرة. وكانت وفاته في شوال، ودفن بجامعه غربى بغداد، وله شباك يشرف على دجلة
(6)
. وقال السبط
(7)
: قد رأيت هذا الجامع في سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وقد استولت دجلة عليه، فأخربت بعضه والظاهر أنها تخرب الباقى.
(1)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(2)
المنيبع: محلة غربى دمشق. انظر: الدارس، جـ 1، ص 355، حاشية "5".
(3)
"قيل" في نسخة ب.
(4)
انظر ترجمته في مرآة الزمان، جـ 8، ص 238؛ شذرات الذهب، جـ 4، ص 263.
(5)
انظر ترجمته في مرآة الزمان، جـ 8، ص 238.
(6)
نقل العينى هذه الترجمة بتصرف من مرآة الزمان، جـ 8، ص 237. انظر أيضاً: الكامل، جـ 10، ص 118.
(7)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 237.
ابن بَشْكُوال، أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشكوال
(1)
بن يوسف بن داحَة بن داكة بن نصر بن عبد الكريم بن وافد الخزرجى القرطبى؛ كان من علماء الأندلس، وله التصانيف المفيدة، منها "كتاب الصلة" الذى جعله ذيلا على "تاريخ علماء الأندلس" تصنيف القاضى أبى الوليد عبد الله المعروف بابن الفرضى
(2)
، وقد جمع فيه خلقا كثيرا. وله تاريخ صغير في أحوال الأندلس، وما أقْصَر فيه، وكتاب "الغوامض والمبهمات" ذكر فيه من جاء ذكره في الحديث مبهماً وعينه، ونسج فيه على منوال الخطيب البغدادى في كتابه الذى وضعه على هذا الأسلوب، وجزء لطيف ذكر فيه من روى "الموطأ" عن مالك بن أنس رحمه الله ورتب أسماءهم على حروف المعجم، فبلغت عدتهم ثلاثة
(3)
وسبعين رجلاً، ومجلد لطيف سماه " [كتاب]
(4)
المستغيثين بالله تعالى عند [المهمات]
(5)
والحاجات"، وغير ذلك من المصنفات. وتوفى ليلة الأربعاء لثمانية خلون من شهر رمضان من هذه السنة [226 و] بقرطبة، ودفن يوم الأربعاء بعد صلاة الظهر بمقبرة ابن عباس، بالقرب من قبر يحيى بن يحيى.
وداحة: بفتح الدال المهملة وبعد الألف حاء مهملة أيضاً مفتوحة ثم هاء ساكنة.
وداكة: مثلها إلا أن عوض الحاء كاف.
وبشكوال: بفتح الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وبعد الواو ألف ولام.
وتوفى والده أبو مروان عبد الملك بن مسعود صبيحة يوم الأحد، ودفن عشاء يوم الاثنين لأربعة بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائه، وعمره نحو ثمانين سنة.
(1)
انظر: ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 2، ص 240 - 241؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 333؛ المختصر، جـ 3، ص 66.
(2)
انظر: ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 3، ص 105 - 106.
(3)
"ثلاثا" في نسختي المخطوطة أ، ب والصحيح ما أثبتناه.
(4)
ما بين الحاصرتين إضافة من وفيات الأعيان، جـ 2، ص 240 حيث ينقل العينى عنه.
(5)
"الملمات" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، جـ 2، ص 240؛ كشف الظنون، جـ 2، ص 1674.
الشيخ أحمد بن الرفاعى؛ هو أبو العباس أحمد بن أبى الحسن على بن أبى العباس أحمد المعروف بابن الرفاعى، كان رجلاً صالحا شافعى المذهب، وكان متواضعًا سليم الصدر، مجردًا من الدنيا، وما ادخر شيئاً قط. وقال ابن خلكان
(1)
: أصله من العرب، وسكن في البطائح
(2)
، بقرية يقال لها أم عبيدة، وتبعه خلق كثير من الفقراء، فتسموا بالرفاعية البطائحية، ولأتباعه أحوال عجيبة؛ من أكل الحيات وهى حية، والنزول إلى التنانير وهى تتضرم بالنار فيطفئونها. ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود وغير ذلك. ولم يكن له عقب وإنما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة.
وفى المرآة
(3)
: ويتسلق أحدهم في أطول
(4)
النخل، ثم يلقى نفسه إلى الأرض ولا يتألم، ويجتمع عنده في كل سنة في المواسم خلق عظيم. حكى لي بعض أشياخنا قال: حضرت عنده ليلة نصف شعبان وعنده نحو من مائة ألف إنسان.
وقال ابن خلكان
(5)
: ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل.
قلت: ولطائفتهم موسم عظيم في كل سنة يسمونه المحَيى، بموضع يقال له تريب، بين عينتاب والبيرة التى على الفرات، يجتمع هناك كل سنة أمم لا يحصون، وينضم إليهم من أهل تلك البلاد أناس كثيرون، فتقام هناك أسواق عظيمة فيها بيع وشراء، وينصبون الخيام والأخصاص ونحوها، فأخبرنى أناس أن طائفة منهم يأكلون الحيات وهى حية، ويأكلون جمرات النار، ويحمون الصفائح الحديد ويقعدون عليها، ويجعلون في أعناقهم أطواقًا من حديد محماة مثل النار، ونحو ذلك من الأشياء الخارقة للعادة، ويقيمون هناك سماعاً ورقصا بأنواع الشهيق والزفير والبعبعة، مع [تزيد]
(6)
أفواههم، ونحو ذلك من الأشياء المنكرة المبتدعة.
(1)
انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ 1، ص 171 - 172؛ البداية والنهاية، جـ 12، ص 333؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 236؛ شذرات الذهب، جـ 4، ص 259 - 260.
(2)
البطائح: أرض واسعة بين واسط والبصرة، وهى مجموعة قرى متصلة. معجم البلدان، جـ 1، ص 668 - 670.
(3)
انظر: مرآة الزمان، جـ 8، ص 236.
(4)
"أصول" في مرآة الزمان، جـ 8، ص 236.
(5)
وفيات الأعيان، جـ 1، ص 172.
(6)
"تزيد" في نسخة أ. والمثبت من نسخة ب، حيث يتفق مع السياق.
وقال ابن خلكان
(1)
: وكان للشيخ - مع ما كان "عليه"
(2)
من الاشتغال بعبادته - شعر، فمنه:
إذا جَنَّ ليلى هامَ قلبى بذكْرِكُمُ
…
أنُوح كما ناحَ الحمامُ المطَوّقُ
وفَوْقى سحابٌ يمطر الهمَّ والأسَى
…
وتحتى بحارٌ [بالأسى]
(3)
تتدفَّقُ
سَلُوا أمَّ عمرو كيف بات أسيرُها
…
تُفَكُّ الأسارى دونَه وهو مُوثَقُ
فَلَا هو مَقْتُولٌ فَفى القَتْل راحَهُ
…
ولا هُوَ ممنونٌ عليهِ فَيُطْلَقُ
وفى المرآة
(4)
: وكان سبب وفاته أن عبد الغنى بن محمد بن نقطة
(5)
الزاهد مضى إلى [226 ظ] زيارته، فأنشده أبياتاً منها: إذا جن ليلى هام قلبى بذكركم، إلى آخر ماذكرناه، فبكى الشيخ ومرض، وكانت وفاته يوم الخميس ثانى عشر جمادى الأولى، وقد جاوز تسعين سنة
(6)
، وكانت وفاته بأم عبيدة بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبعد الدال المهملة المفتوحة هاء.
والبطائح: بفتح الباء الموحدة، عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، ولها شهرة بالعراق.
والرِفاعى: بكسر الراء نسبة إلى رِفاعة
(7)
، إما إلى أجداده، وإما إلى رفاعة اسم قبيلة. فافهم.
الملك المنصور عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب؛ صاحب بعلبك، ونائب السلطان صلاح الدين على دمشق، وهو عمه، ووالد الملك الأمجد
(8)
بهرام شاه،
(1)
وفيات الأعيان، جـ 1، ص 172.
(2)
ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(3)
"للأسى" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، جـ 1، ص 172، حيث بنقل العينى عنه.
(4)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 236.
(5)
هو: عبد الغنى بن شجاع، أبو بكر البغدادى الحنبلى المعروف بابن نقطة، توفى سنة 583 هـ/ 1187 م. انظر: وفيات الأعيان، جـ 4، ص 393؛ شذرات الذهب، جـ 4، ص 278.
(6)
إلى هنا توقف العينى عن النقل من مرآة الزمان، جـ 8، ص 236 - 237.
(7)
وفيات الأعيان، جـ 1، ص 172.
(8)
الملك الأمجد مجد الدين أبو المظفر بهرام شاه بن فروخ شاه، توفى مقتولاً بيد أحد مماليكه في داره بدمشق سنة 628 هـ/ 1231 م. انظر: وفيات الأعيان، جـ 2، ص 453.
صاحب بعلبك أيضاً بعد أبيه، وإليه تنسب المدرسة الفرخشاهية
(1)
بالشرف
(2)
الشمالى، وإلى جانبها التربة الأمجدية لولده، وهما للحنفية والشافعية، وقد كان فرخشاه شهماً شجاعا بطلا ذكيا فاضلا كريما ممدّحاً، امتدحه الشعراء لجوده وفضله وإحسانه، وكان من أكبر أصحاب الشيخ تاج الدين أبى اليمن الكندى، عرفه من مجلس القاضى الفاضل. ومن محاسنه صحبته لتاج الدين المذكور، وله فيه مدائح، ومن شعره قوله:
أنا في أسْرِ السِّقَامِ
…
مِنْ هَوَى
(3)
هذا الغلامِ
رَشَأٌ ترشقُ عَيْنا
…
هُ فؤادى بسِهَامِ
كُلَّمَا أَرْشَفنى فَا
…
هُ على حَرِّ الأوامِ
ذُقْتُ منه الشَّهْدَ
…
في الثلْجِ المُصَفَّى بالمُدامِ
وكان ابنه الأمجد شاعرا جيدا، وقد ولاه عم أبيه - صلاح الدين - بعلبك بعد موت أبيه، واستمر فيها مدة طويلة
(4)
.
وفى المرآة
(5)
: وكان فرخشاه من الأفاضل الأماثل، كثير الصدقات متواضعًا سخيا جوادا مقداما متنصلا من المظالم، وكان شاعرا فصيحا. قال العماد: أنشدنى في قلعة دمشق، ونحن بين يدى صلاح الدين:
إذَا شِئْتَ أن تُعطِى الأمُور حُقوقَها
…
وَتُوقِع حُكْمَ العَدْلِ أحْسَن موقِعهْ
فَلَا تَصْنَع المعروفَ مَعَ غَيْر أهْلِه
…
فَظُلْمُك وضعُ الشئ في غيرِ مَوضِعهْ
(6)
وقال في وصف دمشق:
(1)
المدرسة الفرخشاهية: وقفتها حظ الخير خاتون ابنة إبراهيم بن عبد الله والدة عز الدين فرخشاه. وهى زوجة شاهنشاه بن أيوب أخى صلاح الدين، وذلك في سنة 578 هـ/ 1191 م، وهذه المدرسة في زقاق الصخر عند مدخل دمشق الغربى. انظر: الدارس، جـ 1، ص 561 - 564.
(2)
الشرف: هو المكان العالى، والمشارف من قرى العرب ما دنا من الريف وواحدها شرف. انظر: معجم البلدان، جـ 3، ص 277.
(3)
"هذى" في نسخة ب.
(4)
ورد هذا النص بتصرف في البداية والنهاية، جـ 12، ص 332 - 333.
(5)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 237.
(6)
وردت هذه الأبيات في مرآة الزمان، جـ 8، ص 237.
دِمشقُ سقاكِ الله صوبَ غمامةٍ
…
فما غائِبٌ عنها لدىَّ رشيدُ
عسى مُسْعِدًا لي أَنْ أبيتَ بأرضِها
…
ألَا إنَّنى لوصَحَّ لي لَسَعِيْدُ
(1)
وله أشعار كثيرة مدونة. وكانت وفاته بدمشق في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بقبته على الميدان في الشرف الشمالى.
[قال المؤلف
(2)
]: انتجز توريق هذا الجزء على يد مُسَطِّره، ومؤلفه العبد الفقير إلى رحمة ربه الغنى أبى محمد محمود بن أحمد العينى يوم الاثنين الثامن من شهر رمضان عام إحدى وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة المحروسة، بداره المجاورة لمدرسته البدرية بحارة كتامة، بالقرب من الجامع الأزهر، يتلوه الجزء الذى أوله:(فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والسبعين بعد الخمسمائة من الهجرة النبوية)، على يد أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى عفوه ومغفرته محمد بن أحمد بن محمد الأخميمى الأنصارى الخزرجى الحنفى، عامله الله والمسلمون بلطفه الجَلىّ والخفىّ، في يوم الثلاثاء المبارك السابع والعشرين من شهر صفر الأغر، ختم بالنصر والظفر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، حامدا الله تعالى، ومصليا على رسوله ومسلم ومحمدلاً ومحسبلاً ومحوقلاً.
(1)
مرآة الزمان، جـ 8، ص 237.
(2)
ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أ ومثبت من نسخة ب.