الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد، فهذا هو الجزء الخامس من القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك من كتاب "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان"، لمؤلفه بدر الدين العيني، وهو عبارة عن:"الجزء العشرون" من تجزئة النسخة الملفقة والمحفوظة بمكتبة ولي الدين باسطنبول، والتي توجد نسخة مصورة منها بدار الكتب المصرية والمحفوظة تحت رقم 1584 تاريخ
(1)
.
ويتناول هذا الجزء أحداث وتراجم الفترة 708 - 712 هـ / 1308 - 1312 م، ورغم قصر هذه الفترة الزمنية نسبيًا إلا أن العيني أسهب فيها في تفاصيل كثير من الأحداث، والتي لم ترد بهذا الإسهاب في المصادر المتداولة، مما يضفي على هذا الجزء أهمية خاصة، فقد استقى العيني مادته العلمية لهذا الجزء من مصادر معاصرة للأحداث، لم تصل أي منها إلينا، فيما عدا ما ينقله العيني عن بيبرس الدوادار، وابن كثير، والنويري، وهو قليل بالنسبة للتفاصيل التي أوردها العيني في ثنايا هذا الجزء.
ويختلف هذا الجزء عما سبق نشره من القسم الخاص بعصر سلاطين
(1)
تنظر مقدمة الجزء الأول من عصر سلاطين المماليك ص 11 وما بعدها.
المماليك، فبينما اعتمد الجزء الأول والثاني على القسم الثالث والرابع من الجزء 18 من تجزئة النسخة الملفقة، وهو بخط محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي الأخميمي الحنفي، من نسخة كتبها بمنزله بباب الجوانية داخل باب النصر بالقاهرة فيما بين سنتي 893 - 898 هـ، واعتمد الجزء الثالث والرابع على الجزء 19 من تجزئة النسخة الملفقة، وهو بخط المؤلف، فقد اعتمد هذا الجزء وهو الخامس من القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك على:"الجزء العشرون" من تجزئة النسخة الملفقة، وهو من نسخة بخط الشيخ عبد الله بن الحاج عيسى بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله العمري الأزهري المالكي، الخلفي أصلا، العدوى نسبا، الكريمي وطنا، فرغ من كتابتها في يوم السبت عشية النهار لتسع بقين من شهر صفر سنة 891 هـ
(1)
.
وهي نسخة بخط واضح جيد، وتبلغ مسطرتها 19 سطرًا في الورقة الواحدة بمتوسط 9 كلمات في السطر، وتسير على نفس نسق النسخ الأخرى من حيث وجود عناوين أساسية، وعناوين فرعية بخط واضح، وقد جاء هذا الجزء في 468 ورقة.
وإزاء الاعتماد على نسخة واحدة باعتبارها النسخة الأقدم، والتي وصلت إلينا من خلال النسخة الملفقة، فإن مقابلة النص وتصحيحه تعتمد على مقابلة النص على المصادر المعاصرة، وبخاصة تلك التي نص العيني صراحة على أنه نقل منها، فضلًا عن تحقيق الأحداث والتعريف بالأعلام والأماكن والمصطلحات من المصادر المتداولة والخاصة بعصر سلاطين المماليك.
(1)
لمزيد من الدراسة التفصيلية ينظر:
Nobntaka NAKAMACHI ، Al - Ayni's Chronicles as a Source for the Bahri Mamlnk Period - ORIENT vol. XL 2005 ، The Society for Near Eastern Studies in Japan (NIPPON ORIENTO GAKKAI)
وفي ختام هذه المقدمة الموجزة لا يسعني إلا التقدم بالشكر للهيئة العامة دار الكتب والوثاق القومية، والشكر موصول إلى مركز تحقيق التراث بالهيئة والعاملين به، لما قدموه من تيسيرات علمية ساهمت إلى حد كبير في إخراج هذا الجزء على هذا النحو.
وشكر خاص إلى السيد الدكتور حسام عبد الظاهر، والأستاذة نعمات محمد عباس - أعضاء لجنة التاريخ بمركز تحقيق التراث - لمساهمتهما في مقابلة النص، ومراجعة تجارب الطباعة.
وبعد، فالكمال لله وحده، ولا يسعني إلا أن أذكر قوله تعالى {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} ، وأدعوه سبحانه وتعالى أن يوفقنا لإتمام هذا العمل خدمة للتراث الإسلامي، وأن ينتفع به الباحثون والدارسون وبخاصة في مجال تاريخ مصر والشام في عصر سلاطين المماليك.
والله ولي التوفيق.
دكتور محمد محمد أمين
القاهرة في 8 ربيع أول 1430 هـ
5 مارس 2009 م
بسم الله الرحمن الرحيم، وهو حسبي
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة بعد السبعمائة
(*)
استهلت هذه السنة: والخليفة هو: المستكفى بالله
(1)
العباسي.
وسلطان البلاد المصرية والشامية هو: الملك الناصر محمد
(2)
بن قلاوون، ونائبه بالديار المصرية هو الأمير سيف الدين سلار
(3)
، وهو والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير
(4)
يدبران المملكة، وإليها يرجع الحل والعقد.
ونائب الشام هو: الأمير جمال الدين أقوش الأفرم
(5)
.
وبحلب: الأمير سيف الدين قرا سنقر
(6)
.
وبحماة: الأمير سيف الدين قفجق
(7)
.
وبطرابلس: الأمير سيف الدين أسندمر التركي
(8)
.
(*) يوافق أولها 21 يونيو 1308 م.
(1)
هو سليمان بن أحمد، أبو الربيع، ثاني الخلفاء العباسيين بمصر، بويع بالخلافة بعهد من أبيه في سنة 701 هـ/ 1302 م، وتوفي سنة 740 هـ/ 1340 م، مورد اللطافة 1/ 242 وما بعدها.
(2)
توفي سنة 741 هـ/ 1341 م، المنهل الصافي 10/ 268 رقم 2325.
(3)
هو: سلار بن عبد الله المنصوري، المتوفى سنة 710 هـ/ 1310 م، ينظر ما يلي.
(4)
توفي سنة 709 هـ/ 1309 م، ينظر ما يلي.
(5)
توفي سنة 720 هـ/ 1320 م، المنهل الصافي 3/ 9 رقم 511.
(6)
هو: قرا سنقر بن عبد الله المنصوري، الأمير سيف الدين، المتوفى سنة 728 هـ/ 1327 م، المنهل الصافي 9/ 47 رقم 1857.
(7)
هو: قبجق بن عبد الله المنصوري، الأمير سيف الدين، المتوفى سنة 710 هـ/ 1310 م، ينظر ما يلي.
(8)
هكذا بالأصل. وهو: اسندمر بن عبد الله الكرجي، الأمير سيف الدين، المتوفى سنة 711/ 1311 م، ينظر ما يلي.
ذكر من قدم من الرسل وغيرهم
وفي تاريخ جمادى الأولى من هذه السنة: وصلت رسل صاحب سيس
(1)
ملك الأرمن، بالحمل المقرر عليه، ومعهم هدية سنيّة، من جملتها: طست
(2)
ذهب وإبريق مرصع بالجواهر بديع المنظر بحيث أنه لم يعمل مثله لملك من الملوك، فأعجب السلطان ذلك، وقبله بالفرح، وخلع على الرسل، ثم أعادهم إلى مُرسلهم بعد أن أنعم عليهم
(3)
.
وفي هذه السنة: وردت الأخبار
(4)
باشتغال البحر الملح وحركة الفرنج المخذولين، وانقطعت مراكبهم عن الثغور، فخشوا أن يكون ذلك الأمر من الأمور، فحصل الاهتمام من السلطان بإصلاح الجسور التي على السبيل السلطاني الواصل إلى ثغر دمياط
(5)
، وعمارة قناطره، وتجديد التي دُثرت منها، فندب لذلك الأمير جمال الدين أقوش الرومي
(6)
الحسامي، فلما ذهب إلى البلاد شرع في العمل الذي نُدب إليه، وشَوَّش على الناس بسبب ذلك، فثقلت وطأته على البلاد، وجَبى شيئًا كثيرًا من الأجناد زاعمًا أن ذلك لكُلفة العمل، فلم يزل على ذلك إلى أن تم وكمل.
وندب السلطان أيضًا الصارم الجرمكي
(7)
لأجل عمارة الجسر الواصل من قناطر
(1)
سيس: بلدة كبيرة ذات قلعة بثلاثة أسوار، وهي قاعدة بلاد الأرمن، تقويم البلدان 256، وصاحبها في هذه السنة هو ليون، ينظر زبدة الفكرة 427، نهاية الأرب 32/ 139، عقد الجمان 4/ 458 - 459، السلوك 2/ 43.
(2)
طست = طشت: صوابه بالسين المهملة مع فتح الطاء، وقد غلب استعمال لفظ الطشت، بشين معجمة مع كسر الطاء، صبح الأعشى، 4/ 9 - 10.
(3)
ينظر زبدة الفكرة، 402.
(4)
ورد أن هذا الخبر وعمارة الجسر كانتا في عهد السلطان بيبرس الجاشنكير، ينظر زبدة الفكرة 407، السلوك 2/ 48 - 49.
(5)
فجمع السلطان الأمراء وشاورهم، فاتفقوا على عمل جسر مار من القاهرة إلى دمياط خوفًا من نزول الفرنج أيام النيل: في السلوك 2/ 48.
(6)
قتل على يد مماليكه سنة 709 هـ/ 1309 م، ينظر ما يلي.
(7)
الأمير صارم الدين الجرمكي، كان من الأمراء المجردين لمنع خروج بعض الأمراء إلى الناصر محمد بالكرك سنة 709 هـ/ 1309 م، فجُرح بسيف في فخذه، وسقط إلى الأرض، السلوك 2/ 61، وينظر ما يلي.
الجيزة إلى الرمل آخذا إلى تحت الهرمين
(1)
، فذهب المذكور إليه وشرع فيه واجتهد إلى أن أتقنه، وكان مغرمه أيضًا من الأمراء والأجداد.
وفي بعض التواريخ
(2)
: أن الأمير جمال الدين أقوش الرومي المذكور لما تولى عمارة الجسر من دمياط إلى القاهرة رسم لسائر الولاة بجمع الرجال والأبقار، وكتب الأمراءُ أيضًا إلى المشدّين في بلادهم وإلى استاداريتهم بإخراج الرجال والأبقار وأن أحدًا لا يحتمى، وتوجه الأمير جمال الدين أقوش إلى فارسكور وطلب المهندسين واستهم في العمل، ورتب ثلاثمائة جرّافة وثلاثين ألف رجل، وأقام حرمة عظيمة حتى قيل أنه دفن جماعة من مشايخ العربان بالحياة في التراب، ففرغ عن العمل بهذا الاجتهاد فيما دون الشهر، ومد الجسر من باب دمياط إلى قليوب، وعرضه كان [من]
(3)
فوق أربع قصبات ومن أسفل ست قصبات
(4)
، ولو كان غير أقوش المذكور لما فرغ هذا العمل في نصف سنة، ولكن هذا كان ناهضًا شاطرًا، صاحب كفاية في أشغال يتولاها، ولكن كان ظالمًا سفاكًا للدماء.
ذكر تجريدة مصر
وفي هذه السنة: وصلت الأخبار إلى الأبواب الشريفة بحركة التتار، فأمر السلطان بتجهيز جماعة من العساكر المنصورة للتجريد، وقصد في ذلك إظهار الصيت للقريب والبعيد على وجه الاحتياط والحزم، وإرهاف حَدّ الجدّ والعزم، وليُسمع في البلاد وعند الملوك أن عين السلطان في مملكته وأنه ليس [بغافل]
(5)
عن أمر الملك، فعين من
(1)
جسر آخر بطريق الإسكندرية: في السلوك 2/ 49.
(2)
ينظر السلوك 2/ 49.
(3)
إضافة يقتضيها السياق، ينظر ما ورد بالسلوك 2/ 49.
(4)
وعرضه من أعلاه أربع قصبات، ومن أسفله ست قصبات، يمشي عليه ستة فرسان صفًّا واحدًا: في السلوك 2/ 49.
(5)
بعاقل: في الأصل والتصويب يتفق مع السياق.
مقدمي الألوف مقدمين وهما: الأمير جمال الدين أقوش
(1)
، الموصلى المشهور بقتال السبع، والأمير شمس الدين الذُّكْر
(2)
السلحدار، وجماعة من الأمراء أصحاب الطبلخانات، وجماعة من أمراء العشرات، فَيُجهزوا لذلك، ولم يبق إلا البروز، وهم في التهيُّوء في ذلك، فإذا بالأخبار وصلت من جهة الناصحين للسلطان الملك الناصر
(3)
على وجه التحقيق أن العدوّ المخذول قد تأخر وأن أمره قد بطل
(4)
، فاستقر القرار وتأخرت حركة البيكار
(5)
.
وقال الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار في تاريخه: وقيل: إن السبب كان في تأخير حركات العدو وسكونهم عن الحركة أن قَرَا غُولهم
(6)
الذين كانوا مجردين على تخوم ممالكهم تجاه قراغول الملك طقطا
(7)
، فحفظ البلاد أنفع مع المذكورين، وكبس بعضهما بعضًا، فكانت الكبيرة على [قرا]
(8)
غول الملك خَرْبَنْدَا
(9)
، وانكسروا كِسرة عظيمة فما نجا منهم إلا نفر يسير، ونُهبت خيولهم وما معهم، وتشتت جمعهم وتفرق شملهم، فكان
(1)
هو أقوش بن عبد الله المنصوري قلاوون، الأمير جمال الدين المعروف بقتال السبع، توفي سنة 710 هـ/ 1310 م، ينظر ما يلي.
(2)
الأمير شمس الدين الذكر السلاح دار، صهر الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، مات وهو في الحبس سنة 717 هـ/ 1317 م، السلوك 2/ 180.
(3)
الأشرف الناصر: في الأصل ومشطوب على كلمة الأشرف.
(4)
وكان هناك سيف الدين بتخاص، أحد مماليك الأمير شمس الدين قرا سنقر نائب السلطنة بحلب، فتوجه بجماعة من الرجالة، وكبس التتار، وأوقع بهم واستظهر عليهم وأسر بعضهم، وحضر إلى الأبواب السلطانية فأنعم عليه: في نهاية الأرب 32/ 140، وينظر ما يلي.
(5)
البيكار: لفظ فارسي معناه: الحرب عامة، ينظر صبح الأعشى 13/ 94، 97.
(6)
قرا غولهم: كلمة واحدة، ولكنها وردت في الأصل بين ورقتين فكتبت على سطرين.
(7)
هو: طقطاي بن منكو تمر بن طغاي بن باطو بن جنكز خان، ملك القبجاق، توفي سنة 716 هـ/ 1316، المنهل الصافي 6/ 425 رقم 1264.
(8)
إضافة تتفق مع السياق.
(9)
هو: خرابندا = خدا بندا، واسمه محمد بن أرغون بن أبغا بن هولاكو، السلطان غياث الدين، واختلف المؤرخون في تاريخ وفاته بين سنوات 710 هـ، 715 هـ، 716 هـ، المنهل الصافي 5/ 203 رقم 981، 9/ 315 رقم 2074.
ذلك مانعًا عن مسيرهم
(1)
.
وذكروا أيضًا أن خَرْبَندا جَرْد جوبان
(2)
نائبه بمن معه من التوامين رديفًا لقراغوله لما بلغه ما كان منه، وكانت هذه الوقعة المذكورة في ربيع الآخر، من هذه السنة.
ذكر غارة التتار على مدينة كركر
قال ابن كثير: وفي جمادى الآخرة جاءت جماعة من التتار الذين في شرقي الفرات فأغاروا على بلاد كركر
(3)
، وكان هناك أحد مماليك الأمير قرا سنقر نائب حلب يدعى بتخاص، فندبه [نائبا للقلعة]
(4)
، وتوجه بجماعة من الرجال وكبسوا على التتار، وأوقعوا بهم بعد قتال شديد، واستظهروا عليهم، وأخذوا عدة من خيولهم، وأسروا بعضهم
(5)
، وعادوا سالمين غانمين، وحضر بتخاص المذكور إلى الباب العزيز بهذا الإعلام، فشمله التشريف بالإكرام والإنعام
(6)
.
قلت: كان السبب في تحريك التتار وهجومهم على بلاد الشام وصول الأمير أحمد
(7)
بن عميرة إلى خَرْبَندا، فلما سمع بذلك التتار طمعوا في بلاد الشام واستضعفوا عسكرها حتى أغار منهم جماعة على بلاد كركر.
(1)
يراجع زبدة الفكرة 402 حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
(2)
هو: جوبان، نائب القان بوسعيد بن خربندا، قتل سنة 728 هـ/ 1327 م، المنهل الصافي، 5/ 33 رقم 868.
(3)
كركر: بالفتح ثم السكون، حصن قرب ملطية بينها وبين آمد، معجم البلدان.
(4)
نائب القلعة: في الأصل، والتصويب للتوضيح.
(5)
وأسروا منهم ستين رجلًا: السلوك 2/ 43.
(6)
لم يرد هذا النص في البداية والنهاية المطبوع، ينظر 18/ 78 - 79.
(7)
هو: أحمد بن علي بن عميرة، الأمير من آل فضل، كان ممن سار إلى بلاد الططر وآذى الناس، ثم رجع عن ذلك وتاب ودخل الشام بالأمان في صفر سنة 709 هـ: في الدرر الكامنة 1/ 231 رقم 557، وينظر ما يلي.
ذكر قضية أحمد بن عميرة
كان أحمد بن عميرة هذا ابن عم مهنا
(1)
بن عيسى ملك العرب، وأنه نفر من الشام إلى بلاد التتار خارجًا عن طاعة السلطان الملك الناصر. وكان هذا من فرسان العرب، وكان أبوه عميرة كذلك، ولأحمد هذا وقائع مشهورة في العرب وإغارات وكان [لأبيه]
(2)
صيت عظيم، وكانت له منزلة كبيرة عند السلطان الملك الناصر، وكان الناصر يعظمه لأجل شجاعته وشهامته وكل وقت يُنعم عليه ويُحسن إليه، وكان من كِبره ونخوته ما يجاور مهنا بن عيسى، وكانت له منازل معروفة ومواضع مشهورة ما ينزلها غيره، ولا يدانيها أحد سواه، ومع هذا كان مهنا هو ملك العرب والحاكم عليهم.
واتفق أن عميرة خَطَب أخت مَهنا، فأنعم له بها وأجاب إلى سؤاله، ولكن بعد ما طلب منه مهرًا عظيمًا، فسمع بذلك ثابت بن يزيد، فأرسل إلى عميرة يعتب عليه، ثم أرسل إلى مَهنا فخطبها، فقال للذي جاء من عنده: قل له إني قد أنعمت بها لعميرة على: خمسمائة جمل، وعشرين رأسًا من الخيل، وعشرين عبدًا، وعشرين أمةً، ومائة ثوب، وخمسمائة [ألف]
(3)
دينار، فأرسل إليه ثابت وقال: قبلت أنا ذلك، بل إنما أعطى زيادة على هذا، فمهما طلب مهنا من المهر أنا أقوم به، وكان غرضه أن [لا يعطيها]
(4)
لعميرة.
وكان ثابت هذا صاحب مال عظيم ومواش كثيرة، ثم إنه تحيّل في ذلك، فقدَّم لإخوة مَهنا ولأولاده ولمن يلوذ به - ممّن كلامه لا يردّ عنده - أشياء كثيرة من سائر الأصناف إلى أن انصلح كلهم وصاروا حزبًا لثابت.
(1)
هو: مهنا بن عيسى بن مهنا، الأمير حسام الدين، أمير آل فضل من عرب الشام، توفي سنة 735 هـ/ 1334 م، المنهل الصافي 11/ 291 رقم 2559.
(2)
أبيه: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
آلاف: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
لا يعطى هي: في الأصل والتصويب يتفق مع السياق.
فقالوا لمهنا: إن ثابت بن يزيد أولى بإجابة سؤاله وأحق بمصاهرته، وهو أحب إلينا من عميرة، وفيما رأينا مصلحة أخرى وهي أنك إذا أجبت إلى سؤال ثابت وزَوَّجْت أختك منه تكون هي مالكة رقبة ثابت حاكمة في ماله، لأنه يراعي حقك ويحفظ غيبتك ويقيم حرمتك، فلا جرم يطيع لأختك لأجلك حتى لا يبلغ عنه شيئًا فيه سوء إليك، وأما عميرة فإنه لا يراعي حرمتك ولا يعرف مقدارك فكيف يمسك الحرمة مع إمرأة؟ والمرأة هي محل الازدراء والاستخفاف، وتكون هي عنده مثل الأسير، فيبلغ إليك ذلك فيسوءك، فتندم على ما فعلت ولا ينفعك الندم في ذلك الوقت، فتوكل على الله تعالى وزوجها من ثابت فإنه أهل لذلك.
فقال مهنا: كيف أفعل وعميرة قد سبق في ذلك؟
فلم يزالوا به حتى أنعم بها لثابت.
ثم سير مهنا إلى أخته يقول لها: مَنْ تختارين: ثابتًا أو عميرة؟
فأرسلت إليه تقول له: يا أمير المؤمنين، تخلى [أحدًا]
(1)
يتخير؟ لأجل عشاة بعير أو تصاهر لمن يأتي بمنسف، فإن خيّرتني فلا أريد سوى عميرة، [فاغتاظ]
(2)
مهنا من كلامها وقال: أذلّ الله من يشاور النساء، ثم أعطى يده لثابت، وكان بتَلّ [اعزاز]
(3)
، وهي قريبة من بلد سَلَمْية
(4)
خاص له، فقال لثابت: أريد أن أهتم في أمر العرس، فقال: افعل ما بدا لك، فأخذ في إصلاح شأنه، وأحضر لهم جميع ما طلبوا من المال، وأولم وليمة عظيمة نحر فيها النوق والجمال، وعبر على أهله وسار إلى البرية.
وبلغ الخبر إلى عميرة، فقامت عليه القيامة، وسير إلى مهنا: يقول له: غدرت بي
(1)
أحلا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
"فاغتاض" في الأصل.
(3)
اعزا: في الأصل، والتصويب من معجم البلدان.
(4)
سلمية: بفتح أوله وثانيه وسكون الميم: بليدة في ناحية البرية من أعمال حياة، وكانت تعد من أعمال حمص، معجم البلدان.
وزوجت امرأتي لغيري، فرد عليه مهنا يقول له: ما اخترنا غيرك، ولكن لما رأيناك قد قصرت في الطلب زوجناها لغيرك، لأن المرأة لا تبقى بلا زوج، فبقي ذلك في قلب عميرة.
ثم في يوم من الأيام جاءه بعض عبيده وقال له: يا مولاي، إن ثابتًا قد نزل على جُنِيجْل - اسم موضع - وهو غوطة، فقام وركب بأربعمائة فارس، وسار وكبس على ثابت وكان معه أربعة آلاف بدوي، فهرب كلهم وهرب ثابت أيضًا، وتبعه هلال بن عثمان وأدركه، فقال له: يا هلال أنا في جيرتك. فقال له: قد أجرتك، وإذا بعميرة قد أدركه، فقال له هلال: يا أبا أحمد أجرتُه اليوم، فقال له: لا تفعل. فقال: قد كان ذلك، فقال عميرة لثابت: أغدوة يا طنجير، عليك يوم غيره، فولي ثابت وهو لا يصدق بالنجاة، وأخذ عميرة من بيته عشرة آلاف جمل، وكانت امرأته عند مهنا، فلو كانت حاضرة لأخذها.
وسمع نائب دمشق هذه القضية، وهو الأمير جمال الدين الأفرم، فسيّر إلى عميرة يقول له: أحضر عندنا حتى نعرف حقيقة هذه القضية، فأرسل عميرة ولده أحمد ومعه نوق وجمال وخيول، وقال له: يا أمير، أنت ما تعرف ما بيننا، ونحن عرب يوم لنا ويوم علينا، وبيننا مؤاخذات وتارات، فلما وصل أحمد مسكه النائب، ورسَّم عليه في الزردخانة
(1)
، وأقام هناك أيامًا، ثم أخرجه.
فبقى عميرة لا يدخل دمشق، ورحل من منزله ذلك.
وجاء ثابت إلى نائب الشام، وقال له: يا مولاي، أنت نائب دمشق وعميرة يأخذ جمالى من تحت كنفك.
ثم إنه
(2)
خلع على أحمد بن عميرة وسيره إلى أبيه، وقال له: لأجلى ردّ على ثابت
(1)
الزردخاناه: كلمة فارسية مركبة تعني دار السلاح، كما تعني أيضًا السجن المخصص للمجرمين من الأمراء وأصحاب الرتب، صبح الأعشى 4/ 11، Dozy: Supp. Dict.Ar
(2)
المقصود نائب الشام.
جماله، فلما حضر إلى أبيه وبَلَّغه ما قال له نائب الشام، قال: ترد عليه جماله لأجل خاطر نائب الشام، ولكن لا يعود ينزل أرضًا ننزل فيه، ولا يقر بها، فرد عليه خَمْسة آلاف جمل. فقال: وأين الباقي؟ قال: نهبتها العربان والبعض مات. وبقى في قلب عميرة من مهنا نار.
ثم إن مهنا أرسل ابنه موسى
(1)
إلى مصر بالتقادم للسلطان، وهي شيء كثير من الخيل والجمال وغير ذلك، فسأله السلطان عن أبيه فقال: هو معزول. فقال: مَنْ عزله؟ فقال: كيت وكيت وأخبر بجميع ما جرى، فاغتاظ
(2)
السلطان، ثم شرع موسى يذكر أن قصاد عميرة لا ينقطعون عن التتار وأنه مائل إليهم، فعند ذلك أمر السلطان أن يكتب كتاب إلى نائب الشام بطلبه
(3)
، فقال الأمير سلار نائب السلطان: فأيّ وقت طلبناه يهرب، ولكن أمراء العرب يحضرون في هذه الأيام بالتقادم، وأظن أنه يحضر معهم، فإذا حضر نمسكه بلا تعب، واتفق أنه حضر ومعه تقدمة هائلة، فأمر السلطان بالقبض عليه، وحُبس في البرج، فهرب العرب والعبيد الذين كانوا معه، ووصلوا إلى أبياته وأعلموا ولده أحمد بذلك، فرحل من غوطة دمشق وسار إلى حلب، فأقام بها أيامًا، ثم بلغه أن عميرة مات في الحبس، فرحل وطلب بلاد الشرق، ونزل على بلد الموصل وتقدم إلى نوين
(4)
الذي بها، وكان يسمى إيْليا حميش وتدرَّك بحران، ففرح إيْليا حميش بذلك ووعده بكل جميل، فخلى أبياته وعبر إلى الشام، وأغار على تدمر وأخذ من حولها أغنامًا كثيرة وألفي جمل، ورجع بها طالبًا الشرق، وهو يقول: خرجنا من بلاد الإسلام وكذلك من الدين، سوف يَعْلم مهنا من هو غريمه.
(1)
هو: موسى بن مهنا، الأمير مظفر الدين، أمير آل فضل وابن أميرها، توفي سنة 742 هـ/ 1341 م، المنهل الصافي 11/ 312 رقم 2580.
(2)
فاغتاض: في الأصل.
(3)
المقصود طلب عميرة، ينظر ما يلي.
(4)
النوين: لفظ فارسي، ويستخدم كلقب لنواب ملك التتار، وكبار قادته، صبح الأعشى 4/ 423، 6/ 33.
ثم إنه سَيَّر إلى مهنا يقول مع بعض العربان: والله، يا طنجير لأقصدنك ولو كنت في تخوم الأرض، فالذي يكون ملك يهرب إذا سمع أنني قاصده، فإذا جمع الله بيننا نعرف ذلك الوقت من يصلح للإمرة، ثم اشتغل بالغارات في بلاد عانة والحديثة أيامًا، ثم رجع وقال: هذه النَّوْبَة ما أقصد إلا مهنا أينما كان.
وكان جواسيس مهنا في سنجار وأعلموه، وقالوا: ابنُ عميرة قاصد إليك في ألف فارس، وكان قد رجع من البريّة إلى قريب الرحبة، فرحل ورجع طالبًا تدمر، ولم يزل سائرًا حتى نزل أرض تدمر.
وأما ابن عميرة فإنه لحق العرب من خلف مهنا وأخذ منهم ألف جمل، وأخذ المغالي التي لمهنا وكانت خمسين جارية، وعاد طالبًا بلاده، وهو فرحان بذلك، ومعه جماعة من خدم مهنا عبيد وجوارٍ، فكتب كتابًا إلى مهنا، وفيه هذه الأبيات:
ألا مخبرًا عنّي صبيحًا وسالمًا
…
وموسى وسلمانًا وعمرًا وفائِد
بفضل بن عيسى مع مهنا وآله
…
وأولاده إني لها غير عائِد
قصدنا كموا في كل شهم غضنفر
…
جَسُور إذا صار الغبار يعاقد
على كل زياف من الخيل أعْضبٍ
…
سليل من الخيل العتاق المكابد
فيا ملك الأعراب يا مير أهله
…
إذا كنت في الكرام معاند
وأنت ذليل لا ترد طريدة
…
تفر إذا عاينت ليثًا لمجالدي
أنا ابن عروس الخيل أحمد فارس
…
بضرب اليمانيات كم لي عوائدي
تعودت خوض [الحرب]
(1)
طفلًا فصار لي
…
قرين ومألوفُ وكيدُ وكائد
(1)
إضافة تتفق مع المعنى.
قال الراوي: وسلم الكتاب إلى عبد من عبيد مهنا، فرجع إليه بالكتاب، فقرأه مهنا وأوقف عليه إخوته، وقال لهم: ما أفعل؟ فقالوا له: اركب إليه واطلبه حيثما كان ولا تبقى تحت الذل والهوان
ثم إن ابن عميرة حضر إلى خرْبَندا وهو على ظاهر تبريز ومعه ألفا جملٍ وعشرون رأسًا من الخيل، فأكرمه خربندا وأحسن إليه، وحكى لخربندا جميع ما جرى عليه، فقال له خربندا: طيّب خاطرك فلك كل ما تريد، فقال: يا مولاي، مكنِّي من عشرة آلاف فارس حتى أخرب لك الشام. فقال: كيف تعمل؟ فقال: أواظب على الغارة ليلًا ونهارًا. فقال خربندا: أما تخاف من العساكر؟ فقال: يا مولاي، والله إن [البلاد]
(1)
سائبة، وحال الأجناد ضعيف، ولو أنك توجهت إليها لأخذتها من غير حرب.
فلما سمع خربندا هذا الكلام منه فرح وخلع عليه، وَوَعده بأن يقدمه على عشرة آلاف فارس، ثم طلبه بعد أيام وولاه حاكمًا على جيش العراق وديار بكر، وقال لهم: لا تخالفوه إن طلبكم ليلًا أو نهارًا، فأجابوه بالسمع والطاعة.
قال لخربندا: أعطني دستورًا حتى أروح وأجمع عرباني، ولا يدري بنا أحد إلا وقد أغرت على أطراف الشام لأنهم آمنون من جهتي، فأذن له، وخرج في الليل من غير أن يعلم به أحد، وطلب أمراء العرب وكبار عشيرته وأخبرهم بخبره وما فعل به خريندا من الخير وما وعد له، فأجابوا له.
ثم سار معهم يطلب بلاد الرحبة
(2)
، فنزل على منهل من المناهل يقال له: المقرون، [وإذ]
(3)
قد طلع غبارٌ، فقال لمن معه: استفيقوا، وكان
(4)
أكثر من ألف وخمسمائة فارس، وانكشف الغبار عن خمسمائة فارس مقدمهم يسمى عبد الرحمن، وكان
(1)
البلا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
الرحبة: على شاطئ الفرات، بين الرقة وبغداد، معجم البلدان.
(3)
وإذا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
المقصود "وكان الغبار"، ينظر ما يلي.
من الشجعان المشهورين، فلما رآهم عبد الرحمن صاح على من معه وقال: البلاد غافلة، مَنْ هؤلاء الكلاب؟ والآن يُهلكون الناس، ثم بعث خمسمائة فارس من عسكره إلى البيرة
(1)
، وأخذ خمسمائة أخرى معه وسار يطلب الرحَبَة، وتلاقى مع ابن عميرة، فحمل عليه عبد الرحمن وفرق شمل، ثم رماه بسهم فأصاب فخذه، فولّى هاربًا من بين يديه، ولما رآه عربه حملوا على عبد الرحمن وأشغلوه عن ابن عميرة إلى أن ركب حجرة
(2)
دهماء كانت خلفه مع عبد من عبيده، ولما رأى عبد الرحمن ذلك ترك ابن عميرة واشتغل بعربه أطلق فيهم السهام فأقلب واحدًا، ثم آخر، ثم آخر، ثم آخر، وكان أرمى أهل زمانه.
وانكسرت العرب، فولوا هاربين طالبين النجاة وتبعتهم خيل المسلمين إلى آخر النهار، فأسروا منهم خلقًا كثيرًا، وأخذوا خيلًا كثيرة، وعادوا منصورين غانمين، وطلبوا البيرة، وساروا ليلًا ونهارًا إلى أن أشرف عبد الرحمن على [قلعتها]
(3)
، وقد علموا بقدومه، فركب نائب البيرة، وكان يومئذ طوغان [المنصوري]
(4)
، فتلقى عبد الرحمن بأحسن ملتقى، ونزل هناك، ثم قدَّم عبد الرحمن النائب البيرة أشياء مما غنمه من العرب.
ثم سار يطلب حلب، وقد سبقت أخباره إلى نائبها الأمير قرا سنقر، فتلقاه مع عسكره وشكره على فعله، ثم حكى له عبد الرحمن بجميع ما جرى في الوقعة، فقال له قرا سنقر: كيف فات عليك ابن عميرة بعد وقوع هذه الكسرة عليه؟ فقال له: يا مولاي، له في الحياة نصيب، والآن ما انقطع، ولكن أرجو من الله أن يجعل هلاكه على يديَّ، والله
(1)
البيرة: بين حلب والثغور الرومية، معجم البلدان.
(2)
الحِجْز: الأنثى من الخيل، أما قول العامة للواحدة الحجرة بالهاء فهو لحن مسترذل، تاج العروس، مادة حِجْز.
(3)
فعلتها: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
المنصور: في الأصل وهو: طوغان المنصوري، من مماليك قلاوون، تنقل في الخدم إلى أن قرره في نيابة البيرة، ثم قبض عليه الناصر محمد في أواخر سنة 710 هـ/ ثم أفرج عنه وولاه شد الدواوين بدمشق، ثم قبض عليه وسجن بالكرك إلى أن مات سنة نيف وعشرين وسبعمائة، الدرر الكامنة 2/ 329 رقم 2951.
على كل شيء قدير.
وأمر خربندا فإنه عزل إيْليا حميش من الحكم من أطراف بلاده، وقد ذكرنا أنه كان نازلًا على الموصل، وكان يحكم في تلك البلاد نيابة عن خربندا، ولما عزله خربندا ولي عوضه شخصًا من أمرائه يقال له سُوتَاي، وكان من أمكر المغل وأخبثهم وأفرسهم، ثم قال لخربندا: أنا الآن حاكم جديد ولا بد من أن أعمل شيئا أرعب به المسلمين وإلا ما استقر معهم، فقال له خربندا: ماذا تصنع؟ قال: أريد عشرين ألف فارس، فأول ما أنزل أغير بهم على أطراف البلاد، فقال له: افعل ما بدا لك، فجرد معه عشرين ألف فارس، ثم أضاف إليه عشرين ألف فارس أخرى مع شخص من المغل يقال له ثُوكال بُغَا، فسار بهم سُوتَاي أولًا إلى [خِلاطُ]
(1)
، وكان ابن عميرة لما هرب من عبد الرحمن وصل إلى [خلاط]
(2)
، فاجتمع بسوتاي هناك وأخبره بجميع ما جرى عليه مع عبد الرحمن، ثم سار سوتاي ومعه ابن عميرة وجاءوا إلى البشيرية
(3)
، فأقاموا عليها ثلاثة أيام، ثم رحلوا طالبين سنجار
(4)
.
وكان في سنجار قصاد من حلب، فلما سمعوا بهم خرجوا مسرعين وأتوا إلى حلب وأعلموا الأمير قرا سنقر بذلك، وقال عبد الرحمن: أخاف أن [يغيروا]
(5)
على قلعة الروم، فعند ذلك سَيَّر قرا سنقر إلى جميع القلاع وأعلمهم بأن يكونوا على حذر.
وأما سوتاي فإنه جاء بمن معه إلى نصيبين، ثم عاد منها يطلب قلعة الروم، وكان في تلك البلاد تركمان فأعلموا بذلك أهل البلاد، فإذا هو قد عدّى بمن معه من مخاضه
(1)
أخلاط: في الأصل، خِلَاط: بكسر أوله، بلدة مشهورة، وهي قصبة أرمينية الوسطى، معجم البلدان.
(2)
أخلاط: في الأصل، ينظر الهامش السابق.
(3)
قلعة بشير: من قلاع الأكراد، معجم البلدان.
(4)
سنجار: بكسر أوله، وسكون ثانيه: مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة، فيها من الموصل ونصيبين، معجم البلدان.
(5)
تغيروا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
[سُمَيْساط]
(1)
وأغار على حصن منصور، ثم أغار على [بهَسْنا]
(2)
إلى قلعة الروم، وكان تركمانٌ كثيرٌ نازلين في هذه البلاد ومعهم أغنام كثيرة وجمال، فساق سوتاي جميعها، وسبى حريم التركمان وأولادها، وبلغ الخبر إلى نائب قلعة الروم، فأرسل إلى نائب حلب وأعلمه بذلك، فجمع نائب حلب أمراء حلب وأعلمهم بذلك، فاتفق رأيهم على أن يبعثوا من يُعْلم بذلك: نائب الشام، ونائب حماة، ونائب طرابلس، ليجتمعوا على حلب، فإن سوتاي هذا ملعون وله شوكة لا ترد من هذه البلاد.
ثم قال [نائب]
(3)
حلب لعبد الرحمن: مالك ساكت لا تتكلم؟ فقال: تسمعون منّي؟ قال: نعم، فقال: اجمعوا هؤلاء العساكر جميعهم، فنجتمع كلنا على نهر الساجور
(4)
، ثم [نكشف]
(5)
أخبار سوتاي، فإن كان قصده التوجه إلى ديار بكر سرنا خلفه، وإن كان معولًا على سنجار قطعنا عليه الطريق ونأخذه إن شاء الله تعالى، فاستصوبوا رأيه، ثم خرجوا إلى ساجور، وخيموا هناك، واجتمع عندهم عساكر القلاع، وأتوا أولًا فأولًا.
وجاء إلى نائب حلب بعض الجواسيس وأخبر أن سوتاي لما أغار على تلك البلاد عاد بمن معه راجعين، ولما سمع بذلك عبد الرحمن قال: يا مولاي، أقول إن شاء الله ما يفوتنا هؤلاء لأنهم لا غنى لهم عن الرواح إلى سنجار، ونحن الآن أقرب إلى سنجار منهم، وهم في هذا، فإذا جماعة أقبلت من ناحية قلعة الروم وهم خمسمائة فارس يقدمها على شير، وأتت جماعة أخرى من ناحية البيرة وهم أيضًا خمسمائة فارس يقدمها سليمان بن اسْبَاسالَار، وأتت جماعة أخرى من ناحية عينتاب
(6)
وهم سبعمائة
(1)
شميساط: في الأصل، والتصويب من معجم البلدان، وهي: سُميساط: بضم أوله وفتح ثانيه: مدينة على شاطئ الفرات في طرف بلاد الروم على غربى الفرات، معجم البلدان.
(2)
بهستي: في الأصل، والتصويب من معجم البلدان، وهي: بهَسْنا: بفتحتين وسكون السين، قلعة بقرب مرعش وسميساط، معجم البلدان.
(3)
يا يلب: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
الساجور: نهر بمنبج، معجم البلدان.
(5)
يكشف: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(6)
عينتاب: مدينة: بين حلب وأنطاكية، وهي من أعمال حلب، معجم البلدان.
فارس يقدمهم جمال الدين بن قرا على، ولما اجتمع الجميع قالت الأمراء: نُعدى من البيرة، ثم نسير إلى سُروج، فإن رأينا أثر العدو تبعناه، فقال لهم عبد الرحمن: إن كان لكم غرض في خلاص ما أخذه [سوتاي]
(1)
اللعين من الغنائم وحريم التركمان وأولادهم وغير ذلك فاسمعوا مني، فقالوا: ها نحن نتبعك فيما تريد، فرحلوا، وعبد الرحمن أمامهم وهو ينشد:
أيا قلب دع ذكر الغوير ونعمان
…
وعَيش تَقَضّى مع سراةٍ وغلمان
ودع ذكر سُعْدى والرباب وزينب
…
وهندٍ وسلمَى في اثيل وكثبان
وساروا إلى أن عدوا من الفرات إلى أن نزلوا على جُبَ يُسمَّى أمّ جرن، فرووا خيولهم وعلقوا عليها واستراحوا وأراحوا، ثم رحلوا في الثلث الأخير إلى الصبح، فنزلوا على البليخ
(2)
، فتقدم عبد الرحمن إلى قرا سنقر وقال له: يا مولاي، ما للعدوّ طريق إلا من هاهنا، فكونوا مكانكم حتى أسير وأكشف لكم طريق حران وأعود، فقال له قرا سنقر: اذهب واحترس، فركب ومعه سليمان وعشرون فارسًا، وساروا آخذين ناحية حران وكشفوا، فإذا هم قد نزلوا على حران، ثم رحلوا منها طالبين ناحية المشهد وعَين الذّهب، فعلم عبد الرحمن أنهم سائرون إلى البليخ، فلم يزل يشارفهم وهو [على]
(3)
رؤوس الجبال والتلال، وكلما طلعوا من شعب عبر هو من غيره إلى المساء، ثم نزل اللعين على عين الذهب لأن معهم ثقل كثير لا يقدرون على الاستعجال.
فلما نزلوا واستقروا وجاء عليهم الليل، قال عبد الرحمن لأصحابه: إنا قد جئنا لكشف الأخبار، فلا يتم ذلك إلا بأخذ أحد منهم نذهب [به]
(4)
إلى الأمير قرا سنقر ليأخذ منه الخبر الصحيح، فقالوا له: صدقت، ثم قاموا ونزلوا على تل عال، ثم نزل
(1)
سوتان: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(2)
البليخ: اسم نهر بالرقة، معجم البلدان.
(3)
إضافة تتفق مع السياق.
(4)
إضافة تتفق مع السياق.
عبد الرحمن ومعه ناصر بن قرا سنقر وقشتمر وإبراهيم ابن أخت عبد الرحمن، وأوصوا لرفقتهم أن لا يتحركوا من موضعهم ولو سمعوا صياحًا إلى أن يصبح الصباح، ثم سار عبد الرحمن بهؤلاء إلى ناحية عين الذهب، وكانت عينًا تطلع وسط المشهد وتنزل في وسط البرية، وهي رأس البليخ وعليها أقصاب وأشجار، ثم قال عبد الرحمن لمن معه: لا بد أن يَجئ هاهنا أحد وحده لأخذ ماء أو حطب، فنأخذه، فأقاموا هناك إلى نصف الليل والتتار يجيئون عشرة عشرة وعشرين عشرين يملأون الماء ومضى عليهم الليل وانقطع الناس، وهَمَّ عبد الرحمن بالرواح قبل أن يُعلَم مَكانه، فإذا بإنسان جاء وحده ومعه قربة يريد الماء، فقال عبد الرحمن: هذا نأخذه، ولكن اجعلوا بالكم وقت مسكه، فليجعل واحد منكم يده على فمه حتى لا يصيح فيسمعه الناس فيجتمعون فلا نخلص بعد ذلك، فقال قشتمر: دعوني لأجل هذا ولو كان مَنْ كان، فتقدموا ومسكوه، فأراد أن يصرخ، فضرب قشتمر يده على فمه وحلقه وكاد أن تخرج روحه ورماه إلى الأرض، ثم ربطوا يديه وساقوه، ثم ساروا يطلبون رِفقَتهم، فأتوا إلى مكانهم، ثم ركبوا وساروا، وقد ستر الله عليهم وأعمى أبصار العدو عنهم إلى أن وصلوا إلى قرا سنقر.
وكان قرا سنقر قد ضاق صدره بسببهم حتى أنه كان ركب مع اليزك
(1)
، فلما رآه فرح به وقال: ما معكم من أخبار؟ فقدّموا إليه ذلك التتريَّ، فسأله قراسنقر عن حال عسكر سوتاي وعن عددهم وإلى أين طلبهم، وقد كان ناصر الدين بن قراسنقر قد قال له في الطريق: متى قلت إن التتار أكثر من ثلاثة آلاف فارس ضربت رقبتك، فلما رآه أنه يسأل قال: هم ثلاثة آلاف فارس ومع هذا هم ضعاف وخيولهم تَعَابى هَلكى، فلما سمع الأمراء بذلك زاد طمعهم واشتد قلبهم، ثم قال عبد الرحمن: رأيت رأيًا، قالوا: ما هو؟ فقال: آخذ خمسمائة فارس وأكمن بهم في هذه الدخلة، فإذا أشرف عليكم العسكر وتصاففتم وزحفوا عليكم انقلعوا من بين أيديهم، ثم انظروا العجب مني ومنهم. فقال له الأمير قرا سنقر: لا يكون لهم طريق غير هذا يذهبون منها، فقال عبد الرحمن: ما لهم
(1)
اليزك: طلائع الجيش، صبح الأعشى، 10/ 11.
طريق غير هذا، فقال: أفعل بما تريد، فأخذ خمسمائة فارس من الصناديد وكمنوا في جانب البليخ.
وركب قرا سنقر ورتب أصحاب ميمنةً وميسرة، وما تَضَاحى النهار حتى طلع لهم غبار من ناحية حران، فإذا هو معسكر عظيم ومعهم نساء وأطفال يضجون ويصيحون، فلما رأوهم استكثروهم وداخلهم الرعب، فقال لهم قرا سنقر: لم يبق إلا القتال والثبات ونحن في مكان لا ملجأ فيه إلا إلى الله تعالى، ثم قال: يا معشر المسلمين، انظروا إلى نساء إخوانكم المسلمين وأولادهم كيف يُساقون وهم في الذلة؟ وهذه أبواب السماء قد فُتحت فبيعوا أنفسكم لله تعالى.
ولما رأى التتار المسلمين، قال سوتاي لثوكال بُغا: مَنْ هؤلاء قدامنا؟ قال: هذه عسكر المسلمين ولا نعرف من أين جاءوا فاستقلوهم واستحقروهم، ثم رتب سوتاي عسكره ميمنة وميسرة وقلبًا، ثم زحف على المسلمين، فكبر المسلمون وهللوا وصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم حملوا حملة صادقةً، ووقع بينهم قتال عظيم إلى أن ولّت المسلمون إلى ورائهم، ولما رأت التتار ذلك صرخوا من كل جانب وطلبوا المسلمين، وأبعد المسلمون أنفسهم، ولما علم عبد الرحمن بذلك خرج من خلفهم من الكمين هو وناصر الدين بن قرا سنقر وجمال الدين بن قرا على وسيف الدين كشكل وعلاء الدين الكبّشي، وعبد الرحمن ينادي إلى أين يا حزب النار؟ وهجم عليهم ناصر الدين بن قرا سنقر، وقاتلوا قتالًا لا يوصف، ولما رأت التتار ما حل بهم من المسلمين وَلُّوا وطَلَبوا النجاة، وطلبتهم المسلمون في ذلك البرّ، وكان برًّا واسعًا وليس فيه ملجأ، ولم يسلم منهم إلا مَنْ كان له عُمر في الأزل، وتبعهم المسلمون مسافة كبيرة، ثم عادوا واجتمعوا ومعهم من الأسرى خلق كثير، ونزلوا على البليخ، [وأقاموا]
(1)
هناك يومين واستراحوا وأراحوا، ثم نادى قرا سنقر: إن مَنْ وجد شيئًا مع أسير من هؤلاء الأسرى فليأخذه، ثم فرق عليهم ما غنموا من التتار، ثم أمر بقتل الأسرى وحمل رؤوسهم، فكانت حمل جملين، وذلك
(1)
وأقام: في الأصل.
غير الذي قتل في المعركة.
وساروا يطلبون حلب، ولما دخلوها كان يومًا عظيمًا، وفي الحال أرسل إلى السلطان يُعرفه بذلك، وأرسل حملًا من جلود رؤوس التتار المحشوة تبنًا، ولما وصل قاصد نائب حلب إلى دمشق "اجتمع بالأفرم وحكى له بجميع ما جرى، وخلع عليه الأفرم، وفرح بذلك فرحًا عظيمًا، ثم جهزه إلى السلطان، وكان الأفرم قد جهز عسكر دمشق"
(1)
مع الأمير سيف الدين بلبان البدري
(2)
والأمير سيف الدين بهادر
(3)
المعزى فأخّر هذه التجريدة إلى مُهِمّ آخر سلطاني.
وأنشد بعضهم في هذه الوقعة:
سلوا هند عن يوم البليخ وما جَرَى
…
لسوتاي بن الكلب مع ثوكال مع قرا
وطغْريل مع مَنْكُود مُرجى وطغرق
…
وابن هلاون اللّعين وبَيْدَرَا
أتونا بأصناف طُغاة وأرْمنٍ
…
جموعٌ تكل العين فيها تَحيُّرا
فَفَرّق شمْلهم وبدَّد جَمْعهُم
…
خيول من الإسلام قهرًا مُصَغّرا
بمن كان رأسهم هدير
(4)
غَضَنْفَرٌ
…
يكل لسان الوصف عنه مُخبرا
هو الشهم شمس الدين أوحد عصره
…
قَرا سنْقُر المعروف في ألسن الورا
ولما وصل مملوك قرا سنقر إلى مصر ومعه رؤوس القتلى، وتمثل بين يدي
(1)
مكتوب على هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(2)
هو: بلبان البدرى، أحد مقدمي الألوف بدمشق، توفي سنة 727 هـ/ 1327 م، الدرر 2/ 25 رقم 1329.
(3)
هو: بهادر بن عبد الله المعزى، من أعيان الأمراء في الدولة الناصرية محمد بن قلاوون، توفي في أواخر
739 هـ أو أوائل 740 هـ/ 1338 أو 1339 م، المنهل الصافي 3/ 430 رقم 705.
(4)
هزبر: في الأصل، ومصححة إلى هدير.
السلطان الناصر وحدثه بما جرى، سُرّ السلطان بذلك سرورًا عظيمًا، وخَلع عليه خُلْعة عظيمة، وأعطاه خمسة أروس من الخيل المسومة، وحياصة
(1)
من ذهب فيها عشر قطع من الجوهر، وسيفًا من سيوفه الخاص، وكتب إلى قرا سنقر كتابًا وشكر فيه شكرًا عظيمًا.
ذكر ما جَرَى على صاحب سيس من التتار
ولما رجع مملوك قرا سنقر من مصر، وبَلَّغ كتاب السلطان إليه، ومعه الخُلَع له ولمن كان معه من الأمراء في تلك الغزاة مع التتار، قال للأمراء: أبعثُ إلى صاحب سيس وأطلب منه الحمل المقرر عليه لأنه قد عوّقه وأنه سمع ما جرى على سوتاي مع التتار وربما داخله الرعب، فاستصوبوا ذلك، وطلب الشهروزي [وأرسله]
(2)
إلى صاحب السيس.
ولما وصل إليه أكرمه وأجلسه إلى جانبه، وسأله عن قرا سنقر وعن الوقعة التي كانت بينه وبين سوتاي، فأخبره الشهروزي، فأظهر صاحب سيس فرحًا في الظاهر، وفي الباطن خلاف ذلك، ثم سأله الشهروزي عن سبب تأخير الحمل، فقال: ما كان التأخير تسويفًا منا ولكن عذرنا واضح، وذلك أنه قد وصل إلى قيسارية الروم أمير من أمراء التتار، فأرسل إليّ وطلبني أن أحضر عنده، فحصل لي من ذلك تشويش كبير، وما أرضيت رسوله إلا بالغصب، واجتهدت على تشييعه لما سمعت بقدومك، وقدمت له الخيل والأموال، وقلت له: ما أقدر على الحضور إليه لأني سمعت أن قرا سنقر كسر سوتاي، وربما يغيرون على بلادي، وكان الرسول أيضًا قد بلغه خبر سوتاي، قبل مني العُذر، فسافر والآن ما بقى لنا إلا تجهيز الحمل في أسرع ما يكون، ثم أرسل إلى
(1)
الحياصة: الحزام أو المنطقة، ما يشد في الوسط، وتختلف باختلاف الرتب، فمنها ما يكون من ذهب مرصع بالفصوص، ومنها ما ليس كذلك، صبح الأعشى 2/ 134.
(2)
وأرسلوا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
سائر قلاعه وطلب من نوابه ما يجهز به الحمل، فشرع في تجهيز الخيل والبغال والقماش الفاخر، وفرح بذلك الشهروزي، وأقام هناك مقدار عشرين يومًا.
ثم قال صاحب سيس له: لا تخلّ أحدًا من أصحابك يبرز إلى الناس، فقال له: لم؟ قال: لأنه وصل رسول من الروم وذكر أن أميرًا من أمراء التتار يسمى [قازان]
(1)
جوق واصل إليكم، فأخشى أن يرى أحدًا منهم أحدًا من حاشيتك فلا يجرى علينا خير، ثم في ثاني اليوم جاء رسول من قازان جوق يطلب صاحب سيس إليه، وأنه نازل على قلعة تسمى بطرسية لأن تحتها مرج واسع ومياه كثيرة، فلما سمع بذلك طلب أمراءه وقاله لهم: هذا أمر قد رابني وما لي عادة بالرواح إلى أحد، وما في قلبي أن أروح إليه، ونفسي تحدثني عنه بكل شرّ، فقالوا له: اخْرِج هذا من خاطرك، [أتريد]
(2)
أن تخرب بلادك بيدك؟ ولا بُدّ من الرواح إليه على كل حال، فلم يزالوا عليه إلى أن أجاب إلى الرواح.
ثم طلب الشهروزي وأصحابه وأطلعهم إلى قلعة سيس، وقال له: تعلم أن هؤلاء الكلاب [دخلوا]
(3)
بلادنا ولا غنى لي عن الرواح إليهم وأرضيهم، فإذا جئت من عندهم نجهز الحمل، ثم سار وأخذ معه جميع أمرائه وعسكره وإخوته، وكان له أخ يسمى قرياقس، وقد بلغ التتار منه أنه كان يقول لناس من جهة التتار: إن أموال بلادنا كلها تُحمل إلى مصر وأن التكفور ومن عنده لا يريدون إلا صاحب مصر، وإن لم يدركوا إلى البلاد وإلا راحت من أيديهم، وهذا قاصد صاحب حلب عند التكفور لطلب الحمل المقرر عليه.
وكان قازان [جوق]
(4)
لما سمع بهذا الكلام قال لمن معه: إن لم ندبّر حيلة على صاحب سيس وإلا تغلب، لأن بلاده
(5)
قلاع وربما تعصى علينا، ولا نأمن أن يجئ إلينا
(1)
قزان: في الأصل، في هذا الموضع وبعض المواضع التالية، والتصويب وتوحيد الرسم مما يلي.
(2)
فتريد: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
دخو: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
جق: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(5)
صاحب بلاده: في الأصل ومشطوب على كلمة صاحب.
قرا سنقر صاحب حلب ويجري بيننا وبينه أحس مما جرى على سوتاي، فقالوا له: افعل ما تريد، وكان فيه من المكر والخيل والخداع ما لا يوصف، فلذلك نزل على قلعة البطرسية وأرسل إلى صاحب سيس وطلبه، ثم أرسل قاصده أيضًا إلى قرا سنقر وقال له: إني قد عولت على خراب سيس وأُقيل التكفور، ثم آجئ إليك لأتمثل بين يدي السلطان وأدخل تحت طاعته، غير أني خائف فأريد أن تطلب لي أمان السلطان يكون بيدي.
ولما ذهب رسوله إلى حلب حضر صاحب سيس عنده، فتلقاه قازان جوق بأحسن ملتقى وتيقن إليه، ففرح بذلك صاحب سيس وزال عنه ما كان في قلبه من الخوف، ثم قدم له ما كان معه من التقادم، ثم التفت قازان جوق ورأى خلف صاحب سيس أخاه قرياقس، وكان معه خمسمائة من الأرمن، وكلهم واقفون، وكان وصاه صاحب سيس أن لا يجلس مع التتار وأن يكون على يقظة منهم، [فقال]
(1)
قازان جوق الصاحب سيس: قل لأخيك وأصحابه يقعدون.
فقال: لا يمكن ذلك لأنكم أضياف ونُريد أن نكون كلنا في خدمتك، ولم يزالوا في ذلك اليوم في الشرب والملاهي إلى الليل.
ولما جاء الليل أمنت الأرمن إلى التتار لأنهم رأوا منهم بشاشة وخدمة، ثم قام قازان جوق وأخذ بيد قرياقس وأجلسه إلى جانبه وملأ كأسًا وناوله إياه، وأقسم عليه بأن لا يقوم، جلس واختلطت الأرمن بالمغل، فشربوا إلى أن ولّى أكثر الليل.
وكان قازان جوق اتفق مع المغل أنهم إذا رأوه أجلس قرياقس بحذاه، فيختلطون هم بالأرمن، وإذا رأوه قتل صاحب السيس يسرعون هم بالقتل في الأرمن، ثم بقى قازان جوق ينتظر غفلة من صاحب سيس، وإذا بقرياقس قد خرج ليقضي حاجته، فاغتنم قازان جوق وجذب سيفه وضرب رقبة صاحب سيس وأفصلها عن بدنه، فوقع الصياح
(1)
فقال له: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
في الأرمن، وسمع قرياقس الصراخ فرجع فتلقاه الأرمن وأخبروه بقتل أخيه، فطلب أن يركب فحالوا بينه وبين الخيل، فارتفعت
(1)
الأصوات تحت الظلام، وكان قرياقس من الشجعان فهجم على قازان جوق وحصل مركوبًا فركبه، واجتمع [معه]
(2)
عَصَبة من الأرمن فلم يزل يقاتل معهم إلى أن قتل منهم جماعة ومَا أصبح الصبح إلا وقرياقس معه مائة من أصحابه قد أسندوا ظهورهم إلى جبل هناك وقتلوا من المغل كثيرًا، فلما رأى ذلك قازان جوق قال: إن تخلص هذا ودخل
(3)
قلعة من القلاع لا يحصل لنا خير، فإنه يُعَرِّف بذلك أصحاب القلاع وما يمسكون الدربندات، وما يمكنوننا من الخروج فنهلك، فحمل هو بنفسه على قرياقس، وكان من فرسان الخيل، فتلقاه قرياقس وجعل قازان جوق نفسه هاربًا بين يديه، ثم أخرج سهمًا وأرسله إليه فأصاب صدره وخرج من ظهره ووقع ميتًا، ثم عمل السيف في الأرمن وأفنوهم عن آخرهم.
ثم سار قازان جوق ونزل على قلعة سيس ورأس التكفور ورأس أخيه قرياقس على رماح المغل، وأمر أن ينادي بأنكم رأيتم هذا، فإن أردتم السلامة فأَنْزِلُوا رسولَ
(4)
صاحب مصر حتى آخذه وأروح وإلا حاصرتكم وأخربت بلادكم وأسبي الحريم والأولاد، وتحيرت الأرمن وتشاوروا فيما بينهم، فاتفقوا على أن يسلموا إليه الشهروزي وأصحابه، فأخذهم قازان جوق ورحل يطلب ناحية الروم، وكانت الأرمن قد اجتمعوا مع أمير من أمراء القلاع يقال له: زنجفري، وكان من جبارة الأرمن، وساروا ومسكوا عليهم درب الروم، فلا سمع المغل بذلك لامُوا قازان جوق على فعله. فقال لهم: لا تذلوا أنفسكم يأخذونا، فأشار إليهم أن يخرجوا من دربند مَرى إلى عينتاب، فقال بُرْغلي، وهو أمير أيضًا: نخاف من عسكر حلب، فقال له قازان جوق: لا تخافوا، أنا أصلحت قرا سنقر وعملت معه مكيدة.
(1)
فارتفع: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
عنه في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
ودخل معه: في الأصل ومشطوب على كلمة معه.
(4)
رسول: في هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
ثم لم يزالوا سائرين حتى خرجوا من المري، فجفل فيهم أهل عينتاب وأعزاز والراوندان وأهل تلك البلاد، ثم أرسل قازان جوق إلى أمراء التركمان في تلك البلاد أن لا تخافوا فإنا من جملة غلمان مولانا السلطان، وقد أخربت بلاد سيس وقتلت التكفور وجئت هاربًا إلى السلطان، ثم أركب جماعة من عنده وأرسلهم إلى الأمير قرا سنقر نائب [حلب]
(1)
[بأنه]
(2)
أخرب سيس وقتل تكفور وأخاه وجماعة كثيرة من الأرمن، وأنه وصل إلى عينتاب ومعه عشرة آلاف من المغل وأنه يريد أمان السلطان، فلما وقف قرا سنقر على خبره فرح وأرسل في الحال بريديًا إلى مصر يعلم السلطان بما جرى لقازان جوق ونزوله على عينتاب وأنه يطلب الأمان.
وأقام قازان جوق على عينتاب، ووصلت إليه الإقامات والعلوفات، واستراح هو وأصحابه من التعب، وبقى قرا سنقر ينتظر البريدي الذي أرسله إلى مصر، فإذا به وقد حضر ومعه أمان السلطان والخُلع السنية لقازان جوق وللأمراء الذين معه، ووعد لهم بالإقطاعات والأخباز، فأرسل قرا سنقر جميع ذلك إليه مع مملوك من مماليكه يقال له: كيكلدي [الخازندار]
(3)
.
فلما وصل إليه كيكلدي قرأ عليه كتاب السلطان، وكان التركمان الذين هناك قد تراجعوا من الجفل واطمأنوا، ولما فرغ [من]
(4)
قراءة الكتاب وأخذ قازان جوق الأمان والخلع قبض على كيكلدي، وركب في الحال بمن معه، وأغار على التركمان، ثم طلب ناحية أغجا دَرَبند وعبر منها إلى ملطية.
وكان صاحب سيس قد أرسل أخاه هَريُنْد إلى خَرْبَنْدا في الأردو، قبل أن يجري لقازان جوق ما ذكرناه من الأمور، وكان معه تقادم لخَرْيندا، وكان في كتابه أن حكام
(1)
إضافة مما سبق للتوضيح.
(2)
فإنه: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
الخزندار: في الأصل.
(4)
عن: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
الروم يطلبون بلادهم كل وقت ويشوشون عليهم، والقصد أن تكون بلادهم تحت حكم الملك، فالذي يعطون لهم ولغيرهم من حكام الشام يُعطون للملك خَرْبنْدا، فكتب له خربندا يَزْلَق
(1)
بأن لا يحكم عليهم أحد من حكام الروم ولا يعترض إليهم أحد، وإذا دهمهم عدو يركب عسكر الروم إليهم ويُساعدونهم، ثم خلع على هَريُنْد
(2)
، فلما وصل إلى سيواس سمع [بما]
(3)
جرى على أخويه وبما حصل للبلاد من التشويش، وأسرع في الرواح حتى وصل إلى سيس، فرآهم في حالة عجيبة، ثم جمع أمراء الأرمن وأكابرهم والقسيسين والرهبان وقرأ عليهم يزلق خرْبندا وتشاوروا فيما بينهم، فكل واحد رأى برأي، فقال هَريُنْد: يا قوم اعلموا إن بلادنا ما يخربها إلا الشام، ولا سيما الذي جرى في هذا الوقت من أخذ رسول قرا سنقر، وهو الذي مسكه قازان جوق وتأخير الحمل المقرر علينا ولا نأمن من إغارتهم علينا ويخربون بلادنا ونخسر من الجهتين، فملكُنا قد راح وتخرب بلادنا أيضًا، فقالت الأرمن جميعهم: اعمل بما ترى فيه من المصلحة لأنك اليوم ملكنا والأمر أمرك.
وكان هَريند رجلًا عاقلًا، ففي الحال كتب كتابًا إلى قرا سنقر يُعلمه بصورة ما جرى عليهم من أوله إلى آخره، وذكر فيه:
إنا نحن عبيدكم في هذه البلاد ونوابكم، والأمر أمركم، وقد كنا في تجهيز الحمل المقرر علينا، فجرى ما جرى حتى تأخر الحمل، ولا نأمن من شرهم، وربما يرجعون إلينا، فإن جاءوا إلينا فاكتشفوهم عنا لأن البلاد بلادكم وإلا أخليناها لكم والأمر أمركم.
فأرسل كتابه مع [مهمندار]
(4)
سيس يقال له: عيسى، ووصوا لعيسى أيضًا أن
(1)
يزلق: مرسوم.
(2)
هرنيد: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(3)
إضافة تتفق مع السياق.
(4)
مهماندار: في الأصل، والتصويب من صبح الأعشى.
والمهمندار: فارسي مركب، وصاحب هذه الوظيفة يقوم بلقاء الرسل الواردين على السلطان، وينزلهم دار الضيافة، ويتحدث في القيام بأمرهم، صبح الأعشى 5/ 459.
يقول لقرا سنقر بأنه يبعث إلينا مَنْ يقبض المال، فلما وصل عيسى إلى قرا سنقر وقرأ كتابه تحير فيه لأجل ما فعل قازان جوق، فآخر الأمر أرسل إليهم مملوكًا من مماليكه يُقال له: علاء الدين ايدغدي ليقبض الحمل، وقال له: إذا وصلت إليهم اقبض المال واكشف خبر خشداشك - يعني الذي قبض عليه قازان جوق. وكتب كتابا إلى هريند وذكر فيه: ما أعرف خلاص مملوكى إلا منك.
ولما وصل ايدغدى إلى هريند، وقرأ كتابه، طلب ابن خالته [يقال]
(1)
له جرجس، وهو شيطان في زي إنسان، وكان مقدامًا على الأهوال، وقال له: تروح بكتابي هذا إلى خربندا وتقول له: إن هَريند لما رجع من عندك بِيَزْلق وجد قازان [جوق]
(2)
وقد قتل أخاه وأخرب بلاده وعصت أهل القلاع ولا يأمنون إلى أحد، فإن لم تبعث يَزْلق بسبي وفيه تطيب قلوب الناس تُخرب البلاد ولا يَسمع أحد من أحد، ولا يخفى على علمه أن سيس وبلادها ملك آبائي وأجدادي، فإذا كان بيدي يزلق من الملك لا يطمع فيّ أحدٌ، وهذا الذي فعله قازان جوق ما كان مصلحة، وكان الأمراء الذين كانوا قبله يقدرون على أعظم من ذلك، ومع هذا ما صدر منهم ما صدر من قازان جوق، لأنهم كانوا يعلمون أن غيرنا ما يقدرون أن يقيموا في بلادنا، وكذا الملك الناصر صاحب مصر لو أراد خراب بلادنا كان أخربها، غير أنا نداريهم على كره منا، وإن كان الملك يحتج علينا برسول صاحب مصر الذي جاء إلينا لأجل أخذ المال، فالملوك من قديم الزمان كانوا يفعلون ذلك، ويراسل بعضهم بعضًا، ونحن بأيدينا يزلق من أبيك بأن نصالح المسلمين ونداريهم، فإن كانت لك قدرة أن تردهم عنا فيا حبذا ذلك فنحن نريد أن نعطى الجزية [للمسلمين]
(3)
لا، وحق ما نعتقده، ولا نعطي الذي نعطى إلا على رغم أنفنا، لأن بلادنا متصلة ببلادهم ونحن مجاورون [لهم]
(4)
، وهم في كل سنة يغيرون علينا
(1)
فقال: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
جق: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(3)
للمسين: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
إضافة للتوضيح.
مرات ويخربون بلادنا فما يسعنا إلى مصالحتهم ومداراتهم، فإن [رددتموهم]
(1)
عنا فنحن نحمل إليك الذي نحمله إليهم وأكثر من ذلك، فيكون ذلك أقوم لجاهنا وأقوى لحرمتنا، وأنتم أحق منهم بذلك.
وكتب كتابًا آخر لرشيد الدولة وزير خربندا وذكر فيه:
أن يقول لخربندا أن بلاد الأرمن ما برحت على هذه الصورة من قديم الزمان، وتساعدنا عند الملك بكل وجه، ثم وصَّى لجرجس أن يكشف خبر الشهروزي وكيكلدي وما جرى لها مع خربندا.
وأما [قازان جوق]
(2)
فإنه لم يزل سائرًا من ملطية حتى وصل إلى الأرْدو، ومعه أموال وغنائم أخذها من بلاد الأرمن وبلاد عينتاب ومن التركمان، فقدَّم جميع ذلك لخربْندا، وحدثه بما جرى له مع صاحب سيس وكيف قتله بالحيلة، وكيف أخذ الشهروزي من قلعة سيس، وكيف احتال على قرا سنقر حتى أرسل إلى السلطان وأحضر له الأمان والخلع، فتحير خربندا من ذلك، ثم قال له: هل تقدر أن تقيم في بلاد سيس؟ فقال له: نعم، فإذا تقررت هناك أخرب بلاد حلب إلى حمص ولا أُمكن أحدًا يستقر في دمشق في راحة، ففرح بذلك خربندا، فأمر أن يكتب له يزلق بذلك بشرط أن يكون الأرمن على حالهم مع ملكهم، فكتبوا له بذلك، وعول هو على الرواح.
فبينما هو في التجهيز فإذا جرجس قد وصل بكتب من عند هَريُنْد الذي تولى سيس، فلما قرأها خربندا طلب رشيد الدولة الوزير وأوقفه على [الكتب]
(3)
، وحكى له ما جرى لقازان جوق مع صاحب سيس وأنهم قد مَلَّكُوا عليهم هريند.
وكان جرجس حين قدم إلى الأردو اجتمع أولًا برشيد الدولة وقدم له ما أرسل به هريند من التقدمة الهائلة ليساعده عند خربندا، فقال رشيد الدولة لخربندا: يا خوند إن
(1)
ردتيموهم: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
قاراجوق: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(3)
الكعب: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
بلاد هؤلاء الأرمن مجاورة لبلاد المسلمين وكل وقت
(1)
يغير عليهم المسلمون، فلو أرسلنا كل مَا يُغيرون عسكرًا كان يتعب عسكر المغل وينالهم مشقة، فبلادهم بين بلادنا وبلاد المسلمين، بل هي أقرب إلى بلاد المسلمين، [فما]
(2)
يسعهم إلا المداراة معهم، فإن كنت تريد أن لا يأخذ المسلمون منهم الجزي والمال الذي قرروه عليهم، فجهز العساكر واعتد للمصاف، فقال خربندا: هذا شيء غير طائل، فقال رشيد الدولة: المصلحة أن يُكتب يَزْلق باستقرار هَرْيُنْد على ما قرره الأرمن عليهم، فيكون نائبًا هناك عن الملك، فيحصل بذلك الخير في هذا الوقت إلى [أن]
(3)
تتمكن مما تريد غير ذلك، فعند ذلك كتب خربندا يزلق لهريند وسير [5]
(4)
له ومعه خُلعَةٌ وسيف.
وكان قازان جُوق قد قدم معه الشهروزي وكيكلدي كما ذكرنا، [فَأُحضرا]
(5)
بين يدي خربندا، فقال: ما جاء بكما إلى بلادى؟ فقال الشهروزي: أيد الله القان، نحنُ رُسل، وما جرت عادة الملوك بقتل الرسل، فالملك لا يجعل هذا سنةٌ تذكر في سير الملوك، فلما سمع خربندا بذلك، قال: هؤلاء ما لهم ذنب، ولكن احبسوهم في موضع إلى أن يرسل صاحب مصر إليَّ بطلبهم، فأُرسلهم إليه، ثم أمر خربندا لقازان جوق أن لا يروح إلى بلاد سيس فإني أعطيتها لهريُند، ثم شيع جرجس إلى بلاده، فلما وصل إلى هَريُند أعطى له اليزلق والخلعة والسيف، وأخبره بما قال خربندا، وأن الشهروزي وكيكلدي معوقان عنده إلى وقت طلب السلطان الملك الناصر إياهما، ففرح هَريُند بذلك.
وكان قد جهز حمل سيس، [فطلب]
(6)
علاء الدين أيدغدى وسَلَّم الحمل إليه،
(1)
وقت: ملحقة بين الأسطر في الأصل.
(2)
فيما: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
إضافة للتوضيح.
(4)
إضافة لاستكمال الكلمة.
(5)
فأحضروا: في الأصل.
(6)
بطلب: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
وأرسل أيضًا لقرا سنقر مثله، وأرسل جماعة من أصحابه صحبة عيسى المهماندار وسأل تقليد السلطان الملك الناصر بالنيابة عنه في بلاده، وذكر أن الشهروزي ما عليه شيء ولكن في هذا الوقت ما يمكنني الحديث فيه، وخَلَاصه عليَّ، ثم لما وصل أيدغدي إلى حلب، وأُحضر قصاد هريند إلى قرا سنقر وسمع كلامهم، جهزهم بالحمل إلى السلطان، فلا وصلوا إلى مصر وحضروا قدام السلطان وتحدثوا أمرَ السلطان بكتابة تقليد بنيابة سيس وبلادها، وخلع عليهم، وردهم، فلما حضروا إلى هَريند طاب خاطره بذلك.
ذكر اهتمام السلطان على خروجه من مصر وتركه السلطنة ورواحه إلى الكرك
بتاريخ العاشر من جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الجيزة وخيم بمنزلة الأهرام، ولم يزل مخيّما بها مترددًا في الصيد إلى الحادي والعشرين من شعبان
(1)
، وكان قد نوى أن يخرج من مصر ويُخلى السلطنة لما فيها من التشويش والضجر من تغلب المتغلبين، وجعل إظهار قصده الحج وسيلةً إلى ما
(2)
نواه في ضميره، فسأله الأمراء تأخير الحركة فلم يسمع، وشرع في التجهيز وتعيين مَنْ يسافر معه.
وقال بيبرس في تاريخه: لما شرع السلطان في إعداد الأهبة وتعيين من يسافر معه أعلم الأمير سيف الدين سلَّار والركن بيبرس الاستادار بما أضمره، فاجتمعا ذات يوم في الإيوان بدار النيابة في شهر رمضان
(3)
.
قال بيبرس: فحضرت أنا والأمير علاء الدين بن البرواناه عنده، فقال لنا في معرض
(1)
ينظر زبدة الفكرة 403، وورد: إلى أن كان العاشر من شعبان المكرم عاد إلى القلعة: في التحفة الملوكية 187، كما ورد: وقام يتصيد نحو عشرين يومًا: في السلوك 2/ 43، وينظر النجوم الزاهرة 8/ 175.
(2)
ما: بين الأسطر في الأصل.
(3)
زبدة الفكرة 403.
ما دار بيننا من الحديث: إن السلطان قد قوي عزمه على السفر قاصدًا الحجاز، ولا بد له من التوجه إلى الكرك في طريقه، وربما أنه نوى الإقامة بها، فإذا جرى الأمر على هذا فكيف التدبير؟ وما عندكما من الإشارة للمستشير؟
(1)
قال بيبرس: فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت إقامته بمدينة يثرب عامة الأيام، وهي وإن عظمت ذكرًا وكرمت قدرًا من أصغر المدن وفي جانب من الحجاز، وكان الناس على طاعته، ولم يمنع [إقامته]
(2)
بها مِنْ متابعته، ثم خلفاؤه من بعده: الإمام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان مقامهما بها واحدًا بعد واحد، وكانت عمالهما بالعراقين وخراسان ومصر والمغرب والشام وبعوثهما تفتح البلاد، وكل هذه الأقطار وشاسع الأمصار يؤدون إليها الطاعة ويحملون إليهما الأخماس والأفياء على بعد المسافة، وأمرهما نافذ بالرسائل والرسل، ولم يتوقف شيء من أمور الخلافة لبعد الشُّقة. ولا تعذَّر رسم من رسوم الإمامة لصغر موضع الإقامة، فلو فرضنا إقامة [الملك الناصر]
(3)
بالكرك في مملكته، وأنتما وسائر نوابه مستمرون على طاعته وامتثال إشارته واستمرار خطبته لجاز ذلك والنظام مستمر، والحال مستقر، وانقضى الخطاب بيننا في هذا الباب
(4)
.
وفي نزهة الناظر: استولى الأمير سلار والأمير بيبرس الجاشنكير على الملك، وطمعت الناس في الأجناد، وأيّ أمير لا يطاوعهما على ما يريدان شيعاه إلى الشام، وهلكت أجناد الحلقة، وسَلَّما الشام للأمير أفرم، فاشتغل هو ليلًا ونهارًا [بشرب]
(5)
الخمر والصيْد ولا يفكر في مصلحة الناس، ولم يكن عنده ديانة من الله ولا
(1)
زبدة الفكرة 403.
(2)
إقامه: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
إضافة للتوضيح
(4)
ينظر ما ورد عن هذا الاجتماع في زبدة الفكرة 403 - 404، التحفة الملوكية 187 - 188، حيث يوجد اختلاف في بعض الكلمات لا يغير من المعنى.
(5)
يشرب: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
حرمة للسلطان يخاف منه، فكتب أهل [الشام]
(1)
إلى السلطان مرارًا عديدة يشكون حالهم، فلم يُزل أحدّ شكواهم، فمتى كان الناصر يقول لسلار وبيبرس أن ينظرا في هذا ويعملا بمصالح المسلمين، كانا يقولان مَنْ يقدر على رضى الناس؟ ولا يقدر على ذلك إلا الله، وكانا يراعيان الأفرم ويتركان جانب الله تعالى، وكان الناصر كلها يقول لهما اكتبا إلى الأفرم بأن يُقلّل ركوبه إلى الصيد وشرب الخمر وينظر في مصالح الرعية ويخلص أموال الجند وحقوق الناس، كانا يقولان نعم، فإذا خرجا من عنده لا يفكران ولا يذكران، فبقى السلطان يسمع كل وقت منهما ما يضيق به صدره.
فبينما هو كذلك فإذا قد حضر إليه سليمان
(2)
بن مهنا أمير العرب ومعه تقادم جليلة وخيل، وكان الناصر مغرمًا بالخيل السبق، فاستعرض الخيل فما لقى شيئًا يرضيه ولا يعجبه، فقال: اش هذا الخيل؟ قال سليمان: يا مولاي نحن نجيب الخيل الملاح التي تعجب السلطان ولكن بيبرس وسلارا يأخذانها، فتقدم عثمان الركاب، وكان خصيصًا بالسلطان، ويكشف أخبار الخيل من العرب وغيرهم، وقال: يا مولانا السلطان، عند سليمان حصان أخضر [ما ملكه]
(3)
كسرى ولا قيصر، فلما سمع به السلطان طار فؤاده وقال: يا سليمان هات هذا على كل حال، فقال: يا مولاي، هذا الحصان أنا اشتريته من أهل البحرين، ولكن إلى الآن ما وزنت ثمنه، فقال: بكم اشتريته؟ فقال: بعشرين ألف وخمسين بعيرًا وخمسين ثوبًا من ثياب بعلبك وخمسين شاشًا وخمسين وصيفة وخمسين منسفًا، فقال له السلطان: أحضر الحصان وأنا أعطيك ما تريد، فأرسل سليمان في الحال نجابًا إلى ابنه بأن يُسَير له الحصان، فلما وصل الحصان إلى مصر وأحضره سليمان إلى السلطان ورآه أعجبه وفرح به غاية الفرح، وأعطاه كل ما طلب وأطلق له قرية في بلد حلب مغلها كل سنة خمسون ألف درهم
(1)
إضافة للتوضيح.
(2)
هو: سليمان بن مهنا بن عيسى بن مهنا، توفي سنة 744 هـ/ 1343 م، الدرر الكامنة 2/ 258 رقم 1864، المنهل الصافي 6/ 55 رقم 1099.
(3)
مالكه: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
وبقى السلطان في ذلك اليوم طول النهار في الاصطبل من فرحه بهذا الفرس، فسمع سلار وبيبرس بقضية الحصان، فامتلأ غيظًا على سليمان، وبقى الحصان عند السلطان ثلاثة أيام ومات، فحزن عليه السلطان حزنًا عظيمًا.
ولما سمع سلار وبيبرس بموت الحصان حضرا إلى السلطان، وقالا له: اش هذه الأعمال؟ فكل من سمّن فرسًا وأتى به إليك تصرف عليه جملة من بيت المال، ثم أمرا بأن يؤخذ جميع ما أعطاه لسليمان، فبلغ السلطان ذلك، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، إش لي أنا في الملك؟ إذا كنت أعطى شيئًا ثم يُسترد منه، والله ما أرضى بهذا لنفسي ولا غنى لي أن أعمل شيئًا يعجز عنه فحول الرجال ويتحدثون به من بعدي، ثم كتم ما به وأخفاه.
ثم بعد أيام قال لسلار وبيبرس: اعلموا إن البلاد ما تحفظ إلا بالجند، والجند ما تنصلح إلا بالمال، والمال لا يحصل إلا بالعدل، وقد بلغني أن جند الشام هلكى وأحوالهم فاسدة، وقد عولت أن أخرج إلى الشام ونُصَيّف فيه ونكشف أحوال البلاد، فقالا: حركة السلطان ما هي هينة، فإذا تحركت ارتجت البلاد [ويخلو]
(1)
بيت المال، فمالك أمر ضروري يحوجك إلى الخروج، فقال لهما السلطان: كل هذا شفقة على بيت المال، ولي عشر سنين أسمع تقولان: نجمع شيئًا في بيت المال لمصالح المسلمين، وهذا بيت المال فارغ، فقالا: لا يَسمع السلطان كلام مماليكه فينحل نظام ملكه.
ثم خرجا من عنده وتشاورا في ماذا يُصنع، وكذلك السلطان طلب الأمير بكتمر
(2)
الجوكندار وقال له: قد عولت على أمر، فقال: ما هو؟ قال: غدًا إذا جاء سلار وبيبرس اقبضوا عليهما، فإن امتنعا اضرب رقابهما، ثم إنه طلب مماليكه كلهم ورتبهم بين
(1)
ويخلي: في الأصل.
(2)
هو: بكتمر أمير جندار المنصوري، كان أولًا جوكندارا، ثم صار أمير جندار، قبض عليه في جمادي الأولى 711 هـ وسجن بالإسكندرية، ثم نقل إلى الكرك، ويقال إنه قتل بها في سنة 716 هـ/ 1316 م، الدرر الكامنة 2/ 18 رقم 1307، المنهل الصافي 3/ 298 رقم 680.
الأبواب والدهاليز وأخفاهم في داره.
وفي تلك الليلة سير الأمير بكتمر الجوكندار إلى سلار وبيبرس يقول لهم: إذا جزتما غدًا إلى القصر مسككما السلطان، وقد رتب مماليكه بين الأبواب.
فلما سمعا بذلك طلبا أمراء مصر في الليل، وحَلَّفاهم بأن يكونوا معهما على ما يريدان ولا يخون بعضهم بعضًا، ثم قال لهم سلار: يا أمراء ما يعرف هذا السلطان أحد أكثر مني، فوالله، فأي وقت تمكن منكم ما يخلى منكم أحدًا لا كبيرًا ولا صغيرًا، فحلف كلهم أنهم مع سلار وبيبرس يدًا واحدة.
فلما أصبحوا لبس سلار الزردية
(1)
تحت ثيابه وكذلك بيبرس، وألبسا مماليكهما أيضًا الزرديات تحت الثياب، وجاءوا وقعدوا على باب القُلَّة
(2)
، وجاءت الأمراء إلى الخدمة وبقى السلطان ينتظر أن يعبر إليه أحد، فما عبر إليه أحد إلى الظهر، فأرسل أرغون
(3)
الدوادار وطلب الأمراء أن يعبروا عنده، فقال سلار: ما لنا عبور إليه ما دام هو على هذه الفعال الذي قد عول عليه، ولكن هذا جزاؤنا منه، خدمناه وحفظنا له الملك وهو يطلب هلاكنا، فعبر أرغون، وقال: قد بلغهم ما عولت عليه، وأنهم قد أخذوا حذرهم، فقال له السلطان: رُوح إليهم وقل لهم: إن الذي سمعتم هو كلام الأعداء، فلا تسمعوا ذلك، فاعبروا حتى نحرّر هذا الأمر ونبصر من قال هذا الحديث، فخرج أرغون إليهم وقال لهم ما قال السلطان، فقالوا: ما بقي يروج علينا هذا.
ثم إنهم قاموا ونزلوا من باب القُلَّة إلى سوق الخيْل، وأمر سلار بضرب كوساته
(4)
، ونفخ بوقاته، فاجتمعت إليه الأمراء من كل ناحية، فعند ذلك أمر السلطان بغلق باب القلعة، ودارت الأمراء مع سلار وبيبرس حول القلعة.
(1)
الزردية: نوع من الدروع يلبسها المقاتل للوقاية من السيوف والسهام، ينظر صبح الأعشى.
(2)
قلة القلعة: أي قمة القلعة، ينظر لسان العرب.
(3)
هو: أرغون الدوادار، اشتراه المنصور ورباه مع ولده الناصر محمد، وكانت وفاته بحلب سنة 731 هـ/ 1330 م، الدرر الكامنة 1/ 374 رقم 873، المنهل الصافي 2/ 306 رقم 367.
(4)
كوسة - كوسات: صنوج من نحاس تشبه الترس الصغير، يدق بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص، ويتولى ذلك الكوسي، ينظر صبح الأعشى 4/ 9، 13.
القلعة، ودارت الأمراء مع سلار وبيبرس حول القلعة.
وكان لسلار أخ يُقَال له: سُمُك، وهو أعرج، شيطان، عريض الأكتاف، فساق هو وجماعة من مماليك سلار وأخوته إلى اصطبل السلطان وأخذوا كل ما فيه من الخيل، وطلع السلطان إلى الطارمة
(1)
وأخرج رأسه لينظر، فرماه سُمُك بسهم كاد أن يصيبه، فعند ذلك تقدمت مماليك السلطان ورموا، وسُمُك أيضًا رمي بمن معه، فعظم الأمر، وقتل من مماليك السلطان جماعة، وطلب مماليك السلطان أن يفتحوا باب القلعة وينزلوا، فمنعهم السلطان، وقال: لا يخرج أحدٌ، فجميع الأمراء مع سلار والدنيا منقلبة علينا، ودام الحصار على القلعة ثلاثة أيام.
ثم اجتمعت فقهاء مصر وقضاتها وصلحاؤها، وقالوا لسلار وبيبرس: هذا ما يحل لكم من الله تعالى أن تعملوا مع ابن أستاذكم هذا، ارجعوا إلى الله تعالى، فقال سلار: يا قوم نحن معذورون وهو الذي يطلب هلاكنا، وحققنا ذلك، من غير جريمة جرت منّا، ثم طلعوا عند السلطان، فرحب بهم السلطان وقالوا له: سألناك بالله أن تحقن دماء المسلمين. فقال: ما جرى مِني، هم الذين حاصروني وأخرقوا بناموسي وضيعوا ما كان بيني وبينهم، فقالوا: هم قالوا: إنك قد طلبت هلاكهم. فقال السلطان: هذا ليس بصحيح وإلا فتقولون لي مَنْ قال هذا القول؟ فقالوا: ما قال إلا الأمير بكتمر الجوكندار، فقال ما عندي من هذا علم فأنكر.
ثم لم [يزل]
(2)
هؤلاء بينهم حتى أنهم اتفقوا على أن يُخرجوا الجوكندار من مصر إلى الشام والمماليك الذين كانوا سبب هذه الفتنة، فوافقهم السلطان على ذلك، لأنه رأى من نفسه عجزًا وتقصيرًا في دفع هذا الشر، فأخرجوا الأمير بكتمر إلى قلعة صفد، وفرقوا هؤلاء المماليك من حول السلطان، ثم حلف السلطان أنه لا يسمع فيهم كلام أحد من
(1)
الطارمة: بيت من خشب يبنى سقفه على هيئة قبة، معد لجلوس السلطان، معرب عن تارم، معجم الألفاظ الفارسية المعربة 112.
(2)
يزال: في الأصل.
الناس، ولكن في قلبه نار بعدم تمكنه منهم.
ثم جاء إليه سلار وبيبرس وغيرهما، فقبلوا الأرض ووقفوا بين يديه، فخلع عليهم ولم يحدثهم بما كانوا فيه، بل قال لهم: على كل حال ما أعرف أحدًا رباني إلا أنتم، فجزاكم الله عني خيرا، فباسوا الأرض وخرجوا، وفي قلبه منهم شيء عظيم.
ثم إن السلطان بقى في الفكر ليلًا ونهارًا فيما يريد ويصنع حتى إنه اصفر لونه وتغير ذاته، فقال له مملوكه أرغون الدوادار: لا يحمل مولانا السلطان على قلبه همًا ففي أضيق ما يكون يأتي الله بالفرج، فقال: يا أرغون والله الموت أهون عليّ من هذا، فأين السلطنة؟ فلا أقدر على إعطاء ومنع، ولا على [كشف]
(1)
ظلامة أحد، فإش يكون أعظم من هذا؟ ثم أنشد:
ألَا موت يُباع فأشتريه
…
فهذا العيش ما لا خير فيه
ولو أبصرت قبرًا في فلاةٍ
…
وددت بأن أكون مما يليه
فقال: يا أرغون اكتم ما معك، فسوف ترى ما يكون.
ثم إن السلطان كل قليل يخلع على سلار وبيبرس ويُريهما أنه وَطَّن نفسه على كل ما يريدانه، فقال في يوم من الأيام لسلار: قد عولت على الصيّد، فقال سلار:[المرسوم]
(2)
مرسوم مولانا السلطان، فقال له السلطان: أنا من اليوم ما بقيت أعمل شيئًا حتى أشاورك، فإن رأيته مصلحة وإلا تركته، لأني تحققت ما تريد لي إلا خيرًا، فباس الأرض وخرج من عنده واستجمع بالأمير بيبرس وهو يضحك.
فقال له: مالك؟ [فحكى]
(3)
له الحكاية، فقال بيبرس: ما أخوفني منه فإنه صاحب
(1)
شفه: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
الموسوم: في الأصل.
(3)
فأحكي: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
مكر وخداع، ثم قال له ما ذكر [السلطان له]
(1)
من أمر الصيد، فقال بيبرس: مصلحة، لأنه محصور في هذه القلعة، فأخذوا في إصلاح أمورهم للصيد، وفي اليوم الثاني جاء سلار وأعلم السلطان بأنه تجهز أمرهم للصيد.
فقال: اخرجوا بنا إلى ناحية الصعيد فإن في قلبي منه، فساروا وطلبوا نحو الصعيد، ولما توسطوا البلاد اشتغلوا بالصيد، وجاءتهم التقادم من العربان وانفرد السلطان بمماليكه، فبينا هو سائر إذ مرّ بقرية خراب، فخرج إليه منها عشرة أنفس من الفلاحين وقدامهم شيخ كبير، فلما رأوا السلطان باسوا الأرض ودَعوا له واشتكوا من الجور والظلم، فوقف لهم السلطان وقال لهم: مَنْ ظلمكم؟ فقالوا: يا خوند، ظلمنا سلّار. فقال: وكيف؟ فقالوا: هذه القرية خاصّ للسلطان، وعمّر هو إلى جانبنا قريةً ورمى علينا من السخر والكُلَف ما لا طاقة لنا به، ثم إنه نادى في البلاد بحماية قريته، فهرب جميع فلاحى هذه القرية إليها، وخربت أملاكهم، وبقي الخراج علينا بالكلف والسخر مثلما كان في أيام عمارتها، ونحن عاجزون عن ذلك، وكنا نستنظر هذا اليوم، إما تكشف ظلامتنا أو نحتمي نحن مثل هؤلاء، فطيب السلطان خاطرهم وانصرف عنهم وهو حائر ما يدري ما يصنع.
ثم إنه كلما مر على قرية عامرة كأنها مدينة يسأل عنها هي لمن؟ يقولون: هي لسلار أو لبيبرس، وكلما مر على قرية خراب يسأل عنها هي لمن؟ يقولون: هي للسلطان.
فقال السلطان: أنا خرجت حتى أزيل عني الهم، وقد حملت فوق همي هما آخر، والله لقد أحزنني ما رأيت وبقى في صيده أيامًا، ثم رجع.
ولَمَّا دخل شهر رجب من هذه السنة طلب سلارا وبيبرس وقال لهما: إني قد عولت على الحجاز الشريف والحج إلى بيت الله الحرام، فماذا تقولان؟ فقالا: إذا رُحْتَ
(1)
السلطان له السلطان: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
مَنْ يَخْلُفك في المُلْك؟ فقال: لا تنكدُوا عَلَيّ، ولا غنى لي عن هذا الأمر، فأجاباه إلى ما أراد، فانفصل الأمر على هذا.
ذكر خروجه من مصر
قال ابن كثير: لما كان الخامس عشر من رمضان جمع السلطان الأمراء أرباب المشورة وأوصاهم بالاتفاق والانتظام، وخلع على نوابه وماليكهم الذين حضروا إليه، ثم ركب يوم السبت الخامس
(1)
والعشرين من رمضان من قلعته، وركب أعيان العساكر والأمراء الأكابر لتوديعه، فسار من فوره وأذن لهم في الرجوع فرجعوا.
وتوجه معه: عز الدين أيدمر الخطيرمي أستاذ الدار، وحسام الدين قرا لاجين أمير مجلس، وسيف الدين آل ملك الجوكندار، وسيف الدين بلبان المحمدي أمير جاندار، وعز الدين أيبك الرومي، وركن الدين بيبرس الأحمدى، وسيف الدين طقطاي
(2)
الساقي، وعلم الدين مسنجر الجمقْدار، وزين الدين مبارك أمير آخور، وشمس الدين سنقر السعدي النقيبب، وبعض الخاصكية والخدم والغلمان،
(3)
فسار إلى الصالحية وعيّد بها عيد الفطر، ثم سار
(4)
.
وفي نزهة الناظر: لما تحدث السلطان بالسفر إلى الحجاز اشتاع الخبر بين الناس بأن السلطان رائح إلى الحجاز، ولما عزم على الخروج، قال له بيبرس وسلار: أنت الساعة متوجه إلى الحجاز، فإذا أحدث عندنا أمر أو في البلاد واحتجنا إلى كتب كيف نعمل؟ قال: اكتبوا كتابًا. قالا: كيف نكتب بلا علامة
(5)
السلطان؟ فقال: كيف العمل؟
(1)
الرابع: في كنز الدرر 9/ 156، السادس: في تاريخ البرزالي 3/ 402.
(2)
يقطاي: في السلوك 2/ 43.
(3)
ومن المماليك خمسة وسبعون نفرًا: في السلوك 2/ 43، النجوم الزاهرة 8/ 176.
(4)
لم يرد هذا النص في المطبوع من ابن كثير، ينظر البداية والنهاية 18/ 79.
(5)
العلامة السلطانية: هي ما يكتب السلطان بخطه على صورة اصطلاحية خاصة، وكان لكل سلطان علامة تعتبر بمثابة توقيع. =
قالا: عَلِّم لنا على ورق أبيض بعض [العلامات]
(1)
نخليه عند نائبك، فإذا احتجنا إلى كتاب بعلامة السلطان كتبنا عليه، فعلّم لهم على درج أبيض، وكان قد استناب موضعه الأمير بيبرس
(2)
الخطائي، فسلم الدرج إليه، ثم إنه ركب، وركب الأمراء معه إلى مرحلتين، ثم رجعوا، وأخذ معه خمسمائة مملوك وبعض الأمراء.
وكان الأمير سلار قد أوصى للأمراء الذي معه أنهم يُعلمونهم بالنجاب كل ما يفعله السلطان ساعة فساعة ويومًا فيومًا، ثم إنه لَمَّا عبر البرية قال للأمراء الذين معه: قد عولت على أنني أخلّى الركب يسيرون على الطريق الجادة وبيتي وحريمي معهم وأنا آخذكم وأسير بكم على الكرك، فيكون أروح للركب، فنحن نتفرج ونصطاد، فقالوا: الرأي رأي مولانا السلطان.
ولما سار إلى جهة الكرك أرسل الأمراء نجابًا إلى مصر يُعَرِّفُون سلارًا
(3)
وبيبرس، ولما وصل النجاب وسمع الأمراء رواحه إلى الكرك، قال سلار: أخاف أن يطلع إلى الكرك ولا يعود بعد هذا، ثم إنه يُعد الشام فيحتاج إلى صداع عظيم.
وقال بيبرس أيضًا: هذا هو محل النظر.
ثم اتفق الأمراء على أن يكتبوا كتابًا إلى الأمير جمال الدين
(4)
نائب الكرك بأن السلطان قد توجه إلى الحجاز الشريف، وقد بلغنا أنه رجع من الطريق طالبًا الكرك، فإذا جاء إليك لا تمكنه من الطلوع إلى القلعة، إلا إنك أخرج إليه كل ما يطلبه، وعلم
= وجرت العادة أن تكتب العلامة في سطر مستقبل بخط السلطان، بقلم جليل، ينظر صبح الأعشى 6/ 314.
(1)
العلمات: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
هو: بيبرس المنصوري الخطائي الدوادوار، صاحب التاريخ المشهور، والمتوفى سنة 725 هـ/ 1324 م، الدرر الكامنة 2/ 43 رقم 1384، المنهل الصافي 3/ 477 رقم 722.
(3)
يعرفون الأمراء سلار: في الأصل، ويوجد شطب على كلمة الأمراء
(4)
هو: آقش = آقوش الأشر في جمال الدين البرناق، المعروف بنائب الكرك، وولي نيابة الكرك نحو العشرين سنة، ولذا عرف بنائب الكرك، مات بالإسكندرية سنة 736 هـ/ 1335 م، الدرر الكامنة 1/ 423 رقم 1023، المنهل الصافي 3/ 27 رقم 518.
بيبرس على الكتاب الذي كُتب إلى نائب الكرك لأنه كان بينه وبين نائب الكرك علامة، ثم إنهم قالوا: من يؤدي الكتاب؟ اطلبوا لنا نجابا، فقال بيبرس: ما هذا وقت النجاب. فقال سلار: عندي مَنْ يروح بالكتاب، ثم أحضر واحدًا من خشداشيته
(1)
يُقال له: الطنبغا، وكان سلار يعتمد عليه في المهمات، وقال له: يا علاء الدين نحن ما نعتمد إلا عليك، ونريد منك أن تجرد عزمك وتسير في أسرع وقت إلى الكرك، فإن صادفت السلطان في الطريق فإياك أن تحضر عنده، وإذا جئت نعطى لك إمرةً ويُرفع قدرك عندنا وأعطوا له خمسمائة دينار، فخرج وسار.
وكان هذا المملوك من أكبر مماليك المنصور، وكان أكبر من بيبرس وسلار، ولكن الله رفع قدرهما عليه، وافتكر وهو سائر، فإن وصيَّة بيبرس وسلار لي بأن أحترز عن الاجتماع بالسلطان لا يدل على خير، فإنها ربما جعلا مكيدة عليه فيطالبنى الله به "لأني قد أكون ساعدتهما وأنا من مماليكه، ثم لم يزل يدعو الله على أن يرزقه الاجتماع به"
(2)
ولم يزل سائرًا إلى أن أشرف على وطاق
(3)
السلطان في البرية، ثم اجتمع بأرغون الدوادار، فذهب أرغون وأعلم السلطان به فأحضره، فقال له: ما حاجتك في هذا الوقت؟ فقال: يا مولانا السلطان إن الأمير سلار والأمير بيبرس أعطياني كتابًا وقالا لي: سر به إلى الكرك، فإن رأيت السلطان في الطريق لا تجتمع به، وحرّضاني على ذلك، وأعطياني خمسمائة دينار، [ووعداني]
(4)
بإمرة، وأنا من بعض مماليك السلطان، فخشيت أن يكون في الكتاب بعض مكائد على مولانا السلطان، فقلت: والله، لا أعصي على مولانا السلطان، فأخذ الكتاب وفتحه، فإذا فيه:
(1)
خشداش: معرب اللفظ الفارسي خواجاتاش، أي الزميل في الخدمة، والخشداشية من مصطلحات عصر سلاطين المماليك، وتعني الأمراء الذين نشأوا كمماليك عند سيد واحد، فتكونت بينهم رابطة الزمالة، ينظر هامش السلوك 1/ 388، التعريف بمصطلحات صبح الأعشى 120.
(2)
مكتوب على هامش الأصل، وموضح موضعها بالمتن.
(3)
وطاق = وطاقات: كلمة تركية بمعنى الخيمة؟
(4)
ووعدوني: في الأصل.
إلى جمال الدين نائب الكرك، إذا وصل إليك السلطان، إياك أن تمكنه من الطلوع إلى القلعة، وأيّ شيء يطلبه احمله إليه.
فلما سمع السلطان ذلك أطرق رأسه ساعة، ثم قال لأرغون: اكتب كتابًا مثله إلى نائب الكرك عن لسانهما، وقل: ساعة وقوفك على هذا الكتاب، انزل ولاق السلطان، ثم أطلعه إلى القلعة، وقف في خدمته بكل ممكن، وكل ما يطلبه احضره بين يديه، فكتب أرغون بذلك، وعَلَّم عليه السلطان علامة سلار وبيبرس، ثم ناوله [لألطنبغا]
(1)
. وقال له: صنيعك [ما يضيع]
(2)
عندى، وأمر له بألف دينار، فإذا بلَّغت كتابي ارجع إلى بيتك، فإن مكنني الله من الملك فسوف ترى ما أصنع معك إن شاء الله تعالى.
ثم سار إلى أن وصل إلى الكرك، واعلموا نائب الكرك بمجيئه فأحضره عنده، فلما رآه نائب الكرك عرفه وأجلسه إلى جانبه وأكرمه، فناوله الكتاب، فلما قرأه قال: السمع والطاعة، فأين فارقت مولانا السلطان؟ فقال: في الموضع الفلاني، فوصف موضعًا، فعند ذلك أمر نائب الكرك الأمير جمال الدين بتجهيز الإقامات والعلوفات وأخلى القلعة وما خَلّى فيها أحدًا، وفرش دار السلطان وأصلح شأنه، وأمّا السلطان فإنه أسرع في المسير خوفًا على أن يكون كتابًا آخر مع شخص آخر غير الطنبغا المذكور، فيسبقه إلى الكرك ويحصل لنا توقف الحال.
ذكر وصول السلطان إلى الكرك وطلوعه قلعتها
قال بيبرس: وصل السلطان إلى الكرك يوم الأحد عاشر
(3)
شوال، فلما مر على جسر الممشى الذي على الخندق داخلًا إلى القلعة، ومماليكه ماشون في ركابه، انكسرت أخشاب الجسر من تحت أرجلهم، بعد أن تقدمت يدا فرس السلطان وصارتا على سفح
(1)
لا طنبغا: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(2)
ما بصنيع: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
ثامن: في كنز الدرر 9/ 156، الرابع في تاريخ البرزالي 3/ 402.
الجبل، فسلمه الله من الزلل والخلل، وسقط بعض من كان في الركاب من المماليك، ولم يمت أحد، "وربما انصدع المماليك فصح بالجبار"
(1)
.
وقال النويري في تاريخه: وسقط أكثر الخاصكية في الخندق، وسلموا كلهم إلا اثنين وهما الحاج عز الدين أزدمر رأس نوبة الجمدارية، انقطع نخاعه وبطل نصفه، وعاش "كذلك لسنة ستة عشر، فمات فيها"
(2)
، والآخر مات لوقته
(3)
.
وقال ابن كثير في تاريخه: ولما توسط السلطان الجسر انكسر، فسلم مَن قدامه، وقفز به الفرس فسلم، وسقط
(4)
مَنْ [كان]
(5)
وراءه، وكانوا خمسين، فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادي الذي تحته
(6)
.
وقال صاحب النزهة: لما انقطعت سلسلة الجسر وتمزق الخشب صرخ السلطان على فرسه، وكان قد [نزلت]
(7)
رجله في الخشب، فوثب إلى داخل الباب، ووقع كل من كان على الجسر، وكانوا أكثر من مائة مملوك، فوقعوا في الخندق، فمات منهم سبعة واتهشم منهم خلق كثير، فضاق صدر السلطان، وقال في نفسه: هذه شدة يكون عقيبها خيرٌ إن شاء الله تعالى
(8)
، ولما استقر به الجلوس وقف نائب الكرك في خدمته، فقال له: ما سبب انقطاع الجسر في هذا الوقت؟ فباس الأرض وقال: أيد الله مولانا السلطان، هذا الجسر عتيق، فثقل بالرجال فما حَمل، فقال له: صدقت وأمره
(1)
والذي انصدع صح بالجبار: في زبدة الفكرة 405، والمقصود أن مَنْ أُصيب من المماليك بكسر فقد صح بعد أن ركبت له جبيرة.
(2)
إلى أن مات في سنة عشرة وسبعمائة: في المطبوع من نهاية الأرب 32/ 140، النجوم الزاهرة 8/ 177.
(3)
والآخر مات لوقته: لم يرد في المطبوع من نهاية الأرب.
(4)
وسقط: مكررة في الأصل.
(5)
إضافة للتوضيح، من البداية والنهاية.
(6)
البداية والنهاية 18/ 79، الجوهر الثمين 336، وينظر النجوم الزاهرة 8/ 177.
(7)
نزل: في الأصل.
(8)
ينظر النجوم الزاهرة 8/ 177.
بالانصراف.
وقال ابن كثير: وبقي نائب الكرك، وهو جمال الدين أقوش، خجلًا متوهمًا أن يكون هذا [يظنه السلطان]
(1)
عن قصد، وكان قد عمل ضيافة للسلطان غرم عليها أربعة عشر ألفًا، فلم تقع الموقع لاشتغال السلطان بهمّة وما جرى له [ولأصحابه]
(2)
، ثم خلع على نائب الكرك وأذن له بالانصراف
(3)
.
ذكر ما وقع من السلطان بعد دخوله الكرك
قال ابن كثير: لما جرى على السلطان ما جرى واستقر في القلعة خلع على النائب وأذن له بالتوجه إلى مصر فسافر
(4)
.
وفي النزهة: لما بات السلطان تلك الليلة في القلعة وأصبح طلب نائب الكرك فقال له: يا جمال الدين سافر إلى مصر واجتمع بخشداشيتك، فباس الأرض وقال: السمع والطاعة، ثم إنه في تلك الساعة صرخ بمماليكه وكل من يلوذ به، ثم بعد ثلاثة أيام نادى السلطان في القلعة والكرك: لا يبقى هنا أحد لا كبير ولا صغير حتى يخرج، فيجيب ثلاثة أحجار من خارج البلاد، مخرج كل من في القلعة والبلد، ثم أمر السلطان أن يُغلق باب الكرك، فرجعت الناس ومعهم الأحجار فرأوا الباب مغلوقًا، فقيل لهم: كل من له أولاد أو حريم يخرج إليه ولا يبقى أحد بحوز الكرك، وما أمسى المساء وقد بقي في الكرك من أهلها دَيَّار، فَمِنْهم من تفرق في البلاد، ومنهم من سكن في مؤتة، ولم يبق في القلعة إلا مماليك السلطان لا غير، واستقل السلطان بتدبير المملكة بالكرك وحدها، فيحضر دار العدل ويباشر الأمور بنفسه، ثم طلب أرغون الدوادار وضم إليه مائتى
(1)
إضافة لاستكمال النص، من البداية والنهاية 18/ 79.
(2)
إضافة لاستكمال النص، من البداية والنهاية 18/ 79.
(3)
ينظر البداية والنهاية 18/ 79.
(4)
يراجع البداية والنهاية 18/ 79.
مملوك، وقال له: سِرْ إلى عقبةُ أيلا، فاحضر بيتي وأولادي وحريمي من الحجاج، فخرج وسار إلى أن وصل العقبة، فأخذهم ورجع بهم إلى السلطان
(1)
.
وقال ابن كثير: وكان السلطان قد قرّر سفر حُرمَه وولده مع الركب المصري صحبة جمال الدين خضر بن سيف الدين نوكيه، وعاجوا
(2)
من العقبة إلى نحو الكرك، فوصلوها ودخلوا القلعة، فعند ذلك تقدم إلى الأمراء الذين معه بالعود إلى مصر، وأعاد خمسمائة هجين من الهجن التي استصحبها، وحضر سيف الدين آل ملك الجوكندار وركن الدين بيبرس الأحمدى وزين أمير آخور على الهجن إلى الباب السعيد، وأحضروا كتابًا صادرًا عن السلطان إلى الموالى الأمراء يتضمن رغبته عن الملك وتركه إياه والإقامة بالكرك والإذن لهُم بإقامة مَنْ يصلح لهذا الأمر من بينهم إلى غير ذلك من كلام طويل، فوردت مكاتباته بذلك إلى القاهرة يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال، وذكر أنه وجد في الكرك من الأموال سبعة وعشرين ألف دينار عينًا وألف ألف درهم وسبعمائة ألف درهم
(3)
، وأما نائب الكرك فإنه سار ووصل إلى مصر، ولما تمثل بين يدي سلار وبيبرس قالا له: مَنْ أمرك [بتمكين]
(4)
السلطان من الطلوع إلى القلعة؟ فقال: كتابَكم وصل إليَّ يأمرني بأن أنزل إليه وأطلعه إلى القلعة، فقالا: وأين الكتاب؟ فأخرجه، فقالا: هذا غير الذي كتبناه، اطلبوا الطنبغا، فطلبوه، فهرب إلى الكرك عند السلطان
(5)
.
وقال بيبرس في تاريخه: لما كان يوم السبت الثالث والعشرين من شوال ركبنا جميعًا للتسْيير في سوق الخيل كجاري العادة، فأجرى الأمير سيف الدين سلار والركن أستاذ الدار ذكر ذلك مع الأمراء وقالا: إن السلطان سيّر يتنصل من الملك ويلتمس الإعفاء منه
(1)
ينظر النجوم الزاهرة 8/ 178.
(2)
عَاج، عَوْجًا: وقف ورجع، القاموس المحيط، مادة: عَوج.
(3)
يراجع السلوك 2/ 44، النجوم الزاهرة 8/ 179.
(4)
بتمكن: في الأصل.
(5)
لم يرد هذا النص في المطبوع من البداية والنهاية 18/ 78 - 79.
وأن يقيم بالكرك
(1)
.
قال بيبرس: فقلت ينبغي مراجعته واستعطافه وترضيه ومراسلته إلى أن يذعن لعوده ويستمر في سلطنته، ويتوجه إليه من له صورة من كبار الأمراء في هذه الرسالة، فقالا: متى حصل التردد والمراجعة والتعييد والمعَارضة تخشى من اضطراب الأمور وعبث الجمهور ونفاق العربان وثورة أهل العصيان، فلا بد من اجتماعنا بالإيوان، فظهر لي النفس واتضح، ورأيت أن الإناء بما فيه نضح، فأمسكت عن الجواب، وقلت: الله الموفق للصواب
(2)
.
وقال صاحب النزهة: لما وجّه الناصر الأمراء الذين معه إلى مصر أمر لوكيله ابن عبادة أن يكتب كتابًا، فكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، حرس الله تعالى نعمة الجنابين العاليين الكبيرين الغازيين المجاهدين، [وفقهما]
(3)
الله تعالى توفيق العارفين، أما بعد: فقد طلعتُ إلى قلعة الكرك وهي من بعض قلاعي ومُلْكي، وقد عولت [على]
(4)
الإقامة بها
(5)
، فإن كنتم مماليكي ومماليك أبي فأطيعوا نائبي ولا تخالفوه في أمر من الأمور ولا تعملوا شيئًا حتى تشاوروني، فأنا ما أريد لكم إلا الخير، وما طلعت إلى هذا المكان إلا لأنه أروح لي وأقلّ كلفة، وإن كنتم ما تسمعون منى فأنا متوكل على الله، والسلام
(6)
.
ثم سلم الكتاب للأمراء المتوجهين إلى مصر، فلما حضروا إلى مصر استجمعوا بيبرس وسلار ودفعوا الكتاب إليها، وقرأوه وتشاوروا ساعة، ثم قاموا من باب القلعة وذهبوا إلى دار بيبرس، واتفقوا على أن يرسلوا إلى السلطان كتابًا، فكتبوه وأرسلوه مع
(1)
زبدة الفكرة 405.
(2)
زبدة الفكرة 405 - 406.
(3)
وفقهم: في الأصل، والتصويب من النجوم الزاهرة 8/ 180.
(4)
إضافة من النجوم الزاهرة 8/ 180.
(5)
فيها: في النجوم الزاهرة 8/ 180.
(6)
ينظر النجوم الزاهرة 8/ 180.
البَرواني
(1)
على البريد، فسار البرواني إلى أن وصل إلى الكرك، فاجتمع بالناصر وناوله الكتاب، وأعطاه لأرغون [الدوادار]
(2)
فقرأه، فتبسم السلطان وقال: لا إله إلا الله، وكان في الكتاب:
ما علمنا ما عولت عليه، وطلوعك الكرك وإنزالك
(3)
أهلها وتشييعك نائبها، وهذا أمل بعيد، فخل عنك شغل الصبي وقم واحضر إلينا، وإلا بعد ذلك تطلب الحضور ولا يصح لك، وتندم ولا ينفع الندم، فيا ليت لو علمنا ما كان وقع في خاطرك وما عولت عليه، غير أن لكل [مُلْك]
(4)
انصرام، [ولإنقضاء الدولة]
(5)
أحكام، ولحول الأقدار إسهام، فلأجل هذا أمرك غيّكُ بالتطويل، وحَسَّن لك زخرف الأقاويل، فالله الله حال وقوفك على هذا الكتاب يكون الجواب حضورك بنفسك ومعك [مماليكك]
(6)
، وإلا تعلم إنا ما نخلّيك في الكرك، ولو كثر شاكروك، ويخرج [المُلْكُ]
(7)
من يدك، والسلام.
فقال السلطان: لا إله إلا الله، لقد أظهروا ما في صدورهم، ثم أمر بإحضار آلة الملك مثل العصائب والسناجق والكوسات والهجن، وكل ما كان معه من آلات الملك وسلمها للبرواني، وقال له: قل لسلار، ما أخذت لكم شيئًا من بيت المال، وهذا الذي أخذته قد سيرته لكم، وافتصلوا بحالكم، فأنا ما بقيت أعمل سلطانًا وأنتم على هذه الصورة، فدعوني أنا في هذه القلعة منعزلًا عنكم إلى أن يفرج الله تعالى إما بموت أو غيره.
(1)
هو: سنجر البرواني، أحد الأمراء بمصر، اختص بالمظفر بيبرس الجاشنكير، ولذا قبض عليه الناصر عندما رجع إلى السلطنة، ثم أفرج عنه سنة 727 هـ، واستقر أمير طبلخاناة، توفي فجأة سنة 731 هـ/ 1330 م، الدرر الكامنة 2/ 269 رقم 1884.
(2)
إضافة للتوضيح من النجوم الزاهرة 8/ 181.
(3)
وإخراج: في النجوم الزاهرة.
(4)
إضافة من النجوم الزاهرة.
(5)
ولا تتقاضى الدول: في الأصل، والتصويب من النجوم الزاهرة.
(6)
مماليك: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(7)
إضافة من النجوم الزاهرة.
فأخذ البرواني الكتاب الذي أعطاه السلطان إياه، وجميع ما أعطاه السلطان أيضًا، وسار إلى أن وصل مصر ودفع الكتاب لسلار وبيبرس، فلما قُرئ الكتاب قالوا: ولو جاء هذا الصبي ما بقى يصلح للسلطنة، وأيّ وقت عاد إلى السلطنة لا نأمن غدره واتباعه عثراتنا
(1)
.
ذكر سلطنة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير
وهو السابع
(2)
من سلاطين الترك، لأن أولهم هو الملك المُعز أيبك التركماني، ثم الملك المظفر قطز، ثم الملك الظاهر بيبرس، ثم الملك المنصور قلاوون، ثم الملك العادل كتبغا، ثم الملك المنصور لاجين، ثم الملك المظفر بيبرس الجاشنكير.
قال ابن كثير: ولما وصلت كتب السلطان الناصر بذلك اجتمع الأمراء على الأمير سلار، فخاف سلار وخشي العاقبة، واختار الأمراء ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وكانت البرجية تختاره، وبويع له بعد أن أُثْبت كتاب الملك الناصر على القضاة بديار مصر.
وكانت البيعة له بالسلطنة في الثالث والعشرين من شوال يوم السبت بعد العصر بدار سيف الدين سلار، اجتمع أعيان الدولة من الأمراء وغيرهم وبايعوه وخاطبوه بالملك المظفر، ثم ركب إلى القلعة ومشوا بين يديه وجلس على سرير المملكة، ودُقت البشائر، وسارت البريدية بذلك إلى سائر البلدان
(3)
، وحضر الخليفة المستكفى بالله فقلده السلطنة، وكتب له عهد شمله خَطه.
(1)
ينظر النجوم الزاهرة 8/ 181.
(2)
لا يدخل في هذا التعداد أبناء السلاطين الذين تولوا الحكم وهم: علي بن أيبك، وبركة بن بيبرس، وسلامش بن بيبرس، والأشرف خليل بن قلاوون، والناصر محمد بن قلاوون، ولذا ورد: وهو الثاني عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية: في بدائع الزهور 1/ ق 1/ 423.
(3)
يراجع تاريخ البرزالي 3/ 403، البداية والنهاية 18/ 80 - 81.
وفي نزهة الناظر: ولما بلغ أمراء مصر إقامة الملك الناصر في الكرك وتركه السلطنة طلبوا بيبرس الخطائي الذي كان نائب الناصر وطلبوا منه الدرج الذي فيه علامة الملك الناصر، فأحضره لهم فكتبوا على بعضه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من أخيهم محمد بن قلاوون الذي يُعْلَم به الأمراء المقدمون والنواب والأجناد والقضاة والعلماء والعامَّة وأهل السواد أنني قد نزلت عن السلطنة لعجزي عن القيام بمصالحها وشروطها وسلوك واجباتها، والمسلمون بلا سلطان لا يكون، فليختاروا لهم سلطانًا وأنا لهم موافق على ذلك.
ذكر إرسال المظفر إلى نواب الشام
ثم طلب بيبرس أميرين من أمراء مصر أحدهما يسمى أيبك البغدادي والآخر يقال له [ساطي]
(1)
، فكتب معهما كتابا وأمرهما أن يذهبا إلى الشام ويُحلِّفان نائبه الأمير جمال الدين أقوش الأفرم وسائر الأمراء، فأخذا الكتاب وسارا إلى أن وصلا إلى دمشق
(2)
، خرج نائب الشام [ولقيهما]
(3)
، ثم أنزلها في داره، فلما قرأ الكتاب كاد أن يطير من الفرح، وذلك لأنه كان خشداش بيبرس
(4)
.
وفي الحال طلب الأمراء والقضاة والعلماء، ثم أخرج كتاب بيبرس يذكر فيه أن السلطان الناصر عزل نفسه من السلطنة، وأن أمراء مصر وعلماءها وقضاتها قد عاقدوني على السلطنة، وقد سيّرت لك خط الملك الناصر الذي كتبه بيده الذي عزل فيه
(1)
ساطر: في الأصل، والتصويب مما يلي.
وهو: ساطي السلاح دار، أحد كبار الأمراء في أوائل دولة الناصر، وكان صهر سلار، توفي سنة 732 هـ/ 1331 م أو 762 هـ/ 1360 م، ينظر الدرر الكامنة 2/ 216 رقم 1768.
(2)
يوم الأحد مستهل ذي القعدة: في تاريخ البرزالي 3/ 404.
(3)
ولقاهما: في الأصل.
(4)
وردت رواية أخرى تفيد بأن الأفرم قال: أنا لا أحلف لبيبرس، وقد حلفت للملك الناصر، حتى أبعث إلى الناصر: يراجع السلوك 2/ 47.
نفسه، وعليه خطوط علماء مصر، فحال وقوفكم على هذا الكتاب تحلفون جميعكم وتبعثون إلينا نسخة الإيمان، فأجاب جميع الأمراء بالسمع والطاعة، وسكت منهم أربعة أنفس ولم يتحدثوا بشئ، وهم: بيبرس العلائي
(1)
، وبهادر آص
(2)
، وأقجبا
(3)
الظاهري، وبكتمر
(4)
حاجب الحجّاب، فقال لهم الأفرم: يا أمراء كل الناس منتظرون كلامكم، فتكلموا، فقال بهادر آص: نريد الخط الذي كتبه الملك الناصر بيده وفيه عزل نفسه، فأخرج النائب خطه، ثم قال بهادر آص: يا مولانا ملك الأمراء، لا تستعجل، فالشام فيها أمراء غيرنا مثل قرا سنقر وقفجق وأسندمر وغيرهم، فنرسل إليهم ونتفق معهم على المصلحة، فإذا شاورناهم تطيب [خواطرهم]
(5)
، وربما يرون من المصلحة ما لا نرى نحن.
ثم قام بهادر آص وخرج، وخرجت الأمراء وراءه، فقال أيْبَك البغدادي للأفرم: لو مسكت بهادر آص لنصلح الأمر على ما تريد. فقال: والله العظيم لو قبضت عليه لقامت فتنة عظيمة، فطوّل روحك وتغيير الدول ما هو هيّن، وأنا ما أخاف من أحد من أمراء الشام إلا من قفجق لأنه ربما يقيم فتنة من خوفه على روحه.
ولما كان اليوم الثاني طلب الأفرم هؤلاء الأمراء الأربع واختلى بهم، وقال لهم: اعلموا أن هذا الأمر قد انفصل، ولم يبق لنا ولا لغيرنا فيه مجال، وأنتم تعلمون أن كل من يجلس على كرسي مصر هو السلطان ولو كان عبدًا حبشيًا، فما أنتم بأعظم من أمراء مصر، وربما يبلغ هذا إليه فيغلظ قلبه عليكم، ولم يزل يلاطف حتى حَلفوا، ثم حلف
(1)
بيبرس العلائي: أحد أمراء دمشق، توفي بالكرك سنة 712 هـ/ 1312 م، الدرر الكامنة 2/ 42 رقم 1379، وينظر ما يلي.
(2)
بهادر آص المنصوري: توفي بدمشق سنة 730 هـ/ 1329 م، الدرر الكامنة 2/ 30 رقم 1357.
(3)
آقجبا الظاهري، فخر الدين: أحد الأمراء بدمشق، توفي سنة 714 هـ/ 1314 م، الدرر الكامنة 1/ 421 رقم 1011.
(4)
توفي سنة 728 هـ/ 1327 م، الدرر الكامنة 2/ 17 رقم 1306، وورد أنه توفي 738 هـ/ 1337 م، في المنهل الصافي 3/ 389 رقم 677.
(5)
حوارهم: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
باقي الأمراء.
وخلع الأفرم على جميع الأمراء والقضاة بخُلع سنيَّة، وكذلك خلع على أيبك البغدادي وساطي وأعطاهما ألفي دينار، ورَدّهما في أسرع وقت، لأن بيبرس كان عينه في الطريق لأجل خبرهما، وكتب معهما كتابًا إلى بيبرس يهنئه بالملك ويقول: فعن قليل تأتيك نسخة الإيمان من الشام كلها، وسار أيبك وساطي فوصلا إلى مصر، وأعلما الملك المظفر بما جرى، فانشرح صدره.
وأما الأفرم فإنه جهز بهادر الجاغاني إلى حلب ليُعلم الأمير سيف الدين قراسنقر بما قد جَرى، فلما وصل إليه وقرأ كتابه قال لبهادر: آش الحاجة إلى مشاورة أستاذك إيانا بعد أن حَلف؟ وكان ينبغي أن يتأنى في ذلك.
وكذلك أرسل الأفرم إلى قفجق، فلما قرأ كتابه قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، أي شيء يجري من ابن أستاذنا حتى عزل نفسه، فوالله لقد دبرتم أشأم التدبير، هذه والله نوبة لاجين، ثم قال لمملوك الأفرع: اذهب إلى أستاذك وقل له: الآن بلغت مرادك وسوف تبصر من يصبح نَدْمان وفي أمره حيران، آش كانت العجلة في هذا الأمر؟
وكذلك أرسل الأفرم إلى أسندمر، فلما قرأ كتابه أطرق رأسه إلى الأرض، ثم قال: قم واذهب وقل لأستاذك: يا بعيد الذهن وقليل العلم بعد أن دبرت أمرًا فما الحاجة إلى مشاورتنا؟ فوالله ليكونن عليكم أشأم التدبير، وسيعود وباله عليكم، ولم يكتب له جوابًا.
وأما قرا سنقر تائب حلب فإنه أرسل إلى قفجق وإلى أسندمر يعلمهما بأن الأفرم حَلَّف عسكر دمشق، لأنه مع بيبرس عضو واحد، ولا نأمن بعد أن وصل إلى المُلْك، أن يعمل الأفرم علينا، فهلموا نجتمع في موضع واحد ونتشاور في أمر يكون فيه الصلاح، فاتفقوا كلهم على أن يجتمعوا في حلب عند قرا سنقر وعينوا ليلة يكون اجتماعهم فيها.
وأما قفجق فإنه ركب إلى الصيد بمماليكهـ خاصةً وصيّد إلى الليل، ثم رجع عنه وسار في الليل طالبًا حلب، وأما أسندمر فإنه أظهر أنه ضعيف وأمر أن لا يخلى أحدًا يدخل عليه، وفي الليل ركب بمماليكهـ الذين يعتمد عليهم وقد غيّروا ملابسهم وسار يطلب حلب.
فاجتمع كلهم في دار قرا سنقر، فقال لهم قرا سنقر: ما تقولون في هذه القضية التي جرت؟ فقال قفجق: والله لقد جرى أمر عظيم، وإن لم نحسن التدبير نقع في بحر المقادير، فهذه دولة سُلِبت من ابن أستاذنا وأخذها بيبرس ويكون الأفرم مدبر الدولة، وهو على كل حال عدونا ولا نأمن شره. قالوا: فما نفعل؟ فقال: الرأي أن نكتب إلى ابن أستاذنا في الكرك ونطلبه إلى حلب ونركب معه، فإما نأخذ له الملك وإما نموت على خيولنا، فقال اسندمر: هذا هو الكلام، فحلف ثلاثتهم أنهم على هذا كلام واحد ولا يقطع أحدًا أمرًا إلا بمشورة أصحابه وإنهم يموت بعضهم على بعض، ثم أنهم تفرقوا في الليل، وكل واحد راح إلى بلده.
وبعد قليل وصل أميران من مصر إلى دمشق حتى يحلفان قرا سنقر وقفجق واسندمر، فقال لهما الأفرع: أنا أرسلت إليهم مملوكي وردوا عليه جوابًا لا يرضى به مولانا السلطان، وكان الأفرم قد حَلّف عسكر دمشق وقلاعها وسير نسخة الإيمان مع مملوكه مغلطاي، وأعطاه الملك المظفر إمرة أربعين وخلع عليه وأرسل للأفرم خُلعة بألف دينار وأطلق له كل شيء كان له في الشام من الحواصل وكان شيئًا عظيمًا، ففرح الأفرم غاية الفرح.
قال الأميران اللذان وصلا إلى الأفرم: ما تشير به علينا؟ فقال لهما: ارجعا إلى مصر فلا تذهبا إلى هؤلاء فإن رؤوسهم قوية وربما يثيرون فتنة، فقالا: وغنى لنا من أن نسمع كلامهم، ثم إنهما ركبا وسارا إلى حماة ودخلا على قفجق ودفعا له كتاب الملك المظفر، فقرأه، ثم قال: وأين كتاب الملك الناصر؟ فأخرجا له الكتاب، فلما وقف عليه بكى وفاضت عيناه بالدموع وقال: من قال إن هذا خط الملك الناصر، والله، يكون في قرية
ذكر إرسال قرا سنقر ولده إلى الملك الناصر بالكرك
ولما خرج الأميران المذكوران أيبك وسَاطِي من عند قرا سنقر على وجه غير مرضٍ كتب كتابًا إلى الملك الناصر وهو بالكرك يلومه على نزوله عن الملك وكيف وقع ذلك ولم يشاوره في أول الأمر، ووعد له برجوع المُلْك إليه عن قريب، وإنه هو والأمير قفجق نائب حماة والأمير أسندمر نائب طرابلس ما حلفوا للمظفر وأنهم مقيمون على أيمانهم له، وأرسل إلى قفجق
(1)
وأسندمر نظير ما كتب ليكتبا مثله إلى الملك الناصر، ثم عين ولده ناصر الدين محمد أن يأخذ كتابه وكتاب نائب حماة ونائب طرابلس ويذهب إلى الملك الناصر، فأخذ كتب الثلاثة وسار مسرعًا ومعه نجاب يسمى [مَعَن]
(2)
، وكان خبيرًا بتلك الأراضي ومنازلها ومناهلها من جهة البرّ، فلم يزالا سائرين في البراري والمفاوز إلى أن وصلا إلى الكرك وناصر الدين عليه زي النجابة.
ولما وقفا على باب قلعة الكرك، وسألوهما من أين أقبلتما؟ فقالا: من مصر، فدخلوا وأعملوا الملك الناصر بأن على الباب نجابين من مصر، وهما يطلبان الحضور، فقال: أحضروهما، فلما تمثلا بين يديه كشف ناصر الدين لثامُه عن وجهه فعرفه السلطان الملك الناصر، فقال له: محمد، فقال: لبَّيك، فقبل الأرض وقال: يا مولانا السلطان، لابّد من خلوة، فأمر السلطان لمن حوله بالانصراف، فعند ذلك حَدَّث ناصر الدين بما جرى لأبيه وقفجق وأسندمر، وأنهم اجتمعوا في حلب وتحالفوا بأنهم على قلب واحد، [وبأنهم]
(3)
مقيمون على الأيمان التي حلفوها للملك الناصر، ثم دفع الكتب الثلاثة إليه فقرأها، ثم قال: يا محمد، فما لهم قدرة على ما اتفقوا عليه لأن كل مَنْ في مصر والشام قد اتفقوا على سلطنة المظفر بيبرس، ولما سمع بذلك ناصر الدين حلف بأن كل واحد من هؤلاء الثلاثة كفؤ لأهل مصر والشام ومولانا السلطان أخبر بذلك مني، فتبسم
(1)
وأرسل إلى قفجق: مكررة في الأصل.
(2)
معنا: في الأصل، والتصويب مما يلي
(3)
وأنهم اجتمعوا في حلب وتحالفوا بأنهم: في الأصل، وهو تكرار مما سبق.
السلطان الملك الناصر وقال: صدقت يا محمد، ولكن القائل يقول:
كن جريًا إذا رأيت جبانًا
…
وجبانًا إذا رأيت جريًّا
لا تقاتل بواحد أهل بيتٍ
…
فضعيفان يغلبان قّويًّا
وهذه البلاد كلها دارت مع بيبرس ولا يتم لنا الحال إلا بحسن التدبير والمداراة والصبر على الأمور، ثم إنه أنزله في موضع وأحسن إليه، وقال له: استرح اليوم وغدًا، ثم سافر.
فأقام عنده يومين، ثم طلبه الناصر في صبيحة اليوم الثالث وأعطاه جواب الكتب وقال له: سلّم على أبي وقل له: اصبر، ثم خلع على ناصر الدين خُلْعة سَنية وأعطاه ألف دينار مصرية، وخلع على مَعَن النجاب أيضًا وأعطاه ألف درهم، فخرج ناصر الدين والنجاب معه وأسرعا في السير إلى أن وصلا إلى حلب، قيل: إنهما وصلا في ثلاثة أيام، فدخل على أبيه ودفع له كتاب الملك [الناصر]
(1)
، ففتحه فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، حرم الله تعالى نعمة المقر العالى الأبوي الشمسي ومتعنا بطول حياته، فقد علمنا ما أشار به وما عوّل عليه، وقد علمنا قديمًا وحديثًا [أنه]
(2)
لم يزل على هذه الصورة، وأريد منك أن تطول روحك عَلَىّ فهذا الأمر [ما ينال]
(3)
بالعجلة، فإنك قد علمت انتظام أمراء مصر والشام في سلك واحد، ولاسيما الأفرم ومن معه من اللئام، فهذه عقدة لا تنحل إلا بالصبر، وإن حضر إليك أحد من جهة المظفر ويطلب
(4)
منك اليمين [له]
(5)
، فقدّم النيّة بأنك مجبور [و]
(6)
مغصوب واحلف، ولا
(1)
بالناصر: في الأصل.
(2)
إضافة من النجوم الزاهرة 8/ 241.
(3)
ما يقال: في الأصل، والتصويب من النجوم الزاهرة 8/ 241.
(4)
وطلب: في النجوم الزاهرة 8/ 242.
(5)
إضافة من النجوم الزاهرة.
(6)
إضافة من النجوم الزاهرة.
تقطع كتبك عني في كل وقت، وعرفني بجميع ما يجري من الأمور قليلها وكثيرها.
وكذا كان كتب في كتاب قفجق وأسندمر.
ثم بعد قليل جاء تقليد قرا سنقر بحلب وبلادها دّرْبَسْت على يد أمير من أمراء مصر.
ومن مضمون الكتاب الذي معه من الملك المظفر إلى قرا سنقر: أنت خشداشي لو علمت أن هذا الأمر صعب عليك ما عملت شيئًا حتى أرسلت إليك وأعلمتك به لأن ما في المنصورية أحد أكبر منك، غير أنه لما نزل ابن أستاذك عن الملك اجتمع الأمراء والقضاة وكافة الناس واتفقوا، وقالوا: ما لنا سلطان إلا أنت، وأنت تعلم أن البلاد لا تكون بلا سلطان، فلو لم أتقدم أنا كان غيري تقدم، وقد وقع ذلك، فاجعلني واحد منكم فدبّرني برأيك، وهذه حلب وبلادها دربست لك وكذا لخشداشيتك الأمير قفجق والأمير أسندمر فحماة وبلادها دربست للأمير قفجق، وطرابلس مع سواحلها دربست للأمير أسندمر.
وسَيَّر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة خُلْعة بألف دينار، وفرسًا بقماشه بألف دينار، وحياصة بألف دينار، فأرسل قراسنقر إلى قفجق وأسندمر وأعلمهما بأمر التقليد والخُلع والخيل وطلب الأيمان، فاتفقوا على أن يحلفوا وهم مُكرهون على ذلك، فحلفوا بهذه النية ثم أعطى قرا سنقر للأمير الذي جاب له التقليد خُلعة وعشرة أروس من الخيل وألف دينار، وكذا عمل قفجق وأسندمر، ثم رجع الأمير إلى مصر بنسخة الأيمان، فلما وقف عليها الملك المظفر فرح غاية الفرح، وقال: الآن تم لى الملك، فخلع عليه وأعطى له شيئًا كثيرًا، ثم شرع في كشف أحوال البلاد وإزالة المظالم والنظر في أحوال الرعية.
ذكر طلب المظفر الشيخ تقي الدين بن تيميّة وهو في حبس إسكندرية
ولما تمكن المظفر في السلطنة، قال: نحن قد كنا جبنا من الشام فقيها يقال له ابن تيمية
(1)
، وهو في حبس إسكندرية، فأحضروه حتى يوافق علماء مصر على مبايعتنا، فأرسل قاصدًا إلى إسكندرية وأحضره، فلما اجتمع بالسلطان الملك المظفر طلب العلماء والقضاة، ثم قال له المظفر: هل تعلم لأي شيء طلبناك؟ فقال: الله أعلم، قال: لأن السلطان الملك الناصر خلع نفسه من السلطنة واتفق المسلمون بأجمعهم وبايعوني على السلطنة وقد بقيت أنت، فقال له: ومن يشهد على الملك الناصر بأنه نزل عن السلطنة؟ فقال: عندنا [كتاب]
(2)
بخط يده، فقال: أين الكتاب؟ فأحضروا له الكتاب، فقرأه من أوله إلى آخره، ورفع رأسه وقال: مَنْ يشهد بأن هذا خط الملك الناصر. فقال: [عندنا]
(3)
مَنْ يشهد بأن هذا خطه بيده بعزل نفسه، وهم عدول، فقال: أحضروا من يشهد، فأحضروا علاء الدين
(4)
بن عبد الظاهر فقال له الشيخ: يا علاء الدين أنت تشهد بأن هذا خط الناصر، فقال: بل أعلم بأن هذا علامته، فقال لهم: نحن نطلب مَنْ يشهد بأن هذا خطه بيده بعزل نفسه. فقال المظفر، وقد امتلأ غيظًا: عندي مَنْ يشهد على لسان الملك الناصر بأنه خلع نفسه عن السلطنة، فقال: أطلبوهم، فطلبوا بلبان الدمشقي والبرواني، فلما حضرا قدام الشيخ تقي الدين قال لهما: أتشهدان؟ فقالوا:
(1)
هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي الحنبلي، تقي الدين، ولد سنة 661 هـ بحران، وتوفي سنة 728 هـ/ 1327 م، الوافي بالوفيات 7/ 15 رقم 2964، الدرر الكامنة 1/ 154 رقم 409، المنهل الصافي 1/ 358 رقم 195.
(2)
كتابًا: في الأصل.
(3)
عند: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
هو: علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الظاهر السعدي، الرئيس علاء الدين، ولد سنة 676 هـ، وأدخل ديوان الإنشاء في الدولة المنصورية وعمره إحدى عشر سنة، وتوفي سنة 717 هـ/ 1317 م، الوافي بالوفيات 22/ 52 رقم 14، المنهل الصافي 8/ 173 رقم 1652.
نشهد على الملك الناصر بأنه خلع نفسه من السلطنة لعجزه عن القيام بواجبها، فقال الشيخ تقي الدين: من أين أنتما؟ قالا: نحن من أمراء مصر من مماليك الملك المنصور، فقال: هل [لكما]
(1)
عتاقة من المنصور؟ قالا: لا. فقال: لا تجوز شهادة العبد على مولاه، وأنتما في العبودية فلا تجوز شهادتكما على ابن أستاذكما، فاغتاظ الملك المظفر، وقال: ودوه إلى موضع كان فيه، فردوه إلى حبس إسكندرية.
قلت: وكذلك لم يوافق قاضي قضاة الحنابلة بدمشق بقية القضاة والعلماء في إثبات الكتاب الذي فيه عزل الناصر نفسه.
فقال ابن كثير: وفي مستهل ذي القعدة وصل الأمير عز الدين البغدادي إلى دمشق، فاجتمع نائب السلطنة والقضاة والأمراء والأعيان بالقصر الأبلق، فقرأ عليهم كتاب الناصر إلى مصر، وأنه قد ترك المُلك وأعرض عنه، فأثبته القضاة، وامتنع الحنبلي من إثباته وقال: ليس أحد يترك الملك اختيارًا ولولا أنه مضطهد ما تركهـ، فَعُزل وَوُلِّى غيره، ثم استحلفهم للسلطان المظفر، وكُتبت ألقابه على القلعة ومحال المملكة، ودُقت البشائر، وزَيَّن المدينة، ولما قُرئ كتاب السلطان على الأمراء بالقصر: "أني صحبت الناس عشر سنين ثم اخترت المقام بالكرك، تباكى جماعة من الأمراء، ثم بايعوا مُكرهين
(2)
.
وخُطب للمظفر بدمشق يوم الجمعة السادس من ذي القعدة، وحضر النائب في تاسع عشر ذي القعدة، وقرأ تقليد النائب كاتب السر القاضي محيي الدين بن فضل الله بالقصر بحضرة [أرباب]
(3)
الدولة وعليهم الخُلَع كلهم، والله أعلم.
(1)
كلما: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
ينظر البداية والنهاية 18/ 80 حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
(3)
إضافة تتفق مع السياق.
ذكر بقية الحوادث
منها: أن الفرنج ملكت جزيرة رودس
(1)
من يد الأشكري صاحب مدينة قسطنطينية، واستقر بها الاسبتار وتعطل لذلك ورود مراكب البحار إلى مصر.
وفيها: وردت الأخبار باشتغال البحر الملح وحركة الفرنج المخذولين وانقطعت مراكبهم عن الثغور، فخشى أن يكون ذلك الأمر من الأمور، فحصل الاهتمام بجسر السبيل السلطاني الواصل إلى ثغر دمياط وعمارة قناطره، وقد ذكرناه في أوائل الفصل
(2)
.
ومنها: أنه كان الخلف بين بيان ومُنُغطاي أخيه ولدي قُبْجي بأقصى خوارزم بالمشرق، وتنازعا الملك بينهما بعد مسير بزلك عنهما، وانحاز إلى كل منهما فئةٌ، فاستظهر منغطاي على بيان بكثرة مَنْ انحاز إليه، فانهزم بيان قدامه لقلة من كان معه وتوجه هاربًا إلى بلاد فكمرين وهي على أطراف حدودهم، واستقر منغطاي المذكور في المنصب.
ومنها: أنه ورد الخبر بأن علاء الدين التلِيلي ورفيقُه واصلان
(3)
من المغرب، وخشي عليهما وعلى من معهما في الطرقات، فجرد جماعة من الجند [لإحضار]
(4)
المذكورَيْن، واستدعى الأمير بدر الدين أمير شكار وسُيِّر معهم مقدمًا عليهم، فساروا في أواخر ذي الحجة.
ومنها: أن الشيخ أبا إدريس [عبد الحق]
(5)
ابن عم أبى يعقوب المرينى لما وصل إلى تونس عازمًا على الحج أنزله الأمير أبو حفص عمر صاحب تونس وأكرمه، وقال له: إن
(1)
غزا فرسان الاسبتارية جزيرة رودس سنة 706 هـ/ 1306 م، ولكنهم لم ينجحوا في الاستيلاء على مدينة رودس إلا في 15 أغسطس 1308 م/ 26 صفر 708 هـ، ينظر تاريخ الحروب الصليبية 3/ 730.
(2)
ينظر ما سبق ص 10.
(3)
هما علاء الدين أيدغدي التليلي، وعلاء الدين أيدغدي الخوارزمي، ينظر ما يلي ص 62، 76.
(4)
الاحضار: في الأصل.
(5)
إضافة للتوضيح، ينظر ما يلي ص 77.
الطريق إلى ديار مصر مجدبة والمسالك إليها في هذه السنة مستصعبة، وعرض عليه أن يجعل الجهاد في هذا العام والحج قابلًا، فأطاعه، وجهزه إلى جزيرة جربه، وهذه الجزيرة من عمل قابس، ومشى فيها يوم واحد، وهي في وسط البحر، ولها مخاضة متصلة ببرها السالك إليها، ودَوْرُها ستة وسبعون ميلًا، وكانت في يد المسلمين إلى سنة ثمانين وستمائة، فخرجت عن أيديهم واستولى عليها الفرنج كما قد ذكرناه فيما مضى
(1)
، فلما كان في هذه السنة أرسل أهلها يسألون صاحب تونس إنجادهم ويلتمسون إمدادهم، فجهز إليهم أبا إدريس المذكور، وجهز معه قائد البحر واسمه ابن يعقوب ومعه اثنتي عشرة قطعة مشحنة بالرجال، فوصولها في أوائل هذه السنة، وشرعوا في حصارها ومضايقتها، وكان محمد بن السُّمُوّ من أحد شيوخها، قد توجه يستنجد فرنج صقلية كما ذكرنا، فمات بصقلية، وقام أخوه أبو نوح مقامه، فأقام أبو إدريس ومن معه على حصارها حتى أدركهـ الشتاء، فرجع قائد البحر بقطائعه إلى تونس، وبقي أبو إدريس على جربه إلى أن
(2)
بلغه أن شواني
(3)
صقلية قد أقبلت إليها من جهة ابن المزاليا
(4)
، فانصرف عنها لقلة مَنْ كان معه من المسلمين وعاد إلى تونس، فصادف رسل الأبواب الشريفة علاء [الدين]
(5)
التليلي وعلاء الدين الخوارزمي ومن معها قد عادوا من المغرب وهم في تونس سائرون إلى الديار المصرية، فسار معهم ووصل إلى الأبواب السلطانية، ودخلت شواني صاحب صقلية إلى جربة واستولت عليها.
ومنها: أنه وقعت الوحشة بين الملك الناصر والملك المظفر وذلك أن الناصر لما دخل الكرك سأل عن الأموال الحاصلة بها، فأحضر جمال الدين أقوش بها أوراقًا
(1)
ينظر ما سبق بعقد الجمان 4/ 144، وزبدة الفكرة 212، 355.
(2)
أن: ملحقة بين الأسطر في الأصل.
(3)
شيني - شواني: السفينة الحربية الكبيرة،، ينظر السفن الإسلامية على حروف المعجم 83 - 85.
(4)
هكذا بالأصل، ووردت: المراليا: في زبدة الفكرة، وشرحها المحقق بقوله: المراليا: مشتقة من Ammiraglio ، والمقصود Roger di Lauria صاحب صقلية، وابنه هو أيضًا Roger ، ينظر هامش 10 من زبدة الفكرة 355.
(5)
إضافة مما سبق.
بمائتي ألف درهم لا غير، خوفًا أن يطلعه على المال، فيأخذه كله، وأخرج الأمير جمال الدين منها كما ذكرنا وقنع بالكرك، وخطب للملك المظفر بجامع الكرك، وتأدب معه حتى إذا كان كاتبه يكتب الملك المظفري، وقصد بذلك سكون الأحوال، فلما كان بعد استقراره بالكرك بقليل أرسل المظفر وطلب من الناصر إنفاذ الخيل والمماليك [الذين]
(1)
استصحبوه والأموال التي بالكرك، فبعث إليه الناصر بمائتي ألف درهم وقال: ما عندي إلا هذا القدر، فأعاد المظفر الجواب بطلب الخيول والأموال والتهديد، فأهان الناصر الرسول وأمر بإخراجه ماشيًا إلى الغور، وأخذ من هذا الوقت في التحفّل، وكان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن في ربيع الأول أخرج السلطان الأمير نجم الدين الخضر بن الملك الظاهر بيبرس الملقب بالملك المسعود من البرج بقلعة الجبل، وسكن مصر على شاطئ النيل بدار الأمير عز الدين أيبك الأفرم [الكبير]
(2)
، وكانت اشْتُريت له، ولم تطل مدته، فإنه توفي في خامس رجب بالقاهرة بدار الحلبي
(3)
، وتوفي ولده قبل وفاته بيوم.
ومنها: إن الشيخ كريم الدين نزل من مشيخة خانقاه سعيد السعداء وتولاها قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة
(4)
.
وفيها: بلغت زيادة النيل إلى ثمانية عشر ذراعًا وأصبع واحد من تسعة عشر
(5)
.
وفيها: حج بالناس الأمير سيف الدين قطلوتمر صهر جَالق.
(1)
الذي: في الأصل.
(2)
إضافة للتوضيح من النجوم الزاهرة.
وهو: الأمير عز الدين أيبك الأفرم الكبير، المتوفى سنة 695 هـ/ 1295 م، ينظر عقد الجمان 3/ 338.
(3)
ينظر ما يلي ص 73.
(4)
في جمادي الآخرة 709 هـ، ينظر ما يلي ص 75.
(5)
ينظر النجوم الزاهرة 8/ 231.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
• الشيخ الصالح الحلبوني
(1)
[عثمان بن عبد الله الصعيدي]
(2)
.
أصله من صعيد مصر، فأقام بقرية حَلْبون وغيرها من تلك الناحية، ومكث مدة لا يأكل الخبز، واجتمع عليه جماعة من المريدين.
مات بقرية بَرْزة في أواخر المحرّم ودفن بها.
• الشيخ شمس الدين محمد
(3)
الحَيْدري.
مات في تاسع عشر جمادى الأولى بزاويته
(4)
ظاهر دمشق في طرق العُقيبة، ودفن بسفح قاسيون.
وكان ضخمًا، نبيل القطعة، وله رواية كثيرة.
• الشيخ مجاهد المنبجي
(5)
.
مات بالمارستان الصغير بدمشق، ودفن بقاسيون، جوار تربة المولهين، وقد جاوز الستين.
• الشيخ الصالح أبو الحسن علي
(6)
بن محمد بن كثير الحراني الحنبلي، إمام مسجد عطية
(7)
، ويعرف بابن المقرئ.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 385 رقم 939، الوافي بالوفيات 19/ 520 رقم 534، البداية والنهاية 18/ 81، مرآة الجنان 4/ 244، الدرر الكامنة 3/ 56 رقم 2587، السلوك 2/ 50.
(2)
إضافة للتوضيح من الدرر الكامنة.
(3)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 3/ 392 رقم 958.
(4)
لعلها الزاوية القلندرية الحيدرية، ينظر الدارس 2/ 212.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 398 رقم 972.
(6)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 3/ 401 رقم 980، البداية والنهاية 18/ 81 - 82.
(7)
مسجد عطية: عند باب الجابية بدمشق، وينسب إلى عبد الله بن عطية بن عبد الله بن حبيب المقرئ المفسر العدل الدمشقي المتوفي سنة 383 هـ/ 993 م، ينظر الدارس 2/ 335 - 336.
ومولده بحران سنة أربع وثلاثين وستمائة، ومات بدمشق في العشر الأخير من رمضان، ودفن بسفح قاسيون
• وتوفي قبله الشيخ أمين الدين بن شقير
(1)
الحراني بغزة، قاله ابن كثير.
قلت: هو الشيخ العدل أمين الدين عبد الله
(2)
بن عبد الأحد بن عبد الله بن سلامة بن خليفة بن شقير الحراني،
مات بغزة
(3)
وحُمِل إلى القدس الشريف ودفن هناك.
وكان رجلًا مشكور السيرة محمود الطريقة، وهو من أكبر بيت في حران، وله في حران أملاك تساوي ألف ألف درهم وبضائع كثيرة في أيدي [التجار]
(4)
، فترك الجميع وسافر إلى الشام، ثم خرج من دمشق مع جماعة من أقاربه وأولاده [بقصد القاهرة]
(5)
في أول رمضان لأسباب له، فأدركه أجله في الطريق.
• السيد الشريف زين الدين أبو علي الحسين
(6)
بن محمد بن عدنان الحسيني، بقية الأشراف.
كان فاضلًا، بارعًا، فصيحًا، متكلمًا، يعرف طريقة الاعتزال، وصاحب الإمامية، وتناظر على ذلك بحضرة القضاة وغيرهم، وقد باشر قبل وفاته بقليل نظر
(1)
أمير الدين بن سعد: في البداية والنهاية 18/ 82.
(2)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 3/ 401 - 402 رقم 981، الوافي بالوفيات 17/ 236 رقم 217، تالى كتاب وفيات الأعيان 124 رقم 191، الدرر الكامنة 2/ 370 رقم 2154.
(3)
في ثالث عشري رمضان: في أعيان العصر، الدرر الكامنة.
(4)
البحارى: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(5)
إضافة للتوضيح من أعيان العصر 2/ 691.
(6)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 3/ 405 رقم 984، البداية والنهاية 18/ 82، الوافي بالوفيات 13/ 50 رقم 57، درة الأسلاك 179، تذكرة النبيه 1/ 290، الدرر الكامنة 2/ 157 رقم 1614، تالى كتاب وفيات الأعيان 66 رقم 103، الدارس 1/ 495.
الجامع [الأموي]
(1)
ونظر ديوان الأفرم.
ومات يوم الخميس السادس
(2)
من ذي القعدة عن خمس وخمسين سنة، ودفن بتربتهم بباب الصغير.
وله شعر جيد، فمنه قوله:
عامل الناس بالصفاء تجدهم
…
مثل ما يُشتهى وفوق المراد
ودع المكر والخداع جميعا
…
فقلوب الأنام كالأجناد
(3)
• الشيخ الجليل ظهير الدين أبو عبد الله محمد
(4)
بن عبد الله بن أبي الفضل البغدادي، شيخ الحرم الشريف بمكة، بعد عمه عفيف الدين منصور
(5)
بن مَنَعَة.
وقد سمع الحديث وأقام ببغداد مدة طويلة، "ثم سار إلى مكة بعد موت عمه"
(6)
، فولى المشيخة إلى أن توفي فيها، رحمه الله.
• الشيخ الصالح أحمد
(7)
بن أبي القاسم المراغي.
مات ليلة السبت ثاني المحرم بمصر، ودفن بالقرافة.
(1)
إضافة للتوضيح من مصادر الترجمة
(2)
يوم الخامس من ذي القعدة: في البداية والنهاية 18/ 82.
(3)
كالأكباد: في الدرر الكامنة 2/ 145.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 409 رقم 994، البداية والنهاية 18/ 82، العقد الثمين 2/ 75 رقم 228، إتحاف الورى 3/ 146.
(5)
هو: منصور بن محمد بن عبد الكريم الطائي الزعفراني البغدادي، المتوفي سنة 664 هـ/ 1265 م، العقد الثمين 7/ 285 رقم 2525.
(6)
أقام بمكة ثمانية وخمسين سنة، وكان دخلها شابًا مع الشيخ عفيف الدين منصور بن منعة: في العقد الثمين 2/ 75.
(7)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 144، تاريخ البرزالي 3/ 385 رقم 937، السلوك 2/ 51.
• القاضي برهان الدين إبراهيم
(1)
بن أحمد بن ظافر [البرلسي]
(2)
، ناظر بيت المال بالديار المصرية.
مات في خامس صفر منها.
• الشيخ شمس الدين محمد
(3)
بن عبد الرحمن بن [سامة]
(4)
الطائي، المحدث بمصر.
مات يوم الثلاثاء الرابع [و]
(5)
العشرين من ذي القعدة، ودفن بالقرافة.
سمع [الحديث]
(6)
ورحل في طلبه، ومولده سنة اثنتين وستين وستمائة.
• الشيخ عبد الغفار
(7)
بن [أحمد بن عبد المجيد الدوري المعروف بابن]
(8)
نوح القوصى.
مات بجامع مصر ليلة الجمعة سابع ذي القعدة.
وكان فصيحًا لسنا، وله في الطريق وترتيب السلوك كلام مستحسن، وكان له قدم
(1)
وله أيضًا ترجمة في نهاية الأرب 32/ 144، تاريخ البرزالي 3/ 386 رقم 940، أعيان العصر 1/ 53 رقم 8، المقفي الكبير 1/ 42 رقم 18، السلوك 2/ 50، الدرر الكامنة 1/ 9 رقم 9.
(2)
البلسي: في الأصل، والتصويب من مصادر الترجمة.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 144، الوافي بالوفيات 3/ 238 رقم 1249، أعيان العصر 4/ 489 رقم 1606، المقفي الكبير 6/ 26 رقم 2408، الدرر الكامنة 4/ 117 رقم 3858، السلوك 2/ 50، المنهل الصافي 10/ 102 رقم 2186.
(4)
أسامة في الأصل، وشامة: في السلوك، المنهل الصافي 10/ 102، والتصويب من مصادر الترجمة.
(5)
إضافة للتوضيح.
(6)
إضافة للتوضيح.
(7)
وله أيضًا ترجمة في: الطالع السعيد 323 رقم 50، الوافي بالوفيات 19/ 27 رقم 19، أعيان العصر 3/ 111 رقم 1003، تذكرة النبيه 1/ 289، السلوك 2/ 50، النجوم الزاهرة 8/ 230، الدرر الكامنة 2/ 495 رقم 2454، المنهل الصافي 6/ 311 رقم 1452.
(8)
إضافة للتوضيح من المنهل الصافي.
في التجريد، وصحب الشيخ عبد العزيز المنوفى
(1)
، وبنى في آخر عمره رباطًا
(2)
.
وفي السنة الماضية
(3)
، جرى ببلد قوص حديث في أمر كنائس النصارى، فأطمع العامة فيها، فهدموها بأيديهم وهي ثلاثة عشر كنيسة، فأُنكر عليه، وطُلب إلى القلعة، فحضر وعُوِّق بها أيامًا في المسجد، ثم [خُلى]
(4)
سبيله، فأقام بجامع مصر فأدركته منيته به وبيعت أثوابه التي مات فيها بخمسين دينارًا وفرقت على الزوايا والفقراء، والذي اشتراها بعض الأمراء.
• الشيخ كمال الدين يوسف
(5)
بن محمد بن إسماعيل المنشد.
كان ينشد ديوان الصرصري
(6)
ويحفظه، وكان صوته شجيًا، وهو الذي أشهر ديوان الصرصري بالشام، مات بدمشق، ودفن بتربة الشيخ رسلان.
• الحكيم علم الدين إبراهيم
(7)
بن الرشيد بن أبي الوحش، المعروف بابن أبي حُلَيْقة رئيس الأطباء بالديار المصرية والبلاد الشامية.
(1)
هو: عبد العزيز بن عبد الغني بن أبي الأفراح سرور، المعروف بالمنوفي، ولد سنة 607 هـ، وهو من أتباع ابن العربي، وتوفي سنة 703 هـ/ 1303 م، ينظر الوافي بالوفيات 18/ 526 رقم 527، الدرر الكامنة 2/ 483 رقم 2435، عقد الجمان 4/ 331.
(2)
وبنى بظاهر قوص رباطًا حسنًا: في الدرر الكامنة 2/ 495.
(3)
في سنة 700 هـ: في الدرر الكامنة.
(4)
إضافة تتفق مع السياق.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالى 3/ 387 رقم 942، الدرر الكامنة 5/ 244 رقم 5147.
(6)
هو: يحيى بن يوسف بن يحيى الأنصاري، جمال الدين الصرصري، الشاعر، من أهل صرصر على مقربة من بغداد، قتله التتار يوم دخول بغداد سنة 656 هـ/ 1258 م، مرآة الجنان 4/ 147، الوافي بالوفيات 28/ 359 رقم 291، فوات الوفيات 4/ 298 رقم 575، هدية العارفين 2/ 523.
(7)
وله أيضًا ترجمة في: تذكرة النبيه 1/ 290، تالي كتاب وفيات الأعيان 45 رقم 69، الدرر الكامنة 1/ 77 رقم 200، السلوك 2/ 50.
مات في هذه السنة، قيل [تصدق بمائتي]
(1)
ألف دينار، وهو أول حكيم ركَّب بدمشق شراب الورد الطريّ ولم يكن يُعرف بدمشق قبل ذلك، رحمه الله.
• الصدر الكبير عماد الدين سعيد
(2)
بن ريَّان بن يوسف بن ريَّان الطائي العجلوني.
مات في الرابع والعشرين من رجب
(3)
منها بداره بدمشق، ودفن من يومه بتربة بني صصري.
وكان حسن السيرة، سمح الكف، باشر مناصب جليلة، [ولديه]
(4)
فضيلة، رحمه الله.
• الشيخ الحافظ العدل بقية المسندين عماد الدين أبو البركات إسماعيل
(5)
بن الشيخ الزاهد أبي الحسن علي بن أحمد بن إسماعيل بن حمزة، المعروف بابن [الطَّبال]
(6)
الأزجي
(7)
، شيخ الحديث بالمستنصرية
(8)
ببغداد.
مات في هذه السنة
(9)
، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، ومولده في سنة إحدى
(1)
صدق مائتي: في الأصل، وينظر السلوك 2/ 50.
(2)
وله أيضًا ترجمة في: الوافي بالوفيات 15/ 218 رقم 218، أعيان العصر 2/ 406 رقم 699، تذكرة النبيه 1/ 291، الدرر الكامنة 2/ 228 رقم 1813، وفيه: سعيد بن زبان.
(3)
في ثامن شهر رجب: في أعيان العصر.
(4)
ولدته: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 399 رقم 976، الوافي بالوفيات 9/ 165 رقم 4078، أعيان العصر 1/ 502 رقم 262، درة الأسلاك 178، تذكرة النبيه 1/ 288، المنهل الصافي 2/ 412 رقم 441 الدرر الكامنة 1/ 394 رقم 938.
(6)
البطال: في الأصل، والتصويب من مصادر الترجمة.
(7)
نسبة إلى باب الأزج: محلة كبيرة ذات أسواق كثيرة في شرقي بغداد، معجم البلدان.
(8)
المدرسة المستنصرية ببغداد: أنشأها الخليفة المستنصر بالله أبو جعفر المنصور، المتوفى سنة 640 هـ/ 1242 م، ووقفها على تدريس المذاهب الأربعة، وهي أول مدرسة في الدولة الإسلامية تدرس المذاهب الأربعة، انتهى من بنائها سنة 631 هـ/ 1234 م، حسين أمين: المدرسة المستنصرية، 28 - 30.
(9)
في سابع عشر شعبان: في أعيان العصر 1/ 503.
وعشرين وستمائة.
سمع البخاري من ابن كرم وابن القُطيعي وابن رُوزبة، وحدث بالكثير، وله إجازات كثيرة، ولم يخلف بالعراق مثله.
• الشيخ صفي الدين
(1)
أبو نصر
(2)
بن الرشيد بن أبي نصر، ناظر الجيوش بدمشق.
مات بها، ودفن بسفح قاسيون بتربة الشيخ موفق الدين، ومولده سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان موته في الحادي والعشرين من رمضان.
وكان أولًا سامريًا
(3)
، ثم أسلم في زمن الملك المنصور قلاوون وحسن إسلامه، وكان مواظبًا على الصلوات في الجامع، ويحب أهل الخير، واشترى ملكًا وأوقفه على من يقرأ في المصحف بعد صلاة الصبح تحت قبة النسر، وكان يتصدق كثيرًا على فقراء كل ملة من المسلمين والسمرة واليهود والنصارى، وكان عفيفًا متواضعًا، لين الجانب، قاضي حوائج الناس، انقطع في آخر عمره لمرض لحقه، وعجز وشاخ، ولم يزل متمرضا إلى أن مات.
• الشيخ المسند الرحلة بقية المشايخ شمس الدين أبو جعفر محمد
(4)
بن على بن حسين الموازيني السلمي الدمشقي.
كان شيخًا مسندًا، له ثروة، وعنده ديانة، وكان قد قسم ميراثه في حياته وبقى
(1)
ظهير الدين: في السلوك 2/ 50، النجوم الزاهرة 8/ 231.
(2)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 400 رقم 978، السلوك 2/ 50، النجوم الزاهرة 8/ 231.
(3)
أي من اليهود السامرة، وهم أتباع السامري الذي ورد ذكره في سورة طه الآية 85 {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} ، وعن هذه الطائفة ينظر صبح الأعشى 13/ 268، وينظر المواعظ والاعتبار المجلد الرابع 942 وما بعدها.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 407 رقم 989، تذكرة النبيه 1/ 289، مرآه الجنان 4/ 245، الوافي بالوفيات 4/ 213 رقم 1746، أعيان العصر 4/ 618 رقم 1669، المقفى الكبير 6/ 267 رقم 2738، الدرر الكامنة 4/ 182 رقم 4040.
فقيرًا، وسكن في آخر عمره بقرية تلتيانة من
(1)
[79] غوطه دمشق، ومات فيها في مستهل
(2)
ذي الحجة منها، ودفن بمقابر الباب الصغير.
وكان حج ثلاثين حجة، وانفرد بالرواية عن الحسين بن صصري
(3)
، ومولده سنة أربع عشرة وستمائة
(4)
.
• العدل الفاضل محيي الدين أحمد
(5)
بن أبي الفتح نصر الله بن باتكين.
مات بالقاهرة
(6)
، ومولده سنة أربع عشرة وستمائة.
وكان في أول عمره يعاني الخِدم وكان أديبًا حُلْو المفاكهة.
وله شعر حسن فمنه قوله:
يا جفن مقلته سَكرْتَ فَعرْبد
…
كيف اشتهيت "على فؤاد المُكمَد"
(7)
ورميت عن قوس الفتور فأصبحت
…
غَرضًا لأسهمك القلوب فسدِّد
من لم يبت بعذاب حبك قلبُه
…
متنعمًا لا فاز منك بِمَوعِد
للصب أسوة خال خَدَّك إنه
…
متنعم في جمره المُتَوقدِ
(1)
من: مكررة بين ورقتي 78 - 79.
(2)
منتصف: في أعيان العصر، الدرر الكامنة.
(3)
هو: الحسين بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن الحسين بن صصري، القاضي شمس الدين أبو القاسم، مسند الشام في زمانه، توفي سنة 626 هـ/ 1228 م، الوافي بالوفيات 13/ 80 رقم 69.
(4)
سنة خمس عشرة تقريبًا: في أعيان العصر.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: الوافي بالوفيات 8/ 214 رقم 3652، أعيان العصر 1/ 402 رقم 213، المقفي الكبير 1/ 729 رقم 674، السلوك 2/ 50، الدرر الكامنة 1/ 345 رقم 818، المنهل الصافي 2/ 243 رقم 328.
(6)
ذكر ابن أيبك الصفدي أن صاحب الترجمة توفي سنة 710 هـ، وعنه نقل كل من ابن حجر، وابن تغري بردي، والمقريزي، تنظر مصادر الترجمة.
(7)
علي فؤادي الكمد: في أعيان العصر 1/ 402.
أهوى قوامَ الغُصن تعطِفُه الصبا
…
فِعْلَ الصِّبا
(1)
بقوامك المتأوّدِ
لاموا على ظمائي عليك
(2)
وما دروا
…
[80] في ماء خدك ما حلاوةُ موردِي
طورا أُخيَّا بالأقداح
(3)
وتَارةً
…
في الخدّ بالريحان والوَرْد النَّدى
وجه كما سفر الصباح وحوله
…
حسنا بقايا جنح ليل أسود
وكأنما خاف العيون فألبست
…
وجناته زَرَدًا مخافة مُعْتَدِ
أنى يخاف مَنْ استجار بحبِّه
(4)
…
محمد بن علي بن محمد
(5)
وأراد به الصاحب فخر الدين
(6)
بن الصاحب بهاء الدين.
وكتب إليه [أبو الحسين]
(7)
الجزار:
وما شئٌ له نَقْشٌ ونفس
…
ويؤكل عظمه ويُحك جِلدُه
يَوَدَّ به الفتى إدراك سُؤْل
…
وقد يلقى به ما لا يودُّه
ويأخذ منه أكثره بحق
…
ولكن عند آخره يرُدّه
فأجابه محيي الدين المذكور:
(1)
الصبي: في الأصل.
(2)
إليك: في الوافي بالوفيات 8/ 215.
(3)
بالآقاح: في الوافي بالوفيات.
(4)
محبه: في الوافي بالوفيات.
(5)
يراجع الوافي بالوفيات 8/ 215 - 216، أعيان العصر 1/ 402 - 403.
(6)
هو محمد بن على بن محمد بن سليم، فخر الدين بن حنا المتوفي سنة 668 هـ/ 1270 م، الوافي بالوفيات 4/ 185 رقم 1725، المنهل الصافي 10/ 202 رقم 2265.
(7)
أبو الحسن: في الأصل.
وهو يحيى بن عبد العظيم بن يحيى الأنصاري، أبو الحسين الجزار، المتوفى سنة 679 هـ/ 1280 م، ينظر فوات الوفيات 4/ 277 رقم 571، الوافي بالوفيات 28/ 183 رقم 167، المنهل الصافي 12/ 84 رقم 2639.
أمولاي الأديب دُعاء عبد
…
ودود لا يَحُولُ الدهر وُدَّه
يرى محض الثناء عليك فرضًا
…
ولا يثني عنان الشكر بُعْدُه
لقد أهديت لي لغزًا بديعًا
…
يَضِلُ عن اللبيب لديه رُشْدُه
وقد أحكمتَه دُرًا نضيدًا
…
يشنف مسمعي بالدر عِقْدُه
فشطر اللغز أخماسٌ ثلاثٌ
…
للغُزْك "إن تُرِدَ يومًا أحُدُّه"
(1)
وباقيه مع التصحيف ست
(2)
…
إذا ما زدته حرفًا تعدُّه
هما ضدّان يقتتلان وَهْنا
…
ويضطجعان في فرش يمدُّه
هما جيشان من زنج وروم
…
يقابل كل قرن فيه
(3)
ضدُّه
تقوم الحرب فيه كل وقت
(4)
…
ولا تَدْمي من الوقعات جُنده
ويشتد القتال به طويلًا
…
ويحكم بالأصاغر فيه عَقْدُه
ويُقتِل ملكه في كل حين
…
ويبعثه النشاط فيسترده
وما ينجي الهمام به حسام
…
وقد ينجي من الإتلاف بَنْدُه
ونصر الله في الهيجاء سجال
…
فمن شاء الإله به يُمدُّه
وهذا كله حسب اجتهادي
…
وغاية فكرة الإنسان جهده
(5)
(1)
أن ترد أني أحده: في الدرر الكامنة.
(2)
كسب: في الوافي بالوفيات 8/ 216، أعيان العصر 1/ 404.
(3)
منه: في أعيان العصر 1/ 404.
(4)
كل حين: في أعيان النصر.
(5)
ينظر الوافي بالوفيات 8/ 216 - 217، أعيان العصر 1/ 403 - 404.
• الأمير الفقير علاء الدين أَلْطِبْرس
(1)
المنصوري، من قدماء المماليك المنصورية.
وكان أميرًا بطبلخاناه، فنزل عن الإمرة وسلك الطريق وأدركه التوفيق، فلبس المرقعة والزيق، وأعتق المماليك والرقيق، وترك الإقطاع، وعكف على الصلاة والقيام إلى أن ناداه داعي الحمام، وتوفيت زوجته ليلة وفاته، [فدفنا]
(2)
في يوم واحد، فكانا كما قيل: فكأنما كانا على ميعاد.
• الأمير عز الدين أيبك
(3)
الشجاعي
(4)
، مشد الدواوين.
توفي بمدينة قوص فيها، وتوفي أولاده وأهل بيته في زمن متقارب.
• الأمير عز الدين أيدمر
(5)
الرشيدي، استادار الأمير [82] سلار.
مات في تاسع عشر شوال منها بالمالخوليا، وكان عاقلًا ذا ثروة وجاه.
• الملك المسعود نجم الدين خضر
(6)
بن الملك الظاهر بيبرس.
مرض أيامًا قليلة في هذه السنة، بعد ما سكن في دار الأفرم على شاطئ النيل، ومات على فراشه، ودفن بتربتهم بأقصى القرافة.
وقد ذكرنا أنه كان محبوسًا فأفرج عنه الناصر
(7)
.
(1)
وله أيضًا ترجمة في السلوك 2/ 51، النجوم الزاهرة 8/ 230.
(2)
فدنا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق، وتنظر مصادر الترجمة.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: الدرر الكامنة 1/ 450 رقم 1103، وفيه أن صاحب الترجمة توفي في المحرم سنة 707 هـ؛ السلوك 2/ 51، النجوم الزاهرة 8/ 229.
(4)
كان من مماليك الشجاعي: في الدرر الكامنة.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 144، تاريخ البرزالي 3/ 403 رقم 983، الدرر الكامنة 1/ 458 رقم 1128، السلوك 2/ 51، النجوم الزاهرة 8/ 230.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 397 رقم 970، الوافي بالوفيات 13/ 339 رقم 418، أعيان العصر 2/ 312 رقم 625، تذكرة النبيه 1/ 287، كنز الدرر 9/ 160، مرآه الجنان 4/ 244، السلوك 2/ 50، المنهل الصافي 5/ 221 رقم 991.
(7)
ينظر ما سبق ص 63.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة بعد السبعمائة
(*)
استهلت هذه السنة وخليفة الوقت المستكفى بالله.
وسلطان البلاد الملك المظفر بيبرس الجاشنكيري.
ونائبه بمصر الأمير سلار.
وبالشام الأمير جمال الدين أقوش الأفرم.
وبحلب الأمير سيف الدين قراسنقر.
وبحماة الأمير سيف الدين قفجق.
وبطرابلس الأمير سيف الدين اسندمر.
وقضاة مصر والشام على حالهم.
ذكر ما تجدد في أيام المظفر
وفي ليلة
(1)
سلخ صفر: وُجِّه ابن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية صحبة أمير مقدم
(2)
فأدخله دار السلطان بها، وأنزله في برج منها في مكان فسيح، وكان الناس يدخلون عليه ويبحثون معه، ثم كان بعد ذلك [يحضر]
(3)
الجُمْعَات ويعمل المواعيد بها
(*) يوافق أولها 11 يونيو 1309 م.
(1)
ليلة: في الهامش الأيمن للأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(2)
المقصود: أمير مائة مقدم ألف: وهي أعلى مراتب الأمراء في مصر في عصر سلاطين المماليك، ينظر صبح الأعشى 4/ 14، المواعظ والاعتبار المجلد الثالث 700.
(3)
تحضر: في الأصل.
على عادته في الجوامع
(1)
، وقد ذكرنا في السنة الماضية
(2)
أنه كان في الإسكندرية وأن المظفر طلبه، ثم جرى بينهم وبينه ما ذكرنا فأعاده إلى الإسكندرية.
وقال ابن كثير: وكان سبب ذلك أن الشيخ نصر
(3)
المنبجي، شيخ الجاشنكير، كانت تمكنت عداوتُه من الشيخ تقي الدين بن تيمية بسبب أنه كان ينال من الجاشنكير ويقول: زالت أيامه وانتهت رئاسته وقَرُب انقضاء أجله، [ويتكلم]
(4)
فيه، فأرادوا أن يسيروه إلى إسكندرية كهيئة المنفى لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غيلة فيستريحوا منه، فما زاده ذلك إلا محبة الناس وحُنُوَّا عليه
(5)
.
وفي جُمادى الأولى: برزت المراسيم السلطانية المظفرية إلى نواب البلاد الساحلية بإبطال الخمور وتخريب [الحانات]
(6)
ونفى أهلها، ففعل ذلك، ففرح المسلمون فرحًا كثيرًا
(7)
.
وفي مستهل جمادى الآخرة: تولى قضاء الحنابلة بدمشق الشيخ شهاب الدين [أحمد]
(8)
بن شرف الدين حسن بن الحافظ جمال الدين بن أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي، عوضًا عن القاضي علم الدين سليمان
(9)
، بسبب أنه كان يتكلم في نزول الناصر عن الملك وأنه مضطهد في ذلك وليس بمختار، وقد صدق فيما
(1)
ينظر البداية والنهاية 18/ 83.
(2)
ينظر ما سبق ص 59 وما بعدها.
(3)
هو: نصر بن سلمان بن عمر المنبجي، أبو الفتح، توفي سنة 719 هـ/ 1319، الوافي بالوفيات 27/ 67 رقم 29، الدرر الكامنة 5/ 165 رقم 4937، المنهل الصافي 12/ 353 رقم 2814.
(4)
ونتكلم: في الأصل.
(5)
ينظر البداية والنهاية 18/ 83 - 84، حيث ينقل العيني بتصرف.
(6)
الخانات: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(7)
ينظر البداية والنهاية 18/ 85، حيث ينقل العيني بتصرف.
(8)
إضافة من تاريخ البرزالي 3/ 422، البداية والنهاية 18/ 85 للتوضيح.
توفي سنة 710 هـ/ 1310 م، الدرر الكامنة 1/ 128 رقم 333، وينظر ما يلي.
(9)
التقى سليمان بن حمزة: في البداية والنهاية 18/ 85 - 86، وهو سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن قدامة المقدسي، القاضي تقي الدين، توفي في ذي القعدة سنة 715 هـ/ 1315 م، الوافي بالوفيات 15/ 270 رقم 517، الدرر الكامنة 2/ 241 رقم 1837.
قال
(1)
.
وفي جُمادى الآخرة: باشر بدر الدين
(2)
بن جماعة مشيخة سعيد السعداء
(3)
بطلب الصوفية له، ورضوا بالحضور منه عندهم في الجمعة مرة واحدة، وعُزل كريم الدين [الآملي]
(4)
لأنه عَزَل منها الشهود، فثاروا عليه وكتبوا في حقه محاضر بأشياء قادحة، فانصرف عنهم، وعُومل بنظير ما كان يُعامِل الناس به
(5)
.
وفيها: وردت الأخبار بغارة بعض التتار على الأطراف، وأوقعوا بالتركمان الذين بعينتاب وغيرهم ونهبوهم، فأمر بتجريد أقوش [قتال السبع]
(6)
الموصلي، وحسام الدين لاجين
(7)
الجاشنكير، ومُضَافوهما، فتوجهوا إلى حلب بألفي فارس وجماعة من أمراء [الطبلخانات]
(8)
والعشرات.
وقال بيبرس في تاريخه، وفي أوائل هذه السنة كَثُر الإرجاف بأن العدو المخذول قد تحرك في البلاد الشرقية، فبرز الدهليز المنصور إلى ظاهر الريدانية وذلك في شهر ربيع الأول
(9)
.
وفي الشهر المذكور: خُسَف القمر خُسوفًا كاملًا.
(1)
ينظر البداية والنهاية 18/ 85 - 86، حيث ينقل العيني بتصرف.
(2)
هو: محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، قاضي القضاة بدر الدين، الشافعي، المتوفى سنة 733 هـ/ 1332 م، الدرر الكامنة 3/ 367 رقم 3266، المنهل الصافي 9/ 219 رقم 1995.
(3)
عن خانقاه سعيد السعداء: ينظر المواعظ والاعتبار، المجلد الرابع 727 - 732.
(4)
الأماي: في الأصل، والتصويب من البداية والنهاية 18/ 86.
وهو: عبد الكريم بن الحسن بن عبد الله الآملي، أبو القاسم كريم الدين، المتوفي سنة 710 هـ/ 1310 م، ينظر ما يلي.
(5)
ينظر البداية والنهاية 18/ 86، حيث ينقل العيني بتصرف.
(6)
إضافة للتوضيح من السلوك 2/ 55.
وهو: آقوش، الأمير جمال الدين المنصوري، المتوفي سنة 710 هـ/ 1310 م، ينظر ما يلي.
(7)
هو: لاجين المنصوري، يعرف بالزيرباج الجاشنكير، توفي سنة 731 هـ/ 1330 م، الدرر الكامنة 3/ 357 رقم 3230.
(8)
الطبلخات: في الأصل، وهو تحريف.
(9)
ينظر زبدة الفكرة 409.
وفيها: بنى الأمير سيف الدين برلغي الصغير القفجاقى ببنت الركن الجاشنكير ودخل بها.
وفيها: وصل علاء الدين أيدغدي
(1)
التَّلِيلي وعلاء الدين أيدغدي
(2)
الخوارزمي رسولا الباب الشريف من بلاد المغرب، ووصل صحبتهما الشيخ أبو يحيى زكريا
(3)
المعروف باللحياني، نائب صاحب تونس بطرابلس، قاصدًا الحج، والشيخ أبو إدريس عبد الحق ابن عم أبي يعقوب المريني ومَنْ معهما، وأخبر الرسولان المذكوران بما اتفق لهما في هذه السفرة وهو أنهما لما توجها من الباب العزيز في شهور سنة ست وسبعمائة سارا على المنازل التي تذكر، وهي:
من الإسكندرية إلى طَلميثا
(4)
ببلاد برقة، ومنها إلى سِرْت، ومنها: إلى مزانة
(5)
، ومنها: إلى طمجورة، ومنها: إلى طرابلس الغرب، ومنها: إلى قَابِس، ومنها: إلى سفاقّس، ومنها: إلى المَهْدِية، ومنها: إلى سُوسَة، ومنها: إلى تونس، ومنها: إلى باجه، ومنها: إلى بُونَه وهي آخر بلاد إفريقية. ومنها: إلى [قُسنطِينة]
(6)
الهوى وهي أول أعمال بجاية، ومنها: إلى أول أعمال تلمسان وهي [المديَّة]
(7)
، ومنها: إلى مِلْياية، ومنها: إلى البقيعة، ومنها: إلى تلمسان، وأقاموا بها أيامًا وخرجوا منها إلى وَجْدَهَ، ومنها: إلى تازة، ومنها: إلى فاس، ومنها: إلى مكناسة، ومنها: إلى سَلا، ومنها: إلى أُزُمُّوره، ومنها: إلى آسَفى، ومنها: إلى مراكش،
(1)
كان أحد الأمراء بدمشق، مات بطالا بدمشق سنة 728 هـ/ 1327 م، الدرر الكامنة 1/ 454 رقم 1115.
(2)
مات وهو حاجب دمشق سنة 729 هـ/ 1328 م، الدرر الكامنة 1/ 454 رقم 1116.
(3)
هو: زكريا بن أحمد بن محمد بن يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص عمر الهنتاتي اللحياني الحفصي، القائم بأمر الله، توفي بالإسكندرية سنة 727 هـ/ 1326 م، الدرر الكامنة 2/ 206 رقم 1834، الوافي بالوفيات 14/ 208 رقم 291، المنهل الصافي 5/ 363 رقم 1052.
(4)
طليمثا - طَلمويه: منزل بريد بين برقة والإسكندرية، ينظر معجم البلدان، وتقويم البلدان 138 - 139.
(5)
مسراتة: في زبدة الفكرة، 411.
(6)
قسطينة: في الأصل، والتصويب من زبدة الفكرة 411.
(7)
المدينة: في الأصل، والتصويب من زبدة الفكرة، وينظر ما يلي.
ومنها: إلى أغْمَات، ومنها: إلى جبال ذرني، وهي آخر عمارة المغرب
(1)
، جملة المسافة التي ساروها إلى تلمسان مائة يوم وستة أيام
(2)
.
قال المُخبر منهما: ووصلنا إلى تلمسان في ربيع الآخر سنة سِت وسبعمائة [واجتمعنا]
(3)
بأبي يعقوب
(4)
المريني، وأوصلنا إليه المماليك والهدايا، فَوسَّع لنا في العطايا، وأرسلنا إلى فاس، فتفرجنا فيها وفي أعمال مراكش، وأقمنا بمدينة فاس أربعة عشر يومًا ننتظر إذنه لنا بالعودة، فبينا نحن على ذلك، إذ جاءنا خبر وفاته، وقام أبو ثابت
(5)
ابن ابنه مقامه، فخرجنا من فاس، وصحبنا منها ركبٌ عظيم كانوا قد تجهزوا لقصد الحج من تجار وأعيان وطبقات الناس، واستصحبنا معنا ما جهزناه من الهدايا وما معنا من الموجود الذي لنا، فلما سرنا صادفنا أبا ثابت وهو سائر نحو فاس، فاجتمعنا به وتجهزنا من عنده، وأرسل برسم الأبواب الشريفة خيلًا وبغالًا وجمالًا سبعمائة، ولما وصلنا تلمسان
(6)
وجدنا صاحبها محمد
(7)
بن عثمان بن يغمراسن قد مات وجلس بعده أخ له
(1)
عن هذه المنازل يراجع معجم البلدان، وتقويم البلدان.
(2)
زبدة الفكرة 410 - 411.
(3)
واجتمعا: في الأصل والتصويب من زبدة الفكرة.
(4)
هو: يوسف بن يعقوب المريني، أبو يعقوب، صاحب المغرب، المتوفي سنة 706 هـ/ 1306 م، الأنيس المطرب 374، 388، روضة النسرين 21 وما بعدها، الدرر الكامنة 5/ 256 رقم 5183، المنهل الصافي 12/ 254 رقم 2731.
(5)
هو: عامر بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني، أبو ثابت، صاحب فاس، قتل سنة 708 هـ/ 1308 م، الدرر الكامنة 2/ 338 رقم 2077، الأنيس المطرب 389، روضة النسرين 22، المنهل الصافي 12/ 314 رقم 2786.
(6)
كانت تلمسان عاصمة بني زيان (بني عبد الواد، الذين استقلوا بالمغرب الأوسط (الجزائر)، عن الموحدين سنة 637 هـ/ 1239 م، وكان مؤسس الدولة المستقلة هو يغمراسن بن زيان، أبو يحيى، ينظر تاريخ الجزائر العام 2/ 125 وما بعدها، تاريخ الدول الإسلامية 60.
(7)
توفي سنة 707 هـ/ 1308 م، ينظر تاريخ الجزائر العام 2/ 144.
اسمه أبو حَمُّو
(1)
فلم [نجد]
(2)
منه إكرامًا، وأولانا غِلظة وإحجامًا، وكانت الأعراب قد اهتاجت ببلاد الغرب منذ [قتل]
(3)
المريني، فسألنا ابن يغمراسن المذكور أن يُجهز معنا من يوصلنا إلى حد بلاده، فلم يعبأ بناء فكررنا عليه السؤال حتى جهز معنا ثلاثة أشخاص من العرب لا يغنون غناء، ولا يدفعون عناء.
فسرنا بالرغم، وتزودنا الغم، نتوقع الإيقاع، ولا نهتدي في تلك البقاع، وسارت صحبتنا الركبان إلى أن تجاوزنا تلمسان، فما تعديناها قليلًا، [ولا بُعدنا عنها]
(4)
إلا ميلًا، حتى خرجت علينا طوائف من العربان كالجراد الناشر والسيل الجارف من عرب حُصين وغيرهم، فأحاطوا بالركب من كل جانب، على موضع يقال له المُديّه، فتمكنت هنا لكم الأذية، ووضعوا أيديهم في الرجال والنسوان، والرحال والركبان، فقاتلناهم ما استطعنا، ودافعناهم حتى اندفعنا، ونفذ ما في الجعاب من السهام، وكاد يدركنا الظلام، فأعيينا من الكفاح وجلاد الصفاح، وتمزق ذلك الركب [بين]
(5)
مقتول ومنهوب ومطروح ومسلوب، وحَوَتْ العربان كلَّ ما كان معنا ومعهم
(6)
من الأموال والخيل والبغال والدواب والجمال والكِسَى والنفقات، وتركونا في تلك [الصحراء]
(7)
منبوذين بالعراء، قد أشْفينا من الظمأ، وليس فينا من يهتدى إلى الماء، فقصدنا شخصًا نازلًا بالقرب من تلك الأرض اسمه أبو بكر بن زَغْلى، فسرنا دون ثلاثة أيام حتى أشرفنا عليه، ودخلنا إليه، فأقمنا في مثواه ريثما استرجعنا رمقًا قليلًا، وارتدنا لنا دليلا، ثم سرنا من
(1)
هو: موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيان، أبو حمو، وهو رابع سلاطين بني عبد الواد في تلمسان، قتل سنة 719 هـ/ 1319 م، تاريخ الدول الإسلامية 60، تاريخ الجزائر العام 2/ 144، المنهل الصافي 12/ 320 رقم 2795.
(2)
يجد: في الأصل، والتصويب من زبدة الفكرة.
(3)
قليل: في الأصل والتصويب من زبدة الفكرة.
(4)
ولا بعد منها: في الأصل، والتصويب من زبدة الفكرة.
(5)
من: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(6)
ومعهم: في هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(7)
إضافة من زبدة الفكرة.
عنده فوصلنا بجاية على غاية من الإقتار، والإدبار، والمشقة والبوار، وبها الأمير خالد المؤمنى فتلقانا، وأكرم مثوانا، وأنزلنا، وجهزنا، وزودنا، وكسانا أثوابًا وسرحنا، فلما وصلنا تونس وجدنا بها أبا عبد الله المؤمنى
(1)
، فجهز معنا أدلاء أوصلونا إلى طرابلس الغرب، فوصلنا وبها الشيخ أبو زكريا يحيى اللحياني ابن عمه، فسار صحبتنا إلى الديار المصرية مظهرًا أنه يقصد الحج، وكان ذلك بسب جرى بينه وبين ابن عمه صاحب تونس المذكور، أوجب له [النفور]
(2)
.
قال بيبرس رحمه الله: فأنزل بمناظر الشرف الأعلى، وأوسع طولًا وفضلًا، وكان وصول بدر الدين أمير شكار إلى الرسل، إلى مكان يقال له: سُوسه، وقد حصلوا في حدود الأرض المأنوسة، وعاد صحبتهم بمن معه من الأجناد، فكانت إقامة التُّليلى ورفقته
(3)
في هذه السفرة ثلاث سنين وستة أشهر
(4)
.
وفيها: كان الوباء بالقاهرة ومصر، ومات خلق كثير، وكان الموت كثيرًا في مماليك الأمراء.
وفيها: وصلت رُسل صاحب سيس بالقطيعة المقررة وبالهدايا، فأكرموا وأعيدوا إلى مرسلهم.
(1)
هكذا بالأصل، ومتولي تونس في ذلك الوقت هو: محمد بن يحيى، أبو عبد الله، الملقب بالمنصور، والمشهور بأبي عصيدة، والمتوفي سنة 709 هـ/ 1309 م، ينظر المؤنس في أخبار إفريقية وتونس 141، تاريخ الدولتين 54 وما بعدها، المنهل الصافي 11/ 140 رقم 2441.
(2)
التغور: في الأصل، والتصويب من زبدة الفكرة، وينظر زبدة الفكرة 410 - 412، حيث ينقل العيني دون أن يشير إلى ذلك، ويراجع التحفة الملوكية 192 - 193.
(3)
ورفيقه: في زبدة الفكرة.
(4)
ينظر زبدة الفكرة 412، وورد: فكانت غيبة التليلي ورفيقه ثلاث سنين وثلاثة أشهر: في السلوك 2/ 52.
ذكر اضطراب دولة الملك المظفر
بتاريخ الخامس عشر من جُمادى الأخرى: قفز جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية بالقلعة والقاهرة، مائة وستة وثلاثون نفرًا.
وقال بيبرس في تاريخه: تسحب من الديار المصرية إلى الكرك المحروس: سيف الدين انغيه
(1)
قفجاق أحد المماليك السلطانية، وسيف الدين طقطاي البساقى، وعلاء الدين مغلطاي القازاني، وتوجه معهم من المماليك السلطانية السكان بالقلعة والقاهرة مائة وستة وثلاثون نفرًا، وخرجوا طُلبًا واحدًا بخيلهم وهجنهم وغلمانهم، وتركوا بيوتهم وأولادهم وراءهم
(2)
.
وفي نزهة الناظر: لما ولى المظفر الملك بقي سلار هو الملك الظاهر بين الناس، والمظفر بيبرس من وراء حجاب، ففي يوم من الأيام دخل على المظفر أميران من أمراء مصر، أحدهما يسمى نُغَيْة والآخر مغلطاي، فباسا الأرض بين يديه وشكيا من ضعف أخبازهما، فقال لهما المظفر: اشكيا حالكما إلى سلار فهو أعلم بحالكما، فقالا: خلد الله ملك مولانا السلطان، أهو مالك البلاد أم مولانا السلطان؟ فقال: اذهبا إلى سلار، فخرجا من عنده وجاءا إلى سلار وأعلماه بما قال المظفر، فقال: والله يا أمراء بهذا الكلام أبعدكما، وأنتما تعلمان أن النائب ماله كلام مثل السلطان، وكان الأمير نُغيه فارسًا لا يُطاق، ومُرا لا يُذاق، فأقسم بالله لئن لم تغيروا خبزه ليقيمن شرًا يهرق فيه الدماء، ويُقام فتنة تهيج بين الأرض والسماء، ثم خرج من عند الأمير سلار وهو يدمدم، وفي الحال ركب سلار وطلع إلى المظفر بيبرس وحدثه بما جرى له مع نغيه ومغلطاي القازاني، وقال: هذا نُوغيه يصدق فيما يقول لأنه قادر على إثارة الشر، والمصلحة قبضه وحبسه في
(1)
أنغاي قبجق السلحدار: في كنز الدرر 9/ 167.
وهو: نوغاي المنصوري الجمدار، سيف الدين، توفي سنة 710 هـ/ 1310 م، الدرر الكامنة 5/ 171 رقم 4953، وينظر ما يلي.
(2)
ينظر زبدة الفكرة 414.
السجن، فاتفقوا على قبضه، وكان هناك في ذلك [الوقت]
(1)
أمير يقال له: أبتر، سمع بهذا الحديث، فلما خرج أعلم نُوغيه
(2)
بذلك، ولما سمع نُوغيه بذلك طلب مغلطاي وجماعة من مماليك الملك الناصر، وقال لهم: يا جماعة هذا الرجل قد عوّل على قبضنا، وأما أنا فما أسلم روحي إلا بعد حرب تضرب فيه الرقاب، فقالوا له: على ماذا عولت؟ فقال: عوّلت على أن أسير إلى الكرك إلى الملك الناصر أستاذنا، فقالوا له: نحن معك، خلف كلهم على ذلك، قال نُوغيه - وكان بيته خارج باب النصر
(3)
: كونوا عندي وقت الفجر الأول راكبين وأنتم لابسين، ثم إنه جهز حاله في تلك الليلة، وركب بعد الثلث الأخير مع مماليكهـ وحاشيته ومن يلوذ به، ثم جاءه مغلطاي القازاني بمماليكهـ ومعه جماعة من مماليك السلطان الناصر، والكل ملبسون على ظهر الخيل، ثم أن نغيه حرك الطبلخاناة حربيًا وشق في الحُسينية
(4)
وهو خارج
(5)
.
قال الراوي: فماجت الناس، وركبت الخيل من الحسينية، وساروا، وأعلموا الأمير سلار، فركب سلار وطلع إلى القلعة وأعلم السلطان المظفر بأن نُغية راح هو ومغلطاي القازاني، فقال: على أي شيء راحا؟ فقال: على نباح الجراء في بطون الكلاب، وأنا خبير بنُوغيه، والله ما ينظر في عواقب الأمور، ولا يخاف آثار المقدور
(6)
.
وقال ابن كثير: ومن خرج معهم سيف الدين طقطاى الساقي، وذلك بمباطنة الأمير سلار، وعند ذلك اتفقوا على تجريد عسكر وراء المتسحبين
(7)
.
(1)
إضافة للتوضيح.
(2)
هكذا في الأصل، حيث وردت نُغيه ونُوغيه، ينظر ما يلى.
(3)
باب النصر: من أبواب القاهرة المعزية في الجهة الشمالية، ينظر المواعظ والاعتبار، المجلد الثاني 267، 271 - 272.
(4)
الحسينية: عن حارة الحسينية ينظر المواعظ والاعتبار، المجلد الثالث 59 - 68.
(5)
يوم الثلاثاء حادي عشرين جمادى الآخرة: في كنز الدرر 9/ 167.
(6)
ينظر النجوم الزاهرة 8/ 249 - 250.
(7)
لم ترد هذه العبارة في المطبوع من البداية والنهاية في أحداث سنة 709 هـ.
ذكر تجريد العسكر وراء المتسحبين إلى الكرك طالبين الناصر
ولما ظهر أمر المتسحبين جرد المظفر في آثارهم جماعة من الأمراء صحبة: الأمير علاء الدين مغلطاي
(1)
المسعودي، وسيف الدين قلي، فساروا سيرًا رقيقًا قصدا في عدم إدراكهم، وحفظًا لسلطانهم وابن سلطانهم، فلم يدركوهم، وأقاموا على غزّة أيامًا، وعادوا إلى القاهرة.
وفي نزهة الناظر: وجردوا وراءهم خمسة آلاف فارس صحبة أخ سلار [سُمُك]
(2)
، وقالوا له: لا ترجع إلا بهم ولو غاصوا في البحر المحيط، وكان فيهم: الأمير شمس الدين دباكُوز، وبجاس، وبشكاس، وجنكلي بن البابا، وكُري، وكَهَزداش، وأيبك البغدادي، وبلاط، وساروجا، والقرماني، وهم نقاوة عسكر مصر، فساروا، وكان نُغيه قد وصل إلى بلبيس وطلب واليها وقال له: إن لم تحضر لي في هذه الساعة خمسة آلاف دينار من مال السلطان لأسلخن جلدك من كعبك إلى أذنك، وحلف عليه، ففي الساعة أحضر الذهب، وكان نُغية قد رصد أناسًا يكشفون له الأخبار، فجاءوا وذكروا أن عسكرًا عظيمًا قد وصلوا من القاهرة وهم سائقون، فعند ذلك ركب نُوغيه بأصحابه وقال لوالى بلبيس: قل للأمراء الجَايِّين خلفي، ها أنا رايح على مهل حتى يلحقوا بي، وأنا أقسم بالله العظيم لأن وقعت عيني عليهم لأجعلن عليهم يومًا يذكره أصحاب التواريخ، ولم يبعد نُوغيه حتى وصل أخو سلار وهو سُمك مع العسكر، فلاقاهم والى بلبيس وأخبرهم بما جرى له مع نُغيه، وما ركب نُغيه إلا من ساعة، فلما سمعوا بذلك ساقوا إلى أن وصلوا إلى مكان بين الخَطَّارة وبين [السعيدية]
(3)
، فإذا بنوغية واقف وقد صف رجاله ميمنة وميسرة، وهو واقف في القلب قدام الكل، فلما رآهم سُمُك
(1)
توفي سابع ذي القعدة 732 هـ/ 1331 م، السلوك 2/ 355.
(2)
إضافة للتوضيح مما يلي.
(3)
الصعيدية: في الأصل، والتصويب من النجوم الزاهرة 8/ 252.
وهي من مراكز البريد بين بلبيس والخطارة، صبح الأعشى 14/ 377.
أرسل إليهم فارس من كبار الحلقة، فاجتمع بنوغية وقال له: أرسلني سمك إليك وهو يقول: السلطان الملك المظفر يسلم عليك ويقول لك: سبحان الله، أنت كنت أكبر أصحابي فما الذي غيرك عليه، فإن كان لأجل الخبز فيما يأكل الخبز أحد أحق منك، فإن عدت إليه فكل ما تشتهي يحصل لك، فلما سمع نغية هذا الكلام ضحك وقال: اش هذا الكلام الكذب [في الأمس]
(1)
سألته أن يصلح خُبزى بقرية واحدة ما أعطاني وأنا تحت أمره، فكيف سمح لي اليوم ما أشتهي وأنا عدوه الآن، فخل عنك هذا الهذيان وما لكم عندي إلا السيف، فرجع الرسول وأعلم سُمُك بما قال نغيه، ثم إن نغيه [ركس]
(2)
فرسه وتقدم إلى سُمُك وأصحابه، فقال له: اعلم أن هؤلاء [الذين]
(3)
معي أنا الذي أخرجتهم من بيوتهم، وأنا المطلوب، فمن كان يريدني يبرز إلى وهذه الميدان، فنظرت الأمراء بعضهم إلى بعض، ثم قال: يا أمراء ما أنا باغي ولا عاصى على أحد، ولا خرجت من شيء عبثًا ولكنني مغبون وأنتم أغبن مني ولكن ما تظهرون، وها أنتم سمعتم منى الكلام، فمن أراد الخروج إلى فليخرج، وإلا احملوا علىّ بأجمعكم، وكان آخر النهار، فلم يخرج إليه أحد، فرجع إلى أصحابه، ونزل سُمُك في ذلك المكان.
ولما أمسى الليل رحل نغيه بأصحابه، فسار طول الليل وثاني النهار إلى آخره، ثم نزلوا وأراحوا دوابهم وأكلوا شيئًا، ثم ركبوا وساروا، فما أصبح الصبح إلا وهم في قطيا
(4)
، وكانوا قد أرسلوا البطاقة إلى [قطيا]
(5)
بأن نغيه خرج هاربًا إلى الملك الناصر في الكرك
(1)
فلامس: في الأصل.
(2)
دكس: في الأصل، ويبدو أنها عامية، والتصويب يتفق مع السياق، وأركست الشيء: إذا رددته ورجعته، أي أنه رد فرسه، ينظر لسان العرب، مادة ركس.
(3)
الذي: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
هكذا في الأصل.
وهي: قطيه = قطيا: قرية في الطريق بين مصر والشام قرب الفرما، وكان بها والي طبلخاناة، مقيم لأخذ العشر من التجار، ولا يمكن أحد من الجواز إلى مصر من الشام، أو بالعكس إلا بجواز مرور، ينظر القاموس الجغرافي ق 1/ 350 - 351.
(5)
قاطيه: في الأصل، والتصويب و، وتوحيد الرسم، مما سبق، ينظر الهامش السابق.
فلا تمكنوه من الجواز، وكان والى قطيا قد جمع عربانًا كثيرة قريب ثلاثة آلاف نفس، فلما رآهم نغيه قال لأصحابه: احملوا عليهم وبادروهم حتى لا يأخذهم الطمع فيكم وتأتي الخيل التي وراءنا، فحملوا عليهم، وكان مقدم القوم نوفل بن حايس البياضي، فحمل بخمسمائة فارس وعليهم اللبوس وحملت الأتراك، فوقع بينهم قتال عظيم، فترجحت الأتراك، عليهم وولت العرب هاربين، وطلبوا البراري والقفار، ولحق نُوغيه والى قطيا وطعنه برمح فألقاه في الأرض وأخذه أسيرًا، ثم رجعت الترك من خلف العرب بعد ما لّموا الخيل الشاردة، وأما سُمُك بعسكر مصر فلم يزالوا يتبعونهم منزلة بمنزلة حتى وصلوا إلى قطيا فرأوها خرابًا، وسمعوا ما جرى بين نُغيه وبين العرب، فقال للأمراء: الرأي عندي أن تسيروا إلى غزة وتشاوروا نائب غزة وتدبروا أمرًا يكون فيه المصلحة، [فساروا]
(1)
إلى غزة فلقاهم نائبها البدري
(2)
، وأنزلهم على ظاهر غزة، ونقل إليهم جميع ما يحتاجون إليه، فقال له سُمُك: نحن ما جينا إلا لأجل نُغيه، وإنه من العريش سار يطلب الكرك، فما رأيك فينا؟ فهل نسير إلى الكرك أو نرجع من ها هنا؟ فقال لهم البدرى: رواحكم إلى الكرك ما هو مصلحة، وأنتم حين خرجتم من مصر سائرون وراءهم ورأيتموهم في الطريق فما قدرتم عليهم، وقد وصلوا إلى الكرك وانضموا إلى الملك الناصر، وازدادت قوتهم أكثر فأكثر، والرأي عندي أن ترجعوا إلى مصر وتقولوا للسلطان: ما كانت المصلحة في تغليظ الكلام على نُوغيه، والرأي عندي مداراته بكل ممكن وأنا أعرف الناس به، وينبغي أن لا [يتعرض]
(3)
السلطان إلى خبزه ولا إلى بيته، فباتوا تلك الليلة في غزة، ولما أصبحوا ركبوا وساروا طالبين مصر.
فلا تمثل سُمُك بين يدي المظفر أخبره بجميع ما جرى في الطريق، وأن نائب غزة أشار عليهم بالرجوع إلى السلطان، فلما سمع المظفر بذلك انزعج واحترق قلبه وأمر
(1)
فساووا: في الأصل.
(2)
هو: بلبان بن عبد الله البدرى، الأمير سيف الدين، ولي نيابة غزة في أيام المظفر فيما بين سنتي 709 - 710 هـ، وتوفي سنة 727 هـ/ 1327 م: الدرر الكامنة 2/ 25 رقم 1329.
(3)
يعترض: في الأصل.
[ساعتئذ]
(1)
أن يُكتب كتاب إلى الملك الناصر وفيه: ساعة وقوفك على هذا الكتاب، ومن قبل وضعه من يدك، ارسل لَنا نُغيه ومغلطاي ومماليكهما، وتبعث المماليك [الذين]
(2)
عندك في الكرك، ولا تخل منهم عندك سوى خمسين مملوكًا والباقي أرسلهم فإني اشتريت الكل من بيت المال، وإن لم تسيرهم سرت إليك وأخذتك وأنفك راغم، وسير الكتاب مع بريدي إلى الملك الناصر.
وأما نُغيه فإنه سار إلى الكرك فوجد السلطان في الصيد، فقال نُغيه لمغلطاي: أنزل أنت ها هنا وأنا أسير إلى السلطان، ثم إنه ركب هجينا وأخذ معه ثلاثة مماليك، وسار إلى ناحية عقبة أيلا، وإذا بالسلطان نازل في موضع وعنده خلق كثير من العرب والترك، فلما رأوا نُغيه وقد أقبل من صدر البرية أرسل إليه خيلًا ليكشفوا حاله وخبره، فلما قربوا منه عرفه مماليك السلطان، فرجعوا وأعلموا الناصر أنه نغيه، فقال السلطان: الله أكبر، ما جاء هذا إلا عن أمر عظيم، ولما حضر باس الأرض بين يدي الناصر ودعا له، فقال له السلطان: أراك جئت في مثل هذا الوقت إلى هذا المكان، حدثني بحقيقة أمرك، فأنشأ نُغيه يقول:
أنت الملك وهذه أعناقنا
…
خضعت لِعز عُلاك يا سلطاني
أنت المُرجَّى يا مليك فمن لنا
…
أسد سواك ومَالِكُ البُلْدَاني
يا مرتجى عند الشدائد كلها
…
يا ناصرٌ منصور بالرحماني
جئناك يا بطل همام فقم بنا
…
فالمُلك مُحتاج إليك عَيَاني
ارحم بلادك والرعيةَ كلَّها
…
وعواتقُ الفتيان والنسياني
ثم قال: يا خوند، لما توجه مولانا السلطان إلى الكرك ما كان يقدر المملوك على
(1)
مساعتئذ: في الأصل، وهو تحريف.
(2)
الذي: في الأصل.
الركوب لأجل المرض، فلما أفاق المملوك من مرضه جمع خشداشيته وحلفوا لمولانا السلطان، فقلت لهم: قوموا بنا نروح إليه، فنحن ما يقوم لنا صورة لأن ما فينا رأس نتبعه، فسمع بذلك بيبرس وأراد أن يقبض علينا، فخرجنا من القاهرة على حمية، ثم سَيَّر خلفنا أخا سلار سُمُك ومعه أربعة آلاف فارس، فلحقونا في كورة العباسة
(1)
وجرى له معنا كذا وكذا، ولم يزالوا خلفنا إلى العريش، فقال له السلطان: ومن جاء معك؟ قال ملغطاي القازانى وثلاثمائة مملوك، فقال له السلطان: يا نُغيه كيف خلفت قلوب الأمراء والرعية؟ فقال: الناس كلهم داعون لمولانا السلطان ومنتظرون له.
وفي تلك الساعة ركب السلطان وسار يطلب الكرك، ونُغيه إلى جانبه، وقد أركبه جنيبًا من جنائبه، وهو يحدثه ويبشره برجوع المُلْك إليه، إلا أن السلطان لما سمع أن أخا سلار جاء خلفهم داخله الريب، وقال في نفسه: لا يكون حيلة دبروها عَلَيَّ. ليحيلوا بيني وبين الكرك، فساق سوق المستعجل، ولما أشرف على الكرك ركب مغلطاي القازاني بمن معه، فلا عاينوا السلطان ترجلوا وباسوا الأرض، وجرى مغلطاي وباس يد السلطان، فأركبه جنيبا من جنائبه وطيب قلبه وقلوب مَنْ معه، ووعد الجميع بكل خير، ولم يزالوا قدامه حتى طلع السلطان إلى الكرك.
ونزل نُوغيه ومغلطاي ومن معهما في وطاقاتهم وأمر السلطان بالإقامات والعلوفات لهم، وباتوا تلك الليلة، ولما أصبحوا طلبهم السلطان، فحضروا وباسوا الأرض ودعوا له، فأمرهم بالجلوس وخلع عليهم، ثم قَرَّب الأمراء والأكابر إليه، فشاورهم فيما يصنعون، فقال نغيه: من ذا الذي يعاندك ويقف قدامك والجميع مماليكك؟ والذي خلق الخلق إذا كنت معي ألتقى وحدى كل مَنْ في مصر والشام، فقال له السلطان: صدقت فيما قلت، ولكن مَنْ لم ينظر في العواقب ما الدهر له بصاحب.
وقال ابن كثير: ووصل المتوجهون إلى الكرك إلى الملك الناصر في الحادي
(1)
العباسة: بليدة أول ما يلقى القاصد لمصر من الشام، تنسب إلى قصر أنشئ للعباسة بنت أحمد بن طولون، ينظر معجم البلدان.
والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، فقبلهم الناصر أحسن قبول، وكان حين [دخلوا]
(1)
القاطيه أخذوا ما بها من المال، ووجدوا أيضًا في طريقهم تقدمة لسيف الدين طوغان
(2)
النائب بقلعة البيرة، فأخذوها بكمالها، وأحضروا الجميع بين يدي الناصر محمد، ولما وصلت الأمراء أمر بالخطبة لنفسه، ثم كاتب النواب
(3)
.
ذكر مُكاتبة الناصر محمد إلى النواب بالممالك الشامية
قال ابن كثير: لما وصل المتسحبون من مصر إلى السلطان الناصر كاتب النواب بالممالك الشامية ومهنا أمير العرب، فوردت عليه أجوبتهم يبذلون له الطاعة ويعرضون أموالهم بين يديه، إلا أقوش الأفرم نائب دمشق فإنه امتنع من الطاعة وجرد من جهته على الطريق مَنْ يحفظها
(4)
.
وفي النزهة: ولما وصلت الأمراء إلى الناصر طلب وكيله ابن عُباده، وأمره أن يكتب إلى: قراسنقر نائب حلب، وقفجق نائب حماة، واسندمر نائب طرابلس، وأعلمهم بصورة الحال، وذكر أن نُغيه ومغلطاي القازانى وجماعة من عسكر مصر [حضروا]
(5)
إلَيَّ، فأجمعوا أنتم رأيكم وأعلموني بما تتفقون عليه، وربما نسير إلى دمشق في هذا الوقت، ولا يمكن التأخير بعد ذلك، ثم طلب نجابا يقال له: صخر، وقال له: سر ليلًا ونهارًا وأوصل هذه الكتب إلى أصحابها، وإياك أن تأوي إلى جدار أو يطلع عليك أحد، فأخذ الكتب وسار على هجين كأنه سهم مارق، فوصل إلى حلب في اليوم الرابع، واجتمع بقراسنقر ودفع إليه كتاب السلطان، فلما قرأه سِيَّر في الحال إلى قفجق واسندمر
(1)
دخولوا: في الأصل.
(2)
هو: طوغان المنصوري، سيف الدين، قرره السلطان قلاوون في نيابة البيرة، مات بسجن الكرك 724 هـ/ 1323 م، الدرر الكامنة 2/ 329 رقم 2951.
(3)
لم ترد هذه الأخبار في المطبوع من البداية والنهاية.
(4)
لم ترد هذه الأخبار في المطبوع من البداية والنهاية.
(5)
فحضروا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
يطلبهما إليه للمشاورة، فلما وصل قصاده إليهما ركبا في الليل كأنهما سارحان للصيد، فسارا حتى وصلا إلى حلب، واجتمعا بالأمير قراسنقر بالليل وتشاوروا فيما بينهم، فقال لهم قفجق: بعد أن جاء الأمراء إلى السلطان من مصر اتضح الأمر، والتأخير لا يفيد، ونخشى أن يجئ عسكر من مصر إلى الكرك ويتحرك الأفرم بعسكر الشام فيتعذر وصولنا إلى الناصر، ثم يبعث الناصر ويطلبنا فلا نقدر، فيكون تهاون في حقه، فقالوا له: صدقت، ولكن تريد الآن أن نسير إليه أحدًا ويكون معولنا عليه، فقال اسندمر نائب طرابلس: أنا أسير إليه، فقال قراسنقر: إذا سرت أنت إليه ترتج البلاد، فقال اسندمر: أسير بحيث لا يعلم أحد بي، فإني أُظهر أني ضعيف وأمنع الناس الدخول عَلَيَّ، ولى عادة بمنع دخول الناس إلىّ، فاتفقوا على هذا، وكتبوا الكتب، وأخذها اسندمر، فلما وصل إلى الساحل أظهر أنه مريض، حصل له المرض في الصيد وأنه مشرف على الهلاك لقوة مرضه، وأرسل إلى الأفرم في دمشق يطلب منه حكيمًا حاذقًا من حكماء المارستان، فقام في تلك الليلة وركب هو ومعه نجاب واحد وثلاثة مماليك، وأوصى مملوكه سنقر إذا جاء الحكيم من دمشق صَبَّره يومًا بعد يوم، وتعلل عليه إلى أن أحضر، فسار في حندس
(1)
الظلام، فما أصبح الصبح عليهم إلا وهم على قرية من قرى حمص يقال لها: غُنْثُر، فنزلوا عليها حتى استراحوا، ثم ركبوا منها ودخلوا البرية.
وقد ذكرنا أن المظفر كان قد سَيَّر البريدي إلى الناصر يطلب منه نغيه [ومغلطاي]
(2)
ومن معهما، فوصل البريدي واسندمر في ساعة واحدة، كأنهما كانا على ميعاد، فأخذ السلطان الكتاب واسندمر إلى جانبه وعليه لبس العربان وقد ضرب اللثام، فقرأ السلطان الكتاب، ثم ناوله لأسندمر فقرأه وفهم معناه، ثم أمر الناس بالانصراف، ولم يخلّ عنده أحدًا، فقال السلطان: يا أمير ما يكون الجواب؟ فقال له: المصلحة أن تخادعهم بالكلام ونرق لهم في الخطاب حتى نُجهز أمرنا ونستظهر، فقال السلطان: فاكتب له الجواب مثل ما تختار، فكتب اسندمر:
(1)
حندس الليل: اشتد ظلامه، لسان العرب، مادة: حندس.
(2)
ومغلطيه: في الأصل، والتصويب مما سبق، ومن مصادر الترجمة.
المملوك محمد بن قلاوون يقبل اليد العالية المولوية السلطانية المظفرية، أسبغ الله ظلها ورفع قدرها ومحلها، وينهي بعد رفع دُعائه وخالص ولائه وعبوديته وثنائه أنه وصل إلَىَّ المملوك نغيه ومغلطاي وجماعة مماليك، فلما علم المملوك بوصولهم أغلق باب القلعة ولم يُمكن أحدًا منهم يعبر إليه، وسَيَّرت إليهم ألومهم على ما فعلوه، وقد دخلوا على المملوك بأن يبعث ويشفع فيهم، فأخذ المملوك في تجهيز تقدمة لمولانا السلطان ويشفع فيهم، والذي يحيط به علم مولانا السلطان أن هؤلاء من مماليك السلطان - خلد الله ملكهـ - وأن الذي قيل عنهم غير صحيح، وإنما هربوا خوفًا على أنفسهم وقد استجاروا بالمملوك، والمملوك مستجير بظل الدولة المظفرية
(1)
أن لا يخيبه في سؤاله، ولا يكسر قلبه، ولا يرد ما قصده، بل يُسَير لهم أمانًا ومناشير إقطاعاتهم بزيادة عليها، ويكون ذلك من جملة صدقات الدولة المظفرية والمراحم الأعظمية، وفي هذه الأيام يجهز المملوك تقدمته مع المماليك الذين طلبهم مولانا السلطان، وأنا مالي حاجة بالمماليك في هذا المكان، وإن رسم مولانا، مالك الرق، أن يسير إلى القلعة نائبًا له وينزل المملوك ويلتجئ بالدولة المظفرية ويحلق رأسه ويقعد في تربة الملك [المنصور]
(2)
، والمملوك قد وطن نفسه على مثل هذا، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما أقرب الراحة من التعب، والبؤس من النعم، والموت من الحياة، وقد قال بعضهم: إياك وما يسخط سلطانك ويُوحش إخوانك، فمن أسخط سلطانه فقد تعرض للمنية ومن أوحش إخوانه تبرأ عن الحرية، لا تُحاجج سلطانك ولا تُلاجج إخوانك، والمملوك يسأل كريم العفو والصفح الجميل، والله تعالى قال في كتابه الكريم، وهو أصدق القائلين:{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
(3)
. والمملوك ينتظر الأمان والجواب، أنهى المملوك ذلك والرأي العالى أعلاه
(4)
.
(1)
والمراحم الأعظمية، وفي هذه الأيام يجهز المملوك: في الأصل، ومشطوب عليه، وهي سبق نظر من الناسخ، ينظر ما يلي.
(2)
الناصر: في الأصل، وهو خطأ، فالخطاب على لسان الملك الناصر.
(3)
جزء من الآية 134 من سورة آل عمران رقم 3.
(4)
ينظر نص الكتاب في النجوم الزاهرة 8/ 256 - 257، حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
وطوى الكتاب وسلمه إلى البريدي، فسار يطلب القاهرة بعد أن أعطاه مائة دينار، فلما حضر بين يدي المظفر أعطاه كتاب الناصر، فلما قرأه خف عليه ما كان عنده، وكان سلار حاضرًا فقال له: ما قلت لك إن الملك الناصر ما بَقيت له قُدرة على المعاندة، وقد أصبح مُلك الشام ومصر طوع يدك، ولكن عندي رأى أنا نُسَير إلى الأفرم بأن يجعل بالة من الأمراء، فإنهم ربما يهربون إلى بلاد التتار، واستصوب المظفر ذلك، ففي الحال أرسلوا البريدي إلى الأفرم، وقالوا له: أمسك طريق الرحبة، واجتهد غاية الاجتهاد، وإياك والإهمال، وعَرَّفني أخبارك ساعة بساعة.
فلما وصل البريدى إلى الأفرم، وفهم مضمون الكتاب، أرسل في الحال وراء حمزة وأمير حسين بن جندر وجردهما إلى المرج، وأمرهما أن يتفقدا كل وقت طريق الرحبة، ولا يمكنا أحدًا من العبور على تلك الطريق، وأرسل معهما حمامًا [ليعرف]
(1)
أخبارهما كل وقت، ثم طلب الأفرم: أيدغدي شقير، والملك الكامل، وابن صبح، وجوبان، والطشلاقى، وقال لهم: ما تقولون في الأمراء الذين هربوا من مصر إلى الكرك؟ والله أنا خائف من الملك الناصر، فكثر بينهم الكلام، فإذا قد دخل عليهم الأمير [علم الدين]
(2)
الجاولى
(3)
فأطلعوه على أمرهم، فقال لهم: ما أخوفني أن يكون نغيه مفتاح الملك الناصر في أموره، فقال له الأفرم: والله صدقت، لأني أعرف أن ما في مصر والشام من يقوم مقامه، ولا أهجم منه على الأمور الصعاب، ولا سيما وقد قدم على الملك الناصر الذي ما على وجه الأرض أدرى منه ولا أكثر حيلة، وسوف ترون ما يجري، فقال الجاولى: والله لقد نظرت في موضع النظر.
وأما الملك الناصر فإنه من بعد رواح البريدىَ من عنده قال لأسندمر: يا أمير قد اتضح الأمر، وانتهك الستر، وما بقى إلا تجهيز الجيوش وتجريد العزم والتوكل
(1)
ليعرفا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
علاء الدين: في الأصل، والتصويب من مصادر الترجمة، ينظر الهامش التالى.
(3)
هو: سنجر بن عبد الله الجاولي، الأمير علم الدين، توفي سنة 745 هـ/ 1344 م، الدرر الكامنة 2/ 226 رقم 1877، المنهل الصافي 6/ 74 رقم 1113.
على الله تعالى، فقال له: صدقت، ثم طلب نُغيه وطلع إليهم، فأطلعوه على أمرهم، ورأى اسندمر قاعدًا عند السلطان، فقال: يا خوند، بعد هذا نخاف مِمن؟ فقم بنا نمشي، فوالله ما كنا نخاف إلا من قراسنقر وقفجق والأمير اسندمر، وبعد هؤلاء معنا فلا نبالي من أحد، فقال السلطان: فالأفرم لا يُهْمَل أمره، لأن كل مَنْ في الشام ممتثلون أمره، والمصلحة أن أُسير إليه بعض مماليكي وأدعوه إلى طاعتى، فقال نُغيه: خَلِّنا من الأفرم وغيره، فقم بنا نهجم على دمشق، نأخذها وقد مَلَكْتَ البلاد وأَطَاعتك العِباد، من هو الأفرم؟ والله ما بينك وبينه إلا قدر ما يسمع بأنك قد قدمت عليه، وقد خَلَّى دمشق وتسحب، فقال له السلطان: لا بد من التَّسَيُّر إليه حتى ننظر ما جوابه.
ذكر تَسيُّر الناصر مملوكه دنكز إلى الأفرم نائب الشام
ثم إن السلطان طلب دنكز
(1)
الخازندار، وكان مملوكا عاقلًا، لبيبا فاضلًا، وكتب معه كتابًا يذكر فيه هذه المكاتبة:
إلى المقر العالى الجمالى، مدير الدول والممالك، الذي يحيط به علمه الكريم، أنه قد وصل إلَىَّ نغيه ومعه مغلطاي القازاني وصحبتهما جماعة، ومعهم كتب من أمراء مصر الأعيان، وهم يدخلون عَلَىَّ ويقولون: بالله ارجع إلى مُلْكك ومُلك أبيك ومُلك أخيك، فقد بَالغ بنا الضرر، ولا بقى لنا على ما نحن عليه مُصْطَبر، وإن لم ترحمنا ارحم المماليك الذين لك، فقد ضيقوا الحبوس وملأوا الأبراج، وشبع من لحومهم الكلاب، وهذا المظفر ما ينتظم له المُلكَ، وأنت أكبر مماليك أبي، فجهز أمرك وحلِّف الأمراء الذين عندك، فأنا قَادم إليك حتى تعبر معي إلى الديار المصرية، ويكون على يدك الفتح والنصر، وأنت تعلم شفقتي عليك، والتمامى إليك، ولولاك لم يصل المُلك إلَىَّ في القديم، وكُنتَ في قلعة الكرك وأعطيتك ما طلبته، وسلمتُ إليك نيابة الشام، وجعلتُك قسيمي
(1)
دنكز = تنكز: وهو: تنكز بن عبد الله الحسامي الناصري، المتوفى سنة 741 هـ/ 1340 م، الوافي بالوفيات 10/ 420، رقم 4926، الدرر الكامنة 2/ 55 رقم 1424، المنهل الصافي 4/ 156 رقم 797.
في الملك، والسلام.
والآن أريد منك ما عَلِمته منك في الأول، وعلى حقيقة هذا الأمر فعول، فأنا لا غني لي عن مُلك البلاد، ولو عاندتني فيها الفراعنة الشداد، فوالله الذي لا إله إلا هو إن لم تجب إلى سؤالي أخذتُك من دمشق وأنت صاغر، وتندبُ عليك الأكابرُ والأصاغرُ، وتندم حيث لا ينفعُك الندم إذا زلت
(1)
بك القدم، فهذي أمراء الشام
(2)
مكاتبون لي وموافقون على ما أختار، ومنهم مَنْ هو واصل إلَىَّ في هذه الأيام، فتكون أنت أسبق فهو بك أليق، ولا تك جاهلًا بالأمور وترتكب بمخالفتك المحذور، فأقرب من هو إليك هو عَينُنا عليك.
ثم طَوَى الكتاب وسلمه إلى دنكز، وسير معه عثمان الركاب.
فلما ركب وراح، قال الناصر لاسندمر: يا عمي قد عولتُ على التوجه إلى دمشق، لأني ما دمت مقيمًا في الكرك تُهمل الناس جانبي، وإذا سَمعت الأمراء والناس أني برزتُ جاؤوني، وأيضًا أعرف في ذلك الوقت عدوى من صديقي، فقال له اسندمر: هذا هو الرأي السديد والأمر الحميد، ولكن تَأنَّ واصبر حتى أذهب وأجتمع بالأمراء وأتشاور معهم ونرسل إليك كتبنا، فكتب كتابًا إلى قراسنقر ووعد له بدمشق، ووعد لقفجق بحلب، وكتب خَطِّه لاسندمر بأنه يعطيه كل ما يطلب منه، واعلم في كتاب قراسنقر وقفجق بنزوله من الكرك، وحثهما على المجئ إليه، ثم إنه خلع على اسندمر وأعطاه ألفي دينار وسيره، ثم شرع في النزول.
ذكر ما فعل المظفر بعد تسحب الأمراء المذكورين بمن معهم إلى الكرك
قال بيبرس رحمه الله: ولما تسحب من ذكرناه، وعزم ولاة الأمر على إمساك من أمسكوا من المماليك السلطانية، أشرتُ أن لا يَفعلوا لأن في ذلك إجحافًا وإفسادًا
(1)
بك: ملحقة بين الأسطر في الأصل.
(2)
أمراء الشام: مكررة في الأصل.
للخواطر، فلم يقبل هذه الإشارة، [ولما]
(1)
تحقق وصولهم إلى السلطان، أشرتُ بأن المصلحة تقتضى التلطف، وأن يُعين لهم إقطاعًا يقوم بهم في خدمته، فلم يعرجوا على ذلك.
ثم تواترت الأخبار بأن الأمراء الذين بالشام والعساكر قد حلفوا لمولانا السلطان الملك الناصر، فجمعونا للاستشارة في تجريد العساكر، فقلت: الصواب تسكين الثوائر وإغماد البواتر، ومكاتبة السلطان الملك الناصر، بأن الملك مُلكه ومُلك والده، وإنه يعود لمستقره آمنًا من مُعانده، فلم يُفد بعد الكلام، ولم يستبن لهم النصيحة في تلك الأيام، وجرد الأمير سيف الدين برلغي
(2)
مقدمًا وصحبته ثلاثة من مقدمي الألوف وهم: الأمير جمال الدين أقوش الأشرفي نائب الكرك، والأمير عز الدين أيبك البغدادي، والأمير شمس الدين [الدكز]
(3)
السلحدار، ومن معهم من الأمراء، فبرزوا يوم السبت التاسع من شهر رجب، وخيموا بمسجد التبن
(4)
ولم يتقدموا، بل عادوا بعد أربعة أيام، وكان الباعث على عَودهم أن كتب أقوش الأفرم وردت على يد ألطنغش مملوكه تتضمن وصول السلطان إلى البرج الأبيض بالقرب من طفس
(5)
وعودته راجعًا، فاطمأن وسكن، كقول الشاعر:
نُهال للشيء الذي يروعنا
…
ونرتعي في غفلة إذا انقضى
(1)
ولا: في الأصل، والتصويب يتفق مع سير الأحداث، ينظر ما سبق.
(2)
بلرغي: في الأصل والتصويب مما يلي.
وهو: برلغي بن عبد الله الأشرفي، ابن عم السلطان الناصر محمد، والمتوفي سنة 710 هـ/ 1310 م، ينظر ما يلي.
(3)
الذكر: في الأصل، والتصويب مما سبق، وما يلي.
(4)
مسجد التين: هكذا في الأصل، وزبدة الفكرة، وهو قول العامة.
وهو: مسجد التبر، وموضعه خارج القاهرة قريب من المطرية، ينظر المواعظ والاعتبار المجلد الرابع 721 - 722.
(5)
طفش = طفس: من مراكز البريد على الطريق بين غزة ودمشق، ينظر صبح الأعشى 14/ 380.
كثلة ريعت لليث فانزوت
…
حتى إذا غاب اطمأنت إن مضى
وأرسل إلى برلغي ومن معه من المجردين يأمرهم بالعود فعادوا
(1)
.
ثم إنه أرسل علاء الدين مغلطاي أيتغلى وقطلوبغا برسالة إلى السلطان الناصر، [فاشتد]
(2)
غضبه وقبض عليهما بعد أن أوجعهما بالضرب الشديد.
ثم كتب إلى الأمراء بحلب ودمشق وصفد والساحل وحماة يقول لهم: إني لما اشتد الضنك عَلَىَّ خَرجتُ من مصر وتركت لهم الملك يتصرفون فيه كما يختارون وأقمت بالكرك متجنبًا عنهم، ورضيت بأحقر المساكن وأصغر الأماكن ليستريح خاطري من التشويش، فما رجعوا عني، ولا تركوا مشاكلتي ومطالبتي بالمال والخيل وغيرهما، وانتهى الحال إلى أن أغلظوا في المخاطبة، وأحنقوا
(3)
في المراسلة، وأرسلوا يقولون لي: لئن لم تمتثل مراسيمنا وأوامرنا لجرى لك معنا ما جرى لولد الملك المعز وأولاد الملك الظاهر، وأمثال هذا الكلام الذي يقرح الخوطر ويقدح في الضمائر.
وما أحقه حينئذ بالتمثل بأبيات سنان
(4)
صاحب الحصون، إذ يقول:
ياللرجال لأمر هال مقطعُه
…
ما مَرَّ قط على سمعي تَوَقُّعُه
قام الحمام إلى البازي يُروِّعُه
…
وشُمِّرت لأسود الغاب أَضْبُعه
يا الذي بقراع السيف هَدَّدَني
…
لا قام مَصْرع جَنْبى يوم تَصْرَعُه
وقال السلطان في رسالته للأمراء: أنتم تعلمون ما لوالدى عليكم من حق التربية
(1)
ينظر زبدة الفكرة 414 - 415.
(2)
اشتد: في الأصل، والتصويب للتوضيح.
(3)
واجنفوا: في زبدة الفكرة.
(4)
هو: سنان بن سلمان بن محمد، أبو الحسن راشد الدين، كبير الإسماعيلية وصاحب الدعوة النزارية، كان أديبًا فاضلًا، بني بالشام حصونًا لطائفة الإسماعيلية، بعضها مستجد وبعضها كان قديمًا، احتال في تحصيلها وتحصينها، توفي سنة 589 هـ/ 1193 م، الوافي بالوفيات 15/ 463 رقم 632.
والعتق والإحسان من قديم الزمان، [وما]
(1)
أظنكم ترضون لي بهذا الهوان، فإما أن تكفوا عنى هؤلاء المتغلبين الأشرار، وإلا فأنا ألتجئ إلى بلاد التتار، فهو خير لي من النفي إلى بلاد الكفار.
وأرسل بالكتب المذكورة جنديًا يسمى تاج [الدين]
(2)
أوران، [وكان]
(3)
يخدم مع النواب بالكرك، معى
(4)
أولًا، ثم مع الأمير جمال الدين أقوش الأشرفي، وبقي مقيمًا هناك، وله إلمام بالصيد ومعرفة بمظانه، فألم بالركاب الشريف في أوقات التصيد، وصار له بين يديه ادلال التردد، فأنس به، فلما كان في شهر رجب من هذه السنة خرج السلطان إلى الصيد، وقد أضجرته الرسائل التي ترد من جهة الركن إليه، وأحنقه ما أظهره من الحكم عليه، وهجس بفكره أن يلحق ببلاد التتار لكثرة ما استولى عليه من الإضجار، فألقى إلى أوران المذكور بعض ما في نفسه من هذه المعاملة، ويقابله بهذه المقابلة، فقال له أوران: أَرْسِلْني إلى الأمراء سرًا وأنا أتوصل إلى إبلاغهم هذه الرسالة، وإعلامهم بهذه الحالة، ويكون في ذلك بلوغ الوطر والراحة من هذا الخطر، والتوفير من التوجه إلى بلاد التتر، وكان الأمر كما ذكر الشاعر:
إذا اشتملَت على البأس القلوب
…
وضاق لما به الصدر الرحيب
أتاك على قنوط منك غوث
(5)
…
يمنّ به اللطيف المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت
…
فموصول
(6)
بها الفرج القريب
وصغى السلطان إلى مقاله، وأرسله بكتب يتضمن هذه الخطوب، فسار إليهم
(1)
ولما: في الأصل، والتصويب للتوضيح.
(2)
إضافة من زبدة الفكرة 416.
(3)
إضافة للتوضيح من زبدة الفكرة 416.
(4)
مازال الحديث على لسان بيبرس الدوادار.
(5)
عون: في التحفة الملوكية 195.
(6)
فمقرون: في التحفة الملوكية.
وتوصل للدخول عليهم، فلما وصلت كتبه ورسائله أخذتهم الحمية وعطفتهم النفوس الأبية والصدقات المنصورية، ولم يرضوا بما جرى من الأضداد، وأظهروا الأهبة للمساعدة على المراد، وأرسلوا يعرفونه بأنهم طوع يده، ووفق مقصده، ومتى أراد الحركة بادروا نحوه، وحذوا في كل ما يؤثر حذوه، فتحرك من الكرك برأي مشترك
(1)
.
ذكر
(2)
حركة السلطان من الكرك في المرة الأولى
سار السلطان الناصر إلى البرج الأبيض من أعمال البلقاء، وسمعت الناس من جميع الجهات بأن الناصر نزل من الكرك وطلب دمشق، وسمع والى حُسْبان
(3)
، وكان الأفرم قد سير له حَمَاما، فأطلقه بالبطاقة التي جاءت من وإلى حسبان، فارتجت دمشق بساكنيها وماجت بقاطنيها، وقال الأفرم للأمراء: ما تقولون في نزول هذا الصبي من الكرك؟ فكل واحد منهم قال شيئًا، ووصل عثمان الركاب ودنكز وأعطيا كتاب الناصر
(4)
للأفرم، فلما قرأه اسود وجهه من الغيظ، ودمدم على دنكز وقال: أنت وأمثالك الذين حَمَّقوا هذا الصبي حتى يكتب لي هذا الكتاب، ويلك، مَنْ هو الذي يوافقه على ما فعل؟ وما فعل إلا وقد حان أجله، وشتمه، ثم حبسهما في قاعة السلاح، ثم طلب الأمراء وأخرج كتاب الناصر وقرأه عليهم، فنظر الأمراء بعضهم إلى بعض، ثم قالوا له: ماذا عولت؟ فقال: إن كان يلعب بعقل الناصر ويجئ فأنا أقبضه وأبعثه إلى مصر فيحبس هناك إلى أن يموت، فقال بيبرس المجنون: ما هذا بمصلحة تجاوب لابن أستاذك بهذا الجواب، ولكن لاطفه وقل له: أنت تعلم أننا كلنا متبعون مصر وما يبرز منها، فإن أردت الملك فاطلبه من مصر ولا تبتلش
(5)
بنا وارجع عنا، فإن انتظم
(1)
ينظر زبدة الفكرة 415 - 416.
(2)
ذكر: مكررة في الأصل، في نهاية الورقة 110 وبداية الورقة 111.
(3)
حُسْبان: بضم الحاء وإسكان السين، بلدة صغيرة من عمل البلقاء، وكان واليها جنديًا، ينظر صبح الأعشى 4/ 106، 201.
(4)
الناصر: ملحقة بهامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(5)
المقصود: لا تبدأ.
لك أمر في مصر فكلنا تبع لك موافقون على كل ما تريد، فإذ سمع هذا الكلام فقد أرضيته وما عليك في هذا من ملام، فقال الأفرم: أنا ما أقول هذا الكلام، وليس له عندي إلا السيف إن جاء، ثم إنه طلب ثلاث مقدمين من الحلقة وأعطاهم مائة وخمسين فارسًا وقال لهم: سيروا إلى الزرقاء وطالعوني بكل ما يجري، ثم طلب دنكز وقال له: سر إلى أستاذك وقل له يرجع وإلا يسمع المظفر بما جرى فيمسكك ويحبسك فتبقى تتمنى أن تشبع الخبز ولا ينفعك حينئذ أحد، فإن كان لك رأي فاقبض على نغيه ومَنْ معه وسيرهم إلىّ حتى أسيرهم إلى المظفر، فإن فعلت ذلك فقد انصلح حالك ومشي، ولا تفعل غير هذا فتهلك، وكتب كتابًا مضمونه هذا، وأعطاه لدنكز ورده.
في تلك الليلة: أرسل بيبرس المجنون خلف بيبرس العلمي وزين الدين بن دنداش وصلاح الدين يوسف بن الجوكندار وحلفوا كلهم للملك الناصر، ثم خرجوا تحت ظلام الليل، ولما وصلوا إلى الصنمين
(1)
رأوا الناس في رجيف شديد يقولون: الناصر نازل على أرحاب
(2)
، وهي قرية في طرف البرية خراب، ففرحوا وساروا يطلبونه، فلا أشرفوا عليه وقع صائح جاءت الخيل، فركب السلطان، وركب نُوغيه قدامه كالأسد، والى جانبه مغلطاي، والمماليك حولهم، ثم قال نغيه: يا خوند: مُرني أن أذهب وأكشف هذا الخيل، فقال: افعل، فأخذ معه عشرة أنفس وساروا يطلبون ذلك السواد من الخيل، ولما قربوا منهم عرف نغيه بيبرس المجنون، "فسلم بعضهم على بعض، ثم أرسل نُوغيه شخصًا إلى الناصر يعلمه بقدوم بيبرس"
(3)
ومَنْ معه، ثم رجعوا طالبين الناصر.
ولما وقع نظر
(4)
بيبرس على السلطان ترجل وباس الأرض، ثم تقدم وباس يده.
(1)
الصنمان: قرية من أعمال دمشق في أوائل حوران، بينها وبين دمشق مرحلتان، وهي منزلة من منازل البريد، في الطريق من جينين إلى دمشق، ينظر معجم البلدان، صبح الأعشى 14/ 381.
(2)
أرحاب: منزلة من منازل البريد، في الطريق من حلب إلى بغراس، آخر الحد مما يلي بلاد الأرمن، ينظر صبح الأعشى 14/ 383.
(3)
ملحق بهامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(4)
نظر: في هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
فقال له السلطان: ما وراءك؟ فقال: مماليك السلطان: بيبرس العلمي وابن دنداش، وصلاح الدين بن الجوكندار، وتقدم كلهم وباسوا الأرض، ثم إن الناصر خلع عليهم ووعدهم بكل خير، وأعطى كل واحدٍ من الأمراء ألف دينار، ولكل مقدم من الحلقة خمسمائة دينار، ولكل جندي مائة دينار، ثم قال لهم: ما يقول الأفرم؟ لأن دنكز كان قد وصل قبلهم، وقرأ الكتاب الذي سيره الأفرم، وكان قد امتلأ غيظًا، ثم قال: لا غنى له أن يضرب معي مصافًا، فقال بيبرس المجنون: هو أقل وأذل من هذا، والله متى يتحقق الناس بقدوم مولانا السلطان جاء الكل بين يديه على رغم أنفه، ثم قال السلطان: بلغني أنه قد خرج من دمشق ثلاث مقدمين ليكشفوا أخبارنا، فقال: نعم، راحوا إلى الزرقاء ومعهم والى ولاة حَوْرَان.
فطلب السلطان هلال بن ساعد الزبيدي، وقال: قم واكشف لي أخبار هؤلاء وعد سريعًا، فسار هلال وكشف، ثم عاد وقال: هم في ناحية ابن معبد، وبكتمر في حسبان، وخطاب وقطلوبك قد تقدما من الزرقاء، وكأنهم قد أخذوا أخبارنا، وهم خائفون، فأمر السلطان لنغيه أن يأخذ معه خمسين فارسًا ويذهب إليهم، فإن جاءوا طائعين [فيها]
(1)
وإلا فأرسل وأعلمنا بذلك، فقال نغيه: إن جاءوا فقد سلموا وإن امتنعوا ضُربت رقابهم، فسار ومعه هلال بن ساعد طول ذلك النهار، ونزلوا للاستراحة وأكل العليق، ثم ركبوا إلى أن أصبح الصباح فإذا بالقوم وهم نازلون، فضرب عليهم حلقة وصاح نغيه: أنا نغيه، سلموا أرواحكم وإلا فقد هَلَكَت، فتقدم قطلوبك وقال: يا أمير لا تستعجل، فنحن سائرون إلى الناصر، فقال نُوغيه: الآن لكم الأمان، سيروا قدامي.
فساروا كلهم إلى أن وصلوا إلى السلطان، فقال لهم السلطان: إلى أين كنتم رايحين؟ فباس قطلوبك الأرض وقال: خلد الله ملك مولانا السلطان، نحن قد سَيَّرنا الأفرم لنكشف أخبار مولانا السلطان، ورأينا الناس كلهم مع مولانا السلطان، فاتفقنا على المجيء إليه، والمملوك والي ولاة حوران فإن رسم مولانا السلطان أخرج له
(1)
فيها: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
الإقامات، وأي وقت قلَّ علينا الشيء ضربت رقبته، ثم رحل السلطان من أرحاب إلى أن نزل على أذرعات، فجاءت أهل حوران جميعها وهم يهللون ويكبرون وعلى رؤوسهم المناسف
(1)
.
وأما الأفرم فإنه بلغه وصول الناصر، فانقطع قلبه، وكتب في الحال إلى الملك المظفر بذلك، وأن أهل البلاد كلها معه، وأن بيبرس المجنون وبيبرس العلمي وجماعة من مقدمى الحلقة قد نفروا إليه، وكثير من الناس يريدون النفور إليه، وأنا خائف من الأمراء الذين عندي في دمشق، وإن لم ترسل نجدة هائلة من مصر وإلا راحت البلاد من يدك، ثم طلب مملوكه أقطوان وقال له: اذهب مسرعًا، فخرج على البريد، ففي اليوم الرابع: تمثل بين يدي المظفر وقدم كتاب الأفرم فقرأه المظفر، ثم طلب سلارا وأوقفه عليه، فكتب إلى الأفرم جوابه يستعجزه فيه ويقول: إش مع الناصر حتى تخاف منه، وكتب كتبًا أيضًا إلى الأمراء يأمرهم فيه بالمطاوعة للأفرم ويحذرهم من المخالفة.
وكان الأمير جمال الدين قتال السبع مجردًا في حلب ومعه الحاج بهادر وبيبرس العلائي من دمشق، فأرسل خلفهم البريد وطلبهم إلى مصر، وكتب أيضًا كتابًا إلى الملك الناصر يقول له فيه: إنه قد وصل إلى كتابك بالشفاعة في نغيه ومغلطاي، وقد قبلنا شفاعتك فيها، ورددنا أخبازهما إليها وزدناهما إقطاعًا، وأمرنا أن يكون إقطاعهما في مصر، وهما مقيمان عندك، وقد تقدم أمرنا إلى نائب الشام بأن يسلم إليك البلقاء وبلد حوران جميعها لعلمنا بأن الكرك ما تقوم بحالك، وأما قولك بأن تسير إلينا تقدمة ومماليكًا فقد أعفيناك من ذلك، والتقدمة والمماليك لك، وأنت ابن أستاذنا على كل حال، وكل شيء تشتهيه في المأكول والمشروب والملبوس فابعث إلى الأفرم واطلبه منه، ولكن ينبغي
(2)
أن لا تسمع كلام نغيه ولا كلام أمثاله فيحصل لك الضرر بسببهم، ثم طلب الأمراء جميعهم وقال لهم: ألا ترون ما جرى من الملك الناصر؟ فإنه قد خرج من
(1)
المنسف: الغربال الكبير، والمقصود إناء ملآن بالطعام، يفيض من الامتلاء، ينظر المحيط في اللغة، مادة: نسف.
(2)
لا ينبغي: في الأصل، ومشطوب على حرف لا.
الكرك، فطلب دمشق، وأن بعض أمراء دمشق راحوا إليه، "فتشاوروا في أمره. فقال بعضهم: جرد له عسكرًا وحاصره في الكرك"
(1)
، فما هو خير من ابن الملك الظاهر بيبرس، وقال بعضهم: هذا ما هو مصلحة، وربما يفسد الأمراء [الذين]
(2)
يرجعون إليه، لأن أكثر الأمراء بل كلهم مماليك أبيه وأخيه، فنهض برغلى وقال: يا خوند، أرسل أحدًا إلى الشام يأتيك بالخبر الصحيح، وبعد ذلك أنا أروح إليه وأجيبه، ولو كان معه كل مَنْ في الأرض، فعند ذلك طلب السلطان شخصًا يُقال له: بلاط
(3)
، وكان من خشداشيته ويعتمد عليه، وقال له: سر إلى الشام واكشف لي هذه الأخبار على حقيقتها، وكتب معه كتابًا إلى الأفرم وإلى أمراء دمشق، فركب [بلاط]
(4)
وسار يطلب الشام.
وأما البريدي الذي خرج قبله وهو مملوك الأفرم، فإنه وصل دمشق ورأى الدنيا منقلبة، والناس يقولون: غدا يعبر الملك الناصر أو بعد غد
(5)
، والبريدي سار أولًا إلى أذرعات إلى الملك الناصر وأعطاه كتاب المظفر، فلما قرأه ضحك وطلب الأمراء وقال: المظفر يتناوم ويرى أنه ما سمع بما جرى في الشام، وأعطاني بلد البلقاء وحوران وقَبِلَ شفاعتي في نغيه ومغلطاي، وردّ إليهما أخبازهما في مصر، وهو يحتال عَلىَّ في هذا الوقت حتى أفرق الذين حولى ليبلغ مراده مني، وهذا ما له إليه سبيل، ثم إنه أعطى للبريدي مائة دينار، وقال له: سِرْ، فإذا طلعنا إلى الكرك اكتب جواب الكتاب.
فمضى البريدي يطلب دمشق، لأنه كان رائحًا إلى حلب خلف قتال السبع، وأخذ الأفرم كتابه وقرأه على الأمراء، وإذا قد وصل بلاط فطلعت الأمراء قدامه، وأخرج كتب المظفر للأفرم فقرأها على الأفرم، فباسوا الأرض وقالوا: كلنا ممتثلون أوامر السلطان كما يحب ويختار، فقال لهم بلاط: ما خبر الملك الناصر عندكم؟ فقال الأفرم: هو
(1)
في هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(2)
الذي: في الأصل.
(3)
بلاط: كان مقدما عند المظفر بيبرس الجاشنكير، توفي بطرابلس سنة 718 هـ/ 1318 م، الدرر الكامنة 2/ 24 رقم 1325.
(4)
بلاد: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق، ينظر ما سبق.
(5)
غدًا: في الأصل.
نازل على أذرعات، وفي تلك الحالة جاءت الأخبار بأنه رحل من أذرعات قاصدًا دمشق، فارتاع الأفرم وقال: ما تقولون يا أمراء؟ هذا قد وصل، ما يكون عملنا معه؟ فقال بعض الأمراء: اخرج إليه بعسكر دمشق، فقال الأفرم: والله، لو طلعت إليه أخذوني برقبتي وودوني إليه، قالوا سَيَّر إليه أيدغدى شقير
(1)
وسيف الدين جوبان
(2)
يقولان له: هذا الذي تفعله ما هو جيد لك، والبلاد ما هي بلا سلطان، غدا يأتي عسكر مصر فيمن تلاقيه، والمصلحة أن ترجع وتصبر علينا شهرًا حتى نرسل نكاتب الملك المظفر، وربما ينصلح الأمر بينكما فتكون الشام لك ومصر له.
فسار أيدغدى شقير وجوبان، فاجتمعا بالملك الناصر وهو على الجمان نازل، فتمثلا بين يديه وبلغا ما قاله الأفرم، فضحك وقال: ما أقل عقله وعقولكم، هذا أمر ما بقي فيه اصطبار، اذهبا إليه وقولا له: إن كل مملوك يجيء إلىّ فهو أسوة مَنْ قد جاء، وإلا يروح إلى أي موضع يختار. فقال له أيدغدي: وأين نروح ونحن مماليك السلطان وقد جئناك بالكلية؟ فقال السلطان: هاتوا المصحف، فأحضروه وحَلَّف الاثنين، ثم خلع عليهما وأعطى لكل منهما ألف دينار، وقال: سِيرا إلى دمشق، وخَلِّفا الأمراء وَعِدَا لهم بكل جميل، فرجعا ووصلوا إلى الشام وأعلما الأفرم بأن السلطان واصل لا محالة، فتحير الأفرم في أمره وطلب بلاط، فأخبره بذلك، فقال: وعلى ماذا عولت؟ فقال: أهرب وأروح إلى السلطان المظفر من على الساحل، لأنه ما بقى لنا طريق إلا منه، ثم إنه أمر أن يُحَمِّلوا جماله، ولما رأى ذلك بلاط، فقال: ذهب والله الشام، فركب ودموعه تجرى وطلب مصر.
وأما الناصر فإنه أقام على الجمان ينتظر قدوم قراسنقر وقفجق واسندمر لأن ميعادهم أن يجتمعوا كلهم على دمشق، ثم إن الناصر أراد أن يقتل قطلبك والي حوران،
(1)
هو: أيدغدي شقير، الأمير علاء الدين الحسامي، أحد مماليك الملك المنصور حسام الدين لاجين، قتل في ربيع الأول 715 هـ/ 1315 م، السلوك 2/ 159.
(2)
هو: جوبان المنصوري، الأمير سيف الدين، كان من مماليك الأشرف، وأمره الناصر بدمشق، توفي بدمشق سنة 728 هـ/ 1327 م، الدرر الكامنة 2/ 79 رقم 1464.
فاستجار بيبرس المجنون وهرب في الليل، ثم جاء أرغون وأعلم السلطان بأن مملوك قراسنقر قد وصل، فطلبه السلطان، خضر وباس الأرض، وسأله السلطان عن قراسنقر واش حال ولده ناصر الدين؟ فقال: أطال الله عمر مولانا السلطان، فضرب السلطان يده على يده، فقال:{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}
(1)
، فحزن عليه قويًا، ثم قال: ما كان سبب موته؟ فقال: يا خوند، كان عند أبيه استادار يقال له: الطنبغا، وكان رجلًا ظالمًا يشكو الناس منه، فأوعده ناصر الدين بالقتل، ففزع منه، فخدمه خدمة بالغة وأحضر له كُلَّ ما يريد حتى اطمأن إليه، فسقاه فقتله، فعلم بذلك مماليكهـ فقتلوه، ثم قال له: ما خبر الأمير؟ فأخرج كتابًا وناوله فقرأه سرا، فإذا بالسلطان قد تغير وانخطف لونه وشرست أحداقه وبقى يفرك يديه، وكان آخر النهار، ولما جاء الليل أمرهم أن يرموا الخيام والمضارب، وطلب ناحية الكرك، فتعجبت الأمراء من ذلك غاية العجب [ولم يقدر]
(2)
أحد أن يكلمه، فنزل على أرحاب، فتقدم إليه نغيه وقال: أريد أن أعلم ما سبب رجوع مولانا السلطان بعد ما وصلنا إلى دمشق وجاء إلينا [أمراؤها]؟
(3)
فأخرج له كتاب قراسنقر، فقال له: اسمع ما فيه وقرأه عليه؛ فإذا فيه ساعة وقوفك على الكتاب، وقبل وضعه من يدك، ارجع إلى الكرك وامش ليلًا ونهارًا لأنه قد جاء لي قصاد وأخبروا أن المظفر قد جهز أربعة آلاف فارس مع [برلغي]
(4)
وسَيَرهم على تيه بني إسرائيل، وأوصاهم أن يسيروا بالليل ويكتموا بالنهار، وأمرهم أن [يحولوا]
(5)
بينك وبين الكرك، فارجع واحفظ القلعة فإننا واصلون إليك لأن مملوكك محمد قد مات، فاشغلنا في هذا الوقت عن الحركة، وكذلك قفجق واسندمر عرض لهما ما يشغلهما، ولا تحسب أن تأخير الأفرم بعسكر دمشق إنما كان خوفًا، وإنما العالم معهم من المصريين، وهم يريدون أن يستجروك عن الكرك ليحولوا بينك وبينها، فقال نغيه: والله هذا الكتاب زور، قد
(1)
جزء من الآية 159 من سورة البقرة رقم 2.
(2)
ولم يقد: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
أمرها: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
برغلى، في الأصل، والتصويب مما سبق.
(5)
يحيلوا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
زوروه على لسان قراسنقر، وأنا أعرف أن ما في مصر مَنْ يخرج إليك ولو كنت على الصالحية.
قال الراوي: فطلب السلطان مملوك قراسنقر، فقال له: مَنْ أعطاك هذا الكتاب؟ فقال: أعطاني الأمير شمس الدين من يده إلى يدي، ثم كتب جوابه لقراسنقر يقول: إني تأخرت من بعد ما كنت وصلت لأجل كتابك، فأريد من الأمير أن يجهز لي قصاده الذين أتوه بهذا الخبر من مصر، وكتب أيضًا كتابًا لقفجق، وكتابًا الأسندمر يعلمهم بتأخيره، وطلب مملوك قراسنقر، وقال له: سر مع مملوكي إليه فضم إليه مملوكًا يقال له: أقطاي، وأرسل معهما نجابًا وقال: سر بهما غير الطريق.
وركب الملك الناصر من أرحاب، وخلى ثقله وأكثر الغلمان، وسار مسرعًا إلى أن أشرف على الكرك، فلما رآها وما عليها أحد شكر الله تعالى، ولم يطمئن قلبه حتى أنه دخل إلى القلعة، وبعد يومين وصل الثقل والغلمان، وكذلك الأمراء الذين كانوا معه، ونزلوا على ظاهر الكرك وفي قلوبهم نار، ولا سيما نغيه، وكان بعد أن سار السلطان إلى الكرك، قال نغيه للأمراء: يا أمراء هذا الصبي ما يجيء منه شيع، وإن جاءنا أحد من مصر لا غنى لي أن أعمل شيئًا تتحدث به الناس، فإذا غُلبت كل الغلبة أخرج من بينهم على حمية، وأطلب البر والقفار، وأسكن رؤوس الجبال، وأخرب البلاد بتواتر الغارات، ولا أسلم روحي إلى من يسوقني سوق البقر إلى المنحر، فحلف الأمراء كلهم معه على ما يحب ويختار، وما استقر نزولوهم على الكرك حتى سير السلطان فطلبهم، فجاءوا وباسوا الأرض، فقال لهم السلطان: يا أمراء قد أنكرتم علىّ لأجل رواحي وردودي، وكان في ذلك مصلحة، وجاءني الخبر بأن المظفر قد نفق في الناس، وأن ديار مصر مُخَبَّطَة.
فبينما هو في هذا الحديث [إذ]
(1)
قد دخل أرغون وقال: يا خوند، قد وصل طرنطاي الأشرفي ومعه عشرون مملوكًا، فقال: أحضرهم، فلما حضروا قبلوا الأرض، فقال السلطان: يا طرنطاي ما أخبار مصر؟ فقال: يا خوند، أما ديار مصر فإنها
(1)
إذا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
مخبطة، فناس كانوا يقولون: الملك الناصر ملك دمشق، وناس يقولون: راح إلى حلب، وناس يقولون غير ذلك، فكثر الكلام بينهم، ولكن العوام خواطرهم عند مولانا السلطان، وداعون له ليلًا ونهارًا، ثم قال السلطان: واش خبر [برلغي]
(1)
مع العسكر الذي جرده المظفر؟ فقال طرنطاى: إن السلطان المظفر طلب [برلغي]
(2)
وأعطاه عشرين ألف دينار، وجرد معه عشرة من الأمراء بأربعة آلاف فارس، وإلى الآن ما خرج أحد من ديار مصر، فخلع عليه السلطان، وعلى مَنْ جاء معه.
وأما أقطاي مملوك الناصر ومملوك قراسنقر والنجاب فإنهم ساروا ليلًا ونهارًا حتى وصلوا إلى حلب، وأعطوا الكتب لقراسنقر، فلما قرأه اصفر لونه وضرب يديه على يده، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، خرب كل شيء عملناه، ثم التفت إلى مملوكه وقال له: كيف أعطيت كتابي لنائب دمشق حتى كتب بضد ما كتبت أنا. فقال المملوك: أعوذ بالله أن أخون استاذي وأعطى كتابه لغير من كتب له، ثم قال قراسنقر: احك الذي جرى عليك في دمشق وإلا أسلخ جلدك. فقال: لما حضرت قدام الأفرم فقال لي: إلى أين رايح؟ قلت له: إلى الكرك، لأن الأخبار قد وصلت إلينا بأن الناصر قد نزل من الكرك يطلب دمشق، فقال لي أستاذى: اذهب إليه وانصحه مني وقل له: البلاد ما هي سايبة ولا هي بلا سلطان، فاقعد ولازم موضعك والزم حرمتك، ولا تسمع من الذين حولك، فالذي أشار عليك بهذا أشار برأي غير صالح، قال: فلما سمع الأفرم بذلك فرح، وأمر بأن أنزل عند بعض مماليكهـ، ثم وداني إلى داره فأكلنا وشربنا، فقال له قراسنقر: المصيبة من هاهنا، فأكلت عنده وشربت وسكرت، فأخذ الكتاب الذي كتبته إلى الناصر من جرابك وأنت سكران لا تدرى، وكتب بضد ما كتبتُ أنا.
فكان الأمر كما ذكر سواء بسواء، فإنه لما سكر ونام، فقام مملوك الأفرم وفتح جرابه وأخذ الكتاب الذي كتبته للناصر وأعطاه لأستاذه الأفرم، ففتحه، فإذا فيه حال
(1)
برغلي: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(2)
برغلي: في الأصل، والتصويب مما سبق.
وقوفك على هذا الكتاب إن كنت في الكرك فانزل، وإن كنت في الطريق فجد في السير إلى دمشق، فهذه خطوط أمراء دمشق وغيرها عندي، وأنا والأمير سيف الدين قفجق والأمير اسندمر قد تجهزنا وجهزنا العساكر، فترد لنا الجواب سريعًا، فلما سمع الأفرم بذلك داخله الرعب واصفر لونه وأرسل وراء ابن فضل الله وقال له: خذ هذا الكتاب وخذ الوصل الذي فيه علامة قراسنقر وأوصله بدرج أبيض واكتب ضد ما فيه، وقابل كل فصل بضده، فأخذه ابن فضل الله وكتب مثل ما قال، فلما سمع قراسنقر ذلك قال: الحرب والمسالمة لا يتفقان.
وكان قتال السبع على حلب كما ذكرنا عن قريب، وهو مجرد معه ألفا فارس من عسكر مصر، والحاج بهادر وبيبرس العلائي ومعهما ألفا فارس من عسكر دمشق، فطلبهم قراسنقر وقال لهم: يا أمراء، الملك الناصر ما هو ابن أستاذكم؟ فقالوا: نعم. فقال: إذا نزل هو وطلب دمشق ما تساعدونه وأنتم أكابر الأمراء؟ فقالوا
(1)
: الأمير جمال الدين قتال السبع أخبر منا وهو مقدمنا وكبيرنا. فقال لهم: وأنا ما أقدر أدخل بينكم وبين ابن أستاذكم، فأنا رجل غريب بينكم، وأنتم أخبر مني بهذا الأمر، وأي مَنْ حكم في المُلك كنت غُلامه، فقال قراسنقر: لا غنى عن الكلام، فقالت الأمراء: أنت أحق بالكلام، فقال قراسنقر: إن سمعتم مني تكلمت وإلا أنا ساكت، فقالوا: كلنا نسمع منك ولا نخالفك، فقال لهم: عندي أن ابن أستاذكم أحق بالملك من كل أحد، وأنتم تعلمون أنه ورث الملك من أبيه وأخيه، وأيضًا أنه فتح الشام بعد أن كان خرج من أيدي
(2)
المسلمين، وأيضًا أنه مقدام عند الشدائد، ثابت عند تراكم الأهوال وتصادم الرجال، وما فيكم إلا مَنْ رآه يوم حمص وقد ولينا كلنا وثبت هو مع صغر سنه، فكيف إذا بلغ ما بلغ غيره من السنين، فقال قتال السبع: يا أمير، كلامك يدل على أن قلبك معه، فقال له قراسنقر: وكيف لا يكون ذلك؟ فوالله، إن ابن أستاذي أحب إلى من خشداشي، فقالوا: يا أمير، نوافقك على ما تختار، ثم خرج من عنده، فوصل إلى البريدي الذي
(1)
فقال: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
أيدي: ملحقة بهامش الأصل ومنبه على موضعها بالمتن.
سيره الملك المظفر، مجمع الأمراء المصريين وخرج بهم الأمير جمال الدين قتال السبع ورحلوا في الليل.
وكان الحاج بهادر وبيبرس العلائي قد حلفا مع قراسنقر للملك الناصر، فقال لهم قراسنقر: ارحلوا ولا تنقطعوا عن المصريين، وإذا وصلتم إلى دمشق فحلفوا الأمراء الذين فيها، فنحن أيضًا واصلون وراءكم، فرحلوا.
ولما وصل قتال السبع إلى دمشق ركب الأفرم إلى ملتقاه، وأنزله في ميدان الحصى، ونقل إليه كل ما يحتاج إليه، وأما بهادر وبيبرس فإنهما نزلا في بيوتهما، واختلى قتال السبع بالأفرم وحدثه بما سمع من قراسنقر، فقال: كل الشام مخامرون على السلطان المظفر، وقد عجزت مما أسير إليه، فما يأتيني منه خبر شاف أعتمد عليه، وأريد منك أن تجد في السير، فلعلك إذا وصلت تحدثت للسلطان بكل ما سمعت.
وما أقام قتال السبع في دمشق إلا يوم دخوله، ثم رحل طالبًا مصر، فلما نزل إلى الغور هرب منه أمير يقال له: غانم بن أطلس خان، فسار إلى الكرك، وأما قتال السبع فإنه جد في السير حتى وصل إلى مصر وحضر بين يدي المظفر، فحدثه بحديث قراسنقر، فانقطع قلبه وقال: راح الشام ورب الكعبة، وطلب سلار وحدثه بالذي سمع، فقال له سلار: وماذا عولت؟ فقال له: اخرج إلى الشام بالعسكر وإلا راحت البلاد مني، فقال له سلار: أي وقت خرجت تتلف خيول الناس جميعها، لأنها كانت في الربيع
(1)
وتخرج وتقاسى الرمل، وربما صح اتفاق قفجق واسندمر وقراسنقر ويخرجون إلينا بخيول قوية وخيولنا مجاف ولم تشبع الربيع، فلا يحصل خير ولا نأمن على أنفسنا منهم، والناس كلهم يعلمون أن أي من كان صاحب مصر فهو صاحب البلاد، وأنت الآن قاعد على كرسي المملكة فلا تبال
(1)
الربيع: ربيعان، ربيع الشهور، وربيع الأزمنة، وربيع الأزمنة ربيعان: الأول يأتي فيه النور والكمأة، والثاني تدرك فيه الثمار، وارتبع بمكان كنا أقام به في الربيع، وربما سمى الكلأ والغيث ربيعًا، والربيع ما تعتلفه الدواب من الخضر، ينظر تاج العروس، مادة ربع.
ثم إنه خرج من عنده، ولما وصل إلى باب داره وإذا قد أتى إليه نجاب من عند قطلوبك
(1)
المنصوري من الشام، فطلبه سلار وأخذ كتابه، وقال له: من أين جئت؟ فقال له: على غير الطريق السلطاني، فقال له: لا تظهر إلى السلطان ولا إلى أحد، ففتح كتابه وإذا فيه المملوك قطلوبك يقبل الأرض وينهى أن الملك الناصر قد توجه طالب البلاد، وهو قوي العزم، وربما الأمراء جميعهم معه، وقد سار إليه بيبرس المجنون وجماعة من أمراء دمشق، ولا سيما وقد وافقه وحلف معه قراسنقر وقفجق واسندمر وهم قوام الشام، والأفرم ما هو حجة، والناس كلهم مائلون إلى الملك الناصر، فأريد جواب هذا الكتاب سريعًا مع القاصد بما أعمله، فكتب إليه سلار جواب يقول: حال وقوفك على هذا الكتاب تروح إلى الملك الناصر أنت ومن وافقك من الأمراء، فتأخذونه وتعبرون به إلى دمشق وتُحَلِّفون عسكر الشام، ثم تتوجهون إلى مصر، فأُسَلِّم لكم البلاد، لأن المُلْك ما يدوم للمظفر، فأخذ النجاب الكتاب، وكان يقال له: شداد. فقال له: يا شداد، تأخذ معك هذا القاصد وتوصله إلى دمشق بحيث أن لا يراكم أحد في الطريق وتسلمه إلى قطلوبك، فركب من وقته وسار ليلًا ونهارًا إلى أن وصل إلى دمشق واجتمع بقطلوبك وأعطاه كتاب سلار، فقرأه وفهم مضمونه.
ففي الحال ركب وجاء إلى نائب الشام، وكان عنده في منزلة عالية لأنه كان أكبر أمراء الشام، فقال له: جِئتَ في غير العادة فلا بد من ضرورة، فقال: أنت تعلم أني في كل سنة من هذه الأيام أخرج إلى الأغوار وأصيد فيها وأتنزه بعض شيء، فقال الأفرم: كيف تروح والملك الناصر في الحركة، وكيف تأمن من جهته؟ فضحك قطلوبك وقال له: يا أمير، والله لولا أن نغيه شيطان قد لعب بعقله ما كان يفعل شيئًا من هذه الفعائل، والآن هو قد رجع وندم على ما فعل، وربما الآن يهرب من عنده الأمراء الذين تجمعوا عنده إلى بلاد التتار، فقال له الأفرم: إذا كان ولا بد من رواحك إجمع أصحابك بالأسلحة
(1)
قطلوبك المنصوري الكبير، الأمير سيف الدين، ولاه الملك الناصر نيابة صفد في شوال 709 هـ، ثم سجنه بالكرك في جمادي الأولى 711 هـ، وظل في سجنه حتى قتل سنة 716 هـ/ 1316 م، الدرر الكامنة 3/ 337 رقم 3264، المنهل الصافي 9/ 86 رقم 1885 م.
والقماش، فقال له: وعلى هذا عوّلت، فقال له: متى تروح؟ فقال له: لو رسمت، غدًا، فقال: رُحْ، ولكن خذ معك حمام البلاد، وروح من هنا إلى أذرعات وتبصر المنزلة التي نزل عليها الملك الناصر وتعرفنا بجميع ما جرى له، ولا يبرح معك الحمام والبريد، فقال له: سمعًا وطاعة.
وكان الحاج بهادر لما وصل من حلب كان قد اجتمع بقطلوبك وحدثه بحديث قراسنقر وقفجق وأسندمر، وكانا قد حلفا للملك الناصر، فلما كان هذا اليوم الذي طلب قطلوبك دستورًا للسفر، وكان الحاج بهادر حاضرًا، ولما خرج قطلوبك قال الحاج بهادر: والله، جيد تُسلِّم الريح لأبي زوبعة؟ فقال له الأفرم: وكيف أعمل؟ وهذا أكبر أمراء الشام ولا أقدر على منعه ولاسيما في هذا الوقت، فقال له الحاج بهادر: إذا كان ولا بد منه سَيَّر معه أحدًا من الأمراء يكون عينًا لك عليه، ويعرفك بكل ما يفعل، فقال له الأفرم: فما لهذا الأمر إلا أنت، فقال له: أريد من إحسانك أن تعفينى في هذه النوبة وسَيِّر معه غيري، فقال له الأفرم: لا غنى عن مسيرك معه، فقال له الحاج بهادر: إذا كان ولا بد من مسيري معه خلني أعمل شيئًا حتى لا يُنكر عَلَىَّ قطلوبك، فقال له: وكيف تعمل؟ فقال له أروح إليه وأقول له: إني أشتهي أن أكون معك في الصيد، وأريد أن تأخذ لي دستورًا من النائب، فإذا كان الأمر كذلك فلا ينكر على شيئًا ولا يُخْفِيني شيئًا، فقال له: افعل ما أردت، فخرج بهادر وأتى إلى دار قطلوبك، وإذا به قد فتح خزانة السلاح وأخرج العدد والجواشن
(1)
والقراقل والخُوذ، فلما رآه قطلوبك قام له، فقال: والله، ما جاء الأمر إلا مثل ما أشتهى، والله جاء وقت رواحنا إلى الملك الناصر، ثم حدثه الحاج بهادر بما جرى بينه وبين الأفرم، فقال: قم بنا إليه، فركبا وأتيا إلى الأفرم، فقال له: الأفرم: أراك جئت، فقال: جئتُ لآخذ دستورًا للحاج بهادر يكون معي، ونتفق على المصالح السلطانية، فقال لهما الأفرم: سيرا وتوكلا على الله، واحترزا لا يدخل عليكما دخيل، فودّعاه وخرجا.
(1)
جوشن - جواشن: وهو مثل الزرد، يلبس على الظهر، وبينما يتكون الزرد من حلقة واحدة، يكون الجوشن حلقة حلقة تتداخل فيها صفائح رقيقة، ينظر صبح الأعشى 3/ 473.
وفي تلك الليلة كتب الحاج بهادر إلى قراسنقر، وعرفه بأنه خرج هو وقطلوبك إلى الملك الناصر، ولما أصبحا خرجا بالخيل والجنائب وكلها ملبسة، وكذلك الرجال، فكثر كلام الناس فيهما، فمنهم من يقول: قطلوبك رايح إلى الملك الناصر، وقوم يقولون: هو سائر ليكشف الأخبار ويمسك الطرقات.
ولما خرجا وسارا ونزلا على الجمان، وفي تلك الليلة كتبا كتابًا إلى الملك الناصر يُعلمانه بقدومهما، وسيرا الكتب مع خمس مماليك، فقالا لهم: وأي من لقيتم في الطريق فقولوا له: نحن كشافة قطلوبك، فساروا ليلًا ونهارًا إلى أن نزلوا على ظاهر الكرك.
وأما الأمراء الذين كانوا نازلين على ظاهر الكرك فقد ضاقت صدورهم واجتمعوا مع نغيه، وقالوا له: يا أمير، إننا أصبحنا في هذا المكان، وما لنا من تلتجئ إليه وهذا الملك الناصر قد طلع إلى الكرك وما نظنه يبقى ينزل منها، وأمرنا قد انخرم مع صاحب مصر، وأي وقت وقعنا في يده أشهرنا على الجمال في مصر والشام. فقال لهم نغيه: طولوا أرواحكم، فإذا رأينا العجز من الملك الناصر وطلبنا صاحب مصر سرنا وطلبنا بلاد الشرق لأنها أوسع من هذه البلاد، فتفرقوا على هذا.
وأما الملك الناصر فبينما هو مفتكر في أمر قراسنقر
(1)
[إذ]
(2)
قد دخل إليه أرغون وقال: يا مولاي، إن على باب القلعة خمس مماليك وهم يقولون: إنهم من عند قطلوبك إلى مولانا السلطان. قال: فأمر بحضورهم، فحضروا وأعطوا الكتاب لأرغون، فقرأه على السلطان سرًا وفهم معناه، ثم رفع رأسه وقال لهم: أين خليتم الأمير قطلوبك؟ فقالوا: على أذرعات، وفي الحال أرسل السلطان وراء نغيه والأمراء الذين معه وقرأ عليهم كتاب قطلوبك والحاج بهادر، وفيه أنهما حلفا جميع أمراء دمشق، فصاحوا وباسوا الأرض، وقالوا: ما بقيت لنا عاقة عن الرواح، فقال لهم السلطان: نعم، غير أني منتظر جواب قراسنقر، وهم في الحديث فإذا قاصد من عند
(3)
قراسنقر قد حضر فطلبه السلطان وأخذ كتابه
(1)
الملك قراسنقر: في الأصل، ويوجد شطب على كلمة الملك، نتيجة لتنبه الناسخ.
(2)
إذا: في الأصل.
(3)
من عند: ملحقة بهامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
وقرأه، فإذا فيه إن الكتاب الذي ردك إلى كرك عن طلب دمشق ليس منه، وإنما الأفرم قد زوره على لسانه، فالله الله حال وقوفك على هذا الكتاب انزل واطلب دمشق ورد إلينا الجواب، فقد جهزت عسكر حلب وطرابلس، ففرح السلطان، وقال: يا أمراء بعد ثلاثة أيام يكون المسير، فنزلت الأمراء إلى منازلهم، وسير لكل أمير ألف دينار، ونفق في الجند لكل واحد على مقداره، وأخذ في إصلاح أمورهم، وأعطى لأصحاب قطلوبك خُلعًا وذهبا، وقال لهم: أنا راحل من الكرك، فليأتي الأمراء إلى البرج الأبيض، فسارت المماليك الخمسة وأتوا إلى قطلوبك، وأخبروه بخبر السلطان الناصر وأنه نازل طلبًا دمشق.
ثم نذكر ما جرى في مصر، وتعود بعده إلى أخبار الناصر.
ذكر ما جرى في مصر بعد حركة الناصر الحركة الأولى
قد ذكرنا أن السلطان الناصر لما سار إلى البرج الأبيض من أعمال البلقاء في حركته الأولى أرسل الأفرم إلى المظفر أن الأمراء والعساكر قد فسدت بواطنهم وتغيرت ظواهرهم، والملك الناصر قد تحرك من الكرك ووصل إلى الموضع الفلاني، ولا بأس أن تمدنا بعساكر وتعجل بإرسالهم لنستطيع على دفعه، فأظهر المظفر الاهتمام للتجريد عند وصول هذا البريد، وجرد الأمراء الذين ذكرناهم
(1)
وهم: الأمير سيف الدين برلغي، والأمير عز الدين البغدادي، والأمير شمس الدين الدكز السلحدار، والأمير
(2)
جمال الدين أقوش الأشرفي، ومعهم أربعة آلاف فارس
(3)
، فبرزوا للوقت، وشرع في النفقة العامة للعساكر كافة، وتكملت في سبعة أيام، فقال أكثر الأجناد بعضهم لبعض: ادعوا لمولانا السلطان الناصر، فما سمحت نفس المظفر بهذه النفقة إلا بحركة الناصر، ولا
(1)
ذكرنا أنهم: في زبدة الفكرة 417.
(2)
نهاية المنشور من زبدة الفكرة.
(3)
ينظر ما سبق.
حصل لكم هذا الخير إلا ببركته، فكان حاصل المظفر يخلو وذكر الناصر يعلو، وعين جماعة من مماليكه للإمرة بالطبلخانات والعشرات.
ولما كان يوم الاثنين الرابع والعشرين من شعبان نزلوا إلى المدرسة المنصورية
(1)
ليلبسوا خُلع الإمرة كجاري العادة، واجتمع لهم النقباء والحجاب والعامة بالأسواق والأبواب ينتظرون طلوعهم القلعة، وكل منهم لابس الخُلعة، فاتفق أن شخصًا من المنجمين كان بين يدي النائب يذكر أن الطالع غير موافق، وهذا الوقت لركوبهم غير لائق، والمصلحة تأخير ذلك، في وقت يستقيم طالعه ويزول عكسه ومانعه، فصادف كلامه محلًا للتأخير، وكان ذلك بما جرى به فأل المقادير، فلما تأخروا أوسعت العامة إرجافًا وقولا، وكثرت الأراجيف، إذ لم يلبس هؤلاء التشاريف.
ثم ركب بعضهم يوم الاثنين الآتي، وهو مستهل شهر الصيام، فاستزراهم الأنام، واستبرد طلبهم العوام، وركب بقيتهم يوم الخميس ركوبًا ليست له حلاوة، ولا للأنفس منه طلاوة، وكانت عادتهم حول ثلاثين نفرًا
(2)
، منهم أصحاب الطبلخانات سبعة عشر نفرًا، فيهم من مماليكهـ ستة وهم: صنقيجي، وصديق، وطومان، وقرمان، وغُرْلُو، وبهادر، ومن المماليك السلطانية سبعة هم: قراجا الحسامي، وطرنطاي المحمدي، وكيتمر الساقي، وبهادر قفجاق، وانكبار، وطشتمر أخو بتخاص، ولاجين أيتغلى، وممن عداهم: جرمك، وتمر، وبهادر، وحسن بن الردادي
(3)
، وأصحاب العشرات من مقدمي الحلقة وغيرهم، وكثر الهرج بالمدينة وتهافت الناس على تحصيل العدد، وخشي من تسلل بعض المماليك السلطانية، فجردوا إلى البلاد القبلية: منهم قوم إلى بلاد البَهْنَسي، وقوم إلى منفلوط، وقوم إلى قوص، وجردت جماعة إلى البحيرة.
(1)
المدرسة المنصورية: داخل باب المارستان المنصوري بخط بين القصرين بالقاهرة، ينظر المواعظ والاعتبار المجلد الرابع 513.
(2)
سبعة وعشرين أميرًا: في السلوك 2/ 69.
(3)
يراجع رسم الأسماء في كل من كنز الدرر 9/ 180، السلوك 2/ 69 - 70، النجوم الزاهرة 8/ 269، حيث يوجد اختلاف في رسم بعض الأسماء في المصادر المختلفة.
وقال بيبرس في تاريخه: ولما وصل السلطان إلى البرج الأبيض كما ذكرنا رأى أن الرأي قبل الشجاعة، وأن في الأمثال السائرة: الشجاعة صبر ساعة، فخطر بباله أن يعود، فعاد، وكان ذلك من وجوه الحزم والسياسة التي دبرها بفكرته وما اهتدى إليها [الذين]
(1)
كانوا في خدمته، بل تتمت أفكارهم لرجعته وظنوا رجوعًا إلى التأخير أو جنوحًا إلى التقصير، فتبرموا وتندموا وتفاوضوا فيما بينهم، وتكلموا، وقالوا: إن السلطان قد عاد وعساكر مصر في التجهيز والاعتداد، ومتى ما جاءوا إلينا وقع الصلح علينا، ويسلمنا إليهم بأيدينا، والمصلحة أنَّا ننظر في أمرنا ونحتال في خلاص أنفسنا، فهذه أمور غير مرضية لنا
(2)
:
غابت عواقبها عنهم وما علموا
…
ما يعلم الله في العُقْبى من الخير
حتى بدا عن قليل وجه حكمتها
…
كما حكى الله عن موسى مع الخضر
فاهوا بأشياء ما يدروا مغَّبتها
…
وكان ذلك من مستحكم الضَّجَر
واتصل بالسلطان كلامهم، فبقي في باطنه كامنًا، وفي كمينه باطنًا، وأظهر المظفر العزم على تجهيز العساكر والجد في لقاء الملك الناصر، ونحن نلوح له إن هذا موقف الندامة، [ونشير]
(3)
عليه بأن في المسألة السلامة، ولسان الحال ينشد قول أبي أسامة:
فيا ابن أسيد لا تُسام ابن حاتم
…
فتقرع إن سَامَيْتَه كفَّ نادم
هو البحر إن كلفت نفسك خوضه
…
تهالكت في آذيه المتلاطم
وعَيَّن طائفة ثانية من بطانته للإمرة، يقصد بذلك الكثرة.
(1)
الذي: في الأصل.
(2)
ينظر ما ورد في التحفة الملوكية 195 - 196.
(3)
ويشير: في الأصل.
وكتب السلطان إلى الأمراء بالديار المصرية كتبًا تذكرهم بما له ولأبيه الشهيد عليهم من الحقوق، وإعلامهم بأن تقاعدهم عنه من العقوق، ويطلعهم أن [أمراء]
(1)
الشام قد ألقوا [المعاداة]
(2)
ووافقوا على الإرادة، وأرسلها على يد شخص من المماليك اسمه بهادر السرسماني، كان مبعدًا وبعزه مجردًا، فلما اتفقت هذه الأمور توجه إلى الكرك مهاجرًا، فانتدبه السلطان بالمكاتبات فحضر بها إلى القاهرة، واجتمع بأحد خشداشيته يسمى بكتمر، وأوصلا الكتب إلى أربابها، فمنهم من كتم الأمر وستره، ومنهم مَنْ أذاعه خيفة وأظهره، فلما غشي الخبر وبلغ المظفر، طلب بهادر وبكتمر الواصلين بالكتب، فأحُضرا وضُربَا ضربًا أليمًا وقُرِّرًا، فاستعاد بعض المكاتبات السلطانية من أربابها، وجَدّ في استدعائها وطلابها
(3)
.
ثم جدد الناصر المكاتبات إلى الأمراء الشاميين، فأعادوا إليه جوابًا مرضيًا. وحرضوا على حركته.
ذكر مسير السلطان من الكرك ثانيًا
وفي شعبان منها: خرج السلطان الناصر محمد من الكرك طالبًا دمشق، وترك بها مملوكه سيف الدين أرغون الدوادار، وترادفت إليه الأمراء من دمشق أولًا فأولًا، ثم سار الناصر ونزل على البرج الأبيض، ويوم نزوله جاءت الكشافة وأخبروه أنهم رأوا مقدار مائتي نفر فرسان نازلين على الزرقاء، قال السلطان: هم قطلوبك والحاج بهادر، وما جاء الظهر حتى أشرف قطلوبك على البرج الأبيض، فإذا عليه السلطان، فقال لأصحابه: أقيموا مكانكم وأنا آخذ معي الحاج بهادر وثلاث مماليك وسار إلى السلطان، فركب السلطان وأمر [الأمراء]
(4)
جميعهم أن يروحوا قدام قطلوبك، فلما
(1)
الأمراء: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
المعادة: في الأصل.
(3)
ينظر التحفة الملوكية 197.
(4)
للأمراء: في الأصل.
وصلوا سلم بعضهم على البعض، فأخذوه وجاءوا به إلى السلطان، فلما وصلوا ترجلوا وباسوا الأرض، فهم أن يترجل لهم فمنعوه، وقبلوا ركابه، وساروا تحت ركابه إلى الدهليز، فنزل السلطان وجلس على كرسي من الحديد الصيني، ووقفت الأمراء بين يديه، فأمرهم بالجلوس فجلسوا، وتحدثوا في أمر العبور إلى دمشق، فقال السلطان: أنا ما رجعت في المرة الأولى إلا لأمر ذكرته في قلعة الكرك، وما كان غيري يقوم بذلك
(1)
، وما كان يمكن أن أخلى أصحابي على الخان وأروح أنا، والآن قد قَضَيتُ شُغلي بروحي ورجعت فتقدم قطلوبك وباس الأرض وقال: البلاد بلاد مولانا السلطان والمماليك مماليكهـ، ومن يمانع مولانا السلطان في بلاده، ثم تقدم وأخرج كتاب سلار وناوله السلطان، فقرأه وفرح، وقال: أرجو أَمْن سَبْقه [فهو]
(2)
أكثر من هذا.
ثم إن السلطان ألبس قطلوبك خُلعة سَنية، وشد في وسطه منْطقة
(3)
مرصعة بالجوهر بألف دينار، وكلوتاه
(4)
زركش، وشاش
(5)
خليفتى، وأعطاه ألف دينار، وكذلك الحاج بهادر، وأمرهم أن ينزلوا بجنب خيامه، وأمر لقطلوبك بأن يعمل استادارا وبهادر حاجبًا.
وفي اليوم الثاني رحلوا طالبين دمشق، وارتجت لهم الدنيا، وأرسلوا البطائق إلى دمشق من أذرعات ومن حسبان، يُعْلِمون الأفرم بأن الحاج بهادر وقطلوبك قد ذهبا إلى الناصر، وهم سائرون إلى دمشق، فلا سمع بذلك الأفرم لطم على رأسه وقال: والله، قد حسبت هذا الحساب، وطلب الأمراء وقرأ عليهم البطائق، وبقي متحيرًا ما يدري ما يصنع.
(1)
بذلك غيري: في الأصل، وغيري، مكررة مما سبق.
(2)
فاهو: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
المنطقة، بكسر الميم = الحياصة، وهي ما يشد في الوسط، يُلبسها السلطان للأمراء عند إلباسهم الخُلغ والتشاريف، ينظر صبح الأعشى 2/ 134.
(4)
الكلوتة - كلوتات: غطاء للرأس، تلبس وحدها أو بعمامة، وهي من رسم الدولة التركية، يلبسها السلطان والأمراء وسائر العسكر، ينظر صبح الأعشى 4/ 6، النجوم الزاهرة 12/ 53 هامش 5.
(5)
شاش: نسيج رقيق من القطن وملاءة من الحرير يعتم بها، محيط المحيط، مادة شوش.
فبينما هو كذلك فإذا قد وصل بلاط، وكان المظفر يعتمد عليه في جميع أشغاله، فلما رآه الأفرم فرح به، وأخرج كتاب السلطان وأعطاه للأفرم؛ فإذا فيه: قد تواترت علينا كتبك مع البريدية [تتضمن]
(1)
نزول الناصر من الكرك، وأن معه جماعة، وأنتم خائفون منه، وليس معه إلا مائتا نفس، ولا نعرف خوفك من أي شيء؟ فكيف لو جاءكم خربندا؟ وأنت وقطلوبك كفاية له ولمن معه، خل عنك بقية الأمراء، ولولا أن الخيل في الربيع سَيَّرنا لك جريدة كفت مؤونته، وذكر في كتابه للأمراء: بلغنا قلة نصحكم ومخالفتكم للنائب، فدعوا الباطل، وما سولت لكم أنفسكم، [فكونوا]
(2)
لأمره سامعين، وإلا أصبحتم نادمين، فلما سمع الأمراء ذلك قالوا: السمع والطاعة لله تعالى، ثم لمولانا السلطان.
ثم سير الأفرم وراء القضاة، وطلب المصحف، وأراد أن يُخَلِّف الأمراء، فإذا بجماعة من الحلقة كانوا في الكشف حضروا وأخبروا أن الناصر ومعه قطلوبك نزلوا على أذرعات، فاختبط القصر وماجت الناس، وتفرقت الأمراء، ولم يبق عند الأفرم إلا مماليكه وابن صبح، فأطرق رأسه إلى الأرض وهو يتفكر، فدخل عليه أيدغدي شقير وعز الدين الزردكاش وحمزة، وقالوا له: قعودك وحدك ما ينفع، فقال لهم: وماذا أصنع؟ فقالوا: ابعث أحد الأمراء الذي تعتمد عليه يأتى لك بالأمان من السلطان الناصر، وإلا أُخِذْت، فقال: والله، لا فعلت ذلك أبدًا ولو سُقِيت كأس الرَّدَى، غير أني أبعث [وأقول له]
(3)
: أمهلني عشرة أيام حتى أسير إلى الملك المظفر، فإن حضر ورد عن بلاده وإلا سلمت إليه البلاد من غير حرب ولا قتال، وأكون قد [أخمدت]
(4)
هذه الفتنة، وربما يرجع المظفر وسمح له بالشام وبلادها، فقال بلاط: هذا هو الكلام الذي يُعتمد عليه، فاتفقوا على أن يرسلوا إلى الناصر علاء الدين أيدغدي والزردكاشي، فركبا البريد وذهبا إلى الناصر.
(1)
يتضمن: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
فكوا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
وأقوله: في الأصل.
(4)
أخذت: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
وأما أمراء دمشق فإنهم بعد خروجهم من القصر تشاوروا في ماذا يصنعون؟ فقال لهم آقجبا الظاهري: يا قوم، إن الناصر قد وصل وأنتم تعلمون ما هو عليه من التهجم على الأمور الصعاب التي لا يقدر عليها أحد من الملوك، ولَتَعلمون عظم صبره على الأهوال ولا سيما إذا ظهر الحق وبأن الباطل من الصدق، وقد شاهدتموه يوم حمص وثباته، وقد هربت الأمراء والفرسان من بين يديه وهو واقف، وكذلك يوم مرج الصفر، وهذا كله
(1)
يدل على أن نفسه أبية وهمته علية، وأنه بعد ما شرع في هذا الأمر ما بقى يرجع عنه حتى تعض الخيل على لُجمها يَسيل نهر من الدم، فقالوا له: هذا كله صحيح، غير أننا انضرينا ولا ندري ما نفعل، و [هذه]
(2)
كتب المظفر واصلة إلينا بأن التجاريد جائية إلى الشام، وهو اليوم صاحب البلاد، وهذا الناصر قد هجم علينا، فقال أقجبا: يا قوم خلو عنكم هذا الكلام، فإن الظاهر عنوان الباطن، والله، ما المظفر بخصم للناصر، ولا أمثاله، ولو كان ألفًا، والله، ليأخذن المُلك منه بعد أن يُوَلَّى هو صاغرًا ذليلًا، فالسعيد من والاه والشقي من عاداه، فقال كجكن: والله، لقد صدق أقجبا، ولكن يا أمراء على ماذا عولتم؟ فقال أقجبا وأقطوان الساقي: نروح إليه ونمتثل أمره.
قال الراوي: فاتفق الجميع على الرواح إليه، ثم انصرف كل واحد إلى منزله ليأخذ ما يحتاج إليه، وتواعدوا على الاجتماع في ميدان الحصى، وكان آخر النهار، فبعد ساعة قد اجتمعوا في ميدان الحصى، ولم يبق أحد إلا آقجبا الظاهري، فبقى القوم في انتظاره.
وسمع الأفرم بأن الأمراء راحوا إلى الملك الناصر، فطلب بكتمر الحاجب وقال: اذهب إليهم ورُدَّهم، فركب بكتمر بمماليكهـ ومماليك النائب وراح خلفهم، فلحقهم في ميدان الحصى، فقال: يا أمراء ما هو مصلحة تروحون بغير أمر النائب، فارجعوا إليه حتى تتفقوا معه، فهو خير لكم من رواحكم هكذا، فقالوا له: اذهب في حالك وما لنا أستاذ إلا الملك
(1)
كله على: في الأصل، ومشطوب على كلمة على.
(2)
وهذا: في الأصل.
الناصر، فكلما خدعهم بكتمر بالكلام لم يسمعوا منه، فقال لهم واحد من مماليك الأفرم: إن لم ترجعوا بالطيبة رديناكم بالغصب وباليد القوية، فلما سمعوا كلامه شتموه وشتموا النائب، وحطوا أيديهم على قوائم سيوفهم، وهموا أن يبطشوا به، وقالوا: يا قدِّ القِرْد من هو الذي يردنا؟ والله، لو جاء المظفر إلينا ضربنا رقبته، وحملوا على المملوك وأرادوا قتله، فما ردهم عنه إلا بكتمر الحاجب، وقال: والله، يا أمراء ما جئتكم بغضًا لكم، غير أنكم تعرفون أني ما أقدر على أن أخالف النائب، ثم إنه رجع عنهم وهو لا يصدق بالنجاة، وبقي يلوم المملوك على ذلك الكلام.
فلما وصل إلى باب الجابية لقى أقبجا الظاهري، فقال له: إلى أين؟ فقال: حتى ألحق الأمراء، وكان مع أقجبا [خمس]
(1)
مماليك، فقال له الحاجب: ارجع معي، فرجع معه إلى الأفرم، فتقدم بكتمر وحدث الأفرم بما جرى له مع الأمراء، وأنهم كلهم راحوا ولم يرجع إلا أقجبا، فطار عقل النائب وأيقن بزوال دولته، ثم إنه التفت إلى أقجبا وقال له: هذا فعل جيد؟ تفسد الأمراء وتروح معهم إلى الناصر، ولا بد لي أن أرسلك إلى الملك المظفر يفعل فيك ما يشاء، فضحك أقجبا وقال له نائبه: بهذا العقل تتكلم بهذا الكلام؟ فالملك المظفر بقى له ملك، فإن سمعت مني فأنا لك ناصح، فخذ مماليكك في هذه الساعة وسر إلى الملك الناصر أستاذك، ويكون لك الخير، وينالك منه كل ما طلبت، ويشكرك كل أحد، وإن لم ترح إليه، فهو جاء إليك ويأخذك أخذ المقتدر، فتصبح حائرًا نادمًا، فلما سمع الأفرم ذلك احترق قلبه من الغيظ، فقال له: يا شيخ النحس ما هذا الكلام؟ ثم أمر بأن يأخذوا سيفه ويضربوا رقبته، فمنعه بكتمر، وقال: لا تعجل فما ندري ماذا يكون أمرنا مع الناصر، فتعود تندم على فعلك، فأخرج أقجبا من عنده، وأمر به إلى الزرد خانة ورسم عليه خمس مماليك، ثم إنه جمع مماليكهـ الذين [يعتمد]
(2)
عليهم، وطلب علاء الدين بن صبح وقال لهم: اعلموا أن الناصر يكون غدًا عندنا، وهذه عسكر دمشق كلهم معه، وكل واحد منهم قال شيئًا، فقال له ابن صبح: هذا كله ما ينفع، احترز لنفسك من قبل ما يقع العين
(1)
حس: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
تعتمد: في الأصل.
على العين، فيبقى خلاصك بعيدًا، فقال له: صدقت، فإش يكون العمل؟ فقال له ابن صبح: قم حتى آخذك وأطلع بك إلى هذا الجبل، فلو اجتمع كل مَنْ في الدنيا ما قدروا عليك، ولا يقدر أحد أن يصل إلينا، فقال له: صدقت، خذوا أهبتكم قبل الصباح.
وكان بلاط حاضرًا في هذا الكلام، فقال: إذا كان الأمر على هذا، فأنا الساعة أركب البريد وآخذ حصانًا من خيلك وأروح على الطريق الجادة، وأي مكان خرج علىّ أحد ركبت الحصان وسقت، فإذا وصلت إلى مصر حرضت عليهم بخروج العساكر، فقال له الأفرم: افعل ما تريد، فقام في الحال وتجهز وخرج، وحَمَّلوا جمال الأفرم، وركب، وكان الأمير بكتمر أمير جندار قد وصل في تلك الليلة من صفد، ونزل في دار الهاروني، فسار إليه الجاولى والطشلاقي، وقالوا له: هذا الأفرم هارب في هذه الساعة، فركب بكتمر بمماليكهـ، ومعه عسكر صفد، وجاءوا على باب القصر، وإذا بالأفرم طالع، فلما رأى بكتمر قال له: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ فقال له: يا أمير، لا تفعل، فهذا الفعل لا يليق بك، ولا يخوفك أحد من الناصر، فوالله ما عنده أعز منك، وأنت أكبر مماليك أبيه، واعتماده عليك، فقال له: يا سيف الدين، كلكم تعملون عَلَىَّ، وصاح على مماليكهـ، فخرج وخرجوا معه، وكلهم غائصون في الحديد، ومعه ابن صبح وأجناده، وبقي بكتمر والجاولي والطشلاقي واقفين حائرين، وسار الأفرم طالبًا المزة
(1)
.
ذكر خروج الأفرم من الشام
ولما سار الأفرم، وصار بين زقاقات المزّة، هرب من منه الطنبغا الخازندار ومعه أربعون مملوكًا، وطلبوا ناحية داريا وساروا إلى الناصر، ولما رأى ذلك أمير عمر، رأس النوبة للسلحدارية، قال للأفرم: الساعة هرب المماليك كلهم، دعني أكون في الأخير أسوقهم، وأي من هرب ضربت رقبته، ثم انقطع خلف المماليك ومعه عشرة من
(1)
المزة: قرية كبيرة، وسط بساتين دمشق: معجم البلدان.
السلحدارية، وهم يسوقون الناس، فلما وصلوا [العَرَّادة]
(1)
طلب الأفرم أمير عمر وإذا به قد هرب وراح إلى الناصر، فسأل عنه، فقالوا: ما رأيناه من وقت طلعنا من عقبة المزّة، فانقطع الأفرم وابن صبح معه في أواخر الناس يسوقانهم، ولم يزالوا كذلك إلى أن وصلوا إلى شقيف أرنون، فسمع الأسد الميداني، وكان بقرية يقال لها: جرين، وكان هذا رجلًا عاقلًا، رأس اليمن، فقال لأصحابه: هذا الأفرم ما جاء هنا إلا وقد وصل السلطان الناصر إلى دمشق، وربما تبعه أمراء وعسكر فينكرون علينا إن مَكَّنَّاهم من العبور إلى الساحل، وكان الأسد يحكم على خمسة آلاف راجل، فاستدعى بأخيه عز الدين [وأولاد]
(2)
عمه، وقال لهم: في هذه الساعة خذوا معكم ألف راجل وأمسكوا هذه الدروب، ولا تمكنوا أحدًا من العبور فيها، ولو جئت أنا، فأجابوه بالسمع والطاعة، ثم إنه أخذ معه تقادم وأغناما وسار يطلب الأفرم، فسمع الأفرم بقدوم الأسد الميداني، وتلقاه بأحسن ملتقى، ثم أجلسه إلى جانبه، فقدم هو ما معه، وقال له: يا أمير، طيب قلبك فما ينالك إلا الخير، وبعد أن وصلت إلى هذا الموضع ما بقى أحد يصل إليك، وأنا وأولاد عمي وعشرة آلاف راجل كلنا في خدمتك في هذه البلاد وبين يديك، فشكره الأفرم وطاب قلبه بذلك.
وقال ابن كثير: ركب الأفرم ومعه جماعة من أتباعه في السادس عشر من شعبان ومعه ابن صبح إلى شقيف أرنون
(3)
.
وقال بيبرس في تاريخه: ولما تحقق أقوش الأفرم قدوم الناصر بالعساكر الوافرة والأمداد المتظافرة فر من دمشق هاربًا واعتصم بجبال الشقيف لائذًا، ولو رشد لكان [بعفو]
(4)
السلطان عائذًا.
شعر:
(1)
العراد: في الأصل، والتصويب من معجم البلدان، وهي قرية على رأس تل شبه القلعة بين رأس عين ونصيبين، تنزلها القوافل.
(2)
وأولا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
يراجع البداية والنهاية 18/ 88.
(4)
يعفو: في الأصل.
وما الفرار إلى الأحيال
(1)
من أسد
…
يمشي النعام به في مَعقل الوعل
ذكر دخول الناصر دمشق
ولما هرب الأفرم من دمشق، هُيئت بها أبهة السلطنة والإقامات اللائقة به، ثم دخل الناصر دمشق يوم الثلاثاء، وسط النهار، السابع
(2)
عشر من شعبان، وصحبته الأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار، وهو خالصة الخلصان وواسطة الأنصار، ومعه العسكر الصفدي، والأمير سيف الدين أسندمر الكرخي ومعه العسكر الطرابلسي، وغيرهم ممن اجتمع إلى الدهليز المنصور، وشرع في [إنفاق]
(3)
المال وبذل النوال، وكان يوم دخوله يومًا عظيمًا، ودخل في أبهة عظيمة، وبسط له من عند المصلى إلى القلعة، وتلقته الأمراء والقضاة وأعيان البلد.
وقال ابن كثير: وكنت ممن شاهد دخوله حال دخوله، وعليه أبهة [المُلْك]
(4)
، والبسط تحت أقدام فرسه، كلما جاوز شقة طويت من ورائه، والجِتْر
(5)
على رأسه، والأمراء السلحدارية عن يمينه وشماله وبين يديه، والناس يدعون له، وكان يومًا مشهودًا
(6)
.
وقال الشيخ علم الدين [البرزالي]
(7)
: وكان [على]
(8)
السلطان يومئذ عمامة بيضاء، وكَلَوْنته حمراء، وقباء من عباءة أبيض وأسود أقلامي تحته فروة سنجاب، وتحت
(1)
حيل - أحيال: الماء المستنقع في بطن واد، تاج العروس، مادة ح و ل.
(2)
ثامن: في كنز الدرر 9/ 172، وينظر السلوك 2/ 67، النجوم الزاهرة 8/ 265.
(3)
إيقاف: في الأصل.
(4)
المملكة: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(5)
الجِتر: المظلة، وهي قبة من حرير أصفر مزركش بالذهب، على أعلاها طائر من فضة مطلية بالذهب، صبح الأعشى 4/ 7.
(6)
يراجع البداية والنهاية 18/ 89 حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
(7)
إضافة لتوضيح من البداية والنهاية 18/ 89.
(8)
إضافة تتفق مع السياق من البداية والنهاية 18/ 89.
ذلك قباء أبيض، وكان الذي حمل الجتر على رأسه يومئذ الحاج بهادر، وعليه خُلعة عظيمة مذهبة بفرو فاقم
(1)
.
قال: ولما وصل السلطان إلى باب القلعة صب له الجسر، وخرج إليه نائبها سيف الدين السنجرى، فقَبَّلَ الأرض بين يديه، فأشار إليه: أني الآن لا أنزل هاهنا، وسار بفرسه إلى جهة القصر الأبلق، والأمراء بين يديه، فنزل بالقصر، وخُطب له يوم الجمعة بالجامع، ودعى الناس له
(2)
.
وفي نزهة الناظر: ولم يبق في دمشق، يوم دخول الناصر، كبير ولا صغير إلا وقد خرجوا إلى ظاهر دمشق، وبأيديهم الشموع والمباخر، ولعبوا بين يديه بالسيوف، وضربت النسوان بالدفوف
(3)
.
ذكر عود الأفرم إلى الناصر
قال ابن كثير: وفي بكرة يوم السبت الثاني والعشرين من شعبان وصل الأفرم مذعنًا بالطاعة، وقبل الأرض بين يدي السلطان، فترجل له وأكرمه، وأذن له في مباشرة النيابة، ففرح الناس بوصوله
(4)
.
وقال بيبرس: أرسل السلطان إليه رسلًا بالأمان والأيمان، وهما: الأميران عز الدين أيدمر الزردكاش، والأمير سيف الدين جوبان، فحضر إلى الخدمة مستوثقًا من العفو والإحسان، فقبل السلطان وفادته وأجزل صلته
(5)
.
(1)
قاقم = ققم = جيوان بري، يشبه الفأر، إلا أنه أطول منه، وموطنه بلاد الشمال، وله فروة ناصعة البياض كانت تستعمل في تزيين ملابس السلاطين والأمراء في مصر في عصر سلاطين المماليك، ينظر الملابس المملوكية 113.
(2)
ينظر تاريخ البرزالي 3/ 435 حيث ينقل العيني بتصرف.
(3)
ينظر ما ورد في كنز الدرر 9/ 174.
(4)
يراجع البداية والنهاية 18/ 90، حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
(5)
ينظر التحفة الملوكية 198.
وفي النزهة: لما جاء إليه الأميران المذكوران قالا له: رواحك من السلطان ما هو مصلحة، وأنت تعلم أن ما عنده أكبر منك، وقدرك كبير، ثم ناولاه أمان السلطان، فأخذه وباسه ووضعه على رأسه، وقال: بإسم الله سمعًا وطاعة لمولانا السلطان، غير أنه قد بغضوني إليه، وأنا خائف من سطوته، وإن كان أن يمكن أن أحلق رأسي وأقعد في بعض المساجد. فقالا له: طيب خاطرك واشرح صدرك، فما عند السلطان أعز منك، ثم سير الزردكاش مملوكًا من مماليكه يعرف السلطان بأن الأفرم قد أجاب إلى الطاعة وهذا هو واصل، فأمر السلطان [الأمراء]
(1)
بأن يركبوا إلى المزة ويلاقوه، وركب هو أيضًا بنفسه ولاقاه، فلما أشرف عليه أرمي نفسه إلى الأرض، فقبلها بين يدي السلطان، فأراد السلطان أن يترجل، فأقسم عليه بالله العظيم أن لا يفعل، وسار الأفرم قدامه إلى أن دخلوا القصر، ولما استقر به الجلوس خلع على الأفرم خُلعة من الأطلس الأحمر عليها طرازًا من الذهب، وأعطاه حياصة مجوهرة وسيفًا من سيوفه وحصانًا من خيله بسرج مغرق من الذهب، وقال له: أنت أكبر مماليك أبي، وما كنت أعتمد على أحد من أمراء الشام إلا عليك، فباس الأفرم الأرض، وقال: والله، ما كان رواح المملوك لأجل خروجه عن الطاعة، نعوذ بالله، غير أنه بلغه أن بعض مماليك السلطان نقل عن المملوك شيئًا لا فعله، فخشي على نفسه من سطوة السلطان فيروح بغير جناية عملها، فطيب السلطان خاطره، وقال له: دمشق لك مثل ما كانت أولًا، وما أغير عليك شيئًا يا أمير جمال الدين، فباس الأرض، فأمره بالانصراف، فخرج من عنده وبين يديه الأمراء والحجاب، فركب وسار إلى منزله
(2)
.
ذكر مجئ بقية النواب
قال ابن كثير: وصل الأمير قفجق نائب حماة، والأمير اسندمر نائب طرابلس
(1)
للأمراء: في الأصل.
(2)
ينظر أيضًا ما ورد في كنز الدرر 9/ 174 - 175.
يوم الاثنين الرابع والعشرين من شعبان، وخرج الأمراء لتلقِّيهما، وتَلَّقاهما السلطان كما تلقى الأفرم.
وفي اليوم الثامن والعشرين من شعبان: وصل الأمير سيف الدين قراسنقر المنصوري نائب حلب، وخرج السلطان لتلقيه أيضًا، ووصل جيش حلب يوم الأربعاء الثالث من رمضان
(1)
.
وفي النزهة: وحين استقر ركاب السلطان بدمشق أرسل بريديًا خلف قراسنقر وقفجق واسندمر، فأول مَنْ حضر كان الأمير قفجق واسندمر، وبعد يومين وصل الأمير قراسنقر على الهجن ومعه خمسون مملوكًا وخيلهم على أيديهم مجنوبة، فسأله السلطان عن عسكر حلب، فقال: هم واصلون، غير أنا لما جاءنا البريدى أسرعنا، ثم تحدثوا مع السلطان في أمر الأفرم وقالوا: يا خوند، المصلحة أن تكتب له أمانًا بأنك لا تغيره من النيابة ولا يحصل له تشويش، فأجاب إليهم، وكتب وأرسل مع جوبان وزردكاش كما ذكرناه.
وقد ذكرنا أيضًا أن بيبرس ذكر في تاريخه: أن قدوم الأفرم إلى السلطان كان قبل قدوم هؤلاء النوّاب، والعمدة على ما ذكره، فإنه أدرى بحال هؤلاء من غيره.
ذكر ما جرى في مصر وما عزم عليه المظفر
قال ابن كثير: وأما المظفر فإنه جَرَّ جماعة يتفرقون ليحفظوا، المسالك ويمنعوا من بها من الجند المتسللين سالك، فمنهم قوم أقاموا على الجادة، وقوم على سويس
(2)
.
وقال بيبرس في تاريخه، وانقطع البريد في هذه المدة عن الديار المصرية، وعُميت الأخبار من البلاد الشامية، ولم يعد أحد يأتي بخير جلي، وعزم السلطان الناصر على إرسال شخص من الثقات إلى أمراء مصر بملطفات ليعلمهم بوصوله إلى مدينة دمشق،
(1)
البداية والنهاية 18/ 90، كما يراجع تاريخ البرزالي 3/ 436 - 437.
(2)
لم يرد هذا الخبر في المطبوع من البداية والنهاية.
واجتماع العساكر إليه، وإطباقها عليه تقوية لعزائمهم وإنعاشًا لهممهم.
فسأل الأمير سيف الدين بكتمر السلاري وسيف الدين بكتمر الحاجب قائلًا: مَنْ هنا من مماليك الأمراء الذين نثق إليهم، ويُعول في المناصحة عليهم لنسيِّره إلى مصر في [هذا]
(1)
الأمر.
قال بيبرس: وكان لي بدمشق مملوك اسمه أيبك، مقيم منذ أعوام ببلاد الشام، فقالا له: إن ها هنا مملوكًا لفلان، يعنون به بيبرس الدوادار، فأمر به فأحضر بين يديه، وسلمت
(2)
الملطفات الشريفة إليه، حفظها وأخفاها، وسار في تلك الأوقات المخيفة، فلما وصل إلى قطيا أُخذ وحُمل على البريد إلى القلعة، فسأله الركن الجاشنكير، يعني الملك المظفر، ما وراءه وما جاء به؟ فموه عليه، وقال: إن لي أيامًا في عجلون، ولما سمعت بتوجه السلطان حضرت إلى الديار المصرية إلى مخدومي، وبات ليلة جمعاء يسائله ويخايله، وهو على كلامه الأول لم تتغير أخباره ولم يتحول، فتمت الحجة، ووصلت الملطفات إلى أربابها، فنهضت عزائمهم وقويت هممهم، واتفقت آراؤهم على المهاجرة، واجتمعت على المبادرة، فسار الناس إلى الأبواب السلطانية
(3)
، واضطربت أمور الجاشنكير، وتعكرت لجج أفكاره أي تعكير، وصار كل ما يبرمه من التدبير إيلاء إلى التدمير، فهو كما قيل:
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده
وهذا شجه الخلاف
وتّمَّرة عدم الإنصاف
(1)
هذه: في الأصل.
(2)
وسلمت إليه: في الأصل، ثم تنبه الناسخ وشطب على كلمة: إليه.
(3)
ينظر التحفة الملوكية 197.
ولقد كنت أعرض له بأن النزول عن المنصب
إلى الرأي الأصوب أقرب وأنسب
فيأبى وتأبي له بطانته الاستمرار
والتمادي على الإصرار
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني
فنفسك وَلِّ اللومَ إن كنت لائمًا
قال: وفي ليلة الجمعة الثاني عشر من شهر رمضان، خرجت جماعة من مماليك السلطان على الخيل والهجن واتصل أمرهم بالركن، فجرَّد في طلبهم بعض الأمراء الساكنين تحت القلعة ليدركوهم بسرعة، فساقوا خلفهم فأدركوهم وقد وردوا الماء بمراكع موسى
(1)
، [فناوشوهم]
(2)
فكر أولئك عليهم كرة كانت عليهم فيها الكسرة، وأنكى المماليك السلطانية فيهم نكاية ظاهرة، وجرحوا شجاع الدين [سُمُك]
(3)
أخا النائب، والصارم الجرمكي الحاجب، وقُتل بينهم قتلى من الفريقين، وعاد القوم خائبين، وتوجه أولئك ظاهرين، وكان ممن جُرد لحفظ الطرقات أقوش الرومي الحسامي، فلما أنفقت حركة هؤلاء ركب ليدركهم، فلم يصادفهم، لأنهم أخذوا على غير الجهة التي كان فيها، فنزل المذكور ليستريح، فوثب عليه جماعة من مماليكه فقتلوه وحزوا رأسه وتركوه طريحًا، وساروا نحو الدهليز المنصور، وحُملت جثته إلى القاهرة، وبلغ الجاشنكير خبره، فزاد خوره
(4)
.
(1)
مراكع موسى = مسجد موسى أو معبد موسى: بخط الركن المخلق بالقاهرة تجاه باب الجامع الأقمر المجاور لحوض السبيل، المواعظ والاعتبار المجلد الأول 251، المجلد الرابع 717 - 718، صبح الأعشى 14/ 386.
(2)
فناوشهم: في الأصل، وهو تحريف.
(3)
سموك: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(4)
تنظر التحفة الملوكية 198 - 199.
وتجمع تلك الليلة جموع من العامة والغوغاء والسوقة، وقصدوا باب الأصطبل السلطاني تحت القلعة، وأعلنوا أصواتهم بشتيمة الجاشنكير وسبه والتهكم به، فأخذ بعضُهم وأُدِّب وشُهر، فَطُوّف، على أنهم يرتدعون فما ازدادوا إلا تحاملًا وتعصبًا وبغضًا وتهكمًا، ولاح للمظفر ميل القلوب عنه ونِفَارها، وانقباض العكسر وازْوِرَارِها، فخطر بباله أن يتحيل على تجديد الحلف له، لعله يوثقهم بالأمان ويستوثق لنفسه فيما يحاوله من لقاء الأقران، كيف؟ وقد جرت الأقدار، فإنه كلما أراد تأنيس الخواطر وتأليف القلوب تزايد بها النفار
(1)
.
فجلس في يوم الخميس الحادي عشر من الشهر جلوسًا عامًا بالإيوان، وأحضر الخليفة أبا الربيع سليمان الملقب بالمستكفى، وجدد له البيعة والتولية بحضور الحكام وكافة الأمراء، ورُتبت نسخة لتجديد البيعة، وأمر أن يقرأها الخطباء يوم الجمعة بالجوامع، فلما شرعوا في قراءتها بعد الصلاة وثبت العامة عمومًا وصاحوا جميعًا: كلَّا، لسنا لهذا الكلام سامعين، ولا لقول من قال طائعين، ولا نعرف لنا سلطانًا إلا الملك الناصر، وهموا برجم الخطباء وحصبهم والوثوب بهم، جرى ذلك منهم في الجوامع الثلاثة بمصر والقاهرة، كأنهم اتعدوا له، أو توافقوا عليه، فبطلت قراءة نُسخة البيعة، وأُخرت سدًا للذريعة، وانخرقت الحُرمة، وهتُك ستر الحشمة، وظهرت إمارات زوال النعمة، فصرف اهتمامه إلى بذل العطاء، فأطلق كثيرًا من أمواله وغلاله وخيله وبغاله وجماله، فكان في إنفاقها كما قال الله عز وجل:{فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}
(2)
. وأعطى طائفة من أصحابه إقطاعات، ونقل جماعة من المفاردة إلى العشرات، قصدًا في الاستكبار، ورجاء للاستبصار بكثرة الأنصار، هيهات، وقد تمكن الإدبار، وجرت بعكسه الأقدار.
وحرضه أهل شُوراه على التجريد العام، والخروج بعامة الجيوش إلى الشام، ورتب أن يخرج كل يوم أربعة من مقدمي الألوف، فكان أول من خرج من الأطلاب،
(1)
ينظر التحفة الملوكية 199.
(2)
جزء من الآية 36 من سورة الأنفال رقم 8.
في يوم الاثنين الخامس عشر من شهر رمضان، الأمير بدر الدين بكتوت الفتاح، والأمير سيف الدين بكتمر الأبوبكري السلحدار، وحسام الدين قرا لاجين أمير مجلس، وسيف الدين باينجار ومضافوهم، فلما كانت عشية النهار حضر إليه سيف الدين بلبان الطغريلي المعروف بتاكز، وكان ممن وجهه إلى صوب سيف الدين [برلغى]
(1)
لحفظ الطرقات، وهو على حالة من القلق وغاية من الانزعاج والفرق، وأخبره بمسير [برلغي]
(2)
والأمراء، الذين معه والعساكر لأجل اللحاق بالملك الناصر، فزاد اضطرابه، ووهت أسبابه، وكانت حاله كما قال ثابت [قطنة]
(3)
:
كل القبائل بايعوك على الذي
…
تدعو إليه وتابعوك وساروا
حتى إذا اشتجر
(4)
القنا وتركتهم
…
رهن الأَسِنَّة أسلموك وظَاهَرُوا
(5)
وبات تقلبه الأفكار، ولا يعلم الإيراد من الإصدار.
ذكر خروج الناصر من دمشق
لما اجتمع النواب في البلاد الشامية عند الملك الناصر في دمشق طلب قراسنقر وقفجق واسندمر وقطلوبك والحاج بهادر، وقال لهم: أقوش الأفرم حضر، وما بقى لنا إلا
(1)
بلرغي: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(2)
بلرغي: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(3)
إضافة من التحفة الملوكية 200.
وهو: ثابت بن كعب، أبو العلاء، ويعرف بثابت قطنة لأنه أصابه سهم في إحدى عينيه فجعل موضعها قطنة، وهو شاعر شجاع، كان في صحابة يزيد بن المهلب، قتل سنة 110 هـ/ 728 م، ينظر الوافي بالوفيات 10/ 459 رقم 4960، الأعلام 2/ 98.
(4)
استنجر: في الأصل، والتصويب من التحفة الملوكية 200.
(5)
وطاروا: في وفيات الأعيان 6/ 307
والبيتان من رثاء ثابت قطنة ليزيد بن المهلب عندما قتل يزيد في إحدى المعارك سنة 102 هـ، ينظر وفيات الأعيان 6/ 307.
الرواح إلى مصر، لأنا إذا عاجلناهم أخذناهم، وإذا طاولناهم كشفونا، ولا نأمن أن يكون الأمر علينا، فقال له قفجق: صدقت، والمصلحة أن تجهز ألفي فارس إلى العريش وتقطع الطريق، ونحن نرحل خلفهم، ونجهز في هذا الوقت قُصادا إلى الديار المصرية، إلى أمرائها، وتبصر جوابهم، فقال قراسنقر: يا أمراء، كل مَنْ كان له صاحب يكتب إليه، فقال السلطان: أنا أكتب إلى الأمير سلار، وقال قراسنقر: أنا أكتب إلى [برلغي]
(1)
، وقال قفجق: أنا أكتب إلى أخوة سلار، وقال اسندمر: أنا أكتب إلى قتال السبع، فكتبوا الكتب.
وكتب السلطان مع كل كتاب كتاب أمان، ووعدهم بكل ما يريدون، ثم قال السلطان: أبصروا لنا قاصدًا خبيرًا، فقال اسندمر: عندي كرديّ، وهو خبير يروح ويقضي شغل السلطان كما يجب، فأحضره، وأعطاه السلطان خمسمائة درهم برسم النفقة، وكان يقال له: بهاء الدين الأزقي، فخرج من دمشق في الليل وسار يطلب مصر.
وفي صبيحة تلك الليلة جرد السلطان تمر الساقي بألفي فارس، وأمره بأن يمسك يزكًا
(2)
على العريش، وقال له: إياك أن تمكن أحدًا من الرواح.
ثم خرج الملك الناصر من دمشق في الساعة الثانية من يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان، وقال ابن كثير: تاسع رمضان، وكذا قال بيبرس في تاريخه
(3)
، وفي صحبته: نجم الدين بن صصري، والقاضي صدر الدين الحنفي، وهو إذ ذاك قاضى العساكر، قد باشرها من مدة قريبة، والخطيب جلال الدين، والشيخ كمال الدين الزملكاني، والموقعون، وديوان الجيش، وجيش الشام بكماله من سائر مدنه وأقاليمه بنوابه وأمرائه، وندب إلى غزة: الأمير كراي المنصوري السلحدار، ونائب حمص تمر، ليحفظا الطريق، فوصلاها مقدمة للعساكر السلطانية، واجتمع إليها جموع من التركمان والعربان.
(1)
بكرغي: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(2)
اليزك: لفظ فارسي بمعنى طلائع العسكر لمراقبة الطرق، السلوك 1/ 105.
(3)
تاسع: في تاريخ البرزالي 3/ 437، وينظر البداية والنهاية 18/ 91، التحفة الملوكية 201.
وقال بيبرس في تاريخه: وأما السلطان الملك الناصر فإنه سار من مدينة دمشق بالعساكر بعد أن شملهم بالنفقات وأوسعهم بالصدقات، وأضرب حينئذ عن المكاتبات وأقصر عن المراسلات، فكان كما قال أبو الطيب المتنبي:
ولا كتبٌ إلا المشرفية عنده
…
ولا رسلٌ إلا الخُمَيْس العَرَمْرَم
(1)
وأما القاصد الأزقي، فإنه لما سار أرسل الناصر إلى تمر يقول له: أوصل هذا إلى حد القاهرة على أي حال كان، فانتخب تمر من الألفين التي معه مائة فارس، وطلب نجابًا كان عنده يقال له: مقلزون، وكان خبيرًا بالبر، وقال له: إني أريد أن تأخذني من العريش، ولا تطلع بي إلا من العباسية على غير الطريق، فقال: سمعًا وطاعة، ثم إنه عمد إلى ناقة كانت لتمر تسمى الغيداء، فركبها مقلزون وسار بتمر الساقي وأصحابه خلفه، ولم يزالوا حتى توسطوا البر، وجاء الليل، فأنشأ يقول:
دعي النوم غيداء ثم جدي واجهدى
…
وصبرا على طول النهار مكررا
وكوني على خوض الفيافي جليدة
…
وخوضي سهولًا مع جبال توعُّرا
ودلي بنا نحو الشعيب وأثلةٍ
…
وبانات زيَّاد وسفح بن عكبرا
فحولك فتيان كرام ومعشر
…
طخام تثير النقع في الجو أغبرا
دعوا القال يا فتيان مصر ومن بها
…
وقولوا لمن أضحى عليها مظفرا
غداة يجئ ابن المليك ورهطه
…
وكل غلام كالقضيب مُثمرًا
ينادون اسم الناصر الملك الذي
…
له في سماء العلاء يناديك مخبرا
فدع عنك بيبرس البلاد وملكها
…
فبينكموا مثل الثُّريا إلى الثَّرى
(1)
ينظر التحفة الملوكية 201.
ثم إنهم جدوا السير في قفار وبراري ليس بها أنيس إلا النعام مع الغيلان، لا ينزلون إلا لأكل الدواب وقضاء الحاجة، وكلهم ركاب الهجن، وبعض الخيل مجنبة، وأما ناقة النجاب مقلزون فإنها أربعة أيام لا أكلت ولا شربت، فخاف عليها تمر، فقال النجاب: لا تخف يا أمير، فإن جنسها يسمى الصوامات، إذا أبصرن البرية لا يأكلن ولا يشربن حتى يقطعوا المفاوز، وفيها من تبقى سبعة أيام لا تأكل ولا تشرب.
وفي اليوم الخامس رحل النجاب بهم بعد غروب الشمس، فقال: يا أمير نحن في نصف الليل نكون في العباسة، ففرح تمر وأمرهم بالنزول، فنزلوا وعلقوا، ثم ركبوا فسار بعض شيء حتى قال له: هذه العباسة وأراضيها، فساروا إلى جانب ما هناك، فنزلوا فيه، وطلب تمر مقلزون وقال: خذ هذا الرجل وأوصله على هذا الهجين ولا يصبح الصباح إلا وأنت على المحرس، ثم تعود إلينا بالهجن، فركب، وركب بهاء الدين عمر الأزقي، وسارا طالبين المحرس، وقد جعل تمر الساق بينه وبين الأزقي علامة، وقال له: إذا وصلت إلى المحرس سَيِّر إلىَّ هذه العلامة، ثم أخذه مقلزون وسارًا، فلم يأت الثلث الأخير إلا وهما في المحرس، فنزل الأزقي عن الهجين، وسلمه إلى مقلزون، وأرسل العلامة معه.
قال الأزقي: وسرت أنا طالبًا للقاهرة سيرًا مجدًا، فساعة أمشي على هينتي وساعة أجرى وأنا خائف، فوصلت إلى القاهرة، ولَمَّا دخلت رحت إلى السوق، وبعت القماش الذي عَلَىَّ، واشتريت لبس الفقراء، وقلت في خاطري أول ما أروح إلى دار جمال [الدين]
(1)
قتال السبع لأنه شيخ كبير، وهو أهون عَلَىَّ من غيره، فسأل عنه، فقيل: هو في القلعة، قال: فقعدت على الباب وأنا متعلق، فتقدم إلىَّ البرددار وبعض المماليك فقالوا: يا فقير ما حاجتك بالأمير؟ قلت: لي به معرفة وله عَلَىَّ صدقات، وأنا من المجاورين بيت المقدس، فقالوا: اقعد الساعة يجئ.
قال: فأنا معهم في الحديث، فإذا بالأمير وقد جاء، فتقدم إليه البرددار وقال: يا
(1)
إضافة للتوضيح.
خوند، قد حضر فقير من بيت المقدس يزعم أن له معرفة بالأمير، فقال: أين هو؟ فقال: هذا هو، فلما رآه الأمير عرفه بالفراسة، وقال إن [صدقت]
(1)
فراستي، فهذا من قصاد الملك الناصر، ثم قال له: أهلًا ومرحبًا بالشيخ يوسف، كيف خليت الفقراء؟ فقال يا خوند، بخير، وهم داعون للأمير في كل الأوقات، ويسألون من الله الاجتماع، قال: ثم دخل به الدار، وأحضر له شيئًا للأكل، ثم أخرج جميع مَنْ عنده، ثم قال له: هات حدثني بأخبار الملك الناصر وأصحابه وما هم [عليه]
(2)
، فحدثه جميع ما معه من المشافهة، ثم أخرج الكتاب وناوله إياه، فأخذه وقرأه، ثم قال: هل معك كتاب إلى سلار؟ قال: نعم، فقال: قم بنا إليه، ثم أخذه وطلع به إلى القلعة ومضى إلى سلار، فدخل عليه، فقال له سلار: جئت في غير وقت العادة، قال جئت لأجل قاصد وصل من عند الملك
(3)
الناصر وعلى يده كتاب إليكم، فاصفر وجه سلار، فقال: وأين القاصد؟ فقال له: على الباب، فقال: عَلَىّ به، فأدخلوه عنده، فلما حضر سَلَّم، فأبلغ في
(4)
السلام، ثم قال له سلار: من أين الشيخ؟ فقال: من الشام. قال: وفيما أتيت؟ قال: أرسلني إليك الملك الناصر، فقال له: وكيف أرسلك إلىّ وهو جاء إلينا قاصدًا حربنا وأخذ بلادنا، فقال له: أنا رسول إليك، يقول لك السلطان: أنت أكبر مماليك أبي، وأنت الذي ربيتني، وأنت الذي سلمت إلى الملك، وأنت تعلم ما بيني وبينك في السر والجهر من الذي لا يطلع [عليه]
(5)
أحد، ولقد حذرتني من بيبرس مرارًا فما قبلت، فأنا واصل بعساكر الشام، فأشر علىّ برأيك كما جرت عوائدك.
قال: ثم أخرج الكتاب ودفعه إليه، فأخذه سلار وفهم ما فيه، ثم التفت إلى قتال السبع، وقال: خل الفقير عندي ورُحْ أنت، فقال: السمع والطاعة، فأقام الأزقي
(1)
صدق: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
إضافة للتوضيح.
(3)
الملك: ملحقة بين الأسطر في الأصل.
(4)
في: بين الأسطر في الأصل.
(5)
إضافة للتوضيح.
عند سلار ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع: طلب منه الجواب. فقال: اذهب أنت وأنا أبعث الجواب بقاصد عن عندي، فأعطاه خمسمائة درهم وخرج من عنده وذهب.
ثم كتب سلار إلى [برلغي]
(1)
يقول فيه: إن الملك الناصر قد
(2)
توجه إلينا بعساكر الشام ومعه أمراء كل واحد منهم يُخرب إقليمًا، وأنه قد كاتب إلى جميع أمراء مصر فغدًا لو جاء إليك ألف فارس من الشام هرب كل مَنْ معك إليهم، وربما أخذوك أسيرًا، وأنت أولى بطاعة ابن أستاذك، فإن سمعت مني، فحال وقوفك على هذا الكتاب حَلِّف الأمراء الذين معك واذهب إلى الناصر ليكون لك اليد البيضاء عنده، وأنت تعلم أن بيبرس ما تتم له السلطنة ولا هو خصم الملك الناصر، وقد نصحتك، والسلام.
وكتب كتابًا آخر وأرسله إلى الملك الناصر، مع مملوك له يقال له: زنكي، وقال له: إن رأيت برلغي قد أجاب إلى ما قلت إليه، فاذهب إلى الملك الناصر وإلا فارجع إلىَّ سريعًا، فخرج زنكي على الهجين، فما أمسى إلا وهو عند برلغي، فأعطاه كتاب سلار، فلما قرأه بقى مفتكرًا يتقدم ويتأخر، فبينما هو في ذلك، فإذا باستاداره قد حضر وأخبره بأن مماليك أقوش الرومي قتلوا أستاذهم على درب السويس، وراحوا إلى الملك الناصر، فلا سمع بذلك قوى عزمه على الرواح إلى الناصر، ثم قال لزنكي: اذهب وقل للأمير سلار، خرج زنكي من عنده وأخذ طريق غزة.
وأما الأمير سيف الدين تمر الساقي فإنه أصبح في أرض العباسة، وجاءته خفراء البلد وقالوا له: يا أمير، مِن أين جئت؟ فقال: من القاهرة، جئت لأحرس هذا الطريق، فقالوا: مرحبًا بالأمير، ولكنا خائفون عليك لأن جماعة من صيادينا كانوا في البرية جاءوا الساعة وأخبروا أنهم رأوا البارحة عند أبيار مسامة مائة رجل، وهم ركاب هجن ومعهم خيول مجنبة، فنخشى عليك من أن يدهموك على حين غفلة، فضحك تمر وقال: إنهم يأخذوننا من وسط بلادنا، فقالوا: لا تقل هكذا يا أمير، فاليوم فرسان الشام كلها مع
(1)
بلرغي: في الأصل، والتصويب مما سبق، ومما يلي.
(2)
قد: ملحقة بين الأسطر في الأصل.
السلطان الناصر، فقال تمر: ومن معه؟ قالوا يا مولاي، أولهم الأمير قفجق الذي زلزل الشاميين، والأمير قراسنقر، واسندمر، والحاج بهادر، وقطلوبك، وتمر الساقي، وبهادر آص، وبيبرس العلائي، وبيبرس المجنون، والجاولي الذي ما
(1)
على وجه الأرض أذرى منه، ولا أكثر حيلة، وبقى الأمير تمر يطول معهم في الحديث وهو ينتظر مقلزون الهجان، ولما أبطأ عليه
(2)
قال لهم: ما تجيبون لنا شيئًا من المأكول لنا ولدوابنا؟ فقالوا: بلى والله، فأمر واحدًا من مماليكه وأعطاهم مائة درهم، فقال لهم: اشتروا لنا عليقًا يكفينا أربعة أيام، فذهبوا إلى قرية هناك بالقرب منهم، فاشتروا كل ما أراد تمر ورجعوا إليه، وقد مضى نصف النهار، واستراح هو وأصحابه، ثم ركب وقت العصر ولم يحضر مقلزون، خاف من أمر حدث عليه، فنظر يمينًا وشمالًا، فإذا بخيول الأمراء وهي مربوطة على البرسيم، فقال لأصحابه: لا بد لي من سوق هذه الخيول.
فبينما هو في ذلك الحديث فإذا بمقلزون قد حضر، فقال تمر لأصحابه: اركبوا، فركبوا، ثم ساقوا الحيل التي هناك، وكانت قريبًا من ألف [فرس]
(3)
، فوقع الصياح وجاءت الخفراء إلى تمر وقالوا: ما هذا يا أمير؟ فقال لهم: أنا الذي كنت بالأمس على آبار [مسامة]
(4)
، وأنا تمر الساقي، وأنا جاليش
(5)
قفجق، وغدا يكون عندكم، ثم توجه هو وأصحابه نحو البرية، والخيل تُساق قدامه.
وقد ذكرنا أن الأمير برلغى على [بلبيس]
(6)
، فجاءه الخبر، وركب وسار إلى أن وصل إلى العباسة، جاء إليه الخفراء وأخبروه بما جرى جميعه، وذكروا عن تمر أنه قال.
(1)
ما: ملحقة بين الأسطر في الأصل.
(2)
ولما أبطأ عليه من مماليكه: في الأصل، ومشطوب على كلمة "من مماليكه".
(3)
فارس: في الأصل.
(4)
سامة: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(5)
الجاليش: راية عظيمة في رأسها خصلة من الشعر، تحمل في مواكب السلطان، لاسيما المواكب الخاصة بالحرب، وكان المماليك يطلقون اللفظ أيضًا على الطليعة من الجيش، ينظر صبح الأعشى 4/ 8، وهامش السلوك 1/ 928.
(6)
تلبيس: في الأصل، وهو تحريف.
غدا يكون قفجق عندكم بخمسين ألف فارس، فقال برلغي: هذا هو الصحيح، فما بات تلك الليلة إلا في قرين، ثم سير البريدي إلى المظفر يُعلمه بأن تمر الساقي وصل إلى العباسة وأخذ ما عليها من الخيل والدواب، فلما جاء هذا الخبر إلى القاهرة ارتجت ديار مصر، ووقع الخبر بأن الشاميين أغاروا
(1)
على خيل عباسة وعلى بلبيس، فحار المظفر في نفسه ولم يدر ما يفعل، ثم جهز لبرلغي عشرين ألف دينار يجهز بها حاله، وقال: أنا أيضًا واصل إليك في هذه الأيام، وفي تلك الساعة وصل قاصد من عند الملك الناصر إلى برلغي وهو يقول له: بالله، إذا كنت أنت الذي عليك الاعتماد، وأنت أكبر مماليك أبي خرجت عَلَىّ، فبالله، فعلى مَنْ أعتمد بعدك؟ ضاعت والله تربية الملك المنصور فيك، فدع ما أنت عليه وجل قدومك إلى غزة، فقد خرجت من دمشق، ونيابة مصر عينتها لك، وأطمعه بالعطايا الجزيلة، فلما سمع بذلك افتكر، ثم رأى الناس كلهم مائلون إلى الناصر، وكل ليلة يهرب منه جماعة إليه، وهو في ذلك، فإذا بقاصد من عند قراسنقر وصل إليه ومعه كتاب، وكذلك جاء إليه كتاب من اسندمر، وكان مجردًا على العريش من حين وصل الناصر، فعند ذلك طلب الأمراء الذين معه، وقال: ما تقولون؟ وهذا الملك الناصر قد وصل، وربما اليوم هو في العريش، وهذا الملك المظفر ما له قابلية للملاقاة، وقد تبين لنا عجزه، وما يكون التدبير؟
فقال كلهم: الذي تختار.
فقال: الرأي عندي أن نسير إلى الملك الناصر، ومماليك أقوش الرومي قد قتلوه [وذهبوا]
(2)
إلى الملك الناصر، ولا نأمن أن تكون مماليكنا كذلك، فقالت الأمراء: الذي تقوله حق، فاتفق الجميع على الرواح، ثم قال لهم برلغي: كل منكم يروح ويجهز حاله، فخرجوا من عنده، ثم طلب الأمير برلغي الأمير دباكوز والأمير [بجاس]
(3)
، ولم يكونا حضرا مع الأمراء لأنهما كانا عينًا للمظفر عليه، فلما حضرا قالا له: ما لخيلك
(1)
أغاروا لبرلغي: في الأصل، ومشطوب على كلمة "لبرلغي"، وهو سبق نظر من الناسخ.
(2)
فذهبوا: في الأصل.
(3)
بشاس: الأصل، والتصويب، مما يلي.
مشدودة وجمالك محملة؟ فقال: جاء مرسوم المظفر بأنه خرج من القاهرة وأمرني أن أرحل إلى العريش، فصدقاه على ذلك وذهبا وحملا أيضًا جمالهما، ثم اجتمع الجميع وساروا، ثم شرع بعض الناس يتحدثون بأن هؤلاء رائحون إلى الملك الناصر، فسمع بذلك بعض مماليك دباكوز ويجاس وأعلموا أستاذيهم بهذا الخبر، ثم نهضا وجاءا إلى برلغي فقالا: يا أمير، إلى أين رائحون نحن؟ قال: إلى الملك الناصر. فقالا له: من وافقك على هذا؟ فقال: جميع الأمراء طوعًا وكرهًا، وأى مَنْ قال لا ضربت عنقه، ثم أنه أمر بأن يأخذوا سيوفهما، ورسم عليها، فبكى دباكوز، وكان أشد الناس حيلة، وقال: يا أمير سيف الدين، ذهبت الشفقة من بين الخشداشية؟ بالله عليك، لا تكن سبب هلاكنا، فنحن نعلم أن الملك الناصر لا يرحمنا دون الناس، ونريد من إحسانك أن تخلينا لنروح إلى القاهرة، وأنت تأخذ لنا أمانًا من السلطان الناصر، وترسله لنا، فقال: أطلقوهما، فأطلقوهما، وأخذا أطلابهما وعادا إلى القاهرة.
وأما برلغي فإنه سار بمن معه حتى وصلوا إلى العريش، وجاء الخبر إلى اسندمر وهو نازل على العريش كما ذكرنا، وقالوا له: إن برلغي واصل ومعه عشرة أمراء وعشرين من مقدمي الحلقة وخمسة آلاف فارس، ففرح اسندمر بذلك ولاقاهم، ونزل الجميع على العريش، ثم أطلق البطاقة إلى غزة يعلم بقدوم [برلغى]
(1)
، ثم إنه ركب مع اسندمر، وخليا الأثقال وغالب العسكر على العريش، وذهبا إلى السلطان في غزة، ولما وصلا إلى تل العجول لاقاهما الأمير الحاج بهادر والأمراء، ولما قربوا من غزة ركب السلطان إلى ملاقاة [برلغي]
(2)
ومعه قراسنقر وقفجق واسندمر وقطلوبك وساروا بين يديه، فوصل برلغي وقبل ركاب السلطان ورجليه، وأمر السلطان أن يركب فرسًا من جنائبه، فركب وساروا إلى أن نزل السلطان في دهليزه، ثم طلب [برلغي]
(3)
وأصحابه، فخلع عليهم.
وأما دباكوز وبجاس، فقد وصلا إلى المظفر، وأعلماه بما فعله برلغي، فضرب بيده
(1)
برغلى: في الأصل، وهو تحريف، والتصويب مما سبق.
(2)
برلغلي: في الأصل، وهو تحريف، والتصويب مما سبق.
(3)
برغلى: في الأصل، وهو تحريف، والتصويب مما سبق.
على يده، وقال: الله أكبر، راح الملك منا، فمن كان يقول: إن برلغي يفعل هذا الفعل.
وأما تمر الساق فقد ذكرنا أنه ساق خيل العباسة، ثم وصل إلى العريش واجتمع بالأمير اسندمر، فلما رآه قال: هذا دليل النصر، ثم راح إلى الملك الناصر ومعه الخيل، ففرح الناصر بذلك، وقال له: حدثني بما جرى لك، فحدثه، فتعجب السلطان من حيلة تمر وحسن تدبيره، فخلع عليه.
ذكر ما جرى للمظفر بعد توجه الناصر من دمشق إلى مصر
وفي بكرة يوم الثلاثاء السادس عشر من شهر رمضان، وهو يوم خروج الملك الناصر من دمشق، دخل الأمير سلار، وبدر الدين بكتوت الجوكندار، وسيف الدين قجماس السلحدار، إلى الركن المظفر، وقالوا: إن الأمراء قد تسحبوا، إلى السلطان، والباقون منهم على مثل رأيهم، وقد أعجز الضبط، وما بقى يمكن المنع، والرأى أن تُسَير رسالة إلى السلطان مع أحد من الأمراء الأعيان يتوجه إليه وتسأله مكانًا تتوجه إليه أنت وعيالك ومماليكك وألزامك، فلعله يجيبك إلى المطلوب وتستريح من هذه الخطوب، ومتى لم تبادر بهذا أدركتك العساكر، وأحاطت بك المواكب، وتؤخذ كرهًا، وما من الهلكة قهرًا، فقال لهم: ومَنْ هو الذي نسيره إليه بهذه الرسالة، ويبلغه هذه المقالة، ويتلطف معه في تقرير هذه الحالة؟.
قال بيبرس في تاريخه: فأشاروا إلىّ أن أكون أنا الرسول إلى السلطان، والسفر في طلب الأمان، فاستدعيت أنا والأمير سيف الدين بهادر آص، وكان قد وصل من الشام منذ أيام، وأشار على الركن بالمسالمة فيما دار بينهما من الكلام، فحضرنا إليه معًا، فتحدث هو والأمراء المذكورون معنا في المسير، وأعلمونا بما وقع عليه التقرير وترتيب المشافهة، وعين المذكور ثلاثة أماكن، وطلب مكانًا منها: إما الكرك وأعمالها، أو حماة وبلادها، وإما صهيون ومضافاتها، ونزل عن المُلك في تلك الساعة، وأَشهد على نفسِه مَنْ حضر من الجماعة، فمن عجائب الاتفاق التي ينبغي تخليدها بطون الأوراق أن
الساعة التي ركب فيها السلطان من دمشق هي الساعة التي خلع الركن الجاشنكير فيها من المملكة، ثم أنه قال لنا، لما أردنا الانصراف من عنده: لنسافر إلى الأبواب السلطانية، إنني أخشى أن أقيم بالقلعة ريثما تتهيأ لكم الرجعة، وعزمي الخروج منها والتحول عنها وأقيم قريب إطفيح
(1)
إلى أن تعودا بالجواب وترجعَا إلىّ بالأمان والكتاب، فسرنا ضحى يوم الثلاثاء المذكور على خيل البريد المنصور، قاصدين الاجتماع بمولانا السلطان ومطالعته بما قد كان، ومخاطبته في التماس الأمان
(2)
.
ذكر خروج المظفر من مصر وتوجهه إلى إطفيح
قال بيبرس: وفي عشية الثلاثاء المذكور اضطربت الأمور، وغير الله عليه قلوب الجمهور، فدخل إلى الخزائن السلطانية تلك الليلة واحتمل جميع أموالها، وخرج من القلعة وصحبته مماليكه كافة، وكانت عدتهم تزيد على سبعمائة مملوك، ومعه: الأمير بدر الدين الفتاح، والأمير عز الدين الخطيري، وقجماس، ومماليكهم، ونزل من باب القرافة، وأخذ ما كان في الاصطبلات من الخيول، وشعرت العامة، فتجمعوا وتألبوا وسبوا ورجموا، وكادوا يتعلقون بأتباعه لولا خوفهم من اتباعه، فقيل: إنهم اشتغلوا عنه بدراهم نثرها لهم في الطريق، فاشتغلوا بالتقاطها عن تألبهم عليه وتطرقهم إليه، وسار بمن معه إلى أطفيح، وأصبحت الديار منه مقفرة، والدنيا عنه مدبرة، ولم يستقر بمكان، بل خطر بباله قصد أسوان.
وقال الشاعر:
موكَّل ببقاع الأرض يَذْرَعُها
…
من خِفة الروع لا من خِفَّة الطرب
(3)
(1)
إطفيح: بالكسر في أوله والفاء، بلد بالصعيد الأدنى من أرض مصر على شاطئ النيل، في شرقيه، معجم البلدان.
(2)
ينظر التحفة الملوكية 202
(3)
ينظر التحفة الملوكية 202.
وخرج من بقى في المدينة والعساكر طالبين [محمدهم]
(1)
، ودخلوا في دين طاعته أفواجًا، وأهرعوا إليه فُرادى وأزواجًا، وقطوا
(2)
إليه المراحل تأويبًا، وإدلاجًا
(3)
، وكيف لا يسعون إلى ملكهم وابن ملكهم وهو المعنى، بقول الشاعر:
أجرأ الورى إن صال، بل أعلاهم
…
إن طال، بل أوفاهم إن مالا
بمضائه وقضائه وعطائه
…
أمنوا الرَّدى والجور وإلا محالا
(4)
ولما فارق الجاشنكير القلعة، اهتم الأمير سيف الدين سلار بحفظها، ورتب [المماليك]
(5)
السلطانية فيها، وأفرج عن الذين كان الركن سجنهم، وخَلَّص مَنْ كان في الاعتقال منهم، وكاتب السلطان يطالعه بما اتفق له من السعادة، والأمر جاء وفق الإرادة، وأرسل الطنبغا الجمدار، أحد مماليكه بذلك، وصَيَّح الداعون، ودعا المُصَيَّحون في القلعة باسم مولانا السلطان بكرة يوم الأربعاء السابع عشر من شهر رمضان، وخُطب له يوم الجمعة التاسع عشر منه على المنابر، فلم يكن في الناس إلا من يدعو بنصره ويتطرب لذكره، ويعلن بحمد الله تعالى فيه وشكره.
شعر:
قد نال بالحزم والتدبير ما عجزت
…
[عنه]
(6)
الملوك بما نالوا وما جمعوا
وفاق أولهم عزمًا وآخرهم
…
فما رأوا مثله يومًا ولا سمعوا
ونصره الله بما قذفه من الرعب في قلوب أضداده، وأغناه بمناصرة ملائكته
(1)
محمدونهم: في الأصل، والمقصود السلطان الملك الناصر محمد.
(2)
قطوا: جاءوا مسرعين، المحيط في اللغة.
(3)
الادلاج: سير الليل كله، المحيط في اللغة.
(4)
الإمحال: الجدب: المحيط في اللغة.
(5)
الممالك في الأصل، والتصويب يتفق مع المعنى.
(6)
عند: في الأصل: والتصويب يتفق مع السياق.
وأجناده، وزاده من لطفه وفضله، كما أراد إياه من قبله.
شعر:
أبوه الذي يستهزم الخيل باسمه
…
وإن كان فيها قيد شهرٍ مُطَّرِد
وقد علموا إذ شد حُقْويةِ أنه
…
هو الليث ليث الغاب لا بالمجرَّد
(1)
وركب الناس إلى سوق الخيل، وسَيَّرُوا إلى تحت القلعة بالميدان الأسود، وطلع [الأمير سيف الدين سلار]
(2)
إلى دار النيابة كعادته، والنظام مضبوط، والأمر مرتب، وجَهَّز الطُّلب السلطاني بالسناجق والعصائب وشعار السلطنة إلى الدهليز المنصور.
ذكر اجتماع الأمير بيبرس بالملك الناصر
قال بيبرس في تاريخه: وأما نحن فإذا تقدمنا على البريد، فوصلنا إلى السلطان يوم
نزوله على غزة، فمثلنا بين يديه، وأعدنا المشافهة عليه، وطالعناه بنزول الركن عن السلطنة، والتماسه مكانًا من بعض الأمكنة، فاستبشر لحقن دماء الإسلام، وخمود الفتنة بين الأنام، واتفق في ذلك النهار ورود الأمير سيف الدين برلغي والأمير عز الدين البغدادي ومَنْ معهما من الأمراء والمقدمين، واجتمعنا جميعًا بالدهليز المنصور، وقد شملنا الابتهاج، وزال عنا الانزعاج، وأفاض السلطان على الأمراء التشاريف الجميلة على طبقاتهم، والحوائص الذهب الثمينة لصلاتهم، فلم يترك أميرًا حتى وصله، ولا مقدمًا حتى شرفه بالخلع وجَمَّله، وجددنا استعطاف السلطان فيما سأله الركن من الأمان، وكل من الأمراء الحاضرين بين يديه يتلطف من سؤاله ويتضرع في مقاله حتى أجاب، وعُدْنا بالجواب
(3)
.
(1)
هذه الشطرة مكتوبة بهامش الأصل.
(2)
إضافة لاستكمال معنى النص، ينظر ما سبق.
(3)
ينظر التحفة الملوكية 203.
ورحل السلطان على الأثر قاصدًا الديار المصرية، فوصلنا إلى القلعة يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان واجتمعنا بالأمير سيف الدين سلار، ووجدنا الجاشنكير قد تجاوز موضع الميعاد، وأخذ بمن الاصعاد، وحمله الإجفال على الإبعاد، ولم يدعه الرعب يستقر به القرار، ولا تلقيه معه أرض ولا دار، فاقتضى الحال أن أرسلنا إليه الكتب الشريفة الواردة على أيدينا، وعُدْتُ أنا وسيف الدين بهادر آص إلى الخدمة السلطانية، فوجدنا الدهليز على منزلة السعيدية
(1)
.
ذكر دخول الناصر القاهرة وجلوسه على تخت مُلْكه على عادته
قال بيبرس رحمه الله: ثم رحل السلطان إلى بركة الحجاج سلخ شهر رمضان، ونحن في خدمته، وعَيَّد على البركة
(2)
، وخرج الأمير سيف الدين سلار إلى لقائه، وقبل الأرض بين يديه، فأقبل مولانا السلطان عليه، وبرز السلطان للصلاة في الدهليز المنصور، واجتمع الأمراء الأكابر والمقدمون وأعيان العساكر لصلاة العيد، فأُنشدت بين يديه القصائد، وكان مما أُنشد أبيات نظمها شمس الدين محمد بن على بن موسى الداعي المؤذن:
الملك عاد إلى حماه كما بدا
…
ومحمد بالنصر سَرَّ مُحمدًا
وإيابه
(3)
كالسيف عَادَ
(4)
لغِمدِه
…
ومعادُه كالورد عاوده الندى
الحق مرتجع إلى [أربابه]
(5)
…
من كَفّ غاصبه وإن طال المدى
ومنها:
(1)
السعيدية: مركز من مراكز البريد على الطريق من بلبس إلى غزة، صبح الأعشى 14/ 376.
(2)
ينظر التحفة الملوكية 203.
(3)
وأتى به: في التحفة الملوكية 203.
(4)
آب: في التحفة الملوكية 203، كنز الدرر 9/ 192.
(5)
أبوابه: في الأصل، والتصويب من التحفة الملوكية 204، كنز الدرر 9/ 192.
يا وارث الملك [العظيم]
(1)
تهنه
…
واعلم بأنك لم تسد فيه سُدى
عن خير
(2)
أسلاف ورثت سريره
…
فوجدت منصبه السرى
(3)
ممهدا
يا ناصرًا من خير منصور أتى
…
كمهند خلف الغداة
(4)
مهندا
آنست مُلكًا كان
(5)
قبلك موحشًا
…
وجمعت شملًا كان منه تبددا
(6)
فتهن عيدا لم نجد مثلًا له
…
في الدهر خلق صام قبله
(7)
وعيدا
فالناس أجمع قد [رضوك]
(8)
مليكهم
…
وتضرعوا أن لا تزال مخلدا
وتباركوا بسناء غرتك التي
…
وجدوا على أنوار بهجتها هدى
الله أعطاك الذي لم يعطه مَلِكًا
…
سواك برغم أناف العدا
لازلت منصور اللواء مؤيد
…
العزمات ما هتف الحمام وغردا
(9)
وركب السلطان من البركة ظهر النهار، وطلع إلى قلعته في مستهل شوال، ولم يبق في مصر والقاهرة حتى خرجوا إليه ويدعون له من كل جانب، وكان يومًا مشهودًا.
ولما كان يوم الخميس الثاني من شوال جلس السلطان بالإيوان وقت الخوان،
(1)
العقيم: في الأصل، المعظم: في كنز الدرر، والتصويب من التحفة الملوكية.
(2)
من صنو: في كنز الدرر.
(3)
اسَّنى: في التحفة الملوكية، السمى: في كنز الدرر.
(4)
الهداة: في كنز الدرر.
(5)
كا: بين الأسطر في الأصل.
(6)
مبددا: في التحفة الملوكية، النجوم الزاهرة 9/ 6.
(7)
قبل: في التحفة الملوكية.
(8)
رضيك: في الأصل، والتصويب من التحفة الملوكية وكنز الدرر.
(9)
هذه الشطرة، في هامش الأصل.
وحضرت العساكر ونواب الممالك والمقدمون وغيرهم، وحلفوا له على طبقاتهم ومراتبهم، الكبير منهم والصغير، والأمير والوزير، وأرباب الوظائف والأشغال، فلما تكامل الحلف واتسق النظام المؤتلف، وأُنشدَت هذه الأبيات
(1)
:
تهنأت الدنيا بمقدمه الذي
…
أضاءت له الآفاق شرقًا ومَغْربَا
وأما سرير المُلك فاهتز رفعة
…
ليبلغ في التشريف قصدًا ومطلبَا
وتاق إلى أن يعلو المَلِك فوقه
…
كما قد حوى من قبله الأخ والأبا
ذكر ما جرى للأمير سلار
ولما تكامل الحلف سأل الأمير سيف الدين سلار دستورا بالتوجه إلى الشوبك، فإنها جارية في إقطاعه، فأعطاه الدستور، وخَلع عليه خُلعة العزل من النيابة، وكانت أسنى من خُلعة حال الولاية، وأعطاه حياصة من ذهب مرصعة، وأكرمه وودعه، وسار من فوره سريعًا، وكان نزوله من القلعة عصر يوم الجمعة ثالث شوال، فكانت مدته في نيابة السلطنة إحدى عشرة سنة، ورحل بكرة السبت رابع الشهر وتوجه معه الأمير نظام الدين آدم مؤنسًا له، واستقر ولده أميرًا على الباب العزيز، وأعطاه السلطان عشرة طواشية، وأقام عنده من تأخر عن والده من الألزام والحاشية
(2)
.
ذكر ما جرى للملك المظفر بعد قدوم الناصر
قال بيبرس في تاريخه: ثم إن السلطان رسم لي وللأمير سيف الدين بهادر آص بالتوجه إلى المظفر باستحلافه على ما تقرر من الأمور، فتوجهنا إليه إلى أعمال إخميم
(3)
،
(1)
الأبيات التالية منسوبة إلى محمد بن موسى الداعي، ينظر كنز الدرر 9/ 192.
(2)
ينظر التحفة الملوكية 206، المختصر 4/ 58.
(3)
إخميم: بالكسر ثم السكون، بلد قديم على شاطئ النيل بالصعيد، معجم البلدان.
وقد مسه ومن معه الشتات، وتقسمت به العزمات لاشتداد الأزمات، وامتلأ مماليكه حنقًا لما فارقوا من السعادات، وذاقوا من طعم الإمرة والطبلخانات، وما آل إليه أمرهم من ردى الحالات، ودبت الشرور في نفوسهم، وفرح إبليس في رؤوسهم، ولما علموا أنا عدنا في طلب الأموال والخيول أيقنوا بالخذلان والخمول، وهموا أن [يثبوا]
(1)
علينا ويوقعوا بنا، وباتوا ليلتهم تلك مشتورون فيما يفعلون، ويأتمرون فيما يأتون ويهمون، غاية يهمهمون، وقالوا: نقتل هذين الورادين علينا، ونأخذ مخدومنا وما معنا من الأموال، والأرض لدينا واسعة، فعكس الله أفكارهم، وأبطل اشتوارهم، وصاننا منهم، بأن أطلعنا بعض صبياننا على أمرهم، فأخذنا بالاحتراز وعجلنا بالنجاز، وأعلمناه بأمر أولئك الصبيان وما أرادوه من العدوان، فأظهر عدم الرضى بذلك ومنعهم من التطرق إلى هذا الفعل، وما زلنا نتلطف حتى استخلصنا الخزائن والأموال منه، وانفصلنا عنه، ونزلنا الحراريق من شرق أسيوط، وحضر هو ومَنْ معه في البر ومعه الأمير سيف الدين بهادر آص ليتوجه به إلى حيث زعم أنه يتوجه إليه
(2)
.
ثم قال بيبرس: وعاد المظفر من بلاد إخميم على أنه يُعطى صَهيون وأعمالها [ويتوجَّه]
(3)
إليها ويقيم بها، ففارقه الأمَراء الذين معه من إطفيح وحضروا إلى الباب الشريف، وهما: بدر الدين الفتاح
(4)
، وسيف الدين قجماز
(5)
، وحضر صحبتهما أكثر مماليكه الذين تقرر أنه يعيدهم ولا يأخذهم معه، وكانوا أكثر من ثلاثمائة نفر، وأحضرا معهما الخيل والبغال التي كان أخذها من الاصطبلات الشريفة، فلما وصل الأميران المذكوران خلع عليهما، وفرقت مماليك الجاشنكير على الأمراء، وأخذ بعضهم وأضيف إلى المماليك السلطانية، ثم قبض على الأميرين المذكورين، وعلى عز الدين الخطيري عشية
(1)
لا يثبوا: في الأصل: والتصويب من التحفة اللطيفة 207، وينظر ما يلي.
(2)
ينظر التحفة اللطيفة، 206 - 207، حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
(3)
وتوجه: في الأصل: والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
هو: بكتوت، الأمير بدر الدين الفتاح، من مماليك المنصور قلاوون، توفي سنة 710 هـ/ 1310 م، الدرر الكامنة 2/ 23 رقم 1318.
(5)
قجماز أو قجماس المنصوري: أحد البرجية، أفرج عنه في مستهل ربيع الآخر 715 هـ، السلوك 2/ 144.
النهار.
وعند وصول الركن إلى إطفيح تقرر أنه يفوز منها إلى السويس، ومن هناك يتخرج إلى الصالحية ويتوجه إلى الشام، إلى حيث رُسم له، وصحبته: الأمير سيف الدين بهادر آص، والأمير عز الدين أيدمر الشجاعي، ثم حصل التروى في أمره والتفكر في عاقبته، والخيفة من اعتراض العوارض، وتقلب الحوادث، وأنه قد يحتمل أن عند توجهه إلى تلك البلاد يلتف عليه من له قصد في الفساد، ومَنْ في قلبه بقية من الأحقاد، فيحسنون له العصيان ويندمونه على ما كان، فيجنح إليهم، ويكون ذلك سببًا لإثارة ثائر [تتفرق]
(1)
بسببه الكلمة وتضطرب لأجله الأمة، فَتُسفك الدماء، وتقلق الدهماء، فظهر أن من الحزم حسم هذه المواد واستدراكها قبل التماد واستحكام الفساد، فلما وصل المذكور إلى قريب غزة، وكان الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار نازلًا بعد على الشريعة، والأمير سيف الدين بهادر الحاج، وقد خرجا معًا للصيد، فصادفا الجاشنكير في النفر الذي معه، فأحاطا به وقبضا عليه وعلى مَنْ معه
(2)
، وأحضر إلى الخطارة صحبة الأمراء محتاطًا عليه، وعند وصوله إليها توجه الأمير سيف الدين اسندمر الكرخي من الباب العزيز ومعه مماليكه، فتسلموه، وأحضره إلى القلعة المحروسة يوم الخميس رابع عشر من ذي القعدة
(3)
، فأودع الاعتقال، فكان آخر العهد به، وعاد الأمراء الذين أوصلوه من الخطارة إلى الشام، ومات، وسُلم إلى أهله ميتًا بعد أيام، فدفنوه بتربة كانت له قديمًا بالقرافة، وفرق بقية مماليكه على الأمراء، وأُوقعت الحوطة على أملاكه وأمواله وحواصله وتعلقاته، وفُوض الحديث في حصر تركته إلى الأمير جمال الدين أقوش الأشرفي نائب الكرك، بحكم أن السلطان يستحق نصيبه منها بالولاء والعتق، فبيعت حواصله وغلاله وتقسمت، بعد عينه، أمواله
(4)
(1)
يتفرق: في الأصل.
(2)
في سابع ذي القعدة: في البداية والنهاية 18/ 96.
(3)
ينظر نهاية الأرب 32/ 160، كنز الدرر 9/ 195.
(4)
ينظر التحفة الملوكية 211 - 213.
ذكر ترجمة المظفر وموته
وكان بيبرس
(1)
هذا من مماليك الملك المنصور قلاوون الصالحي، وكان جركسي الجنس، وتأمر في أيام أستاذه، ولم يزل كبيرًا إلى أن تسلطن، وكان من الأمراء المعدودين في أيام الملك
(2)
الأشرف خليل بن قلاوون، ولما تسلطن الملك الناصر محمد بن قلاوون تقرر بيبرس هذا استادارا للناصر، وقد ذكرناه
(3)
، وكان ذلك في سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ثم لما تولى كتبغا السلطنة عزله عن الاستادارية،
(4)
وولي عوضه سيف الدين بتخاص، وكان من كبراء
(5)
مماليكه، وكان بيبرس هذا حُبس وأفرج عنه كتبغا العادل وأعطاه إمرة بمصر، وعُدّ من الأمراء الكبار القاطنين بالقلعة، وكان مع الأمراء الكبار الذين أجمعوا على إحضار الملك الناصر من الكرك لأن يجلس في السلطنة حين قتلوا الملك المنصور لاجين وذلك في سنة ثمان وتسعين وستمائة، ولما حضر الناصر محمد واستقر في السلطنة تقرر بيبرس هذا على عادته استادارا، ولما انكسر الناصر في وقعة قازان
(6)
كان بيبرس هذا معه، ووصل مع الناصر إلى القاهرة، ثم بعد ذلك أرسل الناصر بيبرس هذا ومعه الأمير سيف الدين سلار لتمهيد البلاد وإصلاح ما استحكم بها من الفساد، ووصلا إلى دمشق ورتبا أحوالها وسددا اختلالها، ثم عادا إلى مصر، وكان ذلك في سنة تسعة وتسعين وستمائة، ثم صار بيبرس هذا وسلار كفيلي
(7)
الممالك الشريفة والمشيرين فيها، ثم عقد له بالسلطنة يوم السبت الثالث والعشرين من شوال من
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تالي كتاب وفيات الأعيان 57 رقم 87، الوافي بالوفيات 10/ 348 رقم 4843، أعيان العصر 2/ 71 رقم 488، الجوهر الثمين 336، الدرر الكامنة 2/ 36 رقم 1375، النجوم الزاهرة 8/ 276 وما بعدها، المنهل الصافي 3/ 467 رقم 718.
(2)
الملك: ملحقة بين الأسطر في الأصل.
(3)
ينظر ما سبق بعقد الجمان 3/ 452.
(4)
عن السلطنة الاستدارية: في الأصل، ومشطوب على كلمة: السلطنة.
(5)
كبار: في الأصل، ومصححة إلى كبراء
(6)
وذلك سنة 699 هـ، ينظر ما سبق بعقد الجمان 4/ 12، 13، 65.
(7)
لفيلي: في الأصل، بدون رأس حرف الكاف.
سنة ثمان وسبعمائة، وذلك بعد رواح الناصر إلى الكرك وعزله نفسه عن السلطنة كما ذكرنا
(1)
، وكانت البيعة بدار سيف الدين سلار، واستقر سلار على عادته نائب السلطان، ثم جرى عليه ما ذكرنا، وكانت مدة سلطنته التي نُسبت إليه ووقع اسمها عليه أحد عشر شهرًا، كما كانت دولة الملك المظفر قطز سَميَّه.
قال النويري في تاريخه: ولما وصلوا بالمظفر بيبرس إلى السلطان الناصر أوقفه بين يديه، وأمر بدخوله الحمام، وخنق في بقية يومه، ودفن بالقرافة، وعَفَّى قبره مدة، ثم أمر بانتقاله إلى تربته التي بالخاناقاه، فنُقل إليها
(2)
.
وكان بيبرس هذا ابتدأ بعبارة الخانقاه والتربة داخل باب النصر، موضع دار الوزارة، في سنة ست وسبعمائة، وأوقف عليها أوقافًا جليلة
(3)
، ولكنه مات قبل فتحها، فأغلقها الملك الناصر مدة، ثم فتحها ورتب فيها جماعة من الصوفية وبعض الأوقاف التي كانت لها، وارتجع البقية، وأما التربة فاستقرت مغلقة إلى آخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
وبيبرس هذا هو الذي عَمَّر الجامع الحاكمي بالقاهرة، وكانت الزلزلة قد أخربته، وكان ذلك في سنة أربع وسبعمائة، وأنفق عليه من ماله جملة كثيرة، ورتب فيه أربعة دروس للمذاهب الأربعة، ورتب فيه درس حديث، ودرس نحو، ودرس القراءات السبعة، ووقف فيه خزانة كتب، وقد ذكرنا جميع ذلك مفصلًا
(4)
.
(1)
يراجع ما سبق.
(2)
في أواخر سنة تسع وسبعمائة: في بدائع الزهور 1/ ق 1/ 434.
(3)
تنظر وثائق وقف بيبرس بن عبد الله الجاشنكير المحفوظة بدار الوثائق القومية بالقاهرة (مجموعة المحكمة الشرعية) رقم 22/ 4، 23/ 4، والمؤرخة 26 شوال 707 هـ، فهرست وثائق القاهرة 8 - 9، مسلسل 25، 26. وينظر كتاب الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر 219 وما بعدها، المواعظ والاعتبار المجلد الرابع 732 - 743.
(4)
يراجع ما سبق بعقد الجمان 4/ 428 - 429، نهاية الأرب 32/ 85 - 87، 133 - 134.
ذكر ما حدث من الأمور بعد قدوم الناصر
منها: أن السلطان قلد الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نيابة السلطنة بالشام المحروس، عوضا عن الأمير جمال الدين أقوش الأفرم، وولي أقوش الأفرم صرخد
(1)
وأعطاه مائة فارس وسفره إليها، وفوض إلى الأمير سيف الدين قفجق نيابة حلب، عوضًا عن قراسنقر، وإلى الأمير سيف الدين بهادر الحاج السلحدار طرابلس والفتوحات، عوضًا عن الأمير أسندمر، وعين لنغيه قفجاق إقطاع الأمير سيف الدين قطلوبك بدمشق، وقبل [المذكورون]
(2)
الأرض، ولبسوا التشاريف الجميلة والمناطق النفيسة وسافروا أولًا فأولًا، فكان أول من سافر منهم الأمير سيف الدين قفجق، وجرد معه تجريدة من العسكر المنصور المصرى لحفظ الثغور والأطراف، وهم: الأمير سيف الدين جبا أخو سلار، والأمير حسام الدين طرنطاي البغدادي، وعلاء الدين أيدغدي التليلي، وسيف الدين بهادر الحموي، وسيف الدين بلبان الدمشقي، والأمير سابق الدين بوزبا الساقى، وركن الدين بيبرس الشجاعي، وسيف الدين كوري السلحدار، وعلاء الدين أقطوان الأشرفي، وسيف الدين بهادر الجوكندار، وسيف الدين بلبان الشمس، وعلاء الدين أيدغدى الزراق، وسيف الدين كهرداش الزراق، وسيف الدين بكتمر استادار، وعز الدين أيدمر الإسماعيلي، وفارس الدين أقطاي الجمدار، وجماعة من أمراء العشرات، فتوجهوا إلى حلب احترازًا من ثائر يثور، وطارق يطرق الثغور، فلما وصلوا إلى هناك رسم بإقامة جماعة منهم بالبلاد الشامية عدتهم ستة من أمراء الطبلخاناة وعادت البقية.
ومنها: أنه فوض نهاية السلطنة بالديار المصرية إلى الأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار، مجلس في دست النيابة عوضًا عن الأمير سيف الدين سلار الذي توجه إلى شوبك وهى اقطاعه.
(1)
صرخد: قلعة حصينة وبلد ملاصق لبلاد حوران من أعمال دمشق، معجم البلدان.
(2)
المذكور: في الأصل.
ومنها: أنه في الخامس والعشرين من شوال أَمَّرَ السلطان جماعة من مماليكهـ، وهم عشرون نفرًا، منهم طبلخانات ومنهم عشرات، وهم: الأمير دنكز، وسيف الدين كستاي، رجال الدين خضر بن نوكيه، وبيبرس السلحدار، وسيف الدين أيتمش الساقى الظاهري، وغيرهم.
ومنها: أنه فوض الوزارة إلى الصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز بن الخليلي، عوضًا عن ضياء الدين [النشائي]
(1)
، وحُملت إليه النواة والخلعة، وسيقت إلى بابه البغلة، وعَوق النشائي في القلعة أيامًا ولم يأخذ منه شيئًا، ثم أطلق سراحه.
واستقر الأمير شمس الدين سنقر الكمالي في الحجوبية على قاعدته، وخُلع عليه، والأمير سيف الدين بلبان الجمالي أمير جاندار، والأمير حسام الدين قرا لاجين أمير مجلس استادار العالية، بعد ذلك بأيام.
قال بيبرس في تاريخه: ورُسم لي بدار العدل الشريفة والنظر على الأحباس والأوقاف المبرورة بالديار المصرية والبلاد الشامية، وكتب تقليد بذلك، قال: وكان ذلك في الخامس من ذي القعدة.
ومنها: أنه أعاد السلطان كريم الدين عبد الكريم الآملي العجمي شيخ الشيوخ لمشيخة الخانقاه الصلاحية المعروفة بدار سعيد السعداء على عادته.
ومنها: أنه أفرح [في]
(2)
منتصف شوال عن جماعة كانوا معتقلين من أيام كتبغا، وهم: الشيخ على التتري، وجاورجي بن قنغر، وأخوه حمدان بن صلغيه، ومنكلي التتري، وأعطاهم إقطاعات بالشام.
ومنها: أنه في يوم الخميس السادس عشر من شوال جلس السلطان بالإيوان، وقبض على جماعة من الأمراء البرجية كانوا متهمين بخبث النية.
(1)
الشآي: في الأصل، والتصويب من عقد الجمان 4/ 426 - 427.
(2)
عن: في الأصل: والتصويب يتفق مع السياق العام.
وقال ابن كثير: وكانوا قريبًا من عشرين أميرًا
(1)
، وقبض على علاء الدين بن مغلطاي القازاني أحد الأمراء المتوجهين إليه إلى الكرك وسيره، فاعتقله باسكندرية، وأرسل إلى دمشق، فقبض على الأمير نُغيه وعلى ركن الدين
(2)
بيبرس العلمي، واعتقلهما بقلعة دمشق.
ومنها: أنه في ثامن
(3)
شوال طلب الشيخ ابن تيمية من الإسكندرية، فوصل إلى القاهرة في ثامن عشره
(4)
يوم السبت، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة [رابع]
(5)
عشرينه، فأكرمه، وتلقاه في مجلس حفل، فيه قضاة مصر والشام والفقهاء، وأصلح بينهم وبينه، ثم نزل إلى القاهرة وسكن بقرب، مشهد الحسين، والناس يترددون إليه: الأمراء والجند والفقهاء.
وقال ابن كثير: ولقد أخبرني جمال الدين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس وما وقع فيه من إكرام الشيخ يومئذ، فذكر: أن السلطان نهض للشيخ أول دخوله، ومشى له إلى طرف الإيوان
(6)
، واعتنقا هناك، ثم ذهبا إلى صفة
(7)
فيها شباك إلى بستان، فجلسا ساعة يتحدثان، ثم جاء ويد الشيخ في يد السلطان، فجلس، وعن يمينه ابن جماعة والقضاة، وعن يساره ابن الخليلي الوزيري، وتحته ابن صصري، ثم الصدر على الحنفي، فجلس تقي الدين بين يدي السلطان على طرف الطراحة
(8)
، فتكلم الوزير في
(1)
البداية والنهاية 18/ 95، وورد: عدة ثلاثين أميرًا: في كنز الدرر 9/ 196.
(2)
الدين: في هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(3)
فوجه إليه في ثاني يوم من شوال، بعد وصوله بيوم أو يومين: في البداية والنهاية 18/ 92.
(4)
في يوم ثامن الشهر: في البداية والنهاية 18/ 92.
(5)
ورابع: في الأصل.
(6)
الإيوان: كلمة فارسية معربة، تعنى لغويًا قاعة العرش، أما في العمارة المملوكية فالإيوان يمثل وحدة معمارية مربعة أو مستطيلة الشكل لها ثلاث حوائط، أي من ثلاث جهات فقط، والجهة الرابعة مفتوحة، ينظر المصطلحات المعمارية في الوثائق المملوكية 17.
(7)
صفة: الصفة من البنيان شبه البهو الواسع الطويل، وتشبه المصطبة ولكنها أقل ارتفاعًا، وتكون دائمًا مبنية داخل القاعات والوحدات السكنية، ينظر المصطلحات المعمارية في الوثائق المملوكية 73.
(8)
الطراحة - الطراحات - الطراريح: مرتبة يفترشها السلطان إذا جلس، ينظر صبح الأعشى 4/ 506.
إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبعمائة ألف في كل سنة زيادة على الخالية، فسكت الناس، وتكلم ابن تيمية كلامًا عظيمًا، ورد على الوزير مقالته، وجعل السلطان [يتلافاه]
(1)
ويسكته وهو يبالغ في التشنيع على من يوافق على ذلك، وقال للسلطان: حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة، فذكر أن الجاشنكير هو الذي جدد عليهم ذلك، فقال: والذي فعله الجاشنكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائبًا لك، فأعجب السلطان ذلك، واستمر بهم على ذلك، وجرت [فصول]
(2)
يطول ذكرها
(3)
.
وقال ابن كثير: وسمعت ابن تيمية يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام في الشباك الذي جلسا فيه حجرة عن الناس، وأنه حرضه على بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وهو يستفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقًا عليهم بسبب ما كانوا سعوا في عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ ذلك وأخذ يعظم القضاة والعلماء وينكر أن ينال أحد [منهم]
(4)
بسوء وقال له: إذا أذهبت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فحلم عليهم وصفح عنهم. قال: وكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف
(5)
يقول: ما رأيت مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر، وقدر علينا فصفح [وحاجج]
(6)
عنا
(7)
.
ذكر ما جرى من الحوادث في البلاد
وفيها: أظهر خربندا ملك التتار الرفض في بلاده، وأمر الخطباء أن لا يذكروا في
(1)
بيدفاه: في الأصل، والتصويب من البداية والنهاية 18/ 94.
(2)
فطول: في الأصل.
(3)
يراجع البداية والنهاية 18/ 93 - 94، حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
(4)
فيهم: في الأصل، والتصويب من البداية والنهاية 18/ 94.
(5)
هو: علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النويري، قاضي القضاة، توفي سنة 718 هـ/ 1318 م، الوافي بالوافيات 22/ 189 رقم 137، المنهل الصافي 8/ 214 رقم 688.
(6)
حاجف: في الأصل، والتصويب من البداية والنهاية 18/ 95.
(7)
يراجع البداية والنهاية 18/ 94 - 95، حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
خطبهم إلا على بن أبي طالب وولديه وأهل البيت
(1)
.
وفيها: ابتنى خربندا ببنت الملك المنصور نجم الدين غازي بن المظفر قرا أرسلان صاحب ماردين، وحملت إليه إلى الأردو، وجهز معها من الجهاز الثمين والجوهر النفيس والتحف اللائقة ببنات الملوك وقر ألف حمل.
وفيها: اتفق بالبلاد الشمالية أن بيان بن قبجي كان قد استنجد [طقطاي]
(2)
على أخيه كبلك، فأنجده، وأرسل معه أخاه بُرلك في جيش، فقصد أخاه كبلك، فهزمه واستولى على بلاده وعساكره، ولما استقر أمره تركهـ برلك بن منكوتمر وعاد إلى بلاده، واتفقت وفاة أخيه كبلك بعد ذلك، وله ولد اسمه قوشاي، فتوجه إلى قيدو مستنجدًا به ومستصرخًا، فجرد معه جيشًا، فقصد بيان عمه، فالتقيا واقتتلا على نهر يبق [فهزمه]
(3)
وتوجه نحو [طقطاي]
(4)
لائذًا به، وتمكن قوشاي من بلاده، واستقر بها على قاعدة أبيه وحكمه.
وفيها: اجتمع الفرنج وقصدوا ابن الأحمر
(5)
، فأرسل يستنجد سليمان بن أبي ثابت المريني، فأنجده بجيش، والتقى مع الفرنج ببر الأندلس، فكان ما قتلوا من الفرنج تقدير عشرين ألف فارس وراجل، وكانت القتلى من المسلمين أيضًا خلق كثير، ثم كانت الكسرة على الفرنج والهزيمة، وكانت الكسرة على مكان بالقرب من غرناطة.
(1)
وأهل بيته: في البداية والنهاية 18/ 98، وينظر كنز الدرر 9/ 206.
(2)
طقطا: في الأصل، والتصويب مما سبق.
وهو طقطاي بن منكوتمر بن طغاي، توفي سنة 716 هـ/ 1316 م، الوافي بالوفيات 16/ 469 رقم 510، المنهل الصافي 6/ 425 رقم 1264.
(3)
إضافة تتفق مع المعنى.
(4)
طقطا: في الأصل.
(5)
هو: نصر بن محمد بن محمد بن يوسف، السلطان أبو الجيوش ابن الأحمر، صاحب غرناطة بالأندلس، توفي سنة 723 هـ/ 1322 م، الدرر الكامنة 5/ 165 رقم 4938، المنهل الصافي 12/ 15 رقم 2595.
ذكر ركوب السلطان الناصر في موكب ملكه وبيان ما مدحه الشعراء
لما أثبت الله قواعد سعده، وأظفر الله بضده، آمرًا الخزائن ففتحت، وبالخُلع فأفيضت على الأمراء والمقدمين والكبراء، ركب موكبا عظيمًا ملوكيا، ارتجت له الأرض، واجتمعت له الخلائق كيوم العرض، فمن مستبشر بطلعته، ومستشرف لرؤيته، وداع بدوام دولته، ورافل في حلل مسرته بعود [سلطنته]
(1)
، فكان كما قيل:
كأني به ملء المواكب والحسنى
…
يباهي به أفراسه والمساند
فما هو إلا البدر بعد سراده
…
بدا وهو ملء العين والقلب صاعد
وقال الشاعر شهاب الدين العزازي
(2)
من قصيدة أولها:
عاد للمُلْكِ صاحب المُلْك عادا
…
ثم أبدَى النعم لنا وأعادا
مرحبا مرحبًا بأوفى ملوك الـ
…
أرض عدلًا
(3)
في ملكه وسادا
(4)
أي بشرى بعودة الملك النا
…
صر سَرَّت في الخافقين العبادا
عودة جددت لنا
(5)
هناء وأفرا
…
حًا وردت أيامنا أعيادا
(1)
بسلطنته: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
الأبيات التالية منسوبة إلى ناصر الدين بن النقيب، في كنز الدرر 9/ 194.
والعزازي هو: أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم العزازي، شهاب الدين، المتوفى سنة 710 هـ/ 1310 م، ينظر ما يلي.
(3)
قدرا: في كنز الدرر.
(4)
وسدادا: في كنز الدرر.
(5)
لنا: سقط من كنز الدرر.
عيد فطر وعيد فتح وعيد
…
بقدوم الذي على الناس
(1)
سادا
ملك شرَّف الممالك والعصـ
…
ــر وأوفى على الملوك وزادا
من أبوه قلاوون الملك الـ
…
أعظم كانت له المعالي تلادا
(2)
أسكن الخوف في قلوب أعاديـ
…
ـه فولت تطوى الربى والوهادا
قرن الرعب من
(3)
محمد بالنصر
…
ولم يشرع القنا الميادا
وأذلت له المهابة أعدا
…
هـ فأعطوه صاغرين القيادا
وإذا العبد خان مولاه أو
…
عاداه فالله والملائكة عادا
(4)
كَم دعونا حتى رجعت إلينا
…
وصبرنا حتى [بلغنا]
(5)
المرادا
هم أرادوا إخفاء
(6)
نورك واللـ
…
ــه تعالى إظهاره قد أردا
زادك الله يا محمد في المـ
…
ــلك اقتدارا وفي الحياة امتدادا
وقال البدر محمد
(7)
البزاز المنبجي الشاعر من [قصيدة]
(8)
أولها:
قضت ظُباك على أعداك بالظفر
(9)
…
والحكم في الملك للهندية البتر
(1)
الخلق: في كنز الدرر.
(2)
بلادا: في كنز الدرر 9/ 195.
(3)
في: في كنز الدرر.
(4)
سقط هذا البيت من كنز الدرر.
(5)
إضافة من كنز الدرر 9/ 195.
(6)
إطفاء: في كنز الدرر.
(7)
هو: محمد بن عمر بن أحمد بن المثني، بدر الدين، المنبجي، توفي سنة 723 هـ/ 1322 م، الدرر الكامنة 4/ 220 رقم 4124، المنهل الصافي 10/ 255 رقم 2311.
(8)
قصيد: في الأصل.
(9)
أعدائك الظفر: في كنز الدرر 9/ 193.
فطل بهمتك العلياء مفتخرًا
…
فباع هِمَّةِ مَنْ عاداك ذو قصر
فأنت من ذكره في الناس
(1)
شاع وبالـ
…
إقدام في الناس يوم النفع والضرر
وذكر سيرته الحسناء مشتهر
…
فقد غدت غره في أوجه البشر
(2)
ما ورخوا
(3)
قبلها مثلًا لها أبدًا
…
[أهل]
(4)
التواريخ في بدو وفي حضر
(5)
نشأت في حجر هذا الملك مرتضعًا
…
لثديه غير مفطوم من الصغر
وحين آل إليك الأمر وامتثلت
…
منه المراسيم
(6)
في ورد وفي صدر
أعرضت عنه لأسباب علمت بها
…
وخبر شهرتها يُغني عن الخبر
وعدت ثانية يقظان محترسًا
…
وبت من كبد من يخشى على حذر
(7)
وهذه العودة الغراء ثالثة
…
تقضى لك الحق في أيامك الأخر
فارقت ملكك مختارا لفرقته
(8)
…
بنية العود تسليمًا إلى القدر
وبعد ما سرت عن مصر وساكنها
…
وغِبت عنها وعنهم غيبة القمر
لاموك في كل ما دبرت من حيل
…
بليغة نسبوها منك بالضجر
(9)
(1)
بالبأس: في كنز الدرر 9/ 193.
(2)
الدهر: في كنز الدرر.
(3)
أرخو: في كنز الدرر.
(4)
هل: في الأصل، والتصويب من كنز الدرر.
(5)
من بدو ومن حضر: في كنز الدرر.
(6)
المراسم: في كنز الدرر.
(7)
وبت من كبد تخشي على صدر: في كنز الدرر.
(8)
لمعرفة: في كنز الدرر.
(9)
للضجر: في كنز الدرر.
إن غبت عن وطن كادت تغيره
…
للبعد عنك
(1)
وحاشاه
(2)
يد الغير
فالشمس أحسن ما تجلى إذا بزغت
…
من بعد غيبتها ليلًا على
(3)
النظر
يفديك من مال
(4)
ما قد نال مختلسًا
…
ما ليس أهلا له بالكيد والخبر
(5)
وجرد
(6)
الجيش للقيا فأخره
…
لا نال
(7)
ما يتمني شده الخَور
وأدبر السعد والإقبال عنه وقد
…
ولى بذل وخذلان على الدبر
ضاقت بما رحبت أرض عليه فقل
…
في هارب في الفلا بالخوف منحصر
(8)
بالناصر الملك العالى الركاب فتى الـ
…
ــمنصور خير ملوك الترك والخزر
سُدت عن الناس طُرق الظلم واتضحت
…
سماء رزق بعدل
(9)
منه مُنهمر
فالناس من وجهه أضحوا ونائله
…
في روضة دائمًا
(10)
حسنًا وفي نهر
ألقى الإله عليه من محبته
…
فاشتاقه كل ذي سمع وذي بصر
وأسكن الحُبَّ في كل القلوب له
…
بين البرية من أُنثى ومن ذكر
(1)
عنه: في كنز الدرر.
(2)
وحاشاه من: في كنز الدرر.
(3)
عن: في كنز الدرر.
(4)
نال: في كنز الدرر.
(5)
والحقر: في كنز الدرر.
(6)
وقدم: في كنز الدرر.
(7)
عن نيل: في كنز الدرر.
(8)
في هارب الخوف لا ينفك منحصر: في كنز الدرر.
(9)
ببذل: في كنز الدرر.
(10)
زينت: في كنز الدرر.
أبا المظفر لازالت جيوشك بالـ
…
تأييد محفوفة [بالنصر]
(1)
والظفر
بقيت ناصر هذا الدين ما [سجعت]
(2)
…
بالدوح ورقاء في الآصال والبُكَر
ودام مُلكك ما هبت رياح صبا
…
وفُتِّحت في رياض أعين الزَّهر
وقال القاضي بهاء الدين
(3)
سواده كاتب الدرج بحلب من أبيات:
ويا
(4)
ملكا جاء بالمعجزات
…
وأيد عند
(5)
اضطراب الأمور
عزمت على الملك عزم الملوك
…
وقمت برأي سعيد كبير
(6)
وجئت بعيدين في شهرنا
…
فعيد القدوم وعيد الفطور
ونولك الله ما رمته
…
وسهل بالعزم
(7)
صعب العسير
وأقبل نحوك جيش البلاد
…
ألوفًا ألوفًا بجم غفير
ولو أمكن السعي من
(8)
كل القلاع
…
لجاءت إليك وكل الثغور
(1)
والنصر: في الأصل، والتصويب من كنز الدرر.
(2)
سمعت: في الأصل، والتصويب من كنز الدرر.
(3)
شمس الدين: في كنز الدرر 9/ 190.
وهو: علي بن علي بن محمد بن أبي سواده، القاضي بهاء الدين، كاتب السر بحلب، وتوفي سنة 714 هـ/ 1314 م، تذكرة النبيه 2/ 59، الدرر الكامنة 3/ 159 رقم 2817، المنهل الصافي 8/ 130 رقم 1620.
(4)
أيا: في كنز الدرر.
(5)
عنه: في كنز الدرر.
(6)
كبور: في كنز الدرر.
(7)
بالنصر: في كنز الدرر.
(8)
من: سقط من كنز الدرر.
وقلعة مصر فقد عمها
…
جزيل التهاني وفرط الحبور
فلازلت تملك رق الملوك
…
وتعفو عن الذنب للمستجير
وبغداد لا تنسها إنها
…
مخبأة [لكم]
(1)
في الخدور
وقال الشهاب أحمد
(2)
الشرمساحى الكتبي الشاعر من [قصيدة]
(3)
أولها:
وَلَّى المظفر لما فاته الظفر
…
وناصر الحق
(4)
وافى وهو منتصر
وقد طوى الله من
(5)
بين الورى فتنًا
…
كادت على عصبة الإسلام تنتشر
فالحمد
(6)
لله عقبى الناس قد رجعت
…
إلى الصلاح الذي قد كان ينتظر
فكلهم نالهم من بعد خوفهم
…
أمن تشارك فيه البدو والحضر
(7)
فلتطمئن قلوب أمنها رهب
…
ولتغمض عيون نومها سهر
الله أذهب عنها الحزن فانفرجت
…
عن القلوب كروب صفوها كدر
إن الزمان الذي عمت إساءته
…
على البرية أمسى وهو [معتذر]
(8)
(1)
إضافة: من كنز الدرر.
(2)
وهو: أحمد بن عبد الدائم بن يوسف بن قاسم، شهاب الدين الشرْمساحي، أبو يوسف، الشاعر، توفي في حدود سنة 720 هـ/ 1320 م، الدرر الكامنة 1/ 171 رقم 411.
(3)
من قصيد: في الأصل.
(4)
الدين: في الدرر الكامنة 1/ 174.
(5)
ما: في كنز الدرر.
(6)
فالحمد: سقط من كنز الدرر 9/ 191.
(7)
فنالهم من بعد خوفهم أمن تشاركت فيه أهل البدو والحضر: في كنز الدرر.
(8)
معتطر: في الأصل، والتصويب من كنز الدرر.
فقل لبيبرس إن الدهر
(1)
ألبسه
…
أثواب عارية في طولها قصر
وقد أتى يسترد الآن ما غلطت
…
به عليه ليال دأبها الغرر
لما تولى تَوَلَّى الخيرُ عن أمم
…
لم يحمدوا أمرَه فيهم
(2)
ولا شكروا
فما مشى للورى حال بدولته
…
وما
(3)
استقاموا على الحسنى كما أُمروا
وكيف تمشى به الأحوال في زمنٍ
…
لا النيل أوفى [ولا]
(4)
وافى به مطر
(5)
وكل خضراء أمست وهي يابسة
…
والرزق "للمرتجى تيسيره"
(6)
عسر
هيهات قد دهمته كل نائبة
…
لقدر كل عظيم عندها صغر
والناصر بن قلاوون مواكبه
…
مازال يصحبها التأييد والظفر
يا أيها الناصر الميمون طائره
…
نُصِرت بالرعب والأعداء قد قُهروا
فالله يبقيك في خير وعافية
…
فالمسلمون إلى بُقياك تفتقر
وقال المولى ناصر الدين شافع
(7)
بن على بن عبد الظاهر من قصيدة أولها:
لك الله في كل الأمور معين
…
وبالنجح فيها كافل وضمين
(1)
إن الله: في الدرر الكامنة.
(2)
أمرهم فيها: في كنز الدرر، النجوم الزاهرة 9/ 10، ولم يحمدوا أميرهم: في الدرر الكامنة.
(3)
ولا: في كنز الدرر.
(4)
إضافة من كنز الدرر.
(5)
لا النيل وافي ولا وفاهم مطر: في الدرر الكامنة الكامنة 1/ 174، النجوم الزاهرة 9/ 10.
(6)
تيسيره للمرتجي: في كنز الدرر.
(7)
هو: شافع بن علي بن عباس بن إسماعيل بن عساكر، الكناني، العسقلاني، ثم المصري، الأديب ناصر الدين، سبط الشيخ عبد الظاهر بن نشوان، ولذا عُرف بناصر الدين بن عبد الظاهر، توفي سنة 730 هـ/ 1329 م، الدرر الكامنة 2/ 281 رقم 1922، المنهل الصافي 6/ 196 رقم 1172.
فلا غرو إن هانت عليك مصاعب
…
وصعب ذوي "القصد الجميل"
(1)
يهون
فكن واثقًا بالنصر يا ناصر الورى
…
ووارث ملك الأرض حيث يكون
بكتك عيون حين وليت مُغرضًا
…
وقَرَّت وقد وافيتهن عيون
ودانت لعلياك الرقاب تدينًا
…
به يا وحيدًا في الملوك
(2)
تدين
تولت أعاديك الهموم فأصبحوا
…
وجُلَّ مناهم في الحياة مَنون
وحاروا وجازوا من سُطاك وكلهم
…
بما كسبوا بالميل عنك
(3)
رهين
لقد دان عال في الظنون مهابةً
…
أبَا
(4)
الفتح لما أن دَنَوت ودون
أيا ملكًا قد مكن الله ملكه
…
وأضحى به الحق المبين مبين
ليهن الورى أَن عُدْت للملك سالمًا
…
تُجمله منك العُلا وتزين
أضاءت بك الدنيا وأمست
…
وربعها بسلطانك العالى الرواق يصون
(5)
وفيها بلغ النيل
(6)
.
وفيها: حج بالناس شمس الدين إلْدِكْز السلحدار أميرا على الركب المصري، ولم يحج أحدا من الشام بسبب التخبيط في الدولة.
(1)
القدر الجليل: في كنز الدرر 9/ 190.
(2)
في الزمان: في كنز الدرر.
(3)
عاد: في كنز الدرر.
(4)
أتى: في كنز الدرر.
(5)
هذا البيت سقط من كنز الدرر.
(6)
تأخرت الزيادة إلى أن دخل شهر مسرى. . . وكان مبلغ الزيادة في هذه السنة ست عشرة ذراعًا وإصبعين: في النجوم الزاهرة 8/ 282، وينظر بدائع الزهور 1/ ق 1/ 424.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
• الخطيب ناصر الدين أحمد
(1)
بن الخطيب بدر الدين يحيى بن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، خطيب جامع العقيبة
(2)
.
مات بداره في دمشق، يوم الأربعاء نصف المحرم، ودفن عند والده بباب الصغير، وباشر بعده ولده بدر الدين [محمد]
(3)
الخطابة.
• قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد عبد الغني
(4)
بن يحيى بن [محمد بن]
(5)
عبد الله ابن نصر ابن أبي بكر الحراني الحنبلي.
ولد بحران سنة خمس وأربعين وستمائة، وسمع الحديث، وقدم مصر، فباشر نظر الخزانة وتدريس الصالحية ثم أضيف إليه القضاء
(6)
، وكان مشكور السيرة.
توفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين
(7)
من ربيع الأول، ودفن بالقرافة، وولي بعده سعد الدين الحارثي
(8)
.
(1)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 3/ 411 رقم 998، الوافي بالوفيات 8/ 251 رقم 3691، البداية والنهاية 18/ 98، الدرر الكامنة 1/ 352 رقم 727.
(2)
جامع العقيبة بدمشق: ينظر الدارس 2/ 428.
(3)
إضافة للتوضيح من تاريخ البرزالى.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 416 رقم 1005، الوافي بالوفيات 19/ 35 رقم 28، أعيان العصر 3/ 113 رقم 1005، تذكرة النبيه 2/ 27، الدرر الكامنة 2/ 498 رقم 2463، النجوم الزاهرة 8/ 278، المنهل الصافي 7/ 318 رقم 1455.
(5)
إضافة من البداية والنهاية.
(6)
تولى قضاء الحنابلة بمصر يوم السبت سادس عشر ربيع الأول سنة ست وتسعين وستمائة: في أعيان العصر 3/ 114.
(7)
رابع عشر: في تاريخ البرزالي، والبداية والنهاية.
(8)
هو: مسعود بن أحمد بن مسعود بن زياد الحارثي، المتوفى سنة 711 هـ/ 1311 م، ينظر ما يلى.
• الشيخ نجم الدين أيوب
(1)
بن سليمان بن مظفر المصري، المعروف بمؤذن النجيبي
(2)
.
كان رئيس المؤذنين
(3)
بجامع دمشق، ونقيب الخطباء، وكان حسن الشكل، رفيع الصوت، استمر في ذلك نحوًا من خمسين سنة إلى أن توفي مستهل جمادى الأولى، ودفن بسفح قاسيون، ومولده سنة عشرين وستمائة.
• الشيخ شهاب الدين أحمد
(4)
بن محمد بن أبي المكارم بن نصر بن الأصفهاني، رئيس المؤذنين بالجامع.
ولد سنة ثلاثين
(5)
وستمائة، وسمع الحديث، وباشر وظيفة الآذان من سنة خمس وأربعين إلى أن توفي ليلة الثلاثاء خامس ذي القعدة، ودفن بباب الصغير، رحمه الله.
• الشيخ العارف تاج الدين أبو الفضل أحمد
(6)
بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء السكندري المالكي، الصوفي، الواعظ المُذَكِّر.
كان رجلًا صالحًا فاضلًا، يتكلم على الناس - على كرسي - بكلام حسن، وله ذوق
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 418 رقم 1012، الوافي بالوفيات 10/ 47 رقم 4487، أعيان العصر 1/ 673 رقم 381، البداية والنهاية 18/ 99، الدرر الكامنة 1/ 463 رقم 1139، المنهل الصافي 3/ 226 رقم 632.
(2)
نسبة إلى المدرسة النجيبية بدمشق: ينظر خطط الشام 6/ 86، الدارس 1/ 468.
(3)
بالجامع، ولد سنة ثلاثين وستمائة، وسمع الحديث وباشر: في الأصل ومشطوب عليها، وهي سبق نظر من الناسخ، ينظر ما يلي.
(4)
وله أيضًا ترجمة: في تاريخ البرزالي 3/ 446 رقم 1069، البداية والنهاية 18/ 100.
(5)
اثنتين: في البداية والنهاية.
(6)
وله أيضًا: ترجمة في تاريخ البرزالي 3/ 425 رقم 1029، نهاية الأرب 32/ 160، كنز الدرر 9/ 206، الوافي بالوفيات 8/ 57 رقم 3471، أعيان العصر 1/ 345 رقم 177، الدرر الكامنة 1/ 290 رقم 700، النجوم الزاهرة 8/ 280، المنهل الصافي 2/ 120 رقم 275.
ومعرفة بكلام أرباب الطريق والسلف، وله في ذلك اليد الطولى، وله مصنفات
(1)
ونظم ونثر كثير.
مات بالقاهرة في
(2)
جمادى الأخرى، ودفن بالقرافة، وكانت جنازته حفلة، حضرها جمع كثير.
ومن نظمه:
أيا صاح إن الركب قد سار مسرعًا
…
ونحن قعود ما الذي أنت صانع
أترضى بأن يبقى الخلف بعدهم
…
صريع الأماني والغرام ينازع
وهذا لسان الكون ينطق جهرة
…
بأن جميع الكائنات قواطع
فقم وانظر الأكوان فالنور غَمرها
…
ففجر التداني نحوك اليوم طالع
وكن عبده والق القياد لحكمه
…
وإياك تدبير فما هو نافع
أتحكم تدبيرًا وغيرك حاكم
…
أأنت الأحكام الإله تنازع
على نفسه فليبك من كان طالبًا
…
أو ما لمعت ممن يحب ملامع
على نفسه فليبك من كان باكيا
…
أيذهب وقت وهو باللهو ضائع
(1)
ينظر هدية العارفين 1/ 103.
(2)
في حادي عشر: في أعيان العصر 1/ 36.
• القاضي عز الدين عبد العزيز
(1)
بن القاضي شرف الدين محمد بن فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد القيسراني، أحد كتاب الدرج، والمدرس بالفخرية
(2)
.
مات في الثامن من صفر
(3)
بالقاهرة، ودفن عند والده بالقرافة.
كان من أعيان الموقعين، هو وأبوه وجده، ومات وله دون الأربعين سنة، واشتغل بالفقه، وسمع الحديث، وكان مشكور السيرة، قاضيًا لحوائج الناس، وله نظم ونثر.
ومن نظمه ما كتبه إلى الشيخ إبراهيم بن الرفاعي، عند توجهه من الديار المصرية إلى العراق، وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وستمائة، وهو:
إن فرق الدهر ما بيني وبينكم
…
بالرغم منى فقلبي معكم ساري
وإن ترحلت عني فذكركم أُنسى
…
وكل أحاديثي وأسماري
وما تذكرت أوقاتى بقربكم
…
إلا وغَرَّق طرفي مدمعي الجاري
والصبر قد غاض والأشواق فائضة
…
وقد أراق فؤادي حرَّ أفكاري
فارحم، فديتك، عبدًا مِنْ تحرقه
…
عليكم صارفي وهج من النار
وسر على خيرة الرحمن في دعة
…
بحيث سرت فأنت الكوكب الساري
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 414 رقم 1003، نهاية الأرب 32/ 160، أعيان العصر 3/ 103 رقم 991، تذكرة النبيه 2/ 25، الدرر الكامنة 2/ 492 رقم 2447، النجوم الزاهرة 8/ 280، المنهل الصافي 7/ 285 رقم 1437.
(2)
المدرسة الفخرية بالقاهرة: فيما بين سويقة الصاحب ودرب العداس، أنشأها الأمير فخر الدين عثمان بن قزل أستاذ دار الملك الكامل محمد، سنة 622 هـ/ 1225 م، ينظر المواعظ والاعتبار المجلد الرابع 466.
(3)
في يوم الخميس العاشر من صفر: في تاريخ البرزالي.
وكتب في صدر كتاب:
فلو أن لي وقتًا أبث صبابتي
…
وشوقى إلى رؤياك كنت بثثته
ولكن يضيق الوقت والطرس دون أن
…
أبثَ غرامًا في هواك ورثته
وكتب أيضًا جواب كتاب:
جاء الكتاب ومن سواد مداده
…
مسكٌ ومن قرطاسه الأنوارُ
فتشرف الوادي به وتعطرت
…
أرجاؤه وأنارت الأقطارُ
(1)
وقال: وقد قصد بعض بني الدنيا في حاجة وعَلَّق آماله به فلم ينجح، فتحقق أن سبب الحرمان تعلق آماله بغير الله تعالى، فعمل هذه الأبيات، فقُضيت حاجته من غير مسألة:
من طلب الحاجات
(2)
من عند
…
من يطعمه الله ويسقيه
يكون قد ضَلَّ عن
(3)
سبيل الهدى
…
وحاد عن نيل أمانيه
لأن من يعجز عن نفسه يعجز
…
عن أرزاق راجيه
فاطلب من الله وكن واثقًا
…
بالله في أمرك يكفيه
وقطع الأطماع من غيره
…
واسأله مهما شئت يقضيه
شتان ما بين فتى حائر
…
في رزقه من أين يأتيه
(1)
ينظر النجوم الزاهرة 8/ 281.
(2)
الأرزاق: في أعيان العصر 3/ 104، الدرر الكامنة 2/ 493.
(3)
عن: سقط من أعيان العصر، الدرر الكامنة.
وبين رب قادر قاهر
…
يقول كن في الأمر يمضيه
وهو إذا أعطى فلا مانع
…
مَنْ ذا الذي يمنع معطيه
• بهاء الدين عبد الله
(1)
بن الصدر نجم الدين أحمد بن على بن المظفر، المعروف بابن الحلى، ناظر ديوان الجيش المنصور.
مات في هذه السنة
(2)
، واستقر عوضه القاضي فخر الدين
(3)
صاحب [ديوان الجيش]
(4)
، رحمه الله
• الشيخ العلامة أبو الفتح محمد
(5)
بن الشيخ أبي الفضل بن أبي على الحنبلي البعلبكي، النحوي.
مات بالقاهرة
(6)
بالمدرسة المنصورية، ودفن بمقبرة الحافظ عبد الغني القدسي بالقرافة.
وكان قد حضر من دمشق إلى القدس، ثم توجه من القدس إلى القاهرة، فأقام بها أيام قلائل ومات.
وكان عالمًا مفتيًا محدثًا، وله يد طولى في النحو، وله تصانيف
(7)
منها: شرح
(1)
وله أيضًا ترجمة في: كنز الدرر 9/ 205، تاريخ البرزالي 3/ 444 رقم 1063، أعيان العصر 2/ 657 رقم 858، المقفى الكبير 4/ 450 رقم 1517، الدرر الكامنة 2/ 245 رقم 2114، النجوم الزاهرة 8/ 281.
(2)
ليلة الجمعة عاشر شوال: في تاريخ البرزالي 1/ 444، أعيان العصر.
(3)
هو: محمد بن فضل الله، القاضي الرئيس فخر الدين ناظر الجيوش بالديار المصرية، توفي سنة 732 هـ/ 1331 م، ينظر السلوك 2/ 354، الوافي بالوفيات 4/ 335 رقم 1890، الدرر الكامنة 4/ 255 رقم 4225، المنهل الصافي 10/ 263 رقم 2322.
(4)
الديوان: في الأصل، والتصويب والإضافة من النجوم الزاهرة 8/ 281 للتوضيح، وورج: كاتب المماليك: في أعيان العصر.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 412 رقم 1000، السلوك 2/ 84 وفيه: ابن أبي الفتح البعلبكي، وينظر أيضًا تذكرة النبيه 2/ 21، بغية الوعاة 1/ 207 رقم 365.
(6)
ليلة السبت. . المسفر صباحها عن ثامن عشر المحرم: في تاريخ البرزالي 1/ 412.
(7)
ينظر هدية العارفين 2/ 141.
الجرجانية للشيخ عبد القاهر
(1)
وغيره، ومولده في سنة خمس وأربعين وستمائة، وموته في ثامن عشر المحرم.
• الشيخ الصالح موفق الدين يوسف
(2)
الخلخالى، إمام الخانقاه السميساطية
(3)
.
مات في الثامن والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بمقابر الصوفية، وقد قارب الثمانين.
وكان رجلًا صالحًا حسن الطريقة، تصدق بجميع ما يملكه، ووهب ثيابه.
• القاضي نبيه الدين الحسن
(4)
بن نصر الأسعردي
(5)
، محتسب القاهرة.
مات في هذه السنة
(6)
، وكان قد ولى نظر الدواوين
(7)
لما تولى ضياء الدين النشائي الوزارة.
• التاج
(8)
بن سعيد الدولة، مشير الدولة.
مات في هذه السنة، وكانت له مكانة عند المظفر.
(1)
هو عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، الأديب النحوي، المتوفي سنة 474 هـ/ 1081 م، والجرجانية هي: جمل في النحو، ينظر هدية العارفين 1/ 606.
(2)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 3/ 421 رقم 1019.
(3)
الخانقاه السميساطية بدمشق: نسبة للسميساطي أبي القاسم علي بن محمد بن يحيى السلمى الحبشي، من أكابر الرؤساء بدمشق والذي توفي سنة 453 هـ/ 1061 م بدمشق ودفن بداره بباب الناطفانيين التي وقفها على فقراء الصوفية، ينظر الدارس 2/ 151.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 423 رقم 1023، نهاية الأرب 32/ 160، أعيان العصر 2/ 255 رقم 587، الدرر الكامنة 2/ 133 رقم 1573، السلوك 2/ 84، وفيه: حسن بن حسين بن جبريل بن نصر الأنصاري الإسعردي.
(5)
الأسعدي: في أعيان العصر.
(6)
في مستهل جمادى الآخرة: في تاريخ البرزالي 3/ 423، وورد: سنة 710 هـ: في الدرر الكامنة.
(7)
الديوان الدواوين: في الأصل، ومشطوب على كلمة الديوان، وورد: نظر الدولة: في السلوك 2/ 84.
(8)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 428 رقم 1030، كنز الدرر 9/ 206، البداية والنهاية 18/ 99، تذكرة النبيه 2/ 27، وفيه: تاج الدين أحمد بن سعيد الدولة، السلوك 2/ 85، الدرر الكامنة 2/ 50 رقم 1402.
عرضت عليه الوزارة فامتنع والتجأ إلى زاوية الشيخ نصر
(1)
المنبجي.
وكانت له حرمة أكثر من حرمة الوزير، وكلمته أنفذ من كلمته، وكان لا يقبل لأحد هدية، ولا يخالط أحدًا، وولي مكانة ابن أخيه
(2)
كريم الدين عبد الكريم
(3)
ابن العلم هبة الله ابن السديد.
• شهاب الدين أحمد
(4)
بن عبد الله بن جبريل، الموقع.
مات في هذه السنة
(5)
، ودفن بالقرافة.
وكان يسكن بحارة زويلة، وكان كاتب درج من الدولة المعزية، وهو والد صلاح الدين بن عبد الله، وكان قد أضر ولزم بيته، وله نظم حسن فمنه:
كلفى بمعسول المراشف قد حمى
…
مغسول ريقته بقد غاسل
نشوان من خمر الدلال فقد
…
غصن وقد هاجت عليه بلابلى
ويهزه مرج الشباب فينثنى
…
فيها كمثل الشارب المتمايل
مذجن فيه العاشقون صَبَابة
…
قد قُيدوا من شعره بسلاسل
• الشهاب غازي
(6)
بن عبد الرحمن بن محمد، الكاتب المجود.
(1)
زاوية الشيخ نصر: خارج باب النصر من القاهرة، أنشأها الشيخ نصر بن سليمان أبو الفتح المنبجي، الناسك، المتوفى سنة 719 هـ/ 1319 م، المواعظ والاعتبار المجلد الرابع 810 - 811.
(2)
أخته: في البداية والنهاية.
(3)
هو: عبد الكريم بن هبة الله بن السديد، المعروف بكريم الدين الكبير، والمتوفي سنة 724 هـ/ 1323 م، الدرر الكامنة 3/ 15 رقم 2491، المنهل الصافي 7/ 345 رقم 1475.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالى 3/ 440 رقم 1058، أعيان العصر 1/ 282 رقم 137.
(5)
سحر يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من رمضان: في تاريخ البرزالي.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 443 رقم 1061، أعيان النصر 4/ 20 رقم 1328، الدرر الكامنة 3/ 295 رقم 3137.
مات
(1)
بالعزيزية، ودفن بباب الفراديس، وقد جاوز الثمانين.
كتب بالعزيزية نحو خمسين سنة، وكان قد كتب على الجمال بن النجار
(2)
الكاتب، وانتفع به أهل دمشق، وكتب عليه أولاد الرؤساء.
• الشيخ الصالح أحمد
(3)
بن عبد الله الجوالقي.
مات
(4)
بزاويته بسفح قاسيون بقرب الرباط الناصري، ودفن بزاويته، وكان قد جاوز المائة.
وكان يحلق ذقنه، فاستنابه الشيخ شمس الدين
(5)
شيخ الجبل في سنة إحدى وخمسين وستمائة حين حج معه في تلك السنة.
• الشيخ نجم الدين أبو عبد الله محمد
(6)
بن محمد بن العنبري، الواعظ المشهور.
مات بالقاهرة
(7)
، ودفن خارج باب النصر.
اشتغل بالوعظ على الشيخ عز الدين بن غانم المقدسي، وفاق أهل زمانه، وكان حسن الصوت، ويحفظ أشياء مليحة.
(1)
ليلة الثلاثاء رابع عشر شوال: في تاريخ البرزالي.
(2)
هو: إبراهيم بن سليمان بن حمزة القرشي الدمشقي جمال الدين بن النجار المتوفي سنة 651 هـ/ 1253 م، الوافي بالوفيات 5/ 256 رقم 2436، عقد الجمان 1/ 82، المنهل الصافي 1/ 65 رقم 29.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 447 رقم 1070.
(4)
ليلة السبت تاسع ذي القعدة: في تاريخ البرزالي.
(5)
الشيخ جلال الدين عبد الرحمن: في تاريخ البرزالي.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 431 رقم 1043.
(7)
يوم الخميس سادس شعبان: في تاريخ البرزالي.
• الأديب إبراهيم
(1)
بن على بن خليل الحراني، المعروف بعين بصل.
كان شيخًا حائكًا، أناف على الثمانين، وكان عاميًا مطبوعًا.
قصده قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان واستنشده من شعره، قال: أما القديم فلا يليق، وأما نظم الوقت الحاضر فنعم، فأنشده:
وما كل وقت فيه يسمح خاطرى
…
بنظم قريض رائق
(2)
اللفظ والمعنى
وهل يقتضي الشرع [الشريف]
(3)
تيممًا
…
بترب وهذا البحر يا صاحبي معنا
ويروى أن ابن خلكان، قال له: إذ ذاك: أنت عين بصر لا عين بصل.
وله لغز في الشبكة والسمك:
كم كبسنا بيتًا لكي نمسك السـ
…
ـكان منه في سائر الأوقات
فمسكنا السكان وانهزم البيـ
…
ــت لدينا خوفًا من الطاقات
وله أيضًا:
جسمى
(4)
بسقم جفونه قد أسقما
…
ريم بسهم لحاظه قلبى رمى
كالرمح معتدل القوام مهفهف
…
مر الجفا لكنه حلو اللمى
(1)
وله أيضًا ترجمة في: الوافي بالوفيات 6/ 70 رقم 2510، أعيان العصر 1/ 93 رقم 34، فوات الوفيات 1/ 35 رقم 10، تذكرة النبيه 2/ 23، الدرر الكامنة 1/ 45 رقم 111، النجوم الزاهرة 8/ 281، المنهل الصافي 1/ 120 رقم 55.
(2)
فائق: في أعيان العصر.
(3)
إضافة من أعيان العصر، النجوم الزاهرة 8/ 282.
(4)
جفني: في المنهل الصافي 1/ 121.
رشأ أحلّ دمى الحرام وقد رأى
…
في شرعه وصل
(1)
الحلال محرمًا
عن ورد وجنته وآس
(2)
عذاره
…
وبسيف نرجس طرفه الساجي حما
عاتبته فقسا، وفيت فخاننى
…
قربته فنأى، بكيت تبسمًا
حكمته في مهجتى
(3)
وحشاشتى
…
فجنى
(4)
وصال عَلَىَّ حين تحكما
يا ذا الذي فاق الغصون بقده
…
وسما بطلعته على قمر السما
رفقًا بمن لولا جمالك لم يكن
…
خلف الصبابة والغرام متيما
أنسيت أيامًا مضت ولياليا
…
سلفت وعشنا بالصريم تصرما
إذ نحن لا نخشى الرقيب ولا نخف
…
صرف الزمان ولا نطيع اللوما
والعيش غض والحواسد نُوَّم
…
عنا وعين البين قد كحلت عَمَى
في روضة أبدت تغور زهورها
…
لما بكى فيها العام تبسما
مد الربيع على الخمائل نوره
…
فيها فأصبح كالخيام مخيمًا
يبدو الأقاحى مثل ثغر مهفهف
…
أضحى المحب به كثيبًا مغرمًا
وعيون نرجسها كأعين غادة
…
ترنو فترمى باللواحظ
(5)
أسهما
والطير يصدح في فروع غصونها
…
سحرًا فيوقظ بالهديل النُّوما
(1)
الوصل: في أعيان العصر 1/ 95، المنهل الصافي.
(2)
بآسى: في الوافي بالوفيات.
(3)
مجهتي: في الأصل، وهو تصحيف.
(4)
فجفا: في المنهل الصافي.
(5)
باللحواحظ: في الأصل، وهو تصحيف.
والراح في راح الحبيب يديرها
…
في فتية نظروا المسرة مغنمًا
فَسُقَاتنا تحكى البدور وراحُنَا
…
تحكى الشموس ونحن نحكى الأنجمَا
(1)
وقال في مليح الثغ:
يقول وقد كررت تقبيل ثغره
…
بلثغته بُثى أخذتَ منافثى
ثكرت بحثرة الخندريث
…
وكأثنا المحث وثكرى قد أثار وثاوثي
وقال أيضًا:
عن ند نكهته وخمرة سلسله
…
نقل الصبا خبر العبير مسلسلة
قمر له الطرف المسهد ناقل
…
لكن له قلبي المعذب منزله
وسنان وسنان الجفون من الكرى
…
في سمهرى قوامه ما أعدله
ما سل سيف الفنج من لحظاته
…
إلا وأغمدت في حشاي منصله
إن ماس أزرى بالقضيب
…
وإن بدا للبدر في ليل الغلائل أخجله
كالمشترى لونا ولكن وصفه
…
كعطارد وذؤابتاه سنبله
مستكمل الإيضاح من لمع الهوى
…
ومحصل [الأخبار]
(2)
عندي مجمله
لا تسألن سواى عن طرق الهوى
…
فعلى أهل العشق فيه معوله
قال العذول وقد شغفت بحبه
…
عجبًا لمن كأس المنون يذله
أنا قد رضيت بأن أموت صبابة
…
هذا العذول عليكم مالى وله
(1)
ينظر الوافي بالوفيات 6/ 70 - 72، أعيان العصر 1/ 95 - 96.
(2)
الأخبا: في الأصل.
• مخلص
(1)
الرومي.
مات بقوص، وكان قد سير رسولًا إلى اليمن وعاد من عند صاحب اليمن، فلما وصل إلى مدينة قوص مات ودفن بها.
• الأمير عز الدين أيبك
(2)
الخازندار المنصوري.
كان من أكابر الأمراء المنصورية الأقدمين، توفي فيها بمصر، وانتقل خبزه إلى الأمير بيبرس الدوادار صاحب التاريخ.
قال بيبرس في تاريخه: فرأيت من الموافاة وحفظ العهد بعد الوفاة البر بولده، فنزلت له من العدة عن عشرة طواشية، فكُتبَ له بها، واستقرت باسمه
(3)
.
• الأمير سيف الدين طغريل
(4)
الإيغاني السلحدار، أحد المقدمين بالديار المصرية، مات فيها
(5)
.
• الأمير علاء الدين على
(6)
بن الأمير معين الدين سليمان البرواناه، نائب دار العدل الشريف.
مات في هذه السنة، واعترف بأن له ولدًا ذكرا مقيمًا بقلعة سنوب ببلد الروم اسمه مسعود، وكانت وقد وصلت أخته من البلاد لتشاهده قبل الوفاة، فوصلت وشاهدته ميتًا.
(1)
مخلص: مكتوبة فوق "وله"، في الأصل، ولم نعثر له على ترجمة في المصادر المتداولة.
(2)
وله أيضًا ترجمة في: كنز الدرر 9/ 205، المقفي الكبير 2/ 327 رقم 862، السلوك 2/ 84، الدرر الكامنة 1/ 452 رقم 1110، النجوم الزاهرة 8/ 279.
(3)
لم يرد هذا النص في المطبوع في كل من زبدة الفكرة، والتحفة الملوكية.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: السلوك 2/ 84، النجوم الزاهرة 8/ 278.
(5)
في عاشر رمضان: في السلوك.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: الدرر الكامنة 3/ 123 رقم 2746، المنهل الصافي 8/ 80 رقم 1589.
• الأمير الكبير شمس الدين سنقر
(1)
الأعسر المنصوري.
مات في جمادى الأولى منها، وكان قد ولى الوزارة بمصر مع شد الدواوين، وباشر الشد بالشام مرات، وله دار وبستان [بدمشق]
(2)
مشهوران به، مات بمصر، ودفن بتربته خارج باب النصر.
وأصله مملوك الأمير [عز الدين]
(3)
أيدمر الظاهري نائب دمشق وكان دواداره، فلما مسك أستاذه توصل إلى الأمير حسام الدين طرنطاي وخدمه، فأوصله إلى الملك المنصور، فاشتراه من أستاذه وهو في الحبس، وجعله نائب أستاذ الدار، فنهض في ذلك وقام به أتم قيام، ثم تولى شد الدواوين، عوضًا عن الأمير علم الدين سنجر الدواداري، وأعطى إمرة وبسط يده، ولم يجعل لنائب دمشق عليه حكم، واستمر مدة أيام المنصور.
فلما تولى الأشرف نكبه، فتوصل وتزوج بابنة الوزير شمس الدين بن سلعوس، فأصلح حاله مع الأشرف وأعاده إلى الشد، وبقى إلى آخر دولة العادل كتبغا، فعزله عند سفره إلى الديار المصرية واستصحبه معه، فوافق المنصور لاجين على كتبغا، فلما تم الأمر للاجين استوزره، ثم قبض عليه وحبسه، فلما قتل لاجين أخرج من محبسه وأعيد إلى الوزارة، فلم يزل فيها إلى سنة إحدى وسبعمائة، فعزل عن الوزارة بالأمير عز الدين [أيبك]
(4)
البغدادي، ثم استقر مقدم ألف.
(1)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 3/ 419 رقم 1015، نهاية الأرب 32/ 162، البداية والنهاية 18/ 99، الوافي بالوفيات 15/ 497 رقم 659، أعيان العصر 2/ 478 رقم 715، تذكرة النبيه 2/ 24، السلوك 2/ 84، الدرر الكامنة 2/ 273 رقم 1905، النجوم الزاهرة 8/ 278، المنهل الصافي 6/ 96 رقم 1124.
(2)
إضافة من البداية والنهاية للتوضيح.
(3)
شمس الدين: في الأصل، والتصويب من أعيان العصر 2/ 478، وتوفي الأمير عز الدين سنة 700 هـ/ 1300 م، ينظر ما سبق بعقد الجمان 4/ 154.
(4)
إضافة من أعيان العصر للتوضيح.
وكان خبيرًا بالأمور، مهيبًا، ذا سطوة وهمة عالية، وكرم زائد، أوقف ببعلبك قرية للصدقات، وكان كثير الصدقة.
• الأمير جمال الدين أقوش
(1)
بن عبد الله الرستمي، شاد الدواوين بدمشق.
وولي قبل ذلك ولاية الولاة بالصقعة
(2)
القبلية، بعد الشريفي، وكانت له سطوة عظيمة.
توفي يوم الأحد الثاني
(3)
والعشرين من جمادى الأولى، ودفن في القبة التي بناها تجاه قبة الشيخ رسلان، وباشر بعده أقجبا
(4)
المنصورى شادا.
وفي بعض التواريخ: وكان صاحب سطوة، قيل: إنه شنق حمارًا دخل في زرع، وشنق ثلاثة من العرب على رغيف خبز، وكان شيخًا كبيرًا.
• الأمير شرف الدين قيران
(5)
بن عبد الله المنصوري، مشد الدواوين بدمشق.
مات في هذه السنة
(6)
ودفن بسفح قاسيون
وكان قد نكب بعد أن تولى الشد بدمشق، وجُعل أميرًا بحلب، ثم قُطع خبزه، وقدم دمشق، وكان عزمه التوجه إلى مصر، فأدركه أجله، فمات، رحمه الله.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 421 رقم 1021، البداية والنهاية 18/ 99، أعيان العصر 1/ 474 رقم 309، السلوك 2/ 85، الدرر الكامنة 1/ 426 رقم 1026، وفيه آقش الرسيمي.
(2)
بالصفقة: في البداية والنهاية.
(3)
الثامن: في تاريخ البرزالي، وأعيان العصر.
(4)
آقبجا المنصوري، شاد الدواوين بدمشق، ثم تنقل في النيابات، توفي سنة 710 هـ/ 1310 م، الدرر الكامنة 1/ 421 رقم 1012، وينظر ما يلي.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 417 رقم 1006، نهاية الأرب 32/ 163، أعيان العصر 4/ 141 رقم 1390، الدرر الكامنة 3/ 344 رقم 3284، السلوك 2/ 85.
(6)
يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر: في تاريخ البرزالي.
• الأمير جمال الدين أقوش
(1)
الرومي.
كان قد جرده المظفر لحفظ الطرقات، فقتله مماليكه بالنشاب، وقد ذكرناه مفصلًا.
• الأمير سيف الدين مقبل
(2)
بن جماز بن شيحه، صاحب المدينة النبوية.
قتل فيها في وقعة حرب بينه وبين كبيشه
(3)
ابن أخيه منصور
(4)
، واستقر منصور عوضه، وحضر برجس بن مقبل إلى الأبواب الشريفة مستصرخًا، فأرضى ببعض إقطاع أبيه، ورسم له باجتناب [النزاع]
(5)
وأن يقيم بالشام إخمادًا للفتنة.
• الأمير أبو يزيد
(6)
بن خربندا.
توفي فيها، فإن خربندا ولد له ولدان فسماهما بأسماء المشايخ لدخوله في الإسلام، سمي الواحد أبا يزيد والآخر بسطام.
• الأمير إيل بصار
(7)
بن [طقطاي]
(8)
بن منكوتمر.
توفي فيها حتف أنفه، وكن مرشحًا عند أبيه لتقدمة العساكر وتدبير الحروب وممارسة القتال، فالموت نقض ذلك كله.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 439 رقم 1051، نهاية الأرب 32/ 148، السلوك 2/ 63 - 64، المقفي الكبير 2/ 231 رقم 803، الدرر الكامنة 1/ 426، رقم 1027، النجوم الزاهرة 8/ 261.
(2)
وله أيضًا ترجمة في: الدرر الكامنة 5/ 125 رقم 4832، المنهل الصافي 11/ 261 رقم 2532.
(3)
هو: كبيش بن منصور بن جماز، الأمير بدر الدين، المتوفي سنة 728 هـ/ 1327 م، الدرر 3/ 348 رقم 3300.
(4)
هو: منصور بن جماز بن شيحة، الشريف ناصر الدين، المتوفي سنة 725 هـ/ 1324 م، تذكرة النبيه 2/ 159، المنهل الصافي 11/ 281 رقم 2547.
(5)
الفراغ: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: التحفة الملوكية 213، المنهل الصافي 12/ 361 رقم 2822.
(7)
وله أيضًا ترجمة في: التحفة الملوكية 213.
(8)
طقطا: في الأصل، والتصويب مما سبق
• السلطان محمد
(1)
بن يحيى - الواثق المخلوع - ابن محمد المستعين ابن الأمير أبي زكريا ابن عبد الواحد، صاحب تونس.
توفي فيها
(2)
، وتولى بعده أبو بكر بن عبد الرحمن، ابن عمه، وكان معوقًا بتونس محجوبًا، لا يمكنه التصرف في نفسه، لأن محمد بن يحيى المذكور كان يتخيل أن له ميلًا إلى السلطنة، فلما مات أخرجه أصحاب محمد من المكان الذي كان فيه وأجلسوه في الملك بتونس.
وكان أبو البقاء خالد بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن هبة الله، ابن عم محمد [في]
(3)
بجاية، وقد سار منها طالبًا تونس، فلما بلغه وفاة محمد بن يحيى المذكور سار مجدًا ودخل تونس، فوجد أبا بكر قد جلس وله ثمانية عشر يومًا منذ جلس، فقتله
(4)
، واستقر في مملكة تونس أبو البقا خالد
(5)
المذكور في ربيع [الآخر]
(6)
منها
• الأمير برلك
(7)
أخو الملك [طقطاي]
(8)
.
مات في هذه السنة.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: الوافي بالوفيات 5/ 204 رقم 2265، السلوك 2/ 85، الدرر الكامنة 5/ 56 رقم 4666، النجوم الزاهرة 8/ 279، المنهل الصافي 11/ 140 رقم 2441، تاريخ الدولتين 58، المؤنس 141، الحلل السندسية 1/ 1042.
(2)
في عاشر ربيع الآخر: في المؤنس 141، السلوك، 2/ 85.
(3)
من: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
قتل في السابع والعشرين من ربيع الآخر سنة 709 هـ. ينظر تاريخ الدولتين 59، المؤنس 142، الحلل السندسية 1/ 1047.
(5)
توفي بتونس قتيلًا سنة 711 هـ. ينظر تاريخ الدولتين 61.
(6)
الأول: في الأصل، والتصويب من تاريخ الدولتين 60، ويتفق مع تسلسل الأحداث.
(7)
وله أيضًا ترجمة في: التحفة الملوكية 213.
(8)
طقطا: في الأصل، والتصويب مما سبق.
• الأمير سيف الدين أبو بكر
(1)
بن أحمد بن [برق]
(2)
السُّنْبسي الدمشقي.
مات فيها
(3)
، ودفن بقاسيون، وكان من أبناء الثمانين، وولي عدة ولايات، وكان أمينًا، وكان أمير عشرة.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 431 رقم 1042، أعيان العصر 1/ 728 رقم 424، الدرر الكامنة 1/ 467 رقم 1154.
(2)
مري: في الأصل، والتصويب من مصادر الترجمة.
(3)
ليلة الثلاثاء رابع شعبان: في تاريخ البرزالي.
بسم الله الرحمن الرحيم
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة العاشرة بعد السبعمائة
(*)
استهلت هذه السنة وخليفة الوقت المستكفى بالله أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله العباسي.
وسلطان البلاد المصرية والشامية الملك الناصر محمد بن قلاوون.
ونائبه بمصر الأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار.
وقاضي القضاة الشافعية بدر الدين بن جماعة، وقاضي القضاة الحنفية شمس الدين محمد بن السروجي، وقاضي القضاة المالكية زين الدين بن مخلوف، وقاضي القضاة الحنبلية سعد الدين مسعود الحارثي.
والوزير فخر الدين بن الخليلي، وناظر الجيش فخر الدين كاتب المماليك.
ونائب الشام الأمير سيف الدين قراسنقر الجوكندار المنصوري، والقاضي الشافعي بها نجم [الدين]
(1)
بن صصرى، والقاضي الحنفي صدر الدين على البصراوي والقاضي المالكي جمال الدين محمد الزواوي، والقاضي الحنبلي تقي الدين سليمان.
ونائب حلب الأمير سيف الدين اسندمر الكرجي.
ونائب حماة عماد الدين إسماعيل بن الأفضل
(2)
.
ونائب حمص الأمير سيف الدين غرلو الزيني.
(*) يوافق أولها 31 مايو 1310 م
(1)
إضافة للتوضيح تتفق مع السياق.
(2)
وحماة بها الأمير سيف الدين قبجق إلى حين وفاته: في كنز الدرر 9/ 207، والصواب أن قبجق (قفجق) توفي أثناء نيابة حلب، ينظر ما يلي.
ونائب طرابلس والفتوحات الحاج بهادر.
ونائب صفد الأمير سيف الدين قطلوبك.
ونائب صرخد الأمير جمال الدين أقوش الأفرم.
ونائب الكرك الأمير سيف الدين أيتمش الناصري.
ونائب غزة الأمير سيف الدين [قطلقتمر]
(1)
السلحدار.
ونائب البيرة على الفرات الأمير سيف الدين طوغان.
وصاحب ماردين الملك المنصور نجم الدين ايل غازي بن المظفر قرا أرسلان بن السعيد بن الناصر ابن أرتق.
وصاحب اليمن هزبر الدين داوود بن الملك المظفر.
وصاحب مكة عز الدين حُميضة وأسد الدين رميثة أولاد السيد نجم الدين أبي نمي.
وصاحب المدينة النبوية ناصر الدين منصور [بن جماز]
(2)
بن عز الدين شيحة.
وصاحب إقليم دلي وكنبايت في الهند الملك المسعود
(3)
بن علاء الدين محمود.
وصاحب العراق وبلاد العجم وخراسان وديار بكر والروم الملك خرابندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكز خان.
(1)
اقطلقتمر: في الأصل والتصويب مما يلي.
(2)
إضافة للتوضيح من كنز الدرر 9/ 207.
(3)
هكذا بالأصل.
وورد: الملك المسعود علاء الدين سنجر، عتيق شمس الدين أيتمش، عتيق السلطان غياث الدين، وهو ملك دله بالهند، ينظر السلوك 1/ 916.
وورد: الملك المسعود ناصر الدين محمود بن علم الدين سنجر عتيق شمس الدين أيتمش مملوك شهاب الدين الغوري: في عقد الجمان 4/ 120.
وهو علاء الدين محمد شاه الأول من حكام الخلج أو الخلجيين، مؤسسو ثاني دولة إسلامية في الهند ويعتبر علاء الدين محمد شاه (695 - 716 هـ/ 1296 - 1316 م) ثالث حكامهم، ينظر تاريخ الدول الإسلامية 2/ 599، 605.
وصاحب ما وراء جيجون إلى بلاد خطاي التي أولها خان بالق ونهايتها المدينة العُظمى التي تسمى جنسار، الملك قيدو
(1)
بن قنجي بن طولو بن جنكز خان.
وصاحب الصين وبلادها شرمون
(2)
بن منغلاي بن قبلاي خان بن طولو بن جنكز خان.
وصاحب صحراء القفجاق التي كرسيها سراي، الملك طقطاي بن منكو تمر بن طغان بن باطو بن جنكز خان.
وصاحب ما وراء ذلك وهو البلاد المشرقية، مغنطاي
(3)
بن قنجي بن أردنو
(4)
بن دوشي خان بن جنكز خان.
وصاحب تونس وأفريقية من الغرب أبو البقاء خالد بن أبي زكريا بن أبي حفص.
وصاحب مراكش والمغرب الأقصى أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب بن عبد الحق بن حمامة المريني.
وصاحب الأندلس وكرسية غرناطه أبو الجيوش نصر [بن أحمد]
(5)
بن محمد بن الأحمر.
وصاحب تلمسان موسى
(6)
بن عثمان بن زيان بن يغمراسن.
وصاحب بلاد الحبشة الأمحرى النصراني.
وصاحب [كرجستان]
(7)
وكرسيه تفليس، الملك قسطنطين داود
(8)
بن سودان.
(1)
جبارا بن قيدو: في كنز الدرر 9/ 207.
(2)
قلاصاق بن شرمون: في كنز الدرر 9/ 207.
(3)
منغطاي: في كنز الدرر.
(4)
أردوا: في كنز الدرر.
(5)
إضافة للتوضيح من كنز الدرر 9/ 208.
(6)
موسى: سقط من كنز الدرر 9/ 207.
(7)
كرجستا: في الأصل والتصويب من التحفة الملوكية 221.
(8)
ابن داود: في التحفة الملوكية 221.
وصاحب قسطنطينية وهي اصطنبول الملك [أندرونيغوس الأشكري]
(1)
.
وصاحب برشونة الريد راكون البرشوني.
وصاحب افرنسه [الريد افرنس]
(2)
.
وصاحب سيس وبلادها أوشين الأرمني.
ذكر من قدم من الرسل وغيرهم
وفيها: وفد إلى الأبواب الشريفة منصور بين جماز صاحب المدينة، فقدم التقادم وشمله الإنعام بإعادة ما قطع من خبزه وأعطى لأخيه مقبل.
وفيها: وصل أيدغدى الشهروزي مملوك الأمير فراسنقر المنصوري هاربًا من سجن التتار بتبريز، وقد ذكرنا أنه كان قد أخذه بلرغو، مقدم التتار، من سيس لما قتل صاحبها وتوجه إلى الأردو، فسجن في تبريز إلى هذه السنة، فهرب وعاد إلى مصر
(3)
.
وفيها: في جمادى الأولى: حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير [حسام الدين مهنا بن]
(4)
عيسى بن مهنا أمير آل فضل، فأقبل السلطان عليه وشرفه وأحسن إليه.
وفيها في رجب: وصلت رسل الأشكري صاحب القسطنطينية إلى الأبواب الشريفة وصحبته رسل الكُرج يسألون إعادة الكنيسة المصلبة
(5)
التي بالقدس إليهم، وكان الشيخ
(1)
اندرو تعوس الأشكر: في الأصل والتصويب من التحفة الملوكية.
وهو: الإمبراطور أندرونيق الثاني 1282 - 1320 م.
(2)
الريدا فرش: في الأصل، والتصويب من التحفة الملوكية.
(3)
ينظر التحفة الملوكية 216.
(4)
شرف الدين: في الأصل وهو خطأ، حيث أن شرف الدين عيسى بن مهنا توفي سنة 683 هـ/ 1284 م، وولي بعده ابنه حسام الدين مهنا، ينظر التحفة الملوكية 216، تذكرة النبيه 1/ 90، السلوك، 2/ 78.
(5)
الكنيسة المصلبة: في دير المصلبة بظاهر القدس الشريف، التحفة الملوكية 221.
خضر
(1)
في الدولة الظاهرية انتزعها من أيديهم
(2)
، فأعيدت بمقتضى الفتاوى الشرعية، ووصلت أيضًا شفاعة الأشكري في إجراء أهل الذمة على عادتهم وفتح كنائسهم، فأجيب إلى بعض مقصده، وفتح لهم كنيستان للملكية بالقاهرة ومصر، وكنيسة للقبط بالقاهرة، وكنيسة لليهود بمصر، ورسم لهم بالركوب على الاستواء.
وفيها: ورد إسماعيل صاحب حماة إلى الأبواب الشريفة بتقادم هائلة، فأقبل السلطان عليه، وأمره بلحاق العسكر المجردين إلى سيس.
ذكر من أعطى إمرة أو وظيفة وقطع
وفيها: تولى سيف الدين بكتمر أمير آخور نيابة السلطنة بغزة، ثم بعد ذلك طلب إلى القاهرة وفوضت إليه الوزارة بديار مصر، عوضًا عن فخر الدين الخليلي الوزير، لأنه كان ذا فصاحة ودربة
(3)
.
وفي ليلة الاثنين السابع من صفر، وصل الصدر نجم الدين محمد
(4)
بن الشيخ فخر الدين عثمان البصراوي من مصر إلى الشام متوليًا الوزارة بها، ومعه توقيع بالحسبة لأخيه فخر الدين سليمان
(5)
، فباشر المذكوران المنصبين
(6)
.
(1)
هو: خضر بن أبي بكر محمد بن موسى، شيخ السلطان الملك الظاهر بيبرس، وقيل أنه توفي سنة 671 هـ/ 1272 م، في عقد الجمان 1/ 109 - 110، وورد أنه توفي سنة 676 هـ/ 1277 م، في المنهل الصافي 5/ 218 - 220 رقم 990.
(2)
ينظر ما ورد في حوادث 705 هـ، في عقد الجمان 4/ 378.
(3)
بنظر التحفة الملوكية 216.
(4)
توفي سنة 723 هـ/ 1323 م، الوافي بالوفيات 4/ 89 رقم 1557، أعيان العصر 4/ 560 رقم 1647، السلوك 2/ 252، وينظر الدرر الكامنة 4/ 165 رقم 3998 حيث رجح أن وفاة نجم الدين البصراوي سنة 714 هـ أو نحوها.
(5)
هو: سليمان بن عثمان، فخر الدين أبو القاسم البصراوي، توفي سنة 714 هـ/ 1314 م، أعيان العصر 2/ 448 رقم 720، الدرر الكامنة 2/ 253 رقم 1853، النجوم الزاهرة 9/ 228.
(6)
ينظر تاريخ البرزالي 3/ 458، البداية والنهاية 18/ 103.
وفيها: عزل القاضي شمس الدين محمد السروجي الحنفي عن منصب الحكم، وولي شمس الدين محمد الحريري الدمشقي على قضاء الحنفية بالديار المصرية.
وقال ابن كثير: وجاء البريد إلى الشام بطلب ابن الحريري لقضاء مصر، فسار في العشر الأول
(1)
من ربيع الأول، فلما قدم على السلطان أكرمه وعظمه وولاه قضاء الحنفية، وتدريس الناصرية والصالحية وجامع الحاكم، فمكث السروجي أيامًا ومات
(2)
، وعزل بعده القاضي بدر الدين بن جماعة عن قضاء الشافعية، وأقام معزولًا إلى أوان الحج، فتوجه إلى الحجاز، وولي بعده جمال الدين سليمان المعروف بالزرعي، وكان قبل توليته نائبًا عن ابن جماعة بالقاهرة.
وفيها: تصدق السلطان على عماد الدين إسماعيل بن الأفضل على بن محمود بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بأن فوض إليه نيابة حياة إحياء لبيته ورعاية لسلفه، عوضًا عن الأمير اسندمر الكرجي، ونقل اسندمر إلى نيابة حلب بحكم وفاة قفجق النائب بها
(3)
.
وفيها: انتقل الأمير جمال الدين أقوش الأفرم من صرخد إلى نيابة طرابلس، عوضًا عن الحاج بهادر.
وفيها: في خامس رمضان قدم فخر الدين إياس
(4)
نائب قلعة الروم إلى دمشق شاد الدواوين، عوضا عن كتبغا
(5)
.
وفيها: فوض لبكتمر الحاجب نيابة غزة، [عوضًا]
(6)
عن بلبان البدري، وتوجه إليها
(1)
في العشرين، في البداية والنهاية 18/ 103.
(2)
يراجع البداية والنهاية 18/ 103 حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
(3)
ينظر التحفة الملوكية 216.
(4)
هو: إياس، فخر الدين السلاح دار، كان أرمنيًا فأسلم على يد الناصر محمد، قتل سنة 750 هـ/ 1349 م، الدرر الكامنة 1/ 448 رقم 1093.
(5)
هو: كتبغا العادلي الحاجب زين الدين، ولي شد الدواوين والاستادارية وغير ذلك، توفي سنة 721 هـ/ 1320 م، الدرر الكامنة 3/ 350 رقم 3302.
(6)
إضافة للتوضيح، تتفق مع السياق.
في السابع عشر من المحرم، وكان بلبان تولاها عوضا عن قطلقتمر السلحدار.
ذكر قضية الأمير اسندمر كرجي نائب حلب
قال ابن كثير: وفيها، بلغ السلطان عن الأمير اسندمر كرجي أمر كرهه من الظلم والعسف، فجرد إليه كراي ومعه جماعة من الأمراء، وجرد من دمشق بهادر آص بجماعة، وجرد أيضًا من طرابلس جماعة، واجتمعوا كلهم على حمص، ثم توجهوا من حمص ليلة عيد النحر إلى حلب وأحاطوا بدار النيابة، وفيها اسندمر المذكور، فأغلق عليه الباب، ثم أُخرج فقُيد وحُمل إلى مصر
(1)
، [واحتيط]
(2)
على جميع موجوده، ثم اعتقل اسندمر بديار مصر قليلًا، ثم سير إلى اسكندرية، فاعتقل بها حتى مات
(3)
.
ولما مُسك اسندمر رسم السلطان للأمير قراسنقر بالتوجه إلى حلب حسب سؤاله، وكان نائب دمشق، كما ذكرنا، وتولى نيابة دمشق عوضًا [عنه]
(4)
الأمير سيف الدين كراي الذي جرد إلى حلب مع الأمراء المصريين لأجل مسك اسندمر كرجي، كما ذكرنا الآن.
وذكر بعض المؤرخين هذه الحكاية مفصلة
(5)
: وهي أن اسندمر لما ولى حلب وقراسنقر ولى الشام ظلما ظلمًا عظيمًا وبَالغَا فيه، وسنذكر بعض ظلم قراسنقر عن قريب، فكتب أهل الشام مطالعات إلى الديار المصرية يشكون من ظلم قراسنقر، حتى قيل: إن نهار واحد عُرضت على السلطان خمسون مطالعة، بل أكثر منها، كلها في قراسنقر واسندمر وفيها أمور كثيرة، وذكر في بعض المطالعات أن الناس كانوا يدعون إلى الله تعالى
(1)
في ثاني ذي الحجة: في البداية والنهاية 18/ 106.
(2)
واحتيطت: في الأصل.
(3)
ورد هذا الخبر مختصرًا في المطبوع من البداية والنهاية 18/ 106، وينظر ما ورد في التحفة الملوكية 223.
(4)
عن: في الأصل والتصويب من التحفة الملوكية 223، 227.
(5)
ينظر نهاية الأرب 32/ 169 - 170.
أن يرد الملك إلى مولانا السلطان ليعدل بين الناس ويردع الظلمة، فلا ملكهـ الله البلاد وولي هذين الظالمين اسندمر وقراسنقر، مع علمه بظلمهما وعسفهما، فإن كان قصد مولانا السلطان الظلم وأخذ أموالنا فهو طيب على قلوبنا لأنه سلطاننا وهو الحاكم علينا، فإش لاسندمر أو لقراسنقر معنا؟ فوالله إن هذا لأكبر الكبائر تؤخذ أموالنا ونقهر بين يدي الظلمة والسلطان ساكت فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، أنت الحاكم علينا ونحن رعيتك، وكل راع مسئول عن رعيته يوم القيامة، فوالله لقد جاءت الأعداء على الشام وما أخربوها هكذا، وقد عرفنا بحالنا معهما مرارًا عديدة ولا نرى لكلامنا تأثيرًا ولا نسمع [إلا]
(1)
مواعيد بالصبر فمتى هذا الوعد؟ ونحن كما قال الشاعر:
أطل علينا من حماك غمامة
…
محملة دهما وأبطى رشاشها
فلا غيمها يجلى فييأس طامع
…
ولا غيثها يهمي فيروي عطاشها
وإن كان هذا رضاك فلا بأس، فقد عاقب الله تعالى أناسًا قبلنا بأخذ أموالهم وقتل أولادهم ونسائهم وقد ذكرهم الله في القرآن بقوله:{يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}
(2)
، فنستعمل الصبر ونتوكل على الله تعالى، لأن الله تعالى قال وهو أصدق القائلين:{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ}
(3)
.
ونحن نخشى عليك من عاقبة الظلم لأنه ورد: أن الملك يدوم للكافر بالعدل ولا يدوم للمؤمن بالظلم، وفي المثل: من أعان ظالمًا بلى به، ونحن قد نبهناك، وليس فيما ذكرنا مصلحة لنا وحدنا، بل فيه مصلحة لنا ولمولانا السلطان، والتي للسلطان، أعظم من وجهين: الأول: فيه عمارة بلاده، والثاني: إشاعة ذكره بالعدل واستجلاب الدعاء لدولته
(1)
ولا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
جزء من الآية 49 من سورة البقرة رقم 2.
(3)
الآية 127 من سورة النحل رقم 16.
بالدوام، ومولانا السلطان ماله عذر يعتذر به بين يدي الله تعالى، لأنه تعالى قد ملكهـ نواصيهم وأذل له الظلمة.
فلما وقف السلطان على هذه المطالعات، قال: واحسرتى، قد خربت والله الشام، ودعت الناس علينا بعد أن كانوا يدعون لنا، وهؤلاء الأمراء الذين في الشام لو بعثت وراءهم بالطلب ما يُجيبون وربما يفسدون علىّ الأمر، وإن خليتهم أخربوا البلاد وأهلكوا العباد، ثم أنه طلب الأمير كراي
(1)
المنصوري والأمير سنقر [الكمالى]
(2)
، وكانا من أكبر مماليك والده الملك المنصور قلاوون، وقال لهما: إن الشام قد خربت، فقالا: أعوذ بالله، فأخرج المطالعات وأوقفهما عليها، ثم قال: هذا قراسنقر قد أخرب الشام، واسندمر قد أخرب حلب، وقطلوبك قد أخرب صفد، فإن [طلبتهم]
(3)
ما يحضرون وربما يفسدون الملك علىّ، وإن خرجت أنا إلى الشام فخروجي ما هو بهين.
فقال كراي: حرس الله الممالك ببقاء مولانا السلطان، فمولانا السلطان لا يحمل على قلبه شيئًا من هؤلاء اللئام، فالمصلحة في هذا الوقت أن ترسل إليهم الهدايا وتكتب إليهم تطمينًا لهم، لأن هذه الأيام شتاء والعدو المخذول مجاور للشام، فإذا جاء الربيع مجرد مولانا السلطان تجريدة والمملوك يخرج معهم ويحضرهم إليه محتاطًا عليهم يفعل فيهم مولانا السلطان برأيه.
فشكره السلطان وخلع عليه، وقال: هذا أمر ما اطلع عليه غيركم، فاخفوه إلى وقته، فخرجوا من عند السلطان.
(1)
هو: كراي المنصوري، الأمير سيف الدين، من مماليك السلطان قلاوون، وولي نيابة السلطنة بدمشق الأقل من نصف سنة، توفي في السجن سنة 719 هـ/ 1319 م، الوافي بالوفيات 24/ 331 رقم 356، الدرر الكامنة 3/ 352 رقم 3309، المنهل الصافي 9/ 123 رقم 1909.
(2)
الجمالي: في الأصل، والتصويب مما يلي
وهو: سنقر الكمالي، الأمير شمس الدين الحاجب، مات بمحبسه بالقلعة في ربيع الآخر 718 هـ/ 1318 م، السلوك 2/ 189، الدرر الكامنة 2/ 273 رقم 1903.
(3)
طبتهم: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
ثم طلب السلطان أمير على
(1)
بن الأمير قراسنقر، وكان مقيمًا في مصر، وقال له: تجهز فإني أرسلك إلى أبيك في الشام، فقال: سمعًا وطاعة، ثم أمر له بخُلعة سَنِيَّة وحياصة بجوهر تساوي ألف دينار وفرس بسرج ذهب وكنبوش زركش تساوي ألف دينار، وبألف دينار عين، وكتب معه كتابًا، وقال فيه:
إن الله تعالى مكننا في البلاد والعباد وأمرنا بالعدل والإحسان والنظر في حال الرعية، وقد بلغنا أن بلاد حوران قد خربت من كثرة الجبايات، وأنت تعلم أن بلاد حوران هي قوام دمشق وقوام جندها، وقد تقدم لك مرسوم منا بمسامحة أهل حوران من الجبايات، ومن كان فيها رأس فتنة أو بادي شر فقد أمرناك بقتله.
ثم اتصل بنا أن أجناد دمشق قد هلكوا من عدم تحصلهم منها، ولا سيما أرباب النقد، فهذا الذي جرى فيها سبب للخراب وزوال الدولة، والأجناد هم عهد الملك، ولا يتم الملك إلا بهم، فإذا كانوا على هذه الحالة فكيف يقيمون البيكارات
(2)
، وقد بلغنا أنكم قد جبيتم حقوق البلاد، فلا الأجناد أعطيتم ولا إلينا حملتم، فمقصودنا نعلم أن هذه الأموال وصلت إلى مَنْ؟ فتجعل بالك، وتكشف أحوال الجند وتوصل إليهم حقوقهم وتزيل ضروراتهم، وتقطع مادة الشكوى.
وإياك وأخذ أموال الناس بغير حق، فهذا لا يخفى علينا لأن من الشام من يطالعنا بذلك وبكل ما تعملونه، وقد بلغنا أنه جاء إليك جماعة من شياطين حلب ووليتهم أكثر أعمال دمشق، وكذا وليت مماليكك وظائف دمشق وبلادها وأعمالها، فالشاد الذي متولي من جهتنا ما يعمل إذا كان مماليكك يستغلون الجهات، فساعة وقوفك على هذا الكتاب تعزل مماليكك من الأعمال، وكذا تعزل الحلبيين وتحضر بأناس من أعيان الحلقة ومشايخها الذين يخافون على أعراضهم وتوليهم الجهات والأعمال وتكتب عليهم حججًا بأن يوصلوا إلى
(1)
هو: علي بن قراسنقر، الأمير علاء الدين، توفي سنة 748 هـ/ 1346 م الوافي بالوفيات 21/ 391 رقم 269، الدرر الكامنة 3/ 169 رقم 2844، المنهل الصافي 8/ 142 رقم 1628.
(2)
البيكار: لفظ فارسي معناه: الحرب عامة، ينظر صبح الأعشى 13/ 94، 97.
الأجناد حقوقهم، ولا تُوَلِّ أحدًا من شياطين الحلقة لأجل حمل الأموال إليك، أو تولي أحدًا بالبرطيل
(1)
فيفسد الدنيا، فإن لم تعملوا ما قلنا لكم كشفناه بنظر العين عند وصولنا إلى الشام ومع هذا أنت ما تحتاج إلى وصية مع علمك بالأشياء، فإن كان هؤلاء يعملون هذه المفاسد وأنت لا تعلم ولا يعلمك أحد فقد أعلمناك، وإن كنت تعلم ذلك فأزله، فإن الشام لا يحمل
(2)
هذا.
وأوصى للأمير على ابنه أيضًا بأشياء كثيرة مشافهة، وقال له: يا أمير على، ما لأحد مال مثل مال أبيك، فإن ماله أكثر من مال سلار في آخر عمره، ولا ينتهى عن الظلم، فباس أمير على الأرض وقال: يا مولانا السلطان أنا وأبي وماله، الجميع لمولانا السلطان، ثم قال السلطان: أنا ما أقول هذا حسدًا له ولا من ضيق العين، بل لأنه صار شيخًا كبيرًا، وكان الواجب عليه أن ينصحنا ويقول لنا مثل الذي قلنا له.
ثم إنه كتب كتابًا آخر إلى الأمير اسندمر كرجي، نائب حلب وكتابًا آخر للأمير سيف الدين قطلوبك نائب صفد.
ثم سافر ابن قراسنقر، ولما وصل إلى أبيه وناوله كتاب السلطان فقرأه صعب عليه جدًا، وقامت أخلاقه، وقال: أستحق منه أن يكتب إلى بأبخس من هذا وقد سلمت إليه الملك من بعد خروجه من يده، وطلبت أمراء مصر والشام أن يحلفوا لي فما رضيت، فقلت لهم: إن ابن أستاذنا أحق بها، فهذا جزائي منه أن يكتب لي كتابًا مثل هذا، فقال له ابنه: لا تتكلم بمثل هذا الكلام قدام [أحد]
(3)
، ما يحصل منه خير، فأنت تعلم ما جرى على غيرك.
ثم إنه أخرج الخلعة والحياصة وقدم الفرس والألف دينار، فقال قراسنقر: لا بهذه ولا
(1)
البرطيل - البراطيل: الرشوة، محيط المحيط، وينظر كتاب البذل والبرطلة زمن سلاطين المماليك للدكتور أحمد عبد الرازق أحمد.
(2)
لا يحمله: في الأصل، ومصححه.
(3)
إضافة للتوضيح.
بهذا الكتاب، والله، أنا خائف من هذا، فقال له ابنه: خل عنك هذا، والله، ما عند السلطان أحد أكبر منك، وما كتب لك هذا الكتاب إلا [لتعدل]
(1)
حتى يظهر لك عدل وخير في البلاد، وأيضًا عَرَّفك أن له عيونًا في دمشق يعرفونه بما تفعل أنت وغيرك.
وكذلك [وصل]
(2)
من السلطان إلى اسندمر نائب حلب كتبا مثل هذا مع خلعة مكملة وفرس.
فلما قرأ اسندمر الكتاب رمى الخلعة واغتاظ غيظًا عظيمًا وشتم البريدى، وقال له: قل له سلم بلدك إلى غيري، ولولا أنا ما كان يملك كن
(3)
دجاج، وأنا أقدر أن أزيل السلطنة عنه إن لم يقعد وهو عاقل، فقالت له مماليكهـ: اش هذا الكلام الذي لا يرضى به الجهال؟ فأخرجوا البريدي من بين يديه، وقالوا له: إن به مرضًا يتحرك عليه في بعض الأوقات، فأنزل أنت في مكان واسترح إلى أن يزول هذا المرض عنه، ثم أنزلوه في موضع، ثم جاءوا إلى اسندمر وقالوا: اش هذا الكلام الشنع؟ والله، الذي دخل [مارد فيه]
(4)
ما يتكلم بهذا الكلام، فقال: والله، ما بقى إلا أن أسير إلى خرابندا، فإن كان قفجق ما أخرب البلاد فأنا أخربها وأنظر من يندم أنا أو الملك الناصر، فقالت مماليكهـ: اترك هذا الكلام، فقال: لا، هذا هو الصواب، وإلا اعمل هكذا وإلا رحت مثل ما راح سلار وغيره، فقالوا له: لا تستعجل فنحن في أطراف البلاد، فإذا سمعنا بأن السلطان قد توجه إلى الشام لأجل العدو المجاور لنا، فقد علمنا أنه لأجلك، فيحتج عليك بالعدو، ففي ذلك الوقت ندبر ما يكون فيه الخيرة والصلاح، والسلطان ما كتب إليك وحدك، وقد كتب مثل هذا، بل أنجس من هذا، إلى الأمير قرا سنقر نائب الشام، وهو لم يتغير بذلك، فلا تخرب بيتك بيدك ويشمت بك أعداؤك وحسادك، فاطلب الساعة البريدي عندك، واخلع عليه، وقل له: جئتني وفي رأسي سخونة فما عرفت ماذا قلت.
(1)
تعدل: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
وصال: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
كن - أكنان وأكنة: البيت، القاموس المحيط، مادة كنن.
(4)
ماردين في الأصل، والتصويب يتفق مع المعنى.
فطلب البريدي واعتذر إليه، وقال له: ما صدر مني هذا وأنا في عقل، فقال البريدي: أنا ما سمعت منك شيئًا بشيعًا، ثم جهز البريدي وجهز، معه مملوكًا من مماليكهـ يقال له سنقر، وعلى يده كتاب إلى السلطان يذكر فيه: أن الذي نُقل عني ما هو صحيح، فلا يسمع مولانا السلطان فيَّ كلامًا من الأعداء، فالمملوك ليلًا ونهارًا واقف بصدد الأشغال السلطانية، ويبعث مولانا السلطان أحدًا يكشف بلاد المملوك وما هو عليه.
وأرسل مع سنقر شيئًا كثيرًا لمملوك من مماليك السلطان يسمى طغاي، فوصل سنقر إلى مصر وتمثل بين يدي السلطان، فوقف السلطان على كتابه، ثم التفت إلى سنقر وقال: أنا أحب أستاذك من دون أمراء مصر والشام، وما سيرت له هذا الكتاب إلا لأنبهه لروحه، فباس سنقر الأرض، فأمر له بخلعة كاملة، وهم في ذلك فإذا ابن قراسنقر قد وصل ومعه البريدي الذي سيره السلطان إلى قطلوبك، نائب صفد، ومعه كتاب من قطلوبك يطلب الحضور إلى الأبواب الشريفة، وطلب السلطان البريدي الذي كان قد أرسله إلى حلب، وقال له: قل اش قال اسندمر؟ ولا تخف منه شيئًا وإلا أسلخ جلدك، وقد جاءني خبر ما قال لك قبل أن تجيء أنت، فباس البريدى الأرض وقال: لما قرأ الكتاب الذي هو من
(1)
مولانا السلطان شتمني وأخرق بي، وقال: من كذا إلى كذا، فأخرجوني من بين يديه، ولما حضرت في اليوم الثاني خلع علىّ وأعطاني ثلاثة آلاف درهم، وقال: إن رأسي كان مشغولًا فاعذرني مما قلت لك، فتبسم السلطان وقال: في جهله ما هو أكثر منه.
ثم إن السلطان بقى ليلًا ونهارًا في فكر في أمر هؤلاء وفيما جرى منهم، وأخفى هذه الأشياء كلها في قلبه وداراهم، فيومًا من الأيام طلب جماعة من مماليكه، وقال لهم: إن قلعة الروم قلعة منيعة، وقد تعب عليها أخي الملك الأشرف والمسلمون معه حتى أخذها من أيدي الأرمن، وأنا خائف عليها من النواب، وأريد أن أجهز إليها مائة مملوك يكون جميعهم عينًا على النائب الذي فيها، ويحفظون القلعة، فقالوا: نعم الرأي، فطلب مملوكًا من مماليكه
(1)
من عند: في الأصل ويوجد شطب فوق كلمة عند.
يقال له: علاء الدين أيدغدي بهلوان، وقال له: خذ مائة مملوك وسر بهم إلى قلعة الروم وأنت مقدمهم، ولا يعمل النائب شيئًا إلا بحضورك، ولكم أخباز البحرية وأُجرى لكم من مالى كل ما تريد، فأجاب بالسمع والطاعة، ثم قال له: احترز من مكائد الناس لأن اسندمر نائب حلب قريب منكم، فربما يكاتب النائب ويميلكم إلى النائب، وإياكم أن تسمعوا من أحد.
فقال أيدغدي: با خوند، إذا دخلت رجلى القلعة فقد حصل المراد ولو كان فيها جن الأرض.
ثم انتخب السلطان مائة مملوك جياد، وأركبهم الهجن، وقال لهم: سيروا ليلًا ونهارًا وكتب معهم إلى نائب قلعة الروم بأنه يمكنهم من الطلوع إلى القلعة، وأن يحترمهم ويجريهم على معلوم البحرية، وأوصى بهلوان وأصحابه أن قراسنقر نائب الشام واسندمر نائب حلب وغيرها إذا سألوا منكم إلى أين أنتم رائحون؟ فقولوا: إلى كركر وكختا لضرورات السلطان، ولا تعلموا أحدًا أنكم رائحون إلى قلعة الروم، ثم أعطاهم كتابًا مطلقًا إلى دمشق وحلب وجميع الممالك الشامية، فيه: أنه سيرهم إلى كختا وكركر، فيجهزون لهم الإقامات والعليق لدوابهم وأي حيوان يعجز منهم تحضرون بدله.
فلما وصلوا إلى دمشق تلقاهم قراسنقر، وأنزلهم في دار الضيافة، فناوله بهلوان كتاب السلطان، فوقف عليه، وقال: ما الفائدة في رواحكم إلى كختا وكركر؟ فقالوا: مرسوم السلطان، ما نعلم غير ذلك، نجهز لهم كل ما يحتاجون من المأكول والمشروب والمركوب، ثم ساروا حتى وصلوا إلى حلب، فتلقاهم اسندمر، ثم وقف على كتاب السلطان، فقال: اش في كختا وكركر، ثم تروحون إليها، فقالوا: مرسوم السلطان، فأنزلهم وأكرمهم.
ولما خرجوا من عنده وساروا، أحضر مماليكهـ فقال لهم: قد رابني أمر هؤلاء المماليك، وربما يكونون رائحين إلى قلعة الروم، فقالت مماليكهـ: لا، هؤلاء سائرون إلى كختا وكركر، فقال اسندمر: هؤلاء ذخيرة مشؤومة أينما كانوا، وأنا ما أمكنهم من الطلوع إلى قلعة من القلاع أبدًا، ثم أنه كتب إلى كختا وكركر وغيرهما يأمر نواب القلاع بأن لا يمكنوهم من الطلوع إلى القلاع، وسَيَّر الكتب مع البريدي، فسبقهم البريدى.
وأما هؤلاء فإنهم ساروا أولًا إلى عينتاب وباتوا فيها، ثم ركبوا ووصلوا إلى قلعة الروم، وكان فيها نائب يقال له: السديدي فأعلموه بوصولهم، فتعجب كيف جاء هؤلاء من مصر؟ وهم جماعة وما علم بهم اسندمر، فأمر لاستاداره بأن ينزل إليهم ويحضر منهم عشرة ليسمع حديثهم، فنزل الاستادار إليهم، وقال لهم: الأمير يطلب منكم عشرة ليسمع كلامهم، فقال بهلوان: نعم، فانتخب من المائة عشرة يقابلون الجاليش، فأخذهم معه، وقال لبقية أصحابه: ها أنا أطول معه في الكلام وأنتم اطلعون في أثناء هذا من واحد واثنين وثلاثة، فإن رأينا أن الطلوع ما يمكن لنا طلعنا بالسيف وما شاء الله كان.
ثم إن بهلوان سار إلى القلعة ومعه أصحابه العشرة، فلما وصل إلى الباب ترجل وطلع ومعه أصحابه، فلما رآه السديدى قام له وأجلسه إلى جانبه، ثم أخرج بهلوان كتاب السلطان وناوله إياه، فأخذه وباسه، وفتحه وقرأه، وبقي مفكرًا مطرق الرأس ساعة.
فقال له بهلوان: مالك؟ فقال له: أنت تعلم بأن هذه القلاع مضافة إلى حلب، ولا يحكم عليها إلا نائب حلب، فقال له بهلوان: من عملك نائبًا في هذه القلعة النائب أو السلطان؟ فقال: بل السلطان. قال: فأين عقلك؟ إذا سمع السلطان بأنك ما سمعت من كتابه ومرسومه، اش يقول السلطان؟ فما ينغاظ عليك؟ وربما أنه يأخذك، وحينئذ ما ينفعك نائب حلب، فقالت له مماليكه: لقد نصحك فيما قال هذا، ومعهم مرسوم السلطان فما يكون مرسوم نائب حلب؟ فقال السديدي: كلنا مماليك السلطان، والأمر أمر السلطان، ثم أنه أخلى لهم أماكن في القلعة وأطلعهم إليها.
وفي ذلك الساعة كتب بهلوان إلى السلطان وعرفه بطلوعهم قلعة الروم وما جرى لهم مع نائبها.
وكان نائب عينتاب قد أرسل إلى اسندمر وعرف أن المماليك الذين كانوا رائحين إلى كركر وكختا قد رجعوا من الطريق وساروا إلى قلعة الروم، فعند ذلك أركب اسندمر البريدي إلى السديدي يقول له: لا تمكنهم من الطلوع إلى القلعة.
فوصل البريدى ووجدهم في القلعة، فندم السديدي، وجمع مماليكهـ وقرأ عليهم كتاب
اسندمر، فقالوا له: لا تظهر من هذا شيئًا فالقوم قد تمكنوا من القلعة، ولو أرادوا أن يخرجوك لقدروا عليه لأن معهم كتابًا إلى مقدمي القلعة والرجاله والنقباء ووالى الحُجَر، وقد طلب جميعهم البارحة مقدمهم، وقرأ عليهم كتاب السلطان
فقال السديدي: قُضى الأمر، وكتب إلى اسندمر بأنهم قد طلعوا القلعة وتمكنوا فيها ولا يقدر أحد على إخراجهم.
وأما كتاب بهلوان فإنه لما وصل إلى السلطان فرح وسر، وقال: هان الأمر إن شاء الله، وفي
(1)
تلك الساعة طلب الأمير كراي المنصوري وسنقر الكمالى وقال لهم: تجهزوا إلى الخروج، فما أعرف قضاء شغلي إلا منكما، ولكن لا تقولا [إلا]
(2)
إنكما رائحان مع العسكر إلى سيس، فإذا [تمكنتم]
(3)
من اسندمر وقبضتم عليه ارجعوا إلى دمشق، واقبضوا على [قرا سنقر]
(4)
، وهذه مراسيمى والبريدية واصلة إليكم كل وقت بكل ما تريدان، وجرد معهما أربعة آلاف فارس وأوصاهم بسرعة المسير.
ثم إنه أرسل البريدي إلى الشام ليعلم النائب بأن العسكر المصرى واصلة إلى سيس، وإنك تجرد من دمشق أربعة آلاف نفس مع: الأمير سيف الدين بهادر آص، وبلبان البدري، وعز الدين الزردكاش، وكجكن، وأمر نائب الشام أيضًا أن يعلم اسندمر نائب [حلب]
(5)
بأن العساكر واصلة إليك ليعبر بها إلى سيس، فإن أعطوكم الفتوحات التي فتح لاجين وَلَّا أخربوا بلادهم.
فلما قرأ اسندمر الكتاب، جمع مماليكهـ، وقال لهم: هذا العسكر واصل إلينا لا محالة، فاهتموا إلى أمركم، فقالوا: وما الذي نفعل؟ فقال: قد عولت على أمر وهو: إني أسير إلى الأمير طوغان، نائب البيرة، يحلف معي، ونكون على كلام واحد، فإن وافقني فلا
(1)
وطلب في: في الأصل، ويوجد شطب فوق كلمة طلب.
(2)
إضافة لتصويب المعنى، ينظر ما يلي.
(3)
تكتمتم: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
سنقر: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(5)
إضافة للتوضيح.
أبالى بهم، ثم أرسل مملوكًا إليه يعلمه بذلك، ويقول له: أنا خائف منهم، وفي نية هذا السلطان أن لا يخلى أحدًا منا لا كبيرًا ولا صغيرًا، ونريد أن نكون على كلام واحد وعلى يمين، وتكون أنت لي ظهرًا في البيرة، فإن رأيت شيئًا أكرهه جئت إليك، ولا نبالي بأحد.
فأرسل إليه طوغان: إذا قرب وصولهم، وتحققت منهم المكيدة، فقدم حضورك إلى البيرة فهي لك وأنا مملوكك، ولو اجتمع كل مَنْ في الدنيا لا نبالي بهم، وإذا رأينا ما نكره، ذهبنا إلى خربندا وتوصلنا إلى أمور لا يقدر غيرنا عليها.
ولما وصل إليه مملوكه بهذا الكلام فرح غاية الفرح، وحلف هو وطوغان إنهما يعيشان معًا ويموتان معًا.
ثم سير اسندمر إلى قرا سنقر يقوله له: هؤلاء العسكر ما خرجت إلا إلَىَّ وإليك، فاجعل بالك ودبرنا برأيك، فأرسل إليه يقول له: طول روحك حتى تتحقق أمرهم.
هذا جرى لهؤلاء، وأما كراي فإنه خرج.
ذكر خروج الأمير كراي من مصر مع العسكر
لما خرج الأمير كراي المنصوري ومعه أربعة آلاف فارس وصل إلى غزة، وأقام بها أربعة أيام، وكان نائبها الأمير قطلقتمر صهر جالق، ثم رحل منها وسار يطلب دمشق، وجهز بعض مماليكهـ إلى صفد يطلب عسكرها إلى دمشق ليروحوا معهم إلى سيس، ووصل كراي إلى دمشق، وبعده وصل عسكر صفد، ونزل كراي على القابون، فقال له قراسنقر: انزل عندنا في دمشق عشرة أيام، فاسترح وأروح، فقال: يا خشداشي أخاف من السطوات الشريفة، فنقل إليهم قراسنقر من الإقامات والتقادم، فأقاموا يومين ورحلوا في اليوم الثالث، ونزلوا على حمص، وأرسل إلى حلب يعلم اسندمر بأنا نحن عندك بعد العيد، وكان قد بقى للعيد عشرة أيام.
ثم إن اسندمر جَمع مماليكه، وقال: هؤلاء جاؤون إلينا، وأنا ما أقف قدامهم، وأرسل إلى طوغان يعرفه أنه يخرج من حلب نهار العيد ويجيء إليه.
وأما كراي فكان معه كتب السلطان إلى مهنا
(1)
أمير العرب، فأرسلها إليه مع النجابين، فلما قرأها فإذا فيها: حال وقوفك على هذه الكتب تركب بجميع العرب وتمسك جميع مخائض الفرات، ولا تمكن أحدًا من العبور.
فركب مهنا ومعه العرب مقدار أربعة آلاف فارس، وجاء إلى مخاضة بداية ووقف عليها بنفسه، ثم فرق بقية غزيه على المخائض.
وأما كراي فإنه يركب كل يوم في حمص.
وأما اسندمر فإنه أرسل علم الدين بن الترجمان إلى قراسنقر، وقال له: إن كراي قد وصل إلى حمص، وهو بمن معه معولون علىّ، فإذا مسكوني يرجعون إليك، وأنا قد كاتبت طوغان ونحن على كلام واحد، وفي يوم يرحلون من حمص، أخرج من حلب وأروح إلى البيرة عند طوغان وأكاتب إلى خربندا والتتار وأخرب البلاد.
ولما وصل ابن الترجمان إلى قراسنقر، وقرأ الكتاب، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله كل ما يقوله اسندمر صحيح، فإن أخذوه أخذوني لا محالة، فجمع مماليكهـ وتشاورا تلك الليلة، فقال له مماليكهـ: لو أن للمصريين فيك نية ردية قبضوا عليك لما خرجت إليهم، واسندمر من خوفه يرمي بين الناس فتنة، فكتب قراسنقر إليه يقول له: كن على حذر وخل لك حمامًا في حماة وحمص مع قصاد من جهتك، فإذا ركبوا من حمص يرسلون إليك الحمام، فعرج من بين أيديهم إلى بعض الحصون، فعند ذلك تدبر على قدر ما ترى.
فركب ابن الترجمان وسار، ولما وصل إلى القطيفة
(2)
لحقه استادار كراي من
(1)
هو: مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع، أمير آل فضل، توفي سنة 735 هـ/ 1334 م، البداية والنهاية 18/ 380، الدرر الكامنة 5/ 138 رقم 4865، المنهل الصافي 11/ 291 رقم 2559.
(2)
القطيفة: قرية دون ثنية العقاب في طرف البرية للقاصد إلى دمشق من ناحية حمص، معجم البلدان.
مصر، وكان كراي أرسله إلى السلطان يشاوره فيما يعتمد عليه، فرده سريعًا وقال له: لا تتأخر، فإن للتأخير آفات، فركبوا من القطيفة جملة، وساروا حتى وصلوا إلى حمص.
وكان كراي وصى الأمير أخور البريد الذي في حمص بأن لا يركب أحدًا إذا جاءه لا بالليل ولا بالنهار دون أن يشاوره عليه، فلما وصل أستادار كراي وقرأ كتابه الذي أرسله السلطان وفيه حثه على سرعة السير وقضاء الشغل، فقال له: كم لك من اليوم الذي خرجت من مصر؟ قال بهذا اليوم خمسة أيام، فقال: من جاء معك من مصر؟ قال: ما جئت إلا وحدي، غير أني في القطيفة لحقنى مهمندار حلب وجاء معي إلى هاهنا، فقال له: على خيله؟ فقال: لا، بل على خيل البريد، وهو رائح من عند قراسنقر، فأمر كراي لعشرة أنفس من مماليكه بأن يأتون به من اصطبل البريد.
وأما ابن الترجمان فإنه كان أراد أن يركب فما مكنوه، فإذا بمماليك كراي قد أحاطوا به، وكان يوم عرفة، فأحضروه إلى كراي، فقال له كراي: من أين جئت؟ فقال: من دمشق، فقال: ما كان لك شغل في دمشق، فقال: أرسلني اسندمر في شغل، فقال له: أمعك كتاب؟ قال: لا، فأمر مماليكه أن يفتشوه، ففتشوه، فإذا معه كتاب قراسنقر قد كتبه لاسندمر، فلما قرأه كراي أمرهم بأن يحملوه إلى القلعة، ثم طلب الأمراء الذين معه، وقال لبهادر آص والكمالي: نحن جئنا في شغل السلطان، فقعودنا لماذا؟ فقالوا: نحن ننتظر مرسومك، ثم أخبر بأنه مسك مهمندار حلب، فقالوا: ترسل إلى اسندمر وتعلم بقدومنا، فإذا خرج إلينا قبضنا عليه، فقال كراي: لا يكون هذا، فقالوا: فكيف الرأي؟ فقال: نركب في هذه الساعة ونسوق، ولا نعلق إلا مرتين، وننزل على حلب في الليل، فقالوا: افعل ما تختار.
ثم إنه كتب إلى نائب قلعة حلب
(1)
، يقول له: حال وقوفك على هذا الكتاب تجهز
(1)
نيابة قلعة حلب: هي نياب منفردة عن نيابة السلطنة بحلب، وليس لنائب السلطنة على القلعة ولا على نائبها حكم، وعادة يكون نائبها أمير طبلخاناه، وتوليتها من الأبواب السلطانية بمرسوم شريف، ينظر صبح الأعشى 4/ 217.
ثلاثمائة راجل مستعدين منتظرين، فإذا وصلت إلى حلب بالليل - وقد عينه - ينزل هؤلاء من القلعة ويمسكون باب السر للديار التي فيها اسندمر، ولا يمكنونه من الخروج، وكذا كتب إلى سائر أمراء حلب، فإنهم يركبون في ليلة كذا ويمسكون الأزقة والدروب، فإذا سمعوا النفير قد ضُرب في القلعة، يجتمع كلهم على دار اسندمر، وأرسل هذه الكتب مع هجان يسمى سراب، فقال له: ينبغي أن تصل إلى حلب في يوم وإلا راحت روحك، فركب سراب، ناقة لكراى، مشتراها أربعة آلاف درهم، وصرخ عليها فخرجت من تحته كالريح، ولم تزل تقطع البراري إلى أن وصل إلى حلب، ثم ركب كراي عقيبه ولحقه العسكر أولًا فأولا.
وكان كراي قد ركب الهجين، ومعه ثمانية وعشرون أميرًا، كلهم ركاب الهجن وخيولهم مجنبة، وكل أمير معه عشرون أو ثلاثون مملوكًا على الهجن، فساقوا يقطعون الأراضي بغير مهل، وعدوا حماة، وكان سنقر، مملوك اسندمر في حماة، ومعه حمام أرسله اسندمر معه، ووصاه [أنه إذا]
(1)
رأى العسكر قد وصلوا إلى حماة يطلق الحمام، فلما نظر المملوك بأن العسكر عابرون في حماة، وكانت له معرفة بكراي، قال: والله لا أروح حتى أبصر كراي، وربما أتنسم بعض الأخبار، وأتحقق تحقيق الأمر، فسار إلى كراي، ورآه كراي فعرفه، فقال له: ما خبرك؟ ولماذا جئت إلى هنا؟ فقال: جئت لشغل الأمير، لأجل استخراج مال له فقال كراي ما هذا الوقت وقت استخراج المال، فتعال معنا، فقال: حبا وكرامة، ولكن أرجع إلى أصحابي وأركبهم وأعود، فقال له: سر فلا حاجة إلى أصحابك، فقال: ما تحتى مركوب ينفع، فقال كراى في نفسه: هذا معه حمام أرسله اسندمر، فإن مسكناه عرف أصحابه فيرسلون الحمام لأنه عندهم، فقال له: اذهب والحقنا، فقال السمع والطاعة، فرجع وقال في نفسه: أن لا يعود.
وأما كراي فإنه طلب عشرة مماليك وقال لهم: اتبعوا سنقر هذا من بعيد إلى البيت الذي هو فيه، فإذا رأيتموه وقد دخل اهجموا عليه، وإياكم أن تمكنوه من إرسال الحمام،
(1)
إذا أنه إذا: في الأصل.
بل امسكوه والحمام معه، فقال له الأمير سنقر الكمالى: ومن أعلمك بأن معه حمامًا؟ فقال: قلبي يجزم بهذا.
فذهب المماليك خلف سنقر، مملوك اسندمر، إلى أن وصل هو إلى بيته الذي هو نازل فيه، في المنصورية، فدخل إليه، وكان معه مملوكان آخران، فقالا له: ماذا قعودك [والعسكر]
(1)
قد وصلت، فحدثهما بالذي جرى له مع كراي، ثم قال لهما: نكتب البطائق
(2)
ونرسل مع الحمام، فقالا البطائق مكتوبة، ونحن ننتظر حتى تعلم عليها، فقال: هاتوها، فأحضراها وعلم عليها، ثم أحضر الحمام، وشدوا البطائق، فإذا بالمماليك قد هجموا عليه، فأخذوا الحمام وهو بالبطائق، وأخذوا سنقر والمملوكين معه، وساروا بهم إلى كراي، فأمرهم بأن يقيدوا سنقر ليأخذه معه، فقيدوه وأركبوه هجينًا، وخلى المملوكين في حبس حماة.
ثم ساق من حماة بعَجَل إلى أن وصلوا إلى حلب، فإذا بعض مماليك ينتظرون كراي خارج المدينة، فلما رآهم كراي قال: من أنتم؟ قالوا: مماليك نائب قلعة حلب، أرسلنا إليك، فقال لهم: لا، يكون اسندمر خرج من البلد؟ فقالوا: لا، ولم يعلم بشئ، فقال: ماذا عمل أستاذكم؟ قالوا: من حين وصل نجابك فرق الكتب على الأمراء وجهز الرجالة، وفي هذه الليلة، وكانت ليلة العيد، [نزلهم]
(3)
في المواضع التي عينتها في كتبك، والآن هم على باب سر اسندمر، وعلى الأزقة والدروب، وما يعلم أحد بهم، لأن الناس مشغولون بالعيد، واسندمر لا يهتم لأجلكم إلا بعد العيد.
فنزل كراي على جانب نهر قويق
(4)
ساعة حتى وصل المتأخرون من العسكر، وقعد هناك حتى مضى بعض الليل، فركب عند ذلك ومعه مقدار خمسمائة نفر غائصين في الحديد، فساقوا إلى أن وصلوا إلى باب القلعة، ثم قال لمماليك نائب القلعة، اطلعوا،
(1)
بالعسكر: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
البطائق: نوع من المكاتبات تُحمل على أجنحة الحمام، ينظر صبح الأعشى 14/ 122.
(3)
نبههم: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
نهر قويق: نهر مدينة حلب، مخرجه من قرية سبتات، ويمر بمدينة حلب، معجم البلدان.
وقولوا لأستاذكم بأن ينزل، فطلعوا وأعلموه، فنزل إليه، فقال له كراي: ما عندك من خبر اسندمر؟ فقال البارحة جمع مماليكه وقال لهم: إذا سمعتم الصراخ في البلد يلبس كل أحد منكم في داره ولا يجئ إلا وهو معول على الموت فأمر كراي بضرب النفير في القلعة، ثم ساقوا وطلبوا دار اسندمر فازدحمت الخيل وزعق النفير في القلعة، وسمعت أمراء حلب، فركبوا وأتوا، وسمعت أيضًا مماليك اسندمر، فلبسوا وأتوا، فكان أول من جاء منهم مملوكه أيدمر الثور، وخلفه عشرون مملوكًا، فلما وصل ورأى الأمراء قد ازدحموا على الباب جذب سيفه وحمل، يريد حفظ الباب، فتقدم فارس فضرب، واجتمع عليه رجال فأرموه من فرسه، وأخذوه مع أصحابه كلهم، ثم أن كل مَنْ جاء من مماليك اسندمر يلقطونه أولًا فأول.
وسمع اسندمر الصياح، فخرج وهو عريان، وسأل الخدام عن ذلك، فقالوا: جاءت الخيل، وهؤلاء الأمراء على الباب، فنظر من طاقة كانت فوق الباب فرأى الأمراء والمشاعل توقد بين أيديهم، فنزل وأخذ مملوكًا معه يسمى قبلاى، وطلب باب السر فوجد عليه الرجال، فطلع السطح وإذا عليه الرجال من القلعة، فعلم عند ذلك أنه مأخوذ، فنزل وقعد، ولم يزل الأمراء على الباب حتى انتشر الضياء، فقال كراي: دقوا الباب، فإن فتحوه وإلا فاكسروه، فدقوه، وجاء الخدام واعلموا اسندمر، فقال لهم: افتحوا الباب، وهو قد خرج ووقف وراء الباب، فلما فتحوا، فكان أول من دخل كراي وهو لابس قرقلا
(1)
أحمرًا، وخلفه بهادر آص، وخلفهما الأمراء كلهم، وتزاحمت المماليك، فلقاهم اسندمر، وقال لهم: يا أمراء، ما كان حاجة إلى هذا العمل، كنتم أعلمتموني بمجيئكم، وكنت أخرج إليكم كما تحبون، فقال له كراي: ما فعلنا إلا مثل ما وصى به السلطان، ثم قال له كراي: اقعد، فقعد، فأخرج له قيدًا، وقال: مرسوم السلطان أن تحط رجلك في هذا القيد، فقال سمعًا وطاعة لأمر السلطان.
(1)
قرقل - قرقلات: نوع من الدروع تتخذ من صفائح الحديد، وتغشى بالديباج الأحمر والأصفر، وقد تكون مبطنة، صبح الأعشى 2/ 143، 4/ 11.
ذكر مسك اسندمر
ولما سمع اسندمر ما قال له كراى أخذ القيد وباسه، ثم حطه في رجله، ثم سمروه في رجله، وطلبوا بغلًا من قلعة حلب، فأتوا به، فأمر كراي بأن يركب، فقال له اسندمر يا أمير، أمهل عَلَىَّ حتى أُعين مَوْجودي وأموالي حتى لا يضيع، فإن أخذه السلطان كان مُعينًا، وإن تَصدَّق عَلَىَّ فأكون قد أحرزت مالي، فأنا أعرف أن الذي قيل في حقى كذبٌ وافتراء، ولا بد أن يتبين كلام الأعداء عند حضوري قدام السلطان، قال كراي: والله ما خَلَّا لك ظُلمَك صديقًا في مصر ولا في الشام، ثم إن كراي طلب نائب القلعة وسَلَّم إليه اسندمر وقال له: اطلع به إلى القلعة واحتفظ به، وإياك والتواني، فأرسل معه عشرة مماليك من مماليكه، فطلعوا به إلى القلعة، ثم أنه طلب عُمَّاله وكُتَّابه، فعَيَّنوا مالَه، وكان شيئًا كثيرًا.
وفي صبيحة الغد استدعى كراي نائب حمص الأمير غرلو العادلى والأمير بنجار، وقال لهما: خُذا اسندمر واذهبا به إلى حمص، استريحا، ثم اركبا وقت العصر، واجعلا طريقكما على بعلبك، ثم خُذَا خيل والى بعلبك واذهبا من وادي التيم على جسر يعقوب عليه السلام، فقالا: سمعًا وطاعة.
ثم إن كراي طلب منكودمر الطباخي، وكتب معه كتابًا إلى السلطان يُعلمه بمسك أسندمر، وسَيَّر معه كتابًا إلى قراسنقر، يقول له: إن الأمير سيف الدين اسندمر واصل إليك ومعه خمسون فارسًا، فجهزه إلى الأبواب العالية سريعًا.
فلما وصل الكتاب إلى قراسنقر وقرأه غاب صوابه، وأظلمت الدنيا في عينيه، وحكى له الطباخي كيف كان مسك اسندمر، وكيف عملوا الحيلة عليه، فجمع قراسنقر مماليكه وتشاوروا، فقال قراسنقر: الآن النوبة علينا بلا خلاف، وقالوا: وعلى ماذا عولت؟ فقال: إذا وصل اسندمر عندي خلصته وأخذته معي، وقد حلف معي جماعة من الأمراء، وطلعت إلى القريتين، فإن وجدت الوقت لنا لاقيت كراي، وإن رأيت الأمر علينا خرجنا على حمية ورحنا إلى خربندا، وجبنا التتر إلى هذه البلاد وأخربناها، وأخذنا منه الملك،
فقالوا: هذا هو الرأي، فانتظم أمرهم على هذه الحال، ثم في الحال جهز مملوكًا إلى مدينة قارا
(1)
ومعه حمام، وقال له: إذا وصل اسندمر إلى قارا سيره إلينا واعلمنا بذلك.
ثم إنه قد عزل كل شيء له، [إذ]
(2)
وصل مملوك الأمير قطلوبك نائب صفد، وأعلمه بأن اسندمر راح على جسر يعقوب، ومعه الأمير غرلو وبنجار، ومعهما خمسون فارسًا، فتعجب قراسنقر من حيلة كراي التي رتبها عليهم، ثم قال لمملوكه: لا تأمن أن يكون قد أوصى علينا أمراء دمشق، وإذ خرجنا ما يمكنونا من الخروج، والرأي عندي أن نخرج إلى المرج فهو خير لنا من مقامنا في البلد، فكل أهل دمشق يبغضوننا.
ولما عول على الخروج، [إذ]
(3)
وقعت بطاقة من الصَّنَمَيْن
(4)
يُذْكر فيها بأن أرغون الدوادار جاء على البريد ومعه عثمان الركاب وعشرة مماليك وقبل الظهر يكون عندكم، فركبت الأمراء جميعهم لما سمعوا بقدوم أرغون، وأن قراسنقر ألبس مماليكه لبوسات تحت قماشاتهم، ثم خرج وسار إلى ملاقاة أرغون، فلقاه على الجسر، ثم سار به إلى القصر، ولما استقر "الجلوس، أخرج"
(5)
أرغون كتاب السلطان يقول فيه: حال وقوفك على هذا الكتاب تروح إلى حلب فقد وليناك عليها، وعند وصولك إليها يصل إليك تقليدك، فقرأ الكتاب وبقى مفكرًا ساعة، فقال له أرغون: مالك؟ فقال: ولا شيء، السمع والطاعة لمولانا السلطان، ثم إنه أعلم أصحابه بذلك، وتفرقت الأمراء، وتحدثوا أن أرغون جاء يشيع قراسنقر إلى حلب، فكان عندهم أعظم من الأعياد برواحه عنهم.
وفي تلك الليلة فَرَّق أرغون كُتُب السلطان على الأمراء بدمشق، يقول فيها: أقسم بالله العظيم أن من راح عنكم أحد إلى قراسنقر، أو مملوك من مماليكه، ضربت
(1)
قارا - قارة: قرية كبيرة في منتصف الطريق بين دمشق وحمص، ينظر تقويم البلدان.
(2)
فإذا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
فإذا في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
الصنمان: قرية من أعمال دمشق، في أوائل حوران، بينها وبين دمشق مرحلتان، وهي منزلة من منازل البريد في الطريق من جينين على دمشق، معجم البلدان، صبح الأعشى 14/ 381.
(5)
بهامش المخطوط، ومنبه على موضعها بالمتن.
رقابكم كلكم
(1)
، وقد أعطينا نيابة دمشق لكراي، فجميع ما يقول لكم فاقبلوه ولا تخالفوه، وأي من خالفه لا [يسأل]
(2)
ما يجرى عليه من أليم عذابنا، واحتاطوا كلكم على قراسنقر من حيث لا يعلم إلى أن يصل كراي.
فلما سمع الأمراء بذلك [أحاطوا]
(3)
بالقصر، ونزل تلك الليلة نائب قلعة دمشق ومعه مائتا رجل وباتوا حول القصر، وأصبح أرغون، وقال لقراسنقر: لم لا تفعل ما رسم به السلطان وتسير إلى حلب سريعًا؟ فقال له: إن مولانا السلطان تصدق على بحلب، وأنا وحدي ما أقدر أروح، فأمهل عَلَىَّ حتى آخذ مماليكي وعيالي، فقال له: مرسوم السلطان إنك تروح على البريد، فقال: إذا كان كذلك فحط في رجلي قيدًا، واغتاظ غيظًا شديدًا
(4)
، وقال: يا مخانثة ما زلتم حول هذا السلطان حتى ما خليتم له صديقًا، وما بقيت أروح حتى [يأتيني]
(5)
مرسوم ثان، فقال له أرغون: افعل ما تريد.
فعند ذلك أرسل قراسنقر مملوكًا على البريد إلى السلطان، يذكر في كتابه: أن المملوك لم يزل مترقبّا ما يرد من الأبواب الشريفة ليقابله بالسمع والطاعة، وقد جاء الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، وعلى يده كتاب يتضمن مسير المملوك إلى حلب، فأجاب المملوك بالسمع والطاعة، غير أن مولانا السلطان يعلم أن المملوك شيخ كبير ولولا المماليك [الذين]
(6)
حوله يركبونه وينزلونه كان عاجزًا عن الركوب، وقال أرغون للمملوك: أن يروح إلى حلب على البريد بمملوكين، والمملوك عاجز عن مثل هذا الرواح، فإن كان أحد قد نقل إلى المسامع الشريفة عن المملوك شيئًا وتريد أن تفعل بي كما فعلت بغيري فلا حاجة إلى هذه الدورة، والمملوك يشد وسطه بمنديل ويجئ إلى الأبواب الشريفة.
(1)
كلكم: بهامش الأصل ومنبه على موضعها بالمتن.
(2)
يسأ: في الأصل، وتم استكمال الكلمة.
(3)
احتاطوا: في الأصل.
(4)
عظيمًا: في الأصل، ومشطوب عليها، وفوقها بين الأسطر كلمة شديدًا.
(5)
تأتيني: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(6)
الذي: في الأصل.
ثم إنه قال لمماليكه: لا يبقى منكم أحد إلا ويبيت عندي في الميدان، وربما يجري لكم مثل ما يجري لمماليك اسندمر، فحول مماليكه حوائجهم إلى الميدان، وسمعت الأمراء بذلك، فقال بيبرس العلائي، وبيدرا العادلى، وجوبان، وفخر الدين إياس المشد، إن راح قراسنقر من بينكم راحت أرواحكم مع السلطان، فركب الجميع من سوق الخيل، وتشاوروا فيما بينهم: فقالوا: ما نمكنه من الخروج حتى يجئ مرسوم السلطان، ومسكوا أبواب الميدان وباب القصر، وجاء مماليك قراسنقر وقالوا له: أنت غافل وهؤلاء الأمراء كلهم دائرون بالقصر من كل جانب، وهم ركاب ملبسون، فصاح عليهم قراسنقر من السطح، وقال: يا أمراء إن كان جاءكم مرسوم السلطان بأنكم تمسكونني، فقالوا: لا، قال: فما لكم هكذا؟ فقالوا: سمعنا بأنك تخرج بمماليكك، فقلنا ما نمكنه حتى يجئ مرسوم السلطان، فقال: ما أقل عقولكم، هل يهرب أحد بغير ذنب عمله؟ فروحوا واستريحوا، فلم يسمعوا منه، ومسكوا يزكا
(1)
طوال الليل، ولما أصبحوا أقاموا هناك بالنوبة.
وأما قراسنقر فإنه ترك الركوب، وبعد مدة يسيرة وصل مملوكه من مصر ومعه كتاب السلطان إلى قراسنقر يقول: إنما أرسلنا إليك، رُحْ سريعًا إلى حلب لأجل العسكر المجردين لأن اليوم قوم المغل والأجناد ضعاف، وإن كنت تريد أن تروح بطُلْبِك، [فلك]
(2)
ذلك، وخذ كل شيء لك في دمشق.
فلما قرأ الكتاب فرح به، وأرسل خلف الأمراء فحضروا، وقرأ الكتاب عليهم، فقالوا: سمعًا وطاعة، ثم نادى قراسنقر في أصحابه: غدًا الرحيل فتجهزوا، وكان عنده خلق كثير من أهل حلب من الفقهاء وغيرهم، وكان قد ولاهم وظائف وأعمالًا، فتجهز الجميع حتى بلغ كراء كل حمل إلى حلب مائة وخمسين درهمًا.
(1)
اليزك: طلائع من الجند تقوم بما يلزم من الاستكشاف والحراسة، صبح الأعشى 10/ 110.
(2)
ولك: في الأصل.
ذكر توجه قراسنقر نائب دمشق إلى نيابة حلب
قال الراوي: ثم إن قراسنقر خرج من دمشق بمماليكه وحاشيته
(1)
وألزامه كلهم، ولم يخل له شيئًا في دمشق، قيل: إنه حمل أثقاله على ألف وستمائة جمل. وذكر بعضهم
(2)
: أن خروجه كان يوم الأحد ثالث المحرم من سنة أحد عشر وسبعمائة، ثم إنه جد السير ليلًا ونهارًا حتى أشرف على حلب، فنزل على نهر قويق، فجمع مماليكه وقال لهم: أعلموا أننا وصلنا إلى حلب، وعليها عساكر مجتمعة، وما يعلم أحد غائلة الناس، وقد رأيتم ما جرى على غيرنا، وفي المثل يقول القائل: العاقل من اتعظ بغيره، وقد رأيتم ما جرى لبيبرس وسلار واسندمر وغيرهم، وكيف بقيت مماليكهم يشحتون في البلاد وهم دائرون، وأنا لا أسلم روحي مثل بقية الأمراء، فقال مماليكه: لك عندنا ما يسر قلبك، وها نحن بين يديك.
فبات تلك الليلة، ولما أصبح طلب ناصر الدين الدوادار وأستادار جركس، وقال لهما: اجتمعا بكراي والكمالى وباقى الأمراء، [وقولًا]
(3)
: هذا قراسنقر قد جاء، وقد أرسلنا إليكم ويقول لكم: إن كنت أنا نائبًا فاخرجوا من حلب حتى يدخل قراسنقر لأنه صار متدرك البلاد، وإن كان لكم فيه نية أخرى فها هو قد وصل إليكم.
ولما بلَّغ هذان الاثنان الرسالة إلى كراي وبقية الأمراء، قال لهما كراي: ارجعا وقولا له: إنه نائب، ونحن عنده مجردون، فإن كان معه مرسوم السلطان برجوعنا فيعرضه علينا حتى نرحل، وإلا فهو يدخل ويعمل نيابته إلى أن يجئ إلينا مرسوم السلطان بما نعتمد عليه، فرجعا إلى قراسنقر وأخبراه بذلك، فجمع مماليكه وتشاوروا، فاتفق رأيهم على أن يدخلوا فإن جرى منهم شيء يقابلونهم بالحرب.
ولما أصبح الصباح لبسوا كلهم آلات الحرب، وأوصى قراسنقر لمماليكه أن الأمراء إذا أرادوا أن يسلموا عليه لا تمكنوهم إلا واحدًا بعد واحد، ولا تغفلون عنهم، قال:
(1)
وحاشيته: بهامش الأصل إمتدادًا للسطر.
(2)
ينظر نهاية الأرب 32/ 178، البداية والنهاية 18/ 109، السلوك 2/ 100، النجوم الزاهرة 9/ 28.
(3)
وقوا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
هذا اليوم يوم الانفصال مع هؤلاء الأندال.
وأما كراي والكمالى والأمراء الذين على حلب فإنهم ركبوا جميعهم، وسار الكل قدام كراي، ولما رأت الأمراء، وقد أقبل قراسنقر ومماليكه ملبسين، قالوا: معذور فيما فعل، ولما رآهم قراسنقر وهم ما عليهم شيء من آلات الحرب استقر فؤاده وقال لمماليكه: لا تمنعوا أحد من الأمراء، فهم اليوم ما عليهم آلات حرب.
ووصلت الأمراء إلى قراسنقر، تكارشوا على ظهر الخيل، وساروا في خدمته إلى دار النيابة، ثم رجعوا إلى وطاقاتهم.
وفي تلك الليلة أرسل كراي مملوكه على البريد إلى السلطان يعلمه بوصول قراسنقر إلى حلب، فرده السلطان وعلى يده كتاب يقول فيه: حال وقوفك على هذا الكتاب ترحل بطُلْبك ومعك الأمير سيف الدين بهادر آص وتجئ إلى دمشق حتى يجئ إليك التقليد، وتخلى بقية العساكر في حلب إلى أن يجيئهم مرسوم ثان بما يعتمدون عليه، فلما قرأه كراي أوقف بهادر آص عليه، وتجهز للرحيل، ونادى به، ثم أرسل إلى قراسنقر وأخبره بأن مرسوم السلطان جاءه يأمره بالرواح إلى دمشق، وأن تتولى أنت أمر العساكر، ففرح قراسنقر بذلك.
ذكر توجه كراي إلى دمشق نائبًا بها
وفي صبيحة غده ركب كراي، بطُلْبه، وركب قراسنقر بمماليكه وودع كراي، ثم رجع إلى حلب، وسار كراي ومعه بهادر آص.
وكان كراي رجلًا دينًا جيدًا، وأوصى لمماليكه وغلمانه وحاشيته أن لا يتعرضوا لأحد بغير حق، ولا يأخذوا من أحد شيئًا، وإذا جاب أحد شيئًا لا يأخذوه، ثم نزل على حمص فأخرجوا له الإقامات وأشياء كثيرة، فلم يقبل منها شيئًا، ثم طلب الذين أتوا بهذه الأشياء من الحكام وغيرهم، فأنكر عليهم بذلك، فقالوا: أنت مخدومنا الآن وخدمتك واجبة علينا، فقال لهم: ما عرفتم أن كراي لا يأخذ من أحد شيئًا، وكل من لا يسلك الطريقة المستقيمة لا
يلتقى مني خيرًا، ثم رحل من حمص، ولما قرب من دمشق قال لمماليكه وغلمانه: ها نحن قد وصلنا إلى
(1)
دمشق، وأنا أقسم بالله العظيم أنه إذا بلغني عن أحد منكم أنه تجوه
(2)
على أحد، أو حمى شيئًا، أو أخذ من أحد شيئًا، أو ظلم أحدًا، أو تعرض إلى أحد بغير حق، لأسمرنه على جمل، ولأعاقبنه عقابًا شديدًا.
ثم تلقته أهل دمشق من الأمراء المقيمين وبقية عسكرها، ومن الأعيان والحكام إلى القطيفة، ومعهم أنواع الحلاوات والفواكه، ومدوا له سماطًا هائلًا، فامتنع من الأكل، فقال له بهادر آص: كل واجبر خواطر الناس، فقال: مالى بهذا عادة، أنت قط رأيتني أني أَكلت لأحد شيئا، قال: لا والله، ثم رحل، ورأى أهل دمشق من الرجال والنساء مثل الجراد المنتشر، قد لاقوه بشموعات وأعلام، وقد أظهروا الفرح الزائد، فقال كراي: إش هذه البدعة؟ لا سيما خروج النساء، فقال بهادر آص: قد علموا ما في الأمير من الدين والعدل والإنصاف وحسن السيرة، فلذلك لم يبق أحد من الكبار والصغار إلا وقد خرج لملتقاك فرحًا بك، ولما دخل المدينة نثروا عليه الذهب والفضة، ولما قرب من القصر بسطوا شقق الحرير تحت حوافر فرسه، ولما وصل القصر قالوا له تنزل هاهنا؟ قال: لا، بل ننزل في دار الجاولي، وكانت إلى جانب الميدان، وفتح له الباب إلى الميدان فنزل فيها.
وفي تلك الليلة اجتمع أعيان الشام وأكابرها وجاؤوا إلى القاضي وقالوا له: نجمع من بيننا شيئًا ونقدمه إلى كراي على جاري العادة للنواب، فرأى القاضي ذلك مصلحة، فجمعوا من بينهم: مبلغ ألفي دينار، وشيئًا كثيرًا من الثياب الحرير، فأتوا بها وقدموها له: فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا لأجل غلمان مولانا الأمير، لأنه جاء في غير وقت المغل، وإقطاع المخدوم ما فيها شيء اليوم، فأقبل هذه منا واعذرنا، فدعا لهم وشكرهم، ثم قال لهم: خذوا، مالي بهذه حاجة، وأنا لا آخذ من أحد شيئًا، وما أحل الله لي أموالكم، وأنتم عندي أعز من نفسي ما دمتم على الاستقامة والصحبة، وقد بلغني أن بعضكم يتقرب إلى النواب ويتجوه بهم ويفتح
(1)
إلى: ملحقة بين الأسطر في الأصل.
(2)
تجوه: تعظم أو تكلف، تاج العروس، مادة جوه.
أبواب الظلم، فيحصل بذلك حيف وعسف على الضعفاء المساكين، وأنا فما عندي شيء من ذلك، وأي من لا يمشي في الطريق المستقيم عاقبته وأشهرته في دمشق، ولو كان ولدي من صلبي، فخرجوا من عنده ولم يأخذ لهم شيئًا يساوي درهمًا.
ولما أصبح شرع في الكشف عن الظلامات وخلاص الحقوق وإعانة المظلومين وردع المفسدين، وكان معه جماعة من الأجناد الصالحين فأعلموه بأن في دمشق منكرات كثيرة، وفيها حانات عليها رنوك الأمراء تباع فيها الخمور والحشيش وفيها الخواطى، فلما سمع بذلك طلب حاجب الحجاب وأمره أن يدور على هذه المواضع ويبطلها، وأي مَنْ كان فيها يأخذه ويحلق ذقنه ويضربه ثم يشهره، وأي مَنْ تجوه أو يمانع فأعلمني به.
فركب الحاجب وفعل ما أمر به.
وكان للأمير بيبرس المجنون زقاق فيه إصطبل تباع فيه الخمر، فجاء الحاجب إليه وسَدَّ باب الإصطبل، وأخرب الزقاق، ومسك كل من فيه من غلمان بيبرس وحلق ذقونهم وضربهم، ونادى عليهم: هذا [جزاء]
(1)
من باع في بلاد الإسلام خمرًا، فجاء بعضهم إلى بيبرس وأخبروه بذلك، فقال لهم: روحوا واسكتوا، فإن هذا النائب ما هو لعب، وهو نائب جديد، وربما يكاتب السلطان فينا فيخرب بيوتنا، وقد علمتم ما جرى على الأفرم.
ثم أرصد كراي أُناسًا يرصدون من يشتري خمرًا أو يبيع أو ينقل من موضع إلى موضع، أو [يرون]
(2)
سكرانًا [يمسكونه ويأتون]
(3)
به إليه، ثم طلب والى المدينة وقال له: إن أصبح أحد في دمشق من المخنثين وسطتك، ولما سمعوا بذلك [وما يجري]
(4)
عليهم، فهجُّوا من دمشق حتى لم يبق فيها أحد منهم.
ثم إنه طلب رؤساء الضياع التي يُعمل فيها الخمر، وتحول إلى دمشق وإلى غيرها،
(1)
جزاه: في الأصل.
(2)
ترون: في الأصل.
(3)
تمسكونه وتأتون: في الأصل.
(4)
يا ما جرى: في الأصل.
فكتب عليهم إشهادات بالقسامات أن لا يَعْصر أحدٌ عنبًا للخمر، ولا يستعمل بضيعتها، فمن ظهر عليه بذلك كان عند ألف دينار لبيت مال المسلمين، بعد الضرب الشديد والتشهير.
ونشر العدل، ورفع الظلم، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر.
ثم طلب الولاة والدواوين والعمال، وقال لهم: بلغني أنكم تأخذون الرشى والبراطيل، وتضيعون حقوق الناس، وأنا أقسم بالله العظيم أن أي مَنْ بلغني عنه أنه أخذ من أحد درهمًا فردًا بغير حق قطعت يده.
قال الراوي: وبقيت مدة سبع شهور ما يعرف له مملوك، لقلة حرمتهم بين الناس، وأي من اشترى شيئًا من مماليكه يبيع له السُّوقي ما يساوي الدرهم بدرهمين، فشكي المماليك ذلك إلى كراي أستاذهم، فقال لهم: أما البيع والشراء فمراضاة، وأما الحرمة فتريدون منى أن أعمل مثل غيري، وأدخل جهنم بسببكم؟ لا كان ذلك أبدًا، ونهاهم عن مخالطة الناس، وقال: لا جاه إلا جاه الله الدائم الباقى.
ذكر ما جرى على طوغان نائب البيرة
قد ذكرنا أن سيف الدين كراي كان قد مسك اسندمر الكرجي نائب حلب، وذلك قبل مجيئة إلى نيابة دمشق، وكان لما مسكه قال للأمراء: قد بقى أمر آخر وفيه خطر، نريد أن نفعله قبل فواته، فقالوا: ما هو؟ قال: اطلبوا إلى براج
(1)
حلب، فطلبوه، فحضر، فقال له: عندك حمام للبيرة؟ فقال: نعم، قال: هات لي نوبة حمام، فكتب لطوغان نائب البيرة كتابًا: أن في النهار الذي وصلنا إلى حلب قبضنا على نائبها اسندمر، فهرب من مماليكه جماعة وطلبوا التعدية من الفرات، ووجهنا خلفهم أمراء وعربانًا، فحال وقوفك على الكتاب تنزل بمن معك من القلعة وتمسك المخائض، وإياك أن يفوتك فيقع عليك
(1)
البراج: هو الذي يحمل بريد الحمام، أو يقدمه إلى السلطان، إلا أن كاتب السر هو الذي يقرأه، صبح الأعشى 14/ 489.
الإنكار من الأبواب العالية.
وكان كراي قد كتب إلى والى الحجر في البيرة، وللمقدمين بها: بأني أنا واصل إليكم، فامسكوا طوغان وأنزلوه لي.
فلما جاء الحمام إلى طوغان، وقرأ الكتاب الذي هو معلق بالحمام، اصفر لونه، وتغير ذاته، حتى أنكر حاله كل من كان حوله، فقالوا له: مالك؟ فقال: قبضوا على أسندمر، فقال له ابنه: فماذا يكون العمل؟ قال: تركب الساعة، أنت وكل مَنْ في القلعة، فيروح بعضكم إلى المخائض، وبعضكم إلى الطرقات، وإياكم أن يفوتكم أحد.
فركبت بحرية
(1)
القلعة مع ابن طوغان، والتركمان [الذين]
(2)
في القلعة من مماليك طوغان، ولا بقى من البحرية لا كبير ولا صغير حتى خرجوا مع ابن طوغان، وباتوا تلك الليلة، فلما أصبحوا جاء خادم طوغان إليه، وأعلمه بأن شحنه الجسر، على الباب يذكر أن: كراي المنصوري قد وصل إلى الجسر، ومعه مقدار خمسمائة فارس، وهو يطلب العبور.
فلما سمع طوغان ذلك حار واندهش، ثم قال لمن حوله: ماذا تَرون من المصلحة؟ قالوا: الرأي رأيك، فقال: أنا ما أمكن أحدًا من العبور إلينا، فنخليهم ينزلون من ذلك الجانب، ونحن ننقل إليهم ما يحتاجون من المأكول والمشروب، فإن كان معه مرسوم السلطان بالعبور فليعبر.
فقال والى الحجر وأسباسلار
(3)
: نحن ما نسمع هذا الكلام، تقول: خلوا كراي واقفًا هناك، وأمس مسك أسندمر، وهو أمين السلطان في الشام.
(1)
بحرية القلعة: المقصود حرس القلعة، ينظر المعنى الاصطلاحي للفظ "البحرية": محمد مصطفى زيادة، بعض ملاحظات جديدة في تاريخ دولة المماليك بمصر، مجلة كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة) المجلد الرابع - الجزء الأول مايو 1936.
(2)
الذي: في الأصل.
(3)
أسبا سلار: تحريف عامى للفظ اسفهسلار، ومعناه في الأصل مقدم العسكر، ينظر صبح الأعشى 3/ 479، 483.
فقال طوغان: ويل لكم يا كلاب، مَنْ يحكم عَلَىَّ ويفتح الباب؟ فقال له والى الحجر: يا طوغان، راح الذي كنت فيه من الفشر والهذيان، ثم تواثبوا عليه مثل العقبان، فضرب بيده إلى سيفه، فهجموا عليه، وقبضوه، وقيدوه على باب داره، وأخذوا مفاتيح القلعة والجسر، وودوها إلى كراي، ومعهم طوغان مقيدًا، ولم يحضره كراي، [وتحدث]
(1)
مع والى الحجر فيما جرى لهم معه.
ووقع بذلك فرح عظيم في البيرة وبلادها، لأن طوغان قد زاد فجوره وطغيانه وفسقه في حريم الناس وأولادهم، وكان إش امرأة
(2)
سمع بها أنها ذات حسن وجمال أرسل إليها وأخذها باليد، وإن كان لها رجال أهلكهم، حتى هتك حريمًا كثيرًا في البيرة، فلما كان ذلك اليوم نزلت عليهم الرحمة، ووصل الخبر إلى ابنه ومماليكه، وكانوا على المخائض، وطلبوا الهروب إلى التتار، ومنعهم سليمان بن مهنا.
وأما كراي فإنه أمر لوالى الحجر أن يحكم في البيرة إلى أن يجيئها النائب، ثم سار طالبًا حلب، ووصل ابن طوغان ومن معه، فلم يمكنوهم من الطلوع إلى القلعة.
وأما كراي فإنه وصل إلى حلب، وحال وصولهم جهز طوغان مع أميرين من المصريين إلى السلطان، وكتب معهم مطالعة يقول فيها: قبضنا أعداء مولانا السلطان بسعادته، وهذا وقت المغل، والأجناد ضعفاء يسألون حسن النظر الشريف في حالهم، وأقام ينتظر الجواب، ثم بعد ذلك جاء قراسنقر نائب دمشق إلى حلب نائبًا بها، وتوجه كراي إلى دمشق نائبًا كما ذكرناه مفصلا
(3)
.
ثم في يوم من الأيام جاء طوغان نائب البيرة من مصر، ومعه توقيع السلطان بشد دمشق، فأعرض توقيعه على كراي واستمر به، ولكنه تعجب من أمره عجبًا شديدًا، وقال: يا لله العجب، هذا قد راح إلى مصر في قيد، وفعل في البيرة ما لم يفعله أحد، ثم رضي
(1)
وحدث: في الأصل.
(2)
المقصود: أي إمرأة.
(3)
ينظر ما سبق ص 190.
عليه السلطان وولاه وظيفة، إن هذا أمر عجيب.
ذكر قضية أمير موسى بن الملك الصالح
قال ابن كثير: وفيها بلغ السلطان أن بتخاص حَسَّن للأمير موسى
(1)
الخروج على عمه الملك الناصر، وطلب المُلك لنفسه، واتفقا على ذلك، واعتضد بالمماليك المظفرية الركنية، وكانوا متفرقين عند الأمراء، وتقرر معهم أن يثب كل مملوك على الأمير الذي هو عنده فيقتله، فطلب السلطان بتخاص، وكان ساكنًا بالقلعة، ففهم بالأمر، فأغلق داره وامتنع بها، وصعد مماليكه على أعلى الدار بالقسي للممانعة، وقصد هو خلع الشباك الحديد والخروج منه، فوجه السلطان جماعة من الوشاقية
(2)
وغيرهم، فوقفوا تحت الشباك، وآخر حاله أنه أُحضر فقُبض عليه.
ثم طلب الأمير موسى، ابن أخيه الملك الصالح، فهرب، واشتد الأمر في طلبه، ثم ظفروا به عند بلبان استادار سيف الدين قطز بن الفارقاني بحارة زويلة، فقُبض عليه، وعلى الذي وُجد عنده، وأحضر بين يدي السلطان، فأمر بتشهير الذي أخفاه، فسُمِّر وطيف به على جمل، ثم وقعت الشفاعة فيه فأُطلق، وقرر أمير موسى وبتخاص فأقرا على جماعة من المماليك المظفرية، فقُبض عليهم، وأدخل أمير موسى إلى بعض قاعات القصر، وأشيع أنه سفره إلى
(3)
اليمن، ثم أظهر موته في العشر الأول من صفر سنة ثلاث عشرة
(4)
، وأمر بعمل عزائه
(5)
.
(1)
هو: موسى بن على بن قلاوون، أشيع موته سنة 718 هـ/ 1317 م، الدرر الكامنة 5/ 148 - 148، رقم 4887، وينظر أعيان العصر 5/ 480 رقم 1894.
(2)
الوشاقية = الأوجاقية: أوشاقى - أجاقى: الذي يتولى ركوب الخيل للتسيير والرياضة، صبح الأعشى 5/ 454.
(3)
وأمر بعمل عزائه: في الأصل، وهو سبق نظر مما يلى:
(4)
ينظر هامش (2) بالصفحة السابقة.
(5)
لم يرد هذا الخبر في المطبوع من البداية والنهاية، وينظر ما ورد في التحفة الملوكية 224.
وفيها بلغت زيادة النيل
(1)
.
وفيها حج بالناس الأمير علاء الدين الشمسي التليلي
(2)
بالركب المصرى، وبالركب الشامي الأمير زين الدين كتبغا
(3)
رأس نوبة المنصوري.
(1)
في هذه السنة لم يحرر الماء القديم، ومبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعًا وثلاث أصابع، وكان وفاء النيل يوم النيروز، ينظر النجوم الزاهرة 9/ 217، تقويم النيل 1/ 172 - 173.
(2)
هو: أيدغدى التليلي، مات بطالا بدمشق سنة 728 هـ/ 1328 م، الدرر الكامنة 1/ 454، رقم 1115.
(3)
هو: كتبغا، الأمير زين الدين، صاحب الشام، توفي سنة 721 هـ/ 1321 م، الوافي بالوفيات 24/ 320، رقم 336، المنهل الصافي 9/ 118، رقم 1905.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
• قاضي القضاة العلامة شمس الدين أبو العباس أحمد
(1)
بن إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق السروجي الحنفي.
تفقه على القاضي صدر الدين سليمان
(2)
بن أبي العز بن وهيب، وعلى أبي الطاهر إسحاق
(3)
بن على بن يحيى الشيخ نجم الدين وصاهره، وولى الحكم بمصر مدة، وعزل قبل موته بأيام.
وكان بارعًا في علوم شتى، وله اعتراضات على ابن تيمية في علم الكلام، ووضع شرحًا على الهداية
(4)
وسماه: الغاية، ولم يكمله، ولو كمل هذا لكان يحصل به الاستغناء عن شروح الهداية كلها وعن غيرها، فإنه سلك طريقة لم يسلكها أحد قبله.
وولد سنة تسع، وقيل سبع، وثلاثين وستمائة، وتوفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ربيع الآخر
(5)
من هذه السنة، بالمدرسة السيوفية
(6)
، ودفن من يومه بتربته بقرافة مصر، جوار قبة الإمام الشافعي، رضي الله عنه.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 172، تاريخ البرزالي 3/ 466 رقم 1103، تالي كتاب وفيات الأعيان 8 رقم 7، الوافي بالوفيات 30/ 49، رقم 68، أعيان العصر 1/ 159 رقم 70، تذكرة النبيه 2/ 31، تاج التراجم 11 رقم 25، البداية والنهاية 18/ 107، الدر الكامنة 1/ 96 رقم 241، المقفي الكبير 1/ 348 رقم 409، السلوك 2/ 94، النجوم الزاهرة 9/ 212، المنهل الصافي 1/ 201 رقم 102.
(2)
توفي سنة 677 هـ/ 1278 م، ينظر الوافي بالوفيات 15/ 404 رقم 552، المنهل الصافي 6/ 57 رقم 1101.
(3)
توفي سنة 711 هـ/ 1311 م، الدرر الكامنة 1/ 381، رقم 892، المنهل الصافي 2/ 363 رقم 409.
(4)
هو كتاب: الهداية - في الفروع، لشيخ الإسلام علي بن أبي بكر المرغنياني الحنفي، المتوفى سنة 593 هـ/ 1196 م، شرحه السروجي في مجلدات ولم يكمله، ثم أكمله القاضي محمد الديوي المتوفي سنة 867 هـ/ 1462 م، ينظر كشف الظنون 2/ 2031 - 2033.
(5)
يوم الخميس ثالث عشري رجب: في السلوك 2/ 94.
(6)
المدرسة السيوفية: أوقفها السلطان صلاح الدين الأيوبي على الفقهاء الحنفية سنة 566 هـ/ 1170 م، ينظر المواعظ والاعتبار المجلد الرابع 460.
• الشيخ كريم الدين أبو القاسم عبد الكريم
(1)
بن الحسين الأملى شيخ الشيوخ بالديار المصرية.
وكان عنده تجريد، وله وصلة بالأمراء والدولة، وعُزل مرة بابن جماعة، ثم أعيد.
وكانت وفاته ليلة السبت سابع
(2)
شوال بخانقاه سعيد السعداء، وتولى بعده علاء الدين القونوي
(3)
.
• الشيخ الإمام العالم العلامة نجم الدين أحمد
(4)
بن محمد بن الرفعة.
وإليه كانت حسبة مصر، وكان مشارًا إليه في مذهب الشافعي، وله من المصنفات كتاب النبيه في شرح التنبيه
(5)
، وغير ذلك.
قلت: شرح التنبيه في اثني عشر مجلدًا
(6)
، وله شرح الوسيط
(7)
في أربعين مجلدًا.
توفي في ثامن عشر رجب، ودفن بالقرافة، ولم يزل محتسبًا بمصر إلى أن مات،
(1)
وله أيضًا ترجمة في نهاية الأرب 32/ 174، البداية والنهاية 18/ 108، الوافي بالوفيات 19/ 77 رقم 73، أعيان العصر 3/ 133 رقم 1022، السلوك 2/ 95، الدرر الكامنة 3/ 10 رقم 2480، المنهل الصافي 7/ 335 رقم 1470.
(2)
تاسع: في السلوك 2/ 95.
(3)
هو: على بن إسماعيل بن يوسف القونوي الشافعي، توفي بدمشق سنة 729 هـ/ 1328 م، تذكرة النبيه 2/ 192.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 483 رقم 1160، نهاية الأرب 32/ 174، البداية والنهاية 18/ 108، الوافي بالوفيات 7/ 395 رقم 3392، أعيان العصر 1/ 324 رقم 169 الدرر الكامنة 1/ 303 رقم 730، تذكرة النبيه 2/ 23، المقفي الكبير 1/ 623 رقم 609، السلوك 2/ 94، النجوم الزاهرة 9/ 213، المنهل الصافي 2/ 82 رقم 256.
(5)
هو كتاب: التنبيه، في فروع الشافعية للشيخ إبراهيم بن علي الشيرازي، المتوفي سنة 476 هـ/ 1083 م، ينظر كشف الظنون 1/ 489 وما بعدها.
(6)
خمسة عشر مجلدًا: في الوافي بالوفيات 7/ 395.
(7)
هو كتاب: شرح الوسيط للإمام الغزالي، وهو في فقه الإمام الشافعي، وشرحه ابن الرفعة في ستين مجلدًا، ينظر كشف الظنون 2/ 208.
رحمه الله.
• القاضي شهاب الدين أحمد
(1)
بن علاء الدين علي بن عبادة.
كان من أعيان الكتاب، وكان اختص بالملك الناصر وولي وكالته والنظر على خاصته بالديار المصرية والبلاد الشامية.
مات في هذه السنة
(2)
، وتولى بعده كريم الدين أبو الفضل عبد الكريم
(3)
بن العلم بن السديد، أحد كتاب الأقباط، وكان قبل ذلك صاحب ديوان الركن الجاشنكير.
• الفقيه الكبير عز الدين [عبد العزيز]
(4)
بن عبد الجليل النمراوى الشافعي
كان فاضلًا بارعًا، صاحب سلار وارتفع بسببه، مات في هذه السنة
(5)
.
• القاضي عز الدين الحسن
(6)
بن الحارث بن مسكين القرشي الزهري الشافعي.
توفي بمصر بداره ليلة السبت ثامن جمادى الأولى، ودفن بالقرافة.
وكان من أعيان فقهاء الشافعية، وكان مدرسًا بالشافعي، وعُيِن لقضاء الشام فامتنع منه تزهدًا، رحمه الله.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 173، تاريخ البرزالي 3/ 471 رقم 1117، تالي كتاب وفيات الأعيان 33 رقم 45، الوافي بالوفيات 7/ 245 رقم 3210، الدرر الكامنة 1/ 210 رقم 543، السلوك 2/ 95.
(2)
ليلة الأحد سادس عشر جمادى الأولى: في تاريخ البرزالي.
(3)
هو: عبد الكريم بن هبة الله بن السديد المصري، قتله الملك الناصر سنة 724 هـ/ 1323 م، الدرر الكامنة 3/ 15 رقم 2491، المنهل الصافي 7/ 345 رقم 1475.
(4)
إضافة للتوضيح.
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 494 رقم 1188، البداية والنهاية 18/ 108، أعيان العصر 3/ 99 رقم 987، الدرر الكامنة 2/ 481 رقم 2431، السلوك 2/ 94.
(5)
في تاسع ذي القعدة: في تاريخ البرزالي، أعيان العصر.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 172، تاريخ البرزالي 3/ 470 رقم 1113، تذكرة النبيه 2/ 24.
• القاضي بدر الدين أبو البركات عبد اللطيف
(1)
بن قاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رُزين الحموي.
توفي يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الآخرة بالقاهرة
(2)
، ودفن عند والده بالقرافة، وولد بدمشق سنة تسع وأربعين وستمائة، وكان قاضي العسكر.
• القاضي بهاء الدين عبد الرحمن
(3)
بن الخطيب عماد الدين على بن [السكري]
(4)
.
توفي بمصر ليلة السبت حادي عشر رجب، ودفن بالقرافة في حياة والده.
• الشيخ بهاء الدين أبو الحسن علي
(5)
بن الفقيه عيسى بن سليمان بن رمضان الثعلبي المعروف بابن القيم.
توفي بالقاهرة يوم السبت السادس والعشرين من ذي القعدة، ودفن بالقرافة، وكان قد انفرد بالرواية عن الشيخ شمس الدين الفارسي
(6)
، وكان ناظر الأحباس، وولي التركة الظاهرية، وصاهر الصاحب بهاء الدين بن حنا
(7)
.
ولد سنة ثلاث عشرة وستمائة، وكان صحيح العقل والحواس.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 172، تاريخ البرزالى 3/ 476 رقم 1138، تالي كتاب وفيات الأعيان 124 رقم 193، الوافي بالوفيات 19/ 117 رقم 102، الدرر الكامنة 3/ 23 رقم 2500.
(2)
ورد ذكر وفاة صاحب الترجمة سنة 711 هـ: في شذرات الذهب 6/ 26.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 174، تاريخ البرزالي 3/ 482 رقم 1156، الدرر الكامنة 2/ 444 رقم 2327، السلوك 2/ 96.
(4)
السكر: في الأصل، والتصويب من مصادر الترجمة.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 175، تاريخ البرزالي 3/ 494 رقم 1189، الوافي بالوفيات 21/ 371 رقم 243، أعيان العصر 3/ 469 رقم 1199، السلوك 2/ 96، الدرر الكامنة 3/ 164 رقم 2834.
(6)
هو: محمد بن إبراهيم بن أحمد الفارسي، المتوفي سنة 622 هـ/ 1225 م، العبر 5/ 91.
(7)
هو علي بن محمد بن سليم، بهاء الدين بن حنا، وزير السلطان الملك الظاهر بيبرس، والمتوفي سنة 677 هـ/ 1278 م، ينظر عقد الجمان 2/ 207، المنهل الصافي 8/ 150 رقم 1632.
• الصاحب أمين الدين أبو بكر
(1)
بن الوجيه عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن الرقاقى
(2)
، ناظر الدواوين بديار مصر.
مات ليلة الأحد الثالث والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بتربته بالقرافة، وكان دينًا خيرًا كثير الإحسان إلى الناس.
• الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أبو العباس أحمد
(3)
بن شرف الدين حسن بن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي.
مات بداره بدير الحنابلة
(4)
بسفح قاسيون، ودفن بتربة الشيخ أبي عمر
(5)
.
كان من أعيان الحنابلة، ودرس بالصالحية، وولى الإمامة بمحراب الحنابلة بالجامع الأموي، وولي أيضًا قضاء القضاة بالشام.
ومولده في المحرم سنة ست وخمسين، ومات في ربيع الأول منها
(6)
.
• الشريف شمس الدين محمد
(7)
بن على بن أبي طالب، المعروف بعطوف العطار.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 173، تاريخ البرزالي 3/ 471 رقم 1119، البداية والنهاية 18/ 107، الوافي بالوفيات 10/ 237 رقم 4729، الدرر الكامنة 1/ 478 رقم 1192، السلوك 2/ 95، المنهل الصافي 12/ 289 رقم 2761.
(2)
ابن الدقاقى: في تاريخ البرزالي.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 463 رقم 1097، الدرر الكامنة 1/ 128 رقم 333، وينظر الدارس 2/ 37 - 38.
(4)
دير الحنابلة: في الناحية الشرقية لجبل قاسيون بصالحية دمشق، كان ديرا لجماعة من الرهبان، فاتفق أنهم أحدثوا أمرًا فأخرجوا منه، يراجع خطط الشام 6/ 29.
(5)
هو محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، الشيخ أبو عمر، المتوفي سنة 607 هـ/ 1210 م، ينظر ما ورد عن جامع الجبل المشهور بجامع الحانبلة، وبالمظفري، بسفح قاسيون بدمشق، في الدارس 2/ 435، وما بعدها، العبر 5/ 25.
(6)
توفي ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول: في تاريخ البرزالي.
(7)
وله أيضًا ترجمة في: المقفي الكبير 6/ 301 رقم 2761، السلوك 2/ 95، الدرر الكامنة 4/ 185 رقم 4054.
مات في هذه السنة
(1)
ودفن خارج باب النصر.
وكانت روايته عالية، روي صحيح مسلم عن المشايخ الاثني عشر، وله إجازات عوال من بغداد وغيرها.
• الشيخ كمال الدين إسحاق
(2)
بن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق النحاس الأسدي.
مات بدمشق
(3)
، ودفن بمقابر الباب الصغير.
كان كثير السماع، وحدث به، وجاوز الثمانين سنة.
• القاضي جلال الدين أبو المحاسن يوسف
(4)
بن سعد بن الحسن النابلسي الأصل، الدمشقي، الشافعي.
كان فقيهًا فاضلًا، وله سماع كثير، سمع: الشرف المرسي، والإسفرائني، وشيخ الشيوخ الحموي، وابن عبد الدايم.
مات ببعلبك
(5)
ودفن بباب سطحا.
• القاضي الإمام محي الدين يحيى
(6)
بن صالح بن عتيق الزواوي المالكي.
مات بالمدرسة الشرابشية
(7)
بدمشق، وصُلِّى عليه يوم عيد الفطر، ودفن بمقبرة
(1)
خامس جمادى الآخرة: في المقفي الكبير، السلوك 2/ 95، وورد: مات في جمادى الأولى 720 هـ: في الدرر الكامنة.
(2)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 486 رقم 1168، تذكرة النبيه 2/ 23، الدرر الكامنة 1/ 379 - 380 رقم 888، المنهل الصافي 2/ 356 - 357 رقم 403.
(3)
ليلة السبت السادس عشر من شهر رمضان: في تاريخ البرزالي.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 487 رقم 1170، الدرر الكامنة 5/ 258 رقم 5188.
(5)
في الخامس والعشرين من رمضان: في تاريخ البرزالي.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 488 رقم 1172، أعيان العصر 5/ 560 رقم 1938، الدرر الكامنة 5/ 191 رقم 5013.
(7)
المدرسة الشرابشية بدمشق: بدرب الشعانين داخل باب الجابية، أنشأها شهاب الدين بن نور الدولة بن محاسن الشرابيشي، التاجر السفار، ينظر الدارس 1/ 494.
الشريف زين الدين بن عدنان، بالقرب من مسجد الريان
(1)
.
كان فقيهًا فاضلًا، ناب عن قاضي القضاة جمال الدين المالكي
(2)
بدمشق، وكان متواضعًا دينًا.
• الحكيم الفاضل عفيف الدين عمران
(3)
بن على بن عمران الدمشقي الفراء.
مات فيها
(4)
، ودفن بقاسيون، وكان طبيبًا جيدًا، عاقلًا، يحب الفقراء ويصحبهم، صحب ابن هود
(5)
ودخل معه اليمن، وكان كثير الأمراض.
• الشيخ الإمام العالم رضى الدين أبو بكر
(6)
بن محمود بن أبي بكر الرقي الحنفي، المعروف بالمقصوص.
مات بدمشق، ودفن بالباب الصغير.
كان فقيهًا فاضلًا، عالمًا، وله اشتغال بعدة علوم، درس بالمدرسة العزية
(7)
بالشرف الشمالى ظاهر دمشق إلى حين وفاته.
• الشيخ الزاهد العابد شمس الدين محمد
(8)
الكردي، المعروف باللاوي، المقيم بحرم القدس الشريف.
مات في ذي الحجة، كان من الصلحاء المجتهدين في العبادة، رحمه الله.
(1)
لعله مسجد الذبان خارج باب الجابية بدمشق، ينظر الدارس 2/ 181، 626.
(2)
هو: محمد بن سليمان بن سومر البربري الزواوي المالكي، المتوفي سنة 717 هـ/ 1317 م، ينظر الوافي بالوفيات 3/ 137 رقم 1079، البداية والنهاية 18/ 171.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 489 رقم 1174.
(4)
ليلة الثلاثاء عاشر شوال: في تاريخ البرزالي.
(5)
هو: حسن بن علي بن يوسف بن هود المرسي، الشيخ الزاهد، المتوفي سنة 699 هـ/ 1299 م، العبر 5/ 397، تذكرة النبيه 1/ 231، وينظر عقد الجمان 4/ 109 - 113.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: النجوم الزاهرة 9/ 213.
(7)
المدرسة العزية البرانية: وقفها بالشرف الأعلى شمالي ميدان القصر خارج دمشق الأمير عز الدين أيبك أستادار المعظم المعروف بصاحب صرخد، المتوفى سنة 645 هـ/ 1247 م، الدارس 1/ 550 وما بعدها.
(8)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 495 رقم 1191.
• الشيخ الإمام العلامة قطب الدين محمود
(1)
بن مسعود الشيرازي.
كان فاضلًا في العلوم الفلسفية والأصول والمنطق والحكمة، وله في ذلك مصنفات
(2)
، وولى قضاء الروم مدة، ولم يباشر، لكن كان له نواب في البلاد، وكانت له إطلاقات وإدارات على ملوك التتار والأمراء وغيرهم.
وكان من تلامذة النصير الطوسي
(3)
، وبنى له بتبريز تربة، أنفق عليها جملة من الأموال ودُفن بها، وأغلق البلد يوم وفاته
(4)
.
وكان قاضيًا لحوائج الناس، وله الجاه العريض عند ملوك الشرق، وخلف جملة كثيرة من المال، وكان قد بلغ الثمانين
(5)
.
• الشيخ الفاضل الأديب شهاب الدين أحمد
(6)
بن عبد الملك بن عبد المنعم بن عبد العزيز العزازي.
التاجر بقيسارية جركس
(7)
، الشاعر المشهور.
مات في هذه السنة، ودفن بسفح المقطم.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 487 رقم 1171، الوافي بالوفيات 25/ 362 رقم 198، أعيان العصر 5/ 409 رقم 1848، الدرر الكامنة 5/ 108 رقم 4785، السلوك 2/ 96، النجوم الزاهرة 9/ 213، المنهل الصافي 11/ 224 رقم 2500.
(2)
ينظر هدية العارفين 2/ 406.
(3)
هو: محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، نصير الدين، المتوفي سنة 672 هـ/ 1273 م، ينظر العبر 5/ 300، المنهل الصافي 11/ 27 رقم 2344.
(4)
رابع عشري شهر رمضان: في أعيان العصر.
(5)
ولد في صفر 634 هـ بمدينة شيزر: في الدرر الكامنة.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: الوافي بالوفيات 7/ 148 رقم 3079، فوات الوفيات 1/ 95 رقم 41، المقفي الكبير 1/ 509 رقم 494، السلوك 2/ 95، الدرر الكامنة 1/ 205 رقم 497، النجوم الزاهرة 9/ 214، المنهل الصافي 1/ 362 - 373 رقم 196.
(7)
قيسارية جهاركس بالقاهرة: أنشأها الأمير جهاركس بن عبد الله الناصري سنة 592 هـ/ 1195، ينظر المواعظ والاعتبار، المجلد الثالث 289 - 294.
كان متقدمًا في فنه، مطبوعًا، جيد النظم في الشعر والموشحات والأزجال، ومن شعره:
تعشقته ساحر المُقلتين
…
كبدر يلوحُ وغصن يميلُ
إذ احمرَّ من وجنتيه الأسيل
…
واحور من مقلتيه الكحيل
فقل [للشقائق]
(1)
ماذا ترين
…
وللنرجس الغض ماذا تقول
وقالوا: ذبول بأعطائه
…
فقلت: يزين القناة الذبول
وعابوا تمرض أجفانه
…
فقلت: أصح النسيم العليل
وكتب إلى ناصر الدين بن النقيب
(2)
ملغزا في شَبَّابه أحسن فيه كل الإحسان:
وما صفراء شاحبة ولكن
…
يزينها النضارة والشباب
مُكتَّبة وليس لها بنان
…
منقبة وليس لها نقاب
تصيخ
(3)
لها إذا قبلت فاها
…
أحاديثا تلذ وتستطاب
ويحلو المدح والتشبيب فيها
…
وما هي لا سُعاد ولا الرباب
فأجابه ناصر الدين عن قوله:
أنت عجمية أعربت عنها
…
لسلمان يكون لها انتساب
(1)
للشايق: في الأصل، والتصويب من الوافي بالوفيات 7/ 150.
(2)
هو: الحسن بن شاور بن طرخان الكناني، المعروف بابن النقيب، المتوفي سنة 687 هـ/ 1288 م، ينظر عقد الجمان 2/ 376، المنهل الصافي 5/ 81 رقم 901.
(3)
يصيخ: استمع وأنصت لصوته: لسان العرب، مادة صيخ.
وتفهم ما تقول ولا سؤال
…
إذا حققت ذاك ولا جواب
يكاد لها الجماد يهز عطفا
…
ويرقص في زجاجته الحباب
وله:
إن كنت تقبلنى عبدًا بلا ثمن
…
رأيتها مِنَّه من أعظم المنن
يا معرضًا عن عتابي في محبته
…
كمثل إعراض أجفاني عن الوسن
ولم يمر له شخص على بصرى
…
لكن أحاديثه مرت على أذني
وله موشح:
يا فؤادي ذُب بنار الحسرات
…
دون هاتيك الثنايا الخفرات
أنا مفتون بمعسول اللما
…
فضح الغيد وأزرى بالدما
كيف يروي ما بقلبي من ظما.
وأرى ناظره بالرشفات
…
ما نعى من سلسبيل الرشفات
وشادن حلو مذاق القبل
…
قد تحلى جيده بالعطل
دو جفون ساحرات المقل
قتلت عشاقها بالفترات
…
ألها عند المحبين ترات
خصره ألبسني ثوب الضنا
…
وجنى فيه على ضعفي جني
كلما هَزَّ قوامًا ورَنَى
أَخَذَت عنه الغصون الثغرات
…
واستعار الظبي منه النظرات
قمرى الوجه ليلى الشعر
…
سحرى النشر سحرى النظر
نرجسي اللحظ وردي الخفر
كتبت أصداغُه في الوجات
…
لا سبيل لا سبيل للحياة
يا شقيق البدر بدر الظلم
…
هب جفوني زورة في الحلم
وَانَه أحداقك من سفك دمي
أنا أخشاها ولا أخشى الكماة
…
أرى فيها حياتي ومماتي
ليس مع حَيَّات صدغك حياه
…
فاشف حر الوجد من برد الشفاه
وأوف لي بالوعد من قبل الوفاه
ومتى لم توف لي منك العدات
…
بلغت منى أمانيها العُداة
• الحكيم الأديب الخليع شمس الدين محمد
(1)
بن دانيال الموصلي.
صاحب الكتب الغريبة
(2)
والنوادر العجيبة، وهو مصنف كتاب: طيف الخيال.
وكان كثير المجون والخلاعة، وكان له دكان كحال داخل باب الفتوح، وكان أعجوبة في
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 477 رقم 1139، تالي كتاب وفيات الأعيان 158 رقم 263، الوافي بالوفيات 3/ 51 رقم 951، مسالك الأبصار 19/ 153 رقم 18، فوات الوفيات 3/ 330 رقم 443، المقفي الكبير 5/ 639 رقم 2230، السلوك 2/ 95، الدرر الكامنة 4/ 54 رقم 3685، النجوم الزاهرة 9/ 215، المنهل الصافي 10/ 46 رقم 2136.
(2)
ينظر هدية العارفين 2/ 141.
النوادر والأجوبة.
ولد بالموصل سنة سبع وأربعين وستمائة، ومات في الثامن والعشرين
(1)
من جمادي الآخرة منها بمصر.
ومن شعره:
قد عقلنا والعقل أي وثاق
…
وصبرنا والصبر مر المذاق
كل من كان فاضلًا كان مثلي
…
فاضلًا عند قسمة الأرزاق
وله:
ما عاينت عيناي عطلتي
…
أَيْشَم
(2)
من حظي ومن بختي
قد بعت عبدي وحماري
(3)
وقد
…
أصبحت لا فوقي ولا تحتى
وله في أقطع:
(4)
وأقطع قلت له
…
"هل أنت"
(5)
لص أو حد
فقال تلك
(6)
صنعة
…
ما عاد
(7)
لي فيها يد
(1)
مات في 12 جمادي الآخرة: في الدرر الكامنة 4/ 65.
(2)
أقل: في الوافي بالوفيات 3/ 53، النجوم الزاهرة 9/ 215، المنهل الصافي 10/ 47.
(3)
وحصاني: في الوافي بالوفيات، النجوم الزاهرة 9/ 215، المنهل الصافي.
(4)
وله في الزئبق الأقطع: في الوافي بالوفيات، المنهل الصافي 10/ 48.
(5)
أأنت: في الوافي بالوفيات 3/ 54.
(6)
هذي: في الوافي بالوفيات، النجوم الزاهرة، المنهل الصافي.
(7)
لم يبق: في النجوم الزاهرة.
وصحبه ولد القسيس المَلُكِي
(1)
، وكان جميل الصورة خاف والده عليه، فكتب إليه:
قل للقسيس يومًا
…
والورى يفهم قصدي
ما الذي أنكرت من نجلك
…
إذا خلص ودي
خفت أن يَسْلَم عندي
…
هو ما يُسْلم عندي
وقال في الحشيش:
قل للذي ترك الحشيشة جاهلًا
…
وله بكاسات المدام وُلُوع
إن المدامة إن أردت تطوعًا
…
لهي المحرم والحشيش ربيع
وله:
قل للذي غدت جوائز مدحهم
…
رقعًا على ذي عشرة مُدَّاق
جيناكم بالكذب في أوراقنا
…
فأجزتم بالكذب في الأوراقي
وله:
قد قام ناعي الدجى على ساقي
…
يا حاسي الكأس نَبِّه السَّاقي
وبَشَّرت بالصباح ساجعة
…
خضيبة الكف ذات أطواق
ورقاء تشدو بعودها طربًا
…
محجوبة منه بين أوراق
(1)
القسيس: مرتبة من مراتب رجال الدين المسيحي، الملكي: نسبة إلى طائفة مسيحية عرفت باسم النصارى الملكية: ينظر صبح الأعشى 5/ 473، المواعظ والاعتبار، المجلد الرابع 1055.
وللصبا في الرياض إذا نعس
…
النرجس بالطل مشي سَرَّاق
فاغتنم العمر في أوائله
…
فلست تدري أواخر الباق
• الطواشي شهاب الدين مرشد
(1)
الخازندار المنصوري.
كان كبير الخازندارية، وزمام الآدر الشريفة السلطانية، وشيخ الخدام النبوية، وناظر المارستان المنصوري والأوقاف، والتربتين المنصورية والأشرفية
(2)
، وكانت هذه الوظائف بيده.
وكان خيرًا دينًا، مات بداره في القاهرة ليلة الخميس ثالث ذي القعدة منها، بعد أن أعفى عن الإمرة.
• الأمير أقجبا
(3)
المنصوري.
مات بدمشق
(4)
في هذه السنة، ودفن بتربته خارج باب الجابية، وكان من خيار الأمراء ديانة وعفة وأمانة، ولى نيابة بعلبك، ثم نقل إلى شد دمشق، ثم إلى نيابة غزة، ثم استقر مقدمًا بدمشق إلى أن مات.
• الأمير الكبير الحاج بهادر
(5)
المنصوري نائب طرابلس.
مات في هذه السنة
(6)
.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 175، كنز الدرر 9/ 210، تاريخ البرزالي 3/ 494 رقم 1187، السلوك 2/ 96، الدرر الكامنة 5/ 114 رقم 4800، وفيه أن صاحب الترجمة توفي سنة 716 هـ.
(2)
التربتان المنصورية والأشرفية تحت القبة بالبيمارستان المنصوري، ينظر المواعظ والاعتبار، المجلد الرابع 513 - 514، المنهل الصافي 5/ 278.
وعن أوقاف البيمارستان المنصوري، ينظر وثائق وقف السلطان قلاوون على البيمارستان المنصوري، وفهرست وثائق القاهرة.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 175، تاريخ البرزالي 3/ 464 رقم 1098، الدرر الكامنة 1/ 421 رقم 1012.
(4)
ليلة الاثنين التاسع عشر من شهر ربيع الأول: في تاريخ البرزالي.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 464 رقم 1099، كنز الدرر 9/ 210، تالي كتاب وفيات الأعيان 8 رقم 7 الوافي بالوفيات 10/ 295 رقم 4809، المقفي الكبير 2/ 504 رقم 982، السلوك 2/ 96، الدرر الكامنة 2/ 33 رقم 1369، المنهل الصافي 3/ 436 رقم 712.
(6)
في ربيع الآخر: في السلوك 2/ 96.
• الأمير قشتمر
(1)
الشمسي.
توفي فيها بدمشق.
• الأمير جمال الدين أقوش
(2)
الموصلي، المعروف بقتال السبع، أمير علم.
مات بمصر في تاسع
(3)
رجب منها، ودفن بالقرافة.
• الأمير خضر
(4)
بن الخليفة المستكفى بالله العباسي.
توفي في الثالث من جمادى الأولى، ودفن بالتربة التي بجوار السيدة نفيسة
(5)
، رضي الله عنها.
• الأمير بُرُلُغى
(6)
الأشرفي.
توفي ليلة الأربعاء الثاني من رجب معتقلًا في قلعة الجبل
(7)
، قيل أنه منع الطعام والشراب حتى مات، ودفن بالحسينية خارج باب النصر، بجوار تربة علاء الدين الساقي استادار العالية
(8)
.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 175، وفيه: هو مملوك الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري.
(2)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 174، كنز الدرر 9/ 210، تاريخ البرزالي 3/ 483 رقم 1161، الوافي بالوفيات 9/ 335 رقم 4266، السلوك 2/ 96، الدرر الكامنة 1/ 427 رقم 1032، النجوم الزاهرة 9/ 216، المنهل الصافي 3/ 26 رقم 517.
(3)
ليلة السبت التاسع عشر من رجب: في تاريخ البرزالي.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 476 رقم 1137، السلوك 2/ 96، الدرر الكامنة 2/ 172 رقم 1646.
(5)
عن مشهد السيدة نفيسة، ينظر المواعظ والاعتبار المجلد الرابع 837 وما بعدها.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 173 - 174، كنز الدرر 9/ 210، تاريخ البرزالي 3/ 481 رقم 1152، الوافي بالوفيات 10/ 287 رقم 2794 وفيه: بلرغي، السلوك 2/ 96، الدرر الكامنة 2/ 9 رقم 1286، النجوم الزاهرة 9/ 216، المنهل الصافي 3/ 357 رقم 663.
(7)
كان برلغي صهر المظفر بيبرس الجاشنكير، زوج ابنته، ومن ألزامه: في النجوم الزاهرة 9/ 216.
(8)
أستادار العالية: من الوظائف العسكرية، ينظر صبح الأعشى 4/ 457.
• الأمير حسام الدين طرنطاي
(1)
البغدادي
توفي فيها.
• الأمير علاء الدين الطنبغا
(2)
الجمدار.
توفي فيها.
• الأمير سيف الدين أرغون
(3)
[الجمدار]
(4)
.
توفي فيها.
• الأمير قفجق
(5)
المنصوري نائب حلب.
توفي فيها في جمادى الأولى، وكان موته ببلاد حلب، وحُمل إلى حماة، ودُفن بتربته التي أنشأها، وكان له مدة متمرضًا، وخرج إلى الصيد وهو مسهول، فتزايد به الإسهال فمات بقرية يقال لها عين كذابة من عمل أعزاز، وكان شهمًا شجاعًا.
• الأمير بلبان
(6)
البيدغاني، نائب بغراس.
قتله مماليكهـ، وقد وجل به فرسه في مرزة في مزارع بغراس.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: السلوك 2/ 96.
(2)
السلوك 2/ 96، مع ملاحظة أنه غير الطنبغا الجمدار، الأمير علاء الدين، الذي كان من جملة الأمراء الذين اشتركوا في قتل الأشرف خليل، وأنه قتل سنة 693 هـ/ 1294 م، ينظر المقفي الكبير 2/ 283 رقم 693، السلوك 1/ 795، وينظر أيضًا النجوم الزاهرة 8/ 22.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: السلوك 2/ 96.
(4)
الجمعدار: في الأصل، والتصويب من السلوك.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 473 رقم 1127، البداية والنهاية 18/ 107 - 108، كنز الدرر 9/ 210، الوافي بالوفيات 24/ 178 رقم 185، الدرر الكامنة 3/ 325 رقم 3236، تذكرة النبيه 2/ 29، النجوم الزاهرة 9/ 216، المنهل الصافي 9/ 29 رقم 1834.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: السلوك 2/ 95.
• الأمير نغية
(1)
.
مات في حبس قلعة دمشق، ودفن بمقابر الباب الصغير، وبقى الحرس على قبره أيامًا.
• الأمير حسام الدين درباس
(2)
بن يوسف بن درباس الحميدي.
مات
(3)
بداره بسفح قاسيون، ودُفن هناك.
وكان عنده فضيلة، تولى حاجبًا بدمشق، وولي شد الأوقاف بها.
• الملك المنصور علاء الدين على
(4)
بن الملك الناصر محمد بن قلاوون.
مات في ليلة الأحد حادي عشر شهر رجب بقلعة الجبل، ودفن بقبة الناصرية ببين القصرين، وكان عمره ست سنين وشهورًا، وكان والده الناصر في الصيد ولم يحضر وفاته.
• الأمير الكبير سيف الدين سلار
(5)
، الكلام فيه على أنواع:
الأول: في أصله وجنسه:
كان أصله من التتار، اكتسبه السلطان الملك المنصور قلاوون من التتار في وقعة
(1)
وله أيضًا ترجمة في: أعيان العصر 5/ 525 رقم 1920، الدرر الكامنة 5/ 171 رقم 4953، النجوم الزاهرة 9/ 217.
(2)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 459 رقم 1086، أعيان العصر 2/ 353 رقم 648، الدرر الكامنة 2/ 101 رقم 1693.
(3)
في يوم الثامن من صفر: في تاريخ البرزالي.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 482 رقم 1155، أعيان العصر 3/ 511 رقم 1220، الدرر الكامنة 3/ 190 رقم 2892.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 3/ 469 رقم 1110، تالي كتاب وفيات الأعيان 89 رقم 630، فوات الوفيات 2/ 86 - 89 رقم 186، الوافي بالوفيات 16/ 55 - 59 رقم 76، أعيان العصر 2/ 489 رقم 759، السلوك 2/ 97 وما بعدها، الدرر الكامنة 2/ 276 رقم 1913، النجوم الزاهرة 9/ 217 وما بعدها، المنهل الصافي 6/ 5 - 13 رقم 1073.
أُبْلُسْتَيْن
(1)
، وأعطاه لولده علاء الدين على
(2)
، فاختص به وخدمه وتقدم عنده، وشفع فيه الأمير طرنطاي في وقت أن يكون أمير عشرة فاحتقره السلطان، وقال: ليست دولة يكون فيها سلار أمير عشرة، ثم إن الدهر أناله ما لم ينله أحد من النواب قبله، فأقام نائب السلطنة بمصر إلى حين خروجه إلى الشوبك، أحد عشر سنة وأربعة أشهر وستة وعشرين يومًا.
وقال بعض المؤرخين: وأصله مملوك الملك الصالح على بن قلاوون، ولما مات أستاذه بقي في خدمة الملك المنصور قلاوون إلى أن مات قلاوون
(3)
، ثم اتصل بخدمة الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وحظى عنده، وبقي في خدمته إلى أن قتل الأشرف
(4)
، وكان بينه وبين حسام الدين لاجين
(5)
مودة عظيمة، ولما قتل لاجين لم يبق
(6)
الملك الناصر محمد بن قلاوون بالحضور إلى الديار المصرية إلا بكتاب سلار، فلما حضر وتسلطن قال: ما أعمل نائبي إلا سلار
(7)
، فوافقه جميع الأمراء المنصورية لعلمهم بدينه وعفته. وكان أصله من التتار الأويراتية.
النوع الثاني: في ترجمته:
كان أسمر اللون، لطيف القد، أسيل الخد، لحيته في حنكهـ سوداء، وكان ظريفًا في
(1)
وقعة أبلستين = الوقعة على حمص، وكانت سنة 680 هـ/ 1281 م، ينظر عقد الجمان 2/ 269 وما بعدها.
(2)
هو: علي بن قلاوون، الملك الصالح، توفي سنة 687 هـ/ 1288 م، ينظر المنهل الصافي 8/ 144 رقم 1630.
(3)
سنة 689 هـ/ 1290 م، المنهل الصافي 9/ 91 رقم 1890، وينظر عقد الجمان 3/ 12 وما بعدها.
(4)
سنة 693 هـ/ 1293 م، المنهل الصافي 5/ 270 رقم 1009، وينظر عقد الجمان 3/ 203 وما بعدها.
(5)
هو: لاجين بن عبد الله المنصوري، الملك المنصور حسام الدين لاجين، قتل سنة 698 هـ/ 1298 م، المنهل الصافي 9/ 166 رقم 1948، ينظر عقد الجمان 3/ 421 وما بعدها.
(6)
هكذا بالأصل، والمقصود أنه لم يقتنع.
(7)
ينظر عقد الجمان 3/ 452.
لبسه؛ اقترح أشياء في اللبس منسوبة إليه، وكذلك في المناديل، وفي قماش الخيل، وآلات الحرب.
وكان عاقلًا، ذا رأي وحزم وشجاعة، إلا أنه لم ينفعه ذلك عند بلوغ الأجل، وكان صاحب صدقات كثيرة وبر إلى الضعفاء، وحج سنة ففرق في الحرمين الشريفين أموالًا عظيمة، حتى لم يدع فيها فقيرًا، وكان يحب العلماء ويحسن إليهم، رحمه الله.
النوع الثالث: في القبض عليه:
وكان السبب فيه: أن السلطان بلغه عن سلار المذكور، وبعض الأمراء الذين كانوا عاكفين عليه، أمور أنكرها، فقبض عليهم، وعلى أقوام آخرين كانوا بالشام من نسبتهم، وعدة مَنْ مسك من أمراء الشام سبعة، منهم: أقطوان الأشرفي، وعدة [الأمراء]
(1)
الذين قُبض عليهم أربعة عشر نفرًا
(2)
.
وأما سلار، فقد ذكرنا أن السلطان أعطى له الشوبك وراح إليها، وكتب إليه السلطان مما بلغه عنهم، وعرض عليه الحضور إلى الأبواب الشريفة لإزالة القيل والقال، ولم تكن قلعة الشوبك معه، فإنه لما راح إلى الشوبك قال: هذا تقليد السلطان بالشوبك والقلعة، فقال له النائب هناك: أنا جاني بريدي امس معه كتاب السلطان أنه لم يعط القلعة لك؛ فقال سلار: أنا أجيب مرسوم السلطان.
ثم إنه بعث مملوكًا من مماليكه إلى السلطان في أمر القلعة، فجاءه الجواب، وهو أنه يقول: أنا أعطيتك الشوبك وبلادها، وما أعطيتك القلعة، وأنت تحسب أنني نسيتك أو أخليك في الشوبك؟ وإش الشوبك وإش قلعتها؟ وسأبعث إليك وأجيبك إلى القاهرة وأوليك نائبًا بها على عادتك، وخلع على مملوكه، وَطُيِّب وخرج.
(1)
أمراء: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
ينظر التحفة الملوكية 214، نهاية الأرب 32/ 164.
وبعد خروجه من بين يديه كتب إلى عُربان الحجاز كتابًا، وحلف فيه أن سلار متى خرج من بيتكم وذهب إلى موضع ولم تمسكوه أقطع جاذرتكم من الأرض.
قال الراوي: ولما جاء مملوك سلار إليه، وقرأ كتاب السلطان، أرسل إليه أيضًا يقول: أنا رايح إلى القدس، فأحلق رأسي وأقعد بين المجاورين إلى أن أموت.
وكان السلطان قد أرسل إلى الأمير سيف الدين قفجق والأمير اسندمر، بأنكم قد كنتم ضمنتم سلار عندي، وما أعرفه إلا منكم.
ثم طلب الأمير علم الدين الجاولى والطشلاقي، وكتب معهما كتاب أمان، وأرسلهما إليه، وقال له: اركب في ثلاث سروج وأحضر.
فلما وصلا إليه وناولاه الكتاب، فقرأه قال: يا أمير علم الدين مثلي يركب على هذا الوجه؟ والله أنا رايح إلى الحجاز الشريف، ثم قال أنتم لا تزالون على هذا الوجه حتى لا يبقى منا أحد، ثم إنه صاح لمماليكهـ فركب الجميع، فقال له الجاولي: لا تفعل هذا؛ فقال: قد فعلنا، وكان الذي كان وبالله المستعان، ثم قال له الجاولى والطشلاقي: يا أمير نحن معك لا نفارقك، أو يأتينا مرسوم بالرجوع عنك.
قال الراوي: فأخذ الأدلاء بين يديه، وسافروا ثلاثة أيام إلى أن أوقعهم الله في أرض ذات مروج ومياه، وفي طرف مرجها قلعة خراب، فدخل إليها، وقعد وعصي فيها، فقال له الطشلاقي: يا أمير، هذا ليس برأي، فغدًا يأتي إليك العربان من كل مكان، وهب أنك تحصنت فيها، هذا المكان ليس فيه مأكل ولا مشرب، فوالله ما عند السلطان أعز منك ولا يؤذيك أصلًا، فمت طائعا ولا تمت عاصيًا.
وما زالوا عليه حتى قام وركب، وجاء إلى الشوبك، وكان قد أرسل إليه أيضًا الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار، صاحب التاريخ، فحضر إليه وسمع منه
(1)
وركب في ثلاثة من مماليكهـ، وركب الجاولى والطشلاقي والأمير بيبرس، فساروا إلى أن وصلوا إلى القاهرة في
(1)
ينظر التحفة الملوكية 214 - 216.
سلخ ربيع الآخر؛ فدخلت الأمراء، وأعلموا السلطان بقدومه، فطلبه، فلما حضر بين يديه قال له: يا سلار:
قال: لبيك يا خوند.
قال له: كم لك مدة أنت حاكم في ملك مصر والشام؟
قال: أربعة عشر سنة.
قال: قد استوليت على دخل مصر والشام، وأنت الذي كنت تقطع وتوصل، وأخذت الكل في كيسك، ومنعت بيت مال المسلمين، وها أنت وأنا نتحاكم بين يدي القضاة الأربع ليحكموا فيك، وفيّ.
ثم أحضر القضاة، وأجلس سلار [بحذائه]
(1)
، وقال: ادعى على غريمي هذا بمال مصر والشام من مدة أربعة عشرة سنة.
فقالت القضاة لسلار: ماذا تقول؟
فقال: والله إن قارون يعجز عن عشر ما يدعى، لكن أحمل على قدر طاقتي، فعند ذلك أمر السلطان للأمير الجاولي أن يأخذ معه مماليكًا وينزل إلى داره ويأخذ ما فيها.
قال ابن كثير: فاستخلصت أمواله وحواصله في مدة شهر، ثم قتل بعد ذلك
(2)
.
ونذكر عن قريب ما أُخذ منه من سائر أصناف الأموال، ثم بعد ذلك أرسله إلى السجن بقلعة الجبل.
(1)
بحذاه: في الأصل.
(2)
البداية والنهاية 18/ 104.
النوع الرابع: في كيفية حبسه وموته.
قال الراوي: أمر السلطان بأن يُبنى عليه أربع حيطان في محبسه، وأمر بأن لا يُطعم ولا يُسقى.
وقال بعض المؤرخين: لما مسكه السلطان وسجنه بالقلعة، أحضر إليه طعامًا فأبى أن يأكل، وأظهر الحرد، فطولع السلطان بذلك، فأمر بأن لا يرسل إليه طعام بعد هذا، فبقى سبعة أيام لا يطعم ولا يسقى، وهو يستغيث الجوع.
فأرسل إليه السلطان ثلاث أطباق مغطاة بشفر الطعام، فلما حطوها بين يديه فرح فرحًا عظيمًا وظن أن فيها أطعمة يأكل منها، فكشفوها فإذا في طبق ذهب، والآخر فضة، وفي الآخر لؤلؤ وجواهر، فعلم سلار بأنه ما أرسل إليه هذه الأطباق إلا ليقابله على ما فعل فقال: الحمد لله الذي جعلني من أهل المقابلة في الدنيا، وبقى على هذه الحالة اثني عشر يومًا ومات، فأعلموا السلطان بموته، فجاؤا إليه ووجدوه قد أكل ساق خفيه، وقد أخذ السرموجة
(1)
وحطها في فيه، وقد عض عليها بأسنانه وهو ميت، فسبحان القهار الفعال لما يريد، ثم حملوه إلى تربته بالكبش
(2)
فدفن فيها، وهي التربة التي أنشأها الجاولي عند الكبش ظاهر القاهرة.
وتولى أمر تجهيزه الأمير الجاولى بأمر السلطان، وقيل: إنهم جاءوا إليه وهو في سياق الموت، فقالوا له: إن السلطان قد عفى عنك، فقام ومشى خطوات ووقع ميتًا، رحمه الله.
وكان موته يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الآخر
(3)
.
(1)
السرموجة = سارموزة = سرموزة: لفظ فارسي، معناه رأس الخف، وتطلق على نعال النساء، أو نوع من الأحذية القصيرة التي تخلع عند دخول المنزل، ينظر المواعظ والاعتبار المجلد الثالث 305 هـ 4، 346.
(2)
ينظر عن الكبش: المواعظ والاعتبار المجلد الأول 340، المجلد الثاني 158.
(3)
جمادي الأولى: في كنز الدرر 9/ 210، وينظر البداية والنهاية 18/ 104.
قال ابن كثير: وماتت والدته بعد ذلك بقليل
(1)
.
وقال بعضهم: دفنوه أولًا في باب القرافة، بحيث لم يعلم به أحد، ثم نقلوه إلى تربته المذكورة، والله أعلم.
النوع [الخامس]
(2)
: في بيان ما خلفه من الأموال بأصنافها:
وذُكر في [سيرته]
(3)
أنه لما أحضر بين يدي السلطان، وعاتبه عتابًا كثيرًا، ثم أمر الجاولى أن ينزل معه ويحمل المال، فنزل معه إلى داره، وفتح سربًا تحت الأرض، فأخرج سبائك ذهب وفضة، وجِرَب من الأديم الطائفي في كل جراب عشرة آلاف دينار.
قال الراوي: حملوا من ذلك السرب أكثر من حمل خمسين بغلًا من الذهب والفضة، ثم أحضره بعد ثلاثة أيام وألزمه بالمال، فأخذ الجاولي وجاء [به]
(4)
إلى الطارمة
(5)
التي كان يحكم تحتها، وقال: احفروا ههنا، فخفروا، وأخرجوا سبعة وعشرين خابئة مملوءة ذهبًا، ومائة حجر من الجواهر، وفيها حجر بهرمان وزنه أربعون مثقالًا، وأخرج ألفي حياصة مجوهرة، وألفى قلادة من الذهب كل قلادة تساوي مائة دينار، وألفي كلوتاه زركش.
قال الراوي: أخبرني سيف الدين البرددار وقال: وجدوا اليوم في ركبخانة سلار لجمًا مفضضة قد عتقت سيورها، ففكوا الفضة عن السيور ووزنوها فجاء وزنها عشرة قناطير بالشامي، ثم أحضره السلطان وقال له: أجمل. فقال: ما بقى لي شيء غير أني أعطيت الصاحب ابن الخليلي مائة ألف دينار وأنا رايح إلى الشام، فبعث السلطان إليه فحضر، وقال له: هات مائة ألف دينار، فحمل ستين ألفا، فسلمه السلطان إلى مملوكه كستاي، وأمره بعقوبته حتى يكمل، وهو تحت العقوبة، مائة ألف دينار.
(1)
لم يرد هذا الخبر في المطبوع من البداية والنهاية.
(2)
الثالث: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق، ينظر ما سبق.
(3)
سيرة: في الأصل.
(4)
له: في الأصل.
(5)
الطارمة: بيت من خشب يبنى سقفه على هيئة قبة، معد لجلوس السلطان، أو الأمير، معرب عن اللفظ الفارسي تارم، معجم الألفاظ الفارسية المعربة 112.
ثم طلب السلطان سلارًا وقال له: أش لك عند أمير موسى
(1)
زوج ابنتك؟ فقال: مالي عنده شيء، وجميع ما عندها لها بمكاتيب شرعية من سنتين وشيء، فقال له السلطان: كذبت. ثم طلب السلطان القضاة، والشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقال: ما تقولون في رجل مملوك، وله بنت من جاريته، وليس في يدها عتاقه شرعية، وقد زوج المملوك من جاريته من رجل بغير إذن أستاذه فهل يجوز النكاح؟ وهل يصح عقد أمير موسى على بنت سلار أم لا؟ أفتونا في ذلك.
فقالوا: لا، يا مولانا السلطان.
فقال السلطان: فعقد هذا على بنت جاريتي باطل.
قالوا: نعم.
قال الراوى: فعند ذلك أمر السلطان علم الدين الجاولى بأن ينزل إلى دار الأمير موسى زوج بنت الأمير سلار، ويحتاط على ما في داره، فنزل إليها، ووجد أربع دكك: دكتان من ذهب، ودكتان من فضة، ووجدوا طشوتًا وأطباقًا، وهواوين وشماعدين، كلها من ذهب وفضة، ووجدوا تختًا من ذهب وفضة، وزنه عشرون قنطارًا بالدمشقي ففكوه، وكان عليه شبكة لؤلؤ وقطع بلخش وزمرد أخضر.
ثم أمر السلطان بأن ينادي في مصر والقاهرة: أن من كان عنده لسلار شيء فليحضره إلى السلطان، فجاء تاجر من الكارم وأحضر مائة ألف دينار، وقال: هذه لسلار أعطاني إياها حتى أشترى بها بضائع، ثم أمر السلطان بأن الذهب والفضة التي أخذت من السبائك ومن اللجم ورؤوس الأرماح ونحو ذلك أن تضرب دنانير ودراهم، فأقام الصياغ في ذلك مدة من الزمن.
(1)
هو: موسى بن علي بن قلاوون، ينظر ما سبق.
وذكر الشيخ علم الدين البرزالي
(1)
، قال
(2)
: دفع إلَىَّ المولى جمال الدين بن الفويرة
(3)
ورقة فيها بعض أموال سلار وقت الحوطة على داره في أيام متفرقة:
يوم الأحد: ياقوت أحمر: رطلان، بلخش
(4)
: رطلان ونصف، زمرد ريحاني وذبابي
(5)
: تسعة عشر رطلًا، صناديق ضمنها فصوص وجواهر ستة: فصوص ماس وغيرهن [ثلاثمائة قطعة]
(6)
، ولؤلؤ مدور كبار من مثقال إلى درهم: ألف ومائة
(7)
وخمسون حبة، ذهب عين: مائتا ألف دينار وأربعة وأربعون ألف دينار
(8)
، دراهم: أربعمائة ألف درهم وأحد
(9)
وسبعون ألف درهم.
يوم الاثنين: ذهب مصري: خمسة وخمسون ألف دينار، دراهم: ألف ألف وأحد
(1)
هو: القاسم بن محمد بن يوسف، علم الدين أبو محمد، له كتاب في التاريخ بدأ فيه من عام مولده سنة 665 هـ، وهو العام الذي توفي فيه أبو شامة، ولذا عرف بالمقفي على تاريخ أبي شامة، أو تاريخ البرزالي، وتوفي علم الدين سنة 739 هـ/ 1338 م، أعيان العصر 4/ 49 رقم 1352.
(2)
لم يرد النص التالي في المطبوع من تاريخ البرزالي.
وورد: قال محمد بن شاكر الكتبي: وقفت على قوائم، بخط القاضي جمال الدين بن الفويرة، تتضمن ما اشتمل عليه وجود الأمير سلار: في بدائع الزهور 1/ ق 1/ 436، وينظر فوات الوفيات 2/ 88.
(3)
هو: يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد، القاضي الرئيس جمال الدين بن الفويرة، المتوفي سنة 742 هـ/ 1341 م، أعيان العصر 5/ 578 رقم 1950.
(4)
بلخش: من الأحجار الكريمة، يتكون بنواحي بلخشان (بذخشان)، وهي بلاد الترك تتاخم الصين، ينظر صبح الأعشى 2/ 103، النجوم الزاهرة 9/ 21 هامش (4).
(5)
زمرد ريحاني: أي لونه أخضر فاتح شبيه بلون ورق الريحان، أما الذبابي: فهو شديد الخضرة، ولا يشوب خضرته لون آخر من الألوان، جيد المائية، شديد الشعاع، ويسمى ذبابيًا لتشبيه لونه بلون كبار الذباب الأخضر الربيعي، ينظر صبح الأعشى 2/ 108، النجوم الزاهرة 9/ 21 هـ 5، 6.
(6)
إضافة لتوضيح من الوافي بالوفيات 16/ 57، أعيان العصر 2/ 495، وينظر السلوك 2/ 97، النجوم الزاهرة 9/ 21، المنهل الصافي 6/ 10.
(7)
خمسمائة: في المنهل الصافي.
(8)
مائتا ألف وأربعون ألف دينار: ي أعيان العصر.
(9)
وأحد: سقط من أعيان العصر.
وعشرون ألف درهم، فصوص: رطلان ونصف، مصاغ وعقود وأساور وزنود ومراسل وحلق ودمالج من الذهب: أربع قناطير، فضيات صدور وطاسات وأطباق وطشوت وهواوين: ست قناطير.
يوم الثلاثاء: ذهب مصري: خمسة وأربعون ألف دينار، دراهم: ثمانمائة
(1)
ألف وثلاثون ألف درهم، قطريات وبراجم وأَهِلَّة وسناجق: ثلاث قناطير.
يوم الأربعاء
(2)
: ذهب مصرى: ألف ألف دينار، دراهم: ثمانمائة ألف، أقبية بفرو قاقم
(3)
: ثلاثمائة، أقبية ملونة عمل الدار
(4)
بسنجاب
(5)
: أربعمائة قباء، سروج زركش بذهب مصري: مائة سرح.
ووُجد عند صهره الأمير موسى ثمان صناديق، لم يُعلم ما فيها
(6)
، حُملت إلى الدار، وحُمل أيضًا إلى الخزانة تفاصيل طرد وحش
(7)
وعمل الدار: ألف تفصيلة، وخيام ستة عشرة نوبة.
(1)
ثمانية: في الوافي بالوفيات، أعيان العصر، ثلاثمائة: في السلوك، النجوم الزاهرة، المنهل الصافي.
(2)
يوم الأربعاء: سقط من الوافي بالوفيات، وأعيان العصر.
(3)
القاقم: حيوان بري يشبه الفأرة لا أنه أطول منها، له فروة ناصعة البياض، وتستعمل للزينة، ينظر الملابس المملوكية 47، السلوك 2/ 98 هامش (1).
(4)
عمل الدار: لعل المقصود دار الطراز: وتشمل عدة مصانع لنسج الملابس السلطانية بتنيس ودمياط والإسكندرية، أو دار الديباج: وكانت بالقاهرة، ينظر صبح الأعشى 3/ 472، 490، الملابس المملوكية 60.
(5)
السنجاب: حيوان لذيله فروة نفيسة، تستخدم لتزيين الملابس، ينظر الملابس المملوكية 105 - 107، السلوك 2/ 98 هامش (2).
(6)
كان من جملة ما فيها عشر حوائص مجوهرة سلطانية، وتركاش ما له قيمة (أي لا يقدر بثمن): في أعيان العصر 2/ 493.
(7)
طرد وحش = طرز وحش: قماش من الحرير مزين بصور الصيد والطرد، ينظر الملابس المملوكية 106، السلوك 1/ 788 هامش (2).
ووصل معه من الشوبك من الذهب المصري: خمسون ألف دينار، ومن الدراهم: أربعمائة ألف وسبعون ألفًا، ومن الخلع الملونة ثلاثمائة خلعة، وخركاه
(1)
كسوتها أطلس معدني
(2)
مبطنة بمروزي أزرق
(3)
وبابها زركش مصرى، وثلاثمائة رأس خيل، ومائة وعشرون قطارًا بغالًا، ومائة وعشرون قطارًا جمالًا.
هذا خارج عما وُجد له من الغلال والخيول والبغال والجمال والأغنام والمماليك والجوار والعبيد.
ودلّ مملوك له على مكان مبنى في داره، فوجدوا حائطين مبنيين فأخربوهما، فوجدوا أكياسًا فيها ذهب، لم يعلم عددها، وفتح له من الطهارة بركة مملوءة ذهبًا مصريًا، ووجدوا في حواصله ثلاثمائة ألف أردب من القمح والشعير والفول وغير ذلك.
ومع هذا كله مات بالجوع كما ذكرنا.
ويقال: كان يدخل إليه من أجرة أملاكه كل يوم ألف دينار، ومن الإقطاعات والضمانات والحمايات تتمة ألف درهم في كل يوم
(4)
.
(1)
خركاه - خركاوات: كلمة فارسية، كانت تطلق على الخيمة الكبيرة، ثم أطلقت على سرادق الملوك والوزراء، ثم أصبح يقصد بها الهيكل الخشبي الذي يثبت عليه الخشب الخرط تشبيهًا بالخيمة، ويغشي بالجوخ ونحوه، ينظر المصطلحات المعمارية 41.
(2)
معدني: نسبة إلى مدينة معدن بأرمينية قرب منابع نهر دجلة، السلوك 1/ 690 هامش (4).
(3)
حرير أزرق مروي: في السلوك، وهو الحرير المصنوع بمدينة مرو عاصمة خراسان، ينظر السلوك 2/ 98 هامش (8).
(4)
ينظر السلوك 2/ 97 وما بعدها، النجوم الزاهرة 9/ 17 وما بعدها، 217.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية عشر بعد السبعمائة
(*)
استهلت هذه السنة، والخليفة المستكفي بالله العباسي.
وسلطان البلاد المصرية والشامية الملك الناصر محمد بن قلاوون.
ونائبه بمصر الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، وبالشام الأمير سيف الدين كراي، وبحلب الأمير سيف الدين قراسنقر المنصوري.
وقال ابن كثير: استهلت هذه السنة، أعني سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وقد مات نائب حلب الأمير أسندمر، وهي شاغرة عن نائب، وأرغون الدوادار قد وصل إلى دمشق لتسفير قراسنقر المنصوري منها إلى نيابة حلب، وإحضار الأمير كراي إلى نيابة دمشق، فخرج قراسنقر من دمشق في ثالث المحرم منها، وسار معه أرغون لتقريره بحلب، وجاء المرسوم إلى نائب القلعة الأمير بهادر السنجري أن يتكلَّم في الأمور بدمشق إلى أن يأتيها نائب، ثم قدم النائب كراي المنصوري إلى دمشق نائبًا عليها يوم الخميس الحادي والعشرين من المحرم
(1)
.
قلتُ: وقد ذكرنا، مما ذكر غيره من المؤرخين، أن الناصر أرسل الأمير كراي المنصوري المذكور مع عسكر إلى حلب في السنة الماضية، وأنه مسك نائبها الأمير أسندمر، ثم جاء المرسوم من السلطان أن يتقرر قراسنقر، وكان نائب الشام، في نيابة حلب، وأن يتقرر الأمير كراي المذكور في نيابة دمشق
(2)
، ثم جرى عليهم ما نذكره إن شاء الله تعالى عن قريب.
(*) يوافق أولها 20 مايو 1311 م.
(1)
ينظر البداية والنهاية 18/ 109 حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
(2)
ينظر ما سبق.
ذكر مَنْ قدم من الرسل وغيرهم
وفيها عادت رسل السلطان من عند الملك طقطا، وصحبتهم رسل طقطا، فاعترضهم الفرنج في ربيع الأول وأسروهم جميعهم، وكانوا هم وأتباعهم تقدير ستين نفرًا، ومروا بهم على البلاد الساحلية وعرضوهم للبيع، وحلفوا ألا يأخذون في ثمنهم إلا ستين [ألف دينار]
(1)
، فلم يشتريهم أحد، فتوجهوا بهم إلى جزيرة المَصْطكي
(2)
، فأمر السلطان بالقبض على مَنْ بالإسكندرية من تجار الفرنج، والحوطة على أمولهم إلى أن يحضروا رسله، فتوجه شكران
(3)
الجنوي التاجر إلى جزيرة المَصْطكي وخلصهم وبعث بهم إلى مصر، ووصلوا في سادس عشر ربيع الآخر من سنة اثنتي عشرة وسبعمائة.
وفيها عادت رُسل صاحب سيس، المسمى أوشين إليه، وخالته معهم لأنها كانت جاءت لزيارة القدس.
وفيها وصلت رسل الملك المؤيد هزبر الدين، صاحب اليمن، بهداياه إلى الأبواب السلطانية، وكانت نحو مائتي حِمْل
(4)
. من أنواع القماشات، وخيول ووحوش وطيور، وتحف غير ذلك، ففرقها السلطان على الأمراء الأكابر والأصاغر
وفيها وفد سليمان
(5)
بن مهنا بن عيسى إلى الأبواب السلطانية، وطالع ما أغار على التتار ما بين هيت وتكريت، في جماعة من آل فضل، قاتلوا فيهم وأسروا منهم واستاقوا مواشيهم وأحضروا نفرًا من [أسراهم]
(6)
، فأحسن السلطان رفادته وأجزل صلته.
(1)
ألفا: في الأصل، والإضافة من نهاية الأرب 32/ 175، السلوك 2/ 102.
(2)
جزيرة المَصْطكي: إحدى جزر الأرخبيل اليوناني بالقرب من مدخل خليج القسطنطينية، تقويم البلدان 189، وينظر السلوك 2/ 101 هـ 3.
(3)
السكران: في نهاية الأرب 132/ 176، سكران: في النهج السديد 3/ 199، وينظر السلوك 2/ 102.
(4)
أربع مائة حمال وتسعة حمالين: في كنز الدرر 9/ 217، وورد مائتي حَمَل، ومائتي حَمَّال: في السلوك 2/ 107.
(5)
هو سليمان بن مهنا بن عيسى، الذي ولي الإمرة بعد وفاة أخيه موسى سنة 742 هـ، وتوفي سنة 744 هـ/ 1343 م، المنهل الصافي 6/ 55 رقم 1099.
(6)
أساراهم: في الأصل.
وفيها وصل كرنبس النوبي، صاحب دنقلة، وحمل ما هو مقرر عليه من الرقيق والثمار وغير ذلك، إلى الأبواب الشريفة، وكان كرنبس [تولى]
(1)
هذه السنة عوضًا عن أخيه [أياي]
(2)
بحكم وفاته، والله أعلم.
ذكر مَنْ أُعْطى إمرة أو وظيفة ومَنْ قُطِع
وفيها فُوِّضت الوزارة بمصر للصاحب أمين الدين عبد الله
(3)
بن غنام، وكان ناظر الدواوين، وذلك عوضًا عن سيف الدين بكتمر الحُسَامي
(4)
، ونقل الحسامي إلى الحجوبية، عوضًا عن شمس الدين سنقر الكمالي، وذلك في سادس
(5)
ربيع الآخر.
وفيها في حادي عشرين ربيع الآخر، أُعيد بدر الدين بن جماعة إلى القضاء بمصر، واستقر جمال الدين الزرعي
(6)
قاضي العسكر، ورُسم له بتدريس جامع الحاكم، وأن يجلس بين القضاة مع الحنفي والحنبلي بدار العدل عند السلطان.
وفيها في مستهل جمادي الأولى، فُوِّضت نيابة السلطنة بغزة لعلم الدين سنجر الجاولي، عوضًا عن الأمير قطلقتمر، وقُبض على قطلقتمر واعتقل.
وفيها عُزل القاضي زين الدين علي بن مخلوف المالكي عن القضاء، بسبب بناء أراد
(1)
إضافة تتفق مع السباق، ومع ما ورد بالسلوك 2/ 107، وينظر ما ورد في صبح الأعشى من أن أياي توفي سنة 716 هـ وإن كرنبس قد تولى النوبة بعده: 5/ 276.
(2)
آيي: في الأصل، والتصويب مما سبق في عقد الجمان 4/ 347، زبد الفكرة 382، السلوك 2/ 7، 107، وورد: أمَيْ: في صبح الأعشى 5/ 277.
(3)
توفي سنة 741 هـ/ 1340 م، الدرر الكامنة 2/ 257 - 258 رقم 2129.
(4)
توفي سنة 724 هـ/ 1323 م، الدرر الكامنة 2/ 21 رقم 1303، وورد أنه توفي سنة 729 هـ/ 1328 م: في السلوك 2/ 314.
(5)
في مستهل ربيع الآخر: في نهاية الأرب 32/ 176.
(6)
هو: سليمان بن عمر بن سالم بن عمر الأذرعي، جمال الدين الزرعي، المتوفي في سنة 734 هـ/ 1333 م، الوافي بالوفيات 15/ 416 رقم 559، تذكرة النبيه 2/ 249، الدرر الكامنة 2/ 255 رقم 1859، المنهل الصافي 6/ 46 رقم 1094.
السلطان بعضه، فأبى المذكور، فعزله عن الحكم، ثم أعاده بعد أيام في سادس رجب
(1)
.
وفيها في صفر، فُوِّض لسيف الدين طوغان المنصوري شَد
(2)
الدواوين بدمشق، عوضًا عن فخر الدين أياز، ووصل دمشق وقُبِض لي أياز في الثامن عشر من صفر، وأُخذ خطه بثلاثمائة ألف درهم وسُلِّم إلى طوغان المذكور
(3)
.
وفيها، فُوِّض إلى الأمير ركن الدين [بيبرس]
(4)
العلائي النيابة بحمص، وتوجه إليه، وفُوِّض للأمير بهادر آص نيابة صفد، عوضًا عن الأمير قطلو بك، فقَبضَ عليه، ووُلِّي سيف الدين بيبغا الأشرفي
(5)
نيابة الكرك، عوضًا عن أيتمش في [المحمدي]
(6)
.
وفيها في ثاني رمضان، فُوِّض شد الدواوين بدمشق لبدر الدين بكتوت القرماني
(7)
، عوضًا عن سيف الدين طوغان، وفُوِّضت الحجوبية بها للأمير زين الدين كتبغا المنصوري، عوضًا عن سيف الدين قطلو بك الجاشنكير.
وفي ثامن عشر رمضان، ورد المرسوم إلى دمشق بولاية بلبان [البدري]
(8)
(1)
ينظر ما ورد في نهاية الأرب 32/ 177 - 178.
(2)
شاد: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
المذكوري شاد الدواوين: في الأصل، ومشطوب على الزيادة بعد أن تنبه الناسخ أنها مكرة مما سبق.
(4)
إضافة للتوضيح مما يلي، ينظر الدرر الكامنة 2/ 42 رقم 1379.
(5)
توفي بعد 730 هـ/ 1329 م، الدرر الكامنة 2/ 45 رقم 1388.
(6)
إضافة للتوضيح من السلوك 2/ 105.
وهو: أيتمش بن عبد الله المحمدي الناصري، الأمير سيف الدين، توفي سنة 736 هـ/ 1335 م، المنهل الصافي 3/ 138 رقم 585، وورد أنه توفي سنة 733 هـ/ 1332 م: في الدرر الكامنة 1/ 454 رقم 1114.
(7)
كان من مماليك المنصور قلاوون، وعاش إلى أن مات بالطاعون سنة 749 هـ/ 1347 م الدرر الكامنة 2/ 22 رقم 1317.
(8)
إضافة للتوضيح من السلوك 2/ 120.
وهو: بلبان البدري، أحد مقدمي الألوف بدمشق، مات في يوم عيد الفطر سنة 727 هـ/ 1326 م، الدرر الكامنة 2/ 25 رقم 1329.
النائب بقلعتها، عوضًا عن بهادر السنجرى
(1)
، ورسم [له]
(2)
بنيابة قلعة البيرة.
وفيها، تولى كتابة السر بالديار المصرية القاضي علاء الدين علي بن تاج الدين بن الأثير، عوضًا عن القاضي شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله العمري، ورسم لابن فضل الله بكتاب سر الشام، عوضًا عن أخيه القاضي محي الدين
وفيها، فَوَّضَ السلطان النيابة بالديار المصرية للأمير ركن الدين بيبرس المنصوري الدوادار صاحب التاريخ، وذلك في العشر الأوسط من جُمادي الأولى، وقال هو في تاريخه: وفي العشر الأوسط من جُمادي الأولى رُتِّبتُ في نيابة السلطنة، عوضًا عن الأمير بكتمر الجوكندار، وقُبض عليه وسُير إلى كرك فاعتقل بها حتى مات
(3)
.
ذكر القبض على الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطان بالديار المصرية
قال ابن كثير: وفي يوم الجمعة سادس
(4)
عشر جُمادي الأولى أمر السلطان بالقبض على نائبه الأمير بكتمر الجوكندار وعلى ألزامه، فقُبض عليه وعَلَى: صهره سيف الدين أَلُكْتَمُر
(5)
، وصهره الآخر علاء الدين أيدغدي النعماني
(6)
، وشمس الدين
(7)
بكمش الساقي، وعز الدين أيدمر الصفدي، وأيدمر الشَّيخي، وسيف الدين مَنْكُوَتُمر الطباخي،
(1)
توفي في ذي الحجة 733 هـ/ 1232، الدرر الكامنة 2/ 32 رقم 1365، وفيه: بهادر الشجري، وينظر السلوك 2/ 371.
(2)
إضافة للتوضيح.
(3)
لا يوجد خبر هذه السنة في المنشور من كتاب زبدة الفكرة، وينظر ما ورد في التحفة الملوكية 227 - 228.
(4)
سابع: في نهاية الأرب 32/ 169، السلوك 2/ 102، النجوم الزاهرة 9/ 29.
(5)
بكتمر: في نهاية الأرب 32/ 177.
(6)
العثماني: في التحفة الملوكية، نهاية الأرب 32/ 177، السلوك 2/ 102.
(7)
بدر الدين: في نهاية الأرب 32/ 177، النجوم الزاهرة 9/ 29.
فاعتقلوا كلهم إلا الطباخي فإنه قُتل لوقته لكلام تكلم به
(1)
.
وكان السبب في ذلك
(2)
. ما ذكره صاحب سيرة الناصر: أن الأمير بكتمر الجوكندار لما رأى ما يحل بالأمراء، وأن حرمته قَلَّت خاف على نفسه، فطلب إليه بتخاص، الذي كان نائب صفد، وغيره ممن يلوذ به، فقال لهم، قد علمتهم ما يفعل السلطان بالأمراء، فمنهم من يأخذه بحق، ومنهم من يأخذه بغير حق، وأنا خائف منه، وما أدري ما أصنع؟ فقالوا له: والله، نحن كذلك، قال، فابصروا ماذا نعمل؟ فقال بتخاص: ما في الأمر إلا أنك توافقنا عليه، وكلنا نحلف لك أنك سلطاننا، فقال لهم الجوكندار: وعلى ماذا عزمتم؟ قالوا: نُكاتب: قطلبك، وكراي، وقطلقتمر، وقراسنقر، ونجتمع كلنا على كلمة واحدة، ونقبض هذه السلطان ونخصمه في دار، وله ما يأكل وما يشرب، وما نُخرجه إلى الممات، فقال لهم: هذا هو الرأي، فاتفقوا على هذا الاتفاق.
وكتب الجوكندار إلى الأمير كراي نائب الشام، وكان خشداشه، وذكر له صفة ما هم عليه، وكذا كتب إلى قطلو بك نائب صفد، وإلى قطلقتمر نائب غزة، وما كتب إلى الأمير قراسنقر نائب حلب، لأنه قال: هذا خائف ولا نأمن أن يُعرِّف بحالنا إلى السلطان، ويتوجه إليه.
ورجع قصاد الجوكندار إليه، الذين أرسلهم إلى الشام، وقد وافقه: قطلو بك نائب صفد، وقطلقتمر نائب غزة، وأما كراي، نائب دمشق، فإنه سَيِّر إليه، ويقول: يا أخي، قد عَلِمت ما الذي جرى على غيرك، وكانوا أقدر منك، فلا تُدِر هذا في ذهنك فتَهلك ونَهْلك معك، وهذا ابن أستاذنا وقد أخذ المُلْك وهو خائف.
فلما قرأ الجوكندار الكتب التي جاءت من الشام على الأمير برلغي وبتخاص قالا: نحن نعرف كراي إنه ما يوافق، وما نحن بمحتاجين إليه، ونحن نقضي الشغل، فإذا قضينا
(1)
لم يرد هذا النص في المنشور من البداية والنهاية، ولكنه أقرب إلى النص الوارد في نهاية الأرب 32/ 177.
(2)
ينظر كنز الدرر 9/ 212 - 217.
الشغل وافقتنا الناس كلهم، لأن الناس خائفون من هذا السلطان.
واتفق رأيهم على أن يدخلوا عليه بمماليكهم، فإن رأوا أنهم مستظهرون عليهم قبضوا عليه وإلا قتلوه، واتفقوا على أن يكون هذا يوم الخميس، وكان الاتفاق يوم الثلاثاء، ولم يطلعوا أحدًا على هذا الأمر، وباتوا تلك الليلة ومن الغد على هذا.
وطلع بكتمر الخدمة، لأنه نائب ولا يقدر على الانقطاع، فوقف في الخدمة إلى قريب الظهر، وكان قد طلع معه مملوك صغير، ابن عشر سنين، يحمل سرموجته، وكان السلطان أمرهم أن لا يعبر أحد عليه بمملوك صغير، وكان هذا المملوك واقفًا بين الأبواب عند الخدام، فجاء إليه مملوك من مماليك السلطان، صغير مثله، فلعب معه، فتضاربا، فاجتمع الصغار من مماليك السلطان عليه وضربوا مملوك الجوكندار، فجاء خادم من الخدام وخلصه منهم، وبقى مملوك الجوكندار ما يرجع عنهم والخدام يردونه، وهو ما يرتد، فضربه زمام الدار وقال له: ما ترجع عن مماليك السلطان، يا شيطان، فبكى، وقال: يا عبد النحس راحت دولتكم، غدًا أقول لكم.
ولما سمع زمام الدار بذلك المقال منه مسكه، ودخل به إلى السلطان، وقال له من حيث لا يسمعه أحد: جرى من الأمر كذا وكذا، فلما سمع السلطان ذلك طار عقله، وقال له: هات المملوك، ثم سَيَّر عشرين مملوكًا، وقال لهم: إن طلب بكتمر النائب الرواح، لا تمكنوه، فخرجوا إليه من حيث لا يعلم بهم، وطلب السلطان المملوك وقال له: ما معنى ما قلت: رَاحَتْ دولتكم غدًا أريكم؟ ففزع المملوك، فقال له السلطان لا تفزع، أنت اليوم مملوكي، وضحك في وجهه، فحكى له المملوك كل ما جرى بين أستاذه الجوكندار وبين بتخاص وبرلغي، فقال السلطان:"هل معهم آخر، قال: كانوا يقولون إن معهم أمراء آخرين، ولكن أنا ما أعرفهم، فقال السلطان"
(1)
: اطلبوا بكتمر النائب، فطلبوه، وهو على غاية الاحتراز، وقد حمل أثقاله، وذلك أنه كان له عند السلطان مَنْ يخبره بكل ما جرى عند السلطان في غيبته، ولما بلغه أمر مملوكه أمر
(1)
بهامش الأصل، ومنبه على موضعه بالمتن.
بشيل الأثقال والخزائن، وطلب مماليكه، وحكى لهم بالقضية، فلما سمعوا بقوا مفكرين ساعة من غير جواب، فقال لهم [خُذِلْتم]
(1)
با مخانثة من حديث؟ فالله يدري أهو صحيح أو كذب، فلعن الله من يرجوكم لدفع شدة، ثم إنه دمدم ونخر
(2)
، وقال كَمْ نحمل الضرر ولا نثبر الغُبن، وهم يبلوننا بها، فيظنون أنني مثل مَنْ أخذوه قبلي، هيهات هيهات، والله، إن الوصول إلىَّ بعيد، والقُدوم عَلَيَّ صعب شديد، وأنا أقسم بالله العظيم، ونبيه الكريم، لئن لم تنتهوا عني لأثيرن حربًا تعثر الخيل فيها بالجماجم وتقطع فيها الزرادم
(3)
، ثم التفت إلى مماليكه، وقال لهم: الساعة لا بد من ركوب الخيل ولبس العُدد.
قال الراوي: فبينما هو يقول ذلك، إذْ سَيَّر إليه السلطان يطلبه، فما قدر على المخالفة، فلما حضر، أمرهم السلطان بأن يأخذوا سيفه، فأخذوه، ثم قال له: ما عملت معك من القبيح حتى إنك تجازيني بمثل هذه المجازاة؟ فقال له بكتمر: والله، ما ضَرَّيْني، إلا أنك ضريت الناس وأهلكتهم وقتلتهم بغير حق، فقال السلطان: أصحيح ما قالوا عنك؟ فقال له: نعم، فقال السلطان لمماليكه: شيلوه إلى أسند مر.
قال الراوي: فشالوه إلى الجب، ثم سير السلطان خلف بتخاص بعض مماليك الجوكندار، لأنه بعد مسكه طلب مماليكه كلهم، وخلع على أعيانهم ووعدهم بما يسرّ قلوبهم، وطيب خواطرهم، فباسوا الأرض، ثم قال لهم: من كان فيكم يرسله أستاذكم إلى الأمراء؟ فأشاروا إلى مملوك، وقالوا: هذا الذي كان يروح إلى الأمراء، ثم أرسل إلى برلغي، فجاء إليه ذلك المملوك ورآه وهو قائم يصلي الظهر، فلما سَلَّم، قال له: إن الأمير يطلبك، فقال له برلغي: من عنده؟ فقال: عنده بتخاص، ولما سمع نهض طالبًا بيت بكتمر، وكان السلطان قد أرسل إلى بيت بكتمر مائتي مملوك، وقال لهم: إذا دخل برلغي اقبضوا عليه.
(1)
خذلتهم: في الأصل.
(2)
نخر الإنسان والحيوان: مد الصوت والنفس في خياشيمه، تاج العروس، مادة نخر.
(3)
الزردمة: موضح الابتلاع من الحلق، محيط المحيط، مادة زردم.
قال الراوي: فلما دخل برلغي ومعه مملوكه يحمل السرموجة، دارت عليه المماليك من خلفه، وقبضوا عليه قبضًا باليد، وساروا به إلى السلطان، فلما وصلوا به إليه، قال لهم: ودُّوه إلى الجب.
وكان السلطان قد أرسل أيضًا مائتي مملوك إلى بيت بتخاص وأمرهم بالقبض عليه.
ثم إن السلطان أرسل بكتمر الجوكندار إلى الكرك وحُبس فيها إلى أن مات
(1)
.
ذكر مسك نائب صفد
وأرسل السلطان الأمير سنجر
(2)
الجمقدار إلى صفد، ومعه كتب إلى الأمراء الذين بها، يقول فيها: إن امتنع قطلبك على المرسوم وخرج من بينكم راحت أرواحكم، وكان ذلك نهار الاثنين
(3)
، فأخرج الجمقدار الكتب [وأعطاها]
(4)
لقطلو بك بحضور الأمراء، فلما قرأها قال: السمع والطاعة لمولانا السلطان، أنا .. والله، لي سنة انتظر هذا اليوم، فعند ذلك أخرج الجمقدار قيدا وحَطَّه في رجلي قطلو بك
(5)
، فلما رأت مماليكه ذلك نظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما نُمَكن أَحدًا من أستاذنا، وهموا بالجمقدار، فصرخ عليهم قطلو بك وردهم عنه، وفي تلك الساعة ركب الجمقدار وأخذ معه قطلو بك وسار به إلى الكرك.
فكان وصول كراي نائب الشام، ودخول قطلو بك نائب صفد، وقطلقتمر نائب غزة إلى الكرك في يوم واحد، فسلموهم إلى نائب الكرك، فأنزلهم كلهم في الجب.
(1)
كان آخر العهد به بتاريخ سنة 711 هـ/ 1311 م تقريبًا، ينظر المنهل الصافي 3/ 398 رقم 680.
(2)
كان من المماليك المنصورية، وتنقل في الخدم، وتوفي سنة 745 هـ/ 1343 م، الدرر الكامنة 2/ 270 رقم 1889.
(3)
يوم الجمعة الرابع والعشرين من جمادي الأولى: في تاريخ البرزالي 4/ 25.
(4)
وأعطاه: في الأصل.
(5)
بحضور الأمر: في الأصل، ومشطوب عليها.
ونذكر الآن قضية كراي نائب الشام
ذكر مسك الأمير كراي نائب الشام
قال ابن كثير: وفيها، في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من جمادي الأولى، حضر سيف الدين أرغون
(1)
، على البريد إلى دمشق وعلى يده مكاتبات للأمراء بالقبض على الأمير كراي النائب بدمشق.
وصفة مسكه: أنه قدم الأمير أرغون الدوادار فنزل القصر، فلما كان يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادي الأولى خَلَع على كراي خُلْعةً سَنية فلبسها وقَبَّل العتبة، وحضر الموكب، ومُدَّ السِّماط، فَقُيِّد بحضرة الأمراء، وحُمل على البريد إلى الكرك صُحبة غُرلو العادلي وبيبرس المجنون
(2)
.
ثم قدم الأمير أقوش نائب الكرك على نيابة دمشق يوم الأربعاء [رابع عشر جمادي الآخرة]
(3)
منها، وتلقاه الناس، واشتعلت الشموع، وكان يومًا مشهودًا.
وقال ابن كثير: وفي يوم الأربعاء الثاني والعشرين من جُمادي الأولى وصل مملوك سيف الدين كراي إلى دمشق، وصُحبته لمخدومة تشريف وحياصة وسيف، واتفق في ذلك اليوم وصول رُسل التتار، فأصبح كراي المذكور يوم الخميس ركب الموكب ولبس
(1)
هو: أرغون الدوادار، اشتراه الملك المنصور ورباه مع ولده الناصر محمد، وتنقل في الخدم حتى ولي نيابة السلطنة بالديار المصرية سنة 712 هـ، وتوفي بحلب سنة 731 هـ/ 1330 م، الدرر الكامنة 1/ 374 رقم 873، المنهل الصافي 2/ 306 رقم 367.
(2)
ينظر البداية والنهاية 18/ 112 حيث يوجد اختلاف في بعض الألفاظ.
وبيبرس المجنون: هو أحد الأمراء بدمشق، وتوفى سنة 715 هـ/ 1315 م، الدرر الكامنة 2/ 42 رقم 1382.
(3)
في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الآخر: في الأصل، والتصويب من تاريخ البرزالي 4/ 26، وهو الأرجح حيث مسك كراي في الثالث والعشرين من جمادي الأولى، ينظر ما سبق، نهاية الأرب 32/ 182، البداية والنهاية 18/ 112.
التشريف ورجع فَمَّد السماط، وكان قد احتفل لأ [جل]
(1)
التشريف ولأجل رسل التتار، فلما أكلوا رَسم للرُّسُل بالانصراف، وأحاطت الأمراء بكراي المذكور، وأخرجوا له المرسوم بالقبض عليه، فأجاب بالسمع والطاعة، وقلع شاش التشريف وضرب به الأرض، وقُيد من وقته، وحُمل إلى الكرك، فاعتقل بها
(2)
.
وقال ابن كثير أيضًا إن كراي لما تولى دمشق قرر على أهلها في أول الشهر الذي قدم فيه، وهو شهر المحرم من هذه السنة، ألفًا وخمسمائة فارس، لكل واحد خمسمائة درهم، فضُربت على الأملاك والأوقاف، فتألم الناس بسبب ذلك، وسعوا إلى الخطيب جلال الدين، فسعى إلى القاضي، فاجتمع الناس [بكرة]
(3)
الاثنين ثالث عشر المحرم، واختلفوا في الاجتماع، وأخرجوا معهم المصحف العثماني والأثر النبوي والسناجق الخليفتية، ووقفوا في الموكب، فلما رآهم النائب تغيظ عليهم، وشتم القاضي والخطيب، وضرب مجد الدين التونسي، ورَسَّم عليهم، ثم أطلقهم بضمان وكفالة، فتألم الناس لذلك كثيرًا، فلم يمهله الله إلا عشرة أيام وجاءه الأمير فُجَاءةً، فقيد وعُزل وحُبس، ففرح الناس لذلك فرحًا شديدًا
(4)
.
ذكر قضية الأمير قراسنقر المنصوري نائب حلب وتوجهه إلى الحجاز، ثم توجهه إلى خَرَبندا ملك التتار
قال ابن كثير: وفيها أرسل شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب [حلب]
(5)
يسأل الإذن من السلطان في التوجه إلى الحجاز، فأذن له، وأنعم عليه بألفي دينار عينًا، وفوضت نيابة حلب في غيبته للأمير شهاب الدين قرطاي الحاجب، وخرج قراسنقر
(1)
إضافة لاستكمال الكلمة، ينظر ما يلي.
(2)
لم يرد هذا النص في المطبوع من البداية والنهاية، يقارن بما سبق في الفقرة الأولى.
(3)
بكر: في الأصل، والتصويب من البداية والنهاية 18/ 111.
(4)
البداية والنهاية 18/ 111 - 112.
(5)
إضافة لاستكمال النص، وينظر البداية والنهاية 18/ 112.
على نية الحج، فلما وصل إلى أطراف البلاد من بلاد البلقاء بلغه أن السلطان جَرَّد جماعة من مماليكه بالهجن والخيل، فظن أنهم يقصدونه، فرجع إلى حلب، فَمُنع من الدخول إلّا بعد العود من الحجاز الشريف، أو بمرسوم شريف، فطلب موجوده الذي بحلب فمُنع أيضًا منه، فجاء إلى الأمير ابن مهنا وعَرَّفه بذلك، فأرسل إلى الأمراء بحلب في تمكينه من موجوده، وإن لم تفعلوا هجم حلب ونَهَبها، فمكنوه من موجوده فأخذه وقصد البرية، وجهز ولده فرج
(1)
إلى ديار مصر بجملة من أمواله، فوصل إلى القاهر [ة]
(2)
في أواخر ذي الحجة، فأُنْعِمَ عليه بإمرة عشرة، واستقر بالقاهرة مع أخيه علاء الدين عَلِيّ، ثم إن قراسنقر كاتب أقوش الأفرم ونائب طرابلس وبذل له بالطاعة وأن يكون هو صاحب الأمر، وبذل له المال مرة ومرة ومرة، وهو يُدافعه.
ولما اتصل خبر قراسنقر بالسلطان جَرَّد الأمير أرغون وجماعة أمراء فوصلوا دمشق واستصحبوا جماعة من عسكرها وتوجهوا، ثم أردف السلطان هذه العساكر بعساكر أخرى، فوصلوا إلى حمص واجتمعوا بمرجها، ولما توجهت العساكر توهم أقوش الأفرم منهم فركب ونزل على رأس عين، ووصل إليه بها: أيدمر [الزردكاش]
(3)
، وبلبان الدمشقي، وبيبرس الحسامي، وذكروا له أن الكلمة قد اجتمعت عليه، [وكاتب]
(4)
، الأمراء بطرابلس، فلم يجيبوه، فركب وقصد البرية، فتبعه [أَلركتمر]
(5)
، الجمدار الناصري، فلحقَ أثقالَه فأخذها، ولم يلحقه فرجع، ولما بلغ قراسنقر مسير الأفرم خلفه ظنه مكيدة، فجعل كلما نزل منزلة يتقدمه منزلة، حتى أرسل إليه يحلف له إنما جاء في ميعاده، فقال: إن كان الأمر كذلك [فلتجتمع]
(6)
معي مع مَمْلوكَيْن، فركب على
(1)
هو: فرج بن قراسنقر المنصوري، كان أحد الأمراء بمصر، وتوفي سنة 734 هـ/ 1333 م، الدرر الكامنة 3/ 312 رقم 3202.
(2)
إضافة لاستكمال الكلمة.
(3)
الزركاش: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(4)
وكانت: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(5)
أدوكتمر: في الأصل، والتصويب مما سبق
(6)
فلتجمع: في الأصل.
الهجن ولحقه، وحلف له، فاطمأن، ثم قال: خفف من هذا الجمع الذي معك فليس لنا بهم حاجة، فاحتال عليهم الأفرم حتى رجعوا، وتوجه هو وقراسنقر، والثلاثة الأمراء الذين كانوا لحقوا بالأفرم، كما ذكرنا، وتبعهم العسكر الناصري إلى الرحبة، ثم رجع، ولما قربا من بلاد التتر كتبا إلى خربندَا يستأذناه في الوصول إليه، فأرسل إليهما الإذن والخُلع، فوصلوا إليه فأكرمهم، وأعطى جمال الدين أقوش الأفرم همدان، فتوجه إليها ولم يزل بها حتى مات
(1)
، وأقام قرا سنقر عند التتار إلى أن مات في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، كما [سنذكره]
(2)
إن شاء الله تعالى.
وذكر في كتاب سيرة الناصر: أن قراسنقر طلب مماليكه وقال لهم: إني بقيت رجلًا كبيرًا، والله تعالى يعلم ما بقي من عمري، وقد عولت أن أسير إلى بيت الله الحرام وأزور قبر نبيه محمد سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن شاء الله تعالى أجاور في بقية عمري عند ضريح النبي عليه السلام، فتجهزوا، ثم كتب كتابًا إلى السلطان يستأذنه إلى الحجاز الشريف [ويشاوره]
(3)
على أن يكون النائب مكانه إلى حين يجئ، وأرسل الكتاب مع مملوكه مغلطاي الخطاي، فلما وصل إلى مصر، وتمثل بين يدي السلطان، باس الأرض وناوله الكتاب، فلما قرأه السلطان، قال لمغلطاي: لم ما أعلمني من قبل هذه الأيام حتى كنت أجهز جميع ما يحتاج إليه وأقمت بواجب حقه؟ لأن الأمير شمس الدين عندي في منزلة الملك المنصور، فباس مغلطاي الأرض ودعا له، فأمره السلطان بالإنصراف إلى حين يكتب جوابه.
وفي تلك الليلة طلب السلطان [نائبه]
(4)
بيبرس الخطاي، وقال: غدًا أطلب لي الجمالين الجادة إلى الحجاز، وتخليهم أن يحملوا إلى مكة [شرفها]
(5)
الله: ألف أردب
(1)
توفى سنة 716 هـ/ 1316 م، السلوك 2/ 167، وينظر المنهل الصافي 3/ 9 رقم 511، كما ينظر عقد الجمان حوادث 716 هـ.
(2)
سيذكره: في الأصل.
(3)
ونشاوره: في الأصل.
(4)
نائب: في الأصل.
(5)
شرف: في الأصل.
شعير، ومائة قنطار بقسماط، وألف علبة حلاوة، وأن يُشتري هناك خمسمائة رأس غنم لأجل قراسنقر، ثم أَرسَلَ البريدي إلى الكرك، وأمر لنائبها بأن ينزل لقراسنقر، ويُرسل له: ألف أردب شعير، وخمسمائة رأس غنم، وأن يجهز له الإقامات في المنازل، ثم طلب مملوكه وكتب جواب كتاب قراسنقر يقول فيه: والله لقد عتبت على الوالد كيف أنه ما أعلمني من قبل، وربما كنت أنا أيضًا توجهت إلى الحج وكنا نقضي الفرض جميعًا، وأنت تعرف علو منزلتك عندي، والإذن معك، وأي مَنْ أردتَ أنت عَيِّن لنيابة الغيبة إلى حضورك، لأنك تعلم بأن حلب هي لك ما لأحد فيها حكم.
وذكر أيضًا أنه أرسل لأجله إلى مكة كذا وكذا، وأمر من الكرك أيضًا، وخَلع على مملوكه خُلعة هائلة، وسَيَّر معه لقراسنقر أيضًا خُلعة كاملة، فلما وصل إلى أستاذه وقرأ قراسنقر الكتاب، قال: الله يكفينا شر هذا العطاء، ثم إن قراسنقر عاد إلى مكره وخداعه، وقال: قل للذي يدعي علم الفلسفة، حَسِبتَ شيئًا وغابَتْ عنك أشياء، إن كان خاطر الملك الناصر شيء لأجلي وأذن لي أن أدخل البلاد ليتمكن مني مثل ما يريد، فقد فرطت أنا في روحي، على أني أدعي أني أدري أهل الأرض وأمكر من كل ماكر.
ثم كتب كتابًا إلى السلطان، يقول فيه: أقل المماليك قراسنقر المنصوري الناصري، لما أتى إليه المثال الشريف قبله قائمًا، وقابله لاثمًا، وأثنى بالشكر له على ذلك دائمًا، وإن المملوك يسأل من الصدقات الشريفة "مرسومًا شريفًا بأن لا يدخل إلى دمشق، لأن أهلها حين خرج المملوك من بينهم سبوه وشتموه، ولولا خوفهم من سطوة السلطان رجموه، وربما إذا دخلت إليها فأهلها يُسْمِعُونني ما لا أريده، وقد شملت المملوك الصدقات الشريفة"
(1)
فيكون تمامها أن يروح إلى البرية ولا يخرج إلا من الكرك.
فلما وصل كتابه إلى السلطان رَدَّ إليه الجواب، بأن البلاد كلها في تصريفك وتحت حكمك أينما أردت توجه، فلما أتى إليه الجواب فرح فرحًا شديدًا، واهتم في أمره، وتجهز
(1)
بهامش الأصل، ومنبه على موضعه بالمتن.
هو ومماليكه، وتجهز معه أكثر أهل حلب، ثم كتب كتابًا إلى مهنا يُعْلمه أنه قصد سفر الحجاز، وسأله أن يُرْسل إليه ابنه سليمان ليكون معه، فلما وصل الكتاب إلى مهنا أرسل إليه ابنه مع جماعة من العربان، فأنزلهم قراسنقر في الميدان، ورتب لهم ما يكفيهم طول إقامتهم، ثم خرج قراسنقر من حلب في الثاني عشر من شوال من هذه السنة، وقيل من سنة اثنى عشر.
قال الراوي: وخرج في زي عظيم عجيب، حتى قال أهل حلب هذا نهاية قراسنقر بالعُجب، إن كان يرد إلى حلب بعد ذلك، وكان أخرج معه مَخْمَلًا أصفر وعليه رَصَّافِيَّه من الذهب وقد رُصعت بالفصوص، وهو على جمل بختى
(1)
في رقبته قلائد الذهب والفضة، وفي رجليه خلاخيل الذهب، وحوله جملة كجوات
(2)
من الأطلس المختلفة الألوان، وخرج هو في سبعمائة مملوك غائصين في حديد، ورُفعت العَصَائب على رأسه، ودُقَّت الكُوسات، وزَعقت البُوقات، واستناب مملوكه جركس وأوصاه بأنه لا يقطع كتبه عنه مع النجابة، ويطالعه الأخبار ساعة بساعة، ولا يخرج من حلب، ثم سار بمن معه من منازل البرية، والعرب أدلاؤه في الطرقات، فما خرجوا به إلا من تحت صرخد، ثم ساروا حتى انتهوا إلى زيزاء
(3)
فاجتمع بركب دمشق، وكان أمير الحاج للركب الشامي طيبغا قراباش، أخو بهادر آص، فلاقى قراسنقر وسار معه في خدمته حتى نزل في مخيمه، وما استقر به النزول حتى جاءت إليه من الكرك الأغنام والشعير.
وكان قراسنقر لما نزل بالركب على زيزاء أمر لمماليكه أن لا ينزلوا مع الركب ولا يخلوا أحدًا منهم ينزل بينهم، ولا يدخل بينهم غريب، فنزلوا على جانب من الركب، ولم يزل طيبغا أمير الركب الشامي معه إلى نصف الليل، فخلع عليه قراسنقر، ثم أمره بالانصراف فانصرف، وأقاموا هناك ثلاثة أيام، ومن الليلة الرابعة، حرك قراسنقر
(1)
البخت: الإبل الخراسانية، محيط المحيط، مادة: بخت.
(2)
كجاوة: لفظ فارسي بمعنى: هودج النساء، ينظر.
(3)
زيزاء: من قرى البلقاء، من منازل حج الركب الشامي، معجم البلدان.
كوساته ورحل، فرحل طيبغا خلفه، وكل منزلة ينزلها قراسنقر يجد فيها الإقامة من الكرك، وكذا لما نزل على الكرك بعث له النائب شيئًا كثيرًا، وأعلمه بأنه سير إلى معان خمسمائة أردب شعير، وكان قراسنقر دائمًا يقول: اللهم اعطنا خير هذا العطاء واكفنا شره.
ولما نزل قراسنقر على معان وصل إليه نجابان من مصر، من عند ابنه، ومعهما كتاب، فلما قرأه تغير لونه، فقال: الله أكبر، والله حسبت هذا الحساب، ثم اختلى بمماليكه الذين يعتمد عليهم، فقال له مملوكه بنجار: رأيت وجهكم قد تغير حين قرأت الكتاب، فقال: حتى أقرأه عليكم، فإذا فيه ساعة وقوفك على الكتاب احذر على روحك غاية الحذر، واعلم بأن السلطان قد جهز أرغون الدوادار ومعه: قرا لاجين الزيرباح، وجنكلي ابن البابا، ومعهم جماعة من الفرسان أكثر من ألفي نفس وأمرهم أن يروحوا إلى غزة، فإذا خرجت إلى البر يسيرون إلى الكرك ويتوجهون خلفك، وجرد أيضًا أمير حسين بن جندر والأمير قُلَيّ ومعهم عسكر، أكثر من ألفي نفس، وأمرهم بأن يسيروا ويلاقوك من طريق المدينة النبوية، فاحذر كل الحذر.
قال الراوي: فلما سمع مماليكه ذلك الكلام بهتوا وشخصوا، فقال لهم قراسنقر ذللتم يا مخانثة، الله يدري أصحيح هذا أم كذب، فإذا كان صحيحًا هل يتلاقون معنا أم لا؟ فلعن الله من يرجو منكم خيرًا يوم الشدة، ثم إنه أمر لهم أن يردوا ما معهم من الأثقال ولا يخلوا معهم غير نصف الزاد، ثم طلب سليمان بن مهنا، وقال له: يا سليمان جرى كذا وكذا، وأوقفه على الكتاب، فقال له سليمان على ماذا عولت يا أمير؟ فقال: يا سليمان أنا ما اخترتك معي إلا لعلمي بغزارة مروءتك وزيادة كرمك وشدة شجاعتك، ومثلك لا يضيع نزيله ولا يُخَيَّب سائله، وأنا اليوم صرت من ألزامك ومن جملة نزلائك، فقم معي قومة الرجال ولا تخلِّ يتحدث فيك الأرذال.
فلما سمع سليمان بذلك انتخى وهزته أريحيَّة المروءة وطبع العرب، فقال: يا أمير شمس الدين، طيب قلبك واشرح صدرك، فها نحن بين يديك، والله، ما يصيبك إلا ما
يصيبنا، ولكن أخبرنا على ماذا عولت؟
فقال له: أعلم أن معنا الحريم والعيال والأحمال والأثقال في هذه البراري، وليس من المروءة أن نضيعهم، فنرجع بهم، وأنت قدامنا في البراري حتى نصل إلى حلب، فإذا وصلنا نرى هناك رأيًا آخر مما قدره الله تعالى، فقال سليمان: نِعْمَ ما رأيت.
وما أصبح الصباح حتى شالوا الأحمال وحَمَّلُوا الجِمَال، وساروا وسليمان أمامهم.
ثم إن قراسنقر يتذكر ما جرى عليه، وتفيض عيناه بالدموع وينشد ويقول:
إذا ثار الغبار إلى العنان
…
وقام الحرب ملأ العيان
وأبرقت الصوارم مشهرات
…
يكف همامها البطل المُدَان
ودارت من الأكف على البرايا
…
كؤوس الموت يا بئس الأواني
هناك ترى مني صبرًا جميلًا
…
أقدَّ الرؤوس ضربًا باليماني
حلفت ولي جنان لا يبالي
…
على كُثر الخطوب وإن دَهاني
ولي قلب صبورٌ على الرزايا
…
ولي جَلَدٌ على رَيْبِ الزمان
وكم من شدةٍ ورخَاءِ وضيقٍ
…
وأَخُول لها كل اللسان
صبرت لها فولت عند صَبْري
…
ودَلَّت من حسامي مع سناني
فكيف أخشى من الأيام ريبًا
…
وأُمَرَاء آل فضل يُعضَدان
غطارفة سموا للعزّ قادة
…
برامكة علوا يوم الطعان
أبا موسى مهنى قد لجأنا
…
إليك وقد دهاني ما دهان
وإني واثق منكم بحبل
…
متين لا يُرَثُّ له مباني
فكن لي عنده حِصْنًا حَصِينا
…
فإن في ذمامك في أمانى
قال الراوي: فلا سمع سليمان ذلك من قراسنقر طرب واهتز على ظهر حصانه، وأنشد يقول:
ألا يا صاح دع ذكر المغاني
…
وكاسات المثالث والمثاني
ولهو العيش مع بيض وغيد
…
تعرق الشمس حسنا مع معاني
ألا يا آل فضل يا عوادي
…
أيا عونًا على رَيْب الزمان
أجيبوا للنداء بكل فحل
…
متين المتن مُعْتدّ حصان
وكلٍ سَمَيْدعٍ شهم هُمام
…
غضنفر باسلٍ ضخم اليدان
أنا ليث الحروب أبو المعالي
…
سليمان غدًا تنظر طعاني
إذا ثار الغبار من السعالي
…
وطار الشُّهب من تحت اليدان
هناك تري ليثًا عبوسًا
…
أُوَافيها ولو قطعت يمان
بسيف كان لي في عهد عادٍ
…
صقيل المتن أخضر هندواني
وتبصر موقفي في كل أرض
…
صديقي مع عدوي يشهداني
مهنى كن لنا ظَهرًا وحِصنًا
…
فنحن إليك نسعى لاستماني
إذا جئنا نزلنا منك أرضًا
…
فشمس الدين يُصبح في أمان
قال الراوي: فلما سمع قراسنقر ذلك من سليمان شكره ودعا له، فقال له سليمان: يا أمير شمس الدين، طيب قلبك واشرح صدرك، ما بقى ينالك مكروه، ها نحن لك
وبين يديك، وأنت تعلم إش بينك وبين مهنا من الصداقة والمودة، فقال قراسنقر: صدقت، ولكن أخاف أن الصداقة في ذلك الزمان كانت وأنا مالك البلاد، فقال سليمان: دع عنك هذا المقال، والله، لو أُعْطى مهنا ملُؤ الدنيا ذهبًا على أن يتركك لما تركك ولا يتخلى عنك.
ثم إنهم جدوا في السير ليلًا ونهارًا، حتى قطعوا البراري من بين الرحبة وتدمر على قرية يقال لها أريكة، فنزلوا عليها يومين واستراحوا، ورحلوا في اليوم الثالث طالبين حلب.
وشاعت الأخبار برجوع قراسنقر، وسمع السلطان بذلك، فأرسل البريدي في الحال إلى حلب وعلى يديه كتاب للأمير قرطاي الحاجب ولبقية الأمراء بحلب، يقول: إن كان يجئ إليكم قراسنقر فلا تمكنوه من العبور إلى حلب، فلما وقفوا على كتب السلطان احترزوا وتأهبوا، ومسك قرطاي نائب قراسنقر، الذي استنابه في حلب، وهو مملوكه جركس، كما ذكرنا، وحبسه في قلعتها.
وأقاموا ينتظرون قدوم قراسنقر، فإذا به وقد قدم ومعه مماليكه وحاشيته كلهم ملبسون، وخرج أمراء حلب بعسكرها، ولما وقعت العين على العين أرسل قرطاي الحاجب يقول لقراسنقر: مَا لَكَ عبور إلينا، لأنك خرجت على أنك تروح إلى الحجاز ثم رجعت، فلا ندري هل رجعت بمرسوم السلطان أم لا؟ ولا نمكنك من الدخول إلا بمرسوم السلطان، فقال قراسنقر: حبًا وكرامة، فأنا أنزل على حَيْلان وأرسل إلى السلطان ليرسل مرسومًا بذلك، فخلوا حريمي يدخل حلب، فخلوا الحريم، فدخلوا الدور، وأقام قراسنقر على حَيْلان، وهي قرية بالقرب من حلب من ناحية الشمال، والقناة التي تعبر حلب تجوز عليها، وخيولهم تلفت جدًّا من كثرة السوق وبُعْد المسافة.
وكان قراسنقر لما خرج من حلب خَلَّى جملة خيل على القصيل، وهو ربيع حلب، وكانت قد سمنت من أكل القصيل والراحة، فقال لأصحابه: أبصروا كيف تعملون حتى تجيبوا لنا هذه الخيل، فقالوا: كيف الوصول إليها؟ وهي في داخل حلب وبعضها
في بستان السلطان، وقرطاي كل ليلة يُبَيّتْ عليها حُراسًا؟ فقال رجل منهم، من أهل النجدة والقوة، يسمى عثمان بن قرا علام: أما التي في البستان فأنا أجيبها الليلة، وكانت مائة فرس، فلما جن الليل أخذ معه عشرة مماليك وسار يطلب البستان حتى وصل إليه، وإذا بالبَيَّاتة على الباب، وهم مقدار عشرين رجلًا من حلقة حلب، فَخلَّاهم عثمان ودار إلى خلف البستان، وأخرب موضعًا من الحائط، وعبروا على السواس
(1)
بقدومهم، فقاموا وأخرجوا الخيل كلها من ذلك الموضع، وساروا بها إلى قرا سنقر، فلما رآهم قراسنقر فرح فرحًا شديدًا، وقال كُنَّا رَجّالة [قَّلَّما]
(2)
ركبنا الخيل، وأخبره السواس وأمير آخوره بما جرى في حلب، وأن جركس مملوك ملك الأمراء محبوس في القلعة.
وكان سليمان بن مهنا سار إلى أبيه يطلبه وكان على الجبُّول، ثم إن قراسنقر جمع مماليكه وقال لهم: إني غدًا أريد أن أهجم على حلب، فإن ظفرت بما أريد فيها، وإن جاء عسكر دمشق أو تجريدة من مصر دخلُ البرية مع العرب، فقال مماليكه: كيف تعمل بعسكر حلب؟ وهم أيضًا كثير، فقال قراسنقر: أكثرهم ما يقاتلون، فأجناد الحلقة لا يقاتلون، ولا يقاتل منهم إلا الأمراء، وأنتم كفؤ لهم.
ولما أصبحوا ركب قراسنقر ومعه مقدار سبعمائة ملوك من الذين كانوا معه في السفر، ومن الذين اجتمعوا حوله حين قدم، وسمع الأمير قرطاي حاجب حلب بذلك فركب، وركب أمراء حلب بعسكرها، فلما تلاقوا صاح عليهم قراسنقر وقال لهم: يا طناجرة مسكتم مملوكي وكسرتم حرمتي فإش جرى؟ أنا عاصٍ للسلطان حتى فعلتم ما فعلتم؟ ثم حمل عليهم حملة مَنْ أَيس من الحياة، فتقلعوا من بين يديه إلى قريب القلعة، ثم أرسل إليهم ناصر الدين الدوادار يقول لهم: أقسم بالله العظيم، لئن لم تطلقوا مملوكي جركس ولم تسلموا إلَيَّ بقية خيلي وجمالي التي في حلب نهبت حلب وأحرقتها ولا أبالي،
(1)
السواس: جمع سائس، وهو من يقوم على خدمة الخيل، صبح الأعشى 3/ 474، وينظر المعجم الوسيط، مادة ساس.
(2)
فلما: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
فلما سمع الأمراء بذلك قالوا لقرطاي: ما كان القبض على مملوكه بمصلحة، فقال قرطاي: قد كان ذلك، وإن لم يرجع إلى أن يجئ مرسوم السلطان قاتلناه، فقال له جمال الدين بن قَرا عَلِي: يا أمير، بمن نُقاتل؟ وهو نار مُحْرقة، والله، يقاتل معك واحد وعشرة ما تقاتل، فقالت بقية الأمراء: صدق والله جمال الدين، فطلب قرطاي الحاجب قضاة حلب وأكابرها، فأرسلهم إلى قراسنقر ليرجعوه عما هو فيه، فجاءوا إليه، وقال لهم قرا سنقر: لماذا جئتم؟ فقالوا: يا مولانا شمس الدين، نسألك لوجه الله تعالى أن ترحم هؤلاء المساكين وترجع عنهم، فإن الذي تفعل فيه خراب المملكة وفساد بين الخلق وسفك الدماء، وحاشى منك أن تكون سببًا لهذه الأشياء، ولا يَخْفى عليك أن في حلب طوائف مُجَمَّعة وفيهم أكراد، فنخاف إذا وقع القتال تنهب هؤلاء المدينة فيحصل الفساد في حريم الناس، فقال لهم قراسنقر: ما أقل عقولكم، فأُخَلِّي مملوكي في الحبس من غير ذنب وأترك أموالي وأروح بغيرهم لأجلكم! فوالله العظيم، لئن لم يطلقوا مملوكي ومالي لدخلت في دماء أهل حلب، فعادوا وأخبروا قرطاي بذلك، فقال: ما أقدر على إطلاق مملوكه إلا بمرسوم السلطان.
وهَمَّ قراسنقر بالحملة عليهم، ولكن ما منعه من ذلك إلا غبار شديد ثار عليهم من جهة جَبّول، فانكشف الغبار عن جماعة من الفرسان وهم عرب مهنا ملك العرب، ومهنا قدامهم ومعه أخوته، ولما رآه قراسنقر أسرع إليه [وتصافح]
(1)
معه، وهما على ظهر الخيل، فقال مهنا ما الخبر؟ فحدثه قراسنقر بما جرى عَلَى مملوكه جركس، وكيف منعه أهل حلب عن الدخول إليها، ثم إن مهنا: قال لولده سليمان: اذهب إلى قرطاي وقل له: يقول لك مهنا: أقسم بالله العظيم، لئن لم تُخْرِج كل شيء للأمير شمس الدين قراسنقر وتطلق مملوكه تركت حلب كجوف حمار، فسار سليمان إلى قرطاي وبلغه ما قال له مهنا، فقال له: قرطاي: نحن قد فرحنا لما جاء أبوك، وقلنا إنه يرده عنا، وما هو إلا يقويه علينا، ولما أبطأ سليمان على مهنا أرسل أخاه فضلًا، وقال له: قل لهذا
(1)
وصافح: في الأصل.
النحس قرطاي: إن كان معه مرسوم السلطان بالقبض على مملوك الأمير قراسنقر يوقفنا عليه، وإلا يطلقه سريعًا، فسار فضل إليه وبلغه ما قال له مهنا، قال: والله، ما جاءني مرسوم بذلك غير أني قبضت عليه، ولا أقدر على إطلاقه إلا بمرسوم من السلطان، فقال له فضل: أخرجه وسلمه إليّ بالإشهاد بأنك سَلَّمته إليَّ، وكذا [خيله]
(1)
وقماشه، وكل شيء له، فقال له قاضي حلب: هذا هو المصلحة، فأنزلوا جركس من القلعة وكل مَنْ معه، وأخرجوا كل شيء لقراسنقر في حلب من الخيل والجمال.
ثم سار قراسنقر ومهنا بمن معهما ونزلوا على حَيْلان، وتَشَاورا تلك الليلة، فقال قراسنقر لمهنا: يا ملك العرب، أنت اليوم ملك العرب، وليس في الترك ولا في العرب أكبر منك، ولا أَدْرَي بالأمور، وأنا ما بقى لي مقام مع السلطان الملك الناصر بعد أن جرى هذا الأمر، ولا بَقَيتُ آمن على روحي منه، وقد علمت ما جرى على الذي قبلي، فقال له مهنا: ماذا تريد تَفْعل؟ قال: أعبر إلا بلاد التتار، وأجلب العساكر وأقلع المُلْك منه، فقال له مهنا: بئس الرأي، تبدل الإيمان بالكفر، فما الذي جرى عليك الآن فلا تعرف رجوعك إلى حلب إلَّا مِنِّي، وفي هذه الساعة أكتب إلي السلطان فيك، ونجيب لك بكل ما تختار، فقال: يا ملك العرب، لا تفعل، لأني ما بقيت آمنًا على نفسي منه أبدًا، لأني رأيت كيف حلف لغيري، ثم أخذه، فقال مهنا: أنا أقول لك شيئًا آخر، وهو أني آخذ لك حلب وأتدرَّك أن لا يسير إليك تجريدة، وأنت تدرَّك بلاد حلب، فقال قراسنقر: رضيت بذلك، ولكن إذا جاء عَلَيَّ عسكر كثير فأَذهب حينئذ إلى البلاد.
ثم إن مهنا وقراسنقر تحالفا أن يكونا على قلب رجل واحد في السراء والضراء.
ثم في الحال طلب مهنا ولده سليمان، وكتب معه إلى السلطان، وذكر فيه أحوال قراسنقر، وأنه كان رائحًا إلى بلاد العدو المخذول، وقد منعته عن ذلك، وضمنت له عن مولانا السلطان أنه يرده إلى حلب كما كان، وسؤاله من الصدقات الشريفة أن لا يُرَدُّ ما
(1)
خليه: في الأصل، وهو تصحيف.
سأله المملوك، لأن مولانا السلطان يعلم أني ما قصدت بهذا إلا خيرًا لمولانا السلطان ولبلاده، لأنه لو عبر إلى بلاد التتار لكان يحصل منه فساد كثير، وربما كان يحوصل
(1)
إلى أمور لا يقدر عليه غيره، فمولانا السلطان، خلد الله ملكه، يعلم ما جرى على المسلمين من نوبة [قفجق]
(2)
، ولا شك أن قفجق ما يجيء قدر ذَرَّة في قراسنقر، ولولا أني أدركته لفات الأمر، وكنا نتعب بعد ذلك.
وهم في هذا، فإذا بقاصد قراسنقر قد وصل من دمشق وأخبر أن أرغون الدوادار قد وصل إلى دمشق ونزل على القابون، وقد تجرد معه أربعة آلاف فارس وهم طالبون، فقال قراسنقر لمهنا: كيف ترى ما أقول لك؟ فقال: طيب قلبك، فأنا ما أُخلِّي أحدًا منهم يتجاوز عن حمص حتى يجيء إلينا مرسوم السلطان بما نعتمد عليه، فركب قراسنقر من حلب ونزل على الباب
(3)
، ثم رحل من الباب ونزل على بالس
(4)
.
وأما سليمان فإنه لما حضر بين يدي السلطان أعطاه [كتاب]
(5)
والده فقرأه وعلم ما فيه، فقال: ولأي معنى رجع قراسنقر من سفر الحجاز؟ وقد سَيَّرنا له الإقامات إلى المنازل، واحتفلنا له غاية الاحتفال، فباس سليمان الأرض، وقال: فكأنه توهم من العسكر الذي أخرجه مولانا السلطان مع أرغون الدوادار فظن أنه لأجله، وداخله الخوف من السطوات الشريفة، ولولا مهنا لكان قراسنقر الآن في بلاد العدو، غير أنه قد عوقه، وضمن له عن مولانا السلطان، فقال السلطان: هذا الذي توهمه قراسنقر قطّ ما مر بخاطري، ولكن لمَّا سافر هو خِفْت على أطراف البلاد، فجرَّدت أرغون إليها فيقيم بها إلى حين يقدم قراسنقر، وما عندي في أمراء مصر والشام أحدٌ أكبر منه عندي، فيرجع إلى حلب منشرح الصدر طيب الخاطر منبسط الأمل، ثم
(1)
هكذا بالأصل، والمقصود: يوصل.
(2)
ققجق: في الأصل، والتصويب مما سبق.
(3)
الباب = باب بزاعة: بليدة في طرف وادي بطنان من أعمال حلب، معجم البلدان، تقويم البلدان.
(4)
بالس: بين حلب والرقة على شط الفرات، معجم البلدان.
(5)
كتا: في الأصل.
أمر سليمان بالخروج.
وأمَّا كتاب مهنا لما وصل إلى أرغون فإنه قد تأخر عن حمص مثل ما أشار به مهنا، ثم بعد خروج سليمان من مصر قدم مملوك أرغون الدوادار إلى مصر ومعه كتاب أرغون فيه: أننا لما وصلنا إلى حمص جاءنا كتاب مهنا يذكر فيه أنك أي وقتٍ تتحرك من حمص يهرب قراسنقر ويذهب إلى بلاد العدو المخذول، فتأنَّ فيه إلى أن يجيء مرسوم السلطان، فإني قد سَيَّرت إليه، وننظر بماذا يجيء الجواب، فنعتمد نحن وأنت عليه، واليوم قراسنقر على الجزيرة المنسوبة للرقة، ولو تقدمنا يومًا واحدًا قطع الفرات إلى بَرِّ العدو، وأما مهنا فإنه نازل على سلمية، وأخوه فضل وولده موسى عندي.
ولما وقف السلطان على كتابه، كتب جواب كتاب مهنا بأنا نحن نعلم ما أشار به الوالد من شفقته على هذه الدولة، وأما ما ذكره من قراسنقر، فوالله العظيم، أنا ما عندي خبر من كل ما جرى، وما هذا الوهم الذي دار في قلبه؟ وما موجب هذا؟ وأنا ما أنسى خدمة قراسنقر لي، ولا في مماليكي كلهم من هو خير منه عندي ولا أكبر منه، وحلب دربست له، والذي جرى من قرطاي الحاجب كان بغير أمري، وإن أراد هو أُرْسل إليه وأُخْرجه من حلب، وكذلك الأمراء الذين قاتلوا معه، فيرجع هو إلى بلده، ونحن لا نستغني من مشورته وكتبه على عادته، فما بقى من مماليكي الكبار لأبي غيره، وأما [أرغون]
(1)
فقد أرسلت إليه وقلت له: أنه إذ سمع بأن قراسنقر قد رجع إلى حلب يرجع هو من حمص.
وكتب أيضًا [لأرغون]
(2)
مثل كتاب مهنا في الظاهر، وفي الباطن أنك تكشف أخبار قراسنقر، فإذا تحققت عبوره إلى حلب اعمل كما عمل الأمير كراي للأمير اسندمر
(3)
، وهو أنك تركب أول الليل من حمص ولا تُدْري أحدًا وتسوق إلى ناحية حلب، فتهجم على قراسنقر على غفلة، ثم تعود من حلب وتأتي إلى طرابلس، وتعمل
(1)
رغون: في الأصل.
(2)
لقراسنقر: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق، ينظر ما يلي.
(3)
ينظر ما سبق.
مع الأفرم كما عملت مع قراسنقر، ثم تأتي إلى حمص فإن كان مهنا على سلمية تركب من الليل وتكبس عليه وتمسكه، وتمسك معه أولاده، وإياك أن ينفلت منهم أحد، واحذر كل الحذر، ثم ارجع بهم إلى دمشق، وامسك في دمشق الأمير [الزردكاش]
(1)
والبرواني وبلبان الدمشقي، وهاتهم صحبتك تحت الاحتياط.
وكتب أيضًا كتابًا لقرا لاجين مثل كتاب أرغون، وكتب لبقية الأمراء، لكل واحد بمعنى، ثم أمر المملوك أرغون بالخروج والرواح إلى أستاذه.
ولما خرج تلاقى في الطريق سليمان بن مهنا، فإنه كان خرج قبله بمقدار نصف يوم، فسار ليلًا ونهارًا إلى أن وصلا إلى قاقون، وكان قد وقع بينهما أنسٌ في الطريق، وكان سليمان صاحب مكر وخداع.
قال الراوي: فشرع كلاهما يتحدثان في أمر قراسنقر، فقال سليمان: والله، لو أني كنت صاحب مصر ما كنت أبقى قراسنقر ساعة واحدة لأنه شيطان الأرض، وكل شرٍّ يقع في مصر أو في الشام فهو من تحت رأسه، وهو ذخيرة سوء، وإشْ كان هذا النحس حتى ردَّ السلطان إليه حلب، فماذا يرجو منه؟ وكان المملوك غُتْمِيًا
(2)
لا يعرف المكر ولا المكيدة، فلما سمع هذا الحديث من سليمان ضحك، وقال له: أنت تظن أن هذا صحيح من السلطان وأنه يردّ قراسنقر إلى حلب، والله، ما بينك وبينه إلى جوازه إلى حلب، ثم أحاط به البلاء.
فلما سمع سليمان هذا الكلام من المملوك سكت وأَضمره في خاطره، وركبا من قاقون وسارا، فصار سليمان يتحيل إلى [أن]
(3)
يسرق بعض الكتب التي مع مملوك أرغون، فتَمَّا سائران إلى أن وصلا إلى دمشق، وقت والعشاء الآخرة، فقال سليمان للمملوك: قد هجم علينا الليل ونحن سهارى، وما ينقطع الليل إلا بالتلهي، ثم
(1)
الزركاش: في الأصل.
(2)
الأغتم: الأعجم، وهو من لا يفصح شيئًا، تاج العروس، فصل الغين.
(3)
إضافة لتوضيح المعنى.
أخرج دينارًا وأعطاه لغلام البريد وقال له: خذ لنا بهذا نُقْلا
(1)
وحَلَاوة صابونية نتنقل بها في الطريق حتى لا ننعس، فأخذ الغلام ذلك، ثم ركبوا، ولما وصلوا إلى قابون قال سليمان للغلام: هات لنا الحلاوة، فأتى بعلبة ففتحها سليمان، وأخرج منها قطعة لنفسه، وقطعة للمملوك، وأعطى الباقي [للغلام]
(2)
، فأكلوا وهم سائرون إلى أن وصلوا إلى حرستا، فصار المملوك لا يقدر أن يحمل روحه من غلبة النوم، فقال لسليمان: يا أمير، قد قتلنا النوم، انزل بنا ساعة نستريح، ثم نركب، فنزلوا، وانطرح المملوك مثل الميت وهو يشخر، وكان مع سليمان بنج في كاغدٍ، فجعل منه شيئًا في الحلاوة التي دفعها للمملوك، وكان سبب تغلبه ذلك، ثم مد سليمان يده إلى جراب المملوك وأخرج جميع الكتب وقرأ عنوانها، فأخذ الكتاب الذي باسم أرغون، [فقرأ]
(3)
كل ما ذكر السلطان في حق قرا سنقر في هذا الكتاب، ورد باقي الكتب في الجراب، ثم اتكأ ونام إلى الصبح، ثم انتبه ونبه المملوك، فقعد وهو مُخَبَّل من البنج، فركبوا وساروا إلى القصير، فغيروا خيولهم، ولم يزالوا سائرين إلى أن صلوا إلى القطيفة، فافترقا، فسار سليمان يطلب درب جنيجل، وسار المملوك يطلب حمص.
ولما وصل سليمان إلى أبيه مهنا وهو في سلمية، دفع له كتاب السلطان، فلما قرأه فرح وشرع يسأل عما جرى عند السلطان في حق قراسنقر، فلما سمع ذلك من أبيه أخرج له الكتاب الذي أخذه من جراب المملوك، وقال له: اقرأ هذا، فلما قرأه، قال: الله أكبر، يا للرجال، ثم أمر في الحال بأن ترحل بيوته من سلمية فرحلوا، وما أصبح الصباح إلا وهم على منزلة يقال لها الشحيرة، وطلب سليمان، وقال له: يا ولدي، اذهب إلى قراسنقر، وقل له: يأتي إلينا بالعجلة حتى نتفق معه على أمر نفعله، وأعطاه الكتاب الذي [كتبه]
(4)
إليه السلطان، والكتاب الذي كتبه إلى أرغون فيه، فسار سليمان حتى
(1)
النقل: ما يتنقل به على الشراب، لا يقال إلا بفتح النون، وقد يضم، ينظر لسان العرب، مادة نقل.
(2)
الغلام: في الأصل.
(3)
فقال: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(4)
كتب: في الأصل.
وصل إلى الرقة فاجتمع به وأعطاه الكتابين، فلما قرأ الذي له فرح وانشرح صدره، ولما قرأ الآخر اصفر وجهه وتغير لونه، ثم قال: يا أمير سليمان، لولا هذا الكتاب راحت أرواحنا، فكيف يكون التدبير؟ فقال: مهنا يطلبك حتى تتفق معه على مصلحة تُفعل.
فبينما هما في الحديث إذ عبر مملوكه مغلطاي، وقال: قد حضر بريدي من السلطان، فأمر بإحضاره، فحضر، فإذا هو علاء الدين بن الدبيس، فدفع له الكتاب، فقرأه، فإذا فيه: عتبت على قراسنقر من جهة [تَخَيُّلِه]
(1)
بهذا الخيال الذي لم يخطر على البال، وهذا جزاؤك مني! فأنت عندي أكبر من الكل وأَخْيَر، فحال وقوفك على هذا الكتاب ترد إلى حلب على ما كنت عليه، وتُخرج منها قرطاي والأمراء الذين اتفقوا معه على ما جرى في حقك.
فقال قراسنقر: يا علاء الدين، أنا ما بقى يجئ مني نائب في حلب، وقد بقيت شيخًا كبيرًا، فإن كان الكلام صحيحًا، وله فيَّ حُسن ظن يعطيني البيرة أو الرحبة، وأنا أكفيه مؤنة التجاريد إلى الأطراف في كل وقت، وأكون أنا ومماليكي مقيمين بها، وإن كان كَرِهني فأنا أخليه وأروح من البلاد، فقال له علاء الدين بن الدبيس: اصبر عَلَيَّ حتى أروح إلى مصر وأعود إليك بكل ما تريد، ولكن اكتب معي كتابًا إلى السلطان بطلب أي قلعة أردتَ، حتى آتي بمرسوم السلطان بما تريد، فكتب قراسنقر، وطلب البيرة.
ثم قال لعلاء الدين: قل لأرغون لا يتحرك من حمص، فأي وقت ركب من حمص عبرت إلى بلاد العدو، فركبَ علاء الدين وسار.
وأما مملوك أرغون فإنه لما وصل إليه دفع له الكتب التي معه ففرقها للأمراء، وما رأى كتابًا يخصه، فتحيَّر، وقال: لله العجب، ما جاءني كتاب، ثم سأل عن لاجين، فقال: أين كتابك؟ فأحضره وقرأه، وإذا فيه نسخة الكتاب الذي كتبه السلطان لأرغون، وهو الذي أخذه سليمان في الطريق كما ذكرنا، وكلما يذكر فيه فصلًا يقول: هكذا ذكرنا في كتاب أرغون، فعلم أرغون أنه جرى أمر في كتابه، فَاخْتَلَى
(1)
تخليه: في الأصل.
بمملوكه، فقال له: قل كيف كانت قضيتك؟ وما جرى في الكتاب الذي أرسله السلطان إليَّ مع كُتب الأمراء، فشرع يحكي له بجميع ما جرى له مع سليمان حين رافقه في الطريق، وكيف ناموا في حَرَسْتا، فقال أرغون: ما أخذ الكتاب إلا سليمان بلا شك، وأنه قد جَفَّل قراسنقر ومهنا، ففي تلك الساعة أمر بالركوب، فركب هو وساق يطلب حلب، وقال الأمير جوبان: خذ معك ألف فارس، ورُحْ بهم إلى الرحبة، فأخذهم وساروا نحو الرحبة.
وجاء الخبر إلى قراسنقر بجاسوسه أن أرغون وصل إلى حلب، فرحل من الرقة ونزل على جعبر، وأرسل جواسيسًا من الناس إلى الثقات عنده يُعَرِّفُونه الأخبار كل وقت، ورحل أرغون من حلب ونزل على الحمامات، فجاء الخبر بذلك إلى قراسنقر، فخاف على نفسه، فقال له سليمان: يا أمير، لا تخف، وطيب قلبك، فوالله، لو أن القوم أشرفوا علينا ما نُبَالي، ولاسيَّما بيننا وبينهم مسيرة يومين.
ثم كتب قراسنقر إلى أرغون كتابًا وأرسله مع مملوكه مغلطاي، مضمونه: أنه يقول لأرغون لا تستعجل عَلَيَّ، هذا مرسوم السلطان جاءني بحلب، وإنه ما يُغَيِّر عَلَيَّ شيئًا، ولولا وصلت إلى هاهنا لكنت أنا اليوم في حلب، وقد أرسلت إلى مصر وطلبت مرسوم السلطان برجوعك فلا تستعجل عَلَيَّ واصبر حتى يجيء المرسوم
(1)
بم أَعتمد عليه أنا وأنت.
وكان الأمير بيبرس العلائي، نائب حمص، مع أرغون، فقال له: المصلحة أن تصبر فلعل مرسوم السلطان
(2)
يجيء وتستريح من هذا التعب، فقراسنقر اليوم مثل باز على قُفاز، وأي وقت [رحلنا]
(3)
من هاهنا يذهب إليه الخبر بجاسوسه، فيدخل إلى بلاد العدو، فلا يبقى لنا وصول إليه، فقال أرغون: صدقت، والوقت لا يحتمل المداراة، فلعله ينخدع.
(1)
المرسوم السلطان: في الأصل، ومشطوب على كلمة السلطان.
(2)
السلطان: في هامش الأصل، ومنبه على موضعها.
(3)
أحلنا: في الأصل.
وأقام أرغون على الحمامات تسعة أيام، ونفذت أزواد الناس، وعلائق الخيل، فهرب أكثرهم من الجوع، فأعلم الأمراء بذلك لأرغون، فأمرهم بالرجوع إلى حمص.
وأما جوبان
(1)
فإنه هو ونائب الرحبة كل يوم يركبان ويتصيدان في تلك البراري حتى أن خيل جوبان كانت وصلت إلى البليخ.
البَليخ: بفتح الباء الموحدة وكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره خاء معجمة، وهو نهر بالعراق معروف، قاله البكري، وقال غيره: هو موضع بجزيرة الشام، ويقال هو برقة الشام.
وكان عليه كشافة لجوبان، فجاءوا وأعلموه أن قراسنقر رائح إلى عربان، فركب جوبان ومعه الأزكشي بألف فارس، وجدوا في السير يومين، وفي اليوم الثالث أصبحوا على عربان عند طلوع الشمس، فانذعرت أهل عربان، فخرجوا من البلد وأتوا إلى جوبان، وقالوا: نحن مماليك السلطان وتحت أوامره، فقال الأزكشي، قراسنقر في أين؟ قالوا له: يا مولانا، والله، ماله عندنا خبر، غير أن نهار أمس جاء إلينا من مماليكه عشرة أنفس، قد هربوا منه من البليخ، وكانت أُنَاس عندنا من جهة صاحب ماردين، فأخذوهم وراحوا بهم إلى ماردين، فنزل جوبان والأزكشي على عربان، وتزودوا منها لهم ولدوابهم، وأقاموا ذلك اليوم عندهم.
وأما أرغون فإنه لما نزل على حمص علم قراسنقر بذلك، وعاد وقطع الفرات، وسار طالبًا مهنا، ومعه سليمان، فوصلا إلى مهنا، فقال له قراسنقر: يا ملك العرب، ما لهذا السلطان نية جيدة، فإذا قدر، لا يُخَلِّى مَنَّا أحدًا، كيف نعمل؟ قال له: صدقت، ثم إنه في الحال أرسل قاصده إلى دمشق معه كتاب إلى الزردكاش والكتاب الذي أرسله السلطان إلى أرغون، وذكر في كتابه أنكم شبه غنم في حبس جزار، فَكل وقتٍ يخرج منكم جماعة فيذبحهم، والبقية ينتظرون الموت بالنوبة، فخذوا لأرواحكم وارحموا على
(1)
هو: جوبان المنصوري، الأمير سيف الدين، من مماليك الأشرف، ثم أمره الناصر بدمشق، مات سنة 728 هـ/ 1327 م، الدرر الكامنة 2/ 79 رقم 1464، السلوك 2/ 304.
أنفسكم، ففي الساعة التي تقفون على كتاب السلطان اركبوا وروحوا إلى الأفرم نائب طرابلس، وخذوه معكم، وتعالوا إلينا لتدبر أمرًا يكون لنا ولكم فيه خلاص أرواحنا، وإن تعوقتم راحت أرواحكم.
وكان قد اتفق أن السلطان أرسل تجريدة أخرى تقوية لأرغون وفيهم من الأمراء: أمير حسين بن جندار، والأمير قلي، وكانوا قد وصلوا إلى أرغون واجتمعوا على حمص.
ولما وقف الزردكاش على كتاب مهنا، طلب في الحال: بلبان الدمشقي، والتاجي، والبيسري، وغيرهم، وعرض عليهم الكتاب الذي جاءه، والكتاب الذي جاء لأرغون، فقال التاجي: الله يعلم أن هذا صحيح أم لا؟ وربما يكون هذا دسيسة مهنا وقراسنقر لأجل أنها قد خامرا على السلطان، فقال الزردكاش: أنتم إلى الآن تكذبون الخبر، فسنرى مَنْ يندم.
ثم اتفق الزردكاش وبلبان الدمشقي والبرواني على أنهم يروحون إلى الأفرم ويأخذونه ويذهبون إلى قراسنقر، فحلفوا على ذلك، وتشاوروا أنهم يخرجون وقت الظهر يوم السبت، وتواعدوا على أنهم يجتمعون على صيدنايا، فلما فرغ الموكب يوم السبت طلب الزردكاش مماليكه وأمرهم أن يركبوا كلهم بالعدة، ثم ركبوا كلهم، وهم ثمانون فارسًا، وخرجوا من باب الفرج، ورآهم الناس، وظنوا أنهم خارجون إلى الصيد، وكان بلبان الدمشقي نازلًا بالعُقَيبة، فجاز إليه الزردكاش فركب معه، ولحقهما البيسري أيضًا، فخرجوا ووقع الصوت أن الأمراء قد هربوا، وأمر النائب لجمال الدين والي البر، وقال له: اركب خلفهم، وانظر إلى أين يروح هؤلاء، فإنهم لو كانوا هاربين لكانوا خرجوا بالليل، وركب أيضًا وراءهم الأمير طرنطاي الحموي والمشد في مائتي فارس، وأدركوهم وهم نازلون على بركة صيد نايا، فركب الزردكاش والبيسري مع جماعة، وخرجوا وحملوا على طرنطاي، وكان طرنطاي رجلًا عاقلًا، فقال لهم: نحن ما جئنا لنقاتلكم، بل جئنا حتى ننظر إلى أين أنتم رائحون، فقال الزردكاش: وإش تريدون؟ ونحن رائحون إلى الصيد، ارجعوا عنا، وإلَّا يكون بيننا أشأم الأيام، فرجع طرنطاي والحموي ومعه المشد،
ولاقوا في الطريق ثلاثين بغلًا مُحَمَّلة قرقلات وخوذ ونحو ذلك فأخذوها.
وأما الزردكاش فإنه رحل في الليل وطلع على عُسال، ونزل على اللفيكة وقطع العاصي، وسار يريد مرج حين، وكان الأفرم نازلًا عليه ومعه أمراء طرابلس، وكان أمير حسين بن جمدار
(1)
أرسل إليه من حمص يقول له: إني أريد أن أتصيد أنا وأنت والأمير قلي معنا من جبل مرج حين إلى بعلبك، وكان الأفرم قد أرسل مملوكه [ألطنغش]
(2)
، وهو استاداره أيضًا، إلى الناعم، ومعه إقامة للأمراء، ولما وصل إلى الأفرم قاصد الزردكاش وأعلمه بقدومه، ركب هو وعسكر طرابلس فلاقوا الزردكاش، وأخذهم الأفرم إلى وطاقه، ثم أخلى الزردكاش مع الأفرم، وأوقفه على الكتاب الذي جاء إلى أرغون بقبضهم، فلما قرأه اصفر وجهه، ثم قال: ماذا تعمل؟ قال الزردكاش نروح إلى مهنا وقراسنقر ونتفق معهما على أمر نفعله، فقال الأفرم: كيف نروح وأمراء طرابلس معنا مع العسكر؟ فقال الزردكاش: نزور كتابًا على لسان أمراء الشام ونائب دمشق وأرغون والمصريين كلهم بأنهم اتفقوا كلهم على أن يسلطنوا الأفرم، وها نحن رائحون إلى حمص، وتأخذ معك مَنْ تريد من الأمراء، فإذا عدّينا هذا الجبل افتصلنا في أرواحنا، فقال الأفرم: هذا هو الرأي.
وكان عند الأفرم رجل نصراني، كاتب له، يقال له: المكين، وكان أمكر النصرانية، وما كان بينهم مثله، فطلبه الأفرم وقال له: نريد أن نكتب كتابًا حتى أن من يراه ومن قرأه لا ينكر عليه، فقال له أكتب كُتُبًا وأضعُ عليها علائم الأمراء، بحيث لو وقع كتاب منها بيد المُزَوَّرِ عليه لحلف أنه خطه، ثم شرع الزردكاش يُملي ويكتب النصراني، ولما فرع قرأه على الأفرم فقال: والله، لولا علمي به لَحَلَفتُ أنه صحيح.
ثم أرسل
(3)
النصراني إلى حاله، وطلب أمراء طرابلس، وقال لهم: تعلمون لأجل ماذا طلبتكم، فقالوا: لا، فقال: إن أمراء دمشق ونائبها اتفقوا مع الأمير قراسنقر ومهنا
(1)
هكذا في الأصل، في هذا الموضع.
(2)
الطنقاش: في الأصل، والتصويب مما سبق ص 99.
(3)
أرسلت: في الأصل، ومصححة.
ملك العرب على أنهم يسلطنونني في الشام، وقد حلف الجميع على ذلك، وهذه خطوطهم وأيمانهم، فأخرج الكتاب الذي بخط النصراني فقرأه الموقع عليهم، فإذا فيه خطوط أمراء مصر والشام كلهم وأيمانهم، فلما سمع أمراء طرابلس والساحل بذلك، قالوا: نحن لا نُخالف، وهذه أكبر شهواتنا، ثم قال الأفرم: يا أمراء، طيبوا خواطركم، فإن استمريت في السلطنة جعلتكم أقرب الأمراء إليّ، ودعوا له.
ثم عين الأفرم منهم خمسة أمراء، وقال للباقي: اذهبوا إلى طرابلس لأنه ربما يخرج الإفرنج طمعًا في غيبتنا، فأجابوه بالسمع والطاعة، فعند ذلك ركب الأفرم في مماليكه والأمراء الذين عينهم معه.
وأما أرغون فإنه جمع أمراء مصر، وقال لهم: إن السلطان قد أرسلنا في أمور، وما قضينا أمرًا واحدًا، وقد عولت أن أسير وأمسك الأفرم، لأنه من بعض الغرماء الذين عينهم السلطان، فقالوا: افعل ما بَدَا لك، فطلب أمير حسين بن جندار وقلي، وعين معهما ألف فارس من عسكر مصر والشام من الرجال المشهورين، وقال لهم: اقصدوا مرج حين، واهجموا على الأفرع واقبضوا عليه، فركبوا من حمص وساقوا يقطعون الأرض بغير راحة، حتى وصلوا إلى مرج حين وكبسوا المرج، فلم يجدوا فيه غير تركمان وبعض الغلمان الذي انقطع مع الثقل، فسألوهم عن الأفرم، فقالوا: البارحة رحل وسار يطلب حمص لأنه جاءه من دمشق ثلاث أمراء فأخذوه وراحوا، ولما سمع بذلك أمير حسين وقلي قالا: على أي طريق أخذوا؟ فقالوا: على هذه الطريق، وأشاروا إليها، فسارا خلفه.
وكان على المقدمة أمير من أمراء دمشق يقال له: قطلوبك بن جاشنكير، وكان حامل رنك الأفرم وقد سبق العسكر جميعه، وهو واقف على عين في طرف مرج حين يسقي خيله، فطلع المصريون ورأوه، فوقع فيهم الصوت، وقالوا: جاء الأفرم، فرجعت الناس إلى ورائهم، وكان أمير حسين وأمير قلي خلف الناس، فقالا: ما للناس؟ فقالوا: قد أشرف الأفرم وهذي سناجقه، فتغيرت ألوان الناس، ولبس
أمير
(1)
حسين وقلي اللبوس، وبقيا ينظران إلى السناجق وهي لا تتحرك من مكانها، فَسَير أمير حسين مَنْ يكشفها، وإذا بها سناجق قطلوبك بن جاشنكير، فغضب أمير حسين وطلبه، وأخرق به وضربه مائة، وتشوش وأحرق سناجقه.
ثم نزلوا من مرج حين إلى جانب العاصي، فرأوا منزلة الأفرم، فيها جماعة من الفلاحين يفتشونها، فسألوهم عن الأفرم، قالوا: بات البارحة هاهنا، ولكن جبالهم ما وصلت إلى الصباح، فلما سمعت الأمراء بذلك ساقوا على آثارهم إلى بعد الظهر فوصلوا إلى الغسولة ولم يروا أحدًا فأيسوا منه.
وجاء واحد من مماليك أمير حسين إلى خان الغسولة يسأل عن الأفرم، فأخبره واحد بأن الأفرم عبر عليهم، وهم مقدار خمسمائة فارس وجماعة أمراء، وجاء الزردكاش إلينا وأخذ خيل البريد وراحوا من ضحوة النهار، وأما جماله وثقله [فما]
(2)
راحت.
فأخبر المملوك بذلك لأمير حسين، فساروا مجدين، وقد ذكرنا أن مغلطاي كان قد انقطع مع الثقل في ثلاثين [فارس]
(3)
، وهم سابقون مجدون، فإذا بأمير حسين قد أدركهم هو والأمير قلي، ولما رآهم مغلطاي صاح لأصحابه، فقال: إن سلَّمنا لهؤلاء يكون عيب عظيم، فقوموا واجتهدوا واتبعوني أينما رحت، ولا يهرب منكم أحدٌ، فأي من هرب ضربت رقبته.
ثم إنه لما رأى أمير حسين قدام الخيل عرفه، فقال له: يا ولد الزنا وتربية الخنا، هذا جزاء الأفرم منك؟! فعارضه كالبرق الخاطف، وكان مغلطاي شجاعًا مشهورًا بينهم، ورماه بسهم فأصاب رقبة فرس أمير حسين، ثم رماه بآخر فأصاب جنبه، فوقع الحصان على الأرض، فأسرعت إليه ماليكه وأركبوه، فنجى منه، بعد أن قتل سبعة أروس من
(1)
الأمير: في الأصل، ومصححة.
(2)
فكما: في الأصل.
(3)
فارسًا: في الأصل.
الخيل.
فأخذ أمير حسين وقلي الثقل كله، وعاد مغلطاي إلى أستاذه وفي قلبه النار، فسأله عن قضيته، فأخبره بما جرى، وأن الثقل قد أُخذ، وأنه بعد جهد عظيم تخلص منه، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأما الأمراء الذين كانوا مع الأفرم فعلموا في ذلك الوقت أن الكتاب الذي قرأه الأفرم عليهم كان زورًا، وأنه راح إلى قراسنقر، وكان كل ما يملكه الأفرم كان على الجمال التي أُخِذت.
ولم يزل الأفرم سائرًا حتى أتي إلى سلمية، وسأل عن مهنا، فقالوا: هو على القسطل، وكان قد جاء إليه خبر الأفرم بأنه واصل إليه، وكان قد اختفى قراسنقر وغير حليته، وكان يقول للناس إنه قد راح من عندي، وكان أرغون قد أرسل إليه يعتب عليه، ويقول له: لا تضيع ما بينك وبين السلطان لأجل قراسنقر ويكون ذلك سبب دمار العرب كلها، وعلى كل حال إن قراسنقر مملوك السلطان، فلا تدخل بينه وبين مملوكه، فأرسل مهنا إليه: أن قراسنقر راح من عنده، وكان مهنا قد قال لابنه سليمان: خذ قراسنقر وابعد عنا مسيرة يوم في البرية.
ولما جاء الخبر بذلك إلى أرغون كتب إلى السلطان: بأن مهنا بأطراف البرية وقراسنقر عنده، ولولاه لأخذنا قراسنقر، وأن أخا مهنا فضلًا وولده موسى عندي مواظبين الخدمة ليلًا ونهارًا، وأخبره بجميع ما جرى، وأرسل كتابه مع ابن موسى، وكان شابًا يسمى محمد، وكتب أيضًا فضل كتابًا إلى السلطان.
وأما الأفرم والزردكاش فإنهما وصلا إلى مهنا، فركب إلى ملاقاتهما، ثم أنزلهما في جواره، فسألاه عن قراسنقر، فقال: إنه مع ابني سليمان في البرية يصطادان، ثم قال الأفرم: أريد أن توقفني على الكتاب الذي جاء به سليمان، فأحضره مهنا ووقف عليه الأفرم، فإذا فيه:
إلى أرغون، إنك إذا قبضت على قراسنقر اقبض على مهنا وعلى الأفرم وعلى
عشر أمراء من دمشق، وعينهم بأسمائهم.
فقال الأفرم: الله أكبر، هذا الرجل نيته أن لا يُخَلِّي أحدًا منا، وسمع مهنا بأن كل ما كان مع الأفرم أُخذ، فقال له: لا تضيق صدرك مما قد راح منك، فهذه أموالي كلها بين يديك، فقال الأفرم: نريد أن نبصر الأمير قراسنقر، فطلب مهنا ولده أحمد، وقال له: اركب إلى أخيك يحضر هو ومعه قراسنقر، وأعلمهم بقدوم الأمراء، فسار خلفهم.
وأما أمير حسين بن جندر فإنه وصل إلى حمص ومعه ثُقل الأفرم، وأحضره بين يدي أرغون، وحدثه بجميع ما جرى له، وفي الحال جهز أرغون بَريديًا إلى السلطان يُعْلم أن الأفرم قد هرب وراح إلى مهنا، وقد ساقوا خلفه فلم يلحقوا إلا ثقله فأخذوه وأحضروه إلى دمشق، ونحن نازلون على حمص، هم نزول على القسطل، وكشافتهم عندنا ليلًا ونهارًا، وربما يكاتبهم بعض الأمراء الذين عندنا، وقد اجتمعت عندهم جماعة كثيرة، قيل: إنهم أكثر من خمسة آلاف نفس.
وأما قراسنقر فإن الأمراء قد اجتمعوا به وتشاوروا فيما بينهم فيما يعملون به، ومهنا معهم، وكل واحد منهم رأي رأيًا: فقال الزردكاش: اعلموا أن كل شيء فيه تأخير يكون للشيطان فيه تدبير، وعندي من الرأي أن نركب جميعًا ونسوق ونكبس العسكر الذي على حمص مع أرغون، ثم نعبر دمشق وقد انتظم لنا الأمر كما نريد، وينضم إلينا كل مَنْ في الشام، وما دمنا نحن في هذه البرية لا يجئ إلينا أحد ويقل عددنا ونضعف، فقال الأفرم: والله، صدقت. فقال مهنا: هذه هي المصلحة، غير أنا نخاف أن يهلك بيننا مسلمون، ونعدم شيئًا كثيرًا، فيتعلق ذلك برقابنا، بل الرأي عندي أن نكاتب الأمراء الذين على حمص، فلعلهم يوافقوننا، ونعدهم بكل جميل، فإذا مالوا إلينا هان أمرنا بغير حرب ولا قتال مع المسلمين. فقال الزردكاش: هذا الأمر لا يتم لكم، وسوف تعلمون قدر كلامي. فقال مهنا: أنت يا أيبك رجل جاهل، وهذا ما هو بمصلحة.
فبينما هم في الكلام جاء حاجب مهنا، وقال لهم: جاء علاء الدين بن دبيس ومعه مملوك السلطان، فقال له مهنا خَلِّه يحضر، فأذن لهما، فدخلا على مهنا، وسلما عليه وعلى
الأمراء الحاضرين، ثم أخرج المملوك كتاب السلطان وناوله لمهنا، ثم أخرج كتابًا آخر، وقال: هذا لقراسنقر،، ثم قال أين قراسنقر حتى أعطيه كتابه؟ فقال له مهنا: أنت ما تعرف قراسنقر، قال: بلى، أعرفه، ولكنه ما هو عندكم هنا.
قال له مهنا: هذا هو قراسنقر، فأشار إلى رجل بجانبه، فنظر إليه "مملوك السلطان ومعه"
(1)
ابن الدبيس، فإذا هو بدوي عليه ثياب البدوية، وقد تلثم بلثامين، وكان هو قراسنقر قد غير حليته، فكشف عن لثامه فعرفه المملوك، فقام إليه وقبل يديه، ثم أعطاه كتاب السلطان، فأخذه، وقال لمهنا: نقرأ كتابك أولًا أو أقرأ كتابي؟ فقال مهنا: لا، إلا كتابي، ففتح مهنا كتابه، وإذا فيه يقول لمهنا:
يا والدي، كنت أحسب كل حساب، ولكن ما كنت أحسب أنك خيرت قراسنقر عَلَيَّ، فيا سبحان الله، بلغ قراسنقر إلى هذا الحد حتى يجاوبني ويقابلني بهذه المقابلة، وأنت ترضى له بهذا الفعل، هذا قط ما خطر بخاطري، فأريد من شفقة الوالد، كما أعرف منه قديمًا، أن لا يرضى بشق العصى ولا بخلال النظام، لأن هذا الأمر الذي فعله قراسنقر يطمع غيره في المملكة ويضر في الدولة، فأريد من إحسان الوالد، إن لم تقبض عليه وتسلمه إلى مملوكي أرغون، فابعده عنك إلى مكان، ثم أرسل إلى أرغون وأعلمه بمكانه فيروح هو إليه ويكبس عليه ويأخذه، ويكون لك اليد البيضاء.
فوقف مهنا على ما في الكتاب جميعه، ثم طواه وشاله، ثم فتح كتاب قراسنقر، وإذا فيه يقول:
من ولده محمد بن قلاوون، والله العظيم، لقد أتْعَبْتَ نفسك وأتعبتنا من غير شغل، أنا أعطيك حلب وبلادها على عادتك فأنت ترسل إليّ وتطلب مني البيرة، وإش البيرة؟ فوالله، ما أرضاها لبعض مماليكك، لكن الأغراض تُنفق السِّلع، وقد أجبتك إلى ما طلبت وأعطيتك البيرة تقيم فيها، وخّبزك الذي في حلب معك، ولا تُخَلِّ نائبًا في حلب إلا مَنْ تريده أنت، وإن أردت أن تكون في البيرة وتُعَين نائبًا في حلب من
(1)
بهامش الأصل، ومنبه على موضعه بالمتن.
مماليكك، وكل شيء في خاطرك أشرحه حتى أزيل الذي لا ينفعك، وهذا الخيال الذي تخيلت به ما وقع في [خاطري]
(1)
، والله العظيم، فانظر بين يديك ومن ورائك، ولا تشمت بك أعداءك، فقرأ الكتاب على الأمراء جميعهم.
ثم إن قراسنقر التفت إلى مملوك السلطان، وقال: بطل حكم هذا الكتاب، لأني كنت أولًا وحدي، والآن صرنا جماعة، فقال مهنا للمملوك ولابن الدبيس: رُوحَوُا الآن واستريحوا، فقاموا وراحوا، وبعد خروجهم قرأ مهنا كتابه على الأمراء، فقال الأفرم: يا لدين محمد، ما يأمن إلى هذا السلطان إلا مَنْ ليس له عقل، أين هذا الكتاب من هذا الكتاب؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم تحدث كل واحد منهم على مقدار عقله، وقال لهم مهنا، وأنا ما أمكنكم من الرَّوَاح إلى بلاد العدو أبدًا، ونفسي دون نفوسكم، فنقيم في هذه البلاد على هذه الصورة، وأكتب إلى السلطان بأن يعطيكم الرحبة وقلعة البيرة وقلعة الروم وبهنسي، وأنتم تدركون الأطراف، وأخبازكم على حالها، فإذا أجاب وأقمتم في هذه الأطراف أمنتم شره، وأنا ظهركم، وتكون البرية حصننا، فأي وقت ظهر لكم منه شرٌ، اخرجوا من البلاد إلى البرية، وهي قريبة منكم، فقالوا: هذا رأي جيد، غير أنها تريد أن تحلف لنا أنت وأخوك محمد وابنك سليمان، فقال لهم: نعم، فاجتمعوا، وحلفوا كلهم بأيمان مغلظة على أنهم يد واحدة، يعيشون جملةً واحدة ويموتون جملةً واحدة، ولا يتخلف بعضهم عن بعض.
ثم كتب مهنا إلى السلطان، وطلب هذه الأماكن المذكورة، وذكر في كتابه أيضًا:
أما ما ذكره مولانا السلطان أني خيرت قرا سنقر عليه، فهذا شيء لا يكون أبدًا، ولولا مولانا السلطان ما عرفت أنا قراسنقر ولا غيره من الترك، غير أن قراسنقر قد جاز على المملوك وهو في بيته، وقد لزم المملوك أن يؤدي حقه بكل ممكن لأن
(1)
خاطره: في الأصل.
[عادة]
(1)
العرب من قديم الزمان أن لا يُضام نزيلهم، ولو كان هذا غريبًا أجنبيًا جاز على بيتي بذلت روحي دونه، ولاسيما هذا رجل كبير أمير من الأمراء الكبار، فكيف كان يليق بالمملوك أن يغدر به أو يشوش عليه وهو نزيله، ومع هذا المملوك ما عمل شيئًا قبيحًا فإنه عوقه عنده، ولولا المملوك لكان قد ذهب إلى بلاد العدو من زمان، ومما يذكره المملوك أن جماعة من الأمراء أيضًا قد وصلوا إلى المملوك وفيهم الأفرم والزردكاش وغيرهما، وقد سألوا المملوك بأن يسأل مراحم مولانا السلطان ويتصدق عليهم بالقلاع المذكورة التي في أطراف البلاد التي لا يحصل لمولانا منها فائدة، وهم يتدركون البلاد ويكونون تحت ظل هذه الدولة القاهرة، والمملوك يضمنهم في كل ما يجري منهم، فإن قبل مولانا السلطان كلام المملوك وسؤاله هذا يرسل مملوكًا من مماليكه فيُخْلِي لهم هذه القلاع، والمملوك يوديهم إليها، وإلا فهم مصممون على الرواح إلى بلاد العدو، ويكون المملوك قد عَرَّف المصلحة وما قُبل منه، فإن نقل ناقل خلاف ذلك فقد كذب، فإن المملوك على حلفه للسلطان بأن لا يتخلَّى عنه ولا يخونه.
ثم إن مهنا أوقف الأمراء على هذا الكتاب، ثم سلَّمه إلى حاجبه وأمره أن يُسيَّره إلى السلطان، ثم يأتي بجوابه، فركب المذكور وسار.
ثم بلغ مهنا أن أرغون سائر إليه وإلى الأمراء الذين عنده، فكتب إليه:
يا أرغون، لا يلعب أحد بعقلك بالركوب إلينا، والله العظيم، ما أخلِّي أحدًا يخرج معك، فاسكن في موضعك، فإني كتبت إلى السلطان كتابًا وأنا مُنتظر جوابه، فإذا حضر الجواب كان لنا الرأي بعد ذلك فيما يُفعل.
وأما قرا سنقر فإنه أرسل إلى بيبرس العلائي والأمراء الذين على حمص مع أرغون لكل واحدٍ منهم كتابًا ومعه ألف دينار، وقال لهم: أنتم تظنون أن الملك الناصر إذا أخذني يخلِّي منكم أحدًا؟! والله، بعد أن يأخذني ما يخلي منكم ذقنّا، فهلموا بنا حتى نتفق ونملك الشام، فأي وقت حلفتم لي ووافقتموني، أطاعنا الشام كلها، وإن خالفتم فأنا
(1)
عادت: في الأصل.
خَلَّيت ورُحت، فبعد ذلك يقبض عليكم كلكم، فتندمون ولا ينفعكم الندم، وقد ظهر لكم فعله بغيركم، وإن أمراء دمشق كلهم كاتبوني، وكذا كاتبني نائب دمشق، والمعول عليه كله أنت، يقول
(1)
لبيبرس العلائي.
ولما وصل القاصد إلى بيبرس بالذهب طلب كجكن وغرلو وغيرهما من الأمراء الذين على حمص، وقرأ عليهم الكتاب، فقال لهم: والله، إنه لصادق فيما قاله، وفرق عليهم الذهب، فأعطى ألف دينار لطوغان، وألف دينار لبرواني، وألف دينار لبيبرس المجنون، وألف دينار للتاجي، وألف دينار لكجكن.
وسَيَّر قرا سنقر أيضًا قاصدًا إلى نائب دمشق، جمال الدين أقوش، وسير له معه جملة من الذهب قيل مقدار خمسين ألف دينار، وكتابًا يذكر فيه على لسان الأمراء المماليك:
قرا سنقر، وأقوش الأفرم، وأيبك، وبلبان الدمشقي، ومن معهم من الأمراء، يقبلون الأرض وينهون أن المماليك قد اتفقوا مع أمراء الشام وحلفنا كلنا بأنا قد رضينا بأن تكون أنت سلطانًا علينا لما نعلم من دينك وعقلك ومروءتك ورفقك بالرعية، وحلف معنا أيضًا مهنا وجميع أمراء العربان، ونحن منتظرون الجواب.
فلما قرأ نائب الشام كتاب قراسنقر ورأى الذهب
(2)
الذي مع قاصده إليه صدقة في نفسه، فكتب جوابه:
بأن المملوك رجل غريب في الشام، وما أظهر بيبرس لأحد من أمراء الشام، ومهما [عملتم]
(3)
أنتم فأنا موافق لكم.
ولما جاء الجواب بهذا إلى قراسنقر فرح فرحًا شديدًا.
وأما مماليك الأفرم ومماليك قراسنقر ومماليك بقية الأمراء اتفقوا مع التركمان الذين
(1)
تقول: في الأصل.
(2)
الذهب: في هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(3)
علمتم: في الأصل، وهو تصحيف.
معهم، وقالوا: والله، إن عيشنا عيش قدر
(1)
نكد، ونحن في هذه البراري قلا نشبع ولا نستريح، فلماذا نُضَيِّع حالنا وأولادنا وأوطاننا ونخالف السلطان، فالرأي أن نكبس بالليل على الأمراء وعلى مهنا أيضًا ونقتلهم، ونأخذ رؤوسهم ونذهب بها إلى الملك الناصر، فتحالفوا على ذلك [وفوضوا]
(2)
أمرهم إلى أمير التركمان علاء الدين بن الدربساكي، واتفقوا على أن يكون عملهم بهذا ليلة الجمعة، وكان اتفاقهم يوم الثلاثاء.
فخرج ابن الدربساكي واجتمع بالأفرم وحكى له جميع ذلك، فاجتمع الأفرم بقراسنقر وأعلمه بذلك، وكانت عدة المماليك نحو ألف وخمسمائة مملوك غير [التركمان]
(3)
، فلما سمع قراسنقر بذلك تَحَيَّر، ثم قال: قوموا بنا إلى مهنا، فجاءوا إلى مهنا وأخبروه بذلك، فقال مهنا، والله حسبت هذا الحساب، والرأي عندي أن نفرق هؤلاء المماليك فإنهم مضرة غير منفعة، ثم قال لبعض عبيده: اطلب لي سليمان، فلما حضر حكى له الحكاية، ثم قال له: البس أنت وعبيدك وأعمامك وإخوتك، وألبس معك ثلاثة آلاف فارس من العرب، وتحضر بهم عندي قبل العصر، وإياك أن تعلم به أحدًا
فخرج سليمان من عنده على هذا، ومكث قراسنقر والأفرم عند مهنا إلى العصر، فحضر سليمان ومعه ثلاثة آلاف فارس في عدد كاملة.
ثم طلب الأمراء مماليكهم، فلما حضروا كلهم، قال لهم الأفرم وقراسنقر:
اعلموا يا أولادي بأنكم ما قصرتم فيما فعلتم، وخدمتم كما ينبغي، حيث تركتم أولادكم وحريمكم وجئتم معنا إلى هذا المكان، وهذا المكان فيه شقاء وتعب وجوع وعدم راحة، وهلكت خيولكم وتلفتم أنتم، والمطلوب نحن، وما عليكم شيء، وقد رأينا المصلحة أن تروحوا إلى أهليكم وأولادكم، فإن انصلح أمرنا كنتم مماليكنا على عادتكم، بل نعمل معكم خيرًا أكثر مما في خواطركم، وإن كانت الأخرى كنتم أنتم عند أولادكم.
(1)
قَدر: ضَيَّق.
(2)
وفضوا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
التركماني: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
فنظر المماليك بعضهم إلى بعض، ورأوا العرب ملبسين مستعدين وسليمان على مقدمتهم، فعلموا أنهم علموا بحالهم، [فقالوا]
(1)
السمع والطاعة، غدًا نروح، فقال مهنا: والله، ما أخلّي أحدًا منكم يمشي في هذا المكان، فَشيَّعُوا الجميع، غير أن كل أمير منهم خلَى عنده عشر مماليك أو اثني عشر ممن يثق بهم ويعتمد عليهم، وكذا شَيَّعُوا التركمان.
وقال الأفرم لابن الدربساكي: أنت اليوم مقدم التركمان، وربما تنفعنا في يوم آخر.
فركب ابن الدربساكي وأخذ التركمان معه، وسار يطلب حمص، ولما وصل إليها راح إلى أرغون واجتمع به، فقال بيبرس العلائي: هذا قد كان مع الأفرم، والآن قد جاء ومعه خلق من التركمان، فأوهم أرغون من ذلك، فقال له أرغون: كيف كان رواحك إليهم ثم مجيئك عندنا؟ قال لا شك أن الأفرم كان حاكمًا علينا، وكنا تحت أوامره، فلما طلعنا معه إلى مرج حين أخرج كتابًا مزورًا بأن الأمراء الذين على حمص قد اتفقوا على أنهم يسلطنوني، وأنا رايح إلى حمص، وأن أرغون قد حلف معي، فاعتقدنا أنه صحيح، فلما نزلنا من الجبل أخذنا وراح إلى ناحية مهنا، وكنا عاجزين في ذلك الوقت، لأنه كان معه جمع كثير، فصرنا معه حتى وصلنا إلى مهنا، فلما كان أول أمس أعطى الأمراء لمماليكهم دستورًا فتفرقوا، وما بقى عندهم أحد، فركبت أنا في الليل وخرجت من عندهم بالتركمان الذين كانوا معي، فقال له أرغون: طيب قلبك ورح استرح، فخرج من عند أرغون، فقالت الأمراء: لم ما مَسَكتَ هذا الشيطان، هذا هو
(2)
الذي أثار الفتنة؟ فقال لهم أرغون: إذا جاء وقت العصر مسكناه، فسمع بذلك بعض تركمان حمص، وأعلم لابن الدربساكي بذلك، فركب يطلب حلب، لأن بيوته كانت قريبة من حلب، وسمع أرغون بأنه هرب، فأركب وراءه الخيل، وأرسل بطاقة إلى حلب، إلى الأمير قرطاي الحاجب، بأن: ساعة وصول ابن الدربساكي تقبض عليه.
وأما ابن الدربساكي فإنه سمع في الطريق أن بيوته راحت إلى بلاد مرعش، فسار
(1)
فقال: في الأصل.
(2)
هو: في هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
إليها، ولما وصل إلى بيوته رَحَّلها إلى جبال منيعة في بلاد سيس وحَصَّنها هناك، وكان معه خمسة من أمراء التركمان ومعهم خمسمائة بيت.
وأما قرطاي فإنه لما جاء له بطاقة ركب في مائتي نفس من عسكر، فلم يقدروا عليهم، ورجعوا خائبين، ثم أرسل قرطاي إلى أرغون بأن ابن الدربساكي ما جاء إلى حلب، بل أخذ بيوته وراح إلى جبال منيعة في بلاد سيس، فالآن ما يقدر عليهم أحد.
وأما ما كان من حاجب مهنا الذي أرسله إلى السلطان، وابن موسى الذي أرسله أرغون، فإنهما لما وصلا إلى مصر وحضرا قُدَّام الملك الناصر، فقرا الملك الناصر أولًا كتاب أرغون وفهم ما فيه، ثم قرأ كتاب مهنا، ثم قال لحجابه، وهو مُغضب، إش مهنا؟ وإش مقداره حتى يكتب لي كل وقت مثل [هذه]
(1)
الكتب التي ليس تحتها طائل، ويأمرني أن أفرق البلاد على هؤلاء الكلاب، ولولا مهنا ما خرجوا عليَّ، وهو الذي أطمعهم فيَّ، دعه يأخذهم ويروح بهم إلى [أي]
(2)
موضع شاء، ثم أمر في الحال أن يُخلع علي ابن موسى، وأمر أن يُكتب له نصف إمارة العرب، ونصفها لفضل بن عيسى، فكتب الإمرة بين الاثنين، وكتب إلى أرغون يقول:
حال وقوفك على هذا الكتاب، وقبل وضعه من يدك، تركب بعسكر مصر والشام وتسوق خلف الأفرم وقراسنقر ومهنا أينما كانوا، إما أنك تجيبهم، وأما تهلك أنت ومن معك في البراري.
ثم أمر لابن موسى بالرجوع، وأرسل معه كتبًا لموسى وفضل ومشافهة كثيرة لهما، فقال ابن موسى: والله، لنحضرنهم بين يدي مولانا السلطان وهم أذلاء صاغرون، ولو غاصوا في الأرض السابعة، فشكره السلطان.
وأما حاجب مهنا فإنه طلب جواب كتابه، فقال السلطان: خَلُّوه يروح، وليس
(1)
هذا: في الأصل.
(2)
إضافة للتوضيح.
لمهنا ولا لقراسنقر عندي ولا الأفرم جواب، دعهم يفعلون ما يريدون، فعليهم الهرب وعَلَىَّ الطَّلَب.
فخرج ابن موسى وحاجب مهنا من مصر طالبين، فوصل ابن موسى ومعه منشور إلى عمه بالإمرة، ومعه كتاب إلى أرغون بأنه يسوق خلفهم أينما كانوا، ووصل حاجب مهنا وليس معه جواب، وأخبر لمهنا أن خبزَه قد خرج لفضل بن عيسي وشُطِب على خُبز سليمان.
فقال مهنا: أنا خرجتُ من الخبز وعن البلاد من اليوم الذي جرى هذا الأمر، وجاء له الخَبر بأن السلطان أرسل إلى أرغون بأن يسوق خلفهم، ولا يرجع عنهم، وأنه مع الأمراء في تجهيز الروايا والقِرَب، فقال قراسنقر: كيف يكون احتيالنا؟ قال مهنا: إش جرى؟ إن جاءوا يرجعون مثل الكلاب، وأنا لي كشافة عندهم يكشفون أخبارهم ليلًا ونهارًا، فكلما يتقدمون نتأخر نحن إلى البريَّة ولا نبالي نحن، لأن معنا الأكل والشرب، فالشرب من ألبان الإبل والأكل من فصلاته
(1)
، ثم أمر سليمان ابنه أن يأخذ معه خمسمائة فارس يكونون وراءهم، فأي من تقدم منهم للكشف يأخذونه، فإن كان من الأجناد لا تؤذونه لأنه خرج غَصْبًا، وأي من ظفرتم من العرب فاقتلوه.
ثم إن مهنا رحل من القسطل.
وأما أرغون فإنه جرد ثلاثة آلاف فارس مع كجكن وغرلو، وقال لهم: سوقوا خلف مهنا، فساروا إلى سلمية، ومنها شالوا الماء في القِرَب والروايا ورحلوا، ثم نزلوا على الشجيرة، ثم رحلوا طالبين القسطل، فلقوا في ذلك اليوم مشقة عظيمة، وكان يوم صيف شديد الحر، وحَمى عليهم البر، وقل الماء، وهم يرجون أن يكون في القسطل ماء، وسار بهم العرب مسيرة ثلاثة أيام حتى جاءوا إلى الماء، ثم من أين للجند راوية يجيب فيها ما يسقي خيله؟ فأخذهم سليمان، وبات العسكر في [القسطل]
(2)
في
(1)
الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه، لسان العرب، مادة: فصل.
(2)
القصطل: في الأصل، والتصويب مما سبق.
[أشأم]
(1)
بيات، وعند الصباح رحلوا راجعين، ولم يزالوا حتى وصلوا إلى حمص، فتلقاهم أرغون، وقال لهم: ما جرى؟ فأخبروه بأن مهنا ضرب في البرية ومعه الأمراء، وسرنا خلفهم ثلاثة أيام حتى هلكت خيلنا من العطش، ورجعنا ونحن في أَسْوَأ حال.
ثم إن مهنا أرسل إلى سليمان، يقول له: إن العسكر قد رجع إلى حمص، ورجع هو من المَرْبَعة ونزل على الشجيرة، بجنب سلمية.
وأرسل أرغون بريديًا إلى مصر يُعلم السلطان بأن العسكر راحوا خلف مهنا ومن معه ثلاثة أيام، فلم يظفروا بهم، لكونهم دخلوا في البرية، وهلكت خيول الناس، فرجعوا، فما وصلوا إلى حمص حتى عاد مهنا بمن معه إلى سلمية، وبهذا الحال ينكسر عسكر السلطان ولا يحصل المقصود، وأنهم لا يقدرون على العرب إلا بعسكر يركبون الهجن ويجنبون الخيل، ويكون معهم روايا وقرب كثيرة.
فأرسل السلطان إلى أرغون، وهو ينكر عليه، ويقول: مَن هلك من الأمراء، ومن خَرج منهم؟ فوالله العظيم، إن لم يروحوا وراءهم ويسوقوا خلفهم أخربت ديارهم وأعدمت أرواحهم، فَجَرِّد كل من عندك وتبقى أنت وحدك على حمص.
فلما وقف أرغون على هذا في كتاب السلطان قال للأمراء: هذا مرسوم السلطان يأمركم أن تخرجوا وراءهم ولا ترجعوا عنهم إلا أن يخرجوا من البلاد وتهلكوا أنتم كلكم، فقالوا: السمع والطاعة.
فعند ذلك جَرَّد أرغون: الأمير كجكن، والأمير غرلو، والأمير جنكلي [بن]
(2)
البابا، ومعهم خمسة آلاف فارس، ومعهم: محمد بن أبي بكر، وآل علي، وموسي بن مهنا، فركبت العساكر، وبلغ الخبر إلى مهنا، فرحل من الشجيرة ونزل على القسطل.
قال الراوي: بلغني أن في ذلك النهار بينما وصلوا إلى سلمية هلكت مائة وخمسون
(1)
أيشم: في الأصل.
(2)
إضافة مما سبق للتوضيح
فرسًا، ثم رحلوا من سلمية إلى قدم وقديم، [وبقوا]
(1)
يومين وثلاثة ما رأوا نقطة من ماء، فهلكت الناس، وسليمان مع العرب يذبحون الجمال ويرمونها في الماء، فيأتي العسكر عليه، فأي من يشرب منه يرميه في الحال من فوق وأسفل.
وخرجت جماعة من آل علي يُدّوِّرون على الماء، فأخذهم سليمان بن مهنا، وما بقى أحد من العرب يستجرئ أن يخرج
(2)
إلا ويأخذه، فيصادف أصحاب سليمان جماعة من الجند فيقولون: ما جاء بكم هاهنا؟ فيقولون: العطش، فيقول لهم أصحاب سليمان: دُلونا على العرب الذين معكم ونحن نسقيكم، فيدولونهم عليهم، فيحصلونهم، ثم لم يزل سليمان يعترض العسكر تارة من اليمين وتارة من الشمال، فكلما يطردونه يَرُدُّ عليهم فيكسر منهم، فلم يزل العسكر سائرين كذلك حتى وصلوا إلى عُرْض، وهم في أسوأ حال من العطش، وقد انقطع أكثرهم من العطش والسوق، [وتلف]
(3)
منهم في ذلك النهار خلق كثير وخيل كثير، ولما وصلوا إلى عُرْض وقعوا على قناتها مثل القطا، وكان ماؤها قليلًا فصاروا يتضاربون عليها بالسيوف، وعم الأمر بين المصريين والشاميين، وسليمان واقف من بعيد ينظر إلى أحوالهم، ولو أراد الكبسَ عليهم لكبسهم وأخذهم، ولكن أباه مهنا ما كان يُمَكنه من ذلك، وما كان يريد أن يؤذي مسلم، ثم رحلت العسكر يطلبون الرحبة.
وأما مهنا فإنه نزل على جانب الفرات على أرض فيها ماء ومرعى وكلأ، وبقي هو مع الأمراء يتصيدون، وسمع أهل عانة والحديثة بهم، فجلبوا إليهم القمح والشعير وكل ما يحتاجون إليه.
ونزلت عسكر السلطان مع كجكن على الرحبة، وتلقاهم نائب الرحبة الأزكشي، وجاز سليمان وراءهم من الرحبة، وأرسل يقول للأزكشي أحسن إلى ضيوفك، وجاء إلى أبيه وأخبر بأن العسكر وصلت إلى الرحبة، وهم في أسوأ حال، وتلف منهم خيل كثير،
(1)
وبقيوا: في الأصل.
(2)
أن يخرج: بهامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(3)
وفلق: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق، ينظر ما يلي.
وهلك منهم ناس، وتضاربوا على الماء بالسيوف، فقال مهنا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا والله نقص في المسلمين، وما ينال المشقة إلا الأجناد المساكين والغلمان والخدام، وأما الأمراء فإنهم لا يبالون بذلك، وهذا كله في ذمة الملك الناصر، فقال سليمان: والله، لولا خوفي لكنت كبستهم في الليل، وما كنت أخلِّي منهم ذقنًا.
ثم طلب مهنا ولده أحمد، فقال له: خذ معك مائتين من العرب واذهب بهم إلى المشهد، واعمل لنا يزكًا، ولا تغفل عن كشف القوم ليلًا ونهارًا، وأمر ولده الآخر أن يأخذ معه خمسمائة فارس ويمسك يزكًا
(1)
على قُبَاقب، وأمر مفرج بن هلال أن يأخذ معه مائتي فارس ويمسك يزكًا على السُّخْنَة، وقال لهم: اجعلوا بالكم من ناحية تدمر، ثم سير أخاه محمدًا مع خمسمائة فارس إلى قائم العنقاء، فقال له قراسنقر: ما الحاجة إلى أن ترسل هؤلاء إلى قائم العنقاء وهو في الشرق؟ ومَنْ يجيء إلينا من الشرق؟ فقال نَعم: من الشرق ومن الغرب فلا تهملهما، وأنا أَخْبَرَك بالملك الناصر وبحيلته وبمكره، وفَرَّق العربان في أقطار الأرض، ثم استدعى مهنا حاجبه وهو عُبيّد بن جلال، وقال له: سر إلى هؤلاء الأمراء الذين نزلوا على الرحبة، وأعطاه كتابًا، وأمره أن لا [يقرأه]
(2)
حتى [يجتمعوا]
(3)
كلهم، فأخذ عبيد الكتاب وسار حتى وصل إلى الرحبة، واجتمع بنائها الأزكشي، وكانت العسكر نازلين عليها وهم أكثر من أربعة آلاف فارس، والرحبة ما تحمل أكثر من مائتي نفس، وهم في قلق شديد من جهة المأكول، فنزل الأزكشي ومعه عبيد حاجب مهنا، وجاء إلى خيمة لاجين، واجتمعت الأمراء جميعهم، فقال: يا أمراء، مهنا يُسَلِّم عليكم ويقول لكم: كلما تأخرنا إلى وراء وأنتم تتبعوننا، وأنا، والله العظيم، ما تأخرت عنكم فزعًا وخوفًا منكم، وأنا لو جاءني كل من على وجه الأرض وتبعني أهلكته في هذا البر، ولكنني ما أريد أذى مسلم، ولو أني أردت قَتْلكم قَتَلتكم من زمان، ولكن أنا أعلم أنكم مجبورون على خروجكم، وقد طولت معكم إلى
(1)
يزكا: مكرة في نهاية 334، وبداية 335.
(2)
يقرأ: في الأصل.
(3)
يجتمع: في الأصل.
هاهنا، فصار العذر واضحًا عند كل أحد.
ثم إنه أخرج كتاب مهنا وناوله لقرا لاجين، ففتحه وقرأه على الأمراء، فإذا فيه يقول: من أخيهم مهنا، أراكم يا أمراء قد زاد طمعكم فينا، وكثير جهلكم بنا، وقد تعذيتم طوركم، وزاد علينا أمركم، ولو أردت من [أول]
(1)
يوم فرقت جمعكم، وشتت شملكم، ولكن ما أردت أن يُقال عني أنه أفسد البلدان وقَطع الطرقات وخَوَّف الناس في جميع الجهات، فلمَّا تأخرت عنكم ظننتم أني عاجز، وفي قلبي خوف، وأنا، والله العظيم، ما فعلت هذا إلا إخمادًا للشر وإصلاحًا للأمر، ولو أردت الفساد كَبَستُ عليكم في حمص، لكن كان يحصل الأذى للأجناد الصعاليك والفقراء، وإنا قد حلفنا برب السموات والأرض، إن أَمْسَى منكم أحد على الرحبة لأذقنه طعم السيوف والرماح، وقد أعذر من أنذر، وأنصف من حَذَّر، والسلام.
وهم في الحديث، فإذا بالكشافة التي كانوا على قَبَاقِب قد جاءوا وهم عرايا مشلِّحين، فسألهم الأزكشي عن حالهم، فقالوا: نحن وقوف عند طلوع الشمس، وإذ أقبل علينا سليمان بن مهنا ومعه فرسان كثير من العرب ملبسين، فقبضوا علينا وجابونا إليه، فأخذ خيلنا وقماشنا، ثم قال: رُوحُوا، غدًا نرد عليكم خيلكم وقماشكم إذا جئنا إلى الرحبة، فبينما هم في ذلك، فإذا بّراج الرحبة قد جاء ومعه بطاقة، فقال الأزكشي: من أين هذه البطاقة. قال من قائم العنقاء، وكان هناك كشافة من جهتهم، ففتح الأزكشي البطاقة فقرأها على الأمراء، فإذا فيها: يذكر أن محمد بن عيسى وصل ومعه ألف فارس، وأنه قد مَسَك جميع الطرقات، وأنا قد هربنا منه إلى زور الفرات، فقالت الأمراء:[لَيْكون]
(2)
في نية مهنا الغدر بنا، ويمسك علينا الدروب والطرقات، فقال بيبرس العلائي: والله، لو أراد مهنا أذيتكم ما خَلَّى أحدًا منكم يصل إلى هذا المكان، فتشاوروا فيما بينهم، وقالوا: نرجع بحرمتنا، وهؤلاء قد وصلوا إلى الفرات وما بقى
(1)
لول: في الأصل.
(2)
لا يكون: في الأصل، والتصويب يتفق مع المعنى.
علينا لوم، وهم في حكم بلاد التتار، وقد خرجوا من بلاد السلطان.
واتفق الأزركشي معهم على ذلك، ثم قاموا ورحلوا، ولم يبت منهم أحد في تلك الليلة على الرحبة.
ذكر ما جرى لقراسنقر والأفرم ومن معهما ودخولهم في بلاد التتار
ثم إن قرا سنقر والأفرم ومن معهما قالوا لمهنا: ما بقى بعد هذا الأمر شيء، وها نحن قد وصلنا إلى بلاد التتار، ولم يبق لنا إلا العبور، وقد صبرنا إلى هذا الوقت، وقلنا عسى الملك الناصر يرجع وينظر في أحوالنا وأحوال المسلمين، فيما فعل شيئًا، فآخر الأمر رَضِينَا منه بالقلاع الخَرَاب في أطراف البلاد بعد مُلْك الشام وحلب، فما رضي بذلك، وكل ما رَقَّ قلبنا قسى قلبه، وما بقى إلا العمل بضد قصده، فقال لهم مهنا: طولوا أرواحكم، فأنا لأجلكم تشَتَّتُ عن بلادي وتركت أخبازي، وطاوعتكم، ودخلت معكم في أي شيء أردتم، فندخل في هذه البراري فنصبح في أرض ونمسي في أرض، وأمراء العرب يُخَربون البلاد ويُحَرِّمون أحدًا يدب على وجه الأرض حتى يرجع الناصر ويسألنا ويدخل علينا، فقال قراسنقر: والله، يا أبا سليمان ما بقى الملك الناصر يخلينا نعبر البلاد إلا إن كان بالرغم منه، وهذا رجل مُعاندُ مَكِر لا يرجع إلى أحد، فاتفقوا على أن يرسلوا قاصدًا إلى خَرْبندا يطلب لهم منه الأمان حتى يعبروا إلى بلاده، فقال لهم البيسري: والله، ما يجدون قاصدًا أَخْيَرَ مني، أنا أروح إليه، فقالوا له: إذا رُحْتَ أنت ينبغي أن لا يعلم بك أحد إلا الله تعالى، فقال: أنا أروح بالليل، فإذا أصبحتهم فقولوا هرب البيسري وأنا أروح إلى خرْبندا وآخذ منه الأمان وأرسله إليكم، فقال قراسنقر: أنا أكتب كتابًا إلى حاجب ماردين يُسَيِّر معك مماليكًا من جهته.
ثم تجهز وسار وعدَّى الفرات بالليل، وسار يطلب ماردين، ولما أصبحوا شاعوا بأن البيسري قد هرب الليلة، فرُكِبت الخيل، ورَكَب أيضًا مهنا وقَصُّوا أثاره إلى مخاضة الفرات، ثم رجعوا، ولم يروا شيئًا.
وأما البيسري فإنه سار ليلًا ونهارًا إلى أن وصل إلى عربان، [ومِنْ]
(1)
عربان وصل إلى ماردين، وكان سوتان مقدم الأطراف نازلًا على النشيرية من قرب ماردين، فلما دخل البيسري إلى ماردين طلع إلى حاجب ماردين، فلما رآه أكرمه وأجلسه، وسأله عن حاله، فأخرج كتاب قراسنقر وقرأه، وقال: السمع والطاعة، أمعك كتاب إلى خربندا؟ فقال: نعم، فأمر بأن يذهبوا معه إلى سوتان، فسأله سوتان، فحكى له البيسري الحكاية وصورة ما جرى، وكان خربندا على أوجان، فساروا به إليه، فلما حضر قَبَّل [الأرض]
(2)
، وكان معه مملوك حاجب ماردين ومملوك سوتان، وناول ملوك حاجب ماردين كتاب أستاذه إلى خربندا، فإذا فيه يقول:
إن في يوم كذا من شهر كذا وصل إليَّ أمير من أمراء الشام يسمى البيسري وذكر بأن قراسنقر والأفرم وجماعة من الأمراء وصلوا إلى جانب عانة، وقد سَيَّروه ومعه كتاب فيه شرح حالهم.
وكذا قَدَّم مملوك سوتاي
(3)
كتاب أستاذه فقرأه، ثم التفت إلى البيسري، وقال له: إش الحكاية؟ فأخرج الكتاب من وسطه وناوله لخربندا، فأمر خربندا لسعد الدين بقراءته، فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، المماليك: قراسنقر، وأقوش الأفرم، وأيبك الزردكاش، وبلبان الدمشقي، يقبلون الأرض، ويَنْهُون أن المماليك جنى عليهم أستاذهم من غير جريمة عمولها، وقد انشمروا من بينَ يديه إلى أطراف البلاد، فإن كان الملك الأعظم يتصدق على المماليك بأمان
(4)
شريف، بأن يحضروا إلى تحت ظله الشريف ويعيشوا تحت ركابه أسوة مَنْ شملتهم صدقاته، وإن كان لا، فالبلاد واسعة وأرض الله عز وجل متسعة، فإذا حصل التصدق على المماليك بالأمان يرجع به حاجبنا، ويكون معه الأمير سيف
(1)
وبن: في الأصل.
(2)
إضافة للتوضيح تتفق مع السياق.
(3)
هكذا في الأصل، في هذا الموضع.
(4)
مصححة في الأصل.
الدين بزلار.
فلما سمع خربندا بذلك أرسل وراء بزلار، وكان في كنجا، فلما حضر خلع عليه وعلى البيسري خُلعة سَنية وأعطاه فرسًا من الخاص، وقال لهما: اذهبا إلى الأمراء ولهم الأمان وما يريدون، فلما وصلا إليهم فرحوا بذلك، وسَيَّرُوا لخربندا هدايا وتحفًا، وكان معهما كتاب من خربندا مضمونه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من أخيهم خربندا محمد، الذي يعلم به الوالد شمس الدين قراسنقر والأمراء، أعزهم الله تعالى، أنه وصلني كتابكم وعلمت مضمونه، وحدثني الأمير بدر الدين البيسري ما كان معه من المشافهة، وعلمت مقصودكم، فتجهزوا وأحضروا طيبين القلوب منشرحين الصدور منبسطين الآمال، وكل مَنْ خَلَّى في بلده شيئًا من الغنم أعطيته عوضه فرسًا، ومَنْ خَلَّى درهمًا أعطيته دينارًا، وبلغني أنكم كنتم خائفين من مدة أربع شهور، وعَوَّقكم عن الحضور كلام المبغضين، لأنهم قالوا لكم إذا رحتم إلى خربندا ربما لا يأمن إليكم، وربما يُهلككم، لأن الأمير قفجق، نائب الشام، غَيَّر أيام قازان، ثم رجع وترك المُلْك، وليس فيه شيء، لأن قفجق قد أتى إلينا مستجيرًا مما قد حَلَّ به من الأمور، وما رأينا منه إساءة، ووعدنا له أن يُكْشف ضُرُّه ونُعيده إلى دمشق كما كان نائبًا، فلما ملكنا دمشق وَلَّيناه نائبًا كما كان، وأنه كان ناصحًا لنا ودبر جيشنا، والدليل على ذلك أنه لما كان دليل عسكرنا انتصرنا وكسرنا عسكر الشام، وفي المرة التي توجه عسكرنا بدونه انكسرت عسكرنا، ولو كان حَيًّا وكان عندنا، كان هو المدبر الأمورنا والمتولي لمصالح بلادنا، فاصفوا نياتكم، وتوجهوا إلينا، ولا تحملوا هَمَّ نسائكم وأولادكم، فإن شاء الله تعالى، أجمع شملكم كما تريدون.
وكان قراسنقر والأفرم ومن معهما، من حين سافر البيسري، عزلوا بيوتهم عن بيوت مهنا، فلما جاء البيسري بهذا الخبر، اتفقوا على الرواح، وما أصبح الصباح إلا وهم قد ركبوا ملبسين وشالوا خيامهم، وبلغ ذلك مهنا فركب، وركب معه العربان، فقال لهم: إش هذا؟ فقالوا: جزاك الله عنا كل خير، لقد عملتَ معنا ما لم يعمله أحد، واجتهدت
غاية الاجتهاد، وضيعتَ أموالًا بسببنا، غير أنا رأينا الأمر يطول، وهذا السلطان ما يحصل لنا منه خير، ومتى ما ظفر بنا ما يشرب علينا ماءُ، ثم بكوا
(1)
بالضجيج والعجيج
(2)
.
وبكى سليمان ومهنا والده، ثم دخل عليهم مهنا أن لا يروحوا إلى ديار الغربة، فما رآهم إلا وقد صمموا على الرواح، ثم ساروا وودعوا مهنا وولده وهم يبكون، وقراسنقر على أولهم، ولسان حاله ينشد يقول:
إذا رشَقَتْ قلبي سهامُ المصائِب
…
وفاضت دموعي من جفوني السَّحَائب
وزادت بي الأشواق أقلقني الضَّنَى
…
ولا لي طريق على سبيل الحبايب
تَرحَّلْت عن أرض الشام وخَصْبها
…
على الرغْم منِّي بعدَ شِيب الذَّوَائب
وسِرْتُ بأبطال كِرامِ وسَادَةٍ
…
يُجيبوا النِّداء يوم ازدحام المواكِب
عسفت بهم بَرًا وقفرًا موعرًا
…
على جوالٍ يجيَح الغياهب
إذا ما رخى الليل البهيم ستُورَه
…
تُعَارضني الأشواقُ من كلِّ جَانب
وتنفر غزلان الفلا من هديرِنا
…
ويجفل مَنَّا غُولُها وهو راعب
ونحن على جرد قداح ضوامرٍ
…
طوال الهوادي لبنات المراكب
نسير إلى قبل هُمام غضنفرٍ
…
من أولاد خاقان جزيل المواهب
مليكٌ من الترك الصناديد أصلُه
…
له الفخر بين الناس سهل المطالب
فإن تُجرِّبَنَّه للنوال فحاتم
…
وما مثله في شرقها والمغارب
(1)
بكون: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق، ينظر ما يلي.
(2)
العجيج: رفع الصوت بالصياح، لسان العرب، مادة: عجج.
قصدناك يا شمس الملوك محمدٌ
…
تلقَّبُ خَرْبندا العظيم المناقب
تكون لنا حِصْنًا ومُرْتَجَى
…
فأنت الذي تُدعَى لكشفِ النَّوائب
ثم قال قراسنقر لسليمان: يا علم الدين، لقد أَوْلَيتنا بالجميل ما يعجز عن مكافأته، فلله درّك من ملك ما أكرمه، ومن همام ما أَجَلَّه، فلا أخمد الله نارك، ولا كلَّ
(1)
بتَّارُك، فارجع راشدًا، فقال: وذمة العرب ما أرجع حتى تصلوا إلى مأمنكم، فسار معهم إلى سنجار، ثم ودَّعهم وعاد.
وكان يوم دخولهم سنجار يومًا مشهودًا، لأنه وقع النداء في سنجار: أيّ مَنْ لا يخرج ومعه شمعة راحت روحه، فلم يبق فيها أحدٌ من الرجال والنساء والكبار والصغار إلا وقد خرج، ونثرُوا عليهم الدراهم والدنانير، ثم إنهم نزلوا في جوسق
(2)
بخارج سنجار، كان الأمير بدر الدين لؤلؤ بناه، ولما رجع سليمان أعلَم والده مهنا بأنه شَيَّعهم إلى سنجار.
ثم كتب مهنا إلى الملك الناصر يُعْلمه بأنهم عبروا إلى التتار، وأَني نصحتك فما قبلت، وما كان كلامي إلا إصلاح بلادك، وصلاح مماليكك، وما بقيت ترى مثل هؤلاء الأمراء، والرأي رأيك.
وأرسل كتابه مع ابن أخيه إلى مصر من الرحبة.
ونائب الرحبة الأزكشي أرسل إلى نائب دمشق [يُعْلِمه]
(3)
برواح الأمراء ولما تحقق السلطان ذلك طلب مملوكه سودي وولاه نيابة حلب، وقال له: اركب من ساعتك هذه ورُح إلى حلب، فركب من ساعته وخرج، ثم بعد خروجه طلب السلطان تمر الساقي، وقال له: خذ معك ألف فارس واخرج بهم إلى الشام، واعبر إلى حمص وامسك بيبرس العلائي، فإن بيبرس هذا كان في العسكر مع أرغون، وكان قد أرسل
(1)
أكل: في الأصل.
(2)
الجوسق: القصر، معربة، ينظر مختار الصحاح، مادة: ج ق.
(3)
يعلمهم: في الأصل.
إلى السلطان وطلب الحضور حتى يحكي له ما جرى ويكون له يد عند السلطان.
فلما حضر عند السلطان قبل الأرض، ثم أخرج كيسًا فيه ألف دينار ووضعه بين يدي السلطان، فقال له: إش هذا؟ فقال: ألف دينار جاءني من عند قراسنقر، فقال له: جاء لك وحدك؟ قال: لا، بل سَيَّر لكل أمير في الشام "ألف دينار"
(1)
، وسَيَّر لنائب الشام جملة مستكثرة، وأَكثر العسكر متفقون معه، أنا، ونعمة السلطان، أقدر على أن أجيبه وهو ذليل حقير، فإن رسم مولانا السلطان يُجَرِّد معي ألف فارس من مماليكه، فإن لم أجيبه اشنقني على باب القرافة، فقال السلطان: قل لي، مَنْ هم من الأمراء الذين أخذوا الذهب من قراسنقر، قال: المملوك، ونائب الشام، وبيبرس المجنون، [والبرواني]
(2)
، والتاجي، وطوغان، وكجكن، وغرلو، هؤلاء الأمراء أخذوا الذهب، ثم إن السلطان خلع عليه وقال: ارجع سريعًا وأنا أجَرِّد لك ألف فارس من المماليك يلحقونك.
ثم أرسل السلطان بريديًا إلى نائب الشام، يقول له: ساعة وقوفك على هذا الكتاب، اركب البريد واحضر عندنا، فإنا نريد أن تكون في المشورة في أمر، فخرج البريدي من مصر قبل خروج بيبرس العلائي، ثم افتكر السلطان في أمر بيبرس، فتارة يصمم على مسكه وتارة على تركه، وكان قبل خروجه من مصر، ثم أرسله كما ذكرنا، ولما وصل إلى الغور لقى نائب الشام، وجو جاءٍ رائح إلى مصر على البريد، فقال له: إش عملت في مصر؟ وهل جِبْت كلامي عند السلطان؟ فخلف أنه ما جاء بذكره، ولا علم بمجيئه إلى أن التقاه.
ثم سار بيبرس حتى وصل إلى دمشق، ومعه كتاب السلطان إلى القرماني بأن يجرد معه ألف فارس، وينفق لكل فارس خمسمائة درهم، ففعل القرماني ذلك، ثم سار إلى حمص وأخبر أرغون ما جرى في مصر وطول الطريق، ولما استقر فإذا
(1)
مكرر في الأصل.
(2)
والمرواني: في الأصل، والتصويب مما سبق.
بتمر الساقي قد وصل إلى أرغون.
وقد ذكرنا أن السلطان كان قد أمر بمسك بيبرس هذا، فمسكه، ومعه كتاب إلى ارغون بأن يرحل من حمص وينزل على دمشق ويرسل ابن الأفرم ومماليكه، وكذا بيت الزردكاش ومماليكه وأولاده، وكذا مماليك قراسنقر، وأمره أن لا يُخَلِّي أحدًا من أتباع الأمراء الذين هربوا من الشام، ففعل أرغون جميع ذلك.
وأما جمال الدين، نائب الشام، فإنه وصل إلى مصر، فلما حضر بين يدي السلطان، قال له: أقوش، قال: لبيك يا مولانا السلطان، قال: تكون أنت نائب الشام، وتهرب من عندك ثلاثة أمراء من وسط دمشق ما تركب خلفهم ولا ترسل أحدًا، وعندك أربعة آلاف فارس، ويُرسل إليك قراسنقر ذهبًا وتأخذه، أما كان يكفيك مُلْك الشام؟ فقبل الأرض، وقال: أيد الله مولانا السلطان، لا تسمع من كلام الأعداء والأضداد، وأصبر عَلَيَّ، فقال: قل، فقال: يا خوند، إن جاء أحد من غير الأضداد يقول أني كاتبت قراسنقر وأخذت ذهبا فأبرأك الله من دمي، وأما الأمراء الذين خرجوا من دمشق فقد كان ذلك، وكان يوم الموكب، وكانوا في الخدمة إلى الظهر، وكلهم راحوا إلى بيوتهم، ثم أنهم خرجوا وراحوا فما أعلموني برواحهم إلا في المساء، [فأرسلت]
(1)
خلفهم والي البر، فما رجع والي البر إلا وهم عند قراسنقر، فصاح السلطان، وقال: ارفعوه إلى الجب، فشالوه من بين يديه.
وأما أرغون فإنه بعد أن جَهَّز أولاد الأمراء ومماليكهم وبيوتهم، جاءه مرسوم بطلبه هو والمُجَرَّدين الذين كانوا معه، ثم ساروا من دمشق إلى مصر، وكان جاء إلى دمشق طقطاي الجمدار بكتاب السلطان، فقرأه على الأمراء، وفيه اقبضوا على: بيبرس المجنون، وطوغان، والبرواني، والتاجي، فقبضوا عليهم، وشالوهم إلى قلعة دمشق، ثم إن طقطاي ركب بجماعة وسار بهم، ومعهم بيبرس العلائي أيضًا، إلى الكرك، فسلمهم إلى نائب الكرك.
(1)
فأرسل: في الأصل.
وقد ذكرنا أن مهنا كان قد كتب كتابًا إلى السلطان
(1)
يُعلم فيه برواح الأمراء إلى بلاد التتار، فلما قرأ السلطان كتابه قال لابنه: وأين مهنا اليوم نازل؟ قال: خليته بين الرحبة والرقة، فقال: أنا ما أخرج من كلام مهنا وهو عندي مثل الملك المنصور، وما أخرجت عنه إمرة العرب إلا أن ثابت بن يزيد كتب إليَّ يقول: إن مهنا قد أرسل أولاده إلى خربندا، وهو الذي ما يخلي قراسنقر عن المجيء، وهو الذي عَصَّاه عليك وعَصَّى الأمراء، وربما حلف له الأمراء، ولازلت في شَكٍّ من هذا، حتى راحت الأمراء ولم يرح هو، ولا تغير من مكانه، فعلمت أن كل شيء قالوه في حقه كذب، وما كان قصد مهنا إلا الإصلاح، ثم إنه أمر أن يُكتب كتاب لمهنا بأنه ملك العرب، وأنه مُستمر على خُبزه، وزَادَه قرية من الخاص تعمل كل سنة ألف غرارة، وأخرج كتاب ثابت بن يزيد وأعطاه لابن مهنا، وقال له: هذا كتاب ثابت حتى يعلم مهنا صحة ما قلت، فَقَبَّل ابن مهنا الأرضَ، وقال صدق مولانا السلطان.
ثم إن السلطان استدعى بأحمد الكلابي وسَيَّره بالكتاب مع أحمد بن مهنا، وقال له: قل لمهنا مشافهة: يا أبي دعني من هذا الحديث، فأنت على كل حال بركتي ووالدي، وإن كان هؤلاء المُدْبِرِين رَاحوا يُعَوِّض الله بخير منهم، فلا تحمل على قلبك همًّا، وأريد أنك تمشي على عادتك ولا تقطع عني كتبك، والسلام.
ثم إنهما خرجا وسارا إلى أن وصلا إلى مهنا وناولاه الكتاب وبَلَّغاه الأخبار، ففرح فرحًا شديدًا، وخلع على أحمد الكلابي، وأعطاه ألف دينار، وعشرة أروس خيول، وخمسين جملًا، وأرسل معه حصانه الذي يسمونه المعضد الذي ليس له نظير في الديار.
ثم إن السلطان طلب مملوكه سيف الدين دنكز، فقال له: يا دنكز، قال له: لبيك يا مولانا السلطان، قال له: رُح إلى دمشق فإني ولَّيتك نائبًا فيها، وتَوصَّ بأهلها وأظهر العدل بين الرعية.
(1)
مهنا السلطان: في الأصل، ومشطوب على كلمة مهنا.
وكان تولية دنكز الشام في السنة الآتية
(1)
، ونذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر اجتماع الأفرم وقراسنقر مع خربندا
ولما وصل الأفرم وقراسنقر ومن معهما إلى خربندا أكرمهم وأحسن إليهم، وأعطى الأمير جمال الدين أقوش الأفرم همدان، فتوجه إليها، ولم يزل بها حتى مات، وأقام قراسنقر عند التتار إلى أن مات في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي سيرة الناصر، أن قراسنقر ومن معه من الأمراء لما وصلوا إلى ماردين تلقاهم صاحب ماردين، وأنزلهم في موضع يليق بهم، وخدمهم وأكرمهم، وضرب لهم الخيام، ومَدَّ لهم سِمَاطًا هائلًا، وفي تلك الليلة اجتمع الأفرم وقراسنقر [وتشاورا]
(2)
في ماذا
(3)
يصنعان إذا حضرا قدام خربندا، فقال قراسنقر: أنا أتكلم مع خربندا وأخليه يكون أطوع الناس لكم، غير أني أخاف من صاحب ماردين يعمل علينا عنده وربما يهلكنا، فقال الأفرم: كيف العمل، وقد وقعنا في وسط بلادهم؟ فقال قراسنقر: معي حُق فيه سُم، وقد صحبته معي لوقت الحاجة، وكنت قد عولت أن أي وقت يظفر بي الملك الناصر من قبل وصولي إليه أشربه وأقتل روحي ولا أُخليه يتمكن مني، وهذا هو معي، وأنا أسقيه لصاحب ماردين، فقال الأفرم: نخاف أن [يعلموا]
(4)
بنا فيهلكونا، فقال قراسنقر: سوف ترى مني ما يسر قلبك، ثم تفرقوا وذهب كل أمير إلى خيمته.
وفي صبيحة ذلك اليوم عمل صاحب ماردين مجلسًا هائلًا، وطلب الأمراء إليه، فأخذ قراسنقر الحُق معه ونظر إلى الأفرم، وقال: يا أمير جمال الدين، انقضى شغلنا
(1)
ينظر ما يلي.
(2)
وتشاوروا: في الأصل.
(3)
فيما بينهم ذا: في الأصل، ومشطوب على كلمة بينهم.
(4)
يعملوا: في الأصل، وهو تصحيف.
ونلتُ من صاحب ماردين كل ما أريد إن شاء الله تعالى، وسار وجميع الأمراء معه، فتلقاهم صاحب ماردين بأحسن ملتقى، وأجلس قراسنقر في مرتبته، وجلس هو أسفل منه، وكذا أجلس الأفرم إلى جانبه، وأجلس بقية الأمراء، ثم قال: يا أمراء، والله، لكم زمان في نَصَبٍ ومشقة وضيق صدر، وما انشرح لكم خاطر مما جرى لكم، واليوم مضى جميع ذلك، ووصلتم إلى الفرح والسرور، وقد عولت على أني أعمل لكم مجلسًا فيه طيب وفرح ليذهب عنكم الهم والغم، فقال له قراسنقر: الرأي رأيكم، فأنت أهل لذلك.
فأمر صاحب ماردين لأمير مجلسه أن ينصب مجلس البسط، ففي الحال رتب أشياء أدهشت الأمراء، وفيها من جميع الأواني من الذهب والفضة المرصعة بالفصوص، وأحضر الفتيات ومعهن العيدان وسائر آلات اللهو والمغنى، ثم دارت الكاسات، فشرب صاحب ماردين كأسًا، ثم ملأه وناوله لقراسنقر، فأخذه من يديه، ثم تذكر أهله وأولاده ووطنه فبكى حتى أنه أبكى الحاضرين، ثم قام وخرج ليقضي له شغلًا ثم أخرج الحُقَّ الذي فيه السم، وأخذ برأس إبرة قدر القمحة، ثم عبر، فقام له كل من في المجلس، وجلس على مرتبته، وأخذ ذلك الكأس الذي أعطاه إياه صاحب ماردين فشربه وأعطاه للساقي، فقال له: املأه وهاته، فملأه وأعطاه، فأخذه قراسنقر ونظر فيه، [فقال للساقي]
(1)
احترز، ألا تنظر إلى هذه الشعرة؟ فمد يده وحط فيه ذلك الذي أخذه على رأس الإبرة، فأوهم الحاضرين أنه شال منه شعرة، ثم قَبَّل القَدَح وناوله لصاحب ماردين، فأخذه صاحب ماردين وشرب بعضه، ورَدَّ البعض، فقال له قرا سنقر: أنا شربت جميع الكأس الذي ناولتني إياه، فقال: والله، يا أمير، استعملت كثيرا وقد غلب الخمر عَلَيَّ، وطفح السُّكْر فِيَّ، وهذا ولدي يقوم مقامي، ولم بدر ما في الغيب، فشرب ولده بقية ما في الكأس، ثم دارت عليهم السُّقاة بالكبار والصغار ساعة من النهار، فحكم فيهم العقار حتى لا يعرف أحد منهم باب الدار، ثم طلب الأمراء دستورًا، فأعطاهم دستورًا، وساروا إلى منازلهم، فقال قراسنقر: والله نلنا
(1)
فقال له الساقي: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
المقصود، فقالوا بماذا؟ قال: بقتل صاحب ماردين وولده، ففزع الأفرم، فقال: والله ما فَعلتَ خيرًا.
ولما أصبحوا قال قراسنقر: ما جئنا للإقامة وتطويلنا ضرر لنا، ولا راحة لنا إلا بالحضور قُدَّام خربندا، فقالوا: الرأي رأيك، فقال: ارحلوا، فقاموا ورحلوا، وسمع صاحب ماردين جلبتهم فركب إليهم، وهو مُخَبَّل من الخمر، فلما قرب منهم ساروا إليه وشكروا له، وقالوا: لازلت متفضلًا، لا أعدم الله إحسانك، فالله تعالى يجازيك بأفضل الجزاء، فقال: يا أمراء إش هذه العجلة في رواحكم؟ استريحوا عندي أيامًا حتى أجهز تقدمة لخربندا وأسير معكم، فقال قراسنقر: أنت تعلم عذرنا في سرعة المسير من وجوه شتى، ثم سار صاحب ماردين معهم مقدار نصف النهار، ثم ودعهم ورجع.
وسار الأمراء يومهم ذلك واليوم الثاني والثالث، فوصلوا إلى ميافارقين، خرج لهم نائبها بالإقامات والعلوفات، فأقاموا هناك يومين، ثم عزموا على الرحيل، وإذا قاصد من أمراء ماردين قد وصل على البريد، وهو رائح إلى خربندا ليُعْلمه بأن صاحب ماردين وولده قد ماتا في ليلة واحدة، فتعجبت الناس من ذلك، وقالوا: أول أمس كان يشرب معنا وما به شيء من المرض، والله هذا هو موت الفجاءة، ولم يعلم بالأمر غير قراسنقر والأفرم.
ثم ساروا، وأي منزل ينزلون به يجدون فيه علوفة وإقامات، وكل ما يحتاجون إليه، إلى أن بقى بينهم وبين تبريز ثلاثة أيام، فبلغ خبرهم لخربندا، وكان نازلًا على أوجان، فأمر لجوبان نائبه أن يأخذ معه عساكر المغل فيلاقيهم، فركب جوبان وسار حتى أتى تبريز، وأمر بزينة توريز
(1)
غاية الزينة، ونادى فيها أن لا يبقى كبير ولا صغير وإلا يخرج إلى ظاهر تبريز ومعهم شموعات ومشاعل وهم في حسنة وثياب فاخرة، وخرجت المغاني بأنواع الملاهي.
ولما أشرف قراسنقر على تبريز، قال للأمراء الذين معه: يا أمراء، ما أخوفني أن
(1)
تبريز = توريز، معجم البلدان.
يكون الملك الناصر قد جهز فداوية يجدون فرصة في هذا الجمع العظيم، وربما يقفز واحد منهم عَلَى واحد منا فيقتله، فقالوا كيف يكون الرأي؟ فقال قراسنقر: الرأي عندي أن يلبس كلكم الزرديات من تحت الثياب، وتحترزون غاية الاحتراز، ولا تهملوا هذا الأمر، فالملك الناصر ما يغفل عنكم، فقال الأفرم: يا شمس الدين، لقد بالغت، مَنْ هو الذي يسبقنا إلى تبريز؟ فقال له قراسنقر: سوف أذكرك، أنا أخبر بالملك الناصر، وما عنده من الحِيَل [والمُخَادعة]
(1)
، وهو لا يُؤمن منه، فلبس الجميع الزرديات.
وقد وصل جوبان بمن معه من أمراء المغل، فتلقاه قراسنقر، وأراد أن يترجل فمنعه من ذلك، وتصافحوا على ظهور الخيل، وكذلك جميع الأمراء، وساروا طالبين تبريز، وبقى جوبان يحدثهم ويعدهم من خربندا بكل خير، ولما أشرفوا على تبريز خرج جميع أهلها على الصفة التي ذكرناها، وشقوا المدينة، وخرج بهم جوبان إلى بستان خربندا في ظاهر تبريز، وكان بستانًا هائلًا، وكانوا يسمونه الشام، لحسنه ونضارته وكثرة خيراته، ولم يبق لأهل تبريز إلا [الحديث]
(2)
في قراسنقر ومن معه من الأمراء، فقوم يلعنونهم حيث أنهم دخلوا بلاد الأعداء وتركوا بلاد الإسلام، وقوم يقولون هم معذورون.
وفي ساعة نزولهم أرسل جوبان إلى خربندا يُعلمه بوصولهم
(3)
، ويشاوره فيما يفعل، فرد الجواب بأن يقيم بهم يومًا في توريز إلى أن آجي، فتأخروا، وأقاموا عشرة أيام، كل يوم يركب جوبان والأمراء وهم ملبسون تحت قماشهم من خوفهم من الفداوية.
ذكر قضية الفداوى مع الأفرم
قال الراوي: لما كان في يوم من الأيام وهم قد فضوا الموكب ورجعوا يريدون منازلهم، وفي [الرجعة]
(4)
اختلطت الأمراء بالأجناد والعوام على العادة، وإذا فداوى
(1)
والمتخاوعة: في الأصل، والتصويب يتفق والسياق.
(2)
إضافة للتوضيح.
(3)
بنزولهم بوصولهم: في الأصل، ومشطوب على كلمة بنزولهم.
(4)
الرجعوا: في الأصل.
قد وثب على الأفرم من مؤخر الفرس، وصرخ فيه بصوت هائل، ثم ضربه بسكين في صدره، فردت السكين إليه، ولم تعمل شيئًا لأنه كان عليه زردية ضيقة العيون لا يعمل فيه شيء، فصرخ الأفرم على مماليكه، فجاء إليه مملوك وضرب الفداوى بالدبوس فأرماه، فنظر الفداوى إلى ما حل به، فصاح: الله أكبر، الله أكبر، يا ثارات الملك الناصر، ووثب على المملوك وضربه بالسكين في جنبه الأيمن، ووصلت السكين إلى أمعائه، فانقلب المملوك إلى الأرض، وتسابقت المماليك إلى الفداوى، جعل الفداوى يحمل عليهم يمينًا وشمالًا، ويقول: يا عِلوق
(1)
اين تروحون مني؟ فقتل منهم اثني عشر مملوكًا، فتكاثروا عليه، وجاء إليه واحدٌ من خلفه فضربه بدبوس على دماغه فنثر مخه من أذنه.
وأما قراسنقر والزردكاش وبلبان الدمشقي، لما رأوا الفداوى قفز على الأفرم هربوا وخرجوا من بين الناس، فقال لهم: يا أمراء كنت أخاف من هذا، وقلت لكم ما سمعتم مني، والله، إن لم تجعلوا بالكم وإلا رحتم أشأم الرواح.
وحملوا الأفرع إلى وطاقة، وكان قد انجرح من ضربة ثانية، وطلب له جوبان الجرائحية فداووه وشدوه، ثم طلب جوبان شِحْنَة تبريز ونائبها، وقال لهما: اعلما بأن هذا الفداوى لم يكن وحده، بل له رفاق، ولا أعرفهم إلا منكما.
وأرسل قاصدًا إلى خربندا وأعلمه الذي جرى، فقال خربندا: والله العظيم، ما أمنت من غائلة هؤلاء الأمراء إلا هذا الوقت، فإني كنت مُتَشككًا فيهم، وكنت أظن مجيئهم مكر وخداع، وكنت مُعَلًا على قتلهم، ثم إنه ركب من ساعته وسار يطلب تبريز، وركب جوبان ومعه الأمراء، وركب الأفرم وهو مجروح، ومن معه من الأمراء، وساروا حتى لاقوا خربندا، فلما قربوا منه ترجلوا وقبلوا الأرض، وترجل خربندا أيضًا، وتعانقوا، ثم ركبوا وساروا، وأخذ قراسنقر عن يمينه والأفرم عن شماله، وجعل يسأل عن الأفرم ويجمل همه ويُطيب قلبه، وساروا يطلبون الشام، يعني البستان الذي ذكرناه، ونزل في
(1)
معاملة العلوق: تقال لمن تكلم بكلام لا فعل معه، تاج العروس، مادة علق.
خيمة هائلة قد
(1)
نُصبت له، ونصبوا قُدَّام الدهليز صوانًا يظل خمسمائة إنسان، ثم جلس وأجلس الأمراء كل واحد في منزلته.
ثم إن خربندا قال: يا شمس الدين، حدثني بالذي جرى عليك مع السلطان الناصر، قال: فحدثه بالقصة من أولها إلى آخرها، فقال خربندا: يا أمراء، الآن تَحققتُ أمرَكم وصِدْقَكم، فطيبوا خواطركم واشرحوا صدورَكم، فقد وصلتم إلى مقصودكم، فإن تركتم في الشام مَالًا أُعوض لكم بأكثر منه، أو إقطاعًا فأعطيكم أحسن منها، أو حُكْمًا فقد حَكَّمْتُكُم في جميع بلادي، وبلادي لكم مُبَاحة، فأي شيء أردتم منها خوَّلتكم فيه، فعند ذلك قامت الأمراء على أقدامهم، ودعوا له بالدوام والبقاء، فأمرهم بالجلوس، ثم خلع عليهم، وأنعهم عليهم، وأطلق لهم شيئًا كثيرًا، وطلب أميرًا يُقالُ له: دَرَقلي، وقال له: واظب خدمتهم ليلًا ونهارًا، وأي شيء طلبوه أحضر لهم سريعًا.
فبينما هم في ذلك، فإذا بغلبة عظيمة على الباب، فقال خربندا: ما هذا؟ فخرج جوبان وسأل عن ذلك، [فقال]
(2)
: يا مولانا في اليوم الذي قفز الفداوى على الأفرم طلبنا شِحْنَة تبريز والنائب بها، وقلنا [لهما]
(3)
: هذا الفداوى ما جاء وحده، ولا بد أن يكون له رفيق، وما أعرف رفاقه إلا [منكما]
(4)
، وقد أحضروا كل غريب أنكروا عليه، وأمر خربندا لجوبان أن يحبسهم ويعذبهم بأنواع العذاب حتى يظهر الغريم، وإذا بالأفرم قد تقدم وقَبَّل الأرض، فقال خربندا: ما بال الأمير جمال الدين؟ فقال: أطال الله عمر الخان، إن عَلمتَ هكذا يحصلُ للناس ضرر ويجفل المترددون، فقال خربندا: إنما عمل هذا لأجلك، فقال الأفرم: اسأل من صدقات الخان أن يَعْرضوا عَلَىَّ هؤلاء الذين مَسَكوهم لأن المملوك عَمِل نيابة الشام ويعرف الفداوية والقصاد جميعهم، فإن كان في هؤلاء أحدٌ منهم قبضنا عليه، وإلا أطلقناهم صدقة عن الخان، فقال له:
(1)
قد: مكرة في الأصل في آخر 357، وأول 358.
(2)
فقالوا: في الأصل، والتصويب يتفق مع كون الكلام على لسان جوبان، ينظر ما يلي.
(3)
له: في الأصل.
(4)
منكم: في الأصل، والتصويب مما سبق.
أخرج وافعل مثل ما تريد، فخرج الأفرم وعرضوا عليه الممسوكين فوجًا فوجًا، وهو يطلقهم، ويقول ما في هؤلاء أحد من أرباب الشُّبْهة، فأطلق الجميع، فلما سأله خربندا، قال: هؤلاء كلهم تجار ومترددون، وقد أطلقناهم صدقة عن الخان، فقال خربندا: إنما فعلتُ ذلك لأجلك، ثم خَلَع عليه وعلى سائر الأمراء وأعطاهم دستورًا، فساروا إلى الوطاق.
وأما قضية هذا الفداوي فهي عجيبة، وذلك أن هؤلاء الأمراء لما قفزوا، وبلغ السلطان ذلك، كان سَيَّر إلى نائب مصياب وأمره أن يرسل اثنين من الفداوية مشهورين بالشطارة والنهضة إلى نائب الرحبة، وهو يرسلهما مع قُصَّاد ثِقات إلى تبريز، ويَعِدُهما أنهما إذا قَضَيا الشغل كما يريده السلطان فلهما ما أرادا، وكان نائب الرحبة بدر الدين الأزكشي، وكان رجلًا جيدًا مشكور السيرة، فلما وصل الاثنان منهم إليه، سأل من مماليكه الذين يَعْتمِد عليهم في أسرَارِه عن رجلٍ ثقة معروف خبير بالطرقات نسفره مع هذين الاثنين من الفداوية، فقال واحد، وهو المهمندار، [هاهنا]
(1)
قاصد من أهل الحديثة يقال له: عَلِيّ بن المعلم، وهو من المترددين إلى دمشق، وهو رجل معروف، فقال بدر الدين: اطلبوه.
فلما حضر بين يديه ذكر له هذه القضية، فإن قضاها يكون له اليد البيضاء عند السلطان ويحصل له خير كثير، فقال: السمع والطاعة، نبذل مجهودنا في طاعة السلطان ولو راحت أرواحنا، ثم قال: ما جل المقصود؟ قال: قَتل قراسنقر والأفرم، فلما سمع ذلك تبسم وقال: والله العظيم، هذا كان في خاطري بأن أروح إلى دمشق وأشاور نائبها في ذلك وآخذ معي فداوية وأذهب بهم إليها وأقتلهما، فلما سمع الأزكشي بذلك فرح وخلَع عليه، وأحضر هذين الاثنين من الفداوية وسلمهما إليه، وأمرهما أن يمتثلا ما قاله، وسَلَّم إليه سكاكين مختومة ومائتي دينار.
فخرجوا وساروا في زي تجار ومعهم صابون، مع كال واحد حماران يطلبون
(1)
ههنا: في الأصل.
الموصل، فلما وصلوا، فنزلوا في خان، سألوا عن قَفْل رائحين إلى تبريز، فوجدوا جماعة من سَلْمَاس رائحين إلى تبريز فخرجوا معهم.
وكان علاء الدين هذا من أحسن الناس وجهًا، وذا كرم وخدمة، فسألوه من أين أنت؟ قال: أنا من الحديثة ومعي بعض صابون، ولا أعلم سعره في تبريز، لأني ما عبرت تبريز قط، ثم كان كلما نزلوا منزلًا يسبق عَلِيُّ هذا ويشتري أحسن الأشياء وأطيب المأكولات، ويأتي إلى التجار ويُطعمهم، وكذا المكارية، ويخدمهم ويتقرب إلى قلوبهم، ويساعدهم في الشَّد والخَلّ طول الطريق، فأحبه جميع هؤلاء حتى لا يقدر أحد منهم أن يفارقه، وقالوا: يا علاء الدين، أمسك يدك فقد استحيينا منك، وإش معك؟ الكل ست أحمال صابون، فإش مقدار ما يُكْسب مع هذه النفقة الواسعة؟ فقال: أنا ما طلعت إلا بسبب الفُرْجَة، وهذه الأحمال بسبب النفقة، وهذه صدقة الله تعالى، وقد مَنَّ الله عَلَيَّ بصحبتكم، والله، لو ذهبت روحي في خدمتكم لكان قليلًا.
ولما وصلوا إلى سَلْمَاس تنازعوا عليه، فكل واحد منهم يقول:[أنا آخُذُه]
(1)
إلَيَّ وأُضَيفه، فقوى عليهم شخص يقال له: مبارك، فأنزله عنده وأَضَافه ثلاثة أيام، ومع هذا كل يوم يعمل له التجار ضيافات، ففي اليوم الرابع رحلوا إلى تبريز فنزلوا في خان خارج تبريز، والتجار الذين معه أخذوه ودخلوا به إلى تبريز وأعرضوا صابونه فباعوه قبل بضائهم، والمكارية أخذوا هذين الاثنين من الفداوية ودخلوا بهما الخمارة وشربوا طول ذلك النهار، فاستمروا على ذلك أيامًا.
وأما عَلِيَّ فماله شُغل إلا تتبع آثار قراسنقر إلى ذلك اليوم الذي جرى فيه ما جرى من الفداوي الذي جَرَح الأفرم وقَتَل جماعة من الناس ثم قُتِل، ففي هذا اليوم قال علَيَّ لذلك الفداوي: هؤلاء غُرماء السلطان الملك الناصر، فأبصر إش تعمل؟ وأعطاه سكينًا من السكاكين المختومة التي عنده، وفعل هو كما ذكرناه، ورفيقه الآخر ما قَدَرَ
(1)
أناخذه: في الأصل.
على عمل شيء، بل هربَ واختلط بالناس
(1)
.
وكان عَلِيّ هو والمكارية واقفين هناك مع الناس، فلما مسكوا الناس، كما ذكرنا امسكوا عَلِيًا والفداوي الآخر مع الناس، فخاف عَلَيُّ من الأفرم أن يعرفه، فأصفر وجهه وظهر عليه الخوف، فقال له أولئك التجار: ما بك يا عَلِيِّ؟ فقال: نحن غرباء ما لنا مَنْ يُعَرِّفُنَا، فيتعلقون بنا وينكرون علينا فيقتلوننا، فقالت التجار: طيب قلبك، فنحن ما نُخَلِّي أحدٌ يحضر بك إلى الملك، ولو أنا خسرنا لأجلك جميع أموالنا، ثم بذلوا مالًا كثيرًا للظَّلَمَة الذين مسكوهم، وقالوا: هذا، يعني عَليًّا، ورفيقه، يعني الفداوي الآخر، ناس غرباء، وبهما حُمَّى وباردة، فلما تركوهما ودُّوا الناس إلى الأفرم، واستعرضهم وأطلقهم، كما ذكرنا، رجعت التجار إلى الخان وتجهزوا وسافروا.
فخرج عَلِيُّ والفداوي معهم إلى أن وصلوا إلى الموصل، ناموا فيها يومين، ثم سافروا إلى أن جاءوا إلى الرحبة، ودخل [عَلِيَّ]
(2)
والفداوي على الأزكشي، وأخبره عِليُّ بما جرى، وأن أحد الفداويَّيْن قُتل، وأن هذا ما وقع، فكتب الأزكشي إلى نائب الشام وأعلمه بذلك، وكتب نائب الشام إلى السلطان.
ثم إن نائب الشام خلَع عَلَى عَلِيِّ وأعطاه خمسمائة دينار، وحبس الفداوي الآخر في الشام.
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة
منها: أن الأمير منصور بن جماز، صاحب المدينة النبوية أيقع مع قتادة بن إدريس، صاحب الينبع، وطارده، ولم يتمكن منه، ورجع عنه.
ومنها: رسم السلطان الملك الناصر بنقض الإيوان الأشرفي الذي بقلعة الجبل وتجديده على هيئة اقترحها، وتوجه إلى الصيد متصيدًا، فنُقِض الإيوان المذكور
(1)
فلما مسكوا الناس، كما ذكرنا: في الأصل، وعليها شطب، فهي سبق نظر من الناسخ، ينظر ما يلي.
(2)
إضافة للتوضيح.
وجُدد على هيئة حَسَنة، ولما عاد من تَصيده جلس فيه جلوسًا عامًا للعدل ورفع المظالم والإحسان إلى العالم.
وقيل في ذلك:
شرَّفت إيوانًا جلستَ بصدرِه
…
فشرحتَ بالإحسان صُدُورًا
قد كان ينتقل الفراقد
(1)
رفعةً
…
إذ حاز منك الناصر المنصورَا
مَلِكُ الزمان ومن رعية ملكه
…
مِنْ عدله لا يُظْلَمون نقيرا
لا زال منصورَ اللواء مؤيدا
…
أبَدَ الزمان وضده مقهورًا
وقيل أيضًا:
يا مَلكًا أطلع من وجهه
…
إيوانه لما بدا بدرا
أنسيتنا بالعدل كِسْرى
…
ولن نرضى لنا جَبْرًا به كَسْرا
ومنها: أنه وصلت الأخبار بأن خربندا قتل: صاحب ديوانه، واسمه سعد الدين السادُجي، ويحيى بن جلال الدين، وشيخ الشيعة الذي كان خربندا يتتلمذ له واسمه شرف الدين التلاوي.
وسبب قتله إياهم: أما صاحب الديوان فلِمَا بلغه عنه من احتجاز الأموال لنفسه دون الملك، وأما يحيى بن جلال الدين، فلمنافسةٍ حصلت بينه وبين صاحب ماردين، وقد كان خربندا تزوج بابنة صاحب ماردين، فأوهمه يحيى [أنها]
(2)
ليست بابنته وإنما هي جارية من جواريه، فاستوضح ذلك، فتبين له كذبه في سعايته فقتله، وأما شيخ الشيعة فلأنه كان قد أخذه باتباع مذهبهم، فلما انكشف له أن مذهب
(1)
الفرقد: تطلق على فرقدان، نجمان في السماء، ينظر تاج العروس مادة: فرقد.
(2)
أنه: في الأصل.
الشيعة ضلال، وجد عليه وقتله.
ومنها: أنه خُطب الملك الناصر بالمغرب، وذلك أن الشيخ أبا زكريا يحيى الذي يقال له اللحياني، من أكابر المغاربة، كان ورد إلى الأبواب السلطانية فأكرمه السلطان، وقصد الحَج فجهزه كما يختار
(1)
، فلما رَجع من حَجه سأل توصيله إلى بلاده، وهي طرابلس المغرب وما معها، والتزم إن فتح الله عليه تلك البلاد أقام نفسه فيها مقام غلام ونائب للسلطان، فجهزه وجرد معه جُندًا لتوصله، فتسامعت به العربان وأهل تلك البلاد، وأنه واصل بجيش من باب السلطان، عظم في نفوسهم وتمكنت مهابته في قلوبهم، وعقدوا له البيعة بالسلطنة فيما بينهم، ووثبوا على صاحب بجاية وتونس، واسمه أبو البقاء خالد، وقبضوا عليه، واستقام له الأمر، وتظاهر بشعار السلطنة، ودخل تونس والسناجق المنصورة السلطانية قد نُشرت عليه، فسارع إليه الخاص والعام، وكان ممن طَاعه ابن أبي دبوس، واستوثقت له مملكة إفريقية وبجاية وقسنطينة الهواء وبلاد الراب، وخُطب باسم الملك الناصر في هذه الممالك كلها على المنابر، وذلك في شهر رجب الفرد من هذه السنة.
ومنها: أن السلطان رسم بعمارة جامع على شاطئ النيل بمصر، فصرفت مصارفه من خالص ماله، ورتبه برأيه، فجاء غاية في حسن الأوضاع، وكملت عمارته في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة، وولي خطابته بدر الدين بن جماعة، ورتب به جماعة من الصوفية وجعل شيخهم قوام الدين الشيرازي، وهو الجامع المعروف بالجامع الجديد
(2)
.
وقال فيه بعض أهل العصر من قصيدة منها:
وجعلت شكران التمكّن جامعًا
…
قد وقَّرت من أجله لك أسهُمُ
جاريت فيه النيل نيلا فاغتدى
…
يجري ليدرك ما يجود وينعم
(1)
ينظر ما سبق.
(2)
ينظر السلوك 2/ 114، وينظر المواعظ والاعتبار المجلد الرابع 250.
عَوَّضته بالتبن تبرًا فاغتدى
…
[قوتُ]
(1)
القلوب به ونعم المغنم
ومنها: أن خربندا جدد جسرًا لبغداد، وبنى جامعًا أنفق عليه ألف ألف درهم.
وقال ابن كثير: من الحوادث في هذه السنة: أن في يوم الاثنين العشرين من جُمادي الأولى جلس الناصر بدار العدل لكشف المظالم ومعه القضاة الأربعة، واستمر كذلك إلى وقتنا، وكان قبل ذلك يتولاه الأمراء
(2)
.
وفيها بلغ النيل إلى [ .... ]
(3)
.
وفيها حج بالناس سيف الدين بكتمر السلحدار الأبو بكري بالركب المصري، وحج بالركب الشامي سيف الدين ألطنبعا الجمدار.
(1)
قلوت: في الأصل.
(2)
لم يرد هذا النص في المطبوع من البداية والنهاية في حوادث سنوات 711، 712، 713.
(3)
بياض في الأصل نحو نصف سطر، وورد: الماء القديم ذراعان وثلاث أصابع، مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وإحدى وعشرون إصبعًا: في النجوم الزاهرة 9/ 223.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
• الشيخ الرئيس بدر الدين محمد
(1)
ابن رئيس الأطباء أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاري، من سلالة سعد بن مُعاذ، رضي الله عنه، السويدي، من سويداء [حَوْران]
(2)
.
سمع الحديث، وبرع في الطب.
مات في ربيع الأول
(3)
ببستانه، بقرب الشبلية
(4)
، عن سبعين سنة
(5)
.
• الشيخ الصالح الزاهد أبو البركات شعبان
(6)
بن أبي بكر
(7)
بن عمر الأربلي، شيخ مقصورة الحلبيين بجامع دمشق.
توفي في التاسع والعشرين من رجب، ودُفن بمقابر الصوفية، عند ضريح الشيخ محمد الجرديكي، وله سبع وثمانون سنة.
رَوى عن: الرشيد العطار، والحافظ عبد الغنى، والضياء، والشارعى، والنجيب عبد اللطيف، وابن عبد الدايم، وآخرين.
خرج من إربل صبيًا، ونشأ بحلب، ثم رحل إلى القاهرة، فأقام بها مدة.
(1)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 17 رقم 18، البداية والنهاية 18/ 116، أعيان العصر 4/ 213 رقم 1431، الدرر الكامنة 3/ 380 رقم 3305، الدارس 1/ 536.
(2)
سويداء حوران: قرية من نواحي دمشق، معجم البلدان.
(3)
يوم الجمعة ثامن عشر شهر ربيع الآخر: في تاريخ البرزالي، وأعيان العصر.
(4)
المدرسة الشبلية البرانية الحسامية بدمشق: بسفح جبل قاسيون، بالقرب من جسر ثوري، ينظر الدارس 1/ 530، وما بعدها، خطط الشام 6/ 93 - 94.
(5)
ومولده تقريبًا سنة خمسة وثلاثين وستمائة: في أعيان العصر 4/ 213.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 33 رقم 53، البداية والنهاية 18/ 116، الوافي بالوفيات 6/ 152 رقم 176، أعيان العصر 2/ 519 رقم 770، الدرر الكامنة 2/ 287 رقم 1935.
(7)
بن أبي بكر محمد: في البداية والنهاية.
• الشيخ الكاتب الصدر المجود المنشئ الشيخ شرف الدين محمد
(1)
بن شريف بن يوسف الزرعي، المعروف بابن الوحيد.
كان حسن الخط، موصوفًا بحسنه، فاضلًا مقدامًا شجاعًا، يعرف عدة ألسن، خدم بديوان الإنشاء بالقاهرة، وكتب للبرواناه
(2)
بالروم، وآخر الأمر كتب للشجاعي
(3)
وحظي عنده، ثم تعطل بعد ذلك، وتنزل صوفيًا بخانقاه سعيد السعداء.
وكان يحل المترجم، فلما كان في سنة إحدى وسبعمائة قدم رسل التتار من عند قازان ومعهم كتاب قازان، فلم يكن في الموقعين من يحله، فَطُلب من الخانقاه فحله وكتب جوابه، فرتبوه بديوان الإنشاء، فخدم به إلى أن مات بالقاهرة بالمارستان المنصوري
(4)
يوم الثلاثاء السادس والعشرين
(5)
من شعبان منها، ومولده في شهور سنة سبع وأربعين وستمائة بدمشق.
وله نظم جيد، ومنه:
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 37 رقم 65، البداية والنهاية 18/ 118، الوافي بالوفيات 3/ 150 رقم 1104، أعيان العصر 4/ 466 رقم 1591، فوات الوفيات 3/ 390 رقم 460، تذكرة النبيه 2/ 43، المقفي الكبير 5/ 720 رقم 2347، الدرر الكامنة 4/ 73 رقم 3740، النجوم الزاهرة 9/ 220، المنهل الصافي 10/ 82 رقم 2167.
(2)
هو: سليمان بن علي، الصاحب معين الدين البرواناه، ومعنى البرواناه الحاجب، وكانت الأمور بيده في بلاد الروم، وتوفي سنة 676 هـ/ 1277 م، ينظر الوافي بالوفيات 15/ 407 رقم 556، المنهل الصافي 6/ 43 رقم 1092.
(3)
هو: سنجر، الأمير الكبير علم الدين الشجاعي المنصوري، وزير الديار المصرية، ومشد دواوينها، ونائب السلطنة بدمشق، قتل سنة 693 هـ/ 1294 م، ينظر الوافي بالوفيات 15/ 475 رقم 643، المنهل الصافي 6/ 80 رقم 1117.
(4)
عن المارستان الكبير المنصوري، ينظر المواعظ والاعتبار المجلد الرابع 692 وما بعدها، ووثيقة وقف السلطان قلاوون على البيمارستان المنصوري في نهاية الجزء الأول من كتاب تذكرة النبيه لابن حبيب الحلبي، فهرست وثائق القاهرة مسلسل 15، 298، 299، 301.
(5)
سادس عشر: في البداية والنهاية 18/ 118، السلوك 2/ 113.
يقولون لي من أرغد الناس عيشةً
…
ومن بات على طرق
(1)
المخاوف نائيا
فقلت لبيب عارف قهر الهوى
…
فصار
(2)
بحكم الله والرزق راضيًا
وله
جهد المغفل في الزمان مُضَيَّع
…
وإن ارتضى إسناده
(3)
وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا
…
يدري الطريق فلا يزال مكانه
وله في تفضيل الحشيش على الخمر:
وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها
…
لها وثباتُ في الحشا وثبات
[تؤجج]
(4)
نارًا في الحشا وهي حنة
(5)
…
وتبدى مرير العيش
(6)
وهي نبات
وكان ناصر الدين شافع
(7)
قد وقف على شيء من أدبه فأثنى عليه وشكره، وكان ناصر الدين قد أُضرّ
(8)
، فلما بلغ ابن الوحيد ذلك قال:
(1)
عن سبل: في تذكرة النبيه 2/ 43.
(2)
وصار: في تذكرة النبيه.
(3)
أستاذه: في الوافي بالوفيات 3/ 151، أعيان العصر، المقفي الكبير، المنهل الصافي 10/ 83.
(4)
تأجج: في الأصل، النجوم الزاهرة 9/ 220.
(5)
جنة: في الوافي بالوفيات، أعيان العصر، المقفي الكبير، والمنهل الصافي.
(6)
الطعم: في الوافي بالوفيات، أعيان العصر المقفي الكبير، النجوم الزاهرة، المنهل الصافي.
(7)
هو: شافع بن على بن عباس الكناني العسقلاني المصري، المتوفي سنة 730 هـ/ 1329 م، الوافي بالوفيات 16/ 77 رقم 79، الدرر الكامنة 2/ 281 رقم 1922، المنهل الصافي 6/ 196 رقم 1172.
(8)
اخر: في الأصل، والتصويب من الوافي بالوفيات 3/ 151.
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
(1)
.
فلما بلغ شافعًا قوله كتب إليه:
نعم نظرتُ ولكن لم أجد أدبًا
(2)
…
يا مَنْ غدا واحدا
(3)
في قلة الأدب
عَيَّرتني بعمى أصبحت تذكره
(4)
…
والعيب في الرأس دون العيب في الذنب
• الشيخ ناصر الدين يحيي
(5)
بن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز العثماني، خادم المصحف العثماني بدمشق، نحوا من ثلاثين سنة.
مات بدمشق، وصُلى عليه يوم الجمعة رابع رمضان، ودُفن بمقابر الصوفية وبلغ خمسًا وستين سنة.
• الشيخ الصالح الجليل القدوة أبو عبد الله محمد
(6)
بن الشيخ القدوة إبراهيم بن عبد الله الأرموي.
مات بمكانه بسفح جبل قاسيون في [ليلة]
(7)
الحادي والعشرين من رمضان
(8)
،
(1)
هذه الشطرة من قول المتنبي، ضمنها ابن الوحيد ضمن أربع أبيات كان آخرها
فكدت أنشد لولا نور باطنه
…
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، ينظر الوافي بالوفيات 3/ 152.
(2)
أحدًا: في أعيان العصر، المنهل الصافي 10/ 83.
(3)
غدا واحدا: في فوات الوفيات.
(4)
جازيت مدحي وتقريظي بمعيرة: في الوافي بالوفيات 3/ 152، أعيان العصر، الدرر الكامنة 4/ 75، المنهل الصافي 10/ 83.
(5)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 39 رقم 68، البداية والنهاية 18/ 117.
(6)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 40 رقم 71، البداية والنهاية 18/ 117، أعيان العصر 5/ 215 رقم 1435، المقفي الكبير 5/ 100 رقم 1642، الدرر الكامنة 3/ 373 رقم 3283.
(7)
الليلة: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
(8)
في عاشر شهر رمضان: في أعيان العصر 4/ 216.
وصُلي [عليه]
(1)
بالجامع المظفري
(2)
، ودُفن عند والده، وكانت [جنازته]
(3)
مشهودة.
وكان رجلًا حسنًا، ذا فضيلة وخير وتودد، وكانت شفاعته مقبولة، وكلمته نافذة، ويُكاتب السلطان والنواب فلم ترد ورقته إلا مقضية الشغل، ومولده سنة خمس وأربعين وستمائة.
وله نظم حسن، فمنه:
إذا كنت في قلبي وسمعي وناظري
…
ومجراك مجرى الروح كيف تغيب
فوا عجبي شوقي إلى غير غائب
…
وكل شئون العاشقين عجيب
أتيه على الأكوان عُجْبا وعزمة
…
لأنك لي دون الأنام حبيب
وإنك من قلبي على كل حالة
…
وإن بَعُدَت منَّا الديارُ قريب
ولو أن داع منك يدعو وأعظُمي
…
بقايا من الأحداث كنَّ تجيب
ويطربني ذكراك مر بمسمعي
…
وكل فتى يهوى الجمال طرُوب
فترتاح أرواح هناك صبابةً
…
ويخشع من ذكراك ثم قلوب
ويمرضني فرطُ اشتياقي إليكم
…
فأشكو إليكم عِلَّتى فأطيب
وما ساءني مَنْ صدّ عَنّي أو جَفَا
…
إذا كان لي في الحب منك نصيب
أنوح كما ناح الحمام وليس لي
…
أنيس سواه في الدجى ونسيب
(1)
إضافة للتوضيح من تاريخ البرزالي.
(2)
الجامع المظفري: هو جامع الحنابلة في الجبل، أنشأه ابن قدامة المقدسي، وأتمه الملك المظفر كوكبري صاحب إربل، خطط الشام 6/ 62.
(3)
صارية: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.
يهاب اقتحام الحب قلبي فينثني
…
ويغلبه فرط الجوى فيؤوب
تجول به أيدي الغرام كأنها
…
لهن بجنات القلوب دبيب
وقال:
ماس عجبا منه القضيب علينا
…
فحيانا من كل معنى كريم
لا عجيب أن ماس عُجْبا وتيها
…
من تربى بين الندى والنسيم
وكان قد خانه بصره قبل موته بقليل، فقال:
خاننى ناظري وهذا دليل
…
أن حَيْنِي دَنَا وآن رحيل
هكذا الركب إن أراد رحيلا
…
جعلوا النور تابعا للدليل
وقال:
لله أيام الربيع وطيبها
…
وتفاخر الأطيار في الألحان
والورد يشرق في الغصون كأنه
…
ماء الحياء فوجنة الخجلان
والغصن يثنيه النسيم كما ثني
…
سكر الشمول شمائل النشوان
والماء يمشي في الرياض كما مشت
…
سِنَة الرقاد بمقلة الوسنان
وقال:
حديقة إذا نبَّهتها الصِّبا
…
لم يبق منها مقلة غافية
وَشى بطيب العُرف نَمَّامُها
…
لما أتَته الأعين الصافية
وقال:
يا طيب ما جاء النسيمُ فعُرْفكم
…
وحديثه عنكم حديث مُرْسل
حَمَّلْتُه مني السلام عليكم
…
فأطاعني لكنه يتعلل
(1)
• الصاحب الكبير الوزير فخر الدين عمر
(2)
بن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن "الحسن بن الحسين"
(3)
الخليلي التميمي الداري.
مات بمصر، ودُفن بالقرافة الصغرى، وكان موته يوم عيد الفطر، ومولده سنة أربعين
(4)
وستمائة.
تولى الوزارة في أول دولة السعيد بن الملك الظاهر
(5)
، ثم تولى وزارة الملك العادل كتبغا، وكذلك تولى في أول دولة الملك المنصور لاجين، ثم تولى في أول دولة الملك الناصر، ثم عُزل ومات معزولًا.
وقد سمع الحديث، وكان خيرًا، عاقلا كافيا، عنده كرم زائد، وفيه بر وصدقة وتودد لأصحابه.
• القاضي العلامة الحافظ سعد الدين مسعود
(6)
بن أحمد بن مسعود بن [زيد]
(7)
(1)
تنظر أشعار أخرى في أعيان العصر 4/ 217 - 220.
(2)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 44 رقم 79، البداية والنهاية 18/ 118، الدرر الكامنة 3/ 246 رقم 3019، الوافي بالوفيات 22/ 514 رقم 364، أعيان العصر 3/ 635 رقم 1274، السلوك 2/ 113، النجوم الزاهرة 9/ 220، المنهل الصافي 8/ 296 رقم 1743.
(3)
الحسين بن الحسن: في الدرر الكامنة 3/ 246.
(4)
ومولده سنة تسع وثلاثين وستمائة: في تاريخ البرزالي، وورد: توفي عن 72 سنة: في أعيان العصر.
(5)
هو محمد بن بيبرس، الملك السعيد بركة خان المتوفي سنة 678 هـ/ 1279 م، المنهل الصافي 9/ 336 رقم 2100.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 52 رقم 98، نهاية الأرب 32/ 193، الوافي بالوفيات 25/ 537 رقم 344، مرآة الجنان 4/ 251، تذكرة النبيه 2/ 40، البداية والنهاية 18/ 119، أعيان العصر 5/ 416 رقم 1853، السلوك 2/ 113، الدرر الكامنة 5/ 116 رقم 4807، النجوم الزاهرة 9/ 221.
(7)
يزيد: في الأصل، والتصويب من مصادر الترجمة.
الحارثي
(1)
الحنبلي.
مات بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، ودُفن بالقرافة، وكان من أعيان العلماء والمحدثين.
نشأ
(2)
في العلم، واشتغل في الحديث، وقرأ الكثير بنفسه، ورحل إلى دمشق وإلى الإسكندرية، وحَج غير مرة، وسمع المشايخ، وخَرَّج لنفسه ولجماعة من شيوخه.
تولَّى مشيخة الحديث بالجامع الحاكمي، وتدريس الفقه بجامع ابن طولون، ثم وَلي قضاء الديار المصرية مدة سنتين ونصفًا.
وكان موته في الرابع والعشرين
(3)
من ذي الحجة، رحمه الله، وتولى بعده تقي الدين
(4)
بن بنت القاضي شمس الدين الحنبلي، وكان جده المذكور قاضيًا من قبل.
قال ابن كثير رحمه الله: وكانت له [يد]
(5)
طولى في الأسانيد والمتون، وشرح قطعة من سنن أبي داود، رحمه الله.
• القاضي مجد الدين أبو الفرج عيسى
(6)
بن عمر بن عبد المحسن ابن الخشاب، وكيل بيت المال.
كان فقيهًا فاضلًا، عالمًا ورعًا، شافعيًا، مات في ثامن ربيع الأول، ودفن بتربته بالقرافة.
(1)
نسبة إلى الحارثية: قرية قريبة من بغداد، ينظر الوافي بالوفيات 25/ 537.
(2)
ولد سنة 652 هـ: في الوافي بالوفيات 25/ 537.
(3)
رابع عشر: في أعيان العصر 5/ 417.
(4)
هو: أحمد بن عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسي، تقي الدين، توفي بعد سنة 738 هـ/ 1337 م، البداية والنهاية 18/ 121، الدرر الكامنة 1/ 239 رقم 580.
وورد: وخلفه في الفقه ولده الإمام شمس الدين عبد الرحمن: في أعيان العصر.
(5)
إضافة للتوضيح من البداية والنهاية 18/ 119.
(6)
وله أيضًا ترجمة في نهاية الأرب 32/ 193، تاريخ البرزالي 4/ 15 رقم 15، أعيان العصر 3/ 718 رقم 1314، تذكرة النبيه 3/ 40، السلوك 2/ 113، الدرر الكامنة 3/ 285 رقم 3121.
• الحكيم الفاضل شرف الدين عبد لله
(1)
بن شهاب الدين أحمد بن أبي الحوافر.
توفي ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال، ودفن بالقرافة الصغرى. وكان دينًا فاضلًا حسن الأخلاق.
• القاضي تاج الدين عبد الرحمن
(2)
، المعروف بالتاج الطويل، ناظر الدواوين بالديار المصرية.
مات في الثاني والعشرين من ذي القعدة، ودُفن بالقرافة.
وهو الذي راك الإقطاعات
(3)
في الأيام المنصورية الحُسامية، كان من أخبر الناس بصناعة الحساب وتنفيذ الأشغال، وعنده مروءة وعصبية وبر ومعروف، وكان من مسالمة القبط، وانتهى إليه علم الكتابة الديوانية في زمانه.
• الشيخ الصالح محمد
(4)
العُريان.
مات بظاهر القاهرة في رجب
(5)
، وكان يلبس سراويل، وعلى رأسه طاقية بلا عمامة، وباق جسده مكشوف، ومع أحد أصحابه حصيرة صغيرة يبسطها تحته حيث قعد، ويصلى عليها.
وكان لأهل الديار المصرية فيه اعتقاد عظيم، سافر إلى دمشق سنة شقحب
(6)
، وعاد إلى مصر، وكانت له زاوية بالروضة خارج القاهرة.
(1)
وله أيضًا ترجمة في نهاية الأرب 32/ 194، تاريخ البرزالي 4/ 45 رقم 84، السلوك 2/ 113، الدرر الكامنة 2/ 349 رقم 2111.
(2)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 194، تاريخ البرزالي 4/ 49 رقم 94، وينظر السلوك 1/ 842 وما بعدها، 2/ 114.
(3)
ينظر ما سبق بعقد الجمان 3/ 394 وما بعدها.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 195، تاريخ البرزالي 4/ 33 رقم 54، البداية والنهاية 18/ 117، السلوك 2/ 113.
(5)
في الثامن والعشرين من رجب: في تاريخ البرزالي، في ثامن عشر رجب: في السلوك 2/ 113.
(6)
المقصود سنة 702 هـ/ 1302 م، ينظر ما سبق بعقد الجمان 4/ 231.
• الصدر أمين الدين عبد الحق
(1)
بن أبي على بن عمر، المعروف بابن الفارغ
(2)
الحموي.
مات بالقاهرة
(3)
، ودفن بالقرافة، ومولده سنة إحدى وخمسين وستمائة
(4)
.
كان فاضلًا عاقلًا، حسن النظم والترسل، فمن شعره:
دوادار الأمير له دواة
…
كَتلّ الياسمين بغير صوف
ترى قلم الأمر يغوص فيها
…
كغوص حلاوة في حلق صوف
وله:
إلام على جهل الصبا أنت عاكف
…
وَفِيُّ كلما يأتي عليك رقيبُ
وكم توبة في كل يوم وعودة
…
أَمَا تستحي من مثل ذا وتنوبُ
أَمَا لك يا نفسي من الله رادعٌ
…
ولا لك في فعل الجميل نصيب
أَلَم تعلمي أن لا خلود وأنه
…
لمسترفع منك الحساب حسيبُ
• الشيخ فخر الدين إسماعيل
(5)
بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر الدمشقي.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 8 رقم 5، تالى كتاب وفيات الأعيان 125 رقم 196، أعيان العصر 3/ 19 رقم 923، الدرر الكامنة 2/ 445 رقم 2265.
وورد: وبعضهم قال فيه عبد الخالق: ينظر أعيان العصر 3/ 19، 22.
(2)
هكذا بالأصل وأعيان العصر، ووردت: الفارع: في تاريخ البرزالي، البارع: في الدرر الكامنة.
(3)
في الرابع والعشرين من المحرم: في تاريخ البرزالي.
(4)
وستمائة: بهامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(5)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 10 رقم 9، تالى كتاب وفيات الأعيان 37 رقم 54، أعيان العصر 1/ 527 رقم 274، الدرر الكامنة، 1/ 408 رقم 967، النجوم الزاهرة، 9/ 221.
مات بدمشق
(1)
، ودفن بمقابر الباب الصغير، ومولده في سنة سبع
(2)
وعشرين وستمائة.
روى عن جماعة من المشايخ، وكانت نفسه قوية، وعنده شر، وَلِيَ مشارفة الجامع ومشارفة المساجد، رحمه [الله]
(3)
.
• قاضي القضاة عز الدين أبو البركات عبد العزيز
(4)
بن الصدر الكبير الرئيس محى الدين محمد بن القاضي نجم الدين أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي الحنفي، المعروف بابن العديم.
كان قاضي حماة مدة أربعين سنة، ومولده سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة بحلب، مات بحماة في ثاني ربيع الآخر.
• الشيخ العارف الزاهد القدوة شمس الدين محمد
(5)
بن أحمد بن نصر الدُّباهي.
مات بدمشق
(6)
، ودُفن بسفح قاسيون.
وكان شيخًا صالحًا، وله كلام حسن في التصوف، مولده سنة ست وثلاثين وستمائة [ببغداد]
(7)
وفارق والده وجاور بمكة مدة، ولم يزل على قدم الخير والصلاح، وكان والده من أكابر التجار وأصحاب الأموال.
(1)
يوم الاثنين العاشر من صفر: في تاريخ البرزالي.
(2)
ولد سنة 629 هـ: في أعيان العصر، الدرر الكامنة.
(3)
إضافة لاستكمال النص.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 16 رقم 16، أعيان العصر 3/ 105 رقم 993، أعلام النبلاء 4/ 542، تذكرة النبيه 2/ 41، الدرر الكامنة 2/ 492 رقم 2444.
(5)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 18 رقم 20، مرآه الجنان 4/ 25، الوافي بالوفيات 2/ 143 رقم 499، المقفي الكبير 5/ 286 رقم 1859، الدرر الكامنة 3/ 465 رقم 3515.
(6)
يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر: في تاريخ البرزالي.
(7)
إضافة للتوضيح من المقفي الكبير 5/ 286.
• الشيخ الإمام الزاهد العارف عماد الدين أبو العباس أحمد
(1)
بن الشيخ القدوة إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطى، المعروف بابن شيخ الحزاميين.
مات بالمارستان الصغير بدمشق، ودفن بقاسيون قُبالة زاوية السيوفي.
وكان رجلًا فاضلًا صالحًا ورعًا، منقطعًا إلى الله تعالى، ومولده في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة، وكانت وفاته في السادس والعشرين من ربيع الآخر.
اختصر سيرة النبي عليه السلام، وله مصنفات عدة
(2)
، وشعر، فمنه قوله:
كيف السلو ومالى عنك عوض
…
وكل شيء سوى حُبّى لكم عَرَضُ
تفنى الليالي وناري غير خامدة
…
وَوُدكم حَشْو قلبي ليس ينقرض
• الفقيه الخطيب جلال الدين محمد
(3)
بن الشيخ سعد الدين محمد بن محمود الحنفي البخاري.
مات بدمشق في العشرين
(4)
من جُمادى الآخرة، ودُفن بمقابر الصوفية.
كان شابًا حسنًا ظريفًا، حسن الأخلاق، وكان خطيب المدرسة الزنجيلية
(5)
ظاهر دمشق، وكان حسن الصوت والصورة، ولى تدريس الفروخشاهية
(6)
وانتزعت
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 19 رقم 21، الوافي بالوفيات 6/ 221 رقم 2689، فوات الوفيات 1/ 356 رقم 22، أعيان العصر 1/ 153 رقم 66، الدرر الكامنة، 1/ 96 رقم 240، المنهل الصافي 1/ 210 رقم 107.
(2)
صنف في السلوك والمحبة، وشرح منازل السائرين، واختصر السيرة لابن إسحاق، ودلائل النبوة: في المنهل الصافي 1/ 211، وينظر هدية العارفين 1/ 452 - 453.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 29 رقم 43.
(4)
يوم الأربعاء الحادي والعشرين: في تاريخ البرزالي.
(5)
المدرسة الزنجيلية بدمشق = المدرسة الزنجارية، خارج باب توما وباب السلامة، تنسب إلى فخر الدين عثمان بن علي الزنجيلي، نائب عدن، المتوفي سنة 626 هـ/ 1228 م، ينظر الدارس 1/ 526 وما بعدها.
(6)
المدرسة الفروخشاهية بدمشق: تنسب إلى عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك ونائب دمشق لعمه صلاح الدين، والمتوفي سنة 578 هـ/ 1182 م، ينظر الدارس 1/ 561 وما بعدها.
منه لما مرض وطالت مرضته.
ومولده
(1)
في سنة تسع وسبعين وستمائة بقونية من بلاد الروم.
• الشيخ مجد الدين يحيى
(2)
بن خضير بن سليمان بن بدر بن كامل السلمي البصروي.
كان شاعرًا مفوهًا، له قدرة على النظم، وله معرفة بالنحو واللغة وأيام الناس، وكان يعمل الحياكة في بيته.
ومن شعره في مليح أرمد:
لما بدا وعلى عينيه من رمد شعرية
…
ما لها شبهٌ سوى الغَسق
حسبته البدر فوق الغصن يستره
…
غيم وقد كَحَّلته الشمس بالشفق
• الشيخ الإمام العالم [جمال الدين أبو الفضل محمد
(3)
بن]
(4)
جلال الدين [أبي العز المكرّم]
(5)
بن على بن أحمد بن أبي القاسم الأنصاري الخزرجي، الأفريقي الأصل، أحد كتاب الإنشاء.
مات بداره بالقاهرة، ودُفن بالقرافة، في الحادي عشر من شعبانُ
(6)
، ومولده
(7)
سنة ثلاثين وستمائة، روى عن المقير، وابن النخيلى، وابن الصابوني، وتفرد بأشياء من مسموعاته، وانتفع به الطلبة، وكان فاضلًا، وله معرفة بالنحو واللغة والتاريخ
(1)
في رابع ذي القعدة: في تاريخ البرزالي 4/ 29.
(2)
لم نعثر له على ترجمة في المصادر المتداولة.
(3)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 36 رقم 63، نهاية الأرب 32/ 193، الوافي بالوفيات 5/ 54 رقم 2044، فوات الوفيات 4/ 39 رقم 496، السلوك 2/ 114، الدرر الكامنة 5/ 31 رقم 4588، المنهل الصافي 11/ 126 رقم 2424.
(4)
إضافة من تاريخ البرزالي.
(5)
الكرم: في الأصل والتصويب والإضافة من مصادر الترجمة.
(6)
في ثالث عشري المحرم: في السلوك 2/ 114.
(7)
ومولده: مكرر في الأصل، في نهاية 377، وبداية 378.
بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة والإنشاء، وله نظم، فمن قوله، على ما قيل:
بالله إن جُزْت بوادى الأراك
…
وقَبَّلَت أغصانُه
(1)
الخضرَ فاك
فابعث
(2)
إلى المملوك
(3)
من بعضها
(4)
…
فإنني والله مالى سِوَاك
• الشيخ الصالح الزاهد القدوة شرف الدين عبد الكريم
(5)
ابن الشيخ نجم الدين أبي الفرج
(6)
بن الحكيم الحموي، الشافعي.
مات بحماة
(7)
، ودُفن بتربته بعقبة تقيرين.
كان شيخًا حسنًا دَرَّس بالمدرسة الحميريَّة ولم يزل مدرسًا إلى حين وفاته، وباشر حسبة حماة مدة، وكان يُعرف بالمحتسب في حياة والده، وكانت له رواية حسنة، ويقصده الفقراء والوزراء، ويجدون عنده الراحة والتفضل، والأوقات الطيبة والسماعات.
• الشيخ الإمام العالم الخطيب شمس الدين محمد
(8)
بن يوسف بن عبد الله الجزرى الشافعي، خطيب جامع ابن طولون.
(1)
عيدانه: في الوافي بالوفيات 5/ 56.
(2)
ابعث: في الوافي بالوفيات، المنهل الصافي 11/ 127.
(3)
عبدك: في الدرر الكامنة 5/ 33.
(4)
من بعضه: في الوافي بالوفيات، فوات الوفيات 4/ 39.
(5)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 44 رقم 80، الدرر الكامنة 3/ 15 رقم 2488.
(6)
نجم الدين بن أبي الفرج: في الأصل، والتصويب من مصادر الترجمة.
(7)
يوم الخميس ثامن من شوال: في تاريخ البرزالي.
(8)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 53 رقم 100، أعيان العصر 5/ 318 رقم 1825، المقفي الكبير 7/ 498 رقم 3590، السلوك 2/ 114، الدرر الكامنة 5/ 67 رقم 4691، النجوم الزاهرة 9/ 221.
مات بالمدرسة المعزية
(1)
بمصر، ودفن من الغد في أوائل ذي الحجة
(2)
بالقرافة، ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة بالجزيرة
(3)
.
وعُرض عليه قضاء دمشق فلم يقبل، ومات وهو خطيب جامع ابن طولون ومدرس المعزية.
وله نظم، فمنه قوله:
رأوا حمرة في عينيه فتعجبوا لنرجسه
…
إذا عاد في لون ورده
إذا هو أَعْدَى خصرَه سُقمُ جفَنِه
…
فلا غَروَ أن أَعْدتَهْ حمرةُ خَدِّه
وله:
وحقك ما خَلَّى اشتياقى ولا أَبقى
…
سوى عبرَة تَنْهل أو نَفَس يَرْقى
ولي كلما هبت صبَا منك صَبْوة
…
تعلم من لم يدر كيف الهوى العشقا
سأودعها إن راجعت من تأوهي
…
ومن زفراتي بَعْدك الرعد والبرقا
وامطر في أثنائها دارة الحمى
…
مدامع تغنيها لذي المجد أن تُسْقَى
(4)
(1)
المدرسة المعزية بالفسطاط: تقع على شاطئ نيل الفسطاط، بناها السلطان الملك المعز أيبك سنة 654 هـ/ 1256 م، برحبة دار الملك، والتى عرفت فيما بعد برحبة الحناء، ينظر المواعظ والاعتبار المجلد الثالث 551، الانتصار 4/ 92.
(2)
توفي سادس ذي القعدة: في أعيان العصر.
(3)
ومولده في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة بالإسكندرية: في تاريخ البرزالي 4/ 53.
وورد: ومولده بجزيرة ابن عمر: في المقفي الكبير 7/ 498.
(4)
تنظر أشعار أخرى في أعيان العصر 5/ 320 - 321.
• الأديب الفاضل سراج الدين عمر
(1)
بن مسعود الحلبي، المعروف بالمَحَّار.
كان أولًا صانعا يمحر في الكتان، ثم اشتغل بالأدب وفاق فيه، واتصل بخدمة الملك المنصور
(2)
صاحب حماة فقرر له جامكية ورتب له راتبًا، واستمر على ذلك إلى حين [توفي]
(3)
بدمشق في هذه السنة
(4)
.
وله نظم رائق لطيف، وموشحات مليحة فائقة، فاق فيها على المغاربة، وكذلك في الأزجال فمن نظمه قصيدته الفائقة التي أولها:
ما بث شكواه لولا مَسَّه الألم
…
ولا تأوّه لولا شَفَّه السَّقَمُ
ولا توهم أن الدمع مُهْجتُه
…
أذابها الشوق حتى سال وهو دم
صَبُّ له مدمعُ صَبٌ يُكَفْكِفُه
(5)
…
فَتَسْتَهِلُّ غَواديه فينسجم
(6)
فطرفه بمياه الدمع في غرقٍ
…
وقلبه بلهيب الشوق يضطرم
أراد إخفاء ما يلقاه من كمدٍ
…
حتى لقد عاد بالسلوان يُتهمُ
(1)
وله أيضًا ترجمة في: فوات الوفيات 3/ 146 رقم 380، أعيان العصر 3/ 662 رقم 1300، الدرر الكامنة 3/ 270 رقم 3090، النجوم الزاهرة 9/ 221، المنهل الصافى 8/ 324 رقم 1767.
(2)
هو محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن شاذي بن أيوب، الملك المنصور، المتوفى سنة 682 هـ/ 1283 م، ينظر عقد الجمان 2/ 314.
(3)
إضافة للتوضيح.
(4)
مات سنة 711 هـ أو 712 هـ: في الدرر الكامنة 3/ 271.
(5)
يكفكهـ: في فوات الوفيات 3/ 148.
(6)
وتنسجم: في فوات الوفيات 3/ 148.
يُبدى التجلّد والأجفانُ تفضحه
…
كالبرق يبكى
(1)
الغوادي وهو ينقسم
(2)
سَقَته أيدى النوى كأسا مُدغدغة
(3)
…
فما نداماه إلا الحزن والندم
يُمسي ويصبح لا صبرٌ ولا جلدُ
…
ولا قرارٌ ولا طَيف ولا حُلُمُ
ولم يؤمل إلماما بجيرته
…
لكان
(4)
يعتاده مما به لَمم
قالوا
(5)
الوشاة تَسَلَّى عن أحبته
(6)
…
يا ويحهم جهلوا فوق الذي علموا
توهموا فيه ما ساءت ظنونهم
…
به أَلَا سَاء ما قالوا وما زعموا
أَنَّى يُميل إلى السلوان مكتئبٌ
…
باق على العهد
(7)
والأيام تنصرمُ
قضى بحبهم عصر الشباب وما
…
خان الوداد وهذا الشيب والهرم
أنا المقيم على ما يرتضون به
…
مُصْغ إذا نطقوا راضٍ بما حكموا
متى دعاني هواهم جئت معتذرًا
…
أسعى على الرأس إن لم يسعد
(8)
القدمُ
كم قلت والقلب مني خائف وجل
…
بين الرجاء وبين الخوف ينقسمُ
يا قلب لا تيأس القرب رُبَّ غدٍ
…
تسخو بقربهم الدنيا ونلتئم
ويصبح الخوف أمنا والصدود رضى
…
والبعد قربًا وتدنوا دارهم وهُمُ
(1)
تبكي: في فوات الوفيات.
(2)
يبتسم: في فوات الوفيات.
(3)
مدعدعة: في فوات الوفيات.
(4)
لكاد: في فوات الوفيات 3/ 149.
(5)
قال: في فوات الوفيات.
(6)
محبتهم: في فوات الوفيات.
(7)
الود: في فوات الوفيات.
(8)
هكذا في الأصل، ولعلها: إن لم يسعف.
ويسعفونك بالحسنى فعندهم
…
مكارم ولهم حسن الوفاء شيمُ
يعزى الجمال إليهم والجميل كما
…
إلى المظفر يُعْزى الجود والكرم
وكتب إلى صاحب له:
عهدناك تحفظ منا العهودا
…
فعلمك الدهر هذا الصدودا
وقد كنت خِلا ودودًا لنا
…
فصَيَّرك الدهر خَلَّا ودودا
وقال:
لما تَألَّق بَارقٌ من ثَغْره
…
جادت جُفُوني بالسَّحابِ الممطر
فكأن عقد الدر
(1)
حُلَّ قلائد الـ
…
عقيان منه علي صحاح الجوهري
وقال:
رأيته في المنام معتنقي
…
يا ليت ما في المنام لو كانا
ثم انثنى معرضًا فوا عجبي
(2)
…
يهجرني نائمًا ويقظانا
ومن موشحاته قوله:
ما ناحَت الوُرْقُ في الغصون إلا
…
هاجت على، تغريدها لوعةَ الحزين
هل ما مضى لي من
(3)
الحبايب
…
آيب، بعد الصدود
(1)
عقد الدمع: في النجوم الزاهرة 9/ 221، المنهل الصافي 8/ 326.
(2)
فوا عجبا: في المنهل الصافي 8/ 326.
(3)
مع: في النجوم الزاهرة 9/ 222.
[أو هل لأياما الذَّوَاهب
…
واهب، بأن تعود
بكل مصقولة الترائب
…
كاعب، هيفاء رُود]
(1)
تَفْتَر عن جَوْهرٍ ثمين، جَلّا
…
أن يُجْتلى، يُحمى بقضيب
(2)
من الجفون
وأهيف
(3)
ناعم الشمائل
…
مائل، في بُرْدِه
في مُهَج العاشقين منه عامل
(4)
…
عامل من قَدِّه
يسطو بسيف من المقاتل
(5)
…
قاتل، في غِمْدِه
أسْطى من الأُسْد في العرين، فِعْلا
…
وقَتْلا
(6)
، لعاشقيه من المَنُون
علقته كامل المعاني
…
عانَى، قلبي به
مُبَلْبَلُ البال قد
(7)
جفاني
…
فإني، في حبه
كم بِتُّ من
(8)
حيث لا يراني
…
رَآني، لقُرْبِه
وبات من صُدْغِه يُربني، نملا
…
يَسعَى إلى، رضابه العاطر المصون
قاسوه بالبدر وهو أحلى
…
شكلًا، من القمر
(1)
إضافة من النجوم الزاهرة، المنهل الصافي.
(2)
بغضب: في المنهل الصافي، بقضب: في النجوم الزاهرة 9/ 222.
(3)
أحببته: في المنهل الصافي، والنجوم الزاهرة.
(4)
في أنفس العاشقين عامل: في المنهل الصافي، النجوم الزاهرة 9/ 222.
(5)
يرنو بطرف إلى المقاتل: في المنهل الصافي، النجوم الزاهرة.
(6)
وا قتالا: في المنهل الصافي، وأقتلا: في، النجوم الزاهرة.
(7)
مذ: في المنهل الصافي، النجوم الزاهرة.
(8)
من: سقط من المنهل الصافي.
وراش
(1)
هُدْبَ الجفون نبلا
…
أبلَى، بها البشر
وقال لي وهو
(2)
قد تَجَلَّى
…
جَلّا، بارئ الصّور
ينتصف البدرُ في
(3)
جبيني أصلًا
…
فقلت لا، قال ولا السحر من عيوني
بتنا وقد نال
(4)
ما تمنى
…
منا، طيف
(5)
الوسن
نفض
(6)
من فرحه لَدنا
…
دَنَا، [تنفي الحزن
وكلما مال أو تثنى غنى]
(7)
…
صوتا حسن
لا تستمع في الهوى المصون عَذْلا
…
وانهض إلَىّ، راح تقي سورة الشجوني
(8)
قال في الملك المنصور صاحب حماة:
جسمي ذَوَى بالكمد، والسهر
…
والوصب، من جانِ
ذي شنب كالبرد، كالدرر،
…
كالحَبَبَ، جُمانِ
بي غصن بان نضر،
…
يسبيك منه الهيفُ
يرتع فيه النظر،
…
فزهره يقتطف
الخدُّ منه خفر،
…
والجسم منه ترف
(1)
فراش: في المنهل الصافي.
(2)
وهو: سقط في النجوم الزاهرة.
(3)
من: في المنهل الصافي، النجوم الزاهرة.
(4)
وما نال: في المنهل الصافى.
(5)
طيب: في المنهل الصافي.
(6)
يغض: في المنهل الصافي.
(7)
إضافة من المنهل الصافي.
(8)
ينظر ما ورد من هذه الموشحة في كل من المنهل الصافي 8/ 326، النجوم الزاهرة 9/ 222.
[قد جاءنا يعتذر
…
عذارُه المنعطف]
(1)
ثم التوى كالزَّرّدِ معبقري
…
معقربي ريحانى
في مُذْهَبٍ مُوَرَّدٍ مدَنَّرٍ
…
مُكَتِّب سَوْسَانِ
ظبى له مرتشف،
…
كالسلسبيل الباردِ
غصن نقا ينعطف،
…
من لين قَدٍّ مائد
بدر علاه سدف،
…
من ليل شَغرٍ وارد
مُقرطق مشنف
…
يختال في القلائد
بين اللوى وثهمد كجؤذر
…
في ربرب، غَزْلان
في
(2)
كثب ذي جيد، ذي حورٍ
…
ذي هدب وسنان
أمَا وحلى جيده
…
ورنة الخلاخل
والضَّمُّ من بروده،
…
قَدُّ قضيبٌ مائل
والورد في
(3)
خدوده،
…
إذ نَمَّ في الغلائل
لا كنت في
(4)
صدوده،
…
مستمعا
(5)
لعاذِل
نار الجوى لا تخمدي،
…
واستعرى، وكذِّبى، سلواني
(1)
إضافة من أعيان العصر 3/ 668 لاستكمال المعنى.
(2)
من: في أعيان العصر 3/ 668.
(3)
من: في أعيان العصر.
(4)
من: في أعيان العصر.
(5)
متصلًا: في أعيان العصر.
وانسكبي، واطردي، وانهمري
…
كالسحب، أجفاني
مولاي جفني ساهر،
…
مؤرقُ كما ترى
فلا خيال زائر،
…
يَطرُقني ولا كرى
إني عليك صابر،
…
فما جزاءُ مَنْ صَبِرا
إن سَحَّ دمعي الهامرُ
…
فلا تلمه إن جَرى
وجال
(1)
الهوى في خلدى، ومضمرى
…
أضرَّ بي، كتمانى
مؤنبتي اتئدي لا تفتري،
…
وجنِّبي
(2)
عن عان
ان صال بالهجر
(3)
وصَدَ
…
رحت بصيري محتَدِ
(4)
عنه وإن طال الأمَدْ
…
إلى ذُرَى محمدِ
وكيف يخشى من قصَدْ
…
ملكا كريم محتَدِ
(5)
الملك
(6)
المنصور قد
…
سما سَمى السؤدَدِ
(7)
ثم استوى بأجرد
…
ومضمر مقتضب
(8)
، يماني
(1)
جال: في أعيان العصر.
(2)
مؤنبي اتئد لا تفتر
…
وجنب: في أعيان العصر.
(3)
إن زاد في الهجر: في أعيان العصر.
(4)
مرتدي: في أعيان العصر.
(5)
عظيم المحتد: في أعيان العصر.
(6)
فالملك: في أعيان العصر.
(7)
سما سماء القرقد: في أعيان العصر.
(8)
مضمر ومقتضب: في أعيان العصر.
ذي شُطَبٍ مهنِّدٍ
…
وسَمْهري مضربى
(1)
، مُرّان
ملك علت همّاته
…
من فوق هام المُشْتَرَى
وبخَّلت راحاته
…
سَحّ السَّحاب الممطرِ
وعوَّدت ريَاتُه
…
بمحكِّمات السُّوَرِ
بدرٌ بدت هالاته
…
مثل الصباح المُسْفِر
تحت لواء
(2)
منعقد بالظفر
…
في موكب، فرسانِ
كالشهب في الأسعد، والأقمر
…
في عذب تيجان
يا مالكا دون الوَرَى
…
تخطبه
(3)
الممالكُ
ومالكًا إذا سَرَى
…
تحرسه
(4)
الملائك
بعض عطاك هل تُرَى
…
جادت به البرامك
فاستجلها من عُمرا
…
ثغر سناها ضاحك
لا تُحْتَوى كالشهد، كالسُّكَري،
…
كالضرب، معاني
كالسحب كالعسجدِ، كالجوهرِ
…
من حَلَبي، كتاني
(5)
(1)
مضطرب: في أعيان العصر.
(2)
لوى: في أعيان العصر.
(3)
تخبطه: في أعيان العصر.
(4)
تحجبه: في أعيان العصر.
(5)
ينظر فوات الوفيات 3/ 149 - 150، أعيان العصر 3/ 667 - 339.
وله:
ظهرت دلائل حُسنه في خده
…
ورد جني تحت آس أخضري
طلب انتظار أطرافه في قتلتى
…
وبغير كسر جفونه لم ينصري
وله:
تختال مثل قضيب
…
يميس بين الحدائق
تركيةٌ أوقفتني
…
جفونها في مضايق
• الأمير بدر الدين بكتوت
(1)
، الذي كان متولى ثغر الإسكندرية
(2)
.
توفي معزولًا في ثاني عشر
(3)
رجب بالقاهرة، بعد أن نُكب وصودر.
• الأمير شمس الدين سنقر
(4)
جاه الظاهري.
توفى فيها
(5)
بدمشق.
• الأمير شجاع الدين يونس
(6)
النقيب بعسكر الشام.
توفي
(7)
في هذه السنة
(8)
.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 33 رقم 55، نهاية الأرب 32/ 195، تذكرة النبيه 2/ 40، البداية والنهاية 18/ 117، السلوك 2/ 111، الدرر الكامنة 2/ 22 رقم 1316، النجوم الزاهرة 9/ 217.
(2)
بكتوت الخازندار، ثم أمير شكار، ثم نائب السلطنة بثغر الإسكندرية: في النجوم الزاهرة 9/ 217.
(3)
في ثامن عشرين: في نهاية الأرب 32/ 195، ثامن عشر: في السلوك 2/ 113.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 50 رقم 95، نهاية الأرب 32/ 195، السلوك 2/ 113، الدرر الكامنة 2/ 271 رقم 1894، وورد: سنقر شاه: في تاريخ البرزالي، والدرر الكامنة.
(5)
يوم الاثنين ثاني ذي الحجة: في تاريخ البرزالي، ثامن ذي القعدة: في نهاية الأرب 32/ 195.
(6)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 2/ 44 رقم 28، نهاية الأرب 32/ 195، وفيه: شجاع الدين يوسف.
(7)
في يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى: في تاريخ البرزالي 4/ 22.
(8)
ذكر لي أن مولده سنة 613 هـ بدنيسر: في تاريخ البرزالى 4/ 22.
• الأمير ناصر الدين محمد
(1)
بن عماد الدين حسن بن النشائي.
كان أحد الأمراء الطبلخانات، وهو حاكم البندق، ولي ذلك بعد سيف الدين [بلغاق]
(2)
.
مات بدمشق في العشر الأخير من رمضان.
• الأمير اسندمر
(3)
.
• والأمير بتخاص
(4)
.
توفيا في ذي القعدة في السجن بقلعة الكرك.
• الملك المنصور غازي بن المظفر قرا أرسلان الأرتقي.
مات في هذه السنة، والأصح أنه مات في السنة الآتية على ما نذكره إن شاء الله تعالى
(5)
.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: البداية والنهاية 18/ 118، الدرر الكامنة 4/ 46 رقم 3653.
(2)
بلقاق: في الأصل.
وهو: بلغاق بن كنجك بن بار تمش الخوارزمي، المتوفي سنة 709 هـ/ 1309 م، ينظر الدرر الكامنة 2/ 28 رقم 1345.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 48 رقم 90، الوافي بالوفيات 9/ 248 رقم 4156، الدرر الكامنة 1/ 414 رقم 988، المنهل الصافي 2/ 443 رقم 465.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 48 رقم 91، الدرر الكامنة 2/ 5 رقم 1276، المنهل الصافي 3/ 237 رقم 640.
(5)
أجمعت المصادر المتداولة على أن وفاة الملك المنصور غازي بن المظفر قرا أرسلان كانت سنة 712 هـ، إلا أن ابن حبيب ذكر: رأيت بخط الشيخ صفي الحلى ما يدل على وفاته سنة إحدى عشرة، ولذا ذكر وفاته في السنتين 711، 712 في كل من درة الأسلاك، وتذكرة النبيه، وقد حذا العيني حذوه فذكر وفاته في السنتين، ينظر ما يلي في وفيات سنة 712 هـ.
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية عشر بعد السبعمائة
(*)
استهلت هذه السنة والخليفة والسلطان هما هما.
ونائب مصر الأمير ركن الدين بيبرس صاحب التاريخ، والوزير أمين الملك.
ونائب الشام الأمير جمال الدين أقوش
(1)
[نائب]
(2)
الكرك.
ونائب حلب الأمير سودى.
ونائب طرابلس الأمير سيف الدين تمر الساقى.
ونائب حمص الأمير بيبرس العلائي.
ونائب صفد الأمير بهادر آص.
ذكر مَنْ وَلِى وظيفة ومَنْ قُطع
وفيها تولى الأمير سيف الدين دنكز
(3)
نيابة الشام، فطلبه السلطان وقال: اذهب إلى دمشق نائبًا وتوص بأهلها، فخرج وسار إلى دمشق، ولما علم أمراء دمشق بقدومه ركبوا إلى ملتقاه، ولم يبق في دمشق كبير ولا صغير حتى خرج للتفرج، وكان يومًا عظيمًا أُشعلت فيه الشموع، ودُقت الطبول، وغَنَّت المغاني، وفرحت الناس فرحا عظيما، ونثروا عليه الدراهم والدنانير.
(*) يوافق أولها 9 مايو 1312 م.
(1)
إلى حين عزل وقُبض عليه، وأُخلع على الأمير سيف الدين تنكز الحسامي الناصري، يوم الجمعة سادس شهر ربيع الآخر بنيابة دمشق: في كنز الدرر 9/ 242 - 243، وينظر ما يلى.
(2)
ونائب: في الأصل والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
دنكز = تنكز، وهو: الأمير تنكز بن عبد الله الحسامي الناصري، المتوفي سنة 741 هـ/ 1340 م، ينظر الوافى بالوفيات 10/ 420 رقم 4926، المنهل الصافى 4/ 156 رقم 797.
وبسطوا تحت [حوافر فرسه]
(1)
شقق الحرير حتى نزل في دار السعادة.
وقُرِئ كتاب السلطان والتقليد على الناس، وطيب قلوبهم، ونادى في البلد بكشف المظالم وإظهار العدل، وفرحت به الدماشقة، وطلب والى المدينة، وكان جمال الدين والى الرحبي، وقال: أقسم بالله العظيم، أن أي من ظهر على [مماليكي]
(2)
وحاشيتي أن أحدًا منهم شرب خمرًا ولم تُعْلمني بذلك وسَّطْتُك في سوق الخيل.
واتفق أنهم أحضروا بين يديه جنديًا يُقال له: عثمان بن صبرة، وقد كان [شاربًا]
(3)
، وخرج فضربه أربعمائة دبوس، فقال له بعض الأمراء: لقد جاوزت الحد، قال: هذا حدي، فمن أراد يشرب فقد عرف الحد، ثم إنه طلب الحجاب والنُّقباء وقال لهم: قولوا للأمراء إن السلطان قد رسم أن من شرب خمرًا ضربه هذا الضرب الذي رأيتموه، فإن كان أميرا أعلم بحاله إلى السلطان، وهم يعرفون من هو، فليحفظوا أرواحهم.
وقال ابن كثير: فوض السلطان نيابة دمشق للأمير دنكز بن عبد الله الناصري، فتوجه إليها ودخلها يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر، وذلك عوضًا عن الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك، وكان السلطان أرسل إليه وطلبه فركب البريدى من ساعته إلى مصر، وتكلم في نيابة الغيبة الأمير قرا لاجين، ولما وصل جمال الدين المذكور إلى مصر قُبض عليه
(4)
. وقال النويري: بلغ السلطان عن جماعة من الأمراء أنهم كانوا متفقين مع قراسنقر والأفرم، فاستدعى أقوش الأشرفي نائب دمشق وأكرمه، ولما قصد العود إلى دمشق بلغه عنه ما كرهه فقبض عليه وعلى جماعة من الأمراء، وهم: سنقر [الكمالي]
(5)
(1)
حوافر سه: في الأصل والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
الماليكي: في الأصل والتصويب يتفق مع السياق.
(3)
ضارب: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق التالى.
(4)
ينظر البداية والنهاية 18/ 122.
(5)
الكمال: في الأصل والتصويب من نهاية الأرب 32/ 199.
الحاجب، وعلاء الدين مغلطاي المسعودي، وشمس الدين الدكز
(1)
الأشرفي، وحسام الدين لاجين الجاشنكير
(2)
، [وشمس الدين]
(3)
باينجار، ولاجين العمري، وركن الدين بيبرس صاحب التاريخ ونائب السلطان
(4)
.
وقال بيبرس في تاريخه: وقُبض عَلَىّ أيضًا عند طلوعنا من الموكب يوم الاثنين الثاني
(5)
من ربيع الآخر، فحُبست بالقلعة نحوا من شهرين، ثم نُقلتُ إلى الكرك
(6)
.
وفي ربيع الآخر أيضًا مُسك بيبرس العلائي نائب حمص، وبيبرس المجنون، وطوغان، وجماعة آخرون من الأمراء
(7)
وسيروا إلى الكرك فاعتُقلوا بها
(8)
.
قلت: قد ذكرنا على مسك بعضهم في السنة الماضية بطريق الاستطراد، ولا يظن أنه مكرر.
وذكر بعض المؤرخين: أن الأمير سودي تولى نيابة حلب في هذه السنة
(9)
، وأنه لما وصل إلى حلب رآها جَافلة والناس في هرج عظيم، وقد هرب أكثر الفلاحين من القرى، فنادى في الناس بالأمان، فسكن روع الناس، وخرج بنفسه من حلب، ودار في حلب، ورآه الفلاحون وهو راكب بالعساكر، فاطمأنت خواطرهم، ثم سار بعسكر حلب، ونزل في مرج دابق وأظهر العدل بين الناس، وكتب إلى سائر القلاع وأعلمهم بقدومه.
(1)
الدكن: في نهاية الأرب 32/ 199.
(2)
المعروف بزيرباج أمير مائة مقدم ألف: في كنز الدرر 9/ 243.
(3)
سيف الدين: في الأصل، والتصويب من نهاية الأرب 32/ 199.
(4)
ينظر نهاية الأرب 32/ 199 حيث ينقل العيني بتصرف.
(5)
ثالث شهر ربيع الآخر: في نهاية الأرب 32/ 199.
(6)
لم يرد هذا الخبر في المطبوع من كل من زبده الفكرة، والتحفة الملوكية.
(7)
ستة في نهار واحد: في البداية والنهاية 18/ 121.
(8)
البداية والنهاية 18/ 121.
(9)
نهاية الأرب 32/ 197.
ذكر تولية أرغون الدوادار نيابة السلطنة بالديار المصرية
قال ابن كثير: وفي يوم الاثنين مستهل جمادى الأولى قُوضت النيابة بمصر للأمير سيف الدين أرغون الدوادار مملوك السلطان، وفوضت نيابة صفد لسيف الدين بلبان طُرْنَا أمير جاندار، عوضا عن الأمير بهادر آص، ورجع بهادر إلى دمشق [أميرًا]
(1)
على عادته
(2)
.
وفي عاشر ربيع الأول باشر الحكم للحنابلة بمصر القاضي تقي الدين أحمد بن [المعز]
(3)
عمر بن عبد الله بن عوض القدسي، وهو ابن بنت الشيخ شمس الدين ابن العماد أول قضاة الحنابلة
(4)
.
ذكر نزول التتار الرحبة وقصدهم أخذ بلاد الشام
وكان السبب [في]
(5)
ذلك سعى الأمراء الذين هربوا من السلطان والتجأوا بخربندا والتتار، وهم: الأفرم، وقراسنقر، والزردكاش، وبلبان الدمشقي، وغيرهم كما ذكرنا فيما مضى مفصلًا
(6)
.
ولما استقر هؤلاء الأمراء هناك، قالت أمراء المغل يومًا من الأيام لخربندا: والله، لقد رَفعت منزلة هؤلاء الذين لو كان فيهم خير لما خامروا على أستاذهم الذي اشترى بعضهم واستخدم بعضهم ورباهم وخولهم في النعم والحكم وصرفهم في بلاده وبين رعاياه، فهذا كان جزاؤه منهم حيث لم يرعوا حقه ولا حفظوا حرمته، فإذا لم يكن لهؤلاء خير
(1)
امرا: في الأصل والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
لم يرد هذا النص في المطبوع من البداية والنهاية.
(3)
العز: في الأصل والتصويب من البداية والنهاية 18/ 121.
(4)
ينظر البداية والنهاية 18/ 121.
(5)
إضافة يقتضيها السياق.
(6)
ينظر ما سبق
للذي فعل معهم هذا الفعل فما يكون لك، وإش يُرْجى منهم الخير؟ فقال لهم خربندا: أخطأتم في هذا المقال، وحملكم الحسد والحقد، وهؤلاء استجاروا بنا والتجأوا إلينا، وليس من المروءة نخيبهم، فيا أمراء، لقد حضرت حكاية عجيبة اسمعوا لها، وهي أن موسى بن عمران عليه السلام كان يومًا من الأيام جالسًا، وإذا بباز قد [طارد]
(1)
حمامة يريد قبضها، فاستجارت بموسى عليه السلام ودخلت تحت ذيله، فأتى الباز وجلس بحذاء موسى عليه السلام، وقال له: يا نبي الله، سلم إلىَّ صيدي وإلا أشكوك غدا إلى الله تعالى عز وجل، فتحير موسى عليه السلام، وقال إن الله تعالى قد قال: من أجار خائفًا كان جزاؤه الجنة، ومن أشبع جائعًا كان جزاؤه الجنة، وقد جاءني جائع وخائف، ورِضَى الواحد منهما هلاك الآخر، فكيف أصنع؟ ثم قال للباز: هل لك أن تتبعنى إلى منزلى لأذبح لك شاة من الغنم تأكل لحمها وتشرب دمها، فقال له: أنا ما آكل إلا مِنْ صَيدي ولا ألتفت إلى غيره، ثم قال موسى للحمامة: هل لك أن تذهبي إلى الباز ليأكلك وأضمن لك على الله عز وجل الجنة، فقالت الحمامة: يا موسى كيف تكون حليمًا عند غضب غيرك، لأى شيء هربت من فرعون حين أراد قتلك؟ لم لا وقفت له حتى كان قتلك، وكنت من أهل الجنة؟ فكيف يهون عليك ما يعز عليّ؟ وكذا أنتم، فعلى كل حال، هؤلاء غرماء وقد التجأوا إلىَّ ولا بد لي [من أن]
(2)
أتبعهم إلى كل ما يرضيهم.
ولما سمع المغل كلام خِربندا ورأوه منبسطًا معهم من غير عادة ويدافع عنهم، تركوا التعرض بالكلام، ولم يعد أحد منهم يذكرهم إلا بخير.
ثم إن يومًا من الأيام جمع خربندا الأمراء للمشورة في العبور إلى الشام، فتكلم كل واحد من أمراء المغل بنوع من الحديث، فقال خربندا لقراسنقر والأفرم: ما لكم [لا]
(3)
تتحدثون؟ فقال قراسنقر: أيد الله الخان، هؤلاء الأمراء أقدم منا، ونحن أناس غرباء فما
(1)
طرد: في الأصل.
(2)
إضافة تتفق مع السياق، ينظر ما يلي من الحديث.
(3)
مما: في الأصل والتصويب يتفق مع السياق.
يمكننا الكلام، فقال خربندا: نحن ما نعبر الشام إلا لأجلكم ولأجل أهلكم وأولادكم، فقام قراسنقر وقبل الأرض، وكذا قام معه بقية أصحابه من الأمراء ودعوا له، فانقضى ذلك النهار.
ثم بعد ذلك طلب قراسنقر الحضور بين يدي خربندا في الخلوة، فأمر بإحضاره، فدخل عليه وقبل الأرض بين يديه، فأمره بالجلوس فجلس، ثم قال له: ما يقول الأمير؟ فقال قراسنقر: أطال الله عمر الخان، أنتم ترسمون لنا بالحديث في مجالس الأمراء، وكل حديث نتحدث به فيها يُنقل إلى الملك الناصر أولًا فأولا وقتا فوقتا. فقال خربندا: ومن ينقل الكلام من مجلسي؟ فقال: يا مولانا أخبار الملوك تنقل من القصاد والذين يظهرون النصيحة، ألا تنظر إلى هؤلاء الفداوية كيف سبقونا إلى تبريز، فإن كان لمولانا نية في العبور إلى الشام يكون بمشورتنا بحيث لا يقف عليها أحد، ونتجهز ونروح وندهم، ولا يدري أحد بذلك، فقال له: كيف العمل؟ فقال غدًا إذا حضرت مع الأمراء اطلبني إليك واخلع علىّ وعلى مَنْ معي من الأمراء، وقل لنا: يا أمراء خليتم أهلكم وأولادكم وبلادكم وإنا إن شاء الله تعالى ما أخيب سعيكم، ولكن ما في هذه السنة عبور إلى الشام، فإن شاء الله في السنة الآتية، ثم قل: أنا أوليكم بلاد خراسان فاستقلوا بها، فتروح الأخبار إلى الملك الناصر فيهل في أمرنا ويغفل، ثم لا يسمع إلا ونحن في بلاده، فقال خربندا: هذا رأي سديد.
ثم إنه طلب جميع الأمراء، ومدَّ لهم سماطًا هائلًا، فأكلوا، ولما فرغوا خلع على قراسنقر وأصحابه، ثم قال لهم: يا أمراء خذوا لكم بلادا في خراسان واستقلوا بها، فقبلوا الأرض ودعوا له، فتحدث الناس بأن خربندا أعطى لأمراء الشام بلادًا من أعمال خراسان، واشتاع الخبر بذلك، ثم إن قراسنقر وجوبان، نائب خربندا، يدخلان عليه في الخلوة ويتحدثون في أمر الشام.
وأرسل خربندا إلى جميع بلاده بأن تُحمل إليه الخيل والبغال، ويُجمع الشعير والأغنام، ثم أنهم اتفقوا على أنهم يعبرون إلى الشام في ثلاث فرق، كل فرقة
خمسون ألفا: فرقة من ناحية الروم، وفرقة من ناحية الرحبة، وفرقة من ناحية البيرة، ثم سَيَّر خربندا إلى قزان جُق الذي هو في الروم من جهته، فقال له: قرر أمر الروم حتى نجهزكم إلى الشام.
قال الراوي: ولما وصل القاصد إلى قزان جُق وبَلَّغه ما أمر به خربندا طلب أرنجي وتشاور معه في هذا الأمر، وقال له: متى خليتك في الروم وخرجت بالعسكر إلى ناحية الشام خرجت عليك التركمان وأخذوا منك البلاد، وذلك لأنه قد بلغني أن مقدم [التركمان]
(1)
الدوم ابن إيلامين يكاتب ابن قرمان، وقد عولت أن أمسكه قبل رواحي لتستقر البلاد، فاتفقوا على أنهم يبعثون خلفه فإذا حضر قبضوا عليه.
وكان جميع أمراء قازان جق يحبون ابن إيلامين، فأرسلوا إليه وأعلموه في الباطن بأن قازان جق يريد أن يمسكك، فعند ذلك جمع أمراءه وأمرهم بالرحيل فرحلوا، وهم مقدار خمسين ألف بيت يطلبون ابن قرمان.
فلما سمع قازان جق برحيله ركب خلفه بعشرين ألف فارس ولم يلحقهم، وقد عبروا الدربندات.
وأما خربندا فإنه جهز جميع أشغاله وجمع العساكر من جميع الجهات، ولم يخلِّ في بلاده أحدًا حتى طلبه، فجهز جيشًا عظيمًا، فقال له جوبان: إن هذا الجيش ما تحمله الأرض ينزل فيها، فقال له خربندا: قد عولت إلى أفرق الجيش ثلاث فرق، وما نجتمع إلا في سنجار أو في الموصل، فقال: هذا هو الرأي.
وكانت عُدة جيشه في ذلك الوقت مائة وخمسين ألفا، فأخذ منه قطعة وسلمها إلى جوبان، وقال له: خذ قراسنقر وروح على أخلاط وبدليس إلى البشيرية، وأنزل أنا على شهروز وأخرج إلى الموصل، ويكون اجتماعنا على الرحبة، ثم أرسل خربندا قاصدًا إلى الروم، فأخذ قازان جق عسكر الروم ونزل إلى الدربند إلى ناحية حلب، ولاقاهم
(1)
التركما: في الأصل.
التركمان مع ابن قرمان [فوقعت]
(1)
بينهم حرب [شديدة]
(2)
، فآخر الأمر انكسر قازان جق وتشتت شمله، وقُتل قزان جق، فجاء الخبر بذلك إلى خربندا وأنهم معولون إلى أخذ بلاد الروم.
ولما سمع خربندا ذلك ضرب يده على يد، وقال: الله أكبر، كل ما نعزم على العبور إلى بلاد الشام يعرض أمر يعوقنا عن ذلك، وهذا من سعد الملك الناصر.
ثم إنه طلب جوبان وقراسنقر والأفرم والزردكاش وبلبان الدمشقي والبيسرى وأمراء المغل، وأحضروا القاصد الذي أتي بخبر قازان جق، فقال خربندا: اسمعوا وانظروا ما قد نزل بقازان جق وأصحابه، فكيف العمل؟ ونحن قد جهزنا الجيش إلى الشام، وهؤلاء التركمان قد خرجت على عسكر الروم واستطالوا عليهم.
فقال له بعض الأمراء: خلى التركمان وغيرهم وسيروا إلى الشام، فإذا فتحت الشام دلت
(3)
البلاد للخان.
فقال جوبان: والله هذا رأي فاسد، من لم ينظر في عواقب الأمور يقع في المحذور، وربما يكون الملك الناصر قد اتفق مع التركمان وتواعد معهم على أنهم يأتون من ورائنا إذا قابلنا عسكر الناصر ونبقى بين العسكرين.
وتقدم قراسنقر أيضًا وقال: إن الأكراد في جبل هكار كلهم مع الملك الناصر، فنخاف أيضًا منهم أن ينزلوا من الجبال على بيوتنا فينهبوها وتتخبط البلاد، وما نعلم هل يكون النصر لنا أم علينا.
فقال خربندا: ولا يمكن تعطيل حركتنا من بعد أن سُمع في البلاد أنا قد تجهزنا فيطمع كل أحد فينا.
(1)
فوقع: في الأصل.
(2)
شديد: في الأصل.
(3)
دلت: أي دانت.
فتقدم في ذلك الوقت الأمير الزردكاش وقَبَّل الأرض، فسأله خربندا عن مقصوده، فقال: أطال الله عمر الخان، المملوك أخبر الناس بالتركمان، وقد جاورهم المملوك عشر سنين، فإن رسم الخان أن يعطيني ثلاثين ألفًا من العسكر آخذهم وأسير بهم إلى الروم، وأخرب بلاد التركمان، وأقتل رجالهم، وأنهب أموالهم، ولو أن عسكرهم مائتا ألف فارس، فإذا كسرتهم آخذ الجيش وأنزل إلى حلب.
فلما سمع خربندا بذلك فرح فرحًا شديدًا، وفي الحال جهز معه ثلاثين ألف فارس، وسيره إلى الروم، ثم ركب خربندا وسار يطلب شهروز، وقام جوبان ومعه قراسنقر والجيش الذي عينه خربندا معه وساروا يطلبون ديار بكر.
وأما الأفرم فإنه لعب عليه جرحه، الذي كان الفداوي جرحه على ما ذكرنا
(1)
، فأمر خربندا أن يقيم في تبريز، فقبل الأرض، وقال: قتلى أهون عَلىَّ من المقام، فأشتهي أن لا تقطعني من العسكر، فقال خربدا: ما قلت لك هذا إلا شفقة عليك، ثم أمر بأن يحملوه معهم في محفة، فحملوه كما أمر.
ولما وصل خربندا إلى شهروز سمعت بذلك أكابر الدولة من الأكراد مثل: أمير على، وشمس الدين، والشهروزي، والغرز، وكان هؤلاء أكبر مماليك الأكراد، فقال لهم الغرز: اعلموا أن خربندا جاء يريد العبور إلى بلادنا، ولا غنى لنا عن النزول إليه، لأنكم ما تقدرون على العصيان عليه، وكان خربندا يهادى الأكراد، ويهاديهم كل وقت.
قال الراوي: فلما سمع الأكراد كلام الغرز قالوا له: صدقت، لكن أمرنا كله للشيخ شرف الدين بن الشيخ عدي.
فبينما هم في هذا الحديث إذ وصل رسول خربندا إلى الغرز فطلبه، فجهز الغرز شيئًا كثيرًا من التقادم لخربندا، وأرسل ابنه الأمير على إلى الشيخ يشاوره في أمر المسير إلى خربندا، فرد عليه الشيخ يقول: إياك والرواح إليه، فإن سمعتم مني تحصنوا
(1)
ينظر ما سبق.
في جبالكم، فوالله، أي وقت ظفر بكم ما يخلى أحدًا منكم.
فلما وصل ابن الغرز إلى أبيه بهذا الحديث من الشيخ، قالت الأكراد: صدق الشيخ فيما قال، فقال الغرز: لا تفعلوا، فإنكم متى عصيتم يخرب البلاد والقرى التي في لحف الجبال كلها.
ثم إن الغرز لعب بعقول بعض الرجال من الأكراد، وأخذ معه الحسام الشهروزي، ونزل إلى خربندا، وقدم ما معه من التقادم لخربندا، فقال خربندا: وأين الشيخ؟ فقبل الغرز الأرض وقال: أطال الله عمر الخان، إن الشيخ أي وقت نزل من الجبل يقع السيف بين الأكراد فيقتل بعضهم بعضا لأنهم ما لهم عقول، ولولا الشيخ بينهم لكان بينهم كل وقت حرب وفساد، فسكت خربندا على مضض منه، لكن يريد أن يلاطفهم رجاء أن ينزل الشيخ ويقبض على الجميع.
فنظر الغرز وإذا بالأفرم والزردكاش مع خربندا في منزلة عالية بالقرب منه، فسأل عنهما الغرز، فقال له خربندا: هؤلاء تَجَبَّر عليهم الملك الناصر، ونحن سائرون إلى إعانتهم لأجل حمية الإسلام، ويجب على كل مسلم مساعدتهم لأنهم قد فارقوا أولادهم وبلادهم وقد ذلوا بعد العز، ثم قال له: يا غرز الدين أريد منك أن تركب معي في عشرة آلاف نفس من الأكراد، وعندي كل ما تريد من الدنيا، ويكون لك يد بيضاء عندي.
فقبل غرز الأرض وقال: أيها الملك، طب نفسا وقر عينا، فلو طلبت مني عشرين ألفا لكنت قادرا عليها، لكن أريد من الخان أمرا تفعله، فقال: وما هو؟ فقال: إن الشيخ رجل جليل القدر، وجميع الأكراد يسمعون منه، وما يخلى لنا رأيا في أمر
(1)
نفعله، ونحن في تعب معه في هذا الجبل إلى غاية ما يكون.
وكان الغرز صاحب مكر وخديعة، فتحيل بهذا الكلام، ولما سمع خربندا بذلك فرح، وبقى في النار من جهة الشيخ، ثم قال له: فماذا يكون العمل؟ فقال: تخلصنا منه،
(1)
في أمر: في هامش الأصل ومنبه على موضعها بالمتن.
فقال خربندا: وكيف الوصول إليه؟ فوالله، لو وقع في يدي ما خليته يشم الهواء، فقال الغرز: أنا أجيبه بلا تعب ولا نصب. قال: وكيف تعمل؟ فقال تجهز معي في هذه الساعة رسولًا من عندك ومعه خلعة للشيخ وبعض هدية، فإذا وصلنا إليه تحدثه بما رأيت منك من المحبة والمودة والنية الحسنة، وأطمعه منك بكل لما يريد، فإذا نزل إليك لا تخله يعيش ساعة واحدة، وأي وقت قتلته بقيت الأكراد قدامك مثل الغنم.
ولما سمع بذلك خربندا، ظن أنه صحيح، ففي الحال أمر أن يجهز للشيخ وأصحابه عشرة خُلع مذهبة، وكتب له توقيع بالموصل، وخلع على الغرز خُلْعة سَنية، فقال له: إن جئت لي بالشيخ أعطيتك جبل هكار والموصل وأعمالها، فقال الغرز: لا تعرف هذا إلا مني، لكن بشرط: أنه إذا وقع لك تقتله ولا تستبقيه.
وكان خربندا كلما سمع بهذا وتحريض الغرز على قتل الشيخ كان يفرح بالوقوع بينهم، ويقول في خاطره: إذا قبضت على الشيخ والغرز أجوز إلى الجبل وأُهلك كلَّ من فيه من الأكراد، ثم جهز مع الغرز رسولًا من المغل أميرًا، وقال له: سر إلى الشيخ.
وكان عنده أمراء الأكراد فأراد أن [يخليهم]
(1)
عنده، فقال الغرز: أي وقت بقى عندك منهم أحد ينكر الشيخ علينا
(2)
في الأمر الذي نريده، فالمصلحة أن تطلب الأمراء وتخلع عليهم، وتأمر لكل واحد منهم أن يأتيك بألف فارس من عشيرته وقومه، قال خربندا: فإن كانوا يعصون علينا إذا راحوا وطلعوا إلى الجبل، فقال الغرز: ضمانهم علىّ بالطاعة، فطلب خربندا الحمام الشهروزي وجميع أمراء الأكراد فخلع عليهم، وطلب من كل واحد منهم بأن يأتيه ألف فارس ونفقتهم علىّ.
فركب الغرز وهو لا يصدق بالسلامة من خربندا، وركب معه الرسول بمائة فارس، وساروا يطلبوا الجبل، فلما جاوزوا دربند الجبل، قال الحسام الشهروزي للغرز: إش هذا التدبير الذي دبرت؟ فقال: والله لولا هذا التدبير لكنا شربنا كأس الحمام،
(1)
يخليهم: في الأصل وهو تصحيف.
(2)
إذا راحوا وطلعوا إلى الجبل: في الأصل، ومشطوب عليها، فهو سبق نظر من الناسخ، ينظر ما يلي.
فمكري وخداعي هو الذي خلصكم من شباك البلايا، وقد سلمتم ووصلتم إلى الجبل فمن هاهنا افتصلوا بأرواحكم، فقالوا: نروح كلنا إلى الشيخ ونأخذ رأيه، لأنه قال لنا لا تنزلوا وما قبلنا منه فنزلنا، فساروا حتى نزلوا على الشيخ.
وكان الشيخ في قرية تسمى لاكش، فلاقاهم الشيخ، وأنزل الرسول ومن معه في مكان أخلاه لهم، فاجتمع بالغرز والأمراء، فسألهم عما لقوا من خربندا، فحدثه الغرز وقال: لولا عملت عليه حيلة ما سلم منا أحد، ثم أحضر الخُلَع والخَوائص والخيل، وذكر له ما قال خربندا عنه، وقال له أي وقت نزلت إليه ما يخلى من الأكراد لا كبيرًا ولا صغيرًا، وأخبرهم بأنه نزل إلى الشام وقد طلب منى عشرة آلاف فارس فتبسم الشيخ وقال: سيرهم يا غرز حتى يغزون في المسلمين ويكون الثواب لك.
ثم إن الأكراد حلفوا للشيخ أنهم ممتثلون أمره وسامعون قوله وأنهم ما يموتون إلا بين يديه، فقال لهم: يا جماعة، اعلموا أن خربندا نازل إلى الشام، وقد أطمعه الأفرم وقراسنقر في بلاد الشام، وعلى كل حال التتار أطمع الناس، وأنا، أقسم بالله العظيم، لو ملكوا الشام ما خلوا الأفرم ولا قراسنقر ولا غيرهما، واعلموا يا أمراء إذا لم ننصر إخواننا في الإسلام نروح مع الكفرة اللئام، فإذا نصرناهم فأين نروح من الله عز وجل، ثم إنهم اتفقوا بأن يمسكوا الرسول ومَنْ معه، فقال الشيخ: ما هو مصلحة، بل نرده عنا.
فلما أصبح الشيخ طلب الرسول، وعنده أمراء الأكراد وبين يديه أكثر من ألفي كردي بأيديهم السيوف، فلما حضر الرسول، لم يقم له الشيخ ولا قال له اقعد، بل قال للترجمان: قل له فيما أتيت؟ قال الرسول: جئت من عند ملك الأرض خربندا بأن تنزل إليه أنت وأصحابك ولك منه ما يسر قلبك، فقال له الشيخ: أنا رجل كبير وشيخ مقيم في هذه الجبال، ولولا أرد الأكراد عنكم وعن البلاد ما خلوكم تقرون، وأى وقت نزلت من الجبال أكل بعضهم بعضًا، فإذا نزلوا من الجبال أخربوا البلاد وأفسدوا في العباد، فارجع وأعلم خربندا أنني ما أقدر على النزول إليه، فقال له الرسول: لا تفعل هذا فيكون سبب
هلاك الأكراد ويركب إليك خربندا ببعض التوامين فلا تقدر حينئذ على دفعهم.
فلما سمع الشيخ بذلك قال له: اخسأ يا كلب، ومَنْ خربندا من الكلاب؟ ويلكم
(1)
، أخرجوه عني، فأخرجوه من عنده، فلما خرج طلب الغرز، فخرج إليه وحوله جماعة من الأكراد، وقال له: مالك سَكتَّ والشيخ قد أخرق بي هذا الإخراق العظيم؟ فقال له الغرز: أحمد الله الذي قد أخرجك من عنده سالمًا، ونحن قبل دخولك عنده شفعنا فيك، وإلا كان أمر بضرب عنقك، رح إلى خربندا وقل له يقطع طمعه من الأكراد وجبالها، ويلك، نحن نذهب ونغزو المسلمين؟! فإش هذا الفعل الفاسد؟ فرجع الرسول وهو لا يصدق بالنجاة.
وأما الأكراد فإنهم جفلوا إلى رؤوس الجبال وحصنوا الدربندات وسدوا الطرقات، ووصل الرسول إلى خربندا وأعلمه بأن كل ما فعله الغرز كان مكرًا وخديعة حتى خَلَّص نفسه والأكراد، وأن الشيخ لم يجب إلى الطاعة، وأن الغرز وأصحابه كلهم متفقون على ما يريده الشيخ.
فندم خربندا غاية الندم كيف راح الغرز من يده سالمًا وهو قوام الجبل، ثم سار خربندا حتى نزل على كشاف، وهي قلعة خراب على شط نهر الموصل، وسير القُصَّاد إلى نواب بلاده كلهم يطلبهم، وأرسل آخر إلى جوبان يطلبه، وجمع الناس على كشاف.
وحضر جوبان من معه، مثل قراسنقر والزردكاش وبلبان الدمشقي والبيسري، وعمل خربندا مجلسًا عظيما، وجمع الأمراء للمشورة، وأجلس قراسنقر فوق جميع الأمراء وخلع عليه خلعة سنية مكللة بالدر والياقوت وحياصة مجوهرة، ثم قال له: طيب قلبك واشرح صدرك فأنت عندى بمكانة عظيمة، فبكى قراسنقر بكاء شديدا، وبكى معه أصحابه، فقال له خربندا: مم بكاؤك؟ فقال: تذكرت أولادي وتغربت عن أوطاني وأهلي والتجأت إلى جنابك الرفيع وحجابك المنيع، وفي أملي بمواعيدك الحسنة أن أرجع إلى
(1)
والكم: في الأصل.
أهلي وأولادي، وهؤلاء الأكراد قد عصوا عليك، فخطر بخاطري أنك رجعت عما نويت في السفر إلى الشام.
قال الراوي: فلما سمع خربندا حصل عنده بعض الانحراف، فقال: أنا أبالي من الأكراد، حتى أرجع عن عزمي؟ وما مكثت إلى هذه الأيام إلا لأجمع أمراء المغل جميعهم وأشاورهم في ماذا نفعل.
ثم طلب جوبان ودمندار وحسن قطلو وقطلوقيا ورمضان الغزي وسويح الخراساني وهندو وبلاى وغيرهم، ممن يطول ذكرهم، من أمراء التوامين، وطلب الأفرم وغيره أيضًا، وتشاوروا، فقال جوبان: إن سمعتم مني، هذه السنة ما هي سنة نزول الشام، لأن أكثر خيلنا بمرض الطابق
(1)
، والبلاد جدبة، وليس فيها شيء يؤكل، ونخاف يجرى علينا مثل نوبة مرج الصُّفر
(2)
، ونبقى أحدوثة بين الناس.
وتكلم كل واحد بلون، فقال خربندا: كل هذا، ما أسمعه، ثم التفت إلى قراسنقر وكان إلى جانبه، وقال له: قل يا أبي فكلامك مسموع.
فقال قراسنقر: الرأي عندي أن نرحل وننزل على الرحبة ونحاصرها، فإذا سمع الملك الناصر لا بد أن يجرد عساكرا من مصر، لأنه رجل حاد لا يصبر، وخيلهم اليوم في الربيع، ولا يصلون إلينا إلا وقد انقطع أكثرهم، وأما الضعفاء فلا يقدرون أن يتبعوهم أصلًا، ومع هذا فقد قاسوا رملًا، ولا يجيئون إلا وهم هلكى، وعسكرنا مستريح، فننال منهم ما نريد، وإن لم يجئ إلينا أحد فقد أخذنا الرحبة، لأنها لا تحتمل الحصار، وخط نائبها عندي أرسَلَه إلىَّ بأنه يسلمها إلينا إذا نزلنا عليها، ثم إذا أخذناها رحلنا إلى حلب وشَتَّيْنَا في بلادها، فهي عامرة كثيرة الخير والغلات، فيقوى عسكرنا وتسمن خيلنا، وإن لم يخرج الملك الناصر فقد علمنا عجزه فترحل إلى دمشق ونصيف فيها، ونفرق العساكر في البقاع وبلاد بعلبك ومرج حمص ومرج برعوث ونستغل بلاد الشام، فتقوى
(1)
مرض الطابق: من أمراض الخيول، والمقصود به انخلاغ الحافر.
(2)
المقصود وقعة شقحب سنة 702 هـ/ 1302 م، ينظر ما سبق بعقد الجمان 4/ 231 وما بعدها.
عسكرنا، وعند دخول الشتاء نروح إلى مصر، وإن أكثر الأمراء بمصر يكاتبونني.
فلما سمع خربندا بذلك تبسم، وقال: هذا هو الصواب، واتفقوا على هذه المشورة، ثم أخذوا في إصلاح أمورهم وتجهيز احتياجاتهم، ورحل خربندا من قلعة كشاف في نصف شعبان المبارك من هذه السنة، وقيل في التي بعدها، وسار يطلب الرحبة.
ثم تقدم قراسنقر، وقال أيد الله الخان، إن رسمت ترسل قصادًا إلى مصر تأتي لنا بالأخبار، فقال: أفعل ما تريد، فجهز خمسة من العرب من أصحاب
(1)
سليمان بن مهنا، ومعهم نفرًا من أهل رأس العين، وأعطى لهم جملة من الذهب، ووعد لهم بالخير الكثير إذا فتحو البلاد، وكتب معهم كُتُبا إلى ناس، وقال لهم: إياكم والطرق الجادة فربما يدرون بكم فلا يحصل خير، فقال له واحد منهم، يقال له صُمى بن سالم: علىّ أن أسلك بهم في طرقات لا يُرى فيها إنس ولا جن، فقال قراسنقر: هذا هو المقصود
فخرجوا ودخلوا
(2)
البراري.
وأما خربندا فإنه سار بمن معه حتى وصل سنجار، ووقعت هجة في تلك البلاد، وكان هناك جماعة ينصحون المسلمين كتبوا إلى نائب الرحبة، بدر الدين الأزكشي - وكان رجلًا كرديًا - بأن خربندا واصل، فجهز هو أيضًا قصادًا من عنده إلى نائب الشام بأن خربندا قد توجه إلى الرحبة، ثم نادى في الرحبة بمجئ التتار والاجتهاد في الاحتراز عنهم، وحصّن الرحبة، وادخر في القلعة شيئًا كثيرًا، وأمر أهل القرى أن لا يخلوا عندهم شيئًا من الحبوبَ فيحولوها إلى مواضع لا تُدرى، وأن يحرقوا الأتبان، ففعلوا ذلك بحيث أن أحدًا لو كان يسير حول الرحبة مسيرة يوم لا يجد شيئًا من الحبوب وغيرها، وكل ما يتجدد الأخبار عند نائب الرحبة يرسل إلى نائب الشام ويُعلمه بذلك.
ولما أرسل نائب الشام الخبر إلى السلطان؛ والأمراء قد ربطوا خيولهم على الربيع، فقال السلطان: يا ليتنا ما ربطنا على الربيع، فطلب الأمراء وقال لهم: هذا كتاب نائب
(1)
أصحاب: في هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
(2)
ودخلوا: في هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
الشام يذكر أن عدو الله قاصد إلينا وأنتم تعلمون أني كنت معولًا على السفر حتى أدخل إلى بلاده، وها هو قد عاجلني وخيولنا على الربيع، فإن أخرجناها فلا ننتفع بها، وإن تركنا السفر أخذوا الرحبة، ثم يتوجهون إلى حلب أو غيرها.
فسكت الأمراء، وقال لهم: أنا جمعتكم للمشورة لا للسكوت، ثم تكلم مملوكهـ أرغون الدوادار، الذي هو نائب الديار المصرية، وهو أكبر مماليكهـ، فقال: أيد الله مولانا السلطان، إن العدو وحركته ثقيلة بينما يجئ إلى الرحبة ويقم عليها ويحاصرها وتمانعه أهلها مدة يمضي شهران، ومن اليوم إلى شهرين تأخذ الخيول حقها من الربيع، ثم يخرج مولانا السلطان بعسكر جرار فتكون الدائرة عليهم إن شاء الله تعالى، غير أن مولانا السلطان ينبغي له أن يجرد عساكر الشام إلى حلب وحمص، فالبعض يذهب إلى حلب والبعض يقيمون على حمص.
فقال السلطان: تجريد العسكر على هذا الوجه ليس بوجه لأنها تضعف.
فقام علاء الدين أيدغدي شقير، وقال: أيد الله مولانا السلطان، إذا لم يجرد مولانا السلطان عسكر الشام كلها يجرد بهادر آص وبلبان البدري والإبراهيمي بثلاثة آلاف نفس من عسكر دمشق يروحون إلى حلب، ويكونون عند الأمير سودي نائب حلب، لتقع الأخبار بأن العسكر وصلت إلى حلب.
فقال: هذه مصلحة، وأرسل البريدي في الحال ومعه مرسوم بتجريد هؤلاء الأمراء، ثم بقى السلطان ينتظر الجواب، وإذا بمملوك نائب حلب قد وصل، فأخرج مطالعة سودي نائب حلب يذكر فيها: أنه قد ورد إلينا الأخبار بوصول العدو إلى الرحبة، فبعثنا الكشافة فكشفوا، ثم عادوا وأخبروا أن العدو تفرق اجتماعه، وأن خربندا نزل إلى بغداد.
فطلب السلطان الأمراء، وقرأ عليهم المطالعة، ففرحوا وقالوا: لو كان مولانا السلطان استعجل وخرج بالعساكر المنصورة كانت قد ضعفت وخربت البلاد.
ولما خرج مملوك نائب حلب من عند السلطان، فإذا بمملوك نائب الشام أيضًا قد
وصل، و [يقال له]
(1)
عبد الله الخراط، وذكر هو أيضًا أن العدو تفرق وأن خربندا نزل إلى بغداد، فخلع عليه السلطان وأعاده إلى دمشق، فطلب نائب الشام دنكز عبد الله المذكور، وقال له: يا عبد الله هذا الخبر الذي بلغته إلى السلطان لا يكن قد سمعته ممن لا يؤبه به من أطراف الناس ثم يظهر الأمر بخلاف ذلك فيقع علينا الإنكار، فقال: أعز الله مولانا ملك
(2)
الأمراء، ما أخبرني أحد بذلك، بل أنا الذي شاهدته بعيني.
وأما عدو الله خربندا فإنه لما نزل على سنجار جاءته ملوك تلك البلاد، فأمرهم أن يأخذوا معهم المجانيق إلى صوب الرحبة، ثم أمر لهندو وبلاى ومحمد شاه أن يركبوا بعساكر العراق وينزلون على الرحبة، فركبوا وساروا حتى وصلوا إلى موضع يقال له: أبو الديات، وكان عليه كشافة من الرحبة، ومعهم حمام فأطلقوه، ورآهم هؤلاء فركبوا وراءهم فلم يلحقوا بهم، ووصلت الكشافة إلى الرحبة وأعلموا الأزكشي بأنهم شاهدوا العدو، وهم قد نزلوا على أبي الديات قاصدين الرحبة، ومعهم [المجانيق]
(3)
على العجل، [فسير]
(4)
الأزكشي إلى دمشق وحلب وغيرهما بالخبر، فجفلت البلاد إلى حلب وإلى دمشق.
ولما بلغ الخبر إلى نائب الشام تعجب، وقال: اطلبوا لي عبد الله، فلما حضر قال له: هذا كتاب الأزكشي يذكر أن كشافتهم قد فارقوا العدو على أبي الديات، وهذا ضد ما ذكرت أنت، وقال عبد الله: أي يوم نزل عدو الله على الرحبة اشنقني، وربما يكون الكشافة قد شاهدوا منهم جماعة قد ضربوا حلقة صيد فجفلت الناس من ذلك، فقال النائب: يمكن ذلك حتى ننظر.
ثم في اليوم الثاني وصل قاصد أيضًا من الأزكشي، وهو يقول: العجل قبل حلول الأجل، فإن عساكر عدو الله قد وصلت ونحن كل ما نرسل كتابا لا يأتي إلينا خبر
(1)
معه فقال له: في الأصل والتصويب يتفق مع السياق.
(2)
السلطان ملك: في الأصل، ومشطوب على كلمة السلطان.
(3)
فسيروا: في الأصل.
(4)
المناجيق: في الأصل.
شافى، وما بقى بعد هذا الخبر خبر، ولا يحل لكم أن تخلونا قدام العدو وتجعلونا هدفا للمصائب.
فلما وقف نائب الشام على هذا، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، راحت والله الرحبة، ثم اشتد عضبه، وقال: اطلبوا لي عبد الله، فلما حضر، قال له: يا عدو الله، إش حملك على أنك قلت إن العدو تفرقوا؟ وها هم قد وصلوا إلى الرحبة، فقال قيدوني واحبسوني في القلعة إن طلع خبري كاذبًا.
ثم أركب نائب الشام دواداره إلى مصر، وأركب استاداره إلى الرحبة، وقال له: اذهب واكشف العدو بعينك، [فسار]
(1)
إلى أن وصل الرحبة، ورأى العدو وقد قطعوا الفرات ونزلوا بقرية على جنب الفرات يقال لها عُشارا فرجع إلى الشام وأخبر النائب بذلك، وقال ليس بحقيق أكثر من ذلك.
وكان السلطان قد بعث أميرًا يقال له: عاقول إلى حلب، ليكشف الأخبار فوصل إلى دمشق يوم وصل استادار نائب
(2)
دمشق من الرحبة، ومعه كتاب نائب حلب بأن العدو ما له خبر عندنا، وأرسلت كشافة إلى بلاد ماردين والخابور فلم يروا أحدًا من العدو، وقال استادار نائب الشام: أنا رأيت بعينى هذه خيامهم وهي مضروبة على جنب الفرات، وهم في إصلاح جسور يعدون عليها.
وراح الآتيان إلى مصر، فأخبر كل منهما بما عنده من الخبر، فتعجب السلطان من ذلك، وأنكر على النواب، وأرسل إليهم يستعجزهم، ويقول لهم: إذا كان العدو على الفرات، وأنتم قد عجزتم عن مجرد الخبر، فإش يُرجى منكم؟ والذنب مني أني قد فرطت حيث وليت على البلاد من ليس بكفء.
وأما خربندا فإنه طلب قراسنقر، وقال له: قد قلدتك أمر العساكر ولك التصرف حيث شئت فافعل فيه إصلاحنا، فقال قراسنقر: أيد الله الخان، أبشرك بشارة، فأي
(1)
فسارا: في الأصل.
(2)
نائب: بين الأسطر في الأصل.
يوم نزلنا على الرحبة يسلمها إلينا نائبها، ونواب البلاد كلهم نوابي، وأي يوم قطعنا الفرات جاءتنا أمراء الشام جميعهم.
وهو في هذا الحديث مع خربندا، فإذا حاجبه قد دخل، وقال إن سليمان بن مهنا على الباب، ومعه جماعة من العرب من عند مهنا، وهم يقولون إن البلاد خالية من العساكر، فإش الذي يعوق الحان عن أخذ البلاد؟ وأن جميع أمراء دمشق ونواب البلاد قد تجهزوا ينتظرون قدوم الخان.
فتقدم جوبان إلى خربندا وقال له في السر: لا تسمع كلام قراسنقر، ولا كلام مهنا، فإن لهما أغراضًا يريدان أن ينالا إلى أغراضهما بهلاكنا، ولو كان كلامهما صحيحًا بأي شيء يقربا من البلاد، وسيظهر لك صدق كلامي إذا نزلت إلى الشام، فقال له خربندا: كلامك لا يفيد، فإن قراسنقر أخبر منك بهذا الأمر، فتولَّ أنت أمر الجند والمعاملة، وهو يتولى تدبير الأحوال، ثم أمر بالرحيل فرحلوا كالجراد المنتشر، وساروا يطلبون الرحبة، وقراسنقر في أوائل العسكر.
وكان خربندا قد رسم على قراسنقر أمير تومان يقال له: إشن قطلو ومعه عشرة آلاف نفس، من غير أن يعلم به قراسنقر، وكان قال له: اركب معه جملة، وانزل جملة، وعينك عليه ليلًا ونهارًا، وإياك أن تغيب عنه وإلا تروح روحك، وكان معه ليلًا ونهارًا في الرحيل والنزول.
ولما توسط قراسنقر أهله
(1)
، تذكر أهله وأولاده، وما كان عليه من المملكة والراحة فاضت عيناه بالدموع، ثم أنشأ يقول:
رحلت وأحباب الفؤاد لهم بعدي
…
علىّ حنين لا يقر ولا يهدى
يهيم إذا ما لاح من سفح حاجر
…
نسيم صبا هاجت به الريح من بعد
(1)
هكذا في الأصل، ويبدو أن كلمة أهله: سبق نظر من الناسخ، ينظر ما يلي.
يحنوا إلينا في الأصايل والضحى
…
إذا ما حدى حادى وحركه الوجد
وإن صاح من نحو الأثيلات صائح
…
فتهت بسكري لا أعيد ولا أبد
رعى الله أياما تقضت بقربكم
…
وحبي لويلات على الأجرع السرد
يقرب معا سيل من الترك خرَّدا
…
إذا ما انثنوا تحت الغلائل بالقد
أتوه فلا أدري من الغى أن أنا
…
من المعشر الحضار أم غائب الرشد
أيا معشر السادات جدوا وجوّدوا
…
وثوروا إلى الخيل المسومة الجرد
فلا يدرك العلياء عزم مقصر
…
ولا يبلغ القصوى بغير التجرد
ولا كل من رام العلا نالها ولا
…
كل ساع يدرك السؤل والقصد
قال الراوي: واندفعت العساكر، والأفرم قدام خربندا لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا، فقال له خربندا، يا جمال الدين لأى معنى قراسنقر في اجتهاد عظيم ليلًا ونهارًا من أمر العساكر وتجهيزها، وأنت ساكت لا تتكلم، فباس الأفرع الأرض، وقال: أيد الله مولانا الخان، أعلم بأن قراسنقر مكره معروف بين الناس، وقد عرفه كل من جربه، والخان أيضًا لا بد أن يعرفه، وله كلام من غير اعتبار سواء أن يصيب أو يخطئ، ومثلك الملك لا ينبغي أن يُتكلم بين يديه إلا بشيء يكون، وشيء فيه مصلحة ظاهرة، ولا بد أن ينكشف لك كلام قراسنقر عن قريب، وأنا، أقسم بالله العظيم، ونبيه الكريم، أن كل شيء يقوله قراسنقر قدام الخان ما فيه شيء صحيح، والله العظيم ولو وافقنا من أمراء الشام أميرًا وأميران لما جئنا إلى هاهنا، ولو كان نائب الرحبة سلم الرحبة إلينا لما جئنا إليك، وكيف يقول بين يدي مثلك أن أمراء الشام معي، ونائب الرحبة معي إذا وصلنا إليه يسلمها لنا، هذا شيء أنا ما أقدر أن أقوله قدام مثلك.
قال الراوي: وكان جوبان حاضرًا: فلما سمع هذا الكلام ضحك، وقال: هذا هو الكلام الصحيح، فقال خربندا: قراسنقر مجتهد، فإن أصاب كان المراد، وإن أخطأ
فيكون قد بذل المجهود، ثم ساروا يطلبون الرحبة، والأخبار عند الأزركشي ساعة فساعة، وصمم على التجلد وحفظ القلعة، وأرسل نائب الشام سيف الدين غرلو ومعه مائة فارس ليكشف الأخبار كما ينبغي، فخرجوا متوجهين إلى الرحبة، وغرلو ينشد هذه الأبيات:
يا خليلي قد جفاني رقادي
…
وهجرت الأوطان والأولاد
وصحبت لدنًا طويل كعوب
…
وحسامًا قد كان من عهد عاد
أخضر قاطع صقيل متين
…
ابتر ماض طويل النجاد
وركبت من العتاق حصانا
…
أدهم عال شديد السواد
وصحبني من الكرام جماعة
…
أسود كل منهم قوى الفؤاد
من رجال قد بايعوا الله
…
وناداهم فلبوا المنادى
ذكر وصول خربندا إلى الرحبة
وصل خربندا مشرفًا على الرحبة في الثاني والعشرين من شعبان هذه السنة، عند طلوع الشمس.
وقال ابن كثير: كان وصولهم إليها في أوائل رمضان
(1)
، وكان قراسنقر قدام خربندا، فقال له: إش هذا؟ فقال: هذه الرحبة، فرآها قد حصنوها، وحصنوا قلعتها، فقال لقراسنقر: ألست [قلت]
(2)
أنهم يسلموننا القلعة عند وصولنا إلى الرحبة، فقال قراسنقر: أيد الله الخان، هي في يدك، وجميع قلاع الشام.
فنزل عدو الله في الدهليز، والكل يدعون على قراسنقر، وباتوا تلك الليلة، ولما
(1)
ينظر البداية والنهاية 18/ 124.
(2)
إضافة للتوضيح، تتفق مع السياق، ينظر ما سبق.
أصبحوا ركبت الأمراء إلى خدمة خربندا، ولما تكلموا، قال خربندا لقراسنقر: يا شمس الدين اركب وازحف على الرحبة، فإن سلموها إلينا من غير حرب كان الخيار لهم وتُصان دماؤهم، وأَخلع على أكابرهم، وأُعطى الأزكشي تقدمة الأكراد في بلادي، وأُعطيه أربل وجبالها، وأُطلق له في كل سنة تمضي خمسين ألف دينار تُحمل إليه من الموصل.
فخرج قراسنقر، ومعه الأفرم والزردكاش ومماليكهم
(1)
وهم ملبسون، وأمر خربندا بأن يركب معهم قطلو ودقماق ودمندار بثلاثين ألف فارس، وأمرهم أن يكونوا في طوع قراسنقر، فإن سمعوا منه وسلمها الأزكشي، وإلا فازحفوا عليه، فساروا إلى أن وصلوا إلى قرب القلعة، ونادى مملوك من مماليك قراسنقر: خَلُّوا الأمير بدر الدين يكلم، فهذا الأمير قريب منه ليسمع كلامه، فقال الأمير بدر: ها أنا أسمع كلامكم فقولوا، فتقدم قراسنقر وسلم عليه، وقال: يا بدر الدين أنت تعلم بحالنا، وأنت أخبر بكل أحد، وتعلم ما جرى علينا، وما هربنا إلا من ضرر عظيم، وكنا نخاف من التتار لقلة مباشرتنا معهم، فلما خالطناهم وجدناهم أكثر الناس مروءة، وأقربهم إلى الحق، منعكفين على [هذا]
(2)
الدين، معتقدين فيه بيقين، ولاسيما هذا الملك الذي عطاياه كموج البحار، وكلتا يديه كَسَيْلِ الأمطار، وقد أغنانا بعد الفقر، وجَبَرنا بعد الكسر، وجهز معنا جيوشه، وأنفق أمواله وذخائره، وقد وعدك بتقدمة الأكراد وإطلاق كل سنة بخمسين ألف دينار، ويعمل خيرًا مع الذين معك في القلعة، وإن لم تسمع ولم تسلم القلعة زحف عليكم فأخذها في فرد ساعة، وما يحصل لكل واحد منهم حجر يحمله إلى موغان.
فلما سمع بدر الدين هذا الكلام غضب وقامت أخلاقه، وقال: أُفًا لك يا خسيس، يا أمكر من إبليس، يا خارجًا عن الملة [المحمدية]
(3)
، ويا مطرودا عن باب الملك، فهذا لا يليق إلا لمثلك، ارجعوا من حيث جئتم، والله، إن دون أخذ القلعة حروب هرب
(1)
ومماليكهم مكررة في الأصل.
(2)
هذه: في الأصل.
(3)
المحدية: في الأصل.
منها الصناديد من الرجال، فبينما هو في الحديث إذا بواحد من مماليك الأفرم قد رماه بسهم، فوقع السهم في كتف الأزكشي، وكان عليه قرقل فولاذ، فرجع السهم إلى بطال ووقع في الخندق، فضجت أهل القلعة بصوت واحد الله أكبر، [ووقعت]
(1)
الحرب إلى قرب الظهر، وقُتل من المغل جماعة.
وكان خربندا نازلًا في موضع يقال له: مشهد الزكية، غربي الرحبة، وأمر لهندو وبلاي ومحمد خواجا وصاحب ماردين وأمراء بلاده [أن ينصبوا]
(2)
سبع
(3)
مجانيق على القلعة، ثم قام هو ودار بنفسه حول الرحبة، وأراهم مكان المجانيق، وأمر بأن تنقب النقوب، وأمر بقطع الأشجار التي على الرحبة، ثم أمر أن يُعمل يزك على كواثل، فعين لها سليمان بن مهنا ومعه عشرة آلاف فارس، ويزك على خان قباقب، ويزك على المنتصف، واجتهد في أمر الحصار، وتفرقت المغل، واشتغلوا بتخريب بيوت الرحبة وأخذ أخشابها وأشجار البساتين ليجعلوها [ستائرًا]
(4)
على النقوبات والمنجنيقات.
وقد ذكرنا أن غرلو خرج من دمشق بمائة فارس لكشف الرحبة، وأنه لم يزل سائرا حتى وصل إلى تدمر، فخرج أهل تدمر لملاقاته وأعلموه بأن خربندا نازل على الرحبة، وأن سليمان بن مهنا معه عشرة آلاف فارس من المغل قد تقدم على الرحبة، فنفذِ غرلو كتابا إلى الأزكشي بأنه وصل إلى تدمر، وأنه خرج لكشف الأخبار، وأنه ينتظر الجواب.
فكتب إليه الأزكشي، يقول: خذوا لأنفسكم الحذر، وعندهم خبرك من يوم خرجت من دمشق، وسليمان بن مهنا معه عشرة آلاف فارس، ولا ندري إلى أين قاصد.
وكان خربندا لما نزل على الرحبة جهز خمسين ألف فارس مع أمير يقال له: ابجيل، مقدم قراؤول الأطراف، وأمره بأن يقطع مخاضه بالس، فيسمع عسكر حلب ويقع في
(1)
ووقع: في الأصل.
(2)
إن لم تنصبوا في الأصل، وما أثبتناه يتفق مع السياق والأحداث.
(3)
سبع: مكتوبة بين الأسطر في الأصل.
(4)
ستايوا: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق، وينظر ما يلي.
قلوبهم الخوف، وأمره أن يغير على تلك البلاد وتصل إغاراته إلى الباب وبزاعا، فاحذروا كل الحذر.
وأما الأمير سودي، نائب حلب، فإنه قد كان أرسل كشافة من الغرب إلى صوب الرحبة، فوصلوا وأخبروا بأن العدو على الرحبة، وكان قد وصل إليه عسكر من دمشق، وهم الذين عينهم السلطان، وهم: بهادر آص، وبلبان البدرى، والإبراهيمي، فقال لهم سودي: إش يكون عملنا؟ فسكتت الأمراء، فقال لهم بهادر آص: نخاف أن تأتي طائفة من الرحبة وطائفة من مخاضة بالس، ولا نأمن أن يأخذوا الباب وبزاعا وتركمان الجبُّول، وتأتي طائفة من ناحية الروم وسيس، فقالت الأمراء: كيف الرأي؟ فقال: [نجرد]
(1)
ثلاثمائة فارس من عسكر دمشق وحلب، بخيل جياد، مع الأمير سيف الدين قطلوبك الوشاقي والأمير سيف الدين بن العينتابي، ونسيرهم إلى مخاضة بالس، ونضم إليهم مائتي فارس من العرب يكونون طول النهار على المخاضة، وفي الليل يبعدون عنها، ويقيم عليها عشر فرسان من العرب طول الليل إلى حين يتحقق أمرهم، وتتحقق أخبار السلطان وما هو عليه، فرأى كلهم رأيه هذا مصلحة، فتقدم سودي وفعل ذلك.
فخرج هؤلاء الذين عينهم بهادر آص وساروا يريدون مخاضة بالس، فقال ابن العينتابي لقطلوبك: يا أمير، ما جَرَّدنا الأمراء إلا وظنهم فينا أن ما في عسكر الشام أفرس منا، ونريد أن لا نخيب ظنهم فينا، فقال له قطلوبك: ما الحيلة؟ فقال: نحلف كلنا بأنا لو لقينا خربندا بمجمعه ما رجعنا عنه، فقال: نعم، فحلفوا على ذلك، وساروا ليلًا ونهارًا حتى وصلوا إلى المخاضة في الفجر الأول، فإذا خيل خارجة من الماء، وعلى جانب الماء فرسان تقدير ألفي فارس، والخيل متصلة، فلما رآهم قطلوبك وابن العنيتابي قالا هذه الخيل وقد قطعت الماء، إلا أن هذه أوائلهم، والرأي أن نحمل عليهم ونرميهم إلى الماء، ولو كان خربندا خلفهم، أو نصبر إلى أن يلوح الضوء، فإن رأيناهم في كثرة تأخرنا عنهم شيئًا فشيئًا، وإن كانوا مقدار ما حزرنا أو أكثر من ذلك إلى عشرة آلاف نتقدم،
(1)
تجرد: في الأصل.
فلا نمكن أحدا من الجواز إلى هذا الجانب، ثم قوّوا قلوبهم وحملوا، ولم يصبروا إلى انتشار الضوء، وصاحوا صيحة واحدة بقولهم: الله أكبر، فيالها من ساعة ما كان أعظمها، ومصيبة على العدو وما كان أظلمها، وذلك أنهم كانوا آمنين في المخاضة، ظنا منهم أنها خالية عن الناس، ووقع كثير من التتار في الماء، وهلك منهم خلق كثير، وكان معهم جماعة من مماليك قراسنقر، فيهم مملوكه الذي يُقال له الخطاي، وهو كبيرهم، وأضافهم قراسنقر حين وجه هذه الطائفة من التتار مع [أمير ابجيل]
(1)
، كما ذكرناه الآن.
[وكان ابجيل]
(2)
هذا متأخرًا عن الذين عدّوا الفرات إلى هذا الجانب، فلما جرى على هؤلاء ما جرى من الهزيمة وغرق أكثرهم في الماء، وأصبح الصباح، تقدم قطلوبك وقال لأصحابه: كونوا مكانكم حتى أعبر أنا في الماء من المخاضة فإن رأيتموني وقد خرجت من ذلك الجانب، فاعبروا خلفي، فقالوا له: افعل ما تريد ونحن في طوعك، فركب حصانًا أخضر عاليًا، فدخل المخاضة، فلما رآه التتار من ذلك الجانب تعجبوا منه، وقالوا: هذا جِنّىّ فعل شيئًا ما فعله أحد، وهو على ذلك فإذا بابجيل مقدم التتار، وقد وصل إلى المنكسرين الذين تقدموا إلى المخاضة، فرأى قطلوبك في الماء يريد العبور إلى ذلك الجانب، فسأل عن الخطاي مملوك قراسنقر، أتعرف هذا، فقال: نعم، هذا يقال له: قطلوبك الوشاقي، فقال: حدثه، فنادى الخطاي له، وقال: يا أمير قطلوبك، تأنَّ على نفسك ولا تعجل فتقع في المهلكة، فيا قليل العقل، أنت تعرف تقاتل من؟ وأيضًا أفلا تعلم ما جرى على المسلمين؟ وعلى الأمراء من السلطان؟ ولولا خروجنا نحن من البلاد لما بقى أحد منكم إلى الآن، فعودوا وارجعوا عما أنتم فيه، فإن هذا الخان هو صاحب الإقليم ومالك البلدان، وقد حلف لقراسنقر والأفرم ولغيرهما من الأمراء أنه ما يرجع حتى يفتح البلاد الشامية والمصرية ويسلمها إليكم، ويعمكم بالإنعام والإحسان، فإن قبلتم كان خيرًا لكم، وإن خالفتم راحت أرواحكم، وسُبيت حريمكم وأولادكم، ونُهبت أموالكم.
(1)
أمير الخيل: في الأصل والتصويب مما سبق.
(2)
وكان الجيل: في الأصل والتصويب مما سبق.
فلما سمع قطلوبك ذلك، قال له: يا كلب، أنت أيضًا تتحدث بهذا الحديث، ويلك ما رأيتم من الخير حتى تدعو الناس إلى ما أنتم فيه من الضلال والفساد، ثم إنه مَدَّ يده إلى قوسه وأطلق نشابة نحوه، فانشمر كل من كان يريد العبور من
(1)
المخاضة إلى أماكنهم من ذلك الجانب، ثم أنهم رموا بالسهام على قطلوبك، فلما رأى أصحابه ذلك أرموا خيولهم كلها في الماء، فلما رأى التتار ذلك ولوا إلى الإدبار وركنوا إلى الفرار، وهلك من المسلمين في ذلك اليوم جماعة، فهذا الذي جرى لهؤلاء.
وأما ما كان من خربندا فإنه قال لقراسنقر: [ازحفوا]
(2)
على البلد فقد طال علينا الأمر، فلما أصبح الصباح تقدمت علوج
(3)
المغل، وركب خربندا وبين يديه قراسنقر والأفرح والزردكاش، وتفرقت أمراء المغل إلى المواضع التي عينها لهم خربندا، واجتهد المسلمون أيضًا وحرضهم الأزكشي، [وقامت]
(4)
بينهم في ذلك النهار حرب [شديدة]
(5)
إلى آخر النهار، وبات أهل الحصن في أمر عظيم من الحصار.
ولما أظلم الليل وخمدت النيران، طلب خربندا الأمراء وقال لهم: إش هذا القتال الذي قد طال بكم؟ ولو نصحتم كنتم أخذتم القلعة في يوم واحد، فقالوا: يا خوند، قد شاهدت بعينك ما جرى في هذا النهار، فقال لهم: غدًا يكون الانفصال، فلا تطولوا، ورتب منازل الأمراء والمقاتلين من الليل.
ولما أصبح الصبح تقدمت المغل، وقدامهم قراسنقر والأفرم والزردكاش، وداروا بالقلعة من كل مكان، ونظر إليهم الأزكشي، فقال لمن معه: يا معاشر المسلمين قاتلوا عن حرمكم وأولادكم، ألا ترون إلى هؤلاء وما هم عليه من الهمة، فقاتلوا بهمة صادقة.
(1)
إلى: ومصححة إلى من: في الأصل.
(2)
ارجفوا: في الأصل.
(3)
العلج - علوج: الرجل من كفار العجم، والقوي الضخم منهم، ينظر تاج العروس، مادة علج.
(4)
وقام: في الأصل.
(5)
شديد: في الأصل.
ثم هجمت المغل، وأرموا النشاب بلا عدد ولا حساب حتى أن أحدًا من أهل القلعة لا يقدر أن يخرج يده من وراء الستائر، وأرموا عليهم من سبع [منجنيقات]
(1)
، وبقى قراسنقر يدور بنفسه على المنجنيقات ويحرضهم، وقد أخربوا من أبراج القلعة أربعة أبراج وهدوها إلى الأرض، وقد رجعوا عن الزحف، وأيقنوا بأنهم غداة غد يأخذون القلعة بلا خوف.
وأما رجال الرحبة، فقد باتوا تلك الليلة على الأبراج الخراب
(2)
وهم في قلق عظيم.
وأما خربندا فإنه في تلك الليلة طلب قراسنقر والأفرم وجوبان نائبه، [وقال]
(3)
: ما تقولون في هجومنا القلعة غدًا، فنهض جوبان، وقال: أيد الله الخان، فإنه يعلم أن هؤلاء مسلمون ونحن أيضًا مسلمون، وسمعت اليوم صراخ النساء والصبيان، وما أظن الله تعالى يتخلى عنهم، والرأي أنك ترسل إليهم غدًا وتنذرهم، وتحلف لهم أنهم إذا سلموا القلعة إليك لا تؤذي أحدًا منهم، وإن لم يسلموا فافعل [ما بدا لك]
(4)
فقال: هذا هو الرأي.
وأما بدر الدين الأزكشي فإنه طلب مقدمي القلعة وأكابرهم، فقال لهم: اعلموا بأن أبراجًا من القلعة أخربت، وانهدمت قطعة من السور، وما بقى إلا هجومهم علينا، فما رأيكم، فقالوا: نحن بايعنا الله على الموت، فقال صدقتم، ولكن إيقاع الشخص نفسه في التهلكة حرام، وعندنا نساء وأطفال، فلا يحل أن نكون سببًا لهتكهم وسبيهم، والرأي عندي أن نرسل إليهم القاضي والمحتسب ومشايخ البلد، فإن حلف لهم خربندا والأمراء جميعهم أنهم لا يشوشوا علينا، وأن تكون آمنين على أنفسنا وأموالنا وحريمنا وأولادنا سلمنا إليهم وخرجنا، فلم يرض المقدمون على ذلك.
(1)
مناجيق: في هذا الموضع والمواضع التالية، وتم تصويبها وفقا لما ورد في المصادر التي تتناول الآلات الحربية.
(2)
الخراب: بين الأسطر في الأصل.
(3)
وقالوا: في الأصل.
(4)
ما بذلك: في الأصل.
وباتوا تلك الليلة، فلما أصبحوا جاءوا إلى الأزكشي، وقالوا: إن الرسول قد جاء من خربندا، فأمر بمد الاسقالة على الباب، فدخل الرسول، وقعد مع الأزكشي في داخل باب القلعة، ثم قال الرسول: إن الملك خربندا لما رأى ما حل بكم، وسمع بكاء النساء والصبيان، رق لكم، وحمل همكم، فإن أردتم أن تَسْلَموا من هذه المصيبة سلموا هذه القلعة، وهو يحلف لكم بالله أنه لا يؤذي أحدًا منكم، وإلا فإنه نوى أن يزحف عليكم زحفة واحدة فلا يبقى أحدًا منكم.
وكان قاضى البلد ومشايخه حاضرين هناك، فقالوا: المصلحة أن تسلموا هذه القلعة إن حلفوا لكم أنهم لا يؤذون ولا يشوشون على أولادكم وحريمكم، فقال الأزكشي للقاضي ومشايخ البلد: انزلوا أنتم فاذهبوا فيحلف لكم، ونحن نسلم القلعة إليه، ويمكننا من الرواح إلى الشام.
فنهض القاضي والمشايخ فنزلوا وذهبوا إلى خربندا، فلما حضروا بين يديه قربهم وأدناهم وأمرهم بالجلوس، فقالوا: أيها الملك، إن أمنتنا جلسنا، فقال: قد أمنتكم، فقام القاضي ودعا له، وطلب الأمان لأهل القلعة، فتبسم خربندا، وقال: قلنا لكم من أول يوم احقنوا الدماء ما سمعتم، فقال القاضي: الماضي ما يذكر، فالمسئول من صدقات الملك أن يأمر بكتابة كتاب الأمان إلى أهل القلعة والبلد جميعهم على أنهم ينزلون بالحريم والأولاد، وأن يأمر الملك بإيصال من يريد الرواح إلى الشام إلى مأمنه، فأمر بذلك، فكتبوا، فأخذه القاضي وعاد إلى القلعة، ووقفوا عليه، ورضوا بالتسليم.
وعاد القاضي إلى خربندا، وأخبره بذلك، خلع عليه وعلى مَنْ معه، ثم أمر لأمير يقال له: آسن قطلو، وقال له: خذ معك ألفا من المغل وتسلم القلعة، وأنزل أهلها.
فسار القاضي قدامهم حتى وصلوا إلى القلعة ففتح الباب ودخل القاضي، ورأوا وراءه رجال المغل، فقامت الأكراد وقالوا: إش بقى بعد أن جاءت المغل ودخلوا القلعة؟ سلموا إليهم نساءكم وأولادكم وأنتم بالحياة تنظرون إليهم، وهؤلاء ما لهم يمين، فلمن
صَدَقُوا في يمينهم حتى [يَصْدُقوا]
(1)
لكم؟ ثم جردوا السيوف، وتقدم شخص منهم يُقال له: خضر البرددار، فضرب واحدا من المغل على رأسه فنزل السيف إلى نصف رأسه.
فعند ذلك قامت الحرب [الشديدة]
(2)
بينهم، وقُتل من الفريقين خلق، فولت المغل الأدبار، فقالوا: هذه حيلة عملوها معنا، وما صَدَّق آسن قطلو بالنجاة حتى عاد إلى خربندا، فازداد خربندا غضبًا، وأمر للمغل بالزحف من كل جانب، فزحفوا، واشتد المصاف بأهل القلعة، وعملت السيوف والسهام والحجارة، فَقُتِل خلقٌ كثير من المسلمين، ومن النساء أيضًا عند النقوب، حتى أيقن التتار أنهم قد أخذوا وملكوا.
وكان خربندا قد نزل في خيمته، والأمراء في خدمته، فإذا استادار قراسنقر جاء، وحدث في أذن قراسنقر، فقام قراسنقر وتقدم إلى خربندا، وقال: أيد الله الخان، الجواسيس [الذين]
(3)
قد سيرناهم إلى مصر قد حضروا، فأمر بإحضارهم، وكان فيهم شخص يقال له: زُريق، فقال له خربندا: ماذا رأيت بعينك؟ فقال: رأيت بأن عسكر مصر قد خرجوا، وهم في عدد وعُدَدٍ، وسمعنا أن الملك الناصر أرسل مملوكه كسناي
(4)
والأمير قجليس
(5)
والأمير جنكلي بن البابا بخلق كثير بالخيل والهجن على البرية، ومعهم عربان يدلون على الطرق يأتون من عانة والحديثة، والملك الناصر بمن معه ماشون على الطرق المادة.
فلما سمع خربندا ذلك قال للأمراء: ما تقولون؟ وهم في ذلك، وإذا برسول من الأردو
(6)
وقد حضر، فلما رأى خربندا آرمي روحه إلى الأرض، ونعى رجاله وبلاده، وقال له: يا خوند، أنت مشتغل ببلاد غيرك، وقد ملكوا بلادك وأخذوها من يدك،
(1)
إضافة تتفق مع السياق.
(2)
الشديد: في الأصل.
(3)
الذي: في الأصل.
(4)
كُستاي، الأمير سيف الدين الناصري، توفي سنة 716 هـ/ 1316 م، الدرر الكامنة 3/ 353 رقم 3311.
(5)
قجليس الناصري السلاح دار، توفي سنة 731 هـ/ 1331 م، الدرر الكامنة 3/ 328 رقم 3238.
(6)
الابد: في الأصل، والتصويب مما يلى.
فقال: ويلك ما هذا؟ بَيِّن لي، فقال: قد خرج من بلاد الترك مقدم ومعه مائة ألف فارس يسمى [ذلدى]
(1)
، ومقدم آخر معه مائة ألف فارس أيضًا يسمى قنغوري، قال: فلما سمعنا بهم ركبنا إليهم بعسكر خراسان وجموعها، [فعملوا]
(2)
علينا كمينًا وانكسروا قدامنا وجازوا إلى الكمين فخرجوا علينا فقتلوا منا بلا عدد، وقتل يولاي مقدم العساكر، وقتل ولدك بسطام، وانهزمت العساكر وأخذوا خراسان، وكلما تقدموا أخذوا البلاد.
فلما سمع بذلك خربندا تغيرت حواسه، وسمعت بذلك عساكره، فعلا فيهم البكاء والصراخ لأنه ما فيهم أحد إلا وله في خراسان أخ أو ابن أو قرابة، فقال خربندا: فليس هذا موضع البكاء، فاتفقوا على أنهم يرحلوا إلى بلادهم ليحموها عن أعدائهم.
ذكر رحيل خربندا من الرحبة
لما سمع خربندا من رسول الأُرْدو ما ذكرنا، ركب من تلك الساعة وأخذ معه قراسنقر والأفرم في عشرة آلاف فارس وعبروا الفرات، وقال لجوبان، الحقني ببقية العساكر، واحرقوا المجانيق التي نصبناها على الرحبة والزردخانة أيضًا، ولا يبيت منكم أحد ليلة غد في أرض الشام.
ولما سار خربندا وقع الصوت في العساكر، ووقعت الهجة، وأرسل جوبان إلى الأمراء الذين في النقوب يأمرهم بأن يخرجوا، وكذا أرسل وراء اليزك، ووقعت الضجة بينهم في ظلام الليل، وسمع أهل القلعة بذلك، وقالوا: ما هذه الضجة؟ فقال الأزكشي: إن صدق حزري فقد جاءهم الخبر بأن السلطان [قادم]
(3)
فلذلك رحلوا، وإلا ما هذا وقت الرحيل وقد أشرفوا على أخذ القلعة.
(1)
دلداي: في الأصل، والتصويب مما يلي ص 378، ص 380.
(2)
فيملوا: في الأصل.
(3)
إضافة لاستكمال المعنى.
وما أصبح الصباح وقد بقى هناك أحد من التتار سوى جوبان ومعه عشرة آلاف فارس، فأمر للزراقين بأن يضرموا النيران في المنجنيقات وفي الزردخانة، وأمر بإحراق سائر الأثقال التي ما قدروا على حملها، ثم ساروا خلف خربندا.
وقال ابن كثير: وفي أوائل رمضان نازلت التتار الرحبة وحاصروها عشرين يومًا، وقاتلهم نائبها بدر الدين موسى الأزكشي خمسة أيام قتالًا شديدًا، فأشار رشيد الدين له بأن ينزلوا إلى خدمة السلطان خربندا ويهدوا له هدية ويطلبوا منه العفو، فنزل القاضي نجم الدين إسحاق وجماعة وأهدوا له خمسة أروس خيل وعشرة أباليج سكر، فقبل ذلك ورجع.
(1)
وكانت بلاد حلب وحماة وحمص قد أخلوا
(2)
منها وخرب أكثرها، ثم تراجعوا لما تحققوا رجوع التتار عن الرحبة، وأما أهل الرحبة فإنهم لما رأوا ذلك سجدوا شكرًا لله تعالى، وقالوا، بعد ما أشرفوا على الأخذ: رحلوا عنا بغير مدافع.
وأرسل الأزكشي إلى الشام من يعلم النائب بذلك.
ذكر خروج السلطان من مصر وتوجهه إلى الشام لمحاربة خربندا
قال ابن كثير في تاريخه: لما كان العشر الأول من رجب تواترت الأخبار بحركة التتار، فندب للكشف الأمير سيف الدين أقول السلحدار، وتوجه السلطان إلى نحو الجيزة يتصيد، وختم بالأهرام، ورسم الأرغون النائب بأن ينزل الأجناد البطالة في مدة الغيبة ليكونوا معينين إن دعت الضرورة إليهم، ففعل ذلك.
(3)
وعاد الركاب الشريف من الجيزة إلى القلعة في شعبان، وأعطى لمن استخدم من الجند البطالين مثالات مبلغ من معاملة ساحل الغلة، وأُحضرت الخيول من الربيع
(1)
البداية والنهاية 18/ 124.
(2)
قد أُجلُوا: في البداية والنهاية 18/ 124.
(3)
لم يرد هذا النص في المطبوع من البداية والنهاية 18/ 123.
وأبرزهم
(1)
الدهليز إلى مسجد التبر في أوائل رمضان، وأنفق في العسكر، وتأهب للعرض والتبريز، فكان يعرض في كل يوم أميرين من مقدمي الألوف، ويخرجان بمن معهما من الأمراء والمقدمين والحلقة ويرحلون أولًا فأولا، من التاريخ المذكور إلى الثاني والعشرين من الشهر، فلم يبق في الديار المصرية أحدٌ من الجيوش الإسلامية.
وعَيَّد السلطان عيد الفطر بالقلعة، وفي ثانيه ركب منها وحل في ثالثه، ورتب سيف أيتمش نائبًا بالقلعة، وسيف الدين المحسني مشد الدواوين، وقد ذكرنا أن الأمير غرلو كان نازلًا على تدمر لكشف الأخبار، فلما طال به الأمر رجع إلى دمشق وأعلم النائب دنكز بأن العدو محاصر الرحبة ليلًا ونهارًا، وقد جدوا على الحصار غاية الجد، وإن لم يُدْركوا وإلا أُخذت، فأرسل النائب البريدي إلى السلطان، بذلك، وضاقت صدور أهل دمشق، وصاروا بالليل والنهار يدعون الله تعالى بأن يزيل هذه الغمة عنهم، وكان في جامع دمشق صريخ بالدعاء ليلًا ونهارًا، وجفل أهل الشام ورحل أكثرهم إلى الحصون وإلى الديار المصرية، وجيش الشام كانوا في تجهيز العدد ليلًا ونهارًا، وإنعال الخيول، وهم ينتظرون قدوم السلطان.
وهم في ذلك فإذا [بريدي]
(2)
وصل من ديار مصر بأن السلطان قد عبر منازل الرمل، ويجعل منزلتين منزلة واحدة، وأرسل إلى نائب دمشق يقول له أنفق في الجيش ليكونوا مجهزين للركوب، فإنا عن قريب عندكم.
فلما قرأ النائب الكتاب، ضُربت البشائر
(3)
، ودُقت الكوسات ونادت النقباء في العساكر بالعرض والنفقة، وشرع النائب في النفقات.
وهم على ذلك، فإذا قاصد من نائب الرحية قد حضر، وأخبر أن العدو قد رحل، ولم يصل إلى الرحبة بحال، ولا نال منها غرضًا، فلما سمع النائب بذلك تهلل وجهه فرحًا.
(1)
هكذا بالأصل.
(2)
بردي: في الأصل.
(3)
في ثامن شوال: في البداية والنهاية 18/ 124.
وقال: ما كان سبب رحيلهم؟ فقالوا: لا علم لنا، إلا أنهم جدوا علينا وأشرفوا على الأخذ، فإذا بهم وقد وقع بينهم أصوات في الليل، فلما أصبح الصباح ما رأينا منهم أحدًا، وأحرقوا المنجنيقات والزردخانة، وعدوا الفرات، وقطعوا الجسر، وسارت الكشافة وراءهم، ولم يروا لهم أثرًا.
فتعجب دنكز من ذلك، ومن الحال كتب دنكز مطالعة إلى السلطان، وأرسل خازنداره مع مملوك الأزكشي فلاقوا السلطان وهو على غزة، فأعلموه بذلك، فقال السلطان: لا غنى عن السير وراءهم، ولو قطعوا جيحون، ثم أنه أمر بالرحيل فرحلوا، وجدّوا يطلبون دمشق.
ذكر وصول السلطان إلى دمشق
ولما قرب السلطان من دمشق، ركب سيف الدين دنكز وسائر الخلق إلى ملاقاة السلطان، فلاقوه، ودعوا له، وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا
(1)
، ونزل بالقصر، ونزلت العساكر في ظاهر دمشق، ثم طلب السلطان الأمراء، وقال لهم: تجهزوا، فإن الرحيل بعد ثلاثة أيام إلى بلاد العدو، ثم قال لهم: ما قلتم؟ فقالوا: خلد الله ملك السلطان، وإش نحن حتى نتحدث، والمرسوم مرسوم السلطان، فالسلطان يسير ونحن بين يديه، برجال لا يخافون الموت، بل يرونه مقيما، ويرون الحياة مغرما، فخرجوا على هذا وشرعوا في التجهز.
وفي تلك الليلة، طلب الأمراء كلهم، وقال: اعلموا أن فيكم مشايخ وقد شاهدوا الحروب وقاسوا النوائب فليشيروا علينا، فالرأى شرك، فقام الأمير سيف الدين كجكن، وجوبان، وبلبان البدرى، وأقجبا الظاهري، وبلبان التترى، هؤلاء من أمراء دمشق، ومن المصريين: الأمير جنكلي بن البابا، وطغاي، وكستاي، وبكتمر الحاجب،
(1)
يوم الثلاثاء ثالث عشرين من شوال: في البداية والنهاية 18/ 124.
وحسين بن جندر، وأيدغدي شقير، وباسوا الأرض، ودعوا للسلطان، وقالوا: ما فينا إلا مَنْ يُشير بشيء غير أنه يمتنع من هيبة السلطان، فإن رسم لنا نتحدث، وإلا فنحن سكوت، فقال: أنا جمعتكم إلا للمشورة، فكل منكم يقول ما عنده، فقالوا: أيد الله مولانا السلطان، إن عدو الله ما رحل عن الرحبة إلا عن أمر عظيم ناله في ذلك الوقت، مع شدة البرد، وقلة المأكول، وضعف عسكره، وبلوغ قدوم السلطان بالعساكر المنصورة إليه، ولا يخفى على مولانا السلطان أن الشتاء مقبلة على الخيل، فإذا توجه مولانا السلطان إلى بلاد العدو يقاسي الجيش شدة، ويحصل لأهل البلاد أيضًا فساد، ومولانا السلطان في قلبه رحمة، لا تريد أن يتأذى أحد من المسلمين، والرأي رأي مولانا السلطان، ورأيه عَليّ، فقال لهم السلطان: لقد صدقتم، ولكن تتحدث الناس بأن العدو في أيام الملك الناصر حاصر ثغر من ثغور المسلمين شهرًا والناصر لم يكشف عنهم، وهذا عجز عظيم للملك، وقالوا: إش يريد مولانا السلطان في تاريخه أعجب من هذا، يأتي مثل خربندا بعسكر لا يُعد ولا يُحصى، ويعدي من الفرات، ويقيم على أقل الثغور شهرًا ولم يقدر على أخذ حجر منه، ثم يهرب ويعدى الفرات، وهذا ليس بقليل، والناس ما يقولون إلا أنه من حركة السلطان لما سمعها، فاستحسن السلطان كلامهم، ولكنه قال: لا بد من الحركة، ولو إلى سفرة زيارة بيت [الله]
(1)
الحرام، وزيارة قبر نبيه عليه السلام، فقالوا: الرأي رأي مولانا السلطان.
ذكر سفر السلطان إلى الحج
قال بيبرس في تاريخه: وفي الثامن من شوال وردت إلى السلطان مطالعات بأنه لما كان ليلة السادس والعشرين من رمضان رحلت التتار من الرحبة، فثنى السلطان عزمه إلى الحجاز، وفرق العساكر المنصورة في قاقون وعسقلان، واستصحب من شاء من الأعيان، ودخل دمشق في اليوم التاسع من شوال، وتوجه منها إلى الكرك في ثاني ذي القعدة فوصلها في ثامنه، وسار منها إلى الحجاز.
(1)
إضافة يقتضيها السياق.
وأقامت العساكر التي بدمشق صحبة سيف الدين أرغون نائب الكرك
(1)
.
وقال ابن كثير: وخرج السلطان إلى الحجاز في أربعين أميرًا من خواصه
(2)
.
وقال النويري: توجه بهم يوم السبت ثاني ذي القعدة إلى الكرك، ثم منها إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم منها إلى مكة شرفها الله، وتصدق بصدقات وقضى مناسكهـ، ورجع إلى المدينة فزار، وتوجه إلى الكرك، ثم إلى دمشق، فدخلها يوم الثلاثاء الحادي عشر من محرم سنة ثلاث عشرة وسبعمائة.
(3)
وذكر في كتاب سيرة الناصر: ولما عزم السلطان على الحج كان الركب قد خرج من دمشق من مدة عشرة أيام، وعين السلطان الأمراء الذين يأخذهم معه، واشتغلوا بتجهيز الشعير والبقسماط والروايا والقرب، وبعد ثلاثة أيام رحل، وكان رحيله في الخامس من ذي القعدة، وسار في خدمته خمسون أميرًا من أمراء مصر والشام، وخمسة أمراء من أمراء العربان، وألفا رجل من المماليك والعسكر على الهجن والخيل، وكانت تلك السنة خير ورخص وكثرة مياه في المنازل، ولما قرب السلطان من المدينة لاقاه صاحبها منصور
(4)
ومعه أولاده، وخلع عليه السلطان خلعة سَنية، وسار بين يديه حتى نزل السلطان بظاهر المدينة، ثم اغتسل من وعث الطريق، ثم سار إلى النبي عليه السلام وزاره، وفرق على المجاورين الدنانير والدراهم، وأقام بالمدينة يومين، وقال لمنصور صاحب المدينة، أحضر ولدك كُبَيْشَا
(5)
لأنه بلغني عنه أمور منكرة، وكان قد بلغ
(1)
لم يرد هذا النص في المطبوع من كل من زبدة الفكرة، والتحفة الملوكية.
(2)
ينظر البداية والنهاية 18/ 125.
(3)
ينظر نهاية الأرب 32/ 202، 205.
(4)
هو: منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم، قتل سنة 725 هـ/ 1325 م، الدرر الكامنة 5/ 132 رقم 4849، تذكرة النبيه 2/ 159، المنهل الصافي 11/ 281 رقم 2547.
(5)
هو: كبيش بن منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم، المتوفى سنة 728 هـ/ 1328 م، الدرر الكامنة 3/ 348 رقم 3300.
السلطان بأنه دخل إلى الحرم النبوي راكبا، فقام إليه المجاورون وأنكروا عليه، وقالوا هذا لا يحل لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم، فشتم المجاورين، فقام منصور وباس الأرض، وطلب العفو عنه، فقال السلطان: لا بد من إحضاره، وإلا آخذك معي إلى الديار المصرية، ثم إنه رسم عليه، فخرج مع السلطان تحت الترسيم.
وكان قد بلغ خبر السلطان إلى حُميضة
(1)
ورُميّثه
(2)
ابني أبي نميّ صاحبي مكة، شرفها الله تعالى.
وقال خُمَيضة أنا لا أقابل السلطان، وأى وقت حضرنا عنده قبض علينا لذنوب سَلفت منا في حقه وحق الناس، فاتفقا على أن ينهزما ويتعلقا بجبال بني شعبة إلى حين رواح السلطان.
وهما في ذلك، وإذا بنجاب قد وصل إليهما من عند منصور صاحب المدينة، يعلمهما بقدوم أخيهما أبى الغيث
(3)
مع السلطان، وفي نية السلطان أن يقبض عليكما ويخلي أبا الغيث في مكة، فلا يقف أحد منكما قدامه، وإلا تروح روحه، فسألا النجاب: كم يكون مع السلطان من العسكر؟ قال: الجملة تجئ مقدار أربعة آلاف غير العرب، وأمراء العرب من مصر والشام، وأما عرب الحجاز فإنهم معه في ذل عظيم، وقد رسم على منصور، وطلب منه ابنه كُبيشا وقد هرب، فلما سمع حميضة ذلك قال: والله، هذا هو الموت بعينه، ثم إنه ركب في ساعته.
(1)
هو: حميضة بن أبي نمي محمد بن حسن بن علي بن قتادة الحسني، الشريف عز الدين، أمير مكة، قتل سنة 720 هـ/ 1320 م، الدرر الكامنة 2/ 167 رقم 1637، العقد الثمين 4/ 232 رقم 1083، المنهل الصافي 5/ 186 رقم 969.
(2)
هو: رميثة بن أبي نمي محمد بن حسن بن علي بن قتادة الحسني، توفي سنة 746 هـ/ 1345 م، الدرر الكامنة 2/ 204 رقم 1728 وفيه توفي رميثة سنة 748 هـ، العقد الثمين 4/ 403 رقم 1196، المنهل الصافي 5/ 356 رقم 1047.
(3)
هو: أبو الغيث بن محمد بن حسن بن علي بن قتادة الحسني، قتل سنة 715 هـ/ 1315 م، الدرر الكامنة 3/ 298 رقم 3149.
وكان قد جاء كارم كثير من اليمن وتجار فنهب الجميع، وطلب أكابر مكة فصادرهم وأخذ أموالهم، وهرب منه خلق كثير، وطلب المجاورين وأخذ كل ما كان معهم من القوت والمال، وأي مَنْ مَانع قتله، وأرسل من يكشف له الخبر ساعة فساعة، ثم خرج من مكة وسار إلى جبال بني شعبة، وكانت جبالًا حصينة عالية، ما لأحد عليها سبيل.
ولما وصل السلطان إلى خُليص أرسلَ صاحبَ خُليص إلى مكة يقول لحميضة أن يحضر ولا يتأخر، هو ومن معه، فإن حضر فله الأمان ولا يؤاخذ بالذي جرى منه وله العطاء والإنعام، وإلا فالسلطان يضيق عليه ويحصله وهو صاغر ذليل، ويسلخ جلده ويحشيه تبنّا، فسار صاحب خليص حتى وصل مكة وإذا بحميضة قد خرج من مكة، ونهب أموال الناس، وسد الأبيار التي في منى، وأفسد البلد، وجفل الناس، وعاد ولاقى السلطان على بطن مر، فأخبره بما فعل حميضة في مكة.
ورحل السلطان ودخل مكة، وخرج التجار المأخوذون وصرخوا: يا مولانا السلطان أجرنا من هذا الباغي الطاغي الفاجر، فاشتد غضب السلطان عليه، فطلب السلطان أبا الغيث وسأل عنه عن الجبال التي تحصن بها حميضة، فقال: يا خوند، جبال منيعة لا يقدر على السلوك فيها إلا أهلها غير أن أهلها إذا رأوا طول الحصار عليهم أخذوه وأخرجوه من عندهم، فقال السلطان: هذا الوقت أدركنا مناسك الحج وليس لنا فراغ، ولكن اطلبوا لي رجلًا من خيار أهل مكة، فأتوا برجل صالح يُقال له: حماد، فأعطاه السلطان أمانًا وأرسله إلى حميضة في تلك الجبال.
ذكر قضية رُمَيْثه مع الحُجَّاج
قال الراوى: كنت في تلك السنة مع الحجاج، ونحن وقوف بعرفة، وكان قد قل الماء للناس لأن حميضة أفسد آبار مكة ومنى، فراحت الناس يَرِدون الماء من وادي نخلة، وإذا بالصياح وقد علا، فسأل السلطان: ما الخبر؟ فقيل له أن حُميضة قد خرج على الحجاج الذين وردوا الماء في وادي نخلة فقتل منهم جماعة، وأخذ منهم مقدار
خمسمائة جمل، فركب السلطان بعسكره، وركبت الأمراء معه، وسار حتى طلع إلى ظهر الجبل، فترجل الأمير علاء الدين أيدغدى شقير، فقال: يا خوند، أنا أروح وراءه، فأخذ معه مائة فارس وسار على مقدمتهم، وإلى جانبه أبو الغيث بعربان تلك الأرض، فساقوا ودخلوا إلى وادي نخلة في ساعة، وإذا بالمأخوذين ينادون بالويل والثبور، فصاح أيدغدي شقير وقال: إلى أين راح الذي أخذكم، فقالوا: يا خوند، ما راح إلى الآن، لأنه كان معنا جماعة من الروم والتركمان والعجم، فهربوا بجمالهم، وعبروا في شعب من شعاب الجبل، فإن لم تلحقهم أخذوه في هذه الساعة، فلما سمع بذلك أيدغدي ساق حتى أشرف عليهم، وإذا بالعرب قد ترجلت وتستروا بحدايج
(1)
الجمال خوفًا من النشاب، وحدبوا سيوفهم، وأصحاب الجمال قد أيقنوا بالأخذ، فأشرف عليهم أيدغدي، ولما رآهم العرب ركبوا خيولهم، وكانوا مقدار خمسمائة فارس، وألف راجل، ومقدمهم رُميثة أخو حُميضة، وكان يزعم أنه يلاقي عسكر مصر بالذين معه، وكان أكثر من معه عبيدًا قد تربوا عندهم.
فلما رأوا الترك: تصارخوا وقالوا: دونكم وإياهم، فما هم بشيء وقد ساقهم الله إليكم، وهم يظنونكم عرب بلادهم، فحملوا عليهم، وفي أوائلهم رُميثه وعليه قرقل أصفر وبركستوان أحمر وتحته حصان أخضر، وكان أفرس أهل زمانه، فحمل هو، وهو يقول: يا طناجرة
(2)
الترك حل بكم الدمار، أهلكتم العباد، وأفسدتم البلاد، فاليوم نترككم حديثًا للناس.
فعند ذلك هجمت عليهم الترك، وعلى مقدمتهم أيدغدي شقير، وهو على حصان أشقر، وعليه زردية، ولم يقصد رُميثه إلا أيدغدي، فحمل عليه، فلما حمل عليه أطلق أيدغدي نشابه في يده فتلقاها بترس
(3)
مكي في يده سبع طبقات من جلود الجمال،
(1)
الحداجة - حدائج: مركب من مراكب النساء نحو الهودج والمحفة، ينظر لسان العرب، مادة حدج.
(2)
الطنجير: كناية عن الجبان أو اللئيم، ينظر تاج العروس مادة طنجر.
(3)
التُّرس: بالضم، من السلاح المتوقى بها، تاج العروس، مادة ترس.
فأخرقت النشابة الترس ووصل إلى رميثه فجرحته، فوقع الرمح من يده، وعانق ظهر جواده، وطلب النجاة لنفسه.
ثم رشت الترك السهام فأعملوا بها الخيل وركابها، فولت العبيد، وأدركتها الترك بالسهام، فعظمت فيهم المصيبة، وتفرق جمعهم وتبعتهم الترك، فأدرك الليل، ولولا ذلك لأُخذوا كلهم.
ثم رجع أيدغدى شقير مع أصحابه، وقد قتلوا منهم
(1)
جماعة، وأسروا خلقًا كثيرًا وإذا بالحجاج وقد جمعوا الجمال الشاردة.
وكان مع رُميثه عرب، وهم رُكاب هجن، فلما رأوا رُميثه هاربًا نزلوا من الهجن وتعلقوا بالجبال، فأخذت الترك منهم سبعين هجينًا، وردوا كل ما كانوا أخذوه من الحجاج، وساروا يطلبون جبل عرفات، وما وصلوا إلى الجبل إلا في نصف الليل.
ثم اجتمعوا بالسلطان، وحدثه أيدغدي بجميع ما جرى، فسر السلطان بذلك.
ولما نزل السلطان على منى جاء إليه استادار حُميضه، ومعه ثلاثون فرسًا جيادًا من خيل الحجاز، ومائة هجين، وشيء كثير من القماش والثياب والعبيد، فقدمها إلى السلطان، وقال: أقل مماليكك حُميضه ورُميثه يقبلان الأرض ويسألان المراحم الشريفة، وأن لا يسمع مولانا السلطان فيهما كلام الحساد والأعداء الذين ينقلون الكذب لأجل أغراضهم ليتقربوا إلى المقام الشريف بالكلام المزور، فقال السلطان: الظاهر عنوان الباطن، ولو لم يكن الذي قيل عنهم صحيحًا لما هربوا مني، فقال: يا مولانا السلطان، ومن هو الذي ما يهرب من بين يدي الأسد؟ وما هربوا إلا خوفا من السطوات الشريفة، ونسأل العفو من هذه الجَرْية.
وكان أيضًا قَدِم بتقادم إلى الأعيان الذين مع السلطان من الأمراء والخاصكية،
(1)
منهم: بين الأسطر في الأصل.
فالكل ساعدوه على ما طلبه، وكان السلطان قد عين [أميرًا]
(1)
من أمراء مصر ومعه خمسمائة مملوك بأن يقيموا في مكة ومعهم أبو الغيث.
ثم قال له السلطان: أنا ما لي عرض في أخذ مكة ولا في أخذ المال، وأنا ما أطلب إلا أمن الحجاج والتجار والمترددين إلى مكة، فقال استاداره: يا خوند، من عَدِم له عقال أعطيناه بعيرًا، ومن راح له درهم أعطيناه دينارًا، والله على ما أقول وكيل، فعند ذلك تحدثت الأمراء أيضًا، فرضى السلطان، وخلع على استاداره، وجهز معه خُلعًا لحُميضة ورُميثة، وسيوفًا وحوائص، وتقليد مكة ونواحيها ما داموا على الاستقامة.
ثم رحل السلطان طالبا الديار الشامية.
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة
منها: أن السلطان احتاط على دار شمس الدين قراسنقر المنصوري بالقاهرة، ووجد فيها، على ما قيل، اثنان وثلاثون ألف دينار عينًا، ومائة ألف وخمسون ألف درهم، وسروج مذهبة، وغير ذلك، فحُملت إلى بيت المال.
ومنها: أن في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة قدم الإمام تقي الدين ابن تيمية إلى دمشق، وكانت غيبته عنها سبع سنين كامل، ومعه أخوه
(2)
وجماعة من أصحابه، وخرج كثير من الناس لتلقيه، وسُروا بقدومه وعافيته، وكان قد خرج مع السلطان من مصر بنية الغزاة، فلما تحقق عدم الغزاة فارق الجيش من غزة وزار البيت المقدس وجاء على عجلون وبلاد السواد وزُرَع حتى قدم يوم قدم
(3)
.
(1)
أمراء: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق، ينظر ما يلي.
(2)
هو عبد الرحمن بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، زين الدين أبو الفرج، المتوفى سنة. 747 هـ/ 1346 م، الدرر الكامنة 2/ 437 رقم 2300.
(3)
ينظر البداية والنهاية 18/ 125.
ومنها: أن خربندا لما رحل من الرحبة إلى بلاده بعساكره نزل على الموصل فجاءته نواب بلاده بالأموال والتقادم، فلم يستقر بل رحل طالبا تبريز، ولما استقر في تبريز سَير رُسلا إلى بلاده، فطلب النواب والملوك الذين بها مع عساكرهم، فأتى الجميع إلى تبريز، واجتمع عليها خلق كثير، فبينما هم كذلك، [إذ]
(1)
قد وصل رسول من عند ذلدي.
قال الراوي: فأحضره خربندا، بعد أن حضر جميع الأمراء وقراسنقر والأفرم، وقال للرسول: قل لما جئت؟ فقال: يقول لك ذلدي: إن ملك الترك قد سيره ومعه ثمانون ألف فارس، وهو يطلبك أن تروح إليه، وإلا فهو يجئ إليك، قال: وأنت تعلم أنَّا إنما خَلَّينا لك هذه البلاد حتى تُسَير إلينا في كل عام الحمل، وقد انقطع الحمل من مدة ثلاث سنين، وقد علمت أَنَّا لو أردنا أن نَصفَّ من بلادنا إليكم عساكرا فارسًا بعد فارس لقدرنا، ولكنا نقنع بالحمل، فلا يكون جوابك إلا إرسال حمل ثلاث سنين التي مضت، أو الحرب بيننا.
فلما سمع خربندا بذلك، قال للرسول: اذهب الآن واسترح حتى يجيئك الجواب، فخرج من عنده.
ثم قال خربندا: ماذا يكون الجواب؟ فكل واحد منهم تكلم بشيء، ولم يكن جُوبان حاضرًا، فلما كان بعد ثلاثة أيام حضر جوبان، فقال له خربندا: نحن ننتظرك في الجواب، قال له جوبان: جوابه حاضر، فطلب الرسول وضربه بالدبوس إلى أن كاد أن يموت، فقال: أنا رسول وليس من عادة الملوك ضرب الرسول، فقال جوبان: أنا ما ضربتك حتى تعلموا أن ما عندنا جواب غير الرمح والسيف، فقال الرسول: أنا ما جئت إليك، وإنما جئت لصاحب الكرسي، قال: فقال له خربندا: اسمع من كلامه ما قال لك.
فرجع الرسول إلى ذلدي وأخبره بما جرى عليه مع خربندا، فامتلأ عليه غضبًا، ثم أرسل إلى ملك الترك بأنه قد كسر عساكر خُراسان وقتل مقدميها، وأرسل إلى خربندا
(1)
إذا: في الأصل.
يطلب منه حمل البلاد، وأنه ضرب رسوله ورده بما يكره، ونحن منتظرون الجواب، فرد إليه الجواب: بأنك حال وصول الرسول إليك تركب إليه بعسكرك، فإن رأيتم فيكم قلة فأعلمني أُسير لكم عسكرًا يسد الأرض، ولولا خوفي من العساكر لسَيَّرت لك جيشًا يكون أوله عندكم وآخره في بلاد الترك.
فرجع الرسول إلى ذلدي، وكان نازلًا على خُرسان، فلما سمع الرسالة قام وركب، وكان قد وصل إليه خبر دَمندار بأنه وصل إلى الماء الأسود، وهو نازل على بكر ويكير
(1)
، فلما ركب ذلدي سَيَّر دمندار يُعلم خربندا بركوبه.
قال: فجمع خربندا الأمراء وقال لهم: اعلموا أن ذلدي ركب، ونخاف على دَمَنْدَار من مكيدة يعملها عليه ويهلك مَنْ معه من العساكر، وكان دمندار من أمراء خربندا، وكان قد جهزه إلى مازندران بعشرة آلاف فارس.
ولما جمع خربندا أمراءه، قال لهم: ماذا تريدون في أمر ذلدي، فقال جوبان: ما ينفع إلا أن نجرد العساكر ونسير إليه، وهذه أيام الشتاء، فإن كان هو طلبنا قاتلناه، وإن تأخر سَيّرنا نوابّا إلى خراسان، ونحن نشتي في هذه السنة في مُوغان.
فقال: فاستصوب الأمراء كلهم هذا الرأي، وسار خربندا يطلب خراسان، فإذا برسول من عند دَمَنْدَار أعلمه بأن ذلدي نازل على الماء الأسود، واليزك منا ومنهم على المشارع
(2)
، وإن لم تلحقوا بالعساكر وإلا عبروا إلينا.
قال الراوي: فساق خربندا وهو مسرع من غير تمهل حتى وصل إلى الماء الأسود، فإذا بعسكر ذلدي وهم يريدون قطع الماء إلى الناحية الأخرى، ولهم يزك مقابل دمندار.
وكان ذلدي قد سير رسولًا إلى بلاد كيلان، لما نزل على الماء الأسود، يقول لهم: قد علمنا ما جرى عليكم مع التتار أولا، وكيف جاءوا عليكم وقصدوا هلاككم، ونصركم الله تعالى عليهم، فالآن نحن قد وصلنا إليهم، ونحن مسلمون وأنتم مسلمون، ونريد منكم أن
(1)
بكر وبكير: قلعتان على النهر الأسود، ينظر ما يلي.
(2)
مشرع - مشارع: المواضع التي يُنْحدَر إلى الماء منها، ينظر لسان العرب، مادة شرع.
تمكنونا من العبور في رأس الماء، لأن الماء الأسود من بلد كيلان ينزل من جبالها فيجتمع ويصير بحرًا لا يقدر أحد أن يعبر فيه، ولا له مشرع، وإذا أراد أهل كيلان أن لا يمكنوا أحدًا من العبور في رأس الماء يمنعونه، لأنه مكان وعر كثير الأشجار صعب المسلك.
فلما وصل رسول ذلدي إلى صاحب كيلان جوان شير، وسمع كلامه، أجابه: السمع والطاعة، وقال له: لكم منا كل ما تريدون، فإن [جئتم]
(1)
إلينا نزلنا معكم، وإن أردتم أن لا نمكن أحدًا من العبور في رأس الماء من التتار فعلنا ذلك، فقال له نعم.
وفي الحال جهز جوان شير أربعة آلاف راجل إلى دربند الماء فساروا إليه، وسَيَّر مع الرسول حاجبه ومعه هدايا وتحف.
ولما وصل حاجب جوان شير إلى ذلدي فرح به، وقال له: إن جوان شير يقبل الأيادي الكريمة ويهنئ مولانا بالنصر على الأعداء، ويقول لك: لا يهولك مكر التتار، فإنهم ما ملكوا البلاد إلا بالمكر والحيل، وإنهم لا يقاومونكم في الحرب أبدًا، وإذا جد بينكم الحرب أرسلوا إلينا وعرفونا حتى ننزل إليكم ونشهد موقفكم.
وأما خربندا، فإنه لما وصل إلى الماء الأسود، كما ذكرنا، ونظر إلى ذلدي وأصحابه، جمع أصحابه وقال لهم: ماذا ترون لي مع هؤلاء؟ وهؤلاء عسكر عظيم مقدار عسكرنا مرات، فإن عبروا إلينا ما نعرف يكون الأمر بيننا وبينهم، وكان ذلك الوقت أول زمان الشتاء.
قال الراوى: فأقام خربندا هناك شهرين مقابل ذلدي [ولا يقدر]
(2)
أحدهما على الآخر لأجل عدم التمكن من العبور في الماء، فلما جمد الماء حتى صار يحمل مشى الخيل عليه أرسل ذلدي إلى خربندا يقول له: نحن نعبر إليكم أو نتأخر حتى تعبروا إلينا، فقال خربندا: نحن نتأخر واعبروا أنتم إلينا، فرجع رسول ذلدي إليه وأعلمه بذلك.
(1)
اجبلم: هكذا في الأصل، وما أثبتناه يتفق مع السياق.
(2)
ولا يقد: في الأصل.
وكان ذلدي هذا معروفًا بالمكر والدهاء والحيل في أمور الحرب، فأحضر أميرًا من أصحابه يقال له: تكال بغا، يعلم أنه كفء لما نُدب إليه، وقال له: خذ معك مائة ألف واعبر من دربند كيلان من رأس الماء، ويكون اجتماعنا في يوم واحد، فقال له: سمعًا وطاعة، وقال لهم: لا ترحلوا إلا في الليل بحيث لا يعلم أحد إلى أين أنتم رائحون، فأي مَنْ وجدتموه في الطريق فاقبضوا عليه، فرحل تكال بغا في تلك الليلة مع أصحابه وساروا.
وأما خربندا فإنه جمع الأمراء للمشاورة، وقال لهم: اعلموا أننا اتفقنا مع العدو بأنه يعبر إلينا، وقد تعين الحرب، فأشيروا، فالرأي مشترك، فقال جوان: الرأي عندي إنا ليلة الميعاد نؤخر منا عشرين ألفا يكمنون بين هذه الروابي والشعاب ليلة المصاف، فإذا [اشتدت]
(1)
الحرب وعظم الخطب فَنُهزم بين أيديهم إلى وسط الكمين، فنخرج عليهم فنكسرهم، فقال له خربندا: لقد أصبت في هذا الرأي، ولكن نخاف أن يولى العسكر فلا نقدر على جمعه، فقال جوبان: هاهنا رأي آخر، وهو أنا نخلى لنا كشافة عليهم، فإذا شرعوا في العبور
(2)
، تترصدهم كشافتنا، فإذا عبر نصف عسكرهم يعلموننا بهم فنعاجلهم فنأخذهم إن شاء الله تعالى، فقال خربندا: نخاف من عاقبة البغي، فقال قراسنقر، مَنْ شفق على عدوه بُلى به، فآخر الأمر اتفقوا على هذا الرأي.
ولما كان ثاني اليوم رحل خربندا وتأخر إلى الوراء، وركب ذلدي وقال لقومه: إن خربندا يريد أن يخادعنا فيترصد عبورنا في الماء حتى عَدَّى نصفنا يعاجلنا، فالرأي عندي أن لا تعبروا كردوسًا
(3)
كردوسًا ملبسين متأهبين للحرب، ولا يعبر ناس بعد ناس لأن الماء قد جمد فيحمل الخيل والجمال، وها أنا أول من يعبر، وكان هو أول من عبر ومعه عشرة آلاف ملبس، وكشافة خربندا وقوف، وكان قد صح عندهم أن مع ذلدي مائتا ألف فارس، فقالوا: إذا رأينا وقد عبر مقدار مائة ألف فارس أعلمنا خربندا بذلك، وشرعت عسكر ذلدي تعبر أولًا فأول، وما انتصف النهار إلا وقد عبر أكثر من مائة
(1)
اشتد: في الأصل.
(2)
في العبور على: في الأصل.
(3)
كردوس - كراديس: فرقة من الجيش حوالي عشرة آلاف فارس، ينظر تاج العروس، مادة كردس.
[ألف]
(1)
فارس، وذهبت كشافة خربندا فأعلموه بذلك، وكان خربندا وعسكره على ظهور خيولهم واقفين غارقين في السلاح، فساق خربندا حاطمًا على ذلدي، فلما رأى ذلدى ذلك صاح في رجاله وأبطاله.
ولما رأى قراسنقر ذلك، قال للأفرم وهو إلى جانبه: كم هربنا من الموت وما قدرنا، وهذا آخر أيامنا من الدنيا، فياليتني ما خرجت من بلاد [الملة]
(2)
الإسلامية المحمدية، ثم قال للأفرم: اجمع بالك ولا تفارقني وقد [قامت]
(3)
الحرب، ولما رآهم ذلدي وهم في لبسهم، ولم يغيروا ذلك، قال لأصحابه: إن صدق حزري فهؤلاء الأمراء الذين هربوا من السلطان الملك الناصر وجاءوا عند خربندا، فاحذروهم، فإنهم رجال الحرب.
وفي ذلك الوقت حملت الخيل على الخيل، وقد ذكرنا أن خربندا جعل كمينا، وكان رأس الكمين هو جوبان ومعه عشرون ألف فارس، وحمل خربندا بباق عسكره، فبينما هم في شدة الحرب، إذ وَلَّى خربندا مع التتار يطلبون موضع الكمين، فلما رأى ذلدي ذلك تبعهم، خرج جوبان بمن معه، فلما رأى عسكر ذلدي خروج الكمين من خلفهم، وأن العسكر المنهزمة رَدَّت، قال ذلدي: والله، سبقونا إلى ما دبرناه، فولت عسكره، وأخذوا الطريق الذي خرجوا منها، وجاء خربندا من قدامهم بمن معه من العسكر فالتجأوا إلى جبل هناك، ومانعوا عن أنفسهم، وكان قريب المساء، فدارت عساكر خربندا بهم من كل جانب وأيقن ذلدي وأصحابه بالهلاك، فقال له أمراؤه: والله، أسأت حيث فرقت
(4)
عسكرك فرقتين، وما نعلم ما الذي جرى لتكال بغا، واليوم ميعاده معنا، فقال ذلدي: الذي قدره الله كان، وما بقي هذا الكلام يخلصكم، ولا يخلص إلا ضرب الحُسام وتجريع الموت، فقاتلوا عن أنفسكم قتال من أيس من الحياة وأيقن
(1)
إضافة مما سبق.
(2)
إضافة تتفق مع السياق.
(3)
قام: في الأصل.
(4)
فرقت: في هامش الأصل، ومنبه على موضعها بالمتن.
بالوفاة، ولو كان القوم يبارزونا فارس بعد فارس لخرجت إليهم وبذلت نفسي دونكم، وفي غد ترون ما أصنع.
وبات تلك الليلة يشجعهم ويطمعهم بزخرف الأقاويل.
هذا وخربندا في الفرح والسرور وأنه في يقين من انتصاره عليهم، وقد عول أن يأخذهم وقت الصباح.
ولما أصبح الصباح قامت الحرب، وأمر خربندا لعساكره بأن تترجل فترجلوا على الأرض، ولما نظر ذلدي وأصحابه إلى ذلك عزموا على أن يسلموا لهم أرواحهم ويطلبوا الأمان، فبينما هم على ذلك فإذا بغبار قد ثار حتى ملأ الأقطار من ناحية بلاد التتار، ولم يسمعوا من تحت الغبار إلا دق الطبول وصياح الفرسان، فصرخ ذلدي في أصحابه وقال لهم: هذا تُوكال وقد أقبل إليكم فخذوا لأرواحكم وشجعوا أنفسكم، فالشجاعة هي صبر ساعة، فلما سمعوا ذلك قووا قلوبهم وركبوا خيولهم، وانحدروا من رأس الجبل.
وأما خربندا، فإنه لما نظر إلى عسكر وقد أقبلت، قال لأصحابه: إش هذا الغبار؟ فقال له جوبان: هذا غبار كمين ذلدي، فوالله، لقد رابنى قلة عسكرهم، وإذا بالغبار وقد ارتفع عن تُكال بُغا ومعه مائة ألف فارس، فصرخ في فرسانه فحملوا، ونزل ذلدي من الجبل وحمل من ناحية أخرى.
ولقد قاتل في ذلك اليوم قراسنقر والأفرم وجوبان، ما [رأى]
(1)
الراؤون بمثله، فكثر بين الفريقين القتل والجرح، وامتلأت المعركة من [القتلى]
(2)
، فعند ذلك ذلت طائفة التتار وطلبوا النجاة لأنفسم، وذلدي تبعهم بمن معه ثلاثة أيام.
هذا والأفرم وقراسنقر والزردكاش ومماليكهم حول خربندا، فقال خربندا: والله، إن كان عسكر الشام مثل هؤلاء فما على وجه الأرض أفرس منهم.
(1)
رأت: في الأصل.
(2)
القتلاء: في الأصل.
وأما خربندا فإنه تأخر إلى ورائه قليلًا، قليلًا، وسار حتى وصل تبريز، [وتفقد]
(1)
عسكره، فوجد قد عدم منهم خمسين ألفًا، فاغتم غمًا شديدًا، وقال له جوبان: لا تُضيق صدرك فالدنيا هكذا، فيوم لنا ويوم علينا، ولكن عن قريب يبقى عسكرك أحسن مما كان وأكثر إن سمعت مِنِّي، فقال له: وما أصنع؟
فقال: اخرج الأموال القديمة التي من عهد الآباء والأجداد، وأنفق في العسكر، واستخدم الرجال، فقال له: نِعم الرأي.
ففي الحال أرسل البريدية، ونادي في البلاد بالنفقة في الجند، وأرسل إلى بحيرة المجمع وجاب منها الأموال على ظهور الجمال، واجتمع عليه الجند من جميع البلاد ونفق عليهم، فيما مضى عليه ستة أشهر حتى بقى عسكره مائتي ألف مقاتل.
وأما ذلدي فإنه عول على الرحيل خلفهم، ونزل على بكر وبكير، وهما قلعتان على النهر الأسود، فنزل إليه صاحب القلعتين وقدم له تقادم واستعرض حوائجه، فقال له: يا ملك، أنا وبلادي وأولادي كلهم مماليك الملك الكبير، ففرح ذلدي بذلك وشكره على فعله، ثم رحل طالبًا لبلاده.
وأما خربندا فإنه أقام أياما في هم وحزن بسبب انكساره ورواح رجاله وأمواله، فدخلت عليه المغل وطيبوا قلبه، وقالوا: أيها الملك، بلادك متسعة، ورجالك كثيرة، وأموالك غزيرة، فلا تحمل الهم.
فقال: ما هي إلا صاحب مصر يسمع بهذه الكسرة فيطمع فيَّ ويَشْمت بي، فقال له قراسنقر والأمراء، صاحب مصر يرضى بالمساكتة، فعند ذلك فرح بعض الفرح، وخلع على قراسنقر، وأعطى الأفرم همدان وجهزه بأحسن جهاز، وشكر صنيعهم.
قال الراوي: فباسوا كلهم الأرض، ورحل كل أمير إلى محل ولايته.
(1)
وافتقد: في الأصل.
ومن الحوادث في هذه السنة
أن عمارة الجامع الجديد الناصر بمصر بشاطئ النيل انتهت في هذه السنة، وكان الناصر قد شرع فيها في أوائل سنة عشرة وسبعمائة كما ذكرنا
(1)
.
ومنها أن الوزير أمين الملك تكلم بعد سفر السلطان في الأموال، وطلب أرباب الولايات، وأمر بالاستخراج والعقوبة، وممن صودر القاضي محيي الدين
(2)
بن فضل الله، أُخذ منه جملة من المال، فانقطع عن ديوان الإنشاء.
وفيها بلغ النيل
(3)
.
وفيها حج بالناس بالركب المصري الأمير مظفر قيدان الرومي، وبالركب الشامي حسام الدين لاجين الصغير الذي كان والى البر.
(1)
ينظر ما سبق.
(2)
هو: يحيى بن فضل الله بن مجلي العمري، محي الدين، توفي في رمضان 738 هـ/ 1337 م، الدرر الكامنة 5/ 199 رقم 5036، المنهل الصافي 12/ 99 رقم 2944، وينظر أعيان العصر 5/ 571 رقم 1946.
(3)
الماء القديم ثلاث أذرع وأصابع، مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا واثنان وعشرين إصبعًا: في النجوم الزاهرة 9/ 224.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
• قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد
(1)
بن إبراهيم بن [إبراهيم بن داوود ابن]
(2)
حازم الأذرعى الحنفي.
وكان بارعًا فاضلًا، دَرَّس وأفتى، وكان من أعيان مذهبه، يعرف الفقه والأصول والنحو، ودَرس مدة بالشبلية التي على جسر ثورا بدمشق، وتولى القضاء بدمشق سنة كاملة ثم عُزل، وسافر منها إلى الديار المصرية فدخلها متمرضّا، ونزل بخانقاه سعيد السعداء فأقام بها خمسة أيام.
ومات في سلخ رجب
(3)
، وكان مولده بأذرعات سنة أربعين
(4)
وستمائة، وكان متواضعًا ساكنًا، كريم الأخلاق، رحمه الله.
• القاضي تاج الدين عبد الرحيم
(5)
بن تقي الدين عبد الوهاب بن الفضل بن يحيى بن السنهوري
(6)
، كان ناظر النظار بالديار المصرية.
أقام في نظر الدواوين نحوا من ثلاثين سنة
(7)
، وعُرضت عليه الوزارة مرارًا فلم يقبل، قيل أنه لم يكن أحد يعرف أموال الديار المصرية مثله.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 77 رقم 135، البداية والنهاية 18/ 128، تذكرة النبيه 2/ 52، المقفي الكبير 5/ 47 رقم 1574، السلوك 2/ 122، الدرر الكامنة 3/ 365 رقم 2358، النجوم الزاهرة 9/ 223، المنهل الصافي 9/ 211 رقم 1985.
(2)
إضافة من مصادر الترجمة للتوضيح.
(3)
في خامس رجب: في تاريخ البرزالي، يوم الأربعاء ثاني عشرين رجب: في البداية والنهاية 18/ 129، ثامن عشرين رجب: في المقفي الكبير.
(4)
أربع وأربعين: في تاريخ البرزالى، المقفي الكبير، المنهل الصافي.
(5)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 67 رقم 121، السلوك 2/ 122، الدرر الكامنة 2/ 467 رقم 2394.
(6)
السمنودي: في الدرر الكامنة.
(7)
مدة ستين سنة: في الدرر الكامنة 2/ 467، السلوك 2/ 122.
مات في سابع عشر
(1)
ربيع الآخر بمصر معزولًا، وعمره نحو مائة سنة وتسع سنين.
وكان كثير الصيام والذكر والتلاوة.
• القاضي شهاب الدين غازي
(2)
بن شهاب الدين أحمد بن الواسطى ناظر حلب.
وولي نظر الدواوين بمصر مدة، ونظر الصحبة، ونظر دمشق، وغير ذلك، وكتب بديوان الإنشاء مدة.
توفي في الثامن عشر من ربيع الآخر منها
(3)
.
• القاضي تاج الدين أحمد
(4)
بن القاضي عماد الدين محمد بن شمس الدين محمد بن هبة الله بن الشيرازي الدمشقي.
مات ببستانه بالمزة، ودُفن بسفح قاسيون بتربة والده.
وكان من أعيان الدماشقة، ولى وكالة بيت المال والحسبة ونظر الدواوين، وتنقل في المناصب، ولما مات لم يكن في يده منصب.
ومولده سنة ست وخمسين وستمائة، ومات في رابع رجب، وهو والد القاضي عماد الدين
(5)
.
(1)
ثامن عشر: في تاريخ البرزالي، سابع: في الدرر الكامنة.
(2)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 67 رقم 123، نهاية الأرب 32/ 203، تالي كتاب وفيات الأعيان 127 رقم 203، أعيان العصر 4/ 21 رقم 1330، السلوك 2/ 122، الدرر الكامنة 3/ 294 رقم 3135، المنهل الصافي 8/ 357 رقم 1790.
(3)
ومولده بحلب، وكان من أبناء الثمانين: في أعيان العصر.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 75 رقم 132، وفيه: تاج الدين أبو الفضل محمد، نهاية الأرب 32/ 203.
(5)
وهو: محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن هبة الله، عماد الدين، المتوفي سنة 749 هـ، أعيان العصر 4/ 256 رقم 1465، الدرر الكامنة 3/ 455 رقم 3483.
• القاضي نور الدين أحمد
(1)
بن الشيخ شهاب الدين عبد الرحيم بن عز الدين عبد الله بن رواحة الحموي الأنصاري، وكان رأس الدرج بطرابلس.
مات بحماة معزولًا في السادس عشر
(2)
من شعبان.
وكان دينًا فاضلًا، وله شعر فمنه ما ذكره الشيخ علم الدين البرزالي، قال أنشدني نور الدين بن رواحة لنفسه قوله:
ألا يا رسول الله دعوة مخلص
…
يُرَجِّيك في بُعد المزار وقربه
وسائله سارت لأكرم مرسل
…
متى يدعه للجود داع يُلبه
وقد كان من أنصار جندك جنده
…
فكن أنت من أنصاره عند ربك
وسله له جدوى بإغناء فقره
…
وكبت أعاديه وغفران ذنبه
(3)
• شرف الدين محمد
(4)
بن موسى بن محمد بن خليل المقدسي، الكاتب المنشيء.
مات في خامس عشر
(5)
شعبان بالقاهرة.
وكان فاضلًا، حسن النظم والنثر، إلا أنه كان كثير الهجاء، وكان معروفًا بكاتب أمير سلاح، وعنده حكمة وفلسفة.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 80 رقم 143، نهاية الأرب 32/ 204، الوافي بالوفيات 7/ 56 رقم 2988، وفيه: أحمد بن عبد الرحمن.
(2)
في السادس والعشرين: في تاريخ البرزالي.
(3)
لم ترد هذه الأبيات في المطبوع من تاريخ البرزالي.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 81 رقم 146، نهاية الأرب 32/ 204، تالي كتاب وفيات الأعيان 157 رقم 261، الوافي بالوفيات 5/ 93 رقم 2106، أعيان العصر 5/ 284 رقم 1801، المقفي الكبير 7/ 219 رقم 3282، فوات الوفيات 4/ 42، رقم 498، الدرر الكامنة 5/ 39، رقم 4607، النجوم الزاهرة 9/ 223، المنهل الصافي 11/ 132 رقم 2430.
(5)
الاثنين الخامس والعشرين من شعبان: في نهاية الأرب.
ومن شعره:
اليوم يوم سرور لا شرورَ به
…
فَزَوِّج ابن سحاب
(1)
بابنة العنب
ما أنصف الناس
(2)
من أبدى القطوب بها
(3)
…
وثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب
وله:
صَرَّف بصِرف الحُميا ما حَمي طربًا
…
فإن فيه
(4)
لسم الهم درْياقا
(5)
دنياك معشوقةٌ والروح ريقتها
…
فارشُف مراشفها إن كنت عَشَّاقا
وله:
نقص الفتى يُبديه قرينه
…
فاهجر كبيرك إن أردت كمالا
فالبدر صار لبعده عن شمسه
…
بدارا وكان من الدنو هلالا
وقال الشيخ بدر الدين بن المحدث
(6)
: رأى شرف الدين المذكور عندي صبيًا حسنًا يكتب، فأخذ لوحه وكتب فيه، وكان اسمه سالمًا:
وأهيفَ تهفو نحو بانة قَدِّه
…
[قلوب]
(7)
تبث الشجو فهي حمائمُ
(1)
ابن سماء: في أعيان العصر 5/ 285.
(2)
الكأس: في الوافي بالوفيات 5/ 94، أعيان العصر 5/ 285، النجوم الزاهرة 9/ 223، المنهل الصافي 11/ 132.
(3)
لها: في الوافي بالوفيات، النجوم الزاهرة.
(4)
فيها: في أعيان العصر.
(5)
درْياقا: في الأصل، والتصويب من الوافي بالوفيات 5/ 94.
(6)
هو: الحسن بن علي بن محمد بن عدنان بن شجاع الحمداني، بدر الدين ابن المحدث. المجود الكاتب، المتوفي سنة 734 هـ/ 1333 م، أعيان العصر 2/ 210 رقم 579، الدرر الكامنة 2/ 109 رقم 1535.
(7)
إضافة من الوافي بالوفيات 5/ 95، أعيان العصر 5/ 287.
عجبت له إذ دام توريدُ خدّه
…
وما الورد في حال على الغصن دائمُ
وأعجب من ذا أن حيَّة شَعْره
…
تجول على أعطافه وهو سالمُ
وله:
عانقتُه ولثمت وجنته التي
…
ختمت بعنبر خاله الفيَّاح
فبكى وبَلَّ الدمعُ خديه كما
…
ضحك الحبابُ على احمرارِ الراح
وله القصيدة البديعة التي أولها:
ما مِلتُ عنك لجفوة وملال
…
كلا
(1)
ولا خطرَ السلو ببالي
(2)
• الشيخ عمر
(3)
بن الشيخ أبي عبد الله بن النعمان.
توفي بمصر في أواخر شهر رمضان
(4)
.
• العدل الفاضل شهاب الدين أحمد
(5)
بن سليمان بن مروان بن علي بن سحاب البعلبكي.
مات بداره بدمشق
(6)
، ودفن بسفح قاسيون
(1)
يومًا: في الوافي بالوفيات 5/ 96، أعيان العصر 5/ 288، المنهل الصافي 11/ 132.
(2)
تنظر القصيدة في الوافي بالوفيات 5/ 96 - 98، أعيان العصر 5/ 288 - 290، ووردت بعض أبياتها في المنهل الصافي 11/ 132 - 133.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: السلوك 2/ 122.
(4)
يوم الأربعاء خامس عشري رمضان: في السلوك 2/ 122.
(5)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 64 رقم 117، الدرر الكامنة 1/ 149، رقم 393، أعيان العصر 1/ 222 رقم 110.
(6)
يوم الخميس السادس من شهر ربيع الآخر: في تاريخ البرزالي، وأعيان العصر.
وكان تاجرًا بالخواصين، ثم ترك ذلك وشهد عند [الحكام]
(1)
، واستقر في شهادة القيمة.
وكان له اشتغال بالعربية والأدب، ونظم الشعر، فمن نظمه قوله:
صُن ذا الجمال الذي استولى على المهج
…
وراقب الله في ذا المنظر البهج
فما القلوب جماد عند رؤيته
…
كم مغرم بك يا روح الحياة شج
عد الجميل وخف يوم المعاد ولا
…
تثني سجاياك دعوى البارد الحجج
ولا يصدك عن إسعاف ذي كمد
…
متيم بك عذل العاذل السمج
بما بقدك من لين ومن هيف
…
وما بطرفك من سحر ومن دعج
لا تتعب الطرف في نهب الورى عبثًا
…
أرح قليلا سرايا طرفك الغنج
فكم أسير غرام في قيود هوى
…
ومن سليب من الأشواق في لجُج
يساير النجم لا ترقي مدامعه
…
ولا يبيت على وعد ولا فرج
وإن جرى العذل في مجرى مدامعه
…
قال الهوى بلسان الحال لا تلج
وقال:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا
…
ومنتهى أربى صدوا وإن وصلوا
مالى أعترض عليهم في تصرفهم
…
جاروا على بوصل أم هم بخلوا
أحبابنا كيف حللتم قطيعة مَنْ
…
أمسى وليس له في غيركم أمل
لا يحمل الضيم إلا في محبتكم
…
ولا يُقاس به في عزه رجل
(1)
الحرام: في الأصل، والتصويب من مصادر الترجمة.
ولى رسائل في ظن القبول خذوا
…
منها حديثي الذي نيطت به القبل
إذا تذكرت إياي بقربكم
…
والوصل متصل والهجر منفصل
وخدد الدمع خدي من تدفقه
…
وفي الحشا لهب الأشواق يشتعل
والآن قد حيل ما بيني وبينكم
…
وضاق منه عَلَىّ السهل
ترى أرى صافيا ما قد تكدر من
…
عيشي وترجع لي أيامي الأول
ويصبح الشمل ملتاما وليس لمن
…
قد كان يحسدنا قول ولا عمل
والحب يبدى اعتذارا من جنايته
…
بغير وجه ويعلو وجهه الخجل
وكل ساع سعى فينا يقول لنا
…
لا ناقة لي في هذا ولا جمل
وله:
إلى سحر عينيك العيون تهاجر
…
وقد فبيت أبصارنا والبصائر
بكل فؤادي للعيون وساوس
…
نواه بتحكيم الغرام أوامر
بآيات هذا الحسن مازلت مؤمنًا
…
وإني بما يُوحى من العذل كافر
وحزني طويل مثل حسنك كامل
…
ودمعي سريع مثل هجرك وافر
وربع اشتياقي أهل بك عامر
…
ومغني اصطباري دارس الرسم داثر
لساني وطرفي منك يا غاية المنى
…
وفي كلف عندي خطيب وشاعر
فهذا المعنى حُسن وجهك ناظم
…
وهذا لدمعي من تجنبك ناثر
وإني لشاك للمشيب وواجد عليه
…
وداع للشباب وشاكر
ليالى فيه الغانيات نواظر إلىّ
…
وغُصنُ اللهو فينان ناضر
ويجمعنا روضُ بُنعمان زاهر
…
تجاوب عيدان به ومزاهر
يطوف علينا بالحُميا جاء در
…
وليس لنا عن مذهب الغي زاجر
ولا كاشح يخشى ولا عيبُ عائب
…
وعاد لنا من سائر الناس عادر
• الشيخ الصالح نور الدين أبو الحسن علي
(1)
بن محمد بن هارون بن محمد بن هارون بن على بن حميد الثعلبي الدمشقي، قارئ الحديث.
مات في ربيع الآخر
(2)
بالقاهرة، ودفن خارج باب النصر، ومولده سنة ست وعشرين وستمائة.
وكان مسند القاهرة في وقته، وخَرَّج له قاضي القضاة تقي الدين
(3)
السبكي مشيخة، وكان رجلًا صالحًا مشهورًا بقراءة الحديث، معروفًا بالخير، وهو والد زين الدين عبد الرحمن
(4)
المعروف بابن القارئ.
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 70 رقم 126، البداية والنهاية 18/ 128، الوافي بالوفيات 22/ 152 رقم 97، أعيان العصر 3/ 517 رقم 1225، السلوك 2/ 121، الدرر الكامنة 3/ 195 رقم 2896.
(2)
بكرة الثلاثاء سابع وعشرين ربيع الآخر: في تاريخ البرزالي، تاسع عشر: في البداية والنهاية، وسابع عشر: في أعيان العصر.
(3)
هو: علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي، قاضي القضاة تقي الدين، توفي سنة 756 هـ/ 1355 م، الوافي بالوفيات 21/ 253 رقم 180، أعيان العصر 3/ 417 رقم 1179، الدرر الكامنة 3/ 134 رقم 2778، المنهل الصافي 8/ 106 رقم 1612.
(4)
هو: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن هارون، زين الدين، أبو الفرج، توفي في أواخر سنة 776 هـ/ 1374 م، الدرر الكامنة 2/ 445 رقم 2330.
• الفقيه العدل علاء الدين على
(1)
بن عماد الدين إبراهيم بن عبد المحسن بن عبد الصمد بن قرناص، الخزاعي الحموى.
مات بظاهر دمشق
(2)
، ودفن بمقابر الصوفية، ومولده في أواخر سنة أربع وخمسين وستمائة.
وكان فاضلًا، اشتغل وحصل، وسافر إلى الحجاز واليمن وديار مصر.
وله نظم كثير، فمنه قوله:
إليك اشتياقي لا إلى الربع والمغني
…
وأنت لقلبي
(3)
عندما نطق المعنى
فيا غائبًا وفي القلب حاضر
…
فلله ما أقصاه
(4)
عني وما أدنى
أذبت فؤادي بالقطيعة والجفا
…
وأنعمت عيشي بالتواصل والحسنى
أأحبابنا منوا عَلَىَّ بعودة
(5)
…
فقد سلمت أرواحنا بالجفا منا
وحقكم لم أبغ
(6)
عنكم تسليا
…
وإن كان ما قد قيل حقًا فلا كُنَّا
(1)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 71 رقم 128، أعيان العصر 3/ 249 رقم 1102، تذكرة النبيه 2/ 51، الدرر الكامنة 3/ 75 رقم 2639.
(2)
في ليلة السبت الثالث عشر من جمادى الأولى: في تاريخ البرزالي، وأعيان العصر.
(3)
للفظي: في تذكرة النبيه 2/ 52.
(4)
ما آنآك: في تذكرة النبيه 2/ 52.
(5)
أأحبابنا منوا بعودة آيب: في تذكرة النبيه.
(6)
نبغ: في تذكرة النبيه.
• الشيخ المسند نور الدين على
(1)
بن نصر الله بن عمر بن عبد الواحد القرشي، المعروف بابن الصواف.
مات بسوق الغنم ظاهر القاهرة
(2)
.
روي عن ابن باقا
(3)
وسمع: جعفر الهمداني، وابن الصابون، وجماعة كثيرة، ومولده سنة عشرين وستمائة تقريبًا.
تفرد بالرواية، وقصده الطلبة وأخذوا عنه، رحمه الله.
• الشيخ الفاضل الصدر الرئيس سراج الدين عبد اللطيف
(4)
بن رشيد بن محمد التكريتي، التاجر الكارمى.
مولده في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وستمائة بتكريت، ودخل اليمن والهند، وقدم الإسكندرية واستوطنها، وبنى بها مدرسة للفقهاء الشافعية.
وكان له عند السلطان الملك المنصور قلاوون مكانة عظيمة، وكان يقول ما لأحد
(1)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 78 رقم 137، الوافي بالوفيات 22/ 273 رقم 200، أعيان العصر 3/ 570 رقم 1244، السلوك 2/ 121، الدرر الكامنة 3/ 210 رقم 2929، المنهل الصافي 8/ 232 رقم 1697.
(2)
ليلة الخميس - قبل الصبح - الثاني والعشرين من رجب: في تاريخ البرزالي.
(3)
روى أكثر صحيح النسائي عن عبد العزيز بن باقا: في الوافي بالوفيات 22/ 274.
(4)
أورد له ابن حجر ترجمتين، الأولى باسم: عبد اللطيف بن رشيد بن محمد بن سديد الربعي التكريتي، والثانية باسم: عبد اللطيف بن محمد بن مسند الإسكندراني الكارمي، سراج الدين، ينظر الدرر الكامنة 3/ 20، 23، رقم 2496، رقم 2502، وفيهما أن صاحب الترجمة توفي سنة 714 هـ.
وينظر ما أورده ابن حبيب أيضًا في كل من درة الأسلاك 200، تذكرة النبيه 2/ 60، وفيهما أيضًا أن صاحب الترجمة توفي سنة 714 هـ.
وله ترجمة باسم: عبد اللطيف بن الرشيد الربيعي التكريتي الكارمي، في الوافي بالوفيات 19/ 123 رقم 109، ولم يذكر تاريخ وفاته.
على فضل وأنا أمير مثل سراج الدين التكريتي، عُرض عليه أشياء كثيرة من الولايات فلم يقبل.
ولسراج الدين قصائد رائقة في النبي صلى الله عليه وسلم، منها قوله:
ما شاقه البان ولا يشوقه
…
مذ لمعت ببارق بروقُه
وجرى إلى المغنى القديم فانثنى
…
وشوقه نحو الحمى يسوقه
يهوى بأكناف الحمى مُحبًا
…
حكاه من غض النقا وريقه
وهي قصيدة طويلة.
وله أيضًا قوله:
يا دار عزه مَنْ للواله الباكي
…
بنظرة يتملى من مُحياكي
أضحى الحزام وبيت الشيح منذ سرى
…
به النسيم عبيرًا حين وافاك
كم ليلة بات طرفي ساهرا قلقا
…
يرعى النجوم وليس القصد إلَّاك
حملت بارقك النجدي حين سرى
…
إلى الحمى أرجَى يحكي خزاماك
ما المنحنى ما رُبى نجد وابرقها
…
وما العُذيب وبان الجزع لولاك
وما سعاد وما لُبنى وزينتها
…
إليك أنست ولكن لَوَّح الحاكي
يا ظبية المنحنى من أضلعي سكنت
…
جاورت قلبي فأمسى وهو مرعاك
مازلت راعية حسب القلوب وما
…
زالت قلوب جميع الخلق ترعاك
لولاك ماسرت الهوج الركاب بنا
…
وَخْدًا وما سارت الركبان لولاك
دعوت وفدك والأشواق تجدُ بهم
…
إلى قراك فكل الوفد لباكي
تُرى تجود لنا الأيام عائدة
…
بالمنحنى ويُحيِّينَا محياكي
وهل تعود ليالينا بقربكم
…
ويرجع الشمل محصلًا برياك
ودعت قلبي وصبري بعد بعدكم
…
والبين أقصاها من حين أقصاك
هَبي المنام لأجفاني ولا سِنَة
…
يحيى بطيفك فيها بعض قتلاك
أزوره في الدجى أقضى بها وطرا
…
لا أصغر الله رب العرش ممشاكي
أو لامع البرق من تلقاك لى سَحَرًا
…
بلوح وَهْنًا فيحكي حُسن مَرآك
يا نوق لا تسامي حر الهجير ولا
…
طول المسير وهذا من سجاياك
لك الهنا إن بدا وادي العقيق لنا
…
ضُحى فما بعده إلا مضحاك
لا مَسَّ ظهرك من بعد النقا قتب
…
ولا تعدى الحيا الوسمي مغناك
بُشراك يا نفس إن نلت المنى وحوى
…
مغناك صريع هذا الحي بشراك
هذا محل الرجاء فيما أؤمله
…
هذا الحبيب وهذا الحي حياك
وأنشد بنا وناد حول روضته
…
الغناء لا فض من بعد النداء فاك
يا تربة المصطفى المختار من مضر
…
سقى ثراك الحياط لا ورواك
ضممت خير عباد الله كلهم
…
من أنبياء وعباد ونُساك
هذا النبي الذي تُرجى شفاعته
…
للهارب المستجير الخائف الباكي
هذا البشير النذير الشافع القمر
…
المنير الطيب الطهر التقي الزاكي
يا سيد العرب العرباء قاطبة
…
وأشرف الخلق من عرب وأتراك
يا من سَمَتْ سماء العلياء رتبته
…
على القبيلين من رسل وأملاك
إن رمت وصفك أو احصاء معجزة
…
من معجزاتك كل الوصف والحاكي
لكن أتيتك بالتقصير معترفا
…
إذا اعترافى بالتقصير إدراكي
يا سيدي يا رسول الله يا أملي
…
يا عدتي ورجائي عند إضناكي
هاجرت نحوك من أقصى البلاد وقد
…
هجرت أهلي وأولادي وأملاكي
وقد نزلت حماك اليوم معتضدًا
…
أسير ذنب عظيم حائر باكي
وعادة العرب العرباء جارية
…
حمي النزيل وكشف الضيم للشاكي
وهذا أوان انصرافى عن حماك وفي
…
يديك عتقى وتسريحي وإفكاكي
صلى عليك إله الناس ما طلعت
…
شمس الضحى وسرت شهب بأفلاك
وشعره كثير، وكله مدح في النبي صلى الله عليه وسلم.
• الشيخ مجد الدين أحمد
(1)
بن ديلم بن محمد الشيبي، شيخ بني شيبة، وشيخ الكعبة المعظمة، وشيخ الحرم الشريف.
مات في هذه السنة
(2)
، ودفن بالمعلاة
(3)
.
روى عن ابن مسدي، والمرسي، وغيرهما.
(1)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 89 رقم 157، السلوك 2/ 121، النجوم الزاهرة 9/ 223.
(2)
ليلة سلخ شوال: في تاريخ البرزالي.
(3)
المعلى: في الأصل.
• الملك المظفر شهاب الدين غازي
(1)
بن الملك الناصر صلاح الدين داوود بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
مات بالقاهرة يوم الاثنين ثاني عشر رجب بعد العصر.
وتوفيت زوجته، وهي ابنة عمه الملك المغيث بن المعظم، وقت عشاء الآخرة.
فخرجت جنازتهما جميعًا
(2)
.
وكان قد حج وزار القدس وتوجه إلى دمشق وعاد إلى القاهرة فمات بها.
وولد بالكرك عاشر جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة.
وكان فاضلًا دينًا متواضعًا.
• الملك المنصور صاحب ماردين، وهو نجم الدين أبو الفتح غازي
(3)
بن الملك المظفر فخر الدين قرا أرسلان بن الملك السعيد نجم الدين غازي بن أرتق الأرتقي، أصحاب ماردين من عدة سنين.
وكان شيخًا حسنًا، مهيبًا، كامل الحلقة، سمينًا بدينا، إذا ركب يكون خلفه محفة خوفًا أنه يمسه لغوب
(4)
فيركب فيها.
وكانت وفاته في تاسع ربيع الآخر، ودُفن في مدرسة تحت القلعة، وعَمر فوق السبعين، فكانت مملكته قريبًا من عشرين سنة.
(1)
وله أيضًا ترجمة في تاريخ البرزالي 4/ 76 رقم 134، نهاية الأرب، 32/ 204، تذكرة النبيه 2/ 50، البداية والنهاية 18/ 128، الدرر الكامنة 3/ 295 رقم 3136، النجوم الزاهرة 9/ 224، المنهل الصافي 8/ 361 رقم 1792.
(2)
ينظر نهاية الأرب 32/ 204، السلوك 2/ 121.
(3)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 65 رقم 119، البداية والنهاية 18/ 127، أعيان العصر 4/ 23 رقم 1331، تذكرة النبيه 2/ 40، 48، الدرر الكامنة 3/ 296 رقم 3140، النجوم الزاهرة 9/ 224، المنهل الصافي 8/ 362 رقم 1793.
(4)
اللغوب: التعب والإعياء، لسان العرب، مادة لغب.
وقام من بعده ولده العادل عَلِىَّ فملك سبعة عشر يومًا، ثم ملك [أخوه]
(1)
الصالح بن المنصور.
• الأمير سيف الدين قطلوبك
(2)
الشيخي.
كان من أمراء دمشق الكبار، توفي في هذه السنة فيها
(3)
:
رحمه الله.
• الأمير بهاء الدين مغلطاي
(4)
البهائي.
توفي فيها
(5)
بطرابلس، وكان قد رُسم بالقبض عليه، فوصل البريدي بذلك بعد وفاته بيوم
(6)
.
(1)
إضافةً للتوضيح من البداية والنهاية.
(2)
وله أيضًا ترجمة في: تاريخ البرزالي 4/ 65 رقم 118، نهاية الأرب 32/ 204، البداية والنهاية 18/ 128، النجوم الزاهرة 9/ 224، الدرر الكامنة 3/ 339 رقم 3266.
(3)
في خامس شهر ربيع الآخر: في تاريخ البرزالي.
(4)
وله أيضًا ترجمة في: نهاية الأرب 32/ 205، السلوك 2/ 122، النجوم الزاهرة 9/ 224.
(5)
في حادي عشر شهر ربيع الآخر: في نهاية الأرب 32/ 205.
(6)
ورد بعد ذلك في نهاية هذه الورقة النص الآتي:
"تم الجزء الحادي والثلاثون من عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان للعيني، يتلوه الجزء الثاني والثلاثين الذي أوله: فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة عشرة بعد السبعمائة، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، آمين، آمين، آمين".
ويلاحظ أن تحديد رقم هذا الجزء هو وفقًا لتجزئة ناسخ هذه النسخة، وليس له علاقة بتجزئة العيني لكتابه، أو لتجزئة النسخة الملفقة التي تم تجميعها من ثلاث نسخ مختلفة الخط والمسطرة، من بينها أجزاء من نسخة بخط المؤلف، وباقي الأجزاء من نسختين بخط ناسخين مختلفين، وبالتالي فإن ترقيم الأجزاء يختلف من نسخة إلى أخرى، ينظر ما ورد بمقدمة الجزء الأول، ومقدمة هذا الجزء.
مصَادِر ومرَاجِع التحقيق
تحتوي القائمة التالية على أسماء المصادر والمراجع الإضافية التي استلزمها تحقيق هذا الجزء من كتاب "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك"
(1)
.
(1)
القرآن الكريم.
(2)
إتحاف الوري بأخبار أم القرى، ابن فهد (محمد بن محمد ت 885 هـ)، 5 مجلدات، جامعة أم القرى - 1410 هـ، 1990 م.
(3)
الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، السلاوي (أحمد بن خالد الناصري ت 1315 هـ/ 1897 م)، تحقيق ولدى المؤلف: جعفر ومحمد، 9 أجزاء، دار الكتاب، الدار البيضاء 1954 - 1956.
(4)
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، ابن هاشم الطباخ الحلبي (محمد بن راغب بن محمود)، 7 أجزاء، حلب 1923 م.
(5)
إعلام الوري بمن ولي نائبا من الأتراك بدمشق الشام الكبرى، ابن طولون (محمد بن علي الصالحي الدمشقي ت 953 هـ/ 1546 م)، تحقيق د. عبد العظيم حامد خطاب، القاهرة 1973 م.
(6)
أعيان العصر وأعوان النصر، ابن أيبك الصفدي (صلاح الدين ت 764 هـ/ 1393 م)، 6 مجلدات، تحقيق د. على أبو زيد وآخرين، دار الفكر، دمشق 1997 م.
(7)
الألقاب الإسلامية، د. حسن الباشا، القاهرة 1957 م.
(1)
تخفيفًا لهوامش التحقيق استخدمنا مختصرات في الإشارة إلى غالبية المصادر والمراجع، وفي هذه القائمة أثبتنا المختصرات - كما وردت في الهوامش - مرتبة ترتيبًا أبجديًا، وأمام كل مختصر اسم المصدر أو المرجع بالكامل.
(8) الانتصار لواسطة عقد الأمصار، ابن دقماق (إبراهيم بن محمد ت 809 هـ/ 1406 م) نشر فولرز، بولاق 1309 هـ/ 1893 م.
(9)
الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، ابن أبي زرع (على بن محمد بن أحمد ت 726 هـ/ 1325 م)، الرباط 1973 م.
(10)
الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر في عصر سلاطين المماليك، د. محمد محمد أمين، دار النهضة العربية، القاهرة، 1980.
(11)
الإيضاح والتبيان في معرفة الكيل والميزان، ابن الرفعة الأنصاري (أبو العباس نجم الدين ت 910 هـ/ 1310 م)، تحقيق د. محمد أحمد إسماعيل الخاروف، من منشورات مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى - دمشق 1980.
(12)
بدائع الزهور في وقائع الدهور، ابن إياس (محمد بن أحمد الحنفي ت 930 هـ)، تحقيق محمد مصطفى، الطبعة الثالثة، القاهرة 2008 م.
(13)
البداية والنهاية، ابن كثير (أبو الفداء إسماعيل بن عمر ت 774 هـ)، 21 مجلد، تحقيق عبد الله عبد المحسن التركي، القاهرة، 1997 م.
(14)
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، الشوكاني (محمد بن علي بن محمد ت 1255 - 1834 م)، جزءان، القاهرة، 1364 هـ، 1929 م.
(15)
بغية الوعاة في طبقات النحاة، السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ت 911 هـ/ 1505 م)، جزءان، القاهرة، 1964 م.
(16)
تاج التراجم في طبقات الحنفية، قاسم بن قطلوبغا (الشيخ أبو العدل زين الدين ت 879 هـ/ 1474 م)، بغداد 1962 م.
(17)
تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي (أبي الفيض، محمد بن محمد ت 1205 هـ)، تحقيق مجموعة من العلماء، الكويت، 1965 - 2001 م.
(18)
تاريخ ابن الجزري، (شمس الدين محمد بن إبراهيم ت 738 هـ)، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، 3 أجزاء، بيروت 2006 م.
(19) تاريخ الحروب الصليبية، ستيفن رنسيمان، نقله إلى العربية د. السيد الباز العريني، 3 مجلدات، بيروت 1967 - 1969 م.
(20)
تاريخ الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الله، السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ت 911 هـ/ 1505 م)، القاهرة 1351 م.
(21)
تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسرات الحاكمة، د. أحمد السعيد سليمان، جزءان، دار المعارف بالقاهرة 1969.
(22)
تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية، الزركشي (محمد بن إبراهيم، القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي)، تحقيق محمد ماضور، تونس 1966 م.
(23)
تاريخ ابن الفرات، ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن الفرات (ت 807 هـ)، المجلدات 7، 8، 9، تحقيق د. قسطنطين زريق، د. نجلاء عز الدين، بيروت 1936 - 1942 م.
(24)
تاريخ ابن قاضي شهبة، ابن قاضي شهبة (أبو بكر بن أحمد الأسدي الدمشقي، ت 851 هـ)، ج 3، تحقيق عدنان درويش، دمشق 1977 م.
(25)
تاريخ الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي وأولاده، الشجاعي (شمس الدين الشجاعي) تحقيق بربارة شيفر، فيسبادن 1978 م.
(26)
تاريخ ابن الوردي، ابن الوردي (زين الدين عمر بن مظفر ت 749 هـ)، مجلدان، بيروت 1996 م.
(27)
تالي كتاب وفيات الأعيان، الصقاعي (فضل الله بن أبي الفخر، ت القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي)، تحقيق جاكلين سويلة، المعهد الفرنسي - دمشق 1974 م.
(28)
تثقيف التعريف بالمصطلح الشريف، ابن ناظر الجيش (عبد الرحمن بن محمد التميمي الحلبي، ت 786 هـ)، تحقيق رودلف فسلي - المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة 1987 م.
(29)
التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية، ابن الجيعان (شرف الدين يحيى بن شاكر ت 885 هـ/ 1480 م)، نشره مريتز، بولاق 1296 هـ/ 1898 م.
(30) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، السخاوي (محمد بن عبد الرحمن ت 902 هـ/ 1497 م)، 3 أجزاء، القاهرة 1979 - 1980 م.
(31)
التحفة الملوكية في الدولة التركية، بيبرس المنصوري (ت 725 هـ/ 1325 م)، تحقيق د. عبد الحميد صالح حمدان، القاهرة 1987 م.
(32)
تذكرة الحفاظ، الذهبي (محمد بن أحمد ت 748 هـ/ 1348 م)، 4 أجزاء، بيروت 1374 هـ/ 1954 م.
(33)
تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، ابن حبيب الحلبي (الحسن بن عمر ت 779 هـ/ 1377 م)، 3 أجزاء - تحقيق د. محمد محمد أمين، القاهرة 1976 - 1986 م.
(34)
تقويم البلدان، أبو الفدا (إسماعيل بن علي، الملك المؤيد ت 732 هـ/ 1331 م)، باريس 1840 م.
(35)
التكملة لوفيات النقلة، المنذري (زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي ت 656 هـ/ 1258 م)، مجلد 5 - 6 تحقيق بشار عواد معروف، القاهرة 1975 - 1976 م.
(36)
التوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنكية والقبطية، محمد مختار، مصر 1311 هـ.
(37)
الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين، ابن دقماق (إبراهيم بن محمد ت 809 هـ/ 1406 م)، تحقيق د. سعيد عبد الفتاح عاشور، مركز البحث العلمي - جامعة أم القرى 1403 هـ/ 1982 م.
(38)
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر ت 911 هـ/ 1505 م)، جزءان، القاهرة 1967 م.
(39)
خطط الشام، محمد كرد على، 6 أجزاء، دمشق 1925 م.
(40) الدارس في تاريخ المدارس، النعيمي (عبد القادر بن محمد ت 927 هـ/ 1521 م)، جزءان، دمشق 1948 م.
(41)
الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ابن حجر (أحمد بن على العسقلاني ت 852 هـ/ 1448 م)، 5 أجزاء، القاهرة 1966.
(42)
درة الأسلاك في دولة الأتراك، ابن حبيب الحلبي (الحسن بن عمر ت 779 هـ/ 1377 م)، مخطوط مصور بدار الكتب المصرية رقم 6170 ح.
(43)
درة الحجال في أسماء الرجال، ابن القاضي (أبو العباس أحمد بن محمد المكناسي ت 1025 هـ/ 1615 م)، تحقيق د. محمد الأحمدي أبو النور، 4 أجزاء، القاهرة 1970.
(44)
الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون (إبراهيم بن على برهان الدين ت 799 هـ/ 1396 م)، تحقيق د. محمد الأحمدي أبو النور - القاهرة.
(45)
ذيل مرآة الزمان، اليونيني (قطب الدين موسى بن محمد ت 726 هـ/ 1325 م)، 4 أجزاء، الهند 1380 هـ/ 1961.
(46)
رحلة ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، ابن بطوطة (محمد عبد الله ت 779 هـ/ 1377 م)، القاهرة 1966 م.
(47)
روضة النسرين في دولة بن مرين، إسماعيل بن الأحمر النصري (أبو الوليد ت 807 هـ/ 1404 م)، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، الرباط 1962.
(48)
زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة، بيبرس الدوادار (الأمير ركن الدين بن عبد الله المنصوري ت 725 هـ/ 1324 م)، الجزء التاسع، تحقيق دونالد س. ريتشاردز، النشرات الإسلامية رقم 42، بيروت 1998 م.
(49)
السفن الإسلامية على حروف المعجم، درويش النخيلي، جامعة الإسكندرية، الإسكندرية، 1974 م.
(50) السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزي (تقي الدين أحمد بن على ت 845 هـ/ 1442 م):
ج 1 - 2 (6 أقسام)، تحقيق د. محمد مصطفى زيادة القاهرة 1934 - 1958 م.
ج 3 - 4 (6 أقسام)، تحقيق د. سعيد عبد الفتاح عاشور، القاهرة 1970 - 1973 م.
(51)
صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، القلقشندي (أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد ت 821 هـ/ 1418 م)، 14 جزءًا، القاهرة 1919 - 1922 م.
(52)
الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد، = الإدفوى (أبو الفضل كمال الدين جعفر بن ثعلب ت 748 هـ/ 1347 م)، تحقيق سعد محمد حسن، القاهرة 1966.
(53)
طبقات الشافعية الكبرى، السبكي (عبد الوهاب بن على ت 771 هـ/ 1370 م)، 10 أجزاء، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي - القاهرة 1964 م.
(54)
طبقات المفسرين، الداودي (محمد بن على بن أحمد ت 945 هـ/ 1538 م): جزءان، تحقيق د. على محمد عمر، القاهرة 1972.
(55)
العبر في خبر من غبر، الذهبي (محمد بن أحمد ت 748 هـ/ 1348 م)، نشره صلاح الدين المنجد، وفؤاد السيد، 5 أجزاء، الكويت 1960 - 1966.
(56)
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، الفاسي (محمد بن أحمد الحسني المكي ت 832 هـ/ 1428 م)، تحقيق فؤاد السيد، 8 أجزاء، القاهرة، 1959 - 1969 م.
(57) عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك، العينى (محمود بن أحمد بن موسى، بدر الدين ت 855 هـ/ 1451 م)، تحقيق د. محمد محمد أمين، صدر منه:
ج 1: 648 - 664 هـ.
ج 2: 665 - 688 هـ.
ج 3: 689 - 698 هـ.
ج 4: 699 - 707 هـ.
وباقي الكتاب مخطوط مصور بدار الكتب المصرية تحت رقم 1584 - تاريخ.
(58)
العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية، الخزرجي (على بن الحسن الخزرجي ت 812 هـ/ 1409 م)، جزءان، القاهرة 1329 هـ/ 1911 م.
(59)
غاية الأماني في أخبار القطر اليماني، يحيى بن الحسين بن القاسم ت 1100 هـ/ 1689 م، قسمان: تحقيق، د. سعيد عاشور - القاهرة 1968 م.
(60)
غاية النهاية في طبقات القراء، ابن الجوزي (محمد بن محمد ت 823 هـ/ 1429 م)، نشره ج. برجستراسر، 3 أجزاء، القاهرة 1351 هـ/ 1932 م.
(61)
فوات الوفيات، ابن شاكر الكتبي (محمد بن شاكر بن أحمد ت 764 هـ/ 1363 م)، 5 أجزاء، تحقيق د. إحسان عباس، بيروت 1973.
(62)
فهرست وثائق القاهرة حتى نهاية عصر سلاطين المماليك، مع نشر وتحقيق تسعة نماذج، د. محمد محمد أمين، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، القاهرة 1981.
(63)
القاموس الجغرافي للبلاد المصرية، محمد رمزي، قسمان في 5 أجزاء، القاهرة 1953 م - 1963 م.
(64) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، حاجي خليفة (مصطفى بن عبد الله كاتب جلبي ت 1067 هـ/ 1656 م، طهران 1387 هـ/ 1947 م).
(65)
كنز الدرر وجامع الغرر، ابن أيبك الدواداري (أبو بكر بن عبد الله ت بعد 736 هـ/ 1235 م):
الجزء التاسع: الدرر الفاخر في سيرة الملك الناصر - تحقيق هانس روبرت رويمر، القاهرة 1960 م.
(66)
لسان العرب، ابن منظور (أبو الفضل، محمد بن مكرم ت 711 هـ)، دار المعارف، القاهرة.
(67)
المختصر في أخبار البشر، أبو الفدا (عماد الدين إسماعيل، الملك المؤيد ت 732 هـ/ 1331 م)، 4 أجزاء، الطبعة الأولى، المطبعة الحسينية المصرية، القاهرة، د. ت.
(68)
مدن مصر وقراها عند ياقوت الحموي، د. عبد العال عبد المنعم الشامي، الكويت 1981.
(69)
مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، اليافعي (أبو محمد عبد الله بن أسعد ت 768 هـ/ 1366 م)، 4 أجزاء، حيدر آباد 1377 هـ.
(70)
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ابن فضل الله العمري (شهاب الدين أحمد بن يحيى، أبو العباس ت 749 هـ)، مركز زايد للتراث والتاريخ، أبو ظبي 2001 م.
(71)
المصطلحات المعمارية في الوثائق المملوكية، د. محمد محمد أمين، ليلى على إبراهيم، دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة 1990.
(72)
معجم البلدان، ياقوت الرومي (ياقوت بن عبد الله الحموي ت 626 هـ/ 1229 م)، 5 أجزاء، تحقيق وستنفلد، دار صادر، بيروت، 1977 م.
(73)
المقفى الكبير، المقريزي (تقي الدين أحمد بن على ت 845 هـ)، 8 أجزاء تحقيق محمد اليعلاوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1991 م.
(74) المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، ابن تغري بردي (جمال الدين أبو المحاسن يوسف ت 874 هـ/ 1470 م)، 13 جزءا، تحقيق د. محمد محمد أمين (ما عدا ج 3، ج 5 من تحقيق د. نبيل عبد العزيز)، القاهرة 1984 - 2009 م.
(75)
المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، ابن أبي دينار (محمد بن أبي القاسم الرعيني - من علماء القرن 11 هـ/ 17 م)، تحقيق محمد شمام - تونس 1967.
(76)
المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المقريزي (تقي الدين أحمد بن على ت 845 هـ)، 5 مجلدات تحقيق د. أيمن فؤاد سيد، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن 2002 - 2004 م.
(77)
مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة، ابن تغري بردي (جمال الدين أبو المحاسن يوسف ت 874 هـ/ 1470 م)، تحقيق د. نبيل محمد عبد العزيز، مجلدان، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة 1997 م.
(78)
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن تغري بردي (أبي المحاسن، يوسف بن تغرد بردي ت 874 هـ)، 16 جزء، الأجزاء 1 - 12، بتعليق محمد رمزي بك، دار الكتب المصرية، 1929 - 1956 م. الأجزاء 13 - 16، تحقيق مجموعة من الأساتذة، مركز تحقيق التراث، القاهرة 1970 - 1972 م.
(79)
نزهة الناظر في سيرة الملك الناصر، اليوسفي (موسى بن يحيى اليوسفي ت 759 هـ)، تحقيق د. أحمد حطيط، عالم الكتاب، بيروت 1984 م.
(80)
نزهة النواظر (تاريخ حلب، المعروف بالدر المنتخب لابن الشحنة)، ابن الشحنة (أبو الفضل محمد ت 890 هـ - 1485 م)، تحقيق: كيكو أوتا، معهد دراسات لغات وحضارات آسيا وأفريقيا، طوكيو 1990 م.
(81)
نهاية الأرب في فنون الأدب، النويري - (شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب ت 732 هـ/ 1322 م)، 33 جزءا مطبوعا بالقاهرة 1923 - 2002 م.
(82)
هدية العارفين، أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، = البغدادي (إسماعيل باشا)، جزءان، استانبول، 1941 - 1943 م.
(83)
الوافي بالوفيات، الصفدي (صلاح الدين خليل بن أيبك ت 764 هـ)، 30 جزءا (ما عدا ج 23 تحت الإعداد)، نشر جمعية المستشرقين الألمانية.
(84) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان.، ابن خلكان (أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد ت 681 هـ/ 1282 م)، 8 أجزاء، تحقيق: د. إحسان عباس، بيروت 1968 م.
* * *
من أعمال المحقق
أولًا: البحوث والدراسات:
1 مرسوم السلطان برقوق إلى رهبان دير سانت كاترين بسيناء.
دراسة ونشر وتحقيق (المرسوم المحفوظ بمكتبة الدير رقم 45، والمؤرخ 17 شعبان سنة 800 هـ)، مجلة جامعة القاهرة بالخرطوم، العدد الخامس 1974 م.
2 العبدلاب وسقوط مملكة علوة.
بحث في انتشار الإسلام والعروبة في وسط سودان وادي النيل، مجلة الدراسات الأفريقية، (معهد البحوث والدراسات الأفريقية - جامعة القاهرة)، العدد الثاني 1974 م.
3 وثيقة وقف السلطان قايتباي على المدرسة الأشرفية وقاعة السلاح بدمياط.
دراسة ونشر وتحقيق (الوثيقة رقم 889 ق أوقاف، وصورتها رقم 703 ج بأرشيف وزارة الأوقاف بالقاهرة)، المجلة التاريخية المصرية، مجلد 22 سنة 1975 م.
4 شمال أفريقيا والحركة الصليبية.
مجلة الدراسات الأفريقية (معهد البحوث والدراسات الأفريقية - جامعة القاهرة)، العدد الثالث 1975 م.
5 Un Acte Fondation Du Waqf Par Une Chretienn
Journal of Economic and Social History of Orient (G.E.S.H.O.)
vol. XVIII، p. I، 1975
وثيقة وقف مسيحية، دراسة ونشر وتحقيق وثيقة وقف ماريا ابنة أبي الفرج بركات.
(من وثائق بطريركية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة رقم 41/ 19 الدرب الأحمر - من القرن 10 هـ/ 16 م).
6 العلاقات بين دولتي مالي وسنغاي وبين مصر في عصر سلاطين المماليك 1250 - 1517 م.
مجلة الدراسات الأفريقية (معهد البحوث والدراسات الأفريقية - جامعة القاهرة)، العدد الرابع 1976 م.
7 وثائق وقف السلطان قلاوون على البيمارستان المنصوري.
دراسة ونشر وتحقيق (الوثيقة رقم 15/ 2 بدار الوثائق القومية بالقاهرة، وصورتها رقم 1010 ق بأرشيف وزارة الأوقاف بالقاهرة)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1976 م. (انظر ملاحق الجزء الأول من كتاب تذكرة النبيه لابن حبيب الحلبي).
8 تطور العلاقات العربية الأفريقية في العصور الوسطى.
فصل من كتاب "العلاقات العربية الأفريقية"، معهد البحوث والدراسات العربية (جامعة الدول العربية)، القاهرة 1977 م.
9 تفويض من عصر السلطان العادل طومان باي "صانع السلاطين".
دراسة ونشر وتحقيق (الوثيقة رقم 739 ج بأرشيف وزارة الأوقاف بالقاهرة، والمؤرخة 12 رجب 906 هـ، وهو تفويض صادر من السلطان جان بلاط)، المجلة التاريخية المصرية، مجلد 27 سنة 1982 م.
10 السخاوي ومؤرخو القرن التاسع الهجري، مع دراسة ونشر وتحقيق مقامة الكاوي في تاريخ السخاوي للسيوطي.
انظر كتاب "سعيد عاشور إليه في عيد ميلاده السبعين"، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى بأقلام نخبة من تلاميذه ومريديه، مركز النشر لجامعة القاهرة 1992 م.
11 الشاهد العدل في القضاء الإسلامي، دراسة تاريخية مع نشر وتحقيق إسجال عدالة من عصر سلاطين المماليك.
دراسة ونشر وتحقيق (الوثيقة رقم 791 ج بأرشيف وزارة الأوقاف بالقاهرة، والمؤرخة سنة 860 هـ)، مجلة حوليات إسلامية، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، المجلد 18 سنة 1982 م.
12 وثائق وقف السلطان الناصر محمد بن قلاوون.
دراسة ونشر وتحقيق (الوثائق رقم 25/ 4 وصورتها 31/ 5، 27/ 5، 30/ 5 المحفوظة بدار الوثائق القومية بالقاهرة، والمتضمنة وقف خانقاه سرياقوس والوقف على مصالحها)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1982 م. (انظر ملاحق الجزء الثاني من كتاب تذكرة النبيه لابن حبيب الحلبي).
13 منشور بمنح إقطاع عن عصر السلطان الغوري.
دراسة ونشر وتحقيق (الوثيقة رقم 789 ج بأرشيف وزارة الأوقاف بالقاهرة، والمؤرخة 7 ذو الحجة سنة 916 هـ)، مجلة حوليات إسلامية، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، المجلد 19 سنة 1983 م.
14 العرب والدعوة الإسلامية في شرق أفريقيا.
مجلة الدارة (دارة الملك عبد العزيز)، الرياض 1985 م.
15 الأوقاف والحياة الثقافية في العصور الوسطى.
بحث مقدم للندوة الدولية عن الأوقاف في الوطن العربي، نشر ضمن أبحاث الندوة التي صدرت عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الرباط 1985 م.
16 معاهدة تجارية بين مصر والبندقية من عصر السلطان المؤيد شيخ.
ترجمة ودراسة لنص وثائقي من أرشيف البندقية (العلاقات الاقتصادية بين مصر والبندقية في أوائل القرن 9 هـ/ 15 م).
بحث مقدم للندوة الدولية عن مصر وعالم البحر المتوسط، جامعة القاهرة
1985 م، انظر كتاب "مصر وعالم البحر المتوسط، دار الفكر بالقاهرة 1986 م.
17 مصارف أوقاف السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون على مصالح القبة والمسجد والجامع والمدارس ومكتب السبيل بالقاهرة.
دراسة ونشر وتحقيق (الوثيقة رقم 40/ 6 المحفوظة بدار الوثائق القومية بالقاهرة، وصورتها رقم 881 ق المحفوظة بأرشيف وزارة الأوقاف بالقاهرة)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1986 م.
(انظر ملاحق الجزء الثالث من كتاب تذكرة النبيه لابن حبيب الحلبي).
18 الصومال في العصور الوسطى.
فصل من كتاب "جمهورية الصومال" الذي أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، القاهرة 1986 م.
19 علاء زيلع في مصر ودورهم في الحضارة الإسلامية في القرن 9 هـ/ 15 م.
بحث مقدم للندوة الدولية عن القرن الأفريقي، معهد البحوث والدراسات الأفريقية - جامعة القاهرة، نشر ضمن أبحاث الندوة، القاهرة 1986 م.
20 الأوقاف والتعليم في مصر زمن الأيوبيين والمماليك.
فصل في كتاب "التربية العربية الإسلامية - المؤسسات والممارسات" أربع مجلدات، مؤسسة آل البيت، المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، عمَّان 1989 - 1990 م.
21 Waqf in the Mamluk Period، Case Study about Waqf
as A Public Goods. Urbanism in Islam، Tokyo 1994.
الوقف منفعة عامة، دراسة عن الوقف في العصر المملوكي.
بحث مقدم للمؤتمر الدولي الثاني عن المدنية في الإسلام، والذي عقد في طوكيو في الفترة من 29 - 27 نوفمبر 1990 م.
22 ازدهار الأوقاف في عصر سلاطين المماليك، دراسة تاريخية وثائقية، نموذج
مصر.
بحث مقدم لمؤتمر الأوقاف الأول في المملكة العربية السعودية، جامعة أم القرى، منشور ضمن مطبوعات المؤتمر، مكة المكرمة 1422 هـ/ 2000 م.
23 ذاكرة العالم ووثائق وقف السلاطين والأمراء بدار الوثائق القومية بالقاهرة - ملامح من التطور الفكري للمجتمع الإنساني.
دراسة منشورة بمجلة المؤرخ المصري (مجلة علمية محكمة يصدرها قسم التاريخ بكلية الآداب - جامعة القاهرة) العدد 28 يناير 2005 م.
24 مظاهر الحضارة في العصر الأيوبي.
فصل من كتاب "تاريخ مصر الإسلامية في العصور الوسطى"، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2009 م.
ثانيًا: الكتب:
1 الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر في عصر سلاطين المماليك 648 - 923 هـ/ 1250 - 1517 م.
دراسة تاريخية وثائقية، دار النهضة العربية، القاهرة 1980 م.
2 فهرست وثائق القاهرة حتى نهاية عصر سلاطين المماليك (329 - 923 هـ/ 853/ 1516 م)، مع دراسة ونشر وتحقيق تسعة نماذج.
المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة 1981.
(تمت ترجمته إلى اللغة اليابانية بعنوان:
Bibliography of books and articles on the studies of Arabic documental sources in the Islamic Period.
أعدها أ. د. تادايوشي كيكوتشي Tadayoshi Kikuchi ، طوكيو 1988.)
3 وثائق من عصر سلاطين المماليك، دراسة ونشر وتحقيق تسعة نماذج متنوعة.
المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة 1981 م.
4 تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، للحسن بن عمر بن الحسن بن عمر، ابن حبيب الحلبي المتوفى سنة 779 هـ/ 1377 م، دراسة ونشر وتحقيق، صدر في ثلاث مجلات، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1976 - 1986 م.
ج 1 حوادث وتراجم 678 - 708 هـ (القاهرة 1976 م).
ج 2 حوادث وتراجم 709 - 741 هـ (القاهرة 1982 م).
ج 3 حوادث وتراجم 741 - 770 هـ (القاهرة 1986 م).
5 المصطلحات المعمارية في الوثائق المملوكية.
بالاشتراك مع ليلى علي إبراهيم، دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة 1990 م.
6 عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، لبدر الدين محمود العيني المتوفى سنة 855 هـ/ 1451 م. القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك، دراسة ونشر وتحقيق.
صدر منه خمسة أجزاء (648 - 712 هـ/ 1250 - 1312 م)، القاهرة 1987 - 2009 م.
ج 1 حوادث وتراجم 648 - 664 هـ (القاهرة 1987 م).
ج 2 حوادث وتراجم 665 - 688 هـ (القاهرة 1988 م).
ج 3 حوادث وتراجم 689 - 698 هـ (القاهرة 1989 م)
ج 4 حوادث وتراجم 699 - 707 هـ (القاهرة 1992 م).
ج 5 حوادث وتراجم 708 - 712 هـ (القاهرة 2009 م).
7 نهاية الأرب في فنون الأدب، لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري المتوفى سنة 732 هـ/ 1332 م.
دراسة ونشر وتحقيق للمجلد رقم 28 (أخبار ملوك الديار المصرية من سنة 264 - 596 هـ) بالاشتراك مع أ. د. محمد حلمي أحمد، الهيئة المصرية العامة للكتاب،
القاهرة 1992 م.
8 المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، ليوسف بن تغري بردي المتوفى 784 هـ/ 1470 م.
دراسة ونشر وتحقيق، 13 جزءا (الجزءان الثالث والخامس من تحقيق د. نبيل محمد عبد العزيز) الهيئة المصرية العامة للكتاب، ودار الكتب المصرية، القاهرة 1984 - 2009 م.
ج 1 إبراهيم بن إبراهيم - أحمد بن علي (القاهرة 1984 م).
ج 2 أحمد بن علي - آقطوان بن عبد الله (القاهرة 1984 م).
ج 4 تاج بن سيفة - جكم بن عبد الله (القاهرة 1986 م).
ج 6 سلار بن عبد الله - طلحة المغربي (القاهرة 1990 م).
ج 7 طه بن إبراهيم - عثمان بن يعقوب (القاهرة 1993 م).
ج 8 عجلان بن نعير - فيروز شاه (القاهرة 1999 م).
ج 9 قارا بن مهنا - محمد بن تمام (القاهرة 2002 م)
ج 10 محمد بن جابر - محمد بن محمد (القاهرة 2003 م).
ج 11 محمد بن محمد - ميكائيل الأشكري (القاهرة 2005 م).
ج 12 ناصر بن ناهض - يونس عبد الله
أبو البركات بن أبي الحسن - أبو اليمن محمد (القاهرة 2006 م)
ج 13 الكشافات التحليلية (القاهرة 2009 م).
* * * * *