المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌توطئة بعون من الله وتوفيقه تم تحقيق ونشر - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [٥٦٥ - ٦٢٨ هـ] - جـ ٤

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

‌توطئة

بعون من الله وتوفيقه تم تحقيق ونشر ثلاثة أسفار من مخطوط عقد الجمان، العصر الأيوبي، والآن أضع بين يدي القراء والباحثين السفر الرابع من هذا المخطوط الذي يبدأ من سنة (616 هـ - 628 هـ)(1219 م - 1230 م)، وهي فترة من أخطر فترات التاريخ الأيوبي بسبب أن كثيرا من أحداثها تتسم بالغموض وعدم وضوح الرؤيا، وذلك لسرعة الأحداث وكثرتها وتضارب أسبابها، ويبدو أن هذا الأمر جعل كثيرا من المؤرخين الذين تناولوا هذه الفترة يكتبون تفسيرات متباينة قد لا تتسق بعضها مع الواقع التاريخي المعاش لهذه الفترة، والبعض الآخر تناولها في عجالة دون تعليق أو تفسير، ولكل عذره، فكثير من الوثائق والمخطوطات التي تناولت هذه الفترة لم تصل إلى أيديهم بسبب فقدانها أو عدم العثور عليها حتى الآن، وبذلك أصبحت في حكم المفقودة حتى أن ماوقع بين أيديهم يمثل أحيانا نظرة أحادية قد تكون بعيدة عن الموضوعية في بعض الأحيان. لهذا كان العبء ثقيلا على من يتناول هذه الفترة محققا أو مؤلفا أو دارسا، فإماطة اللثام عن صحة الأحداث ليست بالأمر السهل، وإنما يتطلب صبرا وجهدا صعبا، واستخدام جميع أدوات البحث العلمي التي تناسب العمل الذي يقوم به، فإن كان محققا فعليه إثبات صحة النص، ومقابلته ووضع الحواشي والتعليقات التي تتضمن تحليل النصوص وصحتها، ومثال على ذلك إستيلاء الصليبيين على دمياط الذي أدى إلى موت الملك العادل أخي صلاح الدين كمدا، وتولى ابنه الكامل بدلا منه، فكان آخر سلاطين بني أيوب العظام، ولم تتم توليته في سهولة ويسر كما كان يحدث في السابق، على الرغم من أنه حكم مصر نيابة عن أبيه قبل وفاته إلا أن الصراع الأسرى على الحكم بين الأخوة مالبث أن أطل برأسه بين الكامل والفائز والأشرف والمعظم عيسى وابنه الناصر، وقد

ص: 3

حسم الصراع في النهاية لصالح الكامل بعد أن كلفه الكثير من الجهود والمال، وأوجد شرخا عميقا في كيان الأسرة الأيوبية، ولم تتوقف مشاكل الكامل عند هذا الحد بل واجه كثيرا من المخاطر الخارجية منها استيلاء الفرنجة على دمياط وظهور الخطر التتاري في الجناح الشرقي بعد استيلاء جنكيزخان على خوارزم وبلاد ما وراء النهر، فكان هذا بمثابة تهديد للقوى الإسلامية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل واجه المسلمون خطرا جديدا هو تحول الخوارزمية بعد هزيمتهم من جنكيز خان إلى مهاجمة المسلمين وتوغلهم في بلاد الإسلام، وبذلك حاقت بالعالم الإسلامي أخطار عدة، كان أخطرها وأكثرها إيلاما على نفسية العالم الإسلامى ما قام به السلطان الكامل من استنجاده بالامبراطور فردريك الثاني صاحب صقلية وامبراطور الدولة الرومانية المقدسة في غرب أوروبا في مساعدته ضد أخوته وأعدائه نظير تنازله عن بيت المقدس والأراضي التي حررها صلاح الدين من الصليبيين، فكان هذا بداية النهاية بالنسبة للدولة الأيوبية، ولقد كثرت الآراء وتباينت الأسباب والدوافع التي دفعت الكامل إلى ما قام به. وإن كنا نرجح أن قيامه بهذا راجع إلى طبيعته الشخصية وتكوينه النفسي الذي غلب عليه روح التسامح قبل روح القتال، فانفرد برأيه دون أخوته، فأضاع على الأيوبيين بوجه خاص والمسلمين بوجه عام ما زرعه أسلافه.

بقي على أن أشير هنا إلى أمرين كبيرين هما:

أولا: إن هذا السفر تضمن الكثير من الأحداث السياسية والتراجم الشخصية ووفيات بعض الأعيان

الخ.

ثانيا: اعتمدت في تحقيق هذا الجزء على القسمين الثاني من الجزء السابع (عشر ميكروفيلم 37666) ويشتمل على السنوات من 616 هـ / 620 هـ، والقسم الأول من الجزء الثامن عشر (ميكروفيلم 35756) ويشتمل على السنوات من 621 هـ/ 628 هـ وهما من نسخة دار الكتب المصرية الورقية رقم 1584 / تاريخ، والتي تتكون من 36 جزءًا.

ص: 4

والشكر موصول ودائم للزميلات من أعضاء اللجنة ممن كان لهن الفضل في مساعدتي بكل تفان وإخلاص في إخراج هذا العمل العلمي وأخص بالذكر:

الأستاذة / نفيسة محمد محمد صميدة

الأستاذة / سهير عبد العاطى يوسف

السيدة / إيزيس سامح زكي

كما قامت الأستاذة / نفيسة محمد محمد صميدة بعمل كشاف الأعلام وكشاف المصطلحات، والأستاذة/ سهير عبد العاطي يوسف بعمل كشاف الأمم والشعوب وكشاف أسماء الكتب الواردة في النص، والسيدة/ إيزيس سامح زكي بعمل كشاف الأماكن.

والله من وراء القصد، وبه التوفيق والسداد.

المحقق

دكتور / محمود رزق محمود

الهرم - الأريزونا

ص: 5

بسم الله الرحمن الرحيم

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة عشر بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين

(1)

الله، وصاحب مصر هو السلطان الملك الكامل

(2)

بن السلطان الملك العادل بن أيوب، وصاحب دمشق هو السلطان الملك المعظم

(3)

بن العادل، وصاحب حلب هو الملك العزيز

(4)

بن الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين، وصاحب بلاد الروم هو السلطان علاء

(5)

الدين كيقباذ ابن كيخسرو السلجوقي، وصاحب البلاد الشرقية مثل حران

(6)

والرها

(7)

وغيرها الملك الأشرف موسى

(8)

بن الملك العادل، وصاحب الموصل ناصر

(*) يوافق أوله 19 مارس سنة 1219 م.

(1)

الناصر لدين الله: هو أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله، ولد ببغداد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وبويع له بالخلافة بعد موت أبيه سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وتوفي سنة 622 هـ. لمعرفة المزيد من ترجمته انظر: البداية والنهاية، جـ 13، ص 114 - ص 115؛ الشذرات، جـ 5، ص 97.

(2)

الملك الكامل بن السلطان العادل: هو أبو المعالي محمد بن الملك العادل أبي بكر الملقب الملك الكامل ناصر الدين صاحب الديار المصرية، توفى بدمشق يوم الأربعاء، ودفن يوم الخميس، وذلك لتسع بقين من شهر رجب سنة 635 هـ بالكلاسة. وفيات الأعيان، ج 5، ص 79 - ص 92؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 159 - ص 160؛ الشذرات، ج 5، ص 171 - ص 173.

(3)

الملك المعظم بن العادل: هو شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق، ولد سنة 578 هـ، وتوفي يوم الجمعة مستهل ذي الحجة سنة 624 هـ بدمشق، ودفن بقلعتها. وفيات الأعيان، ج 3، ص 494 - ص 495؛ الشذرات، ج 5، ص 115 - ص 116.

(4)

الملك العزيز بن الملك الظاهر غازي: هو محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي، الملك العزيز غياث الدين بن الملك الظاهر بن الناصر، صاحب حلب، ولد خامس ذي الحجة سنة 610 هـ من ضيفة خاتون بنت الملك العادل بن أيوب، ولى السلطنة وعمره أربع سنين، وجعلوا طغريل الخادم أتابكه يسوس الأمور، توفي سنة 634 هـ، ودفن بالقلعة، وكان عمره ثلاث وعشرين سنة وشهور، ومدة ملكه قريب العشرين سنة، وأقيم بعده ولده الملك الناصر يوسف، وهو طفل أيضا.

انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 9 - ص 10؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 156؛ شفاء القلوب، ص 308؛ الشذرات، ج 5، ص 168؛ ترويح القلوب؛ ص 95.

(5)

السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قيليج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق بن دقاق السلجوقي صاحب الروم، توفي سنة 634 هـ.

انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 83؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 156.

(6)

حران: مدينة عظيمة مشهورة على طريق الموصل والشام. معجم البلدان، ج 2، ص 332 - ص 333.

(7)

الرها: مدينة بالجزيزة بين الموصل والشام. معجم البلدان، ج 2، ص 876.

(8)

الملك الأشرف: أبو الفتح موسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب الملقب الملك الأشرف مظفر الدين، ولد سنة 578 هـ بالديار المصرية بالقاهرة، وقيل: بقلعة الكرك، وتوفي يوم الخميس رابع المحرم سنة 635 هـ بدمشق. انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 157 - ص 158؛ الشذرات، ج 5، ص 175 - ص 176.

ص: 7

الدين

(1)

محمود بن القاهر بن أرسلان شاه، والمدبر لمملكته بدر الدين لؤلؤ

(2)

، وصاحب آمد ناصر

(3)

الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق، وصاحب خوارزم وسمرقند وبلاد تركستان وخراسان إلى بلاد العراق السلطان علاء

(4)

الدين خوارزم شاه محمد بن تكش، ولكنه في أمور عظيمة وحروب شديدة، بسبب ظهور جنكزخان ومشيه إلى بلاد الإسلام، وصاحب مكة الأمير قتادة

(5)

بن إدريس الحسني الزيدي، وصاحب بلاد الغرب السلطان المستنصر يوسف

(6)

بن السلطان الناصر محمد بن السلطان يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، وكان الملك الأشرف بن العادل مقيمًا بظاهر حلب يدبر أمر جندها وإقطاعها، والملك الكامل بمصر في مقابلة الفرنج، وهم محدقون محاصرون لثغر

(7)

دمياط

(8)

.

(1)

ناصر الدين محمود: ابن عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن قطب الدين مودود بن عماد الدين بن زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل، كان مولده في سنة ثلاث عشرة وستمائة، وقد أقامه بدر الدين لؤلؤ صورة حتى تمكن أمره وقويت شوكته، ثم حجر عليه ومنعه من الطعام والشراب ثلاثة عشر يوما حتى مات كمدا وجوعا وعطشا عام 630 هـ، وهو آخر ملوك الموصل من بيت الأتابكي.

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 146.

(2)

بدر الدين لؤلؤ: الملقب بالملك الرحيم، توفي في شعبان عن مائة سنة، وقد ملك الموصل نحوا من خمسين سنة، وكان ذا عقل ودهاء ومكر، لم يزل يعمل على أولاد أستاذه حتى أبادهم، وأزال الدولة الأتابكية عن الموصل، وتوفي سنة 656 هـ.

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 227.

(3)

ناصر الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سلمان بن أرتق الملك الصالح صاحب آمد وحصن كيفا، توفي بالقولنج سنة 618 هـ، وكان قبيح السيرة ظالما، وقد أورد ابن الأثير، الكامل وفاته في سنة 619 هـ، ج 12، ص 412؛ المختصر، ج 3، ص 130، وأورد ابن كثير وفاته سنة 617 هـ، البداية والنهاية، ج 13، ص 100.

(4)

السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش: كانت مدة ملكة إحدى وعشرين سنة وشهورا تقريبا، واتسع ملكه، وأطاعة العالم بأسره، ولم يملك بعد السلجوقية أحد مثل ملكهـ، فإنه ملك من حد العراق إلى تركستان، وبلاد غزنه وبعض الهند، وسجستان وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبال وخراسان وبعض فارس، توفي سنة 617 هـ. لمعرفة المزيد عنه. انظر: الكامل، ج 12، ص 371 - ص 372؛ الذيل على الروضتين، ص 122؛ المختصر، ج 3، ص 127 - ص 128؛ الشذرات، ج 5، ص 76.

(5)

قتادة بن إدريس الحسني الزيدي: هو قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى العلوي الحسيني صاحب مكة أبو عزيز، عاش أكثر من ثمانين سنة، وكان عادلا منصفا، توفي سنة 617 هـ.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 123؛ الشذرات، ج 5، ص 76.

(6)

السلطان المستنصر يوسف بن السلطان الناصر محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: ولد أول شوال سنة 594 هـ، ولم يكن في بني عبد المؤمن أحسن وجها منه ولا أبلغ في المخاطبة، إلا أنه كان مشغوفا براحته، فضعفت الدولة في أيامه، ومات في شوال أو ذي القعدة سنة 620 هـ ولم يخلف ولدا.

انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 25 - ص 16؛ الشذرات، ج 5، ص 94.

(7)

ثغر: كل موضع قريب من أرض العدو. معجم البلدان، ج 1، ص 937.

(8)

ورد هذا الخبر بتصرف في مفرج الكروب، ج 4، ص 23.

ص: 8

‌ذكر استيلاء الفرنج على دمياط

قال بيبرس: وفي هذه السنة استولى الفرنج على دمياط، واشتدت نكايتهم على أهلها

(1)

، وكان الأمير جمال الدين الكناني قد كتب قصيدة على لسان دمياط وسيَّرها إلى الملك الكامل في سهم نشاب حال الحصار قبل أن يتسلم الفرنج الثغر وهي قوله:

يا مالكي دمياط ثغر هُدِّمت

شرفاته وكان تُجَثُّ أُصُولُه

بقربك من أذكى السلام تحية

كالمسك طاب دقيقُه وجليلُه

ويقول عن بُعْد وإنك سامعٌ

حي كأنك جارُه ونَزِيلهُ

ياأيها الملك الذي ما أن يرعى

بين الملوك شبيهه وعديله

هذا كتاب موضح من حالتى

ما ليس يمكنُنِي لديك أقوله

أشكو إليك عدو سوء أحدقت

بجميعة فرسانه وخيوله

كالبر قد مُنِعَت إليه طريقُه

والبحرُ عَنَّ لنصرِه أسطوله

فخضوعه باد على أبراجه

وحنينُه وبكاؤه وعويله

ولو استطاع لأمّ بابك

لائذا لكنه سُدَّت عليه سبيله

ورسوله في أن تجيب سؤاله

دين الإله وخُلقُه ورسوله

فقد انتهت أدواؤه

وتحكمت علاته ونحي عليه نُحوله

وبقى له رُمْقٌ يسيرٌ يرتجى

أن يشتفي لما دعاك عليله [393]

فاحرُس حمِاهُ بعزْمةٍ يُشْفَى بها

داء فمثلك يُرْتَجَى تَعْليله

فالله أعطاك الكثير بفضله

ورضاه من هذا الكثير قليلة

فالعُذر عن نصر الإله ودينه

ما ساغ عند المسلمين قبوله

فالدين ناظره إليك مُحَدِّق

ما أن يمل من الدموع هُمولُه

ولئن قعدت عن القيام بنصره

جَفَّت نضارته وبان ذُبولُه

ووهت قوى القرآن فيه ورُمّغت

صُلبانُه وتُلِى به إنجيلُه

وَعلا صَدَا الناقوسِ في أرجائه

وخفى على سمع الوري تهليلُه

(1)

ورد هذا الخبر بتصرف في الذيل على الروضتين، ص 116 - ص 117؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 32 - ص 33؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 122؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 91؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 396 - ص 397.

ص: 9

هذا وحقك وصف صورة حاله

حقا وحملتُه وذا تفصيلُه

وكفاك يا ابن الأكرمين بأنه

أضحى عليك من الورى تعويلُه

حقِّق رجاه فيك يا من لم يخب

أبدا لراجي جوده تأميله

واذخر ليوم البعث فعلًا صالح

الله ضامنُ أجرِه وكفيلُه

فأمر الكامل أهل مصر والقاهرة بالخروج إلى المنصورة فخرجوا، وأرسل إلى أخيه لأشرف مظفر الدين موسى يستدعيه لنصرته على الفرنج وتابع إليه الكتب

(1)

. وكان فيما كتب له به هذه الأبيات:

يا مسعفى إن كنت حقًا مسعفى

فارجل بغير تلبث وتوقف

واحثث قلوصك مرقلا أو موجعا

بتحشم في سيرها وتعسف

واطو المنازل ما استطعت ولا تنح

إلا على باب المليك الأشرف

وأقر السلام عليه من عبد له

متوقع لقدومه متشوف

وإذا وصلت حماه فقل له

عني بحسن توصل وتلطف

أن تأت عبدك عن قليل تلقه

ما بين كل مهند ومثقف

أو تبطء عن إنجاده فلقاؤه

بك في القيامة في عراص الموقف

وقال ابن كثير

(2)

: ولم يزل الفرنج مضايقين دمياط حتى هجموها في عاشر رمضان من هذه السنة، فقتلوا وأسروا من بها، وجعلوا الجامع كنيسة، واشتد طمع الفرنج في الديار المصرية، وحين أُخذت دمياط ابتنى الملك الكامل مدينة سماها المنصورة عند مفترق البحرين الآخذ أحدهما إلى دمياط والآخر إلى أشمون طناح

(3)

ونزل بها بعساكره.

وفي المرآة

(4)

: وفي شعبان أخذت الفرنج دمياط، وكان المعظم قد جهز إليها ابن الجرحى ومن معه، وصفوا رؤوس القتلى على الخنادق، وكانوا قد طموا الخنادق،

(1)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 33؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 122.

(2)

البداية والنهاية، ج 13، ص 91.

(3)

أشمون طناح: أو أشموم من أقدم المدن المصرية واسمها القبطى Chemoum Ermam وسماها العرب أشمون الرمان نسبة إلى اسمها القبطي، وسميت أيضا أشمون طناح نسبة إلى طناح التي كانت معها في كورة واحدة، وأشمون الرمان هي الآن قرية عادية من قرى مركز دكرنس محافظة الدقهلية.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 282.

(4)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 296.

ص: 10

وضعف أهل دمياط وأكلوا الميتات، وعجز الكامل عن نصرتهم، ووقع فيهم الفناء والوباء، فراسلوا الفرنج على أن يسلموا إليهم البلد ويخرجون منه بأهليهم وأموالهم، واجتمع الأقساء وحلَّفوهم على ذلك، فركبوا في المراكب وزحفوا في البحر والبر، وفتح لهم أهل دمياط الأبواب، فدخلوا ورفعوا أعلامهم على السور [394]، وغدروا بأهله ووضعوا فيهم السيف قتلًا وأسرا، وباتوا تلك الليلة في الجامع يفجرون بالنساء ويفضحون البنات، وأخذوا المنبر والمصاحف ورؤوس القتلى وبعثوا بها إلى الخزائن، وجعلوا الجامع كنيسة، وكان أبو الحسن بن قفل بدمياط، فسألوا عنه فقيل: هذا رجل صالح من مشايخ المسلمين تأوي إليه الفقراء، فما تعرضوا له، ووقع على الإسلام كآبة عظيمة، وبكى الكامل والمعظم بكاء شديدا، ثم تأخرت العساكر عن تلك المنزلة، وكان المعظم يقول لي بعد ذلك: لو كان الدعاء يسمع لَسُمعَ دعاء أهل دمياط، فإن الله تعالى قد أخبرنا أنه يستجيب دعانا في عدة مواضع من كتابه، وأما أهل دمياط لما كثر فسقهم وفجورهم سلَّط الله عليهم من انتقم منهم {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً}

(1)

الآية، ثم قال الكامل للمعظم وقد سقط في يده: قد مات ما ذُبح وجرى المقدور بما هو كائن، وما في بقائك ها هنا فائدة، والمصلحة أن تنزل إلى الشام وتشغل خواطر الفرنج، وتستجلب العساكر من الشرق.

وقال السبط

(2)

: كتب المعظم إليَّ وأنا بدمشق كتابًا بخطه يقول في أوله أخوه عيسى الكاملي: قد علم الأخ العزيز - وذكر ألقابًا كثيرة. وقال: قد جرى على دمياط ما جرى، وأريد أن تُحرض الناس على الجهاد، وتعرفهم ما جرى على إخوانهم أهل دمياط من الكفرة أهل العناد، وأني كشفت الضِّياع المتعلقة بالشام فوجدتها ألفى قرية، منها ألف وستمائة أملاك لأهلها، وأربع مائة سلطانية، وكم مقدار ما تقوم هذه الأربعمائة من العساكر؟ وأريد أن تخرج الدماشقية ليذبوا عن أملاكهم الأصاغرة بينهم والأكابر، ويكون لقاؤنا وهم في صحبتك إلى نابلس

(3)

في وقت سماه. فجلست بجامع دمشق، وقرأت

(1)

اقتباس من القرآن الكريم، سورة الإسراء، آية (16) وهي:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} .

(2)

مرآة الزمان، ج 8، ص 397.

(3)

نابلس: مدينة مشهورة بأرض فلسطين، معجم البلدان، ج 4، ص 734.

ص: 11

كتابه عليهم، فأجابوا بالسمع والطاعة، وقالوا: نتمثل أمره بحسب الاستطاعة. وتجهزوا، فلما حل ركابه بالساحل ووقع التقاعد عن الأماثل، وكانوا معذورين لأن لكل مقام مقالًا، وللحرب رجالًا، وكان تقاعدهم سببا لأخذه الثُمن والخمس من أموالهم [394]، والمؤاخذة على أفعالهم، وكتب إلى: إذا لم يخرجوا فسر أنت إلى وأقدم علينا. فخرجت إلى الساحل وهو نازل على قيسارية

(1)

، فأقمنا حتى فتحها عنوة، ثم سرنا إلى النهر

(2)

ففتحه وهدمه، وعاد إلى دمشق بعد أن أخرب بلاد الفرنج

(3)

.

وفي تاريخ

(4)

ابن العميد: وفي سنة خمس عشرة وستمائة نزلت الفرنج على دمياط في حياة الملك العادل في ثالث ربيع الأول، وأقاموا في بر الجيزة مقابل دمياط، فخرج الملك الكامل إليهم بعساكره، ونزل في بر دمياط قِبالتهم، وبحر النيل بين الفريقين، وجرت وقائع وحروب كثيرة في البر والبحر، ثم دخلت سنة ست عشرة وستمائة وهم في بر الجيزة، وفيها خرجت الفرنج بجموعهم ورجعت على دمياط وحاصروها أشد حصار، وملكوا بر دمياط، فرحل الكامل ونزل قريبا منهم، وجرت وقائع وحروب شديدة، وركبت الفرنج لقتال المسلمين، فتلقاهم الكامل بعساكره وكسرهم وأسرهم جماعة كثيرة من ملوكهم وكنودهم

(5)

، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وبعث الملوك والكنود والأسرى مكبلين بالحديد إلى القاهرة [395] ثم بعد ذلك استولوا على دمياط وأحدقوا بها برا وبحر، ومنعوا عنها الميرة، وهلك أهلها من الجوع والوباء، ووقع فيهم الفناء، ومات أكثر أهلها، ولم يبق بها من المقاتلة إلا قليلا، فزحف الفرنج عليها وملكوها وأسروا من وجدوه بها، وذلك يوم الثلاثاء لخمس بقين من شعبان من سنة ست عشرة وستمائة. وكانت مدة الحصار عليها ستة عشر شهرًا واثنين وعشرين يوما. ولما ملكت الإفرنج دمياط تأخر

(1)

قيسارية: بلد على ساحل بحر الشام تعد في أعمال فلسطين، وقيسارية أيضًا مدينة كبيرة عظيمة في بلاد الروم، معجم البلدان، ج 4، ص 214.

(2)

النقر: كذا في الأصل، والمثبت من مرآة الزمان، ج 8، ص 397، حيث ينقل عنه العيني.

(3)

إلى هنا توقف العينى عن النقل من مرآة الزمان، ج 8، ص 397.

(4)

أخبار الأيوبيين، ص 10 - ص 11.

(5)

كنود - كنت: مفردها كند وهو كبير الفرنج لغناه وأملاكه الواسعة. معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، ص 131.

ص: 12

الكامل بعساكره ورحل إلى أشمون طناح، فأقام بها مديدة، ثم رحل إلى المنزلة التي قبالة طلخا

(1)

على رأس بحر أشمون ورأس بحر دمياط، وخيم هنالك وبني الناس الآدر

(2)

والفنادق والحمامات والأسواق، وسميت المنصورة وكان كذلك.

ولما استولى الفرن على دمياط سيروا كل من وجدوه فيها إلى عكا في المراكب، ورحلوا ونزلوا قبالة المنصورة، ونازلوا الكامل وبينهم بحر أشمون وبحر دمياط

(3)

.

وقال ابن

(4)

كثير: وفي هذه السنة توجه الملك المظفر محمود صاحب حماة إلى مصر ومعه الطواشي

(5)

مرشد المنصوري بعسكر نجدة الملك الكامل بمصر، وذلك بعد أن حَلَّف والده الملك المنصور الناس بأن يكون الملك المظفر ولي عهده، فسار الملك المظفر بإذن والده الملك المنصور فوصل إلى الكامل، وأكرمه وأنزله في ميمنة عسكره، وهي منزلة أبيه وجده في الأيام الصلاحية، وبعد أن توجه الملك المظفر ماتت والدته ملكة خاتون بنت الملك العادل. قال القاضي جمال الدين بن واصل: وحضرت العزاء وكان عمرى اثنتي

(6)

عشرة سنة، ورأيت الملك المنصور وهو لابس الحداد على زوجته المذكورة، وهو ثوب أزرق وعمامة زرقاء، وأنشدته الشعراء المراثي، فمن ذلك قصيدة قالها حسام الدين الكردي، منها في لبس الملك المنصور الحداد:

ما كنت أعلم أن الشمس قد غربت

حتى رأيت الدجي مُلْقَى على القمر

لو كان من مات يفُدْي قبلها لَفدَى .... أم المظفر آلاف من البشر

(7)

(1)

طلخا: وتكتب طلخاء، وهي موضع بمصر على النيل المفضي إلى دمياط، معجم البلدان، ج 3، ص 543.

(2)

الأدر: جمع دور وهي مساكن الحريم السلطانية، وهي نوات بساتين ومناخات للحيوانات البديعة والأبقار والأغنام والطيور. انظر: صبح الأعشى، ج 3، ص 371 - ص 372.

(3)

وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج 10، ص 375 - ص 377؛ الذيل على الروضتين، ص 116 - ص 117؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 32 - ص 33؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 122؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 87 - ص 89، ص 94 - ص 95؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 91؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 396.

(4)

بالبحث في ابن كثير، البداية والنهاية لم نجد هذا الخبر، وإنما ورد في مفرج الكروب، ج 4، ص 64 - ص 65.

(5)

الطواشي: والجميع طواشية، وهم خدام السلطان. انظر: صبح الأعشى، ج 5، ص 456.

(6)

"اثنى" كذا في الأصل، وما أثبتناه هو الصحيح لغة.

(7)

ورد هذان البيتان في مفرج الكروب، ج 4، ص 16 - ص 67.

ص: 13

‌ذكر تخريب سور القدس الشريف

وفي أول المحرم وقيل في سابع المحرم أخرب الملك المعظم أبراج القدس وسوره خوفًا من استيلاء الفرنج عليه، فاضطرب الناس وخرجوا منه متفرقين في البلاد، وهان عليهم مفارقة ديارهم وضياع أموالهم، وقد كان القدس يومئذ على أتم الأحوال من العمارة وكثرة السكان

(1)

. وفي المرآة

(2)

: كان المعظم قد توجه إلى أخيه الكامل إلى دمياط، وبلغه أن طائفة من الفرنج على عزم القدس، فاتفق الأمراء على خرابه، وقالوا: قد خلا الشام من العساكر فلو أخذه الفرنج حكموا على الشام. وكان بالقدس أخوه العزيز عثمان وعز الدين أيبك الأستاذ دار

(3)

، فكتب المعظم إليهما بحران فتوقفا. وقالا: نحن نحفظه. فكتب إليهما المعظم: لو أخذوه لقتلوا كل من فيه وحكموا على دمشق وبلاد الإسلام. فألجأت الضرورة إلى خرابه، فشرعوا في السور أول يوم من المحرم، ووقعت في البلد ضجة مثل يوم القيامة وخرجت

(4)

النساء "المخدرات"

(5)

والبنات والشيوخ والعجائز والشبان والصبيان إلى الصخرة والأقصى، فقطعوا شعورهم ومزقوا ثيابهم، بحيث امتلأت الصخرة ومحراب الأقصى من الشعور، وخرجوا هاربين وتركوا [396] أموالهم وأثقالهم ومما شكوا أن الفرنج تصبحهم، وامتلأت بهم الطرقات، فبعضهم ذهب إلى مصر وبعضهم إلى الكرك وبعضهم إلى دمشق، وكانت البنات المخدرات يمزقن ثيابهن ويربطنها على أرجلهن من الحفا، ومات خلق كثير من الجوع والعطش، وكانت نوبة لم يكن في الإسلام مثلها، ونهبت الأموال التي كانت لهم في القدس، وبلغ قنطار الزيت عشرة دراهم، ورطل النحاس نصف درهم، وأكثر الشعراء في ذم دولة المعظم ودعوا عليها، فقال بعضهم:

في رجب حلل المحرم

وخرب القدس في المحرم

(1)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 115 - 116؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 32؛ المختصر، ج 3، ص 122؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 90؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 395.

(2)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 395.

(3)

الأستاذ دار: وظيفة من وظائف أرباب السيوف، يتولى صاحبها شؤون بيوت السلطان كلها من المطابخ والشراب والحاشية والغلمان، وله مطلق التصرف في استدعاء ما يحتاجه كل من في بيت السلطان من النفقات والكسوة. انظر: صبح الأعشى ج 4، ص 20، ج 5، ص 457.

(4)

"وخرج" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

(5)

"للخدرات" كذا في الأصل، والمثبت من الذيل على الروضتين، ص 115؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 395، ص 396.

ص: 14

قال السبط

(1)

: وأنشدني قاضى الطور مجد الدين محمد بن عبد الله الحنفي لنفسه:

مررت على القدس الشريف مُسلمًا

على ما تبقى من ربوع كأنجم

ففاضت دموع العين مني صبابة

على ما مضى من عصرنا المتقدم

وقد رام علج أن يعفى رُسومه

وشمر عن كفي لئيم منمم

فقلت له شلت يمينك خلها

لمعتبر أو سائل أو مُسلّم

فلو كان يُفدى بالنفوس فديته

بنفسي وهذا الظن في كل مسلم

‌ذكر حصار التتار خوارزم

وفي هذه السنة كان حصار التتار خوارزم، وذلك أنه لما انفصلت عنها تركان خاتون والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش ومن معها من أولاد ولدها وحريمه كما ذكرنا، وافي التتار إليها، فأول من وصل تاجي بك، وبعده أنطاى بن جنكيزخان ثم حقطاي بن جنكيزخان ثم دوشي خان بن جنكيز خان، وتتابعت إليهم الأمداد صحبة بقرجن نُوين، وطُلُن، وأشتون نُوين، وقصان نُوين، في مائة ألف أو يزيدون، ونصبوا عليها المجانيق والمتاريس والدبابات، ورؤوا أن بلد خوارزم خالية من حجارة يرمون بها في المجانيق، فوجدوا هناك من أصول التُوت العظيمة شيئا غليظًا جدًا، فصاروا يقطعونه قطعا مدورة ويرمون به بعد وضعه في الماء يوما وليلة، ثم أن دوشي خان عرض عليهم أن يسلموها بالأمان، وقال: إن أباه أنعم بها عليه، ومنع العسكر من التعرض إليها منتظرًا تسليمها له، فمال كُبراؤها إلى مسالمته وسفهاؤها إلى حربه، وخرج الأمر من أيدي الأعيان. فساق دوشي خان في ذلك الجيش العظيم، فأخذوها في جملة واحدة، وصار الناس يذبون عن أنفسهم وحريمهم، فحين أعضل الأمر أرسلوا إلى دوشي خان العقبة علاء الدين محتسب

(2)

خوارزم، فأكرمه دوشي خان، فقال له: إنّا قد رأينا هيبة الخان، وقد آن أن نشاهد مرحمته، فاغتاظ، وقال: ماذا

(1)

بالبحث لم نجد هذه الأبيات في مرآة الزمان ووجدت في الذيل على الروضتين، ص 116.

(2)

المحتسب: من وجوه العدول وأعيانهم، ويده مطلقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قاعدة الحسبة، ويتحدث في أمر المكاييل والموازين، ولا يحال بينه وبين مصحة إذا رآها.

انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 302.

ص: 15

رأيتم من هيبتى؟ وقد أفني عسكرى هؤلاء الرجال وطاولوا معهم القتال، وأنا الذي شاهدت هيبتهم وسأريهم هيبتى. وأمر بإخراج الناس فرادي ومثني وجموعا، ونودي بانعزال أرباب الصنائع، فمنهم من فعل ونجا، ومنهم من اعتقد أن أرباب الحرف يساقون إلى بلاد التتار ويقيم من سواهم بالديار فلم ينعزل، فناله خسار ياله من خسار، ووضع [397] السيف فيهم فأهلكوا عن آخرهم

(1)

.

‌ذكر بقية الحوادث

منها أن الشيخ محيي الدين بن الجوزي محتسب بغداد أمر بإزالة المنكرات وكسر الملاهي ببغداد، ذلك في مستهل هذه السنة

(2)

.

ومنها أن المعظم ألبس قاضي القضاة زكي الدين أبا العباس الطاهر بن محيي الدين القباء

(3)

والكلوتة

(4)

بمجلس الحكم من داره بباب

(5)

البريد

(6)

.

وقال السبط

(7)

: كان في قلبه منه حزازات كان يمنعه من إظهارها حياؤه من والده العادل، وخوفه من الشناعات، وكان يشكو إلىَّ من القاضي مرارًا ويقول: إنه لا ينفذ الأحكام ولا يقيم معالم الإسلام. واتفق موت العادل ومرض أخته ست الشام عمة المعظم، وكانت قد أوصت بدارها مدرسة، وأحضرت القاضي الزكي والشهود، وأشهدتهم عليها، وأوصت إلى القاضي، وبلغ المعظم فعز عليه وقال: يحضر إلى دار عمتي من غير إذني ويسمع كلامها هو والشهود. ثم اتفق أن القاضي أحضر جابى

(1)

وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج 10، ص 421 - ص 422؛ سيرة منكبرتي، ص 94، ص 170 - ص 173؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 61.

(2)

ورد هذا الحدث في البداية والنهاية، ج 13، ص 90.

(3)

قباء: هو ثوب له أكمام ضيقة.

انظر: ماير: الملابس المملوكية، ص 25.

(4)

الكلوتة: غطاء للرأس، ولمعرفة المزيد

انظر: ماير، الملابس المملوكية، ص 58، ص 59، ص 105، ص 106.

(5)

باب البريد: يوجد داخل دمشق.

انظر: الدارس، ج 1، ص 537.

(6)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 117؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 91؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 397.

(7)

مرآة الزمان، ج 8، ص 397 - ص 398.

ص: 16

المدرسة العزيزية

(1)

وطلب حسابها، فأغلظ له في القول، فأمر بضربه فضرب بين يديه كما يفعل الولاة، فوجد المعظم سبيلًا إلى إظهار ما كان في نفسه، وكان الجمال المصري وكيل بيت المال عدوًا للقاضي، فجاء فجلس عند القاضي في مجلس الحكم، والشهود حاضرون والناس، فبعث المعظم ببقجة فيها قباء وكلوتة، وأمره أن يحكم بين الناس وهما عليه، وقام من خوفه فلبسهما وحكم بين اثنين. قال أبو شامه

(2)

: جابى المدرسة المضروب هو السديد خطيب عقربا

(3)

، واسمه سالم بن عبد الرزاق بن يحيى ابن عمر بن كامل أخو الجمال والمؤيد العقرباني، وكانت الخلعة إشارة إلى أنك تفعل فعل والى الشرطة فالبس لبس من يفعل ذلك، قال: ومن لطف الله تعالى أن كان مجلس الحكم بداره، وإلا والعياذ بالله لو كان في مكان آخر لتكلف المرور في الطرقات بذلك الزي الشنيع في حق مثله إلى بيته. ثم أن القاضي لزم بيته بعدها، ولم تَطل مدة حياته، فمرض مرضه رَمَى كبده فيها قطعًا، ومات في صفر سنة سبع عشرة وستمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

وقال السبط

(4)

: وكانت حركة شنيعة وواقعة قبيحة لم يجر في الإسلام أقبح منها، وكانت من غلطات المعظم. ولقد قلت له: ما فعلت إلا بصاحب الشرع، ولقد وجبت عليك دية القاضي. فقال: هو الذي أحوجني إلى هذا، ولقد ندمت

(5)

.

واتفق أن المعظم بعث إلى الشرف

(6)

بن عنين الشاعر حين تزهد خمرًا ونردًا وقال: سبح بهذا، إشارة إلى أن زهده ليس له صحة، فكتب إليه ابن عنين:

ياأيها الملك المعظم سنة

أحدثتها تبقى على الآباد

تجرى الملوك على طريقك بعدها

خلع القضاة وتحفة الزهاد

(7)

(1)

المدرسة العزيزية: جوار المدرسة المعظمية بالصالحية، أنشأها الملك العزيز عثمان بن الملك العادل أخو الملك المعظم، توفي سنة 630 هـ. انظر: الدارس، ج 1، ص 549 - ص 550.

(2)

الذيل على الروضتين، ص 117 - ص 118.

(3)

عقربا: كذا في الأصل، وفي ياقوت "عَفْربلا": وهي بلدة بغور الأردن، قرب بيسان وطبرية. معجم البلدان، ج 3، ص 688.

(4)

مرآة الزمان، ج 8، ص 398.

(5)

إلى هنا توقفه العيني من النقل عن سبط ابن الجوزي.

(6)

الشرف بن عنين: هو أبو المحاسن محمد بن نصر بن الحسين بن عنين الأنصاري الملقب شرف الدين الكوفي الأصل الدمشقي المولد الشاعر المشهور، ولد بدمشق تاسع شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وتوفي في شهر ربيع الأول منة ثلاثين وستمائة بدمشق، وفيات الأعيان، ج 5، ص 14 - 19.

(7)

وردت هذه الأحداث في الذيل على الروضتين. ص 118.

ص: 17

وفيها ....

(1)

وفيها حج بالناس من العراق أقباش الناصري، ومن الشام مملوك المعظم، ويقال له: شقيقات

(2)

.

قال السبط

(3)

: وكنت في الحج ومعنا عز الدين بن القيسرانى من حلب، والصفي ابن مرزوق.

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

أبو البقاء صاحب

(4)

الأعراب عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين، العكبرى الأصل، البغدادي المولد والدار، الفقيه الحنبلي، الحاسب [398] الفَرَضِى النحوي الضرير، الملقب محب الدين، أخذ النحو عن أبي محمد بن الخشاب، وأخذ عن مشايخ عصره ببغداد، وسمع الحديث من ابن البطي وغيره، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه. وكان الغالب عليه النحو، وصنف فيه مصنفات مفيدة منها: شرح كتاب "الإيضاح" لأبي على الفارسي، وشرح ديوان المتنبي، وله "إعراب القرآن" في مجلد، وكتاب "إعراب الحديث"، وكتاب "شرح اللمع" لابن جني، وكتاب "اللباب في علل النحو"، وكتاب "إعراب شعر الحماسة"، وشرح "المفصل" للزمخشري شرحًا مستوفي، وشرح "الخطب النباتية" و "مقامات الحريري"، وصنف في الحساب أيضا، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، واشتهر اسمه في البلاد وهو حيّ، وبَعُد صيته، وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة؛ وتوفي يوم الأحد ثامن شهر ربيع الآخر، سنة ست عشرة وستمائة، ودفن بباب حرب

(5)

وكان صالحًا دينًا.

(1)

بياض بالأصل بمقدار سطر.

(2)

ورد هذا الخبر في، الذيل على الروضتين، ص 199.

(3)

مرآة الزمان، ج 8، ص 398.

(4)

الكامل، ج 10، ص 398؛ الذيل على الروضتين، ص 119 - ص 120؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 100 - ص 102؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 92 - ص 93.

(5)

باب حرب: أحد أبواب بغداد، وينسب إلى حرب بن عبد الله أحد أصحاب أبي جعفر المنصور، وينسب إلى حرب المحلة المعروفة بالحربية، وبها قبر أحمد بن حنبل، انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 64 - ص 65.

ص: 18

الحافظ عماد

(1)

الدين أبو القاسم علي بن الحافظ بهاء الدين أبي محمد قاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، سمع الكثير، ورحل، فمات ببغداد في هذه السنة، ومن لطيف شعره قوله في المروحة:

ومروحةٍ تروحُ كلَّ همِّ

ثلاثةُ أشهرٍ لا بد منها

حُزَيران وتموزُ وآبُ

وفي أيلولَ يُغنى الله عنها

أبو سعيد

(2)

محمد بن محمود بن محمد بن عبد الرحمن، المروزي الأصل، الهمذاني المولد، البغدادي المنشأ والوفاة، كان حسن الشكل كامل الأوصاف، له خط حسن، وكان يعرف فنونا كثيرة من العلوم، شافعى المذهب، ويتكلم في مسائل الخلاف، حسن الأخلاق، ومن شعره:

أرى قسم الأرزاق أعجب قسمةٍ

لذي دعةٍ مُثر ومكدّ به الكدُّ

وأحمقُ ذو مالٍ وأحمقُ معدمٌ

وعقلٌ بلاحظٍ وعقلٌ له جُدُّ

يعمّ الغنى والفقر ذا الجهل والحجَى

ولله من قبلُ الأمورِ ومن بعدُ

أبو زكرياء يحيى

(3)

بن القاسم بن درع بن الخضر، الشيخ تاج التكريتي، قاضيها، ثم درس بالنظامية ببغداد

(4)

، وكان مُتْقِنًا لعلوم كثيرة منها: التفسير، والفقة، والأدب، والنحو، واللغة، وله مصنفات في ذلك كله، وجمع لنفسه تاريخًا، ومن شعره قوله:

لابد للمرء من ضيق ومن سعة

ومن سرور يوافيه ومن حزن

والله يطلب منه شكر نعمته

ما دام فيها ويبغى الصبر في المحنِ

فكن مع الله في الحالين معتنقًا

فرضيْكَ هذين في سر وفي علن

فما على شدة يبقى الزمانُ يكنْ

ولا على نعمة تبقى على الزمنِ

ومن شعره قوله:

لو كان قاضي الهوى علىّ ولي

ما جارَ في الحكمِ مَنْ على ولى

يا يوسفي الجمال عندك لم

تبقَ له حيلة من الحيلِ

إن كان قُدَّ القميصُ من دبرٍ

ففيك قُدَّ الفؤادُ من قُبُلِ

(1)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 120؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 92 - جـ 93؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 69 - ص 70.

(2)

البداية والنهاية، ج 13، ص 93.

(3)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 120؛ البداية والنهاية، جـ 13، ص 93؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 400.

(4)

المدرسة النظامية ببغداد: بناها الوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن علي، سنة 457 هـ، ودرس بها الشيخ أبو إسحق الشيرازي. وفيات الأعيان، ج 2، ص 129.

ص: 19

مات في رمضان من هذه السنة، ودفن بالشونيزية

(1)

.

الشيخ الإمام العلامة

(2)

جمال الدين

(3)

أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار بن عشائر بن عبد الله بن محمد بن شاس، الجذامي السعدي، الفقية المالكي، مصنف كتاب "الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة"، وهو من أكثر [399] الكتب فوائد في الفروع رتَّبة على طريق "الوجيز للغزالي". وقال ابن خلكان: والطائفة المالكية بمصر، عاكفة عليه لحسنه وكثرة فوائده، وكان مدرسًا بمصر، وتوفي بدمياط في جمادى الآخرة، وقيل: في رجب من هذه السنة. وكان قد توجه إليها بنية الجهاد لمَّا أخذها الفرنج. وشاس بالشين المعجمة والسين المهملة بينهما ألف.

برهان الدين علي

(4)

بن علوش بن عبد الله المغربي، إمام المالكية بدمشق، توفى يوم الأحد ثاني شعبان، ودفن بجبل قاسيون

(5)

، وكان عالمًا بالأصول والفروع والعربية، ونشأ له ابن فاضل في علم الطب يلقب بناصر الدين منصور بن علي، توفى أيضًا وهو شاب (رحمهما الله).

محمد

(6)

بن محمد بن محمود الكشميهني

(7)

، توفى في هذه السنة، وكان صالحًا صاحب مجاهدات ورياضات، وأوصى أن يكتب على كفنه هذا البيت طلبًا لإصلاح حاله:

يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى

إليكم يلقى طيبكم فيطيب

الشريف

(8)

افتخار

(9)

الدين عبد المطلب بن الفضل، العلوي، البلخي، المدرس بمدرسة الحلاويين بحلب، مات في حلب في هذه السنة، وكان عارفًا بمذهب

(1)

الشُّوِنيزية: مقبرة ببغداد بالجانب الغربي. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 338.

(2)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 93 - ص 94؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 69.

(3)

"جلال الدين" كذا في الأصل والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 93 - 94؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 69.

(4)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 121.

(5)

قاسيون: هو الجبل المشرف على مدينة دمشق. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 13.

(6)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 120.

(7)

"الكشميني" كذا في الذيل على الروضتين، ص 120.

(8)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 120؛ شذرات الذهب، جـ 5، ص 69.

(9)

"مختار الدين" كذا في الذيل على الروضتين، ص 120.

ص: 20

أبي حنيفة رضي الله عنه وشرح الجامع الكبيره وغيره، وكان يروي كتاب "الشمائل" للترمذي وغيره، وكان سيدا عاقلًا فاضلًا ورعًا دينا.

محمد

(1)

بن جميل، صاحب مخزن الخليفة، مات ببغداد، ومولده بهيت

(2)

، وكان فاضلًا بارعًا.

محمد سبط

(3)

العقاب، ولقبه بدر الدين، وهو الذي ضم إليه الخليفة ولدى ولده إليه لما خرجا إلى ششتر

(4)

، وأرسله الخليفة إلى الأشرف مرارًا، وكان فقيرًا فحصل له مال عظيم، فبعثه الخليفة إلى الأشرف في هذه السنة، فبدا منه عند الأشرف دناءة نفس وسقوط هِمَّة، وبلغ الخليفة، وكان قد حظى عنده وبلغ أعلى المراتب، فلما عاد من الرسالة اعتقله في داره، وقيل له: بعثناك إلى ششتر فخُنت في المال، فاعمل حسابك. فأصبح في داره مصلوبًا. فقيل: إنه صلب نفسه. وقيل: بل غلمانه صلبوه. وقيل: بل الموكلون به. ولم يغسل ولم يكفن ولم يصل عليه، وحُمِل إلى مقابر المُقَتَّلين، فدفن بها. وقال الناس: إن في ذلك لعبرة.

ريحان

(5)

بن تكان بن موسك أبو الخير، المقري، شيخ السبط، كان صالحا سليم الصدر، أقام بالحربية سبعين سنة، يُقرئ الناس القرآن، فختم ألوفًا، وكان من الأبدال. وقال السبط

(6)

: قرأت عليه القرآن، وسمعت الحديث، وأُضر في آخر عمره، وكانت وفاته في صفر، ودفن بمقابر أحمد، روي عن أبي الوقت وغيره.

صاحب سنجار المنصور

(7)

محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، مات في هذه السنة، وأبوه كان ختن نور الدين محمود بن زنكي على ابنته، وكان المنصور هذا

(1)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 120.

(2)

هيت: سميت هيت لأنها في هوة من الأرض. وهي بلدة على الفقرات من نواحي بغداد فوق الأنبار.

انظر: معجم البلدان، ج 5، ص 420 م ص 421.

(3)

انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 400.

(4)

ششتر: ويقال لها تُسْتَر وهو تعريب ششتر، وهي أعظم مدينة بخوزستان. معجم البلدان، ج 1، ص 847 - ص 848.

(5)

انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 398؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 67.

(6)

انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 398.

(7)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 120؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 31؛ المختصر، ج 3، ص 122؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 399؛ الشذرات، ج 5، ص 70.

ص: 21

ملكًا عادلًا، وهو الذي حصره الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ثم رحل عنه بشفاعة الخليفة الإمام الناصر لدين الله، وخلف عدة أولاد: سلطان شاه، وزنكي، ومظفر الدين وغيرهم.

الخاتون الجليلة المصونة ست

(1)

الشام، بنت أيوب بن شاذى، أخت الملوك: السلطان صلاح الدين، والسلطان الملك العادل، والمعظم تورانشاه، وكانت شقيقة المعظم، كان لها من الملوك محارم خمسة وثلاثون ملكًا منهم الملك المعظم تورانشاه صاحب اليمن، وهو مدفون عندها في تربتها في القبر القبلى من الثلاثة، وفي الأوسط منها زوجها [400] وابن عمها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي صاحب حمص، وكانت قد تزوجته بعد أبي ابنها حسام الدين عمر بن لاجين، وهي وابنها حسام الدين عمر في القبر الثالث. ويقال للمدرسة والتربة: الحسامية

(2)

نسبة إلى ابنها هذا حسام الدين عمر بن لاجين، وكان من أكابر الأمراء عند خاله صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكانت ست الشام من أكثر النساء خدمة وإحسانا إلى الفقراء والمحاويج، وتعمل في كل سنة في دارها بألوف من الذهب أشربة وأدوية وعقاقير وغير ذلك، فتفرق على الناس، وكانت وفاتها يوم الجمعة آخر النهار، السادس عشر من ذي القعدة من هذه السنة، في دارها التي جعلتها مدرسة، وهي الشامية الجوانية، ونقلت منها إلى تربتها بالشامية البرانية، وكانت جنازتها عظيمة حافلة جدا (رحمها الله تعالى).

(1)

الذيل على الروضتين، ص 119؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 92؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 398 - ص 399؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 67.

(2)

المدرسة والتربة الحسامية: بالعونية على الشرف الشمالي من دمشق وأنشأتها أم الأمير حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين، وهي الشامية البرانية ونسبت إليه.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 119؛ الدارس في تاريخ المدارس، ج 2، ص 143، ص 144؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 67.

ص: 22

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة عشر بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والمسلمون في كرب شديد من أمور:(الأول): من جهة الفرنج وهم متملكون دمياط، والسلطان الملك الكامل مقيم في المنصورة لأجلهم، مرابط للجهاد. (الثاني) وهو معظمها خروج التتار من بلادهم واستيلاؤهم

(1)

على بلاد المسلمين وفسادهم. و (الثالث) وقوع الفتن في أطراف البلاد: من ذلك أن الملك الأشرف كان قد أقطع عماد

(2)

الدين أحمد بن سيف الدين على المشطوب رأس عين

(3)

فخرج عليه، وجمع جمعا، وحسن لصاحب سنجار

(4)

محمود بن قطب الدين الخروج عن طاعة الأشرف، فخرج بدر الدين لؤلؤ من الموصل، وحضر ابن المشطوب بتل أعفر

(5)

وأخذه بالأمان، ثم قبض عليه، وأعلم الملك الأشرف بذلك، فسر به غاية السرور، واستمر ابن المشطوب في الحبس، ثم سار الأشرف من حران واستولى على دنيسر

(6)

، وقصد سنجار، فأتته رسل صاحبها محمود بن قطب الدين يسأل أن يعطى الرقه عوضا عن سنجار ليسلم سنجار إلى الأشرف، فأجاب الأشرف إلى ذلك وتسلم سنجار في مستهل جمادى الأولى، وسلم إليه الرقة

(7)

وهذا كان من سعادة الأشرف فإن أباه الملك العادل نازل سنجار في جموع كثيرة، وطال مقامه عليها ولم يملكها، وملكها ابنهُ الأشرف بأهون سعي. وبعد أن فرغ الأشرف من سنجار سار إلى

(*) يوافق أوله 8 مارس سنة 1220 م.

(1)

"استيلائهم" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(2)

عماد الدين أحمد: هو أبو العباس أحمد بن سيف الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن أبي الهيجاء بن عبد الله بن أبي الخليل بن مرزبان الهكاري المعروف بابن المشطوب الملقب عماد الدين، والمشطوب لقب والده، وولد عماد الدين سنة 575 هـ تقديرا، وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة 619 هـ.

انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 180 - 184.

(3)

رأس عين: مدينة كبيرة مشهورة من مدن الجزيرة بين حران ونصيبين ودونيسر.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 731.

(4)

سنجار: مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة، بينها وبين الموصل ثلاثة أيام.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 158 - 160.

(5)

تل أعفر: يقال عنه أيضًا يعفر، وهو اسم قلعة وربض بين سنجار والموصل في وسط واد فيه نهر جارى. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 863.

(6)

دُنَيْسر: بلدة عظيمة مشهورة من نواحي الجزيرة قرب ماردين، ولها اسم آخر يقال لها: قوج حصار. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 612.

(7)

الرقة: مدينة مشهورة على الفرات، وهي في بلادة الجزيرة بالعراق.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 802 - 804.

ص: 23

الموصل

(1)

، ووصل إليها في تاسع عشر جمادى الأولى، وكان يوم وصوله إليها يومًا مشهودًا، و كتب إلى مظفر الدين

(2)

صاحب إربل يأمره أن يعيد صهره عماد الدين

(3)

زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود عَلَى بدر الدين لؤلؤ القلاع التي استولى عليها، فأعادها جميعها، وترك في يده منها العمادية

(4)

، واستقر الصلح بين الأشرف وبين مظفر الدين صاحب إربل وعماد الدين زنكي صاحب العفر

(5)

وشوش

(6)

، وكذلك استقر الصلح بينهما وبين صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ، ولما استقر ذلك رحل الملك الأشرف من الموصل ثاني عشر رمضان وعاد إلى سنجار، وسلم بدر الدين لؤلؤ قلعة تل أعفر إلى الملك الأشرف، ونقل الملك الأشرف ابن المشطوب من حبس الموصل وجعله مقيدًا في جب بمدينة حران حتى مات سنة تسع عشرة وستمائة، ولقي بغيه وخروجه مرة بعد أخرى

(7)

.

‌ذكر مجيء جنكزخان إلى بخارى وغيرها من بلاد المسلمين وحربه مع السلطان علاء الدين خوارزم شاه

[401]

قال ابن كثير

(8)

: وفي هذه السنة عم البلاء وعظم العزاء بجنكزخان المسمى بتموجين - لعنه الله - ومن معه من التتار المفسدين، واستفحل أمرهم وامتد فسادهم من أقصى بلاد الصين إلى أن وصلوا إلى بلاد العراق وما حولها، حتى انتهوا إلى إربل وأعمالها، فملكوا في سنة واحدة وهي هذه السنة سائر الممالك إلا العراق والجزيرة

(1)

الموصل: مدينة مشهورة عظيمة، وهي باب العراق ومفتاح خراسان، وهي مدينة قديمة على طريق دجلة، ومقابلها من الجانب الشرقي نينوي. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 682.

(2)

مظفر الدين صاحب إربل: أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين بن محمد، الملقب الملك المعظم مظفر الدين، ووالده زين الدين على المعروف بكجك صاحب إربل، ولد بقلعة الموصل سنة 549 هـ، وتوفي ليلة الجمعة رابع عشر رمضان سنة 630 هـ بداره ثم نقل إلى قلعة إربل، ودفن بها.

انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 113 - ص 121؛ الشذرات، ج 5، ص 138.

(3)

عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن عماد الدين زنكي آقسنقر، توفي في حدود سنة 630 هـ انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 208.

(4)

العمادية: قلعة حصينة في شمال الموصل، عَمَّرها عماد الدين زنكي بن آقسنقر في سنة 537 هـ، وكانت قبل ذلك حصنا للأكراد.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 717.

(5)

عفر: حصن من أعمال فلسطين قرب بيت المقدس.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 688.

(6)

شوش: موضع قرب جزيرة ابن عمر من نواحي الجزيرة، وهي قلعة عظيمة قرب عقر الحميدية من أعمال الموصل. معجم البلدان، ج 3، ص 334.

(7)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 70 - ص 76؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 124 - ص 125؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 400.

(8)

البداية والنهاية، ج 13، ص 94.

ص: 24

والشام ومصر، وقهروا جميع الطوائف التي بتلك النواحي الخوارزمية والقفجاق والكرج واللان والخزر وغيرهم، وقتلوا في هذه السنة من المسلمين في بلدان متعددة كبار ما لا يحد ولا يوصف. وبالجملة فلم يدخلوا بلدًا إلا قتلوا جميع من فيه من المقاتله والرجال، وكثيرا من النساء والصبيان، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحريق إن لم يحتاجوا إليه، حتى أنهم كانوا يجمعون الحرير الكثير الذي يعجزون عن حمله فيطلقون فيه النار وهم ينظرون إليه، ويخربون المنازل، وما عجزوا عن تخريبه أحرقوه، وأكثر ما يحرقون المساجد والجوامع - لعنهم الله - وكانوا يأخذون الأسارى من المسلمين فيقاتلون بهم ويحاصرون بهم وإن لم ينصحوا في القتال قتلوهم.

وقال ابن الأثير

(1)

رحمه الله: لو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم عليه السلام وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها، ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعل بخت نصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب بيت المقدس. وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس

(2)

؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى "من"

(3)

قتلوا؟! فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقى على من اتبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون النساء الحوامل وقتلوا الأجنة

(4)

. وقتلوا الصلحاء والعلماء والزهاد والعباد، وأخربوا الجوامع والمساجد، وأحرقوا المصاحف، ورمي الله الخذلان في المسلمين حتى أن امرأة من التتار دخلت دارا وفيها جماعة من المسلمين فقتلت البعض وأسرت الباقين، وهم يظنون أنها رجل، ولما وضعت السلاح وجدوها امرأة فقتلها بعض من أسراها

(5)

.

(1)

الكامل، ج 10، ص 399.

(2)

"في ما البيت المقدس" كذا في الأصل والمثبت من الكامل، ج 10، ص 399، حيث ينقل منه العيني.

(3)

"ما"، كذا في الأصل والمثبت من الكامل، ج 10، ص 399.

(4)

إلى هنا توقف العينى عن النقل من الكامل، ج 1، ص 399، وورد هذا الحدث أيضا في البداية والنهاية، ج 13، ص 94.

(5)

وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج 10، ص 412؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 97.

ص: 25

وحكى أن رجلا من التتار دخل دارا وفيها مائة رجل فقتلهم واحدًا بعد واحد حتى أفناهم، ولم يمد واحد منهم يده إليه، وكان الواحد منهم يدخل الدرب وفيه جماعة فيقتلهم كلهم وحده. قلت: قد جاء هلاون بعده وفعل بين المسلمين أقبح منه، ثم في آخر الأمر جاء تمرلنك في سنة ثلاث وثمان مائة وأفسد وأخرب وحرق وقتل أكثر من جنكيز خان وغيره؛ لأن تمرلنك دخل الروم والشام والعراق وقتل فيها ما لا يعد ولا يحصى، ثم إن علاء الدين خوارزم شاه لما فرق عساكره في البلاد ودهمته عساكر التتار وأخذوا مدينة أوترار

(1)

وأفسدوا فيها، رجع خوارزم شاه بالمسلمين إلى بخارى ورتب بها الاستعداد للحصار لعلمه بالعجز عن المواجهة والمقاومة، ورتب فيها عشرين ألف فارس، وجعل في سمرقند خمسين ألفا يحمونها، وقال لهم: إني أسير إلى بلاد خوارزم وخراسان لأجمع العساكر وأعود إليكم، ثم رحل عائدًا فعبر نهر جيحون، فنزل بالقرب من بلخ فعسكر هناك، وأقام ينتظر اجتماع عساكره، [402] فساق جنكيزخان إلى بخارى ليحاصرها ويقطع بين السلطان وبين عساكره المتفرقة، فحاصرها ثلاثة أيام، فانهزم عسكر المسلمين، وضعفت قلوب أهل البلد وطلبوا الأمان فأعطاهم أمانا، ففتحوا البلد، وتحصن في القلعة طائفة من الجند، فأمر جنكيزخان المسلمين بأن يحفروا جميعا ويطموا الخندق بالأخشاب والتراب، ففعلوا حتى إن الكفار كانوا يأخذون المنابر والربعات فيلقونها في الخندق، ثم تابعوا الزحف، وكان بها نحو من أربع مائة فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم اثني عشر يومًا، وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم. فلما فرغ من القلعة أمر بإحضار رؤساء البلد وأمرهم بإحضار موجودهم، فأحضر كل ما عنده، ثم أمرهم بالخروج من البلد مجردين من أموالهم ليس معهم سوى الثياب التي عليهم، ودخل التتار البلد فنهبوه وقتلوا كل من وجدوه فيه، ثم أحاطوا بالمسلمين، فأمر أصحابه أن يقتسموهم، وكان يوما شديدا من بكاء الرجال والنسوان وعجيج الأطفال والولدان، وأخذ كل من استسلم منهم أسيرًا، ومنهم أقوام اختاروا الموت على الأسر فقاتلوا حتى قتلوا. وممن إختار القتل وقاتل حتى قُتل الإمام ركن الدين إمام زاده، والقاضي صدر الدين خان، وألقت التتار في البلد النار، وأحرقوا المساجد والمدارس والربط

(2)

.

(1)

مدينة من بلاد الترك. انظر: الكامل، ج 10، ص 401.

(2)

وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج 10، ص 399 - ص 405؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 90.

ص: 26

ثم ساروا إلى سمرقند

(1)

وقد تحققوا عجز السلطان خوازرم شاه عنهم، واستصحبوا معهم من أسروا من أهل بخارى

(2)

مشاة على أقبح صور الأسارى، وكل من عجز عن المشي قتلوه، فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة وتركوا الرجالة والأسرى والأثقال وراءهم، فلما رأى أهل البلاد سوادهم استعظموهم. فلما كان اليوم الثاني وصل الأساري والرجالة والأثقال وأحاطوا بالبلد، وكان فيه خمسون ألف مقاتل من الخوارزمية، وأما عامة أهل البلاد المجتمعين إليها فلا يحصون كثرة، فخرج إليهم الشجعان وأهل الجلد والقوة رجّالة، ولم يخرج إليهم أحد من الخوارزمية لما في قلوبهم من خوف التتار، فقاتلهم الرجّالة بظاهر البلد يتبعونهم ويطمعون فيهم، وكان التتار قد كمنوا لهم كمينا، فلما استجروا أهل البلد إلى أن تعدوا الكمين خرجوا عليهم وحالوا بينهم وبين البلد، فبقوا في الوسط وأخذتهم السيوف من كل جانب، فقُتلوا عن آخرهم شهداء رضي الله عنهم وكانوا سبعين ألف على ما قيل، فلما رأى الباقون من العامة والجند ذلك ضعفت قلوبهم وأيقنوا بالهلاك، فقال الجند: نحن أتراك من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا، وطلبوا الأمان فأجابوهم إلى ذلك، ففتحوا أبواب البلد، وخرجوا إلى الكفار بأهلهم وأموالهم، فقالوا لهم: ادفعوا إلينا أسلحتكم، ففعلوا، فلما أخذوا أسلحتهم وضعوا السيوف فيهم فقتلوهم عن آخرهم، وأخذوا أموالهم ودوابهم ونساءهم وأولادهم، ولما كان اليوم الرابع نادوا في البلد أن اخرجوا ومن تأخر قتل، فخرج جميع من في البلد من الرجال والنساء والأطفال، ففعلوا بهم كما فعلوا بأهل بخارى من السبي والنهب والقتل، ثم دخلوا البلد فنهبوا ما كان فيها، وكان خوارزمشاه بمنزله مقيما، وكلما اجتمع [403] إليه عسكر سيَّره إلى سمرقند، فيرجعون ولا يقدمون على الوصول إليهم، فنعوذ بالله من الخذلان. فلما فرغ جنكيز خان من سمرقند سير من عساكره عشرين ألفا في طلب خوارزم شاه

(3)

.

(1)

سمرقند: إحدى بلاد ما وراء النهر مبنية جنوب وادي الصغد. معجم البلدان ج 3، ص 133.

(2)

بخاري: إحدى بلاد ما وراء النهر بينها وبين جيحون يومان.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 517.

(3)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في الكامل، ج 10، ص 405 - ص 406.

ص: 27

‌ذكر إرسال جنكزخان عسكرًا وراء خوارزم شاه

ولما فرغ جنكزخان من سمرقند أقام هناك وأرسل السرايا إلى البلدان، فبعث سرية إلى بلاد خراسان، وسرية وراء خوارزم شاه، وهم عشرون ألف، وقال لهم: اطلبوه فأدركوه ولو تعلق بالسماء

(1)

.

وقال أبو الفتح: كان خوارزم شاه مقيما بحدود كتلف

(2)

وأندخوذ

(3)

، ولما سمع بذلك ضعف قلبه واضطرب حاله، ورحل في وقته، وعدّا جيحون، وفارقه سبعة آلاف من الخطائية

(4)

، واتصل علاء الدين صاحب قُندَز

(5)

بجنكزخان مظاهرًا، وبمغادرة السلطان مجاهرًا، وانقطع إليه الأمير ماه

(6)

، وأخذ الناس في التخاذل والتسلل إلى جنكزخان. وفي تاريخ بيبرس: لما اتصل بجنكز خان حال السلطان ووجله جرد إليه مقدمين في ثلاثين ألف من عسكره، وهما يمه نوين وسبطي بهاد

(7)

حتى عبروا النهر صوب خراسان، فعاثوا وأفسدوا وأبادوا من وجدوا

(8)

.

وكان السلطان خوارزم شاه نازلًا بمرج دولة أباد وهي من أعمال همذان

(9)

، وليس معه إلا عشرون ألف فارس فلم ترعة إلا صيحة

(10)

الغارة وإحداق خيل العدو به، فنجا بنفسه وفاتهم في نفر يسير من خواصه، وقُتل جُلُّ أصحابه، وانتهى إلى حافة البحر

(1)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 10، ص 406.

(2)

كيلف في الأصل والصحيح ما أثبتناه، وهي بلدة في خراسان بين مدينتي بلخ ومرو. سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 100.

(3)

أندخوذ: إحدى مدن خراسان، بين بلخ ومرو.

معجم البلدان، ج 1، ص 372؛ سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 67، حاشية (1).

(4)

الخطائية: نسبة إلى قبائل الخطأ الذين أسسوا دولة لهم في إقليم التركستان في مستهل القرن السادس الهجري (الثاني الميلادي) على يد (أبي لوتاشي) سيرة جلال الدين، ص 36، حاشية 3.

(5)

قيدر في الأصل، والصحيح ما أثبتناه. سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 101.

(6)

"الأمير جاه ررى": كذا في سيرة منكبرتي، وهو من قدماء بلخ، ص 101.

(7)

هما القائدان المغوليان شبي، وسوبوتاي، أرسلهما جنكزخان في إثر علاء الدين محمد خوارزم شاه على رأس جيشين يتكون كل منهما من ألف فارس، وقد طارداه حتى اضطراه إلى الاعتصام بإحدى جزر بحر قزوين. انظر: سيرة منكيرتي، ص 102، حاشية (1).

(8)

وردت هذه الأحداث بتصرف في سيرة منكبرتي، ص 100 - ص 102.

(9)

همذان: مدينة عتيقة بالجبال بأرض فارس بجوار أذربيجان والموصل والرى، معجم البلدان، ج 4، ص 981.

(10)

في الأصل ضمة، والصحيح ما أثبتناه، سيرة منكبرتي، ص 105.

ص: 28

وأقام عند الفرضة

(1)

يبكي وينذر النذور، ويصلي الصلوات الخمس، ويعاهد الله بإقامة العدل إن كتب سلامته، فكبسه التتار، فركب مركبا هو وأولاده الحاضرون معه وهم: جلال الدين منكبرتي خوارزم شاه، وقطب الدين أزلاع شاه، وناصر الدين آق شاه، ولم يكن معه سواهم لأن أولاده كانوا متفرقين في الممالك، وسار في البحر فوصل إلى الجزيرة فريدًا طريدًا، لا يملك طارفا ولا تليدًا، وكان قد اعتراه مرض ذات الجنب فازداد به مرضه، وكان في أهل مازندران

(2)

ناس يتقربون إليه بالمأكول والمشروب، فقال: في بعض الأيام أشتهي أن يكون عندي فرس يرعى حول خيمتي هذه، وقد ضربت له خيمة صغيرة، فأحضر إليه تاج الدين حسن أحد سرهنكينه

(3)

فرسًا. هذا ما آل إليه وجرت به المقادير عليه

(4)

.

وفي تاريخ ابن كثير

(5)

: ولما ساق التتار وراء خوارزم شاه أدركوه وبينه وبينهم نهر جيحون، وهو آمن بسببه، فلم يجدوا سفنًا، فعملوا لهم أحواضا يحملون عليها الأسلحة، ويرسل أحدهم فرسه ويأخذ بذنبه، فيجره الفرس في الماء، وهو يجر الحوض الذي فيه سلاحه حتى صاروا كلهم في الجانب الآخر، فلم يشعر بهم خوارزم شاه إلا وقد خالطوه، فهرب منهم إلى نيسابور

(6)

، ثم منها إلى غيرها، وهم في أثره لا يمهلونه يجمع لهم،

(7)

فصار كلما أتى بلدًا ليجتمع فيه عساكره يدركونه فيهرب منهم، حتى ركب في بحر طبرستان، وسار إلى قلعة في جزيرة فيه، فكانت وفاته فيها. وقيل: إنه لا يعرف بعد ركوبه في البحر ما كان من أمره بل ذهب فلا يدرى أين ذهب

(8)

.

(1)

الفرضة: هي الثغر أو الميناء، سيرة منكبرتي، ص 106، حاشية 3.

(2)

مازندران: اسم لولاية طبرستان. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 392.

(3)

سرهنكيته: أي أحد قواده. سيرة منكبرتي، ص 107، حاشية 1.

(4)

وردت هذه الأحداث بتصرف في سيرة منكبرتي، ص 105 - ص 107.

(5)

البداية والنهاية، ج 13، ص 95 - ص 96.

(6)

نيسابور: من أعظم مدن إقليم خراسان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 857.

(7)

"له" كذا في الأصل، والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 96، حيث ينقل عنه العيني.

(8)

إلى هنا توقف العينى عن النقل من البداية والنهاية، ج 13، ص 95 - ص 96.

ص: 29

وقال أبو الفتح المنشئ: قاسي السلطان خوارزم شاه من الشدائد والجفلات إلى أن مات بالجزيرة في بحر قلزم، ولما عبر نهر جيحون وصل إليه [404] عماد الملك محمد بن السديد الساري وزير ابنه ركن الدين صاحب العراق، وقد كان ركن الدين وجهه إلى باب السلطان لقضاء أشغاله، ثم رحل السلطان من حافة جيحون إلى نيسابور، ولم يقم بها الإساعة من نهار من رعب تمكن في صدره، وسار إلى جهة العراق، ونزل بمرج دولة أباد وهي من أعمال همذان، وأقام بها أيامًا يسيرة ومعه من عسكره مقدار عشرين ألف فارس، فلم يدر الإصبيحة الغارة، فهرب هو بنفسه، وشمل القتل جل أصحابه، وقتل عماد الملك الوزير، وجاء السلطان إلى بلد الجبل ثم منها إلى حافة البحر، وأقام عند الفرضة بقرية من قراها، فيحضر المسجد ويصلى به إمام الفريضة في القرية، فأقام بها إلى أن كبسة التتار بها ومعهم ركن الدين كبود خانه، وكان السلطان قد قتل عمه نصرة الدين [وابن عمه]

(1)

عز الدين كيخسرو، فانتهز ركن الدين الفرصة في هذا الوقت، ولكنه فاتهم حيث ركب المركب، ووقعت منهم سهام في المركب، وخاض خلفه طائفة من التتار حرصًا على أخذ السلطان

(2)

.

‌ذكر ما فعل هؤلاء السرايا في بلاد الإسلام

ولما فاتهم السلطان خوارزم شاه بركوبه البحر توجهوا إلى نهب البلاد وأخذها، فقصدوا الرى فدخلوها على حين غفلة من أهلها، فقتلوهم وسبوهم وأسروهم، ثم صاروا إلى همذان فملكوها ثم إلى زنجان

(3)

فقتلوا وأسروا وسبوا، ثم قصدوا قزوين

(4)

فنهبوها وقتلوا من أهلها نحوًا من أربعين ألفا، ثم قصدوا بلاد أذربيجان، فصالحهم ملكها أزبك ابن البهلوان

(5)

على مال حمله إليهم لشغله بما هو فيه من السكر وارتكاب السيئات

(1)

[وابن عمه] ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرتي لاستقامة المعنى، ص 106.

(2)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتي، ص 104 - ص 106.

(3)

زنجان: بلد كبير من نواصى الجبال بين أذربيجان وبينها (الجبال) وهي قريبة من أبهر وقزوين. معجم البلدان، ج 2، ص 948.

(4)

قزوين: مدينة مشهورة بينها وبين الرى سبعة وعشرن فرسخًا. معجم البلدان، ج 4، ص 88.

(5)

أزبك بن البهلوان: هو أحد غلمان السلجوقية، وصاحب إقليم أذربيجان وآرّان، تزوج بابنة السلطان طغرل السلجوقي انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 47، ص 52، ص 155.

ص: 30

والانهماك على الشهوات، فتركوه وساروا إلى موقان

(1)

فقاتلهم الكرج

(2)

في عشرة آلاف مقاتل، فلم يقفوا بين أيديهم طرفة عين حتى انهزمت الكرج، وأقبلوا إليهم بجدهم وجديدهم، فكسرهم التتار مرة أخرى أقبح هزيمة وأشنعها

(3)

.

ثم ساروا إلى مراغة

(4)

فحصروها ونصبوا عليها المجانيق، وتترسوا بالأساري من المسلمين، وعلى البلد امرأة - ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. ففتحوا البلد بعد أيام، وقتلوا من خلقه ما لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وغنموا منه شيئًا كثيرا، وسبوا وأسروا على عادتهم، ثم قصدوا مدينة إربل

(5)

فضاق المسلمون لذلك ذرعًا فصالحهم أهلها، وترك التتار عندهم شحنة، فذهبوا ثم اتفق أهل إربل على قتل شحنتهم، فرجعوا إليهم فحاصروهم حتى فتحوها قسرًا، فقتلوا أهلها عن آخرهم، ثم سارا إلى أردبيل

(6)

ثم إلى تبريز

(7)

ثم إلى بيلقان

(8)

فقتلوا من أهلها خلقا كثيرا وحرقوها، وكانوا يفجرون بالنساء ثم يقتلونهن ويشقون بطونهن عن الأجنة، ثم عادوا إلى بلاد الكرج وقد استعدت لهم الكرج فاقتتلوا معهم فكسروهم أيضًا كسرة فظيعة، ثم فتحوا بلدانًا كثيرة يقتلون أهلها ويسبون ويأسرون من الرجال ما يقاتلون به الحصون، يجعلونهم بين أيديهم ترسًا يتقون بهم الرمي

(1)

موقان: ولاية بأذربيجان في الجبال. معجم البلدان، ج 4، ص 686.

(2)

الكرج: أمة من المسيحيين كانت مساكنها بجبال القوفاز المجاورة لتفليس، ثم استولوا على تفليس من المسلمين سنة 515 هـ/ 1121 م، ولم يزالوا متملكين لها حتى أغار عليهم جلال الدين خوارزم شاه سنة 621 هـ/ 1224 م.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 251 - ص 252؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 192.

(3)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 10، ص 409 - ص 411؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 96.

(4)

مراغة: بلدة مشهورة بأذربيجان. معجم البلدان، ج 4، ص 476.

(5)

إربل: مدينة كبيرة من أعمال الموصل، وأكثر أهلها أكراد وقد استعربوا.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 189.

(6)

أردبيل: من أشهر مدن أذربيجان.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 197.

(7)

تبريز: من مدن أذربيجان وهي مدينة عامرة.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 832.

(8)

بيلقان: مدينة قرب الدربند الذي يقال له باب الأبواب تعد في أرمينية الكبرى قريبة من شروان.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 797 - ص 798.

ص: 31

وغيره، ومن سلم منهم قتلوه بعد انقضاء الحرب ثم ساروا إلى بلاد اللان

(1)

والقفجاق

(2)

فاقتتلوا معهم قتالًا عظيما فكسروهم، وقصدوا أكبر مدائن القفجاق، وهي مدينة سوداق

(3)

، وفيها من الأمتعة والثياب والقندس والسنجاب شيء كثير جدًا، ولجأت القفجاق إلى بلاد الروس، وكانوا [405] نصارى، فاتفقوا معهم على قتال التتار، فالتقوا معهم فكسرتهم التتار كسرة فظيعة جدًا، ثم صاروا نحو بُلْغَار

(4)

في حدود العشرين وستمائة، ففرغوا من ذلك كله وعادوا نحو ملكهم جنكز

(5)

خان

(6)

.

وكان جنكزخان يسمى هؤلاء السرية المغرّبة، وكان قد أرسل سرية أخرى في هذه السنة إلى ترمذ

(7)

فأخذتها وأخرى إلى فرغانة

(8)

فملكوها، وجهز جيشا آخر نحو خراسان، فحاصروا بلخ

(9)

فصالحهم أهلها، وكذلك صالحوا مدنًا كثيرة أخرى حتى انتهوا إلى الطالقان

(10)

فأعجزتهم قلعتها وكانت حصينة، فحاصروها ستة أشهر حتى عجزوا، فكتبوا إلى جنكزخان فقدم بنفسه فحاصرها أربعة أشهر أخرى حتى فتحها قهرًا، ثم قتل

(1)

اللان: بلاد واسعة في طرف أرمينية.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 343.

(2)

القفجاق: في إقليم خوارزم، ويسكنه جنس من الترك يسكنون صحارى الدَّشْت وهم أهل حل وترحال على عادة البدو، صبح الأعشى، ج 4، ص 456.

(3)

"سرداق" كذا في الأصل والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 97، وتكتب أيضا "صوداق"، والعامة يقولون: سُرْداق. (سوداق). وهي فرضة للتجار في ذيل جبل على شط بحر القرم، ويقابلها من البر الآخر مدينة سامسون من سواحل بلاد الروم، وأهلها مسلمون. صبح الأعشى، ج 4، ص 460.

(4)

بُلْغَار: هي مدينة الصقالبة ضاربة في الشمال، ومن بلغار إلى أول حد الروم نحو عشرين يومًا، معجم البلدان، ج 1، ص 723.

(5)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث انظر: الكامل، ج 10، ص 411 - ص 418؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 97.

(6)

جنكيزخان: كان اسمه "تموجين" ثم اتخذ لنفسه هذا الاسم ومعناه أعظم الحكام بعد أن نجح في تزعم القبائل المغولية في شرق آسيا، وبعد أن انتخب في خاقانا عليها سنة 603 هـ (1206 م). ولد سنة 549/ 550 هـ (1154/ 1155 م)، وتوفى سنة 624 هـ. (1227 م).

انظر: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، محمد بن أحمد النسوي، دار الفكر العربي 1953، حاشية (4)، ص 39 - 40.

(7)

ترمذ: مدينة مشهورة من أمهات المدن على نهر جيحون من جانبه الشرقي. معجم البلدان، ج 1، ص 843.

(8)

فرغانة: مدينة واسعة وراء النهر متاخمة لبلاد تركستان. معجم البلدان، ج 2، ص 879.

(9)

بلخ: مدينة مشهورة بخراسان.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 713.

(10)

الطالقان: بلدتان إحداهما بخراسان بين مرو الروذ وبلخ والأخرى بلدة وكورة من قزوين وأبهر، وهي أكبر مدينة بطخارستان. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 491.

ص: 32

من فيها ومن في البلد بكماله من الخاصة والعامة، ثم قصدوا مدينة مرو

(1)

مع جنكزخان وقد عسكر بظاهرها نحو من مائتي ألف مقاتل من العرب وغيرهم، فاقتتلوا معهم قتالًا عظيما حتى انكسر المسلمون. فإنا لله وإنا إليه راجعون

(2)

. ثم حصروا البلد خمسة أيام واستنزلوا نائبها خديعة ثم غدروا به وبأهل البلد فقتلوهم وغنموهم وسبوهم وعاقبوهم بأنوع المذلات حتى إنهم قتلوا في يوم واحد سبع مائة ألف إنسان فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ثم ساروا إلى نيسابور ففعلوا فيها ما فعلوا بأهل مرو، ثم إلى طوس

(3)

فقتلوا وخربوا مشهد علي بن موسى الرضى وتربه الرشيد الخليفة، فتركوه خرابا، ثم ساروا إلى هراة

(4)

، فقتلوا خلقها واستنابوا عليها، ثم ساروا إلى غزنة

(5)

وبها جلال الدين بن السلطان خوارزم شاه

(6)

.

‌ذكر ما جرى بين التتار وبين جلال الدين بن خوارزم شاه على غزنة

أرسل جنكيزخان طائفة كبيرة من التتار إلى غزنة، وكان بها جلال الدين منكبرتي ابن السلطان علاء الدين خوارزم شاه، فوقع بينهم قتال شديد، فكسرهم جلال الدين، وكان مجيء جلال الدين إلى غزنة بعد أمور كثيرة بينه وبين التتار على ما نذكره. وأصل ذلك أن جلال الدين لما كسر التتار على غزنة عادوا إلى هراة فإذا أهلها قد نقضوا، فقتلوهم عن آخرهم، ثم عادوا إلى ملكهم جنكيزخان فأرسل جنكيزخان طائفة أخرى إلى خوارزم فحاصروها حتى فتحوها قهرًا فقتلوا أهلها قتلًا ذريعًا ونهبوها، وأرسلوا الجسر الذي يمنع ماء جيحون منها فغرقت دورها وهلك جميع أهلها، ثم عادوا إلى ملكهم

(1)

مرر: هي مرو الروذ وهي مدينة قريبة من مرو الشاهجان وهي على نهر عظيم فلهذا سميت بذلك. معجم البلدان، ج 4، ص 506.

(2)

ورد هذا الحدث بتصرف في الكامل، ج 10، ص 419 - ص 420.

(3)

طوس: مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 560 - ص 563.

(4)

هَرّاةُ: مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 958.

(5)

غزنة: من طرف خراسان وأول بلاد الهند.

انظر: تقويم البلدان، ج 3، ص 466 - ص 467.

(6)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 10، ص 418. ص 421؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 97 - ص 98.

ص: 33

جنكيزخان وهو مخيّم على الطالقان، فجهز منهم طائفة إلى غزنة، فاقتتل معهم جلال الدين المذكور فكسرهم كسرة عظيمة على ماذكرنا، واستنقذ منهم خلقًا من أساري المسلمين، ثم كتب إلى جنكيز خان يطلب منه أن يبرز بنفسه لقتاله، فقصده جنكيزخان فتواجها، وقد مزق جلال الدين بعض جيشه ولم يبق له بُدّ من القتال، فاقتتلوا ثلاثة أيام لم يعهد مثلها قبلها من قتال، ثم ضعف أصحاب جلال الدين فذهبوا فركبوا في البحر يعني بحر الهند، فسارت التتار إلى غزنة فأخذوها بلا كلفة ولا ممانعة

(1)

.

وفي تاريخ النويري

(2)

: ولما فرغ التتار من خراسان عادوا إلى ملكهم جنكيزخان، فجهز جيشا كثيفا إلى غزنة

(3)

وبها جلال الدين منكبرتي بن خوارزم شاه مالكا لها، وقد اجتمع إليه كثير من عسكر أبيه. قيل: كانوا ستين ألفا مقاتلين، وكان الجيش الذي أرسله جنكيزخان اثني عشر ألفا [406] فالتقوا مع جلال الدين واقتتلوا، فانتصر المسلمون وانهزمت التتار، وتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف شاؤوا، ثم أرسل جنكيز خان جيشا آخر أكثر من الأول مع بعض أولاده، فوصلوا إلى كابل

(4)

واقتتلوا مع المسلمين فانهزم التتار أيضا وقتل المسلمون منهم خلقا كثيرا وغنموا شيئا كثيرا، وكان في عسكر جلال الدين أمير كبير مقدام هو الذي كسر التتار على الحقيقة يقال له: بغراق فوقع بينه وبين أمير آخر كبير يقال له: ملك خان صاحب هراة وله نسب إلى خوازرم شاه، وكان سبب الوقوع المكسب قتل فيه أخو بغراق، فغضب بغراق وفارق جلال الدين، وسار إلى الهند وتبعه ثلاثون ألف فارس، ولحقه جلال الدين واستعطفه، فلم يرجع، فضعف عسكر جلال الدين بسبب ذلك، ثم وصل جنكيزخان بنفسه في جيوشه، وقد ضعف جلال الدين بما نقص من عسكره بسبب بغراق، فلم يكن له بجنكيزخان قدرة، فترك جلال الدين البلاد وسار إلى الهند، وتبعه جنكيزخان حتى أدركه على ماء عظيم وهو نهر السند، ولم يلحق جلال الدين ومن معه أن يعبروا النهر فاضطر إلى القتال، وجرى بينهم وبين جنكيزخان

(1)

ورد هذا الحدث بتصرف في الكامل، ج 10، ص 422 - ص 423؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 98

(2)

لم يرد هذا الخبر في النويري، وإنما ورد في الكامل، ج 10، ص 422 - ص 423؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 98.

(3)

غزنة: مدينة عظيمة وولاية واسعة في طرف خراسان وهي الحد بين خراسان والهند.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 798.

(4)

كابل: تقع بين الهند وغزنة ونواحي سجستان في ظهر الغور.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 230.

ص: 34

قتال عظيم لم يسمع قبله مثله، وصبر الفريقان وأقاموا ثلاثة أيام على ذلك، فقتل من الفريقين خلق عظيم، وذلك يوم الأربعاء لثمان بقين من شوال سنة ثماني عشرة وستمائة، وكانت الكرة أولا على جنكيزخان ثم عادت على جلال الدين، وكان القتل والجرح في التتار أكثر، ثم تأخر كل منهما عن صاحبه

(1)

.

فعبر جلال الدين ذلك النهر إلى جهة الهند، وأسر التتار ولد جلال الدين ابن سبع سنين، وقتل بين يدي جنكيزخان صبرا، ثم إن جلال الدين لما أراد عبور النهر رأي والدته وأم ولده وجماعة من خدمه يصحن ويبكين، ويقلن: بالله اقتلنا وخلصنا من الأسر، فأمر بهن فغرقن في النهر، وهذا من أعظم البلايا ونوادر المصائب والرزايا. ثم اقتحم جلال الدين وعسكره ذلك النهر العظيم، فنجا منهم إلى ذلك البر تقدير أربعة آلاف رجل حفاة عراة، وأرمي الموج جلال الدين مع ثلاثة من خواصه إلى موضع بعيد، وقعد أصحابه ثلاثة أيام، فبقوا حائرين إلى أن اتصل بهم جلال الدين فاتخذوا بمقدمه عيدًا، ثم جرى بين جلال الدين وبين أهل تلك البلاد وقائع انتصر فيها جلال الدين، ووصل إلى نهاور من الهند وأقام بها، ثم إن جنكيزخان لما أيس من جلال الدين عاد إلى غزنة واستولى عليها وقتل أهلها، ونهب أموالها

(2)

. وسنذكر بقية ماجريات جلال الدين وماجريات أخوته أولاد علاء الدين خوارزم شاه في أثناء السنين الآتية إن شاء الله.

‌ذكر بقيه الحوادث

منها أن الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل استولى على أخلاط

(3)

و ميافارقين

(4)

، وذلك أنه كانت بيده الرها

(5)

وسروج

(6)

، وكانت ميافارقين وأخلاط بيد

(1)

وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج 10، ص 422 - ص 423؛ سيرة منكبرتي، ص 154 - ص 157؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 98.

(2)

وردت هذه الأحداث بتصرف في سيرة منكبرتي ص 158 - ص 162.

(3)

أخلاط: من أَجَّل مدن أرمينية تحف بها البساتين وعليها حصن.

انظر: لبسترينج، بلدان الخلافة الشرقية، ص 217، ص 218، معجم البلدان، ج 2، ص 457.

(4)

ميافارقين: بلد طيب حصين من أرض الجزيرة بالعراق، وميافارقين العربية تحريف Mayphark eth ميفركت الأرامي أو موفركن: Moufargin الأرمني.

انظر: ليسترينج، پلدان الخلافة الشرقية، ص 143 - ص 144.

(5)

الرها: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام. معجم البلدان، ج 2، ص 876.

(6)

سروج: بلدة قريبة من حران من ديار مصر.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 85.

ص: 35

الملك الأشرف، ولم يكن للأشرف ولد فجعل أخاه المظفر المذكور ولي عهده، وأعطاه ميافارقين وأخلاط وبلادها، وهي إقليم عظيم يضاهي ديار مصر، وأخذ الأشرف منه الرها سروج

(1)

.

ومنها أن الملك المعظم عزل المعتمد مبارز

(2)

[407] الدين إبراهيم عن ولاية دمشق وولاها العزيز خليل

(3)

.

ومنها أن في المحرم هبت رياح ببغداد، وجاءت بروق، وسمعت رعود شديدة، وسقطت صاعقة بالجانب الغربي على المنارة المجاورة لعُوق

(4)

ومُعِين

(5)

فثلمتها، ثم أصلحت وغارت الصاعقة في الأرض

(6)

.

ومنها أن صاحب سنجار قتل أخاه، فسار الأشرف إليها فأخذها، وعوض صاحب سنجار الرقة

(7)

.

وفيها أن ابن المشطوب نافق على الأشرف، وعاث في أرض سنجار، وساعده صاحب ماردين

(8)

، وكان نجم الدين بن عصرون مع ابن المشطوب قدوزّر له، فسار الأشرف ونزل على دنيسير، وجاء الملك الصالح فأصلح بين صاحب ماردين والأشرف، ودخل ابن مشطوب إلى تل أعفر

(9)

، وسار إليه فارس الدين بن صبرة من نصيبين، وبدر الدين لؤلؤ من الموصل وحصراه في تل أعفر، فأنزله بدر الدين لؤلؤ بالأمان وحمله معه إلى الموصل، ثم قيده وبعث به إلى الأشرف، فألقاه الحاجب علي في الجب، فمات

(1)

انظر: الكامل، ج 10، ص 424؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 98.

(2)

مبارز الدين إبراهيم: هو مبارز الدين سنقر الصلاحي، كان مقيما بحلب ثم انتقل إلى ماردين، ومات غبنا سنة 620 هـ، وكان محببا إلى الناس، ولم يكن في زمنه أكرم منه.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 134 - ص 135؛ المرآة، ج 8، ص 413 - ص 413، الشذرات، ج 5، ص 93.

(3)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 99؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 401.

(4)

"عُون": كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه حيث أن دعوق، حي من اليمن.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 746.

(5)

مُعِين: قرية باليمن. معجم البلدان، ج 4، ص 581.

(6)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 98.

(7)

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 174 البداية والنهاية، ج 13، ص 98.

(8)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 121؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 98.

(9)

تل أعفر: اسم قلعة بين سنجار والموصل في وسط واد فيه نهر جار، ويقال عنها أيضا تل يعفر، وتليعفر. أنظر: معجم البلدان، ج 1، ص 563؛ بلدان الخلافة الشرقية، ص 130، حاشية 39.

ص: 36

بالقمل والجوع، وكان نور الدين بن عماد الدين صاحب قرقيسيا

(1)

مع الأشرف وقد كاتب عليه، واتفق مع ابن المشطوب، فاعتقله الأشرف وبعث به مع العلم تعاسيف إلى قرقيسيا وعانه، وعلق نور الدين برجليه تحت القلعتين وعذبه، فسُلمت إلى تعاسيف جميع بلاده، وأراد الأشرف أن يرميه في الجب فتشفع إلى الملك المعظم، فشفع فيه إلى الأشرف فأطلقه، وسار نور الدين إلى دمشق وأحسن المعظم إليه، فاشترى في العقيبة بستان ابن جيوش وأقام به. قلت: العلم تعاسيف اسمه قيصر، وتعاسيف لقبه

(2)

.

ومنها أنه كانت في رجب وقعة بين الملك الكامل وبين الإفرنج في أرض البرلس

(3)

، وكانت وقعة عظيمة، قتل الكامل منهم عشرة الاف، وغنم خيولهم وسلاحهم، ورجعوا إلى دمياط مهزومين

(4)

.

وفيها ( ........... )

(5)

وفيها حج بالناس من العراق أقباش

(6)

الناصري، ولكنه قتل كما نذكره في الوفيات. ومن الشام المعتمد مبارز الدين إبراهيم، ولم يحج أحد من العجم بسبب خروج التتار في البلاد وفسادهم

(7)

.

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

شيخ

(8)

الشيوخ صدر الدين أبو الحسن محمد بن شيخ الشيوخ عماد الدين محمود بن حمويه من بيت رئاسة وإمرة عند بني أيوب، وكان شيخ الشيوخ هذا فقيهًا فاضلًا، درس بتربة الشافعي بمصر وبمشهد الحسين وولي مشيخة سعيد السعداء والنظر فيها، وكانت له حرمة وافرة عند الملوك، وأرسله الملك الكامل إلى الخليفة يستنصره على الفرنج فمات بالموصل بالإسهال، ودفن بها عند قضيب البان عن ثلاث وسبعين سنة.

(1)

قرقيسا: بلد على نهر الخابور. معجم البلدان، ج 4، ص 65 - ص 16.

(2)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 121 - ص 122؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 400.

(3)

البَرَلُس: بليدة على شاطئ نيل مصر، قرب البحر من جهة الإسكندرية. معجم البلدان، ج 1، ص 593.

(4)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 122؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 401.

(5)

بياض في الأصل بمقدار نصف سطر.

(6)

لمعرفة المزيد من التفاصيل عن الحدث وأقباش.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 122 - ص 123.

(7)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 122؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 401.

(8)

انظر: الكامل، ج 10، ص 425؛ الذيل على الروضتين، ص 125؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 91؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 100.

ص: 37

وقال أبو شامة

(1)

:

وصل إلى الموصل في منتصف جمادى الآخرة فتوفي بها بعلة الذرب في الرابع والعشرين منه.

ابن الجهني

(2)

أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أبي بكر بن المجلى الموصلي، ويعرف بابن الجهني، كان شابًا فاضلًا، ولي كتابة الإنشاء لبدر الدين لؤلؤ زعيم الموصل، ومن شعره:[408]

نفسي فداءُ الذي فكرتُ فيه وقد

غدوتُ أغرق في بحر العجبِ

يبدو بليل على صبح على قمر

على قضيب على وهم على كثب

رضي

(3)

الدين المؤيد بن محمد بن على الطوسي الأصل النيسابوري الدار؛ المحدث، مات في هذه السنة، وكان أعلى المتأخرين إسنادا، سمع كتاب مسلم من الفقيه أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي وكان الفراوي فاضلا، قرأ الأصول على إمام الحرمين، وسمع الفراوي صحيح مسلم على عبد الغافر في سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكانت ولادة رضي الدين في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ومات في شوال من هذه السنة.

الشيخ

(4)

عبد الله اليونيني؛ أسد الشام، من قرية يقال لها: يونين. من بعلبك، وكانت له زاوية يقصد فيها للزيارة، وكان من الصالحين الكبار المشهورين بالعبادة والرياضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، له همة عالية في الزهد والورع بحيث أنه كان لا يقتني شيئا ولا يملك مالا ولا ثيابا، ولا يتجاوز قميصا في الصيف وفروة فوقه في الشتاء، وعلى رأسه قبع من جلد الماعز، شعره إلى ظاهره، وكان لا ينقطع عن غزاة من الغزوات، ويرمي عن قوس زنته ثمانون رطلًا بالدمشقي، وكان يجاور في بعض الأحيان بجبل لبنان، ويأتي في الشتاء إلى عيون العاسريا التي في سفح الجبل المطل على قرية دومة، شرقي دمشق، لأجل سخونة الماء فيقصد بالزيارة هنالك، ويجيء تارة إلى دمشق فينزل بسفح قاسيون عند القادسية، وكانت له أحوال ومكاشفات صالحة.

(1)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 125.

(2)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 101 ص 102.

(3)

انظر: الشذرات، ج 5، ص 78.

(4)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 125 - ص 126؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 100، ص 101؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 402. ص 407؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 73 - ص 74.

ص: 38

وحكى السبط

(1)

عن القاضي جمال الدين يعقوب الحاكم بكرك البقاع أنه شاهده مرة وهو يتوضأ من ثورا

(2)

عند الجسر الأبيض، إذمر نصراني ومعه حمل بغل خمرا

(3)

، فعثرت الدابة عند الجسر، فسقط الحمل، فرأى الشيخ وقد فرغ من وضوئه ولا يعرفه، فاستعان به على رفع الحمل، فاستدعاني الشيخ، فقال: تعال يافقيه ساعدنا على تحميل هذا

(4)

الحمل على الدابة فتساعدنا عليه، وذهب النصراني فتعجبت من ذلك، وتبعت الحمل وأنا ذاهب إلى المدينة، فانتهى به إلى العقيبة

(5)

فأورده إلى الخَمَّار بها فإذا هو خل، فقال له الخمار: ويحك ذا خل. فقال النصراني: أنا والله أعرف من أين أتيت. ثم ربط الدابة في خان، ورجع إلى الصالحية. فسأل عن الشيخ فعرفه، فجاء إليه فأسلم على يديه. وكان لا يقوم الأحد يدخل إليه، ويقول: إنما يقوم الناس لرب العالمين. وكان يدخل إليه الملك الأمجد صاحب بعلبك ويجلس بين يديه، فيقول له الشيخ: يا مجيد فعلت كذا وكذا، ويأمره بما يأمره وينهاه بما ينهاه عنه، وهو يمتثل جميع ما يقوله، وماذاك إلا لصدقه في زهده وورعه، وكان يقبل الفتوح ولكن لا يدخر منه شيئًا الغد، وإذا اشتد جوعه أخذ من ورق اللوز فيفركهـ ويستفه ويشرب فوقه الماء البارد، وذكروا أنه كان يحج في بعض السنين في الهواء، وقد وقع هذا الطائفة كبيرة

(6)

من الزهاد وصالح العباد

(7)

.

وقال ابن كثير

(8)

: ولم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر العلماء وأول من يذكر عنه هذا حبيب العجمي من أصحاب الحسن البصري ثم من بعده من

(9)

الصالحين. وقال السبط

(10)

: كنت قد اجتمعت به في الشام من سنة ستمائة إلى سنة ثلاث وستمائة، وكان له تلميذ اسمه توبة، وكان من الصالحين الأجواد، وسافرت إلى العراق في سنة

(1)

مرآة الزمان، ج 8، ص 403 - ص 404.

(2)

ثورا: اسم نهر عظيم بدمشق.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 938.

(3)

"خمر" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(4)

"هذا هذا" كذا في الأصل، والصحيح هو المثبت لاستقامة المعنى.

(5)

العُقَيْبَة: مدينة تقع في الجانب الشمالي من دمشق، وهي مستقلة بذاتها.

انظر: صبح الأعشى، ج 4، ص 94.

(6)

"كثيرة" كذا في الأصل، والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 101، لاستقامة المعنى.

(7)

البداية والنهاية، ج 13، ص 100، ص 101.

(8)

البداية والنهاية، ج 13، ص 101.

(9)

"عمر" كذا في الأصل، والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 101، حيث ينقل عنه العيني.

(10)

مرآة الزمان، ج 8، ص 403.

ص: 39

أربع وستمائة، وحججت، فلما كان [409] يوم عرفة صعدت جبل عرفات وإذا بالشيخ عبد الله قاعد على رأس الجبل مستقبل الكعبة، وعليه الثوب الخام، وعلى رأسه القلنسوة

(1)

السوداء، فسلمت عليه، فرحب بي وسألني عن طريقي، وقعدت عنده

(2)

إلى قريب الغروب، ثم قلت له: ما تقوم تروح إلى المزدلفة. قال: اسبقني أنت على رفاق. فنزلت من الجبل وأتيت المزدلفة، ووقفت بها، وجئت إلى مني فدخلت مسجد الحنيف، وإذا بالشيخ توبة خارج من المسجد، فسلم على، فقلت له: أين نزل الشيخ؟ ظنًا مني أنه قد حج معه، فقال: أيما شيخ؟ قلت: الشيخ عبد الله. قال: خلفته ببعلبك. ففطنت، فقلت: مبارك. ففهم فلزم بيدى وبكي. وقال: بالله حدثني إيش معنى هذا؟ فقلت: رأيته البارحة على عرفات وحدثته الحديث ورجعت أنا على بغداد، وجاء توبة إلى دمشق، وحدّث الشيخ عبد الله الحديث، فحدثني توبة قال: قال لي الشيخ: ماهو صحيح منك، فلان فتى، والفتى ما يكون غمازًا. فلما عدت إلى الشام عتبنى الشيخ فقلت: توبة تلميذك. فقال: لا تعد إلى مثلها. كأنه كره أن يتحدث له بكرامة في حال حيوته. وقال ابن كثير

(3)

ناقلا عن السبط

(4)

قال: حكى لي عبد الصمد خادِمه قال: لما كان يوم الجمعة من العشر الأول من ذي الحجة نزل فصلى الجمعة بجامع بعلبك وهو صحيح ليس به شيء، ودخل الحمام قبل الصلاة، واغتسل، وكان عليه ثوبان قد سماهما لامرأتين

(5)

، وجاءه داود المؤذن وكان يغسل الموتى، فقال له: ويحك ياداود انظر كيف تكون غدا؟ فما فهم داود. وقال: يا سيدي كلنا غدا في غفارتك. ثم صعد الشيخ إلى المغارة، وكان قد أمر الفقراء أن يقطعوا صخرة عند اللوزة التي كان ينام تحتها ويقعد عندها، وعندها قبر، وكان في نهار الجمعة، قد نُحرت الصخرة وبقى منها مقدار نصف ذراع. فقال لهم: لا تطلع الشمس إلا وقد فرغتم منها. قال: وبات طول

(1)

قلنسوة: جمعها قلانس دهي كلوتة مطرزة أي زركش.

انظر: الملابس المملوكية، ص 42.

(2)

"عنه" كذا في الأصل، والمثبت من مرآة الزمان حيث ينقل عنها العيني، ج 8، ص 403.

(3)

البداية والنهاية، ج 13، ص 101.

(4)

مرآة الزمان، ج 8، ص 405 - ص 406.

(5)

ذكر سبط ابن الجوزي أن المرأتين هما أم أيدمر، والأخرى أم مهجة، ولم يذكر صنعتهما له. ج 8، ص 405.

ص: 40

الليل يذكر أصحابه ومعارفه ويدعو لهم، وطلع الصبح فصلى بي، وخرج إلى صخرة كان يجلس عليها، فجلس عليها وبيده سبحته، وقام الفقراء يتممون الصخرة، وطلعت الشمس وقد فرغوا منها، والشيخ قاعد نائم والسبحة بيده. وجاء خادم من القلعة إليه في شغل، فرآه نائمًا قاعدا، فما تجاسر أن يوقظه، فقعد ساعة، فطال عليه، فقال: يا عبد الصمد ما أقدر أقعد أكثر من هذا. قال: فتقدمت إليه وقلت: سيدي سيدي فما تكلم، فحركته فإذا به ميّت، وقد فرغوا من الصخرة، وعملوا فيها ساعة، وهو ميت، وارتفع الصياح، وكان صاحب بعلبك في الصيد، فأرسلوا وراءه فجاء، فرآه على تلك الحال لا وقع ولا وقعت السبحة من يده، وهو كأنه نائم، فقال: دعونا نبنى عليه بنيانًا وهو على حاله ليكون أعجوبة الدنيا أن الإنسان يموت وهو قاعد ولا يتغير. فقالوا: اتباع السنة أولى، وطلع داود فغسله، ودفع الثوبين إلى المرأتين. ولما ألحدوه قال له الحفار: يا شيخ عبد الله اذكر ما عاهدتنا عليه. قال: ففتح عينيه ونظر إلىَّ شزرا. ودفن عند اللوزة يوم السبت، وقد جاوز ثمانين سنة رضي الله عنه ورحمه. وكان الشيخ محمد الفقيه اليونيني من جملة تلامذته ومن يلوذ به. وهو جد هؤلاء المشايخ بمدينة بعلبك

(1)

.

الملك

(2)

المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة [410] توفي في ذي القعدة منها بقلعة حماة، وكانت مدة مرضه أحدًا وعشرين يوما، وورم دماغة قبل موته، وكان شجاعا عالما محبا للعلماء، ورد إليه منهم جماعة كثيرة، قيل: الشيخ سيف الدين الآمدي، وكان في خدمة المنصور قريب من مائتي متعمم من النحاة والعلماء والمشتغلين بغير ذلك، وصنف المنصور عدة مصنفات مثل: المضمار في التاريخ في عشر مجلدات، وطبقات الشعراء، وكان معتنيا بعمارة بلده والنظر في مصالحه، وهو الذي بنى الجسر الذي خارج باب حمص، واستقر له بعد وفاة والده من البلاد: حماة، والمعرة

(3)

، وسلمية

(4)

، ومنبج

(5)

، وقلعة نجم

(6)

، فلما فتح

(1)

لمعرفة المزيد عن الشيخ عبد الله اليونيني.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 125 - 128.

(2)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 124؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 77 - ص 89؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 100؛ الشذرات، ج 5، ص 77 - 78.

(3)

المعرة: هي مدينة كبيرة قديمة من أعمال حمص بين حلب وحماة.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 575.

(4)

سلمية: بليدة من ناحية البرية من أعمال حماة بينهما مسيرة يومين وكانت تعد من أعمال حمص.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 123.

(5)

منبج: بلد قديم بينها وبين الفرات ثلاثة فراسخ وبينها وبين حلب عشرة فراسخ.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 654 - 656.

(6)

قلعة نجم: قلعة حصينة تطل على الفرات على جبل، وهي المعروفة "بجسر منبج" معجم البلدان، ج 3، ص 165.

ص: 41

بارين

(1)

وكان بيد إبراهيم بن المقدم، ألزمه عمه السلطان الملك العادل أن يردها عليه، فأجاب إلى تسليم منبج وقلعة نجم عوضا عنها، وهما خير من بارين بكثير، ولكنه اختار ذلك لقرب بارين من بلده، وجرت له حروب مع الفرنج وانتصر فيها، وكان ينظم الشعر، ولما توفى الملك المنصور كان ولده الملك المظفر المعهود إليه بالسلطنة عند خالة الملك الكامل بديار مصر في مقابلة الفرنج، وكان ولده الآخر الملك الناصر صلاح الدين قليج أرسلان عند خاله الآخر الملك المعظم بدمشق، وهو في الساحل في الجهاد وقد فتح قيسارية وهدمها، وسار إلى عثليث

(2)

ونازلها، وكان الوزير بحماة زين الدين بن فريج، فاتفق هو وأكابر الدولة على استدعاء الملك الناصر صلاح الدين لعلمهم بلين عريكته وشدة بأس الملك المظفر، فأرسلوا إلى الملك الناصر وهو مع الملك المعظم كما ذكرنا، فمنعه الملك المعظم من التوجه إلا بتقرير مالي عليه يحمله إلى الملك المعظم في كل سنة، قيل: إن مبلغه أربع مائة ألف درهم. فلما أجاب الملك الناصر إلى ذلك وحلف عليه، أطلقه الملك المعظم. فقدم الملك الناصر إلى حماة، واجتمع بالوزير زين الدين بن فريج وبالجماعة الذين كاتبوه، واستحلفوه على ما أرادوا، وأصعدوه إلى القلعة، ثم ركب من القلعة بالصناجق السلطانية، وكان عمره إذ ذاك سبع عشرة سنة لأن مولده سنة ستمائة. ولما استقر الملك الناصر في حماة وبلغ أخاه الملك المظفر ذلك استأذن الملك الكامل في المضى إلى حماة ظنا منه أنه إذا وصل إليها يسلمونها له بحكم العهد الذي كان له في أعناقهم، فأعطاه الملك الكامل الدستور، وسار حتى وصل إلى الغور، فوجد خاله المعظم صاحب دمشق هناك، فأخبره ابن أخيه

(3)

الناصر قد تملك حماة، ويخشى عليه أنه إن وصل إليه يعتقله، فسار الملك المظفر إلى دمشق وأقام بداره المعروفة بالزنجيلي، وكتب الملك المعظم والملك المظفر إلى أكابر حماة في تسليمها إلى الملك المظفر، فلم يحصل منهم إجابة، فعاد الملك المظفر إلى مصر وأقام في خدمة الملك الكامل، وأقطعه إقطاعا بمصر. وكان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

(1)

بارين: مدينة بين حلب وحماة من جهة الغرب. معجم البلدان، ج 1، ص 466.

(2)

عثليث: اسم حمن بسواحل الشام ويعرف الحصن الأحمر، فتحه الملك الناصر يوسف بن أيوب سنة 583 هـ. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 616.

(3)

"أخاه" كذا في الأصل والصحيح لغة ما أثبتناه.

ص: 42

الملك

(1)

الصالح ناصر الدين محمود بن قرا أرسلان بن أرتق، صاحب آمد، توفي في هذه السنة في صفر بآمد، وكان شجاعا عاقلا جوادا محبا للعلماء، وكان مصاحبًا للملك الأشرف موسى بن السلطان الملك العادل، يجيء إلى خدمته مرارا، وملك بعده ولده الملك المسعود، وكان بخيلا فاسقًا، فأخذه الملك الكامل وحبسه بمصر ثم أطلقه، فأخذ أمواله التتار. قال أبو شامة

(2)

: أخذ الملك الكامل منه أمد وحمله إلى مصر، فحبسه في الجب مدة ثم أطلقه، فمضى إلى التتار [411] ومعه أموال فأخذت منه.

الملك

(3)

الفائز غياث الدين إبراهيم بن الملك العادل، كان قد انتظم له الأمر في الملك بعد أبيه على الديار المصرية على يدي الأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب كما ذكرنا، لولا أن الملك الكامل تدارك ذلك سريعا، ثم أرسله أخوه في هذه السنة إلى أخيهما الملك الأشرف موسى يستحثه في سرعة المسير إليهم بسبب الفرنج، فمات بين سنجار والموصل، وقد ذُكِر أنه سُمَّ فَرُدِّ إلى سنجار فدفن بها عند تربة عماد الدين زنكي.

الأمير

(4)

أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم العلوي الحسني الزيدي؛ صاحب مكة شرفها الله تعالى، مات في جمادى الأولى من هذه السنة، وقد بلغ من السن سبعين سنة. وذكر ابن الأثير

(5)

وفاته في سنة ثماني عشرة وستمائة، وكان شيخا طويلا مهيبا لا يخاف من أحد من الخلفاء ولا الملوك، ويرى أنه أحق بالأمر من كل أحد، وكان الخليفة يود أن لو حضر عنده فيكرمه، وكان يأبى من ذلك ويمتنع منه أشد الامتناع، ولم يفد إلى أحد قط ولاذل لخليفة ولا ملك: قد كتب إليه الخليفة مرة يستدعيه فكتب إليه:

(1)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 124؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 100.

(2)

الذيل على الروضتين، ص 124.

(3)

البداية والنهاية، ج 13، ص 99، ص 100؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 401.

(4)

الكامل، ج 10، ص 426 - ص 427؛ الذيل على الروضتين، ص 123؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 99؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 401؛ شذرات الذهب؛ ج 5، ص 76.

(5)

الكامل في التاريخ، ج 10، 426 - ص 427.

ص: 43

ولي كفُّ ضرغام أَذِلَّ ببطشِها

وأَشري بها بين الورى وأبيع

وكل

(1)

ملوكِ الأرضِ تلثمُ ظَهَرهَا

وفي وسطها

(2)

للمجد بين ربيع

أأجعَلُها تحت الرحا ثم أبتغي

خلاصًا لها إني إذا لرقيع

وما أنا إلا المسكُ في كل بقعة

(3)

يَضُوُع وأما عندكم فيضيعُ

(4)

وقال أبو شامة

(5)

: ولما كتب إليه الخليفة، قال: أنت ابن العم والصاحب، وقد بلغني شهامتك وحفظك للحاج وعدلك، وشرف نفسك وعفتك ونزاهتك، وقد أحببت أن أراك وأشاهدك وأحسن إليك، فكتب إليه هذه الأبيات، وقال أيضا: ولم يرتكب كبيرة على ما قالوا، وكان في زمانه يؤذن في الحرم بحي على خير العمل على مذهب الزيدية، وكان عادلا منصفا نقمة على عبيد مكة والمفسدين، والحاج في أيامه مطمئنون آمنون على أنفسهم وأموالهم.

وفي تاريخ النويري

(6)

: وكانت ولايته قد اتسعت إلى نواحى اليمن، وكان حسن السيرة في مبدء أمره، ثم أساء السيرة وجدد المظالم والمكوس

(7)

وصورة ما جرى له أن قتادة كان مريضا فأرسل عسكرا مع أخيه ومع ابنه الحسن بن قتادة للاستيلاء على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وأخذها من صاحبها، فوثب الحسن بن قتادة في أثناء الطريق على عمه فقتله، وعاد إلى أبيه قتادة بمكة فخنقه، وكان له أخ نائب

(8)

بقلعة ينبع

(9)

فأرسل إليه ا لحسن فحضر إلى مكة فقتله أيضا، وارتكب من ذلك أمرًا عظيما في قتل أبيه وعمه

(1)

"تظل" كذا في الكامل، ج 10، ص 427؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 99.

(2)

"سطحها" كذا في الكامل، ج 10، ص 427.

(3)

"بلدة" كذا في الكامل، ج 10، ص 427.

(4)

وردت هذه الأبيات في الكامل، ج 10، ص 427، الذيل على الروضتين، ص 123؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 99.

(5)

الذيل على الروضتين، ص 123.

(6)

نهاية الأرب، ج 29، ص 110.

(7)

المكوس: مفردها مكس، وهي ضريبة تفرض على الإنتاج وعلى السلع الواردة والصادرة الموجودة في المواني، وكانت المكوس في عهد المماليك مقررة على البيوت والحوانيت والخانات والحمامات والأفران والطواحين وغيرها، وهي ضريبة جائرة وغير شرعية.

انظر: مصطلحان صبح الأعشى، ج 15، ص 325.

(8)

"نائبا" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(9)

ينبع: هي قرية غَنَّاء بين مكة والمدينة، وهي قريبة من طريق الحاج الشامي.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 1039.

ص: 44

وأخيه في أيام يسيرة، ولم يمهل الله حسنا أيضا بل سلبه الملك وشرده في البلاد، وقيل: بل قتل. وذلك أن الأمير أقباش امير حاج العراق قدم مكة في هذه السنة ومعه خلع للأمير حسن بن قتادة المذكور بولايته لإمرة مكة بعد أبيه، فنازع في ذلك راجح وهو أكبر أولاد قتادة، وقال: لا يؤمر عليها غيري. فوقعت فتنة أفضت إلى قتل أقباش غلطا، وتشتت حال حسن المذكور وشرد في البلاد وقيل: بل قتل كما ذكرنا

(1)

.

الأمير

(2)

أقباش بن عبد الله الناصري؛ اشتراه الخليفة وهو ابن خمس عشرة سنة بخمسة آلاف دينار، ولم يكن بالعراق أجمل صورة منه، ثم قربه [412] الخليفة إليه ولم يكن يفارقه، فلما ترعرع ولاه إمرة الحج والحرمين، وكان عاقلا متواضعا محبوبا إلى القلوب، حج ومعه خلع للتقليد لحسن بن قتادة، كان قتادة قد مات فلما وصل أقباش إلى عرفات جاءه راجح بن قتادة أخو حسن بن قتادة وسأله أن يوليه إمارة مكة وقال: أنا أكبر ولد قتادة. فلم يجبه، وظن حسن أن أقباش قد ولاه فأغلق أبواب مكة، وجاء أقباش فنزل بالشبيكة

(3)

بعد أيام مني، ووقعت الفتنة بين حسن وأخيه، ومنع حسن الناس من الدخول إلى مكة، فركب أقباش ليسكن الفتنة ويصلح بين الأخوين، فخرج عبيد مكة وأصحاب حسن من باب المعلي يقاتلونه، فقال: ما قصدي القتال. فلم يلتفتوا عليه، وانهزم أصحابه وبقى هو وحده، وجاء عبد فعرقب فرسه فوقع إلى الأرض، فقتلوه وحملوا رأسه إلى حسن بن قتادة على رمح، فنصبه بالمسعى عند دار العباس، ثم رد إلى جسده ودفن بالمعلي

(4)

، وأراد حسن نهب الحاج العراقي فمنعه المبارز المعتمد وخوفه الكامل والمعظم، فأجابه، ووصل الخبر إلى بغداد فحزن الخليفة حزنا عظيما، ولم يخرج الموكب للقاء الحاج، وأدخل الكوس والعَلمُ في الليل، ولم ينتطح فيه عنزان في قتل أقباش، وقد كان أولى أن يتناطح الكباش، وكان قتله في سادس عشر ذي الحجة.

(1)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 10، ص 476 - ص 427؛ مفرج الكروب في سنة 619 هـ، ج 4، ص 121 - ص 125.

(2)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 123 - ص 124؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 401.

(3)

الشَّبَيْكَة: واد قرب العرجاء، بين مكة والزاهر على طريق التنعيم، ومنزل من منازل حاج البصرة. والشبيكة ماء لبني سلول. معجم البلدان، ج 3، ص 259.

(4)

المعلى: وتكتب أيضا المعلا، وهو موضع بالحجاز.

معجم البلدان، ج 4، ص 577.

ص: 45

السلطان

(1)

علاء الدين خوارزم شاه: والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو السلطان محمد بن علاء الدين تكش بن أرسلان بن أطسِز بن محمد بن أنوشتكين. وخوارزم شاه لقبه، سمي بذلك لأن كرسىّ مملكته كانت خوارزم، وكذلك كل من لقب بذلك كان لهذا المعنى، وكانت كُنتُه أبا الفتح، ورث المملكة عن أبيه علاء الدين تكش، وقد ذكرنا أن جده أرسلان بن أطسز توفي في سنة ثمان وستين وخمسمائة، وملك بعده ابنه الصغير سلطان شاه محمود، ودبرت والدته مملكته. وكان علاء الدين تكش مقيما بخندق أقطعه أبوه إياه

(2)

، ولما مات سلطان شاه في سنة تسع وثمانين وخمسمائة استقر في مملكة خوارزم أخوه علاء الدين تكش بن أرسلان والد السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه، وفي أيامه انقرضت دولة بني سلچوق، وكان أعورا، ملك بخاري في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وكانت للخطا

(3)

، ثم مات تكش في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وملك بعده علاء الدين محمد بن تكش الملقب بخوارزم شاه المذكور.

وكان ملوك التتار في أيامه ست أنفس، كل واحد منهم سُمِّى خان

(4)

، وكان خانهم الأعظم الكبير الذي عاصر السلطان علاء الدين المذكور ألطون خان

(5)

توارث المملكة كابرا عن كابر بل كافرًا عن كافر، وكانوا مقيمين بطوغاج، وهي واسطة الصين، وكان من جملتهم في عصره ملك سمي دوشي خان، وكان قد تزوج بعمة جنكيزخان، وهي من قبيلة معروفة بالتمرجي سكان البراري، ومنشأهم موضع يسمى أرغون

(6)

، وكانوا

(1)

انظر: الكامل، ج 10، ص 406 - ص 408؛ الذيل على الروضتين، ص 122؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 95 - ص 96؛ الشذرات، ج 5، ص 76.

(2)

"إياها، كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(3)

الخطأ: هم قبائل أسسوا دولة لهم في إقليم التركستان في مستهل القرن السادس الهجري على يد "بي لوتاشي"، وقامت دولتهم على الحدود الشرقية للأقاليم الإسلامية، فاشتبكوا مع المسلمين في صراع طويل.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 36، حاشية (3).

(4)

"خانا" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه. وخان: لقب أطلقه المغول على رؤسائهم الذين يتولون جزءا من الامبراطورية المغولية، وهو يختلف عن لقب "خاقان" الذي أطلقوه على الرئيس الأعلى لدولتهم ومعناه الخان الأعظم، وقد استعمل المغول لقب "خان" أيضا بمعني "خاقان" من باب الاختصار.

سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، محمد أحمد النسوي، ص 38، حاشية (4).

(5)

ألطون خان: وتكتب أيضا "ألتون" وهي كلمة تركية معناها ذهب، وألتون خان لقب كان يطلقه المغول على حكام إمبراطورية كين الصينية، وكانت تسكن في الأصل بالقرب من نهر آمور.

سيرة السلطان جلال الدين منكبرني، ص 38، حاشية (6).

(6)

ارغون: الراجح أنه مكان يقع بين الجبال الواقعة في جنوب بحيرة بيكال.

سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 39، حاشية (5).

ص: 46

مشهورين بالشر والغدر، واتفق أن دوشي خان مات فجاء إليها جنكيزخان معزيا، ولم يخلف ولدا فتولي عوض دوشي خان، فلما سمع بذلك ألطون خان الذي هو أكبر الخانات غضب غضبا شديدا حيث ولي جنكيزخان بغير أمره، فآخر الأمر بعد ماجريات كثيرة قوى جنكيزخان وملك البلاد [413] ثم قصد بلاد المسلمين، وجري بين عسكره وعسكر خوارزم شاه ماجريات كثيرة قد ذكرناها في أثناء السنين المتقدمة، فآل آخر الأمر إلى أن تشتت حال خوارزم شاه، وتوفي في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى

(1)

.

(الثاني) في سيرته: كان فاضلا عالما بالفقه والأصول وغيرهما، وكان صبورًا على التعب وإدمان السير

(2)

. وقال ابن كثير

(3)

: وقد كان السلطان خوارزم شاه محمد فقيها حنيفا فاضلا، له مشاركات في فنون من العلم، يفهم جيدا ولم يكن بعد ملوك بني سلجوق أكثر حرمة ولا أعظم ملكا منه؛ لأنه إنما كانت همته في الملك لا في اللذات والشهوات، ولهذا قهر الملوك بتلك الأراضي، وأحل بالخطا بأسا شديدا حتى لم يبق ببلاد خراسان وما وراء النهر وكذلك عراق العجم وغيرها من البلاد والمماليك سلطان سواه، وجميع البلاد تحت أيدي نوابه، وكان قد اتسع ملكهـ وعظم محله، مَلَكَ من حد العراق إلى تركستان، وملك بلاد غزنة، وبعض الهند وسجستان وملك بلاد غزنة وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبل وخراسان وبعض فارس.

وفي المرآة

(4)

: قصد العراق في أربع مائة ألف، ووصل إلى همذان يريد بغداد، وقيل: كان معه ستمائة جتر

(5)

تحت كل جتر ألف، وكان قد أفنى ملوك خراسان وما وراء النهر، وقتل صاحب سمرقند وأخلى البلاد من الملوك واستقل بها فكان ذلك سببا الهلاكهـ. قال: وكان لما نزل همدان سبعون ألفا من الخطا في عسكره فكاتب القمي يعني وزير بغداد عساكره ووعدهم بالبلاد، فاتفقوا مع الخطا على قتله، وبعث القمي إليهم بالأموال والخيول والخلع سرًا، فكان ذلك سببا لوهنه، ولما علم خوارزم شاه بذلك

(1)

ورد هذا الخبر في سيرة منكبرتي، ص 38 - 40.

(2)

ورد هذا الخبر بتصرف في الكامل، ج 12، ص 371.

(3)

البداية والنهاية، ج 13، ص 96.

(4)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 393 - ص 394.

(5)

الجنر: مظلة أوقبة من حرير أصفر مزركش من الذهب على أعلاها طائر من فضة مطلية بالذهب حيث كانت تحمل على رأس السلطان في العيدين.

انظر: القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 7 - ص 8.

ص: 47

سار من همذان طالبا خراسان، فنزل مرو والتقى في طريقه الخيل والخلع والكتب المنفذة إلى الخطأ فلم يمكنه الرجوع لفساد عسكره.

(الثالث) فيما يختص به دون سائر الملوك لا يشاركه فيها غيره. منها الجتر منشورًا على رأسه إذا ركب. ومنها الككج وهي أنبوبة تتخذ من الذهب الأحمر بين أدني مركوبة تخرج منها المغرفة وتشد إلى طرف اللجام. ومنها الأعلام السذج السرد محمولة. ومنها أن جنائبه

(1)

كانت تجر قدامه وجنائب الملوك كانت من ورائهم. ومنها أن أذناب خيله تلف من أوساطها مقدار شبرين ولو فعل ذلك غيره قطع ذنب فرسه، ومنها الجلوس بين يديه على الركبتين لمن يريد مخاطبته.

وقال أبو الفتح: من أراد أن يقضي شغلا لشخص عنده كان يبرك على ركبتيه بين يديه ثم يكلمه، وليس لأحد أن يقف حذاه ولو أنه كان ملكا أو وزيرا كبيرا.

ومنها أنه كانت

(2)

تحمل البقج

(3)

السود على أكتاف الجمدارية

(4)

ولا تحمل لغيره على الكتف. ومنها أن نوبة

(5)

كانت خمس

(6)

، وعادة النوب للأمراء أصحاب السناجق

(7)

كانت ثلاثة

(8)

، وكانت دبادبه

(9)

سبعا وعشرين دبدبة من الذهب الأحمر قد رصعت

(1)

الجنائب: جمع جنب وهي الخيول التي كانت تسير وراء السلطان في الحروب لاحتمال الحاجة إليها.

انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 92.

(2)

"كان تحمل" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(3)

البقجة: الصرة من الثياب وغيرها. المنجد، ص 41.

(4)

الجمدارية: هو لقب فارسي مركب من لفظين: جاما، وهي الثياب، ودار، ومعناها صاحب. فالجمدار هو صاحب الثياب أي المشرف على خزائن الملابس السلطانية وما يتعلق بها. نهاية الأرب، ج 29، ص 429.

(5)

النوبة: لها معان اصطلاحية كثيرة، أحدها فرق الجند التي تتناوب الوقوف لحراسة شخص السلطان، وهي خمس نوبات ويكون تغييرها في الظهر والعصر والعشاء ونصف الليل وعند الصباح، والنوبة أيضا عند المغنيين اسم لآلات الطرب إذا أخذت معا، وربما أطلقت على المطربين معا إذا اجتمعوا، ويقال: ضربت النوبة بمعني صدر الأمر للعسكر بالتقهقر، والتوبة أيضا بمعنى الوقعة الحربية.

انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 353.

(6)

"خمسة" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(7)

السناجق: السنجق لفظ تركي استعمل بمعنى القلم أو الراية وبمعنى الرمح الذي يطعن به أو اللواء. والسناجق رايات صُفر صغار تُحْمَل على رؤوس الملوك في ركوبهم.

صبح الأعشى، ج 4، ص 8؛ ج 5، ص 458؛ معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، محمد أحمد دهمان، ص 93.

(8)

"ثلاثة" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(9)

دبادب: الدبادب هي الطبول التي تستخدم لتوصيل الأخبار للسلطان، وهي تُدَق عند ركوب السلطان في المواكب أو السفر أو الأعياد، وغير ذلك، ولها أشكال وأسماء مختلفة مثل: الوَطْواط، والشَبَّابة، والبوق، وبوق الجنبا

الخ انظر: صبح الأعشى، ج 2، ص 134؛ ج 2، ص 98، 139، 143، 146، 207، 208، 301، 334؛ ج 14، ص 168، ص 203.

ص: 48

بأنواع الجواهر، وكذا باقي آلات النوبتية، وجعل سبعة وعشرين ملكا يضربونها في أول يوم مرفيه، وكانوا من أكابر الملوك أولاد السلاطين منهم: ابن طغربل أرسلان السلجوقي، وأولاد غياث الدين صاحب الغور، والملك علاء الدين صاحب باميان، والملك تاج الدين صاحب بلخ، وولده الملك الأعظم صاحب ترمذ، والملك سنجر صاحب بخاري وأشباهم

(1)

[414]. وكان يمد السماط بين يدي السلطان علاء الدين خوارزم شاه في أواني الذهب والفضة ليس فيها شيء غير ذلك.

(الرابع) في عاداته وخاصة نفسه: كان يختص به في المراتب التي لا يشاركه فيها غيره، حيث صار بابه مُزْدْحم ملوك الأرض وعظمائها، وكانوا يفاخرون بلثم ترابه، وقل. من نجا منهم من نقمته، ورَقي إلى درجة الملوكية جماعة من مماليكه، فصار طشتداره

(2)

ملكا، وركبداره

(3)

ملكا، وسلحداره

(4)

ملكا، وجماعة من أمراء أخوريته

(5)

ملوكا، ومع هذا لم يُعطلوا ما كان من وظائفهم من خدمة الطشت والركاب

(6)

. وكان بختيار الرومى الركبدار يقف بفرس النوبة على الباب، وجهان پهلوان الطشتدار كذلك يقف في نوبته، وكان لكل طائفة من الحاشية أعلام سود تعرف بها، فعلامة الدوادارية

(7)

(1)

ورد هذا الخبر في نهاية الأرب، ج 27، ص 207 - ص 208.

(2)

طشتدار: الطشتدار هو لقب على بعض رجال الطشت خاناه، وهو مركب من لفظين أحدهما طشت وهو الذي يغسل فيه، والثاني دار ومعناه ممسك الطشت.

انظر: صبح الأعشى، ج 5، ص 469.

(3)

ركبدار: الركبدارية هم الذين يحملون على أيديهم عند الركوب في المواكب والميادين والأعياد ونحوها الغاشية، وهي سرج من أديم مخروزة بالذهب فيرفعونها على أيديهم، ويلفتونها يمينا وشمالًا، وهي من خواص المملكة. انظر: صبح الأعشى ج 4، ص 7.

(4)

سلحدار: هو لقب على الذي يحمل سلاح السلطان أو الأمير ويتولى أمر السلاح خاناه وما هو من توابع تلك وهو مركب من لفظين أحدهما عربي وهو السلاح والثاني فارسي وهو دار ومعناه ممسك فيكون المعني ممسك السلاح انظر: صبح الأعشى، ج 5، ص 462.

(5)

الأمير أخوية: هو الذي يتحدث على أسطبل السلطان أو الأمير ويتولى أمر ما فيه من الخيل والإبل وغيرهما مما هو داخل في حكم الاصطبلات، وهو مركب من لفظين أحدهما عربي وهو أمير والثاني فارسي وهو آخور ومعناه أمير المعلف، صبح الأعشى ج 5، ص 461.

(6)

الركاب: هو موكب السلطان.

انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 161.

(7)

الدوادار: لقب يطلق على من يحمل هواة السلطان أو الأمير وهي وظيفة تبليغ الرسائل عن السلطان وإبلاغ عامة الأمور وتقديم القصص إليه وتقديم البريد.

انظر: صبح الأعشى، ج 4، ص 19؛ ج 5، ص 462.

ص: 49

الدواة، وعلامة السلحدارية القوس، وعلامة الطشدارية الطشت والإبريق، وعلامة الجمدارية البقج، وعلامة الأمير أخورية البغل، وعلامة البهلوانية الدبوس، وعلامة الجاندارية الحربة، وعلامة الجاوشية قبة من الذهب مضروبة بخيط على قلانسهم تعرف من بعيد فَيُحْتَرز منهم، وكانوا يطردون الناس ضربا من غير احتراز، وكان حجاب

(1)

الميمنة غير حجاب الميسرة، ولكل فرقة منهم كبير يعرف بخاص حاجب، وهكذا البهلوانية، والجاويشية، والملوك، والخانات

(2)

، والأمراء أصحاب الميمنة والميسرة، وإذا حضروا مجلس السلطان لاتقف كل فرقة إلا عن جهتها.

وأما السماط فكانوا يمدوه والناس وقوف، ولا يقدر أحد أن يجلس ولا يمد يده إلى القمة حتى يأكل السلطان لقمة من الخونجات

(3)

التي بين يديه، ثم يؤمر الناس بالجلوس للأكل فتحمل الخونجات الخاص إلى الجهتين برسم الملوك والخانات، ويجلس سائر الناس على السماط العام، والزبادي كلها ذهبية وفضية. ومن عادته إذا عاد من سيره لم يخاطب إلا بالحجاب.

(الخامس) في وفاته: قد ذكرنا ما جرى بينه وبين جنكيزخان، وآخر الأمر لما هرب من التتار دخل قلعته التي في وسط بحر طبرستان وهم يسمونه بحر القلزم وليس كذلك، ويحصن بها من التتار، وحصل له مرض ذات الجنب

(4)

، وأقام هناك فريدا وحيدا طريدا لا يملك طارفا ولا تليدا، والمرض يزداد به، وكان في أهل مازندران أناس يتقربون إليه بالمأكول وما يشتهيه، وكان إذا أهدى إليه شيء وهو في تلك الحالة يطلق لمن أهدى إليه بشيء، ولم يكن عنده من يكتب فتولى ذلك بنفسه، وكان يعطى مثل السكين والمنديل

(1)

الحُجَّاب: الحاجب هو الشخص الذي يقف على باب الخليفة أو السلطان، وقد تطورت وظيفته حتى أصبح ينظر في الشكاوي بين الأمراء والجند، أما حاجب الميمنة نهو أمير عشرة أو أمير خمسة، وحاجب الميسرة جندي من اجناد الخليفة، وكان هذا في العصرين الأيوبي والمملوكي.

انظر: صبح الأعشى، ج 4، ص 19 - ص 20، ص 218.

(2)

الخانات: هم أعلى عساكر المملكة.

انظر: صبح الأعشى، ج 5، ص 91.

(3)

الخوان: ذكر القلقشندي أن المائدة لا يقال لها مائدة بدون طعام وإلا فهى خوان.

انظر: صبح الأعشى، ج 1، ص 158.

(4)

مرض ذات الجنب، يبدو أنه مرض الشلل النصفي.

ص: 50

علامة بإطلاق البلاد والأموال، ثم أدركته المنية وهو بالجزيرة على تلك الحالة في هذه السنة، وغسلة شمس الدين محمود بن بلاغ الجاويش ومقرب الدين مقدم الفراشين، ولم يكن عنده ما يكفمن به، فكفن في قميصه، ودفن بالجزيرة في هذه السنة على سنة سبع عشرة وستمائة

(1)

. وذكر في المرآة

(2)

وفاته في سنة خمس عشرة وستمائة والصحيح ما ذكرناه؛ لأن أبا الفتح المنشئ النَّسَائِيّ كاتب إنشائه ذكر وفاته في هذه السنة والعمدة عليه في هذا، وكانت مدة مملكته إحدى وعشرين سنة وشهورا. وفي المرآة

(3)

: ولما نزل خوارزم شاه همذان كان في عسكره [415] سبعون ألفا من الخطأ وكانوا اتفقوا على قتله، ولما علم بذلك سار من همذان طالبا خراسان، فنزل مرو وكان خاله من الخطأ وكانوا قد حلفوه أن لا يطلعه على ما دبروا عليه، فجاء إليه في الليل وكتب في يده صورة الحال، ووقف بإزائه فنظر إلى السطور وفهمها وهو يقول: خذ لنفسك فالساعة تُقْتَل، فقام وخرج من تحت ذيل الشقة ومعه ولداه جلال الدين وآخر، فركب وسار بهما، ولما خرج من الخيمة دخل الخطأ والعساكر من بابها ظنا منهم أنه فيها، فلم يجدوه فنهبوا الخزائن والخيول والخيام والجواري، وأما خوارزم شاه فإنه هرب إلى البحر وركب في مركب صغير إلى جزيرة، وهرب ولده جلال الدين إلى الهند ومعه أخوه، وصعد خوارزم شاه إلى الجزيرة وبها قلعة ليتحصن بها، فأدركه الموت دون صعود القلعة، فدفنوه على ساحل البحر، وجاء الخطا فدلوا عليه، فنبشوه وقطعوا رأسه، وأخذوه وعادوا، وتفرقت الممالك بعده، وظهر التتار على الخطأ بعد سنتين، وصار الخطأ تبعا لهم وأخذوا البلاد.

(السادس) في خزائنه وأمواله: وفي المرآة

(4)

: لما نهب الخطا خزائنه في الليلة قصدوا قتله كما ذكرناه الآن، كان في خزائنه عشرة

(5)

ألف ألف دينار، وألف حمل قماش أطلس وغيره، وكان له عشرون ألف فرس وبغل، وكان له عشرة آلاف مملوك مثل الملوك،

(1)

انظر وفاته في الكامل، ج 12، ص 370؛ سيرة منكبرتي، ص 104 - 108؛ نهاية الأرب، ج 27، ص 248 - ص 251.

(2)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 394.

(3)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 393، ص 394.

(4)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 394.

(5)

"ألف ألف دينار" كذا في الأصل، والمثبت من مرآة الزمان حيث ينقل عنه العيني، ج 8، ص 394.

ص: 51

فتمزق الجميع ونهب. وفي تاريخ بيبرس: وقد كانت جُشارات

(1)

خيله تنيف على ثلاثين ألف جشار متفرقة في البلاد، وقال أبو الفتح المنشيء كاتب إنشاء خوارزم شاه: ح كي لي الأمير تاج الدين عمر البسطامي وكان من جملة الكتاب للدرج

(2)

، قال: وصل السلطان في مسيرة إلى العراق فاستحضرني وأحضر عشرة صناديق، ثم قال: هل تعلم ما فيها؟ قلت: السلطان أخبر بها. قال: هذه كلها جواهر لا تعرف قيمتها غير أن هذين - وأشار إلى صندوقين منها - فيهما من الجواهر ما يساوي خراج الأرض بأسرها، فأمرني بحملها إلى قلعة أَرْدَهَن

(3)

، وهي من أحصن قلاع الأرض فحملتها إليها، وأخذت خط الوالي بها وبوصولها مختومة، ولما انتشر التتار في الأقطار، وأمنوا جانب السلطان خوارزم شاه حاصروا القلعة المذكورة إلى أن صالحهم الوالي بها على تسليم الصناديق إليهم، فتسلموها بختوُمها وحملت إلى جنكيزخان، فسبحان الملك القهار، وما الدنيا لساكنها بدار، ولا الركون إليها إلا انخداع واغترار.

(السابع) في أولاده: قال بيبرس في تاريخه: وكان له من الأولاد خمسة وهم: جلال الدين منكبرتي، ومظفر الدين أزلاع شاه، وآق شاه، وهؤلاء الثلاثة كانوا معه وكانت ولاية العهد لأزلاع شاه، ولما مرض وهو في الحالة المذكورة نقل ولاية العهد من أزلاع شاه إلى جلال الدين منكبرتي، وقال: إن عرى السلطنة قد انفصمت، والدولة قد وهنت وانهزمت، وهذا العدو قد قويت شوكته، وما يأخذ ثأري منه إلا جلال الدين منكبرتي، وشد بيده سيفه على وسطه، وأوصى أخوته بطاعته، ولم يلبث بعد ذلك إلا أياما قلائل حتى مات رحمه الله، وابنه الرابع ركن الدين غور صانجتي، وكان بالعراق يوم مات أبوه، والخامس غياث الدين تترشاه وكان بكرمان. وقال أبو الفتح المنشي: إن السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد [416] قسم الملك بين أولاده، وكان ذلك في

(1)

الجشُار: هو مكان رعى الماشية من خيل وغيره. انظر: المقريزي، السلوك، ج 1، ص 490، حاشية (2).

(2)

كُتَّاب الدرج: هم الطبقة الثانية من موظفي ديوان الإنشاء، وهم الذين يكتبون ما يوقع به كاتب السر أو كتاب الدست أو إشارة النائب أو الوزير أو رسالة الدوادار ونحو ذلك، وسموا كتاب الدرج لكتابتهم هذه المكتوبات في دروج الورق. انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 280، 281.

(3)

قلعة أردهن: قلعة حصينة من أعمال الري، بين دنباوند وطبرستان. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 204.

ص: 52

قوة سلطنته، فعين لكل واحد منهم بلادا، ففوض خوارزم وخراسان ومازندران إلى ولي عهده قطب الدين أزلاع شاه، وفوض ملك غزنة، وباميان

(1)

، والغور، وبُست

(2)

؛ وبكبابان، وزمين دور

(3)

وما يليها من بلاد الهند إلى ولده الكبير جلال الدين منكبرتي، واستوزر له الصدر شمس الملك شهاب الدين الهروي، وحيث كان لم ير انفصال جلال الدين عن خدمته لمحبته له، واعتقاده ببسالته استناب عنه ببلاد الهند كُرْبُز ملك، فنهض إليها وضبطها فحسنت في السياسة سيرته، وأذعنت له من الملوك جيرته، وأقام بها إلى أن سار إليها جلال الدين بعد خروج التتار على ما يأتي شرحه. ونصَّ ملك كرمان وكيش

(4)

ومكران على ولده غياث الدين تترشاه، واستوزر له الصدر تاج الدين بن كريم الشرق النيسابوري، فسار تترشاه إليها بعد ظهور التتار، فملكها إلى أن خلت العراق ممن يقوم بضبطها بعد وفاة السلطان وتسحب جلال الدين إلى الهند. ولما سار تترشاه إلى العراق وملكها استناب الحاجب براق بكرمان، وسنذكر باقي أحواله في موضعه إن شاء الله تعالى، وسلم ملك العراق إلى ولده ركن الدين غورشاه، وكان أحسن أولاده، واستوزر له عماد الملك محمد بن سديد الساوي، وقد ناب المذكور عن نظام الملك في الوزارة عدة سنين، ونال فيها رتبة لم ينلها من قبل هؤلاء. وسبب تسميته بغور شاه أنه ولد يوم وردت البشارة على السلطان بالتملك للغور، وزوجه السلطان بابنة هزار رَسف ملك الجبال، وكان سبب تزويجه أنه كان ملكهـ مجاورا

(5)

بلاده

(6)

.

(1)

باميان: بلدة وكورة في الجبال بين بلخ وهراة وغزنة.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 481.

(2)

بسنا: مدينة بين سجستان وغزنين وهراة.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 612.

(3)

زمين دور: وتكتب أيضا "زمين داور" وهي بلدة بين سجستان والغور.

انظر: سيرة متكبرني، ص 72، حاشية (1).

(4)

كيش: جزيرة في وسط البحر تعد من أعمال فارس وتعد من أعمال عُمان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 333.

(5)

"مجاور": كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(6)

انظر: سيرة منكبرتي، ص 71 - 73؛ نهاية الأرب، ج 27، ص 252 - ص 254.

ص: 53

الست الجليلة تركان خاتون

(1)

والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد المذكور، وكانت من قبيلة بياورت، وهي فرع من فروع يمك

(2)

، وهي فرع من فروع الحطابية، وكانت بنت ملك من ملوكهم، تزوج بها السلطان تكش بن أرسلان والد السلطان خوارزم شاه، ولما صار الملك إلى ولده محمد المذكور قدم إلى والدته قبائل يمك من الترك، فعظم شأن ابنها السلطان محمد، وتحكمت هي أيضا في الملك بسببهم، فلم يملك ابنها إقليما إلا وأفرد لخاصها من ناحية جليلة، وكانت ذات مهابة ورأى، وكانت تنصف المظلوم من الظالم، وكانت جسورة على القتل، وعظم شأنها بحيث أنه إذا ورد توقيعان عنها وعن ولدها السلطان محمد ينظر إلى تاريخهما فيعمل بالأخير منهما، وكان طغراء توقيعها عصمة الدنيا والدين ألغ تركان خاتون ملكة نساء العالمين، وعلامتها اعتصمت بالله وحده، وكانت تكتبها بقلم غليظ، وتجود الكتابة بحيث يعسر أن يزور عليها علامتها. وكان لها من كتاب الإنشاء سبعة من مشاهير الفضلاء وسادات الكبراء

(3)

.

قال أبو الفتح: وكان لها خيرات وسبلات

(4)

في البلاد، ولو أتينا بما شاهدناه من عظم شأنها لطال الكلام، وكان خروجها من خوارزم في أواخر سنة ست عشرة وستمائة على ما ذكرتا، وذلك عند وصول رسول جنكيزخان إلى خوارزم، وورد الخبر بإجفال

(5)

ابنها السلطان خوارزم شاه [417] عن حافة جيحون، فقلقت لذلك قلقا عظيما، فاستصحبت معها ما أمكنها استصحابه من حرم السلطان وصغار أولاده ونفائس خزائنه، وقد ذكرنا أنها أمرت بقتل من كان بخوارزم من الملوك والأسارى وأبناء الملوك، وهم اثنان وعشرون نفسا، واستصحبت معها أميرخان ابن صاحب يازر لأجل معرفته بالطرقات،

(1)

تركان خاتون: هي زوجة علاء الدين تكش خوارزم شاه وتنتسب إلى قبيلة كانكالي التي كانت تسكن في شمالي إقليم خوارزم، وقد أنجبت له علاء الدين محمد. وكان لهذه المصاهرة أثر كبير في سياسة الدولة الخوارزمية الداخلية بوجه خاص في عهد علاء الدين محمد.

انظر: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، محمد أحمد النسوي، ص 62، حاشية (3)، دار الفكر العربي 1953.

(2)

لعل المقصود بكلمة "يمك" قبائل كانكالي.

انظر: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 99، حاشية (2).

(3)

وردت ترجمة تركان خاتون بالتفصيل في سيرة منكبرتي، ص 99.

(4)

السابلة: لغة هي الطريق المسلوك والمارون عليه.

انظر: المعجم الوسيط ماده "سبل".

(5)

جفل: بمعنى القى ونفر وشرد وهرب.

انظر: المنجد مادة جفل.

ص: 54

فلما قاربت تخوم يازر خافت أن يفارقها المذكور فأمرت بضرب عنقه فقتل صبرا، وصعدت قلعة إيلال من أمهات قلاع مازندران، فأقامت بها إلى أن فرغ التتار من إجلاء السلطان وإلجائه إلى الجزيرة التي مات بها، وحوصرت إيلال أربعة أشهر، وبنى حولها سور، وعملت على السور أبواب تغلق بالليل وتفتح بالنهار، وهذه

(1)

عادتهم في حصار القلاع المنيعة إلى أن يخلص الحصار، ثم أُسرت تركان خاتون وحملت إلى جنكيزخان قال أبو الفتح: حدثني بدر الدين هلال الخادم - وكان من جملة خدامها - وذلك حين نجي بنفسه هاربا، أني قلت لها: هلمي نهرب إلى جلال الدين منكبرتي ولد ولدك وفلذة كبدك فإن الأخبار تواترت بشوكته وأتساع مملكته. فقالت: بُعدا وسحقا، وكيف يهون على أن أكون في نعمة ابن جيجاك بعد ولدي أزلاع شاه؟! وجيجاك هي أم جلال الدين. قالت: والأسر عند جنكيزخان بما أنا فيه من الذل والهوان أحب إلى من ذلك. وكانت تبغض جلال الدين بغضا شديدا، وسبب ذلك أن ولدها السلطان خوارزم شاه كان يهوي جارية مغنية اسمها جيجاك، وكانت جميلة غاية الجمال، وكان السلطان يحبها محبة شديدة إلى أن ملكت قياده وسلبت فؤاده، وكان لتركان خاتون والدته قرابة، وكان قصدها أن تزوجه بها فتمنع السلطان من ذلك بسبب جيجاك، فلما سمعت جيجاك أن والدة السلطان قصدت تزويجه بقرابتها منعته نفسها أياما، وبقي السلطان كلما يدخل عليها لم ينل منها مراما، وقالت له في بعض الأيام: إن كنت تحبني وتختارني فاكتب كتابي. فحملته محبتها على أن كتب كتابها وتبع إرادتها ودخل عليها، فحملت بجلال الدين من وقته وساعته، فحصلت البغضة عند ذلك من تركان خاتون لجيجاك المذكورة، ثم لازالت على السلطان حتى تزوج بقرابتها، فحملت منه بأزلاع شاه، فبهذا السبب حصلت بغضتها لجلال الدين بسبب والدته جيجاك والمحبة لأزلاع شاه بسبب قرابتها. قال أبو الفتح: وحكى لي الخادم المذكور فقال: آل أمر تركان خاتون في الأسر من العسر أنها كانت تحضر سماط جنكيزخان فتحمل منه

(2)

ما يقوتها أياما، وكان حكمها ينفذ في أكثر أقاليم الأرض، فسبحان المغير من حال إلى حال! وأما صغار أولاد السلطان الذين كانوا معها فقتلوا جميعا إلا أصغرهم سنًا، وهو كماجي شاه، وكانت هي تستأنس به،

(1)

"هذا": كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(2)

"منها": كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

ص: 55

وكانت يوما تسرح رأسها وتقول: عندي من ضيق الصدر ما لم أكن أجده قبل ذلك إذ أتاها بعض سرهنكية جنكيزخان فأخذ الصبي من عندها، وكان آخر عهدها به، فلما حضر بين يديه أمر بخنقه فخنق، فقد جوزيت في الدنيا بما ارتكبت من إهلاك بني الملوك [418] الذين ذكرناهم.

وأما بنات السلطان اللاتي

(1)

كن معها فقد تزوج بكل واحدة منهن شخص من المزندة، ماخلا بنت كانت تسمى خان سلطان وكانت مزوجة بالسلطان عثمان صاحب سمرقند، فإن دوشيخان بن جنكيزخان أستخصها لنفسه، وتزوج بتركان سلطان وهي شقيقة أزلاع شاه دا نشمند الحاجب الذي ورد رسولا إلى تركان خاتون، وحملت إلى جنكيزخان مغنيات خوارزم شاه وفيهن بنت زنجية ذات حسن وجمال، وكان عند جنكيزخان كَحَّال يسمى زين السمرقندي، وكان قد داوي عين جنكيزخان من الرمد، فطلب تلك المغنية فوهبها له، وكان الكحال مفرطًا في قبح الصورة وسوء العشرة، فأبغضته هي، وحق لها ذلك حيث تكون فراشا لكحال قبيح الصورة بعد السطان خوارزم شاه الذي كان أحسن الناس وجها، وكانت بعد أن وهبها له أقامت عند الوزير نظام الملك وهو يدافع عنها، ولم يسلمها إلى الكحال، فاشتكى الكحال إلى جنكيزخان، فغضب وأمر بإحضار الوزير، وأمر بقتله، وكان هو وزير السلطان خوارزم شاه، وكان أسر فيمن جملة من أسر، ولما قتل جنكيزخان الأسرى أبقى هذا لكونه قد عزله خوارزم شاه، وكان معزولا بطالا، وأيضا أبقاه لاسترفاع حَسْبانات بعض البلاد، فلما شكاه الكحال أمر بقتله

(2)

.

وأما تركان خاتون فإنها قتلت أيضا بسمرقند. قال ابن كثير

(3)

: وكان التتار أسروها كما ذكرنا، وأرسلوها بما معها من الجواهر النفيسة والذهب والفضة إلى ملكهم جنكيزخان وهو نازل بسمرقند، وكان آخر العهد بها. والملك لله الواحد القهار.

(1)

"التي كانت" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(2)

ورد هذا الخبر بالتفصيل في سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 94 - ص 98.

(3)

بالبحث لم يرد هذا الخبر في ابن كثير، البداية والنهاية.

انظر: هذا الخبر في سيرة منكيرتي، ص 96، الحاشيتين (3)، (4).

ص: 56

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة عشر بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والدنيا مكدرة، والبلاد مخبطة، بسبب الفرنج المتملكين دمياط، وبسبب استيلاء جنكيزخان على البلاد.

‌ذكر ماجريات الفرنج

وفي هذه السنة قوي طمع الفرنج المتملكين لدمياط في الديار المصرية، وتقدموا عن دمياط إلى جهة مصر، ووصلوا إلى المنصورة، واشتد القتال بين الفريقين برًا وبحرًا، وكتب السلطان الملك الكامل متواترة إلى أخوته وأهل بيته يستحثهم على إنجاده، فسار الملك المعظم عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق إلى أخيه الملك الأشرف، وهو ببلاده الشرقية، واستنجده وطلب منه المسير إلى أخيهما الملك الكامل، فجمع الملك الأشرف عساكره واستصحب عسكر حلب معه، وكذلك استصحب معه الملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور صاحب حماة، وكان الملك الناصر خائفا من السلطان الملك الكامل من التعرض إليه فسار معه بعسكر حماة، وكذلك سار صحبة الملك الأشرف كل من صاحب بعلبك الملك الأمجد بهرام شاه بن الملك فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، وصاحب حمص الملك المجاهد شيركوه، وسار الملك المعظم عيسى بعسكر دمشق ووصلوا إلى الملك الكامل، وهو في القتال مع الفرنج على المنصورة، فركب والتقى أخويه ومن في صحبتهما من الملوك وأكرمهم، وقويت نفوس المسلمين وضعفت نفوس الفرنج بما شاهدوه من كثرة عساكر الإسلام وتحملهم، واشتد القتال بين الفريقين ورُسُل الملك الكامل وأخوته مترددة إلى الفرنج [419] بسبب الصلح وبذل المسلمون لهم تسليم القدس الشريف، وعسقلان وطبرية، واللاذقية، وجبلة، وجميع ما فتحه السلطان صلاح الدين رحمه الله من الساحل، ما عدا الكرك والشوبك، على أن يجيبوا إلى الصلح ويسلموا دمياط إلى المسلمين، فلم يرض الفرنج بذلك، وطلبوا ثلثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب أسوار القدس، فإن الملك المعظم خربها كما ذكرنا. وقالوا: لابد من تسليم الكرك والشوبك. وبينما الأمر متردد في الصلح والفرنج متمنعون، إذ عبر جماعة من عسكر المسلمين في بحر المحلة إلى الأرض التي عليها

(*) يوافق أوله: 25 فبراير 1221 م.

ص: 57

الفرنج من بر دمياط، ففجروا فجرة عظيمة في النيل، وكان ذلك في قوة زيادة النيل، والفرنج لا خبرة لهم بأمر النيل، فركب الماء تلك الأرض، وصار حائلا بين الفرنج وبين دمياط، وانقطعت عنهم الميرة والمدد، فهلكوا جوعًا، وبعثوا يطلبون الأمان على أن ينزلوا عن جميع ما بذله المسلمون لهم ويسلموا دمياط، ويعقدوا مدة الصلح

(1)

.

وكان فيهم عدة ملوك كبار نحو عشرين ملكا فاختلفت الآراء بين يدي السلطان الملك الكامل في أمرهم، فبعضهم قال: لا نعطيهم أمانا ونأخذهم ونتسلم منهم مابقي بأيديهم من الساحل من عكا وغيرها، ثم اتفقت أراؤهم على إجابتهم إلى الأمان لطول مدة البيكار

(2)

، وتضجر العسكر لأنهم كان لهم ثلاث سنين وشهور في القتال معهم، فأجابهم الملك الكامل إلى ذلك، وطلب الفرنج رهينة من الملك الكامل، فبعث ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وعمره يومئذ خمس عشرة سنة إلى الفرنج رهينة، وحضر من الإفرنج رهينة على ذلك ملك عكا ونائب الباب صاحب رومية

(3)

الكبرى وكندريس

(4)

وغيرهم من الملوك، وكان ذلك في سابع رجب من هذه السنة، واستحضر الملك الكامل ملوك الفرنج المذكورين، وجلس لهم مجلسا عظيما، ووقفت بين يديه الملوك من أخوته وأهل بيته جميعهم، وسلمت دمياط إلى المسلمين في تاسع عشر رجب من هذه السنة، وقد حصنها الفرنج إلى غاية مايكون، وولاها السلطان الملك الكامل الأمير شجاع الدين جلدك التقوى وهو من مماليك الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وهَنَّت الشعراء الملك الكامل بهذا الفتح العظيم

(5)

. من ذلك ما قاله الراجح الحلى الشاعر وهو:

هنيئا فإن السعد راح مخلدا

وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدًا

حبانا إله الخلق فتحا بدا لنا

مبينا وإنعاما وعزًا مؤيدا

تهلل وجهُ الدهر بعد قطوبه

وأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا

(1)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في الكامل ج 10، ص 380 - ص 614، أحداث 614 هـ؛ الذيل على الروضتين، ص 128 - 129؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 92 - ص 96.

(2)

البيكار: لفظ فارسي معناه الحرب عامة ومصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 70.

(3)

رومية: هما رومينان، إحداهما بالروم والأخرى بالمداين، وتقع شمالي وغربي القسطنطينية بينهما مسيرة خمسين يوما أو أكثر. معجم البلدان، ج 2، ص 867.

(4)

كُنْدريس: يقصد بكلمة "كند" الكلمة الإنجليزية Count ، " ك ونت" ولعله يعني لويس دوق بافاريا الذي كان أحد رهائن الصليبيين. انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 98، حاشية (3).

(5)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 98 - ص 100؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 102.

ص: 58

ولما طغى البحر الخضم بأهله إلـ

طغاة وأضحى بالمراكب مزيدا

أقام لهذا الدين من سل عزمهُ

صقيلا كما سلَّ الحسام مجردا

فلم ينج إلا كل شلو مُجدّلٍ

ثوي منهم أو من تراه مقيدا

ونادي لسانُ الكون في الأرض رافعا

عقيرته في الخافقين وتمنشدا

أَعُبَّادَ عيسى إن عيسى وحزبَه

وموسى جميعا يخدمون

(1)

محمدا

(2)

قال أبو شامة

(3)

: وبلغني أنه أشار عند ذلك إلى الملك المعظم عيسى، والملك الأشرف موسى، والملك الكامل محمد. قال: وهذا من أحسن شيء اتفق. قلت: قول الشاعر راح مخلدا غير وجه، والصواب [420] دام مخلدا على ما لا يخفى.

وفي تاريخ بيبرس: وأنشد الشعراء قصائد التهاني، وفرحوا بانتزاح العدو وبلوغ الأماني. فمنها ما قاله شرف الدين بن جبارة من قصيدة أولها:

أَبيَ الوجدُ إلا أن أبيت مسهدا

ومنها:

لقد حمل الإفرنج موضعه الذي

سقاهم كؤوس الحتف ملئ من الرَّدي

وكل شجاع كأن يحكى عطاردًا ذكاء

فلما أن رآه تَبَلدًا

أعباد عيسى إلى آخره.

وقال غيره يمتدح فيها الكامل، أولها:

لواء نصرك في الهيجاء منشور.

ومنها:

به غدا الثغرُ للإسلام مبتسما

بعد العبوس وفيه اللهُ مذكورُ

بعد الأناجيل آيات القرآن به

تُتْلَى وقد نسخ الناقوس تكبيرُ

يقول محرابُه لو كان يسمعنا

محمدٌ ناصرٌ والشرعُ منصور

(1)

"ينصران" كذا في الذيل على الروضتين، ص 130؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 105.

(2)

وردت هذه الأبيات في الذيل على الروضتين، ص 129 - ص 130؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 102؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 409.

(3)

الذيل على الروضتين، ص 130.

ص: 59

وقال ابن عنين يمدح الملك الأشرف:

قسما بما ضمت أباطح مكة

وبمن حواه من الحجيج الموقف

لولم يقم موسى بنصر محمدٍ

الرقي على درج الخطيب الأسقف

لولاه ماذل الطيب وأَهلُه

في ثغر دمياط وعز المصحف

وقال أيضًا يمتدحه ويذكر مناصرته بقصيدة طويلة أولها:

ياأيها الملك الذى إنعامه

لم يبق في الدنيا فقيرا مرملا

لقد اتقيت الله حق تقاته

ونهجت للناس الطريق الأمثلا

لولاك لانقصمت

(1)

عرى الإسلام

في مصر وأهملِ

(2)

ذكره وتبدلا

وتحكمت فيها الفرنج وغادرت

أعلاجُها محرابَ عمرو هيكلا

(3)

وقال ابن كثير

(4)

: فوقع الصلح على ما أراد الملك الكامل، وملوك الفرنج والعساكر كلها واقفه بين يديه، ومَدَّ سماطا عظيما، فاجتمع عليه المؤمن والكافر، وكان ذلك يوم الأربعاء تاسع عشر رجب من هذه السنة، وتراجعت الفرنج إلى عكا وغيرها من البلدان، ورجع الملك المعظم إلى الشام، واصطلح الأشرف والكامل على أخيهما الملك المعظم. وفي تاريخ بيبرس: في المحرم من هذه السنة وصل الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن العادل منجدا لأخيه الكامل إلى المنصورة وتتابعت نجدات المسلمين

(5)

.

وفيها كسر مشايخ الغربية جسر البرمون

(6)

، وأطلقوا النيل على الفرنج الذين كانوا نازلين مقابل المنصورة، فأحاط الماء بهم، وثارت الشواني الإسلامية لمحاربة مراكب الفرنج التي في البحر ليشغلوهم عن نصرة الفرنج المقيمين بالبر، فلما رأى الفرنج ذلك والماء قد أحاط بهم وغرق أكثرهم، صاحوا بالأمان فأمنّوهم، وأحضروا ملوكهم إلى

(1)

"لانفضت" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 102.

(2)

"وأخل" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 102.

(3)

ورد البيتان الثالث والرابع في مفرج الكروب، ج 4، ص 102.

(4)

البداية والنهاية، ج 13، ص 102 - ص 103.

(5)

ورد هذا الخبر بتصرف في المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 129.

(6)

البرمون: بلد في محافظة الدقهلية، بالقرب من المنصورة.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 116، حاشية (2).

ص: 60

المخيم السلطاني وسدوا عنهم الجسر بعد أن استقرت القاعدة على تسليم دمياط، وأنهم لا يقصدون الديار المصرية مدة أربعين سنة، وتحالفوا على ذلك، وتسلم المسلمون دمياط في تاسع عشر شعبان منها، وسافر الفرنج إلى بلادهم، فكانت مدة مقامهم بالديار المصرية أربعين شهرا وتسعة عشر يوما، واستبشر المسلمون بنصر الله عز وجل

(1)

. وفي المرآة

(2)

: وفي هذه السنة توجه الملك المعظم عيسى إلى أخيه الملك الأشرف واجتمعا [421] على حران، وكتب صاحب ماردين ناصر الدين إلى الأشرف يسأله أن يصعد المعظم إليه، فسأله الأشرف، فسار إلى ماردين ونزل صاحب ماردين والتقاه في دنيسر، وأصعده إلى القلعة وخدمه خدمة عظيمة، وقدم له التحف والجواهر وتحالفا واتفقا على ما أرادا، وزوج المعظم إحدى بناته ناصر الدين صاحب ماردين، وزوج ابن ناصر الدين ابنته الأخرى، وخلع على جميع أصحابه وأعطاهم الأموال، ورجع المعظم إلى حران، ووصلت الأخبار بوصول التتار إلى كرماشاهان

(3)

قريبا من بغداد، فانزعج الخليفة وأمر الناس بالقنوت في الصلوات، وحصن بغداد واستخدم العساكر. وفي جمادى الآخرة فتحت دمياط، وكان المعظم من أحرص الناس على خلاص دمياط، وكان مصافيا لأخيه الكامل، وكان الأشرف مقصرا في حق الكامل، وكان مباينا له في الباطن، فلما اجتمعت العساكر على حران قطع بهم المعظم الفرات، وسار الأشرف في آثارة، وجاء المعظم فنزل حمص ونزل الأشرف سلمية

(4)

. قال السبط

(5)

: وكنت قد خرجت من دمشق إلى حمص لطلب الغزاة، فإنهم كانوا على عزم الدخول إلى طرابلس، فاجتمعت بالمعظم على حمص في ربيع الآخر، فقال لي: قد سحبت الأشرف إلىّ هاهنا بأسناني

(6)

وهو كاره، وكل يوم أعتبه في تأخره وهو يكاسر وأخاف من الفرنج أن يستولوا

(1)

ورد هذا الخبر بتصرف في الكامل، ج 12، ص 328 - ص 330؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 96 - ص 97؛ المختصر، ج 3، ص 129 - ص 130؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 116 - ص 118؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 102.

(2)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 407.

(3)

كرماشاهان: مدينة في عراق العجم.

انظر: بلدان الخلافة الشرقية، ص 222.

(4)

سَلَّمية: بليدة من أعمال حماة.

انظر: معجم البلدان؛ ج 3، ص 123.

(5)

مرآة الزمان، ج 8، ص 407 - ص 408.

(6)

"بلساني" كذا في الأصل، والمثبت من مرآة الزمان حيث ينقل عنه العيني، ج 8، ص 407.

ص: 61

على مصر، وهو صديقك فأشتهي تقوم وتروح إليه فقد سألني عنك مرارا، ثم كتب إلى أخيه كتابا بخطه يجيء ثمانين سطرا، وأخذتها ومضيت إلى سلميَّة، وبلغ الأشرف وصولي فخرج من الخيمة والتقاني، وعاتبني على انقطاعي عنه، وجرى بيني وبينه فصول، وقلت له: المسلمون في ضائقة وإذا أخذ الفرنج الديار المصرية ملكوا إلى حضرموت، وعفوا آثار مكة والمدينة والشام، وأنت تلعب، قم الساعة وارحل. فقال: ارموا الخيام والدهليز وسبقته إلى حمص، والمعظم عينه إلى الطريق، فلما قيل له: قد وصل رَكَبَ فالتقاني، وقال: ما نمت البارحة ولا أكلت اليوم شيئًا. فقلت: غدا بكرة يصبح أخوك [على]

(1)

حمص. فدعاني، ولما كان الغد أقبلت الأطلاب، وجاء طلب الأشرف، والله ما رأيت أجمل منه ولا أحسن رجالا ولا أكمل عدة، وسرُ المعظم سرورا عظيما، وجلسوا تلك الليلة يتشاورون، فاتفقوا على الدخول في السحر إلى طرابلس، ويشوشوا على الإفرنج، وكانوا على حال، فأنطق الله الأشرف من غير قصد وقال للمعظم: ياخوند عوض ماندخل الساحل ونضعف خيلنا وعساكرنا ونضيع الزمان ماتروح إلى دمياط ونستريح. فقال له المعظم: قول رماة البندق

(2)

. قال: نعم. فَقبَّل المعظم قدمه، ونام الأشرف، فخرج المعظم من الخيمة كالأسد الضاري يصيح: الرحيل الرحيل إلى دمياط، وما كان يظن أن الأشرف يسمح بذلك، وساق المعظم إلى دمشق

(3)

. وتبعته العساكر، ونام الأشرف في خيمته إلى قريب الظهر، وانتبه فدخل الحمام فلم يرحول خيمته أحدًا، فقال: وأين العساكر؟ فأخبروه الخبر، فسكت وساق إلى دمشق، فنزل القصر يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى، فأقام إلى سلخ جمادي، وعرض العساكر تحت قلعة دمشق، وكان هو وأخوه المعظم في الطيارة في القلعة [422] ثم ساروا إلى مصر غرة جمادى الأخرى

(4)

.

(1)

ما بين حاصرتين إضافة من مرآة الزمان، ج 8، ص 408، حيث ينقل عنه العيني.

(2)

رماة البندق: هم أهل الفتوة، الأعضاء في ذلك النظام الذي كان شائعا في عهد الخليفة الناصر، وهو نظام شبيه بالفروسية.

انظر: نهاية الأرب؛ ج 29، ص 115، حاشية (4).

(3)

إلى هنا توقف العيني عن النقل من مرآة الزمان، ج 8، ص 408.

(4)

ورد هذا الحدث بتصرف في الذيل على الروضتين ص 128 - ص 129؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 114 - ص 116.

ص: 62

وأما الإفرنج فإنهم خرجوا بالفارس والراجل، وكان البحر زائدا، فجاؤا إلى ترعة فأرسوا إليها، وفتح المسلمون عليهم الترع من كل مكان، وأحدقت بهم عساكر الكامل فلم يبق لهم وصول إلى دمياط، وجاء أصطول المسلمين فأخذوا مراكبهم ومنعوهم أن يصل إليهم ميرة من دمياط، وكانوا خلقا عظيما وانقطعت أخبارهم عن دمياط، وكان فيهم مائة كند وثماني مائة من الخيالة المعروفين، وملك عكا والدرك

(1)

، واللوكان

(2)

نائب البابا، ومن الرجالة ما لا يحصى، فلما عاينوا الهلاك أرسلوا إلى الملك الكامل يطلبون الصلح والرهائن ويسلمون دمياط، فمن حرص الكامل على خلاص دمياط أجابهم، ولو أقاموا يومين أخذوا برقابهم، فبعث إليه الكامل أبنه الصالح نجم الدين أيوب وابن أخيه شمس الملوك، وجاء ملوكهم إلى الكامل ممن سمناهم، فالتقاهم وأنعم عليهم، وضرب لهم الخيام، ووصل المعظم والأشرف في تلك الحال إلى المنصورة في ثالث رجب، ووقع الصلح بين الكامل والفرنج يوم الأربعاء تاسع عشر رجب، وسار بعض الفرنج في البر وبعضهم في البحر إلى عكا، وكتب إلى الآفاق بذلك، وعاد المعظم إلى الشام، وأقام الأشرف بمصر عند الكامل، فغير الله القلوب وصارا متصافيين واتفقا على المعظم

(3)

.

وفي تاريخ ابن العميد: وفي سنة ثماني عشرة وستمائة وصل الملك الأشرف صاحب أخلاط بعساكره والملك المظفر بن الملك المنصور صاحب حماة ومعه عساكر والده، ولم يتأخر أحد من ملوك الشام والشرق عن نجدته، واستقر القتال بينهم وبين الفرنج بحرا وبرا، وطلع النيل طلوعا كثيرا وجرى الماء في بحر المحلة، فوتب السلطان مراكب الأصول في بحر المحلة ليدخل منه إلى بحر دمياط ويمنع الميرة عن الفرنج،

(1)

"الدوك": كذا في الذيل على الروضتين، ص 129؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 116، حاشية (4)، ويقصد به الدوق، وهو من ألقاب ملوك البندقية وحكام جنوة في عصر المماليك. انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 140.

(2)

اللوكان: معناه غير ظاهر، وربما يكون تحريفا للقب "الكاردينال".

انظر: نهاية الأرب؛ ج 29، ص 116، حاشية (5).

(3)

وردته هذه الأحداث في الكامل، في أحداث عام 614 هـ؛ ج 10، ص 378 - 380؛ الذيل على الروضتين، ص 129 - ص 130، مفرج الكروب، ج 4، ص 93 - ص 99؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 116 - ص 118؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 102 - ص 103.

ص: 63

فاشتد ضررهم لذلك وعدموا القوت وانقطعت عنهم مراكبهم، فعزموا على الرجوع إلى دمياط، فأحرقوا أثقالهم وهربوا في الليل، وكانت ليلة عيد يوحنا وهو أول يوم من تَوْتَ، فبلغ السلطان هزيمتهم، فرسم بأن يقطع الجسور، وأحاط بهم النيل من كل جانب ولم يقدروا على الوصول إلى دمياط، فالتجؤا إلى تل كبير بظاهر البرمون

(1)

، وأحاطت بهم العساكر من كل جانب فأيقنوا الهلكة، وسألوا السلطان وبذلوا له أن ينزلوا عن دمياط ويؤمنهم على أنفسهم وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك، وتقررت الهدنة ثماني سنين وأن يطلقوا الأسرى من المسلمين، والمسلمون أيضا يطلقون الأسرى من الفرنج

(2)

.

وقصد السلطان أن يجتمع بالملك يوحنا صاحب عكا ونائب البابا، فطلبوا رهائن تكون في مراكبهم إلى أن يعودوا، فسير السلطان ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأخاه الملك المفضل قطب الدين ومعهما جماعة من أولاد الأمراء، وحضر الملك يوحنا وغيره إلى خدمة الكامل بظاهر البَرمون، وحلف لهم الملك الكامل وأخواه الأشرف والمعظم واستحلفهم، وذلك يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب من سنة ثماني عشرة وستمائة، وتسلم السلطان دمياط، وكانت مدة إقامة الفرنج بدمياط سنة واحدة وعشرة أشهر وعشرين يوما، ورجع الفرنج إلى بلادهم، ودخل السلطان مصر وأطلق الأسرى من الجهتين [433] في زمان السلطان صلاح الدين رحمه الله

(3)

.

وقال النويري

(4)

: توجه الأشرف إلى الشرق وانتزع الرقة من محمود، وقيل: اسمه عمر بن قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن أقسنقر، ولقي بغيه على أخيه كما ذكرنا كيف وثب على أخيه فقتله وأخذ سنجار، ثم أقام الأشرف بالرقة، وورد إليه الملك الناصر صاحب حماة وأقام عنده مدة ثم عاد إلى بلده.

(1)

البَرَمُون: بلد في محافظة الدقهلية، بالقرب من المنصورة.

انظر: نهاية الأرب؛ ج 29، ص 116، حاشية (2).

(2)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 94؛ ص 95؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 116 - مصر 117؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 102، ص 103؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 408 - ص 409.

(3)

ورد هذا الحدث في نهاية الأرب، ج 29، ص 117 ص 118.

(4)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب ولم يرد في نهاية الأرب كما ذكر العيني، ج 4، ص 105.

ص: 64

‌ذكر ماجريات جنكيز خان اللعين

لما انبسطت يده واشتد ساعده وعضده، وخلت البلاد قدامه، واتسعت الأقاليم أمامه، فرق أولاده إلى الآفاق ليملكوا ما تيسر لهم امتلاكه، ويهلكوا من الأمم من يمكنهم إهلاكه، وكان له من الأولاد: أوكديه خان، وجقطاي خان، ودوشي خان، وطولي خان، فأول من توجه منهم إلى البلاد الشمالية باطوخان بن دوشي خان، ويسمى صائن خان ومُغلي وبُوري قدان ومن معهم، ولما دخلوا تلك البلاد استولوا على من كان بها من طوائف الأتراك وقبائل القفجاق والعلان والآص والأولاق والجركس والروس وساكني تلك الآفاق، وتمكنوا منهم قتلا وسبيا وأسرا ونهبا، وجلبت سبايا هذه الأجناس إلى البلاد الشامية والمصرية، فمنهم المماليك العادلية والكاملية والأشرفية والمعظمية والناصرية والعزيزية، وحسنت آثارهم في الممالك الإسلامية.

وكان جنكيزخان قد جرد إلى خراسان صهره تفجار نوين

(1)

وأميرًا من قواده اسمه يزكانون في عشرة آلاف فارس لنهب نسا وإحراقها، فوصلت طائفة منهم إلى نسا مقدمهم أمير يعرف ببيك كوش، فخرج الناس إليهم مقابلين فوقعت نشابة في صدر بيك. كوش فخر ميتا، فنقموا بذلك على أهل نسا، وقدّموا حصارها على حصار سائر البلاد بخراسان، فساقوا إليها من الرجالة التي جمعت من أطراف خراسان، وحوصرت قلعتها خمسة عشر يوما لم يفتروا عن القتال ليلا ولا نهارا، ونصب عليها عشرون منجنيقا تخدمها الرجالة المجتمعة، وكانوا يسوقون الأساري تحت الحركات

(2)

وهي بيوت على وضع الجملون اتخذت من الخشب ولبست بالجلود، وإن لم يوصلوها إلى السور ضربت رقابهم، فكان هذا دأبهم إلى أن ثلموا فيها ثلمة لا تنسد، ثم لبس التتار بأجمعهم لأمة حربهم وزحفوا عليها ليلا، فملكوا السور وانتشروا عليه، والناس في بيوتهم إلى أن أضاء النهار، فنزلوا إليهم من السور، فساقوهم إلى فضاء وراء البساتين كأنهم قطيع غنم ثم

(1)

تفجار نوين، لفظ نوين معناه أمير أو سيد أو قائد، ولعل المقصود بتفجار نوين القائد Togatcher .

انظر: سيرة منكبرتي، ص 113، حاشية (4).

(2)

الحركات: لعل المقصود بها الدبابات جمع دبابة وكانت أشبه ما تكون بالبرج المتحرك له أحيانا أربعة أدوار، أولها من الخشب، وثانيها من الرصاص، وثالثها من الحديد، ورابعها من النحاس الأصفر، ويتحرك هذا البرج الهائل على عجلات، وتصعد إلى طبقاته الجنود لمهاجمة الحصون وتسلق الأسوار وتتصل بكل دبابة آلة تسمى كبش، لها رأس ضخم وقرنان ندفعها الجنود نحو الأسوار لتهديمها.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 114، حاشية (4).

ص: 65

قتلوهم عن آخرهم، وكان عدة من قتل بنسا من أهلها ومن انضم إليها تقدير سبعين ألفا، وهي كورة من كور خراسان، ثم لم يزالوا يفسدون في تلك البلاد ويقتلون وينهبون إلى أن كنسوا خراسان عن آخرها

(1)

.

ثم قصدوا نيسابور ليذيقوا أهلها نكال العذاب، فلما قاربوها خرج أهلها مناوشين فأصابت صدر تُفْجار نوين نشابة فانتقل إلى نار الجحيم، فلما رأوا ذلك تأخروا وكاتبوا جنكيزخان مستمدين، فأمدهم بخمسين ألفا، فلما قاربوها أقاموا شرقيها بقرية تعرف بشونجنان، وهي ذات أشجار كثيرة ومياه غزيرة، ثم ساقوا إليها مائتي منجنيق، فرموا بها واستولوا عليها بعد ثلاثة أيام، فألحقوها بسائر المدن، ثم أمروا الأساري فبسطوها بالمجاريف حتى صارت أرضا ملساء، [424] فلعبوا فيها بالأكرة، ومات أكثر أهلها تحت الأرض

(2)

.

ولما طلع جلال الدين من الهند على ما نذكره إن شاء الله، وملك إقليم خراسان وما كان من بلاد العراق ومازندران، ورأي خراب هذه البلاد، ضمنوا له الدفائن بها كل سنة بثلاثين ألف دينار، وربما كان الضامن يأخذ هذا المقدار في يوم واحد، إذ كانت الأموال مدفونة في السراديب والجباب والمطامير ونحوها

(3)

.

وتوجهت طائفة إلى همذان وأخذوها وقتلوا من فيها، ثم أحرقوا المدينة، ورحلوا عنها إلى أردويل

(4)

فملكوها وقتلوا من كان فيها وخربوا، ثم ساروا إلى تبريز وكان قد قام بأمرها شمس الدين الطغرائي، وجمع كلمة أهلها لأن صاحبها أزبك بن البهلوان كان قد فارقها، وكان أميرًا متخلفًا، منهمكا على الخمر، محتجبًا عن الناس، غير مفكر في تدبير البلاد التي في يده، وكان في يده أذربيجان وأران، فلما سمع بمسير التتر من همذان فارق تبريز وقصد نقجوان

(5)

، وسير نساءه وأولاده إلى خويّ

(6)

، وسار التتار إلى بَيْلقان

(7)

فنهبوا وقتلوا كل أهل القرى، ولما وصلوا المدينة حصروها، فطلب أهلها رسولا يقررون معه الصلح، فلما دخلها رسولهم قتله أهلها، فزحف التتار عليهم وقاتلوهم أشد قتال، ثم

(1)

ورد هذا الخبر في سيرة منكبرتي، ص 113 - ص 115.

(2)

ورد هذا الخبر في سيرة منكبرتي، ص 118 - ص 119.

(3)

ورد هذا الخبر بالتفصيل في سيرة منكبرتي، ص 119.

(4)

أردويل: وتسمى أيضا أردبيل، وهي من أشهر مدن أذربيجان وهي مدينة كبيرة جدا وبينها وبين تبريز سبعة أيام. معجم البلدان، ج 1، ص 197 ص 198؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 51، حاشية (9).

(5)

نقجوان: بلد من نواحي أران. أنظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 52، حاشية (1).

(6)

خُوَى: بلد مشهور من أعمال أذربيجان، وينسب إليها الثياب الخوية. معجم البلدان، ج 2، ص 502.

(7)

بيلقان: مدينة بأرمينية الكبرى، وتعد من أعمال أران. معجم البلدان، ج 1، ص 797 - ص 798.

ص: 66

إنهم ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان، ووضعوا فيهم السيف فلم يبقوا على كبير ولا صغير، حتى أنهم شقوا أجواف النساء وأخرجوا الأجنة من بطون أمهاتهم وقتلوهم، ولما فرغوا من نهبها وتخريبها ساروا إلى مدينة كنجة

(1)

وهي أم بلاد أران، ولما وصلوا إليها علموا بكثرة أهلها وشجاعتهم لدربتهم بقتال الكرج فلم يقدموا عليها، فأرسلوا إلى أهلها يطلبون منهم المال والثياب، فحملوا إليهم ما طلبوا فساروا عنهم

(2)

.

ولما فرغوا من بلاد المسلمين بأذربيجان وأران ساروا إلى بلاد الكرج

(3)

، وكانوا قد استعدوا لهم وسيروا جيشا إلى أطراف بلادهم ليمنعوهم، فالتقوا فكسروهم، وقتلوا من الكروج نحو ثلاثين ألفا، فلما وصل المنهزمون إلى تفليس

(4)

وبها ملك الكرج انهزم منها وأخلاها، ففعل التتار فيها ما أرادوا من القتل والسبي وعادوا عنها

(5)

.

ثم قصدوا دربند شروان

(6)

فحصروا مدينة شماجي

(7)

وقاتلوا أهلها، فصبروا ثلاثة أيام، ثم ملكوها عليهم وقتلوا من بها من المقاتلة، وسبوا الذريّة، ونهبوا الأموال، فلما فرغوا منها أرادوا عبور الدربند، فلم يقدروا فأرسلوا رسولا إلى شروان، أن تجهزوا إلينا أقواما من أعيان من عندكم لنتحدث معهم في الصلح، فسَيَّروا عشرة أنفار، فقبضوا عليهم وقتلوا واحدا منهم، وقالوا للباقين تعرفونا الطريق وإلا قتلناكم مثل هذا، فعند ذلك ساروا بهم ودلوهم على طريق يتوصلون منها إلى بلاد الترك، ففعلوا فيها ما قدمنا ذكره، واستولوا على بلادهم وسكنوها، وتراجع من بقي من القّفجاق، واجتمعوا مع التتار لقرب الجنسية، وتصاهروا والتحموا، وسنذكر أحوال كل ملك صار الملك إليه منهم حيث يرد ذكره إن شاء الله تعالى

(8)

.

(1)

كَنْجَة: مدينة عظيمة وهي قصبة بلاد أران، وهي بين خوزستان، وأصبهان. معجم البلدان، ج 4، ص 308.

(2)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في الكامل، ج 10، ص 413 - ص 415.

(3)

بلاد الكرج: في القوقاز: والكرج جماعة من المسيحيين كانوا يسكنون في جبال القبق (القوقاز).

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 251.

(4)

تفليس: بلد في أرمينية الأولى، والبعض يقول بأران. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 857 - ص 859.

(5)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في الكامل، ج 12، ص 283 - ص 284؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 53.

(6)

دربند شروان: مدينة من نواحي باب الأبواب الذي يسمونه الفرس الدربند، بناها أنوشروان فسميت باسمه. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 282.

(7)

شماجي، كذا في الأصل، أما معجم البلدان، فقد ذكر أنها "شماخي" وهي قصبة بلاد شروان في طرف اران ج 3، ص 327.

(8)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في الكامل، ج 12، ص 394 - ص 385؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 54 ص 55؛ ومن الجدير بالملاحظة أن هذه الأحداث ذكرها ابن واصل في حوادث سنة 616 هـ.

ص: 67

‌ذكر سلطنة جلال الدين خوارزم شاه منكبرتي بن السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش

ولما مات السلطان علاء الدين [425] في السنة الماضية ركب جلال الدين منكبرتي البحر إلى خوارزم بأخويه أزلاع شاه وآق شاه ومعهم زهاء سبعين نفسا، فلما قاربوها التقوهم فيها بالدواب والأسلحة والأعلام، وتباشر الناس بقدومهم واجتمع عندهم من العساكر السلطانية بخوارزم زهاء سبعة آلاف فارس أكثرهم البياووتية

(1)

، تقدمهم توجي بهلوان الملقب قتلغ خان، فمالوا إلى أزلاع شاه للحمة والقرابة وتواطؤا على أن يقبضوا على جلال الدين فيسلمونه أو يقتلونه، وأحس أينانج خان بما دبّر عليه فأعلمه بذلك، وأشار عليه بالرحيل، فرحل صاعدا نحو خراسان في ثلثمائة فارس مقدمهم دَمُرْ ملك، وأقام أخواه أزلاع شاه وأَقْ شاه بخوارزم بعده ثلاثة أيام، ثم وفاهم الخبر بقصد التتار وحركتهم نحو خوارزم من جهة ما وراء النهر، فرحلوا على إثر جلال الدين صوب خراسان

(2)

.

ولما تحقق جنكيزخان مسيرهم سير إليهم طائفة من أصحابه، فلما قطعوا المفازة التي بين خوارزم ونيسابور خرج عليهم التتار فقاتلوهم، فهزمهم جلال الدين منكبرتي، وهذه أول وقعاته مع التتار، وكانت الوقعة بقرب مدينة نسا

(3)

، وحصّل صاحب نسا إقامة يقدمها لجلال الدين فلم يُقِم بل سار إلى أن وصل نيسابور منصورًا، وبعد ثلاثة أيام وصل أخواه أزلاع شاه وآق شاه مجفلين من التتار، فوجدا

(4)

الإقامة التي جهزها صاحب نسا مجهزة فقدمها إليهما، فأمر أزلاع شاه لصاحب نسا بزيادة على إقطاعه، فبينما هم في تقرير الإقطاع إذ أتاهم الخبر بأن عسكرًا من التتار قد وصل إلى قلعة نسا الكشف أخبار جلال الدين ومقصده، ومن وصل معه من العساكر السلطانية، ولم يعلموا بوصول أزلاع شاه وآق شاه، فعند ذلك ركب أزلاع شاه وآق شاه ورحلا لوقتهما

(1)

البياووتية: نسبة إلى قبيلة بياووت وهي فرع من قبائل كانكالي Cancalis التي كانت تقيم في السهول الواقعة في شمال خوارزم والشمال الشرقي من بحر قزوين.

انظر: 196. D'ohssom، op. cit.، t.i، P؛ سيرة جلال الدين ص 122، حاشية (3).

(2)

وردت هذه الأحداث في سيرة جلال الدين، ص 122.

(3)

نسا: مدينة بخراسان بينها وبين سرخس يومان وبينها وبين نيسابور ستة أو سبعة أيام.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 776.

(4)

"فوجدوا" كذا في الأصل والصحيح لغة ما أثبتناه.

ص: 68

وتبعهما التتار إلى بلد خبوشان

(1)

ولحقوهما بقرية تسمى وست، فوقف لهم أزلاع شاه واصطف حذاءهم، وجد الفريقان في القتال، فانجلت الحرب عن هزيمة الكفار واتقائهم بجنة الفرار، وجد أزلاع شاه في طلبهم فلم ينج منهم إلا راكب جواد، أو مختب في واد، واغتر أزلاع شاه ومن معه بما تيسر لهم من الانتصار، وظنوا أنه لم يبق بنواحي خراسان أحد من التتار، فلم يرعهم إلا إحاطة الأطلاب بهم إحاطة الأطواق بالأعناق، واستشهد أزلاع شاه وآق شاه وجماعة ممن معهم، وعاد التتار برأسيهما وقد نصبا على الرماح يدورون بهما البلاد، وكان مع أولئك الذين قتلوا جواهر نفيسة ولم يفتش التتار أحدًا منهم، فخرج عوام تلك القرية فأخذوها وباعوها بأبخس الأثمان

(2)

.

وأما جلال الدين فأقام بنيسابور عازمًا على الجهاد، فكاتب الأمراء وأصحاب الأطراف بسرعة الوصول واستجاشة الجمهور، وكان اختيار الدين زنكي بن محمد بن حمزة قد عاد إلى نسا فملكها، ولم يجسر أن يظهر الاستقلال خوفا من السلطان وأولاده، فلما بلغ جلال الدين كتب له [426] توقيعا بكل ما تمكنت منه يده، فلما استقر جلال الدين بنيسابور علم به التتار فأسرعوا في طلبه، فخرج من نيسابور فيمن انضوى إليه من العساكر إلى أن وصل إلى [القلعة]

(3)

القاهرة التي بناها مؤيد الملك صاحب كرمان، وهَمَّ أن يتحصن بها، فوجه إليه عين الملك خَتن مؤيد الملك يحذره ذلك، ويقول له: إن مثلك لا يحسن به أن يتحصن بقلعة، فإن حصون الملوك متون الخيول، فأمر جلال الدين بإحضار ما في الخزانة من الذهب، وفرق على أصحابه وخواصه، وانفصل عن القاهرة، وجد إلى تخوم بُسْت

(4)

فأخبر أن جنكيزخان مقيم بالطالقان، فسير إلى أمين ملك صاحب هراة، وهو ابن خال السلطان جلال الدين ومعه نحو عشرة آلاف فارس، فحضر إليه واتفقا على كبس التتار المحاصرين لقلعة قُنْدهار

(5)

، فنهضا إليهم فكبسوهم وقتلوهم فلم يفلت منهم إلا نفر يسير وتوجهوا مخبرين ملكهم جنكيزخان بما تم عليهم، وساق جلال الدين إلى غزنه، ودخلها منصورًا في سنة سبع عشرة وستمائة

(6)

.

(1)

خَبُوشان: بليدة بناحية نيسابور. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 400.

(2)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث. انظر: سيرة منكبرتي، ص 126 - ص 131.

(3)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 132، لتوضيح المعنى.

(4)

بُسْت: مدينة بين سجستان وغزنين وهراة، وهي من أعمال كابل. معجم البلدان، ج 1، ص 412.

(5)

قندهار: قلعة من بلاد السند أو الهند. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 183 - ص 184.

(6)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث. انظر: سيرة منكبرتي، ص 132 - ص 134.

ص: 69

ذكر بقية الحوادث

منها أن الملك المعظم وَلَّى قضاء دمشق كمال الدين المصرى

(1)

الذي كان وكيل بيت المال بها، وكان فاضلا بارعا، وقرأ منشوره بهاء الدين بن أبي اليسر في رجب

(2)

.

ومنها أن الملك الكامل لما رجع إلى القاهرة بعد فراغه من أمر الفرنج ركب من قلعة الجبل، وجاء إلى منظرة الصاحب صفي الدين بن شكر التي على رأس الخليج بمصر، وذلك في شهر ذي القعدة من هذه السنة، وطلع إليه وتحدث معه بسبب الأمراء الذين كانوا مع الأمير عماد الدين بن المشطوب في نوبة الملك الفائز، وقد ذكرنا أن جماعة من الأمراء اتفقوا على أن يخلعوا الكامل من السلطنة ويولوها الملك الفائز أخاه، وكان سبب اجتماعهم هو الأمير عماد الدين بن المشطوب، فإنه كان أساس هذه الفتنة، ووافقه الأمير عز الدين الحميري، والأمير أسد الدين الهكاري، والأمير مجاهد الدين، وجماعة من الأمراء غيرهم، وآخر الأمر انتقض عليهم ما أبرموه. وجاء الملك الكامل إلى الوزير المذكور يستشيره في أمر هؤلاء المذكورين، فاتفق رأيهما على نفي هؤلاء المذكورين من البلاد، وكانوا في الجسر الذي قبالة دمياط يعمرونه، فكتب لهم بأن ينصرفوا من ذلك ويخرجوا من ديار مصر إلى الشام، فمضى جميعهم إلى الشام ولم يتعرض الكامل إلى شيء من موجودهم وأعطى أخبازهم

(3)

لمماليكه

(4)

.

وفيها .........

(5)

وفيها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس، ومعه كتاب إلى مكة والمدينة بإعادة ولي العهد أبي نصر إلى العهد وكتب من الديوان إلى الآفاق بذلك

(6)

.

وحج بالناس من الشام أمير يقال له شقيقات

(7)

.

(1)

"المهري" كذا في الأصل، والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 103.

(2)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 130؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 103.

(3)

الأخباز: هي الإقطاعات من الأراضي أو الإيرادات منها، وهي جمع خبز وهو الإقطاع للجند أو إيراده كما كان يفهم في ذلك الزمان. انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 119، حاشية (1).

(4)

ورد هذا الخبر في نهاية الأرب، ج 29، ص 118 - ص 119.

(5)

بياض بمقدار ست كلمات.

(6)

الذيل على الروضتين، ص 130؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 409.

(7)

الذيل على الروضتين، ص 130.

ص: 70

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

الشيخ الصالح شهاب

(1)

الدين محمد بن خلف بن راجح المقدسي الحنبلي الزاهد العابد الناسك، كان يقرأ على الناس يوم الجمعة الحديث النبوي وهو جالس على أسفل منبر الخطابة بالجامع المظفري، وقد سمع الحديث الكثير، ورحل وحفظ مقامات الحريري في خمسين ليلة، وكانت له فنون كثيرة، وكان ظريفا مطبوعًا، وكانت وفاته يوم الأحد سلخ صفر، ودفن بقاسيون عند أهله.

الشيخ موفق

(2)

الدين أبو عبد الله عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل المقدسي خطيب بيت الأبار، كان شيخا صالحا، وخطب على منبر دمشق مدة غيبة جمال الدين محمد الدولعي في الرسالة العادلية إلى بلاد الشرق، [427] مات في ليلة الجمعة الحادي والعشرين من رجب من هذه السنة.

المحدث البارع تقي

(3)

الدين أبو طاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن بن الأنماطي قرأ الحديث، ورحل وكتبه، وكان حسن الخط متقنا في علم الحديث حافظًا له، وكان الشيخ تقي الدين بن صلاح يثني عليه ويمدحه، ويتأسف لفقده على فوائد كانت تحصل من عنده. وقال أبو شامة

(4)

: وقرأ على الشيخ تاج الدين الكندي بدمشق تاريخ الخطيب، وطبقات ابن سعد، وشيئا كثيرا، وكان ثقة، وتوفي بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية في طريق المنيبع، وصلي عليه الموفق الحنبلي بجامع دمشق، والفخر ابن عساكر بباب النصر، والجمال المصري قاضي القضاة عند قبره.

أبو الغيث

(5)

شعيب بن أبي طاهر بن كليب بن مقبل الضرير البصري، الفقيه الشافعي، أقام ببغداد إلى أن توفي بها، وكان لديه فضائل، وله وسائل، ومن شعره قوله:

إذا كنتم للناس أهل سياسة

فسوسوا كرام الناس بالجود والبذل

وسوسوا لئام الناس بالذل يصلحوا

عليه فإن الذل أصلح للنذل

(1)

انظر ترجمته في الذيل على الروضتين، ص 130؛ البداية والنهاية ج 13، ص 103؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 410؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 82.

(2)

انظر ترجمته في الذيل على الروضتين، ص 131؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 104.

(3)

انظر ترجمته في الذيل على الروضتين، ص 131؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 104؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 409.

(4)

الذيل على الروضتين، ص 131.

(5)

انظر ترجمته والبيتين في البداية والنهاية، ج 13، ص 104.

ص: 71

أبو العز

(1)

شرف بن علي بن أبي جعفر بن كامل، المقرى الضرير الفقيه الشافعي، تفقه بالنظامية، وسمع الحديث، ورواه، وأنشد عن الحسن بن عمرو الحلبي:

تمثلتم لي والديار بعيدة

فخيل لي أن الفؤاد لكم مغني

وناجاكم قلبي على البعد بيننا

فأوحشتم لفظا وآنستم معني

أبو سليمان

(2)

داود بن إبراهيم بن مندار الجبلي، أحد المعيدين بالمدرسة النظامية، ومما أنشده:

أيا جامعًا أمسك عنائك مقصرا

فإن مطايا الدهر تكبو وتقصر

ستقرع سنا أو تعض ندامة

يديك إذا خان الزمان وتقصر

ويلقاك رشد بعد غيك واعظ

ولكنه يلقاك والأمر مدبر

أبو المظفر

(3)

عبد الودود بن محمود بن المبارك بن علي بن المبارك بن الحسن، الواسطى الأصل البغدادي الدار والمولد، كمال الدين، المعروف والده بالمجير

(4)

، تفقه على أبيه وقرأ عليه علم الكلام، ودرس بمدرسته عند باب الأزج، ووكله الخليفة الناصر، واشتهر بالديانة والأمانة، وباشر مناصب كبارًا، وحج مرارًا عديدة، وكان متواضعًا حسن الأخلاق، وكان يقول:

وما تركت ست وستون حجة

لنا حجة أن يركب اللهو مركبا

جلال الدين

(5)

الحسن، من أولاد الحسن بن الصباح مقدم الإسماعيلية، وكان قد أظهر في قومه شعائر الإسلام، وحفظ الحدود المحرمات، والقيام فيها بالزواجر الشرعية، مات في هذه السنة، وتولي بعده ابنه.

(1)

انظر ترجمته والبيتين في البداية والنهاية، ج 13، ص 104.

(2)

انظر ترجمته والأبيات في البداية والنهاية، ج 13، ص 104 ص 105.

(3)

انظر ترجمته في البداية والنهاية، ج 13، ص 105.

(4)

"بالمجيد" كذا في البداية والنهاية، ج 13، ص 105.

(5)

انظر ترجمته في الكامل، ج 10، ص 429؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 103.

ص: 72

أبو الدر

(1)

ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب، الملقب أمين الدولة، المعروف بالملكي نسبة إلى السلطان أبي الفتح ملكشاه بن سلجوق بن محمد بن ملكشاه الأكبر، نزل الموصل وأخذ النحو عن أبي محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان، النحوى، وقرأ عليه من تصانيقه جملة، وكان يلازمه، وقرأ عليه ديوان المتنبي والمقامات للحريري [428] وغير ذلك، وكتب الكثير وانتشر خطه في الآفاق، وكان في نهاية الحسن، ولم يكن في آخر زمانه من يقاربه من حسن الخط، ولا يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله، مع فضل غزير ونباهة تامة، وكان مُغْرى بنقل صحاح الجوهري، فكتب منها نسخا كثيرة، كل نسخة في مجلد واحد. وقال ابن خلكان

(2)

: رأيت منها عدة نسخ، وكل نسخة تباع بمائة دينار، وكتب عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وكانت له سمعة كبيرة في زمانه وقصده الناس من البلاد، مات بالموصل في هذه السنة، وقد أسن وتغير خطه من الكبر.

(1)

الكامل، ج 10، ص 428؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 119؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 103؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 83.

(2)

وفيات الأعيان، ج 6، ص 119 - ص 122.

ص: 73

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة عشر بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة الناصر لدين الله، والشرور قائمة في البلاد الخراسانية وما يتاخمها بسبب جنكيزخان، وقد ذكرنا أن جلال الدين بن السلطان علاء الدين دخل غزنة منصورا في السنة الماضية. وقال أبو الفتح المنشئ: وصل جلال الدين إلى غزنة في سنة ثماني

(1)

عشرة وستمائة، وتباشر الناس بوصوله، واتصل بخدمته سيف الدين بغراق الخلنجي

(2)

وأعظم ملك صاحب بلخ، ومظفر ملك صاحب الأفغانية، والحسن قزلق، [كل]

(3)

هؤلاء في ثلاثين ألف فارس، ومعه من عسكره وعسكر أمين الملك مثلها، ولما بلغ جنكيزخان ماحل بعسكره من النقمة بقندهار جرد إليه ابنه طولي خان في عسكر كثير، واستقبله جلال الدين بنفسه، فالتقيا، وحمل جلال الدين على قلب عسكر طولي خان، فأنزل الله نصره عليه، وكانت الكسرة على التتار قولوا مدبرين، وركب جلال الدين مع عسكره في طلبهم، وكيف لا يركب أقفيتهم وقد أفجعوه بأخوته وأبيه، وقتل طولي خان المذكور في معركة القتال، وكثر الأسر حتى كان الفراشون يحضرون أساراهم إلى بين يدي جلال الدين، فيدقون الأوتاد في آذانهم تشفيا منهم، وجلال الدين يتفرج ووجهه بالبشاشة ينبلج، وقد عذبوهم في الحياة الدنيا، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}

(4)

. ولما وصل الخبر إلى جنكيزخان قام وجمع عساكره ورحل إلى ملتقى جلال الدين في ذلك الوقت، واتفق أن العسكر الخلجية

(5)

قد فارقوا جلال الدين صحبة سيف الدين بغراق غضابًا، وسبب ذلك أنهم لما كسروا ابن جنكيز خان ببيروان

(6)

زاحمتهم الأتراك في المكاسب، وكان الأتراك ينفرون ويأخذون المكاسب منهم، فاشمأذت لذلك نفوسهم، ونفرت قلوبهم، ووقع الخلف بينهم، وكلما اجتهد جلال

(*) يوافق أوله: 15 فبراير 1222 م.

(1)

"ثمان" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

(2)

"الخلجي" في سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 154.

(3)

ما بين حاصرتين إضافة من مسيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 154 لاستقامة المعنى.

(4)

سورة طه، آية 127.

(5)

الخلنجية: كذا في الأصل، والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 155، والخلجية نسبة إلى خلج، وهو موضع قرب مدينة غزنة. انظر: سيرة منكبرتي، ص 155، حاشية (6).

(6)

بيروان: في الشمال الشرقي من مدينة غزنة. انظر: سيرة منكبرتي، ص 16.

ص: 74

الدين في إرضائهم زادت الأتراك عصبية وشرا، ثم لما بلغ جلال الدين نهوض عدو الله إليه في معظم جيوشه وقد فارقه الأمراء وقع في قلبه الخوف حيث علم أنه لا طاقة له بهم، فرأى أن يتأخر إلى حافة ماء السند، ثم يكاتب لهؤلاء المفارقين له، فإن أجابوا، يلتقى جنكيزخان [بهم مبكرًا]

(1)

فعاجله جنكيزخان، وكان جلال الدين قد ثاربه قولنج شديد عند خروجه من غزنة، ولم يرمع ذلك الجلوس في المحفة، وكان يركب الفرس تجلدًا على ما به من الألم إلى أن من الله عليه بالعافية [429] وقد ورد الخبر في أثناء هذه الحالة أن مقدمة جنكيزخان قد نزلت بجردير

(2)

، فركب جلال الدين وكبسهم وقتل منهم جمعا كثيرا، ولم يفلت منهم إلا القليل، ولما بلغ جنكيزخان ذلك هاله، ثم رجع جلال الدين إلى مخيمه بحافة ماء السند، وضاق الوقت عما كان يأمله في جمع المراكب، ورجوع الأمراء الذين كانوا فارقوه، ووصل مركب واحد فأمر بتعبير والدته وحرمه، فانكسر المركب، وتعذر العبور، ووصل جنكيزخان، {وَإِذَا

(3)

أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ}

(4)

.

‌ذكر المصاف بين جلال الدين وجنكيزخان على حافة ماء السند

وكان مع جلال الدين مقدار ثلاثين ألف راكب، ومع جنكيزخان مقدار مائة ألف، ثم تصافوا نهار الأربعاء لثمان خلون من هذه السنة

(5)

. فلما تلاقي الفريقان حمل جلال الدين بنفسه على قلب عسكر جنكيزخان، وولي جنكيزخان بنفسه هزيما، وكادت الدائرة تدور على الكفار، وكان جنكيزخان قد أفرد الكمين عشرة آلاف نفس من الفرسان الأبطال، فخرجوا على ميمنة جلال الدين، فكسروها وقلبوها على القلب فتبدّد نظامه، ونزعت من الثبات أقدامه، وانجلت المعركة عن قتلى مطروحين، ورجع جنكيزخان على جلال الدين وحشرهم إلى ماء السند، وكان الرجل منهم يأتي النهر فيهوى بنفسه في تياره مع علمه بأنه غريق، وليس له إلى الخلاص طريق، وأسر ولد جلال الدين وعمره

(1)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة جلال الدين منكبرتي لاستقامة المعنى، ص 157.

(2)

جردان: بلدة بين غزنة وكابل. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 56، وقد كتبت في الأصل جردير؛ سيرة منكبرتي، ص 418.

(3)

سورة الرعد، آية (11).

(4)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث. انظر: سيرة جلال الدين منكبرتي، ص 154 - ص 157.

(5)

المقصود أن الحدث تم في سنة ثماني عشرة وستمائة.

انظر: سيرة جلال الدين منكبرتي، ص 158. مع أن العيني ذكرها في سنة 619 هـ.

ص: 75

تسع سنين في الوقعة، وقتل

(1)

بين يدي جنكيزخان. ولما جاء جلال الدين إلى حافة ماء السند كسيرا رأى والدته وحرمه يصحن بأعلى

(2)

صوتهن: بالله عليك اقتلنا، والقتل أحب إلينا من الأسر في أيدي هؤلاء الكفار. فأمر بضرب رقابهن وألقى

(3)

بهن في الماء، وهذا من أعظم المصائب والبلايا، وأشد المحن والرزايا. وأما عسكر جلال الدين تشتتوا وتفرقوا، فإن عسكر جنكيزخان تتبعوهم ولقطوهم من الأودية ورؤوس

(4)

الجبال وبطون الغابات، وتحصن أعظم ملك بقلعة دروذة، فحوصرت إلى أن أخذ، فضرب رقبته، ورقاب خلق كثير من الذين حصلوهم. وقال أبو الفتح المنشئ: حدثني ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود العارض النسوي قال: أهويت بنفسي إلى الماء ولا أعرف السباحة، فغطست وأشرفت على الهلاك، فإذا أنا بصبي ومعه زق منفوخ، فمددت يدي وهممت بتغريقه وأخذ الزق منه، فقال: إن كنت ترضى بخلاصك دون هلاكي شاركني فيه أوصلك إلى الساحل. ففعلت وسلمنا، وقد طلبته بعد ذلك أشد طلب لأجَازيه على صنيعه، فلم أجده على قلة عدد الناجين

(5)

.

‌ذكر عبور جلال الدين ماء السند

ولما وصل جلال الدين إلى حافة ماء السند وقد سدت دونه المهارب، وبين يديه تيار النهر الغالب رفس فرسه في الماء وهو لابس عدته، فعبر به الفرس في ذلك الماء الذي هو كالبحر العظيم وتياره أشد من الريح العقيم، فلطف الله عز وجل به إلى أن أرماه إلى ذلك [430] الجانب، وقد تخلص أيضا من عسكره أربعة آلاف رجل حفاة عراة، وفيهم ثلاثمائة

(6)

فارس، ولا يدرون ما حال جلال الدين؟ هل هو تخلص أم غرق؟ وكان جلال الدين قد رماه الموج ومعه ثلاثة من مماليكه وهم: قلبرس بهادر، وقانقج، وسعد الدين على الشربدار

(7)

. ثم إنهم تلاقوا بعد ثلاثة أيام، وأتخذوا يوم ملاقاتهم عيدًا وظنوا

(1)

"ووسط" كذا في الأصل، والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 129: حيث يتفق مع المعنى.

(2)

"بأعلا" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

(3)

"وألقا" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

(4)

"ورؤس" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

(5)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث. انظر: سيرة جلال الدين منكبرتي، ص 158، ص 159.

(6)

"ثلثمائة" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من سيرة منكبرتي، ص 160.

(7)

الشربدار: المقصود بها الخدمة بشرابخاناه السلطان أو الأمير.

انظر: صبح الأعشى، ج 5، ص 454، ص 467، ص 469.

ص: 76

أنهم أنشئوا خلقا جديدا، وليس عندهم شيء يؤكل ولا شيء يلبس، وكان في زردخانة

(1)

جلال الدين شخص يعرف بجمال الزّراد، وكان قد جمع شيئا كثيرا من المأكول والملبوس بعد الوقعة، ولم يظفر به أحد فحماه الله تعالى بلطفه حتى حصل مركبا وملأه من ذلك، وعبر إلى ذلك الجانب، وجلال الدين ومن معه حائرون ثائرون، وليس عندهم شيء فإذا بجمال الزراد قد جاء إليه بالمركب المشحون بالخيرات، فوقع هذا عند جلال الدين في موقع عظيم، ففي الحال ولاه الأستاذ دارية، ولقبه باختيار الدين، وكان هناك ملك اسمه شنطره

(2)

سمع بخبر جلال الدين وأنه خلص من الأسر والغرق، وأنه في عدد يسير قام وجمع ألف فارس وخمسة آلاف راجل ليستأصل جلال الدين، وبلغ خبره لجلال الدين، ورأى الموت قد جاءه من كل جهة وليس معه إلا نفر يسير، وغالبتهم جرحي بلا استعداد، وتحقق أن الهنود إذا ظفروا بهم يقتلونهم بأشد قتله، واتفقوا على أن يعبروا النهر أيضا ويختفوا في بعض الآجام المختلفة، ويعيشوا بما تنال أيديهم من الغارات، فحين تآمروا على ذلك وتوجهوا صوب مقصدهم، وتأخر عنهم جلال الدين بمن معه من أصحاب الخيل على رسم اليزك

(3)

، فإذا براية شنطرة تحتها عسكره، فحرض جلال الدين أصحابه، وقال: لا ينجينا إلا الثبات، والنصر من الله تعالى. فوقف إلى أن جاؤوا بقضهم وقضيضهم، فعند ذلك تقدم جلال الدين وأوتر قوسه ورمي صوب شنطره، فأصابت نشابته بإذن الله صدر شنطره، وهتكت حجاب قلبه، فخر ميتا، وانهزم عسكره، وتقوي جلال الدين ومن معه بخيلهم وسلبهم

(4)

.

وكان هنا ملك آخر يسمى قباجه، وله نائب في بلدة، يسمى قمر الدين، ولما سمع بذلك تقرب إلى جلال الدين، وقدم له دهليزا وغيره، فوقع ذلك منه موقعا مشكورا محمودا

(5)

.

(1)

الزردخاناه: دار السلاح، وهي كلمة فارسية مركبة، أطلقها المقريزي على السلاح نفسه، ومن معاني الزردخاناه السجن المخصص للمجرمين من الأمراء وأصحاب الرتب.

انظر: المقريزي، السلوك، ج 1 ق 2، ص 306، حاشية (1).

(2)

"شنطرة": كذا في الأصل، أما في سيرة جلال الدين منكبرتي "زانه شتره" وهو صاحب جبل الجودي. انظر: ص 161.

(3)

اليزك: لفظ فارسي معناء الطلائع. انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 364.

(4)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث. انظر: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 160 ص 162.

(5)

انظر: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 162.

ص: 77

‌ذكر ما كان بين جلال الدين وقباجة

ولما استراح جلال الدين من ثقل هذه الوطئات بلغه أن بنت أمين الملك سلمت من الغرق، وجاءت إلى أوجا

(1)

وهي مدينة من مدن قباجة، فأرسل إلى قباجة يقول: إن بنت أمين الملك تنتمي

(2)

إلى بقرابة فليجهزها إليه صحبة الرسول. فامتثل قباجة كلامه وأرسلها إليه، مع تقادم جليلة في جملتها فيل، فقبل ذلك جلال الدين وتأكدت المودة بينهما إلى أن قضت الأيام بالبين والفرقة لأسباب، منها: أن شمس الملك شهاب الدين كان وزير جلال الدين، أستوزره له أبوه السلطان علاء الدين، فقدر الله تعالى أن الوقعة رمته إلى قباجة، فأواه وأكرم مثواه، فأرسل جلال الدين إلى قباجة واستدعى شمس الملك، فتوهم شمس الملك أنه إنما [431] يطلبه لإيقاع أمر فيه فامتنع قباجة من إرساله. ومنها أن قزل خان

(3)

بن أمين الملك كانت الوقعة أرمته إلى مدينة كلور

(4)

من مدن قباجة، وكان شابا طريا حسنا جميلا، وكانت في أذنه درة ثمينة، فشرهت نفوس من أووه عندهم فقتلوه، وحملوا الدرة إلى قباجة فشكرهم على ذلك، وأقطع لقاتله ضيعة، ولما سمع جلال الدين بذلك حقد عليه، وصبر على ذلك إلى أن جاء إليه الأمراء المنفصلون من أخيه غياث الدين بيرشاه وهم: سنجق خان، وإيلجي بهلول، وأرخان سلحدار السلطان، وبكتيارق جنكشين، فقوى بهم جلال الدين وقصد مدينة كلور فحاصرها، ودام القتال عليها، وباشر الزحف بنفسه، فأصابته نشابه في يده فأصبح كالأسد، ولم يفتر عن القتال ليلا ونهارا إلى أن استولى عليها وأخذ ما فيها، ثم انتقل منها إلى قلعة برنوزج وزحف عليها وباشر القتال بنفسه، وأصابته نشابة أخرى هناك، وتأكدت الوحشة بهذه الأمور بينه وبين قباجة، ولما رأى قباجة أن بلاده تطوى شيئا فشيئا، حشد وجمع وركب في عشرة آلاف نفس من الفرسان، وأنجده شمس الدين إيلتمش

(5)

ببعض عسكره وعزم على المصاف، فعاجله جلال الدين والتقى معه

(1)

"أوجاهي" كذا في سيرة منكبرتي، ص 163.

(2)

"تمت" كذا في سيرة منكبرتي، ص 163.

(3)

"قرن خان" كذا في سيرة منكبرتي، ص 164.

(4)

كلور: من مدن إقليم البنجاب. انظر: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 164، حاشية (2).

(5)

شمس الدين إيلتمش: أحد أرقاء الترك في الدولة الغورية، وسار إلى بلاد الهند بعد سقوط هذه الدولة، وأسس إمارة في الجزء الشمالي من هذه البلاد، وحكم مدينة دهلي 608/ 634 هـ. (1211/ 1236 م). انظر: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 165، حاشية (1).

ص: 78

وكسره، وغنم ما معه من الأثقال وغيرها، ولما فرغ جلال الدين من كسر قباجة نزل على لهاوور

(1)

، وكأن بها ابن قباجة، وكان قد عصى على أبيه قباجة، فرأى جلال الدين أن يقره عليها على مال يحمله إليه، ثم رحل منها إلى صوب سيستان

(2)

، وبها فخر الدين السلاوي واليا عليها من قبل قباجة، فتلقاه بالطاعة، وسلم مفاتيحها إليه، فجبي المال وأرضى الرجال، ثم رحل عنها صوب أَوْجَا

(3)

فحاصرها أياما، وقتل من الفريقين خلق كثير، ثم صالحوه على مال، فحمل إليه، ثم رحل صوب جانسير

(4)

، وكان رأيُها يعني ملكها، والرأي هو الملك بلغة الهند من أتباع أيلتمش وأنصاره، فخرج طائعا إليه وحضر إلى خدمته، ثم أتى الخبر إلى جلال الدين بأن إيلتمش قاصد له في ثلاثين ألفا من الفرسان ومائة ألف راجل وثلاث مائة فيل، فتجرد نحوه جلال الدين وقدم قدامه جهان بهلوان أزبك، وهو من حماة الأبطال برسم اليزك، فساق وخالفه يزك إيلتمش في الطريق، وتوسط أزبك عسكر شمس الدين إيلتمش، فقتل منهم جماعة وخرج آخرين، ثم ورد عقيب ذلك رسول إيلتمش في طلب الموادعة ويقول: ليس يخفى عليك ما وراك من عدو الدين، وأنت اليوم سلطان المسلمين وابن سلطانهم، ولست أستحل أن أكون عونا عليك، ولا يليق بمثلى أن يجرد السيف في وجه مثلك، وإن رأيت زَوَّجْتُك بابنتي لتستحكم الثقة وتزول الوحشة. فمال جلال الدين إلى ما قال، وأصحب رسوله باثنين من أصحابه، وهما: برذنك بهلوان وسنقرجق طايسي، فمضيا إليه واختاراه عليه، ثم ترادفت الأخبار بأن إيلتمش وقباجة وسائر ملوك الهند وعامة أمرائها وكبرائها قد اتفقوا على قلع جلال الدين من إقليمهم، واستشار جلال نصحاءه

(5)

في تدبير هذا الأمر، واتفقت آراؤهم على الخروج [432] إلى العراق وأشار عليه جهان بهلوان أزبك بلزوم بلاد

(1)

لهاور (لوهور): مدينة كبيرة من بلاد الهند. انظر: أبو الفدا، تقويم البلدان، ص 358.

(2)

سيستان: وتطلق المراجع العربية القديمة عليها سجستان، وهي تقع في جنوب خراسان.

انظر: بلدان الخلافة الشرقية، ص 372.

(3)

أَوْجَا: لعل المقصود بها "أوج" وهي قرية صغيرة للخَرْلَخية، وهم صنف من الأتراك بما وراء سيحون.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 397.

(4)

"جانسير" كذا في الأصل، أما بلدان الخلافة الشرقية فذكرها "خانسار" وهي منطقة تقع بين قم وأصفهان.

انظر: بلدان الخلافة الشرقية، ص 245.

(5)

"نصحائه" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

ص: 79

الهند خوفا من جنكيزخان، واستهوانا بمن في الهند من الملوك، فحمله شغفه وحبه بتملك الممالك الموروثة والحكم فيها، فخف للنهوض إليها، واستناب جهان بهلوان أزبك على ما كان ملكه من بلاد الهند الحسن قزلق، ولقبه بوفا ملك، واستمر وفا ملك بها وبالغور وغزنة إلى آخر أيامه، فوصل إلى العراق، وسيأتي ماجرى له وعليه مفصلا إن شاء الله تعالى

(1)

.

‌ذكر ما جريات ملوك الشرق والشام

منها أن بدر الدين لؤلؤ تملك الموصل في هذه السنة، واستقل بملكها وسمى نفسه الملك الرحيم، وذلك بعد وفاة الطفل الذي كان نصبه في المملكة وهو ناصر الدين محمود بن الملك القاهر مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي ابن أقسنقر، وكان لؤلؤ قد اعتضد بالملك الأشرف بن العادل فدافع عنه ونصره، وخلع لؤلؤ البيت الأتابكي بالكلية واستمر مالكا للموصل نيفا وأربعين سنة، سوي ما تقدم له من الاستيلاء والتحكم في أيام أستاذه نور الدين أرسلان شاه وابنه الملك القاهر مسعود

(2)

.

ومنها أن الملك المعظم قصد حماة لأن الملك الناصر صاحب حماة كان قد التزم له بما يحمله إليه في كل سنة إذا ملك حماة، فلم يف له فقصد المعظم حماة، وجرى بينهم قتال قليل، ثم ارتحل الملك المعظم إلى سلمية

(3)

واستولى على حواصلها وولي عليها، ثم توجه إلى معرة النعمان

(4)

فاستولى عليها وقرر أمورها، وأقام فيها واليا من جهته، ثم عاد إلى سلمية وأقام بها حتى خرجت السنة على قصد منازلة حماة

(5)

.

(1)

لمعرفة المزيد من هذه الأحداث. انظر: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 163 - ص 169.

(2)

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 114. ص 115.

(3)

سَلَمية: بليدة من أعمال حماة. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 123.

(4)

معرة النعمان: مدينة كبيرة قديمة من أعمال حمص، بين حلب وحماة.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 574. ص 575.

(5)

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 117، ص 118.

ص: 80

ومنها أن الأتابكي طغريل الخادم مدبر مملكة حلب فوض إلى الملك الصالح أحمد ابن الظاهر أمر الشغر ويكاس

(1)

، فسار الملك الصالح من حلب واستولى عليهما وأضاف إليه معرة مِصْرين

(2)

وغيرها

(3)

.

‌ذكر بقية الحوادث

منها أنه نقل تابوت الملك العادل من القلعة إلى تربية بالمدرسة

(4)

العادلية الكبيرة، وصلى عليه أولا تحت النسر بالجامع الأموي، ثم جاؤوا به إلى التربة المذكورة فدفن فيها، ولم تكن المدرسة كملت بعد، وقد تكامل بناؤها في هذه السنة أيضا، وقد درس بها القاضي جمال الدين المصري، وحضر عنده السلطان الملك المعظم، فجلس في الصدر وعن شماله القاضي وعن يمينه صدر الدين الحُصيري شيخ الحنفية، وكان في المجلس الشيخ تقي الدين بن الصلاح إمام السلطان، والشيخ سيف الدين الآمدي

(5)

إلى جانب المدرس، وإلى جانبه شمس الدين بن سنى الدولة، ويليه النجم خليل قاضي العسكر وتحت الحُصَيِري شمس الدين بن الشيرازي، وتحته محيي الدين بن الزكي، وحضر فيه خلق من الأعيان والأكابر، وفيهم فخر الدين

(6)

بن عساكر رحمهم الله

(7)

.

(1)

الشغر وبكاس: بكاس قلعة من نواحي حلب على شاطئ العاصي، تقابلها قلعة الشغر بينهما واد كالخندق، وهما قرب أنطاكية. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 704.

(2)

معرة مِصْرين: بليدة وكورة من نواحي حلب. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 574.

(3)

ورد هذا الحدث في مفرج الكروب، ج 4، ص 116.

(4)

المدرسة العادلية الكبيرة (الكبرى): داخل دمشق شمالي الجامع بغرب وشرقي الخانقاه الشهابية وقبلي الجاروخية بغرب وتجاه باب الظاهرية يفصل بينهما طريق، وأول من أنشأها نور الدين محمود بن زنكي، وتوفي ولم تتم، ثم بنى بعضها الملك العادل سيف الدين ثم توفى ولم تتم، فتممها ولده الملك المعظم ودفن فيها والده ونسبها إليه، انظر: الدارس، ج 1، ص 359.

(5)

الشيخ سيف الدين الآمدي: هو أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الفقيه الأصولي الملقب سيف الدين الآمدي، كان في أول اشتغاله حنبلي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، وتوفي في رابع صفر يوم الثلاثاء سنة 631 هـ، ودفن بسفح جبل قاسيون، وكانت ولادته في سنة 551 هـ.

وفيات الأعيان، ج 3، ص 293 - ص 294؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 144 - ص 145.

(6)

فخر الدين بن عساكر: هو أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدمشقي الملقب بفخر الدين المعروف بابن عساكر الفقيه الشافعي. ولد سنة خمسين وخمسمائة، وتوفي في العاشر من رجب يوم الأربعاء سنة عشرين وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية بظاهر دمشق.

وفيات الأعيان، ج 3، ص 135.

(7)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 132؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 120، ص 121؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 105.

ص: 81

ومنها أن الملك المعظم أرسل الصدر البكري

(1)

محتسب دمشق إلى جلال الدين ابن خوارزم شاه يستعينه على أخويه الكامل والأشرف اللذين قد تمالآ عليه، فأجابه إلى ذلك بالسمع والطاعة، ولما عاد البكري أضاف إليه مشيخة

(2)

الشيوخ مضافا إلى الحسبة

(3)

.

ومنها أنه وقعت حروب كثيرة بين القفجاق والكرج، وقتال كثير بسبب ضيق بلاد القفجاق عليهم

(4)

.

ومنها أن الملك الأشرف سار إلى خدمة أخيه الملك الكامل وأقام عنده بمصر متنزها [433] إلى أن خرجت هذه السنة

(5)

.

ومنها أنه ولي قضاء القضاة ببغداد أبو عبد الملك محمد بن فضلان

(6)

.

ومنها أن الكرج خرجوا ونهبوا بيلقان

(7)

في هذه السنة، وذلك أن التتار لما أخربوها وساروا عنها، وتراجع من سلم من أهلها وعمروها ما أمنكهم، فبينما هم كذلك إذ هجم عليهم الكرج ووضعوا السيف في أهلها، وجرى هذا جميعه وصاحب بلاد أذربيجان أزبك بن البهلوان بتبريز لا يتحرك له همة، بل قد قنعت همته بالأكل والشرب والفساد

(8)

.

ومنها أن بدر الدين لؤلؤ مَلَكَ قلعة شوش من أعمال الحميدية؛ وسبب ذلك أن صاحبها زنكي ابن أرسلان سار إلى أذربيجان ليخدم عند صاحبها أزبك، وأقطعه إقطاعا عنده فبقى هناك، فسير بدر الدين عسكرا إليها فحاصرها وأخذها من نوابه

(9)

.

ومنها أن الملك المسعود يوسف الملقب بأُطْسِزْ والعامة يسمونه أَقْسِسْ، وهو ابن الملك الكامل بن الملك العادل، حج بالناس من اليمن، وكان قد استولى على اليمن

(1)

الصدر الكشهني في البداية والنهاية، ج 13، ص 105 وهو صدر الدين أبو الحسن محمد بن أبي الفتح.

(2)

مشيخة الشيوخ: يراد بها الإشراف على دور الصوفية (الخانقاهات). نهاية الأرب، ج 29، ص 120، حاشية (1).

(3)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين؛ ص 131، نهاية الأرب، ج 29، ص 120؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 105؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 410.

(4)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 10، ص 430؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 108 - 109؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 106.

(5)

ورد هذا الخبر في نهاية الأرب، ج 29، ص 119.

(6)

"محمد بن فلان" في البداية والنهاية، كما ورد هذا الحدث فيه، ج 13، ص 106.

(7)

بيلقان: مدينة قرب الدربند، وتُعَد في أرمينية الكبرى قريبة من شروان. معجم البلدان، ج 1، ص 797 - ص 798.

(8)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 10، ص 432 - ص 433؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 113 - ص 114.

(9)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 10، ص 433؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 115.

ص: 82

من سنة اثنتي عشرة وستمائة، وقبض علي سليمان شاه بن شاهنشاه بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب كما ذكرنا، فلما وقف بعرفة وتقدمت أعلام الخليفة الإمام الناصر الدين الله لترفع على الجبل، تقدم الملك المسعود بعساكره ومنع من ذلك، وأمر بتقديم أعلام أبيه السلطان الملك الكامل على أعلام الخليفة، فلم يقدر أصحاب الخليفة على منعه من ذلك، ثم عاد الملك المسعود إلى اليمن، وبلغ ذلك الخليفة فغضب وعظم عليه، وأرسل إلى الملك الكامل يشكو، فاعتذر الكامل عن ذلك، فقبل عذره، وأقام الملك المسعود في اليمن مدة يسيرة، ثم عاد إلى مكة ليستولى عليها، فقاتله حسن بن قتادة، فانتصر الملك المسعود وانهزم حسن بن قتادة، واستقرت مكة في ملك الملك المسعود وولي عليها نائبا، وذلك في ربيع الأول من سنة عشرين ثم عاد إلى اليمن

(1)

. وقال ابن كثير

(2)

: ولما حج الملك المسعود المذكور في هذه السنة بدت منه أفعال ناقصة بالحرم الشريف من سكر، ورشق حمام المسجد بالبندق من أعلى قبة زمزم، وكان إذا نام في دار الإمارة يضرب الطائفون بالمسعى بأطراف السيوف لئلا يشوشوا عليه وهو في نوم سكره، قبحه الله، ولكنه كان مع هذا كله مهيبا محترما، والبلاد آمنة مطمئنة.

وقال أبو شامة

(3)

: استولى أقسس على مكة وأعمالها، وأذل المفسدين فيها وشتت شملهم، وهو الذي بني القبة على مقام إبراهيم عليه السلام، وكثر الجلب إلى مكة من مصر واليمن في أيامه، فرخصت الأسعار، ولعظم هيبته قلت الأشرار وأمنت الطرق والديار.

ومنها أنه كان بالشام جراد كثير أكل الزرع والثمار والأشجار، ولم يعهد مثله في الشام، فأظهر المعظم أن ببلاد العجم طيرًا يقال له السمرمر يأكل الجراد، فأرسل الصدر البكري محتسب دمشق، ورتب معه صوفية، وقال: تمضي إلى بلاد العجم فهناك عين يجتمع فيها السمرمر، فتأخذ من مائها في قوارير وتعلقها على رؤوس الرماح، فكلما رآه

(1)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 10، ص 435؛ الذيل على الروضتين، ص 132؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 124 - ص 125؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 131 - ص 132؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 125؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 105؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 411.

(2)

البداية والنهاية، ج 13، ص 105.

(3)

الذيل على الروضتين، ص 132.

ص: 83

السمرمر تبعك، وما كان مقصوده إلا أن يبعث البكرى إلى جلال الدين بن السلطان علاء الدين ليتفق معه لما بلغه اتفاق أخويه الكامل والأشرف عليه، فاجتمع البكري بجلال الدين كما ذكرنا، وكان الجراد قد قل فلما عاد البكري كثر الجراد

(1)

.

ومنها ......

(2)

ومنها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس، ومن الشام كريم الدين الأخلاطي ومعه الركن الفلكي وخلق كثير، وكانت وقفة الجمعة، وازدحم الناس في المسعى فمات جماعة

(3)

.

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

عبد

(4)

القادر بن داود أبو محمد الواسطي، الشافعي، الملقب بالمحب، اشتغل بالنظامية، وكان فاضلا دينا صالحا. ومما أنشده من الشعر:

الفرقدان

(5)

كلاهما شهدا له

والبدرُ ليلةَ تَمِّه بسها دِه

دَنِفٌ

(6)

إذا أعشى

(7)

الظلام تضرمت

نارُ الجوي في صدره وفؤاده

فجرَتْ مدامع جفنه في خده

مثل المياه

(8)

تسيل من أطواده

(9)

شوقا إلى مُضْنِيه لم أَرَ هكذا

مشتاق مضنى جسمه ببعاده

ليت الذي أضناهُ سحرَجفونِه

قبل المماتِ يكونُ من عوادهِ

(10)

(1)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين؛ ص 131؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 106؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 410.

(2)

بياض بالأصل بمقدار نصف سطر.

(3)

ورد هذا الخبر بتصرف في الذيل على الروضتين؛ ص 132؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 410.

(4)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 106.

(5)

الفرقدان: نجمان قرب القطب. البداية والنهاية، ج 13، ص 106.

(6)

الدنف: المريض من العشق، أو الذي يلازمه المرض. البداية والنهاية، ج 13، ص 106.

(7)

"أعشى" في الأصل، "اعتبق" في البداية والنهاية، ج 13، ص 106.

(8)

"المياه" في الأصل، "المسيل" في البداية والنهاية، ج 13، ص 106.

(9)

"أطواده" في الأصل، "أطواره" في البداية والنهاية، ج 13، ص 106.

(10)

وردت هذه الأبيات في البداية والنهاية، ج 13، ص 106.

ص: 84

أبو طالب

(1)

يحيى بن على الباعقوبي، الفقيه الشافعي، أحد المعدلين ببغداد، كان شيخا مليح الشيبة، جميل الوجه، كان يلي بعض الأوقاف، ومما أنشده لبعض الفضلاء:

لحملُ تهامة وجبال أحْد

وماء البحر ينقل بالزبيلِ

ونقل الصخر فوق الظهر يوما

لأهون من مجالسة الثقيل

اتفق أنه طولب بشيء من المال فلم يقدر عليه، فاستعمل شيئا من الأفيون المصرى، فمات من يومه، ودفن بالوردية

(2)

.

إمام الحنابلة بمكة الشيخ نصر

(3)

بن أبي الفرج المعروف بابن الحصري، جاور بمكة مدة، ثم ساقته المنية إلى اليمن، فمات بها في هذه السنة، وقد سمع الحديث من جماعة من المشايخ.

وقال السبط

(4)

: سمعت منه الحديث بمكة في سنة أربع وستمائة، وكان متعبدا، لا يفتر من الطواف، صالحا ثقة.

الشهاب عبد

(5)

الكريم بن نجم الحنبلي، أخو البهاء، والناصح، كان فقيها مناظرا، بصيرا بالمحاكمات، وهو الذي أخرج مسجد الوزير من يد الشيخ علم الدين السخاوي، توفي في ربيع الأول منها في دمشق.

قطب الدين

(6)

بن العادل، توفي في هذه السنة بالفيوم، ونقل إلى القاهرة.

(1)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 106 - 107.

(2)

الوردية: مقبرة ببغداد بعد باب أبرز من الجانب الشرقي قريبة من باب الظفرية. معجم البلدان، ج 4، ص 920.

(3)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 133؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 107.

(4)

بالبحث لم تجد هذا الخبر في مرآة الزمان، ولكن وجد بالتفصيل في الذيل على الروضتين، ص 133.

(5)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 133.

(6)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 133؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 107؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 411.

ص: 85

الملك ناصر

(1)

الدين محمود بن الملك القاهر مسعود صاحب الموصل، مات في هذه السنة، وكان ظالما

(2)

، وقد ذكرناه عن قريب.

الشيخ يونس

(3)

بن يوسف بن مساعد

(4)

، شيخ الفقراء المعروفين باليونسية، كان رجلا صالحا وله كرامات مشهورة، وكانت وفاته في هذه السنة بقرية القنية

(5)

من أعمال دارا، وقد ناهز تسعين سنة، وقبره مشهور هناك.

(1)

انظر: الكامل، ج 10، ص 4434 وفيات الأعيان، ج 7، ص 256 - ص 257؛ المختصر، ج 3، ص 130؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 87.

(2)

"ططا" هكذا كتبت في الأصل، وما أثبتناه من الكامل، ج 10، ص 434.

(3)

انظر: المختصر في أخبار البشر، ج 8، ص 132.

(4)

"ساعد" في الأصل، والمثبت من المختصر، ج 3، ص 132.

(5)

القُتَيَّة: قرية من نواحي ماردين. شذرات الذهب، ج 5، ص 87.

ص: 86

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة العشرين بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وصاحب مصر السلطان الملك الكامل بن الملك العادل، وصاحب دمشق الملك المعظم بن العادل، وصاحب حلب الملك العزيز بن الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصاحب الروم الملك علاء الدين كيقباذ

(1)

، وصاحب البلاد الشرقية الملك الأشرف بن العادل، وصاحب الموصل وغيرها الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ، وصاحب أذربيجان وغيرها أزبك ابن البهلوان

(2)

، وصاحب سمرقند وخوارزم وما وراء النهر كلها جنكيزخان، وعساكره تعبث في البلاد الإسلامية، وصاحب [435] عراق العجم غياث الدين تترشاه بن السلطان خوارزم شاه، وصاحب مكة واليمن الملك المسعود بن الملك الكامل، وصاحب الغرب الملك المستنصر، ولكنه مات في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

‌ذكر ماجريات ملوك بني أيوب

استهلت هذه السنة والملك الأشرف بديار مصر عند أخيه الملك الكامل، وأخوهما المعظم بسلمية مستول عليها وعلى المعرة، عازم علي حصار حماة، وبلغ الأشرف ما فعله المعظم بصاحب حماة، فعظم عليه واتفق مع أخيه الكامل على الإنكار على المعظم، فأرسل إليه الكامل ناصح الدين الفارسي، فوصل إلى المعظم وهو بسلمية، وقال له: السلطان يأمرك بالرحيل. فقال: السمع والطاعة. وكانت أطماعه قد قويت على الاستيلاء على حماة، فرحل مغضبا على أخويه الكامل والأشرف، ورجعت المعرة وسلمية للناصر صاحب حماة

(3)

. وكان الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب أخو الملك الناصر مقيما عند الكامل

(*) يوافق أوله 4 فبراير 1223 م.

(1)

علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو أحد سلاطين السلاجقة الروم. (616 - 634 هـ) - (1219 - 1336 م).

انظر: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 261، حاشية (1).

(2)

أزبك بن البهلوان: يلقب أزبك بن محمد بمظفر الدين، حكم من سنة (607 - 622 هـ) - (1210 - 1225 م).

انظر: سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 37، حاشية (2).

(3)

حماة: مدينة كبيرة يجرى بها نهر العاصي، بينها وبين شيزر نصف يوم، وبينها وبين دمشق خمسة أيام للقوافل، وبينها وبين حلب أربعة أيام.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 331 - ص 332.

ص: 87

بديار مصر كما ذكرناه، وكان الكامل يؤثره بِمُلك حماة، لكن الأشرف غير مجيب إلى ذلك؛ لانتماء الملك الناصر صاحب حماة إليه، وجرى بين الأشرف والكامل في ذلك مراجعات كثيرة آخرها أنهما اتفقا على نزع سلمية من يد الناصر وتسليمها إلى الملك المظفر، فتسلمها المظفر، وأرسل إليها وهو بمصر نائبا من جهته حسام الدين أبا علي بن محمد بن على الهذياني، واستقر بيد الناصر حماة والمعرة وبعرين

(1)

ثم سار الأشرف من مصر واستصحب معه خلعة وسناجن سلطانية

(2)

من أخيه الكامل للملك العزيز صاحب حلب

(3)

، وعمره يومئذ عشر سنين، ووصل الأشرف بذلك إلى حلب، وأركب العزيز في دست السلطنة

(4)

. ثم اتفق مع الأشرف كبراء الدولة الحلبية على تخريب قلعة اللاذقية

(5)

فأرسلوا عسكرا وهدموها إلى الأرض

(6)

.

وقال ابن كثير

(7)

: وكان الملك الأشرف لما عاد من عند أخيه الكامل صاحب مصر إلى الشام تلقاه أخوه المعظم، وقد فهم أنهما تماليا عليه، فبات بدمشق ليلة، وسار من آخر الليل ولم يشعر أخوه بذلك، ثم إن الأشرف لما سار إلى بلاده وجد أخاه الشهاب غازي الذي استنابه على خلاط

(8)

وميافارقين

(9)

قد قوي رأسه، وكاتبه المعظم صاحب

(1)

بعرين (بارين): بليدة بين حمص والساحل. معجم البلدان، ج 1، ص 672.

(2)

السناجق السلطانية: مفردها سنجق وهو الرمح، وهو لفظ تركي المقصود به الأعلام السلطانية.

صبح الأعشى، ج 5، ص 458؛ عقد الجمان العصر المملوكي، ج 2، ص 20، حاشية (1).

(3)

حلب: مدينة عظيمة، وهي قصبة جند قنّسرين، ومنها إلى قنسرين يوم، وإلى المعرة يومان، وإلى أنطاكية ثلاثة أيام، وإلى الرقة أربعة أيام. معجم البلدان، ج 2، ص 308.

(4)

دست السلطنة: وظيفة من أَجَّل الوظائف وأسناها وأنفسها وأعلاها والقائم بها سفيرا لرعية إلى الملك في حاجتهم؛ وترجمان معرب عن شكايتهم، وكاشف أحسن ناشر عن ظلامتهم؛ جالس على بساط الأنس بقرب الحضرة؛ منفذ نهي مليكهـ وأمره؛ مبلغ الحاجة من أنعامه جوده وبره. ويتولى هذه الوظيفة كاتب الدست.

القلقشندي: صبح الأعشى ج 1، ص 235 - ص 236.

(5)

قلعة اللاذقية: اللاذقية مدينة في ساحل بحر الشام تعد من أعمال حمص وهي غربي جبلة وهي الآن من أعمال حلب ربها قلمتان متصلتان. معجم البلدان، ج 4، ص 338 - ص 339.

(6)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 126 - ص 129؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 132؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 126 - ص 127.

(7)

البداية والنهاية، ج 13، ص 107.

(8)

خلاط: بلدة عامرة مشهورة، وهي قصبة أرمينية الوسطى. معجم البلدان، ج 2، ص 357 - ص 358.

(9)

ميافارقين: أشهر مدينة بديار بكر، معجم البلدان، ج 4، ص 703.

ص: 88

إربل

(1)

، وحسنوا له مخالفة أخيه الأشرف، فكتب إليه الأشرف بنهاه عن ذلك فلم يقبل، فجمع له العساكر ليقاتله.

وفي تاريخ بيبرس: لما قدم الأشرف إلى حلب من الديار المصرية ومعه الخلع السلطانية والتقليد بالسلطنة لغياث الدين محمد بن الظاهر، التقاه محمد المذكور ودخل هو والعساكر الحلبية الخيمة في خدمة الأشرف، ومد السماط

(2)

، ولما رفع أفيضت الخلع الكاملية على العزيز محمد، ووقف الملك الأشرف

(3)

قائما في خدمته، ثم أحضر له الركوب فركبه، وحمل الملك الأشرف الغاشية

(4)

بين يديه حتى خرج من الخيمة وركب إلى القلعة، وأقام الأشرف بحلب عشرة أيام، ثم توجه إلى حران، وبلغه أن المظفر شهاب الدين غازي بن العادل عصى عليه بخلاط، وذلك أنه كان قد أنعم بها عليه، وهي مملكة عظيمة جدا وسمي إقليمها بأرْمينية، وأضاف إليه ميافارقين وحاني

(5)

وجبل جور

(6)

ولم يقنع بذلك حتى جعله ولي عهده في جميع بلاده، وحلف له العساكر وجميع النواب [436] بالبلاد إذ لم يكن للأشرف ولد ذكرٌ، وكان قد وقعت الوحشة بين المعظم وأخويه الكامل والأشرف كما ذكرنا بسبب ترحيلهما إياه عن حماة، وتوهم منهما أنهما يقصدان أخذ بلاده منه، فأرسل إلى مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين على كوجك

(1)

في الأصل "وصاحب إريل" والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 107.

(2)

السماط أو الخوان: كلمة فارسية معناها سفرة الطعام.

انظر: محمود التونجي، المعجم الذهبي، ص 245.

(3)

هو الملك الأشرف موسى بن العادل أبو بكر بن أيوب. مَلَكَ دمشق بعد ابن أخيه الناصر داود سنة 626 هـ/ 1229 م. وذلك بالاتفاق مع أخيه الملك الكامل محمد، توفي سنة 135 هـ / 1238 م.

انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 330. ص 336.

(4)

الغاشية: أصل الغاشية السرج أو الغطاء المزركش الذي يوضع على ظهر الفرس وفوق البرذعة. وكان سلاطين الأيوبيين والمماليك من بعدهم يخرجون في المواكب وبين أيديهم غاشية. ويقول القلقشندي: "وهي غاشية سرج من أديم مخزوزة بالذهب بخالها الناظر جميعها مصنوعة من الذهب تحمل بين يدي السلطان عند الركوب في المواكب الحفلة كالميادين والأعياد ونحوها، يحملها الركابدارية، رافعا على يديه، يلفتها يمينا وشمالا وهي من خواص هذه المملكة.

مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 188.

(5)

حاني: مدينة بديار بكر. معجم البلدان، ج 2، ص 188.

(6)

جبل جور: اسم لكورة كبيرة متصلة بديار بكر من نواحي أرمينية وفيها قلاع وقرى.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 20.

ص: 89

صاحب إربل يدعوه إلى الإتفاق معه، ويأمره أن يقصد مملكته بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ويحضره، وكان بدر الدين لؤلؤ منتميا إلى الأشرف، وكان مظفر الدين كوكبوري يعاديه ويكرهه لقلعة البيت الأتابكي، واستيلائه على ولدى القاهر، وهما ابنا ابنته، وأخذه من زوج ابنته الأخرى عماد الدين زنكي بن نور الدين أرسلان شاه بلاده، فأجاب مظفر الدين الملك المعظم إلى ذلك، وتجهز لقصد الموصل

(1)

وحصارها وكاتب أخاء المظفر غازي بحسن له الخروج عن أخيه الأشرف، ويأمره أن يعصى بخلاط وينزع يده من الطاعة، ووعدهما من نفسه أنه يخرج من دمشق في عساكره ويقصد البلاد الشرقية وينزعها من يد الأشرف، فأجابه المظفر إلى ذلك وعصى بخلاط على أخيه الأشرف، وأظهر مغاضبته والتجني عليه، فراسله الأشرف وأستماله وعاتبه على مافعل، فلم يَرْعو إلى ذلك وأصر على خلافه، واتفق المعظم والمظفر صاحب إربل على مخالفة الأشرف ومحاربته، ورحل المعظم عن دمشق في عساكره، ونزل بمكان يسمى القطنة

(2)

في البرية على نية قصد الأشرف أخيه، ثم إن الأشرف انتصر على أخيه المظفر في السنة الآتية وأخذ خلاط منه ثم عفى عنه وأقره علي ميافارقين، وكان الأشرف أرسل إلى أخيه الكامل وعرفه بصورة الحال، فأرسل الكامل إلى أخيه المعظم يقول له: إن تحركت من بلدك سرت إليه وأخذته منك. فخافه المعظم، وعاد إلى دمشق. وبقية الكلام يأتي في السنة الآتية إن شاء الله تعالى

(3)

.

(1)

الموصل: هي المدينة المشهورة العظيمة، وهي مدينة قديمة على طرف دجلة ويقابلها من الجانب الشرقي نينوى، وهي باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يقصد إلى أذربيجان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 683.

(2)

القطنة: وتكتب أيضا "قطنا" وهي من قرى دمشق. أنظر: معجم البلدان، ج 4، ص 137.

(3)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 133، ص 134؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 129 - ص 130؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 126 - ص 128؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 107.

ص: 90

‌ذكر ماجريات بني خوارزم شاه

وفي هذه السنة خرج على غياث تترشاه بن السلطان خوارزم شاه صاحب بلاد الجبال خاله يغان طايسي، وكان من أكبر أمرائه وأقربهم إليه، فاقتتل مع غياث الدين، فانهزم يغان طايسي

(1)

ومن معه، وأقام غياث الدين في بلاده، وكان غياث الدين قد ملك كرمان

(2)

"ولما توجه

(3)

جلال الدين منكبرتي إلى الهند" في سنة سبع عشرة وستمائة كما ذكرنا تغلب غياث الدين على الرى وأصفهان وهمذان وغيرها من عراق العجم، وهي البلاد المعروفة ببلاد الجبل، فخرج على غياث الدين خاله يغان طايسي كما ذكرنا

(4)

.

وقال أبو الفتح المنشئ: وكان السلطان خوارزم شاه قد نصّ على ولده غياث الدين تترشاه يملك كرمان، ولم يتفق مسيره إليها حتى جرى بقزوين من الكبسة [ما سبق شرحه]

(5)

، وقصد قلعة قارون، وخدمة الأمير تاج الدين صاحبها إلى أن عاد ركن الدين غورشاه من كرمان إلى أصفهان، فبعث إليه يحرضه على المسير إلى كرمان، يُعْلمه بأنها خالية عمن يمانع، صافية عمن يحامي، فسار إلى أصفهان وبها ركن الدين، فأكرمه أتم الإكرام، فنهض إلى كرمان بعد ثلاثة أيام فملكها، وزاد أمره بهاء ونورًا، وأَمْر ركن الدين وهنًا وفتورا إلى أن تم عليه من القتلة بقلعة

(6)

[437] آوند، وعاد إلى العراق، وخرج الأتابك يغان طايسي عن الحبس بقلعة

(7)

سرجهان، وكان سبب حبسه بها أن

(1)

"إيغان طائسي" كذا في الكامل، ج 12، ص 415؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 132 - ص 133.

(2)

كرمان: مدينة بين غزنة وبلاد الهند، وهي من أعمال غزنة. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 366.

(3)

"ولما توجه جلال الدين منكبرتي أخوه إلى الهند" هكذا وردت الجملة في الأصل، والصحيح هو ما أثبتناه من مفرج الكروب لاستقامة المعنى، ج 4، ص 132.

(4)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 415؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 132 - ص 133؛ المختصر، ج 3، ص 132 - ص 133.

(5)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، لاستقامة المعنى، ص 144.

(6)

قلعة آوند: أستون آوند، وهي إحدى القلاع القريبة من الرى. انظر: سيرة منكبرتي، ص 141، حاشية (6).

(7)

قلعة سرجهان: تقع فوق قلة الجبل في نصف الطريق بين صاين قلعة والسلطانية وتشرف على السهول الواسعة شرنا إلى أبهروقزوين ..

انظر: بلدان الخلافة الشرقية، ص 258.

ص: 91

السلطان خوارزم شاه كان قد رتبه في خدمة ولده ركن الدين غورشاه حين ملكهـ العراق ليكون أتابكا لديه وردءا بين يديه، فشكى ركن الدين إلى أبيه منه، فأذن له في القبض عليه فقبضه، وحبسه بقلعة سرجهان إلى أن خلت العراق من الفتن، ثم أخرجه والي القلعة أسد الدين الجويني، فاجتمعت عليه طوائف من العراقية والخوارزمية واشتد بهم أمره. فمن جملة من انضوى إليه بهاء الدين شكر مقطع ساوة

(1)

، وجمال الدين عمر بن يزدار، والأمير كيخسرو، ونور الدين جبريل مقطع قاشان

(2)

، وابن نور الدين قيران خوان، وأيدمر الشامي، وكتك مقطع سمنان

(3)

وأيدغدي كله

(4)

، وطغربل الأعسر، وسيف الدين كيتارق مقطع كرخ

(5)

وكان أدك خان قد استولى على أصفهان في هذه الفترة، وأراد غياث الدين استمالة قلبه، وأن يجعله من حزبه، فزوّجة بأخته أيسي خاتون، تثبيتًا له على الطاعة، ودافعه في زفافها إليه إلى أن يبدو له ما ينكشف عنه الوحشة القائمة بين المذكور والأتابك يغان طايسي، إذ كانا

(6)

قد استوليا على طرف العراق، واستحوذ عليهما الشيطان، فصمد الأتابك نحوه وهو بأصفهان في سبعة آلاف فارس من نخب الأتراك العراقية والخوازرمية، وحين أحسّ أنك خان برحيله صوبه، راسل غياث الدين مستنجدًا، فأنجده بدولة ملك في ألف فارس، وعجله الأتابك عن وصول المدد، فالتقيا بظاهر أصفهان، وأُدَك خان في خفّ من العدد، وانجلت المعركة عن أَسْر أُدَك خان، فكف الأتابك عن قتله لقرابته من السلطان، غير أنه أجلسه دون بعض العراقية، فغاظه ذلك وحمله الإدلال بقربه من السلطان على أن سافهه بأغلظ الكلام، فأمر بخنقه، ثم ندم الأتابك على ما فعل، فلما بلغ ذلك دولة ملك، وكان قد جرد من كرمان نجدة لأدك

(1)

سارة: مدينة حسنة بين الري وهمذان. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 24.

(2)

قاشال في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من سيرة منكبرتي، ص 145. وهي مدينة قرب أصبهان، ومنها تجلب الغضائر القيشاني، وأهلها من الشيعة الإمامية. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 15.

(3)

سمنان: مدينة بين الري ودامغان.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 141.

(4)

"أيدعدي" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من سيرة منكبرتي ص 145.

(5)

"كرج" كذا في الأصل، والمثبت من مسيرة منكبرني، ص 145، والكرخ عدة مواضع وكلها بالعراق.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 252.

(6)

"كان" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

ص: 92

خان على الأتابك، رجع وكاتب غياث الدين يخبره بذلك، فلحقه غياث الدين طالبًا للثأر، وقصد أصفهان ويغان طايسي بها، وصبّحه بظاهرها، فلم يريغان طايسي بدًا عن الخدمة ولا خروجا عن الطاعة، فقبل الأرض حين رآه، وعفّر وجهه في التراب، فزال ما في قلب غياث الدين من الوحشة بمواطأته على قتل أُدك خان، وزوّجه بأخته أيسي خاتون، وزفت إليه، واستوحش لذلك رفقاؤه من الأمراء، ففارقوا مخيمه، وأقاموا مجفلين إلى أن ترددت الرسل من غياث الدين إليهم في الإصلاح، فزال عنهم ماتوهموا، وعادوا إلى الخدمة، ماخلا أيدمر الشامي، فإنه توجه إلى الأتابك أزيك صاحب أذربيجان فقتل هناك، وتمكن غياث الدين من العراق ونفذت أوامره في مازندران وخراسان، فأقطع دولة ملك مازندران بأسرها فقوى على أمرها، ويغان طايسي همذان بأعمالها ونواحيها. ولما رجع دولة ملك إلى الخدمة قويت شوكة غياث الدين، فقصد أذربيجان وبها الأتابك أزبك، وشن الغارة على بلد مراغة وما يلي العراق من سائر أعماله، وأقام بأوجان

(1)

، وترددت رسل أزبك إليه، وزوّجه

(2)

[438] بأخته الملكة الجلالية صاحبة نخجوان

(3)

، وعاد غياث الدين إلى العراق بعد تأكد أسباب الاتفاق

(4)

.

كان غياث الدين بالعراق بداري جيرانه من الملوك إلى أن قويت شوكته، وانضم إليه أُناس من العسكر السلطانية، واتفق إفلات أينانج إليه من حرب جرت بينه وبين التتار بظاهر جرجان

(5)

، فأحسن إليه غاية الإحسان، وبالغ في إكرامه حتى نافسه في ذلك خالاء دولة ملك، وبلتي

(6)

ملك، [وجنبه الأتابك]

(7)

يغان طايسي، وهَمُّوا بقتله بغيًا وحسدًا على منزلته، وحين علم غياث الدين بما أضمروا له من الشر والغدر،

(1)

أوجان: إحدى مدن أذربيجان. مسيرة منكبرتي، ص 147، حاشية (5).

(2)

"زوج" كذا في الأصل والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 147.

(3)

نخجوان: بلد بأقصى أذربيجان، وبعضهم يقول: نقجوان. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 767.

(4)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرني، ص 144 - 147.

(5)

جرجان: مدينة عظيمة بين طبرسان وخراسان. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 49.

(6)

"تقى" كذا في الأصل والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 148.

(7)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرني، ص 148 لاستقامة المعنى.

ص: 93

حذَّرهم من ذلك، فتسحب كل واحد منهم إلى جهة، فاتفق حينئذ عود التتار ثالثا، وكان عودهم في هذه السنة إلى العراق وقد وجدوا شملهم مبدّد النظام، فوقعوا بدولة ملك بحدود زنجان

(1)

، فقتله شخص يسمي قذاق، ثم وقع التتار بيغان طايسي [عند]

(2)

منصرفهم من زنجان، فنهبوا وقتلوا. ونجى بنفسه إلى حدود طارم

(3)

وعاد التتار فعبروا جيحون منتصرين، وعاد من نجا منهم إلى غياث الدين فقوى بهم، ثم سار إلى أصطخر

(4)

فملكها عنوة وأخربها، ثم ارتحل عنها إلى شيراز فدخلها عنوة، ثم صالح أهلها على مال وآمتهم، ومات أينانج خان هناك فدفن بشعب سلمان

(5)

. ثم سار غياث الدين إلى حدود رامه

(6)

من بلاد بغداد فأخلاها علم الدين قيصر نائب الديوان العزيز

(7)

.

وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة عاد التتار ثالثة إلى العراق فوجدوا الأمراء العراقية على غير اتفاق، فوقعوا بدولة ملك بحدود زنجان فقتلوه، وحاق به شر غدره بابن أخته غياث الدين، وتسحب ولده بركة خان وكان طفلًا على جادة أذربيجان إلى أن وصل إلى تبريز، فأقام عند الأتابك أزبك، فعطف به وأحسن إليه، وأقام عنده إلى أن عاد السلطان جلال الدين خوارزم شاه من الهند، وملك تبريز، فلحق بركة خان بن دولة ملك بخدمته. وأما أيغان طايسي فإن التتار وقعوا به عند منصرفه من زنجان، فنهبوا جلة سواده، ونجا بنفسه وعرسه إلى حدود طارم، وعاد التتار فعبروا جيحون، وعاد من نجا من الأمراء إلى غياث الدين بوجوه سوّدها العصيان

(8)

.

(1)

زَنْجان: إحدى المدن الكبرى في أقصى شمال بلاد الجبل، وعلى الحدود الجنوبية لأذربيجان، وتنتسب إليها جبال زنجان، والعجم يقولون زنكان.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 948؛ القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 369.

(2)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرتي لاستقامة المعنى، ص 149.

(3)

طارم: أحد الأقاليم الجبلية المشرفة على مدينة قزوين.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 149، حاشية (4).

(4)

"اصطخر" من أهم وأقدم مدن فارس وحصونها. معجم البلدان، ج 1، ص 299.

(5)

شعب سلمان، طريق في الجبل من بلاد فارس.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 150، حاشية (3).

(6)

"أمهر" كذا في سيرة منكبرتي، ص 150.

(7)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتي، ص 148 - ص 150.

(8)

ورد هذا الخبر بتصرف في سيرة منكبرتي، ص 148 - ص 149.

ص: 94

‌ذكر ما اتفق في الكرج

وفي هذه السنة مات ملك الكرج ولم يبق أحد من بيت المُلك غير امرأة فملّكوها، وطلبوا رجلًا يتزوّجها ويقوم بالمُلك ويكون من بيت أهل المملكة، فلم يجدوا من يصلح لذلك، وكان صاحب أرزن الروم مغيث الدين طغريل شاه بن قليج أرسلان السلجوقي من بيت كبير مشهور، فأرسل يخطب الملكة [لولده]

(1)

ليتزوجها، فامتنعوا من إجابته إلا أن يتنصّر، فأمر ولده فتنصّر، وسار إلى الكرج وتزوج الملكة، وكانت هذه الملكة تهوي مملوكًا لها، وكان ابن طغريل شاه يعلم بذلك ويكاسر، فدخل يومًا إلى البيت فوجد المملوك نائمًا معها في الفراش، فلم يصبر على ذلك، فأنكر عليها، فأخذته زوجته واعتقلته في بعض القلاع، ثم أحضرت رجلين كان قد وُصِفا لها بحسن الصورة، فتزوجت أحدهما ثم فارقته، وأحضرت إنسانًا من كَنْجَة

(2)

مسلما وهوته وسألته أن يتنصر، فلم يجب إلى ذلك، فترددت الرسل بينهما في ذلك مدة، فلم يجبها إلى التنصر

(3)

.

وفيها ......

(4)

[439]

وفيها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس، ومن الشام الشرف

(5)

يعقوب بن محمد صاحب جركس

(6)

.

(1)

[لولده] ما بين حاصرتين إضافة من الكامل لتوضيح المعنى.

انظر: الكامل، ج 12، ص 417.

(2)

كَنْجة: مدينة عظيمة وهي قصبة بلاد آران. وأهل الأدب يسمونها جنزه، وهي بين نواحي كرستان وهي بين خوزستان وأصبهان. معجم البلدان، ج 4، ص 308.

(3)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 416 - ص 417؛ المختصر، ج 3، ص 133.

(4)

بياض في الأصل بمقدار ربع سطر.

(5)

"الشرف يعقوب صاحب جركس بن محمد" كذا في الأصل، والمثبت من الكامل، ج 12، ص 418 لاستقامة المعنى.

(6)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 134؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 412.

ص: 95

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

الشيخ أبو

(1)

الحسن الروزبهاري، مات في هذه السنة، ودفن في المكان المنسوب إليه بين السورين عند باب الفراديس.

الشيخ عبد

(2)

الرحمن اليمني، كان مقيما بالمنارة الشرقية، وكان شيخًا صالحًا زاهدًا ورعًا، مات في هذه السنة، ودفن في مقابر الصوفية.

الرئيس عز الدين

(3)

مظفر بن الأسعد بن حمزة التميمى القلانسي، أحد رؤساء دمشق وكبرائها، وجده أبو يعلى حمزة، له تاريخ ذيل به على تاريخ ابن عساكر، وقد سمع عز الدين هذا الحديث من الحافظ أبي القاسم بن عساكر وغيره، ولزم مجالسة الكندي وانتفع به، مات في شهر رمضان منها، ودفن بجبل قاسيون.

أبو علي

(4)

الحسن بن أبي المحاسن زهرة بن على بن زهرة العلوي الحسيني الحلبي، نقيب الأشراف بها، كان لديه فضل وعلم بالأدب وأخبار الناس والتواريخ والحديث والسير، حافظ للقرآن المجيد، وله شعر جيد. فمنه قوله:

قد رأيت المعشوق وهو من الـ

الهجر بحال ينبو النواظر عنه

أثَّر الدهر فيه آثار سوء

وأدالت يدُ الحوادث منه

عاد مستبد ومستبدلًا عزًّا

بذلٍ كأنه لم يُصبه

(5)

أبو علي

(6)

يحيى بن المبارك بن الجلاجلي، من أبناء التجار، سمع الحديث، وكان جميل الهيئة، سكن بدار الخلافة، وكان عنده فضل وأدب، وله شعر حسن، منه

(1)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 136؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 110.

(2)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 136؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 110؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 415.

(3)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 135؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 110؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 416.

(4)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، 111؛ الشذرات، ج 5، ص 87.

(5)

وردت هذه الأبيات في البداية والنهاية بهذه الصورة:

لقد رأيت المعشوق وهو من الـ

الهجر تنبو النواظر عنه

أثَّر الدهر فيه آثار سوء

وأدالت يدُ الحوادث منه

عاد مستذلًا ومستبدلًا

عزًا بذلٍ كأنه لم يصنه

انظر: ابن كثير، ج 13، ص 111.

(6)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 111.

ص: 96

قوله:

خير إخوانك المشارك في المرِّ

وأين الشريكُ في المرِّ أينا

الذي إن شهدت سرّك في القو

م وإن غبت كان أُذنًا وعينا

مثل سر العقبان إن مسّهُ النارُ

جَلاهُ الجلاءَ فازداد زَينا

وأخو السوءِ إن يغبْ عنك يشـ

نئْك

(1)

وإن يحتضرْ يكن ذاك شينا

(2)

ابن قدامه

(3)

الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، إمام عالم بارع. لم يكن في عصره بل ولا قبل دهره بمدة أفقه منه، ولد بجماعيل

(4)

في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقدم مع أهله إلى دمشق في سنة إحدى وخمسين، وقرأ القرآن، وسمع الحديث الكثير، ورحل مرتين إلى العراق، إحداهما في سنة إحدى وستين مع ابن عمته

(5)

الحافظ عبد الغني، والأخرى سنة سبع وستين، وحج في سنة ثلاث وسبعين، وتفقه ببغداد على مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه، وبرع وأفتي وناظر وتبحر في فنون كثيرة، مع زهد وعبادة وورع، وتواضع، وحسن أخلاق، وجود وحياء، وحسن سمت ونور وبهاء، وكثرة تلاوة وصلاة وصيام وقيام، وطريقة حسنة واتباع للسلف الصالح، وكانت له أحوال ومكاشفات. وقد قال الشافعي رضي الله عنه: إن لم يكن العلماء العالمون أولياء الله فلا أعلم لله وليًا. وله مصنفات عديدة مشهورة منها: المغني في شرح [مختصرة]

(6)

الخرقي، عشر مجلدات، والشافي في مجلدين، والمقنع [في الفروع]

(7)

والروضة في أصول الفقه، وغير ذلك. وقال أبو شامة

(8)

: كان إمامًا من أئمة المسلمين، وعلم من أعلام الدين في العلم والعمل، صنف كتبًا كثيرة

(1)

"تستغبك" كذا في الأصل، والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 111.

(2)

ورد هذا الشعر في البداية والنهاية، ج 13، ص 111.

(3)

انظر الذيل على الروضتين، ص 139 - 142؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 107 - 108؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 413 - 415.

(4)

جماعيل: قرية في جبل نابلس من أرض فلسطين. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 113.

(5)

"عمه" في البداية والنهاية، ج 13، ص 108.

(6)

ما بين حاصرتين إضافة من هداية العارفين، ص 451.

(7)

ما بين حاصرتين إضافة من هداية العارفين، ص 451.

(8)

الذيل على الروضتين ص 139 - 140.

ص: 97

حِسانًا في الفقه وغيره، ولكن كلامه فيما يتعلق بالعقائد في مسائل الصفات والكلام على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح له الأمر، له فيها على جلالته في العلم ومعرفته [440] بمعاني الأخبار والآثار، سمعت عليه مسند الإمام الشافعي، وفاتني منه نحو ورقتين عند باب استقبال القبلة بسماعه من أبي زرعة، وسمعت عليه كتاب النصيحة لابن شاهين وغير ذلك، ومولده في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بأرض نابلس. وقال السبط

(1)

: كان يحضر مجالسي دائما في جامع دمشق وقاسيون. وقال أبو شامة

(2)

: كان الموفق بعد موت أخيه أبي عمر هو الذي يَؤُم الجامع المظفري، ويخطب يوم الجمعة إذا حضر، فإن لم يحضر فابنه عبد الله بن أبي عمر هو الخطيب والإمام، وكانت وفاته يوم السبت يوم عيد الفطر، أول شوال، ودفن من الغد بجبل قاسيون خلف الجامع المظفري في مقبرتهم المشهورة، وكانت له جنازة عظيمة.

وقال السبط

(3)

: وأنشدني لنفسه:

أَبعْدَ بياضِ الشعر أعمرُ سكنًا

سوى القبر إني [إن]

(4)

فعلتُ لأحمقُ

يخبّرني شيبي بأنّي ميتٌ.

وشيكًا فينعاني إلىّ فيصدقُ

يخرق عمرى كلّ يوم وليلةٍ

فهل مستطيعٌ رقع ما يتخرقُ

كأني بجسمي فوق نعشي ممددًا

فمن ساكتٍ أو معولٍ يتحرق

إذا سئلوا عنى أجابوا وأعوْلوا

وأدمعهم تنهلُّ هذا الموفقُ

وغيبت في صدع من الأرض ضيقٍ

وأودعتُ لحدًا فوقهُ الصخر مطبقُ

ويحثو على التِّرب أوثقْ صاحبٍ

ويسلمنى للقبر من هو مشفقٌ

فياربُّ كنْ لي مؤنسًا يوم وحشتي

فإني بما أنزلته لمصدِّقُ

وما ضرَّني أني إلى الله صائرُ

ومن هو من أهلي

(5)

أبرُّ وأرفقة

(6)

(1)

مرآة الزمان، ج 8، ص 414.

(2)

الذيل على الروضتين، ص 140 - ص 141.

(3)

مرآة الزمان، ج 8، ص 415.

(4)

ما بين حاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 13، ص 108؛ مرآة الزمان، ج 8، 415.

(5)

"أهل" كذا في الأصل، والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 109؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 415.

(6)

"أوثق" كذا في الأصل، والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 109؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 415.

ص: 98

وكان له أولاد: أبو الفضل محمد، وأبو العز يحيى، وأبو المجد عيسى، ماتوا كلهم في حياته. وقال ابن كثير

(1)

: وكان له أولاد ذكور وإناث ماتوا في حياته، ولم يعقب منهم سوي ابنين، ثم ماتا وانقطع نسله.

ابن عساكر

(2)

، الشيخ فخر الدين عبد الرحمن بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، أبو منصور الدمشقي، شيخ الشافعية بها، وليس في أجداده من اسمه عساكر، وإنما هي تسمية اشتهرت في بيتهم، ولعله من قبل أمهات بعضهم، وهذا البيت بيت جليل كبير من الدمشقيين، كثير الفضلاء والحفاظ والأمناء، جمع هذا البيت رئاسة الدين والدنيا، وأجلّهم في زماننا دينًا وعلمًا، هذا الفخر ابن عساكر، وفي القرن الذي قبله عمّاه صائن الدين هبة الله، والحافظ أبو القاسم [ثم]

(3)

ابن عمه الحافظ أبو محمد بن أبي القاسم وابنه العماد بن القاسم، وأخو الفخر تاج الأمناء أحمد، وزين الأمناء الحسن، واشتغل الشيخ فخر الدين من صغره بالعلم، فاشتغل بالفقه على شيخة قطب الدين مسعود النيسابوري حتى برع في ذلك، وانفرد بعلم الفتوى، كانت الفتاوي ترسل إليه من الأقطار. وقال السبط

(4)

: ولد فخر الدين في سنة خمس وخمسمائة، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا، منقطعًا إلى العلم والعبادة، شيخًا حسن الأخلاق قليل الرغبة في الدنيا، وكانت وفاته يوم الأحد

(5)

عاشر رجب، ودفن على الشرف القبلي عند مقابر الصوفية، وكانت له جنازة عظيمة، وقبره ظاهر يُزار، وصلى عليه الملك العزيز بن العادل. وقال ابن كثير

(6)

: اشتغل بالعلم الشريف على شيخه قطب الدين مسعود النيسابوري، وتزوج بابنته، ودرس مكانه بالجاروخية

(7)

، وبها كان يسكن في إحدى القاعتين اللتين أنشأهما، وبها توفي

(1)

البداية والنهاية، ج 13، ص 108.

(2)

انظر: الكامل، ج 12، ص 418؛ الذيل على الروضتين، ص 136 - ص 137؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 109؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 415.

(3)

ما بين حاصرتين إضافة من الذيل على الروضتين، ص 136.

(4)

مرآة الزمان، ج 8، ص 415.

(5)

"الأربعاء" في الذيل على الروضتين، ص 139؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 109.

(6)

البداية والنهاية، ج 13، ص 109.

(7)

المدرسة الجاروخية: داخل بأبي الفرج والفراديس لصيفة الإقبالية الحنفية شمالي الجامع الأموي والظاهرية الجوانية. بانيها جاروخ التركماني يلقب بسيف الدين.

الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 225.

ص: 99

غربي الإيوان، ثم ولى تدريس الصلاحية

(1)

الناصرية بالقدس الشريف، ثم ولاه الملك العادل [441] تدريس التقوية

(2)

، وكان عنده أعيان فضلاء، ثم تفرغ فلزم المجاورة بالجامع في البيت الصغير إلى جانب محراب الصحابة، يخلو فيه للعبادة والمطالعة والفتاوي، رحمه الله.

الأمير الكبير أحد حجاب الخليفة محمد

(3)

بن سليمان بن قتلمش بن تركانشاه أبو منصور السمرقندي، وكان من أولاد الأمراء، وولي حاجب الحجاب بالديوان العزيز الخليفتي، وكان يكتب جيدًا جدًا، وله معرفة حسنة كثيرة منها: الأدب، والعلوم الرياضية، وعَمَّر دهرًا، وله شعر حسن، ولما توفي في هذه السنة صلى عليه بالنظامية، ودفن بالشونيزية، ورآه بعضهم في المنام، فقال: ما فعل بك ربك؟ فقال:

تجافيت

(4)

اللقاءَ لسوءِ فعلي

وخوفًا في المعادِ من الندامة

فلما أن قدمتُ على إلهي

وحاقق في الحساب على قلامهُ

(5)

وكان العدلُ أن أصلى جحيما

تعطّف بالمكارم والكرامة

وناداني لسانَ العفو منه

ألا يا عبدُ يهنيك السلامة

(6)

السلطان الملك

(7)

المستنصر، ملك المغرب، يوسف بن السلطان الناصر محمد بن السلطان المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وقد تولى في سنة عشر وستمائة،

(1)

الصلاحية الناصرية (بالقدس): بالقرب من البيمارستان النوري، بانيها نور الدين محمود بن زنكي الشهيد، ونسبت إلى الملك الناصر صلاح الدين فاتح بيت المقدس. قال الذهبي في العمر في سنة تسع وستين وخمسمائة، وقال الحافظ ابن كثير في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وعمل للشافعية المدرسة الصلاحية ويقال لها الناصرية. الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 331.

(2)

التقوية: هي من أجل مدارس دمشق داخل باب الفراديس شمالى الجامع شرقي الظاهرية والإقباليتين، بانيها في سنة أربع وسبعين وخمسمائة الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب.

الدارس في تاريخ المدارم، ج 1، ص 216.

(3)

الذيل على الروضتين، ص 135؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 110.

(4)

"تحاشيت" في البداية والنهاية، ج 13، ص 111.

(5)

قلامة: هي المقلومة من طرف الظفر. لسان العرب، ص 315، مادة "قلم؛ المصباح المنير، ص 622. والقلامة هي القليل القليل من الشرع. البداية والنهاية، ج 13، ص 111، حاشية (1)

(6)

وردت هذه الأبيات في البداية والنهاية، ج 13، ص 111.

(7)

انظر: الشذرات، ج 5، ص 95.

ص: 100

وكان منهمكًا في اللذات، فدخل الوهن على الدولة بسبب ذلك، ولم يخلف يوسف المذكور ولدًا، فاجتمع كبراء الدولة وأقاموا عم أبيه، وهو عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن ولقبوه المستضئ، وكان عبد الواحد المذكور قد صار فقيرا بمراكش وقاسي شدائد الدهر، فلما تولى اشتغل باللذات والنعيم في المآكل والملابس من غير أن يشرب خمرًا، ثم خلع عبد الواحد المذكور بعد تسعة أشهر من ولايته وقُتل، وملك بعده ابن أخيه عبد الله، ويلقب بالعادل، وهو عبد الله بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن. نُجز تحرير هذا الجزء صبيحة يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر الله المحرم اثنين وثلاثين وثمانمائة في المنزل، بحذاء المدرسة البدرية

(1)

بالقرب من الجامع الأزهر على يد جَامِعَةُ ومؤلفه فقير رحمة ربه، الغني، أبو محمد محمود بن أحمد العيني، عامله ربه ووالديه بلطفه الجلى والخفى. ويتلوه الجزء الذي أوله.

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية والعشرين بعد الستمائة.

الحمد لله جميع الجزء المبارك بخط المصنف المرحوم المذكور، رحمه الله وترحم عليه وأموات المسلمين، كتبه الفقير طوغان شيخ المحمدي الأشرفي ناظر الحرم الشريف، كان الله له في الدنيا والآخرة بمحمد وآله. 861 هـ

(1)

المدرسة البدرية: تقع قبالة الشبلية التي بالجبل عند جسر كحيل ويعرف الآن بجسر الشبلية، بانبها الأمير بدر الدين المعروف بلالا في سنة ثمان وثلاثين وستمائة.

انظر: الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 477.

ص: 101

"بسم الله الرحمن الرحيم"

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية والعشرين بعد الستمائة

[2]

استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب جنكيزخان دائرون في البلاد بالفساد بين العباد، ووصلت سرية منهم إلى الرى، وكانت قد عمرت قليلا فقتلوا أهلها أيضا، وكانوا قد وردوا إليها قبل هذه المرة مرتين، ثم لما فرغوا منه ساروا إلى ساوة

(1)

ثم إلى قم

(2)

وقاشان

(3)

، ولم يكونا طرقا

(4)

إلا هذه المرة، ففعلوا بهما مثلما تقدم من القتل والسبي، ثم ساروا إلى همذان فقتلوا أيضا وسبوا، ثم ساروا خلف الخوارزمية إلى أذربيجان فكسروهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا، فهزموهم إلى تبريز فلحقوهم، وكتبوا إلى أزبك بن البهلوان صاحب تبريز: إن كنت مصالحا لنا فابعث إلينا بالخوارزمية وإلا فأنت مثلهم، فقتل منهم خلقا كثيرا وأرسل برؤوسهم إليهم مع تحف وهدايا كثيرة، هذا كله والسرية ثلاثة آلاف، والخوارزمية وأصحاب ابن البهلوان أضعاف أضعافهم، ولكن الله ألقى عليهم الخذلان والفشل، فإنا لله وإنا إليه راجعون

(5)

.

‌ذكر ماجريات بني خوارزم شاه

قال ابن كثير

(6)

: وفي هذه السنة استولى غياث الدين تترشاه أخو جلال الدين بن خوازرم شاه محمد بن تكش على غالب مملكة فارس، وكان صاحب الفارس يقال له: الأتابك سعد بن دكلا، وأقام غياث الدين بشيراز وهي كرسي مملكة فارس ولم يبق مع الأتابك سعد من فارس غير الحصون المنيعة، ثم اصطلح غياث الدين مع أتابك سعد على أن يكون لسعد بعض بلاد فارس ولغياث الدين الباقي

(7)

.

(*) يوافق أوله: 24 يناير 1224 م.

(1)

ساوه: مدينة بين الري وهمذان، كان بها دار كتب حرقها التتر. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 24.

(2)

قم: مدينة كبيرة من بلاد الجبل بين سارة وأصبهان، وتذكر عادة مع مدينة قاشان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 175 - ص 177.

(3)

قاشان: مدينة قرب أصبهان تذكر مع قُمّ، أغلب أهلها شيعة.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 15.

(4)

"طرقتا" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

(5)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث. انظر: الكامل، ج 12، ص 416؛ الذيل على الروضتين، ص 134 - ص 135؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 112.

(6)

ذكر هذا الحدث في ابن الأثير ولم يذكر في ابن كثير، ولعله خطأ من الناسخ.

انظر: الكامل، ج 12، ص 420 - ص 421.

(7)

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 136.

ص: 102

وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة وصل جلال الدين خوارزم شاه إلى كرمان بعد مكابدة العناء والشدائد هو وأصحابه، وقطع المفاوز المهلكة المعطشة، وكان بكرمان براق الحاجب ينوب عن أخيه غياث الدين تترشاه، ويراق هذا كان حاجب الكور [3] خان

(1)

ملك الخطائية، وورد رسولًا على السلطان منذ المكاشفة التي كانت بينهما، فمنعه أن يعود إلى مراسلته رغبة فيه، فبقي محصورًا، بخوارزم إلى أن أورث الله السلطان أرضهم وبلادهم وأمصارهم، فأحضره ورتبه في جملة حجابه وآواه وأكرمه وأفاض عليه فضله وكرمه، وظن أن فيه وفاء وإذا به بخلافه، فلما دخل جلال الدين كرمان وجده في ظاهر الأمر وفيًا وفي باطن الأمر بضد ذلك، فشاور أصحابه فيه فأشاروا بالقبض عليه واستصفاء مملكة كرمان منه، والاستظهار بها على سائر الممالك، ولم يوافقه على هذا الرأى شرف الملك المعروف بخواجاجهان

(2)

وقال: هذا أول من بذل الطاعة من ولاة البلاد وزعماء الأطراف، وليس كل أحد يتحقق غدره ومكيدته. فرحل جلال الدين صوب شيراز، وورد عليه الأتابك علاء الدولة صاحب يَزْد

(3)

مطيعا، وأحضر من الخدم والتقادم ما عزت به منزلته، فلقبه آتاخان وكتب له توقيعا بتقرير بلاده، وكان الأتابك سعد صاحب فارس قد استوحش من غياث الدين تترشاه، فرغب جلال الدين في إصلاحه لنفسه، وسير إليه الوزير شرف الملك خاطبا، فأسرع إلى الإجابة ورجع منشرحا، فاستظهر جلال الدين به ورحل من شيراز إلى أصفهان، فخرج إليه القاضي ركن الدين مسعود بن صاعد فرحا به مسرورا بمقدمه، وقدموا إليه كثيرا من العدد الحربية والملابيس، ولما سمع به غياث الدين أنه قد توسط البلاد وملك كثيرا ركب إليه في جمع من خاصته من بقايا العساكر السلطانية زهاء ثلاثين ألف فارس لطرده عمارامه، فحزن جلال الدين لما سمع بقربه وأيس مما طمحت إليه نفسه، وسير إلى

(1)

الكورخان: لقب اتخذه ملوك دول الخطأ لأنفسهم ومعناه خان خانان أي ملك الملوك أو سلطان السلاطين.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 43، حاشية (4).

(2)

خواجاجهان: عبارة فارسية معناها سيد العالم.

انظر: سيرة جلال الدين منكبرتي، ص 82، حاشية (3).

(3)

يَزْد: إحدى مدن فارس وتقع على بعد سبعين فرسخا من شيراز.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 1017؛ سيرة جلال الدين منكبرتي، ص 176، حاشية (2).

ص: 103

غياث الدين أدك أمير آخور

(1)

وكان من دهاة خواصه. يقول: إن الذي قاسيته بعد السلطان

(2)

من الشدائد الفادحة لو عرضت على الجبال لأشفقن منها أن يحملنها واستثقلتها فأبين أن يحملنها

(3)

، "وحين ضاقت على الأرض بما رحبت

(4)

" قصدتك لأستريح عندك أياما، فما رأيت عندك للضيف إلا ظبي السيف، فرجعت بظمائي، وسير إليه سلب [4] طولي خان بن جنكيزخان وفرسه وسيفه، فلما سمع غياث الدين بالرسالة انصرف منعطفا وتفرقت عساكره، وكان جلال الدين سير صحبة رسوله عدة خواتيم، وأمر بإيصالها إلى جماعة من الأمراء السلطانية يمنيهم الإحسان ويستميلهم عن أخيه، فمنهم من أخذ الخاتم وسكت، وأجاب إلى الانقطاع إليه والتقاعد عن نصرة غياث الدين، ومنهم من أخذه وحمله إلى غياث الدين، فعند ذلك أمر غياث الدين بالقبض على الرسول المذكور، وبادر إلى خدمة جلال الدين أبو بكر ملك، وهو من بني أخواله والمحثين على قتاله، وذكر له أن القلوب مشتاقة إلى لقائه، فركب جلال الدين في ثلاثة آلاف ضعاف إلا أنهم رجال قد أحكمتهم التجارب، ولم يزالوا حتى أحاطوا بغياث الدين، فعوجل عن التدبير، وفوجئ عن النفير، فركب فرس النوبة إلى قلعة سلوفان، ودخل جلال الدين خيمته وبها بكلواي والدة غياث الدين، فاستوفي لها في الإكرام أدب الخدمة، وأنكر انزعاج غياث الدين وأخلائه مكانه، قال: إنه لم يبق لي من ولد أبي سواه وأنه عندي بمنزلة العين للناظر. فأرسلت والدة غياث الدين إليه من سكن روعه، فعاد إلى الخدمة وترك منزلة السلطان، وجاءت الخانات والأكفان في رقابهم يعفرون وجوههم في التراب ويقفون بين يديه استغفارة، وهو يسمعهم من العفو والكلام اللين

(1)

أمير آخور: هو المشرف على الإصطبلات السلطانية وما فيها من الخيل والبغال والجمال وغيرها، وهي كلمة مركبة من لفظين أحدهما عربي وهو أمير، والثاني فارسي وهو آخور ومعناه مكان العلف (أمير العلف لأنه متولى الدواب). انظر: سيرة جلال الدين منكبرتي، ص 90، حاشية (3).

(2)

المقصود بالسلطان هو علاء الدين محمد خوارزم شاه.

(3)

تأثر العيني بالنص القرآني ونص الآية {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ .. } سورة الأحزاب، آية (72).

(4)

تأثر العيني بالنص القرآني، ونص الآية:{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ .. } انظر: سورة التوبة، آية (118).5

ص: 104

ما شرح صدورهم، ولم يمض أدني مدة حتى حضر بابه من كان بخراسان والعراق وما زندران من المتغلبين هيبة وإجلالا مثل نواب القلاع والجند من غير استدعاء، فمنهم من حسنت في أيام الفترة سيرته، ومنهم من ساءت في الخدمة طريقته، فأذيق وبال طغيانه، وبقوا يمنون على غياث الدين بالخطبة المجردة، وتفرقت الوزراء والعمال في الأطراف بالتواقيع السلطانية، ثم أعلم أن الخطبة أقيمت لغياث الدين بخراسان والعراق ومازندران، لما كان جلال الدين بالهند وانضوى إليه تقرير من عسكر أبيه

(1)

.

وكان [5] كل واحد من نوابه متغلبا على مكانه لا يحمل أتاوه ولا يظهر بالقول طاعة، فاستولى تاج الدين قُمِرَ على نيسابور وما حولها من أعمالها على شعث حالها، وتغلب إلجي بهلوان علي شيراز وبيهق

(2)

واستولي شخص من الاسفهسلارية

(3)

وقد يلقب بنظام الدين على أسفرايين

(4)

، وبندوار

(5)

وما يليهما وآخر، وكان اسفهسلار أيام السلطان الكبير يعرف بشمس الدين عمر على قلعة صلول، واستولى تاج الدين عمر بن مسعود وكان من التركمان على أبيْورْد

(6)

وخَرَقَان

(7)

إلى ما يلي مرو، وبالجملة فإن كل من كان في جهة من هذه الجهات بخراسان والعراق ومازندران استولى عليها، وقعد بها، هذا وغياث الدين منعكف على لذاته، منهمك في أهويته وشهواته، لايشهد مقاما محمودا، ولا يشهر حسامة مغمورًا، فتجرد إليه من التتار أثناء ذلك عشرة آلاف فارس فلم يثبت لهم، وحين سمع بهم تسحب إلى الجبال، فقتلوا وسبوا وأحرقوا وأخربوا، ولما رأى الأتراك وهنه في

(1)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث انظر: سيرة منكبرتي، ص 174 - 179.

(2)

بيهق: ومعناها بالفارسية الأجود، وهى ناحية كبيرة وكورة واسعة كثيرة البلدان والعمارة من نواحي نيسابور. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 104.

(3)

الاسفهسلار: اسم لوظيفة من وظائف أرباب السيوف وعامة الجند، وصاحبها زمام كل زمام وإليه أمر الأجناد والتحدث فيهم وفي خدمته وخدمة صاحب الباب، تقف الحجاب على اختلاف طبقاتهم، وهي كلمة أعجمية معناها قائد الجيش.

انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 32.

(4)

اسفرايين: بليدة حصينة من نواحي نيسابور على منتصف الطريق من جرجان واسمها القديم مهرجان.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 256.

(5)

بندرار: مدينة قريبة من أسفرايين. انظر: سير جلال الدين منكبرتي، ص 180، حاشية (8).

(6)

أبيورد: مدينة بخراسان بين سرخس ونسا. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 111.

(7)

خَرَقَان: قرية من قرى بسطام على طريق استراباذ

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 424؛ سيرة منكبرتي، ص 181، حاشية (3).

ص: 105

السياسة أظهروا الفساد وخربوا البلاد، وأفسدوا ما أبقته الأتراك من بلاد العراق، فكانوا يأتون الضيعة فيمكثون حولها حتى تصبح، فيخرج

(1)

الرعاء بمواشيهم، فيسوقونها إلى المدينة والرعاة تستغيث فلا تغاث، وكان ذلك كله بحكم انقطاع مواد الأموال عن خزانته، فاضطر إلى إسكات الأتراك، فكان إذا ألح أحدهم في الطلب يرضيه بزيادة في لقبه، فإن كان أميرًا لقبه ملكًا، وإن كان ملكا لقبه خانًا، وتحكمت والدته فيما كان تحت يد ابنه، وتلقبت بخواندجهان

(2)

، وكان الناس في ضنك عظيم بولاية غياث الدين، فلما طلع السلطان جلال الدين من بلاد الهند صلح مُفسدُ الزمان وانزجر أولو العدوان

(3)

.

ولما تمكن من أخيه وصار معه كأحد أمرائه، يتصرف على حكم آرائه، سار نحو خوزستان وأقام بها مشتيا، وسير من هناك ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود رسولا إلى الديوان العزيز، وكانت رسالته تتضمن تعنتا وتعتبا، [6] وكان من قبل جردجهان بهلوان إلجي برسم اليزك

(4)

، فصادم المذكور عسكرا من عساكر الديوان وعربًا من خفاجة، فأوقع بهم وخرق الهيبة، فعادوا إلى بغداد على وجه غير مرضٍ

(5)

، وأحضرت منهم طائفة إلى السلطان فأطلقهم، ووصل ضياء الملك بعد الحادثة إلى بغداد، وطالت مدة المقام إلى أن ملك السلطان مراغة

(6)

، فأذن لضياء الملك في العود، ثم سار السلطان إلى دقوقا

(7)

، فلما أشرف عليها خرج أهلها إليه وشكوا من الإغارة التي اتفقت على بلاد الديوان، فغاظة ذلك فأمر بالزحف عليها، فطلعوا ووضعوا السيف في أهلها، ثم سار نحو أذربيجان، فلما قاربها ساق إليها ودخلها وأقام بها أياما، ووجه من هناك القاضي مجير الدين عمر بن سعد الخوارزمي رسولا إلى ملك الروم وملوك الشام ومصر بكتب تتضمن تملكه بلاد أذربيجان، ثم رحل من مراغة نحو عوجان

(8)

، والناس يمتارون من تبريز وبها

(1)

"تتخرج": كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(2)

خواندجهان: أي سيدة العالم. انظر: سيرة منكبرتي، ص 182، حاشية (4).

(3)

لمعرفة المزيد عن هذا الحدث. انظر: سيرة منكبرتي، ص 180 - 182.

(4)

اليزك: لفظ فارسي معناه الطلائع.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 162، حاشية (2)؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 105.

(5)

"مرضى" كذا في الأصل، وما أثبتناه هو الصحيح لغة.

(6)

مراغة: أعظم وأشهر بلاد أذربيجان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 476.

(7)

دقوقا: وتكتب "دقوقاء" وهي مدينة بين إربل وبغداد.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 476.

(8)

عوجان: "أوجان" في سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، وهي إحدى مدن أذربيجان. ص 195، حاشية (4).

ص: 106

بنت طغرل

(1)

بن أرسلان زوجة الأتابك، ثم سار السلطان فنزل عليها فملكها، فسألته بنت السلطان طغرل أن يصونها ويعطيها مدينة خوى

(2)

فأمر لها بها، ونزل السلطان بدار السلطنة وتولي الرئيس نظام الملك رياستها

(3)

.

‌ذكر ماجريات بني أيوب

قد ذكرنا في السنة الماضية عصيان الملك المظفر

(4)

على أخيه الملك الأشرف

(5)

بأخلاط، وفي هذه السنة انتصر الأشرف عليه، وذلك أنه لما أتي إلى أخلاط وحصرها وكان أهلها يحبونه لعدله وحسن سيرته، وسوء سيرة أخيه المظفر شهاب الدين، فلما نازلها سلمها أهلها إليه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الأخرى منها، وامتنع المظفر في القلعة، فلما جن الليل نزل إلى أخيه الأشرف معتذرا إليه، فقبله وصفح عن ذنبه ولم يعاقبه على ما ارتكب من عصيانه، وأبقى عليه ميافارقين، وعاد الأشرف وشتى بسنجار، وهذه من مكارم البيت العادلي ومحاسن اتفاقه

(6)

.

وفي هذه السنة سير الملك المعظم

(7)

[7] ولده الناصر

(8)

داود إلى إربل، ليكون عند عمته

(9)

زوجة مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين، وقصد بذلك توفيق الحال بينه وبين

(1)

طغرك: كذا في الأصل، والمثبت من نهاية الأرب، ج 27، ص 268؛ سيرة منكبرتي، ص 195.

(2)

خوي: بلد مشهور من أعمال أذربيجان.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 502.

(3)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في نهاية الأرب، ج 27، ص 267 - 268؛ سيرة منكبرتي ص 192 - ص 196.

(4)

الملك المظفر: هو شهاب الدين غازي بن الملك العادل صاحب ميافارقين، توفي في رجب سنة 645 هـ بمبافارقين انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 333.

(5)

الملك الأشرف: أبو الفتح موسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، الملقب الملك الأشرف مظفر الدين. ولد سنة 578 هـ بالديار المصرية بالقاهرة، وقيل بقلعة الكرك، وتوفي يوم الخميس رابع المحرم سنة 635 هـ. بدمشق. انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 157 - ص 158؛ الشذرات، ج 5، ص 175 - ص 176.

(6)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 12، ص 422؛ الذيل على الروضتين، ص 142؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 140؛ المختصر، ج 3، ص 495؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 112.

(7)

الملك المعظم: هو شرف الدين عيسى، ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق، ولد سنة 578 هـ، وتوفي يوم الجمعة مستهل ذي الحجة سنة 624 هـ بدمشق ودفن بقلعتها.

وفيات الأعيان، ج 3، ص 494 - 495، الشذرات، ج 5، ص 115 - ص 116.

(8)

الملك الناصر صلاح الدين داود، ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى، توفي سنة 656 هـ في السابع والعشرين من جمادى الأولى في قرية يقال لها البويضاء على باب دمشق، وكانت ولادته يوم السبت سابع عشر جمادي الأولى سنة 603 هـ بدمشق. وفيات الأعيان، ج 3، ص 496.

(9)

هي ربيعة خاتون بنت أيوب، توفيت في شعبان سنة 643 هـ بدمشق، وجاوزت الثمانين سنة، ودفنت في مدرستها الموقوفة على الحنابلة بسفح قاسيون.

وفيات الأعيان، ج 4، ص 120؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 142.

ص: 107

مظفر الدين، وذلك بعد اتفاقهما على المعاضدة والتظاهر والتوازر، وأن يكونا يدا واحدة

(1)

.

وفي تاريخ ابن كثير

(2)

: وفي هذه السنة أرسل المعظم ولده الناصر إلى صاحب إربل

(3)

تقوية على مخالفة الملك الأشرف، وأرسل صوفيا من الشُّمَيْسَاطِيَّة يقال له: الملق إلى جلال الدين بن خوارزم شاه - وكان قد أخذ أذربيجان في هذه السنة وقوى جأشه - يتفق معه على أخيه الأشرف فوعده جلال الدين النصر والرفادة. وفي المرآة

(4)

: وفي هذه السنة ظهر جلال الدين في أذربيجان واستولى عليها، فبعث المعظم إليه رجلا صوفيا في رسالة، واتفق المعظم وابن زين الدين صاحب إربل مع جلال الدين على الأشرف، وبعث المعظم ولده الناصر داود إلى ابن زين الدين رهينة وعبر الفرات عند الحديثة

(5)

، ومضى إلى إربل، واستولى بدر الدين لؤلؤ على الموصل، وأظهر أن محمود ابن القاهر مات، وكان قد أمر بخنقه على ما سبق.

وفي هذه السنة قدم الملك المسعود

(6)

أقسس صاحب اليمن على أبيه السلطان الملك الكامل بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بالديار المصرية، ومعه شيء كثير من الهدايا والتحف، من ذلك: مائتا خادم وثلاثة أفيلة هائلة، وأحمال عود، وند، ومسك، وعنبر، وخرج أبوه الكامل لتلقيه، ومن نية الأقسيس أن ينزع الشام من يد عمه الملك المعظم

(7)

. وقال أبو شامة

(8)

: وكان أحد الأفيلة كبيرا وعليه محفة بدرابزين، يصعد فيها عشرة أنفس فياله، راكب على رقبته، وبيده كلاب حديد يضربه به كيفما أراد، وخرج

(1)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 142؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 112، مرآة الزمان، ج 8، ص 417.

(2)

البداية والنهاية، ج 13، ص 112.

(3)

صاحب إربل هو مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين على كوجك.

انظر: الكامل، ج 12، ص 423؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 137.

(4)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 416 - 417؛ وانظر أيضا: الذيل على الروضتين ص 142؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 112.

(5)

الحديثة: هي الحديثة التي على الفرات وتعرف بحديثة النورة وهي على فراسخ من الأنبار وبها قلعة حصينة في وسط الفرات والماء يحيط بها. معجم البلدان، ج 2، ص 333.

(6)

الملك المسعود أقسيس: هو الملك المسعود صلاح الدين يوسف بن الملك الكامل أبو المعالي محمد بن الملك العادل الأيوبي، ويقال له أيضا "أطسيس" ومولده في سنة 597 هـ، توفي بمكة في ثالث عشر جمادى الأولى سنة 626 هـ.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 158؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 134؛ الشذرات، ج 2، ص 120.

(7)

ورد هذا الحدث في الذيل على الروضتين، ص 142؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 128 - 129؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 112؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 417.

(8)

الذيل على الروضتين، ص 142.

ص: 108

الملك الكامل للقاء ولده، فلما قربت الفيلة من الكامل أمرها سُوَّاسُها فوضعت رؤُسُها على الأرض بين يدي الكامل خدمه له.

‌ذكر بقية الحوادث

منها أنه كمل عمارة دار الحديث

(1)

، التي بناها الملك الكامل بين القصرين، وولي مشيختها الحافظ

(2)

أبي الخطاب بن دحية الكلبي، وكان مكثرا كثير الفنون، وعنده فوائد وغرائب وعجائب

(3)

.

ومنها أن ببغداد [8] قرية يقال لها بعقوبا، فيها نخل كثير، وليها ناظر متشيع، وكان بها رجل من أهلهاله نخل، فصادره الناظر وأخذ منه ألفي نخلة، فجعل يسب الناظر ويدعو عليه، وبلغ الناظر فأحضره وأمر بضربه، فقال له: بالله عليك أنصفني. فقال: قل. قال: أنتم تسبون أبا بكر رضي الله عنه وتقولون أخذ فدك من فاطمة عليها السلام، وإنما في فدك نخيلات يسيرة تأخذ أنت مني ألفي نخلة، وأسكت. فضحك الناظر ورد إليه نخله

(4)

.

ومنها أن الملك الكامل قد أرضي بني شيبة سدنة الكعبة بمال أطلقه لهم، عوضا عما كانوا يأخذونه "بإغلاق

(5)

الباب وفتحه لمن أرادوا"، وكان الناس ينالون من ذلك شدة، ويزدحمون عند فتح الباب، ويتسلق بعضهم على رقاب بعض، فينكسر بعض ويشرخ بعض، فأزال ذلك عن الناس في هذه السنة وما بعدها مدة بقائه في المملكة

(6)

.

(1)

دار الحديث: ليس بمهر دار حديث غيرها، وغير دار الحديث بالشيخونية. قال المقريزي: وهي ثاني دار عملت للحديث، فإن أول من بني دار حديث على وجه الأرض الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق ثم بني الكامل هذه الدار، وقد وليها بعد الحافظ ابن دحية الكلبي أخوه أبو عمرو عثمان، ثم الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري. نهاية الأرب، ج 29، ص 129، حاشية (2).

(2)

الحافظ أبي الخطاب بن دحية الكلبي: هو أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الجُمَيِّل بن فَرْح بن خلف بن قُويس بن مَزْلال بن مَلال بن بدر بن أحمد بن دِحْية بن خليفة بن فروة الكلبي، المعروف بذي النسبين، الأندلسي البلنسي الحافظ، وهو من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متقنا لعلم الحديث النبوي، عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب، وكانت ولادته في مستهل ذي القعدة سنة 445 هـ. وتوفي يوم الثلاثاء الرابع عشر من ربيع الأول سنة 633 هـ بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم.

وفيات الأعيان، ج 3، ص 448 - ص 450.

(3)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 142؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 128 - ص 129؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 112 - 113؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 417.

(4)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 424، الذيل على الروضتين، ص 142؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 417.

(5)

"بإغلاق الباب وفتحه لمن أرادوا" تكررت هذه الجملة خطأ في الأصل، وتم حذف الجملة المكررة لاستقامة المعنى.

(6)

ورد هذا الخبر في الليل على الروضتين، ص 142 - ص 143.

ص: 109

وفيها حج بالناس من بغداد ابن أبي فراس، ومن الشام شجاع الدين علي بن السلار، وكان أبو شامة حج في هذه السنة مع والده، وذكر أنه اجتمع بمكة بالشيخ المقرئ عثمان بن أحمد الإربلي الحنبلي، وأنه أنشده بالمسجد الحرام:

أيا نائما في ظلام الدجى تيقظ

فصيح الدجا قد أضاء

أتاك المشيب ولوعاته

وولي شبابك ثم انقضى

فلو كنتَ تذكر ما قد جنيت

لضاق عليك اتساع الفضا

قال: ونظمت في طريقي تلك السنة قصيدة ميمية، ذكرت فيها المنازل من دمشق إلى عرفات، ووصفت فيها ما أمكن من أماكن الزيارات. أولها:

مازلت أشتاق حج البيت والحرم

وأن أزور رسول الله ذا الكرم

وهي طويلة. قال: أقول فيها تعبيرا عن فتح باب الكعبة للحجيج مطلقا:

وأسرعوا نحو ذاك البيت حاسرة

رؤوسهم بين مطواف ومستلم

والباب قد أطلقوه للحجيج فلم

يروا به مانعا طول مقسامهم

(1)

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

أحمد

(2)

بن محمد بن على القادسي: الضرير الحنبلي والد صاحب الذيل على تاريخ ابن الجوزي، وكان القادسي هذا يلازم حضور مجلس ابن الجوزي ويزهزه لما سمعه من الغرائب. ويقول: والله [9] إن ذا مليح. فاستقرض منه ابن الجوزي مرة عشرة دنانير فلم يعطه، وصار يحضر ولا يتكلم. فقال الشيخ ابن الجوزي مرة: هذا القادسي لا يقرضنا شيئًا، ولا يقول: والله إن هذا لمليح. توفي في هذه السنة.

أبو الكرم

(3)

المظفر بن المبارك بن أحمد بن محمد البغدادي الحنفي، شيخ مشهد أبي حنيفة رضي الله عنه وغيره، وولي الحسبة

(4)

بالجانب الغربي من بغداد، وكان فاضلا دينا شاعرا، مات في هذه السنة.

(1)

ورد هذا الخبر والشعر في الذيل على الروضتين، ص 142 - ص 143؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 417.

(2)

انظر: الذيل على الروضتين ص 143 - 144؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 113؛ الشذرات، ج 5، ص 94.

(3)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 113.

(4)

الحسبة: هي وظيفة شرعية من واجبات صاحبها المحتسب، أن يراقب الآداب العامة، وتنفيذ الأحكام الدينية، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجلس في دار العدل أيام المواكب السلطانية.

صبح الأعشى، ج 4، ص 37؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 119، حاشية (3).

ص: 110

محمد

(1)

بن أبي الفرج بن بركة، فخر الدين أبو المعالي الموصلي، قدم بغداد، واشتغل بالنظامية

(2)

وإعادتها، وكانت له معرفة بالقراآت، وصنف كتابا في مخارج الحروف، وأسند الحديث، وله شعر لطيف.

أبو بكر

(3)

بن حلبة الموازيني البغدادي: كان فردا في علم الهندسة وصناعة الموازين، يخترع أشياء غريبة عجيبة، من ذلك: أنه ثقب حبة خشخاش سبعة ثقوب، وجعل في كل ثقب شعره، وكانت له حظوة عند الدولة. مات في هذه السنة.

أحمد

(4)

بن جعفر بن أحمد بن محمد أبو العباس الدثيني البيع الواسطي، شيخ أديب فاضل، له نظم ونثر، عارف بالأخبار والسير، وعنده كتب جيدة كثيرة، وله شرح قصيدة لأبي العلاء المعري في ثلاثة مجلدات. مات في هذه السنة، والله أعلم.

(1)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 113؛ الشذرات، ج 5، ص 96.

(2)

النظامية: هي المدرسة التي بناها الوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس، وزير السلطان ملكشاه السلجوقي، وهو أول من أنشا المدارس فاقتدي به الناس، وقد شرع في عمارة هذه المدرسة ببغداد سنة 467 هـ / 1065 م. وفرغت عمارتها في سنة 459 هـ / 1067 م.

انظر: الكامل، ج 10، ص 49، ص 55؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 128 - ص 129.

(3)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 113.

(4)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 114.

ص: 111

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية والعشرين بعد الستمائة

استهلت هذه السنة والخليفة توفي فيها وبقية أصحاب البلاد على حالهم، ولكن أهل ماوراء النهر وخراسان وغيرها في تشويش عظيم من جهة جنكيز خان وأصحابه الأشقياء.

‌ذكر وفاة الخليفة الناصر لدين الله

والكلام فيه على أنواع:

(الأول) في ترجمته: هو أبو العباس أحمد الملقب بالناصر لدين الله بن المستضئ بأمر الله، أبو

(1)

المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله، أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة، محمد بن القائم بأمر الله، أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله، أبو العباس أحمد ابن إسحاق بن المقتدر بالله أبو الفضل، [10] جعفر بن المعتضد بالله أبو العباس أحمد ابن الموفق، أبو أحمد بن المتوكل على الله، جعفر بن المعتصم بالله أبو إسحاق محمد ابن هارون الرشيد بن المهدي، محمد بن عبد الله أبو جعفر المنصور بن محمد بن على ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي أمير المؤمنين، وأمه أم ولد تدعي زُمرد، ومولده يوم الاثنين عاشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وبويع بالخلافة بعد موت أبيه سنة خمس وسبعين وخمسمائة

(2)

.

(الثاني) في سيرته:

قال ابن الأثير

(3)

: كان قبيح السيرة في رعيته، ظالما لهم، فخرب في أيامه العراق، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل الشيء وضده، فمن ذلك أنه عمل دورا للإفطار في رمضان، ودورًا لضيافة الحجاج، ثم أبطل ذلك. وكان قد أسقط

(*) يوافق أوله 13 يناير 1225 م

(1)

"أبي" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(2)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 438؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 114 - ص 115؛ مرآة الزمان، ج 8، 418؛ الشذرات، ج 5، ص 97 - 97.

(3)

الكامل، ج 12، ص 440؛ وورد هذا الخبر أيضًا في مفرج الكروب، ج 4، ص 163 - ص 164؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 115.

ص: 112

مكوسًا ثم أعادها، وجعل جل همته في رمي البندق والطيور المناسيب وسرا ويلات الفتوة. وقال ابن الأثير

(1)

: وإن كان ما ينسب العجم إليه صحيحا من أنه هو الذي أطمع التتار في البلاد وراسلهم، فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم. وقال ابن كثير

(2)

: وقد ذكر عنه أشياء غريبة، من ذلك أنه كان يقول للرسل الوافدين عليه فعلتم في مكان كذا وكذا وكذا، وفي الموضع الفلاني كذا حتى ظن بعض الناس أو كثير منهم أو أكثرهم أنه كان يكاشف له، أو أن جنيا يأتية بذلك والله أعلم.

وقال النويري

(3)

: كان قبيح السيرة، ظالما للرعية، وكان يتشيع، وكان منصرف الهمة إلى رمي البندق والطيور المناسيب ويلبس سرا ويلات الفتوة، ومنع من رمي البندق إلا من ينسب إليه، فأجابه الناس إلى ذلك إلا رجلا واحدًا، يقال له ابن السنة، فهرب من بغداد إلى الشام.

وكان ذا هيبة عظيمة، وكان له أصحاب في العراق كلها يأتونه بأخبار الناس، ويطالعونه بها، حتى كان الرجل يخشى أن يتحدث مع زوجته إذا خليا. وذكر أن رجلا من أهل بغداد عمل دعوة فغسل يده قبل إضيافه فطالع [11] أصحاب الأخبار الخليفة بذلك، فكتب: سوء أدب من صاحب الدار، وفضول من كاتب المطالعة

(4)

.

وبلغه أن شخصا من أهل بغداد يرى صحة خلافة يزيد بن معاوية فأحضره ليعاقبه على هذا القول، فكان جوابه: أنا أقول: إن الإمام

(5)

لا ينعزل عن الإمامة بارتكاب الفسق. فأعرض الخليفة عنه، وأطلقه، إذ لا يمكن مخالفته في ذلك

(6)

.

وفي عيون المعارف: وكان الخليفة الناصر لدين الله بصيرا بالأمور مجربا، سائسًا مهيبًا، مقداما، عارفًا، شجاعا، متأيدا، حاد الخاطر، متوقد الذكاء والفطنة، بليغا، غير مدافع عن فضلية علم ولا بادرة فهم، يفاوض العلماء مفاوضة خبير، ويمارس الأمور

(1)

الكامل، ج 12، ص 440؛ وورد هذا الخبر أيضا في البداية والنهاية، ج 13، ص 115.

(2)

البداية والنهاية، ج 13، ص 115.

(3)

بالبحث لم يرد هذا الخبر في النويري، نهاية الأرب، ولكنه ورد بتصرف في الكامل، ج 12، ص 440، مفرج الكروب، ج 4، ص 163 - ص 165؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 115.

(4)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 163.

(5)

"إن الإمام لا ينعزل بالفسق عن الإمامة بارتكاب" كذا وردت هذه الجملة في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 166، لاستقامة المعنى.

(6)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 166.

ص: 113

السلطانية ممارسة بصير، يرى رأي الإمامية

(1)

الإثني عشر، وكان عاكفا على جمع المال والتولية والعزل والمصادرة، قوى النفس فيما يحاوله، شديد الفتك والانتقام، ولم ينقطع الحج في أيامه أبدا

(2)

.

وعمر عمارات كثيرة، ووقف عليها وقوفًا كرباط الحريم ورباط المرزبانية، وترية والدته، وتربة زوجته سلجوقي خاتون، ابنة السلطان أرسلان بن سليمان بن قتلمش ملك الروم، وغير ذلك مما هو أشهر أن يذكره. ودفع مرارا كثيرة إلى ثقات من خواصه أموالا كثيرة يقضي بها ديون المحبوسين وفاء ومصالحه

(3)

.

وصفي له الملك ومعاناة أمور رعيته بنفسه حتى كان يمشي في الليل في دُرُب بغداد ليعرف أخبار الرعية وما يدور بينهم، وُيثُيب ويعاقب على ما يشاهده ويسمعه. وكان كل واحد من أرباب المناصب العالية والرعايا يخافه، بحيث كأنه يطلع عليه في داره، وكثرت جواسيسه وأصحاب أخباره عند السلاطين في أطراف البلاد، وله مثل هذه قضايا غريبة

(4)

.

وصنف كتابًا في الأحاديث النبوية سماه "روح العارفين"، وقرئ عليه وأسنده عن مشايخه الذين روى عنهم ما فيه، وكان تاريخ نقله لما رواه عن شيوخه سنة سبعين وخمسمائة، وأمر الناس أن يسمعوه في العراق وفي سائر [12] الآفاق

(5)

.

وفي تاريخ بيبرس: وكان يفعل أفعالا متضادة، وأطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد خاصة ثم أعادها. وكان ذا فكرة صائبة وعقل رصين ودهاء ومكر، وكانت هيبته عظيمة، وسطوته شديدة

(6)

. وله شعر مشهور، منه أنه اعتقل بعض أرباب دولته فكتب إليه المعتقل، وهو نصير الدين العجمي وزيره:

(1)

الإمامية: هم القائلون بإمامة على رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم نصا ظاهرا وتعيينا صادقا غير تعريض بالوصف بل إشارة إليه بالعين. الشهر ستاني، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، ج 1، ص 162 - ص 173، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1976؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 166، حاشية (2).

(2)

لمعرفة المزيد من صفات الخليفة الناصر لدين الله. انظر: شذرات الذهب، ج 5، ص 97، ص 97.

(3)

ورد هذا الخبر في مرآة الزمان، ج 8، ص 419.

(4)

ورد هذا الخبر باختصار في شذرات الذهب، ج 5، ص 97.

(5)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 165.

(6)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 440؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 163؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 115.

ص: 114

ألقني في لظى فإن غَيرتني

فتيقن أن لستُ بالياقوت

عَرَفَ النَّسْجُ كُلَّ من حالك لكن

نَسْجُ داود ليس كالعنكبوت

فكتب الخليفة في جوابها:

نَسْجُ داود لم يُفد صاحب الـ

غار وكان الفخار للعنكبوت

وبقاء السمند

(1)

في لهب النـ

ار يزيلُ فضيلة الياقوت

(2)

وفي تاريخ ابن

(3)

العميد: وسيرته أنه كان فاضلا أديبًا ذا رأي وتمييز

(4)

وحزم وسياسة، وفكرة جيدة وبديهة حاضرة، إلا أنه كان محبا لجمع المال، وظلم الرعايا والتجار والمترددين إلى بغداد، وأخذ أموالهم، وكان يباشر الأمور بنفسه

(5)

.

(الثالث) في وفاته: توفي ليلة الأحد سلخ رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان مرضه قد طال به وجمهوره من عسار البول، مع أنه كان يجلب له الماء من مراحل عن بغداد ليكون أصفى، وشق ذَكَره مرات بسبب ذلك، ولم يغن عنه هذا الحذر شيئًا

(6)

. وفي عيون المعارف: وتوالت عليه في آخر عمره أمراض ذهبت إحدى عينيه، وأصابه الحصى وعسر البول.

وقال ابن الأثير

(7)

: وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلية، وقد ذهبت إحدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا، وآخر الأمر أصابه دوسنطارية عشرين يوما ومات، ولم يطلق في أيام مرضه ما كان أحدثه من الرسوم الجائرة.

(1)

السمند: يقال أن السمند لدابة دون الثعلب ذات ذنب طويل ينسج من وبرها مناديل إذا اتسخت ألقيت في النار فلا تحترق، كما يقال أن السمند لطائر ببلاد الهند لا تؤثر فيه النار، ويعمل من ريشه مناديل تحمل إلى بلاد الشام، فإذا اتسخ بعضها طرح في النار فتأكل النار وسخه ولا يحترق المنديل.

مفرج الكروب، ج 4، ص 168، حاشية (3).

(2)

وردت هذه الأشعار في مفرج الكروب، ج 4، ص 168.

(3)

أخبار الأيوبيين، ص 13، مكتبة الثقافة الدينية، الظاهر.

(4)

"وتدبير" كذا في الأصل، والمثبت من أخبار الأيوبيين حيث ينقل عنه العيني، ص 13.

(5)

ورد هذا الخبر بتصرف في مفرج الكروب، ج 4، ص 163؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 115.

(6)

الذيل على الروضتين، ص 145؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 159؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 115، مرآة الزمان، ج 8، ص 418؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 98 - ص 99.

(7)

الكامل، ج 12، ص 440.

ص: 115

وفي تاريخ بيبرس: وكان الإمام الناصر قد عمي في آخر عمره، وقيل: بل ذهبت إحدى عينيه. وكان موته بالدوسنطارية بأمراض به عشرين يوما، وتوفى في أول شوال من هذه السنة

(1)

.

وفي المرآة

(2)

: وكان قد قل بصره، وقيل: ذهب بصره، وكانت [13] به أمراض مختلفة منها: عسر البول والحصى ولقى منه شدة، وشُقَّ ذَكَرُه مرارًا وما زال يعتريه مرارا حتى قتله.

قال السبط

(3)

: وغسله خالي أبو جعفر محمد بن يوسف، وكان قد عمل له ضريحا عند موسى بن جعفر، فأمر الظاهر بحمله إلى الرصافة، فحمل في تابوت ودفن عند أهله، وقيل: توفي في سابع عشرين رمضان.

وفي عيون المعارف: وكان الذي ولي غسله محيي الدين يوسف بن الجوزي بن الشيخ أبي الفرج، وصلى عليه ودفن في دار الخلافة، ثم نقل إلى الترب في الرصافة في ثاني ذي الحجة من هذه السنة، وكان يوما مشهودًا عظيما.

(الرابع) في ذكر ما يتعلق به: كان عمره يوم مات تسعا وستين سنة وشهرين. وعشرين يوما، وكانت مدة خلافته سبعًا وأربعين سنة إلا شهرًا، ولم يقم أحد من الخلفاء العباسيين قبله في الخلافة هذه المدة الطويلة، ولم تطل مدة أحد من الخلفاء مطلقا أكثر من المستنصر العبيدي الفاطمي، أقام بمصر حاكمًا ستين سنة، وقد انتظم في نسبه أربعة عشر خليفة وولي

(4)

عهد على ما رأيت، وبقية الخلفاء العباسيين كلهم من بني عمه وعماته

(5)

.

وفي تاريخ بيبرس: لم يبلغ مدة أحد من الخلفاء إلى هذا الحد في الخلافة، وأما من دعى له في الأطراف وكانوا في حكم الخوارج فمنهم من زادت مدته على مدة الإمام

(1)

ورد هذا الخبر بتصرف في الكامل، ج 12، ص 440؛ بالمختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 135؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 115.

(2)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 418.

(3)

مرآة الزمان، ج 8، ص 418 - ص 419.

(4)

"ووليا" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(5)

ورد هذا الخبر بتصرف في الذيل على الروضتين، ص 145؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 115.

ص: 116

الناصر، فإن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس الملقب أيضا بالناصر لدين الله ولي نحوا من خمسين سنة، والمستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر بأمر الله صاحب مصر ولى نحوا من ستين سنة

(1)

.

وفي تاريخ ابن

(2)

العميد: وكانت مدة خلافته ست

(3)

وأربعين سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم السبت، وذلك لتتمة ستمائة وإحدى وعشرين سنة، وثمانية أشهر، وستة وعشرين يوما للهجرة، ولتمام ست

(4)

آلاف سنة وسبع مائة سنة، وسبع عشرة سنة، وسبعة وثلاثين يوما [14] للعالم شمسية.

وقال أبو شامة

(5)

: ووزر له عدة وزراء، وكان له خادم اسمه رشيق، قد استولى على الخلافة، وأقام مدة فوقع عن الخليفة.

‌ذكر خلافة الظاهر بأمر الله

وهو الخامس والثلاثون من خلفاء بني العباس. لما توفي الإمام الناصر لدين الله في التاريخ المذكور بُويع لولده الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد، فأظهر العدل، وأزال المكوس، وأفرج عن المحبوسين، وظهر للناس، وكان الناصر ومن قبله من الخلفاء لا يظهرون إلا نادرا. ولم تطل مدة إقامته في الخلافة

(6)

إلا أشهر

(7)

.

وقال ابن كثير

(8)

: ولما توفي الخليفة الناصر لدين الله كان قد عهد لابنه أبي نصر محمد عهدا ولقبه بالظاهر، وخطب له على المنابر، ثم عزله عن ذلك بأخيه على، فتوفي في حياة أبيه سنة ثنتي عشرة وستمائة، فاحتاج إلى إعادته إلى ولاية العهد، فخطب له ثانيا، فحين توفي بويع له وعمره يومئذ ثنتان وخمسون سنة، ولم يل الخلافة

(1)

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 158 - ص 159.

(2)

أخبار الأيوبيين، ص 12.

(3)

"ستة" كذا في الأصل، وما أثبتناه هو الصحيح لغة.

(4)

"ستة" كذا في الأصل، وما أثبتناه هو الصحيح لغة.

(5)

الذيل على الروضتين، ص 145؛ وورد أيضا هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 440؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 115؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 418.

(6)

"إلا مدته أقام" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 171.

(7)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 441، ص 444؛ الذيل على الروضتين، ص 145؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 171؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 115 - ص 116؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 419.

(8)

البداية والنهاية، ج 13، ص 115 - 116.

ص: 117

من بني العباس أسن منه. وكان عاقلا وقورا دينا عادلا محسنا، رد مظالم كثيرة وأسقط مكوسًا كان قد أحدثها أبوه، وسار في الناس حسنًا حتى قيل: إنه لم يكن بعد عمر بن العزيز رضي الله عنه أعدل منه لو طالت مدته. لكنه لم يحل عليه الحول، بل كانت مدته تسعة أشهر. أسقط الخراج الماضي عن الأراضي التي قد تعطلت، ووضع عن أهل بلدة واحدة وهي باعقوبا

(1)

سبعين ألف دينار، وكان أبوه قد زادها عليهم في الخراج وكانت صنجة

(2)

المخزن تزيد عن صنجة البلد نصف دينار في كل مائة، إذا أقبضوا وإذا أقبضوا دفعوا بصنجة البلد. فكتب إلى الديوان {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} إلى قوله:{لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}

(3)

فكتب إليه بعض الكتاب يقول: يا أمير المؤمنين إن تفاوت هذا كان في العام الماضي خمسة وثلاثون

(4)

ألفا. فأرسل ينكر عليه ويقول: هذا يترك وإن كان تفاوته ثلثمائة ألف وخمسين ألفا. وأمر القاضي أن كل من ثبت له حق بطريق شرعي فوصل إليه بلا مراجعة، وأقام في النظر على الأموال الجردة رجلا صالحا، واستخلف على القضاء الشيخ العلامة [15] عماد الدين أبا صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي، في يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة، وكان من خيار المسلمين ومن القضاة العادلين، ولما عرض عليه القضاء لم يقبل إلا بشرط أن يورث ذوي الأرحام. فقال: اعط كل ذي حق حقه واتق الله ولا تتق سواه، وكان من عادة أبيه أن يرفع إليه حراس الدروب "في

(5)

كل صباح" بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، فلما ولي الظاهر الأمر

(6)

شطب ذلك كله. وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم. فقيل له: إن ترك ذلك يفسد الرعية. فقال: نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم. وأطلق كل من كان في السجون معتقلا على

(1)

باعقوبا: قرية كبيرة كان بينها وبين بغداد عشرة فراسخ من أعمال طريق خراسان، معجم البلدان، ج 1، ص 472.

(2)

صَنْجَة: جمعها صنوج وهي صنجة الميزان كالمكيال ومكيالاتها معتبرة بالمكوك، وصنجة دمشق وحلب وطرابلس تنقص عن الصنجة المصرية.

صبح الأعشى، ج 4، ص 236 - 237 لسان العرب، مادة "صنج".

(3)

سورة المطففين، آية رقم (83).

(4)

"وثلاثين" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(5)

"في كل ليلة صبيحة" في الأصل، والتصحيح من البداية والنهاية حيث ينقل عنه العيني، ج 13، ص 116.

(6)

"أمر" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لاستقامة المعنى.

ص: 118

الأموال الديوانية، ورد عليهم ما كان استخرج منهم قبل ذلك من المظالم، وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار يوفي بها ديون من في سجونه من المدينين الذين لا يجدون وفاء، وفرق على العلماء بقية المائة ألف. وقد لامه بعض الناس في هذه التصرفات. فقال: إنما فتحت الدكان بعد العصر، فما قدر ما أكسب؟ وأفعل الخير، وكم مقدار ما أعيش؟ ولم تزل هذه سيرته حتى توفي رضي الله عنه في العام الآتي

(1)

على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ورخصت الأسعار في أيامه، وقد كان قبل ذلك في غاية الغلاء. حتى حكى ابن الأثير، أنه أكلت الكلاب والسنانير

(2)

ببلاد الجزيرة والموصل، فزال ذلك. وكان الظاهر حسن الشكل، مليح الوجه، أبيض مشربا حمرة، حلو الشمائل، شديد القوى

(3)

.

وفي تاريخ بيبرس: بويع له في الثاني من شوال من هذه السنة عند وفاة والده، وهو شيخ متقدم في العمر فقال: متى يستفتح من يفتح دكانه بعد العصر؟ وفي المرآة

(4)

: كان الإمام الناصر خطب لابنه الظاهر بولاية العهد في سنة خمس وثمانين وخمس مائة، وعمره إذ ذاك أربع عشرة سنة؛ لأنه ولد في المحرم سنة سبعين وخمسمائة، وخطب له على المنابر، وعزله في سنة إحدى وستمائة، ثم أعيد إلى العهد في سنة ثماني عشرة وستمائة، ولما مات أبوه استدعى القمى تقى الوزير وقشتمر والأعيان إلى البدرية

(5)

فشاهدوا الناصر ميتًا مسجى فبايعوا أبا [16] نصر محمدا ولقبوه بالظاهر بأمر الله، وهذه البيعة الخاصة ثم بويع البيعة العامة، حضر القضاة والأعيان فبايعوه وصلى على أبيه بالتاج، وعمل العزاء ثلاثة أيام وفرق الأموال وأبطل المكوس وأزال المظالم

(6)

.

(1)

"الماضي" في الأصل والتصحيح من البداية والنهاية، ج 13، ص 116. حيث ينقل عنه العيني.

(2)

السنانير: المفرد "السَّنور" وهو الهرّ، والأنثى سنورة.

صبح الأعشى، ج 2، ص 50، ص 51: المصبّاح المنير، مادة "سَنَر".

(3)

إلى هنا توقف العينى عن النقل من البداية والنهاية، ج 13، ص 115 - ص 116.

(4)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 419.

(5)

البدرية: إحدى مدارس الحنفية قبالة الشبلية، بالجبل عند جسر كحيل، وقد بناها الأمير بدر الدين حسن بن الداية المعروف بلالا سنة 638 هـ. انظر: الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 477.

(6)

إلى هنا توقف العينى عن النقل من سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 419.

ص: 119

‌ذكر ماجريات جلال الدين بن خوارزم شاه

قدم من بلاد الهند إلى كرمان في هذه السنة، وقد ذكرنا أنه هرب من غزنة لما قصده جنكيزخان في سنة سبع عشرة وستمائة، ثم بعد قدومه إلى كرمان قدم إلى أصفهان واستولى عليها وعلى باقي عراق العجم، ثم سار إلى فارس وانتزعها من أخيه غياث الدين تترشاه وأعادها إلى صاحبها سعد بن دكلا صاحب بلاد فارس وصار سعد وغياث الدين المذكوران

(1)

تحت حكم جلال الدين وفي طاعته، ثم استولى على خوزستان

(2)

، وكانت للخليفة الناصر لدين الله، ثم سار حتى قارب بغداد ووصل إلى باعقوبا، وخاف أهل بغداد منه واستعدوا للحصار، ونهبت الخوارزمية البلاد، وأمتلأت أيديهم من الغنائم، وقوى جلال الدين وجمع عسكره الخوارزمية ثم سار إلى قريب إربل، فصالحه صاحبها مظفر الدين ودخل في طاعته، ثم سار إلى أذربيجان، وكرسي مملكتها تبريز، واستولى علي تبريز، وهرب صاحب أذربيجان وهو أزبك بن البهلوان بن الدكز، وكان أزّبك قد قوى أمره لما قتل طغريل آخر الملوك السلجوقية ببلاد العجم، فاستقل أزبك المذكور في المملكة، وكان أزبك لا يزال مشغولا بشرب الخمر وليس له التفات إلى تدبير المملكة، فلما استولى جلال الدين علي تبريز هرب أزبك إلى كنجة، وهي من بلاد أران قريب بردعة، متاخمة لبلاد الكرج، واستقل السلطان جلال الدين بملك أذربيجان، وكثرت عساكره، واستفحل أمره، ثم جرى بينه وبين الكرج قتال شديد، انهزمت فيه الكرج وتبعهم الخوارزمية يقتلونهم كيف شاءوا، واتفق أنه ثبت على [17] قاضي تبريز وقوع الطلاق من أزبك بن البهلوان على زوجته بنت السلطان طغريل آخر الملوك السلجوقية الذي ذكرناه، فتزوج جلال الدين بنت طغيل المذكور، وأرسل جيشا إلى مدينة كنجة ففتحوها وهرب مظفر الدين أزبك بن البهلوان من كنجة إلى قلعة هناك، ثم هلك وتلاشى أمره

(3)

.

(1)

"المذكورين" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(2)

خوزستان: اسم لجميع بلاد الخوز متاخم نواحي تستر وجنديسابور، وناحية أيدج وأصفهان.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 494.

(3)

لمعرفة المزيد عن هذا الحدث.

انظر: الكامل في التاريخ، ج 12، ص 425 - ص 428؛ سيرة جلال الدين منكبرتي، ص 174، ص 212؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 152 - 155؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 134 - ص 135.

ص: 120

وقال ابن كثير

(1)

: لما استحوذ جلال الدين على بلاد أذربيجان استحوذ على مال كثير من بلاد الكرج، فإنه كسر الكرج، وهم سبعون ألف مقاتل فقتل منهم عشرين ألفا، وفتح تفَليْسَ

(2)

فقتل منها ثلاثين ألفا. وزعم أبو شامة

(3)

: أنه قتل من الكرج سبعين ألفا في المعركة وقتل من تفليس تمام المائة ألف، وقد اشتغل بهذه الغزوة عن قصد بغداد

(4)

.

وفي المرآة

(5)

: وفي ربيع الأول وصل خوارزم شاه جلال الدين إلى دقوقا

(6)

فافتتحها عنوة، وأوقع السيف في أهلها، ونهب أموالهم، وسبى حريمهم، وهتك نساءهم، وأحرق البلد وهدم سوره، وكانوا قد عصوا عليه وسبُّوه من الأسوار، وبالغوا في شتمه، وعزم على قصد بغداد، فانزعج الخليفة وأخرج المال، وفرق في العساكر ألف ألف دينار، ونصب المجانيق على الأسوار، وفرق السلاح، وفتح الأهراء

(7)

. وقال السبط

(8)

: ح كي لي المعظم رحمه الله قال: كتب إلى جلال الدين يقول: تحضر أنت ومن عاهدني واتفق معي حتى نقصد الخليفة فإنه كان السبب في هلاك أبي ومجيئ الكفار إلى البلاد، ووجدنا كتبه إلى الخطأ

(9)

وتواقيعه لهم بالبلاد والخيل والخلع. وقال المعظم: فكتبت إليه: أنا معك على كل أحد إلا على الخليفة فإنه إمام المسلمين. قال: وبينما هو على عزم بغداد، وكان قد جهز جيشا إلى الكرج إلى تفليس، فكتبوا إليه: أدركنا فما لنا بالكرج طاقة، وبغداد ما تفوت. فسار إلى تفليس فخرج إليه الكرج، فضرب معهم

(1)

البداية والنهاية، ج 13، ص 114.

(2)

تفليس: بلد بأرمينيا الأولى، وهي قصبة ناحية جرزان قرب باب الأبواب، وتقع على نهر أرس.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 857 - ص 859.

(3)

الذيل على الروضتين، ص 144.

(4)

سيرة جلال الدين منكبرتي، ص 211 - ص 212؛ الذيل على الروضتين ص 144؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 114.

(5)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 417.

(6)

دقوقا: مدينة بين أربل وبغداد. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 581.

(7)

الأهراء: هي حواصل لخزن أنواع الغلال المتنوعة وتحمل إليها من جهات مختلفة ولا تفتح إلا عند الضرورة. وللأمراء ديوان له ناظر، وتعرف الأهرام في مصطلحنا الحديث بالشونة.

انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 52.

(8)

مرآة الزمان، ج 8، ص 417. ص 418.

(9)

الخطا: هم قبائل أسسوا دوله لهم في إقليم التركستان في مستهل القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي على يده "بي لوتاشي"، وقامت هذه الدولة على الحدود الشرقية للأقاليم الإسلامية.

انظر: صيرة منكبرتي، ص 36، حاشية (3).

ص: 121

مصافا، فقتل منهم سبعين ألفا، وفتح تفليس عنوة، وقتل منها ثلاثين ألفا فصاروا مائة ألف، وذلك في سلخ ذي الحجة

(1)

.

‌ذكر الحرب الواقعة بين المسلمين والكرج

وفي هذه السنة اتفقت الحرب بين المسلمين والكرج وذلك [18] أن شروان شاه رشيد صاحب الدربند

(2)

كان سن السيرة، كثير الفساد والظلم لرعيته، فاشتدت وطأته عليهم، فاتفق بعض العسكر مع ولده عليه، فأخرجوه من البلاد، وملكوا ولده أغا، فأحسن السيرة فأحبته العساكر والرعية، وأرسل إلى والده يقول له: المصلحة أنك تكون في بعض القلاع، وأجرى لك ما يقوم بك. فلما سمع رسالة ابنه سار إلى الكرج، واستنصر بهم، وطلب منهم أن يسيروا معه عسكرا إعانه له على استبعاده البلاد إلى نفسه من ولده، فسيروا معه عسكرًا كثيرا، فسار بهم وسار ابنه إليه في عسكره، وكانوا نحو ألف فارس، ولقي أباه والكرج وهم نحو ثلاثة آلاف فارس، واقتتلوا قتالا شديدًا فانهزمت الكرج، وقتل منهم وأسر خلق كثير، وعادوا بأسوأ حال، وقالوا لشروان شاه المخلوع: إنا لم نلق بسببك خيرا، فلا تقم ببلادنا. ففارق بلادهم وبقى مترددا لا يأوي إلى أحد، واستقر ولده في الملك، ورد إلى الرعية ما اغتصبه أبوه من أملاكهم، وما أخذ منهم

(3)

.

وفيها سار جمع من الكرج

(4)

من تفليس يقصدون بلاد أذربيجان، وهي بيد مظفر الدين أزبك بن البهلوان، ونزلوا وراء مضيق في الجبال لا يسلكه إلا الفارس بعد الفارس، فأقاموا به آمنين من المسلمين اغترارا بحصانته، وأنه لا طريق إليهم، فركبت طائفة من العساكر الإسلامية وقصد وهم في ذلك المضيق، فلم يشعروا إلا وقد كبسهم المسلمون، وبذلوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاءوا، وولي الباقون منهزمين، فعظم ذلك على الكرج، وعزموا على قصد أذربيجان للأخذ بثأرهم، وبينما هم كذلك إذ وصل

(1)

إلى هنا توقف العيني عن النقل من مرآة الزمان، ج 8، ص 417 - ص 418؛ وانظر أيضا الذيل على الروضتين، ص 144.

(2)

دريند: في باب الأبواب، وهي مدينة على الشاطئ الغربي لبحر قزوين قبالة تفليس وتسمى أحيانا بباب الحديد، وهي كلمة فارسية معناها في الأصل سنبلة من حديد، يقفل بها باب الدكان وتستعمل أيضًا بمعنى المضايق والطرقات.

معجم البلدان، ج 1، ص 437 - ص 442، ج 4، ص 564.

(3)

الكامل، ج 12، ص 430 - ص 431؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 146 - ص 147.

(4)

في الأصل: "الكرد" والصحيح ما أثبتناه. الكامل، ج 12، ص 431؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 147.

ص: 122

إليهم الخبر بوصول السلطان جلال الدين خوارزم شاه إلى مراغة، فراسلوا أزبك بن البهلوان يدعونه إلى الصلح والاتفاق معهم على رد جلال الدين، فعاجلهم جلال الدين قبل اتفاقهم ووصل إلى مراغة فملكها

(1)

.

وأتاه الخبر أن [19] يغان طايسي وهو خال غياث الدين تترشاه وزوج أخت جلال الدين سار إلى همدان ومعه من العساكر نحو خمسة آلاف فارس، ليملكها ويستولى على عراق العجم، وكان سبب قصده هذه الناحية أن الخليفة الإمام الناصر لدين الله كتب إليه يطمعه فيها ويقطعه إياها، فسار إلى تلك الناحية ليستولى عليها، ولما بلغ ذلك السلطان جلال الدين سار إليه جريدة

(2)

، فوصل إليه ليلًا فأحاط به وبما غنمه من أذربيجان وأران من خيل وبغال وبقر وغنم، فلما أصبح يغان طايسي ورأى العسكر والجتر

(3)

الذي يكون على رأس جلال الدين علم أنه هو، فسقط في يده، فأرسل زوجته وهي أخت السلطان إليه؛ يطلب منه الأمان، فأمنه وأحضره عنده، وانضاف عسكره إلى عسكر جلال الدين، وبقي وحده، فأضاف إليه جلال الدين عسكرًا غير عسكره، وعاد إلى مراغة، وأعجبه المقام بها، وكان أزبك صاحب أذربيجان قد سار من تبريز إلى كنجة خوفا من جلال الدين، فسار جلال الدين إلى تبريز وحصرها وقاتل أهلها قتالا شديدا وزحف عليها، فأذعن أهلها بالطاعة وطلبوا من جلال الدين الأمان، فذكر لهم فعلهم بالخوارزمية وقتلهم إياهم، فاعتذروا بأنهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وإنما فعله صاحبهم أزبك بن البهلوان، ولم يكن لهم قدرة على منعه من ذلك، فقبل عذرهم وأمنهم، وأمن زوجة أزبك وهي بنت السلطان طغريل على نفسها ومالها من البلاد، وملك مدينة تبريز وسير زوجة أزبك إلى خوى، وحضر الجامع بتبريز يوم الجمعة، فلما خطب الخطيب ودعا للخليفة الإمام الناصر لدين الله، قام السلطان قائما حتى فرغ من الدعاء وجلس

(4)

.

(1)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 12، ص 431؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 147 - ص 148.

(2)

جريدة: الفرقة من العسكر الخيالة لا رجالة فيها، ويقصد بها في كثير من الأحيان سير السلطان على وجه السرعة دون أن يأخذ معه أثقالا أو حشدا.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 213، حاشية (6)؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 232، حاشية (2).

(3)

الجتر: عبارة عن مظلة أو قبة من حرير أصفر مزركش بالذهب على أعلاها طائر من فضة مطلية بالذهب، وعرف الجتر في مصر زمن الفاطميين واستخدم أيضا من الأيوبيين والمماليك حيث كان يحمل على رأس السلطان في العيدين. مفرج الكروب، ج 4، ص 149، حاشية (1).

(4)

انظر الكامل، ج 12، ص 432 - ص 434؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 148.

ص: 123

ولما ملك بلاد أذربيجان أرسل إلى الكرج يؤذنهم بالحرب، فشرعوا في جمع عساكرهم، فجمعوا ما يزيد على ستين ألفا، فسار إليهم جلال الدين ونازل مدينة دوين

(1)

وهي من بلادهم، وكانت قبل ذلك للمسلمين، ثم سار منها إليهم، وضرب معهم مصافا، فانهزمت الكرج أقبح هزيمة [20] فأمر جلال الدين أن يقتلوا بكل طريق ولا يبقى على أحد منهم، فبلغت عدة القتلى منهم عشرين ألفا، وقيل: أكثر من ذلك. وأسر كثير من أعيانهم، ومضى إيوانى مقدمهم منهزما، فأدركه الطُّلب، فصعد قلعة لهم على طريقه، فاحتمى بها، فرتب السلطان عليها من يحصرها ويمنعه من النزول منها، ثم فرق عساكره في بلاد الكرج ينهبون ويقتلون ويأسرون ويخربون البلاد، وأمر العساكر بالمقام فيها مع أخيه غياث الدين تترشاه، وعاد إلى تبريز وقبض على رئيسها وأمر بقتله، وعلى مقدميها وأمر بحبسهم؛ لأنه كان قد بلغه عنهم أنهم تحالفوا وتعاقدوا على العصيان عليه، وإعادة البلاد إلى أزبك بن البهلوان، ثم تزوج امرأة أزبك على ما ذكرناه

(2)

.

‌ذكر بقية الحوادث

منها أنه كان غلاء شديد بالعراق والشام وبسبب قلة الأمطار وانتشار الجراد، ثم جاء عقيب ذلك فناء كثير بالعراق والشام أيضا، فمات بسببه خلق كثير في البلاد

(3)

.

ومنها أن الملك الكامل جدد عرض عساكره بمصر، وبرز وأقام في الخيام بباب النصر لما عزم أخوه الأشرف على المسير إلى أخيه المعظم ليصالحه.

ومنها أن المعظم صَلَب في سوق الغنم العتيق في طريق الميدان الأخضر شمس الدين بن الكعكى ورفيقا له، مُنَكَّسَيْن على رأسيهما

(4)

، وكان ابن الكعكى رأس حرب

(5)

ومعه جماعة، فكانوا ينزلون على الناس في البساتين، ويقتلون وينهبون، والمعظم في الكرك، وبلغه أن ابن الكعكى قال لأخى المعظم: الصالح إسماعيل كان بِبُصْرَى

(6)

أنا آخذ لك دمشق. فكتب إلى والي دمشق بأن يصلب ابن الكعكى ورفيقه

(1)

دوين: بلدة من نواحي أران في آخر حدود أذربيجان بقرب تفليس. معجم البلدان، ج 2، ص 632.

(2)

انظر: الكامل، ج 12، ص 434 - ص 436؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 152 - ص 155.

(3)

الكامل، ج 12، ص 447 - ص 448؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 114.

(4)

"رُؤُسِّهما" كذا في الأصل والصحيح لغة ما أثبتناه.

(5)

رأس حرب: أي رأس عصابة مسلحة. نهاية الأرب، ج 29، ص 132.

(6)

في الأصل: "كان بصري" والتصحيح من نهاية الأرب لاستقامة المعنى، ج 29، ص 132.

ص: 124

منكسين، فصلبهما في العشر الأواخر من رمضان، فأقاما أياما في حر الشمس، يسفى الريح التراب على "وجهيهما

(1)

ورأسيهما"، ولا يقدران على طعام وشراب، إلى أن مات ابن الكعكى أولا، وكان [21] يستغيث كثيرا ويتعلق، وكان رفيقه أجلد منه وأصبر، وكان رجلاً خياطا آدم

(2)

اللون، وقيل: إنه برئ مما رمى به، فمات وله أملاك كثيرة ظاهر باب الجابية

(3)

وغيرها

(4)

.

وفيها ............

(5)

وفيها حج بالناس من العراق ابن أبى فراس، ومن الشام الشجاع بن السَّلَّار

(6)

.

‌ذكر من توفى فيها من الأعيان

الفخر

(7)

بن تيمية، محمد بن أبى القاسم بن محمد بن الشيخ فخر الدين أبو عبد الله بن تيمية الحرانى، عالمها وخطيبها وواعظها، اشتغل على مذهب الإمام أحمد رحمه الله وبرع فيه، وبرز وحصل وجمع تفسيراً حافلاً في مجلدات كثيرة، وله الخطب المشهورة المنسوبة إليه، وهو عم الشيخ مجد الدين صاحب [المنتقى في]

(8)

الأحكام. وقال السبط

(9)

: سمعته يوم الجمعة بعد الصلاة وهو يعظ الناس وينشد:

أحبابنا قد نَدرَتْ مقلتى

لا تلتقى بالنوم أو نلتقى

رفقا بقلب مغرم واعطِفوا

على سقام الجسد المحرقِ

كم تمطلونى بليالى اللقا

قد ذهب العمرُ ولم نلتقِ

(1)

"وجوههما ورؤسهما" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(2)

آدم اللون: هو الأبيض، الأسود المقلتين. لسان العرب، ماده "آدم".

(3)

باب الجابية: بقرية الجابية من أعمال دمشق. معجم البلدان، ج 2، ص 3.

(4)

الذيل على الروضتين، ص 144؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 132؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 418.

(5)

بياض بمقدار نصف سطر.

(6)

الذيل على الروضتين، ص 144؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 418.

(7)

الذيل على الروضتين، ص 116؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 388؛ الشذرات، ج 5، ص 102.

(8)

ما بين حاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 13، ص 117، لاستقامة المعنى.

(9)

يقصد "أبو المظفر سبط ابن الجوزى" ولم يرد هذا النص في "مرآة الزمان" ولكنه ورد في وفيات الأعيان، ج 4، ص 387؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 117.

ص: 125

وقال ابن خلكان

(1)

: ومولده في اليوم الثامن والعشرين من شعبان، سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بمدينة حران، وتوفى بها في "حادي عشر من صفر سنة إحدى وعشرين وستمائة". وقال السبط

(2)

: مات في خامس صفر من هذه السنة. وذكره أبويوسف محاسن بن سلامة الحرانى في "تاريخ حران" وأثنى عليه، ثم قال: توفى يوم الخميس بعد العصر عاشر صفر، سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وذكره أبو البركات بن المستوفى في "تاريخ إربل" فقال: ورد إربل حاجاً في سنة أربع وستمائة، وذكر فضله، وقال: سألته عن اسم تيمية ما معناه؟ فقال: حج أبى أو جدى، أنا أشك أيهما قال: وكانت امرأته حاملا، فلما كان بتيما رأى جُوَيرية

(3)

قد خرجت من خباء، فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد وضعَت جارية، فلما رفعوها إليه قال: ياتيميه، يا تيمية، معنى أنها تشبه التي رآها بتيما، فَسُمِّى بها، أو كلاماً هذا معناه. وتيماء: بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الميم بعدها همزة ممدودة، وهي بليدة في بادية تبوك إذا خرج [22] الإنسان من خيبر إليها يكون على منتصف طريق الشام، وتيميه منسوبة إلى هذه البليدة، وكان ينبغى أن يقال: تيماوية لأن النسبة إلى تيماتيماوى، لكنه هكذا اشتهر

(4)

.

الوزير ابن شكر

(5)

صفى الدين أبو محمد عبد الله بن على بن عبد الخالق بن شكر، ولد بالدميرة، بلدة "بين مصر والإسكندرية" سنة أربعين وخمسمائة، ومات في هذه السنة في شعبان ودفن بتربته عند مدرسته بمصر، وقد وُزر للملك العادل، وعمل أشياء في أيامه منها: تبليط جامع دمشق، وإحاطة سور المصلى عليه، وعمل الفوارة

(6)

ومسجدها، وعمارة جامع المِزَّة

(7)

، وقد نكب وعزل في سنة خمس عشرة وستمائة،

(1)

وفيات الأعيان، ج 4، ص 387، ولكن ابن خلكان ذكر أن وفاته في عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

(2)

يقصد "أبو المظفر سبط ابن الجوزى" ولم يرد هذا القول في "مرآة الزمان" ولكنه ورد في وفيات الأعيان، ج 4، ص 387 - ص 388.

(3)

جويرية: تصغير جارية.

(4)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 116؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 386 - ص 388؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 117؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 102.

(5)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 147، البداية والنهاية، ج 13، ص 118؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 100، ص 105.

(6)

الفوارة: هي البِرْكَة، أو فوارة الماء أي منبعه. لسان العرب، مادة "فور".

(7)

جامع المِزَّة: يوجد في قرية المزة، وهي قرية كبيرة في وسط بساتين دمشق، كان بينها وبين دمشق نصف فرسخ، والمزة أصبحت الآن من ضواحي دمشق.

معجم البلدان، ج 4، ص 532.

ص: 126

وبقي معزولا في هذه السنة، فتوفى فيها وكان مشكور السيرة. وقال السبط

(1)

: وكان وزيراً مهيبا عالما فاضلا له معرفة بقوانين الوزارة، وكان مالكى المذهب، محبا لمن في العلم يرغب، وصنف كتابا سماه "البصائرُ" برواية الأوائل والأواخر، وله في القاهرة مدرسة مشهورة وآثار مأثورة، ومنهم من يقول: كان ظالما. وقال: أنشدنا الحافظ السلفى لنفسه:

مهما تهاون في أمرى أمرؤ

وغدا مصارما لا أرى إلا مبجله

فإن أساء مسئ فوق طاقته

أحسنت مجتهدا حتى أخجله

(2)

وقال: أنشدنا الحافظ السلفى لابن رشيق وقد قيل له: لم لا تركب البحر للحج؟ فقال معتذرا:

البحر صعب المرام هول

لا جعلتُ حاجتي إليه

"أليس

(3)

ماء وطين"

فهل ترى صبرنا عليه

(4)

ولعبد الجبار الكاتب:

لا أركب البحر خوفا

علىَّ منه المعاطب

طين أنا وهو ماءٌ

والطين في الماء ذايب

(5)

أبو إسحاق

(6)

إبراهيم بن المظفر بن إبراهيم بن على، المعروف بابن البدى

(7)

، الواعظ البغدادى، أخذ الفن عن شيخه ابن الجوزى، وسمع الحديث الكثير، مات في هذه السنة.

أبو الحسن

(8)

على بن الحسن الرازى ثم البغدادى الواعظ، عنده فضائل وله شعر حسن، توفى في هذه السنة.

(1)

لم يرد هذا القول في سبط ابن الجوزى، مرآة الزمان.

(2)

ورد هذان البيتان في الذيل على الروضتين، ص 147.

(3)

"السر ماء وطين طين" كذا في الأصل، والمثبت من الذيل على الروضتين، ص 147، لاستقامة المعنى.

(4)

ورد هذان البيتان في الذيل على الروضتين، ص 147.

(5)

ورد هذان البيتان في الذيل على الروضتين، ص 147.

(6)

البداية والنهاية، ج 13، ص 118؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 99.

(7)

"ابن البذى" في البداية والنهاية، ج 13، ص 118.

(8)

البداية والنهاية، ج 13، ص 118.

ص: 127

البها السنجارى

(1)

أبو السعادات، أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن وهيب بن وهبان بن سرد

(2)

بن عبد الله بن رُفيَع بن [23] ربيعة بن هبار

(3)

، السلمى السنجارى، الفقيه الشافعى، الشاعر المنعوت بالبها، وكان فقيها فاضلا وتكلم في الخلاف، إلا أنه غلب عليه الشعر وأجاد فيه، واشتهر به، وخدم الملوك به، وأخذ جوائزهم، وطاف البلاد، ومدح الأكابر، وشعره كثير في أيادى الناس، يوجد قصائد ومقاطيع. قال ابن خلكان

(4)

: لم أدر هل دَوَّن شعره أم لا، ثم وجدت في كتب التربية الأشرفية بدمشق له ديوانا في مجلد كبير. وله من جملة قصيدة:

كَتَبَ العِذَارُ على صحيفة

(5)

خده

نُونا وأعجَمَها بنُقطِة خالهِ

فسَوادُ طُرَّيَه كليل

(6)

صُدُودِه

وبياضُ غُرَّته كيوم

(7)

وصالهِ

وله أيضا:

ومُهَفْهَفٍ حُلْو الشمائلِ فاتر

الألحاظِ فيه طاعَةُ وعقوقٌ

وقفَ الرَّحيقُ على مراشف ثغره

فجَرَى من خدِّهِ راوُوقُ

سدَّت محاسنُهُ على عُشَّاقِه

سُبلَ

(8)

السلوِّ فما إليه طريق

وكان للبهاء المذكور صاحب، وبينهما مودة أكيدة واجتماع كثير، ثم جرى بينهما في بعض الأيام عِتَاب

(9)

وانقطاع، وانقطع ذلك الصاحب، فسير إليه يعتبه لانقطاعه، فكتب إليه بيتى الحريرى اللذين

(10)

ذكرهما في المقامة الخامسة عشرة

(11)

. وهما:

لا تَزُرْ مَنْ تحبُّ في كلِّ شهر

غير يوم ولا تزدْهُ علَيِه

فاجتِلاء الهلال في الشهر يوم

ثم لا تنظر العُيون إليه

(1)

انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 214، ص 217؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 119؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 104، ص 105.

(2)

"ابن هبان بن سوار" في وفيات الأعيان، ج 1، ص 214.

(3)

"ابن هبان" في وفيات الأعيان، ج 1، ص 214.

(4)

وفيات الأعيان، ج 1، ص 214.

(5)

"صفيحة" في الأصل، والتصحيح من وفيات الأعيان حيث ينقل عنه العينى، ج 1، ص 215.

(6)

"كيوم" في الأصل، والتصحيح من وفيات الأعيان، ج 1، ص 215.

(7)

"كليل" في الأصل، والتصحيح من وفيات الأعيان، ج 1، ص 215.

(8)

"شمل" في الأصل، والتصحيح من وفيات الأعيان، ج 1، ص 215.

(9)

"عياب" في الأصل، والتصحيح من وفيات الأعيان، ج 1، ص 216.

(10)

"الذي" في الأصل، والتصحيح من وفيات الأعيان، ج 1، ص 216.

(11)

"عشر" في الأصل، والتصحيح من وفيات الأعيان، ج 1، ص 216.

ص: 128

فكتب إليه البهاء من نظمه:

إذا حققت من خِلِّ

(1)

ودادًا

فزُره ولا تخفْ منه مَلالا

وكن كالشمس تطلع كل يوم

ولا تكُ في

(2)

زيارته هلالا

وكانت ولادته سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وتوفى في أوائل هذه السنة بمدينة سنجار.

عثمان بن

(3)

عيسى بن درباس بن جهم بن عبدوس، الهذباني المارانى، ضياء الدين أخو القاضى صدر الدين عبد الملك، الحاكم بالديار المصرية في الدولة الصلاحية. وضياء الدين هذا هو "شارح المهذب" إلى "كتاب الشهادات" في نحو من عشرين مجلدا، وشرح اللمع في أصول الفقه" للشيرازى، وكان بارعا عالما بالمذهب، توفى في هذه السنة.

أبو محمد

(4)

عبد الله بن أحمد [24] البوازيجى، ثم البغدادى، شيخ فاضل، له رواية، ومما أنشده:

ضيق العُذرَ في الضراعة أنَّا

لو قنعنا بقسمنا لكفانا

ما لنا نعبد العباد إذا كان

إلى الله فقرنا وغنانا

أبو الفضل

(5)

عبد الرحيم بن نصر الله بن على بن منصور بن الكيال الواسطى [من]

(6)

بيت الفقه والقضاء، وكان أحد المعدلين ببغداد ومن شعره:

فتبا لدنيا لا يدوم نعيمها

تسرُ يسيرا ثم تُبْدى المساويا

تريك رياء

(7)

في النقاب وزخرفا

وتسفر عن شوهاء

(8)

(1)

"رجل" في الأصل، والتصحيح من وفيات الأعيان، ج 1، ص 216.

(2)

"تكن من" في الأصل، والتصحيح من وفيات الأعيان، ج 1، ص 216.

(3)

انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 242 - ص 243؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 119.

(4)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 119؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 103.

(5)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 120.

(6)

ما بين حاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 13، ص 120.

(7)

"رواء" كذا في البداية والنهاية، ج 13، ص 120.

(8)

بياض بمقدار كلمتين ذكرها ابن كثير وهما "طحياء عاميا" ومعنى طحياء مبسوطة.

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 120.

ص: 129

أبو على الحسن

(1)

بن على بن الحسن بن على بن عمار بن مهدى

(2)

بن وقاح الياسرى نسبة إلى عمار بن ياسر، شيخ بغدادى فاضل، له مصنفات في التفسير والفرائض، وله خطب ورسائل وأشعار حسنة، وكان مقبول الشهادة عند الحكام.

أبو بكر

(3)

محمد بن يوسف بن الطباخ، الواسطى البغدادى الصوفى، باشر بعض الولايات ببغداد، ومما أنشده:

ما وهب الله لامرئ هبة

أحسن من عقله ومن أدبه

نعما جمال الفتى فإن فقدا

ففقده للحياة أجملُ به

ابن يونس

(4)

شارح التنبيه، أبو الفضل أحمد بن الشيخ العلامة كمال الدين أبى الفتح موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عائد بن كعب بن قيس بن إبراهيم الإربلى الأصل ثم الموصلى، من بيت العلم بها والرئاسة، اشتغل على أبيه في فنونه وعلومه، فبرع وتقدم ودرس، وشرح كتاب "التنبيه"، واختصر "إحياء علوم الدين" للغزالى مرتين صغيراً وكبيرا.

وقال ابن خلكان

(5)

: وقد ولى بإربل مدرسة الملك المظفر بعد موت والديه في سنة عشر وستمائة، وكنت أحضر عنده وأنا صغير، ولم أر أحدا يُدَرِّس مثله، ثم صار إلى بلده في سنة سبع عشرة، ومات يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة [25] عن سبع وأربعين سنة.

أبو الدرياقوت

(6)

بن عبد الله الرومى الملقب مهذب الدين الشاعر المشهور، مولى أبى منصور الجيلى، التاجر، اشتغل بالعلم وأكثر من الأدب، واستعمل قريحته في الشعر والنظم فأجاد فيه، ولما تميز ومهر سمى نفسه عبد الرحمن، وكان مقيما بالمدرسة النظامية ببغداد، وأكثر نظمه في التصابى والغزل وذكر المحبة، وراق شعره، وتحفظه الناس، وله ديوان شعر، وشعره متداول بالعراق وبلاد الشرق والشام.

(1)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 120.

(2)

"ابن فهر" كذا في البداية والنهاية، ج 13، ص 120.

(3)

انظر ترجمته وشعره في البداية والنهاية، ج 13، ص 120.

(4)

انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 108 - ص 109؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 120، ص 121؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 99.

(5)

انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 108 - ص 109.

(6)

انظر: وفيات الأعيان، ج 9، ص 122 - ص 126؛ شذرات الذهب، ج 2، ص 105 - ص 106.

ص: 130

وقال ابن خلكان

(1)

: رأيت في بعض التواريخ أن أبا الدُر المذكور وجد ميتا بمنزله ببغداد في الثانى عشر من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة من هذه السنة. وقال الناس: إنه توفى قبل ذلك بأيام.

الشيخ على

(2)

بن عبد الله الكردى الموله، المقيم بظاهر باب الجابية، قال أبو شامة

(3)

: وقد اختلفوا فيه، فبعض الدماشقة يزعم أنه صاحب الكرامات، وأنكر ذلك آخرون، وقالوا: مارآه أحد يصلى ولا يصوم، ولا لبس مداسا بل كان يدوس النجاسات، ويدخل المسجد على حاله، وقال آخرون: كان له تابع من الجن يتحدث على لسانه. وحكى السبط

(4)

عن امرأة قالت: جاء خبر بموت أمى باللاذقية أنها ماتت. وقال لي بعضهم: لم تمت. قالت: فمررت به وهو قاعد عند المقابر، فوقفت عنده، فرفع رأسه وقال لي: ماتت ماتت إش تعملين؟ فكان كما قال، ومثل ذلك كثير.

الأمير سيف

(5)

الدين على بن الأمير علم الدين سليمان بن جندر، مات في هذه السنة في أواخر جمادى الآخرة بحلب، وكان من أكابر الأمراء بحلب، وله الصدقات الكثيرة، وقف بها مدرستين، إحداهما على الشافعية والأخرى على الحنفية، وبنى الخانات والقناطر وغير ذلك من سبل الخيرات.

الأمير عز

(6)

الدين خضر بن إبراهيم بن أبى بكر بن قرا أرسلان، صاحب خرت برت

(7)

، مات في هذه السنة، وملك بعده ابنه نور الدين أرتق شاه.

الملك الأفضل

(8)

نور الدين على بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب [26]، كان ولى عهد أبيه، وقد ملك دمشق بعده مدة سنتين، ثم أخذها منه

(1)

انظر: وفيات الأعيان، ج 6، ص 125.

(2)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 146؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 117؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 420.

(3)

الذيل على الروضتين، ص 146.

(4)

مرآة الزمان، ج 8، ص 420.

(5)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 145 - ص 146؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 117؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 419 - ص 420.

(6)

انظر: الكامل، ج 12، ص 429.

(7)

خرت برت: هو اسم أرمنى، وهو الحصن المعروف بحصن زياد في أقصى ديار بكر من بلاد الروم.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 417.

(8)

انظر: الكامل، ج 12، ص 428 - ص 429؛ الذيل على الروضتين، ص 145؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 419 - ص 421؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 155 - ص 158؛ المختصر، ج 3، ص 135؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 133؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 116؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 420؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 101.

ص: 131

الملك العادل عمه، ثم كان ملك الديار المصرية بعد أخيه العزيز عثمان، فأخذها منه عمه العادل أيضا، ثم اقتصر على ملك صرخد

(1)

فأخذها منه العادل، ثم آل به الحال أن كان ملك شميساط، وبها توفى في هذه السنة. وكان موته فجاءة في شهر صفر وعمره سبع وخمسون سنة، ونقل إلى حلب ودفن بتربته بظاهر حلب بالقرب من مشهد الهروى

(2)

، وملك البلده بعده أخوه المفضل قطب الدين موسى بن صلاح الدين، وهو شقيقه، وكان الأفضل فاضلا متأدبا حليما عادلا جامعا للفضائل والمناقب، إلا أنه كان قليل الحظ والسعادة، ولم ينتظم له حال منذ توفى والده صلاح الدين، وكان جيد الشعر، فمن شعره قوله في خضاب الشعر، وتعرض فيه بسوء حظه:

يا من يسود شعره بخضابه

لعساه من أهل الشبيبة يحصل

ها فاختضب بسواد حظى مرة

ولك الأمان بأنه لا ينصل

(3)

وله أيضا:

أما آن للسعد الذى أنا طالب

لإدراكه يوما يرى وهو طالبى

ترى هل يرينى الدهر أيدى شيعتى

تمكن يوما من تواصى النواصب

وقال ابن خلكان

(4)

: كانت ولادته يوم عيد الفطر وقت العصر، سنة ست، وقيل: خمس وستين وخمسمائة بالقاهرة، ووالده صلاح الدين يومئذ وزير المصريين، وشميساط بضم الشين المعجمة، وفتح الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح السين المهملة، وبعد الألف طاء مهملة، وهى قلعة في بر الشام على الفرات من ناحية بلاد الروم بين قلعة الروم وملطية.

(1)

صرخد: بلد ملاصق لبلاد حَوْران من أعمال دمشق، وهى قلعة حصينة، وولايه حسنة.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 380.

(2)

مشهد الهروى: هو مشهد الشيخ على الهروى بالقرب من المقبرة المعروفة بالمقام على جانب الطريق في مدينة حلب. وفيات الأعيان، ج 1، ص 212.

(3)

ورد هذان البيتان في مفرج الكروب، ج 4، ص 157؛ المختصر، ج 3، ص 135.

(4)

وفيات الأعيان، ج 3، ص 421.

ص: 132

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة والعشرين بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة هو الظاهر بأمر الله، ولكنه مات في هذه السنة [27] ولم ينتفع بخلافته.

‌ذكر وفاة الظاهر

هو أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله، أبو نصر محمد بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، أبى العباس أحمد، وليس في الخلفاء من يكنى أبا نصر غيره، وأمه أم ولد يدعى الطُنْ، بويع له يوم الأحد سلخ رمضان من السنة الماضية، وتوفى يوم الجمعة الثانى عشر من رجب من هذه السنة، وكانت مدة خلافته تسعة أشهر وأربعة عشر يوما، ولا يعلم أنه ولى من بنى العباس أقصر مدة منه، كما أنه لم يل منهم أطول مدة من أبيه. وكان إماما عادلا متواضعا محسنا إلى الرعية جدا، وكان من أجود بنى العباس سيرة، وأحسنهم سريرة، وأكثرهم عطاء، وأحسنهم منظراً ورواء، ولو طالت مدته لصلحت الأمة صلاحاً كثيراً على يديه، ولكن الله أحب تقريبه وإزلافه لديه، فاختار له ما عنده، وأجزل له إحسانه ورفده، وقد ذكرنا ما اعتمده في أول ولايته من إطلاق الأموال الديوانية، ورد المظالم، وإسقاط المكوس، وتخفيف الخراج عن الناس، وأداء الديون عمن عجز عن قضائها، والإحسان إلى العلماء والفقراء، وتولية ذوى الديانة والأمانة، وكان قبل وفاته قد أخرج توقيعا إلى الوزير بخطه ليقرأه على أرباب الدولة، وقال الرسول: أمير المؤمنين يقول: ليس غرضنا أن يقال: برز مرسوم أو نفذ مثال ولا يبين له أثر، بل أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال. ثم قُرِئ عليهم التوقيع ونسخته:"بسم الله الرحمن الرحيم اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا، ولا إغضاؤنا إغفالا، ولكن "لنبلوكم أيكم أحسن عملًا"

(1)

، وقد غفرنا لكم ما قد سلف من خراب البلاد، وتشريد الرعايا، وتقبيح السمعة، وإظهار الباطل الجلىّ في صورة الحق الخفى، حيلة ومكيدة، وتسمية الاستيصال والاجتياح استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن

(*) يوافق أوله:2 يناير 1226 م.

(1)

اقتباس من القرآن الكريم، سورة الملك، آية (2).

ص: 133

ليث باسل، وأنياب أسد مهيب، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد، وأنتم أمناؤه وثقاته، فتميلون رأيه إلى هواكم [28] وتمزجون باطلكم بحقه، فيطيعكم وأنتم له عاصون، ويوافقكم وأنتم له مخالفون، والآن فقد بدل الله سبحانه بخوفكم أمنا، وبفقركم غنى، وبباطلكم حقا، ورزقكم سلطانا يُقيل العثرة ويقبل المعذرة، ولا يؤاخد إلا من أصر، ولا ينتقم إلا ممن استمر، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم، يخاف الله تعالى ويخوفكم مَكْرَه، ويرجوا الله تعالى ويرغبكم في طاعته، فإن سلكتم مسالك خلفاء الله في أرضه، وأمنائه على خلقه، وإلا [هلكتم]

(1)

والسلام.

ولما مات وجد في بيت داره رقاع مختومة كلها لم يفتحها، وقال: لاحاجة لنا فيها، كلها سعايات بالناس، وقد ذكرنا نبذا من سيرته الجميلة في السنة الماضية رحمه الله

(2)

.

وقد خلف من الأولاد عشرة ذكورا وإناثا، منهم ابنه الأكبر الذى بويع له بالخلافة من بعده أبو جعفر المنصور، ولقب بالمستنصر بالله

(3)

.

‌ذكر خلافة المستنصر بالله

وهو السادس والثلاثون من خلفاء بنى العباس، وهو أمير المؤمنين أبو جعفر منصور بن أمير المؤمنين الظاهر بالله، محمد بن الناصر أحمد، بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، استدعوا به من التاج

(4)

، فبايعه الخاصة والعامة من أهل الحل والعقد، وكان يوما مشهودا، وكان عمره يومئذ خمسا وثلاثين سنة، وخمسة أشهر، وأحد عشر يوما، وكان من أحسن الناس شكلا وأبهاهم منظراً

(5)

. وهو كما قال القائل:

كأن الثريا علقت في جبينه

وفى خده الشعرى وفى وجهه القمر

(6)

(1)

ما بين حاصرتين إضافة من الكامل، ج 12، ص 457؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 122 لاستقامة المعنى.

(2)

انظر: الكامل، ج 12، ص 456 - ص 457؛ الذيل على الروضتين، ص 149 - 150؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 191 - ص 196؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 121 - ص 122؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 109، ص 110.

(3)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 122.

(4)

التاج: دار مشهورة جليلة من دور الخلافة ببغداد، كان أول من وضع أساسة وسماه بهذه التسمية أمير المؤمنين المعتضد وأتمه ابنه المقتضى. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 806.

(5)

الكامل، ج 12، ص 458؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 196 - ص 201؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 122 - ص 123؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 424.

(6)

ورد هذا البيت في البداية والنهاية، ج 13، ص 122.

ص: 134

وفى نسبه الشريف خمسة عشر خليفة، منهم خمسة من آبائه وُلُّوا نسقاً واحداً، وتلقى هو الخلافة عنهم وراثة كابراً عن كابر، وهذا شيء لم يتفق لأحد من الخلفاء قبله، وسار في الناس كسيرة أبيه الظاهر في الجودة وحسن السيرة والإحسان إلى الرعية، وبنى المدرسة المستنصرية التي لم يبن مدرسة مثلها في الدنيا وسيأتى بيان ذلك إن شاء الله تعالى، واستمر بأرباب الولايات الذين كانوا في عهد أبيه على ما كانوا عليه

(1)

.

وقدم رسول من صاحب الموصل [29] بدر الدين يوم غرة شعبان مع الوزير ضياء الدين أبى الفتح نصر الله بن الأثير الجزرى برسالة فيها التعزية والتهنئة بعبارة فصيحه بليغة

(2)

.

وفى تاريخ بيبرس: وكان ابن الأثير قد اتصل بخدمته لما فارق الملك الأفضل، ولما حضر الديوان قال:"ما لليل والنهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما، والشمس والقمر لايخسفان وقد فقد ثالثهما"؟

فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة

ووحشة من فيها لمصرع واحد

وذلك الواحد هو سيدنا ومولانا الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين، الذى كانت ولايته رحمة للعالم، واختير من أرومة النبي الذى هو سيد ولد آدم، فذمته موصوله بذمته، وهو شقيقه في نسبه وخليفته في أمته، ولقد وقف على السنن، وأتانا بالحسن، وحمدت الأيام في زمنه، فلم يشك مر الزمن، ومما عظم الرزية به أنه أتى عقيب رُزء، وصّل فجعُة بفَجعِة، وكان يستهول أحدهما وهو وتر، فشفع الوتر بشفعه، فياويح الإسلام فجع فيما مضى بناصره، وفجع الآن بظاهره، وقرب الوقت بينهما حتى كاد يعثر أوله بآخره، فلم تفق النفوس من برحائها حتى وافت ما طوى مضضا على مضض، ووقع ذلك موقع نكسة عطفت على مرض، ونكأ القرح بالقرح أوجع، وذهاب فرع العلياء بعد أصله ذهاب بالعلياء أجمع، وكلا هذين الرزءين رمى الناس بسهم غائر، ليس عليه من صابر، وما كان الله ليسوء دينه بمصاب خليفتين، ولا يجلو ظلمته بصباح سافر، وقد جاء بسيدنا ومولانا الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، فأرضى به كل قلب سخط ولم يرض، وقيل: هذا بدل الكل من الكل، لابدل البعض من البعض، وكان الناس على خطر من

(1)

ورد هذا الخبر بالتفصيل في الكامل، ج 12، ص 458؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 122 - ص 123.

(2)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 198؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 123.

ص: 135

انتقاض أمرهم، فأبيح لهم

(1)

إبرام ذلك النقض، ونسى ما تقدم من البرح، ودمل ما أعضل من القرح. ولئن عظم الأسف على ليلتين نقضتا برامة لقد أسلت عنهما ليلة السفح، والعبد قائم بهذا المقام وقلبه مقسم [30] للعزاء شطراً وللهناء شطرا، فإذا نطق بهذا أسبل دمعاً، وإذا نطق بهذا أبدى ثغرا، وهو نائب عن مرسله في أخذ البيعة التى يد الله فوق يدها، والسابق إلى يومها أفضل من المتأخر إلى غدها، وهى التى تجملت بحسنها أقلام الكرام السفرة، وجعلها الله معدودة في بيعة العقبة، وبيعة الشجرة، ولها يصح قول القائل:

وبيعة من قلوب غير شاردة

ما كان في عودها ضعفٌ ولاخور

لو أنها لعتيق لم يمت حسرا

سعد ولا قال كانت فلتة عمر

وكذلك فإن العبد ينهى طاعة مرسله التى جعل يومه فيها كأمسه، وزاد في مبانى الإسلام فهو يبنى بها على ستة لا على خمسة، وقد أعدها في الدنيا معقلاً يكن في دَاره، وفى الآخرة عتاداً صالحا يسره أن يراه

(2)

.

قال بيبرس: وكان الإمام المستنصر يسمى أبو

(3)

جعفر القاضى، ولما ولى سلك في العدل والإحسان مسلك أبيه الظاهر، وأمر فنودى ببغداد بإفاضة العدل، وأن من كانت له حاجة أو مظلمة يطالع بها، تقضى حاجته وتكشف مظلمته. فلما كانت أول جمعة أتت على خلافته أراد أن يصلى الجمعة في المقصورة التى جرت عادة الخلفاء بالصلاة فيها، فقيل له: إن المطبق الذى تسلك إليه فيها خراب، فركب فرسا وسار إلى جامع القصر، ظاهراً بحيث يراه الناس، ولم يترك أحداً يمشى معه، بل أمر كل من أراد المشى معه من أصحابه بالصلاة في مكانه

(4)

.

ولما ولى وردت إليه رسل ملوك الأطراف بالهنا بخلافته، والعزاء عن والده

(5)

. وفى تاريخ ابن كثير

(6)

: ثم إن المستنصر بالله كان يواظب حضور الجماعة راكبا ظاهرا

(1)

"لها" في الأصل، والتصحيح من مفرج الكروب، ج 4، ص 199.

(2)

ورد هذا الخبر بالتفصيل في مفرج الكروب، ج 4، ص 198 - ص 200.

(3)

"أبا" في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(4)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 458؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 197؛ تاريخ الخلفاء، ص 460 - ص 463.

(5)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 198.

(6)

البداية والنهاية، ج 13، ص 123.

ص: 136

للناس، وإنما معه خادمان وركبدار

(1)

، وخرج مرة وهو راكب فسمع ضجة عظيمة، فقال: ماهذا؟ فقيل: التَّأْذِين

(2)

، فترجل عن مركوبه وسعى ماشيا، ثم صار يدمن المشى إلى الجمعة رغبة في التواضع والخشوع، ويجلس قريبا من الإمام ويستمع [31] الخطبة، ثم أصلح له المطبق فكان يمشى فيه إلى الجمعة، وركب في الثانى والعشرين من شعبان ركوبا ظاهرا للناس عامة، ثم تصدق بصدقات عظيمة كثيرة من سائر الأصناف على سائر الأصناف من الخلائق.

‌ذكر ماجريات جلال الدين بن خوارزم شاه

وفى هذه السنة التقى جلال الدين مع الكرج فكسرهم كسرة عظيمة، وصمد إلى أكبر معاملتهم تفليس ففتحها عنوة، وقتل من فيها من الكفرة، وسبى ذراريهم، ولم يتعرض لأحد من المسلمين الذين كانوا بها، واستقر ملكه عليها، وقد كان الكُرْج أخذوها من المسلمين في سنة خمس عشرة وخمسمائة، وهى بأيديهم إلى الآن حتى استنفذها منهم جلال الدين، فكان هذا فتحا عظيما، ولم يقدر الملوك الأول الذين هم بجوارها أن يملكوها

(3)

.

وفيها عصى على جلال الدين بَراق الحاجب، وطمع في البلاد أن يتملكها لِبُعْده عنها، واشتغاله بأمر الكُرج، وأرسل إلى التتار يعرفهم بما اجتمع عليه من العساكر، وأخذه بعض البلاد، ومتى أخذ الباقى عظمت مملكته، وكثرت عساكره، وسار إليكم لقصدكم، فلما سمع جلال الدين ذلك ترك قصد خلاط وسار إلى كرمان يطوى المراحل، فلما سمع براق بقرب السلطان أخذ معه ما يعز عليه، وتحصن ببعض القلاع، فَسَيَّر إليه رسولا يطيب قلبه، فأبى أن ينزل فأقرَّه جلال الدين على ما بيده، ثم وصل الخبر من تفليس أن عسكر الأشرف الذى بخلاط هزموا بعض عسكره، وأوقعوا بهم ويحثه على العود، فعاد إليها مسرعا

(4)

.

(1)

ركبدار: وجمعها الركبدارية وهم الذين يحملون الغاشية في المواكب الكبيرة رافعين لها يلفتونها يمينا وشمالا. صبح الأعشى، ج 4، ص 7، ص 12.

(2)

"السقاين" في الأصل، والتصحيح من البداية والنهاية، ج 13، ص 123، حيث ينقل عنه العينى.

(3)

انظر: الكامل، ج 12، ص 450 - ص 451 مسيرة منكبرتى، ص 211 - ص 212؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 181 - ص 185؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 121.

(4)

انظر: الكامل، ج 12، ص 454 - ص 455؛ سيرة منكبرتى، ص 213 - ص 214؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 186 - ص 187.

ص: 137

وذلك أن جلال الدين لما سار إلى كرمان ترك عسكراً صحبة وزيره شرف الملك، فقلت عليهم الميرة، فساروا إلى أعمال أرزن الروم

(1)

وشنوا الإغارة عليهم، وأخذوا شيئاً من الغنائم وعادوا، وكان طريقهم على أطراف ولاية خلاط، فبلغ النائب بها عن الأشرف ابن العادل وهو حسام الدين على الحاجب، فجمع عسكراً، فأوقع بهم واستنقذ ما معهم، فلما جرى الأمر على هذه الصورة سيَّر شرف الملك الوزير أعلم السلطان بالحال، وكان جلال الدين والملك المعظم صاحب الشام، وناصر الدين [32] صاحب ماردين، ومظفر الدين صاحب إربل اتفقوا على أخذ الموصل، وأن يتغلبوا عليها، ويكون لكل منهم نصيب، واستقرت القاعدة على ذلك، فبادر مظفر الدين صاحب إربل إلى الموصل، وسار جلال الدين من تفليس يريد أخلاط، فأتاه الخبر أن نائبه ببلاد كرمان وهو براق الحاجب قد شق العصى، فلما علم ترك قصد خلاط وانفسخ جميع ما كانوا عزموا عليه، إلا مظفر الدين فإنه سار من إربل ونزل على جانب الزَّاب

(2)

، ولم يمكنه العبور، وكان بدر الدين صاحب الموصل سير إلى الأشرف يستنجده، ليدفعوا مظفر الدين عن الموصل، فسار منها إلى حران

(3)

ودنيسر

(4)

، فخرب بلاد ماردين، وأما المعظم فإنه قصد حماة وحمص، وأرسل إلى أخيه الأشرف يقول: إن رحلت عن ماردين رحلنا عن حمص وحماة. فرحل الأشرف عن ماردين، وعاد كل منهم إلى بلاده، وخربت أعمال ماردين وبلاد الموصل، وصار الغلاء بهذه الأقاليم

(5)

.

وفى تاريخ النويرى: وكان نزول جلال الدين على أخلاط ثالث عشر ذى القعدة من هذه السنة، ورحل عنها لسبع بقين من ذى الحجة بسبب كثرة الثلوج، وكانت هي منازلته الأولى، وفى الخامس والعشرين من ذى الحجة نازل جلال الدين خلاط أيضا وهى منازلته الثانية، وجرى بينهم قتال شديد، وأدركه البرد فرحل عنها في هذه السنة

(6)

.

(1)

أرزن الروم: بلدة من بلاد أرمينية أهلها أرمن. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 306.

(2)

الزاب: المقصود به الزاب الأعلى، وهو نهر بين الموصل وإريل.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 902.

(3)

حران: مدينة عظيمة مشهورة على طريق الموصل والشام.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 332 - ص 333.

(4)

دُنَيْسَر: بلدة عظيمة مشهورة من نواحى الجزيرة قرب ماردين، ولها اسم آخر يقال لها قوج حصار.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 612.

(5)

انظر: الكامل، ج 12، ص 455 - ص 456؛ سيرة منكبرتى، ص 214 - ص 215؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 187 - ص 189.

(6)

انظر: الكامل، ج 12، ص 460 - ص 461؛ سيرة منكبرتى، ص 297. ص 299؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 190 - ص 191؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 121، ولم يرد هذا الحدث في النويرى: نهاية الأرب.

ص: 138

وفيها أوقع السلطان جلال الدين بالتركمان الإيوانية

(1)

بأسا شديدا، وكانوا يقطعون الطريق على المسلمين، ويشوشون عليهم

(2)

.

‌ذكر ماجريات بنى أيوب

وفى تاريخ بيبرس: ولما اتفق الملك المعظم، والسلطان جلال الدين، ومظفر الدين ابن زين الذين، وصاروا يداً واحدة، وقع الاتفاق بينهم على أن يقصد مظفر الدين صاحب إربل بدر الدين صاحب الموصل، ويحصر بلاده؛ ويقصد جلال الدين خلاط وأعمال الملك الأشرف ليشتغل كل منهما بنفسه، ويقصد الملك المعظم حمص وحماة ويحاصرهما، وكان الملك المجاهد أسد الدين [33] شيركوه صاحب حمص والملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور صاحب حماة والحلبيون كلهم منتمون

(3)

إلى خدمة الملك الأشرف، ولم يكن أحد من البيت الأيوبى منتميا إلى الملك المعظم إلا الملك الأمجد بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك

(4)

، والملك الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب بصرى

(5)

والسواد

(6)

، والملك العزيز عثمان ابنا الملك العادل، وكان هذان ملازمين خدمة أخيهما لا يفارقانه، والذى قوى طمع المعظم أن أخاه الملك الكامل كان خائفاً من جنده إذا خرج من مصر بعساكره، وأرسل إليه الملك المعظم مرارًا يقول له: إن قصدتنى لم آخذك إلا بعسكرك. فوقع عند الملك

(1)

التركمان الإيوانية: التركمان من عشائر قضاء الرقة بمحافظة الفرات بسورية. تعد 300 بيت، وحوالى 150 خيمة، منازلها على الضفة الشرقية للبليخ، جنوبى عشيرة المشهور، وبين قريتى تل حمام وسلوك، وهذه العشيرة وإن كانت تركمانية اللحم والدم، لكنها مستعربة تماما، وتعد من العشائر التى تتعاطى الزراعة ألف شاة وألف ومائتان. والتركمان أيضا من قبائل الجولان أحد أقضية محافظة دمشق، جاءت من بلاد التركمان إلى سورية في أوائل القرن السابع عشر، وتعد 300 خيمة ولديها 15000 من الغنم، وتقيم في القرى الآتية: خرية، حفر، عين عيش، حسينى، كافر، سنديانة، غديرى، مُغير، وغيرها، والإيوانية: نسبة إلى إيوان كسرى.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 425؛ معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، عمر رضا كحَالة، ج 1، ص 117 - ص 118.

(2)

انظر: الكامل، ج 12، ص 462 - ص 463؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 202؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 121.

(3)

"منتمين" كذا في الأصل، وما أثبتناه هو الصحيح لغة.

(4)

بعلبك: مدينة قديمة بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، وقيل: اثنا عشر فرسخا من جهة الساحل.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 673.

(5)

بُصْرَى: في موضعين، إحداهما بالشام من أعمال دمشق وهى قصبة كورة حَوْران، والثانية بصرى من قرى بغداد قرب عُكْبرَاء.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 654.

(6)

السواد: موضعان أحدهما نواحى قرب البلقاء، والثانى يراد به رستاق العراق وضياعها التى افتتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 174.

ص: 139

الكامل وهم من ذلك، ولم يجسر على الخروج من مصر، وصمم المعظم على قصد حماة وحمص، ورأى البداية بحمص فسير أولا جماعة من عرب دمشق، فأغاروا على قرى حمص، فنهبوها وأخربوها، ووصل من جهة الملك الأشرف الأمير مانع بن حُدَيثهَ أميرآل فضل

(1)

في جموع كثيرة من العرب، لإنجاد الملك المجاهد أسد الدين شيركوه

(2)

، فانتهبوا قرى المعرة

(3)

وحماة، وقسموا البيادر

(4)

، ثم خرج الملك المعظم من دمشق في عساكره، ولما وصل إلى حمص اندفع مانع وعربُ حلبَ والجزيرة إلى قنسرين، ثم نزلوا قراحصار

(5)

، ثم تركوا أظعانهم بمرج دابق

(6)

، وساروا جريدة إلى أرض حمص، فوقعت بين عرب مانع وعرب دمشق عدة وقعات. وجرَّد الأتابك شهاب الدين طغريل عسكراً من حلب نجدةً لصاحب حمص، فوصلوا إليها قبل أن ينازلها المعظم، واتفق أن توافى العسكران، فتواقعوا واقتتلوا، ثم دخلوا إلى حمص، وكان الملك الأشرف نازلا بالرقَّة

(7)

، وجاءه الخبر بحركة السلطان علاء

(8)

الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقى - صاحب بلاد الروم - إلى جهة آمد، وصاحبها الملك المسعود بن

(1)

آل فضل: هم بنو فضل بن ربيعة وهم عدة بطون من طي من القحطانية، ومنازلهم من حمص إلى قلعة جعبر إلى. الرحبة آخذين على شقى الفرات وأطراف العراق إلى البصرة.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 177، حاشية (3).

(2)

أسد الدين شيركوه: هو أسد الدين شيركوه بن الملك المنصور، أبو الحارث شيركوه بن شاذى بن مروان، وُلد سنة تسع وستين وخمسمائة، وتوفى يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رجب سنة سبع وثلاثين وستمائة بحمص، ودفن في تربته داخل البلد.

انظر: وفيات الأعيان، ج 2، ص 480.

(3)

المعرة: هي معرة مصريين وهى بليدة وكورة بنواحى حلب.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 574.

(4)

البيادر: جمع بيدر وهو الموضع الذى تدرس فيه الغلال. لسان العرب، مادة (بدر).

(5)

قراحصار أو (قرى حصار):

(الحصن الأسود) وهو اسم يطلق على أماكن كثيرة مختلفة بآسيا الصغرى مثل قرى حصار صاحب، وقرى حصار شرقى، وقرى حصار بهرامشاه، وكل هذه الأماكن من الصعب الوصول إليها أحيانا، ويحتمل أن تكون قد شيدت كمأوى لبعض جماعات السكان وقت الحروب في آسيا الصغرى.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 177، حاشية (6).

(6)

مرج دابق: المرج هو الأرض الواسعة فيها نبت كثير تُمْرَج فيها الدواب، وأصل المرج الفلق، ودابق قرية قرب حلب من أعمال عَزّاز بينها وبين حلب أربعة فراسخ.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 487، ج 2، ص 513.

(7)

الرقة: مدينة مشهورة على الفرات وهى في بلاد الجزيرة بالعراق.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 802 - 804.

(8)

علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق بن دقاق السلجوقى صاحب الروم، توفى سنة 634 هـ.

انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 83؛ عقد الجمان (العصر الأيوبى)، ج 2، ص 256.

ص: 140

الملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق، وأنه استولى من بلاده على حصن منصور

(1)

والكختين

(2)

. فسيَّر الملك الأشرف نجدة إلى صاحب [34] آمد فالتقاهم عسكر السلطان علاء الدين فهزمهم، فرحل الملك الأشرف إلى حران وخرج من بقي من عسكر حلب إلى حاضر قنسرين

(3)

لإنجاد الملك المجاهد صاحب حمص. وأخرب الملك المعظم قرايا حمص ومزارعها، وامتدَّت غاراته إلى سلميَّة

(4)

، وهى للملك المظفر بن المنصور وهو عند الملك الكامل بمصر. وطال مقام الملك المعظم على حمص، ولم ينل من قلعتها ومدينتها غرضاً، ووقع الفناء في عسكره، وماتت دوابّهم، وكثر المرض فيهم، فرحل عن حمص في شهر رمضان من هذه السنة

(5)

.

وفيها قدم الملك الأشرف إلى أخيه المعظم جريدةً قصداً لقطع مادة الشرّ، فالتقاه أخوه المعظم وأظهر السرور به، وضربت البشائر لمقدمه، وأظهر الابتهاج العظيم به، وحكَّمه في خزائنه، وحاله في الباطن يُخالف ما أظهر، والرُّسل مترَددة بينه وبين السلطان جلال الدين خوارزم شاه، ووصل إليه رسوله وصحبته خلعة للمعظم فلبسها، ولما انقضى شهر رمضان خرج المعظم والأشرف إلى المرج متنزهين، وورد إليهما من حلب القاضى بهاء الدين بن شداد

(6)

، ومظفر الدين بن جرديك في طلب تجديد الأيمان للملك العزيز بن الملك الظاهر ولأتابكه شهاب الدين طغريل، ولما وصلا وجدا

(1)

حصن منصور: من أعمال ديار مُضَر في غرب الفرات قرب سميساط وهو منسوب إلى منصور بن جعونة بن الحارث العامرى القيسى. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 278.

(2)

حصن الكختين أوكختا: وهو قلعة عالية البناء حصينة بينها وبين ملطية مسيرة يومين في طرف الحد الشمالى للشام على مرحلة من حصن منصور.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 178، حاشية (7).

(3)

حاضر قنسرين: كان لتنوخ - وهم أصناف من العرب - منذ أول نزولهم بالشام، ولما فتح أبو عبيدة قنسرين دعا أهل حاضرها إلى الإسلام، فأسلم بعضهم، وأقام بعضهم على النصرانية فصالحهم على الجزية، وأن جماعة من أهلها أسلم في خلافة المهدى.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 185.

(4)

سَلَمِيَّة: بلدة في ناحية البرية من أعمال حماة بينهما مسيرة يومين، وكانت تعد من أعمال حمص.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 123.

(5)

ورد هذا الحدث بالتفصيل في الكامل، ج 12، ص 453 - ص 454؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 176 - ص 179؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 137.

(6)

بهاء الدين بن شداد: أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن عُتبة بن محمد بن عتَّاب الأسدى، قاضى حلب، المعروف بابن شداد، الملقب بهاء الدين، الفقيه الشافعى، ولد بالموصل ليلة العاشر من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وتوفى يوم الأربعاء رابع عشر صفر، سنة 632 هـ.

انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 84، ص 100.

ص: 141

الملك الأشرف عند الملك المعظم لا ينفردُ عنه بأمر ولا يتجاسر - لكونه في قبضته - على مخالفته في قليل ولا كثير، ولا يتأنَّى له الانفرادُ عنه، فدامت المراجعات بينهما وبين الأتابك مستمرة مدة شهرين إلى أن ورد خبر نزول السلطان على خلاط، ثم استدعيا رسولى صاحب حلب وحلفا لهما، ورجعا إلى حلب، ثم انتقل الأشرف والمعظم إلى البلاد الغورية

(1)

يُشَتِّيان بها

(2)

.

‌ذكر بقية الحوادث

منها أنه وصلت الخلع من الخليفة الظاهر

(3)

بأمر الله والتقليد إلى السلطان الملك الكامل

(4)

وأولاده الملك المسعود

(5)

والملك الصالح نجم الدين أيوب، وخلعة لوزيره الصاحب

(6)

صفى الدين، وكان السلطان

(7)

قد توفى فأمر السلطان أن يلبسها الفخر سليمان كاتب الإنشاء، ولبس السلطان وأولاده الخلع، وعبروا من باب [35] النصر

(8)

، وشقوا

(1)

البلاد الغورية: يقصد غور الأردن أي القرى والأماكن الواقعة بين بيت المقدس ودمشق انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 181، حاشية (1).

(2)

ورد هذا الحدث بالتفصيل في الكامل، ج 12، ص 463 - ص 464؛ الذيل على الروضتين، ص 148؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 179 - ص 181؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 121.

(3)

الظاهر بأمر الله: هو الخليفة الظاهر بأمر الله بن الناصر، تولى الخلافة عقب وفاة والده سنة (622 هـ)، لكن خلافة الظاهر لم تكمل السنة فقد توفى سنة 623 هـ.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 135، حاشية (2).

(4)

الملك الكامل: أبو المعالى محمد بن الملك العادل أبى بكر الملقب الملك الكامل ناصر الدين صاحب الديار المصرية، توفى بدمشق يوم الأربعاء، ودفن يوم الخميس، وذلك لتسع بقين من شهر رجب سنة 635 هـ بالكلاسة. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 79 - ص 92، الشذرات، ج 5، ص 171 - 173.

(5)

الملك المسعود صلاح الدين يوسف بن الملك الكامل (أطسيس). توفى بمكة في ثالث عشر جمادى الأولى سنة 626 هـ، ومولده في سنة 597 هـ. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 83.

(6)

الوزير الصاحب صفى الدين عبد الله بن أبى الحسن على بن الحسين بن عبد الخالق بن الحسين بن الحسن بن منصور بن إبراهيم بن عمار بن منصور بن على الشيبى أبو محمد المعروف بابن شكر الفقيه الدُميرى المالكى، توفى يوم الجمعة ثامن شعبان وقيل شوال بالقاهرة سنة 622 هـ، ودفن برباطه، وكان مولده بدَمِيْرَة إحدى قرى مصر البحرية في تاسع صفر سنة 548 هـ. انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزى، ج 1 ق 1، ص 219.

(7)

ذكر العيني أن السلطان كان قد توفى، وهذا خطأ، الصحيح أن الصاحب صفى الدين الوزير هو الذى كان توفى في ذلك الوقت. انظر: نهاية الأرب ج 29، ص 135؛ السلوك لمعرفة دول الملوك ج 1 ق 1، ص 219.

(8)

باب النصر: هو شارع الجمالية بحرى القاهرة وينتهى إلى السكة الجديدة تجاه الحسين، وهو أحد أبواب القاهرة التى وضعها جوهر القائد.

انظر: الخطط التوفيقية، ج 2، ص 195.

ص: 142

القاهرة، وخرجوا من باب زويلة

(1)

، وطلعوا إلى قلعة الجبل

(2)

وكان يوما مشهودا

(3)

.

ومنها أن الملك المسعود بن الملك الكامل سافر إلى اليمن بعد أن سأل من أبيه أن يقيم بمصر في خدمته، ويُسلم اليمن لمن يأمر السلطان، فلم يوافقه الكامل على ذلك

(4)

.

وقال بيبرس في تاريخه: وفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة قدم الملك المسعود بن الملك الكامل من الحجاز إلى مصر، ثم عاد إليها، وخرج والده الكامل لوداعه

(5)

، ومضى على طريق السُوَيْس

(6)

إلى قلعة صدر

(7)

، وعيَّد الكامل على الخضراء

(8)

بالقرب من الخَشَبِى

(9)

.

ومنها أنه كان قتال عظيم بين إبْرَنْس أنطاكية وبين الأرمن، وجرت خطوبٌ كثيرة بينهم

(10)

.

(1)

باب زويلة: نسبة إلى قبيلة زويلة وهى من قبائل البربر الواصلين مع جوهر القائد، وكان هناك بابان: باب زويلة الأول، وموضعه عند مسجد ابن البناء الذى كان تسمية العامة مسجد سام بن نوح - وهو زاوية صغيرة، وموضع هذه الزواية مجاور لسبيل محمد على والمعروف باسم سبيل العقادين بشارع المناخلية، وباب زويلة الكبير بناه أمير الجيوش بدر الجمالى في سنة 485 هـ، وهو باقى إلى اليوم، وبينه وبين موقع الباب القديم نحو 130 مترا.

انظر: أخبار مصر، المسبحى، ج 40، ص 88، حاشية (2).

(2)

قلعة الجبل: على تل كبير متصل بجبل المقطم، وهى مطلة على ظاهر القاهرة، وظاهر الفسطاط، وَسَوَّرَ الكامل هذا القلعة.

انظر: النجوم الزاهرة في حُلَى حضرة القاهرة، تحقيق دكتور حسين نصار، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، طبعة ثانية سنة 2000 م، ص 390.

(3)

ورد هذا الخبر بالتفصيل في مفرج الكروب، ج 4، ص 175 - ص 176؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 135؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 121.

(4)

ورد هذا الخبر في نهاية الأرب، ج 29، ص 136.

(5)

وردت كلمة "لوداعه" في المخطوط مكررة.

(6)

السُوَيْسُ: بليد على ساحل بحر القلزم من نواحى مصر، وهو مينا أهل مصر اليوم إلى مكة والمدينة، بينه وبين الفسطاط سبعة أيام. معجم البلدان، ج 3، ص 198.

(7)

قلعة صُدَرُ: قلعة خراب بين القاهرة وأيلة.

معجم البلدان، ج 3، ص 375.

(8)

الخضراء: موضع باليمامة وهى نخيلات. معجم البلدان، ج 2، ص 451.

معجم البلدان، ج 2، ص 451.

(9)

الخَشَبِى: بينه وبين الفسطاط ثلاث مراحل، وهو أول الجِفَار من ناحية مصر، وآخرها من ناحية الشام.

معجم البلدان، ج 2، ص 445.

(10)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 464 - ص 466؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 135 - ص 136؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 121.

ص: 143

ومنها أنه قدم الشيخ محيى

(1)

الدين يوسف بن الشيخ جمال

(2)

الدين بن الجوزى من بغداد فى الرسليَّة إلى الملك المعظم بدمشق، ومعه الخلع والتشاريف لأولاد العادل من الخليفة الظاهر بأمر الله، ومضمون الرسالة نهْيُه عن موالاة جلال الدين خوارزم شاه، فإنه خارجى من عزمه قتال الخليفة وأخذ بغداد منه، فأجابه إلى ذلك، ثم ركب محيى الدين المذكور إلى الملك الكامل بالديار المصرية كما ذكرناه الآن، وكان ذلك أوَّل قدومه إلى الشام ومصر، وحصل له جوائز كثيرة من الملوك منها: كان بناء المدرسة الجوزية

(3)

بالنشابين فى دمشق

(4)

.

ومنها أن السبط صاحب المرآة ولاه الملك المعظم تدريس الشِّبْلية

(5)

بالسفح، وحضر عنده يوم الأجلاس القضاة والأعيان

(6)

.

ومنها أنه كانت زلزلة عظيمة هدمت شيئاً كثيرًا من القرى والقلاع، ذكره ابن الأثير، وذكر أيضا أنه ذُبِحَتْ شاة ببلدهم فوجدوا لحمها مُرّاحتى رأسها وأكارعها

(7)

.

ومنها .................................

(8)

وفيها حج بالناس من العراق ابن أبى فراس، ومن الشام على بن السلار

(9)

.

(1)

الشيخ محيى الدين بن الجوزى الصاحب العلامة سفير الخلافة أبو المحاسن يوسف بن الشيخ أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد التيمى البكرى البغدادى الحنبلى أستاذ دار المستعصم بالله آخر خلفاء بغداد، ووزر للظاهر، ولد سنة 580 هـ، وتوفى سنة 656 هـ شهيدا عند دخول هولاكو إلى بغداد بظاهر سور كلواذا.

انظر: الدارس، ج 2، ص 29 - ص 30؛ الشذرات، ج 5، ص 286.

(2)

جمال الدين بن الجوزى: هو أبو الفرج عبد الرحمن بن أبى الحسن على بن محمد بن على بن عبيد الله بن عبد الله بن حُمّادى بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزى بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بي الصديق -رضى الله عنه- القرشى التيمى البكرى البغدادى الفقيه الحنبلى الواعظ الملقب جمال الدين الحافظ، وكانت ولادته تقريبا سنة ثمان وقيل عشر وخمسمائة، وتوفى ليلة الجمعة ثانى عشر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب حرب.

انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 141 - ص 142.

(3)

المدرسة الجوزية: بسوق القمح بالقرب من الجامع أنشأها محيى الدين بن الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى بعد الثلاثين فى أيام الملك الصالح عماد الدين.

انظر: الدارس فى تاريخ المدارس، ج 2، ص 29.

(4)

ورد هذا الخبر فى الذيل على الروضتين، ص 147؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 175 - ص 176؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 121؛ الدارس فى تاريخ المدارس، ج 2، ص 30.

(5)

الشبلية: هي المدرسة الشبلية البرانية بسفح جبل قاسبون بالقرب من جسر ثورى، بانيها الطواشى شبل الدولة الحسامى سنة 616 هـ، وتوفى سنة 623 هـ.

انظر: الدارس، ج 1، ص 530 - ص 531.

(6)

ورد هذا الخبر فى الذيل على الروضتين، ص 148؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 121؛ المرآة، ج 8، ص 421.

(7)

وردت هذه الأخبار فى الكامل، ج 12، ص 467 - ص 468؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 123.

(8)

بياض بالأصل بمقدار نصف سطر.

(9)

ورد هذا الخبر فى الذيل على الروضتين، ص 148.

ص: 144

‌ذكر من توفى فيها من الأعيان

قاضى القضاة جمال

(1)

الدين يونس بن بدران بن فيروز المصرى، قاضى القضاة بدمشق، كان فقيها كثير الاشتغال، واختصر كتاب "الأم" للشافعى رحمه الله وله كتاب مطول فى الفرائض، وولي تدريس الأمينية

(2)

بعد التقى الضرير الذى قتل نفسه، ولاه إياها الوزير صفى الدين بن شكر، وكان معتنيا بأمره، ثم ولاه وكالة بيت المال بدمشق، وترسل إلى الملوك والخلفاء عن صاحب دمشق، ثم ولاه الملك المعظم قضاء القضاة بدمشق، بعد عزله الركن

(3)

الطاهر، وولاه تدريس العادلية الكبيرة

(4)

، حتى كمل بناؤها، فكان أول من درس بها، وحضر عنده الأعيان كما ذكرنا، وكان يقول أولا درسا فى التفسير حتى أكمل التفسير إلى آخره، ثم توفى عقيب ذلك.

وقال أبو شامة

(5)

: كان حسن الطريقة، لم ينقل عنه ما ينقم عليه بأنه أخذ شيئًا لأحد، وإنما كان ينقم عليه بعض الورثة بمصالحة بيت المال، وأنه استناب ولده التاج محمد، ولم يكن يرضى الطريقة، وأما هو فكان عفيفا فى نفسه، نزها مهيبا. وقال أبوشامة: وكان يدعى أنه قرشى شيبنى، فتكلم الناس فيه بسبب ذلك، وكانت وفاته فى آخر ربيع الأول من هذه السنة، وتولى بعده شمس

(6)

الدين أحمد بن خليل الخُويىّ

(7)

.

(1)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 148؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 138؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 122 - ص 124؛ المرآة، ج 8، ص 424؛ الشذرات، ج 5، ص 112.

(2)

المدرسة الأمينية: قبلى باب الزيادة من أبواب الجامع الأموى المسمى قديما بباب الساعات، وهى شرقى المجاهدية جوار قاسارية القواسين يظهر سوق السلاح، وكان به بابها، وتعرف هذه المحلة قديما بحارة القباب، وقيل إنها أول مدرسة بنيت بدمشق للشافعية، بناها أتابك العساكر بدمشق، ويقال له أمين الدولة سنة ثلاثين وخمسمائة.

انظر: الدارس فى تاريخ المدارس، ج 1، ص 177 - ص 178.

(3)

"الركن الظاهر" فى الأصل، والتصحيح من الذيل على الروضتين، ص 148؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 123.

(4)

العادلية الكبيرة: هي المدرسة العادلية الكبرى داخل دمشق شمالى الجامع بغربى وشرقى الخانقاه الشهابية، وقبلى الجاروخية، وتجاه باب الظاهرية يفصل بينهما طريق، أول من أنشأها نور الدين محمود بن زنكى وتوفى ولم تتم، ثم بنى بعضها الملك العادل سيف الدين، ثم توفى ولم تتم أيضا، فتممها ولده الملك المعظم، وأزال الملك العادل ما بناه نور الدين وعمل مدرسة عظيمة سميت العادلية سنة 615 هـ.

انظر: الدارس فى تاريخ المدارس، ج 1، ص 359.

(5)

الذيل على الروضتين، ص 148.

(6)

القاضى شمس الدين أبو العباس أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى الفقيه الشافعى الخويى قاضى دمشق، توفى يوم السبت سابع شعبان سنة 637 هـ بمدينة دمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون، ومولده فى شوال سنة 583 هـ.

الذيل على الروضتين، ص 148؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 257 - 258.

(7)

الخُرَمِىّ فى الأصل، والتصحيح من الذيل على الروضتين، ص 148؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 257 - ص 258.

ص: 145

وقال ابن كثير

(1)

: ودفن بداره التى فى رأس درب الريحان

(2)

، من ناحية الجامع، ولتربته شباك شرقى المدرسة الصدرية

(3)

اليوم، وقد قال فيه ابن عنين

(4)

الشاعر، وكان هجاء:

ما أقصر المصرى فى فعله

إذ جعل التربةَ فى داره

أراح للأحياء من رحمه

وأبعد الأمواتَ من ناره

البُلْدَجى

(5)

الحنفى مصنف "المختار" فى مذهب أبى حنيفة (رضى الله عنه).

وهو الشيخ الإمام أبو محمد محمود بن مودود بن محمود بن بلدجى الحنفى الموصلى، وله

(6)

بها مدرسة تعرف به، وكان من أبناء الترك، وصار من مشايخ العلماء الحنفية، وله دين متين وشعر حسن، وكانت وفاته بالموصل فى السادس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وله نحو من ثمانين سنة، أقول: ومن تصانيفه المشهورة: كتاب المختار وشرحه الاختيار، ونسبته إلى بلدجى أحد أجداده، وهو اسم تركى بضم الباء الموحدة، وسكون اللام، وفتح الدال المهملة، وكسر الجيم، وفى آخره ياء آخر الحروف ساكنة.

المعتمد

(7)

والى دمشق، "مبارز"

(8)

الدين ابراهيم بن موسى، ولد بالموصل، وقدم الشام فخدم فرخشاه بن شاهشاه بن أيوب، وتقلبت به الأحوال، واستنابه أخو فرخشاه لأمه بدر الدين مودود الشحنة بدمشق، ثم ولاه العادل الشحنكية

(9)

استقلالا، فأحسن

(1)

البداية والنهاية، ج 13، ص 124.

(2)

درب الريحان: من ناحية الجامع المبرور، وهو الجامع الأموى.

انظر: الدارس فى تاريخ المدارس، ج 2، ص 87.

(3)

المدرسة الصدرية: أنشأها صدر الدين أبى الفتح أسعد المنجا التنوضى العدل سنة 630 هـ، وكانت بجوار الجامع فى زقاق الريحان.

انظر: خطط الشام، كرد على، ج 6، ص 99.

(4)

ابن عنين الشاعر: هو أبو المحاسن محمد بن نصر الله بن الحسين بن عُنَينْ الأنصارى الملقب شرف الدين، الكوفى الأصل، الدمشقى المولد الشاعر المشهور، كان خاتمة الشعراء لم يأت بعده مثله، ولد يوم الاثنين تاسع شعبان سنة 549 هـ، وتوفى عشية نهار الاثنين لعشرين من شهر ربيع الأول سنة 563 هـ، ودفن بمسجده الذى أنشأه بأرض المِزّة.

وفيات الأعيان، ج 5، ص 17 - ص 18.

(5)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 125 - ص 126.

(6)

"وتم" فى الأصل، والتصحيح من البداية والنهاية، ج 13، ص 125.

(7)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 150، ص 151، البداية والنهاية، ج 13، ص 124؛ المرآة، ج 8، ص 421، ص 422.

(8)

"المبارك" فى الذيل على الروضتين، ص 150.

(9)

الشحنكية: يقال لها الشحنة، وصاحب الشحنة هو متولى رئاسة الشرطة.

انظر: سعيد عاشور: العصر المماليكي، ص 427.

ص: 146

السياسة، ولطف بالرعية، وكان بين يديه نقيب له يعرف بسويد، من أصدق الناس وأعرفهم بتدبير وقائع الولاية، وكان المعتمد دينا ورعا عفيفا نزها، اصطنع عالما عظيما من النساء والرجال، وستر عليهم كبائر الأحوال، وكانت دمشق وأعمالها فى أيام ولايته لها حرمة ظاهرة، وهى حرة طاهرة.

وفى المرآة

(1)

: ومما جرى له أنه كان فى دمشق رجل فاتك، وإلى جانب بيته قوم لهم ولد صغير، فى أذنيه

(2)

حلق من ذهب، فاغتاله الرجل يوما فخنقه، وأخذ الحلق من أذنه، وأخرجه فى قفة ودفنه بالباب الصغير

(3)

، وفقدته أمه، فاتهمت الرجل، فعذبه المبارز عذابا أليما فلم يقر، فأطلق، وفى قلب المرأة النار من ولدها، فطلقها زوجها، وتزوجت الرجل القاتل وأقامت معه مدة، فقالت له يوما وهى تداعبه: قد مضى الابن وأبوه، وكان منهما ما كان وكان الزوج قد مات، أنت قتلت الصغير. فقال: نعم، وأخذت الحلق ودفنته بالباب الصغير. فقالت: قم فأرنى قبره. فأخذها وخرج بها إلى المقابر، وحفر القبر، فرأت ولدها فلم تتمالك وضربت القاتل بسكين أعدتها له، فشقت بطنه، ودفعته فألقته فى القبر، وجاءت إلى المبارز فحكت له الحكاية فقام وخرج معها إلى القبر، فكشفته له، قال لها: أحسنت والله، ينبغى لنا كلنا أن نشرب لك فتوة.

قال السبط

(4)

: وكان لداره بابان، الكبير عليه الغلمان والنواب، وباب السر فى زقاق آخر، فكان "البوابون"

(5)

إذا مسكوا فى الليل امرأة من بيت معروف وحملوها إليه على حالها، يقول لهم أنزلوا

(6)

حتى أقررها، ثم يقول لها: يابنتى، أنت من بيت كبير، وأهلك رجال معروفون، فما الذى جرأك على هذا؟ فتقول: ياسيدى قضاء الله. فيقول لها: ستر الله عليك، ويبعث

(7)

معها الخادم من باب السر إلى بيتها، فأقام على هذا نحو من أربعين سنة.

(1)

سبط ابن الجوزى، ج 8، ص 421 - ص 422.

(2)

"أذانه" فى الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(3)

الباب الصغير: بدمشق قبلى جامع جراح.

انظر: الدارس فى تاريخ المدارس، ج 1، ص 16، ص 163.

(4)

المرآة، ج 8، ص 422.

(5)

"النواب" كذا فى الأصل، والمثبت من مرآة الزمان، ج 8، ص 422، حيث ينقل عنه العينى.

(6)

"اتركوا" كذا فى الأصل، والمثبت من مرآة الزمان، ج 8، ص 422، حيث ينقل عنه العينى.

(7)

"ونبعث" فى الأصل، والمثبت من مرآة الزمان، ج 8، ص 422، حيث ينقل عنه العينى.

ص: 147

قال السبط

(1)

: وكان فى قلب المعظم له شحناء لأنه كان يشفق عليه ويحفظه فى أماكن يدخل إليها بدمشق فى الليل وهو شاب، فيأمر غلمانه أن يتبعوه من بعيد، وكان العادل فى مصر يكتب إليه بذلك، فلما مات العادل أظهر ما كان فى قلبه منه، فاعتقله مدة فى القلعة، فلم يظهر عليه ولا على أحد من أولاده وحاشيته أنه أخذ من الرعية ما قدره مثقال حبة من خردل، ولاغَيَّرَ ما كان عليه من العفة والأمانة والصلاح والديانة، ثم أنزله من القلعة إلى داره وحجز عليه فيها، وبالغ فى التشديد عليه، وكانت وفاته يوم السبت الحادى والعشرين من ذى القعدة، عن ثمانين سنة، ودفن بجبل قاسيون

(2)

فى التربة التى أنشأها بالجبل.

قال السبط

(3)

: وحكى لى أنه ولى دمشق نيابة عن بدر الدين الشحنة أول ولاية صلاح الدين، ثم استقل بالولاية إلى أن عزل فى سنة سبع عشرة وستمائة، فكانت ولايته نيابة واستقلالا قريبا من خمسين سنة، قالوا: ولم يوجد على المبارز شئ إلا أنه كان يحبس وينسى، فعوقب بمثل ذلك، أقام محبوسا خمس سنين إلا أياما.

قال ابن كثير

(4)

: وتربته مجاورة لمدرسة أبى عمر

(5)

قبلى السوق، وله عند تربته مسجد يعرف به.

شبل

(6)

الدولة كافور الحسامى، نسبة إلى حسام الدين محمد بن لاجين، وَلَد ست الشام، وهو الذى كان مستحثا على عمارة الشامية البرانية

(7)

لمولاته ست الشام

(8)

،

(1)

مرآة الزمان، ج 8، ص 422.

(2)

جبل قاسيون: جبل مشرف على مدينة دمشق، وهو جبل معظم يروى فيه آثار للصالحين.

معجم البلدان، ج 4، ص 13.

(3)

مرآة الزمان، ج 8، ص 422.

(4)

البداية والنهاية، ج 13، ص 124.

(5)

مدرسة أبى عمر: هي المدرسة العمرية الشيخية أى مدرسة الشيخ أبى عمر بالجبل فى وسط دير الحنابلة، بصالحية دمشق، واقفها وبانيها الشيخ أبو عمر الكبير والد قاضى القضاة شمس الدين الحنبلى فى سنة سبع وستمائة.

انظر: الدارس فى تاريخ المدارس، ج 1، ص 501؛ ج 2، ص 100.

(6)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 150؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 125؛ المرآة، ج 8، ص 423؛ الشذرات، ج 5، ص 109.

(7)

المدرسة الشامية البرانية: بالعقيبة بمحلة العونية وهى من مدارس الشافعية، بانيها والدة الملك الصالح اسماعيل، وقيل فى موضع: إن الذى أنشأها ست الشام ابنة نجم الدين أيوب بن شادى بن مروان أخت الملك الناصر صلاح الدين، وهى من أكبر المدارس وأعظمها وأكثرها فقها وأوقافا، وتعرف هذه المدرسة أيضا بالحسامية نسبة إلى حسام الدين بن لاجين المدفون فيها مع والدته ست الشام.

انظر: الدارس فى تاريخ المدارس، ج 1، ص 277.

(8)

ست الشام: الخاتون ست الشام بنت نجم الدين الأيوبى بن شادى بن مروان، وأخت الملك الناصر صلاح الدين والعادل، توفيت يوم الجمعة سادس عشرين ذى القعدة سنة 616 هـ، ودفنت بتربتها التى بمدرستها الشامية.

انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 245؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 92؛ الدارس، ج 1، ص 277 - ص 278؛ الشذرات، ج 5، ص 67.

ص: 148

وهو الذى بنى المدرسة الشبلية للحنفية، والخانقاة

(1)

للصوفية إلى جانبها، وكانت منزله، وأوقف عليها أوقافا جليلة، وبنى القناة والمصنع والساباط، وفتح للناس طريقا من عند المقبرة غربّى الشامية البرانية إلى طريق عين الكرش، ولم يكن للناس لهم طريق إلى الجبل من هناك، إنما كانوا يسلكون من عند مسجد الصفى

(2)

بالعُقيَبة

(3)

وكان خادما عاقلا دينا صالحا مهيبا، له حرمة وافرة فى الدولة، ومنزلة عالية عند الملوك، وكان حنفى المذهب، وله صدقات دارة وإحسان كبير، ودفن بتربته إلى جانب مدرسته المذكورة، وكانت وفاته فى رجب من هذه السنة، وقد سمع الحديث من الشيخ تاج

(4)

الدين الكندى وغيره.

البَدْرُ الجَعْبرى

(5)

، والى قلعة دمشق، مات فى هذه السنة، أقام واليا بها مدة فى أيام المعظم، وخدم الظاهر بحلب وغيره، فحمل إلى بالس

(6)

فدفن عند أهله.

واقف الرواحية

(7)

بدمشق وحلب، أبو القاسم هبة الله المعروف بابن رواحة، من أكابر العدول والتجار أولى الثروة، وبنى بحلب مدرسة

(8)

للشافعية وبدمشق مثلها داخل باب الفراديس

(9)

، ووقف عليها أوقافا حسنة، وقنع بعد ذلك باليسير، وكان يسكن فى

(1)

الخانقاه: جمعها خانقاوات وخنقاهات وهى منزل للصوفية. العصر المملوكى، ص 411.

(2)

"مسجد الصفر" كذا فى الأصل وهو خطأ، والتصحيح من الذيل على الروضتين، ص 150؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 125، الدارس، ج 1، ص 531.

(3)

العُقَيْبَة: تقع فى الجانب الشمالى من دمشق، وهى مدينة مستقلة بذاتها، ذات أبنية جليلة وعمائر ضخمة.

صبح الأعشى، ج 4، ص 94.

(4)

تاج الدين الكندى: هو الشيخ العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندى المقريء النحوى الأديب، توفى سنة 613 هـ / 1216 م.

(5)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 151؛ المرآة، ج 8، ص 423.

(6)

بالس: بلدة بالشام بين حلب والرقة.

معجم البلدان، ج 1، ص 477.

(7)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 149؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 245؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 125؛ الدارس، ج 1، ص 266 - ص 267.

(8)

هي المدرسة الرواحية شرقى مسجد ابن عروة بالجامع الأموى ولصيقه، شمالى جيرون وغربى الدولة وقبلى الشريفية الحنبلية بانيها زكى الدين أبو القاسم التاجر المعروف بابن رواحة وهما مدرستان واحدة بدمشق والأخرى بحلب.

الدارس، ج 1، ص 265 - ص 268.

(9)

باب الفراديس: من أبواب دمشق.

معجم البلدان، ج 3، ص 862.

ص: 149

بيت بالمدرسة الدمشقية، وهو الذى فى إيوانها من الشرق، ويقابله من الغرب خزانة الكتب التى وقفها، وهى كتب جليلة، وكان رحمه الله تام الخلقة طولا وعرضا، إلا أنه كان لا لحية له أصلا، وكان مبجلا عند القضاة، توفى

(1)

فى هذه السنة فى رجب، ودفن بمقابر الصوفية، وكان فوض تدريس مدرسته التى بدمشق والنظر عليها إلى الشيخ تقى الدين بن الصلاح الشهرزورى، وبعد وفاته شهد محيى

(2)

الدين بن عربى الطائى، وتقى الدين خزعل

(3)

النحوى المصرى، ثم المقدسى، ثم الدمشقى، إمام مشهد على بن رواحة بأنه قد عزل الشيخ تقى الدين عن هذه المدرسة، فجرت خطوب طويلة، ولم ينتظم ماراموه من الأمر. وقال أبو شامة

(4)

: وكان ابن الصلاح أسند النظر إلى شخص أسنده ذلك الشخص إلى ولد له، فغلب على وقف المدرسة وتدريسها بغير أهليَّة، ولا استحقاق، ولا أمانة، ولا عدل، ولا اشفاق، والأمر على ذلك إلى الآن، والله المستعان.

قلت: تقى

(5)

الدين خزعل بن عسكر بن خليل الثنائى

(6)

المصرى النحوى، مات أيضا فى رجب أو شعبان من هذه السنة، ودفن بباب الصغير، وكان شيخا حسنا فاضلا مفتيا

(7)

متواضعا.

(1)

ذكر النعيمى فى الدارس فى تاريخ المدارس أن الذهبى فى تاريخه العبر أن الزكى بن رواحه توفى سنة 622 هـ، ج 1، ص 266؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 345.

(2)

محيى الدين بن عربى الطائى: هو العارف بالله محمد بن على بن محمد الحاتمى الطائى الأندلسى، ولد سنة 560 هـ، وتوفى سنة 638 هـ.

الدارس فى تاريخ المدارس، ج 1، ص 266.

(3)

"خزعلى" فى الأصل، والتصحيح من الذيل على الروضتين، ص 149.

(4)

الذيل على الروضتين، ص 149.

(5)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 149؛ الدارس، ج 1، ص 266.

(6)

"السنائى" فى الأصل، والتصحيح من الذيل على الروضتين، ص 149.

(7)

"متقنا" فى الأصل، والتصحيح من الذيل على الروضتين، ص 149.

ص: 150

‌فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الرابعة والعشرين بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله، وصاحب مصر السلطان الملك الكامل بن الملك العادل، وصاحب دمشق الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، ولكنه مات فى هذه السنة على ما نذكره، وصاحب حلب الملك العزيز

(1)

بن الظاهر صلاح الدين، وصاحب الروم السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو، وصاحب البلاد الشرقية الملك الأشرف، ولكنه عند أخيه المعظم على ما نذكره، وصاحب أذربيجان وبعض بلاد الكرج وعراق العجم

(2)

وغيرها السلطان جلال الدين خوارزم شاه بن السلطان علاء الدين

(3)

خوارزم شاه بن تكش، وسلطان الغرب الملك العادل عبد الله بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، ولكنه مات فى هذه السنة، وسلطان البلاد السمرقندية والخوارزمية وما وراء ذلك ومادون ذلك إلى بلاد عراق العجم جنكيزخان، ولكنه "مات فى هذه السنة"

(4)

.

فلنذكر أولا ماجريات بنى أيوب ثم ماجريات جلال الدين خوارزم شاه، ثم نذكر وفيات هؤلاء المذكورين.

‌ذكر ماجريات بنى أيوب

قد ذكرنا الآن أن الملك الأشرف عند أخيه المعظم، ورأى أنه لا خلاص له منه إلا بإجابته إلى مايريده أخوه المعظم، فأجابه مكرها على ما طلبه منه، وحلف له أن يعاضده ويكون معه على أخيهما الملك الكامل، وأن يكون معه على صاحبى حماه

(*) يوافق أوله: 22 ديسمبر 1226 م.

(1)

الملك العزيز بن الظاهر صلاح الدين: هو غياث الدين أبو المظفر محمد بن الملك الظاهر غازى بن صلاح الدين صاحب حلب وسبط الملك العادل، توفى رابع ربيع الأول 634 هـ ودفن بالقلعة، ومولده يوم الخميس خامس ذى الحجة سنة 610 هـ.

وفيات الأعيان، ج 4، ص 10؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 168.

(2)

عراق العجم: هي بلاد خراسان وبلاد الجبل وأصبهان وهمذان والرى وما معهم من البلاد.

انظر: سيرة جلال الدين منكبرتى ص 235، حاشية (1)؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 35.

(3)

علائى فى الأصل، والتصحيح من الشذرات، ج 5، ص 130.

(4)

"ولكنه - فى هـ" كذا فى الأصل، والصحيح ما أثبتناه من البداية والنهاية، ج 13، ص 127؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 113، لاستقامة المعنى.

ص: 151

وحمص، فلما حلف له على ذلك أطلقه المعظم، فرحل الملك الأشرف فى جمادى الآخرة من هذه السنة، وكانت مدة مقامه عند المعظم نحو عشرة أشهر، ولما استقر الأشرف ببلاده رجع عن جميع ماتقرر بينه وبين أخيه المعظم، وتأول فى ذلك فى أيمانه التى حلفها

(1)

أنه كان مكرها عليها، فندم المعظم لتمكينه من الانفصال عنه وسير العرب إلى بلد حمص وحماة فعاثوا فيها

(2)

.

وفى هذه السنة حصلت الوحشة بين الملك الكامل صاحب مصر وبين أخيه الملك المعظم صاحب دمشق لأمور بلغت الكامل عنه، فكتب الكامل إلى الأنبرور

(3)

ملك الألمان بأن يحضر إلى الشام والساحل، ويعطيه البيت المقدس وجميع فتوح صلاح الدين بالساحل، وكتب الملك المعظم إلى جلال الدين خوارزم شاه -وكان قد ملك أخلاط وبلاد أرمينية

(4)

مضافا إلى ما بيده من بلاد العجم المجاورة لأخلاط -يسأله أن ينجده على أخيه الكامل، ويكون هو من جملة المنتمين إليه، ويخطب له، ويضرب له الدنانير والدراهم باسمه، فأجابه إلى ذلك، وسير إليه خلعة لبسها، وشق بها مدينة دمشق، وقطع خطبة الملك الكامل. وبلغ ذلك الكامل فتجهز وخرج بعساكره ليأخذ دمشق من أخيه المعظم، فنزل بلبيس

(5)

والعباسة

(6)

فى شهر رمضان من هذه السنة، فسير إليه المعظم يقول: إنني قد نذرت نذرا لله تعالى أن كل مرحلة ترحل إليها لقصدى أتصدق بألف دينار، فإن جميع عسكرك معى وكتبهم عندى، وأنا ما آخذك إلا بعسكرك، هذا كان فى الباطن، وأما فى الظاهر فقال: أنا مملوكك وما خرجت عن

(1)

"خلفها عليها" كذا فى الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 206 لاستقامة المعنى.

(2)

ورد هذا الخبر فى الذيل على الروضتين، ص 151؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 204 - ص 206؛ المختصر فى أخبار البشر، ج 3، ص 137.

(3)

هو الإمبراطور فردريك الثانى - نهاية الأرب: ج 29، ص 139، حاشية (1).

(4)

بلاد أرمينية: اسم لصقيع عظيم واسع من جهة الشمال، وقيل هما أرمينيتان الكبرى والصغرى، وحَدُّهما من بَرْذَعة إلى باب الأبواب، ومن الجهة الأخرى إلى بلاد الروم وجبل القَبْق وصاحب السرير، وقيل أرمينية الكبرى خلاط ونواحيها، وأرمينية الصغرى تفليس ونواحيها.

معجم البلدان، ج 1، ص 229 - ص 230.

(5)

بلبيس: مدينة بينها وبين فسطاط مصر عشرة فراسخ على طريق الشام.

معجم البلدان، ج 1، ص 712.

(6)

العباسة: هي بليدة أول ما يلقى القاصد لمصر من الشام من الديار المصرية، بينها وبين القاهرة خمسة عشر فرسخا.

معجم البلدان، ج 3، ص 600.

ص: 152

محبتك ولا عن طاعتك، وحاشاك أن تخرج لأجلى لتقاتلنى، وأنا أول من ينجدك ويحضر إلى خدمتك من جميع ملوك الشام والشرق، فأظهر الكامل هذا القول بين الأمراء وعاد الى مستقر ملكه، ثم بلغ الكامل أن المعظم قد نزل على حمص وحاصرها، وأشرف على أخذها، فسير إليه بأن يرحل عنها فرحل عنها، ثم أن الملك الكامل فى هذه السنة قبض على جماعة من الأمراء مماليك أبيه الذين توهم منهم أنهم كاتبوا المعظم، من جملتهم: فخر الدين الطنبا

(1)

، وفخر الدين الفيومى وكان أمير جنداره

(2)

وعشرة أمراء من البحرية العادلية، واعتقلهم وأخذ جميع أموالهم وموجودهم

(3)

.

وفى تاريخ ابن كثير

(4)

: ولما تحقق الملك الكامل اعتضاد

(5)

أخيه المعظم بجلال الدين خوارزم شاه خاف من ذلك، وكاتب الأنبرور ملك الإفرنج فى أن يقدم إلى عكا ليشغل سر أخيه المعظم عما هو فيه، ووعد الأنبرور بأن يعطيه القدس، فسار الأنبرور إلى عكا، وبلغ المعظم ذلك فكاتب أخاه الأشرف واستعطف خاطره.

وقال ابن كثير

(6)

: وقدم رسول الأنبرور عليه اللعنة إلى المعظم يطلب منه ما كان فتحه السلطان صلاح الدين يوسف من بلاد السواحل، فأغلظ له المعظم فى الجواب وقال: قل لصاحبك ما عندى إلا السيف.

وقال أبو شامة

(7)

: قدم رسول الأنبرور ملك الإفرنج البحرية على المعظم بعد اجتماعه بالكامل يطلب منه البلاد التى فتحها عمه صلاح الدين، فأغلظ له، وقال: قل لصاحبك ما أنا مثل الغير

(8)

، ماله عندى سوى السيف.

(1)

"الطينا" فى الأصل، والصحيح ما أثبتناه من نهاية الأرب، ج 29، ص 141.

(2)

أميرجندار: هو الأمر الذى يستأذن على دخول الأمراء للخدمة السلطانية ويدخل أمامه إلى الديوان.

صبح الأعشى، ج 4، ص 20؛ العصر المماليكى، ص 404.

(3)

وردت هذه الأحداث فى نهاية الأرب، ج 29، ص 140 - ص 141.

(4)

بالبحث، لم نجد هذا الحدث فى ابن كثير وإنما وجدناه فى مفرج الكروب، ج 4، ص 206 - ص 207؛ المختصر فى أخبار البشر، ج 3، ص 137 - ص 138.

(5)

"اعتقاد" فى الأصل، والصحيح ما أثبتناه من المختصر فى أخبار البشر، ج 3، ص 137.

(6)

البداية والنهاية، ج 13، ص 126.

(7)

الذيل على الروضتين، ص 151.

(8)

"العزيز" فى الذيل على الروضتين، ص 151.

ص: 153

وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة رجع الملك الناصر داود بن المعظم إلى أبيه من إربل

(1)

صحبة الشيخ شمس الدين الخسرو شاهي تلميد الإمام فخر الدين

(2)

بن الخطيب الرازي، وكان الناصر يقرأ عليه العلوم العقلية، ولما تأكدت الوحشة بين المعظم وأخويه

(3)

الكامل والأشرف، وعلم الكامل انتماءه إلى جلال الدين خوارزم شاه، خاف أن يكون اتفاقهما سببا لزوال الدولة الأيوبية ووبالها، فأرسل الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ إلى الانبرطور فَرْدريك وطلب منه القدوم إلى عكا، ووعده أن يعطيه بعض الفتوح الصلاحي بالساحل ليشتغل بذلك سر المعظم، ويضطر إلى موافقته والدخول في طاعته، فتجهز الأنبرطور تقصد الساحل، وبلغ المعظم ذلك فكاتب الأشرف ولاطفه وراسله في الموافقة، فعاتبه الأشرف على أفعاله التي فعلها معه، وقرعه على ما اعتمد في حق أهله فعاجله قاطع الآجال ومحترم الرجال، ومات المعظم على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى

(4)

.

وفيها دخلت عساكر الملك الأشرف إلى أذربيجان، فملكوا منها مدنا كثيرة، وغنموا أموالا جزيلة، وخرجوا معهم بزوجة الملك جلال الدين بنت طغريل، وكانت تبغضه وتعاديه، فأنزلوها مدينة أخلاط، وسيأتي ما كان من خبرهم في السنة الآتية إن شاء الله تعالى

(5)

.

(1)

إربل: قلعة حصينة ومدينة كبيرة من أعمال الموصل. وأكثر أهلها أكراد وقد استعربوا.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 189.

(2)

الإمام فخر الدين بن الخطيب الرازي: هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن على التيمي البكري الطيرستاني الأصل الرازي المولد، الملقب فخر الدين، المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي، كانت ولادته في 25 رمضان سنة 544 هـ. وقيل 543 هـ بالري، وتوفي يوم الاثنين سنة 606 هـ بمدينة هراة، ودفن آخر النهار في الجبل المصاقب لقرية مزداخان.

وفيات الأعيان، ج 4، ص 298 - ص 252؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 206؛ حاشية (3)؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 21 - ص 22.

(3)

"وأخوته" في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من مفرج الكروب، ج 4، ص 206.

(4)

ورد هذا الحدث في مفرج الكروب، ج 4، ص 206 - ص 207.

(5)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 471؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 207 - ص 208، المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 138، البداية والنهاية، ج 13، ص 126.

ص: 154

وفيها جهز الملك الأشرف أخاه شهاب الدين غازي

(1)

إلى الحج في محمل عظيم يحمل ثقله ستمائة جمل ومعه خمسون هجينا على كل هجين مملوك، فسار من ناحية العراق، وجاء ته هدايا الخليفة إلى أثناء الطريق، وعاد على طريقة التي حج منها

(2)

.

وفي المرآة

(3)

: وجهز الأشرف جهازا عظيما وسار غربى الفرات على قرقيسيا

(4)

، والرحبة

(5)

، وعانة

(6)

، والكيسات، والغمر

(7)

، والعين

(8)

، وسقايا

(9)

، وكلها قرى فيها عيون جارية، ونخل كثير ومنها يجلب التمر إلى الشام، وعبر على كربلاء فزار المشهد، ثم دخل الكوفة وزار مشهد أمير المؤمنين. وبعث إليه الخليفة فرسين وبغلة وألفي دينار، وقال: هذه من ملكي أنفقها في طريق الحج، وأوصى أمير الحاج بخدمته، وتصدق في مكة والمدينة، وعاد إلى

(10)

العراق ولم يصل الكوفة، بل سار غربي الطريق التي سلكها فكاد يهلك هو ومن معه عطشا حتى وصل إلى حران.

(1)

شهاب الدين غازي: هو الملك المظفر شهاب الدين غازي بن العادل، كان فارسا شجاعا وشهما مهيبا وملكا جوادا، وكان صاحب ميافارقين وخلاط وحصن منصور وغير ذلك، توفي سنة 645 هـ.

البداية والنهاية، ج 13، ص 189؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 233.

(2)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 151؛ البداية والنهاية؛ ج 13، ص 129؛ مرآة الزمان، جـ 8، ص 424.

(3)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 424.

(4)

قرقيسيا: بلد على نهر الخابور قرب رحبة مالك بن طوق على ستة فراسخ.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 66.

(5)

الرحبة: قرية من قرى الشام. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 792.

(6)

عانة: بلد مشهور بين الرقة وهيت تعد من أعمال الجزيرة، وهي مشرفة على الفرات قرب حديثة النورة، وبها قلعة حصينة.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 594 - ص 595.

(7)

الغمر: قرية ببلاد الشام. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 813.

(8)

العين: قرية تحت جبل اللكام قرب مرعش.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 756.

(9)

سقايا: وردت في معجم البلدان "السقيا" وهي قرية بينها وبين سميراء أربعة أميال، وهي قرية على باب منبج ذات بساتين كثيرة ومياه جارية. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 104.

(10)

"علي" في الأصل والصحيح ما أثبتناه من الذيل على الروضتين، ص 151؛ مرأة الزمان، ج 8، ص 424.

ص: 155

‌ذكر ماجريات جلال الدين خوارزم شاه بن علاء الدين

وفيها ملك جلال الدين خوارزم شاه مدينتي بيلقان

(1)

وأردويل

(2)

بأعمالهما، وذلك أنه لما قدم من العراق وجدهما خرابا، فبنى عليهما سورا من آجر ترغيبا للرعية في عمارتهما وسكناهما، فعاد أحسن ما يكون من العمارة

(3)

.

وفيها سار جلال إلى العراق والتقى به التتار بظاهر أصفهان

(4)

، وذلك أنه سار إلى تبريز وأقام بها مدة استجماما، فورد الخبر أن التتار على أهبة العبور، فأجمع أمره على العبور إلى أصفهان، وأن لقاءهم أصوب ومن الاحتياط والحزم أقرب، لما فيها من العدة والعديد، فوصلها وجود معه أربعة آلاف فارس صوب الري ودامغان

(5)

برسم اليزك

(6)

، وكانت الأخبار ترد من جهتهم يوما بعد يوم فهم يتأخرون والتتار يتقدمون

(7)

إلى أن عادوا إلى جلال الدين سالمين، وحضر إلى جلال الدين من أعلمه بها في عسكر التتار من المقدمين وهم: تاجن نوين، وتاتاك نوين، وياقو نوين، وأسن طُغان نوين، وياسور نوين، وغيرهم

(8)

، فنزل التتار شرقي أصفهان على مسيرة يوم على قرية تسمى السَّين

(9)

وأشار المنجمون على جلال الدين بمصابرتهم ثلاثة أيام والتقائهم، فلزم المكان يرتقب اليوم الموعود والميقات المضروب، ولما سمع جميع الأمراء والخانات بقرب التتار لجأوا إلى باب السلطان جلال الدين، فدخلوا عليه وهو في صحن الدار، فتحدث معهم في غير

(1)

بيلقان: إحدى مدن أرمينية وهي قرية من شروان،

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 717 - ص 718.

(2)

أردويل أو أردبيل: إحدى مدن أذربيجان بينها وبين تبريز سبعة أيام.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 197.

(3)

انظر: سيرة جلال الدين منكيرتي، ص 222.

(4)

أصفهان: مدينة بأرض فارس. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 292.

(5)

دامغان: مدينة على الطريق بين الري ونيسابور. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 539.

(6)

اليزك: لفظ فارسي معناه الطلائع.

انظر: Dozy:supp. Dict. Ar ؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 105، حاشية (3).

(7)

"يتقدم" في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من سيرة السلطان منكبوتي، ص 232.

(8)

جاءت معظم هذه الأسماء بدون نقط ولذا فإنها تحتمل عدة قراءات كما أن لفظ نوين مغولي ومعناه "الأمير".

انظر: سيرة جلال الدين منكبرتى، ص 232، حاشية (6)؛ صبح الأعشي، ج 4، ص 425.

(9)

السّين: قرية بينها وبين أصفهان أربعة فراسخ.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 332.

ص: 156

حديث التتار استخفافا بهم واستحقارا لأمرهم وتسكينا لقلوب الخانات، وشاورهم فيما يقع عليه الاتفاق من ترتيب المصاف، واستحلفهم أن لا يهربوا ولا يختاروا الحياة على الموت، ثم حلف لهم بذلك من غير استدعاء منهم، وعين لهم يوم المصاف، وأمر باستعراض الرجالة في سلاحهم، وتأهب، وقال أبو الفتح: وأحضر قاضي أصفهان ورئيسها وأمرهما باستعراض الرجالة في السلاح، وعامة أصفهان لاتقاس بعامة سائر البلاد في هذا الباب إذ كانوا يبرزون إلى ظاهرها في الأعياد والنياريز

(1)

بكازَغَنْدات

(2)

من الأطلس مختلفة الأصباغ، ولما رأت التتار أن السلطان جلال الدين أبطأ في الخروج ظنوا أنه خاف وجردوا ألفي فارس إلى جبال اللر

(3)

ليجمعوا من الغارات ما يقوتهم

(4)

مدة الحصار ولما سمع جلال الدين جرد إليهم من عسكره مقدار ثلاثة آلاف فارس فأخذوا عليهم المضايق، وأرسلوا عليهم الصواعق، وعادوا وأحضروا معهم أربع مائة أسير ما بين مأمور وأمير، فسلم السلطان جماعة منهم إلى القاضي والرئيس ليقتلوهم في شوارع المدينة والأسواق، ويتركوا جثثهم هناك، وضرب جلال الدين رقاب الباقين ولما كان اليوم الموعود رتب جلال الدين عساكره، فلما تراءى الجمعان هرب غياث الدين أخوه في ذلك الوقت بعسكره وطائفة من عسكر جلال الدين مقدمهم خردجهان بهلوان إيلجي، وتغافل السلطان عنهم، ووقف التتار مقابل السلطان، وأمر السلطان رجالة اصفهان بالعود إذ أعجبته كثرته بالعدو، وقد رأى عسكره بالنسبة إليهم أضعافًا، وحملت آخر النهار ميسرة السلطان على ميمنة العدو فكسرتها، وركبوا أكتافهم يقتلونهم إلى حدود قاشان

(5)

، ولما رأى انهزامهم وقد جنحت الشمس للغروب ترك الحرب ونزل على حافة

(1)

النياريز: جمع نيروز، وهو عيد فارسي الأصل، ومعناه اليوم الجديد، وقد احتفل به الأقباط والمسلمون فيما بعد، ولاسيما الفاطميون في مصر.

انظر: سيرة جلال الدين منكبرتي، ص 233، حاشية (6).

(2)

"القزاقندات": في سيرة جلال الدين منكيرتي، ص 233، والمفرد "قزاقند" أو "قزاغند" أو "كزاغند" وهو لفظ فارس معناه المعطف القصير يلبس فوق الزردية ويصنع من القطن أو الحرير المبطن المنجد.

انظر: Dozy:supp. Dict. Ar

(3)

" جبال الري": كذا في الأصل والصحيح ما أثبتناه من سيرة منكيرتي، ص 234، وهي اسم لبعض القبائل ولعلها تنتسب إلى جبال اللور أو بلاد اللور الجبلية (لورستان) وتميد بين مدينتي تستر وأصبهان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 255؛ سيرة منكبرني، ص 190، حاشية (2)؛ صبح الأعشي،

ج 4، ص 342 - ص 343.

(4)

"يقوم بهم" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من سيرة منكبرتي، ص 234.

(5)

قاشان: مدينة قرب أصفهان، تذكر مع قم ومنها تجلب الغضائر القاشاني.

انظر: معجم البلدان، ج 4، م 15.

ص: 157

جرف كائن في المعركة

(1)

فأتاه إيلان يرغو مشنعا وقال: قد تمنينا دهرا أن نرزق فيهم يومًا أبيض يذهب فيه غيظ قلوبنا. وفي هذه الليلة تقطع التتار مسيرة يومين، فندم على فواتهم حيث لا تغنى الندامة، وكان التتار لما رأوا

(2)

سواد الليل تجرد شجعانهم وكمنوا حتى عبر جيش السلطان بعد غروب الشمس، فخرج الكمين كالنار، فضربوا الميمنة والقلب، فلم تكن إلا حملة واحدة حتى زلت الأقدام عن مقارها، وثبت الخانات والأمراء أصحاب الميسرة وفاء بالأيمان، فقتلوا ولم يسلم منهم إلا ثلاثة وهم: كوج تكين بهلوان، والحاجب الخاص خان بردي، وأودك أمير آخور، ووقف أخش ملك يقاتل إلى أن استشهد، واستشهد ألب خان وأرتوخان وكحيوقة خان وقزلق خان، ومنكلي بك طاين، وأسر علائي الدُيلة أتان خان صاحب يزد

(3)

، وأخذه واحد من المرتدة فأعطاه صدرًا من المال كان معه فأطلقه، ووقع في ليلته في بئر فمات، ووقف السلطان جلال الدين في القلب وقد تبدد نظامه، وأحاط به العدو من كل صوب، ولم يبق معه إلا أربع عشرة نفسًا من خواص مماليكه، وحمل على التتار فأزاحهم عن الطريق، ونجي بنفسه وتفرقت العساكر المنهزمة، فمنهم من وقع إلى فارس، ومنهم إلى كرمان وإلى أذربيجان، ولما عاين اللعين باينال مقدم التتار ما قد جرى منه أعجبته فروسيته، فحرك المقَرعة وراءه، وقال: سلمت حين سقت. وعادت ميمنة السلطان بعد يومين من جهة قاشان معتقدين أن السلطان بأصفهان، وتفرقت عساكر التتار أيضا، وخفى أمر جلال الدين ثمانية أيام، فلا يدري أميت هو أم حي، وهموا فيمن يقوم بالأمر بعده، وهمت عامة أصفهان بمد الأيادي إلى

(4)

حريم الأصفهانية الخوارزمية وأموالهم، واستمهلهم القاضى إلى العيد ربما يتحقق حال السلطان

(5)

.

قال أبو الفتح: وكان المصاف يوم الثاني والعشرين من رمضان سنة خمس وعشرين وستمائة، وكان الأتابك يغان طايسي لم يخرج من أصفهان يوم المصاف لمرضه، فاتفق

(1)

[ونزل على حافة النهر جرف] كذا في الأصل، والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 235.

(2)

"روا" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه لاستقامة المعني.

(3)

يزد: مدينة متوسطة بين نيسابور وشيراز وأصبهان، معدودة في أعمال فارس.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 1017.

(4)

"إلا" كذا في الأصل، والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 237، لاستقامة المعني.

(5)

ورد هذا الخبر بتصرف في سيرة منكبرتي، ص 232 - ص 237.

ص: 158

القاضي ومن تخلف بها من أرباب الدولة على أنهم إذا صلوا صلاة العيد ولم يحضر السلطان يجلسونه على السرير إذ كان فيه من أسباب الرياسة وأدوات السياسة ما استمالت القلوب إليه، فلما خرج الناس يوم العيد إلى المصلي وصل السلطان وحضر الخطبة، فاعتدوا بعودة عيدًا، وأقام بها عدة أيام إلى أن تراجعت فرق من عساكره المتفرقة، وجازي السلطان ميمنة عسكره بمزايد الرواتب والمراتب، فلقب بكت ملك بأوترخان، وبكتيارون جنكشي بخاص خان، وكي سنقرخان، وأبوبكر ملك بإينام خان، وسار بهم متشرقا نحو الرى، ليزيد التتار نفورا. وجرد عساكره إلى أرض خراسان بريد بذلك انتشار الصيت والقوة وبعد سمعة القدرة، وأما التتار فقد عادوا من أصفهان خائفين وأنهم مع انتصارهم في آخر النهار قد نالت منهم السيوف ما لم تنله من المسلمين فنكص

(1)

التتار على أعقابهم ملعونين، فلم يتخلص منهم إلى ما وراء جيحون إلا قليلا

(2)

.

وفي هذه السنة قتلت الإسماعيلية أميرا كبيرا من أمراء جلال الدين، وكان رجلا خيرا حسن التدبير، وجميل السيرة، بعيدا من الشر، فسار جلال الدين في عساكره إلى بلادهم وخربها من بلاد ألموت

(3)

إلى بلاد كردكوه بخراسان وقتل أهلها وانتقم منهم، لأنهم كانوا قد طمعوا مذ خرج التتار إلى بلاد الإسلام. وقال أبو الفتح المنشيء: لما عاد السلطان جلال الدين من الهند أقطع أميرًا من أمرائه يقال له أورخان ما كان بقي من أرماق نيسابور وأعمالها، وكان نائبه بها يتعرض إلى مايتاخمها من بلاد الإسماعيلية مثل: تون

(4)

، وقاين

(5)

، وقهستان

(6)

، بالنهب والقتل، فورد شخص منهم يلقب بالكمال رسولا على جلال الدين، وكان جلال الدين إذ ذاك بخوي يشكو من نواب أورخان، فأمر جلال الدين وزيره شرف الملك أن ينظر في أمره، فلما سمع أورخان كلام الكمال جذب من حياصته عدة سكاكين، ورماها بين يدي الرسول، وقال: هذه سكاكيننا ولنا من

(1)

"فنكس" كذا في الأصل، والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 238، لاستقامة المعني.

(2)

وردت هذه الأحداث بتصرف في سيرة منكبوتي، ص 237 - ص 248.

(3)

الموت: أهم وأمنع حصون الإسماعيلية في فارس. انظر: سيرة منكبرتي، ص 224، حاشية (4).

(4)

تون: مدينة في نواحي قهستان قرب قاين. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 600.

(5)

قاين: بلد بين نيسابور وأصفهان. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 22.

(6)

قهستان: جبال بين هراة ونيسابور. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 205.

ص: 159

السيوف ما هو أمضى، وليس لكم منها شئ، فعاد الرسول بهذا الجواب، فلما عاد السلطان جلال الدين إلى كنجة وثب بأورخان ثلاثة من الفداوية

(1)

فقتلوه بظاهرها، ودخلوا المدينة والسكاكين بأيديهم، ينادون بشعار علاء الدين

(2)

فوصلوا باب شرف الملك، ودخلوا دار الديوان، فلم يجدوا شرف الملك بها، وكان عند جلال فجرحوا فراشًا له، وخرجوا ينادون بشعارهم، فرجمتهم العوام إلى أن أهلكوهم. وكان قد وصل رسول من الموت من عند الإسماعيلية يسمى بدر الدين أحمد إلى بيلقان قاصدًا باب جلال الدين، فلما جرى الأمر المذكور تحير في أمره، فأرسل كتابا إلى الوزير شرف الملك يستشيره في أمره، فأذن له بالقدوم خوفا من طلب الفداوية إياه، ويعملون معه مثل ماعملوا بأورخان، فورد عليه فأكرمه واهتم بقضاء أشغاله، وكان مضمون رسالته إزالة التعرض عن بلادهم، وكانوا قد استولوا على دامغان في أيام التتار حين خلت عمن يحميها، وجلال الدين كان يطالبهم بتسليمها، واجتهد الوزير شرف الملك على استمرارها بأيديهم، على أن يحملوا إلى خزانة السلطان كل سنة ثلاثين ألف دينار، وكتب لهم بذلك توقيعا، ثم لما سار جلال الدين إلى ناحية أذربيجان والرسول المذكور في صحبة الوزير، يحضر كل يوم مجلسه وسماطه، فلما وصلوا إلى مرج سراة

(3)

ذكر الرسول في بعض مجالس الشرب حين أخذت الكؤوس مأخذها أن لنا في عسكركم هذا جماعة من الفدائية، وقد تمكنوا فصاروا كالواحد من غلمانكم، فمنهم من خدم في اصطبلك، ومنهم من خدم عند مقدم الجاوشية

(4)

للسلطان، فألح شرف الملك الوزير على أن يحضرهم ليبصرهم، وأعطاه منديله علامة الأمان، فأحضر خمسة من الفداوية، وكان الواحد منهم هنديا، شرع يقول لشرف الملك: كنت أقدر يوم كذا في منزل كذا

(1)

الفداوية: وهم الفدائية، وكانت طبقة الفدائيين أهم طبقات المجتمع الإسماعيلي في فارس، إذا كانت الأداة التي يعتمد عليها دعاتهم في القضاء على أعدائهم. وقد مهر الفدائيون في فن التخفي واستعمال السلاح، وإتقان اللغات الأجنبية، وكانوا يقتلون المسلمين ايام الجمع في المساجد، كما كانوا يقتلون المسيحيين في الكنائس علنا.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 229، حاشية (2).

(2)

المقصود علاء الدين محمد الثالث بن حسن الثالث، داعي دعاة الإسماعيلية في فارس: 618/ 653 هـ =1221/ 1255 م.

انظر: سيرة منكبرتي، 229، حاشية (1).

(3)

مرج سراة: وصحتها سرار، وهي إحدى مدن أذربيجان وتقع على مسيرة ثلاثة أيام من مدينة أردبيل في اتجاه تبريز.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 64 - ص 65.

(4)

الجاوشية: ومفردها الجاويش أو الجاووش، ويقال له أيضا الشاويش، وهي لفظ تركي - وكان الجاويشية في نظام دولة المماليك بمصر أربعة من جند الحلقة، ووظيفتهم السير أمام السلطان أو النائب في مواكبه للنداء وتنبيه المارة.

انظر: القلقشندي: صبح الأعشي، ج 4، ص 47، 48، ص 239.

ص: 160

على قتلك، إلا أني كنت أنتظر ورود الأمر بإمضاء العزيمة فيك، فرمي شرف الملك حين سمع كلامة الفرجية

(1)

من ظهره وقعد بينهم بالقميص، وقال: ما فعلت أنا؟ وما يريد علاء الدين مني وأنا مملوكه كما أنا مملوك السلطان؟ وهأنا بين أيديكم فافعلوا ما شئتم، وبالغ في التذلل جدا وبلغ جلال الدين ذلك، فغضب عليه وأنكر تذلله، وسير إليه من خواصه من ألزمه بإحراق هؤلاء الخمسة على باب خيمته، فاستعفي من ذلك فلم يعف، فأمر على كره منه، فأوقدت على باب خيمته نار عظيمة، ورمى أولئك الخمسة فيها فكانوا يحترقون، ويقولون: نحن قرابين المولى علاء الدين إلى أن أحرقوا، وقتل جلال الدين كمال الدين مقدم الجاوشية لاستخدامه الفداوية، لأنه كان أولى الناس بالاحتزاز من ذلك، ورحل من هناك صوب العراق، وتخلف الوزير شرف الملك بأذربيجان. قال أبو الفتح: وتخلفت أنا معه فبينما نحن ببرذعة

(2)

إذ ورد رسول من ألموت بعد أيام يلقب بالصلاح، واجتمع بالوزير وقال له: إنك أحرقت خمسة منا وهم الفداوية، فإن أردت سلامتك أدِّعن كل واحد منهم عشرة آلاف دينار دية، فها له ما سمع وضعف قلبه، فأكرم هذا الرسول وأنعم عليه بإنعام وافر. قال أبو الفتح: وأمرني فكتبت لهم توقيعا ديوانيا بإسقاط عشرة آلاف دينار مستمرة في كل سنة مما تقرر حملها إلى الخزانة السلطانية، وهي ثلاثون ألف دينار كما ذكرناه عن قريب، وعلم الوزير على التوقيع

(3)

. وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة وصل ابن الأتابك المسمي خاموش، وكان أصم أبكم يفهم ويستفهم بالإشارات، ولا يقدر على تفهمه إلا رجل واحد قد رباه، وكان أبوه قد زوجه بصاحبة زوين دُرْ

(4)

وهي من حفدة الأتابك علاء الدين كراية صاحب مراغة، فلما وصل السلطان إلى كنجة منصرفه من خلاط قدم الملك خاموش سمي به لعدم قدرته على النطق، فأحضر في جملة تقادمه حياصة

(5)

كيكاوس ملك الفرس، وفيها عدة جواهر

(1)

الفرجية: من ملابس القضاء والعلماء والأعيان والوزراء، وكانت تلبس فوق الثياب وتكون مفرجة من قدامه من أعلاها إلى أسفلها مزررة بالأزرار أما ما دونهم فكانوا يلبسون الفرجية مفرجة من الخلف.

انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 43 - ص 43.

(2)

برذعة: بلد في أقصى أذربيجان، وهي مدينة أران. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 558.

(3)

وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج 12، ص 470؛ سيرة منكبرني، ص 228 - ص 231؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 126،

(4)

"روبين دز" في سيرة منكبوتي، وهي إحدى القلاع القريبة من مدينة أردويل. انظر: سيرة منكبرتي، ص 222، حاشية (2).

(5)

حياصة: هو حزام العسكريين الذي يسمى "المنطقة" ويوضع فيه السيوف والسكاكين، وكان يصنع من معدن ثمين أفخمها ما كان من الفضة المطلية بالذهب، وصنعت أحيانا من الذهب الخالص المرصع بحجر اليشم.

انظر: ماير، الملابس المملوكية، ص 47 - 50.

ص: 161

نفيسة لا تقَوّم، من جملتها قطعة بذخشان ممسوح على قدر الكف، أفخر ما يكون من الجوهر، فقبلها منه وأضاف إليها قطعا أخر نفائس مما كان عنده، فأخذت منه في آمد "وحُمِلَت إلى جنكيز خان

(1)

، وأقام خاموش الملك عنده مدة، فلم يعتن به إلى أن رثت حاله، وانتكثت حباله، وأعول أهله وعياله، ففارق السلطان من غير إذن إلى علاء الدين صاحب الإسماعيلية، وساقه الموْتُ إلى الموت، فتوفي هناك بعد شهر، ثم سار السلطان إلى كنجة فوثب بأورخان ثلاثة من الفداوية، فقتلوه بظاهرها فذكرت

(2)

بقية القصة مثل ما ذكرناه الآن

(3)

.

قلت: خاموش الذي ذكره هو ابن الأتابك أزبك صاحب أذربيجان، ولم يخلف أزبك ولدا إلا هذا، وكان قد وُلِدَ أصم أبكم على ما ذكرناه. وقال أبو الفتح المنشئ: كان اسم كيكاوس على ذلك البذخشاني، والسلطان جلال الدين أضاف إلى ذلك قطعا أخرى، وغير الصياغة، وجعل الفص الكيكاوسي واسطتها، وكان السلطان يشدها في وسطه في الأعياد لا غير إلى أن كبسه التتار في آمد في شوال سنة ثمان وعشرين وستمائة، فظفروا بالحياصة وسائر الجواهر، وحملت إلى ابن

(4)

جنكيزخان الذي يسمى خاقان

(5)

.

وأما وزير جلال الدين الذي ذكرناه فهو فخر الدين بن على بن أبي القاسم الجندى، ويلقب بشرف الملك خواجة

(6)

جهان، كان نائبا عن المستوفي

(7)

بديوان الجند

(8)

، ثم

(1)

ورد في سيرة منكبرتي "وحمِلُت إلى الخاقان ابن جنكيزخان" ص 223.

(2)

"ذكر" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(3)

وردت هذه الأحداث بتصرف في سيرة منكبوتي، ص 223 - 226.

(4)

ابن جنكيزخان: هو الخاقان أجتاي (اكتاي): 624/ 639 هـ = 1227/ 1241 م.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 222، حاشية (4).

(5)

وردت هذه الأحداث بتصرف في مسيرة منكبرتي، ص 223 - 224.

(6)

خواجاجهان: أي سيد العالم وهي عبارة فارسية.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 82، حاشية (3).

(7)

المتوفي: من كُتّاب الأموال بالدواوين، وعمله ضبط الديوان التابع له والتنبيه على ما فيه مصلحة من استخراج أمواله ونحو ذلك. وقد بقي اسم المستوفي في بلاد فارس إلى القرن التاسع عشر الميلادي، وكان يطلق على كبار كُتَّاب المالية. انظر: سيرة منكبرتي، ص 183، حاشية (5).

(8)

ديوان الجند: الديوان كلمة فارسية معناها سجل أو دفتر، ثم تطور استعمال هذا اللفظ فأطلق من باب المجاز على المكان الذي تحفظ فيه السجلات الخاصة بأمور الدولة المختلفة. وقد اقتبس عمر بن الخطاب نظام الدواوين في الدولة الإسلامية بعد أن اتسعت الفتوحات في عهده وأصبحت الحاجة ماسة إلى ضبط أمور الدولة، فأنشأ ديوان الجند لكتابة أسماء الجند.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 49، حاشية (1).

ص: 162

تولي استقلالا، ثم ترتب في جملة الحجاب

(1)

، وكان ذا لسان جليد

(2)

، مقداما على السلطان، فصيحا في اللغة التركية، واستمر به الحال في الحجوبية إلى أن جرت قضية ماء السند على ما ذكرناه، فهلكت أرباب الدولة، وساعدته المقادير إلى أن توزر، ونال عند السلطان ما لم ينله أحد، وكان لجلال الدين وزير بالعراق يقال له شرف الدين على ابن الفضل، من رؤساء تفرش وهي كورة من كور العراق، وكان مستوفي العراق عند السلطان محمد بن غُورسا، ونكب في أيام غياث الدين، ولما طلع جلال الدين من الهند وصَفَا له مُلك العراق بادر إلى خدمته، فاستوزره في جميع العراق، وحَكَّمه في الرقاب والأموال، ولم يتول حكم العراق بأسرها وزير قبله بَل كان في كل مدينة وزير، ثم اتفق وزير الري نظام الدين، ومستوفيهما أوحد الدين، وقاضي أصفهان ركن الدين مسعود بن صاعد على مرافقته والطعن عليه، وواطأهم شرف الملك، فأمر جلال الدين أن يعقد شرف الملك لهم مجلسًا يسمع فيه مرافعتهم بحضرة سائر أرباب المناصب بالديوان، وجلس السلطان ينظر إليهم من شبابك يسمع مقالتهم وهم لا يعلمون. ولما علم شرف الدين بأن شرف الملك الوزير يواطئهم على ما اتفقوا عليه من المرافعة حسدًا ومكرا، أرضى السلطان في السير بمائة ألف دينار يحملها إلى الخزانة على أنه لا يقبل قولهم فيه، وكان السفير في ذلك ملك الخواص تاج الدين قليج، فرضي السلطان بذلك وأولئك لا يعلمون [ولا]

(3)

يدرون، ولم يقم شرف الدين من مجلسه إلا وهو مستمر على ما كان عليه من الحكم والجاه بعامة مدن العراق، وكاد شرف الملك الوزير أن يموت كمدًا، ورسم السلطان على المذكورين المرافعين يطالب كل واحد منهم بعشرين ألف دينار وثلاثين ألف دينار

(4)

. وقد وعدنا أن نذكر بعد ماجريات بني أيوب، وماجريات جلال الدين، وفاة الملك المعظم، ووفاة سلطان الغرب، وهلاك جنكيز خان عليه اللعنة.

(1)

الحجَّاب: مفردها حاجب، وقد كانت الحجابة من أهم مميزات السلطنة عند الخوارزمين وخاصة في أواخر أيامهم إذ كان للخوارزميين حجاب مهمتهم حجب السلطان عن العامة وغلق بابه دونهم أو فتحه لهم في الأوقات المناسبة وليس هناك من شك في أن تمسك الحكام بالحجابة كما يرى ابن خلدون لمن أقوى الأدلة على ضعفهم.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 62، حاشية (2).

(2)

جليد: ذو قوة وصبر، والجليد ما يجمد على الأرض من الماء، جلده جلدا أي السياط ضربه بها. المنجد، مادة (جلد).

(3)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرتي، ص 226، لاستقامة المعنى.

(4)

وردت هذه الأحداث بتصرف في سيرة منكبرتي، ص 225 - ص 227.

ص: 163

‌ذكر وفاة الملك المعظم

والكلام فيه على أنواع، الأول: في ترجمته: هو شرف الدين عيسى الملقب بالملك المعظم ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق والشام، وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ويقال: ولد في سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة، ونشأ بالشام، وكان استقلاله بالملك لما توفي أبوه العادل سنة خمس عشرة وستمائة، وكانت مدة ملكة دمشق تسع سنين وشهورا

(1)

.

وفي المرآة

(2)

: وفي سنة أربع وعشرين وستمائة توفى الملك المعظم عيسي بن العادل، العالم، الفقيه، الفاضل، المجاهد في سبيل الله، الغازى النحوى اللغوي، ولد بالقاهرة في سنة ست وسبعين وخمسمائة، ونشأ بالشام، وقرأ القرآن، وتفقه على مذهب أبي حنيفة على فخر الدين الرازي، وحفظ المسعودي، واعتنى بالجامع الكبير، وقرأ الأدب على تاج الدين الكندي

(3)

، فأخذ عنه كتاب سيبويه وشرحه للسيرافي، والحجة في القراءات لأبي على الفارسي، والحماسة، وقرأ عليه الإيضاح

(4)

لأبي على حِفْظَا، وسمع مسند أحمد بن حنبل بدمشق، وعلي ابن طبرزد أشياء من مسموعاته، وسمع السيرة لابن هشام علي ابن المحلي بمصر، وغير ذلك، وشرح الجامع الكبير، وصنف كتاب الرد على الخطيب والعروض، وله ديوان شعر، ومع تصنيفه للعروض ما كان يقيم وزن الشعر في بعض الأوقات.

قال السبط

(5)

: فكنت أقول له: فيك ضرب من النبؤة، وما علمناه الشعر.

(1)

وردت هذه الأحداث: في الكامل، ج 12، ص 471 - ص 472؛ الذيل على الروضتين، ص 152؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 494 - ص 496؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 208؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 138؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 143؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 130؛ مرآة الزمان، ج 9، ص 424 - ص 425؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 115.

(2)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 425.

(3)

تاج الدين الكندى: هو الشيخ العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي المقرئ النحوي الأديب. توفي سنة 613 هـ/ 1216 م.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 95 - ص 99؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 339؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 78 - ص 81.

(4)

"الإفصاح" كذا في الأصل، والتصحيح من مرآة الزمان، ج 8، ص 425 حيث ينقل عنه العيني.

(5)

المرأة، ج 8، ص 425.

ص: 164

وفي تاريخ المؤيد

(1)

: وكان عالما فاضلا في الفقه والنحو، وكان شيخه في النحو تاج الدين زيد بن الحسن الكندي، وفي الفقه جمال الدين الحصيري

(2)

وكان حنفيا متعصبا لمذهبه، وخالف جميع أهل بيته، فإنهم كانوا شافعية.

وقال ابن خلكان

(3)

: وعوقب في ذلك، وقيل له: لم خالفت آباءك وأهلك؟ فقال: أما ترضون أن يكون في بني أيوب مسلم واحد.

وقال صاحب

(4)

الطبقات الحنفية: كان الخطيب شنع على أبي حنيفة رضي الله عنه وصنف كتابًا، ورد عليه المعظم، فصنف كتابًا سماه:"السهم المصيب في الرد على الخطيب"، وكان لائقا بالرد؛ ذكر ما لا يليق ذكره، فلم يصبر عليه المعظم لحسن اعتقاده في أبي حنيفة رضي الله عنه.

وقال ابن كثير

(5)

: اشتغل المعظم في الفقه على الحصيري مدرس النورية

(6)

، وكان محفوظه كتاب المفصل للزمخشري، وكان يجيز من حفظه بثلاثين دينارا.

وقال ابن خلكان

(7)

: وقيل: إنه كان قد شرط لمن يحفظ المفصل مائة دينار وخلعة، فحفظ لهذا السبب جماعة، ورأيت بدمشق والناس يقولون: إن سبب حفظهم له كان هذا.

وكان قد أمر أن يجمع له كتاب في اللغة يشمل الصحاح للجوهري، والجمهرة لابن دريد، والتهذيب للأزهري وغير ذلك، وأمر أن يرتب له مسند الإمام أحمد بن حنبل، وكان يحب العلماء ويكرمهم، واجتهد في متابعة الخير، ويقول: أنا على عقيدة الطحاوي

(8)

.

(1)

المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 138.

(2)

جمال الدين الحصبري: شيخ الحنفية أبو المحامد محمود بن أحمد بن عبد السيد البخاري، ولد ببخارا سنة 546 هـ في رجب، وتوفي ليلة الأحد الثامن من صفر سنة 636 هـ بدمشق، ودفن بمقبرة الصوفية خارج باب النصر.

وفيات الأعيان، ج 4، ص 259؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 259؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 182.

(3)

بالبحث لم نجد هذا القول في ابن خلكان، وفيات الأعيان ولكن وجدناه يتصرف في مفرج الكروب، ج 4 ص 211.

(4)

بالبحث لم تجد هذا القول في الطبقات الحنفية ولكن وجدناه بتصرف في مفرج الكروب، ج 4، ص 212.

(5)

البداية والنهاية، ج 13، ص 130 - ص 131.

(6)

المدرسة النورية: المقصود بها النورية الكبرى، وهي بخط الخواصين، أنشأها الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن أقسنقر في سنة 563 هـ. وفيه نظر إنما أنشأها ولده الملك الصالح إسماعيل. الدارس، ج 1، ص 606 - ص 207.

(7)

وفيات الأعيان، ج 3، ص 495.

(8)

ورد هذه الخبر في الكامل، ج 12، ص 472؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 131.

ص: 165

الثاني في سيرته: كان شجاعا مقداما، كثير الحياء، متواضعا، مليح الصورة، ضحوكا، غيورا، جوادًا، حسن العشرة، محافظا على الصحبة والمودة

(1)

.

وفي المرآة

(2)

: وكان بالبلقاء رجل من بني مهدي يقال له: نصار يُشْعِر على عادة العرب. مدح المعظم بقصيدة يقول فيها:

حمى من أوهام الزمان علامة

عزيز إذا ما الدهر كرّجفاه

فكان يتعجب من قوله كرجفاه، وكان قد توجه إلى أخيه الكامل في سنة سبع أو تسع وستمائة، والكامل في الإسكندرية فركب فرسًا واحدًا ووصل من دمشق إلى الإسكندرية في ثمانية أيام، فخرج الكامل فالتقاه وترجلا واعتنقا، وكان البهاء بن التبني على دار الزكاة فقدم البدر بن المسحف الشاعر من الشرق ومعه قماش كثير، فعسفه ابن التّبني، فكتب أبن المسحف إلى المعظم هذه الأبيات:

أيا ملكا أباد عداه قهرا

وأحيي كل منقبة وفضل

ومن هو المسيح اسما وفعلا

ونصبا للحياة وجزم فعل

يكلفني البهاء زكاة مال

حرام كله من غير حل

وكيف يجود بالزكوات من لا

يحج ولا يصوم ولايصلي

فجد بهبات مالكم فإني

أجل زكاتكم عن مال مثلى

فكتب المعظم على رأسها: يؤخذ منه العشر.

وفي المرأة

(3)

: وإذا خرج إلى الغزاة لاينام إلا على حل الطرح، وزرديته

(4)

مخدته، ولا يقطع الاشتغال بالقرآن

(5)

والجامع الكبير، وسيبويه، وكان دائما يركب، فإذا نزل مد السماط، فإذا أكل السماط الناس قضى الحوائج إلى الظهر، وكان في أيام الفتح مع الفرنج يرتب النيران على الجبال من باب نابلس إلى عكا، وعلى عكا جبل قريب منها يقال له: الكَرْمَل، وكان عليه المنورون، وبينهم وبين الجواسيس علامات، وكان له

(1)

ورد هذه الخبر في نهاية الأرب، ج 29، ص 144؛ مراة الزمان، ج 8، ص 425.

(2)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 425.

(3)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 426.

(4)

الزردية: هي قميص من الورد يقوى برقائق من المعدن تتداخل أطرافه بعضها فوق بعض.

انظر: ماير، الملابس المملوكية، ص 68.

(5)

[القراءة] كذا في الأصل، والمثبت من سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 426 حيث ينقل عنه العيني.

وانظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 144.

ص: 166

في عكا أصحاب أخبار، وأكثرهم نساء الخيالة، وكانت طاقاتهن في قبالة الكَرْمَل، فإذا عزم الفرنج على الغارة فتحت المرأة الطاقة، فإن كان يخرج مائة فارس أوقدت المرأة شمعة واحدة، وإن كانوا مائتين شمعتين، وإن كانوا يريدون قصد حوران أو ناحية دمشق أشارت إلى تلك الناحية، وكذا إلى نابلس، وكان قد ضيق على الفرنج الطريق، إذا قصد وجهة سبق إليها بعسكره، وكان يعطى النساء والجواسيس في كل فتح جملة كثيرة.

قال السبط

(1)

: وكان المعظم قد أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهب أبي حنيفة دون صاحبيه

(2)

، فجردوا له المذهب في عشر مجلدات وسماه التذكرة، فكان لا يفارقه سفرًا وحضرًا، يطالعه دائما، فكتب على ظهر كل مجلد: أنهاه حفظا عيسي بن أبي بكر بن أيوب فقلت له: ربما يؤخذ هذا عليك؛ لأن أكبر مدرس في الشام يحفظ القدوري

(3)

مع تفرغه، وأنت مشغول بتدبير الممالك تكتب بخطك على عشر مجلدات إنك قد حفظتها. فقال: ليس الاعتبار بالألفاظ وإنما الاعتبار بالمعاني، بسم الله سلوني عن جميع مسأئلها، فإن قصرت كان الصحيح معكم، وإلا فسلموا إلى ما قلت.

وفي تاريخ بيبرس: وكان شديد البأس، وكان أخوه الكامل يخافه ويداريه، وهو أيضا كان يداري أخاه الكامل، ويخطب له على منابر بلاده، ولا يذكر اسمه معه، ويضرب السكة باسمه، ويداري أخاه الأشرف، ويؤلب عليه جلال الدين خوارزم شاه في الباطن، وكان مع شهامته وعظم هيبته قليل التكلف جدًا، لايركب بالسناجق السلطانية في غالب أوقاته، بل يركب في جمع قليل، وعليه قباء

(4)

أبيض وكلوته صفراء بلا شاش، ويتخرق الأسواق ولا يُطَرَّق بين يديه، ولقد زار البيت المقدس، ودخل الجامع الأقصى، وكان الرجال والنساء والصبيان يزاحمونه ولا يردهم أحد عنه، ولما كثر منه هذا ضربت به الأمثال فكان الإنسان إذا فعل فعلا لا تكلف فيه قيل: قد فعل فعلا [54] معظميا

(5)

.

(1)

مرآة الزمان، ج 8، ص 426.

(2)

يقصد بذلك أن يُجددوا آراء أبي حنيفة وحده دون آراء صاحبيه محمد وأبي يوسف، أي يجمعوها وحدها في مؤلف.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 146، حاشية (2).

(3)

اسم كتاب مشهور من موجزات الفقه على المذهب الحنفي.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 146.

(4)

قباء: جمعها أقبية وهو ثوب له أكمام ضيفة.

انظر: ماير، الملابس المملوكية، ص 25.

(5)

لمعرفة المزيد من المعلومات عن هذه الأحداث.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 209 - ص 217.

ص: 167

(الثالث) في مآثره: قال بيبرس: اعتنى بأرض الحجاز، فبني حمامين بمعان للرجال والنساء، وأقام لهم الضيافة عند رواحهم إلى مكة ومجيئهم، وزرع طريق الحجاز من باب الجابية إلى مكة، وحفر البرك والمصانع، وأوقف على الحاج ضياعا بالساحل، وعلى المدارس، وأخذ قلعة العلي من بني صخر لما حج سنة إحدى عشرة وستمائة، ورتب فيها جماعة، وعمر المساجد عند جعفر

(1)

الطيار، وأقام الضيافات للزوار، وبني سور دمشق، وله آثار كثيرة ومآثر مشهورة

(2)

.

وفي المرأة

(3)

: بنى مدرسة

(4)

بقاسيون

(5)

، ودفن فيها والدته وأخاه المغيث، ومدرسة بالقدس

(6)

، ودار الضيف، وبني الطارمة

(7)

التي على الباب الحديدة

(8)

والطيارة

(9)

التي عند باب السر

(10)

المشرفة على دار المعظم

(11)

العتيقة، وبني الخان على باب الجابية.

(الرابع) في وفاته: كان قد جهز العساكر إلى نابلس خوفًا من اتفاق الأنبرور مع أخيه الكامل، ومرض في نصف شوال، وكان عنده رسل الخوارزمي

(12)

.

(1)

جعفر الطيار: من منازل طريق الحج بين دمشق والمدينة.

انظر: الدارس، ج 1، ص 584، حاشية (3).

(2)

وردت هذه الأحداث في مرآة الزمان، ج 8، ص 429.

(3)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 429؛ الدارس، ج 1، ص 584.

(4)

المدرسة المعظمية: بالصالحية بسفح قاسيون الغربي جوار المدرسة العزيزية، أنشئت في سنة 621 هـ.

انظر: الدارس، ج 1، ص 579.

(5)

قاسيون: هو الجبل المشرف على مدينة دمشق، وفيه آثار الأنبياء، وهو جبل معظم مقدس.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 12.

(6)

مدرسة بالقدس: وهي المدرسة المعظمية وقف الملك المعظم عيسي مقابل باب شرف الأنبياء المعروف بباب الدويدارية، تاريخ وقفها سنة 660 هـ، وهي معمورة، وكان يدرس فيها الخالدية خصوصا الكافية والهداية.

انظر: خطط الشام، ج 6، ص 123.

(7)

الطارمة: بيت من الخشب كالقبة. وهو دخيل أعجمي مُعَرَب؛ لسان العرب، مادة (طرم).

(8)

الباب الحديد: خاص بالقلعة التي أحدثت غربي دمشق في دولة الأتراك، سمي بذلك لأنه كله حديد فقيل الباب ثم تركت الألف واللام تخفيفا. تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 2 ق 1 - خطط دمشق.

(9)

الطيارة: هي دار ضيافة يطلق عليها اسم الطيارة الحمراء على سور باب النقفي في حماة.

انظر: خطط الشام، ج 6 ص 156.

(10)

باب السر: من أبواب دمشق. الدارس، ج 2، ص 54.

(11)

"دار الطعم" كذا في الأصل، والمثبت من مراة الزمان حيث ينقل عنه العيني، ج 8، ص 429؛ ودار المعظم العتيقة بنابلس. مغرج الكروب، ج 4، ص 228.

(12)

ورد هذا الخبر في نهاية الأرب، ج 29، ص 143؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 427.

ص: 168

قال السبط

(1)

: حكي لي نجم الدين بن سلام قال: غرم عليهم في تسعة أشهر تسع مائة ألف درهم، واشتد مرضه وأصابه ذرب عظيم، بحيث أنه رمي قطعة من كبده ومصرانًا، وكثرت الأقوال أنه سُقى السم، واتهم به جماعة، وآخر عهدي به ليلة الجمعة التاسع والعشرين من ذي القعدة، دخلت عليه آخر النهار وعنده ولده الملك الناصر داود، وكريم الدين الخلَّاطى، ويعقوب الحكيم في محفة، قد زمن وقد تغيرت أحواله، وطالع الموت في محاسن وجهه، فبكيت فقال: حاشاك حاشاك. وتحته طراحة خفيفة بندقي ومخدة ولحاف من جنسها، وعلى رأسه كوفية، وعند رأسه صينية إسبادروة فيها تراب، فقلت: لكريم الدين ما هذه؟ قال: يتمم لكل صلاة، وكان المعظم يقول: والله ما فاتني صلاة قط، وتوفي ثالث ساعة من نهار الجمعة أول يوم من ذي الحجة وغسله النجم خليل وكريم الدين يصب عليه، وكان [قد]

(2)

أوصى أن لا يدفن في القلعة، ويخرج إلى الميدان ويصلى عليه، ويدفن بقاسيون على باب تربة والدته تحت الشجرة، فلم تنفذ وصيته، ودفن في القلعة، ثم أخرج بعد ذلك بمدة لما ملك الأشرف دمشق على حال غير مرض

(3)

بين يديه نصف شمعة، والعزيز خليل معه، وبلغني أن الحمالين طلبوا مايربطونه به على النعش، فقيل له: اربطوه بعمامتكم، ودفن مع والدته في القبة عند الباب وفيها أخوه المغيث، وعملنا له العزاء ثلاثة أيام في جامع دمشق، وجرى على الرعية في وفاته ما لم يجر على غيرهم لموت أحد من الملوك، رأيت بنات البيوت اللاتي لم يخرجن قط من خدورهن من أوائل الليل أتين إلى تحت القلعة، قد شققن ثيابهن، ونشرن شعورهن، ومعهن الدرادك

(4)

، فيلطمن عليه، ويقلن: يا صيحة يا معظم. ثم يمشين في الأسواق، ويلطمن إلى الصباح، أقمن على ذلك شهرًا، وكذا في الميادين طول النهار

(5)

.

(1)

مرآة الزمان، ج 8، ص 427.

(2)

ما بين حاصرتين إضافة من السيط الذي ينقل عنه العيني، ج 8، ص 428.

(3)

"مرضي" كذا في الأصل، وما أثبتناه هو الصحيح لغة.

(4)

الدرادك: كلمة فارسية ومعناها جرس.

المعجم الذهبي، فارسي - عربي، د / محمد التونجي، ص 258.

(5)

ورد هذا الخبر في نهاية الأرب، ج 29، ص 143؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 427 - ص 428.

ص: 169

ويقال: إنه مات يوم الجمعة ثامن ساعة من نهاره، سلخ ذي القعدة من هذه السنة، وكان نقله من القلعة إلى جبل الصالحية

(1)

ليلة الثلاثاء مستهل المحرم سنة سبع وعشرين وستمائة

(2)

.

(الخامس) في أولاده: خلف من الأولاد الذكور أربعة، مات أحدهم صغيرًا بعده بقليل، والثلاثة الباقون أحدهم: الملك الناصر أبو المظفر داود

(3)

، وكان يلقب قبل ذلك الملك الحاكم، وهو أكبرهم، ومولده سنة ثلاث وستمائة، وكان عمره لما مات أبوه إحدى وعشرين سنة، وأمه تركية. وثانيهم: الملك المغيث شهاب الدين عبد العزيز، وأمه أيضا تركية، توفي سنة تسع وأربعين وستمائة ببلاد الشرق، وخلف عدة أولاد. وثالثهم: الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك، وأمه رومية. وخلف [الملك

(4)

المعظم بن العادل أيضا] عدة بنات، إحداهن

(5)

التي كان تزوج بها السلطان جلال الدين خوارزم شاه، ولم يتفق حملها إليه

(6)

.

وفي المرآة

(7)

: وكانت له سبع

(8)

بنات، وقيل: تسع عشرة، والله أعلم.

(السادس) في ما ملكه من البلاد وغيره من أحواله: كانت مملكته من حدود حمص إلى العريش، يدخل في ذلك ببلاد الساحل الإسلامية منها وبلاد الغور، وفلسطين، والقدس، والكرك، والشوبك، وصرخد، وغير ذلك

(9)

.

وقال ابن كثير

(10)

: وكان كثيرا ما ينشد:

ومورد الوجنات أغيد خاله

بالحسن من فرط الملاحة عمهُ

كحل الجفون وكأن في ألحاظه

كَحَلٌ فقلت سقى الحُسام وسَمّهُ

(1)

الصالحية: قرية كبيرة ذات أسواق وجامع في لحف جبل قاسيون من غوطة دمشق.

معجم البلدان، ج 3، ص 393.

(2)

ورد هذا الخبر في وفيات الأعيان، ج 3، ص 495.

(3)

"داواد" كذا في الأصل، وما أثبتناه من الكامل، ج 12، ص 472؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 416؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 218؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 143.

(4)

ما بين حاصرتين إضافة من مفرج الكروب، ج 4، ص 219 لتوضيح المعنى.

(5)

"إحديهن" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(6)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 218 - ص 219.

(7)

مرآة الزمان، ج 8، ص 430.

(8)

"تسع بنات، وقيل إحدى عشرة" كذا في الأصل، والمثبت من مرآة الزمان حيث ينقل عنه العيني، ج 8، ص 43.

(9)

ورد هذا الخبر في وفيات الأعيان، ج 3، ص 495.

(10)

ورد هذا الخبر في وفيات الأعيان، ج 3، ص 495، ولم ترد في ابن كثير كما ذكر العيني.

ص: 170

وكان ابن عنين الشاعر صاحبه، وقد مرض، فكتب إليه:

انظر إلى بعين مولي لم يزل

يولي الندى وتلاف قبل تلافي

أنا كالذي يحتاج

(1)

ما أحتاجه

فاغنم ثوابي والثناء الوافي

(2)

فجاء إليه بنفسه يعوُده ومعه صرة فيها ثلاث مائة دينار، فقال: هذه الصلة وأنا العائد، وهذه لو وقعت لأكابر النحاة ومن هو في ممارسته طول عمره لاستعظم منه، ولاسيما مثل هذا الملك

(3)

. ومدحه جماعة من الشعراء المجيدين، وكانت له رغبة في فن الأدب، وكان جيد النظم

(4)

.

وذكر أنه كان نازلا بنابلس مرة وفي معسكره بهاء الدين بن القيسراني، وكان المعظم قد بعث عسكرًا فأغاروا على مدينة قيسارية، وكانت يومئذ بيد الفرنج، فأسروا وقتلوا وعادوا ومعهم أُتْرُجّ وليمُون

(5)

من ثمار قيسارية، فسيَّر منه شيئا إلى ابن القيسراني المذكور، فكتب إلى المعظم:

يأيها الملك المعظم والذي

أضحت له الدنيا تُزف عروسا

أَوْلَيْتَني نعمًا إذا أظهرتُها

للناس أظهر حاسدُوها بُؤسا

فليهنك اليوم الذي قد اطلعت

فيه الكؤوس كواكبا وشموسا

(6)

فكتب إليه المعظم:

يامن تفرَّد بالفضائل دائِبا

أبدًا يؤسس مجدها تأسيسا

لازلت في درج المكارم راقيا

تعلو وربعك بالثنا مأنوسا

(7)

فكتب إليه بهاء الدين مجيبًا:

مدح بمدح يُستطاب ولا أرى

ما بين ذَينِ دراهما وفُلوس

(8)

(1)

"أنا كالذي أحتاج ما تحتاجه" كذا الشطرة الأولى من البيت في وفيات الأعيان، ج 3، ص 496.

(2)

ورد هذان البيتان في وفيات الأعيان، ج 3، ص 496؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 115.

(3)

ورد هذا الخبر في وفيات الأعيان، ج 3، ص 496.

(4)

ورد هذا الخبر في وفيات الأعيان، ج 3، ص 494.

(5)

"لَيْموُ" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 217.

(6)

وردت هذه الأبيات في مفرج الكروب، ج 4، ص 217 - ص 218.

(7)

"محروسا" كذا في مفرج الكروب، ج 4، ص 218.

(8)

ورد هذا البيت في مفرج الكروب، ج 4، ص 218.

ص: 171

فأمر له المعظم بقماش وذهب قيمته ألف دينار صورية

(1)

. وقال للرسول: قل له: فلوس ما بيننا

(2)

.

وفي تاريخ بيبرس: ورثاه شرف الدين بن عنين، ومدح ولده الناصر داود بهذه القصيدة:

يا دهر ويحك ما عدا مما بدا

أرسلت سهمَ الحادثات فأَقصدا

أغمدت سهمَ مرهفا شفراتُه

قد كان في ذات الاله مجردا

فافعل بجهدك ماتشاء فإنني

بعد المعظم لا أبالي بالردي

(3)

ما خلتُه يفنى وأبقى بعده

يا بؤس عيشي

(4)

ما أمرٌ وأنكدا

لهفي على بدر تغسيب في ثَرى

رَمس وبحرٍ في ضريح ألحدا

أبقيت لي يا دهر بعد فراقه

كبدا مقرحة وجفنا أرمدا

وجوي يؤجج بين أثناء الحشا

(5)

نارًا تزايَدُ بالدموع توقُّدا

لو كان خلق بالمكارم والتقى

يبقى لكنت مع الزمان مخلَّدا

أو كان شقُّ الجيب ينقذ من ردي

شقت عليك بنو أبيك الأ كبدُا

أو كان ينجي عنك دفع بالقنا الـ

خطى غادرت الوشيج مُقصدا

ولقد تمنَّت أن يكون فوارسُ

من آل أيوب الكرام لك الفدا

أبكيْتَ حتى نثرةً وطمرة

وحزنت حتى ذابلا ومهندا

كم ليلة قد بت فيها لا تَرى

إلا ظهور الأعوجيَّة مرقدا

تحمي حمى الإسلام منتصرا له

بعزائم تستقرب المستبعدا

ولرُبَّ ملهوف دعاه لحادث

جللٍ فكان جوابه قبل الصدا

ولطالما شمنا بوارق كفه

فهمت سحائبها علينا عَسجدا

(1)

دنانير صورية: هي الدنانير المسكوكة التي يؤتي بها من البلاد الإفرنجية والروم، وهي مشخصة، على أحد وجهيها صورة الملك الذي تضرب في زمنه. ويعبر عنها بالإفرنتية.

انظر: صبح الأعشي، ج 3، ص 437.

(2)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 217، ص 218.

(3)

"الردا" كذا في الأصل، والتصحيح من مفرج الكروب، ج 4، ص 220.

(4)

"دهر" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 220، حاشية (3).

(5)

"الحشى" كذا في الأصل، والتصحيح من مفرج الكروب، ج 4، ص 220.

ص: 172

يا مالكا من بعد فقدى وَجْهَه

جار الزمانُ علىَّ بعدَك واعتدا

اعزز علىَّ بأن يزورك راثيا

من كان زارك بالمدائح مُنْشدا

كم مَوْردٍ ضنك وردت وطعمه

مُر وقد عاف الكماة الموردا

وعزيزَ قوم مترفٍ سربلتُه

ذُلًّا وكان الطاغيَ المتمردا

أركبتَه حلقات أدهم قصَّرَت

عنه الخُطَى من بعد أشقَر أجردا

(1)

لولا دِفَاعُك بالصوارم والقنا

(2)

عن حوزة الإسلام عاد كما بدا

وديار مصر لو وَنَتْ عزماتُه

عن نصرها لتحكمت فيها العدا

ولأمست البيض الحرائرُ بينهم

فيها إماءً والموالى أَعبدا

وأصبحت خيلُ الفرنج مغيرةً

تجتاب ما بين البقيع

(3)

إلى كُدَا

(4)

وبثغر دمياط فكم من بيعةٍ

عُبِد الصليب بها وكانت مسجدا

أجليت

(5)

ليلَ الكفر

(6)

عنها فانطوى

وأنرت في عرصاتها فجر الهدي

ولقد شهدُتك يوم قيسارية

والشمس قد نسج القتام لها ردَا

والكفر معتصمْ بسور مشرف الـ

أبراج أحكم بالصفيح وشُيدا

فجعلتَ عاليها مكان أساسها

وألنت للأخشاب

(7)

فيها الجلمدا

قل للأعادي إن فقدنا سيدا

يحمى الدَمارَ فقد رزقنا

(8)

سيدا

الناصرُ الملك الذي أضحي برو

ح القُدس في كل الأمور مؤيَّدا

أعلى الملوك مَحِلَّةً وأسَرُّهم

رأيا وأشجعهم وأنداهم بدا

ماضي العزائم لا يُرى في رأيه

يوم الكريهة حائرا مترددا

يقظ يكادُ يُريه ثاقبَ رأْيه

في يومه ما سوف يأتيه غدرا

(9)

(1)

"عنه الخُطَى من أشقرا وأجرد" كذا الشطر الثاني في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 221.

(2)

"القني" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 221.

(3)

البقيع: هي مقبرة أهل المدينة، وكذا موضع بأسفل مكة.

معجم البلدان، ج 1، ص 703.

(4)

كُدَا: بأعلى مكة عند المحصب دار النبي صلى الله عليه وسلم من ذي طوى.

معجم البلدان، ج 4، ص 241.

(5)

"جليت" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 222.

(6)

"الفكر" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 222.

(7)

"كالأخشاب" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 222.

(8)

"وجدنا" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 222.

(9)

وردت هذه الأبيات في مفرج الكروب، ج 4، ص 220 - 222.

ص: 173

‌ذكر سلطنة الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم

لما مات والده المعظم في التاريخ المذكور قام في مملكته داود المذكور، وقام بأموره كلها أستادار

(1)

أبيه الأمير عز الدين

(2)

أيبك المعظمي، وكانت بيده صرخِد

(3)

وأعمالها، واستمر في خدمته عماه الملك العزيز عثمان صاحب بانياس وبلادها، وهو شقيق أبيه، والملك الصالح عماد

(4)

الدين اسماعيل، وكانت له بصري

(5)

، والسواد

(6)

، وابن عمه الملك المغيث

(7)

شهاب الدين محمود بن الملك المغيث بن الملك العادل، ونفذت كتبه إلى عمِيه الملك الكامل بمصر والملك الأشرف بالتعزية بأبيه المعظم، فقعد كل منهما في عزائه، ووصل إلى الملك الناصر علاء

(8)

الدين بن شجاع الدين جلدك المظفري التقوي رسولا من السلطان الملك الكامل ومعه الخلعة، وسنجق السلطنة، وكتب إليه بما طيب قلبه، وأقره على ممالك أبيه فلبس خلعة عمه، وركب بالسنجق الواصل إليه

(9)

.

(1)

أستادار: وظيفة من وظائف أرباب السيوف، يتولى صاحبها شئون بيوت السلطان كلها من المطابخ والشراب خاناه والحاشية والغلمان، وله مطلق التصرف في استدعاء ما يحتاجه كل من في بيت السلطان من النفقات والكسوة.

صبح الأعشي، ج 4، ص 20؛ ج 2، ص 457.

(2)

الأمير عز الدين أيبك المعظمي: توفى في أوائل جمادى الأولى من سنة 646 هـ في موضع

اعتقاله بالقاهرة،

ودفن خارج باب النصر في تربة شمس الدولة ثم نقل إلى تربته في مدرسته التي أنشأها ظاهر دمشق على الشرف الأعلى مطلة على الميدان الأخضر الكبير.

وفيات الأعيان، ج 3، ص 496.

(3)

صَرْخَد: بلد ملاصق لبلاد حَوْران من أعمال دمشق، وهي قلعة حصينة.

معجم البلدان ج 3، ص 380.

(4)

الملك الصالح عماد الدين أبو الجيش اسماعيل بن العادل، سيف الدين أبو بكر محمد بن أيوب وأعدم في سلخ ذي القعدة من هذه السنة أي سنة 124 هـ.

شذرات الذهب، ج 5، ص 241.

(5)

بُصْرَي: بالشام من أعمال دمشق وهي قصبة كورة حوران.

معجم البلدان ج 1، ص 654.

(6)

السَّوَادْ: ناحية قرب البلقاء، سميت بذلك لسواد حجارتها.

معجم البلدان ج 3، ص 174.

(7)

الملك المغيث شهاب الدين محمود بن الملك المغيث عمر بن الملك العادل، توفي سنة 630 هـ.

الذيل على الروضتين، ص 161.

(8)

علاء الدين بن شجاع الدين جلدك المظفري التقوى: هو الأمير أبو المظفر عتيق تقي الدين عمر صاحب حماة، وكان دينا فاضلا، وعرف بوالي دمياط، ومات في الثامن والعشرين من شعبان سنة 628 هـ بالقاهرة، وقد ناهز ثمانين سنة.

وفيات الأعيان، ج 1، ص 164 - ص 167؛ فوات الوفيات، ج 1، ص 209 - ص 211 ترجمة (84)؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 127.

(9)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 226.

ص: 174

ثم طلب منه الكامل أن يسمح له من بلاده بقلعة الشوبك

(1)

فقط ليجعلها خزانة له، فلم تقع منه الإجابة إلى ذلك، فكان امتناعه سببا للوحشة بينهما

(2)

.

‌ذكر وفاة الملك العادل صاحب الغرب

هو عبد الله بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب، كانت ولايته في سنة عشرين

(3)

وستمائة بعد خلع عبد الواحد

(4)

وقتله، وفي أيام العادل هذا كانت الوقعة

(5)

بين المسلمين والفرنج بالأندلس على طليطلة، انهزم فيها المسلمون هزيمة قبيحة، وهذه الوقعة هي التي هدت دعائم الإسلام بالأندلس، ثم إن العادل المذكور خلع وحبس ثم خنق في هذه السنة، ونهب المصامدة قصره بمراكش واستباحوا حريمه

(6)

.

ثم ملك بعده يحيى بن محمد الناصر بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، ويحيى يومئذ ماخط عذاره، ولما تمت بيعة يحيى وصل الخبر بأنه قد قدم أشبيلية

(7)

إدريس بن يعقوب المنصور وهو أخو العادل المذكور، وتلقب إدريس المذكور بالمأمون، وجميعهم كانوا يتلقبون بأمير المؤمنين، وتعقد البيعة لهم بالخلافة، ولما استقر أمر إدريس المذكور في أشبيلية ثارت جماعة من أهل مراكش

(8)

وانضم إليهم العرب، ووثبوا على يحيى بن محمد الناصر، وهرب يحيى إلى الجبل

(9)

، ثم اتصل

(1)

قلعة الشوبك: قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وأبلة والقلزم قرب الكرك.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 332.

(2)

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 225، وقد ذكرها ابن واصل ضمن أحداث سنة 125 هـ.

(3)

ذكر العيني أن عبد الله بن المنصور يعقوب هذا كانت ولايته بالمغرب سنة 620 هـ، بعد خلع عبد الواحده وقتله، بينما ذكر ابن العماد الحنبلي أن عبد الواحد هذا توفي سنة 621 هـ.

انظر: شذرات الذهب، ج 5، ص 95.

(4)

عبد الواحد: هو أبو محمد عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، توفي سنة 621 هـ.

انظر: شذارت الذهب، ج 5، ص 95.

(5)

الوقعة بين المسلمين والفرنج بالأندلس في أيام العادل هذا كانت سنة 586 هـ، الكامل، ج 12، ص 113 - ص 116؛ وفيات الأعيان، ج 7، ص 4 - ص 9.

(6)

انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج 7، ص 16، ترجمة (359).

(7)

أشبيلية: مدينة كبيرة عظيمة بالأندلس تسمى حصن أيضا، وهي غربي قرطبة.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 275.

(8)

مراكش: مدينة بالمغرب، وهي في البر الأعظم بينها وبين البحر عشرة أيام في وسط بلاد البربر.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 478.

(9)

هو جبل دَرَنُ. وفيات الأعيان، ج 7، ص 16، وهو جبل من جبال البربر بالمغرب.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 570.

ص: 175

بعرب المعقل فغدروا به وقتلوه، وخطب للمأمون إدريس في مراكش، واستقر أمره في الخلافة بالبرين بر الأندلس وبر العدوة، ثم خرج على إدريس المذكور بشرق الأندلس المتوكل بن هود، فاستولى على الأندلس، ففارق إدريس الأندلس وسار من أشبيلية، وعبر البحر ووصل إلى مراكش، وخرجت الأندلس حينئذ من ملك بني عبد المؤمن. ولما استقر إدريس في مراكش تتبع الخارجين على من تقدمه من الخلفاء فقتلهم عن آخرهم، وسفك دماءهم ودماء كثيرة حتى سموه لذلك الحجاج، حجاج المغرب. وكان إدريس هذا فصيحا عالما بالأصول والفروع، ناظما ناثرا، أمر بإسقاط اسم مهديهم ابن تومرت من الخطبة على المنابر، وعمل في ذلك رسالة طويلة أفصح فيها بتكذيبهم وتكذيب مهديهم المذكور وضلاله، ثم ثار على إدريس المذكور أخوه بسبتة

(1)

، فسار إدريس من مراكش وحصره بمدينة سبتة، ثم بلغ إدريس وهو محاصر سبتة أن بعض أولاد محمد الناصر بن يعقوب المنصور قد دخل إلى مراكش، فرحل إدريس عن سبتة وسار إلى مراكش، فمات في الطريق بين سبتة ومراكش

(2)

.

ولما مات إدريس ملك بعده ولده عبد الواحد بن إدريس، وتلقب بالرشيد، ثم توفي الرشيد عبد الواحد بن إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن غريقا في صهريج ببستان له بحضرة مراكش في سنة أربعين وستمائة، وكان الرشيد المذكور حسن السياسة، وكان أعاد ما أبطل والده إدريس من اسم مهديهم من الخطبة كما ذكرنا، وقمع العرب، إلا أنه تخلى بذاته بلذاته لما استقر أمره، ولم يخطب للرشيد بإفريقية ولا بالمغرب الأوسط

(3)

.

ولما مات الرشيد ملك بعده أخوه على بن إدريس، وتلقب بالمعتضد أمير المؤمنين وكان أسود اللون، وكان مدحوضا في حياة والده، وسجنه في بعض الأوقات، وقدم عليه أخاه الصغير عبد الواحد المذكور، واستمر المعتضد المذكور حتى قتل وهو محاصر قلعة

(1)

سَبْتَةَ: هي بلدة مشهورة من قواعد بلاد المغرب، ومرساها أجود مرسي على البحر، وهي على بر البرير تقابل جزيرة الأندلس، وهي مدينة حصينة ضارية في البحر.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 30.

(2)

وردت هذه الأحداث في وفيات الأعيان، ج 7، ص 16 - ص 17.

(3)

وردت هذه الأحداث في وفيات الأعيان، ج 7، ص 17.

ص: 176

بالقرب من تلمسان

(1)

في صفر سنة ست وأربعين وستمائة، ثم ملك بعده أبو حفص عمر بن إبراهيم بن يوسف في شهر ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وستمائة، وتلقب بالمرتضي

(2)

.

وفي الحادي والعشرين من المحرم من سنة خمس وستين وستمائة دخل الواثق أبو العلاء إدريس المعروف بأبي دبوس مراكش، وهرب المرتضى إلى آزمور من نواحي مراكش، وقبض عليه عامله بها، وبعثه إلى الواثق، فأمر الواثق بقتله، فقتل في العشر الأخير من ربيع الآخر من سنة خمس وستين وستمائة بموضع يقال له: كتامة. بُعده عن مراكش ثلاثة أيام، وأقام الواثق أبو إدريس ثلاث سنين، وقتل في الحروب التي كانت بينه وبين بني مَرين ملوك تلمسان، وانقضت دولة بني عبد المؤمن. وكان قتل الواثق أبي دبوس المذكور في المحرم سنة ثمان وستين وستمائة بموضع بينه وبين مراكش مسيرة ثلاثة أيام في جهتها الشمالية، واستولي بنو

(3)

مرين على ملكهم. وسنذكر بقية أمورهم في مواضعها إن شاء الله تعالي

(4)

.

‌ذكر هلاك جنكزخان

والكلام فيه على أنواع:

(الأول) في ترجمته:

هو السلطان الكبير عند التتار، ولا يعرف أبوه، وهو مجهول النسب، وقد كانت أمه تزعم أنها حملت به من شعاع الشمس، وكان اسمه أولا تُمرجي، ثم لما عظم سمى نفسه جِنْكِزخَان، بكسر الجيم الممزوجة بالزاي، وسكون النون وكسر الكاف الصماء، وفتح الخاء المعجمة، وبعد الألف نون. وأصل الاسم جنكز فقط، ولفظه خان معناها السلطان بلغة التتار. وجنكزخان هو والد الخانات الذين أتوا بعده، وتحكموا في البلاد الشمالية والشرقية بأسرها، وكل من يتولى من ذريته يسمي خانا، وعادتهم أنهم لا يجعلون الخان إلا من كان من ذرية جنكيزخان، وإلى هذا الزمان الأمر على هذا، وذريته لم تنقطع إلى الآن، وقد كان ظهور جنكيز خان في سنة تسع

(1)

تلمْسان: هما مدينتان متجاورتان مسورتان بينهما رمية حجر، إحداهما قديمة، والأخرى حديثة.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 871.

(2)

ورد هذا الخبر في وفيات الأعيان، ج 7، ص 17 - ص 18.

(3)

"بني" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(4)

وردت هذه الأحداث في وفيات الأعيان، ج 7، ص 18.

ص: 177

وتسعين وخمسمائة كما ذكرناه، وكان في ابتداء أمره [خصيصا عند]

(1)

ملك يسمى أُوَيْك

(2)

خان، بضم الهمزة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وبعدها كاف، وكان خانا في مملكة الصين من جملة الخانات، وفي قديم الزمان كانت مملكة الصين منقسمة ستة أجزاء، كل جزء مسيرة شهر، يتولى أمر كل جزء خان بعد خان يعني سلطان بعد سلطان، ومن عادتهم الإقامة بطمغاج

(3)

، وهي واسطة الصين ونواحيها، طول صيفهم متنقلون

(4)

من مصيف إلى مصيف، ومن ريف إلى ريف، فإذا أقبل الشتاء يشتون في موضع يسمى ماكنك مما يلي قَشْمير، وهي مشاتي ساحلية طيبة الأغوار والأنجاد، ولما كان جنكيزخان شابا، وكان شابا حسنا، كان عند أويك خان خصيصا، وكان هذا الملك قد قربه وأدناه، فحسده عظماء الملك، ووشوا به إليه، فأبعده عنه وطرده ولم يقتله، إذ لم يجد طريقال [في ذنب]

(5)

إلى قتله، وجنكيز خان في ذلك إذ غضب أويك خان على مملوكين صغيرين من مماليكه، فخافا منه وهربا ولجآ إلى جنكيزخان، فأكرمهما وأحسن إليهما، وقالا له: إن الملك قصده أن يقتلك، وحرضه خواصه على ذلك، فاحذر منه. فأخذ حذره وتحيز إلى موضع، وأتبعه طوائف من التتار، ثم صار كل من ينفر من أويك خان يأتي إليه ويلتجئ به، وصار كثير من أصحابه إليه

(6)

، وكان جنكيزخان يكرمهم ويعطيهم، حتى قويت شوكته وكثر جنوده، ثم حارب بعد ذلك مع أويك خان، فظفر به وقتله واستحوذ على مملكته، وانضاف إليه عَدَدهُ وعده، وعظم أمره وبعد صيته، وخضعت له قبائل الترك ببلاد طمغاج، حتي آل أمره إلى أنه كان يركب في نحو ثمانمائة ألف مقاتل، وأكبر القبائل قبيلته التي هو من أصلهم، يقال لها: قيات

(7)

ثم أقرب القبائل إليه بعدهم قبيلتان كبيرتان كثيرتا العدد وهما: أويرات

(8)

وقيقورات

(9)

.

(1)

ما بين حاصرتين إضافة من البداية والنهاية لاستقامة المعني، ج 13، ص 127.

(2)

"أزبك خان" في البداية والنهاية، ج 13، ص 127.

(3)

"طوغاج" كذا في الأصل، والمثبت من مسيرة منكبرتي، ص 39، حاشية (1).

وطمغاج: كانت عاصمة امبراطورية كين تسمى بن كنج، وليس طمغاج ويحتمل أن تكون كلمة طمغاج وطفغاغ تحريف لكلمة من اللهجة التركية الشرقية "تبغاج" ومعناها المعظم أو المشهور.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 39، حاشية (1).

(4)

"متنقلين" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

(5)

مابين حاصرتين إضافية من البداية والنهاية لاستقامة المعنى، ج 13، ص 127.

(6)

يقصد أصحاب أزيك خان. البداية والنهاية، ج 13، ص 127.

(7)

"قيان" في البداية والنهاية، ج 13، ص 127.

(8)

"أزان وقنقوران" في البداية والنهاية، ج 13، ص 127.

(9)

وردت هذه الأحداث في البداية والنهاية، ج 13، ص 127.

ص: 178

وقال أبو الفتح المنشئ، محمد بن أحمد النسائي: وكان في جملة الخانات الستة شخص يسمي دوشي خان، وكان متزوجا بعمة جنكيزخان، وهم سكان البراري ومنشأهم موضع يسمى أرغون

(1)

، وهم مشهورون بين التتار بالشر والغدر، واتفق أن دوشي خان مات وقد حضر جنكيز خان

(2)

معزيا لعمته، وزائرا لها، وكان متاخم أعمال دوشي خان خانان أحدهما يسمي كشلوخان، والآخر يسمى دلان خان، فأرسلت عمة جنكيز خان إليهما تنعي زوجها دوشي خان، وأنه مات ولم يخلف ولدا، وأن ابن أخيها

(3)

جنكيزخان يقوم مقامه ويحذو حذوه في معاضدتهما واتباع إرادتهما، فاستصوبا رأيها فيما رأت، وأشارا عليها بتقليد الأمر إلى جنكيزخان، فعند ذلك قام جنكيزخان مقام المتوفي، وكل ذلك كان وخانهم الكبير الذي يرجع إليه في الأمور كان غائبا في مشتاه واسمه ألطون خان، فلما عاد ألطون خان من مشتاه إلى مدينته طمعاج سأل

(4)

حجابه ونوابه عن القضايا التي حدثت في زمن غيبته، فأخبروه بخبر جنكيزخان وقيامه مقام زوج عمته دوشي خان، بموافقة الخانين المذكورين، فغضب من ذلك ألطون خان حيث تولي جنكيز خان موضع دوشي خان بغير أمره، وبغير مراجعته

(5)

، وغضب على الخانين المذكورين أيضا، ثم في عقب ذلك جاءت مقدمة جنكيزخان إلى ألطون خان، فازداد غضبا، وأمر بقطع أذناب الخيل التي أرسلها جنكيزخان، وردها إليه، مع السب والشتيمة، ولمن أتى بها ولمرسلها وللخانين المذكورين، فعند ذلك اتفق جنكيزخان مع الخانين المذكورين، وخرجوا على ألطون خان، ونزعوا أيديهم عن طاعته

(6)

.

ولما بلغ ذلك ألطون خان أرسل إليهم في استردادهم إلى الطاعة ولاطفهم، فلم يزدهم ذلك إلا نفورا، فلما أيس منهم جمع عسكره وسار إليهم، فالتقى هو وإياهم، فكسروه أقبح كسرة، وقتلوا من عسكره مقتلة عظيمة، وهرب ألطون خان بنفسه، وببعض

(1)

أرغون: مكان يقع بين الجبال الواقعة في جنوب بحيرة بيكال.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 39، حاشية (5).

(2)

"جنكاز خان" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من سيرة منكبرتي، ص 40؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 127.

(3)

"أخيه" كذا في الأصل، والتصحيح من سيرة منكبرتي، ص 40.

(4)

"سأل عن حجابه" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه لاستقامة المعنى.

(5)

مراجعته إليه" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه لاستقامة المعني.

(6)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتي، ص 38 - ص 40.

ص: 179

خواصه إلى ما وراء كنك

(1)

وأخلى لهم البلاد، فتمكنوا فيها، وتملكوها، وانضم إليهم من الترك ومن أوباشها كل طامع في مال وكل ذي فساد، فأخذ أمر ألطون خان في إدبار وضعف، فأرسل إليهم بأنه يقنع بما تحت يده من الملك الحقير، فأجابوه إلى ما سأل، واستمر الأمر بينهم إلى أن مات كشلوخان، وقام ابنه مقامه وهو صغير، فاستضعف جنكيزخان جانبه لصغر سنه، وأخل بالقواعد المقررة بينه وبين أبيه

(2)

.

فلما رأى ذلك فارق [كشلوخان]

(3)

جنكيزخان وذهب إلى حدود قيالق

(4)

وألمالق

(5)

، والتجأ بصاحبها ممدود خان بن أرسلان، واتفق وصول كوْرخان

(6)

ملك الخطا إليه هاربا من وقعة جرت بينه وبين خوارزم شاه محمد بن تكش، وهي آخر الوقائع بينهما، ثم أشار ممدودخان عَلَى

(7)

كشلوخان أن يقصد كاشغر

(8)

ويلاساقون

(9)

فسار إليها واستولى عليها

(10)

.

ولما بلغ ذلك جنكيزخان جرد إليه ابنه دوشي خان في عشرين ألف فارس أو أكثر، وكان السلطان خوارزم شاه أيضا قد قصده من جهته في ستين ألف فارس، ولكنهم لما وصلوا إلى نهر أرغز وجدوه جامدا، فلم يمكنهم العبور، فأقاموا هناك حتى ذاب

(1)

كنك: اسم واد في بلاد الهند.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 312.

(2)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتي، م 41 - 42.

(3)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرتي لاستقامة المعنى، ص 42.

(4)

فيالق: إحدى مدن إقليم التركستان، وكانت من المدن التي تضمها دولة الخطا.

انظر: سيرة منكبرتي، 43، حاشية (1).

(5)

ألمالق: ذكرت في المراجع الصينية، إحدى مدن تركستان، وكانت في وقت من الأوقات من أمهات مدن دولة الخطا، وترجع أهميتها إلى أنها كانت تقع على الطريق بين منغوليا وفارس.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 43، حاشية (2).

(6)

كورخان: لقب اتخذه ملوك دولة الخطا لأنفسهم، ومعناه خان خانان أي ملك الملوك أو سلطان السلاطين.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 43، حاشية (4).

(7)

"على بن كشلوخان" كذا في الأصل، وما أثبتناه من سيرة منكبرتي، ص 43.

(8)

كاشغر: هي مدينة وقري ورساتيق يسافر إليها من سمرقند، وهي في وسط بلاد الترك وأهلها مسلمون.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 237.

(9)

بلا ساقون: وتكتب بلاساغون أيضا، وهي بلد عظيم في ثغور الترك وراء نهر سيحون قريب من كاشغر، وهي من أمهات مدن إقليم التركستان وقد اتخذها بي لوتاشي مؤسس دولة الخطأ حاضرة لملكه فترة من الزمن وذلك قبل أن ينتقل إلى كاشغر.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 708؛ سيرة منكبرتي، ص 42، حاشية (1).

(10)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتى، ص 43.

ص: 180

الجليد، فعبروا وأخذوا في السير، وكان دوشي خان قد ظفر بابن

(1)

كشلوخان الذي استولى على كاشغر وغيرها، وقتله وقتل خلقا كثيرا من الخطا، وعاد ولقى في طريقه طلائع خوارزم شاه، ولما بلغ دوشي خان ذلك علم أنه لا طاقة له بمقاتلة السلطان خوارزم شاه، فأرسل إليه يعتذر ويقول له: إني قد كفيت ما أنت اهتممت به وقتلت عدو السلطان، وهذا رأسه معي وغنائمهم في صحبتي، فإن أراد السلطان أرسلها إليه، فلم يلتفت السلطان إلى كلامه، وقال لرسله: إن الله تعالى أمرني بقتال المشركين كافة ولا فرق عندي بينك وبين ابن

(2)

كشلوخان لاشتراككم في الكفر والشرك، وتقدم السلطان للقائهم

(3)

، فآخر الأمر تلاقيا، وحمل دوشي خان بن جنكيزخان على ميسرة السلطان فكسرها، وكادت الهزيمة تستمر بالسلطان، لولا تحمل ميمنته على ميسرة دوشي خان، وتفرق الفريقان، ولم يعلم الغالب من المغلوب، ولكنهم على ميعاد الحرب من غد، وأشعل

(4)

عسكر دوشي خان في تلك الليلة نيرانا كثيرة، مظهرين بأنهم ثابتون، وعلى نية الحرب بايتون، ثم ركبوا في أثناء الليل، فقطعوا مسافة بعيدة مديدة في تلك الليلة، ولما علم السلطان بذلك عاد إلى بلاده ونزل بسِمرقند

(5)

. ثم بعد ذلك لم تزل الحروب قائمة بين عسكر جنكيزخان وبين عسكر السلطان خوارزم شاه، ثم من بعده بينهم وبين عسكر جلال الدين بن خوارزم شاه على ما ذكرناه في السنين المتقدمة، وإلى الآن الحروب قائمة والفتن منتشرة.

(الثاني) في سيرة جنكيزخان وأموره

ومن سيرته أنه لما عظم شأنه وملك تلك البلاد وضع للتتار الياساق

(6)

، وهي التي يتحاكمون إليها ويحكمون بها ولا يخرجون عنها، وأكثرها تخالف شرائع الله عز وجل

(1)

"قد ظفر بكشلوخان" كذا في سيرة منكبرتي، ص 46.

(2)

"وبين كورخان وكشلوخان" كذا في سيرة منكبرتي، ص 48.

(3)

"للتقاهم" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه لاستقامة المعنى.

(4)

"واشعلت" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(5)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتي، ص 46 - ص 68، في أحداث عام 612 هـ.

(6)

الياساق: وتسمى أيضا الآسه أو الباسا أو اليسق وهي مجموعة الشرائع المغولية التي وضعها جنكيزخان لتنظيم نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك بين المغول واشتهرت البأسا بقسوة أحكامها ومنها:

قتل الزاني، وقتل التاجر الذي يخسر في بضاعته بعد المرة الثالثة، وقتل من يأوي أسرى الحرب دون إذن ومن يقصر في معاونة زميله أثناء الحرب، ونص أيضا على احترام الفقراء والعلماء ورجال الدين على اختلاف أديانهم، وساوي بين جميع أفراد الشعب، وحرم عيهم منح الألقاب، كما نظم الجيش والبريد.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 12، حاشية (1)؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 37، حاشية (1).

ص: 181

وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) وإنما هو شئ اقترحه من عند نفسه، وتبعوه في ذلك، وكان يكتب الياساق في مجلدين بخط عظيم، ويحمل على بعير عندهم

(1)

، وقد ذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلا ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل حتى يَعْيَى، فيقع مغشيا عليه، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذ، فإن كان هذا هكذا، فالظاهر أن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها، وذكر علاء

(2)

الدين الجويني الوزير ببغداد -وقد ذكر سيرته في مجلد واحد- أن بعض عبادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة، فسمع قائلا يقول له: إنا قد ملكنا جنكيزخان وذريته وجه الأرض. وقال الجويني: فمشايخ المغول يصدقون هذا، ويأخذون به مسلما. وذكر نتفامن الياساق، من ذلك: أن من زني يقتل محصنا كان أو غير محصن، وكذلك من لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن سحر قتل، ومن تجسس قتل، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال في الماء الواقف قتل، ومن انغمس فيه قتل، ومن وجدها ربًا ولم يَرُدُّه قتل، ومن أطعم أسيرا أوسقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل، ومن وجد رمي إلى أحد شيئا من المأكول قتل، بل يناوله من يده إلى يده، ومن أطعم أحدا شيئا فليأكل منه أولا ولو كان المُطِعْم أمير الأسير، ومن أكل ولم يطعم من عنده قتل، ومن ذبح حيوانا ذُبح مثله، بل يشق جوفه ويتناول

(3)

قلبه بيده ويستخرجه من جوفه أولا، وفي هذا ما يخالف شرائع الله تعالى التي شرع لأنبيائه، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) وتحاكم إلى غير ذلك من الشرائع المنسوخه كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياساق وقدمها عليها؟! فمن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. قال الجويني: ومن شأنهم أنهم يخاطبون الملك باسمه، ومن مر بقوم يأكلون فله أن يأكل معهم من غير استئذان ولا يتخطي مواقد النار، ولا طبق الطعام، ولا أسكفة

(4)

الخركاة ولا يغسلون ثيابهم حتى يبدو وسخها، ولا يتعرضون لمال ميت، ونحو ذلك. قال الجويني: وكان جنكيزخان يصطاد من السنة

(1)

"معظم عندهم" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من البداية والنهاية، ج 13، ص 127، لتوضيح المعني.

(2)

علاء الدين الجويني الوزير ببغداد: هو علاء الدين عطا مالك الجويني بن الصاحب بهاء الدين محمد بن محمد الخراساني، صاحب كتاب جهانكَشا، توفي سنة 684 هـ، وهو من جوين إحدى مقاطعات فارس.

انظر: سيرة منكبرني، ص 180، حاشية (4)؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 382.

(3)

"ويتناوك" كذا في الأصل، وما أثبتناه من البداية والنهاية، ج 13، ص 128 لتوضيح المعنى.

(4)

أُسْكُفَّة الخركاة: الخركاه كلمة فارسية معناها خيمة، والأسكفة خشبة الباب التي يوطأ عليها، فالأسكفة هي عتبة الباب.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 198، حاشية (5)؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 329، حاشية (2)؛ القاموس المحيط؛ المعجم الوجيز - مادة "سَكف".

ص: 182

ثلاثة أشهر والباقي للحرب والحكم، وكان يضرب الحلقة يكون ما بين طرفيها ثلاثة أشهر، ثم تتضايق فيجتمع فيها من أنواع الحيوانات شيء كثير لا يحد كثرة

(1)

.

وذكر الجويني طرفا كبيرا من أخبار جنكيزخان ومن مكارمة التي كان يفعلها بسجيته، وما أداه إليه عقله، وإن كان مشركا بالله تعالى، يعبد معه غيره، وقد قتل من الخلائق ما لا يعلم عدده إلا الله الذي خلقهم، ولكن كانت البُدَاءه من السلطان خوارزم شاه، حيث قتل تُجَّاره، وأخذ أموالهم على ما ذكرناه، ومما ذكره عن كرمه أنه قدم له بعض الفلاحين وهو في الصيد ثلاث بطيخات، فلم يكن عنده أحد من الخازندارية

(2)

، فقال لزوجته الخاتون

(3)

: أعطيه هذين القرطين الذين في أذنيك، وكانت فيهما جوهرتان نفيستان جدا، فشحت المرأة بهما، وقالت: أنظره إلى غد. فقال: إنه يبيت هذه الليلة مقلقل الخاطر، وربما لا يُحَصَّل له [شيء]

(4)

من بعد هذا، وإن هذين لا يمكن أحد

(5)

إذا اشتراهما إلا جاء بهما إليك، فانتزعتهما فدفعتهما إلى ذلك الفلاح، فطار عقله بهما، وذهب بهما فباعهما لبعض التجار بألف دينار، ولم يعرف قيمتهما، فحملهما التاجر إلى الملك، فردهما على زوجته، ثم أنشد الجويني عند ذلك وقال:

ومن قال إن البحر والقطرَ أشبها

نداهُ فقد أثنى على البحر والقَطْرَ

قال: واجتاز يوما في سوق فرأى عند بقال عتابا فأعجبه لونه، ومالت نفسه إليه، فأمر الحاجب أن يشتري منه بيالس

(6)

فاشترى الحاجب منه بربع بالس، فلما وضعه بين يديه أعجبه، وقال: هذا كله ببالس. فقال: وبقي منه هذا. فأشار إلى ما بقي معه

(7)

من

(1)

وردت هذه الأحداث باختصار في سيرة منكبرتي، ص 12، حاشية (1)؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 36 - 37؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 127 - 128.

(2)

الخازندارية: مفردها "الخازن" أو "الخازندار" وهي وظيفة يشرف فيها الخازن على ديوان لأموال الدولة يساعده موظفون مختصون بتسجيل الوارد والمنصرف من الأموال.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 58، حاشية (1).

(3)

الخاتون: هي السيدة عريقة الأصل، وجمعها "خاتونات".

انظر: محمد التونجي، المعجم الذهبي، ج 1، ص 230، بيروت 1980 م.

(4)

ما بين حاصرتين إضافة من البداية والنهاية، لاستقامة المعني، ج 13، ص 129.

(5)

"أحدا" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(6)

بالس: وهو البلس، وربما يكون المقصود به الفَلْس وهي أقل وحدات النقود، وهي التي تصنع من نحاس، وصارت قيمة الفلس إذ ذاك 1/ 16 من الدرهم الفضة. نهاية الأرب، ج 29، ص 131، حاشية (1).

(7)

"بعده" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه لاستقامة المعنى.

ص: 183

المال، فغضب وقال: من يجد من يشتري منه مثلي؟ فتمموا له عشرة بوالس. قال: وأهدي له رجل جام زجاج من معمول حلب، فاستحسنه جنكيزخان، فوهن أمره عنده بعض خواصه، وقال: ياخواند

(1)

هذا زجاج لا قيمة له. فقال: أليس قد حمله من بلاد بعيدة حتى وصل إلينا سالما؟ أعطوه مائتي بالس. قال: وقيل له: إن في هذا المكان كنزًا عظيمًا، فإن

(2)

فتحته أخذت منه مالا كثيرا. فقال: الذي في أيدينا يكفينا، ودع هذا يفتحه الناس ويأكلونه وهم أحق به منا، ولم يتعرض له. قال: واشتهر عن رجل في بلاده أنه يقول: أنا أعرف موضع كنز

(3)

ولا أقول له إلا للخان، وألح عليه الأمراء أن يعلمهم، فلم يفعل، فذكروا ذلك للخان، فأحضره على خيل أولاق -يعني البريد- سريعا، فلما حضر إلى ما بين يديه، سأله عن الكنز، فقال: إنما كنت أقول ذلك حيلة لأرى وجهك، فلما رأى تغير كلامه غضب، وقال له: قد حصل لك ما أملت. فارجع إلى موضعك. وأمر برده سالما، ولم يعطه شيئا. قال الجويني: وهذا غريب. قال: وأهدي له إنسان رمانه، فكسرها وفرق حَبَّها على الحاضرين، ثم أمر له بعدد حبها بوالس. ثم أنشد:

فلذاك يزدحم الوفود ببابه

مثل ازدحام الحب في الرمان

قال: وقدم عليه رجل كافر، يقول: رأيت في النوم جنكيزخان وهو يقول لي: اقتل المسلمين. فقال له: هذا كذب. فأمر بقتله. قال: وأمر بقتل ثلاثة قد قضت الياساق بقتلهم، فإذا امرأة تبكي وتلطم، فقال: ما هذه؟ أحضروها. فقالت: هذا ابني، وهذا أخي، وهذا زوجي، فقال: اختاري واحدا منهم حتى أطلقه لك. فقالت: الزوج يجئ مثله، والابن كذلك، والأخ لا عوض له. فاستحسن ذلك منها، وأطلق الثلاثة لها. قال: وكان يحب المصارعين وأهل الشطارة، وقد اجتمع عنده منهم جماعة، وذكر غير ذلك من أموره

(4)

.

(1)

خواند: وتكتب أيضا خوند، وهو لفظ تركي وفارسي وأصله خُداوند ومعناه السيد أو الأمير، ويخاطب به الذكور والإناث على السواء، والخوند في اصطلاح عشائر لبنان من كان في الرتبة دون الأمير، وفوق الشيخ أو المقدم.

انظر: محيط المحيط، مادة "خوي".

(2)

"فلين" كذا في الأصل وما أثبتناه هو الصحيح لاستقامة المعني، البداية والنهاية، ج 12، ص 129.

(3)

"كذا" كذا في الأصل وما أثبتناه هو الصحيح لاستقامة المعنى، البداية والنهاية، ج 13، ص 129.

(4)

وردت هذه الأحداث في البداية والنهاية، ج 13، ص 128 - ص 130.

ص: 184

(الثالث) في هلاكه: هلك جنكيزخان في هذه السنة، ولما توفي جعلوه في تابوت من حديد وربطوه بسلاسل وعلقوه بين جبلين هناك، ولما احتضر أوصى أولاده بالاتفاق وعدم الافتراق، وضرب لهم في ذلك الأمثال، وأحضر بين يديه نشابا، فأخذ سهما فأعطاه الواحد منهم فكسره، وكذلك الآخر فالآخر، ثم أحضر حزمة أخرى ودفعها مجموعة إليهم، فلم يطيقوا كسرها، فقال: هذا مثلكم إذا اجتمعتم واتفقتم، وذاك مثلكم إذا انفردتم واختلفتم. قال الجويني: وكان له أولاد ذكور وإناث، ومنهم خمسة هم عظماء أولاده وهم: توشي وهو أكبرهم، وهو الذي يقال له: دوشي خان. وهزنوك، وباظو، وبركة، وبركجار، وهم الذين ملكوا بلاد ما وراء النهر وبلاد خراسان، وغير ذلك إلى البلاد الفراتية، وبلاد الدشت

(1)

وغيرها، واستولوا على البلاد، هم ثم أولادهم، وأولاد أولادهم، على ما نذكره مفصلا، وإلى الآن لم تنقطع ذريتهم

(2)

.

‌ذكر بقية الحوادث في هذه السنة

منها أنه ولي قضاء القضاة ببغداد نجم الدين أبو المعالي عبد الرحمن الواسطى، وخلع عليه كما هي عادة الحكام، وكان يوما مشهودا

(3)

.

ومنها أنه كان غلاء شديد ببلاد الجزيرة، وقلة اللحم جدا حتى حكى ابن الأثير

(4)

: أنه لم يذبح بمدينة الموصل في بعض الأيام سوي خروف واحد في زمن الربيع.

ومنها أنه سقط في عاشر آذار ثلج كثير بالجزيرة والعراق، وهذا شئ غريب

(5)

لم يعهد مثله، والعجب كل العجب وقوع الثلج في العراق مع شدة حره، والله على كل شئ قدير

(6)

.

(1)

بلاد الدشت: الدشت قرية من قرى أصفهان والدشت أيضًا بليدة في وسط الجبال بين أربيل وتبريز.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 575 - ص 576.

(2)

ورد هذا الخبر بتصرف في سيرة منكبرتي، ص 14؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 127 - ص 130.

(3)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 126.

(4)

الكامل، ج 12، ص 473؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 126.

(5)

"واحد" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من الكامل، ج 12، ص 473 لاستقامة المعني.

(6)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 473؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 126.

ص: 185

ومنها أن الأتابك طغريل الخادم

(1)

انتزع الشغر

(2)

وبكاس

(3)

من الملك الصالح أحمد

(4)

بن الملك الظاهر وعوضه عنها بعينتاب

(5)

والراوندان

(6)

،

(7)

.

ومنها أن الملك الكامل صاحب مصر أمر بهدم تنيس

(8)

، وسير إليها النقابيين والحجارين، فهدمت وأخليت من يومئذ، وكانت من البلاد الجليلة بديار مصر كدمياط واسكندرية، وكان ينسج فيها ثياب من الحرير وغيره يجُلب إلى البلاد

(9)

.

ومنها أنه كانت الحرب بين صاحب آمد وسلطان الروم، وذلك أن صاحب آمد الملك المسعود

(10)

بن الملك الصالح محمود بن محمد الأرتقى كان قد وافق الملك المعظم معاضدًا له، ولصاحب إربل

(11)

، وجلال الدين خوارزم شاه، وكان السلطان

(1)

الأتابك طغريل الخادم: هو طغربك شهاب الدين الخادم، أتابك صاحب حلب الملك العزيز، ومدبر دولته، كان صالحا خيرا متعبدا، كثير المعروف ذا رأي وعقل وسياسة وعدل، حسن السيرة، محمود الطريقة، وكان خادما أرمني الجنس أبيض، توفي ليلة الاثنين 11 من محرم سنة 631 هـ بحلب، ودفن بمدرسته الحنفية خارج باب الأربعين.

انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 100؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 145.

(2)

الشُّغْر: هي قلعة حصينة مقابلها أخرى يقال لها بكاس وعلى رأس جبلين بينهما واد كالخندق، وهما قرب أنطاكية.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 303.

(3)

بَكَاسُ: قلعة من نواحي حلب على شاطئ العاصي.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 704.

(4)

الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب عين تاب، ولد في صفر سنة ستمائة بحلب، وتوفي بعين تاب في شعبان سنة 651 هـ.

انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 10؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 253.

(5)

عَيْنَتاب: قلعة حصينة ورستاق بين حلب وأنطاكية، وكانت تعرف بدُلُوك، وهي من أعمال حلب.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 759.

(6)

الرَّاوَنْدان: قلعة حصينة وكورة طيبة من نواحي حلب.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 741.

(7)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 207؛ المختصر، ج 3، ص 138.

(8)

تِنِّيس: جزيرة في بحر مصر، قريبة من البر، ما بين الفَرَما ودمياط، وهي أيضا بلدة تلك الجزيرة، وكانت ثغر من الثغور المصرية، وموقع مكانها الآن شمال شرقي بحيرة المنزلة قرب بورسعيد.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 882؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 139.

(9)

ورد هذا الخبر في نهاية الأرب، ج 29، ص 139 - ص 140.

(10)

الملك المسعود بن الملك الصالح محمود بن محمد الأرتقي: هو ابن الملك الصالح ناصر الدين محمود بن نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق، صاحب آمد قام بالملك بعد وفاة أبيه، الذي توفي عام 619 هـ.

انظر: الكامل، ج 12، ص 412؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 107؛ المختصر، ج 3، ص 130.

(11)

صاحب إربل هو مظفر الدين بن زين الدين.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 202.

ص: 186

علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقي خائفا من جلال الدين، فاتفق مع الملك الأشرف لذلك، فلما كانت هذه السنة أرسل إليه الأشرف يطلب منه أن يقصد بلاد آمد، فسار علاء الدين إلى ملطية

(1)

وهي له، وجهز منها العساكر إلى بلاد آمد، ففتحوا حصن

(2)

منصور وغيره كما ذكرناه متقدما، فلما رأي صاحب آمد ذلك راسل الأشرف وعاد إلى موافقته، فأرسل الأشرف إلى علاء الدين سلطان الروم يعرفه ذلك، ويطلب منه أن يعيد على صاحب آمد ما أخذ منه، فامتنع من ذلك، وقال: ما كنت نائبا للأشرف يأمرني تارة وينهاني أخرى. فأمر الملك الأشرف عسكره بمساعدة صاحب آمد، وجمع صاحب آمد عسكره، وسار بالجميع إلى عسكر الروم وهم يحاصرون الكختين

(3)

من بلاده، فالتقوا هناك واقتتلوا، فانهزم صاحب آمد ومن معه، وجرح وأسر منهم خلق، وملك عسكر علاء الدين الكختين -وهي من أمنع الحصون- ثم عادوا إلى صاحبهم

(4)

.

ومنها أنه وقعت فتنة بين الفرنج والأرمن، وذلك أن ليون الأرمني توفي ولم يخلف سوي بنت واحدة، فملكها الأرمن عليهم وزوجوها بابن البرنس، وانتقل إلى بلدهم، واستقر في الملك نحو سنة، ثم ندموا على ذلك، وخافوا أن يستولى الفرنج علي بلادهم، فقبضوا على ابن البرنس، فأرسل أبوه يطلب منهم إطلاقه، فلم يفعلوا، فأرسل إلى الباب ملك الفرنج يستأذنه في قصد بلاد الأرمن فمنعه، وقال: إنهم أهل ملتنا ولا يجوز قصد بلادهم. فخالفه وأرسل إلى علاء الدين كيقباذ ملك قونية، وصالحه ووافقه على قصد بلاد الأرمن، فدخلها ونهبها وعاد عنها

(5)

.

وفيها ......

(6)

.

(1)

ملطية: بلدة من بلاد الروم مشهورة تتاخم الشام، وهي للمسلمين.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 633 - ص 634.

(2)

حصن منصور: يقع غربي نهر الفرات قرب سميساط وكان ضمن مدينة عليها سور وخندق وثلاثة أبواب.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 278.

(3)

الكختين: هي كختا وهي قلعة حصينة عالية البناء بينها وبين ملطية مسيرة يومين في طرف الحد الشمالي للشام على مرحلة من حصن منصور.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 178، حاشية (7)؛ ص 203؛ صبح الأعشي، ج 4، ص 120.

(4)

ورد هذا الخبر بتصرف في الكامل، ج 12، ص 458 - ص 459؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 202 - ص 203، وذلك في أحداث عام 623 هـ.

(5)

ورد هذا الحدث في الكامل، ج 12، ص 464 - ص 466؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 121.

(6)

بياض بالأصل بمقدار نصف صفحة.

ص: 187

وفيها حج بالناس من العراق شمس الدين قيران مملوك الخليفة، ومن الشام الشجاع ابن السلار، وهي آخر إمرته على الشام، وآخر السنين التي كان الحج فيها رخيا طيبا، وانقطع ركب الحج بعدها مدة بسبب ما وقع بالشام من الاختلاف والفتن

(1)

.

وفيها حج من ميافارقين سلطانها وهو شهاب الدين غازي بن الملك العادل وقد ذكرناه

(2)

.

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

أبو المعالي أسعد بن يحيى، بن موسي بن منصور بن عبد العزيز بن وهب، الفقيه الشافعي السنجاري، شيخ أديب فاضل خَيِّر، له نظم ونثر ظريف، وله نوادر حسنة، وقد جاوز التسعين، وقد استوزره صاحب حماة في وقت

(3)

، وله شعر رائق أورد منه ابن الساعي قطعة جيدة، فمن ذلك قوله:

وهواك ما خطر السلوُّ بباله

(4)

ولأنت أعلمُ في الغرام بحاله

فمتي وشي واش إليك بأنه

سالٍ هواك فذاك من عُذَّاله

أو ليس للدَّنف المعنَّى شاهِدٌ

من حاله يُغْنيك

(5)

عن تسآله

جددت ثوب سقامه وهتكت ستـ

ر غرامه وصَرَمت حبل وصاله

يا للعجائب من أسير دأبُهُ

يَفْدِى الطليق بنفسه وبماله

(6)

(1)

ورد هذا الحدث في الذيل على الروضتين، ص 151 - ص 152؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 126؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 424.

(2)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 151؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 126؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 424.

(3)

انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج 1، ص 214 - ص 217؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 131؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 104 - 105؛ طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين السبكي، ج 2، ص 50.

(4)

"ببابه" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه لاستقامة المعني.

وفيات الأعيان، ج 1، ص 214؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 131؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 104، ولكنه ذكر في وفيات سنة 622 هـ.

(5)

"يغنيه" كذا في الأصل، وما أثبتناه من وفيات الأعيان، ج 1، ص 214؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 131؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 104.

(6)

وردت هذه الأبيات في وفيات الأعيان، ج 1، ص 412؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 131؛ الشذرات، ج 5، ص 104.

ص: 188

وله أيضا:

لام العواذلُ في هواك فأكثروا

هيهات ميعادُ السلو المحشرِ

جهلوا مكانَك في القلوب فطولوا

لو أنهم وجدوا كوجدي أقصروا

صبرا على عذب الهوى وعذابِهِ

وأخو الهوى أبدًا يلامُ ويُعذَرُ

(1)

أبو القاسم

(2)

عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن حمدان الطيبي، المعروف بالصائن، أحد المعيدين بالنظامية، ودرس بغيرها، وكان عارفا بالمذهب والفرائض والحساب، صنف شرحا للتنبيه ذكره ابن الساعي.

أبو النجم

(3)

محمد بن القاسم بن هبة الله التكريتي، الفقيه الشافعي، تفقة على أبي القاسم بن فضلان، ثم أعاد بالنظامية، ودرس في غيرها، وكان يشغل في كل يوم عشرين درسا، وليس له دأب إلا الاشتغال وتلاوة القرآن ليلا ونهارا، وكان بارعا كثير العلوم، قد أتقن المذهب والخلاف، وكان يُفتي في مسألة الطلاق الثلاث بواحدة، فتغيظ عليه قاضي القضاة أبو القاسم عبد الله بن الحسين الدامغاني، فلم يسمع منه، ثم أخرج إلى تكريت

(4)

، فأقام بها، ثم استدعى إلى بغداد، فعاد إلى الاشتغال، وأعاده قاضي القضاة نصر

(5)

بن عبد الرزاق، إلى إعادته بالنظامية، وأعاده إلى ما كان عليه من الاشتغال والفتوى والوجاهة، إلى أن توفي في هذه السنة، ذكره ابن الساعي.

الإمام

(6)

الرافعي أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل، الرافعي القزويني، الإمام المسحر في مذهب الشافعي رحمه الله له تصانيف منها: كتابه الشرح في بضعة عشر مجلدا، وله تصانيف أخرى، وكان من الصالحين، وله الكرامات الكثيرة الظاهرة، توفي في هذه السنة.

(1)

وردت هذه الأبيات في البداية والنهاية، ج 13، ص 131.

(2)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 132؛ هدية العارفين، اسماعيل باشا البغدادي، ج 5، ص 524، دار الكتب.

العلمية -بيروت- بغداد، 1413 هـ - 1992 م.

(3)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 132.

(4)

تكريت: غربي دجلة بين بغداد والموصل، وهى إلى بغداد أقرب. معجم البلدان، ج 1، ص 861.

(5)

نصر عبد الرزاق: ابن الشيخ عبد القادر الكيلاني قاضي القضاة عماد الدين أبو صالح الجيلي ثم البغدادي الحنبلي، توفي سحر يوم الأحد 16 شوال سنة 633 هـ عن سبعين سنة، ودفن بتربة الإمام أحمد رضي الله عنه.

انظر: شذرات الذهب، ج 5، ص 161 - ص 162.

(6)

لمعرفة المزيد من ترجمته. انظر: شذرات الذهب، ج 5، ص 108؛ هدية العارفين، ج 5، ص 609، ص 610.

ص: 189

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والعشرين بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله

(1)

، وصاحب مصر الملك الكامل، وصاحب دمشق الملك الناصر داود بن الملك المعظم، وصاحب حلب الملك العزيز بن الملك الظاهر، وبقية الملوك على حالهم في بلادهم

(2)

.

‌ذكر ماجريات بني أيوب

وفيها سار الملك الكامل بعساكره من مصر إلى الشام بعد أن عهد لولده الملك الصالح نجم

(3)

الدين أيوب السلطنة بعده، وأركبه بالقاهرة، وحملت الأمراء الغاشية

(4)

بين يديه بالنوبة

(5)

، وجعله نائبا عنه بالديار المصرية، وأنزله بدار الوزارة، وعمره يومئذ نحو اثنين وعشرين سنة، ثم خرج الكامل وفي صحبته ابن أخيه المظفر تقي

(6)

الدين محمود بن السلطان الملك المنصور، وهو موعود منه بأن ينتزع حماة له وبلادها من أخيه الملك الناصر قليج أرسلان

(7)

وابن أخيه الملك الجواد

(8)

مظفر الدين يونس، ولما وصل

(*) يوافق أوله: 12 ديسمبر 1227 م.

(1)

الخليفة المستنصر بالله: هو أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر أحمد بن المستضئ حسن بن المستنجد يوسف بن المقتفي العباسي، ولد سنة 588 هـ، واستخلف في رجب سنة 623 هـ، وتوفي بكرة الجمعة عاشر جمادى الآخرة سنة 640 هـ. انظر: شذرات الذهب، ج 5، ص 209؛ تاريخ الخلفاء، السيوطي، ص 460 - 464.

(2)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 152؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 225.

(3)

الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل، ولد سنة 603 هـ بالقاهرة، وتوفي بالمنصورة ليلة الاثنين، نصف شعبان سنة 647 هـ. انظر: وفيات الأعيان، ج 5، ص 85 - 86؛ الشذرات، ج 5، ص 237 - ص 238.

(4)

الغاشية: هي من رسوم الملك، وهي غاشية سرج من أديم مخروزة بالذهبه، يخالها الناظر جميعها مصنوعة من الذهب، تحمل بين يدي السلطان عند الركوب في المواكب كالميادين والأعياد وغيرها، بحملها الركاب دارية، رافعا لها على يديه يلفتها يمينا ويسارا، فهي من شعار السلطنة.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 223، صبح الأعشي، ج 4، ص 70.

(5)

النوبة: جمعها نوب وهو لفظ يطلق على فرق الجند التي تتناوب الوقوف لحراسة شخص أو سلطان، وهي خمس نوبات، ويكون تغييرها في الظهر والعصر والعشاء ونصف الليل وعند الصباح.

انظر: السلوك، ج 1 ق 1، ص 461، حاشية (2).

(6)

المظفر تقي الدين محمود بن السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن الأمير نور الدولة شاهنشاه بن أيوب، ولد منتصف رمضان سنة 599 هـ، وملك حماة سنة 626 هـ، وتوفي ثامن جمادى الأولى سنة 642 هـ. المختصر، جـ 3، ص 173؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 308 - 309؛ شفاء القلوب، ص 350.

(7)

الملك الناصر قلج أرسلان بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، الملك الناصر بن المنصور صاحب حماة، مات سنة 635 هـ، قبل وفاة الكامل بأيام قليلة. وقد ولد سنة 600 هـ.

انظر: مفرج الكروب، ج 3، ص 161؛ تاريخ الإسلام، للحافظ الذهبي، ص 252، دار الكتاب العربي، 1423 هـ. 2002 م.

(8)

الملك الجواد مظفر الدين يونس بن ممدود بن العادل أبي بكر بن أيوب، توفي سنة 641 هـ.

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 175؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 212 - ص 213.

ص: 190

الكامل إلى غزة انزعج الناصر داود صاحب دمشق لذلك وخاف، فعزم على الالتجاء إلى عمه الملك الأشرف، وخيم الكامل بتل العجول

(1)

، وبعث ولاته إلى نابلس والقدس والخليل وغيرها من الأعمال. وكان عند المظفر الأمير حسام

(2)

الدين بن أبي على، ففارقه بغزة، وصار إلى الديار المصرية، فاستخدمه الملك الصالح نجم الدين أيوب وجعله أستاداره، وبقي ابن عمه سيف

(3)

الدين علي بن أبي على عند المظفر، فتقدم عنده، ولما ملك حماة على ما نذكره فوض إليه أموره كلها

(4)

.

وفيها فارق العزيز بن العادل الملك الناصر داود ومضى إلى الملك الكامل، وذلك أنه اتفق معه جماعة من جند بعلبك على تسليمها إليه، وأخذها له من صاحبها الملك الأمجد

(5)

مجد الدين بهرام شاه، فرحل الملك العزيز إليها، ونزل بالقرب منها، وأطلع الملك الأمجد على الحال، فقبض على أولئك الذين اتفقوا مع العزيز، فقتل بعضهم واعتقل البعض، ولم يتم للملك العزيز ما أراد، فنازل بعلبك محاصرًا لها، وبلغ ذلك ابن أخيه الناصر داود صاحب دمشق، فبعث إليه من رَحَّله عنها قهرًا، فغضب العزيز لذلك على الناصر، وهو شقيق أبيه، وبيده بانياس وبلادها، فرحل إلى أخيه الكامل وأقام في خدمته والتجأ إليه، ففرح به ووعده انتزاع بعلبك من صاحبها الملك الأمجد، وتسليمها إليه، ولما جرى من الكامل ما ذكرناه أرسل الناصر داود إلى عمه الأشرف يعتضد به، ويستمسك بذيله، ويستنصر به على الكامل، وكان الرسول عماد الدين بن موسك

(6)

،

(1)

تل العجول: يقع بين عكا والعائدية، انظر: زبدة الحلب، ابن العديم، ج 2، ص 202، حاشية (5).

(2)

حسام الدين بن أبي على: توفي بالديار المصرية في أواخر شعبان سنة 658 هـ.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 208.

(3)

سيف الدين علي بن أبي على: هو الشيخ أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي المعروف بالسيف الآمدي، توفي سنة 631 هـ، ودفن بجبل قاسيون رابع صفر.

انظر: ترجمته في الذيل على الروضتين، ص 161، وفيات الأعيان، ج 3، ص 494؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 151.

(4)

وردت هذه الأحداث بتصرف في مفرج الكروب، ج 4، ص 225 - ص 227؛ المختصر، ج 3، ص 140 - ص 141؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 150.

(5)

الملك الأمجد مجد الدين أبو المظفر بهرام شاه بن فروخ شاه، قتله مملوكه في داره ليلة الأربعاء ثاني عشر شوال سنة 628 هـ، ودفن بتربة أبيه على الشرف الشمالي.

انظر: وفيات الأعيان، ج 2، ص 453؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 140 - ص 142؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 126 - 127.

(6)

عماد الدين بن موسك: هو الأمير عماد الدين داود بن موسك بن جكر، توفي سنة 644 هـ بالكرك، ودفن بمشهد جعفر الطيار، انظر الذيل على الروضتين، ص 179؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 325.

ص: 191

وفخر القضاة ابن بزاقة

(1)

، فاجتمعا به بسنجار، وطلباه ليأتي دمشق، فسار إليها ولما وصلها ضربت البشائر لقدومه، وخرج الناصر لاستقباله، وذلك في العشر الآخر من رمضان من هذه السنة

(2)

.

وأقام الأشرف بدمشق، وقام الناصر بجميع وظائفه، وقدم إلى خدمته الملك المجاهد

(3)

أسد الدين شيركوه صاحب حمص، وأرسل الأشرف إلى الكامل الأمير سيف

(4)

الدين على بن قليج يشفع في الملك الناصر، ويطلب منه إبقاء دمشق عليه، فلم يجب الكامل إلى ذلك، وخاطب سيف الدين بما فيه إطماع الملك الأشرف بملك دمشق، ولما جرى ذلك أشار الملك الأشرف على ابن أخيه الناصر أن يمضي في صحبته إلى نابلس، ويقيم بها ويمضي هو إلى أخيه الكامل ويصلح له الأمر، فأجابه إلى ذلك، ورحلا معا من دمشق، وكان الملك الكامل قد تقدم إلى نابلس، ونزل بها في دار المعظم، ولما بلغه قدوم الأشرف إلى دمشق، واتفاقه مع ابن المعظم أغضبه ذلك، فرحل على عزم العود إلى الديار المصرية، ووصل إلى تل العجول، ووصل الملك الأشرف والملك الناصر إلى نابلس، وأقام الملك الناصر بها، ومضى الأشرف ومعه الملك المجاهد صاحب حمص إلى نحو الكامل، فخرج إلى استقباله وعاد به إلى المعسكر بتل العجول، ونزلا به، ووقع الاتفاق بينهما على انتزاع دمشق من ابن أخيهما الناصر داود، وأنها تكون للأشرف، وما معها من الأعمال إلى عقبة

(5)

فيق وغزة من البلاد

(1)

ابن بزاقة: ويكتب أيضا ابن بُصَاقَة وهو كاتب الإنشاء نصر الله بن هبة الله بن عبد الباقي الغفاري، كان أكتب أهل زمانه بلا مدافعة، وأطولهم باعا في الأدب، ولد بقوص سنة 577 هـ، ومات بدمشق سنة 646 هـ.

انظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، ج 1، ص 437، ترجمة 47، المكتبة العصرية، بيروت،

1425/ 2004 م.

(2)

وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج 12، ص 483 - ص 484؛ الذيل على الروضتين، ص 153؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 227 - ص 228؛ المختصر، ج 3، ص 140؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 132 - ص 132.

(3)

الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي صاحب حمص، ولد سنة 569 هـ، وتوفي يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب سنة 637 هـ، بحمص، ودفن في تربته داخل البلد.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 169؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 480؛ المختصر، ج 3، ص 164؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 254 - ص 255، البداية والنهاية، ج 13، ص 166؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 184.

(4)

الأمير سيف الدين على بن قليج: هو الأمير الكبير صاحب القليجية، توفي في شعبان سنة 643 هـ بدمشق، ودفن في مدرسته التي وقفها بمسكنه بدار الفلوس.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 177؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 182؛ تاريخ الإسلام، ص 165،

(5)

عقبة فيق: ينحدر جزء منها إلى غور الأردن، وجزء آخر يشرف على طبرية وبحيرتها.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 932.

ص: 192

والحصون، وهو الفتوح الصلاحي بأسره، ويكون للمك الناصر داود عوضا عن بلاده من بلاد الملك الأشرف: حران، والرقة، والرها، وسروج

(1)

، ورأس عين

(2)

، وجملين

(3)

، والموزر

(4)

، وأن ينتزع بعلبك من يد الملك الأمجد وتعطي هي وأعمالها لأخيهما الملك العزيز عثمان، وينتزع حماة، والمعرة

(5)

، وبعرين

(6)

من يد الملك الناصر قليج أرسلان، ويعطى للسلطان الملك المظفر تقي الدين محمود أخيه، وتؤخذ من المظفر سلمية

(7)

، وتضاف إلى الملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص، وكان طلبها من الملك الكامل لأنها كانت جارية في إقطاع أبيه ناصر

(8)

الدين محمد بن شيركوه، وإنما أضيفت إلى تقي

(9)

الدين عمر بن شاهنشاه في أيام صلاح الدين بعد موت ناصر الدين، وبقية الكلام في السنة الآتية إن شاء الله

(10)

.

(1)

سروج: بلدة قريبة من حران من ديار مضر. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 85.

(2)

رأس عين: مدينة كبيرة من مدن الجزيرة بين حران ونصيبين ودنيسر. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 731.

(3)

جملين: جملين والموز قلعتان كانتا على مسافة يوم من حران من ديار مضر وديار بكر.

انظر: ابن العديم، زبدة الحلب، ج 2؛ ص 227، حاشية 5،4.

(4)

موزر: كورة بالجزيرة منها نصيبين الروم.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 679.

(5)

المعرة: توجد معرتان، الأولى معرة مَصْرين وهي بليدة وكورة بنواحي حلب ومن أعمالها، والثانية معرة النعمان وهي مدينة كبيرة قديمة مشهورة من أعمال حمص بين حلب وحماة.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 574 - ص 575.

(6)

بعرين: بليدة بين حمص والساحل. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 672.

(7)

سلَمْيةَ: بليدة من أعمال حماة.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 123.

(8)

ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الملقب الملك القاهر صاحب حمص، توفي سنة 581 هـ، يوم عرفه، وهو ابن عم السلطان صلاح الدين، وقد نقلته زوجته بنت عمه ست الشام بنت أيوب إلى تربتها بمدرسته بدمشق ظاهر البلد.

انظر: وفيات الأعيان، ج 2، ص 480؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 272.

(9)

تقي الدين عمر بن شاهنشاه: هو الملك المظفر تقي الدين أبو سعيد عمر بن نور الدولة شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة، وهو ابن أخي السلطان صلاح الدين، توفي يوم الجمعة تاسع عشر رمضان سنة 587 هـ، ودفن بظاهر حماة.

انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 456 - ص 457؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 289.

(10)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في الكامل، ج 12، ص 483 - ص 485؛ الذيل على الروضتين، ص 154 - 156؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 228 - ص 231؛ المختصر، ج 3، ص 143 - ص 145؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 153 - ص 157؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 133. وجدير بالذكر أن هذه الأحداث وردت سنة 626 هـ.

ص: 193

وفي تاريخ المؤيد

(1)

، وفي هذه السنة أرسل الملك الكامل صاحب مصر يطلب من ابن أخيه الناصر داود بن الملك المعظم صاحب دمشق حصن الشوبك، فلم يعطه الناصر ذلك، ولا أجابة إليه، فسار الملك الكامل من مصر في هذه السنة في رمضان إلى الشام، وذكر نحو ما ذكرناه، غير أنه قال: فقدم الملك الأشرف إلى دمشق، ودخل هو والملك الناصر داود إلى قلعة دمشق راكبين.

وقال القاضي جمال

(2)

الدين بن واصل: كنت إذ ذاك حاضرا في دمشق، ورأيت الملك الأشرف راكبا مع ابن أخيه، وعلى رأس الملك الأشرف شاش

(3)

علم

(4)

كبير، ووسطه مشدود بمنديل، وكان وصول الأشرف إلى دمشق في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة. ثم قال: وخرجت السنة والأشرف عند أخيه الكامل بظاهر غزة.

وفي تاريخ ابن العميد

(5)

: بلغ الناصر صاحب دمشق خروج الملك الكامل لأخذ بلاده، وكان سبب ذلك أن الناصر لما استقر في دمشق ظلم الناس، وأخذ أموالهم، وأقبل على اللهو والشرب والطرب، واشتغل عن النظر في مصالح دولته، فبلغ ذلك الكامل فتغير خاطره عليه، وتجهز وخرج بعساكره إلى الشام، ليأخذ دمشق، واستناب ولده الصالح نجم الدين بمصر، وجعل الأمير فخر الدين

(6)

بن الشيخ بين يديه ليحصل الأموال ويدبر المملكة، وذلك في شهر رجب من هذه السنة، ولما بلغ ذلك الناصر لم يسيِّر إليه، ولا استعطفه، بل كتب إلى عمه الملك الأشرف يسأله أن يصل إليه، فلما جاءه الأشرف إلى دمشق رأي من حركاته المذمومه فكرهه بسببها، وأيضا أطمعته نفسه بدمشق فإن جلال الدين خوارزم شاه كان قد أخذ أخلاط، ولم يبق بيد الأشرف

(1)

المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 140 - ص 141.

(2)

مفرج الكروب، ج 4، ص 228 - ص 229.

(3)

الشاش: هو زي المواكب الحافلة، وهو الرداء الفوقاني الذي كان يلبس كثياب رسمية، فالشاش يعبر عن الموسلين الطويل الذي يلف حول العمامة كلباس للرأس عند الأمراء أثناء الاحتفالات السلطانية.

(4)

"معلم" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من المختصر في أخبار البشر حيث ينقل عنه العيني، ج 3، ص 140.

(5)

أخبار الأيوبيين، ص 15 - ص 16، مكتبة الثقافة الدينية، 526 ش بورسعيد - الظاهر.

(6)

فخر الدين بن الشيخ: هو فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ صدر الدين محمد بن عمر بن علي بن محمد بن حموية الجويني، وهو الأمير نائب السلطنة، ولد بدمشق بعد الثمانين وخمسمائة، طعن يوم المنصورة، وتوفي عام 647 هـ، لمعرفة المزيد عن ترجمته. انظر: الذيل على الروضتين، ص 184؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 91، حاشية (3)؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 147 - ص 148، حاشية (3): شذرات الذهب، ج 5، ص 238 - ص 239.

ص: 194

سوي حران، والرها والجزيرة، وسنجار وأعمالها، وبلاد الخابور

(1)

جميعه، وسببه أن الحاجب على غلام الأشرف دخل إلى بلاد جلال الدين المجاورة لأخلاط، وأخرب ونهب وأسر بنت خواجاجهان الوزير، زوجة جلال الدين خوارزم شاه، فبلغ جلال الدين ذلك فسار إلى أخلاط وحاصرها، وفتحها، وأسر بنت ملك الكرج زوجة الملك الأشرف، فسير الأشرف إلى مملوكه عز الدين صاحب دارا

(2)

بأنه يقبض على عَلىِ الحاجب ويقتله فقتله، وأما السلطان الملك الكامل فإنه وصل إلى نابلس، ونزل بها ورتب الولاة

(3)

والنواب

(4)

والدواوين

(5)

في البلاد الساحلية، وبلغه أن الأنبرور وصل إلى يافا

(6)

في ميعاده

(7)

فعاد الكامل من نابلس إلى تل العجول ونزل عليها، وترددت الرسل بين السلطان والأنبرور، وكان السفير بينهما الأمير فخر الدين بن الشيخ، فلم يزل يتردد إلى الأنبرور تارة بمفرده وتارة يأخذ معه الصلاح

(8)

الإربلي إلى أن تقرر الصلح، على أن يعطى الأنبرور القدس والقرى

(9)

التي على طريقه من يافا إلى القدس، ومدينة لدْ

(10)

.

(1)

بلاد الخابور: ولاية واسعة وبلدان جمة من بلاد قرقيسيا وماكسين والمجدل وعربان ونسبت إلى نهر الخابور، وهو نهر كبير بين رأس عين والفرات من أرض الجزيرة. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 383.

(2)

دارا: بلدة في لحف جبل بين نصيبين وماردين، وهي من بلاد الجزيرة. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 516.

(3)

الولاة: المفرد والي وهو الذي يشرف على الولاية يقابل في أيامنا "المحافظة" وكان الوالي يعين بمرسوم من السلطان، ويمنح عند التولية خلعة وفرسا، وكان عمل الولاة الأساسي هو القيام بأعمال الشرطة وحفظ النظام.

انظر: صبح الأعشي، ج 15، ص 358.

(4)

النواب: مفردها النائب وهو من موظفي الديوان يقوم برفع الحسابات أو الكتابة عليها.

انظر: صبح الأعشي، ج 15، ص 344.

(5)

الدواوين: الديوان كلمة فارسية معناها سجل أو "دفتر" ثم تطور استعمال هذا اللفظ فأطلق من باب المجاز على المكان الذي تحفظ فيه السجلات الخاصة بأمور الدولة المختلفة، وقد اقتبس عمر بن الخطاب نظام الدواوين في الدولة الإسلامية بعد أن اتسعت الفتوحات في عهده وأصبحت الحاجة ماسة إلى ضبط أمور الدولة.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 49، حاشية (1).

(6)

يافا: مدينة على ساحل بحر الشام من أعمال فلسطين بين قيسارية وعكا.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 1003.

(7)

"ميعاد" كذا في الأصل، والمثبت من "أخبار الأيوبيين" ص 15، حيث ينقل عنه العيني.

(8)

الصلاح الإريلي: هو أبو العباس أحمد بن عبد السيد بن شعبان بن محمد بن جابر بن قحطان الإربلي الملقب صلاح الدين، وهو من بيت كبير بإربل، وكان حاجبا عند الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، توفي في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة 631 هـ، ودفن بظاهر الرها بمقبرة باب حران، وكان تقدير عمره يوم وفاته ستين سنة، وولد في شهر ربيع الآخر سنة 572 هـ بإربل.

انظر: وفيات الأعيان، ج 1، ص 184 - ص 187؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 143.

(9)

"القرايا" كذا في الأصل، والمثبت من "أخبار الأيوبيين" ص 15، حيث ينقل عنه العيني.

(10)

لُدْ: قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 356.

ص: 195

قال: وفي سنة ست وعشرين طلب الأنبرور من السلطان تبنين

(1)

وأعمالها بحكم أن صاحبتها بنت الهنفري، ودخلت عليه فسألته، فأنعم السلطان عليه بها، ودخلت في نسخة المهادنة التي بين الأنبرور وبين السلطان وانتظم الصلح مدة عشر سنين [وخمسة أشهر وأربعين يوما]

(2)

وتسلم الأنبرور مدينة القدس ومدينة لدْ والأماكن التي على طريقه

(3)

. وسنذكر بقية ذلك في السنة الآتية إن شاء الله تعالي.

وفي تاريخ بيبرس: وفيها قدم الأنبرور فردريك

(4)

ملك الإفرنج إلى عكا في جمع كثير من الألمانية وغيرها من الفرنج، ومعنى هذا الاسم بالفرنجية ملك الأمراء ومملكته جزيرة صقلية

(5)

، ومن البر الطويل بلاد أنبولية

(6)

(7)

والأنبردية

(8)

.

وكان الأنبرور ملكا متميزا عالما، يحب الحكمة والمنطق والطب، ولما وصل نسب الكامل به ولم يمكنه دفعه ومحاربته لما تقدم بينهما من الاتفاق، ولأنه كان يؤدي ذلك إلى فوات أغراضه التي كان في ذلك الوقت بصددها فراسله ولاطفه

(9)

.

وبعد وصوله إلى عكا شرع الفرنج في عمارة صيدا، وكانت مناصفة بينهم وبين الفرنج، وسورها خراب، فعمروها واستولوا عليها، وأزالوا عنها حكم المسلمين، ولم يزل الأنبرور بعكا، والرسل مترددة بينه وبين الكامل إلى أن خرجت هذه السنة

(10)

.

(1)

تبنين: بلدة في جبال بني عامر المطلة على بلد بانياس بين دمشق وصور.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 524.

(2)

ما بين محاصرتين إضافة من أخبار الأيوبيين، حيث ينقل عنه العيني، ص 16.

(3)

إلى هنا توقف العيني عن النقل من أخبار الأيوبيين، ص 16.

(4)

الأنبرور فردريك: هو الأنبرطور فردريك الثاني امبراطور الدولة الرومانية المقدسة (1194 - 1250).

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 206، حاشية (6).

(5)

جزيرة صقلية: هي جزيرة خصيبة كثيرة البلدان والقرى والأمصار، وصقلية مدينة في البر الشمالي الشرقي الذي عليه مدينة قسطنطينية. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 406.

(6)

بلاد أنبولية: وتكتب أيضا أنبلُونَة، وهي مدينة قديمة على البحر المغربي بنواحي إفريقية قريبة من تونس، وهي من عمل شطفورة. وهي مملكة على بحر الروم عند فم جون البنادقة من غريبه.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 370؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 206، حاشية (6).

(7)

الأنبردية: أو أنْبَرْدْوَان، وهي من قوى بخارا. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 369.

(8)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 12، ص 477 - ص 478؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 233 - ص 234؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 141؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 132.

(9)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 234 - ص 235، المختصر، ج 3، ص 141.

(10)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 478؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 235؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 132؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 229.

ص: 196

وفي

(1)

تاريخ ابن كثير: لما جاء إلى بلاد الشام دخل بيت المقدس الشريف، ثم سار إلى نابلس، فخاف الناصر صاحب دمشق، فكتب إلى الأشرف، فقدم عليه جريدة، وكتب إلى أخيه الكامل يستعطفه ويكفه عن ابن أخيه، فأجاب الملك الكامل بأني إنما جئت لحفظ بيت المقدس وصونه عن الفرنج الذين يريدون أخذه، وحاشا لله أن أعارض أخي أو ابن أخي، وبعد أن جئت إلى الشام فأنت تحفظها، وأنا راجع إلى الديار المصرية، فخشي الأشرف وأهل دمشق إن رجع الملك الكامل أن تمتد أطماع الفرنج إلى بيت المقدس، فركب الأشرف إلى أخيه الكامل فثبطه عن الرجوع، وأقاما جميعا هنالك يحوطان جناب بيت المقدس من الفرنج (لعنهم الله).

وفي تاريخ النويري

(2)

: وكان الملك الكامل قد أرسل إلى الأنبرور فخر الدين بن الشيخ يستدعيه إلى قصد الشام بسبب أخيه المعظم، فوصل الأنبرور وقد مات المعظم، والأنبرور معناه ملك الأمراء بالفرنجية، وأما اسمه فردريك، وكان صاحب جزيرة صقلية وغيرها، ويقال: كان صاحب جزيرة قبرس. قلت: لاخلاف بين الكلامين لأنه كان صاحب الجزيرتين جزيرة صقلية وجزيرة

(3)

قبرس

(4)

.

‌ذكر ماجريات جلال الدين خوارزم شاه

وفي هذه السنة كانت حروب كثيرة بين جلال الدين وبين التتار، كسروه غير مرة، ثم بعد ذلك كله كسرهم جلال الدين كسرة بشيعة، وقتل منهم خلقا وأمما لا يحصون، وكان هؤلاء التتار قد عصوا على جنكيزخان وانفردوا، وكان جنكيزخان قد كتب إلى جلال الدين يقول: إن هؤلاء ليسوا منا، ونحن أبعدناهم، ولكن ستري مناما لا قبل له، وبعد أن فرغ جلال الدين من التتار قصد بلاد خلاط، ونهب القرى، وقتل وخرب البلاد، وفعل الأفعال القبيحة

(5)

.

(1)

البداية والنهاية، ج 13، ص 132.

(2)

نهاية الأرب، ج 29، ص 150.

(3)

جزيرة قُبْرس: هي جزيرة في بحر الروم. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 29.

(4)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 233 - ص 234؛ المختصر، ج 3، ص 141.

(5)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 476؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 231 - ص 232؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 141؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 132.

ص: 197

وفي تاريخ بيبرس: وفيها نهب جلال الدين خلاط وما حولها، وذلك أنه لما فرغ من حرب التتار وهزمهم، ووصل إلى أذربيجان بعساكره قصد خلاط، وتعداها إلى صحراء موش

(1)

وجبل جور

(2)

، ونهب الجميع، وسبي الحريم والأولاد، وقتل الرجال، وخرب القرى، وعاد إلى بلاده، وخاف أهل حران والرها وسروج وسائر بلاد الملك الأشرف، وعزم بعضهم على الانتقال إلى الشام، ووصل بعض أهل سروج إلى منبج

(3)

، وكان الوقت شتاء فسقط ببلاد خلاط ثلج كثير لم يعهد مثله، فعاد جلال الدين إلى بلاده

(4)

. وفيه أيضا وفيها وقع الخلف بين جلال الدين وبين غياث الدين تترشاه أخيه، وذلك أنه لما ضاق حال غياث الدين فارقته جماعة من سرهنكيته

(5)

، وانحازوا إلى نصرة الدين محمد بن الحسن بن خرميل، وقد كان جلال الدين صَيِّرهُ شحنة

(6)

على أصفهان حين ملكها، وعين له بها إقطاعا جليلا، ولما أقام جلال الدين بأصفهان على نية لقاء التتار، اتخذه لمنادمته لأنه كان كثير الفكاهة، حسن المحاضرة، فاجتمعوا في بعض الليالي في مجلس جلال الدين على الشرب بحضور غياث الدين، فلما لعب الشمول

(7)

بالعقول، ودارت الكؤس بالرؤس، قال غياث الدين لنصرة الدين: هلا ترد غلماني إلى بابي؟ فأجابه نصرة الدين بجواب غير لائق، وقال له: الغلمان يخدمون من يطعمهم ولا يصبرون على الجوع. فغضب غياث الدين، وأخذ يكرر الكلام، فلما أحس السلطان بغيظه أمر نصرة الدين بالقيام، فقام وخرج، وتبعه غياث الدين إلى داره، فقتله في تلك الليلة، فحزن السلطان عليه، وغضب بسببه على أخيه، وقال: إنك حلفت أن تكون

(1)

مَوش: بلدة من ناحية خلاط بأرمينية. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 682.

(2)

جبل جور: اسم لكورة كبيرة متصلة بديار بكر من نواحي أرمينية، وفيها قلاع وقرى.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 20.

(3)

منبج: مدينة كبيرة ذات خيرات كثيرة، بينها وبين الفرات ثلاثة فراسخ، وبينها وبين حلب عشرة فراسخ.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 654 - ص 656.

(4)

وردت هذا الأحداث في الكامل، ج 12، ص 481؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 235؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 141؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 228.

(5)

سرهنكية: سرهنك هي رتبة عسكرية. انظر: سيرة منكبرتي، ص 117، حاشية (5).

(6)

شحنة: أي رياسة الشرطة ويسمى متوليها صاحب الشحنة. السلوك، ج 1 ق 1، ص 35.

(7)

الشمول: الخمر، انظر: مادة "شمل"، لسان العرب.

ص: 198

لصديقي صديقا، ولعدوى عدوا، فأنت الحالف الحانث، ولم يبق لك في ذمتي يمين، وأنا مع ذلك لا أفعل إلا الشرع. فحاكم أخاه إلى القاضي، فإن شاء اقتص، وإن شاء عفا، فعظم ذلك عليه، وحسن عنده الهروب، وصار خائفا مرعوبا، إلى أن اتفق لقاء السلطان التتار بظاهر أصفهان، فاغتنم الفرصة وهرب إلى خوزستان، وأرسل إلى الخليفة المستنصر بالله بأنه قد فارق أخاه، وجاور الممالك الديوانية، فأعيد رسوله بواعد جميل، وثلاثين ألف دينار أنعاما، وخِلَع، ثم إن غياث الدين تسحَّب إلى ألموت لما بلغه أن التتار انهزموا، وأن أخاه جلال الدين قد ظهر عليهم، وأقام بها إلى أن وصل جلال الدين إلى الرى، متبعا آثار التتار، وفرق عساكره، فأحاطت بتخوم ألموت من الرى إلى زنجان

(1)

، فصار غياث الدين بها كالمخنوق سدت عليه المنافس. ثم ورد رسول علاء الدين صاحب الموت

(2)

إلى جلال الدين يلتمس منه الصلح لأخيه، وأن يعود إلى الخدمة فأجابه إلى ما سأله من الأمان، وأكد قواعده بالأيمان، وأصحب رسول علاء الدين بتاج الملك الخوارزمي

(3)

وشرف الملك يستردان غياث الدين، وشكر لعلاء الدين فعله، فندم غياث الدين على ما نواه من العود، ورأى أن هروبه أصلح، فاقترح على علاء الدين إعانته على ما يحمله من الخيل، فأعانه بذلك وخرج، وكادت طائفة من العساكر الجلالية تمسكه، لولا أن جهان بهلوان ردهم عنه، وكسرهم، فنجا إلى كرمان، وبها الحاجب

(4)

براق نائبه، فسار إليه طمعا في وفائه، فلم يلق منه إلا الغدر الفظيع والمكر

(1)

زنجان: ويقال لها زنكان، بلد كبير مشهور من نواحي الجبال بين أذربيجان وهي قريبة من أبهر وقزوين.

انظر: معجم البلدان، ج 2، 948.

(2)

ألموت: قلعة بالطالقان بناها السلطان ملكشاه السلجوقي.

انظر: صبح الأعشي، ج 13، ص 244.

(3)

تاج الملك نجيب الذين يعقوب الخوارزمي: هو مشرف المماليك حيث كانت قصور الخوارزميين مليئة بالأعداد الكبيرة من المماليك الذين اشتروهم من أسواق النخاسة، وكان يقوم بالإشراف عليهم رجل سمي بمشرف المماليك، يتولى النظر في كل ما يتعلق بهم، فينظر في مشاكلهم ويتولى الحكم فيهم.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 243، حاشية (1).

(4)

الحاجب براق: كان براق الحاجب قائدا من قواد دولة الخطا الذين دخلوا في خدمة علاء الدين محمد خوارزم شاه، وقد اتخذ من الفوضى التي أعقبت غزو جنكيزخان فرصة لتأسيس دولة له في كرمان سنة 619 هـ (1221 م)، واستطاع إلى حين أن يسيطر على الأقاليم الغربية من الدولة الخوارزمية.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 72، حاشية (3).

ص: 199

الشنيع، ولما صار عنده أمسكه واعتقله ببعض القلاع، وقيل: إنه قتله بعد ذلك. وقيل: بل خلص من الحبس، وهرب إلى أصبهان، وتزوج براق الحاجب بأمه على كره منها، ثم قتلها، وشنع أنها أرادت أن تسقيه سمًا، وقتل معها الوزير جهان بهلوان. وقال أبو الفتح المنشئ: لما فارق غياث الدين أخاه جلال الدين راح إلى خوزستان، وأرسل وزيره كريم الشرق إلى ديوان الخلافة معلما بمفارقته أخاه، ثم ذكر القضية مثل ما ذكرناه، إلى أن قال: اقترح على علاء

(1)

الدين صاحب ألموت إعانته بما يحمله، ويحمل معه من الخيل، فأعانه بثلاث مائة رأس، فخرج، ووقعت عليه طائفة من العساكر المركوزة التي للسلطان مقدمهم الطواشي

(2)

جُبَة السلاحدار

(3)

فلحقوه ببعض حدود همذان، وأسر جماعة من الذين كانوا

(4)

مع غياث الدين، ونجا إلى كرمان وبها الحاجب براق نائبه فسار إليه طمعا في وفائه فأول قبيح عامله به أنه

(5)

تزوج بوالدة غياث الدين على كره منه ومنها، ثم شنع عليها بعد حين بأنها أرادت أن تسقيه سما، فقتلها، وقتل معها الوزير كريم الشرق، وجهان بهلوان، وحبس غياث الدين، فقيل: إن براقا قتله بعد حين. وقيل: إنه تخلص من الحبس إلى أصفهان، وأن جماعة من النساء بالقلعة رثين له، فاتفقن على تخليصه، فجمعن له الحبال وأدلينه من القلعة، وقتل غياث الدين بأصفهان بأمر السلطان

(6)

.

(1)

علاء الدين صاحب ألموت: هو ابن جلال الدين الحسن الملقب بالكيا، وهو من عقب الحسن بن الصباح المقدم ذكره، وكان أبوه جلال الدين قد أظهر شعائر الإسلام ثم توفي بقلعة الموت في سنة 618 هـ، فاستولي ابنه علاء الدين على هذه القلعة وخالف رأي أبيه المذكور إلى مذهب النِّزارية، وصار رأسا من رؤوسهم.

انظر: صبح الأعشي، ج 13، ص 244.

(2)

الطواشي: جمعها طواشية وهم الخدام الخصيان الذين يتولون أمر الممالك للسلطان أو الأمير.

انظر: صبح الأعشي، ج 5، ص 456.

(3)

السلاحدار: لقب للذي يحمل سلاح السلطان أو الأمير، كما يطلق على صناع الأسلحة.

انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 11 - ص 12؛ معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، لمحمد أحمد دهمان، دار الفكر المعاصر - بيروت، 1990.

(4)

"كان" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(5)

"بأنه" في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(6)

وردت هذه الأحداث بتصرف في سيرة منكبرتي، ص 239 - ص 245.

ص: 200

وفيها عزل جلال الدين صفي الدين محمد الطغرائي عن وزارة خراسان وقبض عليه وأقام تاج الدين محمد البلخي المستوفي

(1)

مقامه بها، وكان صفي الدين من قرية كليجرد

(2)

، ابن رئيسها، وكان أكبر أدواته، حسن الخط، وكان مع جلال الدين حين كان بماء السند وسلم من الغرق حين غرق أكثر أصحاب جلال كما شرحناه فيما مضى، ثم انضم إلى شرف الملك الوزير وواظب خدمته، ولما ملك جلال الدين البلاد ولاه شرف الملك الطغرا

(3)

، فتجمل وتمول وأكثر الخدم، ثم لما قبض عليه جلال الدين بالرى جاء إليه حميد الدين الخازن

(4)

يوما وهو محبوس يقول له عن جلال الدين: إن كنت تريد أن أعفو عنك وأرضى عليك فابعث إلى ما جمعته من الجواهر، واحمل إلى ما جَيَيْتَه لشرف الملك الوزير من الذهب. فأحضر إليه أربعة آلاف دينار كان أودعها عند بعض التجار، وسبعين فصا ما بين ياقوت وبذخشاني

(5)

، وتسلمه الخازن ولم يحمل من ذلك شيئا إلى خزانة جلال الدين، وخطر بباله أن الطغرائي مقتول البتة لعلمه بسخط جلال الدين عليه، وأراد الله تأخير أجله إلى أن رضي عنه جلال الدين وانصلح أمره عنده، ثم فتش ذلك في ديوان

(6)

الخزانة فلم يجد للفصوص ولا للذهب ذكرا، فذكر ذلك لحميد الدين الخازن ودخل عليه على أن يكتم هذا الأمر، ويأخذ منه كل شهر مائتي دينار، فأوفي الذهب كله وأما الفصوص فلم يحصل له منها شيء

(7)

.

(1)

المستوفي: من كُتَّاب الأموال بالدواوين، وعمله ضبط الديوان التابع له والتنبيه على ما فيه مصلحة من استخراج أمواله ونحو ذلك، وكان يطلق على كبار كتاب المالية في بلاد فارس حتى القرن التاسع عشر الميلادي.

السلوك ج 1 ق 1، ص 192، حاشية (2)؛ معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، ص 138.

(2)

"كلي جرد": كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح من سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي، ص 247؛ وكليجرد: قلعة حصينة عظيمة بين خوزستان واللُر، بينها وبين أصبهان مرحلتان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 303.

(3)

الطغرا: وتكتب الطغراء، وهي الطابع أو التوقيع، والطغرائي هو الموظف الموكل بالتوقيع.

انظر: دائرة المعارف الإسلامية، مادة [Tughra]؛ سيرة منكبرتي، ص 57، حاشية (5).

(4)

الخازن: كاتب يتولى خزن الغلات وصرفها، وعليه سداد ما يعجز من عهدته، وقد تضاف إليها اللفظ الفارسي "دار" فتكون: الخازندار، وهو الذي يتولى أعمال خزانة السلطان أو الأمير أو غيرهما وفي عهدته ما بها من أموال وغلال انظر: صبح الأعشى، ج 5، ص 462 - ص 463.

(5)

البذخشاني: وتذكر أيضا بلخشاني نسبة إلى بلخشان، وهو اسم أطلقه العامة على المكان الذي يوجد فيه معدن البلخشن المقادم للياقوت، ويوجد في الجبال على هيئة عروق، لكن الجيد منه قليل.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 250، حاشية (1).

(6)

ديوان الخزانة: كان يوضع به الأموال والغلال والذخائر والحواصل والأقمشة والتشاريف والطرز.

انظر: صبح الاعشي، ج 13، ص 100.

(7)

وردت هذه الأحداث بتصرف في مسيرة جلال الدين منكبرتي، ص 247 - ص 250.

ص: 201

‌ذكر بقية الحوادث

منها أن علاء الدين كيقباذ بن كيخسروا سلطان بلاد الروم ملك أرزنكان

(1)

من صاحبها علاء الدين داود شاه، وأراد المسير إلى أرزن الروم ليأخذها وبها ابن عمه طغرل شاه بن قليج أرسلان، فلما سمع صاحبها بذلك أرسل إلى الأمير حسام

(2)

الدين على النائب عن الملك الأشرف بأخلاط يستنجده وأظهر طاعة الملك الأشرف، فسار حسام الدين الحاجب إلى أرزن الروم ومنع عنها، ولما بلغ كيقباد وصول العساكر إليها لم يقدم على قصدها فسار إلى بلاده، وكان قد أتاه الخبر أن الروم الكفار المجاورين لبلاده قد ملكوا عليه حصنا من حصونه يسمي سنوُب

(3)

، مطلا على البحر حصينا، فلما وصل إلى بلاده سير إليه عسكرًا واستعاده منهم، وسار إلى أنطالية

(4)

باللام ليشتي بها

(5)

.

ومنها في ربيع الأول كانت الوقعة على باب صور

(6)

بين العزيز عثمان وبين الفرنج، فإنه كمن مع عسكره قريبا من صور، فلما تعالى النهار خرج الفارس والراجل بأغنامهم ومواشيهم، وخرج عليهم المسلمون فقتلوا وأسروا منهم سبعين فارسًا، ولم يسلم من الفرنج سوى ثلاثة أنفس، وكانت وقعة عظيمة

(7)

.

(1)

أرزنكان: ويقال لها أرذنجان، بلده من بلاد أرمينيا بين بلاد الروم وخلاط.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 205.

(2)

حسام الدين على: كان شهما مقداما موصوفا بالشجاعة والسياسة والحشمة والبر والمعروف، قبض عليه الأشرف على يد مملوكه عز الدين أيبك، وحبسه ثم قتله سنة 626 هـ.

انظر: المختصر، ج 3، ص 143؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 119.

(3)

سنُوب: وتكتب أيضًا سينوب، وهي مدينة على البحر الأسود.

انظر: بلدان الخلافة الشرقية، ص 175.

(4)

أنطالية: بلد كبير من مشاهير بلاد الروم وهو حصن الروم على شط البحر.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 388.

(5)

وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج 12، ص 478 - ص 479.

(6)

صور: مدينة كبيرة معروفة على بحر الشام، وهي معدودة في أعمال الأردن بينها وبين عكا ستة فراسخ، وهي شرقي عكا. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 433.

(7)

وردت هذه الأحداث في الذيل على الروضتين، ص 152 - ص 153؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 149؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 431.

ص: 202

ومنها أن مدرسة الركن الفلكي

(1)

نجزت بقاسيون، وذكر فيها ملك شاه الدرس

(2)

.

وفيها .....

(3)

وفيها حج بالناس من الشام علي بن السلار

(4)

.

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

القاضي

(5)

جمال الدين عبد الرحيم بن علي بن اسحاق بن شيث، القرشي العالم الفاضل، كان الله تعالى قد جمع له بين الفضل والمروة والكرم والفتوة والإحسان إلى الخلق، ما قصده أحد في شفاعة فرده خائبا، وكان يمشي بنفسه مع الناس في قضاء حوائجهم، وكان كثير الصدقات، واسع المعروف، غزير الإحسان، وكان القاضي الفاضل يحتاج إليه في علم الرسائل، وكان إماما في فنون العلوم من المنثور والمنظوم، مات له ولد صغير، فخرج في جنازته يبكي ويقول:

ما الذي أطمع في الدنيا

وقد فارقت بعضي

هكذا تنفلت الدنيا

من الأيدي وتمضى

(6)

وله تصانيف كثيرة ظريفة، ورسائل وأشعار لطيفة، وكانت وفاته بدمشق سابع المحرم، ودفن بقاسيون.

الشيخ

(7)

الصالح الفقيه أبو الحسن على المراكشي، المقيم بمدرسة المالكية

(8)

، مات في أوائل رجب منها، ودفن في المقبرة التي وقفها الرئيس خليل

(9)

بن زويزان قبلي مقابر الصوفية، وكان أول من دفن بها.

(1)

المدرسة الركنية البرانية: تميزًا لها عن الركنية الجوانية أنشأها الأمير ركن الدين منكورس عتيق فلك الدين سليمان العادلي سنة 625 هـ.

انظر: محمد كرد على، خطط الشام، ج 6، ص 92؛ الدارس، ج 1، ص 519 - ص 522.

(2)

ورد هذا الخبر في مرآة الزمان، ج 8، ص 430؛ الدارس، ج 1، ص 520.

(3)

بياض بمقدار نصف سطر.

(4)

ورد هذا الخبر في مرآة الزمان، ج 8، ص 431.

(5)

انظر ترجمته في: الذيل على الروضتين، ص 153؛ المرآة، ج 8، ص 431؛ الشذرات، ج 5، ص 117.

(6)

انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 431.

(7)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 153؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 133؛ الدارس، ج 2، ص 6.

(8)

المدرسية المالكية: بدمشق، وهي أربع مدارس مالكية وهي: الزاوية المالكية، الشرابيشية، الصمصامية، والصلاحية.

انظر: الدارس، ج 2، ص 3 - ص 28؛ خطط الشام، ج 6، ص 98.

(9)

خليل بن زويزان: هو جمال الدولة خليل بن زويزان، رئيس قصر الحجاج، وله زيارة في مقابر الصوفية من ناحية القبلة، مات سنة 828 هـ، ودفن بتربته عند مسجد الفلوس.

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 140؛ الدارس، ج 2، ص 247.

ص: 203

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والعشرين بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله، وملوك أيوب مفترقون مختلفون قد صاروا أحزابا وفرقا، فلذلك آل الأمر إلى أن سلموا القدس الشريف إلى الإفرنج

(1)

.

‌ذكر تسليم القدس إلى الفرنج

وكان هذا في الإسلام من أعظم المصيبات، وأصل هذه الطامة أنه قد اجتمع ملوك بني أيوب إلى الملك الكامل صاحب مصر، وهو مقيم بنواحي القدس بسبب أخذ دمشق، فقويت قلوب الفرنج بكثرتهم بمن وفد إليهم من البحر، وبموت الملك المعظم، واختلاف من بعده بين الملوك، فطلبوا من المسلمين أن يردوا إليهم ما كان السلطان صلاح الدين أخذ منهم، فوقعت المصالحة بينهم وبين الملوك على أن يردوا عليهم بيت المقدس وحده، وتبقى بأيديهم بقية البلاد، فسلموا القدس الشريف، وكان الملك المعظم قد هدم أسواره على ما ذكرناه، فعظم ذلك على المسلمين جدا، وحصل بذلك وهن عظيم وإرجاف شديد

(2)

.

وفي تاريخ النويري

(3)

: ولما طال الأمر ولم يجد الملك الكامل بدًا من المهادنة أجاب الأنبرور إلى تسليم القدس إليه، على أن تستمر أسواره خرابا ولا يعمرها الفرنج، ولا يتعرضون إلى الصخرة، ولا إلى الجامع الأقصى، ويكون الحكم في الرساتيق

(4)

إلى والى المسلمين، ويكون لهم من القرايا ما هو على الطريق من عكا إلى القدس فقط، ووقع

(*) يوافق أوله: 30 نوفمبر 1228 م.

(1)

ورد هذا الخبر في البداية والنهاية، ج 13، ص 133.

(2)

ورد هذا الخبر بتصرف في الكامل، ج 12، ص 482 - ص 483؛ الذيل على الروضتين، ص

154؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 241 - ص 242؛ المختصر، ج 3، ص 141؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 149 - ص 152؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 133؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 431 - ص 434؛ شفاء القلوب في مناقب بني أيوب، ص 267، مكتبة الثقافة الدينية - الظاهر.

(3)

ورد هذا الخبر بتصرف في نهاية الأرب، ج 29، ص 150، ص 151.

(4)

الرساتيق: مفردها الرستاق وهو لفظ فارس معناه القرية أو محلة العسكر، أو البلد التجاري، ومنه الكلمة العربية الرزاق، وجمعها الرزداقات، والرزاديق.

انظر: مصطلحات صبح الأعشي، ج 15، ص 159؛ محيط المحيط؛ معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، محمد أحمد دهان، ص 82.

ص: 204

الأمر على ذلك، وتحالفا عليه، وتسلم الأنبرور القدس في هذه السنة في ربيع الآخر على القاعدة التي ذكرناها

(1)

.

وفي تاريخ بيبرس: لم تزل الرسل تتردد بين الكامل وبين الأنبرور، وأبي أن يرجع إلى بلاده إلا بما وقع الشرط عليه من تسليم القدس إليه وبعض الفتوح الصلاحي، وأبي الكامل أن يسلم إليه كل ذلك، وتقرر الأمر آخر الحال أنه يسلم إليه القدس على شريطة أن يبقى خرابا ولا يجدد سوره، وأن لا يكون للفرنج شيء من ظاهرة البتة، بل يكون جميع قراياه للمسلمين، ويكون عليها وال للمسلمين، ويكون مقامه بالبيرة من عمل القدس، وأن الحرم الشريف بما حواه من الصخرة المقدسة والمسجد الأقصى يكون بأيدى المسلمين، لا يدخله الفرنج إلا للزيارة فقط، ويكون شعار الإسلام به قائما على عادته، ورأى الملك الكامل أن يرضى الفرنج بمدينة القدس خرابا، ويهادنهم مدة، ثم هو قادر على انتزاع ذلك منهم متى شاء، وأنه متى شاقق الأنبرور، ولم يف له بالكلية انفتح باب محارية مع الفرنج، ويتسع الخرق ويفوته كلما خرج بسببه، وكان المتردد بينهما في الرسائل الأمير فخر الدين بن الشيخ، وكانت تجري بينهم محاورات شتى، ومسائل حكمية وغيرها، ثم حلف الكامل على ما وقع عليه الاتفاق، وحلف الأنبرور له، وعقدوا عقد الهدنة مدة معلومة، وقال الأنبرور للأمير فخر الدين بن الشيخ: لولا أني أخاف انكسار جاهي عند الفرنج لما كلفت السلطان شيئا من ذلك، ونودي في القدس بخروج المسلمين وتسليمه إلى الفرنج، فخرج المسلمون ووقع فيهم الضجيج والبكاء، وحزنوا على خروجه من أيديهم، وأنكروا على الكامل هذا الفعل، واستشنعوه ورثوا القدس بأبيات منها:

عزيز علينا أن نرى القدس يخرب

وشمس مبانيه تزول وتغرب

وقلت له: منا الدموع لأنه

على مثله تجرى الدموع وتسكب

(2)

(1)

ورد هذا الخبر بتصرف في مفرج الكروب، ج 4، ص 241 - ص 242؛ المختصر في أخبار البشر، ج 3، ص 141؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 150 - ص 151؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 230؛ شفاء القلوب، ص 267.

(2)

ورد هذان البيتان في شفاء القلوب، ص 268.

ص: 205

ولما تم ذلك استأذن الأمبرور السلطان في زيارة القدس، فأذن له، وتقدم إلى القاضي شمس الدين قاضي نابلس

(1)

بملازمته إلى أن يزور القدس، ويرجع إلى عكا قرار ورجع، وعمل الشيخ شمس

(2)

الدين يوسف سبط جمال الدين بن الجوزي الواعظ مجلس وعظ بمدينة دمشق، وذكر فيه القدس وما ورد فيه من الآثار، وأورد قصيدة في ذلك

(3)

منها:

على قبة المعراج والصخرة التي

تفاخر ما في الأرض من صخرات

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مُقفِر العرصات

(4)

وقال السبط

(5)

في المرآة: لما وصلت الأخبار بتسليم القدس إلى الفرنج قامت القيامة في جميع بلاد الإسلام، واشتدت العظائم بحيث أنه أقيمت المآتم، وأشار الملك الناصر داود صاحب دمشق أن أجلس بجامع دمشق، وأذكر ما جرى على بيت المقدس، فما أمكنني مخالفته، ورأيت من جملة الديانة والحمية للإسلام موافقته، فجلست بجامع دمشق، وحضر الناصر داود على باب مشهد على

(6)

، وكان يوما مشهودا، ولم يتخلف من أهل دمشق أحد، وكان من جملة الكلام: انقطع عن بيت المقدس وفود الزائرين، يا وحشة المجاورين! كم كانت لهم في تلك الأماكن من ركعة؟! كم جرت لهم على تلك المساكن من دمعة؟! تالله لو صارت عيونهم عونا لما وفت، ولو تقطعت قلوبهم أسفا لما اشتفت، أحسن الله عزاء المؤمنين، يا خجلة ملوك المسلمين لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات، لمثلها، تتقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات. وذكر كلاما طويلا.

(1)

نابلس: مدينة مشهورة من أرض فلسطين بين جبلين.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 724.

(2)

شمس الدين يوسف سبط جمال الدين بن الجوزي: العلامة الواعظ المؤرخ أبو المظفر يوسف بن قُزُغلى التركي ثم البغدادي الهبيري الحنفي، توفي رحمه الله في ليلة الثلاثاء العشرين من ذي الحجة بمنزله بجبل الصالحية، عام 654 هـ، ودفن هناك.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 195؛ وفيات الأعيان، ج 3، ص 142؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 206 - 207؛ الشذرات، ج 5، ص 266 - ص 267.

(3)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 243 - ص 244؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 150 ص 151؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 221؛ شفاء القلوب، ص 267 - ص 269.

(4)

ورد هذان البيتان في شفاء القلوب، ص 268.

(5)

مرآة الزمان، ج 8، ص 432.

(6)

مشهد على: بالكوفة بالعراق وفيات الأعيان، ج 2، ص 176.

ص: 206

وحكى أن فقيرا بات بالقدس، فسمع قائلا يقول في الليل هذه الأبيات:

إن يكن بالشام قلَّ نصيري

وتهدمتُ ثم دام هُلُوكي

فلقد أصبح الغداة خرابي

سِمَة العار في حياة الملوك

وفي تاريخ ابن

(1)

العميد: تسلم الأنبرور مدينة القدس، ومدينة لدّ

(2)

، والأماكن التي

(3)

على الطريق، وحضر الأئمة والمؤذنون الذين كانوا في الصخرة والمسجد الأقصى إلى باب دهليز الملك الكامل، وأذنوا على باب الدهليز في غير وقت الآذان، فعزَّ ذلك على الملك الكامل، وأمر أن يؤخذ ما معهم من الستور

(4)

والقناديل الفضة وجميع الآلات، ويتوجهوا إلى حال سبيلهم

(5)

.

وقال بيبرس في تاريخه: ثم أقلع الأنبرور إلى بلاده، واستمر مصافيا للملك الكامل ومُوَادًّا له إلى أن مات الكامل، ثم استمر على موادة الملك الصالح نجم الدين أيوب بعده

(6)

. وفي المرآة

(7)

: وجرى للأنبرور عجائب منها: أنه لما دخل الصخرة رأي قسيسا قاعدا عند القدم يأخذ من الفرنج قراطيس

(8)

فجاء إليه كأنه يطلب منه الدعاء، فلكمه، فرماه إلى الأرض، وقال: يا خنزير السلطان يصدق علينا بزيارة هذا المكان، تفعلوا فيه هذه الأفاعيل، لئن عاد دخل واحد منكم على هذا الوجه لأقتلنه. قال السبط

(9)

: وحكى لى صورة الحال قوَّام الصخرة، ونظر إلى الكتابة التي في القبة: وقد

(10)

طهر هذا البيت المقدس صلاح الدين من المشركين. فقال: ومن هم المشركين؟ وقال

(1)

أخبار الأيوبيين، ص 16.

(2)

لُد: قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 354.

(3)

"التي طريقه" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من أخبار الأيوبيين، حيث ينقل عنه العيني، ص 16.

(4)

الستور: مفرده "الستر والساتر" وهو ما يُسْتر به كائنا ما كان. ويقال لما ينصبه المصلى قُدَّامه علامة لمصلاة من عصا وتسنيم تراب وغيره (سترة) لأنه يستر المار من المرور أي يحجبه. المصباح المنير، مادة (ستر).

(5)

إلى هنا توقف العينى عن النقل من ابن العميد، أخبار الأيوبيين، ص 16.

(6)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 246 - ص 247.

(7)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 433 - ص 434.

(8)

قراطيس: المفرد "قرطاس" وهو ما يكتب فيه، والقرطاس قطعة من أديم تنصّب للنضال فإذا أصاب الرامي قيل: قرطس قرطسة، وكسر القاف أشهر من ضمها.

انظر: المصباح المنير؛ محيط المحيط، مادة "قرط"

(9)

مرآة الزمان، ج 8، ص 433 - م 434.

(10)

"وهي" كذا في الأصل، والمثبت من مرآة الزمان، ج 8، ص 432، حيث ينقل عنه العيني.

ص: 207

وللقَوَّام: هذه الشَباك التي على أبواب الصخرة من أجل إيش؟ قالوا: لئلا يدخلها العصافير. فقال: قد أتى الله إليكم بالخنازير. قالوا: ولما دخل وقت الظهر، وأذن المؤذنون، قام جميع من كان معه من الفراشين والغلمان

(1)

ومعلمه، وكان من صقلية يقرأ عليه المنطق، فصلوا وكانوا مسلمين، قالوا: وكان الأنبرور أشقرا أَمْعط، في عينيه ضعف، لو كان عبدا ما يساوي مائتي درهم. قالوا: والظاهر من كلامه أنه كان دهريا

(2)

وإنما كان يتلاعب بالنصرانية. قالوا: وكان الكامل قد تقدم إلى القاضي شمس الدين قاضي نابلس أن يأمر المؤذنين ما دام الأنبرور في القدس لا يصعدون

(3)

المنابر، ولا يؤذنون

(4)

في الحرم، فأنسى القاضي أن يُعْلِم المؤذنين، فصعد عبد الكريم المؤذن في تلك الليلة وقت السحر، والأنبرور نازل في دار القاضي، فجعل يقرأ الآيات التي تختص بالنصارى، مثل قوله تعالى: "ما اتخذ

(5)

الله من ولد ذلك عيسي بن مريم" ونحو هذا، فلما طلع الفجر استدعى القاضي عبد الكريم وقال له: إيش عملت؟ السلطان رسم كذا وكذا. قال: فما عرفتني التوبة. فلما كانت الليلة الثانية، ما صعد عبد الكريم المأذنة، فلما طلع الفجر استدعى الأنبرور القاضي، وكان قد دخل القدس في خدمته، وهو الذي سلم إليه القدس، فقال له: يا قاضي أين ذاك الرجل الذي طلع بارحه أمس المنارة، وذكر ذاك الكلام؟ فعرفه أن السلطان أوصاه. فقال الأنبرور: أخطأتم يا قاضي تغيرون أنتم شعاركم ودينكم لأجلى، فلو كنتم عندي في بلادى هل كنت أبطل ضرب الناقوس لأجلكم؟! الله الله، لا تفعلوا هذا أول ما تنقصون عندنا، ثم فرق في القوام والمؤذنين والمجاورين جملة، أعطى كل واحد عشرة دنانير، ولم يقم بالقدس سوى ليلتين، وعاد إلى يافا، وخاف من الداوية

(6)

فإنهم عزموا على قتله

(7)

.

(1)

والغلمان والغلمان" كذا في الأصل، والمثبت من مرآة الزمان، ج 8، ص 433، حيث ينقل عنه العيني.

(2)

الدهري: هو الملحد القائل ببقاء الدهر أي الذي يقول أن العالم موجود أزلا وأبدا لا صانع له. وقد جاء ذكرهم في سورة الأنعام. وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما بهلكنا إلا الدهر". والدهرية كذلك فرقة من الكفار ذهبوا إلى قدم الدهر وأسندوا، ما يقع من الحوادث إلى الدهر.

انظر: محيط المحيط؛ المصباح المنير، مادة (دهر).

(3)

"لا يصعدوا" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(4)

"لا يؤذنوا" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(5)

قال الله تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، سورة مريم، آية (34، 35).

(6)

الدواية: تطلق على جمعية فرسان المعبد Templiers وقد أسسها Hugh de payns عام 1119 وذلك لحماية طريق الحجاج المسيحيين بين يافا وبيت المقدس،33 - 1 - King: Knight Hospitallerspp

(7)

إلى هنا توقف العينى عن النقل من مرآة الزمان، ج 8، ص 433 - ص 434.

ص: 208

‌ذكر مجئ الكامل على دمشق وأخذه من الناصر داود

لما تسلم الأنبرور القدس وكان في ربيع الآخر من هذه السنة، كان الملك الناصر محصورا في دمشق، وعمه الملك الأشرف يحاصره بأمر الملك الكامل، ولما جرى الاتفاق بين الملكين الكامل والأشرف على نزع دمشق من الناصر، كان الناصر حينئذ بنابلس، فلما بلغه الخبر رحل إلى دمشق، وكان عمه الأشرف لحقه بالغور

(1)

، وعرفه ما أمر به عمه الكامل، وأنه لا يمكنه الخروج عن مرسومه

(2)

، فلم يلتفت الناصر إلى ذلك، وسار إلى دمشق، وسار الأشرف في أثره، وحصره بدمشق، ثم أن الكامل لما عقد الهدنة مع الأنبرور، وخلا سره من جهة الفرنج، سار إلى دمشق، ووصل إليها في جمادى الأولى من هذه السنة، واشتد الحصار على أهل دمشق، ووصل إلى الكامل رسول الملك العزيز صاحب حلب، وخطب بنت الكامل، فزوجه بنته فاطمة خاتون، التي هي من الست السوداء أم ولده أبي بكر العادل بن الكامل، ثم استولى الملك الكامل على دمشق، وعوض الناصر عنها الكرك

(3)

والبلقاء

(4)

والصلت

(5)

والأغوار والشوبك

(6)

، وأخذ الكامل لنفسه البلاد الشرقية، التي كانت قد عينت للناصر، وهي حران والرها وغيرهما، التي كانت بيد الملك الأشرف، ثم نزل الناصر عن الشوبك،

(1)

الغور: هو غور الأردن بالشام بين بيت المقدس ودمشق، وهو منخفض عن أرض دمشق وأرض البيت المقدس ولذلك سمي بالغور. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 822.

(2)

مرسوم: المقصود به المرسوم السلطاني، والجمع "مراسيم" ويكتبها مستوفي الصحبة، ويعلم عليها السلطان، تارة تكون بما يعمل في البلاد؛ وتارة بإطلاقات، وتارة بإستخدامات كبار في صغار الأعمال وما يجرى مجراها، وفي ديوان الصحبة تثبت التواقيع والمراسيم السلطانية، وتصدر المراسيم السلطانية كذلك باعتماد حضور رسل الملوك. انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 307.

(3)

الكرك: اسم لقلعة حصينة جدا في أطراف الشام من نواحي البلقاء.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 251 - ص 252.

(4)

البلقاء: كورة من أعمال دمشق، بين الشام ووادي القري، قصبتها عمان.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 738.

(5)

الصلت: بليدة واقعة من مجند الأردن في جبل الغور الشرقي جنوبي عجلون.

انظر: تقويم البلدان، ص 245.

(6)

الشوبك: قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وأيلة قرب الكرك.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 332.

ص: 209

وسأل عمه الكامل في قبولها، فقبلها، وتسلم الأشرف دمشق، وتسلم الكامل من الأشرف البلاد الشرقية المذكورة، ولما سلم الكامل دمشق إلى أخيه الأشرف، وسار من دمشق ونزل بمجمع المروج

(1)

ثم نزل سلمية وقصده أخذ حماة على ما تذكره

(2)

.

وفي تاريخ بيبرس: ولما حاصر الأشرف دمشق، أرسل إلى أخيه الكامل يستعجله على القدوم إلى دمشق، فرحل من تل العجول ووصل إلى ظاهر دمشق في جمادي الأولى من هذه السنة، واتفق هو والأشرف على محاصرة البلد ومضايقته، وقطعوا الماء عنه، وشرب الناس من الآبار، وكان الدمشقيون يخرجون إلى العسكر المصري ويقاتلون محبة في صاحبهم، وطالت مدة الحصار إلى آخر رجب من هذه السنة، فعظم ذلك على أهل دمشق، واشتد الأمر وغلا السعر، وفارق من العسكر الدمشقي أرغش المعظمي وهو من أمراء الملك الناصر، وجماعة، ونفدت النفقات من عند الناصر، فإنه أنفق في هذه المدة جميع ما في الخزائن، وشرع في ضرب ما عنده من الأواني الفضية والذهبية دراهم ودنانير، وأتي على أكثر ما عنده من الذخائر

(3)

.

وفيها وصل إلى الكامل وهو على دمشق رسول الملك العزيز

(4)

غياث الدين محمد ابن الملك الظاهر غازي في خطبة ابنته للملك العزيز، وكان الرسول القاضي بهاء

(5)

الدين بن شداد، وحمل المهر وعقد العقد بحضور الملك الأشرف ووليه من جهة الكامل

(1)

مجمع المروج: واحدها "مرج" وهي الأرض الواسعة فيها نبت كثير تمرج فيها الدواب، وأصل المرج الفلق، وهي في مواضع كثيرة كل مرج منها يضاف إلى شئ.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 487.

(2)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 12، ص 483 - ص 484؛ الذيل على الروضتين، ص 155 - ص 156؛ مفرج الكروب،

ج 4، ص 256 - ص 258؛ المختصر، ج 3، ص 142؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 153 - ص 155؛ البداية والنهاية، ج 13،

ص 133؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 434؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 234 - ص 235؛ أخبار الأيوبيين، ص 16.

(3)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 252 - ص 253؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 234.

(4)

الملك العزيز غياث الدين أبو المظفر محمد بن الملك الظاهر غازي، ولد يوم الخميس خامس ذي الحجة سنة 610 هـ بقلعة حلب، وتوفي يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الأول سنة 634 هـ، ودفن بالقلعة.

انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 9 - ص 10؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 168.

(5)

القاضي بهاء الدين بن شداد: هو يوسف بن رافع بن تميم، توفي بحلب سنة 632 هـ، وولد سنة 539 هـ.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 163؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 153 - ص 154؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 158.

ص: 210

الأمير عماد

(1)

الدين بن الشيخ على فاطمة

(2)

خاتون -وهي شقيقة العادل أبي بكر بن الكامل- على صداق مبلغه خمسون ألف دينار، وقبل النكاح عن الملك العزيز القاضي بهاء الدين المذكور

(3)

.

ولما طالت مدة الحصار، ونفد ما في يد الملك الناصر من الأموال والذخائر، علم أنه لا قبل له بعمه الكامل، فخرج ليلا من قلعة دمشق في العشر الآخر من رجب، وقصد جهة الدهليز

(4)

في نفر يسير من أصحابه، وبلغ عمه مجيؤه فخرج إليه وتلقاه وأكرمه إكراما كثيرا، وطيب قلبه، وعاتبه عتابا كثيرا، ثم أمره بالرجوع إلى قلعة دمشق، ثم أرسل إليه بعد يومين الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ من جهة السلطان، وكان يوم الجمعة، فصلي الجمعة بجامع القلعة، ثم خرج هو والملك الناصر إلى السلطان، ووقع الاتفاق والتحالف، وأقر عز الدين

(5)

أيبك المعظمي علي صرخد

(6)

والملك الصالح والملك العزيز ابنا الملك العادل، وابن أخيهما المغيث عي ما بأيديهم، وقرر للملك الناصر داود الكرك، والشوبك، وأعمالهما، والصلت، والبلقاء، والأغوار، ونابلس، وأعمال البيت المقدس، وبيت جبريل

(7)

، ونزل الناصر عن الشوبك للكامل لتكون خزانة

(1)

عماد الدين بن الشيخ: هو الشيخ عماد الدين عمر أحد أبناء صدر الدين علي بن حمويه شيخ الشيوخ، وكان أحد إخوة الملك الكامل من الرضاع لأن أمه وهي بنت الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون الفقيه الكبير أرضعته، ولد يوم الاثنين 16 شعبان سنة 581 هـ بدمشق، ومات مقتولا في السادس والعشرين من جمادى الأولى سنة 636 هـ، ودفن بجبل قاسيون.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 168؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 181.

(2)

فاطمة خاتون: هي فاطمة بنت الملك الكامل بن العادل محمد بن أبي بكر بن أيوب، ابن عم أبيها العزيز محمد ابن الظاهر غازي بن الناصر يوسف بن أيوب، أخذها أبوها في صحبته لما توجه إلى الشرق سنة 629 هـ، واحتفل لها العزيز احتفالا كليا. انظر: شفاء القلوب، ص 344.

(3)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 254 - ص 255؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 157؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 233 - ص 234.

(4)

الدهليز: خيمة الملك أو السلطان، أو الخيمة الكبيرة.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 154.

(5)

عز الدين أيبك المعظمي: صاحب صرخد، توفي في أوائل جمادى الأولى من سنة 646 هـ في موضع اعتقاله بالقاهرة، ودفن خارج باب النصر في قرية شمس الدولة.

انظر ترجمته في: وفيات الأعيان، ج 3، ص 496؛ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ضمن وفيات سنة 645 هـ، ج 13، ص 186.

(6)

صرخد: بلد ملاصق لبلاد حوران من أعمال دمشق، وهي قلعة حصينة وولاية حسنة واسعة.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 380.

(7)

بيت جبريل: أو بيت جبرين، بليد بين بيت المقدس وغزة، بينه وبين المقدس مرحلتان كانت فيه قلعة حصينة، خربها صلاح الدين لما استنقذ القدس من الإفرنج.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 776.

ص: 211

له وبقي له مع الشوبك الخليل

(1)

وطبرية

(2)

وغزة وعسقلان والرملة ولُد، وسائر السواحل التي

(3)

بأيدي المسلمين، ثم رجع الناصر إلى قلعة دمشق، وفتحت أبواب البلد مستهل شعبان، ودخل العسكر المصري من جميع الأبواب، وامتلأت البلد بهم وحزن الدمشقيون حزنا عظيما، ودخل والى الكامل إلى القلعة وتسلمها

(4)

.

وولي في المدينة عز الدين بن ملكشو، وسلمها إلى أخيه الأشرف، وأخذ منه عوضا عنها البلاد الشرقية، التي كانت عينت أولا للملك الناصر وهي: حران والرقة، والرها، وسروج، ورأس عين، وجُملين، والموزر، وأرسل نوابه إليها فتسلموها من نواب الأشرف، وبقي للأشرف بالبلاد الشرقية نصيبين، وسنجار، والخابور، وبلاد خلاط، وكانت ميافارقين بيد أخيهما المظفر

(5)

شهاب الدين غازي، وقلعة جعبر بيد أخيهما الملك الحافظ

(6)

أرسلان

(7)

شاه، ثم سافر الناصر بأهله وأخوته ومن يتعلق به إلى الكرك، وتسلم البلاد التي عينت له، ثم أمر الكامل العساكر بالتبريز إلى جهة حماة لأخذها من صاحبها الملك الناصر

(8)

قليج أرسلان بن المنصور

(9)

.

(1)

الخليل: اسم موضع وبلدة فيها حصن وعمارة وسوق بقرب البيت المقدس.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 468.

(2)

طبرية: بليدة مطلة على البحيرة المعروفة ببحيرة طبرية من أعمال الأردن.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 509.

(3)

"الذي"كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه؛ بالكامل، ج 12، ص 483 - ص 484.

(4)

وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج 12، ص 484؛ الذيل على الروضتين، ص 155 - ص 156؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 256 - ص 257؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 153 - ص 155؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 132؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 434؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 235؛ أخبار الأيوبيين، ص 16.

(5)

المظفر شهاب الدين غازي بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي بن الملك العادل، توفي في رجب سنة 645 هـ بميافارقين.

انظر ترجمته في: وفيات الأعيان، ج 5، ص 333؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 186؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 233.

(6)

الملك الحافظ أرسلان شاه بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي، الملك الحافظ نور الدين العادل، توفي سنة 640 هـ، وقيل في ذي الحجة سنة 638 هـ، ودفن بالفردوس.

انظر: شفاء القلوب، ص 276؛ ترويح القلوب، ص 80.

(7)

"رسلان شاه" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من مفرج الكروب، ج 4، ص 258؛ شفاء القلوب، ص 276.

(8)

الملك الناصر قليج أرسلان بن المنصور: هو الملك الناصر قليج أرسلان بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب ابن شاذي الملك الناصر صلاح الدين بن الملك المنصور بن المظفر صاحب حماة، ولد سنة 600 هـ، وتوفي سنة 630 هـ. انظر ترجمته في: المختصر، ج 3، ص 126؛ شفاء القلوب، ص 354 - ص 356.

(9)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 257 - ص 258؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 133؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 236.

ص: 212

وفي المرآة

(1)

: ولما أقام الأشرف بدمشق دخل عليه ابن عنين الشاعر فلم يرمنه ما كان يعهده من مجالس المعظم، وما كان يجري فيها من الهنات، وقذف المحصنات، فإن ابن عنين كان هجاء، خبيث اللسان، فشرع فيما كان يفعله، فنهاه الأشرف، وقال: ما مجالسي كما عهدت، يكفيني ما أنا فيه، حتى أضيف إليه ثلب المسلمين، فخرج من عنده وعمل فيه:

وكُنَّا نُرَجي بعد عيسي

(2)

محمدا

(3)

لينقذنا من شدة الضر والبلوى

فأوقعنا في تيه موسى

(4)

كما ترى

حيارى فلا مَن لديه ولا سلوى

وبلغ الأشرف فقال: هذا الملعون، إذا لم يكن عندي من ولا سلوي فعند من؟ وأمر بقطع لسانه، فدخل على جماعة، وحلف أنه ما قال هذا، فقال الأشرف: هذا ما أفلت من لسانه أحد، ولابد من قطعة فهرب إلى بلاد زُرَع

(5)

وحوران، وسكت الأشرف عنه

(6)

.

‌ذكر توجه الكامل إلى حماة

ولما فرغ شغل الكامل من جهة دمشق رحل بعساكره، ووصل إلى مجمع المروج، ثم رحل إلى سلمية، قاصدا التوجه إلى الشرق للإشراف على بلاده التي تسلمها من أخيه الأشرف، وتقدم إلى المظفر

(7)

تقي الدين محمود بن المنصور بمحاصرة حماة، وبعث معه الملك المجاهد

(8)

أسد الدين شيركوه وأخويه العزيز والصالح، ابني العادل

(1)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 434 - ص 435.

(2)

عيسى: يقصد به الملك المعظم صاحب دمشق.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 156، حاشية (1).

(3)

محمدا: يقصد به الملك الكامل.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 156، حاشية (2).

(4)

موسي: يقصد به الملك موسى الأشرف.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 156، حاشية (3).

(5)

زُرَع: بلدة من بلاد حوران.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 156، حاشية (4).

(6)

إلى هنا توقف العيني عن النقل من مرآة الزمان، ج 8، ص 434 - ص 435.

(7)

المظفر تقي الدين محمود بن المنصور هو ابن ملكة خاتون بنت أبي بكر بن أيوب بن شاذي، ويأتي في الطبقة الخامسة وهو محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي، ولد سنة 599 هـ، وملك حماة وعمره نحو سبع وعشرين سنة، وتوفي سنة 642 هـ.

انظر: المختصر، ج 3، ص 144؛ شفاء القلوب، ص 350.

(8)

المجاهد أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي صاحب حمص، وتوفي بها سنة 637 هـ.

انظر ترجمته في: البداية والنهاية، ج 13، ص 166؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 184؛ ترويح القلوب، ص 67، وقد ذكر فيه الزبيدي أنه توفي سنة 636 هـ.

ص: 213

فنازلوها ونصبوا عليها آلات الحصار، ونزل صاحبها الناصر قليج أرسلان إلى البلد، وارتقى السور وعاين كثرة العساكر المحيطة بالبلد، فأضمر في نفسه العزم على

(1)

النزول إلى خاله الكامل وهو بسلمية، وبها نواب المظفر، فأرسل قليج أرسلان إلى المجاهد أسد الدين شيركوه يخبره بأنه ينزل إليه، ويمضي معه إلى خدمة الملك الكامل، فركب المجاهد ووقف خارج البلد ينتظره، فنظر إليه في العشر الآخر من شهر رمضان المعظم، ومضى معه إلى المعسكر الكاملي بسلمية، فلما دخل الناصر على الكامل صاح عليه وانتهره، وكان ممتلئا غيظا منه لأشياء كثيرة بلغته عنه، ثم أمر باعتقاله، فاعتقل، ثم بعث إليه يأمره أن يبعث إلى النواب بقلعة حماة علامة يعرفونها، ليسلموا القلعة إلى نواب السلطان الكامل، فأجاب إلى ذلك، وأنفذ العلامة إلى النواب، وأمرهم بتسليم القلعة إلى نواب الكامل، وكان بقلعة حماة بعض أولاد المنصور ومماليكه، والطواشيان بشير و مرشد خادما المنصور، وسير السلطان الأمير مجد

(2)

الدين أخا الفقيه

(3)

عيسي الهكاري ومثقال

(4)

الجمدار ليتسلما القلعة، فامتنع من كان بها من أولاد الملك المنصور ومماليكه وخدامه من تسليمها إلى الملك الكامل، وركبوا الملك المعز بن الملك المنصور شقيق الملك المظفر والناصر، وأمهم جميعا الملكة

(5)

خاتون بنت الملك

(1)

"الى" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

(2)

الأمير مجد الدين عمر بن محمد بن عيسى، أبو حفص الهكاري، أخو الفقيه عيسى، ولد في رجب سنة 560 هـ، وتوفي في الثالث والعشرين من ذي القعدة سنة 636 هـ بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم.

انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 497.

(3)

الفقيه عيسى الهكاري: هو ضياء الدين عيسى الهكاري، أبو محمد عيسي بن محمد بن عيسي بن محمد، أحد أمراء الدولة الصلاحية، كبير القدر، وافر الحرمة، يؤخذ برأيه في الأمور الهامة، توفي يوم الثلاثاء، تاسع ذي القعدة سنة 585 هـ/ 1189 م بمنزلة الخروية.

انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 497 - ص 498؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 103.

(4)

مثقال الجمدار: هو سابق الدين مثقال الجدار الناصري الصلاحي، وكان أحد خدام العاضد خليفة مصر، ثم صار للسلطان الملك الناصر صلاح الدين، وعمر عمرا طويلا إلى آخر أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، فأدرك أول الدولة الأيوبية بمصر وآخرها.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 269.

(5)

الملكة خاتون بنت الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب صاحب مصر: هي مؤنسة خاتون الملقبة بدار إقبال ودار القطبية، وهي المحدثة المعمرة، روت الإجازة من عفيفة الفارقانية، ولدت سنة 603 هـ، وتوفيت سنة 693 هـ في ربيع الآخر بالقاهرة، ودفنت بباب زويلة.

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 356؛ ترويح القلوب، ص 80.

ص: 214

العادل، ونادوا في حماة في شعاره

(1)

، وقالوا: هذا بدل الملك الناصر، والبلد له، وكان صبيا صغيرا، ولم يمكنوا الأمير مجد الدين الهكاري ومثقال الجمدار الكاملي من الصعود إلى القلعة، وأنزلوا إليهما الملك المعز فاجتمع بهما، وقال لهما: هذه القلعة لي ولإخوتي نقوم عليها، وأي واحد منامات كان فينا من يقوم مقامه، وليس بيننا وبين من يقصدنا إلا السيف. ثم رجع إلى القلعة، ورجع مجد الدين ومثقال الجمدار، فصاحت عامة البلد عليهما ورجموهما بالحجارة، فرجعا إلى السلطان وأخبراه بذلك، فحينئذ أرسل الكامل إلى ابن أخته المظفر تقي الدين محمود يأمره أن يتفق مع مماليك أبيه على تسليم القلعة إليه، وكان نازلا بظاهر البلد مع العسكر، محاصرا له، فراسلهم المظفر في ذلك، فأجابوه إلى تسليم القلعة إليه، وأرسلوا إليه من يستحلفه لهم، فخرج إليه جماعة من الأعيان، فاجتمعوا به في الجوسق

(2)

الذي

(3)

بناه الناصر أخوه على العاصي، واستحلفوه لمن في القلعة، وشرطوا عليه أن لا يدخل البلد إلا بجماعته خاصة، وأن لا يدخله أحد من عسكر الكامل، فأجاب إلى ذلك وواعده الوصول بجماعة إلى باب النصر ليلا ليفتحوه له، فجاءهم في الليلة الثانية إلى باب النصر، ففتحوا له فدخل بجماعته ثم أغلق الباب ومضى إلى دار أبيه المعروفة بدار الأكرم

(4)

فنزلها، وأصبح الناس قاصدين بابه مهنئين له بمصير الملك إليه، وكان أهل حماة قد حلفوا له بولاية عهد أبيه المنصور سنة ست عشرة وستمائة، وجرى من تغلب أخيه على الملك ما جري كما ذكرناه، فعاد الحق إلى نصابه واستقر في أربابه، وفرحت الرعية بملكه، وكانوا خائفين من تغلب الكامل على البلد، فأمنوا من ذلك، وكانت مدة

(5)

الملك الناصر لحماة وبلادها تسع سنين إلا شهرين، وصعد المظفر القلعة فتسلمها، وأخذ الكامل منه سلمية،

(1)

شعار: الشعار هو علامة يتميز بها القوم عن غيرهم، وشعار السلطنة هي أنواع الملابس والأدوات والترتيبات التي كان السلطان يظهر بها في المواكب الحافلة.

انظر: مصطلحات صبح الأعشي، ج 15، ص 202.

(2)

الجوسق: هو لفظ معرب من الفارسي على كلمة "كوسك" ومعناه القصر الصغير.

انظر: المعجم الوسيط، ص 152 - ص 153؛ معجم الألفاظ التاريخية، ص 57.

(3)

"التي" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

(4)

دار الأكرم: هي دار الوزير خُطَير الدين الأكرم بن الدخماسي بالجانب من حماة المعروف بالسوق الأعلى، وهي معروفة بدار الإكرام، وهي الآن مدرسة تعرف بالخاتونية، وقفتها عمة مؤنسة خاتون بنت الملك المظفر محمود ابن المنصور.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 271؛ المختصر، ج 3، ص 144.

(5)

"وكان" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

ص: 215

فسلمها إلى المجاهد أسد الدين حسبما وقع عليه الاتفاق، وبقي في يد المظفر حماة والمعرة وبعرين، وهُنِّى بقصائد.

(1)

منها ما أنشده الشيخ شرف

(2)

الدين عبد العزيز ابن محمد الأنصاري الدمشقي:

تناهى إليك المُلْكُ واشتد كاهله

وحل بك الراحى فحطت رواحله

ألا هكذا فليمنع المجد مانع

ألا هكذا فليبذل الجود باذله

ترحلت عن مصرَ فامحل روضها

ولما حللت الشام رُوض ماحله

وعزت حماة في حمى ليت غاية

بصولته تحمي كُليب ووابله

وقد طال ما ذلَّت بتدبير أهوج

يخيبُ مُرَجّيه ويحرم سائله

وأمضى عليها الشكرُ فرضا لفوزها

بذي كرم فاضت عليها نوافله

سبقت إلى ورد العُلي كلَّ سابق

فما نال الأفضل ما أنت نائله

وعدَّلْت بالعدل الزمان وردتَه

سنا فاستوت أسحارُه وأصائله

إذا فاعِلُ دام ارتفاعا بفعله

ففعلك مرفوعٌ بأنك فاعله

وذي أمل أعطيت فوق سؤله

تغاضت أمانيه وفاضت مناهله

دعا وسبقت العدل بالسيفه رادعا

له فاهتدى لما أُصِيبت مقائله

أَبرَّ تقي الدين مجدا وسؤددا

فتمت عطاياه وتمت فضائله

وفاق على الأملاك معني وصورة

فراق مُحيَّاهُ ورقت شمائله

هم القوم إن سيمُوا وعودًا بأجل

سَمَاهُم جوادٌ يَسْبقُ الوَعَدَ عاجِلهُ

وإن شغلتهم دُميةً أو مدامة

بلهْوٍ فلا هَزْل عن الجد شاغِلُه

فما لبني أيوب مُلكٌ ساجِلُ

ولافي بني أيوب ملك يسُاجلهُ

(1)

وردت هذه الأحداث باستفاضة في الكامل، ج 12، ص 486 - ص 487؛ الذيل على الروضتين، 156؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 265 - ص 274؛ المختصر، ج 3، ص 143 - ص 145؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 156 - ص 157؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 133، السلوك، ج 1 ق 1، ص 235 - ص 236؛ تاريخ حلب، ص 935 - ص 954؛ أخبار الأيوبيين، ص 16.

(2)

الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن بن منصور بن خلف الأنصاري الدمشقي، وكان أبوه زين الدين ينوب في القضاء بحماة عن القاضي ضياء الدين بن الشهرزوري، لما ولى الحكم بحماة، وكان الشيخ شرف الدين فاضلا متأدبا جيد النظم والترسل.

لمعرفة المزيد من ترجمته انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 273 - ص 274.

ص: 216

فكَمْ فُضَّ ضيِقٌ حين زارت هباته

وضاق فضاء حين زادت جَحافله

مليكُ لشمل المكرمات مُجمع

فلا جمع إلا وهو بالبذل شامِلُه

وبحرُ طويل الباع مُنْسرح الندى

بسيط المعالي وافر الفضل كامله

يَذِلُ مُعادِيه ويعتزُّ جارُه

وتُرجي عطاياهُ وتُخشي غوائلُه

ويلقي حصينات الدُّرُوع غنيمة

إذا ما التقى أقرانُهُ وعوامِله

دعاه إلى حُبِّ المواضي مضاؤه

وهل يصحب الإنسان من لا يشاكله

وعمَّ اليتامى والأراملَ برُّه

فكل الوري أيتامُه وأراملهُ

وقد كانت الدنيا تحاول كاملا

فقد أدْرَكت في عصره ما تُحاوله

بلغتُ بمدحي فيه أبلغ غايةٍ

فَبُلّغت من جدْوَاه ما أنا آمِلُه

ومن جُودِه شكري ولم تُئْن روضةً

على المزن بل أثنى على المزن وابله

تعدي نداه الجمَّ أقصى مآربي

فأفضلت مما أمطرتني فواضله

وقر قرارى في جنات جنانه

وقد قلقلت يابن الحسين قلاقِلهُ

وصار قريضي مدح أشرف ضيغمَ

فلم له يبذله في غزالٍ أُغازِلُه

(1)

وفي تاريخ ابن كثير

(2)

: ولما فتحوا باب

(3)

النصر وقت السحر للملك المظفر دخل منه، ومضى إلى دار الوزير المعروفة بدار الأكرم داخل باب الغار، وهي الآن مدرسة تعرف بالخاتونية، وقفتها مؤنسه

(4)

خاتون بنت الملك المظفر المذكور، وأقام المظفر في دار الأكرم يومين، وصعد في اليوم الثالث إلى القلعة، وتسلمها. وجاء عيد الفطر من هذه السنة والملك المظفر مالك لحماة، وعمره يومئذ نحو سبع وعشرين سنة، لأن مولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وكان أخوه الناصر قليج أرسلان أصغر منه بسنة. ولما ملك

(1)

ورد هذا الشعر في مفرج الكروب، ج 4، ص 274 - ص 276.

(2)

بالبحث لم نجد هذه الأحداث في تاريخ ابن كثير، ولكن وجدناها في مفرج الكروب، ج 4، ص 271 - 274.

(3)

المقصود باب النصر بدمشق. الدارس، ج 1، ص 278.

(4)

مؤنسة خاتون بنت الملك المظفر: هي بنت المظفر محمود بن المنصور محمد بن المظفر عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي، عمرت بحماة المدرسة الخاتونية، وهي دار الوزير المعروفة بـ "دار الأكرم".

انظر: شفاء القلوب، ص 396.

ص: 217

المظفر حماة فوض تدبير أمرها إلى الأمير سيف الدين علي بن أبي على الهذباني، وكان سيف الدين بهذا قد خدم الملك المظفر بعد ابن عمه حسام الدين بن أبي على، الذي كان نائب السلطنة للملك المظفر بسلمية لما سلمت إليه، وهو بمصر عند الكامل، ثم حصل بين المظفر وبين حسام الدين المذكور وحشة، ففارقه حسام الدين واتصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وحظي عنده، وصار أستاداره، وخدم ابن عمه سيف الدين على المذكور الملك المظفر، وكان يقول له: أشتهي أني أراك صاحب حماة وأكون بعين واحدة. فأصيبت عين سيف الدين على حصار حماة لما نازلها عسكر الكامل، وبقي بفرد عين، فحظي عند المظفر لذلك، ولأجل كفاية سيف الدين المذكور وحسن تدبيره.

‌ذكر رحيل الملك الكامل إلى بلاد الشرق

ولما استقر الملك المظفر في حماة رحل الملك الكامل عن سلمية إلى البلاد الشرقية التي أخذها من أخيه الملك الأشرف، عوضا عن دمشق، فنظر في مصالحها، ثم سار الملك المظفر من حماة، ولحق الملك الكامل وهو بالشرق، وعقد له الملك الكامل هناك على ابنته غازية

(1)

خاتون ابنة الكامل وهي شقيقة الملك المسعود

(2)

صاحب بلاد اليمن، وهي والدة الملك المنصور

(3)

صاحب حماة، وأخيه الملك الأفضل نور الدين على ابني الملك المظفر محمود، ثم عاد الملك المظفر إلى حماة، وقد قضيت أمانيه بملك حماة، بخاله الملك الكامل، وكان يتمنى ذلك لما كان

(1)

غازية خاتون: بنت محمد بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي، الصاحبة بنت الملك الكامل بن العادل، تزوجها ابن ابن ابن عم أبيها المظفر محمود بن المنصور محمد بن المظفر عمر بن شاهنشاه بن أيوب سنة 626 هـ، توفيت في ذي القعدة سنة 656 هـ.

انظر: شفاء القلوب، ص 341 - ص 343.

(2)

الملك المسعود: هو يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي، الملك المسعود المعروف بأقسيس، الملقب أطز، وهو اسم تركي، صاحب اليمن، ابن الكامل بن العادل، وكان المسعود جبارا فاتكا، مات سنة 626 هـ ودفن بالمعلى وكان سنة ستة وعشرين سنة لأن مولده سنة 600 هـ.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 157، شفاء القلوب، ص 325 - ص 328؛ ترويح القلوب، ص 89؛ أخبار الأيوبيين، ص 16.

(3)

الملك المنصور صاحب حماة: هو الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد بن عمر، مات يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة 617 هـ بحماة.

انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 457؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 100؛ الشذرات، ج 5، ص 77 - ص 78.

ص: 218

بالديار المصرية، وكان يصحبه بمصر رجل من أهلها يقال له: الزكي القوصى، فأنشده الزكي يوما بمصر، وقد جرى ذكر ملك الملك المظفر حماة وزواجه بنت خاله الملك الكامل:

متى أراك كما تهوى وأنت ومن

تهوي كأنكما رُوحان في البدن

هناك أنشد والأقدار مصغية

هنيت بالملك والأحباب والوطن

فقال الملك المظفر: إن صار ذلك يازكي أعطيتك ألف دينار مصرية. فلما ملك المظفر حماة أعطى الزكي ما وعد به

(1)

.

وفي تاريخ بيبرس: ولما سار الملك الكامل إلى جهة الشرق نزل بالرقة، وولي على البلاد، ونظر في مصالحها، وخافه ملوك الشرق، وأطلق ابن أخيه الناصر قليج أرسلان من اعتقاله وأعطاه بعرين، وكتب له توقيعا، ورسم بأن يحمل إليه ما كان في قلعة حماة من المال، وكان نحو أربع مائة ألف درهم، وكتب إلى المظفر بتسليم ذلك إليه، فأمر المظفر النواب ببارين بتسليمها إلى أخيه الناصر، ووصل الناصر ليتسلمها، فبعث إليه أخوه ببعض المال، فأبى أن يقبله إلا الجميع، فأخذ المظفر المال المردود، ولم يبعث له شيئا

(2)

.

وفي تاريخ

(3)

ابن العميد: بعث الكامل الأمير فخر

(4)

الدين بن الشيخ ليتسلم قلعة حران وقلعة الرها، وبلاد الجزيرة، فمضى إليها، وبعد ذلك لحقه السلطان، فوصل إلى الرقة ليلة عيد الفطر من هذه السنة، فلما عيد على الرقة سار إلى

(5)

حران والرها، وكشف

(1)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في الكامل، ج 12، ص 157؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 276 - ص 277؛ المختصر، ج 3، ص 145؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 156 - ص 157؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 133، السلوك، ج 3، ص 225 - ص 226؛ أخبار الأيوبيين، ص 16.

(2)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 12، ص 486 - ص 487؛ الذيل على الروضتين، ص 156؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 273؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 156 - ص 157؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 236؛ أخبار الأيوبيين، ص 16.

(3)

أخبار الأيوبيين، ص 16.

(4)

فخر الدين بن الشيخ: هو فخر الدين يوسف بن الشيخ بن حموية، وكان فاضلًا دينا مهيبا وقورا خليقا بالملك، قتلته الداوية من الفرنج شهيدا في ذي القعدة سنة 647 هـ.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 184؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 190؛ الشذرات، ج 5، ص 238 - ص 239.

(5)

"نحو إلى" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من أخبار الأيوبيين، حيث ينقل عنه العيني، ص 16.

ص: 219

أحوال البلاد، وطلع إلى القلاع ودبرها، وشرع في استخدام عساكرها، وولي ذلك الأمر للأمير بهاء الدين خليل بن محمد بن ملكشو

(1)

، وكان مشد

(2)

ديوان

(3)

الجيوش المنصورة.

‌ذكر عود الكامل إلى جهة الديار المصرية

ولما فرغت حاجة الكامل في بلاد الشرق عاد إلى الديار المصرية، وكان قد وردت عليه كتب من أم ولده العادل

(4)

تشكو من ابنه الصالح نجم الدين أيوب، وكان قد رتَّبه نائبه بالديار المصرية، وجعله ولي عهده، وذكرت عنه أنه عزم على التوثب على الملك، واشترى جماعة كثيرة من المماليك الترك، وأخذ جملة من أموال التجار وبدَّل جُملةً من بيت المال، وتقول له:"إن لم تدرك البلاد غلب عليها، وأخرجني وولدك العادل منها". فأغضبه ذلك وأحنقه

(5)

ورجع إلى الديار المصرية مسرعًا. ولما وصل أظهر التغير على ولده الملك الصالح، وقبض على جماعة من أصحابه واعتقلهم، وطالبهم بالأموال التي فرط فيها، وكان هذا [هو]

(6)

السبب في انحرافه عن الصالح إلى العادل، حتى أدى ذلك إلى إبعاده إلى الشرق على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وعهد بالسلطنة بعده إلى ولده العادل، وكان عمره يومئذ إحدى عشرة سنة، وكان الكامل شديد الميل إليه وإلى والدته

(7)

.

(1)

"ملكشوا" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من أخبار الأيوبيين، حيث ينقل عنه العيني، ص 16.

(2)

مشد الديوان: هذه الوظيفة من بين الوظائف السلطانية الخاصة بأرباب السيوف (أمراء الجند)، وموضوعها أن يكون صاحبها رفيقا للوزير، متحدثا في استخلاص الأموال وما في معنى ذلك.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 168، حاشية (4)؛ صبح الأعشي، ج 4، ص 22.

(3)

ديوان الجيش: من الدواوين الهامة، أنشئ في عهد الفاطميين، وتركزت فيه كل شئون الجيش وأصناف الجند وأعدادهم، وأعداد خيولهم وأنواعها، وكان لا يتولى هذا الديوان إلا من كان مسلما، وله الرتبة الجليلة والمكانة الرفيعة وبين يديه حاجب، وقسم هذا الديوان إلى ثلاثة أقسام وهي: قسم يختص بالأجناد وإحصاء أعدادهم، وقسم يختص بضبط الإقطاعات الخاصة بأولئك الأجناد، وقسم خاص بالرواتب والجوامك التي كانت تصرف لكل موظف بالدولة.

المزيد من المعلومات انظر: مصطلحات صبح الأعشي، ج 15، ص 145.

(4)

بقصد الملك العادل سيف الدين أبي بكر.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 277 - ص 278.

(5)

"والحنقة" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من مفرج الكروب، ج 4، ص 278.

(6)

ما بين حاصرتين إضافة من مفرج الكروب، ج 4، ص 278، لاستقامة المعنى.

(7)

ورد هذا الحدث في سنة 627 هـ في كل من مفرج الكروب، ج 4، ص 277 - ص 279؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 160؛ السلوك، ج 1، ق 1، ص 238؛ أخبار الأيوبيين، ص 17.

ص: 220

‌ذكر بقية الحوادث

منها أن الملك الأشرف سير أخاه الصالح عماد

(1)

الدين اسماعيل صاحب بصري ومعه جماعة من العسكر إلى بعلبك، فنازلوها وضايقوها ونصبوا عليها المجانيق إلى أن خرجت هذه السنة

(2)

.

ومنها أنه نادي الأشرف بدمشق وغيرها أن لا يشتغل الناس بعلم الأوائل، وأن يشتغلوا بعلم التفسير والحديث والفقه، وكان الناس قد اشتغلوا بعلوم الأوائل في أيام الملك الناصر داود، وكان يعاني ذلك، وربما نسبه بعضهم إلى نوع من الانحلال، وكان سيف الدين الآمدي

(3)

مدرسا بالعزيزية

(4)

فعزله منها، وبقي ملازما منزله حتى مات في سنة إحدى وثلاثين وستمائة

(5)

كما سنذكره إن شاء الله تعالي.

قال أبو شامة

(6)

: وفي هذه السنة أهين جماعة من المتجبرين وذلك بعد استقرار الأشرف في دمشق. من ذلك أن هبة الله النصراني الذي كان متولي خزانة

(7)

السلطان، علق بيده اليمنى على باب كنيسة

(8)

مريم، وفي رجليه لبنة حديد، وطلب

(1)

الصالح عماد الدين اسماعيل: هو ابن الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب، ملك دمشق مدة، وقتل سنة 948 هـ.

انظر ترجمته في: الذيل على الروضتين، ص 186؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 191؛ شفاء القلوب، ص 279؛ الشذرات، ج 5، ص 241؛ ترويح القلوب، ص 79.

(2)

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 280؛ أما المختصر، ج 3، ص 145؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 136 - ص 137؛ المرأة، ج 8، ص 435 - ص 436، فقد ورد هذا الحدث فيهم سنة 627 هـ.

(3)

هو سيف الدين على بن أبي علي محمد بن سالم بن التغلبي ثم الشافعي الآمدي ولد بآمد بعد سنة 550 هـ، وتوفي سنة 631 هـ ودفن بتربته بقاسيون.

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 151؛ الدارس، ج 1، ص 393: الشذرات، ج 5، ص 144 - 145.

(4)

المدرسة العزيزية، بعد وفاه صلاح الدين بن أيوب قام ابنه الملك العزيز عثمان ببناء المدرسة العزيزية، بالكلاسة بجوار الجامع الأموي، وكان أول من وضع أساسها الملك الأفضل، ثم أتمها الملك العزيز عثمان 591 هـ.

انظر: الدارس، ج 1، ص 382.

(5)

وردت هذه الأحداث في البداية والنهاية، ج 13، ص 133.

(6)

الذيل على الروضتين، ص 156.

(7)

خزانة السلطان: الخزائن السلطانية هي التي تحفظ فيها الأموال والنقد ويحمل إليها معدن النفط المستخرج من بحر القلزم فهو يسيل دهنه من أعلى جبل قليلا قليلا وينزل إلى أسفله، فيجمع في أوان قد وضعت لذلك، وتأتي العرب فتحمله إلى الخزائن السلطانية ويدخل هذه الخزانة أيضا ما يحمل إليها من البلاد الخارجية، ويدخلها كذلك ما يتحصل من الثغور، وتحمل إليها كذلك المعادن كمعدن الزمرد، ومعدن الشب.

انظر: مصطلحات صبح الأعشي، ج 15، ص 120.

(8)

كنيسة مريم: بجوار مسجد صدقة عند باب المدينة بدمشق.

انظر: الدارس، ج 2، ص 316.

ص: 221

منه مال عظيم، وهرب أهله، وقد كان هذا الملعون تمكن من المسلمين وآذاهم، ورفع منار النصارى، وتسَلَّطوا بجاهه على المسلمين، وجدد لهم بناء كنيسة مريم، وشيَّد بنيانها، ورفع بابها ثم هدم مازاده، وأعيدت الكنيسة على ما كانت عليه في شعبان بأمر السلطان الكامل، وتولي النصارى هدم ذلك بأنفسهم.

ومنها أن شروانشاه أفريدون صاحب شروان

(1)

حضر إلى جلال الدين خوارزم شاه، وكان قد قرر عليه خمسين ألف دينار يحملها إلى الخزانة الجلالية

(2)

في كل سنة، وأحضر معه خمس مائة رأس خيلًا تركية تقدمةً فقبلها منه، وخلع عليه، وكتب له توقيعا بتقرير الممالك التي تحت يده، وإسقاط عشرين ألف دينار من الخراج المقرر عليه

(3)

.

ومنها أن جلال الدين خوارزم شاه سار إلى بلاد الكرج، فإنهم كانوا قد كبسوا بعض الأعمال الجلالية، وأوقعوا بطائفة من العسكر، ثم ورد الخبر بعد ذلك أن الملكة ومقدّم الكرج

(4)

قد جمعا، ووافتهم نجد اللُكز

(5)

والآلان

(6)

، فصاروا في أربعين ألفا، فخرج جلال الدين للوقت مبادرة إلى نحوهم، ولما تلاقي اليزكان

(7)

انهزم الكرج وأحضرت منهم جماعة فأمر بضرب رقابهم، وتبع العسكر الجلالي آثار المنهزمين، ولحق بعضهم أثقال إيواني فأخذها غنيمة، وراح السلطان صوب لُوري، فنزل بظاهرها، وراسل مَنْ بها

(1)

شَرْوَان: مدينة من نواحي باب الأبواب الذي يسمونه الفرس الدُّربند بناها أنو شروان فسميت باسمه، وبين شروان وباب الأبواب مائة فرسخ.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 282.

(2)

الخزانة الجلالية: أي خزانة السلطان جلال الدين منكبرتي، وقد سبق تعريف الخزانة السلطانية.

(3)

لمعرفة المزيد عن هذا الحدث. انظر: سيرة منكبرتي، ص 289 - ص 290.

(4)

مقدم الكرج: الكرج أمة من المسيحيين كانت مساكنها بجبال القوفاز المجاورة لتفليس ثم استولوا على تفليس من المسلمين سنة 515 هـ/ 1121 م. ولم يزالوا متملكين لها حتى أغار عليهم جلال الدين خوارزم شاه سنة 621 هـ / 1224 م، ومقدمهم هو الذي يتحدث عنهم ويتقدم عليهم.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 251 - ص 252؛ مفرج الكروب، ج 1، ص 192، مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 319.

(5)

اللكز: جنس من الترك يسكنون مدينة لكز، يقال لهم اللكزي، ويسكنون في الجبل الفاصل بين تتر مملكة برَكة، وتتر مملكة هولاكو.

انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 467.

(6)

الألان: وتكتب أيضا "اللان" قبائل كانت تسكن بالقرب من مدينة دربند. انظر: مسيرة منكبرتي، ص 191، حاشية (2).

(7)

اليزك: لفظ فارسي معناه الطلائع.

انظر: صبح الأعشي، ج 15، ص 364.

ص: 222

من الكرج مُهددا لهم بحصارها، وطالبهم بإطلاق من كان قد أسر من الأتراك فأطلقوهم، وتوجه إلى قلاع بهرام الكرجي وحاصرها، وفرق عساكره في بلاده بنهب وقتل وأخذ الأموال، وزحف على قلعة سكان

(1)

ففتحها عنوة، وأضرم بها على الكفار نارًا، ثم رحل منها إلى قلعة علياباذ

(2)

، فاستباحها، وقتل أهلها، وضايق الكرج فسألوه الموادعة على مال يحملونه ويعجلونه، فتسلم المال ورحل إلى خلاط، عازما على حصارها، وحثَّ الأمراء والخانات على المسير إليها مع الأثقال، وسارهو على طريق نخجوان

(3)

، وأغار على ما أصاب من مواشي الكرج، وساقها حتى لقد بيع الثور الجيد بدينار، وتزوج بصاحبة نقجوان، وأقام بها أياما إلى أن قضي أشغال خراسان والعراق ومازندران

(4)

(5)

.

ولما نزل على خلاط نزل على مسيرة يوم منها، فراسله عز الدين أيبك نائب الملك الأشرف بها، ولاطفه، وتَخَضَّع له، وأعلمه بأن الملك الأشرف رسم بالقبض على الحاجب على، وأنه ماقبض عليه إلا لتخطيه إلى بلاد جلال الدين، وإساءته الأدب، وقال: إنه قد ولَّاني خلاط، وأمرني بطاعة السلطان، واتباع مراده، معدودًا في جملة أعوانه، وإنجاده أسوة بسائر أجناده

(6)

، وزاد في ملاطفته، فأجاب جلال الدين أنه إن كان يطلب مرضاتي فليسير إلى الحاجب عليا، فلما وصل الرسول بهذا الجواب قتل عز الدين أيبك الحاجب عليّ

(7)

بن حماد

(8)

.

(1)

سكان: من قرى الصغد من أربنجن. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 106.

(2)

علياباذ: عدة قري بنواحي الرِّى. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 714.

(3)

نخجوان: وبعضهم يقول نقجوان وهي بلد بأقصي أذربيجان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 767.

(4)

مازندران: اسم لولاية طبرستان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 392.

(5)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث. انظر: سيرة منكبرتي، ص 291 - ص 293، ص 297، ص 298.

(6)

الأجناد: وهم على طبقتين:

الطبقة الأولى: المماليك السلطانية وهم أعظم الأجناد شأنا، وأرفعهم قدرا، وأشدهم قربا إلى السلطان، وأوفرهم إقطاعا، ومنهم تؤمر الأمراء رتبة بعد رتبة، وهم في العدة بحسب ما يؤثره السلطان من الكثرة والقلة. والطبقة الثانية: أجناد الحلقة وهم عدد جم وخلق كثير، وكل أربعين نفسا منهم مقدم، ومن الأجناد طائفة ثالثة يقال لها البحرية يبيتون بالقلعة وحول دهاليز السلطان في السفر كالحرس.

انظر: صبح الأعشي، ج 4، ص 15 - ص 16.

(7)

الحاجب على بن حماد: هو الحاجب حسام الدين على بن حماد، وهو المتولي لبلاد خلاط والحاكم فيها من قبل الأشرف، قتله الأمير عز الدين أيبك سنة 626 هـ.

انظر: ترجمته في الكامل، ج 12، ص 485 - ص 486؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 119.

(8)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتي، ص 299.

ص: 223

واستمر الحصار على خلاط، واشتد الغلاء بأهلها، حتى أكلوا الكلاب والسنانير، وكان بها أمير يسمى اسماعيل الإيواني، فراسل جلال الدين يطلب منه إقطاعًا، على أن يُسلم البلد، فأجابه إلى ذلك، وعيَّن له سلماس

(1)

وعدة قرى بأذربيجان، فأطلع أصحاب جلال الدين على السور بحبال أدلاها لهم، فلما صاروا على السور وملكوا البلد صعد جماعة من الأمراء إلى القلعة، وامتنعوا بها، ووضع العسكر الجلالي السيف في أهل البلد، وكانوا قد قلوا، فإن بعضهم فارق البلد خوفا، وبعضهم خرج من شدة الجوع، وسُبِى أهلها، وبيع أولادهم ونسوانهم، وفعل فيها ما لم يفعل في غيرها من المسلمين

(2)

.

ولما ملكها قبض على عز الدين أيبك الأشرفي وقتله، وقبض على الملك المعز مجير الدين يعقوب

(3)

بن الملك العادل، ثم أطلقه فمضى إلى أخيه الأشرف موسي

(4)

.

ثم سار إلى منازكرد

(5)

، ووصل إليه ركن الدين جهان شاه بن طغرل

(6)

صاحب أرزن الروم، وهو ابن عم علاء الدين كيقباذ ثانيا يُعْلمه أن ملوك الشام والروم اجتمعوا على حربه، والصواب أن يبادرهم قبل أن يجتمعوا، فأمره السلطان أن يتقدم نحو أرزن الروم، ورحل بعده بخمسة أيام على أنهما يسوقان إلى نواحي خرت برت

(7)

فيقيمان بها منتظرين حركتي عسكرى الشام والروم، فأيهما يحرك أولا ساقا إليه قبل اتصاله

(1)

سلماس: مدينة مشهورة بأذربيجان بينها وبين أرمية يومان وبينها وبين تبريز ثلاثة أيام.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 488.

(2)

ورد هذا الحدث في الكامل، ج 12، ص 488؛ سيرة منكبرتي، ص 320؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 294 - ص 295، وقد جاءت ضمن أحداث سنة 627 هـ.

(3)

الملك المعز مجير الدين يعقوب: هو الملك المعز يعقوب بن أبي بكر بن شاذي، مجير الدين بن العادل أبي بكر بن أيوب، توفي سنة 654 هـ، ودفن عند والده بتربة العالية. الذيل على الروضتين، ص 194؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 297؛ شفاء القلوب، ص 280.

(4)

ورد هذا الحدث في مفرج الكروب، ج 4، ص 281، ص 297.

(5)

منازكرد: أو منازجرد أو لا ذكرت وهي بلدة مشهورة بين خلاط وبلاد الروم. انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 648؛ تقويم لبلدان، ص 394 - ص 395.

(6)

ركن الدين جهان شاه بن طغرل صاحب أرزن الروم: وهو ابن عم لعلاء الدين كيقباذ سلطان السلاجقة الروم، وكان بينه وبين ابن عمه عداوة مستحكمة كما أنه كان أحد الذين أعانوا جلال الدين منكبرتي على حصار مدينة خلاط بعد أن دخل في طاعته.

انظر: الكامل، ج 12، ص 489 - ص 491؛ سيرة منكبرتي، ص 329، حاشية (1).

(7)

خَرْت برْت: إحدى قلاع أرمينية الكبرى، على مسيرة يومين من ملطية، وتعرف أيضا بحصن زياد.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 417.

ص: 224

بصاحبه، وكتب جلال الدين لأخي ركن الدين توقيعا بناحيتي كنفي

(1)

وخوزستين، ولما وصل إلى خرْت برت، وأقام في انتظار العساكر، مرض مرضا شديدا، فلما أفاق سار وجرَّد أمامه أوترخان في زهَاء ألفي فارس برسم اليزك، فصادم عسكر أرذنجان

(2)

وخرت برت فهزمهم، وتتابعت الهزيمة في الروم، فلما بلغ علاء الدين كيقباذ هذا الخبر المزعج قلق قلقا شديدا، وعزم على العود لحفظ الدربندات

(3)

التي وراءه، وآخر الأمر انكسر جلال الدين خوارزم شاه على ما سنبينه في السنة الآتية إن شاء الله تعالى

(4)

.

ومنها أن في شهر صفر ولى الملك الناصر داود محيي الدين

(5)

يحيى بن الزكي قضاء القضاة بدمشق، وقرأ عهدته بهاء الدين

(6)

بن أبي اليُسر بالكلاسة

(7)

(8)

.

وفيها .............

(9)

وفيها لم يحج أحد من الشام ولا من مصر ولا من العراق، وذلك لفُشُوِّ الفتن والخباط بين الملوك

(10)

.

(1)

كَنَفَي: موضع كانت فيه وقعة أسر فيها حاجب بن زُرارة أسره الخمخام بن جبلة.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 312.

(2)

ارذنجان: بلدة طيبة مشهورة من بلاد أرمينية بين بلاد الروم وخلاط قريبة من أرزن الروم.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 205.

(3)

الدربندات: مفردها دربند ومعناها في الأصل سنبلة من حديد، يقفل بها باب الدكان، ويقال لها دروند أيضا، وتستعمل هذه الكلمة كذلك بمعنى المضايق والطرقات.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 36، حاشية (7).

(4)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 12، ص 489 - ص 490؛ سيرة منكبرتي، ص 329 - ص 331؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 136.

(5)

محيي الدين يحيى بن الزكي: هو أبو الفضل يحيى ابن قاضي القضاة بهاء الدين أبي المعالي محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن ابن القاسم بن الوليد، القرشي الأموي ابن الزكي، تولي قضاء دمشق غير مرة، وكذلك آباؤه من قبله، ولد سنة 596 هـ، وتوفي بمصر في الرابع عشر من رجب سنة 668 هـ، ودفن بالمقطم وقد جاوز السبعين.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 154؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 272؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 327 - ص 328.

(6)

بهاء الدين بن أبي اليسر: توفي في خامس عشر المحرم سنة 631 هـ، ومولده سنة 565 هـ.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 161.

(7)

الكلاسة: مدرسة بناها نور الدين محمود سنة 555 هـ متصلة بالجامع الأموي من شماله، وسميت كذلك لأنها كانت موضع عمل الكلس أيام بناء الجامع، وقد أمر بتجديدها السلطان صلاح الدين الأيوبي.

انظر: كرد علي، خطط الشام، ج 6، ص 89.

(8)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 154، نهاية الأرب، ج 29، ص 153، البداية والنهاية، ج 13، ص 133.

(9)

بياض بالأصل بمقدار نصف سطر.

(10)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 158.

ص: 225

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

أبو الفتوح

(1)

نصر بن على البغدادي الفقيه الشافعي، ويلقب بثعلب، اشتغل في المذهب والخلاف، ومن شعره قوله:

جسمي معى غير أن الروح عندكم

فالجسم في غربة والروح في وطني

فليعجب الناس مني أن لي بدنا

لاروح فيه ولي روح بلا بدن

أبو الفضل

(2)

جبريل بن منصور بن هبة الله بن جبريل بن الحسن بن غالب بن يحيي بن موسي بن يحيي بن حسن بن غالب بن الحسن بن عمرو بن الحسن بن النعمان بن المنذر، المعروف بابن زطينا

(3)

البغدادي، كاتب الديوان، بها أسلم، وكان نصرانيا فحسن إسلامه. وكان من أفصح الناس وأبلغهم موعظة، وأورد له ابن الساعي شعرا حسنا فمنه قوله:

إن سهرت عيناك

(4)

في طاعة

فذاك خير لك من نوم

أَمْسُكَ قد فات

(5)

بعِلاتِه

فاستدرك الفائت في اليوم

ومنه قوله:

إنَّ رَبًّا هداك بعد ضلال

سبلَ الرشد مستحقُ العبادة

فتعبد له تجد منه عتقا

واستدم فيضه بطول الزَّهَادَة

العبادي

(6)

الشاعر أبو الحسن علي بن سالم بن يزبك

(7)

بن محمد بن مقلد، العبادي الشاعر، من الحديثة

(8)

، قدم بغداد مرارا، وامتدح المستنصر بالله وغيره، وكان فاضلا شاعرا، يكثر التغزل.

(1)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 135.

(2)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 135، ص 136.

(3)

"نطينا" كذا في الأصل والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 135.

(4)

"عينك" كذا في الأصل والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 136.

(5)

"فاز" كذا في الأصل والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 136.

(6)

انظر: البداية والنهاية ج 13، ص 134.

(7)

"بريك" كذا في الأصل والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 134.

(8)

الحديثة: تقع في مواضع عدة وهي: حديثة الموصل وهي بليدة على دجلة بالجانب الشرقى قرب الزاب الأعلى، وحديثه الفرات وهي على فراسخ من الأنبار، والحديثة أيضا من قرى غوطة دمشق ويقال لها حديثة جرش.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 322 - ص 325.

ص: 226

أبو يوسف

(1)

بن صابر الحراني، ثم البغدادي المنجنيقي، كان فاضلا في فنه، وشاعرا مطبقا لطيف الشعر، حسن المعاني، قد أورد له ابن الساعي

(2)

قطعة جيدة، ومن أحسن ما أورد له من قصيدة فيها تعزية عظيمة لجميع الناس وهي قوله:

هل لمن يرتجي البقاء خلود

وسوى الله كل شي يبيد

والذي كان من تراب وإن

عاش طويلا إلى التراب يعود

فمصير الأنام طرًا إلى ما

صار فيه آباؤهم والجدودُ

أين حواء؟ أين آدمُ؟ إذ فا

تهم الخلد والثوي والخلود؟

أين هابيل؟ أين قابيل؟ إذ هـ

ذا لهذا معاندٌ وحسودُ

أين نُوح ومن نجَا معه بالفد

ك والعالمون طرًّا فقيدُ

أسلمتهُ الأيامُ كالطفل للمو

تِ ولم يغنِ عمرهُ الممدودُ

أين عادُ؟ بل أين جَنَّةُ عادٍ

أم ترى أين صالحٌ وثمودُ؟

أين ابراهيمَ الذى شاد بيـ

ت الله فهو المعظَّمُ المقصودُ

حسدوا يوسفًا أخاهم فكادو

هُ وماتَ الحاسدُ والمحسودُ

وسليمانُ في النبوةِ والملكُ

قضي مثلَ ماقضى داودُ

فعدوا بعد ما أطيعُ له الخلـ

قِ وهذا ألين له الحديدُ

وابن عمرانَ بعد آياته التسـ

ع وشق الخضمَ فهو صعيدُ

والمسيحُ ابن مريم وهو روح الل

هـ كادتْ تقضى عليه اليهودُ

وقضى سيد النبيين والها

دي إلى الحق أحمد المحمود

وتبنوه

(3)

وآله الطاهرو

نَ الزهرُ صلى عليهمُ المعبودُ

ونجومُ السماءِ منتشراتٌ

بعد حينٍ وللهواءِ ركودُ

(1)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 134 - ص 135؛ الشذرات، ج 5، ص 120.

(2)

ابن الساعي: هو أبو طالب على بن أنجب بن عثمان بن عبيد الله البغدادي السلامي، خازن كتب المستنصرية، كان إماما حافظا مبرزا على أقرانه، وله تصانيف كثيرة جدا، وهو شافعي المذهب، وكان فقيها بارعا قارئا بالسبع محدثا مؤرخا شاعرا لطيفا كريما، توفي في رمضان سنة 674 هـ، وقد قارب الثمانين أو جاوزها.

لمعرفة المزيد عن ترجمته انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 286؛ الشذرات، ج 5، ص 343 - ص 344، تاريخ الإسلام للحافظ شمس الدين الذهبي، تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي -بيروت- لبنان، 1423 هـ - 2003 م، ص 161 - ص 162.

(3)

"ذروه" كذا في الأصل والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 135.

ص: 227

ولنارِ الدنيا التي توقد الصخـ

رَ خمود للماءِ

(1)

جمودُ

وكذا للثرى غداةُ يوم للـ

ناس فيها تزلزلٌ وهمود

هذه الأمهاتُ نارٌ وترب

وهواءٌ رطبٌ وماءٌ برودُ

سوفَ يفني كما فَنَيْنا فلا

يبقى من الخلق والدٌ ووليدُ

لا الشقىُّ الغوىُّ من نوبِ الأيا

م ينجو ولا السعيدُ الرشيدُ

ومتي سلَّت المنايا سيوفًا

فالموالي حصيدها والعبيدُ

مات في هذه السنة.

محمد

(2)

السبتي النجار، كان يعده بعضهم من الأبدال

(3)

، قال أبو شامة

(4)

: هو الذي بنى المسجد غربي دار الزكوة، عن يسار المار في الشارع من ماله، مات في هذه السنة، ودفن في الجبل وكانت جنازته مشهودة.

الحاجب حسام

(5)

الدين على الموصلي، قتل في هذه السنة، قتله عز الدين أيبك الأشرفي بأخلاط، وقد ذكرناه عن قريب، وكان هذا من أهل الموصل، وخدم الملك الأشرف فجعله نائبه بأخلاط، وأحسن إلى الرعية، وحفظ البلاد، واستولى على عدة من بلاد أذربيجان، مثل: نقجوان وغيرها. وكان كثير الخير والمعروف، بنى الخان الذي بين حران ونصيبين، والخان الذي بين حمص ودمشق وهو الخان المعروف بخان برج العطش.

الملك المسعود

(6)

يوسف بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب اليمن، الملقب بأطسز، المعروف بين العامة بأقسِسْ، وقد ذكرنا وجه

(1)

للمياه" كذا في الأصل والمثبت من البداية والنهاية، ج 13، ص 135.

(2)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 175؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 134.

(3)

الأبدال: جمع بديل وهم قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم، إذا مات واحد منهم أبدل الله تعالى مكانه بآخر. لمعرفة المزيد انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 12.

(4)

الذيل على الروضتين، ص 157.

(5)

الكامل، ج 12، ص 485 - ص 486؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 263 - ص 265، المختصر، ج 3، ص 143؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 119.

(6)

انظر الذيل على الروضتين، ص 158؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 259 - 260؛ المختصر، ج 3، ص 142؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 157 - 158؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 134؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 435؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 120؛ ترويح القلوب، ص 89.

ص: 228

تلقيبه بذلك، مات في هذه السنة بمكة، ودفن بالمعلى

(1)

، وكان قد مرض في اليمن مرضا شديدا وكره الإقامة بها، وعزم على مفارقتها والتوجه إلى الديار المصرية، فسار إلى مكة وهي له كما ذكرنا، واشتد مرضه بها، فتوفي فيها وعمره ست وعشرون سنة، وكانت مدة ملكه اليمن أربع

(2)

عشرة سنة.

وكان لما سار من اليمن استخلف عليها على بن رسول، وكان أستاداره، فاستقر باليمن نائبا لبني أيوب، واستمر في النيابة إلى أن مات قبل سنة ثلاثين وستمائة

(3)

، واستولى على اليمن بعده ولده عمر

(4)

بن علي، على ما نذكره إن شاء الله. ولم تزل اليمن إلى الآن في أولاده، ولما وصل الخبر بوفاة الملك المسعود المذكور إلى أبيه الملك الكامل وهو على حصار دمشق جلس للعزاء، وخلف المسعود ولدًا صغيرا اسمه أيضا يوسف

(5)

، وبقي يوسف هذا حتى مات في سلطنة عمه الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، وخلف يوسف ولدا صغيرا اسمه موسى

(6)

، ولقب بالملك الأشرف، وهو الذي أقامه الترك في مملكة مصر بعد قتل المعظم بن الملك الصالح ابن الملك الكامل كما سنذكره إن شاء الله

(7)

.

(1)

المعلي: وتكتب مُعَلًا وهو موضع بالحجاز.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 577.

(2)

"أربعة عشر" كذا في الأصل والصحيح لغة ما أثبتناه.

(3)

المختصر، ج 3، ص 158.

(4)

عمر بن على بن رسول: الملك المنصور صاحب اليمن، وثب عليه جماعة من مماليكهـ وقتلوه سنة 648 هـ. لمعرفة المزيد انظر: المختصر، ج 3، ص 185؛ سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، ج 23، ص 173، ترجمة (108)، مؤسسة الرسالة - بيروت - طبعة 11، 1417 هـ / 1996 م.

(5)

صلاح الدين يوسف بن الملك المسعود أقسيس الملقب كأبيه بالملك المسعود.

انظر: المختصر، ج 3، ص 142؛ شفاء القلوب، ص 378؛ ترويح القلوب، ص 90.

(6)

الملك الأشرف مظفر الدين موسي بن الملك يوسف بن الملك المسعود يوسف بن الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، اتفق الأمراء على إقامته في السلطنة، وحضروا في خدمته يوم السبت لخمس مضين من جمادى الأولى سنة 648 هـ. انظر: المختصر، ج 3، ص 132؛ شفاء القلوب، ص 378؛ ترويح القلوب، ص 90.

(7)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 259 - 263؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 159 - ص 160، السلوك، ج 1 ق 1، ص 237؛ أخبار الأيوبيين، ص 16 - 17؛ شفاء القلوب، ص 378.

ص: 229

وقال ابن كثير

(1)

: قد ملك الملك المسعود مكة من سنة تسع عشرة وستمائة، فأحسن بها المعدلة

(2)

، ونفى الزيدية

(3)

منها، وأمنت الطرقات والحجاج، ولكنه كان مسرفا على نفسه، فيه عسف وظلم أيضا.

وفي تاريخ بيبرس: وكان شجاعا مقداما ذا بأس شديد، وهمة عالية، وكان أبوه يخاف منه على بقية أولاده، ولما ملك اليمن سفك دماء كثير من المفسدين، فخافته العرب وغيرهم، وعظمت هيبته، وكان قد قدم إلى أبيه زائرا، فأقام بالقصر بالقاهرة مدة، ثم عاد كما ذكرناه، ولما قدم مصر امتدحه البهاء

(4)

زهير

(5)

كاتب أخيه الصالح

(6)

بقصيدة مطلعها:

لكم أينما كنتم مكان وإمكان

ومُلْك له تعنوا الملوك وسلطان

ضربتم من العز المنيع سرادقا

فأنتم له بين السماكين سكان

ومنها:

قدمت قدوم الليث والليث باسل

وجئت مجئ الغيثِ والغيثُ هتان

وما برحت مصرُ إليك مشوقة

ومثلك من يشتاق لُقياه صديان

(7)

ومنها:

فحسبك قد وافاكِ يا مصر يوسف

وحسبك قد وافاك يانيل طوفان

(8)

(1)

البداية والنهاية، ج 13، ص 134.

(2)

المعللة: هم أهل العدل الذين يقولون: إن الله تعالى واحد في ذاته لاقسمة ولاصفة له وواحد في أفعاله لا شريك له، فلا قديم غير ذاته، ولا قسيم له في أفعاله، ومحال وجود نديمين، ومقدور بين قادرين، وذلك هو التوحيد، وأهلى العدل أي المعدلة هم من أهل السنة وأهل الاعتزال.

لمعرفة المزيد عنهم انظر: الملل والنحل، ج 1، ص 42 - ص 43.

(3)

الزيدية: فرقة من الشيعة وهم المنسوبون إلى زيد بن علي زين العابدين، وهم ثلاث فرق، الجارودية والسليمانية والبتيرية. لمعرفة المزيد عنهم انظر: الملل والنحل، ج 1، ص 154. ص 162؛ كشاف اصطلاحات الفنون، ج 2، ص 298 - ص 299.

(4)

"البها" كذا في الأصل، وما أثبتناه من مفرج الكروب، ج 4، ص 261،

(5)

البهاء زهير: هو زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسين بن جعفر المهلبي العتكي المصري ولد بمكة ونشأ بقوص، وأقام بالقاهرة، وله ديوان مشهور، وقدم على السلطان الصالح أيوب، وكان غزير المروءة، توفي سنة 656 هـ.

لمعرفة المزيد انظر: الذيل على الروضتين، ص 201؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 224؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 276 - ص 277.

(6)

يقصد بالصالح الملك الصالح نجم الدين أيوب.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 261.

(7)

"بلدان" كذا في الأصل، وما أثبتناه من مفرج الكروب، ج 4، ص 262.

(8)

ورد هذا الخبر، والأبيات الشعرية في مفرج الكروب، ج 4، ص 260 - ص 262.

ص: 230

وفي المرآة

(1)

: وفي سنة ست وعشرين وستمائة توفي أقسيس الملك المسعود بن الكامل صاحب اليمن، وكان قد بلغه موت الملك المعظم في سنة خمس وعشرين وستمائة، فطمع في الشام فتجهز جهازا لم يسبقه إليه أحد من الملوك، ونادي في بلاد اليمن في التجار من أراد صحبة السلطان إلى الديار المصرية فليتجهز، فجاء التجار من الهند بأموال الدنيا، والأقمشة والجواهر، فلما تكاملت المراكب بزبيد

(2)

جمع التجار، وقال: اكتبوا إلى بضائعكم وما معكم، لأحميها من الزكاة والمؤن، فكتبوها له، فصار يكتب لكل تاجر برأس ماله إلى بعض بلاد اليمن، ففعل بالجميع كذا، فاجتمعوا واستغاثوا، وقالوا: نحن قد جئنا من بلدان شتي، وفينا من أهل اسكندرية والقاهرة ومصر والشام والروم، ولنا مدة سنين عن أهلنا، وقد اشتقنا إليهم فخذ أموالنا وأطلقنا نروح إلى أهلنا، فلم يلتفت إليهم وأخذ الجميع. قال السبط

(3)

: فبلغني أنه كان نقله في خمسمائة مركب، ومعه ألف خادم، ومائة قنطار عنبر وعود ومسك، ومائة ألف ثوب، ومائة صندوق أموال وجواهر، وركب الطريق إلى مكة، ولما وصل بعض الطريق مرض مرضا مزمنا، فما دخل مكة -شرفها الله- إلا وقد فلج

(4)

ويبست يداه ورجلاه، ورأى في نفسه العبر، فلما احتضر بعث إلى رجل مغربي بمكة، فقال: والله ما أرضى لنفسي من جميع مامعي كفنا أتكفن به، فتصدق على بكفن. فبعث له نَصْفِيّتَيْن

(5)

بغدادي، ومائتي درهم، فكفنوه فيهما، ودفن بالمعلى. قال السبط

(6)

: وبلغني عن الكامل أنه سر بموته، ولما جاء خزنداره إليه ما سأله كيف مات، بل قال: كم معك من المال والتحف؟ قال: وقد ذكرنا ما فعل الأقسيس وضربه في الحرم بالبندق

(7)

، فعوقب سريعا، وضربه القدر ضربا وجيعا.

(1)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 435.

(2)

زبيد: مدينة مشهورة باليمن، أحدثت في أيام المأمون، وبإزائها ساحل غلافقه وساحل المندب. انظر: معجم البلدان، ج 8، ص 435.

(3)

مرآة الزمان، ج 8، ص 435.

(4)

فُلجَ: أى انقسم جسمه نصفين والفالج أيضا هو ريح يأخذ الإنسان فيذهب بشقه وقد فُلج أي ذهب نصفه، وهو داء الأنبياء، وهو داء معروف يرخي بعض البدن، لسان العرب، مادة "فلج".

(5)

نَصفِيَّتَين: المفرد نصفية وهو نوع من القماش الرقيق أي المصقول من الحرير أو التيل.

انظر: مصطلحات صبح الأعشي، ج 15، ص 437.

(6)

مرآة الزمان، ج 8، ص 435.

(7)

البندق: ويسمى أيضا "الجلاهق" استعمل أيام المماليك في مصر لإطلاق كرات الرصاص. وهو قوس يتخذ من القنا ويلف عليه الحرير ويغرى، وفي وسط وتره قطعة دائرة تسمى الجوزة توضع فيها البندقة عند الرمي، وقد كان للبندق سوق خاص في مصر عرف باسم: البندقانيين.

انظر: مصطلحات صبح الأعشي، ج 15، ص 68.

ص: 231

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والعشرين بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله، وصاحب مصر الملك الكامل بن العادل، وصاحب دمشق أخوه الملك الأشرف

(1)

.

‌ذكر وقعة الملك الأشرف مع جلال الدين خوارزم شاه

وسببها أن جلال الدين كان قد أخذ مدينة أخلاط وخربها وشرد أهلها. قال السبط

(2)

: وكان قد أخذ أخلاط بعد أن أكل من في أخلاط الميتات والجيف، وبيعت قطعة من جلد بألف درهم، فلما كان في جمادى الأولى زحف عليها من كل جانب ونصب المجانيق

(3)

وطم

(4)

الخنادق وكان قد أقام عليها عشرة أشهر، فدخلها بالسيف فنهبها، وهتك نساءها، وأخذ مجير

(5)

الدين وتقي

(6)

الدين بن العادل، وكانا بها، وأخد الكرجية زوجة الأشرف ودخل بها من ليلته، وكان عز الدين أيبك قد خنق الحاجب عليًا، وكان مع جلال الدين مماليك الحاجب، فقالوا لجلال الدين: هذا قتل أستاذنا. فقال: اقتلوه. فقتلوه. وقد ذكرنا أن عز الدين أيبك كان نائب الملك الأشرف على أخلاط، وكان من مماليك العادل، وبلغ هذا الأمر الملك الأشرف وهو بدمشق،

(*) يوافق أوله: 20 نوفمبر 1229 م.

(1)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 158؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 282.

(2)

مرآة الزمان، ج 8، ص 436؛ وانظر أيضا: مفرج الكروب، ج 4، ص 294 - ص 297؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 162 - ص 164.

(3)

المجانيق: مفردها منجنيق، وهي من أسلحة الحصار، وقليد عرفها المماليك وتقدمت صناعتها على أيديهم، وهي آلات يقذف بها على بعد الأحجار واللهب وحتى الزرنيخ والأفيون، والقصد من ذلك خنق العدو، وكان المنجنيق يحمل على مائة عجلة وكذلك كانت المجانيق تجرها الأبقار بعد فصل أجزائها بعضها عن بعض ثم تركت عند الحصار، وهي اسم أعجمي.

انظر: مصطلحات صبح الأعشي، ج 15، ص 332.

(4)

طَمْ الخنادق: أي كبسها وردمها.

انظر: لسان العرب، مادة (طمم)، المعجم الوجيز.

(5)

مجير الدين: هو الملك المعز مجير الدين يعقوب بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، توفي يوم الأربعاء سادس عشر ذي القعدة سنة 654 هـ، ودفن بمقبرة والده بالمدرسة العالية.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 194؛ ترويح القلوب، ص 78.

(6)

تقي الدين بن العادل: هو الملك الأمجد تقي الدين عباس بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وهو أصغر إخوته، ولد سنة 603 هـ، وتوفي سنة 669 هـ يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة بدرب الريحان، ودفن بتريته بسفح قاسيون.

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 275؛ ترويح القلوب، ص 78، حاشية (6).

ص: 232

والملك الكامل بالرقة، فخرج من دمشق وجاء إلى الرقة، وكتب صاحب الروم السلطان علاء الدين كيقباد إلى الملك الأشرف يقول: هذا يستولي على البلاد، والمصلحة أن تجئ إلى عندى، فعندى المال والرجال. فشاور الكامل، فقال: مصلحة. وقطع الكامل الفرات إلى ناحية مصر في سبعة آلاف مقاتل، وليس له عدو، وسار الأشرف إلى حران في سبع مائة فارس، فأقام بحران، وكتب إلى حلب والموصل والجزيرة، فجاءته العساكر فرحل يريد الروم ومعه من المقدمين أخواه شهاب الدين غازي، والعزيز عثمان، والجواد، وشمس

(1)

الدين صواب، والأمراء، واجتمع الأشرف بصاحب الروم، وكان اجتماعهما بمدينة سيواس

(2)

. وفي تاريخ ابن كثير

(3)

: أرسل صاحب الروم إلى الأشرف يستحثه على القدوم عليه ولو جريدة وحده، فقدم الأشرف في طائفة كثيرة من عسكر دمشق إلى كيقباذ واجتمع به، وانضاف إليهما عسكر بلاد الجزيرة ومن بقي من عسكر أخلاط، فكانوا خمسة آلاف مقاتل، معهم العدة الكاملة والخيول الهائلة.

وفي تاريخ بيبرس: وكان ركن الدين جهان شاه صاحب أرزن الروم، وهو ابن عم السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقي صاحب بلاد الروم قد انتمى إلى جلال الدين ودخل في طاعته، وحضر معه في حصار أخلاط وفتحها، وكانت بينه وبين ابن عمه علاء الدين كيقباذ عداوة مستحكمة، فخاف علاء الدين أن يقصد جلال الدين بلاده ويأخذها منه، ويملكها لابن عمه ركن الدين، فاستنجد بالملكين الكامل والأشرف، فجمع الملك الأشرف عساكر الشام والجزيرة، وسار بنفسه إلى سيواس واجتمع بالسلطان علاء الدين كيقباذ، وسارا معا إلى جهة خلاط، ولم يكن جلال الدين استولى على شيء من معاقلها، واجتمعت العساكر

(1)

شمس الدين صواب: هو الطواشي والخادم العائلي، مقدم جيش الكامل، وأحد من يضرب به المثل في الشجاعة، وكان له من جملة المماليك مائة خادم، فيهم جماعة من الأمراء، توفي بحران في رمضان سنة 632 هـ، وكان نائبا للكامل عليها.

انظر: مرآة الزمان، ج 8، ص 459، الشذرات، ج 5، ص 149.

(2)

سيواسي: بلدة كبيرة مشهورة وبها قلعة صغيرة، والطريق بين سيواس وقيسارية ستون ميلا، وفي شرقيها مدينة أرزن الروم.

انظر: تقويم البلدان، أبو الفداء، ص 384 - ص 385 - دار صادر بيروت. طبع في مدينة باريس - دار الطباعة السلطانية - 1840 مسيحية.

(3)

البداية والنهاية، ج 13، ص 136؛ وانظر أيضا الكامل، ج 12، ص 490؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 298.

ص: 233

الشامية بعسكر دمشق وعسكر حمص ومقدمه الملك المنصور ابراهيم

(1)

بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، سيره أبوه مقدما على عسكره، وبعض عسكر حماه، وبعض عسكر حلب، وعسكر الشرق، وعساكر الروم، وكان مقدم عسكر حلب الأمير عز الدين

(2)

بن مُجَليّ، وبلغ ذلك جلال الدين خوارزم شاه، فسار إليهم، فوقع في طريقه بسبعة آلاف من الروم، جاؤا نجدة لصاحب الروم، وقد نزلوا في مرج يستريحون فقتلهم

(3)

.

قال السبط

(4)

: وحكى لى الأمير عماد الدين

(5)

بن موسك رحمه الله وكان مع العسكر، فقال: لما وصلنا إلى الروم خرج عسكر أرزنجان نجدة لنا، وكانوا في اثني عشر ألفا، فنزلوا في مرج، ورموا سلاحهم وسيبوا دوابهم ترعى، ولم يعلموا بمسير جلال الدين، فمر بهم في طريقهم فقتلهم وأسرهم، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وكان ذلك في الخامس والعشرين من رمضان، نهار الأربعاء، فضعفت قلوب العساكر وخافوا، وأقمنا مكاننا إلى عشية الخميس، فوصل الجاسوس، وأخبر أن العدو يصبحنا يوم الجمعة، فرتبنا الأطلاب

(6)

، الحاشية في الأول، ثم بعدهم العرب، وبعدهم الحلبيون، ثم صوابٌ، ثم الجواد، ثم العزيز، ثم شهاب الدين، ثم تبعتهم الأطلاب؛ أطلاب الروم، وصاحب الروم في الطلب الخاص، وكنا في أرض وعرة فخرجنا إلى وطأة، وإذا بطلائع

(1)

الملك المنصور ناصر الدين ابراهيم بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه: صاحب حمص مرض بدمشق بستان الملك الأشرف بالنيرب، ومات في حادي عشر صفر سنة 644 هـ، وكان شجاعا مقدامًا.

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 184؛ الشذرات، ج 5، ص 229.

(2)

الأمير عز الدين بن مجلي: هو الأمير عز الدين عمر بن علي بن مجلي، وهو من الأكراد الهكارية، ومن الشجاعة في الدرجة العالية، وله من الأوصاف الجميلة، والأخلاق الكريمة.

انظر: الكامل، ج 12، ص 490.

(3)

وردت هذا الأحداث بتصرف في الكامل، ج 12، ص 489 - ص 491؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 297 - ص 299؛ المختصر، ج 3، ص 146.

(4)

مرآة الزمان، ج 4، ص 436 - ص 437؛ وانظر أيضا: مفرج الكروب، ج 4، ص 297 ص 299؛ المختصر، ج 8، ص 508.

(5)

عماد الدين بن موسك: هو الأمير عماد الدين داود بن موسك بن جكر، توفي بالكرك، وكان جامعا لمكارم الأخلاق، ودفن عند قبر جعفر والشهداء بحوته.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 179؛ المختصر، ج 3، ص 176؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 183 - ص 184؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 508.

(6)

الأطلاب: جمع طلب وهي وحدات صغيرة قد تبلغ أربعمائة يرأسها أمراء يعملون في وظائف البلاط أو الدولة وقد ظهرت هذه الوظيفة أيام صلاح الدين الأيوبي، والطلب في لغة الغز هو أمير له لواء وبوق ومائتي فارس إلى مائة إلى سبعين.

انظر: القلقشندي، مصطلحات صبح الأعشي، ج 15، ص 36.

ص: 234

جلال الدين خوارزم شاه، فأخذ العرب منهم مائة فارس، وقتلوا مائة فارس، ولم يتقدموا إلينا، ونزلوا ونزلنا وبيننا وبينهم جبل، وإلى جانبه وادي، وخفنا خوفا شديدا، وليس معنا زاد ولا ماء، ولا علف لدوابنا، وقال الأشرف: ما نحشر إلا من تحت حوافر خيولنا. أين المفر؟ فلما كان وقت السحر قبيل طلوع الفجر أمر جلال الدين لمن بقي من عسكر أرزنجان، وكانوا خمسمائة فضرب رقابهم، فلما كان بكرة السبت الثامن والعشرين من رمضان قطعوا إلينا الوادي، ووقف جلال الدين على رأس الجبل وسنجقه في الوادي، ووقع القتال، وأرسل الله تعالى ضبابا فلم ير أحد كفه، ونصرنا الله عليهم، فانكسروا، ووقع معظمهم في الجبال والأودية، وقاتل الروم قتالا شديدا، وكان من وقع من رأس الجبل إلى الوادي أكثر، فأصبحوا بين قتيل وأسير، وغنم الناس أموالهم وخيلهم وسلاحهم، وامتلأت الجبال والأودية بنتنهم، وشبعت الطيور والوحوش من دمائهم ولحومهم.

وفي تاريخ بيبرس: لما سمع جلال الدين بعساكر الملك الأشرف مع عساكر الروم أتوا لقتاله، سار مجدا لقتالهم، فوصل إليهم فلقيهم بناحية أرزنجان، واصطفت العساكر للقتال، ولما التقوا ووقع القتال، لم يثبت جلال الدين وولي منهزما، وتفرق عسكره وتمزقوا، وهلك منهم خلق عظيم، قتلا وترديا من رؤوس جبال كانت في طريقهم، واسترجع الملك الأشرف خلاط، وقد صارت خرابا يبابا

(1)

، وسار جلال الدين نحو أذربيجان

(2)

.

وأسر ألغ خان وأطلس ملك، وعدة من المفاردة، فأمر علاء الدين كيقباذ بضرب رقابهم، وأسر صاحب أرزن الروم بعد أن كانوا قد أحاطوا به، فقاتل أشد قتال وقتل، ولما وصل جلال الدين إلى سكماناباذ وخلف شرف الملك ومن كان معه من العراقيين هناك برسم اليزك، ليكونوا حجابا دونه، وأقام بخوي، وأما وجوه الترك والخانات فلم يعرج واحد منهم على آخر، ولا على السلطان، وكانوا يخففون بكل مرحلة ما أثقلهم إلى أن وصلو

(3)

مُوقَان

(4)

.

(1)

يبابًا: خرابا - انظر: القاموس المحيط، مادة "بَابَ".

(2)

وردت هذه الأحداث بتصرف في مفرج الكروب، ج 4، ص 299؛ المختصر، ج 3، ص 146.

(3)

انظر: سيرة منكبرتي، ص 331 - ص 333.

(4)

مُوقان: ولاية بأذربيجان، فيها قرى ومروج كثيرة، يحتلها التركمان للرعي.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 686.

ص: 235

وفي المرآة

(1)

: ولما جرى ما ذكرنا؛ قال الملك الأشرف لكيقباذ: لابد لي من خلاط، فأعطاه ولأصحابه وأخوته وجميع الأعيان من الأموال والخلع والثياب والخيل والتحف ما قيمته ألفا

(2)

ألف دينار، ورجع كيقباذ إلى بلاده، وجرد مع الأشرف بعض عسكره، وسار الأشرف فنزل أرزن الروم، وكان صاحبها قد صار مع جلال الدين، فأخذها منه، وبعث به إلى كيقباذ، وسلم أرزن الروم إلى نواب كيقباذ، وسار إلى أخلاط، ولما وصل جلال الدين إلى أخلاط أخذ جميع ما كان له فيها، والكرجية زوجة الأشرف، ومجير الدين، وتقي الدين، ونزل أرجيش

(3)

، وجاء الأشرف فنزل أخلاط، وسار خلف جلال الدين، فأبعد عنه، وتراسلا واصطلحا على أن يطلق جلال الدين من عنده من الأساري، فأطلق مجير الدين وتقي الدين، ولم يطلق الكرجية، وعاد الأشرف إلى دمشق مستهل جمادي

(4)

الأولى سنة ثمان وعشرين وستمائة. فأقام شهرا، وطلع إلى مصر إلى أخيه الكامل. قال السبط

(5)

: ومن العجائب أنه كان لى عادة أجلس الثلاثة أشهر بجامع دمشق، فلما كان في يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان، اليوم الذي التقوا فيه مع جلال الدين، وثار الضباب، وكان آخر مجالسي پجامع دمشق، وحضره الصالح

(6)

اسماعيل، وكان نائب الأشرف بدمشق، وقال الصالح: وكان في القبة لنجم الدين بن سلام، قل للشيخ يدعو للسلطان بالنصر. فأشار إلى فدعوت، وأمن الجماعة، فثار في الساعة التي دعوت فيها ضباب عظيم، وغشى أهل المجلس ماغشيهم، وغبت أنا أيضا، فلما أفقت قلت: نصر الأشرف اليوم، فتعجب الجماعة، فوصل الخبر بعد عشرة أيام بالواقعة على ما ذكرنا، وأن الضباب الذي كان عندهم كان عندنا، وأنهم نصروا في الساعة التي دعونا فيها

(7)

.

(1)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 437 - ص 438.

(2)

"ألفي" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(3)

أرجيش: مدينة قديمة من نواحي أرمينية الكبرى، قرب خلاط، وأكثر أهلها أرمن نصاري.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 438.

(4)

"ربيع الآخر" كذا في الأصل، وما أثبتناه من مرآة الزمان، ج 8، ص 437، حيث ينقل عنه العيني.

(5)

مرآة الزمان، ج 8، ص 437 - ص 438.

(6)

يقصد الملك الصالح عماد الدين اسماعيل بن الملك العادل.

انظر: شفاء القلوب، ص 279؛ ترويح القلوب، ص 79.

(7)

إلى هنا توقف العيني عن النقل من مرآة الزمان، ج 8، ص 437 - ص 438.

ص: 236

وفي تاريخ

(1)

ابن كثير: لما انهزم جلال الدين، وهلك من عسكره خلق كثير، دقت البشائر في البلاد، فرحا بنصرة الملك الأشرف على الخوارزمية، فإنهم كانوا لا يفتحون بلدا إلا قتلوا من فيه، ونهبوا أموالهم، فكسرهم الله عز وجل، وقد كان الأشرف رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) في المنام قبل الوقعة، وهو يقول له: يا موسى أنت منصور عليهم.

وفي تاريخ بيبرس: ولما علم الأشرف أن شرف الملك وزير جلال الدين بسكماناباذ فاتحه بالمراسلة والملاطفة، وقال: إن السلطان جلال الدين سلطان الإسلام والمسلمين وسيدهم، والحجاب دونهم ودون التتار، وغير خاف علينا ما تم على الإسلام والمسلمين بموت والده

(2)

، ونحن نعلم أن ضعفه ضعف الإسلام، وضرره عائد على كافة الأنام، فهلا ترغبه في جمع الكلمة، فإنه أهدى سبيلا، وأقوم قيلا، ولم لا تدعوه إلى الألفة التي هي أحمد في البدو والعقبي، وأنا ضامن للسلطان من جهة علاء الدين كيقباذ، وأخى الملك الكامل ما يرضيه من الإسعاد، وإصفاء النيات على حالتي القرب والبعاد، والقيام بما يزيل عارض الوحشة، ويمحوا سمة الفرقة، وأمثال ذلك من الملاطفة. فأدى شرف الدين إلى جلال الدين الرسالة، فركن إليها وتم الصلح، وحلف للملك الأشرف، ولم يحلف لعلاء الدين كيقباذ، ولما تواترت الأخبار بورود التتار إلى العراق، حلف لصاحب الروم أيضا بكف الأذى عن بلاده، ولم يحلف عن سرماري

(3)

بحكم أنها بقرب بلاد أذربيجان، وكان صاحبها راسل الملك الأشرف يسأله التلطف مع جلال الدين في أمرها، فأرسل الأشرف إليه رسولا في معناها، فأجاب السلطان إلى النزول عنها، على أن يكتب بها توقيعا

(4)

للملك الأشرف، وقبل الرسول الأشرفي الأرض بين يدي السلطان، شكرا على ذلك

(5)

.

وقال أبو الفتح المنشئ في كتابه الذي صنعه في سيرة جلال الدين، باسطا هذه القضية بعبارات طويلة، أكثرها لا يحتاج إليه، فنحن سقنا كلامه ملخصا لأجل بعض

(1)

البداية والنهاية، ج 13، ص 137.

(2)

علاء الدين محمد خوارزم شاه. انظر: سيرة منكبرتي، ص 334.

(3)

سُرْماري: قلعة عظيمة وولاية واسعة بين تفليس وخلاط، وهي قرية بينها وبين بخارا ثلاثة فراسخ.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 82.

(4)

التوقيع، كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(5)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتي، ص 333 - ص 335.

ص: 237

زيادات فيه، لم يذكره أكثر المؤرخين. قال: ولما أراد جلال الدين أن يسير إلى أخلاط، كانت عساكره سبقت إلى تخومها وأقامت على مسيرة يوم منها، إلى أن عاد السلطان من نخجوان، وأتصل بهم، ثم ورد عليه رسول من عز الدين أيبك، وكان نائب الملك الأشرف بأخلاط، وقبض على الحاجب على، وكان الرسول شيخا تركيا عاقلا، وكانت زبدة رسالته إظهار الطاعة، وأن الأشرف ما أمره بالقبض على الحاجب على إلا لإساءته الأدب مع السلطان، وكان جواب جلال الدين: إن أردت مرضاتي فابعث إلى الحاجب عليا، فلما عاد الرسول بهذا الجواب، قتل عليا، فنزل جلال الدين على خلاط، ونصب عليها اثني عشر منجنيقا، وجرت أمور في مدة حصار خلاط

(1)

.

منها أن الأصفهيد

(2)

نصرة الدين صاحب الجبل

(3)

قصد جلال الدين اعتمادًا على أوترخان

(4)

، الذي كان قد تزوج بأخت له لأب، وقدم تقادم جليلة، أكثرها الجواهر الثمينة، فانحرف عنه أوترخان، وحمل السلطان على قبضه، فقبض وقيد، وبقي محبوسا إلى أن عاد جلال الدين من الروم منهزما

(5)

.

ومنها أن خان سلطان بنت علاء الدين خوارزم شاه، أخت جلال الدين، كانت أسرت حين أسرت تركان خاتون زوجة علاء الدين، وحملت إلى جنكيزخان، فأخذها دوشي

(6)

خان بن جنكيزخان لنفسه، وكانت تبعث إلى جلال الدين أخيها بأخبار التتار سرا، فسيرت أيضا -وجلال الدين محاصر خلاط- خاتما من خواتيم علاء الدين خوارزم شاه، وفيه فص فيروزج منقوش عليها اسم علاء الدين، وذلك علامة من جهتها ومعرفة بحالها، من ذلك أن الخاقان قد أمر بتعليم أولادها القرآن، ومن ذلك أنه بلغه أخبار شوكتك واتساع باعك، فعزم على مصاهرتك، والمهادنة معك، على أن تشاطره

(1)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في سيرة منكبرتي، ص 299.

(2)

الأصفهيد: أي مقدم الخيالة.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 300، حاشية (1).

(3)

الجبل: كورة بحمص، وهو اسم جامع لهذه الأعمال التي يقال لها الجبل، والعامة في أيامنا يسمونها العراق، وهمذان أيضا من بلاد الجبل.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 22.

(4)

أوترخان: كان السلطان جلال الدين قد جاز أمراء ميمنته بجزيل الرواتب والمراتب، فلقب يكت ملك بأوترخان.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 238.

(5)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في سيرة منكبرتي، ص 300.

(6)

دوشي خان: هو جوجي بن جنكيزخان.

ص: 238

الملك على نهر جيحون، فيكون لك ما دونه ويكون له ما وراءه، فإن كنت تعلم أنك تقاومه فانهض إليه وقاتله، فتظفر بما أردت، وإلا فاغتنم المسالمة، فتشاغل جلال الدين بالحصار، ولم يعد إليها جوابا

(1)

.

ومنها أنه قدم إليه ركن الدين جهان شاه بن طغرل صاحب أرزن الروم، وكان يخطب للملك الأشرف، وكان يعادي ابن عمه السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو صاحب الروم، وكانت له ذنوب عند جلال الدين، منها أنه كان يمنع وصول التجار إلى معسكره، ومنها أنه قتل رسوله السديد عائدا من الروم، وغير ذلك. فلما رأى أنه أشرف على أخذ خلاط ساءل منه الأمان برسول أرسل إليه، وهو شمس الدين الحكيم البغدادي، وكان ذا ظرافة وأدب، فأمر جلال الدين وزيره

(2)

شرف الملك بملاقاته مسيرة يوم في أصحاب الديوان، ثم التقاه الخانات يوم وصوله إلى خلاط على مراتبهم، وكان اجتماع الوزير به عند بحيرة

(3)

ناووك، وهي بين خلاط ومنازجرد، وجمعهما الشرب تلك الليلة، فقدم للوزير أشياء تنيف على عشرة آلاف دينار، ثم أنه لما قرب وقف له جلال الدين على رأس الميدان تحت الجِتْر

(4)

، فلما رأى السلطان نزل، وقبل الأرض، وتخطى عدة خطوات، ثم جاء إليه الحاجب الخاص بدر الدين طوطق بن أينانج خان، وأمره عن السلطان بالركوب، فركب وسار في خدمة السلطان إلى أن نزل السلطان، فعانقه، وقبَّل جهان شاه يده، وأشار إليه السلطان بالوقوف على يمينه تحت الجتر، فوقف، وفي تلك الساعة تساقطت دعائم الجتر، فتطير الناس بذلك، وكان اجتماعهما سبب هلاكهما على ما يجئ بيانه إن شاء الله، ثم خلع جلال الدين عليه وعلى أصحابه مائتي خلعه، وأقام عنده أياما، ثم أذن له أن يعود إلى بلاده، ويسير إليه ما يقدر عليه من آلات الحصار، فسير منجنيقا كبيرا يسمى

(5)

قرابُغا

(6)

.

(1)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في سيرة منكبرتي، ص 300 - 301.

(2)

الوزير شرف الملك جهانشاه. سيرة منكبرتي، ص 302.

(3)

"بحيرة نازوك" كذا ورد اسم البحيرة في مسيرة منكبرتي، ص 302.

(4)

الجتْز: المظلة، وقد كانت في أيام الفاطميين والأيوبيين والمماليك في مصر من شعار السلطنة، وهي عبارة عن قبة من الحرير الأصفر المزركش بالذهب في اعلاها طائر من فضة مطلية بالذهب تحمل على رأس السلطان في العيدين. انظر: سيرة منكبرتي، ص 54، حاشية (5).

(5)

"قرابغرا" ورد هذا الاسم هكذا في سيرة منكبرتي، ص 303.

(6)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في سيرة منكبرتي، ص 301 - ص 303.

ص: 239

ومنها موت ابن جلال الدين قيقمارشاه

(1)

، وكان عمره ثلاث سنين، وكان من أخت شهاب الدين سليمان شاه ملك الإيوانية

(2)

، وكان اتصاله بها أنه لما رجع من بلاد بغداد سنة إحدى وعشرين وستمائة، بعد شن الغارات على نواحيها، وصل إلى قلعة المذكور متجردا، وليس معه حريم، فنزل بظاهرها، وأرسل إليه يطلب منه جارية تصلح للاستفراش، وكانت الرسالة على يد خادم له يسمي سراج الدين محفوظ، فأجاب بأنه ليس عندي مايصلح له إلا كريمتي، وزوجها منه، فأرسلها إليه في تلك الليلة ثم رحل جلال الدين وتركها هناك، ثم جاء إليه بعد مديده خصي وأخبر أنها حملت، فأرسل إليها السلطان، واستحضرها فولدت عنده قيقمارشاه المذكور

(3)

.

ومنها موت دوشي خان بن أخش ملك، وكان أخش ملك ابن خال السلطان، قتل بظاهر أصفهان في الحرب فأخذ جلال الدين ابنه دوشي خان عنده، ورباه، وكان عنده أعز من أولاده، حتى كان بعضهم يظن أنه ابنه، فحزن لموته حزنا شديدا. قال أبو الفتح: ورأيته خرج من خيمته حافيا، ودخل الخيمة التي فيها التابوت

(4)

.

ومنها أنه ورد إليه سعد الدين بن الحاجب رسولا من الديوان العزيز

(5)

في عدة ملتمسات، إذا قضيت من كبار أصحاب السلطان، من له خبرة بمراتب أصحاب المناصب ليعاد بالخلع. ومن جملة الملتمسات: إن السلطان لا يحكم على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ومظفر الدين كوكبوري صاحب إربل، وشهاب الدين سليمان شاه ملك الإيوانية، وعماد الدين بهلوان بن هزارَسْف ملك الجبال

(6)

، بل يعدهم في أولياء الديوان وأتباعه. ومن ذلك أن السلطان لما رجع من جبال همذان ولم يتم له ما قصده من

(1)

"قيمقارشاه" كذا ورد الاسم في سيرة منكبرتي، ص 303.

(2)

"الأبوية" كذا ورد الاسم في سيرة منكبرتي، ص 303.

(3)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل في سيرة منكبرتي، ص 303 - ص 304.

(4)

ورد هذا الخبر بالتفصيل في سيرة منكبرتي، ص 304.

(5)

أي ديوان الخلافة. انظر: سيرة منكبرتي، ص 304، حاشية (4).

(6)

الجبال: اسم للبلاد المعروفة اليوم باصطلاع العجم بالعراق، وهي مابين أصبهان إلى زنجان وقزوين وهمذان والدينور وقرميسين والرى، ومابين ذلك من البلاد الجليلة.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 10.

ص: 240

أخذ بغداد أسقط عن الخطبة اسم الخليفة بعامة ممالكه، ولما خاطبه سعد الدين

(1)

بذلك أمر بإعادة الخطبة باسم الخليفة المستنصر

(2)

بالله في سائر ممالكهـ. قال أبو الفتح: فأمرني السلطان بكتابة تذكرة إلى المواقف الشريفة مشتملة على عدة فصول، وكان آخر الفصول إحضار الحاجب الخاص ليبدى إليه مافي خاطره. قال أبو الفتح: لما جاء الحاجب الخاص من عند الخليفة حدثني بأن السلطان وصاني بأني إذا حضرت الديوان لا أقبل يد الوزير مؤيد

(3)

الدين القُمِّي، ولايوفه حق التعظيم لأمور كان ينقمها عليه. قال: ففعلت ذلك امتثالا لأمره. قال: فلما مضت أيام فإذا بحراقة

(4)

وصلت إلى منزلي بحافة دجلة، وإذا سعد الدين بن الحاجب قد دخل، وقال: أستعد لخدمة أمير المؤمنين فركبت الحراقة، وسقنا إلى أن وصلنا إلى باب كبير فدخلت، وتأخر سعد الدين، ولم يتعد، فقلت: هل لا تدخل معي؟ فقال: ومامنا إلا له مقام معلوم، وكان خلف الباب خادم، فأوصلني إلى باب آخر، ودق الباب ففتح، ودخلت، وإذا بخادم شيخ جالس على دكة، وبين يديه مصحف شريف وشمعة، فأجلسني وترحب بي، إلى أن جاء خادم آخر أبيض حسن الصورة، ولاطفنى بالعجمي، ثم أخذ بيدي ووصاني، فقال لي: انظر تحضر بين يدي من هو؟ واستعمل حسن الأدب فقلت: لا تستجهلني، وإن كنت رجلا تركيا. فلما طلعنا الدرجة، وصافح عينى الستر

(5)

الأسود قبلت الأرض قبل أن ينبهني عليه، فأثنى عليَّ الخادم، ورأيت الوزير واقفا حذاء ستارة مُرْخاة، فجاء خادم آخر، ورفع الستارة، فمشيت، فإذا أمير المؤمنين جالس على سرير، فكلم الوزير بلغة عربية، فتقدم إلىَّ خطوات، وأشار إلىَّ بالوقوف حيث كان هو أولا، فقبلت الأرض، ثم قال أمير المؤمنين: كيف الجناب العالي الشاهنشاه؟ يعني السلطان.

(1)

سعد الدين هو رسول ديوان الخلافة. انظر: سيرة منكبرتي، ص 305.

(2)

الخليفة المستنصر بالله هو أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 305.

(3)

مؤيد الدين القمي: ولد هذا الوزير في مدينة ثم إحدى مدن العراق العجمي، ونشأ في بغداد، وتوفي بها سنة 629 هـ، وتولي الوزارة في عهد الخلفاء العباسيين الناصر والظاهر والمستنصر.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 305، حاشية (4).

(4)

حَرَّاقَة: هي مركب حربي قديم كان يستعمل في حمل الأسلحة كالنار الإغريقية وبها مدافع خاصية تقذف النيران، وكانت تستخدم في مصر لحمل الأمراء ورجال الدولة في التنقلات النهرية، وقد حلت محله اليوم المدمرة.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 306، حاشية (2).

(5)

الستر الأسود: هو شعار العباسيين.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 307، حاشية (1).

ص: 241

وهكذا كان خطابه للسلطان في الكتب. فقبلت الأرض، وأردف ذلك بكلمات تنبيء عن المواعيد الجميلة، من ذلك أنه يريد تقديمه على سائر ملوك زمانه، ثم عَلَّم على كتاب العهد الذي كتب للسلطان، وناولينه الوزير، فوضعته على رأسه، وقبلت الأرض، وخلع علىّ بخلعة سنية، وأُعْطِيتُ عشرة آلاف دينار، وأصحب بالأمير فلك الدين بن سنقر الطويل، وسعد الدين بن الحاجب، ومعها خلعة السلطان، فوصلوا إلى خلاط في الشتاء، والسلطان يحاصرها، وكان يضرب لفلك الدين الدهليز، وتضرب له البوقات

(1)

عند ركوبه ونزوله، وكان سعد الدين بن الحاجب مع جلالة قدره في الديوان العزيز يحجبه حفظا لإقامة الهيئة، وأما الخلعة فكانت ثنتين: إحداهما

(2)

جبة

(3)

وعمامة وسيف هندي قد رصع غلافه، والأخرى قباء

(4)

وكمة

(5)

وفرجية

(6)

وسيف محلي بالذهب، وقلادة مرصعة ثمينة، ومعهما فرسان مكملتان العُدَّة، وقد تعلوهما عند تقديمهما للسلطان بتطبيقتين، كل تطبيقة أربع مائة دينار، وترس ذهب مرصع بالجوهر، فيه أحد وأربعون فصا، من ياقوت وبذخشاني في وسطها فيروزج كبير، وثلاثون فرسا من الخيل العربية، مجللة بالأطلس الرومي، مبطنة بجلال الأطلس البغدادي، وكل واحد منها مقود حرير ضرب

(7)

عليه ستون دينارا خليفتية

(8)

، وعشرون مملوكا بالعُدَد والمراكيب، وعشرة فهود بجلال أطلس، وقلائد ذهب، وعشرة صقور مكللة الكمام، ومائة وخمسون بقجة

(9)

، وكل واحدة منها عشرة ثياب، وخمس أكر من العنبر، مضلعة بالذهب، وشجرة عود طولها خمسة أذرع، وأربع

(10)

. عشرة خلعة برسم

(1)

البوقات: المفرد البوق، وهو آلة ينفخ فيها ويزمر، لسان العرب، مادة "بوق".

(2)

"إحديهما" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناء.

(3)

جبة: هي الفرجية الفوقانية الأصلية وهي الثوب الخاص بطبقة العلماء والقضاة.

انظر: الملابس المملوكية، ص 95.

(4)

قباء: وهو ثوب له أكمام ضيقة.

أنظر: الملابس المملوكية، ص 25.

(5)

كمة: هي نوع من القلانس. معجم الألفاظ التاريخية، ص 131.

(6)

فرجية: تطلق على الثوب الفوقاني الخاص بطبقة القضاة والعلماء، وتصنع من أقمشة متنوعة حسب فصول السنة وكانت تزين بطراز وتزرر.

انظر: الملابس المملوكية، ص 95.

(7)

"ضربت" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(8)

"خليفية" كذا في سيرة منكبرتي، ص 308.

(9)

البقجة: العدة من القماش، يوضع بها الثياب أو النقود أو الأوراق الخاصة، وهي فارسية الأصل وجمعها بقج.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 308، حاشية (5).

(10)

"أربعة عشر" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

ص: 242

الخانات، وحوايص ذهب، والكنابيش

(1)

التفليسية، فنُجيت الكنابيش من الخيل، إلا من خيول أربعة من الخانات، وهم: داع خان، وألغ خان، وأوترخان، وطغان خان، وثلاث مائة خلعة برسم الأمراء، كل خلعة قبا وكمة، وكانت خلعة الوزير شرف الملك عمامة سوداء وقبا وفرجية وسيف هندي وأكرتين

(2)

من العنبر، وخمسين

(3)

ثوبا وبغلة، وعشرين

(4)

خلعة برسم أصحاب الديوان، كل خلعة منها جبة وعمامة. قال أبو الفتح: وخصصت أنا من بين سائر أرباب الديوان ببغلة شهباء جيدة، وعشرين ثوبا، أكثرها الأطلس الرومي والبغدادي. قال: ولما قرأت النسخة الواردة على السلطان، وكان قد ذكر في الأول الجناب العالي الشاهنشاهي، وبعده الأجل شرف الملك الوزير، ثم ذكرت أنا بعدهما، ولم يذكر أحد من سائر أصحاب

(5)

الديوان لا باسمه ولا بلقبه، بل أطلق اللفظ المستوفي، والمشرف، والعارض، والناظر ونحو ذلك، وكان رسولا

(6)

دار الخلافة ينتظران السلطان يحضر خيمته التي ضربت له، فيلبس الخلعتين، فلم يفعل ذلك بل ضربت له خيمة بقرب الخزانة، ونقلت الخلع إليها، وركب السلطان مرتين، ولبس الخلعتين في نهار واحد، ولبس الناس بعده، ثم خاطب الرسول السلطان في أمر خلاط وإزالة الحصار، فلم يرد عليه جوابا شافيا

(7)

.

ومنها ورود رسول الملك المسعود صاحب آمد، وكان شخصا تركيا يعرف بعلم الدين قصب السكر، ورسول الملك المنصور صاحب ماردين، وكان خادما أسود، والرسولان رسالتهما عرض الخدمة والطاعة، وأصحب معهما السلطان رسولا من جهته

(1)

الكبابيش: كذا في سيرة منكبرتي. ص 308. والكنابيش: مفردها كنبوش وهو كساء الفرس أي البرذعة تجعل تحت سرج الفرس، وهو أيضا اللئام الذي يستعمله أهل بلاد المغرب لتغطية الوجه من الذقن إلى الخيشوم اتقاء لبرودة الصباح ورطوبته، ويسمى أيضا الكنفوش.

انظر: مصطلحات صبح الأعشي، ج 15، ص 289؛ الملابس المملوكية، ص 135.

(2)

"أكرتان" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(3)

"خمسون" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(4)

"عشرون" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(5)

أصحاب الديوان: صاحب الديوان هو منصب متولي الديوان وهو يلى رتبة الناظر في المراجعة، وله أمور تخصه كترتيب الدرج، ونحو ذلك لعمل الأرشيف.

انظر: مصطلحات صبح الأعشي، ج 15، ص 213.

(6)

"رسول" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(7)

وردت هذه الأحداث بالتفصيل الشديد في سيرة منكبرتي، ص 304 - ص 310.

ص: 243

يأمرهما بإقامة الخطبة له في بلادهما، وأصحب الرسولين بالفقيه نجم الدين الخوارزمي، فأبطأ

(1)

عن السلطان ولم يعد إلا بعد عود السلطان من الروم على الوجه الذي لا يروم

(2)

.

ومنها أن خلاط لما عظم بها البلاء، واشتد الغلاء، خرج من أهلها في يوم واحد مقدار عشرين ألف إنسان، وقد تغيرت صورهم من الجوع، حتى أن الأخ لايعرف الأخ، وكان شرف الملك الوزير يطعمهم فيذبح لهم كل يوم عدة أبقار، فما سكنت نفوسهم، حتى مات أكثرهم، وتفرق الباقون أيدي سبأ

(3)

.

ومنها أن السلطان علاء الدين خوارزم شاه والد جلال الدين كان مدفونا بالجزيرة

(4)

على ما ذكرنا، فسنح لجلال الدين وهو محاصر لأخلاط أن يبني مدرسة بأصفهان، وينقل تابوت والده من الجزيرة، فسير مقرب الدين مِهْتَر مهتران مقدم الفراشين

(5)

إلى أصفهان، وكان هو الذي تولى غسل علاء الدين خوارزم شاه، ليبنى بها مدرسة، فيها قبة للدفن، ويكون فيها بيت الثياب، وبيت الفرش

(6)

، وبيت

(7)

الطشت، والركاب

(8)

، وغير ذلك، وأصحبه ثلاثين ألف دينار، للشروع في عمارتها، وتقدم للوزير بالعراق بإطلاق ما يحتاج إليه تمام العمارة من وجوه الديوان، وأن يستعمل لها آلات الذهب من

(1)

"فانطاء" كذا في الأصل، والصحيح ما أثبتناه من سيرة منكبوتي لاستقامة المعنى، ص 310.

(2)

ورد هذا الخبر في سيرة منكبرتي، ص 310.

(3)

ورد هذا الخبر في سيرة منكبرتي، ص 310 - ص 311.

(4)

هي إحدى جزر مازندران التي توفي فيها السلطان علاء الدين خوارزم شاه، سنة 617 هـ. انظر: سيرة منكبرتي، ص 15.

(5)

مقدم الفراشين أو الفراشية: هو الذي يشرف على بيت الفراش الذي يحوى البسط العديدة والخيام. انظر: سيرة منكبوتي، ص 108، حاشية (2).

(6)

بيت الفرش: يسمى أيضا الفراش خاناه، ويشتمل على أنواع الفرش المختلفة من بسط وخيام وغير ذلك، ويعمل فيه عدد من الغلمان يسمون بالفراشين.

انظر: سيرة منكيرتي، ص 311، حاشية (3).

(7)

بيت الطشت: ويسمى أيضا بالطشت خاناه، وسمي بذلك لاحتوائه على الطشت الذي تغسل فيه الأيدي والطشت الذي يغسل فيه القماش، وهو يحتوي على ما يلبسه السلطان من الكلوتة والأقبية وسائر الثيات والسيف والخفي وغيره، كما أنه يحوي على ما يجلس عليه السلطان من المقاعد والمخاد والسجاد الذي يصلي عليه وغيره. انظر: سيرة منكبرتي، ص 311، حاشية (4).

(8)

بيت الركاب: ويعرف أيضا بالركاب خاناه، ويشتمل على عدد الخيل من السروج واللجم .. الخ. انظر: سيره منكرتي، ص 311، حاشية (5).

ص: 244

الشمعدانات والطشت والإبريق، وأن يقام بالباب فرس النوبة

(1)

، فسار المقدم إلى أصفهان، وشرع في العمارة. قال أبو الفتح: ووصلت إليها بعد أربعة أشهر، فوجدتها قد طلع بنيانها قدر قامة، وكاتب السلطان عمته شاه خاتون صاحبة سارية من أعمال مازندران. وكان أبوها تكش

(2)

قد زوجها لملك مازندران أردشير

(3)

بن الحسن [وتوفي عنها]

(4)

بأن تركب بنفسها ومن بمازندران من الملوك والأمراء والصدور، فينقلون التابوت من الجزيرة إلى قلعة أردهن

(5)

، وهي أحصن قلاع الأرض، إلى أن تتم عمارة المدرسة بأصفهان، ثم تنقل التابوت إليها. قال أبو الفتح: ولعمري كنت أكتب هذا التوقيع كارها لعلمي بأن جثته ما سلمت من إحراق التتار، ولقد أحرقوا عظام كل سلطان مدفون بأي أرض كان، حتى أحرقوا عظام السلطان

(6)

محمود بن سبكتكين، وأخرجوه من قبره بغزنة، فأحرقت عظامه

(7)

.

ومنها أن مجير الدين يعقوب بن الملك [111] العادل أبي بكر بن أيوب قرع سور خلاط يوما، والتمس حضور السلطان ليتحدث معه، فيما يعود إلى حصول الغرض،

(1)

النوبة: الجمع نوب وهو لفظ يطلق على فرق الجند التي تتناوب الوقوف لحراسة شخص أو سلطان، وهي خمس نويات ويكون تغييرها في الظهر والعصر والعشاء ونصف الليل وعند الصباح.

انظر: السلوك، ج 1 ق 2، ص 461، حاشية (2)؛ مصطلحات مصبح الأعشى، ج 15، ص 353.

(2)

تكش: هو علاء الدين خوارزم شاه تكش بن أرسلان شاه بن أتسز من ولد طاهر بن الحسن، كان شجاعا جوادا ملك الدنيا من الصين والهند، وما وراء النهر إلى خراسان إلى بغداد، وقد أزال دولة بني سلجوق، وكان يباشر الحروب بنفسه حتى ذهبت إحدى عينيه في الحروب، توني في دهستان في رمضان سنة 596 هـ، فحمل في تابوت إلى خوارزم ودفن عند أهله.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 17؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 25؛ شذرات الذهب، ج 4، ص 324.

(3)

أردشير بن الحسن ملك مازندران: هو حسام الدين أردشير صاحب مازندران مات سنة 324 هـ.

انظر: عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، ج 3، ص 199، تحقيق د/ محمود رزق محمود، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، (1428 هـ - 2007 م).

(4)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرتي لتوضيح المعنى، ص 312.

(5)

قلعة أَرْدَهْنُ: قلعة حصينة من أعمال الري.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 204.

(6)

السلطان محمود بن سبكتكين: حكم من ستة 388/ 421 هـ = 998/ 1030 م، وترجع أهميته في تاريخ الشرق الإسلامي بوجه عام، وفي تاريخ الدولة الغزنوية بوجه خاص إلى أنه استطاع أن يوسع أملاكه في بلاد الهند حتى شملت إقليم البنجاب بما ذلك لا هور ومولتان وغيرهما، كما وسع أملاكه في فارس حتى شملت العجمي بما في ذلك الرى وأصفهان، والسلطان محمود هذا هو أبو القاسم محمود بن ناصر الدولة أبي منصور سُبُكتكين الملقب أولا سيف الدولة، ثم لقبه الإمام القادر بالله اليمين الدولة وأمين الملة" ولد ليلة عاشوراء سنة 361 هـ، وتوفي في ربيع الآخر، وقيل حادي عشر صفر سنة إحدى وقيل: 422 هـ بغزنة.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 312، حاشية (2)؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 175 - ص 181،

(7)

ورد هذا الحدث بالتفصيل في سيرة منكبوتي، ص 311 - ص 312.

ص: 245

فلما حضر قال: إن الضر قد اتضح، وإن الطائفتين قد هلكتا، فهل لك أن تبارزني فيعود الأمر إلى فيصل؟ فقال السلطان: ومتى يكون ذلك؟ قال: بكرة غد. فلبس السلطان لأمة

(1)

حربه صباح غد، وبلغ ذلك الوزير

(2)

، فأسرع إليه، وقال: مجير الدين ليس من أقران السلطان، وليس يليق بالسلطان أن يبارزه، ولو علمنا أن السلطان إذا أهلكهـ حصل مقصوده لرضينا به، فقال السلطان: هو كما ذكرت، ولكن كيف لا أقاتل إذا دُعِي نزال؟ ثم ركب وحده، وساق على الميعاد، ووقف وأعلم بحضوره، فشتموه وأمطرت عليه السهام، ولم يخرج مجير الدين، فرجع السلطان

(3)

.

ومنها ما قاله أبو الفتح: إن السلطان استحضرني ليلة، فوجدت عنده عجوزا ذات هيبة قد خرجت من خلاط برسالة مزورة من الزكي العجمي، وكان من ذوي الحظ عند الملك الأشرف، والسلطان يعبّر عن لسانها بثلاث لغات: الفارسية، والتركية، والأرمنية، ورسالتها أن الزكي العجمي استدعي من السلطان خمسة آلاف دينار يفرقها في الأجناد، فيجلب

(4)

أهواءهم بها إلى السلطان، حتى يرضوا بتسليم خلاط، ثم يفتح باب الوادي صباح غد فيدخل السلطان. فلما شاورني في ذلك قلت: إن الزكي من دهاة عصره ومن لا [يخفى]

(5)

عليه الخطأ، وهو رجل عاقل لا يدخل في مثل هذه القضية، وأنا أعرفه حين ورد رسولا على السلطان، ومع هذا رأيت السلطان لشدة حرصه على أخذ خلاط، قد عزم على تسليم المطلوب إلى العجوز، فلما كررت عليه الكلام رجع عن ذلك، ولكن حرصه على أخذ خلاط حمله على أن أعطاها ألف دينار، وقال لها: إن بان لي صدفك بعلامة أخرى سلمنا إليك خمسة آلاف دينار، فرجعت ليلا ودخلت خلاط، وما كان للحديث أصل، وشاع الخبر في العسكر، وجاء إلى عز الدين أيبك من أخبره بأن الزكي بكاتب جلال الدين، فقتله من [112] غير ذنب صدر منه، ولما ملك السلطان

(1)

لأمة الحرب: هي أداة الحرب كلها من رمح وبيضة ومغفر وسيف ودرع، وقيل: إنها الدرع الحصينة، وسميت الأمة لإحكامها وجوده حلقاتها، والجمع لأم.

انظر: المعجم الوسيط، مادة لأم؛ لسان العرب.

(2)

يقصد بالوزير "شرف الملك". انظر: سيرة منكبرتي، ص 313.

(3)

ورد هذا الخبر في سيرة منكبرتي، ص 313.

(4)

"فتجلب" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه لاستقامة المعنى.

(5)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرتي لاستقامة المعنى، ص 314.

ص: 246

خلاط ظفر بالعجور بعض السرهنكية

(1)

، فأخرجها من مدبغة ومعها زوجها شيخ هرم، فأحضرت الذهب وقد نقصت منه ثلاث مائة دينار، وقيل: إنها خنقت، وكانت فائدة التزوير هلاكها، وهلاك زكي الدين

(2)

.

ومنها أن عز الدين أيبك كتب كتابا إلى الملك الأشرف بالألغاز، وكذلك كتب مجير الدين إليه، فَمُسِكَا في الطريق. قال أبو الفتح: فناولني إياهما السلطان، وأعانني الله على حلهما، ومضمونهما الشكوى مما هم فيه من الضائقة، وفيهما أن العدو قد سحر السماء فلم يقع لا ثلج ولا غيره بحدود خلاط في هذه السنة، ومسك أيضا كتاب الأشرف إليهما، ومضمونه أن الذي ذكرتم من سحر العدو ليس له أصل، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، غير أن السنوات تختلف أحوالها، فتارة يتقدم الثلج، وتارة يتأخر، وها نحن عن قريب واصلون بالعسكر لكشف الضر وسنطردهم إلى ما وراء جيحون

(3)

.

ومنها وفاة صاحب الديوان

(4)

شمس الدين محمد، وكان من كبار الصدور وتولي بعده الجمال على العراقي

(5)

.

ومنها إحضار وزير علاء الدين

(6)

صاحب ألموت أسيرا، أسره برهان

(7)

الذين سكر، مقطع ساوة

(8)

، وسيره إلى خلاط، فحمل إلى قلعة دزمار

(9)

وحبس فيها إلى أن هلك

(10)

.

(1)

السرهنكية: هي رتبة عسكرية أي القواد

انظر: سيرة منكبرتي، ص 107، حاشية (1)، ص 117، حاشية (5).

(2)

ورد هذا الخبر بالتفصيل في سيرة منكبرتي، ص 313 - ص 315.

(3)

ورد هذا الخبر بنصرف في سيرة منكبرتي، ص 315.

(4)

صاحب الديوان: هو متولي الديوان وهو يلى رتبة الناظر في المراجعة، وله أمور تخصه كترتيب الدرج، ونحو ذلك كعمل الأرشيف. انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 213.

(5)

لمعرفة المزيد عن شمس الدين محمد صاحب الديوان.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 315.

(6)

علاء الدين صاحب الموت: هو علاء الدين محمد الثالث بن جلال الدين حسن الثالث، توفي سنة 653 هـ/ 1235 م. انظر: سيرة منكبرتي، ص 317، حاشية (1)

(7)

بهاء" كذا في سيرة منكبرتي، ص 317.

(8)

سارة: مدينة بين الري وهمذان. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 24.

(9)

قلعة دزمار: قلعة حصينة من نواحي أذربيجان، قرب تبريز.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 573.

(10)

ورد هذا الخبر في سيرة منكبوتي، ص 317.

ص: 247

ومنها ورود رسل صاحب الروم علاء الدين كيقباذ

(1)

: وهم شمس الدين ألتون أبه

(2)

الجاشنكير

(3)

وكمال الدين ليماز

(4)

بن إسحاق، وقاضي ارزنجان بهدايا وألطاف فيها ثلاثون بغلا موقرة، أحمالا من الأطلس، والحطابي والقندس

(5)

والسمور وغيرها، وثلاثون مملوكا بالخيل والعدة، ومائة فرس، وخمسون بغلة بالجلال، فلما وصلوا إلى أرزنجان تعذر وصولهم إلى السلطان لأن صاحبها ركن الدين جهان شاه بن طغرل كان يعادي صاحب الروم، ويوالي جلال الدين، فما مكنهم من التوجه إلا بعد أن اتفق هو مع جلال الدين ودخل في طاعته، وحضر إلى خدمته، وأحضر الرسل المذكورين معه، ثم أن خلاط أخذت في سنة ست وعشرين [113] وستمائة على ما ذكرنا

(6)

.

وأراد السلطان أن يحمي خلاط من النهب، فغلبوه على رأيه، وحضر الخانات والأمراء وقالوا: إن العسكر قد ضعفت من طول الحصار، وماتت دوابهم، فإن منعتهم عن النهب قعد بهم الضعف عن لقاء العدو، فرضي بذلك، ونهبوا ثلاثة أيام، واستخرجوا دفاينهم وخباياهم بالمعاصير، فمن وقع بيده من الأخلاطية عذبه بأنواع العذاب، فهلك بذلك قوم، والذي يقوله الناس من أن جلال الدين أمر بقتل من بها غير صحيح، فإن قوة هلاكهم كانت بالغلاء، ونزل إليه مجير الدين وتقي الدين ابنا العادل، وعز الدين أيبك متولى أخلاط، فأبقى على الأخوين، وقتل عز الدين بعد أمور كثيرة

(7)

.

ثم إن جلال الدين ندم على إذنه بالنهب والتخريب، فأطلق من الخزانة أربعة آلاف دينار ليجدد ما خربت المجانيق من السور، فعُمِّر في أسرع وقت، وأقطع الكور من

(1)

هو علاء الدين كيقاذ الأول بن كيخسرو الأول سلطان السلاجقة الروم، وقد حكم من سنة 616/ 634 هـ = 1219/ 1236 م. انظر: سيرة منكبرتي، ص 317.

(2)

"آية" كذا في الأصل، والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 317.

(3)

وكلمة الجاشنكير هنا تعني من يقوم بذوق المأكل والمشرب قبل السلطان في الولائم والاسمطة خوفًا من أن يدس فيه سم أو نحوه. انظر: صبح الأعشى، ج 15، ص 81.

(4)

"كامبان" كذا في مسيرة منكبرتي، ص 317.

(5)

القنلس هو حيوان السمور (وهو كلب الماء) ويؤخذ فراؤه لعمل الملابس.

انظر: ماير به الملابس المملوكية، ص 46 - 47.

(6)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتي، ص 317 - ص 317.

(7)

ورد هذا الخبر في سيرة منكبوتي، ص 321.

ص: 248

أعمالها الخانات والأمراء، واستدعى

(1)

منه أورخان إقطاع سر ماري

(2)

، فأجابه إليها لسخطه على شرف الدين أزدَرَه صاحبها

(3)

.

ثم إن جلال الدين سار إلى منازجرد لترتيب المحاصرة، فوصل إليه ركن الدين جهان شاه بن طغرك صاحب أرزن الروم ثانيا، وأعلمه باتفاق ملوك الشام والروم عليه، وقال: إن الرأي في مبادرتهم قبل أن يجتمعوا، فأمره عند ذلك أن يرحل صوب أرزن الروم، فيتجهز بها، ويرحل السلطان بعده بخمسة أيام في عساكره، فيذهبان إلى خرت برت

(4)

ويقيمان بها منتظرين حركة العسكرين، فأيهما تحرك أولًا ساقا إليه قبل اتصاله بصاحبه، فمرض بها مرضًا شديدا، وكانت الخانات والأمراء يحضرون الباب أيام مرضه على العادة، ثم تواترت كتب ركن الدين مُعْلمةً بحركة العسكرين على نية الاجتماع، فحين خف عنه المرض، ركب فنزل شرف الملك الوزير بعسكره وعسكر العراق على منازجرد، وتكين مُقْطع خُوّى، على بركري

(5)

، وجردَّ أمامه أو ترخان في ألفي فارس برسم اليزك، فصادف بِيَاشْجُمان عسكر ارزنجان وخرت برت، فالتقاهم، ثم شاعت الهزيمة في الروم فقتلوا، وفي ثاني اليوم وصلت عساكر الروم والشام فتلاقوا، وجرى بينهم قتال شديد، فانهزم جلال الدين وأُسِر [114] ألغ

(6)

خان، وأطلس ملك، وعدَّة من المفاردة، فأمر كيقباد بضرب أعناقهم على ما ذكرناه مفصلا

(7)

.

(1)

"استرعي" في سيرة منكبرتي، ص 325.

(2)

"سر من رأى" كذا في الأصل، والمثبت من سيرة متكبرني، ص 325، وسر ماري: قلعة حصينة وولاية واسعة بين تفليس وخلاط. انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 82.

(3)

"ورد هذا الخبر" في سيرة منكيرتي، ص 325.

(4)

خَرْتَ بِرْتُ: إحدى قلاع أرمينية الكبرى، على مسيرة يومين من ملطية، وهو الحصن المعروف بحصن زياد. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 416.

(5)

بركري: مدينة في نواحي خلاط. انظر: تقويم البلدان، ص 389؛ سيرة منكبرتي، ص 275، حاشية (3).

(6)

"ألاع" كذا في الأصل، والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 331.

(7)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث. انظر: سيرة منكبرتي، ص 329 - ص 322.

ص: 249

‌ذكر استيلاء الملك الأشرف على بعلبك

وكان قد حاصرها قريبا من عشرة أشهر، واشتدَّت مضايقة عسكره لها، وكان بها الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه

(1)

، فأذعن إلى تسليمها لابن عمها [الملك الأشرف]

(2)

، وأقطعة الملك الأشرف قُصَيْر دمشق

(3)

، والزبداني

(4)

، ومواضع أُخر

(5)

.

وتوجه الملك الأمجد إلى دمشق فقتل بها في السنة المذكورة، قتله مملوك كان عنده من أخص مماليكه، وذلك أنه فقد دواةً محلَّاةً له، واتهم بها هذا المملوك، وألزمه إحضارها فلم يعترف بها، فأمر باعتقاله في مرقدٍ بإيوان دارِه، ثم جلس على باب ذلك المرقد يلعب بالنرد

(6)

، فخرج ذلك المملوك وبيده سيف مسْلول فضرب به أستاذه ضربا مثخنا، وطلع إلى سطح الدار ورمى بنفسه إلى قاعتها، فمات لوقته، وعاش الأمجد إلى الليل، ثم توفى، ودفن في مدرسة والده، وكانت مدة ملكهـ لبعلبك تسعا وأربعين سنة، من أيام عم أبيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وإلى هذه السنة. وكان ملكا جليلا، فاضلا متأديا، يحب العلماء والفضلاء والشعراء، وكان ينظم الشعر الجيد، ودون له ديوان من أشعاره

(7)

.

(1)

الملك الأمجد مجد الدين أبو المظفر بهرام شاه بن فروخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك، وكان فيه فضل وله ديوان شعر، وأخذ الأشرف بن العادل منه بعلبك فانتقل إلى دمشق، وقتله مملوكه في داره ليلة الأربعاء ثاني عشر شوال سنة 628 هـ، ودفن في تربته التي إلى جانب تربة أبيه في الشرق الشمالي.

انظر: وفيات الأعيان، ج 2، ص 453؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 140 - ص 141؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 126 - ص 127.

(2)

ما بين حاصرتين إضافة من مفرج الكروب للتوضيح، ج 4، ص 284.

(3)

قُصَيْر دمشق: ضيعة أول منزل لمن يريد حمص من دمشق.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 126.

(4)

الزبّدَاني: كورة مشهورة معروفة بين دمشق وبعلبك، منها خرج نهر دمشق.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 913.

(5)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 158؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 284؛ المختصر، ج 3، ص 145؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 192؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 136؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 435 - ص 436.

(6)

النَّرْد: شيء يلعب به، وهو لفظ فارسي معرب "نرد شير". لسان العرب، مادة "نرده".

(7)

ورد مقتل الملك الأمجد بالتفصيل في مفرج الكروب، ج 4، ص 284 - ص 286؛ المختصر، ج 3، ص 146؛ كما ورد مقتله في سنة 628 هـ في كل من: نهاية الأرب، ج 29، ص 166. ص 167؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 141؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 441؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 126 - ص 127.

ص: 250

ومن جيده قصيدة مطلعها:

حي عني الحمى، وحى المصلي

وزمانًا بالرقمَتين تولى

كان أغلى الأوقات في النفس قَدْرًا

فتلاشي زمانُه واضمحلا

هل إلى ذلك الزمان سبيل

وضلال أن يقتضى الشوق "هلًا"

بت والبرق لا أَمَلَّ دموعى

عند إيماضه، ولا البرق مَلا

مستهاما ألقى الغرام بجسم

منذ أبلاه هجركُم ما أبلا

ذا غليل من حُرقة البين والهجـ

ــــــــــــــــر بغير اقترابكم لن يُبلا

أيها الناظمون هذا قرَيضي

دق في صنعة القريض وجلا

يتمشى على السماكِ افتخارًا

ثم يضحى منه عليكم مُطلا

وبغيضٌ إلى من ليس بدري

صنعة الشعر أن يكون مذلا

بقريض إذا كسا الشعرُ عِزًا

قائليه، كساه هونًا وذلا

ما يُسمى في حلبة الشعر يومًا

سابقًا لا، ولا أسْتُحِث

(1)

فَضَلا

(2)

ومدحه جماعة من الشعراء منهم: شرف

(3)

الدين بن عنين بقصيدة يمدح فيها شعره منها:

لما تخبرني أروى قصائده

مضيتُ قدمًا وخلّفت الرواة ورا

فأعجب لبحر غدا في رأس شاهقة

من العواصم طام يقذف الدُّرَرَا

شعرٌ ثمت به الشعري لشركتها

فيه فباتت تباهى الشمس والقمرا

سِحْرٌ ولكن هاروتا وصاحبه

ما روت ما نهيا فيه ولا أمرا

كم

(4)

قُمْتُ في مجلس السادات أنشده

فلم يكن لحسود في عُلاه مرا

(5)

(1)

"أستخف" كذا في مفرج الكروب، ج 4، ص 288.

(2)

وردت هذه الأبيات في مفرج الكروب، ج 4، ص 286 - ص 288.

(3)

شرف الدين بن عنين: هو أبو المحاسن محمد بن نصر بن الحسين بن عُنيّن الأنصاري، الملقب شرف الدين، الكوفي الأصل الدمشقي المولد، الشاعر المشهور، كان خاتمة الشعراء، لم يأت بعده مثله، ولا كان في أواخر عصره من يقاس به، وكان مولعا بالهجاء وثلب أعراض الناس، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك المعظم ومدة ولاية الملك الناصر بن المعظم، كانت ولادته بدمشق يوم الاثنين 9 شعبان سنة 549 هـ، وتوفي عشية نهار الأثنين لعشرين من شهر ربيع الأول سنة 630 هـ. بدمشق أيضا، ودفن بمسجده بأرض المزة بدمشق.

لمعرفة المزيد عن ترجمته انظر: وفيات الأعيان ج 5، ص 14. ص 19؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 140 - ص 142.

(4)

"لم" كذا في الأصل، والمثبت في مفرج الكروب، ج 4، ص 293.

(5)

وردت هذه الأبيات في مفرج الكروب، ج 4، ص 292 - ص 293.

ص: 251

وقال ابن كثير

(1)

: الملك الأمجد أشعر بني أيوب، وشعره مشهور، ومن شعره الرائق الفائق في شاب راه يقطع قضبان بان فأنشأ على البديهة:

من لي بأهيفَ

(2)

قال حين عتبته

في قطع كل قضيبِ بانٍ رائق

تحكى شمائله الرِّشاء

(3)

إذا انثنى

ريَّانَ بين جداول وحدائقِ

سرقَتْ غصون البان لينَ شمائلي

فقطعتها والقطعُ حدُّ السارقِ

وله دوبيت:

كم يذهب هذا العمرُ في الحسرات

ما أغفلني فيه وما أنساني

ضيّعتُ زماني كلَّهُ في لعبٍ

يا عمرُ هل

(4)

بعدكَ عمرُ ثاني

(5)

وقد رآه بعضهم في المنام، فقال [له]

(6)

: ما فعل الله بك؟ فقال:

كُنت من ذنبي

(7)

على وجلٍ

زالَ عَنِّي ذلك الوجلُ

أَمِنَتْ نفسي بوائِقها

عشتُ لما متَّ يا رجل

(8)

‌ذكر استيلاء الملك المظفر شهاب الدين

(9)

غازي على مدينة أرزن

(10)

من ديار بكر

(11)

وأخذها من صاحبها حسام الدين، والسبب في ذلك أن المذكور كان مصاحبًا للملك الأشرف ومناصحًا له في جميع حروبه، وينفق أمواله في طاعته، وكان في خلاط

(1)

البداية والنهاية، ج 13، ص 141.

(2)

أهيف: أي ضامر البطن والخاصرة. انظر: لسان العرب، مادة "هيف".

(3)

"الرشاق" كذا في الأصل، وما أثبتناه من البداية والنهاية، ج 13، ص 141، حيث ينقل عنه العيني، والرّشاء كواكب صغيره كثيرة على صورة السمكة يقال لها بطن الحوت. انظر: لسان العرب، مادة "رشا".

(4)

"فهل" كذا في الأصل، وما أثبتناه من البداية والنهاية، ج 141 - ص 142، حيث ينقل عنه العيني.

(5)

وردت هذه الأبيات في البداية والنهاية، ج 13، ص 141 - ص 142.

(6)

ما بين حاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 13، ص 142، للتوضيح.

(7)

"ديني" كذا في البداية والنهاية، ج 13، ص 142.

(8)

ورد هذا الخبر والبيتان في البداية والنهاية، ج 13، ص 142.

(9)

الملك المظفر شهاب الدين غازي بن العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب، صاحب ميافارقين وخلاط، توفي سنة 645 هـ. انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 186؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 233؛ ترويح القلوب، ص 79.

(10)

مدينة أرزن: مدينة مشهورة قرب خلاط، ولها قلعة حصينة. معجم البلدان، ج 1، ص 205.

(11)

ديار بكر: هي بلاد كبيرة واسعة، وحدها ما غرّب من دجلة من بلاد الجبل المطل على نصيبين إلى دجلة، ومنه حصن كيفا وآمد وميافارفين، وقد يتجاوز دجلة إلى سِعِرْت وحيزان وحيني وما تخلل ذلك من البلاد.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 436 - ص 437.

ص: 252

لما حضرها جلال الدين خوارزم شاه، ولقي من الشدّة والخوف ما لقى، ولما فتحت أَسَرَهُ جلال الدين فيمن أَسَر، وأراد أخذ مدينة أرزن منه، فقيل له: إنه من بيت قديم عريقٍ في الملك [116] وإن أرزن صارت له من أسلافه مع غيرها من البلاد، فخرج الجميع من يده ولم يبق له غيرها، فتعطف عليه ورق له وأبقى عليه مدينته، وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه لا يقاتله، فعاد إلى بلده وأقام بها. فلما جاء الملك الأشرف وعلاء الدين [صاحب الروم]

(1)

لمحاربة جلال الدين لم يحضر معهم الحرب وفاءً لجلال الدين، فلما انهزم جلال الدين جاء

(2)

إليه الملك المظفر غازي بن العادل صاحب ميافارقين، فحصره بها ثم ملكها صلحًا، وعوضه عنها بمدينة حاني من ديار بكر، وهو من بيت قديم، يقال لهم: بيت طغان أرسلان، ويقال لهم: بيت الأحدب، وكان لهم مع أرزن بدليس

(3)

وغيرها، ولم تزل بأيديهم من أيام السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي

(4)

، وأخذ بكتمر

(5)

صاحب خلاط مملوك شَاهَرْ مَنْ بدليس من عم حسام الدين هذا؛ لأنه كان موافقا للناصر

(6)

الكبير

(7)

.

‌ذكر قصد الفرنج حماة

وفي شهر رمضان قصد الفرنج من حصن

(8)

الأكراد وغيرها حماة في جَمْع كثير من الخيالة والرجَّالة، فخرج إليهم السلطان الملك المظفر تقي الدين محمود بن الملك

(1)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرتي، ص 302، للتوضيح.

(2)

أي جاء إلى حسام الدين صاحب أرزن.

(3)

بدليس: بلدة من نواحي أرمينية قرب خلاط. معجم البلدان، ج 1، ص 526.

(4)

السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي: هو ملكشاه أبو الفتح جلال الدولة بن السلطان ألب أرسلان محمد بن داود السلجوقي التركي تملك بلاد ما وراء النهر وبلاد الهياطلة وبلاد الروم والجزيرة والشام والعراق وخراسان وغير ذلك، وقيل إنه سُمَّ ونقل في تابوت فدفن بأصبهان في مدرسة كبيرة له، مات في شوال سنة 485 هـ/ 1092 م.

لمعرفة المزيد من ترجمته انظر: سيرة منكبرتي، ص 289؛ الشذرات، ج 3، ص 376 - ص 377.

(5)

بكتمر: هو سيف الدين بكتمر صاحب خلاط، كان دينا، خيرا، صالحا، كثير الخير والصدقة، محبا لأهل الدين والصوفيه، قريبا إلى رعينه، قتل في أول جمادي الأولى سنة 589 هـ.

لمعرفة المزيد عنه انظر: الكامل، ج 12، ص 102 - ص 103؛ العبر في أخبار من غبر، ص 268؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 8.

(6)

الناصر الكبير: يقصد به السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف.

(7)

ورد هذا الخبر بالتفصيل في مفرج الكروب، ج 4، ص 301 - ص 302.

(8)

حصن الأكراد: حصن منيع حصين على الجبل الذي مقابل حمص من جهة الغرب وهو جبل الجليل، وهو بين بعلبك وحمص.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 376.

ص: 253

المنصور في عسكر حماة ووصل الفرنج إلى أفنون

(1)

وهي ما بين حماة وبعرين، فقاتلهم وحمل عليهم فلم يثبتوا له، وولوا منهزمين وقتل من فرسانهم ورجالتهم جماعة، وأسر جماعة، ودخل حماة منصورًا، فمدحه الشعراء بقصائد منها

(2)

:

أَبشر بما شئتَ من نصرٍ وتأييد

فعنك يُروي حديث البأس والجود

وأنت ليثُ وغي تدمي مخالبه

في نحر كل طويل الباع صنديد

وأنت غيثُ ندي تجرى عوائده

بجوده مثل جرى الماء في العود

فَرّقْت بين المعالي والثراء كما

جمعت في العدل بين السد

(3)

والسيد

يَذُم بعض الوري بعضًا وقولهم

ما في البرية محمودٌ كمحمودِ

مَلك إذا أغرق الأملاكُ في قنص

فصَيدهُ غُلْبُ آل الأصغر الصيدِ

وإن سبتهم ذوات الحسن مال به

قَطْع الطُلى عن وصال الخرّد الغيد [117]

ومنها:

لو نال مَلْك على مقدار همته

لنلت مُلْك سليمان بن داود

ومنها:

أما الفرنج فقد أخمدتَ نارهمُ

ولم تزل ذات إضرام وتوقيد

من بعد ما حاد أملاك الطوائف عن

حفظِ البلاد وألقوا بالمقاليد

ومنها:

فما جنحت إلى سِلمٍ على غُبن

ولا قنعت بإرهاب وتهديد

أقبلتهم رحب صدر ليس يحرجِه

ضيق المجال وقلبا غير مرءود

(4)

ورُعْتهَم بخميس فَلّ جمعهمُ

بحرّ ضرب وطعن كالأخاديد

فغودِروا بين مجروحٍ ومختبل

يبكي على هالك منهم ومصفود

(1)

"أفيون" كذا في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب، ج 4، ص 303 حاشية (3)، ويبدو أن المقصود بها قرية قفيلون الحالية وهي قرب بعرين "بيرين".

(2)

أورد مفرج الكروب أن قائل هذه القصيدة هو الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد الأنصاري.

انظر: ابن واصل، ج 4، ص 303.

(3)

يبدو أن معنى كلمة "السد" هنا تعني قليل المال المحتاج إلى المساعدة.

انظر: مادة "سدده" المصباح المنير.

(4)

"مزؤد" كذا في الأصل، والمثبت في مفرج الكروب، ج 4، ص 305، والرائد هو الضيق.

انظر: القاموس المحيط.

ص: 254

إن خُبرِّوا عنك بالبأس المنيع فقد

قام العيان بتصديق الأسانيد

صاروا قطائع إذ راموا القطائع للـ

بيض القواطع في حُجب الوغى السودِ

فلا تدع غزوهم في عقر دارهم

صغْوا إلى الزود من لوم وتفنيد

واسلم، لك الملك مقصورٌ عليك ولا

زال الورى تحت ظل منك ممدود

(1)

‌ذكر بقية الحوادث

منها أنه ظهر أمير من أمراء التركمان يقال له: شمس الدين سونج من قبيلة يقال لها: قيشالوا

(2)

، فقوى أمره وقطع الطريق، وكثر جمعه، وكان قطعة الطريق ما بين إربل وهمذان، ثم إنه تعدى إلى قلعة حصينة

(3)

للملك المعظم مظفر الدين كوكبوري

(4)

بن زين الدين على كوجك

(5)

صاحب إربل، وقتل عندها أميرًا كبيرًا من أمراء مظفر الدين، يقال له: عز الدين الحميدي واستولى على القلعة، فجمع مظفر الدين جموعا وأراد استعادتها منه، فلم يمكنه ذلك لحصانتها وكثرة جموع هذا التركماني الذي استولى عليها، فتركها مظفر الدين له، وأرسل إليه أهل قلعة روندز، وهي من قلاع أذربيجان الحصينة، ليسلموها إليه، فسار إليها وتسلمها وملكها، وأزال عنها أصحاب جلال الدين مع مهابته، ولما ملكها سونج المذكور طمع في غيرها، لاسيما وقد اتفق ضعف جلال الدين بما

(6)

أصابه من الهزيمة، فنزل سونج إلى مراغة وحصرها، فأتاه منها سهم غَرْب

(7)

فقتله، فلما قُتِل مَلَكَ القلعة بعده أخوه، ثم أنه نزل من القلعة وقصد أعمال

(1)

وردت هذه الأبيات في مفرج الكروب، ج 4، ص 303 - ص 305.

(2)

"قشيالوا" في الكامل، ج 12، ص 493.

(3)

المقصود هنا قلعة "سارو"، الكامل، ج 12، ص 413؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 309.

(4)

مظفر الدين كوكبوري: هو أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين بن محمد الملقب الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، ولما توفي والده زين الدين علي ولي موضعه وعمره أربعة عشر عاما، ودخل إربل في ذي الحجة سنة 586 هـ، وولد بقلعة الموصل سنة 549 هـ، وتوفي ليلة الجمعة رابع عشر رمضان سنة 630 هـ. بداره، ودفن بإربل.

انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 113 - ص 130؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 147؛ الشذرات، ج 5، ص 138.

(5)

زين الدين علي كوجك صاحب إربل: أصله من التركمان، وملك إربل وبلادا كثيرة في تلك النواحي وفرقها على أولاده، وعَمَّر طويلا ويقال إنه جاوز مائة سنة، وعمي في آخر عمره، وتوفي بإربل ليلة الأحد، حادي عشر ذي القعلة سنة 563 هـ، ودفن في تربته المعروفة به المجاورة للجامع العتيق داخل البلد، وكان موصوفا بالقوة المفرطة والشهامة.

انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 114؛ العبر، ج 4، ص 182؛ الشذرات، ج 4، ص 209.

(6)

"ما" كذا في الأصل، والمثبت من الكامل، ج 12، ص 494؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 307، لاستقامة المعنى.

(7)

"سهم غَرْب" أي لا يدري راميه. انظر: القاموس المحيط.

ص: 255

تبريز، ونهبها، وعاد إلى القلعة بالنهب ليجعله مَدْخورا فيها، فصادفه [118] طائفة من التتار فقتلوه وأخذوا ما معه، فملكت القلعة أخت

(1)

له، وكل هذا أمر يسير

(2)

.

ومنها أنه وصل جهان بهلوان من الهند إلى العراق ومعه سبع مائة فارس، وذلك أن السلطان جلال الدين رتبه مقدما على عسكره بالهند، فأحسن السياسة، فقصده عسكر أيلتمش

(3)

قطرده عنها، وتخلف جماعة منهم: الحسن قزلق الملقب بوفا ملك، فلما وصل جهان بهلوان رسم له جلال الدين بعشرين ألف دينار تحمل إليه من مال العراق، وأن يُشَتي بالعراق ليعود إلى الخدمة، وصادف وصوله من الهند عود السلطان على الوجه الذي تقدم ذكره، وكان يريد المثول بين يديه، فجاءت الأخبار بورود التتار، فحالت بينهما

(4)

.

ومنها أنه ولد للملك العزيز

(5)

بن الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب حلب ثلاثة أولاد ذكور، أحدهم: وهو أول أولاده سماه غازي

(6)

ولقبه الظاهر، والثاني: سماه العادل

(7)

، والثالث: سماء صلاح الدين

(8)

يوسف ولقبه بالناصر

(9)

.

(1)

"ابن أخت" كذا في الكامل، ج 12، ص 494؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 308.

(2)

وردت هذه الأحداث بتصرف في الكامل، ج 12، ص 493 - ص 494؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 306 - ص 308.

(3)

أيلتمش: هو شمس الدين إيلتمش أحد أرقاء الترك في الدولة الغورية، وقد سار إلى بلاد الهند بعد سقوط هذه الدولة، وتمكن من تأسيس إمارة في الجزء الشمالي من هذه البلاد، وقد حكم هذا الرجل مدينة دهلي من 608/ 634 هـ (1211/ 1236 م). انظر: سيرة منكبرتي، ص 165، حاشية (1).

(4)

وردت هذه الأحداث بتصرف في سيرة منكبرتي، ص 346 - ص 347.

(5)

الملك العزيز بن الظاهر غازي: هو محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شادي، الملك العزيز غياث الدين بن الملك الظاهر بن الناصر، صاحب محلب، ولد خامس ذي الحجة سنة 610 هـ من ضيفة خاتون بنت الملك العادل بن أيوب، ولى السلطنة وعمره أربع سنين، وجعلوا طغريل الخادم أتابكه يسوس الأمور، توفي سنة 634 هـ، ودفن بالقلعة، وكان عمره ثلاثا وعشرين سنة وشهورا، ومدة ملكه قريب العشرين سنة، وأقيم بعده ولده الملك الناصر يوسف وهو طفل أيضا.

انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 9 - ص 10؛ المختصر، ج 3، ص 158؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 217؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 156؛ المرآة، ج 8، ص 465؛ شفاء القلوب، ص 308؛ الشذرات، ج 2، ص 217؛ ترويح القلوب، ص 95.

(6)

الملك الظاهر غازي بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي، الملك الظاهر بن العزيز بن الظاهر بن الناصر، وهو شقيق السلطان الملك الناصر يوسف، وأمهما تركية، قتل مع أخيه الناصر بين يدي هولاكو سنة 659 هـ.

انظر: المختصر، ج 3، ص 212؛ شفاء القلوب، ص 374؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 298؛ ترويح القلوب، ص 95.

(7)

في شفاء القلوب اسمه: الظاهر وليس العادل، وهو الظاهر علي بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن الناصر يوسف بن أيوب بن شاذي. انظر: شفاء القلوب، ص 374؛ ترويح القلوب، ص 95.

(8)

الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين صاحب الشام ولد سنة 627 هـ، وسلطنوه بعد أبيه سنة 634 هـ، ودير المملكة شمس الدين لؤلؤ، وقتل في تبريز على يد هولاكو وهو وأخوه الملك الظاهر غازي وجميع أتباعه وأقاربه سنة 659 هـ، وقيل سنة 658 هـ وهو أخر ملوك بني أيوب. انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 10؛ المختصر، ج 3، ص 211 - ص 212؛ شذرات الذهب، ج 5، ص 299 - ص 300؛ ترويح القلوب، ص 95.

(9)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 283.

ص: 256

ومنها أن شيركوه

(1)

صاحب حمص شرع في عمارة قلعة شُمَيْس

(2)

، وكان لما سلم إليه الملك الكامل سلميه قد استأذنه في عمارة تل شميمس، فأذن له بذلك، ولما أراد شيركوه عمارته أراد الملك المظفر صاحب حماة منعه من ذلك، فلم يمكنه ذلك لكونه بأمر الملك الكامل

(3)

.

ومنها أن الفرنج أخذوا جزيرة مَيْورْقَةُ

(4)

وقتلوا بها خلقًا وأسروا آخرين، فقدمُوا بهم إلى الساحل، فاستفكهم المسلمون، وقدموا إلى دمشق، وأخبروا بما جرى عليهم

(5)

.

وفيها ......

(6)

وفيها لم يحج أحد من الشام ولا في السنة التي قبلها، ولا فيما قبل قبلها، فهذه ثلاث سنين لم يحج أحد من الشام

(7)

.

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

الشيخ الصالح أبو

(8)

البركات الحسن بن محمد بن الحسين بن هبة الله بن عبد الله بن الحسن الشافعي، المعروف بزين الأمناء، ابن عساكر، وكانت له روايات كثيرة الكتب الحديث وغيرها من عَمَّيْه الحافظ أبي القاسم على، والصائن أبي الحسين هبة الله ابني الحسن، وكان قد أقعد في آخر عمره، وكان يُحْمل في محفة [119] إلى الجامع وإلى دار الحديث [النورية]

(9)

، مات ليلة الجمعة، السادس عشر من صفر من هذه

(1)

شيركوه صاحب حمص: هو أسد الدين شيركوه، الملك المجاهد بن محمد بن شيركوه بن شاذي، ولد سنة 569 هـ، وتوفي بحمص سنة 637 هـ، ودفن في تربته داخل البلد، وكانت له أيضًا الرحبة وتدمر وماكسين من بلد الخابور. انظر: وفيات الأعيان، ج 2، ص 480؛ الشذرات، ج 5، ص 184.

(2)

"شُمَيْمس" كذا ورد هذا الاسم في مفرج الكروب، ج 4، ص 282؛ المختصر، ج 3، ص 145 وهي إحدى بلاد كورة حمص.

(3)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 282 - ص 283؛ المختصر، ج 3، ص 145.

(4)

مَيُورْقَةُ: جزيرة في شرقي الأندلس.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 720.

(5)

ورد هذا الخبر في البداية والنهاية، ج 13، ص 137.

(6)

بياض بالأصل بمقدار نصف سطر.

(7)

ورد هذا الخبر في الذيل على الروضتين، ص 159؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 137.

(8)

انظر: ترجمته في الذيل على الروضتين، ص 158؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 137؛ المرآة، ج 8، ص 438 - ص 439؛ الشذرات، ج 5، ص 123.

(9)

ما بين حاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 13، ص 137؛ للتوضيح.

ص: 257

السنة، ودفن عند قبر أخيه الفقيه أبي منصور عبد الرحمن بن محمد، المعروف بالفخر ابن عساكر، بالشرف القبلي بظاهر دمشق، وعُمِّرَ، وتَفّرَّد بالرواية، وجاوز الثمانين بثلاث سنين رحمه الله.

الشيخ بيرم

(1)

المارديني، كان صالحا منقطعًا محبًا للعزلة عن الناس، وكان مقيما بالزاوية الغربية من الجامع، وهي التي يقال لها الغزالية

(2)

وكانت تعرف

(3)

بزاوية الدولعي، وقبله بزاوية القطب النيسابوري، وقبله بزاوية الشيخ أبي نصر المقدسي.

ابن الجاموس

(4)

عز الدين كان الأمير شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين استخدمه على ديوانه في هذه السنة، وأعطاه الكوسات

(5)

والأعلام، وقدمه على جماعة، ودُعي بالصاحب الأمير عز الدين، ومكنه غازي من البلاد والعباد، فبدا منه من الكبر والجبروت، والظلم والعدوان، بحيث كان الجُلَنْدى [الذي يأخذ كل سفينة غصبا]

(6)

عنده كسرى أنو شروان، وكان غازي قد اقترض من البدر بن المسخف الشاعر لما توجه إلى مكة عشرة آلاف درهم، وكتب له بها توقيعًا على أنَضِّ الجهات، فمطله ابن الجاموس، وأحاله على جهات منكسرة، ولقى منه أمورًا عسرة، فهجاه بأبيات، وكتب بها إلى غازي، فمنها:

(1)

انظر: ترجمته في الذيل على الروضتين، ص 158 - 159؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 137؛ الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 414.

(2)

الزاوية الغزالية: بالجامع الأموي شمالي مشهد عثمان، كان مدرسها سنة 1083 مصطفى المحاسني.

انظر: خطط الشام، ج 6، ص 143.

(3)

"وكان يعرف" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة.

(4)

انظر ترجمة ابن الجاموس في نهاية الأرب، ج 29، ص 164؛ المرآة، ج 8، ص 438.

(5)

الكوسات: مفردها كوسة وهي صنجة من نحاس تشبه الترس الصغير، يدق بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص، ومع ذلك طبول وشَبّابَة، يدق بها مرتين في القلعة في كل ليلة، ويدار بها في جوانبها مرة بعد العشاء الآخرة، ومرة قبل التسبيح على المآذن، وتسمى الدورة بذلك في القلعة، وكذلك إذا كان السلطان في السفر تدور حول خيامه، ويقال للذي يضرب بالصنوج النحاس بعضها على بعض الكوسي.

انظر: صبح الأعشى، ج 4، ص 9، 13.

(6)

اقتبس هذا القول من القران الكريم، سورة الكهف، آية (79) وهي {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} .

ص: 258

أبوه الذي أفتى قديما بسبكم

جهارا وهذا الابن من ذلك الصلب

فأبْعِدُه وُقِيتَ الردى عن دياركم

وقابِلْه بالإعراض والفتك والصَّلْبِ

فقد قيل بيتًا سائرًا في مثاله

وسار مسير الشمس في الشرقْ والغرب

ومن ربط الكلب العقور بِبَابه

فعقر جميع الناس من رابط الكلب

(1)

مات ابن الجاموس في هذه السنة بميافارقين، فاستولي غازى على تركته ودوابه وغلمانه، ولعنه غازي، وقال: لقد ظلم الرعية ووسخ أعراضنا، فدعوا علينا بسببه، وجماعة من دمشق طلبوا تركته، فسبهم غازي، وقال: بأي شيء جاءني ما جاء إلا بِجُبة

(2)

وبرطوس

(3)

وأعطى عمه ألف درهم [120].

(1)

وردت هذه الأبيات في مرآة الزمان، ج 8، ص 438.

(2)

الجبة: الجبة تطلق على الفرجية الفوقانية، وهي الفرجية الأصلية، وكانت لا ترى إلا على المشايخ وحدهم، وبعد عام 799 هـ في عهد السلطان برقوق كان يرتديها رؤساء ديوان القلم، وفي العصر المملوكي كان يرتديها القضاة والعلماء على وجه العموم.

انظر: الملابس المملوكية، ص 30، ص 92، ص 95.

(3)

برطوس: ضرب من الفراء يجلب من بُرطاس، وهي ولاية ومدينة تقع شمال بحر قزوين.

انظر: تكملة المعاجم العربية، ج 1، ص 293، رينهارت دوزي، ترجمة د/ محمد سليم النعيمي، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية، 1978.

ص: 259

‌فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة والعشرين بعد الستمائة

(*)

استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله

(1)

، والسلطان الملك الكامل صاحب مصر بالديار المصرية، وأخوه الملك الأشرف بدمشق، وقد تخلى عن البلاد الشرقية، فإن حران وما معها صارت لأخيه الملك الكامل، وأما أخلاط وبلادها التي كانت للأشرف فقد صارت خرابًا يبابًا، بإفساد جلال الدين خوارزم شاه على ما ذكرناه، ولم يكن للأشرف ولد ذكر، فقنع بدمشق، واشتغل باللهو والملاذ، ثم في هذه السنة قد سار الأشرف إلى أخيه الكامل فأقام عنده بالديار المصرية متنزها

(2)

. وصاحب حلب الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح يوسف بن أيوب، اشتغل في هذه السنة بالممالك الحلبية ودبَّرها، وتصرف في أحوالها، وبلغ من العمر ثماني عشرة سنة، وسلم إليه أتابكه

(3)

شهاب

(4)

الدين طغريل الخزائن، وخرج العزيز من القلعة ودار القلاع والحصون التي له، ونزل الأتابك شهاب الدين من القلعة، وكان له بها نحو خمس عشرة سنة ملازمًا من حين مات السلطان الملك الظاهر غازي

(5)

.

(*) يوافق أولها: 9 نوفمبر 1230 م.

(1)

المستنصر بالله: هو أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر أحمد بن المستضيء حسن بن المستنجد يوسف بن المقتني العباسي، ولد سنة 588 هـ، وهو ابن تركية، واستخلف في رجب سنة 623 هـ، وحملت سيرته، وتوفى بكرة الجمعة، عاشر جمادى الآخرة سنة 640 هـ.

انظر ترجمته في المختصر، ج 3، ص 171؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 170 - ص 171؛ الشذرات، ج 5، ص 209.

(2)

ورد هذا الخبر في المختصر، ج 3، ص 147.

(3)

الأتابك: يتألف هذا اللقب من لفظين تركيين، وهما أطا بمعنى أب، وبك بمعنى أمير، وأصله أن السلاطين السلاجقة منذ أيام ملكشاه بن ألب أرسلان كانوا يطلقون لفظ أطابك على كبير أمرائهم يولونه الوصاية والرعاية من بعدهم على سلطان أو أمير قاصر صغير، وكثيرا ما تزوج الأطابك من أم الموصى به فتصبح العلاقة بين السلطان ووصيه شبه أبويه، ثم أطلق هذا اللقب في أيام المماليك بمصر على مقدم العساكر أو القائد العام، وكان يسمى أتابك العساكر.

انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 14.

(4)

شهاب الدين طغريل: توفي ليلة الاثنين الحادية عشرة من محرم سنة 631 هـ بحلب، ودفن بمدرسته الحنفية خارج باب أربعين، وكان خادما أرمني الجنسي أبيض، حسن السيرة، محمود الطريقة.

انظر: وفيات الأعيان، ج 7، ص 100؛ المختصر، ج 3، ص 154؛ الشذرات، ج 5، ص 145.

(5)

ورد هذا الخبر في مفرج الكروب، ج 4، ص 309 - ص 310.

ص: 260

‌ذكر قصد التتار بلاد الإسلام

وفي هذه السنة وصلت مقدمة التتار إلى تخوم أذربيجان، ورحل جلال الدين من تبريز إلى موقان

(1)

، وكان قد جرد جماعة بهلوانية

(2)

ليكشفوا خبر التتار في العراق، فلما وصلوا إلى مرج [شروان]

(3)

بين زنجان وأبهر

(4)

صادم يزك

(5)

التتار، وكان مقدمهم قد تقدم في أربعة عشر نفسًا، فلم ينج غيره، فعاد مقدم البهلوانية بهذا الخبر بعد عود جلال الدين من الروم مهزوما، قبل رمّ الشعث من جيشه، فرحل من تبريز إلى موقان، إذ كانت عساكره بها متفرقة، وكان قد استشعر زوال الملك من يده، فكان إذا خلا تنحدر الدموع على خديه لذلك، ولما سار إلى موقان عاجله التتار، وكتب إلى نائبه شرف الملك بأردويل

(6)

[121] وإلى تكين باش بقلعة فيروز

(7)

أباذ بأنَّا قد وجَّهنا الأمير يُغان سنقر شحنة

(8)

خراسان، والأمير أرسمان بهلوان شحنة مازندران، يزكا يكشفان لنا أخبار التتار، وقد أمرناهما أن يُرتبا خيلًا بأردويل، وخيلا بفيروز أباد، ويَقُوما بها ويزيحا عِلَلَها، وانفصل المذكوران إلى حيث وجَّههما، وكبس التتار السلطان على غرَّة منه، واتكالٍ على يزكه، وذلك أنه لما انفصل البهلوانية في جميع العساكر اشتغل بالصيد، وهو إذ ذاك في قُلٍّ من العسكر نحو ألف فارس من خواصه، فنزل بقرب شِيركبُوت، وهي قلعة بنيت على تل بموقان يحيط بها خندق بعيد الغور، متسع العرض، ينبع الماء منه فيفيض فيسقى البلد، لا يُعبر إليها إلا بجسر يُرفع عند الاستغناء عنه، وكانت قد خربت في مبدأ خروج التتار، فعمَّرها شرف الملك، وكان السلطان قد سيرَّ دكجك نوين

(1)

موقان: ولاية فيها قرى ومروج كثيرة، أكثر أهلها من التركمان للرعي، وهي بأذربيجان.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 486.

(2)

بهلوانية: البهلوان في اللغة الفارسية الشجاع الجري والمقصود من السياق الفرسان الأقوياء.

انظر: تكملة المعاجم العربية، ج 4، ص 468.

(3)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرتي، ص 350، للتوضيح.

(4)

أبهر: مدينة مشهورة بين قزوين وزنجان وهمذان من نواحي الجبل.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 104.

(5)

"راء وأيزك" كذا في الأصل، وهما كلمتان ليس لهما معنى، والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 350.

(6)

اردويل: من أشهر مدن أذربيجان، بينها وبين تبريز سبعة أيام، ويقال لها أيضا أردبيل.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 167.

(7)

قلعة فيروز آباد: قلعة حصينة من أعمال أذربيجان، بينها وبين خلخال فرسخ واحد، وهي موضع بظاهر هراة.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 928.

(8)

شحنة: وظيفة يسمى متوليها صاحب الشحنة، وهو رئيس الشرطة، والموكل بالأمن في بلد من البلاد.

انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 193.

ص: 261

السلحدار

(1)

من خلاط عند حصارها إلى خوارزم يكشف له أخبار التتار، فكبس المذكور طائفة منهم ببعض تُخومها، فقتل أكثرهم، وأحضر البعض معه إلى خلاط، وكان فيمن حضر شخص تترى أبقى السلطان جلال الدين عليه وحده فلم يقتله، فلما نزل جلال الدين حذاء قلعة شيركبوت أمر بالقبض عليه احترازًا من أن يقفز إليهم في ذلك الوقت فَيُعْلمُهِم بحاله وتفرق عسكره، فقُيد وسُلِّم إلى والي قلعة خوارزم، وكبس التتار جلال الدين ليلًا فلم يُصبح له أثر، وكانت الخيام مضروبةً، والحال على حاله ليس فيه أحد من الناس، وسار التتار إلى كنجة، وعذبوا أهلها وقتلوا منهم جماعةً، فظهر لهم السلطان فهربوا منه، وأوهمهم أنه قطع النهر صوب كنجة، وعطف إلى أذربيجان، فأكرمه عز الدين صاحب قلعة شاهق

(2)

، ولما انقضى الشتاء أخبره بأن التتار قاصدون العود إليه، وأشار عليه بالعود إلى أرَّان، وفَرَّق السلطان حُرَمَه في قلاع حسام الدين قليج أرسلان، وجعل بعضهم في قلعة مُسك

(3)

سَوارح

(4)

.

وفيها سير جلال الدين خوارزم شاه مجير الدين يعقوب [122] بن الملك العادل إلى أخيه الملك الأشرف مظفر الدين موسى، وكان قد استصحبه

(5)

معه من خلاط ليؤانِسه، وكان صحبته لما توجه من تبريز إلى موقان، فلما اتفقت كبسة التتار أشار عليه أصحابه بأن يرسل إلى الملك الأشرف موسى ويُعرفه بأمر التتار، وأنهم لا يردُّهم إلا اجتماع الكلمة، واتفاق الأمة، ولما جرى على السلطان ما ذكرناه من كبسة التتار كاتب شرف الملك الوزير الأمراء والملوك، ووعدهم أن يخطب لهم بتلك البلاد، وكتب في حق السلطان بأنه الظالم المخذول، وثار عوام تبريز وقتلوا من بها من الخوارزمية، وسلموها للتتار كغيرها من البلاد، ولما سمع شرف الملك بقرب السلطان حضر ومعه

(1)

السلحدار: لفظ مركب من كلمتين إحداهما عربية ومعناها آلة القتال، والثانية فارسية ومعناها ممسك، هو الرجل المنوط بحمل سلاح السلطان أو الأمير الذي في خدمته، ومن وظائفه الأخرى الإشراف على السلاح خاناه وما هو من توابع ذلك.

انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 182.

(2)

قلعة شاهق: تقع في جزيرة وسط بحيرة أذربيجان، كانت بمثابة مخزن للذخيرة.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 264.

(3)

اورد جلال الدين منكبرتي في سيرته أنها "قلعة سند سوارخ" وهي مغارة على شقيف عال وفيها عين ماء تدير الرحى تحتها. انظر: سيرة منكبرتي ص 357.

(4)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث. أنظر: سيرة منكبرتي، ص 350 - 354، ص 356 - 357.

(5)

"استصحب" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

ص: 262

كفنُ، وأظهر الندم على ما فعل، فأخذه السلطان وحبسه في قلعة جاربرد

(1)

وقتله بعد شهرٍ، وأما أهل كنجة فإنهم قتلوا من بها من الخوارزمية وظاهروا بالفساد، وملك زمامهم شخص يعرف يَبَيْدار

(2)

مقدمهم، وأطاعه الأوباش، فبسط يده في المصادرات، وسير جلال الدين إليهم يدعوهم إلى الطاعة، ويحذرهم عواقب المخالفة، فلم يسمعوا ولم يُطِيعوا، وترددت الرسل في بذل الأمان والوعد والإحسان، فلم يقبلوا وخرجوا إلى خيمة السلطان فرموها بالنشاب، فأمر السلطان من معه أن يرموهم، فرموا منهم خلقًا كثيرًا، ودخل معهم المدينة، وطلب مثيرى هذه الفتنة، فعينوا منهم ثلاثين نفسًا، وأقام السلطان بكنجة سبعة عشر يومًا، واتفق الأمراء معه على استنجاده بالأشرف، وبلغ ذلك الأشرف فكان ذلك باعثا له على مسيره إلى مصر كما ذكرناه، ثم كتب إلى جلال الدين بأنَّا واصلون إلى خدمة السلطان، وأقامت رسل جلال الدين بدمشق في انتظار ما وعد به الأشرف من إنجاده، منتظرين ما يعتمده من تجهيز جيوشه وأجناده، فلما طال عليهم الأمد أرسل مختص الدين أكبر رسله الموجهين إلى الأشرف يقطع رجاه من إنجاده ويؤيسه من رجوعه عن مصر إلا بعد انفصال أمر السلطان مع التتار، وقال: فلينظر السلطان في شغله غير منتظر جواب رسله، فعند ذلك جهز [123] جلال الدين رسولًا إلى المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل يستحضره بنفسه وعسكره، ومن حوله من الملوك، مثل صاحبي آمد وماردين، على أنهم إذا حضروا أغنوا عن حضور الأشرف، وقال للرسول: قل للملك الأشرف هلم إليَّ مساعدًا، وفي حادثة التتار معاضدا، فإنني متى نصرني الله جل ذكره عليهم ملَّكتك بلاد خلاط ونواحيها. وإنما قال ذلك لأجل حضور الأمراء والخانات المشيرين عليه بالإرسال إليه، ولما خلا المجلس منهم، قال: نحن مانشك في أن هؤلاء لا ينجدوننا ولا يختارون ظهورنا ولا ينفع شكوانا إليهم، غير أن هؤلاء الترك من الأمراء يُطَمّعون أنفسهم بما لا يكون. ثم عزم على المسير إلى أصفهان

(3)

.

(1)

جاربرد: إحدى القلاع المضافة لأرَّان.

انظر: سيرة منكبوتي، ص 364.

(2)

"بندار" كذا في مسيرة منكبرتي، ص 369.

(3)

لمعرفة المزيد عن هذه الأحداث.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 355، ص 357 - ص 364، ص 364، ص 369 - ص 373.

ص: 263

وكان قد جرد ستة آلاف فارس قبل انفصال الرسول عن خدمته، فأغاروا على بلد خرت برت وأرزنجان وملطية، فاستاقوا أغنامًا كثيرة، لما كان ينقم على علاء الدين كيقباد صاحب الروم من تحريشه إياه بكتبه ورسائله المتتابعة بخلاط، ثم ميله إلى الأشرف، فلما اتفق من الغارة على بلاد كيقباد ما اتفق، ووصل رسول جلال الدين إلى الملك المظفر، قال: إن اليمين التي حلفت بها للسلطان حلفت بمثلها لعلاء الدين كيقباد، وقد بلغني ما ساقوا من غارات بلاده إلى المخيم السلطاني، فما الذي يؤمننا من مثله، واليمينان واحدة وعلى الحالات كلها، فما أنا مستقل برايي بل معدود في جملة نواب إخوتي، فكيف يمكنني إنجاد السلطان إلا بأمرهم؟ وأما صاحب آمد وماردين فلم يسمعا مني، ولم يمتثلا أمري، وليس بخفى أنهما كانا يكاتبان للسلطان، فَيُخْبَر السلطان عقائدهما في الاستحضار، ويسير ضمائرهما في الانجاد على التتار ليعلم أن زعمهما ليس له مصداق، والأشرف مهتم بخدمة السلطان، ولم يقصد مصر إلا لاستصحاب عساكرها إلى خدمته. ووقعت البطائق من خلاط وبركري

(1)

مُخْبرةً بأن التتار قد عبروا عليهما كاشفين أخبار السلطان جلال الدين، سالكين آثاره، فجرَّد أُترخان وهو من خُوّلته في أربعة آلاف فارس يزكا، وأمره أنه إذا رأى التتار ينهزم بين أيديهم لينجروا إلى [124][مرابض]

(2)

آجالهم، فرجع وأخبر بأن التتار قد رجعوا من حدود منازكرد. أخبارًا لاحقيقة له، فعزم جلال الدين على المسير إلى أصفهان؛ لأنهم طالما وردوها محسورين مكسورين، فراشت الحسير، وجبرت الكسير

(3)

.

(1)

بركري: مدينة في نواحي خلاط.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 418.

(2)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرتي للتوضيح، ص 375.

(3)

وردت هذه الأحداث بتصرف في سيرة منكبرني، ص 373، ص 377.

ص: 264

‌ذكر هزيمة جلال الدين ومقتله

لما عزم على المسير إلى أصفهان ورد إليه ثاني يومه ذلك علم الدين سنجر المعروف بقصب السكر رسولا من جهة الملك المسعود

(1)

صاحب آمد برسالة تشتمل على عرض الخدمة والطاعة، وزين له قصد الروم والاستيلاء عليها، وقال: إنها عرضة للسلطان مهما قصدها ملكها من غير منازع، وأنه إذا استظهر يملك الروم واستند إلى قفجاق

(2)

على موالاتهم له، ورغبتهم إليه، هابه التتار وحصل الاستظهار، وذكر في جملة الرسالة أن السلطان إذا عزم على ذلك يخرج بنفسه وأربعة آلاف فارس إليه، ولا يفارق الخدمة إلا بعد انفصال تلك المملكة، وانضوائها إلى سائر الممالك السلطانية، وقد كان صاحب الروم أوغر صدر الملك المسعود تلك السنة بعدة قلاع ملكها عليه، فمال السلطان إلى كلامه، وعدل عما كان نواه في المسير إلى أصفهان، وعطف صوب بلد آمد، ونزل بجسر بقربها، وجاء إليه شخص تركماني وقال: إني رأيت في منزلك

(3)

التي كنت بها أمس نازلا عسكرا زيهم غير زي عسكرك، فكذبه، وقال: هذا ممن لا يختار توسطنا هذه البلاد. فلما قرب طلوع كتيبة التتار تفرق الذين كانوا معه في الأقطار

(4)

.

وأحاطت أطلاب

(5)

العدو بخركاة جلال الدين وهو نائم، وقيل: إنه كان سكرانا، وإذا بأوترخان

(6)

قد وصل في أعلامه وأطلابه، وأصحابه، فحمل على التتار، وكشفهم

(1)

الملك المسعود صاحب آمد: هو ركن الدين مودود بن الملك الصالح أبي الفتح محمد بن نور الدين محمد بن فخر الدين فرا أرسلان بن ركن الدولة داود بن نور الدولة سقمان ويقال -سكمان- بن أرتق.

انظر: وفيات الأعيان، ج 2، ص 82.

(2)

قفجاق: قبائل في شمال البحر الأسود، وقد نزح عدد كبير من أفراد هذه القبائل إلى أراضي الدولة الخوارزمية وصاهروا الخوارزميين، وقد كانت هذه العناصر مصدرا من مصادر الاضطراب السياسي والاجتماعي في قلب الدولة، ويكتب أسم قفجاق في المصادر التركية "قبچاق".

انظر: سيرة منكبرتي، ص 284، حاشية (1).

(3)

"منزلتك" كذا في الأصل، وما أثبتناه من سيرة منكبرتي، ص 378، لاستقامة المعنى.

(4)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتي، ص 377 - ص 378.

(5)

أطلاب: مفردها طلب، وهي وحدات صغيرة قد تبلغ أربعمائة يرأسها أمراء يعملون في وظائف البلاط أو الدولة، حتى أنه كان للسلطان نفسه طلبه من الفرسان في عدد صغير وهذا اللفظ ظهر في أيام صلاح الدين الأيوبي، ويذكر المقريزي أن الطلب في لغة الغز هو أمير له لواء وبوق ومائتي فارس إلى مائة إلى سبعين.

انظر: مصطلحان صبح الأعشى، ج 15، ص 36.

(6)

"أرخان" كذا في سيرة منكبرتي، ص 379؛ المختصر، ج 3، ص 150.

ص: 265

عن الخركاة، ودخل بعض الخواص على السلطان جلال الدين، فأخذ بيده وأخرجه وعليه طاقية بيضاء، وركب فرسه، وساق، فعلم أن التتار تتبعه، فأمر أترخان أن يفارقه بمن معه ليتبع التتار سواده

(1)

، وتخلص هو بنفسه ومفرده ففعل، وكان ذلك خطأ، فإن أترخان لما فارقه انضوى إليه من شداد العسكر خلق، ووصل إلى إربل ومعه [125] أربعة آلاف فارس، وساق إلى أصبهان، وملكها زمانا إلى أن قصدها التتار، وسار السلطان إلى باشورة

(2)

آمد، والطلب وراءه، وكانت آمد قد تشوشت، وظن أهلها أن الخوارزمية أرادوا الغدر بهم، فضربوا السلطان جلال الدين، ورموه بالحجارة، فلما أيس منهم ومن الدخول إلى آمد تياسر عنها، وانضوى إليه زهاء مائة نفس، ثم رمته الجفلة بهم إلى حدود جزيرة بها دربندات منيعة، فكانوا يمانعونه في العبور، وطمعت الناس، وقتل بعضهم شحنة همذان، فأشار عليه أترخان بالعود، وقال: إن أسلم الطريق اليوم طريق سلكه التتار، فرجع برأيه ليكون هلاكه من جميع الوجوه بتدبيره، ووصل إلى قرية من قرى ميافارقين، فنزل وسيب الخيل ترعى، وفارقه أترخان جبنا، ووثوقا بما كان بينه وبين الملك المظفر شهاب الدين غازي من المودة والعهود، وأقام جلال الدين بالبيدر

(3)

، فستره الليل حتى إذا كان الفجر طلع عليه التتار، فركب لوقته، وعوجل أكثر جماعته، فقتلوا وأسروا بعضهم، وركب السلطان، فقال بعض الأسرى للتتار: إنه جلال الدين فجدوا في طلبه، وساق وراءه خمسة عشر فارسا منهم، ولحقه فارسان فقتلهما، وأيس الباقون من الظفر به، فرجعوا، ثم صعد الجبل، وكان الأكراد يحفظون الطرق لسحت يجمعونه، فأخذوا جلال الدين وسلبوه كعادتهم، فحين هموا يقتله قال لكبيرهم: إنني أنا السلطان فلا تعجل في أمري، ولك الخيار في إحضاري عند الملك المظفر شهاب الدين غازي فيغنيك، أو إيصالي إلى بلدي فتصير ملكا، فرغب الرجل في إيصاله إلى بلاده، ومشي

(1)

السواد: العدد الكثير.

انظر: المصباح المنير، مادة "سود".

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 174.

(2)

الباشورة: الحائط الظاهري أو ما يري منه، وتجمع على بواشير.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 379، حاشية (8).

(3)

البيدر: الموضع الذي تدرس فيه الغلال.

انظر: سيرة منكبرتي، ص 380، حاشية (2).

ص: 266

به إلى عشيرته، وحلته، فتركه عنده زوجته ومضى إلى خيله، ليحضر منها ما يركبانه، فبينا [الرجل]

(1)

غائب أقبل رجل كردي من السفلة، وبيده حربة فقال للمرأة: ما هذا الخوارزمي؟ وهلا تقتلونه؟ فقالت: لا سبيل إلى ذلك، وقد آمنة زوجي، وعرف أنه السلطان. فقال: كيف تصدقونه أنه السلطان؟ وقتل لي بخلاط أخ خير منه، فضربه بالحربة فمات، ولما كان بعد مدة أرسل المظفر إلى ذلك الجبل، وجمع سلب السلطان جلال [126] الدين، والسرج والسيف المشهور والعودة التي كان يشدها في وسط شعره، فلم حم القضاء ضاق به الفضاء، وكان هلاك ذلك الأسد الغالب على أيدي الثعالب

(2)

.

‌ذكر ترجمة جلال الدين

والكلام فيه على أنواع (الأول): في نسبه: هو السلطان جلال الدين منكبرتي بن السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن علاء الدين تكش بن أرسلان بن أطسز بن محمد بن نوشتكين

(3)

، وهم من سلالة طاهر بن الحسين، وتكش جده هو الذي أزال دولة السلجوقية. وقد ذكرنا ترجمة والده السلطان علاء الدين خوارزم شاه، كيف توفي؟ وكيف انكسر من جنكيزخان؟ وأنه خلف أربعة أولاد، منهم: السلطان جلال الدين هذا، وأنه ملك البلاد بعد والده، وجاءه الأمر المحتوم، والقضاء المبروم، وقتل في هذه السنة كما ذكرنا

(4)

.

وفي المرآة

(5)

: واختلفوا في اسم جلال الدين، فقيل: تكش اسم جده، قال السبط: سمعت الملك المعظم رحمه الله يقول: ليس هو من بني سلجوق، وإنما هو من نسل طاهر بن الحسين، وجده تكش هو الذي أزال الدولة

(6)

السلجوقية، وملك محمد أبو جلال الدين البلاد، وكان ابنه جلال الدين هذا قد هرب إلى الهند، وعاد منها، ونزل على همذان، وقصد بغداد، وجرى له وعليه ما ذكرناه مفصلا

(7)

. وقال أبو الفتح

(1)

ما بين حاصرتين إضافة من سيرة منكبرتي، ص 382، للتوضيح.

(2)

وردت هذه الأحداث في سيرة منكبرتي، ص 379 - ص 382؛ المختصر، ج 3، ص 150 - ص 151.

(3)

"أنويش تكين" كذا في الأصل، والمثبت من سيرة منكبرتي، ص 34.

(4)

ورد هذا الخبر في المختصر، ج 3، ص 148؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 142؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 442.

(5)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 442 - ص 443.

(6)

"المملكة" كذا كتبت التخريجة في الأصل، وكذلك في مرآة الزمان ورد اسم المملكة بدلا من الدولة، ج 8، ص 442.

(7)

إلى هنا توقف العينى عن النقل من مرآة الزمان، ج 8، ص 442 - ص 443.

ص: 267

المنشئ: واسم جلال الدين منكبرتي، قلت: هو الأصح لأنه كان كاتبا بين يديه سنين وهو أدرى باسم مخدومه

(1)

.

(الثاني) في صفته: قال أبو الفتح: كان أسمر قصيرا تركيا، حسن

(2)

الشارة والعبارة وكان يتكلم بالفارسية.

(الثالث) في سيرته: قال أبو الفتح المنشيء: كان أسدًا ضرغامًا، وأشجع الفرسان إقدامًا، وكان حليما لا غضوبا ولاشَتَّاما، وكان وقورا لا يضحك إلا تبسما، ولا يكثر كلاما، وكان يختار العدل غير أنه صادف أيام الفتنة فغلب، ويحب الترفيه على الرعية لولا أنه ملك في زمان الفترة

(3)

. وفي تاريخ ابن كثير

(4)

: وكان جلال الدين في آخر عمره قد قبحت سيرته، وفسد عقله، وعادي ملولك جميع الأطراف. وفي المرآة

(5)

: [127] وكم فتك وأسر من المسلمين وسبي وكان كثير الفساد، وأهلك عسكره العباد والبلاد، ثم قال السبط: وحكى لي خالي أبو محمد يوسف محيي الدين قال: بعثني الخليفة إليه في رسالة وهو على خلاط، فدخلت عليه وبين يديه المصحف، وهو يقرأ فيه ويبكي، فقلت له: تقرأ في المصحف وتبكي وأنت تفعل بالمسلمين ما تفعل! وقد قتلت في دقوقا عشرين ألف مسلم، وسبيت نساءهم، وفعلت ما فعلت! فقال: هذا عسكر عظيم مسيرة خمسة أيام مالى عليهم طاقة ولا حكم، ولا يلتفتون إلى. ومع هذا فإنه كان سدا بين المسلمين والكفار، وسندا لأهل الإسلام من الفجار، وكان يدفع التتار عن المسلمين، ويصدهم، فلما هلك انفتح السد، ولقد حكى لي الأمير عماد الدين بن موسك قال: لما كُسِر الخوارزمي دخل عثمان العزيز، وغازي وجماعة الأعيان، فهنؤا الأشرف بالكسرة، فقال: تهنوني بهذا سوف ترون غِبَّ هذا، والله لتكونن هذه الكسرة سببا لدخول التتار إلى بلاد المسلمين، ما كان الخوارزمي الأمثل السد الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج. فكان كما قال، وكان الخوارزمي إذا لقي التتار اقتتلوا عشرة أيام بلياليها، ثم يترجلوا عن خيولهم، ويتلاقوا بالسيوف، وأحدهم يأكل ويبول وهو يقاتل.

(1)

ورد هذا الخبر في المختصر، ج 3، ص 151.

(2)

"تركي الشارة والعبارة" في سيرة منكبرتي، ص 384؛ المختصر، ج 3، ص 151.

(3)

ورد هذا الخبر في مسيرة منكبرتي، ص 384.

(4)

ورد هذا الخبر في ابن الأثير، الكامل، ج 12، ص 495، ولم يرد في تاريخ ابن كثير كما ذكر العيني.

(5)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 443 - ص 444.

ص: 268

وفي تاريخ

(1)

ابن كثير: وكان له مملوك يحبه محبة شديدة، فمات ذلك المملوك، فجرى عليه من الحزن ما لم يعهد بمثله، وأمر أهل تبريز بالخروج والنوح واللطم عليه، ثم أنه لم يدفنه، وبقي يستصحبه معه حيث سار وهو يلطم ويبكي، وكان إذا قدم إليه الطعام يرسله إلى المملوك الميت، ولا يجسر أحد أن يقول له أنه ميت، فكانوا يحملون الطعام ويقولون: إنه يقبل الأرض. ويقولون: إنه الآن أصلح مما كان عليه. فأنف أمراؤه من ذلك، وخرج بعضهم عن طاعته، وكان هذا المملوك سببا لتشتت حاله، وزوال ملكهـ. وقال ابن كثير: وكان المملوك خِصيا، يقال له قلج، وكان حين بعث الطعام وهو ميت، قال له بعضهم: أيها الملك إنه قد مات. فأمر بقتله، فقتل، فكانوا بعد ذلك يقولون: إنه يقبل الأرض، ويقول: إنه أصلح مما كان عليه. يعني أنه مريض وليس بميت. فلما جاءت التتار اشتغل بهم، وأمر بدفن قلج، وهرب من بين أيديهم [128] وامتلأ قلبه خوفا منهم، فجرى عليه ما ذكرناه، وتفرق عنه جيشه فصاروا شذر مذر.

(الرابع) في وفاته: قد ذكرنا كيفية قتله عن قريب.

وفي المرآة

(2)

: أخذ جلال الدين خلاط، وفعل فيها مافعل، وآخر أمره جاء التتار خلفه، وانهزم إلى بلاد ميافارقين، وتاه في الجبال، فوقع به فلاح من قرية يقال لها عين دار

(3)

، فرآه راكب على سرج مرصع باليواقيت، وعلى لجام فرسه الجواهر، وسلاحه كله مجوهر، فقال: من أنت؟ فقال: خوارزم شاه. يعني جلال الدين، وكان شخص من عسكر جلال الدين قد قتل أخ هذا الفلاح، وكان ذلك سببا لقتله إياه. وقيل: إنه شره إلى ما كان معه، فأنزله وأطعمه، ونام آمنا، فضربه بفأس فقتله، وأخذ ما كان معه، وبلغ شهاب الدين غازي، فأرسل إلى الفلاح، فأنكر فقرره، فأقر، وأحضر الفرس والسلاح، وقال: دفنته إلى جانب القرية. وكان طرخان خال جلال الدين قد وصل إلى شهاب الدين، فأنزله في قصره، وأمر بحمل جلال الدين ليلا من القرية، وقال لخاله: أبصر هل هو هذا. فلما رآه بكي، وقال: نعم فدفنوه ليلا وأخفوا قبره مخافة أن ينبش.

(1)

البداية والنهاية، ج 13، ص 138. وانظر الخبر أيضا في الكامل، ج 12، ص 496 - ص 497.

(2)

سبط ابن الجوزي، ج 8، ص 442 - ص 443؛ وانظر أيضا: البداية والنهاية، ج 13، ص 142.

(3)

عين دار: لعل هذه القرية بأرض ميافارقين كما ذكر في البداية والنهاية أن الفلاح من قرية بأرض ميافارقين. ج 13، ص 142.

ص: 269

وقال السبط

(1)

: وبلغني وجه آخر، أنه لما كبسه التتار خرج من الخيمة ليلا ومعه جماعة من أصحابه، وقصد ميافارقين، وكانت معه جواهر نفيسه، فبات بقرية عند أرمني، فقال: أنا خوارزم شاه. وأعطاهم جواهر، وقال: احملوني إلى شهاب الدين غازي. فحملوه إلى سفينة، وكان تحته فرس سرجه ولجامه ذهب بجوهر، وأنزلوه في السفينة وبها رجل كردي كان خوارزم شاه قد قتل أهله، فضربه في صدره بحربة، فأخرجها من ظهره، فقتلوا الكردي، وأخذوا ما كان على جلال الدين، وفرسه وحياصته، وكان فيها جوهر عظيم، وألقوه في بئر، وبلغ شهاب الدين غازي، فأرسل إليهم فأخذهم وأخذ ما أخذوه، وسألهم عن جلال الدين، فأخرجوه من البئر، فقتلهم شهاب الدين، وغسله وكفنه، ودفنه خارج ميافارقين، فعفى شهاب الدين موضع قبره. وقيل: قتل في سنة تسع وعشرين وستمائة. وفي تاريخ بيبرس: وكانت [129] وفاته في النصف من شوال من سنة ثمان

(2)

وعشرين وستمائة، ومدة مملكته منذ وفاة والده اثنتي عشرة سنة

(3)

. قال بيبرس رحمه الله: والغالب على ظنى أن الطائفة التي كانت تصادمه وتلازمه من التتار التي جاست وراءه خلال الديار، وآل ما آل له معها إلى البوار هي الطائفة التي كانت مع باطوخان بن جنكيزخان؛ لأنه استقر بهذه البلاد، وصارت بعده لمن كان له من الأولاد.

‌ذكر ما فعل التتار في بلاد الإسلام

وفي هذه السنة نهب التتار سواد آمد وأرزن وميافارقين، وقصدوا أسعرد

(4)

، فقاتلهم أهلها، فبدل لهم التتار الأمان، فاطمأن أهل البلد إلى أمانهم، واستسلموا، فلما تمكن التتار منهم بذلوا فيهم السيف، وقتلوهم حتى كادوا يأتون عليهم، وحُرِّز القتلى فكانوا يزيدون على خمسة عشر ألفا، وساروا منها إلى طنزة

(5)

، ففعلوا فيها كذلك، ثم ساروا

(1)

مرآة الزمان، ج 8، ص 443؛ وانظر أيضا: سيرة منكيرتي، ص 381 - ص 383؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 322؛ المختصر، ج 3، ص 151.

(2)

"ثمانية" كذا في الأصل، والمثبت هو الصحيح لغة، وقد ورد في سيرة منكبرتي تاريخ الوفاة، ص 385.

(3)

عن مدة مملكة جلال الدين منكبرتي انظر: سيرة منكبرتي، ص 385؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 298.

(4)

"أسعرد": مدينة بالقرب من شط دجلة، وهي عن ميافارقين على مسيرة يوم ونصف، وميافارقين في الشمال عن سعرت، وقد وردت بأسماء أخرى وهي: سعوت وأسعرذ.

انظر: تقويم البلدان، ص 288 - ص 289.

(5)

طنزة: بلد بجزيرة ابن عمر من ديار بكر.

انظر: معجم البلدان، ج 3، ص 551.

ص: 270

إلى ماردين فنهبوا ما وجدوا في بلدها، واحتمى صاحب ماردين ومن معه من أهل دنيسر

(1)

بقلعتها، ثم وصلوا إلى نصيبين، فأقاموا عليها بعض نهار، ونهبوا سوادها، وسلبوا وقتلوا وغاروا، وغلقت أبوابها، فعادوا عنها، ومضوا إلى سنجار، ووصلوا إلى الجبال فنهبوها، ودخلوا الخابور

(2)

، ووصلوا إلى عرابان

(3)

، ومضت طائفة إلى طريق الموصل، ومضت طائفة إلى نصيبين الروم على الفرات، فنهبوا وقتلوا، وقصدوا بدليس

(4)

وأحرقوها، وساروا إلى أعمال أخلاط، فحاصروا بلدا منه يقال له باكري فملكوه، وحصروا أرجيش، وهي مدينة عظيمة من بلاد خلاط، ففعلوا فيها كذلك، وألقى الله الرعب في قلوب المسلمين منهم [حتى]

(5)

كان الرجل منهم يدخل القرية وفيها جمع كثير فلا يزال يقتلهم واحدا واحدا حتى يأتي عليهم، ولا يجسر أحد منهم يمد يده إليه، ولقد ذكر أن واحدا تتريا أخذ رجلا وليس مع التتري سلاح، فقال للرجل: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح. فوضع رأسه على الأرض، ومضى التتري فأحضر سيفا فقتله به، وبالجملة فإن الله ألقى الرعب في القلوب لإمضاء ما قدره في طي الغيوب، ولما اتفقت وفاة جلال الدين، ورأى أهل أذربيجان استيلاء التتار كاتبوهم بالطاعة، وبذلوا لهم ما طلبوا منهم من الأموال والثياب، [130] وكذلك فعل أهل تبريز وطلبوا من مقدمهم الأمان فآمنهم، وتوجه إليه أعيانهم، وطلب منهم أن يحضروا إليه صناع الثياب ليستعمل للقان

(6)

الذي هو ملكهم ما يحتاج إليه، وطلب منهم أن يعملوا له خركاه عظيمة فعملوا له خركاه لم يعمل مثلها، غشاؤها من الأطلس الجيد والزركش

(7)

، وبطنوا داخلها

(1)

دُنَيْسَر: بلدة عظيمة مشهورة من نواحي الجزيرة قرب ماردين، ولها اسم آخر يقال لها قوج حصار.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 612.

(2)

الخابور: اسم لنهر كبير بين رأس عين والفرات من أرض الجزيرة، ولاية واسعة وبلدان جمة غلب عليها اسمه فنسبت إليه من بلاد قرقيسياء وماكسين والمجدل وعَرَبان.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 383.

(3)

عرابان أو عَرَبان: بليدة بالخابور من أرض الجزيرة.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 383.

(4)

بدليس: پلاة من نواحي أرمينية قرب خلاط.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 536.

(5)

ما بين حاصرتين إضافة من مفرج الكروب، ج 4، ص 327، للتوضيح.

(6)

القان: لقب أطلق على رؤساء الترك في القرن السابع الميلادي، ومعناه رئيس الرؤساء، وقد استعمل أولئك الترك المتقدمون لقب نان أوخان أيضا بمعنى قاغان، فصارت كلمة قاغان أوقان تطلق على ملك المغول الأعظم.

ولمعرفة المزيد عن هذا المصطلح، انظر: مصطلحات صبع الأعشى، ج 15، ص 267.

(7)

الزركش: أي صبغة الشيات وألوانها.

انظر: مصطلحات صبح الأعشى، ج 15، ص 169.

ص: 271

بالسمور

(1)

والقندس، وقرروا عليهم كل سنة شيئا من المال والثياب، وأما الخوارزمية فتفرقوا في الأغوار، والأنجاد

(2)

، وتشتتوا في البلاد، وسنذكر متجدداتهم معهم في أوقاتها

(3)

.

‌ذكر حركة الإفرنج

وفي هذه السنة كانت للفرنج حركة، فخرج عسكر حلب مع الأمير بدر الدين

(4)

الوالي وأغاروا على ناحية المرقب

(5)

، ونهبوا حصن بانياس وخربوه، وسيروا الأسارى إلى حلب، ثم وقعت وقعة أخرى بينهم قتل فيها من الفريقين خلق كثير، واستظهر فيها الفرنج على المسلمين، فجهزت العساكر من حلب إليهم، ثم أستقرت الهدنة بين عسكر حلب والداوية

(6)

والاستبار

(7)

(8)

.

(1)

السمور: نوع من فراء حيوان السمور المستخدم في صنع الملابس، وحيوان السمور ببلاد الروس وراء بلاد الترك يشبه النمس، ومنه أسود لامع وأشقر.

انظر: الملابس المملوكية، ص 36، المصباح المنير، مادة (سمر).

(2)

الأنجاد: النجد الأرض الصلبة، وما غلظ منها في ارتفاع من الجبل.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 745.

(3)

وردت هذه الأحداث في الكامل، ج 12، ص 499 - 501؛ مفرج الكروب، ج 4، ص 235 - 330؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 138؛ المرآة، ج 8، ص 440.

(4)

الأمير بدر الدين الوالي: كان أميرا جليلا، وكان متولي قلعة جعبر في أيام الملك الظاهر إلى أن أخذها الملك العادل فولاه الملك الظاهر بعد ذلك قلعة حلب إلى حين وفاته.

انظر: مفرج الكروب، ج 4، ص 310 - 311.

(5)

المَرْقب: اسم الموضع الذي يرقب فيه بلد، وقلعة حصينة تشرف على ساحل بحر الشام وعلى مدينة بلنياس.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 500.

(6)

الداوية: أو الديوية وهم الاسم الذي أطلقه المسلمون على الطائفة التي عرفت في أوروبا باسم "فرسان المعبد، وهي طائفة دينية تخصصوا لحرب المسلمين في الحروب الصليبية، فأصبحت فرقة حربية، وكانوا أشد المحاربين تعصبا وأكثرهم قوة وضراوة ومنهم طائفة أخرى تسمى الاسبتارية.

انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 83، حاشية (1).

(7)

الاستبار أو الاستبارية: هم طائفة أخرى من فرسان المعبد (من الإفرنج) وهم مثل الداوية في التعصب والحماس. انظر: نهاية الأرب، ج 29، ص 305، حاشية (1).

(8)

وردت هذه الأحداث في مفرج الكروب، ج 4، ص 310 - 311.

ص: 272

‌ذكر بقية الحوادث

منها أنه كان غلاء شديد بديار مصر، وبلاد الشام، وحلب، والجزيرة، بسبب قلة المياه السماوية والأرضية

(1)

.

وفي تاريخ بيبرس: واحتبس الغيث في هذه السنة احتباسا كثيرا جدًا، وارتفعت الأسعار، فخرج الناس إلى جبل بانقوسا

(2)

، واستسقوا، فجاء مطر يسير بعد ذلك، وانحلت

(3)

الأسعار قليلا

(4)

.

ومنها أن الملك الكامل ابتدأ

(5)

بحفر البحر الذي من دار الوكالة بمصر إلى صناعة التمر الفاضلية، وعمل بنفسه فيه، واستعمل فيه

(6)

الملوك والأمراء والأجناد وغيرهم، وكان هذا البحر في أوان نقصه يصير طريقا إلى الجزيرة

(7)

والمقياس

(8)

، فبَعُد البحر عن مصر، وخشي السلطان بعده وارتدامه بالرمال، فحفر فيه إلى أن صار الماء محتاطا بالمقياس، وصار الناس بعد ذلك يخوضون فيه من قبلى المقياس في وقت الاحتراق، وأما من صناعة الإنشاء إلى بحر المقس

(9)

فكان ينكشف عند نقص النيل، ويبقى الناس يعدون الجزيرة

(10)

من قبالة ربع العادل، ثم إنه كان عند ابتداء مد النيل يسير الماء منحدرا في أنابيب إلى أن يلتقي ببحر بولاق، فيكون يوم لقائه عند أهل مصر يوم سرور

(1)

ورد هذا الخبر في الكامل، ج 12، ص 504؛ الذيل على الروضتين، ص 159.

(2)

جبل بانَقُوسا: جبل في ظاهر مدينة حلب من جهة الشمال.

انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 482.

(3)

"وانحطت" كذا في مفرج الكروب، ج 4، ص 312.

(4)

ورد هذا الحدث في مفرج الكروب، ج 4، ص 312.

(5)

ابتدي، كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(6)

"فيها" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(7)

الجيزة، كذا في نهاية الأرب، ج 29، ص 165؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 241.

(8)

المِقْياس: هو عمود من رخام قائم في وسط بركة على شاطئ النيل بمصر، له طريق إلى النيل يدخل الماء إذا زاد علَيه، وفي ذلك العمود خطوط معروفة عندهم يعرفون بوصول الماء إليها مقدار زيادته.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 610.

(9)

المَقْسُ: بين يدي القاهرة على النيل، وكان قبل الإسلام يسمى أم دُنين، وكان فيه حصن ومدينة قبل بناء الفسطاط.

انظر: معجم البلدان، ج 4، ص 606.

(10)

الجزيرة: وهي جزيرة مصر وهي محلة من محال الفسطاط، وسميت جزيرة لأن النيل إذا فاض أحاط بها الماء وحال بينها وبين عظم الفسطاط واستقلت بنفسها.

انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 80.

ص: 273

وفرح ولهو وانفساح، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن ملك [131] الملك الصالح نجم الدين أيوب الديار المصرية، وشرع في بناء قلعة الجزيرة، فحفر بعض هذا البحر، واستحضر المهندسين وسألهم كيف العمل في جريان الماء بحيث لا ينقطع صيفا ولا شتاء؟ واتفق الرأي على أن تغرق مراكب في بر الجزيرة قبالة باب القنطرة الذي بمصر مما يلي السور الذي بناه صلاح الدين، وقبلى الجزيرة، فغرقت المراكب، وعمل البحر من ذلك اليوم قليلا قليلا، ويتكاشف أولا فأول

(1)

، وقطع كثيرا من بر مصر من دار الملك إلى قريب المقس، ورمي قطعة من السور الذي بناه الكامل، وكمله ابنه العادل، وقطع المنشية الفاضلية

(2)

.

ومنها أنه تكامل بناء المدرسة

(3)

التي بسوق العجم في بغداد، المنسوبة إلى إقبال الشرابي

(4)

، وحضر الدرس بها، وكان يوما مشهودا اجتمع فيها جميع المدرسين والمفتيين ببغداد، وعمل بصحنها قباب الحلواء، فحمل منها إلى جميع المدارس والرُبَط، وخلع على المدرسين والمعيدين والفقهاء يومئذ، وكان وقتا حسنا

(5)

.

وفي جمادى الأولى ذكر تقي الدين

(6)

بن الصلاح الدرس في المدرسة

(7)

التي

(1)

"فأولا" كذا في الأصل، والصحيح لغة ما أثبتناه.

(2)

وردت هذه الأحداث بتصرف في نهاية الأرب، ج 29، ص 165 - ص 166؛ السلوك، ج 1 ق 1، ص 241.

(3)

هي المدرسة الإقبالية التي بدأخل باب الفرج وباب الفراديس، شمالى الجامع والظاهرية الجوانية، وشرقي الجاروخية والإقبالية الحنفية، وغربي التقوية بشمال، أنشأها جمال الدين بل جمال الدولة إقبال عتيق ست الشام. انظر: الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 158. ص 159.

(4)

إقبال الشرابي: بنى مدرسة بواسط وإلى جانبها جامعا، وبني ببغداد مدرسة في سوق السلطان، وجدد بمكة الرباط الذي اشتهر به، وتوفي سنة 653 هـ.

انظر: الدارس، ج 1، ص 159؛ الشذرات، ج 5، ص 161.

(5)

ورد هذا الخبر في البداية والنهاية، ج 13، ص 138 - ص 139؛ الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 159 - ص 160.

(6)

تقي الدين بن الصلاح: أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصرى الكردي الشهر زوري المعروف بابن الصلاح، الشُّرخاني الملقب تقي الدين الفقيه الشافعي، كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال تولي التدريس بالمدرسة الناصرية بالقدس، وتدريس المدرسة الرواحية، ودرس بمدرسة ست الشام زمرد خاتون، ولد سنة 577 هـ بشّرخانه، وتوفي سنة 643 هـ بدمشق.

انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 244؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 179، ص 180؛ الشذرات، ج 5، ص 221.

(7)

يقصد بها المدرسية الشامية البرانية: وهي بالعقيبة، وبانيها والدة الملك الصالح إسماعيل، وأول من درس بها تقي الدين بن الصلاح، وأنشأتها ست الشام ابنة نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، وهي من أكبر المدارس وأعظمها وأكثرها فقها.

انظر: الدارس، ج 1، ص 277.

ص: 274

وقفتها بنت حسام

(1)

الدين لاجين بن ست الشام

(2)

على الشافعية بدمشق، المجاورة لمارستان

(3)

نور الدين الشهيد

(4)

رحمه الله.

وفي رجب ذكر الناصح

(5)

بن الحنبلي الدرس في المدرسة

(6)

التي أنشأتها ربيعة

(7)

خاتون بنت أيوب بقاسيون

(8)

.

ومنها أن تاريخ ابن الأثير الذي سماه الكامل انتهى في هذه السنة

(9)

.

ومنها أن الأشرف أبا العباس أحمد بن القاضي الفاضل سار في الرسلية عن السلطان الملك الكامل صاحب مصر إلى الخليفة المستنصر بالله ببغداد، فأكرم وأعيد معظما

(10)

.

(1)

حسام الدين لاجين: هو حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين بن أخت صلاح الدين، وهو صاحب نابلس، وأمه من الشام بنت أيوب، أخت السلطان صلاح الدين، توفي ليلة الجمعة التاسع عشر من رمضان سنة 587 هـ، ودفن بالتربة الحسامية التي أنشأتها أمه بمحلة العونية (المدرسة الشامية البرانية).

انظر: البداية والنهاية، ج 12، ص 399؛ مرآة الزمان، ج 8، ص 265.

(2)

ست الشام: هي بنت أيوب بن شاذي وشقيقة المعظم تورانشاء بن أيوب، وزوجها ابن عمها نصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه، توفيت يوم الجمعة في السادس عشر من ذي القعدة سنة 616 هـ.

انظر: وفيات الأعيان، ج 3، ص 244 - ص 245؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 92؛ شفاء القلوب، ص 221.

ص 222: الدارس، ج 1، ص 159.

(3)

مارستان نور الدين: بناء السلطان نور الدين محمود بدمشق، وهو مستشفى لمعالجة المرضي وإقامتهم، وهو لفظ فارسي مركب من "بيمار" أي مريض و "ستان" أي محل، ويقال بيمرستان وبيمارستان، والمارستان الثوري أحسن مابني من المارستانات بالبلاد، ومن شرطه أنه على الفقراء والمساكين، وإذا لم توجد بعض الأدوية التي يعز وجودها إلا فيه، فلا يمنع منه الأغنياء.

انظر: خطط الشام، ج، ص 161 - 162؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 300.

(4)

ورد هذا الخبر في المرآة، ج 8 ص 440.

(5)

الناصح بن الحنبلي: ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن الشيخ أبو الفرج الشيرازي، ويرجع نسبه إلى سعد بن عباده رضي الله عنه، ولد سنة 554 هـ وتوفي سنة 634 هـ.

انظر: الدارس، ج 2، ص 82.

(6)

يقصد بها المدرسة الخاتونية البرانية، غرب دمشق، بنيت سنة 557 هـ، وقد وقفتها الست خاتون أم شمس الملوك، وأخت الملك دقاق. انظر: الدارس، ج 1، ص 502 - ص 506.

(7)

ربيعة خاتون بنت أيوب بن شاذي، أخت صلاح الدين، تزوجت أولا بالأمير سعد الدين بن مسعود بن معين الدين أنر، وتزوجت ثانيا بعد موت الأول بالملك مظفر الدين صاحب إربل، توفيت سنة 643 هـ.

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 182؛ شفاء القلوب، ص 222 - ص 222؛ المدارس، ج 2، ص 80.

(8)

ورد هذا الخبر في مرآة الزمان، ج 8، ص 440.

(9)

انظر: الكامل، ج 12، ص 505.

(10)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 139.

ص: 275

ومنها أن الملك السعيد المظفر كوكبوري

(1)

بن زين الدين صاحب إربل دخل بغداد ولم يكن دخلها قط، فتلقاه الموكب وشافهه الخليفة بالسلام مرتين في وقتين، وكان ذلك شرفا له غبطه به سائر الملوك في الآفاق، وساءلوا أن يهاجروا ليحصل لهم مثل ذلك، فلم يُمَكَّنوا لحفظ الثغور، ورجع إلى مملكته معظما مكرما

(2)

.

وفيها .......

(3)

وفيها حج بالناس من دمشق شبل الدولة كافور العادلي

(4)

، وكان فيمن حج الشيخ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح، ولم يحج أحد من العراق لانتشار الفساد من التتار

(5)

.

‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

ابن معطى

(6)

النحوي يحيي بن معطي بن [عبد]

(7)

النور الزواوي، صاحب الألفية وغيرها [132] من المصنفات النحوية المفيدة ويلقب بزين الدين، أخذ عن الكندي وغيره في الشام، ثم سافر إلى مصر، وكانت وفاته بالقاهرة في مستهل ذي الحجة من هذه السنة، وشهد جنازته الشيخ شهاب

(8)

الدين أبو شامة، وكان قد رحل إلى مصر في هذه السنة. وحكى أن الملك الكامل شهد جنازته، وأنه دفن قريبا من قبر المزني بالقرافة في طريق الشافعي عن يسرة المار.

(1)

المظفر كوكبوري بن زين الدين: أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين بن محمد الملقب الملك المعظم مظفر الدين، تولى البلاد موضع أبيه بعد موته وكان عمره أربع عشرة سنة وكان أتابكه مجاهد الدين تايماز، وكانت ولادته يقلعة الموصل ليلة السابع والعشرين من المحرم سنة 549 هـ، وتوفي ليلة الجمعة رابع عشر شهر رمضان سنة 630 هـ.

انظر: وفيات الأعيان، ج 4، ص 113 - ص 121؛ البداية والنهاية، ج 12، ص 147.

(2)

ورد هذا الخبر في البداية والنهاية، ج 13، ص 139.

(3)

بياض في الأصل بمقدار سطر.

(4)

المرآة، ج 8، ص 440.

(5)

ورد هذا الخبر في البداية والنهاية، ج 13، ص 138.

(6)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 160؛ وفيات الأعيان، ج 6، ص 197؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 139؛ الشذرات، ج 5، ص 129.

(7)

ما بين حاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج 13، ص 139؛ النجوم الزاهرة، ج 6، ص 278.

(8)

الشيخ شهاب الدين أبو شامة: هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن عباس أبو محمد وأبو القاسم المقدسي الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدث الفقيه المؤرخ المعروف بأبي شامة، شيخ دار الحديث الأشرفية، ومدرس الركنية، وصاحب المصنفات العديدة المفيدة، ولد ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة 599 هـ، وتوفي سنة 665 هـ.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 2 - 4؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 264 - ص 265، الشذرات، ج 5، ص 318.

ص: 276

وقال ابن خلكان

(1)

: وكان الملك الكامل أرغبه في الانتقال إلى مصر، فسافر إليها وتصدر بالجامع العتيق بمصر لإقراء الأدب، ولم يزل إلى أن توفي في سلخ ذي القعدة من هذه السنة، ودفن من الغد على شفير الخندق بقرب تربة الإمام الشافعي، وقبره هناك ظاهر، ومولده سنة أربع وستين وخمسمائة. والزواري: بفتح الزاي نسبة إلى زواوة، وهي قبيلة كبيرة بظاهر بجاية، من أعمال إفريقية، ذات بطون وأفخاذ. قلت: كان يحيى بن معطى المذكور من سادات الأئمة الحنفية ذكره صاحب الطبقات فيهم. وكذا قال ابن خلكان: يحيى بن معطى النحوى الحنفي رحمه الله.

الدخوار

(2)

الطبيب، واقف الدخوارية بدمشق، مهذب الدين عبد الرحيم بن على بن حامد، المعروف بالدخوار، شيخ الأطباء بدمشق، وقد وقف داره بدرب العميد بالقرب من الصاغة العتيقة على الأطباء بدمشق مدرسة لهم، وكانت وفاته في صفر من هذه السنة، ودفن بسفح جبل قاسيون، وعلى قبره قبة على أعمدة في وسط الجبل شرقي الركنية

(3)

، وقد ابتلي بستة أمراض متعاكسة منها ريح اللقوة، وكان مولده سنة خمس وستين وخمسمائة، وعمره ثلاث وستون سنة. وقال القوصى: أنشدني الحكيم

(4)

الفاضل في الإسرائيلى صاحب المعتبر:

لنا صديق يهودي [من حماقته]

(5)

إذا تكلم تبدو آفته

(6)

من فيه

يتيه والكلب خير منه منزلة

كأنه بعد لم يخرج من التيه

(7)

(1)

وفيات الأعيان، ج 6، ص 197.

(2)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 159 - ص 160؛ نهاية الأرب، ج 29، ص 168؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 139؛ المرآة، ج 8، ص 444 - ص 445؛ الشذرات، ج 5، ص 127 - ص 128.

(3)

الركنية: هي المدرسة الركنية الجوانية الشافعية، واقفها ركن الدين منكورس عتيق فلك الدين سليمان العادلي، وهو الذي بنى الركنية الحنفية البرانية.

انظر: الدارس، ج 1، ص 253.

(4)

الحكيم الفاضل: هو هبة الله بن صاعد أبو الحسن بن التلميذ الطبيب النصراني لكن الشعر ليس لنفسه بل لابن أفلح كما في أخبار الحكماء.

انظر: الذيل على الروضتين، ص 109، حاشية (1)

(5)

حماقته: كذا في الذيل على الروضتين، ص 160.

(6)

فيه: كذا في الذيل على الروضتين، ص 160.

(7)

ورد هذان البيتان في الذيل على الروضتين، ص 160.

ص: 277

ابن العديم

(1)

الشيخ الصالح القاضي أبو غانم، كان من المجتهدين في العبادة والرياضة، والعاملين بعلمهم. وقال ابن

(2)

الأثير: إنه من شيوخنا، سمعنا عليه الحديث، وانتفعنا برؤيته وكلامه، مات في هذه السنة.

أبو اسحق

(3)

إبراهيم بن عبد [133] الكريم بن أبي السعادات بن كريم الموصلي، أحد الفقهاء الحنفية، شرح قطعة كبيرة من القدوري، وكتب الإنشاء لصاحبها بدر الدين لؤلؤ، ثم استقال من ذلك، وكان فاضلا شاعرا. فمن شعره قوله:

دعوه كما شاء الغرامُ يكونُ

فلستُ وإن خان العهود أخونٌ

ولينوا له في قولكم ما استطعتم

عسى قلبه القاسي علىَّ يلينُ

وبثوا صباباتي إليه وكرروا

حديثي عليه فالحديثُ شجون

وسلوا على العشاق يوم تحملوا

سيوفا لها وطفُ

(4)

الجفونِ جفونُ

(5)

المجد

(6)

البهنسي، وزير الملك الأشرف، من بيت الفضل والعلم، كان أبوه فاضلا، كتب شرح الحماسة بخطه في ست مجلدات للتبريزي، ووقفه في الخانقاه

(7)

الشُمَيْساطيَّة، ليس في الشام نسخة أصح منها، وكان المجد فاضلا، وُزِّرَ للأشرف مدة، ولم يقطع رزق أحد، وكان حسن المحضر عاقلا، ولم يكن فيه ما يعاب به إلا استهتاره، والله يعفو عنه، وكان الأشرف قد عزله عن الوزارة واستأصله، وأخذ جميع ماله، وتوفي بدمشق، ودفن بتربته التي أنشأها بقاسيون، ووقف عليها وقفا، وأوصى بكتبه تكون فيها.

(1)

انظر: الكامل، ج 12، ص 505؛ البداية والنهاية، ج 13، ص 139.

(2)

الكامل، ج 12، ص 505.

(3)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 140.

(4)

الوطف: كثرة شعر العين. المصباح المنير، مادة (وطن).

(5)

وردت هذه الأبيات في البداية والنهاية، ج 13، ص 140.

(6)

انظر: الذيل على الروضتين، ص 160، البداية والنهاية، ج 13، ص 140، المرآة، ج 8، ص 444.

(7)

الخانقاه الشميساطية: ورد اسم الخانقاه في الدارس "السميساطية" وهي تنسب للسميساطي أبي القاسم علي بن محمد بن يحيى السلمي الحبشي من أكابر الرؤساء بدمشق، وسميساط قلعة على الفرات بين قلعة الروم وملطية، وكانت هذه الخانقاه دار عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبي الأصبغ الأموي (أمير المؤمنين) وابنه عمر رضي الله عنه. انظر: الدارس، ج 2، ص 151 - ص 152.

ص: 278

جمال

(1)

الدولة خليل بن زويزان، رئيس قصر حجاج، كان كيسا ذا مروءه، له صدقات كثيرة، وله زيارة في مقابر الصوفية من ناحية القبلة، مات في هذه السنة ودفن بتربته عند مسجد فلوس

(2)

.

(1)

انظر: البداية والنهاية، ج 13، ص 140.

(2)

مسجد فلوس: يقع قبلى الميدان على طريق حوران، ويعرف اليوم بمسجد أبي فلوس، ولم يبق منه إلا محرابه، وهو الذي بناه وفيه قبره وعلى بابه بئر، ومسجد فلوس أيضا على الطريق بناه الأمير أكز، له منارة خشب، وهو من مساجد دمشق. انظر: الدارس، ج 2، ص 361.

ص: 279